منتديات روضة الكتب التحميل متاح للجميع دون تسجيل
شعب يقرأ...شعب لا يجوع ولا يستعبد
.:: أهم الإصدارات ::.
               

العودة   منتديات روضة الكتب > الفتاوى

الفتاوى فتاوى العلماء في أحكام الشرع المختلفة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-15-2019, 02:31 AM   #1
AshganMohamed
منتسب جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2019
المشاركات: 1,716
افتراضي مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الأول)

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الأول)
المؤلف: لبعض علماء نجد الأعلام
الناشر: دار العاصمة, الرياض، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى, 1349هـ/النشرة الثالثة, 1412هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
بقول الخوارج إلاّ الأباضية في أقصى عمان ووقعوا فيما هو أكبر من رأي الخوارج وهي عبادة الأوثان ولا وجدنا خطك في الخوارج وتسميته بالمعارج إلاّ أنّ أهل هذه الدّعوة الإسلامية التي هي دعوة الرّسل إذا كفروا من أنكرها. قلت: يكفّرون المسلمين لأنّهم يقولون: لا إله إلاّ الله. والله أعلم. آخر ما وجدت من هذه الرّسالة.
وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصبحه وسلّم.
- 3 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ الْمحبّ عبيد بن رشيد سلّمه الله تعالى وهداه ووفّقه لما يحبّه ويرضاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وسرنا طيبكم وسلامتكم ونحمد إليكم الله تعالى على ما أسداه من الأنعام، وما من به من معرفة دين الإسلام، نسأل الله المزيد من ذلك والثّبات عليه والاستقامة والمحافظة عليه، وذلك فضله وإحسانه تعالى لِمَن وفّقه له وهداه له. وما ذكرت من أنّ بعض النّاس يوجب صيام يوم الثّلاثين من شعبان إذا حال دون منظره غيم أو قتر، ويستدلّ بقوله في الحديث:"فإن غُمّ عليكم فاقدروا له".ويقول إنّ القدر التّضييق مثل قوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} ، [الطّلاق، من الآية: 7] .وأنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صامه وصامه بعض الصّحابة.
فالجواب: أنّ هذا القول أخذ به بعض الحنابلة وبعضهم مع الأئمة الثّلاثة، وأكثر العلماء لا يقولون بوجوبه ولا باستجابة. قال في الإنصاف: وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه، وعنه لا
(1/327)
________________________________________
يجب قال الشّيخ هذا مذهب أحمد المنصوص الصّريح عنه، ولا أصل للوجوب في كلامه ولا كلام أحدٍ من الصّحابة. انتهى كلام شيخ الإسلام.
قلت: ذكر ابن عبد البر وغيره أنّه لم يثبت عن أحدٍ من الصّحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنّه صامه إلاّ عبد الله بن عمر صامه احتياطا، قاله ابن القيم. وذكر أن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنكر عليه صيامه. قال الحافظ محمّد بن عبد الهادي ـ رحمه الله ـ وقد روي من غير وجه مرفوعاً النّهي عن صوم يوم الشّك وقد روي عن جماعة من الصّحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنّهم نهوا عن صوم يوم الشّكّ منهم حذيفة وابن عبّاس ونصّ الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية المروذي أنّ يوم الثّلاثين من شعبان، إذا غم الهلال يوم شكّ، وهذا القول صحيح بلا ريب. قال الحافظ وليس في هذا الحديث الذي استدلّ به المتأخّرون دليل على وجوب الصّوم أصلاً بل هو حجّة على عدم الوجوب فإنّ معنى:"اقدروا له"، احسبوا له قدره وذلك بثلاثين يوماً فهو من قدر الشّيء، وهو مبلغ ليس من التّضييق في شيء، والدّليل على ذلك ما في صحيح مسلم عن ابن عمر:"فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين".أي: فأكلموا العدّة ثلاثين، وابن عمر هو الذي روى حديثهم الذي احتجوا به وصرح في هذه الأحاديث بمعناه وهو إكمال شعبان ثلاثين. واستدلّ الأئمة على تحريم صيامه بحديث عمار، وهو ما رواه أبو داود والنّسائي وابن ماجه والتّرمذي عن طلحة ابن زفر. قال كنا عند عمار ياسر وأتي بشاة مصلية. فقال كلوا فتنَحَّى بعض القوم فقال عمّار: مَن صام اليوم الذي فيه الشّكّ فقد عصى أبا القاسم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ.
قلت: وهذا عند أهل الحديث في حكم المرفوع وقد جاء صريحاً
(1/328)
________________________________________
في حديث أبي هريرة الأمر بإكمال عدّة شعبان ثلاثين إذا غبي الهلال، وهو عند البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. قال: أو قال أبو القاسم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكلموا عدّة شعبان ثلاثين". قال الحافظ. وهذا الحديث لا يقبل التّأويل وذكر أحاديث كثيرة. منها ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يتحفّظ من هلال شعبان ما لا يتحفّظ من غيره ثم يصوم رمضان لرؤيته فإن غمّ عليه أتم ثلاثين يوماً ثُمَّ صام، وهذا صريح في أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لم يشرع لأمته صيام الثّلاثين من شعبان إذا غم الهلال ليلته فهذا وغيره من الأحاديث يظهر أنّ الحجّة مع مَن أنكر صيام ذلك اليوم إذا غمّ الهلال ليلته وإن السّنة إكمال شعبان ثلاثين إذا لم ير الهلال وهو اختيار محمّد بن عبد الوهّاب رحمه الله تعالى.
وأمّا مسألة الفطر للمسافر في رمضان أو الصّيام فالذي دلّت عليه الأحاديث أنّ المسافر إذا كان سفره مباحاً أنّه يخير بين الفطر والصّيام، فلا ينكر على مَن صام ولا على مَن أفطر، روى التّرمذي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنّ حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن الصّيام في السّفر وكان يسّره الصّوم فقال رسول الله: "إن شئت فصّم وإن شئت فأفطر ".قال أبو عيسى حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ، هذا حديث حسن صحيح، وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: كنا نسافر مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في شهر رمضان فما يعاب على الصّائم صومه ولا على المفطر فطره، وفيه أحاديث غير هذين الحديثين.
وأمّا تمام الصّلاة في السّفر ففعله أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعائشة
(1/329)
________________________________________
أمّ المؤمنين ـ رضي الله عنهما ـ وعند الحنابلة أنّه إن أتَمّ في سفر جاز ولم يكره وعلى هذا فلا ينكر على مَن أتَمّ الصّلاة، والقصر أفضل.
لكن قد يحصل مع الغزاة1 تردد في قصد الولاة بالغزو، ولأنّه ربما غلب عليهم إرادة الملك والعلو وإرادة الدّنيا والثّناء والعزّ فيكون جهاده عليه لا له كما في الحديث أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ سأله رجل فقال يا رسول الله الرّجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ قال: "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله".
وفي حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ في الثّلاثة الذين أوّل مّن تسعر بهم جهنم: يقال للمجاهد إنّما قاتلت ليقال هو جرئ فقد قيل: فيؤمر به إلى النّار، فليكن منك ذلك على بال. قال: قتادة ـ رحمه الله تعالى ـ في قوله تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} ، [الكهف، من الآية: 34] .قال هذا والله أمنية الفجار كثرة المال وعزّة النفر.
وأمّا إحياء العشر الأواخر من رمضان فهو السّنة لما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله وأحيا ليله وجد وشدّ المئزر.
وفي الحديث الآخر: "مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، وصحّ أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قام اللّيل كلّه حتى السّحر. إذا عرفت ذلك فلا ينكر قيام العشر الأواخر إلاّ جاهل لا يعرف السّنة.
__________
1 ظاهر هذا الاستدراك يدلّ على أنّ قبله كلاماً سقط من النّاسخ والكلام في الجهاد الدّينِي الذي يؤجر المقاتل عليه وغيره، فلعلّه بين كلّ منهما ثم استدرك عليه بما يشتبه فيه لتعلقه بنيّة الأمراء والولاة الذين يتولّون قيادة الغزاة له. وكتبه محمّد رشيد رضا.
(1/330)
________________________________________
وأمّا مَن يوصي بثلث ماله وله ذرية ضعفاء فقراء، فإن كانت الوصية على أعمال البر جاز لمتولّيها أن يدفع إليهم من الوصيّة يستعينون به في حاجاتهم، وإن كان الوصية لأناس معينين أعطوا ما وصى لهم به، فإن كان على حجّ غير حجّة الإسلام فتصرف على المحتاج من ذرّيّته، وكذلك ما كان على أضحية صرفت على فقراء ذريّته؛ لأنّ الصّدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا إليها، فلا بدّ من تنفيذ الوصية ابتداء، ثم يكون النّظر للمتولي عليه. انتهى.
- 4 -
(رسالة ضافية في الرّبا وحكم نقود الجدد الزّيوف فيه)
بسم الله الرّحم الرّحيم
وبه نستعين ولا حول ولا قوّة إلاّ الله.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} ، [الكهف: 1] ، ورفع لِمَن ائتم به فأحلَّ حلاله، وحرّم حرامه في مراقي السّعادة درجاً، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة مَن حقّقها فاز ونجا، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله الذي مَن استمسك بهديه نال من التّوفيق فلجا وبلجا، اللهم صلّ على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه الذين مَن اقتدى بهم سما بالعلم وابتهجا، وسلّم تسليماً كثيراً. أمّا بعد؛
فلما كان الواجب على المسلمين، خصوصاً منَ ينسب للعلم منهم والدّين، أن يهتمّ بما عليه من النّصيحة لله تعالى وعباده على وفق شرعه ومراده، وجهت بعض الهمة إلى بيان ما لعلّه أن يكون عوناً لِمَن أراد الله به خيراً على التّعاون على البرّ والتّقوى، والتّواصي بالحقّ الذي هو أقوم وأقوى،
(1/331)
________________________________________
والله أسأل أن يكون ذلك مؤسّساً على الإخلاص، وإرادة النّصيحة والسّلامة للمسلمين والخلاص.
فأقول ـ مستمداً من الله تعالى العون والتّأييد، والتّوفيق والتّسديد ـ إن مما كثر البحث عنه والسّؤال، وعمت به البلوى بين العوام من الجهال، الاعتياض بالنّقود المسمّاة بالجدد عن الرّيال، وقد ورد علينا ونحن بالدّيار المصرية، من بعض أعيان بلادنا النّجدية، كتاب يتضمن السّؤال عن ذلك، ويستدعي الجواب عمّا وقع هنالك.
فأجاب شيخنا شيخ الإسلام، خاتمة الأئمة الأعلام عبد الله بن الشّيخ الإمام القدوة الدّاعي شيخ الكلّ محمّد بن عبد الوهّاب ـ أجزل الله لهم الأجر والثّواب ـ بما حاصله: إذا كان يعرف بين أهل الخبرة والاستعمال، أن يبذل من هذا النّقد في الرّيال، يشتمل من الفضّة على أكثر مما فيه منها فهو ربا بلا إشكالٍ، وكذا إذا كانت الزّيادة من الفضّة أو المساواة يتطرّق إليهما الاحتمال، فهو من الرّبا باتّفاق أهل النّظر والاستدلال؛ لأنّ من أصول هذا الباب، عند ذوي العقول والألبان، أنّ الجهل بالتّماثل كالعلم بالتّفاضل بغير شكّ ولا ارتياب.
ولما يسّر الله تعالى رجوعي من تلك الدّيار، وحصل لي بالوطن مكث واستقرار، رأيت أنّ ما يتعيّن علي تنبيه إمام المسلمين ـ وفّقه لطاعته ـ بأن يصرف الهمة إلى منهج الصّواب والسّداد، لما في ذلك من صلاح البلاد والعباد فبادر إلى ما أشرت إليه، أيّده الله ووالى نعمه وإحسانه عليه، فدفع إلى مَن يرضى أمانته عشرين من تلك النّقود، وأمره أن يختبر ما فيها من الفضّة بالسّبك على الوجه المعهود، وأشار إلى مملي هذه الأوراق بالحضور، ليكون ذلك من قبيل المعلوم المشهور، فحضرت تصفيتها مع ذلك الثّقة المأمور،
(1/332)
________________________________________
فحصل من العشرين خمسة بزنة المثقال، وهذا القدر لا يزيد على ما في الرّيال منها ولا ينقص بحال، فأفتيت بعد ذلك التّحرير والاختبار، بأنّ هذه المصارفة لا تحلّ إذا زادت الجدد عن ذلك المقدار.
ولما كانت أكثر النّفوس لا تقبل الحقّ إلاّ إذا كان في قالب هواها، وتميل بالطّبع إلى أن تؤتى شهوتها ومناها، شرعت في إيضاح هذا الحكم المذكور، وإن كان عند أهل العلم في غاية الظّهور: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} ، [النّور، من الآية: 40] .فهذه براهين الكتاب والسّنة تملَى عليك، وبنات أفكار أهل التّحقيق تجلى وتزف إليك، والله أرجو أن يجعلنا مِمَن يقبل الحقّ إذا ورد عليه، وينقاد للهدى إذا دعي إليه.
اعلم ـ وفّقنا الله وإيّاك ـ أنّ الله تعالى نهى عباده عن أكل الرّبا وأنزل بتحريمه القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنْزيل من حكيمٍ حميدٍ، وزجر عنه عباده بضروبٍ من التّحذير والتّهديد، والوعيد الشّديد. فقال ـ عزّ من قائلٍ ـ: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} ، [البقرة، الآيتان: 275-276] .
قال ابن عبّاس في معنى الآية آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخفق. رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، [البقرة، من الآيتين 278-279]ـ إلى قوله ـ: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} ، [البقرة: 281] .قال البخاري ـ رحمه الله
(1/333)
________________________________________
تعالى ـ في صحيحه: قال ابن عبّاس هذه آخر آية نزلت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً} ، [آل عمران، من الآية: 130] .إلى غير ذلك من الآيات المحكمات.
وقد جاءت السّنة الصّحيحة بالزّجر عنه والتّحذير وإيضاح، ما أجمل منه بالبيان والتّفسير. عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: " اجتنبوا السّبع الموبقات ـ قالوا يا رسول الله وما هن؟ ـ قال: الشّرك بالله، وقتل النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل اليتيم والتّولي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنّسائي.
وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ آكل الرّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه".وقال: "هم سواء". رواه مسلم.
وعن سمرة بن جندب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "رأيت اللّيلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدّسة فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دمّ فيه رجل قائم وعلى شطّ النّهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرّجل الذي في النّهر فإذا أراد أن يخرج رمي الرّجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النّهر آكل الرّبا ".رواه البخاري في صحيحه.
وعن ابن عبّاس ـ رضي الله عنها ـ قال: نهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن تشترى الثّمرة حتّى تطعم، وقال: "إذا ظهر الزّنا والرّبا في قريةٍ فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله ".رواه الحاكم. وقال: صحيح الإسناد.
وفي حديث الإسراء أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مرّ ليلتئذٍ بأقوام لهم أجواف مثل البيوت فسأل عنهم فقيل هؤلاء أكلة الرّبا. رواه البيهقي.
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: " يأتي على النّاس زمان
(1/334)
________________________________________
يأكلون فيه الرّبا". قال: قيل: له النّاس كلّهم؟ قال:"مَن لم يأكله منهم ناله من غباره ".رواه الإمام أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه.
وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال: "الرّبا ثلاثة وسبعون باباً ".رواه ابن ماجه والحاكم في مستدركه وزاد: "أيسرها أن ينكح الرّجل أمّه وأن أربى الرّبا بأعرض الرّجل ال مسلم".وقال على شرط الشّيخين ولم يخرجاه ورواه محمّد بن نصر موقوفاً عن ابن مسعود قال: "الرّبا بضع وسبعون باباً والشّرك نحو ذلك".رواه أيضاً عن أبي هريرة موقوفاً قال: "الرّبا سبعون حوباً أدناهن مثل ما يقع الرّجل على أمّه وأربى الرّبا استطالة المرء في عرض أخيه".وروي أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً قال: "ليأتين على النّاس زمانٌ لا يبالي المرء بما أخذ من المال بحلّ أو بحرام".ورواه البخاري. ولفظه: "لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام".
وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "لا تبيعوا الذّهب بالذّهب إلاّ مثلاً بمثلٍ، ولا تشفّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلاّ مثلاص بمثلٍ، ولا تشفّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا منها شيئاً غائباً بناجز".رواه مالك والبخاري والنّسائي. وللبخاري: "الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح سواء بسواء مَن زاد أو ازداد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ".
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه ـ رضي الله عنهما ـ أنّ أبا سعيد حدّثه مثل ذلك حديثاً عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فلقيه عبد الله بن عمر فقال يا أبا سعيد ما هذا الذي تحدّث عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ؟ فقال أبو سعيد في الصّرف؟ سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول: "الذّهب بالذّهب مثلاً بمثل، والورق بالورق مثلاً بمثلٍ".رواه البخاري.
وقال محمّد بن نصر المروزي: حدّثنا إسحاق بن
(1/335)
________________________________________
إبراهيم أنا روح بن عبادة حدّثنا حبان بن عبد الله العدوي، وكان ثقة قال: سألت أبا مجلز عن الصّرف فقال: كان ابن عبّاس لا يرى به بأساً زماناً ما كان يداً بيد فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له: إلى متى ألا تتقي الله حتّى متى تُوكل النّاس الرّبا؟ أما بلغك أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال وهو عند زوجته أم سلمة: " إنِّي لأشتهي تمر عجوة". فبعث بصاعين فأتى بصاع عجوة. فقال: "من أين لكم هذا؟ ".فأخبروه فقال:" ردّوه التّمر بالتّمر، والحنطة بالحنطة، والشّعر بالشّعير، والذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، يداً بيدٍ، عيناً بعينٍ، مثلاً بمثل، فما زاد فهو ربا".ثم قال: "وكذلك ما يكال أو يوزن أيضاً".
فقال ابن عبّاس جزاك الله الخير يا أبا سعيد ذكّرتَنِي أمراً كنت نسيبته فأستغفر الله وأتوب إليه. قال فكان ينهى عنه بعد. قال روح: وكان حبان رجل صدوق.
وعن عبادة بن الصّامت ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ" ينهى عن بيع الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح إلاّ سواء بسواء، عيناً بع ينٍ".رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عنه قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "الذّهب بالذّهب وزناً بوزنٍ مثلاً بمثلٍ، والفضّة بالفضّة وزناً بوزنٍ مثلاً بمثلٍ، فَمَن زاد أو استزاد فقد أربى ".رواه مسلم والنّسائي.
وعن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ قال: " نهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن الفضّة بالفضّة، والذّهب بالذّهب، إلاّ سواء بسواء، وأمرنا أن نبتاع الذّهب بالفضّة كيف شئنا والفضّة بالذّهب كيف شئنا ".رواه البخاري والنّسائي. وله في رواية: " نهانا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن نبيع الفضّة بالفضّة إلاّ عيناً بعينٍ سواء بسواء".
وعن مجاهد أنّه قال: كنت مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا
(1/336)
________________________________________
عبد الرّحمن إنِّي أصوغ الذّهب ثم أبيع الشّيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي فنهاه عبد الله عن ذلك فجعل الصّائغ يردّد عليه المسألة وعبد الله ينهاه حتّى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدّينار بالدّينار، والدّرهم بالدّرهم، لا فضل بيهما، هذا عهد نبيّنا إلينا وعهدنا إليكم. رواه مالك والنّسائي.
وعن سعيد بن المسيّب عن بلال قال: كان عندي تمر دون فابتعت به من السّوق تمراً أجود منه بنصف كيله، فقدمته إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فقال: "ما رأيت كاليوم تمراً أجود منه. من أين لك هذا يا بلال؟ ".قال: فحدّثته بما صنعت فقال: "انطلق فردَّه إلى صاحبه وخذ تمرك فبعه بحنطةٍ أو شعيرٍ واشتر به من هذا التّمر".قال: ففعلت ثم أتيت به، ثم قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"التّمر بالتّمر مثلاً بمثلٍ، والملح بالملح مثلاً بمثلٍ، والذّهب بالذّهب وزناً بوزنٍ، والفضّة بالفضّة وزناً بوزنٍ، فما كان من فضل فهو ربا ".رواه الإمام محمّد بن نصر المروزي.
فتضمنّت هذه النّصوص تحريم بيع الجنس من هذه الأجناس السّتة ونحوها بجنسه ما لم تعلم مساواته للآخر. وفرّق النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بين الحلال والحرام بقوله: "مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، سواء بسواء، وزناً بوزنٍ، عيناً بعينٍ".وأكّد ذلك بقوله: "فما كان من فضل فهو ربا".وبقوله: "فما زاد فهو ربا".وبقوله: "فمَن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ".فليس فوق هذا البيان بيان، وبهذا يعلم أنّ الصّور في بيع الجنس الرّبوي بجنسه ثلاث.
(صورة) منها: تحلّ وهي ما إذا علم التّماثل وحصل التّقابض في المجلس.
و (صورتان) لا تحلّ وهما: ما إذا جهل التّماثل أو علم
(1/337)
________________________________________
التّفاضل. وعلى هذا دلّت الأحاديث الصّحيحة وبه صرّح العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ.
قال ابن حزم ـ رحمه الله ـ: وافترض رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن لا يباع الذّهب أو الفضّة بشيءٍ من نوعه إلاّ عيناً بعينٍ، وزناً بوزنٍ، أن لا يباع شيء من الإنصاف الأربعة بشيء من نوعه إلاّ كيلاً بكيلٍ وعيناً بعينٍ، فإذا بَانَ في أحد الأنواع المذكورة خلط شيء مضاف إليه فلا سبيل إلى بيعه بشيء من نوعه عيناً بعينٍ، ولا كيلاً بكيلٍ، ولا وزناً بوزن؛ لأنّه لا يقدر على ذلك أصلاً. انتهى.
وقال العماد بن كثير في تفسيره قال الفقهاء الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة. انتهى.
وهذا الذي حكاه العماد عن الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ يكفينا عن تتّبع أقوالهم. وقال في الشّرح الكبير: وأمّا ربا الفضل فيحرم في كلّ مكيلٍ أو موزونٍ بيع بجنسه وإن كان يسيراً، وإن لم يأت فيه المكيل أو الوزن إمّا لقلته كالحبّة والحفنة أو ما دون الأرزة من الذّهب والفضّة أو كثرته كالصّبرة العظيمة. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ ذلك لا يجوز إذا كان من جنسٍ واحدٍ، وفي الكافي وغيره: الرّبا في كلّ ما كان جنسه مكيلاً أو موزوناً. وإن تعذر الكيل فيه والوزن إمّا لقلته كالثّمرة والقبضة وما دون الأرزة من الذّهب والفضّة، وإمّا لعظمه كالزّبرة العظيمة وإمّا للعادة كلحم الطّير؛ لأنّه من جنس فيه الرّبا. وفي المنتهى: يحرم ربا فضل في كلّ مكيلٍ أو موزونٍ بجنسه، وإن قلّ كتمرة بتمرة. قال المحشي: قوله وإن قلّ، لعدم العلم بالتّساوي. انتهى.
وفي الكافي: وما جرى الرّبا فيه اعتبرت فيه المماثلة في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً، لقول النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "الذّهب بالذّهب وزناً بوزنٍ، والفضّة بالفضّة وزناً بوزنٍ،
(1/338)
________________________________________
والبرّ بالبرّ كيلاً بكيلٍ، والشّعير بالشّعير كيلاً بكيلٍ".رواه الأثرم. قال: ولا يجوز بيع خالصه بمشوبه كحنطة فيها شعير أو زوان بخالصة أو غير خالصة، ولبن مشوبٍ بخالصٍ أو مشوب أو عسل بشمعه بمثله إلاّ أن يكون الخلط يسيراً لا وقع له كيسير التّراب والزّوان الذي لا يظهر في المكيل ولا يمكن التّحرّز منه. انتهى.
قلت: فتأمّل كيف أفاد أنّ ما يخل من الخلط بالتّماثل يمنع من بيع الجنس بجنسه، وهو صريح كلام الجميع ولا يخفى أنّ النّحاس المخالط للفضّة في الجدد يخل بالتّماثل، وما يخل بالتّماثل لا يجوز، ومن نظائرها ما نصّ عليه في شرح المغني والكافي وغيرهم من أنّه لا يجوز بيع الزّبد بالسّمن، قالوا: لأنّ في الزّبد لبناً يسيراً يحيل التّماثل.
قلت: فإذا كان الخلط اليسير من اللّبن في الزّبد يحيل التّماثل، فالنّحاس مع الفضّة من باب أولى؛ لكونها أصلاً وذاك فرع. فإن قال قائل: إنّ الفضّة فيها تبع قلت: هذا باطل من وجوه:
الأوّل: أنّه لا قيمة للنّحاس الذي فيها إذ لو وصفت الفضّة عنه لعاد خبثاً.
الثّاني: إنّ الفضّة أصل في باب الرّبا وفي التّمنية وهو فرع فيهما فلا يجعل ما هو أصل تبعاً لفرعه. وأيضاً فالفضّة جوهر ثمين فلا تكون تابعة لما ليس كذلك. قال ابن حزم: وحبّة ذهبٍ أو فضّةٍ لها بال عند المساكين نعم وعند التّجار وعند أكثر النّاس ولا يحلّ أن يزيدهما في الموازنة. انتهى. وبما أسلفته من الأحاديث يبطل هذا الاعتراض. فإن قيل: قد جوّز الفقهاء درهماً فيه نحاس بنحاس واختلاف.
قلت: هذا عليكم لا لكم؛ لأنّ الفضّة ليست من جنس النّحاس واختلاف الجنس لا يمنع التّفاضل بالاتّفاق. وأمّا ما كان من النّحاس في
(1/339)
________________________________________
الدّرهم فقد أخرجته الصّنعة عن أصله وما أخرجته الصّنعة مما أصله الوزن فلا يجري فيه الرّبا غير الذّهب والفضّة نصّ عليه في المنتهى.
فإن قيل: قد أجازوا بيع درهم بمساويه في غشّ؟
قلت: هذا أيضاً من الحجّة عليكم؛ لأنّه لا سبيل إلى العلم بتساوي الدّرهمين المتساويين وزناً في الغشّ إلاّ من جهة العلم بتساويهما في الفضّة وبالعلم بالتّساوي يزول المانع بخلاف مسألتكم فإنّ التّساوي فيها غير معلوم.
فإن قيل: قد رأيناهم جوّزوا بيع التّمر فيه النّوى بمثله؟
قلت: هو كذلك، ولكنّه قد اشتمل على شيئين بأصل الخلقة، وما اشتمل على شيئين كذلك جاز. نصّ عليه في الكافي وغيره، ففارقت هذه المسألة، وقد نصّ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ على أنّه لو نزع النّوى من التّمر لم يجز بيع التّمر المنْزوع منه النّوى بتمرٍ فيه نوى سواء ترك معه أو لا. ومسألتكم أولى بالمنع ولا بدّ. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قد صرّح في الفتاوى المصرية أنّها إذا كانت الفضّة المغشوشة أكثر من المفردة فإنّه لا يجوز بيع أحدهما بالأخرى، وهي مسألتكم بعينها. وعلى المنع منها اتّفق العلماء رحمهم الله.
وأمّا مسألة مدّ عجوة ودرهم التي منع الجمهور منها فللبطلان فيها مأخذان:
أحدهما: سدّ ذريعة الرّبا في كلام الإمام إيماء إلى ذلك.
الثّاني: وهو مأخذ القاضي وأصحابه أنّ الصّفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة يقسط الثّمن على قيمتها. وهذا يؤدّي هنا إمّا إلى يقين التّفاضل، وإمّا إلى الجهل بالتّساوي، وكلاهما مبطل للعقد؛ فإنّه إذا باع درهماً ومدا يساوي درهمين بمدّين يتساويان ثلاثة، فالدّرهم في مقابلة ثلثي مدّ ويبقي مدّ في مقابلة مدّ وثلث وذلك ربا. فلو فرض التّساوي كمدّ يساوي درهماً ودرهم بمدّ يساوي درهماً ودرهمٍ لم يصحّ أيضاً؛ لأنّ التّقويم ظنّ وتخمين فلا تتحقّق معه المساواة.
(1/340)
________________________________________
والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل. انتهى.
عثمان عن م ص وأجازها أبو حنيفة، وأحمد في رواية عنه وعليه فلا تشبه هذه المسألة بحالٍ، فإنّ المجوّزين لها اشترطوا شروطاً لم يوجد واحد منها في هذه المسألة، فمنها: أنّهم يشترطون أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره وبعضهم اشترط أن يكون الزّائد يسيراً بقدر قيمة ما مع الجنس. وهذا الثّاني نصّ عليه الشّيخ تقيّ الدّين ـ رحمه الله ـ في الفتاوى المصرية. فقال: إذا كانت الفضّة المفردة أكثر من الفضّة المغشوشة بشيءٍ يسيرٍ بقدر النّحاس فهذا يجوز في أظهر قولي العلماء. انتهى.
فأفهم كلامه أنّه إذا لم توجد القيود الثّلاثة امتنع الجواز، وذلك في أربع صور:
إحداها: أن لا تكون المفردة أكثر وذلك بأن علم أنّها أقل أو جهل وأن تكون أكثر بشيء غير يسير أو بيسير أكثر من قيمة النّحاس ومسألتكم لا تخرج عن هذه الأربع فلا تجوز.
ومن المتأخّرين كصاحب المستوعب مَن يشترط في مسألة مدّ عجوة إذا كان مع كلّ واحدٍ من غير جنسه من الجانبين التّساوي جعلاً لكلّ جنس في مقابلة جنسه. قال في الإنصاف وهو أولى من جعل الجنس في مقابلة غيره لاسيما مع اختلافهما في القيمة. انتهى.
واشترطوا أيضاً أن لا يكون حيلة على الرّبا. وبعضهم اشترط أن لا يكون الجنس الذي مع غيره مقصوداً كالسّيف المحلى، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ. وعلى كلٍّ فالمجوّزون لمسألة مدّ عجوة محجوجون عند الجمهور بما تقدّم من الأحاديث، وبما في السّنن وغيرها من حديث فضالة بن عبيد. قال أبو داود (باب في حلية السّيف) تباع بالدّرهم والقلادة فيها الذّهب والفضّة حدّثنا محمّد بن عيسى وأبو بكر
(1/341)
________________________________________
بن أبي شيبة وأحمد بن منيع قالوا: حدّثنا ابن المبارك وحدّثنا ابن العلاء أنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد حدّثنِي خالد بن أبي عمران عن فضالة بن عبيد، قال: أُتِيَ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، قال أبو بكر وابن منيع: فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، قال النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "لا حتّى تميّزوا بينهما". قال ابن حزم: فهذا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لم يكتف بنيّته في أنّه إنّما كان غرضه الخرز ويكون الذّهب تبعاً ولا راعى كثرة من قلّة وواجب التّمييز في الموازنة ولا بدّ. انتهى.
قال الشّيخ: فهذا ما انتهى إليه علمنا القاصر في هذه المسألة. وقد أتينا في هذه الرّسالة بما لعلّك لا تجده مجموعاً في غيرها. وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.
وصلّى الله على عبده ورسوله محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم.
- 6 -
بسم الله الرّحم الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخوان من أهل العلم والفهم سلّمهم الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
تفهمون حبّ الدّنيا وضرّتها على الدّين ويقع من الذين لهم مع الكدادة معالمة بدين السّلم وأنا قد أشرفت على شيءٍ من أناسٍ مظنة للخير. ولكن إذا وجد له شبهة طار بها فرحاً لما فيها من بعض الرّاحة من التّعب، ولو يلتزم المشروع هان عليه العمل به ووجد له راحة أعظم. وفي الأحاديث المتّفق عليها كحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال: "مَن ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه".وفي لفظٍ:"حتّى يقبضه".وعن ابن عبّاس مثله. وهذه الأحاديث صريحة في النّهي عن بيعة قبل القبض والاستيفاء
(1/342)
________________________________________
فلا يصدق على القبض والاستيفاء إلاّ حصوله كلّه مقبوضاً.
وأمّا إذا أخذ دراهم البدوي مثلاً وتمالأ هو وإيّاه على السّعر روح1 وكيله أو هذا بنفسه وأمر الكداد أن يصرم لهما ويزن للبدوي بدراهمه وصار يكيل للبدوي كلّ زبيل يعلقه مرتين فهذه حيلة رديئة؛ لأنّه قد باع الكلّ قبل قبضه الذي دلّت عليه الأحاديث فيكون قد باع ما لم يبقض ولم يدخل في ضمانه. وإنّما هو مال صاحب النّخل باعه له غريمه، فإذا قبضه والحالة هذه صار الكلّ مالاً للمدين فيقع الغريم في خطرٍ عظيمٍ. وتصرّفه في هذه الدّراهم تصرف في مال الغير، فإن أنفق على نفسه وأهله منه صار ينفق عليهم من مال غيره، فإن بقيت هذه الدّراهم وعامل بها مرّة ثانية صار يعامل في مال غيره للغير ربحه ورأس ماله وربّما أنّه يأخذ معه ثلاثين سنة أو أكثر وهو يعامله بماله وتصير تجارة لغيره وليس له إلاّ الدّين الأوّل في ذمّة الغريم، ويكون جزءاً بالنّسبة إلى ما أخذ من المال ثمن المال أو غيره، ولا دخل في ضمانه وإنّما ضمانه على صاحب الثّمر لو أتلفه أو تلف. فهذا مما يترتّب على مخالفة المشروع مع تحمل الآثام المخالفة.
فإن قال قائل: هذا أخذ الدّراهم في ذمّته.
قلنا: هذا سلم. ولا يجوز بالاتّفاق والواقع يمنع صحّة هذه الدّعوى؛ لأنّه ما قام بنفسه إلاّ أنّه يكيل له من نخل هذا المدين بخصوصه، فهذه من الحيل التي لا حقيقة لها، ولا للإنسان مخرج إلاّ في العمل بما شرعه الله ورسوله وترك الحيل رأساً فهو الذي إن باع باعَ حلالاً، وإن أكل أكلَ حلالاً، وإن عامل فبالحلال. هذا وأنتم سالمين2 والسّلام.
__________
1 كذا في الأصل.
2 كذا، ومقتضى الإعراب أن يقال: سالمون، ولعلّ أصله: ودمتم سالمين.
(1/343)
________________________________________
- 7 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّد المرسلين محمّد وآله وصحبه أجمعين. وسلّم تسليماً.
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ راشد بن مطر ـ سلّمه الله وهداه، وأعانه على طاعته وتقواه ـ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
الخط وصل وسرنا ما أفهم من معرفتكم للإسلام وقبوله، زادكم الله من ذلك، وبصّركم آياته وبيّناته، وكرّه إليكم كلّ مفتون وضلالاته، وتذكر أنّه في جهتكم أناس من الجهمية والرّافضة والمعتزلة فلا ريب أنّ هذه الفرق الثّلاث هي أصل ضلال مَن ضلّ من الأمّة. فأصل الرّافضة خرجوا في خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فلمّا اطّلع على سوء معتقدهم خدّ الأخاديد وجعل فيها الحطب وأضرمها بالنّار فقذفهم فيها وهم الذين أحدثوا الشّرك في صدر هذه الأمّة بنوا على القبور وعمّت بهم البلوى ولهم عقائد سوء يطول ذكرها.
وأمّا المعتزلة فأوّلهم نفاة القدر جحدوا أصلاً من أصول الإيمان الّتي في سؤال جبرائيل للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال فأخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه". وأنكر أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ عليهم ما أحدثوا من هذه البدعة، ولهم عقائد سوء يقولون بتخليد أهل المعاصي في النّار. ونفوا صفات الرّب تعالى. ووافقوا الجهميّة فخرج أولهم في عصر التّابعين. وأوّلُهم الجعد بن درهم أنكر الصّفات، وزعم أن الله لم يتّخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلّم موسى تكليماً؛ فضحى به خالد بن عبد الله
(1/344)
________________________________________
القسري أمير واسط يوم الأضحى. وظهر بعده جهم بن صفوان الّذي تنسب إليه الجهمية. وهذا المذهب الخبيث وانتشرت مقالته في خلافة المأمون بن الرّشيد فعطلوا الصّفات ونفوا الحكمة وقالوا بالخير.
فهذه الطّوائف الثّلاث أصل الشّرّ في هذه الأمّة، وصارت فتنة الجهمية أكثر انتشاراً ودخل فيها مَن يدّعي أنّه على السّنة وليس كذلك، فخالف الكتاب والسّنة وسلف الأمّة وأئمتها، وعمّ ضررهم فجحدوا الصّفات وتوحيد الألوهية الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهم خصوم أهل التّوحيد والسّنة إلى اليوم، فإيّاكم أن تغترّوا بَمَن هذه حاله ـ ولو كان له صورة ودعوى في العلم ـ مِمَّن امتلأ قلبه من فرث التّعطيل، وحال بينه وبين فهم الأدلّة الصّحيحة الصّريحة شبهات التّأويل.
قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: أكثر ما يخطئ النّاس من جهة التّأويل والقياس. فصنّف المتأخّرون من هؤلاء على مذهبهم الفاسد مصنّفات كالأرجوزة التي يسمّونُها جوهر التّوحيد، وهي إلحاد وتعطيل لا يجوز النّظر إليها، ولهم مصنّفات أخرى نفوا فيها علوّ الرّبّ تعالى، والكتاب والسّنة يردّ بدعتهم ويبطل مقالتهم. فإنّ الله تعالى أثبت استواءه على عشره في سبعة مواضع من كتابه. كقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} ، [الفرقان، من الآية: 59] .
وقوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ، [المعارج، من الآية: 4] .
وقوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} ، [النّحل، من الآية: 50] .
{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} ، [آل عمران، من الآية: 55] .
{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} ، [التّوبة، من الآية: 6] .
إلى غير ذلك من أدلّة الصّفات الصّريحة في الكتاب والسّنة ولا تتّسع هذه الرّسالة لذكرها.
وهذه الطّائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا ربّ العاملين بصفات المعدوم والجماد، فلقد أعظموا الفرية على الله وخالفوا أهل الحقّ من
(1/345)
________________________________________
السّلف والأئمة وأتباعهم، وخالفوا مَن ينتسبون إليه؛ فإنّ أبا الحسن الأشعري صرح في كتابه: (الإبانة) ، و (المقالات) بإثبات الصّفات، فهذه الطّائفة المنحرفة عن الحقّ قد تجردت شياطينهم لصدّ النّاس عن سبيل الله فجحدوا توحيد الله في الألهية وأجازوا الشّرك الذي لا يغفره الله، فجوّزوا أن يعبد غيره من دونه، وجحدوا توحيد صفاته بالتّعطيل، فالأئمة من أهل السّنة وأتباعهم لهم المصنّفات المعروفة في الرّدّ على هذه الطّائفة الكافرة المعاندة1.كشفوا فيها كلّ شبهة لهم، وبيّنوا فيها الحقّ الذي دلّ عليه كتاب الله وسنة رسوله، وما عليه سلف الأمّة وأئمتها من كلّ إمامٍ رواية ودراية. ومن له نهمة في طلب الأدلّة على الحقّ ففي كتاب الله وسنة رسوله ما يكفي ويشفي. وهما سلاح كلّ موحِّدٍ ومثبتٍ. لكن كتب أهل السّنة تزيد الرّاغب وتعينه على الفهم، وعندكم من مصنّفات شيخنا ـ رحمه الله ـ ما يكفي مع التّأمّل فيجب عليكم هجر أهل البدع والإنكار عليهم.
وأمّا رفع الأيدي بالدّعاء بعد المكتوبة، فليس من السّنة.
وأمّا الأفغانية الذين جاؤوا ووصلوا إلى جهتكم فهم أهل تشديد وغلوّ مع جهل كثيف أشبهوا الخوارج الذين كفروا أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وقد أخبر النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بمروقهم وأمر أصحابه بقتلهم ولهم عبادة وزهد لكنهم أخطأوا في فهم الكتاب والسّنة، واستغنوا بجهلهم عن أن يأخذوا
__________
1 يعني الشّيخ بعض مَن ينتسب إلى الأشعري بالباطل ككثيرٍ من أهل زمانه. وأمّا أتباع الأشعري المعروفون فلم يكفّرهم أحد من أهل السّنة، وإن بالغ بعضهم في التّأويل. بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنّ من مزايا أهل السّنة عدم تكفير المخالف المتأوِّل.
(1/346)
________________________________________
العلم من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، كما قال العلاّمة ابن القيم رحمه الله:
ولهم نصوص قصروا في فهمها
فأتوا من التّقصير في العرفان
وقد ناظر ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أهل النّهروان فرجع بعضهم إلى الحقّ، واستمرّ بعضهم على الباطل حتّى قتلهم عليّ ـ رضي الله عنه ـ بالنّهروان. ففيهم المخدج الذي أخبر به النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فإذا كانت هذه الطّائفة قد خرجت في عهد الخلفاء الرّاشدين فلا بدّ أن يكون لهم أشباه في هذه الأمّة فاحذروهم.
وتأمّل قوله تعالى في حقّ سادات الأمّة أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ، [الحجرات، الآيتان: 7-8] .
فليس العجب مِمَّن هلك كيف هلك، إنّما العجب مِمَّن نجا كيف نجا.
والله أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ سيّد المرسلين، وإمام المتّقين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وسلّم تسليماً كثيراً.
- 8 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحم بن حسن إلى الأخ عليّ بن حمد الجريوي وإخوانه، رزقنا الله وإيّاهم قبول الإسلام، وهدانا وإيّاهم سبل السّلام.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلكم الله إلى ما يرضيه، وتذكرون أمر الهتيمي الذي معه الحيّات، ويبيع سقوة على النّاس البدو والحضر يسقيهم من ريقه ويأخذ عليهم العهد ويدّعي أنّ مَن سقاه من ريقه أنّ الحيّة ما تلدغه ولا
(1/347)
________________________________________
أنكر عليه في سدير إلاّ عبد العزيز بن عبد الجبّار ـ جزاه الله خيراً ـ.
وتذكرون أنّ عثمان بن منصور تابعه وقبل منه سقوته هذا تحقّقناه منكم ومن سبيع الذين جاؤوانا من جهتكم ويذكرون أنّهم توقفوا عنه في مبدأ أمره، وأهل القرى كذلك حتّى واجه ابن منصور. وقبل منه وخط معه خطاً وبعد هذا تزاحم عليه البدوي والحضر، منهم الذي سقوته بدارهم، والذي بتمر، والذي بعيش، والذي بغنمٍ، والذي بسمنٍ، والذي حصل منهم باعه في تمير، وبعد هذا طب المجمعة1 وطردوه، وخطّ عبد العزيز بن عبد الجبّار أشرفنا عليه وذكر كلام العلماء وإنكارهم على مَن فعل هذا، وأخذ الحيَّات، وأنّ هذه أحوال شيطانية تحصل بواسطة الشّياطين2.إذا تقربت إليهم بالشّرك بالله، وهذا ما يوجد إلاّ في أجهل النّاس وأبعدهم عن الله وعن دينه وعبد العزيز ـ جزاه الله خيراً ـ أدّى الذي عليه.
وأمّا ابن منصور، فالله أعلم أنّه معاقب فلا ندري هذا كلّه جهل أو له مقصد شرّ، وإلاّ فالذي على فطرة أو لَه عقل ينكر هذا بفطرته وعقله. وذكر شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ في كتاب الفرقان من الأحوال الشّيطانية أموراً من هذه تركنا ذكرها لئلا يطول الجواب.
فهذا من
__________
1 طبّ البلد، بمعنى: جاءه ونزله. لغة نجدية أو بدوية.
2 الذي عرفناه من الثّقات بما ثبت عندهم من التّجارب العديدة مع هؤلاء المشعوذّين الذين ينتسبون إلى الشّيخ أحمد الرّفاعي، ويعطون العهد باسمه على أخذ الحيات والثّعابين ويزعمون أنّها لا تلدغ مَن أخذ العهد، وشرب الماء الذي يرقيه الشّيخ، أو لا يضرّه سمّها إذا لدغته، أنّ عملهم حيلة إنسية لا جنّيّة، وهو أنّ أحدهم يأخذ بعض الحيّات غير السّامة ويقلع أسنانها، ويجعله في جرابه يخوف النّاس منها، ومن سقاه العهد أعطاه واحدة منها أو أكثر فيلاعبها وربما عضته بفيها وليس لها أسنان تلدغ بها. وللدّغ ناب خاص في أفواه الثّعابين السّامة يفرز السّمّ.
(1/348)
________________________________________
جنس أحوال الكهان مع الشّياطين، والكهانة أنواع، هذا منها.
وفي الحديث: "مَن أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّدٍ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ".
وأمور الكهانة وما شابهها من الاستمتاع بالشّياطين والاستكثار منهم محاها الله سبحانه بما أطلع في نجد من الدّعوة إلى توحيد الله، وامتدت إلى كثير الجزائر، كما محا الله أحوال الكهان ببعثة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فسدّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أبواب الشّرك وأحوال الجاهلية وحمَى الإسلام. فَمِن ذل ما ثبت في حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً: " إنّ الرّقى والتّمائم والتّولة شرك"، فلم يبح من الرّقى إلاّ ما خصّه الدّليل من الآيات القرآنية، والأذكار النّبويّة، والدّعوات المعروفة بالألفاظ العربية.
وأمّا ما كان بأسماء الشّياطين أو بما لا يعرف معناه فينهى عنه، لهذا الحديث. وحكمه التّحريم.
فإذا كان هذا حال الرّقى التي فيها من الألفاظ ما لا يعرف معناه، فكيف بما هو ظاهر أنّه من أعمال الشّياطين مع مَنْ تولاّهم؟ مثل هذا الهتيمي وأمثاله مِمَّن شاهدناهم بمصر لا شكّ أنّه من أعمال الشّيطان. ولهؤلاء اعتقادات شركية في معبودهم الذي يعبدونه من دون الله، وأكثر هذه الطّرائق محشوة بالشّرك والبدع.
وقوله في الحديث: "والتّولة شرك"، ذكر العلماء أنّها تشبه السّحر، وما يشبه السّحر فهو شرك. وكذلك التّمائم شرك للتّعلّق بها والاعتماد عليها من دون الله. وفي بعضها أسماء الشّياطين وما لا يعرف معناه، فكلّ هذه الأمور لا تجامع الإسلام الصّحيح، بل تنافيه إذا اشتملت على ما هو شرك بالله من التّوكّل على غيره ونحوه ذلك. وقد وقع في نفوس كثيرٍ من الجهّال الذين أخذوا عن هذا الهتيمي كثير من تصديقه وقبول ما جاءهم به من هذه الضّلالة. وهذه فتنة وقانا الله
(1/349)
________________________________________
شرّها. وبسط القول في ذلك، وذكر ما قاله العلماء له موضع آخر إن شاء الله تعالى.
وبلّغ سلامنا الأخوان وخواص الأخوان. والشّيخ عليّ، والشّيخ عبد اللّطيف ينهون السّلام وأنتم سالمين والسّلام.
- 9 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
فائدة: قال الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله تعالى ـ.
سألتم عما أحدّثه بعض النّاس عند بيع الطّعام من جعلهم ميزانين زعموا أنّ أحدهما للقبض والثّاني للبيع هل يكون ذلك قبضاً شرعياً مبيحاً للبيع أم لا؟
الجواب: ليس هذا قبضاً شرعياً، ولا يكون فاعله خارجاً عما نهي عنه من بيع الطّعام قبل قبضه؛ فإنّ الأحاديث مصرّحة بالنّهي عنه لحديث ابن عمر: "مَن اشترى طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه".
وعند مسلم عن ابن عمر: كنا نبتاع الطّعام فيبعث إلينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مَنْ يأمرنا بنقله من المكان الذي ابتعناه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه.
وحديث ابن عمر: "مَن اشترى طعاماً بكيلٍ أو وزنٍ فلا يبعه حتّى يقبضه".رواه أبو داود والنّسائي ولفظه: "نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيلٍ حتّى يستوفيه".
وحديث جابر: نهى عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان: صاع البائع وصاع المشتري.
هذه الأحاديث ظاهرة في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه بألفاظ مختلفة. والمراد منها واحد، ففيها: "حتّى يستوفيه"،"وحتّى يقبضه"، وفيها: "وكان يأمرنا بنقله من المكان الذي ابتعناه في إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه"، فليس بعد ذلك بيان.
وقول القائل: هذا خاصّ بما بيع جزافاً.
فمردود بقول الشّارع ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "حتّى يستوفيه".و"حتّى يقبضه"، وبقوله: "مَن اشترى طعاماً بكيلٍ أو وزنٍ فلا يبعه
(1/350)
________________________________________
حتّى يقبضه".
ولفظ: القبض والاستيفاء يكذب معنى التّخصيص بالجزاف، وقد ذكر الفقهاء أنّ قبض المكيل بالكيل، وقبض الموزون بالوزن، فيقال لصاحب الموازين من أين جئت بهذا، وفي أيّ كتاب وجدته، فإنّا لم نجد ذلك لأحدٍ من العلماء المتقدّمين، ولا المتأخّرين، وإنّما فسرتم ألفاظ النّصوص بما تهوونه وتحبّونه، ولم تذكروا ذلك عن أحدٍ من العلماء، فهل يكون ذلك حجّة شرعية؟ وأبلغ من ذلك أنّ مذهب محمّد بن إسماعيل البخاري وطائفة أنّ استيفاء المبيع المنقول وتبقيته في منْزل البائع لا يكون قبضاً شرعياً، حتّى ينقله المشتري إلى مكانٍ لا اختصاص للبائع به، قال: وهو منقول عن الشّافعي.
ودليله: ما رواه أحمد عن ابن عمر: نهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن تبتاع السّلع حتّى يحوزها التّجار إلى رحالهم.
وفي صحيح مسلم: كنا نبتاع الطّعام ويبعث علينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مَن يأمرنا بنقله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه. وقد تقدم.
فيا عباد الله أين عقولكم؟ ويا طلبة العلم أين أفهامكم؟ قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، [النّور، من الآية: 63] .
وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم.
- 10 -
بسم الله الرّحم الرّحيم
قال شيخنا العلاّمة عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله تعالى وكثّر فوائده ـ جواباً عن مسائل سأله عنها الفقير إلى الله عبد الرّحمن بن عدوان. قال بعد السّلام: هذا جواب المسائل:
أمّا الأولى: وهي ما إذا قبض دين السّلم قبضاً تامّاً يتمكّن من التّصرّف فيه فإنّه يجوز له أن يبيعه على مَن وافاه به مطلقاً وليست هذه صور عكس العينة.
(1/351)
________________________________________
الثّانية: رجل اشترى تمراً بنسيئةٍ من آخر ثمّ ردّه عليه عمّا في ذمّته.
الجواب: إن كان قبضه قبضاً صحيحاً جاز أن يوفيه به المشتري، إذا كان له قدرة على أن يوفيه دينه من غيره بخلاف ما إذا كان لا يقدر على الوفاء لعسرته واضطرّه إلى أن يستدين له من نفسه ليوفيه. فهذا لا يجوز لوجهين:
أحدهما: أنّ المعسر يجب إنظاره وهذا إضرار به يريد به عسرته.
الثّاني: أنّه من قلب الدّين الذي نصّ عليه العلماء ـ رحمهم الله ـ كشيخ الإسلام ابن تيمية.
الثّالثة: خرص النّخل وإعطاؤه للشّريك ليأخذ مثله وقت الجذاذ، فالظّاهر أنّ هذا لا يجوز؛ لأنّه من صور بيع الجنس بجنسه، وشرط جوازه التّماثل والتَّقابض، والذي يجوز في ذلك أن يقتسماه على رؤوس النّخل خرصاً فيأخذ كلّ واحدٍ منهما مثل ما أخذه شريكه فيختصّ كلّ واحدٍ بما أخذ بالقسمة فلا يكون في ذمّة أحدهما للآخر شيء.
الرّابعة: مليء عليه دين لآخر فأسلم إليه دراهم فقضاه دينه منها.
الجواب: هذه الصّورة من صور قلب الدّين، وقد نصّوا على أنّه يضارع الرّبا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنّ السّلف منعوا منه. وأفتى هو بالمنع، وكذا شيخنا الإمام ـ رحمه الله تعالى ـ. وذلك لأنّه تنمية للدّين في ذمّة المدين بمجرّد القلب وهو بمعنى ربا الجاهلية، إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي.
الخامسة: إذا تقايلا دين السّلم فهل يجوز التّفرّق قبل قبض رأس المال أم لا؟
الجواب: قال في المنتهى: ويجوز إقالة في سلم وبعضه بدون قبض رأس ماله، أو عوضه إن تعذر في مجلسها؛ لأنّه إذا حصل الفسخ ثبت الثّمن في ذمّة البائع فلم يشترط قبض بدله في المجلس كالقرض. وفيه وجه يشترط. انتهى.
(1/352)
________________________________________
السّادسة: ما تراه الحائض من النّشاف في أيّام الحيض؟
الجواب: النّقاء طهر وإن لم يرَ معه بياض فعليها أن تغتسل وتصلّي، وفيه قول أنّ البياض الذي يأتي المرأة عقب انقطاع الحيض هو الطّهر الصّحيح. وإليه يميل شيخنا ـ رحمه الله ـ فيما يرى. والله أعلم.
- 13 -
بسم الله الرّحم الرّحيم
سُئِلَ الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن عن بعض مسائل الحجّ فأجاب ـ رحمه الله تعالى ـ على سبيل الاختصار:
في العمرة والحجّ ينوي العمرة ويحجّ لها1 عن عمرة الإسلام وحجّة الإسلام فيحرم من الميقات بنيّة العمرة والحجّ عنها قائلاً عند دخوله في الإحرام: لبّيك عمر ويلبّي حتّى يطوف بالبيت طواف العمرة سبعة أشواط يرمل في الثّلاثة الأول، ثم يصلّي ركعتين خلف المقام، ثم يخرج إلى الصّفا من بابه ويرقى على الصّفا، ثم يسعى بين الصّفا والمروة سبعة أشواط، ثم يحلّ من عمرته بالحلق أو التّقصير. ثم إذا أراد الخروج إلى عرفة في اليوم الثّامن طاف بالبيت وصّلى ركعتين، وأحرم بالحجّ. وقال: لبّيك حجّاً عن فلان باسمه2، ويخرج إلى عرفات ويدفع منها إلى بعد غروب الشّمس، ويبيت بمزدلفة ثم يفعل ما يفعل الحاجّ، فإذا أتى منى يوم العيد رمى جمرة العقبة خاصّة، ثم يذبح الهدي؛ هدي التّمتّع، وأدناه جذع الضّأن
__________
1 الضّمير في (لها) يعود إلى امرأة أنابت رجلاً ليحجّ عنها كما يعلم من آخر الجواب، وكان ينبغي لجامع هذه المسائل أن يذكر أنّ السّؤال وقع من ذلك.
2 لعلّ الأصل:"عن فلانة باسمها"، لأنّ المستنيبة امرأة فحرّفه النّاسخ.
(1/353)
________________________________________
له ستة أشهر، ثم يفيض إلى مكّة ويطوف طواف الزّيارة وهو ركن، ويسعى بين الصّفا والمروة، وهو ركن أيضاً. ثم يرجع إلى منى ويرمي الجمرات الثّلاث كلّ يومٍ إذا زالت الشّمس كلّ جمرة سبع حصيات صغار أكبر من الحمص ثم إذا أراد أن يخرج طاف طواف الوداع فإذا فعل ذلك تَمَّ حجّه وعمرته عمَّن استنيب عنها.
- 14 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الابن صالح بن محمّد الشّتري ـ سلّمه الله تعالى ـ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا طيبك وعافيتك. والحمد الله على ذلك. وما ذكرت من عبارة الفقهاء في الحجّ.
فأمّا قولهم: أركان الحجّ الوقوف؛ وطواف الزّيارة بلا نزاع فيهما، فإنّ ترك طواف الزّيارة رجع معتمراً؛ لأنّه على بقية إحرامه، فهذا في حقّ مَن تركه.
قال في الإنصاف: وأمّا المحصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلّل ومتى زال الحصر أتى بطوافه، وتَمَّ حجّه وذبح هدياً في موضع حصره. وهذا المذهب. واختار ابن القيم ـ رحمه الله ـ في الهدي أنّه لا يلزم المحصر هدي. وأمّا مَن أحصر لمرضٍ أو ذهاب نفقةٍ لم يكن له التّحلّل حتّى يقدر على المبيت، فإن فاته الحجّ تحلّل بعمرة، ويحتمل أنّه يجوز له التّحلّل كَمَن حصره عدوّ. وهو رواية عن أحد. قال الزّركشي: ولعلّها أظهر. واختارها الشّيخ تقيّ الدّين. قال: ومثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزّيارة أو لعجزها عنه، ولو لذهاب الرّفقة. وقال في الفروع:
(1/354)
________________________________________
وكذا مَن ضلّ الطّريق ذكره في المستوعب.
هذا حاصل ما ذكره في الإنصاف في حكم مَن فاته طواف الزّيارة لهذه الأسباب.
وأمّا إذا أحصر عن فعل واجب؛ فإنّه يتحلّل على الصّحيح من المذهب. وعليه دم له وحجّه صحيح.
وقال القاضي: يتوجّه فيمَن حصر بعد تحلّله الثّاني يتحلّل.
قلت: ولعلّ مراده أنّه لم يبق عليه من المناسك شيء إلاّ أن يكون طواف الوداع أو رمي الجمار والمبيت بمنى. وهذه الأفعال يأتي بها الحاج بعد التّحلّل. وأمّا إذا بقي عليه شيء من المناسك التي محلّها قبل التّحلّل الثّاني؛ فإنّه يبقى محرماً ليأتي بها، كما يأتي بها مَن لم يحصر عن واجبٍ؛ كالمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، فلا يجوز أن يأتي بذلك إلاّ وهو محرم. فتدبّر.
وسلّم لنا على الشّيخ عبد الملك وحمد وعيسى والحمولة، وخواص إخواننا ومن لدينا عبد اللّطيف وإخوانه وحمولتنا، وخواص الأخوان بخير. وينهون السّلام.
- 15 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحم بن حسن إلى الأخ المحبّ الشّيخ المكرم عبد الله بن عبد الرّحمن ـ ألبسه الله حلل الإيمان ـ.
سلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا حيث أشعر بطيبك وصحّة حالك. والمحبّ بحمد الله تعالى بخير وعافية.
وما ذكرت من المسألة التي وقعت عندكم أنّ صورتها: أنّ امرأة دفعت حليها إلى بنتها تجمل به لزوجها وهم في بيتٍ واحدٍ فكانت تستعمله في حياة أمّها فلمّا ماتت ادّعت البنت استحقاقها لذلك.
(1/355)
________________________________________
فالجواب: أنّ الذي يظهر لنا أنّ البنت لما لم تدع الهبة لا تملكه بمجرّد الإذن في الاستعمال. والظّاهر أنّ ذلك إعارة لا تمليك. ومفهوم كلام الأصحاب ـ رحمهم الله ـ الذي أشرتم إليه يدلّ على هذا؛ لأنّ الأم لم تجهّزها به إلى بيت زوجها، فلم يوجد ما هو تمليك.
وأمّا الصّورة التي سُئِل عنها الشّيخ سليمان بن عليّ ـ رحمه الله ـ فالفرق بينها وبين مسألتنا ظاهر، وذلك أنّ الأم ادّعت أنّ ذلك الحلي الذي اشترته وألبسته البنت أنّه ليس للبنت، والظّاهر أنّ ما كان عليها فهو لها بحكم اليد، وليس لهذا أصل يعارض هذا الظّاهر.
وأمّا مسألتنا: فالأصل فيها قويّ ولم يوجد ما ينقل عن ذلك الأصل القويّ فيبقى حكم الأصل. هذا ما ظهر لي في حكم المسألة. والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- 16 -
بسم الله الرّحم الرّحيم
وقال شيخنا عبد الرّحمن بن حسن في جوابٍ له:
وما ذكرت من أمر مواريث كانت في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرّفون فيها تصرّف الملاّك.
فالجواب: أنّ الذي استقرّ عليه فتوى شيخنا شيخ الإسلام إمام هذه الدّعوة الإسلامية أنّ العقار ونحوه إذا كان في يد إنسانٍ يتصرّف فيه تصرّف المالك من نحو ثلاث سنين فأكثر ليس له فيه منازع في تلك المدّة أنّ القول قوله أنّه ملكه؛ إلاّ أن تقوم بيّنة عادلة تشهد بسبب وضع اليد أنّه مستعير أو مستأجر أو نحو ذلك. وأمّا الأصل فلا يلتفت إليه مع هذا الظّاهر.
فقدم شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ الظّاهر هنا على الأصل
(1/356)
________________________________________
لقوّته وعدم المعارض. والله أعلم.
وأمّا ما ذكرت من عقد المساقاة هل هو جائز أم لازم؟
فالصّحيح اللّزوم. وهو الذي عليه الفتوى من شيخنا شيخ الإسلام، ومَن أخذ عنه لا يختلف فيه اثنان منهم. واستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن، وهو الصّواب. واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ، وقول بعض متقدّمي الأصحاب؛ لأنّه عقد معاوضة، فكان لازماً كالإجارة. فيفتقر إلى ضرب مدّةٍ. وأمّا ما كره الفقهاء من أنّ مؤنة ردّ مبيع تقايلاه على البائع فهو المشهور. والسّلام.
وأمّا قوله في النّخل: أن تحمرّ، أو تصفرّ فهو الذي تراه بعينك بعد الخضرة إلى الحمرة أو الصّفرة.
وأمّا أخذ بعض دين السّلم خرصاً فالجمهور على المنع، وذكر ابن عبد البرّ ـ رحمه الله ـ عن بعض العلماء أنّه يجوز إذا أخذ دون حقّه وبه أفتى شيخنا الشّيخ عبد الله بن الشّيخ. رحمهم الله أجمعين.
- 17 -
بسم الله الرّحم الرّحيم
سُئِلَ شيخنا العالم العلاّمة عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله ـ عمّا يخصّ به يوم المولد من النّحر ويسمّونه نافلة، وما يفعل في السّابع والعشرين من رجب من تخصيص بالصّوم والنّحر، وما يفعل في ليلة النّصف من شعبان من النّحر وصيام اليوم، وما يخصّ به يوم عاشوراء من النّحر أيضاً، هل هو محرم؟ وهل الأكل من ذلك محرّم أو مكروه أو مباح؟ وهل يجب على الأمراء والعلماء إنكار ذلك ويأتمون بالسّكوت أم لا؟
فأجاب ـ ألهمه الله الصّواب ـ: هذه الأمور المذكورة من البدع
(1/357)
________________________________________
كما ثبت عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ".
وقوله في الحديث الآخر: "وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثةٍ بدعةٌ وكلّ بدعةٍ ضلالة ".
والعبادات مبناها على الأمر والنّهي والاتّباع. وهذه الأمور لم يأمر بها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ولا فعلها الخلفاء الرّاشدون ولا الصّحابة والتّابعون، وقد قال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في بعض ألفاظ الحديث الصّحيح: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ".وهذه الأمور ليس عليها أمره ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فتكون مردودة يجب إنكارها لدخولها فيما أنكر الله ورسوله.
قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ، [الشّورى، من الآية: 21] .وهذه الأمور مما أحدثها الجهّال بغير هدى من الله. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأمّا حديث التّوسعة على العيال يوم عاشوراء فضعّفه شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن تحصل التّوسعة بدون اتّخاذه عيداً. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- 18 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ الشّيخ جمعان بن ناصر ـ سلّمه الله تعالى ـ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا ما ذكرت من السّكون واستقامة الحال، والأحوال من فضل الله على ما تحبّ. وجاءك منا خط مع فالح من رجال الأمير عائض. وما ذكرت من عبارة الإقناع: إن الطّلاق يقع في النّكاح الفاسد ـ وهو المختلف فيه ـ كالنّكاح
(1/358)
________________________________________
بولاية فاسقٍ، أو شهادة فاسقين، ونكاح الأخت في عدّة أختها ثم قال: ولا يقع في النّكاح الباطل إجماعاً.
الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: أنّ الفاسد هنا هو ما اختلف في صحّته؛ لأنّ كلاًّ من المختلفين إمام مجتهد، وله استدلال على ما ذهب إليه. فإذا قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ إنّ النّكاح لا يصحّ لحديث كذا، وقال فيه أصحابه ومَن تبعه لقوّة دليله عندهم. ورأينا غيره يقول بالصّحّة، ويقدح في إسناد حديثه مثلاً، فإنّا لا نحكم والحالة هذه بأنّ النّكاح لم ينعقد فنقول هو فاسد، ولا يخرج من ذلك إلاّ بالطّلاق خروجاً من خلاف العلماء.
وأمّا الباطل فهو ما أجمع على بطلانه لظهور دليله وعدم المعارض، فيكون غير منعقد من أصله فلا يحتاج إلى طلاقٍ ما لم ينعقد بيقين.
وأمّا طلاق الثّلاث فإنّه يقع عند الجمهور مفرقاً أو مجموعاً، وهو الذي عليه العمل سلفاً وخلفاً من خلافة عمر ومن بعده، وهو كذلك عند الأئمة الأربعة، وهو الأصحّ في مذاهبهم عند أصحابهم، وإن كان الخلاف فيه إنّما اشتهر عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامّة ابن القيم ـ رحمهما الله تعالى ـ أخذا بما كان الأمر عليه في عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وخلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر، والجمهور أخذوا بالآخر من اجتهاد عمر، ولهم أجوبة عمّا استدلّ به شيخ الإسلام معروفة. وعمدتهم فيما ذهبوا إليه من إيقاع الثّلاث مطلقاً ظاهر القرآن؛ فإنّ الله تعالى لم يجعل له إلاّ ثلاث تطليقات، قال تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} ، [البقرة، من الآية: 229] ، وثم قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} ، [البقرة، من الآية: 230] .وبذلك أفتى ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ وغيره، وهو حبر الأمّة، فالاستدلال بفتي ابن عبّاس والصّحابة أحقّ،
(1/359)
________________________________________
والاستدلال بقول شيخنا أولى من الاستدلال بقول الشّوكاني؛ لأنّه رجل من أهل صنعاء يخطئ كثيراً، وإن كان يصيب في بعض، فليس هو حجّة على أحدٍ ولا يحتج بقوله، ولو لم يكن إلاّ أنّه مجهول الحال في العلم والدّين لكفى، وإن كان ينظر في الكتب فالذي بضاعته ما يأخذه عن الشّوكاني مزجى البضاعة، وافي الغباوة والوضاعة.
وبلّغ عبد الرّحمن وصالح وإبراهيم وإخوانهم السّلام، ومن لدينا الحضر من آل الشّيخ وإخوانهم ينهون السّلام.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- 19 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ حمد بن عبد الله بن عمران، سلّمه الله تعالى وتولاّه، واستعمله فيما يحبّه ويرضاه، وأعانه على القيام بشكره فيما أعطاه من نعمه وأولاه التي أعظمها نعمة الإسلام والإيمان، جعلنا الله وإيّاه مِمَّن عرف النّعمة فقبلها وأحبّها وعمل بها إنّه ولي ذلك، والقادر عليه، يهدي مَنْ يشاء برحمته وفضله، ويضلّ مَن يشاء بحكمته وعدله، لا إله غيره، ولا ربّ سواه.
والخط وصل وصلك الله إلى ما يرضيه وثبّتنا وإيّاك على الإخلاص الذي هو سبب الخلاص، وعلى الإسلام الذي هو مركب السّلامة، وعلى الأمان الذي هو تمام الإيمان، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
وتسأل عن أناس يسافرون من نجد لأخذ ما أوصى به الموصون بأن يحجّ به عنهم بالنّيابة فلا يخفاك أنّ الذين يأتون إليكم ما يطلعوننا على ما قصدوه وأرادوه لكثرة السّفار إلى الأقطار، وقد نشرت لطلبة العلم ولِمَن سألنِي من عوام المسلمين أنّه لا تصحّ النّيابة
(1/360)
________________________________________
في الحجّ إذا أخذ ما أوصى به الموصي إلاّ إذا أخذه ليحجّ، فيكون القصد أن يتوصل بما يأخذه إلى بيت الله رغبة في رؤية البيت والطّواف به وكثرة ثواب العلم به كما قال الخليل عليه السّلام: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} ، [إبراهيم، من الآية: 37] .
وبعض النّاس مولع بزيارة هذا البيت فيطلب ما يتوصّل به إليه فتصحّ نيابته في الحجّ والعمرة على هذا الوجه. وأمّا إذا حجّ ليأخذ الأجرة فلا يصحّ حجّه، وإن سمّاه بعض الفقهاء جعلاً فهو استئجار بلا ريب، وقد نصّ الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ على أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على عملٍ يكون قربة يتقرّب به إلى الله؛ كالأذان والصّلاة، وأظنّ أنّ أكثر مَن يسار لأخذ الوصايا بالحجّ إنّما قصدوا هذا الثّاني. والله أعلم بما تنطوي عليه الضّمائر من الإرادات والنّيّات والمقاصد، فهذا الذي ذكرت لك هو الذي نأخذ به ونفتي به المستفتين ونبيّنه للجاهلين بحسب القدرة والطّاقة.
هذا، وبلّغ سلامنا الإخوان وفاطمة بنت قضيب، وأمثالك من الإخوان الكرام العارفين. قدر ما أنعم الله به من نعمة الإسلام التي ضلّ عنها مَن ضلّ. وزلّ عنها وعن معرفة حقيقتها مَن زلّ. ومن لدينا الإمام وأولاده وابنا عبد اللّطيف، وإخوانه، وأولاده وأولاد الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب وخواص إخواننا من المسلمين بخيرٍ وعافيةٍ. وأنت سالم. والسّلام.
- 20 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سُئِلَ شيخنا عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله تعالى ـ عن تنصيف المهر، وذلك أنّ الرّجل إذا خطب المرأة من الحمولة وأجابوه وقرّبوه
(1/361)
________________________________________
وعقدوا له على ريالين أو نحوهما يسمّونه مهراً، ومن المعلوم أنّ المقصود غيره ربّما يقع الطّلاق قبل الدّخول فما الذي يتنصف هل هو الْمُسَمَّى عند العقد أو المعتاد؟
أجاب ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله: اعلم أنّ هذه المسألة تكثر الفكرة فيها، لم تقف على نصٍّ صريحٍ فيها، ولكن الذي يستقرّ في القلب ويغلب في الاعتقاد وهو أقرب إلى أصول الشّرع أنّ التنصيف يكون فيما يسمى جهازاً، وهو الذي يبذل قبل الدّخول في العادة في مثل نساء هذه المرأة، ثم وجدنا في الاخيتارات ما يقرّر ذلك ويوافقه، ولفظه، والشّرط المتقدّم كالمقارن والاطّراد العرفي كاللّفظي. قال أبو العبّاس ـ رحمه الله تعالى ـ: وقد سُئِلت عن مسألة من هذا. وقيل: ما مهر مثل هذا؟
فقلت: ما جرت العادة بأن يؤخذ من الزّوج. فقالوا: إنّما يؤخذ المعجل قبل الدّخول. فقلت: هذا مهر مثلها. انتهى. وهو واضح لا غبار عليه. ويبلغ على ظنّي أنِّي قد أفتيت به سابقاً. والله أعلم صلّى الله عليه وسلّم.
- 21 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
قال الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن في نصيحة للمسلمين في مسألة الرّهن:
وأمّا مسألة الرّهن فقد تكرر السّؤال عنها. فنقول: الذي عليه جمهور العلماء والصّحيح من مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ أنّ الرّهن لا يلزم إلاّ بالقبض فلو تصرف فيه الرّاهن قبل قبضه صحّ تصرّفه، واستدّلوا بقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، [البقرة: من الآية: 283] .واستدامته شرط في اللّزوم للآية، فإن أخرجه المرتهن عن يده زال اللّزوم فإن ردّه الرّاهن عليه عاد اللّزوم بحكم القصد السّابق؛ لأنّه أقبضه باختياره فلزم به كالأوّل.
(1/362)
________________________________________
فإن أزيلت بعدوان كغصبٍ ونحوه فالرّهن بحاله؛ لأنّ يده ثابتة حكماً. هذا ما ذكره العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ ومن كتبهم نقلنا.
وأمّا قلب الدّين على المدين فمن صوره أنّه إاذ كان له على شخص دراهم ثمن زاد أسلم إليه دراهم في زاد ليستوفي منه بتلك الدّارهم وكلّ منهما يعلم أنّ رأس المال راجع إلى صاحبه فتكون حقيقته تربية الدّين في ذمّة المدين، وهذه الصّورة وأمثالها ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنّها تضار ربا الجاهلية، وأفتى شيخنا شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله تعالى ـ بالمنع من هذه الصّورة وأمثالها. والله أعلم.
- 22 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
قال شيخنا ووالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن رحمه الله تعالى:
مسألة: مراعاة شرط الواقف فيما ذكر هل هو صحيح أم لا؟
فالجواب منصوص علمائنا ـ رحمهم الله تعالى ـ في كتبهم أنّه يلزم الشّرط المستحب خاصّة، وأنّ الشّرط المكروه باطل اتّفاقاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: وقول الفقهاء: (شروط الواقف كنصوص الشّارع) ، يعنِي في الفهم والدّلالة لا في وجوب العمل مع أنّ التّحقيق أنّ لفظ الواقف والموصي والنّاذر والحالف وكلّ عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلّم بها ووافقت لغة العرب أو لغة الشّارع أو لا، وقال: لا خلاف أنّ مَن وقف على صلاة أو صيام وقراءة أو جهاد غير شرعي لم يصحّ. والشّروط إنّما يلزم الوفاء بها إذا لم يفض ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشّرعي. انتهى ما أفاده شيخنا رحمه الله تعالى.
(1/363)
________________________________________
- 23 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ في الله الشّيخ رجب سلّمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط أوصلك الله إلى رضاه، وجعلنا وإيّاك مِمَّن الجنة مسكنه ومأواه، آمين. وبعد، فما ذكرت من المسائل:
المسألة الأولى: إذا كان أحد أولاد الرّجل ضعيفاً وأعطاه لضعفه فهل يجوز أن يخصّه بذلك أم لا؟
الجواب: أنّ الولد الضّعيف يلزم أباه الغني أن ينفق عليه فيكون من باب الواجب الذي سببُ وجوبِه حاجّة الابن، فإن كان من الأولاد مَن هو مثله وجب له مثل ما يجب لأخيه الماضي.
المسألة الثّانية: قال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "لا تستحلفوا النّاس على صدقاته "، وتابعه عمر ـ رضي الله عنه ـ، فمعنى الحديث ـ والله أعلم ـ إذا كان العامل يظنّ له مالاً فلا يحلفه على مجرّد ظنّه، وأمّا إذا عرف له مال وجحد أو ادّعاه لغيره مثلاً مِمَّن هو غائب فالتّهمة قائمة فيجتهد العامل إلاّ أن يكون موثوقاً به يعرف منه الصّدق والدّيانة فلا يحلف، فالمسألة لها صور ثلاث، ولها مسألة رابعة وهي: ما إذا عرف أنّ هذا الذي في يده من المال ليس لغيره فتؤخذ منه الزّكاة على كلّ حالٍ.
المسألة الثّالثة: إذا كان لرجل أرض فوهبها لابنه الصّغير فإن أقبضها وأشهد أو جعلها في يد رجلٍ آخر وجعله وكيلاً في قبضها منه لابنه لزمه ذلك لوفاء شرطه، وإن لم يقبض فلا لزوم، وعلى كلّ حالٍ للوالد
(1/364)
________________________________________
أن يرجع في هبته للولد، وأمّا إذا مات وصحّ القبض فلا رجوع على ما ذهب إليه الأكثرون من العلماء.
المسألة الرّابعة: فيمَن ماله مائة وخمسون، وقد أوصى لرجلٍ بثلث ماله ولآخر بعشرة، فإذا لم يجز الورثة ما زاد على الثّلث فيجعل الثّلث وهو خمسون ستة أسهم، لصاحب الثّلث خمسة أسهم كلّ سهم ثمانية وثلث، ولصاحب العشرة واحد من ثمانية وثلث، وأمّا الحديث فلم أقف عليه ومعناه صحيح. والله أعلم.
- 24 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله وحده، والصّلاة والسّلام على مَن لا نَبِيَّ بعد، تأمّل ـ رحمك الله وهداك وتولاّك ـ ما ذكره بعض العلماء في مسألة عمت بها البلوى، وهي: ما إذا اشترى مسلم دابّة من بعض أسواق المسلمين، وهو لا يعلم أنّها مغصوبة فادّعى عليه آخر أنّها دابّته، قد أخذت منه بغير حقٍّ، وقد اعتمد بعض المفتين في قطرنا أنّه إذا أقام شاهدين أو شاهداً ويميناً أنّها دابّته أخذت منه نهباً أن يفتى بنَزعها من يد المشتري مجاناً فيذهب على المشتري ثمنها والحالة هذه، وفي كلام العلماء من أئمة مذهبنا ومن بعدهم من متأخري الحنابلة أنّه لا يأخذها إلاّ بالثّمن الذي اشتريت به، وهو أعدل إن شاء الله تعالى. وله أصل في كلام أئمة المذهب. قال في الشرح الكبير: إذا علم مال ارمرئ مسلم قبل قسمة الغنيمة وجب ردّه وصاحبه أحقّ به فأمّا إن أدركه بعد القسم؛ ففيه روايتان:
إحداهما: أنّ صاحبه أحقّ به بالثّمن، وهذا قول أبي حنيفة والثّوري والأوزاعي ومالك، لئلا يفضي إلى حرمان آخذه من
(1/365)
________________________________________
الغنيمة أو تضييع الثّمن على المشتري من الغنيمة.
والرّواية الثّانية: أنّه لا حقّ له فيه بحالٍ. نصّ عيله. ثم قال: إن أخذه أحد الرّعية بهبةٍ أو سرقةٍ أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به. وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلاّ بالقيمة وهو محجوج بحديث ناقة النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. ولأنّه لم يحصل في يده بِعَوَضٍ. انتهى.
قلت: فتأمّل قول إمام مذهبنا: ولأنّه لم يحصل في يده بعِوَضٍ، وتأمّله قوله فيما تقدم: لئلا يفضي إلى حرمان مَن أخذه من الغنيمة، أو تضييع الثّمن على المشتري من الغنيمة. فتأمّل هذا التّعليل يظهر لك منه الدّليل؛ إذ لا فرق بين أن يشتريه من الغنيمة أو من بعض أسواق المسلمين. وهذا واضح بحمد الله.
وما نقلته من الشّرح الكبير نقله الخطابي في شرح السّنن عن هؤلاء الأئمة وبالله التّوفيق.
وقال في الاختيارات: وما باعه الإمام من الغنيمة أو قسمه وقلنا لم يملكوه ثم عرفه ربّه فالأشبه أنّ المالك لا يملك انْتزاعه من المشتري مجاناً؛ لأنّ قبض الإمام بحقّ ظاهراً وباطناً، ويشبه هذا ما يبيعه الوكيل والوصي ثم يتبيّن مودعاً أو مغصوباً، وهي قاعدة في كلّ مَن قبض مال الغير وهو لا يعلم به إما من مباحٍ أو من مغصوبٍ، أو من راهنٍ. انتهى. وقال في القواعد: كالمأذون له. انتهى.
وقال الشّيخ أحمد بن يحيى بن عطوة شيخ صاحب الإقناع: إذا اشتريت دابّة ونحوها من ظالمٍ وهو غاصبها ثم عرفها ربّها ثم نزعها بحجّةٍ شرعيةٍ رجع المشتري عليه بالثّمن. صرّح بذلك أبو العبّاس فيمَن خلص مال غيره من التّلف. إذا لم يقدر على تخليصه إلاّ بما أدّى عنه رجع به واضح قولي العلماء؛ لأنّ ما خلص الدّابة إلاّ دراهم المغرور، لقول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "لا ضرر ولا ضرار".ولا يزال ضرر صاحب الدّابة يضرّ المبتاع فيردّ عليه الذي
(1/366)
________________________________________
خلصها به وهو الثّمن الذي أسلمه للظّالم على الصّحيح.
قال الشيّخ إسماعيل بن رميح في تحفته: (فائدة جليلة) فيمَن خلص مال غيره من التّلف إذا لم يمكن تخليصه إلاّ بما أدّى عنه رجع بما أدّى عنه في أظهر قولي العلماء. وذكره أبو العبّاس، وكذا معاوضة الرّاعي ببعض المسترعى عليه خوفاً من ذهاب الجميع جاز ذلك ووجب دفع أعلى الضّررين بأدناهما. وما بقي كان بينهم، ولو كان الملاّك لم يفعلوا إلاّ هذا وإلاّ عدّوا سفهاء. وأمّا أبو العبّاس فقال: من صودر على مال فأكره أقاربه أو أصدقاؤه فأدّوا عنه فلهم الرّجوع؛ لأنّهم ظلموا الأجلة. انتهى.
فعلى هذا، إذا اشتريت دابّة من غاصبها ثم عرفها مالكها عند المشتري المغرور، رجع بالذي خلصها به من الغاصب على مالكها، وقد ذكر في الإقناع كلام أبي العبّاس المذكور. وقال الشّهاب بن عطوة في روضته: قال شيخنا: فيمن وقف وقفاً وأشهد عليه وباعه على رجلٍ لم يعلم بالحال أنّ الوقف باطل والحالة هذه غير لازم بل يحكم الحاكم ببطلان الوقف مراعاة وحفظاً لمال المغرور، ولو فتح هذا الباب لتسلّط كلّ مكار وظالم على أموال المسلمين، واتّسع فتق لا يرقع، وفتح قلبه لذلك كلّ شيطانٍ لا يشبع، ويأبى الله ورسوله أن يجمع لهذا المخادع مال المبيوع ودراهم المخدوع، وقد أكذب نفسه وشهوده وبيّنته، فإذا شهدوا بالوقف وأنّه قد وقفه ثم أنّه قد باعه فكما قال الواقف فهي تكذبه، وهو يكذبها، فإذا شهدت البيّنة بالوقف فقد أكذبها بالبيع فبطلت وهو كذلك، ولا حيلة ولا ظلم ولا خديعة ولا غشّ بأكبر ولا أعظم من رجلٍ وقف أو وهب ماله لأقرب قرابته سراً خفياً ثم يبيعه على مسلمٍ غرّ ثم ينصب لذلك شهوداً وقضاة ينصرونه على ذلك لا كثّر الله منهم. انتهى.
(1/367)
________________________________________
ومن جواب للشّيخ عبد الله بن ذهلان وأصل السّؤال في شأن وقفٍ باعه مستحقّه وقبض ثمنه ثم أراد إفساد البيع الصّادر منه، وأكل الثّمن، وحاصل ما تكلّم به أنّه إذا باع إنسان عقاراً لا يعلم مشتريه كونه وقفاً ثم ادّعى بائعه وقفيته أنّ دعواه لا تسمع ولا بيّنته. انتهى.
قلت: وفي هذا القول الذي تقرّر سلامة المفتي من خطأ الشّهود وعدم عدّ التّهم باطناً وظاهراً؛ لأنّ العدل في هذه الأزمنة يعزّ وجوده؛ لأنّ أكثر الشّهود لا يشهد إلاّ على الوهم كما في الحديث:"يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون لا يؤتمنون".فاتّق الله أيّها الحاكم ولا تقدّم إلاّ بيقين، وإيّاك أن تختار ما لعلّه خلاف المختار، أو تعمد إلى ما لعلّه خلاف المختار، وتعتمد على ما لعلّه خلاف الصّحيح. والله يهدي مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.
وصلّى الله على سيّد المرسلين وإمام المتّقين محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- 25 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ المحبّ الشّيخ عيد بن حمد سلّمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركته. وبعد؛
وصل الخط أوصلك الله إلى ما يرضيه، وسرّنا حيث أشعر بطيبك وصحّة ذاتك، ولأخ يحمد إليك الله على ما أنعم، جعلنا الله وإيّاكم من الشّاكرين، وإخوانكم في الحال التي تسرّكم، وما ذكرت من حالكم سرّنا جعلها الله حالاً مرضية، ومن نزغات الشّيطان محمية، وما ذكرت من عبارة الإنصاف نقلاً عن الفروع فهذه المسألة خالف فيها شيخ الإسلام الأئمة وأكثر العلماء، فجوّز إجارة الشّجر مفرداً بآصع معلومة مثلاً لِمَن يقوم عليها
(1/368)
________________________________________
بالسّقي وتكون الثّمرة له أي: للعامل، وليس لصاحب الشّجر إلاّ ما وقع عليه العقد من الأجرة سواء كانت الأجرة من جنس ما يحمل به ذلك الشّجر أو غيره، كما تجوز إجارة الزّرع بجامع أنّ كلاًّ منهما إنّما قصد مغله، بخلاف بيع السّنتين، وهو بيع ما أثمر هذا البستان من الثّمر مثلاً سنة أو سنتين فأكثر من غير أن يقوم عليه، وإنّما اشترى ثمار سنتين معدومة، فهذا لا يجوز بالإجماع؛ لأنّ الثّمرة لا يجوز بيعها قبل بدوّ صلاحها، ولو كانت موجودة فكيف إذا كانت معدومة؟ وهذا هو الذي دلّت السّنة على المنع منه.
وأمّا إجارة الشّجر لِمَن يعمل عليه لأجل الثّمرة فليس بيعاً للثّمرة قبل وجودها وإنّما وقع العقد على الشّجر كالأرض تستأجر للزّرع لكن لما ورد على طريقة الشّيخ أنّ هذا شجر قد لا يحمل وقد تنقص ثمرته عن العادة فيكون الضّرر على المستأجر.
أجاب عن ذلك بأنّ الثّمرة لو لم توجد أن وجدت ثم تلفت قبل أوان جذاذها فلا أجرة، ويرجع بها المؤجّر إن كان قد قبضها منه لعدم حصول المقصود بعقد الإجارة، وإن نقصت ثمرة الشّجر عن العادة فله الفسخ ويرجع بالأجرة وقدر عمله، أو أرش النقص، كما إذا كانت العادة أنّها تثمر بألف مثلاً فلم يحصل منها هذا العام إلاّ نصفه مثلاً رجع بنصف الأجرة أو ثلاثة أرباعه فكذلك. وهذا كالجائحة أي كما توضع الجوائح عن مستأجر الأرض أو الحوانيت ونحوها إذا أصاب الزّرع جائحة من الآفات؛ فإنّه يوضع من الأجرة عن المستأجر بقدر ما نقص المغلّ بالجائحة نصفاً كان أو أقل أو أكثر.
هذا، وبلِّغ الأخوان من الطّلبة والأولاد والأمراء وإبراهيم الشّتري وصالح وحمد، ومَن يعزّ عليك السّلام.
ومن لدينا الإمام والشّيخ
(1/369)
________________________________________
عليّ وآل الشّيخ، والشّيخ إبراهيم بن سيف وخواص الأخوان والطّلبة بخيرٍ وينهون إليكم السّلام.
- 26 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ فائز بن عليّ وإخوانه من طلبة العلم سلّمهم الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل خطك أوصلك الله إلى ما يرضيه. والذي أوصيكم به جميعاً ونفسي تقوى الله تعالى، والإخلاص لوجهه الكريم في طلب العلم وغيره لتفوزوا بالأجر العظيم، وليحذر كلّ عاقلٍ أن يطلب العلم للمماراة والمباهاة؛ فإنّ في ذلك خطراً عظيماً، ومثل ذلك طلب العلم لغرض الدّنيا والجاه والتّرؤّس بين أهلها وطلب المحمدة، وذلك هو الخسران المبين. ولو لم يكن في الزّجر عن ذلك إلاّ قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، [هود: 15-16] .
وفي حديث أنس مرفوعاً: "مَن تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السّفهاء، أو ليصرف به وجوه النّاس إليه فهو في النّار".وهذا القدر كافٍ في النّصيحة. وفّقنا الله. وإيّاكم لحسن القول.
وقد بلغني أنّكم اختلفتم في مسائل أدّى إلى النِّزاع والجدال وليس هذا شأن طلاب الآخرة، فاتّقوا الله، وتأدّبدوا بآداب العلم واطلبوا ثواب الله في تعلّمه وتعليمه، وأتبعوا العلم بالعمل؛ فإنّه ثمرته والسّبب في حصوله كما في الأثر: "مَن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم".وكونوا متعاونين على البر
(1/370)
________________________________________
والتّقوى، ومن علامات إخلاص طالب العلم أن يكون صموتاً عما لا يعنيه، متذلّلاً لربّه، متواضعاً لعباده، متورعاً متأدّباً لا يبالي ظهر الحقّ على لسانه أو على لسان غيره، لا ينتصر ولا يفتخر، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يميل به الهوى، ولا يركن إلى زينة الدّنيا.
وأمّا المسألة الأولى وهي: هل يصحّ من الحائض إذا قدمت مكّة أن تسعى قبل الطّواف أم لا؟
الجواب: لا يصحّ السّعي إلاّ بعد طوافٍ صحيحٍ لنسكٍ من الأنساك، أمّا المفرد والقارن فسعيهما بعد طواف القدوم مجزئ لحجتهما كما يجزئ القارن لعمرته. وأمّا المتمتّع فيسعى بعد طواف العمرة لها. ولا يجزئه للحجّ إلاّ أن يسعى بعد الإفاضة بعد طواف. قال بعضهم: يطوف للقدوم ويسعى بعده، والمختار أنّه لا يطوف للقدوم وليس إلاّ طواف الزّيارة وعليه أن يسعى بعده للحجّ، فإن سعى قبله لم يجزه، قالوا: ويجب أن يكون السّعي بعد طواف واجب أو مستحبّ. هذا كلام الحنابلة لا خلاف بينهم في ذلك. وقال الشّافعي: لو سعى ثم تيقن أنّه ترك شيئاً من الطّواف لم يصحّ سعيه فيلزمه أن يأتي ببقية الطّواف، فإذا أتى ببقيته أعاد السّعي نصّ عليه الشّافعي. وبنحوه قال مالك وأبو حنيفة. ومِمَّا يستدلّ به لذلك حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ وفيه: فلما كنا في بعض الطّريق حضت فدخل عليّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وأنا أبكي فقال: "ما يبكيكِ؟ "، قلت: وددت أنِّي لم أكن خرجت العام. فقال: "ارفضي عمرتكِ، وانقضي رأسكِ، وامتشطي وأهلي بالحجّ".ومعنى ارفضي العمرة: ارفضي أعمالها، فلو صحّ سعي قبل الطّواف لما منع منه حيضها كما لا يمنع من سائر المناسك. والله أعلم.
