منتديات روضة الكتب التحميل متاح للجميع دون تسجيل
شعب يقرأ...شعب لا يجوع ولا يستعبد
.إعلانات.
       

العودة   منتديات روضة الكتب > التاريخ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-16-2019, 10:11 AM   #1
AshganMohamed
منتسب جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2019
المشاركات: 444
افتراضي الكتاب: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ج8

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
المؤلف: شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قِزْأُوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (581 - 654 هـ)
تحقيق وتعليق: [بأول كل جزء تفصيل أسماء محققيه]
محمد بركات، كامل محمد الخراط، عمار ريحاوي، محمد رضوان عرقسوسي، أنور طالب، فادي المغربي، رضوان مامو، محمد معتز كريم الدين، زاهر إسحاق، محمد أنس الخن، إبراهيم الزيبق
الناشر: دار الرسالة العالمية، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، 1434 هـ - 2013 م
عدد الأجزاء: 23 (الأخير فهارس)
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حديث عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حَيّان بن بُقَيْلة مع خالد بن الوليد
قال محمَّد بن السائب الكلبي: سار خالد من اليمَامة إلى العراق فنزل النَّباج. قال الجوهري: النِّباجُ: قريةٌ بالبادية، أحياها عبد الله بن عامر فيما بعد (1). وكان المثنّى بن حارثة نازلًا بخَفَّان، وكان لمّا قَدِم على أبي بكرٍ قال له: أمِّرني على مَن قِبَلي من قومي أكفِك أهلَ فارس، فأَمَّره، وقد ذكرناه. وكان مُقيمًا بخَفَّان ويُغير على أسفل الفُرات.
وقال المدائني: وهو أوّلُ من حارب الفُرسَ في أيام أبي بكرٍ. ولما نزل خالد النَّباج كتب إلى المثنى أن يَقدُم عليه، وبعث إليه بكتاب أبي بكرٍ يأمُره فيه بطاعة خالد. فسار المثنى إليه، وسار خالد والمثنى يَشُنّان الغارة على البلاد، والمثنى على مُقدّمته، فعرض لهما جابان صاحبُ أُلَّيْس، فبعث إليه خالدٌ المثنى، فهزمه وقتل مُعظم أصحابه، وكانت الوقعةُ إلى جانب نهرٍ، فجرى ذلك النهرُ من دماء أصحاب جابان، فسُمّي نهرَ الدم إلى اليوم. ثم إن جابان صالحهم على مالٍ فقبلوه، وأقبلوا نحو الحيرة فلقيتهم خيول زاديه صاحبُ خيل كسرى بمجمع الأنهار، وكانت مَسالح بينه وبين الحجاز، فهزمهم المثنى.
ولما رأى ذلك أهلُ الحيرة خرج أشرافُهم للقاء خالد، وفيهم إياسُ بن قبيصة وعبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيّان بن بُقيلة، فجلسوا إلى خالد، فأقبل على عبد المسيح فقال له: من أين أقصى أَثرِك؟ قال: من ظهر أبي، قال: من أين خرجتَ؟ قال: من بطن أمّي، قال: على أيِّ شيءٍ أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففي أيِّ شيءٍ أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ابنُ كم أنت؟ قال: ابنُ رجلٍ واحد، قال: ويلك أتَعقِل؟ قال: نعم وأُقيِّد، قال خالد: إنما أسألُك، قال: وأنا أُجيبُك، قال خالد: ما رأيتُ كاليوم، أسأله عن شيءٍ وَينحو في غيره. فقال: ما أنبأتُك إلا عما سألتني، فقال خالد: أعربٌ أنتم أم نَبَط؟ قال: عربٌ استَنْبَطنا, ونَبَطٌ استعربنا، قال: فكم أتى لك؟ قال
__________
(1) الصحاح (نبج).
(5/67)
________________________________________
خمسون وثلاث مئة سنة. قال: فما أَدْرَكْتَ؟ قال: السُّفن تأتي في هذا البحر - يعني النَّجف - بمتاع السَّند والهند، ورأيتُ المرأة تضعُ على رأسها المِكْتَل، لا تتزوَّد إلَّا رغيفًا واحدًا حتى تأتي الشام، ثم أصبحت الدنيا اليومَ خرابًا. فقال خالد: أسِلْمٌ أنت أم حَربٌ؟ قال: سِلْم. قال: فما هذه الحصونُ التي أرى؟ قال: بنيناها للسَّفيه نحبسُه عنَّا حتى يأتي الحليمُ فينهاه. فقال له خالد: فإني أدعوكم إلى الإِسلام، [فإن أبيتم فالجزية] فإن أبيتُم قاتلتكم برجالٍ يحبُّون الموت كما تُحبُّون شُربَ الخمر، فقال: لا حاجة لنا بقتالكم. فصالحه على تسعين ومئة ألف درهم. وفي رواية ابن الكلبي: فهي أول جزيةٍ حُملت من العراق.
قال: ونظر خالد إلى عبد المسيح فرآه يُقلَّبُ شيئًا في يده، فقال له: ما هذا؟ قال: سَمُّ ساعةٍ، قال: وما تَصنع به؟ قال: إن وجدتُ عندك ما يُوافقُني وقومي قبلتُه، وإلا لم أكن بأول مَن ساق إلى قومه ذُلًّا وشرًا، فأشربه فأستريح من الحياة، فقال له خالد: فهاته، فناوله إياه، فقال خالد: بسم الله وبالله رب السماوات والأرضين الذي لا إله إلا هو, لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، ثم أكله فتجلَّلَتْه غَشيةٌ، وضرب بذَقنه على صدره، ثم عَرقَ، وأفاق كأنما أُنشِط من عِقال، فرجع عبد المسيح إلى قومه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: جئتُكم من عند شيطانٍ أكل سَمَّ ساعةٍ فلم يضرَّه، فصالحوه على ما أراد، فهذا أمره معمول لهم، فصالحوه، وشرط عليهم خالد أن يكونوا عونًا للمسلمين، فدخلوا تحت شرطه، وكان عبدُ المسيح نصرانيًا عاش خمسين وثلاث مئة سنة وقد ذكرناه. وهو الذي بعثه كسرى إلى سطيح بالشام يسألُه عن رؤياه، وقد ذكرناه.
وفي روايةٍ عن هشام عن أبيه قال: لما نزل خالدٌ الحيرةَ تَحصّن منه أهلُها، فأرسل إليهم: ابعثوا إليَّ رجلًا من عُقلائكم، فبعثوا عبد المسيح، فلما أتى خالدًا قال له: أنعِم صباحا أيها الملكُ؟ فقال خالد: قد أغنانا الله عن تَحيَّتك، وذكر بمعنى ما تقدَّم (1).
__________
(1) انظر كتاب الردة للواقدي 227 - 228، وتاريخ الطبري 3/ 344 - 345، وفتوح البلدان 244 - 245، ومروج الذهب 1/ 216 والبيان والتبيين 2/ 147، وأمالي المرتضى 1/ 262، والمنتظم 4/ 98 - 100، وأعمار الأعيان 118 - 120، وفيه فضل تخريج.
(5/68)
________________________________________
وذكر ابنُ أبي الدنيا أن بعض أهل الحيرة خرج إلى ظاهرها، فحفر بئرًا قريبًا من ديرٍ خرابٍ فإذا كهيئة البيت، ورأى فيه رجُلًا على سريرٍ من زجاجٍ، وعنْد رأسه مكتوب: أنا عبد المسيح بن عمرو بن بُقيلة، عشتُ ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً حاكمًا على الحيرة، ثم جاءني الموتُ فصيَّرني كما ترى، وتحته مكتوب: [من الوافر]
حلبْتُ الدهرَ أَشْطُرَهُ حياتي ... ونِلْتُ من المنى فوق المزيدِ
وكافَحْتُ الأمورَ وكافحتني ... ولم أَحفلْ بمُعْضلةٍ كَؤودِ
وكِدْتُ أنالُ في الشَّرف الثُّريا ... ولكن لا سبيلَ إلى الخُلودِ (1)

فصلٌ في ذكر من عاش ثلاث مئة سنةٍ فما زاد (2)
قال الكلبي: عاش قُسُّ بن ساعدة ثلاث مئة وثمانين سنةً. وقد وهم، والصحيح مئةٌ وثمانون سنةً وقد ذكرناه في صدر السيرة.
وعاش كعبُ بنُ حُمَمَة الدَّوْسي ثلاث مئة وتسعين سنةً، وعاش الرَّبيع بن ضَبُع الفَزاري ثلاث مئة وثمانين سنةً منها ستون سنةً في الإِسلام، وعاش المُسْتَوْغِر بنُ ربيعة ثلاث مئة وعشرين سنة وقال: [من الكامل]
ولقد سئمتُ من الحياة وطُولِها ... وعَمَرْتُ من بعد السنين مِئينا
مئةٌ حَدَتْها بعدها مئتان لي ... وازدَدْتُ من بعد الشُّهور سِنينا
هل ما بَقى إلّا كما قد فاتني ... يومٌ يَمرُّ وليلةٌ تَحدونا
فأما من عاش ثلاث مئةٍ فخلقٌ كثيرٌ، منهم: ذو الإصْبَع العَدْواني واسمه: حُرْثان ابن مُحرِّث بن الحارثِ بن ربيعة، وهو أحدُ حُكَّام العرب في الجاهلية.
وروى الهيثم بن عديّ عمر مِسْعَر بن كِدام، حدثنا سعيد (3) بن خالد الجَدَلي قال: لمّا قَدِم عبد الملك بن مروان الكوفة بعد قتل مُصعب دعا الناس، فأتيناه فقال: مَن
__________
(1) أمالي المرتضى 1/ 263، والمنتظم 4/ 100.
(2) هذا الفصل من (ك)، وليس في (خ) و (أ)، والمصنف ينقل من كتاب جده أعمار الأعيان 114 - 123، وانظر فضل تخريج فيه.
(3) وكذلك هو في أعمار الأعيان 114، وأمالي المرتضى 1/ 249، وصوابه: معبد، انظر جمهرة ابن حزم 244، والأغاني 3/ 91.
(5/69)
________________________________________
القومُ؟ فقلنا: جَدِيلة، فقال: جَدِيلةُ عَدْوان؟ قلنا: نعم، فتمثّل عبد الملك: [من الهزج]
عَذيرَ الحيِّ من عَدْوا ... نَ كانوا حيَّةَ الأرضِ
ومنهم كانت السَّادا ... تُ والمُوفون بالقَرْضِ
ومنهم حَكمٌ يقضي ... فلا يُنْقَضُ ما يَقضي
ثم أقبل على رجلٍ كنا قدَّمناه أمامنا، جَسيمٍ وسيمٍ، فقال: لأيّكم هذا الشعرُ؟ فقال: لا أدري، فقلتُ من خَلْفه: لحُرْثان، فقال: لِمَ سُمِّي ذا الإِصبع؟ فقال: لا أدري، فقُلتُ: نَهشتْه حيَّةٌ في إصبعه، فقال: من أيّكم كان؟ فقال: لا أدري، فقلتُ: من ناجٍ.
فأقبل على الجَسيم وقال: كم عطاؤك؟ قال: سبعُ مئة درهم، ثم أقبل عليَّ فقال: كم عطاؤك؟ قلتُ: أربع مئة درهم. فقال: يا أبا الزُّعَيْزِعَة، حُطَّ من عطاء هذا ثلاث مئةٍ، وزِدْها في عطاء هذا، يُشيرُ إليّ.
ومنهم عمرو بن حُمَمَة الدَّوسي، وكان حاكما أيضًا على العرب، وهو القائل: [من الطويل]
تقول ابنتي لمّا رأتني كأنَّني ... سَليمُ أَفاعٍ ليلُهُ غيرُ مُودَع
وما الموتُ أفناني ولكنْ تتابعتْ ... عليَّ سنونٌ من مَصِيفٍ ومَرْبَع
فأصبحتُ مثلَ النَّسْرِ طارت فِراخُه ... إذا رامَ تَطيارًا يُقالُ له قَعِ
أُخبِّرُ أخبارَ القُرونِ التي مضت ... ولا بُدَّ يومًا أن يُطارَ بمَصْرعي
ومنهم ذو جَدَن الحِميريّ، وشريةُ بن عبد الله الجُعْفي بن سعد العشيرة، وأدرك الإِسلام في زمان عمر، وكذا عبيد بن شَرِيَّة الجُرْهمي، وأسلم ووفد على معاوية في آخرين.
وقال ابن قتيبة: عاش عَبيد بن الأبرص ثلاث مئة سنة (1).

كتاب خالد إلى الفرس الذين بالمدائن
روى مجالد عن الشعبي أنه وقف عليه، وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, من خالد
__________
(1) أعمار الأعيان 117.
(5/70)
________________________________________
ابن الوليد إلى مَرازِبة أهل فارس، سلامٌ على مَن اتَّبع الهدى، أما بعد، فالحمد لله الذي سَلبكم مُلكَكم، وفضَّ جُموعَكم، ووَهَّن كيدَكم، وإنه مَن صلَّى صلاتَنا، وأكل ذَبيحَتَنا فهو المسلم الذي له ما لنا، وعليه ما علينا، فإذا جاءكم كتابي هذا فابعثوا إلى بالرُّهُن، واعتَقدوا مني عقد الذِّمَّة، وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثنَّ إليكم قومًا يُحبون الموتَ كما تُحبون الحياة، والسلام. فلما قرؤوا كتابَه جعلوا يَتعجَّبون (1).
وقال سيف: لمّا فرغ خالد من اليمامة كتب إليه أبو بكر رضوان الله عليه: إنِ اللهُ فتح عليك فاقصد العراق حتى تلتقي عِياضَ بنَ غَنْم، وهو بين النَّباج والحجاز، وكتب إلى عياض أنْ سِرْ حتى تأتي المُصَيَّخ فابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها وعارِقْ حتى تلتقي خالدًا، وأْذَنا لمِن شاء بالرجوع، ولا تَفتح العراق بمُتكاره.
واستمدَّ خالد أبا بكر، فأمدَّه بالقعقاع بن عمرو التميمي وحدَه، فقيل: أتمدّه برجلٍ واحد؟ فقال: لا يُهزم جيشٌ فيه مثل القعقاع، وأمدّ عِياضًا بَعَبد بن يَغوث الحِميري، وَكتب إليهما: استَنفِرا مَن ثَبت على الإسلام، ولا يَحضُرنَّ معكم مرتدّ، فلم يشهد تلك الأيام مرتدّ.
فقدم خالد الأُبُلّة، وكان أبو بكر قد أمرهم بفَرْج الهند، وكان على موضع البصرة من قبل الفرس، قُطبة بن قتادة السَّدوسي، وعلى الأُبُلّة هرمز في ثمانية عشر ألفًا (2) - فكتب خالد إلى هُرمز: أما بعد، فأَسلِم تَسلَم، أو أَقِرَّ بالجزية، وإلا فلا تَلُومَنَّ إلا نفسَك، فقد جئتُك بقومٍ يُحبون الموت كما تحبون الحياة.
ولم يَسلك خالد بالجيش جُملة، وإنما فَرّقهم في ثلاث طُرف، فسرَّح المثنى قبله بيومين ودليلُه ظَفَر، وسَرَّح بعده عَديَّ بن حاتم وعاصم بن عمرو، [ودليلاهما مالك بن عباد] وسالم بن نَصْر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، وخرج خالد ودليله رافع بن عمرو، ووعدهم جميعًا الحَفير ليجتمعوا هناك، ويُصادموا هُرمزًا، وكان فَرْجُ الهند - وهو الأُبُلَّة - أعظمَ بلاد فارس شأنًا، وأشدّه شَوكةً، وكان صاحبُه يُحارب العرب في البَرّ، وأهلَ الهند في البحر.
__________
(1) كتاب الردة 225، والطبري 3/ 346، والمنتظم 4/ 100 - 101.
(2) كذا، وانظر تاريخ الطبري 3/ 343 وما بعدها، والمنتظم 4/ 101.
(5/71)
________________________________________
وبعث هُرمز إلى [شيري بن] كسرى يَستمدُّه ويُخبره، ثم تَعجَّل إلى الكواظم في سَرَعان الناس ليَلقى خالدًا على الحَفير، فبادروهم، ونزل به، وتَهيَّأ للقتال، فجعل على مجنبته أخويه قُباذًا وأَنُو شجان - وقيل: إنهما كانا أخوين لأَرْدشير - واقترن القوم في السلاسل، فقال بعضهم: هذا طائرٌ مَشؤوم، قَيَّدتُم نفوسَكم لعدوّكم في السلاسل، فلم يلتفتوا، وقالوا: لعلكم تُريدون الهرب.
وكان هرمز سيِّيءَ الجِوار للعرب، وهم له كارهون، وكانوا يَضربون المثَلَ بخُبْثِه فيقولون: أخبث من هرمز، وكان هُرمز قد سبق إلى الماء، فعطش المسلمون، فأرسل الله غَمامة، فشربوا منها.
والتقى الفريقان، فقال هُرمز لأصحابه: إذا بارزتُ خالدًا فافتُكوا به، ونادى هرمز: ليَبرز إليَّ خالد، فبرز إليه، فتجاولا، واختلفا ضربَتين، واحتضنه خالد، وحمل أصحاب هُرمز عليه، فما شغله ذلك عنه حتى قتله، فلما قتله انهزمت الفُرس، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، ومنعتْهم السلاسلُ من الهزيمة، فقُتلوا وغَنمهم المسلمون.
وقُتل من أهل فارس ثلاثون ألفًا سوى مَن غَرق، وقسم خالد الغنائم، وبعث بالأخماس إلى أبي بكر مع سعيد بن النعمان، وبعث بالسّلاسل أيضًا، فكانت وِقْرَ ألفِ بعير، على كلِّ بعير ألفُ رطل بالعراقي، فسُمّيت غزاة ذات السلاسل.
وكان فيما بعث خالد إلى أبي بكر رضوان الله عليه قَلنسوة هرمز، وهي مُرَصَّعة بالجَوْهر، وقيمتُها مئةُ ألف درهم - وكان أحدهم إذا تم شَرفه جعل قلنسوتَه كذلك - وبعث معها بفيلٍ، فكان يُطاف به في المدينة، ويَتعجَّبُ منه الناس، ثم إن أبا بكر - رضي الله عنه - أعاد القلنسوة إلى خالد، نَفَّله إياها، وكان يَلبَسها في الحرب.
ثم سار خالد فنزل الجسر الأعظم بالبصرة، وسار المثنّى في آثار القوم، وأرسل معقل بن مُقَرِّن إلى الأُبُلّة فجمع الأموال والسبايا.
وقال الطبري: كانت وقعة الأُبُلَّة في سنة أربع عشرة على يد عتبة بن غزوان في أيام عمر - رضي الله عنه - (1).
__________
(1) تاريخ الطبري 3/ 350.
(5/72)
________________________________________
ولم يُزعج خالد أهلَ العراق لوصيّة أبي بكر، وإنما كان يَسبي أولادَ المقاتلة، وسار المثنى بن حارثة حتى انتهى إلى النهر المعروف بنهر المرأة، وعليه حصن فيه امرأة، فحاصره، وفتحه، وتزوَّج المرأة.

قصة الحيرة
كان بها مرزبان يقال له: آزاذبه، وقد بلغ نصف الشَّرَف، وقيمةُ قَلَنْسوته خمسون ألفًا، فلما أخرب خالد أَمْغِيشيا علم أنه غيرُ مَتروك، فتهيّأ للحرب، وقَدَّم ابنَه، ثم خرج في أثره، فعسكر خارجًا من الحيرة، وتُسمّى الحيرة فُرات بادَقْلَى وأمر ابنَه بسدّ الفرات، وأقام ابنُ آزاذبه على جانب الفرات، [ولما استقل خالد من أمغيشيا، وحمل الرجال في السفن مع الأنفال والأثقال، لم يفجأ خالد إلا والسفن جوانح، فارتاعوا لذلك، فقال الملّاحون: إن أهل فارس فجّروا الأنهار، فسلك الماء غير طريقه، فلا يأتينا الماء إلا بسدّ الأنهار، فتعجّل خالد في خيل نحو ابن آزاذبه، فتلقاه وجنده على فم فرات بادَقْلَى، فاقتتلوا فأنامهم، وفجّر الفرات] وسدّ الأنهار (1)، فعاد الماء إلى مجراه فجرت السفن، وبلغ آزاذبه مُصابَ ابنه، فقطع الفرات إلى المدائن.
وجاء خالد فنزل الخَوَرْنق والسَّدير والنَّجف، وحاصر قُصور الحِيرة، ودفع كلَّ قصر إلى قائدٍ من قُوَّاده، فحاصر ضرار بن الأزور القصر الأبيض، وفيه إياس بن قَبيصة الطائي - وقد ذكرنا وفاة ضرار بن الأزور فيما تقدَّم، فإن صحّت هذه الرواية فقد تأخَّرت وفاتُه - وحاصر ضرار بن الخطاب قصرَ الفرس (2)، وفيه عَديّ بن عَديّ، وحاصر المثنّى بن حارثة قصر ابن بُقَيْلة [وفيه] عبد المسيح، [فدعوهم جميعًا] , وأَجَّلُوهم يومًا، فأبى [أهلُ] الحيرة، فناوشهم المسلمون.
فكان أوَّل القُوَّاد أنشب القتال ضرار بن الأزور، وصَبَّح كلُّ أميرٍ ثَغْرَه، فأكثروا فيهم القتل، فصاحوا: كُفُّوا عنا، وأوّلُ من طلب الصلح عبد المسيح بن بقيلة (3)، ونزل أشرافُهم إلى خالد، فخيَّرهم بين الدُّخول في الإِسلام، وبين [الجزية، وبين]
__________
(1) ما بين معكوفين من تاريخ الطبري 3/ 359.
(2) وكذا جاء في المنتظم 4/ 104، وفي الطبري 3/ 360: العدسيّين.
(3) في الطبري 3/ 361، والمنتظم 4/ 104: عمرو بن عبد المسيح، وقد سلف لعبد المسيح ذكر، وسؤال خالد له.
(5/73)
________________________________________
المناجزة، فاختاروا الصُّلح، وأَدَّوا الجِزية، وصالحوه كلَّ سنة على مئة ألف وَتسعين ألف درهم، وأهْدَوا له هدايا، فبعث بالهدايا والفتح إلى أبي بكر رضوان الله عليه فقبلها، وكتب إلى خالد: احسب لهم هداياهم من الجزية.
وكان هذا الفتح في ربيع الأوّل [من هذه] السنة، ثم إنهم كفروا بعد موت أبي بكر رضوان الله عليه، ومنعوا ما كانوا يُؤَدُّونه، فحاربهم المثنى فأذعنوا، ثم كفروا، فقاتلهم سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وأجلاهم، لما نذكر.

قصة سُويد بن مُقَرْن (1) مع كَرامة بنت عبد المسيح
ولما فتح خالد الحيرة قام شُوَيل وقال: يا خالد، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَذكر فتح الحيرة ويقول: "كأن [شُرَفَ] قصورها أضراسُ الكلاب" (2)، وكانت قد وُصفت له كَرامة، فسألته إياها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا فُتحت عَنوة فهي لك", فقال خالد: مَن يشهد لك؟ فقام جماعة، فشهدوا له، فلما حاصر خالد القصر الذي هي فيه، أرسل أبوها عبد المسيح يسألُه الصُّلْح عليها، فأبى خالد، وقال: لا بد منها، فقال أبوها: إنكم لم تفتحوا القصر عَنوة، وتوقّف الحال، فقالت كرامة: ادفعوني إليه، ما تخافون عليّ وأنا عجوز قد بلغتُ ثمانين سنة، وسأفدي نفسي، وهذا رجلٌ أحمق، رآني في حال شبيبتي، فظنّ أن الشباب يدوم ففعل هذا، فدفعوها إليه، فخدعتْه وقالت: ما أَرَبُك إلى عجوزٍ كما ترى، فاشترت نفسها منه بألف درهم، وكان يظنُّها شابَّة، فقال: ما أرى إلا عجوزًا، فدفعتها إليه وأطلقها، فقال له خالد: ويحك ما صَنعتَ؟ لو طلبتَ فيها أُلوفًا لأخذتَ، فقال: ما كنتُ أظنُ عددًا يزيدُ على أكثر من ألف درهم، فقال خالد: أردتَ أمرًا وأراد الله غيره. واستقام لخالد ما بين الفَلاليج إلى أسفل السَّواد، وقال هشام: استقام له من الكوفة إلى دجلة التي عليها المدائن.
__________
(1) كذا، وفي تاريخ الطبري 3/ 364 و 365، والمنتظم 4/ 104، والاكتفاء 4/ 92 و 93، والكامل 2/ 391، والبداية والنهاية 9/ 523: (هجر): شويل رجل من الصحابة. وهو الصواب.
(2) في النسخ: أبيات للكلاب، والمثبت من الطبري 3/ 366.
(5/74)
________________________________________
وكان المسلمون يَمخرون من أرض العرب إلى دجلة، وليس للفُرس حكمٌ ما بين دجلة والفرات، وخيلُ خالد ما بين الحيرة والأُبُلّة، فأقام على ذلك سنة، وسبُبه موت أردشير بن بابك (1)، فإنه توفي في هذه السنة، واختل ملك الفرس فلما علم خالد باختلافهم كتب كتابَيْن إلى خواصّ الفرس، وكتابًا إلى العامّة، فأما كتاب الخاصة ففيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس، الحمد لله الذي حَلَّ نِظامَكم، ووَهَّن كيدَكم، فادخلوا في أمرنا نَدعْكم وأرضَكم، ونَجُوز إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون.
وفي الكتاب الآخر: أَسْلِموا تَسلموا، وإلا فأَدُّوا الجِزية. وتهدَّدهم فيه بمعنى ما تقدَّم من كُتبه، ودعا رجلين من السواد، فقال لأحدهما: ما اسمُك؟ فقال: مُرَّة، فقال: خذ هذا الكتاب، وادفعه إلى مَن كُتب إليه، ولعلَّ الله أن يُمِرّ عليهم عيشَهم، وقال للآخر: ما اسمُك؟ قال: هِزْقيل، فقال: اللهمَّ أزهِقْ نفوسَهم، وبعثهما بالكتابَيْن، فلما أَوصلاهما وَجدا القوم مختلفي الكلمة، يَخلعون ويُمَلّكون.

قصة الأنبار
وسار خالد إلى الأنبار، فتَحصَّن أهلُها منه، وبعث على مُقدّمته الأقرع بن حابس، وكان بها مَرزبان يقال له: شيرازاد من عظماء الفرس، فصَعِد المرزبان والفرس على السور، وجاء خالد فأحدق بالبلد، وقال للرُّماة: ارشقوهم، واقصدوا عيونهم، فرشَقوهم بالنَّبْل، ففقؤوا عشرة آلاف عين في ساعة، وقيل: ألفُ عين، فسُمَّيت تلك الوقعة ذات العيون، فأرسل المرزبان إلى خالد يَسأله الصُّلحَ على شيء لم يَرضَه خالد، فلم يُجبه، وقال للعسكر: أَلقُوا ما معكم من رَوَايا الإبل في الخندق في أضيق مكان، ففعلوا، فاقتحم خالد الخندق، فبعث إليه المرزبان يسأله الصُّلح، على أن يُلحِقه بمَأْمَنْه وليس معه شيء، فأجابه.
ودخل البلد فوجد فيه أَنابيرَ الطعام من الحنطة والشعير والعنب والتين، وكان
__________
(1) يعني سبب اختلال ملك الفرس في هذه الأماكن.
(5/75)
________________________________________
كسرى يَرزق أصحابَه منه، فلذلك سُمَّي الأنبار، ووجد خالد في الأنبار قومًا يكتبون بالعربية وهم من العرب، فقال: من أنتم؟ فقالوا: من إياد نزلنا ههنا في أيام بختنصَّر (1).
ولما سار خالد عن الأنبار استخلف فيها الزّبرقان بن بدر، وكاتب خالد مَن حول الأنبار؛ مثل أهل كَلْواذى والبَوازيج، فصالحهم، وكانوا عيونًا له من وراء دجلة، يُطالعونه بالأخبار، قال هشام: فلما فَصل خالد عن العراق نقض أهلُ الأنبار الصُّلح، وكذا مَن حولهم.

ذكر موضع بغداد اليوم
كان سوقًا لقُضاعة، فبعث خالد المثنّى، فأغار عليهم، وجمع ما كان فيه، وعاد إلى خالد، وقيل: إن هذه الوَقْعة والغارة كانت بعد انفصال خالد عن العراق في سنة ثلاث عشرة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى.

قصة عين التَّمْر
ولما فرغ خالد من الأنبار سار إلى عين التَّمْر، وبها جَمعٌ عظيم من الفرس والعرب، وعلى الفرس مِهران بن بَهرام، وعلى العرب عقَّة بن أبي عقّة، فقال عقّة لمهران: نحن أعرف بقتال بعضنا لبعض فدعني وخالدًا، فكلَّمت الفرسُ مهران في ذلك، فقال: إن كانت الغلبةُ لعقَّة فهو فتحٌ لكم، وإن كانت عليه وصلوا إليكم وقد ضَعُفوا، وقد نَهَكَتْهم الحرب، فتَظهروا عليهم.
وخرج عقّة إلى خالد، فالتقوا دون عين التّمر، واقتتلوا، فحمل خالد على عقّة، فأسره وقتل أصحابه، وانهزم الباقون، وبلغ مهران فهرب من الحصن، ونزل فيه مَن انهزم من أصحاب عقّة، وسبق جماعةً من الحصن، ووجد في بِيعة الحصن أربعين غُلامًا يتعلّمون الإنجيل، ففرّقهم في المسلمين، وكان فيهم سيرين أبو محمَّد بن سيرين، وحُمران مولى عثمان بن عفان، وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر،
__________
(1) في الطبري 3/ 375: فسألهم ما أنتم؟ فقالوا قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب، فكانت أوائلهم نزلوها أيام بختنصر، فقال: ممن تعلمتم الكتاب؟ فقالوا: تعلمنا الخط من إياد.
(5/76)
________________________________________
وأبو زياد مولى ثَقيف، ونُصَير أبو موسى بن نُصَير، وابن أخت النَّمِر، ويَسار مولى قَيْس بن مَخْرمة وغيرهم، واستُشهد جماعة من المسلمين في عين التَّمْر نذكر أعيانَهم في آخر السَّنة.

قصة دُومَة الجَنْدَل
ولما فرغ خالد من عين التَّمر استخلف عليها عُويمر بن الكاهن الأَسلمي، وسار إلى دومة الجندل، وكان عليها رئيسان:
أكَيْدر بن عبد الملك والجُوديّ بن ربيعة، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا يرى أحدٌ وجهَه إلا انهزم، فصالِحوه، فأبى الجُوديُّ عليه، فقال: لا حاجةَ لي بقتال خالد، وخرج أكيدر من الحصن، فوقع عليه جندُ خالد فقتلوه، واستنفر الجُوديُّ قبائلَ العرب بَهراء وكَلْب وغسّان وتنوخ والضَّجاعم وأحلافهم، والتقوا، وخرج الجوديُّ من الحصن، فاقتتلوا قتالاً عظيمًا، وأُسِر الجُوديُّ فقُتل، وفُتح الحصن، وسبق خالد ابنةَ الجوديِّ، وكانت موصوفةً بالجمال، وقيل: إنها أُسرت فاشتراها خالد، وأقام بدومَة أيامًا.

قصة الحُصَيد
ولما فتح خالد دومة الجندل تحرَّكت الفُرس عليه، وكاتبهم عربُ الجزيرة، غضبًا لمَن قُتل من أصحاب عقّة وفرسانهم، فرجع خالد إلى الحيرة، وبعث الأقرع بن حابس إلى الأنبار، والقَعقاع بن عمرو إلى مكان يقال له: الحُصيد، وبعث عُروة بن الجَعْد البارقي إلى الخنافس، وفي رواية أن الفرس جَهَّزوا رُوزبة وزَرْمهْر من المدائن يقصدان عين التمر، وكان خالد قد نزل قريبًا من الحيرة، وكان خليفتَه على الجزيرة القعقاع بنُ عمرو، وأنه هو الذي رتّب هذا الترتيب، وسار القعقاع بجيوشه، فالتقى رُوزبه وزرمهر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقتل رُوزبه وزرمهر، وانهزمت الفرس، ولم يَشهد خالد أوَّلَ الوَقْعة وأدرك آخرها، وبعث بالغنائم والسبايا إلى المدينة، فاشترى علي بن أبي طالب ابنة ربيعة بن بُجير، فولدت له عُمر ورُقيّة.
(5/77)
________________________________________
قصة الفِراض
وهو حصن بين العراق والشام والجزيرة، فيه فُرسان وسلاحٌ كثير، وهو مجاور للروم، وعزم خالد على قَصْده، وبلغ الروم فغضبوا، واستعانوا بمَن يليهم من مسالح (1) أهل فارس والعرب: تَغْلب وإياد والنَّمِر وغيرهم، واستخلف خالد على الحيرة عياض بن غنم، وسار إليهم في جيوشهم، والتَقَوا والفرات بينهم، خالد من المغرب، وهم من المشرق، فراسلوه وقالوا: إما أن تَعبُر إلينا، أو نَعبر إليك، فقال: بل أنتم فاعبروا، فقالوا: تنحَّ من مكانك حتى نَعبر، فقال: لا نفعل، ولكن اعبُروا أسفلَ منا، فعبروا وكانت بينهم وقعة عظيمة، قُتل منهم مئةُ ألف، وأُسِرَ مَن بقي، وغنم المسلمون أموالهم، وذلك أول ذي القعدة، وقيل: في نصفه.

ذكر حجة خالد
قال سيف: لما فرغ خالد من الفِراض أظهر أنه قاصدٌ الحيرة، وكتم حَجَّه عن الناس، ثم استخلف على الجزيرة المثنّى بن حارثة، وأخذ معه عِدَّةً من أصحابه، وسار يَعتسف الفيافي والمفاوز بالسَّمْت، فتأتَّى له ما لم يَتأتَّ لغيره من الأَدِلّاء، وصار ذلك طريقًا من الحيرة إلى مكة وإلى هلمَّ جَرّا، وهي الجادَّةُ المعروفة لأهل العراق، وكان خروجُه إلى ذات عِرْق ثم إلى عرفات، فحجَّ مع الناس ونَسك المناسك، وعاد إلى العراق في الطريق الذي جاء فيه.
وبلغ ذلك أبا بكر رضوان الله عليه، فشق عليه لكونه لم يستأذِنْه في ذلك، فعاتبه بأنْ كتب إليه، فصرفه من العراق إلى الشام، وهذا يدلُّ على أن أبا بكر لم يحجَّ في هذه السنة, لأنه لو حجَّ لاجتمعا, ولم يحتجْ إلى مكاتبته، ولم يُنقل ذلك، فكتب أبو بكر إلى خالد:
من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فسِرْ بمَن معك من المسلمين إلى اليرموك، وإياك أن تَعودَ إلى
__________
(1) في (خ) و (أ) والمنتظم 4/ 110: مشايخ، والمثبت من الطبري 3/ 383، والكامل 3/ 399، والمسالح: القوم المسلَّحون في الثغور.
(5/78)
________________________________________
ما فعلتَ، ولا يَدخُلنَّك عُجبٌ فتَخسر، وتمِّم أبا سليمان النيَّة والحُظْوة، يُتمّم الله لك (1)، وإياك أن تُدِلَّ بعملك، فإن المنَّ لله، وهو وليُّ الجزاء والسلام. ولما قرأ خالد كتابَه قال: هذا من عمل الأُعَيسِر، حَسَدني أن يكون فتحُ العراق على يدي.
قال ابنُ إسحاق: كتب أبو بكر رضوان الله عليه وهو بالعراق: أما بعد، فدَع العراق، وخَلِّف فيه أهلَه الذين قدمتَ عليهم وهم فيه، ثم امضِ متخفِّفًا في أهل القوَّة من أصحابنا، الذين قدموا معك من أهل الحجاز، حتى تأتي الشام، فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا لَقيتَهم فأنت أميرُ الجماعة، والسلام.

ذكر انفصال خالد عن العراق إلى الشام
لما انفصل خالد عن العراق استخلف المثنى بن حارثة على مَن تخلَّف من المهاجرين، ومَن بقي معه من الصحابة والتابعين، فانحاز بهم نحو البرّيّة مما يلي الأنهار، مخافة عليهم من الفُرس حتى يأتيهم المدد، وأخذ خالد على السَّماوة حتى انتهى إلى قُراقر، وبينها وبين سُوَى خمس ليال، فلم يعرف الطريق، فدُلَّ على رافع بن عمرو، وكان هاديًا خِرّيتًا، فقال: ما عندك يا رافع؟ فقال: هذه مَفاوز موحشة، ومَهامِه مُقفرة، ما سلكها إلا مغرور، ومعكم أَثقال، فمن استطاع منكم أن يُصيِّر أُذنَ راحلته على ماء فليفعل، ثم قال: ابغِني عشرين جَزورًا عظامًا سمانًا، فأتاه بها، فظمَّأهُنّ حتى أَجْهَدَهُنَّ عطشًا، ثم سقاهنّ من الماء حتى روين، ثم قطع مَشافرَهُنَّ لئلا يَجتَررْن، وكَعَمَهُنَّ (2) لئلا يَفسُدَ الماء في أجوافهنَّ بالجرة، ولئلا يخرج، ثم قال لخالد: سِرْ.
فسار، فكلما نزلوا منزلًا نحو من تلك الجزائر أربعًا، وسقى ما في بطونهنّ الخيل، وشرب الناس مما تزوَّدوا من الماء، فلما كان اليوم الخامس وقد نُحرت الجَزور كلها قال له خالد: ما ترى؟ وكان رافع قد رَمِدَ، فقال: انظروا هل تَرون شجرَ عَوسَج؟ فنظروا، فقالوا: لا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتَ يا خالد وأهلكْتَ، ثم وقف وقال: انظروا جيدًا، فنظروا، فلاح لهم شجرُ العَوْسَج على بُعد، فأخبروه، فقال: الله أكبر، أدركتُم الرِّواء، فلما وصلوا إلى شجر العَوْسج وجدوا عندها عينًا عذبة، فشربوا وسقوا،
__________
(1) في الطبري 3/ 385: فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتم الله لك.
(2) كَعَم البعيرَ: إذا شدَّ فاه لئلَّا يعض أو يأكل. اللسان (كعم).
(5/79)
________________________________________
فقال رافع: والله ما سلكتُ هذا المكان إلا مرةً واحدةً مع أبي وأنا غلامٌ صغير، فقال أبو أحيحة القرشي من أصحاب خالد: [من الرجز]:
لله دَرُّ رافع أنَّى اهتدى
فَوَّز من قُراقرٍ إلى سُوى
خِمسًا إذا ما سارها الجيشُ بَكى
ما سارها قبلَك إنسيٌّ يُرى
والعينُ عينٌ قد تَغشَّاها القذى
فهو يَرى بقلبه ما لا يرى
قلبٌ حَفيظٌ وفُؤادٌ قد وَعى
والسَّيرُ زَعْزَاعٌ فما فيه وَنَى
هذا لعَمْري رافعٌ هو الهُدى
عند الصباح يَحمَدُ القومُ السُّرى (1)
ورافع هذا من طيئ، ويقال له: رافع الخير، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، غزا مع عمرو بن العاص غزاة ذات السَّلاسل، وصحب أبا بكر فيها، وروى عنه ولم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2).
وقال ابن عساكر كُنيتُه أبو الحسن السَّنبِسي، وله صحبة، وروى عنه طارق بن شهاب، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشًا، وأمَّر عليهم عمرو بنَ العاص، وفيهم أبو بكر وعمر، فقال: دُلُّونا على رجلٍ يَختصر الأرض، [ويأخذ] غير الطريق، فدُلَّ عليَّ، فكنتُ دليلَهم في تلك الغزاة، ورافقتُ فيها أبا بكر، فكان يُنيمُني على فراشه، ويُلبِسني كساءً له من أكسية فَدَك، قال: وتُوفّي في أيام عمر بن الخطاب.
__________
(1) تاريخ دمشق 1/ 232 (مخطوط)، وانظر تاريخ الطبري 3/ 415 - 416، والفتوح 1/ 132 - 138، وفتوح البلدان 118، والمنتظم 4/ 109 - 110، ومجمع الأمثال 2/ 3، وطبقات ابن سعد 6/ 68.
(2) طبقات ابن سعد 6/ 67 - 68.
(5/80)
________________________________________
وقال الدارقطني: هو الذي قطع ما بين الكوفة ودمشق في خمس ليال (1).
واستقامت لخالد الطريق، وتواصلت به المياه حتى نزل مَرْج عَذراء وبه ناس من غسان، فأصاب منهم، ومضى حتى نزل على قناة بُصرى وبها أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة والأمراء، فصالحهم أهلُ بُصرى على الجزية، فكانت أول جزية وقعت بالشام في أيام أبي بكر رضوان الله عليه، ولما وصل خالد إليهم صار أميرًا عليهم.
وقال هشام: لما خرج خالد من البرّية، ووصل إلى أطراف الشام قال: مَن يأخذ بنا إلى اليرموك من وراء الروم؟ فأخرجوه قِبلي القريتين، فمرَّ بالغوطة وبها غسَّان، وعليهم الحارث بن الأَيهم الغساني، فانتَسف خالد عسكرهم وعيالهم، ثم نازل بُصرى فافتتحها، وهي أول مدينة فُتحت بالشام.
وقال الهيثم: لما وصل خالد إلى سُوى شنَّ الغارات، وكان عليه بَهراء، وهم أهلُ ذلك الماء، فأغار عليهم قُبيل الصبح، وناس منهم يَشربون الخمر، فقيل: الغارة، فقال واحد منهم: تَمِّموا فلعلكم لا تشربونها بعد اليوم، وكان عندهم مُغنًّ وهو يقول: [من الطويل]
ألا عَلِّلاني قبل جيشِ أبي بكر ... لعلّ منايانا قريبٌ وما ندري
ألا عَلِّلاني بالزُّجاج وكَرِّرا ... عليَّ كُمَيتَ اللونِ صافيةً تَجري
ألا فاسقياني من سُلافةِ قهوةٍ ... تُسَلِّي همومَ النفسِ من جَيِّد الخمر
وسمعه خالد، فهجم عليه، فضرب رأسه، فأبانه ووقع في الجَفنة (2).
وفي هذه السنة تزوَّج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل بعد وفاة عبد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت تحت عبد الله، وقد ذكرناها في ترجمته.
وفيها اشترى عمرُ أسلمَ مولاه.
وفيها تزوَّج عليٌّ أمامةَ بنت أبي العاص، وأمُّها زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أخت فاطمة عليها السلام.
__________
(1) تاريخ دمشق 6/ 183 - 187 (مخطوط).
(2) انظر تاريخ الطبري 3/ 416 - 417.
(5/81)
________________________________________
وفيها جمع أبو بكر القرآن، قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، عن ابن السَّبَّاق، عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مَقْتَلَ أهلِ اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب جالسٌ عنده فقال: أَخبَرني عمر أنَّ القتلَ قد استَحَرَّ يومَ اليمامة بقُرَّاء القرآن، وأخشى أن يَستَحِرَّ القتلُ بهم في كل مَوطن، فيَذهبَ كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تَجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعلْه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يُراجِعُني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرَ عمر.
ثم قال أبو بكر: يا زيد، إنك رجلٌ شابٌّ عاقلٌ لا نَتَّهمُك، وقد كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتَتبَّع القرآن فاجْمعه، قال زيد: فوالله لو كلَّفني نَقْلَ جبلٍ من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به، فقلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعلْه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبو بكر: هو والله خيرٌ، فلم يزل يُراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -.
فتتبَّعتُ القرآن، فجمعتُه من الرِّقاع والعُسُب والأكتاف وصدور الرجال، حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خُزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} إلى آخرهما.
فكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى تَوفَّاه الله، ثم عند حَفصة بنت عمر.
انفرد بإخراجه البخاري (1)، ثم إن عثمان رضوان الله عليه جمع القرآن مرةً ثانية.
وفيها اعتمر أبو بكر في رجب، دخل مكةَ ضَحوة، فأتى منزلَه، وأبو قحافة جالس على باب داره، ومعه فِتيانٌ يُحدّثهم، فقيل له: هذا ابنُك، فنهض قائمًا، وعجل أبو بكر أن يُنيخ راحلته، فنزل عنها وهي قائمة، فجعل يقول: يا أبة لا تَقُم، ثم لاقاه فالتزمه، وقبَّلَ بين عيني أبي قحافة، وجعل الشيخ يبكي فرحًا بقُدومه.
وجاء إلى مكة عَتَّاب بن أسيد، وسُهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل،
__________
(1) صحيح البخاري (4679).
(5/82)
________________________________________
والحارث بن هشام، فسلّموا عليه: سلامٌ عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعًا، وأبو بكر يَبكي كلما ذكروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسلَّموا على أبي قُحافة، فقال أبو قحافة: يا عَتيق، هؤلاء الملأ من قريش فأَحسنْ صُحبتهم، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا أبه، لا حول ولا قوة إلا بالله، طُوِّقتُ عظيمًا من الأمر، لا قوة لي به ولا يدان إلا بالله تعالى (1)، ثم دخل إلى البيت، فاضطبع بردائه، ثم استلم الرّكن، ثم طاف سبعًا وركع ركعتين، ثم انصرف إلى منزله، فلما كانت الظهر خرج فطاف أيضًا بالبيت، ثم جلس قريبًا من دار الندوة وقال: هل من أحد يَتشكَّى من ظُلامة، أو يَطلبُ حقًا، فما أتاه أحد، وأثنى الناس على واليهم خيرًا، ثم صلّى العصر وودَّعه الناس، ثم خرج راجعًا إلى المدينة (2).
وعزى أبو بكر سهيل بنَ عمرو في ولده عبد الله بن سهيل، وكان قد استُشهد باليمامة، فبكى سهيل وقال: لقد بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يشفع الشهيد في سبعين من أهله", وأنا أرجو ألا يَبدأ ابني بأحدٍ قبلي (3).
وشكا إلى أبي بكر بعضُ أهل مكة [أبا] سفيان بن حرب، فأحضره، وجعل يَصيح عليه وينتهره، وأبو سفيان يَذلُّ له، فقال له أبو قحافة: يا عَتيق، أعلى أبي سفيان تَصيح، لقد تعدَّيتَ قدْرَك، وجاوزْتَ (4) طَوْرَكَ، فقال له: يا أبتِ، إن الله هدم بالإِسلام بيوتًا منها بيتُه، وعَمر به بيوتًا منها بيتُك، وفي رواية: إن الله أعزَّ بالإِسلام قومًا وأذل به آخرين (5).
واختلفوا فيمن حج بالناس، فقال ابن سعد: حج أبو بكر بالناس تلك السنة، وأَفرد الحج، واستَخلف على المدينة عثمان بن عفان (6).
وقال الهيثم: حجّ بهم عمر بن الخطاب، وقيل: عبد الرحمن بن عوف.
__________
(1) المنتظم 4/ 111.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 187، وأنساب الأشراف 5/ 142 - 143، وتاريخ دمشق 35 - 36/ 435 - 436.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 406، وأخرج الحديث أبو داود (2522)، وابن حبان (4660)، والبيهقي 9/ 164 من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه -.
(4) في (أ) و (خ): وجمرت؟ !
(5) انظر مروج الذهب 4/ 179 - 180.
(6) طبقات ابن سعد 3/ 178.
(5/83)
________________________________________
وقال ابن إسحاق: لم يحجّ في خلافته؛ لأنه كان مشغولًا بتجهيز الجيوش إلى العراق والشام، وإنما اعتمر في رجب (1).
وفيها توفي أردشير بن شيرويه، واختلف أهلُ مملكته يُولّون ويَعزلون، ويَخلعون ويُملّكون، وكان ذلك من سعادة الإِسلام والمسلمين.
وكان شيرويه قد أفنى أولاد الملوك ومن كان يُناسبه إلى كسرى بن قباذ فلم يبق للفرس مَن يجتمعون إليه، فتحيّروا في أمرهم، ولم يبق لهم إلا الدَّفع عن المدائن، فولَّوا ابن أردشير، واسمه قباذ، وكان عمره سبع سنين، فأقام خمسة أشهر (2).
وكان شهريار بن أبرويز مقيمًا بأنطاكية، قد جهزه أبوه شهريار إلى المدائن، وكان أخوه شيرويه قد قتل أباه أبرويز على ما تقدم، فلما وصل إلى المدائن ملكها، وقتل قباذ ابن أردشير وظلم وطغى وبغى، وفضح النساء، وهتك الحريم، فوثبوا عليه فقتلوه، وكان مُلكه عشرين يومًا.

بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري
وكنيته أبو النعمان، من الطبقة الأولى من الخزرج، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمُّه أنيسة بنت خليفة من ولد امرئ القيس، وهو والد النعمان بن بشير، وكان يكتب بالعربية في الجاهلية، واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السلاح في عُمرة القضيّة سنة سبع، وهو الذي كسر الأمر على سعد ابن عبادة يوم السقيفة، وبايع أبا بكر أول الناس (3).
قال عمر بن الخطاب يومًا في مجلس فيه المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو تَرخَّصت في شيءٍ ما كنتم تصنعون؟ فقال بشير: لو فعلتَ قَوَّمناك تقويمَ القِداح (4).
وكان بشير زوج أخت عبد الله بن رواحة، وله منها ابنة يقال لها عمرة (5)، واستشهد
__________
(1) انظر الطبقات الكبرى, وتاريخ الطبري 3/ 386.
(2) انظر المنتظم 4/ 106.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 531، والاستيعاب (186)، والمنتظم 4/ 112.
(4) تاريخ دمشق 3/ 372 (مخطوط).
(5) كذا وهو خطأ، صوابه ما في طبقات ابن سعد 3/ 531، وجمهرة ابن حزم 364، وتاريخ دمشق 3/ 369 من أن ابنته اسمها: أُبيَّة، وأمها عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة.
(5/84)
________________________________________
بشير يوم عين التَّمر، وأسند الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى عنه ابنه النعمان وغيرُه.

عمير بن رئاب بن حُذافة السَّهمي
وأمُّه أم وائل بنت معمر بن حبيب.
وعمير من الطبقة الثانية من المهاجرين، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وقُتل بعين التمر شهيدًا، ولا عقب له، ولا رواية (1).

كنّاز (2) بن الحُصين بن يربوع
أبو مَرْثَد الغَنَوي، حليفُ حمزة بن عبد المطلب، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وآخى بينه وبين عبادة بن الصامت، وله صُحبة ورواية, وتوفي بالمدينة وهو ابن ستًّ وستين سنة، وولَدُه مَرْثَد بن أبي مرثد، شهد بدرًا على فَرسٍ يقال له: السَّبل، وشهد أحدًا، وقتل يوم الرَّجيع [شهيدًا، وكان أميرًا في هذه السرية، وذلك في صفر] على رأس ستة وثلاثين شهرًا من مُهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة (3).

أبو العاص بن الربيع
ابن عبد العُزَّى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسمه مُهَشِّم، وأمُّه هالة بنت خويلد، أخت خديجة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وزوَّجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنتَه في الجاهلية، فولدت له عليًّا وأُمامة.
فأما علي فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ الفتح مكةَ وهو رديفُه، ومات صغيرًا قد ناهز الحُلُم.
وأما أُمامة فتزوَّجها علي - رضي الله عنه -.
وأبو العاص من الطبقة الثالثة من المهاجرين، أسلم بين الخندق وفتح مكة، وكان
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 197، والاستيعاب (1716).
(2) في (أ) و (خ): حماد، وهو خطأ، صوابه من الطبقات الكبرى 3/ 47، والاستيعاب (2220)، والمنتظم 4/ 113.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 48 وما بين معكوفين منه، والاستيعاب (2394).
(5/85)
________________________________________
يقال له: جَرْو البطحاء, لأنه كان وَسيطًا في نسبه، وكان من رجال قريش المعدودين، ويقال له: الأمين، وكان صاحبَ مالٍ ومروءة وأمانة، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَشكره ويُثني عليه، وقال: ما ذَمَمْنا صهر أبي العاص.
وقال مَعروف المكي: خرج أبو العاص بن الربيع في بعض أسفاره إلى الشام في الجاهلية، فاشتاق إلى زينب - رضي الله عنها - فقال: [من البسيط]:
ذكرتُ زينبَ لما ورَّكت إرما ... فقلتُ سَقيًا لشخص يَسكن الحَرَما
بنت الأمين جزاها الله صالحةً ... وكلُّ بعلٍ سيثني بالذي علما
وإرم: هي دمشق.
وكان أبو العاص مصافيًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يُكثر غِشيانه في منزل أمّه هالة. أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، ولما أسلم رجع إلى مكة ولم يشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشهدًا، وتوفي في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة، وقيل سنة ثلاث عشرة. وقال ابن منده: قتل يوم اليمامة، ولم يتابعه على ذلك أحد، وليس له عقب إلا من قبل ابنة له، وأخوه عمرو بن الربيع من مسلمة الفتح (1).
* * *
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 31 - 32، والاستيعاب (3042)، والمنتظم 4/ 113، وتاريخ دمشق 19/ 109 - 120، والتبيين 223.
(5/86)
________________________________________
السنة الثالثة عشرة
وفيها جهّز أبو بكر رضوان الله عليه الجيوش إلى الشام، وقال الواقدي: بعد مُنصرفه من حجّه إلى المدينة، وعقد الألوية؛ فأولُ لواءٍ عَقَده لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم لواء عمرو بن العاص، ثم لواء يزيد بن أبي سفيان، ثم لواء أبي عبيدة بن الجراح، ثم لواء شُرحبيل بن حَسَنة، ثم لواء الوليد بن عقبة. وقَدَّم على الجميع خالد ابن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسيروا، وولّى عليهم يزيد بن أبي سفيان، وقال لعمرو بن العاص: اذهب إلى فلسطين، فخرج على طريق أيْلة، ثم قال للباقين: سيروا على تبوك واخرجوا على البَلْقاء، وكانوا سبعة آلاف، وأمَر خالد بن سعيد بن العاص أن يقيم بتيماء ردْءًا لهم.
وخرج أبو بكر معهم ماشيًا يُشيَّعهم على عادته في جيش أسامة وغيره، وكان أول الأمراء الذين خرجوا إلى الشام يزيد بن أبي سفيان.
قال المصنف: وقد اختلفت الروايةُ في تجهيز أبي بكر الجيوشَ إلى الشام على قولين، أحدهما ذكره الهيثم وقال: إنه جَهّزهم في سنة اثنتي عشرة، ودليلُه قصَّة خالد لما جاء من العراق إلى الشام واجتمع بالأمراء على بُصرى، والثاني: أنه جهزهم في أول هذه السنة، والأول أظهر.

ذكر وصيّة أبي بكر رضوان الله عليه لأمرائه:
وكان مما أوصى الأمراء أن قال ليزيد بن أبي سفيان: يا يزيد، إذا أقبلتَ على أهل عملك فعِدْهُم الخير، وإذا وعدتَ فأنجز، ولا تُكثر الكلام فإن بعضَه يُنسي بعضًا، وإذا قَدم عليك رُسُل عدوِّك فأحسن نُزُلَهم، فإنه أولُ خيرك إليهم، ولا تُطِلْ مُقامَهم عندك؛ لئلا يَطَّلعوا على عورات المسلمين، واحفظ سِرَّك لئلا يَخرج أمرُك، وإذا استشرتَ فاصدُق الخبر، ولا تكتم المستشار فتُؤتى من قِبل نفسك، وإذا بلغك عن عدوِّك عَورة فاكتُمها حتى تواتيه، واستر الأخبار في عسكرك، وأَذْكِ العيون والحرس، واصدُق اللقاء إذا لقيت، ولا تَجبن فتُجبن مَن سواك (1).
__________
(1) انظر تاريخ دمشق 18/ 311 (مخطوط).
(5/87)
________________________________________
وقال ابن عمر: مشى أبو بكر معهم ميلين، فقالوا: يا خليفة رسول الله ارجع، أولو انصرفت، قال: لا، إني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَن اغبرَّتْ قدماه في سبيل الله حرَّمَهما الله على النار" (1)، ثم قام في الجيش فقال: أوصيكم بتقوى الله، [لا تعصوا, ولا تغلوا] ولا تغدروا, ولا تُمثّلوا, ولا تهدموا بِيعةً، ولا تحرقوا نخلًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تقتلوا شيخًا كبيرًا ولا صبيًا صغيرًا، وستجدون أقوامًا قد حبسوا أنفسَهم، فذروهم وما حبسوا أنفسهم له، وستَجدون مَن يغدوا عليكم بألوان الطعام ويروح، فلا يأتيكم [لونٌ] إلا ذكرتُم اسمَ الله عليه، بسم الله، سيروا على بركة الله، ثم عاد إلى المدينة (2).
وقال يزيد بن أبي سفيان: أوصاني أبو بكر - رضي الله عنه - لما بعثني إلى الشام، فقال: يا يزيد، إن لك قرابةً عَسيتَ أن تُؤثرهم بالإمارة، وذلك أكثرُ ما أخاف عليك، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن وَلي من أمر المسلمين شيئًا فأَمَّر عليهم أحدًا مُحاباةً فعليه لعنةُ الله، لا يَقبل الله منه صرفًا ولا عدْلًا حتى يُدخله جهنّم، ومَن أعطى أحدًا حِمى الله فقد انتهك في حِمى الله شيئًا بغير حقِّه، فعليه لعنةُ الله، أو قال: فقد بَرِئت منه الذّمَّة، أو ذمَّةُ الله تعالى" (3).

ذكر سبب عزلِ خالد بن سعيد
قال ابن إسحاق: قدم خالد بن سعيد من اليمن بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتربص ببيعة أبي بكر شهرين، ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، فقال: يا بني عبد مناف لقد طِبتُم نفسًا عن أمركم يليه غيرُكم، فأما أبو بكر فلم يحقدْها عليه، وأما عمر فاضْطَغَنها عليه، فلما أمَّره قال له عمر: أَتُؤمَّره وقد صنع ما صنع، وقال ما قال، فلم يزل به حتى عزله، وأمّر يزيد بن أبي سفيان (4).
وقال سيف: قدم خالد بن سعيد من اليمن، وكان قد ولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليمن،
__________
(1) أخرجه أحمد (15935)، والبخاري (907) من حديث أبي عبس - رضي الله عنه -.
(2) المنتظم 4/ 116، وتاريخ دمشق 18/ 310.
(3) أخرجه أحمد في مسنده (21)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 18/ 310.
(4) تاريخ الطبري 3/ 387، والمنتظم 4/ 116.
(5/88)
________________________________________
فأقام يتربّص ببيعة أبي بكر شهرين، وقال: أمّرني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يعزلْني حتى قبضه اللَّه، فخرج يومًا وعليه جُبَّةُ حرير أو ديباج، فلقي عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، فصاح عمر بمَن يليه: مَزِّقوا عليه جُبَّتَه، فصاح خالد: يا أبا الحسن، يا بني عبد مناف، أغُلِبتم عليها؟ فقال له عمر: فضَّ اللَّه فاك، واللَّه لا تزال تَخوضُ فيما قلت، ثم لا تضرَّ إلا نفسَك، فلما عقد له أبو بكر على الشام قال له عمر: أَتُولِّيه وقد قال ما قال، وإنه واللَّه لمَخْذولٌ، ضعيفُ الرؤية (1)، كاذبٌ أحمق، فلا تستنصر به، فأطاع أبو بكر عمر في بعض أمره، ثم عصاه في البعض، فعزله عن إمرة الشام، وجعله ردءًا بتيْماء، وقال له: أقم بها رِدءًا للمسلمين.
وقال الواقدي: لما قدم خالد بن سعيد من اليمن أقام في بيته ثلاثة أشهر لم يبايع، ولا دخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم مرَّ عليه أبو بكر وهو على باب داره، فسلّم عليه فقال له خالد، أتحبُّ أن أُبايعك؟ فقال: أحبّ أن تَدخل في صالح ما دخل فيه المسلمون، فقال: مَوعدك العَشيَّة، فجاء وأبو بكر على المنبر فبايعه، وكان رأيُ أبي بكر فيه حسنًا، وكان مُعظّمًا له، فلما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام عقد له لواءً على المسلمين، وجاء أبو بكر باللواء إلى بيت خالد، فعاتبه عمر، ولم يزل به حتى عزله عن إمرة الشام، وأرسل إلى خالد أبا أَرْوى الدَّوْسي: ارْدُدْ علينا لواءَنا، فدفعه إليه وقال له: واللَّه ما سرَّتنا ولايتُكم، ولا ساءنا عزلُكم، وإن الملومَ لغيرُك -يعني عمر؛ لأنه هو الذي نقل الحديث، وألجأه إلى عزله- فما شعر خالد إلا بأبي بكر وقد دخل عليه داره، وأخذ يَعتذر إليه، ويعزم عليه أن لا يذكر عمر بحرف، قالت أم خالد بنت خالد: فواللَّه ما زال أبي يترحَّم على عمر حتى استشهد (2).
ولما سار خالد إلى الشام مع الأمراء كان يسير تحت لواء أبي عبيدة، فقيل له: تدعُ المسير تحت لواء ابن عمك يزيد بن أبي سفيان وتسير تحت لواء الغير! فقال: مَسيري مع أخي في ديني أحبُّ إلى من مسيري مع ابن عمي (3).
__________
(1) في الطبري 3/ 388: ضعيف التروئة.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 99، وتاريخ دمشق 4/ 455 (مخطوط).
(3) تاريخ دمشق 4/ 456.
(5/89)
________________________________________
قال هشام: سار خالد تحت لواء شرحبيل بن حسنة، فقيل له في ذلك فقال: لأن شرحبيل بن حسنة رفيقي في الهجرة إلى الحبشة، وكان على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنصرني على ابن عمي.
وقال أبو بكر رضوان اللَّه عليه لشرحبيل: إن خالدًا قد اختارك على ابن عمِّه، فاعرف له ذلك، فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- توفي وهو راضٍ عنه، وولاه، وكنتُ قد ولَّيتُه، ثم رأيتُ عزلَه، وعسى أن يكون خيرًا له في دينه، وبلغ خالدًا فقال: واللَّه ما عزلني إلا طاعة للأعيسر، ثم ذكره بعد.
ولما توجه الأمراء قال أبو بكر لخالد بن سعيد: إذا نزلت تيماء فادعُ ما حولَها من العرب، وأقم هناك حتى يأتيك أمري. فسار إليها فأقام بها، واجتمع إليه خلقٌ كثير، وبلغ الروم فضربوا البعْثَ على عرب الضاحية بالشام، فنفر إلى نُصرة الروم طوائف العرب: بَهْراء وكلب وتنوخ وجُذام وغسّان ولَخْم وغيرهم، فكتب خالد إلى أبي بكر يَستمدُّه، فكتب إليه أبو بكر: أَقدِمْ ولا تُحجم، واستنصر باللَّه، فسار إليهم خالد فتفرَّقوا، ودخل عامَّتُهم في الإِسلام.
وسار إلى خالد بِطريقٌ من الروم في جمع عظيم، اسمه باهان، والتقوا، فهزمه خالد، وقتل جُنده، وكتب إلى أبي بكر -رضي اللَّه عنه- بالفتح وأن يُمدَّه فأمدّه.
وأما عمرو بن العاص فإنه لما تَوَجه إلى فلسطين كتب إليه أبو بكر يُخيِّره بيّن أن يغزو إلى الشام، وبين أن يَرجع إلى ما ولاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من صدقات كلب وقضاعة، فاختار الجهاد في سبيل اللَّه، وكتب إلى الوليد بن عُقبة بمثل ذلك فأجابه مثل ما أجاب عمرو، فأمَّر عمرو على فلسطين والوليد على الأردن.
وكان يزيد بن أبي سفيان أميرَ الجيوش، وفي جُنده سُهيل بن عمرو وأشراف مكة، واستعمل أبو بكر أبا عبيدة على حمص، وأمدّ خالد بن سعيد بعكرمة بن أبي جهل وذي الكَلاع، وكتب إلى الوليد بن عُقبة أن يجتمع مع خالد بن سعيد بمشارف الشام، فسار خالد إلى مرج الصّفَر، فاجتمع بالوليد، ثم نزلا بالواقوصة، وقيل: بيّن الواقوصة ودمشق.
ولما سار خالد للقاء الوليد أخذ عليه الطريق بِطريق يُقال له: ماهان، وكان قد
(5/90)
________________________________________
تقدَّم خالدًا ابنُه سعيد في جماعة، فصادفهم البطريق وهم لا يشعرون، فهزمهم، وبلغ الخبر خالد بن سعيد فهرب في نَفرٍ يسير، فلم تنته [الهزيمة به] عن ذي المروة، ثم قدم المدينة منهزمًا، فغضب أبو بكر على خالد ونال منه، وقال: إنك لا تخوض الغمرات، ولا تصبر في الشدائد، وياليتني أطعتُ عمر فيك، ثم ردَّه إلى الشام، وأقام عكرمة بن أبي جهل بتيماء ردءًا للمسلمين، ثم أمّر أبو بكر معاوية بن أبي سفيان، وأَمَره أن يلحق بأخيه يزيد بن أبي سفيان، فسار إليه يسير تحت لوائه.

فصل ذكر جموع الروم
قال علماء السِّير: ولمّا بلغ الروم مسيرُ يزيدَ بن أبي سفيان والأمراء إلى الشام، كتبوا إلى هرقل وهو بحمص يُخبرونه بذلك، فجمع خواصَّه وعلماءَه واستشارهم وقال: الرأيُ عندي الصلحُ، وإن لا تُقاتلوا هؤلاء القوم. فخالفوه وقالوا: لا بد من قتالِهم وإخراجهم من الشام إلى حيث جاءوا. وقيل: إنما كان هرقل بالقسطنطينيةِ فسار حتى نزل حمص، وكانت دار الملك بالشامِ، ثم جمع العساكر وسيَّرهم إلى المسلمين، فبعث أخاه لأبيه وأمه واسمه تَذارق إلى عمرو بن العاص في تسعين ألفًا، فنزلوا قريبًا من فلسطين بثنيّة جلّق، وبعث جَرَجَه بن توذرا نحو يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه في خمسين ألفًا، وبعث الدّراقص إلى شُرَحبيل بن حسنة في ستين ألفًا قريبًا منه، وبعث الفيقار بن نسطوس إلى أبي عبيدة بن الجراح، فنزل بإزائه في ستين ألفًا. وكان مقصود هرقل أن يُرعب المسلمين، ويحول بين بعضهم والبعض، فهابهم المسلمون؛ لأن جموعهم لم تبلغ سبعةً وعشرين ألفًا، وجموعُ الروم مئتان وستون ألفًا سوى مَن تأخَّر مع هرقل، ومَن كان في المدائن والحصون من المقاتلة، وكانوا يزيدون على أربع مئة ألف مقاتل.
فكتب المسلمون إلى عمرو بن العاص ما الرأي؟ فكتب إليهم: أن نَجتمع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا كالقِداح المجتمعة لن نُغلب عن قلّةٍ.
وكتبوا إلى أبي بكرٍ فأجابهم بمثل ما قال عمرو، وقال: انزلوا اليرموك. فساروا إليه بأجمعهم فنزلوه. وكتب هرقلُ إلى جيوشه: انزلوا بإزائهم، فنزلوا، وصار الوادي خندقًا بينهم، وهو وادٍ عظيم لا يُدْرك، ونزلت الرومُ بمكانٍ ضيِّقٍ ليس لهم طريقٌ إلَّا
(5/91)
________________________________________
من مكانٍ واحدٍ، فقال عمرو: هذا فتحُ باب النصر والظَّفر.
فأقاموا على تلك الحال شهر صفر وشهريْ ربيعٍ لا يصلُ أحدٌ من الفريقين إلى الآخرْ فكتب المسلمون إلى أبي بكرٍ يستمدونه فأمدَّهم بخالدِ بن الوليد من العراق، فوافاهم خالدٌ في شهر ربيع الآخر على ما ذكرنا.
وقال الواقدي: وافاهم خالدٌ قبل أن ينزلوا اليرموكَ، وإنما كان أبو عبيدة وشُرَحبيل بن حسنة على بُصرى، فوافاهم خالدٌ هناك فلما فصلوا عن بُصرى نزلوا اليرموك.
وكان مع خالد لما قدم من العراق تسعةُ آلافٍ فصار المسلمون في ستةٍ وثلاثين ألفًا، وجاءهم عكرمةُ وفُلّالُ خالد بن سعيد بن العاص في عشرة آلاف، فصار المسلمون في ستة وأربعين ألفًا ففرحوا وقويت قلوبُهم.
وكان الروم نحوًا من ثلاث مئة ألفٍ منهم ثمانون ألفًا قد قُرِنوا بالسلاسل. وقيل: كان جملةُ الروم مئتين وستين ألفًا.
وقال الهيثم: كتب إليهم أبو بكرٍ: انزلوا اليرموكَ واجتمعوا كما قال عمرو بن العاص، وعسكِروا بمكانٍ واحدٍ، فلن يُؤتى مثلكم عن قِلَّةٍ، واللَّهُ ناصر من ينصرُه، وليصل كلُّ أميرٍ منكم بعسكره، وأذكوا الحرسَ والعيون والطوالع.
وكتب إلى خالد: سِرْ من العراق إلى الشام، واستخلف المثنى بن حارثة. فسار خالدٌ ووافاهم في شهر ربيع الآخر.
وقال هشام: فجهَّز إليهم هرقل جيشًا كثيفًا عليه بطريق يُقال له: ماهان. فطلع عليهم وبين يديه الشمامسة والرهبانُ والقُسس يُحرِّضونهم على القتال، فوافى قُدومُه قدوم خالدٍ فقال خالد: أنا له فالتقوا، وتحركت الروم من منزلها، فقاتلهم الأُمراءُ وقاتل خالد بن الوليد ماهان، فانهزم وقُتل من أصحابه خلق عظيم.

قصة اليرموك
قال علماءُ السِّير كابن إسحاق والواقدي وهشام وسيف بن عمر وغيوهم، قالوا: لما هزم خالد بن الوليد ماهان وألجؤوا الرومَ إلى الخنادق، خرجت الرومُ على تعبئةٍ لم
(5/92)
________________________________________
ير الراؤون مثلها؛ منهم ثمانون ألفًا مقرَّنون في السلاسل، والرجّالة وكانوا مئةً وخمسين ألفًا حولهم مثل الخنادق، والقسس والرُّهْبانُ والشمامِسة والأساقِفَةُ بين أيديهم قد نَشروا الأناجيل، والصُّلْبانُ في أعناقهم، وهم يُحرِّضونهم على القتال، فشاهد المسلمون أمرًا لم يُشاهدوا مثلَه، وهالهم ذلك، وكان في أول جُمادى الأولى.
فقام خالدُ بن الوليد في الناس وقال: هذا يوم من أيام اللَّه تعالى. لا ينبغي فيه الجبنُ والعجزُ والفَشَلُ، أَخْلِصوا للَّه تعالى جهادَكم، وأريدوا وجهه بعملكم وعندي رأي، قالوا: وما هو؟
قال: نقسم الإمارة بيننا، واحدٌ اليوم، وواحد غدًا، وواحد بعد غد، فإنا إن أَلجأناهم إلى الخنادق اليوم لم نزل ظاهرين عليهم أبدًا، وإن هزمونا اليوم لم نُفْلح أبدًا. قالوا: فافعل.
فقال: أنا اليوم أميرُكم.
فأمَّروه عليهم فكردس الخيل ستة وأربعين كُردوسا (1)، وجعل أبا عبيدة في القلبِ، وعمرو بن العاص في الميمنة، ويزيد بن أبي سفيان في الميسرة، وفي الجناح الواحد شُرَحْبيل بن حسنة وفي الآخر القعقاع بن عمرو، وفرق الأمراء على الكراديس مثل الزبير بن العوام، وعكرمة بن أبي جهل، وعياض بن غَنْم، وهاشم بن عتبة، وعبد الرحمن بن خالد، وصفوان بن أُمية، ومعاوية بن خُدَيْج، وعبد اللَّه بن قيس، وعمرو بن عَبَسة، وزياد بن حنظلة، ودِحْية بن خليفة، وسعيد بن خالد، وحبيب بن مسلمة، وأبو الأعور السُّلَمي، وابن ذي الخِمار.
وقال جدي في المنتظم (2): وجعل ذا الكلاع على كردوس. وهو وهم، لما ذكرنا أن ذا الكلاع أسلم في أيام عمر، وسنذكره.
وكان القاضي على العسكر أبو الدرداء، وكان الواعظ والمحرِّضَ أبو سفيان بن حرب، وكان يقف على الكراديس ويقول: اللَّه اللَّه، أنتم أنصَارُ الدين، وهذا يوم من
__________
(1) في الطبري 3/ 396، والمنتظم 4/ 118: ستة وثلاثين كردوسًا إلى أربعين.
(2) في 4/ 119.
(5/93)
________________________________________
أيام اللَّه تعالى، وروي عنه خلاف هذا لما نذكر في ترجمته في سنة اثنتين وثلاثين.
وكان على الطّلائع قَباث بن أَشْيَم، وعلى الأقباض عبد اللَّه بن مسعود، وكان القاري المقدادُ بن الأسود، وقيل: ابن مسعود، قال ابن عباس: وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد سنَّ عند لقاء المشركين قراءة سورةِ الأنفال، قال ابن إسحاق: وشهد اليرموك ألفٌ من الصحابة، منهم مئة من أهل بدر وتسع مئة من غيرهم.
وتطاردت الفرسانُ، ونشب القتالُ، فبينما هم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة وهو مَحْميةُ بن زُنَيم، فأخذته الخيولُ، وسألوه الخبرَ، فأخبرهم بالسلامة وبوصول المدد، وإنَّما جاء بكتاب عمر رضوان اللَّه عليه إلى أبي عبيدة يُخبره بوفاة أبي بكر، وتولية أبي عبيدة على الناس، فأبلغوه خالدًا، فأسرّ إليه بموت أبي بكر، وأخبره بما قال للجند فقال: أحسنت، وأخذ خالد الكتاب فجعله في كنانته، وخاف إن أظهره أن ينتشر عليه الأمرُ، ويضطربَ النَّاسُ.
قال المصنف رحمه اللَّه: والأصح أن هذا الكتاب لم يكن فيه عزلُ خالدٍ، وإنما كان فيه وفاةُ أبي بكر، وأنه مات قبل اليرموك بعشر ليال، وإنما عُزِلَ خالدٌ في الكتابِ الثاني لما نذكر.

قصة جرجة بجيمين
قال علماء السير: فلما تراءى الفريقان خرج قائدٌ عظيم من قُوادِ الروم يقال له: جَرَجة بن توذرا، فوقف بين الصفين وقال: ليَبْرُز إليَّ خالدٌ بأمان، فبرز إليه وأمّنه، فقال له: يا خالد اصدُقني فإنَ الحرَّ لا يكذبُ، ولا تُخادعني فإن الكريم لا يُخادعُ المسترسل باللَّه، أسألك باللَّه هل أنزل اللَّه على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاه لك، فلا تَسُلُّه على أحد أو على قومٍ إلا هزمتَهم؟ قال: لا، قال. فبم سُمِّيتَ سيف اللَّه؟ فقال خالد: هذا لقبٌ لقَّبني به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما أسلمتُ فقال: "أنت سيفٌ من سيوف اللَّه سلَّه اللَّه على المشركين" ودعا لي بالنَّصْرِ، فلا ألقى أحدًا إلا هزمتُه. فقال له: يا خالد إلام تدعون؟
قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرارِ بما جاء من
(5/94)
________________________________________
عند اللَّه.
قال: فمن لم يُجِبكم إلى ذلك؟ قال فالجِزيةُ. قال: فمن لم يُؤدِّها؟ قال: نُؤذِنُهُ بحربٍ ثم نُقاتِله. قال: فما منزلةُ مَن أجابكم إلى هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتُنا. قال: فهل لمن دخل فيه اليوم مثل مالكم من الأجر؟ قال: نعم وأفضلُ. قال: فكيف يُساويكم وقد سبقتُموه؟ قال: لأنا دخلنا في هذا الأمر ونبيُّنا -صلى اللَّه عليه وسلم- حيٌّ بين أظهُرنا، يأتيه خَبرُ السماء، وحُقَّ لمن رأى ما رأينا أن يُبايعَ ويُسلمَ، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب، وما ظهر لنبينا من المعجزات، فمَن دخل في هذا الدين كان على بينةٍ من ربه وهُدى فكان أفْضلَ.
فقال: صدقتَني، وقلب التّرس، ومال مع خالد وقال: علِّمني الإِسلام، فمال به خالد إلى فُسطاطِه فشنَّ عليه ماءً، ثم أسلم وصلَّى ركعتين.
وحملتِ الرومُ على المسلمين لما شاهدوا ذلك حَمْلةً مُنكَرةً فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، [عليهم] عكرمةُ بنُ أبي جهل والحارث بن هشام وغيرهما.
وركب خالد وجَرجة، فتراجعت الرومُ إلى مواقفها، فزحف خالدٌ ومعه جرجة والمسلمون، فما زالوا يضربونهم بالسيوف من لدن ارتفاع النهار إلى أن جَنحتِ الشمسُ للغُروب، ثم أُصيب جَرَجَةُ، ولم يكن سجد للَّه تعالى إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما. -ويقال: إن ماهان بعث جَرَجَة رسولًا إلى خالدٍ، فلما، شاهد أحوال المسلمين أسلم- وصلى الناس الظُّهْرَ والعصر بالإيماءِ، ومال خالد عليهم بالقَلْب، فتفرَّقت خيولهم، وعدل نحو الرَّجَّالةِ فأبانهم، واقتحم خنادقهم، فاقتحموا الواقُوصَةَ خَوْفًا من القتل، فتردّى فيها المقرَّنون في السلاسل بأسرهم، وهلك معهم أربعون ألفًا، فكان جملةُ الهالكين عشرين ومئة ألف، ثمانون ألف مقيّدٍ، وأربعون ألف مطلقٍ، سوى من قُتل في المعركة من الفرسان والرَّجَّالة، وتجلَّل الفيقارُ نائبُ الملك وأشراف الرومِ بَرانِسَهم، وجلسوا وقالوا: لا نُحِبُّ أن نرى يومَ السوء بالنَّصْرانية (1)، فقُتلوا في تزمُّلِهم.
__________
(1) في الطبري 3/ 400، والمنتظم 4/ 122: لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية.
(5/95)
________________________________________
وكان الفيقارُ قد بعث قبل ذلك جاسوسًا إلى عسكرِ المسلمين ليأتيه بأخبارهم، فعاد إليه فقال: رأيتُهم بالنَّهار فرسانًا، وبالليل رُهبانًا، ولو سرق ابنُ ملكهم لقطعوا يده، ولو زنى لأُقيم عليه الحدُّ لإقامة الحقِّ فيهم، فقال الفيقارُ: لَبَطنُ الأرض لنا اليوم خيرٌ من ظهرها.
وقُتل أخو الملك ووجوهُ أصحابهِ، وأُسرَ التذارق صاحبُ جيشه، وانتهت الهزيمةُ إلى هِرَقْل وهو دون حمص فارتحل وجعل حمص بينه وبينهم.
وقال سيف: أُصيب يوم اليرموك وجوهُ المسلمين: عكرمةُ بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير بن العوام، وأبان بن سعيد، وأثبت خالد بن سعيد بن العاص فلا يُدرى أين ذهب.
قلت: وهذا وهم، فإن خالد استُشهد بمرج الصّفَّرِ لما نذكُرُ.
قال: وأُصيب ضرار بن الأزور فعاش بعد ذلك. وهذا وهم أيضًا، فإن ضرارَ بن الأزورِ قُتل يوم اليمامة. قال: واستُشْهِدَ الطفيلُ بن عمرو، وهذا وهم؛ لأن الطُّفيلَ استشهد يوم اليمامة، وسنذكرُ أعيان مَن استشهد باليرموك في آخر السنة.
وقال الواقدي: قاتل النساءُ يومئذٍ قتالًا شديدًا منهن: جويرية بنتُ أبي سفيان. وأُصيبت عينُ أبي سفيان بن حرب، وأُخرج النَّصْلُ منها.
وعامة علماء السِّير على أن وقعة اليرموك كانت في السنة الثالثة عشرة من الهجرة إلَّا الواقديَّ، فإنه قال في سنة خمس عشرة، حكاه ابن سعد عنه، وكذا قال ابن عساكر في تاريخه فإنه قال: المحفوظُ أنها كانت في سنة خمس عشرة، قال: وقال سيف: في سنة ثلاث عشرة ولم يُتابعه عليه أحدٌ (1).
قلتُ: قد تابعه ابن إسحاق وهشام وعامة العلماء، فإنهم قالوا: أوَّلُ فتحٍ أتى عمر ابن الخطاب من الشام فتحُ اليرموك على عشرين ليلةً من وفاة أبي بكر -رضي اللَّه عنه-.
وقال الهيثم: كان أبو بكرٍ قد هيَّأ لكل كُورةٍ أميرًا، ومرض في جُمادى الأُولى وتُوفي في نصفه قبل اليرموك بعشر ليالٍ.
__________
(1) انظر طبقات ابن سعد 4/ 139 و 196، وتاريخ دمشق 1/ 254 - 255، والمنتظم 4/ 123.
(5/96)
________________________________________
وقال ابن إسحاق: قدم بفتح اليرموك على عمر جريرُ بنُ عبد اللَّه الحميري، ثم أقام أبو عبيدة بمرج الصُّفَّرِ حتى ورد عليه كتابُ عمر بمنازلة دمشق.
واختلفوا في أوَّل صلحٍ جرى بالشام في أوَّل الإِسلام، فقال الواقدي: كان ذلك على قريةٍ بالبلقاء يُقال لها: مَآب، مرَّبهم المسلمون فقاتلوهم ثم صالحوهم.
وقال ابن إسحاق: أوَّل صُلحٍ جرى صلح خالد بن الوليد مع أهل بُصرى، لمَّا انفصل عن الغوطة، صالح على كل رأسٍ دينار وجريب حنطةً، أو قيمةُ الجريب دينارًا وذلك في كلّ عام.
وقال الهيثم: كان ذلك أوَّل صلحٍ في الشام اتفقوا عليه: خالد وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة ثم انفصلوا عن بُصرى، وجرت وقعةُ اليرموك بعد ذلك.
وقال القعقاع بن عمرو في يوم اليرموك: [من الوافر]
ألم ترنا على اليرموك فُزنا ... كما فُزنا بأيام العراقِ
فَتحْنا قبلَها بُصرى وكانت ... مُحرَّمةَ الجناب على العناق
وعَذْراء المدائن قد فتحنا ... ومرجَ الصُّفَريْنِ على العِتاق
قَتلنا الرّومَ حتى ما يُساووا ... على اليرموك ثُفروقَ الوِراقِ
فَضَضْنا جمعَهم حتى استحالوا ... على الواقوص بالبُتْر الرِّقاق
غداةَ تَهافتوا فيها فصاروا ... إلى أمرٍ يُعضّل بالذّواق
وقال الأسود التميمي: [من الطويل]
وكم قد أَغَرْنا غارةً بعد غارةٍ ... ويومًا كريهًا قد أضلت أهاوِلُه
لقيناهم اليرموك لما تضايقتْ ... بقيصر باليرموك منه حمائلُهْ
فلا يَعْدَ مَنْ منا هرقلُ كتائبًا ... إذا رامها رام الذي لا يحاولُه (1)
فصل: وفيها في أَوَّلِ السنةِ كان قد استقام أمرُ شهريار بن كسرى (2) بعد خُروج خالد إلى الشام، فوجَّه شهريار إلى المثنى بن حارثة خليفة خالد على العراقِ جيشًا في
__________
(1) أبيات الأسود والقعقاع في تاريخ دمشق 1/ 266 - 267 (مخطوط).
(2) في الطبري 3/ 411، والمنتظم 4/ 123: شهربراز بن أردشير بن شهريار.
(5/97)
________________________________________
عشرة آلافٍ مع هرمز جاذَوَيْه، ومعه فيلٌ عظيم، وكتب شهريار إلى المثنى كتابًا يُرعبه فيه ويقول: قد بعثتُ إليك جندًا من وَحْشِ أهل فارس، إنما هم رُعاةُ الدَّجاج والخنازير، ولستُ أُقاتِلُك إلا بهم. فكتب إليه المثنى: الحمدُ للَّه الذي اضطرك إلى رُعاةِ الدجاج والخنازير. فقرأ كتابَه على أهل فارس، فجزع أهل فارس وقالوا: جَرَّأتَ علينا عدوَّنا. وإنَّما أُتيَ شهريارُ من حيثُ مولدُهُ ولؤمُ مَنشَئه؛ لأنه كان نشأ بمَيْسان، وقالوا له: إذا كتبتَ بعدها كتابًا إلى أحدٍ فاستَشِر.
وسار المثنى من الحيرةِ فالتقوا ببابلَ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان الفيلُ يخرقُ الصفوفَ بحملاته، فقال المثنى: مَنْ له؟ فقصده رجلٌ من العربِ فقتله، فانهزمت الفرسُ، والمسلمون في آثارِهم يقتلون ويأسِرون، وانهزم هرمز جاذَوَيه، وقُتِلَ شهريار. وقيل: مات حين انهزم الجيشُ. والأصح أن أهلَ فارسٍ قتلوه وقد ذكرناه في صدر الكتاب في الفُرْسِ الثانية.
ولمّا قُتِلَ شهريارُ لم يَبْقَ من الفُرسِ ذكرٌ؛ قتل شيرويه بن أبيرويز الجميع إلا ابنتين لأبرويز، وهما: بوران، فأقامتِ العدْلَ وأحسنت السيرةَ، فأقامت سنة وسبعة أشهر ثم ماتت، وقيل: قُتِلَتْ. فملكوا عليهم آزَرْمي دخت أُخت بوران، فأقامت ستَّة أشهر وقُتِلت. ثم ملكوا يَزْدَجرْدَ بنَ شهريار.
قال هشام: وأبطأ على جيوشِ العراق خبرُ أبي بكرٍ ومَدَدُهُ، فاستخلف المثنى بنُ حارثة على الناس بشير بن الخَصاصية، وخرج إلى أبي بكر ليُخْبرَه خبرَ فارس ويستأذنه فيما يفعلُ، فقَدم المدينة وأبو بكرٍ مريضٌ، فقال أبو بكرٍ لعمر: إني لأرجو أن أموتَ في يومي هذا، فلا تُمْسِيَنَّ حتى تَندبَ الناس مع المثنّى، وإن تأخَرْتُ فلا تُصْبحنَّ حتى تَندبَ الناس معه. ولا تشغلنكَم مصيبةٌ عن دينكم، وقد رأيتَ ما صَنعتُ عند وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فمات أبو بكرٍ ونَدب عمرُ الناسَ مع المثنى.

ذكر استخلاف أبي بكر لعمر -رضي اللَّه عنهما-
لما اشتد بأبي بكر رضوان اللَّه عليه مرضُه دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر، فقال: ما تسألُني عن أمرٍ إلا وأنت أَخبرُ به مني، [فقال أبو بكر: وإنْ] فقال عبد الرحمن: هو واللَّه أفضلُ من رأيك فيه، ثم دعا عثمان فقال: أخبرني عن عمر،
(5/98)
________________________________________
فقال: أنت أَخبَرُنا به، فقال: على ذلك، فقال عثمان: علمي به أن سريرتَه خيرٌ من عَلانيته، وليس فينا مثله، فقال أبو بكر: لو تركته لما عدوتُك، وشاور معهما سعيد بن زيد وأُسيد بن حُضَير وغيرهما من المهاجرين والأنصار.
وسمع بعض أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك، فدخلوا على أبي بكر، فقال له قائل منهم: ما أنت قائلٌ لربّك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد ترى غِلظَتَه؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أباللَّه تُخوِّفوني، خاب مَن تزوَّد من أمركم بظُلْمٍ، أقول: اللهم إني استخلفتُ عليهم خيرَ أهلك، أبلغ عني ما قلتُ لك من وراءك، ثم اضطجع.
قالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: الذي قال لأبي بكر ذلك هو طلحة وعلي بن أبي طالب.
ثم قال لعثمان: اكتب، فكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن [أبي] قُحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها إلى الآخرة، وعند أول [عهده] بالآخرة داخلًا فيها، إني قد استخلفتُ عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ اللَّه ورسولَه ودينَه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عَدَل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإنْ بَدَّلَ أو غيَّر فلكلِّ امرئٍ ما اكتسب [من الإثم] , والخيرَ أردتُ، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ مُنقلَبٍ يَنقلبون، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. ثم أمر بالكتاب فخُتِم.
وفي رواية: لمّا أَملى أبو بكر -رضي اللَّه عنه- صدرَ الكتاب، وبقي ذكر عمر، فذُهب به قبل أن يُسمِّي أحدًا، فكتب عثمان: إني قد استخلفتُ عليكم عمر، ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ عليَّ ما كتبتَ، فقرأ عليه ذكرَ عمر، فكبّر أبو بكر وقال: أراك قصدتَ أنني لو ذُهب بي في غَشيتي هذه أن لا يَختلف الناسُ، فجزاك اللَّه خيرًا عن الإِسلام وأهله، واللَّه لو سَمَّيتَ نفسَك لكنتَ لها أهلًا.
ثم أمره فخرج بالكتاب مختومًا فقال للناس: أتُبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم، قال علي كرم اللَّه وجهه: قد عَلِمنا به، وهو عمر، وأَقَرُّوا بذلك، ورَضُوا به جميعًا وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خاليًا فأوصاه بما أوصاه (1).
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 199 - 200، والطبري 3/ 428، والمنتظم 4/ 125 - 126.
(5/99)
________________________________________
الباب الثاني في ذكر عمر -رضي اللَّه عنه-
هو عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العُزَّى بن رِياح بن عبد اللَّه بن قُرْط بن رَزاح بن عديّ بن كعب بن لؤي، أبو حفص العَدَويّ القرشي.
قال وهب: اسمه في التوراة الفاروق.
وكان أبوه الخَطّاب من رجالات قريش، وأمُّ الخطاب من بني فَهم، وأم عمر حَنْتَمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللَّه بن مخزوم.

فصل: ذكر صفته:
قال الواقدي: كان أبيضَ أَمْهَق تعلوه حُمرة طُوالًا (1). قال الجوهري: الأمهق: الشديد البياض كلونِ الجِصِّ (2).
وكان أصلعَ شديدَ حُمرة العينين في عارِضه خفَّةٌ، يخضب عارضيه بالحِنَّاء والكَتَم، وصفته في التوراة: قرن من حديد، أمير شديد.
قال ابن قتيبة وهذا وصفُ أهل الحجاز. أما وصفُ الكوفيين فيقولون: كان آدمَ شديدَ الأُدْمَةِ (3).
قال الواقدي: والمثبت عندنا هو الأوَّلُ، اللهمَّ إلَّا أن يكون تغيَّر لونه عامَ الرمادةِ لما أكل الزيت (4).
وقال ابن قتيبة: كان أرْوَحَ، وهو الذي يتدانى عَقباه إذا مشى، قال: وكان كأنه من رجال سدوس، يعني من طُوله، فكان إذا مشى كأنه راكبٌ والناسُ يمشون.
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 324.
(2) الصحاح (مهق).
(3) المعارف 181.
(4) طبقات ابن سعد 3/ 324.
(5/101)
________________________________________
وقال ابن قتيبة أيضًا: كان أعسر من اليسار (1). وقال أبو جعفر الطبري في "تاريخه": كان أَعسرَ يَسَرَ (2)، ويُسمَّى الأيسر. قلتُ: وقال الجوهري: ويقال رجل أعسَرُ بيِّنُ العَسَرِ، للذي يعملُ بيساره، وأما الذي يعملُ بكلتا يَدَيه فهو أعسَرُ يَسَرٌ بغير ألف، قال: وكان عمر بن الخطاب أَعسرَ يَسَرًا (3). وقال المسعودي: كانت أم عمر سوداءَ (4)، وليس كما ذكر، بل كانت سمراءَ.
وكان منزلُه في الجاهلية بمكة، في أصل الجبل الذي يقال له اليوم: جبل عمر، وكان في الجاهلية يقال له: العاقر، وبه كانت منازل عديّ بن كعب.

ذكر خلافته:
قال الواقدي: تُوفي أبو بكر -رضي اللَّه عنه- ليلة الثلاثاء، لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة، فاستقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة يوم مات أبو بكر في ليلته (5)، وكان سنُّه يوم وَلي الخلافة اثنان وخمسون سنة، وكذا علي رضوان اللَّه عليه.

ذكر أول خطبة خطبها:
حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد ابتُليتُ بكم، وابتُليتُم بي، وخَلفتُ فيكم بعد صاحبي، فمن كان بحضرتنا باشَرْناه بأنفسنا، ومَن غاب عنا وَلَّينا أهلَ القُوَّة والأمانة، فمن يُحسن نَزِدْه حسنًا، ومَن يُسئ نُعاقبْه، ويغفر اللَّه لنا ولكم.
وقال ابن سعد: قال عمر: اللهمَّ إني شديدٌ فليِّنّي، وإني ضعيفٌ فقوِّني، وإني بخيلٌ فسَخِّني (6).
وقال حُميد بن هلال: حدَّثنا مَن شهد وفاة أبي بكر رضوان اللَّه عليه، قال: لما فرغ عمر من دفنه نفض. يده من تراب قبره، ثم قام خطيبًا مكانه فقال: إن اللَّه ابتلاكم بي
__________
(1) المعارف 181.
(2) تاريخ الطبري 4/ 196.
(3) الصحاح (عسر).
(4) مروج الذهب 4/ 192.
(5) طبقات ابن سعد 3/ 266 و 274.
(6) طبقات ابن سعد 3/ 274 وما قبله وما بعده منه.
(5/102)
________________________________________
وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم بعد صاحبي، فواللَّه لا يَحضرني شيءٌ من أمركم فيَليه أحدٌ دوني، ولا يتغيَّبُ عني فآلو فيه [عن الجَزْء والأمانة] ولئن أحسنوا لأُحسِنَنَّ إليهم، ولئن أساؤوا لأُنَكّلنَّ بهم، قال الرجل: فواللَّه مازال على ذلك حتى فارق الدينا.
وقال: إنما يَحِلُّ لي من مال اللَّه حُلَّتان؛ حُلَّةٌ في الشتاء، وحُلَّةٌ في الصيف، وما أحجُّ عليه وأعتمر من الظّهر، وقُوتي وقوت أهلي كقوتِ رجلٍ من قريش، وما أنا إلا رجلٌ من المسلمين.
وقال: إني أنزلتُ نفسي من مال اللَّه منزلةَ اليتيم، إن استغنيتُ استعفَفْتُ، وإن افتقرتُ آكل بالمعروف، [فإن أيسرتُ] قَضيتُ.
إنما يحل لي من هذا المال ما كنتُ آكلًا من صُلْبِ مالي الخلّ والزيت.

ذكر تسميته بأمير المؤمنين:
لما وَلي قيل له: يا خليفة خليفة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، [فقال المسلمون: فمن جاء بعد عمر قيل له: خليفة خليفة خليفة رسول اللَّه] فيطول هذا, ولكن أجمِعوا على اسمٍ يُدعى به مَن بعده من الخلفاء، فقال بعض الصحابة: نحن المؤمنون وعمر أميرُنا، فدُعي أمير المؤمنين، وهو أوّل مَن سُمِّي بذلك (1). وقال المسعودي: أوَّلُ مَن سماه به عديّ بن حاتم، وقيل: المغيرة بن شعبة، وقيل: أبو موسى الأشعري كتب إليه: لعبد اللَّه [عمر] أمير المؤمنين، فلما قرأ الكتاب قال: إني لعبدُ اللَّه وأميرُ المؤمنين، والحمد للَّه ربّ العالمين (2).

وقعة أجنادين
وهي بلدة بين الرّملة وبيت جِبرين من أعمال فلسطين، وكانت في رجب، وقيل: كانت بعد فتح دمشق، وقيل: كانت قبل اليرموك في حياة أبي بكر، وقيل: كان بأجنادين وقعتان: وقعة في جمادى الأولى وأخرى في رجب.
قال سيف: اجتمع عمرو بن العاص والأمراء بأجنادين فعسكروا بها، وجاءهم
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 281 وما بين معكوفتين منه.
(2) مروج الذهب 4/ 192 - 193.
(5/103)
________________________________________
القُبُقلار نائب الملك، فاقتتلوا، فقُتل القبقلار، واستُشهد جماعة من المسلمين نذكرهم في آخر السنة (1).

ذكر عزل خالد بن الوليد عن الشام
لم يزل عمر ساخطًا على خالد مدة خلافة أبي بكر لكلامٍ كان يبلغه عنه من الاستخفاف به، واطّراح جانبه، وما كان يُسمّيه إلا باسم أمه وبالأعيسر، وكان أكبر ذنوب خالد عنده قتل مالك بن نويرة بعد إسلامه، وأخذه لامرأته، ودخوله المسجد وعلى رأسه السّهام فيها دم، وكان يحثُّ أبا بكر على عزله، ويُحرِّضه على قتله بسبب قتله لمالك، وكان أبو بكر يتوقّف.
فلما مات أبو بكر وَولي عمر قال: واللَّه لا يلي خالد عملًا أبدًا. وقال ابن سيرين: قال عمر بن الخطاب: واللَّه لأعزلن خالدًا عن الشام، والمثنى مُثنَّى بني شيبان عن العراق؛ حتى يعلما أن اللَّه يَنصر هذا الدين، وليسا بناصِرَيْه (2).
قال سيف: فكتب عمر إلى أبي عبيدة: سلام عليك، أما بعد فإني قد عزلتُ خالدًا عن جند الشام، وولَّيتُك أمرَهم، فقم به والسلام. فوصل الكتاب إلى أبي عبيدة، فكتم الحال حياءً من خالد، وخوفًا من اضطراب الأمور، ولم يوقفه على الكتاب حتى فُتحت دمشق، وكان خالد على عادته في الإمرة وأبو عبيدة يصلي خلفه، وقدم بهذا الكتاب شَدّاد بن أوس بن ثابت الأنصاري ومَحمِيَة بن جَزْء في رجب.

