القراءة حياة
قديم 10-19-2019, 01:28 PM   #1
gogo

منتسب جديد

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب: التعليق على العدة شرح العمدة
المؤلف: أسامة علي محمد سليمان
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 76 درسا]
حكم أطفال الأنابيب

السؤال
ما حكم طفل الأنابيب لامرأة لم تنجب؟

الجواب
يجوز أن تؤخذ بويضة المرأة مع الحيوان المنوي للرجل ويلقّحا تلقيحاً طبيعياً خارج الرحم في ظروف معينة ثم يدفعا إلى الرحم، وهذا يسمى بالتلقيح الصناعي عن طريق طفل الأنابيب، فلا بأس به طالما أن الحيوان للزوج والبويضة للزوجة، لكني أنصح بعدم إجراء هذه العملية؛ لأن الكثير قد قام بإجرائها ونسبة نجاحها ضعيفة جداً، فقد دفع أحد الإخوة (15000) جنيه في العملية الأولى ففشلت، ثم (15000) جنيه في الثانية ففشلت، ثم (15000) في الثالثة ففشلت فأدعو الزوج والزوجة بأن يصليا بالسحر، وأن يستغفرا الله، وأن يسجدا لربهما عز وجل، كما قال ربنا: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء:89 - 90] فالله سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(29/20)
________________________________________
العدة شرح العمدة [30]
زكاة العروض من الزكاة المفروضة، ويشترط في إخراجها حولان الحول وبلوغ النصاب، وأن تخرج بنصاب الذهب أو الفضة من قيمتها لا من أعيانها.
(30/1)
________________________________________
باب زكاة العروض
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد.
قال المصنف رحمه الله: [باب زكاة العروض]: زكاة عروض التجارة من أهم أنواع الزكاة، وهي النوع الثالث من أنواع الزكاة.
قال المصنف: [ولا زكاة فيها حتى ينوي بها التجارة وهي نصاب حول، ثم يقومها، فإذا بلغت أقل نصاب من الذهب والفضة أخرج الزكاة من قيمتها].
والمعنى: أن الذي يتاجر في سيارات، أو في قطع غيار، أو في ذهب وفضة، أو في ملابس، أو في أحذية، أو في عطور فإنه يحسب الزكاة بعد نهاية السنة الهجرية الكاملة، ثم يقوم بتقويم البضاعة التي يمتلكها بسعر السوق، فتقوّم البضاعة بالسعر الذي تباع به في يوم الجرد السنوي لحساب قيمة الزكاة.
البضاعة على الأرصدة تقوّم بهذه القيمة، ثم أضيف إلى قيمة البضاعة القيمة النقدية التي في الصندوق أو الخزنة، ثم أضيف قيمة المبالغ التي هي مستحقة لي لدى الغير، وهي ما يسمونه في المحاسبة: بالمديونية، ثم أطرح الديون المستحقة علي كتاجر، يخرج ما يسمونه: بصافي قيمة الأصول، فتكون المعادلة هكذا: البضاعة في تاريخ الجرد بقيمتها في السوق + الأموال التي في الصندوق + قيمة الديون المستحقة لي الجيدة طرف الغير - قيمة الديون المستحقة علي للغير =صافي قيمة الأصول، ثم أنظر في هذا الناتج هل بلغ النصاب أم لم يبلغ؟ والنصاب 85 جراماً بسعر الذهب عيار 24، أو 595 جراماً من الفضة.
يقول المصنف: [ولا زكاة فيها] أي: في عروض التجارة [حتى ينوي بها التجارة].
إذاً لا يخضع للزكاة أي سلعة يقتنيها وليس غرضه إعادة البيع، فعروض التجارة لا بد فيها من نية الاتجار.
قال المصنف: [ثم يقومها] أي: يقوم هذه السلعة [فإذا بلغت أقل نصاب من الذهب والفضة أخرج الزكاة من قيمتها] نصاب الذهب كما قلنا يقدر بـ (85) جرام ذهب في سعر ذهب اليوم سيكون 5600، والفضة 900، إذاً: الفضة أقل، إذاً نقيّم بالفضة أم بالذهب؟ المذهب يرى الفضة لماذا؟ قال الشارح: [ثم يقومها، فإذا بلغت أقل نصاب من الذهب والفضة أخرج الزكاة من قيمتها، ولأنه مال تام فتعلقت به الزكاة كالسائمة، وإنما اعتبر أقل نصاب من الذهب أو الفضة؛ لأن التقويم لحظ الفقراء، فيعتبر ما لهم الحظ فيه] ولم قومنا بالفضة؟ لأنه لمصلحة الفقير، فلو أن تاجراً بعد جرده صار صافي قيمة الأصول عنده 3000 جنيه، فهنا بالذهب لا يخضع، ولكن بالفضة يخضع، فنحن نقيّم بالفضة، والمعتاد عند الناس التقويم بالذهب، ولكن لمصلحة الفقير تُقيّم بالفضة، وعلى هذا ستجد أن الكثيرين يدخلون في نصاب الزكاة.
قال الشارح: [وتؤخذ الزكاة من قيمتها لا من أعيانها] فلو أن رجلاً يتاجر في قطع غيار السيارات، فإنه يخرج الزكاة من القيمة وليس من الأعيان؛ لأننا اعتبرنا العروض بالقيمة، وعروض التجارة مقاسة على القيمة، إذ لا زكاة في العروض لذاتها وإنما تقوّم إلى نقود، فتخرج الزكاة قيمة وليست عيناً.
قال الشارح: [وتؤخذ الزكاة من قيمتها لا من أعيانها؛ لأن نصابها معتبر بالقيمة لا بالعين] نصاب زكاة عروض التجارة اعتبرنا فيه القيمة.
قال الشارح: [وتؤخذ الزكاة من قيمتها لا من أعيانها؛ لأن نصابها معتبر بالقيمة، وما اعتبر النصاب فيه وجبت الزكاة فيه كسائر الأموال، وقدر زكاته ربع العشر؛ لأنها تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة الأثمان].
ثم قال الشارح: [وإن كان عنده ذهب أو فضة ضمّها إلى قيمة العروض].
فلو أن رجلاً عنده عروض تجارة بلغت صافي قيمة الأصول عشرة آلاف، ويمتلك من الذهب (300) جرام، فيضم صافي قيمة الأصول إلى قيمة الذهب أو الفضة؛ لأن العروض مقومة بالذهب والفضة، فتعود إليها.
قال الشارح: [إلى قيمة العروض في تكميل النصاب؛ لأنه معد للنماء، والزكاة تجب في القيمة، وهي إما ذهب وإما فضة، فوجبت الزكاة في الجميع كما لو كان الكل للتجارة].
ثم قال المصنف: [وإذا نوى بعروض التجارة القنية فلا زكاة فيها].
إذاً: الأمر يعود إلى النية، فإذا اشتريت قطعة أرض في مدينة مصر، وأقمت عليها سوراً وعرضتها للبيع، فعندما تبيع تجب عليك الزكاة لأنها الآن عروض تجارة، فإذا اشتريت قطعة أرض لبناء بيت لك ولأولادك، فلا زكاة عليها؛ لأن الغرض ليس إعادة البيع، فتعود الزكاة في عروض التجارة إلى النية، هل النية هي إعادة البيع وتحويلها إلى نقدية، أم النية هي أن تقتني هذه السلعة.
قال الشارح: [وإذا نوى بعروض التجارة القنية فلا زكاة فيها؛ لأن القنية الأصل، ثم إن نوى بها بعد ذلك التجارة].
فلو أن رجلاً اشترى سيارة بمائة ألف، وكانت نيته عند الاقتناء الاستعمال، ثم بدا له أن يبيعها، فتغيرت النية من القنية إلى البيع، فما حكمه؟ قال: [روايتان للإمام أحمد: إحداهما: يصير للتجارة بمجرد النية] أي: بمجرد أن ينوي يصبح الأمر للتجارة، باع أو لم يبع بمجرد النية تنقلب إلى عروض تجارة بمجرد النية.
قال: [اختارها أبو بكر] من علماء الحنابلة [للخبر ولأنه يصير للقنية بمجرد النية، فكذلك يصير للتج
(30/2)
________________________________________
الأسئلة
(30/3)
________________________________________
معنى الأنعام السائمة

السؤال
ما معنى السائمة، أو الأنعام السائمة؟

الجواب
هي الأنعام التي ترعى في الكلأ المباح بدون مشقة معظم الحول، وتنقسم الأنعام السائمة إلى ثلاثة أقسام: الإبل، والبقر، والغنم.
(30/4)
________________________________________
نصاب زكاة الإبل

السؤال
ما هو حد نصاب الإبل؟

الجواب
في الخمسة الأولى شاة.
فمثلاً: رجل يمتلك من الإبل السائمة أربعة فما الزكاة الواجبة عليه؟

الجواب
لا زكاة عليه حتى تبلغ خمسة.
إذاً: لا زكاة في الإبل حتى تبلغ خمساً، فإذا بلغت خمساً فعليها شاة، ثم إذا بلغت عشراً ففيها شاتان، وإذا بلغت خمسة عشر ففيها ثلاث وهكذا
(30/5)
________________________________________
تعريف بنت المخاض

السؤال
ما هي بنت المخاض؟

الجواب
ما أتمت سنة ودخلت في الثانية.
ولماذا سميت بنت مخاض؟ لأن أمها حامل، ودخلت على المخاض.
(30/6)
________________________________________
نصاب زكاة من يملك أربعين من الغنم

السؤال
رجل يمتلك من الغنم أربعين، فما الواجب عليه؟

الجواب
يجب عليها شاة واحدة.
النوع الثاني من الزكاة: زكاة الخارج من الأرض.
ينقسم الخارج من الأرض إلى قسمين، هما: النبات، والمعدن.
النوع الثاني: الخارج من الأرض وينقسم إلى قسمين: النبات، والمعدن.
(30/7)
________________________________________
شروط زكاة الزروع

السؤال
ما الشروط الواجب توافرها في النبات حتى يخضع للزكاة؟

الجواب
هناك خمسة شروط هي: أن يكون مما يدّخر ومما يكال، وأن يبلغ النصاب، ونصاب الزروع هي خمسة أوسق، وإذا كان يسقى بماء المطر عليه العشر، إن كان يسقى بالكلفة وبالجهد عليه نصف العشر.
أما ما يخرج من الأرض من المعادن، فينقسم إلى قسمين: إما معادن أو بترول، وإما ركاز، وفي الركاز الخمس كما بيّنا في الأسبوع قبل الماضي.
القسم الثالث من الزكاة كانت: زكاة الأثمان.
القسم الرابع: زكاة عروض التجارة.
القسم الخامس والأخير: زكاة الفطر.
(30/8)
________________________________________
كيفية زكاة الأرض المستأجرة

السؤال
زكاة الأرض المستأجرة على المؤجر أم المستأجر؟

الجواب
الزكاة على المستأجر ولا زكاة على المالك؛ لأن المالك يتقاضى مالاً، ولا يأخذ حباً أو ثمرة، والزكاة على من ملك الثمرة، والمالك عليه زكاة على المبلغ الذي أخذه إن بلغ النصاب وحال عليه الحول.
(30/9)
________________________________________
حكم الكنز في الأرض المستأجرة

السؤال
إذا وجد المستأجر كنزاً في الأرض التي استأجرها فلمن يكون الكنز؟

الجواب
إذا وجد المستأجر شيئاً في الأرض من مدافن الجاهلية فهي لمالك الأرض الحقيقي.
(30/10)
________________________________________
العدة شرح العمدة [31]
زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للفقير وغنية له عن السؤال في يوم العيد، وهي على كل مسلم ذكراً كان أو أنثى حراً أو عبداً صغيراً أو كبيراً، ويخرجها قبل صلاة العيد، كما أن صاحبها يحرص ألا يخرجها نقوداً وإنما من الأصناف التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم.
(31/1)
________________________________________
باب زكاة الفطر
قال المصنف: [باب زكاة الفطر: وهي واجبة على كل مسلم، إذا ملك فضلاً عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه، وقدر الفطر صاع من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو من التمر أو الزبيب، فإن لم يجد أخرج من قوته أي شيء كان صاعاً].
إذاً: زكاة الفطر على من تجب، وما هو وقت الوجوب، ومتى تخرج، وما هو أفضل وقت لإخراجها؟ زكاة الفطر لا تخرج إلا عيناً خلافاً للأحناف، فإنهم قالوا بإخراجها نقداً، قياساً على زكاة السائمة، فإن كان يجب عليه بنت لبون وليس عنده إلا بنت مخاض، فإنه يدفعها ويدفع الفرق عشرين درهماً، قالوا: فبما أنكم جوزتم إخراج القيمة في السائمة، فلماذا لا نقول في زكاة الفطر بجواز إخراج القيمة؟ ولكن هذا قياس مع الفارق، ولا قياس في وجود النص كما قالت الأحناف أنه لا يجوز للزوج أن يغسّل زوجته، لماذا؟ لأنه بمجرد الموت انفسخ عقد الزواج، قلنا: هذا باطل؛ لأنه ثبت أن كثيراً من الصحابة غسّلوا زوجاتهم، وقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسّل النبي صلى الله عليه وسلم إلا زوجاته، فأنتم قستم -أيها الإخوة الفقهاء من فقهاء الأحناف- في وجود النص، ولا قياس في وجوده.
قال الشارح: [روى ابن عمر في البخاري قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم)] إذاً زكاة الفطر واجبة (زكاة الفطر من رمضان على الذكر والأنثى، والحر والمملوك من المسلمين صاعاً من تمر) -والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفي الرجل المعتاد، هذا هو المد- (أو صاعاً من شعير -فعدل الناس به نصف صاع من بر- على الصغير والكبير، وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد) متفق عليه.
حديث ابن عمر يقول: النبي صلى الله عليه وسلم كان يستطيع أن يخرج زكاة الفطر نقداً أم لا يستطيع، كان في عهده دراهم ودنانير أم لا؟ لماذا لم يخرجها نقداً؟ فرضها صاعاً، إذاً نحن مع النص، ولا نلجأ إلى القياس إلا في حال عدم وجود النص، وقد يقول قائل: يا شيخ! الفقير يحتاج إلى المال ولا يحتاج إلى الصاع،
و
الجواب
أن الفقير الذي يحتاج إلى المال يأخذ من زكاة المال يأخذ من زكاة عروض التجارة.
سيقول قائل آخر: الكل سيعطي الفقير أرزاً إذاً سيكون عند الفقير الكثير من الأرز؛ وسيأخذ الأرز ويبيعه لأنه يحتاج إلى المال.
و
الجواب
أنه يجوز له أن يبيع هذا الأرز للحصول على المال، فهذه شبهة لا وزن لها في ميزان الشرع، إذ أن الفقير فرضت له الزكاة من أعيان المال.
فالأنفع للفقير هو ما قرره الشرع ولو أن رجلاً عليه كفارة يمين، هل يستطيع أن يخرج 30 جنيه، أم لا بد أن يطعم؟ يقول ربنا سبحانه وتعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة:89].
إذاً: كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، وإذا كنت لا أريد أن أُطعم هل يجوز أن أقدم بدلاً عن الطعام مالاً؟ والجواب: لا يجوز؛ لأن الشرع قال: إطعام، فالآية جاءت بإطعام ولم تأتِ بقيمة، إذاً: نحن نلتزم بالنص كما ورد.
إذاً: الأنفع للفقير هو الذي يقرره الشرع، فقير أعطيناه ثلاثة جنيهات زكاة الفطر، أخذها وأتى بعلبة سوبر، هل هذا أنفع للفقير، فقد رأيت أن فقيراً بيته معرّش بالنخيل، والحوائط طين، والمبنى منهار تماماً، فنظرت إلى البيت فإذا بي أجد دشاً فوق البيت وسط عفش الرز، ينام على الأرض ويشتري دشاً، أهذا الفقير؟ عندنا عدم رشد اقتصادي في الاستهلاك، فالشرع له نصوص فرضها علينا، نحن نسكن في البندر نأتي برز طبعاً في الحرم تجد شيئاً طيباً عبوات أرز مثلاً بموازين مختلفة فتشتري ثم تنفق منه، وهذا هو الشرع فلا مانع مطلقاً في العزيز أن كل الإخوة التجار يعبوا شكاير 3كيلو أو 5كيلو أو 10كيلو ويكتبوا عليها زكاة فطر، فتشتري وتنفق، ما هي المشكلة؟ ليس عندنا مشكلة، بل نحن الذين نضيق على أنفسنا فيقول: أنا كذا وكذا لا يا عبد الله، ابن عمر رضي الله عنه يقول: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً) لم يقل: فرضها نقداً، وإنما قال: صاعاً، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما يفرضها صاعاً فنحن لا نحيد عن العين إلى النقد أبداً.
وقد قال بعض الحنابلة: وإن أخرجها نقداً لم تجزئ.
ويمكن أن توكل غيرك لإخراج الزكاة وهذا يجوز.
وإذا ولدت المرأة مولوداً قبل غروب شمس اليوم الأخير من رمضان هل تلزم والده الزكاة أم لا؟ تلزمه؛ لأن وقت الوجوب هو قبل غروب شمس اليوم الأخير، إذ وقت الوجوب هو غروب شمس اليوم الأخير من رمضان، ولو مات الابن أو الأب الذي يعيش مع ولده قبل غروب شمس اليوم الأخير من رمضان، فليس عليه زكاة وإن مات بعد الغروب وجبت الزكاة، وهي دين في الذمة لأن الشمس غابت وهو على قيد الحياة، أما بعد غروبها فلا تجب الزكاة عليه.
قال الشارح: [وقدر الفطرة صاع من البر] والبر هو القمح [أو الشعير أو الدقيق أو السويق].
قال الشارح: [أو من التمر أو الزبيب لما روى
(31/2)
________________________________________
وقت زكاة الفطر
قال المصنف: [ويستحب إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة].
زكاة الفطر لها أوقات: 1 - وقت استحباب.
2 - وقت وجوب.
3 - وقت لا يجوز أن تخرج فيه.
أما وقت الاستحباب فهو أن تخرج يوم العيد قبل الصلاة.
قال الشارح: [لأن المقصود إغناؤهم عن الطلب في يوم العيد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)، وفي إخراجها قبل الصلاة إغناؤهم في اليوم كله، ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد، فإن فعل أثم لتأخيره الحق الواجب عن وقته وعليه القضاء، لأنه حق مال وجب فلا يسقط بفوات وقته كالدين].
فأفضل وقت لإخراج صدقة الفطر هو قبل صلاة العيد، وبعد غروب شمس اليوم الأخير من رمضان، وربما يقول قائل: أنا سأتقدم بإخراجها قبل العيد بيومين هل يجوز هذا أم لا؟
و
الجواب
نعم يجوز، لكن المعمول به الآن في بلادنا أن الجميع يخرجها في العشرة أيام الأواخر من رمضان قبل غروب الشمس، ويقول: أتخلص منها وفي هذا مخالفة لوقت الاستحباب، فوقت الاستحباب أن تؤخرها إلى آخر وقت تجب فيه، من غروب شمس اليوم الأخير إلى صلاة العيد، ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد، فإن أخرها عن يوم العيد يأثم مع وجوب إخراجها.
فلو أن عليك ديناً لأخيك، وكان وقت قضاء الدين هو 1 / محرم / 1424هـ، وجاء وقت قضاء الدين ولم تقض، هل معنى ذلك أن الدين يسقط عنك؟ قد تأثم للتأخير والمخالفة، ولكن لا يزال في ذمتك.
فإن أخر صدقة الفطر بعد صلاة العيد يأثم لتأخيرها، ويجب عليه أن يخرجها.
قال الشارح: [ويجوز تقديمها عليه بيومين وثلاثة] أي: في 27 رمضان، 28 رمضان، 29 رمضان يجوز أن تُقدّم لكن المستحب هو أن تؤخر، هذا وقت الاستحباب؛ لأن لها علّة، ما علّتها؟ (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
قال الشارح: [لأن ابن عمر كان يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين، ولأن الظاهر أنها تبقى أو بعضها فيحصل الغنى بها فيه].
بمعنى أنها ستبقى إلى يوم العيد.
قال الشارح: [وإن عجلها لأكثر لم يجز؛ لأن الظاهر أنه ينفقها ولا يحصل بها الغنى المقصود يوم العيد].
فإن عجلها قبل العيد بيومين أو ثلاثة لم تجز؛ لأن العلة هي إغناؤهم عن السؤال في يوم العيد، فإن أخرجها قبل العيد بعشرة أيام، هل تحققت العلة أم لا؟ لم تتحقق؛ لأن الفقير سينفقها خلال هذه العشرة أيام، وفي يوم العيد لن يجد ما ينفقه، وصدقة الفطر هي أن نُغني الفقير عن السؤال في يوم العيد، فكلما اقترب وقت صدقة الفطر من يوم العيد كان أولى، وعلى هذا يرى المذهب أن من أخرجها قبل ثلاثة أيام من آخر رمضان لم تجزئه.
ثم قال: [ويجوز أن يعطي الواحد ما يلزم الجماعة، كما يجوز دفع زكاة مالهم إليه].
أي: أن الفقير الواحد يمكنه أن يأخذ من أكثر من واحد زكاة فطره.
قال الشارح: [ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد، كما يجوز تفرقة زكاة ماله عليهم].
(31/3)
________________________________________
الأسئلة
(31/4)
________________________________________
حكم إسقاط دين المعسر واعتباره من الزكاة

السؤال
عندي تجارة جملة وأبيع بالأجل للجمهور، وهناك بعض الزبائن متعسّر مادياً، ولا يستطيع دفع الديون المتأخرة عليه، هل يجوز أن أتنازل عن هذه الديون وأحتسبها من زكاة المال، وهذه الديون متأخرة منذ أربع سنوات؟

الجواب
لا يجوز إسقاط دين المعسر واعتباره من الزكاة باتفاق جمهور العلماء لأسباب كثيرة: قال الشيخ ابن عثيمين: السبب الأول: أن الزكاة ينبغي أن تكون من طيب المال وأفضله، وهذا خبيث المال؛ لأنه مفقود ومعدوم.
السبب الثاني: أن الأصل في الزكاة الإعطاء {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة:60] فهو على سبيل التملك، فلا بد أن تعطي الفقير ((لِلْفُقَرَاءِ)) ثم ((وَالْمَسَاكِينِ)) فالإعطاء فيها لازم، أن تعطيه في يده وكلمة (لل) المقصود بها إعطاء وتملك: ((لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)) ثم قال: ((وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ)).
وسأوضح لك الفرق بين قوله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ)) ((وَفِي)) والفرق بين هذا وهذا.
بمعنى أنني لو أنفقت على المجاهد فأعددت له فرساً يحمله، هل تُحسب من الزكاة أم لا؟ تُحسب؛ لأن الله تعالى قال: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:60] وتعني أن تنفق المال في سبيل الله بغرض تجهيز المجاهد، ليس شرطاً أن يتملك، فإن اشتريت مدفعاً لمسلم يقاتل في أرض المعركة من مال الزكاة فإنها تُحسب من الزكاة؛ لأن الله قال: ((وَفِي)) ولم يقل: ولسبيل الله، وإنما قال: وفي.
فالقول هنا قول الجمهور باتفاقهم: أن إسقاط الدين من على المعسر لا يحسب من الزكاة قولاً واحداً.
(31/5)
________________________________________
حكم صندوق الزمالة

السؤال
ما حكم الشرع في صندوق الزمالة، وماذا يجب علي أن أفعل إذا كان القائمون عليه يضعون المال في البنوك الربوية، مع العلم أنني إذا أردت أن أخرج فلن آخذ شيئاً، وشكراً لكم؟

الجواب
صناديق الزمالة التي ترتبط بالبنوك حرام، وهي صناديق معناها أنه يُجمع مبلغ من المال من كل موظف وزميل، ثم يوضع المبلغ في البنك بسعر فائدة محددة، وهذا هو عين الربا، فصندوق الزمالة بهذه الطريقة حرام لتوسيط البنك فيه.
أما إن كان صندوق الزمالة مجموعة من الإخوة اشتركوا في وضع مبلغ بحيث إذا نزل مكروه بأحد منهم أخذوا هذا المبلغ، فيجوز كما أفتى العلماء.
(31/6)
________________________________________
حكم طباعة الكتب التي فيها مخالفة للسنة

السؤال
دفع لي أحد الإخوة الفضلاء كتاباً اسمه (المجموعة المباركة)، الرجاء من قارئ هذا الكتاب قراءة الفاتحة على روح المرحوم فلان والمرحومة الفلانية، وبعدها داخل المجموعة المباركة: صدقة جارية على روح المرحومين، ما الحكم في هذا؟

الجواب
الناس يطبعون هذه الكتب هم يظنون أنها تحسن صنعاً، المجموعة المباركة، والفاتحة على روح المرحومة، ومطبوع طبعة طيبة ومجلد جلدة طيبة، وهم الآن آثمون، فقد ابتدعوا في دين الله ما ليس منه، ولن تصل هذه الصدقة إلى الميت بحال، بل إن الميت لو وافق على هذا فسيتحمل أوزاراً على أوزاره.
فأقول: حذار من هذه الكتب التي تؤلف وتطبع وهي غير محققة، وفيها الانحراف عن منهج أهل السنة.
(31/7)
________________________________________
حكم زكاة المديون المعسر

السؤال
يقول السائل الكريم: أحد أقاربي مديون بما يقرب من ثلاثة مليون جنيه، ولا تصل حجم تعاملاته المالية في العام إلى هذا المبلغ، فهل عليه زكاة؟

الجواب
المديون المعسر ليس عليه زكاة، والعلماء اختلفوا لو أنه مدين في دين ربوي هل يجب علينا أن نخرج الزكاة إليه أم لا؟ فلو أن رجلاً ضُبط بمخدرات، فالكفالة بخمسين ألف جنيه ومحبوس من أجل خمسين ألف قيمة الكفالة، فهل يجوز أن نجمع له من الزكاة لتفريج كربه؟ وهذا كلام لا بد له من تحقيق، فالإجابة على هذا في الأسبوع القادم: هل إن كان الدين من مال حرام هل يجوز أن يقضى عن المدين وإن كان حراماً أم لا؟
(31/8)
________________________________________
حكم زكاة المحلات التجارية

السؤال
عندي مكتب كمبيوتر يقوم بأعمال مثل كتابة الرسائل والإنترنت، وأعمال مكتبية فما نوع الزكاة التي يخضع لها المكتب؟

الجواب
عروض التجارة في آخر السنة المالية تجرد التي في الخزنة فقط، أما الأجهزة الأساسيات فلا تخضع، أي: أن الأصول المتداولة هي التي تخضع، أي: البضاعة التي فيها البيع والشراء، أما الأصول الثابتة فلا تخضع، فما يلزمك أن تجرد النقدية التي في الدرج إن بلغت النصاب وحال عليها الحول وجب فيها الزكاة، أما الكمبيوتر الجهاز في نفسه فليس عليه زكاة لأنه سلعة، وإن كان عندك أجهزة كمبيوتر للبيع، فتجب عليك الزكاة، أما إن كان عندك كمبيوتر واحد أو اثنين للعمل عليه يدر دخلاً فالزكاة على الأصول المتداولة، ويعرف المحاسبون الأصول المتداولة بأنها: الأصول التي يسهل تحويلها إلى نقدية.
(31/9)
________________________________________
حكم زكاة التأمين

السؤال
ما حكم بيع محل مدفوع له تأمين؟

الجواب
التأمين هذا ليس في حوزتك، فحينما تسترده تخرج عنه زكاة طيلة السنوات التي كانت عند الرجل حينما تحصل عليه، فإذا دفعت تأمين خمسين ألف جنيه بمحل، فحينما أسترد المبلغ أخرج زكاة عن هذه المدة التي عند المالك، وهذا شأنه شأن الصداق، وإن كان التأمين مسترد فهذا ليس له فيه تصرّف، إذ يده مكفوفة عنه.
(31/10)
________________________________________
حكم العمل في محل ملابس الموضة

السؤال
أعمل في محل ملابس، ولكن على الموضة ملابس شباب وفيه موديلات، فما رأيكم في هذا؟

الجواب
إن كانت الملابس شرعية فيجوز، وإن كانت غير شرعية فلا يجوز.
(31/11)
________________________________________
حكم إكراه الرجل قريبته على لبس النقاب

السؤال
أختي لبست النقاب في مسجد العزيز بالله يوم الجمعة الماضية، وأحد الأخوات كلمتها في الله فاستجابت وظلت على لبسه يومين، وسمعت ما لا يسمعه أحد من أهلها، ثم خلعت النقاب، والمبرر لها أنها مخنوقة منه وليست الآن مقتنعة به، فقالت: سوف ألبسه في وقت آخر، فأنا قلت لها: أنكِ لن تنزلي الشارع من غير النقاب، فقالت لي: أتحبسني في الشقة؟ فقلت لها: نعم؟

الجواب
ما هذه المشكلة؟ الأخت التي تلبس النقاب وهي مكرهة الأفضل ألا تلبسه، فنحن نريد الالتزام الظاهر كالالتزام الباطن؛ لأن بعض من تقتني هذا الزي تسيء أكثر مما تحسن، فإن لم تكن عن عقيدة وعن يقين، وعندها من القواعد الأصولية ما تتمكن من الرد، فلا داعٍ لأن تجبري الأخت على لبس النقاب إجباراً إلا أن تكون عن عقيدة.
(31/12)
________________________________________
حكم الزكاة على معدات البناء

السؤال
رجل مقاول عنده معدات البناء كالونش والخشب، هل عليها زكاة؟

الجواب
ليس عليها زكاة؛ لأنها ليست أصولاً متداولة.
(31/13)
________________________________________
العدة شرح العمدة [32]
الزكاة عبادة مؤقتة بزمن محدود، فلا تؤخر عن وقت وجوبها، لأنها شرعت طهرة للمزكي وسداً لحاجة الفقراء، ويجوز للمزكي أن يعجل إخراج الزكاة سيما إذا دعت الحاجة إلى ذلك، والأولى أن تخرج إلى أهل البلد الموجود فيه المال لا أن تنقل إلى بلد آخر.
(32/1)
________________________________________
باب إخراج الزكاة
قال المصنف: [باب إخراج الزكاة] قال الشارح: [لا يجوز تأخير الزكاة عن وقت وجوبها مع إمكانه؛ لأنها عبادة مؤقتة بوقت فلا يجوز تأخيرها عنه كالصلاة، ولأن الأمر بها مطلق، والأمر المطلق يدل على الفور، وقد اقترن به ما يدل عليه، فإنه لو جاز له التأخير لأُخِّر بمقتضى طبعه ثقة منه بأنه لا يأثم حتى تموت فتسقط عنه عند من يسقطها أو يتلف ماله فيعجز عن الأداء فيتضرر الفقراء بذلك، ولأنها وجبت لدفع حاجة الفقراء وحاجتهم ناجزة، فيكون الوجوب ناجزاً].
والمعنى: أن الزكاة لا يجوز أن تؤخر عن وقت وجوبها، بمعنى أنه إذا كان عندك مال فحال عليه الحول ومضت عليه سنة، فلا ينبغي أن تؤخرها؛ لأن وقت الوجوب هو حولان الحول، فبمجرد أن حال الحول على المال يجب عليك أن تخرج زكاته؛ لأنك لو أخّرت الزكاة سيكون المتضرر هو الفقير، وربما قد تكون عزلت مال الزكاة عن مالك فجاء ما يتلفه، فإذا أُصبت بسرقة مال الزكاة، أو بعطب وتلف للمال، فهذا معناه أن حق الفقير قد يضيع، فبما أنها فُرضت لإنجاز حق الفقير، فوجوبها منجز في الحال؛ ولأنه أمر جاء مطلقاً، والأمر المطلق يفيد التنفيذ الفوري وليس على التراخي، كما يقول بعض الفقهاء.
فتأخير الزكاة عن وقت وجوبها لا يجوز؛ لأن ذلك فيه ضرر بمصلحة الفقير، فهل يجوز تقديم وقت الزكاة؟

الجواب
نعم؛ لأنه تعجيل بطاعة وهذا موسى عليه السلام حينما وقّت له الله عز وجل ميقاتاً مع قومه فذهب موسى قبل الميقات، فقال له الله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} [طه:83] لماذا جئت قبل الميقات وقبل القوم؟ {قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84]، فتعجيل الطاعة أمر مطلوب، قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد:21].
قال المصنف: [فإن فعل فتلف المال لم تسقط عنه الزكاة] أي: لو أنه أخّر الزكاة وترتب على التأخير أن تلف المال لم تسقط عنه الزكاة.
قال الشارح: [لأنها وجبت في ذمته فلا تسقط بتلف المال كدين الآدمي].
أي: إن تلف المال بعد وجوب الزكاة لا يسقط الوجوب.
قال الشارح: [وإن تلف قبله، يعني: قبل الوجوب سقطت؛ لأن المال تلف قبل أن تجب عليه فلم يكن في ذمته شيء أشبه ما لو لم يملك نصاباً ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب، ولا يجوز قبل ذلك] أي: إذا اكتمل النصاب واقترب الحول على المرور فيجوز أن تعجّل الزكاة.
قال الشارح: [لأن النصاب سببها فلم يجز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف].
ما هو سبب وجوب الزكاة؟ بلوغ النصاب، فإن لم تبلغ النصاب فلا زكاة، فمتى بلغ النصاب وجبت الزكاة، فإن بلغ النصاب يجوز له أن يعجّلها، لكن لا يجوز قبل بلوغ النصاب كرجل يريد أن يكفّر كفارة يمين قبل أن يحلف! فيكفر عن ماذا؟ فالكفارة لا تلزمه إلا بعد الحلف.
قال الشارح: [ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب ولا يجوز قبل ذلك كالتكفير قبل الحلف، ويجوز بعد كمال النصاب لما روي عن علي رضي الله عنه: (أن العباس سأل رسول صلى الله عليه وسلم أن يرخّص له في تعجيل الصدقة قبل أن تحل فرخص له)، ولأنه حق مال أجّل للرفق فجاز تعجيله قبل أجله كالدين ودية الخطأ].
فلو أن رجلاً عليه دين موعده بعد شهر، فجاء قبل الشهر وقال: هذا الدين المستحق قبل موعده، فإنه يقبل منه، فيجوز تعجيل الدين، وكذلك الزكاة يجوز أن تعجّل قبل ميقاتها أو قبل وقت وجوبها، أو قبل وقت استحقاقها.
قال المصنف: [فإن عجلها إلى غير مستحقها لم يجزئه] أي: أنه أخرجها قبل وقت الاستحقاق فإن عجلها إلى غير مستحقها لم يجزئه.
والمعنى: عجّل الزكاة قبل وقت استحقاقها عليه، لكنه أعطاها لمن لا يستحق، فإنها لا تجزئه.
قال الشارح: [وإن صار عند الوجوب من أهلها؛ لأنه لم يؤتها لمستحقها].
فلو أن رجلاً وجبت عليه زكاة، فأخرجها لرجل لا يستحقها، فإنها لا تجزئ حتى وإن تحول الذي أعطاه مستحقاً بعد إعطائه؛ لأنه عند العطاء كان لا يستحق، ولذلك قال الشارح: [فإن عجلها إلى غير مستحقها لم يجزئه، وإن صار عند الوجوب من أهلها؛ لأنه لم يؤتها لمستحقها، وإن دفعها إلى مستحقها فمات أو استغنى أو ارتد أجزأت عنه].
فإذا أعطيت الزكاة لمستحق الزكاة قبل استحقاقها، ثم بعد أن أخذها مات قبل تاريخ الاستحقاق، هل تخرج مرة أخرى؟
و
الجواب
لا، فقد أخرجت، وإذا كان بعد أن أخذها ارتد، أيضاً لا تخرج مرة أخرى، فهي لا تجوز لكافر، ولكنه عند العطاء كان من أهل الاستحقاق، ولكنه بعد العطاء تحوّل الأمر، والعبرة بوقت العطاء، أو استغنى بعد أن أخذ الزكاة ففتح الله عليه فأصبح من أصحاب الملايين، ولكنه عند العطاء كان مستحقاً، وبعد العطاء تحوّل الحال، فهذا ليس معناه أنها لا تجزئ، ولكنها تجزئ.
قال الشارح: [لأنه أداها إلى مستحقها فبرئ منها كما لو تلفت عند آخذها أو استغنى بها].
آخر الزكاة أخذها ثم تلفت عنده، إما أنه فقد المال أو سُرق المال أو ضاع المال، أو حرق من يد آخذ ا
(32/2)
________________________________________
الأسئلة
(32/3)
________________________________________
عدد المرات التي تجوز للخاطب أن يرى المرأة التي يريد الزواج بها

السؤال
كم مرة يجوز للمتقدم للزواج أن يرى المرأة؟

الجواب
ثلاث مرات، واستنبطوا ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها: (أريتك في المنام ثلاث ليال).
(32/4)
________________________________________
حكم تعليم الموسيقى

السؤال
لي ابنة حصلت على الثانوية العامة أدبي عام 1988م ولم توفق في المجموع، فالتحقت بكلية التربية الموسيقية جامعة حلوان دون رغبة منها، وبإيعاز من أمها التي كانت تعمل في نفس الجامعة؛ حتى تستطيع أن تعمل في الكويت بعد التخرج، وفعلاً تعاقدت مع الكويت وتعمل هناك مدرّسة تربية موسيقية في مدرسة أطفال يبلغون من العمر ما بين 3 - 5 سنوات، والمدارس التي تعمل فيها لا يدخلها أي رجل فالعمل للنساء المنتقبات المختمرات، هل عملها بهذا الوضع حرام أم حلال؟

الجواب
عملها حرام حرام؛ لأن الموسيقى حرام، وليس هناك مادة في الإسلام اسمها التربية الموسيقية.
والتربية الموسيقية معناها أن تربي الأجيال على تعلم الموسيقى، النغمة العالية والواطية، والطبقات وغير ذلك، فهذا كله حرام، فدخلها حرام، وعملها حرام، حتى وإن كانت المدرسة كلها نساء، فهذا ليس له علاقة بدخلها، فأنصحك يا أخي الفاضل أن تخبرها أن هذا العمل حرام، ولا بد أن تنتهي عنه، وإن لم تعلم إلا في هذا الوقت، فدخلها التي حصلت عليه قبل ذلك لها إن شاء الله لا نطالبها بشيء إلا من تاريخ علمها بالفتوى.
(32/5)
________________________________________
حكم تأخير صلاة الظهر إلى بعد دخول وقت العصر في السفر

السؤال
رجل سافر إلى القاهرة قبل أذان الظهر ووصل بعد العصر فمتى يصليهما؟

الجواب
يصلي هناك الظهر والعصر جمع تأخير، ولو وصل بعد العشاء يصلي المغرب والعشاء في القاهرة جمع تأخير أيضاً.
(32/6)
________________________________________
نصيحة لمن أراد الزواج

السؤال
الرجاء أن تتبنى مسألة زواج الإخوة، وتنصحهم أن يتقوا الله في الأخوات؟

الجواب
وردتني أكثر من رسالة من الأخوات يشكين من الإخوة، وأن بعض الإخوة ممن يريدون الزواج يدقق تماماً في الطول والعرض والجمال والارتفاع، والسمك والحجم، ويتجاهل مسألة التدين! وهذه نقطة خطيرة جداً يا أخي في الله: يكفيك أنها تكون حافظة للقرآن وعقيدتها صحيحة، وتقية وورعة، فهذا يكفي، أما الجمال فهو نسبي، فلا يجوز أن تترك الأخت الملتزمة من أجل متبرجة هابطة جميلة، فأقول للإخوة الأفاضل، وكذلك أنصح أولياء أمر الأخوات أن ييسروا في أمر الزواج، يسروا يسر الله عليكم، فسن النساء تعدى الثلاثين الآن ولا تجد من يطرق الباب، والإخوة أولياء الأمور يضعون شروطاً كشروط بقرة بني إسرائيل {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة:69] لا طويلة ولا قصيرة، زرقاء العينين، صفراء الشعر، ممشوقة القوام، ومن أسرة طيبة إلى غير ذلك، أين نجد هذا في الكتلوج؟ نسأل الله العافية.
فلا بد أن تيسر ولا تشدد فيشدد الله عليك.
ونجد نقيض هذا أيضاً وهو أن من الشباب ممن يريد الزواج بدراهم بخس، وآخر يريد الزواج بامرأة لها بيت، فأين القوامة يا رجل؟ ينبغي أن تكون هذه الأخت الملتزمة الطاهرة المنتقبة تساوي أغلى من الذهب عندنا، فلا داعٍ أبداً أن نرخّص أسعارهن، وليس هذا دعوة إلى الغلو، وإنما لا بد من التيسير.
وهناك أخ بالمنصورة زوج ولده بثلاثة آلاف جنيه، وسعد الولد سعادة تامة، فالمهم أن هذا فيه بساطة، ولكن أن تقول للخاطب: أريد غسالة أتوماتيك تغسل، وتنشف، وتنظف، وتشفط، وتلبّس! وأيضاً ثلاجة 24 قدم، وشيطان 24 بوصة، وتكييف وستائر وغير هذا فماذا يفعل الشاب الذي تخرج بعد عناء طويل بهذا المرتب الذي يتقاضاه أمام هذه الطلبات؟ فاتقوا الله في الشباب، يسروا يسر الله عليكم.
ثانياً: على الشباب ألا يضيق على نفسه في الطلب، فإن كانت الأخت فاضلة تقية مصلية، تقوم الليل، وتحفظ القرآن، وعقيدتها صحيحة، وعندها ورع، فلا يهم ما عدا ذلك، وانظر إلى الحديث: (إن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته، وإن نظر إليها سرته) ثلاثة في جانب الخُلُق وواحد في جانب الجمال والخَلْق، وهذا يعني: أن نهتم بمعايير الأخلاق والدين، لا أن تهتم بالجمال.
فأقول للإخوة الأفاضل: لا تشددوا فيشدد الله عليكم، وأولياء الأمور أيضاً عليهم أن يتقوا الله عز وجل وييسروا على الشباب.
(32/7)
________________________________________
الرد على من أنكر أن عيسى رفع إلى السماء

السؤال
هناك رجل يقول: إنه من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم يحفّظ القرآن ولكنه يقول: إن سيدنا عيسى لم يرفع إلى السماء، ولكن رفع مكاناً فقط، ويقول: إن سيدنا عيسى هرب إلى الهند ومات في بلدة بمباي وله قبر هناك يزار، وينفي أحاديث المهدي والدجال، فما رأيكم في ذلك؟

الجواب
هذا رجل عنده لوثة، وهذا يذكرني بالرجل الذي ذهب إلى المأمون في عهد الخلافة العباسية قال له: من أنت؟ قال: موسى بن عمران، إذاً يا موسى ألق عصاك حتى تصبح ثعباناً، قال: قبل أن أفعل قل أنت أولاً: أنا ربكم الأعلى، فضحك المأمون، وعرف أن هذا الرجل مختل عقلياً.
الثاني: ذهب إلى المعتصم وقال له: أنا نبي، قال: أبعد رسول الله؟ قال: بعد رسول الله، قال: ما علامة نبوتك؟ قال: إني أعلم ما في نفوسكم، قال: فما في نفوسنا؟ قال: في نفوسكم أنني كذاب، فضحك الخليفة هذا معناه أن هؤلاء يحتاجون إلى مصحة فمن يقول: إن عيسى لم يرفع ودفن في الهند في بمباي، ويطعن في خروج الدجال فهذا كلام لا ينبغي أن تقيم له اعتباراً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(32/8)
________________________________________
العدة شرح العمدة [33]
مصارف الزكاة محددة في الشريعة الإسلامية، ومنها مصرف الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، ولا يجوز صرف الزكاة لغني ولا لقوي مكتسب، ولا لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا للولد وإن سفل ولا للأب وإن علا؛ لأنه يجب أن ينفق عليهم.
(33/1)
________________________________________
باب من يجوز دفع الزكاة إليهم
قال الشارح: [الخامس: وفي الرقاب وهم المكاتبون، يُعطون ما يؤدونه في كتابتهم ولا يُقبل قوله: إنه مكاتب إلا ببينة؛ لأن الأصل عدمها].
المكاتب هو العبد الذي اتفق مع سيده في كتاب على أن السيد يعتقه مقابل مبلغ من المال، فهذا كتاب بين العبد وبين سيده.
فإن أدى العبد جزءاً من المبلغ وبقي عليه جزء، فيدفع من الزكاة للعبد كمكاتب، لكننا لا نقبل قوله بأنه مكاتب إلا ببينة أن هناك كتاباً بينه وبين سيده.
قال شيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله: هناك فرق بين قوله تعالى: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ)) وبين قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة:60] فكلمة للفقراء تعني التمليك، وأن الفقير لا بد أن يتملك بيده، وقد يقول قائل: أنا سأسقط الدين عن المدين وأجعله من الزكاة، وهذا لا يجوز، أو يقول قائل: أنا سأقضي الدين عنه وأجعله من الزكاة، وهذا لا يجوز، أو يقول قائل: أنا سأشتري له بالزكاة ملابس وهذا أيضاً لا يجوز، فلا بد من تمليكه المال فقوله: ((لِلْفُقَرَاءِ)) فيها إعطاء وتملك، أما كلمة: ((وَفِي الرِّقَابِ)) فإنها تعني أنه يجوز أن يدفع لسيده المبلغ دون أن يتملك هو، فهناك فرق بين (لل) وبين (في).
قال الشارح: [ويجوز أن يفك منها أسيراً مسلماً كفك رقبة العبد من الرق، وهل يجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؟].
بمعنى: لو أن هناك أسيراً مسلماً عند العدو، والعدو يريد مبلغاً لفك أسره، هل يدفع من الزكاة لفك أسره؟

الجواب
نعم يدفع من الزكاة لفك أسره فشأنه شأن العبد الذي يدفع لفك رقبته، إنما هل يشتري منها رقبة ثم يعتقها؟ روايتان عن الإمام أحمد: قال الشارح: [الرواية الأولى: يجوز لأنها من الرقاب فعلى هذا يجوز أن يعين في ثمنها، وأن يشتريها كلها من زكاته ويعتقها].
أي: أن الرواية الأولى للإمام أحمد أنه يجوز أن أشتري رقبة من مال الزكاة وأن أعتقها.
قال الشارح: [الرواية الثانية: لا يجوز الإعتاق منها؛ لأن الآية تقتضي دفع الزكاة إلى الرقاب، كقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:60]].
والرواية الأولى أرجح، وإن أردت أن ترجّح بين روايات مذهب الإمام أحمد فهناك كتاب يسمى: الإنصاف في الراجح من مسائل الخلاف على مذهب الإمام أحمد رحمه الله للمرداوي يرجّح الروايات.
ثم قال المصنف: [السادس: الغارمون].
إذاً مصارف الزكاة: المصرف الأول: للفقراء، الثاني: المساكين، الثالث: العاملين عليها، الرابع: المؤلفة قلوبهم، الخامس: وفي الرقاب، السادس: والغارمين.
قال المصنف: [الغارمون: هم المدينون] وقد يكون الدين لمصلحة نفسه، وقد يكون الدين لإصلاح ذات البين.
مثال ذلك: شخص مدين لشخص آخر، فهذا دين يعان عليه من الزكاة بقدر ما يقضي عنه الدين.
يقول الشارح: [الغارمون: هم المدينون، وهم ضربان] أي: قسمان [ضرب غرم لمصلحة نفسه].
أي: أن الدين أصابه لأكل وشرب ومسكن [فيعطى من الصدقة ما يقضي غرمه] يعني: يعطى من الزكاة بمقدار الدين الذي عليه.
قال الشارح: [ولا يعطى مع الغنى لأنه يأخذ لحاجة نفسه، فلم يُدفع إليه مع الغنى كالفقير] يعني: إن كان مديناً وهو غني لا يأخذ من الزكاة، فلا بد أن يكون غير قادر على سداد الدين.
الضرب الثاني من الغارمين قال الشارح: [غرم لإصلاح ذات البين].
إذاً النوع الأول: غرم لمصلحة نفسه، والثاني: غرم لإصلاح ذات البين.
قال الشارح: [كمن يتحمل دية أو مالاً لتسكين فتنة أو إصلاح بين طائفتين].
والنبي صلى الله عليه وسلم بيّن في حديثه: أن المسألة لا تجوز إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، والفقر المدقع الذي هو الفقر الشديد، أو غرم مفظع، أو دم موجع وذلك لما جاءه الرجل يسأل الناس، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله: (هل في بيتك شيء؟ قال: نعم، إناء نشرب فيه الماء وحنث بالي) يعني: سجادة قديمة نجلس عليها قال: ائتني به، فأتاه بهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من يشتري هذين؟ فقال رجل: أنا أشتريهما بدرهم يا رسول الله، قال: من يزيد على درهم؟ فأقام عليهم مزاداً، حتى قال صحابي: أنا أشتريهما بثلاثة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم درهماً لأهله وأمره أن يذهب إلى السوق ليحتطب ويبيع يعني: يشتري حطباً ثم يعود فيبيعه، فذهب الرجل واحتطب ثم باع فتربّح وتكسب وجرت السيولة في يده، وجاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: هذا أولى من أن تأتي المسألة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تجوز إلا لذي فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو دم موجع، وهذه حكمة نبينا عليه الصلاة والسلام، لقد حوّل يد الرجل من يد سؤال إلى يد منتجة، أما اليوم فإن ذل المسألة في الشوارع والطرقات آلاف مؤلفة يسألون الناس إلحافاً، بل يسألون الناس بدون حق.
فيأتي رجل يسأل ويقول: يا شيخ! أنا مدير عام انفصلت من عملي ارحموا عزيز قوم ذل، وعندي بنت تعالج من الكلى
(33/2)
________________________________________
باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه
قال المصنف: [باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه: لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب] فقد يأتيك رجل يسألك وهو يستطيع أن يجر سيارة من الشارع وبقوة، هل هذا رجل يحتاج إلى صدقة؟ بل لا بد أن يعمل، فإن الصدقة لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب يستطيع أن يكتسب الرزق، ولذلك لو أخذنا هذه القواعد وطبقناها الآن لما وجدنا من يتسول، ولكننا نحن الذين أوجدنا هذه الطائفة من المتسولين؛ لأننا ساعدناهم على ذلك، فعندما يخرج الواحد منهم في الصباح ويعود في آخر النهار ومعه 50 جنيهاً أو 100 جنيه، وبدون مشقة فهذا عمل سهل ولا يحتاج إلى جهد، ولو أننا قلنا له: أنت قوي مكتسب لا تحل لك الصدقة، لعاد وفكّر ألف مرة، لكن هذا الفقه الغائب هو الذي دفع البعض إلى هذه الوظيفة.
قال الشارح: [لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) رواه النسائي، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي)] يعني: لقوي سوي ليس به عيب، أو لا يستطيع التكسب.
وبعض هؤلاء المتسولين يمثّل فتجده يربط على قدمه شاشاً حتى يأخذ منك، فإذا انفرد بنفسه مشى كالصاروخ وليس بقدمه شيء، فانتبه إلى هؤلاء، وقد أخبرني أحد الإخوة في المملكة العربية السعودية أن هناك عصابات تقطع أذرعة الصبية الصغار، والطفل ابن سنة أو سنتين، ويوضع في الطريق العام ليتسول، عصابات تُحصّل الإيراد آخر اليوم آلاف الجنيهات.
والشاب الذي يريد أن يتزوج من الزكاة يعان من الزكاة، وهذا حدث في عهد عمر بن عبد العزيز حينما زوج الشباب من بيت المال، على اعتبار أنه من أحد مصارف الزكاة، إما أن يدخل تحت المسكين أو تحت الفقير، فإذا كانت حاجته للزواج عشرة آلاف ومعه خمسة آلاف يعان بالخمسة آلاف المتبقية؛ لأن ما معه أقل من حاجته.
ثم قال الشارح: [(لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي).
وضابط الغنى روايتان] ضابط الغنى عند الإمام أحمد يختلف عن ضابط الغنى في عصرنا؛ فضابط الغني في عهده من دخله خمسون ديناراً، فهذا كلام في عهده، أما في عهدنا فضابط الغنى عندنا هو متوسط دخل الرجل المعتاد، فمثلاً: ما يحتاج إليه الرجل في مصر للإنفاق على بيته من مسكن ومطعم ومشرب 500 جنيه، إذاً فضابط الغنى هو 500 جنيه.
قال المصنف: [ولا تحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم ومواليهم].
بنو هاشم وبنو عبد مناف، وخص بنو هاشم وبنو عبد مناف بالذكر دون غيرهم لأنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحصار الاقتصادي، فهؤلاء لهم من الفيء الخمس، ولا يأخذوا من الزكاة، وكذلك لمواليهم.
قال الشارح: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الصدقات أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد) وحكم مواليهم -وهم معتقوهم- حكمهم.
ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علا].
قوله: وإن علا، يعني: الجد، وشيخ الإسلام له بحث نفيس في هذه المسألة، يقول: يجوز أن تدفع إلى الوالد، ولكن شريطة ألا يكون الولد ملتزماً بالنفقة عليه، قال العلماء: إذا كانت الزكاة تسقط عني حق النفقة فلا يجوز.
فالضابط عند شيخ الإسلام: أن من تلزمك مؤنته والنفقة عليه لا يجوز أن تؤدي الزكاة إليه، وأما قولهم: إن الزكاة لا تدفع إلى الأب وإن علا، حتى وإن كان غير ملزم بالإنفاق عليه، فهذا كلام يحتاج إلى دليل.
قال المصنف: [ولا إلى الولد وإن سفل] يعني: أب يعطي ولده أو يعطي الحفيد وهكذا، [ولا من تلزمه مؤنته كالزوجة] كذلك الزكاة من الزوج للزوجة لا تجوز، تجوز من الأخ لأخيه؛ لأن الأخ لا يلتزم بمؤنة أخيه، أما إذا كنت تنفق عليه لا يجوز أن تعطيه الزكاة، فكل من تلزمك نفقته ومؤنته لا تؤدي الزكاة إليه، لأنك لو أديت الزكاة أسقطت عنك النفقة.
قال الشارح: [كالزوجة والعبد والقريب لأن نفقتهم عليه واجبة، وفي دفعها إليهم إغناء لهم عن نفسه فكأنه صرفها إلى نفسه، ولا يجوز أن تدفع الزكاة إلى كافر لغير تأليف القلب (تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم)].
فإن أداها إلى كافر لا تجزئ حتى وإن كان لا يعلم أنه كافر، ثم علم عليه أن يعيد إخراج الزكاة، فالزكاة لا تجوز لكافر.
ويجوز أن يعطى أهل الكتاب من الأضحية إذا كانوا جيران.
قال الشارح: [ولأنها مواساة تجب على المسلم فلم تجب للكافر كالنفقة.
فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم] صدقة التطوع تجوز من الأصل إلى الفرع، ومن الفرع إلى الأصل، وإلى الكافر لتأليف قلبه [لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقلت له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة] رغم أنه من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه شرب من مال الصدقة، فتوضح أن الصدقة المقصود بها الزكاة الواجبة.
قال الشارح: [ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما
(33/3)
________________________________________
الأسئلة
(33/4)
________________________________________
حكم شراء التلفاز وحكم إصلاحه