(1/371)
________________________________________
وأمّا السّؤال عن قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في شأن الرّجل الذي صلّى بالتّيمّم ولم يعد لما وصل إلى الماء: " أصبت السّنة وأجزأتك صلاتك".وقال لذي أعاد: "لك الأجر مرّتين".فلا شكّ أنّ الذي لم يعد قد أصاب الحكم الشّرعي بدليل قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: " أصبت السّنة وأجزأتك صلاتك "، وأمّا الذي أعاد فهو مجتهد فيما فعل فإنّه يثاب على الصّلاة الأولى والثّانية، وهو كونه صلّى الثّانية مجتهداً فأثيب على اجتهاده للصّلاة الثّانية كما أثيب على الصّلاة الأولى، ومن المعلوم أنّ الفريضة أفضل من التّطوّع من جنسه وغير جنسه إلاّ في أربعة أشياء ليس هذا محلّ ذكرها.
وأمّا السّؤال الثّالث فيمَن نوى جمع تأخير حيث يجوز الجمع فدخل وقت الثّانية قبل أن يَصِلُوا إلى الماء، فالأفضل في حقّهم أن يؤخّروا الصّلاة إلى الماء ما لم يدخل وقت الضّرورة، فإن صلّوا قبل وصولهم إليه أجزأتهم الصّلاة بالتّيمّم ولا إعادة عليهم.
وقول السّائل: وهل يكون وقت الاختيار للثّانية وقت للأولى أم لا؟
الجواب: يكون وقتاً لها في حقّ مَن يجوز له الجمع، إذا نواه فتنبّه. والله أعلم.
يقول كاتبه إبراهيم بن راشد: إنّه لما قال ممليه ليس هذا محلّ ذكرها طلبت منه أن يذكرها فأملى علي نظماً بيتين للسّيوطي والأخير لمحمّد الخلوتي:
الفرض أفضل من تطوّع عابد ... حتّى ولو قد جاء منه بأكثر
إلاّ التّوضؤ قبل وقت وابتدا ... بالسّلام وإبراء لمعسر1
وكذا ختان كان قبل بلوغه ... أنعم به نظم الامام المكثر
__________
أنعم به نظم الإمام المكثر1 كذا في الأصل، ووزنه غير مستقيم.
(1/372)
________________________________________
- 27 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ما قولكم فيمَن يقول لِمَن شرب (هنيئاً) ويدعي جواز ذلك وقد يستدلّ بقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً} ، [الطّور، من الآية: 19، والحاقّة، من الآية: 24، والمرسلات، من الآية: 43] .
وبقوله: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} ، [النّساء، من الآية: 4] ، فهل الاستدلال بالآتين على جواز ذلك صحيح أم لا؟ أفيدونا.
الجواب: وبالله التّوفيق ليس في الآيتين ما يدلّ على مشروعية ذلك في حقّ كلّ مَن شرب. أمّا الآية الأولى فإنّ ذلك يقال لأهل الجنّة إذا دخلوها نسأل الله الجنّة برحمته، وليس في الآية ما يدلّ على أنّه يقال لهم كلّما أكلوا منها أو شربوا.
وأمّا آية النّساء، فإنّها في أمرٍ خاصٍّ، يبيّن تعالى للأزواج أنّه لا يحلّ لهم أن يأكلوا من مال المرأة إلاّ ما طابت به نفس وليس فيها أنّ هذا القول يقال عند كلّ أكلٍ وشربٍ.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه لم يبلغنا عن أحدٍ من الصّحابة والتّابعين والأئمة أنّهم كانوا يستعملون ذلك فيما بينهم، فاتّخاذ ذلك عادة يخالف ما كان عليه السّلف والأئمة، ولو كان مشروعاً لسبق إليه مَن سلف من الأمّة فلا ينبغي أن يتّخذ ذلك شعاراً في حقّ كلّ مَن شرب. والله أعلم.
- 28 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ سليمان بن عبد الله سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه. وما أشرت إليه من أنّ بعض النّاس يوقف عقاره وشجره على ذرّيّته الذكور ما تناسلوا، والأنثى
(1/373)
________________________________________
حياتها.
فهذا وقف الإثم والجنف لما فيه من الحيلة على حرمان أولاد البنات مما جعل الله لهم في العاقبة. وهذا الوقف على هذا الوجه بدعة، ما أنزل الله بها من سلطانٍ. وغايته تغيير فرائض الله بحيلة الوقف، وقد صنف فيه شيخنا محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله ـ وأبطل شبه المعارضين، ولا يجيزه إلاّ مرتاب في هذه الدّعوة الإسلامية، وقصده مخالفة إمام المسلمين، أو جاهل لا يعرف السّنة من البدعة، والهدى من الضّلال، جاهلاً بأصول الشّرع ومقاصد الشّريعة. ونعوذ بالله من الإفتاء في دين الله وشريعته بلا علم. والسّلام.
المسألة الثّانية: فيمَن غرس أرضاً مستأجرة للغراس ومضت مدة الإجارة إلى آخره.
فالجواب: ـ وبالله التّوفيق ـ قال في الكافي لأبي محمّد عبد الله ابن أحمد بن قدامة وإن استأجرها للغراس جاز وله الغرس فيها، فإن غرس وانقضت المدة وكان مشروطاً عليه القلع عند انقضائها أخذ بشرطه، ولا يلزمه تسوية الحفر. فإن لم يكن شرط القلع لم يجب القلع، وللمستأجر قلع غرسه؛ لأنّه ملكه ولزمه تسوية الحفر، فإن لم يفعل فللمؤجّر دفع قيمته ليملكه، وإن أراد قلعه وكان لا ينقص بالقلع أو ينقص لكنه يضمن أرش النّقص فله ذلك، وإن اختار إقراره وبأجرة مثله فله ذلك. ولصاحب الشّجر بيعه للمالك ولغيره فيكون بمنْزلته. والبناء كالغراس في جميع ما ذكرنا. انتهى ملخّصاً فتأمّله، فإنّه كافٍ في الجواب عمّا في السّؤال. والله أعلم.
(1/374)
________________________________________
- 29 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ما قولكم ـ دام فضلكم ـ في نخلٍ مشتركٍ طلب أهله القسمة هل تكون على قدر الحصص أم على عدد النّخل وسعة الأرض؟
الجواب: أنّه على حسب سهام الميراث.
وأمّا مسألة الأجير فما التزمه لصاحب النّخل فإن قام به كلّه فله أجرة المثل، فإن ترك شيئاً مما التزمه نقص من الأجرة بحسب ذلك، لكن هذا يحتاج إلى نظر مَن له معرفة بهذه الأمور ويتحرّى فيها العدل من الجانبين لصعوبتها. والله أعلم.
وأمّا انتفاع النّخل من ماء الجار فهو والحالة هذه مضطرّ إلى ما فعل من إجراء الماء من تحتها فتكون المصلحة لصاحب الماء أكثر مما يأتي النّخلة من الماء فتعاد لا في المصلحة؛ لأنّ النّخلة لها حريم وقد أجرى الماء في حريمها. والله أعلم بالصّواب.
- 30 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ سليمان بن عبد الرّحمن بن عثمان سلّمه الله تعالى وعافاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه، وما ذكرت كان معلوماً. وتسأل عما إذا غم على مطلع الهلال ليلة الثّلاثين من شعبان هل يصام يومها أم لا؟
ولا يخفى أنّ صيامها من مفردات مذهب الإمام أحمد. وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ـ رحمه الله ـ نفى أن يكون الإمام أحمد أوجبه. وقال: ليس في كلام أحمد ما يدلّ على وجوبه. وقال: يحتمل الاستحباب والإباحة. وللإمام الحافظ محمّد بن عبد الهادي مصنّف ذكر فيه ما ورد فيه من النّهي
(1/375)
________________________________________
عن صيامه. وذكر في بعض روايات حديث ابن عمر: "فإن غم عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين".وذكره عن غير ابن عمر أيضاً مرفوعاً. وهذا يدلّ على المنع من صيامه. والأحاديث صحيحة مقطوع بصحّتها. والمنع من صيامه هو اختيار شيخنا محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله تعالى ـ ومَن أخذ عنه وينهون عن ذلك لوجوه أربعة:
الأوّل: أنّ تلك اللّيلة من شعبان بحسب الأصل، ولا تكون من رمضان إلاّ بيقين.
الوجه الثّاني: النّهي عن تقدّم رمضان بيوم أو يومين فمَن صامه فقد تقدّم رمضان.
الوجه الثّالث: الأحاديث التي فيها التّصريح بالنّهي عن صيامه، وذلك قوله:"فأكملوا العدّة ثلاثين"وفي بعضها تخصيص شعبان.
الوجه الرّابع: حديث عمار:"مَن صام يوم الشّكّ فقد عصى أبا القاسم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وهو يوم شكّ بيقينٍ. هذا حاصل الجواب. وسلِّم لنا على أحمد وإخوانه. ومن لدينا إسماعيل وإخوانه بخيرٍ وينهون السّلام. وأنت سالم. والسّلام.
- 31 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ومن رسالة لوالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله وقدّس روحه ونوّر ضريحه بمنه وكرمه ـ.
قال ـ رحمه الله تعالى وعفا عنه ـ:
وينبغي التّنبيه على أمرٍ مهمٍّ عمّت به البلوى عندكم ويتعيّن إنكاره، وهو الاستنجاء في البرك ونحوها، وفيه خطر عظيم لاسيما على الرّواية المشهورة في مذهب أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ اختارها أكثر المتقدّمين والمتوسطّين. وهي أنّ الماء ينجس بملاقاة بول الآدمي وعذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه، واستدلّوا بحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً: "لا يبولانّ أحدكم في الماء الدّائم
(1/376)
________________________________________
ولا يغتسل فيه من الجنابة".والنّهي يقتضي الفساد، على كلتا الرّوايتين فهو كالبول؛ لأنّه في معنى البول. وقد نصّ العلماء ـ رحمهم الله ـ أنّه مثل البول كالحافظ القرافي في شرح التّقريب وغيره، فيتعيّن عليكم أن تعلنوا بالنّهي عنه على رؤوس الأشهاد في مجامع النّاس لما فيه من خطر التّنجيس والوقوع في المنهي عنه من تقذير الماء. والله سبحانه وتعالى أعلم.
- 32 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وله ـ رحمه الله ـ جواب عن مسائل الشّيخ حمد بن مانع.
من عبد الرّحمن بن حسن بن محمّد بن عبد الوهّاب إلى أخيه حمد ابن مانع حفظه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأنا أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو بخير وعافية أتمّها الله علينا في الدّنيا والآخرة، وكلّ من تسأل عنه طيّب، والأمور على ما تحب، والإسلام يزداد ظهوراً، والشّرك يزداد وهناً، نسأل الله تمام نعمته، وسر الخاطر ما ذكرت من جهة جماعتكم عسى الله أن يهدينا وإيّاكم الصّراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم.
وأمّا المسائل التي ذكرت فاعلم أوّلاً أنّ الحقّ إذا لاح واتّضح لم يضرّه كثرة المخالف ولا قلة الموافق، وقد عرفت غربة التّوحيد الذي هو أوضح من الصّلاة والصّوم ولم يضرّه ذلك، فإذا فهمت قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ، [النّساء، من الآية: 59] .وتحقّقت أنّ هذا حتم على المؤمنين كلّهم فاعلم أنّ مسألة الأوقاف النِّزاع فيها معروف في كتب
(1/377)
________________________________________
المختصرات، وفي شرح الإقناع في أوّل الوقف أنّهم اتّفقوا على صحّة الوقف في المساجد والقناطر، يعنِي بقعهما لا الوقف عليهما. واختلفوا فيما سوى ذلك.
إذا تبيّن ذلك فأنت تعلم أنّ الرّسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ".وفي لفظٍ: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ". وتقطع أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يأمر بهذا ولو أمر به لكان الصّحابة أسبق النّاس إليه وأحرصهم عليه، وتقطع أيضاً أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أتى بسدّ الذّرائع، وهو من عظم الأشياء ذريعة إلى تغيير حدود الله، هذا على تقدير أنّ العالم المنسوب إليه هذا يصحّح مثل أوقافنا وأنَّى ذلك وحاشا وكلا، بل إنّهم يبطلون الوقف الذي يقصد به وجه الله على أمرٍ مباحٍ ويقولون لا بدّ منه على أمر قربة، وأمّا كونه جعل ماله بعد الورثة على برّ فهذا لا يكون إلاّ بعد انقراضهم وعادتنا نفتي ببطلان مثل هذا. ولا نلتفت إلى هذا المصرف الثّاني. وذكر بطلان مثل هذا في الشّرح الكبير وغيره.
المسألة الثّانية: وهي وقف المرأة على ولدها وليس لها زوج إلى آخره.
فكذلك تعرف أنّ الوقف على الورثة ليس من دين الرّسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولو شرعه لكان أصحابه أسرع النّاس إليه سواء شرط على قسم الله أم لا. وهذا في الحقيقة يريد أمرين:
الأوّل: تحريم ما أحلّ الله لهم من بيعه وهديته والتّصرّف فيه.
والثّاني: حرمان زوجات الذّكور وأزواج الإناث فيشابه مشابهة جيّدة ما ذكر الله عن المشركين في سورة الأنعام، ولكن كون الرّسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لم يأمر به كافٍ في فساده صلحت نيّة صاحبه أم فسدت.
المسألة الثّالثة: إذا لم يعلم هل هذا وقف على مَن يرث أم لا؟ ولكن الإفاضة على أنّه على مَن يرث. فأنا لا أدري شيئاً عن هذه المسألة،
(1/378)
________________________________________
الرّكبان للشّراء منهم ما جلبوه فيلزم منعهم من ذلك.
وأمّا التّزعفر فقد ورد ما يدلّ على جوازه فلا ينكر والحالة هذه.
وأمّا مذهب الخوارج فإنّهم يكفّرون أهل الإيمان بارتكاب الذّنوب ما كان منها دون الكفر والشّرك، وأنّهم قد خرجوا في خلافة عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ، وكفّروا الصّحابة بما جرى بينهم من القتال واستدلّوا على ذلك بآيات وأحاديث. لكنّهم أخطأوا في الاستدلال، فإنّ ما دون الشّرك والكفر من المعاصي لا يكفّر فاعله لكنّه ينهى عنه. وإذا أصرّ على كبيرةٍ ولم يتب منها يجب نهيه والقيام عليه، وكلّ منكرٍ يجب إنكاره من ترك واجبٍ أو ارتكاب محرَّمٍ، لكن لا يكفّر إلاّ من فعل مكفِّراً دلّ الكتاب والسّنة على أنّه كفر. وكذا ما اتّفق العلماء على أنّ فعله أو اعتقاده كفر كما إذا جحد وجوب ما هو معروف من الدّين بالضّرورة، أو استحلّ ما هو معروف بالضّرورة أنّه محرَّم. فهذا مما أجمع العلماء على أنّه كفر إذا جحد الوجوب إلاّ إذا ترك الصّلاة تهاوناً وكسلاً فالمشهور في مذهب أحمد أنّه يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل كافراً. وأمّا الثّلاثة فلا يكفرونه بالتّرك بل يعدونه من الكبائر، وكذلك إذا فعل كبيرة، كما تقدم فلا يكفر عند أهل السّنة والجماعة إلاّ إذا استحلّها.
وأمّا السفر إلى بلاد المشركين للتّجارة فقد عمّت به البلوى، وهو نقص في دين مَن فعله، لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين فينبغي هجره وكراهته. فهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سبّ ولا ضرب، ويكفي في حقّه إظهار الإنكار عليه، وإنكار فعله ولو لم يكن حاضراً. والمعصية إذا وجدت أنكرت على مَن فعلها،
(1/380)
________________________________________
أو رصيها إذا اطّلع عليها.
وأمّا المعاصي التي فيها الحدّ فلا يقيمها إلاّ الإمام أو نائبه.
وأمّا الحدود إذا بلغت السّلطان فالمراد بالسّلطان الأئمة والقضاة ومَن يستنيبهم الإمام ويولّيهم في بلدهم.
وذكرت في جوابي الذي في خاطري مما يوجب اجتماع الكلمة.
والسّلام. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. انتهى.
- 34 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى مَن يصل إليه من الإخوان وفّقنا الله وإيّاهم لسلوك منهج العلم والإيمان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فقد سألنِي بعض الإخوان عن قلب الدَّين على المدين إذا كان له عقار وعوامل ونواضح ونحوها فأجبت بأنّه لا يخلو من ثلاثة أحوال:
الحال الأوّل: أن يضيق المال عن الدَّين، فهذا مفلس في عرف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ إذا سأل غرماؤه الحاكم ولو بعضهم لزمه الحجر عليه في ماله، وذهب جمع من المحقّقين إلى أنّه يكون محجوراً عليه بدون حكم حاكمٍ. وهذا لا يجوز قلب الدَّين عليه بحال لعجزه عن وفاء ما عليه من الدَّين.
الحال الثّاني: أن يكون ماله أكثر من دَيْنه لكنّه لا يقدر على وفاء دَيْنه إلاّ بالاستدانة في ذمته. وهذا يشبه الأوّل، لا يجوز قلب الدَّين عليه؛ لأنّه غير مليء. ولا يخفَى أنّ المليء عند العلماء هو الذي إذا طولب بما عليه بذله من غير مشقّة عليه، وهو الواجد للوفاء.
الحال الثّالث: أن يكون عليه دَين وفي يده مال يقدر على الوفاء من غير استدانة. وهذا مليء ولكن منع بعض العلماء قلب الدَّين عليه حسماً للمادّة وسدّاً للذّريعة.
(1/381)
________________________________________
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وقد سُئل عن المعاملات التي يتوصّل بها إلى الرّبا ـ: فمن ذلك أن يكون المدين معسراً فيقلب الدَّين في معاملة أخرى بزيادة مال وما يلزم ولاة الأمر في هذا.
وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما زاد؟
فأجاب: المراباة حرام بالكتاب والسّنة والإجماع. وقد لعن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ آكل الرّبا، وموكلّه، وكاتبه، وشاهديه، ولعن المحلِّل والمحلَّل له، وكان أصل الرّبا في الجاهلية أنّ الرّجل يكون له على الرّجل المال المؤجَّل فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفاه وإلاّ زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال. فيتضاعف المال والأصل واحد. وهذا الرّبا حرام بإجماع المسلمين.
وأمّا إذا كان هذا هو المقصود لكن توسلوا بمعاملة أخرى فهذا تنازع فيه المتأخّرون. وأمّا الصّحابة فلم يكن منهم نزاع في أنّ هذا محرَّم. والآثار عنهم بذلك كثيرة. والله تعالى حرّم الرّبا لما فيه من ضرر المحتاجين، وأكل المال بالباطل، وهو موجود في المعاملات الرّبوية. فإذا حلّ الدَّين وكان الغريم معسراً لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب عليه الدَّين بل يجب إنظاره. وإن كان موسراً كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره. والواجب على ولاة الأمر بعد تعزير المعاملين بالمعاملة الرّبوية أن يأمروا المدين بأن يؤدّي رأس المال ويسقطوا الزّيادة الرّبوية. فإن كان معسراً وله مغلات يوفي دَينه منها وفَّى دَينه منها بحسب الإمكان. والله تعالى أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
فتأمّلوا قوله: إن كان معسراً وله مغلات، كيف سمّاه معسراً مع وجود عقار يستغله.
ومن صور قلب الدَّين أنّه إذا حلّ أجل ما في ذمّة المدين من الدّراهم وعلم صاحب الدّين أنّه لا يجد دراهم يدفعها إليه. قال له بِعْنِي طعاماً في ذمّتك على كذا وكذا، فيسلم إليه الدّراهم بطعام في ذمّته، فإذا قبض منه
(1/382)
________________________________________
رأس المال ردّها إليه وفاء عن دَينه الأوّل. وحقيقة الأمر أنّ الذي في ذمّة الأول قلبه طعاماً فينمو المال في الذّمّة والأصل واحد، وكذلك بيع دَين السّلم لا يجوز إلاّ بعد قبضه ولو على مَن هو في ذمّته. وهذا قول جمهور العلماء. وهو الأصحّ إن شاء الله.
وأيضاً يذكر لنا أنّكم تعاملون كراء الأرض بحبٍ معلومٍ، وتشرطون على الزّراع جزاء من التّبن. وهذه إجارة يشترط فيها أن تكون الأجرة معلومةً وشرط التّبن شرط شيء مجهول تفسد به الإجارة. وطريق السّلامة من هذا أن تزيدوا في الأجرة شيئاً من الحبّ معلوماً وتتركوا اشتراط التّبن. والسّلام. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- 35 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ جمعان بن ناصر، وفّقه الله وهداه لما يحبّه ويرضاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فالخط وصل، وصلك الله إلى ما يرضيه، واعلم يا أخي أنّ أهمّ الأمور علينا وعليكم وأحق ما يهتم به معرفة التّوحيد الذي هو أصل الإيمان وأساسه والتّمسّك بأوثق عراه، والحبّ في الله والبغض في الله، والموالاة فيه والمعاداة فيه، وتمييز النّاس بما سلف منهم وبما يبدو على صفحات الوجوه وفلتات الألسن، فإنّ من أعظم الأمور خطراً أن يحبّ لهواه ويقرب لدنياه ويبغض لهواه لا لطاعة مولاه فاجعل هذا منكم على بال. أعاذنا الله وإيّاكم من عبادة الرّجال.
وأمّا ما سألت عنه من المسائل الأربع:
فالجواب عن مسألة زوجة
(1/383)
________________________________________
المفقود إذا تعذر الإنفاق عليها من ماله فإنّ لها فسخ نكاحه بحكم حاكم الشرع، فإذا جاز ذلك في حقّ الموجود جاز في حقّ المفقود أيضاً. ولا فرق بينهما وكونه مفقوداً لا يمنع ثبوت الحكم بتعذّر ما يجب لها عليه.
وأمّا مسألة المظاهر فاعلم أنّه يجب على المفتي أن يعتبر شواهد أحواله، فإذا عرف من شاهد الحال أنّه يقدر على أن يصوم شهرين متتابعين فلا يجوز للمفتي أن يفتح له باب الرّخصة في الإطعام بمجرّد قوله: لا أستطيع الصّيام، وشاهد الحال يكذّبه فلا ينتقل إلى الإطعام إلاّ بتحقّق عجزه عن الصّيام.
وأمّا مسألة الشّفعة، فإنّ شريك الأصل أحقّ بالأخذ بها من شريك المصالح ما لم يترك الطّلب بها بغير خلافٍ. نصّ عليه في المغني، والشّرح، والإنصاف وغيرها. وأمّا عيب الجرب فحكمه حكم سائر العيوب، فإذا ادّعى المشتري انتقال المبيع بذلك العيب ولا بيّنة حلف المشتري على ما ادّعاه على الأصحّ. والله أعلم.
- 36 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ جمعان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه، وسرّنا ما ذكرت من طيبك وصحّة حالك، وأخبرك أنِّي ولله الحمد بخير وعافية كذلك الشّيخ عبد الله وإبراهيم أعمامي وعيالي وعيالهم وآل مقرن.
وما ذكرت من حرصك على الزّيارة فأرجو أنّ الله يجمعنا وإيّاكم على خيرٍ وعافيةٍ ويستعملنا وإيّاكم في طاعته.
وما ذكرت من السّؤال: هل المرأة تعاقل الرّجل حتّى تبلغ ثلث ديته الخ؟
فالجواب: أنّ المرأة كالرّجل تساوي جراحها جراحه حتّى تبلغ ثلث
(1/384)
________________________________________
ديته على الصّحيح من المذهب. واستدلّ علماؤنا ـ رحمهم الله ـ في كتبهم بحديث عمرو بن شعيب الذي رواه النّسائي وبكلام سعيد بن المسيّب لربيعة وهو الظّاهر في أنّ المراد الثّلث من دية الرّجل، ولفظ الحديث الذي نقلته من شرح زاد المستقنع هو كما نقلت، وهو كذلك في المنتقى والمحرّر والجامع الصّغير ولفظه: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "عقل المرأة مثل عقل الرّجل حتّى تبلغ الثّلث من ديتها ".رواه النّسائي والدّارقطني. قال الحافظ ابن عبد الهادي في محرره: هو من رواية إسماعيل بن عياش، وهو كثير الخطأ، وعلى تقدير صحّته واستدلال الفقهاء به يحتمل أن يكون الضّمير للمضاف إليه المحذوف، أي: عقل جراح المرأة فهو راجع إلى الجراح، لكونه مفهوماً من الحديث لا إلى المرأة؛ إذ لو كان كذلك لما صحّ الاستدلال على أنّ جراح المرأة مثل جراح الرّجل حتّى تبلغ الثّلث من ديته مع مخالفته لكلام سعيد. وقد استدلّ العلماء بهما معاً على حكمٍ واحدٍ، وذلك ينبِيء عن الاتّفاق في المعنى. والله أعلم.
- 36 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ سعيد بن عيد.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه، والأحوال جميلة بحمد الله، نجملها بالإيمان والتّقوى.
وما ذكرت من حال المرأة النّاشز فقد قال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} ، [النّساء، من الآية: 128] .
وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا
(1/385)
________________________________________
إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} ، [النساء، من الآية: 35] .
فالذي عليه جمهور العلماء في معنى الآية أنّ الحاكم يبعث حكماً ثقة من أهلها، وثقة من قوم الرّجل، فإن حصل بينهما التّوفيق وإلاّ صارا إلى التّفريق. وإذا اتّفقا عليه ففرقا بطلقة أو طلقتين أو ثلاث على حسب ما يريان فهما حكمان من جهة الحاكم، ووكيلان من جهة الزّوجين إذا تراضيا على توكيلهما فلهما التّفريق. وعن الإمام أحمد أنّهما حاكمان يفعلان نصّاً ما يريانه من جمعٍ وتفريقٍ وغيره، ولو لم يرضيا ولا وكلا. وهذا مذهب جمهور العلماء، ولم يذكر العلماء فيما وقفت عليه بذل العوض. والله أعلم.
- 37 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخوين المحبّين: صالح بن محمّد وأحمد بن عتيق، كان الله في عونهما.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط أوصلكما الله إلى ما يرضيه. وما ذكرتما من توزيع الجمل على الجمل والأفراد على الجمل، والأفراد على الأفراد، فهذه الكلّيّة ذكرها الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ في المسح على الخفّين، وفي مسألتكما هذه، وفي الوقف. وأنا أصوّرها في مسألة السّؤال وهي مدّ عجوة، ومن صورها مدّ ودرهم بدرهمين. فالجمهور من الفقهاء قالوا بعدم الجواز بناء على أنّ جملة المدّ والدرهم في مقابلة الدّرهمين، فلم يتميّز ما يقابل الدّرهم من جميع الدّرهمين ولا ما يقابل المدّ. وإنّما الجملة مقابلة للجملة فلا تحصل المماثلة بين الجنس الذي هو لغة للجمل بما يقابل كلّ جنس من جنسه، وكذلك إذا وزعت الأفراد على الجمل كما إذا اعتبر الدّرهم
(1/386)
________________________________________
الذي مع المدّ في مقابلة مجموع الجملة من الدّرهمين والمدّ كذلك، فلم يتميّز ما يقابل الجنس من جنسه، هل هو درهم أو أقل أو أكثر؟ والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل، وذهب شيخ الإسلام كأبي حنيفة إلى الجواز فوزعوا الأفراد على الأفراد فصار الدّرهم يقابل درهماً من غير زيادة المد يقابل الدّرهم الآخر. فجعلت المماثلة والتّساوي في الجنس. وهو مشكل. والله أعلم.
- 38 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ جمعان، منحه الله من العلوم أنفعها ومن الفضائل أرفعها. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فقد وصل إلينا كتابك فاستبان به مرامك وخطابك وسررنا به غاية السّرور، جعله الله تعالى من مكاسب الأجور، وقد سألت فيه أمدك الله عن ثنتَي عشرة مسألة:
أولاها: قول العلماء ـ رضي الله عنهم ـ: فيمَن حرم زوجته الخ؟
فالجواب ـ وبالله التّوفيق، ومنه أستمدّ العون ـ: والتّحقيق تحريم الزّوجة ظهار ولو نوى به طلاقاً أو يميناً. نصّ عليه إمامنا ـ رحمه الله ـ في رواية الجماعة، وهو المذهب. ونقل عنه ما يدلّ على أنّه يمين وفاقاً للثّلاثة ـ رحمهم الله تعالى ـ. وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات والفتاوى المصرية في باب الظّهار بالأوّل، لكن قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في الإعلام: إنّه إن وقع التّحريم كان ظهاراً ولو نوى به الطّلاق، وإن حلف به كان يميناً مكفِّرة. وهذا اختيار شيخ الإسلام، وعليه يدلّ النّصّ والقياس. فإنّه إذا أوقعه كان قد أتى منكراً من القول وزوراً، وكان أولى بكفارة الظّهار مِمَّن شبّه
(1/387)
________________________________________
امرأته بالمحرم، وإذا حلف به كان يميناً من الأيمان كما لو التزم الاعتاق والحجّ. وهذا محض القياس والفقه. انتهى.
قلت: قوله: وإذا حلف كان يميناً إلى آخره، بناء على ما ذهب إليه من أنّ المعلّق للطّلاق على شرط يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام؛ فإنّه يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث، وإن أراد الإيقاع عند وجوب المعلّق عليه طلّقت. وصرح به الشّيخ ـ رحمه الله تعالى ـ في باب تعليق الطّلاق بالشّروط. قال: وكذا الحلف بعتق وظهار وتحريم.
المسألة الثّانية: إذا أحال إنسان على آخر ولم يعلم بذلك حتّى قضاه دَينه أو قضاه مَن أحاله عليه ثانياً. الخ؟
فالجواب: قد برئت ذمّة المدين من الدَّين إذا دفعه إلى صاحبه أو إلى مَن أذن له أن يدفعه إليه لوجوب القضاء بعد الطّلب فوراً، ولا يلزم المدين غرم ما قضاه من الدَّين؛ لأنّ الشّرائع لا تلزم إلاّ بعد العلم فلا تبعة عليه فيما لم يعلم، وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله وقدّس روحه ـ هذه القاعدة وقرّر أدلّتها، فعلى هذا، يرجع مَن أحيل أوّلاً بدَينه على المحيل كما قبل الحوالة. والله أعلم.
المسألة الثّالثة: إذا رهن إنسان زرعه أو نخله ونحوه، فاحتاج الرّاهن لما يصلح الرّهن فطلب من المرتهن أن يداينه لذلك أو يطلق الرّهن لِمَن يداينه لإصلاحه فامتنع، وعلى الرّاهن ضرر؟
فالجواب: أنّ الصّحيح من أقوال العلماء أنّ القبض والاستدامة شرط للزوم الرّهن. قال في الشّر: ولا يلزم الرّهن إلاّ بالقبض، ويكون قبل قبضه رهناً جائزاً يجوز للرّاهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعي. وقال
(1/388)
________________________________________
بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية أنّه يلزم بمجرّد العقد. ونصّ عليه الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ في رواية الميموني. وهو مذهب مال ـ رحمه الله ـ.
ووجه الأولى: قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، [البقرة، من الآية: 283] .فعلى هذا، إن تصرّف الرّاهن فيه قبل القبض بهبةٍ، أو بيعٍ، أو عتقٍ، أو جعله صداقاً، أو رهنه ثانياً بطل الرّهن الأوّل سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرّهن الثّاني أو لم يقبضه. فإن أخرجه المرتهن إلى الرّاهن باختياره زال لزومه وبقي العقد كأنّه لم يوجد فيه قبض. انتهى.
قال في الإنصاف: هذا المهذب وعليه الأصحاب. وعنه أن استدامته في المعيّن ليس بشرط. واختاره في الفائق. انتهى ملخصاً.
فقد عرفت الأصحّ من الأقوال الذي عليه أكثر العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ، فعليه لا ضرر على الرّاهن لبطلان الرّهن بالتّصرّف إذا لم يكن في قبضة المرتهن. وقد ذكر العلماء أيضاً أنّ المرتهن لا يختص بثمن الرّهن إلاّ إذا كان لازماً وما عدا هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ويترتّب على الفتوى به من المفاسد ما لا يتّسع لذكره هذا الجواب.
وليس مع مَن أفتى به إلاّ محض التّقليد. وأنّ العامّة تعارفوه فيما بينهم ورأوه لازماً. وأنت خبير بأنّ هذا ليس بحجّة شرعية، وإنّما الحجة الشّرعية الكتاب والسّنة والإجماع. وهو اتّفاق مجتهدي العصر على حكمٍ ولا بدّ للإجماع من مستندٍ، والدّليل الرّابع القياس الصّحيح، وكذا الاستصحاب على خلاف فيه. فلا إله إلاّ الله، كم غلب على أحكام الشّرع في هذه الأزمنة من التّساهل في التّرجيح. وعدم التّعويل على ما اعتمده المحقّقون من القول الصّحيح. وقد ادّعى بعضهم أنّ شيخناً الإمام شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله تعالى ـ كان يفتي
(1/389)
________________________________________
بلزوم الرّهن، وإن لم يقبض، فاستبعدت ذلك على شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ. ولو فرضنا وقوع ذلك فنحن بحمد الله متمسكون بأصلٍ عظيمٍ وهو أنّه لا يجوز لنا العدول عن قولٍ موافقٍ لظاهر الكتاب والسّنة، لقول أحدٍ كائناً مَن كان. وأهل العلم معذورون وهم أهل الاجتهاد، كما قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ: ما منّا إلاّ راد ومردود عليه إلاّ صاحب هذا القبر، يعنِي رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ثم بعد زعم هذا الزّاعم من الله عليّ بالوقوف على جواب شيخنا الإمام ـ رحمه الله تعالى ـ فإذا هو جار على الأصحّ الذي عليه أكثر العلماء.
وصورة جوابه: أنّ الرّاجح الذي عليه كثير من العلماء ـ رحمهم الله ـ أو أكثرهم أنّ الرّهن لا يلزم إلاّ بالقبض، وقبض كلّ شيء هو المتعارف، فقبض الدّار والعقار هو تسلم المرتهن له ورفع يد الرّاهن عنه. هذا هو القبض بالإجماع، ومَن زعم أنّ قوله مقبوض يصيره مقبوضاً فقد خرق الإجماع مع كونه زوراً مخالفاً للحسّ.
إذا ثبت هذا، فحن إنّما أفتينا بلزوم هذا الرّهن لضرورة وحاجة، فإذا أراد صاحبه أن يأكل أموال النّاس ويخون في أمانته لمسألة مختلف فيها فالرّجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة. فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعاً، وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ فهم لا يلزمون ذلك إلاّ برفع يد الرّاهن وكونه في يد المرتهن. انتهى المقصود.
فذكر ـ رحمه الله تعالى ـ في هذه الفتيا أنّ الرّاجح الذي عليه أكثر العلماء أنّ الرّهن لا يلزم إلاّ بالقبض، وأنّه إنّما أفتى بخلافه لضرورة وحاجة، وأنّه رجع إلى قول الجمهور لما قد ترتّب على خلافه من الخروج من العدل، ومن
(1/390)
________________________________________
الخيانة، وهذا الذي أشار إليه ـ رحمه الله ـ من الخروج عن العدل وأكل أموال النّاس بالباطل والخيانة في الأمانة قد رأيناه عياناً. وسببه الإفتاء بخلاف قول الجمهور في هذه المسألة. وقد قرّر ـ رحمه الله تعالى ـ في هذه الفتيا أنّ قول الجمهور أقرب إلى العدل فلا يجوز أن ينسب إليه غير هذا القول المقرّر هنا. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: إذا استأجر إنسان أرضاً للزّرع أو نحوه ثم رهنه فقصرت الثّمرة عن الدَّين والأجرة وعن الحداد والخراز إلى آخره.
فالجواب: إذا انتفى لزوم الرّهن لعدم القبض أو الاستدامة تحاصوا في الثّمرة وغيرها على قدر الذي لهم؛ لأنّ محلّ ذلك ذمّة المدين وتقديم أحدهم على غيره ترجيح من غير مرجّح، وما اشتهر بين النّاس من تقديم العامل في الزّرع ونحوه بأجرته فلم نقف له على أصلٍ يوجب المصير إليه. والله أعلم.
المسألة الخامسة: إذا دفع إنسان إلى آخر عروضاً مضاربة وجعل قيمتها رأس مال المضاربة هل يجوز هذا أم لا؟
الجواب: يشترط في المضاربة وشركة العنان أن يكون رأس المال من النّقدين، أو أحدهما، وهو المذهب. وعنه رواية أخرى: أنّها تصحّ بالعروض. اختاره أبو بكر وأبو الخطاب وصاحب الفائق وغيرهم. قال في الإنصاف: قلت: وهو الصّواب. فعلى هذه الرّواية يرجع عند المفارقة بقيمة العروض عند العقد كما جعلنا نصابها قيمتها. وسواء كانت مثلية أو غير مثلية. والله أعلم.
المسألة السّادسة: إذا دفع إنسان مالاً مضاربةً وعمل فيه المضارب
(1/391)
________________________________________
ثم تلف من المال شيء بخسارة أو نحوها ثم فسخ المضارب هل عليه أن يعمل فيه حتّى يكمل رأس المال أم لا؟
الجواب: في ذكر القواعد الفقهية عن ابن عقيل ما حاصله: أنّه لا يجوز للمضارب الفسخ حتّى ينض رأس المال ويعلم به ربّه لئلا يتضرّر بتعطيل ماله عن الرّبح. وأمّا المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الرّبح ولا يسقط به حقّ العامل. قال: وهو حسن جارٍ على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسدّ الذّرائع. ولهذا قلنا: إنّ المضارب إذا ضارب الآخر من غير علم الأوّل وكان عليه في ذلك ضرر ردّ حقّه من الرّبح في شركة الأوّل. انتهى.
أقول: مراده بقوله: حتّى ينض رأس المال، يعنِي: به إذا لم ينقص، أمّا إذا نقص فليس على المضارب إلاّ تنضيض ما بقي في يده من رأس المال؛ لأنّ المضاربة عقد جائز، ولا ضمان على المضارب فيما تلف من غير تعدٍ ولا تفريطٍ. الله أعلم.
المسألة السّابعة: هل يلزم صاحب الأصل إذا أكرى أرضه أو شجره عند مَن يجوّز ذلك ما يلزمه في عقد المساقاة من سدّ حائطٍ أو إجراء نهرٍ ونحوه أم لا؟
فالجواب: لم أقف في هذه المسألة للعلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ على نصّ. والله أعلم.
المسألة الثّامنة: ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار ثم اشتراه بعض التّجار من آخذه ثم باعه على آخر الخ؟
فالجواب: أمّا حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليّون فذكر القاضي أبو يعلى ـ رحمه الله تعالى ـ أنّهم يملكونه بالقهر، وهو المذهب عنده.
(1/392)
________________________________________
وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنّهم لا يملكونه، يعنِي: ولو حازوه إلى دراهم. قال في الإنصاف: وهي رواية عن أحمد اختارها الآجري وأبو الخطاب في تعليقه وابن شهاب وأبو محمّد الجوزي وجزم به ابن عبدوس في تذكرته. قال في النّظم:
لا يملكونها في الأظهر
وذكر ابن عقيل في فنونه ومفرداته روايتين، وصحّح فيها عدم الملك، وصحّح في نهاية ابن رزين ونظمها. انتهى.
قال في الشّرح: وهو قول الشّافعي وابن المنذر لحديث ناقة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ؛ ولأنّه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب. ولأنّ مَن لا يملك رقبة غيره لا يملك ماله به، أي: بالقهر، كالمسلم مع المسلم.
ووجه الأولى: أنّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع، فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دراهم. وهو قول مالك.
وذكر القاضي أنّهم إنّما يملكونها بالحيازة إلى دراهم. وهو قول أبي حنيفة. وحكي عن أحمد في ذلك روايتان. قال ابن رجب: ونصّ أحمد أنّهم لا يملكونها إلاّ بالحيازة إلى دراهم. فعليها يمتنع ملكهم لغير المنقول كالعقار ونحوه؛ لأنّ دار الإسلام ليست لهم داراً وإن دخلوها، لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أنّ أحمد لم ينصّ على الملك؛ ولا على عدمه، وإنّما نصّ على أحكام أخذ منها ذلك. قال: والصّواب أنّهم يملكونها مقيداً لا يساوي أملاك المسلمين من كلّ وجهٍ. انتهى.
قلت: قد صرّح في كتاب الصّارم والفتاوى المصرية وغيرها أنّ القيد المشار إليه هو إسلام آخذها. ونصّه: ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلمٍ، قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه كان له ملكاً ولم يردّه إلى الذي
(1/393)
________________________________________
كان يملك عند جماهير العلماء من التّابعين ومن بعدهم، وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الرّاشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص أحمد ـ رحمهم الله ـ. وهو قول جماهير أصحاب أحمد بناء على أنّ الإسلام والعهد قرّر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكاً له فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحقّها. قال في الاختيارات: قال أبو العبّاس: وهذا يرجع إلى أنّ كلّ ما قبضه الكفّار من الأموال قبضاً يعتقدون جوازه فإنّه يستقرّ لهم بالإسلام. قال: ومن العلماء مَن قال يرده على مالكه المسلم، وهو قول الشّافعي وأبي الخطاب بناء على أنّ اغتنامهم فعل محرّم ولا يملكون به مال المسلم؛ كالغصب؛ ولأنّه لو أخذه منهم المسلم أخذاً لا يملك به مسلم من مسلم؛ بأن يغنمنه أو يسرقه فإنّه يرد إلى مالكه المسلم لحديث ناقة النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وهو مما اتّفق النّاس فيما نعلمه. ولو كان قد ملكوه لملكه الغانم منهم ولم يرد إلى مالكه. انتهى. واختار أنّ الكافر يملكه بالإسلام عليه.
أقول: تأمّل ما ذكره شيخ الإسلام من حجّة الشّافعي وموافقيه على أنّ الكفّار لا يملكون أموال المسلمين فلو كان الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء أو بالحيازة إلى داره لم يردّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ على ابن عمر عبده وفرسه التي كان أخذها العدوّ لما ظهر عليهم المسلمون، فلو لم يكن باقياً على ملك ابن عمر لم يرد إليه وليس لتخصيصه بذلك دون سائر الغانمين معنى غير ذلك. وعمل بذلك أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بعده، والأحاديث في ذلك مشهورة في كتب الأحكام وغيرها.
قال البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه: (باب إذا غنم المسلمون مال مسلم ثم وجده المسلم) ، قال ابن نمير: حدّثنا
(1/394)
________________________________________
عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: ذهب فرس له فأخذه العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّ عليه في زمن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وأبق عبد له فلحق بالرّوم فظهر عليهم المسلمون فردّه عليه خالد بن الوليد بعد النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ثم ساقه بسنده متّصلاً.
وما استدلّ به القائلون بأنّهم يملكونها بالقهر من أنّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فملك به الكافر مال المسلم. فهذا قياس مع الفارق لا يصحّ دليلاً لو لم يكن فيه مقابلة الأحاديث، فكيف والأحاديث تمنعه؟!
ولو لم يكن مع الشّافعي وأبي الخطاب وابن عقيل فيما صحّحه من الرّوايتين، ومَن وافقهم كابن المنذر إلاّ حديث مسلم: أنّ قوماً أغاروا على سرح النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أياماً ثم خرجت في بعض اللّيل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلاّ رغت حتّى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجّهت إلى المدينة ونذرت إن نجّاني الله عليها أن أنحرها، فلمّا قدمت المدينة استعرفت النّاقة فإذا هي ناقة النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فأخذها فقلت: يا رسول الله إنِّي نذرت أن أنحرها قال: " بئس ما جازيتها، لا نذر في معصية الله ".وفي روايةٍ: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم".هذا هو الحديث المشار إليه فيما تقدم.
وقد عرفت من كلام شيخ الإسلام المتقدم أنّ من العلماء مَن قال: يرده على مالكه المسلم ولو أسلم عليه وعزاه إلى الشّافعي وأبي الخطاب. وذكر ما يدلّ لهذا القول. وأنا أذكر ما يدلّ لذلك أيضاً. وإن لم يذكره شيخ الإسلام. وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر، قال: كنت عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فأتاه رجلان يختصمان في أرضٍ. فقال أحدهما: إنّ هذا انْتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن
(1/395)
________________________________________
عبدان، قال:" بيّنتك؟ "، قال: ليس لي بيّنة. قال:"يمينك".قال: إذاً يذهب بها؟ قال:"ليس لك إلاّ ذلك ".الحديث.
وأمّا حكم ما أخذه المسلمون منهم مِمّا قد أخذوه من مال المسلم فالجمهور من العلماء يقولون: إذا علم صاحبها قبل قسمها ردّت إليه بغير شيءٍ. قال في الشّرح في قول عامّة أهل العلم منهم عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والنّخعي واللّيثي والثّوري ومالك والأوزاعي والشّافعي وأصحاب الرّأي. وحجّتهم ما تقدم من قصة ابن عمر. قال في الشّرح: وكذلك إذا علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسم وجب ردّه وصاحبه أحقّ به بغير شيء؛ لأنّ قسمته كانت باطلةً من أصلها، فهو كما لو لم يقسم.
فأمّا إن أدركه بعد القسم ففيه روايتان:
إحداهما: يكون صاحبه أحقّ به بالثّمن الذي حسب به على آخذه. وكذلك إن بيع ثم قسم بثمنه، فهو أحقّ به بالثّمن. وهذا قول أبي حنيفة والثّوري والأوزاعي ومالك. لئلا يفضي إلى حرمان آخذه من الغنيمة أو تضييع الثّمن على المشتري. يعنِي: من الغنيمة وحقّهما ينجبر بالثّمن، فيرجع صاحب المال في غير ماله بمنْزلة مشتري الشّقص المشفوع.
والرّواية الثّانية: أنّه لا حقّ له فيه بعد القسمة بحالٍ. نصّ عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره. وهو قول عمر وعلي وسلمان بن ربيعة وعطاء والنّخعي واللّيث. وقال الشّافعي وابن المنذر: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح؛ لأنّه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحقّه بغير شيءٍ كما قبل القسمة, ويعطى من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان آخذه حقّه من الغنيمة. وجعل من سهم المصالح؛ لأنّ هذا منها، فإن أخذه أحد الرّعية بهبةٍ أو سرقةٍ أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به بغير شيءٍ. وقال
(1/396)
________________________________________
أبو حنيفة: لا يأخذه إلاّ بالقيمة، وهو محجوج بحديث ناقلة النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ المتقدّم؛ ولأنّه لم يحصل في يده بعوضٍ فصار صاحبه أحقّ به بغير شيءٍ كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة.
فأمّا إن اشتراه رجل من العدوّ فليس لصاحبه أخذه إلاّ بثمنه. وهذا كلّه إنّما هو في الكافر الأصلي.
وأمّا المرتد فلا يملك مال المسلم بحال عند جميع العلماء، ولا يعلم أحد قال به. وقد تتبعت كتب الخلاف كالمغني والقواعد والإنصاف وغيرها فما رأيت خلافاً في أنّه لا يملكه، وإنّما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفةٍ ممتنعةٍ أو لحق بدار حربٍ، والمذهب أنّه يضمن ما تلف في يده مطلقاً، فافهم ذلك، فالمسلم يأخذ ماله من المرتدّ أو مِمَّن انتقل إليه بعوضٍ أو غيره بغير شيءٍ. وما تلف في يد المرتدّ من مال المسلم أو تلف عند مَن انتقل إليه من جهة المرتد فهو مضمون كالمغصوب.
ثم اعلم أنّه قد يغلط مَن لا تمييز عنده في معنى التّلف والإتلاف فيظنّ أنّه إذا استنفق المال أو باعه أو وهبه ونحو ذلك يعدّ إتلافاً، وليس كذلك بل هنا تصرّف وانتفاع.
وقد فرّق العلماء ـ رحمهم الله ـ بين هذا وبين الإتلاف. ومن صور الإتلاف والتّلف أن يضيّعه أو يضيّع أو يسرق أو يحرق أو يقتل ونحو ذلك. فإن كان بفعله فهو إتلاف، وإن كان بغير فعله فهو بالنّسبة إليه تلف يترتّب عليه أحكام ما تلف بيده، وبالنّسبة إلى الفاعل إتلاف. وضابطه: فوات الشّيء على وجه لا يعدّ من أنواع التّصرف.
إذا عرفت أنّ حكم المرتدّ يفارق حكم الكافر الأصلي. فاعلم أنّه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فيمَن اشترى مال مسلمٍ من التتر لما دخلوا الشّام إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح وأعطي مشتريه ما اشتراه به؛ لأنّه لم
(1/397)
________________________________________
يصر لها إلاّ بنفقته، وإن لم يقصد ذلك. انتهى من الإنصاف.
وسُئِل أيضاً عمَّن اشترى فرساً ثم ولدت عنده حصاناً وأخذ السّلطان الفرس وأهدى الحصان لرجلٍ فأعطاه عوضه ثم ظهرت الفرس أنّها كانت مكسوبة نهباً من قوم فهل يحرم ثمن الحصان؟
فأجاب: إن كان صاحب الحصان معروفاً ردّت إليه فرسه ورجع المشتري بالثّمن على بائعه ويرجع عليه بقيمة الحصان، أو قيمة نصفه الذي يستحقّه صاحبه لكونه غرّه. وإن كانت مكسوبة من التّتر أو العرب الذين يغيّر بعضهم على بعضٍ فيأخذ هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، ولم يعرف صاحبها لم يحرم على مهدي الحصان عوض هديته. والله أعلم.
وقد صرّح شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ بأنّ هذا المنهوب يردّ إلى صاحبه أو قيمته إن تصّرف فيه ويرجع المشتري بالثّمن على البائع. وأنّه إن لم يعرف صاحب ما أخذ من التّتر والعرب لم يحرم عليه عوضه. فمفهومه أنّه إن عرف صاحبه فعوضه حرام على مَنِ اعتاض عنه لكونه ظهر مستحقّاً لمسلمٍ معصومٍ. وهذا أيضاً يفيده ما تقدم من قوله فيمَن اشترى مال مسلم من التّتر إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح ... الخ. وهو صريح في أنّ التّتر لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء والحيازة. ومن المعلوم أنّ التّتر من أعظم النّاس كفراً لما جمعوه من المكفِّرات في الاعتقادات والأعمال. ومع ذلك قال شيخ الإسلام: يردّ ما أخذوه لصاحبه المسلم من غير أن يدفع إلى مشتريه منهم شيئاً كما يفيده الجواب الثّاني. ولم يقل فيه إنّه لا يحرم على مَن اعتاض عن الحصان شيئاً إلاّ بقيد عدم معرفة صاحبه بناء على أصله في الأموال التي جهلت أربابها. ولذلك قال في المكوس: إذا أقطعها
(1/398)
________________________________________
الإمام الجند، هي حلال لهم إذا جهل مستحقّها.
وبهذا يظهر الجواب عن المسألة التّاسعة، وهو أنّ ما وقع في هذه السّنين من النّهب والظّلم يردّ ما وجد منه إلى مالكه من غير أخذ ثمنٍ ولا قيمةٍ. وحكم يد المشتري منهم حكم الأيدي المترتّبة على يد الغاصب لما تقرّر من أنّ الخلاف إنّما جرى في حقّ الكافر الأصلي.
وأمّا المرتدّ ونحوه فالقول بأنّه لا يملك مال المسلم مسألة وفاق. وقد ذكر شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ في الفتاوى المصرية ما يفهم به الفرق بين الكافر الحربي والمرتدّ. فقال: وإذا قدر على كافرٍ حربيٍ فنطق بالشّهادتين وجب الكفّ عنه بخلاف الخارجين عن الشّريعة؛ كالمرتدّين الذين قاتلهم أبو بكر ـ رضي الله ـ والتّتر وأمثال هؤلاء الطّوائف مِمَّن نطق بالشّهادة ولا يلتزم شعائر الإسلام. وأمّا الحربي فإذا نطق بها كفّ عنه.
وقال أيضاً: ويجب جهاد الكفّار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأموالهم باتّفاق المسلمين، ويجب على المسلمين أن يكونوا يداً واحدة على الكفّار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله. انتهى.
فيعلم ما تقرّر أنّ الأموال المنهوبة في هذه السّنين غصوب يجري فيها حكم الغصب، وما يترتّب عليه. وبهذا أفتى شيخنا الشّيخ عبد الله بن شيخنا الإمام محمّد ـ رحمهم الله ـ. وأفتى به الشّيخ محمّد بن عليّ الشّوكاني قاضي صنعاء اليمن، وما ظننت أنّ أحداً له أدنى ممارسة في العلم يخالف ذلك. والله أعلم.
المسألة العاشرة: قال السّائل: وجدت نثلاً عن الإقناع وشرحه: إذا ذبح السّارق المسلم أو الكتابي المسروق مسمياً حلّ لربّه ونحوه أكله
(1/399)
________________________________________
ولم يكن ميته كالمغصوب. انتهى. قال السّائل: وهل هذا إلاّ مغصوب ويعارضه حديث عاصم بن كليب عن أبيه ... الخ؟
الجواب: لا معارضة؛ إذ ترك رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وأصحابه الأكل منها لا يدلّ على أنّها ميتة من وجوه:
منها: أنّها ليست ملكاً لهم، ولا لِمَن ذبحها فهي وإن حرمت عليهم فلا تحرم على مالكها، ولا مَن أذن له مالكها في الأكل منها، ويحتمل أنّه ترك الأكل منها تنَزُّهاً. ويدلّ على حلّها بهذه الذّكاة قوله:"أطعميه الأسارى".وهو لا يطعمهم ميتة. وقوله: كالمغصوب، راجع لقوله: حلّ، لا لقوله: ميتة شبه بذح الحيوان المغصوب في الحلّ لا في الحرمة. والله أعلم.
المسألة الحادية عشرة: إذا كان لإنسان على آخر دَين من طعامٍ أو نحوه فأشفق في الوفاء فطلب غريمه أن يعطيه الثّمرة عن ماله في ذمّته فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: قال البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه: (باب إذا قاص أو جازفه في الدَّين فهو جائز) .زاد في رواية كريمة: تمراً بتمرٍ، أو غيره. وساق حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أنّ أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقاً لرجلٍ من اليهود فاستنظره جابر فأبَى ينظره، فكلّم جابر رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ليشفع له إليه فجاء رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فكلّم اليهود ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى ... الحديث. وبه استدلّ ابن عبد البرّ وغيره من العلماء ـ رحمهم الله ـ على جواز أخذ الثّمر على الشّجر عمّا في الذّمّة إذا علم أنّه دون حقّه إرفاقاً بالمدين، وإحساناً إليه، وسماحة بأخذ الحقّ ناقصاً وترجم البخاري ـ رحمه الله ـ بهذا الشّرط فقال: (إذا قضى دون حقّه أو حلّله فهو جائز) .ساق
(1/400)
________________________________________
حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أيضاً.
فأمّا إذا كان يحتمل أنّه دون حقّه أو مثله أو فوقه، فهذا غير جائزٍ أن يأخذ عمّا في الذّمّة شيئاً مجازفة، أو خرصاً لاسيما إذا كان دَين سلم. لما روى البخاري وغيره عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:" مَن أسلف في شيءٍ فليسلف في كيلٍ معلومٍ أو وزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ ".ومضمون هذا الحديث عام. وبه أخذ الجمهور. وقد يقال: إنّ قضيّة جابر قضية عينٍ لا عموم لها. ويترجّح المنع سدّاً للذّريعة لاسيما في هذه الأوقات لكثرة الجهل والجراءة بأدنَى شبهة. والله أعلم.
المسألة الثّانية عشرة: ما حكم الباطل والفاسد عند أهل الأصول الخ؟
الجواب: هما مترادفان عند الأصوليّين والفقهاء من الحنابلة والشّافعية. وقال أبو حنيفة: إنّهما متباينان؛ فالباطل عنده: ما لم يشرع بالكلّيّة؛ كبيع المضامين والملاقيح. والفاسد؛ ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصفٍ محرّمٍ؛ كالرّبا. وعند الجمهور كلّ ما كان منهيّاً عنه إمّا لعينه أو وصفه ففاسد وباطل، لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التّفرقة بين ما أجمع على بطلانه وما لم يجمع عليه، فعبّروا عن الأوّل بالباطل وعن الثّاني بالفاسد ليتميّز هذا من هذا، لكون الثّاني تترتّب عليه أحكام الصّحيح غالباً، أو أنّهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التّعبير؛ لأنّ من عادة الفقهاء من أهل المذاهب ـ رحمهم الله تعالى ـ مراعاة الخروج من الخلاف. وبعضهم يعبّر بالباطل عن المختلف فيه مراعياً للأصل. ولعلّ مَن فرّق بينهما في التّعبير لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلاً فلا اختلاف.
ومثل ذلك: خلافهم في الفرض والواجب. قال في القواعد الأصولية: إنّهما مترادفان شرعاً في أصحّ الرّوايتين عن أحمد.
(1/401)
________________________________________
أختارها جماعة منهم: ابن عقيل. وقاله الشّافعية. وعن أحمد الفرض آكد اختارها جماعة. وقاله الحنفية. فعلى هذه الرّواية؛ الفرض ما ثبت مقطوع به وذكره ابن عقيل عن أحمد. وقيل: ما لا يسقط في عمدٍ ولا سهوٍ. وحكى بدليل ابن عقيل عن أحمد رواية أنّ الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسّنة.
وفائدة الخلاف: أنّه يثاب على أحدهما أكثر. وأنّ طريق أحدهما مقطوع به والآخر مظنون. ذكره القاضي. وذكرهما ابن عقيل على الأوّل, قال غير واحد: النِّزاع لفظي، وعلى هذا الخلاف ذكر الأصحاب مسائل فرّقوا فيها بين الفرض والواجب. والله أملم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
وقال شيخنى ووالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن في أثناء كلامٍ له: وأمّا ما ذكرت من عقد المساقاة، هل هو جائز أو لازم؟
فالصّحيح اللّزوم، وهو الذي عليه الفتوى من زمن شيخنا شيخ الإسلام محمّد، ومن أخذ عنه، لا يختلف فيه انثان منهم، واستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن. وهو الصّواب. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ. وقول بعض متقدمي الأصحاب إلاّ أنّه عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة، فيفتقر إلى ضرب مدّة. وأمّا ما ذكره الفقهاء من أنّ مؤنة ردّ مبيع تقايلاه على بائعه فهو المشهور. والسّلام.
وقال أيضاً: وأمّا قوله في النّخل أن تحمرّ أو تصفرّ، فهو هذا الذي نراه. وذلك انقلابه بعد الخضرة إلى الحمرة والصّفرة. وأمّا أخذ بعض دَين السّلم خرصاً فالجمهور على المنع. وذكر ابن عبد البرّ ـ رحمه الله ـ عن بعض العلماء أنّه يجوز إذا أخذ دون حقّه. وبه أفتى شيخنا الشّيخ عبد الله بن الشّيخ محمّد رحمهما الله تعالى.
وأمّا المسألة الثّانية: الذي ينبت على ماء المستأجر بغير إذن المالك
(1/402)
________________________________________
فهو للكداد، فإن أراد المالك أخذ بقيمته إذا تراضيا جاز ذلك، وإن قال: أقلعه فيقلعه. والسّلام.
وما ذكرت من أمر مواريث كان في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرّفون فيها تصرّف الملاّك.
فالجواب: أنّ الذي استقرّت عليه فتوى شيخنا شيخ الإسلام إمام هذه الدّعوة الإسلامية أنّ العقار ونحوه إذا كان في يد إنسانٍ يتصرّف فيه تصرّف المالك من نحو ثلاث سنين فأكثر ليس له فيه منازع في تلك المدّة أنّ القول قوله أنّه يملكه؛ إلا أن تقوم بيّنة عادلة تشهد بسبب وضع اليد أنّه مستعير أو مستأجر ونحو ذلك. وأمّا الأصل فلا يلتفت إليه هذا الظّاهر. فقدم شيخنا ـ رحمة الله عليه ـ الظّاهر هنا على الأصل لقوّته وعدم المعارض. والله أعلم.
- 39 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى المكرّم عثمان بن عيسى سلّمه الله.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل خطك وصلك الله إلى خيرٍ والمحبّ بخير وعافية، ويحمد إليك الله لا إله غيره ولا ربّ سواه، وخواص إخوانك بخيرٍ وعافيةٍ، جعلنا الله وإيّاكم مِمَّن عرف النّعمة وقدرها، وشكر الله تعالى عليها بالاعتراف بها والذّلّ والخضوع والعبودية لمسديها. آمين.
وتسأل عمَّن نفر من الحجّ ولم يطف طواف الزّيارة والسّعي ثم أراد السّفر لقضاء ما تركه فهل له إذا وصل إلى الميقات أن يحرم بعمرة مفردة ثم يأتي بما بقي عليه، وهل يجوز
(1/403)
________________________________________
إن كان الوقت لم يتّسع أن يحرم بالحجّ فإذا فرغ من أعماله أتى ببقيّة أعمال حجّه الأوّل؟ هذا ملخص السّؤال.
الجواب: قال في شرح المنتهى: فلو تركه، أي: طواف الزّيارة وأتى بغيره من فرائض الحجّ وبَعُدَ عن مكّة مسافة القصر رجع إلى مكّة معتمراً فأتى بأفعال العمرة ثم يطوف للزّيارة انتهى.
وهذه مسألة السّائل أحد جزئياتها فيحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحجّ، فإذا فرغ من أعمالها أتى بما تركه من طوافٍ وسعيٍ. أمّا إذا ضاق الوقت بأن لم يمكنه قدوم مكّة قبل الوقوف فيحرم قارناً أو مفرداً، فإذا رمى جمرة العقبة وأفاض إلى مكّة وطاف طواف الزّيارة وسعى بعده رجع إلى البيت فأتى بما تركه عام أوّل من طواف وسعي. فإن قدم الطوّاف والسّعي الذي تركه على طواف حجّه الذي هو في أعماله جاز ذلك؛ لأنّ وقت طواف الزّيارة والسّعي موسّع فمتى فعله وقع أداء. هذا ما تقتضيه قواعد مذهبنا وأصوله وغير مأمور.
سلّم لنا على حمد بن فارس وحمد بن عبد الجبار وابن ناجم وخواص الأخوان. ومن عندنا خواص الأخوان وفيصل وآل الشّيخ وإبراهيم وابنه وكاتبه ناصر العربي يسلّم وأنت في أمان الله. والسّلام.
- 40 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ عثمان بن بشر، سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا طيبك وصحّة حالك
(1/404)
________________________________________
عافانا الله وإيّاكم من كلّ سوء، وأعاذنا وإيّاكم من ولاة السّوء. والإمام وآل الشّيخ وخواص الأخوان تسرك حالهم كذلك طلبة العلم نبشّرك أنّهم كثيرون ويا أخي؛ المؤمن مرآة أخيه. جعلنا الله وإيّاكم من المؤمنين.
وخطك سرّني من وجه وساءني من وجهٍ. وهو السّجع والمجازفة في المدح. فيا أخي لسنا مستحقّين لشيءٍ من ذلك فلا تعالمنا بمثل ذلك دعوة صالحة خير كلمة اشتهرت على الألسنة من غير قصدٍ. وهو قول الكثير في المكاتبات إذا سأل الله شيئاً قال، وهو القادر على ما يشاء. وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شراً وكلّ ما في القرآن: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، [المائدة، من الآية: 120] .وليس في الكتاب والسّنة ما يخالف ذلك أصلاً؛ لأنّ القدرة شاملة كاملة، وهي والعلم صفتان شاملتان يتعلقان بالموجودات والمعدومات. وإنّما قصد أهل البدع بقولهم، وهو القادر على ما يشاء، أي: إنّ القدرة لا تتعلّق إلاّ بما تعلّقت المشيئة به.
وأمّا الرّجل الذي ذكرت لي عند فالذي ذكرت عنه من طرف الشّيخ ـ رحمه الله ـ والثّناء عليه ودعوته التي أنعش الله بها الخلق الكثير والجم الغفير في آخر هذا الزّمان والمشار إليه ما نظنّ فيه إلاّ بحسن الرّأي في ذلك. بقي أنّ هنا أموراً جزئية ينبغي من صاحب المقام التّخلّق بغيرها. وأمّا الأمر الذي عمت به البلوى فالسّالم منه قليل نادر، نسأل الله التّوفيق لحسن المتاب، وأمّا ما يقول النّاس من الكذب والافتراء لأجل أغراضهم الدّنيوية؛ فهذا طبعهم خصوصاً في هذه الأوقات والذي يصدق النّاس فيما نقلوه من الأوهام والأكاذيب يتعب ويأثم.
وبلغ إخوانك السّلام، ومن لدينا الإمام ومَن ذكرنا وكاتبه عبد العزيز بن موسى ينهون السّلام. وأنت سالم. والسّلام.
(1/405)
________________________________________
- 41 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وجدت بخط الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله ـ ما صورته:
مسألة: هل (عَلَيَّ الطّلاق) ، صريح أو كناية؟
أجاب بما لفظه: إنّ (عليّ الطّلاق) صريح كما قاله الضّمري. قال العلاّمة زكريا: وهو الأوجه. بل قال الزّركشي: إنّه الحقّ في هذا الزّمن لاشتهاره في معنى التّطليق. فقول ابن الصّلاح في فتاويه: إنّه لا يقع به شيء محمول على أنّه لم يشتهر في زمنه، ولم ينو به الطّلاق. وقال الرّوياني في البحر عن المزني: إنّه كناية. انتهى. والمعتمد أنّه صريح وإن جرى شيخنا العلاّمة المزني في عبابه على أنّه كناية. والله أعلم. انتهى من فتاوى ابن زياد.
مسألة: رجل أسلم إلى آخر في طعامٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ثم طلب المستحقّ المذكور من المستحقّ عليه المذكور أن يبيع عليه أرضاً يملكها بدَين السّلم المذكور في مجلس عقد السّلم فهل يصحّ البيع أم لا؟
الجواب: لا يصحّ البيع المذكور؛ لأنّه اعيتاض عن دَين السّلم، وهو غير صحيحٍ. والله أعلم.
- 42 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
رأيت في فتاوى الإمام عبد الكريم بن زياد الشّافعي ـ رحمه الله تعالى ـ ما لفظه:
وأمّا الوقف على الذّكور من الأولاد دون الإناث فقد عمّ في جهة الجبال لاسيما الجهة الوصابية والقرائن مشعرة بقصد حرمانهن بل ربّما يصرّحون بذلك، فالواجب القيام في إبطال هذا الوقف، وإن كنّا لا نشترط
(1/406)
________________________________________
القربة في الوقف لقيام القرينة الدّالّة على قصد الحرمان الذي هو معصية. ومِمَّن أفتى ببطلان الوقف على الذّكور دون الإناث العلامّة الكمال الرّداد، وغيره. وقد أفتيت به مراراً. والله أعلم. اهـ.
ورأيت في موضعٍ آخر من فتاواه أيضاً: اعلم أنّ العلاّمة الكمال الرّداد المعول عليه في الإفتاء في عصره أفتى ببطلان هذا الوقف المقترن بقصد الحرمان مع اطّلاعه على مقتضى كلام الشّيخين، وإنِّي أفتي بالبطلان لوجود المعصية، وهذا لا يخالف فيه الشّيخان ولا غيرهم، فالوقف باطل عند الشّيخين وغيرهم، وينتقض الحكم بصحّته ولا يخلو هذا القاضي من ارتكاب هوى أو عدم تأمّل لما أفتى به العلاّمة الكمال الرّداد. وكيف يسع الرّداد أن يفتي بالبطلان ويخالف الشّيخين والأكثرين كما زعم هذا الزّاعم. وهذا مما لا يجوز اعتقاده فنعوذ بالله من نسبة العلماء إلى مثل ذلك.
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السّقيم
فائدة: قال شيخنا الوالد الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ـ رحمه الله تعالى ـ تحت رسالة أعماله من مسائل الرّبا والحيل المحرّمة: إنّ الأعمام ـ رحمهم الله تعالى ـ اختاروا بعد ذلك عدم التّفصيل خوفاً من الاسترسال، وردع العامّة الذين لا يحسنون التّفصيل ولا يفهمون الشّروط إلى الوقوع في الرّبا الصّريح فحسموا المادّة حسماً تامّاً. انتهى كلامه رحمه الله وعفا عنه.
(1/407)
________________________________________
رسائل وفتاوي للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن محسن
...
رسائل وفتاوى
الشّيخ عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن بن حسن بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمهم الله جميعاً ـ.
- 1 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم زيد بن محمّد، سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
نحمد الله إليك الذي لا إله إلاّ هو على نعمه. جعلنا الله وإيّاك من الشّاكرين الصّابرين.
جاءنا منك خط وعادة الإخوان يتفقد بعضهم بعضاً لاسيما في أوقات الفتن التي تموج، وعند الحوادث التي هي على الأكثر تروج، وأوصيك بتقوى الله تعالى، والقوّة في دينك ونشر العلم خصوصاً في كشف الشّبهة التي راجت على مَن لا بصيرة له، ولم يفرّق بين البغاة والمشركين، ولم يدر أن نصر مَن استنصر من أهل الملّة على أهل الشّرك واجب على أهل الإيمان والدِّين. قال تعالى فيمَن ترك الهجرة واستنصر بالمؤمنين: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} ، [الأنفال، من الآية: 72] .
ومن عقيدة أهل السّنة: أنّ الجهاد ماضٍ مع كلّ إمامٍ برٍّ أو فاجرٍ إلى يوم القيامة. واكتب لي جواباً يكون عوناً على البرّ والتقوى. وردعاً لأهل الجهل والهوى، وبلّغ سلامنا الشّيخ حسين وحسين وحسين ورشيد ورشيد وخواص الأخوان. ومن لدينا العيال بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام.
(1/408)
________________________________________
وله ـ رحمه الله تعالى ـ رسالة إلى زيد بن محمّد أيضاً وهذا نصّها:
- 2 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ زيد بن محمّد سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فأحمد إليك الله على إنعامه، والخط وصل وسرّنا سلامتك وعافيتك، وتعرف أنّ زمانك أشبه بزمن الفترات، وقلَّ مَن يعرف حقيقة الإسلام فضلاً عَمَّن يعمل به، ولله على مثلك عبودية هي من أفرض الفرائض وأجوب الواجبات، فلا تغفل عن نفسك ومعرفة ما أنت طالب به. {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، [الحجر الآيتان: 92-93] .وبلّغ عمّك وأولادك وأولاده السّلام. كذلك إخواننا في الله والوالد والعيال بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام.
وله ـ رفع الله درجاته وتجاوز عن سيّئاته ـ رسالة إلى زيد بن محمّد آل سليمان أيضاً وهذا نصّها:
- 3 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المحبّ زيد بن محمّد ـ زاده الله علماً ووهب له حكما.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو على سوابغ نعمه، والخط وصل وبه الأنس حصل؛ حيث أفاد سلامة مَن نحب ونشفق عليه.
(1/409)
________________________________________
وما ذكرت من عدم المكاتبة فليس ذلك عن إهمالٍ، وإنّما كثرة الاشتغال وتشتت البال، وعدم الشّعور بأكثر القادمين إليكم، والسّؤال عنكم كثير، والدّعاء لكم غير قليلٍ، أرجو أنّه في ذات الله ولجلاله. وما ذكرت من حال أكثر النّاس وأنّهم دخلوا في الفتنة ولا أحسنوا الخروج منها، فالأمر كما وصفت. ولكن ذكر الحافظ الذّهبي أنّ حسيناً الصّائغ قال للإمام أحمد: سألت أبا ثور عن اللّفظية، فقال: مبتدعة. فغضب أحمد وقال: اللّفظية جهمية من أهل الكلام، ولا يفلح أهل الكلام أو كما قال؛ فأنكر على أبي ثور التّساهل في الإنكار، ورأى أنّ تعظيم الأمر والنّهي يقتضي غير ذلك من ذكر أوصافهم الخاصّة الشّنيعة، والغلظة في كلّ مقامٍ بحسبه. وفتنة البغي فتحت ناب الفتنة بالشّرك والمكفرّات ووصل دخنها وشررها جمهور من خاصّ فيها من منتسب إلى العلم وغيره. والخلاص منها عزيز إلاّ مَن تداركه الله وردّه إلى الإسلام. ومَنَّ عليه بالتّوبة النّصوح وعرف ذنبه. وبلّغ سلامنا الأولاد والأخوان، ومن لدينا عبد العزيز وإخوانه وإسماعيل وإخوانه ينهون إليك السّلام. وأنت سالم. والسّلام.
وله أيضاً ـ قدّس الله روحه ونوّر ضريحه ـ رسالة إلى زيد بن محمّد آل سليمان، وهذا نصّها:
- 4 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم المحبّ زيد بن محمّد آل سليمان، حفظه الله تعالى من طوائف الشّيطان، وجعلنا وإيّاه من أوعية العلم والإيمان، وحرسنا وإيّاه من مضلات الفتن وتلاعب الشّيطان.
(1/410)
________________________________________
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلّ شيءٍ قدير. وأسأله اللّطف بنا وبكم، وبكافّة المسلمين عند كلّ كربٍ عسيرٍ، وقد بلغكم خبر الوقعة التي جرت على إخوانكم وتفاصيلها عن ألسن القادمين. وقد لطف الله بنا ودفع ما هو أشدّ وأعظم من استباحة البيوت والمحارم حين صارت الهزيمة، وجنّب عبد الله الديرة وكتب لسعود خطاً، ونادى في مخيمه بالكفّ عن الرّياض، وأنّ البلد سلمت فدفع الله بذلك شرّاً عظيماً. وفي اليوم الثّاني وصلته في مخيمه، وأكثرت عليه في أمر المسلمين، وأظهر القبول وكفّ عن كثيرٍ من النّاس، وأدخل له طارفة في القصر واستقرّ أمره. وهذه الفتن أصاب الإسلام منها بلاء عظيم قلعت قواعده، وانهدمت أركانه، واجتثت بنيانه وهل عند رسم دارسٍ من معولٍ.
فالجواب: مساعدة إخوانكم بصالح الدّعاء ونشر العلم وبذل النّصائح وتقديم خوف الله على مخافة خلقه، وما منكم من أحدٍ إلاّ وهو على ثغرٍ من ثغور الإسلام فلا يؤتى الإسلام من قبله، كذلك هذه الشّبهة التي حصلت والمكاتبات التي رسمت في شأن هذه الفتن مِمَّن ينتسب إلى العلم والدِّين، لا يسوغ لمثلك السّكوت عليها بل يجب التّنبيه على ما فيها. {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} ، [الطّلاق، من الآية: 2] .فاكتب لي بما يسّر عن مثلك وما هو الظّنّ بك، ولقولك بحمد الله موقع في نفوس المسلمين، كذلك لا تدّخر نصح سعود بالكتابة والنّصائح والتّذكير وابسط القول.
وبلّغ السّلام الشّيخ حسين وأخبره أنّ حمولته بعافية ما مسّهم سوء، ولا تنسنا من صالح دعائك. والعيال: عبد الله وعبد العزيز أصابهم جراح سليمة إن شاء الله وهم يبلّغون السّلام. والسّلام.
(1/411)
________________________________________
وله أيضاً ـ رحمه الله رحمة الأبرار، وجمعنا به في دار القرار ـ رسالة أيضاً إلى زيد بن محمّد آل سليمان، وهذا نصّها:
- 5 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم زيد بن محمّد لا زال من العلم في مزيد، مناضلاً عن الإيمان والتّوحيد.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وصلك الله إلى ما يرضيه. والأخبار عن سلامتك وعافيتك تسرّنا لاسيما في وقت الهرج والفتن، وتتابع الزّلازل والمحن، عصمنا الله وإيّاك بالإسلام على كلّ حالٍ وفي كلّ حالٍ. وما ذكرت من وصول الخط وتدبّر ما فيه صار معلوماً، نسأل الله أن ينفعنا وإيّاك بمواعظ كتابه وزواجر خطابه، وتذكر أنّه ما اعترض على حمد بن عتيق إلاّ طلبته وبعض إخوان الحوطة، وأنّهم ما نقموا إلاّ الميل مع أحد الرّجلين. فلا يخفاك أنّ المقام مقام ضنك واشتباه لا ينخلص منه إلاّ مَن كان له نصيب وافر من نور الوحي والوراثة النّبويّة، ومَن سلم من الهوى وأدركته العناية الرّبانية. وفي حديث حذيفة: فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟ قال:"فتن كطقع اللّيل المظلم يتبع بعضها بعضاً، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر لا تدرون أيّاً من أي".انتهى.
ومَن أشرت إليه من أهل الاعتراضات عامّتهم قد عرف قصورهم عن مقاومة الخصوم الفضلاء وأنَّى يدرك الضّالع شأو الضّليع، وترجيح أحد الرّجلين لا يذمّ مطلقاً إلاّ إذا خلا من مرجّح شرعي. فالواجب عليك سدّ الباب عمّا يوهن الإسلام والتّوحيد، ويقوّي جانب الشّرك والتّنديد، فمن هذا الباب دخل من
(1/412)
________________________________________
كاتب العساكر ووالاهم وساكنهم وجامعهم، ولله ما استبيح بهذه الشّبهة من عرضٍ ومالٍ ودمٍ، وما أصاب الإسلام من نقصٍ وهدمٍ وهضمٍ.
ومثلك لو سدّ هذا الباب، وأغلظ في الخطاب والجواب حتّى تتّفق الكلمة ويجتمع أهل الإسلام على جهاد عدوّ الله وعدوّهم، لكان خيراً وأقوم قيلاً، وأهدى عند الله منهجاً وسبيلاً. والشّيخ محمّد بن عجلان رسالته عندي أظنّها بقلم ولده فجحدها مكابرة، والأولى لنا وله التّوبة ظاهراً من الجناية الظّاهرة، لئلا يضلّ الغاوي ويحلّ القدر السّماوي؛ {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، [المائدة: 74] .
وقد عرفت ما جرى وقت إسماعيل وخالد وما قيل فيمَن ركن إليهم واستنصر بهم وقاتل تحت رايتهم، بل قد عرفت ما قيل وما أفتى به المشايخ الأعلام فيمَن أقام بين ظهرانيهم وإن لم يحصل منه غير ذلك، ولكن الإسلام يخلق كما يخلق الثّوب وتضمحل حقائقه من القلوب حتّى لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً. والفتنة بالسّكوت عن نصر دِين الله من هؤلاء المنتسبين إلى العلم أضرّ على الإسلام من بعض كلام غيرهم من العامّة. والله المسؤول المرجو الإجابة أن يعيذنا وإيّاكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يَمُنَّ علينا بالثّبات على دينه وسلوك سبيل رسوله؛ {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} ، [الأحزاب: 39] .
وبلّغ سلامنا الأولاد والشّيخ حسين وحسين بن عليّ، ومن لدينا عبد العزيز وإخوانه وأعمامه بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام. انتهى.
وقد ورد عليه ـ رحمه الله تعالى ـ صورة استفتاء.
(1/413)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وجه تسطيره والباعث على رقمه وتحريره هو أنّ الشّيخ أحمد بن عثمان بن شبانة لما ترشح للولاية حين كان يومئذٍ أهلاً لذلك نصب نفسه للاستنابة للمسلمين عدلاً منه، فأجر الشّيخ أحمد بن محمّد قطعة الأرض التي في قبلية الرّميحية وهي وقف إبراهيم بن سيف تصرّف غلتها على قوَّام دلو مسقاة مسجد إبراهيم بن سيف في الحوش في بلد المجمعة، فكانت حينا تزرع وأكثر الأعوام ما تزرع، فاجتهد أناس عدول في النّظر في المصلحة في دلو مسقاة، وفيما هو أنفع للمسلمين. وأنّ المصلحة أن تؤجّر الأرض المذكورة عدّة سنين، فتجعل الأجرة مقسطة على الأعوام فآجر أحمد المذكور أحمد المذكور الأرض المفروزة المحصورة كلّ عامٍ بعشرين محمّدية بصرية من ضرب البصرة الرّائجة يومئذٍ بين النّاس، فاستأجر أحمد المذكور من أحمد المذكور مع توفّر أركان الإجارة الخمسة المعروفة عند أهل المعرفة فصحّت الإجارة للإتيان بشروطها الثّلاثة المعتبرة، فصارت إجارة شرعيةً صحيحةً لازمةً مرضيةً جاريةً على قانون الشّرع وجادته النّقية وأحكامه الواضحة الجليّة. لا يتطرّق إليها بطلان ولا فساد بالكلّيّة، فبموجب ذلك شرعاً وصحّته ونفوذه ولزومه حكماً لم يبق لِمَن آجر ولا لِمَن يأتِي من جهتهم في ذلك المؤجّر حقاّ ولا تبعة ولا طلبة بوجهٍ من الوجوه الشّرعية، بل صار ذلك ملكاً ثابتاً وحقّا لازماً ومالاً محيوزاً لأحمد بن محمّد التّويجري يتصّرف فيه ما شاء بما شاء من غير مانعٍ ولا موازع.
شهد على ذلك من أوّله إلى آخره الشّيخ سليمان بن عبد الوهّاب.
(1/414)
________________________________________
وشهد على ذلك من أوّله إلى آخره وحرّره وأثبته وثبت عنده وصحّ شرعاً وأمضاه وألزمه حكماً خادم الشّرع الشّريف الفقير إلى عفو ربّه سبحانه محمّد بن عثمان بن عبد الله بن شبانة.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. جرى ذلك سنة: 1186هـ.
فأجاب عن ذلك بما يأتي:
- 6 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخوان: حمد بن ركبان، وسليمان الحقيل، ومحمّد الحمضي، وعبد الله السّناني، وحمد بن عثمان بن صالح، وعبد الله بن محمّد، وعثمان بن عبد الله بن عولة، وجماعة أهل مسجد إبراهيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وصورة الحفيظة وصلت، وما ذكرتم صار معلوماً خصوصاً من جهة الصّبرة التي في وقف ابن سيف وما أصابه من التّعطيل فلا يخفاكم أنّ مدّة الإجارة إذا انقضت وفي الأرض شجر أو بناء فيبقى الشّجر والغرس والبناء بأجرة المثل إن شاء ربّ الأرض، فإن كانت وقفاً فأمرها إلى النّاظر الخاصّ إن كان، وإلاّ فإلى الحاكم الشّرعي؛ لأنّ له النّظر العامّ ولا عبرة بأجرة الأرض مدّة الإجارة المذكورة بعد انقضائها، فالذي أرى أنّ الأرض المغروسة تبقى على عادة المغارسة في تلك البلد حتّى يفنى الغراس ولا يحتاج لذكر مدّة. هذا إن كان فيه مصلحة الوقف، وإلاّ فالأمر إلى النّاظر المتقدم ذكره.
والحجّة التي نقلت من وثيقة ابن شبانة وصلت إلينا ولها مائتا سنة وسنتان، وعلى القول بصحّتها قد انقضت
(1/415)
________________________________________
مدّة الإجارة التي يصحّحها بعض الفقهاء مع أنّ الوثيقة لم تذكر فيها مدّة الإجارة، وترك ذكر المدّة للعقد فيحتمل أنّ المدّة ذكرت في مجلس العقد ولم تذكر في الوثيقة. والله أعلم أيّ ذلك كان.
وفي الحجّة أنّ ابن شبانة نصيب نفسه وتولّى الأحكام من غير ولاية شرعية، والإجارة لم تصدر عمَّن يعتبر تصرّفه في الوقف. وفي الحجّة أنّه قال: لم يبقَ لِمَن آجر ولا لِمَن يأتي من جهته في ذلك المؤجر حقّ ولا تبعة ولا طلبة بوجهٍ من الوجوه الشّرعية، بل صار ذلك ملكاً ثابتاً وحقّاً لازماً ومالاً محيوزاً لأحمد بن محمّد التّويجري، وليس الأمر كذلك في الإجارة؛ لأنّ الملك للمؤجّر لا للمستأجر، والمستأجر له الانتفاع فقط، وإنّما يقال ذلك في البيع الشّرعي. وهذا الجهل قادح في حكمه، وليس للمستأجر إلاّ ما أحدث من شجرٍ أو بناءٍ. وبعد انقضاء مدّة الإجارة يبقى في الأرض بأجرة المثل إن شاء النّاظر وكانت المصلحة في ذلك كما تقدم.
وبلّغوا سلامنا الجماعة. والعيال يسلّمون عليكم. والسّلام. سنة: 1289هـ.
وصلّى الله على محمّد وآله وأصحابه أجمعين.
- 7 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم الشّيخ عبد العزيز بن حسن ـ سلّمه الله تعالى ـ. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو على نعمه. وخطك وصل وتأخّر جوابه لكثرة الاشتغال. والله المستعان. وتسأل عن وجوب صلاة الجمعة على أهل القرى الذين لم يبلغ العدد فيهم أربعين من أهل الوجوب.
(1/416)
________________________________________
اعلم أنّهم اتّفقوا على أنّ من شرط وجوبها وصحّتها الجماعة.
واختلفوا في مقدار الجماعة. فمنهم مَن قال: واحد. والإمام. هذا مذكور عن ابن جرير الطبّري. ومنهم مَن قال: اثنان سوى الإمام. لأنّ أقلّ الجمع اثنان. ومنهم مَن قال: ثلاثة دون الإمام. وقائل هذا يرى أنّ أقلّ الجمع عنده ثلاثة لا اثنان. والكلام مبسوط في أقل الجمع في شرح التّحرير وغيره. والقول الأخير هو قول أبي حنيفة. ومنهم مَن اشترط أربعين. وهو قول الشّافعي وأحمد. وقال قوم: ثلاثين. ومنهم مَن قال: يجوز بما دون الأربعين إلاّ الثّلاثة والأربعة. ولم يشترط عدداً، وإنّما ذكر جواباً أوردوه. وهو أنّه لا تجب إلاّ على عددٍ تتقرى بهم قرية. وأصحاب القولين الأوّلين أخرجوا الإمام عن مسمَّى الجمع للاختلاف في دخوله في مسمّى الجماعة.
وأصحاب القول الأخير يقولون: الجمع في غالب الأحوال له حكم غير ما يطلق عليه اسم الجمع في جميعها بل هم الذين يمكنّهم أن يسكنوا على حدّة من النّاس. وهذا يروى عن مالك. ويروى عنه أيضاً اشتراط اثني عشر من أهل الوجوب، وكلا القولين معروف. ومن شرط الأربعين كالشّافعي وأحمد وجماعة من السّلف فإنّما صاروا إلى ما صحّ من أنّ هذا العدد كان في أوّل جمعة صلّيت بالنّاس، فهذا هو أحد شرطيها، أعنِي شرط الوجوب وشرط الصّحّة؛ فإنّ من الشّروط ما هو شرط الوجوب فقط، ومنها ما يجمع الأمرين. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنّ هذا الشّرط للوجوب فقط لا الصّحّة، وهذا من أحسن الأقوال وبه يتّفق غالب كلام المحقّقين.
إذا عرفت هذا، فإنّهم اختلفوا في الأحوال المرتّبة التي اقترنت بهذه الصّلاة عند فعله إيّاها ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، هل هي شرط في الصّحة والوجوب أم ليست بشرطٍ؟
(1/417)
________________________________________
وتلك الجماعة والمصر والاستيطان فمَن رآه دليلاً اشترطها، ومنهم مَن رجّح بعضها دون بعضٍ واشترطه في المرجّح لا غير، وبعضهم لم يرها دليلاً، ورجع في الاشتراط والوجوب إلى أدلّة أخرى لعموم الجماعة في سائر الصّلوات، ولقائل أن يقول: لو كانت هذه الأحوال شروطاً في صحّة الصّلاة لما جاز أن يسكت عنها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولا أن يترك بيانها لقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، [النّحل، من الآية: 44] .هذا ما يحضرنِي، فإن رأيت خللاً فلا جناح عليك في إصلاحه. والسّلام.
- 8 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ما قولكم ـ سدّد الله أقوالكم ـ فيمَن يدعو المسلم؛ لأمّه مع معرفة أبيه، هل يسوغ ذلك أو لا؟
وما قولكم في الاستئذان هل يسوغ تركه إذا كان في المجلس من الرّجال الأجانب مَن قد أذن له أو لا بدّ من الاستئذان والحالة هذه؟
فالجواب: أنّ الله جلّ ذكره قال في شأن زيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ لما دعاه النّاس: زيد بن محمّد: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} ، [الأحزاب، من الآيتين: 4-5] .وهذه الآية الكريمة دلّت على وجوب دعاء الرّجل لأبيه، فإن جهل فيدعى بالإخوة الإسلامية أو بمولى فلان أو آل فلان، ولم يذكر قسماً رابعاً، وهو دعاؤه إلى أمّه، ونسبة الرّجل إلى أمّه تأنف منه العرب وأهل المروءة فضلاً عن أهل العلم والدِّين لما في ذلك من غمط والده والتّنويه بأمّه بين الأجانب وما ظننت عاقلاً يرضى هذا، ويستحسنه فضلاً عن أن ينكر على مَن كرهه ونهى عنه. والآية وإن كانت نصّاً في دعوة الرّجل إلى مَن تبنّاه، غير أبيه
(1/418)
________________________________________
فهي عامّة في دعائه لأمّه؛ لأنّ قوله: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} ، [الأحزاب، من الآية: 5] نصّ في أنّه لا يدعى لغيره، ولا شكّ في دخول الأمّ في الغير، وعلى هذا، فالنّصّ عامّ. وإن قيل بخصوصه أخذاً من خصوص السّبب فلا مانع من إلحاق النّظير بنظيره. والجمهور يرون في هذه المسألة أنّ عموم اللّفظ مقدّم في الاعتبار على خصوص السّبب، والأوّل قال به بعض الأصوليّين، وجماهير أهل العلم، والتّأويل قد رجّحوا الثّاني، وقوله: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} ، [الأحزاب، من الآية: 5] ، عامّ في ترك دعائهم لغيرهم وإن كان المدعوّ إليه أُمّاً فتفطن.
وأمّا المسألة الثّانية: فنصّ آية الاستئذان عامّ تدخل فيه هذه الصّورة المسؤول عنها، وإدخال زيد وعمرو ليس فيه دلالة على الإذن لبكر وخالد، فكلّ قادم يشرع له أن يستأذن إذا أراد دخول بيت وغيره، إلاّ أن يأذن ربّ البيت إذناً عاماً صريحاً لكلّ مَن دخل، والمعروف من أقوال أهل العلم أنّ فتح الباب ليس صريحاً في الإذن كما في الحديث:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".والله أعلم.
وورد عليه رحمه الله هذه المسألة:
- 9 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
إلى الأخ المكرّم والحبر المفخم الشّيخ عبد اللّطيف بن الشّيخ عبد الرّحمن لطف الله به في الدّارين، وجعله مِمَّن يؤتى أجره مرّتين، وحفه بالألطاف وأمنه مما يحذر ويخاف. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
متّعنا الله بحياتك دعت الحاجة إلى الفتيا المباركة من عندك، وهي أنّ رجلاً تزوّج امرأة على صداق خمسة ريالات فلما جاء
(1/419)
________________________________________
الصّبح أعطاها ثلاثة ريالات فلما أتى بعد ذلك ادّعى أنّ الثّلاثة التي أعطاها صباحة من الصّداق المذكور، وعادة بناة عمّها وأخواتها صباحتهن أكثر من ذلك. أفتنا مأجوراً وأجب جواباً شافياً تغنم أجراً وافياً. وأنت في أمان الله وحفظه. والسّلام.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الجواب: ما أعطاه الزّوج زوجته من الهبة عند الدّخول والبناء بها مما به جرت العادة لأمثالها من أمثاله كالذي تعطاه صبيحة الدّخول لا يحتسب به من صداقها عند المفارقة أو المطالبة بالصّداق، ولو نوى ذلك لعدم الإعلام والإشهاد عند القبض. والله أعلم.