وقعة فِحل
وسار المسلمون من أجنادين إلى فِحل، وهي بلدة بأرض فلسطين، وقيل: بالأردن، وكان الروم قد اجتمعت بها ونزلت ببَيْسان، وتقدَّم خالد بن الوليد في المقدمة، فبثقت الروم المياه، وهي أرض سَبْخة، فصارت وَحْلًا، ولم يعلم المسلمون، فلما غشيها خالد وَحِلت خيولُهم، فلقوا منها عناءً، ثم سلمه اللَّه تعالى، وانحازت الروم إلى فِحل، وقصدهم المسلمون، فنصرهم اللَّه عليهم فانهزموا، وغنم
__________
(1) انظر الطبري 3/ 417 - 418، وفتوح البلدان 120 - 121، وتاريخ دمشق 1/ 236 (مخطوط).
(2) في طبقات ابن سعد 3/ 284: حتى يعلما أن اللَّه إنما كان ينصر عباده، وليس إياهما كان ينصر.
(5/104)
________________________________________
المسلمون أموالَهم، واستشهد جماعة من المسلمين نذكر أعيانهم في آخر السنة. وكانت الوقعة في ذي القعدة قبل فتح دمشق، وفيها يقول القعقاع بن عمرو: [من الكامل]:
كم من أبٍ لي قد وَرثتُ فعالَه ... جَمِّ المكارم بحرُهُ تَيَّارُ
وَرث المكارم عن أبيه وجدِّه ... فبنى بناءهمُ له استبصارُ
وغداة فِحْل قد رَأَوني مُعلمًا ... والخيلُ تَنْحطُ والبَلا أطوارُ
ما زالت الخيلُ العِرابُ تَدوسُهم ... في جوف فِحْل والهبا مَوَّارُ
حتى رَمَيْنَ سراتَهم عن أسرهم ... في رَدْغَةٍ ما بعدها استِمرارُ (1)

ذكرُ فتوح دمشق ومرج الصُّفَّر
قال سيف: وسار أبو عبيدة والمسلمون إلى دمشق، فخرج إليهم ماهان قريبًا من دمشق، فقاتلهم فهزموه، فدخل دمشقَ.
وقال الواقدي: سار أبو عبيدة نحو دمشق فنزل بمرج الصُّفَّر، واجتمعت الروم إلى ماهان فخرج بهم إلى المرج، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وانهزمت الروم، فدخلوا دمشقَ فتحصّنوا بها، وقُتل بمرج الصُّفَّر جماعةٌ من المسلمين نذكرُهم في آخر السنة.
ثم سار المسلمون فنزلوا على دمشق، وبَثُّوا الخَيْلَ ما بين دمشق وحمص، وقطعوا الموادَّ عنها، ونصبوا عليها المجانيق، وجَدُّوا في القتال، وفرَّقَ أبو عبيدة الأُمراء على الأبوابِ: فنزل خالدٌ على باب الجابية، ويزيدُ بن أبي سفيان على باب الصغير, وأبو عبيدة على الباب الشرقي، ونزل أبو الدرداءِ ببَرْزَةَ في جماعةٍ من المسلمين.
وجَدُّوا في القتال ستّين ليلةً، فوهن الرومُ وضَعُفوا، وانقطعت المواد عنهم، واتَّفق أنه وُلدَ لبطريقٍ ولدٌ، فأكلوا في الليلِ وشَرِبوا، وغَفلوا عن مواقفهم، ولم يعلم بهم إلا خالدٌ لأَنه كان يتعرَّفُ أخبارَهم، وكان قد عمل حبالًا مثلَ السلالمِ، واتَّفق مع القعقاع ابن عمرو ومذعور بن عديّ على أنَّهم يتسلَّقون في الحبالِ، وأرسل إلى يزيد بن أبي سفيان وأبي عبيدة وقال: إذا سمعتُم التكبير فاقصدوا الأبواب. وتسلَّق خالد ومَن معه
__________
(1) تاريخ دمشق 1/ 239 (مخطوط)، ومعجم البلدان (فحل) 4/ 237.
(5/105)
________________________________________
على باب الجابيةِ، ونزل فقتل البَوَّابين وكسر أغلاق الباب وفتحه، ودخل المسلمون، ووقع الصوت وكبَّروا وفتحوا الباب الصغير, والباب الشرقي، ودخل الناس فصاحوا: الأمان الأمان، والتقى المسلمون في وسط البلد، وقيل: إن الروم فتحوا الباب الصغير والباب الشرقي على الأمان، ودخل خالد من بابِ الجابيةِ عَنوةً، فالتقاه الْأُمراءُ في وسط البلد وهذا أصحُّ.
وقال سيف: رابط المسلمون دمشق ستة أشهر (1)، وكان أبو عبيدة استخلف على اليرموك بشيرَ بن كعبٍ، وكانت الرومُ قد اجتمعت بفِحْلٍ، فلم يدر أبو عبيدة بأيِّهما يبدأ بدمشق أم بفِحْل، فكتب إلى عمر يستشيرُه، فضم خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة، وأمر عمرو بن العاص بأن يكون مددًا لأهل فلسطين، وكتب: أن ابدؤوا بدمشق فإنَّها حصنُ الشام وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهلَ فِحْلٍ بخَيلٍ تكون بإزائهم، فنازلوا دمشق نحوًا من سبعين ليلة وهرقل يومئذٍ بحمص، فحالت بين دمشقَ وبينه خيولُ المسلمين وفُتحت دمشق على الوجه الذي ذكرنا.
وقد حكينا عن ابن إسحاق أن وقعةَ فِحْلٍ كانت قبل فتح دمشقَ، وهو الأصحُّ.
وجرى الصلحُ بين أبي عبيدة وأهل دمشق على مُقاسمةِ الدينار والدرهم والعقار، وعلى كل رأسٍ دينار.
واختلفوا في أي سنةٍ فُتحت دمشق؟ فقال سيف: في هذه السنة، وهي سنة ثلاث عشرة، وقال ابن إسحاق والواقدي: في سنة أربع عشرة (2).
وأصيبت قدمُ أبي الزهراء القُشيري بدمشق، وقيل قدم أخيه، فلما هاجا بنو قُشَير بني جَعْدة فخروا عليهم بذلك، وعدوه من المآثر، فقال نابغة بني جَعْدة: [من البسيط]
فإن تكن قَدمٌ بالشام نادِرَةً ... فإن بالشام أقدامًا وأوصالًا
__________
(1) في تاريخ الطبري 3/ 441 أن هذا قول الواقدي.
(2) انظر تاريخ الطبري 3/ 434 - 442، وفتوح البلدان 127، والمنتظم 4/ 142 - 146، وتاريخ دمشق 1/ 240 فما بعدها.
(5/106)
________________________________________
وإن يكن حاجبٌ ممّن فَخرتَ به ... فلم يكن حاجبٌ عمًّا ولا خالا
ثم فَخَر عليهم وقال:
تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لَبَنٍ ... شِيبا بماءٍ فعاد الكلُّ أبوالا (1)

ذكر إظهار أبي عبيدة كتاب عمر بعزل خالد
ولما فتحت دمشق أظهر أبو عبيدة كتاب عمر بعزل خالد، وكان عمر كتب إلى أبي عبيدة يَلومه على إخفاء كتابه، فأوقف خالدًا عليه، فقال خالد: وهذا الكتاب له مدة وأنت تصلي خلفي ولم تعلمني، فجزاك اللَّه خيرًا، وهذا فعلُ ابن حنتمة.
وقد أخرج الإِمام أحمد رحمة اللَّه عليه حديثًا في الباب فقال: حدثنا حسين بن علي الجُعفي , عن زائدة، عن عبد الملك بن عُمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة بن الجراح على الشام، وعزل خالد بن الوليد، فقال خالد بن الوليد: بعَث عليكم أمينَ هذه الأُمَّة، سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول ذلك، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "خالد سيف من سيوف اللَّه، ونِعم فتى العَشيرة" (2).

ذكر طبريّة وبَيْسان
ثم بعث أبو عبيدة أبا الأعور السُّلَمي إلى طبرية، وعمرو بن العاص إلى بَيْسان وشرحبيل بن حسنة، ففتحوهما عَنوة، وقيل: صلحًا على صلح دمشق وهو الظاهر، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بما فتح اللَّه على المسلمين، وبعث إليه بالأخماس، وكتب إليه عمر: أن أبعث إلى العراق مددًا، فبعث القعقاع بن عمرو وهاشم بن عتبة في عشرة آلاف، وذلك بعد فتح دمشق.

كتاب عمر إلى أبي عبيدة في مضي خالد
وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنْ أَكذب خالدٌ نفسَه فهو أميرٌ على مَن معه، وإن لم يُكذب نفسَه فأنت الأمير على ما هو عليه، ثم انزع عمامتَه عن رأسه، وقاسمه مالَه نصفَين، وبلغ خالدًا فقال: فعلها الأُعيسر ابن حنتمة، لا يزال كذا، ودخل على
__________
(1) تاريخ دمشق 1/ 250، وانظر ديوان النابغة الجعدي 109.
(2) مسند أحمد (16823).
(5/107)
________________________________________
أخته فاطمة بنت الوليد -وكانت عند الحارث بن هشام- فقال: ما يَرضى في كذا وكذا، فقالت: واللَّه لا يُحبّك عمر أبدًا، وما يريد إلا أن تُكذب نفسَك فيعزلك، فقبّل رأسَها، وأرسل إلى أبي عبيدة وقال: لا أُكذب نفسي أبدًا، تعال فقاسمني مالي، فقاسمه حتى أخذ نَعْلًا وأعطاه نعلًا (1)، فتكلّم الناس في عمر وقالوا: هذه واللَّه العداوة، ولم يعجب الصحابة ما فعل بخالد، وقد روي أن خالدًا امتنع من ذلك، فقام إليه بلال بنُ حمامة المؤذن ليَعْقِلَه بعمامته، فقال له: إيهًا، ما تُريد؟ ونال منه، ثم قال لبلال: افعل ما تُريد، فيقال: إنه عَقَلَه بعمامته.

حديث المثنّى بن حارثة وأبي عبيد (2) الثقفي
قد ذكرنا وصيّة أبي بكر لعمر -رضي اللَّه عنهما- أن يندب الناس مع المثنى، فندب عمر النّاس صبيحةَ البيعة بعد مافرغ من دفن أبي بكر، وكان المسلمون يكرهون قتال الفُرس لشدَّة بأسهم، فندب الناسَ ثلاثة أيام، فما انتدب له أحد، فقال: أيها الناس، إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النُّجعة، ولا يَقوى عليه أهلُه إلا بذلك، فسيروا في الأرض التي وعدكم اللَّه في كتابه أن يُورثكموها؛ فإن اللَّه تعالى يقول: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33]، واللَّه مُظهر دينه، ومعزّ ناصره، ومموّل (3) أهله مواريثَ الأمم.
وقام المثنى فقال: أيها الناس، لا يَعظمنّ عليكم قتالُ فارس، فإنا قد غلبناهم على السّواد، وقاسمناهم البلاد، وصغُر أمرُهم، وحقر شأنهم. ورغَّب الناسَ في الجهاد، فأولُ مَن انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وقال: أنا أول مَن أجاب، ثم أجاب سعد ابن عُبيد الأنصاري، وسَليط بن قيس وسلمة بن أَسلم وكانا من أهل بدر، فقيل لعمر: أمِّر على الناس رجلًا من المهاجرين الأوَّلين أو من الأنصار، لا تُؤَمِّر عليهم رجلًا من ثَقيف، يعني أبا عبيد، فقال: لا واللَّه، إن اللَّه إنما أعزّ الإِسلام بمَن بادر إلى نُصرته، وسارع إلى قتال عدوِّه، وإذا كرهتم لقاءَ العدوّ فأولى بالتَّقدُّم والرياسة مَن أجاب.
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 3/ 437.
(2) في (أ) و (خ): وأبي عبيدة، والمثبت من الاستيعاب (3041)، الإصابة 4/ 130، وانظر تاريخ الطبري 3/ 444، والمنتظم 4/ 144.
(3) في الطبري والمنتظم: ومولي.
(5/108)
________________________________________
ثم أمَّر عمر أبا عبيد على الجيش، وكانوا خمسة آلاف، وقيل: سبعة آلاف، وأوصى أبا عُبيد وقال له: اسمع من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأشركهم في الأمر، لا تَقطع أمرًا دون سَليط بن قيس وسلمة، فإن الحرب لا يُصلحها إلا الرجل الذي يَعرف الفُرصة، فقال أبو عبيد: أنا لها.
وكان أول جيش جهزه عمر رضوان اللَّه عليه إلى العراق، ثم بعث بعده يعلي بنَ أميّة إلى اليمن، وأمره بإجلاء أهل نجران؟ لوصيَّة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مرضه بأن يُخرجوا مَن بأرض العرب مِن اليهود والنصارى، وأوصى بذلك أبو بكر في مرضه.
ثم ندب عمر أهل الردَّة، فأقبلوا سراعاَّ من كلّ وجه، فرمى بهم الشام والعراق، وتقدّم المثنّى إلى العراق، فوجد الفُرس قد قتلت شهريار وتوَّجت رُستمًا، وجعلت بوران بنت كسرى -وهي التي أهدت لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقبل هديَّتَها- عَدْلًا بين الناس؛ إلى أن يَصطلحوا على من يرونه أهلًا. وكان مسير المثنى من المدينة إلى الحيرة في عشر ليالٍ، ولحقه أبو عبيد بعد شهر، وقيل: بعد عشرين يومًا.

قصة النَّمارق
ولما رجع المثنى إلى الحيرة، ولحقه أبو عبيد بلغ رستمًا، فكتب إلى دهاقين السواد ومَن عندهم أن يثوروا على مَن يليهم من المسلمين، ووعدهم يومًا بعينه، وبعث جُندًا لمصادمة المثنى، وبعث جابان (1) إلى أسفل السواد ليثور على مَن فيه، فنزل بمكان يُقال له: النمارق، وبعث رستم نَرسي، فنزل مكانًا يقال له: زندورد، ونرسي ابن عمّ كسرى (2)، وكانت كَسْكَر قَطيعة له، وثار أهلُ فارس من الدَّهاقين والرَّساتيق وغيرهم من أعلى الفرات إلى أسفل.
وجاء المثنى فنزل خَفّان لئلا يُؤتى من خلفه، فأقام حتى وصل أبو عبيد، وتهيّؤوا للقتال، وجعل أبو عبيد المثنّى على الخيل، وعلى الميمنة والق بن جيدارة، وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم، والتقوا على النَّمَارق، فاقتتلوا، فانهزمت الفرس، وأَسر مطر
__________
(1) في (أ) و (خ): وبعث خالد، والمثبت من تاريخ الطبري 3/ 448، وتجارب الأمم 1/ 186.
(2) في الطبري 3/ 450، والمنتظم 4/ 146، وتجارب الأمم 1/ 186: ابن خالة كسرى.
(5/109)
________________________________________
ابن فضَّة التيمي جابان مقدّم العساكر، فخدعه بمال فأطلقه، فأخذه المسلمون وأتوا به أبا عبيد، وأخبروه أنه الملك، وقالوا اقتُله، فقال: إني أخاف اللَّه، كيف أقتله وقد أمَّنه رجلٌ من المسلمين، والمسلمون في الأمان كرجل واحد، فاستبقاه، وأسر أكتلُ بنُ شمَّاخ العُكلي (1) مردانشاه، فقتله ولم يعرفه، وكان من عظماء الفرس.
ولما انهزمت الفرس التجؤوا إلى نرسي، وكان بكَسْكَر ومعه ابن خاله بندويه.
وفي وقعة النمارق يقول عاصم بن عمرو: [من الطويل]
لعَمري وما عمري عليَّ بهيِّنٍ ... لقد صُبِّحت بالخِزي أهلُ النَّمارقِ
بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربِّهم ... يَجوسونهم ما بين دُرْنا وبارقِ (2)
وبعث أبو عبيد بالغنائم إلى عمر، وهي أول غنيمة وصلت من العراق إليه.

وقعة كَسْكَر
وسار أبو عبيد إلى كسكر، وهي مكان بالعراق، والتقوا، وعلى ميمنة نَرسي وميسرته ابنا خاله بسطام، وهم ابن دويه وتيرويه، وأبو عبيد على تعبية، وكان رستم قد جهّز الجيوش مع الجالينوس، فأعجلهم أبو عبيد قبل وصوله، وكانت الوقعة بين كَسْكر والسَّقَاطِية، فاقتتلوا في صحارى مُلْس، فنصر اللَّه المسلمين وانهزمت الفرس، وهرب نرسي، وغنم المسلمون أموالَهم، وظفر أبو عبيد بحمًى كان لنرسي لم يكن بالعراق مثلُه، وهو حول كسكر، فلم يفرح المسلمون بشيء كفرحهم به لأجل دوابّهم، وأخذ خزائن نرسي، وبعث الأمراء إلى أماكن، فهزموا مَن كان بها، وأهدى بعضُ الدَّهاقين من أهل زَندورد إلى أبي عبيد طعامًا كثيرًا أكرموه به، فقال أبو عبيد: أَكُلَّ الجند أهديتُم له مثل هذا؟ قالوا: لا، قال: فبئس المرءُ أنا إن صحبتُ قومًا ثم أستأثِرُ عليهم بشيء، ولم يأكل منه لقمة.
__________
(1) في (أ) و (خ): العجلي، والمثبت من الطبري 3/ 459، والاستيعاب (158)، والإصابة 1/ 110، والاكتفاء 4/ 120.
(2) تاريخ الطبري 3/ 450 - 451.
(5/110)
________________________________________
وقعة الجسر
ولما عاد نَرْسي إلى المدائن مهزومًا جهز رستم بَهْمَن جاذويه، وأعطاه درفش كابيان -راية أفويدون، وهي راية كسرى العُظمى، وكانت الفُرس تتيمَّن بها- فنزل على شرقي دجلة، وأقبل أبو عبيد فنزل غربي دجلة، بمكان يقال له: المَرْوَحَة، مقابلًا لبَهْمَن جاذويه، فأرسلوا إلى أبي عبيد: إما أن تَعبروا إلينا أو نَعبُر إليكم، فقال أبو عبيد: بل نحن نَعبر إليكم، وترك الرأي، ولامه المسلمون، وقالوا: لا، بل هم يَعبرون إلينا كما فعل بهم خالد، فقال أبو عبيد: لا يكونوا على الموت أجرأ منا، فعَبر أبو عبيد والمسلمون على جسر نصبوه لهم، في مكان ضيّق المَطْرَد، وقطع الجسرَ أبو عبيد، وقيل: غيره، فقال له سلمة بن أسلم: أيها الرجل، إنه ليس لك علم بما ترى، وقد خالفتنا، فسوف تهلك وتُهلكنا بسوء سياستك، وقال له سليط: ستعلم، فقال لهما أبو عبيد: أَجَبُنْتُما؟ ! فقال له سليط: إن العرب لم تقاتل فارسًا مثل اليوم، فاجعل لها ملجأ، فقال: ما بقي غيرُ القتال، وقد حُمَّ الأمر، فاقتتلوا يومًا.
وكانت الخيول كما رأت الفِيلة عليها الرجال والتَّجافيف لم تُقدم عليها (1)، والفُرس تُنكي فيهم بالنُّشَّاب، وكان معهم فِيلة يقدمها قيل أبيض تَنفِر منه الخيول، فقال أبو عبيد: هل لهذه الدابّة من مَقتل؟ قالوا: نعم مِشفَره، فحمل عليه أبو عبيد راجلًا، ولم يكن -رضي اللَّه عنه- رأى فيلًا قط قبل ذلك، وهو ينشد ويقول: [من الرجز]:
يالك من ذي أربعٍ ما أكبرك
إني لعالٍ بالحُسام مِشْفَرَكْ
يالك من يومِ وغى ما أنكرك
وهالِكٌ وفي الهلاك لي دَرَكْ
ثم قال للناس: اقصدوا الفِيَلة، وواثب هو الفيلَ الأبيض، فتعلّق ببطنه فقتله، وفعل القوم مثل ذلك، فما تَركوا فيلًا إلا وحَطُّوا رحلَه (2)، وقتلوا أصحابَه، وقُتل من
__________
(1) في المنتظم 4/ 147: وكانت الخيول إذا نظرت إلى الفيلة عليها الحلية, والخيل عليها التجافيف لم تقدم. والتجافيف من آلات الحرب، يوضع على الفرس يتقى بها، كالدرع للإنسان، وانظر تاريخ الطبري 3/ 456.
(2) في (أ) و (خ): وحطمه رجل، والمثبت من المنتظم 4/ 147، والطبري 3/ 457.
(5/111)
________________________________________
الفُرس ستةُ آلاف في المعركة، وأشرفوا على الهزيمة، ثم أهوى أبو عبيد إلى مشفر الفيل الأبيض، فخطمه بالسيف فقطع مِشفره، وصاح الفيل صيحةً هائلةً منكرة، وخبط أبا عبيد خبطةً، ووقع عليه فمات، ولما رأى المسلمون أبا عُبيد تحت الفيل ضَعُفت نفوسُهم، وحاربوا الفيل حتى تَنحَّى عنه، فجرُّوه إلى الرَّحل.
وجال المسلمون جولةً، وركبهم أهلُ فارس، وأخذ اللواءَ سبعةٌ من المسلمين فقتلوا، وقتل الفُرسُ من المسلمين أربعةَ آلاف، وانتهى الباقون إلى الجسر وهو مقطوع فتهافتوا في الفرات، فغرق منهم خلقٌ كثير، وحمى المثنى الناس، وعقد الجسر، وعبر من بقي وهم ثلاثة آلاف، وعبر بعضُ الفُرس في آثارهم، وقيل إن الجسر كان ممدودًا، فقطعه عبد اللَّه بن مَرثَد الثقفي، ثم مَدَّه المثنى وأصحابُه حتى عبر من بقي من المسلمين، ولما قطع الجسرَ عبد اللَّه بن مَرثَد نادى: أيها الناس، موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا، فجاء المثنى فضرب عبد اللَّه وقال: ويحك، ما حملك على ما صنعتَ؟ فقال: ليقاتلوا، فعقد المثنى الجسرَ وقال: أيها الناس اعبروا على هينتكم فأنا دونكم.
وقتل سَليط وسلمة بن أسلم عند الجسر، وجُرح المثنى جراحةً كانت سببَ موته، ونجا بمن بقي من الناس، ولما عبروا ارفضُّوا إلى المدينة، وبقي المثنى في عددٍ يسير، ولما وصلوا المدينة استحيوا من الهزيمة، وسبق القومَ عبدُ اللَّه بن زيد، فوافى عمر رضوان اللَّه عليه على المنبر، فصعد إليه فسارّه، فترحَّم على أبي عبيد وقال: لو انحاز إليَّ لكنت له فئةً، ثم قال للمنهزمين: أنا فِئتُكم، فطابت قلوبهم.
وقيل: إن الذي قطع الجسر عبد اللَّه بن يزيد [بن زيد] بن حُصين بن عمرو بن الحارث بن خَطْمة الأنصاري، من الأوس، وهو من الطبقة الخامسة من الصحابة ممن هم حدثاء الأسنان، وهو الذي جاء إلى عمر بن الخطاب بحديث الجسر.
قال أبو طوالة وغيره: لما برك الفيل على أبي عبيد يوم الجسر فقتله هرب الناس، فسبقهم عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي فقطع الجسر، وقال: قاتلوا عن أميركم، وكان عمر يتوقَّع خبر أصحابِ الجسر، وكان قد رأى رؤيا فكرهها، فكان يُكثر الخروج يطلب الخبر؛ حتى قدم عليه عبد اللَّه بن يزيد الخطمي فأخبره الخبر.
قال ابن سعد: جاء وعمر -رضي اللَّه عنه- على المنبر، فقال له: يا عبد اللَّه ما الخبر؟ قالت
(5/112)
________________________________________
عائشة -رضي اللَّه عنها-: فقمت إلى صِير الباب انظر منه، ما رأيتُ أحدًا كان أثبتَ لذلك الخبر من عمر (1).
وأمُّ عبد اللَّه بن يزيد ليلى بنتُ مروان بن قيس، من بني خَطْمة، وكان له أولاد: موسى وأمُّ الحكم والسَّرِيّة، أمُّهم أم بكر بنت حذيفة بن اليمان، وفاطمة وأمُّ عدي وأمُّ أيوب وحفصة، وسُلَيْمة، وأمُّهم أمُّ هارون بنت مسعود، وقيل: أمُّ الجميع أم بكر بنت حذيفة (2).
وقيل: إن عبد اللَّه شهد الحديبية وهو مُدرك، وقال محمَّد بن عمر: لا نعلمه شهد مَشهدًا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وولَّاه عبدُ اللَّه بنُ الزبير الكوفة، وشهد أبوه يزيد أُحدًا (3).
وأخرج الإِمام أحمد لعبد اللَّه بن يزيد حديثين (4). قال المصنف رحمه اللَّه: لم أقف على وفاة عبد اللَّه بن يزيد.
وأما الفُرس فعبر بعضُهم، وهمَّ الباقون بالعبور، فجاءهم الخبر أن الفرس قد ثاروا في المدائن برستم، ونقضوا ما كان بينهم وبينه من العهد، فرجعوا، وتُسمّى هذه الوقعة وقعة قَسّ النّاطف أيضاَّ، وكانت في رجب سنة ثلاث عشرة، وقيل: كانت في سنة أربع عشرة، وقيل: سنة خمس عشرة، والأول أشهر.

وقعة أُلَّيْس الصغرى
ولما عبر المسلمون عبر خلفهم جابان، وقيل: بهمن جاذَويه، وفرَّق أصحابه ليأخذوا على المسلمين الطُّرق، ونزل جابان أُلّيس فتبعه المثنى في خيل فأخذه أسيرًا، وقال: أنت غَررْتَ أبا عبيد حتى عبر الجسر، فقتله بأبي عبيد، وقتل أصحابَه، وكتب كتاب أمان لأهل أُلَّيْس، ورجع إلى عسكره، وهرب أبو محجن الثقفي من أُلّيس إلى الطائف، ثم قدم بعد ذلك إلى القادسية مع سعد بن أبي وقاص -رضي اللَّه عنه-.
__________
(1) طبقات ابن سعد (1405) الخانجي، وانظر تاريخ الطبري 3/ 459.
(2) في (أ) و (خ): حنظلة، والمثبت من طبقات ابن سعد (1405).
(3) طبقات ابن سعد (1405).
(4) هما في السند (18740) و (18741).
(5/113)
________________________________________
قصة البُوَيب
جمع المثنى بعد وقعة الجسر جمعًا عظيمًا من العرب، ومَن يليه من أهل البادية؛ ليغير على نهر سُليم، فيأخذ بثأر أبي عبيد، وبلغ الخبر رستم، فجهّز إليه مهران بن باذان ليأتيه من خلفه، وبلغ المثنى فعسكر بالسِّباخ من أرض القادسية وخَفَّان، وبعث إلى جرير ابن عبد اللَّه البَجلي -وكان قريبًا منه- في جمع، فتواعدا البوَيب، واجتمعوا هناك.
وجاء مهران فنزل شرقي الفرات بإزائهم، على موضع يقال له: بَسُوسيا، فقال المثنى: هلك مهران، نزل البسوس والسوء، وأرسل إليهم مهران: إما أن تعبروا إلينا أو نعبرَ إليكم، فقال المثنى: لا نُلدغ من جُحر مرّتين، اعبروا إلينا، ونزل مهران منزلًا يقال له: شوميا فقال المثنى: انهضوا بنا إليهم فقد هلكوا وربِّ الكعبة، انتقلوا من السوء إلى الشؤم.
وحمل المثنى فأبلى بلاءً حسنًا، فقُتل مهران، قتله غُلامٌ نصرانيّ من بني تغلب، وقُتل من الفرس مئة ألف، وكان المثنى سببَ الهزيمة، حمل على القلب فأزاله، وغنم المسلمون أموالًا عظيمة، وسار المسلمون ما بين دجلة والفرات، ومن الفرات إلى البرية مما يلي القادسية، واعتصم الفرس بساباط.
وقال ابن إسحاق: لما بلغ عمر وقعة الجسر، شقّ عليه، واتّفق قدوم جرير بن عبد اللَّه البَجلي من اليمن في وفدٍ من بَجيلة، فقال عمر: سمعتُم ما جرى على إخوانكم يوم الجسر، فسيروا إلى العراق، وبعث معهم القبائل من بني عامر بن صعصعة، وأمّر على الجيش عرفجة، فغضب جرير وقال لعمر: استعملتَ علينا رجلًا ليس منا؟ وبلغ عرفجة فغضب، وقال (1): واللَّه لا أسير معهم، فأمّر عمر جرير بنَ عبد اللَّه البَجلي على بَجيلة.
وسار فنزل قريبًا من المثنى، فأرسل إليه المثنى أن: أَقبِل فإنما أنت مَددٌ لي، فأرسل إليه جرير: أنا أمير وأنت أمير، وسأستأذن أميرَ المؤمنين.
وسار جرير يريد الجسر، فلقيه مهران عند النُّخيلة، وكان مهران من عظماء الفرس، وكان شرقيَّ دجلة، فعبر إليه، والتقوا، فطعن المنذر بن حسّان الضبيّ مهران،
__________
(1) في (أ) و (خ): فغضب جرير وقال، وهو خطأ.
(5/114)
________________________________________
فوقع عن فرسه، واقتحم عليه جرير بن عبد اللَّه فاحتز رأسه، ثم اختصما فيه واصطلحا، فأخذ جرير سلاحَه، وأخذ المنذر مِنطقته.
وكان مهران قد نشأ باليمن مع أبيه باذان لما كان عاملًا لكسرى عليها, ولما التقى مهران جريرًا والمنذر قال: [من الرجز]:
إن تسألوا عني فإني مهران ... أنا لمن أنكرني ابنُ باذانْ
وكتب المثنى إلى عمر يشكو جريرًا، فكتب إليه: كيف أقدّمُك على رجل من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (1).
وكانت وقعة البُوَيْب في رمضان سنة ثلاث عشرة، وذكر ابن سعد أن جريرًا شهد وقعة جسر أبي عبيد.

قصة الخنافس
ولما قُتل مهران قيل للمثنى: هاهنا سوق عظيم يُقال له: الخنافس، يجتمع إليه خلقٌ عظيم من الفرس والعرب والدهاقين، فيقيمون بها أيامًا يبيعون ويشترون، وفيها أموال عظيمة، فقصدها يوم سوقها، فانتسف السوق ومَن فيه، وقتل وسبى، وغنم وعاد.

قصة بغداد
قال سيف: كان موضع بغداد في أيام الفرس سوقٌ عظيم يقوم في السنة، فذُكرت للمثنى.
وقد أخرج القصّة الخطيب في تاريخه، عن ابن إسحاق بطوله قال: قال أهل الحيرة للمثنى: ألا ندلُّك على قريةٍ تأتيها تجارُ مدائنِ كسرى والسواد، ويجتمعُ بها في كلّ سنةٍ من أموال الناس مثلُ خراج العراق، وهذه أيام سوقهم يجتمعون فيها، فإن أنت قَدرت على أن تُغير عليهم وهم لا يشعرون، أصبتَ منه مالًا يكون منه عزٌّ للمسلمين، وقوَّةٌ على عدوِّهم، وبينها وبين مدائن كسرى يوم واحد. فقال: وأنَّى لي بها؟ فقالوا: خُذ على طريق الأنبار، وبين يديك الأدِلَّاء، فتسير أولَ الليل من الأنبار فتُصبّحها أو تأتيها ضُحًى.
__________
(1) تاريخ الطبري 3/ 471 - 472.
(5/115)
________________________________________
قال: فخرج من النُّخَيلة ومعه الأدِلّاء من أهل الحيرة، حتى نزل الأنبار، فتحصّن منه صاحبُها، فأرسل إليه المثنى: أنزل فأنت آمنٌ على دمك وقريتك (1)، حتى ترجع سالمًا إلى حصنك، فنزل، فقال: أريد دليلًا إلى بغداد لأعبر منها إلى المدائن، فبعث معه دليلًا، وأخرج لهم الطعام والعلف، وسار حتى قَرُب من بغداد فنزل، وسار في الليل، فصبَّحهم وهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فقتل [وأخذ الأموال]، وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ومن المتاع ما يقدر أحدكم على حمله، ففعلوا، وحملوا من الأموال ما أعجزهم حملُه، وعادوا غانمين (2).
قال سيف: وكان أهلُ الأنبار قد نقضوا العهد بعد خالدٍ، فأمّنهم المثنى، فأرسلوا إليه بالإقامة عند ذهابه إلى بغداد وعند عوده. وقد ذكرنا أنَّ المثنى أغار على سوق بغداد في أيام خالد بن الوليد، فتكون غارتين.
وحجّ بالناس عمر بن الخطاب، وعند مرجعه من الحج جهّز الجيوش إلى العراق، وقيل: لم يَحجّ في هذه السنة لاشتغاله بتجهيز الجيوش، وبعث عبد الرحمن بن عوف فحجّ بالناس، ثم حج عمر بعد هذه السنة مدّةَ خلافته.
وكان على الطائف عثمان بن أبي العاص الثقفي، وعلى اليمن يَعلي بن مُنْية، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق المثنى بن حارثة، وعلى البحرين العلاء بن الحضرميّ، وعلى القضاء علي بن أبي طالب عليه السلام.
وفيها توفي.

الأَخْنَس

واسمه أُبيّ بن شَريق بن عمرو الثقفي، أسلم يوم الفتح، وسُمّي الأخنس لأنه أشار يوم بدر علي بني يربوع بالرجوع إلى مكة (3)، فرجعوا ولم يشهدوا بدرًا، فسلموا من
__________
(1) في (أ) و (خ): وقومك، والمثبت من (ك).
(2) تاريخ بغداد 1/ 26، والمنتظم 4/ 150.
(3) في السيرة 1/ 282 و 619، وطبقات ابن سعد (1077) الخانجي، والمنتظم 4/ 152، والإصابة 1/ 25 أنه رجع ببني زهرة.
(5/116)
________________________________________
القتل، فخَنَس بهم أي: تأخّر.
شهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حُنينًا، وأعفاه مع المؤلَّفة قلوبهم، وله صحبة ورؤية، وليس له رواية, وفيه نزل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204] (1).

أبان بن سعيد
ابن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد، وقيل: أبو سعيد، من الطبقة الثالثة من الصحابة، أسلم بين الحُديبية وخيبر، وهو الذي حمل عثمان على فرس عام الحديبية، وأجاره حتى دخل مكة، وبَلَّغ رسالة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال له: [من المنسرح]:
أقبلْ وأدبِرْ ولا تَخَف أحدًا ... بنو سعيدٍ أعزَّةُ الحرمِ (2)
واستعمله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بعض سراياه، وولَّاه البحرين بعد العلاء بن الحَضْرميّ، ولما تُوفّي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قدم على أبي بكر، فقال له: ارجع إلى عملك، فقال: لا أعمل لأحد بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وخرج إلى الشام غازيًا فاستشهد بأجنادين، وقيل باليرموك، وقيل بمرج الصُّفَّر، وقيل: عاش إلى سنة تسعٍ وعشرين، والأول أَشهر.
قال ابن عساكر: وهو الذي قدم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال له: كيف تركتَ مكة؟ فوصفها وقال: تركتُ أهلمها وقد جبذوا، والإذخر قد اغْدَوْدَق، والثُّمام قد أَخْوَص، فاغرورقت عينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالدموع، ثم قال: أنا أفصحكم، ثم أبان بعدي (3). روى أبان الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فأما أبو سعيد بن العاص فكان من سادات قريش وأشرافِها، وكان له عدَّةُ أولاد، منهم أُحيحة، وعبيدة، والعاص، قتلوا كفارًا، وأبان وخالد وعمرو وسعيد والحكم، واستشهدوا في سبيل اللَّه.
فأما أُحيحة فقتل يوم الفِجار، وأما عبيدة فطعنه الزُّبير يوم بدر في عينه بالعَنَزة
__________
(1) انظر تفسير الطبري 4/ 229 - 230.
(2) الاستيعاب (50)، والتبيين 192، وتاريخ دمشق 2/ 297، والإصابة 1/ 41.
(3) تاريخ دمشق 2/ 296.
(5/117)
________________________________________
فمات، وهو الذي يُكنى: أبا ذات الكرش، وأما العاص فقتله علي يوم بدرٍ كافرًا، ولقي عمر -رضي اللَّه عنه- سعيد بن العاص يومًا، فقال له: تَزعم أني قتلتُ أباك، وَدِدتُ أني فعلتُ ذلك، ما قتله إلا علي، ولكن قتلتُ خالي بيدي العاص بن هشام، فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين لو قتلتَه لكنت على حق، وهو على باطل (1). وأما الذي استشهد من ولد سعيد فسنذكرهم في نواحيهم.
قال عبد اللَّه بن عمرو بن سعيد بن العاص: كان خالد وعمرو ابنا سعيد بن العاص قد أسلما، وهاجرا إلى الحبشة، وأقام غيرهما من ولد أبي أحيحة سعيد بن العاص على ما هم عليه، ولم يسلموا حتى كان يوم بدر، فخرجوا يوم بدر، ولم يتخلَّفْ منهم أحد، فقُتل العاص بن سعيد كافرًا، قتله عليّ، وقَتل الزبيرُ عبيدة بنَ سعيد، وأفلت أبان ابن سعيد.
وكان خالد وعمرو ابنا سعيد يكتبان من الحبشة إلى أخيهما أبان، يقولان: اللَّه اللَّه أن تموتَ على ما ماتَ عليه أبوك، وقُتل عليه أخواك، فيغضب من ذلك ويقول: لا أفارق دينَ آبائي، وكان أبوه قد مات مسألة بالطائف بالظُّرَيْبة كافرًا، فقال أبان: [من الطويل]:
ألا ليت ميتًا بالظُّرَيبة شاهدًا ... لما يفتري في الدين عمرو وخالدُ
أطاعا بنا أمرَ النساء فأصبحا ... يُعينان من أعدائنا مَن نُكايدُ
فقال خالد بن سعيد: [من الطويل]:
أخي ما أخي لا شاتمٌ أنا عِرضه ... ولا هو عن سوء المقالة مُقْصِرُ
يقول إذا اشتدّت عليه أمورُه ... ألا ليت مَيتًا بالظُّرَيْبة يُنشَرُ
فدع عنك ميتًا قد مضى لسبيله ... وأقبلْ على الحي الذي هو أفقرُ
وأقام أبان بمكة على حاله كافرًا إلى زمن الحُديبية، فلما بَعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عثمان بنَ عفان في رسالة إلى قريش، أجاره أبان حتى بلَّغ الرسالة، وعاد إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، [وعاد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] إلى المدينة.
__________
(1) التبيين 193 - 194.
(5/118)
________________________________________
وأقبل خالد وعمرو من الحبشة في السفينتين، وكانا آخر من هاجر منها، فكتبا إنى أبان يدعوانه إلى الإسلام، فأجابهما، وقدم المدينةَ على إثرهما مسلمًا، وخرجوا إلى خيبر سنةَ سبعٍ من الهجرة، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بها، فأسهم لهم، ثم قالوا بالمدينة إلى سنة تسع، فبعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أبانًا عاملًا على البحرين، وكتب له كتاب الصدقات.
وسأل أبان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يحالف عبد القيس، فأذن له، فقدم البحرين ومعه لواء أبيض وراية سوداء، فحمل لواءه أبو رافع مولى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما قارب البحرين تَلقَّاه المنذر بن ساوى في ثلاث مئةٍ من قومه، وعبد القيس على ليلةٍ من منزله، فاعتنقا، ورحَّب به المنذر، وسأله عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخبره أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد شفعه في قومه.
وأقام أبان بالبحرين يأخذ الصدقات والجزية والعشور، فاجتمع عنده مال، فكتب إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُخبره، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، فحمل المال إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فلما تُوفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وارتدّت العرب، وارتدّ أهلُ هجر، قال أبان بن سعيد لعبد القيس: بلِّغوني مَأمني، فقالوا: بل أقم عندنا نجاهد معك في سبيل اللَّه، فنحن قد ثبتنا على إسلامنا، واللَّه مُعزّ دينه ومظهره، فقال: أبلغوني مأمني، يكون لي أسوةٌ بأصحابي، فما مثلي مَن يَغيب عنهم في هذا الوقت، أحيا بحياتهم، وأموت بموتهم، فقال له الجارود العبدي: لا تفعل، أنت عندنا أعزّ الناس، وعلينا وعليك في هذا وَهن عظيم، يقال: فرَّ من القتال، ولامه الجارود، وقال: أَنشُدك اللَّه أن تَخرج من بين أظهُرنا، فإن دارنا مَنيعةٌ، ونحن لك سامعون مطيعون، ولو كنتَ اليوم بالمدينة لبعثك أبو بكر إلينا، فأبى عليهم، فجهّزوا معه ثلاث مئة منهم.
وكان معه من مال الصدقة مئةُ ألف درهم، فلما قدم على أبي بكر لامه على القدوم، فقال ألا ثبتَّ مع قوم لم يُغيّروا ولم يُبدّلوا، فقال أبان: وهم على ذلك، وأثنى عليهم، قال: فأرجع إليهم، فقال أبان: لا أعمل لأحدٍ بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال له عمر: ما كان حقّك أن تَقدم المدينة بغير إذن إمامك، وقال لأبي بكر: أَكرِهْه على
(5/119)
________________________________________
العمل والرجوع إليهم، فقال أبو بكر: لا واللَّه لا أُكرهه بعد أن قال لا أعمل لأحدٍ بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم بعث أبو بكر العلاء بن الحَضرميّ إليهم (1).

بَشير بن عَنْبس
ابن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أحدًا وما بعدها, ولم يشهد بدرًا، وأمُّه من الأزد، ويُقال له: فارس الحواء، اسم فرس له، واستشهد يوم جسر أبي عُبيد (2).
ولده سهل بن بشير، استشهد يوم القادسية، فولد سهل عبد اللَّه، وأمُّه الفُرَيعة بنت مالك، وخالاه قتادة بن النعمان وأبو سعيد الخدري، وهما أخوال الأم (3).

تميم بن الحارث
ابن قيس بن عديّ السَّهمي، من الطبقة الثانية من الصحابة، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية. وكانوا ستة أخوة: تميم وسعيد وأبو قيس وعبد اللَّه والسائب والحجاج بنو الحارث.
فأما تميم فاستشهد يوم أجنادين، وأما أخواه سعيد وأبو قيس فمن مهاجرة الحبشة، وأما السائب فخرج يوم الطائف واستشهد بفِحْل، وأما الحجَّاج فأُسر يوم بدر.
وكان أبوهم الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هُصَيْص القرشي، أحد المستهزئين برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو ابن الغَيْطلة، وهي أمُّه (4).

ثعلبة بن عمرو بن مِحْصَن الأنصاري
من الطبقة الأولى من بني النجار، وأمُّه كَبْشة بنت ثابت أخت حسّان الشاعر، شهد
__________
(1) تاريخ دمشق 2/ 295 - 298.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 260 (510)، والاستيعاب (187)، والاستبصار 257، والمؤتلف والمختلف للدارقطني 3/ 1536، والإكمال 1/ 288 و 6/ 82، والإصابة 1/ 159.
(3) طبقات ابن سعد 4/ 260 (510).
(4) طبقات ابن سعد 4/ 194 - 196، والاستيعاب (236)، والتبيين 466 - 468، والإصابة 1/ 184.
(5/120)
________________________________________
بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وله عقب، وقيل توفي في خلافة عثمان -رضي اللَّه عنه- (1).

الحجاج بن الحارث
هاجر إلى الحبشة المرة الثانية، من الأنصار، شهد أحدًا وما بعدها، وفي شهوده بدرًا خلاف، واستشهد بأجنادين (2).

الحارث بن عدي
ابن مالك بن حَرام، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أحدًا وما بعدها، واستشهد يوم جسر أبي عبيد (3).

الحارث بن هشام
ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مَخزوم، أخو أبي جهل، وكنيته أبو عبد الرحمن، حضر أحدًا مع المشركين، ولم يزل متمسِّكًا بالشرك إلى يوم الفتح؛ حتى استأمَنَتْ له أمُّ هانئ بنت أبي طالب، فأسلم وحسن إسلامه، وهو من الطبقة الخامسة، شهد حُنَينًا والطائف مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأعطاه مئةً من الإبل مع المؤَلَّفةِ قلوبهم.
ولم يزل مقيمًا بمكة بعد [أن أسلم حتى] وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو غير مَغْموصٍ عليه في إسلامه، وهو الذي انهزم يوم بدر وكان مع المشركين، فعيَّره حسان بن ثابت فقال: [من الكامل]
إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتِني ... فنجوتِ مَنْجى الحارث بنِ هشامِ
ترك الأحبَّةَ أن يُقاتلَ عنهمُ ... ونجا برأسِ طِمِرَّةٍ ولجامِ (4)
وقال الحارث يعتذر: [من الكامل]
اللَّه يَعلمُ ما تركتُ قتالَهم ... حتى رَمَوا فرسي بأشقَرَ مُزْبِدِ
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 508، والاستيعاب (272)، والإصابة 1/ 200.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 196، والاستيعاب (521)، والإصابة 1/ 310.
(3) الاستيعاب (450)، والإصابة 1/ 284.
(4) ديوانه 1/ 29، والسيرة 2/ 17.
(5/121)
________________________________________
ووجدتُ ريحَ الموت من تلقائهم ... في مأزقٍ والخيلُ لم تَتَبَدَّدِ
فعلمتُ أني إن أُقاتل عنهم ... أُقتلْ ولا يَنْكِي عدوّيَ مَشهدي
وصددْتُ عنهم والأحبَّةُ فيهمُ ... طمعًا لهم بعقابِ يومٍ مُفْسِدِ (1)
قال خلف الأحمر: أبياتُ هُبيرة بن أبي وَهْب في الاعتذار عن الفرار خيرٌ من أبيات الحارث، وهي: [من الطويل]
لعَمْرُك ما وَلَّيتُ ظهري محمدًا ... وأصحابَه جُبْنًا ولا خِيفةَ القتلِ
ولكنني قَلَّبْتُ أمري فلم أجد ... لسَيفي غناءً إن ضربتُ ولا نَبْلي
وقفتُ فلما خِفتُ ضيعةَ مَوقفي ... رجعتُ لعَودٍ كالهِزَبْر أبي الشِّبْلِ (2)
وكان الحارث سيِّدًا في قومه، شريفًا في الجاهلية، ورُوي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكرَ فِعلَه في الجاهلية في قِرى الأضياف وإطعامِ الطعام، فقال: إنه لسَرِي، وكان أبوه سَريًّا، ووَدِدْتُ أن اللَّه هداه إلى الإِسلام.
وكان الحارث جوادًا شاعرًا فاضلًا، وفيه يقول الشاعر: [من الكامل]
أحسبت أن أباك حيق تَسبُّني ... في المجد كان الحارثَ بنَ هشامِ
أَولى قريشٍ بالمكارم كلِّها ... في الجاهلية كان والإِسلامِ (3)
قال الواقدي: لم يزل الحارث مُقيمًا بمكة، حتى جاء كتابُ أبي بكر يَستنفر الناس إلى الشام لجهاد العدوّ، فاستعدّ للخروج (4).
وقال الزبير بن بكار: تجهَّز الحارث من مكة غازيًا، فخرج بماله إلى الشام وأهله، وتبعه أهلُ مكة يبكون عليه، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب، فبكى وقال: واللَّه لو كنت مستبدلًا دارًا بدار، وجيرانًا بجيران، ما أردتُ بكم بدلًا، وفي رواية: واللَّه ما خرجتُ رغبةً بنفسي عنكم، ولا أختار بلدًا غيركم، ولكن كان هذا الأمر، فخرجتْ فيه
__________
(1) السيرة 2/ 18، والاستيعاب (466)، والتبيين 357.
(2) في (خ): كالهزبر بن الشبل، وفي التبيين 357: كالهزبر إلى الشبل، وفي السيرة 2/ 267: صددتُ كضرغام هزبر أبي شبل.
(3) التبيين 357، والاستيعاب (466).
(4) طبقات ابن سعد 5/ 444 و 7/ 404.
(5/122)
________________________________________
رجالٌ من قريش، واللَّه ما كانوا من ذوي أسنانها, ولا في بيوتها، فأصبحنا ولو أن جبال مكة ذهبٌ أنفقناها في سبيل اللَّه ما أدركنا يومًا من أيامهم، ولئن فاتونا في الدّنيا لنَلْتَمسنَّ أن نُشاركهم في الآخرة (1).
وقال الواقدي: إنما خرج الحارث إلى الشام في خلافة أبي بكر، هو وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل غزاة، فنزلوا المدينة، فأتاهم أبو بكر في منازلهم، فسلَّم عليهم ورَحَّب بهم، وسُرَّ بقُدومهم (2)، وهذا أَصَحّ.
واستشهد الحارث في سنة ثلاث عشرة بأجنادين.
وقال ابن الأعرابي: مرَّ خالد بن الوليد يوم اليرموك بالحارث وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وجماعة من بني المغيرة وغيرهم وهم صَرعى عِطاش، [فأتوا بماء] فتدافعوه، ينظر عكرمة إلى سهيل وهو ينظر إليه، فقال ابدؤوا به، فماتوا ولم يشربوا، فبكى خالد وقال: بنفسي أنتم (3).
وقال الواقدي: مات الحارث بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة (4)، ويقال: إنه عاش إلى أيام عثمان، وذهب بصره.
ذكر أولاده: كان له من الولد عبد اللَّه: وُلد على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا صُحبة له، وحديثُه مُرسل.
وعبد الرحمن، كنيته أبو محمد، وكان اسمُه إبراهيم، فغيَّره عمر لما غيَّر إسامي الناس، وكانت عائشة رضوان اللَّه عليها تُثني عليه (5)، وسنذكره سنة تسع وخمسين.
وأم حكيم زوجة عكرمة بن أبي جهل، أسلمت يوم الفَتْح، وتزوَّجها خالد بن سعيد بن العاص.
روى الحارث الحديثَ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
__________
(1) الاستيعاب (466)، والتبيين 357 - 358، وتاريخ دمشق 4/ 140 (مخطوط)، والتوابين 145.
(2) طبقات ابن سعد 7/ 404.
(3) الاستيعاب (1991)، والتوابين 143 - 144، والتبيين 365.
(4) طبقات ابن سعد 5/ 444 و 7/ 404، وانظر تاريخ دمشق 4/ 141 - 144.
(5) طبقات ابن سعد 5/ 5 وأنساب الأشراف 5/ 240، والتبيين 360.
(5/123)
________________________________________
خالد بنُ سعيد
ابن العاص بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيٍّ، أبو سعيد الأموي، من الطبقة الأولى من المهاجرين.
قال ابن سعدٍ: وأمُّ خالد بنتُ خَبَّاب بن عبد ياليل من كنانة (1).

أسلم قديمًا لرؤيا رآها، ذكرها أبو اليقظان وموسى بنُ عقبة، عن أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد قالت: قال أبي: لما كان قُبيل المبعث، رأيتُ في المنام كأن ظُلمة غَشِيت مكَّة، حتى لا يُبصِرُ أحدٌ كفه، ثم ظهر نورٌ فعلا في السماء، فأضاء البيتَ ومكَّة، ثم امتدَّ الضوء إلى نجدٍ ويثرب، حتى إني لأنظر إلى البُسْر في النخل، قال: فانتبهتُ، فقصصتُها على أخي عمرو بن سعيد، وكان جَزْلَ الرأي فقال: يا أخي، إنَّ هذا الأمر سيكون في بني عبد المطلب، قال خالد: فهداني اللَّه إلى الإِسلام، ثم ذكرها بعد إسلامه لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أنا ذلك النورُ" (2).
قالت أم خالد: فأبي واللَّه أوَّل الناس إسلامًا، ثم عمّي عمرو بن سعيدٍ بعده.
وقد ذكر هذه الرؤيا ابن سعدٍ عن خالدٍ قال: رأيتُ ظُلمةً غشِيت مكَّة، فخرج نورٌ من زمزم مثل ضوء المصباح، فارتفع وعلا وسطع، فملأ السهل والجبل، ثم انحدر إلى يثرب حتى أضاءَ البُسْرَ في النخل، وسمعتُ قائلًا يقول في الضوء: سبحانه سبحانه، ذهبت الظُّلمةُ، وهلك ابن ماردٍ بهضبة الحصى بين أَذْرح والأكمة، سَعِدت هذه الأُمة، جاء نبيُّ الأميين، وبلغ الكتابُ أجلَه، كذبته هذه القرية، بَعدت بَعدت مرَّتين، فقصها على أخيه عمرو بن سعيد فقال له: إن هذا الأمر في بني عبد المطلب، ألا ترى أن النور من حُفْرة أبيهم (3)؟ !
وذكر الشيخ الموفق في الأنساب قال: قالت أم خالد بنت خالد: كان أبي خامسًا في الإِسلام تقدَّمه عليٌّ وأبو بكر وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقّاص.
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 94.
(2) تاريخ دمشق 5/ 448 (مخطوط)، وقال الدارقطني: هذا حديث غريب.
(3) طبقات ابن سعد 1/ 166.
(5/124)
________________________________________
قال: وقال الواقدي: كان بدءُ إسلامه أنه رأى في المنام أنه وُقِف به على شفير النار، فذكر من نعتها ما اللَّه أعلم به، وكأن أباه يدفعه فيها، ورأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- آخذًا بحَقْوَيْه يمنعُه من الوقوع فيها، ففزع، فلما أصبح لقي أبا بكرٍ فأخبره، فقال له: قد أُريدَ بك خيرٌ، هذا رسول اللَّه فاتَّبعْه، فإنه يُخلّصك من أن تقع في النار، وأبوك واقعٌ فيها. فلقي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأجياد، فقال له: الأم تدعو يا محمَّد؟ فقال: إلى اللَّه وحده لا شريك له، وأني عبده ورسوله، وخَلْعِ ما أنت عليه من عبادة حجرٍ لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يُبصر ولا يسمع، قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسولُ اللَّه، فسرَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بإسلامه.
وعلم أبوه أبو أُحيحة بإسلامه، فأرسل في طلبه مَن بقي من إخوته، ولم يكونوا أسلموا، فأَتَوْه به، فأنَّبه أبوه وشتمه، وضربه بمِقرعة في يده حتى كسرها على رأسه، وقال له: أتبعت محمدًا وأنت ترى خلافَه قومَه، وما جاء به من عيبِ آلهتهم وآبائهم؟ فقال خالد: أي واللَّه قد اتَّبعتُه فافعل ما بدا لك، فقال: اذهب يا لُكَع حيث شئت، فواللَّه لأمنعنَّك القُوت، فقال خالد: إن منعتَني فإن اللَّه يَرزقني ما أعيشُ به، فأخرجه وقال لإخوته: لا يكلِّمه أحدٌ منكم إلا صنعتُ به مثل ما صنعت به، فانصرف خالد إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فلزمه، وكان يعيش معه حتى خرج أصحابُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الحبشة الهجرة الثانية فخرج معهم (1).
وقال هشام: مرض أبو أحَيْحة فقال. لئن عافاني اللَّه من مرضي هذا لا يُعبد إله ابن أبي كَبْشةَ بمكة أبدًا، فقال خالد: اللهم لا تَشفه، فمات من مرضه ذلك.
وقال الواقدي: قالت أم خالد بنت خالد: هاجر أبي إلى الحبشة المرة الثانية، فأقام بها بضعَ عشرة سنة، ووُلدتُ أنا بها، ثم قدم على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بخيبر، فكلَّم المسلمين فيه فأسهموا لنا، ثم رجعنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة فأقمنا بها، وشهد أبي مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عمرة القَضيَّة وفتح مكة وحنينًا والطائف وتبوك، وبعثه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على صدقات اليمن، فتُوفّي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي باليمن (2).
__________
(1) التبيين 187 - 188، وطبقات ابن سعد 4/ 94 - 95.
(2) التبيين 188 - 189، وطبقات ابن سعد 4/ 95 - 96.
(5/125)
________________________________________
قالت: وأول من كتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم بين يدي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أبي.
وقال هشام: كان خالد بن سعيد على اليمن، وأخوه أبان على البحرين، وأخوهما عمرو على تيماء وخيبر، فلما توفي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قدموا المدينة، فقال لهم أبو بكر رضوان اللَّه عليه: ما لكم رجعتم عن عمالتكم، ارجعوا إليها، فما أجد أحدًا أحق بالعمل من عمال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: نحنُ بنو أبي أحيحة لا نعمل لأحدٍ بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم مضوا إلى الشام فاستشهدوا جميعًا. ويقال: ما فُتحت بالشام كورةٌ إلا ووجدوا عندها رجُلًا من بني سعيد قتيلًا (1).
وقد ذكرنا أن أول لواءٍ عقده أبو بكر لخالد بن سعيد، وأن عمر كلَّمه فيه فعزله، وولَّى يزيد بن أبي سفيان.
وقال ابن قتيبة: استعمل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خالد بن سعيد على صدقات بني زبيد، فصارت إليه الصَّمصامة التي لعمرو بن معدي كرب، فلم تزل عند ولده حتى اشتراها محمَّد بن المهدي بن أبي جعفر بعشرين ألف درهم (2).
وقال سيف بن عمر: تزوَّج خالد بن سعيد بأم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومي، وأمُّها فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، أخت خالد بن الوليد، وإليها تُنسب قَنطرة أمِّ حكيم بمرج الصُّفَّر، ولها صحبةٌ، وهي التي أسلمت يوم الفتح، واستأمنت لزوجها عكرمة بن أبي جهل، وخرجت خلفه، وكان قد هرب إلى البحر، وقد ذكرناه.
واختلفوا في وفاة خالد بن سعيد (3): فقال الواقدي: استشهد بمرج الصُّفر. وقال الهيثم: بأجنادين. وقال أبو اليقظان: بفِحْل. والأول أصحّ.
قال الواقدي: شهد خالد أجنادين وفِحلًا، وجاء فنزل مرجَ الصُّفَر، وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل، فقُتل عنها باليرموك، فاعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيامٍ، ثم تزوَّجها خالد بن سعيد، وأصدَقها أربع مئة دينارٍ، وكان
__________
(1) التبيين 189.
(2) المعارف 296.
(3) انظر لاختلافهم طبقات ابن سعد 4/ 98، والمعارف 296، والاستيعاب (606)، وتاريخ دمشق 5/ 451 - 459، والإصابة 1/ 406 - 407، والتبيين 189.
(5/126)
________________________________________
الروم بمقابلة المسلمين، فأراد خالد أن يُعرّس بها فقالت: لو أخَّرت ذلك حتى تنفضَّ الجموعُ، فقال: نفسي تُحدّثني أنني أصابُ في هذه المرة، فقالت: دونك، فأعرس بها عند القنطرة التي بمرج الصُّفَّر، وبها سُميت قنطرة أم حكيم، وأولم عليها، ودعا أصحابه، فما فرغوا من الطعام، حتى صَفَّت الرومُ صفوفَها، والتقوا، وصبر الفريقانِ، وتصافحوا بالسيوف، حتى سُمع وقْعُها على الحديد، وقاتلت أم حكيم بعمود الفُسطاط، حتى قتلت سبعةً من الروم (1).
وقال الموفق في الأنساب عن الأموي قال: حمل خالد وهو يقول: [من الكامل]:
مَن فارسٌ كَرِه الطِّعانَ يُعيرني ... رُمحًا إذا نزلوا بمَرْج الصُّفَّرِ
فحمل عليه رجلٌ من القوم، فقتله، ثم قلب الروميُّ ترسه، وجاء إلى صفِّ المسلمين مُستأمِنًا، فقيل له: مالك؟ فقال: رأيتُ حين قتلتُه قد سطع منه نورٌ مثلُ السارية، حتى بلغ عَنان السماء (2).
وقال هشام: حمل خالد في وسط الروم، فخرق الصفوف، فقتلوه على النهر.
وقال ابن عائذ: أقام مع أم حكيم سبعةَ أيامٍ، والأوَّل أَشهر، وقيل: إن خالد بن سعيد فُقِد يوم اليرموك (3)، والأصحُّ أنه قُتل بمرج الصفر على ما ذكرنا.
قلت: وربما سمع سامع قول الواقدي: فأعرس بها عند قنطرة أم حكيم وبها سُميت، فظنها قصرَ أم حكيم، وليس كذلك؛ لأن قنطرة أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام عند النهر القريب من الكسوة، وقصر أم حكيم قِبَليّ مرج الصفر، قريبًا من غباغب، وأم حكيم التي نُسب إليها القصر هي بنت يحيى، وقيل: بنت يوسف بن يحيى ابن الحكم بن العاص بن أمية، وذكرها الزبير بن بكارة وأمها زينب بنت عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، كانت شاعرة، تزوجها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، وطلقها، فتزوجها هشام بن عبد الملك، فولدت له يزيد بن هشام.
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 98 - 99.
(2) التبيين 195، وتاريخ دمشق 5/ 457.
(3) انظر تاريخ الطبري 3/ 402.
(5/127)
________________________________________
وكانت لها دارٌ بدمشق، وسوق يقال له: سوق أم حكيم، وبنت القصر المشار إليه، وكانت تخرج فتقيم به.
ويقال: إنه لما تزوجها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك تزوج عليها ابنة لأبي بكر ابن عبد الرحمن بن أبي بكر، فحظيت عنده، فطلَّق أمَّ حكيم، فتزوَّجها هشام بن عبد الملك، فلما مات عبد العزيز بن الوليد تزوج هشام ابنة أبي بكر بن عبد الرحمن، فجمع بينهما، ثم طلَّق هشام ابنة أبي بكر وأبقى أم حكيم، وقال لها: قد أَقَدْتُك منها، كما فعل بك عبد العزيز حيث طلقك وأبقاها، فولدت لهشامٍ محمدًا ويزيد ابني هشام (1).
ذكر أولاد خالد بن سعيد: كان له من الولد عبد اللَّه وسعيد وأم خالد، ولدوا بالحبشة، فأما سعيد فكساه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حلةً فيها حرير، فيها سُمّيت الثياب السعيدية، وولد سعيدٌ بن خالد أربعين ولدًا: عشرين ذكرًا وعشرين أنثى، ومن ولده عمرو بن سعيد الأشدق الذي قتله عبد الملك بن مروان، وكان شُجاعًا فَطِنًا، قال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: أوصى إليّ، وما أوصى بي (2).
وأما أم خالد فاسمها أمة، وأمُّها هُمينة بنت خلف بن أسعد الخُزاعية، ولدتها بأرض الحبشة، قالت أم خالد: سمعت النجاشيَّ يوم خرجنا يقول لأصحاب السفينتين: اقرؤوا جميعًا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مني السلام، قالت أمة: فكنتُ فيمن أقرأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من النجاشي السلام.
وروت أم خالد عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحاديث.
وقال الواقدي: تزوج الزبير بن العوام أمة بنت خالد، فولدت له عمرًا وخالدًا ابني الزبير (3).

السائب بن الحارث
ابن قيس بن عديّ السَّهمي، من الطبقة الثانية من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة
__________
(1) انظر الأغاني 16/ 277، ومعجم البلدان 4/ 355.
(2) المعارف 296، والتبيين 190.
(3) طبقات ابن سعد 4/ 97، والاستيعاب (3241)، وتاريخ دمشق 5/ 452، والتبيين 190.
(5/128)
________________________________________
الهجرة الثانية، وجُرح يوم الطائف، وقُتل بعد ذلك بفِحْل بسواد الأردن سنة ثلاث عشرة، في أول خلافة عمر (1).

سعد بن سلامة بن وَقْش
من الطبقة الثانية من الأنصار، من بني عبد الأَشْهل، وأمه سُهيمة بنت عبد اللَّه من الأوس، شهد أحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وليس له عقب (2).

سَلمة بن أَسلَم
ابن حَريش بن عَدي بن مَجْدَعة، أبو سعد، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو الذي كُسر سيفُه يوم بدر، وأعطاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لَحْي جمل، فصار بيده سيفًا، وخرج به في جيش أسامة بن زيد، الذي جَهزه أبو بكر رضوان اللَّه عليه إلى البلقاء، وأمُّه سعاد بنت رافع من بني النجار.

قُتل سلمة يوم جسر أبي عبيد، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقُتل في هذا اليوم أيضًا أخوه مسلمة بن أسلم، وهو من الطبقة الثانية من الأنصار (3).
سَلمة بن هشام
ابنِ المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، وأمُّه ضُباعة بنت عامر بن قُرْط، من ربيعة، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى في قول بعضهم، ولما رجع إلى مكة حبسه أخوه أبو جهل، وضربه وعذَبه، وهو أحد الثلاثة الذي كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدعو لهم إذا قَنَت في صلاة الفجر، فيقول: "اللهمَّ أَنْجِ الوليد ابنَ الوليد، وسلمة بنَ هشام، وعيَّاش بنَ أبي ربيعة" (4)، ثم نُسخ القنوت بعد.
وكان سلمة من كبار الصحابة وفُضلائهم، وهو أخو أبي جهل، وكانوا خمسة
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 195، والاستيعاب (1062)، والتبيين 467، والإصابة 2/ 8 - 9.
(2) الاستيعاب (899) و (1129) و (3175)، والاستبصار 222، والإصابة 2/ 82، 4/ 195.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 446، والاستيعاب (1017)، والاستبصار 248، والإصابة 2/ 63، وانظر السيرة 686، وجمهرة ابن حزم 342.
(4) أخرجه أحمد (7260)، والبخاري (6200)، ومسلم (375) من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-.
(5/129)
________________________________________
أخوة: أبو جهل والحارث وسلمة وخالد والعاص بنو هشام، فأما أبو جهل والعاص فقُتلا كافِرَين ببدر، وأُسر خالد يومئذ، ثم فُدي ومات كافرًا، وأما سلمة والحارث فكانا من خيار المسلمين.
ولم يشهد سلمة بدرًا لأنه كان محبوسًا، ثم أفلت بعد الخندق، ولحق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأقام معه، فقالت أمّه ضُباعة: [من الرجز]:
اللهمَّ ربَّ الكعبةِ المحرَّمة ... أظهرْ على كلِّ عدوٍّ سَلَمة
له يدان في الأمور المبهمة ... كفٌّ بها يُعطي وكفٌّ مُنْعِمة
وشهد سلمة غَزاةَ مؤتة، واستشهد بأجنادين قبل موت أبي بكر رضوان اللَّه عليه بليالٍ، في سنة ثلاث عشرة، وقيل: استشهد في مرج الصُّفَّر، في المحرم سنة أربع عشرة، في أول خلافة عمر (1).

سَليط بن قيس
ابن عمرو الأنصاري، من الطبقة الأولى من بني النجار، وأمُّه زُغَيبة بنت زُرارة بن عُدَس نجارية أيضًا، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان لما أسلم يَكسر أصنام بني عَديّ بن النجار (2).

سُلَيم مَولى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
وكُنيتُه أبو كبشة، وقيل: اسمه أوس، من مُوَلّدي السراة، وقيل [من مولّدي] أرض دوس، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتوفي بالمدينة يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من جُمادى الآخرة، في اليوم الذي استُخلف فيه عمر رضوان اللَّه عليه (3).

سَهل بن عَتيك بن النُّعمان
من الطبقة الأولى من الأنصار، من بني عمرو بن عوف (4)، وأمُّه جَميلة بنت
__________
(1) طبقال ابن سعد 4/ 130، والاستيعاب (1019)، والتبيين 355، والإصابة 2/ 68.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 512، والاستيعاب (1598)، والاستبصار 43، والإصابة 2/ 72.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 49، والاستيعاب (989)، والإصابة 4/ 165.
(4) كذا في (أ) و (خ)، والذي في طبقات ابن سعد 3/ 510، والاستيعاب (1039)، وجمهرة ابن حزم 349، =
(5/130)
________________________________________
علقمة، من بني مَبذول، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وقيل: إن الذي استشهد يوم الجسر أخوه لأبيه وأمّه، واسمه الحارث بن عَتيك، له صُحبة، ولم يشهد بدرًا، وكُنيته أبو أَخْزم، ولسهل رواية عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

طُلَيب بن عمير
ابن وهب بن كثير بن عبد بن قصي، أبو عدي، وأمُّه أروى بنت عبد المطلب، عمَّةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا في دار الأرقم، ثم هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وآخى النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين المنذر بن عمرو الساعدي، وشهد بدرًا في قول بعضهم، وهو أول من دَمَّى مشركًا في سبيل اللَّه، ضرب أبا جهل بلَحْي جمل بمكة في سنة خمس من النبوة (1)، واستشهد بأجنادين وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وقيل: باليرموك، والأول أشهر. والذي استشهد باليرموك: طُلَيب بن عمرو بن وهب بن عبد اللَّه بن قصي بن كلاب (2).

عبد اللَّه بن الزُّبير
ابن عبد المطلب بن هاشم، ابن عمّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أسلم وحَسُن إسلامُه، وثبت مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم حُنين، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ابن عمي وحِبّي", واستشهد بأجنادين.
قال أبو الحويرث: أول قتيلٍ من الروم يوم أجنادين بِطريق خرج معلمًا، فدعى إلى البِراز، فبرز إليه عبد اللَّه بن الزبير، فاختلفا ضربتين، فقتله عبد اللَّه ولم يعرض لسَلَبه، ثم برز إليه آخر، فضربه على عاتقه بالسيف، وقال: خُذها وأنا ابن عبد المطلب، فقطع الدرع، وأسرع السيفُ في منكبه، وعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز أحدًا، فقال عبد اللَّه: واللَّه إني لا أجدني أصبر، ثم اختلطوا، فوجدوه قتيلًا بين عشرة من الروم،
__________
= والاستبصار 77، والإصابة 2/ 88 أنه ابن عمرو بن عتيك بن عمرو بن مبذول بن مالك بن النجار.
(1) في المنمق لابن حبيب 269، والإصابة 2/ 233 أن المضروب عوف بن صبرة السهمي.

(2) كذا، وانظر ترجمة طليب بن عمير في المحبر 72، وطبقات ابن سعد 3/ 123، والاستيعاب (1266)، والتبيين 285.
(5/131)
________________________________________
في رِبضة (1)، قد قتلهم وقتلوه، وقائمُ سيفه في يده، فما نُزع من يده إلا بعد نهار، ويقال: إنه استشهد بفِحل.
قال الواقدي: كان لعبد اللَّه يوم قُبض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوٌ من ثلاثين سنة، ولا نعلمه غزا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا روى عنه حديثًا (2).

عبد اللَّه بن سفيان
ابن عبد الأسد المخزومي، من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة المرّة الثانية، وقتل بأجنادين، وقيل: باليرموك، وقيل: بمؤتة، وأخوه هبَّار ابن سفيان، وعبد اللَّه له رؤية، وهو ابن عمِّ أبي سلمة (3).

أبو بكر الصديق رضوان اللَّه عليه
واسمُه عبد اللَّه بن عثمان، وقد ذكرنا نسبه وجُمْلةً من فضائلهِ (4)، وهو من الطبقة الأُولى من المهاجِرين، وأحدُ العَشَرة المبشَرين، المجاهدُ بنفسه وماله في سبيل اللَّه، شهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كُلَّها مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لم يَفُتْهُ مشهدٌ، وثبت معه يوم أُحُد لمّا انهزَمَ الناسُ، بايعه على الموت، ودفع إليه رسولُ اللَّه رايتَه العُظمى يوم تبوك.
وهو أوَّلُ من أسلم من الرجال، وأوَّلُ من جمع القرآن، وتنزَّه عن شُرْب المُسكر في الجاهلية والإِسلام، وكان رئيسًا في الجاهلية، إليه مَساق الديات والمغارم، وكان أنسبَ العربِ، ولم يُفْتِ بحضرةِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سواه.
وذكرنا (5) أنَّه قال في غزاةِ حنين في حديث أبي قتادة: لا ها اللَّه ذا، وذكرنا (6) أن
__________
(1) مقتل كل قوم قتلوا في بقعة واحدة.
(2) طبقات ابن سعد 6/ 471 (1376)، والاستيعاب (1374)، والتبيين 140، وتاريخ دمشق 9/ 229 (مخطوط)، والإصابة 2/ 308.
(3) طبقات ابن سعد 4/ 135، والاستيعاب 1499، والتبيين 385، وتاريخ دمشق 9/ 364، والإصابة 2/ 319.
(4) في أول هذا الجزء، وانظر في ترجمة أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-: طبقات ابن سعد 3/ 169، وتاريخ الطبري 3/ 419، وأنساب الأشراف 5/ 121، والاستيعاب (1296) و (2845)، والمعارف 167، والتبيين 305، والمنتظم 4/ 53، وصفة الصفوة 1/ 235، وتاريخ دمشق 35 - 36/ 3 والإصابة 2/ 341.
(5) سلف في السيرة.
(6) في أول هذا الجزء.
(5/132)
________________________________________
أمَّه أُمُّ الخير، واسمُها سلمى بنت صخر بن عامر [بن كعب] بن سعد بن تَيْم، وتُوفّيت في صدر الإِسلام بعد أن أسلمت وبايعت.
وأسلم على يد أبي بكر من العشرة خمسةٌ: عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.
وقال الموفق في الأنساب: وأسلم على يده الأَرْقَم بنُ أبي الأرقم (1).
وهو أوَّلُ مَن أجاب على المنبر وهو يخطب عن ميراث الجدة، قال: لا أَجدُ لها في كتاب اللَّه شيئًا، فشهد عبدُ الرحمن بن عوف والمغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطاها السُّدس، فعمل بما شهدا به.
وكان أول من قضى للجدة بسهم، وأوَّل من أسقط الأخوة من الأب بالجد، وأول مَن قاء مخافةَ الحرام، وأول مَن غَسَّلتْه زوجتُه في الإِسلام، وأول من نصَّ على خليفةٍ بعده، وأول مَن دُفن إلى جانب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأول من وَلَّى قاضيًا بحضرته وهو عمر ابنُ الخطاب، وأوَّل مَن ولَّى صاحبَ شرطةٍ وهو أبو عبيدة، وهو أَوَّل مَن اتخذ حاجبًا من الخلفاء، وهو سَديف مولاه (2).
وكان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، باكيًا، خائفًا، خاشعًا، متواضعًا، يحلب أغنام الحيِّ، وقد ذكرناه (3).
وحكى ابن سعد أن نَقْشَ خاتمه: نعم القادر اللَّه (4)، وقيل: عبد ذليل بين يدي رب جليل (5).
وكان يلبس في خلافته الشَّملة والعباءة، وقدم عليه أشراف العربِ وملوك اليمن لما ولي الخلافةَ وعليهم التيجان والحرير والوشي، فلما رأوا لباسَه رموا ما كان عليهم، وسلكوا طريقه في التواضع ومكارم الأخلاق.
__________
(1) التبيين 306.
(2) انظر تخريج الدلالات السمعية 66.
(3) في أول هذا الجزء.
(4) طبقات ابن سعد 3/ 211.
(5) الاستيعاب (1296).
(5/133)
________________________________________
ذكر إنفاقه على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وما أعتق: قال ابن سعدٍ بإسناده عن أسامة بن زيد ابن أسلم عن أبيه قال: كان أبو بكرٍ معروفًا بالتجارة، لقد بُعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعنده أربعون ألفًا -قال عروة بن الزبير: أربعون ألف دينار، وغيره يقول: أربعون ألف درهم- فلم يزل يُقوي المسلمين، ويُعتِق منها؛ حتى قدم المدينة ومعه خمسةُ آلاف درهم، فكان يفعل فيها ما يفعل بمكة، حتى تُوفِّي ولم يترك دينارًا ولا درهمًا (1).
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا [أبو] معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما نَفعَني مالٌ كمال أبي بكرٍ" فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول اللَّه (2). وفي روايةٍ: "ما لأحدِ عندنا يدٌ إلَّا وقد كافيناه عليها ما خلا أبا بكرٍ، فإن له عندنا يدًا يكافيه اللَّه عليها" (3).
فإن قيل (4): فقد أنفقت عليه خديجة أضعافَ ذلك، وما قال: ما نفعني مالٌ كمالِ خديجة، فالجواب: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُثنى على خديجة، ويَعترف بإنفاقها عليه، وإحسانها إليه، على ما ذكرناه في ترجمتها (5). وقولُه: "ما نفعني مال كمال أبي بكرٍ", أراد به المبالغةَ في الثناء عليه.
وقد ذكر جدي رحمه اللَّه في كتاب "المنتخب" وقال: إذا أراد اللَّه قَبول نَفقةٍ قَدَّر لها فاقةَ مُحتاجٍ، وأَحوجُ ما كان الإِسلامُ إلى نفقة أبي بكرٍ، فلهذا حُلِّي حليةَ: "ما نفعني مال كمالِ أبي بكرٍ".
وقال في إنفاق خديجة: أنفقت خديجةُ لشائبةِ هواها، ونفقةُ أبي بكرٍ لقاعدةٍ بناها.
قلت: فأبو بكرٍ -رضي اللَّه عنه- إنما أنفق بعد الرسالة ونزول الوحي، وذلك في سنة أربعين من النبوَّة، ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوَّج خديجة وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة، قبل النبوة بخمس عشرة سنةً، فإنفاقُ خديجةَ عليه مُتقدّم على إنفاق أبي بكر بخمس عشرة سنةً، ثم شاركت
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 172.
(2) مسند أحمد (7446)، وفضائل الصحابة له (25).
(3) سنن الترمذي (3661).
(4) من هنا، إلى قوله: وآمن برسالته. . . في الصفحة التالية ليس في (أ) و (خ).
(5) سلف في السيرة.
(5/134)
________________________________________
أبا بكرٍ بعد النبوة في الإنفاق عشرَ سنين؛ لأنها تُوفِّيت في السنة العاشرة من النُّبوَّة.
ولا يُقال. أنفقتْ خديجةُ لشائبةِ هواها؛ لأنها إنما تزوجت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما أخبرها غلامها ميسرةُ بحديث بَحيرى الرّاهب، وتظليلِ الغمامة لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونحوِ ذلك، فتزوَّجته لذلك المعنى، والدليلُ عليه أنها أوّلُ مَن أسلم وصدَّق بنُبوَّته وآمن برسالته، وقد ذكرناه (1).
وقد ذكرنا أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا حثَّ على الصدقة في غزاة تبوك، جاء أبو بكرٍ بكلِّ ماله، وجاء عمر بنصف ماله، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي بكر: ما أبقيتَ لعيالك؟ قال: اللَّه ورسوله، وقال لعمر: ما أبقيت لعيالك؟ قال: مثلَ ما جئتُ به، وكان عمرُ قد قال: لأُسابقنَّ اليوم أبا بكرٍ، فلما جاء بالكلِّ قال عمر: واللَّه لا أُسابقُك إلى شيءٍ أبدًا (2).
وأما ما أعتق أبو بكرٍ، فقال هشام: أعتق سبعةً ممن كان يعذبُ في اللَّه تعالى: أعتق بلالًا وعامر بن فُهيرة وزِنيرة والنَّهْدية وابنتها وجارية بني عمرو وأم عُمَيْسٍ أو عُبَيْس (3).
وقال هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: قال أبو قُحافة لابنه أبي بكرٍ: يا بُنيّ، أَراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك تُعتِق رجالًا جُلدًا يمنعونك ويقومون دونك، فأنزل اللَّه {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)} (4) الآية [الليل: 5].
وقد ذكرنا أنه اشترى بلالًا فيما تقدَّم، وقول المشركين: غُبِنْتَ: فقال: المغبونُ من كل ثمنَ بلالٍ (5).

فصل في ذكر ما نزل فيه من الآيات: قال ابن عباس: عاتب اللَّه أهل الأرض بقوله: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} الآية [التوبة: 40]، إلَّا أبا بكرٍ -رضي اللَّه عنه-, فإنه أثنى
__________
(1) سلف في السيرة.
(2) سلف في غزاة تبوك في الجزء الرابع، وأخرجه أبو داود (1678)، والترمذي (3675)، وابن الجوزي في المنتظم 4/ 57 - 58 عن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-.
(3) سيرة ابن هشام 1/ 318 - 319، وتاريخ دمشق 35/ 157 - 158.
(4) سيرة ابن هشام 1/ 319، وتفسير الطبري 24/ 479 (هجر)، وأسباب النزول للواحدي 487، وتاريخ دمشق 35/ 160.
(5) سلف في قسم السيرة.
(5/135)
________________________________________
عليه حيث قال: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} (1).
قال: وفيه نزل قوله تعالى: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} الآيات (2) [الليل: 19].
وفيه نزل: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} (3) [الحديد: 10].
وفيه نزل: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} (4) [التوبة: 100] في آياتٍ كثيرةٍ.

حديث الأبواب: في آخر حديث التَّخيير، وقد تقدم (5)، "سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر", وفيه: "إن أَمَنَّ الناسِ بصُحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ مُتَّخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" (6).
فإن قيل: فما الحكمة في سد الأبواب؟ قُلنا: تعظيمًا لحقِّ أبي بكر -رضي اللَّه عنه-، واعترافًا لفضله، إذ سُدَّت جميعُ الأبواب -وهي الخوخات- وبقيت خوخته لم تُسَدّ.
حديث المفاخرة: قال أبو الدرداء: كنت جالسًا عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمَّا صاحبُكم فقد غامر" فسلَّم ثم جلس، وقال: كان بيني وبين عمر بن الخطاب شيءٌ، فأسرعتُ إليه ثم ندمتُ، فسألتُه أن يَغفرَ لي، [فأبى عليَّ] فأقبلتُ إليك، فقال: "يَغفر اللَّه لك يا أبا بكر" قالها ثلاثًا، ثم إن عمر نَدم، فأتى منزلَ أبي بكر فسأل: أَثَمَّ أبو بكر؟ قالوا: لا، فأتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجعل وَجهُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَمعَّر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه وقال: يا رسول اللَّه، أنا كنتُ الظَّالم، وأنا كنتُ أظلم له، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه بعثني إليكم، فقُلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدقتَ أو صدق، وواساني بنَفسِه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي"؟ قالها مرّتين، فما أُوذي بعدها. انفرد بإخراجه البخاري (7).
__________
(1) أخرجه ابن عساكر 35/ 186 عن ابن عيينة.
(2) أخرجه ابن عساكر 35/ 160 - 161.
(3) انظر أسباب النزول للواحدي 431.
(4) أخرجه ابن مردويه -كما في الدر المنثور 3/ 269 - عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-.
(5) سلف في قسم السيرة.
(6) أخرجه البخاري (466)، ومسلم (2382)، وأحمد (11134) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-.
(7) في صحيحه (3661).
(5/136)
________________________________________
حديث في الصلاة: قد ذكرنا صلاةَ أبي بكر رضوان اللَّه عليه بالناس في مرض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذا حديثا يختصُّ بحالة الصّحة.
قال سهل بن سعد: كان قتالٌ في بني عمرو بن عوف حتى تَرامَوا بالحجارة، فبلغ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتاهم ليُصلح بينهم بعد الظهر، وقال: يا بلال، إن حَضرت الصلاة ولم آتِ فَمُرْ أبا بكر أن يُصلّي بالناس، وجاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من حيث ذهب، فجعل يَتخلّل الصفوف، حتى بلغ الصفَّ الأوّل، ثم وقف، وجعل الناس يُصفِّقون ليُؤذِنوا أبا بكر برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان أبو بكر لا يَلتفتُ في الصلاة، فلما أكثروا عليه التفت، فإذا هو برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خلفه مع الناس، فأشار إليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن اثْبُتْ، فرفع يديه كأنه يدعو، ثم استأخر القَهْقَرى حتى جاء الصف، فتقدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما بالكم، أَنابَكم في صلاتكم شيءٌ فجعلتم تصفِّقون؟ ! إذا ناب أحدَكم شيءٌ في صلاته فليسبِّح اللَّه تعالى، فإنما التسبيحُ للرجال، والتَّصفيقُ للنساء", ثم قال لأبي بكر: "لم رفعتَ يديك، ما منعك أن تَثبُتَ حين أشرتُ إليك؟ ", فقال: رفعتُ يديَ لأني حَمدتُ اللَّه عز وجل على ما رأيتُ منك، ولم يكن لابن أبي قُحافة أن يَؤمَّ برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (1).
حديث المرأة: قال جُبير بن مُطعم: أتت امرأةٌ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمرها أن ترجعَ إليه، فقالت: أرأيتَ إن جئتُ فلم أرك أو أجدَك؟ كأنها تقول: الموت، قال: "فأتي أبا بكر". متفق عليه (2).

فصل في حديث التَّخَلُّل بالعباءة: قال جدي رحمه اللَّه بإسناده عن عبد اللَّه بن عمر قال: كنتُ عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعنده أبو بكرٍ الصديق، وعليه عباءةٌ لا قد خَلّها في صدره بخِلالٍ، فنزل عليه جبريل فقال: يا محمَّد، ما لي أرى على أبي بكرٍ عباءةً قد خَلَّها في صدره؟ فقال: يا جبريل، إنه أنفقَ عليَّ مالَه قبل الفتح، فقال: قُلْ له: الحقُّ يُقرئك السلام، ويقول لك: أراضٍ أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ أنا عن ربي راضٍ. قالها ثلاثًا (3).
__________
(1) أخرجه أحمد (22807)، والبخاري (684)، ومسلم (421).
(2) صحيح البخاري (3659)، وصحيح مسلم (2386). ومن قوله: حديث الأبواب. . . إلى هنا زيادة من (خ).
(3) المنتظم 4/ 61، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 35/ 162 - 163.
(5/137)
________________________________________
وذكر أبو القاسم بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس، عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمعناه، فقال: هبط عليَّ جبريل وعليه طِنفسَةٌ، وهو مُتخلِّلٌ بها فقلتُ: "يا جبريلُ، ما نزلتَ إليَّ في مثل هذا الزيِّ! " فقال: إن اللَّه أمر الملائكةَ أن تتخلَّل في السماء؛ لتخلُّلِ أبي بكرٍ في الأرض (1).

فصل في حديث وَرَعِه:
قال أبو نُعيم بإسناده عن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكرٍ مملوكٌ يَغلُّ عليه، فأتاه ليلةً بطعامٍ، فتناول منه لقمةً، فقال له المملوكُ: مالك كُنتَ تسألُني كلَّ ليلةٍ، ولم تسألني الليلة؟ قال: حملني على ذلك الجوعُ، من أين جئتَ بهذا؟ قال: مررتُ بقومٍ في الجاهلية، فرَقيتُ لهم فوعدوني، فلما أن كان اليوم مررتُ بهم، فإذا عرسٌ لهم، فأعطوني، فقال: أفٍّ لك، كدتَ تُهلكني، فأدخل يده في حلْقه، فجعل يتقيّأ، وجعلتْ لا تخرج، فقيل له: إن هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بعُسٍّ من ماءٍ، فجعل يشرب ويتقيّأ، حتى رمى بها، فقيل له: يَرحمك اللَّه، كلُّ هذا من أجل لُقمةٍ؟ فقال: لو لم تَخرُج إلا مع نفسي لأخرجتُها، سمعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "كلُّ جسدٍ نَبت من سُحْتٍ فالنارُ أولى به" فخشيتُ أن يَنبتَ شيءٌ من جسدي من هذه اللقمة (2).
وقد أخرج البخاري في أفراده عن عائشة بمعناه، وفيه: كان لأبي غلامٌ يَغُلُّ عليه، وكان أبي يأكلُ من خَراجه (3)، والخراج: الضَّريبةُ التي يَتَّفق العبدُ مع سيِّده عليها، يؤدّيها إليه، والكهانة: تعاطي علم الغيب.
وقد ذكرنا أن أبا بكرٍ كان أول من تاجر مخافة أكل الحرام.
__________
(1) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5/ 442، ومن طريقه ابن عساكر 35/ 163 - 164 من طريق محمَّد بن عبد اللَّه بن إبراهيم بن ثابت الأشناني، عن حنبل بن إسحاق، عن وكيع، عن شعبة، عن الحجاج، عن مقسم، عن ابن عباس. وقال الخطيب عقبه: ما أبعد الأشناني من التوفيق، تراه ما علم أن حنبلا لم يرو عن وكيع، ولا أدركه أيضًا، ولست أشك أن هذا الرجل ما كان يعرف من الصنعة شيئًا، وقد سمعت بعض شيوخنا ذكره فقال: كان يضع الحديث، وأنا أقول: إنه كان يضع ما لا يحسنه، غير أنه، واللَّه أعلم، أخذ أسانيد صحيحة من بعض الصحف فركب عليها هذه البلايا، ونسأل اللَّه السلامة في الدنيا والآخرة.
(2) حلية الأولياء 1/ 31، والمنتظم 4/ 62.
(3) صحيح البخاري (3842).
(5/138)
________________________________________
وقد روى ابن أبي الدنيا عنه أنه كان يأخذ بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (1).

ذكرُ تواضُعِه وخوفِه: قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل بإسناده، عن أبي عمران الجَوْني قال: قال أبو بكر: وَدِدتُ أني شَعرةً في جَنب عبدٍ مؤمن. وفي روايةٍ: يا ليتني كنتُ شجرة تُعضَدُ، أي: تُقطَعُ، ثم تُؤكل، يا ليتني كنتُ كَبْشًا، فأكلني أهلي ولا أُبعثُ (2).
وقال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده، عن ابن أبي مُليكة قال: ربّما سقط السَّوطُ أو الخِطام من يد أبي بكرٍ، فيَضرب بذراع ناقته، فيُنيخُها، فيأخذُه، فيُقال له: ألا أمرتنا نناولكه؟ فيقول: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرني أن لا أسأل الناسَ شيئًا (3).

ذكرُ طرفٍ من خُطبه: قد ذكرنا عند خلافته طوفًا من ذلك.
وحدَّثنا غير واحدٍ، حدثنا إسماعيل بن أحمد بإسناده عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، أن أبا بكرٍ -رضي اللَّه عنه- كان يقول في خُطبته: أين الوِضاء، الحسنةُ وجوهُهم، المعجَبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بَنَوْا المدائن، وحصَّنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يُعْطَوْن الغَلَبةَ في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهرُ، فأصبحوا في ظلماتِ القبورِ. الوحا الوحا، النجاءَ النجاءَ (4).
وقال عبد اللَّه بن عُكيم: خطبنا أبو بكرٍ فقال: أما بعد فإني مُوصيكم بتقوى اللَّه، وأن تُثنوا عليه بما هو أهلُه، وأن تَخلِطوا الرَّغبةَ بالرَّهبة، وتجمعوا الإلحافَ بالمسألة فإن اللَّه تعالى أثنى على زكريا وأهلِ بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].
ثم اعلموا عباد اللَّه أن اللَّه قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقَكم، واشترى منكم القليلَ الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب اللَّه فيكم، لا تَفنى عجائبُه، ولا يُطفأ نورُه، فصدِّقوا قولَه، واستضيؤؤوا بنوره ليوم الظلمة، وإنما خلقكم لعبادته، ووَكل بكم الكرامَ الكاتبين، يعلمون ما تفعلون.
__________
(1) الصمت وآداب اللسان (13)، وأخرجه أحمد في الزهد 135 - 136 و 139، ومالك في الموطأ 2/ 988.
(2) الزهد لأحمد 135 و 139.
(3) مسند أحمد (65).
(4) المنتظم 4/ 69، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (10111)، وابن عساكر 35/ 444.
(5/139)
________________________________________
ثم اعلموا عباد اللَّه أنكم تَغدون وتَروحون في آجال قد غُيِّبت عنكم، أو غُيِّب عنكم علمُها فإن استطعتُم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل اللَّه فافعلوا, ولن تستطيعوا ذلك إلا باللَّه تعالى، فسابقوا في مهل آجالكم، قبل أن تنقضي آجالكم، فتُردُّون إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقوامًا جعلوا آجالَهم لغيرهم، ونَسُوا أنفسَهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالَهم، الوحا الوحا، النَّجاء النَّجاء، إن وراءكم طالبًا حثيثًا، أمره سريع (1).

ذكر مرض أبي بكر: واختلفوا في سبب ذلك على أقوال:
أحدها ما رواه سيف بن عمر قال: حدثنا مبشر بن الفضيل، حدثنا سالم بن عبد اللَّه ابن عمر، عن أبيه قال: كان سبب موت أبي بكر -رضي اللَّه عنه- وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، كَمِدَ فما زال جِسْمُه ينحلُ ويذوب حتى مات. وفي روايةٍ عن سالم عن ابن عمر، ولم يذكر عمر (2).
والثاني أنَّه سُمَّ، فقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن شهابٍ، أنَّ أبا بكرٍ والحارثَ بن كَلَدَة كانا يأكلان خَزيرةً أُهدِيت لأبي بكرٍ، فقال له الحارث: ارفع يدك يا خليفةَ رسول اللَّه، واللَّه إنَّ فيها لَسَمَّ سنةٍ، وأنا وأنت نموتُ في يومٍ واحدٍ عند إنتهاء السنة، فماتا عند انقضائها, ولم يزالا عليلَيْن حتى ماتا (3).
وقد ذكرنا أن الخزيرة أن تقطع اللحم وتَذرَّ عليه الدقيقَ، فإن لم يكن في القدر لحمٌ فهي العصيدةُ (4).
وقال أبو جعفرٍ الطبري: الذي سمَّتْهُ امرأةٌ من اليهودِ في أرُزَّةٍ (5).
والثالث: أنه اغتسل في يومٍ باردٍ، فحُمَّ خمسة عشر يومًا وتُوفّي. حكاه الواقدي عن عائشة (6).
__________
(1) المنتظم 4/ 69 - 70، وأخرجه هناد في الزهد (495)، وأبو نعيم في الحلية 1/ 35، والبيهقي في شعب الإيمان (10109) (10110)، وابن عساكر 35/ 448، ومن قوله: قال عبد اللَّه بن عكيم، إلى هنا ليس في (ك).
(2) تاريخ دمشق 35/ 532، وليس فيه ذكر لعمر! ؟
(3) طبقات ابن سعد 3/ 198.
(4) سلف في أسماء الولائم والأطعمة من أخبار الأمم الماضية.
(5) تاريخ الطبري 3/ 419.
(6) طبقات ابن سعد 3/ 201 - 202.
(5/140)
________________________________________
والرابعُ: أنه علق به سِلٌّ قبل وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يَزلْ به حتى قتله. حكاه عكرمة، عن ابن عباسٍ. قال: وكان يأمرُ أبو بكر عمرَ فيصلي بالناسِ، ويدخلُ عليه الناسُ فيعودونه، وكان عثمانُ ألزمَ الناس له في مرضه.
وقال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده عن أبي السَّفْر قال: مرض أبو بكرٍ فعاده الناسُ، وقالوا: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: الطبيب أمرضني، وقد رواه أبو نُعيمٍ: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني، قالوا: فأي شيءٍ قال لك؟ قال: قال: إني فعَّالٌ لما أُريد (1).
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن مسروقٍ، عن عائشة قالت: لمَّا مرِض أبو بكرٍ مرضَه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذُ دخلتُ الإمارةَ، فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، قالت: فلما مات نظرنا؛ فإذا عبدٌ نوبيٌّ كان يحملُ صبيانَه، وناضحٌ كان يَسني عليه، أي: يسقي له بستانًا، وقطيفة، فبعثنا به إلى عمر، فبكى عمرُ وقال: يرحمُ اللَّهُ أبا بكرٍ، لقد أتعب مَن بعده تعبًا شديدًا.
وفي روايةٍ عنها: ما كان عنده يومَ مات درهم ولا دينارٌ، ما كان عنده إلا خادمٌ ولقْحَةٌ ومِحْلَبٌ.
وروى ابن سعدٍ: أن أبا بكرٍ بعث إلى عمر بالعبدِ النُّوبي والناضح والقطيفة، وكانت تُساوي خمسة دراهم، فقال له عبد الرحمن بن عوفِ: سبحان اللَّه تسلبُ عيالَ أبي بكرٍ هذا؟ رُدَّه عليهم فقال: لا واللَّه، لا يتأثَّمُ بها أبو بكرٍ حالَ حياته وأتحمّلُها بعد مماتهِ.
وفي روايةٍ: فقال عمرُ لعبد الرحمن: ما تأمرُ؟ قال: رُدَّه عليهم. فقال: لا يَخرُج عن شيءٍ وقتَ الموت وأردُّه في عيالِه (2).
وقال الشعبي: نظروا فيما وصلَ إليه فكان ستَة آلاف درهم فقال: حائطي الفُلاني عِوَضُها، وكان يُساوي أضعافها فأدخله في بيتِ المال. وأوصى بعد ذلك بخُمْسِ ماله
__________
(1) الزهد لأحمد 140، وحلية الأولياء 1/ 34، وأخرجه هناد في الزهد (382)، وابن سعد 3/ 198، والبلاذري 5/ 155، وابن عساكر 35/ 533 - 534.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 192 و 193 و 196.
(5/141)
________________________________________
في سبيل اللَّه.
وأخرج ابنُ سعدٍ بمعناه، وفيه: فقال عمر: أنا وليُّ الأمر بعده فردَّها في عياله (1).
وذكر ابن سعدٍ: أن عائشة لما احتُضِر أبو بكرٍ تمثَّلت يقول حاتم: [من الطويل]
لعَمرك ما يُغني الثراءُ عن الفتى ... إذا حَشرَجَتْ يومًا وضاق بها الصَّدْرُ (2)
ففتح عينيه وقال: يا بُنَيَّةُ، لا تقولي كذا, ولكن قوفي: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)} [ق: 19] وهي قراءة أبي بكر -رضي اللَّه عنه- (3).
وذكر ابن سعدٍ أيضًا عن عائشة أنها تمثَّلت وأبو بكر رضوان اللَّه عليه يَقضي: [من الطويل]
وأبيض يُستسقى الغَمامُ بوجهه ... ثمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
ففتح عينيه وقال: ذاك رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (4).
وقال أحمد بإسناده عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: لما ثَقُل أبي قال: أيّ يومٍ هو؟ قالوا: يوم الإثنين. قال: ففي أي يومٍ قُبض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالوا: فيه. قال: فأني أرجو ما بينه وبين الليل. قالت: وكان عليه ثوب به رَدْعٌ من مِشْقٍ، فقال: إذا مِتُّ، فاغسلوا ثوبيَّ هذين، أو ثوبي هذا، وضُمُّوا إليه ثوبَين جديدَين، فكفِّنوني في ثلاثة أثوابٍ. قالت: فقُلنا: ألا نجعلُها كلها جُددًا؟ قال: لا إنما هي للمهلة. فمات ليلة الثلاثاء. انفرد بإخراجه البخاري (5).
وروى ابن سعدٍ عن عائشة قالت: قال أبي: انظروا مُلاءتيَّ هاتين، فاغسلوهما،
__________
(1) الطبقات 3/ 193.
(2) ديوانه 50.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 195 - 197، وأخرجه كذلك أحمد في الزهد 136، وابن عساكر 35/ 552 - 553.
وأخرجه الطبري في التفسير 21/ 427 - 428، والبلاذري في أنساب الأشراف 5/ 154، وابن عساكر 35/ 554، وعندهم أن قراءته {وجاءت سكرة الحق بالموت}، وانظر إعراب القرآن للنحاس 4/ 225، والمحتسب 2/ 283.
(4) طبقات ابن سعد 3/ 197 - 198.
(5) مسند أحمد (34186)، وصحيح البخاري (1387).
(5/142)
________________________________________
وكفِّنوني فيهما؛ فإن الحي أحوجُ إلى الجديد من الميِّتِ، إنما هو للمُهْلِ والصديد والتُرابِ (1).