السؤال
الحمد لله الذي من عليّ بالالتزام، ولكن قبل الالتزام كان لدي تلفاز ولم أجلس أمامه ولكنه ملك لي، فحاولت تخريبه أكثر من ثلاث مرات، ووالدي يصلحه من جديد، فهل عليّ ذنب؟

الجواب
الذنب هنا على من اشتراه وليس على من أصلحه.
(33/5)
________________________________________
حكم الصلاة خلف إمام لا يستر عورته

السؤال
رجل يصلي بالناس إماماً ويرتدي ملابس بيضاء شفافة ولا يرتدي سروال وتظهر منه الملابس الداخلية والعورة، ونهيناه ولم ينته، فما حكم الصلاة خلفه؟

الجواب
تكره الصلاة خلفه؛ لأن ستر العورة من شروط صحة الصلاة.
(33/6)
________________________________________
حكم شراء التلفاز من أجل معرفة الأخبار

السؤال
هل يجوز أن أشتري تلفازاً بحجة التعرف على أحداث العالم، وما يحدث في العراق؟

الجواب
من الذي سينقل لك؟ يقول الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] فلا تحاول أن تقول هذا الكلام الخبيث، فلا يقوله إلا من في قلبه مرض، كالحزبيين يقولون: نحن نشتري الدش لنشاهد الجزيرة، الحزبيون الذين هم الجماعة الحزبية التي شتتت الأمة، أو الجماعة الأم، ونحن الجماعة الفرع.
(33/7)
________________________________________
مواطن رفع اليدين في الصلاة

السؤال
أدركت الإمام في الركعة الثانية أو الثالثة، فعندما أقضي هل أرفع يدي عند التكبير أو أكبر فقط دون رفع اليد؟

الجواب
ترفع في مواطن الرفع فقط، ومواطن الرفع أربعة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال من الركوع، وعند القيام من التشهد الأوسط.
(33/8)
________________________________________
خطورة التحذير من الدعاة والعلماء

السؤال
اتصل بي أخ كريم من (إمبابه) يقول: إن هناك ورقة توزّع في التحذير من المشايخ: أبي إسحاق والشيخ محمد حسين يعقوب والشيخ محمد حسان، وغيرهم.
فأقول: ومن للأمة إن حذرتم من هؤلاء؟

الجواب
إن التشهير بالعلماء في أوراق تطبع وتوزع، من أناس يظنون أنهم يحسنون صنعاً، في الحقيقة أن هذه الأمور لا ندري من وراءها ومن يقود هذه الحملة، فنحن يا إخواني يجب أن يحب بعضنا بعضاً، وأن يحترم بعضنا بعضاً، وألا نفضح عوارنا أمام العامة، وأن نواري على عورات بعضنا، فهذا أمر مهم، فإن كان فيه عور في فكره أو منهجه فاتصل على العالم وانصحه؛ فإن لم يرجع عن فكره فأنت صاحب حق، ولكن دون أن تهاجمه من أول وهلة، فهذا كلام مستهدف وكلام يفيد أعداء الأمة أكثر مما يصلح، فلنتقي الله عز وجل في أنفسنا.
ليس هناك سوى عشرة علماء يتحركون في الساحة حينما تقدح في هؤلاء فمن سيكون للأمة، فاترك الأمة في همها وعطاءها واتق الله عز وجل.
فهذه فتنة قادمة إلينا، وأنا أنصح إخواني بعدم الرد، وكل الذين يقدحون في علماء الأمة هم أحبابنا، فأفضل شيء هو عدم الرد، فإذا انشغلت بالرد لا تستطيع أن تتعلم، فهذه كلها معركة جانبية لا تلتفت إليها أبداً.
(33/9)
________________________________________
نصيحة لطالب علم الحديث

السؤال
أنا طالب أتعلم علم الحديث فأرجو منك أن تفيدني ببعض الكتب التي أطلب العلم منها، وعلى يد من أطلب علم الحديث؟

الجواب
أنصحك أن تتصل بالشيخ طارق عوض الله، أخ فاضل مهذّب له معرفة في علم الحديث، وله مكتب تحقيق، وهو من العلماء الأجلاء الذين يعرفهم الكثير؛ إلا أن الرجل خفي، فأنصحك أن تتصل به.
(33/10)
________________________________________
صحة نهر رجب في الجنة

السؤال
هل هناك نهر في الجنة اسمه رجب؟

الجواب
ليس هناك في الجنة نهر يسمى رجب.
(33/11)
________________________________________
حكم النقاب

السؤال
هل النقاب فرض أم سنة، وما الدليل عليه من الكتاب والسنة؟

الجواب
هذا موضوع طويل قتل بحثاً ولا داعٍ لإثارته، وقد اختلف العلماء في ذلك كثيراً والراجح الوجوب في زمن الفتنة، لا شك في هذا.
(33/12)
________________________________________
حكم أخذ أجرة العمل ممن دَخْله حرام

السؤال
أنا سائق تاكسي، وفي مرة من المرات ركب معي رجل يعمل مصوراً، وأعطاني نقوداً وعصيراً، فهل أموال هذا الشخص حلال أم حرام؟

الجواب
اشرب وخذ المال ولا حرج، ففي يده حرام وفي يدك حلال؛ لأن عملك مشروع.
(33/13)
________________________________________
حكم الأخذ من المال الذي يعطى للشخص لإنفاقه للفقراء

السؤال
أنا طالب علم وأقوم بمحاضرات دينية في بعض المساجد بترخيص من الأوقاف، وتأتيني أموال يسألني أصحابها إنفاقها في سبيل الله، فهل آخذ منها، علماً بأني أحتاج إليها وبشدة، خاصة لشراء الكتب؟

الجواب
خذ ولا حرج، فأنت أولى من غيرك، إن كنت تحتاج فخذ والعهدة إن شاء الله واضحة بيّنة، لكن تأخذ بالمعروف.
(33/14)
________________________________________
حكم الأخذ من التمر الذي يوزع في المساجد

السؤال
لو أني دخلت مسجداً في رمضان ووجدت رجلاً يوزع تمراً تطوعاً، فهل يجوز لي أن آخذ؛ لأنها أوساخ الناس؟

الجواب
كل التمر ولا حرج، خذ تمرتين أو ثلاثاً ولماذا لا تريد أن تأخذها هل لأنها أوساخ الناس؟! فهذه ليست من الزكاة، ولكن هذه صدقة.
(33/15)
________________________________________
حكم زكاة الماس

السؤال
قلت: إن في حلي الزوجة زكاة، فقد قدمت إلى زوجتي شبكة بتسعة آلاف وهي عبارة عن خاتم ألماس، فما مقدار الزكاة في هذه المسألة؟

الجواب
لا زكاة على الألماس عند العلماء؛ لأن الألماس ليس فيه زكاة، إنما الزكاة في الحلي؛ لأنه لا يُعرف عند الفقراء أبداً، وربما ينظر الفقير إلى الألماس فيظنه صفيحة.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونعوذ بك يا ربنا من علم لا ينفع.
(33/16)
________________________________________
العدة شرح العمدة [34]
كتب الله علينا الصيام كما كتبه على الذين من قبلنا لهدف التقوى والخوف من الله والصبر على الطاعة، وقد جعل الإسلام للصيام واجبات وشروطاً وضوابط، فهو ركن من أركان الإسلام لا يتم إسلام المرء إلا به.
(34/1)
________________________________________
أحكام الصيام
الحمد لله رب العالمين.
شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! طبتم جميعاً وطاب ممشاكم إلى بيت الله عز وجل، وأسأل الله سبحانه أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
(34/2)
________________________________________
موجبات الصيام وشروطه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم].
أما قوله: (يجب) فمعنى ذلك: أن صيام رمضان واجب، أي: فرض.
وأنواع الصيام المفروضة على العبد ثلاثة: صيام رمضان، وصيام الكفارات، وصيام النذر، فمن نذر أن يصوم لله لا بد أن يصبح الصيام في حقه واجباً، وكفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة القتل الخطأ صيامها واجب، فالصيام الواجب: هو المفروض على العبد أن يصومه.
قلت: رمضان واجب بحق الشرع، والنذر واجب بحق الشرط، فالواجب ينقسم إلى واجب بالشرع وواجب بالشرط، فالذي أشترط على نفسي أن أصومه لا بد من صومه.
وشروط الصوم أربعة، ومعنى الشرط: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، والمعنى: أن هذه الشروط واجب توافرها ليصح الصيام، فبعضها شروط صحة وبعضها شروط وجوب، وهناك فرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب، فالبلوغ شرط وجوب، يعني: يجب على الصبي أن يصوم إذا بلغ، فإن صام قبل البلوغ فإن صيامه صحيح.
والإسلام شرط صحة، فإن صام الكافر فلا يصح صيامه.
قال: [فشروط الصيام أربعة: الإسلام، فلا يجب على كافر أصلي ولا مرتد؛ لأنه عبادة لا تجب على الكافر كالصلاة].
إذاً: الشرط الأول هو الإسلام، فإذا صام نتنياهو فحكم صيامه لا يصح؛ لأنه كافر، وشرط قبول الأعمال هو التوحيد، وأول واجب على العبيد هو معرفة الرحمن بالتوحيد، ولو صام المشرك فإن صيامه باطل وغير مقبول: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65].
فالإسلام شرط صحة، فلا يجب على كافر أصلي ولا مرتد؛ لذلك لو كان مسلماً وصام رمضان، ثم في ظهيرة رمضان ارتد فحكم صيامه أنه باطل؛ لأن الردة تبطل الصيام، وسب الدين في رمضان وفي غير رمضان كفر، فإن سمعتم بصائم يسب الدين فإن سب الدين كفر، إذاً: صيامه يبطل؛ لذلك قال: الإسلام.
قال: [والثاني: العقل، فلا يجب على مجنون]؛ لأن العقل مناط التكليف، يعني: إذا وجد العقل وجد التكليف، فلا تكليف، فالمجنون غير مكلف لا بصيام ولا بصلاة ولا بأحكام شرعية؛ لأنه رفع القلم عن المجنون حتى يفيق، يعني: حتى يعقل.
قال: [والثالث: البلوغ، فلا يجب على صبي؛ لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ الحلم)].
والقلم المرفوع عن الصبي يختلف عن القلم المرفوع عن النائم؛ لأن قلم السيئات يرفع عن الصبي، وقلم الحسنات يجري في حقه، أما النائم فقلم السيئات والحسنات يرفعان عنه، إلا إذا ابتغى النائم بنومه وجه الله يؤجر على ذلك، فإن أتى بمعصية وهو نائم لا يؤاخذ عليها، أتى بطاعة وهو نائم، أو رأى في نومه أنه يصلي فلا أجر عليه؛ لأنه لا عبرة بالأعمال عند النوم، أما الصبي فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما رفعت المرأة صبياً لها وقالت: (يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)، إذاً: هو له حج وللولي أجر، ولا تسقط عنه حجة الإسلام إن بلغ، وحجه وهو صبي صحيح وله على ذلك أجر، فإن كان بيننا الآن صبي دون السابعة يصلي معنا، فإن قلم الحسنات يجري في حقه، وإذا لم يصل فقلم السيئات لا يجري.
ثم قال: [ويؤمر به الصبي إذا أطاقه، ويضرب عليه ليعتاده، ولا يجب عليه للخبر].
فالصبي يؤمر بالصيام حتى يتعود على الطاعة: (علموا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فاصطحاب الولد إلى المسجد بعد السابعة يجوز؛ لأنه أصبح مميزاً؛ لذلك قال الفقهاء: وسن الختان للصبي ينبغي أن يكون قبل السابعة؛ لأن هناك علاقة بين الختان والطهارة، ومتى أمر بالصلاة أمر بالطهارة، ولا تتأتى الطهارة إلا بالختان للذكر والأنثى، وللأنثى حتى البلوغ؛ لأن هناك علاقة بين الطهارة وبين الصلاة، فمتى يجب عليهما الصلاة يجب عليهما الختان، والختان أصل الطهارة، فإن لم يختتن الذكر أو تختتن الأنثى لا تتحقق الطهارة؛ وذلك لأن الحشفة تمنع جزءاً من البول عن التطهر، كذلك عند الأنثى؛ ولذلك من لزوم الطهارة الختان.
إذاً: شروط الصيام أربعة: الإسلام، العقل، البلوغ، القدرة.
فمن عجز عن الصيام فلا صوم عليه، فإن الله لم يكلفنا إلا بما نستطيع، فإن كان مريضاً أو مسافراً أو عاجزاً عن الصيام فهو غير قادر، وذكر البخاري في كتاب الصيام: أن الصحابيات كن يعودن أبناءهن على الصيام: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء، فصمنا وصومنا أبناءنا الصغار، حتى إذا بلغ من الولد الصبي الجهد -يعني: يريد أن يأكل ويشرب- صرف لهم العرائس من الصوف)؛ لينشغل الصبي حتى يؤذن المؤذن، فانظر إلى تعويد الصبي على الطاعة، لكن أنت ستأخذه لمباراة القمة والسوبر والمسرح وتصطحبه إلى المصيف حيث العري والإباحية والاختلاط، وتعلمه البذاءة من صغره.
قال الشاعر: أرضعوا الأطفال في المهد الحرام علموهم فحشهم قبل الكلام فلا بد أن يتعود الصبي على الطاعة منذ صغره، الصدق الأمانة عدم الكذب الإخلاص ا
(34/3)
________________________________________
اعتبار رؤية هلال رمضان وهلال شوال
إذا رأينا هلال رمضان وجب علينا الصوم، لكن هل يجب على كل بلد أهل أن يروا الهلال، أم أن رؤية البلد تعتبر رؤية للبلد الآخر؟ وهل اختلاف المطالع معتبر أم غير معتبر؟ شيخ الإسلام ابن تيمية له كلام جميل في هذه المسألة، فالهلال سمي هلالاً لأنه ظهر في السماء، ومن الممكن أن يبقى في السماء ولا يراه أهل الأرض، فنقول: استهل الغلام صارخاً، فيعلم من في المكان أن الغلام ولد باستهلاله؛ ولذلك فإن الهلال في السماء ولا يستهل عند أهل الأرض.
يقول شيخ الإسلام: فالعبرة في رؤيا الهلال هو أن يراه واحد منهم، ثم يقره ولي الأمر على رؤيته، فيستهل به بين الناس، وإن لم يأخذ ولي الأمر برؤيته لا يستهل به، ففرق بين ظهور الهلال في السماء، ويلزم الذي رآه الصيام، يعني: هب أنني رأيت الهلال وذهبت إلى ولي الأمر لأقول له: أنا رأيت الهلال، لكنه لم يأخذ برؤيتي، فإنه يلزمني أنا الصيام، أما الجميع فلا يلزمهم؛ لأن ابن عمر لما رأى الهلال أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فصام وأمر بصيامه.
وخلاصة أقوال العلماء المعتبرة: أنه لا يجوز لأحد أن يخالف قطره في الصيام، فلا يجوز لك أن تنفرد بصيام، بل صم مع بلدك وأفطر مع بلدك، وإن شئت أن تصوم لاتحاد المطالع مع بلد آخر فصم سراً، كما يفعل البعض سراً.
لكن من الجهة الشرعية إذا رأت بلدي أن يكون لها رؤية مستقلة فلا يجوز لي أن أشق عصا الطاعة وأن أخالف الجماعة وأن أنشئ صياماً بمفردي، هذا هو قول أهل العلم المعتبر، فلا يجوز أن تخالف أهل بلدك، لكن إن شئت فصم سراً ولا يعلم أحد بصيامك، فإن كنت تريد أن تحدث فتنة وتخرج عن الجماعة وتريد للجميع أن ينزل على رأيك فإن هذا لا يجوز، لكن الراجح من أقوال العلماء: أنه إذا ثبت الهلال في بلد يجب على ولي الأمر أن يأخذ برؤيا الهلال في البلد المشتركة معه في جزء.
وفي الحديث: (صوموا لرؤيته وأفطروا).
علق النبي صلى الله عليه وسلم الصيام بالرؤية لا بميلاد الهلال، فقد ذكر في الأفلاك في جريدة الأهرام: أنه سيولد الهلال بعد غد، فنقول لهم: لا عبرة برؤيتكم، ولا عبرة بقولكم، ولا عبرة بحساباتكم؛ لأننا أمرنا بالصيام للرؤية ولم نؤمر بالصيام للميلاد، فقد يولد ولا نراه، إذاً: لا نصوم؛ لأنه حال بيننا وبين رؤيته حائل.
والشيخ أحمد شاكر له رأي في هذه المسألة تفرد به.
قال: والأجهزة العلمية الحديثة تبين الميلاد، كذلك نستطيع أن نرى الهلال بالأجهزة، يعني: هل الرؤية بالعين المجردة أصل، أم يمكن أن نرى الهلال بأي وسائل عصرية؟ فهو يرى هذا الرأي في أحد كتبه: أن الحسابات الفلكية يمكن أن يعتمد عليها في تحديد بدء الصوم.
قال المؤلف رحمه الله: [يجب الصيام بكمال شعبان، أو برؤية هلال رمضان، أو وجود غيم أو قتر في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان يحول دونه؛ لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له) متفق عليه، يعني: ضيقوا له].
هذا قول مرجوح؛ لأنه يقصد أنه إذا غم علينا الهلال ولم نره فالواجب علينا أن نضيق عدة شعبان إلى تسعة وعشرين يوماً، مثل ذلك قوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء:87]، لكنه عاد وقال: [وإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين يوماً].
إن يوم الشك في بعض كتب الفقه: هو اليوم الذي فيه غمام ولا نستطيع أن نرى الهلال، فإذا استطلعنا الهلال في جو صحو ولم نر الهلال ولم يحل بيننا وبينه حائل، فإن شعبان ثلاثون يوماً يقيناً، فلا نسميه شكاً؛ لأن الهلال لم يولد يقيناً، كذلك إذا استطلعنا ووجدنا غداً رمضان فإن غداً رمضان يقيناً، فالشك معناه: احتمال أن يكون رمضان، واحتمال أن يكون المتمم لشعبان، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك.
قال: [وإن رأى الهلال وحده صام؛ لقوله عليه السلام: (صوموا لرؤيته)، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله؛ لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام)].
إذاً: في دخول رمضان يمكن أن يراه واحداً، أما في دخول شوال فلا بد من اثنين.
مثال: رجل رأى الهلال ثم ذهب إلى ولي الأمر فأخبره، فنظر ولي الأمر في حاله فوجد أنه عدل، فعلى ذلك يلزمه أن يأخذ برؤيته، فإن لم يأخذ ولي الأمر برؤيته فهو آثم؛ لأن ابن عمر قال: (فأخبرت النبي بأنني رأيت الهلال فصام وأمر بصيامه).
قال الشيخ ابن باز رحمه الله حتى واحد وثلاثين، قال: صمت ثلاثين يوماً -في مصدر سؤال في لجنة الفتوى في دار الإفتاء السعودي- ثم ذهبت إلى الكويت الشقيقة بعد أن أتممت الصيام هنا فوجدتهم على الصيام في اليوم فماذا أصنع في الكويت أفطر وأخالف أهل الكويت أم أصوم معهم ولا شيء علي؟ قال: صم؛ حتى لا تخالف أ
(34/4)
________________________________________
الأسئلة
(34/5)
________________________________________
حد عورة المرأة أمام المرأة

السؤال
ما حد عورة المرأة أمام المرأة المسلمة؟

الجواب
المرأة أمام المرأة عورة إلا الوجه والكفين، كما قال العلماء، ولا يجوز للمرأة أن تظهر مفاتنها على أختها؛ لأن في الحديث: (أن تنظر المرأة إلى عورة المرأة ثم تصفها إلى زوجها كأنه يراها)، لا سيما في زمن الفتن وعدم العدالة، فالأولى بالمرأة المسلمة أن تأخذ بالأحوط.
(34/6)
________________________________________
حكم جعل الكمبيوتر تلفازاً بواسطة كروت تستخدم في الحاسب الآلي

السؤال
لدي مركز كمبيوتر ولدي به تجارة بيع وشراء، فهل يجوز لي بيع كروت التلفزيون التي تستعمل في الحاسب الآلي؟

الجواب
التلفزيون محرم لغيره وليس محرم لذاته، وعلى ذلك فإن غلب على ظنك أنه سيستخدمها في الحرام فالورع الترك، والله تعالى أعلم.
(34/7)
________________________________________
وجوب التأدب في طلب العلم

السؤال
هناك من الأخوات من يشربن الشاي في مصلى الناس والأطفال لا ينهاهم أحد عن الصراخ، وكأن الأمر لا يعني أحداً، مما يسبب ذلك إيذاء لطلبة العلم؟

الجواب
ما هذه المصيبة التي نحن فيها! إن المسجد له احترام، وطلب العلم له أدب، فيا أيتها الأخوات الفاضلات التقيات الطاهرات العفيفات اعلمن أن طلب العلم له آداب، لا ينبغي لطالبة العلم أبداً أن تعرض عن الدرس وتشرب الشاي أو أي مشروب آخر، أو أن تشتغل بطفلها، أو أن تشغل الحضور.
أيتها الأخت الفاضلة! إن كان هذا هو حالك فالأولى أن تلزمي بيتك واشربي كما شئت.
(34/8)
________________________________________
حكم العمل في شركة رأس مالها أجنبي تقوم بتنظيف المدن

السؤال
هل يجوز العمل في الشركة المصرية الأسبانية التي رأس مالها أجنبي وعمالها مصريون، وهي تعمل في مجال تنظيف القاهرة؟

الجواب
نعم، يجوز، عملها مشروع؛ لأنه منوط بالتنظيف.
(34/9)
________________________________________
حكم توزيع تركة المتوفى وعليه لزوجته صداق مؤخر

السؤال
هل يجوز للزوجة أن تأخذ الصداق المؤخر بعد وفاة الزوج من الميراث؟ وهل هذا دين في عنق الزوج؟

الجواب
لا يجوز توزيع التركة على الورثة إلا بعد استقطاع مؤخر الصداق؛ لأن مؤخر الصداق من ديونها، قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11].
(34/10)
________________________________________
ما ينبغي أن يفعله الشخص تجاه والديه بعد وفاتهما

السؤال
ما الذي أفعله لأبي وأمي بعد موتهم؟ وهل يجوز قراءة القرآن لهما أم الدعاء؟

الجواب
الراجح: أن تدعو لهم، وأن تتصدق عنهم بصدقة جارية، أو أن تقيم لهم أي عمل خيري، يصل إليهم إن شاء الله تعالى.
(34/11)
________________________________________
حكم إفراد يوم الجمعة والسبت بصوم

السؤال
ما حكم صوم يوم الجمعة بمفرده، وحكم صوم يوم السبت بمفرده؟

الجواب
لا يجوز أن تفرد الجمعة أو أن تفرد السبت إلا إذا كان صيام عادة، أو كان عاشوراء أو عرفة، فهذا يجوز، والله تعالى أعلم، أو أن تصوم يوماً قبله؛ لحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على إحدى زوجاته فوجدها صامت الجمعة بمفرده، فقال لها: أصمت يوماً قبله؟ قالت: لا.
قال: أتصومين يوماً بعده؟ قالت: لا، فأمرها بالفطر)، حديث صحيح.
(34/12)
________________________________________
معنى الكفت في الصلاة وحكمه

السؤال
ما هو الكفت في الصلاة وما حكمه؟

الجواب
الكفت في الصلاة: تشمير الثياب، وهذا لا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه، حتى يسجد كل الثوب، أو أن تتحزم في وسطك هكذا بحزام، فهذا منهي عنه، ويجوز أن تشمر البنطال للإسبال، والشعر لا يجوز أن تربطه، فإن كنت ذا شعر طويل فلا بد أن تفرده عند السجود.
(34/13)
________________________________________
حكم تسمية الأطفال بأسماء مشئومة

السؤال
ابني اسمه شهاب فهل أغيره أم لا؟

الجواب
نعم.
غيِّره؛ جاء رجل إلى عمر فقال: ما اسمك؟ قال: شهاب؟ قال: من أي القبائل؟ قال: من جمرة.
قال: من أي العائلات؟ قال: من ذي لظى.
قال: اذهب فبيتك قد احترق.
وبالفعل الاسم له علاقة بالمسمى، فهناك رجل يسمي ولده خيشة بهلول، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! فينبغي أن يختار الرجل لابنه الاسم الحسن، فمن الناس من يسمي ابنه كما في الأرياف: عاصفة الصحراء، إنا لله وإنا إليه راجعون، والثاني يسمي ابنه: مايكل جاكسون، فهل هذه أسماء يا إخواننا؟! يتشبهون بالأجانب والكافرين في أسمائهم، نسأل الله العافية!
(34/14)
________________________________________
حكم التسمية بإسلام

السؤال
حكم التسمية بـ (إسلام)؟

الجواب
إسلام لا يجوز، فأنت تقول: أين إسلام؟ خرج إسلام، وتقول: (يخرب بيتك يا إسلام!) وهكذا خربت بيت الإسلام وأنت جالس، فلا يجوز لا إسلام ولا مؤمن ولا الأسماء التي فيها تعريض بشيء من الدين، غير ذلك، ورحم الله الشيخ كشك رحمة واسعة، كان يقول في أحد أشرطته: رجل يسمي ابنته (عين أبوها)، فقالوا: (أين عين أبوها)؟ قالوا: (عين أبوها) خرجت، نسأل الله العافية، فلا يجوز أبداً أن نعرض بهذه الأسماء.
(34/15)
________________________________________
حكم إعطاء الزكاة للصهر

السؤال
هل يمكن أن أعطي الزكاة لصهري؟

الجواب
أعطه ولا حرج؛ لأن الصهر ليس ممن لا يجوز أداء الزكاة إليه.
(34/16)
________________________________________
حكم مقاطعة منتجات الكفار الغذائية

السؤال
ما حكم المقاطعة، مع العلم أن الشيخ ابن عثيمين قال: كل مما أحل الله؟

الجواب
المقاطعة تحتاج إلى ضوابط شرعية، فضلاً عن النظر في تأثيرها على العدو؛ لأنه ربما يكون التأثير على أبنائنا أكثر من التأثير على العدو.
(34/17)
________________________________________
معنى: (الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)

السؤال
قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة:187]، ما معنى الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟

الجواب
بياض النهار وسواد الليل، وهذا ما فعله عدي بن حاتم حينما أتى بعقالين ووضعهما تحت الوسادة، أحدهما أبيض والآخر أسود، وظل ينظر إلى العقالين فلم يرهما، وظل يأكل حتى ارتفع النهار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك رجل عريض القفا، إنما المقصود بالخيط الأبيض من الخيط الأسود: بياض النهار وسواد الليل).
(34/18)
________________________________________
العدة شرح العمدة [35]
كتب الله علينا صيام شهر رمضان كما كتبه على الذين من قبلنا، ومن رحمته سبحانه بنا أن كلفنا بما نستطيع، وجعل رخصاً يحب منا أن نأتيها كما يحب أن نأتي عزائمه، فأباح الفطر للمريض والمسافر والحامل والمرضع والعاجز بضوابط القضاء في أيام أخر أو إطعام عن كل يوم مسكيناً، وأوجب الفطر على الحائض والنفساء وعليهما القضاء.
(35/1)
________________________________________
باب أحكام المفطرين في رمضان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله: [ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام] في الحقيقة قوله: يباح، يحتاج إلى مراجعة؛ لأن المباح: ما يستوي فعله مع تركه، فيقول: يباح للمريض الذي يتضرر به، فهذا يلزمه الفطر؛ لأنه لو صام وتضرر بالصيام فهو آثم؛ لأنه جلب على نفسه المرض وزاد المرض في حقه، والله سبحانه يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، ويقول: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، ويقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29].
قال: [أحدها: المريض الذي يتضرر به، والمسافر الذي له القصر، فالفطر لهما أفضل وعليهما القضاء؛ لأن الله سبحانه قال: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء:43]، وقال في سورة البقرة: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصوم في السفر) متفق عليه].
المريض الذي يتضرر بالصيام يجب عليه الفطر، والمسافر الذي يتضرر بالصيام أيضاً يجب عليه الفطر، والمسافر يجوز له أن يفطر ويجوز له أن يصوم؛ لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون فمنهم من يصوم ومنهم من يفطر، وأحياناً يصبح الفطر واجباً على المسافر، وواجباً على المجاهد.
قال: [(وخرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح فأفطر، فبلغه أن ناساً صاموا فقال: أولئك العصاة) رواه مسلم] فوصفهم بأنهم عصاة لصومهم؛ لأنهم صاموا مع وجوب الإفطار في عام فتح مكة.
قال: [وإن صاما أجزأهما لذلك] مثال ذلك: مريض صام ومسافر صام فما حكم صيامهما؟ هل عليهما قضاء؟ العجيب: أن ابن حزم الظاهري يرى أن المسافر لو صام يلزمه القضاء؛ لأن الله قال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184].
إذاً: علة القضاء هي السفر وليس الصيام من عدمه، ونسي رحمه الله أن الآية فيها ما يسميه علماء علوم القرآن بدلالة الاقتضاء، فالمقام يقتضي كلمة يفهمها السامع والمتكلم: ((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ)) فأفطر {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] فكلمة (فأفطر) يقتضيها المقام، إذ ليس من المعقول ولا المنقول أنه إذا سافر وصام يلزمه القضاء، فـ ابن حزم جعل السفر هو سبب القضاء سواء صام أو أفطر، لكن جمهور العلماء يقولون بدلالة الاقتضاء؛ لأن أنواع الدلالات في القرآن مهمة جداً، وإن شاء الله تعالى عند الحديث عن علوم القرآن سنذكرها بالتفصيل.
(35/2)
________________________________________
حكم صوم الحائض والنفساء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الحائض والنفساء تفطران وتقضيان].
المرأة الحائض إذا جاءها الحيض في نهار رمضان يلزمها الفطر، ولذلك أنا أضع ضابطاً على كلمة: (ويباح)؛ لأن الحائض والنفساء يجب عليهما الفطر، وليس يباح لهما الفطر، فالمرأة إذا حاضت قبل أذان المغرب بدقيقة وقبل غروب الشمس عليها القضاء لا بد، ولا ينبغي للمرأة أبداً أن تأخذ الحبوب التي تمنع الحيض لتصوم، فالنساء المؤمنات وزوجات خير الأنبياء صلى الله عليه وسلم كن يحضن ويقضين، وبعض العلماء يجوز ذلك في الحج؛ لأن الحج له فوج وله موعد بالرحيل، فيمكن أن تأخذ حبوباً تؤخر الحيض لتتمكن من الطواف والرحيل مع البعثة إلى غير ذلك، أما الصيام فلا شيء عليها، فإن حاضت وجب عليها أن تفطر وأن تقضي.
قال: [والحائض والنفساء تفطران وتقضيان إجماعاً، وإن صامتا لم يجزئهما إجماعاً، وقالت عائشة رضي الله عنها: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
تعني: في الحيض.
والنفاس مثله].
فالمرأة إن أصابها دم النفاس أو دم الحيض يلزمها القضاء حتى وإن صامت، وإن صامت فهي آثمة عاصية، فينبغي عليها أن تفطر؛ لأن الذي أمرها بالصيام هو الذي أمرها بالفطر.
(35/3)
________________________________________
حكم صوم الحامل والمرضع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا، كالمريض وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً].
إذاً: إن خافت على ولدها عليها الإفطار وعليها القضاء والفدية، وتقضي اليوم وتطعم عنه مسكيناً، لكن هذه التفرقة بعض العلماء لم يقف لها على دليل، فمنهم من قال: عليها القضاء فقط، وانتصر لهذا كثير من العلماء المعاصرين.
قال: [وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً؛ لقوله سبحانه: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184]] والحقيقة أن هذا الاستدلال ليس في محله؛ لأن هذه الآية نزلت في أول الشأن.
قال ابن عباس: نسخت، وقال: هي في حق الشيخ الكبير والمرأة العجوز.
(35/4)
________________________________________
العاجز عن الصوم
قال المؤلف رحمه الله: [الرابع: العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكيناً] ثم استدل بذات الآية التي استدل بها منذ قليل.
قال: لقول الله سبحانه: [{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184]] أي: يطيقونه مع المشقة وعدم القدرة، أي: لو أن رجلاً بلغ من الكبر عتياً، ولا يستطيع الصيام فإننا نأمره بالفطر والإطعام؛ لأنه لا يستطيع القضاء، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه كذلك، يعني: مرض مزمن لا يُرجى أن يبرأ منه إلا إذا أراد الله فإننا نأمره بالفطر وبالإطعام وليس بالقضاء.
قال: [قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا.
رواه أبو داود].
أي: أن ابن عباس يرى أن الحامل والمرضع تلحقان بالشيخ الكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، فالحامل والمرضع يفطران ويطعمان وليس عليهما القضاء.
هذا رأي ابن عباس رضي الله عنه.
(35/5)
________________________________________
حكم من جامع امرأته في نهار رمضان
قال المؤلف رحمه الله: [وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير] كل من أفطر في رمضان يلزمه قضاء بدلاً من اليوم يوماً.
قال: [إلا من أفطر بجماع في الفرج.
فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه الكفارة]؛ لأن الكفارة تسقط مع عدم القدرة، وهذه يسميها العلماء الكفارة المغلّظة، وهي الإفطار بالجماع في نهار رمضان، ولا يقاس على الجماع غيره، فإن باشر الرجل زوجته في رمضان دون جماع ثم أمنى فحكم صيامه باطل، وعليه قضاء اليوم فقط؛ لأن ما الذي يلزمه بالكفارة المغلّظة هو الجماع، وهل يجب على المرأة أيضاً كفارة مغلّظة أم لا يجب؟ اختلف العلماء، فالحنابلة يرون أن الكفارة على الرجل فقط، ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان لم يسأله عن الزوجة، ولو كانت الزوجة يلزمها شيء لسأله: أراضية هي أم غير راضية؟ موافقة على هذا الفعل أم لا؟ لكن الشافعي يفصّل ويقول: إن كان برضاها فيلزمها الكفارة كالرجل تماماً، وإن كان بغير رضا فهي في حكم المكرهة.
قال: [عن أبي هريرة: (بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، فقال: هلكت.
قال: ما لك؟)].
وفي رواية أخرى: (يضرب صدره وينتف شعره) وليس شرطاً فيمن يجامع أن يضرب صدره وأن ينتف شعره، وهذا يسمى عند علماء الأصول: تنقيح المناط، وهو أن تخلص الحكم من الأشياء التي لا تؤثر فيه، فإن جاءك رجل جامع زوجته في نهار رمضان فلا تقل له: لا بد أن تضرب صدرك وأن تنتف شعرك حتى ينطبق عليك الحكم، إنما هذا وصف دائم وليس له علاقة بالحكم، وهذا يسميه العلماء تنقيح المناط.
[(قال: هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا)] وفي رواية: (لا أملك إلا هذه الرقبة) أي: أنه ليس عندي رقاب، أنا فقير.
[قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟] أي: لا يفطر في يوم منهما، فإن أفطر في يوم فعليه أن يعيدها من جديد، لكن هب أنه أفطر في حكم الشرع كأن أفطر يوم عيد، فإنه يتم؛ ولماذا يتم؟ لأنه لم يفطر بإرادته، إنما الذي جعله يفطر هو الشرع، فهناك فرق بين أن يفطر بالإرادة وبين أن يفطر رغم إرادته.
وفي رواية قال: (صم شهرين متتابعين، قال: يا رسول الله! وهل فعل بي ذلك إلا الصوم) لم أستطع أن أبتعد عن زوجتي يوماً أأصوم شهرين؟! [(قال: أطعم ستين مسكيناً! قال: لا أستطيع)]، وفي رواية: (ليس في المدينة من هو أفقر مني)، أي: لا رقبة ولا قدرة على الصيام ولا إطعام ستين مسكيناً.
قال: [فقال له: (اجلس، فمكث، فبينما نحن على ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر) والعرق: المكتل] من تمر الصدقة، أي: أنه أجلسه بجواره حتى جاء تمر من مال الصدقة.
قال: [فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أين السائل؟ قال: أنا.
قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها -يريد: الحرتين- أهل بيت أفقر مني ومن أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك) متفق عليه].
وفي الحديث دروس وأحكام: الحكم الأول: أن الكفارة تسقط بالعجز عن الأداء، وأن صاحب الكفارة يعان من مال الصدقة، فإن قيل: أنا معي مال زكاة.
هل أعطيه لمن عليه كفارة؟

الجواب
نعم.
يعان من مال الصدقة؛ لأن هذا الرجل أعانه النبي صلى الله عليه وسلم، والكفارات تسقط بالعجز، فإن استطاع فلا بد من الوفاء بها، فهي دين في رقبة المكلّف.
وجامع الزكاة لابد أن يعرف أنه يستحق، والمفروض أن صاحب الكفارة تسقط عنه الكفارة إن لم يستطع، فإن سأل من بيت المال فلا شيء في ذلك.
قال: [فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية في يوم واحد فكفارة واحدة] بمعنى: جامع في أول النهار، ثم جامع في آخر النهار، إذاً: حدث الجماع مرتين في نفس اليوم، فيلزمه كفارة واحدة.
قال: [ولا خلاف فيه بين أهل العلم، وإن كان في يومين فعلى وجهين: أحدهما: تلزمه كفارة واحدة؛ لأنه جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها فتداخلا، كالحدود، وكما لو جامع في يوم مرتين ولم يكفر.
والثاني: تلزمه كفارة ثانية] وهذا الراجح، لو جامع في يوم ثم جامع في يوم آخر تلزمه كفارتان.
قال القاضي: لأنه أفسد صوم يومين فوجبت كفارتان كما لو كان هذان اليومان في رمضانين، وهذا هو الراجح من أقوال العلماء.
قلت: والمسألة فيها تفصيل بالنسبة للزوج، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الرجل عن زوجته، وهنا استدل الحنابلة على أن الكفارة على الزوج، هب أن الزوجة وافقت على هذا الفعل فإن العلة واحدة، وكونه لا يسأل لا يعني: أنه يسقط عنها الحكم، وهذا قول الشافعي، فالتفصيل: إن كانت موافقة ع
(35/6)
________________________________________
حكم صيام الست من شوال ممن عليها قضاء من رمضان
فإن قيل: امرأة أصابها الحيض في رمضان ثم جاء شوال.
هل تصوم ما عليها من أيام في رمضان، أم تصوم الأيام الست من شوال قبل قضاء رمضان؟

الجواب
اختلف العلماء في هذه المسألة، والراجح: قول الجمهور: أنه يجب عليها القضاء أولاً، ثم إن كانت تستطيع صيام شوال فلا بأس؛ لأن صيام شوال مندوب، والواجب ينبغي عليها أن تحصّله؛ لأن الأعمار غير مضمونة، فربما تموت في نهاية شوال، فتسأل عن الواجب الذي فرطت فيه.
ثانياً: يقول علماؤنا أصحاب البصيرة: إن المتأمل في الحديث يجد فيه الإجابة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال) فالتي عليها القضاء لم تصم رمضان، فلا بد أن تستكمل الصيام أولاً، فإن قال قائل: هذا واجب موسّع، يجوز أن أقضيه متى شئت، وكانت عائشة رضي الله عنها تقضي ما عليها في شعبان، أقول: وما أدراك أن عائشة رضي الله عنها كانت تصوم أيام شوال؟ فيلزمك أن تدلل لنا أن عائشة كانت تصوم في شوال ولن تجد إن شاء الله تعالى؛ وذلك لأن الإمام مالك يرى أن صيام أيام شوال ليس عليه عمل أهل المدينة.
قال: [إلا أن يكون الصوم منذوراً فيصام عنه].
إذا مات وعليه صوم نذر فإن الراجح: أن يصام عنه؛ لأن النذر واجب بالشرع وليس بالشرط.
قال: [وكذلك كل نذر طاعة؛ لما روى البخاري عن ابن عباس: (قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأقضيه عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم.
قال: فصومي عن أمك) رواه البخاري].
وهذا الحديث حجة عند الجمهور للقياس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب للمرأة مثلاً بالقياس فقال: (أرأيت لو كان على أمك دين) فأراد لها أن تقيس حق الله على حق الآدمي، فدين الله أحق بالقضاء، فهو يقرب لها المعنى عن طريق القياس، وهذا الحديث حجة من حجج الجمهور خلافاً لأهل الظاهر الذين قالوا: لا قياس.
قال رجل من أهل السنة لرجل من أهل الظاهر: رب العالمين يقول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7 - 8] فما تقول فيمن يعمل نصف مثقال ذرة؟ فهو يريد من الظاهري أن يعمل عقله في القياس، فإنه من يعمل نصف ذرة يجد نصف ذرة، ومن يعمل ذرة يجد ذرة، فقال الظاهري: أبلع ريقي حتى أجيب، قال: أبلعتك دجلة، قال: أمهلني ساعة، قال: أمهلتك إلى قيام الساعة، لن تستطيع الإجابة إلا بالقياس، فالذين أنكروا القياس في الحقيقة هم يتخبّطون؛ لأن الله قال: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء:23] فالله نهانا أن نقول لآبائنا: أف، وهذا يسمى قياس الأولى.
والمعنى: أنه إذا نهاك عن الأف فمن باب أولى ينهاك عن الأعلى، فلا يُعقل أن يقول قائل: أنا لن أقول لأبي: أف إنما سأضربه؛ لأن الله نهاني عن الأف ولم ينهني عن الضرب، نقول: عقلك فيه خلل؛ لأن الله حينما ينهاك عن الأدنى فمن باب أولى ينهاك عن الأعلى، وهذا يسمى قياس الأولى، فالقياس حجة بدون أدنى شك.
(35/7)
________________________________________
الأسئلة
(35/8)
________________________________________
حكم من ترك الصلوات عدة سنوات

السؤال
يوجد عدة صلوات في سنين ولم أصلها، والحمد لله بعد أن صليت أردت أن أقضي الصلوات التي لم أصلها، أرجو إفادتي في كيفية القضاء؟

الجواب
الراجح من أقوال العلماء أنه ليس عليك قضاء، وإنما عليك أن تكثر من صلاة النوافل.
(35/9)
________________________________________
كيفية صلاة النافلة

السؤال
هل تجوز النافلة أربع ركعات بتشهدين؟

الجواب
لا، النافلة لا بد أن تختلف عن الفريضة، فإن صليتها، فصلها مثنى مثنى، وإن صليت أربعاً فبتشهد واحد، لا تشبه صلاة الظهر أو العصر أبداً، وإنما بتشهد واحد، والراجح: ما بوبه البخاري في كتاب التهجّد: صلاة التطوع مثنى مثنى، وأتى بأكثر من خمسة أحاديث في هذا الباب.
(35/10)
________________________________________
كيفية صلاة الشفع والوتر

السؤال
نصلي الشفع والوتر بتشهد واحد أحياناً وبتشهدين أحياناً، فهل هذا يجوز؟

الجواب
هذا صحيح من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
(35/11)
________________________________________
حكم جماع الحبلى

السؤال
هل في جماع الحبلى من نهي؟

الجواب
لا أعلم نهياً عن جماعها.
(35/12)
________________________________________
حكم المعاملة مع البنوك وأخذ الرواتب منها

السؤال
ما حكم المعاملة مع البنوك في جميع المعاملات وأخذ الرواتب منها؟

الجواب
إن كان معاشك تقبضه من البنك فلا حرج؛ لأن البنك الآن وسيلة للقبض، أما أن تضع في البنك أموالاً لتدعم موقفه فلا يجوز إلا إذا خفت على المال من الضياع، ويجوز أن تضع بدون فائدة، وهذا من اختيار أقل المفاسد، والأولى ألا يضع إن استطاع، لكن إن كان ينتج من عدم الوضع الضياع والهلاك جوّز العلماء الوضع بدون فائدة لحفظ المال لا أكثر.
(35/13)
________________________________________
حكم إطلاق شعر الرأس

السؤال
ما هي سنة إطلاق الشعر وكيفيتها؟

الجواب
إطلاق الشعر من الأمور المباحة.
(35/14)
________________________________________
التحذير من التكفير ومن الانتماء إلى الجماعات

السؤال
قابلت رجلاً من بقايا جماعة التكفير، فكلمني عن علم الشيخ الألباني وفضله، وأنه من المجددين ومدحه، وأخبرني أنه لو عاش بيننا هذا العالم الهمام لتبرأ منا وأبغضنا مما وقعنا نحن فيه من الإرجاء، فأرجو من فضيلتكم قولاً جلياً مبيناً؟

الجواب
جماعة التكفير جماعة عفا عليها الزمن، وهي خوارج العصر، ولا ينبغي أن تناقش هذا أبداً، وفي الحقيقة عندنا شواذ، أحياناً يشذّون ويخرجون بأفكار، ومن ترك لنفسه حرية سب العلماء فكبّروا عليه أربع تكبيرات؛ لأنه سيبتلى بموت القلب؛ لأن هذا هو الثمن لسب العلماء.
هذه الجماعة بمصطلحات لبّسوها على الناس.
قالوا: علم جرح وتعديل، وهو أن تأخذ المحاضرات والندوات وتطبع الورق وتوزّع لسب العلماء، هذا هو الجرح والتعديل! اتق الله في نفسك، في الحقيقة ساءني ما رأيت في منطقة إنبابا من ورقة توزّع أو ورقتين، والله الذي لا إله غيره لم يسلم عالم منها، كل علمائي الذين أجلهم وقعوا فيهم، هذا مخرّف، وهذا مرجئي، وهذا سروري، وهذا اتحادي، وهكذا أخرجوا الجميع ولم يبق إلا هم، نسأل الله العفو والعافية، فيا عبد الله! حتى ولو كان في أخيك خطأ استر وانصح، ولا تهتك وتفضح، ولا تجعل طويلب العلم يتجرأ على العلماء، فهذه مصيبة كبيرة ابتليت بها الأمة، وهي صادرة لنا من المملكة، والغريب أن وراءهم الآن انقلب عليهم ينتقدهم، حتى إن أحد المنتمين إلى جماعة التكفير كفّر أباه وكفّر أمه، وكفّر البلد التي يعيش فيها، ثم في آخر الأمر كفّر نفسه نسأل الله العافية، فيا أخي الفاضل الكريم! انشغل بالعلم، وانشغل بالقرآن، وانشغل بالسنة، ولا تتتبع عورات العلماء، هذا زل في كذا، والشيخ الفلاني شطّف الشيخ العلّاني، وينقل من هنا إلى هنا، ولا ينقل إلا زلات العلماء.
والجماعات التي حازت عن منهج السلف نميّز فكرها ومنهجها، ونبين للناس الجماعات الحزبية الضالة، والتي ليست على منهج السلف، نبيّن عورها تماماً، وما ضاعت الأمة وما تأخرت إلا بسبب هذه الجماعات.
وأقول لأخي المسلم: احذر أن تقع فريسة حتى لا يؤخروك إلى أبد الآبدين، فاتق الله عز وجل.
هل كان أهل السنة يجرّح بعضهم البعض؟ هل حينما يعقد الإمام الشافعي لقاءً مع الإمام أبي حنيفة يقول: الجرح والتعديل في أبي حنيفة؟! من الذي قال هذا يا عبد الله! فاحذر أن تنتمي إلى أي جماعة، فالانتماء للجماعات بدعة عصرية وتفرقة للأمة، وقدح في وحدتها وحزبية بغيضة، فالذين يدعون إلى جماعات يطعنون الأمة دون أن يشعروا وهم خبثاء، ففي معظم المحاضرات لا يحضرون إلا لمشايخهم، ولا يأخذون العلم إلا ممن ينتمي إلى جماعتهم، والذي لا ينتمي إليهم لا يعرفونه وإن كان أعلم الناس، فهؤلاء يا أخي الفاضل العزيز! هم الذين فرّقوا الأمة، ويسمون أنفسهم بالجماعة الأم.
ونحن في الحقيقة لا نريد أن نقع في أحد، وإنما نبيّن الحق، والله تعالى أعلم.
(35/15)
________________________________________
من شيم طالب علم عدم السبب