- 10 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم خالد بن إبراهيم آل قطنان، ومحمّد بن عيسى سلّمهما الله تعالى وتولاّهما.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فنحمد إليكما الله الذي لا إله إلاّ هو على سوابغ نعمه، جعلنا الله وإيّاكم من عباه الشّاكرين. والخطوط وصلت وصلكم الله إلى ما يرضيه. وأنا حريص على جوابها لكن ما تيسّر لي طارش قبل حامل هذا الخط.
ومن جهة الفائدة فاجعل الفوائد وأشرفها ما دلّ عليه الكتاب العزيز من معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وآياته ومخلوقاته، ومعرفة ما يترتّب على ذلك من عبادته وطاعته وتعظيم أمره ونهيه، وأدلّة ذلك مبسوطة في كتاب الله، وأكثر النّاس ضلّ عن هذين الأصلين مع أنّهما زبدة الرّسالة، ومقصود
(1/420)
________________________________________
النّبوّة، ومدار الأحكام عليهما، والعجب كلّ العجب أنّ حفظة القرآن وحملة الأحاديث والآثار ضلّوا عمّا هو محفوظ في صدورهم، متلوّ بألسنتهم، وطلبوا العلم من غيره فضلّوا وأضلّوا، فعليكم بطلب العلم النّافع لاسيما ما يُسْأَل عنه العبد في قبره: مَن ربُّك، وما دينك، ومَن نبيّك؟ اعرفوا تفاصيل هذا، ومعنى الرّبّ في هذا المحلّ، وتفقّهوا في هذه الأصول قبل أن تزلّ قدم وتزول. وأمّا الفرق بين المداراة والمداهنة، فالمداهنة: ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والتّغافل عن ذلك لغرضٍ دنيويٍّ، وهوى نفساني، كما في حديث:"إنّ مَن كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة أنكروها ظاهراً ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها ويآكلونهم، ويشاربونهم كأن لم يفعلوا شيئاً بالأمس، فالاستئناس والمعاشرة مع القدرة على الإنكار هي عين المداهنة. قال الشّاعر:
وثمود لو لم يدهنوا في ربّهم ... لم تدم ناقتهم بسيف قدار
وأمّا المداراة فهي درء الشّرّ المفسد بالقول اللّين، وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف شرّه أو حصل منه أكبر مما هو ملابس. وفي الحديث:"شرّكم مَن أتقاه النّاس خشية فحشه".وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنّه استأذن على النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ رجلٌ فقال:"بئس أخو العشيرة هو"، فلمّا دخل على النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ألان له الكلام. فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت؟ فقال:"إنّ الله يبغض الفحش والتّفحش".والمسألة تحتاج لبسط إذا جاء منيف نملي عليه إن شاء الله ما تيسّر.
وبلّغوا سلامنا إخوانكم وعيالكم ومنيفاً وابن عجيم. ولدينا الإمام وعيالنا طيّبون يبلّغون السّلام.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
(1/421)
________________________________________
- 11 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
هذه المسائل سألنا عنها أهل نجد وأجاب عنها الشّيخ عبد اللّطيف ابن الشّيخ عبد الرّحمن:
الأولى: عمّا يحكم به أهل السّوالف من البوادي وغيرهم من عادات الآباء والأجداد، هل يطلق عليهم بذلك أنّهم كفّار بعد التّعريف أم يخصّ به واحد معلوم أم هم يمنعون من التّكفير معاً؟
الجواب: إنّ مَن تحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله بعد التّعريف فهو كافر. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، [المائدة، من الآية: 44] .وقال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} الآية، [آل عمران، من الآية: 83] .وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} الآية، [النّساء، من الآية: 60] .وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} الآية، [النّحل، من الآية: 36] .والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأمّا المعاملات في الدّيون؛
فالمسألة الأولى: رجل باع ربوياً بدارهم نسيئة والأجل بينهم حصاد الزّرع فلمّا حلّ الأجل عسرت الدّراهم على المبتاع وهو موسر بحبّ أو تمر، هل يحلّ للبائع أخذ الطّعام بسعر الدّراهم أم لا؟
الجواب: أنّ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. والمذهب في ذلك المنع. وهو الذي عليه مشايخنا. وجوّز ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية إذا لم يكن بينهما حيلة.
(1/422)
________________________________________
المسألة الثّانية: صفة الأوّل لكن المباع قهوة، هل يحلّ أخذ الطّعام بسعره مع عدم الدّارهم أم لا؟
الجواب: عن هذه المسألة جواب ما قبلها.
المسألة الثّالثة: هل يحلّ الدَّين في الصّمغ أم لا؟
الجواب: نعم. يجوز؛ لأنّه يضبط بالصّفة.
المسألة الرّابعة: إذا كان عند إنسانٍ طعام أو قهوة أو نحو ذلك، وأتاه رجل وقال له أعطنِي سعر ريال بريالين نسيئة، هل يصحّ ذلك أم لا؟
الجواب: يصحّ بغير خلاف.
المسألة الخامسة: رجل قال لرجلٍ: اشتر لي هذه الدّابّة ونحوها بمثنٍ عاجلٍ وبعنيه بالمثلين آجل، هل يصحّ ذلك أم لا؟
الجواب: أنّ هذه المسألة مسألة العينة التي وردت الأحاديث عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فيها بتحريمها وأنّها عين الرّبا.
تَمَّت المسائل. نفع الله بها السّائل مسفر بن محمّد العجيلان، والمجيب الشّيخ عبد اللّطيف بن الشّيخ عبد الرّحمن. سنة: 1385هـ.
- 12 -
صورة سؤال ورد على الشّيخ عبد اللّطيف رحمه الله.
أوصى عبد الله بن أحمد بثلث ماله تقرباً إلى الله، وطلباً للثّواب، وففاً على أولاده ما تعاقبوا وتناسلوا، والوقف المذكور على أولاده لصلبه مِمَّن ينتسب إليه، وأوصى عبد الله المذكور بأنّ عثمان ابن ابنه أحمد داخل في وقف الثّلث له مثل ما لأبيه.
الجواب: أشرفت على ما ذكر باطن هذه الوصية، فرأيتها صحيحة
(1/423)
________________________________________
يشترك فيها أولاد الموصى لصلبه ذكرهم وأنثاهم، وما ذكر لعثمان ولد ولده صحيح، ينْزل منْزلة أبيه وأعمامه، ويقاسمهم حصتهم كما ذكره الموصي، ولا يحجب الأعلى منهم مَن دونه.
- 13 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ محمّد بن عمير وفّقه الله تعالى لفعل الإيمان وقول الخير.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصلتنا خطوطك ومنظومتك، والله سبحانه وتعالى المسؤول أن يَمُنَّ علينا وعليك بمعرفة الحقّ بدليله، والدّعوة إلى الله وإلى سبيله، وتعرف أنّا رأينا من أجناس المعاندين وأعيان المشركين خلقاً كثيراً ولم نر مثل هذا المفتون في جهله وضلالته وشناعة معتقده ومقالته. وقد رأيت كتابه الذي سمّاه: (جلاء الغمّة) ورأيت حشوه من مسبّة دِين الله والصّدّ عن سبيله، والكذب على الله وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه وأئمة الهدى ما لم نرَ مثله للمويس وابن فيروز والقباني وأمثالهم، مِمَّن تجرّد لعداوة الدِّين ومسبّة مشايخ المسلمين، فابتدأ مصنِّفه بمسبّة الشّيخ وأنّ الله ابتلى به أهل نجد وجزيرة العرب، وأنّه كفر الأمّة عامّها وخاصّها، وجعل من يبني المساجد ويرفع المنار مشركين أصليين، وأنّ قوله يتناقض، وأنّه أخذ أموال المسلمين وجعلها فيئاً له ولعياله، وأنّ خطاب النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وخطاب الموتى بطلب الشّفاعة وغيرها من المطالب ليس بشركٍ، ويستدلّ على ذلك بأحاديث موضوعة وحكايات مكذوبة، ويزعم أنّ مَن له الشّفاعة يوم
(1/424)
________________________________________
القيامة يجوز دعاؤه وطلبه في هذه الحياة الدّنيا ويسوغ التّوجّه إليه، وأنّ صاحب البردة قد أحسن وأصاب ويستدلّ من جهله على ذلك بأنّه رواها عن فلان وفلتان، وهيان ابن بيان، وابن حجر وأبي حيان، وغير ذلك من طوائف الشّيطان، ويرد بمثل هذا نصوص السّنة والقرآن، نعوذ بالله من الجهل والحمق والخذلان. وكأنّ الرّجل من رجال الجاهلية الأولى لم يأنس بشيءٍ مما جاءت به الأنبياء، ولم يدر ما كان عليه السّلف الصّالحون والأولياء، ويحتجّ على بطلان دعوة شيخنا بأنّ بلاده بلاد مسيلمة الكذّاب، ولم يدر أنّه عاب بذلك أهل الإسلام مَن سكن مصر والشّام والعراق والحرمين، وسائر البلاد الإسلامية التي سكنها مَن نازع الله في الرّبوبية والألهية.
فيا ويحه إن لم تداركه توبة ...
لسوف يرى للمجرمين مرافقا
وله من ركة القول وفهاهة الخطاب، وعدم المعرفة بقواعد الإعراب، ما يوجب تشبيهه بسائمة الأنعام وثور الدّولاب. وقد حررت إليك بهذه البطاقة لتقرأها على الخاصّة والجماعة، وتنذر مَن سمع شيئاً من مقالته أن يغترّ بجهالته وضلالته، {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيل} ، [الأحزاب، من الآية: 4] .وسلام على إخواننا الصّادقين ورحمة الله وبركاته.
(1/425)
________________________________________
رسائل وفتاوي للشيخ حسن بن الشيخ حسين
...
رسائل وفتاوى
الشّيخ حسن بن الشّيخ حسين بن الشّيخ محمّد ــ رحمهم الله تعالى:
- 1 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
نحمدك اللهمّ على نعمك وآلائك، ونصلّي ونسلّم على خاتم رسلك وأنبيائك.
(من حسن بن حسين إلى الأخ إبراهيم بن عيدة)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فقد وصل الكتاب بطلب الجواب عن سؤالات ثلاثة، وهذا جوابها وقدمنا الجواب عن معنى الحديثين وإن تأخّر في السّؤال تعظيماً لهما وإجلالاً.
السّؤال الأوّل: عن معنى قوله ـ عليه السّلام ـ:"لا ضرر ولا ضرار".
فالجواب: قال أبو الفرج ابن رجب في شرح الأربعين في الكلام على هذا الحديث: وقد اختلفوا هل بين اللّفظتين ـ أعنِي الضّرر والضّرار ـ فرق أم لا؟
فمنهم مَن قال: هما بمعنىً واحدٍ على وجه التّأكيد. والمشهور أنّ بينهما فرقاً، ثم قيل: إنّ الضّرر: الاسم، والضّرار: الفعل، فالمعنى: أنّ الضّرر نفسه منتفٍ في الشّرع، وإدخال الضّرر بغير حقٍّ كذلك.
وقيل: الضّرر أن يدخل على غيره ضرراً بما ينتفع به هو، والضّرار أن يدخل على غيره ضرراً بما لا منفعة له به؛ كمَن منع ما لا يضرّه ويتضرّره به الممنوع.
وقيل: إنّ الضّرر أن يضرّ بِمَن لا يضرّه، والضّرار أن يضرّ بِمَن قد أضرّ به بوجهٍ غير جائز.
وبكلّ حال فالنَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إنّما نفى الضّرر والضّرار بغير حقٍّ. فأمّا إدخال الضّرر على أحد بحقٍّ إمّا لكونه تعدّى حدود الله فيعاقب
(1/426)
________________________________________
بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعاً. وإنّما المراد إلحاق الضّرر بغير حقٍّ. وهذا على نوعين:
أحدهما: أن يكون في ذلك غرض سواء ضرر بذلك أو لا، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه. وقد ورد النّهي في القرآن عن المضارّة في مواضع؛
منها: الوصيّة، قال الله تعالى: {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} ، [النّساء، من الآية: 12] .والإضرار بالوصيّة يكون تارة بأن يخصّ بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي كتب الله له فيستضرّ بقية الورثة بتخصيصه. ولهذا قال النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" لا وصيّة لوارثٍ ".وتارة بأن يوصي لأجنبِيّ بزيادة على الثّلث فينقص حقوق الورثة، ولهذا قال النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"الثّلث والثّلث كثير".ومتى أوصى لوارثٍ أو لأجنَبِيٍّ بزيادةٍ على الثّلث لم ينفّذ ما أوصى به؛ إلاّ بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد.
وأمّا إن قصد المضارة لأجنَبِيّ بالثّلث فإنّه يأثم بقصده المضارة، وهل ترد الوصية إذا ثبت ذلك بإقراره أم لا؟
حكى ابن عطيّة رواية عن مالك أنّها ترد، وقيل: إنّه قياس مذهب أحمد.
ومنها: الرّجعة في النّكاح، قال الله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} الآية، [البقرة، من الآية: 231] .
وقال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً} ، [البقرة، من الآية: 228] .فدلّ ذلك على أنّ مَن كان قصده بالرّجعة المضارة فإنّه آثم بذلك.
ومنها: الإيلاء، فإنّ الله تعالى جعل مدّة الإيلاء للمولي أربعة أشهر إذا حلف على امتناع وطء زوجته؛ فإنّه يضرب له أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطء كان ذلك توبة، وإن أصرّ على الامتناع لم يمكن من ذلك. ثم فيه قولان للسّلف والخلف:
أحدهما: أنّها تطلق عليه بمضي هذه
(1/427)
________________________________________
المدّة.
والثّاني: أنّه يوقف فإن فاء وإلاّ أمر بالطّلاق.
ومنها: الرّضاع، قال الله تعالى: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} ، [البقرة، من الآية: 233] .قال مجاهد: لا يمنع أمّه أن ترضعه ليحزنها بذلك. وقال عطاء وقتادة والسّدّي والزّهري وسفيان وغيرهم: إذا رضيت بما يرضى به غيرها فهي أحقّ به، وهذا هو المنصوص عن أحمد، ولو كانت الأم في حبال الزّوج. وقيل: إن كانت الأم في حبال الزّوج فله منعها عن إرضاعه إلاّ أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها وهو قول الشّافعي وبعض أصحابنا. لكن إنّما يجوز ذلك إذا قصد الزّوج توفير الزّوجة للاستمتاع لا مجرّد إدخال الضّرر عليها.
ومنها: البيع، وقد ورد النّهي عن بيع المضطرّ، وقال حرب: سُئِلَ أحمد عن بيع المضطّر فكرهه. فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئك فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين. وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح العشرة خمسة فكره ذلك.
ومن أنواع الضّرر في الشّرع التّفريق بين الوالدة وولدها في البيع، فإن كان صغيراً حرم بالاتّفاق، فإن رضيت الأم بذلك ففي جوازه اختلاف. ومسائل الضّرر في الأحكام كثيرة، وإنّما ذكر هذا على وجه المثال.
وأمّا النّوع الثّاني: أن يكون له غرض غير صحيحٍ؛ مثل: أن يتضرّر في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدّى ذلك إلى ضرر غيره أو يمنع غيره من الانتفاع في ملكه توفيراً فيتضرّر الممنوع.
فأمّا الأوّل: فإن كان على غير الوجه المعتاد مثل أن يؤجج في أرضه ناراً في يوم عاصفٍ فيحترق ما يليه فإنّه متعدٍ بذلك وعليه الضّمان،
(1/428)
________________________________________
وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران:
أحدهما: لا يمنع من ذلك. وهو قول الشّافعي وأبي حنيفة وغيرهما.
والثّاني: المنع. وهو قول أحمد ووافقه مالك في بعض الصّور.
فمن صور ذلك أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو أن يبنِي عالياً ليشرف على جاره ولا يستره فإنّه يلزمه أن يستره، نصّ عليه أحمد. ووافقه طائفة من أصحاب الشّافعي. قال الرّويانِي منهم في كتاب الحلية: يجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التّعفن في الفساد. قال وكذلك القول في إطالة البناء ومنع الشّمس والقمر. وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسنادٍ ضعيفٍ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعاً حديثاً طويلاً في حقّ الجارية، وفيه:"ولا يستطيل عليه بالبناء فيحجب عنه الرّيح إلاّ بإذنه".
ومنها: أن يحفر بئراً بالقرب من بئر جاره، فيذهب ماءها، فإنّها تطم في مذهب مالك وأحمد. وأخرج أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"لا تضارّوا في الحفر".وذلك أن يحفر الرّجل إلى جنب بئر الرّجل ليذهب بمائه.
ومنها: أن يحدث بما يضرّ بملك جاره من هزّ ودقّ ونحوهما، فإنّه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وهو أحد الوجوه للشافعية.
ومنها: أن يكون له ملك في أرض غيره ويتضرّر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه، فإنّه يجبر على إزالته ليدفع به ضرر الدّخول، وخرّج أبو داود في سننه من حديث أبي جعفر محمّد بن عليّ أنّه حدّث عن سمرة بن جندب أنّه كان له عضيد من نخلٍ في حائط رجلٍ من الأنصار، ومع الرّجل أهله فكان سمرة يدخل إلى أهله فيتأذى به، ويشقّ عليه، فطلب إليه أن ينقله فأبى، فأتى النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فذكر له ذلك، فطلب النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن
(1/429)
________________________________________
ينقله فأبى. قال:"فهبه لي ولك كذا وكذا "، أمراً أرغبه فيه. قال: فقال: أنت مضارّ فقال النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ للأنصار:"اذهب فاقلع نخله".وقد روي عن أبي جعفر مرسلاً. قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا الحديث: فما كان على هذه الجهة وفيه ضرر يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلاّ أجبره السّلطان ولا يضرّ بأخيه في ذلك إذا كان من فعاله. وذكر حديثاً من نحوه، ثم قال: ففي هذا والذي قبله إجباره على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضرر في شركة وعلى وجوب العمارة على الشّريك الْممتنع من العمارة وعلى إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة. ومتى تعذرت القسمة بكون المقسوم يتضرّر بقسمته وطلب أحد الشّريكين البيع أجبر الآخر وقسم الثّمن. نصّ عليه الإمام أحمد وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة.
وأمّا الثّاني: وهو منع الجار من الانتفاع بملكه والارتفاق به، فإن كان ذلك يضرّ بِمَن انتفع بملكه فله المنع، وأمّا إن لم يضرّ به فهل يجب عليه التّمكين ويحرم عليه الامتناع أم لا؟
فَمَن قال في القسم الأوّل: لا يمنع المالك من التّصرّف في ملكه، وإن أضرّ بجاره قال هنا للجار المنع من التّصرّف في ملكه بغير إذنه.
ومَن قال هناك بالمنع فاختلفوا ههنا على قولين:
أحدهما: المنع ههنا. وهو قول مالك.
والثّاني: أنّه لا يجوز المنع. وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار جاره. ووافقه الشّافعي في القديم. وفي الصّحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره". قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله
(1/430)
________________________________________
لأرميَنّها بين أكتافكم. وقضى عمر بن الخطاب على محمّد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه. وقال: ليمرّن ولو على بطنك. وفي الإجبار على ذلك روايتان عن أحمد، ومذهب أبي ذرّ الإجبار على إجراء المال بأرض جاره إذا أجراه في قتاة في باطن أرضه. نقله عنه حرب الكرماني.
ومما ينهى عن منعه للضّرر الماء والكلأ، وذكر حديث أبي هريرة وغيره، ثم قال: وذهب أكثر العلماء إلى أنّه لا يمنع الماء الجاري والنّابع مطلقاً سواء قيل إنّ الماء لمالك أرضه أم لا؟
ومِمَّا يدخل في عموم قوله:"لا ضرر ولا ضرار"، أنّ الله لم يكلّف عباده ما يضرّهم البتة، فإنّ ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عين فسادهم في دينهم ودنياهم، لكنه ما يأمر عباده بشيءٍ هو ضارّ لهم في أبدانهم أيضاً، ولهذا أسقط الطّهارة بالماء عن المريض، وأسقط الصّيام عن المريض والمسافر، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام عمّا كان مريضاً أو به أذى من رأسه وأمره بالفدية.
ومِمَّا يدخل في عمومه أيضاً أنّ مَن عليه دَين لم يطالب به مع إعساره بل ينظر إلى حال يساره. انتهى كلام ابن رجب ملخّصاً في الفتح المبين في الكلام على هذا الحديث.
وينبنِي عليه ـ يعنِي على القاعدة المشهورة ـ أنّ الضّرر يزال في كثيرٍ من أبواب الفقه؛ كالرّدّ بالعيب، وجميع أنواع الخيار من إخلاف الوصف المشروط والتّعزير وإفلاس المشتري وغير ذلك، والحجر بأنواعه والشّفعة؛ لأنّها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود، والكفارات، وضمان المتلف، ونصيب الأئمة والقضاة، ودفع الصّائل، وقتال المشركين والبغاة، وفسخ النّكاح بالعيوب أو الإعسار والقسمة. انتهى.
(1/431)
________________________________________
وقال عبد الرّحمن الخضرمي الشّافعي في شرح الأربعين في الكلام على هذا الحديث: فائدة: يؤخذ من هذا الحديث قاعدتان عظيمتان وهما: رعاية المصالح ودرء المفاسد، ويتفرّع منهما أيضاً قواعد أخرى كقولهم: الضّرر يزال، وقولهم: إذا ضاق الأمر اتّسع، والمشقّة تجلب التّيسير والضّرر يبيح المحظورات، وما أبيح للضّرورة يقدّر بقدرها، والضّرر لا يزال بالضّرر، وقولهم: يراعى أخف الضّررين، ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، والحاجة، أو العامّة، أو الخاصّة تُنَزَّل مَنْزلة الضّرورة. وكلّ واحدةٍ من هذه القواعد لها فروع منتشرة في كتب الفقه لا يمكن حصرها. انتهى.
السّؤال الثّاني: ما معنى قوله ـ عليه السّلام ـ:"الأرواح جنود مُنَجَّدةٌ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"؟
فالجواب: قال النّووي ـ رحمه الله ـ في شرح صحيح مسلم: قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" الأرواح جنود مُنَجَّدةٌ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ".قال العلماء معناه: جموع مجتمعة وأنواع مختلفة.
أمّا تعارفها فهو لأمرٍ جبلها الله عليه، وقيل: إنّها موافقة صفاتها التي خلقها الله تعالى عليها وتناسبها في شبهها، وقيل: لأنّها خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسادها فمَن وافق قسيمه ألفه، ومَن باعده نافره وخالفه. قال الخطابي وغيره: تألّفها هو ما خلقها الله عليه من السّعادة والشّقاوة في المبتدأ، وخلقت الأرواح قمسين متاقبلين من ائتلافٍ واختلافٍ.
(1/432)
________________________________________
- 2 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حسن بن حسين إلى الأخوان: جمعان بن ناصر، ومحمّد بن المبارك، ومَن معهم من الأخوان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل، وبه السّرور حصل حيث أفاد المحب عن طيب أحبابه، وصحّة أمور خلاصة أصحابه.
بعد؛
فيا أيّها الأخوان ألهمكم الله الصّبر والاحتساب، وأحسن لنا ولكم العزاء في المصاب، والحمد لله، على كلّ حالٍ. المأمول فيكم الصّبر والاحتساب والتّعزّي بعزاء الله تعالى، فقد قال بعض العلماء ـ رحمه الله ـ: إنّك لن تجد أهل العلم والإيمان إلاّ وهم أقلّ النّاس انزعاجاً عند المصائب، وأحسنهم طمأنينة، وأقلّهم قلقاً عند النّوازل، وما ذاك إلاّ لما أوتوا مِمّا حرمه الجاهلون، قال الله سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} ، [البقرة الآيات: 155-157] .فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في العاجلة والآجلة، فإنّها تضمنت أصلين عظيمين إذا تحقّق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته:
أوّلاً: أنّ العبد وأهله وماله ملك لله تعالى، يتصرّف فيه كيف يشاء، جعله تبارك وتعالى عند عبده عارية والمعير مالك قاهر قادر، وهو محفوف بعدمين: عدم قبله وعدم بعده، وملك العبد متعة معارة.
الثّاني: أنّ مصير العبد ومرجعه ومردّه إلى مولاه الحقّ
(1/433)
________________________________________
الذي له الحكم والأمر والأبدان يخلف ما خوله في هذه الدّار وراء ظهره، ويأتي فرداً بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عشيرةٍ، ولكن بالحسنات والسّيّئات، ومَن هذه حاله لا يفرح بموجودٍ ولا يأسف على مفقودٍ، وإذا علم المؤمن علم يقين أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه المصيبة. وقد قيل:
ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر
ولتعلمي أنّ المقدر كائن ... يجري عليك عذرت أو لم تعذري
ومن صفات المؤمن أنّه عند الزّلازل وقور، وفي الرّخاء شكور، ومما يخفّف المصائب بردّ التّأسي فانظروا يميناً وشمالاً، وأمّا ما ووراء فإنّكم لا تجدون إلاّ مَن قد وقع به ما هو أعظم من مصيبتكم أو مثلها أو قريب منها ولم يبق إلاّ التفاوت في عوض الفائت، نعوذ بالله من الخسران، ولو أمعن البصير نظره في هذا العالم جميعه لم ير إلاّ مبتلى إمّا بفوات محبوب أو حصول مكروه، وأنّ سرور الدّنيا أحلام ليل أو كظلٍّ زائلٍ، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن أحسنت حيناً أساءت دهراً، جمعها إلى انصداع، ووصلها إلى انقطاع، إقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم نزالها، حالها انتقال، وسكونها زلزال، غرارة خدوع، معطية منوع، ملبسة نزوع، ويكفي في هوانها على الله أنّه لا يعطي إلاّ فيها، ولا ينال ما عنده إلاّ بتركها، مع أنّ المصائب من حيث هي رحمة للمؤمن وزيادة في درجاته، كما قال بعض السّلف: لولا مصائب الدّنيا وردنا الآخرة مفاليس، والرّبّ سبحانه لم يرسل البلاء لعبده ليهلكه ولا ليعذّبه، ولكن امتحاناً لصبره ورضاه عنه، واختباراً لإيمانه،
(1/434)
________________________________________
وليراه طريحاً ببابه لائذاً بجنابه منكسر القلب بين يديه، فهذا من حيث المصائب الدّنيوية.
وأمّا ما جرى عليكم فأنتم به بالتهنئة أجدر من التّعزية، كيف وقد نالكم من الأذى والتّطريد كما نال الرّسل وأتباعهم، فهذا سيّد المرسلين غير خافٍ ما جرى عليه، وتطرق من الأذى إليه، فنسأل الحيّ القيّوم الذي لا تأخذه سنة أن يجعل لنا ولكم فيه أسوة حسنة، ولعمر الله إنّ مَن سلم دِينه فالمحن في حقّه منح، والبلايا عطايا، والمكروهات له محبوبات إلى غير ذلك.
وأمّا المصيبة والخطاب الأكبر والكسر الذي يجبر والعثار الذي لا يقال، فهي المصيبة في الدِّين كما قيل:
من كلّ شيءٍ إذا ضيعته عوض
وما من الله إن ضيعته عوض
وقد مضت عادة أحكم الحاكمين لِمَن أراد به خيراً وإمامة في الدِّين أن يقدّم له الابتلاء بين يدي ذلك. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} ، [السّجدة: 24] .
خاتمة: روى الإمام أحمد والطّبرانِي عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"طوبَى للغرباء"، قلنا: ومَن الغرباء؟ قال:"قوم صالحون قليل في قومٍ سوءٍ كثيرٍ مَن يعصيهم أكثر مِمَّن يطعيهم".وفي لفظٍ: قيل: ومَن الغرباء؟ قال:"الفرّارون بدِينهم يبعثهم الله مع عيسى بن مريم عليه السّلام".كذا ورد في بعض طرق الحديث المشهور. وعن ابن مسعود قال: سَمِعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول:" سيأتي النّاس زمان لا يسلم لذي دِينٍ دِينُهُ إلاّ مَن فرَّ بدِينه من قريةٍ إلى قريةٍ، ومِن شاهقٍ إلى
(1/435)
________________________________________
شاهقٍ، ومِن جحرٍ إلى جحرٍ كالثّعلب".قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال:"إذا لم تنل المعشية إلاّ بمعاصي الله". الحديث. وروى الطّبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" إنّ لكلّ شيءٍ إقبالاً وإدباراً، وإنّ لهذا الدِّين إقبالاً وإدباراً، وإنّ من إدبار الدِّين ما كنتم عليه من العمى والجهالة وما بعثني به، ومن إقبال الدِّين أن تفقه القبيلة بأسرها حتّى لا يوجد فيها إلاّ الفاسق والفاسقان، فهما مقهوران ذليلان إن تكلّما قمعا وقهرا واضطهدا، ألا وإنّ من إدبار الدِّين أن تجفو القبيلة بأسرّها حتّى لا يوجد فيها إلاّ الفقيه والفقيهان، فهما مقهوران ذليلان إن تكلّما فأمرا بمعروفٍ أو نهيا عن منكرٍ قمعا وقهرا واضطهدا فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على الحقّ أعواناً ولا أن صاراً".إلى غير ذلك مما لا تتّسع لذكره هذه الورقة. وما أحسن ما قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:
قد عرف المنكر وأنكر الـ ... معروف في أيّامنا الصّعبه
صار أهل العلم في وهدة ... وصار أهل الجهل في رتبه
فقلت للأبرار أهل التّقى ... والدِّين لما اشتدّت الكربة
لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... نوبتكم في زمن الغربه
يشير إلى قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"بدأ الإسلام غريباً"الخ.
وصلّى الله على محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.
(1/436)
________________________________________
- 3 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أحمد الله على نعمه وآلائه، وأصلّي وأسلّم على خاتم رسله وأنبيائه.
من حسن بن حسين إلى الأخ راشد بن مبارك أولاه الله من نعمه وبارك.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وإن تسأل عنِّي فأحمد إليك الله، وأشكره كما شكره الأواه، بخيرٍ وعافية، ونعم وافيه، وقد سألت رحمك الله عن مسألتين والخاطر مشغول، وقد آن بحمد الله أن نشرع في الجواب:
المسألة الأولى: قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في حديث أبي ثعلبة:"وللعامل منهم أجر خمسين ".قيل يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال:"أجر خمسين منكم".كيف ساووا الصّحابة ـ رضي الله عنهم ـ وهم أفضل النّاس ولن يبلغ من بعدهم أدنى درجة من درجاتهم.
فالجواب ـ وبالله التّوفيق ـ اعلم أوّلاً أنّ هذا الحديث المشار إليه خرجه أبو داود والتّرمذي وابن ماجه من طريق عتبة بن حكيم عن عمرو بن حارثة عن أبي أمية الشّعباني عن أبي ثعلبة الخشنِي ـ رضي الله عنهم ـ في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ، [المائدة، من الآية: 105] .أمّا والله لقد سألت عنها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فقال:"بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متّبعاً ودنيا مؤثّرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، ورأيت أمراً لا بدّ لك منه ـ وفي بعضها لا يدان لك به ـ فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام، فإنّ وراءكم أيّام الصّبر، فمَن صبر فيهن كان كَمَن قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله".قالوا: يا رسول الله أجر خمسين
(1/437)
________________________________________
منهم؟ قال:"أجر خمسين منكم ".وعتبة هذا قال الحافظ المنذري في مختصر السّنن لأبي داود هو: العبّاس بن أبي حكيم الهمدانِي الشّامي، وثّقه غير واحدٍ، وتكلّم فيه غير واحدٍ.
قلت: وقد حكم التّرمذي على هذا الحديث أنّه حسن غريب.
إذا عرفت ذلك فالمعنى الذي لأجله استحقّ الأجر العظيم والثّواب، وساوى فضل خمسين من الصّحاب، إنّما هو لعدم المعاون والمساعد على ما ذكره الحافظ أبو سليمان الخطابي، وأبو الفرج عبد الرّحمن بن رجب وغيرهما، فالمستقيم على المنهج السّويّ، والطّريق النّبويّ عند فساد الزّمان، ومروج الأديان غريب، ولو عند الحبيب، إذ قد توفرت الموانع، وكثرت الآفات، وتظاهرت القبائح والمنكرات، وظهر التّغيير في الدِّين والتّبديل، واتّباع الهوى والتّضليل، وفقد المعين، وعزَّ مَن تلوذ به من الموحِّدين، وصار النّاس كالشّيء المشوب، ودارت بين الكلّ رحى الفتن والحروب، وانتشر شرّ المنافقين، وعيل صبر المتّقين، وتقطعت سبل المسالك، وترادفت الضّلالات والمهالك، ومنع الخلاص، ولات حين مناص. فالموحِّد بينهم أعزّ من الكبريب الأحمر، ومع ذلك فليس له مجيب ولا راعٍ، ولا قابل لما يقول ولا واعٍ، وقد نصبت له رايات الخلاف، ورمي بقوس العداوة والاعتساف، ونظرت إليه شزر العيون، وأتاه الأذى من كلّ منافقٍ مفتونٍ، واستحكمت له الغربة، وأفلاذ كبده تقطعت مما جرى في دين الإسلام، وعراه من الانثلام والانفصام، والباطل قد اضطرمت ناره، وتطاير في الآفاق شراره، ومع هذا كلّه فهو على الدِّين الحنيف مستقيم، ولحجج الله وبراهينه مقيم. فبالله قل لي
(1/438)
________________________________________
هل يصدر هذا إلاّ عن يقين صدقٍ راسخٍ في الجنان، وكمال توحيدٍ وإيمانٍ، وصبر ورضا وتسليم لما قدره الرّحمن، وقد وعد الله الصّابرين الثّواب: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ، [الزّمر، من الآية: 10] .
وقد قال بعض العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ مَن اتّبع القرآن والسّنة وهاجر إلى الله بقلبه واتّبع آثار الصّحابة لم يسبقه الصّحابة إلاّ بكونهم رأوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. اهـ. وفي ذلك الزّمان فالكلّ له أعوان وأخوان ومساعدون ومعاضدون، ولهذا قال علي بن المدينِي ـ رحمه الله تعالى ـ كما ذكره عنه ابن الجوزي في كتاب صفوة الصّفوة: ما قام أحد بالإسلام بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ما قام أحمد بن حنبل، قيل: يا أبا الحسن ولا أبو بكر الصّدّيق؟ قال: إنّ أبا بكرٍ الصّدّيق ـ رضي الله عنه ـ كان له أصحاب وأعوان وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب. اهـ.
وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" بدا الإسلام غريباً وسيعود غربياً كما بدأ فطوبى الغرباء".قيل: يا رسول الله: ومَن الغرباء؟ قال:"النّزاع من القبائل".ورواه أبو بكر الآجري الحنبلي. وعنده قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال:"الذين يصلحون إذا فسد النّاس".ورواه غيره. وعنده قال:"الذين يفرّون بدِينهم من الفتن".
ورواه التّرمذي عن كثيرٍ عن عبد الله المزني عن أبيه عن جدّه عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بلفظٍ:"الذين يصلون ما أفسد النّاس من سنتِي ".ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص. ورواه الطّبراني من حديث عبد الله بن عمر عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"طوبى للغرباء".قيل: ومَن الغرباء؟ قال:"قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير مَن يعصيهم أكثر مِمَّن يطيعهم".قال الأوزاعي في تفسيره:
(1/439)
________________________________________
أمّا أنّه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السّنة حتّى ما يبقى في البلد منهم إلاّ رجلٌ واحدٌ أو رجلان. رواه البخاري عن مرداس السّلمي ـ رضي الله عنه ـ. قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"يذهب الصّالحون الأوّل فالأوّل ويبقى حثالة كحثالة الشّعير أو التّمر لا يباليهم الله باله".وكان الحسن البصري يقول لأصحابه: يا أهل السّنة ترفقوا ـ رحمكم الله ـ فإنّكم من أوّل النّاس، وقال يوسف بن عبيد ليس شيء أغرب من السّنة، وأغرب منها من يعرفها.
وروى أبو القاسم الطّبراني وغيره بإسنادٍ فيه نظر من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول:"المتمسّك بسنّتِي عند اختلاف أمّتِي له أجر شهيدٍ".
وروى مسلم في صحيح عن معقل بن يسار أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:" العبادة في الهرج كهجرة إلِيَّ".وعن الحسن البصري ـ رحمه الله تعالى ـ: لو أنّ رجلاً من الصّدر الأوّل بعث ما عرف من الإسلام شيئاً إلاّ هذه الصّلاة، ثم قال: أمّا والله لئن عاش على هذه المنكرات فرأى صاحب بدعة يدعوا إلى بدعته وصاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله، وقلبه يحن إلى ذلك السّلف ويتّبع آثارهم ويستنّ بسنّتهم ويتّبع سبيلهم كان له أجرٌ عظيمٌ.
وروى المبارك بن فضالة أحد علماء الحديث بالبصرة عن الحسن البصري أنّه ذكر الغني المترف الذي له سلطان يأخذ المال ويدّعي أنّه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضّال الذي خرج على المسلمين، وتأوّل ما أنزل الله في الكفّار على المسلمين ثم قال: سنّتكم والله الذي لا إله إلاّ هو بينها وبين الغالي والجافي والمترف والجاهل فاصبروا عليها. فإنّ أهل السّنة كانوا أقلّ النّاس الذين لم يأخذوا مع أهل الأتراف في أترافهم ولا مع أهل البدع أهواءهم وصبروا على سنّتهم حتّى أتوا ربّهم فكذلك فكونوا إن شاء الله، ثم قال: والله لو أنّ رجلاً
(1/440)
________________________________________
أدرك هذه المنكرات يقول هذا هلم إليّ، ويقول هذا: هلم إليّ، فيقول: لا أريد إلاّ سنة محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يطلبها ويسال عنها أنّ هذا له أجرٌ عظيمٌ، فكذلك فكونوا إن شاء الله تعالى، وعن مورق ـ رحمه الله ـ قال المتمسّك بطاعة الله إذا جنب النّاس عنها كالكارّ بعد الفارّ. قال أبو السّعادات بن الأثير في النّهاية: أي: إذا ترك النّاس الطّاعات ورغبوا عنها كان المتمسّك بها له ثواب كثواب الكارّ في الغزو بعد أن فرّ النّاس عنه.
فصل: ولنذكر طرفاً مما في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر إذ له تعلّق بما تقدّم. قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، [آل عمران: 104] .
وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، [آل عمران: من الآية: 110] .
وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، [التّوبة، من الآية: 71] .
وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ، [المائدة الآيتان: 78-79] .
وقال تعالى: {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، [الأعراف، من الآية: 165] .والآيات في هذا الباب كثيرة.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول:"مَن رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"ما من نبِيٍّ بعثه الله في أمّةٍ قبلي إلاّ كان له من أمّته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره ثم إنّها تخلف من بعدهم خلوف يقولون
(1/441)
________________________________________
ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان وزن خردل من إيمانٍ".
وقد روى الإمام أحمد عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول:" إذا ظهرت المعاصي في أمّتي عمّهم الله بعذابٍ من عنده".فقلت: يا رسول الله! أمّا فيهم يومئذٍ صالحون؟ قال:"بلى".قلت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال:"يصيبهم ما أصاب النّاس ثم يصيرون إلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ".
وروى البخاري عن زينب بنت جحش قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال:"نعم. إذا كثر الخبث ".
وروى التّرمذي عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ".
وروى الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذي والنّسائي من حديث عمرو بن مرّة عن سالم عن أبي الجعد عن أبي عيبدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"إنّ مَن كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه النّاهي تعزيراً فإذا كان الغد جالسه وآكله وشاربه، كأنّه لم يره على خطيئةٍ بالأمس، فلمّا رأى الله ـ عزّ وجلّ ـ ذلك منهم ضرب بلقوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيّهم داود وعيسى بن مريم {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ، [البقرة، من الآية: 61، وآل عمران، من الآية: 112، والمائدة، من الآية: 78] .
والذي نفس محمّد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السّفيه، ولتأطرنه على الحقّ إطراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم بعضاً ثم يلعنكم كما لعنهم".
وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فأقبل
(1/442)
________________________________________
علينا بوجهه، وقال:"يا معاشر المهاجرين خمس خصال ـ وأعوذ بالله أن تدركوهن ـ ما ظهرت الفاشحة في قومٍ حتّى أعلنوها إلاّ ابتلاهم الله بالطّواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نص قومٌ المكيال والميزان إلاّ ابتلوا بالسّنين وشدّة المؤنة وجور السّلطان، وما منع قومٌ زكاة أموالهم إلاّ منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قومٌ العهد إلاّ سلّط الله عليهم عدوّاً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه إلاّ جعل بأسهم بينهم".
وروى البخاري عن النّعمان بن بشير قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا في سفينة فصار لبعضهم أعلاها، ولبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم يؤذ مَن فوقنا فتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً ".قال النّووي: القائم في حدود الله معناه: المنكر لها، القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود ما نهى الله عنها والأحاديث في هذا كثيرة، قد أفردنا لها رسالة وجمعنا فيها جميع ما ورد، ونقصنا سائر ما شرد. ولله الحمد، فلتراجع.
المسألة الثّانية: سألت عن قول الجدّ ـ رحمه الله ـ في ثمان الحالات كما جرى لسعد مع أمّه ما الذي جرى لسعد مع أمّه؟
فالجواب: سعد هو: ابن أبي وقاص، أحد الشعرة المبشّرين بالجنة ـ رضي الله عنه ـ. وأمّه: حمنة بنت أبي سفيان بن أبي أمية، وقصته معروفة. قال الحافظ الطّبرانِي: حدّثنا أحمد بن أيوب بن راشد حدّثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال: كنت بارّاً بوالدتِي فقالت لي أمِّي:
(1/443)
________________________________________
يا سعد! ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دِينَك هذا أو لا آكل ولا أشرب ولا أستظلّ حتى أموت فتعير بي، ويقال: قاتل أمّه. فقلت: لا تفعلي يا أمّه؛ فإنِّي لا أدع هذا لشيءٍ. فمكثت يوماً وليلةً لم تأكل ولم تشرب ولم تستظلّ فأصبحت وقد اشتدّ جهدها فمكثت يوماً آخر وليلةً لا تأكل، فأصبحت وقد اشتد جهدها، فقلت: يا أمّه والله لو كان لكِ مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت دِينِي هذا لشيءٍ؛ فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فأكلت. رواه مسلم في صحيحه. حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب حدّثنا الحسن بن موسى حدّثنا زهير حدّثنا سماك بن حرب حدّثني مصعب بن سعد عن أبيه فذكره بنحو هذا السّياق. وفيه: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أوجروها فنَزلت: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} الآية، [الأحقاف، من الآية: 15] .
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
- 4 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله مانح الهداية والتّوفيق، والصّلاة والسّلام على محمّدٍ الهادي إلى أوضح طريق.
(من حسن بن حسين إلى الأخ إبراهيم بن عبيد)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وتضمن السّؤال عن مسائل:
الأولى: في المرأة إذا جهّزها أبوها بجهاز إلى بيت زوجها هل تمكله بنقله أو لا تملكه؟
فالجواب: أنّها تملكه بذلك. قال في المغني في (باب الهبة) : فرع
(1/444)
________________________________________
ما جهّزت به المرأة إلى بيت زوجها من مالها، أو مال أمّها، أو أبيها يكون ليس لواحدٍ منهما ولا غيرهما أخذه ولا شيء منه. وقال في الإقناع: وتنعقد بإيجاب وقبول وبمعاطاة بفعل يقترن بما يدلّ عليها فتجهيز ابنته بجهاز إلى بيت زوجها تمليك لها. انتهى.
وقال في الإنصاف في كتاب البيع: وتجهيز المرأة بجهاز إلى بيت زوجها تميلك لها. انتهى.
فعلى هذا، إذا أرادت أمّها أن تأخذ منه شيئاً لم يكن لها ذلك، وإن أراد الأب الرّجوع لأجل التّسوية بين أولاده كما ذكرت في السّؤال فلا مانع له بشرطه، وهو أن لا يتعلّق به حقّ غير أو رغبة نحو أن يتزوّج الولد أو يفلس أو يفعل ما يمنع التّصرّف مؤبّداً أو مؤقّتاً. فإن تعلّق به شيء مما ذكر؛ فإنّه لا يرجع. اختاره المصنّف وابن عقيل والشّيخ تقيّ الدّين، وهو مذهب مالك. لأنّ في رجوعه إبطال حقّه يؤيّده قوله ـ عليه السّلام ـ:"لا ضرر ولا ضرار".كذا علّلوا. هذا الذي يظهر لنا. والله أعلم.
الثّانية: ما المعتمد عليه من أقوال الفقهاء في رجوع الأمّ فيما أعطت ولدها، وهل هي كالأب أم لا؟
فالجواب: الخلاف في هذه المسألة مشهور في مذهب أحمد وغيره. ومذهب المتأخّرين من أصحابه أنّ الأم لا رجوع لها. قال في الإنصاف: وهو الصّحيح من المذهب نصّ عليه. وقيل: هي كالأب. اختاره المصنّف والشّارح. انتهى. وبه قال الشّافعي، والذي يترجّح هو الأوّل؛ لأنّ النّصّ إنّما ورد في الأب دون الأم، فقصره على مورده أولى. ولا يصحّ قياس الأم على الأب؛ لأنّ للأب ولاية ولده، ويحوز جميع المال في الميراث بخلاف الأم.
(1/445)
________________________________________
الثّالثة: متى تردّ شهادة الشّاهد هل تردّ بجرحه قبل تحمل الشّهادة وقبل أدائها، أو تردّ شهادته بما جرحه قبل التّحمّل وقبل الأداء؟
فالجواب: أنّه متى وجد الجرح المؤثّر سواء كان قبل التّحمّل أو بعده إذا كان قبل الأداء ردّت به شهادة الشّاهد إلاّ أن يجرح بجرح سابق قد تاب منه قبل تحمّل الشّهادة؛ فإنّه لا يضرّ والحالة هذه. لأنّ التّوبة ماحية لما قبلها.
الرّابعة: هل تقدم شهادة الجرح على شهود التّعديل أو بالعكس؟
فالجواب: قال في المقنع: وإن عدّله اثنان وجرحه اثنان فالجرح أولى. قال في الإنصاف: هذا بلا نزاع. انتهى. ومراده في المذهب. وهو مذهب الشّافعي، وأبي حنيفة؛ لأنّ الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدِّل، فوجب تقديمه؛ لأنّ التّعديل يتضمن ترك الذّنب والمحارم، والجارح مثبت لوجود ذلك، والإثبات مقدّم على النّفي. قاله في المغني. لكن قال في حاشية الإقناع: وإن قال الذين عدلّوه: ما جرحاه به قد تاب منه قدم التّعديل؛ لأنّ بيّنته ناقلة. وكذا إذا عصى في بلد فانتقل عنه فجرحه اثنان في بلده وزكاه اثنان في البلد الذي انتقل إليه قدم التّزكية. انتهى. فاعلم ذلك.
الخامسة: إذا أعطى إنسان بعض ورثته جميع ماله، وهو صحيح فقبض المعطى وتصرّف فيه برهنٍ أو هبةٍ أو غير ذلك، ثم مات المعطي فقام الوارث الذي منع من الإرث فلم يبق له شيء من مال مورثه لكونه صار في يد المعطى كلّه فطالبه وقد تعلّقت به حقوق النّاس ما الحكم في ذلك؟
(1/446)
________________________________________
فالجواب: إذا أعطى بعض أولاده عطية في حال الصّحّة وفضلهم على الآخرين أو خصّهم وقبض المعطى العطية ومات الوالد ولم يرجع في عطيته فإنّ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه ومالك والشّافعي وأصحاب الرّاي وأكثر العلماء إلى أنّه ليس لهم الرّجوع؛ لأنّها صارت لازمة في حقّ المعطى بانتقالها إليه في حياة المعطي واتّصل بها القبول والقبض، قالوا: والإثم على الوالد المفضل بينهم. وعن أحمد رواية ثانية: أنّها لا تثبت وللباقين الرّجوع. اختارها ابن بطة وأبو الوفاء ابن عقيل والشّيخ تقيّ الدّين الذي ذكره عنهم صاحب الإنصاف. وروي عن عروة بن الزّبير وإسحاق بن راهويه. فعلى هذه الرّواية الأخيرة إمّا أن تردّ، وإمّا أن تحسب عليه من ميراثه. قال الوالد والعمّ عبد الله في جوابهما للعماني: وهذا القول أقرب إلى الدّليل وأحوط. والله أعلم. انتهى. لكن الذي أفتى به شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب واستمرّت عليه الفتوى مذهب الجمهور.
السّادسة: رجل باع لآخر تمراً وقت جذاذ النّخل بدراهم حالة، ولم يكن عند المشتري دراهم يوفيه منها, ونيّة البائع عند بيع الثّمرة طمع في معاملته، فلمّا جاء وقت ثوار الزّرع ما أعطاه المشتري وعجز عن الدّراهم ولم يكن عند البائع دراهم يسلّمها عليه فاستقرض دراهم وأسلمها عليه بآصع بر أو شعير فغاب بها قدر نصف يومٍ أو يوم ثم ردّها المسلم على مَن أقرضه إيّاها، وربّما كانت أمانة عند المسلم أخذها بغير إذن صاحبها فأسلمها على مَن اشترى منه التّمر بعيش ثمّ ردّها عليه وردّها المسلم مكانها حيث أخذ فكأنّه قلب ثمن التّمر الذي في ذمّته بعيش، هل تصحّ هذه الصّورة أم لا؟
(1/447)
________________________________________
فالجواب: قد علمت أنّ قلب الدَّين على المعسر لا يجوز؛ لأنّه إنّما قلبه عليه لعجزه عن الوفاء فكأنّه حيلة، فإن كان هذا المسؤول عنه مليئاً ولم يكن المسلم شرط عليه الوفاء بها، فإذا قبضها البائع وذهب بها إلى بيته قدر اليومين أو الثّلاثة وتملّكها تملكاً تامّاً بحيث يتصرّف فيها بما شاء فلا بأس أن يوفيه بها عمّا في ذمّته له من الدّراهم وكونها قرضاً لا يضرّ، وأمّا إن كان أخذها من أمانته بغير إذن صاحبها فإنّه لا يصح. اللهم إلاّ أن يعلم منه الرّضا بذلك. هذا ما ظهر لنا. والله أعلم.
السّابعة: رجل له أرض فقال مَن أراد أن يبني له فيها داراً يسكنها هو وأولاده ويكريها إن احتاج؛ فإذا أراد الانتقال عنها فليأخذ خشبه وأبوابه ولا يبيع ولتعد إلى أرضي فجاء إنسان فبنى في أرضه المذكورة فأخبر بعضهم بذلك الشّرط، وبعضهم سكت عنه مستكفياً بما قال أوّلاً فبنا فيها أناس كثير وسكنوا فيها مدّة من الدّهر وتصرّفوا بنحو رهن وكراء، وبعضهم منذ عشرين سنة وبعضهم منذ عشر سنين، وبعضهم منذ خمس سنين، ثم بعد ذلك مات ربّ الأرض الذي أذن في سكناها، فهل يكون إذنه في عمارتها والسكنى فيها هبة لا رجوع فيها أو هبة بشرط الرّجوع؟ ومع عدمه لا ترجع أو ملحقة بالعارية فإن قلتم: ترجع على ربّها فإذا قال ساكنها: أعطني قيمة الخشب والأبواب وأتركها لك فأبى صاحب الأرض دفع القيمة، فهل يلزم به؛ لأنّه أذن له في إشغال ملكه بالخشب والأبواب التي في ملكه أو يؤمر بقلعه؟
فالجواب: أنّ هذه فيما يظهر من سؤالكم ملحقة بالعارية، ونحن نذكر لك كلام صاحب الشّرح الكبير في أوّل باب العارية ملخّصاً حتّى يتبيّن لك الصّواب. قال فيه:
(1/448)
________________________________________
باب العارية: وهي إباحة الانتفاع بعينٍ من أعيان المال وتنعقد بكلّ لفظٍ وفعلٍ يدلّ عليه، وهي هبة منفعة تجوز في كلّ المنافع إلاّ منافع البضع، وتجوز مطلقة ومؤقتة، وللمعير الرّجوع فيها متى شاء سواء كانت مطلقة أو مؤقتة، وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعي. وقال مالك: إن كانت مؤقتة فليس له الرّجوع قبل الوقت، وإن لم يوقت مدّة لزمه تركه مدّة ينتفع بها في مثلها؛ لأنّ المعير قد ملكه المنفعة مدّة وصارت العين في يده بعقدٍ مباحٍ، فإن شغله بإذنه في شيء يستضرّ المستعير برجوعه لم يجز له الرّجوع. مثل: أن يعيره سفينة لحمل متاعه لم يجز له الرّجوع ما دامت في لجة البحر، وله الرّجوع قبل دخولها في البحر، وبعد خروجها منه لعدم الضّرر. وإن أعاره أرضاً للدّفن لم يرجع حتّى يبلى الميّت، وله الرّجوع فيها قبل الدّفن، وإن أعاره حائطاً ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع ما دام عليه، فإن سقط عنه بهدم أو غيره لم يملك ردّه، وإن أعاره أرضاً للزّرع لم يرجع إلى الحصاد، إلاّ أن يكون مما يحصد قصيلاً فيحصده. وإن أعارها للغرس أو البناء وشرط عليه القلع في وقت أو عند رجوعه ثم رجع لزمه القلع. لقول النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"المؤمنون على شروطهم". حديث صحيح. وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه ولا نعلم في هذا خلافاً.
فأمّا تسوية الحفر فإن كان مشروطاً عليه لزمه لما ذكرنا، وإلاّ لم يلزمه، وإن لم يشرط المعير القلع لم يلزم المستعير لما فيه من الضّرر، فإن ضمن له النّقص لزمه، فإن قلع فعليه تسوية الأرض، وكذلك إن اختار أخذ بنائه وغراسه فإنّه يملكه، فإن أبى القلع في الحال التي لا يجبر عليها فبذل له المعير قيمة الغراس والبناء ليملكه أجبر المستعير قهراً عليه؛
(1/449)
________________________________________
كالشّفيع مع المشتري، والمؤجّر مع المستأجر، فإن قيل: المستعير أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لي لم يلزم المعير. وبهذا كلّه قال الشّافعي. وقال أبو حنيفة: يطالب المستعير بالقلع من غير ضمانٍ إلاّ أن يكون أعاره مدّة معلومة فرجع قبل انقضائها؛ لأنّ المعير لم يعره، فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النّقص وامتنع المستعير من القلع ودفع الأجرة لم يقلع، ثم إن اتّفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها وبنائها ودفع إلى كلّ واحدٍ منهما قدر حقّه، وإن أبيا البيع ترك بحاله وقلنا لهما انصرفا فلا حكم لكما عندنا حتّى تتّفقا. اهـ المقصود ملخصّاً. فتأمّله يستبين لك منه الجواب عن سؤالك ولاسيما قوله: وإن أعارها للغراس أو البناء إلى آخره.
المسألة الثّامنة: إذا كان نهر بين قومٍ لكلٍ منهم فيه نصيب وأراد أحدهم بيع نصيبه من النّهر المذكور هل يصحّ أم لا؟
فالجواب: جواز بيعه مبنِيّ على ملك الماء وعدمه، والصّحيح أنّ الماء يملك بالعمل فيه لا نفس النّبع؛ فإنّه لا يملك إذا لم يكن قد نبع في ملكه، والعمل هو احتفار السّواقي وإصلاحها وبعث الآبار وعمارتها فبهذا تكون مملوكة.
ونحن نذكر لك كلام صاحب الشّرح ملخّصاً، قال فيه: أمّا الأنهار النّابعة في غير ملك؛ كالأنهار الكبار فلا تملك بحالٍ، ولا يجوز بيعها ولو دخل إلى أرض رجلٍ لم يملكه بذلك كالطّير يدخل في أرضه، ولكلّ أحدٍ أخذه ويملكه إلاّ أن يحفر منه ساقيه فيكون أحقّ بها من غيره.
وأمّا ما ينبع في ملكه كالبئر والعين المستنبطة فنفس البئر وأرض العين مملوكة لمالك الأرض والماء الذي فيها غير مملوك في ظاهر المذهب.
(1/450)
________________________________________
وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشّافعي، والوجه الآخر يملك؛ لأنّه نماء الملك، وقد روي عن أحمد نحو ذلك. فإنّه قيل له في رجلٍ له أرض ولآخر ماء يشترك صاحب الماء وصاحب الأرض وصاحب الزّرع يكون بينهما. فقال: لا بأس. اختاره أبو بكر. وهذا يدلّ من قوله على أنّ الماء مملوك أصحابه، وجواز بيع ذلك مبنِيّ على ملكه. قال أحمد: لا يعجبنِي بيع الماء البتة. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن قومٍ بينهم نهر تشرب منه أرضوهم لهذا يوم، ولهذا يومان، فيتّفقون عليه بالحصص فجاء يومي ولا أحتاج إليه أكريه بدارهم؟ قال: ما أدري. أمّا النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فنهى عن بيع الماء. قيل له: إنّه ليس بيعه إنّما يكريه. قال: إنّما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شيءٍ هذا إلاّ البيع؟!
وروى الأثر بإسناده عن جابر أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ نهى عن بيع الماء. وروى أبو عبيد والأثرم أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"المسلمون شركاء في ثلاثة: الكلأ والنّار والماء".
فإن قلنا: يملك جاز بيعه، وإن قلنا: لا يملك فصاحب الأرض أحقّ به من غيره لكونه في ملكه. والخلاف في بيع ذلك إنّما هو قبل حيازته.
فأمّا ما يحوزه من الماء في إنائه أو يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله أو يأخذه من المعادن، فإنّه يملكه بذلك بغير خلافٍ بين أهل العلم. وليس لأحد أن يشرب منه ولا يأخذ ولا يتوضّا إلاّ بإذن مالكه؛ لأنّه ملكه. قال أحمد: إنّما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره. ويجوز بيع البئر نفسها والعين ومشتريها أحقّ بمائها. ثم ذكر حديث بئر رومة. وقال: بعد ذكره: وفي هذا دليل على صحّة بيعها وتسبيلها وملك ما يستقيه منها، وجواز قسمة مائها بالمهايأة، وكون مالكها أحقّ بمائها وجواز قسمة ما فيه حقّ وليس مملوك.
فأمّا المصانع المتّخذة
(1/451)
________________________________________
لمياه الأمطار تجمع فيها ونحوها من البرك وغيرها فالأولى أن يملك ماؤها ويصحّ بيعه؛ لأنّه مباح حصل بشيءٍ معدّ له فملكه؛ كالصّيد يحصل في شبكةٍ، والسّمك في بركة معدّة له، ولا يحلّ أخذ شيء منه بغير إذن مالكه، وكذلك إن أجرى من نهرٍ غير مملوك ماء إلى بركة في أرضه يستقرّ الماء فيها لا يخرج منها فحكمه حكم مياه الأمطار تجتمع في البركة قياساً عليه. اهـ كلامه ملخّصاً. وقد عرفت ما قدمناه. والحمد لله وحده وصلّى الله على خيرٍ خلقه؛ محمّدٍ وآله ورضي عن صاحبته والتّابعين.
فائدة: لا يجوز أن يجمع مع البيع ستة عقود ونظمها بعضهم فقال:
عقود منعناها مع البيع ستة ... ويجمعها في اللّفظ جص مشنق
فجعل وصرف والمساقاة شركة ... نكاح قراض منع هذا محقّق
فالجيم للجعل، والصّاد للصّرف، والميم للمساقاة، والشّين للشّركة، والنّون للنّكاح، والقاف للقرض. اهـ.
فائدة: قال في شرح الإقناع: ويكره زلزلة الكيل عند القبض لاحتمال زيادة الواجب. قال في شرح المنتهى: لأنّ الرّجوع عند الاكتيال إلى عرف النّاس في أسواقهم ولم يعهد فيها. اهـ. وفيه نظر، بل عهد ذلك في بعض الأشياء فعليه لا يكره فيها كالكشك. اهـ.
فائدة: قال في حاشية المنتهى: قال في الإنصاف: ولا يضمن إذا استعاره وتلفت بغير تفريطه ككتب العلم وغيرها على ظاهر كلام أحمد والأصحاب. قاله في الفروع.
فائدة: ذكر في الإنصاف في باب طريق الحكم وصفته عند قول المصنّف: ومَن كان له على إنسان حقّ ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على
(1/452)
________________________________________
مال أخذه. أنّ محلّ الخلاف إذا لم يكن الدَّين الذي في ذمّته قد أخذه فهراً، فأمّا إن كان قد غصب ماله فيجوز له الأخذ بقدر حقّه. ذكره السّيخ تقيّ الدّين وغيره، وقال: ليس هذا من هذا الباب. انتهى. وجزم باختيار الشّيخ في الإقناع.
مسألة: إذا غارس رجل رجلاً في أرضٍ على أن يغرس فيها قدراً معلوماً من النّخل والنّخل من العامل وينفق عليه العامل حتّى يثمر ثم يقتسمان النّخل والأرض هل يصحّ ذلك أم لا يصحّ إلاّ على أنّ الأرض لربّها والنّخل بينهما أو تصحّ في الصّورتين كما أفتى به أبو العبّاس رحمه الله تعالى؟
فالجواب: قال في الشّرح: لو دفع أرضه إلى رجلٍ يغرسها على أنّ الشّجر بينهما لم يجز، ويحتمل الجواز بناء على المزارعة، فإنّ الزّارع يبذر في الأرض فيكون بينه وبين صاحب الأرض. وهذا نظيره.
فأمّا إن دفعها على الأرض والشّجر بينهما، فذلك فاسد وجهاً واحداً. وقال الشّيخ ـ قدّس الله روحه ـ: المذهب صحّته. وبه قال مالك والشّافعي وأبو يوسف ومحمّد ولا نعلم فيه مخالفاً. انتهى. وكذا قال أبو محمّد في المغني، وعلّله بأنّه شرط اشتراكهما في الأصل ففسد كما لو دفع إليه الشّجر والنّخل ليكون الأصل والثّمر بينهما أو شرط في المزارعة كون الأرض والزّرع بينهما. انتهى. وقال في الإنصاف: واختار الشّيخ جواز المساقاة على شجر يغرسه ويعمل عليه بجزءٍ معلومٍ من الشّجر أو الثّمر كالمزارعة. وذكر أنه هو المذهب. قال: ولو كان مغروساً، ولو كان ناظر وقفٍ وأنّه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف بلا حاجة. وأنّ للحاكم الحكم بلزومها ومحلّ النِّزاع فقط والحكم به من جهة عوض المثل، ولو لم يقم به بيّنة؛ لأنّه الأصل. ويتوجّه
(1/453)
________________________________________
اعتبار بيّنة. وقال في التّوضيح: وإن ساقاه على شجرٍ يغرسه ويعمل عليه حتّى يثمر بجزءٍ معلومٍ من الثّمر أو من الشّجر أو منهما، وهي المغارسة والمناضبة صحّ إن كان الغرس من ربّ الأرض، وقيل: يصحّ حكونه مساقاً ومناضباً وعليه العمل. انتهى.
وقال في الرّوض المربع: ولا يشترط في المزارعة والمغارسة كون البذر والغراس من ربّ الأض، فيجوز أن يخرج العامل في قول عمر وابن مسعود وغيرهما، ونصّ عليه في روايةٍ منها، وصحّحه في المغني والشّرح. واختاره أبو محمّد الجوزي والشيخ تقيّ الدين، وعليه عمل النّاس؛ لأنّ الأصل المعول عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّ البذر على المسلمين، وظاهر المذهب اشتراطه. نصّ عليه في رواية الجماعة، واختاره عامّة الأصحاب. وقدّمه في التّنقيح وتبعه المصنّف في الإقناع وقطع به في المنتهى. انتهى.
فقد علمت أنّه فاسد في الثّانية بلا خلاف، وإنّما الخلاف في الأولى، وأنّ العمل على جوازه، وقوله: وهي عقد جائز، أي: من الطّرفين فلا تفتقر إلى ضرب مدّة؛ لأنّه ـ عليه السّلام ـ قال لأهل خيبر:"نقرّكم على ذلك ما شئنا".ولو كان لازماً لم يجز بغير تقدير مدّة، وقياساً على المضاربة؛ لأنّها عقد على جزء من النّماء في المال فعليها يبطل بما تبطل به الوكالة من موتٍ وجنونٍ وحجرٍ لسفهٍ وعزلٍ، وقيل: إنّها عقد لازم من جهة المالك فعلى المذهب أيضاً لكلّ منهما فسخها متى شاء، فإن فسخ بعد ظهور الثّمرة فهي بينهما، وعليه تمام العمل. وإن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له؛ لأنّه رضي بإسقاط حقّه للعامل أجرة عمله.
(1/454)
________________________________________
فائدة: إذا ظهر الشّجر مستحقاً؛ فله أجرة مثله على غاصبه ولا شيء على ربّه.
فائدة: قال ابن رجب في الشّامخ: العقود الجائزة متى تضمن ضرراً على أحد المتعاقدين لم يجز ولا ينفذ إلاّ أن يمكن استدراك الضّرر بضمانٍ أو نحوه. فيجوز على ذلك. انتهى.
- 5 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(من حسن بن حسين إلى الشّيخ جمعان جمع الله شمله)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والأسئلة وصلت وصلك الله تعالى تحقيق المعاني بتوحيد المباني، وسدّدنا وإيّاك في أفهامنا بلطفه وعطفه، وهذا الجواب واصلك إن شاء الله تعالى:
المسألة الأولى: أشرتم في جوابكم عن السّؤال المتقدم عام اثنين وأربعين إلى الفرق بين النّكاح الفاسد والباطل، فأشكل علينا فأفيدونا بإيضاحه.
الجواب: نعم. أسلفنا لكم في الجواب المتقدم بالتّاريخ المذكور أنّ النّكاح الباطل لا يحتاج إلى طلاق ولا فسخ ولا يوجب مهراً بدون الوطء بخلاف الفاسد، ونحن نذكر لكم هنا من عبارات الفقهاء ما تبدو معه وجوه الفرق في مسفرة ضاحكة. قال في الإقناع: ويقع الطّلاق في النّكاح المختلف في صحّته؛ كالنّكاح بولاية فاسقٍ، أو بشهادة فاسقين، أو نكاح الأخت في عدّة أختها، أو نكاح الشّغار، أو المحلّل، أو بلا شهود، أو بلا ولي وما أشبه ذلك، كفقد حكم بصحّته. ويثبت به النّسب والعدّة والمهر، ولا يقع في نكاح باطلٍ إجماعاً. ولا في نكاح فضولي قبل إجازته
(1/455)
________________________________________
وإن نفذناه بها. انتهى ملخّصاً.
وقال في المنتهى وشرحه لتقيّ الدِّين الفتوحي: ولا فرق في عدّة وجبت بدون وطء بين نكاح فاسدٍ وصحيحٍ نصّ عليه. والمراد بالفاسد المختلف فيه؛ كالحنفي يتزوّج بلا ولي ونحو ذلك، ولا عدّة في نكاح باطلٍ أي مجمع على بطلانه إلاّ بوطء؛ لأنّ وجود صورته كعدمه. انتهى ملخّصاً.
وقال في الرّوض المربع: تلزم العدّة كلّ امرأة فارقت زوجها بطلاقٍ أو فسخٍ أو خلعٍ حتى في نكاح فاسدٍ في خلاف كنكاح بلا ولي إلحاقاً له بالصّحيح. ولذلك وقع فيه الطّلاق. وإن كان النّكاح باطلاً وفاقاً أي: إجماعاً كنكاح خامسة أو معتدّة لم تعتدّ للوفاة إذا مات عنها، ولا إذا فارقها في الحياة قبل الوطء؛ لأنّ وجود هذا العقد كعدمه. انتهى. وبنحو ما ذكره مَن نقلنا كلامهم قاله غيرهم. فلا نطول بنقله. وقد أسلفنا لك في الجواب السّابق قول المغني والشّرح؛ لأنّه أي: النّكاح الفاسد يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى التّفريق. ولأنّ تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسلّط زوجين عليها كلّ منهما يعتقد صحّة نكاحه وفساد نكاح الآخر. ويفارق النّكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى كلامه في المغني والشّرح.
فظهر مما نقلناه الفرق بين الفاسد والباطل، فالباطل لا يحتاج إلى طلاقٍ أو فسخٍ ولا يجب به عدّة ولا مهر بون الوطء. ومن صور الباطل أيضاً: نكاح الخامسة ونكاح المعتمد كما مثل به صاحب الرّوض. ومنها أيضاً: نكاح الموطوءة بشبهةٍ ونكاح زوجة الغير وذات المحرم من نسب ورضاع. والله أملم.
المسألة الثّانية: ما معنى قوله في شرح الزّاد: ويقبل قول قابضٍ
(1/456)
________________________________________
في ثابت في ذمّة من ثمنٍ وقرضٍ وسلمٍ ونحوه إن لم يخرج عن يده انتهى. فما صورة ذلك؟
الجواب: معنى هذه العبارة: أنّه إذا ثبت على عمرو ليزدٍ عشرة آصع مثلاً، سواء كانت ثمن بيع باعه زيد إلى عمرو أو قرض أقرض زيد عمراً أو دَين سلم في ذمّمة عمرو لزيد أو أجرة دار في ذمّة عمرو لزيدٍ أو قيمة سلعة أتلفها عمرو لزيد فثبت غرمها في ذمّته فبعد ما قبضه زيد من عمرو بعيبٍ وجده فيها وأنكر عمرو كون الآصع المردودة هي الآصع التي دفعها، فإنّ القول في هذه الصّورة التي صوّرنا قول القابض للثّابت، وهو قول زيد بيمينه؛ لأنّ الأصل بثاء شغل الذّمّة بهذا الحقّ الثّابت، والقاعدة: أنّ القول قول مدّعي الأصل وإنّما عبّرنا بالقابض ليشمل البائع والمقرض والمسلم والمؤجّر ونحوهم.
المسألة الثّالثة: هل تجوز الإقالة في غير المسلم بأكثر من رأس المال سواء تقابضا أم لا؟ وهذا كثير في النّاس إذا اشترى الإنسان سلعة بنقد أو غائب ثم طلب المشتري من البائع الإقالة ويدفع إليه شيئاً من المال يتراضيان عليه.
الجواب: لا تصحّ مع زيادة على ثمن معقود به أو مع نقصه أو بغير جنسه؛ لأنّ مقتضى الإقالة ردّ الأمر على ما كان عليه ورجوع كلّ منهما إلى ماله، فلو قال: أقلنِي ولك كذا، ففعل فكرهه أحمد لشبهه بمسائل العينة؛ لأنّ السّلعة ترجع إلى صاحبها ويبقى له على المشتري فضل دراهم.
قال ابن رجب: لكن محذور الرّبا هنا بعيد. انتهى من المنتهى وشرحه.
ولا فرق فيما قبل القبض أو بعده حتى في مكيلٍ وموزونٍ لكونها فسخاً
(1/457)
________________________________________
على المشهور المختار للأصحاب؛ لإجماع العلماء كما حكاه ابن المنذر على جوازها في السّلم مع النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه.
المسألة الرّابعة: إذا قلنا إنّه ليس إلاّ الرّدّ والإمساك في المعيب كما هو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة، وكان ظهور العيب بموضع ضرورةٍ كالمسافر على الدّابّة وراكب السّفينة فهل يتعيّن الأرش في هذه الحال على هذا القول حضر البائع أو غاب؟
الجواب: لا ريب أنّ القائلين بهذا القول كأبي حنيفة والشّافعي وأبي العبّاس يقيّدونه بما إذا لم يتعذر ردّه، لكن الذي يظهر من كلامهم أنّ ما ذكرته في السّؤال ليس من صور التّعذّر الذي عنوه، وإنّما الذي أرادوه كعتق العبد وإعتاقه وقتله وموته ونحو ذلك مما ييأس معه من الرّدّ غير عالمٍ بعينه. أمّا ما ذكرته فلا يظهر أنّه تعذر ولا يوصف بموضع الضّرورة؛ لاندفاعه بالإمساك مجاناً لاسيما واللّزوم والجواز عارض، ثم رأيت بعض القائلين بهذا القول صرّح في كتابه باعتبار اليأس من الرّدّ وانحصار أسبابه يستحقّ معها الأرش في ثلاثة أمور. فقال: ولغير مقصر أيس من ردّ بتلف ونكاح وتعيب لا بيع أرش. انتهى. قال الشّارح: قوله: أرش مبتدأ خبره: ولغيره مقصر أيس، ويجوز أن يجعل قوله: أرش فاعلاً لفعلٍ مقدّرٍ دلّ عليه قوّة الكلام، وأيس صفة لغير، والمعنى: ويثبت لغير مقصر في أداء المعيب أرش، وأفاد انحصار الأسباب في الأمور الثّلاثة. انتهى من بعض كتب الشّافعية. وقوله: لا بيع، جرى على أحد القولين عندهم من أنّ البيع لا يحصل به اليأس من ردّ المعيب؛ لأنّه ربّما عاد، والقول الثّاني لهم أنّ البيع أثر رابع يحصل به اليأس كالتّلف والنّكاح والتّعيب.
(1/458)
________________________________________
إذا تقرّر لك ما ذكرناه فاعلم أنّه إن كان من التزام ما لا يلزم أن يقوى عندنا من المذهبين في هذه المسألة ما عليه جماهير أصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ من القول بالأرش مع الإمساك مطلقاً، أو الرّدّ سواء أمكن الرّدّ أو تعذّر؛ لأنّه أمكن تقرير العقد من غير ضررٍ. قال في الشّرح الكبير: ولأنّه ظهر على عيبٍ لم يعلم به فكان له الأرش كما لو تعيب عنده. اهـ. ولرضاء المتعاقدين على أنّ العوض في مقابلة المعوض فكلّ جزء من العوض في مقابلة جزء من المعوض ومع العيب فإنّه جزء فيرجع ببدله، وهو الأرش. انتهى من شرح المنتهى لمنصور.
وأجابوا عن حديث المصراة الذي استدلّ به المانعون من الإمساك مع الأرش سوى ما ذكروه بأنّ المبيع في المصراة ليس فيه عيب، وإنّما ثبت له الخيار بالتّدليس لا لفوات جزء كما في المعيب فلم يستحقّ شيئاً. اهـ. وحيث اختير الرّدّ على كلّ من المذهبين فإنّه لا يفتقر إلى حضور البائع كما لا يفتقر إلى رضاه، والمبيع بعد فسخ؛ لأنّه ذكره في المنتهى وغيره.
المسألة الخامسة: إذا طلقت المرأة وهي حامل فلمّا انقضت عدّتها بوضع الحمل تزوّجت ثم طلّقها الثّاني ولم تحض بعد طلاقته هل تعتدّ بثلاثة أشهر أم يصير حكمها حكم مَن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه؟
الجواب: صرح الفقهاء من الحنابلة والشّافعية بأنّ المعتدّة إذا علمت ما رفع حيضها من رضاعٍ، أو نفاسٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو قحطٍ أو ضيق عيش وجوعٍ ونحو ذلك، فإنّها لا تزال في عدّة حتّى يعود الحيض فتعتدّ به، وإن طال الزّمن أو تباعدت الأقراء أو حتّى تصير إلى سنّ الإياس فتعتدّ عدّة الآيسة. نصّ عليه الإمام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وابن
(1/459)
________________________________________
منصور، وهو المجزوم به عند المتأخّرين من الأصحاب والمحقّقين من الشّافعية؛ لقصة حبان بن منقذ وزوجته، وهي مشهورة. وهذه المرأة المسؤول عنها تذكر أنّها عالمة لما رفع حيضها وهو الرّضاع فلا تزال في عدّة حتّى يعود إليها أو تبلغ سن الإياس على هذا القول المعتمد من الأقوال.
المسألة السّادسة: إذا ارتفع حيض المرأة مدّة طويلة لا تدري ما رفعه، وهي تلك المدّة مع زوجٍ ثم طلّقها هل تعتدّ بسنة أو بثلاثة أشهر؟
الجواب: أنّها تعتدّ بسنة من الطّلاق. قال في شرح الإقناع: مَن ارتفع حيضها ولو بعد حيضةٍ أو حيضتين لا تدري ما رفعه اعتدّت بسنة منذ انقطاع بعد الطّلاق، فإن كان انقطاعه قبل الطّلاق فمن تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدّة. انتهى. والقاعدة: عود الضّمير إلى أقرب مذكورٍ. فقد عرفت أنّ العدّة المسؤول عنها سنة من الطّلاق.
المسألة السّابعة: ما الرّاجح عندكم من الأقوال فيمَن اتّجر بمال الغير بغير إذنه إلى آخر السّؤال؟
الجواب: الأشبه بالقواعد الشّرعية ما اقتضته المعاقد المذهبية من تحريم التّصرّف في مال الغير بغير إذنه. إذا علم بالحال وأنّ حكمه حكم الغاصب لتعدّيه بتناوله المحظور عليه شرعاً بغير إذن مالكه، فنصحّح تصرّفه، يعنِي: أنّ الرّابح الحاصل بتصرّفه لمالك المال كأصله؛ لأنّه ملكه ونتيجته وليس للمتصرّف من الرّبح شيء، ونصّ عليه الإمام أحمد في المتجر بالوديعة في رواية الجماعة. قال ابن نصر: نصوص أحمد متّفقة على أنّ الرّبح للمالك.
المسألة الثّامنة: إذا أوقف إنسان آصعاً في نخله أو أرضه عموماً ثم
(1/460)
________________________________________
اقتسم الورثة وجعلوا للوقف قطعة تفي بالآصع ثم تعطّل نفعها أو نقص فهل يرجع الوقف على أهل القسمة ويوزع على قدر السّهام النّقص أو الكلّ إذا تعطلّ؟
الجواب: الذي تقتضيه قواعد الفقهاء أنّ الإفراز المذكور للوقف لا يصحّ لوجوب العمل بنصّ الواقف وتعيينه. وهذا تحيل على إبطال الوقف أو تقليله بتحويله عن جميع الملك إلى جزءٍ يسيرٍ منه يتلف بتلفه ويضعف بضعفه، ومن المعلوم ضرورةً أنّ غرض الواقف أن يجعله في غلّة جميع الملك وبقاؤه على الدّوام، وعبارة الفقهاء طافحة بمنع التّصرّف في الوقف مِمَّن له الولاية عليه بالأحظّ أو مصلحة الوقف فيه، أو بما يقلّل الرّغبات فيه ولو مآلاً. فأقول: الآصع المذكورة باقية في غلّة جميع الملك ما بقي الملك، لا تزول ولا تغير والحال ما حال. الله سبحانه وتعالى أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم.
- 6 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سُئِلَ الشّيخ حسن بن حسين عن رجلٍ أوصى لآخر بوصيّة فماتا بحادثٍ عمّهما ولم يعلم أيّهما السّابق، هل تنفذ الوصّية والحال ما ذكر فيستحقّها ورثة الموصى له أم لا تصح؟
فالجواب: الذي يظهر أنّها لا تنفّذ، ولا تصحّ من وجهين:
الأوّل: أنّ الوصيّة هي () 1 بالتّصرّف بعد الموت، فهي جارية
__________
1 هنا بياض بالأصل.
(1/461)
________________________________________
مجرى الميراث من حيث كونها انتقال مالٍ من إنسانٍ بغير عوضٍ فلا تستحقّ إلا بتحقّق حياة الموصى له بعد الموت الوصيّ.
الوجه الثّاني: أنّ الذي عليه جمهور الفقهاء أنّ الملك لا يثبت للموصى له إلاّ بالقبول بعد الموت إذا كان الموصى له واحداً أو جمعاً محصوراً، قال أحمد: الهبة والوصيّة واحد. وقد عرفت أنّ الوصيّة المذكورة لا تنفّذ ولا تصحّ. والله أعلم.
- 7 -
وله أيضاً قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
والصّلاة والسّلام على رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وآله وصبحه أجمعين.
أمّا بعد؛
فهذا جواب ما سأل عنه الأخ عبد الله الفائز كثّر الله تعالى فوائده على الوجه الأخصّ. قال السّائل:
المسألة الأولى: إذا دخلت باء البدلية على المسلم فيه وكان بلفظ البيع هل يكون بيعاً أم سلماً؟ لأنّهم ذكروا أنّ ما دخلت عليه الباء فهو الثّمن ولو أنّ أحدهما نقد هنا دخلت على المثمن.
الجواب: اعلم أنّ أصل تأسيس القاعدة المذكورة اختلاف وقع في الثّمن، هل هو النّقد أو ما التصقت به الباء؟ وإن كان أحد العوضين نقداً فهو الثمن. وإلا يكن فما دخلت عليه الباء فيه أقوال ثلاثة. إذا عرفت ذلك، فالمذكور على الوجه المزبور سلم؛ لأنّا إن قصرنا القاعدة على بيوع الأعيان دون غيرها بقرينة ذكرهم لها في قبض المبيع أو في الصّرف للاحتياج فيها أي: في بيوع الأعيان إلى تمييز الثّمن من المثمن المعينين
(1/462)
________________________________________
الخاضرين، فهي لا تتناول عقد السّلم ويرشحه ما نبّه عليه بعضهم من أنّ قواعد الأصحاب توكيلية وأكثرية، وإن لم تقصر القاعدة على بيوع الأعيان لكوننا لم نجده صريحاً في كلامهم، وإن صرّح به غيرهم في قوله لما تساوى الثّمن المعيّن والمبيع احتيج إلى معرفة الثّمن من المثمن بالباء. انتهى. فالذي أظهره أمام التّصحيح في التّنقيح أولى بالتّرجيح حيث قال: وقيل: إن كان أحدهما نقداً فهو الثّمن وإلاّ تميّز بالباء، وهو أظهر. انتهى.
المسألة الثّانية: إذا أجّر إنسان أرضاً ونحوها من غير تقدير مدّة معلومة بل قال: كلّ سنة بكذا، هل يكون لهما أو أحدهما الفسخ عند مضي السنة أم لا؟
الجواب: إن أكرى الدّار ونحوها كلّ شهر بدرهم أو أكراه للسّقي كلّ دلو بثمنٍ صحّ العقد فعلى هذا تلزم الإجارة في الشّهر الأوّل بإطلاق العقد. قاله في المغني والشّرح, وما بعده يكون مراعى، ونبّه عليه بقوله: وكلّما دخل شهر لزمهما حكم الإجارة إن لم يفسخا الإجارة أو له ولكلّ واحدٍ منهما، أي: من المؤجِّر والمستأجر عقب انقضاء كلّ شهر الفسخ على الفور في أوّل الشّهر، وليس بفسخ على الحقيقة؛ لأنّ العقد الثّاني لم يثبت. قاله في المغني والشّرح والرّعاية. قال في المغني والشّرح: إذا ترك التلبس به فهو كالفسخ لا تلزمه أجرة. انتهى من الإقناع وشرحه.
المسألة الثّالثة: هل يجوز خلط البرّ بالشّعير؟
الجواب: أمّا للبيت فيجوز. وأمّا للبيع ونحوه فمكروه لما فيه من الغشّ والتّدليس. وضابط الغشّ المحرم اشتمال البيع ونحوه على وصف نقصٍ لو علم به المشتري امتنع من شرائعه، وأكثر النّاس لا يعلمون قدر المشوب وإن شاهدوه. وروى ابن ماجه وابن عساكر عن صهيب مرفوعاً:
(1/463)
________________________________________
"ثلاثة فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمعاوضة، وخلط البرّ بالشّعير للبيت، لا للبيع".لكن قال الحافظ الذّهبي: إنّه واهٍ جدّاً. وقال البخاري فيما نقله عنه ابن حجر: إنّه موضوع.
المسألة الرّابعة: الأرض المحتكرة ما هي هل المسمّاة في زماننا المصبرة أم لا؟
الجواب1: لا تصحّ لكونها من أنواع البيع لكنها اختصت بهذه الأسماء كاختصاص الصّرف والسّلم باسمائهما والجميع بيع. فالتولية البيع برأس المال، والشّركة بيع بعضه بقسطه من الثّمن، ولا يصحّ بيع المسلم فيه قبل قبضه. قال في المغني والشّرح: بغير خلاف نعلمه لنهيه ـ عليه الصّلاة السّلام ـ عن بيع الطّعام قبل قبضه. انتهى.
المسألة الخامسة: الرّهن المنقول كالسّيف ونحوه إذا رهنه شخص عند آخر ثم رهنه المرتهن عند غيره بغير إذن راهنه الأوّل، هل يزول لزومه بإخراجه عن يده؟ فإن قلتم: يزول، فهل عنهما أو عن أحدهما؟
الجواب: يزول لزومه عنهما معاً أمّا المرتهن فلإخراجه له باختياره واستدامة قبضه شرط للزومه فانتفاء المشروط بانتفاء شرطه. قال في شرح الإقناع: فإذا لم يكن المرهون في يده زال. انتهى. وأمّا الثّاني وهو راهنه؛ لأنّه ممنوع التّصرّف مطلقاً بغير إذن الرّاهن. صرّح به في شرح الإقناع وغيره.
المسألة السّادسة: إذا استدان زيد من عمرو ديناً ورهنه به رهناً ثم استدان عمرو من بكرٍ دَيناً فرهنه به مرهون زيد برضا زيدٍ، هل يصحّ أم لا بدّ من فسخ عمرو للرّهن ويقع عقد الرّهن بين زيد وبكر أم لا يصحّ في الصّورتين؟
__________
1 هذا ليس جواباً عن المسألة الرّابعة كما ترى، وهو هكذا في الأصل.
(1/464)
________________________________________
الجواب: ظاهر كلامهم صحّة رهن المرتهن للمرهون بإذن راهنه عند أجنبِي، ويكون فسخاً للرهن الأوّل كالبيع بالإذن. وأمّا قولهم: المشغول لا يشغل، والمرهون لا يرهن، فمرادهم به جعله مرهوناً بالدَّينين معاً فاعمله.
المسألة السّابعة: إذا اشتريت مكيلاً فهوة أو نحوها كيلاً كلّ عشرة آصع بكذا فكانت من الصّبرة عشرة ووزنته بالميزان وعرفت مبلغ العشرة وزناً ثم أخذت الباقي وزناً على هذا التّقدير فهل يصحّ هذا القبض أم لا؟
الجواب: إذا انتفى الغرر وحصل العلم بالمبيع المكيل وزناً فلا مانع من صحّة القبض لنصّ الفقهاء على جواز قبض المكيل وزناً وبالعكس في غير بيع الجنس الواحد بعضه ببعض وفي غير اقتضاء دَين السّلم في رواية المروذي واختارها جمع منهم: ابن أبي عمر وجزم به في الوجيز، وسيأتي في جواب العاشرة قول المنتهى وشرحه كسمن مائع أو جامد مع وعائه موازنة مع أنّ كلّ مائع مكيل.
المسألة الثّامنة: إذا اشترط المشتري على البائع قوّة الكيل وزاد بها زيادة بيّنة بمشاهدة البائع له ورضاه به، هل تحلّ هذه الزّيادة للمشتري؟
الجواب: إذا اتّفق البائع والمشتري على ما ذكر ولا غرر في ذلك فلا مانع، وقد نصّ الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ على كراهة الزلزلة عند القبض لاحتمال زيادة على الواجب. قال الفتوحي في شرح المنتهى: ولأنّ الرّجوع في كيفية الاكتيال إلى عرف النّاس في أسواقهم ولم تعهد فيها. انتهى. قال الشّيخ منصور: وفيه نظر. بل عهد ذلك في بعض الأشياء، فعليه لا يكره فيها. انتهى. قلت: وعليه أيضاً لا يكره في القهوة ونحوها لكون العرف
(1/465)
________________________________________
فيها زلزلة المكيال، وذكر الشّيخ محمّد الخلوتي أنّ الآية محمولة على ما يتضمّن أخذ زيادة لا تسمح بها النّفوس عادةً.
المسألة التّاسعة: إذا باع إنسان آخر موزوناً كتمر متحيل مثلاً مشاهداً بظروفه على أنّ كلّ رطلٍ بدرهمٍ والظّروف تحسب تمراً ولم يعلما قدرها لا مع العقد ولا بعده هل يصحّ العقد أم لا؟
الجواب: يصحّ بيع بوعاء كسمن مائع أو جامد مع وعائه موازنة كلّ رطلٍ بكذا مطلقاً، أي: سواء علما مبلغ الوعاء أو ما به أو لا لرضاه بشراء الظّروف كلّ رطلٍ بكذا كالذي فيه. ويصحّ ما بوعاء دونه، أي الوعاء مع الاحتساب بزنته، أي: الوعاء على مشتريه إن علما حال العقد مبلغ كلّ منهما وزناً؛ لأنّه إذا علم أنّ ما بالوعاء عشرة أرطال وأنّ الوعاء رطلان، واشتري كذلك كلّ رطلٍ بدرهمٍ صار كأنّه اشترى العشرة التي بالوعاء باثني عشر درهماً، فإن لم يعلما مبلغ كلّ منهما لم يصحّ البيع لأدائه إلىجهالة الثّمن. انتهى من المنتهى وشرحه. فتأمّله، فإنّه صريح في المسألة وافهم الفرق بين الصّورتين.
المسألة العاشرة: الأرض المغصوبة والنّخل إذا استأجرها إنسان وسوقي على النّخل بجزءٍ معلومٍ من الثّمرة وأجرة معلومة للأرض هل يحرم على العامل نصيبه لتولّده من الأرض المغصوبة أم يكره أم لا كراهة ولا تحريم في حقّه؟
الجواب: يد هذا العامل إحدى الأيدي المترتبة على يد الغاصب، وكلّها أيدي ضمان، وقد مثلوا الثّالثة بيد المستأجر والسّابعة بيد المساقي والمضارب والشّريك فأرجى هذه اليد العاشرة مما عدا التّحريم والتّغريم.
المسألة الحادية عشرة: إذا آجر إنسان أرضاً ونحوها مدّة معلومةً
(1/466)
________________________________________
كلّ سنة بجديدة أو ربع مثلاً وبطل التّعامل بها ولم نعلم وقت العقد قيمتها ما الحكم فيها؟
الجواب: يبعد تعذر معرفة القيمة في الجديدة أو الرّبع لقرب العهد بالتّعامل بل بقاء التّعامل، وإذا فرضناه فقياس كلامهم فيما إذا كان رأس مال السّلم جوهرة ونحوها، وفيما إذا باعه الشّقص المشفوع بجوهرة ونحوها وجهلت القيمة أنّ القول قول المستأجر هنا؛ لأنّه غارم، وإن جهلها المؤجّر والمستأجر معاً فمقتضى القواعد الرّد إلى أجرة المثل، وهي ما انتهت إليه رغبات النّاس بعد الاشتهار لا ما قوّمه المقوّمون قياس ما ذكروه فيما إذا وقع ثمن الشقص المشفوع عوضاً وكان موجوداً أنّه يعرض على المقوّمين ليشهدوا بقيمته.