ذكر ما سُمع من أبي بكر عند وفاته: [كان آخر ما تكلم به أبو بكر: ] {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] (2)
ولما احتُضر قال: ما آسى على شيء من الدنيا، إلا على ثلاثٍ فعلتُهنَّ وَدِدت أني تركتُهن، وثلاثٍ وَددتُ أني لو فعلتهن، وثلاثٍ وَدِدتُ أني سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنهنّ.
أما الأوَّل: فوددت أني [لم] أكن كشَفْتُ بيتَ فاطمة عن شيء، وإن كانوا أغلقوه على حرب، ولم أكن حَرّقتُ الفُجاءةَ السُّلَمي، وحيث لم أقذف الأمر يوم السقيفة إلى أحد الرجلين -يعني: عمر وعبد الرحمن بن عوف- فكان أميرًا وكنت وزيرًا (3).
وأما الثلاث الأخر: فوَدِدْتُ أني يوم أُتيتُ بالأشعث بن قيس أسيرًا في الردة كنتُ ضربتُ عُنقَه، فإنه لا يرى شرًا إلا أعانه، ووَدِدْتُ أني لما أرسلتُ خالدًا إلى الشام أني قذفتُ بعمر بن الخطاب المشرق، فكنتُ قد بَسطتُ يميني وشمالي في سبيل اللَّه، ووددت أني كنتُ في جيوش أهل الرّدة وأقمتُ بذي القَصَّة رِدْءًا للمسلمين.
وأما الثلاث الأول: فوَدِدْتُ أني سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ميراث العمَّة وبنت الأخ، فإن في نفسي منهما شيء، ووَدِدْتُ أني سألتُه عن هذا الأمر فيمن هو، فلا يُنازَع أهلُه، ووددت أني سألته هل للأنصار فيه نصيبٌ، فنعطيهم إياه (4).
وقال الواقدي: تُوفي أبو بكر ليلةَ الثلاثاء، ما بين المغرب والعشاء، لثماني ليالٍ بَقين من جُمادى الآخرة (5).
وقال ابن قتيبة (6): توفي يوم الجمعة، وقيل ليلة الجمعة، والأول أصحّ.
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 205 - 206.
(2) أنساب الأشراف 5/ 155.
(3) في تاريخ الطبري 3/ 430، وتاريخ دمشق 35/ 542 - 549: ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت لأمر في عنق أحد الرجلين يريد عمر وأبا عبيدة، فكان أحدهما أميرًا، وكنت وزيرًا.

(4) من قوله: ذكر ما سمع من أبي بكر عند وفاته، إلى هنا ليس في (ك).
(5) أخرجه ابن سعد 3/ 201 - 202، والطبري 3/ 419 - 420.
(6) المعارف 171.
(5/143)
________________________________________
وقال هشام: أوصى أن تَغسِله زوجتُه أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ، وكانت صائمةً، فقال لها: باللَّهِ أفطري، فقالت: واللَّهِ لا أتبِعُه اليومَ حِنْثًا، فشربت ماءً.
وقال ابن سعدٍ: لمّا غسلته خرجت إلى من حضر من المهاجرين والأنصار، فقالت: إني صائمةٌ، وهذا يومٌ شديدُ البرد، فهل على من غُسْلٍ؟ قالوا: لا.
وروى القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ أنّه أوصى أن تَغسِله أسماءُ، فإن عجزت أعانها محمد ابنُه. قال الواقدي: وهذا وهم؛ لأنَّ الروايةَ الثانية أن أبا بكرٍ أوصى أن تَغسِله أسماءُ، فإن عجزت أعانها عبد الرحمن بنُ أبي بكرٍ؛ لأنَّ محمدًا وُلدَ بذي الحُليفة في سنة عشرٍ من الهجرة، فقد كان لمحمَّدٍ يوم مات أبو بكرٍ ثلاثُ سنين أو نحوها، أما عبدُ الرحمن فكان كبيرًا يوم مات أبوهُ (1).

ذكرُ الصلاة عليه: قال علماءُ السير: صلَّى عليه عمر بين القبر والمنبر، وكبَّر عليه أربعًا، ودُفِن عند رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلًا.
قال الواقدي: سُئل عقبةُ بن عامرٍ: أيُدْفَن الميتُ ليلًا؟ فقال: قد دَفن عمرُ أبا بكرٍ ليلًا، ونزل في حفرتهِ هو وعثمان وطلحةُ وولده عبد الرحمن بن أبي بكرٍ، وقال ابن عمر: وأردْتُ أن أنزِل، فقال عمرُ: كُفيت، ودُفِنَ ورأسُه عند كَتِفي رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2)، وسُنِّم قبرُه في أصحِّ الروايات (3).
وقال ابن إسحاق: حُمِل على سريرِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان من خشب السَّاج، منسوجًا باللِّيف، وهو الذي أعطاه إياه سعدُ بن عُبادة لمّا قَدِم المدينة، ثمَّ بيع في ميراث عائشة، فاشتراه معاويةُ بأربعة آلاف درهم، وجعله في المدينة وَقْفًا على المسلمين. وقال ابن قتيبة: إنما اشتراه بعضُ موالي معاوية (4).
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 203 - 204.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 206 - 208، وتاريخ الطبري 3/ 422.
(3) كذا، والذي في طبقات ابن سعد 3/ 209 و 210، وتاريخ الطبري 3/ 422 - 423، وأنساب الأشراف 5/ 164، وتاريخ دمشق 35/ 576، والمنتظم 4/ 130، أن لحده ألصق بقبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنه جُعل مثل قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مُسَطَّحًا، لا مُشرِفًا، ولا لاطئًا.
(4) المعارف 171، وانظر تاريخ دمشق 35/ 574.
(5/144)
________________________________________
ذكر سِنِّه: حكاه الواقدي عن أشياخه قال: تُوفّي أبو بكرٍ وهو ابن ثلاثٍ وستين سنةً، قال الواقدي: وهو الثَّبت عندنا، قال: لأنه ولد بعد رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بثلاث سنين (1)، وقيل: ابن ستين سنةً. والأوَّل أصحُّ، وعليه عامّةُ أربابِ السِّيَرِ.
ذكر خلافته: قال الواقدي: أقام خليفةً سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليالٍ.
وقال هشام: سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليالٍ.

ذكر النَّوح عليه: ذكر ابن سعدٍ أن عائشة أقامت النَّوْح عليه، فبلغ عمر بن الخطاب، فجاء فنهاها، فأبت، فقال لهشام بن الوليد: ادخل على ابنة أبي قُحافة، فاضربها بالدِّرّة، فدخل فعلاها ضَرْبًا، فتفرَّق النوائح، ثم قال عمر: أردْتُنّ أن تُعذِّبْنَ أبا بكرٍ بنَوحكنَّ عليه، أو ببكائكنَّ عليه، إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ الميّت لَيُعَذَّبُ ببكاء أهله عليه" (2).
وذكر أبو جعفر الطبري في تاريخه (3) أن المضروبة هي أمُّ فروة أخت أبي بكرٍ، وقال عمر لهشام: ادخل فأخرجها من بيت عائشة، فدخل فقالت له عائشةُ: اخرج من بيتي، فأخرج أمَّ فروة، ثم ضربها ثلاث دررٍ.
قلتُ: وهذا الأصحُّ؛ لأن عمر ما كان يَجهل فضلَ عائشة، وأنها أمُّ المؤمنين وزوجةُ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد كانت مُحْتَرمةً بين الصحابةِ، فكيف يضربها بالدِّرَّة وهي أمّه؟ وقولُ عمر: ابنة أبي قُحافة يدلُّ عليه؛ لأن ابنة أبي قُحافة هي أمُّ فروة لا عائشة. وقوله: "إن الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه", قد أنكر هذا ابنُ عباسٍ، ولو سلم كان معناه إذا أوصى بذلك، وإلّا فلا ذَنبَ للميت (4).

ذكر ثناءِ عليّ عليه السلام عليه: حدثنا غيرُ واحدٍ قالوا: حدثنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القَزّاز بإسناده، عن أَسِيد بن صفوان قال: لما قُبضَ أبو بكرٍ -رضي اللَّه عنه- وسُجّي، ارتجَّت المدينةُ بالبكاء كيوم قُبِض رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجاء عليُّ بن أبي طالب
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 202.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 208 - 209، وأخرج الحديث أحمد (180)، والبخاري (1292)، ومسلم (927).
(3) فيه 3/ 423.
(4) انظر شرح النووي لصحيح مسلم 6/ 228، وفتح الباري 3/ 161.
(5/145)
________________________________________
مُسرعًا، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكرٍ وقال:
رحمك اللَّه يا أبا بكرٍ، فلقد كُنتَ إِلْفَ رسول اللَّه، وأنيسَه، وثقتَه، وموضعَ سرِّه، ومشاورَه، وكنتَ أوّلَ القوم إسلامًا، وأخلصَهم إيمانًا، وأشدَّهم يقينًا، وأخوفهم للَّه، وأعظمَهم غناءً في دين اللَّه، وأحوَطَهم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأحدَبَهم على الإِسلام، وأحسنَهم صُحبةً، وأكثرَهم مناقبَ، وأفضلَهم سَوابقَ، وأرفعَهم درجةً، وأقربَهم وسيلةً، وأشبَههم هَدْيًا وسَمْتًا برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأشرفَهم منزلةً، وأرفعَهم عنده، وأكرمَهم عليه، فجزاك اللَّه عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعن الإِسلام أفضل الجزاء.
صَدَّقتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين كذَّبَه الناس، وكنت عنده بمنزلةِ السَّمعِ والبصر، سَمَّاك اللَّه في تنزيله صِدِّيقًا فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33] (1).
آسيته حين بَخِلوا، وقمتَ معه في المكاره حين قَعدوا، وصحِبتَه في الشدَّة أكرمَ الصُّحبة، ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأنت المنزل عليه السكينة، ورفيقُه في الهجرة، وخليفتُه في دين اللَّه. قُمتَ حين ارتدُّوا بما لم يَقُمْ به خليفةُ نبيٍّ، ونهضتَ حين وَهَن أصحابُه، وبَرزْتَ حين استكانوا، وقويتَ حين ضَعُفوا, ولزِمتَ منهاج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ جبنوا ووَهنوا، فكنت خليفتَه حقًا، لن تنازع ولن تضارع برغم المنافقين وبكَبْتِ الحاسدين.
قمتَ بالأمر حين قَعدوا، فاتَّبعوك فهدوا، وكنتَ أخفَضَهم صوتًا، وأعلاهم فوقًا، وأقلَّهم كلامًا، وأصدقَهم منطقًا، وأبلغَهم قولًا، وأكرمَهم رأيًا، وأشجعَهم نفسًا، وأشرفهم عملًا، كنتَ واللَّه للدين يعسوبًا، أولًا حين نفر الناس عنه، وآخرًا حين أقبلوا، كنت للمؤمنين أبًا رحيمًا حين صاروا عليك عيالًا، حَملت أثقالَ ما عنه ضَعُفوا، ورعيتَ ما أهملوا، وعلمتَ ما جهلوا، وشَمَّرت إذ ظلعوا، وصَبرتَ إذ جَزِعوا، وأدركتَ أوتار ما طلبوا، وراجعوا برأيك رُشْدَهم، فظَفِروا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا.
كنتَ واللَّه على الكافرين عذابًا صَيِّبًا ولهبًا، وللمؤمنين رحمةً وأنسًا وحصنًا،
__________
(1) بعدها في (ك): من كلام طويل، واختصر بذلك الخطبة.
(5/146)
________________________________________
ذهبتَ واللَّه بفضائلها، وأدركتَ سوابقَها, لم تُفْلَل حُجَّتُك، ولم تَضعُف بصيرتُك، ولم تَجبُن نفسُك، ولم يُرَعْ قلبُك.
كنتَ كالجبال لا تُحرّكها العواصف، ولا تُزيلها القواصف، كنتَ كما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أمنَّ الناس عليه في صُحبتك وذاتِ يدك، وكنتَ كما قال: "ضعيفًا في بدنك، قويًا في أمر اللَّه", متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند اللَّه، جَليلًا في أعين الناس، كبيرًا في نفوسهم، لم يكن لأحدٍ فيك مَعْمَرٌ، ولا لقائل فيك مَهْمَز، ولا لمخلوقٍ عندك هوادة، الضعيفُ عندك قويّ حتى تأخُذَ بحقِّه، والقريبُ والبعيد عندك في ذلك سواء.
أقربُ الناس إليك أطوعُهم للَّه وأتقاهم، شأنُك الحقُّ والصدقُ، والعفوُ والرِّفقُ، قولك حُكْمٌ وحَتْم، وأمرُك حِلمٌ وحَزم، ورأيُك علمٌ وعَزم، اعتدل بك الدِّين، وقوي الإيمان, وظهر أمرُ اللَّه، فسبقتَ واللَّه سَبْقًا بعيدًا، وأتعبتَ مَن بعدك إتعابًا شديدًا، وفُزتَ بالخير فوزًا مُبينًا، فجَلِلتَ عن البكاء، وعَظُمت رزيَّتُك في الأرض وفي السماء، وهدَّت مُصيبتُك الأنامَ، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون.
رضينا بقضاء اللَّه، وسلَّمنا لأمره، ولن يُصابَ المسلمون بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثلك أبدًا، ألحقك اللَّه بنبيِّك، ولا حَرَمنا أجرَك، ولا أضلَّنا بحدك، وسكت الناس حتى سمعوا وقضى كلامَه، ثم بكوا حتى ارتفعت أصواتُهم، وقالوا: صدقتَ يا خَتَن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (1).

ذِكرُ ميراثِهِ: قال الواقدي: لما تُوفي أبو بكرٍ سمع أبو قُحافةَ الواعيةَ بمكَّة، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات ابنك بالمدينة، فقال: رُزْءٌ جليل، فمن قام بعده بالأمر؟ قالوا: عمر بن الخطّاب، فقال: صاحبُه.
وورث أبو قُحافة من ولده السُّدس -يعني أبا بكر- فكُلِّم فيه فقال: قد رددتُه في ولد عتيق، يعني أبا بكر، ولم يأخذ منه شيئًا (2).
وقد روى بعضهُم: فسمع أبو قُحافة بمكة صوتَ الهائعة، وهو خطأٌ, لأنَّ الهائعة إنَّما تكون في الحرب، والواعيةُ في الموت.
__________
(1) تاريخ دمشق 35/ 567 - 571، منال الطالب 395.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 210، وفيه: سمع الهائعة. وسيتكلم عليها المصنف.
(5/147)
________________________________________
وحكى ابن سعدٍ عن الواقديِّ وغيرِه، قالوا: لمّا مات أبو بكرٍ دعا عمر بن الخطّاب الأمناء، ودخل بهم بيتَ مال أبي بكرٍ، ومعه عبدُ الرحمن بن عوفي وعثمان ابن عفان وغيرُهما، فلم يَجدوا في بيتِ ماله شيئًا ولا درهمًا ولا دينارًا، ووجدوا خَيْشَةً للمال، فنُفِضتْ، فوجدوا فيها درهمًا، فترحَّموا على أبي بكر، وكان الواردُ عليه من المعدن وغيره مُدَّة خلافته مئتي ألفٍ، فكان يُنفقُها في سبيلِ اللَّه، وعلى الفقراء والمساكين (1).

فصل في ذِكر أزواجِه: قال علماءُ السِّير: تزوَّج أبو بكرٍ في الجاهلية قُتيلَةَ بنتَ عبد العُزّى من ولد عامر بن لؤي، فولدتْ له عبدَ اللَّه وأسماءَ. وتزوَّج أيضًا في الجاهليةِ أمَّ رومان بنت عامر بن عميرة الكنانية. وقيل: أُمِّ رومان بنت عامر بن عويمر، حكى القولين ابنُ سعدٍ، ونسبها إلى كنانة (2).
وقال ابن قُتيبة: هي أُمُ رومان بنت الحارث بن الحويرِث، من بني فراس بن غَنْم ابن كنانة (3).
وقال البلاذري: من قال هذا فقد أخطأ، وإنما هي بنت عامرٍ، وقيل: بنت عويمر. فولدت له عبد الرحمن وعائشة. وكانت أم رومان قبل أبي بكرٍ عند عبد اللَّه بن الحارث ابن سخبرة. فولدت له الطفيل بن عبد اللَّه فكان الطفيل أخا عائشة لأُمِّها (4).
فأما في الإِسلامِ فتزوَّج أسماء بنت عُميس بن معد بن تيم بن الحارث، ونسبها ابن سعدٍ إلى خثعم، فولدت له محمدًا (5). وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب فولدت له محمَّدًا. ثم تزوَّجها علي بن أبي طالب فولدت له محمَّدًا، فكانت تُدعى أُمَّ المحمَّدين.
وآخرُ مَن تزوَّج أبو بكر في الإِسلام: حبيبةَ ابنةَ خارجة بن زيد بن أبي زهير الخزرجي، كان أبو بكر قد نزل عليه بالسُّنْحِ لمّا هاجر إلى المدينة، فولدت له أُمَّ كلثوم
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 213.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 169.
(3) المعارف 173.
(4) أنساب الأشراف 5/ 168 و 169، وانظر المعارف.
(5) طبقات ابن سعد 3/ 169.
(5/148)
________________________________________
بعد وفاةِ أبي بكرٍ.
فأما عبدُ اللَّه بن أبي بكر فشهد الطائف مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجُرح، فمات في خلافة أبيه، وقد ذكرناه (1).
وأما أسماءُ فتزوَّجها الزبيرُ بن العوَّام بمكة، فولدت له عدَّة أولادٍ، ثم طلَّقها، فكانت عند ابنها عبد اللَّه بن الزبير حتى قُتلِ، وسنذكُرُها عند مقتل ابنها.
وأما عبدُ الرحمن بن أبي بكر فشهد بدرًا مع الكُفّار، ودعا أباه أبا بكرٍ في ذلك اليوم أن يُبارِزه، فمنعه رسولُ اللَّه وقال له: "يا أبا بكرٍ متِّعنا بنفسك", ثم أسلم في هدنةِ الحديبيةِ وهاجر إلى المدينةِ، وسنذكرهُ في سنة بضعٍ وخمسين.
وأما محمد فسنذكره في سنة ثمانٍ وثلاثين.
وأما أُمُّ كلثوم فذكر ابن الزبير عن عائشة أنها قالت: لما احتُضِر أبو بكرٍ دعاني، فقال لي: إنه ليس في أهلي أحدٌ أحبُّ إليَّ منك، وإن أعزَّ الناس على فقرًا بعدي أنت، وإني كُنْتُ نَحلتُك جِداد عشرين وَسْقًا من مالي، فوَدِدْتُ واللَّه أنك كنت جَدَدْتِه وأخذتيه، فإنَّما هما أخواك وأختاك، قالت: قلت: هذان أخواي، فمن أُخْتاي؟ قال: ذات بطن بنت خارجة، فإني أظنُّها جاريةً وفي رواية ابن سعد: إني كنتُ نحلتُك أرضي التي تَعلمين بمكان كذا وكذا، وأنا أحبّ أن تَردِّيها إليَّ، فيكون ذلك قسمةً بين ولدي على كتاب اللَّه، فألقى ربي حين ألقاه ولم أفضِّل بعض ولدي على البعض (2).
وقال الواقدي: خطب عمر بن الخطاب أُمَّ كلثوم بعد وفاة أبي بكرٍ، فأجابته عائشةُ، وكرهته أمُّ كلثوم، فاحتالت حتى أمسكَ عنها -وسنذكرُه فيما بعد- فتزوَّجها طلحةُ بن عبيد اللَّه، فولدت له زكريا ويوسف مات صغيرًا وعائشة، ثم قُتل عنها يوم الجمل، ثم خلف عليها عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي، فولدت له إبراهيم الأحول، وموسى، وأمَّ حُميدٍ، وأمَّ عثمان (3).
__________
(1) في بداية هذا الجزء.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 195، وما سبق فيه 194.
(3) طبقات ابن سعد 8/ 462، والمعارف 175، وجاء في (ك) عقبها: انتهت ترجمة أبي بكر، السنة الرابعة =
(5/149)
________________________________________
ذكر مواليه: بلال بن رباح، وعامر بن فُهَيْرة، وصَفيّة، وهي أم محمد بن سيرين، وأبو نافع، وكان كثيرَ المال، نزل البصرة، وله بها دار، وقيل: إنه كان لعبد الرحمن بن أبي بكر، وفيه يقول يزيد بن مُفَرِّع الحميري: [من الطويل]
سقى اللَّه أرضًا لي ودارًا تركتُها ... إلى جنب دارَيْ معقل بن يسار
أبو نافع (1) جارٌ لها وابن بُرْثن ... فيا لك جارَيْ ذِلَّةٍ وصَغارِ
ومُرَّة مولى أبي بكر، وقيل: إنه كان لعبد الرحمن أيضًا، وكتبت عائشة إلى زياد بن أبيه توصيه به، فسُرَّ بكتابها، وأقطعه نهرًا بالبصرة. وقد ذكرنا أن الصديق أعتق جماعةً ممن كان يُعذب في اللَّه تعالى.

ذكره عُمَّاله: كان عاملُه على مكة عَتَّاب بن أَسِيد، وعلى الطائف عثمان (2) بن أبي العاص الثقفي، وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أميّة، وعلى حضرموت زياد بن لَبيد، وعلى زَبيد أبو موسى الأشعري، وعلى الجَنَد معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء بن الحَضْرميّ، وعلى نجران جرير بن عبد اللَّه البَجلي، وعلى دُومة الجندل عياض بن غَنْم، وعلى الشام أبو عبيدة وخالد بن الوليد ومَن سَمّينا من الأمراء، وعلى العراق المثنى بن حارثة، وكان قاضيه عمر بن الخطاب، أقام مدة ولايته لم يحتكم عنده أحد، وكتب له زيد بن ثابت وعثمان بن عفان.
فصل في ذكر من كتب لخليفة ثم صار هو خليفة: كتب عثمان لأبي بكر، ثم ولي عثمان الخلافة، وكذا مروان بن الحكم، وكذا عبد الملك بن مروان، كتب لمعاوية على ديوان المدينة، ثم ولي الخلافة.
ذكر مسانيده: قال ابن الرَّقِّي: أسند عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مئة واثنين وأربعين حديثًا، أخرج له في "الصحيحين" ثمانية عشر، المتَّفق عليه فيها ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث واحد، وأخرج له الإِمام أحمد في "المسند" ستةً وثلاثين حديثًا، منها متفق عليه، ومنها أفراد.
__________
= عشرة من الهجرة.
(1) في (أ) و (خ): محمد بن مفرغ. . . أبو رافع، والمثبت من المعارف 177، وانظر ديوانه 86، والكامل 558.
(2) في (أ) و (خ): عمار، والمثبت من الطبري 3/ 427، والمنتظم 4/ 70.
(5/150)
________________________________________
وقال أبو نُعيم: أسند أبو بكر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من المتون سوى الطرق مئةَ حديث ونيفًا بمراسيلها (1).
وروى عن أبي بكر جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وعثمانا، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمرو، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري, وعبد اللَّه بن عمر، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأنس، وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وأبو بَرزة الأسلمي، وأبو أُمامة، ومَعْقل بن سنان، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو موسى، وعمران بن الحُصين، وابن الزُّبير، وعائشة -رضي اللَّه عنهم- في آخرين.

عبد اللَّه بن مِرْبَع الأنصاري
من الطبقة الثانية، وكان أبوه مِربَع من المنافقين، وهو الذي حثا الترابَ في وجه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما خرج إلى أُحد، وأم عبد اللَّه عُميرة بنت ظُهَيْر بن رافع، شهد عبد اللَّه أحُدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واستُشهد يوم جسر أبي عُبيد، وقُتل معه أخوه عبد الرحمن لأمه وأبيه (2).

عبد الرحمن بن العوّام
من الطبقة الرابعة من المهاجرين، شهد بدرًا مع المشركين، ثم نجا، وأسلم عام الفتح، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عبد الرحمن.
هرب عبد الرحمن يوم بدر، ومعه أخوه عبيد اللَّه، ومعهما جمل، وكان عبيد اللَّه أعرج، فركب عبد الرحمن الجمل، وأردف أخاه، فلَقيهما حكيمُ بن حزام ماشيًا مُنهزمًا، فلما رآه عبد الرحمن قال لأخيه عبيد اللَّه: أنزل، فقال له: أنشدك اللَّه فيّ فإني أعرج، فقال: ألا تَنزل لرجل إن قُتلت كفاك، وإن أُسرت فداك، فنزلا عن الجمل، وحملا عليه حكيمًا، فنجى حكيم وعبد الرحمن على قدميه، وأُدرك عبيد اللَّه، فقُتل كافرًا.
استشهد عبد الرحمن يوم اليرموك، وكان له ولد اسمه عبد اللَّه، قتل يوم الدار (3).
__________
(1) معرفة الصحابة 1/ 186.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 278 (545)، والاستيعاب (1403)، والاستبصار 236، والإصابة 2/ 366.
(3) الاستيعاب (1532)، والتبيين 270، والإصابة 2/ 415.
(5/151)
________________________________________
عَتَّاب بن أَسيد
ابن أبي العيص (1) بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن، من الطبقة الرابعة ممن أسلم يوم الفتح، وأمُّه أروى بنت أبي عمرو بن أمية.
استعمله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على مكةَ عام الفتح لما خرج إلى حُنين، وسِنُّه يومئذ ثماني عشرة سنة، وقيل: عشرون، وقيل: خمس وعشرون، ورزقه كلَّ يوم درهمًا، فأقام عَتَّاب للناس الحجَّ في تلك السنة، وهي سنة ثمان، حج بالمسلمين والمشركين.
وقال ابن عباس: قيل لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: استخْلَفْتَ هذا الأعرابيَّ على مكة؟ فقال: "إني رأيتُه في المنام قد أخذ بحلقة باب الجنة، ففُتح له فدخل" (2). وأمر عتاب مناديًا ينادي: لا أجد أحدًا لا يصلي إلا ضربتُ عنُقَه، فكان المسجد يمتلئ حتى يصلي الناس خارجَ المسجد، ولم يزل عَتَّاب على مكة حتى تُوفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأقرّه أبو بكر رضوان اللَّه عليه عليها، فلم يزل واليًا إلى اليوم الذي مات فيه أبو بكر بالمدينة.
فمات عَتَّاب بمكة، وقيل: إن نعي أبي بكر وصل إلى مكة يوم مات عَتَّاب.
وقال عمرو بن أبي عقرب: سمعتُ عَتَّاب بن أَسيد وهو يخطب مستندًا بظهره إلى الكعبة، يحلف باللَّه تعالى: ما أصبتُ في عملي الذي بعثني عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا ثوبين، كسوتُهما مولاي كيسان (3). وكان عَتَّاب قد سُمّ في اليوم الذي سُمّ فيه أبو بكر -رضي اللَّه عنه- (4).

ذكر أولاده: كان له من الولد عبد الرحمن وأبو عثمان وأمية، وأمهم ريطة بنت عبد اللَّه خزاعية (5)، قتل عبد الرحمن وأبو عثمان يوم الجمل، وسنذكره هناك.
وكان لعتَّاب أخٌ اسمه خالد بن أَسيد، أسلم عام الفتح، وكان فيه تِيهٌ شديد، روى
__________
(1) في (أ) و (خ): العاص، والمثبت من طبقات ابن سعد 5/ 446، والمعارف 73، والاستيعاب (2002)، وجمهرة ابن حزم 113، والتبيين 198، والإصابة 2/ 451.
(2) ذكره ابن قدامة في التبيين 198، وانظر الإصابة 2/ 451.
(3) أخرجه الطيالسي في مسنده (1356)، والبخاري في التاريخ الكبير 7/ 54، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن قدامة في التبيين.
(4) المنتظم 4/ 157.
(5) كذا ذكر، وفي طبقات ابن سعد 6/ 35 أن أبا عثمان وأمية من أولاد خالد بن أسيد.
(5/152)
________________________________________
الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان له ولدٌ اسمُه عبد اللَّه، وإليه يُنسب شِعب عبد اللَّه بن خالد، وكان لعبد اللَّه بن خالد من الولد: خالد وأُميّة وعبد العزيز.
ولي خالد بن عبد اللَّه البصرة لعبد الملك بن مروان، وولي أخاه أمية حرب أبي فُدَيك الحَروري، فهزمه أبو فُديك، وكان عبد الملك قد عهد إلى خالد بن عبد اللَّه أن يُولّي المهلَّبَ بن أبي صُفْرة حرب الأزارقة، فخالفه وولّاه جبايةَ الخراج، وولى أخاه عبد العزيز بن عبد اللَّه حرب الأزارقة، فخرج إليهم في ثلاثين ألفًا، وهو يقول: زعم الناس أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلّب، فسوف يعلمون، فلما دنا من عسكر الأزارقة أتاه سعد الطلائع، في خمس مئة فارس، وأعدَّ له من الخمس مئةً، وخرج الكمين واقتتلوا، فانهزم عبد العزيز، وقُتل معظم أصحابه، وتبعهم الخوارج نحو فرسخين، واستباحوا عسكرَه، وأخذوا امرأته، وبلغ عبد الملك فعزل خالدًا، وولّى مكانَه أخاه بشر بن مروان.
وكان لعَتَّاب أختٌ يقال لها: عاتكة بنت أَسيد.
قال محمد بن سلام: أرسل عمر بن الخطاب إلى الشّفاء بنت عبد اللَّه الأموية (1): أن اغدي عليّ، قالت: فغدوتُ، فوجدتُ عاتكة بنت أَسيد ببابه، فدخلنا عليه، فتحدَّثنا ساعةً، فدعا بنَمَطٍ فأعطاها إياه، ودعا بنَمَطٍ دونه فأعطاني إياه، فقلت: تربت يداك يا عمر، أنا قبلها إسلامًا، وأنا بنتُ عمك دونها، وأرسلتَ إليّ، وجاءتك هي من قِبَلها! ؟ فقال: ما كنتُ رفعتُ ذلك إلا لك، فلما اجتمعتُما ذكرتُ أنها أقربُ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منك. ولعتّاب بن أَسيد رواية.

عكرمة بن أبي جهل
من الطبقة الرابعة من المهاجرين، ويُقال: من الخامسة، وأمُّه أمُّ مجالد بنت يَربوع، عامرية، وكان عكرمة من رؤساء الكفّار على منهاج أبيه، وهو الذي كان يوم أُحد على خيل المشركين، وفعل تلك الأفاعيل، وأسلم يوم الفتح وحسن إسلامُه، وصحب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان عكرمة ممن هرب يوم بدر، فكان إذا أجهد اليمين قال: لا والذي نجَّاني يوم بدر، وكان يضع المصحف على وجهه ويقول: كلامُ ربِّي، أو: كتاب ربي.
__________
(1) في الاستيعاب (3457)، والتبيين 202، والإصابة 4/ 356: العدويّة.
(5/153)
________________________________________
واستعمله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عام حجَّ على هوازن، لصدقتها، واستعمله أبو بكر على أهل عُمان لما ارتدُّوا، واستشهد عكرمة باليرموك في أيام أبي بكر، وقيل: بأجنادين، وقيل: بمرج الصُّفَّر، وقيل: على دمشق، والقول الأول أصحّ.
قال سيف: لما رأى عكرمةُ يوم اليرموك غَلَبةَ الروم قال: قاتلتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في كلِّ موطن، وأفرّ من هؤلاء اليوم؟ ! ، ثم قال: مَن يُبايع على الموت، فبايعه أربع مئةٍ من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا بين يدي فُسطاط خالد بن الوليد، فانثنوا جمعيًا جرحى وقتلى، وأُتي خالد بعكرمة جريحًا، فوضع رأسَه على فخذه، وأتي بعمرو بن عكرمة، فوضع رأسه على ساقيه، وجعل يمسح الدم عن وجهيهما، ويقطر الماء في حلقيهما ويقول: زعم ابن حنتمة أننا لا نحب الشهادة (1)، وكان عكرمة يركب الأَسِنَّة حتى أنفَذَتْه، وخالد يقول: ليت ابن حَنْتمة ينظر إلى ابن عمي كيف يركب الأسِنّة.
وقال الشيخ موفق الدين: ترجّل عكرمة يوم اليرموك، فقال له خالد: لا تفعل؛ فإن مُصابك على المسلمين شديد، فقال: دَعْني يا خالد، فإنه كانت لك مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سوابق، ثم قاتل قتالًا شديدًا، فوجدوا به بضعًا وسبعين جِراحة (2). ولعكرمة رواية عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (3).

عمرو بن أوس
ابن عَتيِك الجُشَمي، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أُحدًا وما بعدها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وأخوه الحارث بن أوس قُتل بأجنادين، وأخوهما عُمَير بن أوس قتل يوم الحَرَّة (4).
__________
(1) تاريخ الطبري 3/ 401.
(2) التبيين 365.
(3) انظر في ترجمته طبقات ابن سعد 5/ 444 - 445 و 7/ 404، والاستيعاب (1991)، والمنتظم 4/ 155 - 157، والإصابة 2/ 496.
(4) في طبقات ابن سعد 4/ 245 - 246 أن المقتول يوم الحرة هو عامر بن أوس، وأن عمير بن أوس قتل يوم اليمامة، وانظر الاستيعاب (1755) و (408) و (1713)، والإصابة 2/ 525.
(5/154)
________________________________________
عمرو بن سعيد بن العاص
أبو عتبة. من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم قديمًا بعد أخيه خالد بيسير، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وقدم مع جعفر إلى خيبر، وشهد الفتح وحُنينًا والطائف وتبوك، واستعمله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على خيبر ووادي القرى وتيماء وتبوك، ولما خرج المسلمون إلى الشام كان ممن خرج، فقُتل بأجنادين سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر، وعلى الناس عمرو بن العاص، وقيل: استشهد باليرموك، وقيل: بمرج الصُّفَّر، وقيل: بفِحْل (1).

عياش بن أبي ربيعة
ذي الرُّمحَين (2)، عمرو بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم قديمًا قبل أن يدخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دار الأرقم، وكُنيته أبو عبد اللَّه، وكان من المستَضْعَفين الذين يُعذَّبون بمكة في اللَّه تعالى، وهو أحد الذين كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقنت في الصلاة ويدعو لهم.
وأم عيّاش: أسماء بنت مُخَربة، من بني دارم، وهي أم أبي جهل والحارث، واستشهد عياش باليرموك، وقيل: با يمامة، وقيل: مات بالمدينة، وقيل: بمكة، وقال البخاري والدارقطني وابن منده وابن ماكولا: مات بالشام في فتح عمر (3).
أسند عياش الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

أولاد عياش: كان له من الولد عبد اللَّه، أبو الحارث، وكان رجلًا صالحًا، يصحب عبد اللَّه بن عمر في الأسفار فيصوم، فكان [ابن] عمر يأمر له بسحور.
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 94، والاستيعاب (1735)، وتاريخ دمشق 13/ 446 (مخطوط)، والتبيين 191، والإصابة 2/ 539.
(2) في (أ) و (خ): ذو الرمحين، وهو خطأ، فإنه لقب أبيه، لا لقبه، انظر التبيين 375، وتاريخ دمشق 13/ 798 (مخطوط)، وانظر ترجمة عياش في طبقات ابن سعد 4/ 120 و 8/ 5، والاستيعاب (1924)، والإصابة 3/ 47.
(3) التاريخ الكبير 7/ 46، والمؤتلف والمختلف 1562، والإكمال 6/ 64 - 65، وتاريخ دمشق 13/ 800 - 801.
(5/155)
________________________________________
وابنه الحارث بن عبد اللَّه روى عنه الحديث، وابنه عبد الرحمن بن الحارث روى عنه الحديث والعلم، وابنه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث فقيه أهل المدينة بعد مالك، عرض عليه الرشيد هارون قضاء المدينة، وأجازه بأربعة آلاف دينار على ذلك فأبى، ورد المال، فأراد هارون أن يُلزمه فقال: واللَّه لأن يخنقني الشيطان أحبُّ إليَّ من أن أتقلّد القضاء، فأعفاه وقال: ما بعد هذا غاية، وأجازه بألفي دينار.
وكان لعياش أخٌ يقال له: عبد اللَّه بن [أبي] ربيعة، أسلم يوم الفتح، وولّاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الجَنَد ومخاليفها، فلم يزل واليًا عليها حتى قتل عمر بن الخطاب، ويقال: إن عمر ولّى عبد اللَّه اليمن وصنعاء والجَنَد، ثم ولّاه عثمان، فلما حُصِر عثمان جاء من اليمن في نُصرته، فسقط من راحِلته بقُرب مكة فمات.
روى عبد اللَّه الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان له من الولد الحارث القُباع، وسنذكره، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وكان من وجوه قريش، وتزوّج أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضوان اللَّه عليه بعد طلحة بن عبيد اللَّه -رضي اللَّه عنه-، وحلف أن لا يعطي بني مروان طاعة، فوفى بيمينه (1).

فائد بن عمارة
ابن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكانوا ثلاثة إخوة: فائد وعبد الرحمن وهشام بنو عمارة، ولم يدرك منهم أحدٌ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقيل: الذي لم يدركه فائد، وإنما أدرك زمانه، والكل أولاد أخي خالد بن الوليد، وكلّهم استشهدوا، واستشهد فائد بفِحْل، وقيل: مات باليمن في حياة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وفائد هو الذي طلَّق فاطمة بنت قيس البتة وهو غائب، فأتت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: لا نفقةَ لك.
وقال ابن عبد البر: بعثه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى اليمن لما بعث معاذًا، فطلّق فاطمة بنت قيس، وبعث بطلاقها، الحديث.
قلت: هذا كلام مضطرب، فإنه قال: لم يدرك فائد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنما أدرك
__________
(1) التبيين 376 - 378.
(5/156)
________________________________________
زمانه، ثم إنه قال: مات باليمن في حياة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثه إلى اليمن، وذكر حديث طلاقه فاطمة بنت قيس، ويحتاج ذلك إلى تحقيق (1).

فراس بن النَّضْر
ابن الحارث بن علقمة بن كَلَدة بن عبد مناف، وأبوه النضر الذي قتله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كافرًا بالصَّفْراء لما فصل من بدر.
وفراس من الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمُّه زينب بنت النبّاش بن زرارة، أسديّة، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة المرة الثانية، واستشهد باليرموك (2).

قيس بن السكن بن قيس
من الطبقة الأولى من الأنصار، من بني النجّار، وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكنيته أبو زيد، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، واستشهد يوم جسر أبي عُبيد (3).

منصور بن عُمَير
ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ، أبو الرُّوم، من الطبقة الثانية من المهاجرين، وهو أخو مصعب بن عمير لأبيه، أسلم قديمًا، وفي هجرته إلى الحبشة خلاف، ولما قُتل أخوه مصعب يوم أحد دخل المدينةَ منصورٌ ولواء المهاجرين بيده، واستشهد يوم اليرموك، وأمه روميّة، ولم يشهد بدرًا (4).

النُّضَير بن الحارث
عمُّ فراس بن النَّضْر المذكور آنفًا، والنُّضير من الطبقة الرابعة، من مُسلمة الفتح،
__________
(1) انظر تاريخ دمشق 14/ 194 و 10/ 62، والإصابة 3/ 199 و 2/ 413.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 114، والاستيعاب (2085)، وتاريخ دمشق 14/ 204، والتبيين 248، والإصابة 3/ 202.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 476، والاستيعاب (2101) , والاستبصار 41، والإصابة 3/ 250.
(4) طبقات ابن سعد 4/ 114، والاستيعاب (2924)، وتاريخ دمشق 17/ 232، والتبيين 245، والإصابة 3/ 462.
(5/157)
________________________________________
وكان ممن خرج مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى حُنين، ينتظر الدبرة عليه، فلما نصره اللَّه لقي النُّضير فقال له: يا نضير، هذا خيرٌ مما أردتَ، فقال: يا رسول اللَّه، واللَّه ما خرجت إلا لأغتالك، أو تكون الدبرة عليك، فأعين عليك، وأما الآن فقد أراد اللَّه غير ذلك، وأطلعك على ما في نفسي، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأسلم وحسن إسلامه، وأعطاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مئةً من الإبل مع المؤلفة قلوبهم، ولما عاد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة من حُنين هاجر معه، وأقام حتى تُوفّي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وخرج إلى الشام غازيًا، فقتل يوم اليرموك شهيدًا، وكان يُعدُّ من حُلَماء قريش.
وقال البلاذري: هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة فارتدّ عن الإِسلام، ثم أسلم يوم الفتح (1).
وقال الزبير: كان يحمد اللَّه على ما من به عليه من الإِسلام، وحيث لم يمت على ما مات عليه أخوه وأبوه، ولما أمر له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمئة من الإبل يوم حنين، توقف في أخذها، وقال: إنما أسلمتُ للَّه، لا على رشوة، ثم قال: ما سألتُها، فأخذها وأعطى الذي بَشَّره بها عشرةً منها، وكان رجلًا من الدّيل (2).

نُعَيم بن عبد اللَّه بن أَسيد العدوي
وهو النَّحّام، أسلم قديمًا قبل عمر بن الخطاب، بعد ثمانيةٍ وثلاثين إنسانًا، وهو التاسع والثلاثون، وقيل إنه أسلم بعد عشرة، ولم يزل مُقيمًا بمكة، يحوطه قومه وأهلُه لشرفه، حتى كان إلى زمن الحُدَيبية؛ لأنه كان يُنفق على أرامل بني عدي وأيتامِهم لشرفه، وهو من الطبقة الثانية.
شهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الحُدَيبية وما بعدها، وقدم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سنة ستّ، ومعه أربعون من أهله، فاعتنقه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقبَّله، وقيل: وسمّي النّحام لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دخلتُ الجنة، فسمعتُ نَحْمَة من نُعيم".
وروي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: "يا نُعيم، إن قومَك خيرٌ من قومي، إن قومي
__________
(1) أنساب الأشراف 5/ 26.
(2) طبقات ابن سعد 6/ 65، والاستيعاب (2627)، وتاريخ دمشق 17/ 580، والتبيين 247، والإصابة 3/ 557.
(5/158)
________________________________________
أخرجوني، وقومك أقرُّوك", فقال: يا رسول اللَّه بل قومك خير, قال: "لم؟ ", قال: لأنهم أخرجوك إلى الهجرة، وقومي حبسوني عنها.
استشهد نُعَيم باليرموك، وقيل: بأجنادين، وقيل: إنه قُتل بمؤتة مع زيد بن حارثة (1).

واقد بن عبد اللَّه
ابن عبد مناف بن عزيز التميمي، من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا، وآخى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين بشر بن البراء بن مَعرور، وهاجر إلى المدينة، فنزل على رِفاعة بن عبد المنذر، وهو الذي كان في سريّة عبد اللَّه بن جحش إلى نخلة، وقتل يومئذ عمرو بن الحَضْرمي.
شهد واقد بدرًا وأُحدًا والمشاهد كلها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتوفي في هذه السنة، وليس له عقب (2)،

هبَّار بن سفيان
ابن عبد الأسد المخزومي، [وكان قديم الإِسلام بمكة]، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية بالاتفاق، وقتل بأجنادين، وقيل: باليرموك.
وهبَّار من الطبقة الثانية من المهاجرين، وقد وهم البخاري في هذه الترجمة، فجمع بين هبَّار بن سفيان، وهبار بن الأسود، فجعلهما واحدًا وهما اثنان، هذا مخزومي (3).
وهبَّار بن الأسود بن المطَّلب بن عبد العُزّى، أسديّ، وهو الذي نَخَس جملَ زينب
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 129، والاستيعاب (2599)، والمستدرك 3/ 259، والمنتظم 4/ 157، وتاريخ دمشق 17/ 618، والتبيين 433؛ والإصابة 3/ 567.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 362, والاستيعاب (2712)، والمنتظم 4/ 159، والإصابة 3/ 628، ومن قوله: وهاجر إلى المدينة. . . إلى هنا ليس في (أ).

(3) انظر في ترجمة هبار بن سفيان طبقات ابن سعد 4/ 126 و 6/ 97، والاستيعاب (2674)، والتبيين 385، والإصابة 3/ 599.
(5/159)
________________________________________
بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأسقطت، وقتل يوم أحد عشرةً من الصحابة، وأباح النبيُّ دمَه، وكان في الشَّراة مع النَّفر الذين كانوا مع عُتيبة بن أبي لهب، وعقره الأسد باللَّفَّاء (1)، وكان لهبّار دارٌ بدمشق في زقاق صفوان، ثم أسلم، وهو من الطبقة الرابعة، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد قتل يوم بدر أخويه ربيعة وعقبة ابني الأسود، وابن أخيه الحارث بن معاوية (2).
وعبد اللَّه بن سفيان أخو هبَّار لأبيه وأمه، وهاجر إلى الحبشة، وقتل باليرموك شهيدًا في أيام عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-.

هشام بن حكيم بن حِزام الأسدي
كان من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وكان عمر بن الخطاب إذا أنكر الشيء يقول: لا يكون هذا ما عشتُ أنا وهشام بن حكيم.
مرّ هشام بعُمَير بن سعد وهو يُعذّب الناس على الجِزية بالشمس، فقال له: ويحك يا أعور، ما هذا؟ سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن اللَّه يُعذِّب الذين يُعذّبون الناس في الدنيا" (3)، فخلَّى سبيلَهم، وفي رواية: أنه مرَّ بفلسطين وعياض بن غَنْم يُعذّب الناس (4).
استشهد هشام في حياة أبيه بأَجنادين، وكانت له ولأبيه صُحبة ورواية (5).

هشام بن العاص بن وائل
أخو عمرو، أسلم قديمًا بمكة، وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين، وكنيته أبو العاص (6)، وسمّاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا مُطيع، وشهد له بالإيمان, وكان أصغر من أخيه
__________
(1) في النسخ: باللقاء، والمثبت من تاريخ دمشق 38/ 303. وغيره من المصادر.
(2) انظر في ترجمة هبار بن الأسود طبقات ابن سعد 6/ 60، والاستيعاب (2675)، والتبيين 285، والإصابة 3/ 597.
(3) أخرجه أحمد (15330)، ومسلم (2613).
(4) أخرجها أحمد (15333).
(5) طبقات ابن سعد 6/ 57، والاستيعاب (2647)، وأنساب الأشراف 5/ 66، والتبيين 272، وأسد الغابة 5/ 399، والإصابة 3/ 603.
(6) في (أ) و (خ): أبو العباس، والمثبت من أنساب الأشراف 5/ 342، والإصابة 3/ 604، وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد 4/ 178، والمعارف 285، وطبقات خليفة (148) و (2821)، والجرح والتعديل 9/ 63، =
(5/160)

عمرو، وهاجر إلى الحبشة المرة الثانية، ثم قدم مكة يريد الهجرة إلى المدينة لما بلغه مهاجر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة، فحبسه أهله، فهرب بعد الخندق إلى المدينة، فشهد ما بعد الخندق من المشاهد.
وكان شريفًا في قومه، فقيل لأخيه عمرو: أيّما أفضل أنت أم أخوك؟ قال: احكموا بيننا، أمُّه حَرْملة بنت هشام بن المغيرة، وأمي النابغة من بني عَنَزة، وكان أحبَّ إلى أبيه مني، وعُرِضْتُ أنا وإياه على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقبله وتركني (1)، وهاجر قبلي، واستبقنا إلى اللَّه يوم اليرموك فسبقني، فأيّنا أفضل؟ !
وقال هشام: بعثني أبو بكر إلى دمشق رسولًا إلى ملك الروم ندعوه إلى اللَّه تعالى، فخرجتُ أنا ورجل من قريش، فقَدِمنا الغوطة، فنزلنا على جَبَلَةَ بن الأَيْهم الغسّاني، فإذا عليه ثيابُ سواد، فقلنا: ما هذا؟ قال: لَبِستُها، وحلفتُ أني لا أَنزِعها حتى أُخرجَكم من الشام، فقلت: نحن نُخرجك، ونَملك مجلسَك هذا إن شاء اللَّه تعالى، ونأخذ مُلكَ هرقل، قال: ومن أين لكم هذا؟ ! قلتُ: أنبأنا به نبيُّنا -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ثم دخلنا على الملك فأكرَمَنا، وأخرج إلينا صُورًا في خِرق الحرير، في كلِّ خِرقَةٍ صورة نبيٍّ، حتى أخرج لنا خِرقةً فيها صورةُ نبينا، وزعم أن تلك الصُّور أنزلت على آدم، واستخرجها ذو القرنين من مَطلع الشمس، من خزانة آدم، فدفعها إلى دانيال الأكبر (2).
واستشهد بأجنادين، وقيل باليرموك، وقيل بموج الصُّفَّر.
وقال الواقدي: كان هشام رجلًا صالحًا، رأى من المسلمين يوم أَجنادين بعضَ التقصير، فرمى المِغفَر عن رأسه وصاح: إليَّ إليَّ أيها الناس، أمن الجنَّة تَفِرّون، أنا هشام بن العاص، وقاتل حتى قُتل، فوقع في ثُلمةٍ فسَدَّها، وكان العدوُّ فيها، فهاب
__________
= والثقات 3/ 433، وجمهرة أنساب العرب 163، والمستدرك 3/ 240، والاستيعاب (2648)، والتبيين 465، والمنتظم 4/ 158، وأسد الغابة 5/ 401، والسير 3/ 86.
(1) كذا، والذي في المصادر السالفة: عرضنا أنفسنا على اللَّه فقبله وتركني.
(2) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 1/ 386 - 390، وابن عساكر في تاريخ دمشق 47/ 161 - 166، وانظر الإصابة 3/ 604 - 605.
(5/161)

المسلمون أن يَطؤوه بخيولهم، فصاح عمرو أخوه: أيها الناس، إن اللَّه قد استشهده، ورفع درجتَه، فأوطئوه الخيول، فأوطؤوه حتى قطعوه، فجعل عمرو بعد ذلك يجمع عظامَه وأوصالَه في نِطع حتى واراه.
وقال سيف: استشهد هشام باليرموك، وأُصيب معه ثلاثةُ آلاف، منهم سبعون من بني سهم (1).

يزيد بن قيس بن الخَطيم الأنصاري
من بني ظَفَر، من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمُّه حَوّاء بنت يزيد بن السَّكن، أشهليّة، وكانت من المبايعات، شهد أحدًا وما بعدها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وأبوه قيس وافى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذي المجاز، ولم يسلم، قتلتْه بنو سَلِمة.
قال ابن سعد: كان قيس بن الخَطيم شاعرًا، وكُنيته أبو يزيد، فوافى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذي المجاز، فدعاه إلى الإِسلام، وجعل يَرفُق به ويكنيه، فقال قيس: ما أحسن ما تدعو إليه، ولكن الحرب شغلتني عنك، وقد بلغك الذي بيننا وبين قومنا، فأَقْدِم المدينةَ وانظر وأرجع إليك، وكانت امرأتُه حواء قد أسلمت، فأوصاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بها، وقال: "احفظني فيها"، فقال: أفعل، فقدم المدينة، فقال: يا حواء، إن محمدًا أوصاني بك، وسألني أن أحفَظَه فيك، وأنا فاعل، فغَدتْ بنو سلمة فقتلتْه ولم يكن أَسلم (2).

أبو عُبيد بن مسعود بن عمرو الثَّقفي
وأبوه مسعود عظيم القريتين، الذي نزل فيه قوله تعالى {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)} [الزخرف: 31] والقريتان مكة والطائف (3).
وولد مسعود أبا عُبيد وسعدًا، فأما أبو عُبيد فهو الذي جَهّزه عمر -رضي اللَّه عنه- مع المثنّى ابن حارثة، فقدم العراق، وشنَّ الغارات على الفُرس، واستشهد يوم الجسر، وكان
__________
(1) أخرجه الطبري 3/ 402.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 261، وانظر الاستيعاب (2746) والاستبصار 258، والإصابة 3/ 661.
(3) انظر تفسير الطبري 20/ 580 - 583.
(5/162)

شجاعًا جوادًا شريفًا ورعًا حسنَ العِشرة والمواساة، وكان له من الولد مُختار وجَبْر وأسيد وصفيّة.
فأما المختار فنذكره، وأما جَبْر فقُتل يوم الجسر، وأما صفيّة فتزوّجها عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وأما سعد بن مسعود فولّاه علي رضوان اللَّه عليه المدائن، وله عَقِبٌ بالكوفة (1)، وهو الذي قال له المختار بن أبي عُبيد: سَلّم الحسن بنَ علي إلى معاوية لما استشهد علي -رضي اللَّه عنه-.
* * *
__________
(1) المعارف 400 - 401، وانظر الاستيعاب (3041)، والإصابة 4/ 130.
(5/163)

السنة الرابعة عشرة (1) من الهجرة
وفيها كانت وقعةُ القادسيّةِ، وإنَّما سُمِّيت القادسيّة لأن إبراهيم الخليل عليه السلامُ قَدَّسها وبارك حولها، أو عليها، وذكرها الجوهري فقال: ويُقال: إنَّ القادسية دعا لها إبراهيم بالقدُس، وأن تكون مَحَلَّة الحاجّ (2).
وقال هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: لمَّا خرج ابراهيمُ عليه السلام من كُوثى -وهي محلَّةُ بأرضِ بابل- مُهاجرًا إلى اللَّه، كان راكبًا على حمارٍ، ومعه ابنُ أخيه لوط عليه السلام يسوق غَنَمًا له، فنزلوا بقريةٍ يُقال لها: بانِقْيا، وكانت تُزَلْزَلُ كلَّ ليلةٍ، فبات بها يُصلّي طولَ ليلته، فلم تُزلزل في تلك الليلةِ، فاجتمع إليه أهلُها، وسألوه المقام عندهم، فأبى، ثم رحل إلى القادسيةِ، فجاءته عجوز بغَسولٍ فقالت: أراك شعثًا، اغسِلْ بهذا رأسَك ولحيتَك، ففعل، ثم قال لمكان القادسيةِ: كوني مُقَدَّسةً، فيك ينزلُ وَفدُ اللَّه، وفيك تحطُّ رحالُهم، فسمِّيت القادسيةُ بدعوته (3).
قال: ولمّا مرَّ بموضعِ جامع الكوفة وَجد أساسه الذي بناه نوحٌ قائمًا، وكان قد نسفه الغرقُ فاشتراه بالحمار، ورفعه مقدارَ ذراعٍ، ثم خرج إلى الجزيرة، ومرَّ بحرّان، وقد ذكرنا طرفًا منه في ترجمته (4).

ذكر السبب الذي أهاج أمر القادسيّة
لما مَخَرَ المثنى بن حارثة بلادَ فارس بالغارات ما بين دجلة والفرات اجتمع أهل فارس إلى رُستم والفَيرزان -وكانا مختلِفَيْن- فقالوا لهما: قد أوهنتُما مملكةَ فارس، وأطمعتُما فينا عدوَّنا، وما بعد ساباط إلا المدائن، فإما أن تتَّفقا، وإلا ذهبت المدائن، وذهب ملك فارس، ولولا أن في قتلكما وَهَن فارس لقتلناكما، وإن قتلكما أهونُ من
__________
(1) في (أ) و (خ): السنة الثالثة عشرة، وهو خطأ.
(2) الصحاح (قدس).
(3) المنتظم 4/ 219 - 220، وانظر معجم ما استعجم 1/ 222، ومعجم البلدان 4/ 291، والروض المعطار 447.
(4) من هنا إلى قوله: فصل وقد مدح بعض الناس الكوفة، ليس في (ك)، وهو دليل على الاختصار.
(5/164)

شماتة الأعداء بنا، فأرسل رستم والفيرزان إلى بوران بنت كسرى: سلي نساء كسرى وسراريّه، هل له ولد، فأرسلت إليهن، فأَنْكرن، فهُدِّدنَ بالعذاب، فأَقْررَرْن بغلامٍ اسمه يَزْدَجِرد، من ولد شَهْريار بن كسرى، وأنه عند أمِّه، وهي من أهل بادَرايا (1)، فأرسلوا إِلى أمه، فجاءت وهو معها، فسألوها عنه، فقالت: كنا في القصر الأبيض، فلما قتل كسرى الذّكور من أولاد الملوك، هربتُ به إلى أخواله خوفًا عليه، وكان ابنَ إحدى وعشرين سنة، فملّكوه عليهم.
وهو يزدجرد بن شَهْريار بن أبرويز، وسمّي المشؤوم؛ لأن الفُرس كانت ترى أنه يزول مُلكهم على يده، وصِغر سِنّه هو الذي أوجب تمليك بوران وأختها، وقيل: كان قد نُفي إلى خراسان، فأحضروه وهو ابن خمس وعشرين سنة، ومَلّكوه عليهم، واستقام أمرُ فارس على يد يزدجرد في هذه السنة، فجلس على سرير الملك، وقال كلمات حُفظت عنه، منها: إن بالعدل والسياسة يتمُّ الملك، وبالإحسان يستعبد الأحرار. وأقام واليًا عشرين سنة، حتى زال مُلك فارس على يده في أيام عثمان.
ولما ولي رتّب الأمور، وأخرج الأموال، وجهّز الجيوش إلى الحيرة والأنبار والأُبُلّة وكَسْكَر وما بيّن دجلة والفرات.
وانحاز المثنى إلى خَفَّان، وكتب إلى عمر يُخبره بذلك، فلم يَرِد جوابُه، حتى كفر أهلُ السواد ونَقضوا العهد، فجاء كتابُ عمر يَأمر المثنى بأن يَخرجوا من بيّن ظَهرانَي الفرس، وأن يتفرّقوا في المياه التي في البرية، حتى يأتيهم المدد، فنزل المثنّى بذي قار، وهو مكان بيّن الحجاز والعراق، ونزل جرير بن عبد اللَّه في البرّية، وكتب عمر إلى القبائل يَستَنْفرهم ويقول: الوحا الوحا، العَجَل العَجَل، فوافَوْا إليه من كلّ مكان.
وخرج عمر في أول المحرم سنة أربع عشرة، فعسكر بماءٍ يُدعى صِرارًا، وفي عَزْمِه أن يَسير بنفسه إلى العراق، ولا يَعلم الناسُ بما في قلبه، وكان مَهيبًا، فأقام، ولا يدري الناس أيُقيم أو يَسير، وكان لا يقدم عليه أحدٌ من الناس إلا عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكان الناس إذا أرادوا منه شيئًا رَمَوْه بأحد الرَّجلين، وكان عثمان
__________
(1) في تاريخ الطبري 3/ 477، وتجارب الأمم 1/ 196، والمنتظم 4/ 151: بادوريا.
(5/165)

يُدعى في أيام عمر رَديفًا -والرَّديف الذي بعد الرَّجُل- وكان العباس ممن يقدم عليه أيضًا، فاجتمع الناس إلى عثمان، وسألوه أن يسأله ما الذي يريد أن يفعل، فسأله, فنادى عمر: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فأخبرهم باجتماع الناس على يزدجرد، واتّفاق الفرس عليه الخاصّ والعام، فقال عامّة الناس: سِرْ ونحن معك، فدخل من ورائهم (1) وقال: وأنا معكم، اللهمَّ إلا أن يَحضر رأيٌ هو أَمثلُ من هذا، ثم بعث إلى أهل الرأي من الصحابة وأشراف العرب، فاجتمع مَلَؤهم على أن يُقيم، وَيبعث بعض الصحابة، ويُمدّه بالجنود، فإن كان الفتح، وإلا نَدب آخر وآخر.
وكان عمر قد استخلف عليًا على المدينة، فأرسل إليه ليَحضر، وكان قد جعل طلحة على أحد المُجَنبَتيْن، والزبير على الأخرى، وعبد الرحمن في المقدّمة، وقيل إن طلحة كان في المقدمة، فحضر الجميع، فاستشارهم، فأشار طلحة بالمسير، وأشار علي وعبد الرحمن بن عوف بالمقام، قال عبد الرحمن: فما فَديتُ أحدًا بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأبي وأمي غيره، وقلت: ليس هَزْم جيوشك كهزيمتِك، فأَقِمْ وابعث الجيوش، وقال له علي: إذا سَلِم الرأس سلم سائر الجسد، وإذا عَطِب عطب الجميع، فقال: إنما أنا كرجلٍ منكم، وحيث صدَفْتموني عن المسير فأشيروا عليَّ مَن أبعث، فقال عبد الرحمن بن عوف: عليك بالأسد في بَراثنه؛ سعد بن مالك، يعني: ابن أبي وقّاص، فاتّفق الجميع.

ذكر مسير سعد -رضي اللَّه عنه- إلى العراق
وكان سعد على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر، فقدم عليه، فقال له: يا سعد، [سعد] بني وهيب، قد أمّرتك على العراق، فلا يَغُرنّك من اللَّه قول الناس: خال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصاحبه، فان اللَّه لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، وليس بين اللَّه وبين أحد [نسبٌ] إلا طاعته، فشريفُ الناس ووضيعُهم عند اللَّه سواء، اللَّه ربُّهم وهم عباده، فانظر إلى الأمر الذي بُعث فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أن فارقنا عليه
__________
(1) كذا، وفي تاريخ الطبري 3/ 480، وتجارب الأمم 1/ 197، والكامل 2/ 450: فدخل معهم في رأيهم، وكره أن يدعهم حتى يخرجهم منه في رفق.
(5/166)

فالزمْه (1)، وإنك قادمٌ على أمرٍ شديدٍ كريهٍ، لا يخلص منه إلا بالحق، فالصبر الصبر، وذكر وصيَّة عامة، ثم عرض الجُند، فجاءت كندة، فأعرض عنها مرارًا، ثم قال: إني منهم لمتردّد، ثم أمضاهم على كُرهٍ منه، وكان منهم سودان بن حُمْران قاتل عثمان رضوان اللَّه عليه، وابن مُلجم قاتل عليّ كرم اللَّه وجهه، فسار سعد في سبعة آلاف، منهم ثلاث مئةٍ وستون من الصحابة، منهم ثمانية وعشرون من أهل بدر، والباقون ممن صحب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ما بيّن بيعة الرضوان إلى وفاته، وسبع مئة من أبناء الصحابة، ومن أشراف العرب خلقٌ كثير، وكان عمر قد قال: واللَّه لأضربنّ ملوك العجم بملوك العرب، فلم يدع رئيسًا إلا وبعث به مع سعد وأمدّه به.
وجاء سعد فنزل القادسية، وانضاف إليه جيش المثنّى في ثمانية آلاف، وكان المثنى قد مات من الجراحة التي أصابته يوم الجسر، وكتب عمر إليه وإلى جرير بطاعة سعد، فتكامل عنده بالقادسية تسعة وثلاثون ألفًا، وقيل تسعة وعشرون ألفًا، وهو الأصح، وجاءت القبائل من كلِّ وَجْه.
ولما بلغ يَزْدَجِرد نزولهم القادسية، جهّز إليهم الجيوش، وولّى حربَهم رستم بن الفَرُّخْزاذ، ويُعرف بالأرمنيّ، وقدم الجالينوس في مقدّمته في أربعين ألفًا، وجعل على الميمنة الهُرْمزان في أربعين ألفًا، وعلى الميسرة مِهْران بن مهران في أربعين ألفًا، ورستم في المقدمة في مئة وعشرين ألفًا، ومعهم ثلاثون فيلًا عليهم المقاتلة والسلاح، وانضمَّ إليهم دهاقين السواد، فصاروا في ثلاث مئة ألف.
فكتب سعد إلى عمر يُخبره بجمع القوم، فكتب إليه عمر: لا يَكثُر بك (2) ما يأتيك عنهم، ولا [ما] يأتونك به، واستعن باللَّه عليهم، وتَوكَّل عليه، وابعث إليهم رجلًا من أهل الرأي والنَّظر، يدعوهم إلى اللَّه تعالى.
فبينا سعد على هذا العزم إذا برسول رستم قد جاء يقول: ابعثوا إلينا رجلًا عاقلًا يبين إلينا ما الذي جاء بكم إلينا، فقال المغيرة بن شعبة: أنا ذلك الرَّجل، فسار إليه،
__________
(1) في الطبري 3/ 483، وتجارب الأمم 1/ 198: فانظر الأمر الذي رأيتَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه، منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه.
(2) في الطبري 3/ 495: لا يكرُبنك.
(5/167)

فلما دخل عليه جلس معه على سريره، فنخر أصحابُه وصاحوا، فقال المغيرة: هذا شيءٌ لم يَزِدْني رِفعة، ولم يَنقص صاحبَكم، قال رستم: صدق، فقال له رُستم: ما الذي جاء بكم إلينا؟ فقال: إن اللَّه بعث إلينا رسولًا؛ فهدانا من الضَّلالة، وأنقذنا من الجهَالة، وأمرنا بجهادكم، فإن قَتلتمونا دخلْنا الجنة، وإن قتلْناكم دخلتُم النار، أو تُؤدّون الجزيةَ إلينا، فقال رستم وأصحابُه: لا صُلحَ بيننا وبينكم.
وقال الهيثم: بعث رستم إلى سعد يَطلب جماعةً لهم رأيٌ وعقل، فأرسل إليه بجماعة فيهم المغيرة بن شعبة ومَعبَد بن مُرّة، فقال لهم معبد (1): دعوني أتقدَّمكم، فإن أتينا جميعًا رأونا قد احتَفَلْنا لهم، فقالوا: تقدَّم، فجاء وقد بسط رستم النَّمارق والوسائد، وأظهر اليواقيت واللآلئ والزينة العظيمة وجلس على سرير من ذهب، ولبس تاجَه، فجاء معبد على فرسٍ له قصير، ورُمحُه مشعوب، وسيفُه خَلَق (2)، فاقتحم البساط بفرسه، ونزل فربطه بين وِسادتين، وعليه عباءة قد خلّها بخلال، فقال رستم: فرع سلاحَك، فقال: لا أَضعُه، أنتم دعوتموني، فإن أكرهتموني على وَضعِه رجعتُ، فقال رستم: دعوه، ثم قال له: ما الذي أَقدَمَكم علينا، فردَّ عليه مثل ما قال المغيرة، فقال رستم: أَخِّرونا حتى نَنظُرَ في هذا الأمر، فقال: لا نُؤخّركم أكثرَ من ثلاث، فإما أن تُسلموا، أو تُؤدّوا الجزية، وإلا قاتلناكم، فمال رُستم إلى الصُّلْح، فنهاه أصحابُه وقالوا: أيُّ قَدرٍ لهذا الأعرابي، أما ترى زِيَّه وثيابَه، فقال رستم: لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام، فإن العرب تَستخفُّ الثياب، وتَصونُ الأحساب،
فقال (3): قد أمرتُ لأميركم بكُسوة وألفِ درهم وبغْلٍ، وتنصرفون، فقال المغيرة: أبعد أن أَوْهَنّا مُلككم، وضَعْضَعْنا عِزَّكم، ولنا مدَّة نَمخر بلادَكم، ونأخذ الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدًا على رَغمكم، فاستشاط رُستُم غضبًا وقال: واللَّه لا تَرتفعُ الشمسُ غدًا حتى أقتلَكم أجمعين، فقال له المغيرة: ستعلم وتندم، ثم قال
__________
(1) في الطبري 3/ 518 أن القائل ربعي بن عامر، وهو الذي دخل على رستم.
(2) في الطبري 3/ 519: معه سيف مَشوف، وغمده لفافة ثوب خلق، ورمحه معلوب بقدّ. اهـ. والمعلوب: الذي حُزم مقبضه بعِلْباء البَعير، والعِلْباء: عَصبٌ في عنق البعير يؤخذ ويُلَفُّ على المقبض. والمشوف: المجلوّ.
(3) رجع الحديث إلى خبر المغيرة، والقائل هو رستم.
(5/168)

رستم: إما أن تَعبروا إلينا أو نَعبر إليكم، فقال المغيرة: بل أنتم فاعبروا، فنصبوا الجسر وعبروا، فصاروا غربيّ الفرات.
وكتب سعد كتابًا إلى عمر يخبره الخبر، فكتب إليه وصيَّةً بالغة، منها: كونوا أشدَّ الناس احتراسًا من المعاصي بينكم، من عدوّكم، فإن ذُنوبَ الجيش أخوفُ عليهم من عدوِّهم، وإنما يُنصر المسلمون بمَعصية عدوِّهم، ولولا ذلك لم يكن لنا بهم قُوَّة؛ لأن عَددنا ليس كعددهم، وقوَّتنا ليست كقُوَّتهم، فإن استَوينا في المعصية كان لهم الفضلُ علينا في القوة.
واعلموا أن عليكم من اللَّه حَفَظة في مسيركم وإقامتكم، يعلمون ما تفعلون، فاستَحيُوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي اللَّه وأنتم في سبيله، ولا تقولوا عدوُّنا شرٌّ منا، فلن يُسَلَّط علينا وإن أسأنا، فرُبَّ قومٍ سُلِّط عليهم مَن هو شرٌّ منهم، كما سُلّط علي بني إسرائيل لما عملوا بالمعاصي مَن هو شرٌّ منهم، فجاسوا خلال الديار، وكان وعد اللَّه مفعولًا، وذكر ألفاظًا أُخر، وقال:
وإياكم وقُرى أهلِ الذِّمّة والصلح، ولا يدخلنَّها منكم إلا الموثوق بدينه وأمانته، فإن لهم حُرمة وذِمامًا، ولا تُروا أهلها شيئًا، ولتَنْتَقِ للطلائع أهلَ الرأي والنَجدةِ والصِّدقِ، وتخيَّر لهم سوابقَ الخيل، ولا تُعاجلوا العدوَّ بالقتال ما لم يَستكرهوكم عليه، وأبصروا عورات عدوِّكم، ومن أين يُؤتى، وأقيموا الحرس، واحذروا من البَيات، ولا تُؤتَوا بأسيرٍ له عهد إلا قتلتموه؛ لتُرهبوا به عدوَّكم، والسّلام (1).
ولما رحل رستم عن المدائن نزل بساباط، وقَدَّم الجالينوس، ثم سار حتى نزل بكُوثى، فغصب أصحابُه أموالَ الرعيَّة، وفضحوا نساءهم، وعاثوا، فقال لهم رستم: قد كان اللَّه ينصركم بحُسن السيرة، وكفِّ الظُّلم، والوفاء بالعهود، فأما إذا تَغيَّرتُم عن هذه الأحوال فما أرى اللَّه إلا مُغيِّرًا ما أنتم فيه.
ثم رحل فنزل النَّجَف، فخرج إليه رُؤساء الحيرة -وفيهم ابن بُقَيلة- فلامهم على أداء الجزية، وأراد قتلَهم، فقال له ابن بُقَيلة: لا تَجمع علينا اثنتين: القتل والعَجْز عن
__________
(1) العقد الفريد 1/ 130 - 132.
(5/169)

نُصرتنا، والدفع عنا وعن بلادنا، فسكت.
وكان رستم لما نزل الدير رأى في منامه كأن ملكًا نزل من السماء، يختم على جميع سلاحهم، فتطيَّر من ذلك، وسار فنزل النَجف، فأقام عليه، وسعد بالقادسيّة لا يتقدَّم ولا يتأخّر، فأقام رُستم بالنَّجف أربعةَ أشهر؛ رجاء أن يَضجر سعد فينصرف، مخافةَ أن يَجري على رستم ما جرى [على] مَن تَقدّمه، وأرسل يَزْدَجِرد يحثُّ رُستم على لقائهم.
وكان طُليحة قد أسلم وحَسُن إسلامه، وسار مع سعد في ذلك الجيش، فدخل عسكر رستم ليلًا، فرأى فرسًا على باب مِضْرَب، فقطع مِقوَده، وقرنه بفرسه، وساقه وسط العسكر، ونَذِروا به، فخرجوا في إثره، فقتل كل مَن تبعه ونجا، وتبعه مَرزبان منهم فأسره، وجاء به إلى سعد، فقال: حَدَّثني عن فُرسانكم، فقال: رأيتم فارسًا قطع عسكرًا فيه ما بين ألوف، ويخرج سالمًا غير هذا؟ ! يعني طُليحة، وأسلم الرجل وقال: أبشر بالنصر، فسمّاه سعد مُسلما.
ثم عاد رستم إلى رؤياه، ورأى ذلك الملك بعينه قد نزل من السماء، وختم على سلاحه ومعه نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدفع الخَتْم إليه، فدفعه إلى عمر، فازداد حُزنًا.
وعمر -رضي اللَّه عنه- يُمدُّ سعدًا بالسلاح والقبائل والميرة وغيرها، فلما علم رستم أنهم غيرُ مُنتَهين عنه، وإن أقام نازلوه، قرن عشرين ألفًا في السلاسل، وفَرَّق الفيلة ميمنةً وميسرة، وقدَّم بين يديه فيلًا أبيض كان لسابور يُعَدُّ بألف فيل، وجاء فنزل المكان المعروف بالعتيق، وكان ينظر في النجوم، فرأى تلك الليلة أهوالًا عظيمة، وأن النجوم تتساقط، فلما أصبح ركب وصَعد تلًا دون القَنْطرة -وكان سعد قد غلبهم على القنطرة التي على العتيق- فنظر إلى عساكر الإِسلام فوافاهم قليلًا، فاحتقرهم بالنسبة إلى عسكره، فأرسل إليهم زُهرة بن الحويّة يقول: أنتم جيرانُنا، وما زلنا مُحسنين إليكم، فارجعوا عنا، فقال سعد: إنا لم نَأتكم لطلب الدنيا، وإنما مَقصودُنا الآخرة، وإن اللَّه أرسل إلينا رسولًا، فدعانا إلى دينه، فأرسل رستم يقول: وما الدين؟ فقال سعد: عموده شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإخراج العباد من عبادة النيران والأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال رستم: ما أحسن ما قلتُم، أرأيتُم إن أَجبناكم إلى ما
(5/170)

تَدعون إليه هل تَرجعون عنّا؟ قالوا: نعم، فقال أعيان الفُرس: لا نفعل هذا أبدًا، ونفارق ديننا.
وبات الفُرس يسكّرون العَتيق بالقَصب والتُّراب، فأصبحوا وهم على مواقفهم -وهذا اليوم الأول يُسمّى يوم أَرْماث، وهو اسم بُقعة كان القتال عندها- فجلس رستم على سرير، وضُربت عليه طيَّارة، ورتَّب الصفوف، وكان يَزدجِرد [وضع] على باب إيوانه رجلًا يُبَلِّغه أخبارَ رستم، وآخر على باب القصر، وآخر على باب المدائن، وكذا إلى رستم.
ورتّب سعدٌ المسلمين، ولم يَقدر على الرُّكوب، كان به عِرق النَّسا وحُبون، أي: دَماميل، وكان مُلْقَى على وجهه في صدره وسادة، وهو مُنكَبٌ عليها، ينظر إلى الناس من سطح قصر القادسية، وقَدم على الناس خالد بن عُرْفُطة، فاختلف على خالد جماعةٌ منهم أبو مِحْجَن الثقفي، فقيَّده سعد وحبسه في قصر القادسيّة، وكان هذا اليوم يوم الإثنين سادس رجب.
وأمر سعد خطباء الناس وشعراءهم، مثل: المغيرة بن شعبة وعمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وقيس بن هبيرة والشمّاخ والحطيئة وأوس بن مَغْراء أن يقوموا في الناس، فيُذكّرونهم بأيّام اللَّه، ويحرضونهم على القتال، ويُحذّرونهم الفرار، ففعلوا، فكان ما قال قيس بنُ هُبَيرة الأسدي:
أيها الناس، احمدوا اللَّه على ما هداكم، وارغَبوا إليه فيما أبلاكم، فإن الجنة أمامكم، وليس وراء هذا القصر -يعني قصر القادسية- إلا العَراء، والقفار الموحشة، والمفاوز المعطِشة التي لا يَقطعها إلا كلُّ خِرِّيت ماهر بالدّلالة، فاحذروا أن تكونوا طُعمةً لها، ثم ذكر كلُّ واحد فصلًا في هذا المعنى، وفعلت الفُرس كذلك، وتعاهدوا على الموت، وقدّموا مع كلّ فيل أربعة آلاف مُقاتل.
وكانت صفوف الفُرس مع العتيق على شَفيره، وصفوف المسلمين مع حائط قادس، قرية، وقال سعد: اجعلوا العَتيق أمامنا، والخندق من ورائنا، والمسلمون بين العَتيق والخندق.
وكان رُستم مما يلي العراق، وسعد مما يلي الحجاز، والقَنطرةُ بين الفريقين،
(5/171)

وجعل سعد على الميمنة جرير بنَ عبد اللَّه البَجَلي، وعلى الميسرة قيس بنَ المكشوح، وفي المقدمة القعقاع بن عمرو وعمرو بن معدي كرب والأشعث بن قيس وغيرهم، وقال سعد إذا كَبَّرتُ بعد الظهر فاستَعِدُّوا، وإذا كبَّرتُ الثانية فانشطوا، وإذا كبَّرتُ الثالثة فاحملوا، فإن اللَّه هدى هذه الأمة بالتَّكبير، والنَّصرُ مَقرون به.
وخرج أهل النَّجدات يَطلبون المبارزة، فخرج إليهم أمثالُهم من أهل فارس، فبرز هُرمز وكان من ملوك باب الأبواب، وعليه تاجُه ومِنطَقَتُه وزينتُه، فخرج إليه غالب بن عبد اللَّه الأسدي فأسره، وجاء به إلى سعد، وخرج إلى طُليحة عظيمٌ من الفُرس فقتله طُليحة، وصلّى الناس الظُّهرَ، وكبَّر سعد فاستعدُّوا، ثم كبَّر الثانية فنشطوا، ثم كبَّر الثالثة فدارت رحى الحرب، وحملت الفيَلة على الميمنة والميسرة، فانذَعَرت الخيول منها وأحجَمتْ، فترجلت أَسَد وتميم وبَجيلة، وحملوا على الفِيَلة حملةً عظيمة، فقطعوا أحزمتها، ووقع مَن عليها فقتلوهم، وكان يومًا عظيمًا، قُتل فيه من أَسَد خمس مئة رجل؛ لأنهم باشروا الفيلة بنفوسهم، فأنْكَتْ فيهم.
وجال المسلمون جولةً لما شاهدوا من قتال الفُرس، وكان [سعد قد تزوج سلمى بنت خَصَفة امرأة المثنّى قبله، فنزل بها القادسية، فلما رأت ما يصنع أهلُ فارس قالت: وامُثنَّياه ولا مُثَنَّى للخيل اليوم، فلطم] سعد وَجْهَها، وقال: أين المثنَّى من هذه الكتيبة التي تدور عليها رحى الحرب أو المنون، يعني بني أسد وبَجيلة وبني تميم، فقالت سلمى: أغَيْرةً وجُبنًا، فقال سعد: لا يَعذرني اليوم أحدٌ إذا أنت لم تَعذريني وأنت ترين ما بي، وحجز الليل بينهم، وأمر سعد بنقل القتلى إلى وادي العُذَيب وعين الشمس، ففعلوا.
وأصبحوا في اليوم الثاني على تَعبية -ويقال له: يوم أغواث؛ لأن اللَّه أغاث المسلمين بجيش هاشم بن عُتبة بن أبي وقاص- فلما تزاحف الفريقان إذا بطلائع من نحو الشام قد ظهرت، وكان عمر قد جَهَّز هاشم بن عُتبة في ستة آلاف فارس.
قال سيف: وتقدَّم القعقاع بن عمرو فطلب المبارزة، فبرز إليه بَهْمن جاذَويْه، ويقال له: [ذو] الحاجب، فقال له: مَن أنت؟ فقال: بهمن جاذَوْيه، فقال القعقاع: يا ثارات أبي عُبيد، وحمل عليه فقتله، وتواترت الجيوشُ من الشام، وفرح المسلمون
(5/172)

وبشروا مما لَقوه بالأمس، ولم يزل القتال يعمل إلى الليل، ولم يقاتل الفُرس في هذا اليوم على فيل؛ لأن توابيتها كانت قد تكسَّرت، وفي هذا اليوم جرت وقائعُ عظيمة، أكثر المسلمون القتلَ في فارس، وألبس المسلمون الخيل جُلودَ الجِمال، على هيئة الفيلة، فلقي الأعاجم يوم أغواث أشدّ مما لقي المسلمون يوم أرماث.

قصة العجوز
ولما اجتمع الناس بالقادسيّة دعت خنساء بنت عمرو النَّخعيّة بنيها الأربعة، فقالت: يا بَنيّ، إنكم أسلمتُم طائعين، وهاجرتُم غير مُكرَهين، لم تَنْبُ بكم الدار، ولم تُقْحِمكم السَّنَة، ولا أرداكم الطَمع، واللَّه إنكم لبنو رَجُلٍ واحد، كما أنكم لبنو أمَّ واحدة، واللَّه ما فَضَحْتُ خالكم، ولا خُنتُ أباكم، ولا غَبَّرتُ نَسبَكُم، ولا أوطأتُ فِراشَ أبيكم غيرَه، فإذا شاهدتُم الحربَ غدًا قد أَبدت ساقَها، ومَدَّت رُواقَها، فتيمَّموا وَطيسها، وجالِدوا خَميسها، تَظفروا بالغَنيمة والسلامة، والفَوز والكرامة، في دار الخُلد والمقامة، يا بَنيّ، جئتُم بأُمِّكم العجوز الكبيرة، فألقيتُموها طُعمةً لأهل فارس، فاللَّه اللَّه فيها وفي أحسابكم، فانصرفوا وهم لأمرها طائعون، وبنُصحِها عارفون، فلما كان يوم أَغواث تَقدَّم الأول فقال: [من الرجز]
يا إخوتي إن العجوز النَّاصِحه
قد أيقظَتْنَا إذ دَعتنا البارِحَه
نصيحة ذات بيانٍ واضحه
فباكروا الحربَ الضَّروس الكالِحَه
فإنما تَأتون عند الصائحه
من آل ساسان كلابًا (1) نابحه
قد أيقنوا منكم بوَقْعِ الجائحه
__________
(1) في (أ) و (خ): فباكر، الطروس، عند الصالحة، كلاب، والمثبت من الاستيعاب (3298)، والمنتظم 4/ 174، وصفة الصفوة 4/ 386.
(5/173)

وأنتم بين حياةٍ صالحه
أو مِيتَةٍ تُورث غُنمًا رابحه
ثم حمل على القوم فأزالهم عن مَواقفهم، ثم حمل الثاني وقال: [من الرجز]
واللَّه لا نَعصي العجوز حَرفا
قد أمرتنا حَدَبًا وعَطْفا
منها وبِرًّا صادقًا ولطفا
فباكروا الحَربَ الضَّروس زَحْفا
حتى تَلفُّوا آل كسرى لَفَّا
وتَكشِفوهم عن حِماكم كَشْفا
إنَّا نرى التَّقصيرَ عنهم ضَعفا
والقَتْلَ فيهم شِيمةً وعُرفا
ثم حمل الثالث وقال: [من الرجز]
لستُ لخنساءَ ولا للأَدْرَمِ (1)
ولا لعمرٍو ذي السَّناء الأقدم
إن لم أَدُرْ في آل جَمعِ الأعجمِ
جَمْعِ أنو شروان جَمْعِ رُستُمِ
بكلِّ مَحمود اللقاء ضَيغمِ
ماضٍ على الهول خِضَمِّ خِضرِمِ
إما لقَتل عاجلٍ أو مغْرمِ
أو لحياةٍ في الأَسَدِّ الأكرمِ
__________
(1) في الاستيعاب (3298)، والمنتظم 4/ 175: للأخرم، وفي صفة الصفوة 4/ 386: للأخزم.
(5/174)

نَفوزُ فيها بالنَّصيبِ الأَعظمِ
ثم شدَّ الرابع فقال: [من الرجز]
إن العجوز ذاتُ حَزْمٍ وجَلَدْ
والنَّظرِ الأَوفقِ والرَّأي الأسَدّ
قد أمرتنا بالصَّواب والرَّشَدْ
نَصيحة منها وبِرًّا بالوَلَدْ
فباكروا الحرب وشدوا في العَدد (1)
إما لقَهْرٍ واحْتياز (2) للبَلَدْ
أو مِيتَةٍ تُورث خُلدًا للأبَدْ
في جنَّةِ الفردوس في عَيشٍ رَغَدْ
فلما غابوا عن عينها رفعت يديها إلى السماء وقالت: اللهمَّ ادفع عن بَنيَّ، فأبلَوا بلال حسنًا، وعادوا إليها سالمين، لم يُكْلَم منهم أحدٌ، فكانوا يَأخذون أعطيتَهم ألفين ألفين، فيَصبُّونها في حِجر العجوز، فتَقسِم بينهم حَفْنَةً حفنة، لا يُغادر واحدٌ من عطائه دِرهمًا (3).
اليوم الثالث وهو يوم أغماس (4)، وسُمّي بذلك لأن الفريقين انغمسوا في الحرب، ولم يَجْر في الجاهلية والإِسلام مثل هذا اليوم والليلة، وتُسمّى ليلة الهَرير، وهي أعظم من ليلة صِفّين.
قال سيف: وأصبحوا في اليوم الثالث على مواقفهم، فلما ذرَّ قَرن الشمس إذا بهاشم بن عتبة بن أبي وقاص قد وصل، وكَردس الكراديس، وتزاحف القوم، وقَدَّمت
__________
(1) في المنتظم 4/ 175، وصفة الصفوة 4/ 387: نماء في العدد، وفي الاستيعاب: حُماةً في العدد.
(2) في (أ) و (خ): إما بقهر واختيار، والمثبت من صفة الصفوة.
(3) ذكرها الطبري 3/ 544، وابن أعثم في الفتوح 1/ 206 مختصرة.
(4) في الطبري 4/ 550، ومروج الذهب 4/ 219، والمنتظم 4/ 175، والاكتفاء 4/ 228، ومعجم البلدان 1/ 225 و 4/ 149، 292: عِماس.
(5/175)

الفُرس الفيلَ الأبيض الذي يُعدُّ بألف فيل، فحمل وحملت الفيول، فمَزَّقت الكتائب، فقال سعد: مَن للفيل، فقال عمرو بن معدي كرب والقعقاع: نحن له، وحملا عليه، فوضعا رُمحيهما في عينيه، وضربه المسلمون بالسيوف فقتلوه، وكانت الفِيلة تأنس به، فلما رأته صريعًا نَفرت، فخاضت العَتيق وصفوفَ الفرس، وتعثَّرَت في توابيتها، فوقع مَن كان عليها فهلكوا, ولحقت بالمدائن. وجنّ الليل والقتال يعمل للصباح، فسُمِّيت ليلةَ الهَرير؛ لأن الأصوات انقطعت عن سعد، ولم يَبق إلا هَريرُ الرجال، وشاهدت العجم من العرب ما لم يَروا مثله قَطّ، وفي هذا اليوم الثالث كانت قِصة أبي محجن الثقفي:
لما اشتدَّ القتال -وكان سعد قد حبس أبا مِحْجَن في قصر القادسية وقيَّده- أتى أبو محجن سلمى بنت حفصة، امرأة سعد، فقال لها: يا بنت حفصة، هل لك في خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تُخلِّين عنّي، وتُعيريني البَلْقاء -يعني فرس سعد- وللَّه عليَّ إن سلّمني اللَّه أن أَرجعَ حتى أضعَ رِجلَيَّ في قيدي، وإن أُصِبتُ فما أكثر مَن أُصيب، فقالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يَرْسُفُ في قيوده ويقول: [من الطويل]
كفى حَزَنًا أن تَرْدِيَ الخيلُ بالقَنا ... وأُتركَ مَشدودًا عليَّ وَثاقِيا
إذا قُمتُ عَنَّاني الحديدُ وغُلّقَتْ ... مَصاريعُ دوني قد تُصِمُّ المناديا
وقد كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ ... فقد تركوني واحدًا لا أخا لِيا
وللَّه عهدٌ لا أَخيسُ بعهده ... ليِّن فُرِجَتْ أن لا أزورَ الحوانيا
وسمعتْه سلمى، فقالت: استخرتُ اللَّه، ورضيتُ بعهدك، وأطلقَتْه، فاقتاد الفرس، فأخرجها من باب القصر، وركبها ثم دبَّ عليها، يَلعب برُمحه بين الصَّفَّين، حتى إذا كان بحيال الميمنة، كَبَّر، ثم حمل على الميسرة، ثم رجع إلى القَلْب، فبرز أمام الناس، وحمل على القوم، فتعجَّب الناس منه، وهم لا يعرفونه، ولم يَرَوْه من النهار، وقال بعضهم: هذا من أوائل خيل هاشم أو هاشم نفسه، وقال بعضهم: إن كان الخضر يشهد الحروب فليكن صاحب البلقاء، وقال آخرون: لولا أن الملائكة لا تُباشر الحروب لقلنا إنه ملك، وكان سعد في أعلى القصر، فقال: لولا مَحبَس أبي محجن لقلت: [هذه] شمائلُه، وهذه البلقاء.
(5/176)

فلما انتصف الليل وتحاجز الناس، رجع أبو محجن، فدخل القصر ووضع رجليه في قيده.
قال ابن سيرين: وكان لا يزال يشرب الخمر، فكان يُجلد فيها، فلما أكثر عليهم حبسوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية فعل ما فعل، وجاء سعد فقالت له سلمى: كيف كان قتالُكم اليوم؟ فجعل يَصف لها حتى قال: فبعث اللَّه رجلًا على فَرسٍ أَبْلَق، لولا أني تركتُ أبا محجن في قيده لقلتُ إنها شمائلُه، فخَرق الصفوف، وفعل وفعل، فقالت: واللَّه إنه لأبو محجن، وقَصَّت عليه القصّة، فدعاه وحلَّ عنه قُيودَه، وقال: واللَّه لا نَجلِدُك في الخمر أبدًا، فقال أبو محجن: واللَّه لا أَشربُها أبدًا؛ لأني كنتُ آنف أن أدَعها من أجل جَلْدكم، وكنتُ أشربُها إذ يُقام عليَّ الحدّ فأطهَّرُ منها، أما إذا بَهْرَجْتَني، فواللَّه لا أشربُها أبدًا.
وقال سيف: قالت امرأةُ سعد لأبي محجن: لِمَ حبسك هذا الرجل؟ فقال: واللَّه ما حبسني على حرامٍ أكلتُه، ولكني صاحبُ شَراب، وأنا امرؤٌ شاعر يَدبُّ الشعرُ على لساني، فقلت: [من الطويل]
إذا متُّ فادفِنِّي إلى ظلِّ كَرمةٍ ... تُروّي عظامي بعد مَوتي عُروقُها
ولا تدفِنَنّي بالفَلاة فإنني ... أخافُ إذا ما متُّ ألا أذوقُها
فحبسني سعد لهذا، فأخبرت سلمى سعدًا، فقال له: اذهب، فلستُ أُواخِذُك على شيءٍ تقولُه بعدها حتى تَفعلَه، فقال: لا جَرَم، لا أُجيبُ لساني إلى صفة قبيحة أبدًا (1).
دخل ابن أبي محجن على معاوية بن أبي سفيان، فقال له: أبوك القائل: [من الطويل]
إذا متُّ فادفِنّي إلى ظلِّ كَرمةٍ
فقال: لو شئتَ لذكرتَ من شعره غير هذا، قال: وما هو؟ قال: قولُه: [من البسيط]
__________
(1) أخرج القصة مطولة ومختصرة ابن قتيبة في الشعر والشعراء 423، والطبري في التاريخ 3/ 548، 573، وأبو الفرج في الأغاني 19/ 4 - 8 والمسعودي في مروج الذهب 4/ 213 - 219، وابن أعثم في الفتوح 1/ 209 - 209، وابن عبد البر في الاستيعاب (3156)، وابن قدامة في التوابين 148 - 152.
(5/177)

لا تسألِ الناسَ عن مالي وعن حَسبي ... وسائلِ القومَ عن شَأني وعن خُلُقي
القوم تَعلمُ أني من سَراتِهم ... إذا تَطيشُ يَدُ الرِّعديدةِ الفَرِقِ
قد أركب الهولَ مَسدولًا عَساكِرُه ... وأكتُمُ السِّرَّ فيه ضَربةُ العُنُقِ
أُعطي السِّنانَ غداةَ الرَّوعِ حصَّتَه ... وعاملُ الرُّمحِ أروِيهِ من العَلَقِ
فقال معاوية: رحم اللَّه أبا مِحجن، هو واللَّه كما وَصفَ نفسَه، ثم ذكر فِعلَه يومَ القادسية (1).
وقال رجل يوم القادسية وسعد -رضي اللَّه عنه- على سطح القصر: [من الطويل]:
نُقاتلُ حتى أنزل اللَّه نصرَه ... وسعدٌ بقصر القادسيَّةِ مُعصِمُ
فأُبنا وقد آمَت نساءٌ كثيرةٌ ... ونسوةُ سعدٍ ليس فيهن أيِّمُ
وبلغ سعدًا، فخرج إلى الناس، فأراهم ما به من الحبون والقروح، وقال: اللهمَّ إن كان قَصد الرِّياء فاقطع لسانَه، فبينا الرجل واقِفٌ في الصفِّ، جاء سهمٌ فشقَّ لسانَه، فوقع ميتًا (2).
اليوم الرابع، وهو آخر أيام القادسية، قال هشام: اقتتلوا إلى الظهر، فهَّبت ريحٌ عاصف، فسَفَتِ التُّرابَ على الفُرس، وقطعت طيارة رُسْتم، فألقتها في العَتيق، وقَدمت في تلك الساعة من المدائن بغالٌ عليها مالٌ، وقام رستم عن سريره لما وقعت الطَّيّارة، فاستظلَّ بظل بغل منها، وحمل القعقاع وهلال بن علقمة (3) والأشعث بن قيس وعمرو بن معدي كرب على الفُرس، وتبعهم الأمراء، وبادر هلال بن علقمة إلى البغال، فضرب الحِمْل الذي تحته رستم فقطعه، ووقع أحد العِدلَين على رستم، فأزال فقارًا من ظهره، فهرب إلى القنطرة، فتبعه هلال فقتله، وجرَّ برجله فألقاه في العتيق، وصعد على سريره وصاح: قتلتُ رُستم وربِّ الكعبة، إليّ إلي، فاجتمع إليه المسلمون، وهربت الفُرس، وتهافتوا في العتيق، فقُتل منهم في ذلك اليوم ثلاثون ألفًا، وفي غيره من الأيام ثمانون ألفًا، وقُتل من المسلمين ستة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، وأمر سعد بدفن الشهداء في مواضعهم.
__________
(1) الشعر والشعراء 424، والأغاني 19/ 10 - 11، والاستيعاب (3156).
(2) تاريخ الطبري 4/ 576 و 579 - 580، والبدء والتاريخ 5/ 176.
(3) في الطبري 4/ 564: هلال بن عُلفة.
(5/178)

ذكر الغنائم
جُمع في ذلك اليوم من الأموال والغنائم ما لا يُحصى، وجدوا في خزائن رستم ست مئة ألف ألف دينار، ومن الجواهر واليواقيت مثلها، ومن الخيل والبغال والخيام والثياب والأثاث والأمتعة والأسلحة ما عجزوا عن إحصائه، ووجدوا حِملًا من الكافور، فظنّوه ملحًا، فطُبخ منه في القدور فتمَرمر الطعام، فقالوا: هذا مِلحٌ مُرّ، كذا يكون ملح هذه البلاد؟ فباع واحد جرابًا من الكافور بدرهمين، وكان هلال قد أخذ سَلَب رُستم ومِنطَقَته وسلاحَه، وكانت قيمتُه خمس مئة ألف دينار، وقتل زهرة بن الحويّة الجالينوس وأخذ سلَبه، وكان دون سَلَب رستم، فاستكثر سعد السَّلَبين، فكتب إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالغنائم، وأخبره بالسلبين، فكتب إليه: قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قتل قتيلًا فله سلَبه" (1)، فادفع إلى القاتلين أسلابَ المقتولين، ففعل سعد.
وكانت هذه الوقعة في هذه السنة، وقيل: سنة خمس عشرة، وقيل: سنة ست عشرة، والأول أظهر.
ولما انهزمت الفرس إلى المدائن بعث سعد إلى يَزدجرد جماعةً يدعونه إلى الإِسلام، فيهم النعمان بن مُقَرِّن، والمغيرة بن زرارة الأسدي، وعاصم بن عمرو، فجمع كسرى مرازبته وأهلَ مملكته، وأدخلهم عليه فقال لترجمانه: قل له: ما الذي دعاكم إلى التَّعرُّضِ لبلادنا؟ فقال له النعمان: إن اللَّه أرسل إلينا رسولًا يَدلُّنا على الخير، ويأمرنا أن ندعوَ الناس إلى التوحيد والإنصاف، ونحن ندعوكم إلى ديننا، فإن أبيت وإلا فالمناجزة، فقال يزدجرد: إني لا أعلم في الأرض أُمّةً أشقى منكم، فقال المغيرة بن زرارة: فاختر إن شئتَ الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، وإن شئت الإِسلام، وإلا فالسيف، فقال: أتستَقْبلُني بمثل هذا؟ فقال: ما استقبلتُ إلا مَن كلّمني، فقال: لولا أن الرُّسل لا تُقتل لقتلتُك، فقال: هو ما سمعت، فقال: ائتوني بوِقْر من تراب، واحملوه على أشرافهم، ثم سوقوه حتى تَخرجوا به من المدائن، فنظروا، فإذا عاصم ابن عمرو، فحَمَّلوه التراب، وقال: لا شيءَ لكم عندي، لأبعثنَّ إليكم مَن يَدفِنُكم في
__________
(1) أخرجه أحمد (22607)، والبخاري (3142)، ومسلم (1751) من حديث أبي قتادة -رضي اللَّه عنه-.
(5/179)

خنادق القادسية، فلما عادوا إلى سعد قال: أبشروا، قد مَلّككم اللَّه أرضَهم.
ولما أتى عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- الخبر بنزول رستم القادسية؛ كان يخرج صبيحةَ كلِّ يوم [يستخبر الرُّكبان] ثم يَرجع إلى أهله، فبينا هو ذات يوم إذا براكبٍ، فسأله, فقال: أنا [البشير] هزم اللَّه العدو، وفعل وفعل، وعمر يمشي إلى جانب ناقة الرجل، ولم يعرفْه حتى دخل المدينة، فلَقيه رجل فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال الرَّجل: فهَلّا أخبرتَني رحمك اللَّه أنك أمير المؤمنين، فجعل عمر يقول: لا عليك يا أخي.