السؤال
ما رأيك فيمن سب الدكتور محمد السيد طنطاوي؟

الجواب
ليس من شيم طالب العلم السب، وليس المؤمن بالسباب ولا باللعّان، فاتق الله، المؤمن لا يعرف السب، عليك أن تقول: حاد عن الصواب في كذا، وخالف الحق في كذا، ورأيه مرجوح في كذا، هذا هو الأدب، قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83] ولم يقل: وقولوا للمؤمنين، فالمؤمن لا يسب هذا وهذا، ولا يتطاول على هذا.
هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يسب أحداً من المشركين إلا إذا كان للقصاص ولبيان العور، فهل رأيتموه سب دون هذا؟ فإن كان الرأي خطأً نقول: خالف الإجماع في كذا وقال برأي مرجوح، ورأيه لا دليل عليه، ونسأل الله للجميع الهداية، هذا هو الحب، هذا هو الإسلام، أما السب فهو صنعة المفلسين.
ويجوز أن تتكلم في المبتدعة لبيان بدعهم وعورهم، دون أن نتعرض لأسمائهم، تقول: الحق كذا والباطل كذا، ما بال أقوام يفعلون كذا، هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وبعض الناس يوهم نفسه أن هؤلاء من المبتدعة، أي: من الناس من يقول: الشيخ أبو إسحاق مبتدع، فهذا الكلام مصيبة كبيرة، هل أهل السنة مبتدعة؟! يا عبد الله! هل راجعت الشيخ فيما قال؟ هل قلت له: أنت قلت كذا فماذا تقصد، أم أنك تأخذ ظاهر اللفظ وتبني عليه أحكاماً؟ إن كنت تحب الشيخ فراجعه في قوله وإن كان أخطأ، والعالم إن لم يصحح خطأه عند الملأ فلا يجوز له أن يجلس بين الناس؛ لأنه لا بد أن يصحح خطأه إن أخطأ، وهو أولى الناس بالتصحيح، فالأولى إذا رأيت خطأً أن تتصل به وتقول له: أخطأت في كذا والصواب كذا، ثم يأتي هو ويقول لمن يحضر دروسه: أنا أخطأت في كذا والصواب كذا، بدلاً من أن تقوم أنت على المنبر وتقول: أخطأ في كذا وتقيم الدنيا وتشهّر به، فيا عبد الله! هذا هو دأب السلف على الإطلاق، ونحن مع بيان عور المبتدعة لا شك في هذا.
كذلك الشيخ عمرو خالد وقع في مخالفات لا حصر لها، وعلى ذلك نحن نبيّن فقط ولا نذكر اسمه، لكن عندما نقول: عمرو خالد أخطأ في كذا وكذا فإنهم سيقولون: عندكم غيرة منه؛ لأنه مشهور، كذلك من يقول: أنا أجل عادل إمام وأحترمه!! فإن هذا الكلام لا يقبل، فعندما نبيّن أنه خلل لا بأس مطلقاً.
(35/16)
________________________________________
حكم حضور المرأة الحائض دروس العلم في المسجد

السؤال
هل يجوز للمرأة الحائض أن تذهب لسماع درس العلم في المسجد؟

الجواب
لا يجوز.
(35/17)
________________________________________
حكم صيام الصبي شهر رمضان إذا أطاق صيامه

السؤال
ما حكم صيام الغلام شهر رمضان إذا أطاق صيامه؟

الجواب
يعوّد على الصيام ويؤمر به.
(35/18)
________________________________________
حكم العمل مع شخص يسب الدين

السؤال
هل يجوز العمل مع شخص يسب الدين دائماً في الغضب؟

الجواب
يسب الدين وتعمل معه؟! يسب الدين دائماً؟ يا عبد الله! اتق الله في نفسك، فالنظر إلى وجهه معصية، فهو إقرار منك بما يصنع، فاتق الله، وانصحه، وإن لم ينته فاترك العمل معه.
(35/19)
________________________________________
حكم من مات وعليه دين وله أولاد لا يستطيعون قضاءه

السؤال
رجل مات وعليه دين لزوج ابنته، وله أولاد ولكنهم لا يستطيعون الآن السداد، هل يجوز لزوج ابنة الرجل إن أعطاه أحد من الناس المخرجين أموال الزكاة أن يأخذ هذا الرجل هذه النقود مقابل أن يبرئ الذمة؟

الجواب
إسقاط الدين من الزكاة لا يجوز، ويجب على الأولاد أن يقضوا دين أبيهم.
(35/20)
________________________________________
حكم من لديها مال يكفي لحجها أو لزواج أحد من أولادها

السؤال
امرأة لديها جزء من المال يكفي لحجها أو زواج أحد أولادها الذكور الثلاثة، تعدى أحدهم سن الثلاثين وهي: تخاف عليهم من الفتنة، فهل تحج أم تزوج ولدها؟

الجواب
تحج ثم تحج، ولقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية بقصيدة في فتاوى على هذا

السؤال
هل يجوز الزواج أم الحج؟ قال: الحج على الفور ركن من أركان الإسلام، وتابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر كما تنفي النار خبث الحديد.
وأنت حينما تطوفين بالبيت قولي: اللهم ارزقني مالاً أزوج به أبنائي، وتعودين إن شاء الله وقد يسّر الله له، ومن الناس من عندهم السيارات الفارهة والأموال الطائلة، ويؤجلون الحج بحجة أن الحج على التراخي، يركب سيارة بمائتين وخمسين ألف جنيه ويقول: أنا لا أستطيع أن أحج، نسأل الله العافية، فلذلك إن نظرت إلى البعثة المصرية في الحج فإنك تجد أعمارها فوق الثمانين والتسعين في ختام الحياة.
(35/21)
________________________________________
حكم استعمال الصائم معطراً لفمه

السؤال
هل نكهة السواك تبطل الصيام؟

الجواب
لا يجوز استعمال معطر للفم في الصيام، يكره الاستعمال.
(35/22)
________________________________________
حكم إقامة حلقة جماعية للجهر بالذكر

السؤال
رأيت بعض أفراد جماعة التبليغ في بلدة الشروق في حلقة ذكر جماعي جهراً، يقودهم رجل منهم وهم يرددون خلفه، ويقول أحدهم: إن هذا ورد في السنة الشريفة.
فما الصحيح؟

الجواب
الصحيح: أن هذا ورد للتعليم فقط، وليس للمداومة عليه، فليس من السنة الذكر الجماعي، فانصحهم وهم يقبلون النصح إن شاء الله تعالى، فإن قبلوا فالحمد لله، وإن لم يقبلوا قل: اللهم بلغت، اللهم فاشهد.
الذكر الجماعي للتعليم فقط، فإن كان الجميع يعرف ذلك فإنه لا يجوز أن تعقد مجالس الذكر الجماعي.
(35/23)
________________________________________
حكم التثويب في أذان الفجر

السؤال
هل: (الصلاة خير من النوم) تقال في الأذان الأول أم الثاني؟

الجواب
فيه خلاف بين أهل العلم، فالسعودية يقولونها في الأذان الثاني، لكن الراجح: تحقيق أخينا مجدي عرفات أنها تقال في الأذان الأول، وله كتاب يحمل هذا العنوان: (التثويب في الفجر وموضعه).
عموماً لن نختلف بالتثويب بقدر إقامة السنة.
(35/24)
________________________________________
أفضلية تجهيز الموظف نفسه للاعتكاف في رمضان

السؤال
أنا أعمل مع رجل يقول: العمل أولى من الاعتكاف في رمضان في العشر الأواخر، والعمل عبادة، ويقول: أنا لا أُحاسب على الاعتكاف والأولى العمل؟

الجواب
في الحقيقة نحن نواجه انقلاباً في الأمور، فأنت قد تذهب إلى طبيب في عيادته فتجده قد ذهب إلى الإسكندرية ليقضي فصل الصيف فيها، وإذا سأل أحد عنه يقال: الطبيب يصيف، وإن شاء الله سيأتي بالسلامة، وإذا اعتكف الطبيب في العشر الأواخر من رمضان قالوا: العمل عبادة فلماذا يعتكف؟ ففي المصيف يأتي بالسلامة، وفي الاعتكاف نقد لاذع، وهذا هو وضعنا الآن، عندنا انقلاب في التقييم، فيا عبد الله! العمل عبادة، لكن الاعتكاف هي عشرة أيام فقط في السنة، واعتكف النبي صلى الله عليه وسلم، واعتكفت أزواجه من بعده، فهذه كلمة حق يراد بها باطل.
نكتفي بهذا القدر.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع.
(35/25)
________________________________________
العدة شرح العمدة [36]
للصوم مفسدات، كالأكل والشرب عمداً، والقيء عمداً، والاستمناء والإمذاء والجماع، وأما ما صاحبه نسيان أو إكراه أو عدم اختيار فلا يفسد الصوم.
(36/1)
________________________________________
الرد على من ينكر سنية الحجامة في الشرع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: لا زالت الحملة المسعورة الجاهلية السفيهة تواصل كتاباتها ضد الحجامة، فكتب جاهلهم يقول: الحجامة عملية نصب ليس إلا.
وكتب سفيه آخر يقول: إن شرائط فلان من المشايخ في الحجامة تنافس فلاناً وفلانة، ونسأل مفتي مصر: لماذا يسكت عن هذه الفتاوى التي تخلط الدين بالطب، وتصدر عما يسمى بدار الفتوى بوزارة العدل؟ الحقيقة إن هؤلاء يروجون لأنفسهم، والأخ الفاضل الذي دفع لي هذه المقالة كان من الممكن أن يطويها وأن يضعها في الحقيبة؛ لأن هؤلاء لا يعرفون من الدين شيئاً، لا يعرفون البخاري ولا مسلماً، فقد جاء في كتاب الطب عند البخاري: (احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم)، (احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم)، وأمر بالتداوي بالحجامة، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والبغوي كل ذلك لا يعرفونه، بل ربما لا يسمعون عن هذه الأسماء أصلاًَ، فلا تشغل نفسك بهؤلاء الصراصير حفظك الله، ولا تضيع أوقاتنا بهؤلاء.
فنحن عندنا الكتاب والسنة نلتزم بهما، فإن الإمام البخاري في كتاب الطب بوب على الحجامة خمسة أبواب، وأخرج لها الأحاديث، وصاحب الأرياف أفقه من هذا الجاهل، فأصحاب الأرياف يعرفون أن صحيح البخاري كتاب تلقته الأمة بالقبول، حتى الفلاح الذي يحرث في الأرض يعلم أن البخاري له قبول عند علماء الأمة، وهذا الجاهل يقع في البخاري ولا يعرفه.
الحجامة ثبتت في الشرع ولا ينكرها إلا جاهل أو سفيه، فهو يريد أن يروج لصحيفته فلا تقع فريسة له، فهو يطعن في ثوابت الدين ويكون مسروراً حين نشغل أنفسنا به.
أذكر أن أخاً فاضلاً دفع لي مقالاً في الأهرام للدكتور مصطفى محمود وهو مقال طيب بعنوان: عاصمة الكراهية إسرائيل، نقل فيه خطاب الرئيس الأميركي من على شبكة الإنترنت وخطاب المترجم.
قال: لن نستريح حتى نحقق الهدف من سياستنا، وهو عدم وجود مسلم يحمل اللحية في وجهه، أو امرأة تلبس البرقع أو النقاب على وجهها، إذاً: هي حملة مسعورة واضحة المعاني، وهذا هو هدفهم، ولكن: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]، والحمد لله تزداد الأعداد يوماً بعد يوم والذين كانوا في جحيم المعصية سرعان ما تحولوا إلى الطاعة، فهؤلاء إذا رأوا مسلماً ملتزماً بلحية أو منتقبة بنقاب أخذت قلوبهم تغلي؛ لأن في قلوبهم مرضاً فزادهم الله مرضاً، ونسأل الله سبحانه أن ينصر دينه بنا أو بغيرنا.
(36/2)
________________________________________
باب ما يفسد الصوم
[باب: ما يفسد الصوم].
يقولون: الفساد والبطلان، فهل هناك فرق بين الفاسد والباطل عند العلماء؟

الجواب
نعم.
عند جمهورهم: الفاسد هو الباطل، فنقول: الصيام فاسد والصيام باطل ولا فرق، لكن الأحناف فرقوا بين الفاسد والباطل، والفرق بين الفاسد والباطل عند الأحناف: أن الفاسد ما لم يشرع بأصله، بمعنى: هو المحرم لذاته، فبيع لحم الخنزير فاسد؛ لأنه حرام بذاته، فعندهم إذا ثبت تحريم شيء بأصله فهو فاسد، والباطل: ما ثبتت حرمته لوصفه كالبيع عند نداء الجمعة، فإن أصل البيع مشروع، لكن ظهر عليه وصف وهو البيع عند نداء الجمعة، وهو وصف حوله من الحل إلى الحرام، فلو عقد رجل عقداً عند نداء الجمعة، كأن يكون باع سيارة منك عند نداء الجمعة، فعقد البيع باطل عند الأحناف؛ لأن البيع عندهم أصله مشروع.
وعموماً فلا فرق بين الفاسد والباطل عند جمهور العلماء.
(36/3)
________________________________________
الأكل والشرب عمداً في نهار رمضان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [من أكل أو شرب أو استعط أو أوصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس أو أمذى أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد].
فمفطرات الصائم أولاً: الأكل والشرب عمداً؛ لأن الله يقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة:187]، فمن أكل أو شرب متعمداً فقد بطل صومه، أو فسد صومه.
كلاهما صحيح، والمرجع هنا إلى الإرادة، فقد يقول قائل: أنا أسير في الطريق، فدخلت في فمي بعوضة رغم إرادتي فابتلعتها فما حكم الصيام؟

الجواب
صيامك صحيح؛ لأنك لم تتعمد، وقد يقول قائل: تمضمضت لصلاة الظهر، فدخلت إلى جوفي قطرة ماء رغم إرادتي، فما حكم الصيام؟

الجواب
المرجع إلى الإرادة، فإن أخطأت فلا شيء عليك، ومعنى: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ)): بيان النهار من سواد الليل.
قال: [فإذا أكل أو شرب مختاراً ذاكراً لصومه أبطله؛ لأنه فعل ما ينافي الصوم بغير عذر، سواء كان غذاء أو غير غذاء كالحصاة والنواة؛ لأنه أكل] فأي طعام أو شراب يدخل إلى جوفه تعمداً يفسد به الصوم.
(36/4)
________________________________________
المبالغة في المضمضة والاستنشاق
قال المؤلف رحمه الله: [إن استعط فسد صومه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يصل إلى خياشيمه].
فالمفروض أن يبالغ في المضمضمة والاستنشاق إلا أن يكون صائماً، والمبالغة معناها: أن يمج الماء في فمه، وأن يغرغره في حلقه، أما في رمضان فإنه يتمضمض دون أن يبالغ.
ثالثاً: قال: [وإن أوصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان، مثل إن احتقن أو داوى جائفاً أو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه، أو وصل إلى دماغه شيئاً مثل إن قطر في أذنيه].
يعني: من المنافذ المعتادة، فما يصل إلى الجوف يفطر الصائم، وهذا القول عليه ملاحظات عند بعض العلماء؛ لأنه لا يريده غذاءً، والقطرة المعتادة لا تفطر الصائم، سواء كانت في العين أو في الأنف أو في الأذن، لكن الأحوط: أن تترك القطرة في صيام رمضان إلا قطرة العين، فإنها لا تصل إلى الجوف.
يطرأ سؤال في كل سنة: بخاخة الوزير هل تفطر الصائم أم لا؟ وبخاخة الوزير: هي التي توسع الشعب الهوائية، فلا هي طعام ولا في معنى الغذاء؛ لذلك يجوز أن تستخدم، وعلى الراجح من أقوال العلماء: أنها لا تبطل الصيام.
(36/5)
________________________________________
الاستقاء عمداً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن استقاء عمداً فعليه القضاء].
يعني: أدخل يده في فمه واستقاء عمداً.
قال: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامداً؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض) حديث حسن].
إذاً: الاستقاء يبطل الصيام، والقيء رغم الإرادة ليس عليه شيء، وقوله: (من ذرعه)، يعني: غلبه القيء، ومن استقاء عليه القضاء؛ لأنه إذا استقاء متعمداً بطل الصوم.
(36/6)
________________________________________
الاستمناء والتقبيل واللمس والإمذاء والجماع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن استمنى بيده فأنزل أفطر]، يعني: نكح يده فأمنى بطل الصوم؛ [لأنه أنزل عن مباشرة أشبه القبلة].
وعليه توبة واستغفار وندم وإقلاع وعدم العودة إلى هذه المعصية لارتكابه حرمة مغلظة كبيرة في نهار رمضان، وعليه أن يمسك بقية اليوم لحرمة رمضان، ويقضي يوماً بدلاً عن هذا اليوم.
قال: [ولو قبل أو لمس أو أمذى فسد صومه لذلك، أما إذا أمنى] المني معروف ينزل من الرجل لإثارة الجنس، قال تعالى: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق:6]، والمني يصاحبه شهوة الفرج وقشعريرة في الجسد، أما المذي فليس منه إلا أن يغسل المذاكير؛ لحديث علي بن أبي طالب والحديث عند البخاري في كتاب العلم: باب: لا يتعلم العلم مستكبر ولا مستح، قال علي رضي الله عنه: (كنت رجلاً مذاء)، يعني: كثير المذي، والمذي: هو السائل الذي ينزل من الرجل نتيجة التكثير في الجماع أو أي إثارة، لكن لا يصاحبه شهوة لا في الفرج ولا في الجسد.
قال: (فأمرت المقداد بن الأسود يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمنزلة فاطمة)؛ يعني: لأنه زوج ابنته، فلا أسأله عن هذا الأمر المحرج، فكلف المقداد، ولذلك بوب البخاري باباً يقول: من استحيا أن يسأل يكلف غيره وهو يسمع، لا يمنعه الحياء من التعلم بنفسه أو بغيره.
قال: (فقال المقداد: يا رسول الله! ما حكم المذي؟ قال: يكفيك منه الوضوء وأن تغسل مذاكيرك)، إذاً: تغسل المذاكير وليس منه الغسل.
فإن قيل: هل المذي يفسد الصوم؟

الجواب
هذه مسألة خلافية.
قال الحنابلة: يفسد الصوم.
يقول: [ولو قبل] يقبل الزوجة لا أنه يقبل الصديقة؛ لأن هناك تقبيلاً لصديقة، وتبادل الزوجات في زمن الحضارة، هذا يعطي زوجته لهذا وهذا يعطي زوجته لهذا كتبادل النعاج.
أقول: لا ينبغي للرجل أن يقبل الزوجة في نهار رمضان إلا أن يكون مالكاً لإربه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة، والنبي صلى الله عليه وسلم أملكنا لإربه، فهل أنت مثل النبي عليه الصلاة والسلام؟ إذاً: من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فكن بعيداً واحترم نفسك في نهار رمضان، والعجيب أن الرجل في غير رمضان لا يقبل زوجته أبداً، أما في رمضان فالشيطان يزين له تقبيلها.
قال: [ولو قبل أو لمس]، الملامسة غير الجماع.
[أو أمذى]، الحنابلة يرون أن الإمذاء يفسد الصوم.
قال: [فسد صومه لذلك، أما إذا أمنى فإنه يفطر بغير خلاف علمناه].
المني يفطر لكن في اليقظة وليس في النوم، كأن نام في ظهيرة رمضان فاحتلم، يعني: رأى في نومه ما يدعو لنزول المني فاستيقظ في نهار رمضان فوجد المني، فصيامه صحيح ولا شيء عليه؛ لأنه في حال النوم وليس في حال اليقظة.
رأي الحنابلة: أنه إذا قبل فاشتهى فأنزل بطل صومه، فالحنابلة رأيهم أن المني وحده لا يفسد الصوم، وإنما مع التقبيل، ودليلهم: (يترك طعامه وشرابه وشهوته لأجلي)، فإذا قبل اشتهى، وإذا اشتهى أمذى، فعندهم وعند ابن تيمية أيضاً هذا الرأي، لكن قول الجمهور بأنه لا يفسد الصوم إلا المني، وما دون ذلك لا يفسد، فالحنابلة ومعهم ابن باز وابن تيمية من قبله رحمهم الله يرون أن المذي يفسد الصيام؛ لأنه يتنافى مع خلق الصائم، ويترتب عليه شهوة، لكن الراجح: أن المني يبطل الصوم.
لا شك في هذا.
قال: [وإن أمذى أفطر عند إمامنا].
يقصد الإمام أحمد.
الشيخ: قال: [لأنه خارج تخلله الشهوة، فإذا انضم إلى المباشرة أفطر كالمني].
يعني: عند الحنابلة وعند الإمام أحمد: أن المذي إذا خرج يتخلله شهوة فإن الشهوة تنافي الصوم، لذلك يفطر.
قال: [وإن لم ينزل لم يفسد الصوم] يعني: قبل أو لامس أو نظر دون إنزال لمني أو مذي فلا شيء عليه.
قال: [لما روى ابن عمر: (قلت: يا رسول الله! صنعت أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم.
قال: أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم.
قلت: لا بأس.
قال: فمه) رواه أبو داود].
يعني: قبلتك كمضمضتك، فالمضمضمة مقدمة الشرب، والقبلة مقدمة الجماع، فطالما تتمضمض دون مبالغة فلا شيء عليك، والتقبيل دون شهوة لا شيء فيه، وكأنه يقبل صديقه، فإذا مس أو إذا قبل أو لمس أو نظر دون أن ينزل فليس عليه شيء، كذلك النظر إلى الحرام في رمضان لا يبطل الصوم، لكنه ينقص الأجر.
(36/7)
________________________________________
الحجامة عمداً
قال المؤلف رحمه الله: [وإن حجم أو احتجم عامداً].
كل هذا مع العمد، أما النسيان فلا شيء عليه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
قال: [إن حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد صومه].
فإن قيل: هناك حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، وهناك حديث آخر يقول: (أفطر الحاجم والمحجوم)، فكيف يمكن الجمع بينهما؟

الجواب
المسألة خلافية، من العلماء من قال: إن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) ناسخ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم: (احتجم وهو صائم)؛ لأنه احتجم أول الأمر ثم أوحي إليه أن الحجامة تفطر، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم)، فقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) ناسخ لفعله قبل ذلك، وهذا رأي الحنابلة، فهم يرون أن الحجامة تفطر الصائم، ومنهم من جمع بين النصين فقال: إذا ترتب على الحجامة دخول الدم إلى فم الحجام الذي يمص مباشرة لا عن طريق أداة يفطر الحجام، وكذلك المحجوم يترتب على خروج الدم من جسده إرهاق وتعب فيفطر أيضاً.
وعند الحنابلة أن الحاجم والمحجوم يفطران، إذ إن الدليل القولي يقدم على الدليل الفعلي، هذا كلام الأصوليين، فحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) قول، وحديث: (احتجم وهو صائم)، فعل، فالقول يقدم على الفعل عند الأصوليين؛ لأنه ربما فعل ذلك لمرض، والمرض يجوز له أن يفطر، ففعله جاء لأمر.
ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس وقد بدا جزء من فخذه، فدخل عمر ودخل الصديق وهو على حاله، ولما دخل عثمان جذب القميص على فخذه، فهذا فعل، وحديث: (غط فخذك فإن الفخذ عورة) قول.
إذاً: القول يقدم على الفعل؛ لأنه ربما جلس لعلة كانت في قدمه أو لأمر طارئ.
ومن العلماء من يقول: إن الحجامة العملية متأخرة عن قوله، والمسألة فيها خلاف.
قال: [(أفطر الحاجم والمحجوم) رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفساً، قال أحمد: حديث ثوبان وشداد صحيحان].
وحد التواتر عند العلماء مختلف فيه، فمنهم من قال: ما زاد عن أربعة رواة اعتبروه متواتراً.
(36/8)
________________________________________
النسيان والإكراه وعدم الاختيار لا يفسد الصوم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن فعل شيئاً من هذا ناسياً لم يفسد صومه؛ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، وفي لفظ: (فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله) فنص على الأكل والشرب وقسنا عليه سائر ما ذكرنا].
والمعنى: أن يكون ذاكراً، وأن يكون مريداً، وألا يكون مخطئاً في التقدير، هذه الأمور لابد أن يفعلها المكلف بقصد؛ لأن العبرة بالقصد والإرادة.
قال: [وإن فعله مكرهاً].
يعني: رجل فتح فمه وصب فيه الماء وهو مكره، ما حكم صيامه؟ صحيح؛ لأنه أكره على الفعل، والمكره لا يؤاخذ بفعله، وهذا الإكراه هو الذي عرض الإمام مالك للجلد، وذلك لما جلس يدرس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قام شخص يسأله، فقال: يا إمام! ما تقول في طلاق المكره؟ فقال: طلاق المكره لا يقع، فأرسل إليه ولي الأمر وقال: يا مالك! أنت تعرف أن الناس بايعوني بالإكراه، إذاً: بيعة المكره لا تقع، وكأن السائل يقصد البيعة، لكنه عرض بالطلاق، فيا مالك! عد إلى مجلسك وقل: طلاق المكره يقع، فقال مالك لولي الأمر: إن زلة العالِم زلة عالَم، فأمر به ولي الأمر فجلد حتى شلت يداه.
فانظر إلى العلماء الربانيين! انظر إلى الحال، نسأل الله أن يثبتنا على الحق.
وفتنة الإمام أحمد كانت في قضية خلق القرآن، حتى إنهم جلدوه جلداً، وسن له المأمون سيفاً حاداً أعده لقتله، فقابله أحد الناس في الطريق.
قال: يا أحمد! احذر أن تقولها فالناس تنظر إليك، فزلتك يا أحمد! اليوم يزل بها الكثير، وأخبرك أن المأمون قد حد لك سيفاً، وقد استعد لضرب عنقك به، فرفع أحمد يده إلى السماء قائلاً: اللهم لا تجمع بيني وبين المأمون في الدنيا بعد اليوم، فجاء الصارخ يقول: أبشر فإن المأمون قد مات.
الله أكبر! هؤلاء هم العلماء الربانيون الذين لا يبيعون دينهم بدنيا غيرهم، لكن هناك من يبيع دينه بدنيا غيره.
فإن قيل: وإن أكره على الزنا أو قتل النفس؟

الجواب
عند الأصوليين أن الإكراه في القول وليس في الفعل؛ لأن عماراً أكره في القول، فلو أكرهت على أن تسجد لغير الله فلا تسجد ومت شهيداً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخل رجل النار في ذبابة ودخل رجل الجنة في ذبابة، مرا على صنم فقال الذين يعبدون الصنم: قربا إليه شيئاً، فقرب أحدهما ذبابة وأبى الآخر أن يقرب شيئاً، فقتل الأول فدخل النار، وقتل الثاني فكان شهيداً)، فهذا يبين أن الإكراه في الفعل لا يجوز.
قال: [وإن فعله مكرهاً لم يفطر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء).
وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار لم يفسد صومه؛ لأنه لا يمكن التحرز منه] ما لا يمكن التحرز منه كالريق الذي يبلغه وكالتراب في الطريق العام إلى غير ذلك، فهذا كله لا يمكن التحرز منه فلا يفطر.
قال: [وإن تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء لم يبطل صومه؛ لأنه وصل بغير اختياره].
وهذا شخص سأل: كنت قاصراً وأمي وضعت المال في الحسب، وبعد أن مات أبي كان لي نصيب في الميراث بأمر النيابة الحسبية، فوضع المال في البنك، وربحت منه فوائد، فهل آخذ هذه الفوائد؟

الجواب
خذها وانتفع بها؛ لأنه لا اختيار له، إذا كان قاصراً لم يضع المال بإرادته.
قال: [وإن فكر فأنزل لم يفسد صومه؛ لأنه يخرج من غير اختياره وإن قطر في إحليله شيئاً لم يفسد صومه؛ لأن ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف ولا منفذ بينهما].
أي: أن المثانة لا ترتبط بالجوف.
قال: [وإن احتلم لم يفسد صومه؛ لأنه يخرج من غير اختياره، وإن ذرعه القيء لم يفسد؛ لحديث أبي هريرة السابق، ومن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً فعليه القضاء؛ لما روي عن حنظلة قال: كنا بالمدينة في رمضان، فأفطر بعض الناس، ثم طلعت الشمس، فقال عمر: من أفطر فليقض يوماً مكانه].
والمعنى: أنه لو أفطر قبل غروب الشمس خاطئاً فعليه القضاء، ولو أكل بعد طلوع الفجر خاطئاً فليس عليه قضاء؛ لأن الأصل في الليل الفطر، والأصل في النهار الصيام، فينسحب الأصل هنا، وينسحب الأصل هنا، رغم أن هناك اختلافاً.
قال: [ولأنه أكل ذاكراً مختاراً فأفطر، كما لو أكل يظنه من شعبان فبان من رمضان].
(36/9)
________________________________________
حكم من أكل شاكاً في طلوع الفجر ومن أكل شاكاً في غروب الشمس
قال المؤلف رحمه الله: [ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر لم يفسد صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وإن أكل شاكاً في غروب الشمس فعليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار].
والمسألة الثانية فيها خلاف، وقول ابن تيمية في الحالتين: أنه لا قضاء عليه.
عموماً هذا ما يفسد الصوم، ذكرناه كما ذكره المصنف رحمه الله، وهناك مفسدات للصوم أخرى، كالحيض والنفاس، وكمن أخرج بلغماً من فمه ثم بلعه بإرادته، هذا أيضاً يدخل إلى الجوف على سبيل التغذية فلا يجوز.
(36/10)
________________________________________
الأسئلة
(36/11)
________________________________________
الفرق بين المكره والمضطر

السؤال
ما الفرق بين المكره والمضطر؟

الجواب
المضطر يختلف عن المكره، فالمضطر كمن يأكل الميتة في الصحراء، فهذا مضطر ولا اختيار له، والله سبحانه يقول: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:173] وهناك فرق بين الاضطرار والرخصة، فالاضطرار يرفع عنه الحكم والإثم، والرخصة تخفيف الحكم مع بقاء الحكم الأصلي.
(36/12)
________________________________________
حكم رجل يؤمن بالأقطاب يقوم بولاية تزويج ابنته

السؤال
أنا فتاة ملتزمة ومنتقبة تقدم لي شاب ملتزم، وتمت الخطبة، ولكن اكتشفت بعد ذلك أن والدي ينتسب إلى الطرق الصوفية ومقتنع بالأقطاب الأربعة، على أنهم مثل الأئمة الأربعة، فأخبرت خطيبي بذلك فرفض أن يكون أبي هو الولي في العقد، وطلب أن يكون عمي هو الولي وعمي شخص ملتزم ولكنه رفض، فما حكم ذلك في الشرع، خاصة أن عمي رفض هذا الفعل من خطيبي؟

الجواب
تخرج الفتاة من هذه المعضلة بأن يوكل الأب أحد أقربائه في إجراء العقد، يعني: الأب يكون موجوداً ويقول لأخيه: زوجه أنت حتى تخرج الفتاة هذه المعضلة.
(36/13)
________________________________________
حكم إعانة طلاب العلم بصدقات مخصصة للمسجد

السؤال
هل يجوز تخصيص جزء من صدقات المسجد لإعانة طلاب العلم، وإذا كان لا يجوز فما هي الشروط الشرعية، مع العلم بأن من سيأخذ النقود ليس له عائد مادي؟

الجواب
أفضل مصرف للزكاة هم طلبة العلم، ولعل الشيخ ابن عثيمين حقق ذلك في رسائله، قال: لأن الحاجة إلى منفعة طالب العلم تشتد في زمن البدعة، فنحن الآن في حاجة إلى طلاب علم أكثر من حاجتنا إلى المساجد، فأفضل صدقة وزكاة لطالب العلم.
(36/14)
________________________________________
الكتب التي تساعد في طلب العلم وتحصيله

السؤال
نرجو أن تدلنا على كتاب جامع في طلب العلم وطرق تحصيله؟

الجواب
من الكتب التي تساعد في طلب العلم وطرق تحصيل العلم: كتاب الدكتور بكر أبو زيد، وهو حلية طالب العلم، هذا الكتاب لابد أن يدرس قبل أي مجلس علم؛ لأن فيه آداباً غابت عن حياتنا، فيه آداب طالب العلم وآداب العالم وآداب المتلقي وآداب طالب العلم مع شيخه، كذلك الأدب مع الكتاب نفسه، فهذا الكتاب لابد من دراسته.
(36/15)
________________________________________
حكم صلاة المرأة النفساء إذا انقطع دمها قبل الأربعين يوماً

السؤال
هل يجوز للمرأة النفساء أن تصلي إذا انقطع الدم قبل الأربعين يوماً؟

الجواب
نعم.
إذا انقطع الدم قبل الأربعين يوماً تصلي، وإن زاد عن الأربعين يوماً فهو دم استحاضة، والدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المرأة إذا زاد دمها عن الأربعين يوماً أن تتوضأ لكل صلاة وأن تعتبر ذلك دم استحاضة.
(36/16)
________________________________________
حكم الوقوف أثناء الأذان وترديده

السؤال
دخلت المسجد أثناء الأذان، فهل أقف حتى ينتهي المؤذن، أم أجلس، وهل يوجد دليل على ذلك؟

الجواب
إن كان في غير الجمعة فقف حتى ينتهي المؤذن؛ لأنك مأمور إذا سمعت المؤذن أن تقول مثلما يقول، ثم صل بعد ذلك؛ لأنه لا تعارض بين الصلاة وبين ترديد الأذان، أما في وقت الجمعة إذا دخلت المسجد والمؤذن يؤذن للجمعة، فإنك إن انتظرت إكمال الأذان، ثم شرعت في صلاة تحية المسجد سيبدأ الخطيب، وسيضيع جزء من الخطبة بسبب إقامة سنة يمكن أن تحصلها قبل ذلك.
قال العلماء: هذا يخضع لباب التزاحم، فأنت إما أن تردد الأذان، وإما أن تصلي تحية المسجد، وإما أن تجلس، وإما أن تستمع الخطبة من أولها، أو تسمع الخطبة بعد أن يفوت جزء منها، فالراجح من أقوال العلماء: أن تصلي في الحال، وأن تجلس لسماع الخطبة من أولها، ولا تضيع سماع الخطبة بسبب إقامة سنة.
(36/17)
________________________________________
عدم سقوط الكفارات بالعجز

السؤال
الكفارات لا تسقط بالعجز، ولكن تؤدى عند الاستطاعة، وفي أثناء الحديث عن الرجل الذي أفطر في رمضان، هل سقطت عنه الكفارة لعجز أم لا؟

الجواب
الكفارات تؤخذ من مال الصدقة، ويعان الإنسان في أدائها، وهي دين في الرقبة متى استطاع أداها، لأنه ثبت أن رجلاً جلس عند النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جاء مال الصدقة فأعطاه وأمره بإطعام أهله، فهو رجل عاجز عن الكفارة، لكنها لم تسقط عنه، بل أجلسه حتى جاء مال الصدقة، ثم أعانه، فلو سقطت عنه الكفارة لقال له: لا شيء عليك لعدم الاستطاعة.
(36/18)
________________________________________
حكم صوم من يشم البخور

السؤال
ما صحة صوم المسلم وهو يشم البخور؟

الجواب
البخور يكره في الصوم؛ لأن له دخاناً يدخل إلى الأنف، وبعضهم قال: يفطر.
فابتعد عنه في رمضان.
(36/19)
________________________________________
حكم استعمال الصائم الروائح الكحولية وقطرة العين لعينه

السؤال
ما حكم استعمال الصائم الروائح الكحولية؟

الجواب
يجوز أن تضع الروائح في رمضان، لكن الأولى الترك.

السؤال
واستعمال قطرة للعين؟

الجواب
يجوز قطرة العين.
(36/20)
________________________________________
حكم استخدام الصائم السواك الطبيعي

السؤال
ما حكم استخدام الصائم السواك الطبيعي بدون نكهة؟

الجواب
طبعاً يجوز السواك في رمضان، ولكن أحذرك من السواك المعطر، والمعجون لا يجوز؛ لأنه ربما ينفذ إلى الحلق، والسواك بعد الزوال وقبل الزوال يجوز: (رأيت النبي ما لا أحصي يتسوك وهو صائم).
(36/21)
________________________________________
حكم العمل في وظيفة مخبر

السؤال
حصلت على شهادة معهد الشئون القانونية وحزت على وظيفة مخبر فما حكم العمل فيها؟

الجواب
يجوز أن تعمل بهذه الوظيفة.
(36/22)
________________________________________
نصيحة لمن هو في الثانوية العامة ويريد طلب العلم الشرعي

السؤال
أنا طالب في الثانوية العامة وأريد طلب العلم الشرعي، ولا أستطيع التفرغ كاملاً، فانصحني بشيء أفعله بجانب دراستي بالثانوية، وأسألك الدعاء؟

الجواب
أولاً: اهتم بما أنت فيه من دراسة، ثم اجعل طلب العلم يوماً في الأسبوع أو ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات على الأكثر، ولا تنقطع عن طلب العلم، ولا تجعل طلب العلم يشغلك عن دراستك، فأنت الآن في واجب ضيق، وهي مرحلة دراسة عدة أشهر، وبعد ذلك عندك المتسع، لكن بعض الإخوة يقدم طلب العلم في أثناء الدراسة على دراسته، فيتأخر في الدراسة، فيقول ولي الأمر: إن السبب في تأخره هو الالتزام؛ لأنه يريد أن يهرب من المذاكرة بحجة طلب العلم.
فنحن لا نمنعك عن طلب العلم، بل اطلب العلم، لكن هناك أيام صيفية كبيرة إن شاء الله في الدراسة، حاول أن تجعل لطلب العلم منها ساعات قليلة، ودراستك في هذه الفترة الوجيزة هي الأولى؛ كي نهنئك إن شاء الله بمجموع كبير تحتل به الصدارة، ونقول للرواد في مسجد العزيز الذين حصلوا على 99%: التزامك يدفعك إلى التفوق، فاتق الله ولا تخلط الأوراق، فإن الواحد منكم قد يقول: هل علم الثانوية سينفعنا في الآخرة؟ أقول: نعم، ينفعك إن كانت نيتك أن تكون مسئولاً حتى تنفع الأمة، كأن تكون طبيباً مسلماً نموذجاً طيباً.
(36/23)
________________________________________
حكم قتل المدنيين اليهود في فلسطين

السؤال
قال أحد العلماء: لا يجوز قتل المدنيين من اليهود في فلسطين، وغيرها من الدول الإسلامية، مع ما يفعله اليهود في المسلمين؟

الجواب
فليقل: هم يقتلون أبناءنا ونحن نقول: نشكركم، فالحربيون في جانب آخر، أقول: إذا قتل العدو أبناءنا المدنيين فإنه يجوز المعاملة بالمثل، وهم: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً} [التوبة:10]، وانظر إلى ما يفعل في أبنائنا ونسائنا وأطفالنا، هل بعد ذلك نقول: لا يجوز قتل المدني اليهودي، ولكن يجوز قتل المحارب؟! بل كلهم في حال حرب الآن.
إذاً: يجوز أن يضرب اليهود كما يفعلون في أبنائنا، والمعاملة تكون بالمثل ويكون ذلك في بلدهم.
(36/24)
________________________________________
حكم الانضمام إلى حزب سياسي

السؤال
هل يجوز أن أكون عضواً في حزب سياسي؟

الجواب
الله المستعان! يقول تعالى: {أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ} [المجادلة:19]، فحزب الله واحد على القرآن والسنة وبفهم السلف الصالح، واحذر من التحزب.
(36/25)
________________________________________
حكم لبس الرجل الدبلة بعد خطبته وحكم تحدثه مع مخطوبته

السؤال
ما حكم لبس الرجل الدبلة بعد أن يخطب المرأة؟ وهل يجوز أن يحدث خطيبته عبر التلفون؟

الجواب
لا يجوز لبس الدبلة؛ لأنها من عادات أهل الكتاب، فقد كانوا يعتقدون أن الدبلة ترتبط بعرق في القلب، باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد! فالدبلة في هذه الأصبع ترتبط بعرق في القلب؛ لأن القلب في الشمال، فإذا خلع الدبلة خلع معها الحب؛ ولذلك حينما تغضب المخطوبة من خطيبها تقول: خذ دبلتك، ومعناه: أنها خلعت الحب.
فإذا كان الإسلام يبيح للرجل أن يتزوج من أربع فأين يضع الدبلة الثانية والثالثة والرابعة؟ فهذا ليس من تقليد المسلمين أبداً.
أما سؤالك عن حكم تحدثك مع المخطوبة في التلفون فالجواب أنه لا يجوز؛ لأن المخطوبة أجنبية عنك تماماً، شأنها كشأن أي امرأة، إلا في وجود محرم لضرورة شرعية فقط لا غير، أما أن يقال لها: اذهبي يا ابنتي مع خطيبك، وشمي هواء في النيل! ولكن لا تتأخرا إلى الساعة الثانية بالليل، فإننا سننام الساعة الثانية عشرة! الله المستعان! فماذا أقول؟!
(36/26)
________________________________________
حكم قراءة مريض بالقولون كتاب الله وهو غير متوضئ

السؤال
أنا مريض بالقولون ولا أحافظ على وضوئي، فهل يجوز لي أن أقرأ في المصحف بدون وضوء؟

الجواب
نعم، يجوز أن تقرأ للضرورة، فأنت من أصحاب الأعذار، أسأل الله لك الشفاء.
(36/27)
________________________________________
حكم صوم المرأة الحامل

السؤال
ما حكم صوم الحامل؟

الجواب
المرأة إن كانت حاملاً فهناك تفصيل بين الفقهاء في صومها، قالوا: إذا خافت على نفسها فلها أن تفطر ولا تقضي، وإذا خافت على ولدها فلها الفطر والقضاء مع الكفارة، والذين قالوا بالكفارة ليس عندهم أدلة تقوي رأيهم.
(36/28)
________________________________________
حكم من تأخر عن الجماعة الأولى وأراد أن يصلي في جماعة ثانية

السؤال
ما قولك في رجل يقول: إنه لا صلاة جماعة بعد الجماعة الأولى، ويستند إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن أحد الصحابة تأخر الحديث وهل هذا مذهب الشيخ الألباني؟

الجواب
نعم.
هذا رأي بعض العلماء المستندين إلى مصنف ابن أبي شيبة: أن أحد الصحابة جاء فوجد الجماعة الأولى قد صلت، فعاد وصلى في بيته، لكن هذا النص يقيده نص آخر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من يتصدق على أخيكم؟)، والفقهاء الأربعة يقولون: إذا كان للمسجد إمام راتب فيجوز إقامة جماعة ثانية بإذن الإمام الراتب.
(36/29)
________________________________________
حكم انقلاب الإمام مأموماً في الصلاة والمأموم إماماً

السؤال
كنت أصلي سنة الظهر القبلية، فأتى رجل فصلى خلفي الظهر، فهل يجوز لي بعد أن أنتهي من صلاتي أن أتخذه إماماً وأصلي خلفه؟

الجواب
الحنابلة والأحناف والمالكية على عدم الجواز، والشافعية أجازوا ذلك، والراجح: أنه يجوز للمتنفل أن يأتم بمفترض، لحديث معاذ بن جبل.
(36/30)
________________________________________
حكم تربية الشعر

السؤال
ما حكم تربية الشعر؟

الجواب
تربية الشعر من الأمور المستحبة، وأحياناً يستحب ترك المستحبات إذا كان فعلها يجر إلى الشهرة، وهذا قول الشيخ ابن عثيمين، فإن كان المجتمع غير مألوف فيه هذا الفعل، فالأولى أن يترك.
والله تعالى أعلم.
(36/31)
________________________________________
حكم من جامع امرأته وهي حائض