المسألة الثّانية عشرة: إذا اشترط الغريم على المدين أنّ دَينِي قادم في زرعك أو نخلك هل يكون هذا رهناً إذا كان عرف البلد كذلك؟
الجواب: إذا توفّرت شروط الصّحّة واللّزوم واطّرد العرف بهذه الصّيغة أو بالمعاطاة فيما يتناول أو بالتّخلية المعتبرة في نحو ما ذكر بدون صيغةٍ لفظيةٍ فلا مانع. قال في الغاية: وينعقد بلفظ ومعاطاة. انتهى. فأمّا التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر. قاله أبو العبّاس.
المسألة الثّالثة عشرة: ما ضابط الإعسار الذي يحرم قلب الدَّين على مَن قام به؟
الجواب: اختلف في ضابطه ولعلّه أقرب الأقوال فيه أنّه عدم القدرة على الوفاء بإعدام أو كساد متاع ونحوه أو كون موجوده أقلّ من دَينه. قال الشّيخ تقيّ الدِّين بعد كلام سبق: وإن كان معسراً وله مغلاة يوفى
(1/467)
________________________________________
منها أو في دَينه بحسب الإمكان. انتهى. فسمّاه معسراً وله مغلاة.
المسألة الرّابعة عشرة: هل يقوم أمير البلد مقام الحاكم عند عدمه فيما يتعلّق بالحاكم أم لا؟
الجواب: أمّا مطلقاً فلا. وأمّا في الجملة أو في بعض المسائل فربّما. قال في الإقناع: فإن عدم الوليّ مطلقاً أو عضل زوجها ذو سلطانٍ في ذلك المكان كوالي البلد وكبيره وأمير القافلة ونحوه. فإن تعذر زوجها عدل بإذنها، قال أحمد في دهقان القرية، أي: رئيسها يزوّج من لا ولي لها إذا احتاط في الكفء والمهر إذا لم يكن في الرّستاق قاضٍ. انتهى. قال الزّركشي: لأنّ دهقان القرية هو كبيرها فهو بمنْزلة حاكمها والقائم بأمرها. انتهى. وقال ابن عقيل في الفصول في الصّلاة على الميّت: إذا اجتمع السّلطان وغيره قدّم السّلطان، فإن لم يحضر أمير البلد فالحاكم. انتهى. وصرح ابن عطوة ـ رحمه الله تعالى ـ بالإلزام بما يصدر من واحدٍ ككبار نجد الحاكمين على قراهم هو ووجوه أهل قريته من بيع تركة أو قضاء دَين على الوجه الشّرعي.
المسألة الخامسة عشرة: هل يحرم إنشاء الحجّ على الحيوان المغصوب من بلد مريد الحجّ أم يختصّ التّحريم وعدم الصّحة بما بعد الإحرام.
الجواب: أمّا التّحريم فمطلقاً، وأمّا عدم الصّحّة فظاهر كلامهم ما صرح به في الغاية حيث قال: أو حجّ بغصب عالماً به ذاكراً له وقت على عبادة لم تصحّ وإلاّ صحّت. ويتجّه لو تاب في حجّ قبل دفع من عرفة أو بعده إن عاد فوقف مع تجديد إحرام الصّحة لتلبسه بالمباح حال فعل الأركان. انتهى. ولا يبعد قبول خبر الأعرابي إن حفته قرائن ونحوها.
المسألة السّادسة عشرة: تقدير وقت النّهي عن الصّلاة بعد طلوع
(1/468)
________________________________________
الشّمس بالرّمح هل هو الطّويل أم الزّانة في عرف أهل الوقت الخ؟
الجواب: في حديث عمرو بن عنبسة ثم أقصر عن الصّلاة حتّى ترتفع الشّمس قيس رمح أو رمْحين. قال في المبدع: والظّاهر أنّه الرّمح المعروف. وقال في المستوعب: حتّى تبيض. انتهى. ولأنّه المنصرف إليه عند الإطلاق، وذكر الفقهاء أنّه تقريب لا تحديد. والمراد قدره في رأي العين وإلاّ فالمسافة بعيدة جدّاً. كذا قال بعضهم.
وأمّا الزّانة فهي أقرب شبهاً بالعنَزة لقول أبي السّعادات في النّهاية: العنَزة: مثل نصف الرّمح أو أكثر شيئاً.
المسألة السّابعة عشرة: ما ضابط معاطن الإبل الخ؟
الجواب: هي التي تقيم فيها وتأوي إليها، قال أحمد: وقيل: مكان اجتماعها إذا صدرت عن المنهل. زاد بعضهم: وما تقف فيه لورود الماء. قال في المغني والشّرح: والأوّل أجود؛ لأنّه جعله في مقابلة مراح الغنم لا نزولها في سيرها. قاله في المبدع.
المسألة السّابعة عشرة: إذا صلّى بعد التّراويح، وقبل الوتر، هل يُسَمّى تعقيباً أم لا؟ وهل يكون مسنوناً أو مباحاً أم كيف الحكم؟
الجواب: التّعقيب صلاته بعد التّراويح والوتر جماعة. نصّ عليه أحمد وجزم به جمهور الأصحاب. قال في المبدع: وظاهره أنّه إذا تطوّع بعدها وحده لا يكره، وصرّح به ابن القيم ـ رحمه الله ـ وذكره منصوصاً وهو ظاهر المغني وغيره. انتهى.
قال ابن القيم في البدائع: قال حنبل كان أبو عبد الله يصلّي معنا إذا فرغنا من التّرويحة جلس وجلسنا وربّما تحدّث ويُسْأَل عن الشَّيء فيجيب
(1/469)
________________________________________
ثم يقوم فيصلّي ثم يدعو بعد الصّلاة بدعوات، ثم ينصرف. انتهى. فقد عرفت أنّه لا يُسَمَّى تعقيباً، وأنّ الإمام أحمد كان يفعله فيكون مباحاً.
المسألة التّاسعة عشرة: ما الفرق بين حدّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا؟
الجواب: بينها فرق اصطلاحي عند المحدِّثين، فإذا قال المحدِّث: حدَّثنا، حمل على السّماع من الشّيخ، وإذا قال: أخبرنا، حمل على سماع الشّيخ فلفظ الأخبار أعم من التّحديث فكلّ تحديثٍ إخبارٌ ولا ينعكس. قاله ابن دقيق العيد. وأنبأنا من حيث اللّغة واصطلاح المتقدِّمين بمعنى: أخبرنا إلاّ في عرف المتأخرين فهو للإجازة كعنه، فلما كثر واشتهر استغنى المتأخّرون عن ذكره. قاله خاتمة المحدِّثين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى. والله أعلم.
- 8 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الرّحمن
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل، وتسأل فيه عن مسائل:
الأولى: هل قيء الغلام طاهر أم نجس كبوله؟
الجواب: حكم قيئه حكم بوله إلاّ أنّه أخفّ منه صرح به في الإقناع وغيره. وهو ظاهر الرّوض وغيره.
الثّانية: إذا أسلم عجلاً في بقرة موصوفة فلمّا حلّ الأجل وجدت الصّفة في عين رأس المال هل يجزئ دفعه ويلزم قبوله أم لا؟
الجواب: إذا اتّحدا صفةً ولم يفعل ذلك لينتفع بالعين أجزأ ولزم قبوله وقطع به في الإقناع.
(1/470)
________________________________________
الثّالثة: هل تصحّ المساقاة إلى أجلٍ مجهولٍ؟
الجواب: إن تكون عند الجمهور على أنّها عقدٌ لازمٌ فتفتقر إلى ضرب مدّةٍ معلومةٍ كالإجارة، والقول بأنّها عقد جائز من المفردات، واختار صاحب التّبصرة قولاً ثالثاً وهو أنّها لازمة من جهة المالك فقط. وقيد بعض المحقِّقين القول بجواز عقدها بقيدٍ حسنٍ.
الرّابعة: إذا قلنا إنّها عقد لازم هل يثبت فيها خيار الشّرط؟
الجواب: نعم. على الأوّل قياساً على الإجارة. وقد اختار أبو العبّاس ثبوت خيار الشّرط في كلّ عقدٍ.
الخامسة: هل يورث خيار الشّرط أم يسقط كسائر الحقوق؟
الجواب: إن طالب به قبل موته ورث عنه كالشّفعة وحد القذف وإلاّ فلا.
السّادسة: هل يصحّ الخيار المجهول أم لا؟
فالجواب: لا يصحّ. سواء كان أبداً أو مدّة مجهولة أو أجلاً مجهولاً أو تعليقاً على مشيئةٍ أو على نزول مطرٍ ونحوه، كما صرّح بذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى. والله أعلم.
السّابعة: رجلان اشتركا في جمع زرعيهما بعد الصّلاح أو قبل الحصاد ويداسان معاً ويكونان نصفين ولأحدهما زيادة دراهم هل يصحّ أم لا؟
الجواب: الحمد لله، شرط زيادة الدّراهم يبطل الشّركة. والله أعلم.
الثّامنة: ما قول العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في امرأة ماتت عن زوجٍ وبنين وبنات وخلفت شيئاً من الصّوغ وصار تحت يد الزّوج جمعيه فمات ولم يوص به لعياله ولم يشهد، هل يملكه أبوهم بمجرّد ذلك أم لا يملكه إلاّ بشهادة أو القول قوله؟
(1/471)
________________________________________
الجواب: قال في المقنع: وإن تصرّف فيه يعنِي: الأب في مال ولده قبل تملكه ببيع أو عتق أو إبراء من دَين لم يصحّ تصرّفه. انتهى. وهذا المذهب، وله ملكه بالقبض نصّ عليه مع القول أو النّيّة. قاله الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ من أصحاب أحمد. فقد عرفت أنّه لا يصحّ التّصرّف قبل التّملك؛ لأنّ مجرّد قبض الوالد لمال ولده لا يكتفى به في ثبوت الملك، بل لا بدّ معه من القول المصرّح بالتّملّك مع القبض والإشهاد عليه، مع أنّ مذهب مالك والشّافعي وأصحاب الرأي أنّ الأب لا يتملّك من مال ولده إلاّ ما احتاج إليه فقط. ذكره عنهم في المغني وغيره خلافاً لأحمد. والله أعلم.
- 9 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حسن بن حسين إلى الأخ جمعان بن ناصر سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وتضمّن السّؤال عن ستّ مسائل:
الأولى: ما قول العلماء عفا الله عنهم في بيع الفضولي إذا حكم الحاكم بفساده والمبيع إبل أو غيرها من الدّواب ومضى مدّة لها قدر أجرة لكونه سقى عليها زرعه أو نخله فهل التّقويم في عينها بما ينقص إذا كانت موجودة أو تقدر المدّة بأجرة مثلها؟
فالجواب ـ وبالله التّوفيق ـ كلّ موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض؛ لأنّه مقبوض بعقدٍ فاسدٍ أشبه ما لو كان الثّمن ميتة، ولا ينفذ تصرّف المشتري فيه وعليه ردّه بنمائه المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة مقامه في يده ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن المغصوب؛ لأنّه
(1/472)
________________________________________
ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشّرع أشبه المغصوب. قاله في الكافي. وقال في الإنصاف: منافع المقبوض بعقدٍ فاسدٍ كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتّفويت. انتهى. وقال في الإقناع: والمقبوض بعقدٍ فاسدٍ لا مالك به ولا ينفذ تصرّفه فيه ويضمنه كالغصب ويلزمه ردّ النّماء المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة بقائه في يده، وإن نقص ضمن نقصه، وإن تلف فعليه ضمانه بقيمته. انتهى. وقال أيضاً في (باب الغصب) : وإن كان المغصوب منفعة تصحّ إجارتها، فعلى الغاصب أجرة مثله مدّة بقائه في يده استوفى المنافع أو تركها تذهب. وإن ذهب بعض أجزائه في المدّة كمخمل المنشفة لزمه الأجرة وأرش نقصه، وما لا تصحّ إجارته مما لا منفعة له لم يلزمه أجرة. انتهى ملخّصاً.
فقد عرفت ـ رحمك الله ـ أنّه يلزم المشتري بالعقد الفاسد الأجرة وأرش النّقص معاً.
المسألة الثّانية: أرض موات تبايعها أناس على الجاهلية أو في الإسلام كما إذا كان بإزاء بلاد عامرة ولو مسيرة ثلث فرسخ أو نصف فرسخ صار محتجراً لأهل العامرة على عادة مشوا عليها ولو عدمت شروط التّحجّر هل إذا أحياها إنسان يملكها ولو ادّعى مدّعٍ أنّها بشراء لكنها موات كما ذكرنا.
الجواب عن هذا السّؤال: يظهر مما نورده من كلام الفقهاء. قال: في الشّرح الكبير: الموات قسمان:
أحدهما: ما لم يجر عليه ملك لأحد ولم يوجد فيه أثر عمارة، فهذا يملك بالإحياء بغير خلاف.
القسم الثّاني:
(1/473)
________________________________________
ما جرى عليه ملك وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: ما له مالك معيّن وهو ضربان: (أحدهما) : ما ملك بشراء أو عطية فهذا؛ لا يملك بالإحياء بغير خلاف. قال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على أنّ ما عرف بملك مالك غير منقطع أنّه لا يجوز إحياؤه لأحدٍ غير أربابه. (الثّاني) : ما ملك بالإحياء ثُمّ ترك حتّى دثر وعاد مواتاً فهو كالذي قبله سواء.
النّوع الثّاني: ما يوجد عليه آثار ملك قديم جاهلي كآثار الرّوم ومساكن ثمود ونحوهم، فهذا يملك بالأحياء في أظهر الرّوايتين. (والثّانية) لا يملك لأنّها آثار لمسلم أو ذمي أو بيت المال أشبه ما لو تعيّن مالكه، قال شيخنا ويحتمل أنّ كلّ ما فيه أثر الملك ولم يعلم زواله قبل الإسلام أنّه لا يملك.
النّوع الثّالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معيّن فظاهر كلام الخرقي، أنّه لا يملك بالإحياء وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد لما روى كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جدّه قال سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول:"مَن أحيا أرضاً مواناً في غير حقّ مسلم فهي له".فقيده في غير حقّ مسلم؛ ولأنّ هذه الأرض لها مالك فلم يجز إحياؤها كما لو كان معيناً، فإنّ مالكها إن كان له ورثة فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة ورثها المسلمون. (والثّانية) أنّها تملك بالإحياء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة لعموم الأخبار، وكلّما قرب من عامر وتعلّق بمصالحه من طرق ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقى ترابه لا يجوز إحياؤه بغير خلاف في المذهب. وكذلك ما تعلّق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها ومسيل مائها لا يملك بالإحياء لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم، وكلّ مملوك لا يجوز إحياؤه ما تعلّق بمصلحة لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"مَن أحيا أرضاً ميتة في غير
(1/474)
________________________________________
حقّ مسلمٍ فهي له".مفهومه: أنّ ما تعلّق به حقّ مسلمٍ لا يملك بالإحياء. انتهى من الشّرح الكبير ملخّصاً.
وقال في الإقناع: وهي ـ أي: الموات ـ الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فإن كان الموات لم يجر عليه ملك لأحدٍ ولم يوجد فيه أثر عمارة ملك بالإحياء، وإن ملكها مَن له حرمة أو شكّ فيه فإن وجد واحد من ورثته لم يملك بالإحياء، وإن علم ولم يعقب لم يملك واقطعه الإمام مَن شاء، وإن كان قد ملك بالإحياء ثم ترك حتّى دثر وعاد مواتاً لم يملك بإحياء إذا كان لمعصومٍ، وإن علم ملكه لمعيّن غير معصومٍ فإن كان بدار حرب واندرس كان كموات أصلي يملكه مسلم بإحياء، وإن كان فيه أثر ملك غير جاهلي كالخرب التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها ملك بالإحياء، وكذا إن كان جاهلياً قديماً كديار عادٍ. انتهى.
فقد عرفت أنّ هذا المحي الثّاني للأرض المذكورة لا يملكها بإحيائه لها إذا ثبت الإحياء الأوّل بشروطه وثبت التّبايع المذكور ودعوى الشّراء. والله أعلم.
المسألة الثّالثة: إذا تزوّج إنسان امرأة بعقدٍ فاسدٍ هل المفتَى به عندكم أنّه يطلق فإن أبى فسخه الحاكم أم لا يحتاج؟ إلى آخر السّؤال.
الجواب: المعتمد المفتَى به عندنا أنّه لا يحل تزويج من نكاحها فاسد لغير مَن تزوّجها حتّى يطلقها أو يفسخ نكاحها فإن أبى فسخه الحاكم. وهذا المنصوص عن الإمام أحمد، وهو المذهب المقرّر عند أصحابه خلافاً للشّافعي. قال في المغني والشّرح: لأنّه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى التّفريق، ولأنّ تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسلّط زوجين عليها
(1/475)
________________________________________
كلّ منهما يعتقد صحّة نكاحه وفساد نكاح الآخر، ويفارق النّكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى. فافهم الفرق بين الفاسد والباطل؛ فالباطل لا يحتاج إلى طلاقٍ ولا فسخٍ ولا يجب به مهر فهو بخلاف الفاسد.
المسألة الرّابعة: أصول دية النّفس من الإبل والذّهب والفضّة والبقر والغنم والحلل غير خافٍ عليكم. وقدر عبد العزيز مائة من الإبل بثمانمة ريال، فهل هذا التّقدير برخصة من الشّيخ ـ رحمه الله ـ أم لا؟ والآن صارت قيمة الإبل ناقصة عما هو معلوم فما المعمول به؟ إلى آخر السّؤال.
الجواب: لا نزاع أنّ دية الحرّ المسلم مائة من الإبل وإنّ الإبل أصل في الدّية. واختلف عن أحمد هل هي الأصل لا غير أو معها غيرها؟ وهل ذلك الغير أربعة أو خمسة فعنه؛ لأنّها الأصل لا غير أو معها غيرها؟ وهل ذلك الغير أربعة أو خمسة فعنه أنّها الأصل؛ لأنّ في حديث عمرو بن حزم:"في النّفس مائة من الإبل"، رواه النّسائي ومالك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه. قال: قضى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّ مَن قتل خطأ فديته من الإبل مائة ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقّة وعشرة ابن لبون ذكر. رواه أبو داود والنّسائي، وذكر حديث عقبة ابن عامر بن أويس وحديث عبد الله بن عمرو، ثم قال: وظاهر هذه الأحاديث أنّ الدّيّة هي الإبل خاصّة، ويؤيّد ذلك أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ دية العمد وخفّف الخطأ ولم يرد ذلك عنه إلاّ في الإبل، وعنه أنّها خمسة أشياء كلّ منها أصل برأسه: الإبل، والبقر، والغنم، والذّهب، والفضّة. أمّا في الإبل فلّما تقدّم، وأمّا في البقر والغنم فلأنّ في حديث لعمرو بن شعيب مرفوعاً. قضى على أهل البقرة بمائتي بقرة، ومَن كان دية عقله في شاء فألفا شاة. وأمّا في الذّهب والفضّة فلِمَا روى
(1/476)
________________________________________
ابن عبّاس أنّ رجلاً من بنِي عدي قتل فجعل رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ديته اثنَي عشر ألفا. رواه التّرمذي والنّسائي وأبو داود، وهذا لفظه. ولمالك في الموطأ بلغه أنّ عمر بن الخطاب قوّم الدّية على أهل القرى فجعل على أهل الذّهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال مالك: فأهل الذّهب أهل الشّام ومصر وأهل الورق أهل العراق. وعنه أنّها ستة أشياء فيضاف إلى الخمسة السّابقة مائتا حلّة. وهذا اختيار القاضي وكثير من أصحابه لما روى عطاء بن أبي رباح أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قضى في الدّية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشّاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئاً لم يحفظه محمّد بن إسحاق والرّواية الأولى أظهر دليلاً على أنّ أحاديث تلك الرّواية لا تقاوم تلك الأحاديث وعلى تقدير مقاومتها فيحمل على أنّه جعل ذلك بدلاً عن الإبل، وظاهر في حديث عمرو بن شعيب إذاً، وله أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كان يقوّم على أثمان الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقوّمها على أثمان الإبل إذا غلت رفع في قيمتها. وإذا"هاجت رخصت".نقصت من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أربعمائة إلى ثمانمائة، وعدلها ثمانية آلاف درهم، قال: وقضى على أهل البقر بمائتي بقرة، ومَن كان دية عقله في شاء فألفا شاة، وهذا ظاهر في أنّه إنّما كان يعتبر الإبل لا غير، بل هو نصّ في الذّهب والورق، أنّه كان يعتبرهما بالإبل، وحديث ابن عبّاس واقعة عينٍ لا عموم له، وفعل عمر ظاهر في أنّ تلك على سبيل التّقويم فهو مؤيّد لما قلناه. وأبو محمّد يختار في العمد قولاً رابعاً هو بعض الرّواية الثّانية، وهو أنّ الدّية مائة من الإبل أو ألف مثقال أو اثنا عشر ألف
(1/477)
________________________________________
درهم، وهذا ظاهر في الورق لحديث ابن عبّاس إن صحّ، وعلى الرّواية الأولى مَن وجب عليه الدّيّة متى قدر على الإبل لا يجزؤه غيرها، وإن عجز عنها انتقل إلى ما شاء من الأربعة أو الخمسة على اختلاف الرّوايتين، وكذلك إذا لم توجد إلإّ بأكثر من ثمن المثل. قال أبو محمّد: وهذا ينبغي فيما إذا كانت الإبل موجودة بثمن مثلها إلاّ أنّ هذا لا يجدها لكونها في غير بلده ونحو ذلك، فإذن ينتقل إلى غيرها. أمّا إذا غلت الإبل كلّها فلا ينتقل إلى غيرها، وظاهر كلام الخرقي أنّ الواجب الإبل من غير نظر إلى قيمة. وهذا إحدى الرّوايتين، واختيار الشّيخين لظاهر حديث عمرو بن حزم وحديث عمرو بن شعيب وغيرهما، فإنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أطلق الإبل ولم يقيّدها بقيمة فتقييدها بها يحتاج إلى دليلٍ، وكذلك الأحاديث التي فيها ذكر البقر والغنم والحلل ليس فيها اعتبار قيمة، وأيضاً فإنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فرّق بين دية العمد والخطأ فغلّظ دية العمد وشبّهه، وخفّف دية الخطأ، واعتبار القيمة يفضي إلى التّسوية بينهما وهو خلاف ما تضمنته سنة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. (والرّواية الثّانية) يعتبر أن لا تقص بغير المائة عن دية الأثمان نظراً لأن عمر قوّمها كذلك فجعل على أهل الذّهب ألف مثقال، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وظاهره أنّ قيمتها كذلك، وأجيب بأنّه اتّفق أنّ قيمتها في ذلك الوقت كان كذلك فصرنا إليه عند ذلك حذراً من التّنازع، وحكى أبو محمّد الكافي في الرّواية أنّه يعتبر أن يكون قيمة كلّ بعيرٍ مائة وعشرين درهماً، وقال في المغني: إنّ الأصحاب ذكروا أنّ ذلك مذهب أحمد والتّحقيق هو الأوّل. انتتهى ملخّصاً من شرح الزّركشي على الخرقي.
(1/478)
________________________________________
إذا تقرّر هذا، فالمتعيّن المعمول به هو ما نصّ عليه الشّارع ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ مهما أمكن، ولا يقال بالقيمة إلاّ عند التّعذر، فحينئذٍ يرجع إلى القيمة في الجميع كلّ أصلٍ بقيمته. وقيمة الرّيال بالدّراهم الإسلامية بالتّحرير تقريب تسعة دراهم كذا قيل. وما علمنا فيما بلغنا عن شيخ الإسلام رخصة بتقدير قيمة الإبل خاصّة بما ذكر. وإنّما ذلك من ولي الأمر في دية أعوز السّن فيها ذلك الوقت، فقومت المائة بثمانمائة ريال؛ لأنّها بدل وقيمة مطلقاً بل في وقت تكون قيمتها الثّمان، وفي وقتٍ آخر أربعاً، وفي غيره ثلاثاً وغير ذلك بحسب الغلاء والرّخص، وقد عرفت المتعيّن المعمول به. وهذا ما ظهر لي. والله أعلم.
المسألة الخامسة: هل ورد حديث في تسنين الإبل في دية الشّجاج والحكومات وما دون دية النّفس، وهل ذكر ذلك الفقهاء؟
فالجواب: إنِي لم أقف على حديث في ذلك. وما رأيته في كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ، ولعلّه فيما فاتنا، ثم رأيت صاحب الإقناع أفاد ذلك بقوله: وتغلّظ دية طرف كتقل ـ إلى أن قال ـ: فإن لم يكن قسم دية الطّرف مثل أن يوضحه عمداً أو شبه عمدٍ فإنّه يجب أربعة أرباع، والخامس من أحد الأنواع الأربعة قيمته قيمة ربع الأربع، وإن كان خطأ وجبت الخمس من الأنواع الخمسة من كلّ نوعٍ بعير، وإن كان الواجب دية أنملة وجبت ثلاثة أبعرة وثلث قيمتها نصف قيمة الأربعة وثلثها، وإن كان خطأ ففيها ثلثها ثلثا قيمة الخمس. انتهى. ووجهه ـ والله أعلم ـ اتّفاقهما في السّبب الموجب.
المسألة السّادسة: إذا ضمن ضامن لصاحب حقّ على غيره، وقال: الضّمين للمضمون عنه: لا أضمن عليك إلاّ أن ترهنَنِي كذا وكذا، وأرهنه،
(1/479)
________________________________________
فهل يصحّ أم لا؟ فإن قلتم يصحّ فما وجه الصّحّة والدَّين لغيره؟
فالجواب: الذي يظهر الصّحّة، فيما ذكر؛ لكونه تبرّع بالتزام حقّ إنّما يلزم ويثبت ويجب بالتزامه، فإذا أراد التزامه وطلب الوثيقة عليه فلا مانع كسائر الدّيون، وكون الدَّين لغيره ليس مانعاً، فإنّ للإنسان أن يرهن مال نفسه على دَين غيره ويأذن لعبده أن يضمن على غيره كما هو مقرّر في موضعه. هذا حسب ما ظهر لي. والله سبحانه أعلم بالصّواب.
وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وآله وصحبه. وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدِّين.
ذكر النّاقل أنّه نقله بتاريخ رجب سنة: 1242هـ مائتين واثنين وأربعين وألفا.
- 10 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الله سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
هذا جواب سؤالك الذي صورته: ما قولكم ـ دام فضلكم ـ فيما إذا انقضت مدّة إجارة أرض طلق أو موقوفة استؤجرت للغراس أو البناء وقد أوقف المستأجر بعض الغرس فما الحكم في الطّلق من هذا الغراس أو البناء والوقف؟
الجواب: حاصل ما ذكره فقهاؤنا ـ رحمهم الله ـ في حكم هذه المسألة أنّه إن كان شرط قلع الغراس أو البناء عند انقضاء مدّة الإجارة أو في وقت معيّن وليست مشاعاً للشّريك، فإنّ المستأجر يقلعه مجاناً ولا يسوي الحفر، ولا يغرم مالك الأرض نقصه بالقلع، وإن لم يشترط قلعه أو شرط بقاءه ولم يقلعه مالكه خيّر مالك الأرض بين ثلاثة أمور: أخذه بقيمته،
(1/480)
________________________________________
فتقوّم الأرض مغروسة أو مبنية ثم تقوّم خالية منهما فما بينهما فهو القيمة، ومحلّ تملكه بقيمته إذا كان مالك الأرض تام الملك فخرج الموقوف عليه والمستأجر والمرتهن ونحوهم؛ لأنّ ملكهم غير تامٍّ.
الأمر الثّاني: تركه بالأجرة.
الأمر الثّالث: قلعه وضمان نقصه. هذا إذا لم يختر مالكه قلعه كما تقدم. أمّا إن اختاره فله ذلك، قال في الغاية: ويتّجه لو أبى الثّلاثة ومالك القلع بيع أرض بما فيها كعارية. انتهى. وكون المستأجر وقف الغراس أو البناء في الأرض المستأجرة لا يمنع الخيرة بين الثّلاثة الأمور، وإذا لم يترك لم يبطل وقفه بالكلّيّة، فيكون كما يؤخذ بسبب قلعه وضمان نقصه أو تملكه بقيمته ويشتري بها ما يقوم بها ما يقوم مقامه كقيمته إذا أتلف يشتري بها ما يقوم مقامه ذكر معناه في الفروع وغيره، قال في الإقناع وهو ظاهر: وظاهر كلامهم لا يقلع الغراس إذا كانت الأرض وقفاً. قال في الشّرح: وتقدم أنّه لا يتملكه إلاّ تام الملك وحينئذٍ فيبقى بأجرة المثل. انتهى. قال في منته: بل قال الشّيخ: ليس لأحدٍ أن يقلع غرس المستأجر وزرعه صحيحة كانت الإجارة أو فاسدة. بل إذا بقي فعليه أجرة المثل، وفي الفائق قلت فلو كانت الأرض وقفاً لم يتملّك إلاّ بشرط واقف أو رضاء مستحقّ. انتهى. قال: المنقح إذا حصل به نفع كان له ذلك. انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
حضر عندي عثمان الغرشي وكيلاً لأبيه وعبد العزيز بن زامل وكيلاً لابن مسعد من طرف مشتري سهم الغرشي الكائن في النّخل الْمُسَمَّى بالطّرفية في الحوطة، فادّعى عبد العزيز أنّ الرّوم أجبروا الغرشي على بيع
(1/481)
________________________________________
السّهم المذكور بعينه دون ابن مسعد، والجماعة فلا لهم مدخل في الإجبار وأنكر عثمان وقوع المباشرة للإكراه من الرّوم، وادّعى أن ابن مسعد وبعض الجماعة هم الذّين أكرهوا والده على البيع، وأقام عثمان البيّنة على ذلك فحكمت بأنّ البيع والحالة هذه غير صحيح لعدم الشّرط المعتبر. وما قبضه ابن مسعد من مصالح السّهم المذكور مضمون عليه، وقت أخذه له ويحسب مما ساقه من مطلب السّهم بعد ما يثبت بالبيّنة أنّه سائق والباقي منه يدفعه الغرشي لابن مسعد حالاً. قاله حاكماً به حسن بن حسين بن الشّيخ محمّد عفا الله عنهم. ويرفع ابن مسعد يده عن السّهم.
(1/482)
________________________________________
رسائل وفتاوي للشيخ علي بن حسين بن الشيخ
...
رسائل وفتاوى
الشّيخ عليّ بن حسين بن الشّيخ
- 1 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عليّ بن حسين إلى الأخ المكرّم الأجل الأحشم الشّيخ جمعان ابن ناصر جمع الله له بين العلم والعمل، وسدّ به طرق الميل والخلل.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد؛
فقد وصل إلينا كتابكم السّابق المتضمّن للبحث والسّؤال عن المسائل الدّقائق فتركنا الجواب عن المبادرة به من أجل أن وافق ذلك وفاة الشّيخ حسن ـ رحمة الله عليه ـ فتشوش الخاطر واشتغل القلب، ثم على أثر ذلك سافرنا إلى العارض من أجل تعزية الأهل والأخوان والاجتماع بهم من أجل ذلك قدر حصول المقصود من ردّ الجواب بحسب الطّاقة
(1/482)
________________________________________
والإيجاز فذكر أوّلاً:
إذا قال لأجنبية: أنت علي كظهر أمِّي أو قاله لِمَن أبانها ثم تزوّجها ما المفتَى به عند علمائنا؟
فالجواب: أنّ الأمر كما قال صاحب المحرّر وعليه تدلّ نصوص أحمد. قال في الإقناع: وإن قال لأجنبيّة أنتِ عليّ كظهر أمِّي أو إن تزوّجتك فأنت عليَّ كظهر أمِّي فتزوّجها لم يطأها حتّى يكفّر كفّارة الظّهار؛ لأنّه إذا تزوّجها تحقّق معنى الظّهار بينها وعلم صحّة الظّهار من الأجنبيّة. روى ذلك الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال في رجلٍ قال: إن تزوّجت فلانة فهي علي كظهر أمِّي، فتزوّجها. فقال عمر: عليه كفّارة الظّهار. قال الشّارح: لأنّها يمين مكفِّرة فصحّ عقدها قبل النّكاح كاليمين بالله تعالى والآية الكريمة خرجت مخرج الغالب وهي قوله: {مِنْ نِسَائِهِمْ} ، [الْمجادلة، من الآية: 2، و3] .والفرق بينه وبين الطّلاق أنّ الطّلاق حلّ قيد النّكاح ولا يمكن حلّه قبل عقد والظّهار تحريم للوطء فيجوز تقديمه على العقد، وإنّما اختصّ حكم الإيلاء بنسائه لكونه يقصد الإضرار بيمين والكفّارة في الظّهار لكون المنكر والزّور فلا يختصّ ذلك بنسائه.
الثّانية: قول السّائل: هل حكم مَن ظاهر منها ووقت كشهر سمّاه وجامع قبل مضي المدّة ولزمته الكفارة هل إذا مضى الوقت المحدود الذي وقع الظّهار فيه قبل أن يكفّر هل حكمه حكم المظاهر منها مطلقاً حتّى يكفّر أم لا؟
الجواب: قال في الإقناع وشرحه: وإن وطئ المظاهر التي ظاهر منها قبل التّكفير أثم واستقرّت عليه الكفّارة ولو كان مجنوناً فلا تسقط
(1/483)
________________________________________
بعد ذلك كالصّلاة، وتحريم المظاهر باقٍ عليه لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"لا تقربها حتّى تفعل ما أمرك الله تعالى به"، وتجزؤه كفّارة واحدة لحديث سلمة بن صخر؛ لأنّه وجد الظّهار والعود في عموم الآية. والله أعلم.
المسألة الثّالثة: سفر المظاهر هل يقطع التّتابع أم لا يقطعه لأجل عذر السّفر؟
الجواب: أنّ فيه نظراً. قال في الإقناع وشرحه: سفر المظاهر إذا أفطر فيه لا يقطع التّتابع. وقال في موضع آخر: وإذا تخلّله فطر كالسّفر أو المرض المبيحان للفطر في السّفر لم ينقطع التّتابع، أو تخلّله فطر لحامل أو مرضع لخوفهما على أنفسهما أو على ولديهما لم ينطقع التّتابع؛ لأنّه فطر أبيح لعذر. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: قول السّائل عافاه الله: إذا كان لرجلٍ على آخر فضة كريالات النّاس وللأخر عليه مثلها فتصارفا بالقول الذي عندك لك عن الذي عليّ لك هل يصحّ ذلك أم لا بدّ كلّ واحدٍ يدفع لصاحبه ما عليه؟
الجواب: أنّ هذا ليس بصرفٍ، وإنّما هو تساقط، وليست هذه الصّورة التي ذكرها صاحب الشّرح بقوله: إذا كان لرجلٍ في ذمّته لآخر ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا لم يصحّ؛ لأنّه بيع دَين بدَينٍ؛ لأنّه تصارف في الذّمم، وهذا تساقط فيصحّ. قال في المنتهى وشرحه: ومَن استحقّ على غريمه مثل ما له عليه من دَينٍ جنساً، وقدراً وصفة حالين بأن اقترض زيد من عمرو ديناراً مصرياً ثم اشترى عمرو من زيد شيئاً بدينار مصري حال أو من أجلين أجلاً واحداً، كثمنين اتّحد أجلهما تساقطا إن استويا أو سقط من الأكثر بقدر الأقلّ إن تفاوتا قدراً؛ لأنّه لا فائدة
(1/484)
________________________________________
في أخذ الدَّين من أحدهما ثم ردّه إليه. انتهى. والله أعلم.
المسألة الخامسة: رجل بينه وبين آخر معاملة فأوصى عند الموت بقوله: صدّقوا فلاناً فيما ادّعى به.
فالجواب: إذا كان المقرّ له غير وارث فظاهر كلام أهل المذهب أنّه يصدق فيما ادّعى به إذا كان يمكن أن يتصوّر منه التزامه بخلاف ما لو ادّعى بما لا يتصوّر كدعواه عليه جناية من عشرين سنة وعمره عشرون سنة أو أقلّ، فهذا لا يصحّ إقراره بذلك.
قلت: ومثل ذلك: لو كان هذا المصدّق فقيراً كالذي يعرفه أهل بلده بالفقر فيدعي أنّ عند هذا المقرّ ما لا يعرف أنّه قد ملكه كمَن رأسُ مالِهِ الذي يعامل فيه عشرون درهماً مثلاً أو قريباً، فيدّعي على هذا المقرّ لما سمع قوله صدّقوه لي عنده مائة دينار أو مائتان، فالظّاهر أنّه لا يصدق وما أمكن صدقه فيه صدق. والله أعلم.
المسألة السّادسة: قول السّائل: كتاب عمر لأبي موسى ـ رضي الله عنهما ـ المسلمون عدول بعضهم على بعضٍ إلاّ مجلود في حدٍ أو مجرّب عليه شهادة زورٍ أو ظنّين في ولاء أو نسب.
فالجواب: أنّ الظّنين هو المتّهم. قاله صاحب النّهاية. ومنه حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خانئةٍ ولا مجلود في حدٍّ ولا ذي غمرٍ على أخيه ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولا القانع مع أهل البيت". رواه التّرمذي. وقال: هذا حديث غريب. وفي إسناده يزيد بن زياد الدّمشقي الرّاوي منكر الحديث. والله وأعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
(1/485)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عليّ بن حسين إلى الأخ جمعان جمع الله له بين خيري الدّنيا والآخر وغفر ذنبه أوّله وآخره. وأصلح أعماله الباطنة والظّاهرة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد؛
فقد وصل السّؤال عن المسائل الجلال فعوقت العوائق عن الجواب لما اشترطت علينا من مطالعة الكتاب.
المسألة الأولى: سألت عن قسمة الإجبار ومحلّ الإشكال عليك أنّ أهل المذهب أطلقوا فيها على أشياء من غير شرط غرر. قال في المحرّر: فأمّا ما لا ضرر فيه، ولا ردّ عوضٍ في قسمته كالقرية والبستان والدّار الكبيرة والأرض والدّكان الواسعة ... إلى أن قال: إذا طلب الشّريك قسمة أجبر الآخر عليها. انتهى. فأطلق على البستان ولم يشترط ضرراً والبستان والنّخل قد يكثر ويقل وتكثر سهامه وتقل فأشكل عليه إطلاقهم نفي الضّرر عن البستان قليله وكثيره.
فالجواب ـ وبالله التّوفيق ـ أنّ المسألة كما ذكروا. لكن الغالب أنّ الضّرر وردّ العوض يقلّ فيما ذكروا لسعة المكان فتمكن قسمة بلا ضرر ولا ردّ عوض والصّغير بالعكس. فمتى وجدنا الضّرر وردّ العوض كبر المكان أو صغر، كثر الشّجر أو قلّ، وكثرت السّهام أو قلّت فهي قسمة تراض. وهذا هو المفتي به عند مشائهنا. وهو صريح عبارات الأصحاب في القسمة.
قال في الشّرح الكبير: والقسمة نوعان: قسمة تراضٍ، وقسمة إجبارٍ. فأمّا قسمة التّراضي فهي ما فيه ضرر على أحد الشّركاء أو ردّ عوض من
(1/486)
________________________________________
أحدهم كالدّور الصّغار التِي لا يمكن قسمها فلا يجوز فيها إلاّ ما يجوز في البيع وهل تلزم بالقرعة إذا قسمها حاكم أو رضوا بقاسم فيه وجهان: أحدهما: يلزم القسم. والثّاني: لا يلزم إلاّ بالتّراضي. واختلفوا في الضّرر. فقال بعضهم الضّرر والمانع نقص القيمة. وهو رواية عن الإمام أحمد. وعنه الضّرر ما لا يمكن أحدهما الانتفاع بنصيبه مفرداً فيما كان ينتفع به مع الشّركة والأوّل ظاهر كلام الشّافعي؛ لأنّ النّقص ضرر، وهو منفي شرعاً. الثّاني: قسمة الإجبار وهي ما لا ضرر فيه ولا ردّ عوض. وهذه القسمة إفراز حقّ لا بيع. انتهى كلام الشّارح.
المسألة الثّانية: فيمَن أوصى في داره ببيت لإنسانٍ وتضرّر أهل الدّار بسكنى الموصى له ما الحكم؟
الجواب: أنّ هذه الوصيّة صحيحة وليس لأهل البيت منع الموصى له من السّكنى في الموصى به وإن تضرّروا فلهم طلب القسمة، فإن كانت قسمة إجبار أفرز له حقّه، وإن كانت قسمة تراضٍ لم يقسم إلاّ برضاهم، لكن إن تضرّروا فللحاكم بيعه، وقسم الثّمن على قدر الملك إن لم يرضوا بالقسمة ولا بسكناه معهم.
المسألة الثّالثة: قال علماؤنا في المحجور عليه لحظ نفسه كالسّفيه والمجنون والصّبي لا يصحّ تصرّفهم قبل الإذن، ومن دفع إليهم ماله ببيعٍ أو قرضٍ رجع فيه ما كان باقياً فإن أتلفه واحد منهم فمن ضامن مالكه؛ لأنّه سلطه عليه برضاه علم بالحجر أو لم يعلم.
قلت: فإذا بلغ الصّبي وانفكّ الحجر عن السّفيه وأفاق المجنون هل يضمنون أم لا؟
الجواب: لا يضمن شيئاً من ذلك إلاّ إن حصل في يد أحدهم
(1/487)
________________________________________
بغير رضا صاحبه كالغصب والجناية، فعليه ضمانه. وإن أودع عند الصّبي أو المجنون أو أعارهما فلا ضمان عليهما، وإن أتلفاه فوجهان. قال في الشّرح الكبير: (الضّرب الثّاني) : المحجور عليه لحظ نفسه، وهو الصّبي والمجنون والسّفيه فلا يصحّ تصرّفهم، ومَن دفع إليهم ماله ببيع أو قرض رجع فيه ما كان باقياً، فإن أتلف واحد منهم فمن ضمان مالكه؛ لأنّه سلط عليه برضاه علم بالحجر أو لم يعلم. فإن حصل في يده برضا صاحبه من غير تسليط كالوديعة والعارية، فاختار القاضي أنّه يلزمه الضّمان إن كان تلفه بتفريطه وإلاّ يحتمل أن لا يضمن، وأمّا ما أخذه من ذكر بغير اختيار المالك كالغصب أو الجناية فعليه ضمانه.
المسألة الرّابعة: إذا غصب رجلٌ شجراً أو نخلاً ثم بايع به آخر بنخل مثله ونزع المغصوب من يد مشتريه وضمن زوائده مدّته في يده ما حكم نخل المشترى الذي بايع به الغاصب هل يضمن الغاصب غلاة نخلٍ من بايعه كما ضمن الغاصب نماء الغصب لمالكه، ومعلوم أنّ البيع فاسد والبيع الفاسد لا يملك به؟
فالجواب: أنّ هذا المغصوب من أفسد العقود، وقد ذكروا في العقد الفاسد ما يبيّن أنّ لصاحب النّخل أو الشّجر الرّجوع على الغاصب بما أخذ منه المالك، قال في الإقناع: ومنافع المقبوض بعقدٍ فاسدٍ كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتّفريت.
المسألة الخامسة: قول علمائنا: الأيدي المترتّبة على يد الغاصب عشر، ما هي؟
فالجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: الأولى والثّانية من الأيدي المترتّبة على يد
(1/488)
________________________________________
الغاصب يد المشتري منه ويد المستعير. الثّالثة: يد المستأجر. الرّابعة والخامسة: يد المتملّك بلا عوض، ويد القابض بعقد أمانة. السّادسة: يد المتزوّج للأمة المغصوبة إذا تزوّجها وكانت بيده وماتت. السّابعة: يد المتصرّف في المال بما ينمّيه كالمضارب والشّريك والمساقي والمزارع، إذا تلف ذلك بيد العامل ونحوه. الثّامنة: يد القابض تعويضاً بغير عقد البيع بأن يجعل المغصوب عوضاً في نكاحٍ أو خلعٍ أو طلاقٍ أو عقدٍ أو صلحٍ، أو إيفاء دَينٍ ونحوه. التّاسعة: يد المتلف للمغصوب نائباً للغاصب كالذّابح للحيوان المغصوب والطّابخ له، وهذا يرجع بما ضمنه للمالك على الغاصب إن لم يعلم بالحال لوقوع الفعل للغاصب فهو كالمباشرة، لكن إن أتلفه على وجه محرّمٍ كأن قتل العبد أو أحرق المال المغصوب عالماً بتحريمه ففي التّلخيص يستقرّ عليه الضّمان لعلمه بالتّحريم، ورجّح الحارثي دخوله في قسم المغرور لعدم علمه بالتّحريم والضّمان.
العاشرة: يد الغاصب من الغاصب فالقرار على الثّاني مطلقاً ولا يطالب بِما زاد على مدّته. وهذا كلّه يعلم مما ذكره بالتّأمّل. ومتى وجدت زيادة بيد أحدهما كسمن وتعلم صنعة ثم زالت، فإن كانت في يد الثّاني فكما لو كانت بأيديهما، وإن كانت بيد الأوّل اختصّ بضمان تلك الزّيادة. وأمّا الأصل فعلى ما سبق قاله في الإقناع وشرحه.
المسألة السّادسة: هل وجدت في كتب المذهب جواز الأخذ من الزّكاة مع الغنَى لِمَن قام بمصلحة من مصالح المسلمين عامّة كالقضاء والتّدريس والإفتاء، أو ما هنا إلاّ عموم كقول أحمد في التّطوّع لما ذكر الجهاد ذكر
(1/489)
________________________________________
رواية أخرى أنّ طلب العلم أفضل، وأنّه داخل في الجهاد، وأنّه نوع منه إلى آخر السّؤال.
فالجواب: أمّا هذه المسألة فأكثر أهل العلم على المنع من الأخذ مع الغنى عموماً، وأمّا مع التّخصيص فلم أجد لأهل المذهب تصريحاً في الأخذ مع الغنى غير عموم الأخذ من بيت المال وإن كثر، والأخذ من الزّكاة لِمَن له الأخذ منها بقدر الكفاية، وأمّا قياسه على الجهاد وأنّه نوع منه، وأنّ للغازي الأخذ من الزّكاة مع الغنى فالغازي مخصوص في الآية الكريمة، وهو الثّامن وليس فيه تصريح بجواز الأخذ مع الغنى لغير الغازي إلاّ بفهم عمومات كالقياس على الغازي والعامل والغارم مع الغنى. قال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} ، [التّوبة، من الآية: 60] ، أنّ العامل عطّل نفسه لمصلحة الفقراء فكانت كفايته وكفاية أعوانه في مالهم؛ كالمرأة لما عطّلت نفسها لحقّ الزّوج كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها، ولا يقدر رزق العامل بالثّمن؛ بل تعتبر الكفاية؛ ثمناً كان أو أقلّ أو أكثر؛ كرزق القاضي.
وقال في موضعٍ آخر: دلّ قوله تعالى: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} ، [التّوبة، من الآية: 60] ، على أنّ كلّ ما كان من فروض الكفايات؛ كالسّاعي والكاتب والقسّام والعاشر وغيرهم فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك الإمامة فإنّ الصّلاة وإن كانت متوّجهة على جميع الخلق، فإنّ تقدّم بعضم بهم من فروض الكفايات، ولا جرم أنّه يجوز له الأخذ عليها، وهذا أصل الباب وإليه أشار النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بقوله:"ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة".قاله ابن العربي. ومن ذلك قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" لا تحلّ الصّدقة لغني إلاّ خمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازي في سبيل
(1/490)
________________________________________
الله، أو مسكين تصدّق عليه، فأهدى لغني ".فيفهم منه أنّ مَن كان قائماً بمصلحة عامّة من مصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتّدريس أنّ له الأخذ بما يقوم به مدّة القيام بالمصلحة، وإن كان غنيّاً. ذكر ذلك بعض شرّاح الحديث، وقد بوّب على هذا البخاري فقال: باب رزق الحكام والعالمين عليها. والله أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
(1/491)
________________________________________
رسائل وفتاوي للشيخ سليمان بن عبد الله
...
رسائل وفتاوى
(الشّيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب)
بسم الله الرّحمن الرّحيم
هذه مسائل سُئِلَ عنها الشّيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب رحمهم الله تعالى أمين.
وهي رجل يشكّ هل جرى الطّلاق على لسانه أم لا؟ وهل قصده أم لا؟ وهل سمعته أذناه أم لا؟ وهل طلق واحدة أم ثلاثاً أم لم يطلق أصلاً؟ هل الورع الإلزام بالثّلاث أم الأولى أن يطرح الشّكوك كلّها ولا يعبأ بها شيئاً؟
الجواب: أمّا إذا شكّ هل جرى الطّلاق على لسانه أم لا؟ فليس بشيءٍ؛ لأنّ الأصل عدم جريانه. وفي ذلك حديث عبد الله بن بريد في الرّجل يخيّل إليه أنّه يحدث في الصّلاة. وأمّا إذا جرى وشكّ هل قصد الوقوع، فليس هذا الشّكّ بشيءٍ؛ لأنّ الأصل عدم إلغاء كلام المكلّف
(1/491)
________________________________________
والعادة أنّ النّاس يقصدون وقوعه إذا جرى على ألسنتهم. وأمّا إن كان الشّكّ في جريانه وفي وقوعه إن كان جرى فليس بشيءٍ كالأوّل. وأمّا إذا شكّ هل سمعته أذناه أو لا، فيقع؛ لأنّه لا يشترط في إيقاع الطّلاق أن يسمعه بل يشترط التّكلّم به وقد تكلّم به.
وأمّا قولك هل الورع الإلزام بالثّلاث أم لا الخ؟
فاعلم أنّ الذي ذكرنا لك هو الصّحيح، وأمّا الورع في الشّكّ في واحدة فالأولى أن يلزمها واحدة، وإن شكّ في الثّلاث فكذلك على ما قاله الموفّق وغيره، أعنِي: أن يلزمها وتكون ثلاثاً، أمّا إذا شكّ في واحدة هل أوقعها أم لا؟ فليس من الورع أن يجعلها ثلاثاً، بل ذلك من الورع المظلم. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
فائدة: قال الشّيخ العلاّمة سليمان بن الشّيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب رحمهم الله آمين.
اختلف العلماء في أصحّ الأسانيد فقال الإمام محمّد بن إسماعيل البخاري: أصحّ الأسانيد: مالك عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنه.
القول الثّاني: قول الإمام أحمد رحمه الله: أصحّها: الزّهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنهما.
الثّالث: قول عبد الرّزّاق بن همام اليماني: أصحّها: ما رواه زين العابدين عليّ بن الحسين عن أبيه حسين عن عليّ رضي الله عنهم.
الرّابع: قول عمرو بن عليّ الغلاس: أصحّها: ما رواه محمّد بن سيرين البصري عن عبيدة السّلماني الكوفي عن عليّ رضي الله عنه.
الخامس: قول يحيى بن معين: أصحّها: ما رواه سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم النّخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.
(1/492)
________________________________________
قال زكريا الأنصاري في شرح ألفية العراقي: والصّواب عدم التّعميم مطلقاً، بل يقال: أصّح أسانيد عمر: الزهري عن سالم عن أبيه، وأصحّ أسانيد المكيّين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنهم أجمعين. وأصحّ أسانيد المدنيّين: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأصحّ أسانيد المصريّين: اللّيث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنهم. وأصحّ أسانيد اليمانيّين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنهم.
قال: وأوهى أسانيد أبي هريرة: السّري بن إسماعيل عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة. وأوهى أسانيد ابن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود رضي الله عنه. وأوهى أسانيد أنس: داود بن المحبر عن أبيه عن أبان بن عياش عن أنس رضي الله عنه. والله أعلم.
فائدة أصوليّة نافعة: قال الشّيخ تقيّ الدّين رحمه الله في آخر المسوّدة: كلّ ما كان طاعةً ومأموراً به فهو عبادة عند أصحابنا والشّافعية والمالكية، وعند الحنفية ما كان من شرطه النّيّة فدخل في كلام أصحابنا ومَن وافقهم الأفعال والتّرك كترك المعاصي والنّجاسة والزّنا وكلّ محرّم والأفعال كالوضوء والغسل والزّكاة مع النّيّة وقضاء الدَّين وردّ المغصوب والودائع والنّفقة الواجبة ولو بلا نية.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
هذه مسائل:
الأولى: إذا باع رجل شقصاً واستثنى سهماً معلوماً من غلّة الشّقص فهل يصحّ ذلك أم لا؟
(1/493)
________________________________________
الجواب: لا يصحّ هذا الاستثناء، فإنّ استثناء الغلّة مدّة سنين لا أعلم أحداً قال بجوازه من العلماء. وإنّما الخلاف بينهم فيما إذا باع نخلاً لم يؤبّر واستثنى البائع غلّته الموجودة تلك السّنة، فمالك ـ رحمه الله ـ لا يجوز، والحنابلة يقولون: بالجواز. وعلّلوا ذلك بأنّه مبيع حال العقد فصّح استثناؤه كغيره من العين المبيعة. وأمّا استثناء الغلّة مدّة سنين معلومة فقد جاء في الحديث عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه نهى عن الثّنيا إلاّ أن تعلم، بل منع كثير من الفقهاء استثناء الحمل الذي في بطن الدّابّة أو الأمة مع كونه موجوداً حالة العقد كما هو المشهور في المذهب. فإذا كان هذا كلامهم في الموجود حالة العقد فما ظنّك بالمعوم؟
الثّانية: المطلقة إذا تزوّجت في العدّة ثم ماتت والحالة هذه هل يصحّ التّوارث بينهما أم لا؟
الجواب: النّكاح في العدّة باطل بالإجماع، فإذا ماتت لم يرثها هذا الزّوج الذي عقد عليها في العدّة سواء دخل بها أو لم يدخل؛ لأنّ النّكاح باطل لقوله تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} ، [البقرة، من الآية: 235] .
الثّالثة: إذا كان لرجلٍ طعام على آخر فطلبه إيّاه فقال المديون لا أجد طعاماً أوفيك به، فقال اشتر لي طعاماً من فلان وأنا ضامن له الثّمن الذي عليك، هل يصحّ ذلك الضّمان أم لا؟
الجواب: ظاهر المذهب صحّة الضّمان؛ لأنّ غايته أن يؤول الضّمان إلى نقد الثّمن عن المضمون عنه, وقد صرّحوا في باب القرض بأنّه إذا قال: أقرضنِي دراهم أشتري لك بها البر الذي عليّ لك، أنّه جائز. وهذا هو المذهب. وفيه رواية بالكراهة. وكرهه سفيان كراهة شديدة أعنِي في مسألة القرض.
(1/494)
________________________________________
الرّابعة: إذا كان لرجلٍ على آخر طعام فلم يجد عنده ما يوفيه فأعطاه دراهم على السّعر عن الطّعام الذي في ذمّته هل يجوز ذلك أم لا؟
الجواب: لا يجوز ذلك. وهو قول جمهور العلماء. قال في المغنِي والشّرح: لا نعلم فيه خلافاً. أعنِي إذا كان الطّعام سلماً أو مبيعاً، وإن لم يكن سلماً، فأمّا إن كان عمارة نخل أو قرضاً أو أجرة أو قيمة متلف، فهذا يجوز لصاحبه أن يأخذ ثمنه مِمَّن هو في ذمّته بشرط قبضه في المجلس، لئلا يكون بيع دَينٍ بدَينٍ؛ لأنّه ليس مبيعاً. وأمّا السّلم والمبيع فلا يجوز بيعه قبل قبضه ولو لبائعه. وذلك لصحّة الأحاديث عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بالنّهي عنه. فثبت في الصّحيحين عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"مَن ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه ".وفي لفظٍ في الصّحيحين:"فلا يبعه حتّى يكتاله". فإذا باعه ربّ الدَّين لبائعه قبل قبضه فقد خالف النّصوص الواردة عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من وجهين:
أحدهما: أنّه باعه قبل قبضه، والنَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه، ولم يفرّق بين بيعه لِمَن هو عليه وبين غيره، ومَن زعم أنّ بيعه لِمَن هو عليه جائز فعليه الدَّليل الذي يخصّص العموم وإلاّ فلا يجوز مخالفة السّنة الثّابتة عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لقول أحدٍ من النّاس.
الثّاني: أنّه قد ثبت في السّنن عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه نهى عن ربح ما لم يضمن، فإذا باعه لبائعه بربح فقد ربح فيما لم يضمن؛ لأنّه لا يدخل في ضمانه إلاّ بعد قبضه فيصير هذا الرّبح حراماً. وقد أخذ جمهور العلماء بظاهر الأحاديث الثّابتة عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه وأجروها على ظاهرها وعمومها وشمولها للبائع وغيره حتّى إنّهم منعوا من الاعتياض عن المسلم فيه فقالوا: لا يجوز أن يأخذ عنه عوضاً ولا يستدلّ به، واحتجوا
(1/495)
________________________________________
لذلك بما روى أبو داود وابن ماجه عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال:" مَن أسلم في شيءٍ فلا يصرفه إلى غيره". وغاية ما يحتج به مَن أجاز بيعه لبائعه قبل قبضه كلام الشّيخ تقيّ الدّين رحمه الله الذي حكاه صاحب الإنصاف وغيره نّه أجاز ذلك، واحتجّ بكلام ابن عبّاس الذي رواه عنه ابن المنذر.
ومثل هذا لا تعارض به النّصوص الصّحيحة عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في منع بيع الطّعام قبل قبضه، والشّيخ ـ رحمه الله تعالى ـ من الأئمة المجتهدين، لكن إذا خالف كلامه الحديث الصّحيح وجب الأخذ بالحديث دون ما خالفه. وما أحسن ما قال الشّافعي ـ رضي الله عنه ـ: إذا صحّ الحديث عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط.
ومعلوم أنّ الشّيخ ـ رحمه الله ـ قد اطّلع على هذه الأحاديث في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه وأنّه تأوّلها، لكن إذا لم نعلم وجه تأويله ولم يتبيّن لنا رجحان دليله لم يجز لنا أن نخالف هذه الأدلّة الثّابتة عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه. بل نجريها على عمومها للبائع وغيره حتّى يثبت عندنا دليل راجح يخصّص هذا العموم وإلاّ فلا يجوز لنا أن نتركها تقليداً للشّيخ ـ رحمه الله ـ ولا غيره. بل يجب اتّباع النّص. فإذا أفتى بعض المفتين بخلافها وعارض الأحاديث بكلام الشّيخ وكلام ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أجيب بما أجاب به ابن عبّاس لِمَن خالفه في مسألة المتعة حيث يقول: يوشك أن تنْزل عليكم حجار من السّماء، أقول: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، وأبلغ من هذا في الزّجر عن مخالفة النّصوص لقول بعض العلماء قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، [النّور، من الآية: 63] .
كما استدلّ بها الإمام ـ رحمه الله ـ فقال: عجبت لقومٍ
(1/496)
________________________________________
عرفوا الإسناد يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، [النّور من الآية: 63] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشّرك لعلّه إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزّيغ فيهلك. فالواجب فيما تنازع فيه العلماء ردّه إلى الله والرّسول، كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} ، [الشّورى، من الآية: 10] .
وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ، [النّساء، من الآية: 59] .
فإذا وجدنا مسألة قد اختلف العلماء فيها وجب علينا الرّدّ إلى النّصوص، فما وافق النّصوص وجب الأخذ به، وما خالفها وجب ردّه إليها. وأما تركها لقول بعض العلماء والتّعليل بأنّهم أعلم منا بمعانيها فلا يجوز، بل هذا عين التّقليد المذموم الذي أنكره شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ كما أنكره العلماء قبله. والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مسألة: إذا أبدل صاحب الملك صاحب الوقف فإن كان ذلك لمصلحة الوقف بحيث يكون دامراً أو كثير الغلط وأراد إبداله بمصحف عامر، فهذا يجوز على القول الرّاجح، وهو القول بجواز المناقلة بالوقف للمصلحة، كما هو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين وابن القيم ـ رحمهما الله تعالى ـ، لكن بشرط أن يكون ذلك صادراً مِمَّن له ولاية على الوقف من جهة الواقف أو من جهة الحاكم، وأمّا على كلام الحنابلة من كثير من الفقهاء فلا يجوز إلاّ أن تتعطّل منافع الوقف، وحينئذٍ فمتى صدرت المناقلة غير الوجه المأذون فيه فالوقف بحاله لا تتغيّر وقفيته ولا يملك بالمبادلة.
مسألة: إذا اغتسلت من الحيض فوطأها زوجها ثم رأى على ذكره
(1/497)
________________________________________
أثر الدّم فالخطب في ذلك يسير إن شاء الله تعالى؛ لأنّ قصاراه أنّ الدّم عاودها بعد الطّهر وذلك حيض عند الجمهور إذا لم تبلغ خمسة عشر يوماً وقد وطأها في حال جريان الدّم جاهلاً فيكون معذوراً ولا إثم عليه لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"عفي لأمّتِي عن الخطأ والنّسيان ".وأمّا الكفّارة ففيها خلاف هل تجب على العامد دون المخطئ والنّاسي أم تجب على الجميع؟
والذي عليه الجمهور أنّه لا كفّارة على الجميع بل مَن تعمد ذلك آثم وليس عليه إلاّ التّوبة، وعن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: كقول الجمهور. والثّانية: عليه الكفّارة إذا تعمّد لحديث ابن عبّاس المرفوع أنّه يتصدّق بدينار أو نصف دينار. والحديث رواه أبو داود والتّرمذي والنّسائي. لكن مداره على عبد الحميد بن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطاب، وقد قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم. لأنّه من حديث فلان أظنّه. قال عبد الحميد وقال لو صحّ ذلك الحديث عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"كنا نرى عليه الكفّارة".وقال في موضعٍ آخر: ليس به بأس قد روى النّاس عنه. فاختلاف الرّواية في الكفّارة مبني على اختلاف قول أحمد في الحديث. وهاتان الرّويايتان عن أحمد في العامد، وأمّا الجاهل والنّاسي فعلى وجهين للأصحاب: أحدهما: تجب، وهو المذهب لعموم الخبر. والثّاني: لا تجب، لعوم قوله:"عفي لأمَّتِي عن الخطأ والنّسيان".فعلى هذا لو وطئ طاهراً فخاضت في أثناء وطئه فلا كفاّرة عليه، وعلى الأوّل عليه الكفّارة.
مسألة: إذا جلس المسبوق مع الإمام في التّشهّد الأخير هل يصلّي على النّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ويدعو أم يكرّر التّشهّد الأوّل؟
الجواب: المشهور أنّه يكرّر التّشهّد ولا يصلّي على النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ
(1/498)
________________________________________
نصّ عليه أحمد فيمَن أدرك مع الإمام ركعةً؛ قال: يكرّر التّشهّد ولا يصلّي على النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولا يدعو بشيءٍ مما يدعو به في التّشهّد؛ لأنّ ذلك إنّما يكون في التّشهّد الذي يسلم عقبه وليس هذا كذلك.
مسألة: في قوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} ، [الأعراف، من الآية: 190] .قال قتادة: شركاء في طاعته ولم تك في عبادته. وفي تفسير العلماء معنى آيات العبادة يفسّرونها بالطّاعة وهذا فرق بينهما.
الجواب: اعلم أنّ الكلام يختلف باختلاف الأحوال والمقامات والاجتماع والافتراق والإجمال والتّفصيل، فتفسير قتادة في هذه الآية بأنّ المراد بها على كثير من كلام المفسِّرين آدم وحواء، فناسب تفسيرها بالطّاعة؛ لأنّهما أطاعا الشّيطان في تسمية الولد بعبد الحارث، وهو معصية من المعاصي. والصّحيح من أقوال العلماء أنّ المعاصي الصّغائر تقع من الأنبياء لكنهم يتوبون منها ولا يقرّون عليها، وأمّا تفسيرهم الآيات التِي فيها العبادة بالطّاعة فمعلوم أنّ العبادة إذا أطلقت دخلت فيها الطّاعة وترك المعصية؛ لأنّ العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، وترك المعاصي من الكبائر والصّغائر، لكن المعاصي تنقسم إلى كفرٍ وشركٍ، وإلى كبائرَ دون الكفر الشّرك، وإلى صغائرَ دون الكبائر، فإذا أطلقت العبادة دخل فيها جميع طاعات الله ورسوله، وإذا فرق بينهما فسّرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، وفسرّت العبادة الطّاعة بجميع الدِّين كلّه. والله أعلم.
(1/499)
________________________________________
الشيخ حسين بن الشيخ محمد عبد الوهاب
...
رسائل وفتاوى
الشّيخ حسين بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب رحمهم الله تعالى
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(من حسين بن الشّيخ إلى الأخ جمعان بن ناصر)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
خطك الشّريف وصل وصلك الله إلى رضوانه، وهذا جواب المسائل واصلك إن شاء الله تعالى:
الأولى: مَن صلّى محدثاً أو صلّى صلاةً فاسدةً ثم صلى بعدها صلوات صحيحة قبل أن يقضي تلك الصّلاة الفاسدة ما حكم التّرتيب؟
فهذه المسألة فيها تفصيل، فإن كان لم يذكر الصّلاة الفاسدة إلاّ بعد فراغه من الصّلاة الصّحيحة فليس فيه ترتيب؛ لأنّ التّرتيب يسقط بالنّسيان، قلّت الصّلوات أو كثرت، لقوله ـ عليه السّلام:"عفي لأمَّتِي عن الخطأ والنّسيان"، وإن ذكر أنّ عليه صلاةً وهو في أخرى كما لو ذكر أنّ عليه صلاةَ الظهر وقد شرع في صلاة العصر، فإنّه يتمّ العصر، ثم هل يجب عليه إعادة العصر؟ فيه قولان للعلماء، والأحوط الإعادة، كما هو المشهور عن أحمد؛ لأنّه عليه السّلام عام الأحزاب صلّى المغرب فلمّا فرغ قال:"هل علم أحد منكم أنِّي صلّيت العصر؟ "، قالوا: يا رسول الله ما صلّيتَها. فأمر المؤذّن فأقام الصّلاة فصلّى العصر، ثم أعاد المغرب. رواه أحمد.
الثّانية: ما الفرق بين كون المرأة تشترط أن لا يتزوّج عليها وبين قولها: إن تزوّجت عليّ فهو طلاقي؟
(1/500)
________________________________________
الجواب: الظّاهر أنّ الكّلّ شرط صحيح تملك به الفسخ إذا تزوّج. وأمّا وقوع الطّلاق فشرطه أن يكون حال التّعليق صادراً من زوجٍ، فلو علقه قبل العقد عليها على شرط لم يكن طلاقاً؛ لأنّ الزّوجة لم تكن حال التّعليق في نكاحه، فإن كان قد عقد عليها وعلق طلاقها على شرط صحّ التّعليق ووقع عند وجود شرطه.
الثّالثة: إذا أخذ الكفّار مال مسلم ثم استولى عليه المسلمون قهراً ولم تقع فيه قسمة كما لو قتل مسلماً كافر وأخذ سلاحه وعرفه مسلم أو أخذه بعض المسلمين من الكفّار واختصّ به من غير قسمة. ففي هاتين الصّورتين يأخذه المسلم مِمَّن غنمه بغير شيءٍ لعدم وقوع القسمة المانعة، وذلك لما روى مسلم عن عمران بن حصين أنّ قوماً أغاروا على سرح النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فأصيبت العضباء وأسرت امرأة من الأنصار فكانت المرأة في وثاق وأقامت عندهم أيّاماً ثم انفلتت من الوثاق فأتت الإبل فركبت العضباء ونذرت إن نجّاها الله لتنحرنّها فلما قدمت المدينة أخبرت أنّها نذرت لتنحرنّها، فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" لا وفاء لنذرٍ في معصية ولا فيما لا يملك العبد".
الرّابعة: إذا سرق إنسان تمراً أو حبوباً هل يغرم قيمته مرّتين؟
فأكثر العلماء يقولون عليه غرامة مثله من غير زيادة. وأحمد يقول: عليه غرامة مثليه. وحديث عمرو بن شعيب صريح الدّلالة لمذهب أحمد. قال أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه. وهذا إذا أخذ التّمر من الحوائط كما إذا أخذ ذلك من النّخل، وأمّا إذا أخذه من الجرين، فهذا عليه القطع بشرطه لقوله ـ عليه السّلام ـ في حديث عمرو بن شعيب:"ومَن خرج بشيءٍ منه
(1/501)
________________________________________
فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومَن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع".رواه أحمد والنّسائي وأبو داود.
الخامسة: الحضانة هل تسقط بالتّزويج أم لا تسقط بالتّزويج لقصة بنت حمزة، فإنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قضى بها للخالة وهي مع زوجٍ. فالذي عليه الجمهور أنّ الأم إذا تزوّجت سقط حقّها من الحضانة، لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" أنت أحقّ به ما لم تنحكي". وأمّا قصة بنت حمزة فإنّما قضى بها لخالتها؛ لأنّ زوجها من أهل الحضانة، ولا يساوي جعفراً في الاستحقاق إلاّ عليّ، وقد ترجّح جعفر بأنّ امرأته من أهل الحضانة فكان أولى، فالحديث يدلّ على أنّه لو تنازع العمّان في الحضانة وأحدهما متزوّج بالأمّ أو الخالة فهو أحقّ بالحضانة فليس بين قصة بنت حمزة وبين قوله:"أنتِ أحقّ به ما لم تنكحي"اختلاف بل الحديثان متّفقان. ولله الحمد.
وأمّا قولك: هل قرابة الأمّ أحقّ أم قرابة الأب؟
فالمشهور عن أحمد أنّ الأمّ وقراباتها يقدمن على الأب وقراباته، وعن أحمد رواية أخرى أنّ الأب وقراباته أحق. قال في الاختيارات: العمّة أحقّ من الخالة، وكذا نساء الأب يقدمن على نساء الأمّ؛ لأنّ الولاية للأقرب. فكذا أقاربه، وإنّما قدمت الأمّ؛ لأنّه لا يقوم هنا مقامها في مصلحة الطّفل. وإنّما قدم الشّارع ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خالة بنت حمزة على عمّتها صفية؛ لأنّ صفية لم تطلب وجعفر طلب نائباً عن خالتها فقضى لها بها في غيبتها.
السّادسة: نصاب السّرقة ربع دينار؛ والدّينار اثنا عشر درهماً، فإذا سرق من الحرز ما يبلغ ثلاثة دراهم قطع كما جاءت به السّنة، فإذا حصل الشّكّ هل المسروق مما يساوي ثلاثة دراهم من الفضّة الخالصة أم لا؟
(1/502)
________________________________________
الجواب: يقطع بمجرّد الشّكّ. وفي الحديث:"ادرؤوا الحدود بالشّبهات".
وأمّا الحرز فهو ما جرت العادة به في حفظ الأموال، والأموال تختلف، فالدّراهم لها حرز، والقماش له حرز، والدّواب لها حرز، والثّمار لها حرز، والمسافر بماله له حرز، والنّائم على متاعه في المسجد والسّوق ونحو ذلك له حرز، والمسألة لها ضابط، وهو أنّ الحرز ما جرت به العادة يختلف ذلك باختلاف الأزمان والمكان وعدل السّلطان وجوره.
وأمّا المسألة السّابعة: إذا سرق إنسان شيئاً محرّماً مثل التّنباك هل يجب فيه القطع؟
فاعلم أنّ للقطع شروطاً:
منها: أن يكون المال محترماً فلا يقطع بسرقه الخمر والتّتن وآلة اللهو وكتب البدع ونحو ذلك.
وأما قولك: وهل حدّ السّرقة حقّ لله يقام على السّارق وإن لم يطلبه المسروق؟
فالأمر كذلك، يقام على السّارق وإن لم يطلبه المسروق منه، بل لو وهب السّارق المال بعد رفعه إلى الإمام لم يسقط الحدّ عنه، لقصة صفوان. والخلاف بين الفقهاء إنّما هو في المطالبة بالمال هل هي شرط في القطع أم لا؟ وفي ذلك عن أحمد روايتان: (إحداهما) يشترط مطالبة المسروق منه بماله، وهو المشهور في المذهب. (والرّواية الأخرى) ليس ذلك بشرط. اختارها الشّيخ تقيّ الدّين وابن القيم ـ رحمهما الله ـ عملاً بإطلاق الآية الكريمة والأحاديث.
وأمّا قولك: وهل يجتمع القطع وردّ المال؟
فالأمر كذلك، فتردّ العين المسروقة إلى مالكها، فإن كانت تالفة غرم قيمتها وقطعت يده. والله أعلم.
(1/503)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
هذا كلام ذكره الشّيخ حسين بن الشّيخ لبعض الأخوان أحسن الله إلى السّائل وإلى المفتي آمين.
وأمّا ما ذكرت من أمر رجلٍ قال لامرأته: الله يرزقك وطلعت من العدّة فلا له طريق عليها إلاّ بملاك. وأيضاً إن كان هو قائل لحرمته الله يرزقك ثلاث مرات ونيّته أنّها ثلاث تطليقات فلا له طريق عليها إلاّ عقب ما تأخذ رجلاً آخر ويطلقّها، والرّجل الذي طلبت الحرمة منه الطّلاق وتبرؤه من النّفقة وطلّقها ثم طلبته بالنّفقة إن كانت الحرمة مبغضة للرّجل يوم يطلّقها البغضاء المعروفة فلا لها طريق عليه في النّفقة، فإن كان يوم تطلبه بالطّلاق مضيقاً عليها ومشينا عليها الطّبع فنفقتها تلزمه إلى أن تعتد، فإن كانت حاملاً فإلى أنّ تضع، والمرأة إذا عصت وطلعت من بيت الرّجل فالمعصية عليها والنّفقة عليه.
والرّجل إذا طلق امرأته الطّلقات الثّلاث فالذي يظهر ما لها عليه نفقة والرّجل الذي معه حرمتان فالتي يأتيها الحيض فهو يقسم لها في وقت الحيض وراعية النّفاس في عرفنا أنّها ما تشره أن يقاضيها، والرّجل الذي طلّق امرأته عدّة خوص النّخل فلا له طريق عليها، والإمام إذا سلم وقال بعض الجماعة بعد ركعة، وبعضهم يقول تامّة فهو يعمل بعمل الذي عليهم العمل، فإن كان أكثر ظنّه أن يلحقه شكّ فهو يعمل بقول الآخرين، والرّجل الذي قرأ في الرّكعتين الأخيرتين غير الفاتحة ساهياً فلا علمنا عليه شيئاً،
(1/504)
________________________________________
والرّجل الذي طلق امرأته مرّة أو مرّتين، ولو قال: أنا طيبة نفسي فهو يراجعها، فإن كانت طلعت من العدّة فهو بملاك إن اشتهت.
والرّجل الذي طلق امرأته بعد ما تملك قبل أن يدخل بها فلها نصف جهاز أبناء جنسها، والرّجل إذا قال لامرأته: أنتِ عليَّ مثل أمِّي فعليه كفّارة الظّهار، والذي يقول عليّ الحرام، ولا فعل فيفعل الذي هو حالف ويكفّر كفّار يمين، والبنت التي أرضعت وهي أم أربع أو خمس سنين فهي ما تحرم، والرّجل الذي قال لامرأته: الله يرزقك ثم طلّقها طلقتين تتالى، فهو ينشد عن نيّته إن هو ناو ثلاثاً فهي ثلاث، أو يبغي أن يسمعها وقصده طلقة واحدة، فإن كان قصده واحدة فهي تحل.
ونذكر بعد هذا جواب عبد الله بن الشّيخ إلى بعض الأخوان أحسن الله إلى السّائل وإلى المفتي.
وأمّا ما ذكرت من المسائل فنجاوبك عليها إن شاء الله:
منها: الذي صار رجلاً ضعيفاً ويعتاش من الخلا حشيشاً وأشباهه ولا يقدر أن يحترف إلاّ مفطراً، فإن كان يقدر أن يعيش بلا حرفته هذه لم يجز له أن يفطر، فإن كان ما هنا إلاّ حرفته هذه ولو يتركها لحقه الضّرر هو وعياله ضرر بين فأرجو أنّه يجوز له، فإذا وقعت الضّرورات حلّت المحظروات، وأمّا الذي يفطر في البلد ويعتذر بالجوع فلا له عذر، والذي يبنغي يعتاش به في النّهار يضمنه إلى وقت الإفطار إلاّ إن كان مثل هذا عندكم لو ما يفطر تلفت نفسه أو لحقه ضرر بيّن فلا تنكروا عليه.
وأمّا الصّبي الذي ما أرشد بعد فهو إن أطاق الصّيام أمر به وأدب على تركه، وكذلك يصلّي وراءه إذا كان أقرأ من الذي وراءه، ولو ما أرشد بعد، ويقام به في الصّفّ، وأمّا ما ذكرت من أمر الذي ختم القرآن وممشاه رديء وهنا
(1/505)
________________________________________
مَن يقرأ بعض القرآن وهو حبيب في الدِّين من الذي يقلط منهم، فإن كان الذي يحفظ القرآن حافظه غيباً ورداه بين يكره الدِّين ويوالي المنافقين موالاةً بيّنة أو يتجسر على الأمور المحرمة، مثل: الزّنا والسّرقة والخيانة، فإن كان هذا صفة حاله فلا يصلّي بالجماعة، فإن كان ما هنا شيء بيّن ما هنا إلاّ تهمة أو أنّ غيره أخير منه عملاً مثل الجهاد والمذاكرة فالذي يحفظ القرآن غيباً أحقّ بالتّقديم من الذي ما حفظه ولو كان أكثر منه عملاً وأحبّ منه للدِّين.
وأمّا الثّغرة من الفهم فإن كان ما ظهرت من الجوف ولا وصلت الفهم فلا فيها وضوء، فإن كان ظهرت ووصلت الفهم فيستحب له الوضوء، فإن كان صائماً فلا يدخلها إذا وصلت الفم بل يخليها تظهر ويغسل فمه ويتوضّأ. وأمّا الخارج من الجسد من الدّم والقيح فالصّحيح أنّه ما ينقض الوضوء ويغسل الذي يجيء سلبه منه.
وأمّا الذي يرمي أخيه المسلم بالزّنا ويعتذر أنّه ما له قصد وأنّه من الشّيطان فليس هذا بعذرٍ، فإن كان المقذوف بالزّنا شكاه إلى الأمير أقام عليه الحدّ وإلاّ أدِّب أدباً يزجره عن مثل هذا الكلام الخبيث. وأمّا إذا صلّى الرّجل وفي سلبه نجاسة ناسياً ولا درى إلاّ بعد فراغه من الصّلاة فلا عليه إعادة. وأمّا المطوّع الذي ما يحسن قراءة الفاتحة ولا يعربها فلا تصلّى وراءه. وأما المطوّع الرّديء الذي ما له دِين إن أسلم النّاس أسلم، وإن ارتدّوا ارتدّ ما تحلّ الصّلاة وراءه. والله أعلم.
(1/506)
________________________________________
(هذه رسالة للشّيخ عليّ بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب)
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عليّ بن الشّيخ حسين إلى الأخ جمعان بن ناصر سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل خطك وصلك الله إلى ما يرضيه ونحو، ولله الحمد بخيرٍ وعافيةٍ، كذلك الأخوان وجملة آل الشّيخ وخواص إخوانك، وما ذكرت من جهة مسألة التّثويب في أذان الفجر هل هو في الأوّل أو في الثّاني؟ وما الموجب لكونه عندنا في الثّاني على أنّ في سنن أبي داود ما يدلّ على كونه في الأوّل؟
فالجواب: إنّ الأمر في ذلك عندنا على السّعة، فإذا جعله في الأوّل أو في الثّاني فالكلّ إن شاء الله حسن، ولكن الأحسن لِمَن أراد الاقتصار على التّثويب في أحد الأذانين أن يكون في الأوّل لما ذكرت من الحديث، وأحسن منهما التّثويب في الأذانين جمعاً بين الأحاديث، وعملاً بظاهر إطلاقات الفقهاء. فأمّا ما يدلّ على أنّ التّثويب في الأوّل فالحديث الذي ذكرت في سنن أبي داود دليل على ذلك.
وفي رواية فيه للنّسائي:"الصّلاة خيرمن النّوم، الصّلاة خير من النّوم، في أذان الأوّل من الصّبح".قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: وهاتان الرّويتان صريحتان في أنّ التّثويب بالصّلاة مخصوص بالأذان الأوّل دون الثّاني؛ لأنّ الأذان الأوّل إنّما شرع لإيقاظ النّائم كما في الحديث:"ليوقظ نائمكم".
وأمّا الثّاني فإنّما هو للإعلام بدخول الوقت لِمَن أراد أن يصلّي في أوّل الوقت ولكون المصلّين فيه غالباً قد استيقظوا بالأذان الأوّل واستعدّوا للصّلاة بالوضوء وغيره. انتهى. ولكن قوله: إنّ الرّوايتين صريحتان
(1/507)
________________________________________
في التّخصيص بالأوّل ليس كذلك بل ظاهرتان.
وأمّا ما يدلّ على أنّه في الثّاني فقال ابن ماجه في سننه: حدّثنا عمر بن رافع حدّثنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزّهري عن سعيد بن المسيب عن بلال أنّه أتى النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يؤذن بصلاة الفجر فقيل هو نائم فقال:"الصّلاة خير من النّوم".فأقرّت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك. صحيح الإسناد. وفيه انقطاع، ووجه الاستدلال به على أنّه في الثّاني أن بلالاً إنّما كان يؤذّن للنَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بالصّلاة بعد طلوع الفجر، فإنّه إذا طلع الفجر جاءه بلال فأذنه بالصّلاة، لا يقال إنّ هذه في أذان بلال، وبلال إنّما كان يؤذّن قبل الفجر كما في الصّحيح:"إنّ بلالاً يؤذّن بليلٍ"، لأنّ ذلك في بعض الأوقات لا في كلّ السّنة، يدلّ على ذلك ما روى سعيد بن منصور في سننه، قال: حدّثنا أبو عوانة عن عمران بن مسلم، قال: قال سويد بن غفلة اذهب إلى مؤذننا رباح فمره أن لا يثوب إلاّ في صلاة الفجر بعد الفجر، إذا فرغ من أذان الفجر فليقل: الصّلاة خير من النّوم، الصّلاة خير من النّوم، وليقل في آخر أذانه وإقامته: لا إله إلاّ الله، والله أكر. هذا أذان بلال. فهذا مرسل يدلّ على أنّ بلالاً يؤذّن بعد الفجر وأنّه يثوّب في أذانه.
وقال ابن أبي شيبة: حدّثنا وكيع عن جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:" لا يؤذن حتّى يرى الفجر هكذا". ومد يديه: حدّثنا أبو خالد عن حجاج عن طلحة عن سويد عن بلال، قال: كان لا يؤذّن حتّى ينشق الفجر، فهذا يدلّ على أنّ بلالاً كان يؤذّن بعض الأوقات بعد طلوع الفجر بلا ريب، وأيضاً فإنّه كان يسافر ويغزو مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حيث لا يوجد ابن أمّ مكتوم، وكان هو المؤذّن فلا بدّ
(1/508)
________________________________________
رسائل وفتاوي للشيخ سليمان بن علي
...
رسائل وفتاوى
(الشّيخ عثمان بن عليّ)
بسم الله الرّحمن الرّحيم
هذه مسائل وجدتها سألها محمّد بن عبد الله بن إسماعيل سليمان ابن عليّ:
الأولى: هل يصحّ التّيمّم بتراب المسجد أم لا؟
الجواب: نعم. يصحّ التّيمّم بتراب المسجد علّلوا ذلك بأنّه تسفوه الرّياح، وإنّما الممنوع من التّيمّم إن أثار المتيمِّم غباراً من جدار المسجد أو أثار أرض المسجد.
الثّانية: مَن نوى استيطان بلدٍ سنةً أو سنتين أو ثلاثاً فهل حكمه حكم مَن نوى استيطاناً مطلقاً فتصحّ إمامته في الجمعة ويحسب من العدد؟
الجواب: وأمّا مَن نوى الاستيطان فإنّه يصير من أهل البلد فتصح فيها إمامته وغير ذلك، ولو بدا له الانتقال بعد مدّة قصيرة، وأمّا الذي نزل ولم ينو الإقامة ولو حدّ إقامته سنتين فلا يكون من أهل البلد؛ لأنّ نيّته مباينة للاستيطان.
الثّالثة: إذا حصل من رمل المسجد ضرر بالمصلّين لكثرة غبار أو غيره وأرادوا إخراجه لإزالة الضّرر.
الجواب: أمّا رمل المسجد وترابه فإن أضرّ بالمصلّين وجب إخراجه، وإن لم يضرَّ لكن رفعه وجعل مكانه أنفع فهذا جائز.
الرّابعة: هل تصحّ استنابة قادر على الحجّ يحجّ عنه حجّة الإسلام
(1/510)
________________________________________
لكونها غير واجبة على المستنيب لعدم أمن الطّريق أو غيره أم لا يصح؟ وهل يصحّ أن يحجّ عن غيره مَن لم يحجّ عن نفسه لعدم وجوبها؟
الجواب: أمّا القادر على حجّ الفرض فلا يستنيب ولو مع خوف الطّريق، ولا تشترط العدالة إن كان متبرِّعاً أو معينه الموصي وهو غير وارثٍ.
الخامسة: هل تشترط العدالة ظاهراً وباطناً في المستناب في الحجّ ولم يعيّنه الموصي، فإذا بان فسقه بعد انقضاء الحجّ فسد حجّه؟ أم لا تشترط العدالة إلاّ ظاهراً، فلو بان فاسقاً صحّ حجّه أم كيف الحكم؟
الجواب: لا تشترط العدالة في النّائب إن كان متبرِّعاً أو معينه الموصي، وهو غير وارثٍ، وإن كان المستنيب وصيّا للميت لم يجز له أن يستنيب إلاّ العدل وتكفي العدالة ظاهراً؛ فلا يحتاج لتزكية، فمتى استناب مَن ظاهره العدالة ثم بان فسقه بعد ذلك صحّ كولي المرأة في النّكاح.
السّادسة: إذا اشتريت سكيناً أو سيفاً أو غيره أظنّه ذكراً فبان بخلافه فهل أملك فسخ البيع أم لا أملكه لكوني لم اشترطه ذكراً؟
الجواب: أمّا السّكين فإذا بذل فيها ثمن السّكين الذّكر ثم بانت أثنى فهو عيب.
السّابعة: إذا حدث في الوقف خيس يصلح أن يكون بناتاً وأراد الموقوف عليه قلعه لكونه نماء لحدوثه بعد الوقت فهل يجوز له قلعه أم يلزمه تركه؟
الجواب: الفسيل الحادث بعد الوقف في أصول النّخل نماء.
الثّامنة: الفسيل الموجود حين الوقف إذا صلح أن يكون بناتاً لكن
(1/511)
________________________________________
قلعه أصلح لأمّه وتركه أصلح للوقف فهل يصحّ قلعه أم لا؟
الجواب: وأمّا السّابق للوقف فيقلع أيضاً وينفق في مؤنة الوقف كالبناء والسّقي وغيرهما.
التّاسعة: إذا ساقيت عاملاً على نخل من الجذاذ إلى الجذاذ بجزء من ثمرته فما قدر ما يلزمه من السّقي هل فيه شيءٌ مقدّرٌ أم يرجع إلى عادة بلده، فإذا كانت عادتهم تركه عشرة أيّام في الشّتاء وخمسة في غيره ثم يسقى ويتركون السّقي في الصّيف شهرين وأقل وأكثر، فهل يلزمه شيء غير عادة بلده أم لا؟
الجواب: المساقي المذكور لا يلزمه من السّقي إلاّ عرف أهل بلده.
العاشرة: هل يشترط لصحّة تملك الأب مال ولده مشاهدته بعينه حيث تملكه كالقبض في الهبة والرّهن والقرض أم لا تشترط، بل إذا كان الأب يعرفه معرفة يصلح البيع معها جاز تملكه ولو لم يشاهده بعينه أم كيف الحكم؟
الجواب: يشترط لتملك الأب مال ولده القبض للمنقول والمشاهدة للعقار كالهبة والرّهن.
الحادية عشرة: إذا أتت المرأة بولد بعد أربع سنين وهي غير فراش فمعلوم أنّه لا يلحق بأبيه، لكن إذا تعور في بطنها وأقام فيه أكثر من أربع سنين فهل يلحق به لكون الحمل موجوداً حين الموت أو الفرقة بيّنة أو إقرار أم لا يلحق مطلقاً أم كيف الحكم؟
الجواب: أمّا الولد فيلحق ولو بعد أربعة أعوام إذا علم وجوده قبلها وكان احتباسه للآفة. والله أعلم.
الثّانية عشرة: إذا انقطعت الجهة الموقوف عليها وما وقفه وسكت
(1/512)
________________________________________
مع القول بصحّته فإنّه يصير لورثة الواقف نسباً وقفاً عليهم، فهل إذا استحقّه وارث للواقف ثم حدث من يحجبه عن إرث الواقف فهل ينتقل الوقف إلى الوارث الحادث مع حياة الأوّل؟ مثاله: إذا وقف شخص شيئاً وسكت فإنّه يصير لوارثه ولم يكن له وارث سوى أخيه فاستحقّه أخوه لكونه الوارث له إذاً، ثم حدث للواقف ابن فهل ينتقل الوقف إلى الابن بمجرّد وجوده مع حياة عمّه المستحقّ للوقف قبله أم لا ينتقل إلى الابن إلاّ بعد موت عمّه، أم لا يرجع إلى ابن الواقف مطلقاً فيصير للعمّ ثم لورثته من بعده أم كيف الحكم؟
الجواب: قال في حاشية ابن قندس قوله: ويصرف ما وقفه وسكت ونحوه إلى ورثة الواقف هل المراد ورثته حين موته أو حين الانقطاع؟ وإذا صرف إليهم فماتوا فهل ينتقل إلى ورثتهم أم لا؟
فأمّا الأوّل فقال في الرّعاية ما يقتضي أنّ المراد حين الانقطاع؛ لأنّه قال ورثته إذاً.
وأمّا الثّاني ففي الزّركشي وحيث قلنا يصرف إلى الأقارب فانقرضوا ولم يوجد قريب فإنّه يصرف إلى بيت المال؛ لأنّه مال لا مستحقّ له. نصّ عليه أحمد. انتهى كلامه في الرّعاية. فعلى هذا، لا شكّ أنّ الواقف إذا ورثه أخوه ثم حدث للواقف ابن أو ابن ابن أنّه ينْزع الوقف من يد أخ الميت.