ذكر دخول حُرقة بنت النعمان بن المنذر على سعد -رضي اللَّه عنه-
ودخلت حُرَقَة بنت النعمان عليه في جَوارٍ كلُّهن مثلها، فقال: أيّتكن حُرَقة؟ قالت: أنا، فقال كيف حالكم؟ قالت: إن الدنيا دارُ زوال، لا تدوم على حال، كنا مُلوك هذا المِصر، يجيءُ إلينا خَراجُه، ويُطيعنا أهلُه مدّةً، فلما أدبر الأمر، صاح بنا صائحُ الدهر، وإنا نجد في الكتب أنه ليس من قومٍ كانوا في حَبْرة إلا والدهرُ يُعقبهم بعَبْرة، وإني قد قلتُ في ذلك شعرًا، ثم أنشدت: [من الطويل]
فبَيْنا نَسوسُ الناسَ والأمرُ أمرُنا ... إذا نحن فيهم سُوقَةٌ نَتنَصَّفُ
فأُفٍّ لدنيا لا يَدوم نعيمُها ... تَقَلَّبُ تاراتٍ بنا وتَصرَّفُ
فقال سعد قاتل اللَّه عديَّ بن زيد، كأنه حاضر حيث يقول: [من الخفيف]
إن للدَّهر صَولةً فاحذَرَنْها ... لا تَبيتنَّ قد أَمِنتَ الشُّرورا
قد يبيتُ الفتى مُعافًى فيُرزى ... ولقد كان آمنًا مَسرورا
ثم أكرمها، ووَصلها، وأحسن جائزتَها، فقالت: ملكتك يدٌ افتقرت بعد غِنى، ولا ملكَتْك يدٌ استغنت بعد فقر، ولا جعل لك اللَّه إلى لئيمٍ حاجة، ولا أزال عن كريمٍ نعمةً إلا وجعلك السببَ في عودها إليه، وردها عليه، فلما خرجت من عنده قُلنَ لها نساءُ المِصر: ما الذي رأيتِ من الأمير؟ فقالت: [من الخفيف]
حاط لي ذِمَّتي وأكرم وَجهي ... إنما يُكرم الكريمَ الكريمُ
فلما ولي المغيرة بن شعبة الكوفة خطب حُرقة، فقالت لرسوله: قل له: ما أردْتَ
(5/180)

إلا أن يُقال: تزوَّج المغيرةُ الثقفي ابنةَ النعمان بن المنذر، وإلا فأيُّ حظٍّ لشيخٍ أعور في عجوزٍ عَمياء (1).
وسار سعد من القادسية إلى الحيرة، وبعث الرَّوَّادِين يَرتادون له منزلًا، فخرج إليه ابنُ بقيلة من الحيرة، فقال: هل لك في أرضٍ ارتفعت عن البحر، وانحدرت من الفَلاة؟ قال: نعم فأشار إلى مَوضع الكوفة، فنزلها سعدٌ وخَطَّها، وخَطَّ الناس.

فصل: وقد مدح بعضُ الناسِ الكوفةَ وذمَّها آخرون.
أما المادحون لها فقالوا: قد قال عمر بن الخطاب: بالكوفةِ وُجوه الناسِ. وقال سلمان الفارسي: هي قُبَّةُ الإِسلام. وقد نزلها خلقٌ من الصحابة والعلماء، ونزلها ثمانيةٌ من الخُلفاء: عليٌّ والحسن ومعاويةُ وعبد الملك والسفَّاحُ والمنصورُ والمهدي والرشيد. وكان بها أعيانُ العلماء كإبراهيم النَّخَعي والتيمي أبي حنيفة وابن شُبْرمة والشَعبي وربيعة وسادات الفقهاء.
وأما الذامُّون لها فقالوا: هي منشأُ الفِتَن والغَدْر والفساد، وما زالوا يَحْصِبون الولاة ويشكونهم حتى عزل عمرُ سَعْدًا، ودعا سعدٌ عليهم فأعمى اللَّهُ عينَ مَن دعا عليه، وشكوا عمار بنَ ياسر إلى عمر وكانوا ظالمين له، فعزله عنهم، وتربَّصوا على عليٍّ وقتلوه. وطعنوا الحسن في فَخِذِه، وخذلوه، ونزعوا بِساطه من تحته، وأرادوا تسليمَه إلى مُعاوية، وكاتبوا الحسين ثم خذلوه حتى قُتِل، وقَتلوا إخوتَه، وسَبَوْا أهلَه، وسلبوهم ثيابهم، وأخذوا سَراويل الحسين، وخذلوا زيد بن عليّ حتى قُتِلَ أقبحَ قِتْلةٍ، ومثَّلوا به شر مُثْلَةٍ، وكان فيهم المختارُ بن أبي عُبيد الكذابُ الذي ادّعى النبوةَ، ومنهم الخوارج: ابن مُلجَم، وابن السَّوداء، وابن الكَوَّاء وغيرهم (2).
قالوا: وما رُوي عن عمر وسلمان محمولٌ على زمانهما، لمّا كان بها وجوهُ الصحابةِ الذين فتحوا العراقَ، وجاهدوا الكفارَ، وأما بعد ذلك فقد حدث جميع ما ذكرنا.
__________
(1) تاريخ دمشق 4/ 352 (مخطوط)، وانظر المجالسة وجواهر العلم (2225) وتخريجها فيه.
(2) انظر فتوح البلدان 287، وآثار البلاد 250 - 255، والعقد 6/ 249.
(5/181)

فصل في ذكر اختطاط البصرة
قال الجوهري: البصرة حجارةٌ بيضٌ خَشِنَةٌ، وبها سُمّيت البصرة، وهي رِخوةٌ إلى البياض (1)
وقال أبو الحسن المدائني: بعث عمر بن الخطاب عُتبةَ بن غَزْوان إلى البصرةِ في سنة أربع عشرة وأمره أن يقطع مادَّةَ أهلِ فارس عن المدائن.
وكان استيطان الكوفةِ والبصرةِ في شهرٍ واحدٍ. والبصرة باب الهند
قال المدائني (2): ولمّا نزل عتبةُ بن غزوان البصرة، كان بالأُبُلَّة خمسُ مئةٍ من الأساورة يَحمونها، وهي مَرفأُ السُّفُنِ من الهندِ والصين، وهي من أقدمِ بلاد الدنيا، فسار إليها عتبةُ، فناهضَ أهلَها، فركبوا في السفنِ وهربوا، فدخلها فوجد فيها غنائمَ كثيرةً، فكتب إلى عمر بالفتح مع نافع بن الحارث.
قال المدائني: وكان اختطاط البصرةِ في شهر ربيع الآخر، وفتوحُ الأُبُلَّة في شعبان. قال: ولما فتحوا الأُبُلَّة وجدوا جِرارًا فيها صَحْناةٌ (3)، فذاقوها فقالوا: قبَّحَ اللَّه الفُرس، أيدَّخرون العَذِرةَ في الجِرار؟ وأصابوا جَرَّة فيها جوز فلم يدروا ما هو، وأصابَ بعضُهم سراويل، فلم يحسن أن يلبسها فقال: قبَّحك اللَّه من ثوبٍ، فما تركَكَ أهلُك لخيرٍ، ثم رمى بها، وجعلوا يأكلون الخُبز ويبصرون أَذرعتهم: هل سمنوا أم لا؟
وقال سيف: إنما بعث عتبةَ إلى البصرة والأُبُلَّة سعد بنُ أبي وقاص، لما فرغ من المدائن وبَهُرسير وتكريت وجَلولاء في سنة ست عشرة بأمر عمر، والأول أظهر.
وجمع أهل دُسْتِمَيْسان لعُتبة، فسار إليه مَرزبانها (4)، فقاتلوه، فهزمهم عُتبة، وأخذ المرزُبان أسيرًا، وبعث سلاحَه ومِنطَقته إلى عمر مع [أنس بن] حجيَّة اليَشكري (5).
__________
(1) الصحاح (بصر).
(2) في (ك): وكان استنباط الكوفة والبصرة في شهر واحد، وقيل هي حجارة بيض تشبه حجارة أهل الهند، وهي باب الهند، قال المدائني.
(3) إدام يُتَّخذ من السمك الصغار.
(4) في (أ) و (خ): مرازبتها، والمثبت من الطبري 3/ 595، وما سيرد بين معكوفين منه.
(5) من قوله: وقال سيف. . . إلى هنا ليس في (ك).
(5/182)

ذكر مسير عتبة بن غزوان إلى عمر بن الخطاب (1)
ذكرَ هشام بن الكلبي عن أبيه قال: قال عمر لعتبةَ بن غزوان: إني موجِّهك إلى أرض الهندِ، يعني البصرة، لتمنع أهلها أن يُمِدّوا أهلَ فارس، فنزلها في ربيع الأوّل سنة أربع عشرة، وبها سبعُ دَساكر. وكتب إلى العلاء بن الحَضْرمي أن يُمِدَّ عتبةَ بعَرْفجة ابن هَرْثمة. قال: واجمعِ الناسَ من الدَّساكر مَوضعًا واحدًا، ففعل، وأقام بها شهرًا وخرج إلى الأُبُلَّة فانهزموا، وكان الفتحُ (2) على يد أبي بكرة نُفيعٍ.
وشهد فتح الأُبُلَّةِ مئتان وسبعون من الصحابة، فحكى موسى بن المثنّى بن سلمة بن المحبّق الهُذَلي، عن أبيه، عن جدِّه قال: شهدتُ فتح الأُبُلَّة، وأميرُنا قُطبةُ بن قتادةَ السدوسي، فاقتسمنا الغنائمَ، فدُفعت إليَّ قِدْرٌ من نُحاسٍ، فلما صارت في يدي تبيَّن لي أنَّها ذهبٌ، وعرف ذلك المسلمون فنازعوني فيها إلى أميرنا، فكتب إلى عمر بن الخطاب يُخبرُه بذلك، فكتب إليه: اطلُبْ يمينَه أنَّه لم يعلم أنَّها ذهبٌ إلا بعدما (3) صارت إليه، فإن حلف فادفعها إليه، وإن أبي فاقسمها بين المسلمين، فحلفَ فدفعها إليه وكان فيها أربعون ألفَ مِثقالٍ، قال ابن المحبِّق: وقال جدّي: فمنها أموالُنا التي نَتوارثُها إلى اليومِ.
قلتُ: وهذا مَذهبُ عمر -رضي اللَّه عنه-، ولعله أراد استمالةَ قلوب المؤمنين بهذا في أوَّل الأمرِ. أما مذهبُ عامةِ الصحابةِ والفقهاء أنه أُسوةٌ للغانمين، وأنَّها تُقسَمُ بينهم، إلا ما نفَّله الإمامُ قبل القِسمة، أو من الخُمْسِ.
وقال المدائني: وكان قُطبةُ بنُ قتادةَ السدوسيّ هو السببَ في إيْفاد عمرَ عُتبةَ بن غزوان المازني إلى البصرة. وقُطبةُ أوَّلُ مَن أغار على السَّواد من ناحية البصرة، كتب إلى عمرَ يستمدُّه، فبعث به إليه، وذكر بمعنى ما ذكرنا (4).
وكتب عتبةُ بن غزوان إلى عمر يستأذنُه في الحجِّ، فأذن له، فولّى الحربَ مُجاشِع
__________
(1) كذا, ولعل صواب العنوان: ذكر مسير عتبة بن غزوان إلى البصرة بأمر عمر بن الخطاب.
(2) من قوله: وذكر هشام بن الكلبي. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(3) في (أ) و (خ): لم يعلم أنها ما صارت ذهبًا إلا بعدما.
(4) من قوله: قلت وهذا مذهب عمر. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/183)

ابنَ مسعود، والصلاةَ المغيرة بنَ شُعبة، وكان مجاشعٌ بناحية الفُراتِ، والمغيرةُ بالبصرةِ، وقال له عتبةُ: إذا قَدِم مجاشع فهو الأمير.
وكان بنواحي العراق مَرزبان عظيم يقال له: الفلتان (1). فلما قَفل عُتبةُ عن البصرةِ سار الفلتان إليها في جمع عظيمٍ من الفُرسِ، قبل وصول مجاشعٍ، فخرج إليه المغيرةُ، فهزمه وغَنِم عسكرَه، وكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعُتبة وقد اجتمعا بمكَّة: مَن استعملتَ على البصرة؟ فقال: مجاشعًا، فقال له عمر: أتستعملُ رجلًا من أهل الوَبر على أهلِ المدَر؟ أهل علمتَ ما جرى؟ وأخبره الخبر، فلما قضى مناسِكَه قال له عمر: ارجع إلى عملِكَ، فسار من مكة يُريدُ البصرة، حتى إذا كان بالفَرَعِ -وقيل بالمعدِن- وَقَصَتْ به ناقتُه فمات، وسنذكره في آخر السنة.

فصل: وفي هذه السنة أقام عمر التّراويحَ للناس، وأمرهم بها في المساجد في شهر رمضان بمجمعٍ من الصحابة.
وقد ذكرنا أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلّى في رمضان ثلاث ليالٍ أو أربعَ ليالٍ ركعتين بعد العشاء، ثم امتنع وقال: "خشيتُ أن تُكْتَب عليكم" (2).
وتُوفي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والأمرُ على ذلك، وكذا خلافةُ أبي بكرٍ، وصدر من خلافة عمر، فحكى البخاري (3)، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلةً إلى المسجدِ، فإذا الناسُ أَوزاعٌ متفرّقون، يُصلّي الرجلُ لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلي بصلاتهِ الرَّهطُ، فقال عمر: لو جَمعتُ هؤلاء على قارئٍ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أُبيّ بن كعب.
قال: ثم خَرجتُ معه ليلةً أُخرى والناس يُصلّون بصلاةِ قارئهم، فقال عمر: نِعم البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون، يُريدُ آخِرَ الليل، وكان الناس يقومون أوَّله.
وكتب عمر إلى الأمصار بإقامةِ التَّراويح.
__________
(1) في الطبري 3/ 595: الفيلكان.
(2) أخرجه أحمد (25362)، والبخاري (2012)، ومسلم (761) من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.
(3) في صحيحه (2010).
(5/184)

قلت (1): وقد ادّعى قومٌ أن عمر -رضي اللَّه عنه- فعل شيئًا لم يَفعلْه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أبو بكر، وقد سمَّاها بِدعةً، والصحابةُ لم يُنكروا عليه خوفًا منه.
والجواب أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد بيَّن السببَ الذي امتنع من صَلاةِ التراويحِ لأجله؛ وهو مخافة أن تكتبَ علينا، وبعد انسداد باب الوحي زال هذا المعنى، وقد كانوا يُصلُّون مُتفرِّقين، فجمعهم على إمامٍ واحدٍ.
وأما البدعةُ فبدعتان: مكروهةٌ ومستحبَّة، فالمكروهةُ ما ليس لها أصل في الشرع وتلك هي الضلالة، والمستحبَّةُ ما لها أصل في الشرع، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصلاة خيرٌ موضوع" (2).
وأما الصحابة فقد استمروا بعد موته عليها، وكان عليٌّ إذا مرّ ليالي رمضان فرأى القناديل تزهرُ، وسمع القُرَّاء يقرؤون قال: نوَّرَ اللَّه قبر مَن نوَّر علينا مساجدَنا (3).
فإن قيل: فلم كانت التراويحُ عشرين ركعةً؟ قلنا: لأنهم وزَّعوا القرآن عليها في ذلك الوقت؟ ليكون الختمُ في آخر الشهر.

فصل: وفيها جلد عمر بنُ الخطاب ولده عبد الرحمن في شرابٍ شربه، وكان عمرو بنُ العاص قد جلده قبل ذلك بمصر، وبلغ عمر، فكتب إلى عمرو بن العاص أن يَبعث به إليه، فبعث به إليه، فحدَّه عمر ثانيًا لأجل مكانه منه، فأقام شهرًا ومات، فكانوا يَرون أنَّه مات من جَلْد عمر إيّاه.
وقد اختلفوا في اسم المضروب، فقال الطبري (4): هو عبيد اللَّه بن عمر، وقال غيره: هو أبو شَحْمة.
وقد أخرج جدّي رحمه اللَّه في آخر كتاب "الموضوعات" حديثًا طويلًا في جلد عمر ولده، فقال بإسناده عن سعيد بن مسروق قال: كانت امرأةٌ تدخلُ منزل عمر، ومعها صبيٌّ، فقال لها عمر: مَن هذا الصبيُّ معك؟ فقالت: هو ابنُك، وقع عليَّ أبو
__________
(1) في (أ) و (خ): قال المصنف.
(2) أخرجه أحمد (21546) من حديث أبي ذر -رضي اللَّه عنه-.
(3) المنتظم 4/ 180.
(4) في تاريخه 3/ 597.
(5/185)

شَحمة فهو ابنُه، قال: فأرسل إليه عمر فأقرَّ، فقال لعلي: اجلِده، فضربه عليٌّ خمسين، وضربه عمر خمسين، فقال لعمر: يا أبة قتلتَني، فقال: إذا لقيت ربَّك فأخبره أن أباك يُقيمُ الحدود. ثم قال جدي: هذا حديثٌ موضوع، وضعه القُصّاص فأَبدؤوا فيه وأعادوا، وشرحوا فأطالوا (1).
ثم أخرجه جدي من طرقِ: أحدها عن سعيد بن مسروق، ومجاهد عن ابن عباس، وعبد القدوس بن الحجاج. فأما طريقُ سعيد بن مسروقٍ فقد ذكرناه.
وأما طريقُ مجاهد عن ابن عباس، فقال مجاهد: تذاكر الناسُ فضلَ أبي بكرٍ وعمر في مجلس ابن عباس، فبكى ابنُ عباسٍ وقال: رحم اللَّهُ رجلًا لم تأخذْه في اللَّه لومةُ لائم، أقام الحدود كما أُمر، لم يَزدجر عن قريبِ لقرابتهِ، ولم يَحِف على البعيد لبُعدِه، ولقد أقام الحدَّ على ولدهِ حتى قتله.
بينما أنا عنده ذات يوم ونحن بالمسجد، إذا بجاريةِ قد أقبلت تتخطّى رقاب المهاجرين والأنصار، ومعها ولدٌ تحملُه، فقالت: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين، خذ هذا الولدَ فأنت أحقُّ به مني. قال: ومن أين؟ قالت: هو ولدُ ولدِك أبي شَحْمة؛ مررتُ في بعضِ الأيّام لحاجتي عند حائط لبني النّجار، فإذا بصائحِ يَصيح من ورائي، فالتفتُّ فإذا بابنك أبي شحمة يتمايل سُكْرًا، وكان قد شرب عند نُسَيكةَ اليهوديِّ، فجرَّني إلى الحائط، وتوعَّدني فأُغمي عليَّ، فما أفقتُ إلا وقد نال مني ما ينالُ الرجلُ من امرأته، ثمَّ كتمتُ أمري عن أهلي، وإذا بي حاملٌ، فوضعتُ هذا الغُلام، فأردتُ قتلَه ثم نَدمتُ، وقد أتيتُك به، فاحكُم بيني وبين ولدِك بحكم اللَّه.
فأمر عمرُ مُناديه فنادى: يا معاشر المهاجرين والأنصار، فأقبلوا مُسْرِعين، فقام وأتى بيتَ أبي شَحمة وأنا معه، فدخل عليه فقال: يا بُنيّ، أمالي طاعةٌ؟ قال: بلى، طاعتان: طاعةُ الوالد، وطاعةُ الخلافة، فقال: باللَّه وبحقّي عليك، هل كنتَ ضيفًا لنُسَيْكةَ اليهودي، فشربتَ عنده الخمرَ، وواقعتَ امرأةً في وقت كذا؟ فقال: يا أبة، قد كان ذلك وأنا تائبٌ، فقال عمر: التوبةُ رأسُ مال المذنبين، وقبض عمرُ على يده،
__________
(1) الموضوعات (1836).
(5/186)

ولبَّبه، وجرَّه إلى المسجدِ، فقال: يا أبة، لا تفضَحْني على رؤوسِ الناس، اقتُلني هاهُنا، فقال: أما سمعتَ قول اللَّه تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].
ثمَّ جاء به إلى المسجد، وأمر غُلامًا له يُقال له: أَفْلَح فقال: انزع ثيابَه، وافعل ما آمرُك به، اضربه مئةَ سوطٍ، ولا تُقَصِّر في ضَرْبهِ، فبكى أفلحُ، وقال: ليتني لم تَلدْني أمي؛ حيثُ أُكلَّف ضَرْبَ ولدِ سيدي، فقال: اضربْه، وضجَّ الناسُ بالبكاء والنَّحيب، وجعل الغُلامُ يقول: يا أبة، ارحمني، وعمرُ يبكي ويقول: يرحمُك ربُّك، فلما ضربه السَّوط الأوَّل قال الغلامُ: بسمِ اللَّه، فقال عمرُ: نِعمَ الاسمُ سَمَّيتَ، فلما ضربه ثانيًا قال الغُلام: ما أمرَّه، فقال عمر: اصبر كما عصيتَ، فلما ضربه ثالثًا قال: الأمان الأمان، فقال عمر: ربُّكَ يُعطيك الأمان، فلما ضربه رابعًا قال: واغَوْثاه، فقال عمر: الغَوْثُ عند الشِّدَّة، فلما ضربه خمسًا قال: الحمدُ للَّه، فقال عمر: حمدُ اللَّهِ واجبٌ، فلما ضربه عشرًا قال: يا أبة، قتلتَني، قال: ذنبُك قتلك، فلما ضربه ثلاثين قال: أحرقتَ قلبي، فقال عمر: النارُ أشدُّ حرًّا، فلما ضربه أربعين قال: يا أبة، دَعْني أذهب على وجهي، فقال عمرُ: يا بنيّ، إذا أخذتُ حدَّ اللَّهِ منك فاذهبْ حيثُ شئتَ، فلما ضربه خمسين قال: أنشدكَ بالقُرآن لمَا خَلَّيتَني، فقال: يا بُنيّ، هلّا وعظكَ القُرآنُ [وزَجَرك] عن المعاصي؟ فلما ضربه ستين قال: يا أبة، أغِثني، قال: إنَّ أهل النار إذا استغاثوا لم يُغاثوا، فلما ضربه سبعين قال: يا أبة، اسقِني شربةً من ماءٍ، قال: [يا] بُنيّ، إن كان ربُّك يطهرك فيسقيك محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- شربةً لا تظمأُ بعدها أبدًا، فلما ضربه ثمانين قال: يا أبة، السلام عليك، فقال: يا بُنيَّ، إذا لقيتَ محمَّدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- فأقرئه عني السلام، وقُل له: خَلفتُ عمر يقرأُ القُرآنَ ويُقيمُ الحدود، فلما ضربه تسعين ضَعُفَ وانقطع كلامُه، فوثب أصحابُ رسول اللَّه من كلِّ جانبٍ وقالوا: يا أميرَ المؤمنين، أخِّر ما بقي إلى وَقْتٍ آخر، فقال عمر: كما لم تُؤخَّر المعصيةُ لا تُؤخَّر العقوبةُ، وبلغ أمّ الغُلام فجاءت صارخة تقول: يا عمرُ، أحجُّ بكل سوطٍ حجَّة ماشيةً، وأتصدَّقُ بكذا وكذا درهمًا، فقال عمر: إن الحجَّ والصدقة لا تَنوبان عن الحدِّ، فضربه مئةً فمات الغُلامُ، فجعل عمرُ رأسَه في حِجره، وجعل يبكي ويقول: بأبي مَن قتله الحقُّ، بأبي مَن لم يَرحمه أبوه ولا أقاربُه، وضجَّ الناسُ بالبكاء والنحيبِ، وجاء حُذيفةُ بن اليمان
(5/187)

بعد ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، رأيتُ الغلام في المنام وعليه حُلَّتان خضراوان، وهو مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا حُذيفة، اقرأ على عمر مني السلام، وقيل: هكذا أمرك ربُّكَ أن تقرأ القُرآن وتُقيمَ الحدود. وقال الغُلامُ: قل لأبي: طهَّركَ اللَّهُ كما طهَّرتني (1). وهذه روايةُ مجاهدٍ عن ابن عباسٍ اختصرتُها.
وذكر الزبيرُ بن بكارٍ أن عبد الرحمن الأوسط من أولاد عمر كان يُكنى أَبا شَحمة، وعبدُ الرحمن هذا كان بمصر، خرج غازيًا، فاتَّفق أنه شرب نبيذًا، فسَكِرَ، فجاء إلى عمرو بن العاص فقال له: أقم عليَّ الحدَّ، فامتنع، فقال له: إني أُخبرُ أبي إذا قدمتُ عليه، فضربه عمرو الحدَّ في داره، ولم يُخْرِجْه، وبلغ عمر، فكتبَ إلى عمرو يلومُه في مراقبته لعبد الرحمن ويقول له: ألا فعلتَ به ما تفعلُ بجميع المسلمين؟ فلما قدِم على عمر ضربه، واتفق أنه مرض فمات.
قال جدي: هذا الذي ذكره ابن سعدٍ في الطبقات وغيرُهُ. ويحتمل أنه شرب النَّبيذ متأوِّلًا، فسكر من غير اختيار، وأنَّ عمر ضربه ضَرْبَ تأديبٍ، لا ضربَ حدٍ، ومرض لسببٍ آخر، ومات لا من الضَّرْبِ. ثمَّ قال: [وفي] الإسناد الأوَّلِ مجهولٌ (2).
وفيها ولّى عمر النعمان بن عَديّ بن نَضْلة العدويّ دُسْتَ مِيسان، وعديّ أبو النعمان أوَّلُ مَن هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات بها، وورثه النعمان، وهو أول ميراثٍ في الإِسلام.
وكان النعمان شاعرًا، ولما ولي دُسْت مِيسان قال: [من الطويل]
ألا هل أتى الحسناءَ أن خَليلَها ... بميسان يُسقى في زجاجٍ مُخَتَّمِ
إذا شئتُ غَنَّتْني دَهاقينُ قريةٍ ... وصنَّاجةٍ تَجثو على كلِّ مَبْسِمِ
فإن كنتَ نَدماني فبالأكبر اسقني ... ولا تَسقني بالأصغرِ المتثَلِّمِ
لعل أمير المؤمنين يَسُوءُه ... تنادُمُنا في الجَوْسَقِ المتهدِّمِ
فبلغ عمر ذلك، فقال: إي واللَّه إنني ليَسُوءني ذلك، ثم عزله، فقدم عليه فقال: يا
__________
(1) الموضوعات (1837).
(2) الموضوعات 3/ 613 - 615 وانظر تتمة كلامه على الحديث، ومن قوله: وقد اختلفوا في اسم المضروب. . إلى هنا، ليس في (أ) و (خ).
(5/188)

أمير المؤمنين، واللَّه ما شربتُها قطّ، وإنما أنا شاعر فقلتُ، فقال: على ذلك، واللَّه لا تلي لي ولايةً أبدًا (1).
فصل وفيها توفي

الحارث بن قيس
ابن خالد بن مخلد الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشهد اليمامة مع خالد بن الوليد، فجُرح، وبرئ، ثم انتَقض جُرحُه في هذه السنة فمات، يُعدُّ من شهداء اليمامة، وكنيتُه أبو خالد (2).

زياد بن لبيد
ابن ثعلبة بن [سنان] عامر بن عَديّ، أبو عبد اللَّه، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة مع السبعين، وخرج من المدينة، فقدم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مكة، ثم هاجر معه إلى المدينة، ولما أسلم كان يكسر أصنامَ بني بَيَاضة، شهد بدرًا وأُحدًا والخندقَ والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واستعمله على حَضْرَ موت، فلما توفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وارتدت العرب، قاتلَ كِندة وحِصنَ النُّجير وفيه الأشعث بن قيس. وقد ذكرناه في قتال أهل الردة (3)، وزياد (4) له صُحبة ورواية (5).
فصل وفيها توفي

عُتبة بن غَزوان
ابن جابر بن وَهب المازني، أبو عبد اللَّه، وقيل أبو غزوان، وهو من الطبقة الأولى
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 130 - 131، والاستيعاب (2587)، والمنتظم 4/ 138، والتبيين 434، والإصابة 3/ 562، وانظر المعرب 145.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 547، الاستيعاب (2902)، والمنتظم 4/ 185، والاستبصار 170، والإصابة 4/ 50.
(3) سلف في سنة 11، أول الجزء.
(4) في (أ) و (خ): وابن زياد؟ ! وانظر ترجمة زياد في طبقات ابن سعد 3/ 553، والاستيعاب (825)، والمنتظم 4/ 185، والاستبصار 176، والإصابة 1/ 558.
(5) من قوله: وفيها ولى عمر النعمان بن عدي. . . إلى هنا، ليس في (ك).
(5/189)

من المهاجرين، من حُلفاءِ نوفل بن عبد مناف بن قُصيّ، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشةِ المرة الثَّانية، وكان من الرُّماة المذكورين، وهاجر إلى المدينةِ وهو ابن أربعين سنة فنزل على عبد اللَّه بن سَلمةَ (1) العَجْلاني، وآخى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين أبي دُجانة، وكان خَطيبًا فصيحًا.
وقال ابن سعد عن الواقدي: هو الذي اختطَّ البصرة -وكانت قبل ذلك الأُبُلّة- وبنى المسجد بقَصَب، وولَّاه عمرُ البَصرة، فأقام عليها ستَة أشهر، ثم حجَّ واعتمر، واجتمع بعمرَ فردَّه واليًا على حاله، مات بطريق البصرة بمرضِ البطن، وهو ابن سبع أو خمس وخمسينَ سنة (2).
واختلفوا في أيِّ سنةٍ مات على أقوالٍ: أحدُها في هذه السنة، ذكره المدائني. والثاني في سنة سبع عشرة، حكاه ابنُ سعدٍ عن الواقدي. قال: أصابه بطنٌ فمات بمعدِنِ بني سُلَيم (3). وقول المدائني أَظهر.
وليس في الصَّحَابَة من اسمُه عتبةُ بن غزوان غيره (4).
وقد روى عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الحديث، فقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا ابن أَسَد، حدثنا سُليمان بنُ المغيرة، حدثنا حُميد بنُ هلال، عن خالد بن عُمير قال: خطب عُتْبةُ بن غزوان -أو خطبنا- فحَمِد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد، فإنَّ الدُّنيا قد آذنتْ بصُرْمٍ، وولَّت حذَّاءَ، لم يَبقَ منها إلَّا صُبابةٌ كصُبابةِ الإناء، يَتصابُّها صاحبُها، وأنتُم مُنتقلوَن منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا بخيرٍ؛ فإنَّه قد ذُكِرَ لنا أنَّ الحَجر يُلقى من شفيرِ جهنَّم، فيَهوي فيها سَبعين خريفًا ما يُدْرِكُ قَعْرَها, ولقد ذُكر لنا أنّ ما بين مِصْراعَي الجنَّةِ مسيرةُ أربعينَ عامًا، وليأتينَّ عليه يومٌ كَظِيظُ الزِّحام.
ولقد رأيتُني وأنا سابعُ سبعةٍ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما لنا طعامٌ إلَّا ورقُ الشجرِ، حتَّى قَرِحَتْ أشداقُنا, ولقد التقطتُ بُرْدَة فشقَقْتُها بيني وبين سعد نِصفين، فاتَّزرَ بنِصفها، واتَّزرتُ بالنصفِ الآخر، وما أصبح مِنّا أحد إلَّا وهو أميرٌ على مِصرٍ من الأمصارِ،
__________
(1) في (أ) و (خ): سهل، وهو خطأ.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 92 دون شك في سنّه عندما توفي، وانظر تلقيح فهوم أهل الأثر 126.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 93 و 9/ 8.
(4) من قوله: واختلفوا في أي سنة مات. . . إلى هنا، ليس في (أ) و (خ).
(5/190)

وإني أعوذُ باللَّه أن أكونَ في نفسي عظيمًا وعند اللَّه صغيرًا.
وإنَّها لم تكن نُبوَّةٌ قطّ إلَّا تناسَخَت، حتَّى تكونَ مُلْكًا، وستُجَرّبون الأُمراءَ بعدنا. انفرد بإخراجه مسلم (1). وليس لعتبةَ في الصحيح غيرُه.
ولما مات عتبةُ قَدِمَ غلامُه سُويد على عمر بتَرِكَته (2).
وقال ابن سعد: كان لعُتبةَ مولى يقال له: خَبّاب، وكُنيتُه أبو يحيى، آخى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين تميم مولى خِراش بن الصِّمَّةِ، وخَبَّاب من الطَّبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتُوفي سنة تسع عشرة بالمدينة، وصلّى عليه عمرُ، وهو ابن خمسين سنةً (3).
وليس في الموالي مَن اسمُه خبَّابٌ غيرُه، وله صحبةٌ، وليس له روايةٌ.
فصل وفيها توفي

عثمان بن عامر
ابن عمرو بن كعب، أبو قُحافة، والد أبي بكر الصِّدِّيق -رضي اللَّه عنه-، وأمه قَيْلة بنت أَذَاة، من بني كعب بن لؤي.
وقد ذكرنا إسلامَه يومَ الفتح (4)، وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يَا أَبا بكر، هلّا تركتَ الشيخَ حتَّى أكون أنا الذي أمشي إليه".
وكان أبو قُحافة من عقلاء الناس، واستدلُّوا على عقله أن ابنَه لما وَلي الخلافة لم يكترث بذلك، ولا وَفَد عليه، ولا مَنَّ على النَّاس به، ولم يزل يُسمّيه عتيقًا، ويخاطب به ما ولي الخلافة إلى أن مات.
قال ابن قتيبة: وقدم أبو قُحافة المدينة (5). وهو وهم منه، لاتفاق العلماء على أنه
__________
(1) مسند أحمد (17575)، وصحيح مسلم (2967).
(2) انظر ترجمة عتبة في طبقات ابن سعد 3/ 92 - 93 و 9/ 5 - 8, والاستيعاب (1914)، والإصابة 2/ 455.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 93.
(4) سلف في السيرة.
(5) المعارف 168.
(5/191)

لم يزل مُقيمًا بمكة.
وكان أبو قُحافة قد أضرَّ، وكانت وفاتُه في المحرم في هذه السنة، وكان بينه وبين وفاة ابنه سبعةُ أشهر وستةُ أيام، وعاش سبعةً وتسعين سنة، وورث من ابنه أبي بكر السُّدس، فردّه في أولاد أبي بكر.
ذكْرُ أولاده: كان له أبو بكرٍ وعبد اللَّه وأمُّهما أمّ الخير سلمى. وأُمُّ فَرْوَة تزوَّجها الأشعثُ بن قيس.
وقال ابن قُتيبة: تزوَّج أمَّ فَرْوَة رجلٌ من الأزْدِ فولدت له جاريةً، ثم تزوَّجها تميم الداريّ، ثم الأشعثُ بنُ قيسٍ (1).
فولدت له محمَّدًا وإسحاقَ وجُمانةَ (2) وقريبة.
وذكرها الشيخ الموفَّق في الأنساب، وقال: أسلمت وبايعت، وروتِ الحديثَ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: وفي بعض المغازي أن أَبا قُحافةَ قال لابنته يوم الفتح: خُذي بيدي، واصعدي بي إلى أبي قُبيس، ففعلت فقال لها: ما تَرَيْنَ؟ قالت: أرى سوادًا مُجتمعًا قال: تلك الخيلُ. [قالت]: وبين أيديها فارسٌ يُقبلُ ويُدبِرُ، فقال: ذاك الوازعُ -قال الجوهري: الوازعُ: الذي يتقدَّم الصفَّ فيُصلحُه، ويُقَدِّمُ ويُؤخِّرُ. قال: ويُسمَّى الكلبُ وازعًا؛ لأنَّه يكفّ الذئبَ عن الغنم (3) - فقال: ما تَرين؟ قالت: قد انتشر السوادُ، فقال: أغارت الخيلُ، فالحقي بي المنزلَ، فنزلتْ فأدركتها الخيلُ قبل بلوغِ المنزلِ، فأخذ بعضُهم طَوْقًا كان في عُنُقِها، فلما فتح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مكَّة قال أبو بكرٍ: أَنشُدُ اللَّه رجلًا أخذ طَوْقَ أختي إلَّا رَدَّه، فلم يُرَدَّ. فقال أبو بكر لأخته: احتسبي طَوْقَك، فإن الأمانةَ في الناسِ اليوم قليل (4).
وليس في الصحابيات من يُكنى أمّ فَرْوة إلَّا هذه، وأمّ فروة أنصارية (5).
__________
(1) المعارف 168.
(2) في طبقات ابن سعد 6/ 78: حِبَّانة.
(3) الصحاح (وزع).
(4) التبيين 319، وسيرة ابن هشام 2/ 405 - 406.
(5) تلقيح فهوم أهل الأثر 352.
(5/192)

وذكرها ابن سعدٍ في طبقات النساء فقال: وأمُّها هند بنت نُفيل (1) بن بُجَيْر بن عبد ابن قُصيّ، زوَّجها أبو بكرٍ من الأشعثِ بن قيسٍ، فولدت له محمّدًا وإسحاق وإسماعيل وحبابة وقريبة. وقال: وكان لأبي قُحافةَ ابنةٌ تُسمّى قريبة، تزوّجها قيس بن سعد بن عُبادة بن دُليم، فلم تَلِدْ له شيئًا. قال: وأُمُّها هندُ بنتُ نُفيلٍ أَيضًا. وكان لأبي قُحافة ابنةٌ يُقال لها: أم عامر، وأمُّها هند بنت نُفَيل أَيضًا، تزوجها سعد بن أبي وقاص (2)، فولدت له ضعيفة، وقيل: اسمها أم عاصم، وتُسمّى ضعيفة.
وليس في الصحابة مَن اسمُه عثمان بن عامر، ويُكنى أَبا قُحافة غيره. وليس له رواية, وإنما أسلم على يد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الفتح.
وقال موسى بن عقبة (3): ما نعلم أن أربعةً تناسلوا، ورأَوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في نسق واحد، إلا عثمان بن عامر، وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن، وابنه محمد ويُكنى أَبا عتيق (4).

عفراء بنت عُبيد
ابن ثعلبة الأنصاريّة، من بني النجار، وأمُّها الرعاة بنت عديّ بن سواد، نجارية أَيضًا، أسلمت وبايعت، وولدت سبع بنين مُسلمين، شهدوا بدرًا، تزوّجها الحارث بن رفاعة من بني النجار، فولدت له مُعاذًا ومُعوِّذًا، ثم طلَّقها، فقدمت مكة، فتزوجها كثير (5) ابن عبد ياليل، فولدت له خالدًا وإياسًا وعاقلًا وعامرًا، ثم طلَّقها، فرجعت إلى المدينة، فراجعها الحارث بن رفاعة، فولدت له عوفًا، فأسلموا، وحضروا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بدرًا، فاستشهد معاذ ومعوذ وعاقل قبل يوم بدر، واستشهد خالد يوم الرَّجيع، وعامر يوم بئر معونة، وإياس يوم اليمامة، وانقرض نسلهم إلَّا عوف فإنه أعقب (6).
__________
(1) في طبقات ابن سعد 10/ 236 - 237: نُقَيد، هنا وفي المواضع الآتية.
(2) في طبقات ابن سعد 6/ 78 و 10/ 237: عامر بن أبي وقاص.
(3) من هنا إلى بداية ترجمة أم عمارة نسيبة، ليس في (ك).
(4) انظر ترجمة أبي قُحافة في طبقات ابن سعد 6/ 78 و 8/ 12 - 13، والاستيعاب (1889) و (3109)، والتبيين 317، والمنتظم 4/ 186، والإصابة 2/ 460.
(5) في المنتظم 4/ 187: بكر، وفي الإصابة 4/ 364: بُكير.
(6) انظر طبقات ابن سعد 10/ 412، والاستبصار 61، والمنتظم والإصابة.
(5/193)

أبو سفيان بن الحارث
ابن عبد المطلب بن هاشم، ابنُ عم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
واسمه المغيرة، وأمُّه غزيّة بنت قيس، وهي أمُّ نوفل بنت الحارث، وكان أبو سفيان ونوفل أخوان لأم وأبي، وربيعة وعبد اللَّه ابنا الحارث أخوان لأب وأم، وقيل: بل غزيّة أمُّ الكلّ.
وكان أبو سفيان أخا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الرضاعة، أرضعته حليمةُ أيامًا، وكان تِربَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وإلْفَه، فلما بُعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نصب له العداوة، وهجاه، وهجا أصحابَه، وأقام عشرين سنة عدوًّا للَّه ورسوله والمؤمنين، لا يتخلَّف عن مَوضعٍ تسير فيه قريش لقتال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلَّا وهو معهم، وإليه أشار حسان بن ثابت الأنصاري -رضي اللَّه عنه-، يقول: [من الوافر]
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه ... وعند اللَّه في ذاك الجزاءُ (1)
وأقام على ذلك حتى تحرك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لغَزاة الفتح، فألقى اللَّه الإِسلامَ في قلبه، قال: فقلتُ: قد ضرب الإِسلامُ بجِرانه، فمع مَن أكون، ولمن أصحب؟ فقلتُ لزوجتي ولولدي: تهيَّؤوا للخروج، فقد أظلَّ قُدوم محمد، فقالوا: قد آن لك أن تُبصرَ أن العرب والعجمَ قد اتَّبعت محمدًا، وأنت مُوضعٌ في عداوته، وكنتَ أولى الناس بنصره!
قال: فخرجتُ حتى نزلتُ الأَبواء، ومعي غُلامي مَذكور، وقد نزلت مُقَدِّمتُه الأبواء، وكان قد نذر دمي، فتنكّرتُ حتى طلع بركبه، فقَصدتُه من تلقاء وجهه، فأعرض عني، فتحوَّلتُ إلى الناحية الأخرى، فأعرض عني، فأخذني ما قَرُب وما بَعُد، وقلت: أنا مقتولٌ قبل أن أصلَ إليه، فأسلمتُ، وكنتُ أظنُ أن أصحابَه يَفرحون بإسلامي، وأنه يَسرُّه ذلك، فلما رأى النَّاس [إعراض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] عني، أعرضوا جميعًا، وكان معي جعفر وعبد اللَّه ابن أبي أمية، أخو أمِّ سلمة زوج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وابن عمّة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت له أمُّ سلمة: يَا رسول اللَّه، لا يكون ابن عمِّك، وأخي ابنُ عمتك (2) أشقى النَّاس بك، فقال:
__________
(1) ديوانه 1/ 18.
(2) في (أ) و (خ): عمك، هنا وفي الموضع الآتي، والمثبت من مغازي الواقدي 810، والتبيين 105.
(5/194)

أما ابنُ عمي فهو الذي هجاني وقال ما قال، وأما ابن عمتي فهو القائل: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90].
قال: ونظر إليّ عمر بن الخطاب، فأغرى بي رجلًا من الأنصار، يقال له نعمان بن الحارث، قال لي: يَا عدوَّ اللَّه، أَنْتَ الذي كنتَ تُؤذي رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه، واستطال عليَّ حتى جعلني مثلَ الحَرَجَة (1)، والناسُ يُسرُّون بما يفعل بي، فدخلتُ على العباس، فقلتُ: يَا عمّ، قد كنتُ أرجو أن يَفرح رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بإسلامي؛ لقَرابتي منه، وشرفي في قومي، وقد كان منه ما رأيتَ، فكلّمه فيّ ليَرضى عني، فقال: لا واللَّه لا أُكلِّمه فيك أبدًا بعد ما رأيتُ منه ما رأيت، إلَّا أن أرى وجهًا، إني أُجِلُّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأهابُه، قلت: فكُفَّ عني الرَّجل، فأرسل إليه: يَا نُعَيمان، إن أَبا سفيان ابنُ عمّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وابن أخي، وإن يكن ساخطًا عليه فسَيرضى عنه، فكُفَّ عنه. قال: فبعد لأي ما كفَّ عني.
ولزمتُ بابَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يُعرض عنّي، فلم أزل كذلك حتى فتح مكة، وأنا لا أُفارقُه، ودخل عليه نساءُ بني عبد المطلب فرَقَّقْنَه عليَّ وقلن: برّك وعطفك، فنظر إليَّ نظرًا هو أَلينُ من ذلك، حتى خرج إلى هوازن وخرجتُ معه.
فلما لَقيناهم حملوا الحملةَ التي قال اللَّه تعالى فيها: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25].
وثبت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على بغلته المثل هباء، فاقتحمتُ عن فرسي، وبيدي السَّيف صَلْتًا قد كسرتُ جَفْنَه، واللَّه يَعلم أني أُريد الموتَ دونه، وهو ينظر إليّ، وقد أخذ العباس بلجام بَغلته، وأَخذتُ بالجانب الآخر، فقال للعباس: "مَن هذا؟ " قال: أخوك وابنُ عمك أبو سفيان، فقال: "أخي لعَمري"، فقال: يَا رسول اللَّه، ارضَ عنه، فقال: "قد فعلت"، قال: فأُقبِّلُ رجلَه في الرِّكاب، ثم هزم اللَّه القوم (2).
وحَسُن إسلامُ أبي سفيان، وهاجر إلى المدينة، وأقام بها ملازمًا للمسجد، ناسكًا زاهدًا، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، وأقام لا يرفع طَرفه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
__________
(1) الشجر الملتف.
(2) مغازي الواقدي 806 - 810، وطبقات ابن سعد 4/ 46، والمعارف 126، والاستيعاب (2965)، والتبيين 105، والتوابين 130 - 134، والإصابة 4/ 90.
(5/195)

حياءً منه، وكان من أماثل قريش.
وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المهاجرين (1).
شهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فتح مكة وحُنينًا والطائف، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول بعد ذلك: "أخي وابنُ عمي وخيرُ أهلي، وقد أعقبني اللَّه من حمزة أَبا سفيان" وكان يُقال له: أسد اللَّه وأسد رسوله، وأطعمه بخيبر مئةَ وَسْق.
وله في رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشعار كثيرة، منها: قال: [من الطويل]
لَعمرك إني يوم أحملُ رايةً ... لتَغْلِبَ خيلُ اللاتِ خيلَ محمدِ
لكا لمُدْلِجِ الحَيْران أظلمَ ليلُه ... فهذا أوان اليوم أُهدى وأَهتدي
هَدانيَ هادٍ غير نفسي ودَلَّني ... على اللَّه مَن طَرَّدْتُ كل مُطَرَّدِ
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بل نحن طردناكم كلَّ مُطَرَّد" (2).
وكان أبو سفيان يشبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال يوم حنين: [من الطويل]
لقد علمتْ أفناء كعبٍ وعامرٍ ... غداةَ حُنَين حين عمَّ التَّضَعْضُعُ
بأني أخو الهَيجاءِ أركبُ حدَّها ... أمام رسول اللَّه لا أتَتَعْتَعُ
رجاءَ ثواب اللَّه واللَّه واسِعٌ ... إليه تعالى كلُّ أمرٍ سيَرجِعُ (3)
ولما احتضر بكى أهلُه، فقال: لا تَبكوا، فواللَّه ما تَنظَفتُ بخَطيئةٍ منذ أسلمتُ، أي: ما تلطَّختُ، وكان قد حجَّ، فحلق الحلاقُ رأسَه بمنى، وكان فيه ثُؤلول، فقطعه، فعاد إلى المدينة فمات منه، فكانوا يرون أنه شهيد، وذلك في سنة أربع عشرة، وصلَّى عليه عمر بن الخطاب، ودُفن في دار عقيل بن أبي طالب، وهو الذي حفر قبرَ نفسِه قبل موته بثلاثة أيام، وقيل: مات في سنة خمس عشرة، وقيل: في سنة عشرين، وقيل: بعد ذلك، والأوّل أَشهر.

ذكر أولاده: كان له من الولد جعفر، وأمُّه جُمانة بنت أبي طالب، شهد مع أَبيه
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 45.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 47، والاستيعاب (2965).
(3) طبقات ابن سعد 4/ 49.
(5/196)

الفتح وحُنينًا والطائف، ومات في أيام معاوية، وعبد اللَّه ويُكنى أَبا الهيجاء (1)، رأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وروى عنه الحديث، فمن روايته عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما قُدِّست أمَّةٌ لا يُؤخذُ لضعيفها حقّه من قويِّها غير مَتَتعتِع" (2).
وقال البلاذري: جعفر وعبد اللَّه أمُّهما جُمانة، ولا عقبَ لهما (3)، وجُمانة وحَفصة أمُّهما فغمة من بني دُهْمان، وقيل: إنها أمُّ أبي الهيجاء أَيضًا، وأمه وأم كلثوم لأم ولد (4)، وقد انقرض عَقب أبي سفيان.
وقد أخرج ابن سعد حديثًا فقال: حدثنا يزيد بن هارون وعَفّان بن مُسلم قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عُروة، عن أَبيه، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أبو سفيان بن الحارث سَيِّدُ فِتيان أهلِ الجنة" (5).

أم عُمارة (6)
واختلفوا في اسمها، فقال ابن سعد: هي نَسيبة بنت كعب بن عمر وابن عوفٍ، من بني النجار، وكذا نسيها ابن ماكولا وعامة النُّسَّابِ (7).
شهدت العقبة مع السَّبعين، وأسلمت وبايعت، وشهدت أُحدًا والحُديبيةَ وخيبرَ وحُنينًا وعمرة القضيَّة واليمامة.
__________
(1) في الطبقات 4/ 45، والإصابة 2/ 320، وتاريخ دمشق 9/ 366 (مخطوط) وأنساب الأشراف 3/ 344: أبو الهياج.
(2) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة 2/ 113، وابن عساكر في تاريخ دمشق 9/ 366، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (1393)، وابن قدامة في التبيين 108، والحافظ في الإصابة 2/ 320.
(3) أنساب الأشراف 3/ 344.
(4) في طبقات ابن سعد 4/ 45: وجمانة وحفصة وأمهم فغمة. . . وأميّة وأمها أم ولد، ويقال بل أمّها أم أبي الهياج، وأم كلثوم وهي لأم ولد.
(5) طبقات ابن سعد 4/ 49.
(6) من قوله: وقال موسى بن عقبة، في ترجمة أبي قُحافة، إلى هنا ليس في (ك).
(7) طبقات ابن سعد 10/ 383، والإكمال 7/ 338، والاستيعاب (3549)، والمنتظم 4/ 189، وتلقيح فهوم أهل الأثر 345، والاستبصار 82، والإصابة 4/ 479، وتوضيح المشتبه 9/ 78، وتهذيب الكمال (8588) وفروعه.
(5/197)

وقال ابن سعد: وأمُّها الرباب بنت عبد اللَّه بن حبيب، من الخَزْرَج، وهي أختُ عبد اللَّه بن كعب شهد بدرًا، وأختُ أبي ليلى عبد الرحمن بن كعب أحدِ البكَّائين لأبيهما وأمِّهما.
وتزوَّج أمَ عُمارة بنت كعب: زيدُ بن عاصم بن عمرو النّجاري، فولدت له عبدَ اللَّه وحبيبًا، صحبا رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم خلف عليها غَزيّة بن عمرو بن عطيّة من بني النجار أَيضًا، فولدت له تميمًا وخولة.
وحكى ابنُ سعدٍ عن الواقدي قال: شهدت البَيعة ليلةَ العَقَبة، وبايعتْ مع القوم، وشهدت أُحدًا مع زوجها غَزيّة بن عمرو؛ لأنها تزوَّجت به أَيضًا، شهدت هي وابنَيْها، وخرجت معهم بشَنِّ في أول النهار، تُريدُ أن تَسقي الجرحى، فقاتلت يومئذٍ، وأبلت بلاءً حسنًا، وجُرِحت اثني عشر جُرحًا بين طعنةٍ برمحٍ أو ضربةٍ بسيفٍ.
قال: وقالت: لما انهزم المسلمون انحزْتُ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجعلتُ أُباشر القتال بنفسي، وأذبُّ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالسيف، وأرمي بالقوسِ حتى خَلَصَتْ إليَّ الجراحُ، وأقبل ابنُ قَميئة يُريد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فضربني هذه الضَّربة، وكان على عاتقِها ضربةٌ لها غورٌ أَجوفُ، قالت: ولقد ضربتُه ضربات، ولكن عدوَّ اللَّه كان عليه دِرعان (1).
وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لمَقَامُ نَسيبة بنت كعب اليوم خيرٌ من مقام فُلان وفلان، ما التفتُّ يَمينًا وشمالًا إلَّا رأيتُها تُقاتل دوني"، وجُرحت ثلاث عشرة جراحة، وضربها ابنُ قَميئة على عاتقها ضربةً فداوتها سنةً، ولما نادى منادي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى حَمْراء الأَسَد شَدَّت عليها ثيابَها، فما استطاعت من نَزْف الدَّم، فلما رجع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الحمراء، ما وصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد اللَّه بن كعب يَسأل عنها، فرجع فأخبره بسلامتها فسُرَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك.
وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أُحد: "ومَن يُطيق ما تُطيقين يَا أمَّ عُمارة"، وكانت قد قتلتْ يوم أُحد جماعة.
__________
(1) طبقات ابن سعد 10/ 383 - 384، ومغازي الواقدي 1/ 268 - 269، ومن هنا إلى قوله: وقالت أم عمارة دخل علي. . . ليس في (ك).
(5/198)

وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنْ أم عُمارة وابنيها وزوجها لما وَلَّوا عنه يوم أُحد (1). "اللهمَّ اجعلهم رِفاقي في الجنة"، فقالت أمُّ عُمارة؟ ما أُبالي ما أصابني من الدنيا.
قال ضَمْرة بنُ سعيد: أُتي عمر بن الخطاب بمُروط، فكان فيها مِرْطٌ جيّد، فقال بعضهم: لو أرسلتَ به إلى صَفيَّة بنت أبي عُبيد، زوجة عبد اللَّه بن عمر، وذلك حِدْثانُ ما دخلتْ على ابن عمر، فقال: ابعثوا به إلى مَن هو أحق منها: أمّ عُمارة، سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول يومَ أُحد: "ما التفتّ يمينًا وشمالا إلَّا وأنا أَراها تُقاتل دوني" (2).
وقال محمد بن يحيى بن حَبَّان: جُرحت أمّ عُمارة بأُحد اثني عشر جُرحًا، وقُطعت يدُها باليمامة، وجُرحت يوم إليمامة سوى يدها أحد عشر جُرحًا، فقدمت المدينة وبها الجراحات، فلقد رؤي أبو بكر وهو خليفة يَأتيها ويَسأل عنها، وابنُها حَبيب بن زيد الذي قطّعه مُسيلمة، وابنُها عبد اللَّه بن زيد قُتل يوم الحَرَّة (3).
روت أمّ عُمارة الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقالت أمُّ عمارة: دخل عليَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عائدًا، فقرَّبتُ إليه طَفَيْشَلةً (4) وخُبزَ شعير، قالت: فأصابَ منه وقال: تعالي كُلي، فقلت: يَا رسول اللَّه إنِّي صائمة فقال: "إن الصائم إذا أُكلَ عنده لم يزلْ تصلي عليه الملائكةُ حتى يُفْرغَ من طعامِهِ" (5).

نوفل بن الحارث
ابن عبد المطلب بن هاشم، ابنُ عمّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأمُّه غَزِيّة بنت قيس بن طَريف، فِهريّة، ونوفل من الطبقة الثانية من المهاجرين، وكُنيته أبو الحارث.
قال ابن الكلبي: إن قريشًا أخرجتْ مَن كان بمكة من بني هاشم مُكرَهين إلى بدر، فقال نوفل: [من الطويل]
__________
(1) يعني لما ولّى عنه الناس وثبتت أم عمارة وزوجها وابنيها، انظر مغازي الواقدي 270 - 273، وطبقات ابن سعد 10/ 384 - 386.
(2) مغازي الواقدي 271، وطبقات ابن سعد 10/ 386.
(3) طبقات ابن سعد 10/ 387.
(4) نوع من المرَق.
(5) أخرجه ابن سعد 10/ 386، وأَحمد في مسنده (27060). ومن قوله: وقالت أم عمارة دخل علي. . إلى هنا، ليس في (أ) و (خ)، وقد جاءت ترجمة أم عمارة في (ك) بعد ترجمة هند بنت عتبة.
(5/199)

حرامٌ علينا حَربُ أحمدَ إنني ... أرى أحمدًا منا قريبًا أواصِرُه
فإن تكُ فهِرٌ ألَّبتْ وتَجَمَّعتْ ... عليه فإن اللَّه لا شكَّ ناصِرُه
فأُسِر يوم بدر، وحضر بين يدي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال له: "افْدِ نفْسَك"، قال: ليس لي مال، قال: "فأين رِماحُك التي بجُدَّة (1)؟ "، وكانت ألفَ رُمح لم يعلم بها أحد، فقال له: أشهدُ أنك رسول اللَّه، وفدى نفسه بها، ثم رجع إلى مكة، وأسلم، ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة هو والعبّاس أيام الخندق، وشهد فتح مكة ويومَ حُنين، وثبت مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان عن يمينه، وأعان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بثلاثة آلاف رُمح.
وقال لما أسلم: [من الطويل]
إليكم إليكم إنني لستُ منكمُ ... تَبَرَّأتُ من دين الشّيوخِ الأكابرِ
لعَمريَ ما ديني بشيءٍ أبيعُه ... وما أنا إن أسلمتُ يومًا بكافرِ
شهدتُ على أن النبيَّ محمدًا ... أتى بالهُدى من ربِّه بالبَصائِرِ
وإن رسولَ اللَّه يدعو إلى التُّقى ... وإن رسولَ اللَّه ليس بشاعرِ
على ذاك أحيا ثم أُبعثُ مُوقِنًا ... وأُثوى عليه مَيِّتًا في المقابرِ
ولما قدم نوفل والعباس على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة آخى بينهما، وكانا شَريكَين في الجاهلية، مُتَفاوِضَين [في المال]، مُتَحابَّين مُتصافِيَيْن، وأَقطَعهما رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمدينة منزِلَيْن متجاوِرَين.
وتوفي نوفل في سنة أربع عشرة بالمدينة بعد استخلاف عمر بسنة وثلاثةِ أشهر، وصلَّى عليه عمر، ومشى في جنازته، ودُفن بالبقيع، وتوفي قبل أخيه أبي سفيان بأربعة أشهر إلا ثلاثة عشر ليلة، وقيل: مات سنة خمس عشرة (2).

ذكر أولاده: كان له من الولد الحارث وعبد اللَّه والمغيرة وسعيد وعبد الرحمن وربيعة.
فأما الحارث فكان رجلًا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أسلم مع أَبيه، وصحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وروى عنه، واستعمله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على بعض أعمال مكة، ووُلد له ولدٌ
__________
(1) في (أ) و (خ): الذي تجده، والمثبت من طبقات ابن سعد 4/ 42، والمنتظم 4/ 188.
(2) انظر في ترجمة نوفل طبقات ابن سعد 4/ 41 - 43، والمعارف 127، وأنساب الأشراف 3/ 338، والاستيعاب (2565)، والمنتظم 4/ 188، والتبيين 99، والإصابة 3/ 577.
(5/200)

سمَّاه عبدَ اللَّه، فأتى به النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فحنّكه بيده، ودعا له، وعبدُ اللَّه هو الذي يُلَقَّب بَبَّه.
وقال الواقدي: ولَّى أبو بكر وعمر وعثمان الحارث بن نوفل مكة، وتزوَّج دُرَّة بنت أبي لهب، وسكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، واختطّ بها دارًا، ونزلها في ولاية عبد اللَّه بن عامر، ومات في آخر خلافة عثمان، وكان له أولاد، منهم: عبد اللَّه ومحمد الأكبر وربيعة وعبد الرحمن ورَمْلة وأم الزُّبير، وأم الجميع هند بنت أبي سفيان ابن حرب، وأمُّها أم عمرو بنت أمية.
فأما عبد اللَّه فسبب لقبه أن أمَّه كانت تُرقّصه وتقول: [من الرجز]
لأُنكِحَنّ بَبَّهْ
جاريةً خِدَبَّهْ
عَظيمةً كالقُبَّهْ
إذا بدتْ في نقبهْ
تَمشُط رأسَ لعبهْ
تحبُّ أهلَ الكَعبةْ
كريمةً في النِّسبهْ
مُكرَمَةً مُحَبَّهْ
قال عمرو بن دينار: قدم بَبَّة مكة، فجاء ابنَ عمر، فسلَّم عليه فلم يَبَشَّ به، فقال له: أما تعرفني؟ قال: بلى ألستَ بَبَّة، فشق عليه، وتضاحك القوم، ففَطِن ابنُ عمر، وقال: ليس هذا يَعيب الرجلَ الحادر يُقال له: بَبَّة (1).
وكان بَبَّة قد سفر بين الحسن ومُعاوية في الصُّلح، وسأل معاويةَ أن يُولِّيه فقال: لام ألف، فنزل عبد اللَّه البصرة مع أَبيه، فلما مات يزيد بن معاوية، ووثب أهل البصرة على عبيد اللَّه بن زياد واختفى، بايع أهلُ البصرة بَبَّة حتى يجتمعَ النَّاس على إمام، فأقام عليهم شهورًا، ثم قال: ولُّوا أمرَكم مَن شئتم، فأمَّروا عليهم عمر بن عبيد اللَّه بن معمر
__________
(1) المعرفة والتاريخ 3/ 373، وتاريخ دمشق ص 100 (مجمع اللغة، عبد اللَّه بن جابر - عبد اللَّه بن زيد)، وفيهما: إن الذي قلت لا بأس به، ليس يعيب الرجل، إنما كان غلامًا نادرًا. . .
(5/201)

التَّيمي، وأقام بَبَّة بالبصرة إلى زمن الحجَّاج [ثم خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث، فلما هُزم ابن الأشعث خاف بَبَّة الحَجَّاج]، فهرب إلى عُمان، فمات بها في سنة أربعٍ وثمانين، وهو شيخٌ كبير في أُذُنه ثِقل.
وكان لعبد اللَّه بَبَّة ولدٌ اسمُه عبد اللَّه، ويقال له: الأرجوان لحُسنه، وكنيتُه أبو يحيى، خرج مع سليمان بن عبد الملك إلى الحج، فقتلته السّموم وحرُّ الشَّمس بالأَبواء سنة تسعٍ وتسعين، فصلَّى عليه سُليمان، وحَزِن عليه.
وأما عبد اللَّه بن نوفل بن الحارث فوُلد على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَحفظ عنه شيئًا، وكان يُشبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووَلي قضاءَ المدينة لمعاوية، ومروان واليًا على المدينة، وقال أبو هريرة: وهو أولُ قاضٍ رأيتُه في الإِسلام بها.
قال ابن سعد: وأهلُه ينكرون هذا، مات سنة أربعٍ وثمانين، وقيل في أيام مُعاوية.
وأما المغيرة بن نوفل فإنه وُلد على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة، وقيل لم يُدرك من حياة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سوى ستّ سنين، وكنيته أبو يحيى، وابنه يحيى من أُمامة بنت أبي العاص، وأمها زينب عليها السلام بنتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان قد تزوّجها بعد عليّ -رضي اللَّه عنه-، وقيل إن عليًّا أوصاه أن يتزوَجها خوفًا لا يتزوَّجها معاوية.
روى المغيرة الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقيل: إنه لم يسمع منه، فحديثُه مُرسَل، وكان قاضيًا في زمن عثمان -رضي اللَّه عنه-، ولما ضرب ابنُ مُلْجم عليًا كرم اللَّه وجهه، وخاف النَّاس منه، حمل عليه المغيرة بقَطيفة، فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، وقَعد على صدره، وأخذ السيفَ منه، ثم حمله إلى الحبس.
قال الواقدي: وولَّاه الحسن الكوفة، وسار إليه معاوية وهو عليها، وأعقب المغيرة أولادًا فُضلاء، فوُلد له عبد اللَّه بن المغيرة، وكُنيته أبو محمد، مات في أيام عمر بن عبد العزيز، وإسحاق بن المغيرة، وابنُه لوط بن إسحاق، كان عالمًا زاهدًا عابدًا فقيهًا، مات في أيام أبي جعفر المنصور، وابنُه محمد بن لوط كان عالمًا فقيهًا، مات في أيام أبي جعفر أَيضًا، وعبد الملك بن المغيرة بن نوفل، وُلد له يزيد بنُ عبد الملك، وكُنيته أبو خالد، كان فقيهًا فاضلًا.
(5/202)

[وأما سعيد فكان فقيهًا]، وكانت له ابنةٌ اسمُها رُقَيَّة، تزوَّجت بكر بنَ حُصين، من بني عامر بن لُؤيّ، فقال لها عبد الملك: ترون أن تنكح المرأة عبدها فقالت: [من الرجز]
إن القُبورَ تنكح الأيامى ... النّسوة الأرامل اليتامى
المرءُ لا تبقى له السُّلامى
وأما عبد الرحمن وربيعة ابنا نوفل فلا بقيةَ لهما.
وكان لنوفل بنات، منهن أمّ سعيد وأمّ المغيرة وأمّ حكيم وأم ظريبة بنت سعد بن أبي وقّاص (1).
ولنوفل عَقِبٌ كثير بالمدينة والبصرة وبغداد، وليس له رواية (2).

هند بنت عُتبة
ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. قال ابن سعد: وأُمُّها صفية بنت أُمية بن حارثة بن الأَوْقص بن مُرَّة، من بني سُلَيم (3)، وأوَّل مَن تزوَّجها حفص بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم (4)، فولدت له أبانًا.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن عبد الملك بن نوفل بن مُساحق، شيخٍ من أهل المدينة من بني عامر بن لؤي قال: قالت هند لأبيها: إنِّي امرأةٌ قد ملكتُ أمري، فلا تُزوِّجْني رجلًا حتى تَعْرِضَه عليَّ. فقال لها: ذلك لك. ثم قال لها يومًا: إنَه قد خطبك رجلانِ من قومك، ولستُ مُسمِّيًا لك واحدًا منهما حتى أصفَه لك (5).
__________
(1) كذا، والذي في طبقات ابن سعد 4/ 41: أم سعيد وأم المغيرة وأم حكيم وأمهم ظريبة بنت سعيد بن القشب، وأم ظريبة أم حكيم بنت سفيان بن أمية، وهي خالة سعد بن أبي وقاص.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 52 - 53 و 5/ 21 - 26، وأنساب الأشراف 3/ 338 - 346، والاستيعاب (435)، والتبيين 100 - 103، والإصابة 1/ 292، وترجمة نوفل بن الحارث ليست في (ك).
(3) في (أ) و (خ) زيادة بعد هذا الكلام نصها: وكانت هند امرأة حازمة شاعرة، ذات نفس وأنفة. وموضعها في (ك) بعد صفحتين.
(4) في (خ) زيادة: ولقبه الفاكه كذا قيل، وانظر الصفحة التالية.
(5) طبقات ابن سعد 10/ 223، وقول ابن سعد هذا ليس في (أ) و (خ).
(5/203)

وحكى الرَّبيع عن الشافعي قال: كان عتبةُ قد زوَّج ابنتَه هندًا رجلًا من قريشٍ، فطلَّقها أو مات عنها، فقالت لأبيها: إنَّك زوَّجْتَني ولم تُشاورني، فإن عُدْتَ فشاورني، فخطبها أبو سفيان بن حربٍ وسُهيل بن عمرو، فقالت: صِفهما لي. فقال: أما سهيل فتقضين عليه في أهله وماله، وأما أبو سفيان فلا تُخالفينه إلَّا نهاك (1)، وكلاهما سيِّدان. فاختارت أَبا سفيان، وقالت: إن أتاني منه ولد يكن سيِّدًا، وإن أتاني ولدٌ من سُهيلٍ يكن (2) أحمق. فتزوَّجها أبو سفيان فولدت له مُعاوية، وتزوَّج سهيلٌ امرأةً فولدت له ولدًا، فمرَّ عليه ذات يومٍ رجلٌ ومعه ناقةٌ وشاةٌ، فقال لأبيه سهيل: يَا أبه، هذه بنتُ هذه، فقال سُهيل: يرحمُ اللَّه هندًا.
ولم يذكر ابنُ سعد الفاكه في أزواجِ هند، ويقال: إن الفاكه [هو] حفص، والفاكه لقب (3).
وذكر ابن عبد ربِّه في كتاب "العقد" وقال: كانت هند عند الفاكه بن المُغيرة المخزومي، وكان له بيتٌ للضيّافة يغشاه النَّاسُ فيه بغير إذن، فخلا ذلك البيتُ يومًا، فدخل الفاكهُ وهند فناما فيه وقت القائلةِ، فانتبه الفاكه وخرج لبعض حاجته، وجاء رجلٌ ممَّن كان يدخلُ بيت الضيافة، فدخل، فرأى هندًا نائمةً فولَّى هاربًا، وعاد الفاكه فرأى الرجل خارجًا، وهند نائمةٌ، فضربها برجله فانتبهت، فقال: من هذا الخارج من عندك؟ فقالت: واللَّه ما رأيتُ أحدًا، فقال لها: الحقي بأهلك، وخاض النَّاسُ في أمرها، فقال لها أبوها: أخبريني خبرك، فإن كان صادقًا دسستُ إليه مَن يقتلُه، فينقطع العارُ، وإن كان كاذبًا حاكمته إلى الكاهن، فقالت: واللَّه إنَّه لكاذِبٌ، فقال عتبةُ للفاكه: إنَّك قد رَميتَ بنتي ببُهتانٍ عظيمٍ، فإما أن تُبيّن، وإمَّا أن تُحاكمني إلى الكاهن، فقال: أُحاكمك.
فخرجا إلى الكاهن في جماعةٍ من أهلهما، فلما شارفوا بلادَ الكاهن تغيَّر وجهُ هند، فقال لها أبوها: هلا كان هذا قبل أن يَشتهر خُروجُنا بين النَّاس، فقالت: واللَّه ما ذاك لمكروهٍ [قبلي] ولكنكم تأتون بشرًا يُصيبُ ويُخطئُ، ولعله يُخطئ فيَسِمني بميسمٍ
__________
(1) في تاريخ دمشق 19/ 568: وأما أبو سفيان فرجل شرس، لا تتكلمين إلا نهاك، ولا تخالفينه إلا ضربك.
(2) في النسخ: يكون، في الوضعين.
(3) من قوله: ولم يذكر ابن سعد. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/204)

يَبقى على ألسنة العرب، فقال لها أبوها: صدقتِ، ولكني سأختبره لك، ثم صفر لمهره فبال وأدلى، فعمد إلى حَبَّةِ بُرٍّ، فتركها في إحليله وأوكى عليها، ثم نزلوا على الكاهن فأكرمهم، فقال له عُتبة: قد أتيناك في أمر وقد خبأت لك خبيئًا. فقال الكاهن: ثمرة في كَمَرة. فقال: أُريد أبينَ من هذا. فقال. حَبَّةُ بُرٍّ في إحليل مُهر. فقال: صدقتَ، فانظر في أمر هذه النسوة، وكان قد خَرج معها نسوة من بني عبد مناف -فجعل يَمسح على رأس كل واحدةٍ منهن ويقول: قومي لشأنِك، فلم يَبقَ غير هندٍ فقال: تقدمي ومسح على رأسها وقال: قومي غير رَسْحاء ولا زانية، وستلدين ملكًا يقال له معاوية. فقامت، فأخذ الفاكه بيدها، فنترتها منه، وقالت: واللَّه لأَجتهدنَّ أن يكون من غيرك، وفارقته، فتزوَّجها أبو سفيان، فولدت معاوية (1).
وقال الجوهري: الرسحاءُ -بسين وحاء مُهملتين- القليلةُ لحم العَجُز والفخذَين (2).
قلت: وكانت هند على غير هذه الصفة، [ذكر قصتها الموفق] بغير هذه العبارة، وزاد فيها بأن قال: كانت هند امرأة حازمةً شاعرة، ذات نفسٍ وأَنَفةٍ، فيُروى أنها كانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قُريشٍ، له مجلسٌ يأتيه فيه نُدماؤه، فيدخلون بغير استئذان، فدخلتْه هند يومًا وليس فيه أحدٌ، فنامت فيه، وجاء بعض نُدَماء الفاكه فدخل البيت فرآها نائمة فخرج، فلقيه الفاكهُ خارجًا، فدخل فوجدها نائمةً، فقذفها بالرجل، ثم خرجوا إلى الكاهن، فلما قربوا من الكاهن اصفرَّ لونُها، فقال لها أبوها: إن كنت قد ألممت بذنبٍ فأخبريني حتى أحل هذا الأمر قبل الفضيحة، وذكرها. وفيه: فضرب الكاهنُ بين كتفيها وقال: قومي حصانًا غير زانية (3).
قال: ولما ولدت معاوية مر بها رجلٌ وهي ترقصه وهو صغير، فقال الرجلُ: إنِّي أراه سيسود قومَه، فقالت هند: ثكلتُه إن لم يَسُد غير قومه (4).
__________
(1) العقد الفريد 6/ 86 - 87.
(2) الصحاح (رسح).
(3) من قوله: قلت وكانت هند على غير هذه الصفة. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، وما سلف بين معكوفين زيادة يقتضيها السياق.
(4) التبيين 218 - 219.
(5/205)

وقد ذكرنا أن هندًا أسلمت يوم الفتح وبايعت بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وردَّها رسولُ اللَّه إما بنكاحٍ جديدٍ أو بالنكاح الأول على اختلاف الروايات. وذكرنا في غزاة الفتح أنها كَلَّمت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقالت: أنا هند بنتُ عتبة، فقال: مرحبًا بك، وأنها قالت: يَا رسول اللَّه، إن أَبا سفيان رجلٌ شحيح، لا يُعطيني وولدي ما يكفيني، فقال: "خُذي من ماله ما يَكفيك وولدك بالمعروف" (1)، وأنها لما بايعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: "ولا تقتلن أولادَكن" قالت هند: أَنْتَ قتلتَهم (2).
وقد أخرجه ابنُ سعدٍ عن عبيد اللَّه بن موسى، عن عمر بن أبي زائدة (3)، عن الشعبي.
ولم يذكر ابن سعدٍ تاريخَ وفاتها، وذكره ابن إسحاق والزُّبير بن بكار والموفق في الأنساب فقال: تُوفّيت هند بنت عتبة في سنة أربع عشرة، في اليوم الذي تُوفّي فيه أبو قُحافة والد الصديق بمكة (4).
وذكرها جدّي في "التلقيح" (5) وقال: لما قال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولا تقتلْنَ أولادكن" قالت (6) له: وهل تركتَ لنا ولدًا إلا قتلتَه يوم بدر.
وفي الصحابيات جماعةٌ اسمُ كلِّ واحدة منهن هند، إحداهن هذه، وهند بنت أسيد ابن حُضَير، وهند بنت [أبي] أُميَّة وهي أم سلمة زوجةُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهند خولانية امرأة بلال بن رباح، وهند بنت أوس بن شريق، وهند بنت أبي سفيان بن حرب وأمُّها صفية بنت أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس (7).
__________
(1) أخرجه البخاري (2211)، ومسلم (1714).
(2) سلف في السيرة.
(3) في (ك) عن عبد اللَّه بن موسى بن عمران بن أبي زائدة، وليس، في (أ) و (خ) إلى نهاية الفقرة، والمثبت من تاريخ دمشق 19/ 573، وتهذيب الكمال 5/ 64 (ترجمة عبيد اللَّه) و 364 (ترجمة عمر بن أبي زائدة)، وانظر طبقات ابن سعد 10/ 226.
(4) التبيين 219.
(5) في ص 319.
(6) من قوله: قالت هند أنت قتلتهم. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(7) تلقيح فهوم أهل الأثر 346، وما بين معكوفين منه.
(5/206)

وقال الهيثم (1): حضرت هند مع زوجها أبي سفيان يوم اليرموك، وكان لها من الولد: معاويةُ وحنظلة ومحمد، قُتل حنظلة يوم بدرٍ. انتهت ترجمة هند (2).

أم سَليط بنت عُبيد بن زياد
أنصاريّة، وهي أمُّ قيس أَيضًا، أسلمت وبايعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشهدت أُحدًا وحنينًا، وكان عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- يَتعاهَدُها.
فأخرج البخاري عن عمر أنه قَسم مُروطًا بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مِرطٌ جيّد، فقيل له: أعطِه لابنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- التي عندك -يُريدون أمَّ كلثوم بنت علي -رضي اللَّه عنهما- فقال: أمُّ سَليط أحقُّ به منها، فإنَّها ممن بايع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكانت تَزْفِرُ لنا القِربَ يوم أُحد، فبعث به إليها (3).
* * *
__________
(1) من قوله: وفي الصحابيات جماعة. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) هذه العبارة من (ك)، وجاء عقبها ترجمة أم عمارة، سلفت قريبًا، وانظر في ترجمة هند إضافة إلى ما سبق الاستيعاب (3477)، والإصابة 4/ 425.
(3) صحيح البخاري (2881)، وانظر ترجمة أم سليط في طبقات ابن سعد 10/ 389، والاستيعاب (3531)، والمنتظم 4/ 189، والإصابة 4/ 460. وترجمة أم سليط ليست في (ك).
(5/207)

السنة الخامسة عشرة من الهجرة
وفيها كانت وقعةُ المرجِ بدمشق، جهَّز هِرَقْلُ بِطريقًا يُقال له: توذرا من عُظماء أصحابهِ، فنزل المرجَ، فخرج إليه يزيد بنُ أبي سفيان، فقتله واستباح الرومَ، وكان أبو عُبيدة وخالدٌ -رضي اللَّه عنهما- قد أَوْغلا في بلاد الروم، فقتلا جمعًا من البطارقة، وهرب هِرَقْلُ إلى الرُّهاء، وجاء أبو عبيدة وخالد فنزلا حمص.

فصل في ذكر فتوح حمص
أقام عليها عسكر المسلمين مُدَّة، وكان بها جَمْعٌ عظيمٌ، واشتدّ عليهم الحصارُ، واتفق أنها زُلزلت، فوقعت دورٌ كثيرةٌ وقطعةٌ من سور البلد، فبادروا إلى الصُّلح، ولم يعلم أبو عبيدة بما حدث فيهم، فصالحهم على صلح دمشق، وكتب بالفتح إلى عمر، وبعث بالغنائم مع عبد اللَّه بن مسعود وقال له: أخبره بأن هرقل قطع الفُرات.

ذكر فتح حصن قِنَّسرين
كان على الحاضر بِطريقٌ يقال له: مساس في جمع، وكان مثل هرَقْلَ في عيونِ الروم، فنازله خالدٌ، فخرج إليه فاقتتلا، فقتله خالد وفتح حصن قِنَّسرين وأخربهُ، وصالح أهلها على صلح دمشق.

ذكر مسير هِرَقْلَ إلى القسطنطينية
لما عبر هِرَقْلُ إلى الفُرات جهَّز إليه أبو عبيدة الجيوش، فنازلوا الرُّهاء، فسار إلى سُمَيْساط، ثم تحمَّل إلى الروم، والتفت إلى الشَّام وقال: السلامُ عليك يَا سورية -يعني الشَّام- قد كنت (1) أُسلِّم عليك سلامَ مُوَدِّع، وهذا سلامُ مفارقٍ لا اجتماع بعده أبدًا، وهذا قولُ ابن إسحاق، وقال سيف: إنما خرج هرقل إلى القسطنطينية في سنة ست عشرة (2).
__________
(1) في (ك): يعني الشام قال يا سورية قد كنت.
(2) من قوله: وهذا قول ابن إسحاق. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/208)

وفيها كتبَ عمر بن الخطَّاب إلى أبي عبيدة أن يُولّي معاوية بن أبي سفيان حرب قَيْسارية، ويولي عمرو بن العاص حرب إيلياء يعني بيت المقدس، وقال هشام: إنَّما وَليَ حربَ الساحل عمرو بن العاص (1).
وفيها جرت وقعةٌ أخرى بأجنادين. قال سيف وغيره: لما فتحت حمص وقِنَّسرين اجتمع عسكرُ الروم بأجنادين وقَيْساريّة وغزّة والسواحل، فجهَّز إليهم أبو عبيدة شُرَحبيل بن حَسَنة ومعاوية وعمرو بنَ العاص وعلقمة بن مُجَزِّز، وكان بأجنادين الأرطَبون من عظماء الروم، وبغزة القيقار عظيمٌ آخر، فنازل معاوية قيسارية، فخرجوا إليه مرارًا وهو يهزمهم، فيقال: إنه قتل منهم ثمانين ألفًا، ثم افتتحها، وكان الأرطبون ملكًا ذا رأي داهيةً، وهو نائب هرقل بالسواحل والقدس.
ومضى علقمة بن مجزز فنازل القيقار بغزة، والأرطبون نازلٌ بأجنادين، وعساكر المسلمين بإزائه، عليهم عمرو بن العاص لا يَقدرون على شيءٍ، وكان عمر قد استخلف أَبا الأعور السُّلَمي على الأردن، وجعل على مقدّمته شرحبيل بن حَسَنة، وعلى الميمنةِ ولده عبد اللَّه بن عمرو، وعلى الميسرة جُنادة بن تميم المالكي، فنازل أجنادين، والروم في الحصون قد خَندقوا عليهم، ورتَّب الأَرطبون العساكر بالرَّملة وإيلياء، فأقام عمرو مُدَّةً لا يقدرُ منهم على شيء، فسار (2) فنزل على غزة، فبعث إليه عِلْجُها: أبعث إليّ رجلًا من أصحابك حتى أكلّمه، [ففكّر عمرو وقال: ما لهذا أحد غيري، فخرج حتى دخل على العِلْج فكلّمه، فسمع كلامًا لم يسمع مثلَه قط، فقال العِلج: حدِّثني هل في أصحابك أحدٌ] مثلُك (3)، فقال: لا تسأل عن هواني عليهم إذ بَعثوني إليك، وعَرَّضوني لما عَرّضوني له، [ولا يَدرون ما تصنع بي] فأمر له بجائزةٍ وكُسوة، وأرسل إلى بوّابه: إذا مرَّ عليك فاقتُله وخُذْ ما معه، فمرّ عمرو برجلٍ من نصارى غَسّان فعَرفه، فقال: يَا عَمرو، قد أحسنتَ الدخول فأحسن الخروج، ففَطِن،
__________
(1) قوله: وقال هشام. . . ليس في (أ) و (خ).
(2) في (ك): لا يقدر منهم على شي، فدخل عمرو على الأرطبون في زي رسول، فعرفه، فأراد قتله، فخدعه عمرو ونجا منه. وبهذا اختصر القصة التي وردت في (أ) و (خ).
(3) في (أ) و (خ): أبعث إلى رجلان من أصحابك حتى أكلمه يقال مثلك، والمثبت من العقد الفريد 1/ 124.
(5/209)

فعاد إلى العِلج، فقال له: ما الذي رَدَّك؟ فقال: نظرتُ فيما أعطيتَني، فلم أجد ذلك يَسَعُ بني عميّ، وقد أردتُ أن آتيك بعشرةٍ منهم لتُعطيهم هذه العطيّة، فيكون معروفُك عند عشرة خيرًا [من أن يكون] عند واحد، فقال: صدقتَ، وأرسل إلى البوّاب: لا تقتلْه، وخرج، فلما صالح العِلْج بعد ذلك ودخل على عمرو قال له: أَنْتَ هو، قال: نعم على ما كان من غَدرِك، ولما بلغ ذلك عمر بنَ الخطاب رضوان اللَّه عليه أنكر على عمرو وقال: غَرَّرْتَ بنفسك فلا تَعُدْ، وقيل: إن الواقعة كانت لعلقمة بن مُجزّز (1).
وقال ابن الكلبي -وقد حكاه جدي في كتاب "الأذكياء"- إن الواقعة كانت مع القيقار صاحب غزَّة (2).
وقال سيف (3): ثم التقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقُتل بينهم خلقٌ كثير، وهرب الأرطبون إلى إيلياء، وقيل: بل سار على حاميةٍ (4) حتى نزل القدسَ بجموعه، ونزل عمرو بأجنادين، فأرسل إليه الأَرطبون: واللَّه لا تفتحُ بعد أجنادين من فلسطين شيئًا، فأرجع ولا تتعب، فإنَّ صاحب هذا الفتح رجل اسمه على ثلاثة أحرف، ففهم عمرو أنه عمر، فجمع الأمراءَ وأخبرهم، فقالوا: اكتب إلى أبي عُبيدة، فكتب إليه، وقيل: إن عَمرًا هو الذي كتب إلى عمر، فأخبره بما قال الأرطبون، فعزم عمر على الخروج إلى الشام، وكان في كتاب عمرو إلى عمر: إنَّ القوم قد وجدوا في كُتبهم صفتك، وقد اجتمع ببيت المقدس من الملوك والبطارقة والعظماء والعَدد والعُدد ما لا يدخُلُ تحت حد ولا حصر، فاقدُم لعلَّ اللَّه أن يَجعل هذا الفتح العظيم على يدك.

ذكر خروج عمر بن الخطاب إلى الشام المرة الأولى
وقد اختلفوا في صفة قُدومِه، قال علماء السير: وهذه أوَّلُ خَرْجةٍ خرجها في الإِسلام، أما في الجاهلية فقد خرج تاجرًا مرارًا ودخل دمشق. وقيل: إن خَرْجاته إلى
__________
(1) من قوله: فسار فنزل. . . إلى هنا ليس في (ك).
(2) الخبر في الأذكياء 45 عن ابن الكلبي بين عمرو بن العاص وعلج غزة، كما وردت عن العقد.
(3) من قوله: وقال ابن الكلبي. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(4) في (أ) و (خ): على حاله.
(5/210)

الشام، فما وصل إلى دمشق (1).
قال سيف: ولما عزم على المسير قال له علي بن أبي طالب: أين تُريد بنفسك وبين يديك عدوٌّ كَلِبٌ؟ ! أقم ولا تُغرّر بنفسك، فقال: أبادرُ بجهاد العدوّ موتَ العباس (2)، إنكم إن فقدتم العباس انتقض (3) بكم الشرّ كما يُنتقض الحبْل، فمات العباس [لستّ خلون من إمارة عثمان] فانتقض بالنَّاس الشر (4)، واستخلف على المدينة عليَّ بن أبي طالب، وكتب إلى أمراء الأجناد (5) بالشام أن يَستخلفوا على أعمالهم، ويُوافوه بالجابية، فكان أوّل مَن لَقيه يزيدُ بن أبي سُفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالدُ بنُ الوليد.
قال الهيثم: وكان عليهم أَقبيةُ الدِّيباج والحرير، وهم على الخيول المسومة (6)، فنزل عمر عن بعيره، وأخذ الحجارة، وجعل يرميهم بها، وقال: ويحكم إيّاي تَستقبلون بهذا؟ ما أسرع ما نسيتم، لقد كَثُرت فيكم البِطنة، وإنما شبعتُم منذ سنين، ولو فعلتموها على رأس المئة لاستبدلتُ بكم غيركم، فقالوا: يَا أمير المؤمنين، إن علينا السلاح، ونحنُ في مقابلة العدوِّ، فقال: نعم إذن.
ثم نزل الجابية فرآه رجلٌ من يهود دمشق، فقال: السلامُ عليك يَا فاروق، أَنْتَ واللَّه صاحبُ إيلياء، لا تَرجعُ عنها حتى تفتحها، فقال عمر: إن شاء اللَّهُ تعالى.

ذكر خطبة عمر بالجابية
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن ابن عمر: إن عمر خطب بالجابية فقال: قام فينا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَقامي فيكم فقال: "استوصوا بأصحابي خيرًا، ثم الذين يَلونهم، ثم
__________
(1) من قوله: ذكر خروج عمر. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) في هامش (خ) حاشية نصّها: يعني أن عمر -رضي اللَّه عنه- يستفتح بعمه عليه السلام ويستبشر ويتبرّك بوجوده الشريف، فأراد فتح المسجد الأقصى قبل موته.
(3) في (خ) و (م): لا ينقض، والمثبت من المنتظم 4/ 192، والطبري 3/ 608.
(4) من قوله: وبين يديك عدو كلب. . . إلى هنا، ليس في (ك).
(5) في (ك): الأمراء والأجناد.
(6) في هامش (خ) حاشية نصها: حكمة في بيان المغلوبية للعدو فتأمل.
(5/211)

الذين يَلونهم، ثم يَفشو الكذبُ، حتى إن الرجل ليَبتدئ بالشهادة قبل أن يُسألها, فمَن أراد بَحْبَحَة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعده لا يَخلُونَّ أحدُكم بامرأةٍ، فإن الشيطان ثالثُهما، ومَن سَرَّته حسنتُه وساءته سيئته فهو مؤمن" (1). هذا لفظُ المسند، وأما الخطبةُ فقد رواها ابن إسحاق والواقدي وهشام، وهي خطبةٌ طويلةٌ كثيرة الروايات، منها أنَّه قال بعد حمدِ اللَّه والثناء على رسولهِ: أيُّها النَّاسُ (2)، أَصلحوا سرائركم تَصلح علانيتُكم، واعملوا لآخرتكم تُكفَوْا أمرَ دُنياكم، واعلموا أن رجلًا ليس بينه وبين آدم أبي لمعرِق في الموتى، سمعتُ حبيبي -وبكى وقال- رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول. . . وذكر هذا الحديث (3). وقال الواقدي: وجاءه أهلُ الجابية فصالحوه على الجزية.

حديث راهب دير العَدَس
روى زيدُ بن أسلم عن أَبيه قال: لما نزل الجابيةَ عمرُ، أتاه راهبُ دير العَدَس بكتابٍ فقال: أوفِ بشرطي، فلما رآه عجِب ووفى له، فقيل لعمر: ما هو؟ فقال: خرجتُ في الجاهلية إلى الشام، فدخلتُ دمشق ومعي تجارةٌ، فبينما أنا أمشي في بعض أسواقها إذا ببِطريقٍ قد قبض على يدي، وجاء بي إلى كنيسةٍ فيها تُراب كثير فقال: أخرجه، وجاءني بمِجرْفةٍ وزِنْبيل، قال: فوقفتُ مُتحيرًا في أمري لا أدري ما أصنع؟ وجاءني وقت الهاجرة فقال: ما أراك صنعتَ شيئًا، ولطمني في رأسي لطمةً هائلةً، فضربته بالمجرفة في رأسه فنثرتُ دماغَه، وحفرت له في التُّراب ودفنتُه، وخرجت من البلد لا أدري أين أذهب؟
فمشيتُ يومي وليلتي، فانتهيتُ إلى ديرٍ، فجلستُ تحت حائطه، وإذا بهذا الشيخ الراهب قد خرج من الباب، فصوَّب النَّظر فيَّ وقال: أرى عينك عينَ خائفٍ، ادخل. فدخلتُ فقدَّم إليَّ طعامًا، فأكلتُ، وهو يُصوِّبُ النظر ويُصعِّدهُ فيَّ، فقلت: مالك؟ فقال: أعلم أنه لم يَبق على وجه الأرض أعلمُ مني بالكتب السالفة، وإني أجد هذه
__________
(1) مسند أحمد (114).
(2) من قوله: هذا لفظ المسند. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(3) من قوله: سمعت حبيبي. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، وإنما جاء بدله فيهما: وهي طويلة.
(5/212)

الصفةَ في كُتبنا، وأنك تُخرجنا من هذه الأرض، فقلت: لقد ذهبتَ كلَّ مَذهب، وضَللتَ وما أَنْتَ إذًا من المهتدين، فقال: ما اسمُك؟ قلت: عمن، قال: أنت واللَّه صاحبُنا من غير شكّ، ثم أخرج إليَّ هذا الكتاب، وقال: اكتب لي على ديري وما فيه، فإن كنتَ ذاك فما يَضرُّك، فكتبتُ له، وختمتُ عليه، وزوَّدني طعامًا كثيرًا، ونفقةً وثيابًا، ودفع إلى أتانًا وقال: اركبها، فإنك لا تمرُّ بأهل دَيرٍ إلا أكرموك وعلفُوها وسقوها، فإذا بلغتَ مَأمنك فا ضرب وجهها مدبرة، فإنها ترجع إلي.
قال: فخرجتُ، فوجدتُ ما قال، ووجدتُ رِفقةً من أصحابي، فضربتُ وجهها فولَّت مُدبرةً، ثم أكرم الراهب، وكتب في كتابه:
وعليكم أن تُضيفوا المسلمين، وتقوموا بأمر المرضى وتدلوا الحائرين (1)، قال: نعم.
وقال طارق بن شهاب: لما قدم رضوان اللَّه عليه الشام تلقته (2) الجنود وعليه إزارٌ وخُفَّان وعمامة، وهو آخذٌ برأس راحلته يخوض الماء، وقد نزع خُفَّيه ووضعهما (3) تحت إبطيه، فقيل له: يَا أمير المُؤْمنين، الآن تَلقاك الجنود وبطارقةُ الشام وأنت على هذه الحال، فقال: إنا قوم أعزَّنا اللَّه بالإِسلام، فلا نطلب العزَّ بغيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعتَ اليوم صنيعًا عظيمًا عند الناس، فصكَّ عمر في صدره وقال: لو غيرك يقولها، ثم قال: ويحك يَا عامر، كنتم أذلَّ الناس وأقلَّهم وأحقرهم، فأعزَّكم اللَّه بالإِسلام، فمهما تَطلبون العِزَّ بغيره يُذلَّكم اللَّه. ثم جيء ببِرذونٍ، فقيل له: اركب هذا ليراك العُظماء، فقال: دعوني، وأشار بيده إلى السماء (4)، ولم يركبه.
وقال زيد بن أسلم: لما خرجَ عمر إلى الشام سلك على طريق أَيلة، فلما قرب من الشام عمد إلى مَركب أسلم فركبه وعليه فَروٌ مقلوب، وحوَّل غلامَه إلى مركبه، وكان على جملٍ أحمر قد ارتدى بعمامته، وتحته حقيبة على فرو، والعباس بين يديه على
__________
(1) في (أ) و (خ): وتنزلوا الجائزين، والخبر في المجالسة (2001)، وتاريخ دمشق 4/ 53 - 5 و 18/ 145 - 146 (مخطوط).
(2) في (ك): لقيته.
(3) في (ك): وجعلهما.
(4) في تاريخ دمشق 2/ 53: إنما الأمر من هاهنا وأشار بيده إلى السماء.
(5/213)

فرس، وكان العباس وسيمًا جميلًا، فجعل البطارقةُ والعظماء يُسلمون على العباس، وهو يُشير إلى عمر، فيرجعون فيُسلّمون عليه، وسجد له جماعةٌ من القِسّيسين والرهبان فمنعهم وقال: لا ينبغي السجودُ إلا للَّه تعالى، وقالوا: ما رأينا أحدًا أشبه بأوصاف الحواريين من هذا الرجل (1).
وقال هشام: تلقّاه أهلُ الأديان والمقلِّسون بالسيوف والرَّيحان، فكره عمر النظر إليهم، وقال: ردُّوهم، فقال له أبو عبيدة: إنها سنة الأعاجم، فإن منعتَهم ظنوا في نفوسهم أنَّه نقضٌ لعهدهم، فقال عمر: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة (2). قال الجوهري: التقليس: الضرب بالدف والغناء (3).
وكان أبو عبيدة لما التقي عمر قبَّل عمر يدَ أبي عبيدة.
وقال الواقدي: قدم عمرُ الشام على حمار ومعه عبد الرحمن بن عوف، فتلقَّاه معاوية بن أبي سفيان في موكبٍ نبيلٍ، فجاوز عمر ولم يعرفه، فأُخبر أنَّه قد تقدّمه، فرجع إليه فترجَّل، وقبَّل يده، ومشى إلى جنبه وعمر مُعرض عنه، فقال له عبد الرحمن: أتعبت الرجل فقال له عمر: يَا ابن أبي سفيان، أنت صاحبُ الموكب آنفًا مع ما يبلغني من وقوف ذوي الحاجات على بابك؟ !
فقال: يَا أمير المؤمنين، إنا في بلاد فيها جواسيس العدو، ولا بد ما نردعهم بما نُروّعهم به من هيبة السلطان، فإن أمرتَني أقمتُ على ما أنا عليه، وإن نهيتَني انتهيتُ، فلم يرد عليه شيئًا (4)، وفي رواية: علمني وفهِّمني -وهي جيدة في الجواب- فلم يردّ عليه شيئًا.
وقال أبو العالية الرِّياحي (5): قدم عمر رضوان اللَّه عليه الشام على جملٍ أَوْرق، تلوح صَلعتُه [في الشمس] ليس عليه عمامةٌ ولا قلنسوة، قد طبق رجليه بين شُعْبَتَي
__________
(1) تاريخ دمشق 8/ 902 - 903.
(2) أخرجه البلاذري في فتوح البلدان 145، وابن عساكر في تاريخ دمشق 32/ 116 - 117 (الفكر)
(3) الصحاح (قلس).
(4) تاريخ دمشق 59/ 112 (الفكر).
(5) في تاريخ المدينة 824 - 825، ومناقب عمر 126: أبو الغالية الشامي، وفي المجالسة (986): أبو الغادية =
(5/214)

رحْلِه بغير ركاب، وتحته كساء من دبر، وهو فراشه إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس قد دَسِم وتَخَرَّق جَيْبه (1)، فقال: ايتوني بقميص، واغسلوا قميصي هذا، فأَتوه لقميص كتّان، [فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان، قال: وما الكتان؟ فأخبروه] به، وقال: ايتوني بكرابيس، فأتوه به، فنزع ثوبَه وقال: اغسلوه، فقال له دهقان الجابية: أنت ملك العرب، وهذه البلاد لا تصلح فيها الإبل (2)، فلو ركبتَ بِرذونا، فأُتي ببرذون، فطرح عليه قطيفةً، بغير سَرْج ولا رَحْل، فركبه وسار هُنيَّةً وقال: احبِسوا، ما كنتُ أظنُّ أن الناس يَركبون الشياطين قبل هذا، عليَّ بجملي، فجيء به فركبه (3).
وقال هشام: لمّا نزل عمر الجابيةَ جاء إليه عظماءُ أنباط الشام، وقالوا: قد صنعنا لك طعامًا، ونُريدُ أن تدخُل كنيستَنا، فقال عمر: في كنائسكم الصُّورُ، وإنَّ الملائكةَ لا تدخُلُ بيتًا فيه صورةٌ، ومَن دخل بيتًا فيه صورةٌ حبط عملُه أربعين صباحًا، ثم قال لأبي عبيدة: انطلق معهم، فذهب ومعه المسلمون، فدخل كنيستهم، وتغدّى ومَن معه من المسلمين، وجعل يقول: ما ضَرَّ أمير المؤمنين لو دخل وتغدَّى (4).