السؤال
رجل جامع امرأته وهي حائض، فما عليه من إثم؟

الجواب
هو آثم، والنووي يقول: من استحل جماع زوجته وهي حائض فقد كفر كفراً مخرجاً من الملة؛ لأنه استحل ما حرم الله، فإن اعتقد الحرمة فإن عليه التوبة والاستغفار والتصدق بربع دينار.
والله تعالى أعلم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
(36/32)
________________________________________
العدة شرح العمدة [37]
صيام التطوع من الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى، وقد ندبنا الشارع الحكيم إلى العديد من نوافل الصيام كصوم يوم وإفطار يوم وصوم شهر الله المحرم وصيام التسع من ذي الحجة وست من شوال ويومي عرفة وعاشوراء وأيام البيض من كل شهر والإثنين والخميس وغيرهما.
(37/1)
________________________________________
صيام نبي الله داود
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
لا زلنا مع كتاب الصيام باب صيام التطوع من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب صيام التطوع.
والعلماء يسمون هذا تعريف بالإضافة صيام التطوع.
يقول المصنف رحمه الله: [أفضل الصيام] أي: أفضل صيام التطوع [صيام داود عليه السلام: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً] والحديث في ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يتقرب إليه العبد بالواجبات والفروض، ثم إن شاء زاد وتطوع (وما تقرب إليّ عبدي بأحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) والمعنى: فبي يسمع، أي: أن الله سبحانه وتعالى يُسخّر هذه الجوارح في طاعته، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال:24]، وقال أيضاً: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:24] فإذا أحب الله العبد سخّر الجوارح لطاعته، ولذلك قال: أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
قال رحمه الله: [لأن في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام.
فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك)] كان عبد الله بن عمرو بن العاص من أزهد الصحابة في العبادات، فقد كان يقوم الليل كله ويصوم الدهر كله، حتى قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، ويبدو أنه لم يكن راغباً في الزواج، فلما أدخلوها عليه وهو في عبادته ظل أياماً متوالية لم يقترب من زوجته لأنه كان منشغلاً بعبادته، فلما جاء أبوه يسأل عن حاله بعد أيام، وهو يريد أن يطمئن هل ترك القيام في الليل وتفرّغ في بعض الوقت لزوجته؟ قالت له: نعم الرجل من رجل، لكننا منذ أن وطئنا بيته لم يفتّش لنا كنفاً ولم يقرب لنا فراشاً، فهي لا تزال بكر كما هي، وهذا ما يدل على انشغاله بالعبادة رحمه الله تعالى ورضي الله عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأفضل الصيام صيام نبي الله داود، والبعض يتباهى ويقول: أنا أصوم بفضل الله شهوراً متصلة رجب وشعبان ورمضان، فهذا لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما صام شهراً كاملاً إلا رمضان، أما ما يرد في بعض الأحاديث: (أنه كان يصوم شعبان كله) فالمعنى غالبه، أي: غالب شعبان، (ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك)، وقال: (لا تقدموا رمضان بصيام يوم) وقالت عائشة: (كان يصوم في شعبان حتى نقول: إنه لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: إنه لا يصوم) وهذا لا يتأتى إلا بصيام يوم وإفطار يوم، فأفضل الصيام صيام داود عليه السلام، فلما تقدم العمر بـ عبد الله بن عمرو بن العاص وعجز عن ذلك قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفضل صيام التطوع أن تصوم يوماً وأن تفطر يوماً، لتجمع بين حالتي الشكر والصبر، ففي الصوم صابر، وفي الفطر شاكر، فيدور الحال بين الشكر والصبر.
(37/2)
________________________________________
أفضل الصيام بعد شهر رمضان
قال: [وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم].
هنا إشكال علمي يحتاج إلى أن نجيب عنه وهو: النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في شعبان أكثر من المحرم، مع أنه كان يقول: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، فكيف ذلك؟ وللإجابة على هذا الإشكال قال الإمام النووي في شرح مسلم معلقاً على هذا الإشكال العلمي: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في شعبان يقضي بعض الأيام التي فاتته من النوافل في حال الجهاد والأعذار، فيجمعها في شعبان، فيترتب على ذلك أن شعبان يكون أكثر صياماً من شهر الله المحرم.
كذلك أيضاً فإن صيام شعبان بمثابة نافلة التطوع للإقدام على الفريضة، فحال شعبان مع رمضان كحال سنة الظهر مع الظهر، للاستعداد لدخول الفريضة، فالنافلة سياج وحماية وحفظ للفريضة، لذلك حينما يصاب الإنسان بفتور أو بكسل ولم يكن يصلي النوافل فإن ذلك يجرح في الفريضة، لكن إذا كان يكثر من النوافل فإن الفتور أو الكسل يجرح النافلة ويحافظ على الفريضة، ولذلك كانت النافلة حفاظاً على الفريضة من الجرح، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى).
أي: أن النفس لها إقبال وإدبار، فلا يمكن أن تكون على مرتبة واحدة بحيث أنها في كل يوم تستطيع أن تقرأ عشرة أجزاء، وتقوم ثلث الليل أو أكثر، فهذا لن يكون، لذلك فإن ابن مسعود بكى في مرض موته، وقال: إن مرض الموت جائني في حال الفتور، وكنت أحب أن يأتيني في حال النشاط، فالنفس لها إقبال، فحينما تجد من نفسك نشاطاً فاستغل ذلك النشاط في عبادة الله، وحينما تجد فتوراً فلا يكن بحيث يجرح الفريضة، فإذا وجدت نشاطاً فاقرأ خمسة أجزاء مثلاً فإن كان في اليوم التالي فيه فتور فاقرأ ثلاثة، وإن كان في اليوم الثالث فيه فتور فاقرأ جزأين وهكذا، فإذا وجدت من نفسك نشاطاً فاغتنم فيه طاعة.
يقول: [لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)]، والمحرم من الأشهر الحرم، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة:36] فهي ثلاثة أشهر متوالية ورجب الفرد، أما المتوالية فهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ولا بد أن نعرف هذه الأشهر لأنك تسمع العجب ولا الصيام في رجب.
قال خطيب على المنبر ويؤسفني هذا، وهو يحمل مؤهلاً علمياً: إن رمضان من أشهر الله الحرم، فراجعه طالب علم فقال: شهر رمضان يقع بين شهرين من الأشهر الحرم، فأراد أن يصوّب فأخطأ.
(37/3)
________________________________________
فضل صيام العشر من ذي الحجة
قال رحمه الله: [وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله فيها من عشر ذي الحجة.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)].
والمعنى أن هذه الأيام العشر هي من الأيام التي يُشرع فيها التطوع، والتطوع منه صيام وصلاة، واليوم العاشر من ذي الحجة يحرم صيامه؛ لأنه يوم العيد فيحرم صيامه.
(37/4)
________________________________________
أقسام الصيام
والعلماء قسموا الصيام إلى خمسة أقسام: صيام واجب، وصيام محرم، وصيام مكروه، وصيام مباح، وصيام مندوب فالصيام يدور على الأحكام التكليفية الخمسة، فيكون واجباً مثل صيام رمضان، والنذر وقضاء صيام واجب.
والصيام المندوب هو صيام التطوع كصيام أيام ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وكصيام يوم عرفة، وكصيام ثلاثة أيام من كل شهر عربي، وكصيام يوم وإفطار يوم، وكصيام الإثنين والخميس.
أما الصيام المحرم كصيام العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى فإنه يحرم صيامهما، وصيام أيام التشريق لغير الحاج، وصيام المرأة بغير إذن زوجها، فهل رأيتم امرأة تقول لزوجها: هل تأذن لي في صيام الغد، فإن أذن لها صامت وإن لم يأذن لها لا تصوم؟ فلا يجوز للمرأة أن تصوم صيام التطوع إلا بإذن زوجها.
سئل ابن القيم رحمه الله: أيهما أفضل عند الله سبحانه: ليلة القدر أم يوم عرفة؟ فقال: أفضل أيام الأسبوع الجمعة، وأفضل أيام السنة عرفة، وأفضل ليالي رمضان ليلة القدر، والله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار.
قال رحمه الله: [وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة)، حديث غريب، وروى أبو داود بإسناده عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء).
(37/5)
________________________________________
فضيلة صيام ست من شوال
ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله.
يشير هذا الحديث إلى مشروعية صيام الأيام الست من شوال، وهذا فيه حجة على المالكية القائلين بعدم استحباب صيامها، بزعمهم أن الحديث خبر آحاد يخالف عمل أهل المدينة، وهناك قاعدة أصولية عند المالكية: وهي إذا عارض عمل أهل المدينة خبر الآحاد رُد خبر الآحاد بعمل أهل المدينة، وهذه قاعدة أصولية، وخبر الآحاد هو الذي لا يرقى إلى التواتر، وهو الذي رواه راو أو راويان أو ثلاثة وهو الغريب والعزيز والمشهور، وهذه الثلاثة الأقسام من أقسام الآحاد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) والنص واضح، فـ (من) هنا للتبعيض، أي: من أول شوال أو من وسطه أو من آخره، فلا يشترط التتابع، لكن الأولى والأفضل هو التتابع.
قال رحمه الله: [لما روى أبو أيوب رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) رواه مسلم.
(37/6)
________________________________________
فضيلة صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة
صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، لما روى أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده)].
أي: أن صيام يوم عرفة يكفّر سنة ماضية وسنة قادمة، ومعلوم أن السنة القادمة لم يقع فيها ذنوب، فما معنى تكفير الذنوب في السنة القادمة؟ يقول الحافظ ابن حجر: إذا ارتكب المسلم صغيرة في السنة القادمة تصير مغفورة بسبب صيامه لعرفة، وليس معنى هذا أنه طالما صام عرفة تجرأ على الصغائر، وإنما إذا هفا وضعف في معصية وكان قد صام عرفة فالسنة القادمة تكفر الصغائر التي تقع، والكبائر ليس لها تكفير، إنما لا بد لها من توبة واستغفار وندم وعزم وإقلاع.
ويوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو أفضل أيام السنة كما هو معلوم، ولذلك يباهي الله عز وجل بحجاج بيته الملائكة، فيقول: (أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم)، ويوم عرفة هو يوم تسع ذي الحجة، ومن العجب في زمن الإحن والمحن أن اقترح بعض الناس لحل مشكلة زحام عرفة، فقال: أقترح أن نعدد أيام عرفة، فيكن في شوال يوم عرفة وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، لأن هذه أشهر الحج {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197] شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، ونقسّم الحجاج إلى ثلاثة أقسام: حجاج أفريقيا -مثلاً- يقفون في شوال، وحجاج آسيا في ذي القعدة، وحجاج أوروبا في ذي الحجة، فالعقل يضل حينما يعطي لنفسه حرية الاجتهاد بدون قيد شرعي، والمشكلة الغريبة والعجيبة أنه قد كتب كاتب فقال في ذلك: اقتراح جدير بالدراسة.
وفي تسميته عرفة وردت الآثار التي لا نعرف صحتها أن حواء وآدم حينما أهبطا من الجنة، فإن آدم أُهبط في مكان وحواء أُهبطت في مكان وتعارفا على عرفة فسمي عرفة، وهذا من كلام أهل الكتاب وليس عندنا ما يصدق ولا يكذّب.
قال رحمه الله: [وقال في صيام عاشوراء: (إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)].
وعاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو اليوم الذي نجا الله فيه موسى من الغرق، وأغرق فيه فرعون، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه في أول الأمر، فلما فُرض رمضان أصبح صيام عاشوراء على الندب والتخيير، من شاء صام ومن شاء أفطر، وحينما فرض صيام عاشوراء صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بصيامه، فصامه الصحابة وصوّموا أطفالهم الصغار، وكانوا يصنعون لهم العرائس حتى ينشغلوا بها إلى أن يؤذن، وفي هذا مشروعية تعويد الصبي على الطاعة وعلى العبادة.
وفي يوم عاشوراء ترى العجب العجاب من الروافض الذين يشقون الجيوب ويضربون رؤوسهم بالحجارة، وتسيل منهم الدماء إلى غير ذلك من خرافاتهم، وإني أحذّر فإن الرافضة الآن يكثّفون الجهود لنشر فكرهم الخبيث، فلا بد من تحصينات الشباب من دعاة التقريب أو من يقولون بالتقريب، وأنه لا فرق بين أهل السنة والشيعة فكلنا سواء! وهذا كلام خطير وخبيث، فالشيعة فرق متعددة وكفى أن تعلم أن الفرقة المعتدلة فيهم هي الإثنا عشرية، والتي قالت: بعقيدة البداء، ومعنى البدا هو أن الله بدا له أن يفعل بعد أن كان لا يعلم، وهذا اتهام لله بعدم العلم، وكذا عقيدة الرجعة والتقية، وحدّث ولا حرج عن منهجهم الفاسد وعن خللهم الاعتقادي، وعن طعنهم في أصحاب رسول الله لا سيما أبو بكر وعمر، والسيوطي له كتاب طيب اسمه: إلقام الحجر لمن زكى ساب أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- ويقصد بذلك الشيعة الروافض، وكذلك يسبون الصدّيقة بنت الصديق رضي الله عنها فضلاً عما يحرّفون في القرآن وفي الأحاديث ويطعنون في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلنحذر ونحذّر من هذا أيها الإخوة الكرام.
وأهل الكتاب لهم طعن وتشويش وشبهات، والروافض لهم طعن وتشويش وشبهات، ومن الفرق الضالة ليل نهار الخوارج والأشاعرة ونسأل الله العافية، والاستشراق فضلاً عن العلمانية وما أدراك ما العلمانية، فقد فُتحت لها الأبواب ليل نهار، فهي تهجم على السنة، وعلى القرآن، وعلى الثوابت الشرعية، فهي فتنة، فاثبت على الحق ولو كنت وحدك، وافهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فلا تحيد عن الطريق أبداً، وإياك أن تغتر بكثرة الناس، فإن الكثرة دائماً فيها الضلال، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116] فلا يكن همنا التجميع كبعض الجماعات الضالة، كالحزبية والصوفية والبوذية والشيعية، وكلها في سلة واحدة، والمهم عندهم الكثرة، فلنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه! فإذا اختلفنا في العبادة هل يعذر بعضنا بعضاً؟ أو اختلفنا في الطواف حول القبور هل يعذر بعضنا بعضاً؟ فهذا كلام يحتاج إلى ضابط، فهناك أمور لا يجب أن أعذرك فيها كأمور العقيدة، فمثل
(37/7)
________________________________________
حكم صوم الحاج في يوم عرفة بعرفة
قال رحمه الله: [ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصومه، ليتقوى على الدعاء].
المفروض في الفقيه أن يكون موزوناً في الألفاظ، فقوله: لا يستحب، معنى ذلك أنه لو صام يوم عرفة لا يحرم عليه.
والحجاج لا يصومون ذلك اليوم، حتى يتقووا على العبادة والطاعة حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل يدعو وهو على الدابة فسقط منه خطام الناقة، فأخذه أسامة بن زيد لأنه عرف أن يدي النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعتان عالياً يبتهل إلى الله بالدعاء في يوم عرفة، وهو أفضل يوم طلعت فيه شمس العام، ولذلك يسن للحاج فيه أن يبتهل بالدعاء والذكر والاستغفار والطاعة والبكاء والخشية، والإنابة وغسل الذنوب، وأن ينعزل مع نفسه، فإذا ذهبت إلى عرفة سترى ما لا يمكن أن يصدّق، فيا من قطعت المسافات وكلّفت نفسك آلاف الجنيهات، وعقدوا لك المؤتمرات قبل سفرك سيارة في رحيلك، وسيارات مع عودتك، وأعلام بيضاء وكتابة على الجدران الحاج ذهب الحاج جاء.
نظر ابن عمر إلى الحجيج في زمنه فوجدهم كثر، فقال: الركب كثير والحاج قليل أي: عدد كبير جداً من كل أنحاء الدنيا، لكن من الذي يقبل الله منه؟ هل يقبل من جاهل لا يعرف العقيدة ولا الوضوء ولا يعرف كيف يطوف بالبيت؟! إني أجد أموراً غريبة، فمنذ نحو أسبوعين اتصل بي أحد الإخوة المعتمرين وقال: يا شيخ أنا الآن في المسجد الحرام لا أدري ماذا أفعل بجوار الكعبة، قل لي كيف أطوف وكيف أصنع؟ قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أرأيتم إلى العبء الملقى على أعتاقكم، أن تعلموا الناس الشرع، فهذا الدين مسئولية وأمانة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، وقال أيضاً: (نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فبلغها كما سمعها، فرب مبلّغ أوعى من سامع) وديننا دين البلاغ، وأمتنا أمة الدعوة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة:67] وعندما نكون أمة دعوة لا نخشى على أحد، فلا نخشى على الشباب من الانحراف، فشبابنا اليوم عندهم فراغ فيدخل على شبكة النت وعلى موقع الرافضة، أو موقع التنصير ويسمع الشبهات، وهو لا يملك الحجج، وسلاحنا هو أن نحصّن الشباب الذي سيقع فريسة لمخطط خبيث رصد له بلايين الدولارات لأجل هذا العمل الخبيث، فلنحذر ولنكن على يقظة.
وأطمئنكم أن الإسلام كلما ازدادت عليه المؤامرات علا وارتفع بإذن الله، والذي نفسي بيده لو أن هناك ديناً يتحمل هذه الضربات فليس إلا الإسلام، فكلما ازداد طعناً فيه ازداد رفعة وعلواً؛ لأنه دين الله سبحانه، يحفظه بنا أو بغيرنا، قال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38].
قال رحمه الله: [لما روي عن أم الفضل بنت الحارث: (أن أناساً تماروا بين يديها يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه النبي صلى الله عليه وسلم)].
والصحابة اختلفوا هل هو صائم هذا اليوم أم لا؟ فقطعاً للخلاف أرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فرفع القدح وشرب صلى الله عليه وسلم، متفق عليه.
قال رحمه الله: [وقال ابن عمر: (حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه -يعني: يوم عرفة- ومع أبي بكر رضي الله عنه فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه) أخرجه الترمذي].
عبارة (ولا أنهى عنه) يخرج الحكم من الحرمة إلى الكراهة، فالحكم هو كراهية الصيام في يوم عرفة للحاج، لأنه قال: لا أصمه ولا أنهى عن صيامه، وهذا قول ابن عمر وله حكم الرفع.
قال رحمه الله: [وروى أبو داود (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة)، ولأن الصوم يضعفه ويمنعه الدعاء في هذا اليوم العظيم الذي يستجاب فيه الدعاء]، وهذا ضعيف.
وسيعدد المؤلف صيام التطوع، وفي حديث البخاري الذي أريد أن يكون وصية لنا جميعاً في كتاب التهجد.
(37/8)
________________________________________
فضيلة صيام أيام البيض
قال رحمه الله: [ويستحب صيام الأيام البيض، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) رواه البخاري، وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها ذلك مثل صيام الدهر)].
هذا النص جاء مطلقاً وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (صم ثلاثة أيام)، وجاء القيد في نص آخر، والمطلق يحمل على المقيد.
قال رحمه الله: [ويستحب أن يجعل هذه الثلاثة أيام البيض لما روى أبو ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثالث عشرة، ورابع عشرة، وخامس عشرة) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن].
أي: أنك إذا صمت فصم هذه الأيام، ولو صام أياماً أخرى من الشهر فإنه يجزئه ذلك، لكن يستحب أن تكون أيام البيض فهي على وجه الندب والاستحباب.
وشبابنا في زمن التبرج والاختلاط والقنوات المفتوحة وظهور الفتن لا يحصنه إلا الصيام، ولا سيما أن الصيام من أفضل العبادات عند الله سبحانه.
(37/9)
________________________________________
فضيلة صيام الإثنين والخميس
قال: [ويستحب صيام الإثنين والخميس؛ لما روى أبو داود بإسناده عن أسامة (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم الإثنين والخميس، فسئل عن ذلك؟ فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس)، وفي لفظ: (فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)، وفي رواية حينما سئل عن صيام يوم الإثنين قال: (ذاك يوم ولدت فيه)] صلى الله عليه وسلم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم اليوم الذي ولد فيه، واحتفى بذلك لا كما يحتفي الجهلة بدق الطبول وبرفع الأعلام وبالاختلاط بين النساء والرجال، وببيع الحلوى، وهذا لا يجوز.
(37/10)
________________________________________
التخيير للصائم المتطوع بين الصوم والفطر
قال رحمه الله: [والصائم المتطوع أمير نفسه؛ إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه؛ لأنه مخير فيه قبل الشروع، فكان مخيراً بعده قياساً لما بعد الشروع على ما قبله، ولا يلزمه قضاؤه إذا أفطر لأنه غير واجب، (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل على أهله فيقول: هل عندكم من شيء؟ فإن قالوا: نعم أفطر، وإن قالوا: لا، قال: فإني صائم)]، وذلك قبل الظهيرة.
أي: أنه لم يبيت النية من الليل، وفي هذا جواز صيام التطوع دون تبييت النية بالليل؛ لأنه كان يأتي قبل الظهر، فيسأل أهله: هل عندكم طعام؟ فتقول عائشة: لا، فعدم تبييت النية نص مطلق، وهو قوله: هل عندكم طعام؟ فتقول: لا.
والمتطوع مخير قبل أن يصوم، فبعد أن يصوم هو أيضاً مخير، وليس هناك تطوع ينبغي أن يتمه المتطوع إلا نافلة الحج، ونافلة الصلاة إذا شرع فيهما فلا بد أن يتمهما، وماعدا ذلك فالمتطوع أمير نفسه، والدليل على ذلك حديث سلمان حينما زار أبا الدرداء فوجده صائماً، وأفطر أبو الدرداء في ذلك اليوم، وبوب البخاري على ذلك باباً فقال: يجوز للصائم المتطوع أن يفطر إذا نزل به ضيف، وهذا دون أدنى شك.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه: هل عندكم طعام؟ فقلن: لا، فقال: إني صائم، يدل على خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله.
(37/11)
________________________________________
حكم من شرع في الحج أو العمرة في غير الفريضة
قال رحمه الله: [وكذلك سائر التطوع -أي: المتطوع أمير نفسه- إلا الحج والعمرة، فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما] أي: أنه إذا شرع في الحج والعمرة فلا بد أن يتم حتى وإن كان تطوعاً؛ لأن الله عز وجل قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]، وأما صيام النذر فهو واجب، وشأنه شأن رمضان.
ولو أن رجلاً حج حجاً متطوعاً، فجامع زوجته يوم تسعة من ذي الحجة، فقد فسد الحج؛ لأنه جامع قبل التحلل الأول، فالحج له تحللان: تحلل أصغر وتحلل أكبر، والتحلل الأصغر يكون في يوم النحر، بأن يأتي بفعلين من ثلاثة، وهي: رمي، فطواف، فحلق، فإذا رمى وذبح تحلل، أو طاف وذبح أو رمى وطاف فهنا أتى بفعلين من هذه الثلاثة، وتحلل تحللاً أصغر، ويجوز له كل محظورات الإحرام إلا الجماع، فإن جامع قبل التحلل الأول فسد حجه، ويمضي في حجه، أي: أنه يكمل المناسك ويقضي وجوباً من العام القادم، وإن جامع بعد التحلل الأول فعليه شاة أو بدنة، وإن أكمل الحج فحجه صحيح، إلا إذا جامع قبل الطواف بالبيت فيلزمه أن يذهب إلى التنعيم وأن يحرم ليطوف بالبيت، إلا إذا كان قد حصل الطواف فلا يلزمه أن يذهب إلى التنعيم، وهذا هو القول الراجح من أقوال العلماء.
والفاسد هو الباطل عند جمهور العلماء إلا في الحج والزواج.
ولا فرق بين الفساد والبطلان عند الجمهور خلافاً للأحناف، فقد فرقوا بين الفاسد والباطل كما فرّقوا بين الفرض والواجب، أما الجمهور فلم يفرقوا بين المصطلحين إلا في الحج والزواج، فالحج الفاسد يختلف عن الحج الباطل، والزواج الفاسد يختلف عن الزواج الباطل، فمن زوّج نفسه وهو محرم، فزواجه فاسد لأن المحرم نهي عن أن يزوج نفسه أو أن يزوج غيره، وإن غاب من أركان الزواج ركن كالولي فإن الزواج باطل، فغياب ركن يجعله باطلاً، إنما إن كان هناك نهي أصلي عن الزواج فهو فاسد.
(37/12)
________________________________________
حكم صيام يومي الفطر والأضحى
قال رحمه الله: [(ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يومين: يوم الفطر والأضحى).
لما روى أبو عبيدة مولى ابن أزهر قال: (شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم)] أي: يوم الأضحى.
(37/13)
________________________________________
حكم صيام أيام التشريق
قال رحمه الله: [ونهى عن صوم أيام التشريق].
وأيام التشريق هي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
واليوم العاشر من ذي الحجة هو يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر، واسمه عيد الأضحى، وبعض الناس لا يعرفون ما هي أيام التشريق؟ فهل يتوقع أن أيام التشريق لا يعرفها أحد؟ نعم، ولو سألت الكثير من الناس فلن تجد إلا القليل ممن يعرف أيام التشريق.
قال رحمه الله: [وروى نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل) إلا أنه رخص في صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي].
والذي عليه الدم هو المتمتع والقارن، أما المفرد فليس عليه دم، قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة:196]، فيجوز للمتمتع أو القارن أن يصوم الثلاثة الأيام في الحج في أيام التشريق، إنما النهي لمن لم يكن حاجاً، فإن ترك الحاج واجباً ولم يستطع الفدية فله أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فهذه عشرة كاملة.
قال رحمه الله: [لما روي عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي)، رواه البخاري.
وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر) متفق عليه].
وهذه الأيام والليالي التي ذكرت ينبغي أن نتحراها وأن نعمرها بالطاعات، لاسيما وقد جاءت فيها الوصية من نبينا صلى الله عليه وسلم.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً، ونعوذ بك يا رب من علم لا ينفع.
(37/14)
________________________________________
الأسئلة
(37/15)
________________________________________
حكم وضع الجريدتين على القبر

السؤال
النبي صلى الله عليه وسلم حينما عاد إلى بيته فلم يجد طعاماً فصام، وحينما وضع جريدتين على قبرين، فهل يجوز أن يفعل ذلك؟

الجواب
بالنسبة للصوم فنعم، أما وضع الجريدتين فإنه لم يفعلهما إلا مع هذين القبرين، فعُلم أنها خاصية بهذين القبرين، ولم يعاود الفعل، ثم لم يكن عليها عمل الصحابة ولا التابعين، ولذلك تقرأ: حجية أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، فهناك أفعال تسمى سنة، وأفعال تسمى خصوصية، فلا بد أن تفرّق بين السنة والخصوصية.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونعوذ بك اللهم من علم لا ينفع.
(37/16)
________________________________________
العدة شرح العمدة [38]
الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو لا يجب إلا إن نذر الإنسان على نفسه ذلك، وكما يصح من الرجل فإنه يصح من المرأة، وهو مشروع في كل مسجد جامع، وله شروط وآداب وأحكام ينبغي على للمسلم معرفتها.
(38/1)
________________________________________
تعريف الاعتكاف لغة واصطلاحاً
قال المصنف رحمه الله: [باب الاعتكاف: وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، لأن الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه براً كان أو غيره، قال تعالى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52]].
يعني: إن لزمت شيئاً براً كان أو معصية يسمى اعتكافاً، ولذلك لما سأل إبراهيم قومه: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52]، {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:74]، ولذلك فإن الله تبارك وتعالى أخبرنا أن إبراهيم عليه السلام حينما سألهم ما تعبدون: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء:70]، {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء:71].
والإمام السيوطي ضرب به مثلاً للجواب حينما يكون أطول من السؤال؛ وهذه هي الإجابة المطلوبة، لكنهم أرادوا أن يغيضوا إبراهيم، فلهذا كان الجواب أطول من السؤال.
وكقول الله عز وجل لموسى عليه السلام: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه:17]،
و
الجواب
هي عصاي، لكنه زاد عن ذلك فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:18]، فهذه الإجابة أطول من السؤال.
وأحياناً يكون الجواب أقصر من السؤال، كقول الذين كفروا للنبي صلى الله عليه وسلم: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس:15]، ومضمون السؤال أن يأتي بقرآن غيره أو أن يبدله، فكان

الجواب
{ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس:15]، فأجاب عن التبديل فقط، فكان الجواب أقصر من السؤال؛ لأنه إن كان عاجزاً عن التبديل فمن باب أولى أن يكون عاجزاً عن أن يأتي بغيره.
وأحياناً يختلف الجواب عن السؤال، كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ} [البقرة:189]، أي: فسؤالهم عن شكله، فقال الله له: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة:189]، فالجواب جاء بخلاف السؤال، أي: أنه كان من الأولى أن تسألوا عن علته لا عن شكله، فأحياناً يكون الجواب يختلف عن السؤال لإرشاد نظر السائل لما ينبغي أن يسأل عنه، السؤال في جهة والجواب في جهة، والأولى أن تسأل عن كذا.
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه براً كان أو غيره، لزوم الشيء وحبس النفس عليه يسمى اعتكافاً، هذا التعريف اللغوي، والكلمة قد يكون لها تعريف لغوي وتعريف شرعي يعني: اصطلاحاً، وتعريف بالضد، وتعريف بالثمرة، وتعريف بمثال، هذه أنواع التعاريف، يمكن أن تعرف نقول مثلاً: ما هو الواجب عند علماء أصول الفقه؟ نقول: الواجب ما يثاب فاعله وتاركه متوعد بالعقاب، فهذا تعريف بالثمرة، وقد يكون التعريف بالضد، وقد يكون التعريف بمثال، فالتعريف اللغوي أولاً ثم التعريف الشرعي.
قال: [وهو في الشرع -أي: التعريف الشرعي للاعتكاف- الإقامة في المسجد على صفة نذكرها] الاعتكاف لغة: ملازمة المسجد على صفة مخصوصة.
قال: [وهو سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم عليه، واعتكف معه أزواجه، وهذا معنى السنة].
ومعنى السنة أنه مستحب، ومن الأحكام التكليفية الاستحباب والإباحة والتحريم والكراهية والوجوب، وكل حكم شرعي يدور بين هذه الأحكام.
فحكم الصلاة واجب، وحكم الزنا حرام، وكل مسألة شرعية تأخذ حكماً من الأحكام، وقد تأخذ الأحكام الخمسة كالزواج، فقد يكون واجباً، أو مستحباً، أو مكروهاً، أو محرماً، أو مباحاً، وكل حال له وضع.
وهناك فرق بين المحرم والمكروه، فالمحرم ما نهى عنه الشارع نهياً جازماً، والمكروه ما نهى عنه الشارع نهياً غير جازم، أو نهى عنه وأتى صارف صرفه إلى الكراهة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا آكل وأنا متكئ) فالأكل متكئاً مكروه؛ لأن قوله: لا آكل وأنا متكئ تفيد الحرمة إلا أن هناك فعلاً صرفه إلى الكراهة، وأحياناً يستخدم الفقهاء كالإمام الشافعي لفظ المكروه ويقصد به الحرام، فقوله: أكرهه يعني: أحرمه، فمعرفة المصطلحات مهمة، واستدل على ذلك بقول الله في سورة الإسراء: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء:38]، يعني: الزنا، سماه مكروهاً، فعبر عن الحرام بالمكروه، فانتبه لمثل هذه الفائدة فهي فائدة أصولية ذكرها العلامة ابن القيم في كتابه القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، الذي لا يمكن أن يستغني عنه طالب علم أصولي أبداً بحال.
(38/2)
________________________________________
الأيام التي اعتكف فيها النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان
قال: [وقالت عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)].
يعني: السنة الفعلية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وفي البخاري: (اعتكف العشر الأوائل، فقال له جبريل: إن الذي تطلب أمامك)، أي: ليلة القدر، (فاعتكف العشر الأواسط فقال له: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأواخر صلى الله عليه وسلم)، وفي العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً وواظب على الاعتكاف صلى الله عليه وسلم، واعتكف أزواجه من بعده، وكان يضرب لهن الخيام خلف الرجال؛ لأن الأصل في الاعتكاف أن تنفرد في المسجد بخيمة أو بخباء تنعزل فيه وتترك حتى الأمور المباحة، وتنشغل بالطاعة: الذكر، القرآن، الصلاة، العبادة، حتى قال بعض العلماء: لا شأن للعلم في الاعتكاف، فقد كان السلف يتركون طلب العلم في الاعتكاف، أما نحن الآن فربما نقيم اعتكافاً جماعياً ونجلس الساعات للسمر والكلام، فمقصود الاعتكاف هو تفريغ القلب عن الدنيا للعبادة من تسبيح وذكر وقراءة القرآن وغير ذلك من أنواع العبادة، أما أن يجلس الناس في المسجد مع بعضهم البعض في قال وقيل فهذا لا ينبغي، حتى قال أخ فاضل لي في سنة من السنوات وكنا في حال اعتكاف: أنتم حولتم الاعتكاف إلى اعتلاف، لأنه في كل ساعة وجبة، وبعد الوجبة حلوى وبعد الحلوى عصير، المفروض أن نتعلم التقشف، فنفطر التمر والماء ثم نأكل قليلاً من الطعام، وتخرج عن مألوفك فتنام على الأرض، وتقيم الليل، وتسبح وتستغفر، وتراجع أعمال السنة مع نفسك.
قال: [إلا أن يكون نذراً فيلزم الوفاء به] يعني: رجل نذر أن يعتكف، فيصبح الاعتكاف في حقه واجباً، أي: واجباً بالشرط، لأنه الذي اشترط على نفسه، فالذي ينذر يلزمه أن يوفي بنذره كما اشترط.
(38/3)
________________________________________
حكم من نذر الاعتكاف
قال: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذراً فيجب عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)].
وإذا نذر الرجل معصية لا يجب عليه الوفاء؛ لحديث أبي إسرائيل أنه رآه النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً في حر الشمس فقال: (من هذا؟ قالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل، ولا يقعد، وأن يصوم، -أي: أنه نذر الصيام، والقيام في حر الشمس، وعدم القعود- فقال: مروه فليستظل وليجلس وليتم صومه)، فأقره على نذر الطاعة، ولم يقره على نذر المعصية.
ومن نذر أن يعتكف وجب عليه ذلك، لكن إن نذر أن يعتكف في مسجد معين فله ذلك، وبعض العلماء يقولون: الاعتكاف لا يجوز إلا في المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى، أي: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، وهذا الكلام مردود عليهم بلا أدنى شك بتبويب البخاري في صحيحه: باب الاعتكاف في المساجد؛ لأن الله قال: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187]، أي: طالما أن المسجد تقام فيه جمعة وجماعة فيجوز الاعتكاف فيه بدون أدنى شك.
(38/4)
________________________________________
الفرق بين اعتكاف المرأة والرجل
قال: [ويصح من المرأة في كل مسجد غير مسجد بيتها؛ لأن صلاة الجماعة غير واجبة عليها، فلم يوجد المانع في حقها] أي: الاعتكاف بالنسبة للرجل لا ينبغي أن يكون إلا في مسجد جامع تقام فيه الجمعة والجماعة؛ لأنه إن لم تقم فيه الجمعة والجماعة سيضطر إلى الخروج.
أما مسألة إنشاء الجمع في أكثر من مسجد فهذا من العبث الشرعي، وقد سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي: هل يجوز إقامة الجمعة في مسجد بخلاف المسجد الجامع؟ قال: تبطل الصلاة إن لم يكن هناك ضيق في المسجد، لأنه ما سميت الجمعة إلا لأنها تجمع الناس في مكان، والأولى أن يكون المسجد جامعاً وكلما زاد العدد زادت الفضيلة بدون أدنى شك.
فالمرأة يصح منها الاعتكاف في أي مسجد إلا مسجد بيتها فلا يجوز أن تعتكف فيه، أما اعتكافها في مسجد ليس فيه جمعة ولا جماعة فإنه يصح؛ لأن الجمعة والجماعة ليستا في حقها واجبتين.
قال: [ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة] أي: لا يصح الاعتكاف من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، فلا يجوز له الاعتكاف في مسجد بيته، بل الاعتكاف في مسجد يؤذن فيه إمام راتب وتقام فيه الجمعة والجماعة.
قال: [لقوله سبحانه: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187]؛ ولأنه مسجد بني للصلاة فيه فأشبه المتفق عليه، وإنما اشترط في مسجد تقام فيه الجماعة؛ لأن الجماعة واجبة على الرجل]، أي: صلاة الجماعة تجب على الرجال إلا من عذر، والأعذار في ترك صلاة الجماعة معروفة: مرض، خوف، مطر شديد، سفر، من كان في حضرة الطعام، أو يدافع الأخبثين إلى غير ذلك من الأعذار، أما من يسمع النداء ويصلي في بيته بدون أدنى عذر فقد ترك واجباً.
ومعنى قوله: في حضرة الطعام يعني: أقام المؤذن الصلاة والطعام حاضر بين يديك، وليس المقصود أن تسمع الأذان وتقول: هاتوا لنا الطعام فإنه لا صلاة في حضرة الطعام، فهنا الطعام لم يحضر بعد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع النداء فيأخذ حاجته من الطعام ثم تركه وذهب إلى الصلاة.
المقصود: ألا ينشغل المصلي بالطعام، فإن بعض النساء -حفظهن الله- تعد السفرة قبل أذان المغرب بدقائق فيريد الرجل أن يصلي المغرب جماعة والسفرة مرصوصة بين يديه ثم يذهب إلى المسجد ويدخل في الصلاة وهو يفكر بالطعام، وهذا معناه أنه انشغل بالطعام عن الصلاة، فمن فطن المرأة ومن فقهها وحكمتها ألا تضع الطعام إلا بعد أن يعود من المسجد.
فإذا حضر الطعام وقت النداء يقدم الطعام، لأن الشارع الحكيم أراد بذلك أن يصلي المصلي وهو خالي الذهن تماماً ليس فيه ما يشغله، وليس كما يفعله البعض إذا حصلت عنده مباراة بين مصر والكاميرون -مثلاً- ولا يريد أن تفوته دقيقة واحدة من المباراة، فيأتي بالتلفاز ويجعله في القبلة، ويصلي وهو مشغول بالمباراة، فهذا عبث بالصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:4]، وهذا له قلوب في جوفه، نسأل الله العافية، فلا بد أن يصلي وهو خالي الذهن تماماً حتى يخشع في صلاته، فيأكل الطعام أولاً، حتى لو فاتته الجماعة؛ لأنه لا صلاة في حضرة الطعام.
قال: [فاعتكافه في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى خروجه إلى الجماعة، فيتكرر ذلك منه مع إمكان التحرز منه، وذلك منافٍ للاعتكاف الذي هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله عز وجل فيه.
واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل؛ لئلا يحتاج إلى الخروج إليها؛ ولأن ثواب الجماعة في الجامع أكثر].
أي: أنه لا بد أن يعتكف في مسجد فيه جمعة وجماعة حتى لا يخرج.
ولو صلى الرجل في بيته بعد أن سمع النداء، وليس عنده عذر فإن صلاته عند الأصوليين قد أجزأت وسقطت عنه، ولا نطالبه بأدائها ولا نعتبره تاركاً للصلاة، إنما هو -بدون أدنى شك- آثم على ترك هذا الواجب، فهذا جزاؤه والله أعلم به، فهذا هو الفرق بين الجزاء والإجزاء.
والجماعة لا تكون إلا في المسجد، وليس هناك جماعة في البيت، وإنما البيت للنساء، طالما أنه ليس هناك عذر، والأعمى لم يرخص له النبي عليه الصلاة والسلام.
(38/5)
________________________________________
حكم من عين الاعتكاف في مسجد ما
قال: [ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعل ذلك في غيره؛ لأن المساجد كلها في الفضيلة سواء].
وهذا هو رأي الجمهور، فلا ميزة لمسجد على مسجد حتى ولو عين إلا أن يعين المسجد الحرام فلا يجزئه إلا المسجد الحرام، فإن نذر أن يعتكف في المسجد النبوي فيجزئه أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل المساجد حتى ولو حدد؛ ولأن المساجد بيوت الله وهي سواء، فمن نذر أن يعتكف في مسجد فمن جنس ما نذر، لا شبهة في ذلك.
قال: [قال صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً)، إلا المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)] وهذا الحديث له منطوق ومفهوم، والخلط بين المنطوق والمفهوم يترتب عليه ضياع كثير من المفاهيم، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، أن الرحال لا تشد إلا إلى هذه المساجد، فهذا هو المنطوق، والمفهوم هو: أنه لا يسافر لمسجد يبتغي فيه الأجر الزائد إلا هذه المساجد، فإن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، فيجوز أن أسافر لأصلي فيه خصيصاً، ولا يجوز أن أسافر إلى الشرقية لأجل أن أصلي في مسجد هناك، لأنه لا تشد الرحال إلا لهذه المساجد، فمن شد الرحال إلى البدوي في الشرقية فهو عاصٍ وآثمٍ وضال.
قال: [فإذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لزمه ولم يجز أن يعتكف في سواه؛ لأنه أفضلها] أي: إن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لا بد أن يعتكف فيه ولا يجزئه أي مسجد آخر؛ لأنه أفضل المساجد على الإطلاق.
قال: [وإن نذر الاعتكاف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل منه، ولم يجز له أن يعتكف في المسجد الأقصى؛ لأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه، وإن نذر أن يعتكف في الأقصى جاز له أن يعتكف في أي المسجدين أحب؛ لأنهما أفضل منه، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، رواه مسلم.
(38/6)
________________________________________
ما يستحب للمعتكف
ويستحب للمعتكف الاشتغال بالقرب واجتنابه ما لا يعنيه من قول وفعل، ولا يكثر الكلام فإن كثرته لا تخلو من اللغو والسقط، وقد جاء في الحديث: (من كثر كلامه كثر سقطه)، ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففي الاعتكاف أولى.
ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك] يعني: إن لغا أو اغتاب وهو معتكف فاعتكافه صحيح ولكن عليه الإثم، والإثم مغلظ في رمضان وفي الاعتكاف وفي بيت الله، وهذا فيه حرمة الزمان وحرمة المكان وحرمة الوقت، وهذا أيضاً يشير إلى جرم الفعل.
قال: [ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك؛ لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحظوره، وإنما استحب ذلك ليكون مشتغلاً بما اعتكف لأجله من طاعة الله واجتناب معاصيه فيحقق ما اعتكف لأجله.
ولا يخرج من المسجد إلا لما لا بد له منه] أي: يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد في حالات: قضاء الحاجة، إذا كانت دورة المياه منفصلة عن المسجد، وشراء طعام وشراب إن لم يجد من يأتيه به.
فالسنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لا بد منه.
قال: [وقالت أيضاً: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله)] أي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في الاعتكاف يخرج رأسه لـ عائشة وهو في المسجد وهي في حجرتها ما يمنعها من دخول المسجد إلا الحيض، وهذا دليل عند الجمهور على عدم جواز دخول الحائض المسجد، وهذا استدلال البخاري وابن حجر في الفتح: (أنه كان يدني رأسه في المسجد يخرج رأسه إلى حجرة عائشة ترجله)، يعني: تمشط شعر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: [(وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)، ولا خلاف أن له الخروج لما لا بد له منه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكف للغائط والبول، ولو كان ذلك يبطل لم يصح لأحد اعتكاف، وفي معناه: الحاجة إلى الأكل والشرب إذا لم يكن له من يأتيه به يخرج إليه، إلا أن يشترط عيادة المريض، وصلاة الجنازة، وزيارة أهل، أو رجل صالح، أو قصد بعض أهل العلم، أو يتعشى في أهله أو يبيت في منزله؛ لأنه يجب بعقده، فكان الشرط فيه إليه كالوقف] بمعنى: أنه اعتكف واشترط على نفسه أنه يشيع الجنازة فاعتكافه يصح، لكن إذا اعتكف ولم يشترط فلا يجوز له؛ لأن تشييع الجنازة فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الآخرين، فلا يجوز للمعتكف أن يخرج ليشيع الجنازة أو ليغسل ميتاً إذا لم يكن إلا هو، فهناك فروض كفاية تجزئ إذا قام بها البعض، ولا يجوز له أن يباشر امرأته.
والنبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف خرج مع صفية، يقلبها إلى حجرتها، وفي هذا بيان الضرورة الشرعية أن المرأة لا يجوز له أن تنقلب إلى البيت بمفردها ليلاً.
يقول أحد الإخوة: إن بعض المنتقبات الفاضلات في حال تزينهن يجذبن انتباه المارة أكثر من بعض النساء الأخريات الغير ملتزمات باللباس الشرعي، حيث صار النقاب فتنة أكثر من فتنة المتبرجات، فنجد النقاب قد أظهر العينين مفتوحاً من الجانبين.
ومن شروط اللباس الشرعي للمرأة ما يلي: ألا يكون لباس زينة يجذب النظر، وأن يكون فضفاضاً لا يصف، سميكاً لا يشف، وألا يكون لباس شهرة، فكل لباس أو نقاب أو إسدال يجعل المرأة مميزة بين النساء، فهذا يسمى لباس شهرة، أو لباس زينة كأن يكون مثلاً أصفر، أو بنفسجي أو أحمر، فهذا لا يجوز بحال، أو أن تغطي جزءاً من وجهها وتظهر العينين وفيهما الكحل والرموش فلا يجوز هذا فإن فيه فتنة، إلا أن تسدل المرأة وتظهر عيناً واحدة للرؤية أو ترى من وراء النقاب، وهناك هجمة على الحجاب والأمر لا يخفى عليك، فهذه نصيحة لأخواتنا من أخ فاضل جزاه الله خيراً.
ولا يجوز للمعتكف أن يذهب إلى العمل ثم يعود، فهذا اسمه اعتكاف جزئي وليس اعتكافاً بالمعنى الشرعي، الذي هو ملازمة المسجد.
ويجزئ أن يحدد في اعتكافه ليالي رمضان فقط، لأن ما لا يدرك جله لا يترك كله، فمن كان موظفاً ولا يستطيع الحصول على إجازة يعتكف الليالي، ومن أحيا ليالي رمضان له الفضل الكثير من الله سبحانه وتعالى.
(38/7)
________________________________________
حكم من باشر زوجته وهو معتكف
قال: [ولا يباشر امرأة فإن وطئ فسد اعتكافه] يعني: لا يجامع، ولا يتحدث في أمر الجماع إن انقلبت إليه الزوجة، ولما جاءت صفية انقلب معها النبي صلى الله عليه وسلم ليصل بها إلى المنزل، وهذا يدل على حرمة هذا الشأن وعظمته.
قال: [لقوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187] ولأنها عبادة يحرم فيها الوطء فأفسدها كالوطء في الصوم، ولا قضاء عليه إلا أن يكون واجباً] يعني: إذا فسد الاعتكاف لا يقضي.
قال: [والوطء محرم في الاعتكاف بالإجماع؛ لقول الله: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [البقرة:187]، وإن سأل عن المريض في طريقه أو عن غيره ولم يعرج إليه جاز؛ لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو فلا يعرج يسأل عنه)] يعني: السؤال عن المريض لا حرج فيه.
والحديث ضعيف.
(38/8)
________________________________________
الأسئلة
(38/9)
________________________________________
الدليل على الاشتراط في الاعتكاف

السؤال
ما الدليل على الاشتراط في الاعتكاف؟

الجواب
إذا اشترط في الاعتكاف خرج من المحظور، والدليل عليه (إلا أن تشترط).
(38/10)
________________________________________
الرد على من قال: إن الاعتكاف لا يشرع إلا في المساجد الثلاثة

السؤال
ما الرد على من قال: إن الاعتكاف في المساجد الثلاثة فقط؟

الجواب
قوله صلى الله عليه وسلم: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، الحديث فيه ضعف واضح عند بعض العلماء، وله مفهوم عند البعض الآخر، وهو: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، قال بعضهم: من نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة لا بد أن يعتكف فيها، أو: لا اعتكاف كامل الأجر إلا في هذه المساجد الثلاثة، إنما ما قال أحد من العلماء: إن الاعتكاف لا يجوز إلا في هذه المساجد.
(38/11)
________________________________________
حكم الاعتكاف في غير رمضان

السؤال
هل يجوز الاعتكاف في أي وقت من العام؟

الجواب
نعم، يجوز الاعتكاف مع النذر.
(38/12)
________________________________________
حكم الاعتكاف بدون صيام

السؤال
هل يشترط للاعتكاف الصيام؟

الجواب
هذا كلام مختلف فيه بين العلماء، والراجح أنه لا يشترط الصيام.
(38/13)
________________________________________
حكم الاعتكاف لمدة أقل من يوم وليلة

السؤال
هل يجوز الاعتكاف لمدة يوم أو نصف يوم أو ساعة؟

الجواب
نعم يجوز، وهذا اعتكاف جزئي.
(38/14)
________________________________________
العدة شرح العمدة [39]
يجب الحج والعمرة على كل مسلم بالغ عاقل إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً، والاستطاعة أن يجد الإنسان زاداً وراحلة يتبلغ بهما إلى مكة ذهاباً وإياباً، ومن فرط في حج أو عمرة ومات فإنه يخرج عنه من ماله ويستناب عنه من يحج ويعتمر عنه.
(39/1)
________________________________________
حكم الحج والعمرة على المستطيع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
بعد أن انتهينا من كتاب الصيام، ننتقل إلى كتاب الحج والعمرة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
قال: [يجب الحج والعمرة مرة في العمر على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلاً].
قوله: (يجب) أي: يفرض، فإن الوجوب هو الفرض عند جمهور العلماء.
قوله: (والعمرة) هذا مذهب الحنابلة أن العمرة واجبة، شأنها شأن الحج؛ لأن الله قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]، وهناك قراءة: (وأتموا الحج والعمرةُ لله) بضم العمرة.
وقوله: (في العمر مرة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا، قال الأقرع بن حابس: أوكل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فعاد يكرر