الثّالثة عشرة: إذا ادّعيت عيناً في يد إنسانٍ تلفت عليّ في ماضي الزّمان بغصبٍ أو غيره وأقمت بيّنة فشهدت أنّ هذه العين تلفت من يدي على طريق الغصب.
الجواب: إذا كانت العين بيد إنسانٍ فأقام المدّعي بيّنة أنّها له بمثل
(1/513)
________________________________________
هذا اللّفظ سمعت الشّهادة على هذا المنوال وصحّت وانتزعت العين من صاحب اليد، ولا يشترط لصحّة شهادة البيّنة ذكر أنّها غصب.
الرّابعة عشرة: جلد الأضحية وجلها ذكروا أنّه ينتفع بهما أو يتصّدق بهما فهل تَختصّ الصّدقة بهما على الفقير والمسكين أم يصحّ إعطاؤهما الغني هدية أو صدقة؟
الجواب: أمّا جلد الأضحية وجلّها وغير ذلك فإذا قيّدوا أيّ: العلماء بذكر الصّدقة لم يكن مصرف الصّدقة إلاّ الفقراء والمساكين في الغالب من كلامهم؛ لأنّ تعبيرهم لغير الفقير بالهدية ونحوه.
الخامسة عشرة: إذا أوصى إنسان بحجّة وأطلق فلم يقدرها بشيء وليست الحجّة فرضاً لعدم وجود الشّرط المعتبر من أمن الطّريق أو غيره فهل تصير من الميقات أو من بلده أو دون مسافة قصر عنها إذ العادة جارية به، ولو يعلم الموصي بالحكم لقدر لها ما لا يحجّ به عنه من بلده، ولم يعهد عندنا مع الإطلاق إلاّ حجّتها من بلده فما الحكم فيها؟
الجواب: أمّا الحجّة المذكورة مع الإطلاق فلا تكون إلاّ من الميقات؛ لأنّ كلاهم في ذلك صريح، وكذلك الأضحية المطلقة لا يجوز فيها إلاّ قدر الأجزاء، هذا ولو كانت العادة جارية بذلك لاسيما إذا كان في الورثة غير مكلّف، فهذا لا يجوز إلاّ أن يكون الورثة كلّهم مكلّفين ورضوا بذلك.
السّادسة عشرة: الجدَّاء لا يصحّ أن يضحّى بها فهل إذا جدّ شطر وسلّم الشّطر الآخر تجزئ أم لا؟ والجداء: ما لا لبن فيها فهل إذا كان فيها لبن قليل جدّاً لا يزيد في ثمنها تجزيء أم لا؟
(1/514)
________________________________________
الجواب: الجداء: اسم لما لم يكن في ضرعها لبن فإذا وجد فيه لبن فليست بجداء ولو جد شطر وسلم آخر أو بعضه لم تكن جداء.
السّابعة عشرة: إذا أحسّ المصلِّي رطوبة في رأس ذكره ومضى في صلاته؛ لأنّه لا يدري هل هي شيء خارج أم لا؟ فلمّا فرغ من صلاته ونظرها تحقّق أنّ تلك الرّطوبة التي أحسّ في صلاته خارجة من ذكره، فهل تصحّ صلاته؛ لأنّه لم يتحقّق أنّها خارجة من ذكره إلاّ بعد فراغه، أم لا تصحّ؛ لأنّ الخارج حاصل في صلب الصّلاة؟
الجواب: أمّا المصلِّي فإذا خرج من صلاته ووجد خارجاً من ذكره وشكّ هل فاض إلى حكم الظّاهر في فرض الذّكر الذي يلحقه حكم التّطهير وهو في صلاته أم هل سلم وإنّما فاض أوّلاً بعد السّلام؟ فإنّ الصّلاة على مثل هذا صحيحة ولا تبطل إلاّ بتحقّق المصلِّي فيضه إلى فرض الذّكر وهو في الصّلاة.
الثّامنة عشرة: ليف الشّجر الذي يسقى بالنّجاسة وسعفه وجماره هل حكمه حكم التّمر فيصير نجساً أم هو طاهر ولا يتنجّس إلا الثّمرة؟
الجواب: أمّا ليف النّخل وجماره وخوصه وغير ذلك إذا كان يسقى بالنّجس فلا ينجس من ذلك إلاّ الثّمر فقط والزّرع وتنجيس سائر الأجزاء من القياسات الفادسة، فإنّ العلم نقل لا عقل وتنجيس ما سوى الثّمرة تهوس ووسواس يفعله بعض أهل العارض. والله أعلم.
التّاسعة عشرة: هل يشترط لصحّة بيع الدّار رؤية داخل الحشّ ونحوه أم تكفي رؤية ظاهره فقط؟
الجواب: لا بدّ من رؤية المبيع إلاّ ما ذكروا التّسامح فيه، فيكفي
(1/515)
________________________________________
رؤية الدّار أي غالبها المعتمد عليه الذي يزيد به الثّمن وينقص، وأمّا داخل الحشّ ونحوه فلا تشترط رؤية ذلك؛ لأنّهم صرّحوا بالتّسامح في أكثر من ذلك، فقالوا: يكفي رؤية وجه الرّقيق وظاهر الصّبرة ونحو ذلك.
العشرون: إذا اشتريت ثوباً ونحوه ثم بعته لآخر فوجد به عيباً فردّه عليَّ؛ لأنّ القول قوله، ولم أملك ردّه على البائع الأوّل؛ لأنّه خرج عن يدي، فإذا ادّعيت على البائع الأوّل أنّ العيب موجود في المبيع وهو في يد البائع الأوّل، لكن لا أعلم به أنا يا أيها المشتري الأوّل إلاّ بعد ما ردّه المشتري الثّاني، فإن أقمت بيّنة بدعواي فلا كلام، وإن لن أقم بيّنة فهل يثبت لي يمين البائع الأوّل أم لا؟ وإن ثبت لي يمين فما صفتها هل تكون على البتّ فيحلف لقد بعته بريئاً من العيب أو من هذا العيب أم على نفي العلم؟
الجواب: أمّا إذا خرج من يد المشتري ثم ردّ عليه بعيبٍ فلا ردّ له ولا أرش بعد خروجه عن يده، لكن متى قامت بيّنة البائع الثّاني الذي خرج عن يده أنّ ذلك العيب كان موجوداً عنده قبل بيعه ردّ عليه ومع عدمها عليه اليمين لقد بعته ما علمت به عيباً.
الحادية والعشرون: الحائط الذي بين جارين إذا جهلت حاله هل الأصل فيه الاشتراك أم عدم الاشتراك فلا يصحّ لوليّ اليتيم ووكيل الغائب إخراج شيءٍ من مالهما في بناء الجدار الذي بينهما وبين جارهما حتّى يحضر الغائب ويرشد الصّغير، أو يكون في بنائه مصلحة أو إزالة ضرر عهما؟
الجواب: أمّا الحائط المشترك الذي بين ملكين فإن علم ملكه لهما فغنمه وغرمه لهما، وإن لم يعلم، فإن قامت بيّنة للمدّعي اشتركا على ما
(1/516)
________________________________________
ثبت بالبيّنة وإلاّ كان الأصل عدم الاشتراك.
الثّانية والعشرون: الوثيقة إذا لم يحكم بصحّتها كاتبها هل يصحّ العمل بها أم لا يصحّ؟ وإذا لم يستوعب جميع الشّروط في البيع والهبة وغيرهما أيصحّ العمل بها أم لا يصحّ ولو حكم بصحّتها لعدم استيعاب جميع الشّروط؟
الجواب: الوثيقة إن علم أنّها خط رجل من أهل العلم وهي على عقدٍ صحيحٍ صحّ ذلك ووجب العمل بذلك إذا كملت الشّروط أو ذكر الفقيه معنى ذلك نحو قول الكاتب: عقد صحيح، أو بالشّروط المعتبرة أو نحو ذلك.
الثّالثة والعشرون: إذا دفعت جلد الأضحية لقريبٍ أو صديقٍ لي غني على طريق الإباحة والانتفاع لا على طريق التمليك، فهل يصحّ الدّفع إليه على هذا المنوال وينتفع به كما أنتفع أنا ولا يصحّ له بيعه؛ لأنِّي لم أدفعه له إلاّ لينتفع به أم لا يصحّ دفعه مطلقاً؟
الجواب: أمّا جلد الأضحية فانتفاع القريب ونحوه به مع غناه جائز لكون الدّافع أقامه مقامه فله أن ينتفع ويَمنع مما أنت ممنوع منه كالبيع ونحوه من المعاوضات.
الرّابعة والعشرون: إذا حصل من النّخل الموقوف على غير معيَّن كالإمام والمدِّرس ونحوه غلة تبلغ نصاب الزّكاة، فهل تجب الزّكاة على مستحقّه أم لا؟
الجواب: أمّا النّخل الموقوف على غير معيّن كالإمام والمؤذّن فالثّمرة الحاصلة من ذلك لا زكاة فيها لتصريحهم في كتاب الزّكاة أنّها لا تجب في غلة الموقوف على غير معيّن، وجدك ـ رحمك الله ـ يقول الإمام ونحوه يملك الثّمرة بالظّهور، فإذا حصل منها له نصاب زكّاه. هذا قوله ـ رحمه الله ـ فجعله كالموقوف على معيّن وصريح كلامهم يخالف ذلك.
(1/517)
________________________________________
الخامسة والعشرون: الكيّ في المركوب وغيره من الحيوان هل هو عيب مطلقاً أم إن نقص القيمة فهو عيب وإلاّ فلا؛ لأنّهم ذكروا أنّه عيب وأطلقوا؟
الجواب: أمّا الكي في الفخذ والبطن ونحوه مما لا ينقصه عند التّجار فليس بعيب، وإن كان مما ينقصه كالكي على المفاصل ونحوها فعيب، وحاصله ما نقصه في العرف فعيب وما لا فلا.
السّادسة والعشرون: إذا انهدم حائط داري أو غيره من غير آفة حصلت له لكن من نفسه أو من آفة سماوية وحصل في ملك إنسانٍ أو في طريق نافذ وأضرّ بالمسلمين فهل يلزمنِي إزالته أم لا يلزمنِي لحصوله بغير تفريط منِّي؟ وهل إذا انقطع الحائط أو تعيب أسه فتركت هدمه وإصلاح أسه تمادياً ولم أطالب بنقضه حتّى سقط فهل يكون ذلك تفريطاً منِّي فيلزمنِي إزالته أم لا؟
الجواب: أمّا إذا انهدم الجدار لم يكن هدمه من مكلّف فصار في الطّريق أو في ملك الغير لم يلزم مالكه إزالته، وأمّا إذا مال الحائط أو انشقّ طولاً أو عرضاً لم يلزم صاحبه أيضاً ما تلف به ولا إزالة انقاضه من ملك الغير والطّريق، وسواء طولب بنقضه أم لا. قال في الإنصاف على الصّحيح من المذهب. وفي رواية ذكرها في الإقناع أنّه متى طولب بنقضه ولم يفعل ضمن، والأوّل المذهب، أي عدم الضّمان ولو طلوب بالنّقض، وكلّ التّفريع في الإقناع وغيره على هذه الرّواية، والمذهب عدم اللّزوم ولو طولب بالنّقض.
السّابعة والعشرون: جريد النّخل الموقوف اليابس والمصفر وكربه
(1/518)
________________________________________
وليفه هل هو نماء فيجوز للموقوف عليه أخذه أم لا يصحّ فيصير حكمه حكم عين الوقف؟
الجواب: أمّا سعف النّخل وجريده اليابس وليفه الذي لا يضرّ وفرخه النّابت بعد الوقف فغلة لا إشكال فيها، صرح بذكر الفرخ منصور في باب الغصب من شرح الإقناع. والله أعلم.
الثّامنة والعشرون: إذا دفعت فطرة زوجتِي أو ولدي أو من يلزمنِي فطرته إلى قريب لي محتاج لكن أنا أرثه لو يموت، فهل يصحّ هذا الدّفع أم يكون حكم فطرتهم حكم فطرتِي بنفسي فلا يصحّ الدّفع إليه؟
الجواب: أمّا إقامة الفطرة مقام الزّكاة فلا يجوز دفع ما يلزمك من الفطرة لزوجتك ونحوها إلى مَن أنت ترثه بفرض أو تعصيب فحكمها حكم فطرة نفسك.
التّاسعة والعشرون: هل يجوز إخراج الفطرة من التّمر المعجون أو الضّميد إذا أخرجت الواجب بيقين؟
الجواب: إخراج الفطرة من التّمر المعجون أو الضّميد أو العبيط إذا أخرج ما يتيقن أنّه صاع نصّ على جواز إخراج الفطرة من مليح التّمر.
الثّلاثون: إذا كان هنا أرض وقف على الصّوام يوضع في المسجد وغلتها عيش وله أيضاً نخل وقف على الصّوام وقصر التّمر عن إتمام الشّهر وصار التّمر ما يكفي رمضان كلّه، فهل يصحّ بيع العيش ويشتري بثمنه تمراً يوضع في المسجد أم لا يصحّ بيعه بل يوضع فيه ويؤكل بنفسه، والتّمر أنفع للصّوام كما لا يخفى عليك؟
الجواب: أمّا بيع الغلة البر الموقوف بتمر فجائز سيما إذا كان أنفع.
(1/519)
________________________________________
الحادية والثّلاثون: إذا وجد كتاب فقهٍ أو تفسيرٍ أو حديثٍ مع قطاع الطّريق فهل يصحّ لي شراؤه مثل المصحف ويصير استنقاذاً أم لا يصحّ ويصير حكمه حكم سائر الأموال أم كيف الحكم؟
الجواب: كتاب الفقه والتّفسير والحديث مع قطاع الطّريق فحكمه حكم المصحف. والله أعلم.
تَمَّت في 10 شوّال 1343هـ.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وله ـ رحمه الله ـ جواب عن سؤالٍ ولم يذكر النّاسخ السّؤال:
وأمّا إذ كان لرجلٍ على رجلٍ دَيْنَان: دَينٌ من ثمن نخل، ودَين من ثمن أرض مثلاً، أوفَى الغريم مدينه أحد الدَّينين، وقال له المدين: أنا برئ. قال الغريم أنت برئ، وشهد على البراءة شاهدان ثم قال المبرأ: ما أبرأتك من جميع الدَّين وإنّما أبرأتك من ثمن النّخل دون ثمن الأرض مثلاً، وأنت تعلم، فهل إذا شهد شاهدان على البراءة يكون عليه يميناً بالله لقد برئت ذمّتِي وما علمت أنّك غالط ولا ناس والله ليس في ذمّتِي لك شيء لا من ثمن الأرض ولا غيرها؟
فاعلم، أنّ المبرئ إذا ادّعى على المبرأ علم الغلط في البراءة فله يمينه، ولو كان معه شاهدان أو أكثر لقد برئت ذمّتِي وما علمت أنّك غالط ولا ناس، وأنّه ليس في ذمّتِي لك شيء لا من ثمن الأرض ولا غيرها. والله أعلم.
مسألة: وأمّا إذا وقف زيد على عمرو مثلاً عقاراً ثم على أولاده وشكّ هل الواقف أراد أولاده أو أولاد الموقوف عليه، فإن قامت لأولاد
(1/520)
________________________________________
الموقوف عليه بيّنة أنّ الواقف أراد الوقف عليهم بعد أبيهم فلا كلام وإلاّ فمع الشّكّ في هذا اللّفظ وجود قول الواقف ثم على أولاده كعدمه ويكون الوقف على الموقوف عليه فقط لا على أولاده مع عدم بيّنتم، فإذا مات الموقوف عليه انصرف إلى عصبة الواقف نسباً. والله أعلم.
فصل: ولا يستحبّ للرجل في الصّلاة شد وسطه بمنديلٍ أو منطقةٍ ونحوها، نصّ عليه ويكره للمرأة. وقال ابن عقيل: يكره الشّدّ بالحياصة وعن أحمد ـ رحمه الله ـ يكره لبس المنطقة في الصّلاة وغيرها ويحرم إسبال الثّوب والعمامة وغيرهما خيلاً، وإن فعل ذلك لحاجة من ستر ساق قبيح ونحوه فلا بأس، والسّنة في الإزار والقميص ونحوه من نصف السّاق إلى الكعبين ويكره ما نزل عن ذلك أو ارتفع عنه نصّ عليه. وقال أبو بكر: يستحبّ أن يكون قميص الرّجل إلى الكعب أو إلى شراك النّعل وطول الإزار إلى مداق السّاقين، قال وقيل: إلى الكعبين، ويزيد ذيل المرأة على ذيله ما بين الشّبر إلى الذّراع.
قال السّامري: هذا في حقّ مَن يمشي بين الرّجال كنساء العرب فأمّا نساء المدن فذيلها كذيل الرّجل ـ إلى أن قال ـ: باب اجتناب النّجاسة في البيوت وموضع الصّلاة، طهارة بدن المصلّي وثيابه وموضع صلاته من النّجاسة غير المعفو عنها واجب وفي اشتراطه روايتان، فمتى حملها أو لاقها موضع صلاته بشيء من بدنه أو ثيابه لم تصحّ صلاته.
وذكر ابن عقيل في سترته المنفصلة عن ذاته إذا وقعت حال سجوده على نجاسة احتمالاً أنّ صلاته لا تبطل، فإن لصق ثوبه بثوبٍ نجَس على إنسان أو بحائط نجَس ولم يستند إليه فوجهان، وإن لصق حال قيامه أو
(1/521)
________________________________________
ركوعه أو سجوده بجدار نجَس مستنداً إليه لم يصحّ، ولو قابل بدنه حال ركوعه أو سجوده فوجهان: الصّحّة والبطلان، وإذا سقطت عليه نجاسة ثم زالت أو أزالها في الحال لم تبطل صلاته، ولو حمل قارورة مسدودة فيها نجاسة بطلت صلاته، ولو حمل طائراً طاهراً لم تبطل، وإذا ذهب أثر النّجاسة على الأرض بريح أو شمس لم تطهر كما لو وقع ذلك في غيرها، وخرج بعض أصحابنا الطّهارة بذلك على التّطهير بالاستحالة ومَن رأى عليه نجاسة بعد الصّلاة ويعلم أنّها لم تكن في الصّلاة فصلاته صحيحة. وذكر القاضي في التّبصرة وجهاً آخر أنّها تبطل، وإن علم أنّها كانت في الصّلاة لكن جهلها أو نسيها حتّى صلى أو عجز عن إزالتها فلا إعادة عليه، وعنه يلزمه الإعادة. قال القاضي: يجب مع النّسيان رواية واحدة. وإن علم بالنّجاسة في أثناء الصّلاة إلى أن قال: فإن كانت النّجاسة رطبة أو ماء وجهاً واحداً، ومتى صلّى ففي الإعادة روايتان.
وذكر القاضي رواية أنّه لا يصلّي تخريجاً، وإذا خفي موضع النّجاسة من الثّوب أو البدن غسل ما يعلم به طهارته وكذا حكم البقعة الصّغيرة، وإن اشتبه موضع النّجاسة من الصّحراء صلّى حيث شاء، فإن طيَّن الأرض النّجسة أو بسط عليها شيئاً طاهراً ثم صلّى كره له ذلك في أصحّ الرّوايتين، وفي صحّة صلاته روايتان. وكذا لو صلّى على بساط على باطنه نجاسة لم تنفذ إلى ظاهره.
واختار ابن أبي موسى إن بسط على نجاسة رطبة لم تصحّ، وإن كانت يابسة صحّت، ولو بسط على الأرض الغصب ثوباً له وصلّى عليه لم تصّح، ولو كان له علو وسفل فصلّى في ملكه مع غصبه السّفل صحّت صلاته.
(1/522)
________________________________________
وفي باب صفة الأئمة قوله: والجواز للإمام الأعظم خاصّة. وإذا أقيمت الصّلاة وهو في المسجد والإمام مِمَّن لا يصلح فإن شاء صلّى خلفه وأعاده، وإن شاء صلّى وحده إلى أن قال في الباب الآخر: قوله: فإن كبر عن يمينه وجاء آخر فإنّه يكبّر معه ويخرجان إلى وراء الإمام، فإن كبّر الثّاني عن يساره أخّرهما الإمام بيده إلى ورائه ولا يتقدّم الإمام إلاّ أن يكون وراءه ضيّقاً. وإن أدركهما في التّشهّد كبّر وجلس عن يمين صاحبه أو عن يسار الإمام. انتهى.
هذه رسالة للشّيخ عبد الوهّاب بن الشّيخ سليمان بن عليّ:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن أحمد بن سحيم إلى جناب الأخ في الله الشّيخ المكرّم عبد الوهّاب بن الشّيخ سليمان بن عليّ سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فالمرجو من إحسانكم تكتب لنا جواباً عن أحوال هؤلاء الفقراء الْمُنكرة من أخذهم النّار وضربهم أنفسهم بالحديد ونطوطهم من السّطوح ولعبهم بذكر الله حتّى إنّهم يفعلونه كالنّبح والمسؤول من جنابك أن تطيل لي الكلام في ذلك. والسّلام.
وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت من أمر هؤلاء الشّياطين الفسقة الذين يسمّون أنفسهم الفقراء فاعلم يا أخي أنّ هؤلاء شياطين وأنّ أفعالهم منكرة بل، والعياذ بالله بعض أفعالهم كفر ولا شكّ ولا ريب عند مَن له أدنى عقل ومسكة في الدِّين أنّهم منافقون أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من أفعالهم.
(1/523)
________________________________________
وأمّا دخولهم النّار ونطوطهم من السّطوح وضربهم أنفسهم بالحديد.
فاعلم أنّ منشأ البدعة من المجوس والصّابئين الكافرين بالله ورسوله وقوم من المجوس يسمّون الزّطّ يدخلون النّار ولا يحسّون بها ويضربون أبدانهم بالحديد ويحمون الحديد حتّى يحمي ويضعونه على أبدانهم ولا يحسّون بذلك، ومن هؤلاء مَن يطير في الهواء، ومنهم مَن يركز الرّمح ويرقي عليه ويجلس على الحربة ويحدّث النّاس ولا يحسّ بذلك. ومنهم مَن يمضي له عشرة أيّام وأقلّ وأكثر ولا يأكل شيئاً من الطّعام. ومنهم مَن يخاطب من الهوى يسمعون الحسّ ولا يرون الشّخص. ومنهم مَن يظهر له الكشف عن أحوال بعض النّاس الخفية ويخبر بذلك، وكلّ هذه الشّعبذة من المنكرات وأحوال شيطانية.
وأمّا ضربهم بالسّلاح ولا يحسّون بذلك فاعلم يا أخي أنّهم ليسوا بأفضل من الأنبياء، فإنّ أنباء بني إسرائيل قتلهم فساقهم، منهم زكريا ـ عليه السّلام ـ نشر بالمنشار وزهقت نفسه، ويحيى بن زكريا قتل وقطع رأسه، والنَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ شجّ رأسه وكسرت رباعيته، ولا يخفاكم مَنْ قُتِلَ مِن أصحابه. أفترون هذا الفاسق الزّنيم الذي يسمّونه الذّيخ عنيد وأضرابه من الفاسقين أفضل من الأنبياء؟ ومن أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ؟ وهل يشكّ عاقل يعزّ عليه دِينه في أنّ هذه أمور شيطانية، فإنّ أحدهم إذا لبسه الشّيطان فعل ما أراد من دخول النّار والنّطوط من السّطوح والإخبار بالمغيّبات.
وسلِّم لي على الشّيخ عثمان بن عبد الله بن شبانة، والشّيخ عبد القادر العديلي وسائر الإخوان.
واعلموا أنّ أهل حرمة وأضرابهم الذين اتّبعوا هذا الشّيطان أتباع كلّ ناعق وأنّ مَن حضرهم منهم أو جادل عنهم أو قال: إنّ لهم أشياء مستحسنة فلا يصلّى خلفه، ولا تقبل شهادته. واعملوا أنّه حرام
(1/524)
________________________________________
عليكم قبول شهادتهم الصّلاة خلفهم.
وأمّا نسبة هؤلاء الشّياطين الفاسقين المعلنين ذلك إلى الشّيخ عبد القادر الجيلاني فحاشاه من ذلك، وهو من كبار العلماء، ومن أولياء الله، وكتبه وتصانيفه عندنا لم يعرف أنّه أمر بذلك ولا ضرب أحد عنده بدفّ ولا ضرب أحد نفسه عنده بدبوس أو نطّ من شيء عال، ولو رآهم لقاتلهم على ذلك، وقيل لنا: إن صحّ إنّ شخصاً من أهل حرمة رأى في المنام أنّ شيطاناً على سرير يحمله شياطين، وأنّه قال: أنا عبد القادر، وأنّ مَن تعرّض لفقرائنا مات، وهذا لا شكّ أنّه من الفاسقين الكاذبين. فالله الله في إنكار ذلك يا إخوانِي، والتّحذير عنهم، وإنكار هذه المنكرات باليد واللسّان، ولولا ضيق الورقة لذكرنا كثيراً من كلام العلماء وإنكارهم لذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
انتهى القسم الثّاني
(من الجزء الأوّل من مجموعة الرّسائل والمسائل النّجدية)
(1/525)
________________________________________
عليكم قبول شهادتهم الصّلاة خلفهم.
وأمّا نسبة هؤلاء الشّياطين الفاسقين المعلنين ذلك إلى الشّيخ عبد القادر الجيلاني فحاشاه من ذلك، وهو من كبار العلماء، ومن أولياء الله، وكتبه وتصانيفه عندنا لم يعرف أنّه أمر بذلك ولا ضرب أحد عنده بدفّ ولا ضرب أحد نفسه عنده بدبوس أو نطّ من شيء عال، ولو رآهم لقاتلهم على ذلك، وقيل لنا: إن صحّ إنّ شخصاً من أهل حرمة رأى في المنام أنّ شيطاناً على سرير يحمله شياطين، وأنّه قال: أنا عبد القادر، وأنّ مَن تعرّض لفقرائنا مات، وهذا لا شكّ أنّه من الفاسقين الكاذبين. فالله الله في إنكار ذلك يا إخوانِي، والتّحذير عنهم، وإنكار هذه المنكرات باليد واللسّان، ولولا ضيق الورقة لذكرنا كثيراً من كلام العلماء وإنكارهم لذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
انتهى القسم الثّاني
(من الجزء الأوّل من مجموعة الرّسائل والمسائل النّجدية)
(1/525)
________________________________________
القسم الثّالث من الجزء الأوّل
مجموعة الرّسائل والمسائل النّجدية
رسائل وفتاوى الشّيخ حمد بن ناصر بن معمر
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وبه نستعين، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
مسائل:
الأولى: ما قول العلماء ـ رضي الله عنهم ـ فيمَن صلّى خلف الإمام، ما حكمه؟
الْجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: السّنة أن يقوم المأمومون خلف الإمام، فإن كان واحداً صلّى عن يمينه، فإن كانت معهم امرأة قامت خلفهم، فإن وقف المأموم قدام الإمام لم تصّح صلاته، وإن وقف الرّجل خلف الصّفّ أو خلف الإمام لم تصحّ صلاته.
الثّانية: هل تصحّ صلاة مَن أخلّ بإعراب الفاتحة أم لا؟
(1/526)
________________________________________
الْجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: يلزم القارئ أن يقرأ الفاتحة مرتّبة مشدّدة غير ملحون فيها لحناً يحيل المعنى نحو أن يقول: (أَنْعَمْتُ) برفع التّاء، فإن فعل لم يعتد بقراءته إلاّ أن يكون عاجزاً وهذا مذهب الشّافعي، فإن كان لحن فيها لحناً لا يحيل المعنى، نحو أن يكسر النّون لم تبطل صلاته.
الثّالثة: إذا صلّى مَن في بدنه أو ثوبه نجاسة نسيها أو لم يعلم بها إلاّ بعد انقضاء صلاته هل يعيدها أم لا؟
الْجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: هذه المسألة فيها روايتان عن أحمد: إحداهما: لا تفسد صلاته. وهو قول ابن عمر وعطاء، لحديث النّعلين، وفيه:"يصلّي بأصحابه إذا خلع نعليه إلى أن قال: إنّ جبريل أتانِي فأخبرنِي أنّ فيهما أذى".رواه أبو داود، ولو بطلت لاستأنفها.
والثّانية: يعيد، وهو مذهب الشّافعي، فإن علم بها في أثناء الصّلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثيرٍ كخلع النّعال والعمامة ونحوها أزالها وبنى على ما مضى من صلاته وإلاّ بطلت.
الرّابعة: إذا صلّى الإمام محدثاً جاهلاً هو والمأمومون حتّى سلّموا ما حكم صلاتهم؟
الْجواب ـ وبالله التّوفيق ـ: صلاتهم صحيحة دون الإمام؛ فإنّه يعيد. روي عن عمر وعثمان عليّ ومالك والشّافعي، وإن علمه في الصّلاة بطلت وأعادها.
الخامسة: إذا كان في أعضاء الوضوء نجاسة أو في بدن الجنب نجاسة فزالت بغسل مَن نوى غسل الجنابة ولم ينو إزالتها هل تزول أم لا بدّ من النّيّة؟
الجواب: غسل الجنابة لا يفتقر إلى النّيّة بل متى زالت النّجاسة بالماء طهر المحلّ؛ لأنّها من باب التّروك بخلاف الأوامر فإنّها تفتقر إلى النّيّة لقوله ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ:"إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى".الحديث لكن عليه أن يزيل النّجاسة عن أعضائه وعن بدنه قبل الغسل.
السّادسة: إذا توضّأ الإنسان لمشروع كالنّافلة وصلاة الجنازة لم ينو به الفرض هل يصلّي به الفرض أم لا؟
(1/527)
________________________________________
وجهها في غير الصّلاة بغير خلاف، والأمة إذا عتقت فهي حرّة.
الحادية عشرة: ما حكم الكلام عند الأذان والإقامة وتلاوة القرآن والكلام عند الجماع؟
الجواب: قال في الشّرح: يستحبّ لِمَن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذّن إلاّ في الحيعلة فإنّه يقول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وهذا مستحبّ لا نعلم فيه خلافاً. ثم يقول: اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة آت محمّداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته. رواه البخاري. وقال بعض العلماء: كذلك عند الإقامة.
وأمّا الكلام عند تلاوة القرآن فقال النّووي في كتابه: (التّبيان) ويتأكّد الأمر باحترام القرآن من أمور، فمنها: اجتناب الضّحك واللّغط والحديث في خلال القرآن إلاّ كلام يضطرّ إليه ويتمثل لأمر الله. قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، [الأعراف: 204] .أي: اسكتوا، وعن عمر أنّه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلّم حتّى يفرغ مما أراد أن يقرأه. انتهى.
وأمّا الكلام حال الجماع فيكره كثرة الكلام حال الوطء، قيل: إنّه يكون منه الخرس والفأفاء.
الثّانية عشرة: هل ينادي الشّخص والديه بأسمائهم، أو قرابته أم هو من العقوق؟
الجواب: قال في (كتاب الأذكار) : باب نهي الولد، والمتعلّم والتّلميذ أن ينادي أباه، أو معلّمه، أو شيخه باسمه. رويناه في كتاب ابن السّنِي عن أبي هريرة أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ رأى رجلاً معه غلام، فقال:"يا غلام مَن هذا؟ "
(1/529)
________________________________________
قال: أبِي. قال:"لا تَمْش أمامه، ولا تستبر له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه".
قلت: معنى"لا تستبر له"، أي: لا تفعل فعلاً تتعرّض فيه إلى أن يسبك زجراً وتأديباً على فعلك القبيح.
وروينا فيه عن عبد الله بن زحر قال: كان يقال من العقوق أن تدعو أباك باسمه، وأن تشمي أمامه في الطّريق. انتهى.
وأمّا القرابة غير الوالدين فلا أعلم بندائهم بأسمائهم بأساً.
الثالثة عشرة: هل يجوز التّفرقة بين المملوكة وولدها في البيع أم لا؟
الجواب: لا يجوز التّفريق بين ذوي رحم محرّم قبل البلوغ لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"مَن فرَّق بين والدة وولدها فرّق بينه وبين أحبّته يوم القيامة".حديث حسن.
الرّابعة عشرة: هل يفتقر غسل النّجاسة إلى عددٍ أم لا؟
الجواب: أمّا نجاسة الكلب والخنْزير وما تولد منهما إذا أصابت غير الأرض فيجب غسله سبعاً إحداهن بالتّراب سواء من ولوغه أو غيره؛ لأنّهما نجسان وما توالد منهما؛ لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً".متّفق عليه. ولمسلم:"أولاهن بالتّراب".
وأمّا النّجاسة على الأرض فيطهرها أن يغمرها في الماء، ويذهب عينها ولونها لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"صبوا على بول الأعرابي ذَنوباً من ماء".متّفق عليه. وأمّا باقي النّجاسات ففيه عن أحمد ثلاث روايات: الأولى: تغسل سبعاً. والثّانية: ثلاثاً. والثّالثة: تكاثر بالماء حتّى تذهب عينها ولونها من غير عددٍ لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" اغسليه بالماء ".ولم يذكر عدداً، وهو مذهب الشّافعي واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المفتى به عندنا.
الخامسة عشر: إذا تكلّم المصلّي في نفس الصّلاة أو تنضح هل تبطل صلاته أم لا؟
(1/530)
________________________________________
الجواب: إن تكلّم فيها عمداً لغير إصلاحٍ بطلت بالإجماع وإن تكلّم ناسياً أو جاهلاً بتحريمه لم تبطل في إحدى الرّوايتين عن أحمد، وهو مذهب الشّافعي، لحديث معاوية بن حكيم حيث تكلّم في صلاته ولم يأمره بالإعادة، وكذلك إن تنحنح لم تبطل، وقيل: إن بان حرفان بطلت.
السّادسة عشرة: هل يحل عرض أحدٍ من المسلمين أم لا؟
الجواب: الغيبة محرّمة بالإجماع، وهي ذكرك أخاك بما يكرهه لو كان حاضرأ. ويباح منها ستة أسباب:
الأوّل: التّظلّم فيجوز للمظلوم أن يقول لِمَن له قدرة: فلان ظلمنِي، أو فعل بِي كذا ونحو ذلك.
الثّاني: الاستعانة على تغيير المنكر وردّ العاصي إلى الصّواب، فيقول لِمَن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه.
الثّالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمنِي أبي، أو أخي، أو فلان بكذا، ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة.
الرّابع: تحذير المسلمين من الشّرّ ونصيحتهم، فمنها: جرح المجروحين من الرّواة والشّهود، ومنها: إذا تشارك إنسان في مصاهرة أو معاملة ونحو ذلك فيجب عليك أن تذكر له ما تعلم منه على وجه النّصيحة. ومنها: إذا رأيت مَن يشتري سلعة معيبة فعليك أن تبيّن للمشتري، وهذا على كلّ مَن علم بالعيب وجب عليه تبيانه.
الخامس: أن يكون مجاهراً بالفسق أو ببدعة، كالمجاهرة بشرب الخمر وخيانة الأموال ظلماً وتولي الأمور الباطلة فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلاّ أن يكون لجوازه سبب آخر.
السّادس: التّعريف إذا كان الإنسان معروفاً بلقبٍ كالأعرج
(1/531)
________________________________________
والأعمى ونحوهما، جاز تعريفه بذلك بنيّة التّعريف لا التّلقيب.
فهذه السّتة ذكرها العلماء مما تباح الغيبة، ودلائلها مشهورة في الأحاديث.
تَمَّت فرحم الله مَن نظر فيها، وأصلح خلل ألفاظها ومعانيها بعد التّحقيق، فإنّ الإنسان لا يعصم من الخطأ والنّسيان.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
- 2 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخوان: جمعان ومرزوق حفظهما الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط أوصلكما الله إلى رضوانه. والمسائل وصلت لكن إحدى الورقتين ضاعت قبل النّظر فيها. والجواب عنها، وهذا جواب الموجودة:
المسألة الأولى: في الخلية والبرية والبائن في الكنايات في الطّلاق، هل تقع ثلاثاً أم واحدة؟
فهذه المسألة اختلف الفقهاء فيها، وأكثر الرّوايات عن أحمد كراهة الفتيا في هذه الكنايات الظّاهرة مع ميله إلى أنّها ثلاث. وحكى ابن أبي موسى عنه روايتين: إحداهما: أنّها ثلاث. والثّانية: يرجع إلى ما نواه. وهو مذهب الشّافعي. قال يرجع إلى ما نوى، فإن لم ينو شيئاً وقعت واحدة. واحتج بحديث ابن عبد يزيد، وقال الثّوري وأصحاب الرّأي إن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن نوى ثنتين أو واحدة وقعت واحدة ولا تقع اثنتين. وقال ربيعة ومالك يقع بها الثّلاث. وإن لم ينو إلاّ في خلعه أو قبل الدّخول، فإنّها تطلق واحدة. لأنّها تقتضي البينونة وهي تحصل في الخلع وقبل الدّخول بالواحدة وفي غيرهما تقع الثّلاث. فهذه مذاهب الأئمة في هذه المسألة. والله أعلم.
(1/532)
________________________________________
وأمّا المسّالة الثّانية: إذا ملّك الزّوج امرأته أمرها بأن قال لها: أمرك بيدك؟
فالمشهور أنّ القضاء ما قضت، فإن طلّقت نفسها ثلاثاً وقع، وإن نوى أقلّ منها. يروى ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عبّاس. وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والزّهري، وروي عن عمر وابن مسعود أنّها طلقة واحدة. وبه قال عطاء ومجاهد والقسم وربيعة ومالك والشّافعي. قال الشّافعي: القول قوله في نيّته. وعن أحمد ما يدلّ على ذلك، وأنّه إذا نوى واحدة فهي واحدة.
المسألة الثّالثة: أنت عليّ كظهر أمِّي أعنِي به الطّلاق؟
فهذا لفظ الظّهار لا يكون طلاقاً، ولو نوى به الطّلاق أو صرّح به، ويكون عليه كفارة ظهار.
المسألة الرّابعة: هل العارية مضمونة وإن لم يشترط المعير الضّمان؟
فالمسألة فيها خلاف مشهور1.
على الظّن أنّا لم تقع وكثير منها عبارات تنقل من بعض الكتب، ويحملنا هذا على التّغافل عن الجواب. وترى ودي أنّكم ما تسألون إلاّ عن الواقع، وأيضاً لا تكثروا عدد المسائل فإنّ الطّول يملّ ولا يأيتكم على المسائل الكثيرة جواب يشفي، فإذا قلت المسائل وصارت من المسائل الواقعة فهو أحرى بسرعة الجواب وبسطه بدليله وتعليله وأنتم في حفظ الله وأمانه. والسّلام.
وبقي مسألة وهي هل يعتبر في البيّنات كثرة العدد واشتهار العدالة أم لا؟
قال في المغني: ولا ترجح إحدى البيّنتين بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة.
__________
1 هنا بياض في الأصل.
(1/533)
________________________________________
وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعي. ويتخرّج أن ترجح، وهو قول مالك؛ لأنّ الشّهادة إنّما اعتبرت لغلبة الظّنّ بالمشهود به، وإذا كثر العدد أو قويت العدالة كان الظّنّ أقوى.
ولنا أنّ الشّهادة مقدرة في الشّرع فلا تختلف بالزّيادة كالدّية فصار الحكم متعلّقاً بها دون اعتبار الظّنّ، ألا ترى أنّه لو شهد النّساء منفردات لا تقبل شهادتهن، وإن كثرن حتّى صار الظّنّ بشهادتهن أغلب من شهادة الذّكرين، وعلى هذا لا يرجّح شهادة الرّجلين على شهادة الرّجل والمرأتين في المال؛ لأنّ كلّ واحدةٍ من البيّنتين حجّة في المال، فإذا اجتمعا تعارضا، فأمّا إن كان لأحدهما شاهدان وللآخر شاهد فبذل يمينه معه ففيه وجهان: أحدهما: يتعارضان. والثّاني: يقدّم الشّاهدان؛ لأنّهما حجّة متّفق عليها، والشّاهد واليمين مختلف فيها. وهذا الوجه أصحّ إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه رحمه الله. والله أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
الخط وصل وصلك الله إلى رضوانه.
وأمّا ما ذكرت من المسائل فمن جهة تقدير نصاب الذّهب في الزّكاة فالنّصاب عشرون مثقالاً وحررناه تقريباً سبعة وعشرين زراً بزرور النّاس العابرة بينهم اليوم، ونصاب الفضّة مئتا درهم وحررناها أحد وعشرين ريالاً من ريالات النّاس التي يعاملون بها اليوم وهي من الجدد قدر مائة جديدة تزيد قدر خمس جدد، فإذا صار عند المسلم من هذا
(1/534)
________________________________________
ما ذكرنا زكّاه إذا حال عليه الحول، ونصاب العيش قدر مائتين وستّين بصاع العارض.
وما سألت عنه من صفة الخل، فيذكر أهل العلم أنّه يعمل من التّمر أو العنب أو غيرهما، ويطرح فيه ملح أو شيء حامض حتّى لا يتخمّر ويذكرون أنّ هذا صفة الخل المباح. وعندنا ناس يعملونه على ما ذكرنا لك.
وأمّا علامة القطنية فإذا غطيت بخرقة قطن أو صوف وخيطت عليها من داخل العبات ومن ظاهرها فلا بأس؛ لأنّها تصير حشواً، وما ذكرت من جهة الذي يفوته ركعتان من المغرب فهو إذا قام يقضي صلّى ركعة وجلس وتشهّد، ثم قام وصلّى الرّكعة الثّالثة. هذا هو الذي عليه العمل. والله أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما تقول السّادة العلماء الجهابذة الحكماء ورثة الأنبياء الأواخر والقدماء في مسائل سأل السّائل عنها وطلب ذلك من أهله من الباذلين له فضلاً، وتكرماً لا زالوا بعون الله مسدّدين بالقول والفعل، ومغفور لهم ما اجترحوه من الكبائر على الإطلاق واللمما، وقذف في قلوبهم من النّور السّاطع المذهب عنها الظّلم والظّلمة والعمي. وصلّى الله على أشرف الخلق مطلقاً عرباً وعجماً، وعلى آله وصحبه ما قهقه سحاب ومطرهما وحياهم بأكرم التّحيّات وسلماً فنقول:
الأولى: إذا زوّج ولي أو نحوه موليته وهو معلن بالظّلم في مال النّاس وغيره أو الشّاهدان وتاب مَن وجد ذلك فيه في مجلس العقد ولا نعلم ما في حقيقة قلبه، لكن الظّاهر منه طلبه صحّة ذلك، والحاصل من ذلك أنّ مظلمته التي عنده أو عليه لا يمكن ردّها في ذلك المجلس فهل
(1/535)
________________________________________
إذا كانت الحالة على هذه الصّفة يثبت النّكاح معها أم لا؟
الثّانية: إذا كنت ببادية أو نحوها واحتجت لِمَن أشهده على عقدٍ فالتمست عدلاً فلم أجده، فهل إذا اخترت مِمَّن أجد في نفسي ولو غير عدل لتعذر غيره وتكون شهادته مقبولة شرعاً أم لا؟
الثّالثة: إذا اشتريت خشب إثل ونحوه وهو قائم على أصله وشرطت على البائع إبقاءه في أرضه أو أطلقت فلم أشترط لكن أبقيته فلم اقطعه حتّى زاد فهل العقد والشّرط صحيحان أم باطلان أم الشّرط فقط؟
الرّابعة: إذا أوصى بشيء نحو حجّة في ماله فباع الوصي المال أو الوارث التّركة ولم تنفّذ الوصية وتعذر الرّجوع على البائع لإفلاسه أو نحوه، فهل تعيّن الوصيّة في التّركة التي وقع عليها عقد البيع كالدَّين فتلزم المشتري أم تبطل الوصية؟
الخامسة: إذا رهن إنسان عند إنسانٍ رهناً وقال: أنا مقبضك هذا في دَينك فقبضه ولم يزد في الإيجاب على هذه الكلمة، فهل إذا وقع الإيجاب على هذا المنوال يثبت عقد الرّهن أم يلغى؟
السّادسة: إذا كان رجل موصى على يتيم أو نحوه وليس للموصى مسكن يسكن فيه ولليتيم بيت وسكنه الموصى بزوجته مع اليتيم وليس بفقيرٍ، فهل حكم سكناه هذه كسكنى الغاصب في الإثم وامتناع صحّة الصّلاة منه ومن نحو زوجته أم لا؟
السّابعة: ليف النّخل الموقوف ومزقه وجماره وخشبه وسعفه ونحو ذلك، هل هو نماء فيستحقّه مستحقّ النّماء أم لا؟
الثّامنة: هل يسوغ التّقليد في نحو عقدٍ واحدٍ، أو صلاةٍ واحدةٍ،
(1/536)
________________________________________
أو في مسألتين لنحو إمامين كالشّافعي وغيره في نحو أكل لحم الجزور وأبي حنيفة في نحو مسّ الذّكر أم لا؟
التّاسعة: إذا قتل نسان إنساناً ووجبت عليه الدّية وكانت محدّدة في اصطلاح النّاس حينئذٍ وليست بدية الشّرع الذي حدّه الشّارع فهل إذا سلّمها القاتل أو وارثه من بعده تامّة والورثة أي: ورثة المقتول فيهم نساء وضعفاء وفيهم عكسهم، فهل إذا فضل العكس بزيادة لخوف منه أو غير ذلك لكن هو من سبب القتل هل يشترك معه الباقون أم يختصّ به دونهم؟
العاشرة: إذا بعت لرجلٍ حديقة بمغنمها ومغرمها بجميع حدودها وحقوقها ولها مسيل أو نحوه وحصل في ذلك المسيل نحو رملٍ ليس بسبب أحد لكن بسبب السّيل والرّياح ونحوهما وربّما إنّه أو بعضه حصل على هذا السّبب أيّام ملكي لكن بغير فعلي، فهل إذا كان على هذا المنوال وأراد هو أي المشتري أو بعض شركائه إصلاح المسيل أو نحوه بإزالة رمل أو غيره، وطلب من البائع بعض الغرم أو جميعه لكون الرّمل أو بعضه حصل أيّام ملكه، فهل يمكن من ذلك شرعاً أم لا؟ لأنّ ذلك حصل بغير فعل أحدٍ فيكون حكم ذلك حكم أجزاء الأرض والأحجار التي فيها، ولكونه مالكاً أي المشتري حال نفعها فلزمه الغرم في مقابلة الغنم.
الحادية عشرة: إذا ساق إنسان إناساً على نخل بجزء من تمره بعدد أدوار معلومة وجذت الثّمرة قبل كمال الأدوار، فهل الخيرة في قيمة ما بقي من الأدوار إلى المالك فإن شاء أخذ قيمتها من الثّمرة أو زادهم أو غير ذلك من سقيه له بعد الجذاذ وغير ذلك أم هي إلى العامل أم كيف الحكم؟
الثّانية عشرة: إذا شهد شاهد أو تصرّف ولي فيما تعتبر العدالة فيه،
(1/537)
________________________________________
أي: فيما صدر منهما ثم حصل مشاجرة فأوجب الشّرع لصحّة الشّهادة وتصرّف الولي العدالة فيهما فهل يقبل على الخصم جرحهما نفسهما أنّهما حين صدور الشّهادة والتّصرّف منهما ليسا بعدلين أم لا يقبل جرحهما أنفسهما على الخصم المشهود له والمتصرّف له إذ الحق ثبت له أوّلاً بسببهما فلا يملكان إبطاله أيضاً أم كيف الحكم؟
الثّالثة عشرة: إذا كان ثم أرض موقوفة على معيّن واستحقّ إنسان ريعها في بعض الأزمنة فغارس المستحقّ للرّيع ذلك ونظره آخر بجزء من الغراس كنصفه أو ثلثه على حسب ما يتّفقان عليه، ثم بعد ما غرس العامل وثبت الغراس باع ذلك المغارس نصيب الأرض أي الجزء المشروط أو غيره من المستحقّين، فهل هذا البيع سائغ شرعاً أم لا؟ وهل إذا ساغ ثم حدث مستحقّ آخر يستحقّ الرّيع هل له على المشتري شيء سوى الأجرة، وهل حكم من حدث من أهل الوقف في جواز بيع ذلك الجزء المشروط لهم وعدمه لأحد أم لا؟
الرّابعة عشرة: إذا ساقيت رجلاً على حديقة لي فنضب ماء بئره ولا يمكن سقيه إلاّ من بئر آخر فكيف الحكم في ذلك؟
الخامسة عشرة: إذا كان لي مال من الأموال الزّكوية مطلقاً ويتعبني تنضيضه بالحساب أو تقويمه أو خرصه، فهل إذا استضررت واحتطت وأخرجت الفرض بيقينٍ يكفي ذلك أم لا بد من تحرير الحساب في التّقويم والخرص؟
السّادسة عشرة: إذا كان ثم مزبلة قد ملئت من الزّبالة وتعذر معرفة أربابها وربّما أنّ ضررها تعدّىعلى جيرانها، فهل يسوغ لرؤساء
(1/538)
________________________________________
البلد إجارتها وصرف تلك الأجرة على المصالح كالمؤذّن والمدرِّس ونحوهما أم لا؟
السّابعة عشرة: إذا أوصى إنسان آخر على أولاده يقوم بأمرهم ويحفظ مالهم حتّى يرشدوا وأوصى الموصي للوصي بنحو غلة عقاره إلى أن يرشد الأولاد، ثم بعد ما يرشدوا لا شيء له؛ لأنّ تلك الوصية في مقابلة قيامه بأمرهم وحفظ المال وغير ذلك، فهل إذا أرشد أحد منهم وطلب حصته من جميع غلة عقاره وقال للوصي: إنّ والدي لم يوص لك بذلك إلاّ في مقابلة عملك فيريد مَن أرشد منا وسقط عمله هو وماله عنك يسقط لك من الجزء المشروط بقدره. مثل ذلك: إذا كان للموصي ثلاثة بنين وأوصى للوصي بربع ماله فصحّ له ثلاثة من اثني عشر لكلّ ابن ثلاثة، فلمّا أرشد منهم واحد قال أريد سهماً من الثّلاثة التي في يدك؛ لأنّ عملك عليّ وعلى مالي قد سقط والثّاني كذلك، فهل ذلك لهم أم يستحقّه الموصى إليه حتّى يرشد آخرهم؟
الثّامنة عشرة: إذا قال رجل لزوجته: أنت شيخة روحك فقالت هو طلاقي ثلاثاً هكذا، فهل تبين بذلك أم لا يقع إلاّ بما حكى صاحب الإنصاف والإقناع وغيرهما عن صاحب الرّوضة؟
التّاسعة عشرة: إذا كان بينِي وبين شريكٍ لي نحو أربعة حيطان مشاعة بيننا فباع نصبه من آخر في الجميع صفقة واحدة ومن تلك الأربعة واحد أو اثنان على انفراد كلّ واحدٍ منهما تصحّ فيه الشّفعة لعدم الضّرر في القسمة وإجبار مَن امتنع عنها فيهما أو أحدهما، فهل يستحقّ الشّفيع أخذ ما لا ضرر في قسمته بقدره من الثّمن كما لو باع شقصاً وسيفاً؛ فإنّه
(1/539)
________________________________________
يأخذ الشّقص بقيمته. صرح به في الإقناع.
العشرون: إذا وهب إنسان مثله نخلاً أو أرضاً واستثنى غلة ذلك مدّة حياته أو مدّة معلومة، فهل تبطل الهبة والاستنثاء معاً أم تصحّ هي فقط ويلغى الاستثناء؟
الحادية والعشرون: إذا قال إنسان لآخر له عليه دراهم أو نحوها أنا مفضل لك مالي على فلان عن الذي لك عليَّ، فهل تكون هذه حوالة أم لا؟
الثّانية والعشرون: إذا كان بينِي وبين شريكٍ لي بئر وأراد أن يسقي عليها في نوبته على حمير أو نحوها ولا شكّ ولا ريب أنّهن ينجسن اللّزاء مصب الماء ومجاري الحبال، وذلك عندي وعنده وعند غيرنا حقيقة، فهل أمنعه عن ذلك أم لا؟
الثّالثة والعشرون: إذا دفعت إلى رجلٍ نقداً كان له عليّ فيما مضى ثم خرج عن يده ثم ردّ إليه بعيبٍ وأراد ردّه عليَّ ولم أعلم، هل هو إيّاه أم لا، فهل يمينِي له مع إنكاري على البت أم على نفي العلم؟
الرّابعة والعشرون: إذا اشتريت حيواناً أو متاعاً ووجدت به عيباً ونويت غير إشهاد بالمطالبة بالأرش واستعملته فهل أصدق بيمين في نيّتِي أم لا بدّ من الإشهاد وإلاّ لم أملك الرّدّ بعد ما استعملت المبيع؟
الخامسة والعشرون: إذا وضعت السّكين ونحوها في النّار وخرجت حامية وغمستها في ماء نجس أو قديت بها نحو خارجة إذا قد امتلئت قيحاً، فهل تطهر بعد ذلك أم لا؟
السّادسة والعشرون: إذا ادّعى إنسان على مورثه عيناً أو دَيناً في مرض ذلك المورث فتوجّهت عليه اليمين لعدم البيّنة فنكل، فهل تثبت
(1/540)
________________________________________
العين المدعاة أو الدَّين مع الحكم بنكوله أم لا للتّهمة؟
السّابعة والعشرون: إذا أوصى إنسان بوقف ثلث ماله أو وقفه في حياته وفي ذلك المال أثمان ومواشي وأواني وأثاث ومطعوم من نحو مكيل وموزون ونحو ذلك، فكيف العمل في ذلك؟
الثّامنة والعشرون: إذا اشترك رجل وآخرون في زرعٍ ونحوه وله أيضاً شركاء أخر وشركاء أخر أيضاً وطلب منه كلهم سقي الزّرع في نوبة واحدةٍ، وربّما أنّ الشّركاء اتّفقوا على نوبةٍ واحدةٍ، وربّما إنّ الشّركاء اتّفقوا على نوبةٍ مقيّدة بيومٍ، لكن استعجل بعضهم أو جميعهم عن النّوبة المقدّرة وطلبوا جميعاً منِّي العمل في وقتٍ واحدٍ فشقّ ذلك عليّ، فهل إذا كان يقيناً أنّه إذا ترك إليّ نوبته أنّه لا ينقص ومع السّقي فالظّاهر أنّه يزيد، فهل يجبرونَنِي على السّقي أم لا يجبرونَنِي إلاّ على السّقي مثله في نوبته؟
التّاسعة والعشرون: ما كيفية قبض المتهب والمتملّك لمال ولده في العقار فيهما؟
الثّلاثون: إذا وقف إنسان على جهة باسم مشترك وتعذّر عليه الوصول إلى تمييز تلك الجهة عن الأخرى، ولم يكن ثم قرينة دالّة ولا غيرها، بل أبهم ذلك من أصله، فهل هذا الوقف باطل كالوصيّة صرح أنّه إذا أوصى لاسم مشترك وتعذر معرفته بصريحٍ أو قرينةٍ أنّ الوصية تبطل من أصلها، فيكون حكمه حكمها أم له حكم في هذه مفرد عنها؟
الحادية والثّلاثون: إذا كان ثم مساقاة بئر وبها حمام كحمام ميناح جعل ذلك لكافة المسلمين لرفع الحدث وزوال الخبث ونحوهما، وتلك البئر وما حولها فوقه غما لدفع الأذى عن الآتي إليها، ففي الصّيف عن
(1/541)
________________________________________
حرّ الشّمس ونحوها وفي الشّتاء عن المطر ونحوهما، وكان إذا قصده باللّيل تضرّر بظلمته وربما أنّه يقع في الماء المستنقع من حيث لا يدري أو ينْزع بالدّلو عن البئر فيصبه لسبب ذلك في غير مصبّه المعدّ للمصبّ وغير ذلك من المصاب، فلمّا رأى بعض النّاس هذه الضّرورة الشّاقّة على المسلمين وقف وقفاً يصرف ريعه في سراج معلّق في ذلك الموضع ليضيئه فيهتدي المتوجّه لذلك المكان ويبصر كلّ موضعٍ يحتاجه، فهل إذا كان الوقف على هذا المنوال هو صحيح مثاب فاعله أم باطل آثم فاعله؟ إذا كان بعض المتشبهين بالفقهاء وأظنّه من جهالهم قال هذا وقف باطل فقيل له: لِمَ ذلك؟ فقال: لعدم القربة؛ حيث اعتبرت شرعاً فقيل له: وما ذلك؟ فقال: إنّ القنديل إذا أضاء بالمكان رأى النّاس عورات بعضهم بعضاً، فقال له معارضه: هذا منك قول وقياس فأبعد، وليس لمثلك هذا، فإنّ مَن طلب الاستتار عن النّظر المحظور شمله الحياء إذ العورة في ضوء النّهار أبين لِمَن قصد اتّصال نظره إلى ما منع منه شرعاً، فليس هذا من قولك بعدم صحّة الوقف وعدم ثواب فاعله في شيء، بل الواجب في مثل هذا أن يقال: الثّواب بحسب النّيّة مطلقاً فكيف الحكم في هذا؟
الثّانية والثّلاثون: إذا أتلف إنسان لإنسانٍ ثمرة وهي طلع أو بلح أو نحوهما أو زرعاً وهو قطن فكيف حكم ضمان ذلك المتلف على المتلف؟
الثّالثة والثّلاثون: إذا قال مريض لورثته: إن قال فلان له عليّ أنا مائة فهو صادق، ثم مات القائل فادّعاها فلان فهل هذا منه إقرار فتسلم إلى فلان أم لا؟
الرّابعة والثّلاثون: إذا كان لي شريكٌ في نحو نخل والنّخل له نوبة
(1/542)
________________________________________
لثالث وخشي إن انهدم بسبب تأكل أساسه أن يتلف عليه شيء فهل يجبر صاحب العلو صاحب الأسفل على إصلاح أساسه أم لا إجبار بعد الانهدام؟
الثّامنة والثّلاثون: إذا وقف إنسان عقاراً ونحوه وشرط أنّ ريعه يجعل في مسجدٍ معيَّنٍ سماطا في زمن معيّن نحو شهر رمضان على مَن حضر في ذلك المكان والزّمان، وليس ثم استحقاق مقدّر بل مطلق بحسب ما يرى النّاظر، فهل إذا حصل غلة من الوقف في يد النّاظر وتيقن أنّه يبقى من تلك الغلة بقية بعد مضي الزّمن المقدر، فهل يسوغ للنّاظر أن بجبر على صرف البقية إلى مسجد آخر محتاج وهو في ناحية البلد في ذلك الزّمن؛ لأنّه إذا أراد مدّه إلى العام المقبل اعترته الآفات من سوس ونقص وتلف وغير ذلك أم لا يسوغ له سوى الإرصاد أو البيع وإرصاد الثّمن؟
التّاسعة والثّلاثون: إذا قالت امرأة: خلِّنِي وأعطيك مائة، فقال: خلعتك. فقالت: لم أبذل لك العوض إلاّ على الطّلاق فقط، فهل يقبل قولها فلا يقع الخلع ولا يستحقّ عليها العوض المبذول أم لا يقبل قولها؛ لأنّ مرادها الفراق بإبانة وقد حصلت، فلا مزية ولا فائدة للفظ الطّلاق بدلاً عن الخلع أم كيف الحكم في ذلك؟
الأربعون: إذا ادّعى إنسان على إنسانٍ عيناً في يده وأنكر المدّعى عليه فأقام المدّعي بيّنته أنّ آل فلان عموماً أو فلاناً خصوصاً اغتصبها من المدّعي وليس مَن هي في يده من الأوّل ولا المعين، لكن إنّما انتقلت إليه من أحدهم أو مِمَّن انتقلت إليه منهم، فهل تكلّف البيّنة أن تشهد لها في ملكه إلى الآن أم يكتفى بشهادتها في صفة خروجها عن يد المدّعي ويكون للمدّعى عليه حكم الغاصب نفسه ولو لم يكن غصب ولا علم أنّها
(1/544)
________________________________________
غصبت، فهل تنْزع من يده على هذا المنوال أم إذا أدعها ملكه أي: المنكر تقبل؛ لأنّه لا يعلم لها غاصباً، وربّما أنّه لا يعلم مَن انتقلت إليه منه أم يكفي الحكم في ذلك؟
والحمد لله أوّلاً وآخراً. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه باطناً وظاهراً.
فأجابه ـ رحمه الله تعالى ـ: الحمد لله المسؤول الهدى والسّداد:
الأولى: نعم. إذا تاب الوليّ أو الشّاهد في مجلس العقد صحّ ذلك وقبل منهما وصاروا كمستور قبل ردّ الظّلامة.
الثّانية: تولية الأمثل فالأمثل في الأعمال المعتبر فيها العدالة عند عدم العدل والإشهاد في العقود جائز، ولا يستقيم أمر النّاس بدونه كالإشهاد في الأماكن التي يتعذر فيها العدل. صرح بذلك جماعة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والمذهب لا.
الثّالثة: إذا أخّر قطع الخشب مع شرطه فنما وغلظ فالبيع صحيح، ويشتركان في الزّيادة، ومع عدم شرط القطع البيع أيضاً صحيح، والكلّ للمشتري إلى وقت قطعه المعتبر عند أهله.
الرّابعة: إذا باع الوصي المال الموصى به أو الوارث لزم البائع الضّمان؛ لأنّه لا يصحّ أن يبيع بمؤجّل إن تلف المبيع الموصى به، ومع وجوده البيع فاسد؛ لأنّ الوصيّ لا يجوز له بيعه بمؤجّل كالوكيل.
الخامسة: قول الرّاهن: أنا مقبضك، وقول المرتهن: أنا قابض، كل ذلك صحيح لازم لكونه لسان أهل العصر لا نزاع في ذلك وفي مسائل غير ذلك.
السّادسة: إذا كان غنيّاً ولم تكن سكناه ببيت اليتيم في مصلحةٍ ظاهرةٍ لليتيم فمقامه هو وزوجته مقام الغاصب حذو القذة بالقذة.
(1/545)
________________________________________
السّابعة: الذي يظهر أنّ فسيل الوقف المضرّ الذي لا يرتجى كونه نخلة صالحة أنّه هو اللّيف غير المضرّ حكمه حكم الأغصان اليابسة.
الثّامنة: التّلفيق في التّقليد في واقعةٍ واحدةٍ لا يجوز، فالتّقليد في أكل لحم الجزور وفي مسّ الذّكر، صلاة المقلد صحيحة؛ لأنّ ذلك ليس بتلفيق، إنّما هو كالمقلّد لأبي حنيفة وحده، لأنّ أكل لحم الإبل غير ناقض عند الثّلاثة، وإنّما التّلفيق الباطل كالذي يقلّد أبا حنيفة في مسّ الذّكر والإمام أحمد في دم يسير لحقه بعد الوضوء ونحو ذلك؛ لأنّه صلاة باطلة عند الإمامين: أبي حنيفة بيسير الدّم وأحمد بمسّ الذّكر، هذا ونحوه هو التّلفيق.
التّاسعة: أمّا دية العمد فإذا رضي أولياء المقتول بشيءٍ صحّ ويشترك فيه جميع الورثة كالميراث، إلاّ أن يرضى أحد منهم بالتّفضيل لبعضهم أو يرضى القاتل بعد رضاء الكلّ بأن لا يزيد المخوف منه شيئاً من غير الذي تراضوا عليه؛ لأنّ العمد لا دية فيه والرّضا بالقليل والكثير سواء.
وأمّا دية الخطأ فثابتة كثبوت الدَّين على العاقلة.
العاشرة: الحاصل في العقار المبيع في أرضه ومسيله بحركة الرّياح والسّيول حكمه حكم الأحجار والأشجار الحادثة تدخل في البيع كالتّراب تلزم المشتري الحادث ولو كان حدثوه في أيّام من قبله من ملاّك العقار، أمّا إن رفع التّراب أو أزاله عن موضعه الذي هو فيه بفعل الله شخص فإنّ مَن رفعه يلزمه ضمان نقص ما أحدث في ملك غيره. وهذا بلا إشكال.
الحادية عشرة: إذا ساقاه بعدد أدوار معلومة فبعد الجذاذ لا سقي إلاّ بتراضيهما ومع التّسامح فليس للمالك إلاّ قدر حسابه بما قبل الجذاذ من الأدوار؛ لأنّ الجزء المشروط إنّما حصل له في مقابلة الأدوار المشروطة
(1/546)
________________________________________
فإذا لم تكمل وجب ردّ ما قبلها من جزء العامل لكونه لم يستحقّه بالسّقي والشّرط صحيح لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"المؤمنون على شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو حلّل حراماً".
الثّانية عشرة: أمّا ولي اليتيم إذا أقرّ بمبطل لتصرّفه في مال اليتيم كفسقه، فإن كان في ذلك حظ لموليه لم يبطل العقد بمجرّد جرحه لنفسه؛ لأنّه متّهم فلا بدّ من البيّنة، وإن كان الحظ لليتيم في ثبوت العقد وعدم الحظ في بطلانه قبل لعدم التّهمة، وأمّا الشّاهد فمتى جرح نفسه قُبِلَ قَبْلَ الحكم، وبعده لا، لكن لا يضمن.
الثّالثة عشرة: إذا غارس النّاظر بأصل الاستحقاق أو غرس فيها وهي عليه وحده ثم حدث وارث فالظّاهر أنّ الحادث لا يقلع البناء والغراس، وإنّما يستحقّ تقدير أجرة الأرض من استحقاقه.
الرّابعة عشرة: إذا نضب ماء البئر فحصل المالك الماء من بئر بعيدة كان للمساقي تفاوت ما بين البئرين.
الخامسة عشرة: متى استظهر الإنسان زكاة ماله بيقينٍ برئت ذمّته من الزّكاة من غير كيلٍ ولا وزنٍ ولا عدٍّ ولا ذرعٍ؛ لأنّ المطلوب هو براءة الذّمّة، وكذلك حتّى في زكاة الفطر.
السّادسة عشرة: نعم. المزبلة المضرّة يجوز لرؤوساء البلد أن يفعلوا بها كما يفعل الحاكم من بيع وإجارة وصرف ذلك في المصالح، بل هو أحسن من بقائها مضرّة.
السّابعة عشرة: الوصية تصحّ مدّة معلومة ومجهولة، فإذا أوصى له بجزءٍ واحدٍ ذلك بالرّشد، فمن رشد لم يستحقّ ما قابله.
(1/547)
________________________________________
الثّامنة عشرة: لا يقع الطّلاق إلاّ بما حكي عن صاحب الرّوضة، وهو موفق الدِّين ابن قدامة. رحمه الله تعالى.
التّاسعة عشرة: كلّ بستانٍ معتبرٍ ضرره بنفسه لا يضاف إليه البستان المضرّ.
العشرون: تصحّ هبة الشّيء واستثناء نفعه مدّة معلومة، لكن غلة العقار ليس من هذا القبيل في شيء لكونها معدومة مجهولة حينئذٍ، فتصحّ الهبة ويلغى استثناء الغلّة إلاّ أن تكون الثّمرة موجودة وقت الهبة تشققت أم ظهرت بلا تشقّق.
الحادية والعشرون: تصحّ الحوالة بكلّ لفظٍ متعارفٍ عند أهل تلك اللّغة.
الثّانية والعشرون: نعم. نمنعه؛ لأنّ كلّ الأبوال نجسة عند أبي حنيفة إلاّ بول الحمار، وعند الشّافعي مطلقاً وعند أحمد ومالك كلّ ما أكل لحمه فبوله طاهر وما لا فلا، فبول الحمار نجس عند الأربعة.
الثّالثة والعشرون: إذا خرج عن يده لم يكن له إلاّ يمين الذي دفعه ما علمت أنّ هذا هو النّقد الذي دفعت إليك.
الرّابعة والعشرون: إذا وجد المشتري في المبيع عبياً واختار الإمساك وأخذ الأرش فاستعمل صحّ ذلك وليس عليه أن يشهد عليه قبل استعماله أنّه يريد الأرش بل تكفي نيّته، ومتى اختلفا كان القول قوله في نيّته فيحلف بالله ما رضيت به بعد علمي بالعيب، وما استعملته إلاّ بيّة أخذ الأرش.
الخامسة والعشرون: إذا سقيت السّكين ماء نجساً لم تطهر، والظّاهر أنّ هذا هو سقيها، فإن كان للسّقي كيفية غير هذا فما أدري.
السّادسة والعشرون: إذا ادّعى الوارث على مورثه عيناً أو دَيناً ولا
(1/548)
________________________________________
بيّنة فنكل ولو في مرض الموت المخوف صحّ ذلك، ولو استغرق ماله كلّه بخلاف التّبرّع والوصيّة، لكن متى اتّهم حلف أنّ ذلك ليس بحيلة.
السّابعة والعشرون: يباع الأثاث والأواني وما يصلح ويضاف إلى الأثمان ويشترى به؛ لأنّه مراد الواقف، ولا يستقيم الأمر بدونه وأمّا العقار فيترك على حاله يقف ثلثه.
الثّامنة والعشرون: إذا كان الزّرع يزيده السّقي فلو لم ينقصه التّرك أجبر الممتنع.
التّاسعة والعشرون: صفة قبضه صفة قبض المشتري سواء بسواء.
الثّلاثون: الذي يظهر لي من هذه المسألة عدم صحّة الوقف إلحاقاً له بالمبهم.
الحادية والثّلاثون: وأمّا وقف المصباح المذكور عمّا ذكرتم في السّؤال فقربة، والقائل إنّه غير قربة غير مصيب.
الثّانية والثّلاثون: إذا أتلف الإنسان الثّمرة مع التّلقيح ونحوه أو تلف ولد الغرس ونحوها فكيفية ذلك أن يقال قيمة العقار مع ثمرته والغرس مع ولدها ألف مثلاً، ومع عدم ذلك ثمانمائة فيكون قيمة ذلك مائتين وعلى هذا فقس.
الثّاثلة والثّلاثون: إذا قال: إن قال فلان فهو صادق، فليس بإقرار.
الرّابعة والثّلاثون: الله أعلم.
الخامسة والثّلاثون: إذا اتّحد الواقف فكالشّخص الواحد، ولو تعدّد المستحقّ، وإن كان الواقف متعدّداً فكلّ واحد حكم نفسه.
السّادسة والثّلاثون: إذا كان ذلك التّدافع بلا حيلة صحّ.
(1/549)
________________________________________
السّابعة والثّلاثون: الذي يظهر لي أنّ الممتنع على إصلاح رأس الحائط1.
الثّامنة والثّلاثون: نعم. يسوغ له اتّفاق الغلة التي يتحقّق لها تفضل إلى المسجد المحتاج لا إشكال في ذلك.
التّاسعة والثّلاثون: الذي يظهر صحّة الخلع واستحقاق الزّوج للعوض وبينونة الزّوجة بما جرى بينهما وأنّه خلع صحيح مبين، ولا أثر لقولها في إبطال العوض بدعوى الطّلاق ولاسيما مع أنّ هذه هي اللّغة المتعارفة في هذا الزّمان.
الأربعون: متى ثبت أنّ العين التي في يد مدّعيها ملكها الذي قبله بغصب وشهدت له بذلك بيّنة انْتزعها من صاحب اليد بشهادة البيّنة من غير أن تكلف البيّنة الشّاهدة بملكه حينئذٍ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
- 5 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وله ـ رحمه الله ـ جواب عن المسائل الآتية:
الأولى: ما خيار المجلس وما صورته؟
الجواب: خيار المجلس يثبت للمتبايعين ولكلّ منهما فسخه ما داما مجتمعين، وهو قول أكثر أهل العلم كما في الصّحيحين عن ابن عمر عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال:"إذا تبايع الرّجلان فلكلّ واحدٍ منهما الخيار ما لم يتفارقا وكانا جميعاً أو يخيّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وأن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع".والمرجع في التّفرّق إلى عرف النّاس وعادتهم.
__________
1 هكذا في الأصل.
(1/550)
________________________________________
الثّانية: إذا تبايعا وشرطا أن ليس بينهما خيار مجلس؟
الجواب: يلزم البيع ويبطل الخيار لقول النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في حديث ابن عمر:" فإن خيّر أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع "، يعنِي: لزم. قال في الشّرح: وهذا مذهب الشّافعي, وهو الصّحيح إن شاء الله لحديث ابن عمر.
الثّالثة: إذا تواعد رجلان يبغي أن يكتب أحدهما على الآخر مائة جديدة وبعد ذلك جاءه بالدّراهم يريد أن يكتب عليه فقال بدا لي هل يلزم أم لا؟
الجواب: لا بدّ من قبض رأس مال السّلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل قبضه لم يصحّ وهو مذهب أبي حنيفة والشّافعي، ومالك يجوّز أن يتأخّر قبضه يومين أو ثلاثاً أو أكثر ما لم يكن ذلك شرطاً.
الرّابعة: إذا شرى رجل من آخر مائة صاع وواعده أن يكيلها الصّبح فلمّا أتاه قال: بدا لي وهو لم ينقد الدّراهم هل يلزمه أم لا؟
الجواب: يلزم البيع بمجرّد العقد ولا يوافق على فسخ البيع إلاّ برضا المشتري، ولكن لا يجوز بيعه قبل قبضه لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"مَن ابتاع طعاماً فلا بيعه حتّى يستوفيه".متّفق عليه.
الخامسة: الإجارة والمساقاة هل هما عقد لازم أم جائز؟ وما معنى اللازم والجائز؟
الجواب: أمّا الإجارة فهي عقد لازم، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنّها بمعنَى البيع، والمساقاة فأكثر الفقهاء على أنّها عقد لازم، واختاره الشّيخ تقيّ الدّين، وعند شيخنا أنّها عقد لازم من جهة المالك وعقد جائز من جهة العامل.
وأمّا معنى اللازم والجائز، فاللازم هو: الذي لا يملك أحد من العاقدين من فسخه إلاّ برضا الآخر، والجائز هو: الذي يفسخه بغير رضا صاحبه.
(1/551)
________________________________________
السّادسة: إذا باع رجل بعيراً على آخر، وقال البائع: الثّمن عشرة، وقال المشتري: بل تسعة؟
الجواب: إذا اختلفا في قدر الثّمن ولا بيّنة لأحدهما تحالفا فحلف البائع أوّلاً ما بعته بكذا، وإنّما بعته بكذا ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا، فإن تحالفا ولم يرض أحدهم بقول الآخر انفسخ البيع، وهو مذهب أبي حنيفة والشّافعي، ورواية عن مالك، وعن أحمد أنّ القول قول البائع أو يترادا البيع لما روى ابن مسعود عن النَّبّيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال:"إذا اختلف البيّعان وليس بينهما بيّة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع ".رواه سعيد وابن ماجه. قال الزّركشي: وهذه الرّواية وإن كانت خفية مذهباً فهي ظاهرة دليلاً، وذكر دليلها وما إليها.
السّابعة: إذا أكرى رجل بعيراً وقال صاحب البعير: الأجرة عشرة، وقال المكتري: الأجرة ثمانية.
الجواب: إذا اختلفا في قدر الأجرة فهو كما إذا اختلفا في قدر الثّمن، كما تقدّم في المسألة التي قبلها نصّ أحمد على أنّهما يتحالفان، وهو مذهب الشّافعي. قال في الشّرح: وهو الصّحيح إن شاء الله.
الثّامنة: إذا أكرى رجل بيتاً وقال صاحب البيت: أنا مكريك سنة، وقال المستأجر: أنا مستركي سنتين.
فالجواب: القول قول المالك مع يمينه، قال في الشّرح: لأنّه منكر للزّيادة، فكان القول قوله بيمينه، كما لو قال: بعتك هذا العبد بمائة، وقال: بل هذا العبد بمائتين.
التّاسعة: إذا تبايعا نخلاً وشرطا الخيار عشر سنين، وأخذ المشتري
(1/552)
________________________________________
العمارة في عشر هذه السّنين ويوم فكّ البائع النّخل هل العمائر تردّ على البائع أو تكون على المشتري يأخذها مع الدّراهم؟
الجواب: ما حصل من غلات المبيع ونمائه في مدّة الخيار فهو للمشتري أمضيا العقد أو فسخاه، لقول النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" الخراج بالضّمان ".قال التّرمذي: هذا حديث صحيح، وهذا من ضمان المشتري فيجب أن يكون له بمقالة ضمانه.
العاشرة: إذا رهن رجل سلعة وضاعت وهو لم يفرّط فيها هل يسقط الدَّين أو الدَّين ثابت ولو ضاع الرّهانة؟
الجواب: إذا تلف الرّهن في يد المرتهن، فإن كان بتعدّيه أو تفريطه في حفظه ضمنه، قال في الشّرح: لا نعلم فيها خلافاً، فأمّا إن تلف من غير تعدٍّ منه ولا تفريطٍ فلا ضمان عليه، وهو من مال الرّاهن. يروى ذلك عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ، وبه قال عطاء والزّهري والأوزاعي والشّافعي وأبو ثور وابن المنذر، فإن تلف بغير تعدٍّ ولا تفريطٍ لم يضمنه ولم يسقط شيئاً من الدَّين بل هو ثابت في ذمّة الرّاهن ولم يوجد ما يسقطه.
الحادية عشرة: إذا ضمن رجل على آخر وادّعى المضمون عنه أنِّي أعطيت الضّمين.
الجواب: لصاحب الحقّ أن يطالب مَن شاء من الضّمين أو المضمون عنه، وبه قال الشّافعي والثّوري وإسحاق وأصحاب الرّأي وأبو عبيد لقوله ـ عليه السّلام ـ:"الزّعيم غارم"، فإن أدّى المضمون عنه برئت ذمّة الضّامن بغير خلافٍ، وإن أدّى الضّامن الدَّين ونوى الرّجوع رجع على المضمون عنه لما أدّاه لصاحب الحقّ وهو مذهب مالك والشّافعي.
(1/553)
________________________________________
الثّانية عشرة: إذا أحال رجل على آخر عشرة دراهم مليء وقبله وبعد هذا أفلس المحال عليه هل ينحرف على صاحبه أم لا؟
الجواب: إذا أحاله على مليء برئت ذمّة المحيل ولم يعد الحقّ إليه سواء أمكن الاستيفاء أم لا؟ وبه قال اللّيث والشّافعي وأبو عبيد وابن المنذر؛ لأنّه أحاله على مليء برضاه وقبله ولم يكن له على المحيل رجوع بشرط أن تكون الحوالة صحيحة بشروطها.
الثّالثة عشرة: ما معنى: تعارض البيّنتين؟
الجواب: معنى تعارض البيّنتين تساويهما من كلّ وجهٍ، فإذا أقام المدّعي بيّنة وأقام المدّعى عليه بيّنة وتساويا فقد تعارضتا، فإذا تعارضت بيّنتاهما سقطتا وكانا كَمَن لا بيّنة لهما.
الرّابعة عشرة: ما معنى قولهم: بيّنة الدّاخل والخارج؟
الجواب: بيّنة الخارج بيّنة المدّعي، وبيّنة الدّاخل بيّنة المدّعى عليه.
الخامسة عشرة: ما الفرق بين قسمة التّراضي والإجبار؟
الجواب: قسمة الإجبار هي التي لا ضرر فيها على أحدٍ من الشّركاء، ويمكن تعديل السّهام من غير ردّ عوضٍ، فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتع لقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"لا ضرر ولا ضرار"، فإن كان فيها ردّ عوض فهي بمعنى البيع فلا يجبر عليها الممتنع، فإن لم تكمل هذه الشّروط فهي قمسة تراضٍ لا يجبر الممتنع عليها بل برضاه.
السّادسة عشرة: إذا بنى رجل بيتاً وبنى فيه مدابغ وكنيفاً وبنى جاره بعده بيتاً وأقام التّالي بيّنة: إنّ كنيفك ومدابغك تضرّ بي؟
الجواب: إذا كانت المدابغ والكنيف سابقة على ملك جاره ولا
(1/554)
________________________________________
حدثت دار جاره إلاّ بعد بناء الكنيف والمدابغ فلا تزال؛ لأنّها سابقة على ملك الجار والجار هو الذي أدخل الضّرر على نفسه، وفي إزالة ضرره ضررٌ بجاره؛ فلا يزال الضّرر بالضّرر إذا كانت المدابغ ونحوها سابقة على ملك الجار وإن أضرت بالجار. والله أعلم.
السّابعة عشرة: إذا بنى رجل مدابغ أو كنيفاً وأقام الأوّل البيّنة أنّ هذه التي حدثت تضرّ بي؟
الجواب: يمنع الجار أن يحدث في ملكه ما يضرّ بجاره لقول النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ"لا ضرر ولا ضرار"فإذا أراد أن يحدث في ملكه ما يضرّ بجاره فإنّه يمنع منه للحديث وهذه المسألة عكس الّتي قبلها في الصّورة والحكم.
الثّامن عشرة: إذا مات رجل وجاء آخر إلى الوارث يدّعي أنّ له ديناً على الميّت وليس مع المدّعي شهود ما صفة يمين الوارث؟
الجواب: إذا لم يكن مع المدّعي بيّنة وأراد أن يستحلف الوارث، فإنّه يحلف على نفي العلم. قال في المغنِي: والأيمان كلّها على البت والقطع إلاّ على نفي فعل الغير فإنّها على نفي العلم، فإذا حلف على مثال أن يدّعى عليه، أي: على غير دين أو غصب فإنّه يحلف على نفي العلم لا غير.
التّاسعة عشرة: إذا ادّعى رجل على آخر بدعوى وليس عند المدّعي بيّنة ما صفة يمين المنكر؟
الجواب: يحلف المنكر على البت والقطع؛ لأنّ الأيمان كلّها على البت إلاّ على نفي فعل الغير فإنّها على نفي العلم كما تقدّم في المسألة قبلها.
العشرون: إذا تداعى اثنان ولا بيّنة معهما وصارت اليمين على المنكر فإن حلف قضي له، وإن أبى أن يحلف فهل يقضى عليه بنكوله أم يردّون
(1/555)
________________________________________
اليمين على المدّعي؟
الجواب: ففيه قولان، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا تردّ بل إذا نكل مَن توتجّهت عليه اليمين قضي عليه بالنّكول، وهو قول أبي حنيفة. والرّواية الأخرى: أنّ اليمين تردّ على المدّعي، فيقال له: ردّ اليمين على المدّعى، فإن ردّها حلف. انتهى.
1وقال في (الباب السّبعون) من الكتاب المذكور، وقد ذكرنا في أوّل الكتاب جملة مقالة أهل السّنة والحديث التي اجتمعوا عليها كما حكاه الأشعري عنهم، ونحو نحكي إجماعهم كما حكاه حرب صاحب الإمام أحمد عنهم بلفظه. قال في مسائله المشهورة: هذا مذهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السّنة المتمسكين بها المقتدى بهم فيها من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء الحجاز والشّام وغيرهم عليها، فمَن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائغ عن منهج أهل السّنة وسبيل الحقّ. قال: وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزّبير الحميدي وسعيد بن المسيّب وغيرهم مِمَّن جالسنا وأخذنا عنهم، فكان من قولهم: أنّ الإيمان قول وعمل ونيّة وتمسّك بالسّنة، والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا يكون الاستثناء شكّاً، إنّما هي سنة ماضية عند العلماء.
__________
1 وجدنا في الأصل المخطوط هذا الكلام بعد المسائل المتّقدمة وفي آخره أنّه منقول من كتاب حادي الأرواح فأثبتناه هنا تبعاً للأصل.
(1/556)
________________________________________
وإذا سُئِلَ الرّجل أَمُؤْمِنٌ أنت؟ فإنّه يقول: أنا مومن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسوله. ومَن زعم أنّ الإيمان قول بلا عملٍ فهو مرجئ. ومَن زعم أنّ الإيمان هو القول والأعمال شرائع فهو مرجئ. ومَن زعم أنّ الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة. ومَن لم يرَ الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ. ومَن زعم أنّ إيمانه كإيمان جبرائيل والملائكة فهو مرجئ. ومَن زعم أنّ المعرفة تقع في القل وإن لم يتكلّم بها فهو مرجئ.
والقدر خيره وشرّه قليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيّئه، وأوّله وآخره من الله ـ عزّ وجلّ ـ قضاء قضاه على عباده وقدره عليهم لا يعدو واحد منهم مشيئة الله ولا يجاوزه قضاء، بل هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم، وهو عدل منه جلّ ثناؤه وعزّ شأنه، والزّنا والسّرقة وشرب الخمر وقتل النّفس وأكل المال المحرّم والشّرك والمعاصي كلّها بقضاء الله وقدر من الله من غير أن يكون لأحدٍ من الخلق على الله حجّة بل لله الحجّة البالغة على خلقه، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} ، [الأنبياء: 23] .
وعلم الله ـ عزّ وجلّ ـ ماضٍ في خلقه بمشيئةٍ منه قد علم من إبليس ومن غيره من لدن عصى الله تبارك وتعالى إلى أن تقوم السّاعة المعصية، وخلقهم فكلّ يعمل لما خلق له، وصائر إلى ما قضي عليه، لا يعدو واحد منهم قدر الله ومشيئته. والله الفعال لما يريد.
ومَن زعم أنّ الله سبحانه شاء لعباده الذين عصوه الخير والطّاعة، وأنّ العباد شاؤوا لأنفسهم الشّرّ والمعصية فعلوا على مشيئتهم فقد زعم أنّ
(1/557)
________________________________________
مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله تعالى وأي افتراء على الله أكبر من هذا.
ومَن زعم أنّ الزّنا ليس بقدره قيل له أرأيت هذه المرأة حملت من الزّنا وجاءت بولد هل شاء الله أن يخلق هذا الولد، وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا. فقد زعم أنّ مع الله خالقاً. وهذا الشّرك صراحاً.
ومَن زعم أنّ السّرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء الله ولا قدره فقد زعم أنّ الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وهذا صريح قول المحبوسية، بل أكل زرقه الذي قضى الله أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومَن زعم أن قتل النّفس ليس بقدر الله ـ عزّ وجلّ ـ فقد زعم أنّ المقتول مات بغير أجله وأيّ كفرٍ أوضح من هذا؟ بل ذلك بقضاء الله ـ عزّ وجلّ ـ، وذلك عدل منه في خلقه وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم، وهذا عدل الحقّ الذي يفعل ما يريد.
ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنّه في النّار لذنب عمله ولا لكبيرة أناها إلاّ أن يكون في ذلك حديث كما جاء عل ما روي ولا بنصّ الشّهادة، ولا نشهد أنّه في الجنّة بصاحل عمله ولا بخيرٍ أتاه إلاّ أن يكون في ذلك حديث كما جاء على ما روي ولا بنصّ الشّهادة. والخلافة في قريش ما بقي من النّاس اثنان ليس لأحدٍ من النّاس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم ولا نقرّ لغيرهم بها إلى قيام السّاعة.
والجهاد ماضٍ قائم مع الأئمة بروا أو فجروا ولا يبطله جور جائرٍ ولا عدل عادلٍ.
والجمعة والعيدان والحجّ مع السّلطان وإن لم يكونوا بررة عدولاً أتقياء، ودفع الصّدقات والخراج والأعشار والفيء والغنائم إليهم عدلوا فيها
(1/558)
________________________________________
أو جاروا، والانقياد لِمَن ولاّده الله ـ عزّ وجلّ ـ أمركم، لا ننْزع يداً من طاعة ولا نخرج عليه بسيفٍ حتّى يجعل الله لنا فرجاً ومخرجاً، ولا نخرج على السّلطان ونسمع ونطيع، ولا ننكث بيعة فمَن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة، وإن أمرك السّلطان بأمرٍ هو لله معصية فليس لك أن تطيعه البتّة وليس ذلك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقّه.
والإمساك في الفتنة سنة ماضية واجب لزومها، فإن ابتليت فقدم نفسك دون دِينك ولا تعن على الفتنة بيد ولا لسانٍ، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك والله المعين، والكفّ عن أهل القبلة ولا نكفّر أحداً منهم ولا نخرجه من الإسلام بعمل إلاّ أن يكون في ذلك حديث كما جاء وكما روي فنصدّقه ونقبله ونعلم أنّه كما روي نحو ترك الصّلاة وشرب الخمر وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج عن الإسلام فاتبع ذلك ولا تجاوزه.
(والأعور الدّخال) خارج لا شكّ في ذلك ولا ارتياب وهو أكذب الكابذين.
وعذاب القبر حتّى يسأل العبد عن دِينه، وعن ربّه، وعن الجنّة وعن النّار، ومنكرونكير حقّ وهما فتانا القبر نسأل الله الثّبات.
وحوض محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حقّ تردّه أمته وآنيته عدد نجوم السّماء يشربون بها منه.
والصّراط حقّ يوضع على سواء جهنم ويمرّ النّاس عليه والجنة من وراء ذلك.
(والميزان) حقّ توزن به الحسنات والسّيّئات كما شاء الله أن يوزن.
(والصّور) حقّ ينفخ فيه إسرافيل فيموت الخلق ثم ينفخ فيه أخرى، فيقومون لربّ العالمين للحساب، وفصل القضاء والثّواب والعقاب والجنّة
(1/559)
________________________________________
والنّار.
(واللّوح المحفوظ) يستنسخ منه أعمال العباد كما سبق فيه من المقادير.
(والقضاء والقلم) حقّ كتب الله به مقادير كلّ شيء وأحصاه في الذّكر.
والشّفاعة يوم القيامة حقّ يشفع قوم في قومٍ فلا يصيرون إلى النّار ويخرج قوم من النّار بعد ما دخلوا ولبثوا فيها ما شاء الله ثم يخرجهم من النّار، وقوم يخلدون فيها أبداّ، وهم أهل الشّرك والتّكذيب والحجود والكفر بالله عزّ وجلّ.
ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنّة والنّار. وقد خلقت الجنّة وما فيها وخلقت النّار وما فيها خلقهما الله ـ عزّ وجلّ ـ وخلق الخلق لهما لا تفنيان ولا يفني ما فيهما أبداً. فإن احتجّ مبتدع أو زنديق بقول الله ـ عزّ وجلّ ـ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} ، [القصص، من الآية: 88] .وبنحو هذا من متشابه القرآن؟
قل له: كلّ شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك، والجنة والنّار خلقهما الله للبقاء لا للفناء، ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدّنيا.
(والحور العين) لا يمتن عند قيام السّاعة ولا عند النّفخة ولا أبداً؛ لأنّ الله خلقهن للبقاء لا للفناء ولا يكتب عليهن الموت، فمَن قال خلاف ذلك فهو مبتدع ضالّ عن سواء السّبيل، وخلق سبع سموات بعضها فوق بعضٍ، وسبع أرضين بعضها أسفل بعضٍ، وبين الأرض العليا وسماء الدّنيا مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السّماء السّابعة العليا.