ذكر وقف عمر الشام
ذكر علماءُ السير أن عمر لمّا قدم الجابية استشار الصحابةَ في الشام: هل يقسمه بين الغانمين، أو يُوظِّف عليه الخراج، أو يوقفه على جميع المسلمين؟ فأشار بعضهم بالقسمة، وبعضهم بتوظيف الخراجِ، فقال له معاذ بن جبل: يَا أمير المؤمنين، أوقفه على المسلمين فهو أنفعُ لهم، فأجابه عمر إلى ذلك، وأثنى عليه وشكره.

ذكر مسير عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس
قال سيفٌ وغيره: لما توجَّه عمرُ من الجابية إلى فلسطين هرب الأرطبونُ والتذارق
__________
= الشامي، وفي تاريخ دمشق 53/ 260: أبو العادية الشامي، وفي تهذيب الكمال (ترجمة عبد اللَّه بن مسلم): أبو العالية الشامي.
(1) في (أ) و (خ): جنبه.
(2) في (أ) و (خ): لا يصلح ما فيها إلا بك.
(3) من قوله: وفي رواية علمني وفهمني. . . إلى هنا ليس في (ك).
(4) تاريخ دمشق 12/ 113 (مخطوط).
(5/215)

صاحب الرملة ومَن في الحصون الساحلية إلى مصر، وكانت الرومُ قد أخذتها من اليونان على ما ذكرنا في صدر الكتابِ (1). فجهّز عمر عَمرو بنَ العاص، وأردفه الزبير معاونًا له، ولما وصل عمر إلى القُدس خرجَ الرهبان والأقِساءُ والشمامسة والأكابرُ، ودخلوا بين يديه، فأتى محراب داود عليه السلام فصلى فيه، وقرأ سورة "ص" وسجد، وسأل عن الصخرةِ فلم ير لها أثرًا. كانت الروم أو اليهودُ قد ألقت عليها الكُناسة، وكان معه كعب الأحبار فقال له: أين الصخرةُ؟ فقال: اذْرَع من الحائط الشرقي كذا وكذا ذراعًا، فذرع فبدت الصخرة، فنظَّفها، وأراد أن يجعل المحرابَ فيها، فقيل له: يضيقُ المسجد بالناس، فوضعه في آخر الحرمِ عند مهد عيسى عليه السلام، وصلى عمرُ فيه وعاد إلى الجابية، ثم عاد إلى المدينة.
فصل: وفيها فرض عمر الأُعطية للمسلمين على قَدر السوابق في الإِسلام، ودوَّن الدواوين، وقد اختلفوا في ذلك؛ فقال ابن الكلبي: فعل ذلك في هذه السنةِ. وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي أنه فعل ذلك في سنةِ عشرين (2). وقولُ الكلبيّ أصحُّ.
وكان رضوان اللَّه عليه استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال له عليّ رضوان اللَّه عليه: تقسم كلَّ سنة ما اجتمع عندك من مال، ولا تُمسك منه شيئًا، وقال عمار رضوان اللَّه عليه (3): أرى مالًا كثيرًا يسع الناس وإن لم يُحصوا، حتى تعرف من يأخذ ممن لم يأخذ، خشية أن ينتشر الأمر، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين، إني جئتُ الشام، فرأيت ملوكها يُدوِّنون ديوانًا، ويجنّدون جنودًا، فأخذ بقوله، فدعا عَقيل بن أبي طالب ومَخرمة بن نوفل وجُبير بن مُطعِم، وكانوا من نُسَّاب قريش فقال: اكتبوا للناس على منازلهم، فبدؤوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم بني تميم أَبا بكر رضوان اللَّه عليه وقومَه، فنظر فيه عمر -رضي اللَّه عنه- فقال: ابدؤوا بقرابة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، الأقرب فالأقرب، حتى تَضعوا عمر حيث وضعه اللَّه، فجاءت بنو عدي إليه فقالوا: أنت خليفةُ أبي بكر، وأبو بكر خليفةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: وعلى ذلك؟ ! قالوا: فلو
__________
(1) سلف في أخبار الأمم الماضية.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 276.
(3) في طبقات ابن سعد 3/ 275، وفتوح البلدان 436: عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-.
(5/216)

جعلتَ نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم، فقال: بخٍ بخ يا بني عديّ، أردتم الأكلَ على ظهري، وأن أذهب لكم بحسناتي، لا واللَّه، حتى تأتيكم الدعوة، وإني أطبق عليكم الدفتر، إن لي صاحبَيْن سلكا طريقًا، فإن خالفتُهما خولف بي، واللَّه ما أدركنا الفضلَ في الدنيا، وما نرجو من الأجر في الآخرة إلا بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهو شرفنا، وقومُه أشرف العرب.
ثم أمر بالأقرب فالأقرب، حتى انتهى إلى الأنصار، فقالوا: بمَن نبدأ؟ فقال: برهط سعد بن معاذ الأشهلي -رضي اللَّه عنه-، ثم أهلِ السوابق والمشاهد، قيل له: إن أَبا بكر رضوان اللَّه عليه سوَّى بين الناس، فقال: لا أجعل مَن قاتل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كمن قاتل معه، فبدأ بعد الأقرب فالأقرب بمن شهد بدرًا من المهاجرين، ثم بالأنصار، يفرض لكل واحدٍ منهم خمسةَ آلاف درهم في كل سنة، حليفُهم ومولاهم معهم على السواء، وفرض للعباس -رضي اللَّه عنه- خمسة آلاف درهم، وقيل: سبعة آلاف درهم، وفرض لأزواج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لكلّ واحدة اثني عشر ألفًا، وفرض لمن هاجر قبل الفتح، لكلّ رجل ثلاثة آلاف درهم، وفرض لمسلمة الفتح، لكلّ رجل ألف درهم (1)، وفرض لغلمان أحداث أبناء المهاجرين والأنصار كمسلمة الفتح، وفرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم، فقال محمد بن عبد اللَّه بن جحش: لِمَ يُفضّل علينا عمر؟ فقد هاجر آباؤنا وشهدوا المشاهد، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: أُفضِّله لمكانه من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنه ربيبُه، فليأت الذي يَستعتب بأمٍّ مثل أمّ سلمة أُعتبه، وفرض لأسامةَ بن زيد -رضي اللَّه عنهما- أربعة آلاف درهم، [فقال عبد اللَّه بن عمر: فرضتَ] لي ثلاثة آلاف، وقد شهدت ما لم يَشهد أُسامة، فقال: إنما زِدتُه لأنه كان أحبَّ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منك، وكان أبوه أحبّ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من أبيك، ثم فرض (2) للناسِ على قَدْرِ منازلهم وقرابتهم، وفرض للنساءِ المهاجِرات: لصفية بنت عبد المطلب ستة آلاف درهم، ولأسماء بنت عُميس ألفَ درهم، وكذا لأُمِّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ، ولأُمِّ عبد اللَّه بن مسعود. وفرض للمنفوس مِئة درهم، فإذا ترعرع فرض له مئتي درهم فإذا بلغ زاده مئةً، [وكان إذا أُتي
__________
(1) في طبقات ابن سعد 3/ 277: وفرض لمسلمة الفتح لكل رجل منهم ألفين.
(2) من قوله: وكان عمر رضوان اللَّه عليه استشار المسلمين في تدوين الدواوين. . . إلى هنا ليس في (ك).
(5/217)

باللقيط فرض له مئة درهم، وفرض له رزقًا يأخذه وليه كل شهرٍ بقدر ما يصُلحه,] وكان يَنقله من سنةٍ إلى سنةٍ، ورضاعُه ونفقتُه في بيت المال.
وكان يقول: واللَّه الذي لا إله إلا هو، ليس أحدٌ من الناس إلا وله في هذا المال حقٌّ، ولئن بقيتُ لأبعثنَّ إلى الراعي بجبل صنعاء حقَّه منه قبل أن يحمرَّ وجهُه، يعني في طلبه (1).
وروى ابن سعدٍ عن أبي هريرة قال: قدمت على عمر من البحرين بخمس مئة ألف درهم، فصلَّيتُ معه العشاءَ فقال: ماذا جئتَ به؟ قلتُ: بخمس مئة ألف درهم، قال: ويحك، هل تدري ما تقولُ؟ قال: قلتُ: جئتُ بمئة أَلْفٍ ومئةِ أَلْفٍ حتى عددتُها خمس مئة ألف، قال: أنت ناعسٌ، ارجع فنم عند أهلك، فإذا أصبحتَ فأتني، فلما أصبحتُ جئته من الغد، فأعاد عليّ القول، فأجبتُه بمثل ذلك، قال: فقسمه في الناس فلم يدع منه دِرهمًا (2).
وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي عن أشياخه قالوا: أرسل عمرُ إلى زينب بنت جحش بمالٍ، فقالت: يرحم اللَّهُ عمر! غيري من أَخواتي كان أحقَّ مني، وسترت بينها وبين المال بثوبٍ ثم فرَّقته، واختلفوا فيه: فقال قومٌ: كان اثني عشر ألفًا، وقال آخرون: أربعين ألفًا، ثم رفعت يديها إلى السماءِ وقالت: اللهمَّ لا يُدْركني عطاءُ عمر بعدها، فماتت قبل العطاء (3).
قال: وكان عمر يقول: لئن عشتُ لأدعنَّ أرامل العراق لا يَحتَجْن إلى أحدٍ بعدي، وإني لأرجو أن أكيلَ لهم المال بالصَّاع كَيلًا.
ولما أعطى الناس على مقدار السَّوابق، كلّمه سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وأقرانُهما في تقليل أعطياتهم، فقال: إنما أعطي على السوابق في الإسلام، لا على الأحساب، ثم أعطى بعد ذلك سهيل بن عمرو والحارث (4) بن هشام أربعة آلاف أربعة
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 276 - 279، وما بين معكوفات منه، وفتوح البلدان 435 - 438.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 279.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 280.
(4) في (أ) و (خ): بن الحارث، وهو خطأ، ومن بداية الفقرة ليس في (ك).
(5/218)

آلاف؛ معونةً لأجل جهادهما.
ولما كتب الديوان قال له كبار الصحابة؛ كعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف -رضي اللَّه عنهم-: ابدأ بنفسك أوّلَا، فقال: لا واللَّه، بل أبدأ بعمّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم بالأقرب فالأقرب من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبدأ بالعباس -رضي اللَّه عنه-، ففرض له خمسة وعشرين ألفًا، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف درهم لكلّ رجل، وأدخل في أهل بدر الحسن والحسين -رضي اللَّه عنهما- لقرابتهما، وأدخل أَبا ذر وسلمان -رضي اللَّه عنهما- لسابقتهما، ثم فرض لأهل الحُديبية أربعة آلاف درهم لكلّ رجل، ثم لمَن بعد الحديبية إلى وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خمسة آلاف درهم، ودخل فيمن شهد الفتح (1)، ثم لمن شهد اليرموك والقادسية ألفين ألفين، وزاد فيهم مَن أبلى بلاءً حسنًا خمس مئة خمس مئة، فقيل له: لو ألحقت أهل اليرموك والقادسية بمَن تقدَّم، فقال: لاها اللَّه ذا، لم أكن لأُلحقهم بدرجةٍ لم يدركوها، ثم فرض للمردفين الذين بعد القادسية ألفًا ألفًا، ثم لمن بعدهم (2) ثلاث مئة ثلاث مئة، وسوّى كلَّ طبقة في العطاء, الضعيف والقوي، والعربي والعَجمي.
ولما فرض لأزواج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زاد عائشة -رضي اللَّه عنها- ألفين، فأبت أن تَقبلها، فقال: هذا لمكانِكِ من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإذا أخذتيها فشأنك بها، وسأل أزواج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن القَسْم فقلن: ما كان يُفضّل منا واحدة، وكان قد أراد أن يَنقص مَن جرى عليها الرّق، فلما قُلن ذلك سوَّى بينهن، ثم جعل لنساء أهل بدر خمس مئة خمس مئة، ثم لنساء أهل الحديبية أربع مئة أربع مئة، ثم ما بين الحديبية إلى وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاث مئة ثلاث مئة، ولنساء أهل اليرموك والقادسية مئتي درهم مئتي درهم، وللصبيان من أهل بدر وغيرهم مئة مئة، فقال له قائل: يَا أمير المؤمنين، لو تركتَ في بيوت الأموال بيثرب عدَّة لنائبة تنوب، أو لحادثة تحدث، فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك، وقاني اللَّه شرَّها، وهي فتنة لمن بعدي (3)، بل أعدّ لهم طاعةَ اللَّه وطاعة رسوله؛ فهما
__________
(1) في الطبري 3/ 614: ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، وانظر المنتظم 4/ 194.
(2) في (أ) و (خ): بدرجة لم يدركونها، ثم فرض للمردلاف الذين بعد القادسية ألفًا ألفًا، ثم لمن بعدهما.
(3) في (أ) و (خ): بعدك، والمثبت من الطبري 3/ 615، والمنتظم 4/ 195.
(5/219)

عُدَّتنا التي أفضينا بها إلى ما ترى، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم (1).
قال الإِمام أحمد -رضي اللَّه عنه- في "المسند" (2): حدثنا عليّ بن إسحاق، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا سعيد بن يزيد قال: سمعتُ الحارث بنَ يزيد الحَضْرميّ، يحدث عن عُلَيّ ابن رباح، عن ناشرة بن سُمَيِّ اليَزَنيّ قال (3): سمعتُ عمر بن الخطاب يقول يوم نزل الجابية وهو يخطب الناس: إن اللَّه جعلني خازنًا لهذا المال وقاسمًا له، وإني بادئٌ بأهل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أشرفِهم، ففرض لأزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عشرة آلاف عشرة آلاف إلَّا جُوَيرية وصَفيّة ومَيمونة، فقالت عائشة: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر.
ثم قال: إنِّي بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين، فإنا أُخرجنا من ديارنا ظُلمًا وعُدوانًا، ثم أشرفِهم، ففرض لأصحاب بدر منهم خمسةَ آلاف، ولمن شهد بدرًا من الأنصار أربعةَ آلاف، ولمن شهد أُحدًا ثلاثةَ آلاف، قال ومَن أسْرع في الهجرة أسرع بالعطاء، ومَن أبطأ في الهجرة أبطأ في العطاء، فلا يَلومنَّ أحدُ إلَّا مُناخَ راحلته.
ثم قال: وإني أَعتذرُ إليكم من خالد بن الوليد، إني أمرتُه أن يَحبس هذا المال على ضُعفاء المهاجرين، فأعطاه ذا العباس والشرف واللسان، فنزعتُه، وأمّرت أَبا عبيدة بن الجرَّاح، فقال له أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: واللَّه لقد نزعتَ عاملًا استعمله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وغَمدتَ سيفًا سَلّه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووضعتَ لواءً نَصبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقطعتَ الرَّحِم، وحسدتَ ابنَ العمّ، ولقد كنتَ عدوًّا لبني مَخزوم في الجاهلية والإِسلام، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: إنك قريبُ القرابة، حديثُ السّنّ، تَغضب لابن عمّك.

ذكر ما فرضوا لعمر
قال ابن سعدٍ بإسناده عن أيوب بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن أَبيه قال: مكث عمر زمانًا لا يأكل من بيت المالِ شيئًا، حتى دخلت عليه في ذلك خَصاصةٌ،
__________
(1) من قوله ولما أعطى الناس على مقدار السوابق كلمة سهيل. . . إلى هنا ليس في (ك).
(2) برقم (15906).
(3) في (ك): وأخرج أحمد في المسند فقال بإسناده عن ناشرة بن سمي اليزني.
(5/220)

فأرسل إلى الصحابة فاستشارهم وقال: قد شغلتُ نفسي بهذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ فقال عثمان بن عفان وسعيد بن زيد: كل وأطعِمْ، فقال لعلي: ما تقول؟ فقال: غَداء وعَشاء، فأخذ بقول علي.
وفي رواية ابن سعدٍ أَيضًا: أن عمر (1) كان يَستَنْفِقُ درهمين كلَّ يومٍ له ولعياله، وأنفق في حجّته ثمانين ومئة درهم، وقال: قد أسرفنا (2).
ولما فتح اللَّه على المسلمين وقعة رستم (3)، وقدمت عليه فتوح الشام، شاور الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وقال: ماذا تَرون يحلُّ للوالي من هذا المال؟ وإني كنت امرءًا تاجرًا أُعين أهلي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم، فانظروا ماذا ترون؟ فأكثر القومُ وعليٌّ رضوان اللَّه عليه ساكت، فقال: يا علي، ما تقول؟ فقال: يحلُّ لك ما أصلحك وأصلح عيالَك بالمعروف، ليس لك غيرُ ذلك، فقال القوم: القولُ ما قال علي بن أبي طالب، فرضي به.
وعن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- (4) قال: لما ولي عمر قعد على رزق أبي بكر (5) الذي كانوا فرضوا له، فكان على ذلك مدّة، فاشتدت حاجتُه، فاجتمع نفرٌ من المهاجرين، منهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير -رضي اللَّه عنهم-، فقال الزبير: لو قلنا لعمر في زيادة تزيدونه إياها في رزقه، قال علي: وَدِدنا أنه فعل بنا ذلك، فانطلقوا بنا، فقال عثمان، : إنه عمر! فهلموا لنَسبر ما عنده من وراء وراء، تعالوا ندخل على حفصة، فنكلِّمها ونَستكتمها أسماءنا، فدخلوا عليها، وسألوها أن تُخبره الخبر من غير تسميتهم، فأخبرته، فغضب وقال: مَن هؤلاء؟ فقالت لا سبيل إلى تسميتهم، فقال: لو علمتُ مَن هم لَسُؤتُ وجوهَهم، أَنْتَ بيني وبينهم، أُناشدك اللَّه، [ما أفضل] ما اقتنى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بيتك من الملبَس؟ قالت ثوبَين مُمَشَّقَيْن كان يَلبَسهما للوفد، ويخطب فيهما للجُمَع والعيدين، قال: فأيّ
__________
(1) من قوله: فأرسل إلى الصحابة فاستشارهم. . . إلى هنا ليس في (خ) و (أ).
(2) طبقات ابن سعد 3/ 286 - 287.
(3) في الطبري 3/ 616، والمنتظم 4/ 196: وقتل رستم، وقد جمع المصنف بين روايتين لهذا الخبر واختصرهما.
(4) الخبر في الطبري 3/ 616: والمنتظم 4/ 197، وتاريخ دمشق 53/ 230 (الرسالة) من رواية سالم ابن عبد اللَّه.
(5) في (أ) و (خ): على رزق أرمل؟ ! والمثبت من الطبري والمنتظم وتاريخ دمشق.
(5/221)

الطعام [ناله عندك] كان أرفع؟ قالت: خُبزة شعير بإهالةٍ سَنِخَةٍ (1) يأكل منها، قال: فأيّ البِسِاط كان يُبسط له؟ قالت: كساء ثخين، كنا في الشتاء نَبسط نِصفَه تحتنا ونصفَه نَتدثَّر به.
ثم ذكر عيش رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قال: أبلغيهم ذلك، وأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ترك فُضول الدنيا، وسأسلك ما سلك هو وصاحبه حتى ألحقَ بهما، وإلا حدتُ عن طريقهما، فيُحال بيني وبينهما (2).
وقالت حفصةُ: مرض عمر، فوُصف له العسلُ، وفي بيت المال عُكَّةٌ من عسل، فصعِد المنبر وقال: أيّها الناس، إني مريض، وقد وُصف لي العسلُ، وفي بيت المال عُكَّةٌ من عسل، فإن أَذنتم لي فيها، وإلا فهي حرام عليّ، وفي رواية: أذنوا له فيها (3). وحجَّ عمر بالناس.
فصل وفيها تُوفّي

سعدُ بن عُبادة
ابن دُلَيم بن حارثة بن أبي حَزِيمة بن ثعلبة بن طَريف بن الخزرج بن ساعدة، وأمُّه عَمرة بنت مسعود بن قيس، خَزرجيّة، وسعد من الطبقة الأولى من الأنصار، وكنيتُه أبو ثابت، وقيل: أبو قيس، شهد العقبة مع السّبعين، وهو أحد النُّقباء الاثني عشر، وشهد المشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما خلا بدرًا، فإنه تهيَّأ للخروج إليها فنُهش، فأقام، وكان يأتي دُورَ الأنصار فيُحرِّضهم على الخروج إلى بدر، وبلغ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه نُهش, فقال: لئن كان سعد لم يشهد بدرًا لقد كان حريصًا عليها.
وقال ابن سعد: كان سعدٌ سيّدًا جوادًا، يكتب بالعربية، وكانت الكتابة في العرب قليلًا، وكان يُحسن العَوْم والرَّميَ، وكان مَن أَحسن ذلك في الجاهلية يُسمّى الكامل.
__________
(1) الإهالة: اسم للشحم والودك أو ما أُذيب منه، والسَّنِخَةُ: المتغيرةُ الريح. النهاية في غريب الأثر (أهل، سنخ). وفي الطبري 3/ 617، والمنتظم 4/ 197، وتاريخ دمشق 53/ 231: خبزنا خبزة شعير، فصببنا عليها وهي حارة أسفل عُكّةٍ لنا -والعكة زق صغير للسمن- فجعلناها هشَّة دعة، فأكل منها.
(2) من قوله: ولما فتح اللَّه على المسلمين وقعة رستم. . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(3) أخرجه ابن سعد 3/ 257، والطبري 4/ 208، وابن عساكر 53/ 257 عن ابن البراء بن معرور.
(5/222)

وكان سعد وعدَّة آباءٍ له في الجاهلية يُنادى على أُطُمهم: مَن أحبَّ الشَّحمَ واللحم فليأتِ أُطُم دُلَيم بن حارثة، ثم صار يُنادى على باب سعدٍ في الإِسلام كذلك (1).
وقال ابن إسحاق والواقدي: كانت قَصعة سعدٍ تدورُ مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلَّ ليلةٍ في بيوت أزواجه، وكان إذا خطب امرأة يشترط لها جفنة سعدٍ، وكانت مرَّةً بلحمٍ، ومرةً بلَبن، ومرةً بسمن يبعث بها إليه حيث كان.
قال هشام: جاء سعدٌ ليلةً بجَفْنةٍ مملوءةٍ مُخًّا، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا أَبا ثابتٍ، ما هذا؟ فقال: لقد ذبحتُ أربعين ذاتِ كبدٍ، فأحببتُ أن أُشبِعَك من المخّ، فأكل ودعا له بخير.
وحكى الهيثم عن ابن سيرين قال: كان أهلُ الصُّفَّة إذا أمسَوْا انطلق الرجلُ بالرجل والرجلين والخمسة، وينطلقُ سعد بثمانين رجلًا كلَّ ليلةٍ.
وقد ذكرنا أنَّ سعدًا صاحبُ السقيفة، وأنَّه امتنع من بيعةِ أبي بكرٍ واعتزلهم في قومه؛ فلم يكن يحضر معهم الجماعات، ويقف بعرفة ناحيةً عنهم، فلما تُوفي أبو بكرٍ استمر على ذلك (2).
وحكى ابن سعد عن الواقدي أن أبا بكرٍ لمّا ولي أرسل إلى سعدٍ: أن أَقبل فبايع، فقال: لا واللَّه لا أبايعُ حتى أرميكُم بما في كنانتي، وأقاتلُكم بمن تبعني من قومي وعشيرتي، فقال بشير بن سعد لأبي بكرٍ: يا خليفة رسول اللَّه، إنه قد أبي ولجَّ، وليس بمبايعكم حتى يُقتل، ولن يُقتل حتى يُقتل معه ولدُه وعشيرتُه، ولن يُقتلوا حتى يَقتلوا الأوس، فلا تُحرّكوه، فقد استقام لكم الأمرُ، وليس بضارّكم، إنه رجلٌ واحد، فاتوكوه ما ترك. فقبل أبو بكرٍ مشورة بشير، وقد ذكرنا هذا فيما تقدّم (3).
قال الواقدي (4): فلما ولي عمر لَقِيَه ذات يومٍ في بعض طُرُق المدينة، فقال: إيه يَا سعد! فقال: إيه يا عمر! فقال عمر: أنت صاحب المقالة؟ قال سعد: نعم أنا ذاك، وقد
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 566.
(2) سلف في حديث السقفة.
(3) سلف في حديث السقيفة.
(4) من قوله: فلما توفي أبو بكر استمر على ذلك. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/223)

أفضى إليك هذا الأمر، كان واللَّه صاحبُك خيرًا لنا -أو أحبَّ إلينا- منك، وقد أصبحتُ كارهًا لجوارك فقال عمر: إنه من كَره جوار جاره تحوَّل عنه، فقال سعد: إني مُتحوِّلٌ إلى جوار من هو خيرٌ من جوارك، وخرج إلى الشام، فتُوفي بحَوران. وهذه رواية ابن سعد عن الواقدي (1).
وقال أبو اليقظان؟ لما قال له عمر ذلك قال له سعدٌ: هلا تحولت أنت يا عمرُ عن منازلنا وديارنا وأوطاننا حتى ترجع من حيثُ جئتَ، فأنت أولى بذلك، ثم قال: واللَّه لا جاورتُك ولأتحوَّلَنَّ إلى جوار مَن هو خيرٌ من جوارك، وخرج سعدٌ إلى الشام معتزلًا لا يُخالطُ أحدًا من الأمراء ولا غيرهم، ولا يُقاتل معهم، ولا يشهدُ مشهدًا، حتى تُوفّي على ذلك.
واختلفوا في وفاتِه، فحكى ابنُ سعدٍ، عن الواقديّ، عن يحيى بن عبد العزيزِ بن سعيد بن سعد بن عُبادة، عن أَبيه: أنه تُوفّي بحَوران من أرض الشام، لسنتين ونصف من خلافة عمر. قال: وكأنَّه مات سنة خمس عشرة (2)، فما عُلمَ بموته بالمدينة حتى سمع غِلمان في بئر نصف النهار يتبرَّدون في حرِّ شديدٍ قائلًا يقول من البئر: [من مجزوء الرمل]
قد قتلنا سيِّدَ الخَزْ ... رَجِ سَعْدَ بنَ عُبادهْ
فرَمَيْناه بسَهْمَيْـ ... ـنِ فلم نُخْطِ فؤادَهْ
فذُعر الغلمان، فحُفِظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعدٌ، وإنما جلس يبول في نفقٍ، فاقتُتل من ساعته، ووجدوه قد اخضرَّ (3).
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن محمد بن سيرين أنَّه قال: بال سعدٌ قائمًا، فلما رجع قال لأصحابه: إني لأجِدُ دَبيبًا، فمات، فسمعوا الجنَّ تقول: قتلنا سيد الخزرج، وذكر البيتين (4).
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 569.
(2) من قوله: وهذه رواية ابن سعد عن الواقدي. . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(3) طبقات ابن سعد 3/ 570، وما بعد هذا الكلام إلى نهاية ترجمة سعد ليس في (أ) و (خ).
(4) طبقات ابن سعد 3/ 570.
(5/224)

وحكى البلاذريُّ في تاريخه (1) أن سعدًا امتنع من بيعة أبي بكرٍ، فوجَّه إليه رجلًا ليأخذ له عليه وهو بحوران، فأبى، فرماه بسهمٍ فقتله، قال: وفيه يُروى هذا الشعر الذي تنتحله الجن.
قلت: وهذا وهمٌ من البلاذريِّ؛ لاتِّفاق أهل السّير على أن سعدًا ما خرج من المدينة إلا بعد موت أبي بكر.
وقال أبو عبيدٍ القاسمُ: مات سعد سنةَ أربع عشرة، وقيل: سنة ست عشرة، والأول أصحّ وأثبتُ، وذكر أبو القاسم بن عساكر في تاريخه (2) أن سعدًا سكن دمشق. قلت: ولا يُعرفُ بحوران قبرُ سعدٍ، وإنما بغوطة دمشق بقريةٍ يُقال لها: المنيحة، فيها قبرٌ يُعرف بسعدٍ، فيحتمل أنه مات بحَوران، ثم نُقل إليها (3).
وليس في الصحابةِ من اسمه سعد بن عبادة غير اثنين: أحدهما هذا، والثاني سعد ابن عبادة الزُّرقي، أنصاريٌّ أَيضًا (4).
وأسند سعدُ بنُ عبادة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الحديث، فأخرج له أحمد في "المسند" سبعة أحاديث، وليس له في الصحيح شيءٌ.
قال أحمد بإسناده عن قتادة قال: سمعتُ الحسن يُحدِّث عن سعد بن عبادة: أن أمَّه ماتت فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ أمّي ماتت، فأتصدَّق عنها؟ قال: "نعم"، قال: فأيّ الصدقةِ أفضل؟ قال: "سقي الماء"، قال: فتلك سقايةُ آل سعدٍ بالمدينة.
وقال أحمد بإسناده عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه، [عن] ابن عباس، عن سعد بن عُبادة أنه أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن أمي ماتت وعليها نَذرٌ، أفيُجزئ أن أُعتِق عنها؟ قال: أعتق عن أمك (5).
__________
(1) أنساب الأشراف 2/ 16 - 17.
(2) تاريخ دمشق 7/ 126 (مخطوط)، وما قبله منه.
(3) انظر معجم البلدان 5/ 217، وتاريخ دمشق 7/ 111.
(4) كذا ذكر، واسم هذا الأخير سعد بن عمارة أو عمارة بن سعد، أبو سعيد الزرقي، انظر الاستيعاب (945)، وتلقيح فهوم أهل الأثر 198، والإصابة 4/ 88.
(5) الحديثان في المسند (23845) و (23846).
(5/225)

وقال ابن سعد بإسناده عن سُويد أبي حاتمٍ قال: سمعتُ الحسن، وسأله رجل: أشربُ من ماء هذه السِّقاية التي في المسجد فإنَّها صدقةٌ؟ فقال الحسنُ: قد شرب أبو بكر وعمرُ من سقاية أمِّ سعدٍ، فمَهْ؟
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن عباسٍ، أن سعد بن عُبادة ماتت أمّه وهو غائبٌ عنها، فسأل رسول اللَّه: أفينفعُها أن أتصدَّق عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإنِّي أُشهِدُك أن حائطي المِخْراف صدقةٌ عنها (1).
قلتُ: وقد ذكرنا [أن] أمَّ سعد تُوفيت وسعدٌ مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزاة دومة الجَنْدل، وكانت في شهر ربيعٍ الأول سنة خمسٍ من الهجرة، فلما قَدِم رسول اللَّه المدينة أتى قبرَها فصلَّى عليها (2).
واسمُ أمِّ سعد عَمرة بنتُ مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة، وكانت من المبايعات، وليس في الصحابيَّات من اسمها عَمرة بنت مسعودٍ غيرها. فأما عمرة غير بنت مسعود فكثير (3).

عبد اللَّه بن الزِّبَعْرَى
ابن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم (4) الهاشمي الشاعر، كان يهجو رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه، فلما كان يومُ الفتح هرب إلى نَجران، فكتب إليه حسان بن ثابت رحمه اللَّه: [من الكامل]:
لا تَعدَمَنْ رجلًا أحلَّك بُغضُه ... نجرانَ في عَيشٍ أحذَّ لئيمِ
غضب الإله على الزِّبَعْرى وابنِه ... وعذابُ سوءٍ في الحياةِ مُقيمِ (5)
__________
(1) الخبران في طبقات ابن سعد 3/ 568.
(2) سلف.
(3) انظر تلقيح فهوم أهل الأثر 339، وانظر في ترجمة سعد بن عبادة إضافة إلى ما سبق: المعارف 259، والاستيعاب (896)، والمنتظم 4/ 198، والاستبصار 93، وتهذيب الكمال (2198) وفروعه، والإصابة 2/ 30.
(4) في (أ) و (خ): تميم، وترجمة ابن الزبعرى ليست في (ك)، والمثبت من طبقات ابن سعد 6/ 108، وطبقات فحول الشعراء 233، والأغاني 15/ 179، والاستيعاب (1378)، والمنتظم 4/ 200، والتبيين 469، والإصابة 2/ 308.
(5) ديوان حسان 416.
(5/226)

ولم يَزدْ على هذا، فقدم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأسلم وحَسُن إسلامُه، وكان من أشعر الناس، شهد ما بعد الفَتْح من المشاهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومن شعره: [من الخفيف]:
يَا رسولَ المليك إنّ لساني ... راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بُورُ
جئتَنا باليقين والصِّدقِ والبر ... ر وفي الصِّدقِ واليقين السرور
أذهب اللَّه ضَلَّةَ الجهلِ عنَّا ... وأتانا الرَّخاءُ والميسورُ (1)
وله صُحبة ورواية.
* * *
__________
(1) ديوانه 36.
(5/227)

السنة السادسة عشرة
وفيها فُتحت المدائنُ، واستولى المسلمون على مدينة كسرى وإيوانه وذخائره، وقيل: إن ذلك في سنة أربع عشرة، والأول أصحُّ، ذكره علماءُ التواريخ بأيام الفرس، وحكى أبو بكر الخطيب في تاريخه طرفًا منه (1)، وقالوا بأن المدائن على جانبَي دجلة شرقًا وغربًا، ودجلة بينهما، فالمدائنُ الشَّرقية تُسمّى العَتيقة، وبها إيوانُ كسرى، وهي للخواص من أصحابه وأساورته، وكان هو ينزلُ الإيوان، وهو القصر الأبيض، ويعرف بأَسْبانَبْر (2). واختلفوا في مَن بناه؟ فقال قوم: لا يُعلم مَن بناه، وقال قوم: بناه سابور ذو الأكتافِ.
وأما المدينةُ الغربية فتُسمَّى بَهُرَسِير، وهي للتجار والعوام لا يُخالطون الأساورة.
وكان على دجلة من طرفي المدينتين جِسران، فإذا جاء الليلُ قفلوا كلَّ جسر، وجعلوا عليه الحرس، فلا يصلُ إلى المدينتين أحدٌ لا من ناحية البصرة ولا من ناحية الشمال.
وكان الإسكندرُ قد طاف الدنيا وبنى المدائن: سَمَرْقَنْد وهراة وما ذكرناه في ترجمته، وجاء إلى مكان المدائن فاستطابه، فبنى المدائن وسماها الرومية، وأثرُها باقٍ إلى اليوم, لأنه لما بنى الإسكندرية وجاء إلى العراق بني المدائن وشبّهها بها، ويُقال إنه تُوفي بها أو ببابل، وحمل إلى الإسكندرية، وقد ذكرناه في ترجمته (3).
وإنما سُمِّيت المدائن لكثرة من بني بها من الملوك والأكاسرة.
وقال الجوهري: المدائن: جمعُ مدينةٍ، وأصلُها من مَدن بالمكان: إذا أقام به. قال: والإيوان: الصُّفَّةُ العظيمةُ كالأَزَج، ومنه إيوان كسرى (4).
__________
(1) انظر تاريخ بغداد 1/ 128.
(2) في تاريخ بغداد، والمنتظم 4/ 203: وتسمى المدينة الشرقية العتيقة، وفيها القصر الأبيض القديم الذي لا يُدرى مَن بناه، ويتصل بها المدينة التي كانت الملوك تنزلها، وفيها الإيوان، وتعرف بأسبانبر.
(3) سلف في أخبار الأمم الماضية.
(4) الصحاح (مدن، أون)، ومن قوله: وقيل إن ذلك في سنة أربع عشرة. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/228)

وأقام سعد -رضي اللَّه عنه- بالكوفة يَشنُّ الغارات بعد وَقعة القادسية، وله مع الفرس وقائع إلى أن دخلت هذه السنة، فكتب عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه إلى سعد -رضي اللَّه عنه-: سِرْ إلى المدائن، واجعل مع نساء المسلمين وعِيالهم مَن يحرسهم من العدو، واجعل لهم نَصيبًا من المغنم، ففعل سعد -رضي اللَّه عنه- ذلك، وسار إلى بابل، فلقي جُموعًا من الفُرس فهزمهم، وكان مسيره من الكوفة في شوال، ونزل ببابل، وجاء إلى كُوثى في المكان الذي حبس فيه الخليل عليه السلام، فصلَّى فيه، وقدَّم بين يديه زَهرة بن الحويّة إلى بَهُرَسِير، فَبَيْنَا زَهرة يسير إذ لَقيه شيرزاد بالصَّلح، وكان شيرزاد نائبَ يَزدجرد فبعث به إلى سعد، وجاء سعد فنزل على بَهُرَسِير وقد خندقت الفُرس، ونصبوا المناجيق وآلة القتال (1).
ولما سار سعدٌ من الكوفة إلى بَهُرَسير أغار ما بين الفُرات ودجلة، فأصاب مئةَ ألف دِهقان أو أَكَّار، فاستشار المسلمين فيهم فقالوا: شاوِرْ أميرَ المؤمنين، فكتب إلى عمر بسببهم فكتب إليه: إن البلاد بأهلها، وإن لم يُعينوا عليكم فدعوهم وشأنَهم، ومَن هرب منهم إلى القوس فلا عهدَ له. فأطلقهم سعدٌ، وجاء فنزل على بَهُرَسير، وقد تحصَّنت الفُرسُ منه، فنصب عليهم سعدٌ عشرين منجنيقًا والعرّاداتِ، وقاتلهم أشدَّ قتالٍ، ومنعهم الميرة، وشُغِل عنهم أهلُ المدينة الشَّرقية بما هم فيه من الخوف، حتى أكلوا لحوم الكلاب والقِطاط.
وقُتل زَهرةُ بن الحَوِيَّة بعد أن قتل شيرزاد (2)، وقيل إنه لم يُقتل وإنما قتل شيرزاد. فبينما هم كذلك إذ بعث إليهم يَزدَجرد رسولًا، فأَشرف عليهم وقال: الملكُ يقول لكم: هل لكم في الصُّلح، على أنّ لنا ما يَلينا من دجلة إلى المشرق والجبل، ولكم ما يليكم من دجلة إلى الحجاز؟ فبدر النَّاسَ أبو مُفَزِّر الأسودُ بن قطبة، فأجابه بكلمةٍ أنطقه اللَّه بها، لم يدر ما قال ولم يفهمها النَّاسُ، فنزل الرسول إلى البلد، فقيل للأسودِ: ما قلتَ؟ فقال: واللَّه ما أدري، وإنما هي كلمات أجراها اللَّه على لساني.
وشرع أهلَ بهُرَسير يَقطعون دِجلة في السفن إلى المدينةِ الشرقيةِ، واستأمن رجلٌ
__________
(1) من وقوله: وأقام سعد بالكوفة. . إلى هنا ليس في (ك).
(2) في الطبري 4/ 6، والمنتظم 4/ 204: فضرب بسيفه شهربراز من أهل إصطخر فقتله.
(5/229)

من أهل بَهُرَسير، فخرج إلى سعدٍ فقال: ما الذي يَمنعكم من دخول بَهُرَسير؟ فواللَّه ما بقي فيها أحد، فقال له سعد: فما السببُ في كونهم هربوا؟ قال: لأن الملكَ لمَّا بعث إليكم في الصلح، أجبتموه بما أوجب ذلك، قال: فما الذي قُلنا؟ قال: قال إنسان منكم: لا صُلح بيننا وبينكم حتى نَأكلَ عسلَ أفريذين بأتْرُجِّ كُوثى، فقال الملك: إن الملائكة لتتكلَّم على ألسنتهم، فيقال إن أفريذين مدينة قاطع نهر جيحون (1).
ثم تَسوّر المسلمون الأسوار، ونزلوا وفتحوا الأبواب، ووجدوا فيها من الأموال والذخائر والأطعمة ما لا يُحصى، وكان دُخولُهم في الليلة العاشرة من صَفَر، فلما لاح لهم أبيضُ كسرى كبَّروا وقالوا: هذا ما وعدَ اللَّه ورسولُه، وأقاموا أيّامًا من صفر لا يقدرون على العُبور إلى المدينةِ الشرقية، وكانت الفُرس قد أخذت السفن والمعابر إلى ما يليهم، فكانت من البطائح إلى تكريت.

حديث فتح مدينة كسرى
قال هشام: وقال سعد: مَن يَدلُّنا على مَخاضة؟ فجاء قومٌ من النَّبط فدلُّوهم على مخائض، فتوقَّف سعدٌ في ذلك ورأى الإبقاء على المسلمين، فرأى سعدٌ في المنام أنّ خُيولَ المسلمين اقتحمت دجلة وعَبرتْ، فأصبح عازمًا على العُبور، فقال للناس: رأيتُ كذا وكذا وإني عازِمٌ على قطع هذا البحر، وجاءه علجٌ فقال: إنْ أقمتَ ثلاثًا ذهب يَزْدَجِرْدُ بكلِّ شيء في المدائن، فقوي عزمُه على العبور، وأصبح المدُّ في دجلة زائدًا على الحدِّ، فقال سعد: مَن يتقدَّم فيَحمي لنا الفِراضَ حتى يَتلاحقَ به النَّاسُ؛ لئلا يَمنعوهم من الخروج؟ فقال عاصم بن عمرو: أنا، وخاضَ أوَّلَ الناسِ، وانتدب معه ستّ مئةٍ من أهل النَّجدات، فجاؤوا إلى الفِراضِ، وعليها جماعة من الفُرس فقتلوهم وانهزم الباقون، فحينئذٍ قال سعد للناس: اقتحموا، فقدَّموا الرِّماك (2)، ثم الفُحول بعدها، فيقال إن الخيل أحجَمت، فصاح سعد: إنْ كُنتِ خيلَ اللَّه فاعبُري، وإن كنتِ خيلَ سعد فلا تَعبُري، فاقتحمت الماء وإن دجلة ليَقذف بالزَّبَد من شِدَّة الزيادة، وجعل
__________
(1) قوله: فيقال إن أفريدين مدينة قاطع نهر جيحون، ليس في (أ) و (خ)، ولم نتبينه.
(2) جمع رَمَكة، وهي أنثى البراذين.
(5/230)

الناسُ يُحادث بعضُهم بعضًا كما يتحدَّثون على الطُّرق، وكان الفرسُ يَعوم براكبه، فربَّما لم يَبلغ الماءُ إلى الحزام، وربما أعيا الفرسُ فتَظهر له تَلْعَةٌ يَستريحُ إليها، وكان سلمان يسايرُ سعدًا ويتحادثان، وسعدٌ يقول: حسبُنا اللَّه ونعم الوكيل، حتى خرجوا ولم يفقدوا شيئًا، إلَّا قَدَحًا من خشب، فأخذه رجلٌ فجاء به إلى العسكرِ، فعرفه صاحبُه فأخذه.
فلما رأت الفُرس ذلك قالوا: إنما نُقاتل الإنس لا الشياطين والجن، فهربوا وتركوا جمهور أموالهم، وكان يوم عبورهم يُدعى يوم الجراثيم، ومعناه: أنه لا يَعيا أحدٌ من المسلمين إلَّا ظهرت له جُرثومةٌ يستريح عليها. والجرثومةُ: الأصلُ، كان يَظهر لهم في دجلة جراثيم، وهي الرمل يجتمع في أماكن مثل الجزيرة.
ورأى عظماءُ الفرس أمرًا عظيمًا لم يكن في حسابهم، فأعجلوهم عن أموالِهم، فدخلوا القصرَ الأبيض فتحصَّنوا به، وطلبوا الأمانَ على نُفوسهم، فأمَّنوهم، وهرب يزْدَجِرْد بعياله إلى حُلْوان، وترك أموالَه وذخائرَه، ولم يَحمل إلا شيئًا يسيرًا، واستولى المسلمون على الباقي.
ونزل سعد القصرَ الأبيض واتَّخذه مُصلَّى، وقرأ: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 25] ولم يغيِّر سعدٌ ما كان في الإيوان من التماثيل، وصلى فيه الجمعة في أول ربيع الأوَّل، وهي أوَّل جُمعةٍ جُمِعت بالعراق في سنة ست عشرة. وأتمَّ سعد الصلاة لأنه كان على نيّة الإقامة.
وقال الخطيب: ولما دخل عليٌّ عليه السلام الإيوان في مسيره إلى صِفّين أمر بالتماثيل فقُطعت رؤوسُها ثم صلَّى فيه (1).
وقال الخطيب: ولما بنى المنصورُ بغداد عزم على نقض الإيوان ليستعين في بنائها، ثم انصرف عن ذلك (2). وسنذكر القصة في سنة خمسٍ وأربعين ومئة عند بناء بغداد.
__________
(1) تاريخ بغداد 7/ 3، والمنتظم 4/ 207.
(2) تاريخ بغداد 1/ 130.
(5/231)

قال الخطيب في إسناده عن أبي بكر (1) بن عيّاش (2) قال: لما خرج عليٌّ عليه السلام إلى صفين؛ مرَّ بخراب المدائن، فتَمثَّل رجلٌ من أصحابه فقال:
جَرت الرِّياحُ على مَحلِّ ديارهم ... فكأنَّهم كانوا على مِيعادِ
فإذا النَّعيمُ وكلُّ ما يُلهى به ... يومًا يصيرُ إلى بِلى ونَفاد
من أبيات، فقال علي: لا تَقلْ هكذا ولكن قُل {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)} إلى قوله: {قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28] إن هؤلاء كانوا وارِثين فأصبحوا مَوروثين، وإنهم استحلُّوا الحرم، فحَلَّت بهم النِّقم، ولا تكونوا أمثالَهم (3).

ذكر ما وُجد في بيوت أموال كسرى
وُجد ثلاثةُ آلاف ألفِ ألفِ دينار -ثلاث مرات- ومن الجواهر والتُّحفِ والألطاف (4) والأمتعة أكثر من قيمة ذلك، وأما من الأسلحة والبقر والغنم والأطعمة وما أعدُّوا للحصار فشيءٌ لا يحصى.
وروى سيف بن عمر، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان قال: دخلْنا المدائن، فأتينا على قِبابٍ تُركيّة مملوءةٍ سلالًا مختومة بالرّصاص، فما حسبناها إلا طعامًا، فإذا آنيةُ الذّهب والفضّة، فقسمت بعدُ بين الناس، فلقد رأيتُ الرَّجل يطوف ويقول: مَن معه بيضاء بصفراء؟ وأَتينا على كافورٍ كثيرِ، فما حَسِبناه إلا مِلحًا، فجعلنا نَعجِنُ به حتى وجدنا مرارتَه في الخُبز (5).

ذكر بساط الإيوان (6)
قال سيف: ووجدوا بساط الإيوان، وكان ستين ذراعًا في مثلها، فيه طرقٌ كالأنهار، وقصورٌ كالدُّرِّ، ووسطه كالأرض المزروعة مثل زهر الرَّبيع، ويُقال له:
__________
(1) من قوله: وقال الخطيب ولما دخل علي. . . إلى هنا يشير في (خ) و (أ).
(2) في (أ) و (خ): عن ابن عباس، وهو خطأ.
(3) تاريخ بغداد 1/ 132 - 133، والبيتان للأسود بن يعفر في المفضليات 217.
(4) في (أ) و (خ): واللطائف.
(5) تاريخ الطبري 4/ 17، والمنتظم 4/ 208.
(6) هذا العنوان ليس في (أ) و (خ).
(5/232)

البَهار، وكانوا يُعِدُّونه للشتاء، إذا ذهبت الرياحينُ والأزهار فرشوه وجلسوا عليه للشُّرب، فكأنهم في البساتين والرِّياض، وقيل: إن العرب كانت تسمّيه القِطف، وكان مُوشّى بأنواع الجواهر والفُصوص، ولونه مثلُ الذهب (1).

ذكر ستر الإيوان
قال هشام: كان طولُه خمسَ مئة ذِراعٍ في مثلها، فيه من الجواهر واليواقيت ما لا يُحدُّ ولا يُقَوَّمُ.
وذكر الخطيب في تاريخه عن أبي العباس المبرّد أن ستر الإيوان أحرقه المسلمون لما فتحوا المدائن، فوجدوا فيه أو أخرجوا منه ألفَ ألفِ مثقال ذهبًا، فبيع المثقالُ بعشرة دراهم، فبلغ ذلك عشرة آلاف ألفِ دِرهم (2).
قال سيف: وتبعهم زهرة بن الحَويّة إلى جسر النَّهروان، فازدحموا عليه، فوقع بَغْل في الماء، فتكالبوا عليه، فقال زهرة: إن لهذا البغل شأنًا، فتكاثروا عليه وأخذوه، وإذا عليه حِليةُ كسرى، ووشاحُه وسلاحُه ودِرعه، فبعثوا به إلى عمر (3).

ذكر قسم الغنائم
قال علماء السير: كانوا ستين ألفًا، فقسم سعدٌ بينهم الغنائم، فأصاب الفارس اثني عشر ألفًا بعد الخُمس، وقسم دور المدائن بين الناس، وبعث إلى العيال فأنزلَهم إياها.
قال سيف: وجمع سعد الخُمس، وأدخل فيه كلَّ شيء أراد أن يَعجب به عمر، من ثياب كسرى وحليته وسيفه ونحوه، وأحضر بِساطَ كسرى فلم يُقَوَّم، فقال للناس: هل لكم أن تطيبَ نُفوسُنا عن أربعةِ أخماسه، ونبعثه إلى عمر فيَضعه حيث يرى؟ قالوا: نعم، فبعث به إليه، فلما قدم على عمر هاله وقال: أشيروا عليَّ فيه، فقالوا: قد طابت نُفوسُ المسلمين لك به، فَرَ رأيَك فيه، إلا ما كان من علي فإنه قال: يا أمير المؤمنين،
__________
(1) تاريخ الطبري 4/ 22، والمنتظم 4/ 210.
(2) أخرجه الخطيب 1/ 131 وعنه ابن الجوزي في المنتظم 4/ 210 من رواية المبرد عن القاسم بن سهل النوشجاني.
(3) تاريخ الطبري 4/ 17، والمنتظم 4/ 207.
(5/233)

الأمرُ على ما قالوا, ولم يبق إلا التَّروية، إنك إنْ تَقبلْه اليوم لم تَعدَم في غدٍ من يستحقُّ به ما ليس له، فقال: صدقتَني، فقطعه بينهم.
وروى سيف عن عبد الملك بن عمير قال: لما قَدم البساطُ على عمر جمع الناسَ واستشارهم فيه، فمن مُشيرٍ بقَبْضه، وآخر مفوّض إليه (1)، فقام علي عليه السلام فقال: لِمَ تجعلُ علمَك جَهلًا، ويقينَك شكًّا! إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيتَ فأَمضيتَ، أو لبستَ فأبليت، أو أكلتَ فأفنيت، فقال: صدقتَني، فقطعه وقسمه بين الناس، فأصاب عليًا قطعةٌ، فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجود تلك القِطع.
وقال سيف: قال سعد للمسلمين: خُصُّوا أمير المؤمنين بحلية كسرى، فبعثوا بها إلى عمر، ومعها سَفَطٌ فيه جواهر ليس لها قيمة، فلما رآها عمر عجب وقال: إنَّ قومًا أدوا إلينا هذا لذَوو أمانةٍ، فقال له علي: عَفَفْتَ فعفَّت رعيَّتُك (2).
قال: ولما حضرت حِليةُ كسرى بين يديه قال عمر لمُحَلِّم، وكان أجسمَ أهل المدينة: قم فالبس ثيابَ كسرى وتاجَه، ففعل، فرأى الناسُ أمرًا عظيمًا، فقال له: اخطر، فخَطَر في ثيابِ كسرى، فقال له عمر: إيه، أعرابيٌّ يَلبَس ثيابَ كسرى وسلاحه! انزع لا أمَّ لك، فنزعها، ويقال: إن عمر أعاد الجميع إلى سعد وقال: لم أشهد معكم فكيف آخذُه.
وذكر الخطيب عن السائب بن الأقرع: أنه كان جالسًا في إيوان كسرى، فنظر إلى تمثالٍ يُشير بأصبعه إلى موضع، قال: فوَقع في روعي أنه يشير إلى كنزٍ، فاحتَفرتُ ذلك الموضع، فاستخرجتُ كنزًا عظيمًا، فكتبتُ إلى عمر أقول: هذا شيءٌ أفاءه اللَّه عليَّ دون الناس، فكتب إليَّ عمر: إنك أميرٌ من أُمراء المسلمين، فاقسمه بينهم (3).
وحكى سيف عن عِصمة بن الحارث الضبِّي قال: خرجتُ فيمن خرج من المدائن نطلب الفُرسَ، فإذا حمَّارٌ معه حِمار، فلما رآني حثَّه حتى لحق بآخر قُدّامه فحثا حمارَيهما، فانتهيا إلى جدولٍ قد كُسر جسرُه، فأتيتُهما، فقتلتُ واحدًا منهما وأفلت
__________
(1) من قوله: إلا ما كان من علي. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) الأخبار الثلاثة في تاريخ الطبري 4/ 20 - 23، والمنتظم 4/ 207 - 210.
(3) تاريخ بغداد 1/ 203، والمنتظم 4/ 211.
(5/234)

الآخرُ، فرجعتُ إلى الحمارين، فأتيتُ بِهما صاحب الأَقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سَفطان في أحدهما فرسٌ من ذهبٍ مُسْرَجٌ بسرج من فضَّة، على ثَفَره ولَبَبِه الياقوتُ والزمرُّد، وعليه فارسٌ من فضَّةٍ مكلَّل بالجواهر، وإذا في الآخر ناقةٌ من فضَّة، عليها رجلٌ من ذهبٍ، مكلَّلٌ بالجواهر، كان كسرى يَضعُهما على إسطوانتي التاج الذي على رأسه.
وقال سيف، عن هبيرة بن الأشعث، عن أبي عُبيدة العَنْبَريّ قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض، أقبل رجلٌ بحُقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقالوا: ما رأينا مثل هذا قط، هل أخذتَ منه شيئًا؟ فقال: أما واللَّه لولا اللَّه ما أتيتُكم به، فقالوا: مَن أَنْتَ؟ فقال: واللَّه ما أنا بمُخبِركم لتَحمَدوني، ولكن أرضى بثواب اللَّه، فأَتْبعوه رجلًا ليعرفه، فإذا هو عامر بن عبد قيس.
وقال سيف عن مُبشِّر بن الفُضَيل، عن جابر بن عبد اللَّه قال: واللَّه الذي لا إله إلا هو، ما اطَّلعنا على أحدٍ من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتَّهمْنا ثلاثةَ نفرٍ: طُلَيحة بن خُوَيْلد، وعمرو بن معدي كرب، وقيس بن المكشوح، فإذا هم على خلاف ما ظننا من الأمانة والزُّهد (1).

وقعة جَلُولاء (2)
قال علماء السير: لما نزل سعد القصرَ الأبيض، واستوطن المسلمون المدائنَ، وبعث إلى عمر بالأخماس، بلغه أنَّ مِهْرانَ الرازيَّ -وكان من عُظماء الفرس- قد عسكر بجلُولاء وخندق، وأنَّ أهلَ الموصل قد عسكروا بتكريت، وحشد يَزدجرد الأعاجمَ عند مهران، وأقام هو بحُلوان، كتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه: أن سَرِّح هاشمَ بنَ عتبة، فسرَّحه في اثنيْ عشرَ ألفًا، وكان القعقاعُ بنُ عمرو على مُقدِّمته، وعلى ميمنته سِعْر (3) بن مالك، وعلى الميسرة أخوه عمرو بن مالك، وعلى ساقتِه عمرو بن مُرَّة الجُهنيّ.
__________
(1) الأخبار الثلاثة في تاريخ الطبري 4/ 18 - 20، والمنتظم 4/ 208 - 209.
(2) في هامش (خ) حاشية نصها: جلولاء قرية بفارس.
(3) في النسخ والمنتظم 4/ 213: سعد، والمثبت من الطبري 4/ 24، والمؤتلف للدارقطني 1180، والإكمال 4/ 298 - 299.
(5/235)

وكانت الفُرسُ لما هربوا من المدائن ووصلوا إلى جَلُولاء قال بعضهم لبعضٍ: إنِ افترقتُم بعدها لم تجتمعوا أبدًا، فاثبتوا على قتالهم، فإن كانت لنا فهو الذي نُريد، وإن كانت علينا كنّا قد قضينا ما علينا، فاجتمعوا وخندقوا عليهم، ويزدجرد مقيمٌ بحُلْوان يُمدُّهم بالأموال والرجال.
وجاءهم هاشمٌ في وجوه المهاجرين والأنصار، وسادات العرب وأشرافهم، وخرج إليهم مهران، واقتتلوا قتالًا عظيمًا، وأرسل اللَّه عليهم ريحًا سوداء أظلمت الدنيا، فتهافتوا في الخندق، وقُتل منهم يومئذٍ مئةُ ألفٍ، فجَلَّلَتِ القتلى الأرضَ والمحال والطرق، فسُمِّيت جَلُولاء لما جلَّلها من قتلاهم، وهربوا إلى حُلوان، فأدرك القعقاع مِهرانَ بخانقين فقتله، وبلغتِ الهزيمةَ يزدجرد فسار من حلوان نحو الجبل.
وأصاب خارجةُ بن الصَّلتِ يومئذ ناقةً من ذَهبٍ، عليها رجلٌ من ذهبٍ مُرَصَّع بالدرِّ والياقوت، فدفَعها إلى هاشم بن عُتبة، فبعث بها إلى سعد، وكان الهرمزانُ مع مهران، فقُتل مهران ونجا الهرمزان.

فصل في ذكر غنائم جَلُولاء
قال علماء السير: اقتسموا غنائمَ جَلُولاء على كل فارسٍ سبعة آلاف وتسعة من الدواب.
وحكى سيف عن الشعبيّ قال: اقتسم النَّاسُ فَيء جَلُولاء على ثلاثين ألف ألف، فكان الخُمْس ستةَ آلاف ألف.
قال سيف: فلما قدِموا به على عمر قال: واللَّه لا يُجِنُّه سقفُ بيتٍ حتى أقسمَه، فبات عبدُ الرحمن بن عوف وعبد اللَّه بن أرقم في المسجد يَحرُسانه، فلما أصبح عمرُ جاء فكشف عنه الأَنْطاع، فلما نظر إلى ياقوتِه وجوهرِه ولُؤلؤِه وزبرجده بكى، فقال له ابن عوفٍ: ما يُبكيك يَا أمير المؤمنين؟ واللَّه إنه لمَوطنُ شكرٍ، فقال عمر: واللَّه ما ذاك يُبكيني، وواللَّه ما أعطى اللَّه هذا قومًا إلا تحاسدوا وتباغضوا، وما تحاسدوا إلا أُلْقِي بأسُهم بينهم، ثم قسمه بين الناس (1).
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 4/ 29 - 30، والمنتظم 4/ 213 - 214.
(5/236)

وكان عبد اللَّه بن عمر حاضرًا وقعة جَلُولاء، فاشترى من الغنائم بأربعين ألفًا، فدعا عمر التُّجار فباعهم ذلك بأربع مئة ألف، فأعطى ابنه عبدَ اللَّه ثمانين ألفًا، وقال: هذا ربحٌ كثير، وبعث بالباقي إلى سعدٍ فقال: اقسمه فيمن شهد الوقعة، ومَن كان قد مات فادفعه إلى وارثه، وقال لابنِه: يا عبد اللَّه، لو أُمر بي إلى النّار أكنتَ تَفديني؟ قال: نعم، قال: هو ذاك (1).
قال هشام: وكان في سَبْي جَلُولاء أمهاتُ أولادٍ، منهنَّ (2) أم عامر الشّعبي، وقعت إلى رجلٍ من بني عبس، فولدت منه ثم مات، فخلف عليها شراحيل، فأولدها الشعبي.
وكان بين وقعة جَلُولاء والمدائن تسعةُ أشهر؛ لأنها كانت في ذي القعدة. وقيل: كانت في سنة سبع عشرة، والأوّل أصحُّ (3).

وقعة حُلْوان
حكى سيف بن عمر، عن محمد وطلحة والمهلَّب وعمرو وسعيد قالوا: كان عمر قد كتب إلى سعد: إنْ فتح اللَّهُ عليكم جَلُولاء فسَرِّح القعقاع بنَ عمرو في آثار القوم، حتى ينزلَ حُلوانَ، فيكون رِدْءًا للمسلمين، ويُحْرِزَ اللَّه لكم سوادَكم، فلما فُتِحت جَلُولاء أقام بها هاشمُ بن عتبة، وسار القعقاعُ في آثارهم، فقتل مهران، وأفلت الهرمزان (4)، وسبق وغنم، وسار يزدجرد إلى الرَّي والجبال، وخَلَّف بحُلْوان خيلًا عليها خسروشنوم، فخرج إلى القعقاع، فاقتتلوا، فقُتل خسروشنوم، وأقام القعقاعُ بحُلوان إلى أن عاد سعد إلى الكوفة، فلَحق به.

وقعة تكريت
قد ذكرنا أنَّ أهل الموصل اجتمعوا بها وخندقوا، وانضافت إليهم تغلبُ وإيادُ والنَّمرُ والشهارجة والقبائل، فأرسل إليهم سعدٌ عبدَ اللَّه بن المعتِّم، فحاصرهم، وكانوا
__________
(1) المنتظم 4/ 214.
(2) في النسخ: منهم.
(3) من قوله: وقعت إلى رجل. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(4) في الطبري 4/ 34، والمنتظم 4/ 215: الفيرزان.
(5/237)

جميعًا بتكريت (1). ورأتِ الرومُ الغلبة من جانب المسلمين، فعزموا على الهربِ، وعلمت القبائلُ فأرسلت إلى عبد اللَّه يسألونَه الصُّلْحَ على الروم فقال: حتى تُسلموا فأسلموا، فقال لهم: إذا سمعتُم التكبير فافتحوا الأبوابَ ففعلوا، ودخل وقتل الروم.

قصة قَرقيساء
كان بها جُموعٌ من الروم، فبعث إليها سعد عمر بنَ مالك بن عُتْبة بن نوفل بن عبد مناف، فاجتاز بهيت فافتتحها عَنوةً، ثم افتتح قَرْقيسياء عَنْوةً، وحجّ بالناس عمر.
فصل وفيها توفي

سعد بن عُبيد بن النعمان
ويقال له: سعد القاري، وكُنيتُه أبو زيدٍ الأنصاري، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وهو ممَّن جمع القُرآن على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في قول الكوفيين. وقد حكاه ابن سعد (2).
شهد بدرًا وأُحدًا والخندقَ والمشاهد كلَّها مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس في الصحابة من يقال له سعدٌ القاري غيره (3). وكان حاضرًا جسر أبي عُبيد (4)، فكان من جملةِ المنهزمين إلى المدينة، فعاتبه عمر.
قال ابن سعدٍ بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال عمر بن الخطاب لسعدٍ بن عُبيد لمّا انهزم يوم الجِسر (5): هل لك في الشام لعلَّك أن تَغسل عنك الهُنَيهة؟ قال: لا، بل الأرض التي فَررْتُ منها، والعدوُّ الذي هربتُ منه، أو الذي صنع بي ما صنع أولى، فخرج إلى العراق فاستُشهد وهو ابن أربعٍ وستين سنةً.
ويقال: إنه استُشهد في القادسية، فحكى ابن سعدٍ عن ابن أبي ليلى قال: خطب
__________
(1) من قوله: فأرسل إليهم سعد. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) طبقات ابن سعد 3/ 423 - 424.
(3) انظر تلقيح فهوم أهل الأثر 198.
(4) من قوله: وليس في الصحابة. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5) من قوله: قال ابن سعد بإسناده. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، جاء بدله: فعاتبه عمر فقال له.
(5/238)

سعدٌ يوم القادسية فقال: إنا ملاقو العدوِّ غدًا ومستشهدون، فلا تَغسلوا عنا دمًا ولا نكفن إلا في ثوبٍ كان علينا، فاستُشهد (1).
وولدُه عُميرُ بن سعد صاحبُ عمر بن الخطاب، ولاه بعضَ بلاد الشام، وسنذكرُه. ولسعدٍ صحبةٌ وليس له رواية (2).
وفيها تُوفيت

أُمُّ سُلَيم بنت مِلْحان
ابن خالد بن زيد بن حَرَام الأنصاريّةُ، وهي أمُّ أنس بن مالك.
واختلفوا في اسمها على أقوالٍ: أحدُها سَهْلةٌ، والثاني رُمَيْلةُ، والثالث رُمَيْثة، والرابع أُنَيفة، حكاها ابن سعد (3).
وأمُّها مُلَيْكةُ بنت مالك بن عدي، من بني النجّارِ، وأُمُّ سُليم أمُّ أنس بن مالك، قال: ويُقال: هي الغُمَيْصاء والرُّمَيْصاء.
وهذه أُمُّ سُليم (4) تزوَّجها في الجاهليةِ مالكُ بن النَّضْر، فولدت له أنس بن مالكٍ، فقُتِل عنها مُشركًا، فخطبها أبو طلحة وكانت قد أسلمتْ، فقالت له: أنت مُشركٌ، فإن أسلمت فنعم.
وقد ذكر القصةَ ابنُ سعدٍ بإسناده عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن جدَّتِه أُمِّ سُليم أنها قالت: آمنتُ برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالت: فجاء أبو أنس وكان غائبًا، فقال: أصبَوْتِ؟ قالت: ما صَبَوْتُ، ولكني آمنتُ بهذا الرجل، قال: فجعلت تُلقَنُ أنسًا وتشيرُ إليه: قل لا إله إلَّا اللَّه، قل: أشهدُ أن محمدًا رسول اللَّه، ففعل، قال: يقول لها أبوه: لا تُفْسدي على ابني دينهُ، ولا تُفسدي عليَّ ابني، فتقول: إنِّي لا أُفْسِدُه.
قال: فخرج مالك أبو أنسٍ، فلَقِيه عدوٌّ فقتله، فلما بلغها قَتْلُه قالت: لا جَرَمَ، لا
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 424.
(2) انظر ترجمة سعد في الاستيعاب (897)، والاستبصار 280، والإصابة 2/ 31.
(3) في طبقات 10/ 395.
(4) من قوله: واختلفوا في اسمها. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/239)

أفطم أنسًا حتى يَبلغ الثدي حُبًّا (1)، ولا أتزوَّجُ حتى يَأمُرني أنس (2)، فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت وقالت: أرأيتَ حجرًا تعبدُه لا يضرُّكَ ولا ينفَعُك، أو خشبةً تأتي بها النجَّار فيَنجُرُها لك، هل تضرك أو تنفعك؟ قال: فوقع في قلبه ما قالت، فأتاها وقال: لقد وقع في قلبي ما قُلتِ، وآمن، قالت: فإنِّي أتزوَّجُك، ولا آخذُ منك صَداقًا غير الإِسلام، فكان صَدَاقها الإِسلام.
وقد رواه أبو نُعيم، وفيه: فقالت لابنها أنس: يا أنسُ، زوِّج أَبا طلحة فقد أسلم وذلك صَداقي، قال ثابت: فما سمعنا بمَهرٍ كان أكرمَ من مَهرِ أُمِّ سُليم، الإِسلام (3).
وقال ابن سعد: لا أتزوَّجُ حتى يَبلُغَ أنسٌ، ويجلسَ في المجالس، ويقول: جزى اللَّه أُمي عني خيرًا، لقد أحسنتْ وِلايتي، فقال لها أبو طلحة: فقد جلس أنسٌ في المجالس وتكلَّم (4).
وقال ثابت: فتزوَّجها أبو طلحة، فوَلدت له عبد اللَّه وأبا عُمير.
وقال ابن سعد (5): شهدت حُنينًا وهي حاملٌ بعبد اللَّه بن أبي طلحة، وشهدت أُحدًا قبل ذلك، فكانت تَسقي العَطشى، وتُداوي الجَرحى، وبيدها يوم أُحدٍ خَنْجر، وكذا يوم حنين.
وكان يدخل عليها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ويَقيلُ عندها.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن أنس بن مالك قال: لم يكن رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدخلُ بيتًا بالمدينة غير بيتِ أُمّ سُليم، إلَّا على أزواجه، فقيل له، فقال: "أَرحَمُها، قُتل أخوها معي". وقد أخرجاه في الصّحيحين (6).
وقيل: لأنها كانت خالتُه من الرَّضاع، وكان يدخلُ أيضًا على أُختها أُمِّ مِلحان.
__________
(1) كذا في (ك)، وليس في (أ) و (خ)، وفي طبقات ابن سعد 10/ 396، والسير 2/ 305: حتى يدع الثدي حبًّا.
(2) من قوله: فخطبها أبو طلحة. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(3) حلية الأولياء 2/ 60، وثابت هو راوي الحديث عن أنس -رضي اللَّه عنه-.
(4) طبقات ابن سعد 10/ 396.
(5) من قوله: وقد رواه أبو نعيم. . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، والخبر في الطبقات 10/ 397.
(6) طبقات ابن سعد 10/ 398، وصحيح البخاري (2844)، وصحيح مسلم (2455).
(5/240)

وقد ذكرنا في السيرة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقيل في بيتها، فكانت تَبسطُ له نِطْعًا، فيَعرقُ فتأخذُ عَرَقه، فتجعله في الطِّيب (1).
وقد أخرجه ابنُ سعد أيضًا، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي تَمسحُ العرقَ: ما تَصنعين يَا أُمَّ سُليم؟ فقالت: آخذُ هذا للبركة التي تخرجُ منك (2).
وهي التي كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُداعب وَلَدها فيقول: "أَبا عُمير، ما فعل النُّغَيْرُ؟ ".
وقال أحمد: حدثنا هُشَيم، عن حُمَيد، عن أنسٍ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دخلتُ الجنَّةَ، فسمعتُ خَشْفة بين يديّ، فإذا هي الغُمَيْصاء بنت مِلْحان" أُمُّ أنس (3)، والخَشفة: الحركةُ، وقيل: الصوتُ.
وقال البخاري بإسناده عن أنس بن مالك قال: اشتكى ابنٌ لأبي طلحة من أُمِّ سُلَيْم، وخرج أبو طلحة، وقُبِضَ الصبيّ، فلما رجع أبو طلحة قال: كيف ابني؟ فقالت: هو أسكَنُ مما كان، وقرَّبتْ إليه العَشاء فتَعشَّى، وأصاب منها، فقالت: وارِ الصبيَّ، فأخبر أبو طلحة رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أَعْرستُما الليلة؟ " فقال: نعم، قال: "اللهمَّ بارك لهما في ليلتهما"، فوَلَدت غُلامًا، فحمله إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخذ تَمراتٍ فمضغها، ثم جعلها في فَم الصبي، وحنكه، وسمّاه عبد اللَّه. أخرجاه في الصحيحين (4).
وأخرجه أحمد في "المسند" عن أنسٍ وفيه: مات ابنٌ لأبي طلحةَ، فقالت أُمُّ سليم: لا تُحدِّثوا أَبا طلحة حتى أكون أنا أُحدِّثُه، ثم قامت فتصنَّعت أحسن ما كانت تصنَّع قبل ذلك. وقَرَّبت إليه عَشاءً، فأكل وأصابَ منها، فقالت له: أرأيتَ لو أنَّ قومًا أعاروا أهلَ بيتٍ عارِيَّةً ثم طلبوها منهم، أكان لهم أن يَمنعوهم منها؟ قال: لا -وفي روايةٍ: ألا أُعجبك من جيراننا؟ قال: وما لهم؟ قالت: أُعيروا عارِّيةً، فلما طُلِبت منهم جَزعوا، فقال: بئس ما صنعوا- قالت: فاحتسب ابنَك فهو العارِّيةُ، وفيه: أن رسول
__________
(1) سلف في السيرة.
(2) طبقات ابن سعد 10/ 398، وما بعده منه.
(3) مسند أحمد (11955). وأخرجه مسلم (2456).
(4) صحيح البخاري (5470)، وصحيح مسلم (2144).
(5/241)

اللَّه لما حنَّكَ الغُلامَ جعل يَتلَمَّظُ، فقال رسول اللَّه: "إنَّ الأنصارَ يُحبّون التمر" (1).
وقد أخرجه ابنُ سعدٍ برواياتٍ كثيرةٍ، وقال أنس: لما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهمَّ بارك لهما في ليلتهما" فلقد رأيتُ لهم في المسجد سبعةً يقرؤون القرآن (2).
وقيل: إنَّ الولد الذي مات لأبي طلحة اسمُه حفص، وكان قد تَرَعْرَع.
وروت أُمُّ سُليم عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الحديث، فقال ابن سعدٍ بإسناده عن حسين بن أبي سفيان، عن أنس بن مالك (3) قال: زار رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أُمَّ سليم، فصلَّى في بيتها صلاةً تطوُّعًا، فقال: "يَا أُمَّ سليمٍ، إذا صلَّيْتِ المكتوبةَ فقولي: سبحانَ اللَّه عشرًا، والحمد للَّه عشرًا، واللَّه أكبر عشرًا، ثم سلي اللَّه ما شئتِ، فإنَّه يُقال لك: نعم نعم نعم" (4).
وأُمُّ سُليم هي اختُ أمِّ حَرام بنت مِلْحان، وسنذكرُها في سنةِ ثمانٍ وعشرين.
وفي الصحابيات جماعةٌ يُقال لكلِّ واحدةٍ منهن أُمَّ سليم، إحداهُنَّ هذه (5).
فصل وفيها توفّيت (6)

مارِيَة القِبطية
أُمُّ إبراهيم ابن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقد ذكرنا أخبارها فيما تقدَّم (7).
ولما مات رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان أبو بكرٍ يُنْفِقُ عليها، وكذا عمر إلى حين ما فَرض لها، وكانت وفاتُها في المُحرَّم، وصلَّى عليها عمر، ودفنها في البقيعِ.
وذكرها ابن سعدٍ (8) عن الواقدي فقال: بعث بها المُقَوْقِسُ صاحب الإسكندرية
__________
(1) مسند أحمد (12028).
(2) طبقات ابن سعد 10/ 401 - 404.
(3) من قوله وقال ابن سعد بإسناده عن إسحاق بن عبد اللَّه. . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(4) طبقات ابن سعد 10/ 397.
(5) انظر في ترجمة أم سليم الاستيعاب (3521)، والاستبصار 36، والمنتظم 4/ 216، وتهذيب الكمال (8578) وفروعه، والإصابة 4/ 361.
(6) من قوله: وأم سليم هي أخت أم حرام. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(7) سلف في السيرة.
(8) من هنا إلى نهاية السنة ليس في (أ) و (خ).
(5/242)

إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سنة سبعٍ من الهجرة، وبأُختها سيرين، وبألف مثقال ذَهبٍ، وبالدُّلْدُلِ واليعفور (1) وعشرين ثوبًا ليّنًا. وذكر ما ذكرناه فيما تقدَّم، وحديث الخصيّ (2).
قال: وقال الواقدي: كانت مارية من حَفْن، من كُورة أَنْصِنا، وقيل: هي بنتُ ملك مصر.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن كعب بن مالك قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "استوصوا بالقِبطِ خيرًا، فإن لهم ذِمَّة ورحمًا". قال: ورَحمهم أن أم إسماعيل بن إبراهيم [منهم]، وأمُّ إبراهيم ابن رسول اللَّه منهم (3).
* * *
__________
(1) في طبقات ابن سعد 10/ 201: وبغلته الدلدل، وحماره عفير، ويقال يعفور.
(2) سلف في السيرة.
(3) طبقات ابن سعد 10/ 203، وانظر في ترجمة مارية المعارف 143، والاستيعاب (3464)، والمنتظم 4/ 218، والتبيين 86، والإصابة 4/ 404 - 405.
(5/243)

السنة السابعة عشرة من الهجرة
وفيها عاد سعدُ بن أبي وقاصٍ من المدائن إلى الكوفة، وتمَّم خِططها.
قال هشام بن الكلبي: لما نزلوا المدائنَ استَوخموها، فاصفرَّت ألوانُهم، وعَظمت بطونُهم، وقدم جماعةٌ منهم على عمر فأنكرهم وقال: ما هذا؟ وكان فيهم عبد اللَّه بن المعتَمّ، فقال: يا أمير المؤمنين، وباءُ البلاد ووَخَمُها.
قال سيف: فعجَّل عمر سراحَهم بعد أن قضى حوائجَهم، وكتب إلى سعدٍ: أنبئْني ما الذي غيَّر ألوانَ العرب ولحومهم؟ ! فكتب إليه سعد: وَخَمُ المدائن ودجلة، فكتب إليه عمر: إنَّ العرب لا يُوافقُها إلَّا ما يُوافق إبلَها من المباركِ، فابعث حُذيفة وسلمان يرتادان لكم منزلًا برِّيًّا بحريًّا، لا يكون بيني وبينكم بحرٌ ولا جسرٌ.
فخرجا يرتادان، فلم يريا أصلحَ من الكوفة فإنها على حَصْباء رَمْلةٍ، وكلُّ حَصْباء رَمْلة فهي كوفة، وكان في أرضها ثلاثةُ أديرةٍ: دير حُرَقة، وديرُ هند ابنتي النعمان بن المنذر (1)، ودير قُرّة أو دير سلسلة، فأعجبهما ذلك المكان، فرجعا إلى سعدٍ بالخبر، فارتحل سعدٌ بالناس من المدائن، وخيَّر مَن شاء منهم بين الإقامة والرَّحيل، وجاء فنزل مَوضع الكوفة، وصلَّى ركعتين وقال: اللهمَّ بارك فيه، واجعله منزلَ قَرارٍ وثباتٍ، ودار سلام (2).
قال الواقدي: وكان نزوله بالكوفة في المحرم سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثماني عشرة. والأوّل أصحُّ.
وكتب سعدٌ إلى عمر: إنَّني قد نزلتُ الكوفة، منزلًا بين الحيرة والفُرات بَرِّيا بحريًّا، يُنبت الشِّيح والقَيصوم والنِّصِيَّ والكَلأ، وإنّي خَيَّرتُ المسلمين، فاختار بعضهم المقام بالمدائن فتركتُه. فكتب إليه عمر يُباركُ له في منزله.
قال الهيثم: وبنى سعدٌ قصر الإمارة، ونزل المسلمون في أكواخ القَصب، فوقع
__________
(1) في (أ) و (خ): دير حرقة بنت النعمان ودير هند أختها.
(2) في الطبري 4/ 40، والمنتظم 4/ 222 أن الذي قال ذلك حذيفة وسلمان.
(5/244)

حريقٌ فاحترق الجميعُ، فاستأذنوا عمر في البناء باللبن، فأذن لهم وقال: لا تَطاولوا في البُنيان، والزموا السنَّة تَدُمْ لكم الدولة.
قال هشام: أوَّلُ مَن بني بظاهر الكوفة بالآجُرِّ خَبَّابُ بن الأرتّ وعبدُ اللَّه بن مسعود، ثم بني سعدٌ بعد ذلك قصرَ الإمارة.
وكان مقدارُ الكوفة ستةَ عشر ميلًا، فما مضت إلا مدّةٌ حتى صار فيها مئةُ ألف دار، وفي جامعها مئةُ حلقةٍ للعلم والحديث والفقه.

فصل في ذكر خروج عمر إلى الشام المرة الثانية
قال علماء السير منهم سيف بن عمر: كان سببُ خروج عمر إلى الشام المرّة الثانية: أن ملك الروم جَهَّز الجيوش إلى الشام، وكاتب أهلَ الجزيرة، فعسكر أبو عبيدة بفِناء حمص، وكان خالد بن الوليد بقِنَّسرين فانضم إليه، وكان عمر قد اتَّخذ في كلِّ مِصرٍ خيلًا مُعَدَّةً للعدوِّ، وكان من ذلك أربعةُ آلاف فارسٍ بالكوفة، فكتب أبو عبيدة إلى عمر يُخبره الخبر، فكتب عمر إلى سعدٍ يخبره أن أَبا عبيدة قد أُحيط به.
فندب الناسَ مع القعقاع بن عمرو إلى حمص، وأمره أن ينفذ سُهيل بن عديّ إلى الجزيرة، فإنهم الذين أشاروا على الرُّوم بالخروج، وأن تُسيِّر الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط إلى الجزيرة والرقّة، ردْءًا للقعقاع ولسُهيل بن عديّ، وعبد اللَّه بن عِتبان إلى نَصيبين، وعِياض بن غَنم على المقدِّمة، وإليه أمرُ أمراء الجزيرة.
وجمع عمر المسلمين وقال: لابُدَّ من المسير إلى نجدة أبي عبيدة، واستخلف على المدينة عليَّ بن أبي طالب، وسار في وجوه المهاجرين والأنصار حتى نزل سَرْغ، وقيل: الجابية.
وأما أبو عبيدة فاستشار المسلمين في التَّحصُّن إلى أن يأتيهم الغِياث، أو مُناجزة العدو، فقال خالد بن الوليد: ناجِزهم وقال الباقون: تحصَّنْ حتى يأتي الغياث، فأطاع الناس وعصى خالدًا.
ومضى القعقاع في أربعة آلافٍ مُجدًّا نحو حمص، ورأى أبو عبيدة مُناجزةَ القوم، فسار إليهم، فهزمهم اللَّه وفتح عليه، ووصل القعقاع بعد ثلاثة أيام من الوقعة، فكتب عمر إلى أبي عبيدة أسهِمْهم في الغنيمة؛ فإنهم نفروا إليك، وتفرَّق عدوُّكم بهم.
(5/245)

وانتهى سُهيل بن عديّ إلى الرقَّة وقد تفرَّق جمعُ أهل الجزيرة، فحاصرهم فصالحوه.
وجاء عبد اللَّه بن عِتبان إلى نَصِيبين، فصالحوه كما فعل أهلُ الرَّقّة، وسار عياض إلى حَرَّان، والوليد إلى الرُّهاء، ووقع الصلحُ على الجزية، وأقام الأمراء بالجزيرة، فاستعمل عمر حبيبَ بنَ مَسلَمة على عَجَم الجزيرة وحربِها، والوليد على عربها، وأقام هو بالجابية، وكان الطاعون قد وقع بالشام، فلم يدخله عمر، وأقام بسَرْغ (1).

حديد الطاعون ورجوع عمر إلى المدينة
وقد اختلف الروايات فيه: فقال البخاري بإسناده عن عبد اللَّه بن عباسٍ قال: خرج عمر إلى الشام، حتى إذا كان بسَرْغٍ لقيه أُمراءُ الأجنادِ: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابُه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فقال عمر: ادعُ لي المهاجرين، قال ابن عباسٍ: فدعوتُهم فاستشارهم فاختلفوا، قال بعضهم: خرجتَ لأمرٍ، ولا نرى أن تَرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقيةُ الناس وأصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا نرى أن تُقدِمهم على الوباء، فقال (2): ارتفعوا عني.
ثم قال: ادعُ لي الأنصار فدعوتُهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني.
ثم قال: ادعُ لي مَن كان هاهنا من مَشْيخة قريشٍ من مُهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، وقالوا: نرى أن تَرجعَ بالناس. فنادى عمر في الناس، إني مُصبح على ظهرٍ فأصبِحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرارًا من قدر اللَّه؟ فقال عمر: لو غيرك قالها -وكان عمر يكره خِلافه- نعم، نفِرُّ من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أرأيتَ لو كان لك إبلٌ فهبطت واديًا له عُدْوَتان إحداهما خَصبة والأخرى جَدبة، أليس إنْ رعيتَ
__________
(1) في (أ) و (خ): بترع، وفي هامش (خ): الترع بفتح التاء المثناة الفوقية قرية بالشام. قلت: وهذا خطأ.
(2) من قوله: فاختلفوا فقال بعضهم. . . إلى هنا ليس في (ك)، بدله فيها: فأشار بعضهم بالدخول وبعضهم بالرجعة.
(5/246)

المخصِبة رعيتَها بقدر اللَّه، وإنْ رعيتَ المجدبة رعيتَها بقدر اللَّه؟
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوفٍ وكان مُتغيِّبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا سمعتُم به في أرضٍ فلا تَقربوبها ولا تَقدُموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا مَنه"، قال: فحمد اللَّه عمر، ثم انصرف، وقال لعبد الرحمن: أنت عندنا الصادق المصدوق، أخرجاه في الصحيحين (1).
ومعنى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فلا تَقدموا عليه"، نَهيٌّ عن التعرُّض للتَّلف، و"لا تخرجوا منها" له معنيان: أحدُهما: أنَّه يُعلّم التسليمَ لأمر اللَّه والتوكُّلَ عليه، والثاني: لأنه إذا خرج الأصِحَّاء لم يبقَ للمرضى مَن يقوم بهم ولا بأمرهم ولا بخدمتهم فيهلكوا.
وروى بمعناه جماعةٌ من الصحابة، منهم أسامةُ بن زيدٍ قال: سمعتُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن هذا الوباء رِجزٌ أهلك اللَّه به الأممَ قبلكم، وقد بقي منه شيءٌ في الأرض، يجيءُ أحيانًا ويذهب أحيانًا، فإذا وقع بأرضٍ فلا تأتوها".
والطريق الثاني أخرجه أحمد بإسناده عن أسامة بن زيدٍ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا سمعتُم بالطاعون في أرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه". والطريقان في الصحيحين، وهذه روايات الصحيح (2).
فأما أقوال علماء السِّير، فقال ابن إسحاق والواقدي وهشام: خرج عمر إلى الشام غازيًا سنة سبع عشرة، حتى إذا كان بسَرْغٍ لقيه أمراءُ الأجناد، فأخبروه أن الأرض سقيمة، فعاد بالناس إلى المدينة، وكان فيهم كعب الأحبار، وكان ممّن أشار عليه بالرجوع، وقالوا: وأسلم كعب في هذه السنة، وقيل: في سنة خمس عشرة.

ذكر اختلاف العلماء في خرجات عمر إلى الشام
ذكر جدي رحمه اللَّه في "المنتظم" (3) وقال: خرج عمر إلى الشام أربع مراتٍ: مرّتين في سنة ست عشرة، ومرّتين في سنة سبع عشرة، فأما في هذه المرة فإنه لم
__________
(1) صحيح البخاري (5729)، وصحيح مسلم (2219).
(2) مسند أحمد (21798)، وصحيح البخاري (6973) (6974)، وصحيح مسلم (2218).
(3) في 4/ 224.
(5/247)

يَدخُلها لأجل الطاعون، والخرجة الرَّابعة أَذَّن له بلالٌ حين حضرت الصلاةُ، فبكى الناس عند ذكر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان أشدَّهم بكاءً عمرُ -رضي اللَّه عنه-. هذا صورة ما قال.
وقال الواقدي: إن عمر خرج إلى الشام أربع مرّاتٍ: فالأولى جاء على فرسٍ، والثانية على بعيرٍ، والثالثة: على حمار، والرابعة لم يتعدَّ الجابية لاشتعال الطاعون بالشام.
وقال سيف بن عمر: قال عمر بن الخطاب: ضاعت مواريثُ الناس بالشام، وأريد أن أبدًا بها، فأقسمها على ما في نفسي، ثم أرجع فأنقلبُ في البلاد، فأتى عمر الشام أربع مراتٍ: مرتين في سنة ست عشرة، ومرَّتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخل دمشق في المرَّتين الأوَّلتين.
وقال أبو مِخْنَفٍ، واسمُه لوط بن يحيى: توجه عمر إلى الشام في سنة ست عشرة، فلما أشرف على الغوطة ونظر إلى دمشق والقصور والبساتين قرأ: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)} الآية [الدخان: 25].
وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي أنه قال: روى أهل الشام أن عمر دخل الشام في خلافته مرّتين، ورجع في الثالثة أو الرابعة من سرغٍ. قال: وهذا لا يُعرف عندنا، وإنما قدم عمرُ الشام عام الجابية، سنة ستّ عشرة، حين فتح البيت المقدَّس، وصالح أهله، وجاء عام سَرْغ سنة سبع عشرة، ورجع من سَرْغ لأجل الطاعون، لا يكون غير هاتين المرتين الدَّخلتين، وهم يقولون إنه دخل دمشق وحمص في المرّة الثالثة، وهذه الرحلة الثالثة لا تُعرف عندنا، سنين عمر معروفةٌ: عام الجابية سنة ست عشرة، وعام سَرْغٍ سنة سبع عشرة، ولا غير ذلك (1).
وقال سيف: وعاد عمر على أَيْلة، فلما نزلها دفع قميصَه إلى أُسقُفِّها وقال له: اغسله وارقَعْه، وكان من كرابيس قد غيَّره مرُّ السنين، فغسله ورقعه وخاط مثله قَباطيًا، وأحضرهما، فلبس عمر قميصه وردَّ عليه القباطي، وكان رجوعه إلى المدينة في صفر (2).
وفي هذه السنة كَتَب التاريخ, وحمى عمر الرَّبَذة لخيل المسلمين، واتَّخذ دار
__________
(1) انظر تاريخ دمشق 53/ 3 - 4 و 6، والطبري 4/ 56 - 57 و 63، والمنتظم 4/ 193.
(2) من قوله قبل صفحتين: ومعنى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- فلا تقدموا عليه. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/248)

الضيافة، وأعد فيها الدقيق والسمن والعسل وغيره، وجعل بين مكة والمدينةَ مَن يحمل المنقطِعين من ماء إلى ماءٍ حتى يوصلوهم إلى البلدِ.

فصل: وفيها غزا خالد بن الوليد وعياض بنُ غَنْم دَرْبَ الروم، وأوغلا فيه، وعادا بالغنائم والسبايا، وبلغ أهلَ الآفاق فانتجعوا خالد بن الوليد، منهم الأشعث بن قيس، فأجازه خالد بعشرة آلاف درهم، وكان عمر له عُيونٌ على عُمّاله وأمرائه، يكتبون إليه بما يكون منهم، فكتب إلى أبي عبيدة أن يُقيم خالدًا، ويَعقِله بعمامته، وينزع عنه قَلنسوته، حتى يُقرّ من أين أجاز الأشعث بن قيس، فإن زعم أنه من ماله فقد أسرف، وإن زعم أنه من مال أصابه من الدَّرْبِ فقد باء بخيانة، فاعزِلْه على كلّ حال.
فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدِم، وجمع له الناس، وقام البريد الذي حمل كتاب عمر على المنبر فقال: يا خالد، من أين أجزْتَ الأشعث بن قيس، أمن مالك، أم من مالٍ أصبتَه من بلد العدو؟ وخالد لا يتكلّم، فقام بلال فقال: إن أمير المؤمنين أمر أن تُعقَل بعمامتك، وتناول عمامته فنفضها، ووضع قَلنْسوَته، ثم عقله بعمامته وقال: ما تقول؟ قال: هو من مالي، فأطلقه، وأعاد قَلنْسُوَته، ثم عمَّمه بيده.
وفي روايةٍ أن عمر كتب إلى أبي عُبيدة: فإن اعترفَ أنه من ماله فقد أسرف، فاعزلْه وضُمَّ ما في يده إلى يدك من العمل، وكذا إن أقرَّ أنها ليست من ماله.
وكان خالد بقِنَّسرين، فكتب إليه فحضر، ولما قام إليه بلال ليعقله قال له: يا عبدَ بني جُمَح ما هذا؟ فقال له أبو عبيدة: إن كتاب عمر ورد بكذا وكذا، فقال: يا عامر، هي من مالي، فأعاد إليه قَلنسوته وعمامته، ولم يخبره أبو عبيدة أنه قد عزله حياءً منه، وأقام متحيِّرًا، فخرج من الشام فقَدم على عمر فقال له: واللَّه يَا عمر لقد شكوتُك إلى اللَّه والمسلمين؛ فإنك غيرُ مُجملٍ في أمري، فقال له عمر: من أين هذا الثراءُ؟
فقال: من الأنفال والسُّهمان، فقدَّم أموالَه فكانت عشرين ومئة ألفٍ، فأدخلها عمر في بيت المال، ثم عَوَّضه عنها.
وكتب عمر إلى الأمصار: لم أعزل خالدًا عن خيانة، ولكن الناس فُتِنوا به، فخفتُ أن يُوكلوا إليه، فأحببت أن أُعلِمهم أن اللَّه هو الصَّانع، فقال خالد: واللَّه ما به إلا النَّفاسة على الصِّيت والذكر، وواللَّه لا وليتُ له ولاية أبدًا، وخرج إلى الشام، فاعتزل
(5/249)

الناس، وأقام بحمص إلى أن مات.

فصل: وفيها اعتمر عمر في رجب، واستخلف على المدينة زيد بنَ ثابت، وأقام بمكة عشرين ليلةً، ووسَّع المسجد الحرام، وهدم على قوم أَبَوا أن يبيعوه دُورَهم، ووضع أثمانَها في بيت المال لما امتنعوا من أخذها، ثم أخذوها بعد ذلك.
وتزوَّج ابنةَ حفص بن المغيرة، فأُخبر أنها عاقر، فطلقها قبل أن يَدخل بها.
وفي هذه العمرة أمر بتجديد أنصاب الحرم، ووَلَّى ذلك جماعة من قريش: مَخرمة ابن نوفل، والأزهر بن عبد عوف، وحاطب بن عبد العُزَّى، وسعيد بن يربوع، وكان عمر لمَّا مرَّ في طريقه إلى مكة كلّمه أهلُ المياه أن يَبنوا منازل بين مكة والمدينة، فأمرهم بذلك، وقد ذكرناه (1).
وفي هذه السنة كانت قصَّة المغيرة بن شُعبة، والشهادة عليه بالزنا (2).
وقد اختلفوا فيه، فقال ابن إسحاق: كان المغيرة يختلفُ إلى امرأة من بني هلال يقال لها: أمّ جميلٍ بنت الأفقم، من بني عامر بن صَعصعة، وكانت تَغشى الأُمراءَ والأشراف، وليس لها زوج، وعلم به أهل البصرة فأعظموا ذلك، ووضعوا له الرَّصَد، فدخل عليها يومًا، فهجموا عليه فرأوه يُواقعها، فركب أبو بكرة إلى عمر فأخبره، فولّى أَبا موسى الأشعريَّ البصرة، وكتب بإشخاص المغيرة إليه.
وقال الهيثم: عَشِق المغيرةُ امرأةً من بني هلال بن عامر بن صعصعة يقال لها: أم جميل بنت مِحْجَن، وكانت عند الحجاج بن عتيك الثقفي، وكان أبو بكرة لا يزال يَلقى المغيرة وحده خارجًا من عندها، فيقول: أين كنتَ؟ فيقول: عند مَن أحبُّ، فيقول أبو بكرة: إن الأمير يُزار ولا يزور، فدخل المغيرة يومًا عليها، فاطَّلع أبو بكرة فإذا هي تُقبّل المغيرة، فاستدعى أبو بكرة شِبْل بن مَعبد البَجَلي، ونافع بن الحارث وزيادًا أخويه (3)، فشاهدوا المغيرة وهو يَنكحها، فارتحل أبو بكرة والشهود إلى المدينة،
__________
(1) من قوله: وكان عمر لما مر. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) في (خ) و (أ): والشهادة عليه بأمر أم جميل. وما بعدها إلى فتح الأهواز ليس فيهما.
(3) في أنساب الأشراف 1/ 582: فدعا شبل بن معبد ونافع بن الحارث أخاه وزياد بن عبيد.
(5/250)

فشهدوا عليه عند عمر.
وقال الواقدي: كان بين المغيرة وبين أبي بكرة مُنافرة، وكانا متجاورَيْن في مَشربتين متقابلتين، في كلِّ واحِدةٍ منهما كُوَّة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة قومٌ يتحدَّثون عنده، فهبت الريحُ ففتحت باب الكُوَّة، فقام أبو بكرة ليَصفِق بابَها، فبصُر بالمغيرة وهو بين رجلَي امراةٍ، فقال للنفرِ: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، فقال: اشهدوا، فقالوا: مَن هذه؟ قال: أمُّ جميل بنتُ الأَفقم، وعرفوها حين قامت، ثم خرج المغيرة إلى الصلاة، فحال أبو بكرة بينه وبينها وقال: واللَّه لا تصلي بنا بعدها.
وكتبوا إلى عمر وأخبروه، فبعث أَبا موسى وقال له: استعِنْ بأنس بن مالك، وعمران بن الحُصَين، وهاشم بن عتبة، فلما قدم أبو موسى البصرة أَشخص المغيرة وأبا بكرة وزياد بن أَبيه ونافع بن الحارث بن كَلَدة وشِبل بن مَعبد البَجَلي، وهم الذين عاينوا القصة، فلما قدموا على عمر شهدوا على المغيرة بما عاينوا، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين، سَلْ هذه الأعبد كيف رأوني؟ فإن كانوا استقبلوني، فكيف لم أستتر عنهم. وإن كانوا استدبروني، فكيف يَحلُّ لهم أن ينظروا في منزلي؟ واللَّه ما أتيتُ إلَّا امرأتي وكانت تُشبهها، فقام أبو بكرة فقال: كذبتَ، أشهد أنه بين رجلي أمِّ جميل بنت الأفقم، وهو يدخله في فرجها كالمُلْمول في المُكْحُلَة، ثم شهد شبل ونافع بمثل ذلك، وبقي زياد فقال له عمر: بم تَشهد؟ فقال: رأيتُه جالسًا بين رجلي امرأةٍ، ورأيتُ قدمين مَخضوبتَيْن تَخفِقان، وسمعت حَفَزانًا شديدًا، قال: هل رأيت كالملمولِ في المُكحلة؟ قال: لا، قال: هل تَعرف المرأة؟ قال: لا، قال: فتنحَّ، وقرأ عمر: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13]، وأمر بالثلاثة فحُدُّوا، وقيل: كان ذلك في سنة خمس عشرة.
وقال الواقدي: ولما حُدُّوا حدَّ القذف قال المغيرة: يا أمير المؤمنين، اشفني من هذه الأعبد، فقال له عمر: اسكت أسكتَ اللَّه نَأمَتك -أي: صوتَك- واللَّه لو كملت الشهادةُ لرجمتُك بأحجارك (1).
__________
(1) انظر الطبري 4/ 69 - 72، والمنتظم 4/ 231 - 232.
(5/251)

وقد ذكر القصّة البلاذري (1) وقال: ولمَّا بلغ عمر فعلُ المغيرة عزله عن البصرة، وولّى أَبا موسى، وبعث معه أنس بن مالك، وأخاه البراء بن مالك، وأبا نُجَيد عمران ابن الحصين الخُزاعي، وأمره بأن يُشخِص المغيرة والشهود، فلما قدموا على عمر جمع الناس، وأُقيم المغيرة، وقام أبو بكرة فشهد عليه، فقال عمر: ذهب رُبعُ المغيرة، وقام نافع بنُ الحارث فشهد بمثل ذلك، فقال عمر: ذهب نصفُ المغيرة، فقام شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك، فقال عمر: ذهب ثلاثةُ أرباع المغيرة، ثم تقدّم زياد، وكان شابًا طريرًا جميلًا، فلما نظر إليه عمر قال: واللَّه إني لأرى وجهًا خليقًا أن لا يُخزي اللَّه به رجلًا من أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قال له عمر: بم تَشهد؟ فقال: أشهدُ أني سمعتُ نَفَسًا عاليًا، ورأيتُ أمرًا قبيحًا، فأما ما ذكره هؤلاء فلا -يعني الملمول في المكحلة- فانتضى المغيرةُ السيف، وقصد أَبا بكرةَ وصاحبَيْه، فصاح عمر: لعنك اللَّه يَا أعور أمسِكْ -وكانت إحدى عينيه قد ذهبت باليرموك أو بالقادسية-.
ثم أمر عمر بالثلاثة فحُدُّوا، ودرأ عن زيادٍ حدَّ القَذْف، وعن المغيرة حدَّ الزِّنا، ثم قال عمر: توبوا، فقال له أبو بكرة: واللَّه لا أتوبُ من الحق أبدًا، أشهدُ أن الأعور الفاسق زانٍ، فأراد عمر أن يَحُدَّه ثانيًا، فقال له علي: لا تفعل، فإنك إن جعلتَها شهادةً رجَمْنا المغيرة، فسكت عمر، وقال أبو بكرة لزياد بن أَبيه، وهو أخوه لأمِّه سميَّة: نافقتَ وداجيتَ وكذبتَ! ؟ واللَّه لا كلّمتُك أبدًا، فلم يُكلِّمه حتى مات.
وذكر جدي في "المنتظم" (2) وقال: من الجائز أن يكون قد تزوَّجها ولم يَعلم أحدٌ، وقد كانت تُشبه زوجتَه، قال: وقال ابنُ عقيل: للفقهاء تأويلات؛ فقد كانت المتعةُ عَقدًا في الشرع، وكان نكاحُ السرِّ عند قوم زنا, ولا يجوز أن تُنسبَ الصحابةُ إلى ما لا يجوز.
قلت: والعجب من هذا الاعتذار، وقد ارتكب المغيرةُ أعظمَ من الزنا لمّا ولاه معاوية بن أبي سفيان الكوفة؛ بعد ما استشهد أمير المؤمنين، كان يَلعن أمير المؤمنين على منبر الكوفة وفي مجالسه، ويَختلق له المساوئ لما سنذكر (3)، وقد ثبت أن النبي
__________
(1) في أنساب الأشراف 1/ 582 - 583.
(2) في 4/ 232.
(3) هذا من تشيّع المصنف، وانظر ما سيرد.
(5/252)

-صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لعن اللَّهُ من سبَّ أصحابي" (1). واستحلال عِرض المؤمن أعظمُ من الزّنا لأنه كفرٌ، وأما المتعة فحرامٌ عند عامة العلماء على ما تقدَّم. وكيف يُبيحها ابنُ عقيلٍ بعد التحريم؟ اللهمَّ أن يكون مذهبه، فإنه كان يرى ذلك على ما حكت الحنابلةُ عنه، أنه كان يرى رأيَ الشيعة، وسنذكره في ترجمته. وقد كان الواجبُ على عمر أن يَحُدَّه؛ لأنه كان يُقيم الحدود على ما تقدّم، وإنما قصد السترَ على المغيرة لئلا يَفضحه.
وروي عن أبي بكرة أنه لما عاد إلى البصرة قيل له في ذلك فقال: عمرُ لقَّن زيادًا الرجوع، أشار إلى ما ذكرنا من قول عمر: واللَّه إني لأرى وجهًا خَليقًا أنه لا يُخزي اللَّه به رجلًا من أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-.