السؤال
أوكل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثالثة قال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، ذروني ما تركتكم، إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)، والحديث بين أن الحج يفرض مرة في العمر على القادر.
(39/2)
________________________________________
شروط الحج
قال: [فيجب بخمسة شروط: الإسلام].
هذه الشروط يسميها العلماء: شروط الحج، بعضها شروط صحة وبعضها شروط كمال، وبعضها شروط الوجوب، فالإسلام شرط صحة ووجوب، والمعنى: أنه إذا حج الكافر لا يقبل منه حجه فإنه باطل، إذاً: شرط صحة، هو أن الحج لا يقع صحيحاً إلا من مسلم، وكذلك يجب عليه الحج؛ لأنه مسلم، فالإسلام عند بعض العلماء شرط وجوب وصحة في آن واحد، إنما الراجح أنه شرط صحة.
قال: [والحرية]، شرط وجوب، لأن العبد إذا حج قبل ذلك منه، إذاً: هو شرط وجوب.
قال: [والبلوغ].
شرط وجوب؛ لأن الصبي إذا حج فإن حجه صحيح، لكن لا يجب عليه الحج؛ لأن (امرأة رفعت ابنها الصغير من على صدرها وهي تؤدي المناسك، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)، فقوله: (نعم) يفيد أن الصبي له أجر، وحجه صحيح، لكن لا تسقط عنه حجة الإسلام، إذ أنه مطالب بالحج منذ البلوغ، فالبلوغ شرط وجوب وليس شرط صحة.
قال: [والعقل].
شرط صحة؛ فإنه المجنون فاقد العقل الذي هو مناط التكليف، ولا تكليف إلا مع العقل، فمادام أنه ليس هناك عقل فليس هناك تكليف، فإن قلم السيئات والحسنات لا يجري في حق المجنون.
قال: [والاستطاعة].
شرط وجوب، فلا يجب الحج إلا على المستطيع.
إذاً: هذه الشروط السابقة شروط وجوب، والاستطاعة هي الزاد والراحلة، فمن ملك زاداً وراحلة يبلغ بها بيت الله عز وجل فقد وجب عليه الحج، والله يقول: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97].
إذاً: يجب الحج على: المسلم، البالغ، العاقل، الحر، المستطيع.
قال: [لا نعلم في هذا كله خلافاً].
وهذا من ضبط العبارة، فإن الإمام أحمد كان دائماً يقول: لا أعلم مخالفاً، ويقول: والذي يدعي الإجماع بعد عهد الصحابة كاذب، لأن الصحابة كانوا محصورين في المدينة فيمكن أن تتبع آراء الصحابة، أما بعد انتشار الفتوحات الإسلامية وتوسع بلاد المسلمين لا يمكن أن تتبع آراء كل العلماء في الدنيا.
قال: [فأما الكافر فإنه غير مخاطب بفروع الدين -أي: الشريعة- وأما العبد فلا يجب عليه؛ لأنها عبادة تطول مدتها، وتتعلق بقطع مسافة، فتضيع حقوق السيد المتعلقة به، فلم يجب عليه كالجهاد، وأما الصبي والمجنون فغير مكلفين؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل)، وغير المستطيع لا يجب عليه؛ لقوله سبحانه: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وقال سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]، فخص المستطيع بالوجوب، فيدل على نفيه عن غيره.
وهذه الشروط تنقسم ثلاثة أقسام: قسم منها ما هو شرط للوجوب والصحة، وهو الإسلام والعقل، فلا يصح الحج من كافر ولا مجنون، ومنها ما هو شرط للوجوب والإجزاء وهو البلوغ والحرية، وليس ذلك بشرط للصحة، ولو حج الصبي والعبد صح منهما الحج، ولم يجزهما عن حجة الإسلام، ومنها ما هو شرط للوجوب فقط كالاستطاعة، فلو تجشم غير المستطيع المشقة وسار بغير زاد ولا راحلة كان حجه صحيحاً مجزياً].
إذاً: هذه الشروط الخمسة، منها ما هو شرط صحة ووجوب، ومنها ما هو شرط وجوب، ومنها ما هو شرط صحة فقط.
ويضاف إلى الشروط بالنسبة للمرأة المحرم، فلو أن امرأة معها استطاعة وتملك القدرة على السفر، ولكنها لا تجد المحرم ليسافر معها، لا نلزمها بالحج؛ فيسقط عنها فريضة الحج لعدم وجود المحرم؛ لأن الحديث حجة واضحة.
(39/3)
________________________________________
المراد بالاستطاعة في الحج
قال: [والاستطاعة: أن يجد زاداً وراحلة بآلتهما، مما يصلح لمثله فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام].
والمعنى: أنه يملك الزاد والراحلة، ويترك لأهله ما يقتاتون به مدة الحج، ويقضي ديونه، فإذا كان هذا الدين قد حل أجله قبل أن يسافر إلى الحج فلا بد من قضاء هذا الدين؛ لأنه دين في الذمة وقد حل أجله، إلا أن يستحل المدين بالتأجيل، إذا كان عنده ما يفي بالاستقبال، فإن كان عنده ما يفي فلا بأس، وهذا يسمى مديناً مليئاً، يعني: عنده ممتلكات تفي بدينه إذا مات.
إذاً: إذا كان مديناً ديناً حالاً فلا يجوز له الحج إلا أن يستحل صاحب الدين من تأجيل الدين أو يقضي الدين قبل أن يرحل.
قال: [(لما أنزل الله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] قال رجل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة)، ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد، وتختص الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي إليها وبينه وبينها مسافة دون القصر فيلزمه السعي إليها كالسعي إلى الجمعة].
يعني: الذي يبعد عن البيت الحرام مسافة القصر تلزمه راحلة، سواء سافر من جدة أو المدينة أو مصر أو العراق أو من أي البلاد الإسلامية.
قال: [والزاد الذي يشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة في ذهابه ورجوعه، ويعتبر قدرته على الآلات التي يحتاج إليها من أوعية الماء والدقيق وما أشبههما مما لا يستغني عنه فهو كعلف البهائم.
وأما الراحلة فيشترط أن يجد راحلة تصلح لمثله، إما بشراء أو كراء -يعني: الإيجار- ويجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله، وإن كان ممن لا يخدم نفسه اعتبر القدرة على خادم يخدمه؛ لأن هذا كله من سبيله].
والمعنى: رجل يملك القدرة المالية، ولكنه لا يستطيع السفر إلا برفيق أو بمعاون يحمله ويطوف به ويسعى به، ويذهب به إلى الجمرات، فهو لا يستطيع أن يؤدي المناسك إلا بمعاون، فإن استطاع أن يتحمل نفقة المعاون فيلزمه الحج، وإن لم يستطع فهو غير مكلف، ويمكن في هذه الحالة عند بعض العلماء أن ينيب؛ لأنه قادر مادياً، لكنه غير قادر صحياً وجسدياً، والدليل على ذلك: (لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: رجل أحج عنه يا رسول الله! قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، وشبرمة رجل ما استطاع أن يصل إلى البيت لعذر مرضي فأناب غيره في الحج عنه لعدم القدرة على السفر.
فحج النائب يجزئ عمن ناب عنه.
قال: [ويعتبر أن يكون ذلك فاضلاً عما يحتاج إليه لنفقة أهله والذين تلزمه نفقتهم في مضيه ورجوعه؛ لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين، وهم أحوج وحقهم آكد، وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)].
يعني: يعول، وهذا حديث ضعيف، والاستطاعة هي أن يترك ما يفي بحاجته وحاجة أولاده.
أما من يقدم الزواج على الحج فهذا كلام باطل؛ فإن الحج فريضة لابد أن تعجل، كما جاء في الحديث: (حجوا قبل ألا تحجوا).
(39/4)
________________________________________
سبب تأخر حجة النبي صلى الله عليه وسلم رغم أن الحج فرض قبل ذلك
تأجيل الحج ليس من هدي الإسلام، أما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع متأخراً، رغم أن الحج فرض قبل ذلك، فإن هناك أموراً: أولاً: هناك خلاف بين العلماء، هل فرض الحج في العام التاسع أم في العام السادس؟ ثانياً: أنه أرسل أبا بكر وعلياً ليعلنا في الناس ألا يطوف بعد العام بالبيت مشرك ولا عريان؛ لأن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عرايا، ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكاً هو لك تملكته وما ملك، قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال:35] يعني: تصفيراً وتصفيقاً، كحال المتصوفة اليوم، فإنهم يصفقون ويصفرون ويرقصون، ومعنى: ((وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ))، يعني: دعاؤهم، وهل يستقيم الذكر مع التصفيق والصفير والطبل؟! نسأل الله العافية، حتى إني سمعت أحدهم يغني أغنية لسيدة الغناء وبعض الناس يذكرون الله عليها، ويقولون: هذا هو الإسلام! نسأل الله العافية.
قال: [ويعتبر للمرأة وجود محرمها وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح].
فلا يجوز للمرأة أن تحج مع زوج أختها، لأنه محرم على التوقيف، كما لا يجوز للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فلا يجوز له أن يحج مع عمة زوجته أو مع خالتها، فهذه الحرمة ليست على التأبيد، وإنما بمجرد موت الزوجة أو الطلاق تحل له عمة زوجته أو خالتها أو أختها.
إذاً: المحرم هو كل من يحرم عليها على التأبيد، كالأب والزوج وأبو الزوج، لأنه إذا نكح الولد امرأة لا تحل لأبيه أبداً من بعده.
أما مسألة أيهما يقدم: الزواج أم الحج؟ فقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بقصيدة ذكرها في الفتاوى، يقول فيها: إن الحج مقدم على الزواج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر كما ينفي الكير خبث الحديد)، فمن أراد الغنى والزواج فعليه بالحج والعمرة، لا تكن حريصاً على هذا المال الذي تحتفظ به، فربما تأتيك المنية، فيا عبد الله! عليك أن تسارع، والحج يجب على الفور وليس على التراخي، وإذا نظرت إلى البعثة المصرية في موسم الحج لرأيت أن أعمار معظم الحجاج فوق التسعين سنة.
أي: في سن الشيخوخة.
أما قول القائل: الزواج نصف الدين أو يقدم الزواج ويعصم نفسه فهذا كلام صحيح، الزواج ينطبق عليه الأحكام التكليفية الخمسة، وابن تيمية لم يتزوج، والنووي لم يتزوج، وقد يكون الزواج واجباً في حق المكلف إن لم يستطع أن يتحمل البعد عن هذه الفتن، لكن أقول: الحج فريضة وركن من أركان الإسلام، ولا ينبغي أن تؤجله أبداً بدعوى أنك لا تملك سيارة أو بيتاً أو أنك لم تزوج الأبناء، فإذا بلغ عمرك السبعين أو الثمانين ذهبت إلى الحج فلا بد من تعجيل الحج كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل -يعني: يحرم- لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها ذو محرم) متفق عليه].
فالمرأة إذا سافرت بدون محرم فإن ذلك فتنة، سواء كانت كبيرة في السن أو مع صحبة آمنة، فإن قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لامرأة) جاء نكرة ليفيد العموم.
ولا يجوز للمرأة في هذه الحالة أن تعطي مبلغاً من المال لمن يحج عنها؛ لأن الحج ليس واجباً في حقها، فلا يجوز أن تنيب غيرها ليحج عنها.
أما قول الشافعي: يجوز مع الصحبة الآمنة، فلو عاصر الشافعي زماننا ما قال هذا القول، فلم توجد الصحبة الآمنة لوجود خفة الدين فضلاً عن الفتن التي نراها، فمهما كبر سن المرأة لا يحل لها أن تسافر بدون محرم، فإنه يسقط عنها الفريضة إن لم تجد المحرم.
(39/5)
________________________________________
حكم من فرط في الحج حتى مات
قال: [ومن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة].
أي: من مات وترك ميراثاً فلا نورث الورثة إلا بعد سداد الديون، ثم يخرج من مال التركة مبلغ الحج ليحج عنه أحد الورثة بشرط أن يكون قد حج عن نفسه، لحديث: (يا رسول الله! إن أمي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تفعل، قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضيه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أولى بالقضاء)، أي: دين الله أحق بالقضاء، فمن فرط أو أهمل أو تقاعس أو تكاسل عن الحج مع قدرته عليه حتى مات، يخرج من تركته ما يكفي لحجه شريطة أن يحج عنه أحد الورثة.
وإذا رفض الزوج أن تحج امرأته الحجة الأولى، فلا طاعة للزوج أبداً؛ لأن الحج فريضة، فلا تطعه في معصية الخالق.
قال: [وإذا ثبت هذا فمتى لم يحج حتى توفي وجب أن يخرج من ماله ما يحج به عنه ويعتمر؛ لما روى ابن عباس: (أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج؟ قال: حجي عن أبيك)؛ ولأنه حق استقر عليه تدخله النيابة فلم يسقط بالموت كالدين].
النيابة تكون عند المشقة في الوصول إلى الحج.
ومن توفي وعليه دين فإن صاحب الدين يلزم الورثة على القضاء، فكذلك الحج دين على المورث لابد أن يفي به الورثة لاستطاعته الحج ولم يفعل.
قال: [والعمرة كالحج في القضاء فإنها واجبة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا رزين فقال: (حج عن أبيك واعتمر)، ويكون ما يحج به ويعتمر من جميع ماله؛ لأنه دين مستقر عليه، فيكون من رأس ماله كدين الآدمي].
والعمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة، وشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، وقال: (دخلت العمرة في الحج)، يعني: إذا أردت أن تذهب إلى الحج فإنك ستؤدي معه العمرة إن حججت متمتعاً أو قارناً.
(39/6)
________________________________________
بيان من أين تكون النيابة في الحج
قال: [ويستناب من يحج عنه من حيث وجبت عليه الحجة، إما من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه لا من الموضع الذي مات فيه].
فمثلاً: رجل كان في مصر لم يملك القدرة على الحج ليس معه أموال، سافر إلى الكويت فملك القدرة، فإنه ينيب عنه من المكان الذي أيسر فيه، أي: من الكويت، هذا كلام المصنف.
قال: [ولأن الحج واجب على الميت من بلده فوجب أن ينوب عنه منه؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء كقضاء الصلاة والصيام].
يعني: المكان الذي وجب فيه الحج عليه ينبغي أن ينيب منه من يحج عنه.
قال: [فإن خرج حاجاً فمات في بعض الطريق، أخرج من حيث مات؛ لأنه أسقط بعض ما وجب عليه بفعله فلم يجب ثانياً].
بمعنى: رجل قطع التذكرة وذهب إلى جدة، وهو في جدة قبل أن يدخل مكة مات قبل أن يؤدي الفريضة، فإنه ينيب من جدة؛ أي: من المكان الذي مات فيه، وهذا أقل تكلفة لا شك في هذا.
ولو أن امرأة خرجت تحج وجاءها خبر موت زوجها وهي في ميقات الإحرام، فإنها ترجع، فإن عمر أمر من هذا حالها بالرجوع لتعتد على زوجها، وهذا من عظم حق الزوج على زوجته، وهذا في البخاري سنتعرض إليه إن شاء الله تعالى.
(39/7)
________________________________________
حكم الحج من الكافر والمجنون
قال: [ولا يصح الحج من كافر ولا مجنون؛ لأنهما ليسا من أهل الوجوب، ويصح من الصبي؛ لما روى مسلم عن ابن عباس قال: (رفعت امرأة صبياً، فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)، ويصح من العبد أيضاً لأنه من أهل العبادات، ولا يجزئ عنهما].
يعني: رجل حج وهو مملوك، ثم أعتقه سيده، لا تجزئ عنه الحجة التي حجها وهو عبد، لابد أن يحج في حال الحرية، كذلك الصبي الذي حج وهو صغير.
قال: [وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعد خلافه خلافاً على أن الصبي إذا حج في حال صغره والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وأعتق العبد أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليه سبيلاً.
ويصح من غير المستطيع كما تصح الجمعة من المريض إذا حضرها].
المريض إذا صلى الجمعة يحسب من ضمن العدد، وهذا عند من اشترط للجمعة أربعين رجلاً كملوا به، بخلاف ما لو كمل العدد بصبي، فإنه لا يجزئ، لأن الصبي تسقط عنه الجمعة فلا تجب عليه، أما المريض فإنها تسقط عنه، مع أنها في الأصل واجبة.
وقوله: (ويصح من غير المستطيع)، هناك قاعدة أصولية: ما لا يتم الواجب المشروط إلا به فهو غير واجب، ومعنى هذا أن الغير مستطيع على الحج لا يلزمه الادخار للحج؛ لأن الحج واجب مشروط بالاستطاعة، فليس واجباً عليك أن تدخر للحج، وتمنع نفسك من القوت، ومن كذا وكذا، وطالما أنك غير مستطيع فلا يلزمك الحج، والحج ساقط عنك لعدم الاستطاعة، ولن يسألك الله عنه يوم القيامة.
(39/8)
________________________________________
حكم الحج من المرأة بغير محرم
قال: [ويصح من المرأة بغير محرم لأنها من أهل الوجوب]، يعني: امرأة حجت وليس معها محرم، فإن حجها صحيح مع الإثم، كما لو حج رجل من مال حرام أجزأت عنه الفريضة ويسأل عن المال.
(39/9)
________________________________________
حكم من حج عن غيره ولم يكن قد حج عن نفسه
قال: [ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذره أو عن نفله وفعله قبل حجة الإسلام وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره].
بمعنى: أن من حج عن غيره ولم يكن قد حج عن نفسه تحسب الحجة لنفسه.
قال: [لما روى ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: هل حججت قط؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة)؛ ولأنه حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه فلم يقع عن الغير كما لو كان صبياً].
ومن حج بمال حرام فحجه صحيح؛ فإن القبول شيء والإجزاء شيء آخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)؛ فقد سقطت عنه الفريضة لأنه ذهب وطاف وأدى المناسك، لكن يحاسب عن المال الحرام، كذلك إن صلى في الأرض المغصوبة فإن صلاته صحيحة مع الإثم؛ لأنه يحاسب عن اغتصاب الأرض، هذا كلام جمهور العلماء.
ومن حج عن شخص وعند التلبية أخطأ في الاسم فلبى عن غيره فحجه صحيح، لأن العبرة بما نوى لا بما تلفظ.
والذي لبى عن شبرمة نوى لـ شبرمة ولم ينو لنفسه، فأمره النبي أن يغير النية؛ لأنه لا يصح أن يحج حجتين في نفس الوقت أو يطوف طوافين ويسعى سعيين.
والفلوس التي أخذها تلزمه، فتصير ديناً في رقبته، أما من يحج عن نفسه ويأخذ الفلوس باسم رجل آخر فهذا لا يصح، وهذا الحكم واضح، فإنه لا ينيب في الحج إلا من حج عن نفسه.
قال: [فإن أحرم تطوعاً أو عن حجة منذورة وعليه حجة الإسلام وقع عن حجة الإسلام؛ لأنه أحرم بالحج وعليه فرضه فوجب أن يقع عن فرضه كالمطلق].
رجل ذهب ليحج وقد نوى أن هذا الحج تطوعاً، وهو لم يحج الفريضة تقع عنه الفريضة؛ لأن الفريضة تقدم على النافلة.
(39/10)
________________________________________
الأسئلة
(39/11)
________________________________________
ما يترتب على الخطوبة

السؤال
أنا فتاة مرتبطة بشاب على الالتزام، ولم يحصل العقد بيننا، وهو يمنعها من العمل وهي تريد أن تعمل؟

الجواب
أولاً: الخاطب أجنبي عن مخطوبته، ليس له عليها حقوق، ولا له أن يأمرها بأمر، أما منعه إياها من العمل خارج المنزل فهذا صحيح؛ لأن العمل إن كان فيه اختلاط لا يجوز أبداً، فابحثي عن عمل ليس فيه اختلاط، ونسأل الله أن يفرج الكرب.
(39/12)
________________________________________
حكم المال الحرام إذا اختلط بحلال

السؤال
لي ابني خالة أحدهما يعمل في السياحة والآخر يعمل أعمالاً حرة، لا أعلم أنا طبيعته، لكن أخي الصغير قال لي: إنه سمع صاحب العمل الحر يقول للذي يعمل بالسياحة: الرشوة حلال، فقال: لا، بل هي حرام، هل يجوز لي أن آكل عندهما وأن أقبل منهما الهدايا، علماً بأني لم أذهب إليهما منذ حين، وهما غاضبان من ذلك؟

الجواب
حقيقة الورع إن كان مالهما حرام ألا تأكل عندهما، أما إن اختلطت الأموال، لهما دخل حلال ودخل حرام فتبني على الحل ويجوز لك في هذه الحالة.
(39/13)
________________________________________
حكم الأكل بعد أذان الفجر في رمضان

السؤال
هل يجوز الأكل بعد أذان الفجر بين الأذان والإقامة علماً بأنه قال لي بعض الإخوة: إنه يجوز الأكل بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر؟

الجواب
انظروا إلى المصيبة، يريد أن يجعله يأكل بعد الأذان! كل واشرب حتى تسمع نداء الفجر، ولا تأكل أبداً بعد الأذان، فمن قال لك ذلك فقد أفتى بغير علم.
أما إذا كان يشرب الماء والإناء في فمه، فسمع النداء فلا يضع الإناء حتى يقضي منه حاجته، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح وكذا الطعام إن كان في فمه فإنه يبلعه، ولا يمجه أو يلفظه فإن في هذا تعذيب للنفس، وكذلك لا يشرع الشرب والأكل بعد سماع النداء، فهذا لا يجوز أبداً، بخلاف ما لو كان الإناء في فمه وبينما هو يشرب سمع النداء، فلا يضع الإناء حتى يقضي منه وطره.
ولا ينطبق هذا على الكوب من الشاي لأنه حار ولأنه قد يتأخر، ومن فعل ذلك بدون علم يعفى عنه وصيامه صحيح، وقد فهم عدي بن حاتم من الآية: أن الخيط الأبيض والخيط الأسود خيطان أبيض وأسود، ووضعهما تحت مخدته، وظل ينظر إليهما، فلم ير الأبيض من الأسود فأكل وشرب حتى علت الشمس ووضح النهار وهو يأكل ويشرب، فلما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله، قال: (يا عدي إنك رجل عريض القفا، إن المقصود بالخيط الأبيض من الأسود بياض الفجر وسواد الليل) ولم يأمره بالقضاء، قال تعالى: {لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].
(39/14)
________________________________________
الحكم فيما إذا أذن المؤذن للفجر في رمضان والطعام في الفم

السؤال
أخ كان يصوم صيام تطوع، فقام إلى السحور ولم يبق من الوقت إلا خمس دقائق على الفجر، فبدأ الأكل حتى أذن المؤذن وفي فمه ويده طعام، فجعل الذي في يده في فمه، ثم بعد ذلك شرب الماء، فما الحكم في ذلك؟

الجواب
ما في الفم امضغه وابلعه ولا حرج على ذلك، وما كان في اليد فلا.
(39/15)
________________________________________
الحكم فيما إذا توفي رجل ولم يحج وله تركة

السؤال
توفى والدي وترك قطعة أرض بخمسين ألف جنيه، وترك بنات ولم يحج، ما الحكم في ذلك؟

الجواب
لابد أن تستقطع من الأرض جزءاً يباع ثم تحج عنه شريطة أن تكون قد حججت عن نفسك، فإن لم تستطع فيمكنك أن تكلف من حج عن نفسه أن يحج عن والدك.
(39/16)
________________________________________
حكم الطلاق المعلق بقصد التهديد

السؤال
أنا كنت لابسة النقاب، وحلف والدي وقال لي: أمك طالق إن خرجتي بالنقاب، وكانت أمي موجودة، وكانت نيته تهديد، فماذا أفعل، وأنا أريد أن ألبس النقاب، علماً بأني عرفت بكثرة الآراء من يقول لي: تلبسي النقاب ويدفع والدك كفارة إطعام ستين مسكيناً، والآخر يقول: يكلف والدك ويرد يمينه وتلبسي النقاب علماً بأنه قد وقع الطلاق؟

الجواب
خلاصة القول: البسي النقاب وهو يفعل ما بدا له، لا تقيمي لكلامه اعتباراً، أب يحلف بالطلاق على حق من حقوق الله هذا الكلام إجرام، وتعسف في استخدام الحق، ما دخل النقاب بالطلاق، وهذا طلاق معلق، والطلاق المعلق عند العلماء فيه اختلاف، جمهور العلماء يقولون: إذا وقع الشرط وقع الطلاق، وابن تيمية يقول: يرجع فيه إلى النية، إن كانت نيته التهديد يلزمه أن يكفر كفارة يمين بإطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام؛ لأنه طلاق غير منجز، وقد ذهبت لجنة الفتوى في المملكة إلى هذا، والله تعالى أعلم.
(39/17)
________________________________________
حكم ظهور المرأة أمام خاطب ابنتها

السؤال
أنا امرأة متزوجة وأبلغ من العمر ثلاثاً وخمسين سنة، ارتديت النقاب منذ أسبوعين، ولدي ابنة غير منتقبة ومخطوبة، ولا يوجد عقد زواج، فهل أظهر أمام خاطب ابنتي؟

الجواب
طالما ليس هناك عقد فهو أجنبي عن البيت كله، والخطوبة لا تعطي أي حق شرعي، ولا يترتب على الخطوبة أي حقوق شرعية للخاطب أبداً.
(39/18)
________________________________________
حكم الحج عن طريق تأشيرة عمل

السؤال
ما حكم الحج عن طريق العمالة أو تأشيرة عمل؟

الجواب
يجوز أن تحج بتلك الطريقة.
(39/19)
________________________________________
دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام

السؤال
أنا طالبة بكلية آداب عين شمس، ومعي في القسم الذي أنا فيه أهل كتاب، وعلمت من صديق قديم غير ملتزم أن هناك فتاة من أهل الكتاب غير مقتنعة بدينها، وأنها تحب أن تدخل الإسلام، وسألت فلاناً وفلاناً عن بعض الأمور، ولم تحصل على الجواب، بل قيل لها: أنت مجرد مريضة، وسوف يذهب عنك هذا التفكير فماذا أفعل؟

الجواب
عليك أن تنصحي بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تقيمي الأدلة على بطلان الشرك، وعلى بطلان القضايا العقائدية عند أهل الكتاب، ثم بعد ذلك: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29]، ولا تعرضي نفسك لأكثر من هذا.
(39/20)
________________________________________
حكم إسبال البنطال

السؤال
ما حكم إسبال البنطال؟

الجواب
حرام، الإسبال في البنطال كالإسبال في القميص.
(39/21)
________________________________________
بيان أيهما يقدم الزواج أم العمرة

السؤال
ذكرت أن الحج أولى من الزواج، فهل ينطبق ذلك على العمرة أيضاً، فأنا أملك مبلغاً من المال يكفي للعمرة ولا يكفي لعمل بعض الإضافات في شقة أنوي الزواج بها، فهل العمرة أولى؟

الجواب
نعم، اعتمر وأنت تطوف ادع الله أن يوسع عليك ونحن نضيق الأمر على أنفسنا، أعرف أخاً زوج ابنه بثلاثة آلاف جنيه، ما له إلا زير ماء، وكنبة جيدة صغيرة، وقطعة كرين من النوع المتواضع، والشيخ أبو ذر لما ذهبت إليه في بيته رأيت العجب، فهو رجل بسيط، علمنا الأدب في الزهد، فهو متزوج بثلاث، تجلس على الأرض وحينما يأتي بدورق واحد، وتشرب كفايتك وتعطي من بجوارك، الأمور عادية جداً وبسيطة وزهد في الملبس، ونحن ألفان جنيه في الشهر لا تكفي وثلاثة لا تكفي، وفاتورة تلفون وفاتورة كهرباء وفاتورة كذا.
مصيبة أن نضيق على أنفسنا، نحن الذين نشدد على أنفسنا، العيشة البسيطة جنيه واحد، أو خمسة جنيه يكفي، إنما هذا رجل يريد أن يعيش عيشة الطبقة الأخرى، فأقول لك: اعتمر، فقد كان الصحابة والتابعون يحجون العام بعد العام، وحج أحمد بن حنبل خمس مرات وحدث ولا حرج عن حجة التابعين.
(39/22)
________________________________________
حكم كتابة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الرسائل الغرامية

السؤال
أنا فتاة معقود علي، وزوجي مسافر، وعندما أبعث له جوابات أبدأ فيها بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأكتب في وسط الخطاب حديثاً أو آيات قرآنية، وأنهي خطابي بكفارة المجلس، فيقول لي زوجي: لا تكتبي التحميد أو الأحاديث مع كلام الخطاب؛ لأن هذا ليس من الأدب مع القرآن أو الحديث؟

الجواب
لا، زوجك مخطئ، وقد قال تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، فخطاب الأنبياء والملوك كانت تبدأ بالبسملة والحمد، ولا شك في ذلك أبداً، فبعد أن تكتبي الآية والبسملة قولي ما شئت لزوجك، والكلام الذي بعد البسملة كلام طيب أيضاً، طالما أنه زوج.
(39/23)
________________________________________
حكم دراسة علم الكلام والفلسفة

السؤال
أنا طالب أزهري أدرس علم الكلام والفلسفة، مع علمي بأنهما ليسا علمين شرعيين، وأعلم أقوال السلف؟

الجواب
ادرس وقد درسنا من قبلك، ودراسة كلام أهل البدع ليس ببدعة، والتعرف على فرق الضلال واجب، قال تعالى: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]، فدراسة الكفر ليست كفراً فـ ابن تيمية كتب كتباً في نقد الفلاسفة والمنطق ولم يعرف هذا إلا من كتبهم، فلا بأس أبداً أن تتعلم هذا لترد عليهم بالدليل.
(39/24)
________________________________________
حكم من تأخر عن الإمام بركعة فسلم معه ناسياً ثم تذكر بعد ذلك

السؤال
إذا ذهبت إلى المسجد متأخراً عن الجماعة بركعة وصليت معهم ونسيت وسلمت ثم تذكرت في نفس الوقت؟

الجواب
بعد أن تتذكر قم وأت بركعة.
(39/25)
________________________________________
حكم الدعاء لمن كان من أهل الكتاب بالهداية والإسلام

السؤال
أمي من أهل الكتاب، فهل يجوز الدعاء لها بالهداية؟

الجواب
نعم، ادع لها بالهداية ولا شيء في هذا.
(39/26)
________________________________________
معنى الوطء

السؤال
ما معنى وطئ؟

الجواب
وطئ يعني جامع.
(39/27)
________________________________________
بيان المراد من اختلاف العلماء

السؤال
هل اختلاف العلماء فيه خير أم شر؟

الجواب
اختلاف العلماء لا شك أنه يظهر الحقيقة ويجلي الأمر واضحاً، أما قول عامة الناس: (اختلاف أمتي رحمة) فليس بحديث، والخلاف شر كله.
(39/28)
________________________________________
حكم الصلاة على أرض فيها قبور ليست ظاهرة

السؤال
هل يوجد في مسجد الأزهر ضريح أم لا؟

الجواب
هل تعلم ماذا كان موجوداً منذ ثلاثة آلاف سنة؟ لا نسأل عما في باطن الأرض، يمكن أن تصلي الآن فوق خزان، أو تصلي وفي بطنك براز، فما ليس ظاهراً لا يترتب عليه أحكام، فإن كان ألف ضريح تحت الأرض فلا نسأل عنه، سو الأرض وصل.
والظاهر أنه لا توجد تحت مسجد الأزهر أضرحة توكل على الله، أنا أعلم أنه لا يوجد بلا شك.
(39/29)
________________________________________
حكم من جامع امرأته وهو صائم صيام كفارة أو صيام تطوع

السؤال
ما حكم من جامع امرأته وهو صائم صيام كفارة أو صيام تطوع؟

الجواب
أما الذي جامع امرأته وهو متطوع فلا شيء عليه، والصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر؛ لأن الأصل فيه أنه مندوب فالندب هو الذي فعله، أما إذا كان صيام كفارة - ككفارة يمين - فاليوم باطل ولا شيء عليه وعليه أن يقضي بدلاً منه يوماً آخر، أما المجامع في رمضان والذي ينتهك حرمة رمضان نلزمه بصيام شهرين متتابعين أو بإطعام ستين مسكيناً.
وإن كان يكفر كفارة ظهار يعود من أول الشهرين، أما من كفر كفارة يمين، ففي اليوم الذي جامع فيه امرأته وهو صائم، فإنه باطل ولا شيء عليه، إنما الحرمة فيمن جامع في رمضان، ويقضي يوماً بدلاً منه، أما ما سوى رمضان فلا يأخذ نفس الحكم.
والحمد لله رب العالمين.
(39/30)
________________________________________
العدة شرح العمدة [40]
للحج والعمرة ميقاتان: زماني ومكاني، أما الزماني للعمرة ففي أيام السنة كلها وأفضلها أيام رمضان، وأما الحج ففي أشهره المعلومة، وأما الميقات المكاني فكل قادم من بلاده له ميقات معلوم محدد؛ فأهل العراق يهلون من ذات عرق، وأهل اليمن من يلملم، وأهل نجد من قرن المنازل، وأهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وهذه المواقيت هي أيضاً لمن مر فيها من غير أهلها.
(40/1)
________________________________________
مواقيت الحج والعمرة
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله صلى الله عليه وعلى آله، وصحبه أجمعين.
وبعد.
لا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، ومع باب المواقيت من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
وباب المواقيت باب هام؛ لأنه يترتب على عدم الإحرام من الميقات أن يعود الحاج أو المعتمر إلى الميقات مرة ثانية إن استطاع، أو يلزمه فدية لعدم إحرامه من الميقات، ويترتب على ذلك مشاكل كثيرة في النسك؛ لأن عدم العلم بهذا الواجب يدل على عدم معرفة بفقه أحكام الحج والعمرة عند الكثير، فتجد الرجل يحرم بعد الميقات أو يحرم من مكة، أو يحرم من بيته وكل هذه الأمور التي فيها مخالفات ينبغي أن نقف عندها.
الحج والعمرة لهما ميقات زماني وميقات مكاني.
أما الميقات الزماني للحج فيقول ربنا فيه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197] أي: أن الحج لا يقع إلا في هذه الأشهر: شوال، وذي القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، وجزء الشهر سمي هنا شهراً، قال تعالى: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)) فمن أراد الحج فلابد أن يحرم بالحج في هذه الأشهر، فمن أحرم بالحج في رمضان فحجه باطل؛ لأن رمضان ليس من أشهر الحج، وعلى هذا أيضاً من اعتمر في رمضان ثم ظل هناك إلى أن أحرم بالحج لا يسمى متمتعاً؛ لأن التمتع أن تقع منه العمرة في أشهر الحج، فإذا اعتمر في شوال ثم ظل في مكة إلى أيام الحج وأحرم بالحج بعد أن أدى العمرة في شوال فهو الآن متمتع؛ لأنه أوقع العمرة في أشهر الحج، وهذا معنى قول الله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196].
أما الميقات الزماني للعمرة فكل السنة تصلح لأداء العمرة، وهناك في السعودية تنظم أوقات للعمرة فقط، لكن العمرة ميقاتها الزماني في كل أيام السنة.
أما الميقات المكاني للحج والعمرة فقد بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى كلمة (الميقات): أنه لا يجوز للحاج أو للمعتمر أن يمر على الميقات دون أن يحرم، ومعنى يحرم: يلبس ملابس الإحرام وينوي ويلبي، وله أن يلبسه من بيته، ولو أن رجلاً من مصر لبس الإحرام في المطار فلا نسميه محرماً إلا إذا عقد النية ولبى في الميقات، فليس معنى لبس الإحرام هو الإحرام، إنما معنى الإحرام عقد النية والتلبية، هذا هو الإحرام.
ولذلك فهذه المواقيت المكانية ينبغي أن نكون على علم بها، وهي من معجزات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه وقّت لأهل العراق ذات عرق، وكانت العراق لم تفتح بعد، وإنما فُتحت بعد موته عليه الصلاة والسلام، وهكذا الشام، فكونه يوقّت لبلاد لم تفتح في عهده وفتحت من بعده فهذا من أدلة نبوة النبي عليه الصلاة والسلام.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وميقات أهل المدينة ذو الحليفة] وهي المشهورة عند الناس الآن بأبيار علي، لكن نلتزم التسمية الشرعية.
[والشام ومصر والمغرب الجحفة] يعني: أن أهل الشام وأهل مصر وأهل المغرب يحرمون من الجحفة.
والجحفة عُدّل اسمها الآن إلى رابغ، فميقات أهل مصر هو رابغ، ويبعد عن مكة بما يقرب من 250 كيلو متر تقريباً، وهو ميقات أهل مصر، وميقات أهل الشام، وميقات أهل المغرب.
والشام يشمل الأردن، وسوريا، وفلسطين، ولبنان هذه كلها تسمى أرض الشام، وهي أرض مباركة، قال الله في حقها: {إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء:71]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: (هي أرض المحشر والمنشر) فيُحشر الناس إليها، ويبعث الناس عليها، والأعين الآن تتجه إليها، فانتبه يا عبد الله! فهناك مخطط أثيم قديم للأعداء لكننا لا نقرأ، فقد لاموا بيغن يوماً على أنه أدلى بتصريحات خطيرة في مذكراته وفي أجوبته على الصحفيين، فقال: اطمئنوا؛ فإن العرب لا يقرءون، وإذا قرءوا لا يحسنون الفهم، وإذا فهموا لا يحسنون العمل! فالرجل على دراية ودراسة بنا، وهذا الكلام الذي يحدث اليوم في أرض الواقع مسجّل منذ قديم، وهو مخطط أثيم، ينفذ بخطة محكمة، والله من ورائهم محيط، فلا تحزن ولا تيأس فإن دين الله ظاهر بنا أو بغيرنا، قال عز وجل: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [محمد:38] لأن الله هو الذي يحفظ الدين، وانظر إلى حال الصحابة في يوم الأحزاب وفي يوم بدر، قال عز وجل: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال:26] فالإسلام هو دين رب العالمين سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
قال المصنف رحمه الله تعال
(40/2)
________________________________________
حكم دخول مكة من غير إحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم].
أي: من أراد أن يدخل مكة ففي مذهب الحنابلة أن من أراد دخول مكة لابد أن يكون محرماً إلا لأسباب، ومكة ليست ككل البلاد، فمن خصائصها: أن من أراد دخولها لابد أن يدخلها وهو محرم.
وفي هذا اختلاف بين المذاهب، وفي الحقيقة أن المذهب الحنبلي يرى -ومعه الأدلة- أن من أراد دخول مكة لابد أن يكون محرماً.
قال الشارح: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من الميقات، وقد قال: (خذوا عني مناسككم) فكان واجباً بالأمر، ولا يجوز ترك الواجب إلا لقتال مباح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر].
يعني: طاقية الحرب أو خوذة أو ما يستعد به للقتال، فدخل مكة وعلى رأسه المغفر، فالمحرم لا يضع شيئاً على رأسه؛ لأن ذلك من محظورات الإحرام، فحين رأوه وهو داخل إلى مكة وهو يغطي رأسه فمعنى ذلك أنه ليس محرماً، إنما دخلها لقتال مباح.
قال: [أو لحاجة تتكرر كالحطاب].
وهو الذي يجمع الحطب، وهكذا الذي يعمل ساقياً لأهل مكة، أو الذي يعمل على سيارة أجرة من جدة إلى مكة، أو من الطائف إلى مكة، فليس من المعقول أنه كلما دخل يحرم، فالحطاب أو ساقي الماء أو الذي يركب الطائرات ونحو ذلك هذا له أن يدخلها غير محرم.
قال: [لأنا لو ألزمناه الإحرام لأفضى إلى أنه لا يزال محرماً فيشق ذلك عليه].
يعني: لو قلنا له: لابد أن تحرم فسيظل على إحرامه لا يخلعه أبداً؛ لأنه في عمل؛ إما أنه ذاهب إلى مكة أو قادم من مكة، فلا يلزمه الإحرام هو ومن كان على شاكلته.
قال المصنف: [ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه].
أي: أن الحطّاب والساقي يحرم من موضعه.
قال الشارح: [لأن هذا لم يكن الإحرام من الميقات عليه واجباً، فكان ميقاته من حيث نوى العبادة؛ بدليل أن المكي يُحرم من مكة في الحج؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: (وكذلك أهل مكة يهلون منها) متفق عليه].
قال المصنف: [وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات] وهذه نقطة مهمة يسأل عنها العلماء في المناسك دائماً.
فكثيراً ما يجاوز الإنسان الميقات وهو لم يحرم، وهذا كثير في الباخرة، وفي الطائرة، وفي البر وبعض الناس يجهلون ذلك، فيدخلون مكة دون إحرام، ولا سيما كثير من النساء لا يخبرهن أحد أن هذا ميقات، أو يحدث أن الحاج أو المعتمر ينسى ملابس الإحرام في الحقيبة، والحقيبة في مخازن الطائرة، والطائرة لن تنزل إلا في جدة، ويقول: أنا نسيت ملابس الإحرام، فماذا أفعل؟ ومعنى ذلك أنه سيمر على الميقات دون إحرام، فما الحكم إذا مر على الميقات دون إحرام؟ سئل أحد الإخوة عن هذا السؤال فقال للسائل: عليه أن يعود إلى الميقات، وكنت جالساً فقلت: يا شيخ! كيف يعود إلى الميقات؟ فإذا كان الرجل من أهل مصر وجاء بطائرة ومع فوج ولن يستطيع أن يعود إلى رابغ مطلقاً، فأفته بما في قدرته، فكونه يعود إلى الميقات قد يعسر عليه.
وهذا كلام نظري صحيح: أن من جاوز الميقات عليه أن يعود إلى الميقات فيحرم منه ولا شيء عليه، لكن إن عجز عن الإحرام من الميقات يحرم من مكانه ويلزمه فدية؛ لأنه ترك واجباً وهو الإحرام.
فالإحرام ركن، والإحرام من الميقات واجب، وفرق بين الركن والواجب، وترك الواجب يُجبر بدم، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، هذا في ترك الواجبات أما فعل المحظورات فله فدية أخرى، وهي صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو فدية، فانتبه إلى مثل هذه الأمور.
إذاً: من ترك الواجب في الحج أو العمرة يجبره دم، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وهذه قاعدة مهمة.
فمن ترك المبيت بمزدلفة فعليه دم، لأنه ترك واجباً، وكذلك إن ترك طواف الوداع، وسأذكر الواجبات والأركان، وكذلك إن ترك رمي الجمرات، أو أحرم بعد الميقات، فهذا يستلزم منك أن تعرف الواجب والركن، فمن ترك واجباً في الحج والعمرة فيلزمه فدية، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
قال المصنف: [وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات ولا دم عليه؛ لأنه أحرم من الميقات، فإن أحرم من دونه فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع].
أي: أنه إذا لبس الإحرام ولبى بعد الميقات ثم رجع إلى الميقات يلزمه دم؛ لأنه أحرم بعد الميقات.
وإذا نسي الرجل إحرامه في حقيبته وهو في الطائرة فيمكن أن يجعل قميصه رداء وقميصاً آخر يجعله إزاراً، ويكون هذا هو الإزار والرداء إلى أن ينزل في جدة فيأخذ الحقيبة ويغيّر الإحرام، ولا بأس عليه أن يأخذ قميص رجل آخر، وقد يقول قائل: إن القميص فيه خيط، فيجاب بأن المخيط هو ما فُصّل على هيئة الجسد، يعني: يأخذ شكل الجسد، أما لو خلعت القميص ثم جعلته إزاراً فلا يصبح مخيطاً، فيجوز أن يلبس القميص على هيئة إزار أو رداء.
قال الشارح: [لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ترك نسكاً فعليه دم) روي موقوفاً
(40/3)
________________________________________
حكم الإحرام من قبل الميقات
قال المصنف: [والأفضل ألا يحرم قبل الميقات، فإذا فعل فهو محرم].
أي: لو أن رجلاً من مصر لبس الإحرام في المطار وقال: لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، فهنا نوى ولبس الإحرام ولبى، فهذا أحرم قبل الميقات، وإذا أحرم قبل الميقات فهو يريد أن يضيّق على نفسه ويخالف السنة، ولكن إحرامه صحيح، والإحرام من الميقات واجب، فلو أنه أحرم قبل الميقات فسيمر على الميقات وهو محرم، وهذا ليس فيه شيء، إنما خالف السنة.
جاء رجل إلى الإمام مالك وقال: يا إمام! إني أريد أن أحرم وأنا من أهل المدينة؟ قال: إحرامك من ذي الحليفة، قال: إني أريد أن أُحرم من الروضة، يعني: لما فيها من الفضل، ففي الحديث (ما بين بيتي -وفي رواية: قبري- ومنبري روضة من رياض الجنة) والبخاري بوّب على هذا الحديث فقال: باب فضل ما بين القبر والمنبر؛ لأن القبر في البيت، فهو إخبار على ما كان، والحديث الصحيح: (بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بهذا في حياته، ولم يكن يعلم أين سيكون القبر، فكونه يقول: (بين قبري) ولم يكن له قبر هذا معناه أنه يعلم الغيب، والله عز وجل يقول: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34] كذلك قوله للصحابة: (ما بين قبري ومنبري) في هذا يقول ابن حجر: يحدثهم بما لا يعرفونه؟! فالصحابة لم يكونوا يعرفون أين سيكون القبر، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يحدثهم بما لا يعرفونه، ويستحيل هذا، هذا كلام العلامة ابن حجر، فرواية القبر بدون أدنى شك رواية غير صحيحة؛ لأنها تخالف الأسس والقواعد وأمر العقيدة عندنا.
قال الإمام مالك للرجل الذي أراد أن يحرم من الروضة: لا تفعل؛ فإني أخاف عليك الفتنة، قال: وأي فتنة يا إمام؟! ما هي إلا أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك أكمل هدياً من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تلا: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63].
فانظر إلى اتباع الإمام مالك رضي الله عنه لهدي النبي عليه الصلاة والسلام.
وطبعاً نحن واقعون في هذه الأيام في المحدثات والبدع، فتجد في بعض الكتب دعاء الشوط الأول ودعاء الشوط الثاني، وكل شوط له دعاء، ودعاء عند الركن فكل هذه الأدعية ليست صحيحة، وكثير من الناس ينتدبون من يدعو لهم ويعطونه بعضاً من المال، وهذا لا يجوز، ففيه ضوضاء وصخب وشوشرة على الناس، قال عز وجل: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الأعراف:205] فكل واحد يدعو الله، وكل إنسان يدعو الله بما يحتاج إليه، والبعض لديه بعض الكتب التي يلتزم الدعاء منها! وهذا من البدع المحدثة؛ لأن فقه الحج فقه غائب عندنا، والجهل منتشر، فقد رأيت في الحج امرأة مصرية كبيرة في السن، وعند صلاة الفجر في جماعة في الحرم كانت تملأ الماء من بعض صنابير المياه في زمزم التي خارج الحرم، وظلت تملأ الماء، وبعد أن انتهت كان الشيخ في حالة قراءته للتشهد ليسلم فأسرعت لتجلس للتشهد ثم سلّمت معه! فأصبحت بهذا قد انتهت من صلاة الفجر! فأصبحت صلاتها هي إدراك التشهد، أرأيت جهلاً كهذا الجهل؟! وآخر جاء معنا في رحلة الحج وأول ما نزل من الباخرة ذهب إلى الحلاق مباشرة؛ لأنه يظن أن العمرة هي الحلق.
وآخر يسأل عن الكعبة ويقول: ما هو هذا الصندوق الأسود؟ وأمثال هؤلاء كثير جداً ممن هم واقعون في الجهل الذي ينتشر في الأمة، وذلك بسبب تقصيرنا في المسئولية، فنحن نقصر في المسئولية، فإن مما ينبغي أنه قبل أن يذهب الحجاج نجمعهم في مسجد ونقوم بتنفيذ المناسك عملياً، ويكون فيهم مشرف ديني عالم؛ فإن هذه مسئولية كبيرة.
وبالنسبة لدخول مكة الشافعي يرى أن من أراد دخول مكة لا يلزمه الإحرام إلا إذا كان ينوي العمرة، أما من دخل لعمل فلا يلزمه.
وفي الحقيقة أن رأي الشافعي راجح في هذه المسألة، وهذا اختيار كثير من العلماء، وهذا كلام الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله وشفاه الله، فقد سمعته يقول لطلبة العلم في الحرم المدني: إن طالب العلم لابد أن يبدأ بدراسة مذهب واحد يتخصص فيه في الأصول وفي الفقه، ويتوسع في الدراسة، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الفقه المقارن بالمذاهب الأخرى، وهذا مهم جداً في بداية الدراسة، فنحن نلزم طالب العلم أن يدرس مذهباً لا أن يتمذهب، وفرق بين دراسة المذهب والتمذهب، فالتمذهب هو أن يعتنق المذهب ويدور معه حيث دار سواء كان راجحاً أو مرجوحاً، وهذا غير صحيح، لكن لابد أن يدرس مذهباً، وأنا أقول: هل تعلمون عالماً من السلف ليس له مذهب؟ فـ ابن رجب حنبلي، وابن عبد البر مالكي، و
(40/4)
________________________________________
الأسئلة
(40/5)
________________________________________
حكم قول: (صدق الله العظيم) عند الانتهاء من قراءة القرآن

السؤال
هل قول: (صدق الله العظيم) من السنة أم لا؟ وماذا أقول حين أنتهي من قراءة القرآن؟

الجواب
قال الشيخ ابن عثيمين لا بأس أن تقولها؛ لأن الله قال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء:122] وأنت تصدّق، لكن ليست راتبة، أي: أنك لا تحافظ عليها بحيث إنك كلما قرأت القرآن تقولها، فتقولها أحياناً وتتركها أحياناً، هذا كلام الشيخ ابن عثيمين، وهو كلام معتبر لا شك.
(40/6)
________________________________________
حكم الجماعة الثانية

السؤال
ما حكم الجماعة الثانية؟

الجواب
الجماعة الثانية فيها خلاف، والراجح جواز الجماعة الثانية بضوابط، منها: إن كان للمسجد إمام راتب فعلى من يصلي جماعة أن يستأذن الإمام الراتب، وإن لم يكن له إمام راتب كمسجد الطريق فيجوز أن تنشأ فيه جماعة ثانية.
(40/7)
________________________________________
حكم تعليق الإعلانات داخل المسجد

السؤال
هل يجوز لصق الإعلانات داخل المسجد إذا كان الهدف هو التربّح المادي؟

الجواب
لا يجوز البيع في المسجد، وأما الإعلان عن أمر شرعي فيجوز، والبخاري بوب فقال: باب تقاضي الدين في المسجد، وقال: باب تحريم تجارة الخمر في المسجد.
ولا يجوز الإعلان عن محرمات داخل المسجد، كالإعلان عن البنوك الربوية ونحو ذلك.
(40/8)
________________________________________
حكم من شرب الدخان بعد إحرامه

السؤال
رجل أحرم من أبيار علي في المدينة وبعد إحرامه شرب سيجارة، فماذا عليه من أحكام؟ وهل يجوز هذا في الإحرام؟

الجواب
لا شيء عليه، ولكنه عاصٍ آثم؛ لأنه فعل المحرم في حال الإحرام، فكثيراً ما تجد من يحرم والسيجارة في فمه، فهذا إحرامه صحيح، وعليه هذا الإثم العظيم؛ لحرمة المكان وحرمة الزمان.
(40/9)
________________________________________
فضل الحلق عند التحلل

السؤال
من أحرم وشعره طويل هل يحلقه كله أم يحلق منه قليلاً؟

الجواب
يحرم بشعره ثم يحلق بعد أن ينتهي من الإحرام.
(40/10)
________________________________________
حكم تكفير من جامع في نهار رمضان بالإطعام مع قدرته على الصيام

السؤال
رجل عليه كفارة لأنه جامع زوجته في نهار رمضان ذاكراً غير ناسي، فهل يجزئ في الكفارة إطعام ستين مسكيناً مع أنه قادر على الصوم؟

الجواب
لا؛ لأن الكفارة هنا على الترتيب، وليست على التخيير.
(40/11)
________________________________________
حكم إطعام المرضعة بدلاً من الصوم

السؤال
هل يجوز للزوجة المرضعة أن تطعم بدلاً من الصوم؛ لأنها ستخرج من الرضاعة إلى الحمل؟

الجواب
لا، فالزوجة المرضعة عليها أن تقضي متى استطاعت ولو بعد عامين أو ثلاثة.
(40/12)
________________________________________
حكم تخصيص أيام البيض في شعبان بصيام دون سائر الأيام

السؤال
هل تخصيص شهر شعبان دون سائر الأشهر في صيام 13، 14، 15 من الابتداع؟

الجواب
ليس من الابتداع؛ لأن هذه أيام فيها أمر، وكونه صام هذه الأيام في هذا الشهر الكريم لا شيء عليه.
(40/13)
________________________________________
حكم تخصيص النصف من شعبان بالصيام والقيام

السؤال
هل في تخصيص الخامس عشر من شعبان بالقيام والصيام شيء؟

الجواب
لم يثبت في فضل صيامه ولا قيامه حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فيه موضوع أو ضعيف.
(40/14)
________________________________________
تفسير قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً)

السؤال
ما تفسير هذه الآية: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} [الكهف:103]؟

الجواب
المقصود بها اليهود.
(40/15)
________________________________________
بيان ما تفعل من خافت أن يؤخرها الحيض عن العمرة

السؤال
نويت أداء العمرة في رمضان بإذن الله وقد حددت الشركة السفر في 14 رمضان، ولكني سأكون حائضاً من يوم 12 رمضان، وسيظل الحيض عندي ثمانية أيام، فماذا أفعل؟ وكيف أقوم بأداء العمرة؟

الجواب
يمكنكِ أن تأخذي حبوباً تؤخر الحيض إن استطعت، أما إن لم تستطيعي أن تؤخري الحيض فاغتسلي عند الميقات وأحرمي ثم انتظري حتى تطهري لتؤدي العمرة بعد ذلك.
(40/16)
________________________________________
حكم عمل أشعة من أموال الزكاة

السؤال
ذهبت لعمل أشعة فأعطاني مركز الأشعة ورقة مكتوب فيها: مرحباً بكم في مركز المصطفى للأشعة، ويسعدنا أن نقدم الخدمة مجاناً مموّلة من زكاة مال المسلمين لخدمة مستحقي الزكاة، وأنا الآن لا أملك مالاً لعمل هذه الأشعة، ولكن أبي يملك أن يعطيني هذا المال، فهل إذا عملت الأشعة في المركز عليّ إثم؟

الجواب
اعمل ولا حرج، وليس عليك إثم إن شاء الله تعالى، وفي الحقيقة أنه يجب على الأغنياء في رمضان أن ينظروا إلى الفقراء ويساعدوهم.
(40/17)
________________________________________
حكم صوم من سب الدين

السؤال
إذا سب الصائم الدين فما حكمه؟

الجواب
سب الدين في الصيام يبطله؛ لأنه ردة.
(40/18)
________________________________________
أهمية المبادرة بقضاء رمضان بعد رمضان