وعرش الرّحمن فوق الماء والله ـ عزّ وجلّ ـ على العرش والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السّموات والأرض وما بينهما وما تحت الثّرى وما في قعر البحر ومنبت كلّ شعرة وشجرة وكلّ زرعٍ وكلّ نباتٍ ومسقط كلّ ورقةٍ، وعدد كلّ كلمةٍ، وعدد الرّمل والحصا، والتّراب ومثاقيل الجبال،
(1/560)
________________________________________
وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم وأنفاسهم، ويعلم كلّ شيء ولا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو على العرش فوق السّماء السّابعة، ودونه حجب من نار وحجب من نور وظلمة وما هو أعلم به.
فإن احتج مبتدع مخالف بقول الله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، [قّ، من الآية: 16] .
وبقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} الآية، [المجادلة، من الآية: 7] .ونحو هذا من متشابه القرآن، فقل: إنّما يعنِي بذلك العلم؛ لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ على العرش فوق السّماء السّابعة العليا يعلم ذلك كلّه، وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله ـ عزّ وجلّ ـ عرش وللعرش حملة يحملونه، والله ـ عزّ وجلّ ـ على عرشه، وليس له حدّ، والله ـ عزّ وجلّ ـ سميعٌ لا يشكّ، بصيرٌ لا يرتاب، عليمٌ لا يجهل، جوادٌ لا يبخل، حليمٌ لا يعجل، حفيظٌ لا ينسى ولا يسهو، قريبٌ لا يغفل، يتكلّم وينظر ويبسط ويضحك ويفرح ويحبّ ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ويمنع وينْزل كلّ ليلةٍ إلى سماء الدّنيا كيف شاء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، [الشّورى، من الآية: 11] .
وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبها كيف شاء ويوعيها ما أراد، وخلق آدم بيده على صورته، والسّموات والأرض يوم القيامة في كفّه، ويضع قدمه في النّار فتَنْزوي، ويخرج قوماً من النّار بيده، وينظر إلى وجهه أهل الجنّة يرونه فيكرمهم ويتجلّى لهم، وتعرض عليه العباد يوم القيامة ويتولّى حسابهم بنفسه ولا يلي ذلك غيره عزّ وجلّ.
والقرآن كلام الله تكلّم به ليس بمخلوقٍ، فمَن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومَن زعم أنّ القرآن كلام الله، ووقف فلم يقل: ليس بمخلوق
(1/561)
________________________________________
فهو أخبث من القول الأوّل، ومَن زعم أنّ ألفاظنا وتلاوتنا مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي.
وكلّم الله موسى تكليّماً منه إليه وناوله التّوراة من يد إلى يده، ولم يزل الله ـ عزّ وجلّ ـ متكلِّماً، والرّؤيا من الله وهي حقّ، إذا رأى صاحبها في منامه ما ليس أضغاثاً فقصّها على عالم وصدق ولم يحرف فيها تأوّلها العالم على أصل تأويلها الصّحيح وتأويلها حينئذٍ حقّ، وكانت الرّؤيا من الأنبياء وحياً، فأيّ جاهل أجهل مِمَّن يطعن في الرّؤيا ويزعم أنّها ليست بشيء؟! وبلغنِي أنّ مَن قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام.
وقد روي عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"إنّ رؤيا المؤمن كلام يكلّم به الرّبّ عبده"، وقال:"إنّ الرّؤيا من الله ".وذكر محاسن أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كلّهم والكفّ عن مساويهم التي شجرت بينهم، فَمَن سبّ أصحاب النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أو واحداً منهم أو تنقّصه، أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم أو عاب أحداً منهم فهو مبتدع رافضي خبيث لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبّهم سنة والدّعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.
وأفضل الأمّة بعد النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أبو بكر وعمر، وبعد عمر عثمان وعلي، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديّون، ثم أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بعد هؤلاء الأربعة لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيبٍ ولا نقصٍ فمَن فعل ذلك فقد وجب على السّلطان تأديبه، وليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة ويدخله الحبس حتّى يتوب ويرجع.
ويعرف للعرب حقّها وسابقتها وفضلها ويحبّهم لحديث رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم
(1/562)
________________________________________
"حبّ العرب من الإيمان وبغضهم من نفاقٍ".ولا يقول بقول الشّعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبّون العرب ولا يقرّون لهم بفضلٍ، فإنّ قولهم بدعة، ومَن حرم المكاسب والتّجارات وطلب المال من وجهه، فقد جهل وأخطأ، بل المكاسب من وجهها حلال قد أحلّها الله ـ عزّ وجلّ ـ، ورسوله، فالرّجل ينبغي له أن يسعى على نفسه وعياله من فضل ربّه، فإن ترك ذلك على أن لا يرى ذلك الكسب حلالاً فقد خالف الكتاب والسّنة.
(والدِّين) إنّما هو كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ وآثار وسنن وروايات صحاح من الثّقات والأخبار الصّحيحة القويّة المعروفة ويصدق بعضها بعضاً حتّى ينتهي ذلك إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وأصحابه ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ، والتّابعين وتابعي التّابعين، ومَن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم المتمسّكين بالسّنة المتعلّقين بالآثار لا يعرفون ببدعة، ولا يطعنون بكذب، ولا يرمون بخلاف، إلى أن قال: فهذه الأقاويل التي وصفت مذاهب أهل السّنة والجماعة والأثر وأصحاب الرّوايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث، وتعلّمنا منهم السّنن، وكانوا أئمة معروفين ثقات أهل صدقٍ وأمانةٍ يقتدى بهم ويؤخذ عنهم، ولم يكونوا أصحاب بدعٍ ولا خلافٍ ولا تخليطٍ. وهذا قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم فتمسّكوا بذلك وتعلّموه وعلّموه.
(قلت) : حرب هذا، وهو صاحب الإمام أحمد وإسحاق، وله عنهما مسائل جليلة، وأخذ عن سعيد بن منصور وعبد الله بن الزّبير الحميدي، وهذه الطّبقة، وقد حكى هذه المذاهب عنهم واتّفاقهم عليها.
ومَن تأمّل النّقول عن هؤلاء وأضعاف أضعافهم والحديث وجده مطابقاً لما نقله حرب، ولو تتبّعناه لكان بقدر هذا الكتاب مراراً.
(1/563)
________________________________________
وقد جمعنا منه في مسألة علوّ الرّب تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وحدها سفراً متوسّطاً، فهذا مذهب المستحقّين لهذه البشرى قولاً وعملاً واعتقاداً. وبالله التّوفيق. انتهى كلامه من كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح. رحمه الله ورضي الله عنه.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله تعالى)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
الخط وصل، وصلك الله إلى رضوانه، وهذا جواب المسائل واصلك إن شاء الله:
الأولى: فيمَن طلّق زوجته في مرض موته وأبانها.
فالذي عليه العمل أنّها ترثه ما دامت في العدّة في قول جمهور العلماء. وكذا ترثه بعد العدّة ما لم تتزوّج كما ذهب إليه مالك والإمام أحمد، بل مذهب مالك أنّها ترثه ولو تزوّجت والرّاجح الأوّل.
المسألة الثّانية: قولهم في المطلقة هل عليها أطول الأجلين من ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشر.
فصورة المسألة على ما صورت في السّؤال وأمّا الخلاف فالمشهور عن أحمد المعمول به عند أصحابه أنّ المطلقة البائن في مرض الموت تعتدّ أطول الأجلين من عدة الوفاء أو ثلاثة قروء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وقال الشّافعي: تبنِي على عدّة الطّلاق.
المسألة الثّالثة: المشهور جواز إجارة العين المستأجرة، قال في المغنِي: يجوز للمستأجر أن يؤجّر العين المستأجرة إذا قبضها. نصّ عيله أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنّخعي والشّعبي
(1/564)
________________________________________
والثّوري والشّافعي وأصحاب الرّأي. وأمّا إجارتها قبل قبضها فلا يجوز من غير المؤجّر في أحد الوجهين، وهو قول أبي حنيفة والمشهور من قولي الشّافعي، ويجوز للمستأجر إجارة العين بمثل الأجرة وزيادة نصّ عيله أحمد، وهو مذهب الشّافعي وابن المنذر.
المسألة الرّابعة: وهي مسألة الْحِرز، فالْحِرْز ما جرت العادة بحفظ المال فيه، ويختلف باختلاف الأموال، فحِرز الغنم الحظيرة، وحِرْزها في المرعى بالرّاعي ونظره إليها إذا كان يراها في الغالب وما نام عنه منها فقد خرج عن الْحرز، والضّابط ما ذكرناه وهو أنّ الْحِرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه، والأموال تختلف، وتفصيل المسألة مذكور في باب القطع في السّرقة فراجعه.
المسألة الخامسة: وهي السّرقة من الثّمر قبل إيوائه الْحِرز، فهذا لا قطع فيه، ولو كان عليه حائط أو حافظ إذا كان في رؤوس النّخل. لحديث رافع بن خديج:"لا قطع في ثمرٍ ولا كثر"، وكذلك الماشية تسرق من المرعى إذا لم تكن محرزة لا قطع فيها، وتضمن بمثل قيمتها، والثّمر يضمن بمثلي قيمته، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وروى الأثرم أنّ عمر غرّم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجلٍ من مزينة مثلي قيمتها. وهذا مذهب أحمد. وأمّا الجمهور، فقالوا: لا يجب عليه إلاّ غرامة مثله. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً قال بوجوب غرامة مثليه. وحجّة أهل القول الأوّل حديث عمرو بن شعيب. قال أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه. وأمّا المختلس والمنتهب والخائن وغيرهم فلا يغرم إلاّ مثله من غير زيادة على المثل أو القيمة؛ لأنّ الأصل وجوب غرامة المثل بمثليه، والمتقوّم بقيمته
(1/565)
________________________________________
خولف في هذين الموضعين للأثر، ويبقى ما عداهما على الأصل.
المسألة السّادسة: إذا جامع جاهلاً أو ناسياً في نهار رمضان هل حكم الجاهل حكم النّاسي أم بينهما فرق؟
فالمشهور أنّ حكمهما واحد عند مَن يوجب الكفّارة، وبعض الفقهاء فرّق بين أن يكون جاهلاً بالحكم أو جاهلاً بالوقت، فأسقط الكفّارة عن الجاهل بالوقت، كما لو جامع أوّل يومٍ من رمضان يظنّ أنّه من شعبان، أو جامع يعتقد أنّ الفجر لم يطلع فبان أنّه قد طلع، ومَن أسقطها عن الجاهل بالوقت فالنّاسي مثله وأولى. قال الشّيخ تقيّ الدِّين: لا قضاء على مَن جامع جاهلاً بالوقت أو ناسياً ولا كفّارة أيضاً.
المسألة السّابعة: وهي مسألة القذف.
فالقذف ينقسم إلى صريحٍ وكنايةٍ، كالطّلاق، فالصّريح ما لا يحتمل غيره نحو: يا زانِي، يا عاهر، يا منيوك ونحو ذلك. والكناية التّعريض بالألفاظ المجملة المحتملة للقذف وغيره، فإن فسّر الكناية بالزّنا فهو قذف؛ لأنّه أقرّ على نفسه، وإن فسّره بما يحتمله غير القذف قبل مع يمينه ويعزّر تعزيراً يردعه وأمثاله عن ذلك. فمتى وجد منه اللّفظ المحتمل للقذف وغيره ولم يفسّره بما يوجب القذف فإنّه يعزّر ولا حدّ عليه.
المسألة الثّامنة: هل للأب أن يأخذ من صداق ابنته أم لا؟
فالمشهور عن أحمد جواز ذلك. وهو قول إسحاق. وقد روي عن مسروق أنّه زوّج ابنته واشترط لنفسه عشرة آلاف فجعلها في الحجّ والمساكين، ثم قال للزّوج: جهّز امرأتك. وروي ذلك عن عليّ بن الحسين أيضاً. واستدلّوا لذلك بما حكى الله عن شعيب: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى
(1/566)
________________________________________
ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} ، [القصص، من الآية: 27] .
وبقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"أنتَ ومالُكَ لأبيك".وقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" إنّ أولادكم من كسبكم، فكلوا من أموالكم".فإذا اشترط لنفسه شيئاً من الصّداق كان قد أخذ من مال ابنته وله ذلك.
المسألة التّاسعة: إذا كان لإنسانٍ طعام في ذمّة رجلٍ وليس هو سلماً، وذلك بأن يكون قرضاً أو أجرة أرضٍ أو عمارة نخلٍ وأراد صاحبه أن يأخذ عنه جنساً آخر من الطّعام، فهذا لا بأس به إذا لم يتفرّقا وبينهما شيئ، فإن اتّفاقا على المعاوضة وتفرقا قبل التّقابض لم يثبت إلاّ للأوّل، ومتى تقابضا جازت المعاوضة ويجوز ذلك في بيع الأعيان، لقول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم يداً بيدٍ".وكما ورد في السّنة بمثل ذلك في قبض الدّارهم عن الدّنانير والدّنانير عن الدّراهم في حديث ابن عمر.
العاشرة: العاصب للميّت مَن كان أقرب من غيره بعد العاصب أو قرب، فمتى ثبتت النّسبة بأنّ هذا ابن عمّ الميّت ولا يعرف أحد أقرب منه فهو العاصب وإن بَعُدَ عن الميّت، فإن عرف أنّ هذا الميّت من هذه القبيلة ولم يعرف له عاصب معيّن وأشكل الأمر دفع إلى أكبَرهم سناً، فإن كان للميّت وارث ذو فرضٍ أخذ فرضه، وإن لم يوجد عاصب فالرّدّ إلى ذوي الفرض أولى من دفعه إلى بيت المال، ويردّ على ذوي الفرض على حسب ميراثهم إلاّ الزّوج والزّوجة فلا يردّ عليهما.
الحادية عشرة: إذا زنت المرأة البكر وجلدت فهل تغرّب أم لا؟
فالمسألة فيها خلاف بين العلماء، والمشهور أنّها تغرّب كما هو ظاهر الحديث، أعنِي قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"الكبر بالبكر جلد مائة وتغريب عام".
(1/567)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وسرّ الخاطر، وإن سألت عن حال أخيك فالحمد لله الذي بنعمته تَتِمُّ الصّالحات، نسأل الله أن يُتِمَّ علينا وعليك نعمته في الدّنيا والآخرة. وكلّ مَن تسأل عنه طيّب، وسعود وآل الشّيخ وعيالهم وعيالنا الجميع في عافيةٍ ونعمةٍ. وما ذكرت من التّحوّل إلى رنيه فأجرو أن يكون سفراً مباركاً، نسأل الله أن ينْزلنا وإيّاكم منْزلاً مباركاً، وهو خير الْمُنْزلين. ولا تنس الدّعاء بما أوصى الله به نبيّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً} ، [الإسراء، من الآية: 80] .
وأمّا المسائل التي سألت عنها:
الأولى: إذا استأجر إنسان من آخر ناضحاً يسقي عليه جشره أو زرعه، وشرط عليه إن مات النّاضح أو عجف فالأجرة تامّة، وإن لم يسق عليه إلاّ يوماً واحداً ورضي كلّ منهما بذلك هل يحكم بفسادها أم لا؟
فالذي يظهر لي صحّة ذلك العقد إذا كانت الأجرة معلومة والمدّة معلومة. وأمّا الشّرط فهو فاسد، فإن مات النّاضح أو عجف لزم المستأجر قسط ما مضى من المدّة وانفسخ فيما بقي إن لم يتراضيا على إتمام العمل على ناضحٍ آخر.
وأمّا قولك: هل إجارة إنسان نفسه أو دابّته بجزءٍ مشاعٍ من الثّمرة قبل ظهورها أو قبل بدو صلاحها صحيح أم لا؟
فاعلم أنّ الثّمرة لا يصحّ بيعها قبل بدوّ صلاحها ولا تُجْعَل أجرة للعمل؛ لأنّ جعلها أجرة
(1/568)
________________________________________
بيع لها، وأمّا إن ساقاه على الثّمرة بجزء منها فذلك صحيح قبل ظهورها وبعده.
وأمّا قولك: إذا فرّق نائب الإمام جماعته النّائبة وكان بعضهم غائباً وأخذ الأمير من رجلٍ دراهم وجعلها سلماً في ثمر ذمّة الغائب، ما الحكم إذا ترافعا؟
فالذي يظهر لي أنّ هذا السّلم لا يلزم الغائب؛ لأنّ الغائب معذور وطريق الحيلة أن يقترض عليه أو يقرضه الأمير بنفسه، فإذا قدم طالبه بما لزمه من النّائبة.
وأمّا قياسكم على صاحب الدَّين إذا امتنع من وفاء دَينه وباع الحاكم لوفاء دينه فقياس غير صحيحٍ، وذلك أنّ الحاكم له تسلّط على بيع مال الممتنع من وفاء دَينه إذ لا طريق للوفاء إلاّ بذلك، وأمّا هذا الغائب فلم يمتنع، بل لو كان الذي عليه الدَّين غائباً لم يكن للحاكم بيع ماله.
وأمّا قولك: مَن ينظر في جراح النّساء فالذي ينظر في جراح النّساء من يوثق به من أهل الخبرة والمعرفة.
وأمّا قولك: هل شهادة النّساء في استهلال الجنين من جهة الإرث إذا كن اثنتين فأكثر مقبولة أم لا؟
فالمشهور أنّه يقبل في ذلك قول امرأةٍ واحدةٍ إذا كانت عدلة مرضية؛ لأنّ ما لا يطلع عليه يقبل قولهن فيه، وقد نصّ الفقهاء على قبول قول المرأة وحدها في ذلك وفي المسألة خلاف.
وأمّا قولك: هل الغرة في الجنين واجبة على كلّ حال خلق أم لا؟
فالمشهور أنّ الغرّة تجب إذا وضعت المرأة ما تنقضي بها عدّتها وتصير به الأمة أم ولدٍ، وذلك إذا تبيّن فيه خلق الآدمي.
وأمّا قولك: إذا عاب من الإنسان يده أو رجله بجناية الغير وبقي العضو مع عيبه هل الدّية تامّة؟
فهذا فيه تفصيل، وذلك أنّه ينظر إلى العضو،
(1/569)
________________________________________
فإن ذهب نلفعه بالكلّيّة بحيث تعطّل نفعه فديته تامّة، وأمّا إذا كان في العضو نفع فليس فيه من الدّية إلاّ بقدر الذّاهب من النّفع.
وأمّا قولك: هل المعتبر فيما تحمله العاقلة؛ لأنّها لا تحمل ما دون الثّلث فما فوقه بالجاني أو المجني عليه؟
فاعلم أنّ المشهور أنّ العاقلة لا تحمل ما دون الثّلث، ولا تحمل ما فوق الثّلث إلاّ في الخطأ خاصّة. وأمّا في العمد فتلزم الجاني في ماله حالة. وإذا حملت العاقلة ردّاً لم تحمل، فالاعتبار في ذلك بحال المجني عليه إذا كان حرّاً مسلماً ولم يكن جنيناً، وأمّا دية الجنين فلا تحمله العاقلة لنقصه عن الثّلث إلاّ إذا كان تبعاً لأمّه. وأنت سالم. والسّلام.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
الخط وصل أوصك الله إلى رضوانه، وكذلك السّؤال وصورته.
ما قول العلماء فيمَن دفع دابّة إلى آخر يسقي زرعاً بجزء من الثّمرة سواء كان الدّفع قبل وجود الزّرع أو بعد ما اخضرّ الزّرع، وسواء كانت مدّة السّقي معلومة أو مجهولة، مثل أن تهزل أو تعجف هل هذا جائز يشبه دفع الدّابّة إلى مَن يعمل عليها مغلها أم هذا ليس بصحيحٍ لعدم معرفة الأجرة والجهل بالمدّة إذا لم توقت؟
فنقول: هذه المسألة لم أقف عليها منصوصة في كلام العلماء ولكنّهم نصّوا على ما يؤخذ منه حكم هذه المسألة.
فمِن ذلك أنّهم ذكروا أنّ من شرط صحّة الإجارة معرفة قدر
(1/570)
________________________________________
الأجرة ومعرفة قدر المدّة. قال في المغنِي: يشترط في عوض الإجارة كونه معلوماً، لا نعلم في ذلك خلافاً. انتهى.
ولكن هذه المسألة هل تلحق بمسائل الإجارة وتعطى أحكامها أم تلحق بمسائل الشّركة وتعطى أحكامها مثل المساقاة والمزارعة والمضاربة وغير ذلك من مسائل المشاركات، فإن قلنا إنّها بمسائل الإجارة أشبه، فالإجارة لا تصحّ إلاّ بأجرة معلومة على مدّة معلومة.
ولهذا اختلف العلماء في جواز إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها كثلث أو ربع فمنعه أبو حنيفة والشّافعي وغيرهما وعلّلوه بأنّ العوض مجهول، فلا تصحّ الإجارة بعوضٍ مجهولٍ وأجازه الإمام أحمد فمن أصحابه مَن قال هو إجارة، ومنهم من قال بل هو مزارعة بلفظ الإجارة.
قال في الإنصاف: والصّحيح من المذهب أنّ هذه إجارة، وأنّ الإجارة تصحّ بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ مما يخرج من الأرض المؤجّرة وهو من مفردات المذهب. انتهى.
وقال في المغنِي: إجارة الأرض بجزءٍ مشاعٍ مما يخرج كنصف أو ثلث أو ربع المنصوص عن أحمد جوازه، وهو قول أكثر الأصحاب، واختار أبو الخطاب أنّها لا تصحّ. وهو قول أبي حنيفة والشّافعي، وهو الصّحيح إن شاء الله لما تقدّم من الأحاديث في النّهي من غير معارض لها، ولأنّها إجارة بعوضٍ مجهولاً فلم تصحّ كإجارة بثلث ما يخرج من أرض أخرى، ولأنّه لا نصّ في جوازها ولا يمكن قياسها على المنصوص، فإنّ النّصوص إنّما وردت بالنّهي عن إجارتها بذلك ولا نعلم في تجويزها نصّاً، والمنصوص جواز إرجارتها بذهب أو فضّة أو شيء معلوم. فأمّا نصّ أحمد فيتعيّن حمله
(1/571)
________________________________________
على المزارعة بلفظ الإجارة. انتهى.
وقال في المغنِي أيضاً: قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرّجل يدفع البقرة إلى الرّجل على أن يعلفها ويحفظها وما ولدت من ولد بينهما؟
قال: أكره ذلك، وبه قال أيوب وأبو خيثمة، ولا أعلم فيه مخالفاً، وذلك لأنّ العوض معدوم مجهول ولا يدرى أيوجد أم لا والأصل عدمه. انتهى.
وأمّا إن ألحقنا هذه المسألة المسؤول عنها بمسائل الشّركة وقلنا هي بمسائل الشّركة أشبه جرى فيها من اختلاف العلماء ما جرى في نظائرها، وأنا أذكر بعض ما ذكره العلماء في هذا الباب.
قال في المغنِي: وإن دفع دابّته إلى آخر ليعمل عليها وما رزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً وكيفما شرطا صحّ. نصّ عليه في رواية الأثرم ومحمّد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعي ما يدلّ على هذا. وكره ذلك الحسن والنّخعي. وقال الشّافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرّأي: لا يصحّ، والرّبح كلّه لربّ المال وللعامل أجرة مثله.
ولنا أنّها عين تنمي بالعمل عليها فصحّ العقد عليها ببعض نمائها كالدّراهم والدّنانير وكالشّجر في المساقاة والأرض في المزارعة.
وقد أشار أحمد ـ رحمه الله ـ إلى ما يدلّ على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة، فقال: لا بأس بالثّوب يدفع بالثّلث والرّبع لحديث جابر أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أعطى خيبر على الشّطر، وهذا يدلّ على أنّه صار في مثل هذا إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة ولا إلى الإجارة.
ونقل أبو داود عن أحمد فيمَن يعطي فرسه على النّصف من الغنيمة أرجو أن لا يكون به بأس، ونقل أحمد بن سعيد فيمَن دفع عبده لرجلٍ
(1/572)
________________________________________
ليكتسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز. والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدّابّة. وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قميصاً وله نصف ربحه بعمله جاز. نصّ عليه في رواية حرب. وإن دفع غزلاً إلى رجلٍ ينسجه ثوباًُ بثلث ثمنه أو ربعه جاز نصّ عليه، ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشّافعي شيئاً من ذلك.
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بأس بالثّوب يدفع بالثّلث والرّبع، وسُئِل عن الرّجل يعطي الثّوب بالثّلث ودرهم أو درهمين، قال: أكرهه؛ لأنّ هذا شيء لا يعرف. الثّلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً؛ لحديث جابر أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أعطى خيبر على الشّطر، قيل لأبي عبد الله: فإن كان النّساج لا يرضى حتّى يزاد على الثّلث درهماً؟ قال: فليجعل له ثلثاً وعشراً ثلثاً ونصر عشر وما أشبهه. انتهى ملخّصاً.
وقد نصّ أحمد أيضاً على جواز دفع الثّوب لِمَن يبيعه بثمنٍ يقدره له، ويقول ما زاد فهو لك، ولو دفع عبده أو دابّته إلى مَن يعمل بهما بجزء من الأجرة أو ثوباً يخيطه أو غزلاً ينسجه بجزءٍ من ربحه أو بجزء منه جاز. نصّ عليه. وهو المذهب جزم به ناظم المفردات وهو منها.
وقال في الحاوي الصّغير: ومَن استأجر مَن يجذّ نخله أو يحصد زرعه بجزءٍ مشاعٍ منه جاز. نصّ عليه في رواية مهنا. وعنه: لا يجوز وللعامل أجرة مثله.
ونقل مهنا في الحصاد هو أحبّ من المقاطعة، وعنه له دفع دابّته أو نخله لِمَن يقوم به بجزءٍ من نمائه. اختاره الشّيخ تقي الدّين, والمذهب لا. لحصول نمائه بغير عمله. انتهى ملخّصاً.
وقال في المغنِي: وإن اشترك ثلاثة من أحدهم الأرض، ومن الآخر البذر، ومن الآخر البقر والعمل على أنّ ما زرق الله بينهم فعملوا، فهذا عقد
(1/573)
________________________________________
فاسد نصّ عليه أحمد في رواية أبي داود. ومهنا وأحمد بن القاسم، وبهذا قال مالك والشّافعي وأصحاب الرّأي، فعلى هذا يكون الزّرع لصاحب البذر؛ لأنّه نماء ماله ولصاحبيه عليه أجرة مثلهما. انتهى.
وقال في موضع آخر: فإن اشترك ثلاثة من أحدهم داّبة ومن الآخر راوية، ومن الآخر العمل على أنّ ما رزق الله تعالى بينهم صحّ في قياس قول أحمد؛ فإنّه قد نصّ في الدّابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها على أنّ لهما الأجرة على الصّحّة وهذا مثله. وهكذا لو اشترك أربعة من أحدهم دكان ومن الآخر رحى، ومن آخر بغل ومن آخر العمل على أن يطحنوا وما رزو الله تعالى فهو بينهم صحّ، وكان بينهم على ما شرطوه. وقال القاضي: العقد فاسد في المسألتين جميعاً، وهو ظاهر قول الشّافعي. انتهى.
ومَن تأمّل ما نقلناه تبيّن له حكم مسألة السّؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر حفظه الله تعالى آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، وكلّ مَن تسأل عنه طيّبون، آل الشّيخ وسعود وإخوانه وأولاده، الجميع فيما تحبّ ولله الحمد. وإنّ سألت عن حالي فالحمد لله الي بنعمته تَتِمُّ الصّالحات. وما ذكرت من جهة العذر عن الزّيارة فعذرك واضح ولا عليك شرهة في الزّيارة والحالة هذه، وما ذكرت من جهة المشاورة في التّحوّل بأهلك جهة رنية فالذي أرى لك استخارة الله سبحانه. فإن وجدت نفسك مهتوية
(1/574)
________________________________________
فتوكّل على الله والوادي فيه ما يكفيك. وهذا رجب تبغي تصدر قالته إن شاء الله، ولا أكره لك نفع النّاس وبثّ العلم الذي تفهم لا كان في أصل الدِّين ولا في فروعه، واحرص على تعليم النّاس ما أوجب الله عليهم وكثرة القراءة في نسخ الأصول خصوصاً مختصرات الشّيخ رحمه الله، وكذلك السّير وحط البال على تعليم العامّة أصل دين الإسلام ومعرفة أدلّته ولا تكتف بالتعليم أنشدهم واجعل لهم وقتاً تسألهم فيه عن أصل دِينهم، ولا تغفل عن استحضار النّيّة فإن الأعمال بالنّيّات، وإنّكما لكلّ امرئ ما نوى، والله تعالى لا يقبل من العمل إلاّ ما كان خالصاً صواباً، فالصّواب ما وافق شرع الرّسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، والخالص ما أريد به وجه الله تعالى.
قال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} ، [الزّمر، من الآيتين: 2-3] .واحذر القول على الله بلا علمٍ، فإنّ الله تعالى لما ذكر المحرّمات العظام ختمها بقوله تعالى: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} ، [الأعراف، من الآية: 33] .فجعل القول منه فلا علمٍ قريناً للشّرك في الآية الكريمة، والله تعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها، ولكن العبد هو الذي يكلّف نفسه ويحملها ما لا تطيق ويعرضها لسخط الله ومقته.
ومن أعظم التّكلّف أن يتلكّم الإنسان بما لا يعلم، والواجب على الإنسان أن يتلكّم في دِين الله بما يعلم فإن لم يكن عنده علم فليقل: الله ورسوله أعلم، ولا تستح من قول: لا أدري، فقد قيل: إذا ترك العالم قول: لا أدري أصيبت مقاتله.
فإذا وقع عليك قضية من القضايا فإن كان عندك علم فتكلّم به وإلاّ فإن أمكن فيها الإصلاحح فأصلح فيها فإنّ الصّلح جائز بين المسلمين إلاّ
(1/575)
________________________________________
صلحاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً، فإن لم يمكن الصّلح أو لم يرض به الخصمان فاصرفهما عنك ولا تعاظم ذلك ولا تستح منه، فإنّ الأمر عظيم ولا بدّ من يوم تعاد فيه الخصومات بين يدي ربّ العالمين. قال الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} ، [الزّمر: 30-31] .
وأمّا المسائل التي سألت عنها:
فالأولى: شهادة المرأة الواحدة في الرّضاع عند مَن يقول به هل تصدق، ولو ادّعت أمّ الطفل كذبها؟ فالأمر كذلك تصدق والقول قولها.
وأمّا قولك: وهل تعتبر العدالة في المرضعة إذا ادّعت الرّضاع؟
فالأمر كذلك بل لا بدّ من العدالة في الشّهادة في الرّضاع وغيره، والمراد العدالة ظاهراً، وأمّا الرّضاع فنصّوا على العدالة في المرأة إذا ادّعت ذلك. قال ابن عبّاس: يقبل قولها إذا كانت مرضية وتستحلف فإذا حلفت فارق الزّوج المرأة. وقال الشّيخ تقيّ الدّين: يقبل قول المرأة في الرّضاع إذا كان معروفة بالصّدق، لحديث عقبة المخرج في الصّحيحين.
وأمّا قولك: إذا ماتت المرأة وشهدت على إقرارها بالرّضاع امرأة أو امرأتان فالظّاهر أنّ ذلك لا يعمل به؛ لأنّ الشّهادة على الشّهادة لها تسعة شروط: أحدها: أن تكون في غير حقّ الله. ومنها: أن يستدعي شاهد الأصل شاهد الفرع فيقول: أشهد على شهادتي. وأيضاً فإنّ الشّهادة على الرّضاع لا تقبل إلاّ مفسّرة لاحتمال أن يكون الشّاهد يرى في الرّضاع خلاف الصّواب، فلا بدّ من تفسير الرّضاع بخمس رضعات في الحولين.
المسألة الثّانية: إذا كان بين شريكين نخل أو زرع وأراد أحدهما تركه للآخر وعوضه كيلاً معلوماً أو جزءاً مشاعاً من الثّمر، فهذا مساقاة
(1/576)
________________________________________
لا مشاركة، ولا بأس بها. فإن كان بجزءٍ مشاعٍ فهو مساقاة، وإن كان بكيلٍ معلومٍ فهو إجارة وفيها خلاف والمفتى به عندنا جوازها.
المسألة الثّالثة: إذا كان شريكان في نخلٍ أو زرعٍ وبدا صلاح الثّمرة واشترى أحدهما نصيب الآخر بكيلٍ يشترطه من الثّمر بعينها والبائع عليه مؤونة الكد حتّى يتم العمل، فهذه مسألة مشكلة من حيث إنّ كلام الفقهاء فيها يخالف ظاهر السّنة. قال ابن عبد البرّ: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء، وعلّله وجعل أخذ الثّمرة بكيلٍ معلومٍ من المزابنة المنهي عنها، ولكن ظاهر السّنة جواز هذا، فإنّه قد ثبت أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كان يبعث عبد الله بن رواحة يخرص على أهل خيبر، فإذا خرصها خيّرهم. وقال:"إن شئتم فخذوها بخرصها، وإن شئتم فهي لنا".وقد روي أنّه خرص عليهم أربعين ألف وسق فأخذوا الثّمن وضمنوا للمسلمين عشرين. قال ابن القيم على فوائد قصة خيبر، وفيها: جواز قسمة الثّمار خرصاً، وأنّ القسمة ليست بيعاً. انتهى بمعناه.
وأمّا الأمر الذي لا يجوز وهو واقع كثيراً وينبغي التّفطّن له والتّنبيه عليه إذا كان لرجلٍ طعام في ذمّة صاحب النّخل قد أسلمه في ذمّته وحضرت الثّمرة وأخذ المسلم من المسلم إليه نخلاً بخرصه، فهذا لا يجوز ولا يحلّ لِمَن أخذه أن يبيعه حتّى يكتاله لقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"مَن ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يكتاله".حديث صحيح. ونصّ الفقهاء على أنّه لا يجوز لِمَن قبض الطّعام جزافاً أن يبيعه حتّى يكيله.
(1/577)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه وتسأل فيه عن مسائل:
الأولى: المطلقة البائن إذا مات زوجها الذي أبانها وهي في العدّة.
فهذه إن كان زوجها أبانها في الصّحّة؛ فإنّها تبنِي على عدّة الطّلاق ولا تعتدّ للوفاة كما لو أبانها في المرض.
الثّانية: المتوفى عنها وهي حامل، هل هي في إحداد ولو تعدّت أربعة أشهر وعشراً؟
فالأمر بذلك هي في إحداد حتّى تضع حملها.
الثّالثة: العبد المملوك إذا سرق من حرز من غير مال سيّده هل يجب عليه القطع؟
فالأمر كذلك. وأمّا سيّده فلا يقطع بسرقة ماله.
الرّابعة: فيمَن طلّق امرأته قبل أن يدخل بها ثلاث تطليقات، هل إذا بانت بالأولى هل تحلّ له (بنكاح) 1 جديد أم تحرم عليه؟
فلا تحلّ له إلاّ بعد الزّوج الثّاني بعد أن يجامعها، ولا تحلّ للأوّل قبل جماع الزّوج الثّاني، وأمّا إن كان طلّقها ثلاثاً واحدة بعد واحدةٍ فإنّها تبين بالأولى ولا يلحقها بقية الطّلاق؛ لأنّ غير المدخول بها لا عدّة عليها ولا يحلقها الطّلاق، فإذا بانت بالأولى حلّت لزوجها بعقدٍ ثانٍ، وإن لم تتزوّج غيره وتبقى معه على طلقتين.
الخامسة: فيمَن طلّق زوجته تطليقتين بعد المسيس ثم تزوّجت لها زوجاً ثانياً وطلّقها قبل أن يمسّها هل ترجع إلى الأوّل؟
فالأمر كذلك، ولا تأثير لهذا الزّوج في حلّ العقد؛ لأنّها حلال لزوجها قبله، فإذا
__________
1 هذه كلمة مطموسة في الأصل ص: 578، والمثبت باجتهاد النّاسخ.
(1/578)
________________________________________
اعتدت حلّت لزوجها الأوّل بعقدٍ جديدٍ، فإن لم يكن خلا بها فلا عدة عليها ويعقد عليها الثّاني في الحال.
السّادسة: إذا وطئ الصّبي الصّبية هل يلزمهما غير التّعزير؟
فلا يلزمهما حدّ بل يعزران تعزيراً بليغاً. قال الشّيخ تقيّ الدِّين: لا خلاف بين العلماء أنّ غير المكلّف يعزّر على الفاحشة تعزيراً بليغاً.
السّابعة: فيمَن رمى صبية بالزّنا أو صبياً.
فإن كان يمكن الوطء من مثله كبنت تسع وابن عشر فهذا يقام الحدّ على قاذفهما، وإن لم يبلغا بخلاف الصّغيرة الذي لا يجامع مثله والصّغيرة التي لا يجامع مثلها، فليس على قاذفهما إلاّ التّعزير.
وأمّا الصّغير إذا قذف الكبير فليس عليه إلاّ التّعزير.
الثّامنة: عبارة الشّرح في تفسير الشّرطين، وكذلك عبارة الإنصاف التي نقلت، فالذي عليه الفتوى أنّ الشّرطين الصّحيحين لا يؤثّران في العقد كما هو اختيار الشّيخ تقيّ الدِّين.
التّاسعة: الجراح المقدّرات مثل: الموضحة والمأمومة والجائفة إذا كانت في العبد فديتها في العبد نسبتها من ثمنه، فالموضحة من الحرّ ديتها نصف عشر الدّية، ومن العبد نصف عشر قيمته، والجائفة في الحرّ فيها ثلث الدّية، ومن العبد ثلث قيمته.
وأمّا الجراحات التي لا مقدّر فيها من الحرّ فديتها من العبد ما نقص قيمته بعد البرء.
العاشرة: دية المملوك هل هي على النّصف من الحر؟
فليس الأمر كذلك، بل دية المملوك قيمته سواء كثرت أو قلّت، وإذا قتل الحرّ العبد لم يقد به لقوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} ، [البقرة، من الآية: 178] .
الحادية عشرة: الإقرار بالزّنا هل يكفي فيه مرّة أو أربع؟
فالمسألة
(1/579)
________________________________________
خلافية بين أهل العلم، والأحوط أنّه لا بدّ من الإقرار أربع مرات كما هو مذهب الإمام أحمد، ولا بدّ أن يقيم على إقراره حتّى يتّم الحدّ. فإن رجع عن إقراره لم يقم عليه الحدّ. وكذا لو شرعوا في إقامة الحدّ عليه فرجع لحديث ماعز. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان سلّمه الله تعالى)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه. تسأل عمَن اعتقل لسانه عن بعض الكلام دون بعض وهو مريض، وقيل له: أوص لأخيك فلان بالنّفقة وكررت عليه مراراً وسكت سكتة، ثم قال: فلان يسمّيه باسمه ويشير برأسه إشارة ولم يتكلّم بالنّفقة ما حكم هذه الوصية؟
فالجواب: أنّ العلماء اختلفوا في وصية مَن اعتقل لسانه في الشّرح لما ذكر صحّة وصية الأخرس: فأمّا النّاطق إذا اعتقل لسانه فعرضت عليه وصيته فأشار بها وفهمت إشارته فلا تصحّ وصيته إذا لم يكن مأيوساً من نطقه. ذكره القاضي وابن عقيل. وبه قال الثّوري والأوزاعي وأبو حنيفة. ويحتمل أن تصحّ، وهو قول الشّافعي وابن المنذر. وقال في الإنصاف: لا تصح وصية مَن اعتقل لسانه. وهو المذهب، وعنه التّوقف. ويحتمل أن تصحّ إذا اتّصل بالموت، وفهمت إشارته. اختاره في الفائق.
قلت: وهو الصّواب. قال الحارثي: وهو الأولى. واستدلّ له بحديث رضّ اليهودي رأس الجارية وإيمائها. انتهى. وهذا الاختلاف فيما إاذ اعتقل لسانه واتّصل به الموت. وهذا المسؤول عنه قد تكلّم باسم الرّجل فالظّاهر
(1/580)
________________________________________
من حاله أنّه يقدر على التّلفّظ بالوصيّة ولم يلفظ بها فلا يدخل تحت الصّورة المختلف فيها. والأقرب عندي عدم الصّحّة. والله أعلم.
المسألة الثّانية: إذا احتاج العامل إلى جعل حظيرة على زرعه تمنع الرّياح عن مضرّة الزّرع ومنعه المالك بأنّ الحظيرة تجمع التّراب.
فالأقرب في مثل هذا أنّ العامل لا يمنع عن فعل ذلك؛ لأنّ فيه منفعة مقصودة، ولكن يلزمه إزالة الحظيرة وقلع ما جتمع فيها من التّراب الذي ألقته الرّيح. فتحصل المصلحة للعامل من غير ضرر على المالك.
وأمّا مسألة الميراث فقد علمت الذي عليه العمل في أصل المسألة.
وأمّا هذه الصّورة بعينها فلا أعلم الحكم فيها.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ومن جواب مسائل سُئِلَ عنها حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله:
قال بعد كلامٍ سبق:
المسألة السّابعة: وهي قولك: أنّا نقول: إنّ الإنسان إذا لم يحصل له الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أنّه يهاجر.
فنقول في هذه المسألة كما قال العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ: تجب الهجرة على مَن عجز عن إظهار دِينه بدار الحرب، فإن قدر على إظهار دِينه فهجرته مستحبّة لا واجبة. وقال بعضهم: بوجوبها؛ لما في الحديث عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال:"أنا برئ من مسلمٍ بين ظهراني المشركين".فإن لم تكن البلد بلد حرب ولم يظهر الكفر فيها لم نوجب الهجرة إذا لم يكن فيها إلاّ المعاصي. وعلى هذا يحمل الحديث الوارد عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال:"مَن رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده".الحديث. انتهى. جواب الشّيخ رحمه الله تعالى.
(1/581)
________________________________________
- 13 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان جعله الله من أهل العلم والإيمان)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
الخط وصلك أوصلك الله إلى رضوانه، وكذلك المسائل التي تسأل عنها:
الأولى: إذا سرقت الدّابّة ونحرت إلى آخر المسألة.
فالجواب: أنّ الدّابة إن سرقت من حرز مثلها كالبعير المعقول الذي عنده حافظ أو لم يكن معقولاً، وكان الحافظ ناظراً إليه أو مستيقظاً بحيث يراه ونحو ذلك مما ذكره الفقهاء في معرفة حرز المواشي، فهذه إذا سرقت من الْحِرز فعلى السّارق القطع بشروطه، فإن لم تكن في حرز فلا قطع على السّارق، وعليه مثلاً قيمة مثلها. وهو مذهب الإمام أحمد. واحتجّ بأنّ عمر غرّم حاطب بن أبي بلتعة حين انحر غلمانه ناقة رجلٍ من مزينة مثلي قيمتها.
وأمّا مَن سرق من الثّمرة، فإن ان بعد ما أواها الجرين فعليه القطع، فإن كان قبل ذلك بأن سرق من الثّمر المعلّق فلا قطع، وعليه غرامة مثليه في مذهب الإمام أحمد. وقال أكثر الفقهاء: لا يجب فيه أكثر من مثله. وبالغ أبو عمر بن عبد البرّ فقال: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه. والصّحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ سُئِلَ عن الثّمر المعلّق فقال:"مَن أصاب منه من ذي حاجة غير متّخذٍ خبنة فلا شيء عليه، ومَن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومَن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع".حديث حسن. قال الإمام أحمد: لا أعلم
(1/582)
________________________________________
شيئاً يدفعه.
وأمّا ما عدا هذه أعنِي: الثّمرة والماشية فالمشهور من مذهب الإمام أحمد لا يغرم أكثر من القيمة إن كان متقوّماً أو مثله إن كان مثلياً؛ لأنّ الأصل وجوب غرامة المثل فقط بدليل المتلف والمغصوب والنّهب والاختلاس وسائر ما تجب غرامته، فخولف الأصل في هذين الموضعين للأثر، ويبقى ما عداهما على الأصل. واختار الشّيخ تقيّ الدِّين ـ رحمه الله ـ وجوب غرامة المثلين في كلّ سرقةٍ لا قطع فيها.
وأمّا قول السّائل ـ وفّقه الله ـ: وإذا اختلفا في القيمة ولا بيّنة لهما مَنِ القول قوله؟
فالظّاهر من كلامهم أنّ القول قول الغارم.
وأمّا قوله: وإذا سرقها ثم باعها على مَن لا يعرف فما الحكم؟
فنقول: فيها كما تقدم، وهو غرامة المثلين على ما ذكرنا من تغريم عمر حاطباً، وعلى ما دلّ عليه حديث عمرو بن شعيب، فإنّ فيه أنّ السّائل قال: الشّاة الحريسة يا نَبِيّ الله؟ قال:"ثمنها ومثله معه".ولا فرق بين بيع الشّاة وبين ذبحها ونحر النّاقة وبيعها.
المسألة الثّانية: إذا دبر الرّجل جاريته كقوله: أنت عتيق بعد موتي، أو إذا مت فأنت حرّة، هل بين هذه الألفاظ فرق؟
فالجواب: أنّه لا فرق بين هذه الألفاظ، بل متى علّق صريح العتق بالموت فقال: أنت حرّة، أو محرّرة، أو عتيق بعد موتي صارت مدبرة بغير خلاف علمته.
وأمّا قوله: وإذا دبرها وهي حامل أو حملت بعد التّدبير فما الحكم في ولدها؟
فنقول: أمّا إذا دبّرها وهي حامل فإنّ ولدها يدخل معها في التّدبير بغير خلاف علمناه؛ لأنّه بمنْزلة عضو من أعضائها.
وأمّا إذا حملت به بعد التّدبير ففيه خلاف بين العلماء. فذهب الجمهور إلى أنّه يتبع أمّه في التّدبير ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيّدها. وهو مروي عن ابن مسعود
(1/583)
________________________________________
وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم ومجاهد والشّعبي والنّخعي وعمر بن عبد العزيز والزهّري ومالك والثّوري وأصحاب الرّأي.
وذكر القاضي أنّ حنبلاً نقل عن أحمد أنّ ولد المدبرة عبد إذا لم يشترط المولي. قال: فظاهره أنّه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيّدها. وهذا قول جابر بن زيد. وهو اختيار المزنِي من أصحاب الشّافعي. قال جابر بن زيد: إنّما هو بمنْزلة الحائط تصدّقت به إذا مت، فإنّ ثمرته لك ما عشت وللشّافعي قولان كالمذهبين.
المسالة الثّالثة: إذا تصرّف الفضولي وأنكر صاحب المال فلم يجز التّصرّف فما الحكم في نماء المبيع؟
فنقول: اختلف الفقهاء في تصرّف الفضولي إذا أجازه المالك، هل هو صحيح أم لا؟ والخلاف مشهور.
وأمّا إذا لم يجز المالك فلم ينعقد بيع أصلاً ولا تدخل هذه المسألة في الخلاف بل الملك باقٍ على ملك صاحبه، ولا ينتقل بصرّف الفضولي ونماؤه لمالكه.
وأمّا قوله: وإذا قال الفضولي للمشتري: أنا ضامن ما الحكم في الغرامة؟ هل يلزمه غرامة النّماء؟
فنقول: إن كان المشتري جاهلاً أنّ هذا مال الغير أو كان عالماً لكن جهل الحكم وغرّه الفضولي فما لزم المشتري من الغرامة من هذا النّماء الذي تلف تحت المعهود يكون على الضّامن الغارّ.
المسألة الرّابعة: وهي قوله: على القول بإثبات الشّفعة بالشّركة في البئر والطّريق، هل إذا باع إنسان عقاره وقد وقعت الحدود إلاّ أنّ الشّركة باقية في البئر والطّريق ومسيل الماء هل يأخذ الشّفيع المبيع كلّه لأجل الشّركة في هذه الأمور أم لا شفعة له في البئر والطّريق ومسيل الماء؟
(1/584)
________________________________________
فنقول: على القول بإثبات الشّفعة بالشّركة في البئر والطّريق يأخذ الشّفيع المبيع كلّه بالشّركة في البئر والطّريق ولا يختصّ ذلك بالبئر نفسها ولا بالطّريق وحده، وقد نصّ على ذلك أحمد في رواية أبي طالب، فإنّه سأله عن الشّفعة لِمَن هي؟ فقال: للجار إذا كان الطّريق واحداً، فإذا صرفت الطّرق وعرفت الحدود فلا شفعة، ويدلّ على ذلك ما رواه أهل السّنن الأربعة من حديث جابر، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" الجار أحقّ بشفعة جاره وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً".
وفي حديث جابر المتّفق عليه:"الشّفعة في كلّ ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرف الطّرق فلا شفعة".فمفهوم الحديث الأخير موافق لمنطوق الأوّل، بإثبات الشّفعة إذا لم تصرف الطّرق. والشّركة في البئر تقاس على الشّركة في الطّريق؛ لأنّ الشّفعة إنّما شرعت لإزالة الضّرر عن الشّريك ومع بقاء الشّركة في البئر والطّريق يبقى الضّرر بحاله. وهذا اختيار الشّيخ تقيّ الدِّين رحمه الله، وهو الذي عليه الفتوى.
وأمّا الشّفعة فيما لا ينقل وليس بعقارٍ كالشّجر إذا بيع مفرداً ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك، فالمشهور في المذهب أنّها لا تثبت فيه الشّفعة. وهو قول الشّافعي وأصحاب الرّأي. وعن أحمد رواية أخرى أنّ الشّفعة تثبت في البناء والغراس وإن بيع مفرداً لعموم قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"الشّفعة فيما لم يقسم"، ولأنّ الشفعة تثبت لدفع الضّرر والضّرر فيما لا ينقسم أبلغ منه فيما ينقسم. وقد روى التّرمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" الشّفيع شريك والشّفعة في كلّ شيءٍ ".وقد روي مرسلاً. ورواه الطّحاوي من حديث جابر مرفوعاً
(1/585)
________________________________________
ولفظه: قضى رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-بالشّفعة في كلّ شيء.
وأمّا مسألة الضّيافة على القول بوجوبها، فالضّيف على مَن نزل به، وأمّا الغائب ومَن لم ينْزل به الضّيف فلا يجب عليه معرفة المنْزول به إلاّ أن يختار المعين.
وأمّا مسألة المريض الذي أبرأ غرماءه مما عليهم من الدَّين فلما برئ من المرض أراد الرّجوع فيما زاد على الثّلث.
فهذا لا رجوع فيه، بل يسقط الدَّين بمجرّد إسقاطه، وإنّما التّفصيل فيما إذا برأ من الدَّين ومات في ذلك المرض.
وأمّا الذي أبرأ غريمه على شرطٍ مجهولٍ بأن شرط عليه ذلولاً تمشي في الجهاد دائماً، ومتى ماتت اشترى أخرى أو شرط عليه أضحية كلّ سنة على الدّوام.
فهذا لا يصحّ البراءة والحالة هذه لا تصحّ. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ سعيد أسعده الله بطاعته وجعله من أهل ولايته.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
الخط وصل وصلك الله إلى رضوانه، وسرّ الخاطر حيث أفاد العلم بطيبكم وصحّة حالمك، أحال الله عنّا وعنك جميع ما نكره.
وأمّا المسألة المسؤول عنها هل الدَّين يمنع الزّكاة في الأموال الباطنة أم لا؟
فالمسألة فيها ثلاث روايات عن أحمد ليس كما ذكر صاحب الشّرح؛
(1/586)
________________________________________
حيث ذكر أنّ الدَّين يمنع وجوب الزّكاة رواية واحدة. والرّوايات الثّلاث حكاها في الفروع والإنصاف:
الأولى: وهي المذهب الدَّين يمنع وجوب الزّكاة.
والثّانية: أنّه لا يمنع مطلقاً كما هو مذهب الشّافعي.
الثّالثة: الفرق بين الحال وغيره، فالحال يمنع وجوب الزّكاة بخلاف المؤجّل، واختار هذه الرّواية بعض الأصحاب، وهي ظاهر حديث عثمان؛ لأنّه قال: هذا شهر زكاتكم فمَن كان عليه دَين فليقضه ثم ليزك ما بقي، وهذه الرّواية هي التي عليها ظاهر الفتوى.
المسألة الثّانية: وهي أنّ النّاس قبل الإسلام منهم مَن لا يورث المرأة، ومنهم مَن يصالحها ويسلمون وبينهم عقار ونحوه، ومن الإرث شيء باعه الرّجال ولم يعطوا النّساء منه شيئاً قبل الإسلام الخ.
فالذي عليه الفتوى في هذه المسائل أعنِي: عقود الجاهلية من نكاحٍ وبياعاتٍ وعقود الرّبا والغصوب ومنع المواريث أهلها ونحو ذلك، أنّ مَن أسلم على شيءٍ من ذلك لم نتعرّض له فلا نتعرّض لكيفية عقد النّكاح هل وقع بشروطه كالولي والشّهود ونحو ذلك، وكذلك البيّاعات لا تنقض إذا أسلم المتعاقدان ولا ننظر كيف وقع العقد، وكذلك عقود الرّبا إذا أسلما ولم يتقابضا، بل أدركهما الإسلام قبل التّقابض فليس لصاحب الدَّين إلاّ رأس ماله؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} ، [البقرة، من الآية: 279] .
وأمّا المال المقبوض فلا يطالب به القابض إذا أسلم؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} ، [البقرة، من الآية: 275] .
وكذلك المواريث والغصوب، فإذا استولى الإنسان على حقّ غيره وتملكّه في جاهليته ومنع مالكه بحيث
(1/587)
________________________________________
أيس منه ثم أسلم وهو في يده لا ينازع فيه، فهذا لا نتعرّض له لظاهر قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"الإسلام يجب ما قبله".ولأنّ النّاس أسلموا في عهد النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وخلفائه الرّاشدين ولم يبلغنا أنّهم نظروا في أنكحة الجاهلية ولا في عقودهم ومعاملاتهم ولا في غصوبهم ومظالمهم التي تملكّوها في حال كفرهم.
قال ابن جريح: قلت لعطاء: أبلغك أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أقرّ الجاهلية على ما كانوا عليه؟ قال: لم يبلغنا إلاّ ذلك، وقال الإمام أحمد في رواية مهنا: مَن أسلم على شيء فهو عليه.
وقال الشّيخ تقيّ الدِّين: ولو تزوّج المرتدّ كافرة مرتدّة كانت أو غيرها ثم أسلما فالذي ينبغي أن يقال هنا أنّ نقرّهم على مناكحهم كالحربي إذا نكح نكاحاً فاسداً ثم أسلما فإنّ المعنى واحد، وهو جيد في القياس إذا قلنا إنّ المرتدّ لا يؤمر بقضاء ما تركه في الرّدّة من العبادات. فأمّا إذا قلنا: إنّه يؤمر بقضاء ما تركه من العبادات ويضمن ويعاقب على ما فعله ففيه نظر. ومما يدخل في هذا كلّ عقود المرتدّين إذا أسلموا قبل التّقابض أو بعده، وهذا باب واسع يدخل فيه جميع أحكام أهل الشّرك في النّكاح وتوابعه، والأموال وتوابعها، أو استولّوا على مال مسلمٍ أو تقاسموا ميراثاً ثم أسلموا بعد ذلك، والدّماء وتوابعها كذلك. انتهى كلام الشّيخ رحمه الله.
وقال ـ رحمه الله ـ في موضع آخر: ولو تقاسموا ميراثاً جهالاً فهذا شبيه بقسم ميراث المفقود إذا ظهر حيا لا يضمنون ما أتلفوا؛ لأنّهم معذورون. وأمّا الباقي فيفرّق بين المسلم والكافر؛ فإنّ الكافر لا يردّ باقياً ولا يضمن تالفاً. انتهى.
وأمّا قولك: وأيضاً ذكر الفقهاء أنّ المرتدّ لا يرث ولا يورث فكفّار أهل زماننا هل هم مرتدّون أم حكمهم حكم عبدة الأوثان؛ لأنّهم
(1/588)
________________________________________
مشركون؟ فنقول: أمّا مَن دخل منهم في الإسلام ثم ارتدّوا عنه فهؤلاء مرتدّون وأمرهم عندك واضح. وأمّا مَن لم يدخل في دِين الإسلام بل أدركته الدّعوة الإسلامية وهو على كفره كعبدة الأوثان اليوم، فهذا حكمه حكم الكافر الأصلي؛ لأنّا لا نقول إنّ الأصل الإسلام والكفر طارئ، بل نقول الذين نشأوا بين الكفّار وأدركوا آباءهم على الشّرك بالله هم كآبائهم كما دلّ عليه الحديث الصّحيح:"فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه".فإذا كان دِين آبائهم الشّرك بالله فنشأ هؤلاء عليه واستمرّوا عليه فلا نقول الأصل الإسلام والكفر طارئ، بل نقول: هم كالكفّار الأصليّين، ولا يلزم هنا على هذا تكفير مَن مات في الجاهلية قبل ظهور هذا الدِّين. فإنّا لا نكفِّر النّاس بالعموم كما أنّا لا نكفِّر اليوم بالعموم، بل نقول: مَن كان من أهل الجاهلية عاملاً بالإسلام تاركاً للشّرك فهو مسلم، وأمّا مَن كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدِّين فهو ظاهره الكفر، وإن كان يحتمل أنّه لم تقم عليه الحجّة الرّسالية لجهله وعدم مَن ينبّهه؛ لا أنّا نحكم على الظّاهر.
وأمّا الحكم على الباطن فذاك أمره إلى الله، والله تعالى لم يعذر أحداً إلاّ بعدم قيام الحجّة، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} ، [الإسراء، من الآية: 15] .
وأمّا مَن مات منهم مجهول الحال، فهذا لا نتعرّض له ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه، وليس ذلك مما كلفنا به {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، [البقرة: 134] .فمَن كان منهم مسلماً أدخله الله الجنّة، ومَن كان كافراً أدخله الله النّار، ومَن كان لم تبلغه الدّعوة فأمره إلى الله، وقد علمت اختلاف العلماء في أهل الفترة، ومَن لم تبلغه الحجّة الرّسالية، وأيضاً فإنّه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا
(1/589)
________________________________________
بما حكم به الفقهاء في المرتدّين بأنّه لا يرث ولا يورث؛ لأنّ مَن قال بأنّه لا يرث ولا يورث يجعل ماله فيئاً لبيت مال المسلمين، وطرد هذا القول أن يقال: جميع أملاك الكفّار اليوم بيت مال؛ لأنّهم ورثوها عن أهاليهم وأهاليهم مرتدّون لا يورثون. وكذلك الورثة مرتدّون لا يرثون؛ لأنّ المرتدّ لا يرث ولا يورث. وأمّا إذا حكمنا فيهم بحكم الكفّار الأصليّين لم يكن شيء من ذلك بل يتوارثون، فإذا أسلموا فمَن أسلم على شيء فهو له، ولا نتعرّض لما مضى منهم في جاهليتهم لا المواريث ولا غيرها.
وقد روى أبو داود عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" كل قسم قُسم في الجالهية فهو على ما قسم، وكلّ قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلا م".
وروى سعيد في سننه من طريقين عن عروة وأبو مليكة عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"مَن أسلم على شيء فهو له ".ونصّ أحمد على مثل ذلك كما تقدّم عنه في رواية مهنا.
واعلم بأنّ القول بأنّ المرتدّ لا يرث ولا يورث هو أحد الأقوال في المسألة، وهو مشهور في المذهب، وهو مذهب مالك والشّافعي.
والقول الثّاني: أنّه لورثته من المسلمين. وهو رواية عن أحمد، وهو مروي عن أبي بكر الصِّدِّيق وعليّ بن أبي طالب وابن مسعود، وهو قول جماعة من التّابعين، وهو قول الأوزاعي وأهل العراق.
والقول الثّالث: أنّ ماله لأهل دِينه الذي اختاره إن كان منهم مَن يرثه وإلاّ فهو فيء. وهو رواية عن أحمد. وهو مذهب داود بن عليّ. والسّلام.
فائدة: قال في الإقناع وشرحه: وإذا ذبح السّارقُ المسلمُ أو الكتابيُ المسروقَ مسمّياً حل لربّه ونحوه أكله ولم يكن ميتة كالمغصوب، ويقطع السّارق إن كان قيمة المذبوح نصاباً وإلاّ فلا ـ إلى أن قال ـ:
(1/590)
________________________________________
ومَن سرق من ثمرٍ أو شجرٍ أو من جمار نخل وهو الكُثر ـ بضُمّ الكاف وفتح المثلثة ـ قبل إدخاله الحرز كأخذه من رؤوس النّخل وشجر من بستان لم يقطع، وإن كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوضه مرتّين لحديث رافع بن خديج أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ".رواه أحمد وأبو داود والتّرمذي. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: سُئِلَ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن الثّمر المعلّق فقال:"مَن أصاب منه بغيته من ذي حاجة غير متّخذ خبنة فلا شيء عليه، ومَن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ".
ولأنّ الثّمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ قميتها على سارقها ردعاً له وزجراً بخلاف غيره.
وقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"غير متّخذ خبنة"بالخاء المعجمة ثم باء موحدّة ثم نون، أي: غير متّخذ في حجره، ومَن سرق منه أي: من الثّمر نصاباً بعد إيوائه الحرز كجرين ونحوه أو سرق نصاباً من ثمر من شجره في دار محرزة قطع لقوله ـ عليه السّلام ـ في حديث عمرو بن شعيب السّابق:" ومَن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ".رواه أحمد والنّسائي وأبو داود ولفظه له.
وكذلك الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة تضمن بمثلي قيمتها ولا قطع كثمر وكثر، واحتجّ أحمد بأنّ عمر غرّم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة من مزينة مثلي قيمتها. رواه الأثرم. وما عداها أي الثّمر والكثر والماشية يضمن بقيمته مرّة واحدة إن كان متقوّماً، أو مثله إن كان مثليّاً، كان التّضعيف فيها على خلاف القياس للنّصّ فلا يتجاوزه محلّ النّصّ. وقال في كتاب الأطعمة: ومَن مرّ بثمرٍ على شجرٍ أو مرّ بثمرٍ ساقطٍ تحته لا حائط عليه أي: على الشّجر ولا ناظر ولو كان المارّ غير مسافرٍ ولا مضطر
(1/591)
________________________________________
فله أن يأكل منه ولو لغير حاجّةٍ إلى أكله، ولو أكله من غصونه من غير رميه ولا ضرر به ولا صعود شجره، لما روى أبو سعيد أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:" إذا أتيت حائط بستان فناد: يا صاحب البستان، فإن أجابك وإلاّ فكل من غير أن تفسد". رواه أحمد وابن ماجه ورجاله ثقات.
قال في المبدع: وروى سعيد بإسناده نحوه مرفوعاً، ومثله عن عبد الرّحمن بن سمرة وأبو برزة، وهو قول عمرو بن شعيب وابن عبّاس، وعلم منه أنّه لا يجوز رميه بشيء ولا صعود شجره؛ لأنّه يفسد، واستحبّ جماعة أن ينادي قبل الأكل ثلاثاً: يا صاحب البستان، فإن أجابه وإلاّ أكل للخبر السابق.
وكذلك ينادي للماشية إذا أراد أن يشرب من لبنها ولبن ماشية إذا مرّ بها كالثّمر، لما روى الحسن عن سمرة مرفوعاً قال:"إذا أتى أحدكم على ماشيةٍ فإن كان صاحبها فيها فليستأذنه فإن لم يجد أحداً فليحتلب وليشرب ولا يحمل".رواه التّرمذي وصحّحه. وحديث ابن عمر:"لا يحتلبن أحدكم مشايته إلاّ بإذنه".متّفق عليه يحتمل حمله على ما إذا كان حائط أو حافظ جمعاً بين الخبرين. والأولى في الثّمار وغيرها كالزّرع ولبن الماشية لا يأكل منها إلاّ بإذنٍ خروجاً من الخلاف. انتهى كلام الإقناع وشرحه.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
(1/592)
________________________________________
القسم الثالث
رسائل وفتاوي الشيخ حمد بن ناصر بن معمر
...
وأمّا دخولهم النّار ونطوطهم من السّطوح وضربهم أنفسهم بالحديد.
فاعلم أنّ منشأ البدعة من المجوس والصّابئين الكافرين بالله ورسوله وقوم من المجوس يسمّون الزّطّ يدخلون النّار ولا يحسّون بها ويضربون أبدانهم بالحديد ويحمون الحديد حتّى يحمي ويضعونه على أبدانهم ولا يحسّون بذلك، ومن هؤلاء مَن يطير في الهواء، ومنهم مَن يركز الرّمح ويرقي عليه ويجلس على الحربة ويحدّث النّاس ولا يحسّ بذلك. ومنهم مَن يمضي له عشرة أيّام وأقلّ وأكثر ولا يأكل شيئاً من الطّعام. ومنهم مَن يخاطب من الهوى يسمعون الحسّ ولا يرون الشّخص. ومنهم مَن يظهر له الكشف عن أحوال بعض النّاس الخفية ويخبر بذلك، وكلّ هذه الشّعبذة من المنكرات وأحوال شيطانية.
وأمّا ضربهم بالسّلاح ولا يحسّون بذلك فاعلم يا أخي أنّهم ليسوا بأفضل من الأنبياء، فإنّ أنباء بني إسرائيل قتلهم فساقهم، منهم زكريا ـ عليه السّلام ـ نشر بالمنشار وزهقت نفسه، ويحيى بن زكريا قتل وقطع رأسه، والنَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ شجّ رأسه وكسرت رباعيته، ولا يخفاكم مَنْ قُتِلَ مِن أصحابه. أفترون هذا الفاسق الزّنيم الذي يسمّونه الذّيخ عنيد وأضرابه من الفاسقين أفضل من الأنبياء؟ ومن أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ؟ وهل يشكّ عاقل يعزّ عليه دِينه في أنّ هذه أمور شيطانية، فإنّ أحدهم إذا لبسه الشّيطان فعل ما أراد من دخول النّار والنّطوط من السّطوح والإخبار بالمغيّبات.
وسلِّم لي على الشّيخ عثمان بن عبد الله بن شبانة، والشّيخ عبد القادر العديلي وسائر الإخوان.
واعلموا أنّ أهل حرمة وأضرابهم الذين اتّبعوا هذا الشّيطان أتباع كلّ ناعق وأنّ مَن حضرهم منهم أو جادل عنهم أو قال: إنّ لهم أشياء مستحسنة فلا يصلّى خلفه، ولا تقبل شهادته. واعملوا أنّه حرام
(1/524)
________________________________________
رسائل وفتاوي للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين
...
رسائل وفتاوى
(الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين)
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الأخ جمعان بن ناصر زاده الله علماً وفهماً، ووهب لنا وله حكماً، ووفّقنا وإيّاه لسلوك صراطه المستقيم، ورزقنا وإيّاه الاستقامة، وجنّبنا طريق الضّلال أصحاب الجحيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فموجب الخط إبلاغ المحبّ جزيل السّلام والسّؤال عن الأحوال لا زلتم بخيرٍ وخطكم الشّريف وصل، أوصلكم الله إلى الخيرات. ومن طرف ما ذكرت من الأخبار فالحمد لله ربّ العالمين حمداً كثيراً كما هو أهله وكما ينبغي لعزّ جلاله وكرم وجهه. ومن طرف الأخبار البيعدة فلم نتحقّق إلى الآن أمراً بيّناً والطّائفتان متقابلتان. نسأل الله أن يصلح مَن في صلاحه صلاح المسلمين، ويهلك مَن في هلاكه صلاح المسلمين. وما أشرت إليه من أنّا مستوجبون لما هو أعظم مما ذكرت، فالأمر كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ، [الشّورى: 30] .نسأل الله العفو والعافية لنا ولجميع المسلمين: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} ، [القصص، من الآية: 68] .
ويا أخي، دفعنا إلى هذا الزّمان الذي ترى القابض فيه على دِينه كالقابض على الجمر، والقائم فيه بالحقّ كأنّما يجرع النّاس كأس المرّ، نفوس استحلّت مذاق الباطل، وقلوب استولى عليها حبّ العاجل، وأكثر طلبة العلم اليوم صاروا إمّا في الإفراط أو التّفريط. نسأل الله لنا ولكم الهدى والسّداد.
وأيضاً يا أخي لما أراد الله
(1/593)
________________________________________
سبحانه ما ترى فالذي ينبغي لمثلنا حثّ النّاس على الخير حسب الاستطاعة، واستعمال الرّفق والمداراة من غير مداهنة، والفرقة عذاب، والجماعة رحمة. كما قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: الجماعة رحمة والفرقة عذاب. وما تكرهون في الجماعة خير مما تحبّون في الفرقة، ونسأل الله أن يصلح مَن في صلاحه صلاح المسلمين، وأن يهلك مَن في هلاكه صلاح المسلمين. وما ذكرت من المسائل:
المسألة الأولى: فيمَن استأجر أرضاً لغرسٍ أو بناءٍ مدّةً معلومةً الخ؟
فالمذهب كما ذكرتم أنّ مالك الأرض يخيّر بين تملّك الغراس أو البناء بقيمته أو تركه بأجرة المثل مدّة بقائه أو قلعه وضمان نقصه، فإن اختار صاحب الغراس أو البناء قلعه فله ذلك وليس لربّ الأرض منعه إذا أراده. وهذا ما لم يشترط قلعه عند انقضاء المدّة.
وأمّا صفة تقويمه إذا اختار ربّ الأرض أخذه بقيمته، فقال في المغنِي والشّرح: لا يمكن إيجاب قيمته باقياً؛ لأنّ البقاء غير مستحقّ ولا قيمته مقلوعاً؛ لأنّه لو كان كذلك لملك القلع مجاناً، ولأنّه قد لا يكون له قيمة إذا قلع قالا ولم يذكر أصحابنا كيفية وجوب القيمة.
والظّاهر أنّ الأرض تقوّم مغروسة ومبنية ثم تقوّم خالية فيكون ما بينهما قيمة الغرس والبناء. انتهى.
وجزم بذلك ابن زرين في شرحه وتبعه في الإقناع وشرحه. وكذا في شرح المنتهى، وبيان ذلك إذا قوّمت الأرض خالية بمائة ومغروسة أو مبنية بمائتين مثلاً، صار قيمة الغراس أو البناء مائة، فإن اختار مالك الأرض القلع مع ضمان النّقص وقيمة الأض خالية مائة وقيمتها مغروسة مائتان
(1/594)
________________________________________
فقيمة الغرس أو البناء مائة، فإذا قلع صارت قيمته عشرين مثلاً، تبيّنّا أنّ النّقص بالقلع ثمانون يدفعها صاحب الأرض لصاحب الغراس أو الباء، وهكذا الحكم لو اشترى أرضاً فغرس فيها أو بنى ثم فسخ العقد بنحو عيبٍ أو إقالةٍ. قال في الإنصاف: على الصّحيح من المذهب. قال: وأمّا البيع بعقدٍ فاسدٍ إذا غرس فيه المشتري أو بنى فالصّحيح من المذهب أنّ حكمه حكم الستعير إذا غرس أو بنى. ذكره القاضي وابن عقيل والمصنّف في المغنِي وقدّمه في الفروع. انتهى.
وأمّا العارية التي لم يشترط فيها القلع على المستعير عند رجوع المعير فمالك الأرض يخيّر بين القلع وضمان النّقص وبين أخذه بقيمته لا تبقيته بالأجرة بغير رضا المستعير، قالوا: فإن أبى المالك من أخذه بقيمته وقلعه وضمان نقصه ولم يتراضيا على تبقيته بالأجرة بيع عليهما إن رضيا أو أحدهما ويجبر الممتنع منهما إذا طلب صاحبه البيع وقسم الثّمن بينهما يقسط على الأرض والغراس كما تقدّم. ولم يقولوا بالبيع والحالة هذه في صورة الإجارة السّابقة، إلاّ أنّ صاحب الغاية قال: ويتّجه لو أبى صاحب الأرض الثّلاث، ومالك الغرس أو البناء قلعه بيعت الأرض بما فيها كعارية. انتهى.
وقول صاحب المحرّر في العارية: إذا امتنع المالك من أخذه بقيمته ومن قلعه مع ضمان نقصه بقي في أرضه مجاناً. وهذا وجه في المذهب.
والوجه الثّاني: وهو المشهور، أنّه إذا امتنع المالك من أخذه بقيمته ومن قلعه مع ضمان نقصه ولم يتراضيا على أجرة بيع عليهما بطلب أحدهما، وما ذكرتم من عبارة التّحفة فيحتمل أن يكون مراده بالتّقويم كما ذكرنا ويحتمل أنّه يريد أن يقوّم الغرس وحده قائماً كما هو قول لبعض أصحابنا.
(1/595)
________________________________________
وقال الشّيخ تقيّ الدّين ـ ر حمه الله ـ: ليس لأحد أن يقلع غراس المتسأجر وزرعه وبناءه صحيحةً كانت الإجارة أو فاسدةً. بل يبقى وعلى ربّه أجرة المثل ما دام قائماً فيها. وقال فيمَن احتكر أرضاً بنى فيها مسجداً أو بناء وفقه عليه فمتى فرغت المدّة وانهدم البناء زال حكم الوقف وأخذوا أرضهم فانتفعوا بها، وما دام البناء قائماً فيها فعليه أجرة المثل. قال في الإنصاف: وهو الصّواب، ولا يسع النّاسع إلاّ ذلك.
وإذا بقي الغراس أو البناء بأجرةٍ لم يشترط تقدير المدّة؛ لأنهم لم يذكروا ذلك، وهو ظاهر. بل يشترط تقدير أجرة كلّ سنة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الثّانية: نكاح الرّجل المرأة في عدّة أختها أو خالتها ونحوهما، ونكاحه خامسة في عدّة رابعة؟
فإن كان الطّلاق رجعيّاً فهذا النّكاح باطل عند جميع العلماء. وإن كانت العدّة من طلاق بائن ففيه خلاف مشهور. والمذهب التّحريم. قال في الشّرح الكبير: إذا تزوّج الرّجل امرأة حرمت عليه أختها وعمّتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها تحريم جمع، وكذلك إذا تزوّج الحرّ أربعاً حرمت عليه الخامسة تحريم جمعٍ بلا خلاف. فإذا طلّق وزجته طلاقاً رجعيّاً فالتّحريم باقٍ بحاله في قولهم جميعاً. وإن كان الطّلاق بائناً أو فسخاً فكذلك حتّى تنقضي عدّتها. روي ذلك عن عليّ وابن عبّاس وزيد بن ثابت. وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد والنّخعي والثّوري وأصحاب الرّأي. وقال القاسم بن محمّد وعروة ومالك والشّافعي وأبو عبيد وابن المنذر له نكاح جميع مَن سمّيناه من تحريم.
المسألة الثّالثة: في الفرق بين الباطل والفاسد؟
فقال في مختصر التّحرير
(1/596)
________________________________________
وشرحه: وبطلان وفساد مترادفان يقابقلان الصّحّة الشّرعية، أي: فيقال: لكلّ ما ليس بصحيحٍ باطل وفاسد سواء كان عبادة أو عقداً. قال: وفرّق أبو حنيفة بين البطلان والفساد، وفرّق أصحابنا وأصحاب الشّافعي بين الفاسد والباطل في الفقه في مسائل كثيرة.
قال في شرح التّحرير. قلت: غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد إذا كانت مختلفاً بين العلماء، والتي حكموا عليها بالبطلان إذا كانت مجمعاً عليها أو الخلاف فيها شاذ، قال ثم وجدت بعض أصحابنا. قال: الفاسد من النّكاح ما يسوغ فيه الاجتهاد والباطل ما كان مجمعاً على بطلانه.
المسألة الرّابعة: قول الزّوج لزوجته: طلّقي نفسك. وقوله لها: أمرك بيدك، ما الفرق بينهما مع كون كلّ من اللّفظين توكيلاً في الطّلاق؟
فأمّا قوله: طلّقي نفسك، ونحو هذا اللّفظ، فهذا وكالة صريحة كما لو قاله لغير زوجته. وقوله: أمرك بيدك، كناية في التّوكيل في الطّلاق يحتاج إلى نيّة الزّوج إن كان مراده تفويض أمرها إليها والفرق من جهة العربية أنّ قوله: أمرك بيدك يقتضي توكيلها في جميع أمرها؛ لأنّ قوله: أمرك اسم جنس مضاف، فيتناول الطّلقات الثّلاث أشبه ما لو قال: طلّقي نفسك ما شئت. وكذا لو قال لأجنبي: أمر زوجتي بيدك، ملك تطليقها ثلاثاً. قال في الشّرح: وإن قال لامرأته: طلّقي نفسك، فلها ذلك كالوكيل، فإن نوى عدداً فهو على ما نوى، وإن أطلق من غير نيّة لم تملك إلاّ واحدة؛ لأنّ الأمر المطلق يتناول أقلّ ما يقع عليه الاسم، وكذلك الحكم لو وكل أجنبيّاً فقال: طلّق زوجتي فالحكم على ما ذكرنا.
قال أحمد فيمَن قال لامرأته: طلّقي نفسك، ونوى ثلاثاً فطلّقت نفسها
(1/597)
________________________________________
ثلاثاً فهي ثلاث. وإن كان نوى واحدةً لم تطلق إلاّ واحدةً؛ لأنّ الطّلاق يكون واحدةً ويكون ثلاثاً فأيّهما نواه فقد نوى بلفظه ما يحتمله، وإن لم ينو تناول اليقين، وهو واحدة.
ثم قال الشّارح: ولا يطلق الوكيل أكثر من واحدة إلاّ أن يجعل ذلك إليه، لأنّ الأمر المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم، إلاّ أن يجعل إليه أكثر من واحدةٍ بلفظه أو نيّته. نصّ عليه. والقول قوله في نيّته؛ لأنّه أعلم بها.
ثم قال الشّارح: إذا قال لامرأته: أمرك بيدك، كان لها أن تطلق ثلاثاً، وإن نوى أقلّ منها. هذا ظاهر المذهب؛ لأنّها من الكنايات الظّاهرة. روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عبّاس، وبه قال سعيد بن المسيب والزّهري. قالوا: إذا طلقت ثلاثاً؟ فقال: لم أجعل لها إلاّ واحدة لم يلتفت إلى قوله والقضاء قضت به، وعن ابن عمر وابن مسعود أنّها طلقة واحدة، وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم ومالك والأوزاعي. وقال الشّافعي: إن نوى ثلاثاً فلها أن تطلق ثلاثاً وإن نوى غير ذلك لم تطلق ثلاثاً والقول قوله في نيّته.
ثم احتجّ الشّارح للقول الأوّل بما ذكرناه أوّلاً من أنّ قوله:"أمرك"، اسم جنس مضاف فيتناول الطّلقات الثّلاث أشبه ما لو قال طلّقي نفسك ما شئت. انتهى.
فإن ادّعى الزّوج بأنّه لم يرد بقوله لزوجته أمرك بيدك تفويض الطّلاق إليها فالقول قوله: ما لم يقع ذلك جواباً بسؤالها الطّلاق ونحوه.
وأمّا قول العامّة قلطتك على نفسك، فالذي يظهر أنّ هذا كناية في الوكالة تملك به واحدة وتعتبر نيّته أيضاً أو يكون ذلك جواباً لسؤالها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في حكم الطّلاق في النّكاح الفاسد. قال في الإنصاف:
(1/598)
________________________________________
ويقع الطّلاق في النّكاح المختلف فيه كالنّكاح بلا وليٍّ عند أصحابنا. ونصّ عليه أحمد ـ رحمه الله ـ وهو المذهب. ثم ذكر وجهاً بعدم الوقوع، ثم قال: وحيث قلنا بالوقوع فيه فإنّه يكون طلاقاً بائناً. قال في الرّعاية والفروع والنّظم وغرها. قال: فيعايا بها. انتهى. فعلى هذا يحسب من الطّلقات الثّلاث.
المسألة السّادسة: في صفة تقويم المريض إذا أتلفه متلف. فقال المجد في شرح الهداية: مَن استهلك على رجلٍ زرعاً أخضر ضمن قيمته على رجاء السّلامة والعطب. قال: وهذا مذهب مالك وقياس مذهبنا في تقويم المريض والجاين ونحوهما. انتهى. إنّ صفة ذلك في تقويم المريض ونحوه أن يقال: يساوي إذا كان ترجى حياته ويخاف موته ثلاثين ريالاً مثلاً، وإن لم يخف عليه الموت من ذلك المرض ساوى خمسين مثلاً، وإن كان لا يرجى سلامته يساوي مثلاً عشرة، فإذا كان ترجى حياته ويخاف موته صارت قيمته ثلاثين، فهي الواجب فيه. والله أعلم.
المسألة السّابعة: إذا اقتتلت طائفتان لعصبيةٍ أو طلب رياسةٍ؟
فقال أصحابنا: وإن اقتتلت طائفتان لعصبيةٍ أو طلب رياسةٍ فهما ظالمتان، وتضمن كلّ واحدةٍ ما أتلفت على الأخرى. قال الشّيخ تقيّ الدّين: فأوجبوا الضّمان على مجموع الطّائفة وإن لم يعلم عين المتلف. قال: وإن تقابلا تقاصا؛ لأنّ المباشر والمعين سواء عند الجمهور. وإن جهل ما نهبه كلّ طائفة من الأخرى تساوتا. اهـ. فصرّح الشّيخ أنّ المباشر والمعين سواء عند الجمهور كقطاع الطّريق، وهذا ظاهر كلام الأصحاب لقولهم وتضمن كلّ طائفةٍ ما أتلفت على الأخرى. ومعلوم أنّه لا بدّ أن يكون فيهم غالباً مَن لم يباشر القتل أو النّهب.
ومعنى قول الشّيخ ـ رحمه الله ـ: وإن تقابلا تقاصا، مراده إذا تحققنا
(1/599)
________________________________________
أنّ ما أتلفته كلّ واحدةٍ على الأخرى يساوي ألفاً مثلاً تقاصا فلا يؤخذ من طائفةٍ ما لزمها ويدفع على الأخرى، وأمّا إذا اعترض جماعة رجلاً وبينه وبين بعضهم عداوة فثور عليه قتله فإن كان الذي معه ردأ له فحكمهم حكمه؛ لأنّهم قطاع طريق؛ لأنّ القطع في الصّحراء والبنيان سواء، فإن لم يكونوا قطاعاً بل كانوا ذاهبين في حاجة لهم مثلاً فرأى بعضهم من بينه وبينه عداوة أو شحناء فثور عليه فقتله اختصّ الحكم به إن لم يدفعوا عنه من أراده، وهذا يحتاج إلى نظرٍ وتفصيلٍ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الثّامنة: إذا استثنى صاحب النّخل ثمرة نخلةٍ أو أكثر خالصّة له دون العامل فالعقد فاسد لكن سوغ بعض فقهاء متأخري نجد فيما إذا كانت نخلة وقفاً على بكرة مثلاً أن يشرط للعامل جزءاً يسيراً من ثمرتها صحّ ذلك، وكذا لو شرط الواقف بأنّ هذه النّخلة على البركة أو السّاقي لا يزال عنها ذلك فلا يزال.
المسألة التّاسعة: ما نقله في الإنصاف عن عمد الأدلّة لابن عقيل بعد ذكر التّحكيم أي بعد أن تكلّم على مسألة ما إذا حكم المتنازعان بينهما رجلاً صالحاً للقضاء. قال وكذا يجز أن يتولّى متقدمو الأسواق والمساجد الوساطات والصّلح عند الفورة والمخاصمة الخ. فالذي يظهر أنّ المراد بقوله: متقدمو الأسواق والمساجد؛ الذين يفوض إليهم وليّ الأمر النّظر على أهل الأسواق بإلزامهم بالشّرع وإنصاف بعضهم من بعضٍ ونحو ذلك، وكذلك الذي يجعل لهم النّظر على المساجد بصيانها وإصلاحها والاحتساب على المصلّين بها والمؤذّنين ونحو ذلك، فمَن فوّض إليه شيء من ذلك جاز له
(1/600)
________________________________________
على ما ذكره ابن عقيل تولّي الوساطات، والذي يظهر أنّ المراد بالوساطات التّوسّط بين المتنازعين والصّلح عند الفورة، لعلّ المراد أنّه إذا حصل تنازع بين أهل السّوق أو المسجد يجوز لهم التّوسيط والصّلح بين المتنازعين فوراً حال التّنازع لأجل كف الشّر في الحال. والله أعلم.
وأمّا قولهم: فعل الحاكم حكم كتزويج يتيمة الخ.
فهذه مسألة مستقلّة ومعناها: أنّ الحاكم إذا فعل ذلك صار حكماً منه يرفع الخلاف؛ لأنّ حكم الحاكم في المسائل المختلف فيها يرفع الخلاف، فكذا فعله نحو ما إذا زوّج صغيرة بإذنها كبنت تسع صار حكماً منه بصحّة النّكاح فلا يجوز لِمَن لا يرى جواز تزويج الصّغيرة فسخ هذا النّكاح ونحو ذلك من المسائل المختلف فيها، فلا ينقض من حكم حاكمٍ إلاّ ما خالف نصّ الكتاب أو نصّ السّنة أو إجماعاً قطعيّاً أو إذا حكم بخلاف ما يعتقده. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأمّا تضمين مَن نهب مال مسلم في مثل هذه الحادثة فالذي نعتقده وجوب ردّه على صاحبه وتضمينه إن تلف. والله سبحانه وتعالى أعلم.
نسأل الله تعالى صلاح أحوال المسلمين، وأن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضّالّين.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الأخ الحبيب والشّيخ المفهم الأديب جمعان بن ناصر أسبغ الله علينا وعليه من نعمه باطنها وظاهرها، وأوزعنا جميعاً شكرها.
(1/601)
________________________________________
..
...
...
...
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فموجب الخط إبلاغكم جزيل السّلام والاستخبار عن الأحوال أصلح الله أحوالنا وإيّاكم في الدّنيا والآخرة، والخط الشّريف وصل، وبه الأنس والسّرور حصل، حيث أفادنا عن صحّة أحوالكم وظهور الحقّ في بلادكم، والحمد لله على ما أولى من النّعم وصرف من النّقم، وفهمنا ما تضمنه كتابكم من البحث عن المسائل التي تضمنها. نسأل الله لنا ولكم التّوفيق والسّداد، وأن يهب لنا جميعاً ولكم حكماً ويلحقنا بالصّالحين.
المسألة الأولى: إذا كسدت السّكة بتحريم السّلطان لها أو بغيره أو رخصت.
فقد بسط القول في هذه المسألة ناظم المفردات وشارحها فنتحفك بنقل كلاهما ملخّصاً. قال النّاظم:
والعقد في المبيع حيث عينا ... وبعد ذا كساده تبينا
بل قيمة الفلوس يوم العقد ... بها فمنه عندنا لا تقبل
نحو الفلوس ثم لا يعامل ... والقرض أيضاً هكذا في الرّدّ
...
أي: إذا وقع العقد بنقدٍ معيّنٍ كدارهم مكسرة أو مغشوشة أو بفلوس ثم حرّمها السّلطان فمنع المعاملة بها قبل قبض البائع لها لم يلزم البائع قبضها بل له الطّلب بقيمتها يوم العقد، وكذلك لو أقرضه نقداً أو فلوساً فحرم السّلطان المعاملة بذلك فردّ المقترض لم يلزم المقرض قبوله ولو كان باقياً بعينه لم يتغيّر وله الطّلب بقيمة ذلك يوم القرض وتكون من غير جنس النّقد إن أفضى إلى ربا الفضل، فإذا كان دراهم أعطى عنها دنانير وبالعكس لئلا يؤدّي إلى الرّبا:
ومثله مَن رام عود الثّمن
من ردّه الْمبيع خذ بالأحسن
(1/602)
________________________________________
قد ذكر الأصحاب ذا في ذي الصور ... والنص في القرض عيانا قد ظهر
أي: مثل ما تقدم مَن اشترى معيباً أو نحوه بدراهم مسكرة أو مغشوشة أو فلوس وأقبضها للبائع فحرمها السّلطان ثم ردّ المشتري المبيع لعيبٍ ونحوه وكان الثّمن باقياً فردّه لم يلزم المشتري قبوله منه لتعيبه عنده والأصحاب ذكروا هذه الصّور بالقياس على القرض، والنّصّ عن الإمام إنّما ورد في القرض في الدّارهم المسكرة. قال: يقوّمها كم تساوي يوم أخذها ثم يعطيه. وقال مالك واللّيث والشّافعي: ليس له إلاّ مثل ما أقرضه؛ لأنّ ذلك ليس بعيبٍ حدث بها فهو كرخص سعرها، ولنا أنّ تحريمها منع إنفاقها وأبطل ماليتها فأشبه كسرها.
والنّصّ بالقيمة في بطلانها ... لا في ازدياد القدر أو نقصانها
بل إن غلت فالمثل فيها أحرى ... كدانق عشرين صار عشرا
يعنِي: أنّ النّصّ في ردّ القيمة إنّما ورد عن الإمام فيما إذا أبطلها السّلطان فمنع المعاملة بها لا فيما إذا زادت قيمتها أو نقصت مع بقاء التّعامل بها وعدم تحريم السّلطان لها فيردّ مثلها سواء غلّت، أو رخصت، أو كسدت إلى أن قال:
وشبخ الاسلام فتى تيمية ... قال قياس القرض عن جلية
الطّرد في الدّيون كالصّداق ... وعوض للخلع والإعتاق
والغصب والصّلح عن القصص ... ونحو ذاطر بلا أختصاص
ونحو ذاطراً بلا اختصاص
أي: قال شيخ الإسلام بحر العلوم أبو العبّاس تقيّ الدِّين ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في شرح المحرّر: قياس ذلك أي: القرض فيما إذا كانت مسكرة أو فلوساً وحرّمها السّلطان وقلنا يردّ قيمتها في جميع الدُّيون في بدل المتلف
(1/603)
________________________________________
والمغصوب مطلقاً والصّداق والفداء والصّلح عن القصاص والكتابة. انتهى. قال: وجاء في الدَّين نصّ حرّره الأثرم إذا يحقّق يعنِي: قال ابن تيمية إنّ الأصحاب إنّما ذكروا النّصّ عن أحمد في القرض وكذلك المنصوص عن أحمد في سائر الدّيون. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سُئِلَ عن رجلٍ له على رجلٍ دراهم مسكرة فسقطت المكسرة. قال: يكون له بقيمتها من الذّهب.
وقولهم إنّ الكساد نقصا ... فذاك نقص النّوع عاقب رخصا
قال ونقص النّوع ليس يعقل ... فيما سوى القيمة ذا لا يجهل
يعنِي: أنّ تعليل القاضي ومَن تابعه من الأصحاب بوجوب ردّ قيمة الفلوس إذا كسدت لمنع السّلطان التّعامل بها بأنّ الكساد يوجب النّقصان، وهو نوع عيب معناه: عيب النّوع؛ إذ ليس المراد عيب الشّيء المعيّن؛ فإنّه ليس هو المستحق وإنّما المراد عيب النّوع والأنواع لا يعقل عيبها إلاّ نقصان قيمتها. هذا معنى كلام الشّيخ تقيّ الدِّين في الاستدلال لما ذكره المصنّف عنه في البيتين المذكورين كما ستقف عليه بعد ذلك إلى أن قال:
وخرج القيمة في المثلى ... بنقص نوعٍ ليس بالخفي
واختاره وقال عدل ماضي ... خوف انتضار السّعر بالتّقاضي
...