فصل: وفيها فُتحت (2) الأهواز ومَناذر ونهر تِيرَى وتُستَر ورامَهُرْمُز والسُّوس، وأُسر الهرمزان.
قال علماء السِّير منهم سيف بن عمر عن أشياخه قالوا: لم يزل يَزْدَجرد منذ انفصل عن المدائن وهو مقيمٌ بمَرْو، يُراسل أهلَ هذه الأماكن، ويقول لهم: رَضيتُم بغَلَبة العرب عليكم حتى حكموا على أموالكم وحريمكم، وسلبوكم عزَّكم! فراسلوه. ابعث
__________
(1) أخرجه العقيلي في الضعفاء 2/ 264، والطبراني في المعجم الكبير (13588)، والأوسط (7015)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (2348)، والسهمي في تاريخ جرجان 252 من طريق عبد اللَّه بن سيف، عن مالك بن مغول، عن عطاء، عن ابن عمر -رضي اللَّه عنه-. وعبد اللَّه بن سيف، قال ابن عدي: رأيت له غير حديث منكر، وقال العقيلي: حديثه غير محفوظ.
وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 3/ 150 من طريق محمد بن الفضل، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر.
وأخرجه أبو يعلى (2184)، والخطيب 3/ 148 - 149 من طريق محمد بن الفضل، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه، ومحمد بن الفضل قال فيه أحمد: ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب، وقال ابن معين والجوزجاني: كان كذابًا، وقال مسلم والنسائي والدارقطني: متروك الحديث.
وأخرجه الطبراني في الأوسط (7771) من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.
وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1001) عن عطاء مرسلًا.
وفي النهي عن سب أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحاديث صحيحة، منها حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه أحمد (11079)، ومسلم (2540) بلفظ: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه".
(2) إلى هنا ليس في (أ) و (خ) مما سلفت الإشارة إليه قبل أربع صفحات.
(5/253)

إلينا مَن تختار، فجهَّز إليهم الهرمزان في جيشٍ كثيفٍ، فنزل رامَهُرْمز، واتَّفق أهل الأهواز وتعاهدوا على المسلمين، وكُتب إلى عمر بذلك، فبعث إلى سعد: ابعث إلى الأهواز النعمان بنَ مُقَرِّن، وسويد بنَ مقرن، وجرير بنَ عبد اللَّه، وكتب إلى أبي موسى: أن ابعث إلى الأهواز جيشًا كثيفًا، وأمَّر عليهم سهل بنَ عديّ، وابعث معه البراء بنَ مالك في جماعةٍ سمَّاهم، وعلى أهل الكوفة والبصرة أبو سبرة بن أبي رُهْم، وكلُّ مَن أتاه كان مدَدًا له.
وخرج النُّعمان بن مقرِّن في أهل الكوفة حتى قطع دجلة بِحيال مَيْسان، ثم أخذ طريق البرِّ إلى الأهواز فانتهى إلى نهر تِيرى فجاوزها، ثم انتهى إلى مَناذرٍ وسوق الأهواز وقصد الهُرمزان -وهو يومئذ برامَهُرْمُز- فسار إلى النّعمان وبادره قبل أن تنضمّ إليه جيوش المسلمين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وانهزم الهرمزان إلى تُستَر، وجاء النعمان فنزل برامهرمز.
وكان الهرمزان قد صالح المسلمين ثم نكث، فحاصروه في تستر، وأقاموا عليه مدَّةً، وزحفوا عليهم ثمانين مرة، فلما كان في آخر زحفٍ واشتدَّ القتال قال الناس للبراء بن مالك: يا براء، أقسم على ربك ليهزمنَّهم لنا فقال: اللهمَّ اهزمهم واستَشْهدني، فاستشهد البراءُ في ذلك اليوم، وهزموهم حتى ألجؤوهم إلى الخنادق، وتقدَّم المسلمون فأحاطوا بالمدينة، وأزالوهم عن أماكنهم، وخرج إليهم رجلٌ مُستأمن، فدلَّ النعمان بنَ مُقرِّن على مكانٍ يَدخلُ منه إلى البلد، وجاؤوا فدخلوا، وهرب الهرمزان إلى القلعة، فأحاطوا به، فاطَّلع عليهم وبيده قوسُه وجَعبته وقال: في هذه الجَعْبة مئةُ نُشَّابة، واللَّه لا تَصلون إلي حتى أقتل مئةَ رجل من أعيانكم، قالوا: فماذا تريد؟ قال: أنزل على حُكم عمر يَفعلُ بي ما شاء، قالوا: نعم، فنزل فأخذوا سلاحَه وأوثقوه، واقتسموا الغنائم، فكان سهمُ الفارس ثلاثة آلافٍ، والراجل ألفًا.
وخرج من تُستَر جماعةٌ من الفُرس، فقصدوا السُّوس، واتبعهم أبو سَبْرة، ثم إن أَبا سَبْرة كتب إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالهُرمزان ومعه أنس بنُ مالك والأحنف بن قيس وجماعةٌ من الأعيان، فلما وصلوا المدينة أَلبسوا الهرمزان ثيابَه الدِّيباج وسلاحَه، ووضعوا على رأسه تاجَه -وكان مُرَصَّعًا باليواقيت والجواهر- ليراه المسلمون على
(5/254)

هيئته، وكان عمر نائمًا في المسجد، فقال الهُرمزان: أين عمر؟ فقالوا: ها هو ذا، فقال: أين حُجَّابُه وحُرَّاسُه؟ قالوا: ليس له حاجبٌ ولا حارسٌ، فقال: هذا واللَّه الملكُ الهَنيُّ من غير تعبٍ، وفي روايةٍ: يَنبعْي أن يكون هذا نبيًا.
وانتبه عمر فقال: أين الهُرمزان؟ فقالوا: ها هو ذا يَا أمير المؤمنين، فلم يُكلّمه، قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا ملكُ الأهواز فكلّمه، فقال: لا، حتى لا يَبقى عليه من حِليته شيء، فرمَوا جميع ما عليه، وألبسوه ثوبًا صَفيقًا، وأحضره بين يديه، وقال له: كيف رأيتَ وَبالَ الغدر؟ فقال له: يا عمر، إنَّا غَلبناكم في الجاهليّة حيث كان اللَّه معنا، فلما صار معكم غلبتمونا، فقال له عمر: ما عُذرك في انتقاضك مرَّة بعد مرة؟ قال: أخاف أن تَقتلني قبل أن أُخبرك، قال: لا تَخفْ، لا بأسَ عليك.
فاستسقى ماءً، فأُتي به في قَدَح غليظ، فقال: لو متُّ عَطشا لم أستطع الشُّرب في هذا، فأُتي بإناء يرضاه، وقيل: بإناء زجاجٍ، فأخذه بيده، وجعلت يده ترعد فقال عمر: مالك؟ قال: أخاف أن أُقتل قبل أن أَشرب، فقال: لا بأس عليك حتى تَشربَه، فضرب به الأرضَ فكسره، فقال عمر: أعيدوا عليه الماء، ولا تَجمعوا عليه القتلَ والعطش، فقال الهرمزان: لا حاجةَ لي في الماء، وإنما أردتُ أن أستَأمن به، فقال عمر: فإني قاتلُك، قال: إنك قد أمَّنتني، قال: كذبتَ، فقال أنس: صدق قد أَمَّنتَه، قال: ويحك يا أنس، أنا أُؤمِّنه وقد قتل البراء بن مالك وغيره، واللَّه لتأتينَّ بالمخرج أو لأُعاقبنَّك، قال: نعم يَا أمير المؤمنين، قلت: لا بأس عليك حتى تُخبرَني، ولا بأس عليك حتى تشرب الماء، وقالت الصحابة مثلَ قول أنسٍ، فأقبل عمرُ على الهُرمزان وقال: أتَخْدعُني؟ واللَّه لا أنخدع إلا أن تُسلم، فأسلم، ففرض له ألفين وأنزله المدينة، وقال هشام: أنزله دار رملة، وأحسن إليه، وسُرَّ بإسلامه.
وقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، إنك نهيتَنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتَنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وما دام مَلك فارس حيًّا بين أظهرهم لا يزالون يساجلونا، وإنه هو الذي يَبعثهم على ذلك، ولن يجتمع مَلكان قط، فأْذن لنا في الانسياح في بلإدهم حتى نُزيلَه عن مُلك فارس، فإما أن نَقتُلَه، وإما أن نُزيلَه ونُلجئه إلى مَملكةٍ أخرى غير مملكته، ورعيةٍ غير رعيته, فنَأمن شرَّه، ويَنقطع رجاءُ أهل فارس منه، قال: صدقتَ، ثم إنه انتهى إلى رأي الأحنف، وأذِنَ لهم في الانسياح في البلاد،
(5/255)

وبعث كلَّ أميرٍ إلى ناحية (1).
هذا ويزدجرد بن كسرى مُقيمٌ بمَرْو، وقد أمِن على نفسه، وبنى القصور، واتَّخذ بيت نارٍ، واتّخذ بُستانًا عظيمًا، وبنى فيه القِباب، وغرس الأشجار، وأقام إقامةَ مُطمئن، وكانت الفرس تُكاتبه وتَحفظ عهدَه في الأماكن التي لم يصل إليها المسلمون، وورد على عمر كتاب بأن الفرس قد اجتمعوا في نهاوند.

فصل حديث السّوس
قال علماءُ السير: كتب عمر إلى ابن أبي رُهمٍ بمُنازلة السُّوس، فنازلها، وحاصرهم أيامًا وقاتلهم، وأشرف عليهم الرُّهبان، وقالوا: يا معاشر العرب، إن مما عَهد إلينا علماؤنا ألا يَفتح السوسَ إلا الدجالُ، أو قومٌ فيهم الدجال، وكان ابن صيّادٍ مع المسلمين، فأتى بابَ السوس فضربه برجله وقال: انفتِح، فتقطعت السلاسلُ وتفتَّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى الكفار بأيديهم وقالوا: الصُّلحَ الصلح، فأجابوهم.
قلت: وقد ذكر ابن سعدٍ ابنَ صيّادٍ فقال: اسمه عبد اللَّه، ويقال: صاف، كان أبوه من اليهود، ولا يُدرى من هو، ولد على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو أعور مَختون (2).
وكان جماعة من الصحابة يظنون أنه الدجال، وكان جابر بن عبد اللَّه يحلف باللَّه أنه الدجال، قال محمد بن المنكدر: فقلتُ لجابر: أتحلف باللَّه؟ فقال: سمعتُ عمر ابن الخطاب يَحلف على ذلك عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُنْكِرُهُ (3).
ولمسلم عن أبي سعيد قال: صحبتُ ابن صيّاد إلى مكة، فقال لي: يا أبا سعيد، أما قد لقيتُ من الناس، يزعمون أني الدّجال، ألستَ سمعتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنه لا يُولَد له"؟ قلتُ: بلى، قال: فقد وُلد لي، أو ليس سمعتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول إنه: "لا يدخل الدجالُ المدينة ولا مكة"؟ قلتُ: بلى، قال: فقد وُلدتُ بالمدينة، وها أنا أريد مكة، ثم قال: أما واللَّه، إني لأعلم مَولد الدجّال ومكانَه وأين هو؟ قال: فلَبَسَني،
__________
(1) من قوله: وقال الأحنف بن قيس. . إلى هنا ليس في (ك).
(2) طبقات ابن سعد 6/ 565 - 566.
(3) أخرجه مسلم (2929)، ومن قوله: وكان جماعة من الصحابة. . . إلى هنا ليس في (ك).
(5/256)

وأخذَتْني منه ذَمامة.
وفي رواية: فقال: مالي ولكم يا أصحاب محمد! ألم يَقل نبيُّ اللَّه: "إن الدجَّال يهوديٌّ" وقد أسلمتُ، و"إن اللَّه قد حرَّم عليه المدينة" وقد حججتُ، قال: فما زال حتى كاد أن يَأخذني من قوله، ثم قال. واللَّه إني لأعرف الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمَّه (1)، فقيل له: أيَسرُّك أنك ذلك الرجل؟ فقال: لو عُرض عليَّ ما كرهتُ (2).
وروى ابن سعدٍ عن محمد بن كعبٍ القرظي قال: كنا بالأهواز، فقيل: مات ابن صائد، فأخرج بنوه نعشًا لا يُدرى ما فيه.
قال ابن سعد: ومن ولده عمارةُ بن عبد اللَّه بن صيّاد، من خيار المسلمين، وكان من أصحاب ابن المسيّب، وروى عنه مالك بنُ أنس (3).

حديث دانيال
قال أبو اليقظان وغيره: ولما فُتحت السوس، قيل لأبي سبرة بن أبي رُهم (4): إن في السوس جسد دانيال -وكان في مغارةٍ يَستسقون به- وتوجَّه أبو سبرة إلى جُنْدَيْ سابور، وأقام أبو موسى الأشعري بالسُّوس، وجاء إلى المغارة فرآه مُلقى وفي يده خاتم من حديدٍ، وعليه منقوشٌ صورة رجلٍ بين أسدَين، وكان بُختنصَّر قد رماه بين أسدين فنجاه اللَّه منهما، فنقش ذلك على خاتمه شُكرا للَّه تعالى، وكتب أبو موسى الأشعريُّ إلى عمر يُخبره بذلك، فكتب إليه يَأمره بمواراته، وكتب عمر إلى لسعدٍ بأن يشن الغارات في بلاد فارس.
وفيها تزوَّج عمر أمَّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب، وأمُّها فاطمة بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان قد خطبها وهي جاريةٌ لم تَبلُغ، وقيل: كانت بنت أربع سنين.
__________
(1) من قوله: وفي رواية. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) صحيح مسلم (2927) (89 - 90).
(3) طبقات ابن سعد 6/ 566.
(4) في النسخ: قيل لسبرة بن أبي رهم، والمثبت من الطبري 4/ 92، والمنتظم 4/ 236، والبداية والنهاية 10/ 66، والكامل 2/ 550 - 551.
(5/257)

وقال ابن سعد بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب خطب إلى عليٍّ ابنتَه أمَّ كلثوم (1)، فقال علي: إنما حبستُ بناتي علي بني جعفر، فقال عمر: واللَّه مالي بالنساء حاجة، ولكني سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "كلُّ حَسبٍ ونَسبٍ يَنقطع يومَ القيامة إلَّا حسبي ونسبي"، وإني صحبتُه، وأحببتُ أن يكون لي هذا. فقال علي: قد فعلتُ، فخرج عمر إلى الصحابةِ وقال: رفِّئوني، فرفئوه، وقالوا: بمن؟ فأخبرهم.
وقال الواقدي: لما خطبها عمرُ قال له علي: يا أمير المؤمنين، إنها صبية، فقال عمر: قد علمنا ما بك، فأمر عليٌّ بها فصُنّعت، ثم أمر ببُرده فطواه، ثم قال: انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين وقولي له: إن رضيتَ بهذا البُرد فأمسكه، وإلا فاردُدْه، فجاءت إلى عمر فقال لها: بارك اللَّه فيك وفي أبيك، قد رضينا، فرجعت إلى أبيها فقالت: ما نَشر البُردَ، ولا نظر إليه، فزوّجها إياه (2). وسنذكرها عند وفاتها، وحج عمر بالناس.
فصل (3) وفيها توفي

البراء بن مالك
ابن النَّضر بن ضَمْضَم، أخو أنس لأمه وأبيه، وهو من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان شجاعًا، قتل مئةَ رجلٍ مُبارزة، وكتب عمر رضوان اللَّه عليه إلى العراق: لا تستعملوا البراء على جيشٍ من جيوش المسلمين؛ فإنه مَهلكة يَقدم [بهم].
وهو الذي هزم الكفارَ يومَ اليمامة، ووقف في ثُلمة الحديقة وقال: ارفعوني على
__________
(1) من قوله: وقيل: كانت بنت أربع سنين. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) طبقات ابن سعد 10/ 430، وانظر المنتظم 4/ 237 - 238، وأخرج الحديث عبد الرزاق (10354)، وأَحمد في فضائل الصحابة (1069) (1070)، والطبراني في الكبير (2634) (2635)، والأوسط (5606) (6609)، وابن عدي في الكامل 1/ 270، والحاكم 3/ 142، وأبو نعيم في الحلية 2/ 34 و 7/ 314، وتاريخ أَصبهان 1/ 199، والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 63 - 64، والضياء المقدسي (101) (102)، وانظر تلخيص الحبير 3/ 143.
(3) من هنا إلى ترجمة حدير ليس في (ك).
(5/258)

رماحكم، وجلس في تُرس، فرفعوه فألقَوه، فقتل عشرةً، وقتل مسيلمة.
قال أنس بن مالك: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كم من ضعيفٍ مُستضعَفٍ، ذي طمرين، لو أقسم على اللَّه لأبرَّه، منهم البراءُ بنُ مالك" (1)، وإن البراء لقي زَحْفًا من المشركين، وقد أوجف (2) المشركون في المسلمين، فقالوا له: يا براء، إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال إنك لو أقسمتَ على اللَّه لأبرَّك، فأقسمْ على ربِّك، فقال: يا رب، أقسمتُ عليك لما مَنحتَنا أكتافَهم، فمُنحوا أكتافَهم، ثم التقوا على قَنطرة السُّوس، فأوجفوا في المسلمين، فقال: أقسمتُ يا ربّ لما مَنحتَنا أكتافَهم وألحقتَني بنبييّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمُنحوا أكتافهم، وقُتل البراءُ شهيدًا -رضي اللَّه عنه- (3).

الحُباب بن المنذر
ابن الجموح بن زيد بن حرام، وكنيته أبو عمرو، من الطبقة الأولى من الأنصار شهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان لِواءُ الخزرج بيده يوم بدر، وهو ابن ثلاثة وستين سنة (4).
وهو القائل يوم بدر لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: آللَّه أمرك أن تَنزل هذا المنزل؟ قال: لا، قال فارتحِل، فجاء جبريل فقال: الرأيُ ما قال حُباب، وهو الذي قال يوم حاصر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- النَّضير وقُريظة: أرى أن نَنزل بين قصورهم، فنمنع خبرَ هؤلاء عن هؤلاء، فأخذ بقوله.
وهو القائل يوم السَّقيفة: أنا جُذَيلُها المُحَكَّك وعُذَيْقُها المُرَجَّب، منّا أميرٌ ومنكم [أمير] وله صحبة ورُؤية، وليس له رواية -رضي اللَّه عنه- (5).
__________
(1) في (أ) و (خ): عازب، وهو خطأ، وأخرج الحديث الترمذي (3854)، وأبو يعلى (3987)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (676)، والحاكم 3/ 292، والبيهقي في شعب الإيمان (10000) (10001)، وابن الجوزي في المنتظم 4/ 239.
(2) كذا في (أ) و (خ) والمنتظم، وفي الاستيعاب (165): أوجع، وهي الأشبه.
(3) انظر في ترجمته طبقات ابن سعد 4/ 328 و 9/ 16، والاستبصار 34، والإصابة 1/ 143، إضافة إلى المراجع السابقة.
(4) كذا، وفي طبقات ابن سعد 3/ 526 أنه شهد بدرًا وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، قال الحافظ في الإصابة 1/ 302: مات في خلافة عمر وقد زاد على الخمسين.
(5) الاستيعاب (535)، والاستبصار 157، والمنتظم 4/ 240، وطبقات ابن سعد 3/ 525، والإصابة 1/ 302.
(5/259)

حُدَيْر
رجل من الصحابة (1)، ولم يُذكر له نسب.

حدثنا جدي رحمه اللَّه بإسناده عن ابن عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث جيشًا فيهم رجل يُقال له: حُدير، وكانت تلك السنة قد أصابتْهم شِدَّةٌ من قلَّة الطعام، فزوَّدهم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونسي أن يزوِّدَ حُدَيرًا، فخرج حدير صابرًا مُحتسبًا في آخر الركب يقول: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، والحمدُ للَّه، وسبحان اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، ويقول: نِعم الزادُ زادُك يَا حُدَير، يُردِّدها وهو في آخر الركب.
فجاء جبريل إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن ربي أرسلني إليك يُخبرك أنك زوَّدتَ أصحابك ونسيتَ أن تُزوِّد حُدَيرًا، وهو يقول كذا وكذا، وكلامه نورٌ له يوم القيامة ما بين السماء والأرض، فابعث إليه بزاد.
فدعا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجُلًا، فدفع إليه زادًا لحُدَيرٍ، وأمره إذا انتهى إليه حَفِظ ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حَفِظ ما يقولُ، وقال له: اقرأ عليه السلام وقيل له: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نسي أن يُزوِّدك، وإنما جاءه جبريل فذكَّره بك.
فانتهى إليه وهو يقول تلك الكلمات، فأدَّى إليه الرسالة، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وصلّى على رسوله وقال: الحمد للَّه الذي ذكرني من فوق عرشه وسبع سماواته، ورَحِم جوعي وضَعفي، ياربّ، كما لم تنس حُدَيرًا فاجعل حُدَيرًا لا ينساك.
قال: فحفظ عنه الرجل ما قال، ورجع فأخبر النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بما قال، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما إنك لو رفعتَ رأسَك إلى السماء لرأيتَ لكلامه نورًا ساطعًا بين السماء والأرض" (2).
وفي الصحابة مَن اسمُه حُدير رجلان: أحدهما هذا وليس له رواية, والثاني حُدَير مولى بني سُلَيم وكنيته أبو فروة، له صحبةٌ وروايةٌ (3).
__________
(1) من هنا إلى نهاية ترجمة حدير ليس في (أ) و (خ).
(2) المنتظم 4/ 240، وانظر صفة الصفوة 1/ 743 - 745، والإصابة 1/ 317.
(3) تلقيح فهوم أهل الأثر 180، وانظر في ترجمة الأخير الاستيعاب (3097)، والإصابة 1/ 316. قال =
(5/260)

ربيعة بن الحارث
ابن عبد المطلب بن هاشم، ابنُ عمِّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكنيته أبو أروى، من الطبقة الثانية من المهاجرين، وكان أسنَّ من العباس بسنتين، وقيل بسبع سنين.
ولما خرج العباس ونَوفل إلى المدينة مُهاجرَيْن أيام الخندق شيّعهما إلى الأبواء، وهَمَّ بالرجوع إلى مكة، فقالا له: إلى أين تَرجع؟ إلى دار الشِّرك إلى قوم يُحاربون اللَّه ورسوله، وقد أعزَّه اللَّه، وكثَّر أنصارَه، فرجع معهما إلى المدينة مُسلِمين، ثم شهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فتحَ مكة وحنينًا، وثبت معه يومئذٍ، وشهد الطائف، وذكره بالمدينة في بني حُديلة، وقال فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نِعم الرجلُ ربيعة لو قصَّر من شعره، وشَمَّر من ثوبه" ففعل، وأطعمه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بخيبر مئةَ وسْق (1).

العلاء بن الحَضْرميّ
واختلفوا في اسم الحضرمي. فقال ابن سعد: اسمه عبد اللَّه بن ضِماد بن سلمى ابن أكبر، من حضر موت من اليمن (2)، وقيل: عماد بن مالك، وقيل: عبد اللَّه بن عماد، والعلاءُ حليف (3) لبني أمية بن عبد شمس.
وذكر ابن سعد العلاء في الطبقة الثانية من المهاجرين، وأخوه ميمون بن الحَضْرميّ صاحبُ البئر التي بأعلى مكة بالأَبطح، يقال لها بئر مَيمون، مشهورةٌ على طريق العراق، وكان حفرها في الجاهلية (4)، وعندها مات أبو جعفر المنصور.
بعثه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المنذر بن ساوى بالبحرين بكتابه، يدعوه فيه إلى اللَّه تعالى، مُنصرَفَه من الجِعِرَّانة، وفيه فرائض الصَّدقة، ولما وَلَّى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- العلاء البحرين، بعث معه نفرًا منهم أبو هريرة -رضي اللَّه عنه-، وقال له: "استوص به خيرًا"، قال أبو هريرة: فقال
__________
= الحافظ: أبو فوزة، بفتح الفاء وسكون الواو بعدها زاي، وقال بعضهم: أبو فروة، وهو وهم.
(1) ترجمة ربيعة ليست في (ك)، وانظر في ترجمته طبقات ابن سعد 4/ 43، والمعارف 127 - 128، والاستيعاب (756)، والمنتظم 4/ 241، والتبيين 103، والإصابة 1/ 506، والسير 1/ 257.
(2) طبقات ابن سعد 5/ 276.
(3) من قوله: واختلفوا في اسم الحضرمي. . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(4) طبقات ابن سعد 5/ 276.
(5/261)

لي العلاء: انظر ما تحب فقال: تجعلني أُؤذّن لك، ولا تَسبقني بآمين، فأعطاه ذلك.
وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد كتب إلى العلاء أن يَقدم عليه بعشرين رجلًا من عبد القيس، فقدم عليه بهم، ورئيسُهم عبد اللَّه بن عوف الأشجّ، واستخلف العلاءُ على البحرين المنذر بن ساوَى، فشكا الوفدُ العلاءَ إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فعَزله عنهم، وولَّى أَبان بن سعيد بن العاص عليهم، وقال له: "استَوصِ بعبد القيس خيرًا وأكرم سَراتهم".
فلم يزل أَبان على البحرين حتى قبض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقدَم على أبي بكر رضوان اللَّه عليه، فقال له: ارجع إلى عملك، فقال: لا واللَّه، لا أعملُ لأحدٍ بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما امتنع دعا العلاءَ، فولاه البحرين، فخرج من المدينة في ستةَ عشر راكبًا، معه فُرات بنُ حيَّان العجليّ دليلًا، وكتب معه كتابًا أن يَنفر معه كلُّ مَن مَرَّ به من المسلمين.
فسار حتى نزل بحِصن جُواثا، فقاتلهم فلم يُفلت منهم أحد، ثم أتى إلى القَطيف وبها جمع من العجم فقاتلهم، فأصاب منهم طرفًا، فانضمَّت الأعاجم إلى الزَّارة، فأتاهم العلاء، فنزل الخَطّ على ساحل البحر، فقاتلهم وحاصرهم؛ إلى أن توفي أبو بكر رضوان اللَّه عليه، وولي عمر رضوان اللَّه عليه، وطلب أهلُ الزَّارة الصُّلْحَ، فصالحهم العلاء، ثم عبر إلى أهل دَارِين فقاتلهم، فقتل المقاتلة، وحوى الذَّراري، وبعث عَرْفَجة ابن هَرْثَمة إلى أسيافِ فارس، فقطع في السفن، فكان أوَّل مَن فتح جزيرةً بأرض فارس، واتخذ فيها مسجدًا، وأغار على بارِنْجان والأسياف، وذلك في سنة أربعَ عشرة.
قال الشعبي: كتب عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه إلى العلاء بن الحَضْرميّ وهو بالبحرين أن سِرْ إلى عُتبة بن غزوان، فقد وَليتُك عملَه، واعلم أنك تَقدم على رجلٍ من المهاجرين الأوَّلين، الذين سبقتْ لهم من اللَّه الحُسنى، لم أعزِلْه ألا يكون عفيفًا صَليبًا في دين اللَّه، شديدَ البأس ولكنني ظننتُ أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية منه، فاعرف له حقَّه، وقد ولَّيتُ قبلَك رجلًا، فمات قبل أن يَصل، فإن يُرد اللَّه أن تليَ وليت، وإن يرد اللَّه أن يليَ عُتبة فالخلقُ والأمر للَّه رب العالمين، واعلم أن أمر اللَّه مَحفوظ بحِفظه الذي أنزله، فانظر الذي خُلقتَ له فاكْدَح له، ودَعْ ما سواه، فإن الدنيا أمَدٌ، والآخرة أبد، فلا يُشغلنكم شيءٌ مُدبِرٌ خيرُه، عن شي باقٍ خيرُه، واهرب إلى اللَّه من سَخَطِه، فإن اللَّه يجمع لمن شاء الفَضيلة حِلمه وعلمه، نسألُ اللَّه لنا ولكم العَونَ على طاعته، والنجاةَ من عذابه.
(5/262)

فخرج العلاءُ من البحرين في رهطٍ منهم أبو هريرة وأبو بَكرة، فلما كانوا بتِياس قريبًا من الصّعاب -والصّعابُ من أرض بني تميم- مات العلاء -رضي اللَّه عنه-، ورجع أبو بكرة إلى البصرة، فكان أبو هريرة يقول: رأيتُ من العلاء ثلاثةَ أشياء، لا أزال أحبُّه أبدًا، رأيتُه قطع البحر على فرسه يوم دارِين، وقدم من المدينة يُريد البَحرين، فلما كان بالدهناء نَفِد ماؤهم، فدعا اللَّه فنبع لهم ماء من تحت رَمْلة، فارتَووا وارتحلوا، وأُنسِيَ رجلٌ منهم بعضَ مَتاعه، فرجع فلم يَجدِ الماء، وخرجتُ معه من البحرين إلى سِيف البصرة، فلما كنا بتِياس مات العلاء، ونحن على غير ماء، فأبدى اللَّه سحابةً فمُطِرنا، فغسّلناه، وحفَرنا له بسيوفنا ولم نُلحِد له، ودَفَنَّاه ومَضينا، فقلنا: رجلٌ من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دَفنّاه ولم نُلحد له، فرجعنا فلم نجد مَوضع قبره (1).
وقال هشام: كان العلاءُ مُجاب الدعوة.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل بإسناده عن سهم بن مِنجاب قال: غزونا مع العلاء ابن الحَضرميّ دارِين، فدعا بثلاث دَعوات، فاستجاب اللَّه له فيهن، نزلنا مَنزلًا، فطلبنا الماء لنتوضأ فلم نجدْه، فصلَّى ركعتين وقال: اللهمَّ إنَّا عبيدك، ونقاتل عدوَّك في سبيلك، فاسقِنا غيثًا نَتوضأ منه ونشرب، فإذا توضأنا لم يكن لأحدٍ فيه نصيبٌ غيرنا.
قال: فسرنا قليلًا وإذا نحن بماءٍ حين أقلعت السماءُ عنه، فتوضَّأنا وشربنا منه وتزوَّدنا، وملأت إداوتي، وتركتُها مكانَها حتى أَنظرُ هل استُجيبَ له أم لا؟ فسرنا قليلًا، فقلتُ لأصحابي: نسيتُ إداوتي في ذلك المكان، فجئتُ وإذا بمكانه كأنه لم يُصبْه الماء قط. ثم سِرنا، فأتينا دارِين والبحرُ بيننا وبينهم، فقال: يا عليم يا حكيم يا عليّ يا عظيم، إنَّا عبيدُك وفي سبيلِك، ثم اقتحم البحرَ فخُضنا وما يَبلغُ الماءُ لُبودَنا، فخرجْنا إليهم، فلما رجعنا أخذه البطنُ فمات، فطلبنا ماءً لنغسله به فما وَجدنا، فلففناه في ثيابه ودفنّاه، وسِرنا غير بعيدٍ، وإذا نحن بماءٍ كثيرٍ، فقلنا: لو رجعنا فاستخرجناه فغسلناه، فرجعنا فلم نجدْه، فقال رجل من القوم: إنّي سمعتُه يقول: يا عليُّ يَا عظيم يا حكيم، أخف عنهم موتي، ولا تُطلع على عورتي أحدًا، قال: فرجعنا وتركناه. قال: وكان الحسن يزيد فيه: يا حليم (2). وروي أن رجلًا من أهل البصرة دخلت في أُذنه
__________
(1) من قوله بعثه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المنذر بن ساوى. . . إلى هنا ليس في (ك)، والخبر بطوله في طبقات ابن سعد 5/ 267 - 280، والمنتظم 4/ 242 - 243.
(2) الزهد 212 - 213، وأخرجه مختصرًا أبو نعيم في الحلية 1/ 7 - 8، وأورده بطوله ابن الجوزي في صفة =
(5/263)

حصاةٌ، فوصلت إلى صِماخه، فأسهرت ليلَه، ونَغَّصتْ عيشةَ نهاره، وعجز الأطباء عن استخراجها، فقال الحسن: فأين أنتَ من دعوة العلاء بن الحَضْرميّ التي كان يدعو بها؟ فدعا بها، فخرجت الحصاةُ من أُذنه ولها طنينٌ، فضربت الحائط (1).
أسند العلاء الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتوفي العلاءُ في سنة سبعَ عَشْرة، وقيل: سنةَ خمس عشرة، والأوَّل أصحُّ (2).

عمرو بن عَبَسة
ابن خالد بن حُذيفة السُّلَميّ، من الطبقة الثالثة من بني سُلَيم، أسلم قديمًا بمكّة، ورجع إلى بلاد قومه، ثم قَدِم المدينة بعد خيبر، وأقام بها حتى تُوفّي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخرج إلى الشام، فشهد اليرموك، وكان أحد الأُمراء يومئذٍ، ثم نزل حمص، فأقام بها حتى توفي بها سنة سبع عشرة، وشهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الطائف ورمى إليه بأَسهم، وكان يقول: رميتُ قصرَ الطَّائف بستة عشر سهمًا، وكان يقول: أنا رابعُ أربعة في الإِسلام، وكنيتُه أبو نَجيح.

حديث إسلامه: قال عمرو بن عَبَسة: فَكَّرتُ في آلهة قومي، وإذا بها حجارةٌ لا تضرُّ ولا تَنفع، فعلمتُ أن ذلك باطل، فلقيت رجلًا من أهل تيماء، فقلتُ: إني امرؤٌ ممَّن يَعبدُ الحجارة، فينزل الحيّ ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فيَنصِبُ ثلاثةً لقِدره، ويَجعلُ أحسنَها إلهًا يَعبُده، ثم لعله يَجد ما هو أحسن قبل أن يَرتحل، فيأخُذه ويتركه، فقال: يَخرج رجل من أهل مكة، يَرغب عن آلهة قومه، فاتَّبعْه فإنه على الحقّ.
فكنتُ آتي مكة، فاسألُ عنه، وأتجسَّسُ (3) الأخبار، حتى قالوا: حدث رجلٌ يَرغبُ عن آلهةِ قومه، فتلطَّفتُ حتى رأيتُه، فقلتُ له: مَن أَنْتَ؟ فقال: "أنا نبيٌّ أرسلني
__________
= الصفوة 1/ 695 - 696.
(1) صفة الصفوة 1/ 696 - 697.
(2) انظر في ترجمة العلاء: المعارف 283 - 284، والاستيعاب (1986)، وتهذيب الكمال (5150) وفروعه، والسير 1/ 262، والإصابة 2/ 497 - 298.
(3) في صحيح مسلم (832)، وبقية المصادر: أَتَخبَّرُ الأخبار.
(5/264)

اللَّه"، قلتُ: بأيّ شيء؟ قال: "بصِلَةِ الأرحام، وكسر الأوثان، وأن نُوحِّدَ اللَّه لا نُشرِكَ به شيئًا"، قلتُ: فمَن معك على هذا؟ قال: "حرٌّ وعبد"، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، فقلتُ له: إني مُتَّبعُك، فقال: "لا تستطيع ذلك يَومك هذا"، قلتُ: ولمَ؟ قال: "ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعتَ أني قد ظهرتُ فائتني"، فذهبتُ إلى أهلي، وقَدِم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، فقدمتُ عليه، فقلتُ: يا رسول اللَّه، أتعرفني؟ قال؟ "نعم، أَنْتَ الذي لقيتَني بمكة". أسند عمرو -رضي اللَّه عنه- الحديث (1).

أبو خيثمة
واسمُه مالك بن [قيس بن] ثعلبة بن العَجْلان الأنصاريّ -رضي اللَّه عنه-، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد، وهو الذي تأخَّر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزاة تبوك، ثم قَدم عليه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كُن أَبا خيثمة". وليس له رواية (2).
* * *
__________
(1) أخرجه مسلم (832) باب إسلام عمرو بن عَبَسة، وانظر طبقات ابن سعد 4/ 200 و 9/ 406، والمعارف 290، والاستيعاب (1748)، وتاريخ دمشق 55/ 320، والمنتظم 4/ 243، والإصابة 3/ 5.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 371، والاستيعاب (2906)، والمنتظم 4/ 246، والإصابة 4/ 54.
(5/265)

السنة الثامنة عشرة من الهجرة
وتُسمّى عامَ الطَّاعون، وعامَ الرمادة، تفانى فيه الناس. قال الجوهري: وطاعون عَمْواس أولُ طاعونٍ كان في الإِسلامِ بالشام، والطاعون: الموتُ [الوَحيُّ] في الوَباء (1).
وعَمْواس: قريةٌ من قُرى الساحل في الأَطْرُون معروفة.
وقال هشام (2): مات بطاعون عَمْواس في الشام ثلاثون ألفًا، وقيل: خمسةٌ وعشرون ألفًا.
ولما وقع كتب عمر رضوان اللَّه عليه إلى أبي عبيدة -رضي اللَّه عنه-: أما بعد، فقد عرض لي أمرٌ، وأُريد أن أُشافِهَك به، فعزمتُ عليك إذا نظرتَ في كتابي هذا ألا تضعه من يديك حتى تَقدم عليّ، وإنما أراد أن يُخرجه من الوباء، فعرف أبو عبيدة مَقصودَه، فكتب إليه: إني قد عرفتُ حاجتَك، وإني في جُندٍ من المسلمين، لا أجدُ بنفسي رغبةً عنهم، فلستُ أُفارقَهم حتى يَقضي اللَّه فيَّ وفيهم أمرَه وقضاءَه، فحلِّلني من عَزمتك، فلما قرأ عمر -رضي اللَّه عنه- كتابَه بكى، فقال الناس: أماتَ أبو عبيدة؟ ! قال: لا (3).
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن شَهْر بن حَوْشب الأشعري، عن رجلٍ من قومه كان قد خلف على أُمِّه بعد أَبيه، وكان قد شهد طاعون عَمْواس قال: لمّا اشتعل الوجعُ، قام أبو عُبيدَة خطيبًا فقال: أيُّها النَّاسُ، إنَّ هذا الوجعَ رحمةٌ من ربكم، ودعوةُ نبيِّكم، وموتُ الصالحين قبلكم، وإنَّ أَبا عُبيدة يسألُ اللَّه أن يَقسمَ له حظًّا منه.
قال: فطُعِن فمات، واستُخلف على الناس معاذ بنُ جبل، فقام خطيبًا بعده فقال: أيّها النَّاسُ، إن هذا الوجعَ رحمةٌ من ربكم، ودعوةُ نبيّكم، وموتُ الصالحين قبلكم، وإنَّ مُعاذًا يسألُ اللَّه أن يقسِمَ لآلِ مُعاذٍ حظًّا منه. قال: فطُعِنَ ابنُه عبد الرحمن فمات،
__________
(1) الصحاح (عمس، طعن)، وما بين معكوفين منه.
(2) من قوله: والطاعون الموت. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(3) تاريخ دمشق (عاصم - عايذ) 313 - 315، ومن قوله: ولما وقع كتب. . . إلى هنا ليس في (ك).
(5/266)

ثم قام فدعا ربَّه لنفسِه، فطُعِنَ في راحته فلقد رأيتُه ينظر إليها، ثم يُقَبِّلُ ظهر كفِّه، ثم يقول: ما أُحبُّ أنَّ لي بما فيك شيئًا من الدنيا، ومات.
فاستُخلف على الناس عمرو بنُ العاص، فقام فينا خطيبًا فقال: أيُّها الناسُ، إن هذا الوَجعَ إذا وقع اشتعلَ اشتعالَ النَّار، فتحيَّزوا منه في الجبالِ، فقال له أبو واثِلة الهُذَلي: كذبتَ، ولقد صحبتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنتَ شرٌّ من حماري هذا! فقال: واللَّه ما أردُّ عليك، ولا نُقيمُ عليه. ثم خرج، وخرج الناسُ، فتفرقوا عنه، ورفعه اللَّه عنهم. قال: وبلغ عمر بنَ الخطاب ذلك من رأي عمرو، فواللَّهِ ما كَرِهه (1).
وقيل: إن القائل لعمرٍو ذلك شُرَحْبيل بن حسنة، وسنذكره.
وقال الواقدي: أول ما ظهر الطاعون من قريةٍ بالساحلِ يُقال لها: عَمْواس، نبع الماء من بئرها، مات من المسلمين في شهرٍ واحدٍ خمسةٌ وعشرون ألفًا، ما كان أحدٌ يقول لأحدٍ: كيف أصبحتَ ولا كيف أَمسيتَ، وكان القبرُ يُرمى فيه جماعة، وعلَّق عمرو بنُ العاصِ بعمود خِبائه سبعين سيفًا، كلّها وَرِثه عن كَلالةٍ، أولا عن كلالة، وطمع العدوُّ في المسلمين.
واختلفوا في أيِّ سنةٍ كان الطاعونُ على أقوالٍ: أحدُها في هذه السنة، ذكره الواقدي، والثاني في سنة سبع عشرة، قاله سيف، والثالث في سنة عشرين، والأوَّل أَشهر. وسنذكر أعيانَ مَن مات في هذه السنةِ في آخرها.

فصل (2) حديث الغار الذي وُجد بجبل لبنان
روى أبو الفضلِ بن ناصر بإسناده إلى الهيثم بن عدي قال: افتُتح غارٌ في جبل لبنان، فإذا فيه رجلٌ مُسَجَّى على سريرٍ من ذهبٍ، وإلى جانبِه لوحٌ من ذهبٍ مكتوب عليه بالرومية: أنا ساب ابن بوناس بن سابا، خدمتُ العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليلِ الربِّ الأكبرِ، وعشتُ بعده دهرًا طويلًا ورأيتُ عجبًا كثيرًا، فلم أرَ أعجب من غافلٍ عن الموت وقد عاين مصارعَ آبائه، ووقف على قُبور أحبّائه، وعلم أنَّه صائرٌ إليهم لا
__________
(1) مسند أحمد (1697).
(2) من قوله: واختلفوا في أي سنة. . . إلى هنا ليس في (أ) (خ).
(5/267)

محالة، والذي بعد الموت من حساب الديّانِ أعظمُ. حفرتُ قبري هذا بيدي قبل أن أصير إليه بمئةٍ وخمسين عامًا، ووضعتُ سريري هذا فيه، وقد علمتُ أن الجفاةَ الأَجلاف يخرجوني من غاري، ويُنزلوني عن سريري، وهم يومئذٍ مُقِرُّون بربوبيّة الديّان الأعظم، وعند ذلك يتغيَّرُ الزمان، ويتأمَّرُ الصبيانُ، ويكثر الحَدَثان، ويظهرُ البُهتان، فمَن أدرك ذلك الزمان عاش قليلًا ومات ذليلًا، وبكى كثيرًا، ولا بُدَّ مما هو كائن أن يكون، والعاقبةُ للمتّقين، وقد رأيتُ الثلج نازلًا على هذا الجبلِ في تموز مرارًا، فإن رأيتُم ذلك، فلا تَعجبوا (1).

فصل: وفيها أصاب جماعةٌ من المسلمين من الشَّراب بالشام، فسألهم أبو عبيدة: كيف تأوَّلتموه؟ فقالوا: تأوَّلنا قولَه تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] فقد خيّرنا فاخترنا شُربه، فكتب أبو عبيدة فيهم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: اسألهم، فإن زعموا أنها حلالٌ فاقتُلهم، وإن زعموا أنَّها حرامٌ فاجلدْهم ثمانين، فسألهم فاعترفوا أنها حرامٌ، فجلد كلَّ واحد ثمانين، ثم قال عمر: لَيَحدُثَنَّ في هذا العام حادث، فحدث القحطُ والجوعُ والطاعون.
وقال هشام: إنَّما حدث الطَّاعون بالشام لأجلِ هؤلاء الذين شربوا الخمر، وكان فيمن شرب أبو جندل.
وفيها أَجدبتِ الأرضُ فكانت تَسفي الريحُ تُرابًا كالرَّماد، فسُمّي عام الرمادة، واختلطت الوحوشُ بالإنس، فصارت تَأوي إليهم.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن حزام بن هشام، عن أَبيه قال: لمَّا صَدر النَّاسُ من الحجّ سنة ثماني عشرة أصابَ النَّاسَ جَهدٌ شديدٌ، وأجدَبت البلادُ، وهلكت الماشيةُ، وجاع الناسُ وهلكوا، حتى كان الناسُ يُرَوْن يَستفُّون الرُّمَّةَ، ويَحفرون نُفَق اليرابيع والجُرذان يُخرِجون ما فيها.
قال: وقال الواقدي فيما حكاه عن أشياخه: إنما سُمّي عامَ الرَّمادة لأن الأرضَ كلَّها صارت سوداء، فشُبِّهت بالرَّماد، وكانت تسعةَ أشهر (2).
__________
(1) المنتظم 4/ 247 - 249.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 288.
(5/268)

وكان عمر يُصلّي الليل كلَّه، فإذا كان السَّحَرُ بكى وقال: اللهمَّ لا تجعلْ هلاكَ أمَّةِ مُحَمَّدٍ على يديّ، أو على رجلي.
وآلى عمرُ أنْ لا يذوقَ لحمًا ولا سَمنًا حتى يَحيا الناسُ، وكان يأكلُ الزيتَ فيُقَرْقِرُ جَوفُهُ فيقول: قَرْقِر، فواللَّه لا تأكلُه حتى يَأكُلَه الناسُ.
وقال الواقدي: حدثني أُسامةُ بنُ زيدٍ، عن نافعٍ مَولى الزبير قال: سمعتُ أَبا هُريرة يقول: رحم اللَّهُ ابن حَنْتَمة، لقد رأيتُه عامَ الرَّمادة وإنه ليَحملُ على ظهره جرابَيْن وعُكَّةَ سمنٍ أو زيتٍ في يده، وإنَّه ليَعْتَقِبُ هو وأَسلم، فلما رآني قال: من أين؟ قلتُ: من هاهُنا قريبًا، قال: فأخذتُ أُعقِبهُ، فحملْناه حتى انتهينا إلى صِرار، فإذا صِرْم نحوٌ من عشرين بيتًا، فقال: ما أَقدَمكم؟ قالوا: الجهدُ، وأخرجوا لنا جلدَ الميتة مشويًّا يأكلونه، ورِمَّة عظامٍ مَسحوقة يَستفّونها، فطبخ لهم عمر، وأطعمهم حتى شبعوا، وأرسل إلى المدينة، فجيء بأربعة أَبعِرةٍ، فحمل عليها ما يُصلحهم، وكساهم، وكان يَختلفُ إليهم وإلى غيرهم حتى رفع اللَّه ذلك.
قال: وقال الواقدي: وحدثني عبد اللَّه بن يزيد، عن عِياض بن خَليفة قال: رأيتُ عمر عامَ الرَّمادة وهو أسود اللون، ولقد كان أبيض اللون، أكل الزيت فتغيَّر لونُه.
وقال الواقدي عن بعض نساء عمر قالت: ما قَرُب عمر امرأةً زمان الرَّمادة حتى أحيا الناس.
قال: وقال الواقدي: نظر عمر إلى بطّيخةٍ في يد بعض أولاده، فقال عمر: بَخْ بَخْ يَا ابن أمير المؤمنين، تأكلُ الفاكهة وأُمَّة محمدٍ هَزْلى؟ فخرج الصبيُّ هاربًا، فقالت أُمُّه: اشتراها بكفٍّ من نَوى.
وقال الواقدي: حدثني عبد اللَّه بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: كتب عمر إلى عمرو بن العاص عام الرمادة: من عبد اللَّه أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي، أما بعد أفتُراني هالكًا ومَن قِبَلي وتعيشُ أَنْتَ ومَن قِبَلك؟ واغَوْثاه، قالها ثلاثًا (1).
وكتب إلى أُمراء الأجناد والشام والعراق كذلك، فجاءته الأمدادُ والمِيرةُ من بعد،
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 288 - 294.
(5/269)

وكانت مدّة الجهد تسعة أشهر.

حديد استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس
روى سيف بن عمر، عن سهل بن يوسف، عن عبد الرحمن بن كعب قال: أقبل بلالُ بن الحارث المزنيُّ إلى عمر فقال: أنا رسولُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إليك؛ إنَّه يقرأ عليك السلامَ ويقول لك: لقد عَهِدتُك كَيِّسًا، فما شأنُك؟ قال: فخرج عمر فصعد المنبرَ ونادى: الصلاة جامعةٌ، فاجتمع النَّاسُ فقال: أَنشُدُكم اللَّه، هل تعلمون مني أمرًا غيرُه خيرٌ منه؟ قالوا: اللهمَّ لا، قال: فإن بلالَ بنَ الحارث يقول ذَيَّة وذَيَّة، قالوا: صدق بلال، فاستَغِث إلى اللَّه بالطلب والاستسقاء، فقال عمر: اللَّه أكبر! بلغ البلاءُ مُدَّتَه؛ ما أُذِنَ لقومٍ في الطلب إلَّا وقد رُفع عنهم البلاء. ومعنى ذَيَّة وذَيَّه، أي: كَيْتَ وكَيتَ (1).
فخرج إلى المصلَّى، فصلّى ركعتين واستسقى، وأخذ بيد العباس -رضي اللَّه عنه- وقال: اللهمَّ إنَّا نَتقرَّب إليك بعمِّ نبيِّك ونَستشفع به، فاحفَظْ به نبيَّك كما حفظتَ الغُلامَيْن بصلاح أبيهما، وقد أتيناك مُستغفِرين ومُستشفعين، اللهمَّ إن الرَّاعي لا يُهمل الضالّة، ولا يَدع الكَسير بدار مَضِيعة، وقد ضَرع الصغير, ورقَّ الكبير، وارتفعت الشكوى، وعَظُمت البَلوى، وأنت تعلم السِّرَّ والنَّجوى، اللهمَّ فأَغِثْهم بغياثك من قبل أن يَقنطوا فيَهلكوا، فإنه لا يَيأس من رَوح اللَّه إلَّا القومُ الكافرون، فنشأت طَريرةٌ من سحاب، فقال الناس: تَرون تَرون! ثم تلاءمت واستَتَمَّتْ، ثم هَدرت ودَرَّت، فواللَّه ما بَرحوا حتى اعتقلوا الحِذاء، وقَلَّصوا المآزر، والعباس -رضي اللَّه عنه- يبكي، وعيناه تَنضحان، فطَفِق الناس يَمسحون أركانَه ويقولون: هنيئًا لك يَا ساقي الحرمَيْن.
قال الفضل بن عُتبة بن العباس بن أبي لهب: [من الطويل]
بعمّي سقى اللَّه الحجازَ وأهلَه ... عَشِيَّةَ يَستسقي بشَيبته عُمرْ
توجَّه بالعباس في الجَدْب راغبًا ... فما كرَّ حتى جاء بالدِّيمة المطرْ (2)
وقال هشام: ذبح رجلٌ من مُزَينةَ شاةً، فسلخها عن عظمٍ أحمر فنادى: وامحمَّداه
__________
(1) تاريخ الطبري 4/ 98 - 99، والمنتظم 4/ 250.
(2) تاريخ دمشق (عبادة - عبد اللَّه بن ثوب) 187 و 189، ومن قوله: فخرج إلى المصلى. . . إلى هنا ليس في (ك).
(5/270)

ثلاثًا، ثم نام فرأى رسول اللَّه في المنام، فقال له: ائتِ عمر، وقُل له: عهدي بك وأنت شديدُ العهد والعَقْدِ، الكَيْسَ [الكَيْس]، فجاء عمَر فأخبره، فصعِد المنبر وقال بمعنى ما ذكرنا، ففطِنوا، وقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء لنا، فاخرج إلى المُصلَّى، فخرج إلى المُصلَّى فصلى ركعتين واستسقى.
وقال ابن سعد بإسناده عن الشعبي: أنَّ عمر خرج يستسقي، فقام على المنبر وقرأ هؤلاء الآيات: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] ثم نزل، فقيل له: ما منعك أن تَستسقي؟ فقال: قد طلبتُ المطرَ بمَجاديح السَّماء التي ينزل بها القَطْرُ (1)، ومَجاديح السماء: أنواؤها.
وقال الواقدي: فقيل إنَّه أخذ بيد العباس وخرجا ماشيَين، وعبدُ اللَّه بن العباس معهما، فصَعِد عمر المنبر، ووقف بين العباس وابنه، ولزم بعَضُد العباس وقال: اللهمَّ إنَّا كنَّا نتوسَّلُ إليك بنبيّك -صلى اللَّه عليه وسلم- فتَسقينا، ونحن نتوسَّل إليك بعمِّ نبيّك، ثم قرأ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} الآيات [نوح: 10].
وقال ابن إسحاق: فما وصلوا إلى بُيوتهم إلا وهم يخوضون في الماء، فقيل لعمر: قد اختصرتَ في الدُّعاء، هلّا قلتَ: غيثًا مُغيثًا؟ فقال: لقد استسقيتُ بمَجاديح السماء، وذكره.
ثم قَدِمت السُّفنُ من مصر من عمرو بن العاص، فيها الحنطةُ والأطعمة، وبعث أبو عبيدة بأربعة آلاف راحلةٍ من الشام، وبُعث إليه من العراق، وعاش الناسُ.
وهل كان هذا قبل طاعون عَمْواس أو بعده؟ فيه قولان.
وقال هشام: أوَّل ما قدم عليه طعامُ أبي عُبيدة في أربعةِ آلاف راحلة، فأمر له بأربعةِ آلافِ درهم، فلم يقبَلْها وقال: إنما أردتُ وجهَ اللَّه، فلا تُدخل عليَّ الدنيا، فقال عمر: لا بأس، فقد جرى لي مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مثل هذا، وذكر الحديث، فأَخَذها.

فصل: وفيها فُتحت حرَّان والرُّها وعينُ وَرْدة بالخابور، بعد غاراتٍ كثيرةٍ، وصالحوهم على صُلح دمشق.
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 298.
(5/271)

وقال خليفة: إنَّما فُتحت هذه الأماكنُ على يد أبي موسى الأشعري، سار إليها من البصرة بأمر عمر، وكان أبو عبيدة قد جهَّز إليها عياض بن غَنْم، فاتفقا على الفتوح، وقيل: إن خالد بن الوليد افتتح الرُّها ونَصيبين وآمِد وسُمَيْساط (1).
وفيها فُتحت أماكنُ العراق منها الأهوازُ، وكانوا قد نقضوا العَهد، فبعث إليهم عمرُ أَبا موسى الأَشعريّ، واستخلف على البصرة عمران بنَ الحُصين، وسار إليها فافتتحها، ووظَّفَ عليها عشرةَ آلاف ألف وأربع مئة ألف درهم، ثم سار إلى جُنْدَي سابور والسُّوس وجُرجان وأَذْرَبِيجان وطَبَرِسْتان.
وقيل: إنما سُمِّيت جُرجان لأنه بناها جُرجان بن لاوِذ بن سام بن نوح، وقيل: إنها فُتحت في سنة اثنتين وعشرين.
وقال أبو الحسن المدائني: إنما فُتحت جُرْجان في سنة ثلاثين في خلافة عثمان -رضي اللَّه عنه-، وأما أذربيجان ففُتحت على يد عُتبة بن فَرْقَد صُلْحًا.
قال سيف بن عمر: قَدِم عتبةُ على عمر ومعه سِلالٌ فيها خَبيصٌ، فوجد بين يديْ عمر جفنةً فيها فِدَرٌ من سَنام جَملٍ، فقال له: كُلْ، فأخذ قطعة منه، فلم يَسِغْها، وكشف السِّلال فقال: ما هذا؟ قال: خَبيصٌ أهديتُه لك من أَذْرَبيجان، فقال: أكلّ المسلمين أهديتَ لهم مثلَ هذا؟ قال: وأيُّ مالٍ يتَّسِعُ لهم؟ فقال: ضُمَّ إليك هدَّيتك، فلا حاجةَ لي في شيءٍ لا يَسعُ المسلمين (2).
وقد قيل: إن طَبَرِسْتان فُتِحت على يد عُتبة أيضًا، وقيل: على يد سُوَيد بن مُقَرِّن.
وفيها استَقضى عمر شُرَيحَ بن الحارث على الكوفةِ، واستقضى كعبَ بنَ سُوْر على البصرةِ، وسببُ استقضائه كعبَ بن سُورٍ ما أَنْبأنا به غيرُ واحدٍ عن فخر النساء شُهْدَة بنت أحمد بن الفرج بن عُمر الإِبَري قالت: حدثنا نقيبُ النُّقباء، ذو الرِّئاستَين، شهابُ الحضْرتَين أبو الفوارس طِراد بنُ محمد بن عليّ الزَّينبي بإسناده، عن عبد الكريم بن أُمية قال: جاءت امرأةٌ إلى عمر بن الخطاب فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي يَصوم
__________
(1) تاريخ خليفة 139.
(2) المنتظم 4/ 252 - 254، والفدر: قِطع اللحم.
(5/272)

النهار ويَقوم الليل، وأنا أكره أن أَشكُوَه، فقال عمر: نِعم الرجلُ زوجُك، فجعلت تُردّد كلامَها وعمرُ لا يزيدُ على ذلك، وكان عنده كعبُ بنُ سُورٍ فقال: يا أمير المؤمنين، إنها تَشكو زوجَها في هجرِه فراشَها، فقال له عمر: كما فهِمتَ إشارتَها فاقضِ بينهما، فأرسل إلى زوجها فجاء، فقال لها كعبٌ: ما تَقولين؟ فقالت: [من الرجز]:
يَا أيُّها القاضي الحكيمُ أرشدهْ
أَلهَى خليلي عن فراشي مَسجِدُهْ
زهَّده في مضجعي تعبُّدُه
نهارُه وليله ما يَرقُدُه
ولستُ في أمر النّساء أَحمَدُهْ
فقال كعبٌ لزوجها: ما تقول أنت؟ فقال:
زهَّدني في فَرْشِها وفي الكِلَلْ
أني امرؤٌ أَذهلَني ما قد نَزَلْ
في سُورة النَّمل وفي السَّبْعِ الطُّوَل
فقال له كعبُ بن سُوْر:
إن لها عليك حقًّا يَا رجُلْ
نصيبُها في أربعٍ لمَن عَقَلْ
فأدِّها ذاك ودَعْ عنك العِلَلْ
فقال له عمر: ولمَ؟ قال كعبٌ: لأن اللَّه أباح للمسلم أربعَ زوجاتٍ، ولكل واحدةٍ منهن يومٌ وليلة، ولما لم يكن له سوى زوجةٍ واحدة فنصيبُها على تقدير الأربع يومٌ وليلة، فقال عمر: واللَّه ما أدري ممَّ أعجب؟ من فهمك إشارتها، أو من قَضائك بينهما (1).
__________
(1) أخبار القضاة 1/ 276 - 277، والاستيعاب (2187)، والمنتظم 5/ 115 - 116. وأخرج القصة دون الشعر ابن سعد 7/ 92، ووكيع في أخبار القضاة 1/ 275 - 276.
(5/273)

قلتُ: والعجبُ من هذا الحكم وإمضائه! ولا خلاف بين العلماء أن عماد القَسْم الليلُ، وأنه متى كان للرجل زوجةٌ لم يَجُزْ له أن يَبيتَ عنها ثلاث ليالٍ من غير عُذرٍ، وهل يكون القَسْمُ إلَّا بين الزَّوجات؟ أما مع الواحدة فلا قائل به، بل الزمان كلُّه حظُّ المرأة الواحده، وإن كانتا اثنتين كان القَسْمُ بينهما، وهذا كعبُ بن سُوْر الأَسدي قُتل يوم الجمل، وسنذكره هناك (1).
وحجَّ بالناس عمرُ، وحوَّل المقام إلى موضعه اليوم، وكان مُلصقًا بالكعبة.
فصل وفيها توفي

أُوَيْس القَرَني
قال ابن سعد في "الطبقات": أويسٌ من الطّبقة الأولى من التابعين، من أهل الكوفة، وفي رواية أنه من أهل اليمن (2)، ونزل الكوفة، وأدرك حياة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يره، ووفد على عمر بعرفات.
وذكره (3) البخاري فقال: أُويس القَرَني من أهل اليمن، مُراديٌّ (4).
وقال أبو أحمد بن عدي: له نُتَفٌ وحكايات وأخبار في زُهده (5).
وكان أُويس ثقةً صدوقًا، وقصَّته مشهورةٌ، أخرجها مسلم فقال: حدثنا محمد بن المثنى بإسناده، عن أُسَيْر بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتتْ عليه أمدادُ أهل اليمن يسألهم: هل فيكم أُوَيس بن عامر؟ حتى أتى على أُوَيس فقال له: أنت أُوَيس؟ قال: نعم، قال: أمن مُرادٍ؟ قال: نعم، قال: من قَرَنٍ؟ قال: نعم، قال: كان بك بَرَصٌ فبَرِأتَ منه إلا مَوضِعَ درهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدةٌ خَلَّفْتَها باليمن؟ قال: نعم، فقال عمر: سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمداد أهل اليمن، كان به بَرَصٌ فبَرئ منه إلا موضعَ درهم، له والدةٌ هو بارٌّ بها, لو أقسم
__________
(1) من قوله: قلت والعجب. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) انظر طبقات ابن سعد 8/ 281.
(3) من هنا إلى ما بعد صفحات ليس في (أ) و (خ).
(4) التاريخ الكبير 2/ 55.
(5) الكامل في الضعفاء 1/ 404.
(5/274)

على اللَّه لأَبرَّه، فإن استطعتَ أن يَستغفِر لك فافعل"، فاستغفِرْ لي، فاستغفر له، ثم قال له عمر: أين تُريدُ؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتبُ لك إلى عاملها فيستوصي بك؟ فقال: لأن أكونَ في غَبْراء الناس أحبّ إليَّ.
فلما كان في العام المقبل حجَّ رجلٌ من أشرافهم، فوافق عمرَ، فسأله عن أُويس: كيف تركْتَه؟ قال: رب البيت قليلَ المتاع، فقال عمر: سمعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول، وذكره، ثم قال عمر للرجل: إن استطعتَ أن يَستغفرَ لك فافعل، فلما قدم الرجلُ الكوفة أتى أويسًا القرنيَّ فقال: استغفِر لي، فقال: أنت أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ، فردَّد عليه القول فقال: هل لقيتَ عُمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، وفَطِن له الناس، فانطلق على وجهه.
قال أُسير بن جابر: فكسوتُه بُرْدةً فكان كلَّما رآها عليه إنسان قال: من أين لأُويسٍ هذه البردةُ؟ انفرد بإخراجه مسلم (1).
وروى عكرمةُ عن ابن عباسٍ قال: مكث عمر يَطلبه عشرَ سنين حتى ظَفِر به في آخرِ خلافته.
وقال عبد الغني بن سعيد: أُوَيس القَرَني، وقَرَنٌ: بَطنٌ من مرادٍ، أخبر به رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل وُجوده (2).
وقال ابن سعد بإسناده عن أُسَيْر بن جابر قال: كان محدِّثٌ بالكوفةِ يُحدِّثنا، فإذا فرغ من حديثِه تفرَّقوا، ويبقى رهطٌ فيهم رجلٌ يتكلَّمُ بكلامٍ لا أسمعُ أحدًا يتكلَّم كلامَه، فأحببتُه ففقدتُه، فقلتُ لأصحابي: هل تعرفون رجلًا كان يُجالسُنا كذا وكذا؟ فقال رجلٌ من القوم: نعم أنا أعرفُه، ذاك أُوَيس القَرَني، قال: فتعلمُ منزلَه؟ قال: نعم، قال: فانطلقتُ معه حتى ضربتُ حُجْرتَه، فخرج إليَّ، فقلتُ: يا أخي، ما حَبَسك عنا؟ قال: العُرْيُ، وكان أصحابُه يُؤذونه ويَسخرون به، قال فقُلتُ: خُذ هذا البُرْدَ فالبَسه، قال: لا تَفعل، فإنَّهم إذًا يُؤذونني إن رأَوه عليَّ، قال: فلم أزل بهِ حتى لَبِسه، وخرج عليهم،
__________
(1) صحيح مسلم (2542) (220).
(2) تاريخ دمشق 3/ 194 (مخطوط).
(5/275)

فقالوا: مَن تَرَوْن خدع عن بُرْدهِ هذا؟ قال: فجاء فوضعه وقال: أتَرى؟
قال أُسَيْرٌ: فأتيتُ المجلسَ فقلتُ: ما تُريدون من هذا الرَجل؟ قد آذَيْتموه، الرجل يَعْرى مرَّةً ويكتسي أُخرى.
قال: فقُضي أن أهلَ الكوفةِ وفَدوا على عمرَ، فوفد رجلٌ ممَّن كان يَسخرُ به، فقال عمر: هل هاهنا أحدٌ من القَرَنيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال: إن رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد قال: إن رجلًا يَأتيكم من اليمن، يُقال له أُوَيس، لا يَدعُ باليمن غيرَ أُمّ، وقد كان به بياض، فدعا اللَّه فأذهبه عنه إلا مثل الدرهم، فمَن لَقيه منكم فمُروه فليستغفر لكم.
قال: فقدم علينا فقلتُ: من أين؟ قال: من اليمنِ، قال قلتُ: ما اسمُك؟ قال: أُوَيس، قلتُ: فمَن تركتَ باليمنِ؟ قال: أُمًّا لي، قال: أكان بك بَياضٌ فدعوتَ اللَّه فأذهبه عنك؟ قال: نعم، قال: استغْفِر لي، قال: أو يستغفِرُ مِثلي لمثلك يَا أميرَ المؤمنين؟ قال: فاستغفر له. قال: قلت له: أنتَ أخي لا تُفارقني، فامَّلَس مني، فأُنبئتُ أنَّه قَدِم عليكم الكوفةَ. قال: فجعل ذلك الرجل الذي قال يَسخَرُ به ويَحتقره يقول: ما هذا؟ هذا عندنا وما نَعرفُه؟ ! فقال عمر: بلى إنَّه رجل كذا، كأنَّه يضعُ من شأنِه، قال: فينا يا أمير المؤمنين رجلٌ يقالُ له أُوَيس يُسْخَرُ به، قال: أَدركْ ولا أُراك تُدْرِك.
قال: فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه قبل أن يَأتيَ أهلَه، فقال له أُويس: ما هذه بعادتِك فما بدا لك؟ قال: سمعتُ عمر بنَ الخطاب يقول فيك كذا وكذا، فاستَغْفِر لي يَا أُوَيسُ، فقال: لا أفعل حتى تجعلَ لي عليك ألا تسخَرَ بي فيما بعد، ولا تذكر الذي سمعتَ من عمر إلى أحدٍ، قال: فاستغفر له.
قال أُسير: فما لبثنا أن فشا أمرُهُ في الكوفةِ، فأتيتُه فدخلتُ عليه، فقلتُ له: يا أخي، ألا أراك العجبَ ونحن لا نشعر؟ قال: ما كان في هذا ما أتبلَّغُ به في الناسِ، وما يُجْزى كلُّ عبدٍ إلَّا بعملهِ، ثم امَّلس منهم فذهبَ (1).
وقال ابن سعد بإسنادِه عن سلّام بن مسكين: حدثني رجل قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خليلي من هذه الأمة أُويس القَرَني" (2).
__________
(1) طبقات ابن سعد 8/ 282 - 283.
(2) طبقات ابن سعد 8/ 283.
(5/276)

وقال أبو نُعَيم الحافظ بإسناده عن أبي هُريرة قال: قال رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّه يحبُّ من خَلْقه الأصفياءَ الأخفياءَ، الشَّعثةَ رؤوسُهم، المُغْبَرَّةَ وجوهُهم، الخَميصةَ بطونُهم، الذين إذا استأذنوا على الأُمراء لم يُؤذَن لهم، وإن خَطبوا المُنَعَّمات لم يُنكحوا، وإن غابوا لم يُفْتَقدوا، وإن طَلعوا لم يُفْرَح بطلعتهم، وإن مَرِضوا لم يُعادوا، وإن ماتوا لم يُشهدوا، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف لنا برجلٍ منهم؟ قال: ذاك أُوَيس القَرَني، أشهلُ ذو صُهوبةٍ، بعيدُ ما بين المَنْكبَيْن، مُعتدِلُ القامة، آدمُ شديدُ الأُدْمَة، ضاربٌ بذَقنه على صدره، رامٍ ببصره مَوضعَ سجوده، واضعٌ يمينَه على شماله، يَتلوا القُرآن ويَبكي على نفسه، ذو طِمْرَيْن لا يُؤبه له، مُتَّزرٌ بإزارٍ من صوفٍ، ورداءٍ من صوف، مجهولٌ في أهل الأرض، معروفٌ في أهل السماء، لو أقسم على اللَّه لأبرَّه، ألا وإن تحت مَنكبه الأيسر لَمعةً بيضاء، ألا وإنه إذا كان يومُ القيامة يُقال للعباد: ادخلوا الجنَّة، ويُقال لأُويسٍ: قف فاشفَعْ، فيُشفِّعه اللَّه في مثل عدد ربيعة ومُضر. يَا عمر ويا علي، إذا أنتُما لقيتماه فاطلبا إليه أن يَستغفر لكما، يَغفر اللَّه لكما".
قال: فمكثا يَطلبانه عشرَ سنين، لا يَقدران عليه، فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر قام على أبي قُبيس، ونادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من اليمن، أُوَيسٌ فيكم؟ فقام شيخ كبير، فقال: إنَّا لا ندري ما أُوَيس؟ ولكن لي ابنُ أخٍ يُقال له أُوَيس، هو أخملُ ذكرًا، وأقلُّ مالًا، وأهون أمرًا من أن تَرفعه إليك، وإنه ليرعى إِبِلَنا بأَراك عَرفات، وهو حقيرٌ بين أظهُرنا.
فركب عمر وعليٌّ حمارَيْهما، وأسرعا إلى عرفات، وإذا به قائمٌ يُصلِّي إلى شجرة، والإبلُ ترعى حوله، فشدّا حمارَيهما، وأقبلا إليه فسلَّما عليه، فخفَّف من صلاته، وردَّ عليهما، فقالا: مَن الرَّجُل؟ قال: راعي إبلٍ وأجيرُ قومٍ، قالا: لسنا نَسألُك عن هذا، وإنما سألناك عن اسمك، فقال: اسمي عبد اللَّه، قالا: قد علمنا أن أهل السماء والأرض كلَّهم عبيدُ اللَّه، فما اسمُك الذي سمَّتك به أمُّك؟ فقال: يا هذان، ما تُريدان مني؟ قالا: وصف لنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أُوَيْسًا القَرَني، فقد عرفنا الصُّهوبةَ والشُّهولةَ، وأنبأنا أن تحت مَنكبك الأَيسر لَمعةً بيضاءَ، فأَوضِحْها لنا، فإن كانت بك، فأنت هو.
فأوضح مَنكبه فبدت اللمعةُ البيضاءُ، فابتدراه يُقَبِّلانه ويقولان: نشهدُ أنك أُويسٌ،
(5/277)

فاستغفِر لنا يَغفر اللَّه لنا، فقال: ما أخصُّ باستغفاري نفسي ولا أحدًا من ولد آدم، ولكنه في البرِّ والبحر، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ثم قال: يا هذان، قد شَهر اللَّه لكما حالي، وعَرَّفكما مَكاني، فمَن أنتُما؟ فقال له عليّ: أما هذا فأميرُ المؤمنين، وأما أنا فعلي بن أبي طالب، فقام أُويس قائمًا وقال: السلامُ عليك يَا أمير المؤمنين ورحمةُ اللَّه وبركاتُه، فردَّ عليه فقال: وأنت يَا ابن أبي طالب، فجزاكم اللَّه عن هذه الأُمة خيرًا، فقالا: وأنت فجزاك اللَّه عن نفسك خيرًا، ثم قال له عمر: مكانَك يَرحمك اللَّه؛ حتى أَدخُلَ مكة، فآتيك بنفَقةٍ من عطائي، وكسوةٍ من ثيابي، هاهُنا ميعاد ما بيننا، فقال له أُويس: لا ميعاد بيني وبينكم، لا أَراك بعد اليوم، ما أَصنع بالنَّفقة والكسوة؟ أما ترى عليَّ إزارًا من صوفٍ ورداءً من صوف؟ متى تراني أُخْلِقُهما؟ أما ترى نَعليَّ مَخصوفَتَين؟ متى تراني أُبليهما؟ أما تراني أخذتُ من رعاية الإبل أربعةَ دراهم؟ متى تراني آكلُها؟
يَا أمير المؤمنين، إن بين يديك عَقبةً كَؤودًا، لا يُجاوزُها إلا كلُّ ضامِرٍ مُخفٍّ مَهزول، فخفِّف يَرحمك اللَّه، فلما سمع عمر ذلك ضرب بدرَّته الأرض، ثم نادى بأعلى صوتِه: يا ليت عمر لم تَلدْه أمّه، يَا ليتها كانت عاقرًا لم تُعالج حملَها، ألا مَن يَأخذُها بما فيها؟ فقال أويسٌ: خُذا هاهُنا حتى آخُذَ هاهُنا، فأخذا ناحية مكة، وساق أُويسٌ الإبل، فدفعها إلى أصحابها، وأقبل على العبادة حتى لحق باللَّه تعالى (1).
وقال أبو نعيم: إنما منع أُويسًا أن يَقدم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بِرُّه بأمِّه (2).
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن هَرِم بن حيّان العَبدي قال: قدمتُ من البصرة، فلقيتُ أُوَيسًا القَرَني على شطِّ الفُرات بلا حذاءٍ, فقلتُ: كيف أَنْتَ يَا أخي؟ حدِّثني؟ قال: أكرهُ أن أَفتح هذا الباب على نفسي، يعني أن أكون مُحدِّثًا أو قاصًّا أو مُفتيًا، ثم أخذ بيدي وبكى، قال: قلتُ: فاقرأ عليَّ، فقال: أعوذُ باللَّه السميع العلم من الشيطان: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)} إلى قوله: {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الدخان: 1 - 6] قال: فغُشي عليه، ثم أفاق وقال: الوحدةُ أحبُّ [إليَّ] (3).
__________
(1) حلية الأولياء 2/ 80 - 83، قال الذهبي في السير 4/ 28: وهذا سياق منكر لعلّه موضوع.
(2) الحلية 2/ 87.
(3) طبقات ابن سعد 8/ 285 وما بين معكوفين منه.
(5/278)

قلتُ: وقد روى قِصَّته مع هَوِم بن حَيَّان غيرُ ابن سعدٍ، فأنبأنا غيرُ واحدٍ، عن أبي الفضل محمد بن ناصر بإسناده (1)، عن علقمة قال: انتهى الزُّهد إلى ثمانيةٍ من التابعين، منهم أُوَيس القَرَني، ظنَّ أهلُه أنَّه مجنون، فبَنَوْا له [بيتًا] على باب دارهم، فكانت تأتي عليه السِّنون لا يَرودْ له وجهًا، وكان طعامُه مما يَلتقط من النوى، فإذا أمسى باعه وأفطر على ثَمنه.
فلما ولي عمر بن الخطاب قال في الموسم: أيها الناسُ، قوموا، فقاموا، فقال: اجلسوا إلا مَن كان من اليمن، فجلسوا، فقال: اجلسوا إلا مَن كان من مُراد، فجلسوا، فقال: اجلسوا إلا مَن كان من قَرَن، فجلسوا إلا رجُلًا، وكان عمَّ أُويسٍ، فقال له عمر: أقَرَنيٌّ أَنْتَ؟ قال: نعم، قال: أتعرفُ أُوَيسًا؟ قال: وما تَسأل عنه؟ فواللَّه ما فينا أجنُّ ولا أحوجُ ولا أحمقُ منه، فبكى عمر ثم قال: سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يدخُل الجنَّة بشفاعته مثلُ ربيعةَ ومُضر".
وقال هَرِم بن حَيَّان: فلما بلغني ذلك قدمتُ الكوفة فلم يكن لي همٌّ إلا طَلَبه، حتى سقطتُ عليه جالسًا نصفَ النهار على شاطئ الفرات يتوضَّأ، فعرفتُه بالنَّعت الذي نُعِت لي، فإذا رجلٌ نحيلٌ آدمُ شديدُ الأُدمة، أشعثُ مَحلوقُ الرأس، مهيبُ المنظر، فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ، فمددتُ يدي لأُصافحه فأبى، فقلتُ: رحمك اللَّه يَا أُويسُ وغفر لك، كيف أَنْتَ؟ وخَنَقتْني العَبْرة من حبِّي إياه ورقَّتي عليه، لما رأيتُ من حاله، وبكيتُ وبكى وقال: وأنت فحيَّاك اللَّه يَا هَرِم بن حَيَّان، مَن دلَّك عليّ؟ فقلتُ: اللَّه، فقال: لا إله إلا اللَّه، سبحان ربِّنا إن كان وَعدُ ربِّنا لمَفعولا.
قلتُ: فمن أين عرفتَ اسمي واسمَ أبي، وما رأيتَني قطُّ، ولا رأيتُك قبل اليوم؟ فقال: أنبأني العليمُ الخبير، عرفتْ روحي روحَك حين كلَّمتْ نَفسي نفسَك، إن المؤمنين يَعرف بعضُهم بعضًا، ويتحابون بروح اللَّه وإن لم يَلتقوا، وإن نأَت بهم الدار، وتفرَّقت بهم المنازل.
قلتُ: حدِّثني عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إني لم أُدْركْه، ولم يكن لي معه صُحبةٌ،
__________
(1) إلى هنا ليس في (أ) و (خ) مما أشير إليه قبل صحائف.
(5/279)

بأبي وأُمي رسولُ اللَّه، ولكني قد رأيتُ مَن رآه، ولستُ أُحبُّ أن أفتح هذا الباب، فأكون محدِّثًا أو قاصًّا أو مُفتيًا، في نفسي شُغلٌ عن الناس.
قلتُ: اقرأ عليَّ آياتٍ من كتاب اللَّه، وأوصني بوصيةٍ، فقال: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال ربِّي وأصدقُ الحديثِ حديثُ ربي: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)} الآية [الدخان: 38]، ثم شَهق شَهقةً فطننتُه قد مات، ثم أفاق فقال: يا هَرِم بن حيَّان: مات أبوك، ويوشك أن تموت أنت، فإما إلى الجنّة وإما إلى النار، ومات آدم وحوَّاء ونوحٌ وإبراهيم ومحمد صلى اللَّه عليهم أجمعين، ومات أبو بكر خليفةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومات أخي وصديقي عمرُ بنُ الخطاب، فقلتُ له: إن عمر لم يَمُت، فقال: بلى، قد نعاه إليَّ ربّي، ونَعى إليَّ نفسي، وأنا وأنت في الموتى، ثم دعالي وأوصاني وقال: السلام عليك، لا أَراك بعد اليوم؛ فإنِّي أكره الشُّهرة، خُذْ أَنْتَ هاهُنا، حتى آخذ أنا هاهُنا، ودخل بعضَ السّككِ، ثم طلبتُه بعد ذلك أشدَّ الطَّلب فلم أجد أحدًا يعرفُه، وأنا باكٍ عليه، وأَراه كل وقتٍ في منامي (1).
قلتُ: وهذا هَرِم بن حَيّان العَبْدي ذكره ابن سعدٍ في الطبقةِ الأولى من التَّابعين من أهل البصرة، استعمله عمر بن الخطاب (2)، وروى عن عمر الحديث وعن جماعةٍ من الصحابة، وكان عالمًا زاهدًا صالحًا، وروى عنه الحسنُ البصري وغيرُه، وإنما سُمّي هَرِمًا لأن أمَّه حملتْ به سنتين، وولدته وقد بدت ثناياه، وسنذكره في سنة ستٍّ وأربعين (3).
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: كان أُويسٌ يلقُطُ الكِسَرَ من المزابل، فيغسلها في الفرات، ويفطر على بعضها، ويتصدَّقُ بالباقي، ويأخذُ الرُّقَع من المزابل، فيغسلها في الفُرات، ويَرقعُ بها ثوبَه، وعَري حتى جلس في قَوْصَرة.
وجاء يومًا إلى مَزْبَلةٍ أو كُناسةٍ يَتَقمَّمُ منها وعليها كلبٌ، فنبح عليه، فقال له أُويس: كُلْ ممّا يَليك، وآكلُ أنا مما يَليني، إن دخلتُ الجنّةَ كنتُ خيرًا منك، وإن دخلتُ النَّار كنتَ خيرًا مني.
__________
(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية 2/ 84 - 86، وابن عساكر في تاريخ دمشق 3/ 206 - 208، قال الذهبي في السير 4/ 29 عن هذه القصة: لم تصح، وفيها ما يُنكر.
(2) طبقات ابن سعد 9/ 131.
(3) من قوله: قلت وهذا هرم. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/280)

وقال أُويس: لا تنظُر إلى صِغَر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة مَن عصيتَ.
وقال: إني لأصلُ إخواني بالدعاء بظهر الغيب؛ لأن الزيارة واللقاء قد يعرضُ فيهما التصنُّع والرِّياءُ (1).
وقال أبو نُعيم بإسناده: كان أُويسٌ إذا أمسى يقول: هذه ليلةُ السجود، فيسجد حتى يُصبح، وإذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع إلى الصَّباح (2).

ذكر وفاته:
واختلفوا فيها ولم يذكرها ابن سعد في "الطبقات"، وروى أبو نعيم، عن عبد اللَّه ابن سلمة قال: غزونا أَذْرَبيجان في أيام عمر بن الخطاب ومعنا أُوَيس، فمرض بعد رجوعنا، فحملناه فلم يَستمسكْ، فمات في منزل، فإذا قبرٌ محفورٌ، وماءٌ مَسكوب، وكفنٌ وحَنوط، فغسلناه وكفنَّاه، وصلَّينا عليه ودفنَّاه، ثم مَضَينا، فقال بعضُنا لبعضٍ: لو رجعنا فعلَّمْنا قبرَه، فرجَعْنا إلى المكان فلاعَينٌ ولا أَثَر (3).
وقد حكى جدِّي هذا في "المنتظم"، ثم قال: وقد رُوي أنه عاش بعد ذلك طويلًا، حتى قُتل مع عليّ عليه السلام يومَ صِفّين، قال: والأَوَّلُ أَثبت (4). يعني: أنَّه مات في هذه السنةِ.
قلتُ: الرواياتُ الظاهرةُ تدلُّ على أنَّه عاش إلى أيام صِفّين.
قال ابنُ سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجلٌ من أهل الشام فقال: أفيكم أُوَيسٌ القَرَني؟ قالوا: نعم، قال: إني سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنَّ من خير التَّابعين أُوَيسًا القَرَنيَّ"، ثم ضرب دابَّته فدخل فيهم (5)، يعني عسكر عليٍّ عليه السلام.
__________
(1) انظر صفة الصفوة 3/ 55، والمنتظم 4/ 254 - 255، وشذرات الذهب 1/ 214.
(2) حلية الأولياء 5/ 87.
(3) الحلية 2/ 83 - 84.
(4) المنتظم 4/ 256 - 257.
(5) طبقات ابن سعد 8/ 283.
(5/281)

وكذا حديث أبي هريرة الذي أخرجه أبو نُعيمٍ (1)، وفيه: فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر قام على أبي قُبَيْسٍ، وذكره. وعمر إنما هلك في سنة ثلاثٍ وعشرين، وهي متأخرةٌ عن هذه السنة.
وقال ابنُ أبي ليلى: وُجِد أُويسٌ قتيلًا يوم صِفّين، وقال عبد الغني بن سعيد: شهد أُوَيس صِفِّين مع عليٍّ عليه السلام، وكان من خيار المسلمين.
وقال ابن أبي ليلى: قبرُه بالرَّقَّةِ، حمله عليٌّ عليه السلام فدفنه بها في جُملة الشُّهداء.
وذكر ابن عساكر في "تاريخه" وقال: ويُقال إن قبرَ أُوَيسٍ بباب الجابية (2).

الحارث بن هشام
ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن مخزوم، اختُلف في وفاته؛ فقيل في طاعون عَمْواس، وقيل استُشهد باليرموك وهو أولى (3).

سهيل بن عمرو
ابن عَبْد شَمْس بن عبد وُد بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي بن غالب، وكُنيتُه أبو زيد، من الطبقة الرابعة من المسلمة (4) بعد الفتح، وكان من سادات قُريش وأشرافِهم، والمنظور إليه منهم، شهد بدرًا كافرًا، فأسره مالك بن الدُّخْشُم، وكان ابنُه عبد اللَّه قد أسلم قديمًا، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، فلما كان يومُ الفتح أخذ لأبيه أمانًا، وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الفتح: "لا تتعرَّضوا لسُهيل؛ فإن له عقلًا وشَرفًا"، وأسلم سُهيل بالجِعْرانة، وأعطاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مئةً من الإبل.
ولم يكن أحدٌ من كُبراء قريش؛ الذين تأخَّر إسلامُهم فأسلموا يوم الفتح أكثرَ
__________
(1) سلف قريبًا.
(2) تاريخ دمشق 3/ 218 و 194 و 192، ومن قوله: ذكر وفاته. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، وجاء بدله فيهما: واختلفوا في وفاته، فقيل هذه السنة، وقيل في أيام صفين، وقيل فيما بين ذلك.
(3) سلفت ترجمته في سنة (13 هـ)، ومن بداية ترجمة الحارث إلى ترجمة أبي عبيدة بن الجراح -رضي اللَّه عنهما-، ليس في (ك).
(4) في (أ) و (خ): بهن مسلمة؟ !
(5/282)

صلاةً، ولا صيامًا، ولا صدقةً، ولا أَقْبلَ على ما يَعنيه من أمر الآخرة من سُهيل بن عمرو، حتى إن كان لقد شَحِب وتَغيَّر لونُه، وكان كثيرَ البكاء، رقيقًا عند سماع القرآن وقراءته.
ولقد رُئي يَختلف إلى مُعاذ بن جبل يُقرئه القرآن وهو بمكة، حين خرج معاذ إلى مكة (1)، حتى قال له ضِرار بنُ الخطاب: يا أَبا يزيد، تَختلف إلى هذا الخزرجيّ يُقرئك القرآن! هلا يكون اختلافُك إلى رجلٍ من قومك؟ فقال: يا ضرار، إن هذا الذي صنع بنا ما صنع، حتى سبقنا كلّ السَّبْق، إني لعَمري اختلف إليه، فقد وَضع اللَّه أمرَ الجاهلية، ورَفع بالإِسلام أقوامًا كانوا لا يُذكرون، فليتنا كنا مع أولئك فتقدمنا، وإني لأذكر قَسْم اللَّه لي في تقدُّم [إسلام] أهلي، حتى الرجال والنساء، ومولاي عُمير (2) بن عوف، فأُسَرّ به، وأَحمَد اللَّه عليه، وأرجو أن يكون اللَّه نفعني بهم ودعائهم؛ ألا أكون متُّ أو قُتلت على ما مات عليه نُظرائي أو قتلوا.
وقد شَهدت مَواطنَ كلّها أنا فيها مُعانِد الحق: يوم بدر واحد والخندق، وأنا وَليتُ أمرَ الكتاب يوم الحديبية، وإني لأذكُر مُراجعتي رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومئذٍ، وما كنتُ أَلطُّ به من الباطل، وأنا بمكة وهو بالمدينة، فأستحيي منه، ولكن ما كان فينا من الشرك أعظم من ذلك، ولكن رأيتني يوم بدر وأنا في حَيِّز المشركين، وأَنظُر إلى ابني عبد اللَّه وعُمير ابن وهب مولاي قد فرَّا مني، فصارا في حيِّز محمد، وما عمي عني يومئذٍ من الحق لما أنا فيه من الجهالة، وما أرادهما اللَّه به من الخير، ثم قُتل ابني عبد اللَّه يوم اليمامة، فعَزّاني فيه أبو بكر وقال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الشَّهيد لَيَشفع لسبعين من أهل بيته" (3)، وإني لأرجو أن أكون أوَّلَ مَن يشفع [له].
قال الحسن رحمه اللَّه: حَضر بابَ عمر بن الخطاب سُهيل بنُ عمرو، والحارث بنُ هشام، وأبو سفيان بنُ حَرْب، ونَفرٌ من قُريش من تلك الرؤوس، وصُهيب وبلال وتلك
__________
(1) في طبقات ابن سعد 6/ 125، والمنتظم 4/ 259: حتى خرج معاذ من مكة.
(2) في (أ) و (خ): عمرو، وهو خطأ، وسيترجم له المصنف قريبًا.
(3) طبقات ابن سعد 6/ 125، والمنتظم 259 - 260، وأخرج الحديث أبو داود (2522)، وابن حبان (4660)، والبيهقي في الكبرى 9/ 164 من حديث أبي الدرداء -رضي اللَّه عنه-.
(5/283)

الموالي، فخرج إذْن عمر للموالي، وترك أولئك، قال أبو سفيان بن حَرْب لسُهيل بن عمرو وأصحابِه: لم أرَ كاليوم، يَأذن للعبيد ونحن على بابه لا يَلتفِتُ إلينا، فقال سهيل ابن عمرو وكان عاقلًا: أيها القوم، إنْ كنتم غِضابًا فعلى نفوسكم فاغضبوا، دُعي القومُ ودُعيتُم، فأسرعوا وأبطأتُم، فكيف بكم إذا دُعوا يوم القيامة وتُركتم، أما واللَّه لما سَبقوكم إليه من الفَضْل مما لا ترون أشدُّ عليكم فَوْتًا من بابكم هذا الذي تُنافسوهم عليه، ونَفض ثوبه وانطلق.
قال الحسن: صدق واللَّه سُهيل، لا يجعل اللَّه عبدًا أسرع إليه كعبد أَبْطأ عليه.
ولما قُتل عبد اللَّه بن سُهيل باليمامة شهيدًا قال أبوه سُهيل: لا أزال بالشام حتى أموتَ شهيدًا، فمات بعَمْواس رحمه اللَّه (1).

عمرو بن حاطب بن عمرو (2)
من الطبقة الأولى من السابقين إلى الإِسلام، أسلم قبل دخول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دارَ الأَرْقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعًا، ولما هاجر إلى المدينة نزل على رِفاعة بن عبد المنذر، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها.
وكان له ولدان: أحدهما سَليط بن عمرو (3)، من المهاجرين الأوَّلين، وشهد أحدًا، وفي بدر خلاف، وبعثه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هَوْذَة بن عليّ وثُمامة بن أُثال الحنفييْن رئيسي اليمامة، وابنه سَليط بن سَليط، شهد اليمامة مع أبيه.
كسا عمر -رضي اللَّه عنه- الصحابة -رضي اللَّه عنهم- حللًا، ففضل عنده حُلَّة فقال: دلُّوني على فتى هاجر
__________
(1) انظر في ترجمته طبقات ابن سعد 6/ 119 و 8/ 14 و 9/ 408، والمعارف 284، والاستيعاب (1079)، والمنتظم 4/ 258، والتبيين 473، والإصابة 2/ 93.
(2) كذا في (أ) و (خ) وهو خطأ، صوابه حاطب بن عمرو، فالترجمة التالية له، ولم يذكر مَن ترجموا له وفاته في هذه السنة، ولعل المصنف أورده لأنه أخو سُهيل. انظر طبقات ابن سعد 3/ 375، والاستيعاب (527)، وأنساب الأشراف 1/ 251، والتبيين 477، والإصابة 1/ 301.
(3) كذا، وهو خطأ، فإن سليط بن عمرو أخو سهيل وحاطب والسكران وسهل، وكان لحاطب من الأولاد عمرو، انظر طبقات ابن سعد 4/ 203 (صادر)، وأنساب الأشراف، والاستيعاب (1097)، والتبيين 478، والإصابة 2/ 71.
(5/284)

هو وأبوه، فقالوا: عبد اللَّه بن عمر، فقال: لا, ولكن سَليط بنُ سَليط، فكساه إياها.
ومن إخوة سُهيل بن عمرو: سَهْل بن عمرو، أسلم يوم الفتح، ومات بالمدينة في أيام عمر رضوان اللَّه عليه.

عُمَير بن عوف
مولى سُهيل بن عمرو، من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولما هاجر إلى المدينة نزل على كُلثوم بن الهِدْم، مات بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، وصلّى عليه [عمر] (1).

شُرَحْبيل بن حَسَنة
وهي أمُّه، من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة المرّة الثانية، وكان من كبار الصحابة، وغزا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عدَّةَ غزوات، وهو أحد الأُمراء الذين عَقد لهم أبو بكر رضوان اللَّه عليه على الشام، وافتَتح الأُردُنَّ كلَّه عَنوة، ما خلا طَبَريّة؛ فإن أهلَها صالحوه.
ولما قدم عمر رضوان اللَّه عليه الشام نزع شُرحبيل عن الإمرة، فقال لعمر رضوان اللَّه عليه: أعَجَزْتُ أم خُنتُ؟ فقال: لا, ولكن تَحرَّجتُ أن أُؤَمِّرَك، وأنا أجدُ مَن هو أكفأُ منك، قال. فقُم فاعْذِرني، فقام في الناس فقال: ما عزلتُ شُرحبيل عن خيانة، ولكن أردتُ أَجلَدَ منه، وتُوفّي بعَمْواس -رضي اللَّه عنه- (2).
فصل (3) وفيها توفي

أبو عبيدة بن الجراح
واسمه عامر بن عبد اللَّه بن الجراح بن هلال بن أُهَيْب بن ضَبّة بن الحارث بن فِهر ابن مالك بن النُّضْر بن كنانة، وعند فِهر يلتقي مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في النسب، وأمُّه أُميمة بنت
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 377، والاستيعاب (1710)، والإصابة 3/ 34.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 127 (صادر) و 9/ 397، والاستيعاب (1153)، وتاريخ دمشق 8/ 26 (مخطوط)، والمنتظم 4/ 261، والإصابة 2/ 143.
(3) إلى هنا ليس في (ك) مما أشير إليه قبل صفحات.
(5/285)

غَنْم بن جابر بن عبد العُزّى، وأُمّها دَعْد بنت هلال بن أُهيب، فِهْريَّةٌ.
وحكى البلاذريّ، عن المدائني، عن أبي اليقظان أنَّه قال: أسلمت أمُّ أبي عبيدة وزوجُها (1).
وقال عبد اللَّه بن شَوْذَب: خرج أبو أبي عُبيدةَ يوم بدرٍ مع الكفّار، وابنُه أبو عبيدة مع المسلمين، فجعل أبوه يتعرَّضُ له ليقتله، وجعل ابنُه أبو عُبيدة يَحيد عنه، فلما كثر قَصْدُه له قتله أبو عبيدة، ونزل قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية [المجادلة: 22] (2).
وأبو عُبيدة -رضي اللَّه عنه- من الطبقة الأولى من المهاجرين، واحد العشرة المبشرين، أسلم قديمًا هو وعثمان بن مَظعون وعبد الرحمن بن عوف وعبيدة بن الحارث وأبو سلمة بن عبد الأسد (3) في ساعة واحدة، قبل دخول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دار الأرقم.
وكان طُوالًا، نَحيفًا، أَجْنأ، مَعْروقَ الوجه، خفيفَ اللحم، أَثْرَم الثَّنيَّتَين، هُتِما يومَ أحد لما نزع حَلْقَتَيْ المِغفَر من وَجه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان يَخضِبُ بالحِنَّاء والكَتَم، ونَقْش خاتَمه: الخُمُس للَّه.