السؤال
عليّ قضاء أيام من رمضان وحتى الآن لم أقضها، فهل أبدأ من الغد أو أنتظر؟

الجواب
بل عليك أن تبدأ من الغد.
نسأل الله عز وجل أن يثبتنا على الحق، وتقبل الله منا ومنكم.
(40/19)
________________________________________
العدة شرح العمدة [41]
الإحرام هو ركن من أركان الحج والعمرة، فمن أراد حجاً أو عمرة فعليه أن يحرم من ميقات أهل بلده، ويحرم الرجل في إزار ورداء، وتحرم المرأة في أي ثوب على ألا يشابه لباس الرجل، ومن أراد الإحرام شرع له الغسل والتنظف والتطيب دون أن يمس الطيب إحرامه.
(41/1)
________________________________________
كلمة مختصرة عن الزواج في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! طبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وأسأل الله عز وجل بفضله وكرمه وعفوه ورضاه أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، وأن يختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وأن يجمعنا سوياً مع سيد الأنبياء والمرسلين في الفردوس الأعلى؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وقبل أن نبدأ في رحلتنا مع دروس الفقه من كتاب العدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي، ومع كتاب الحج والعمرة، يسعدنا أن نبدأ هذا اللقاء بكلمة مختصرة عن الزواج في الإسلام: مما لا شك فيه أن الزواج من سنن الله عز وجل في خلقه، قال عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21]، ولكن الحديث في عجالة سيدور حول أسس اختيار الزوجة، والمعايير التي ينبغي على الشاب المسلم أن يضعها نصب عينه وهو يختار الزوجة؛ لأن الزوجة سكن، وهي حسنة الدنيا على رأي بعض المفسرين في قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة:201]، فحسنة الدنيا قال بعضهم: هي المرأة الصالحة؛ لأن المرأة إذا صلحت صلحت بها المجتمعات، وإذا فسدت المرأة تفسد بها المجتمعات؛ ولأن أعداءنا يعلمون تلك الحقيقة راحوا يخططون ويمكرون بالمرأة ليل نهار، وراحوا يفسدونها ويخرجونها عن حيائها وعن عفافها؛ ليعم الفساد والبلاء، فأول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
أسس اختيار المرأة في الإسلام يقوم على معايير وضعها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، فمن الشباب من يبحث عن الجمال ويضع له شروطاً يضيق بها على نفسه، فتراه يريدها طويلة بيضاء البشرة صفراء الشعر زرقاء العينين ممشوقة القوام إلى غير ذلك، يشدد فيشدد الله عليه، ومن الناس من يبحث عن ذات المال فيبحث عن مالها كم هو؟ وإن قدر الله لأبيها الموت فماذا سترث بعد موته، ومن الناس من يبحث عن الجاه والحسب فيخطب من عائلة فلان ويضع اسم العائلة نصب عينه، ومن الناس من يبحث عن الدين كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم، والفائز بين هؤلاء جميعاً هو الذي يبحث عن دينها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وخير ما ينال المرء بعد تقوى الله المرأة الصالحة، كما جاء في بعض الآثار.
الزواج إيجاب وقبول، قال تعالى عن صاحب مدين أنه قال لموسى عليه السلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص:27]، هذا إيجاب؛ لأن ولي أمر المرأة هو الذي بدأ بالعرض، وموسى عليه السلام وافق، ولذلك الإمام البخاري يبوب في صحيحه باب: الرجل يعرض ابنته على الرجل الصالح، فيجوز لك أن تعرض ابنتك على رجل صالح تثق في دينه، فهذا كنز يا عبد الله! ولكن في عرفنا إن قال أحد لآخر: عندي أخت أو عندي بنت قالوا: يدلل عليها؛ لأنها سلعة راكدة، أما يستحي قائل هذا؟! فيا عبد الله! هذا هو الشرع، يجوز للرجل أن يعرض ابنته على الرجل الصالح، وقد فعل هذا عمر؛ فإنه لما مات زوج حفصة ذهب يعرضها على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فعرضها أول ما عرضها على أبي بكر، فأعرض الصديق ولم يجب بنعم أو بلا، ثم عرضها من بعد أبي بكر على عثمان ذي النورين رضي الله عنه وعن أصحاب رسول الله أجمعين.
يقول صاحب مسلسل رجل الأقدار: أنا لا أحب عمرو بن العاص، فنقول له: من أنت حتى تحب أم تكره أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟! إن تلك الألسنة أو تلك الأسماء إذا ما ذكرناها نحتاج إلى أن نتمضمض سبع مرات من ذكرها، فهذا يقول: إنه لا يحب عمرو بن العاص! فهل تعلم أن بغض أصحاب رسول الله من النفاق وحبهم من الإيمان، فمن أنت يا عبد الله! حتى تعلن أمام كل الجمهور الحضور أن شخصية عمرو شخصية استبدادية وشخصية أثرت بكذا، وأنا لا أحبه بل أكرهه؟! فاتق الله! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقال الله في حقهم: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة:119]، وقال الله في حقهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَا
(41/2)
________________________________________
باب الإحرام
(41/3)
________________________________________
استحباب الغسل عند الإحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإحرام: من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل].
كلمة (استحب) تشير إلى أن غسل الإحرام مستحب، أي: أنه من فعله أثيب، ومن لم يفعله فلا شيء عليه، فإذا أراد أن يحرم يغتسل غسل الإحرام، والدليل على الغسل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس لما نفست -يعني: أصابها النفاس- أن تغتسل عند الإحرام)، رواه مسلم.
وفي الحديث: (أنه دخل على عائشة في ذي الحليفة -وهو ميقات أهل المدينة- في حجة الوداع ووجدها تبكي، فقال: ما لكِ يا عائش! أنفست؟ قالت: نعم يا رسول الله! قال: ذلك أمر قدره الله على بنات آدم، افعلي كل ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) وأمرها بالغسل.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأمر أسماء بنت عميس أن تغتسل عند الإهلال وهي حائض] أي: أن المرأة إذا حاضت عليها أن تغتسل غسل الإحرام لا غسل رفع الحيض، شأنها شأن سائر الحجاج قال: [وقد روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب].
أول أمر للمحرم: يستحب له أن يغتسل.
(41/4)
________________________________________
استحباب التنظف عند الإحرام
ثانياً: ويستحب له أن يتنظف بإزالة الشعر، وقطع الرائحة، وحلق شعر العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر ونحو ذلك؛ لأنه أمر يسن له الاغتسال أشبه بالجمعة.
ويسن له الطيب؛ لأنه مكان يجتمع الناس فيه أشبه بالجمعة، إذاً بعد الغسل يتنظف بإزالة شعر الإبط، وبإزالة شعر العانة، وبتقليم الأظافر، وبأن يتتبع بالماء والرائحة الطيبة المغابن؛ لأنه يقدم على ربه للطواف، فيتنظف ويتطيب، والعلة في الطيب متحدة مع الجمعة، فالجمعة يتطيب فيها؛ لأنها اجتماع، والحج كذلك اجتماع أكبر، فالغسل والتنظف والطيب له مطلوب، لكن لا يضع الطيب على ملابس الإحرام، إنما يضع الطيب في المفارق وعلى اللحية وعلى شعر الرأس.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام بعد إحرامه تفوح رائحة المسك من مفارقه صلى الله عليه وسلم، فالمحذور على المحرم أن يتطيب بعد الإحرام، أما قبل الإحرام فله أن يتطيب، لكن لا يضع الطيب على ملابس الإحرام.
(41/5)
________________________________________
صفة لباس المحرم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين].
المخيط هو: ما فصل على الجسد، وبعض الناس يعتقد أن المخيط: كل شيء فيه خيط، وهذا كلام لا ينتمي إلى العلم بصلة، فالإزار الذي يلبس للإحرام فيه خيط لكنه غير مخيط؛ لأن المخيط هو ما فصل على هيئة الجسد، فالمحرم يتجرد من المخيط، وبعض الناس يلبس (الشورت) تحت الإزار ويظن أنه لا بأس بذلك، فلابد أن الرجل يتجرد عارياً تماماً ثم يلبس الإزار ويلبس الرداء وليس تحتهما شيء على الإطلاق؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين)، والإزار هو الأسفل، والرداء هو الأعلى، والنعلان للقدمين، فإن لم يجد النعلين فبخف، لكنه يقطعهما بحيث يكونا تحت الكعبين، والكعبان هما النتوآن في جانب القدم، النتوء الذي في القدم يميناً ويساراً اسمه الكعب، إذاً: أي نعل أو خف تحت الكعب يجوز أن تحرم فيه ولا بأس.
أما بالنسبة للمرأة فيجوز لها أن تحرم في كل شيء إلا ملابس تشابه ملابس الرجال، فتحرم في ملابسها، قال ابن عباس: إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها، يريد بذلك: أن الرجل لا يجوز له أن يغطي رأسه وهو محرم، كما أن المرأة لا يجوز لها أن تغطي الوجه إلا إذا خالطت الرجال، والأصل الآن أنها تخالط الرجال، فنقول لها: غطي الوجه شريطة ألا يمس النقاب الوجه، هذا هو الذي قاله العلماء.
والآن هناك ملابس إحرام جديدة يجعلون فيها من الداخل بطانة داخلية على شكل سروال داخلي، فإن كان الإحرام يفصل على الجسد فلا يجوز، لكن إن كان ما يوضع تحت عبارة عن بطانة للإحرام فلا بأس به، فما فصل على أعضاء الجسد فلا يجوز، فالأولى أن يترك هذا الإحرام الذي يكون بهذا الوصف ويباع في الأسواق.
والخمار لا يمس وجه المرأة، وذلك بأن تلبس شيئاً تطرده عن وجهها، وإذا جاء الهواء ولامس الوجه فلا بأس، إنما الأصل أن تبعده عن الوجه في حال الإحرام.
قال: [إذا لم يجد إزاراً لبس السراويل، وإذا لم يجد نعلين فليلبس الخفين].
يعني: أن السروال يجوز أن تحرم فيه، لكن السروال غير المفصل على هيئة الجسد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم يصلي ركعتين].
بعض الناس يظن أنهما ركعتا الإحرام، وليس هناك ما يسمى بركعتي الإحرام.
(41/6)
________________________________________
استحباب صلاة ركعتين عند الإحرام وبيان وقت الإحرام
قال الشارح رحمه الله: [ثم يصلي ركعتين، ويستحب له أن يحرم عقيب الصلاة].
بمعنى: أنه إذا اغتسل وتنظف وتطيب ولبس ملابس الإحرام يصلي إما الفريضة إذا حان وقت الفريضة وإما أن يصلي ركعتين مسببتين كتحية المسجد، أو سنة الوضوء، لكن ليس هناك ما يسمى بركعتي الإحرام، وبعض الناس بعد الوضوء يقول: ماذا نصلي؟ فنقول: الأمر يسير، فطالما توضأت صل سنة الوضوء، لكن لا تقل: أصلي ركعتين سنة الإحرام، فليس هناك ما يسمى بسنة الإحرام.
قال الشارح: [ويستحب له أن يحرم عقيب الصلاة، فإن حضرت مكتوبة صلاها وأحرم عقبها، وإلا صلى ركعتين تطوعاً، وأحرم عقيبها.
قال الأثرم: قلت لـ أبي عبد الله: أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة أو إذا استوت به ناقتك؟ قال: كل قد جاء في دبر الصلاة وإذا علا البيداء أو إذا استوت به الناقة، فوسع فيه كله].
والمعنى: هناك فرق بين التهيؤ للإحرام وبين الإحرام، فالتنظف والاغتسال والتطيب ولبس ملابس الإحرام كل هذا تهيؤ للإحرام.
فكل ما كان قبل أن تقدم على الميقات هذا تهيؤ للإحرام، وأما الإحرام الحقيقي فيكون في الميقات، فكونك تلبي بحج وعمرة أو بحج فقط أو بعمرة فقط هذا كله في الميقات، وتحاسب على محظورات الإحرام بعد الميقات.
فبعد الميقات نحاسبك إذا ارتكبت محظوراً أما قبل ذلك فأنت في حل حتى وإن لبست ملابس الإحرام، فالعبرة بالميقات والتلبية فيه، وإذا كان سفر المحرم بطائرة فمعلوم أن الطائرة لن تقف، فيصلي ركعتين قبل أن يصعد الطائرة وبعد أن يلبس ملابس الإحرام.
قال: [ويحرم عقيبهما وهو أن ينوي الإحرام بقلبه، ولا ينعقد الإحرام بغير نية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)، ويكون عقيب الصلاة؛ لقول ابن مسعود: (أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته)].
والإحرام ركن، فلو أن رجلاً مر على الميقات ولم يحرم فإما أن يعود ويحرم من الميقات، وإما أن ينوي الإحرام بعد الميقات ويلزمه فدية؛ لأنه أحرم بعد الميقات.
فالإحرام ركن، والإحرام من الميقات واجب، وإذا ترك الإحرام فسد الحج أو فسدت العمرة، وإذا ترك الإحرام من الميقات يجوز له أن يحرم بعد ذلك ويلزمه فدية، فأصل الإحرام ركن، لكن الإحرام من الميقات واجب، لذلك إن مر على الميقات ولم يحرم نقول له: أحرم من مكانك ويلزمك دم؛ لأنك أحرمت بعد الميقات، وأصل الإحرام ركن، ولذلك هناك فرق بين أركان الحج وواجبات الحج، وفرق بين أركان العمرة وواجبات العمرة، وتجد البعض لم يفرق بين الاثنين، يقول: أركان العمرة: الإحرام من الميقات، وهذا خطأ، فإن الإحرام من الميقات واجب، والركن هو الإحرام نفسه، فكان يجب أن يفرق بين أصل الإحرام وبين الإحرام من الميقات، وهذا مما نبهنا إليه كثيراً.
(41/7)
________________________________________
استحباب النطق بنوع الإحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويستحب أن ينطق بما أحرم به، ويشترط] يعني يقولها بلسانه حتى يسمع بها نفسه: لبيك عمرة أو لبيك حجاً أو لبيك حجاً وعمرة، يعني يقول: إن حج مفرداً: لبيك حجاً، وإن حج متمتعاً يقول: لبيك عمرة؛ لأنه سيؤدي العمرة ثم يتحلل ثم ينتظر إلى يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية فيحرم من جديد من مكانه بحج فيقول: لبيك حجاً، هذا هو التمتع، فإن حج قارناً يقول: لبيك حجاً وعمرة، فهنا قرن بين الاثنين.
ولا بد أن يحدد النسك في حال إحرامه من الميقات، فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فإن حج عن نفسه يقول: لبيك حجاً فاقبله مني، مثلاً، وإن حج عن غيره يقول: لبيك عن فلان، ويلبي عن الذي يحج عنه من الميقات، فلا بد أن يحدد.
ثم يشترط ويقول: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا يسميه العلماء: اشتراط، فيشترط عند إحرامه بحيث إذا حبسه حابس لا يلزمه فدية؛ لأنه اشترط عند إحرامه، فيقول: لبيك حجاً فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، أو: لبيك عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ويفيد الاشتراط أنه إذا أعاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة فله التحلل ولا دم عليه ولا صوم، فإذا أعاقه عائق في الطريق، أو عرض له عارض كأن تمنعه الشرطة من دخول مكة، وكنفاد نفقته، وكانتهاء صلاحية التأشيرة، كل ذلك وارد فإن اشترط عند الإحرام يتحلل ولا شيء عليه، أما إن لم يشترط فيلزمه فدية.
قال: [لما روى ابن عباس: أن ضباعة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال: (قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيت)، رواه مسلم.
وروت عائشة قالت (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير وهي شاكية -تشكو من مرض- فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)].
قال بعض الفقهاء: إن الاشتراط يكون في حال الخوف والمرض، أما رجل لا يخاف من عدو وآمن وليس به مرض فلماذا يشترط؟ فـ ضباعة كانت تشتكي، فأمرها بالاشتراط، ومن ثم الاشتراط يكون لعلة، وطالما أنت في طائرة فإنك لا تدري ربما تعوق الطائرة ظروف جوية فتهبط أو تعود، وربما في المطار يمنعونك؛ لفساد التأشيرة، أو لكذا أو كذا، فطالما أنت في طريق لا تضمن فاشترط؛ حتى تخرج من الخلاف، وقل: لبيك عمرة، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
ويشترط في الميقات، ولا عبرة بالاشتراط قبل الميقات، فحينما يقول قائد الطائرة: نحن على مقربة من الميقات، أو بقي على الميقات ربع ساعة، أو نحن الآن في الميقات، فعند محاذاة الميقات تقول: لبيك عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ومن هذا الوقت يحاسب المحرم في ارتكاب المحظورات؛ لأنه أحرم من هذه اللحظة.
ولا يحرم قبل الميقات، جاء رجل إلى الإمام مالك وقال: يا إمام! إني أريد أن أحرم من الروضة قال: من أي البلاد أنت؟ قال: من المدينة، قال: إحرامك من ذي الحليفة، قال: إني أريد أن أحرم من روضة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا تفعل؛ فإني أخاف عليك الفتنة، قال: وأي فتنة يا إمام! إن هي إلا أميال أزيدها؟ فتلا مالك: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]، فالإحرام من الميقات سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
ولو أحرم قبل الميقات ولبى فإحرامه صحيح، لكنه خالف السنة.
(41/8)
________________________________________
أنواع النسك وذكر الفرق بينها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران].
الحاج له أن يختار أحد النسك: التمتع أو الإفراد أو القران، ولكن أي النسك أفضل؟ هناك اختلاف بين العلماء، والراجح: أن التمتع هو أفضل النسك، والنبي عليه الصلاة والسلام حج قارناً، يعني: قرن بين الحج والعمرة، حيث اعتمر وبقي على إحرامه إلى أن أدى مناسك الحج؛ لأنه ساق الهدي، فالنبي عليه الصلاة والسلام حج قارناً بلا خلاف؛ لأنه أمر الصحابة أن يتمتعوا، أما هو فبقي على إحرامه وقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولتحللت)، فالذي منعه من التحلل: أنه ساق الهدي من المدينة، فحج قارناً عليه الصلاة والسلام، ومن العلماء من يرى أن أفضل النسك هو القران؛ باعتبار أن النبي قد حج قارناً وهو لا يفعل إلا الأفضل، وقد كان عمر بن الخطاب يقول بعدم التمتع، بل كان يضرب عليه، لكننا مع رأي الجمهور في أن أفضل النسك هو التمتع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر به الصحابة، وبين لهم أنه كان يحب أن يتمتع لولا أنه ساق الهدي، والفرق بين الإفراد والقران والتمتع في أمور: أولاً: المتمتع يلبي بعمرة فقط في أول الأمر، وبعد أن يتحلل يبقى على تحلله إلى اليوم الثامن من ذي الحجة فيحرم مرة ثانية ويلبي بحج.
ثانياً: الهدي، قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196]، فالحاج المتمتع عليه هدي، وكذلك الحاج القارن، أما الحاج المفرد فليس عليه هدي.
قالت عائشة رضي الله عنها: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج)، والذي أهل بعمرة متمتع، والذي أهل بحج وعمرة قارن، والذي أهل بحج فقط مفرد.
وقالت عائشة: (أهللت بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً)، يعني: من ساق الهدي لا بد أن يحج قارناً، ولا يتحلل إلا أن ينتهي من مناسك العمرة ومناسك الحج.
(41/9)
________________________________________
أفضل أنواع النسك
قال الشارح: [وأفضلها التمتع ثم الإفراد ثم القران عند إمامنا أحمد رحمه الله تعالى].
والإمام مالك يرى بخلاف الإمام أحمد: أن أفضل النسك هو القران؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً، وأحمد يرى: أن أفضل النسك هو التمتع، وبعض الفقهاء يرون أن أفضل النسك هو الإفراد، وكان عمر لا يحرم بالحج إلا مفرداً، وكان ينهى عن التمتع كما تقدم.
قال: [واختار المتعة جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم؛ لما روى جابر وابن عباس وأبو موسى وعائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما طافوا بالبيت أن يحلوا ويجعلوها عمرة)، ونقلهم من الإفراد والقران إلى المتعة، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل الأولى، ولم يختلف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلوا إلا من ساق هدياً، وثبت على إحرامه، وقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) -رواه البخاري - فهذا معلوم صحته يقيناً، والنبي صلى الله عليه وسلم نقلهم من الحج إلى المتعة، وتأسف كيف لم يمكنه ذلك، ولو كان الإفراد والقران أفضل لكان الأمر بالعكس؛ ولأن المتعة منصوص عليها في كتاب الله تعالى بقوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة:196]، من بين سائر الأنساك؛ ولأن التمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج كاملين غير متداخلين على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك هو الدم فكان ذلك أولى].
إذاً: مذهب الإمام أحمد هو أن التمتع أفضل النسك، وفي كتاب أضواء البيان للشيخ الشنقيطي بيان مذهب المالكية في أن أفضل النسك هو القران وأتى بالأدلة على تفضيله.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً وقلباً خاشعاً، ونعوذ بك يا رب من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
(41/10)
________________________________________
الأسئلة
(41/11)
________________________________________
حكم القراءة من المصحف في الصلاة

السؤال
في قيام الليل أمسك المصحف في يدي أثناء الصلاة وأنا أمية فهل يجوز ذلك أم لا؟

الجواب
يجوز للمنفرد والمنفردة أن يقرأ من المصحف، ويجوز للإمام أن يقرأ من المصحف؛ لما ثبت أن ذكوان مولى عائشة كان يصلي بها من المصحف في النافلة في قيام الليل فتصلي خلفه، لكن الأولى أن يقرأ من الذاكرة حتى يكثر الحفظة، هذا هو الأولى، ولا يجوز للمأموم أن يفتح المصحف ليتابع الإمام، هذا لا يجوز؛ لأن فتوى علمائنا أن المأموم مأمور بوضع اليمنى على اليسرى وإذا أمسك المصحف يخل بهذا الشرط.
ثم أيضاً الإمام يقرأ من مصحف فلماذا تقرأ أنت خلفه؟ وقد جوّز الشيخ ابن باز رحمه الله أن مأموماً واحداً يمسك بمصحف إذا كان الإمام يقرأ من الذاكرة ليفتح عليه.
(41/12)
________________________________________
حكم كفارة الظهار إذا تخللها فطر لضرورة

السؤال
رجل في كفارة الظهار أصابه مرض قبل أن ينتهي فما حكمه؟

الجواب
إذا كان في كفارة الظهار وانقطع الصيام بعلة أو عذر مرض عليه أن يتم وهذا هو الراجح؛ لأن المعمول به هو أن يفطر بإرادته، أما هذا ففطره الشارع، فإذا أفطر في يوم العيد فقد فطره الشارع، وإذا أفطر لمرض فكذلك؛ لأنه أفطر بغير إرادته، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا تكليف إلا بمقدور، فمن الحرج أن نقول له: لأنك مرضت عد إلى الصيام من الأول، وإذا كان بإرادته يعيد من أول الصيام، والله تعالى أعلم.
(41/13)
________________________________________
حكم جماع الزوجة في دبرها

السؤال
رجل جامع زوجته في دبرها فما حكم الإسلام في ذلك؟

الجواب
هذا إجرام أيما إجرام، ولا يقول قائل: الأحاديث في ذلك ضعيفة، فالآية واضحة: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]، قال ابن كثير: والحرث هو موضع الإنبات، فمن أي مكان يخرج النبات وهو الولد؟ قال تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]، أي: في أي وضع شئتم لكن في صمام واحد، فلا يجوز مجامعة المرأة في دبرها بحال، فهذا عمل مخالف للشرع، فعلى من فعل ذلك أن يتوب إلى الله، وأن يستغفر، وأن يتصدق، وأن يكثر من الصيام؛ ليكفر عن ذنبه؛ لأن هذا مخالف للشرع فضلاً عما ورد في ذلك، وأحيلك إلى الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]، فقد أتى بالأحاديث والآثار عن الصحابة التي بينت حرمة ذلك.
(41/14)
________________________________________
حكم الدراسة في كلية الآثار

السؤال
أنا طالب في كلية آثار فما حكمها؟ وماذا أفعل أرجو الإجابة؟

الجواب
لا شبهة في دراستك شريطة أن يكون عملك بعد التخرج حلالاً، فدراسة الكفر ليست كفراً، حينما أدرس الرياضيات البحتة وحساب سعر الفائدة هذا ليس بحرام، وحينما أدرس أسباب الردة لست بمرتد، وحينما أدرس أسباب الكفر لست بكافر، فدراسة الكفر ليست بكفر، إنما العبرة بالعمل، لكن إن درست الكفر ثم طبقت بعد ذلك فهذه مصيبة، وطلبة التجارة يدرسون الرياضيات البحتة، ويدرسون حساب سعر الفائدة: رجل أودع مبلغ ثلاثة آلاف جنيه في البنك ثم يحسب سعر الفائدة في مدة كذا، ويحسب معدل الربح، فهل هو يرابي؟ فدراسة الكفر ليست بكفر، وربنا يقول: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]، فمعرفة سبل الحرام ومعرفة أبواب الحرام ليست حراماً، من هنا أقول لك: لا بأس بدراستك طالما ليس فيها حرام، والله تعالى أعلم.
(41/15)
________________________________________
حكم الجمع بين نية قضاء رمضان وصيام الست من شوال

السؤال
هل يجوز أن يجمع بين نية قضاء رمضان وصيام الست من شوال؟

الجواب
يا عبد الله! لا يجوز؛ فإن الجمع بين الفريضة والنافلة لا يجوز؛ لأن النافلة تختلف عن الفريضة في الصيام من وجوه عديدة: 1 - صيام الفريضة لابد أن تنويه بالليل، وصيام النافلة يجوز من الصباح.
2 - صيام الفريضة لا يجوز لك أن تفطر إذا شرعت فيه، وصيام النافلة أنت أمير نفسك إن شئت أكملت وإن شئت أفطرت، فهناك اختلاف من وجوه عديدة، فلا يجوز أن تجمع بين نيتي الفريضة والنافلة، إنما يجوز أن تجمع بين نيتين في النافلة، فلك أن تصوم إثنين وخميس مع صيام الست من شوال، يعني: أن يكون صيامك في شوال كل إثنين وخميس يجوز، وهكذا صيام ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر الثلاثة أيام القمرية، يجوز أن تجعلها من الست من شوال، ولا بأس بهذا.
وأما هل يقدم القضاء أولاً أم صيام الست من شوال؟ فرأي الجمهور القضاء أولاً؛ إذ هل من المعقول أو من المنقول أن أكون علي دين لك ثم أتصدق أو أقرض؟! فوفاء الدين أولاً، وكما قال علماؤنا: الحديث يحمل الإجابة: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال)، والذي عليه قضاء أيام من رمضان ما صام رمضان، فيلزمه القضاء أولاً.
3 - الواجبات تقدم في الوفاء بها، قال تعالى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84]، فالتعجيل بأداء الواجب هذا هو الأصل، والله تعالى أعلم.
(41/16)
________________________________________
العدة شرح العمدة [42]
لكل نسك من الأنساك الثلاثة في الحج صفة معينة، فالمفرد يحرم بحج وحده، والقارن يحرم بحج وعمرة، والمتمتع يحرم بعمرة في أشهر الحج متمتعاً بها إلى الحج، فإذا بدأ الحاج والمعتمر في التلبية شرع له رفع الصوت بها، إلا المرأة فلا يشرع لها رفع الصوت، ويشرع أن يكثر منها خاصة إذا رقى مرتفعاً أو هبط وادياً أو لقي ركباً وبعد الصلوات المكتوبة، ويكون هذا حاله حتى يدخل مكة.
(42/1)
________________________________________
كيفية أنواع النسك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: لا زلنا مع كتاب الحج والعمرة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
قال: [والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج].
الحاج المتمتع يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، هذه هي أشهر الحج.
وربنا يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197]، فمن أدى العمرة في هذه الأشهر: في شوال أو ذي القعدة أو العشر الأوائل من ذي الحجة ثم بقي في مكة وأحرم بالحج يسمى: متمتعاً.
وهنا

السؤال
رجل من مصر أدى العمرة في شهر رمضان وبقي في مكة إلى أن جاء الحج فأحرم بالحج، هل يعتبر متمتعاً؟

الجواب
لا؛ لأنه أدى العمرة في رمضان وليس في أشهر الحج، فالمتمتع هو من يؤدي العمرة في أشهر الحج.
وهنا سؤال آخر: رجل أدى العمرة في شوال وهو من جدة ثم عاد إلى جدة وأحرم بالحج في ذي الحجة، فهل هو متمتع أم مفرد؟

الجواب
في هذا خلاف بين العلماء، فهو من جدة وأدى العمرة في شوال، وشوال من أشهر الحج، لكنه عاد إلى بلده ثم أتى من بلده محرماً بحج، فلا يعد متمتعاً؛ لأنه يشترط في المتمتع أن يبقى في مكة.
أيضاً سؤال آخر: رجل من مصر أدى العمرة في شهر ذي القعدة ورجع إلى مصر ثم عاد إلى مكة لأداء مناسك الحج، هل هو متمتع؟ لا يسمى متمتعاً؛ لأنه عاد إلى وطنه.
إذاً: المتمتع هو من يؤدي العمرة في الحج ويبقى في مكة، فإن أدى العمرة في أشهر الحج وبقي في مكة إلى أن جاء الحج ولبى بالحج يسمى متمتعاً، وإن عاد إلى بلده ثم لبى بحج بعد أن أتى موسم الحج أو في ذي الحجة فنقول: هو مفرد وليس بمتمتع.
ولو أن رجلاً أدى العمرة في رمضان وبقي في مكة إلى أن جاء الحج، فلبى بحج في يوم الثامن من ذي الحجة فيسمى مفرداً؛ لأنه أدى العمرة في أشهر ليست هي أشهر الحج.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه، والإفراد: أن يحرم بالحج وحده، والقران: أن يحرم بهما معاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج].
نسك الحج: تمتع، وإفراد، وقران.
والنبي عليه الصلاة والسلام حج قارناً بلا خلاف، وتمنى أنه لو حج متمتعاً فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)، وهذا معناه: أنه يجوز لمن لبى بحج أن يدخل على الحج العمرة، وليس العكس عند الإمام أحمد، فعنده لا يجوز إدخال العمرة على الحج، وإنما يجوز إدخال الحج على العمرة؛ لأن الصحابة الذين حجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام حجوا قارنين فلما أدوا العمرة أمرهم أن يتحللوا ويدخلوا الحج على العمرة.
وهم في الميقات ما لبوا متمتعين وإنما لبوا قارنين، فأمرهم بالتحلل وأن يجعلوها عمرة، وأن يدخلوا عليها الحج.
قال الشارح: [ويستحب أن ينطق بما أحرم به ليزول الالتباس، وتتأكد النية كما قلنا، ويشترط لما سبق من حديث عائشة وابن عباس].
يعني: هنا المذهب يرى جواز النطق بالنية، فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجاً، أو لبيك حجاً وعمرة، هذا نطق بالنية عند الإحرام ليبين النسك الذي أراد، وبعض العلماء يرون أن التلفظ بالنية حتى في الحج لا يجوز؛ لأن النية من أعمال القلب ولا تنصرف إلى الجوارح، والتلفظ بالنية يخالف المنقول ويخالف المعقول، يعني: هل رأيتم رجلاً حينما يخرج من بيته يتلفظ بما يريد أن يفعل فحينما يذهب إلى عمله يقول: باسم الله نويت الذهاب إلى العمل، أو إذا وضعت المائدة بين يديه يقول: باسم الله، نويت طعام الغداء؟ لا يمكن ذلك.
وكل الأعمال تحتاج إلى نية، والنية من أعمال القلب التي ينعقد عليها القلب فلا يصح لإنسان أن يتلفظ بالنية قبل عمله.
فالنسك ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران، وإذا أردت أن أحج متمتعاً فألبي بعمرة في الميقات: لبيك عمرة، ثم أؤدي العمرة، وأنتظر إلى يوم الثامن من ذي الحجة فألبي بحج، فأؤدي العمرة منفردة والحج منفرداً، وهذا جاء في القرآن: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196].
إذاً: المتمتع يؤدي العمرة منفردة ثم يتحلل ويبقى على تحلله، ويجوز له كل شيء إلى أن يأتي الثامن من ذي الحجة فيلبي بحج.
أما المفرد فيقول في الميقات: لبيك حجاً، فلا يلبي إلا بالحج ويأتي بمناسك الحج في موسم الحج، هذا حج مفرد.
أما القارن ففي الميقات يقول: لبيك حجاً وعمرة، ويؤدي طواف القدوم، ثم السعي إن أراد ويبقى على إحرامه ولا يتحلل أبداً إلى أن يرمي جمرة العقبة في يوم العيد، يعني: القارن يظل لابساً لإحرامه طول النسك ولا يتحلل أبداً؛ لأنه قرن بين حج وعمرة.
وكل من المتمتع والقارن عليهما هدي، وأما المفرد: فليس عليه هدي.
قال المصنف رحمه الله: [ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد
(42/2)
________________________________________
كيفية التلبية
ثم قال: [فإذا استوى على راحلته لبى فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، والتلبية في الإحرام مسنونة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر برفع الصوت بها، وأقل أحوال ذلك الاستحباب.
وروى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا)، رواه ابن ماجه.
ويستحب أن يبدأ بالتلبية إذا استوى على راحلته؛ لما روى أنس وابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل) أخرجه البخاري.
وقال ابن عباس: (أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل)، يعني: لبى، ومعنى الإهلال: رفع الصوت من قولهم: استهل الصبي إذا صاح].
أهل يعني: رفع صوته بالتلبية؛ لأنهم كانوا إذا رأوا الهلال صاحوا بأعلى أصواتهم، ومنه استهلال الطفل صارخاً، نقول: استهل الغلام، يعني: رفع صوته؛ وهنا نقطة مهمة جداً يبينها ابن تيمية: أن الهلال لا نسميه هلالاً إلا إذا استهل به أهل الأرض وصرخوا به، يعني: عرفوه، وأخبر بعضهم بعضاً أن الهلال قد ظهر وبدا.
فلو ولد الهلال ولم يستهل به لا يسمى هلالاً.
إذاً: هنا نقول: العبرة في ثبوت الهلال هي استهلال الناس به وليس ميلاده.
ولذلك إذا استهل الصبي صارخاً بعد مولده تثبت له الأحكام الشرعية، فإذا استهل صائحاً بعد ميلاده ثم مات يرث؛ لأنه ثبتت له الحياة باستهلاله صارخاً، فالاستهلال هذا يثبت له به أحكام شرعية، أما إن نزل من بطن أمه ميتاً فلا يثبت له الميراث؛ لأنه لم يستهل صارخاً.
ثم قال: [والأصل فيها أنهم كانوا إذا رأوا الهلال صاحوا فيقال: استهل الهلال، ثم قيل لكل صائح: مستهل.
وإنما يرفع صوته بالتلبية؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية)].
رفع الصوت بالتلبية هذا بالنسبة للرجال، أما بالنسبة للنساء فتسمع المرأة نفسها ولا ترفع صوتها، وكان الصحابة إذا ما أحرموا عند الميقات بقوا يلبون حتى تذهب أصواتهم، أما نحن فأول ما نحرم من الميقات حتى نصل إلى الكعبة لا أحد يلبي إلا من رحم الله، وإذا لبى أحد الناس تعجب الناس منه وقالوا: ماذا يصنع هذا؟ فالمحرم يرفع الصوت بالتلبية إلى أن يبلغ الكعبة وحينئذ تنقطع التلبية إن كان معتمراً، وبعض الناس لا يلبي إلا إذا دخل مكة، وهذا غير صحيح، فالسنة: أنك بعد الإحرام من الميقات تستمر في تلبية، وانظر إلى فعل ابن عمر؛ فقد كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية فلا يأتي الروحاء حتى يضمحل صوته.
وفي الحديث: (أفضل الحج العج والثج)، والعج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدماء.
وقال ابن عباس: رفع الصوت زينة الحج، فزينة الحج أن يرفع صوته بالتلبية فيلبي بعد إحرامه.
قال: [ولا يجهد نفسه في رفع الصوت زيادة عن الطاقة؛ لئلا ينقطع صوته فتنقطع تلبيته].
يعني: أن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، فتجد بعضهم أول ما يأتي الميقات يحرم ويرفع صوته فوق الطاقة فلا يلبث إلا قليلاً حتى يذهب صوته، فلا رفع فوق الطاقة ولا خفض بحيث لا يسمع أحداً، وإنما تلبية بصوت معتدل.
ثم قال: [وجاء في الصحيحين عن ابن عمر: (أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)].
والتلبية مأخوذة من قولهم: لب بالمكان إذا لزمه].
يعني: إذا لزم المرء مكاناً يسمى لب بالمكان، يعني: لزم المكان وأقام به ولم يفارقه، فتقول: أنا يا رب! ملازم لطاعتك، ومفارق للمعصية.
ثم قال: [فكأنه قال: أنا مقيم على طاعتك وأمرك غير خارج عن ذلك ولا شارد عليك].
كرر لفظ (لبيك) لأنه أراد إقامة بعد إقامة، يعني: أنا أستجيب لأمرك إجابة تلو إجابة.
(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك) يعني: ألبي لأنك لك الحمد، ويجوز: (إن الحمد والنعمة لك) أي: الحمد لك، فتكون (إن) أعم و (أن) أخص؛ ولذلك ابن حجر يقول: (ربنا ولك الحمد) عند الاعتدال من الركوع أفضل من: (ربنا لك الحمد)؛ لأن فيها ثناءين على الله عز وجل: الثناء الأول: (ربنا) أثبت أن الله رب، الثناء الثاني: (ولك الحمد)، وأما (ربنا لك الحمد) فجملة واحدة، إذاً: الأولى أفضل، هذا كلام ابن حجر، وهذا صحيح.
(42/3)
________________________________________
استحباب الإكثار من التلبية
قال: [ويستحب الإكثار منها على كل حال؛ لما روى ابن ماجه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يضحي لله ويلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كيوم ولدته أمه)، ويستحب رفع الصوت بها؛ لما سبق، ولا يستحب ذلك للنساء؛ لأنهن عورة، فالإخفاء في حقهن أستر لهن].
المرأة تلبي فلا تسمع إلا نفسها.
وصوت المرأة ليس بعورة، لكن إن ارتفع الصوت عن الحد المطلوب فيعتبر فتنة، إنما قولنا: صوت المرأة عورة هذا الكلام غير صحيح من وجوه كثيرة شرعية، فإن الله عز وجل قال في سورة البقرة: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة:282].
فإذا كنت مديناً لك وكتبنا الدين واستشهدنا رجلاً وامرأتين على الورقة، فجحدت الدين وأنكرته، فرفع الأمر إلى القاضي، والقاضي طلب الشهود الرجل والمرأتين وسألهم: هل أقرض هذا الرجل هذا الرجل بهذه الورقة؟ فهل تجيب المرأة أم تتنحنح لأن صوتها عورة؟ هذا لا يمكن أبداً، فالقرآن أباح لها أن تشهد، إذاً: هنا نقول: صوتها ليس بعورة.
ولننظر في حديث البخاري: (هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت يا رسول الله؟! قال: نعم، إذا رأت الماء) وقالت النساء: (يا رسول الله! اجعل لنا يوماً كما للرجال أياماً).
إذاً: تحدثن، وقد ثبت هذا من طرق عدة لكن المنهي عنه هو الخضوع بالقول، قال عز وجل: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب:32]، إذاً: المنهي عنه هو الخضوع، وإنما المطلوب أن يكون صوتها على طبيعته، وبعض الإخوة يأمر زوجته -وهذا غير شرعي- أنها تخشن الصوت، وإذا تكلمت لا تعرف هل هي رجل أم امرأة، وهذا غير صحيح، بل اتركها على طبيعتها فلا تلين ولا تغلظ، فالمنهي عنه للمرأة الخضوع بالقول وليس النهي عن القول.
فصوت المرأة ليس عورة إلا إذا كان في معصية الله، أما إذا كان في الطاعة فنأمرها أن تخفض الصوت، فما بالك بالمعصية بأن تقف وتغني وتهيج الدنيا؟! نسأل الله العافية.
قال المصنف: [وهي آكد -يعني: التلبية- إذا علا نشزاً].
النشز: العلو والترفع، ومنه النشوز، قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء:34] النشوز هنا: العلو والترفع على الرجل، ومنه نشزت الأرض، أي: ارتفعت، وأرض ناشزة، يعني: مرتفعة.
فنشوز المرأة: ترفعها على الزوج، فلا تسمع له كلاماً، ولا تطيع له أمراً.
فتتأكد التلبية إذا علا مكاناً مرتفعاً.
قال المصنف: [أو هبط وادياً أو سمع ملبياً أو فعل محظوراً ناسياً أو لقي ركباً وفي أدبار الصلوات المكتوبة وبالأسحار].
هذه أوقات يستحب فيها أن يكثر من التلبية؛ لحديث جابر، وحديث جابر بن عبد الله في مسلم هو العمدة في حجة الوداع؛ لأنه روى الحج كما رآه في صفحتين أو ثلاث في صحيح مسلم، فحديث جابر هو مرجعنا في حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي في حجته إذا لقي ركباً أو علا أكمة أو هبط وادياً وفي أدبار المكتوبة ومن آخر الليل).
قال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة وإذا هبط وادياً، وإذا على نشزاً، وإذا لقي ركباً، وإذا استوت به راحلته.
(42/4)
________________________________________
العدة شرح العمدة [43]
إذا أحرم المحرم لحج أو عمرة فإنه يلزمه عند ذلك ترك أمور تسمى محظورات الإحرام، كحلق الشعر وقص الأظفار ولبس المخيط ومس الطيب وإتيان النساء ونحوها، ومن هذه المحظورات ما لا يلزمه فدية ومنها ما يلزمه فدية، ومنها ما يلزمه فدية مغلظة.
(43/1)
________________________________________
باب محظورات الإحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب محظورات الإحرام: وهي تسعة].
المحظور بمعنى: الممنوع، قال تعالى: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء:20] يعني: ممنوعاً.
فيحظر على المحرم تسعة أشياء، والنساء تشترك مع الرجال في بعض هذه المحظورات وينفرد الرجال ببعضها.
قال: [الأول والثاني: حلق الشعر وقلم الظفر.
الثالث: لبس المخيط.
الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه.
الخامس: الطيب في بدنه وثيابه.
السادس: قتل الصيد.
السابع: عقد النكاح حرام، ولا فدية فيه.
الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج.
التاسع: الوطء في الفرج].
وأذكرها بالتفصيل: المحظور الأول: حلق الرأس، يحظر على المحرم أن يحلق رأسه، أو أن يأخذ من شعره، وهذا في حق المرأة والرجل.
المحظور الثاني: قلم الظفر، يعني: تقليم الأظافر.
قال المصنف: [ففي ثلاثة منها دم].
والمذهب هنا مرجوح ضعيف؛ لأنه فرق بين الثلاث شعرات وما زاد عن ثلاث، لكنني سأقرأ ثم أبين الراجح إن شاء الله تعالى.
(43/2)
________________________________________
فدية ارتكاب محظور من محظورات الإحرام
قال المصنف: [ففي ثلاثة منها دم، وفي كل واحد مما دونها مد طعام وهو ربع الصاع].
بمعنى: لو أن رجلاً أخذ من رأسه وهو محرم ثلاث شعرات فأكثر فعليه دم، فإن أخذ شعرتين ففي كل شعرة مد، والمد ربع صاع، فكأنه قال: الشعرة الأولى عليها مد والشعرة الثانية مد والشعرة الثالثة مد، فإذا زاد عن هذا الحد يلزمه دم، ولكن هذا الكلام فيه تكلف، والشيخ ابن عثيمين يرى أن المحظور هو حلق كل الرأس، أما شعرة وشعرتان وثلاث فما سمعنا بهذا.
فمثلاً: رجل محرم حك رأسه فنزلت أربع أو خمس شعرات مرة واحدة، فهل نقول له: عليك دم؟ هذا كلام ما ينبغي، فالمحظور على المحرم أن يحلق كل الرأس؛ لأن الله قال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة:196].
والمذهب أيضاً قاس على شعر الرأس كل الشعور، فإن أخذ من شعر صدره أو قدمه أو أي مكان من جسده ثلاثاً أو أربعاً أوجبوا عليه الدم.
فأقول: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر، قال تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196].
وروى البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لعلك تؤذيك هوام رأسك؟) الحديث.
فـ كعب بن عجرة كان فيه مرض جلدي في رأسه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (احلق رأسك يا كعب!)، يعني: أذن له أن يحلق وهو محرم، لكنه أمره بفدية، وفدية حلق الرأس للمحرم هي: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو اذبح شاة).
إذاً: (أو) على التخيير وليس على الترتيب، فإذا جاءك رجل وقال: أنا عندي ألم في رأسي وأريد أن أحلق، فقل له: احلق لكن يلزمك فدية، والفدية هي صيام ثلاثة أيام، لكن هل يشترط أن يصوم هذه الثلاثة الأيام في الحج؟ أو يشترط أن يصوم جزءاً منها في الحرم وجزءاً إذا عاد؟

الجواب
يصومها متى شاء وأينما شاء، هذا طالما أنها فدية فعل محظور، وأما فدية ترك الواجب فكما قال تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة:196].
قال: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو اذبح شاة) كلمة: (أو) للتخيير، فأنت مخير، وسنأتي إلى الفدية في باب مستقل ونشرحها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
قال: [وهذا يدل على أن الحلق قبل ذلك محرم، وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء].
قولهم في المذهب: (وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء) فيه تكلف؛ لأنهم ساووا بين شعر الرأس وشعر الصدر وشعر اليد وشعر القدم.
فإذا أخذ رجل من قدمه شعرات يلزمونه بدم، وهذا كلام لا ينبغي، ولا نقبله؛ لأنه ليس عليه دليل، فنقول: حلق شعر الرأس فقط يلزمه الفدية.
وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر؛ لأن قطع الأظفار إزالة جزء أحرم به، فحرم كإزالة الشعر، إلا أن ينكسر فله إزالته من غير فدية، وقد قالوا عن الأظافر ما قالوا عن الشعر، يعني: الظفر الواحد فديته مد، الظفران مدان، الثلاثة ثلاثة أمداد، والأربعة دم، وهكذا إذا زاد عن ثلاثة فعليه دم.
قال الشارح: [قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر؛ لأنه يؤذيه ويؤلمه أشبه الشعر يطلع في عينه، والصائل يصول عليه.
والقدر الذي يجب فيه الدم: أن يحلق ثلاث شعرات فصاعداً.
قال القاضي: هذا المذهب؛ لأنه شعر آدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق، فجاز أن يتعلق به الدم كالربع.
وعنه: أن القدر الذي يجب به الدم أربع شعرات، وهو اختيار الخرقي؛ لأنها كثير فوجب بها الدم كالربع فصاعداً].
هذا الكلام في الحقيقة أيضاً كما ذكرنا مرجوح، والراجح أن الفدية واجبة بحلق الشعر، وهي على التخيير.
قال الشارح: [وفي كل واحدة فما دونها مد من طعام يكون ضماناً لها، يعني: ما دون الثلاث؛ لأن ما ضمنت جملته ضمنت أبعاضه كالصيد، وعنه: في كل شعرة قبضة من طعام، روي ذلك عن عطاء، وعنه في الشعرة درهم، وفي الشعرتين درهمان، والأول أولى، لما سبق، والأظفار كالشعر ومقيسة عليها].
والحقيقة: هنا تفصيله في هذا الكلام ليس عليه دليل، فإذا انكسر ظفر من الحاج أو المعتمر فأزاله فلا شيء عليه.
وهكذا إن أخذ من أظفاره شيئاً ناسياً فلا شيء عليه؛ لأن الرجل الذي تطيب وهو محرم أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يضع الطيب عن نفسه، وما أمره بفدية؛ لأنه جاهل، فقد يرتكب المحظور جاهلاً وقد يرتكب المحظور ناسياً، وهناك محظورات يعفى عنها إن نسي ومحظورات لا يعفى عنها سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى.
وإن خرج في عينه شعر فقلعه أو نزل شعره فغطى عينيه أو انكسر ظفر فقصه فلا شيء عليه.
فالمحظور أن يأخذ متعمداً، أما لو نسي رجل فأخذ من ظفره ناسي
(43/3)
________________________________________
حكم لبس المحرم للمخيط
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثالث: لبس المخيط].
يحظر على المحرم أن يلبس المخيط، وهذا للرجل فقط، أما المرأة فتحرم في ملابسها، فهذا المحظور يخص الرجل.
والمخيط عندنا هو ما يفصل على الجسد؛ لأن البعض يظن أن المخيط ما كان به خيط، وهذا جهل مركب، فإن في كل الثياب خيط، حتى في الإزار الذي يلبس، وفي الحزام الذي يربط، وفي الخف الذي يلبس، فهذا ليس معناه أن يخلعوا الساعات لأن حزامها جلد فيه خيط.
فهي من المخيط؛ ففهموا أن المخيط هو كل ما فيه خيط، وليس كذلك فإن المخيط هو ما يفصل على الجسد.
ثم قال: [إلا ألا يجد إزاراً فيلبس السراويل] والإزار للمكان الأسفل، والرداء للمكان الأعلى، فإذا لم تجد إزاراً فالبس السروال الذي ليس مخيطاً، وليس السروال المفصل على الجسد مثل (البيجامة) ونحوها.
فالمحرم إن لم يجد الإزار يلبس السروال وإن لم يجد نعلين فيلبس خفين، لكن شريطة أن يجعل الخفين تحت الكعبين، والكعب: هو النتوء الذي يبرز من اليمين واليسار في القدم، يلبس بحيث يكون حائط الخف أسفل الكعب ولا يعلو ذلك.
قال الشارح: [أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القميص والسراويل والخفاف والبرانس].
ننتبه من إجماعات ابن المنذر، قال علماؤنا: لا تعتد بإجماع ابن المنذر ولا تصحيح الحاكم ولا وضع ابن الجوزي، فـ ابن الجوزي متساهل ممكن يقول على حديث في مسلم: موضوع، فلا تعتد به.
والحاكم يصحح بسهولة، وابن المنذر يتساهل في نقل الإجماع، فأحياناً يقول: أجمعوا ولا إجماع، فإجماعات ابن المنذر في كتابه تحتاج إلى استئناس من ناقل آخر، يعني: لا تقل: المسألة فيها إجماع ودليلي أن ابن المنذر نقل الإجماع؛ لأن ابن المنذر يحتاج إلى من يكون بجنبه يؤيد نقله.
وكذلك أيضاً هنا ابن قدامة قال: وأجمع العلماء، وهذه المسألة ليس فيها إجماع، وكلمة إجماع قد تطلق ويراد بها إجماع أهل المذهب أو إجماع أهل المصر أو إجماع علماء معينين وهكذا.
قال الشارح: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القمص والسراويل والخفاف والبرانس.
والأصل في هذا ما روى ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يلبس المحرم من الثياب؟)].
والحديث هذا متفق عليه.
فهذا الرجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم من ثياب، والأصل أن يلبس كل شيء، والمحظور لبس أشياء معينة، فعدد له ما لا يلبس وهذه إجابة حكيم صلى الله عليه وسلم، فالسؤال عما يلبس، فأجابه بما لا يلبس والباقي يلبسه، فقال: (لا تلبس القمص)، والقميص للرجل والجلباب للمرأة، قال تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59].
قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم)، فغطاء الرأس لا يجوز، وبعض المحرمين إذا ما نام وهو محرم يلتف بالبطانية ويدخل رأسه تحتها، وهذا لا يجوز؛ لأنه غطى الرأس.
والبعض أيضاً يضع على أنفه الكمامة ثم يرفعها إلى أعلى رأسه ويضعها مثل الطاقية على رأسه ويمشي، وهذا أيضاً غطى جزء من الرأس لا يجوز.
وفي مرة من المرات في مطار جدة كانوا يعطون حقن تطعيم للحاج الذي لم يطعم، فرأيت رجلاً يأتي بكالونيا ويمسح مكان الحقنة للمحرم، وهذا طيب، فانظروا إلى المحظورات التي ترتكب.
ومحرم آخر أتى بصابونة (لوكس) ودخل يغتسل بها، وهذا طيب لا يجوز، وهكذا معجون أسنان برائحة هذا لا يجوز إلى غير ذلك من المحظورات التي تقع بغير عمد أو بغير دراية.
قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس)، البرانس هي غطاء الرأس، فإن لم يجد قميصاً فيلبس سروالاً، والسراويلات المفصلة على الجسد لا تجوز، والسروال الفضفاض الواسع يلبسه في حالة عدم وجود الإزار أو الرداء.
قال: (ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، يعني: الطيب، متفق عليه.
يعني: لا تلبس من الثياب شيئاً مسه الزعفران، ولذلك ذكرنا قبل ذلك: أن المحرم حينما يحرم يطيب المغابن والمفارق ولا يطيب الإحرام، فيضع عليه طيباً كما يفعل البعض.
قال الشارح: [وروى ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: (من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سروايل المحرم) متفق عليه، وهو ظاهر في إسقاط الفدية؛ لأنه لم يذكرها].
إذاً: محظورات الإحرام تسعة.
ذكرنا منها ثلاثة، ويبقى ستة، ذكرنا منها حلق الرأس ثم تقليم الأظافر ثم لبس المخيط.
وإن شاء الله نكمل بعد
(43/4)
________________________________________
الأسئلة
(43/5)
________________________________________
حكم إجابة النساء على أسئلة المسابقة مع سماع الرجال

السؤال
في أحد المساجد كانت هناك مسابقة دينية وكانت النساء ترد على الأسئلة ويسمعها الحضور، فهل هذا يجوز أم لا؟ لأني منعت من هذا الفعل فهاجمني الحضور، فهل أخطأت أم لا؟ وما هو الحكم الصحيح؟

الجواب
المرأة يجوز لها أن تجيب لكن دون أن تخضع بالقول، لكن لا ينبغي للحضور أن يهاجموك، وهذا مهم جداً أيها الإخوة الكرام.
نحن بحت أصواتنا في عدم التكفير وفي عدم الخروج على ولي الأمر وفي عدم إحداث تفجيرات وقتل النفوس البريئة حتى وإن كانت كافرة، والكلام هذا نقوله منذ عشرين أو خمس وعشرين سنة.
والآن أرباب الجماعات الإسلامية ألفوا خمسة كتب توزع وتباع يعودون فيها إلى ما ذكرنا بعد أن بحت الأصوات، فلا داعي لأن نختلف.
وأما هل للمرأة أن ترد إذا سئلت؟ فالنساء الصحابيات فعلن ذلك، لو أني سألت الأخوات الحاضرات وقلت للأخت أم عبد الله أو الأخت أم محمد: هل فعلت كذا؟ فقالت: نعم، فعلت يا شيخ.
فيجوز ذلك وليس فيه مخالفة.
(43/6)
________________________________________
حكم تنظيم الحمل

السؤال
رجل يحب الأولاد، اختلف هذا الرجل مع زوجته بعد المولود الأول حول الفترة المناسبة للمولود الأول والمولود الثاني، فهل يجعل الفترة سنة؟

الجواب
يجوز للمرأة أن تأخذ فترة راحة بين المولود الأول والثاني مدة الرضاعة على الأقل، قال عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة:233] وكونها تحمل وهي ترضع هذا يضعف المولود الجديد، وأما كونه يحب الأولاد فهل يريد في كل تسعة أشهر أن تأتي له بواحد؟ ما هذا الكلام؟ نسأل الله العافية، فلابد أن ترضع المدة الشرعية.
قال العلماء: إن حملت المرأة وهي ترضع فإنه يؤثر ذلك على الجنين؛ لأنه لا يتغذى، فلا ترضع وهي حامل، فيجوز في الحولين أن تستريح المرأة في مدة الرضاعة.
(43/7)
________________________________________
حكم سفر المرأة مع نساء من غير محرم

السؤال
هل يجوز للمرأة أن تسافر للحج مع أخوات صالحات؟

الجواب
لا يجوز للمرأة أن تسافر مع غير محرم.
(43/8)
________________________________________
تقييم كتاب: تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي

السؤال
ما قولكم في كتاب السمرقندي؟

الجواب
وجدنا عليه ملاحظات، وفيه أحاديث موضوعة وضعيفة كثيرة؟
(43/9)
________________________________________
الرد على من يتهمون علماء أهل السنة المعاصرين بأنهم على عقيدة اليهود

السؤال
هناك على النت مجموعة من الصوفية يرسلون صورة الشيخ الألباني وابن باز وابن عثيمين ويقولون للناس: احذروا شياطين نجد الثلاثة، فهؤلاء الوهابيون على عقيدة اليهود؟