ثم نقل الشّارح كلام الشّيخ إلى أن قال: فإذا أقرضه أو غصبه طعاماً فنقصت قيمته فهو نقص النّوع فلا يجبر على أخذه ناقصاً فيرجع إلى القيمة. وهذا هو العدل؛ فإنّ المالين إنّما يتماثلان إذا استوت قيمتهما. وأمّا مع اختلاف القيمة فلا تماثل. قال: ويخرج في جميع الدَّين من الثّمن والصّداق والفداء والصّلح عن القصاص مثل ذلك كما في الأثمان. انتهى ملخّصاً.
وكثير من الأصحاب تابعوا الشّيخ تقيّ الدِّين ـ رحمه الله تعالى ـ إلحاقاً لسائر
(1/604)
________________________________________
الدّيون بالقرض.
وأمّا رخص السّعر فكلام الشّيخ صريح في أنّه يوجب ردّ القيمة أيضاً. وهو أقوى. فإذا رفع إلينا مثل ذلك وسطنا بالصّلح بحسب الإمكان هيبة للجزم بذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله ـ رحمه الله ـ: أو غصبه الخ.
فهذا اختاره أيضاً بأنّ نقص قيمة المغصوب مضمون على الغاصب، وهو رواية عن أحمد في المغصوب.
وأمّا قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "مَن باع بيّعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الرّبا ".فهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود. قال الشّيخ تقيّ الدِّين ـ رحمه الله ـ للنّاس في البيِّعتين في البيعة تفسران:
أحدهما: أن يقول: هو لك بنقدٍ بكذا وبنسيئة بكذا، كما رواه سماك بن حرب عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: نهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن صفقتين في صفقةٍ، قال سماك: هو الرّجل يبيع البيع فيقول: هو بنساء بكذا، وهو بنقد بكذا وكذا. رواه الإمام أحمد. وعلى هذا فله وجهان: أحدهما: أن يبيعه بأحدهما مبهماً ويتفرّقان على ذلك. وهذا تفسير جماعة من أهل العلم لكنه يتعذر من هذا الحديث؛ فإنّه لا مدخل للرّبا هنا، ولا صفقتين هنا، وإنّما هي صفة واحدة بثمنٍ مبهمٍ.
والثّاني: أن يقول: هي بنقدٍ بكذا وأبيعكها بنسيئة بكذا؛ كالصّورة التي ذكرها ابن عبّاس. قال: إذا استقمت بنقدٍ فبعت بنقدٍ فلا بأس، وإذا استقمت بنقدٍ فبعت بنسيئة فلا خير فيه. ومعنى استقمت، أي: قوّمت السّلعة، يعنِي: إذا قوّمت السّلعة بنقدٍ فلا تبعها بنسيئة، معناه: إذا قوّمتها بنقدٍ بعشر مثلاً فلا تبعها بأكثر نسيئة، يعنِي: إذا قلت هي بنقدٍ بكذا وأبيعها بنسيئة بكذا، فيكون قد جمع صفتي النّقد والنّسيئة في صفقةٍ واحدةٍ، وجعل
(1/605)
________________________________________
النّقد معيار النّسيئة. وهذا مطابق لقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"فله أوكسهما أو الرّبا"، فإنّ مقصوده حينئذٍ هو بيع دراهم عاجلة بآجلة، فلا يستحقّ إلاّ رأس ماله. وهو أوكس الصّفقتين، وهو مقدار القيمة العاجلة، فإن أخذ الرّبا فهو مربي.
التّفسير الثّاني: أن يبيعه الشيء بثمنٍ على أن يشتري المشتري منه ذلك الثّمن وأولى منه أن يبيعه السّلعة على أن يشتريها البائع بعد ذلك. وهذا أولى بلفظ البيِّعتين في بيعةٍ، فإنّه باع السّلعة وابتاعها أو باع الثّمن وباعه. وهذه صفقتان في صفقةٍ، وهذا بعينه هو العينة المحرّمة، وما أشبهها مثل أن يبيعه نساء ثم يشتري بأقلّ منه نقداً، أو بنقدٍ ثم يشتري بأكثر منه نساء، ونحو ذلك، فيعود حاصل هاتين الصّفقتين إلى أن يعطيه دراهم ويأخذ أكثر منها، وسلعته عادت إليه فلا يكون له إلاّ أوكس الصّفقتين، وهو النّقد. فإن ازداد فقد أربى. انتهى كلام الشّيخ ملخّصاً على هذا الحديث.
وقد صحّ عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه نهى عن بيِّعَتين في بيعةٍ. وقال:"لا يحلّ سلف وبيع".وقد ذكر العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ لذلك صوراً كثيرةً، وضابطها: أن يشترط أحد المتعاقدين على صاحبه عقداً آخر.
وقد نصّ الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ على صورٍ من ذلك نحو: أن يشترط أحدهما على صاحبه سلماً أو إجارة أو بيعاً أو قرضاً أو شركةً أو صرفاً للثّمن أو غيره. قال الأصحاب: وكذلك كلّما كان في معنى ذلك، مثل: أن يقول: بعتك كذا بكذا بشرط أن تزوّجنِي ابنتك أو أزوّجك ابنتِي. وكذا على أن تنفق على عبدي أو دابّتي أو نصيبِي من ذلك قرضاً أو مجاناً وذكروا صوراً أخر.
فإذا عرفت ضابط المسألة تبيّن لك تفصيلها وأنواعها، فإذا آجره أرضه
(1/606)
________________________________________
أو زارعه عليها وشرط عليه أن يقرضه أو يبيعه كذا، أو ساقاه على نخله وشرط أن يبيعه أو يسلم إليه كذا، ونحو ذلك من اشتراط عقد في عقد آخر، فهذا ونحوه من نحو بيِّعتين في بعيةٍ وصفقتان في صفقةٍ. وقد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ نهى عن صفقتين في صفقةٍ.
وأمّا مَن مات ولم يحجّ فهذا إن كان قد وجب عليه الحجّ قبل موته لاستكمال شروط الوجوب في حقّه مع سعة الوقت وجب أن يحجّ عنه من رأس ماله أوصى به أو لا. وإن كان الميّت لم يجب عليه الحجّ قبل موته لعدم تكامل شرائط الوجوب في حقّه في حياته لم يجب أن يُحَجّ عنه من مال إن لم يوص به، فإن أوصى به فمن ثلثه. هذا ما ذكره أصحابنا وغيرهم.
قال أصحابنا من لزمه حجّ أو عمرة فتوفي قبله وجب قضاؤه فرط أو لا، من رأس ماله كالزّكاة والدَّين ولو لم يوص به. واحتّجوا بحديث ابن عبّاس أنّ امرأة قالت: يا رسول الله إنّ أمِّي نذرت أن تحجّ فلم تحجّ حتّى ماتت، أفأحج عنها؟ قال:"نعم. حجّي عنها، أرأيت لو كان على أمِّك دين أكنتِ قاضيته؟ قافضوا الله، فالله أحقّ بالوفاء".رواه البخاري.
وأمّا ثبوت الجائحة في إجارة الأرض ونحوها فاختيار الشّيخ تقيّ الدِّين معلوم لديكم وأكثر العلماء على خلافه، قال في المغنِي: فإن استأجر أرضاً فزرعها فتلف الزّرع فلا شيء على المستأجر نصّ عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأنّ المعقود عليه منافع الأرض ولم تتلف إنّما تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثياباً فتلفت الثّياب فيها. انتهى.
فظاهر قوله: فلا شيء على المؤجّر يتماول الأجرة وغيرها، لكن قال في الاختيارات لما ذكر إثبات الجائحة في أجرة الأرض: وبعض النّاس
(1/607)
________________________________________
يظنّ أنّ هذا خلاف ما في المغنِي من الإجماع وهو غلط، فإنّ الذي في المغنِي أنّ نفس الزّرع إذا تلف يكون من ضمان المستأجر صاحب الزّرع لا يكون كالثّمرة المشتراة، فهذا ما فيه خلاف، وإنّما الخلاف في نفس أجرة الأرض ونقص قيمتها فيكون كما لو انقطع الماء عن الرّحى. انتهى.
وقد ذكر الشّيخ عن اختياره أنّه خلاف ما رآه عن أحمد ولم يحك صاحب الإنصاف إثبات الجائحة في صورة الإجارة عن غير الشّيخ إلاّ ما حكاه عن أبي الفضل بن حمزة في الحمام. وفرّق الأصحاب بين الثّمرة المشتراة وبين الأجرة بأنّ المعقود عليه في الإجارة نفع الأرض فالتّالف غير المعقود عليه، والمعقود عليه في الثّمرة المشتراة هو نفس الثّمرة فهي التّالفة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
والذي نعتمده في المسألة هو الإلزام بجميع الأجرة إن تعذر الصّلح بين الخصوم.
وأمّا حديث:"الخراج بالضّمان"، وفي لفظٍ آخر:"الغلة بالضّمان"، فهذا الحديث وإن كان وارداً في صورة ردّ المبيع بالعيب فيتناول بعمومه صوراً كثيرةً، ذكرها الفقهاء في مواضعها؛ وكالنّماء الحاصل في مدّة الخيار، وكذا المبيع إذا رجع بالإقالة، وقد حصل منه غلّة أو نماء عند المشتري، وكذا الشّقص المشفوع إذا أخذه الشّفيع والعين عند المفلس إذا استردها بائعها، وكذا هبة الأب لولده إذا رجع فيها وقد نمت عند الولد، وكذلك الصّداق إذا نمى بيد الزّوجة ثم رجع نصفه إلى الزّوج بطلاق قبل الدّخول ونحوه، وغير ذلك من الصّور يعرفها مَن تتبّع مظانها من كتب الفقه. والله أعلم.
وأمّا تأثير الخلطة في غير الماشية في الزّكاة فالخلاف في ذلك مشهور
(1/608)
________________________________________
بين القائلين بتأثير الخلطة في الماشية فالمشهور في مذهب أحمد عدم تأثير الخلطة في غير الماشية، وهو مذهب مالك في غير المساقاة، فخلطة المساقاة تؤثّر عند مالك. رحمه الله.
وعن أحمد رواية أخرى بتأثير خلطة الأعيان في غير السّائمة وهو مذهب الشّافعي المشهور عنه، وعلى هذا فهل تؤثّر خلطة الأوصاف؟ فيه وجهان للأصحاب ودليل كلّ من القولين مذكور في محلّه، وإن كانت حجّة القول الأوّل أظهر والقائلون به أكثر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأمّا ضمّ ثمرة العام الواحد وزرعه بعضه إلى بعضٍ لتكميل النّصاب فامّا الثّمار فلا يضمّ جنس منها إلى آخر كالتّمر إلى الزّبيب بإجماع العلماء، وتضمّ أنواع الجنس بعضها إلى بعض، وأمّا الزّرع فالمشهور من مذهب أحمد أنّه لا يضم جنس منه إلى آخر وهو مذهب الشّافعي وهو قول الحنفية.
وعن أحمد رواية أخرى بضم الحنطة إلى الشّعير والقطاني بعضها إلى بعض، واختاره هذه الرّواية الخرقي وأبو بكر وهو مذهب مالك، وعن أحمد رواية ثالثة بضم الحبوب بعضها إلى بعضٍ مطلقاً. والله أعلم.
والقطاني اسم لحبوب كثيرة منها الحمص والعدس واللّوبيا والدّخل والزّر والباقلا.
وأمّا المسألة الأخيرة وهي ما إذا طلبت المرأة من زوجها الخلع على عروض بذلته وقبله الزّوج. وقال الله يرزقك ونحو ذلك من ألفاظ العامّة، فهذه مسألة مشكلة جداً؛ لأنّ الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ذكروا كنايات الخلع والطّلاق ولم يذكروا فيها شيئاً من نحو هذه الألفاظ، وقالوا إنّ مالاً يدلّ على الطّلاق من نحو: كلّي واشربي، وبارك الله عليك ونحو ذلك لا يقع
(1/609)
________________________________________
به طلاق ولو نواه؛ لأنّه لا يحتمل الطّلاق فلو وقع به الطّلاق وقع لمجرّد النّيّة، وكذا كنايات الخلع فمقتضى قولهم هذا أنّ قائل: الله يرزقك ونحوه ناوياً به طلاقاً أو خلعاً لا يقع به شيء من ذلك؛ لأنّ هذا اللّفظ ونحوه ليس من الكنايات المذكورة، فلو أوقعنا به طلاقاً أو خلعاً لكنّا قد أوقعناه بالنّيّة، ولكنّهم قد كروا من كنايات الطّلاق (أغناك الله) بلفظ الماضي ولم يذكروه بلفظ المضارع، كالله يغنيك، فيكون مثله الله يرزقك ونحوه، ولم يذكروا في ألفاظ الكنايات لفظ مضارعاً. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولو ذهب ذاهب إلى وقوع الخلع بقول العامي: الله يغنيك ونحوه، ناوياً به طلاقاً أو فسخاً مع بذل العوض وقبوله لم يبعد؛ لقول الشّيخ تقيّ الدِّين ـ رحمه الله تعالى ـ المنقول عن أحمد وقدماء أصحابه ألفاظهم كلّها صريحة في أنّ الخلع بلفظ البيع فسخ وبأي لفظٍ كان.
وقال أيضاً بعد أن ذكر ألفاظ العقود في الماضي والمضارع واسم الفاعل واسم المفعول، وأنّها لا تنعقد بالمضارع، قال وما كان من هذه الألفاظ محتملاً فإنّه يكون كناية حيث تصحّ الكناية كالطّلاق ونحوه، ويعتبر دلالات الأحوال. قال: وهذا الباب عظيم المنفعة خصوصاً في الخلع وبابه. انتهى.
وأفتَى بعض متأخري الأصحاب النّجديّين بأنّ الزّوجة إذا طلبت التّخلية على عوضٍ بذلته لزوجها، فقال: خلعت جوازك صحّ. قال: لأنّ ذلك لغة أهل بلدنا، قال: والعبرة في ذلك ومثله بلغة المتكلّمين به. انتهى.
وقد ذهبت طائفة من العلماء ـ رحمه الله تعالى ـ إلى أنّ الخلع يصحّ بمجرّد بذل المال وقبوله من غير لفظٍ من الزّوج، وإلى ذلك ذهب أبو حفص
(1/610)
________________________________________
وابن شهاب العكبريان من أصحابنا، واحتجا بما رواه ابن منصور عن أحمد. قال: قلت لأحمد: كيف الخلع؟ قال: إذا أخذ المال فهي فرقة. وقال إبراهيم النّخعي: أخذ المال تطليقة بائنة. وروي عن الحسن نحوه. وروي عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ مَنْ قبل مالاً على فراقٍ فهي تطليقة بائنة. وبكلّ حالٍ ففي هذه المسألة إشكال وعدم إيقاع الطّلاق أو الفسخ بنحو هذا اللّفظ أسلم. والله سبحانه تعالى أعلم.
وأمّا إيقاع الطّلاق الثّلاث بكلمةٍ واحدةٍ سواء كان في خلع أو غيره، فمذهب الشّيخ تقيّ الدِّين وكثير من أتباعه معلوم لديكم أنّ الزّوج إذا طلق امرأته ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ أو بكلمات متفرّقة قبل رجعه أنّه لا يقع إلاّ طلقة واحدة. والمفتى به في المذهب الأربعة خلاف ذلك، ونصوص الأئمة الأربعة بخلاف قول الشّيخ معروفة. ولا ينبغي مخالفتهم في ذلك، ولم نرَ أحداً مِمَّن أدركناهم يفتي بقول الشّيخ في هذه المسألة.
وأخبرنِي بعض تلامذة الشّيخ محمّد ـ رحمه الله تعالى ـ أنّه قال: لم أفتِ بقول الشّيخ تقيّ الدِّين ـ رحمه الله تعالى ـ في هذه المسألة إلاّ مرّة واحدة، ثم لم أفتِ إلاّ بقول الجمهور رحم الله الجميع ورضي عنهم، وجمعنا وإيّاهم في جواره في جنّته. آمين يا ربّ العالمين.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الأخ الشّيخ جمعان بن ناصر وفّقه الوليّ القاهر وأمّنه مما يخشى ويحاذر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
موجب الخط إبلاغ السّلام،
(1/611)
________________________________________
والسّؤال عن الأحوال أصلح الله حال الجميع في الدّنيا والآخرة، والخط وصل أوصلك الله إلى ما تحبّ، وسرّنا ما ذركت أتم الله علينا وعليكم نعمته، وأوزعنا شكرها. ومن أمر المسائل:
الأولى: فيما أشكل عليكم من عبارة المختصر في المزارعة حيث قال: وتصحّ إجارة أرض بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ مما يخرج منها الخ.
مراده: أنّه يصحّ إجارة الأرض إجارة حقيقية بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ مما يخرج منها. وهذا إذا وقع العقد بلفظ الإجارة؛ كأن يقول استأجرت منك هذه الأرض لزرعها مدة كذا بنصف الخارج منها، أو ربعه ونحو ذلك، ويكون ذلك إجارة حقيقية لازمة فيتشرط له شروط الإجارة من تعيين المدة وغيره.
وقد نصّ الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية جماعة من أصحابه فيمَن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها، أنّه يصحّ. فقال أبو الخطاب ومَن تبعه: هذه مزارعة بلفظ الإجارة، فمعنى قوله: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها، أي: زارعتك بثلث عبر عن المزارعة بالإجارة على سبيل المجاز، وهذا على الرّواية التي يشترط فيها كون البذر من ربّ الأرض. وقال أكثر الأصحاب عن نصّ أحمد المتقدم: هي إجارة؛ لأنّها مذكورة بلفظها، فتكون إجارة حقيقية، وتصحّ ببعض الخارج من الأرض كما تصحّ بالدّارهم.
قال في الإنصاف بعد حكايته نصّ أحمد الذي ذكرناه: اختار المصنّف وأبو الخطاب وابن عقيل أنّ هذه مزارعة بلفظ الإجارة، فعلى هذا يكون ذلك على قولنا: لا يشترط كون البذر من ربّ الأرض، كما هو مختار المصنّف وجماعة. قال: والصّحيح من المذهب أنّ هذه إجارة، وأنّ الإجارة تصحّ بجزءٍ معلومٍ مشاعٍ مما يخرج من الأرض المؤجّرة نصّ عليه، وعليه جماهير
(1/612)
________________________________________
الأصحاب. قال الشّيخ تقيّ الدِّين: تصحّ إجارة الأرض للزّرع ببعض الخارج منها. وهذا ظاهر المذهب، وهو قول الجمهور إلى أن قال صاحب الإنصاف: وعنه لا تصحّ الإجارة بجزءٍ مما يخرج من المؤجّر. اختاره أبو الخطاب والمصنّف.
قال الشّارح: وهو الصّحيح. قال فعلى هذا المذهب يشترط لها شروط الإجارة من تعيين المدّة وغيره. انتهى ملخّصاً.
فتبيّن أنّ الصّحيح من المذهب صحّة إجارة الأرض للزّرع بجزءٍ معلومٍ مشاعٍ مما يخرج منها خلافاً لأبي الخطاب والموفّق والشّارح. وهذا معنى قوله في شرح الزّاد: تصحّ إجارة الأرض بجزءٍ مشاعٍ مما يخرج منها، فتكون إجارة حقيقة يثبت لها حكمها من اللّزوم وغيره.
والمذهب أيضاً صحّة المزارعة بلفظ الإجارة، وهو مراد شارح الزّاد بقوله: تصحّ مساقاة ومزارعة بلفظ إجارة وتكون مزارعة حقيقة لها حكمها.
وقولهم: فإن لم تزرع سواء قلنا: إنّها إجارة أو مزارعة نظر إلى معدل المغل، أي: المغل الموازن لما يخرج منها لو زرعت، فيجب القسط المسمَّى فيه، فإذا قيل: لو زرعت حصل من زرعها مائة صاع والعقد وقع على نصف الخارج منها فيجب لصاحبه خمسون صاعاً.
وأمّا إذا فسدت المساقاة أو المزارعة لشرطٍ شرط أوجب فساده ثم أسقط المشترط شرطه طلباً لصحّة العقد، فإنّ العقد لا يعود صحيحاً بعد فساده. وهذا ظاهر.
وقد علّل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ بقاء عقودٍ فاسدةٍ على فسادها بأنّ العقد لا ينقلب صحيحاً بعد فساده. والله أعلم.
المسألة الثّالثة: فيما إذا قال لزوجته: أنتِ طالق إلى مكّة ... الخ.
(1/613)
________________________________________
فعبارة الإنصاف والإقناع وشرحه كما ذكرت مطلقة، قال في الإنصاف: لو قال: أنتِ طالق إلى مكّة، ولم ينوِ بلوغها طلّقت في الحال. جزم به بعض المتأخرّين. وإن قال: أنتِ طالق بعد مكّة طلقت في الحال، وكذا عبّر في الفروع والإقناع والمنتهى وغيرها. وإطلاققهم يدلّ على أنّها تطلق واحدة فقط. وهذا ظاهر. ولله الحمد، لأنّ اللّفظ لا يقتضي عدداً كقوله: أنت طالق إلى شهر.
الرّابعة: إذا ادّعت المرأة بعد دخول الزّوج بها عدم الإذن في العقد وادّعى زوجها أنّها أذنت.
فذكر أصحابنا أنّها لا تصدق. قالوا: لأنّها لو كانت صادقة لم تمكن نفسها، فتمكينها من الوطء دليل على الإذن، فكان القول قول الزّوج؛ لأنّ الظّاهر معه. هذا إذا كان اختلافها مع الزّوج.
وأمّاإذا اختلفت هي ووليّها في الإذن وعدمه بعد دخول الزّج بها.
فقال في الفروع: يتوجّه في دعوى الولي إذنها كذلك، وذكر شيخنا قبول قبول قولها. انتهى. وأن ما شهدت البيّة أنّها زوجة مكرهة أو بغير إذنها وهي مِمَّن يعتبر إذنه تبيّنّا بطلان العقد بشهادة البيّنة لا تصديقاً للمرأة، ولأنّهم علّلوا قبول قول الزّوج بأنّ الظّاهر معه، وهذا مما يقدم فيه الظّاهر على الأصل، فإذا شهدت البيّنة بما يخالف الظّاهر عمل بها، كما أنّ القاعدة في الدّعاوى أنّ القول قول مَنِ الأصل أو الظّاهر معه، فإذا وجدت بيّنة تخالف ذلك قدّمت ووجب العمل بها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم والشّيخ المفهم جمعان ابن ناصر، لا زال محفوظاً بكلاءة القادر محفوفاً بعناية اللّطيف القاهر.
(1/614)
________________________________________
سلام عليكم أيّها الأخ المْكرّم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فموجب الخط هو إبلاغ المحبّ السّلام. رفع الله قدره بين الأنام وأسكننا وإيّاه بجواره في دار السّلام.
والمحب يحمد إليك الله على ما أولى من النّعم وصرف من النّقم، نسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم من الشّاكرين لنعمه، ومشرفكم الشّريف وصل وأقرّ العين، وبه السّرور حصل لا زلتم بنعم الله محفوفين وبحراسته محفوظين، ولا تنسنا يا أخي من المراسلة والدّعاء بظهر الغيب كما هو منا لكم كذلك وما أورد المحب من المسائل فهي موضحة. ولله الحمد في كتب الفقهاء لِمَن نظر فيها:
المسألة الأولى: هل بين النّكاح الفاسد والباطل بعد الدّخول فرق في وجوب المهر والعدة ولحوق النّسب؟
فالجواب: نعم. بينهما فرق في الجملة فيستقرّ المهر بالخلوة في النّكاح الفاسد على المذهب، بخلاف الباطل، فيجب للجهالة بالتّحريم فيه مهر المثل بالوطء فقط، ويجب في الفاسد الْمسَمَّى لا مهر المثل على الصّحيح من المذهب. قال في الإنصاف فيمَن نكاحها فاسد: وإن دخل بها استقرّ الْمسمَّى. هذا المذهب. نصّ عليه.
قال في القواعد الفقهية: وهي المشهورة عن أحمد، وهي المذهب عند أبي بكر وابن أبي موسى واختارها القاضي وأكثر أصحابه. وعنه يجب مثل المهر. قال المصنّف: وهي أصحّ. وهو ظاهر كلام الخرقي واختاره الشّارح. وقال في الإنصاف أيضاً: ويستقرّ بالخلوة في النّكاح الفاسد. هذا المذهب نصّ عليه. وعليه جماهير الأصحاب وهو من مفردات المذهب.
(1/615)
________________________________________
لكن هل الواجب الْمُسَمَّى أو مهر المثل؟ مبني على الذي قبله. انتهى.
وقال أيضاً: إذا كان نكاحها باطلاً فهي كمكرهة على الزّنا في وجوب المهر وعدمه على الصّحيح من المذهب، قدمّه في الفروع وغيره. وجزم به في الكافي والرّعاية وغيرهما. وفي التّرغيب رواية يلزم الْمُسَمَّى. انتهى. ومراده بوجوب المهر إذا لم تكن عالمة بالتّحريم، والواجب للمكرهة على الزّنا مهر المثل. قال في الإنصاف: هو المذهب مطلقاً. وعيله جماهير الأصحاب.
قال المصنّف والشّارح: هذا ظاهر المذهب. وعنه يجب للبكر خاصّة اختاره أبو بكر. وعنه لا يجب مطلقاً. ذكرها واختارها الشّيخ تقيّ الدِّين. وقال: هو خبيث. وقال في الشّرح: فأمّا مَن نكاحها باطل بالإجماع كالمزوّجة والمعتدّة، إذا نكحها رجل فوطئها عالماً بالتّحريم وتحريم الوطء، وهي مطاوعة عالمة فلا مهر؛ لأنّه زنى يوجب الحدّ، وهي مطاوعة عليه، وإن جهلت تحريم ذلك، أو جهلت كونها في العدّة فلها المهر؛ لأنّه وطء شبهة، وفيه أيضاً: ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة بغير خلافٍ علمناه.
وقال في الإقناع وشرحه: وإذا تزوّج معتدّة من غيره وهما أي: العاقد والمعقود عليها عالمان بالعدّة.
قلت: ولم تكن مَن زنا وعالمان بتحريم النّكاح فيها أي العدّة، ووطئها فيها أيّ العدّة، فهما زاينان عليهما حدّ الزّنا، ولا مهر لها؛ لأنّها زانية مطاوعة، ولا نظر لشبهة العقد؛ لأنّه باطل مجمع على بطلانه، فلا أثر له بخلاف المعتدّة من زنا، فإنّ نكاحها فاسد، والوطء فيه حكمه حكم وطء الشّبهة للاختلاف في وجوبها، أي: ومحلّ سقوط مهرها إن لم تكن أمة، فإن كانت أمة لم يسقط؛ لأنّه لسيّدها فلا يسقط بمطاوعته لها، ولا يلحقه النّسب؛ لأنّه من زنا، وإن كانا ـ أي: النّاكح والمنكوحة ـ
(1/616)
________________________________________
جاهلين بالعدّة أو جاهلين التّحريم، ثبت النّسب، وانتفى الحدّ، ووجب المهر؛ لأنّه وطء شبهةٍ، وإن علم هو دونها فعليه الحدّ للزّنا، وعليه المهر بما نال من فرجها، ولا يلحقه النّسب؛ لأنّ زانٍ، وإن علمت هي دونه فعليها الحدّ، ولا مهر لها إن كانت حرّة؛ لأنّها زانية مطاوعة، ويلحقه النّسب؛ لأنّه وطء شبهة وصرّحوا بلحوق النّسب في النّكاح الباطل ووطء الشّبهة.
قال في الفروع: ويلحق في كلّ نكاحٍ فاسدٍ فيه شبهة نقله الجماعة. وقيل: إن لم يعتقد فساده. انتهى. وكذلك قال في الإنصاف. وقال أيضاً: ويلحقه الولد بوطء الشّبهة كعقد. نصّ عليه. وهو المذهب قدمه في المغنِي والشّرح والفروع وغيرها.
قال المصنّف والشّارح: هذا المذهب. وذكره الشّيخ تقيّ الدِّين، وقال أبو بكر: لا يلحقه. قال القاضي: وجدت بخط أبي بكر: لا يلحق به؛ لأنّ النّسب لا يلحق إلاّ في نكاحٍ صحيحٍ أو فاسدٍ أو ملكٍ أو شبهة ملكٍ، ولم يوجد شيء من ذلك. انتهى. وقد قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ كلّ مَن درأت عنه الحدّ ألحقت به الولد.
وأمّا العدّة فتجب في النّكاح الفاسد بمجرّد الخلوة، وكذا تجب عليها عدة الوفاة على الصّحيح من المذهب فيهما، ولا تجب العدّة في النّكاح الباطل إلاّ بالوطء إجماعاً، ولا تجب به عدّة الوفاة.
قال في الإنصاف: وإن كان النّكاح مجمعاً على بطلانه لم تعتدّ للوفاة من أجله وجهاً واحداً، وذكر قبل ذلك وجوب العدّة بالخلوة في النّكاح الفاسد. قال: وهو المذهب. وعليه أكثر الأصحاب. ونصّ عليه الإمام أحمد. قال ابن حامد: لا عدّة في الخلوة في النّكاح الفاسد بل بالوطء كالنّكاح
(1/617)
________________________________________
الباطل إجماعاً. وفي الإنصاف أيضاً وإذا مات عن امرأة نكاحها فاسد كالنّكاح المختلف فيه. قال القاضي: عليها عدّة الوفاة. نصّ عليه أحمد في رواية جعفر بن محمّد. وهو المذهب. اختاره أبو بكر وغيره. وقدّمه في الفروع والرّعايتين والحاوي والمحرّر والنّظم وغيرها. وقال ابن حامد: لا عدّة عليها للوفاة. انتهى.
وقال في الشّرح لما تكلّم في حكم النّكاح الباطل: كمَن نكح ذات محرّم أو معتدّة من غير الخلوة بها كالخلوة بالأجنبية لا يوجب عدّة، وكذلك الموت عنها لا يوجب عدة الوفاة، وإن وطءها اعتدّت لوطئه بثلاثة قروء منذ وطئها سواء فارقها أو مات عنها، كالمزني بها من غير عقدٍ، فأمّا إن نكحها نكاحاً مختلفاً فيه فهو فاسد، فإن مات عنها فنقل جعفر بن محمّد أنّ عليها عدّة الوفاة، وهو اختيار أبي بكر. وقال أبو عبد الله بن حامد: ليس عليها عدّة الوفاة. وهو مذهب الشّافعي؛ لأنّه نكاح لا يثبت فأشبه الباطل، فعلى هذا إن كان قبل الدّخول فلا عدّة عليها، وإن كان بعده اعتدت بثلاثة قروء، ووجه الأوّل أنّه نكاح يلحق به النّسب فوجبت به العدّة كالنّكاح الصّحيح بخلاف الباطل؛ فإنّه لا يلحق به النّسب. انتهى.
وأمّا عبارة المنتهى، وهي قوله: لا فرق في عدّة وجبت بدون وطء ... الخ.
فلا إشكال فيها؛ لأنّ العدّة تجب بمجرّد الخلوة بدون وطء على المذهب، ولا معارضة في ذلك للآية.
وأمّا قولك: وقد أجمعوا على أنّ المطلقة قبل المسيس لا عدّة عليها.
فليس ذلك بصواب. وأظنّ سبب الإيهام أنّ هذه العبارة عندكم مختصر الشّرح هكذا كما هي فيه عندنا كذلك، وسقط من العبارة لفظ الخلوة.
(1/618)
________________________________________
فالصّواب في العبارة: أجمعوا على أنّ المطلقة قبل المسيس والخلوة لا عدّة عليها، وعبارة الشّرح: كلّ امرأةٍ فارقها زوجها قبل الخلوة فلا عدّة عليها أجمع العلماء على ذلك. ثم قال بعد ذلك: ولا خلاف بين أهل العلم في وجوبها على المطلقة بعد المسيس.
فأمّا إن خلا بها، ولم يصبها ثم طلّقها، فإنّ العدّة تجب عليها. روي ذلك عن الخلفاء الرّاشدين وزيد وابن عمر. وبه قال عروة وعلي بن الحسين وعطاء والزّهري والثّوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرّأي والشّافعي في قديم قوليه. وقال في الجديد: لا عدّة عليها، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} ، [الأحزاب، من الآية: 49] .وهذا نصّ؛ ولأنّها مطلقة لم تمس فأشبهت مَن لم يخل بها.
ولنا إجماع الصّحابة. فروى الإمام أحمد والأثر بإسنادهما عن زرارة بن أبي أوفى قال: قضى الخلفاء الرّاشدون أنّ مَن أرخى ستراً أو أغلق باباً فقد وجب المهر، ووجبت العدّة، ورواه أيضاً عن الأحنف عن عمر وعليّ وعن سعيد بن المسيب عن ابن عمر وزيد بن ثاب ـ رضي الله عنهم ـ. وهذه قضايا اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعاً. وضعّف أحمد ما روي في خلاف ذلك؛ ولأنّه عقد على المنافع فالتّمكين فيه يجري مجرى الاستيفاء في الأحكام كعقد الإجارة، والآية مخصوصة بما ذكرنا، ولا يصحّ القياس على مَن لم يخل بها؛ لأنّه لم يوجد التّمكن. انتهى.
وقال في الإنصاف: وإن خلا بها وهي مطاوعة فعليها العدّة سواء كان بهما أو بأحدهما مانع من الوطء كالإحرام والصّيام والحيض والنّفاس والمرض والجبّ والعنة، أو لم يكن. هذا المذهب مطلقاً بشرطه الآتي، سواء كان
(1/619)
________________________________________
المانع شرعيّاً أو حسيّاً كما مثّل المصنّف. وعليه جماهير الأصحاب إلى أن قال: إلاّ أن لا يعلم بها كالأعمى والطّفل فلا عدّة عليها، وكذا لو كانت طفلة. وهذا هو المشار إليه في قوله بشرطه الآتي.
وأمّا صور النّكاح الباطل منها ما ذكرتم وكنكاح المرأة على عمتها أو خالتها، ونكاح مطلقة ثلاثاً من قبل أن تنكح زوجاً غيره، ونكاح الوثنية والنّكاح الخالي من الولي والشّاهدين جميعاً وغير ذلك.
المسألة الثّانية: في قتل الجماعة بالواحد بشرطه الآتي. هو المذهب وهو قول جمهور العلماء. قال في الشّرح: ويقتل الجماعة بالواحد، إذا كان فعل كلّ واحدٍ منهم لو انفرد أوجب القصاص عليه. روى ذلك عن عمر وعلي والمغيرة بن شعبة وابن عبّاس ـ رضي الله عنهم ـ. وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وأبو سلمة وعطاء وقتادة. وهو مذهب مالك والثّوري والأوزاعي والشّافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرّأي. وعن أحمد رواية أخرى: لا يقتلون به. وتجب عليهم الدّيّة. والمذهب الأوّل إلى أن قال:
ولنا إجماع الصّحابة. فروى سعيد بن المسيب أنّ عمر ـ رضي الله عنه ـ قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقلتهم جميعاً، وعن عليّ ـ رضي الله عنه ـ أنّه قتل ثلاثة قتلوا رجلاً، وعن ابن عبّاس أنّه قتل جماعة بواحدٍ ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفاً، فكان إجماعاً. ولأنّها عقوبة تجب للواحد على الجماعة كحدّ القذف. وتفارق الدّية فإنّها تبعض والقصاص لا يتبعّض. ولأنّ القصاص لو سقط بالاشتراك أدّى إلى تسارع القتل به فيؤدّي إلى إسقاط حكمة الرّدع والزّجر ... إلى أن قال:
ولا يعتبر في وجوب القصاص على المشتركين التّساوي في سببه،
(1/620)
________________________________________
لو جرحه أحدهما جرحاً والآخر مائه أو أوضحه أحدهما، وشجّه الآخر آمة أو أحدهما جائفة والآخ غير جائفة كانا سواء في القصاص والدّية؛ لأنّ اعتبار التّساوي يفضي إلى سقوط القصاص على المشتركين؛ إذ لا يكاد جرحان يتساويان من كلّ وجهٍ، ولأنّ الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الآمة، ومن غير الجائفة دون الجائفة ... إلى أن قال:
وإذا اشترك ثلاثة في قتل فقطع واحد يده والآخر رجله، وأوضحه الثّالث فمات فللولي قتل جميعهم والعفو عنهم إلى الدّية، فيأخذ من كلّ واحدٍ ثلثها، وله العفو عن واحدٍ فيأخذ منه ثلث الدّية، ويقتل الآخرين، وأن يفعو عن اثنين فيأخذ منها ثلثي الدّية ويقتل الثّالث، وإن برئت جراحة أحدهم ومات من الجرحين الأخيرين، فله أن يقتصّ من الذي برئ جرحه بمثل جرحه، ويقتل الآخرين أو يأخذ منها دية كاملة أو يقتل أحدهما ويأخذ من الآخرين نصف الدّية. وله أن يعفو عن الذي برئ جرحه ويأخذ منه دية جرحه إلى أن قال:
وإن فعل أحدهما فعلاً لا تبقى معه الحياة كقطع خشونه أو مريئه أو ودجيه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأوّل ويعزر الثّاني، وإن شقّ الأوّل بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثّاني عنقه، فالثّاني هو القاتل، وعلى الأوّل ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدّية. انتهى.
وقال في الإنصاف: وتقتل الجماعة بالواحد، هذا المذهب بلا ريب عليه جماهير الأصحاب. قال في الهداية: عليه عامّة شيوخنا، وعنه لا يقتلون به نقلها حنبل إلى أن قال:
(1/621)
________________________________________
فعلى المذهب من شرط قتل الجماعة بالواحد أن يكون فعل كلّ واحدٍ منهم صالحاً للقتل به، قاله الأصحاب إلى أن قال:
ولو قتلوه بإفعالٍ لا يصحّ واحد منها لقتله نحو أن يضربه كلّ واحدٍ سوطاً في حالة أو متوالية فلا قود، وفيه عن تواطؤ وجهان في التّرغيب واقتصر عليه في الفروع.
قلت: الصّواب القود ـ إلى أن قال:
قال المصنّف ـ رحمه الله ـ والشّارح إن فعل ما يموت به يقيناً وبقيت معه حياة مستقرّة كما لو خرق خشوته ولم يبنها ثم ضرب آخر عنقه كان القاتل هو الثّاني؛ لأنّه في حكم الحياة لصحّة وصية عمر ـ رضي الله عنه ـ. قال في الفروع: ويتوجّه تخريج من مسألة الذّكاة أنّهما قاتلان. قلت: وهو الصّواب.
قال في الفروع: ولهذا اعتبروا إحداهما بالأخرى. قال: ولو كان فعل الثّاني كما فعل الأوّل لم يؤثّر مثل غرق حيوان في الماء يقتله مثله بعد ذبحه على إحدى الرّواتين. انتهى.
وقال في الإقناع وشرحه: وتقتل الجماعة بالواحد إذا كان فعل كلّ واحدٍ منهم صالحاً للقتل به لو انفرد، وإن لم يصلح فعل كلّ واحدٍ من الجماعة للقتل كما لو ضربه كلّ واحدٍ منهم بحجرٍ صغيرٍ فمات فلا قصاص عليهم؛ لأنّه لم يحصل من واحدٍ منهم ما يوجب القود ما لم يتواطأوا على ذلك الفعل ليقتلوه فعليهم القصاص لئلا يتّخذ ذرية إلى ردّ القصاص إلى أن قال:
وإن قتله جماعة اثنان فأكر بأفعال لا يصلح واحد منها لقتله نحو أن يضربه كلّ واحدٍ سوطاً في حالة أو متوالية فلا قود فيه عن تواطؤ وجهان قاله في التّرغيب، والصّواب وجوب القود. انتهى ملخّصاً.
ومعنى قولهم: أن يكون فعل كلّ واحدٍ منهم صالحاً للقتل به أي:
(1/622)
________________________________________
أن يكون فعل كلّ واحدٍ صالحاً؛ لأن يكون سبباً لموت المجنِي عليه، لا أنّه يغلب حصول الموت من تلك الجناية؛ لأنّهم مثلوا بالموضحة مع أنّ حصول الموت بها نادر. وصرّحوا بأنّ القصاص إنّما يجب على المباشر بالشّرط المذكور. فخرج المشير والآمر، فلا يجب عليهما القصاص لاسيما وقد صرّحوا بعدم وجوب القصاص على الآمر في جملة. وإن كان بعض الأصحاب حكى رواية بوجوب القصاص على الآمر. فالمذهب خلافها.
قال في الشّرح: وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل فقتل فالقصاص على القاتل لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنّه قاتل ظلماً فوجب عليه القصاص كما لو لم يأمر. ثم ذكر حكم ما إذا أمر السّيّد عبده بقتل رجلٍ وما فيه من التّفصيل المذكور في كتب الفقه إلى أن قال:
وإن أمر السّلطان بقتل إنسانٍ بغير حقٍّ مَن يعلم ذلك فالقصاص على القاتل، وإن لم يعلم فعلى الآمر. فإذا كان المأمور يعلم أنّ الإنسان المأمور بقتله لا يستحقّ القتل فالقصاص عليه؛ لأنّه غير معذورٍ في فعله؛ فإنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق".وعنه ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ:"مَن أمركم من الولاة بمعصية الله فلا تطيعوه ".فلزمه القصاص كما لو أمره غير السّلطان. وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور؛ لأنّ المأمور معذور بوجوب طاعة الإمام في غير المعصية. فالظّاهر أنّه لا يأمر إلاّ بالحقّ.
وإن كان الآمر غير السّلطان فالقصاص على القاتل بكلّ حالٍ علم أو لم يعلم؛ لأنّه لا تلزمه طاعته وليس له القتل بخلاف السّلطان، فإنّ إليه القتل في الرّدّة والزّنا، وقطع الطّريق إذا قتل القاطع ويستوفي القصاص للنّاس، وهذا ليس له شيء من ذلك. انتهى.
(1/623)
________________________________________
وقوله ـ رحمه الله ـ: وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور، هكذا قال جماعة من الأصحاب. وقال الشّيخ تقيّ الدِّين ـ رحمه الله ـ: هذا بناء على وجوب طاعة السّلطان في القتل المجهول. وفيه نظر. بل لا يطاع حتّى يعلم جواز قلته. وحينئذٍ فتكون الطّاعة له معصية لاسيما إذا كان معروفاً بالظّلم، فهنا الجهل بعدم الحلّ كالعلم بالحرمة. انتهى.
وما في شرح رسالة ابن أبي زيد: أنّه إذا باشر القتل بعضهم وحبسه البعض قتلوا جميعاً، فهذا مذهب مالك وهو رواية عن أحمد، واحتجّ بعض مَن قال بقتل الممسك بقول عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء، أي: تعاونوا، والممسك له ليقتل معِين للقاتل. وأجاب الآخرون عن قول عمر: لو تمالأ عليه، أي: لو تشاوروا في قتله.
قال في الشّرح: وإن أمسكه له ليقتله مثل أن أمسكه له حتّى ذبحه فاختلف الرّواية فيه عن أحمد، فروي عنه أنّ الممسك يحبس حتّى يموت. وهذا قول عطاء وربية. وروي عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ. وروي عن أحمد أنّه يقتل أيضاً. وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة والشّافعي وأبو ثور يعاقب ويأثم ولا يقتل. وأمّا القاتل فيقتل بغير خلافٍ.
فقوله ـ رحمه الله ـ وإن أمسكه له ليقتله. يدلّ من كلامه على أنّ هذا الحكم مخصوص بما إذا أمسكه له ليقتله لا ما إذا أمسكه له ولم يعلم أنّه يريد قتله، وهكذا قيّد كثير من الأصحاب.
قال في الإنصاف: شرط في المغنِي في الممسك أن يعلم أنّه يقتله. وتابعه الشّارح. قال القاضي: إذا أمسكه للعب أو الضّرب، وقتله القاتل فلا قود على الماسك. وذكره محلّ وفاق. وقال في منتخب الشّيرازي: لا مازحاً
(1/624)
________________________________________
متلاعباً. انتهى. وظاهر كلام جماعة الإطلاق. انتهى.
وقال في الإقناع وشرحه: وإن كان الممسك لا يعلم أنّ القاتل يقتله فلا شيء عليه؛ لأنّ موته ليس بفعله ولا بأثر فعله بخلاف الجارح؛ فإنّه لا يعتبر فيه، قصد القتل؛ لأنّ السّراية أثر جرحه المقصود له. انتهى.
وأمّا الرّدء فلم يذكروه هنا لم يعطوه حكم المباشر في هذا الباب. وإنّما جعلوا حكم ردء قطاع الطّريق حكم مباشرهم للعلة التي علّلوا بها.
قال في الشّرح في (باب قطاع الطّريق) وحكم الرّدء حكم المباشر. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشّافعي: ليس على الرّدء إلاّ التّعزير؛ ولأنّ الحدّ يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلّق بالمعين كسائر الحدود.
ولنا أنّه حكم يتعلّق بالمحاربة فاستوى فيه الرّدء والمباشر كاستحقاق الغنيمة؛ وذلك لأنّ المحاربة مبنية على حصول المنفعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكّن المباشر من فعله إلاّ بقوّة الرّدء بخلاف سائر الحدود، فعلى هذا إذا قتل واحد منهم ثبت حكم القتل في حقّ جميعهم، فيجب قتل الكلّ، وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم وصلبهم كما لو فعل الأمرين واحد منهم. انتهى.
وقال في الإقناع وشرحه: وردء للمحارب وهو المساعد والمغيث له عند احتياجه إليه كمباشر وطليع وهو الذي يكشف للمحاربين حال القافلة. ليأتوا إليها كمباشر كما في جيش المسلمين إذا دخلوا دار الحرب وباشر بعضم القتال وأخذ المال ووقف الباقون للحفظ والحراسة مِمَّن يدهمهم من ورائهم أو أرسل الإمام عيناً ليتعرّف أحوال العدو، فإنّ الكلّ يشتركون في الغنيمة، وذكر أبو الفرج السّرقة كذلك. فإذا قتل واحد منهم ثبت
(1/625)
________________________________________
القتل في حقّ جميعهم فيجب قتل الكلّ؛ لأنّ حكم الرّدء حكم المباشر، وإن قتل بعضهم وأخذ المال بعضهم قتلوا كلّهم وجوباً. انتهى.
قال في الإنصاف: وحكم الرّدء حكم المباشر. هذا المذهب. وعليه الأصحاب. قال في الفروع: وكذا الطّليع. واختار الشّيخ تقيّ الدِّين يقتل الآمر كردء، وإنّه في السّرقة كذلك. انتهى.
وقول عمر ـ رضي الله عنه ـ: لو تمالأ عليه أهل صنعاء، أي: لو تعاون، وفي رواية: لو أنّ أهل صنعاء شركوا في قتله لقتلته أجمعين.
قال بعض العلماء في الكلام على أثر عمر المذكور: قوله: (تمالأ) مهموز ـ أي: تعاون ـ قال عليّ ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ: والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت في قتله ـ أي: عاونت ـ قال الخطابي في تصاحيف الرّواة: هو مهموز من الملأ، أي: صاروا كلّهم ملأ واحداً في قتله. قال: والمحدِّثون يقولونه بغير همز. والصّواب الهمز؛ لأنّ (الملأ) مهموز غير مقصور. انتهى.
واشترط الفقهاء المباشرة للقتل من الجميع وأن يكون فعل كلّ واحدٍ منهم صالحاً للقتل به، ومالك ـ رحمه الله ـ يلحق الممسك بالمباشر يدلّ على أنّهم حملوا قول عمر ـ رضي الله عنه ـ على التّعاون فقط، لا على التّشاور.
المسألة الثّالثة: إذا ادّعى شخص عند الحاكم بأنّه حكم له بكذا ولم يذكره الحاكم فشهد به شاهدان.
فالمذهب أنّه تقبل شهادتهما ما لم يتيّقن صواب نفسه. وهذا مذهب مالك. وقال أبو حنيفة والشّافعي: لا يقبل شهادتهما. ولا يرجع إلى قولهما حتّى يذكر أنّه حكم به. وظاهر كلام الأصحاب أنّه لا بدّ من شاهدين فلا يكفي الشّاهد ويمين المدّعي للحكم, وقد احتجّو لما ذكروه بقصة ذي اليدين واقصتارهم على الشّاهدين دليل على أنّه لا يكتفي
(1/626)
________________________________________
بغيرهما ولم يذكر في الفروع ولا في الإنصاف خلافاً. فدلّ على اعتبار الشّاهدين لاسيما والخلاف في عدم قبول الشّاهدين مشهور. والفقهاء يحكون الخلاف في قبول الشّاهدين وعدمه ولم يذكروا الشّاهد واليمين فدلّ على أنّه لا خلاف في عدم قبول الشّاهد مع اليمين. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: ما صفة العدالة باطناً؟ وهل يعتبر اليوم في الشّاهد ما ذكروه في صفة العدل من الشّروط أم لا؟
فالجواب: أنّه ليس مرادهم باطناً معرفة ما في القلوب، فهذا أمر لا يعلمه إلاّ الله. لكن مَن طالت صحبته لإنسان أو كثرت معاملته عرف من أحواله ما يستدلّ به على حسن باطنه. فهذا معنى العدالة في الباطن، ولهذا قالوا: يشترط في التّزكية خبرة المزكّي للشّاهد خبرة باطنة بصحبته ومعاملته ونحوهما.
قال في الشّرح: يحتمل أن يريد الأصحاب بما ذكروه أنّ الحاكم إذا علم أنّ المعدل لا خبرة له لم يقبل شهادته بالتّعديل كما فعل عمر ـ رضي الله عنه ـ، ويحتمل أنّهم أرادوا لا يجوز للمعدل الشّهادة بالعدالة إلاّ أن تكون له خبرة باطنة، فأمّا الحاكم إذا شهد عنده العدل بالتّعديل فله أن يقبل الشّهادة من غير كشف، وإن استكشف الحال كما فعل عمر فحسن. انتهى.
قال الزّركشي: لا يقبل التّعديل إلاّ مِمَّن له خبرة باطنة ومعرفة بالتّعديل والجرح غير متّهمٍ بعصبيةٍ ولا غيرها. قال: ومعنى الخبرة الباطنة كما جاء عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنّه أتى بشاهدين، فقال: لست أعرفكما ولا يضرّكما إن لم أعرفكما جيئا بِمَن يعرفكما، فأتيا برجلٍ فقال له عمر: أتعرفهما؟ قال: نعم. فقال عمر: صَحِبْتَهما في السّفر الذي يبيّن فيه جواهر النّاس؟ قال: لا.
(1/627)
________________________________________
قال: عَامَلتَهما في الدّنانير والدّراهم التي تقطع فيها الرّحم؟ قال: لا. قال: كُنْتَ جاراً لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال: لا. قال يا ابن أخي لسْتَ تعرفهما. جيئانِي بِمَن يعرفكما.
وأمّا اعتبار الصّفات المكذورة في كتب الفقهاء في الشّاهد فلا يمكن اعبتارها في هذه الأزمنة إذ لو اعتبرت لم يمكن الحكم بين النّاس. قال أبو العبّاس ـ رحمه الله ـ العدل في كلّ زمانٍ ومكانٍ وطائفة بحسبها فيكون الشّهيد في كلّ قومٍ مَن كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدلاً على وجهٍ آخر. وبهذا يمكن الحكم بين النّاس، وإلاّ فلو اعتبر في كلّ طائفةٍ ألا يشهد عليهم إلاّ مَن يكون قائماً بأداء الواجبات وترك المحرمات كما كان الصّحابة لتعطلت الشّهادات كلّها أو غالبها.
وقال أبو العبّاس في موضعٍ آخر: إذا فسر الفاسق في الشّهادة بالفاجر أو بالمتّهم فينبغي أن يفرّق بين حال الضّرورة وعدمها، كما قلنا في الكافر. وقال في موضعٍ آخر: ويتوجّه أن تقبل شهادة المعروفين وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود عند الضّرورة مثل: الجيش وحوادث البدو، وأهل القرية الذين لا يوجد فيهم عدل، وله أحوال منها شهادة أهل الذّمة في الوصيّة في السّفر إذا لم يوجد غيرهم، وشهادة بعضهم على بعضٍ في قول، وشهادة النّساء فيما لا يطّلع عليه الرّجال. انتهى. ويشهد لكلام الشّيخ ـ رحمه الله ـ ما ذكروه في القاضي إذا تعذرت عدالته.
وقد قال الشّيخ ـ رحمه الله ـ: الولاية لها ركنان: القوّة والأمانة. فالقوّة في الحكم ترجع إلى العلم بالعدل وتنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله. قال: وهذه الشّروط تعتبر حسب الإمكان ويجب تولية الأمثل فالأمثل.
(1/628)
________________________________________
وقال: على هذا يدلّ كلام أحمد وغيره فيولى لعدم أنفع الفاسقين وأقلّهما شرّاً، وأعدل المقلّدين وأعرفهما بالتّقليد، قال في الفروع: وهو كما قال. وقال في الإقناع وشرحه بعد أن أورد كلام الشّيخ هذا: وهو كما قال. وإلاّ لتعطلّت الأحكام واختل النّظام.
قال القرافي: ونصّ ابن أبي زيد على أنّا إذا لم نجد في جهة العدول أقمنا أمثلهم وأقلّهم فجوراً للشّهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاء وغيره لئلا تضيع المصالح. قال القراقي: وما أظنّ أحداً يخالفه في هذا. فإنّ التّكليف مشروط بالإمكان.
المسألة الخامسة: إذا تعذّر حصول الأرش الواجب على العاقلة لعدمهم أو فقرهم وتعذر الأخذ من بيت المال، فهل يلزم به الجاني أم لا؟
الصّحيح من المذهب السّقوط والحالة هذه. ولا يطالب الجاني بذلك. قال في الإنصاف: هو المذهب. وعليه أكثر الأصحاب بناء على أنّ الدّية وجبت على العاقلة ابتداء، وجزم به الخرقي وصاحب الوجيز والمنور ومنتخب الآمدي وغيرها. قال ابن منجا في شرحه: هذا المذهب. وقدّمه في المحرّر والنّظم والرّعايتين والحاوي الصّغير والفروع وغيرها. وهو من مفردات المذهب. ويحمل أن تجب في مال القاتل.
قال المصنّف ـ رحمه الله ـ هنا: وهو أولى فاختاره يعنِي: اختاره المصنّف، وهو الشّيخ موفّق الدِّين ابن قدامة. هذا القول الثّاني. قال في الشّرح: فإن لم يمكن الأخذ من بيت المال فليس على العاقلة شيء، وهذا أحد قولي الشّافعي، ولأنّ الدّية لزمت العاقلة ابداء بدليلٍ أنّها لا يطالب بها غيرهم إلى أن قال: فعلى هذا إن وجد بعض العاقلة حملوا بقسطهم وسقط الباقي فلا يجب على أحدٍ.
(1/629)
________________________________________
قال شيخنا: ويحتمل أن تجب في مال القاتل إذا تعذر حملها عنه. وهذا القول للشّافعي لعموم قوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ، [النّساء، من الآية: 92] .ولأنّ قضية الدّليل وجوبها على الجاني جبراً للمحلّ الذي فوته، وإنّما سقط عن القاتل لقيام العاقلة مقامه في جبر المحلّ، فإذا لم يوجد ذلك بقي واجباً عليه بمقتضى الدّليل، ولأنّ الأمر دائر بين أن يبطل دم المقتول وبين إيجاب ديته على المتلف لا يجوز الأوّل؛ لأنّ فيه مخالفة للكتاب والسّنة وقياس أصول الشّريعة فتعيّن الثّاني. ولأنّ إهدار الدّم المضمون لا نظير له وإيجاب الدّية على قاتل الخطأ له نظائر. وأطال الكلام في تقوية هذا القول. واختار هذا القول الثّاني أيضاً الشّيخ تقيّ الدِّين.
قال في الاخيتارات: وتؤخذ الدّية من الجاني خطأ عند تعذّر العاقلة في أصحّ قولي العلماء. قال في شرح الإقناع: وعنه تجب في مال القاتل. قال في المقنع: وهو أولى، أي: من إهدار دم الأحرار في غالب الأحوال؛ فإنّه لا يكاد توجد عاقلة تحمل الدّية كلّها ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال فتضيع الدّماء.
المسألة السّادسة: إذا لم تنقص الجناية المجني عليه بعد البرء ولا حال جريان الدّم.
فالمشهور في المذهب أنّه لا شيء فيها، سوى التّعزير. فقد صرّحوا بوجوب التّعزير في ذلك. قال في الإنصاف في هذه المسألة: فإن لم تنقصه شيئاً بحال أو زادته حسناً كإزالة ليحة امرأة أو إصبع زائدة ونحوه فلا شيء فيها. هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب.
قال في المحرّر: فلا شيء فيها على الأصحّ. قال في الفروع: فلا شيء فيها في الأصحّ. وكذا قال النّاظم وصحّحه في المغنِي والشّرح وغيرهما.
(1/630)
________________________________________
وقيل: بلى. قال القاضي: نصّ أحمد على هذا. قال المصنّف: فعلى هذا يقوم في أقرب الأحوال إلى البرء، فإن لم ينقص في ذلك الحال قوّم حال جريان الدّم؛ لأنّه لا بدّ من نقص للخوف عليه. ذكره القاضي. وجزم بهذا القول في الهداية. والمذهب والخلاصة. انتهى.
وعلى القول الأوّل: يعزّر الجاني؛ لأنّهم صرّحوا بوجوب التّعزير في جناية لا قصاص فيها؛ كالصّفع والوكز ونحو ذلك، مع أنّ في اللّطمة ونحوها رواية بثبوت القصاص في ذلك. قال في الإنصاف: لما ذكر عدم وجوب القصاص في ذلك، وقال: إنّه المذهب وعليه الأصحاب. قال: ونقل حنبل والشّالنجي القود في اللّطمة ونحوها.
ونقل حنبل عن الإمام أحمد والشّعبي والحكم وحماد قالوا: ما أصاب بسوطٍ أو عصا وكان دون النّفس ففيه القصاص. قال أحمد: وكذلك أرى. ونقل أبو طالب لا قصاص بين المرأة وزوجها في أدب يؤدّبها به، فإن اعتدى أو جرح أو كسر يقتص لها منه. ونقل ابن منصور إذا قتله بعصا أو خنقه أو شدخ رأسه بحجرٍ يقتل بمثل الذي قتل به؛ لأنّ الجروح قصاص، ونقل أيضاً كلّ شيءٍ من الجراح والكسر يقدّر على القصاص يقتصّ منه للأخبار. واختار ذلك الشّيخ تقيّ الدِّين وقال: ثبت عن الخلفاء الرّاشدين. انتهى. والله أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين إلى الأخ حسين بن عليّ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
موجب الخط إبلاغك
(1/631)
________________________________________
وأمّا القنوت إن كان إماماً جهر به، وأمن المأمومون جهراً.
وأمّا الأجرة على الأذان فقال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لبعض أصحابه:"اتّخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أرجاً".
وأمّا الأذان قبل الوقت فلا يجزئ بل يعاد في الوقت.
وأمّا بيع القهوة بطعام نسيئة فبعض أهل العلم يمع من هذا الجنس، وبعضهم يبيحه.
وأمّا أخذ الطّعام عن دراهم ثمن سمن فالخلاف في مثل هذه المسألة مشهور في زمن السّلف. هذا إذا كان الطّعام حاضراً ليس مؤخّراً وأرى في مثل هذه المسألة الغفلة عن الفاعل.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الأخ عليّ بن عثمان سلّمه الله
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
نذكر لك من جهة الذي تذكر أنّه يأخذ عن الدّراهم ثمن الغنم زاداً، فهذا لا بأس به إن شاء الله. فإن كان الدّراهم ثمن لحمٍ فلا ينبغي أخذ الزّاد عنها خروجاً من الخلاف.
ومن جهة شهود الطّلاق هل يجوز نقل شهادتهم، فإذا جاز نقل الشّهادة فشهود الطّلاق وغيرهم سواء، ونذر الطّاعة يلزم الوفاء به ويجبر عليه الممتنع، والمرأة إذا كانت رشيدة يصحّ تصرّفها في مالها ولا يمنعها زوجها من التّصرّف في مالها.
وأمّا اشتراط الرّجل على زوج ابنته عند العقد، فهذا جائز بخلاف غير الأب.
وأمّا قضاء رمضان فلا يجب فيه التّتابع. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
(1/633)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
قال الشّيخ أبو بطين: وهذه الصّور التي نهى عنها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في البيع نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن السّنور، وكسب الحجام، وبيع الخمر، وكلّ ما حرم أكله وبيع الميتة، وبيع الأصنام، وبيع الحرّ، وبيع عسب الفحل، وبيع فضل الماء، وبيع الكلأ، وبيع الحصاة، وبيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملامسة، وبيع المنابذة والمزابنة، والمحاقلة والمخابرة والمعاوضة والثّنيا، وبيع الثّمر قبل الصّلاح، وبيع الطّعام قبل قبضه، والبيع على بيع أخيه، والنَّجش والتّصرية، وبيع حاضر لبادٍ، وتلقي الرّكبان، والغشّ والكذب، والاحتكار، وأكل الرّبا، وتوكيله، وبيع الذّهب بمثله متفاضلاً، وبيع الفضّة بمثلها متفاضلةً، والبرّ بالبرّ متفاضلاً، والذّهب بالذّهب نساء, والفضّة بالفضّة نساء، والتّمر بالتّمر نساء، والشّعير بالشّعير نساء، والبرّ بالبرّ نساء، والملح بالملح نساء، والذّهب بالفضّة نساء، والتّمر بالبر نساء، والتّمر بالشّعير نساء، والتّمر بالملح نساء، والبرّ بالشّعير نساء، والبر بالملح نساء، والشّعير بالملح نساء، واشتراط ما ليس في كتاب الله، وكلّ ما تقدّم في الصّحيحين أو أحدهما.
قوله: المزانبة: وهي أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمرٍ كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعاماً، نهى عن ذلك كلّه، ويورى المزابنة أن يباع ما في رؤوس النّخل بتمرٍ كيلاً مُسمَّى إن زاد فلي وإن نقص فعلي.
قوله: نهى عن المخابرة والمحاقلة، فالمحاقلة: أن يبيع الرّجل الزّرع
(1/634)
________________________________________
بمائة فرق حنطة، والمزابنة أن يبيع الثّمر في رؤوس النّخل بمائة فرق مثلاً، والمخابرة: كراء الأرض بالثّلث أو الرّبع، والمعاومة: أن يبيع حمل الشّجر المستقبل أعواماً.
قوله: المنابذة: وهي طرح الرّجل ثوبه للبيع إلى الرّجل قبل أن يقبله أو ينظر إليه.
قوله: الملامسة: هي لمس الثّوب لا ينظر إليه.
قوله: حبل الحبلة: وكان بيعاً يبيعه أهل الجاهلية، كان الرّجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج النّاقة ثم أن تنتج التي في بطنها، وقيل: إنّه كان يبيع الشّارف وهي الكبيرة بالمسنة بنتاج الجنين الذي ببطن ناقته.
وقوله: بيع الحصاة، وهو: أن يقول: أيّ موضعٍ وقعت عليه هذه الحصاة من هذه الأرض فهو لي بكذا وكذا. اهـ.
فائدة لأبي بطين:
إذا غلب حكم الكفر في بلدةٍ صارت دار حربٍ، وعند أبي حنيفة: لا تصير دار حربٍ إلاّ باجتماع ثلاثة شروط: ظهور أحكام الكفر، وأن لا يبقى فيها مسلم ولا ذميّ بالأمان الأصلي، وأن تكون ملحقة بدار الحرب. اهـ.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ المحبّ الشّيخ عثمان ابن عيسى وفّقه الله لطاعته وحفظه بحراسته.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
تذكر من حال كتاب الحاكم
(1/635)
________________________________________
برؤية الهلال، وما ذكر لك عبد الرّحمن النّميري أنِّي ذكرت لك شيئاً في ذلك عن العسكري فعبد الرّحمن يثبت لكن ما حضرنِي الآن. والذي يظهر لي العمل به والاعتماد عليه في ذلك؛ لأنّ الفقهاء ذكروا أنّه إذا رئي هلال رمضان بمكان لزم جميع النّاس الصّوم، وإنّما يثبت ذلك غالباً في حقّ غير أهل موضع الرّؤية بإخبار الثّقات فرعاً عن أصل وخطوط القضاة، بل أهل موضع الرّؤية ليسوا كلّهم يأتون إلى الشّاهد برؤية الهلال ليسمعوا شهادته، بل يعتمدون على إخبار بعضهم بضعاً عن الشّاهد؛ كشهادة الفرع على الأصل، فإذا تقرّر قبول خبر الفرع أو شهادته في ذلك، فكذا كتاب القاضي؛ لأنّ الفقهاء ذكروا أنّه لا تقبل الشّهادة على الشّهادة إلاّ فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وأنّ كتاب القاضي حكمه كالشّهادة على الشّهادة، وكلامه في الكافي صريح في قبول الشّهادة على الشّهادة في ذلك لما ذكر وجهين في قبول قول المرأة في هلال رمضان. قال في تعليل الوجه الثّاني: وهذا لا يقبل فيه شهادة الفرع مع إمكان شهادة الأصلن فدلّ كلامه على قبول شهادة الفرع مع عدم الإمكان، ونظره صاحب الفروع بقوله: كذا قال. والذي يظهر لي أنّ تنظيره إنّما هو اعتباره لقبول شهادة الفرع إمكان شاهد الأصل، كما قدّمنا أنّ المسلمين يعتمدون على ذلك مع الإمكان وعدمه. والله سحبانه وتعالى أعلم.
ولعلّك وفقت على قول شارح الإقناع عند قول المتن في حكم كتاب القاضي: لا يقبل في حدّ الله كالزّنا ونحوه. قال الشّارح: وكالعبادات ووجه ذلك؛ أنّه لا مدخل لحكمه في عبادة، فكذا كتابه. قال الشّيخ تقيّ الدِّين: أمور الدِّين والعبادات المشتركة لا يحكم فيها إلاّ الله ورسوله إجماعاً.
(1/636)
________________________________________
قال في الفروع عقبه: فدلّ على أنّ إثبات سبب الحكم كرؤية الهلال والزّوال ليس بحكم الخبر، فدلّ ذلك على أنّ كتاب القاضي بإثبات رؤية الهلال ليس حكماً في عبادةٍ ولا إثباتاً لها. وإنّما هو لإثبات سببها فلا ينافي كونه لا يقبل في عبادةٍ ولا يحكم فيها، وقد صرّحوا بأنّه لا مدخل لحكمه في عبادةٍ أو وقتٍ، وإنّما هو فتوى فدلّ كلامهم على أنّ إثبات رؤية الهلال مثلاً فتوى، والفتوى يعمل فيها بالخط، وإن كان كتابه شهد عندي فلان وفلان مثلاً، برؤية الهلال، ففرع على أصلٍ لا فتوى. مطلقاً. والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بطين إلى الأخ عثمان بن عيسى.
قال بعد السّلام:
وما ذكرت من حال المرأة التي استدخلت ذكر زوجها وهما محرمان، مرادكم وهو نائم، هل يجب عليه الكفارة أم لا؟ وهل تتحملها عنه الزّوجة كالنّفقة أم لا؟
فالظّاهر وجوب الفدية عليه؛ لأنّ هذا نوع إكراه، والمكره تجب عليه الفدية على الصّحيح من المذهب. قال في الإنصاف في باب ما يفسد الصّوم ... الخ: فتبيّن بذلك أنّ المذهب وجوب الكفارة على مَن استدخلت زوجته ذكره، وهو نائم، وأنّها لا تتحملها عنه على الصّحيح من المذهب.
وأمّا مَن قيل له: لم ضربت غلامك ولم أدميته؟ فقال: إن كان ظهر منه دم فهو حرّ، هل يعتق بذلك التّعليق إذا وجد الشّرط وهو ظهور الدّم؟
فالظّاهر أنّه يعتق إذا كان قد وجد الشّرط، وهو ظهور الدّم، والتّعليق
(1/637)
________________________________________
على الماضي معلوم من الكتاب والسّنة، ونحو هذا التّعليق يُسَمّى حلفاً؛ لأنّ التّعليق الذي يقصد به الحنث على فعلٍ أو المنع منه أو يراد به تصديق خبرٍ أو تكذيبه يُسمَّى حلفاً. وأمّا التّعليق الذي لا يقصد به شيء من ذلك فلا يُسَمَّى حلفاً على الصّحيح من المذهب. فلو قال: إن كنت فعلت كذا فزوجتِي طالق، وكان قد فعله حنث، وكذا لو قال: إن لم أكن فعلت كذا فزوجتِي طالق، أو فعبدي حرّ، وكان لم يفعله حنث إن لم يتأوّل حيث جاز التّاويل كما ذكره في باب التّأويل في الحلف. وما ذكرتموه من كلام منصور بأنّ المعلّق عليه لا يكون ماضياً، فلعلّ مراده إذا تجرّد الشّرط عن لفظ كان، كما قال القاضي فيما روي عن أحمد في رجلٍ قال لامرأته: إن وهبت كذا فأنت طالق، وإذا هي قد وهبته. قال الإمام: أخاف أن يكون قد حنث.
قال القاضي: هذا محمول على أنّه قال: إن كنت قد وهبته، وإلاّ فلا يحنث حتّى تبتدئ هبته. انتهى. فإذا اتّصلت كان بأداة الشّرط جاز كون المعلّق عليه ماضياً وحالاً.
وقال م. ص: وقد يكون المعلّق عليه موجوداً في الحال، وقد يكون مستقبلاً ولا يكون ماضياً، ولذلك تقلب أدوات الشّرط الماضي إلى الاستقبال، فدلّ قوله: وكذلك ... الخ على أنّ مراده بقوله: ولا يكون ماضياً، إذا تجرّد من كان؛ لأنّ الماضي إذا اقترنت به كان لا يكون مستقبلاً، بل يبقى على مضيه، وهي إنّما تقلب الماضي إلى الاستقبال إذا لم تقترن بكان أو يكون أو مضارعاً، فدلّ قوله: ولذلك الخ، تقلب أدوات الشّرط، آخر ما وجد من هذه الرّسالة. والله أعلم.
(1/638)
________________________________________
وله أيضاً رحمه الله:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ما قولكم ـ رفع الله قدركم ـ في ريع وقف عقار انتقل من طبقة إلى طبقة أرضاً أو نخلاً من مزارعة أو مساقاة أو إجارة بعد ظهور الثّمرة، ومتى تستحقّ الطّبقة الثّانية لذلك، وهل بين مَن كان يستحقّها بوصفٍ أو مقابلة عملٍ فرق، أفتونا مأجورين.
الجواب: الحمد لله ربّ العالمين، الكلام في هذه المسألة كالكلام في الحمل في أنّه يتجدّد حقّه من الوقف بوصعه لا قبله من ثمرٍ وزرعٍ، كتجدّد حقّ المشتري. هذا هو المشهور في المذهب. ومن المعلوم أنّه إذا بيعت أرض وفيها زرع كبر ونحوه أنّه للبائع ما لم يشترط مشترٍ. وكذا إذا بيع نخل قد تشقّق طلعه أنّه للبائع ما لم يشترطه المشتري. فهكذا حكم الحمل المستحقّ للوقف بعد وضعه. قال في المغنِي: ومَن وقف على أولاده أو أولاد غيره وفيهم حمل لم يستحقّ شيئاً قبل انفصاله. قال أحمد في رواية جعفر بن محمّد فيمَن وقف نخلاً على قومٍ وما توالدوا، ثم ولد مولود فإن كان النّخل قد أُبِّرَ فليس له فيه شيء، وهو للأوّل، وإن لم يكن قد أُبِّرَ فهو معهم، وإنّما قال ذلك؛ لأنّها قبل التّأبير تتبّع الأصل في البيع، وهذا الموجوب يستحقّ نصيبه فيتبعه حصته من الثّمر كما لو اشترى ذلك النّصيب من الأصل، وبعد التّأبير، لا تتبع الأصل، ويستحقّ مَن كان له الأصل، فكانت للأوّل؛ لأنّ الأصل كان كلّه له فاستحقّ ثمرته كما لو باع هذا النّصيب منها، ولم يستحقّ المولود منها شيئاً كالمشتري. وهكذا الحكم في سائر ثمر الشّجر الظّاهر، فإنّ المولود لا يتستحقّ
(1/639)
________________________________________
منه شيئاً، ويستحقّ مما ظهر بعد ولادته. وإن كان الوقف أرضاً فيها زرع يستحقّه البائع فهو للأوّل، وإن كان مما يستحقّه المشتري فللمولود حصّته منه؛ لأنّ المولود يتجدّد استحقاقه للأصل كتجدّد ملك المشتري فيه. انتهى كلامه.
وهذا التّعليل الذي علّل به ظاهر في أنّ حكم الطّبقة الثّانية حكم الحمل. وهو واضح. ولله الحمد.
قال في الإنصاف: تجدّد حقّ الحمل بوضعه من ثمرٍ وزرعٍ لمشترٍ نقله المروذي وجزم به في المغنِي والشّرح والحارثي. وقال: ذكره الأصحاب في الأولاد وقدمه في الفروع. ونقل جعفر يستحقّ من زرع قبل بلوغه الحصاد، ومن نخل لم يؤبّر، فإن بلغ الزّرع الحصاد، وأُبِّرَ النّخل لم يستحقّ شيئاً إلى أن:
قال في الفروع: ويشبه الحمل إن قدم إلى ثغر موقوف عليه فيه أو خرج منه إلى بلد موقوف عليه فيه، نقله يعقوب. قال: وقياسه من نزل في مدرسته ونحوه. قال ابن عبد القوي: ولقائل أن يقول: ليس كذلك؛ لأنّ واقف المدرسة ونحوها جعل ريع الوقف في السّنة كالجعل على اشتغال مَن هو في المدرسة عاماً، فينبغي أن يستحقّ بقدر عمله من السّنة من ريع الوقف في السّنة لئلا يفضي إلى أن يحضر الإنسان شهراً مثلاً فيأخذ جميع مغل الوقف ويحضر غيره باقي السّنة بعد ظهور الثّمرة، فلا يستحقّ شيئاً. وهذا يأباه مقتضى الوقوف. ومقاصدها. انتهى.
قال الشّيخ تقيّ الدِّين: يستحقّ بحصّته من مغله. وقال: من جعله كالولد فقد أخطأ. وللورثة من المغل بقدر ما باشر مورثهم. انتهى.
قال في القواعد الفقهية: واعلم أنّما ذكرناه في استحقاق الموقوف عليه ههنا إنّما هو إذا كان استحقاقه بصفةٍ محضةٍ مثل كونه ولداً أو فقيراً ونحوه، أمّا إن كان استحقاقه الوقف عوضاً عن عملٍ، وكان المغل كالأجرة فيقسط على جميع السّنة كالمقاسمة
(1/640)
________________________________________
القائمة مقام الأجرة حتّى مَن مات في أثنائه استحقّ بقسطه وإن لم يكن الزّرع قد وجد. وبنحو ذلك أفتى الشّيخ تقيّ الدِّين. انتهى.
فظهر من كلامهم أنّ مَن كان استحقاقه بصفةٍ لكونه ولداً أو فقيراً ونحو ذلك أنّ حكمه في الاستحقاق من زرع الأرض الموقوفة، وثمر الشّجر الموقوف حكم المشتري. هذا هو المعمول به في المذهب.
وأمّا مَن كان استحقاقه في مقابلة عملٍ ففيه الخلاف، كما تقدّم. فصاحب الفروع قاس هذه المسألة قبلها، فقال: وقياسه مَن نزل في مدرسةٍ ونحوه وتبعه. في الإقناع وغيره وكلام الشّيخ تقيّ الدِّين وابن عبد القوي وابن رجب بخلاف ذلك. والعمل به أولى إن شاء الله تعالى.
وأمّا إن كان الوقف مؤجّراً فالذي ظهر لنا من كلامهم أنّ الأجرة تقسط على جميع السّنة، فَمَن مات من المستحقّين في أثناء السّنة فله من الأجرة بقدر ما مضى من السّنة. وهو صريح في كلام بعضهم، كما قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ في أثناء كلامٍ له. قال: كما تقول في الوقف إذا انتقل إلى البطن الثّاني، ولم تنفسخ إجارته أنّهم يستحقّون الأجرة من يوم الانتقال. انتهى.
فهذا يدلّ على القول بأنّها لا تنفسخ بموت المؤجّر من الطّبعة الأولى، وعلى القول الثّاني الذي هو الصّحيح عند ابن رجب وصحّحه أيضاً الشّيخ تقيّ الدِّين وصوّبه في الإنصاف أنّها تنفسخ، فإنّ المنافع تنتقل للطّبقة الثّانية، فتكون الأجرة لهم من حين انتقل الوقف إليهم.
قال ابن رجب أيضاً في أثناء كلامٍ له: وفي أمثلة ذلك الوقف إذا زرع فيه أهل البطن الأوّل أو مَن آجروه ثم انتقل إلى البطن الثّاني والزّرع قائم، فإن قيل: إنّ الإجارة لا تنفسخ وللبطن الثّاني حصّتهم من الأجرة فالزّرع مبقى لمالكه بالأجرة
(1/641)
________________________________________
السّابقة، وإن قيل: بالانفساخ، وهو المذهب الصّحيح فهو كزرع المستأجر بعد انقضاء المدّة إذا كان بقاؤه بغير تفريطٍ من المستأجر فيبقى بالأجرة إلى أوان أخذه، وقد نصّ عليه الإمام أحمد في رواية مهنا في مسألة الإجارة المنقضية، وأفتى به في الوقف الشّيخ تقيّ الدِّين. والله سبحانه وتعالى أعلم. اهـ.
والمجيب هو: الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبا بطين. رحمه الله تعالى.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مسألة: ما قول شيخنا ـ وفّقه الله ـ لإيضاح المشكلات في إنسانٍ اشترى قهوة من آخر مثلاً، واكتالها كيلاً جيداً، أو اشترط أنّه يكيلها فلان مثلاً، وأراد بعد ذلك بيعها فلما باعها، قال: أكيلها أنا، والحالة أنّ كيله هو أو فلان أنقص من ذلك الكيل الأوّل، هل يكون ذلك ممنوعاً في الشّرع المطهر أم لا؟
أيضاً ـ سلّمك الله ـ: إذا اشترط البائع على المشتري أنّه لا يكيلها إلاّ أنت أو فلان، والحالة أنّه هو أو فلان لا يحسنون الكيل الذي يساوي كيله أو لا والتزم له المشتري بذلك هو يسوغ له الشّرط أم لا؟ نلتمس من فيض إفضالكم تحرير الجواب باختصارٍ وإيجاز. ولكم من الله بذلك الثّواث الجزيل والمفاز.
وأيضاً ـ سلّمك الله ـ: حصل زيادة بين كيلٍ البائع وكيل المشتري بلا شرط على المشتري، والحال أنّ المشتري الأوّل شرط على البائع الأوّل أنّه يكيلها فلان والمشتري الثّاني لم يشترط كيل أحدٍ.
فأجاب ـ رحمه الله تعالى ـ: الذي أرى ـ والله أعلم ـ أنّه إذا قال المشتري:
(1/642)
________________________________________
أكيلها أنا أو فلان والحالة أنّ كيله أو كيل فلان أنقص من الكيل الأوّل الذي اكتاله البائع أنّ ذلك لا يمنع.
وأمّا إذا شرط البائع على المشتري أنّه لا يكيلها إلاّ أنت أو فلان، فهذا الشّرط غير صحيحٍ، ويجوز أن يتولّى الكيل غير المعيّن للمشروط، كما قالوا: إذا شرط في السّلم مكيالاً معيّناً له عرف أنّه لا يصحّ هذا الشّرط ولا يلزم التّعيين. والله سبحانه وتعالى أعلم.
فائدة: قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في بدائع الفوائد: الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصحّ له الحكم إلاّ بها: معرفة الأدلّة، والأسباب، والبيّنات. فالأدلّة تعريفه: الحكم الشّرعي لا الكلّيّ، والأسباب معرفة ثبوته في هذا المحلّ المعتبر وانتفاؤه عنه. والبيّنات معرفة طريق الحكم عند التّنازع. ومَن أخطأ واحداً من هذه الثّلاثة أخطأ في الحكم وجميع خطأ الحكام مداره على هذه الثّلاثة أو بعضها.
مثال ذلك: إذا تنازع اثنان في ردّ سلمة مشتراة فحكمه موقوف على العلم بالدّليل الشّرعي الذي سلط المشتري على الرّدّ، وهو إجماع الأمّة المستند إلى حديث المصراة، وعزاه على العلم بالسّبب المثبت بحكم الشّارع في هذا المبيع المعيّن، ويقولون هذا الوصف عيب سلط على الرّدّ أم لا؟ وهذا لا يتوقّف العلم به على الشّرع بل على الحسّ والعادّة أو العرف أو الجزاء ونحو ذلك، وعلى البيّنة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين، وهي كلّ يبيّن ما له صدق أحدهما، أو ظنا من إقرار أو شهادة أربعة عدول، أو ثلاثة في دعوى الإعسار بتلف ماله على أصحّ القولين أو شاهدين، أو رجلٍ وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو شهادة رجلٍ. انتهى.
(1/643)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الولد المحبّ عليّ بن عبد الله القاضي ألهمه الله رشده وهداه، ووفّقه لما يحبّه ويرضاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
موجب الخطّ إبلاغك السّلام. والخط وصل وصلك الله إلى ما تحب. ومن حال ما ذكرت من أخذ الرّجل من طول لحيته إذا كانت دون القبضة فالظّاهر الكراهة، لقول النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" اعفوا اللّحى"، وفي حديثٍ آخر:" ارخوا اللُّحى". والسّنة عدم الأخذ من طولها مطلقاً. وإنّما رخص بعض العلماء في أخذ ما زاد على القبضة لفعل ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ، وبعض العلماء يكره ذلك لقول النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" اعفوا اللّحى ".
وأمّا حلق ما على الخدّين من الشّعر فلا شكّ في كراهته لمخالفته قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"اعفوا اللّحى".واللّحية في اللّغة اسم لمحلّ الشّعر النّابت على الخدّين والذّقن. ومعنى قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"اعفوا اللّحى"، أي: وفرّوها واتركوها على حالها مع أنّه ورد حديث في النّهي عن ذلك، فروى الطّبراني عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنّ النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:"مَن مثّل بالشّعر ليس له عند الله من خلاق".قال الزّمخشري: معناه: صيّره مثلة بنتفه أو حلقه من الخدود، وقيل: نتفه أو تغيير بسواد. وهذا الحديث ظاهر في تحريم هذا الفعل. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقال أصحابنا: يباح للمرأة حلق وجهها وحفّه، ونصّ الإمام أحمد على كراهة حفّ الرّجل سوى وجهه، والحفّ أخذه بالمقراض والحلق
(1/644)
________________________________________
بالموسى. فإذا كره الحفّ فالحلق أولى بالكراهة. ويكفي ذلك أنّه يخالف سنة النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في قوله:"اعفوا اللّحى".وفي الحديث:" وفّروا اللُّحى خالفوا المشركين ".الله أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
هذه مسائل سُئِلَ عنها الشّيخ العالم العلاّمة البحر الفهّامة عبد الله ابن عبد الرّحمن أبو بطين رحمه الله وعفا عنه:
المسألة الأولى: إذا ترك السّاعي في الخرص لربّ المال شيئاً من كمال النّصاب كما إذا صار عنده خمسة أوسق فترك منها وسقاً فقد ذكروا إن كان ربّ المال أكل هذا الوسق المتروك فلا يجب عليه شيء في الأوسق الأربعة الباقية، وإن لم يأكل هذا الوسق المتروك زكى الأسوق الأربعة فقط.
الثّانية: وجوب الزّكاة في غلة الوقف فإن كان الوقف على معيّنٍ واحدٍ أو جماعةٍ وحصل لكلّ وحدٍ نصاب زكّاه، وإن كان الوقف على غير معيَّنٍ لم يجب شيء.
الثّالثة: إذا كان عند إنسانٍ نصاب في الشّتاء وبعض نصاب في القيظ أخرج زكاة نصاب الشّتاء ولم يجب عليه شيء في زرع القيظ إذا لم يبلغ نصاباً.
الرّابعة: إذا دبر عبده وأوصى بثلث ماله في جهة فزكاة الجميع تخرج من الثّلث؛ لأنّ التّبدير وصية على المشهور، وله الرّجوع في الوصية وبيع المدبّر على اختلاف في ذلك.
(1/645)
________________________________________
الخامسة: السّلم فلا يباع قبل قبضه ولا يؤخذ مِمَّن هو عليه عوض عن دَين السّلم في قول أكثر العلماء.
السّادسة: إذا مات الوصي أقام الحاكم عدلاً في ذلك من العصبة أو غيرهم، وليس للعصبة ولاية إلاّ مع عدم حاكمٍ أو وصي على قول غير مشهورٍ لكنه متوجّه مع عدم الحاكم.
السّابعة: إذا طلق الرّجل زوجته ثلاثاً فإنّها تقع الثّلاث ولو كان على عوضٍ.
الثّامنة: إذا قال الزّوج لزوجته: إن خرجت فأنت طالب وكرّرها ثلاثاً ثم خرجت فإنّها تطلق ثلاثاً ولو لم ينو شيئاً، وإن ادّعى أرادة الإفهام بالتّكرير قُبِلَ منه.
التّاسعة: إذا قال الرّجل لامرأته: أمرك بيدك، فإنّها تملك ثلاثاً، ولو قال: طلِّقي نفسك، لم تملك إلاّ واحدةً.
العاشرة: إذا وقف نخلة معيّنة فالذي نرى أنّ موضعها لا يكون وقفاً بذلك، فإذا سقطت النّخلة زال حقّ أهل الوقف، وقد صرّح بذلك الفقهاء فيما إذا أقرّ له بنخلة أو باعه إيّاها تناول ذلك الجذع فقط، فإذا سقطت لم يكن له إعادتها كما نصّ عليه الإمام أحمد فيما إذا أقرّ له بنخلةٍ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
مسألة: ما حكم ما يغرس أو ينبت من النّخل ونحوه على ماء الشّريك في المشاع إذا أراد الشّركاء القسمة؟
الجواب: الحمد لله. أمّا ما غرس الشّريك في الأرض المشاعة بغير إذن شريكه فقد صرّح الأصحاب بأنّ حكمه حكم غرس الغاصب، ونصّ
(1/646)
________________________________________
على ذلك الإمام أحمد، فإنّه سُئِلَ عَمَّن غرس نخلاً في أرض بينه وبين قوم مشاعاً، قال: إن كان بغير إذنهم قلع نخله. قال في الإنصاف:
قلت: وهذا مما لا إشكال فيه. قالوا: وكذا لو غرس نوى فصار شجراً فحكمه حكم الغرس لا كالزّرع على الصّحيح من المذهب.
وأمّا قول الشّيخ ـ رحمه الله ـ: مَنْ رَزَعَ بلا إذن شريكه، والعادّة بأن مَن زَرع فيها له نصيب معلوم ولربّها نصيب قسم غلة ما زرعه في نصيب شريكه كذلك. فالظّاهر أنّ هذا في الزّرع خاصّة دون الغرس ولجريان العادّة بذلك.
وأمّا إذا نبت في الأرض المشاعة شجر بغير فعل صاحب الماء وإنّما نبت على مائه بغير فعلٍ منه، فلم أرَ في كتب الأصحاب ذكراً لهذه المسألة بعينها.
ورأيت جواباً للشّيخ عبد الله بن ذهلان النّجدي في هذه المسألة:
اعلم أنّ الغرس النّابت في الأرض المأجورة والموقوفة لم نظفر فيه بنصٍّ وتعبنا من زمن، وجاءنا فيه جواب للبلياني وأظنّه غير محرّر، وأرسلنا من زمنٍ طويلٍ للشّيخ عبد الرّحمن بن عبد الله الشّافعي المفتِي بالأحساء فيمَن استأجر أرضاً مدةً طويلةً فنبت فيها غراس الظّاهر سقوطه في مدّة الإجارة ونما من عمل مستأجر ما حكمه؟
فأجاب: إذا استجأر شخص مدّة طويلةً ووقع منه نوى في الأرض المذكورة ولم يعرض عنه كان النّابت ملكاً لمستأجر إن تحقّق أنّ النّوى ملكه، وإن لم يتحقّق أنّه ملكه أو أعرض عنه، وهو مِمَّن يصحّ إعراضه، فهو ملك لصاحب الأرض، وإنّما نما بعمل المستأجر. هذا جوابه.
(1/647)
________________________________________
ومن جواب محمّد بن عثمان الشّافعي: الودي النّابت في الأرض لمالكها لا للمستأجر. وإن حصل نمو بفعل المستأجر من سقيه وتعاهده. اهـ.
قال في الشّرح: وإن رهن أرضاً نبت فيها شجر فهو رهن؛ لأنّه نبات الأرض سواء نبت بفعل الرّاهن أو بغيره. وكذا قال في المغنِي وغيره، فتعليلهم أنّ النّابت من نماء الأرض ربّما يلحظ منه شيء. والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
نقل من إملاء الشّيخ عبد الله أبي بطين:
ما قول العلماء هل للحيوان عهدة من جهة الجرب؟
فقال: وأمّا عهد الحيوان إذا بان فيه جرب بعد البيع بمدّة فقول أهل الخبرة بذلك أنّه يمكن حدوثه في هذه المدّة. وإنّما نعتقد تقدّمه على البيع أثبتنّا الرّدّ بفسخ البيع، وإن احتمل الأمرين أوجبنا اليمين على البائع بنفي تقدّم الجرب عملاً بإحدى الرّوايتين من أنّ القول قول البائع بيمينه على البتّ إذا اختلفا في حدوث العيب، وكان محتملاً لأمرين. انتهى.
قال في شرح الزّاد في باب الخيار: ويقبل قول قابضٍ في ثابتٍ من ثمنٍ وقرضٍ وسلمٍ إن لم يخرج عن يده ما صورته؟
الجواب: معناه: أنّه إذا ثبت في ذمّة عمرو لزيد عشرة آصع مثلاً، سواء كانت ثمن ميبعٍ باعه زيد على عمرو، أو قرضٍ أقرضه زيد عمرواً، أو دَين سلم في ذمّة عمرو لزيد، أو أجرة دار في ذمّته أو قيمة سلعة أتلفها عمرو لزيدٍ، فثبت غرمها لزيد فبعد ما قبضه زيد من عمرو ردّها زيد بعيبٍ وجده فيها،
(1/648)
________________________________________
وأنكر عمرو كون الآصع المردودة ليست هي التي دفعها، فإنّ القول في هذه الصّورة التي صوّرنا قول القابض للثّابت، وهو زيد بيمينه؛ لأنّ الأصل بقاء شغل الذّمّة بهذا الحقّ الثّابت.
والقاعدة: أنّ القول قول مدّعي الأصل وإنّما عبر بالقابض لشمل البائع والمقرض والمسلم والمؤجّر والمتلف ونحوهم. انتهى.