ذِكرُ جملةٍ من فضائله: حكى ابن سعدٍ عن ابن إسحاق والواقديّ أنه هاجر إلى الحبشة الهجرةَ الثانيةَ. ولم يذكُره موسى بن عقبة وأبو معشر (4).
وقال البلاذري: هاجر الهجرتين جميعًا، ثم هاجر إلى المدينةِ فنزل على كلثوم بن الهِدْم (5).
وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وثبت يوم أُحدٍ لمّا انهزم النَّاسُ، ولما دخلت حَلَقَتا المغْفَرِ في وجْنتَي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نزعهما، فسقطت ثنيَّتاه، فكان أحسنَ الناس هَتْمًا، وقد ذكرناه في غزاةِ أُحد (6).
__________
(1) أنساب الأشراف 1/ 258 و 9/ 325.
(2) تاريخ دمشق (عاصم - عايذ) 226، والحلية 1/ 101، ومن هنا إلى ذكر جملة من فصائله ليس في (ك).
(3) في (أ) و (خ): الأشهل، والمثبت من تاريخ دمشق 263، وكتب التراجم والسير.
(4) طبقات ابن سعد 3/ 379.
(5) أنساب الأشراف 1/ 259 و 9/ 324.
(6) سلف في السيرة.
(5/286)

وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أنسٍ قال: لما قَدِمَ وَفْدُ اليمن على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سألوه أن يَبعث معهم رجلًا يُعلِّمهم الفرائض والسننَ، ويُعلّمهم الإِسلام، فأخذ بيدِ أبي عبيدة وقال: "إنَّ لكلّ أمّةٍ أمينًا، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة". أخرجاه في الصحيحين (1).
ولما بلغ عمر سَرْغ حُدِّث أن بالشام وباءً شديدًا، فقال: بلغني شدَّة الوَباء بالشام، فقال: [إنْ] أدركَني أجلي وأبو عبيدة حيٌّ استَخْلَفتُه، فإن سألني اللَّه: لمَ استخلفتَه على أمّة محمد؟ قلتُ: سمعتُ نبيَّك -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لكلِّ أمّة أمينٌ، وأمين هذه الأمَّة أبو عبيدة ابنُ الجراح"، فإن أدركَني أجلي وقد تُوفّي أبو عبيدة استخلفتُ مُعاذ بنَ جَبَل، فإن سألني ربّي: لمَ استَخلفتَ معاذًا؟ قلتُ: سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "مُعاذٌ يوم القيامة بين يدي العلماء، بيده اللواء" (2).
وقال ابن سعدٍ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نِعم الرجلُ أبو عبيدة بن الجراح" (3).
ورُوي أن عمر بن الخطاب قال لأصحابه: تمنَّوْا، فقال رجلٌ: أتمنّى لو أن لي هذه الدارَ مملوءةً لؤلؤًا وزَبَرْجَدًا وجوهرًا أُنْفقه وأَتصدَّقُ به، فقال: تمنَوْا، فتمنَّوا، فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةً رجالًا مثلَ أبي عُبيدة (4).
وقال أبو نُعيم بإسناده عن هشام بن عروة، عن أَبيه قال: لمّا قَدِم عمر الشَّامَ تلقَّاه الناسُ وعُظماءُ أهلِ الأرضِ، فقال عمر: أين أخي أبو عُبيدة؟ قالوا: الآن يَأتيك، فلما أتاه نزل فاعتنقه، ثم دخل بيته فلم يَرَ فيه إلَّا سيفَه وتُرْسَه ورَحْلَهُ، فقال له عمر: ألا اتَخذتَ ما اتَّخذ أصحابُك؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هذا يُبَلِّغُني المَقيلَ (5).
وقد ذكرنا أن عمر قَبَّل يده لمَّا لَقِيه، وقال ابنُ سعدٍ بإسناده عن قتادة، عن العِرْباض قال: قال أبو عبيدة: وَدِدْتُ أني كنتُ كَبْشا فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي، وحَسَوْا مَرَقي (6).
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 381، وصحيح البخاري (3744)، وصحيح مسلم (2419).
(2) تاريخ دمشق (عاصم - عايذ) 285 - 287، ومن قوله: ولما بلغ عمر سَرْغ. . . إلى هنا ليس في (ك).
(3) طبقات ابن سعد 3/ 381.
(4) تاريخ دمشق 302، والحلية 1/ 102.
(5) حلية الأولياء 1/ 101 - 102.
(6) طبقات ابن سعد 3/ 382، وتاريخ دمشق 312، وليس فيها العرباض.
(5/287)

وآخى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين طلحة بن عُبيد اللَّه -رضي اللَّه عنه- (1)، وكان يُدعى القويّ الأمين، وبعثه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عِدَّةِ سرايا، وبعثه في سرية أميرًا وفيهم أبو بكر وعمر رضوان اللَّه عليهما.
وقيل لعائشة رضوان اللَّه عليها: مَن كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُستخلِفًا لو استَخْلَف؟ فقالت: أبو بكر، قيل: فمَن بعده؟ قالت: عمر، قيل لها: فمَن بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة (2).
وقال له أبو بكر رضوان اللَّه عليه يوم السقيفة: مُدَّ يدك لأُبايعك، فقال له أبو عبيدة -رضي اللَّه عنه-: ما كنتُ لأُصلّيَ برجل أَمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأَمَّنا حتى قُبض (3).
وقال ابن سعدٍ بإسنادهِ عن العِرْباضِ بن سارِية قال: دخلتُ على أبي عُبيدَة في مرضِه الذي مات فيه، فقال: يَغفِرُ اللَّه لعمر بن الخطاب رجوعَه من سَرْغٍ؛ سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ويقول: "المطعون شهيد، والمبطون شهيد، والغَريقُ شهيد، والحَرِقُ شهيد، والهَدَمُ شهيد، وذاتُ الجَنْب شهيد، والمرأةُ تموت بِجُمْعٍ شهيدة" (4). وله معنيان: أحدُهما: أن تموتَ عَذْراءَ، والثاني: أن تموت وفي بَطنها ولدُها.
وقال هشام: لما أتى عمرُ الشام نزل بمنزل أبي عُبيدة، فقالت له امرأتُه: أهلًا وسهلًا يا أمير المؤمنين، فقال: أفلانةُ؟ قالت: نعم، قال: والذي نفسي بيده لأسوءنَّك، قالت: هل تستطيعُ أن تَسلِبني الإِسلامَ؟ قال: لا واللَّه، قالت: فما أُبالي ما كان بعد ذلك.
قال: وكانت أهدت امرأةُ عظيمِ الرومِ عند فتح دمشق لامرأة أبي عبيدة عِقدًا فيه خرزٌ ولؤلؤٌ وشيءٌ من ذهب، يُساوي ثلاث مئة درهم أو دينار -اشتبه على الراوي، وقيل: إنَّما أهدت لها تاجًا مُرَصَّعًا- فلما نزل عمر منزل أبي عُبيدة جاءت ابنةٌ له
__________
(1) كذا ذكر، وفي طبقات ابن سعد 3/ 379، وأنساب الأشراف 9/ 324، وتاريخ دمشق 256، وتهذيب الكمال: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- آخى بين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومحمد بن مسلمة، وفي سيرة ابن هشام 1/ 505 أن أبا عبيدة وسعد بن معاذ أخوين.
(2) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (204)، (1286)، وابن عساكر 299 - 300.
(3) تاريخ دمشق (عاصم- عايذ) 289، ومن قوله: وآخى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . إلى هنا ليس في (ك).
(4) طبقات ابن سعد 3/ 383.
(5/288)

جُوَيْرِية، فجلست بين يدي عمر، فجعل يَستطعمها الكلامَ ما حَلْيُك؟ فقالت: كذا وكذا، وسمعتْه أُمُّها من داخل البيت فقالت: كأنك تُريد العِقد أو التاج؟ قال: نعم، فقالت: نعم، قسمه أبو عبيدة بين المسلمين، ولم يُعطِنا منه شيئًا، فسكت.
ولم يذكر هشام اسمَ امرأة أبي عبيدة، وذكرها الحافظ ابن عساكر في آخر تاريخه، في ذكر النساء، في حرف التاء وقال: اسمُها تحيفة بالتاء (1).
قال الشيخ موفق الدّين رحمه اللَّه في الأنساب: لما قدم عمر رضوان اللَّه عليه الشام [قال لأبي عُبيدة]: ألا تَسْتَزيرُني؟ فقال: أخاف أن تعصر (2) عينيك، فاستزاره، فلم يجد في بيته إلَّا طِنْفِسَة رَحْلِه، فقدم إليه خبزًا يابسًا ومِلحًا، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: هلا اتَّخذتَ ما اتَّخذه غيرُك؟ فقال: هذا يُبلّغني المحل، فبكى عمر رضوان اللَّه عليه وقال: أنت أخي، ما أجد إلا مَن غَرَّتْه الدُّنيا غيرك.
وكان يسير في العسكر ويقول: ألا رُبَّ مُبَيّضٍ لثيابه مُدَنِّس لدِينه، ألا رُبَّ مُكرِمٍ نفسَه وهو لها مُهين، فادْرؤوا السِّيئات القديمات بالحسنات الحَديثات، فلو أن أحدكم عمل من السيّآت ما بينه وبين السماء، ثم عمل حَسنةً لعلت فوق سيئاته حتى تَقهرهنّ (3).
ودخل عليه بعضُ أصحابه في مرضه فوجده يبكي، فقال: ما يُبكيك؟ فقال: أبكي أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر يومًا ما يَفتح اللَّه على المسلمين ويَفيءُ عليهم، حتى ذكر الشام فقال: "إنْ يُنسَأ في أجَلك يَا أَبا عبيدة، فحسبُك من الخَدَم ثلاثة: خادم يَخدُمك، وخادم يُسافر [معك]، وخادم يَخدُم أهلَك، وحَسبُك من الدَّوابّ ثلاثة: دابّة لرجلك (4)، ودابة لثَقَلِك، ودابّة لغُلامك"، وها أنا أنظُر إلى بيتي قد امتلأ رَقيقًا، وإلى مَرْبَطي قد امتلأ دوابًّا وخيلًا، فكيف ألقى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد هذا؟ وقد أوصانا: "إن أحبكّم إليَّ وأقرَبكم منّي مَن لَقيني على مثل الحال التي فارقَني عليها" (5).
وقد ذكرنا أن أَبا عبيدة شهد بَدْرًا والمشاهِدَ كلّها، واليرموكَ وأجنادين وفحْلًا
__________
(1) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 5/ 327 - 328، وليس في المطبوع أو المخطوط من تاريخ دمشق.
(2) في (أ) و (خ): تعصب، والمثبت من التبيين 494 وما بين معكوفين منه.
(3) الزهد لأحمد 230، والحلية 1/ 102.
(4) في (خ): لرحلك.
(5) تاريخ دمشق (عاصم - عايذ) 308 - 309، ومن قوله: قال الشيخ موفق الدين. . إلى هنا ليس في (ك).
(5/289)

ومرجَ الصُّفَّر ودمشقَ وغيرَ ذلك.

ذكر وفاته: روى ابن سعدٍ عن الواقدي قال: شهد أبو عبيدة بدرًا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو ابن إحدى وأربعين سنةً، ومات بطاعون عَمْواس سنة ثماني عشرة، ومات عن ثمانٍ وخمسين سنةً (1)، أو سبعٍ وخمسين سنةً (2).
واختلفوا في مَوضع قبره، فقال ابن الكلبي: قبره بعَمْواس، وهي قريةٌ بينها وبين الرَّمْلة ثلاثةُ أميالٍ، أو أربعةُ أميالٍ. وقال الواقديّ وضَمْرة بن ربيعة: قبرُه ببَيْسان.
قلتُ: ورأيتُ بطَبَريّة مشهدًا، وفيه قبر، وعلى حائطه بَلاطة عليها مكتوب: هذا قبرُ أبي عبيدة بن الجراح، تُوفّي بطاعون عَمْواس سنة عشرين، وقيل: إنه بِفِحْل، واللَّه أعلم.
وصلى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبرِه، والمشهور أنَّه بعَمْتا من الغَورِ (3). أسند الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (4).

عامر بن غَيْلان بن أَسْلَم الثَّقفي (5)
أسلم قبل أَبيه وهاجر، وله صحبة، وكان شاعرًا وأُمُّه خالدة بنت أبي العاص.
ولما هاجر عامر إلى المدينة عمد خازن غَيْلان إلى مالٍ له، وسَرقه ودفنه في خارج الححن، وقال لغَيْلان: إن ابنَك سَرق مالك، وراح به إلى المدينة، فشكاه إلى الناس، وبلغ عامرًا فلم يَعتذر إلى أَبيه، ولم يذكر براءته مما قيل عنه، ولما شاع ذلك جاءت أَمَةٌ لبعض آل ثَقيف، فقالت لغيلان: أيّ شيءٍ [لي] عندك إن دَلَلْتُك على مالك؟ قال: مهما شئتِ، قالت: تَشتريني وتُعتِقني، قال: نعم، فأخرجَتْه إلى ظاهر الحِصْن، وقالت رأيتُ عبدك فُلانًا قد دفن ههنا شيئًا في بعض الليالي، وإنه يَتعاهَدُه في كلِّ وقت، فنبش المكان، وأخذ المال، فاشترى الأمَةَ وأَعتقها.
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 383 - 384 و 9/ 389.
(2) في (أ) و (خ): وقيل تسع وخمسين.
(3) انظر تاريخ دمشق 316 - 322.
(4) انظر في ترجمتة إضافة إلى ما سلف: المعارف 247 - 248، والاستيعاب (3036)، والمنتظم 4/ 261 - 262، والإصابة 2/ 252، والسير 1/ 5. ومن هنا إلى بداية ترجمة معاذ بن جبل ليس في (ك).
(5) كذا، والذي في الأغاني 13/ 200، والاستيعاب (1846)، وجمهرة ابن حزم 268، وتاريخ دمشق (عاصم - عايذ) 426، والإصابة 2/ 255: عامر بن غيلان بن سلمة بن معتب.
(5/290)

وبلغ الخبرُ عامرًا فقال: واللَّه لا يَراني غَيْلان أبدًا، وخرج عامر وعُمارة أخوه إلى الشام مُجاهِدين، فمات عامر بطاعون عَمْواس في حياة أَبيه، وأسلم غَيْلان، وقدم المدينة، رحمه اللَّه تعالى.

عامر بن مالك
أخو سعد بن أبي وَقّاص لأبَويْه، من الطبقة الثانية من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ولَقي من أُمّه حَمْنَة بنت سفيان بن أُميَّة أَذًى، آلت لا تَستَظِلُّ بظِلٍّ، ولا تَأكلُ طعامًا، ولا تَشرب شرابًا حتى يعود عامر إلى الكُفر، واجتمع عليها الناس، وأقبل سعد بنُ أبي وَقَّاص -رضي اللَّه عنه-، فرأى الناس مُجتمعين عليها، قال: مالَك؟ فقالت: حلفتُ على كذا وكذا، فقال سعد -رضي اللَّه عنه-: يا أُمّه، عليَّ فاحْلِفي، إنك لا تَستَظلِّي بظِلٍّ، ولا تَأكُلي طعامًا، ولا تشربي شَرابًا حتى تَرَيْ مَقعدَك من النَّار، فقالت: إنما حلفتُ على ابني البَرّ، فأنزل اللَّه تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} الآية [لقمان: 15].
شهد عامر أُحدًا، وكُنيتُه أبو صفوان، وتُوفّي بطاعون عَمْواس، وقيل باليرموك، وقيل بأَجْنادين، وليس له زوجة، رحمه اللَّه تعالى (1).

عُمير بن عديّ
ابن خَرشَة بن أُميَّة بن عامر بن خَطْمة، أسلم قديمًا، وكان ضَريرًا، وهو الذي قتل عَصْماء بنت مَروان اليهوديّة، كانت تُؤذي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتُحرض عليه، وتقول الأشعار، فلما غاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ببدر؛ نَذر عُمير (2) إن عاد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سالمًا أن يقتُل عصماء، فلما عاد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من بدر؛ أتاها عُمير نِصفَ الليل، فقَتلَها، وكانت وَفاتُه بالمدينة، -رضي اللَّه عنه- (3).
__________
(1) طبقات ابن سعد 4/ 115، والاستيعاب (1820)، وتاريخ دمشق (عاصم - عايذ) 435، والتبيين 291، والإصابة 2/ 257.
(2) في (أ) و (خ): فلما غاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نذر زيد بن عمير، والمثبت من طبقات ابن سعد 4/ 317، والمنتظم 4/ 263.
(3) انظر في ترجمته إضافة إلى ما سبق الاستيعاب (1728)، والاستبصار 268، والإصابة 3/ 33.
(5/291)

الفَضْل بن العبّاس
ابن عبد المطلب بن هاشم -رضي اللَّه عنه-، كُنيتُه أبو محمد، وقيل: أبو العبّاس، من الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمُّه لُبابة الكُبرى بنت الحارث بن حَزْن الهِلاليّة، أُخت (1) ميمونة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وكان أَسَنَّ وَلد العباس، وبه كان يُكنى، وكان رجلًا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وغزا معه عامَ الفتح ويومَ حُنين، وثَبتَ يومئذٍ.
وكان جَميلًا، فكان يُقال: من أراد الجَمَالَ والسَّخاءَ والفِقهَ فلْيَأتِ دارَ العباس، فالجمال للفضْل، والسَّخاءُ [لعُبيد اللَّه، والفقه] لعبد اللَّه.
وشهد حَجّة الوداع، وأَرْدَفَه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من جَمْعٍ إلى مِنًى، فكان يُقال له: رديفَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشهد غسلَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وكان صالحًا، زاهدًا، عابدًا، خرج إلى الشام مُجاهدًا، فتُوفّي بطاعون عَمْواس.
وكان إذا نزل مَنزلًا يُرْخي عِنان فرسه ويُطيل لها فتَرعى، وهو أوَّلُ مَن فعل ذلك بالشام.
قال أبو علاقة: حضرتُ الفَضْلَ وقد نال الطَّاعون من الناس، فقلتُ: بأبي أَنْتَ وأُمّي، لو انتقلتَ إلى مكان كذا وكذا، فقال: واللَّه ما أخافُ أن يسبقَ أجلي، ولا أُحاذر أن يَغلط بي ملكُ الموتُ، إنه لَبَصيرٌ بأهل كلِّ بلَد. أسند الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).

أبو مالك الأشعَري
من الطبقة الثالثة، أسلم، وصحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشهد فتحَ مِصر، طُعن هو وأبو عبيدة -رضي اللَّه عنهما- في يوم واحد، وعَقدَ له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على خيل الطَّلَب، وأمره أن يَطلُبَ هوازن حين انهزمت (3).
__________
(1) في (أ) و (خ): ابنة, وهو خطأ.
(2) طبقات ابن سعد 4/ 50 و 9/ 403، والاستيعاب (2083)، وتاريخ دمشق 58/ 67، والمنتظم 4/ 263، والتبيين 155، والإصابة 3/ 208.
(3) طبقات ابن سعد 5/ 275 و 9/ 403.
(5/292)

فصل وفيها تُوفّي

معاذ بنُ جَبَل
ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أُدَيّ بن سعد بن عليّ بن أسد بن سارِدة بن يَزيد بن جُشم بن الخَزْرَج, وكُنيتُه أبو عبد الرحمن، وأمّه هند بنت سهل [من بني] رِفاعة، من جُهينة.
ومعاذ من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العَقَبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والخندق، والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنةً، وقيل: ابن عشرين.
وكان يكسِرُ أصنامَ بني سَلِمة، وأردفَه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وراءه، ومشى في رِكابه لمّا شيَّعه إلى اليمن ومعاذ راكبٌ، وقد ذكرناه في سنة تسع. وكان يُفتي بالمدينة في حياةِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر، وآخى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين ابن مسعود.
وقال ابن سعد: شهد مُعاذ بدرًا وهو ابن عِشرين أو إحدى وعشرين سنةً.
وخرج إلى اليمنِ بعد غَزاة تبوك وشهدها، وخرج إلى اليمن وهو ابن ثمانٍ وعِشرين سنةً (1).
ذكر صفته: قال ابن سعدٍ، عن الواقدي، عن أشياخٍ له قالوا: كان معاذ طُوالًا، أبيض، حَسَنَ الثغْرِ، مجموعَ الحاجبين، أكحَلَ العينين، برّاقَ الثنايا، جَعْدًا، قَطَطًا (2).
وقال ابن مسعود (3): كان يُسمّى القانتَ والخاشِعَ.

وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أبي مُسلم الخَولاني قال: دخلتُ مسجدَ حمص، فإذا فيه نحوٌ من ثلاثين كَهْلًا من أصحابِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإذا فيهم شابٌّ أكحلُ العينين، برّاقُ الثَّنايا، ساكتٌ لا يتكلّم، فإذا امتَرى القومُ في شيءٍ أقبلوا عليه فسألوه، فقلتُ اجَليسي: مَن هذا؟ قال: معاذ بن جبل (4).
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 540 و 9/ 391.
(2) الطبقات 3/ 545 و 9/ 393.
(3) من قوله: وقال ابن سعد شهد معاذ. . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(4) طبقات ابن سعد 3/ 545 و 9/ 392 - 393.
(5/293)

ثم تفرقوا، فلما كان الغد جاء معاذ، فصلّى إلى سارية، فصليتُ عنده، فلما انصرف من صلاته جلستُ إليه وقلت: واللَّه إني أُحبُّك لغير دنيا أرجوها منك، ولا لقرابةٍ بيني وبينك، قال: فلأيِّ شيءٍ، قلتُ: للَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقال أَبشِر إن كنتَ صادقًا، فإنِّي سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "المتحابُّون في اللَّه في ظِل العرش، يوم لا ظل إلَّا ظِلُّه، يَغبطهم بمكانهم النبيُّون والشهداء".
ثم خرجتُ فلقيتُ عُبادةَ بنَ الصَّامت، فحدَّثتُه بالذي حدَّثني به معاذ، فقال عُبادة: سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يروي عن ربه تعالى أنه قال: "حقَّت محبَّتي للمتحابِّين [فيَّ] والمتناصِحين فيَّ، والمتزاوِرين فيَّ، والمتباذِلين فيَّ، هم على مَنابرَ من نور، يَغبطُهم النبيُّون والصدِّيقون" (1).
وقال أبو بَحريَّة [بن] قُطَيْب السَّكوني: دخلتُ مسجد حمص، فإذا أنا بفتًى جَعْدٍ قَطَطٍ، حوله الناس، فإذا تكلّم كأنما يخرج من فِيه نورٌ ولُؤلؤ، فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: مُعاذ بن جَبَل (2).

ذكر زهده وورعه وتعبُّده وجُوده وقضاءِ دَينه وسَخائه: قال أبو نعيم بإسناده عن عبد الرحمن بن سعيد بن يَربوع، عن مالكٍ: أن عمر بن الخطاب أرسل بأربع مئة دينارٍ إلى أبي عُبيدة، وقال للغُلام: تَلَهَّ بالبيتِ ساعةً، وانظُر ماذا يصنعُ؟ فجاء الغلامُ فقال لأبي عبيدة: يقول لك أميرُ المؤمنين: اجعلْ هذه في بعضِ حاجتك، فقال: وَصله اللَّه ورَحِمَه، ثم قال: يا جاريةُ، اذهبي بهذه السبعةِ إلى فُلانٍ، وبهذه الخمسةِ إلى فُلانٍ، حتى أنفدَ الجميع، فرجع الغُلامُ إلى عمرَ فأخبره، فوجده قد أعدَّ مثلَها لمعاذِ بن جَبل، وقال للغُلام: اذهب بها إلى مُعاذٍ، وتلَهَّ ساعةً حتى تنظرَ ما يصنعُ بها؟ فذهب بها إليه وقال: إن أميرَ المؤمنين يقول لك: اجعل هذه في بعضِ حاجتك، فقال: رَحمَه اللَّه ووَصله، ثم قال: تعالى يَا جاربةُ، اذهبي إلى بيت فُلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأةُ معاذٍ فقالت: ونحنُ واللَّهِ مساكين فأعطِنا, ولم يبق في الخِرْقةِ إلَّا ديناران، فدحا بهما إليها، فرجع الغلامُ إلى عمر فأخبره، فقال: إنهم إخوةٌ بعضُهم من بعض.
__________
(1) تاريخ دمشق 58/ 426 (الفكر)، وأخرجه أحمد (22080).
(2) حلية الأولياء 1/ 231، ومن قوله: ثم تفرقوا فلما كان الغد. . إلى هنا ليس في (ك).
(5/294)

وقال أبو نُعيمٍ بإسناده عن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذٍ امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يشربْ من بيت الأُخرى الماء، وفي روايةٍ: لم يتوضأ من بيتِ الأُخرى، ثم تُوفِّيتا في الطاعونِ، فدُفِنتا في حُفْرَةٍ، فأسهم بينهما؛ أيتهما تُقَدَّمُ في القبرِ؟ (1)
وروى ابن سعد قال: كان معاذ يأكلُ تُفّاحةً ومعه امرأتُه، فمرَّ غُلامٌ له، فناولتْه امرأتُه تفاحةً قد عَضَّتها، فضَربها معاذ.
وحكى ابن سعدٍ عنه أنه قال: ما بَصَقتُ عن يميني منذ أسلمتُ وصحبتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال: ورأى معاذ امرأتَه تَطَلَّع من رَوْزَنَةٍ فضربها (2).
وقال أبو نعيم بإسناده قال (3): كان معاذ بن جبل إذا تهجّد من الليلِ قال: اللهمَّ قد نامتِ العيونُ، وغارتِ النجومُ، وأنت حيٌّ قيوم، اللهمَّ طَلبي الجنَّةَ بطيءٌ وهَربي من النار ضَعيف، اللهمَّ اجعل لي عندك هُدًى، تَرُدُّه إليَّ يومَ القيامة، إنك لا تُخلِفُ الميعاد.

حديثُ قضاءِ دَيْنه: قال أبو نُعيم بإسناده عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بنُ جَبل شابًا جَميلًا سَمْحًا، من خَيْرِ شباب قومهِ، لا يُسْألُ شيئًا إلَّا أعطاه، حتى ادّان دَينًا أغلق مالَه، وكلَّم رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُكلِّمَ غُرماءه أن يَضعوا له شيئًا ففعل، فلم يضعوا له شيئًا، فدعاه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يَبْرَح حتى باع مالَه، وقسمه بين غُرمائه، فقام مُعاذٌ ولا مالَ له (4).
قال جابر بن عبد اللَّه: كان معاذ قد ادَّان دينًا كثيرًا، فلَزمه غُرماؤه، حتى تغيَّب عنهم أيامًا في بيته، فطلبه غُرماؤه وقالوا: يا رسول اللَّه، خُذْ لنا منه حقَّنا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن يَتصدَّقُ عليه؟ "فتصدَّق عليه ناس وأبى آخرون، فخَلَعه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من ماله، وقَسمه بينهم، فأصابهم خمسةُ أسباعِ حُقوقهم، فقالوا: يا رسول اللَّه،
__________
(1) حلية الأولياء 1/ 237، 234.
(2) الأخبار الثلاثة في طبقات ابن سعد 3/ 542، والرَّوزنة: الكُوَّة.
(3) من قوله: وروى ابن سعد. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، والخبر في الحلية 1/ 233.
(4) حلية الأولياء 1/ 231.
(5/295)

ادفَعْه لنا، فقال: "خَلُّوا عنه، فليس لكم عليه سبيل"، فانصرف معاذ إلى بني سَلِمة،
فقال له قائل: يا أَبا عبد الرحمن، لو سألتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقد أصبحتَ اليوم مُعدمًا، فقال: ما كنتُ لأسألَه.
ثم دعاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد يوم، فبَعثه إلى اليمن، وقال له: "لعلَّ اللَّه يَجبُرُك ويُؤدِّي عنك دَيْنك".
فخرج إلى اليمن، فلم يَزلْ بها حتى تُوفّي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوافى مُعاذ مكّة وقد حجَّ عمر رضوان اللَّه عليه بالناس في تلك السنة، فالتقيا، فاعتنقا وبَكيا، وعزَّى كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه في رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ورأى عمر رضوان اللَّه عليه معه غِلمانًا، فقال له: ما هؤلاء؟
فقال: أُهدوا إليّ، فقال: اذكُرهم لأبي بكر، فقال: لا أفعل، وإنهم مالي. فرأى في تلك الليلة في المنام كأنه على شَفير النار، وعمر رضوان اللَّه عليه آخِذٌ بحُجْزته، يَمنعه أن يقع فيها، وكان معاذ -رضي اللَّه عنه- أعتقهم لما رآهم يُصلّون، ثم قضى أبو بكر رضوان اللَّه عليه لبقيَّة غُرمائه، وقال: سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لعلَّ اللَّه يَجبُرك" (1).
وكان معاذ -رضي اللَّه عنه- يُصلّي مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم يَرجع فيُصلّي بقومه، فأخَّر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الصلاةَ مرَّةً، فصلَّى مُعاذ معه، ثم جاء يَؤُمُّ لقومه، فقرأ البقرة، فاعتزل رجلُ من القوم فصلّى، فقيل: نافقتَ يَا فلان، فقال: ما نافَقْتُ، فأتى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إن معاذًا يُصلِّي معك، ثم يَرجع فيؤمُّنا يَا رسول اللَّه، إنما نحن أصحابُ نَواضِح، ونعملُ بأيدينا، وإنه جاء يَؤُمُّنا، فقرأ سورةَ البقرة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَا معاذ، أفتَّانٌ أَنْتَ؟ اقرأ باسم ربك الأعلى، والليل إذا يَغشى" (2).
وقال (3) عبد اللَّه بن أحمد بإسناده عن أنس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أعلمُ أمَّتي بالحلال والحرام معاذُ بنُ جبل" (4).
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 543 - 544.
(2) أخرجه أحمد (14307)، والبخاري (6106)، ومسلم (465) من حديث جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه-.
(3) من قوله قال جابر بن عبد اللَّه وكان معاذ قد ادان. . إلى هنا ليس في (ك).
(4) مسند أحمد (12904).
(5/296)

وقال ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-: إن معاذ بنَ جبل كان أُمّةً، قانتًا للَّه حَنيفًا، فقيل له: إن إبراهيم كان أُمَّة قانتًا للَّه حَنيفًا، فقال: ما نسيتُ، هل تدري ما الأُمَّة وما القانِت؟ الأُمَّةُ الذي يُعلّم الخير، والقانت المطيعُ للَّه ولرسوله، وكان معاذ كذلك (1).
وقالت شَهْر بن حَوْشَب: كان أصحابُ محمّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم- وإذا تحدَّثوا وفيهم معاذ؟ نظروا إليه هَيبةً له (2).
وقال هشام: كان معاذ ممَّن جمع القرآن.
وكتب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أهل اليمن: "إني قد بعثتُ إليكم من خير أهلي، واليَ علمهم، واليَ دينهم" (3).
وقال عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- حين خرج معاذ إلى الشام: لقد أَخَلَّ خروجُه بالمدينة وأهلها [في الفقه وما كان يُفتيهم به]، ولقد كلَّمتُ أَبا بكر أن يَحبِسَه لحاجة الناس، فأبى عليَّ وقال: رجل أراد [وَجْهًا يريد الشهادةَ فلا أحبسه، فقلتُ: واللَّه إن الرجل لَيُرزق] الشهادةَ وهو في بيته على فراشه (4).
وكان معاذ -رضي اللَّه عنه- قد جمع القرآن، وقال لابنه: يا بُنيّ، إذا صلّيتَ فصلِّ صلاةَ مُوَدّع، لا تَظنُّ أنك تَعودُ إليها أبدًا، واعلم أن المؤمن يموتُ بين حَسَنتَين: حسنةٍ عملها، وحسنةٍ أخَّرها (5).
وروى أبو نعيم، عن معاذ أنه قال: أخوفُ ما أخاف عليكم فتنةَ النساء إذا تَسوَّرْنَ الذَّهبَ، ولَبِسنَ رِياطَ الشام، وعَصْبَ اليمن، فأتعبْنَ الغنيَّ، وكلَّفْنَ الفقيرَ ما لا يجد (6).

ذِكرُ مرضِه ووفاتهِ: قال أبو نُعيم بإسناده عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع طاعونٌ بالشامِ فاستعر فيها، فقال النَّاسُ: ما هذا إلَّا الطُّوفانُ، إلَّا أنَّه ليس بماءٍ، فبلغ
__________
(1) أخرجه ابن سعد 2/ 301 - 302، وأبو نعيم 1/ 230.
(2) الحلية 1/ 231.
(3) طبقات ابن سعد 3/ 541.
(4) طبقات ابن سعد 2/ 300 وما بين معكوفين منه.
(5) أخرجه أحمد في الزهد 225، وأبو نعيم في الحلية 1/ 234.
(6) حلية الأولياء 1/ 236.
(5/297)

مُعاذًا، فقام خطيبًا فقال: إنَّه قد بلغني ما تقولون، وإنّما هذه رحمةُ ربِّكم، ودعوةُ نبيّكم، وكَفْتُ الصالحين قبلَكم، ولكن خافوا ما هو أشدُّ من ذلك؛ أن يَغدُوَ الرجلُ منكم من منزلهِ لا يدري: أمؤمن هو أم منافِقٌ؟ وخافوا إمارةَ الصِّبيان (1).
وروى ابنُ سعدٍ قال: لمّا قال معاذ: اللهمَّ آتِ آل مُعاذٍ نَصيبَهم من هذه الرحمةِ طُعِن ابناه، فقال: كيف تَجِدانِكما؟ قالا: يا أبانا {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)} [آل عمران: 60]، قال: وأنا ستَجداني إن شاء اللَّه من الصابرين، ثم طُعِنت امرأتاه فهلكتا (2)، وطُعِنَ هو في إبهامه فجعل يمصُّها بفيه ويقول: اللهمَّ إنَّها صغيرةٌ فبارك فيها، فإنك تُبارك في الصغير, حتى هلك.
وروى أبو نُعيم أنَّه كان كُلَّما أفاق -وكان شديدَ النَّزْعِ- فتح عينيه وقال: اخنُقْ خَنْقَك، فوَعِزَّتِك إنك تَعلم أني أُحبُّك، وأنَّ قلبي يُحبُّك (3).
وقال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده عن عَمرو بن قيس، عمَّن حدَّثه، عن معاذٍ أنَّه لما احتُضِرَ قال: انظروا هل أصبحنا؟ قالوا: لم نُصْبح، ثم قيل له: قد أصبحتَ، فقال: أعوذُ باللَّهِ من ليلةٍ صباحُها النَّار، مَرْحبًا بالموتِ مرحبًا، زائرٌ مُغِبٌّ حبيب جاء على فاقةٍ، لا أَفلحَ من نَدِم، اللهمَّ إني قد كُنتُ أخافُك وأنا اليومَ أرجوك، اللهمَّ إنك تعلمُ أني لم أكُن أُحبُّ الدنيا وطولَ البقاء فيها لكَرْي الأنهار، وغرسِ الأشجارِ، ولكن للظمأ في الهواجرِ، ومكابَدَةِ الساعات، ومُزاحمةِ العلماء بالرّكَبِ عند حِلَقِ الذكْر (4). ولم يبق من آل معاذ من الجمعة إلى الجمعة أحد.
وقال ابن سعدٍ بإسناده قال: وحدثنا إسحاقُ بنُ خارجة بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أَبيه، عن جدِّه قال: شهد معاذ بَدْرًا وهو ابنُ عشرين، أو إحدى وعشرين سنةً، وخرج إلى اليمن بعد أن غزا رسولُ اللَّه تبوكًا وهو ابنُ ثمانٍ وعشرين سنةً، وتُوفي في طاعون عَمْواس بالشام بناحية الأُردُن سنة ثماني عشرة وهو ابنُ ثمانٍ وثلاثين سنةً، وليس له عَقِبٌ.
__________
(1) حلية الأولياء 1/ 240. والكفت: الضمُّ والقبضُ.
(2) من قوله: ذكر مرضه ووفاته. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، والخبر في الطبقات 3/ 544 و 9/ 392.
(3) حلية الأولياء 1/ 240.
(4) الزهد 226، وحلية الأولياء 1/ 239.
(5/298)

وقال ابن سعد بإسناده عن سعيد بن المُسَيّب قال: رُفع عيسى وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنةً، ومات مُعاذ وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنةً (1). وقيل: كان له ست وثلاثون سنةً. وقيل: أربعٌ وثلاثون (2).
أسند مُعاذٌ عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الحديث. فالمشهورُ عنه أنَّه رُوي عنه مئةُ حديثٍ وسبعةٌ وخمسون حديثًا.
أُخرج له في "الصحيحين" ستَّةُ أحاديث، اتّفقا على حديثين، وأخرج البخاري ثلاثةً، وانفرد مسلم بحديث (3)، وأخرج له أحمد سبعةً وخمسين حديثًا (4).
منها ما روى أنسٌ، عن معاذ (5) حدَّثه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: "يَا مُعاذَ بن جَبل" قال: لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ يَا رسولَ اللَّه، قال: "لا يَشهدُ عبدٌ أن لا إله إلَّا اللَّه ثم يموتُ على ذلك إلَّا دخل الجنَّةَ"، قال: فقلتُ: ألا أُحَدِّثُ الناس؟ قال: "لا، إني أخشى أن يَتّكِلوا". أخرجاه في "الصّحيحين" (6).
والحديث (7) الثاني المتَّفقُ عليه أيضًا لمّا بعثه إلى اليمن وفي آخرِه: "واتَّقِ دعوةَ المظلوم، فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب" (8).
وقال أحمد بإسناده عن يؤيد بن قُطَيب السَّكوني -وكُنيتُه أبو بَحريَّة- قال: سمعتُ معاذَ بنَ جبل يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الملْحَمة العُظْمى، وفتحُ قُسطَنْطِينيَّة، وخروج الدَّجال في تسعةِ أشهر" (9).
وقال أحمد بإسناده عن الوالبيّ صديق لمُعاذٍ قال: قال معاذ: سمعتُ رسول اللَّه
__________
(1) الخبران في طبقات ابن سعد 3/ 545 - 564 و 9/ 393.
(2) من قوله: وقال ابن سعد -قبل سبعة أسطر- إلى هنا ليس في (خ) و (أ).
(3) تلقيح فهوم أهل الأثر 400.
(4) من قوله: فالمشهور عنه. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5) في (أ) و (خ): ومن مسانيده عن أنس عن معاذ.
(6) صحيح البخاري (128)، وصحيح مسلم (32).
(7) من هنا إلى نهاية الترجمة ليس في (أ) و (خ).
(8) صحيح البخاري (2448)، وصحيح مسلم (19).
(9) مسند أحمد (22045) وفيه: عن يزيد بن قُطيب السكوني، عن أبي بحريّة، في سبعة أشهر.
(5/299)

-صلى اللَّه عليه وسلم- تلا هذه الآية: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)} {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41)} [الواقعة: 27 - 41] فقَبض قَبضتين فقال: "هذه في الجنةِ ولا أُبالي، وهذه في النَّار ولا أُبالي" (1).
وقال أحمد بإسناده عن مُعاذِ بن جبل قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إلَّا تُؤذي امرأةٌ زوجَها في الدنيا إلَّا قالت زوجتُه من الحورِ العين: لا تُؤذيه قاتلك اللَّه، فإنَّما هو عندك دَخيل يُوشِكُ أن يفارِقَك إلينا" (2). الدَّخيل: الضَّيف.

يزيد بن أبي سفيان بن حرب
كُنيته أبو خالد، وأمُّه زينب بنت نَوفل، من بني فراس بن غَنْم (3)، وهو من الطبقة الرابعة ممّن أسلم يوم الفتح، وكان أفضلَ أولاد أبي سُفيان، ويقال له: زيد الخير.
شهد مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حُنينًا، وأعطاه مئة من الإبل، وأربعين أُوقيّة، ولم يزل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَذكره بخير، واستعمله على صدقات بني فراس بن غَنْم؛ لأن يزيد منهم (4).
وولاه أبو بكر رضوان اللَّه عليه الشام، وخرج معه ماشيًا يُودِّعه ويُوَجِّهُهُ وقال: إنك شاب تُذكر بخير، وقد أردتُ أن أختبرَك، فإن أحسنتَ زدتُك، وإن أسأتَ عزلتُك، وأوصاه بأبي عُبيدة ومعاذ خيرًا، فقال: يا خليفة رسول اللَّه أوصِهما بي.
وأقام أميرًا على الشام حين مات أبو بكر رضوان اللَّه عليه، وولي عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، فولّى أَبا عبيدة على الجيوش، وولّى يزيدَ بنَ أبي سفيان دمشق، فأقام عليها حتى مات بعَمْواس، واستَخلف أخاه معاوية، فأقرَّه عمر رضوان اللَّه عليه.
ولما مات يَزيد جزع عمر رضوان اللَّه عليه جزعًا شديدًا ونَعاه إلى أبيْه، فقال: عند اللَّه أحتسبُ يزيد، فمَن أَمَّرتَ بعدَه، فقال: معاوية، قال: وصلتْك [رحم] (5).
__________
(1) مسند أحمد (22077)، والحديث فيه عن الحسن، عن معاذ، وحديث الوالي عن معاذ هو الحديث السابق لهذا في مسند أحمد (22076)، وانظر أطراف المسند لابن حجر 5/ 320.
(2) مسند أحمد (22101). وانظر في ترجمة معاذ: المعارف 254، والاستيعاب (2270)، والمنتظم 265، والاستبصار 136، والسير 1/ 443
(3) في (أ) و (خ): زينب بنت يزيد من بني قريش بن غنم، وهو خطأ، انظر طبقات ابن سعد 6/ 13 و 9/ 409 وتاريخ دمشق 18/ 306 (مخطوط)، والسير 1/ 329 والمصادر في حاشيته، والإصابة 3/ 656.
(4) فهم أخواله.
(5) تاريخ دمشق 18/ 313 وما بين معكوفين منه، وترجمة يزيد ليست في (ك).
(5/300)

السنة التاسعَة عَشْرَة
قال خليفة: وفيها أَسرتِ الرومُ عبدَ اللَّه بن حُذافة السَّهْميَّ (1)، وذهبوا به إلى ملكهم وقالوا: هذا من أكابرِ أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال له الطاغيةُ: تَنَصَّرْ وأُشْرِكُكَ في مُلْكي، فقال: لو أعطيتَني جميعَ ما تَملك ما رجعتُ عن ديني، فقال له: تَنَصَّرْ وإلّا ألقيتُك في البَقَرةِ، فأبى، فدعا ببَقَرةٍ أو بقِدْرٍ من نحاسٍ، فصُبَّ فيها ماءٌ، وأُوقد عليها حتى التَهبت، ودعا بأسيرٍ من المسلمين، فألقاه فيها فإذا عظامُه تلوحُ، فأمر بعبدِ اللَّه أن يُلقى فيها فبكى، فظنَّه قد جَزع فقال: واللَّه ما بُكائي من الموتِ، وإنَّما أبكي حيثُ لم يكن لي إلَّا نَفْسٌ واحدةٌ تَفْعَلُ بها هذا في سبيل اللَّه، وكنتُ أتمنّى أن يكون لي عددُ كُلِّ شعرةٍ فيَّ، أو في جسدي، أَنفسٌ تفعلُ بها هذا في اللَّه تعالى.
فقال له الطاغية: هل لك أن تُقَبِّلَ رأسي وأُطْلقك؟ فقال: لا حتى تُطْلِقَ جميعَ أُسارى المسلمين، قال: نعم، فقبَّله فأطلق له ثمانين أسيرًا، فلما دخل المدينةَ كان عمرُ في المسجدِ، فقام إليه وقَبَّل رأسَهُ، وكان المسلمون بعد ذلك يُداعبونه فيقولون: قَبَّلْتَ رأسَ عِلْجٍ (2)! وفي روايةٍ: أنَّ عمرَ كتب إلى الطّاغيةِ يتهدَّده فأطلقَه.
وقد روى لنا الشيخ المُوَفَّقُ رحمه اللَّه القصَّةَ بإسناده عن سليمان بن حبيب قال: ما اخْتُبِر أحدٌ من المسلمين مثل ما اختُبِر عبد اللَّه بنُ حُذافةَ السَّهْمي، وكان قد شُكي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه صاحُب مُزاحٍ وباطلٍ، فقال: "اتركوه، إن له بطانةً يُحبُّ اللَّه ورسوله"، فرُمي على قَيْسارِيَّة، فأخذوه وبعثوا به إلى الطاغيةِ وهو بالقُسْطنْطينية، فقال له: تنصَّر وأُنكِحك ابنتي، وأُشْرِكك في مُلكي، فقال: لا أفعل، فقال: أقتُلُك، قال: فعجِّل، فأتى بأُسارى، فضرب أعناقَهم، فمدَّ عُنُقَه وقال: اضرِبْ، قال: فأتى ببَقَرةٍ من نُحاسٍ، فمُلِئت زيتًا، قال: وحَبَسه في بيتٍ وعنده لحمُ خِنْزيرٍ مشويّ، وخمرٌ ممزوج، فلم يأكُل ولم يشرب. . . وذكر إطلاقَ الأُسارى وتقبيل رأسِهِ (3).
__________
(1) تاريخ خليفة 142.
(2) تاريخ دمشق (عبد اللَّه بن جابر - عبد اللَّه بن زيد) 134.
(3) التبيين 468 - 469، وأخرجه ابن عساكر 134 - 135، ومن قوله: وكان المسلمون بعد ذلك يداعبونه. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/301)

فصل
وفيها وسَّع عمر مسجدَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- واشترى له الدُّور وأدخلَها فيه، وسقفه بالجَريدِ والعَمَدِ والخَشب.
وفيها ظهرت نارٌ عظيمة من حَرَّةِ ليلى، بحيث سألت الحرَّةُ نارًا، قال الواقدي: فخرج عمر وجميعُ الصحابة إليها، فقيل له: إنَّ هذه آية من آياتِ اللَّه لا تَنْدَفعُ بالقتالِ بل بالصّدَقة، ففتح عمر بيتَ المال، وجاء كلُّ واحدِ من الصحابةِ بمال: عثمانُ وطلحةُ وعبد الرحمن، فتصدَّقوا بهِ فطَفِئت.
وقال محمد بن حبيب الهاشمي: إنَّما ظهرت النار بخَيبر، ويحتمل أنَّها ظهرت في الموضِعَيْن.
وفيها بعث عمرُ عُثمانَ بن أبي العاص الثقفي إلى أَرْمينية غازيًا في جيشٍ، فاستُشْهِد فيه صفوانُ بن المعَطَّل السُّلَمي، الذي قيل بسببه في الإفكِ ما قيل.
وقيل: إن غَزاةَ نَهاوَند كانت في هذه السنة، وقال ابن إسحاق وابن سعدٍ عن الواقدي: كانت في سنة إحدى وعشرين.
واختلفت الروايات في غزاة نهاوند:
فروى ابنُ ناصر بإسناده إلى الحسن قال: كانت الأعاجم من أهل قُومِس وأهل الرّي وهَمَذان ونهاوند قد تكاتبوا، وتعاقدوا على أن يُخرجوا العربَ من بلادهم، وكتب أهلُ الكوفة إلى عمر رضوان اللَّه عليه بالخبر، فصَعِد المنبر، وأخبرهم الخبر، وقال: أَشيروا عليَّ، فقام طلحةُ -رضي اللَّه عنه- فقال: أنت وليُّ الأمر، قد أحكمتَ التَّجارِب، وأنت مَيمون النَّقيبة، فمُرنا بأمرك، ثم قعد.
وقام عثمان رضوان اللَّه عليه فقال: أرى أن تكتب إلى أهل الشام، [فيسيرون] من شامهم، [وتكتب إلى] أهل [اليمن فيسيرون] من يَمنهم، [وتسير] أنت بنفسك [من هذين الحَرمَين إلى هذين المِصرين] من أهل الكوفة [والبصرة، فتلقى جموع المشركين في جموع المسلمين.
ثم قام علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- فقال: إنك إنْ أشخصتَ أهلَ الشام] سارت الرُّومُ
(5/302)

إلى أهلهم وذَراريهم، وإن أشخصتَ أهلَ اليمن سارت الحَبَشةُ إلى ذَراريهم، وإنك متى شَخصتَ من هذين الحرمين انتَقَضَت عليك الأرضُ من أقطارها، حتى يكون ما تُخلّف خلفك من العَورات أهمَّ إليك مما بين يديك، ولكن أرى أن تكتب إلى أهل البصرة فيتفرقون؛ فِرقة تُقيم في أهلها، وفرقة يسيرون إلى إخوانهم بالكوفة، ثم يَسيرون إلى العدو.
فقال عمر رضوان اللَّه عليه: صَدقتَ، فأشيروا عليَّ برجلٍ أُوَلّيه ذلك الثغر، قالوا: أَنْتَ أفضلُنا رأيًا، قال: أشيروا عليّ واجعلوه عراقيًّا، قالوا: أنت أعلمُ بأهل العراق، فقال: لأُوَلِّينَّ رجلًا يكون قتيلًا في أول وَهْلة، قالوا: ومَن هو، قال: النعمان بن مُقَرِّن المزَني.
وكان النعمان بالكوفة فكتب إلى أهل الكوفة: أما بعد، فقد استعملتُ عليكم النعمان، فإن قُتل فعليكم حُذيفة بن اليمان، فإن قُتل فعليكم جرير بن عبد اللَّه، فإن قتل فعليكم المغيرة بن شُعبة، فإن قُتل فعليكم الأَشعث بن قيس.
وكان في كتابه إلى النعمان: أما بعد فإن في عَسكرك عمرو بن مَعدي كَرِب، وطُليحة بن خُوَيلد، وهما يُعدّان بأَلْفَي رجل، فشاوِرْهما في الحرب، ولا تُولِّهما عَملًا، ثم دعا السَّائب بنَ الأَقْرع، فدفع إليه الكتاب وقال: انطلق فاقرأ كتابي على الناس، وانظر ذلك الجيشَ، فإن نَصرهم اللَّه كنتَ الذي تَلي مَغانمهم، وإن وَهنوا فاذهب في الأرض، ولا أراك بعدها أبدًا.
فسار السَّائبُ حتى قَدم الكوفة، فقرأ الكتاب على الناس، وبَعث إلى أهل البَصرة بكتابهم، فأقبلوا، وسار الناس مع النعمان، وأقبلت الأعاجم بجمُوعها حتى نزلت نَهاوَنْد (1).
وقيل: إن كتاب عمر رضوان اللَّه عليه لما وَرد النعمان يَأمُره بالمسير إلى المشرق كتب إليه: يا أمير المؤمنين، أُمَّ بي أَشَدَّ الوُجوه وهي نَهاوَنْد، فإن الفُرس قد اجتمعت بها، وعليهم ذو حاجب نائب يَزدجرد، فكتب إليه: سِر إليها، فسار ومعه وُجوه
__________
(1) المنتظم 4/ 272 - 274 وما سلف بين معكوفين منه، وانظر تاريخ الطبري 4/ 124 - 126.
(5/303)

الصحابة: حُذيفة بنُ اليَمان، وعبد اللَّه بنُ عمر، وجرير بن عبد اللَّه، والمغيرة بنُ شُعبة، وعبد اللَّه بنُ الزبير، وقيس بن المَكشوح، وطُليحة بن خُوَيْلد، وعمرو بن مَعدي كَرب وغيرهم.

حديثُ الوَقْعَة
قال علماءُ السير: سار النعمانُ بن مُقَرِّن بالناسِ على راياتهم، وكان مَسيرُ النعمان بأمر عمر بن الخطاب، وجعل يَقفُ على رايةٍ رايةٍ، فيحمَد اللَّه ويُثني عليه ويقول: قد علمتُم ما أعزَّكم اللَّه به من هذا الدِّين، وما وَعدكم به من الظُّهور، وقد أنْجَزَ لكم هَوادِيَ ما وَعدكم، وإنَّما بقيتْ أعجازُه وأَكارِعُه، واللَّهُ مُنجِزٌ وَعدَه، ولا يَكونُنَّ على دُنياهم أَحمى منكم (1) على دينكم؛ فإنكم تَنتظرون إحدى الحُسنيَيْن: إمّا الشهادةُ، وإمّا الفتحُ القريبُ، فاستعِدُّوا فإنِّي مُكبِّرٌ ثلاثًا، فإذا كبَّرْتُ الأولى فتهيّؤوا، وإذا كبَّرتُ الثانية فتأهَّبوا، وإذا كبَّرْتُ الثالثة فاحمِلوا.
فأقاموا ثلاثًا يقتتلون قتالا شديدًا، وكَثُرتِ الجراحاتُ بين الفريقين والقتلى، وباتَ المسلمون في ليلةٍ قَرَّةٍ، يُداوون جِراحاتهم، ويوقدون النّيران، وبات الكفار يَشربون الخمور، ويضربون بالطبولِ والمعازفِ.
وكان أهلُ نَهاوَنْد قد طرحوا حول البلد حَسَكَ الحديد، وبعث النعمان عُيونًا، فساروا لا يَعلمون بالحَسَكِ، فوَطئت دوابُّهم عليه، فعادوا وأخبروا النعمان، فرحل فنزل ناحيةً، فلما كان يوم الجمعة ركب النعمان فرسًا أَشهبَ، وعليه قَباءٌ أبيضُ، وعِمامةٌ بيضاء، وكان رجلًا آدمَ قصيرًا، وخطب فقال: أيها النَّاسُ، إنكم اليومَ بابُ العربِ، فإن كُسِرَ البابُ اليوم دخل على المسلمين أمرٌ عظيم، فقالوا: نحنُ عند أمرِك، فمُرنا بما شئتَ، فقال: إني أُحت القتالَ إذا زالت الشمسُ وهبَّتِ الرّياحُ، فلما زالت صلى بالناسِ صلاةَ الخوفِ، وهزَّ الرايةَ ثلاثًا، وكبَّر ثلاثًا، وحمل وحمل المسلمون.
وكان قد كتَّب الكتائبَ، وكان في مُقَدِّمتهِ ساريةُ بنُ زُنَيم أميرًا على كُرْدوس، قد استبطن الوادي، وقد كَمن له جمعٌ من الفُرس، وحمل النعمانُ والناسُ معه قد كسروا
__________
(1) في (أ) و (خ): فلا يكونن على دنياكم أحنّ منكم، والمثبت من الطبري 4/ 131، وانظر المنتظم 4/ 271.
(5/304)

جُفون سُيوفهم، فكان النعمانُ أوَّل قتيلٍ، فطرح عليه أخوه سُويدُ بن مُقَرِّن ثوبَه لئلا يُعرف، وأخذ سويدٌ الراية فإذا هي تَنْضَحُ دمًا، وقيل: إن فرس النعمان زَلَق به في الدِّماء فصَرَعه، وأن الذي أخذ الرَّايةَ نُعيم بن مُقَرِّن، وقال المغيرةُ بن شعبة: اكتُموا مُصابَ أميركم حتى نَنظُرَ ما نَصنع.
وكان النعمان قد قال: اللهمَّ أعِزَّ دينَك، وانْصُرْ عبادَك، واجعل النعمانَ أوَّلَ شهيدٍ.
وأخذ اللواءَ حُذيفةُ بن اليمان، واقتتلوا إلى الليلِ، ونصر اللَّه المسلمين، وكان الكفار قد قَرنوا ثمانين ألفًا في السلاسلِ، وحفروا حولهم خَندقًا، فلما هزمهم المسلمون، وقع منهم في الخندقِ مئةُ أَلْفٍ فماتوا، وقُتل عامّتهم في المعركةِ، وكان عليهم الفَيرزان أو ذو حاجب، فانهزم إلى هَمَذان، فأدركه القَعقاعُ على ثَنيَّة هَمَذان، والثنيَّةُ مَشحونةٌ بأحمالٍ فيها عَسَلٌ، فلم يَتخلَّصِ الفَيرُزانُ من الزحام، فقتله القعقاعُ، فقال المسلمون: للَّه جنودٌ من عَسَل.
وفي هذه الغزاةِ صاح عمر: يا ساريةُ، الجبلَ، قالها ثلاثًا، ثم خطب ونزل، فقيل له: ما هذا؟ فقال: واللَّه ما ألقيتُ له بالًا، ولكنه شيءٌ أجراه اللَّه على لساني.
وفي رواية ابن سعد: يا سارِيةُ بن زُنَيْم، الجبلَ الجبل، ظلم مَن استَرعى الذئبَ الغَنَم، فلما كان بعد أيامٍ وصل كتابُ سارية إلى عمر: إن اللَّه فتح علينا يومَ الجمعة، في ساعة كذا وكذا، سمعنا صوتًا يقول: الجبلَ الجبلَ، وكان العدوُّ قد كَمن لنا في الوادي، فلما ارتفعنا الجبَلَ هَزمهم اللَّه وكان الفتحُ.
وفي روايةٍ: إن عمرَ رأى ذلك في منامِه، فأصبح فصَعِد المِنْبَر وصاح، فقيل لساريةَ: أسمعتَ الصوتَ؟ قال: إي واللَّه.
وقال هشام: ولما فتح اللَّه نَهاوَنْد جاء راهبٌ إلى السائبِ بن الأقْرَعِ، وكان أميرًا على كُردوسٍ، فسارَّه بشيءٍ وقال: إن دَلَلْتُك على كُنوزِ كسرى أأنا آمنٌ على نفسي وأهلي؟ قال: نعم، فجاء به إلى مكانٍ، فاستخرج منه سَفَطَيْن عظيمين، فيهما اليواقيت التي كانت ذخائرَ كِسرى ومَن تَقدَّمه، فرأى السائبُ ما أذهله، وقسم حُذيفةُ الأخماسَ، وأصاب الفارسُ ستَّةَ آلاف، والراجلُ ألفَين، وأما من الثيابِ والأمتعةِ والأطعمةِ
(5/305)

وغيرها فلا يُحَدُّ ولا يُحصى.
وكتم السائبُ السَّفَطين عن حُذيفة وعن المسلمين، وسار بالأخماسِ إلى المدينةِ، قال: فلقيتُ عمر فقال: ما الخبرُ؟ فقلتُ: استُشهِدَ النعمان، فبكى حتى اختلج صُدْغاه، وقلتُ: فتح اللَّه نهاوَنْد، وقُتِل من العدوِّ مئةُ أَلْفٍ، ودفعتُ إليه الأخماسَ، ثم خلوتُ به فكشفتُ عن السفطين، فلما رآهما تَحيَّر -ويقال: إن قيمتهما أربعُ مئة ألف ألف دينار- فقال: اختُم عليهما، وأدخِلْهما بيتَ المالِ حتى أنظرَ في أمرِهما، قال: ففعلتُ، فقال: الحَق بجُنْدكَ، فخرجتُ، فبَعثَ في إثري رسولًا، فقال: ما نمتُ البارحةَ؛ ما زال السفطانِ يشتعلانِ نارًا، والملائكةُ تَسحبُني إليهما يقولون: لنكوينَّك بهما، فخُذهما عني فاقسِمْهما بين المسلمين، فأخذتُهما ورجعتُ فقسمتُهما بين المسلمين.
وفي روايةٍ: إن الذي جاء بالسَّفَطَيْنِ الهِرْبِذُ، وقال: هُما عندي وَديعةٌ، فاتفق حُذيفةُ مع المسلمين أن يخبر بهما عمرَ، فبعثوا بهما إليه، فردَّهما إلى حُذيفة وقال: اقسمهما على مَنْ أفاءَ اللَّه عليه.
وفي رواية أبي الفضل بن ناصر: أن دِهقانًا أتى إلى السائبِ بن الأقرعِ، وقال له: هل لك أن تُؤمنني على دَمي ودمِ ذوي قَرابتي وأدلّك على كنز النَّخيرجان نائب كِسرى؟ قال: وما هو؟ قال: إنه كان للنَّخيرجان امرأةٌ يَنتابُها العالَمُ، وإنَّ كسرى كان يَختلفُ إليها ومعه وصائفُ عليهن الحليُّ والديباجُ، وكان لكسرى تاجٌ من الياقوتِ، وهو مدفون في مكانٍ لم يعلم به غيري، وأنَّ السائبَ أخرج السفطَيْن، وذهب بهما إلى عمر، وذكر بمعنى ما تقدَّم.
وفي هذه الرواية: فدعا عمرُ عليًّا وابن مسعودِ وعبد اللَّه بنَ أرقَم صاحب الخِزانة وقال: ضعوا خَوَاتِيْمَكُمْ عليهما حتى أنظرَ فيهما، ثم دفعهما بعد إلى السائب، فقسمهما في جامعِ الكوفةِ.
وقال سيف بن عمر: حدثنا عمر بن محمد، عن الشعبيّ (1) قال: لما قُدِم بغنائم
__________
(1) من قوله: وفي رواية إن الذي جاء بالسفطين الهربذ. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/306)

نَهاوَند على عمر بكى، فقال له عبد الرحمن بنُ عَوف: ليس هذا مكانَ بُكاءٍ وحُزنٍ، لكن بُشرى من اللَّه وفَتخ، فافرحْ واحَمد اللَّه فقال: ويحكَ يَا ابن عوفٍ، إنَّه واللَّهِ ما كثُرتِ الصفراءُ والبيضاءُ في قومٍ قط إلا فُتِنُوا وتقاتلوا وتدابَروا، حتى يُدَمِّرَ اللَّه عليهم.
قال: وجعل أبو لؤلؤةَ لا يَلْقَى من السَّبي صغيرًا إلَّا ووضع يده على رأسهِ ومسحها وبكى، ولا يَلقى كبيرًا إلا اشتكى إليه وقال: أكل عمرُ كَبدي، وكان أبو لؤلؤة من نَهاوَنْد.
وكان عمر يقول: ما بتُّ بليلةٍ بعد وفاةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أعظم من ليلةِ نَهاوَنْد خَوفًا على المسلمين.
وروى دَعْلَجُ بن أحمد [بإسناده] عن شَقِيق بن سَلَمة الأسدي: أنَّ عمرَ جهَّزَ سَلمة ابن قيس الأَشْجَعيَّ إلى فارس، وأنه أصاب سَفَطَيْنِ من جنْسِ السَّفَطَيْنِ اللذَين ذكرناهُما، وأنه بعث بهما إلى عمر برِضى المسلمين، وأنه ردَّهما على سَلَمة بعد أن وَقف عليهما بالمدينةِ، وأنَه أمره فقسمهما بين الغانمين (1)، وهي قصة طويلة حاصلها ما ذكرنا.

فصل: وحجَ بالناس عمرُ بن الخطاب، وكان عُمّاله في هذه السنة على الأمصار الذين كانوا في العام الماضي.
فصل وفيها تُوفّي

الأغلبُ بن جُشَم
ابن سعد بن عِجْل بن جُشَم، كان شاعِرًا مُفْلِقًا فصيحًا، عُمِّر دهرًا طويلًا؛ فيقال: إنه عاش في الجاهلية مئة وثلاثين سنة، ثم أسلم وهاجر ونزل الكوفةَ واختطَّ بها، وشهد القادسية، وهو أوّلُ مَن قال الأراجيزَ على قولِ هشام.
ولما ولّى عمر المغيرة بنَ شُعبة الكوفة قال له: اكتب إليَّ مما قال الشعراء في الإِسلام، فأحضر لبيدًا والأغلب، وقال: أنشِداني، فأمّا الأغلب فقال: [من الرجز]
__________
(1) المنتظم 4/ 276 - 277، ومن قوله: وروى دعلج. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/307)

أرَجَزًا تُريدُ أم قَصيدا
لقد سألتَ هيِّنًا موجودًا
وقال للبيد: أَنشِد، فقال: قد أبْدَلَني اللَّه سُوَرَ القرآن عِوضَ الشعر، فكتب المغيرة إلى عمر رضوان اللَّه عليه بذلك، فكتب إليه: أَنقِص من عَطاءِ الأَغلب خمس مئة، ورُدَّها في عطاء لَبيد، فكتب الأغلب إلى عمر رضوان اللَّه عليه: أتَنْتَقِص من عَطائي أن أَطعتُك؟ فردّ عليه الخمس مئة، وأقرَّها في عطاء لَبيد.
واستُشهد الأَغلب في وقعة نَهاوَنْد رحمه اللَّه تعالى (1).
فصل وفيها تُوفّي

خبّابُ
مولى عُتبةَ بنِ غَزْوان الذي اختطَّ البصرةَ، وكُنْيتُه أبو يحيى، من الطبقةِ الأولى من المهاجرين، آخى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين تميم مولى خِراش بن الصّمَّة، شهد خبَّاب بدرًا وأُحدًا والخندقَ والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال ابن سعد: وتُوفّي بالمدينةِ في سنة تسع عشرة، وصلّى عليه عمر، وليس له رواية (2).
وفيها توفي

صفوان بن المعطَّل
ابن رُحيْضةَ الذَّكْواني السُّلَميّ صاحبُ الإفْكِ، من الطبقة الثالثة من الصحابة، وكنيتُه: أبو عمرو، أسلم قبل المُرَيْسيع، وكان على ساقةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشهد الخندق وما بعدها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان مع كُرْز بن جابر في طلب العُرَنيّين الذين أغاروا على لِقاح رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان شُجاعًا فاضلًا خَيّرًا، أثنى عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
__________
(1) ترجمة الأغلب في طبقات ابن سلام 737، والشعر والشعراء 613، والأغاني 21/ 29، والمنتظم 4/ 281، والإصابة 1/ 56. ومن قوله: ولما ولى عمر المغيرة إلى هنا ليس في (ك).
(2) طبقات ابن سعد 3/ 93، وانظر الاستيعاب (658)، والإصابة 1/ 417.
(5/308)

وقال: "ما علمتُ عليه إلَّا خَيرًا" (1).
وقال ابن عبد البرِّ: لمّا نزل المسلمون على دمشق حمل صفوان على رجلٍ من الرُّوم بدارَّيا، وعليه حِلْيةُ الأعاجم، فطعنه صَفوان فصرعه، فصاحت زوجةُ الرُّوميّ على صفوان، وأقبلتْ نحوه فقال: [من الكامل]
ولقد شَهِدْتُ الخيلَ يَسطعُ نَقْعُها ... ما بين داريّا دمشق إلى نَوى
فطعنتُ ذا حُلْيٍ فصاحت عِرْسُه ... يَا ابنَ المعطَّلِ ما تُريد بما أرى
فأجبتُها إني لأَتركُ بَعْلَها ... بالديرِ مُنْعَفِرَ المضاحكِ بالثّرى (2)
واختلفوا في وفاته، فقال أبو حذيفة إسحاق بن بِشر (3): بعث عمر بنُ الخطابِ عثمانَ بن أبي العاص إلى أرمينية في سنة تسع عشرة، وكان معه صفوانُ بنُ المعطَّلِ، فقُتل شهيدًا.
قال أبو إسحاق السّنجاريّ: أتينا بَوْلاءَ في بَعْثٍ، فقال لي شيخ من أهلها قد جاوز المِئة: أتُريدُ أن أُريك قبر صفوان بن المعطَّل؟ قلتُ: نعم، فقال: ها هو على بابها قَدْرَ رمية حَجَرٍ، رَميناه فقتلناه، وبلغ عمرَ، فدعا علينا دعوة إنّا لنَعْرِفُها إلى الساعةِ.
وكان يوم (4) استُشهدَ ابنَ بِضْعٍ وستين سنةً، وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي: أنَّه اسُتشهد بسُمَيْساط سنة ستين، وكذا قال جدّي في "المنتظم" وذكره في سنة ستين، واللَّه أعلم (5).
وقال ابن عبد البرِّ: غزا الرومَ سنة ثمانٍ وخمسين، فجعل يُطاعنُ، فاندقَّت ساقُه فمات (6).
__________
(1) أخرجه البخاري (4141)، ومسلم (2770) من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.
(2) أخرجه ابن عساكر 8/ 346 (مخطوط)، ولم نجده عند ابن عبد البر.
(3) جاء في (أ) و (خ) بدل هذا الكلام: استشهد بأرمينية وقيل تأخرت وفاته، وفي (ك): واختلفوا في وفاته فقال ابن إسحاق عن بشير، والمثبت من تاريخ دمشق 8/ 355.
(4) من هنا إلى نهاية ترجمة صفوان ليس في (أ) و (خ).
(5) الطبقات 5/ 156، والمنتظم 4/ 282.
(6) الاستيعاب (1202).
(5/309)

قلت: والأوَّلُ أشهر، نصَّ عليه أبو أحمد الحاكم، فقال: وقولُ مَن قال إنه استُشهدَ بأرمينية أثبتُ (1).
وليس في الصحابةِ مَن اسمُه صفوان بن المعظَل غيرُه، فأما غيرُ ابن المعطَّل فكثير.
وروى أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأةُ صفوان بن المعطَّل إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن عنده، فقالت: يا رسول اللَّه، إن زوجي صَفوانَ يَضربني إذا صلَّيْتُ، ويُفَطِّرني إذا صُمْتُ، ولا يُصلّي الفجرَ حتى تَطلع الشمسُ، قال: وصفوان عنده، فسأله عما قالت فقال: أما قولُها يَضربني إذا صلَّيْتُ، فإنَّها تقرأُ سورَتي، وقد نَهَيتُها عنها، فقال له: "لو كانت سورةً واحدةً لكفَت الناس"، وأما قولُها إني أُفطِّرها وهي صائمة، فإنَّها تَصومُ وأنا رجلٌ شاب لا أَصبرُ، فقال رسول اللَّه يومئذ: "لا تصومُ امرأةٌ منكن إلَّا بإذن زَوْجِها"، وأما قولُها إني لا أُصلّي حتى تطلع الشمسُ، فإنا أهلُ بيتٍ لا نكاد نستيقظ حتى تَطلعَ الشمسُ، فقال: "إذا استيقظتَ فَصَلِّ" (2).

طُليحَة بن خُوَيْلد
ابن نَوْفَل بن نَضْلَة بن الأَشْتر الأَسدي، الذي تَنبَّأ بعد مُسيلمة، وكان مع الأحزاب على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزاة الخندق، وَفَد على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سنة تسعٍ وأسلم، فكان يُعد بألفِ فارس، ولما انفصل عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ارتدَّ عن الإِسلام، وكتب إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُخبره بنبوَّته، وأن الذي يَأتيه يُقال له: ذو النُّون، لا يَكذب ولا يَخون، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد ذكر مَلكًا عظيمًا"، وبَعث بالكتاب مع ابن أخيه، فأَغلظه لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدعا عليه، فقُتل في الرِّدّة كافرًا.
ومن سَجْعه: والحمامِ واليَمام، والصُّرَدِ [الصَّوَّام] (3)، وما مضى من الأعوام، لأملكنّ العراقَ والشَّام. وكان له سيفٌ يُقال له: الجراز.
وهزمه خالد بن الوليد -رضي اللَّه عنه- إلى الشام، فنزل في كَلْب وآل جفنة الغَسّانيين، ثم
__________
(1) تاريخ دمشق 8/ 349.
(2) مسند أحمد (11759)، وينظر مشكل الآثار للطحاوي 5/ 52.
(3) في (أ) و (خ): والحمام والصرد واليمام، والمثبت من تاريخ دمشق 8/ 599 (مخطوط).
(5/310)

أسلم، وخرج إلى مكة معتمرًا في أيام أبي بكر -رضي اللَّه عنه-، فمرَّ بجنَبَات المدينة، فقيل لأبي بكر -رضي اللَّه عنه-: هذا طُليحة، فقال بعد أن أسلم: دَعوه فقد هداه اللَّه إلى الإِسلام، وعاد إلى الشام بعد ما قضى عُمرته.
ولما قام عمر رضوان اللَّه عليه جاء طُليحةُ إليه مُبايعًا له، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: أنت قاتلُ عُكَّاشة وثابت بن أَقرم، لا أُحبُّك بعدهما، فقال: يا أمير المؤمنين، وما تنقم من رَجُلين أكرمهما اللَّه تعالى بيدي، ولم يُهنّي بأيديهما، وما كلُّ القلوب جُبلت على الحبّ، ولكن صَفحة جميلة، فإن الناس يَتصافحون على الشَّنَآن، فبايعه عمر رضوان اللَّه عليه، وأسلم إسلامًا صحيحًا وقال: [من الطويل]
نَدمتُ على ما كان من قَتْلِ ثابتٍ ... وعُكَّاشَةَ الغَنْميِّ ثم ابنِ مَعْبَدِ
وأعظمُ من هاتَين عندي مُصيبةً ... رُجوعي عن الإِسلام فِعْلَ التَّعَمُّدِ
وتَركي بلادي والحوادثُ جَمَّةٌ ... طَريدًا وقِدْمًا كنتُ غيرَ مُطَرَّدِ
فهل يَقبلُ الصِّدّيقُ أني راجِعٌ ... ومُعطٍ بما أحْدَثْتُ من حَدَثٍ يَدي
وأنّيَ من بعد الضَّلالةِ شاهدٌ ... شهادةَ حقٍّ لستُ فيها بمُلْحدِ
بأنّ إله النّاسِ ربي وأنني ... مُقرّ وأن الدّين دينُ محمّد
ولما خرج طُليحة إلى الشام هاربًا هو وأصحابُه يُريدون الرُّوم ركبوا البحر مُلَجِّجين، وإذا بقَادِس من قَوادِس الرُّوم (1)، فيه جماعةٌ منهم، فنادَوْهم: إما أنْ تَثِبوا إلى سفينتنا، أو نَثِبَ إلى سفينتكم، فدنا منهم طُليحة، ووَثب حتى صار معهم في السّفينة، وغَشيَهم بسيفه، فقتل منهم مَن قَتَل، واستسلم مَن استسلم، وألقى نفسَه في البحر منهم جماعة فغرقوا، وبلغ ذلك عمر رضوان اللَّه عليه فأعجبه.
وأقام طُليحة إلى أيام القادسيّة مُسلمًا في قومه، لم يُغمَضْ عليه شيء، حتى جَهّزه عمر رضوان اللَّه عليه إلى العراق، فقُتل بنَهاوَنْد رحمة اللَّه عليه (2).
__________
(1) القادس: سفينة عظيمة.
(2) ترجمة طليحة ليست في (ك)، وانظر الردة للواقدي 100، وطبقات ابن سعد 6/ 155، والاستيعاب (1283)، وتاريخ دمشق 8/ 589، والمنتظم 4/ 282، والتبيين 513، والتوابين 152 - 154، والسير 1/ 316، والإصابة 2/ 234.
(5/311)

فصل وفيها توفي

عمرو بن معدي كَرِب
ابن عبد اللَّه بن عمرو بن عُصْم بن عَمرو بن زُبَيد الأصغر، وكُنيتُه أبو ثور، وكان شُجاعًا فارسًا، يُعدُّ بألفِ فارسٍ، كخالد بن الوليد والقَعقاع بن عمرو وطليحة وغيرهم، وله الغاراتُ المشهورة، والواقعات المذكورةُ، وكان قد كتب على سَيفه: [من الكامل]
ذَكَرٌ على ذكرٍ يَصولُ بصارمٍ ... ذكَر يَمانٍ في يمين يَماني
وقد ذكرنا أن عَمْرًا وفد على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في السنةِ العاشرةِ وأسلم (1).
وحكى هشام، عن أَبيه، عن عمرو قال: قَدِمتُ المدينةَ، فوافيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قافِلًا من تبوك، فأردتُ أن أَدنُوَ منه فمنَعني مَن حولَه، فقال لهم: دَعوه، فدنوتُ منه فقلت: انعَم صباحًا، أبيت اللعنَ، فقال: "يَا عمرو، أسلِم تَسلم، ويؤمِّنُك اللَّه من الفزعِ الأكبرِ، ذلك يومٌ يُصاحُ فيه بالناسِ، فلا يبقى ذو روحٍ إلَّا مات، ولا ميّتٌ إلا انتَشر، وتَسيرُ فيه الجبالُ، وتنشقُّ الأرضُ، وتَبرزُ النَّار لها لسانٌ، تَرمي بشَررٍ مثلِ قُلَلِ الجبالِ، فلا يبقى ذو روحٍ إلا انخلعَ قلبُه، وذكر ذَنْبه، فأين أَنْتَ من ذلك الفَزع يَا عمرو؟ " قال: فقُلتُ يَا رسولَ اللَّه، أما الآن فنعم، فأسلمتُ.
قال الواقدي: ولم يَحْسُن إسلامُه، وفي النفوسِ منه شيءٌ، وكان تَأثيرُ ذلك أنَّه ارتدَّ بعد وفاةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم عاد إلى الإِسلام.
وبعثه عمر إلى القادسية، وكتب إلى سعدٍ: قد أمددتُكَ بألفَي رجلٍ، منهم عمرو وطُليحةُ، فشاوِرْهما في أمر الحرب، ولا تُوَلِّهما من أمر المسلمين شيئًا، وهذه كانت عادة أبي بكرٍ وعمر، لا يُوَلِّيانِ مَنْ أَسلم ثم ارتدّ ثم أسلم شيئًا (2).
وأبلى عمرو بلاءً حسنًا يوم القادسيّة، وهو كان سبب هزيمة الفُرْس، قطع خراطيمَ الفِيَلة حتى انهزموا, ولعمروٍ يومئذٍ ثلاثون ومئةُ سنةٍ.
__________
(1) سلف في السيرة.
(2) من قوله: وبعثه عمر إلى القادسية. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/312)

قال ابن سعدٍ بإسناده عن عبد الملك بن نَوْفل: إن عمرو بن معدي كَرِب قال: كانت خيلُ المسلمين تَنْفِرُ من الفِيَلة يوم القادسيةِ، فأمرتُ رجلًا فترَّسَ عني، ثم حملتُ على الفيلِ الأكبرِ، فضربتُ خَطْمَهُ بالسيفِ فقطعتُه، فنَفَر ونَفَرت الفِيَلةُ فحطَّمت العسكرَ، فانهزموا.
وقال عمرو (1): إن الفِيَلَة ليس لها مَقتلٌ إلَّا خراطيمَها, وليس للخراطيم إلا السُّيوفُ.
وقال ابن سعد بإسناده عن قَيس بن أبي حازم قال: شهدتُ القادسية، فسمعتُ عمرو بنَ معدي كَرِب وهو يمشي بين الصفَّين ويقول: يا معاشِرَ المسلمين، كونوا أُسودًا، إنّما الفارسيّ تَيْسٌ بعد أن يُلقي نَيْزَكه، فَحمل عليه أُسوارٌ، فالتقاه فألقاه، ثم جلس على صدرهِ فذبحه، وأخذ سَلَبه (2).
ولعمروٍ واقعاتٌ عجيبة، فحكى هشام، عن أَبيه، عن عمرو قال: حضرتُ في الجاهلية بذي المجَازِ -وهو سوقُ عرفات- فرأيتُ حُبَّى الكِنْديّةِ، فأعجبني جمالُها، فعرضتُ نفسي عليها وقلتُ: هل لكِ في كُفءٍ كريم، ضَروبٍ لهامِ الرجالِ غَشُوم، مُواتٍ لكِ، طيِّبِ الخِيم، من سعدِ العَشيرةِ في الصَّميَّمَ، قالت: من أيّ سعدِ العَشيرةِ؟ قلتُ: من أُرومةِ مَحْتِدِها وغُرَّتِها المُنيرةِ، إن كُنتِ بالنَّسب بَصيرة، فقالت: إن لي بَعْلًا يَصدقُ اللقاءَ، ويُخيفُ الأعداءَ، ويُجزِلُ العطاءَ، قال فقلتُ: لو علمتُ أنَّ لكِ بعلًا لما سُمْتُكِ نَفسَك، ولا عَرضتُ نفسي عليكِ، فكيف أَنْتَ إن قتلتُه؟ قالت: لا أَصِيفُ عنك، ولا أَعدِلُ بك، ولا أُقَصِّرُ دونك، وإياكَ أن يَغُرَّك قولي، فتُعرِّضَ نفسك للقَتلِ؛ فإنِّي أراك مُفْرَدًا من الناصرِ، وبعلي في عِزٍّ من المالِ والأهلِ.
ثم قامت ومَشَت، فتبعتُها من حيثُ لا تَشعرُ، فلما قَدِمَت على زَوْجها سألها عمّا رأتْ في طريقها، فقالت: رأيْتُ رجُلًا مَخيلًا للبَأسِ، يتعرَّضُ للقتالِ، ويَخطبُ حَلائل الرِّجال، فعَرضَ عليَّ نفسَه، فوصفتُك له، فقال: ذاك -يعني بعلها-[عمرو]، وَلَدتني أُمُّه إن لم آتِكِ به مَقْرونًا مَجنوبًا إلى جملٍ صعب المراس، غير ذَلول.
__________
(1) من هنا إلى ما بعد صفحات ليس في (أ) و (خ).
(2) الأخبار الثلاثة في طبقات ابن سعد 6/ 270.
(5/313)

فلما سمع عمرو كلامَه دخل عليه بغتةً، فقتله ووَقع عليها، فلما قضى وَطَرَه منها قال لها: إني لم أقَعْ على امرأةٍ قطّ إلَّا حَمَلت، ولا أُراكِ إلَّا قد حَملتِ، فإن رُزِقتِ غلامًا، فسمّيه الخُزَز، وإن رزِقتِ جاريةً فسمِّيها عِكْرِشة,, وجعل ذلك بينهما أَمارةً، ثم فارقها مُدّةً، ووَلدت غلامًا، فسمَّتْه الخُزَز.
فخرج عمرو في بعضِ أيّامه يتعرّض للقتالِ، فالتقى فارسًا مُدَجَّجًا في سلاحه، فالتقيا فصَرع عَمْرًا، وجَثَم على صدرهِ ليَذبحه، فقال له: انتَسِب، فقال: أنا عمرو، فقام عنه وقال: اللَّه أكبر، أنا ابنُك الخُزَز، فقال له عمرو: لا تُساكِنِّي بعد اليوم في أرضٍ، فخرج إلى اليمنِ فسادَهم، وشكَوْا إليه غاراتِ أَبيه فيهم، وقَتْلَه إيّاهم، وأمروه بقتله، فخرج يُريد قَتلَ أَبيه، فالتقيا فقتله عمرو، ثم جاء الإِسلامُ عُقَيْبَ ذلك فأسلم (1).
وكان عمر بن الخطاب يَسأله عن أشياء، أخبرنا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضلِ بن ناصر بإسناده عن الشعبي قال: دخل عمرو بن مَعدي كَرِب يومًا على عمر بن الخطاب فقال له: يا عمرو، أخبرني عن أَشجع مَن لَقيتَ وأجبنِ من لَقيتَ، وأَحْيَلِ مَن لَقِيتَ، قال: نعم.
خرجتُ مرَّةً أُريد الغارَةَ، فمررتُ ببيتٍ في البرِّيّةِ وعنده فرسٌ مَشدود، ورُمحٌ مَركوزٌ، ورَجُلٌ جالسٌ بِفنائه، مُحتَبٍ بسيفٍ، وهو كأعظمِ الرجالِ خِلْقَةً، فقلتُ: خُذ حِذْرَكَ؛ فإني قاتِلُك، قال: ومَن أنت؟ قلت: عمرو بن مَعدي كَرِب، فشَهَق شَهقةً فمات، فهذا أجبنُ مَن رأيتُ.
قال: وخرجتُ مرَّةً فأتيتُ على حي وإذا بفَرسٍ مَشدودٍ، ورمحٍ مَركوزٍ، وصاحبُه في وَهْدَةٍ يَقضي حاجتَه، فقلتُ له: خُذ حِذْرَك فإنِّي قاتُلك، فقال: مَن أَنْتَ؟ قلتُ: عمرو بن مَعدي كَرِب، فقال: ما أنصفتَني يَا أَبا ثور؛ أَنْتَ على ظهرِ فرسك وأنا في بئر، فأعطني عهدًا أنك لا تَقتلني حتى أركبَ فرسي، وآخذَ رُمحي. فأعطيتُه عهدًا أنني لا أقتله حتى يركبَ فرسه، ويأخُذَ حِذره، فخرج من الوَهْدَةِ، ثم احتَبى بسيفه وجلس، فقلتُ: ما هذا؟ فقال: ما أنا براكبٍ فرسي ولا بمقاتلك، فإن نكثتَ العهد فأنت أعلم،
__________
(1) المنتظم 4/ 283، وأمالي القالي 3/ 150 - 151.
(5/314)

فتركتُه ومضيتُ، فهذا أحْيَلُ مَن رأيتُ.
وخرجتُ يومًا، حتى انتهيتُ إلى مَوضعٍ كنتُ أقطعُ فيه الطريقِ، وإذا بفارسٍ أوَّلَ ما بَقَلَ وجهُه، من أجملِ الفتيانِ، قد أقبل من نحوِ اليَمامةِ، فلمّا دنا مني سقَم، فردَدْتُ عليه وقلتُ: من الفتى؟ فقال: من نحو اليمامة، فقلتُ: انتَسِب، فقال: الحارث بن سعيد فارس الشهباء، فقلتُ: خُذْ حِذْرَك فإنِّي قاتِلُك، فمضى ولم يلتفت، فأعدتُ عليه القولَ فقال: ويَلك مَن أَنْتَ؟ فقلت: عمرو بن مَعدي كَرِب، فقال: الحقير الذّليل، واللَّه ما يَمنعُني من قتلك إلا استصغارُك، قال: فتصاغرَتْ إليَّ نفسي، وعَظُمَ عندي ما استقبَلني به، فقلتُ: خُذ حِذْرَك، فواللَّه لا ينصرِفُ إلَّا أحدنا، فقال: ويلك، اغرُبْ، فإنّا أهلُ بيتٍ ما نكَلْنا عن فارسٍ قطَّ، فقلتُ: هو الذي تَسمعُ، واخْتَرْ لنَفْسك، فقال: إمّا أن تَطرُد لي وإمَّا أن أَطردَ لك، فاغتنمتُها منه وقلتُ: اطرُدْ لي، وحَمْلتُ عليه، حتى إذا قلتُ إني قد وضعتُ الرُّمحَ بين كتِفيه، إذا هو قد صار حِزامًا لفَرَسهِ، ثم اتَّبعني فقرع برُمحه أو بقَناته رأسي، وقال: يا عمرو، خُذْها إليك واحدة، فواللَّه لولا أني أكرهُ قتلَ مثلك لقتلتُك.
قال: فتصاغَرَتْ إليَّ نفسي، وكان الموتُ أحبَّ إليَّ مما رأيتُ، فقلتُ: واللَّهِ لا ينصرفُ إلَّا أحدُنا، فقال: اختر لنفسك، فقلتُ: اطرُد لي، فطرد، فحملتُ عليه حتى إذا ظننتُ أني قد وضعتُ الرُّمحَ بين كتفيه، وثَبَ عن فرسِه، فإذا هو على الأرضِ، فأخطأتُه ومضيتُ، فاستوى على فرسهِ، وقَرَعَ بالقناةِ رأسي، وقال: ويحك يَا عمرو، خُذْها ثانيًا، واللَّهِ لولا أني أكرهُ قتلَ مثلك لقتلتُك.
فلما كان في الثالثة فعل ما فعل في الأولى والثانيةِ، وقال: إن عُدْتَ قتلتُك، فقلتُ له: اقتُلني فهو أحبُّ إليَّ مما أرى بنَفسي، وأن تسمعَ فتيانُ العربِ هذا، فقال: إنَّما العفوُ ثلاثٌ، وإن استمكنتُ من الرَّابعةِ قتلتُك، ثم قال: [من الرجز]
وَكَّدْتُ أغلاظًا من الأَيْمان
إن عُدْتَ يَا عمرو إلى الطِّعانِ
لتُزْجرنَّ لهبَ السنان
(5/315)

أو لا فلستُ من بني شيبانِ
قال: فهِبتُه هيبةً عظيمةً، وقلتُ له: إنَّ لي إليك حاجةً، قال: وما هي؟ قلتُ: أكونُ من أصحابك، أو أكون لك صاحبًا -ورَضيتُ واللَّه بذلك يَا أمير المؤمنين- فقال: لستَ من أصحابي، فكان ذلك أشدَّ عليَّ وأعظمَ مما صَنع، فلم أزل أخضَعُ إليه، فقال: ويحكَ! وهل تَدري أين أُريدُ؟ قلتُ: لا، قال: أُريدُ الموتَ عِيانًا، فقلتُ: وقد رَضيتُه معك، فقال: امضِ بنا.
فسِرنا جميعًا يومَنا حتى جَنَّنا الليلُ وذهب شَطرُه، ودنَونا من حيٍّ من أحياء العرب، فأومأ إلى قُبَّةٍ من قِبابِ الحيّ، وقال: يا عمرو، في تلك القُبَّةِ الموتُ الأحمرُ، فإمّا أن تُمْسِك عليَّ فرسي، فأنزل فآتي بحاجتي، وإمَّا أن أُمسكَ عليك فرسَك، فتَنزل فتأتيني بحاجتي، فقلتُ: لا بل انزِلْ أَنْتَ؟ فأنت أعرفُ بموَضع حاجتك مني، فرمى إليَّ بعِنان فرسه ونزل -ورضيتُ واللَّه أن أكون له سائسًا- ثم مضى فدخل القُبَّةَ، واستخرج منها جاريةً لم تَرَ عيناي مثلَها حُسْنًا وجمالًا، فحملها على ناقةٍ، ثم سِرنا.
فلما طلع الفجرُ قال: يا عمرو، انظر هل ترى من أحدٍ؟ فنظرتُ فإذا بثلاثةِ فوارسٍ، فيهم شيخٌ كبير -وهو أبو الجاريةِ، وأخواها غلامانِ شابّان- فسلَّموا علينا، فردَدْنا السلامَ، ووقفوا ووقفنا، فقال الشيخُ: يا حارثُ، يَا ابنَ أخي، خلِّ عن الجارية، فقال: ما كنتُ لأُخلِّيها، وما أخذتُها لهذا، فقال لأصغر ابنَيْه: اخْرُج إليه، فخرج وهو يجرُّ رُمحَه، فحمل عليه الحارثُ وهو يقول: [من الرجز]
من دون ما تَرجوه خَضبُ الذَّابلِ
من فارسٍ مُستَلئمٍ مُقاتلِ
يَنمي إلى شيبانَ خيرِ وائلِ
ما كان سَيري نحوها بباطلِ
ثم طعنه فدقَّ صُلبَه، فوقع ميتًا.
فقال الشيخُ لابنه الآخر: أخرج إليه، فلا خيرَ في الحياةِ على ذلّ، فخرج إليه،
(5/316)

فأقبل الحارث عليه وهو يقول: [من الرجز]
لقد رأيتَ كيف كانت طَعنتي
اليومَ للقِرْنِ شديد همَّتي
والموتُ خيرٌ من فِراقِ خُلَّتي
فقَتْليَ اليوم ولا مَذَلَّتي
ثم طعنه فألقاه مَيتًا.
فقال له الشيخ: خلِّ عن الظَّعينةِ؛ فإني لستُ كمَن رأيتَ، فقال: ما كنتُ لأخَلِّيها، فقال له الشيخ: احْتَر، فإن شئت طاردْتُك، وإن شئتَ نازلتُك، قال: نازِلني، فنزل الشَّيخُ والفتى، فقال الشيخُ: [من الرجز]
ما أَرتَجي عند فَناءِ عُمْري
سأجعلُ السنينَ مثلَ الشَّهرِ
شيخٌ يُحامي دونَ بَيْضِ الخِدْرِ
إنَّ استِباحَ البَيضِ قَصْمُ الظَّهْرِ
سوف تَرى كيف يكون صَبْري
وتقدَّم الحارث وهو يقول: [من الرجز]
بعد ارتحالي وطويلِ سَفري
وقد ظَفِرْتُ وشَفيتُ صَدْري
والموتُ خيرٌ من لباسِ الغَدْرِ
والعار أُهديه لحيِّ بَكْرِ
ثم اختلفا ضَرْبتَيْن، ورفع الحارث السيف، فلما نظر الشيخ إلى أنه قد أهوى به إلى رأسه، ضربَ بطنَ الحارث ضَرْبةً قدَّ أمعاءه، ووقعت ضربةُ الحارثِ في رأسِ الشيخِ، فوقعا مَيِّتَينِ.
(5/317)

قال عمرو: يا أميرَ المؤمنين، فأخذتُ أربعةَ أفراسٍ وأربعةَ أسيافٍ، وقُدْتُ ناقةَ الظَّعينةِ، فقالت: إلى أين يَا عمرو، وما أَنْتَ لي بصاحبٍ، ولو كنت صاحبي لسلكت سبيلَهم، فقلتُ: اسكُتي، فقالت: أَسْكتَ اللَّهُ نَأْمَتك -أي: صَوْتَك- ثم رَمَتْ بنَفْسها إلى الأرض، وقالت: واللَّهِ لا تَصِلُ إلي أبدًا، ولستُ كمَن رأيتَ، وإن كنتَ ذاك الرجلَ فأعطني سيفًا، فإن غلبتَني فأنا لك، وإن غلبتُك قتلتُك، قال: فقلت لها: ما أنا مُعْطيكِ ذلك، وقد عرفتُ أصلَك، وشجاعةَ قومِك، فأقبلتْ إليَّ وهي تقول: [من الرجز]
أبعد ما شيخي وبعد إخوتي
أطلبُ عيشًا بعدهم في لذَّتي
هلّا يكون قبل (1) ذا مَنِيّتي
ثم أهوتْ إلى الرُّمح، وكادت تَنتزعه من يدي، فلما رأيتُ ذلك منها خِفْتُ إن هي ظَفِرت بي أن تَقتُلني، فقتلتُها، فهذا أعجبُ ما لقيتُ يَا أمير المؤمنين، فقال عمر: صدقتَ، وعجبَ من ذلك.
وقال الهيثم (2): كان عمر يحبُّه ويُكرمُه ويَسألُه، قال له يومًا: أبعث إليَّ بصَمْصَامتك، فبعث بها إلى عمر، فلم يَرَ فيها ما بَلَغه عنها، فقال له عمر في ذلك، فقال: سألتَني أن أبعثَ إليك بالصَّمْصَامةِ، ولم تَسألْني أن أبعثَ إليك بالساعدِ الذي يَضربُ بها.
قال: وقال له عمر: ما تقول في الحربِ؟ فقال: مُرَّةُ المذاق، إذا كشفتْ عن ساق، من صبرَ فيها عُرِف، ومن ضَعُفَ فيها تَلِفَ، ثم قال: [من الكامل]
الحربُ أوَّل ما تكون فَتيَّة ... تَسعى بزينتها لكلِّ جَهولِ
حتى إذا حَمِيتْ وشبَّ ضِرامُها ... عادتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ خَليلِ
شمطاء جَزَّتْ رأسَها وتنكَّرتْ ... شمطاء لا للشمِّ والتَّقبيلِ
قال: فما تقول في الرُّمحِ؟ قال: أخوك وربما خانك، قال: فالنَّبْلُ؟ قال: منايا
__________
(1) في (ك): بعد، والمثبت من المنتظم 4/ 289.
(2) إلى هنا ليس في (أ) و (خ) مما أشير إليه قبل صفحات.
(5/318)

تُصيبُ وتُخطئُ، قال: فالسيفُ؟ قال: رفيقٌ صالح، قال: فالدرعُ؟ قال: حِصنٌ حصينةٌ، قال: فالتُّرس؟ قال: عليه تَدورُ الدوائر، وفي رواية: فالسيف؟ قال: عندها قارَعَتْكَ أُمُّك عن الثُّكْلِ، فقال له عمر: بل أُمُّك، قال: أُميّ، والحُمّى أَضْرَعَتْني لك، وهذا مثل (1)، ومعناه أن الإِسلام أذلَّني، ولو كنتُ في الجاهليةِ ما تجاسَرْتَ أن تَرُدَّ عليَّ، وعمرو من شعراء الحماسة، رحمه اللَّه تعالى (2).

ذكْرُ وفاته: واختلفوا فيها؛ فالمشهور أنَّه قُتِلَ بنَهاوَنْد مع طُليحةَ والنعمان بن مُقَرّن، وقُبورُهم في مكانٍ واحدٍ.
وقال الهيثم: استُشهد برُوْذةَ بين قُمّ والرَّيّ، خرج في غارةٍ فقُتِلَ، وقيل: إنَّه عاش إلى أيامِ معاوية.
وليس في الصحابة من اسمه عمرو بن معدي كَرِب سواه، وله روايةٌ عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَرَثَتْه امرأتُه، يعني امرأة عمرو بن معدي كَرِب (3).