الجواب
الحقيقة دفع إلي أخ نيجيري كتاباً في الأسبوع الماضي أعد له رداً وهو العلاقة بين اليهودية والوهابية.
يقولون: إن الشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني والدارمي وحافظ حكمي وبعض علماء السلف كلهم على عقيدة اليهود؛ لأنهم يشبهون الله بالمخلوق، والذي ألف الكتاب أبى أن يكتب الاسم وكتب على الكتاب: إعداد فريق باحثين.
فلماذا لا تكتب الاسم؟ وهؤلاء الذين يقولون عن علماء أهل السنة: احذروا هؤلاء العلماء، هؤلاء يا أخي الفاضل لا وزن لهم عند الناس، هؤلاء يا أخي الفاضل! لا يعرفون شيئاً، لا يعرفون كيف يخرجون حديثاً، ولا يعرفون الفرق بين حلقة الذكر والرقص.
ولهم في ذلك عجائب، منها أن امرأة قال لها أحدهم: أنا عينتك وصيفة لسيدنا الخضر، يعني: معاونة لسيدنا الخضر! فهؤلاء يا أخي في الله واهمون، وهؤلاء لا يعرفون أركان الصلاة ولا واجبات الصلاة، ويقولون: نحن أرباب العلم اللدني، العلم الباطن علم الإلهامات! قابلني أحدهم في الفجر يوماً فقال: لا زال اللبن في فمي، الرسول سقاني لبناً في المنام! وذهبت إلى بيته وقد علق صوراً للأقطاب والأوتاد والمشايخ، وكل واحد في وضع غريب، فيا أخي استحي أن تعلق الصور هذه.
وهكذا تجد هؤلاء أصحاب مخدرات وحشيش ونحو ذلك، وتجد المرأة منهم في احتفال المولد بجانب الرجل، بل وتسافر معه، فما هذه المصيبة؟ وأين المحرم؟ يخرجون مختلطين ويظنون أنهم من أولياء الله الصالحين وهكذا، فأفهمونا أن الدين دروشة.
فالدين علم بالدليل، والذي يقدح في هؤلاء العلماء يقدح في أبي بكر وعمر؛ لأن هؤلاء لم يأتوا بجديد، إنما أتوا بما أتى به الصحابة والتابعون، فلذلك اجعل المرجعية إلى سلفك، يعني: إن كان للشيخ ابن باز رأياً فله في السلف نظير في قوله، فيا عبد الله هل أتى الرجل بجديد في الدين لم يقله أحد من السلف؟ أم أنه على عقيدة الإمام مالك وعقيدة الإمام أحمد وعقيدة أبي حنيفة.
لذلك هذا المجرم مؤلف الكتاب لما جاء إلى كتاب السنة لـ ابن حنبل والكتاب فيه إثبات صفات الله، وعدم تأويلها وإثباتها بلا كيف، وهذه عقيدة ابن حنبل في كتابه السنة، قال: وفي الكتاب المنسوب زوراً إلى ابن حنبل! فيريد أن يبطل هذا الكتاب، وإذا نفى هذا عن ابن حنبل ماذا يقول في عقيدة مالك رضي الله عنه وعقيدة أبي حنيفة وعقيدة الشافعي؟ فدائماً هم يسبون سلفهم دون أن يشعروا، وهذا حقد دفين.
وهؤلاء للأسف الشديد هم الذين يرتقون المناصب وتفتح لهم الأبواب ويتحدثون إلى العوام، وتجد منهم من يأتي في إحدى القنوات التلفزيونية ويقول: البارحة جاءني سيدي في النوم وخبطني خبطة طيرني على الأرض، ويقول: ما كنت أستطيع الإنجاب فجاءني الرسول صلى الله عليه وسلم فجعل يدلك في ظهري وفي الآخر خبطني، والصبح وجدت امرأتي حاملاً.
وآخر يقول: يا شيخ! وأنت ذاهب إلى العمرة لا تنس أن تسلم على سيدي، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الجميع عليه الصلاة والسلام رغم أنوفنا، فقلت: سمعاً وطاعة يا دكتور، فبعد أن أتيت قال لي: سلامك وصل، فقلت: كيف؟ قال: جاءني في المنام وأخبرني! فهؤلاء يعتمدون على المنامات والخزعبلات، حتى أنهم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من قبره فيصافحهم، ويذهب إلى عرفة ويأتي إلى ميدان الحسين في القاهرة، هذا ما كتبه أحدهم، وهم إلى الآن يعتقدون هذا، قال قائلهم: رأيت المصطفى كالبدر يأتي يزور حسينه حيناً وحيناً يخرج من القبر يزورهم ويعود مرة أخرى إلى المدينة، ولذلك هم يعتقدون أنهم يقابلون النبي في الحياة، يعني يجتمعون به صلى الله عليه وسلم ويجتمعون مع الأقطاب والأوتاد ونحو ذلك!
(43/10)
________________________________________
الرد على من يطعن في صحة حديث: ولوغ الكلب في الإناء

السؤال
استمعت إلى برنامج ديني في التلفزيون لشيخ ذكر حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب)، ذكر الشيخ هذا الحديث وقال: الكلام هذا كلام فاضي؟

الجواب
هؤلاء يا أخي الفاضل معتزلة، يعرضون النص على عقولهم فما قبلت قبلوه وما لا فلا.
وهذا الرجل علماني صرف يقدح في البخاري منذ زمن، فلا داعي أبداً أن تقف عند هؤلاء، وهذا الرجل يقدح في أحاديث في البخاري، وهو إما أن يكذب النبي صلى الله عليه وسلم وإما أن يكذب البخاري.
وفي هذا الحديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً) في رواية: (أولاهن بالتراب) وفي رواية (إحداهن بالتراب)، وفي رواية (آخرهن بالتراب)، والراجح: (أولاهن)، كما حقق ذلك ابن حجر.
وأثبت العلم أن الكلب يفرز في لعابه أشياء لا تموت إلا بالتراب، وسواء أثبت العلم أولم يثبت العلم نحن نصدق قول نبينا، ولا نعتبر بقول هؤلاء العلمانيين، فهؤلاء يا عبد الله لا قيمة لأقوالهم، وصدق القائل: لو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار فهؤلاء واهمون وهؤلاء موتى القلوب، نسأل الله لهم الهداية.
(43/11)
________________________________________
العدة شرح العمدة [44]
الحاج أو المعتمر إذا دخل في النسك يحرم عليه إتيان أي محظور من محظورات الإحرام، وهي تتفاوت فيما بينها من حيث لزوم الفدية من عدمها، ومن حيث إفساد الحج والعمرة أو إبطالهما من عدمه، وهذه المحظورات يشترك فيها الرجل والمرأة إلا ما جاء الدليل باستثنائه كلبس المخيط للمرأة.
(44/1)
________________________________________
تابع محظورات الإحرام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: طبتم وطاب ممشاكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيكم خيراً على سعيكم لطلب العلم، ولا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب: محظورات الإحرام، ومع المحظور الرابع.
(44/2)
________________________________________
تغطية الرأس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تغطية الرأس والأذنان منه].
أي: أنه يحظر على المحرم أن يغطي رأسه، والأذنان من الرأس؛ لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يمسح رأسه في الوضوء مسحها مقبلاً ومدبراً، ثم مسح بفضل ماء رأسه أذنه، ولذلك تأخذ الأذنان حكم الرأس.
ما الدليل على أن تغطية الرأس تحظر على المحرم؟ عمدتنا في هذا حديث الرجل الذي وقصته دابته وهو محرم -وقصته يعني: ضربته في بطنه بعد أن وقع من عليها- فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه -والحديث في البخاري -: (لا تخمروا رأسه)؛ لأنه محرم، لأنه لما كان حياً فإنه لا يخمر رأسه فيترك كذلك على حاله وهو ميت، ويفهم منه: أن غير المحرم يغطى رأسه.
لذلك قال: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه، والأصل فيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس العمائم والبرانس، وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: (لا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) -الحديث أخرجه البخاري - علل منع تغطية رأسه ببقائه على إحرامه، فعلم أن المحرم ممنوع من ذلك، وكان ابن عمر يقول: (إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها)].
لماذا خص الرأس في الرجل والوجه في المرأة؟ لأن الأصل في الرجل أن يغطي الرأس، والأصل في المرأة أن تغطي الوجه، فكونه يكشف الرأس خرج عن مألوفه، وكونها تكشف وجهها خرجت عن مألوفها، ولكن حينما تخالط الرجال ينبغي لها أن تسدل الخمار على وجهها حتى لا تؤخذ هذه ذريعة في كشف الوجوه، وهذه حجة واضحة على أنهم كانوا يعلمون أن وجه المرأة لا يجوز أن يظهر.
يقول: [وأنه عليه السلام نهى أن يشد المحرم رأسه بالسير، وفائدة قوله: (والأذنان من الرأس) أي: يحرم تغطيتهما، وقد قال عليه السلام: (الأذنان من الرأس)].
والحديث في السلسلة الصحيحة.
(44/3)
________________________________________
الطيب في البدن والثوب
قال: [المحظور الخامس: الطيب في بدنه وثيابه].
يحظر على المحرم أن يتطيب في بدنه وثيابه.
[أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحلته: (لا تحنطوه)].
ومعنى (لا تحنطوه) أي: لا تطيبوه، فهنا نقول: قوله: (لا تحنطوه)، يشير إلى عدم جواز تطييبه وهو ميت، فمن باب أولى وهو حي.
[وفي لفظ مسلم: (لا تمسوه بطيب)، فلما منع الميت الطيب لإحرامه كان الحي أولى بذلك، وعليه الفدية لذلك، ومعنى الطيب: كل ما يعد للشم كالمسك والكافور والعنبر والغالية والزعفران وما أشبه ذلك مما تطيب رائحته].
ولذلك يحظر على المحرم أن يستخدم الصابونة ذات الرائحة، ومعجون الأسنان ذا الرائحة النفاذة، وكل الأشياء التي فيها طيب يحظر عليه أن يستخدمها، ومنها: ما تقدمه المضيفات على الطائرة للركاب من مناديل معطرة، فيستخدمها المحرم بعد الميقات وهذا لا يجوز، ولو كان الأمر بيدنا لقلنا: لا ينبغي أن توزع في موسم الحج والعمرة مناديل معطرة؛ لأن الناس لا تعرف الحكم، يطيبون عرقهم بهذه المناديل بعد الميقات وهذه مخالفة.
(44/4)
________________________________________
قتل الصيد
[السادس: قتل الصيد، وهو ما كان وحشياً مباحاً].
قتل الصيد جاء في القرآن دليل منعه وهو قول ربنا سبحانه: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:95]، وقال سبحانه: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة:96].
فلو أن رجلاً محرماً اصطاد صيداً من عرفة، ورجلاً غير محرم اصطاد صيداً من منى، ما حكم الأول وما حكم الآخر؟ عرفة من الحل، لكنه محرم، ويحظر عليه أن يصطاد من حرم أو من حل، وأما غير المحرم فقد اصطاد من منى وهي من الحرم؛ فيحظر صيد الحرم سواء لمحرم أو لغير محرم، إذاً: العبرة بالحكم الشرعي، إن اصطاد في حل وهو محرم لا ينبغي، وإن اصطاد في الحرم لا ينبغي؛ لأن من خصائص بلد الله الحرام أنه يمنع فيه الصيد.
قوله: (قتل الصيد وهو ما كان وحشياً)، الوحشي هو ما لا يقتنى في البيت.
فلو أن رجلاً محرماً اصطاد بطة فلا شيء عليه؛ لأن هذا لا يسمى صيداً، إنما الصيد هو الوحشي الذي لا يقتنى في الدار.
ولو أن رجلاً محرماً اصطاد حمامة فعليه فدية؛ لأن الحمامة الأصل فيه الطير، ولذلك قال: (ما كان وحشياً مباحاً)، مباحاً يعني: حلالاً، فإن كان محرماً فلا يجوز.
قال: [لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم، وقد قال سبحانه: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:95]].
ومن جانب آخر لو أن محرماً اصطاد من البحر سمكة فلا شيء عليه.
[وقال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة:96]].
فصيد البحر يجوز أما صيد البر فلا يجوز، وأما الأهلي فلا يحرم، والأهلي هو الذي يقتنى عند الأهل، يعني: يستأنس، تفتح الحظيرة ويبيت عندك وتقدم له الطعام والشراب.
هذا لا يعد صيداً، إنما هذا يسمى أهلياً، أما الوحشي فهو الذي لا تتحكم فيه.
[أما الأهلي فلا يحرم؛ لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الصيد، والحرام ليس بصيد أيضاً لأنه محرم].
إذاً: الذي يحرم على المحرم من الصيد هو الوحشي المباح البري، وأما المحرم فالأصل فيه أنه يحرم؛ لأنه محرم، فلو أن رجلاً اصطاد خنزيراً وهو محرم فهذا لا يجوز؛ لأنه يحرم عليه، فالأصل فيه أنه حرام.
قال: [وأما صيد البحر فإنه مباح، قال سبحانه: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة:96]].
وسنتحدث عن باب الفدية عن كل محظور وفديته، وهي تسعة محظورات لكل محظور فدية.
يستثنى للمحرم أشياء يقتلن في الحل والحرم، لحديث: (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فلو قتل المحرم حية فلا شيء عليه؛ لأن هذا خاص يقيد العام، وسنتحدث عن هذا بالتفصيل في باب الفدية.
(44/5)
________________________________________
عقد النكاح
هناك محظور ليس له فدية وهو عقد النكاح، فيحظر على المحرم أن يزوج نفسه أو يزوج غيره، قد يقول قائل: قد ورد حديث صحيح في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ميمونة وهو محرم فما تقولون فيه؟ أقول: للعلماء فيه أقوال، فمنهم من قال محرم يعني: في الأشهر الحرم.
وهو الصحيح، فليس معنى محرم أنه تلبس بالإحرام، وإنما عقد عليها وهو في الأشهر الحرم.
هذا هو الجمع بين النصوص التي لا يمكن أن تتعارض مع بعضها البعض.
قال: [السابع: عقد النكاح].
أي: عقد الزواج.
[لقوله عليه السلام: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب)].
ومعنى: (لا ينكح) أي: يتزوج، (ولا ينكح) يعني: يزوج، (ولا يخطب) يعني: لا يخطب لنفسه أو لغيره، وهذا يحدث من المسلمين، تراه محرماً، وإذا به يقول لمن رأى أنه يزوجه ابنته: إن عندي ابنة فما رأيك أن تتزوجها.
إنك محرم فلماذا تتكلم عن الزواج، ولكن المشكلة أنه لا يعرف أن هذا لا يجوز.
(44/6)
________________________________________
المباشرة لشهوة فيما دون الفرج
قال: [المحظور الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج].
رجل محرم باشر زوجته دون الفرج، يعني: قبل، مست بشرته بشرتها، لكنه لم يجامع.
قال: [فإن أنزل].
يعني: إن باشر وأنزل وهو محرم [فعليه بدنة]، وحجه صحيح؛ لأنه لم يباشر بالجماع، [وإن لم ينزل فعليه شاة].
إذاً: إن باشر دون الجماع فأنزل فيلزمه بدنة، وإن لم ينزل يلزمه شاة.
هذه الفدية.
قال: [وحجه صحيح].
والبدنة هي الناقة التي تجزئ أن تكون أضحية، لا عوراء ولا تولاء ولا عضباء ولا عرجاء ولا هتماء وهي التي لا أسنان لها، والعضباء: التي ليس لها قرن، والتولاء التي تدور في المرعى تتخبط، لابد أن تكون صحيحة من العيوب، فقولنا تجزئ أضحية، يعني: أن لها نفس شروط الأضحية.
قال: [وحجه صحيح لا نعلم أحداً قال بفساد حجه].
من باشر وأنزل أو لم ينزل طالما لم يجامع حجه صحيح وعليه فدية، إما بدنة وإما شاة.
[ولأنها مباشرة فيما دون الفرج تعرت عن الإنزال فلم يفسد بها الحج كاللمس، والمباشرة لا توجب الاغتسال فأشبهت اللمس؛ وعليه الفدية؛ لأنه هتك الإحرام بذلك الفعل، كما لو تطيب أو لبس المخيط؛ والفدية شاة؛ لأنها ملامسة لم يقترن بها الإنزال، فأشبه لمس ما دون الفرج، فأما إن أنزل فعليه بدنة؛ لأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة، كما لو كان في الفرج، وهل يفسد حجه بذلك؟ روايتين: إحداهما: لا يفسد نص عليه أحمد؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلا يفسد به الحج، كما لو لم ينزل، الثانية: يفسد نص عليه لأنها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصائم، واختارها أبو بكر والخرقي ومن نصر الأولى قال: الأصل عدم الإفساد، والجماع: هو الوطء في الفرج، ولا يصح إلحاق غيره به فإنه أعظم، ولذلك يختلف الحال فيما بين الإنزال أو عدمه، ويجب بنوعه الحد، ويتعلق به اثنا عشر حكماً، فكيف يلحق به ما دونه مع أن شرط القياس التساوي، ولا يصح القياس على الصيام، فإن الصيام يخالف الحج في المفسدات].
إلى آخره.
معنى هذا: أنه إن باشر ما دون الفرج فهناك احتمال أن ينزل أو لا ينزل، فإن أنزل فيلزمه بدنة، وإن لم ينزل فيلزمه شاة، لكن هل يفسد الحج؟ قال بعضهم: إن لم ينزل فلا فساد، وإن أنزل ففي المسألة روايتان عن الإمام: الرواية الأولى: أنه لا يفسد؛ لأنه لا يمكن أن يقاس على الجماع، والرواية الثانية: أنه يفسد، والرأي الراجح عدم الفساد.
(44/7)
________________________________________
الوطء في الفرج
قال: [المحظور التاسع: الوطء في الفرج].
يعني: الجماع، هنا نفرق بين أمرين، جامع قبل التحلل الأكبر، أم قبل التحلل الأصغر؛ لأن الحج فيه تحللان، التحلل الأول: وهو بعد رمي الجمرات، ثم يذبح ويحلق، يفعل في يوم النحر ثلاثة أمور، أولاً: يرمي الجمرة، ثم يذبح، ثم يحلق، وقد يؤخر طواف الإفاضة إلى أيام التشريق، هذا يسمى التحلل الأصغر، فإن جامع بعد التحلل الأصغر فله حكم، وإن جامع قبله فله حكم، وإن جامع بعد التحلل الأكبر حكم.
قال: [فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج، ووجب المضي في فاسده والحج من قابل].
يعني: إن جامع قبل أن يرمي جمرة العقبة وقبل أن يذبح وقبل أن يحلق فهو لم يتحلل التحلل الأول الأصغر، وإن جامع قبل هذا فسد حجه، يعني: بعد أن جاء من المزدلفة وقبل أن يرمي الجمرة، بعد أن وقف بعرفة وأدى النسك وفعل مناسك الحج، قبل أن يرمي الجمرة في يوم النحر جامع فحجه فاسد، ولكن يجب عليه أن يمضي في حجه حتى يتمه، ثم يلزمه وجوباً القضاء من العام القادم؛ لأن الحج فسد.
هل هناك فرق بين الحج الفاسد والحج الباطل؟ نعم، هناك فرق، مصطلح الفاسد هو الباطل عند الجمهور إلا في الحج والزواج، والذين فرقوا بين الفاسد والباطل هم الأحناف، لكن الجمهور لم يفرقوا، والفاسد عندهم هو الباطل، أقول: الصلاة باطلة، أو الصلاة فاسدة كلاهما صحيح، إلا في الحج والزواج، فما الفرق؟ الباطل في الحج: ما غاب أحد أركانه، إن لم يقف بعرفة فحجه باطل؛ لأنه تخلف عنه ركن، إن لم يطف طواف الإفاضة فحجه باطل؛ لأنه تغيب عنه ركن من أركانه، إنما يفسد الحج إذا فعل الأركان كلها لكنه جامع قبل التحلل الأول، هنا نقول: حجه فاسد، رجل تزوج من أخته من الرضاعة مع استيفاء شروط النكاح من الولي والإشهار والشهود والصداق كل شروط النكاح وأركانه تمت إلا أن التي عقد عليها هي أخته من الرضاعة، هل هذا فاسد أم باطل؟ فاسد، إن غاب الولي فالزواج باطل، فهناك فرق بين الفساد والبطلان في الحج والزواج فقط، أما ما دون الحج والزواج فالفساد هو البطلان.
قال: [أما فساد الحج في الجماع في الفرج فليس فيه خلاف].
ليس هناك خلاف بين العلماء أن الحج يفسد إذا جامع في الفرج.
[قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع، والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر أن رجلاً سأله فقال: إني وقعت على امرأتي ونحن محرمان، فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وامرأتك مع الناس، فاقض ما يقضون، وحل إذا حلوا، فإذا كان العام المقبل فحج أنت وامرأتك، واهديا هدياً، فإن لم تجدا هدياً فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما].
يعني: ترتب على الجماع أربعة أشياء، أولاً: فساد الحج، ثانياً: المضي في النسك، ثالثاً: وجوب الحج من العام القابل، رابعاً: الفدية.
لأنه لا ينبغي له إن بدأ في مناسك الحج أن يقطعها حتى وإن أفسدها؛ لأن الله قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]، معناه: أتموا الحج إذا بدأتم في مناسكه ولا تقطعوه حتى ولو فسد.
قال: [ويجب على المجامع بدنة، روي ذلك عن ابن عباس لأنه جماع صادف إحراماً تاماً فوجبت به البدنة، كبعد الوقوف هذا إذا وطئ قبل التحلل الأول؛ لأنه يكون قد وطئ في إحرام تام، وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة].
يعني: رجل جامع زوجته بعد أن رمى الجمرة وذبح وحلق، وتحلَل تحلُلاً أصغر، يجوز له كل شيء إلا النساء، الطيب والمخيط وكل المحظورات إلا النساء، لكن إن جامع بعد التحلل الأول فعليه شاة، وحجه صحيح؛ لأنه تحلل التحلل الأول.
قال: [ويحرم من التنعيم ليطوف محرماً].
بمعنى: أنه بعد أن تحلل تحللاً أصغر ووقع على زوجته فنلزمه بشاة، ونلزمه أن يذهب إلى التنعيم ليحرم وليطوف محرماً، لو قال قائل: كيف يطوف محرماً وهو قد تحلل؟ قلنا: أبطل التحلل بالجماع، فيخرج إلى التنعيم ويحرم مرة ثانية وعليه شاة، إذاً: السؤال الآن: الذي جامع بعد التحلل الأول ما الواجب عليه؟ أولاً: شاة، ثانياً: أن يحرم من التنعيم ليطوف محرماً.
قال: [ولا يفسد حجه وهو قول ابن عباس؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً؛ فقد تم حجه وقضى تفثه) -يعني: نسكه- ولأن الحج عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها، كما بعد التسليمة الأولى في الصلاة].
يعني: رجل سلم تسليمة واحدة من صلاة، ثم أحدث ما حكم الصلاة؟ صحيحة، هكذا الحج، تحلل التحلل الأول، كأنه سلم التسليمة الأولى، انتهى الحج، لكن بقي عليه طواف الإفاضة، وجامع قبله فنلزمه بشاة وحجه صحيح، لكن يحرم من التنعيم ليطوف محرماً؛ لأنه جامع قبل التحلل الأكبر.
والتفث هو النسك: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج:29]، وتفثهم يعني: نسكهم.
قال: [ولأن الحج عبادة لها تحللان، والواجب شاة لأنه وطء لم يفس
(44/8)
________________________________________
حكم الوطء في العمرة
قال: [وإن وطئ في العمرة أفسدها].
رجل ذهب للعمرة، ثم أحرم من الميقات -ميقات أهل مصر رابغ- بعد الميقات جامع زوجته وهو محرم بعمرة، عمرته فاسدة، ويستكمل النسك، وعليه هدي، ويقضي إذا استطاع من قابل، وتبقى في رقبته قضاء دين.
[وإن وطئ في العمرة أفسدها، ولا يفسد النسك بغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع، والعمرة كالحج].
رجل أحرم بعمرة ومر على الميقات وهو محرم، ثم جامع قبل أن يطوف ويسعى ويتحلل، فما حكمه؟ أولاً: يؤدي النسك، ثانياً: يلزمه شاة، ثالثاً: القضاء من قابل.
والشاة ليست إلا في حالتين، أولاً: بعد التحلل الأول إذا جامع في الفرج، ثانياً: إذا باشر، ولو باشر وأنزل دون الفرج فعليه بدنة؛ وإن لم ينزل فعليه شاة.
(44/9)
________________________________________
استواء المرأة والرجل في أحكام الحج
قال: [والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها ولها لبس المخيط].
المرأة كالرجل تماماً، لكن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط.
[وذلك لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم باجتناب شيء يدخل فيه الرجال والنساء].
هذه قاعدة فقهية: أن ما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء، إلا ما خص النساء بدليل، يعني: حينما يقول: الختان واجب للذكور، إذاً: هو واجب للنساء، إذا أردتم أن تخصصوه يلزمكم دليل، ما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء، وفي كل الأحكام الشرعية هم سواء إلا ما خص النساء بدليل، مثل الميراث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:11]، إذاً: خصها بدليل أن لها نصف الرجل، كذلك الشهادة: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة:282]، إذاً: الشاهدة خصها بدليل، أيضاً العقيقة عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة، خصها بدليل، أما كل الأحكام الشرعية فهما فيها سواء إلا ما خصها دليل، إذاً: الذي يقول: إن ختان الأنثى ليس بواجب يلزمنا نحن الدليل أم يلزمه هو؟ يلزمه هو.
قال: [فما ثبت في حق الرجل فمثله في حق المرأة، لكن استثنى منه لبس المخيط؛ والتظليل مبالغة في ستر المرأة لأنها عورة].
يعني: أن تستر نفسها وتحرم في ملابسها، ولا يحرم في الأبيض إلا الرجل، والمرأة لابد أن تخالف، وأفضل ملابس للمرأة السوداء، طبعاً كل النساء المصريات يلبسن أبيض في أبيض، الحذاء أبيض والجلابية بيضاء، والرجل يحرم في أبيض!! هذا لا يجوز، لابد أن تخالف المرأة الرجال.
[إلا الوجه فتجردها يفضي إلى انكشافها فأبيح لها هذا، ولهذا أبحنا للمحرم عقد الإزار لئلا يسقط فتنكشف العورة، ولم يبح له عقد الرداء].
الإزار في المنطقة السفلى، قوله: (أبحنا للمحرم أن يعقده)، يعني: أن يربطه إما بحزام أو بدبوس أو نحوه، أما الرداء فلا يجوز له أن يعقده كأنه قميص ولو فعل فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام؛ لأنه مفصل على الجسم كأنه مخيط، ونحن نريد أن نجرده، وهو يريد أن يلبس رداء ويخيطه على نفسه، فصله بأزرار بكباسين وأغلقها، وبعضهم يضع له جيوباً، فأصبح مخيطاً، يعني: يمكن الآن أن يلبس بنطلوناً ويمشي بالرداء في القاهرة، لكننا لا نريد هذا للمحرم.
[ولم يبح عقد الرداء، وهذا مما لا نعلم فيه خلافاً].
يعني: لم يختلف أحد من العلماء أنه لا يجوز عقد الرداء.
[قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منع عنه الرجال إلا بعض اللباس، وأجمع أهل العلم على أن للمحرمة لبس القميص والدرع والسراويلات والخمر والخفاف -يعني: لها أن تلبس كل شيء- وفي حديث ابن عمر: (نهى النساء -صلى الله عليه وسلم- في إحرامهن عن لبس القفازين والنقاب)]، وتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل، فلا تلبس ملابس مزركشة تلفت النظر؛ لأن من شروط ملابس المرأة: ألا يكون لباس زينة، يعني: لا تحرم في لون فسفوري أو برتقالي أو بنفسجي أو أحمر، هذه ملابس لا تصلح أن تحرم فيها، لابد أن تحرم في ملابس لا تخالف بها الجميع، ولا تنفرد بها عن بني جنسها، وهذا يسمى لباس الشهرة، وقد نهينا بعض الإخوة عن لباس الشهرة، تجد مثلاً في حي الزيتون الناس كلهم يلبسون الجلابية الوردية أو المائية أو الأصيل، وهو يلبس بنغلادش، ويصير معروفاً بزيه البنغلاديشي.
لا يجوز أن يشتهر بين الناس بلباس شهرة، وهذا ليس كلامنا وإنما هو كلام العلماء، حتى قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: لو أن المجتمع يستنكر تربية الشعر ولا يألفها، فترك الأمور المستحبة لأجل عدم الشهرة يجوز، يعني: رغم أن تربية الشعر مستحبة، إلا أنها في المجتمع شيء غير معروف، إذاً: نترك المستحب لئلا نشتهر به.
وهذا الكلام في الممتع شرح زاد المستقنع إن أردت أن تعود إليه -يعني: ممكن أن تكون أنت الوحيد في مجتمعك الذي تفعل هذا الفعل المستحب فتعرف به، يقول القائل: وكيف ننشر السنة؟ لابد أن نمهد لها، لا تخالف بني جنسك حتى يشار إليك بالبنان، بل كن مثل بني جنسك ولا تتميز.
ثبت في صحيح البخاري: (كان الرجل يدخل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يجلس في وسطهم، فينظر إليهم فيقول: أيكم محمد) لم يتميز عليهم بلباس ولا بجلسة، كان كواحد منهم لا يلبس زياً يميز به حتى يقال أنه رجل دين، ليس عندنا في الإسلام هذا، نحن في الإسلام طالما أن بني جنسك لا يرتكبون حراماً، فكن معهم، ولا تفهم كلامي خطأ، فأنا لا أقترب من دائرة الواجب ولا المحرم، كلامي في المستحب، قد يقول قائل: طالما أن بني جنسي كلهم يسبلون الإزار فأنا أيضاً أسبل من أجل ألا أخالفهم؟! فأقول: الإسبال حرام، خالف وخالف، وانتبه ألا تخالف في الحرام، إن كان الأمر واجباً فافعله ولا تنظر إلى المجتمع، إن كان محرماً فكف عنه، ل
(44/10)
________________________________________
العدة شرح العمدة [45]
تنقسم الفدية في حق من أتى محظوراً من محظورات الإحرام إلى ضربين: ضرب للإنسان فيه التخيير، وآخر لا يجوز فيه إلا الترتيب، فالذي على التخيير هو إزالة الأذى ولبس المخيط والطيب والصيد، فهو مخير بين الصيام والإطعام والذبح، والذي على الترتيب هو فدية المتمتع ومن ترك واجباً من واجبات الحج؛ فإنه يذبح، فإن لم يجد فيصوم، فإن لم يجد فيطعم.
(45/1)
________________________________________
فدية ارتكاب محظورات الحج والعمرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد.
فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب الفدية.
قال رحمه الله: [وهي على ضربين] أي على نوعين: [أحدهما على التخيير] الضرب الأول من الفدية أن المكلف يخير بين فعل وفعل، ففي علم الأصول فرق بين التخيير بين فعل وفعل، وبين الانتقال من فعل إلى فعل، أي: إن عجز عن الفعل الأول ينتقل إلى الفعل الثاني، مثال ذلك: كفارة اليمين، تجد أن الكثير من الناس يقولون لمن أراد أن يكفّر عن يمينه: صم ثلاثة أيام، وهذا خطأ؛ لأن الصيام لا يصار إليه إلا إذا عجز عن الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة، يقول الله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة:89] وكلمة (فمن لم يجد) معناها: أنه لا يستطيع أن ينتقل إلى الصيام إلا إذا عجز عن الإطعام، لكنه مخير بين الإطعام والكسوة وتحرير رقبة، فإذا انتقل إلى الكسوة وهو قادر على الإطعام فكفارته صحيحة؛ لأنه مخيّر بين الثلاث.
(45/2)
________________________________________
فدية الأذى واللبس والطيب
قال رحمه الله: [أحدهما على التخيير: وهي فدية الأذى واللبس والطيب].
ذكرنا أن محظورات الإحرام تسعة، وكل محظور من هذه المحظورات له حكم، فربما كانت له فدية، وربما لم تكن له كالنكاح، وما له فدية منها ما هو على سبيل التخيير، ومنها ما هو على الترتيب.
قال: [وهي فدية الأذى] والأذى هو أذى الرأس {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة:196] الأذى يعني حلق الشعر للأذى، وليس كالمذهب شعر الصدر أو شعر القدم أو شعر اليد، إنما النص جاء بشعر الرأس، فالمذهب قاس الشعور الأخرى على شعر الرأس، وهذا كلام مرجوح.
[واللبس] أي: لبس المخيط [والطيب] أي: التطيب [فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعامه ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة].
فلو أن رجلاً تطيب وهو محرم ذاكراً غير ناس، متعمداً غير مخطئ؛ لأن الناسي له حكم، والمخطئ له حكم، فإذا كان المحرم يعرف الحكم فجاء بالطيب وتطيب، أو لبس المخيط أو كان لا يستطيع أن يخلع الجوارب من قدمه لعذر طبي، فيلبس وعليه فدية، والفدية على التخيير بين ثلاثة: إما صيام ثلاثة أيام في أي وقت، أو الإطعام، أو ذبح شاة، وإن استطاع أن يذبح وانتقل إلى الصيام فلا شيء عليه، وإن استطاع أن يصوم وأطعم فلا شيء عليه، والإطعام هنا يكون ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفي الرجل المعتدل من أرز أو تمر بحسب غالب قوت أهل البلد.
قال: [ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة.
أما فدية الأذى فهي على التخيير لما سبق في محظورات الإحرام، وحديث كعب بن عجرة المتفق عليه، وأما فدية اللبس والطيب فهي مقيسة على فدية الأذى، لكونه ترفه بذلك في إحرامه، فلزمه الفدية كالمترفه بحلق شعره، ولا فرق بين قليل الطيب وكثيره، وقليل اللبس وكثيره؛ لأنه معنى حصل به الاستمتاع بالمحظور، فاعتبر مجرد الفعل كالوطء، وليس الحكم في كل دم وجب لترك واجب، يعني أن ذلك على التخيير لا على الترتيب].
فلو أن رجلاً لا يستطيع أن يخلع (الفنيلة الحمالة) لعذر في جسده، نقول له: أحرم واترك (الفنيلة) على جسدك وعليك الفدية، ويخير بين ثلاثة أشياء، لحديث كعب بن عجرة أنه كان به أذى من رأسه، فأباح له النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق الرأس وأن يفدي.
ولو أن رجلاً تطيب وهو ناس فلا شيء عليه؛ لأن من فعل محظوراً من محظورات الإحرام وهو ناس فلا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً أثر الطيب يبدو من إحرامه، فأمره أن يزيل عن نفسه الطيب وأن يتم النسك، ولم يأمره بفدية؛ لأنه ناس أو مخطئ غير عالم بالحكم، والخطأ معناه: أنه ظن أن هذه الزجاجة ماء وهي طيب، فوضع الماء على وجهه فإذا به طيب، فهنا لا شيء عليه {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].
قال رحمه الله: [وكذلك الحكم في كل دم وجب لترك واجب، يعني: أن ذلك على التخيير لا على الترتيب].
هذا الكلام يحتاج إلى استدراك؛ لأن ترك الواجب لا بد ألا ينتقل إلى الصيام إلا إذا كان عاجزاً عن الذبح، أي: أن قوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة:196] معناه: أنه لا يخير بين الذبح والصيام إلا حينما لا يستطيع الذبح.
(45/3)
________________________________________
فدية قتل الصيد
قال: [وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم، أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد، وقال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة:95]].
والمقصود: أن من قتل صيداً فعليه مثله، ويشترط أن يكون وحشياً مباحاً، ومعنى وحشي: أنه لا يقتنى في البيوت، ومعنى مباح: أنه ليس بحرام، فقال: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة:95] أي أنه يحكم بالمشابه أو المماثل ذوا عدل.
قال المصنف رحمه الله: [فمن قتل الصيد ابتداء من غير سبب يبيح قتله ففيه الجزاء، فأما إن اضطر إلى أكله فيباح له أكله بلا خلاف نعلمه، ويلزمه ضمانه؛ لأنه قتله لحاجة نفسه ودفع الأذى عنه من غير معنى حدث في الصيد يقتضي قتله فلزمه جزاؤه كحلق الرأس لدفع الأذى عنه].
فلو أن رجلاً اصطاد لسبب شرعي، كأن بلغ به الجوع مبلغه، وإن لم يصطد هلك، في هذه الحالة نقول له: يلزمك ضمان هذا الصيد لصاحبه إن كان له صاحب، ولذلك من أسباب نقصان عقود التأمين: أنها تجعل الضامن شريكاً في التأمين، والمفروض شرعاً أن الضامن هو المتسبب في التلف، فلو أن رجلاً صدم سيارة في الطريق العام، فيرفع القضية على شركة التأمين، وكان من المفترض أن من يلتزم بالضمان من أتلف، لكن هنا يدخل طرف ثالث يفسد العقد، فمن أسباب فساد عقود التأمين الأربعة التي ذكرها العلماء: أن من يلتزم بالضمان ليس هو المتسبب في التلف، وعندنا في الشريعة أن من أتلف شيئاً يلزمه الضمان، فالضمان على من أتلف لا على شركة التأمين التي تتاجر بعقود ضرر وربا.
قال: [وإن صال عليه] يعني: صال عليه الصيد [فلم يقدر على دفعه إلا بقتله، فله قتله ولا ضمان عليه].
أي: أنه اعتدى عليه الطائر، ولا يستطيع أن يدفعه عن نفسه إلا بقتله، فله قتله ولا ضمان عليه.
[لأنه ألجأه إلى قتله فلم يجب ضمانه كالآدمي الصائل] والصائل: هو المعتدي الذي يبدؤك بالقتال، فيلزمك أن تدافع عن نفسك وإلا أصبحت مقصراً، أي: أن رجلاً جاء إلى دارك واعتدى عليك، وأراد أن يدخل البيت وأن يأخذ مالك، أو أن يعتدي على عرضك، فهذا يسمى في الشرع صائل، ولا بد أن ندفعه، كابن آدم لما قال لأخيه: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} [المائدة:28] أي: أن ابن آدم الأول هو الصائل، والآخر هو المعتدى عليه.
ما معنى قوله: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} [المائدة:28]؟ قال بعض العلماء: المعنى: لئن بسطت إلي يدك لتبدأني بالقتال فلن أبسط إليك يدي لأبدأك بقتال، فهو كف عن البدء، وليس معنى ذلك أنه كف عن الدفاع.
وقال بعضهم: أي: لن أبدأ بقتلك إلا إذا بدأت بقتلي، هذا المعنى المقصود في الآية، ولا يؤخذ من الآية أن الصائل تسلّم له نفسك، وتقول: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} [المائدة:28] فهذا الكلام غير صحيح، لكن شرعاً لا بد أن تدفع عن نفسك، (من مات دون ماله فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد)، (قيل: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: لا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: فقاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)، وهذا هو الحكم الشرعي؛ لأنك هنا تدافع عن نفسك.
(45/4)
________________________________________
ما يضمن من الصيد
قال: [ولو خلّص صيداً من سبع أو شبكة فتلف بذلك فلا ضمان عليه].
رأى المحرم صيداً في شبكة فأراد أن يخلّصه من الشبكة، أو من فم السبع، وهو يخلّصه مات وتلف، فلا ضمان عليه؛ لأن العبرة هنا بالنية، والنية عنده أن يخلّصه فلا ضمان عليه.
قال: [لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به، كما لو داوى ولي الصبي فمات بذلك.
ولا فرق بين العامد والمخطئ في وجوب الجزاء].
هناك محظورات لا فدية على صاحبها إن ارتكبها ناسياً أو مخطئاً، ولو افترضنا أن رجلاً اصطاد صيداً وهو محرم خطأ، أي أنه وجه حجراً في أمر مشروع له أن يقذفه، فجاء في صيد فمات، فهنا تلزمه الفدية حتى وإن كان مخطئاً.
[لما روى جابر قال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيده المحرم كبشاً)].
والضبع هو حيوان يشبه الكلب، فهذا إذا اصطاده المحرم فعليه كبش، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على من اصطاد ضبعاً بكبش.
[وقال في بيض النعام يصيده المحرم ثمنه ولم يفرق، ولأنه ضمان إتلاف أشبه مال الآدمي، وعنه: لا كفارة في الخطأ].
أي أن الرواية الأخرى عن أحمد أنه لا كفارة في الخطأ، والرواية الأولى أنه يلزمه.
[لأن الله سبحانه قال: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة:95] فدليل خطابه أنه لا جزاء على الخاطئ].
إنما هنا نلزمه بالضمان بحكم الوضع لا بحكم التكليف، فعندنا أحكام تكليفية وأحكام غير تكليفية، فلو أن ابنك الصغير قذف حجراً في زجاج جارك فأتلف الزجاج، فيلزمك أنت الضمان بخطاب الوضع؛ لأنه غير مكلف، فيلزم وليه الضمان، ولو أن مجنوناً أتلف شيئاً يلزم من يقوم على رعايته الضمان.
والرواية الأولى عن أحمد هي الأرجح.
(45/5)
________________________________________
ضابط الصيد
قال: [والصيد ما جمع ثلاثة أشياء: أن يكون مباح الأكل، لا مالك له، ممتنعاً.
قال بعض أهل اللغة: فيخرج منه ما لا يحل أكله كسباع البهائم] أي: أنه إذا اصطاد فيصطاد للأكل أو الطعام، فالصيد الغير مباح لا يعتبر.
[والمستخبث من الحشرات] ولو أن محرماً اصطاد مثلاً صرصاراً، فنقول هذا مستخبث من الحيوانات ولا فدية عليه.
قال: [وما عليه ملك فما ليس بوحشي يباح للمحرم].
أي أنه أليف ويقتنى في البيوت، ولو أن محرماً اصطاد دجاجة، فالدجاج هنا تربى في البيوت فهي ليست وحشية، وإنما أليفة وتربى في البيت.
قال: [يباح للمحرم ذبحه وأكله كبهيمة الأنعام والخيل والدجاج] المحرم يذبح دجاجاً حتى وإن اصطاده [لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً، والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، ولو توحش الانسي لم يجب فيه جزاء؛ ولهذا وجب في الحمام اعتباراً بأصله].
فالأصل في الحمام أنه طائر لا يؤلف، ولكن الإنسان ألفه وأعد له مكاناً يعود إليه آخر النهار، والأصل فيه أنه طائر غير مألوف، فيلحق بأصله، فإن اصطاد المحرم حماماً يلزمه فدية؛ لأن الأصل في الحمام أنه وحشي، ولا يستلزم أن يكون مفترساً، وإنما هنا وحشي بمعنى أنه غير مألوف، فلو أن محرماً اصطاد ضباً، والضب قد ألفه صاحبه، فهنا أيضاً العبرة بالأصل لا بالتغير.
[والواجب في صيد البر دون صيد البحر؛ لقوله سبحانه: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة:96] إذا ثبت هذا فجزاء الصيد مثله من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة:95]].
لذلك الحمام والظبي قضي فيه بشاة، والنعامة قضي فيها ببدنة.
الشاهد: أنه إذا اصطاد المحرم صيداً يحرم عليه، فلا بد أن يحكم فيه ذوا عدل في المقابل، فإن اصطاد حماماً يلزمه شاة، وإن اصطاد ظبياً يلزمه شاة، وإن اصطاد نعامة يلزمه بدنة وهكذا.
(45/6)
________________________________________
ما يضمن به الصيد
بهيمة الأنعام ثلاثة أنواع هي: الإبل، والبقر، والغنم.
لذلك في الأضحية يشترط أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام، كما قال ربنا سبحانه: {مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28]، {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج:36].
[وهي الإبل والغنم لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة:95]، وليس المراد حقيقة المماثلة؛ فإنها لا تتحقق بين النعم والصيود، لكن أريد المماثلة من حيث الصورة والمشابهة من وجه، وكونه أقرب بهيمة الأنعام به شبهاً؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على وجوب المثل، فقال عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية: في النعامة بدنة].
وأقرب شبه للنعامة هي الجمل، فهذه المماثلة من حيث الشبه.
[وحكم أبو عبيدة وابن عباس في حمار الوحش بدنة، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة، وحكموا في الحمام بشاة، إلا الطائر فإن فيه قيمته في موضعه].
والمعنى: أن هذه التي اصطادها المحرم جعلنا لها مثل ما قتل من النعم يحكم به رجلان منا.
يقول السائل الكريم: الضبع لا يحل أكله، هل معنى ذلك أنه ليس فيه فدية؟ نحن نشترط في الصيد الذي يصطاده المحرم شروطاً: أن يكون مباحاً، أي: ليس محرماً، وإنما محرم أن تصطاده، وكذلك وحشي أي لا يؤلف، فإن تحقق هذان الشرطان جاز أن تصطاده.
ثانياً: أن بعض البلاد تأكل الضبع، وأنا أخبرت أن هناك بلاداً أكثر وجبة لها هي الضبع.
قال: [إلا الطائر فإن فيه قيمته في موضعه، وهذا هو الأصل في الضمان بدليل سائر المضمونات من الأموال، وتعتبر القيمة في موضع الإتلاف، كما لو أتلف مال آدمي قوم في موضع الإتلاف كذا هاهنا].
بمعنى الطائر إلا الحمامة، فلو أن محرماً اصطاد طائراً يقوّم بقيمته؛ لأنه ليس له مماثل في المعنى، فيقوم بالقيمة في موضع الإتلاف.
[إلا الحمامة ففيها شاة والنعامة فيها بدنة، لما سبق من قضاء الصحابة رضي الله عنهم.
ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام، فيطعم كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً].
فهو هنا أيضاً بالخيار بين أن يقوّم بإخراج المثل، أو أن يقوم بطعام، فيطعم عن كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً.
[وعن أحمد أنها على الترتيب] أي أن إحدى الروايتين عن أحمد أنها على التخيير، والأخرى أنها على الترتيب، أي أنه لا ينتقل إلى الإطعام أو الصيام إلا إذا عجز عن المثل.
[فيجب المثل أولاً].
أولاً لو كان على الترتيب يجب المثل.
[فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام، روي نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن هدي المتعة على الترتيب وهذا آكد منه، فإنه يفعل محظوراً، وعنه: لا طعام في الكفارة، وإنما ذكر في الآية ليعدل به الصيام؛ لأن من قدر على الإطعام قدر على الذبح.
كذا قال ابن عباس، ودليل الرواية الأولى قوله سبحانه: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة:95]].
فكلمة ((أوْ)) هنا للتخيير، إذاً إما أن يلزم بالمثل أو بالإطعام، أو بالصيام عن كل مد يوماً.
[روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كل شيء أو فهو مخير، وأما ما كان فإن لم يجد فهو للأول الأول؛ ولأن هذه الفدية تجب بفعل محظور، فكان مخيراً بين ثلاثتها كفدية الأذى].
وهو الراجح أنه مخير بين واحدة من الثلاث.
ولأقرب لك المفهوم: لو أن محرماً اصطاد حمامة وجاء يقول لك: ما الحكم؟ تقول له: أنت مخير بين ثلاثة أشياء: 1 - أن تذبح شاة؛ لأن الصحابة قضوا في الحمامة بشاة.
2 - أو تطعم بقيمة الشاة فقراء.
3 - أو أن تصوم عن كل مد يوماً.
[فإذا اختار المثل ذبحه وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأن الله سبحانه قال: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة:95]، وإن اختار الإطعام فإنه يقوم المثل بدراهم، والدراهم بالطعام، ويتصدق به على المساكين لكل مسكين مداً من البر كما يدفع إليهم كفارة اليمين، وإن اختار الصيام صام عن كل مد يوماً؛ لأنها كفارة دخلها الصيام والإطعام، فكان اليوم في مقابلة المد ككفارة الظهار، وعنه] يعني: رواية أخرى عن أحمد، والرأي الأول هو الراجح.
هل هناك من الأشياء التي يصطادها المحرم شيء لا مثل له في المعنى؟ نعم.
الجراد، فإنك لو نظرت إلى الجراد لتحقق فيه، فالجراد يؤكل للحديث: (أحل لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فهما الكبد والطحال) وإن كان فيه ضعف، ولكن أنا أستأنس به هنا؛ لأنه في بعض البلدان الجراد يؤكل وكذلك الضبع يؤكل.
فهناك من الأشياء التي تصطاد ما لا مثل له كالجراد، فكيف أقومه؟ بقيمة، لا أ
(45/7)
________________________________________
أنواع الفدية الواجبة على الترتيب
[الضرب الثاني من الفدية على الترتيب وهو: التمتع يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع].
الشارح قبل ذلك ذكر الحكم في كل دم وجب لترك واجب، وأن ذلك على التخيير، والأصل أن ترك الواجب ليس على التخيير وإنما على الترتيب.
فلو أن رجلاً حج متمتعاً، حيث أدى عمرة ثم تحلل، ثم ظل على حله إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، ثم لبس الإحرام ولبى بالحج، فعليه دم؛ لأن المتمتع يشترط أن يظل في مكة ولا يعود إلى وطنه، وإن خرج خارج مكة وعاد إلى وطنه أو ذهب إلى المدينة ثم عاد فيكون مفرداً؛ لأن المدينة لها ميقات، ومصر لها ميقات، والمتمتع يلزمه بعد أداء النسك في يوم العيد أن يذبح، فالله سبحانه وتعالى قال: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196].
إذاً: يلزمه أن يذبح، ولو عجز عن الذبح فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فتلك عشرة كاملة، كذلك الأمر في كل واجب، فأي واجب يتركه يُلزم بالذبح أو الصوم.
فلو أن رجلاً حج وترك طواف الوداع، وطواف الوداع واجب، وأما طواف الإفاضة فركن، فالذي يترك طواف الوداع يلزمه هدي، أو صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ولو أن رجلاً حج وترك المبيت بمزدلفة، فهنا المبيت بمزدلفة على الراجح واجب، فيجبر بدم أو يصوم إن عجز عن الذبح، وهذا على الترتيب وليس على التخيير.
[لقوله سبحانه: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة:196]].
فإذا لم يصم هناك ثلاثة أيام صام العشر كاملة هنا، وليس المقصود بقوله تعالى: {إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة:196] أي: أنه لا بد أن يرجع إلى وطنه، وإنما إذا رجعتم بعد انتهاء النسك، هذا هو المقصود.
قال: [وفدية الجماع بدنة، فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع لما سبق من إجماع الصحابة، وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة بالقياس على البدنة الواجبة بالوطء].
فإذا باشر فأنزل فعليه بدنة، وإن باشر ولم ينزل فعليه شاة.
فإذا جامع وأنزل إما أن يكون قبل التحلل الأصغر أو بعد التحلل الأصغر، فإن كان قبل التحلل الأصغر فعليه أن يمضي في النسك، وأن يذبح بدنة، وأن يحج من قابل، فإن عجز عن البدنة يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وهذا كلام المصنف.
قال: [وكذلك الحكم في دم الفوات] دم الفوات: هو الإحصار، والفوات له أحكام سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، قبل أن ندخل في باب دخول مكة، وباب صفة الحج والعمرة.
اللهم اكتب لنا حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً صالحاً متقبلا يا رب العالمين.
(45/8)
________________________________________
الأسئلة
(45/9)
________________________________________
حكم طلاق غير المدخول بها