وقال أيضاً في الشّرح: ومَن اشترى متاعاً فوجده خيراً مِمَّا اشترى فعليه ردّه إلى بائع، وعبارة الحاشية على المنتهى لعثمان النّجدي: وفي الإقناع أيضا: لو اشترى متاعاً فوجده خيراً مِمَّا اشترى فعليه ردّه إلى بائعه، وكما لو وجده رديئاً كان له ردّه، ولعلّ محلّ ذلك إذا كان البائع جاهلاً به.
وفيه أيضاً: وإن أنعل الدّابة ثم أراد ردّها بعيبٍ مثلاً ينْزع النّعل ما لم يعيبها فيتركه إلى سقوطه أو موتها وليس له قيمته على البائع. انتهى.
ونقل أيضاً من حاشية عثمان على المنتهى على صورة البيع الذي لا يصحّ تصرّف المشتري فيه قبل قبضه سبع صور: المكيل والموزون والمعدود والمذروع إذا بيع ذلك بالكيل ونحوه، والبيع بصفة إذا كان معيّناً، والمبيع برؤية متقدمة. فهذه ستّ صور المبيع فيها معيّن ومع ذلك لا يصحّ تصرّف المشتري فيها بغير ما استثنى. وهو العبد والدّار ومثله في ذلك الثّمن إذا دفع بإحدى الصّور السّتّ.
والسّابعة: كلّ عوضٍ في عقدٍ تتوقف صحّته على القبض كالصّرف والسّلم؛ فإنّه لا يصحّ التّصرّف أيضاً في العوض قبل قبضه. وحاصل ما يكون للبائع على ما ذكره ثمان صور السّتّ المتقدّمة والثّمر على الشّجر وكلّ مبيع
(1/649)
________________________________________
منع البائع المشتري من قبضه، وقال أيضاً: فلو بيع أو أخذ بشفعة ... الخ في العبارة صورتان:
الأولى: قوله: فلو بيع، صورتها: أن يشتري زيد من عمرو دراً بصبرة طعام على أنّها عشرة أرادب بمثل بيع زيد لمشتري الدّار المذكورة لبكر بثنم معلومٍ ثم يتلف الطّعام بغير فعل آدمي قبل قبضه بالكيل، فإنّ البيع الأوّل ينفسخ وحده دون الثّاني، فتستقرّ الدّار لبكر بثمنها الذي اتّفق هو وزيد عليه، وهو المشتري الثّاني، ولعمرو وهو البائع الأوّل قيمة الدّار لتعذّر ردّها. انتهى.
مسألة على باب الضّمان: قال شيخ الإسلا أحمد بن تيمية في النّبذة التي في المظالم المشتركة: وإذا كان الإعطاء واجباً لرفع ضرر هو أعظم منه فمذهب مالك وأحمد بن حنبل المشهور عنه وغيرهما أنّ كلّ مَن أدّى عن غيره فله أن يرجع به إذا لم يكن متبرّعاً بذلك. وإن أدّاه بغير إذنه مثل مَن قضى دَين غيره بغير إذنه سواء كان قد ضمنه بغير إذنه أو أدّاه عنه بلا ضمان، وكذلك مَن افتك أسيراً من الأسرى بغير إذنه، يرجع عليه بما افتكه به، وكذلك مَن أدّى عن غيره نفقة واجبة عليه مثل أن ينفق على ابنه أو زوجته أو بهائمه فيها حقّ مثل أن يكون مرتهناً أو مستأجراً أو كان مؤتمناً عليها مثل المودع ومثل ردّ العبد الآبق، ومثل اتّفاق أحد الشّريكين على البهائم المشتركة.
وقد دلّ على هذا الأصل قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ، [الطّلاق، من الآية: 6] .فأمرنا بإيتاء الأجر بمجرّد رضاعتهن ولم يشترط لذلك استئجاراً ولا إذن الأب لها إن رضع بالأجر، بل لما كان إرضاع الطّفل واجباً على
(1/650)
________________________________________
أبيه إذا أرضعته المرأة استحقّت بمجرّد إرضاعها. انتهى.
فائدة: إذا أخلّ الجاهل في أحكام صلابته بركنٍ أو واجبٍ أو فعل مبطلاً واعتقد أنّ صلاته صحيحة ثم أخبر أنّها غير صحيحة وقد صلّى فروضاً أعادها فقط، وأمّا العالم أو الشّاكّ فيعيد الصّلوات كلّها. وهذه مسألة مَن جهل أنّ عليه صلاة في الرّواية المشهورة. وأمّا مَن ذكر فائتة وجهل وجوب التّرتيب وصلّى قبلها أعاد. انتهى.
فائدة: وأمّا زكاة الفطر فيعتبر أيضاً لها إخراجها إلى المستحقّ لا إخراجها عن يده إلى وكيل ونحوه.
فائدة: إذا أراد إنسان أن يضحّي بأضحيةٍ عن جماعةٍ جاز تشريكهم فيها، وتكفي النّيّة فلا يشترط أن يسمِّي مَن أرادهم بالأضحية، لكن تستحبّ تسميتهم، فيقول بعد التّسمية والتّكبير عن فلان وفلان، أو عن أهل بيتِي أو عن والدي ونحوه. انتهى.
فائدة: وقال أيضاً ـ رحمه الله ـ وفرض على كلّ أحدٍ معرفة التّوحيد وأركان الإسلام بالدّليل ولا يجوز التّقليد في ذلك، لكن العامّي الذي لا يعرف الأدلّة إذا كان يعتقد وحدانية الرّبّ ورسالة محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ويؤمن بالبعث بعد الموت، والجنة والنّار، ويعتقد أنّ هذه الأمور الشّركية التي تفعل عند هذه المشاهد باطل وضلال، فإذا كان يعتقد ذلك اعتقاداً جازماً لا شكّ فيه، فهو مسلم، وإن لم يترجم بالدّليل؛ لأنّ عامّة المسلمين ولو لقنوا الدّليل فإنّهم لا يفهمون المعنى غالباً. انتهى.
(1/651)
________________________________________
- 15 -
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سُئِل الشّيخ عبد اله أبو بطين ـ رحمه الله ـ عن التتن هل يطلق عليه التّحريم وما وجه تحريمه؟
فأجاب ـ رحمه الله ـ أمّا التتن فالذي نرى فيه التّحريم لعلتين:
إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدّة ثم شربه وإن لم يسكر ولم يحصل له إسكار فقد يحصل له تخدير وتفتير، وقد روى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حديثاً مرفوعاً: نهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ"عن كلّ مخدر ومفتر".
والعلة الثّانية: أنّه دخان منتن فهو مستخبث عند مَن لم يعتده.
واحتجّ بعض العلماء بقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} ، [الأعراف، من الآية: 157] .فهو بلا شكّ مستخبث. وأمّا مَن ألفه واعتاده فلا يرى خبثه كالجعل لا يستخبث العذرة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال الفضيل بن عياض: أفضل العلم ما دلّك على معرفة الله وخشيته ومحبّته، ومحبّة ما يحب، وكراهة ما يكره، لاسيما عند غبلة الجهل والتّعبّد به أفضل من عمل الجوارح، وفائدة العلم العمل وإلاّ فهو حجّة على صاحبه. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
مسألة: إذا كان رجلان شريكان في ثمرة نخلّ واحتاج أحدهما إلى أخذ ثمرة نخلة بعضها تمر وبعضها بسر، فقال لشريكه: إذا صرم النّخل فخذ قيمة الثّمر هل يصحّ أم لا؟
الجواب: الحمد لله، فقد ذكر العلماء أنّه يجوز قسمة الثّمار خرصاً، ولو كانت الثّمار على الشّجر قبل بدوّ صلاحه، أي: الثّمر ولو بشرط التّبقية،
(1/652)
________________________________________
وأنّه لا يجوز تفرّقهما قبل القبض؛ لأنّها إفراز حقّ لا بيع.
وأمّا المسألة المسؤول عنها فلا يجوز؛ لأنّه في الحقيقة بيع، وهو غير صحيحٍ أظنّه جواب الشّيخ أبو بطين رحمه الله.
قال ـ رحمه الله ـ: أمّا شرط المرأة على الزّوج طلاق زوجته فأكثر الأصحاب يصحّحون هذا الشّرط بمعنى أنّ لها الفسخ إذا لم يفِ. واختار الموفّق وجماعة من الأصحاب عدم صحّة هذا الشّرط. وأنّها لا تملك الفسخ إذا لم يف؛ للنّهي عنه في الحديث الصّحيح، وأرجو أنّ هذا القول أقرب. والله أعلم.
فائدة: إذا كان مثلاً عند إنسانٍ لآخر مائة صاع سلم جاز أن يشتري منه بنقد ثم يقبضه ثم يدفعه إليه عما في ذمّته سلماً. وإن كان غير سلم جاز أن يقضيه عنه عوضه.
فائدة: ذكر ابن عقيل فيمَن عليه فائتة وخشي فوات الجماعة روايتين:
إحداهما: يسقط التّرتيب؛ لأنّه اجتمع واجبان لا بدّ من تفويت أحدهما، فكان مخيّراً فيهما.
والثّانية: لا يسقط التّرتيب لما ذكرنا. قال شيخنا: وهذه الرّواية أحسن وأصلح إن شاء الله.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ومن جوابٍ للشّيخ عبد الله أبي بطين رحمه الله:
وما سألت عنه من الاقتصار في التّراويح على أقلّ من عشرين ركعة فلا بأس بذلك، وإن زاد فلا بأس، قال الشّيخ تقيّ الدِّين: له أن يصلّي عشرين كما هو المشهور في مذهب أحمد والشّافعي، قال: وله أن يصلّي ستة وثلاثين، كما هو مذهب مالك، قال الشّيخ: وله أن يصلّي أحدى عشرة
(1/653)
________________________________________
أو ثلاث عشر. قال: وكلّه حسن، كما نصّ عليه أحمد رحمه الله. قال الشّيخ: فيكون تكثير الرّكعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، وقد استحبّ أحمد أنّه لا ينقص في التّراويح عن ختمة، يعنِي في جميع الشّهر. وأمّا قوله سبحانه: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ، [الذّاريات: 17] ، فالهجوع اسم للنّوم باللّيل.
والمشهور في معنى الآية: أنّهم كانوا يهجعون قليلاً من اللّيل ويصلّون أكثره، وقيل: المعنى أنّهم لا ينامون كلّ اللّيل بل يصلّون فيه، إمّا في أوّله أو آخر. أمّا الاستغفار فيراد به الاستغفار المعروف وأفضله سيّد الاستغفار. وقال بعض المفسِّرين: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ، [الذّاريات: 18] .أي: يصلّون؛ لأنّ صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة، وإذا صار الإنسان يجلس في المسجد فلا بأس من كونه يجعل عصاه في مكانٍ فاضلٍ بحيث إنّه لا يخرج إلاّ لما بدّ منه من نحو وضوء وفطور وسحور ونحوه، وأمّا إن كان يخرج لنحو بيع وشراء وكد فلا يجوز. والله أعلم.
فائدة: سُئِل الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين رحمه الله، وعفا عنه عن الذي يروى:"مَن كفّر مسلماً فقد كفر".
فأجاب ـ عفا الله عنه ـ: لا أصل لهذا اللّفظ فيما نعلم عن النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وإنّما الحديث المعروف:" مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". ومَن كفّر إنساناً أو فسّقه أو نفّقه متأوّلاً غضباً لله تعالى فيرجى العفو عنه كما قال عمر ـ رضي الله عنه ـ في شأن حاطب بن أبي بلتعة أنّه منافق، وكذا جرى من غيره من الصّحابة وغيرهم.
وأمّا مَن كفّر شخصاً أو نفّقه غضباً لنسفه أو بغير تأويلٍ فهذا يخاف عليه، وأمّا مَن جعل سبيل الكفار أهدى من سبيل المؤمنين، فإن كان
(1/654)
________________________________________
مراده حال أهل الزّمان اليوم كأن يقول: إنّ فعل مشركي الزّمان عند القبور وغيرها أحسن مِمَّن لا يدعو إلاّ الله ولا يدعو غيره، فهذا كافر بلا شكّ، وكذا قولنا: إن فعل مشركي الزّمان عند القبور من دعاء أهل القبور وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والذّبح والنّذر لهم، وقولنا: إنّ هذا شرك أكبر وأنّ مَن فعله فهو كافر، والذين يفعلون هذه العبادات عند القبور كفار بلا شكّ، وقول الجهال إنّكم تكفّرون المسلمين، فهذا ما عرف الإسلام ولا التّوحيد. والظّاهر عدم صحّة إسلام هذا القائل، فإن لم ينكر هذه الأمور اليت يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئاً فليس بمسلمٍ. اهـ.
فائدة: قال الأصحاب: الدّار داران: دار إسلامٍ ودار كفرٍ، فدار الإسلام هي التي تجري أحكام الإسلام فيها وإن لم يكن أهلها مسلمين، وغيرها دار كفرٍ، وكرهوا التّجارة والسّفر إلى أرض العدوّ، وبلاد الكفر مطلقاً. قوله: مطلقاً، سواء أظهر دِينه أم لا؟ وإن عزج عن إظهار دِينه حرم السّفر إليها. قال في الفروع: وجزم غيره، يعنِي غير شيخه بكراهة التّجارة السّفر إلى أرض كفرٍ ونحوه كأرض بدع.
وقال شيخنا أيضاً: لا يمنع منه إذا لم يلزموه بفعل محرمٍ أو ترك واجبٍ، وينكر ما يشاهد من المنكر. انتهى. وذكر قبل ذلك تحريم شهود عيد اليهود والنّصارى إلى أن قال: لا بيع لهم فيها، نقله مهنا. وحرمه شيخنا، وخرّجه على ما ذكره من روايتين منصوصتين في حمل التّجارة إليهم.
قال حرب: قال عبد الله بن أحمد: سألت أبِي عن رجلٍ اكتسب مالاً من شبهة هل صلاته وتسبيحه تحط عنه من مأثم ذلك؟ فقال: إن صلّى وسبّح يريده بذلك فأرجو. قال الله تعالى: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئا} الآية، [التّوبة، من الآية: 102] .
(1/655)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين، إلى الولد عليّ بن عبد العزيز بن سليم، زاده الله علماً ووهب لنا وله حكماً.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
موجب الخط السّلام والخط وصل، وصلك إلى الخير، وسرّنا ما ذكرت أتم الله نعمته على الجميع، وغير ذلك سألت عن معنى الحديث أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ نهى عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان: صاع البائع، وصاع المشتري، فهذا مثل الحديث الآخر:"إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل"، يستدلّ بذلك إذا اشترى شيئاً بكيلٍ أو وزنٍ فإنّما يحصل قبضه بالكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، ولا يتصرّف فيه قبل كيله، فإذا اشترى شيئاً بالكيل قبضه بصاعه، وإذا باعه قبضه المشتري منه بصاعه.
وأمّا حديث عهدة الرّقيق فاستدلّ بهذا المكالية في قولهم: عهدة الرّقيق ثلاثة أيّام، يعنون إذا اشترى فأصابه عيب أو غيره فهو من ضمان البائع، واحتجّوا بحديث عقبة لكن الذي رأينا فيه ثلاثة أيّام، وأكثر العلماء لا يرون ذلك. قال الإمام أحمد: ليس فيه حديث. وقال ابن المنذر: لا تثبت العهدة في حديث. وأمّا حديث اعطوا كلّ سورة حظّها من الرّكوع والسّجود فالظّاهر أنّ المراد لا يزيد في الرّكعة على سورة وفي هذه المسألة خلاف، فالأكثرون من العلماء على أنّه لا يكره الجمع بين سورتين فأكثر في الرّكعة الواحدة لقراءة النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ.
(1/656)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين، إلى الأخ المكرّم عبد الله بن شومر سلّمه الله تعالى وعافاه ووفّقه لما يحبّ ويرضاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وموجب الخط إبلاغك السّلام، والسّؤال عن الأحوال نسأل الله أن يصلح لنا ولكمن الدّنيا والآخرة.
والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه، وسرّنا ما ذكرت من صلاح الأمور، وما سألت عنه من أنّه هل يجوز تعيين إنسانٍ بعينه بالكفر إذا ارتكب شيئاً من المكفِّرات فالأمر الذي دلّ عليه الكتاب والسّنة وإجماع العلماء على أنّ مثل الشّرك بعبادة غير الله سبحانه كفر.
فَمَن اركتب شيئاً من هذا النّوع أو حسّنه، فهذا لا شكّ في كفره ولا بأس بِمَن تحقّقت منه أشياء من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل، يبيّن هذا أنّ الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتدّ أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدّاً كافراً، ويستفتحون هذا الباب بقولهم: مَن أشرك بالله فقد كفر، وحكمه أنّه يستتاب، فإن تاب وإلاّ قُتِل، والاستتابة إنّما تكون مع معيّن.
ولما قال بعض أهل البدع عند الشّافعي ـ رحمه الله ـ إنّ القرآن مخلوق، قال: كفرت بالله العظيم. وكلام العلماء في تكفير المعيَّن كثير. وأعظم أنواع هذا الشّرك عبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانع من تكفير مَن اتّصف بذلك؛ لأنّ مَن زنا قيل: فلان زانٍ، ومَن رابا قيل: فلان ربا.
(1/657)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سُئِلَ شيخنا أبو بطين أيّده الله تعالى عن بيان حكم الرّافضة وعن قول مَن يقول: إنّ مَن تكلّم بالشّهادتين ما يجوز تكفيره.
فأجاب رحمه الله عنه ورضي عنه:
سألت عن بيان حكم الرّافضة فهم في الأصل طوائف:
منهم: طائفة يسمّون المفضلة لتفضليهم عليّ بن أبي طالب على سائر الأصحاب، لا يلعنون.
ومنهم: طائفة يزعمون غلط جبريل في الرّسالة، ولا شكّ في تكفير هذه الطّائفة. وأكثرهم في الأصل يعترفون برسالة محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ويزعمون أنّ الخلافة لعليّ، ويلعنون الصّحابة ويفسّقونهم، ونذكر ما ذكره شيخ الإسلام تقيّ الدِّين ـ رحمه الله تعالى ـ في حكمهم:
قال ـ رحمه الله تعالى ـ في الصّارم المسلول: ومَن سبَّ أصحاب الرّسول، أو واحداً منهم، واقترن بسبّه دعوى أنّ عليّاً إله، أو نبِيّ، أو أنّ جبريل غلط فلا شكّ في كفر هذا بل لا شكّ في كفر مَن توقّف في تكفيره. ومَن قذف عائشة وقبّح ـ يعنِي لعن الصّحابة ففيه خلاف، هل يكفر في أو يفسق، توقّف أحمد في كفره. وقال: يعاقب ويجلّد ويحبس حتّى يموت أو يتوب.
قال الشّيخ: وأمّا مَن جاوز ذلك كَمَن زعم أنّ الصّحابة ارتدّوا بعد موت النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إلاّ نفراً قليلاً، يبلغون بضعة عشرة، أو أنّهم فسقوا فلا ريب أيضاً في كفر قائل ذلك، بل مَن شكّ في كفره، فهو كافر. انتهى.
فهذا حكم الرّافضة في الأصل، فأمّا حكم متأخّريهم الآن، فجمعوا يبن الرّفض والشّرك بالله العظيم بالذي يفعلونه عند المشاهد وهم الذين ما بلغهم
(1/658)
________________________________________
شرك العرب الذين بعث إليهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ.
وأمّا مَن يقول إنّ مَن تكلّم بالشّهادتين ما يجوز تكفيره، فقائل هذا القول لا بدّ أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله في مثل مَن أنكر البعث أو شكّ فيه مع إتيانه بالشّهادتين، أو أنكر نبوّة أحد من الأنبياء الذين سَمّاهم الله تعالى في كتابه. أو قال: الزّنا حلال، أو اللّواط، أو الرّبا، ونحو ذل، أو أنكر مشروعية الأذان أو الإقامة أو أنكر الوتر أو السّواك، ونحو ذلك، فلا أظنّه يتوقّف في كفر هؤلاء ومثالهم إلاّ أن يكابر أو يعاند، فإن كابر أو عاند فقال لا يضرّ شيء من ذلك ولا يكفر به مَن أتى بالشّهادتين فلا شكّ في كفره ولا في كفر مَن شكّ في كفره؛ لأنّه بقوله هذا مكذِّب لله ولرسوله ولجميع المسلمين. والأدلّة على كفره ظاهره من الكتاب والسّنة والإجماع.
ويقال لِمَن قال: إنّ مَن أتى بالشّهادتين لا يتصوّر كفره، ما معنى الباب الذي يذكره الفقهاء في كتب الفقه وهو: (باب حكم المتردّ) ؟ والمرتدّ هو الذي يكفر بعد إسلامه بكلامٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ أو شكٍّ، وهو قبل ذلك يتلفّظ بالشّهادتين ويصلّي ويصوم، فإذا أتى بشيء مما ذكروه صار مرتدّاً، مع كونه يتكلّم بالشّهادتين، ويصلّي ويصوم، ولا يمنعه تكلّمه بالشّهادتين وصلاته وصومه عن الحكم عليه بالرّدّة. وهذا ظاهر بالأدلّة من الكتاب والسّنة والإجماع.
وأوّل ما يذكرون في هذا الباب الشّرك بالله، فَمَن أشرك بالله فهو مرتدّ، والشّرك عبادة غير الله، فَمَن جعل شيئاً من العبادة لغير الله فهو مشرك، وإن كان يصوم النّهار ويقوم اللّيل فعمله حاط. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، [الزّمر: 65] .والشّرك عبادة غير الله. والعبادة هي ما أمر
(1/659)
________________________________________
الله به رسوله من إيجابٍ أو استحبابٍ. قال القاضي عياض في كتابه: (الشّفاء) :
(فصل: في بيان ما هو من المقالات كفر) إلى أن قال:
والفصل البيّن في هذا أنّ كلّ مقالةٍ صرحت بنفي الرّبوبية أو الوحدانية أو عبادة غير الله أو مع الله فهي كفر إلى أن قال:
والذين أشركوا بعبادة الأوثان أو أحد الملائكة أو الشّياطين أو الشّمس أو النّجوم أو النّار أو أحد غير الله من مشركي العرب أو أهل الهند أو السّودان أو غيرهم إلى أن قال: أو أن ثَمَّ للعالم صانعاً سوى الله أو مدبِّراً فذلك كلّه كفر بإجماع المسلمين".
فانظر حكاية إجماع المسلمين على كفر مَن عبد غير الله من الملائكة وغيرهم، وهذا ظاهر ولله الحمد.
ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، فمَن قال إنّ مَن أتى بالشّهادتين وصلّى وصام لا يجوز تكفيره أو عبد غير الله، فهذا كافر، ومَن شكّ في كفره فهو كافر. إلى أن قال: على هذا القول: فهو مكذِّب لله ولرسوله وللإجماع القطعي الذي لا يستريب فيه مَن له أدنى نظر في كلام العلماء، لكن الهوى والتّقليد يعمي ويصمّ: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} ، [النّور، من الآية: 40] .
وليعلم مَن أنعم الله عليه بمعرفة الشّرك الذي خفي على كثير من النّاس اليوم أنّه قد منح أعظم النّعم: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ، [يونس: 58] .
{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} ، [الْحجرات، من الآيتين: 7-8] .ثم لا يؤمن عليه من ربّه الافتتان بذلك.
اللهم إذا هديتنا للإسلام فلا تنْزعه منّا، ولا تنْزعنّا منه حتّى توفّانا عليه: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ
(1/660)
________________________________________
أَنْتَ الْوَهَّابُ} ، [آل عمران: 8] .انتهى من خطّ الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين. آتاه الله من رحمته كفلين، ونصر به الوحيين.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. والسّلام.
ثم اعلم أنّ ضدّ التّوحيد الشّرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي. والدّليل على الشّرك الأكبر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً} [النّساء: 116] .
وقال المسيح: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} ، [المائدة، من الآية: 72] .وهو أربعة أنواع:
الأوّل: شرك الدّعوة. والدّليل قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} ، [العنكبوت: 65] .
النّوع الثّاني: شرك النّيّة والإرادة والقصد، والدّليل قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، [هود: 15-16] .
النّوع الثّالث: شرك الطّاعة، والدّليل قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، [التّوبة: 31] .وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية لادعاؤهم إيّاهم كما فسّرها النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لعدي بن حاتم لما سأله، فقال: لسنا نعبدهم. فذكر له أنّ عبادتهم طاعتهم في المعصية.
النّوع الرّابع: شرك المحبّة، والدّليل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
(1/661)
________________________________________
يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} ، [البقرة، من الآية: 165] .
والنّوع الثّاني: شرك أصغر، وهو الرّياء، والدّليل قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} ، [الكهف، من الآية: 110] .
والنّوع الثّالث: شرك خفي، والدّليل قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:" الشّرك في هذه الأمّة أخفى من دبيب النّملة السّوداء على صفاة سوداء في ظلمة اللّيل".
وكفارته قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"اللهم إنِّي أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم وأستفغرك من الذّنب الذي لا أعلم".اهـ.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الرّحمن بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد العزيز، وحمد بن عليّ إلى جناب الشّيخ المكرّم عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين سلّمه الله من النّار، وجعله من عباده الأخبار. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط إبلاغك السّلام والسّؤال عن حالك لا حال بك سوء ولا مكروه. وبعد؛
متّعنا الله بك. أفتنا في شعيب الخطامة يسقي نخيلاً في السّابق وقلبانه إذا قلّ المطر ييبس أكثرها أو يقلّ ماؤها، وركز ناس من جماعتنا في أعلاه نخلاً وودّهم يجعلون لها من الشّعيب مسايل يطوّونها لأجل أن يشربوا أو يسقوا نخيلهم من السّيل، والذين أسفل منهم يقولون: علينا مضرّة بهذا ويمنعون السّيل إذا صار ما هو بجيد وقلباننا تصفى ونحن سابقون، وخصماؤهم يقولون إنّ الشّعيب واد، وإنّه إذا جاء جيداً تعداهم، وأشكل علينا الأمر المطلوب من الله ثم منك تذكر لهم هل
(1/662)
________________________________________
يمنعونهم من إحداث المسايل والحال منا ذكرنا لك أم لهم بقدر ما يسيلهم؟ إذكر لنا الذي يبيّن لك أحسن الله إليك؛ لأنّ هذه خصومة تحتاج إلى اجتهاد، ولا مخلص لنا إلاّ الله، ثم أنت من هذه المشكلة أحسن الله إليك.
وبلغ سلامنا العيال ومن عزّ عليك. ومن لدينا الجماعة يسلمون عليك، وأنت بأمان الله وحفظه. والسّلام.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
تذكرون لنا في مسألة شعيب الخطامة الذي مغروس فيه في السّابق ويسقون نخيلهم من المسيل وغرس ناس من جماعتهم في أعلاه نخلاً وطلبوا أن يجعل لها مسيل من الشّعيب، وأهل العقارات السّابقة يقولون علينا مضرّة بهذا. فهذه المسألة مذكور حكمها في كتب الفقه في (باب إحياء الموات) .قالوا: ولِمَن في أعلى ماء غير مملوك كماء الأمطار والأنهار الصّغار أن يسقي ويحبسه إلى كعبه. قالوا: ولو أراد إنسان إحياء أرض فوقهم فهل لهم منعه؟ على قولين أصحّهما ليس لهم منعه إن لم يضربهم، لكن ليس له أن يسقي قبلهم لسبقم، ولأنّهم ملكوا الأرض بحقوقها قبله فلا يملك إبطال حقوقهم، وسبقهم إيّاه بالسّقي من حقوقها، ولحديث:"مَن سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحقّ به"، ولا فرق بين وادٍ كبيرٍ أو صغيرٍ؛ ولأنّه إذا صار السّيل غير جيد، ولو كان الوادي كبيراً أضربهم وسدّه عنهم. هذا الذي ذكره الفقهاء ومشوا عليه. والسّلام.
(1/663)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الولد عليّ بن عبد العزيز بن سليم ـ سلّمه الله تعالى وعافاه، وألهمه رشده وهداه ـ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
موجب الخط إبلاغ السّلام مع جواب المسائل:
الأولى: فيمَن صلّى صلاة من الخمس ناسياً حدثه ولم يذكر إلاّ بعد ما صلّى فرضاً أو فروضاً كَمَن صلّى الفجر محدثاً ناسياً ولم يذكر إلاّ بعد ما صلّى الظهر والعصر، فإنّه يعيد الفجر فقط.
قال في الفروع: لما ذكر أنّ التّرتيب يسقط بالنّسيان على الأصحّ، قال وقال أبو المعالي وغيره تبيّن بطلان الصّلاة الماضية كالنّسيان، ولمّا ذكر أيضا أنّ المذهب عدم سقوط وجوب التّرتيب بالجهل بالوجوب. قال فلو صلّى الظّهر ثمّ الفجر جاهلا ثمّ العصر في وقتها صحّت عصره لاعتقاده أن لا صلاة عليه كمن صلاها ثمّ تبيّن له أنّه صلّى الظّهر بلا وضوء أعاد الظّهر.
(المسألة الثّانية) : الإكراه على فعل محرّم ففيه تفصيل يعذر فيه في بعض دون بعض فلو أكرهت المرأة على الزّنا لم تحد عند أكثر العلماء لقوله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور، من الآية:33] ، إلى آخر الآية. وكذا لو أكره على شرب الخمر ولو أكره رجل على قتل معصوم قتل به، وكذا مكرهه عند الجمهور.
وأمّا الإكراه على فعل مكفر فالظّاهر من كلام الفقهاء أنّه في حكم المرتد حيث قالوا إنّه الّذي يكفر بعد إسلامه؛ لقول أو فعل أو شك أو
(1/664)
________________________________________
اعتقاد، واشترطوا كونه طوعا ولم يقيدوه بالقول.
وقال ابن رجب في شرح الأربعين: ولو أكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرمة ففي إباحته بالإكراه قولان ـ إلى أن قال ـ.
(والقول الثّاني) : إنّ التّقية في الأقوال ولا تقية في الأفعال ولا إكراه عليها. روي ذلك عن ابن عبّاس وجماعته من التّابعين ذكرهم وهو رواية عن أحمد ـ إلى أن قال ـ.
وأمّا ما روى عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه وصى طائفة من أصحابه فقال:" لا تشركوا بالله شيئاً وإن قطعتم أو حرقتم" فالمراد الشّرك بالقلوب اهـ.
فظّاهر كلامه أنّ الإكراه يكون في الفعل والقول لقول الله تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} ، [النحل، من الآية:106] .والله أعلم.
وأمّا من وجد ماله المسروق أو الضّال ونحوه عند إنسان مشتريه فلا أرى العدول عن العمل بالحديث الّذي احتج به الأئمّة أحمد وغيره وهو حديث سمرة عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:" من وجد متاعه عند رجل فهو أحقّ به" ويتبع المبتاع من باعه، ويعضد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن سيرين أنّ حذيفة ـ رضي الله عنه ـ عرف جملاً له عند إنسان فخاصم فيه إلى قاضٍ من قضاة المسلمين فصارت على حذيفة يمين في القضاء فحلف بالله الّذي لا إله إلا هو ما باع ولا وهب، وروى ابن أبي شيبة عن شريح أنّه قال إذا شهد الشّهود حلفه بالله ما أهلكت ولا أمرت مهلكاً.
وأمّا قول الأصحاب فيما لا يجوز لبسه من المركب من الحرير وغيره أنّ الممنوع منه ما كان أكثره ظهوراً يتناول ما سدى بغير الحرير
(1/665)
________________________________________
وألحم بحرير وغيره، وظاهر كلامهم تناوله لغير تلك الصّورة. والله أعلم.
وأمّا قول الإنسان لمن شرب هنيئا وأنّ بعض النّاس يستدلّ بقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً} [الحاقة، من الآية:24] ، فلو كان في الآية دليل لذلك لفعله السّلف الصّالح.
وأمّا ما روي عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنّه قال:"لا عهد لظالم عليك، وإن عاهدته فانقضه؛ فيحتمل أنّ مراده نحو ما إذا طلب ظالم قادر مالاً من إنسان ظلماً وعاهده أنّه يأتيه به أو عاهد لصاً أنّه لا يخبر به ونحو ذلك والله أعلم. انتهى كلام شيخنا عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين ـ أيّده الله تعالى ـ.
(مسألة) : ومن أعطى أرضه لرجل يغرسها بجزء معلوم وشرط عليه عمارتها فغرس بعض الأرض وتعطل باقي الأرض من الغراس، فإذا لم يقم بما شرط عليه كان لربّ الأرض الفسخ، وإذا فسخ العامل أو كانت فاسدة فلربّ الأرض أن يتملك نصيب الغارس بقيمته إذا لم يتّفقا على القلع.
أفتنا عفى الله عنك عن حكم ما إذا وجد البدوي ماله عند حضري ونحوه ولم يعلم أنّه غصب هل يفرق بين كون البدوي حرباً للآخر وقد أخذ ماله أم لا؟
وكذا إذا عرف الحضري ماله عند حضري أو بدوي وادعى أنّه قد اشتراه من حربي للمدّعي وربّما أنّه قد أخذ مالاً للبائع فما الحكم في ذلك وابسطوا الجواب ـ أثابكم الله تعالى ـ.
الّذي نرى أنّه في مثل هذه الأزمان الّتي ينهب البدو بعضهم مال بعض أنّ من عرف منهم ماله عند حضري مشتريه من بدوي أنّه ليس
(1/666)
________________________________________
له أخذ منه بل يعطيه الثّمن الّذي اشتراه به، وكذا نرى إذا لم يكن إمام في مثل نجد فصار الحضري ينهب البدوي والبدوي ينهب الحضري فالحكم عندي كذلك.
وأمّا إذا صار في نجد مثلاً إمام كان البدو والحضر بعضهم عن بعض كفا مستقراً فلا فرق بين الحضري والبدوي وأنّ من وجد سرقته عند إنسان أخذها ويرجع المأخوذ منه على بائعه. والله أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سئل الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين ـ رحمه الله تعالى ـ عن نهب البدو بعضهم بعضاً وهل يجوز الشّراء منهم؟
فأجاب ـ رحمه الله ـ أمّا المسألة الأولى وهي نهب البدو بعضهم بعضا فالّذي أرى عدم الشّراء منهم مطلقاً إذا تحقق أنّه بعينه نهباً لاشتباه أمرهم، وأمّا إذا عرف أحدهم ماله عند حضري وثبت أنّه منهوب منه بالبيّنة فالّذي نفتي به في أزمنة هذا الاختلاف أن يعطى المشتري ثمنه الّذي دفعه ويأخذ ماله إن لم يكونوا حرباً للحضري وقد أفتى بذلك غير واحد من متأخري الأصحاب. انتهى جوابه ـ رحمه الله ـ.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
قال شيخنا الشّيخ عبد الله أبو بطين عفى الله عنه.
وأمّا مسألة الجزار إذا ذبح ناقة وصارت أنقص ممّا ظنّ فيها فمثبت الخيار له غالط والفقهاء ذكروا خيار الغبن في ثلاث صور وهذا يثبت
(1/667)
________________________________________
صورة رابعة وهي ما إذا اشترى جزافاً فبان دون ما ظنه كمشتري الصبرة جزافاً فهل قال أحمد بثبوت الخيار في ذلك لمشتري الجزور ظانا أنّه يحصل منه مثلاً ثلاثون رطلاً من شحم فبان أقلّ من ذلك.
وقد تنازع فقهاء نجد وغيرهم في الهزال هل هو عيب؟ فقال سليمان بن عليّ وابن ذهلان أنّه عيب، وقال عبد الهادي وابن عطوه ليس بعيب، لكن قال الأوّلون إذا كان قيمتها بعد الذّبح تقارب ثمنها الّذي اشتريت به فلا فسخ ولا ردّ، وبكلّ حال فهذا القول غلط. والله سبحانه وتعالى أعلم انتهى ملخّصا.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ما قولكم ـ أدام الله النفع بعلومكم ـ في دين السّلم الثّابت في الذمّة هل يصحّ الشّراء به من صاحبه الّذي هو في ذمّته عرض من أرض أو نخل أو غير ذلك؟
أجاب الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين: لا يجوز عند أكثر العلماء أن يأخذ عرضاً عن دين السلم ممّن هو في ذمّته، واحتجّوا بحديث:"من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره".وعن أحمد رواية أخرى أنّه يجوز أن يأخذ عرضاً بدون حقّه اختاره الشّيخ تقي الدّين؛ لقول ابن عبّاس: إذا أسلفت في شيء فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلاّ فخذ عرضاً أنقص منه ولا تربح مرّتين، وعند مالك يجوز أن يأخذ غير الطّعام يتعجله ولا يتأجله، فبان ذلك أنّ الجمهور على المنع مطلقاً واختيار الشّيخ الّذي هو رواية عن أحمد ما ذكرته، وعليه عمل أهل هذه البلدان فيما مضى والله أعلم.
(1/668)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الأخ عثمان بن عيسى زاده الله فهماً وعلماً ووهب لنا وله حكماً.
سلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعد،
موجب الخط إبلاغك جزيل السّلام والسّؤال عن حالك أحسن الله لنا ولك والحال في الدّنيا والآخرة، والخط الشّريف وصل، وبه الأنس والسّرور حصل حيث أفاد صحّة حالكم، وإن سألت عن المحب فبخير ونعم من المولى متوافرة نسأل الله أن يوزعنا شكرها ومن حال المسألتين المسؤول عنهما.
(فالأولى) : إذا نذر إنسان شيئاً معيّناً لشخص معيّن نذر تبرر فردّه أو مات قبل قبوله أو قبله وقبضه ثمّ ردّه، فأمّا إذا ردّه أو مات قبل القبول والرّد فالّذي يظهر بطلان هذا النّذر كما تبطل الصّدقة بذلك لأنّ الصّدقة نوع من الهبّة صرح به الأصحاب كما في المغني وغيره، وهو ظاهر كلام أحمد لقوله في رواية حنبل؛ إذا تصدّق على رجل بصدقة دار وما أشبه ذلك فإذا قبضها الموهوب له صارت في ملكه انتهى.
وقد صرحوا باعتبار القبول للهبّة وأنّها تبطل بالرّد وبموت الموهوب له قبل القبول، فإذا كان هذا حكم الهبّة فالصّدقة نوع من الهبّة، وقد جعل الأصحاب حكم الصّدقة المعيّنة حكم النّذر كما نقله في القواعد عنهم ولفظه بعد كلام سبق، فإذا قال هذه صدقة تعينت وصارت في حكم المنذورة صرح به الأصحاب، لكن هل ذلك إنشاء للنّذر أو إقرار به فيه خلاف بين الأصحاب انتهى.
(1/669)
________________________________________
فقوله: هل ذلك إنشاء للنّذر أو إقرار به؟ صريح في أنّه إذا تصدق بشيء معيّن؟ فقال هذا صدقة أنّه نذر حقيقة.
فإذا علمت ما ذكره علماؤنا ـ رحمهم الله تعالى ـ من أحكام الهبّة وقد صرحوا بأنّ الصّدقة نوع من الهبّة لها حكم الهبّة، بل صرحوا باعتبار القبول للصّدقة ولم يخصوا بذلك نوعاً منها، وجعلوا حكم الصّدقة المعيّنة حكم المنذورة ظهر لك حكم مسألة السّؤال ـ إن شاء الله تعالى ـ.
وقال الزّركشي بعد حكايته الوجهين: قال ابن حمدان وابن المنجا أنّهما مبيّنان على انتقال الملك إلى الموقوف عليه إن قلنا ينتقل اشترط وإلاّ فلا، قال: والظّاهر أنّهما على القول بالانتقال انتهى فظهر بما ذكروه من التّعليل اعتبار القبول في مسألتنا؛ لأنّ المنذور له يملك النّذر ويتصرّف فيه بالبيع وغيره ولا يتعلّق به حق لغيره، فإذا لم يقبله المنذور له جاز للنّاذر التّصرّف فيه، يقوي ذلك أيضاً ما ذكره جماعة من الأصحاب وصرح به في الإقناع والمنتهى أنّ الوقف يرجع إلى الواقف إذا انقطعت الجهّة الموقوف عليها والواقف حيّ فمسألتنا أولى.
وأمّا إذا قبضه المنذور له ثمّ ردّه فعلى ما قررناه حكمه حكم الصّدقة المردودة بعد القبض، قال في الفروع ومن سأل فأعطي فقبضه فسخطه لم يعط لغيره في ظاهر كلام العلماء انتهى، وذكر في الاختيارات ما معناه أنّهما إن تفاسخا عقد الهبّة صحّ والله سبحانه وتعالى أعلم.
(المسألة الثّانية) : وهي ما إذا أوصى إنسان بشيء من ماله يحج به لبعض ورثته أو يضحي به عنه، فالّذي يظهر صحة هذه الوصيّة ولزومها في الثّلث بدون إجازة لأنّ الموصى له لا يملكها ولا ينتفع بها، وإنّما يرجو
(1/670)
________________________________________
ثوابها في الآخرة فهي كصدقته في مرضه وجعل ثوابها للوارث.
وقد قال الأصحاب في تعليل صحّة وقف المريض ثلثه أو وصيته بوقفه على بعض الورثة بأنّهم لا يبيعون ذلك ولا يهبونه وإنّما ينتفعون به ومسألة السّؤال أولى بالجواز لأنّ الموصى له بأن يحج عنه ونحوه لا يملك الموصى به ولا ينتفع به في الدّنيا، والموقوف عليه ينتفع بالوقف ويملكه على المشهور. ولمّا ذكر الزّركشي تعليل الأصحاب لمسألة الوقف المذكورة قال قلت فكأنّه عتق الوارث انتهى.
يشير والله أعلم إلى ما ذكروه في تصرّف المريض إذا ملك وارثه بشراء ونحوه، وقياس مسألتنا على مسألة العتق أولى والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ عثمان بن عيسى ـ سلّمه الله وعافاه ـ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخطّ إبلاغك السّلام وغير ذلك عثرة على فتيا منسوبة لأبي المواهب الحنبلي مضمونها أنّه سئل عمن أوصى بأن يحجّ عن أمّه من ماله وأمّه حيّة فأفتى بأنّ ذلك يتوقّف على إجازة الورثة والله سبحانه وتعالى أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ المكرّم عليّ بن فراج ـ سلّمه الله تعالى ـ.
(1/671)
________________________________________
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وما ذكرت من المسائل الثّلاث.
(المسألة الأولى) : إذا اشترى إنسان من آخر طعاماً يجري فيه الرّبا بنسيئة ثمّ اشترى منه بذلك الثّمن مالا يجوز بيعه به نسيئة ففي المسألة خلاف مشهور؛ فمذهب أحمد وطائفة تحريم ذلك، ومذهب الشّافعي جوازه، واختار الشّيخ تقيّ الدّين جواز ذلك للحاجة، وكثير من أهل هذا الزّمان لو لم يأخذ منه غريمه طعاماً ما أوفاه، فلو امتنع من أخذ الطّعام ذهب حقّه فالظّاهر أنّ الشّيخ يجير، ذلك؛ لأنّ هذا حاجة أبلغ من احتياجه إلى الطّعام.
والحنابلة يتوصّلون إلى إجازة ذلك بأن يشتري الّذي له الدّين من غريمه الطّعام بثمن في الذّمة، فإذا ثبت الثّمن في ذمّة المشتري الثّاني قال لغريمه: في ذمّتك لي مثلاً ريال وفي ذمّتي لك ريال؛ فهذا بهذا ولا ينقد شيئاً ويسمّون هذا مقاصة وهو جائز عندهم والله أعلم.
(المسألة الثّانية) : وهي ما إذا صلّى إنسان في ثوبٍ نجس لكونه لا يجد غيره أو على بدنه نجاسة لا يمكنه إزالتها، فهذا يصلّي على حسب حاله، وهل يجب عليه إعادة أم لا؟
فقد حكوا فيمَن لم يجد إلاّ ثوباً نجساً وصلّى فيه هل عليه إعادة أم لا؟ حكوا في المسألة قولين للعلماء هما: روايتان عن أحمد، والمشهور عن أحمد أنّه يعيد. والله أعلم.
(المسألة الثّالثة) : وهي ما إذا رمى إنسان بعيراً ولم يمكنه تذكيته، فهذا إذا سقط البعير أو سقط في بئر ولم يمكن نحره فهذا حكمه حكم الصّيد إذا رماه إنسان فإن أدركه حيّاً حياة مستقرّة فلا بدّ من ذبحه، فإن لم يكن فيه حياة إلاّ مثل حياة المذبوح فلا يحتاج إلى تذكيته، وإن أصابه وغاب
(1/672)
________________________________________
عنه ثم وجده ميّتاً ولا أثر به غير رميته فإنّه يباح ويشترط التّسمية عند رميه قاصداً قتل المرمي، وهكذا حكم البعير الشّارد أو المتردّي في بئرٍ ونحوها. انتهى.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ المكرّم سلمان بن عبد المحسن سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت من التّشريك في سبع البدنة أو البقرة فلم أر ما يدلّ على الجواز ولا عدمه، وإن كان بعض الذين أدركنا يفعلون ذلك لكن ما رأيت ما يدلّ عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأمّا الذين يتصدّق عليه بجلد الأضحية أو لحمها أو يهدى إليه ذلك فإنّه يتصرّف فيه بما شاء من بيعٍ وغيره.
وأمّا ما ذكرت من تقليد المؤذّن إذا كان في السّماء غيم ونحوه فلا ينبغي تقليده؛ لأنّه يؤذّن عن اجتهاد فلا يقلّد، بل يجتهد الإنسان لنفسه فلا يفطر حتّى يتيقن أو يغلب على ظنّه الغروب فيجوز له الفطر مع غلبة الظّنّ، وأمّا في الصّحو فيجوز الاعتماد على أذان المؤذّن إذا كان ثقة.
وأمّا أخذ الرّهن والضّمين بدين السّلم ففيه عن أحمد روايتان.
(إحداهما) : لا يجوز أخذ الرّهن ولا أخذ الكفيل بذلك وهذا هو المشهور في المذهب.
(والرّواية الأخرى) : يجوز واختاره الموفّق وغيره وهو قول أكثر العلماء وهو الصّحيح إن شاء الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/673)
________________________________________
وله أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ إجابة عن هذه المسائل.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ما قولكم فيما إذا كان لإنسان على آخر دين وقال دينك قادم في هذا الزّرع أو هذه الثّمرة هل يكون هذا رهن أم لا؟ وفي رجل عليه دين ولا يفي دينه بما عليه وعند إنسان له رهن هل صاحب الرّهن مقدّم على من سواه، وفيما إذا امتنع الرّاهن من قضاء الدّين وأبى أن يأذن في بيع الرّهن وتعذر إجباره وتعذر الحاكم، فهل إذا قام عدل وباع الرّهن وقضى الدّين هل ينفذ تصرّفه أم لا؟
وهل إذا أعطت الأمّ ابنتها الصّغيرة حليا تلبسه ولم يقبضه وليها لها وليست ذات زوج فهل تملكه أم لا؟ وهل إذا شرط البائع للثّمرة بعد بدو صلاحها القطع على المشتري فتلقت بجائحة أو تعيبت بها فهل يكون ضمانها على المشتري أم لا؟
وهل إذا باع الرّاهن الرّهن بغير إذن المرتهن فهل يكون بدله الّذي أبدله به رهن والحالة هذه. وإذا ادعى إنسان على آخر عقاراً فقال المدّعي عليه ورثته من أبي ولم أعلم أنّ لك فيه حقاً هل تقبل يمينه هذه على صفة جوابه؟
وإذا ادّعى إنسان شيئاً وأنّه يملكه الآن وشهدت البيّنة أنّه كان له أمس أو لأبيه قبل موته إلى أن مات هل تسمع أم لا؟ أفتونا مأجورين.
الجواب ـ وبالله التّوفيق ـ أمّا المسألة الأولى فيما إذا قال حقك أو دينك قادم في هذا الزّرع الخ فهذا ليس برهن وإنّما هو وعد فيصير المقول
(1/674)
________________________________________
له ذلك أسوة الغرماء، وإن لم يكن غريم غيره فيستحبّ للقائل الوفاء بوعده ولا يجب عند أكثر العلماء.
وأمّا إذا ضاق مال الإنسان عن دينه وكان له عين مرهونة عند بعض الغرماء فإنّ المرتهن أحقّ بثمن الرّهن من سائر الغرماء إذا كان رهنا لازما بلا نزاع.
قال في الشّرح: لا نعلم فيه خلافاً؛ فإن كان الرّاهن حين الرّهن قد ضاق ماله عن دينه أنبني صحّة رهنه على جواز تصرّفه وعدمه وهو أنّه هل يكون محجوراً عليه إذا ضاق ماله عن ديونه بغير حكم حاكم كما هو قول مالك، ويحكى رواية عن أحمد اختاره الشّيخ تقيّ الدّين، أو لا يكون محجوراً عليه إلا بحكم حاكم كما هو قول أبي حنيفة والشّافعي وأحمد في المشهور عنه.
وأمّا إذا امتنع الرّاهن من قضاء الدّين فقال الشّيخ تقيّ الدّين جوز بعض العلماء للمرتهن دفع الرّهن إلى ثقة يبيعه ويحتاط بالإشهاد على ذلك ويستوفي في حقه إذا تعذر الحاكم ولم يكن الرّاهن قد أذن للمرتهن في بيع الرّهن بعد حلول الأجل، وهذا قول حسن إن شاء الله تدعو الحاجة إليه في كثير من البلدان والأزمان والله أعلم.
وأمّا إذا ألبست الأمّ ابنتها حلياً الخ فقد رأيت في ذلك جواباً لأحمد بن يحي بن عطوة فإنّه سئل عمّا إذا وجد على البنت الصّغيرة حلي وثياب فاخرة فما حكم ذلك وهل تسمع دعوى الأمّ أنّ ذلك لها، وإنّما ألبستها إيّاه تجميلاً أو دعوى الورثة أنّه لموروثهم وإنّما جملها به، وهل بين الصّغير والكبير فرق أم لا؟ وهل ذلك عام في الأبّ والأمّ أفتونا مأجورين.
(1/675)
________________________________________
أجاب ـ رحمه الله ـ الظّاهر من شواهد الأحوال والعرف والعادة المستمرّة أنّ تجميل الأبوين بنتهما بكلّ ما يعد تجميلاً أنّه تخصيص لها بذلك دون سائر من يرثهما إذا لم تجر عادتهما بأنّه عارية تجري عليها أحكامها.
إذا علم ذلك فلا كلام لسائر الورثة في ذلك بعد موت المخصص المعطي للزوم ذلك بموته كما صرح به الأصحاب، والتّخصيص سائغ أيضا في مسائل كفقر وعلم ونحوهما في رواية.
وأمّا الأمّ فإن أقامت بيّنة شرعيّة أنّ ذلك لها وإنّه عارية ساغت دعواها بذلك، وإلاّ فلا فرق بين الصّغيرة والمميّزة الكبيرة في ذلك.
وأمّا غير المميّزة فمحل نظر وتأمل، والّذي يظهر لي أنّ ذلك عام في الأبّ والأمّ وإنّما يعد الأبّ لأنّه الغالب والشّيء إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له. إلى أن قال:
فحيث ثبت إمكان ملك البنت في المسألة المذكورة بما ذكر فلا يجوز انتزاع ما صار إليها إلاّ بدليل راجح يسوغ المصير إليه شرعا اهـ.
ومن جواب للشّيخ سليمان بن عليّ وقد سئل عن هذه المسألة: إذا كان الحلي على البنت ولو لم تذهب به إلى بيت زوج وادعته الأمّ لم تقبل إلاّ ببيّنة أنّه للأمّ وأنّه على البنت عارية، ولو أقامت الأمّ بيّنة أنّها هي الّتي اشترته لم تقبل حتّى تقول وهو عارية على البنت اهـ.
وأمّا إذا باع الثّمرة بعد بدو صلاحها بشرط القطع فقدم في الشّرح وغيره يجوز هذا الشّرط وهو ظاهر، وإذا تلفت والحالة هذه فإن كان تلفها قبل تمكن المشتري من أخذها فهي من ضمان بائع، وإن كان تلفها بعد التّمكن من أخذها فهي من ضمان مشتر لتفريطه، وقد صرح
(1/676)
________________________________________
قال لا ولكن أحلفه والله ما يعلم أنّها أرضي اغتصبها أبوه. فتهيّأ الكندي لليمين ولم ينكر ذلك النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ولأنّه لا تمكّنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه فوجب أن لا يكلّف اليمين على البنت.
وأمّا إذا ادّعى أنّ هذه العين له الآن وشهدت البيّنة بأنّها كانت له أمس أو أنّها كانت في يده أمس لم تسمع بيّنته لعدم تطابق البيّنة والدّعوى.
قال في الإنصاف في أصحّ الوجهين حتّى يتبيّن سبب يد الثّاني نحو غاصبه بخلاف ما لو شهدت أنّه كان ملكه اشتراه من ربّ اليد فإنّها تقبل اهـ.
وأمّا إذا شهدت البيّنة بأنّ هذه العين لهذا المدّعي بهذه الصّيغة كفى ذلك وسلمت إلى المدّعي ولو لم تقل وهي في ملكه الآن.
وأمّا إذا ادّعى أنّ هذه العين كانت لأبيه أو أمّه أو أخيه ومات وهي في ملكه سمعت البيّنة بذلك، وإن قالت البيّنة كانت ملكا لأبيه ونحوه ولم تشهد بأنّه خلفها تركة لم تسمع هذه البيّنة.
وفي الفروع والإنصاف عن الشّيخ تقيّ الدّين ـ رحمه الله ـ أنّه قال فيمن بيده عقار فادعى آخر بثبوت عند حاكم أنّه كان لجدّه إلى موته ثمّ لورثته ولم يثبت أنّه مخلف عن موروثه لا ينتزع منه بذلك لأن أصلين تعارضا، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ولم تجر العادة بسكوتهم المدّة الطّويلة، ولو فتح هذا الباب لاتنْزع كثير من عقار النّاس بهذه الطّريق والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
وأمّا تقليد المؤذّن إذا كان في السّماء غيم ونحوه فلا ينبغي تقليده، لأنّه يؤذّن عن اجتهاد فلا يقلد بل يجتهد الإنسان لنفسه فلا يفطر حتّى يتيقن أو يغلب على ظنّه الغروب فيجوز له الفطر مع غلبة الظّن.
(1/677)
________________________________________
قال لا ولكن أحلفه والله ما يعلم أنّها أرضي اغتصبها أبوه. فتهيّأ الكندي لليمين ولم ينكر ذلك النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ولأنّه لا تمكّنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه فوجب أن لا يكلّف اليمين على البنت.
وأمّا إذا ادّعى أنّ هذه العين له الآن وشهدت البيّنة بأنّها كانت له أمس أو أنّها كانت في يده أمس لم تسمع بيّنته لعدم تطابق البيّنة والدّعوى.
قال في الإنصاف في أصحّ الوجهين حتّى يتبيّن سبب يد الثّاني نحو غاصبه بخلاف ما لو شهدت أنّه كان ملكه اشتراه من ربّ اليد فإنّها تقبل اهـ.
وأمّا إذا شهدت البيّنة بأنّ هذه العين لهذا المدّعي بهذه الصّيغة كفى ذلك وسلمت إلى المدّعي ولو لم تقل وهي في ملكه الآن.
وأمّا إذا ادّعى أنّ هذه العين كانت لأبيه أو أمّه أو أخيه ومات وهي في ملكه سمعت البيّنة بذلك، وإن قالت البيّنة كانت ملكا لأبيه ونحوه ولم تشهد بأنّه خلفها تركة لم تسمع هذه البيّنة.
وفي الفروع والإنصاف عن الشّيخ تقيّ الدّين ـ رحمه الله ـ أنّه قال فيمن بيده عقار فادعى آخر بثبوت عند حاكم أنّه كان لجدّه إلى موته ثمّ لورثته ولم يثبت أنّه مخلف عن موروثه لا ينتزع منه بذلك لأن أصلين تعارضا، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ولم تجر العادة بسكوتهم المدّة الطّويلة، ولو فتح هذا الباب لاتنْزع كثير من عقار النّاس بهذه الطّريق والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
وأمّا تقليد المؤذّن إذا كان في السّماء غيم ونحوه فلا ينبغي تقليده، لأنّه يؤذّن عن اجتهاد فلا يقلد بل يجتهد الإنسان لنفسه فلا يفطر حتّى يتيقن أو يغلب على ظنّه الغروب فيجوز له الفطر مع غلبة الظّن.
(1/678)
________________________________________
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ أحمد بن دعيج ـ سلّمه الله ـ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت من أمر روائح الأشياء إذا شمّها الصّائم فلا بأس بذلك إلاّ الدّخان إذا سمّه الصّائم متعمّداً لشمّه فإنّه يفطر بقصد شمّ الدّخان أي دخان كان، وإن دخل في أنفه من غير قصد لشمّه لم يفطر لمشقّة التّحرز منه والسّلام.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ما قولكم ـ أدام الله النّفع بعلومكم ـ فيمن لا يعرف الإيمان بالله ولا معنى الكفر بالطّاغوت، وهذه حال الأكثر ممّا لدينا، يدعي الإسلام ويلتزم شرائعه الظّاهرة ويزعم حبّ أهل الحقّ وينتسب إليهم على الإجماع، وأمّا على التّفصيل فيبغض أهل التّوحيد ويمقتهم ويرى منهم الخطأ في الأمور الّتي تخالف عادته وما يعرف فيعتقد خلاف ما عرف خطأ، لأنّ الّذي في ذهنه أنّ ما عرف النّاس عليه هو الدّين، ولا يعرف دليلا يرد به عليه، ولا يرعوي ولا يلتفت إليه، لأنّه يرى الدّين ما تظاهر به المنتسبون، فما حال من هذا وصفه؟ ومنهم كثيرون يصرحون بالبغض والعداوة لأهل الحقّ ويحرصون على اتّباع عوراتهم والوقوع في عثراتهم، ونرى مثل هؤلاء الّذين منهم هذا المذكور مع عدم معرفة أصل الإسلام وضدّه كفارا لأنّهم لم يعرفوا
(1/679)
________________________________________
الإسلام أوّلاً، وثانيا عادوا أهله وأبغضوهم، ورأوا الدّين ما عليه أكثر المنتسبين، فهل رأينا فيهم صواب أم لا؟ وبيّنوا حال الصّنف الأوّل لنا أيضا هل يطلق عليهم الكفر أم لا؟ وفيمن يزعم أنّ النّفاق لا يوجد في هذه الأمة بعد زمن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أو قريبا منه، ثمّ بعد ذلك لا يوجد إلاّ الإسلام المحض أو الكفر المحض.
ويحتج بما رواه البخاري عن عبد الله بن عقبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطّاب ـ رضي الله عنه ـ يقول: إنّ النّاس كانوا يؤاخذون بالوحي وإنّ الوحي قد انقطع، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقرّبناه وليس لنا من سريرته من شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إنّ سريرته حسنة.
وعن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال: إنّما النّفاق كان على عهد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فأمّا اليوم إنّما هو الكفر والإيمان. رواه البخاري.
ما الجواب عن قول حذيفة وعن قول عمر وما علامات النّفاق الّذي يصير به الرّجل في الدّرك السفل من النّار، وما معنى قول الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب ـ رحمه الله ـ في كتاب التّوحيد رد المسألة المشكلة إلى المسألة الواضحة ليزول الإشكال في (باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغيره) ، وقوله في (باب الدّعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) في كلامه على حديث معاذ الرّابعة عشرة: كشف العالم الشّبهة عن المتعلّم أشكل علينا استخراج هذه المسألة من الحديث، وعن قول النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في آخر حديث رواه مسلم"ومن مات وليس في عنقه بيعة فإنّه يموت ميتة الجاهليّة"أفتونا مأجورين.
أجاب الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين ـ رحمه الله تعالى ـ:
(1/680)
________________________________________
الحمد لله، الجواب عن حكم الصنفين المسئول عنهما الموصوفة حالهما يرجع إلى شيء واحد وهو إن كان الرّجل يقرّ بأنّ هذه الأمور الشّركية الّتي تفعل عند القبور وغيرها من دعاء الأموات والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتّقرب إليهم بالنّذور والذّبائح إنّ هذا شرك وضلال، ومن أنكره هو المحق ومن زينه ودعا إليه فهو شرّ من الفاعل فهذا يحكم بإسلامه؛ لأنّ هذا معنى الكفر بالطّاغوت والكفر بما يعبد من دون الله، فإذا اعترف بأنّ هذه الأمور وغيرها من أنواع العبادة محض حق الله لا يصلح لغيره لا لملك مقرب، ولا نبيّ مرسل فضلاً عن غيرهما.
فهذا حقيقة الإيمان بالله والكفر بما يعبد من دون الله. قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله"وفرض على كلّ أحد معرفة التّوحيد وأركان الإسلام بالدّليل ولا يجوز التّقليد في ذلك، لكن العامي الّذي لا يعرف الأدلّة إذا كان يعتقد وحدانيّة الرّب سبحانه ورسالة محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ويؤمن بالبعث بعد الموت وبالجنّة والنّار.
وإنّ هذه الأمور الشّركيّة الّتي تفعل عند هذه المشاهد باطل وضلال فإذا كان يعتقد ذلك اعتقاداً جازماً لا شكّ فيه فهو مسلم وإن لم يترجم بالدّليل؛ لأنّ عامة المسلمين ولو لقنوا الدّليل فإنّهم لا يفهمون المعنى غالباً.
ذكر النّووي في شرح مسلم في الكلام على حديث ضمام بن ثعلبة قال: قال أبو عمرو بن الصّلاح فيه دلالة لما ذهب إليه أئمّة العلماء من
(1/681)
________________________________________
أنّ العوام المقلّدين مؤمنون وإنه يكتفى منهم بمجرّد اعتقاد الحق جزماً من غير شكّ وتزلزل خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك لأنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قرّر ضماماً على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ومجرد إخباره إيّاه بذلك ولم ينكر عليه ذلك ولا قال يجب عليك النّظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلّة القطعيّة اهـ.
وأمّا من قال: إنّ هذه الأمور الّتي تفعل عند هذه المشاهد من دعا غير الله والنّذر والذّبح لهم إنّ هذا ليس بحرام، فإطلاق الكفر على هذا النّوع لا بأس به بل هذا كفر بلا شكّ، وأمّا من يوافق في الظّاهر على أنّ هذه الأمور شرك ويبطن خلاف ذلك فهو منافق نفاقاً أكبر، فإن كان يظهر منه بغض من قام بهذه الدّعوة الإسلاميّة عامة فهذا دليل نفاقه.
قال بعض العلماء في قول النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في الأنصار"لا يحبّهم إلاّ مؤمن ولا يبغضهم إلاّ منافق"قال فمن أبغض من قام لنصرة دين الله وسنّة نبيّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ استحق هذا الوصف وهو النّفاق، وأمّا من يبغض بعضاً دون بعض فقد يكون ذلك لسبب غير الدّين.
وأمّا من صرح بالسب فقد قال شيخ الإسلام تقيّ الدّين ـ رحمه الله ـ فيمن يسبّ أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: اختلف العلماء في حكمهم على قولين: قيل بكفرهم، وقيل بفسقهم، توقف أحمد في كفره وقتله، وقال يعاقب ويجلّد ويحبس حتّى يموت أو يرجع عن ذلك. قال وهذا هو المشهور من مذهب مالك اهـ.
فإذا كان هذا كلامهم في الّذي يسبّ أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الّذين أثنى الله عليهم ورضي عنهم فغيرهم دونهم ولم يقل أحد من العلماء بكفر
(1/682)
________________________________________
من سبّ غيرهم ولا قتله، ولهذا قال الأصحاب: من سبّ إماماً عدلاً، أو عدلاً غيره عزر.
وأمّا قول من قال: إنّ النّفاق لا يوجد إلاّ في أفضل القرون فهذا جاهل بحقيقة النّفاق ضال أو معاند فاجر بل كافر إذا قال: إنّه لا يوجد بعد ذلك إلا الإسلام المحض، وصاحب هذا القول مكذب لله ولرسوله ولجميع علماء المسلمين، ومثل هذا يرد عليه بكلام العلماء الّذي لا يمكنه ردّه.
وقد أجمع علماء السّنّة والجماعة على كفر الاتّحاديّة الّذين يقولون الخالق هو المخلوق، وكذلك أجمعوا على تكفير الحلوليّة الّذين يقولون: إنّ الله بذاته في كلّ مكان، وهاتان الطّائفتان منتشرتان في أمصار المسلمين.
ولمّا ذكر صاحب الإقناع حكم هاتين الطّائفتين قال شارحه: وقد عمت البلوى بهذه الفرق فأفسدوا كثيراً من عقائد أهل التّوحيد فأخبر الشّارح بكثرة هؤلاء المجمع على كفرهم، وذكر هاتين الطّائفتين، وكذا من قذف عائشة ـ رضي الله عنها ـ أو ادّعى أنّ جبريل غلط ونحو ذلك ممّا لا يقدر أحد على إنكاره.
وأمّا أمر الشّرك فالكلام معهم فيه يطول وكفر هذا فضيحة، قوله: إنّ النّفاق والكفر يوجد في أفضل القرون ويستحيل وجوده فيما بعده. وهذا في حقيقة أمره ينكر على الفقهاء وضعهم باب حكم المرتدّ إذا لم يكن إلا الإسلام المحض فيلزم تخطئتهم بأن نقول لا كفر ولا نفاق بعد القرن الأوّل الفاضل.
وأمّا احتجاج بعضهم بقول عمر ـ رضي الله عنه ـ أنّ النّاس كانوا يؤاخذون بالوحي على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الخ فأيّ حجة له في هذا على نفي الكفر
(1/683)
________________________________________
والنّفاق عن الأمّة، وإنّما هذا مثل قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فيمن أتى بشرائع الإسلام حيث قال:"وحسابهم على الله تعالى "، ومراد عمر ـ رضي الله عنه ـ أن من رأينا عمله حسناً ولم ير منه ما يعاب أمناه وقرّبناه وحسابه في سريرته إلى الله، ومن رأينا ما يكرهه الله من المعاصي كشرب الخمر وشهادة الزّور والكذب والنّميمة والغيبة وغير ذلك من الذّنوب أو إخلال في فرض لم نأمنه ولم نقرّبه، وإن قال: إنّ سريرته حسنة.
وقوله: من أظهر لنا سوءاً، أي من أطلعنا منه على ذلك وعلمناه ليس مراده أنّه يظهر ذلك ويجاهر به وهكذا كما يقول العلماء في الشّاهد إذا علم منه ما يقدح في شهادته، ردّت شهادته، وإن كان لا يظهر إلاّ الخير، وكذا إذا رأينا من ظاهره الخير لكن رأيناه يألف الفسقة أو أهل البدع والضّلال، قلنا هذه خصلة سوء يتّهم بها وإن قال سريرته حسنة.
نقل أبو داود عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في الرّجل يمشي مع المبتدع لا تكلّمه، ونقل غيره إذا سلم على المبتدع فهو يحبّه، وقال أحمد ـ رحمه الله ـ إنّما هجر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الثّلاثة لأنّه اتّهمهم بالنّفاق فكذا كلّ من خفنا عليه وهذا الّذي ينكر وجود النّفاق سببه عدم معرفة الإسلام وضدّه.
وحقيقة النّفاق إظهار الخير وإسرار ضدّه، فإذا كان إنسان عند أهل السّنة يظهر بطلان مذهب الاتّحاديّة والحلوليّة ونحوهم وهو يعتقد في الباطل صحّة بعض هذه المذاهب فهو منافق نفاقاً أكبر، وكذا إذا أظهر تضليل غلاة الرّافضة وهو في الباطن يرى رأيهم فهو منافق، وكذا من اعترف بصحّة هذا الأمر الّذي ندعو إليه وهو التّوحيد وإفراد الله بالعبادة يعترف به ظاهراً ويبطن خلافه فهو منافق نفاقاً أكبر.
(1/684)
________________________________________
وأمّا قول حذيفة فهو كما روى عنه من وجه آخر أنّه قال المنفقون على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يخفون نفاقهم وهم اليوم يظهرونه، فمراد حذيقة أنّهم في زمانه تبدو منهم أمارات ظاهرة بخلاف حالهم زمن النّبوّة، وقال: إن كان الرّجل ليتكلّم بالكلمة على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يصير بها منافقاً وإنّي لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرّات.
وسمع حذيفة رجلاً يقول: اللهمّ أهلك المنفقين فقال يا ابن أخي لو أهلك المنفقين لاستوحشتم في طرقاتكم من قلّة السّالكين، وهذا النّافي للنّفاق عن جميع الأمّة قائل بغير علم كاذب وما يدريه أنّه ليس في الأمّة حاضرها وباديها منافق؛ لأنّ من أظهر الإسلام وهو يشكّ في البعث بعد الموت أو في رسالة محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فهو منافق نفاقاً أكبر.
وهل اطّلع هذا المتخرص على قلوب الأمّة شرقاً وغرباً وهل يأمن على نفسه من النّفاق بأن يزيغ الله قلبه إذا زاغ عن الحقّ {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف، من الآية:5] ، وقد أثنى الله سبحانه على الرّاسخين في العلم بسؤالهم إيّاه أن لا يزيغ قلوبهم في قولهم {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران، الآية:8] .
ومن دعاء النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك"فقيل له أو تخاف علينا؟ قال:"نعم، ما من قلب إلاّ وهو بين إصبعين من أصابع الرّحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه"ومن دعائه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عند الانتباه من النّوم:"ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ".قيل للإمام أحمد ـ رحمه الله ـ ما تقول فيمن لا يخاف النّفاق على نفسه؟ فقال ومن يأمن على نفسه النّفاق؟
(1/685)
________________________________________
وروي عن الحسن أنّه حلف ما مضى مؤمن قطّ ولا بقي إلاّ وهو من النّفاق خائف، ولا مضى منافق قطّ ولا بقي إلاّ وهو من النّفاق آمن وكلام السّلف في هذا كثير، ويكفي في بيان بطلان قول هذا إثباته الكفر والنّفاق في أفضل قرون الأمّة ونفي ذلك عن القرون الّتي وصفها ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بأنّها شرّ إلى يوم القيامة، ويفضح شبهة هذا وشبهة من قال إنّه يستحيل وجود الكفر في أرض العرب ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال" ليس من بلد إلاّ سيطوله الدّجّال إلاّ مكّة والمدينة، وما من نقب من أنقابها إلاّ وعليه الملائكة صافين تحرسهما فينْزل السّبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله تعالى منها كلّ كافر ومنافق" فأخبر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّ في المدينة إذ ذاك كفّاراً ومنافقين موجودين قبل خروج الدّجّال، فإذا كان هذا حال المدينة فغيرها أولى وأحرى والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة "فأرجو أنّه ما يجب على كلّ إنسان المبايعة وأنّه إذا دخل تحت الطاعة وانقاد ورأى أنّه لا يجوز الخروج على الإمام ولا معصيته في غير معصية الله أنّ ذلك كاف، وإنّما وصف ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ميتته بالميتة الجاهليّة؛ لأنّ أهل الجاهليّة كانوا يأنفون من الانقياد لواحد منهم ولا يرضون بالدّخول في طاعة واحد فشبه حال من لم يدخل في جماعة المسلمين بحال أهل الجاهليّة في هذا المعنى والله أعلم.
وقول الشّيخ ردّ المسألة المشكلة إلى آخره الظّاهر أنّه أراد أنّ الّذي سأل النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من حكم نذره أنّه أشكل هل يوفي به أم لا؟ فلّما أخبر ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن ذلك المعيّن خال ممّا ذكر زال الإشكال.
(1/686)
________________________________________
وأمّا قوله: كشف العالم الشّبهة عن المتعلّم فلا يتبيّن لي مراده إلاّ إن كان يشير إلى أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فصل له صفة ما يدعو إليه والله أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الولد المحب عليّ بن عبد العزيز بن سليم ـ زاده الله علماً ووهب لنا وله حكماً ـ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
موجب الخطّ إبلاغ السّلام والسّؤال عن الحال أصلح الله لنا ولكم الدّين والدّنيا والآخرة، والخطّ وصل أوصلك الله إلى ما تحب، وما سألت عنه من حكم صرف ما ذكرت بعضه ببعض كالرّيال بالجدد والإرباع والقاروني بشيء من ذلك، وهل ذلك من مسألة مد عجوة؟
فقال في الإقناع وشرحه: وإن باع ديناراً أو درهماً مغشوشاً بمثله أي بدينار أو درهم مغشوش والغش فيهما أي المثمن والثّمن، أو غير معلوم المقدار لم يجز؛ لأنّ الجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل، وإن علم التّساوي في الذّهب الّذي في الدّينارين وعلم تساوي الغش الّذي فيهما جاز بيع أحدهما بالآخرة لتماثلهما في النّقود وهو الذّهب، ولتماثلهما في غيره أي الغش وليس من مسألة مد عجوة لكون الغش غير مقصود فكأنّه لا قيمة له كالملح في الخبز انتهى.
ونقل في الفروع عن الشّيخ جواز بيع فضّة لا يقصد غشّها بخالصة مثلاّ بمثل، ورأيت أيضا في فتوى للشّيخ تقيّ الدّين بعد كلام سبق في مسألة مد عجوة، قال وكذا يجوز بيع حنطة فيها شعير يسير بحنطة فيها
(1/687)
________________________________________
شعير يسير فإنّ ذلك يجوز عند الجمهور، وكذا إذا باع الدّراهم الّتي فيها غشّ بجنسها فإنّ الغشّ غير مقصود والمقصود بيع الفضّة وهما متماثلان.
وقال أيضا: إذا باع درهما خالصا بمغشوش فإن كانت فضّة الدّراهم الخالص تزيد على فضّة المغشوش تزيد على فضّة المغشوش زيادة يسيرة بقدر النّحاس الّذي في الآخرة جاز ذلك في أحد قولي العلماء، فظهر من كلام الشّيخ عدم جواز صرف ما ذكرتم بعضها ببعض كالقاروني بالجدد أو الإرباع ونحو ذلك وهو صريح الإقناع وشرحه والله أعلم.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الولد عليّ بن عبد العزيز ـ وفقه الله لطاعته وأصلح له دنياه وآخرته ـ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
موجب الخطّ إبلاغ السّلام والخطّ وصل أوصلك الله إلى ما تحب، وما سألت عنه من الجهر بالتّهليل بعد الصّبح والمغرب فما علمت ورود شيء يخصّه، وإنّما اختلف العلماء في الجهر بالذّكر المشروع في إدبار الصّلوات ولم يخصوا ذكراً دون ذكر والله أعلم.
(وأمّا قولك) إذا ظهر من إنسان الكفر وقامت عليه الحجّة وامتنع إنسان من تكفيره فكأنك تشير إلى حال أهل هذه المشاهد الّتي يقع عندها الشّرك الأكبر.
ومن المعلوم أنّه لا يصحّ إسلام إنسان حتّى يكفر بالطّاغوت وهو كلّ ما عبد من دون الله {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ، [البقرة، من الآية:256] ، وفي الحديث الصّحيح:"من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما
(1/688)
________________________________________
يعبد من دون الله حرم ماله ودمه"، والكفر بذلك البراءة منه واعتقاد بطلانه نسأل الله لنا ولكم الهدي والسّداد والله أعلم.
(فائدة في قراءة الجنب) قوله ولا يزيد على ما يجزيء من القراءة وظّاهر العبادة مطلقا وهذا في الجنب لا في المحدث حدثا أصغر. قاله الجراعي في حواشي الفروع، وفي شرح المحرم للسيسي أنّ ذلك محرم، وفي الغاية ولا يزيد على ما يجزيء في قراءة وغيرها ويتّجه ندبا وفي زائد عن الفاتحة لجنب وجوبا، وفي خطّ زامل تلميذ المصنّف على هامش المنتهى، فإذا زاد حرم وبطلت والله أعلم.
(فائدة يجب التّنبّه لها والتّحرز منها) قال وقول بعضهم: لو أنّي حاضر ما سنه الله. هذه كلمة كفر، يردّ قضاء الله بزعمه في ذلك، وقول بعضهم أنا متوجّه عليك بالله، هذا من الشّرك بالله، ومثل قول بعض العوام: الحديث ما غدى أحداً ولا عشى أحداً ونحو هذه الألفاظ كلمة كفر نعوذ بالله؛ لأنّ هذا استنقاص للسنّة نسأل الله العفو والعافية، وقول بعض العوام فلان ما يلقى في قبره إلاّ الدّواب ونحو ذلك لا يجوز ذلك لأنّه اعتراض على الله، ومثل قولهم فلان المرحوم؛ بل يقول الله يرحمه لأنّه لا يدري والله أعلم.
(مسألة) : ما يعمله بعض الجهّال من توديعهم الفطرة عند جار ونحوه الّذي يجيء يعطونها إيّاه وهذا لا يجزئ؛ لأنّهم لم يخرجوها على وجهها فلا يسقط قدر الفطرة من الثّمرة المكنوزة بل الّذين جربوه يقولون قدر وزنتين إلاّ ثّلث.
(فائدة) : وقال حذيفة ـ رضي الله عنه ـ لا تفرّ من الفتنة ما عرفت دينك
(1/689)
________________________________________
إنّ الفتنة إذا اشتبه عليك الحقّ بالباطل، وقال ابن الجوزي المحرم من الدّم هو المفسوح، ثمّ قال القاضي فأمّا الدّم الّذي يبقى في خلال اللّحم بعد الذّبح وما يبقى في العروق فمباح، قال المجد في شرح الهداية: وكذلك ما يبقى على اللّحم بعد السّفح فمباح حتّى لو مسه بيده فظهر عليها أو مسه بقطنة لم ينجس نصّ عليه، وبه قال الثّوري وابن عيينة وإسحاق وأبو يوسف. قال ابن قندس: فعلى هذا النّجس من الدّم هو المفسوح أو لا فقط. قال أبو العبّاس: إنّما حرّم الله الدّم المفسوح المصبوب المراق فأمّا ما يبقى في العروق فلم يحرمه أحد من أهل العلم والله أعلم.
(فائدة) : قال في الإنصاف يجوز دفع الزّكاة إلى أقاربه الّذين لا تلزمه نفقتهم وإن كان يرثهم وهو المذهب انتهى، وقال في جمع الجوامع: هل يجوز دفع الزّكاة إلى من يرثه بفرض أو تعصيب أو لا؟ ثمّ قال يجوز: نقلها الجماعة واختارها جماعة، وقطع بها في المنور وفاقاً لأبي حنيفة وأصحابه، ومن لا تجب نفقته فيجوز الدّفع إليه إجماعاً ثمّ قال: ولا يخل القريب من غير عمودي النّسب إمّا أن تجب نفقته على الدّافع أو لا؟ فإن لم تجب جاز الدّفع إليه بلا نزاع أو وجبت ففيه روايتان، ومن كلام لأبي العبّاس شيخ الإسلام: يجوز الدّفع إلى الوالدين والولد إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن الانفاق عليهم وهو أحد القولين عن أحمد وما أخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنيّة الزّكاة وتسقط ولو لم يكن على صفتها انتهى.
(1/690)
________________________________________
رسائل وفتاوى
الشّيخ سعيد بن حجي.
بسم الله الرحمن الرّحيم.
من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر كان الله له ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وجعلك من أعوانه وسر الخاطر ما ذكرت من نصر الله لدينه، فالله المحمود على ذلك وتسأل عن مسائل.
(الأولى) : ما قول العلماء رحمهم الله في الهاشمة والمنقلة في الرأس إذا لم توضح، بل دمغت وهشمت ونقلت عظامها بعد ما شقوا الجلد ولحمته الفوقية ما حكم الدّية؟
(الجواب) : اعلم أولاً أنّ الشّجاج العشر اسم لجراح الرّأس والوجه خاصة، فأمّا الهاشمة فهي التي توضح العظم أي تبرزه وتهشمه وتكسره ففيها عشر من الإبل، وأمّا إن ضرب رأسه فهشم العظم ولم يوضحه ففيه وجهان:
(أحدهما) : فيه خمس من الإبل.
(والثّاني) : تجب الحكومة وهو المذهب، وأمّا المنقلة فهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها بتكسرها وفيها خمس عشر من الإبل بالإجماع، وأمّا الدّامغة فليست من أولئك وأمّا إذا هشم العظم فقط وشق الجلد واللحمة الّتي فوق العظم ثمّ نقلت العظام.
فالجواب: إن كان ذلك بإذن المجني عليه وهو رشيد فلا شيء له أو بإذن وليه إن كان غير رشيد فلا شيء له، وإن فعله أجنبي بغير إذن فعلى الشّاق الّذي أوضح العظم خمس من الإبل وعلى منقل العظام خمس من
(1/691)
________________________________________
الإبل، وعلى الهاشم الأول خمس من الإبل، فإن تأملت كلام الفقهاء وتفصيلهم في الموضحة والجائفة وجدته كذلك والله أعلم.
(المسألة الثّانية) : الأسنان إذا جني عليها وبقي لها سنوخ لم ينتفع بها المجني عليه هل يحكم بديتها تامة أم لا؟ الخ.
(الجواب) : لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنّ دية السّن خمس من الإبل، وإنّما يجب هذا الضّمان في سن من قد ثغر وهو الّذي أبدل أسنانه وبلغ حداً إذا تلف سنه لم يعد بدلها، فأمّا سن الصّبي الّذي لم يثغر فلم يجب بقلعها في الحال شيء فإن مضت مدة يئس من عودها وجبت ديتها، وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها، لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة أو طويلة ففيها حكومة، وتجب دية السن فيما ظهر من اللثة لأنّ ذلك هو المسمى سنا وفي اللثة يسمى سنخا، فإذا كسر السن ثمّ جاء آخر فقلع السنخ ففي السن ديتها وفي السنخ حكومة، وإن قلعها الأول بسنخها لم يجب فيها أكثر من ديتها والله أعلم.
(المسألة الثّالثة) : حضانة الأم إذا تزوجت وسقطت هل الجدة أم الأم أولى بالحضانة أم الأب؟
الحمد لله (الجواب) : الحضانة واجبة كالإنفاق فالأم أحق بها من أبيه ثمّ أمهاتها القربى فالقربى، ثمّ أمهاتها إلى آخر كلامهم.
(المسألة الرّابعة) : هل على سيدة الغلام إذا كان لها فيه شركة أن تحتجب عنه أم لا؟.
(الجواب) : وللعبد النّظر إلى الوجه والكفّين من مولاته لقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النّور من الآية: 31] ، فأمّا النّظر إلى شعرها فكرهه الحسن وأباحه
(1/692)
________________________________________
ابن عباس لقوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية، [النّور من الآية: 58] "وعبارة الإقناع وشرحه والعبد المشترك، وأفتى الموفق في المشترك أنّه كالعبد له نظر ذلك أي الوجه والرّقبة واليد والقدم والرّأس والسّاق من مولاته لقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الآية، إلى قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النّور من الآية: 31] ؛ ولأنّه يشق على رب العبد التّحرز انتهى.
(المسألة الخامسة) : إذا دفن ميت مسلم بغير تكفين أو تغسيل وهو ممن يغسل بلا عذر وهما فرضا كفاية ما الحكم؟
(فالجواب) : لو دفن قبل الغسل من أمكن غسله لزم نبشه إن لم يخف تفسخه أو تغيره، ومثله من دفن غير متوجه إلى القبلة أو قبل الصّلاة عليه أو قبل تكفينه انتهى.
وذكر في المبدع ثماني صور في نبش الميت إلى أن قال: قال في الشّرح فإن تغير الميّت لم ينبش بحالٍ وكلّ موضعٍ أجزنا نشبه فالأفضل تركه. انتهى.
(المسألة السّادسة) : إذا دفع إنسان إلى آخر دابته يرعاها بأجرة ثمّ دفعها الأجير إلى أجير آخر بغير إذن صاحب الدّابة فهلكت ما الحكم؟.
فإن أفتيتم بالضمان فهو على الأول أو على الثّاني أو هو مخير.
الحمد لله (الجواب) : لا ضمان على الرّاعي إذا لم يتعد بلا نزاع فإن تعدى ضمن مثل أن ينام عنها أو يتركها تتباعد عنه أو تغيب عن نظره أو يسلك بها موضعاً تتعرض فيه للتلف انتهى، فإذا كان هو يضمن بهذه الأمور فإذا تعدى وآجرها غيره إذن فمن باب أولى، اللهم إلاّ أن يكون محسناً فلا يبعد عدم الضّمان، وأمّا ضمانها عليه فهو مبني على معرفة الأجير الخاص من المشترك والله أعلم.
(1/693)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم.
فائدة لَخصها سعيد بن حجي على بعض الحساد لما اعترض عليه في معرفة وقت الظّهر.
أمّا بعد فلما رأيت بعض من يدعي العلم وليس بعالم اعترض علي في معرفة وقت الظّهر وهو لنفسه ظالم، فإنّه قد قيل بترك ما لا يعنيك يتم لك ما يغنيك فأحببت أن أبين له الدّليل ليكون كالدّواء للعليل فمن قبل الحق انتفع ومن أعرض عنه ذل وارتدع.
(فائدة) : تجب في معرفة أوقات الصلاة لأنّها من شروطها، قال يحي بن محمد بن هبيرة الحنبلي الوزير ـ رحمه الله ـ في كتابه المسمى (الإفصاح) الّذي وضعه لما أجمع عليه العلماء وما اتفق عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه من مسائل الفقه، واختلفوا في وقت وجوب الصلاة، فقال مالك رحمه الله والشّافعي وأحمد تجب بأول الوقت، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة تجب بآخره، وأجمعوا على أنّ أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وأنّه لا يجوز أن يصلي قبل الزّوال انتهى.
وقال الإمام موفق الدّين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه (الكافي) الأولى هي الظهر لما روى أبو برزة الأسلمي قال كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشّمس يعني تزول. متفق عليه، وأوّل وقتها إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الّذي زالت الشمس عليه لما روى ابن عباس عن النّبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال:" أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظّهر
(1/694)
________________________________________
في المرة الأولى حين زالت الشّمس والفيء مثل الشراك، ثمّ صلّى بي في المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله وقال الوقت ما بين هذين "رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ويعرف زوال الشّمس بطول ظل بعد تناهي قصره انتهى.
وقال الشّارح: يعني صاحب الشرح الكبير على المقنع والظهر هي الأولى ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الّذي زالت عليه الشمس، ومعنى زوال الشمس ميلها عن وسط السّماء وإنّما يعرف ذلك بطول الظل بعد تناهي قصره لأنّ الشمس حين تطلع يكون الظل طويلا وكلما ارتفعت الشمس قصر الظل، فإذا مالت عن كبد السماء شرع في الطول فذلك علامة زوال الشمس.
فمن أراد معرفة ذلك فليقوم ظل شيء ثم ليصبر قليلا ثم يقوم ثانيا فإن نقص لم يتحقق، وإن زاد فقد زالت الشمس، وكذلك إن لم ينقص لأن الظل لا يقف فيكون قد نقص، وتعجيلها في غير الغيم أفضل بغير خلاف علمناه، ويستحب تأخيرها في شدة الحر، قال القاضي إنّما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في البلاد الحارة ومساجد الجماعات.
فأمّا صلاة الجمعة فلم ينقل أنّه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أخرها، بل كان يعجلها. ثمّ العصر وهي الوسطى، وأول وقتها من خروج وقت الظّهر وآخره إذا صار ظل الشيء مثليه سوى ظل الزوال اهـ من الإقناع، وهو قول مالك والشّافعي. وعنه ما لم تصفر الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها لوقتها وتعجيلها أفضل بكل حال اهـ.
(1/695)
________________________________________
وقال في الكافي: وتعجيلها أفضل بكل حال لقول أبي برزة في حديثه كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يصلي العصر ثمّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية. متفق عليه انتهى، وقد نظم بعض العلماء معرفة وقت الظّهر والعصر فقال:
يا سائلي عن زائد الظّل والقصر ... وظل زوال هاك وصفا على العصر
فخذ أنت عوداً ذا اعتدال وطوله ... كشبر وإن زاد القياس على الشّبر
ومن بعد فانصبه بأرض سوية ... لتعلم كون الظّل في دائم الدّهر
فما زال في نقص فزده بنقصه ... إلى أن تراه واقفاً زائد القدر
فأوّل وقت للزّوال زيادة ... وحين زوال الشّمس من أوّل الظّهر
وكن عارفاً للظّل كم قد مضى به ... لتعلم تحقيق الصّواب من القدر
وصف سبعة الأقدام فوق الّذي مضى ... فذلك حقٌ أوّل الوقت للعص
وقال في الإقناع: طول ظل كل إنسان سبعة أقدام بقدم نفسه تقريباً إلا ثلث قدم اهـ.
فقد عرفت رحمك الله تعالى ممّا مرّ أنّ أول وقت الظهر الزوال بالإجماع، وأنّ الزّوال يعرف بطول الظل بعد تناهي قصره، وأن آخره إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزّوال، وأن تعجيلها أفضل لا مستثنى وأن أول وقت العصر من حين خروج وقت الظهر، وأن تعجيلها أفضل بكل حال، فمن اتضح له الحق وبان فليرجع فإن الصواب يقبله أولو الألباب، ولكنه عدل إلى فعل الحسود، وقد قيل: إنّ الحسود ما يسود لا سيما أن عرفت مذهب المعترض _ إن كان له مذهب _ هو ما قاله ابن هبيرة فيما مر وهو قوله: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة تجب بآخره اهـ.
(1/696)
________________________________________
فإن تاب المعترض بعد هذا وبين وإلا فيزع الله بالسلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن وبالله التّوفيق، ونسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً متقبلاً، ونعوذ بالله من علم لا ينفع وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم.
من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من جهة القضاء فهو جمرة من الغضا إلا من عصمه الله بالتقوى ومنها القوة والأمانة فالأمانة العلم والقوة تنفيذه والعمل به، وقد جاءك مني رسالة فيما مضى فيها مقدمة فيها فوائد فلا بأس لو راجعتها وتسأل فيه عن مسائل.
(الأولى) : هل الإقالة لها خيار مجلس كالبيع أم لا؟
فالجواب: ـ وبالله التوفيق ـ ليس لها خيار مجلس لأنها ليست بيعاً ولا بمعناه وإنّما هي فسخ للعقد من أصله فلا فيها خيار مجلس وتجوز الإقالة في دين السلم، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم؛ لأنّها فسخ للعقد إذا قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة هذا المختار عند الموفق والشّارح وصاحب المبدع وغيرهم يعني قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة.
(المسالة الثّانية) : إجارة الإنسان نفسه أو غيره بجزء مشاع من ثمرة زرع أو نخل قبل بدو صلاحها هل يجوز إلى آخره؟
(1/697)
________________________________________
AshganMohamed غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:50 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
أنت تقرأ من منتديات روضة الكتب فانسب الحقوق إلى أهلها