النعمان بن مُقَرِّن
من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكُنيتُه أبو عمرو، وشهد الخندق والحُدَيْبية مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هو وإخوتُه الستّة، وحمل أحدَ ألوية مُزَينة الثلاثة، التي كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عَقدها لهم يوم الفَتْح، وكانت مُزَينَة قد أُلِّفت يومئذٍ، ولم يُؤلَّف من قبائل العرب غيرُها, ولمزينة مَحلَّتان بالمدينة، وليس لغيرهم ذلك.
حَدَّث كَثير بنُ عبد اللَّه المزَنيّ، عن أَبيه، عن جدّه -وكان قد حضر نَهاوَنْد- قال: كان أميرُ الناس يومئذٍ النُّعمان بن مُقَرّن، وكان أوَّلَ قتيلٍ، فأخذ [الراية] سويد (4) بن
__________
(1) جمهرة الأمثال 1/ 348، ومجمع الأمثال 1/ 205.
(2) في (أ) و (خ): وعمرو شعير الحماسة رحمه اللَّه تعالى، وليست في (ك). وقد رُوي له في الحماسة ثلاث مقطعات، انظر شرح المرزوقي (29) و (34) و (35).
(3) انظر ترجمته وأخباره في طبقات ابن سعد 6/ 268 و 8/ 85، والشعر والشعراء 372، والاشتقاق 411، والمؤتلف والمختلف 234، والأغاني 15/ 208، ومعجم الشعراء 15، والاستيعاب (1776)، والعقد الفريد 1/ 93 و 179، وسمط اللآلي 3/ 63 - 64، وتاريخ دمشق 13/ 619 (مخطوط)، والمنتظم 4/ 382، والإصابة 3/ 18، والخزانة 2/ 444، وديوانه 154.
(4) في (أ) و (خ): يزيد، وهو خطأ، وترجمة النعمان ليست في (ك)، والمثبت من طبقات ابن سعد 5/ 146.
(5/319)

مُقَرّن، حتى إذا اجتمعت الغنائم قَسمها السَّائب بنُ الأَقْرع الثَّقَفي، فأسهم للفرس سَهمَين، ولصاحبه سَهْمًا، فأصابَني اثنا عشر ألف سهم، وكنت راجلًا.
وله صُحبة ورواية, وذكر [ابن سعد] إخوته: سُوَيد بن مُقَرّن، ويُكنى أَبا عَدِيّ، وله صُحبة ورواية, وسِنان بن مُقَرّعا، له صُحبة، وكذا عَقيل بن مُقَرّن، وعبد الرحمن بن مُقَرّن، له صُحبة، رحمهم اللَّه تعالى (1).
* * *
__________
(1) ترجمته في طبقات ابن سعد 8/ 141، والمعارف 299، والاستيعاب (2589)، والمنتظم 4/ 290، والإصابة 3/ 565، والسير 2/ 356.
(5/320)

السنةُ العِشرون من الهجرةِ النبوية
وفيها فُتحت مصرُ والإسكندريةُ في أشهرِ الرواياتِ عن ابن إسحاق وأبي مَعشر والواقدي ويزيد بن أبي حَبيب، قالوا: فُتحت مصرُ يوم الجمعةِ غُرَّةَ المُحرَّم سنةَ عشرين.
وقال سيف: فُتحت مصر سنة ستَّ عشرة، وفي روايةٍ عنه سنة ستٍّ وعشرين، والأَوَّل أصحُّ، وقيل في سنة إحدى وعشرين، وسنة اثنتين وعشرين (1).
واختلفوا في كيفية فَتْحِها، قال [ابن] إسحاق: لما فرغ عمر رضوان اللَّه عليه من الشام، كتب إلى عمرو بن العاص: أن سِرْ إلى مصر، وكان بفلسطين، وأردَفَه بالزُّبير ابن العَوّام -رضي اللَّه عنه-، وقد كان الأَرطبون هرب من الشام إلى مصر فيما تقدّم، وكان ملك الساحل، فصار إلى الإسكندريّة وبها المقَوْقِس.
وكان المقوقس يُؤدّي خراجَ مصر إلى الرُّوم، وكذلك ملوكُ مصر قبلَه، فسار عمرو والزبير -رضي اللَّه عنه- حتى نزلا البابَيْن، فجاءا قُرى ما بين البُويب والصَّعيد ومصر والإسكندرية، فجاءت رُسلُ ملك مصر، وهو المقوقس، وكان مقيمًا بالإسكندرية إلى عمرو بن العاص يقول: إنني كنتُ أُؤدِّي الخراج إلى مَن هو أبغضُ إليَّ منكم -وهم فارس والروم- فإن أحببتَ أن أُعطيَك الجِزية، وتَردّ عليّ ما أصبتُم من السبايا فعلتَ.
فبعث إليه عَمرو يقول: إن فوقي أميرًا لا أقدرُ أن أقطعَ أمرًا دونه، فإن شئت أن أُمسكَ عنك، وتُمسك عني؛ حتى أكتبَ إليه فافعل، فكتب إلى عمر رضوان اللَّه عليه يُخبره الخبر، فكتب إليه: أجِبْه إلى ما سأل، على أن تُخيِّروا مَن في أيديكم من سَبْيهم بين الإِسلام وبين دين قومِهم، فمَن اختار الإِسلام فهو من المسلمين، ومن اختار دينَ قومه أُخذت منه الجِزية، أمّا مَن تفرَّق من سَبْيهم بأرض العرب، ووصل إلى الحَرمَيْن واليمن وما والاه؛ فإنا لا نَقدر على ردِّهم، ولا يَنبغي أن نُصالحهم على أمر لا نقدر
__________
(1) من قوله: في أشهر الروايات. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، ومن هنا إلى ذكر الفسطاط ليس في (ك).
(5/321)

على الوفاء به.
فكتب عمرو إلى المقَوْقِس بذلك فرضي، وجمع المسلمون ما عندهم من السّبايا، واجتمع النصارى وخَيَّروهم، فمنهم مَن اختار الإِسلام، ومنهم من عاد إلى دينه، وانعقد الصُّلح وعمر مُقيمٌ في أرض مصر.
وقال سيف عن أشياخه: خرج عَمرو إلى مصر بعد أن عاد عمر بنُ الخطاب رضوان اللَّه عليه إلى المدينة، فانتهى إلى باب مِصر، واتّبعه الزُّبير -رضي اللَّه عنه-، واجتمعا، فلقيهم هناك أبو مريم جاثَليق مصر (1)، ومعه الأُسقُفّ الذي بَعثه المقوقس لمنع بلاده، وشرعوا في القتال، فأرسل إليهم عمرو: ابرُزا إليّ ولا بأس عليكما، فبَرَزا، وخرج إليهما عمرو فقال لهما: أنتما راهِبا هذه المدينة، فاسمعا ما أقول:
إن اللَّه سبحانه وتعالى بعث محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحق، وأَمَره فقام به أحسنَ قيام، وأدّى إلينا كُلّ ما أُمر به، ثم مضى، وتَرَكَنا على بيضاءَ نَقيَّةٍ واضحةٍ، وكان فيما أَمَرَنا به الإعْذارُ إلى الناس قبل القتال، ونحن نَدعوكم إلى الإِسلام، فإن أجبتُم قبِلْنا، ومَن لم يُجب عَرضْنا عليكم الجِزية، وكان فيما أَمَرَنا به الوَصيَّة بكم، وأخبرنا أنا نَفتحَ أرضَكم فقال: "ستفتحون أرضًا يُقال لها مصر، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذِمَّةً ورَحِما".
فقالا: قَرابةٌ بعيدة، فلا يَصلُ مثلَها إلا الأنبياء وأتباعُ الأنبياء، وهي شريفة، كانت بنتَ مَلِكنا، فصارت إلى إبراهيم خليلِ اللَّه، فمرحبًا بكم وأهلًا، آمِنّا حتى نَرجع إليك، فقال عَمرو: مثلي لا يُخدع، وقد أجَّلتُكما ثلاثًا لتَنظُرا وينظر قومكما، وإلا ناجَزتُكما، قالا: زِدْنا أيّامًا فزادهما.
فرجعا إلى المقوقس وأخبراه، فهَمَّ أن يُجيب، فنهاه الأرطبون وقال: ناهِدْهم، فقاتلوا المسلمين عند عين شَمس -وهي كانت دارَ فرعون، فانهزم القوم، وظَفِر بهم المسلمون، فقالوا للمُقَوْقِس: قومٌ قَهروا كسرى وقَيْصر، وأزالوا مُلكهما، لا طاقةَ لنا بهم، فأرسل إلى عمرو يَسأله الصُّلح، فصالحهم على نفوسهم وأموالهم وكَنائسهم على أن يُعطوا الجزية، ثم جاء عمرو فنزل مكان الفُسطاط اليوم.
__________
(1) هو رئيس النصارى في بلاد الإِسلام.
(5/322)

ذِكْرُ الفُسْطاط
قال الجوهري: الفُسْطاط بيتٌ من شَعَرٍ، قال: وفسطاط مدينةُ مصر (1).
وقال هشام: لما امتنعوا من الصُّلْحِ عزمَ عَمرو أن يسيرَ إلى الإسكندرية، فأمر بفُسطاطِه أن يُقَوَّضَ، فقيل له: إن حمامةً قد عشَّشت في أعلاه، ولها بَيْضٌ، فقال: نحنُ أولى مَن عَرفَ حُرمةَ الجِوار، وقد تَحرَّمت بجِوارنا، أقِروّا الفُسطاط حتى تَطيرَ فِراخُها، ووكَّل به مَن يَحرُسه، فمازال حتى طارتِ الفِراخُ، فلذلك سُمّيَ الفُسْطاط.
وسار عمرو إلى الإسكندرية في شعبان فافتتحها، وقال الهيثم: بعث عمرو أبرهةَ ابنَ الصباحِ إلى الفَرَما، وهي مدينةٌ عتيقةٌ على ساحل بحرِ الرُّومِ، مقابل القُلْزُمِ، وبعث عوفَ بن مالك إلى الإسكندرية ففتحها.
قال: وكان الإسكندر [والفَرَما] أخوَيْن فبنى الإسكندرُ الإسكندريّةَ، وبنى الفَرَما الفَرَما على نَعْتِ الإسكندرية، وهي الآن مدينةٌ رَثَّةٌ، ولم تزلُ منذُ بُنيتْ رَثَّةً، ومازالت الإسكندرية بَهِجَةً، يرتاحُ إليها كلُّ من رآها، فسأل عوفٌ أهلَ الإسكندرية فقال: ما أحسن مدينتكم؟ ! فقالوا: إنَّ الإسكندرَ لمّا بناها قال: قد بَنيتُ مدينةً فقيرةً إلى اللَّه، غنيّةً عن الناسِ، فبقيت بَهْجَتُها.
وقال أبرهةُ لأهلِ الفَرَما: ما أخلقَ مدينتكم؟ ! قالوا: إن الفَرَما لمّا بناها قال: هذه مدينةٌ غنيّةٌ عن اللَّه فقيرةُ إلى الناسِ، فذهبت بَهْجتُها.
وأقام عمرو على مِصرَ أميرًا من قِبَلِ عمر، وبعث إلى عمر بالفتحِ والأخماس.
وقد روى أحمد بإسناده عن أبي ذرٍّ قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ستَفتحون مِصرَ، وهي أرضٌ يُذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسِنوا إلى أهلها، واستوصوا بهم خيرًا، فإنَّ لهم ذِمَّةً ورَحِمًا وصِهْرًا، وإذا رأيتَ يَا أَبا ذرٍّ رجلين يختصمانِ في لَبِنَةٍ فاخرُج"، قال: فرأيتُ عبد الرحمن بن شُرَحْبيل بن حَسَنَةَ وأخاه ربيعةَ يَختصمان في مَوْضعِ لَبِنَةٍ، قال: فخرجتُ منها. انفرد بإخراجه مسلم (2).
__________
(1) صحاح الجوهري: (فسط).
(2) مسند أحمد (21250)، وصحيح مسلم (2543).
(5/323)

وفي قوله عليه السلام: "إنَّ لهم ذِمَّةً ورَحمًا" قولان:
أحدُهما أنَّه أَرادَ هاجَرَ أُمَّ إسماعيل، كانت قبطيةً.
والثاني: مارية أُم إبراهيم كانت قبطيّةً.
رَجَعْنا إلى الحديث، وبعث إلى عمرَ بالفتحِ والأخماسِ، ونزل عمرو بالفُسْطاط واختطَّه المسلمون، ووضع عمر المسالح على السواحل إلى الشامِ، خوفًا من الرُّومِ، وكان هِرَقْلُ قد جَهَّزَ المراكب في البحرِ، وعزمَ على قصدِ الشامِ بنَفْسهِ وأن ينزل سوريَّةَ.

ذكر كتاب عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- إلى نيل مصر
حدثنا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضل بن ناصر بإسناده، عن قيس بن الحجّاجِ، قال: لمّا فُتِحت مصرُ أتى أهلُها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤنه -من أَشهُرِ العَجَم- فقالوا له: أيُّها الأميرُ، إن لنيلنا هذا سُنَّةً لا يَجري إلَّا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إذا دخلت اثنتا عَشْرَةَ ليلةً من هذا الشهرِ عَمَدْنا إلى جاريةٍ بِكْرٍ بين أبَوَيها فأرضَيْنا أهلها، وحملنا عليها من الحُليِّ والثيابِ أفضلَ ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم: إنَّ هذا لا يكون في الإِسلام، وإنَّ الإِسلامَ يَهدمُ ما كان قبله.
فأقاموا بُؤنه وأبيب ومَسرى، وهي أَشهُرٌ معروفةٌ، لا يجري النيلُ قليلًا ولا كثيرًا، حتى همُّوا بالجَلاء عنها، فلما رأى ذلك عمرو، كتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر: إنَّكَ قد أصبتَ؛ لأنَ الإِسلامَ يهدِمُ ما قبله، وكتب بطاقةً داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: قد بعثتُ إليك ببطاقةٍ في داخلِ كتابي، فألقِها في النيل.
فلما قَدِم كتابُ عمر إلى عَمرو أخذ البطاقةَ، فإذا فيها: من عبدِ اللَّه عمر أميرِ المؤمنين إلى نيلِ مصر، أما بعدُ: فإن كنتَ تَجري من قِبَلكَ فلا تَجرِ، وإن كنتَ إنما تجري بأمرِ اللَّه الواحدِ القهار -أو وإن كان اللَّه هو الذي يُجريك- فنسألُ اللَّه الواحد القهارَ أن يُجرِيَك، فألقى البطاقه في النّيل قبل يوم عيد الصَّليبِ بيومٍ، وقد تهيّأ أهلُ مصرَ للجلاء والخروج؛ لأنه لا يقومُ بمَصْلحتهم إلَّا النيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا وقد أجراه اللَّه ستَّة عشر ذراعًا في ليلةٍ واحدةٍ، وقطع اللَّهُ تلك السُّنَّةَ عن أهل مصر إلى اليومِ.
(5/324)

فصل: وفيها زُلزلت المدينةُ، ووقعتِ الدورُ، أَنْبأنا جدّي بإسناده عن صَفية بنت أبي عبيد -وأخرجه أبو بكر الخطيب بإسناده عن صفية- قالت: زُلزلت المدينةُ على عهد عمر، فقال عمر: أيها الناس، ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتُم، لئن عادت لا ساكنتكم فيها أبدًا (1).
وذكر جدّي في كتابٍ يُقال له: "معاني المعاني": فضربها عمر بالدِّرَّةِ فسكنت.
قال هشام: وهي أَوَّلُ زَلزلةٍ كانت في الإِسلام.
وقد أخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بحدوثِ الزلازل، روى أبو هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى يُقْبَضَ العلمُ، وتكثرَ الزلازلُ، وتظهَرَ الفِتَنُ، ويَكثُرَ الهَرْجُ"، قيل: وما الهرج؟ قال: "القتل" (2).
وفي رواية: "وإذا ظهرتِ الفاحشةُ كانت الرجْفَةُ" (3).
وفي حديث أبي هريرة أيضًا قال: رجفت الأرضُ على عهدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أيُّها النَّاسُ، إن ربكم قد عَتِبَ عليكم، فأعتبوه".
وفيها عزل عمر رضوان اللَّه عليه قُدامة بن مَظعون عن البحرين، وولّاها أَبا هُريرة، وقيل: إنما ولّاها أَبا بكرة، وكان قُدامة قد شرب الخمر، فحدَّه عمر رضوان اللَّه عليه.
وفيها تزوّج عمر فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزوميّ، أمّ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان زوجُها الحارث بن هشام قد مات بالطاعون، وفاطمة أختُ خالد بن الوليد، خرجت مع زَوْجِها الحارث يوم أحد مع الكفّار، ثم أسلمتْ يومَ الفتح، وحَسُن إسلامُها، وروت عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وفيها عزل عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه سعد بنَ أبي وقّاص -رضي اللَّه عنه- عن الكوفة، وولّاها عمار بن ياسر -رضي اللَّه عنه-.
__________
(1) المنتظم 4/ 294، 295.
(2) أخرجه أحمد (10863)، والبخاري (1036).
(3) أخرجه ابن عدي في الكامل 7/ 2703 من حديث ابن عمر، وفيه يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي، قال أبو حاتم: منكر الحديث لا أدري منه أو من أبيه، انظر لسان الميزان 8/ 483.
(5/325)

وكان بعض أهل الكوفة شَكَوْا سعدًا -رضي اللَّه عنه-، وقالوا: إنه لا يُحسن أن يُصلّي، فأرسل إليه عمر رضوان اللَّه عليه، فقال: يا أَبا إسحاق، إن هؤلاء يَزعمون أنّك لا تُحسِن أن تُصلّي! فقال: أما أنا فإنِّي واللَّه كنتُ أُصلّي بهم صلاةَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لا أَخْرِمُ عنها، أُصلّي صلاتَي العشاء، فأرْكُدُ في الأوَّلَتين، وأَحْذِف في الآخرتين، قال: ذلك الظَّنُ بك يَا أَبا إسحاق، إن هؤلاء يَزعمون أنك لا تُحسن أن تُصلّي (1).
فأرسل عمر رضوان اللَّه عليه معه رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهلَها، فلم يَدعْ مسجدًا إلا سأل عنه، ويُثنون عليه معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يُكنى أَبا سَعدة، اسمه أسامة بنُ قتادة فقال: أما إذ نَشَدْتنا، فإن سعدًا كان لا يَسير بالسَّرِيّة، ولا يَقسم بالسَّوِيّة، ولا يَعدِل في القَضيّة، فقال سعد -رضي اللَّه عنه-: أما واللَّه لأدعُونّ بثلاث: اللهمَّ إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسُمعةً، فأطِلْ عُمُره، وأطل فَقرَه، وعَرِّضه للفِتن، فكان بعد ذلك إذا سُئل يقول: شيخ مَفتون أصابَتْه دَعوةُ سعد.
قال جابر بن سَمُرة: فأنا رأيتُه بعد ما سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليَتعرَّضُ للجَواري في الطُّرق يَغمِزهُنّ (2).
وفيها قسم عمر بن الخطّاب رضوان اللَّه عليه خيبر بين المسلمين، وأَجْلى اليهودَ عنها، وسببه أنَّهم فَدَعوا ابنه عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه-.
قال نافع: لما فَدَع أهلُ خَيبر عبد اللَّه بن عمر قام [عمر] خطيبًا فقال: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان عامَل أهلَ خَيبر على أموالهم، وقال: "نُقِرُّكم على ما أَقَرَّكم عليه اللَّه"، وإن عبد اللَّه بن عُمر خرج إلى ماله هناك، فعُدِي عليه من الليل، فَفُدِعَتْ يداه ورجلاه، وليس هناك عدوٌّ غيرَهم، وقد رأيتُ إجلاءَهم، فإنهم عَدوُّنا وتُهْمَتُنا، فلما قال عُمر ذلك أتاه أحدُ بني أبي الحُقَيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتُخرِجُنا وقد أقرَّنا محمد، وعامَلَنا على الأموال، وشرط لنا ذلك؟ فقال له عمر: أتظنُ أني نسيتُ قولَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كيف بك إذا أُخرِجْتَ من خيبر تَعدو بك قَلُوصُك ليلةً بعد ليلة؟ "، فقال: كانت تلك هُزَيْلةً كانت
__________
(1) هذه العبارة مكررة بسبب انتقال النظر، واللَّه أعلم.
(2) أخرجه أحمد (1510)، والبخاري (755)، ومسلم (453)، والخطيب في تاريخ بغداد 1/ 145، وابن الجوزي في المنتظم 4/ 229.
(5/326)

من أبي القاسم، فقال: كذْبتَ يَا عدوَّ اللَّه، فأَجْلاهم، وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعُروضًا من أَقْتابٍ وحِبال وغير ذلك. انفرد بإخراجه البخاري (1).
وعن جابر بن عبد اللَّه، عن عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه قال: سمعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لأُخرجنَّ اليهودَ والنّصارى من جزيرة العرب، حتى لا أَتْرُكَ فيها إلا مُسلِمًا". انفرد بإخراجه مسلم (2).
وفيها أجلى عمر يهودَ نَجْران إلى العراق فسكنوا الحِيرة، قال ابن إسحاق: وأمّا يهودُ خَيبر فخرجوا إلى أَذْرِعات في الشام.
وفيها قسم عمر فَدَك ووادي القُرى على يد أبي حَبيبة، فأقام لهم نِصْفَ الأرضِ.
وفيها آلى عمر أن لا يجهِّزَ سفينةً في البحرِ أبدًا، قال الواقدي: كان أهلُ الحبَشةِ يتعدَّوْنَ على أطرافِ المسلمين من ناحيةِ جُدَّةَ والساحلِ، فبعث عُمر عَلقمةَ بنَ مُجَزِّز المُدْلجيّ في أربعِ سُفُن، فأُصيب منها ثلاث سُفن، في كلِّ واحدةٍ خمسون رجُلًا، وبقيت سفينةٌ واحدةٌ، فرجع بها علقمةُ.
فصل: وحجَّ بالناسِ عمر (3).
فصل وفيها تُوفّي

أُسَيْد بنُ حُضَيْر
ابن سِماك بن عَتيك (4) بن رافع بن امرئ القيس الخَزْرجي، وكُنيتُه أبو الحُضَيْر، وقيل: أبو يحيى، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وكان الحضير كاتبًا شريفًا في الجاهلية، وكان (5) رئيسَ الأوس يوم بُعاث، وهي آخر وَقْعةٍ كانت بين الأوس والخَزْرج، وكان يُسمّى الكامل، وفيه يقول خُفاف بن نُدْبَة، وقُتل الحُضَير يومئذٍ: [من الطويل]
__________
(1) صحيح البخاري (2730)، ومسند أحمد (90).
(2) صحيح مسلم (1767)، ومسند أحمد (201)، ومن قوله قبل: وفيها عزل عمر قدامة بن مظعون. . . إلى هنا ليس في (ك).
(3) من هنا إلى بداية ترجمة بلال، ليس في (ك).
(4) في (أ) و (خ): عبيد، وهو خطأ.
(5) في (أ) و (خ): له يحيى، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار وكان، وهو تكرار للسطر السابق.
(5/327)

لو أنَّ المنايا حِدْنَ عن ذي مهابةٍ ... لَهِبْنَ حُضَيرًا يومَ غَلَّق واقمًا
يَطوف به حتى إذا الليلُ جَنَّه ... تبوَّأ منه مَقعدًا مُتَناعِما (1)
واقِم: أُطُم حُضَيْر، وكانت وقعةُ بُعاث قبل الهجرة بستِّ سنين.
أسلم أُسَيد على يدَيْ مصعب بن عُمير -رضي اللَّه عنه- قبل سعد بن مُعاذ -رضي اللَّه عنه- بساعة، وشهد العَقَبة مع السَّبعين، وكان أحد النُّقبَاء الاثني عشر، ولم يَشهد بدرًا؛ لأن أكابر الأنصار ظَنُّوا أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج في طَلَب العِير، لا أنه يَلقى عدوًّا، وشهد أحدًا، وثبت يومئذٍ، وجُرح سبع جِراحات، وشهد الخندقَ والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وكان يُسمَّى الكامل كأبيه، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُثني عليه ويقول: "نِعمَ الرّجل أُسَيد بنُ حُضَير"، وشهد خُطبة [عمر] رضوان اللَّه عليه بالجابية، وأمّره لما خرج إلى الشام على رُبع الأنصار، وخرج معه الخَرْجَة الأولى والثانية، وشهد معه فُتوحَ القدس، وكان معه لما خرج من سَرْغ.
قال أنس: كان أُسيد بن الحُضَيْر وعَبَّاد بنُ بِشر عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ليلةٍ مُظلمة حِنْدِس، فتحدَّثا عنده، حتى إذا خرجا أضاءت لهما عَصى أحدِهما، فمَشَيا في ضوئها، فلما تَفرَّق بهما الطّريق أضاءت لكل واحدٍ منهما عصاه، فمشى في ضوئها. انفرد بإخراجه البخاري (2).
وتُوفّي -رضي اللَّه عنه- في شعبان بالمدينة سنة عشرين، فحمله عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه بين العمودين من بني عبد الأشهل، حتى وضعه بالبَقيع، ثم صلّى عليه ودفنه، أسند الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (3).

أُنَيْس بن [مَرْثَد بن] أبي مَرْثَد
كَنَّاز بن الحُصَين الغنوي، حَليف حمزة -رضي اللَّه عنه-، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكُنيتُه أبو يزيد، شهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الفتح وحنينًا والطائف، [وكان] عَيْن
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 558، والأغاني 17/ 128، وشعره المجموع في (شعراء إسلاميون) 488.
(2) صحيح البخاري (3805)، وانظر طبقات ابن سعد 3/ 560.
(3) انظر ترجمته في الاستيعاب (6)، وتاريخ دمشق 3/ 12 (مخطوط)، والمنتظم 4/ 296، والاستبصار 1/ 213، والسير 1/ 340، والإصابة 1/ 49.
(5/328)

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأَوْطاس، وتُوفّي في ربيع الأول بالمدينة، وصلّى عليه عمر رضوان اللَّه عليه، له صُحبة ورواية -رضي اللَّه عنه- (1).

بِشر بن عمرو بن حَنَش الأَنْماري
ويُلقّب بالجارود, لأنه كان له إبلٌ جَرْباء يُورِدُها على أخواله من بني شيبان، فأَعدتْ إبلَهم فهلكتْ، فقال الناس: جَرَدهم بِشر، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل]
جَرَدْناهمُ بالبِيض من كلِّ جانبٍ ... كما جَرد الجارودُ بكرَ بنَ وائل
وفد على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في السنة العاشرة من الهجرة.
وأمّه دَرْمكة بنت رُوَيم من بني شيبان.
وكان الجارود شريفًا، سيِّدَ عبد القَيْس، وهو الذي شَهد على قُدامة، [فقدم على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن قُدامة قد شرب الخمر، قال: فمَن يَشهد معك؟ قال: أبو هريرة، فكتب إلى قُدامه فحَضَر، فقام الجارود فقال: أقِمِ الحدَّ على قُدامة، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: لتَملكَنّ عليك لِسانَك أو لأسُوأنّك، فقال الجارود: يَشرب ابنُ عمِّك الخمر وتَسوءُني؟ ! فوَزَعه عمر رضوان اللَّه عليه، ثم دعا بقُدامة فحَدَّه.
قُتل الجارود بعَقَبة الطين شهيدًا رحمه اللَّه، وكان له من الولد: المنذر وحَبيب وغياث وعبد اللَّه وسلمة (2) ومسلم والحكم، قُتل الحكم بِسجِسْتان، والمنذر كان سيِّدًا [جوادًا]، ولاه عليّ عليه السلام إصْطَخْر، فلم يأتِه أحدٌ إلَّا وَصَله، ووَلّاه عبيد اللَّه بن زياد ثغرَ الهند، فمات به، أسند الجارود الحديثَ رحمه اللَّه تعالى (3).

بلال بن رَباح -رضي اللَّه عنه- (4)
من الطبقة الأولى من المهاجرين، واختلفوا في كُنيته، والأشهر أبو عبد اللَّه.
__________
(1) طبقات ابن سعد 5/ 105، والاستيعاب (20)، والإصابة 1/ 73.
(2) في طبقات ابن سعد 8/ 122: وسلم.
(3) طبقات ابن سعد 9/ 85، والاستيعاب (352)، وتهذيب الكمال (868)، والإصابة 1/ 216.
(4) بعدها في (ك): واسم أمه حمامة، وكانت تلقب سكينة لبعض بني جُمح فنسب إليها فقيل عبد. ثم يقع سقط في المخطوط بمقدار صفحتين.
(5/329)

كان آدّم، شديدَ الأُدْمَة، نحيفًا، طُوالًا، أَجْنَأ، [كثيرَ] الشَّعر، خفيفَ العارضَين، لا يُغيِّر شَيْبَهُ.
وكان يُعذَّب في اللَّه تعالى حين أسلم ليَرجعَ عن دينه، وكان من المُستَضعفين من المؤمنين، فما أعطاهم قط كلمةً مما يُريدون، وكان إذا اشتدّ به العذابُ قال: أَحَدٌ أَحد، فيعذّبونه ويقولون: قُل كما نقول، فيقول: إن لساني لا يُحسِنُه، وأتى عليه أبو بكر -رضي اللَّه عنه- فقال: عَلام تُعذِّبون هذا الإنسان؟ فاشتراه بسبع أَواقٍ فأعتقه، فذكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "الشَّرِكَةَ يَا أَبا بكر"، فقال: قد أعتقتُه يَا رسول اللَّه.
قال مجاهد: أوَّلُ مَن أظهر الإِسلام سبعة: رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبو بكر رضوان اللَّه عليه، وبلال، وخَبَّاب، وصُهيب، وعمّار، وسُميّة أم عمّار -رضي اللَّه عنهم-.
فأما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فمنعه عمُّه، وأما أبو بكر رضوان اللَّه عليه فمنعه قومُه، وأُخِذ الآخرون، فألبسوهم أدراع الحديد، ثم صَيّروهم في الشمس، حتى بلغ الجهد منهم كلَّ مَبلغ، فأعطَوْهم ما سألوا، إلَّا بلالًا فإنه هانت عليه نفسُه في اللَّه حتى مَلُّوه، فجعلوا في عُنُقِه حَبْلًا، ثم أمروا صبيانَهم أن يَشتدُّوا به (1) بين أخشَبَيْ مكة، وبلالٌ يقول أَحَد أَحَد.
وكان أميَّة بن خَلَف يُخرجه إذا حَمِيت الظَّهيرةُ، فيَطرحُه على ظهره في حرِّ الرَّمْضَاء، ثم يَجعل على صدرِه صخرة عظيمة، ثم يقول: لا تزالُ كذا حتى تموتَ أو تكفُرَ محمدًا، وتعبُدَ اللاتَ والعُزّى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أَحَد أَحَد.
قال المصنّف رحمه اللَّه: قال جدّي في "المنتخب": [من الوافر]
أبو بكر حبا للَّه مالًا ... وأعتق خَيِّرًا عَبْدَهْ بِلالا
لو أنّ البحر عانده بسُوءٍ ... لما أبقى الإله له بِلالا
وقد آسى النبيَّ بكلِّ خيرٍ ... وأبدى فيه لفظَ نعم بلالا (2)

سبب إسلامه -رضي اللَّه عنه-: اعتزل أبو بكر رضوان اللَّه عليه ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غار، فمرّ
__________
(1) في (أ) و (خ): يشدونه، والمثبت من طبقات ابن سعد 3/ 214.
(2) الأبيات في معجم الأدباء 6/ 94 لأسعد بن علي البارع.
(5/330)

بهما بلال -رضي اللَّه عنه- وهو في غَنَم لعبد اللَّه بن جُدْعان، وكان له بمكة مئةُ عبدٍ من مُوَلّديها، فلما بُعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخرجهم ابن جُدْعان من مكة خوفًا عليهم، إلا بلالًا فإنه كان يرعى عليه غنمه تلك، فأطلع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأسَه من الغار، فقال: يا راعي، هل من لَبَن؟ ! فقال: مالي فيها إلا شاة منها قُوتي، فإن شئتُما آثرتُكما اليوم بلَبنها، فقال: ائت بها، فجاء بها فاعتَقَلها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحَلَب في القعب، وشرب هو وأبو بكر -رضي اللَّه عنه-، ثم سقى بلالًا -رضي اللَّه عنه-، وأرسلها وهي أَحفَلُ مما كانت، فقال: يا غُلام، هل لك في الإِسلام؟ وقرأ عليه القرآن فأسلم، فقالا: اكتُم إسلامَك.
وانصرف بغَنَمه وقد أَضْعفَ لبنُها، فقال له أهله: لقد رعيتَ اليوم مَرعى طَيِّبًا فعليك به، فعاد إليهما ثلاثةَ أيام يسقيهما اللبن، ويَتعلّم الإِسلام.
ودخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مكة، فاختفى في دارٍ عند المروة، فدخل بلال -رضي اللَّه عنه- يومًا إلى الكعبة وقريش في ظاهرها (1) وهو لا يعلم، فجعل يَبصُقُ على الأصنامِ ويقول: خابَ وخَسِرَ مَن عَبَدكم من دونِ اللَّه، فطلبَتْه قُريشٌ فهرب، فدخل دار سيِّده عبد اللَّه بن جُدْعان فاختفى فيها، فجاؤوا إلى الباب، ونادَوْا عبدَ اللَّه بنَ جُدعان، فخرج إليهم فقالوا: صبوتَ؟ فقال: ألمثلي تقولون هذا؟ عليَّ نَحْرُ مئةِ ناقةٍ للّاتِ والعُزّى إن كنتُ صَبَوْتُ، قالوا: فإن أسوَدَك صنع كذا وكذا، فدخل فأخرجه إليهم وقال: شَأنُكم به، افعلوا به ما أحببتُم، فخرج به أبو جهل بن هشام وأُميَّةُ بنُ خَلَف إلى الرّمْضاءِ، وبسطاه عليها، وجعلا على عُنُقه رَحًى، وقالا: اكفُر بمحمّدٍ، وهو يقول: أحدٌ أحَدٌ.
ومرَّ بهما أبو بكر فقال: واللَّه ما تُدْرِكان بعذابه ثأرًا، فقال له أُمية: هو على دينك فاشتَره منّا، قال: نعم، قال: بعبدِك نِسطاس، وكان حدَّادًا، وخراجُه كلَّ يوم نصفُ دينار، فقال: قد فعلتُ، فأعطاهم إياه، وأخذ بلالًا (2).

ذكْرُ جملةٍ من مناقبهِ: قال علماءُ السِّيَرِ: شهد بلالٌ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها، وهو أوَّلُ من أذَّن له سَفَرًا وحضرًا، وكان خازِنَه على بيت المال.
__________
(1) هنا ينتهي السقط في (ك) المشار إليه من قبل.
(2) تاريخ دمشق 3/ 448 - 449 (مخطوط).
(5/331)

وقال أبو نُعيمٍ بإسنادهِ عن أنسٍ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بلال سابقُ الحبشة" (1).
قال أنس: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد أُخِفتُ في اللَّه وما يُخاف أحدٌ، ولقد أوذيتُ في اللَّه وما يُؤذى أحدٌ، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة، مالي ولبلال طعامٌ يأكله ذو كَبِدٍ إلَّا شيءٌ يُواريه إبِطُ بلال" (2).
وقال أحمد بإسناده عن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أَبيه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَا بلالُ، بم سبقتَني إلى الجنة؟ ما دخلتُها قط إلَّا سمعتُ خَشْخَشَتَك أمامي"، فقال: ما أحدثتُ حَدَثًا إلَّا توضَّأتُ وصليتُ ركعتين، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بهذا" (3).
وفيه: فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أخبرْني يَا بلال بأَرجى عملٍ عملتَه في الإِسلام، فإني سمعتُ خَشْف نَعْلَيك الليلةَ بين يَدَيَّ في الجنَّة"، فقال: ما عملتُ عملًا أرجى منفعةً عندي من أني لم أتطهَّر طُهْرًا قطُّ في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ إلَّا توضَّأتُ وصليتُ ركعتين. الحديث (4). الخَشْفُ هنا: الصوتُ ليس بالشديد.
وقال أحمد بإسناده (5) عن أنسٍ قال: أبطأ بلالٌ عن صلاةِ الفجر، فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما حَبَسك؟ " قال: مررتُ بفاطمة وهي تَطحنُ والصبيُّ يَبكي، فقلتُ لها: إن شئتِ كَفيتُك الرَّحى وكَفَيتِني الصّبيّ، وإن شئتِ كفيتِني الرَّحى وكفيتُك الصبيَّ، فقالت: أنا أرفقُ بابني منك، فذاك الذي حَبَسني، فقال له رسول اللَّه: "رحمتَها يَرحمك اللَّه" (6).
وروي عن مجاهدٍ في قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} [ص: 62 - 63] قال: يقول أبو جهل: أين بلالٌ؟ أين فُلانٌ؟ كنّا نعدُّهم في الدنيا من الأشرارِ، فلا نراهم في النارِ، أم هم في مكانٍ لا نَراهم فيه، وفي روايةٍ: أم هم في النَّارِ لا نَرى مكانهم (7).
__________
(1) حلية الأولياء 1/ 149.
(2) أخرجه أحمد (14055)، وأبو نعيم 1/ 150.
(3) مسند أحمد (22996).
(4) أخرجه أحمد (8403)، والبخاري (1149)، ومسلم (2458) من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-.
(5) من قوله: وفيه قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(6) مسند أحمد (12524). وسلف في سنة (11 هـ) في مناقب فاطمة.
(7) طبقات ابن سعد 3/ 214.
(5/332)

وذكره البلاذري وفيه: يقول أبو جهل: أين بلال؟ أين عمَّارٌ؟ أين صُهَيْبٌ؟ أين خبَابٌ (1)؟
وقال ابن سعد بإسناده عن عامرٍ قال: كان لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة مؤذِّنين: بلالٌ وأبو مَحْذورةَ وعمرو بن أُمِّ مَكتوم، فإذا غاب بلال أذَّن أبو محذورة، وإذا غاب أبو محذورة أذَّنَ ابنُ أُمّ مكتوم (2).
ودخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه وعنده صُبَر من تمر، فقال: "ما هذا؟ "، فقال: ادَّخرتُه لك ولضِيفانك يَا رسول اللَّه، قال: "أما تخشى أن يكون له بُخارٌ في النَّار؟ أنفق يَا بلال ولا تَخْشَ من ذي العرش إقلالا" (3).
وكان عمر -رضي اللَّه عنه- يقول: أبو بكر سيِّدُنا، وأعتق سيِّدَنا، يعني بلالًا.
ولما هاجر بلال -رضي اللَّه عنه- إلى المدينة نزل على سعد بن خَيثمة، وآخى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين عُبَيدة بن الحارث، وقيل: بينه وبين أبي رُوَيحة عبد اللَّه بن عبد الرحمن الخَثْعَمي.
أهدى النجاشي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه عَنَزة، فكان بلال يَحملها بين يديه إلى صلاة العيدين والاستسقاء، فيأتي بها المصلَّى فيَركُزُها، ثم مشى بها بين يدي أبي بكر رضوان اللَّه عليه، ثم كان سعد القَرظي يمشي بها بين يدي عمر وعثمان -رضي اللَّه عنهما- في العيدين، ويَركزها بين أيديهما، ويُصلّيان إليها (4).
وقال ابن سعد: لما تُوفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جاء بلال إلى أبي بكرٍ فقال: يا خليفةَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إني سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "أفْضَلُ عمل المؤمن الجهادُ في سبيلِ اللَّه"، فقال أبو بكر: فما تشاءُ يَا بلالُ؟ قال: أُرابِطُ في سبيلِ اللَّه حتى أموت، فقال أبو بكر: أنشدُكَ اللَّه يَا بلالُ، وحُرْمَتي وحَقِّي، فقد كبرتُ وضعفتُ واقتربَ أجلي، فأقام
__________
(1) أنساب الأشراف 1/ 210.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 215.
(3) أخرجه الطبراني في الكبير (1020) و (10300)، وأبو نعيم في الحلية 1/ 149 من حديث عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه-.
(4) من قوله: ودخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعنده صبر. . . إلى هنا ليس في (ك).
(5/333)

بلال مع أبي بكرٍ حتى تُوفي أبو بكر، فجاء إلى عمر، فقال كما قال لأبي بكر، وردَّ عليه عمرُ كما ردَّ أبو بكرٍ، فأبى بلالٌ عليه، فقال عمر: فإلى مَن ترى أن أجعلَ النداءَ؟ فقال: إلى سعد القَرَظِ، فإنَّه قد أذَّن لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدعاه عمر فجعل الأذانَ إليه وإِلى عقبِه من بعده (1). والقَرَظُ بالظاء القائمةِ: وَرقُ السَّلَمِ، كانوا يَجْنونه فنُسب إليه.
ثم خرج بلالٌ إلى الشامِ فتوفي به رحمه اللَّه.
ولما تُوفِّي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أذن بلال ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُقْبَر، فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، انتحب الناسُ في المسجد، فلما دُفن قال له أبو بكر -رضي اللَّه عنه-: أَذّن، فقال: إن كنتَ إنما أعتَقتَني لأن أكونَ معك فسبيلُ ذلك إليك، وإن كنتَ أعتَقتَني للَّه فخَلِّني ومَن أعتقَتَني له، فقال: ما أعتقتُك إلا للَّه، قال: فإني لا أؤذّن لأحدٍ بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال فذاك إليك.
وجاء بنو أبي البُكَير إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: زَوِّج أختَنا فُلانًا، قال لهم: "فأين أنتم عن بلال؟ "، فجاؤوا مرّةً أخرى وأخرى وهو يقول لهم كذلك، ثم قال لهم في الثالثة: "أين أنتم عن رجل من أهل الجنة؟ "، فزوَّجوه (2).

فصل في ذِكرِ وفاتِه -رضي اللَّه عنه-: حكى ابن سعد، عن الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارثِ التَّيْمي، عن أَبيه قال: تُوفّي بلال بدمشق سنة عشرين، ودُفِنَ عند البابِ الصغيرِ في مقبرةِ دمشق، وهو ابنُ بِضْعٍ وستين سنةً. قال الواقدي: وكان بلالٌ تِرْبَ أبي بكرٍ، يعني قَرينَه (3).
قلتُ: وقد اختلفوا في وَفاتهِ ومَوضعِ قبرهِ على أقوالٍ، أحدها ما حكاه ابنُ سعدٍ عن الواقدي.
وقال ابن عساكر عن أبي سليمان بن زَبْر قال: مات بلالٌ بداريّا في سنةِ الطاعون، وحُمِل من داريّا على أعناقِ الرجالِ فدُفِنَ بمقبرةِ بابِ كيْسان (4).
__________
(1) طبقات ابن سعد 3/ 214 و 217.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 218 و 219. ومن قوله: ولما توفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . إلى هنا ليس في (ك).
(3) طبقات ابن سعد 3/ 219 و 220.
(4) تاريخ دمشق 3/ 472 - 473.
(5/334)

وقال خليفة: مات بدمشق سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة ثماني عشرة (1).
وقال الهيثم: مات بحلب سنة عشرين أو ثماني عشرة، ودُفِنَ بباب الأربعين.
وقال ابن عساكر في تاريخه: مَن قال إنَّ بلالًا مات بحلب فقد وَهِمَ، الذي مات بحلب خالد بن رباح، وكنيتُه أبو رُويحة الخثعمي، له صُحبةٌ، ولم نعلم له رواية, ويقال: إنه أخو بلالٍ في الإِسلام دون النسبِ، آخى بينهما رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).
وقال هشام (3): خالد بن رباح أخو بلالٍ في النسب، وهو مولى أبي بكرٍ الصديق، وكذا قال ابن عساكر أيضًا، قال: واستعمله عمر على الأُردن، وهو القائل لسُهيل بن عمرو: ما منعك أن تُعجل الغدو (4) إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا النفاق، والذي بعث محمدًا بالحق لولا شيءٌ لضربتُ بهذا السيف فَلْحَتك، وكان سُهيل أعلمَ، وكان قد أَقْبَل إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد طلوع الشَّمس، وهو نازل بالأَبْطح ثاني يوم الفتح، فقال سُهيل لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا محمد، ألا ترى إلى ما يقول لي هذا العُبَيد؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دَعْه، فعسى أن يكون خيرًا منك"، فكانت هذه أشدّ على سُهيل من الأولى (5).
وقال أبو حاتم بن حِبّان البُسْتي: مات بلال بفلسطين، وقيل بعَمْواس (6).
قلتُ: والأصحُّ أنَّه مات بدمشق سنة عشرين، وقيل: وهو ابن ستّين سنةً.
وقال ابن عساكر: تزوَّج بل الذي خَوْلانَ امرأةً اسمُها ليلى، من أهلِ داريّا لها صُحْبَةٌ، وهي التي حكت عن بلالٍ أنَّه (7) قال لما احتُضِرَ، فقالت: واحُزْنَاه، فقال: لا، بل واطَرَبَاه؛
غدًا نلقى الأحبَّه ... محمدًا وحِزْبَه
__________
(1) طبقات خليفة 19 و 198، وتاريخه 149.
(2) انظر تاريخ دمشق 3/ 473 و 5/ 420 - 422.
(3) من قوله: وقال خليفة. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(4) في (أ) و (خ): الرواح، وهو خطأ، والمثبت من تاريخ دمشق 5/ 420.
(5) من قوله: وهو القائل لسهيل. . . إلى هنا ليس في (ك).
(6) الثقات 3/ 28.
(7) من قوله: وقال أبو حاتم بن حبان. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/335)

وقيل: اسمُها هند (1).
وأسند بلال عن رسولِ اللَّه أربعةً (2) وأربعين حديثًا، أُخرج له منها في "الصحيحين" أربعةُ أحاديث.
قال أحمد بإسناده عن مُجاهدٍ، عن ابن عمر أنه سأل بلالًا، فأخبره أن رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ركع رَكعتين، يعني في البيت، فجعل الأسطوانةَ عن يمينهِ، وتقدّم قليلًا، وجعل المقام خلف ظهره.
وقال أحمد بإسناده عن ابن عمر، وذكر دخول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الفتح إلى الكعبةِ، قال ابن عمر: فوجدتُ بلالًا قائمًا على البابِ فقلتُ: أين صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: بين العَمُودين المتَقَدِّمَيْنِ، فنسيت أن أسأله: كم صلّى (3).
وحكى ابن عبد البَرِّ (4) قال: قالت أم الدرداء: حدَّثني أبو الدرداء قال: أقام بلالٌ بداريّا، فرأى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في منامِه فقال له: يا بلالُ، ما هذه الجَفْوُة؟ أما آنَ لكَ أن تَزورَني؟ فانتبه فَزِعًا، وركب ناقتَه، وأتى المدينةَ، فجعل يُمَرِّغُ خدَّيْه على التُّراب بين يَدَي الحجْرةِ ويبكي، وأخذ الحسنَ والحسينَ فجعل يُقَبِّلُهما ويبكي، وبكى المسلمون وقالوا: يا أَبا عبد اللَّه، نَنْشُدُك اللَّه، ألا أسْمَعْتَنا أذانك الذي كُنْتَ تُؤذِّنُ به لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في السَّحَرِ؟ فلما كان وقتُ السَّحَرِ صعدَ المكانَ الذي كان يُؤذِّنُ عليه للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما قال: اللَّه أكبر ارتجَّت المدينةُ، فلما قال: أشهدُ أن لا إله إلَّا اللَّه ازدادت رجَّتُها، فلما قال: أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللَّه، خرج العَواتِقُ من خُدورِهنَّ وقُلْنَ: بُعِثَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فما رُئيَ باكٍ ولا باكية بعد وفاة رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أعظمَ من ذلك اليوم (5).
وقال هشام بن الكلبي: كان بلال يقلبُ الشِّينَ سينًا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ سِينَ بلال عند اللَّه شِينٌ" (6). انتهت ترجمة بلال -رضي اللَّه عنه-.
__________
(1) تاريخ دمشق 3/ 471 (مخطوط)، وقسم النساء 342 و 466 (مجمع اللغة).
(2) من هنا إلى نهاية ترجمته ليس في (أ) و (خ).
(3) مسند أحمد (23905) و (23923).
(4) كذا, ولعل الصواب ابن عساكر، فالخبر في تاريخه 2/ 506 (مخطوط).
(5) قال الذهبي في السير 1/ 358: إسناده ليّن، وهو منكر.
(6) ذكره القاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص 65 و 113، وقال: لا أصل له، وانظر كشف =
(5/336)

فصل وفيها تُوفي

أبو خِراش الشاعر
واسمُه خويلد بن مُرَّة الهُذَليّ، شاعر مُجيدٌ من شُعراء هُذَيل، مُخَضرَمٌ، أدركَ الجاهلية والإِسلام وأسلم، وكان إذا عدا سَبقَ الخيلَ.
فرُويَ عن الأصمعيّ أنَّه قال: حدَّثني رجلٌ من هُذَيل قال: دخل أبو خِراش الهُذَليُّ إلى مكة وللوليد بن المغيرةِ فَرَسانِ يُريدُ أن يُرْسِلَهما في الحلبة، فقال له الوليد: أنتَ الذي تزعمُ أنك تَسبِقُ الخيلَ؟ قال: نعم، فما تَجعلُ لي إن سبقتُهما؟ قال: هما لك، فأرسلهما، وعدا بينهما فسبقهما فأخذهما.
وقال هشام: ليس لأبي خِراشٌ ذكْرٌ في الصحابةِ، وعاش إلى أيامِ عمر، نَهشَتْه أفعى فمات، وقد استشهد أهلُ اللغةِ بأشعاره، وأهلُ التفاسير بها في تفاسيرهم (1).
فصل وفيها تُوفّيت

زينب بنت جَحش
ابن رئاب بن يَعْمَر بن صَبِرَة بن مُرّة بن كثير بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزَيمة، زوجةُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأُمُّها أُميمةُ بنت عبد المطلّب بن هاشم، عمَّة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
تزوَّجها رسول اللَّه في السنة الخامسة من الهجرة، وكانت قبل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عند زيد بن حارثة، فطلَّقها زيدٌ (2)، وتزوَّجها رسولُ اللَّه، وبسببها نزل الحجابُ، ونزل أيضًا: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا} [الأحزاب: 37] الآيات، وقد ذكرنا جميع ذلك (3).
وهي التي بعث إليها عمر بنُ الخطاب بمالٍ، فسَتَرتْ بينها وبينه بثوبٍ وقالت: اللهمَّ لا يُدْركني عطاءُ عمر بعدها، فماتت قبل العطاء.
__________
= الخفاء 1/ 263, 564.
(1) الشعر والشعراء 663، والاستيعاب (2913)، والأغاني 21/ 205، والمنتظم 4/ 299، والإصابة 1/ 464.
(2) في (ك) وهي التي زوجها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زيد بن حارثة، ثم رآها رسول اللَّه فأعجبته، فطلقها زيد، والمثبت من (أ) و (خ).
(3) سلف في قسم السيرة.
(5/337)

وهي التي ذكرتها عائشة في حديث الإفكِ وقالت: وهي التي كانت تُسامِيني من أزواجِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فعصمها اللَّه بالوَرَعِ، ولم أرَ امرأةً أكثرَ خيرًا ولا صدقةً منها، ما عدا سَوْرَةً من حِدَّةٍ كانت فيها، يُوشكُ منها الفيئَة، أي: الرجوع (1).
وكانت زينب تُسمّى أُمَّ المساكين؛ كانت تعملُ بيدِها وتتصدَّقُ به على المساكينِ.
وقال الواقدي: أطعمها رسول اللَّه بخيبر ثمانين وَسْقًا من تمرٍ، وعشرين وَسْقًا من قمحٍ، ويقال، من شعير.
وقال ابن سعد بإسناده عن سالم، عن أَبيه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا وهو جالسٌ مع نسائهِ: "أطوَلُكنّ باعًا أسْرَعُكُنَّ لُحوقًا بي"، فكُنَّ يتطاوَلْنَ إلى الشيء، وإنَّما عني رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك الصدقةَ، وكانت زينب امرأةَ صَنعًا، فكانت تتصدَّقُ به، وكانت أسرعَ نسائهِ لحوقًا به (2).
وقال ابن سعد بإسناده عن موسى بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن حارثة بن النعمان، عن أَبيه، عن أُمِّه عَمْرَةَ، عن عائشة قالت: يرحمُ اللَّهُ زَينب بنت جَحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرفَ الذي لا يَبلغه شرف؛ إنَّ اللَّه زوَّجها نبيَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الدنيا، ونطق به القُرآنُ، وإنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لنا ونحن حوله: "أسرعُكُنّ بي لُحوقًا أطولكنَّ باعًا"، بشَّرها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بسرعةِ لحوقِها به، وهي زوجتُه في الجنَّة.
وفي روايةِ ابن سعدٍ عن عائشة قالت: فكنّا إذا اجتمعنا في بيتِ إحدانا بعد رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعلُ ذلك حتى تُوفيت زينبُ، وكانت امرأةً قصيرةً، ولم تكن أطْوَلَنا، فعرفنا حينئذٍ أنَّما أراد بطول اليد الصدقةَ والخيرَ.
قالت: وكانت امرأةً صَناعَ اليد، فكانت تَدبُغ وتَخْرُزُ، وتتصدَّق به في سبيلِ اللَّه.
وروى ابن سعدٍ عن الواقدي بإسناده قال (3): لمّا حَضرتها الوفاةُ قالت: إني
__________
(1) أخرجه مسلم (2442)، ومن قوله: وقد ذكرنا جميع ذلك. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) من قوله: وقال ابن سعد. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(3) من قوله: وفي رواية ابن سعد. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/338)

أعدَدْتُ كَفني، وإن عمر سيَبعثُ إليَّ بكَفَنٍ، فإن بعث فتصدَّقوا بأحدِهما (1).
وقال هشام: ولما ماتت بعث إليها عمرُ بخمسةِ أثوابٍ، وقال: كفنها وغسَّلها أزواجُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحُمِلت على السرير الذي حُمِل عليه رسول اللَّه وأبو بكر.
وقال ابن سعد بإسناده عن الواقدي: لمّا أرسل إليها عمرُ بالمال وفرَّقَتْه قال: هذه امرأةٌ يُرادُ بها الخيرُ، ثم جاء فوقف على بابِها، وأرسل إليها بالسلامِ وقال: قد بَلَغني ما فَرَّقتِ، وأرسلَ إليها بألفِ دِرهم، وقال: أنفقيها، فسلكت بها سبيلَ ذلك المال.
قال الواقدي: ولما احتُضِرت بعث إليها عمر بخمسةِ أثوابٍ من الخزائن، يَتخيَّرها ثوبًا ثوبًا، فكُفِّنت فيها، وتصدَّقت عنها أُختُها حَمْنةُ بكَفَنها الذي أعدّته تتكفَّنُ فيه (2)، وقالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: لقد ذهبتْ زينبُ حَميدةً فَقيدة مَفزَع اليتامى والأرامل.
قال الواقدي: وماتت في يومٍ صائفٍ، فمشى عمرُ في جَنازتها، وصلّى عليها وكبَّر أربعًا، وضرب على قبرها فُسْطاطًا لأجل الحَرِّ، فقالوا لعمر: مَن ينزِلُ في قبرِها؟ فقال: مَن كان يدخلُ عليها في حياتها، وهو أَوَّل فُسطاطٍ ضُرِبَ على قبرِ امرأةٍ بالمدينةِ. ودُفنِت بالبَقيعِ، ونزل في قبرِها محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي، وهو ابنُ أُختِها، وهو السجَّادُ، قُتِل مع أبيهِ يوم الجمل، وأُسامةُ بن زيدٍ وكان مَحْرمًا لها؛ لأنها كانت زوجةَ أبيه، وأبو أحمد بن جَحْشٍ، وكان ضريرًا وهو أخوها، فرآه عمر وهو يروم [حَمْل] سريرها وهو يَبكي، فقال له عمر: تنحَّ يا أبا أحمد عن السرير، لا يَبْغتك الناس، فقال: يا عمر، هذه التي نِلْنا بها الشرفَ في الدنيا والآخِرةِ، وإنَّ هذا يُبْرِدُ حرَّ ما أجدُ، فقال له عمر: الزمْ الزمْ.
قال الواقدي: وماتت في سنة عشرين، ووقف عمر بن الخطاب على قبرِها، والأكابرُ من أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أرجُلهم، وأمر عمرُ محمَد بنَ عبد اللَّه بن حجشٍ ومَن سمَّيْنا فنزلوا في قبرها.
وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: تزوَّج رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زينب بنت
__________
(1) الأخبار السالفة في طبقات ابن سعد 10/ 104 - 105.
(2) من قوله: وقال ابن سعد عن الواقدي. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(5/339)

جحش لهلالِ ذي القعدة، سنةَ خمسٍ من الهجرةِ، وهي يومئذٍ بنتُ خمسٍ وثلاثين سنة، وتُوفّيت سنةَ عشرين، وهي بنتُ ثلاثٍ وخمسين سنةً (1).
وقيل: ماتت سنة إحدى وعشرين وهي بنتُ إحدى وخمسين سنةً.
وليس في الصحابياتِ مَن اسمُها زينب بنت جَحْشٍ سواها، فأما غيرُ بنت جحشٍ فقد ذكرناهُنَّ في ترجمةِ زينب بنت رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وروت زينبُ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحد عشر حديثًا، أخرج لها في "الصحيحين" حديثين متفق عليهما، وأخرج لها أحمد في المسند ستَّة أحاديث.
والحديثان المتَّفقُ عليهما أخرجهما أحمد في "المسند" فقال بإسناده عن نافع، عن زينب بنت جحش قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على المنبر: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخرِ أن تَحُدَّ على ميِّتٍ فوق ثلاثِ ليالٍ، إلّا على زَوْجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا" (2).
والحديث الثاني قوله عليه السلام: "ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقتربَ" (3).
وأختها حَمْنَة بنت جَحْش، صاحبةُ الإفك، كانت تحت مُصعب بن عُمير، قُتل عنها يوم أحد، فتزوّجها طلحة بن عُبيد اللَّه، فولدت له محمدًا وعمران، وكُنيتها أمُّ حَبيبة (4)، حضرت أُحدًا تَسقي الماء وتُداوي الجَرحْى رحمها اللَّه.

سعيد بن عامر
ابن حِذْيَم بن سَلامان بن ربيعة الجُمَحي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، أسلم قبل غزاة خيبر، وشهد ما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأمُّه أَروى بنت أبي مُعَيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شَمْس بن عبد مَناف، هاجر إلى المدينة، وولّاه عمر
__________
(1) طبقات ابن سعد 10/ 106 - 111، وانظر أنساب الأشراف 1/ 524.
(2) مسند أحمد (26754)، وصحيح البخاري (1282) و (5335)، وصحيح مسلم (1487) من طريق حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، عن زينب بنت جحش -رضي اللَّه عنها-.
(3) مسند أحمد (27413)، وصحيح البخاري (3346)، وصحيح مسلم (2880). ومن قوله: وليس في الصحابيات من اسمها زينب. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ)، ومن هنا إلى بداية السنة (21 هـ) ليس في (ك).
(4) بل هي كنية أختها، انظر طبقات ابن سعد 10/ 230، والتبيين 508، والإصابة 4/ 275، والاستيعاب (3260).
(5/340)

رضوان اللَّه عليه حمصَ وما يليها من الشام.
أرسل عمر رضوان اللَّه عليه إلى سعيد بن عامر فقال: إنّا مُستعملوك على هؤلاء، تَسيرُ بهم إلى أرض العدوّ، فتَجاهدونهم، فقال: يا عمر، لا تَفتِنّي، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: لا واللَّه لا أَدَعُكُم، جعلتموها في عُنقي ثم تخلَّيتُم عني، إنما أبعثُك على قومٍ لستَ بأفضلهم، ولستُ أبعثُك لتضربَ أبشارهم، ولا لتهتك أعراضَهم، ولكن لتُجاهدَ بهم عَدُوَّهم، وتَقسم بينهم فَيْئَهم.
فقال: يا عمر، اتَّقِ اللَّه، أحبَّ لأهل الإسلام ما تُحبُّ لنفسِك، وأقم وَجهَك وقضاءَك لمَن استَرعاك اللَّه من قريب [المسلمين وبعيدهم]، ولا تَقضِ في أمرٍ واحدٍ قضاءين، فيَختلِفَ عليك أمرُك، وتُنْزَعَ عن الحقّ، والزم الأمرَ ذا الحُجَّة يُعِنْك اللَّه على ما ولّاك، وخُضِ الغَمرات إلى الحقّ حيث عَلمتَه، ولا تَخشَ في اللَّه لَوْمَةَ لائم.
فقال عمر رضوان اللَّه عليه: وَيحك يا سعيد، ومَن يُطيق هذا؟ فقال: مَن وَضع اللَّه في عُنقه مثلَ الذي وَضع في عُنقك، إنما عليك أن تَأمُرَ فيُطاع أمرُك، أو يُترك فتكون لك الحُجَّة، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: إنا سنجعل لك رزقًا، قال: لقد أُعطيتُ ما يكفيني دونه -يعني عطاءه- وما أنا بمُزْدادٍ من مال المسلمين شيئًا.
وكان إذا خرج عَطاؤه نظر إلى قُوتِ أهلِه من طعامهم [وكسوتهم وما يصلحهم فيعزله، وينظر إلى بَقيّته فيتصدّق به، فيقول أهله: أين بقيّة المال؟ ] فيقول: أقرضتُه، فأتاه نَفرٌ من قومه فقالوا: إن لِأَهْلِكَ عليك حقًا، وإن لأصهارِك عليك حقًا، فيقول: ما أستأثر عليهم، إن يدي لمع أيديهم، وما أنا بطالبٍ رِضى أحدٍ من الناس بطلبي الحورَ العين، لو اطّلعت واحدةٌ منهنّ لأشرقت لها الأرض، [وما أنا بمتخلّفٍ عن العُنُق الأول] بعد إذ سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يجيء فقراء المهاجرين يَزفّون كما يَزفُّ الحمام، فيقال لهم: قِفُوا للحساب، فيقولون: واللَّه ما تَركنا شيئًا نُحاسَب عليه، فيقول اللَّه: صدق عبادي، فيدخلون الجنةَ قبل الناس بسبعين عامًا".
وقال خالد بن معدان: ولّى عمر رضوان اللَّه عليه سعيد بنَ عامر حمص، فبلغه فقرُه وفاقتُه، فبعث إليه بألف دينار، فتصدق بها، فقالت له زوجتُه: هلّا تصدَّقتَ علينا منها بشيءٍ، فنحن أَفقرُ الناس، فقال: سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لو اطّلعت امرأةٌ
(5/341)

من نساء الجنة إلى الأرض لملأتها ريحَ المسك"، وإني واللَّه ما أختارها عليك، فرضيتْ.
ولما أتى عمر رضوان اللَّه عليه الشام طاف كُوَرَها، وبعث إلى حمص قال: اكتبوا لي فُقراءكم فكتبوا إليه أَساميهم، فكتبوا له اسمَ سعيد بنِ عامر، فلما رأى اسمَه قال: مَن سعيد بنُ عامر؟ قالوا: أميرُنا، قال: وأين عَطاؤه؟ قالوا: لا يُمسك منه شيئًا، فبكى عمر رضوان اللَّه عليه، وبعث إليه بألف دينار، فجعلها كالصُّرَر في مِخلاة، واعترض جيشًا من المسلمين، ففرَّقها فيهم.
وكان يَمضي عليه الشهر لا يَصعد من بيته دُخان.
وشكا أهلُ حمصَ سعيد بنَ عامر -رضي اللَّه عنه-، قالوا: نَشْكُو منه أربعًا، لا يَخرج إلينا حتى يَتعالى النهار، ولا يُجيب أحدًا بليل، وله يومٌ في الشهر لا يَخرج إلينا، ويُغْنَظُ الغَنظَةَ بين الأيّام (1)، فسأله عمر رضوان اللَّه عليه عن ذلك فقال: واللَّه إني لأكره ذِكرَ ذلك.
أمّا كوني لا أَخرجُ حتى يَتعالى النهار، فإنه ليس لي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يَختمر، ثم أخبز خُبزي، ثم أتوضأ وأخرج إليهم، وأما كوني لا أُجيبهم بليل، فإني جعلتُ لهم النهار، وجعلت الليل للَّه، وأما كوني لا أخرج إليهم يومًا في الشهر، فإنه ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثوب غير الذي عليّ، فأغسِله وأجلس حتى يَجفّ، وألبسَه، ثم أخرج إليهم، وأما الغنظة فإني شهدتُ مَصرَعَ خُبَيب الأنصاري بمكة، وقد بَضَعت قُريش لحمه، ثم حملوه على جِذع وقالوا: تُحبُّ أنّ محمدًا مكانك؟ فقال: واللَّه ما أحب أني في أهلي ومالي وأن محمدًا شِيك بشوكة، ثم نادى: وامحمداه، فما ذكرتُ ذلك اليوم وتركي نُصرته في تلك الحال إلا ظننتُ أن اللَّه لا يَغفر لي الذّنبَ أبدًا، فتُصيبني تلك الغنظة، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: الحمد للَّه الذي لم يُفَيّل فراستي فيك.
وبعث إليه بالف دينار وقال: استَعِنْ بها على أمرِك، ففرَّقها في الأرامل
__________
(1) يعني يغمى عليه، وتأخذه موتة.
(5/342)

والمساكين، فقالت له زوجته: ألا تَشترى لنا خادمًا؟ قال: [بِمَ؟ ] قالت: فما فعل ذلك المال؟ فقال: سيأتيك أحوجَ ما تكونين إليه، وله صحبة ورواية ولم يُقب -رضي اللَّه عنه- (1).

عُوَيْم بن ساعِدة بن عائِش
أبو عبد الرحمن الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأوس، وأمُّه عميرة بنت سالم ابن عَوف، وكان من النَّفَر الثمانية الذين لَقوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة قبل العَقَبة الثانية، وأسلموا ثم شهدوا العقبة الثانية، فشهدوا العَقَبتَيْن.
وآخى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين عُوَيم وحاطب بنِ أبي بَلْتَعة، وفيه نزل قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].
وهو أوّلُ من استنجى بالماء، وهو أحدُ الرَّجُلَين الذين لقِيا أبا بكر وعمر رضوان اللَّه عليهما يوم السَّقيفة، أسند الحديث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).

عِياض بن غَنْم
ابن زهير بن [أبي] شدّاد بن ربيعة الفِهري، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، أسلم قبل الحُدَيبية، وشهدها مع رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكنيته أبو سعد، وكانت عنده أمّ الحكم بنت أبي سفيان، فلما نزل قوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] طلّقها، فتزوّجها عبد اللَّه بن عثمان الثقفي، فولدت له عبد الرحمن بن أمِّ الحكم.
شهد عياض فُتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص -رضي اللَّه عنه-، وهو من رهط أبي عبيدة -رضي اللَّه عنه-، وله الفتوح الكثيرة بالشام والجزيرة، وهو أولُ مَن جاوزَ دَرْبَ الروم غازيًا، وكان على حمص.
وكان جَوادًا سمحًا، يُعطي ما يَملك لا يعدوه إلى غيره، ولما حَضرتْ أبا عبيدة الوفاةُ ولّاه عملَه الذين كان يليه، فلما نُعي أبو عبيدة إلى عمر -رضي اللَّه عنهما- استَرجع، وأكثر الترحُّمَ عليه، وقال: من الذي استخلف على عمله؟ قالوا: عِياض، فأَقَرّه.
__________
(1) طبقات ابن سعد 5/ 90 و 9/ 402، والاستيعاب (878)، وتاريخ دمشق 7/ 274 (مخطوط)، وحلية الأولياء 1/ 244، والمنتظم 4/ 301، والتبيين 459، والإصابة 2/ 48، وما بين معكوفين منها.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 424، والاستيعاب (2039)، والاستبصار 279، والإصابة 3/ 44، والسير 1/ 503.
(5/343)

وجاءه غُلامه فقال: ليس عندنا ما نَتغدّى به، فقال: خُذْ هذا الثوب، فبِعْه واشترِ به دقيقًا، قال: أفلا تَقترضُ خمسةَ دراهم من هذا المال الذي في ناحيةِ بيتك إلى غدٍ، ولا تبيع ثوبَك، فقال: واللَّه إني لأُدخل يدي في جُحْر أفعى فتنال مني؛ أحبُّ إليّ من أن أُطْمِعَ نفسي في هذا الذي تقول.
وقيل لعمر رضوان اللَّه عليه: إنه يُبذّر المال، وإنما عزلتَ خالد بن الوليد لتَبذيره، ولأنه كان يُعطي الناس دونك! فقال: إن سَماحَ عِياضٍ في ذات يده حتى لا يُبقي من ماله شيئًا، فإذا بلغ إلى مال اللَّه لم يُعط منه شيئًا، مع أني لم أكن لأَعزلَ أميرًا أمّره أبو عبيدة.
ولما وَلي حمص قَدم عليه نفرٌ من أهل بيته يَطلبون صِلتَه، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا خمسة، فدفع لكلِّ واحدٍ منهم عشرة دنانير، فسخطوا ونالوا منه، فقال: إني ما أُنكرُ قَرابتَكم، ولا بُعدَ شُقَّتكم وحقَّكم، ولكن واللَّه ما خَلَصتُ إلى ما وُصلتم به إلا ببيعِ خادمي، وبيع ما لا غِنى لي عنه، فاعذروني، فقالوا: [إنك والي نصف الشام، وتعطي الرجل منا ما جهده أن يبلغه إلى أهله! قال: فتأمروني أسرق مال اللَّه؟ ! ] واللَّه لأن أُشَقَّ بالمناشير أحبُّ إليَّ من أن أَخُونَ فَلسًا وأتعدّى، فقالوا: قد عَذَرْناك في ذات يدك، فوَلِّنا أعمالًا من أعمالك، نُؤدّي إليك ما يُؤدّي الناس، ونُصيبُ من المنفعة ما يصيبون، قال: أخافُ عَتَبَ عمر، وأن يقول: ولَّيتَ نفرًا من قومك، قالوا: فقد وَلّاك أبو عبيدة، وأنت في القرابة بحيث أنت، وأنفذ لك عُمرُ ذلك، فلو وَلّيتَنا أنفذه، فقال: إني لستُ عنده كأبي عُبيدة، فانصرفوا وهم لائمون له، غير عَاذرين.
ومات عياض ولا مال له، ولا دَين عليه، وكان شريفًا في قومه، وذكره ابن قيس الرُّقَيّات في أشراف قريش فقال: [من الخفيف]
وعِياضٌ وما عياضُ بنُ غَنْمٍ ... كان من خيرِ مَن أَجَنَّ النّساءُ (1)
وكان أحد الأمراء والولاة باليرموك، وله صحبة ورواية -رضي اللَّه عنه-، وتوفّي وهو ابن ستين سنة (2).
__________
(1) ديوان عبيد اللَّه بن قيس 94، والاستيعاب (1939)، والتبيين 495، وتاريخ بغداد 1/ 184.
(2) طبقات ابن سعد 5/ 94 و 9/ 402، وتاريخ دمشق 56/ 431، والمنتظم 4/ 303، والسير 2/ 354، والإصابة 3/ 50.
(5/344)

أبو الهيثم بن التَّيِّهان
واسمه مالك بن عمرو بن زعوراء (1) الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأنصار، حَليفُ بني عبد الأشهل، وهو أحد النُّقَباء الاثني عشر، وأمُّه ليلى بنت عَتيك، خَزرجيّة، وهو أول من أسلم من الأنصار بمكة، وهو من الثمانية الذين لَقوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل قومهم وأسلموا، وقَدِموا المدينة وأظهروا الإسلام.
شهد العَقَبتَيْن وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وآخى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين عُثمان بنِ مَظْعون -رضي اللَّه عنه-، وبعثه إلى خيبر يخرص التمر، بعدما استُشهد عبد اللَّه ابن رواحة -رضي اللَّه عنه- بمُؤْتَة، فلما توفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثه أبو بكر رضوان اللَّه عليه فأبى، فقال: قد خَرَصتَ التمر للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-! فقال: كنتُ إذا خَرصْتُ لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورجعتُ دعا لي بالبركة، فتركه، وله صُحبة ورواية -رضي اللَّه عنه- (2).

أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث
أنصارية، أسلمت، وبايعت، وجمعت القرآن، فأذن لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تَؤمَّ نساءَ أهلِ بيتها، وكان لها مُؤذِّن، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَزورُها، ويسمِّيها الشّهيدة، فلما أراد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الخروجَ إلى بدر استأذنَتْه في الخروج معه، وقالت: يا رسول اللَّه أخرجُ معك فأداوي الجَرحى، وأقوم على المَرْضى، لعل اللَّه أن يَرزُقَني الشهادة، فقال: "إن اللَّه مُهديها إليك".
وكانت أعتقتْ جاريةً لها وغلامًا عن دَبرٍ منها (3)، فطال عليهما الأَمَد، فغمّاها في قَطِيفةٍ حتى ماتت وهربا.
فأتي عمر رضوان اللَّه عليه، فأُخبر الخبر، فقام في الناس فقال: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يزور أمَّ ورقة ويقول: "انطلقوا نزور الشهيدة"، وصدق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإن جاريتها وغلامَها غمَّاها تم هربا، فلا يُؤويهما أحدٌ، ومَن وجدهما فليأت بهما،
__________
(1) في (أ) و (خ): زيد، والمثبت من مصادر ترجمته، وليس في أجداده من اسمه زيد.
(2) طبقات ابن سعد 3/ 412، 561، والمعارف 270، والاستيعاب (3181)، والمنتظم 4/ 305، والاستبصار 288، والسير 1/ 189، والإصابة 4/ 212.
(3) في (أ) و (خ) عن دَين منها، وهو خطأ، والثبت من مصادر الترجمة، يعني أعتقتهما بعد موتها.
(5/345)

فصَلبهما، وكانا أوَّلَ مَصلُوبَيْن في الإسلام بالمدينة (1).

فصل: وفيها مات هِرَقْل بالقُسطَنْطينية، وهو الذي كاتبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فى سنة ستٍّ من الهجرة بعد الحُدَيبية، وهو الذي هرب من الشام إلى القُسطنطينية، وفُتح الشام في أيامه، وقام بعده ولده قسطنطين.
__________
(1) طبقات ابن سعد 10/ 424، والاستيعاب (3589)، والمنتظم 4/ 305، والاستبصار 358، والإصابة 4/ 505، وتهذيب الكمال (8614)، وفروعه.
(5/346)

السنة الحادية والعشرون
وفيها بثَّ عمر جيوشَه في العراق في طلب يَزدَجِرد، وكتب إلى عُمَّاله بالعراق: اطلبوه، وعقد لنُعَيم بن مُقَرّن على هَمَذَان، وبعث عُتْبة بن فَرْقَد وبُكَيْر بن عبد اللَّه إلى أَذْرَبيجان، وأمدَّهما بأبي موسى، فالتقى نُعَيم بن مُقَرِّن بطائفةٍ من الأعاجم، فاقتتلوا وانْهَزَمت الفرس، وفتح أصبهان وغيرها، وجدّ في طلب يَزدَجِرد (1).
وقيل: إن غزاة نهاوند كانت في هذه السنة، وقد ذكرناه (2).
وفيها ولّى عمرُ الكوفةَ عمار بنَ ياسر، وابنَ مسعود بيتَ مالها، وعثمان بنَ حُنَيف مَساحةَ الأرض، وسلمانَ المدائنَ.
قال حارثة بن مُضَرّب: قُرئ علينا كتابُ عمر بنِ الخطاب: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليكم عمار بنَ ياسر أميرًا، وابنَ مسعود مُعلّمًا ووزيرًا، وعلى بيت مالكم، وإنهما من النُّجَباء من أصحاب محمدٍ من أهل بدرٍ، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما، وقد آثرتُكم بابنِ أمِّ عَبْدٍ على نفسي، وولَّيتُ حُذَيفة بنَ اليمان ما سَقَت دجلة، ووَلَّيتُ عُثمان بن حُنَيف الفرات، وما سقى أذربيجان، ورِزقُهم كلَّ يومٍ شاةٌ، فاجعلوا شَطْرها وبطنَها لعمار، والشَّطرَ الثاني بين هؤلاء الثلاثة.
ثم قال عمر رضوان اللَّه عليه: ما أرى قريةً يُؤخَذُ منها كلّ يومٍ شاةٌ إلا سريعًا في خرابها.
وأمَر عثمان بن حُنَيْف بمساحة سَقْي الفرات، فمسح الكُور والطَّسَاسيج بالجانب الغربي من دجلة، وكان [أولها] كورة فيروز -وهي طَسُّوج الأنبار- وكان أوَّل السَّواد شُربًا من الفُرات، ثم طسُّوج مَسْكِن، وهو أوَّلُ حُدود السَّواد في الجانب الغربي من دجلة، وشُرْبُه من دُجَيل، ويَتْلُوه طَسُّوج قُطْرَبُّل، وشُربُه أيضًا من دُجَيْل، ثم طسوج بادوريا، وهو طسوج مدينة السَّلام، وكان أجلَّ طَسَاسيج السَّواد جميعًا، وكان كل
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 4/ 138، والمنتظم 4/ 307 ففيهما تفصيل أوضح مما هنا.
(2) في سنة (18 هـ).
(5/347)

طسوج يَتقلَّدُه فيما تقدّم عاملٌ واحد، سوى طسوج بادوريا، فإنه كان يَتقلَّدُه عاملان؛ بجلالته وكَثرةِ ارتفاعه، ولم يزل خطيرًا عند الفُرس، ومُقَدَّمًا على ما سواه (1).
ولما مسح عثمان بنُ حُنَيْف الأرض جعل على جَريب الكَرْم عشرة دراهم، وعلى جَريب النَّخْل خَمسةَ في راهم، وعلى جَريب القَضْبِ ستَّةَ دراهم، وعلى جَريب البُرِّ أربعةَ دراهم، وعلى جَريب الشعير دِرهمين.
وقال الشعبي: مسح عُثمانُ السَّواد فوجده ستّةً وثلاثين ألفَ ألف جَريب، فوضع على كلِّ جَريب درهمًا (2).

ذكر السواد (3)
قال الجوهري: سوادُ الكوفةِ والبصرةِ: قُراهما (4).
وقال أبو عُبيد: إنَّما سُمِّيَ السوادُ سوادًا؛ لأن العربَ لمّا خَرَجوا من البَرِّيَّةِ نَظروا إلى مثلِ الليلِ من النَّخْلِ والشجرِ، فسمّوه سوادًا، وهم يُسَمُّون الخُضرَةَ سوادًا، ومنه قوله تعالى: {مُدْهَامَّتَانِ (64)} [الرحمن: 64] أي: خضراوان من الريّ يميلان إلى السوادِ.
واختلفوا في حدِّ السوادِ الذي وقع عليه الخراجُ، فقال أبو عُبيد: هو من تُخومِ المَوْصِل مادًّا مع الماء إلى ساحلِ البحرِ من عَبَّادان وشرقي دِجْلَةَ، هذا طولُه، وأمَّا عَرْضُه فحدُّه مُنْقَطَعُ الجبلِ من أرضِ حُلْوان إلى منتهى طرفِ القادسية المتَّصلِ بالعُذَيْبِ من أرضِ العرب (5).
والأصحُّ ما ذكره أصحابُنا قالوا: هو ما بين العُذَيب إلى عَقبة حُلْوان عَرْضًا، ومن العَلْث إلى عَبَّادان (6).
__________
(1) تاريخ بغداد 1/ 170، والمنتظم 4/ 308.
(2) تاريخ بغداد 1/ 11، والمنتظم 4/ 309، ومن قوله: قال حارثة بن مضرب. . . إلى هنا ليسر في (ك).
(3) في (أ) و (خ): حد السواد.
(4) الصحاح: (سود).
(5) الأموال لأبي عبيد ص 74، وتاريخ بغداد 1/ 11 - 12، والمنتظم 4/ 309.
(6) انظر بدائع الصنائع 2/ 503، وحاشية ابن عابدين 4/ 177.
(5/348)

وقيل: من بَلَدٍ، قريةٌ بالمَوْصلِ، وقيل: طولُه مئةٌ وخمسون فَرْسَخًا، وعَرْضُه ثمانون فوسخًا، وقد ذكرنا فيما تقدَّم لمَ سُمّي العراق؟
وقال أبو مِجلَز (1): بعث عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه عثمان بنَ حُنَيف، وأمره أن يَمسح السَّوادَ: عامرَه وغامِرَه، ولا يَمسح سَبخَه، ولا تِلالَه، ولا أُجُمه، ولا مُستَنقعَ ماء، ولا ما لا يَبلغه الماء، فمسح كلَّ شيء دون جَبل حُلوان إلى أرض العَرب، وهو أسفل الفرات، وكتب إلى عمر رضوان اللَّه عليه: إني وجدتُ كلَّ شيءٍ يَبلُغُه الماء من عامرٍ وغامر، ستَّةً وثلاثين ألفَ ألف جَريب، وكان الذّراع الذي مَسح به السَّواد ذراعًا وقَبضة والإبهام مُضجعة.
فكتب إليه عمر رضوان اللَّه عليه أن افرِض على كلّ جَريبٍ عامر وغامر عمله صاحبُه أو لم يَعمله درهمًا وقفيزًا.
وفرض على الكرم على كلِّ جَريب عشرة دراهم، وعلى الرِّطاب خمسةَ دراهم، وأطعمهم النَّخْل والشجر، وقال: هذا قُوَّةٌ لهم على عمارة بلادهم.
وفرض على رقاب أهل الذمّة: على الموسِر ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى مَنْ دون ذلك أربعة وعشرين درهمًا، وعلى مَنْ لا يجد اثني عشَر درهمًا، فحُمل خراجُ العراق سوى الكوفة إلى عمر رضوان اللَّه عليه أوّل سنة ثمانون ألف ألف درهم، وحُمل من قابل عشرون ومئةُ ألف ألف درهم، فلم يزل على ذلك.
وجباه عمر بن عبد العزيز -رضي اللَّه عنه- مئة ألف ألف درهم، وأربعة وعشرون ألف ألف درهم، وكان الحَجاج قد جَباه مئة ألف ألف درهم وثمانية عشر ألف ألف درهم، وكان قد منع من ذَبْح البقر؛ ليَكثر الحرث والزرع والرَّيْع، فقال الشاعر: [من المتقارب]
شَكونا إليه خرابَ السَّوادِ ... فحَرَّم فينا لحومَ البَقَرْ (2)
وقال عمر رضوان اللَّه عليه لعثمان بن حُنَيْف وحُذيفة بن اليَمان: أخاف أن تكونا حَمَّلْتُما الأرضَ فوق طاقتها, فقال عثمان: لو شئتَ لأضعفتُ أرضي، وقال حُذيفة
__________
(1) من هنا إلى قوله وفيها ضرب عمر الدنانير، ليس في (ك).
(2) المنتظم 4/ 309 - 310، والبيت في الأغاني 16/ 378، وجمهرة الأمثال 1/ 143، والأوائل 1/ 246.
(5/349)

مثلَ ذلك، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: واللَّه، لئن عشتُ لأدعنَّ أراملَ أهلِ العراق لا يَحتجْنَ إلى أحدٍ بعدي أبدًا.
ووضع عمر رضوان اللَّه عليه عن أهل السَّواد الرّقَّ بالخراج الذي وَضعه عليهم، وجعله أكرة في الأرض.
ولما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر رضوان اللَّه عليه: اقسِمْه بيننا فأبى، فقالوا: إنا فتحناه عَنوة, قال: فما لمَن جاء بعدكم من المسلمين، أخافُ أن يُفتتنوا ويَقتتلوا، ويتقاعدوا عن الجهاد، فأقرّ أهلَ السَّواد في أرضهم، وضرب عليهم الضَّرائبَ في الخراج.
وكان سواد العراق يُجبَى في زمن الفُرس مئة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم، وقيل: إن الفرس كانت تَجبي خراجَ فارس أربعين ألف ألف مِثقال، وتَجبي كَرْمان ستين ألف ألف مثقال، لأنها كثيرةُ العيون متسعة، وفارس بلادٌ ضيّقة قليلة العيون، وكانت تَجبي خُوْزِسْتان خمسين ألف ألف درهم، ومن الجَبل إلى حُلوان ثلاثين ألف ألف درهم.
وأما خراج مصر فقد كان يُجبى في أيام فرعون ستة وستين (1) ألف ألف دينار، وجباها عبد اللَّه بن الحَبْحَاب في أيام بني أمية ألفي ألف وسبع مئة ألف وثلاثة وعشرين ألف وسبعة دنانير.
وأما الشام والعواصم وقِنَّسْرين فقد كان خراجها أربع مئة ألف دينار، وكذا الجزيرة، وأما الموصل وما والاها فقالوا: أربعة آلاف ألف دينار، وثلاثة وعشرون ألف دينار.
وفيها ضَرَبَ عمر الدنانير والدراهمَ على نُقوشِ الأكاسرة، وجعل عليها: لا إله إلّا اللَّه، وعلى بعضِها محمد رسول اللَّه، وعلى بعضِ الدراهم عمر، وقيل: إنَّما ضَرَبَ الدراهم لا غَيْر.
وفيها غزا عمرو بنُ العاصِ بَرْقَةَ، وانتهى إلى طرابلس، وصالح أهلَها على مالٍ.
__________
(1) في المنتظم 4/ 310: ستة وتسعين.
(5/350)

وفيها وُلد الحسنُ البصريُّ وعامِرٌ الشَّعبيُّ.
وفيها عزل عمر مُعاويةَ عن دِمشق، وولّاه فِلسطين، وولّى دِمشقَ سعيد بن عامر بن حِذْيَم، وحجَّ بالناسِ عمر، واستخلف على المدينةِ زيد بن ثابت.
فصل وفيها تُوفي

حُمَمة بن أبي حُمَمة
وكُنيتُه أبو سلمة، وقال ابن عبد البَرِّ. ابن خالد الدَّوسي (1).
ذكره ابن سعد في آخرِ الطبقةِ الخامسةِ من الصحابةِ: حُممة، وكان عبدًا صالحًا عابِدًا خائفًا.
حدَّثنا غير واحدٍ عن أبي البركات الحافظ الأنماطي بإسناده عن عبد الأعلى بنِ عبد اللَّه قال: كان في أصحابِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلٌ يُقال له: حُمَمَة، أصابته شَرارةٌ، فكان لا يضحك، فقيل له في ذلك فقال: واللَّهِ لا ضحكتُ حتى أعلم أفي الجنَّةِ أنا أم في النار؟
مات حُمَمَةُ بأصبهان في هذه السنة، قال ابن سعدٍ بإسناده قال: كان رجلٌ من أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقال له: حُمَمَة خرج إلى أصبهان غازيًا وفُتحت في خلافة عمر فقال: اللهمَّ إنَّ حُمَمةَ يزعمُ أنَّه يُحبُّ لقاءَك، فإن كان صادقًا فاعزم له بصِدْقهِ، وإن كان كاذِبًا فاعزم له عليه وإن كره، اللهمَّ لا تَردَّ حُمَمَة من سَفرِه هذا، فمات بأصبهان، فقام أبو موسى فقال: ما بلغ علمُنا إلا أنَّ حُممةَ شهيد.
وحُمَمَةُ هذا الذي هبط واديًا وأقام فيه أربعين يومًا يُصلِّي، وسيأتي هذا في أخبارِ عامر بن عبد قيس، وحُمَمةُ هذا الذي بات عنده هَرِمُ بنُ حَيّان يبكي إلى الصباحِ، وسنذكرهُ في ترجمة هرم بن حيّان.
وليس في الصحابةِ من اسمُه حُمَمَةُ غيره، وله صحبةٌ وليس له رواية، وسنذكره في سنةِ ثمانٍ وستين (2).
__________
(1) الاستيعاب (593) وليس فيه ما ذكر.
(2) طبقات ابن سعد 6/ 319، وأخبار أصبهان 1/ 7، والمنتظم 4/ 312، وصفة الصفوة 1/ 742، والإصابة 1/ 355.
(5/351)

فصل وفيها تُوفي (1)

خالد بن الوليد
ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مَخزوم، من الطبقة الثالثةِ من المُهاجرين، وأُمُّه عصماء وهي لُبابةُ الصُّغرى بنتُ الحارث الهلاليّة، أُختُ لُبابةَ الكبرى أُمِّ الفَضْلِ زوجة العباس، وهي أيضًا أخت ميمونة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقد ذكرنا إسلامَه، وأنَّه قَدِمَ على رسولِ اللَّه مُهاجِرًا ومعه عمرو بن العاص وعثمان ابن طلحة، وقد ذكرناه في السنة الثامنة.
وقال الواقدي: كان خالد يشبه عمرَ بنَ الخطاب في خلقه وصِفَتهِ وهمّته، وكلَّم عَلقمةُ بنُ عُلاثة عمر بنَ الخطاب ليلةً في السَّحَرِ، فظنَّ أنه خالد لشَبَههِ.
وشهد خالدٌ مع رسولِ اللَّه عامَ الفَتْحِ وحُنَيْنًا والطائف وتبوكًا، وخرج معه في حَجَّةِ الوداع.
ولمّا حلق رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأْسَه ناوله شِقَّه الأيمنَ -وقيل: ناصيتَه- فجعلها في مُقَدّمة قَلَنْسُوَته، فما كان يلقى أحدًا إلا هزمه.
قال الواقدي: ووقعت قلنسوته يومَ الحيرةِ، فغضب غضبًا شديدًا وقال: واللَّه ما بي إلا شَعَرُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (2).
وثبت خالد يوم مُؤْتَة، وحمل اللواءَ، وتثلَّمت في يده تسعةُ أسيافٍ في ذلك اليوم أو ثمانية، وسمَّاه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سيف اللَّه، وقد ذكرناه في غَزاةِ مُؤتة.
وذكر ابن أبي الدنيا عن رجلٍ قال: كُنْتُ في عسكرِ خالد، فذهبتُ فجئتُ بزِقِّ من أجودِ الخمرِ، فلقيني خالد فقال: ما هذا؟ قلتُ: خَلٌّ، فقال: جعله اللَّهُ خَلًا -أو قال: خلٌّ إن شاء اللَّه- قال: فجئتُ ففتحتُه عند أصحابي، فإذا به خَلٌّ (3).
__________
(1) من قوله: مات حممة بأصبهان. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) طبقات ابن سعد 5/ 35 - 36.
(3) التبيين 347، وهو بنحوه في مجابي الدعوة لابن أبي الدنيا (52).
(5/352)

وذكر ابن سعد بمعناه بإسناده عن محاربِ بن دِثار قال: قيل لخالد بن الوليد: إنَّ في عسكرك مَن يشربُ الخمَر، فركب دابَّته وجال في العسكرِ، فلقي رجلًا على مَنْسِج فَرَسِه زقُّ خمرٍ، فقال: ما هذا؟ قال: خَلٌّ، فقال خالد: اللهمَّ اجْعَلْهُ كذلك، قال: فجاء الرجلُ إلى أصحابه فقال: قد أتيُتكم بخمرٍ ما شرِبتِ العربُ مثله، فلما فتحوه وإذا به خَلٌّ، فقالوا: ما جئتَنا إلّا بخَلٍّ، فقال: هذه دعوةُ خالد (1).
وخالد -رضي اللَّه عنه- سيفٌ من سيوف اللَّه، ذو الفضائل الكثيرة، والمناقب الجميلة، ميمون النَّقيبة، فلّ اللَّه به أهلَ الرّدّة، وفتح الفتوح، ونَصر به الدّين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، كانت إليه القُبَّة والأَعِنَّة، أما القُبَّة فقبة كانوا يَنْصبونها إذا أرادوا الحرب، يُديرون فيها أمرَ حربهم، وأما الأَعِنَّة فأعنة الخيل يكون على خيلهم.
ولم يزل منذ أسلم يُوَلّيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أَعِنَّة الخَيل، فيكون في مُقَدّمتها في نحر العدوّ، وولّاه أبو بكر رضوان اللَّه عليه قتال أهل الردّة، وحربَ أهل العراق، فيقال: إنه لَقي ثلاثين زَحْفًا، وفتح الحِيرةَ والأنبار وعيْن التَّمْرِ وأماكن كثيرة، ثم بعثه أبو بكر رضوان اللَّه عليه إلى الشام، وأمَّره على جميع مَن به من المسلمين، وكان مُجابَ الدَّعوة (2).
وقال الزبير بن بكار: كان خالد في مقدمة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدما هُزِمَت هوازن، فجُرحَ في رِجْله، فنفث على جُرحه فبرئ.

ذِكْرُ وفاته: قال ابن سعدٍ بإسناده أن خالد بن الوليد لما احتُضِرَ بكى وقال: لقد لقيتُ كذا وكذا زَحْفًا، وما في جَسَدي شِبْرٌ إلّا وفيه ضَرْبةٌ بسيفٍ، أو رَمْيةٌ بسهمٍ، أو طعنةٌ برمحٍ، وها أنا أموتُ على فِراشي حَتْفَ أنفي كما يَموت العَيْرُ، فلا نامت أعينُ الجُبناء.
فحكى من غسَّله أنَّه ما كان في جسمهِ موضعٌ صحيح ما بين ضربةٍ بسيفٍ، أو طعنة برُمحٍ، أو رمية بسهم.
__________
(1) طبقات ابن سعد 5/ 40 - 41، ومن قوله: وذكر ابن أبي الدنيا. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(2) من قوله: وخالد سيف من سيوف اللَّه. . . إلى هنا ليس في (ك).
(5/353)

وقال ابنُ سعدٍ عن الواقدي: مات خالدٌ في بعضِ قُرى حمص، على ميلٍ من حمص، سنة إحدى وعشرين (1)، وهذا قول عامة المؤرخين.
واعتزل خالد -رضي اللَّه عنه- بثَغْر حمص، فأقام فيه مُرابِطًا وحَبس خيلًا وسلاحًا في سبيل اللَّه، ولم يزل مُرابِطًا بحمص حتى نزل به الموت، فدخل عليه أبو الدرداء عائدًا له، فقال له: إني قد حبستُ خيلي وسلاحي في سبيل اللَّه، وتُعْلَفُ من مالي، وداري بالمدينة صدقة حبسٌ لا تُباع ولا تُورث، وقد كنتُ أشهدتُ عليها عمر ليالي قَدم الجابية، وهو كان أَمَرني أن أتصدَّق بها، ولنِعْمَ العَونُ هو [على] الإسلام.
واللَّه يا أبا الدرداء، لئن مات عمر لترَينَّ أمورًا تُنكرها، وقد كنتُ وَجَدتُ عليه في نفسي أمورًا، لما تَدَبَّرتُها في مرضي هذا، وحَضرني ما ترى، عرفتُ أن عمر كان يُريد اللَّه بكلّ ما فعل، وإني وَجدتُ عليه حين قاسَمَني مالي، فرأيتُه قد فعل ذلك بأهل السَّوابق ومَن شهد بدرًا، وكان يُغلظ عليّ، وغِلظتُه على عُمَّاله أعظمُ، وكنتُ أُدِلُّ عليه بقرابتي، فرأيتُه لا يُبالي قريبًا في اللَّه، ولا لومةَ لائم، فذاك الذي أذهب ما كنتُ أَجِد، وقد جعلتُ وَصيَّتي وإنفاذَ عهدي إليه، فقدم بالوَصيَّة على عمر رضوان اللَّه عليه فترحَّم عليه، وقبلها، وتزوج امرأتَه بعد (2).
وهي التي حَسَده عليها قبل؛ لأنها امرأةُ مالك بن نُوَيْرة اليَربوعي، فلما تزوَّجها عمر تكلم المسلمون فيه، وقالوا: هذه واللَّه العداوةُ والحقدُ والشغبة، فلم يُمتّع بها عمر رضوان اللَّه عليه، ولم يَطِبْ بها نفسًا، لأنها كانت مُمتنعة عليه، ومات عنها سريعًا.
وكان عمر -رضي اللَّه عنه- قد نَقم على خالد -رضي اللَّه عنه- أشياء، منها قتلُ بني جَذيمة في غزاة الفتح، وقتل مالك بن نُوَيْرة، وأخذُ امرأتِه، ودخولُه مسجدَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وفي عِمامته سِهامٌ فيها دَمٌ، وتحريقُ أهلِ الرّدّة بالنار، فإنه حَرَّق منهم جماعة شَتَموا رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأقبحِ شَتْم، فقال لأبي بكر رضوان اللَّه عليه: انزع خالدًا، فقد فعل وفعل، انزع رجلًا
__________
(1) طبقات ابن سعد 5/ 34، 39 و 9/ 401، وتاريخ دمشق 5/ 564، والمنتظم 4/ 316.
(2) طبقات ابن سعد 5/ 41 - 42.
(5/354)

قد عَذَّب بعذاب اللَّه، فقال أبو بكر رضوان اللَّه عليه: لا أَشِيْمُ سيفًا سَلَّه اللَّه (1).
وقال جدي في "المنتظم" بإسناده إلى سيف بن عمر، عن مُبشِّر، عن سالم قال: حجَّ عمر، واشتكى خالد بعده وهو خارج المدينةِ زائِرًا لأُمِّه، فقال لها: احدُروا بي إلى مُهاجَرَتي، فقَدِمَتْ به المدينةَ ومرَّضَتْه، فلما ثَقُلَ وأظَلَّ عمر، لَقِيه لاقٍ على مسيرةِ ثلاثةِ أيَّامٍ وقد صَدَر عمر عن الحج، فقال له عمر: مَهْيَمْ؟ فقال: خالدُ بنُ الوليد لما لهِ، فطوى ثلاثًا في ليلةٍ، فأدرَكَه حين قضى، فرقَّ عليه واسترجع، وجلس ببابه حتى جُهِّزَ، وبكته البَواكي، فقيل لعمر: ألا تَنْهَاهُنَّ؟ فقال: وما على نساء بني المُغيرة أن يَبكينَ أبا سليمان، ما لم يكن نَقْعٌ ولا لَقْلَقةٌ، فلما خرج بجنازته رأى عمرُ امرأةً مخزوميةً تبكيه وتقول (2): [من الخفيف]
أنتَ خيرٌ من ألفِ ألفٍ من النا ... سِ إذا ما كُبَّت وُجوهُ الرجالِ
أشُجاعٌ فأَنْتَ أشْجَع من لَيْـ .... ــثِ عَرِيْنٍ جَهْمٍ أبي الأشبالِ
أجَوادٌ فأنتَ أجْوَدُ من سيـ ... ــلِ سحابٍ يسيلُ بين الجِبالِ
فقال عمر: مَن هذه؟ فقيل له: أُمُّ خالد، فقال: وهل قامتِ النساءُ عن مِثلِ خالد، والنَّقْعُ: الشَّقُّ، واللّقْلَقة: الصوت، قال جدِّي: وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّه مات بالمدينة.
وحكى ابن سعدٍ، عن الواقدي، عن ابن عكرمة قال: عَجبًا لقولِ الناس: إنَّ عمر كان يَنهى عن النَّوحِ! لقد بكى على خالدٍ بالمدينةِ، وبكى معه نساءُ بني المغيرة سبعًا (3).
وقال الموفَّقُ في الأنساب عن محمد بن سلام قال: لم يَبْقَ امرأةٌ من نساءِ بني المُغيرةِ إلّا وضعت لِمَّتَها على قبرِ خالد، أي: حلقتْ رأسَها (4)، وشَقَقْنَ الجيوبَ،
__________
(1) من قوله: واعتزل خالد بثغر حمص. . . إلى هنا ليس في (ك).
(2) في (أ) و (خ): فلما خرج خرجت بجنازته امرأة وهي تتبرم وتقول، وفي المنتظم 4/ 315، وتاريخ دمشق 5/ 562، والبداية والنهاية 10/ 138 (هجر): رأى عمر امرأة محتزمة تبكيه وتقول، وقال الذهبي في السير 1/ 381: إسناده ساقط.
(3) طبقات ابن سعد 5/ 44، ومن قوله: النقع الشق. . . إلى هنا ليس في (أ) و (خ).
(4) التبيين 347.
(5/355)
AshganMohamed غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:48 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
أنت تقرأ من منتديات روضة الكتب فانسب الحقوق إلى أهلها