السؤال
أنا عاقد على امرأة، وكان من شروط العقد ألا تعمل، فكذبوا عليّ أنها لا تذهب إلى العمل، وكانت تذهب من ورائي، فعلمت بذلك فقلت لأبي، فقال لي: إنك ستتزوجها شئت أم أبيت.
فقلت له: هي طالق طالق طالق، فما حكم ذلك الطلاق، وهل من نصيحة لهذه المرأة؟

الجواب
أنت الآن طلّقت ثلاثاً، فهي طالق لا شك لأنك طلّقت، فلا يشترط أن تكون موجودة، وأنت تقول: أنا عاقد، أي قبل البناء، والمعقود عليها دون بناء ليس لها عدة، لكن إن أردت أن ترجع إليها فيلزمك عقد ومهر جديدين.
أما أهل البنت فأقول لهم: اتقوا الله في الصدق؛ فإن الصدق منجاة، قلتم له: إنها لا تعمل، ثم كذبتم عليه وهي تذهب إلى العمل، وهذا يبطل عقد الزواج؛ لأن المؤمنين على شروطهم، طالما أن الشرط لم يحل حراماً ولم يحرم حلالاً، فهو اشترط ألا تعمل، وأنتم وافقتم على شرطه، فأنتم كذبتم عليه وخدعتموه.
وأقول لأبيه أيضاً: لا يجوز لك شرعاً أن تكره الابن على الزواج من امرأة كذبت عليه، أو كذب عليه أهلها.
أما الحكم الشرعي: فهي طالق ولا تحل لك إلا بعد عقد ومهر جديدين.
(45/10)
________________________________________
حكم بدء الحج بالوقوف بعرفة

السؤال
رجل والدته مريضة يريد أن يحج هذا العام هو وزوجته، ولكنه اقترح على زوجته أن يسافر هو وهي من محل عمله في الكويت في 9 ذي الحجة، أي يوم الوقوف بعرفة، فهل يجوز هذا، وهل للحج أركان؟

الجواب
نعم يجوز أن يذهب من الكويت إلى عرفة مباشرة؛ لأنه سيكون قد فاته منى، ومنى من المستحبات وليست من الواجبات، ومن أدرك عرفة فقد أدرك الحج.
(45/11)
________________________________________
حكم قبول الهدايا المأخوذة بالربا

السؤال
أهدي إلي ثلاجة وعلمت أنها اشتريت بالقسط بفائدة، فما حكم هذه الهدية؟

الجواب
لا شيء عليك، فالإثم على من أهداك وليس عليك.
(45/12)
________________________________________
حكم العمل المباح لدى تاجر مخدرات

السؤال
تاجر مخدرات عنده سباكة في بيته، وأنا سبّاك استدعاني لأصلح سباكته، فهل عملي مشروع أم غير مشروع، وهل أجري حلال أم حرام؟

الجواب
المال في يده هو حرام، أما في يدك أنت فحلال، وهذه القاعدة مهمة جداً؛ لأن البعض يخلط بينهما أحياناً، والله تعالى أعلم.
(45/13)
________________________________________
حكم تخصيص بعض الليالي بالقيام

السؤال
في أحد المساجد بعض الناس يخصصون يومين في الأسبوع لصلاة القيام؟

الجواب
هذا غير صحيح وهذا ابتداع في دين الله عز وجل.
(45/14)
________________________________________
حكم دخول المدخن إلى المسجد

السؤال
هل التدخين ينقض الوضوء؟

الجواب
لا ينقض الوضوء، إنما المدخن لا يجوز له أن يدخل المسجد؛ لأنه أكثر ممن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، وإنما العلة في عدم دخول من أكل البصل هو أن رائحة فمه تؤذي الملائكة وتؤذي المصلين، وإن لم يكن في المسجد مصلين.
(45/15)
________________________________________
حكم الجمع بين الأضحية والعقيقة

السؤال
هل يجوز جمع الأضحية والعقيقة؟

الجواب
لا يجوز، فالأضحية نسك وهي مقدمة على العقيقة.
(45/16)
________________________________________
حكم جعل العصمة بيد الزوجة

السؤال
هل يجوز شرعاً أن يتزوج رجل بامرأة وتكون العصمة في يدها؟

الجواب
نعم يجوز باتفاق جمهور العلماء أن تكون العصمة بيد الزوجة، وما معنى العصمة في يد الزوجة؟ معناها: أن الزوج وكّل الزوجة شرعاً في أن تطلب الطلاق متى شاءت، وليس أن تطلق نفسها، وأن تقول له: طلقني، فيقول لها: أنتِ طالق، ولا يجوز له أن يمتنع؛ لأنه يجوز له أن يوكّل غيره في طلاق زوجته، كما يجوز له أن يوكل غيره فيجوز له أن يوكّل الزوجة في أن تطلب الطلاق متى شاءت، وهذا كلام الجمهور وأدلتهم كثيرة، منها: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف:19] إذاً وكّلوا واحداً منهم في أن يأتي بطعام، فالوكالة هنا تجوز، وللزوج أن يفوض وهو يملك الحق.
لكن السؤال الأهم: هل يسقط حق الزوج في الطلاق إن فوّض للزوجة في طلب الطلاق؟ لا يسقط، أي أنه يجوز له أن يطلق حتى وإن لم تطلب هي.
(45/17)
________________________________________
المنهجية في طلب العلم وفائدة مجالسة العلماء

السؤال
من هم الشيوخ الذين تلقيت عندهم العلم؟ وكيف طلبت العلم؟ وبم تنصح طلاب العلم؟

الجواب
هذا موضوع طويل، ولكن طلبت العلم من منهجي الدراسي، إضافة إلى مقابلتي للعلماء والتي كان فيها الفوائد الكثيرة.
أي أنك لا بد أن تجلس تحت أقدام العلماء سواء في المسجد الحرام أو المسجد النبوي فتقابل العلماء، وكان الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى يفتح بيته في بعض أيام الحج إن جاء إلى مكة لطلبة العلم، ولا يتناول الطعام إلا مع الفقراء والمساكين في هذا الوقت، فكان له دروس منهجية علمية فضلاً عن دروس بعض علمائنا، وممن أُقدّره وأسأل الله أن يشفيه رجل عالم فقيه وهو الشيخ محمد مختار الشنقيطي شفاه الله عز وجل، فهو رجل يحمل فقهاً لا يبارى فيه، ولذلك درس علمه في الحرم يحضره أكثر من عشرين ألف طالب علم؛ لأنه في الفقه ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وفي علم الحديث الدكتور عبد المحسن العباد فهذا الرجل في علم الحديث أمة، فإذا شرح البخاري أو مسلماً أو النسائي أو أبا داود في الحرم المدني يقول لطالب عنده: اقرأ، فيقول الطالب: قال المصنف رحمه الله: حدثنا مكي بن إبراهيم فيقول الشيخ: مكي بن إبراهيم ثقة ثبت، روى له أصحاب الكتب الستة ووثقه ابن حبان يترجم لرجال الإسناد من ذاكرته، من أول السند إلى آخره، فهؤلاء هم العلماء، لا المتردية والنطيحة من الذين لا يعلمون شيئاً، رجل يترجم لرجال الإسناد من ذاكرته، ويوثق ويجرّح على حسب قراءته في كتب الأسانيد، وانظر إلى مدى الإحاطة بالعلم.
ومن الشيوخ أيضاً الذين ينبغي أن تستمع إليهم في هذا المجال من علمائنا هناك في المملكة -لأن المدينة بها مجموعة من العلماء في العقيدة والحديث والفقه- الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله، وكان من الشرقية من بلد تسمى المهدية، ثم رحل على قدميه إلى السعودية بعد أن اختلف مع أبيه، وظل يطلب العلم حتى حصل على الوسائل العلمية وأصبح قاضياً شرعياً في المدينة رحمه الله تعالى، قد شرح الموطأ ذهاباً وإياباً أكثر من مرة، وهو حجة في الفقه المالكي.
عموماً لا بد لطالب العلم في هذا الزمن أن يجلس ليتعلم على أيديهم؛ لأنه كما قيل قديماً: من لم يرحل إلى بغداد يعتبر مذمة فيه؛ لأن بغداد كانت قبلة العلماء، فكانت تعج بعلماء الأمة كـ ابن حنبل وابن الجوزي وابن أبي الدنيا والخرائطي والحافظ البغدادي، وحدث ولا حرج عن المفسرين والمحدثين، فمن لم يكن يرحل إليها يعتبر مذمة في طلبه للعلم، كذلك من لم يرحل إلى المدينة أو مكة ليسمع العلم الحقيقي من أهلها والعلم الذي عليه نور العلم السلفي، فهؤلاء هم علماء الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فضلاً عن الدراسة المنهجية، فالحمد لله رب العالمين، درسنا في جامعة الأزهر، ثم الآن في دار العلوم، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأساتذتي في دار العلوم جزاهم الله خيراً، فإن فيهم العلماء كالدكتور عبد الحميد مدكور الذي هو في علمه أمة، وهكذا الدكتور مصطفى حلمي في العقيدة وغيرهم من نماذج يحتذى بها في طلبها للعلم.
أسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
(45/18)
________________________________________
العدة شرح العمدة [46]
من أتى محظوراً من محظورات الإحرام فعليه كفارة حسب المحظور الذي أتاه، ومن تكرر منه المحظور قبل الكفارة فكان من جنس واحد أجزأته كفارة واحدة غير قتل الصيد فإن في كل واحد كفارة، وقتل الصيد والجماع يستوي في وجوب كفارته العمد والسهو، أما سائر المحظورات فلا شيء عليه إذا سها.
(46/1)
________________________________________
أحكام الإحصار والفوات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ثم أما بعد.
فلا زلنا مع باب الفدية في كتاب الحج والعمرة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
كنا قد تحدثنا عن محظورات الإحرام وعن الفدية، وذكرنا بأن محظورات الإحرام تسعة وهي: 1 - حلق الرأس.
2 - تقليم الأظافر.
3 - الطيب في بدنه أو ثوبه.
4 - لبس المخيط.
5 - تغطية الرأس والأذنان منه.
6 - قتل الصيد البري الوحشي المباح.
7 - الوطء والمباشرة بدون جماع.
8 - عقد النكاح لنفسه أو لغيره.
9 - الوطء في الفرج.
هذه محظورات تسعة، وكل محظور له فديته، ونحن الآن نتحدث عن المسألة التي قال عنها المؤلف: (وفدية الجماع بدنة) فلو أن رجلاً جامع زوجته وهو محرم قبل التحلل الأصغر يلزمه أربعة أشياء: 1 - أن يتم النسك.
2 - أن يقضي من قادم.
3 - عليه بدنة، وحجه فاسد.
4 - إذا لم يستطع أن يذبح بدنة فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ثم قال المؤلف: [وكذلك الحكم في دم الفوات] الفوات هو: أن يفوته الحج ليس بسبب الإحصار، فكل إحصار فوات، وليس كل فوات إحصاراً، فما هو الإحصار وما هو الفوات؟ الإحصار شيء يمنعه من أداء النسك كعدو، أو يحول بينه وبين دخول مكة كشرطة ترحله {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196]، فالذي حال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أداء العمرة المشركون في صلح الحديبية، وهذا إحصار؛ لأن الذي حال بينه وبين مكة عدو، أي: أن الإحصار هو أن أُمنع عن البيت رغم إرادتي.
أما الفوات: فهو أن يفوتني الحج لمرض، فهنا فوات وليس إحصاراً، لأنه لم يمنعني أحد، وربما يفوتني الحج لنوم في منى ولم أستيقظ إلا في يوم النحر، أي: أن عرفة فاتتني، وربما يفوتني ركن من أركان الحج ولا أستطيع أن أحصّله، فهذا يسمى فواتاً، فكل إحصار فوات، وليس كل فوات إحصاراً.
قال: [وكذلك الحكم في دم الفوات] بمعنى أن من فاته الحج فعليه دم، فإن لم يستطيع {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة:196] قال: [لأن عمر رضي الله عنه قال لـ هبار بن الأسود لما فاته الحج: إذا كان عام قابل فحج، فإن وجدت سعة فاهد، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله].
فلو أن رجلاً لبى بحج وأدى المناسك، ثم نام في منى في ليلة التاسع من ذي الحجة، وظل نائماً إلى يوم النحر، فهنا فاته الحج؛ لأنه فاته ركن، فنقول له: اهد -أي اذبح- وإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت، وعليك القضاء من قادم.
قال: [وعنه] أي رواية أخرى عن أحمد [لا هدي عليه] والصواب أن عليه الهدي [والأول أصح لأنه قول عمر وجماعة من الصحابة، وعنه: لا قضاء عليه إن كانت نفلاً] والراجح أن عليه القضاء؛ لأن الله قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196] والمعنى: إذا بدأتم في نسكها فلا بد أن تتموها، فعليه القضاء من قابل.
هذا الراجح من أقوال العلماء.
إذاً: الفوات هو من فاته الحج أو ركن من أركان الحج لا بسبب الإحصار، إنما بسبب النوم أو بسبب عذر، فنقول له: عليك الهدي، والهدي هو أن يذبح شاة، ثم تتم النسك وتقضي من قابل.
[والمحصر يلزمه دم] والمحصر هو الذي حبسه حابس عن دخول مكة، إلا إذا اشترط كما في حديث ضباعة بنت الزبير حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (حجي واشترطي: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) فإن لم أشترط عند الإحرام فإن أحصرت فيلزمني دم في المكان الذي أحصرت فيه سواء في الحرم أو الحل؛ فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حينما توجهوا إلى مكة ومنعهم المشركون من دخولها، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا وأن يذبحوا، وقال عمر: علام نقبل الدنية في ديننا؟ فتحلل النبي صلى الله عليه وسلم وذبح، يقول تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196]، فإن لم يجد المحصر دماً فعليه صيام عشرة أيام، ولا تقل: صيام ثلاثة أيام في الحج؛ لأنه لم يدخل مكة، فهو أحصر، فعليه صيام عشرة أيام.
[وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم حصروا في الحديبية أن ينحروا، ويحلقوا، ويحلوا؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام.
رواه البخاري؛ لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل ينتقل إليه كدم المتمتع والطيب واللباس].
شأنه شأن أي دم.
فلو أن رجلاً أحرم من جدة لأداء مناسك الحج، وبينما هو في الطريق إلى مكة تم القبض عليه لعدم الحصول على تصريح الحج، وتم ترحيله ورد إلى جدة مرة ثانية، فما هو الواجب عليه؟ إن اشت
(46/2)
________________________________________
حكم المحظور إن تكرر
قال: [ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة] المعنى: أن محظورات الإحرام إما أن تكون متجانسة وإما أن تكون مختلفة، كأن يكون تطيب ثم تطيب ثم تطيب، المحظورات هنا ثلاثة من جنس واحد، أو لبس المخيط ثم لبس المخيط ثم لبس المخيط، إما أن يرتكب محظوراً من جنس واحد، وإما أن يرتكب محظوراً من أجناس مختلفة كأن تطيب ولبس المخيط وحلق رأسه، فهنا ارتكب ثلاثة محظورات مختلفة، فإما أن تكون المحظورات متجانسة وإما أن تكون مختلفة.
قال: [ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة] اصطاد نعامة، ثم اصطاد نعامة، عليه فديتان؛ لأن الصيد يلزمه فيه الضمان؛ لأن هذه النعامة تختلف عن النعامة الأخرى.
قال: [وذلك مثل من حلق ثم حلق] حلق رأسه وهو محرم، ثم حلق وهو محرم، ارتكب محظوراً واحداً مرتين، لكن المحظور من جنس واحد.
[أو لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، فالحكم فيه كما لو فعل ذلك دفعة واحدة -أي: مرة واحدة- وتجزئه كفارة واحدة؛ لأنها تتداخل، فهي كالحدود والأيمان].
أي: أن هذه الحالة تشبه من حلف يميناً على شيء، ثم حلف عليه مرة أخرى وكرر الأيمان ثلاث أو أربع مرات على شيء واحد، فإن حنث فكفارتها كفارة واحدة؛ لأن اليمين حتى وإن تكرر فهو يتعلق بشيء واحد.
قال: [فإن كفّر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفّر عنه فصار كأنه لم يفعله، وثبت لما بعده حكم المنفرد].
أي أنه تطيب فكفّر عن هذا بذبح شاة.
فمن تطيب وهو محرم فالفدية في حقه إحدى ثلاث على التخيير: إما أن يذبح شاة، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يُطعم ستة مساكين.
فلو أنه تطيب وفعل الفدية، ثم تطيب بعد أن كفّر، فلا نقول هنا الكفارة الأولى تجزئ عن الثانية، فإن كفّر عن الأولى يلزمه أن يكفّر عن الثانية.
قال: [فإن كفّر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفّر عنه، فصار كأنه لم يفعله، وثبت لما بعده حكم المنفرد، وهكذا لو كرر شيئاً من محظورات الإحرام التي لا يزيد الواجب فيها بزيادتها ولا يتقدر بقدرها، فأما ما يتقدر الواجب بقدره -وهو إتلاف الصيد- فإن في كل واحد منها له جزاؤه سواء فعل مجتمعاً أو متفرقاً، ولا يتداخل بحال ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني لما سبق].
وهذا هو الراجح من روايات الإمام أحمد.
إذاً: من فعل محظوراً من جنس واحد لزمه كفارة واحدة، طالما لم يكفر عن الأول، لكن إن كفّر عن الأول فيلزمه كفارة عن الثاني إن عاد إلا الصيد، فإنه إن اصطاد ولم يفد، ثم اصطاد ولم يفد، يلزمه للأول فدية وللآخر فدية؛ لأن الصيد ضمانه ضمان أعيان.
[وإن فعل محظوراً من أجناس -أي: أجناس مختلفة- وذلك مثل إن حلق، وقلّم، ولبس، وتطيب، ووطئ فعليه لكل واحد كفارة، وعنه: إن مس طيباً، ولبس، وحلق فكفارة].
عن أحمد روايتان، لكن الراجح إن فعل محظورات مختلفة فعليه لكل محظور كفارة، فإن تطيب، ولبس المخيط، وحلق الشعر فعليه ثلاث كفارات، فإذا حلق وتطيب ولبس المخيط ووطئ عليه أربع كفارات، وهكذا إن تعددت المحظورات طالما كانت من أجناس مختلفة يلزمه عن كل محظور فدية.
ثم قال: [والحلق، والتقليم، والوطء، وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه].
وهذه مسألة مهمة في محظورات الإحرام، فمثلاً محرم نسي وجامع، أو لبس غطاء على رأسه، أو تطيب ما حكمه؟ انظر إلى المحظور، هل يستطيع رده أم لا يستطيع؟ الطاقية التي لبسها هل يستطيع أن يزيلها؟ شعر الرأس إن حلقه هل يستطيع أن يرده؟ أما العامد فلا فصال فيه وحكمه معروف، إنما الكلام في الناسي، فننظر إلى المحظور الذي ارتكبه؛ فإن استطاع أن يرده ويتخلص منه فلا شيء عليه، وإن لم يستطع فعليه الفدية، فهناك فرق بين المحظورين: إذا استطاع أن يرد، وإن لم يستطيع.
فالطيب يستطيع إزالته بمسحه أو بغسله بالماء؛ لأن المحرم الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر الطيب أمره أن يزيل الطيب ولا شيء عليه؛ لأنه أخطأ ولا يعرف الحكم.
إذاً: من قتل صيداً وهو ساه هل يستطيع أن يرد الصيد وقد قتله؟ طالما لا يستطيع يكون الساهي كالعامد، فإن استطاع فلا شيء عليه.
وهنا نقول: رجل قلّم أظافره وهو محرم ناس، ما حكمه؟ ليس عليه شيء، وإذا لبس المخيط وهو ساه فليس عليه شيء.
إذاً: الساهي حكمه يختلف، إن استطاع أن يزيله فلا شيء عليه، وإن لم يستطع فعليه فدية سواء كان عامداً أو ساهياً.
(46/3)
________________________________________
ما يسقط من كفارات الحج والعمرة بالسهو وما لا يسقط
قال: [والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه -يعني: في وجوب الضمان- لأنه ضمان إتلاف، فاستوى عمده وخطؤه كمال الآدمي].
كذلك قال: [وسائر المحظورات لا شيء في سهوه].
أي الطيب، لبس المخيط، تغطية الرأس، لا شيء في سهوه.
[قال أحمد رحمه الله: قال سفيان: ثلاثة في الحج العمد والنسيان سواء: إذا أتى أهله، وإذا أصاب صيداً، وإذا حلق رأسه].
ويقاس على حلق الرأس تقليم الأظافر؛ لأنه لا يستطيع أن يرد الشعر ولا الأظافر.
[قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه؛ لأنه شيء لا يقدر على رده]، والشعر إذا حلقه فقد ذهب لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده فهذه الثلاث: العمد، والخطأ، والنسيان فيها سواء، وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاث فهو يقدر على رده.
مثلاً: إذا غطى المحرم رأسه، ثم ذكر فألقى الغطاء عن رأسه، فليس عليه شيء، أو لبس خفاً ثم نزعه، فليس عليه شيء.
[وعنه: أن الفدية تلزم الجميع].
والراجح الأول؛ لقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].
ما الفرق بين من يقدر ومن لا يقدر؟ نقول: طالما يقدر على أن يرد الشيء نلزمه بفعله، تماماً كرجل صلى صلاة الظهر ثم تبيّن بعد الصلاة أنه صلى بثوب نجس، فنقول له: طالما لم يخرج الوقت أعد الصلاة، وإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، وطالما يستطيع أن يحصل في الوقت فنأمره بالتحصيل.
ولذلك قال: [يستوي عمده وسهوه في ثلاثة أشياء].
(46/4)
________________________________________
مواضع الإتيان بالهدي والفدية ولمن تكون
قال: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم].
إذاً: فالهدي والفدية لمساكين الحرم، إلا المعسر الذي يذبح في مكانه سواء من حل أو حرم، إما لأنه أُحصر في عرفة، أو الحديبية، أو منى، فالمحصر يذبح في حله أو حرمه حيث أُحصر، أما الهدي فلا بد أن يذبحه في الحرم، وليس المقصود بالحرم هو المسجد الحرام وإنما حدود مكة، والفدية كذلك لا بد أن تذبح في الحرم، لكن هناك فرق بين الهدي والفدية، أولاً: الفدية لا يأكل منها، والهدي يأكل منه.
ثانياً: الهدي آخره آخر أيام التشريق بعد غروب شمس اليوم الرابع، والفدية تمتد إلى حيث استطاع، وربما ارتكبت محظوراً من محظورات الإحرام وأستطيع الذبح، وأريد أن أذبح ولكن ليس معي نقود في الحرم، فيمكنني أن أرسلها وأنا في مصر لتذبح بعد ذي الحجة ولا شيء علي.
ثالثاً: أن كلاهما يجزئ في الأضحية، وتنطبق عليها شروط الأضحية، فلا يكون الهدي ولا الفدية عوراء ولا عرجاء ولا غير ذلك؛ لأن هذا لا يجزئ في الأضاحي، ولا يجزئ من الضأن إلا ما له ستة أشهر، ومن الماعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنوات، إنما الفرق بينهما أن الهدي يأكل منه والفدية لا يأكل منها.
كذلك لو أن رجلاً عليه كفارة يمين فعليه إطعام عشرة مساكين، ولا يأكل منها، والهدي حكمه حكم الأضحية، وكذلك النذر لا يأكل منه؛ لأن النذر ينبغي أن يكون لله تعالى، وهذا ما سنتحدث عنه في الباب الأخير من النذر والأضحية.
قال: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33] والطعام كالهدي في اختصاصه بمساكين الحرم؛ لقول ابن عباس: الهدي والطعام بمكة، والصوم حيث شاء، ولأنه طعام يتعلق بالإحرام فأشبه لحم الهدي].
فالإطعام هو لستة مساكين من مساكين الحرم، والذبح يكون في الحرم، أما الصيام فحيث شاء.
أما الطيب فحكمه إن كان ناسياً أنه لا شيء عليه، ولكن عليه أن يزيل أثر الطيب؛ لأنه يقدر على رده، وإن كان عامداً فهو بالتخيير: إما أن يذبح شاة، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يُطعم ستة مساكين.
فإن اختار ذبح الشاة فيذبحها في الحرم، وليس لها موعد فيذبحها متى شاء؛ لأنها فدية، وليس له أن يأكل منها، وإن اختار الإطعام فيطعم ستة من مساكين الحرم، وإن اختار الصيام فيصوم حيث شاء؛ لقول ابن عباس: (الدم والطعام بمكة، والصوم حيث شاء).
قال: [ومساكين الحرم من كان فيه سواء كان من أهله أو وارداً إليه كالحاج وغيره].
ومساكين الحرم هم كل من كان في الحرم سواء كان من أهله أو وارداً عليه، وينطبق عليه ما ينطبق على مصارف الزكاة الثمانية في سورة التوبة.
قال: [وهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم].
أي: المساكين الذين يجوز دفع الزكاة إليهم.
[إلا فدية الأذى فإنه يفرقها في الموضع الذي حلق فيه.
نص عليه] فدية الأذى وفدية الإحصار.
لماذا استثنينا أذى الرأس والإحصار؟ [لحديث كعب بن عجرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية ولم يأمره ببعثه إلى الحرم].
كعب بن عجرة كان يشكو من تساقط القمل من رأسه، والقمل مرض جلدي يصيب جلدة الرأس فيحتاج معه إلى إزالة الشعر، وكعب بن عجرة قال: (يا رسول الله! إني أشكو من وجع في رأسي، فأمره بإماطة الشعر وأن يفدي في مكانه) هل ذبح كعب بن عجرة في الحرم أم خارج الحرم؟ خارج الحرم.
وعلى هذا يقول أحمد والدليل معه: استثنينا فدية الأذى وفدية الإحصار، أما فدية الأذى فمستثناة بحديث كعب بن عجرة، وأما فدية الإحصار فمستثناة بفعل النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: [وهدي المحصر ينحره في موضعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا هداياهم بالحديبية] والحديبية خارج مكة من الحل وليست حرماً، وعلى هذا يستثنى من الذبح في الحرم الأذى والحصار.
قال: [وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان] {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح:18] وعمر بن الخطاب هو الذي أزال هذه الشجرة من جذورها؛ لأنه رأى أن البعض ربما تبركوا بها؛ لأن تحتها تمت البيعة، فاجتزها من جذورها سداً لذريعة الشرك، وعندنا في الشرقية شجرة يرحل الناس إليها، وهناك (مضخة للماء) والتي تريد أن تحمل تشرب من مائها وتغتسل منه أسأل الله أن يزيلها، وهذا كله شرك نسأل الله العافية.
ولو أن الأمر بيد أصحاب التوحيد لهدمت هذه الأماكن التي يشرك فيها مع الله عز وجل، واندثرت هذه القباب العالية التي يُذبح عندها، ويُطلب منها المدد.
ومن اللطائف: أن رجلاً قال: إني نذرت للبدوي شاة إن شفيت ابنتي، فجاءتها حمى فماتت -إنا لله وإنا إليه راجعون- فنزل هذا الرجل يخ
(46/5)
________________________________________
الأسئلة
(46/6)
________________________________________
حكم شعر اللحية المتساقط

السؤال
محرم يهذّب اللحية فوقع شيء من شعره، هل عليه شيء؟

الجواب
ليس عليه شيء، إذا لم يتعمد فعل ذلك.
(46/7)
________________________________________
حكم تكرار العمرة من التنعيم

السؤال
ما حكم تكرار العمرة من التنعيم؟

الجواب
بالنسبة لتكرار العمرة من التنعيم فمختلف فيها، والراجح فيها عدم الجواز.
(46/8)
________________________________________
حكم العمل في المقاهي

السؤال
رجل يعمل في المقهى ما حكم عمله؟

الجواب
نقول: ما طبيعة المقهى؟ إن كانت القهوة تقدم شاياً وقهوة وغير ذلك فلا بأس، وإن كانت تقدم شيشة ولعب طاولة فعمله حرام، ينظر أولاً إلى طبيعة المقهى هل يعمل في الحلال أم في الحرام.
(46/9)
________________________________________
حكم التحلل بقص جزء صغير من الشعر

السؤال
هل يصح عند التحلل من الإحرام قص جزء صغير من شعر الرأس أم قص عموم الشعر؟

الجواب
الصواب أن تعم الشعر بالتقصير، حتى أن بعض العلماء قالوا: إن من قص بعض الشعر لم يتحلل، أي: أنه ارتكب محظوراً يحاسب عليه؛ لأن حلق بعض الرأس ليس من السنة أبداً.
(46/10)
________________________________________
العدة شرح العمدة [47]
الطواف بالبيت العتيق ركن من أركان الحج والعمرة، إلا أنه يكون طواف قدوم في العمرة أما في الحج فطواف الركن هو الإفاضة، ويشرع للطائف بالبيت استلام الحجر الأسود، فإن لم يستطع اكتفى بالإشارة إليه مع التكبير، كما يشرع له أن يرمل في الثلاثة الأشواط الأول ويمشي في الأربعة الباقية.
(47/1)
________________________________________
استحباب دخول مكة من أعلاها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب: (العدة شرح العمدة) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع شرح كتاب الحج والعمرة، باب: (دخول مكة).
قال رحمه الله: [يستحب أن يدخل من أعلاها؛ لما روى ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى)، وروت عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء مكة دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها)، متفق عليه].
إن هذا الكلام يحتاج إلى تحقيق، بمعنى: هل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة كان على سبيل السنة، أم أن دخوله كان من العادات، وهناك رسالة ماجستير للأخ الفاضل محمد سليمان الأشقر -على ما أذكر- تحمل هذا العنوان: (أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقتها بالتشريع)، فمن أفعاله ما يعد تشريعاً، ومن أفعاله ما يعد عادة.
وهب أنه ركب هنا دابة، فهل المستحب أن نركب في هذا المكان دابة؟ وهذه الرسالة موجودة، وإن شاء الله سبحانه وتعالى سنحاول أن نقف على بعض عناصرها.
(47/2)
________________________________________
دخول المسجد من باب بني شيبة
قال: [ويدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل منه]، أي: هل يستحب لمن دخل المسجد الحرام أن يدخل من باب بني شيبة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام دخل منه، ومعلوم أن المسجد الحرام له أكثر من باب: باب السلام، وباب العمرة، وباب الملك فهد، وباب الملك عبد العزيز، إلى غير ذلك من الأبواب.
قال: [وفي حديث جابر الذي رواه مسلم وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عند ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد)].
أيضاً هل نستطيع أن نقول: إن من أراد أن يدخل مكة فليدخلها في الضحى، أم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد وافق الضحى عند دخوله مكة؟ إن من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما يعد تشريعاً، ومنها ما يعد عادة، فإذا ندب النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه إلى فعل معين فهو للاستحباب، ثم هل الصحابة والسلف كانوا يدخلون مكة من أعلاها، ويدخلون المسجد الحرام من باب بني شيبة، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ إن الضابط أن يفعله الصحابة على أنه سنة؛ لأنهم يتأسون بالنبي عليه الصلاة والسلام، ثم يُنظر في هذا الفعل، هل كان هذا الفعل على سبيل الاستحباب فعلاً، أم لا؟ فإن كان على سبيل الاستحباب فهو مستحب، وإن كان عادة فهو العاديات التي لا يُستحب للإنسان الإتيان بها، كحادثة تأبير النخل لما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ثم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، أي أن هذا ليس على سبيل التشريع.
(47/3)
________________________________________
ما يفعله الحاج عند رؤيته للبيت
قال: (فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا، وروي رفع اليدين عند رؤية البيت عن ابن عمر وابن عباس)، أي: أن رفع اليدين، وقول: الله أكبر الحمد لله، ثم الدعاء، من فعل ابن عباس وابن عمر له حكم الرفع؛ لأنه لا يمكن أن نتصور أن الصحابي يأتي بعبادة من عند نفسه، بل قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ففعله، ولذا فأقوال الصحابة وأفعالهم في الأمور التعبدية لها حكم الرفع، وكذلك في الأمور العقدية المرتبطة بالعقيدة.
قال: [وروى أبو بكر بن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة) يعني: عند تكبيرة الإحرام (واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة) فيستحب بعد أن يرتقي جبل الصفا أو المروة أن يرفع يديه ويدعو الله عز وجل (وعلى الموقفين، والجمرتين)]، والموقفان: عرفة، ومزدلفة؛ لحديث أسامة بن زيد: (رفع يده -يوم عرفة- حتى سقط خطام الدابة من يده)، وكذلك فعل عليه الصلاة والسلام في مزدلفة.
والجمرتان: الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، فيرمي الجمرة الصغرى بسبع حصيات، ويكبر بعد كل حصاة، ثم يقف مستقبل الكعبة ويدعو، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يدعو بمقدار قراءة سورة البقرة، وكذلك يفعل في الجمرة الوسطى والكبرى، لكن لا يقف يدعو بعد رمي الجمرة الكبرى، وهذا ما سنوضحه إن شاء الله في بيان صفة الحج والعمرة.
قال: (ولأن الدعاء يستحب عند رؤية البيت؛ فقد أمر برفع اليدين عند الدعاء، ويستحب أن يدعو فيقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلغني بيته، ورآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك؛ اللهم تقبل مني واعف عني، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت)، ذكر هذا الدعاء أبو بكر الأثرم، وبعضه مروي عن سعيد بن المسيب، وهو يليق بالمكان فذكرناه).
وسعيد بن المسيب كما هو معروف من كبار التابعين، ومراسيله يؤخذ بها؛ لأنه أخذها عن الصحابة، ولذلك فمراسيل التابعين الكبار، كمراسيل سعيد بن المسيب حينما يأخذونها عن الصحابة لها حكم الرفع، وأصل الدعاء هنا مشروع، فيدعو المسلم بما شاء، وهذا الدعاء الذي أورده المصنف هو على سبيل الاستئناس.
(47/4)
________________________________________
الابتداء بطواف العمرة لمن كان معتمراً، وبطواف القدوم لمن كان مفرداً أو قارناً
قال: [ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً]، وهذا بالنسبة للحاج المتمتع.
[أو بطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً]، والفرق بينهما: أن طواف القدوم سنة، لا حرج على من تركه، بينما طواف العمرة ركن من أركان العمرة، إن تركه بطلت العمرة.
كذلك يسن في طواف القدوم وطواف العمرة الاضطباع والرمل، وليس هناك اضطباع ولا رمل إلا في طواف القدوم وطواف العمرة، والاضطباع: أن يكشف كتفه الأيمن في حال الطواف، والرمل: أن يقارب بين الخطا في الأشواط الثلاثة الأولى، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على الأيسر، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة، وهو مستحب في طواف القدوم؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، وقذفوها على عواتقهم اليسرى)]، قال بعض العلماء: إن الرمل كان لعلة، وهي: أن المشركين قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابتهم حمى المدينة، فرملوا ليروهم القوة، هذا الكلام في الحقيقة محل نظر؛ لأن الصحابة بعد ذلك كانوا يرملون في العصور المتتابعة، والرمل والاضطباع للرجال دون النساء.
(47/5)
________________________________________
استلام الحجر الأسود وتقبيله
قال: [ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه]، يعني: يستلم الحجر الأسود ويبدأ الطواف من عنده، [وهو أن يمسحه بيده ويقبله، قال أسلم: (رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك)، متفق عليه.
وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: (استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر، ثم وضع شفتيه عليه)]، أي: لم يضع يديه ثم قبله، وإنما قبله مباشرة عليه الصلاة والسلام.
قال: (يبكي طويلاً، فإذا هو بـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا عمر! هاهنا تسكب العبرات)]، أي: الدموع، وإن تعسر عليه استلام الحجر الأسود، فله أن يشير إليه بيده اليمنى ويقول: باسم الله والله أكبر، ثم يطوف، وليس معنى ذلك: أن يؤذي الناس بغرض تقبيل الحجر، لا، فإن إيذاء المسلمين حرام، وتقبيل الحجر سنة؛ فلا يرتكب حراماً لأجل سنة.
قال: [ويقول عند استلامه: باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم].
(47/6)
________________________________________
صفة الطواف بالبيت العتيق
قال: [ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره]، أي: يبدأ بالطواف من الحجر الأسود، ويجعل الكعبة عن يساره.
(47/7)
________________________________________
الرمل ثلاثاً والمشي أربعاً في الطواف
قال: [فيطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، ويمشي في الأربعة الأخر، ومعنى الرمل: إسراع المشي مع مقاربة الخطا من غير وثب، وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، لا نعلم في ذلك خلافاً بين أهل العلم]، وقد يقول قائل: لم يقل: من طواف القدوم وطواف العمرة أيضاً؛ لأن طواف العمرة أولاً طواف بالبيت، كذلك: أن قوله: (طواف القدوم)، يشمل طواف العمرة وطواف القدوم للقارن وللمفرد على السواء.
ثم قال: [وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثاً ومشى أربعاً، رواه جابر وابن عباس وابن عمر في أحاديث متفق عليها، وحديث جابر من أفراد مسلم]، أي: أن حجة الوداع للنبي صلى الله عليه وسلم انفرد بها جابر بن عبد الله، وقد رواها الإمام مسلم في صحيحه، وهي أفضل ما روي في حجة الوداع؛ لأن جابراً قد تعقب حج النبي صلى الله عليه وسلم من لحظة خروجه إلى حين عودته.
(47/8)
________________________________________
سبب الرمل
قال: [وسبب الرمل فيما روى ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة فقال المشركون: إن محمداً وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه -أي: هذا ادعاء- قال: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثاً ويمشوا أربعاً) رواه مسلم]، لذا أراد بعض العلماء أن يجعل الرمل لعلة، وعندما تزول العلة يسقط الحكم؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماًَ، وهذا كلام غير صحيح؛ لأن الثابت من فعل الصحابة بعد ذلك أنهم حافظوا على مثل هذه السنة، ومثله: الالتفات يميناً ويساراً عند الأذان، سواء سمع من على يمينه أو لم يسمع، فلا يأت أحد فيقول: إن الالتفات يميناً ويساراً شرع حتى يسمع من في يمين ويسار المؤذن، لا، لأن الأمر بذلك سنة، ولأنه ربما قد تكون هناك علة أخرى لا نعرفها، ولذا قال المصنف: [فإن قيل: أليس الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها؟ ف

الجواب
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رمل واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح، ثبت أنها سنة ثابتة.
وقال ابن عباس: (رمل النبي في عمرته كلها وفي حجه، وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعدهم)].
وفي المقابل: سن عثمان لنداء الجمعة الأول، وذلك بعد اتساع الرقعة الإسلامية، لكن بعد معرفة الأوقات بأكثر من طريقة، ووجود مكبرات الصوت، فقد زالت العلة، وبزوالها زال فعل عثمان رضي الله عنه، ولذا إذا أراد المسلم أن يطبق سنة عثمان فلا بأس، لكن يؤذن قبل الجمعة بنصف ساعة تقريباً، لأن الأذان الأول إعلام باقتراب دخول الوقت، لا أن يؤذن الأذان الأول في وقت الصلاة، ثم يؤذن الأذان الثاني والإمام على المنبر، فهذه بدعة ومخالفة لسنة عثمان التي يحتذي بها، ومثله: الأذان الأول في الفجر؛ لينبه النائم وليغتسل الجنب قبل دخول الوقت الحقيقي للفجر.
وكذلك: ما أورده البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التيمم من حديث سيدنا عمر رضي الله عنه: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم وادياً مع أصحابه، فأرادوا أن يناموا، فقال: من يقوم على إيقاظنا في الفجر؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله! فقام سيدنا بلال يحرسهم لأجل أن ينبههم لصلاة الفجر، فنام بلال -لأنهم نزلوا بواد بعد طول تعب وسهر وعناء- والنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة حتى ارتفعت الشمس، فاستيقظ الصحابة على حرارتها، يقول عمر: فكنت ثالث القوم -وكان النبي صلى الله عليه وسلم ما زال نائماً- وكنا نكره أن نوقظه؛ لعله يوحى إليه، فأخذ عمر يكبر بصوت مرتفع فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فعاتب بلالاً، فقال: بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله! وفي الحديث فوائد كثيرة جداً، منها: مشروعية إيقاظ النائم بالتكبير، ومشروعية النداء بعد خروج الوقت، وصلاة النافلة بعد خروج الوقت، وصلاة الجماعة بعد خروج الوقت، والصلاة الفائتة تقضى على صفتها، بمعنى: أنه إذا نام عن العشاء إلى الفجر، صلى الفجر أولاً، ثم صلى العشاء جهراً؛ لأن القضاء على صفة الفرض، وإن ضاق الوقت لقضاء الفائتة سقط الترتيب للمشقة والعجز، كمن قام من النوم والناس يصلون الفجر ولم يصل العشاء بعد، فليصل الفجر مع الجماعة أولاً، ثم يصلي العشاء، ويسقط الترتيب للعجز.
ومثله: من فاته قيام الليل قضاه جهراً؛ لحديث مسلم: (من نام عن حزبه أو نسيه؛ فليصله من بعد طلوع الفجر إلى الظهر)، ولذلك يرى الشيخ ابن عثيمين: أن من فاته الوتر في الليل قضاه شفعاً، فإن كان يصلي الوتر ثلاث ركعات، قضاه بعد الفجر أربعاً، بزيادة ركعة عن ركعات الوتر المعتادة، والدليل ما روت عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نام عن صلاة الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة).
(47/9)
________________________________________
ما يفعله الحاج عندما يحاذي الركن اليماني والحجر
قال: [وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل]، فالركن اليماني يستلم ولا يشار إليه، بينما الحجر الأسود يستلم ويشار إليه، بل ويقبل أيضاً إن استطاع، وهذه سنة لا ينبغي للإنسان الإصرار عليها مع الزحام الشديد، وبعض النساء قد تزاحم الرجال لأجل تقبيل الحجر، وهذا أمر لا ينبغي ولا يجوز.
قال: [لأن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في طوافه)، قال نافع: وكان ابن عمر يفعله، رواه أبو داود]، ونافع هو مولى ابن عمر، وعكرمة مولى ابن عباس، والسلسلة الذهبية هي مالك عن نافع عن ابن عمر.
قال: [وروى البخاري عن ابن عباس قال: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه وكبر)]، وفيه جواز أن يطوف المسلم على بعير، وأن يدخل المسلم ببعيره إلى المسجد، وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى باباً سماه: باب: (دخول البعير إلى المسجد)، واستدل بهذا الحديث، لكن المسجد في تلك الأيام كان مفروشاً بالتراب أو بالحصباء، أما الآن فلا يمكن أن يدخل المسلم ببعيره إلى أي مسجد، ثم يستدل بحديث البخاري! ومثله: جواز الطواف بالعربة للحاجة، كأن يكون الإنسان عاجزاً عن الطواف راكباً، وبعض الناس استحب أن يطوف راكباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكباً، لكن هل فعل النبي هنا للتشريع أم لأنه عجز عن الطواف راجلاً؟
(47/10)
________________________________________
ما يقوله الحاج بين الركنين
قال: [ويقول بين الركنين -الركن اليماني والحجر الأسود-: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]؛ لما روى الإمام أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب: (أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين ركن بني جمح والركن الأسود: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201])]، والحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن له شاهداً صحيحاً، فنذكره على سبيل الاستئناس، وقيل: الحديث حسن.
قال: [وروى ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكل به -يعني: الركن اليماني- سبعون ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؛ قالوا: آمين)]، هذا الحديث ضعيف، والمشروع أن يقول بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قال: [ويدعو في سائره بما أحب]، أي: ليس هناك دعاء بصفة معينة حول الكعبة، لكن تجد أنه قد أُلِفت كتب كثيرة في الدعاء حول الكعبة، في الشوط الأول كذا، وفي الشوط الثاني كذا وهكذا، وتجد الناس يسيرون وهم يدعون دعاء جماعياً، ويرفعون أصواتهم بذلك، وهذا مخالف للسنة، والعجب أنهم يدعون دعاءً جماعياً باصطحاب المرشد الذي يقرأ لهم من الكتاب ويرددون خلفه، فتسمع العجائب من هذا المرشد، بل وأحياناً تسمعه يقرأ القرآن خطأً عند الطواف أو السعي بين الصفا والمروة، فلا ينبغي أبداً أن يكون هناك دعاء جماعي بهذه الطريقة، وكذلك النساء لا يجوز لهن رفع الصوت بالدعاء، وقد تجد بعض الناس يعقد الصفقات بالهاتف أثناء الطواف، وبعضهم يتحدثون في أمور الدنيا وشهواتها! وهذا إن دل فإنما يدل على أن الناس في غفلة، وأن القلوب لا زالت معلقة بالدنيا، وحدث ولا حرج عن المخالفات التي تحدث في الطواف والسعي.
قال: [لما روي عن ابن عباس: أنه كان إذا جاء إلى الركن اليماني قال: اللهم قنعني بما رزقتني، واخلف لي على كل غائبة بخير ويستحب أن يقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، رب اغفر وارحم واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: رب قني شح نفسي، وعن عروة قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: لا إله إلا أنت، وأنت تحيينا بعد ما أمتنا، ويستحب الإكثار من ذلك.
قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، رواه الأثرم وابن المنذر]، والحديث قد يكون ضعيفاً في نظر من حققه، بينما الترمذي هنا حسنه وصححه، وهذا كثير، فتجد من العلماء من يضعِّف الحديث، وتجد منهم من يصحح الحديث، فمثلاً: صلاة التسابيح صححها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وابن الجوزي قال عنها: موضوعة، والراجح في صلاة التسابيح أن حديثها ضعيف لا شك في هذا، والشيخ ابن باز رحمه الله قال: حديثها منكر، وهي صلاة تشرع في العمر مرة واحدة، فمن العلماء من قال: إنها موضوعة، ومنهم من قال: هي صحيحة، وبعض الناس بارك الله فيهم يتمسكون برأي واحد في الحديث، فإذا ضعف الشيخ الألباني حديثاً رحمه الله يقولون: ضعيف، ولا يقرئون آراء حفاظ الأمة في الحديث، كـ ابن حجر وابن عساكر والسيوطي رحمهم الله تعالى، لذا ينبغي على المسلم أن يصغي إلى آراء العلماء وحكمهم على الحديث، ولا يكتفي بالحكم على الحديث من عالم واحد فقط، ثم له أن ينظر في الحكم عليه إن كان من أهل الصنعة، كما ينبغي على المسلم ألا يتسرع في الحكم على الحديث إذا رأى من ضعفه، لأنه ربما قد يكون صحيحاً من طرق أخرى، كـ الترمذي رحمه الله تعالى فهو يتساهل كثيراً في تصحيح الحديث.
(47/11)
________________________________________
حكم الطواف دون وضوء أو الإحداث أثناءه
وهنا مسألة: ما حكم من أحدث وهو يطوف، هل يخرج ويتوضأ ثم يتم طوافه، أم يبدأ من جديد، أم ليس هناك وضوء على من طاف بالبيت؟ المسألة خلافية بين الفقهاء: جمهور الفقهاء الأربعة يرون أنه يشترط الوضوء للطواف بالبيت، ودليلهم: أن الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل فيه الكلام؛ فجعلوا الطواف كالصلاة فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية -بمفرده- يرى أنه لا يشترط الوضوء للطواف بالبيت، وقال: قياس الجمهور قياس مع الفارق من وجوه، ثم أخذ يسرد تلك الوجوه رحمه الله.
والراجح هو قول جمهور الفقهاء الأربعة؛ لأن المسألة عليها أكثر من دليل.
لكن لو أحدث وهو يطوف ثم توضأ، فهل يبني على ما سبق أم يبدأ الطواف من أوله؟ من العلماء من قال: يبني على ما سبق، واعتبر كل شوط عبادة مستقلة، ومنهم من قال: يبدأ من أوله؛ واعتبر السبعة الأشواط عبادة واحدة، وذلك كمن أحدث في الركعة الثالثة من الصلاة الرباعية فخرج وتوضأ، ثم عاد يصلي من أولها.
والراجح: أنه يبني على ما سبق؛ لأن المشقة تجلب التيسير، ولا يمكن أن نقول له: استأنف، خاصة إذا كان قد أتى بخمسة أشواط أو ستة، فضلاً عن أن العلماء قالوا: إن من طاف شوطاً وأراد أن يستريح قليلاً لتعبه فله ذلك، ثم يطوف الشوط الثاني بعد قليل، بحيث لا يتسع الوقت بين الشوطين، فيكمل الطواف من حيث انتهى، لكن بإلغاء الشوط الذي كان فيه، والله تعالى أعلم.
(47/12)
________________________________________
العدة شرح العمدة [48]
يسن لمن قضى الطواف حول البيت أن يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم يخرج إلى الصفا من بابه، والسعي سبعة أشواط يبدأ الشوط الأول بالصفا وينتهي السابع بالمروة وأثناء ذلك يهرول بين العلمين الأخضرين في كل شوط.
(48/1)
________________________________________
صلاة ركعتين خلف المقام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب: (دخول مكة).
قال المصنف رحمه الله: [ثم يصلي ركعتين خلف المقام]، أي: بعد الانتهاء من طواف العمرة إن كان متمتعاً، أو طواف القدوم إن كان قارناً أو مفرداً، يصلي ركعتين خلف المقام؛ لقول ربنا سبحانه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125].
وقصة مقام إبراهيم أخرجها الإمام البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن إبراهيم عليه السلام لما كلفه الله بأن يرفع قواعد البيت، وكلف ولده إسماعيل أن يعاونه، قام إبراهيم يبني وإسماعيل يساعده إلى أن بلغت الكعبة إلى طوله، فأتى له بحجر فقام عليه، وذلك ليرفع البناء، وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينفذ أوامر الله ثم يزيد عليها فوق طاقته، كالنوافل والمستحبات، فلما قام إبراهيم عليه السلام على هذا الحجر أمرنا الله أن نتخذ هذا المقام مصلى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125].
وهذه من موافقات عمر للوحي، فقد قال رضي الله عنه: (يا رسول الله لو اتخدنا من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]) ومعنى المقام: أن تصلي فتجعل المقام بينك وبين الكعبة.
وشيخنا ابن باز له فتوى وهي: أن الحرم كله مقام في حال الزحام، فلا يشترط أن تصلي إلى المقام مباشرة، فلو صليت في الطابق الثاني عند الزحام جاز، ولو صليت فوق السطح جاز، طالما أنك تجعل المقام بينك وبين الكعبة في حال الزحام الشديد، بينما البعض يصر على أن يصلي بالقرب من المقام فيعرقل الطواف، والناس قد تدوسه وهو ساجد، وهو يظن أنه بذلك يحسن صنعاً.
(48/2)
________________________________________
تخفيف الركعتين
ثم من السنة أن يخفف الركعتين، فيقرأ في الأولى: بـ (الكافرون)، وفي الثانية بـ (الإخلاص).
قال رحمه الله: [روى جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم وقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]، فجعل المقام بينه وبين البيت)، قال محمد بن علي: ولا أعلمه إلا ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ في الركعتين: ((قل هو الله أحد))، و: ((قل يا أيها الكافرون))، ومهما قرأ فيهما بعد الفاتحة جاز وحيث ركعهما جاز، فإن ابن عمر ركعهما بذي طوى، رواه البخاري وأحمد.
ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما والطواف بين يديه وليس بينهما شيء، وكذلك سائر الصلوات بمكة لا يعتبر لها سترة]، وخالف في ذلك الشيخ الألباني رحمه الله فقال: لا بد من اتخاذ السترة في المسجد الحرام.
لكن اتخاذ السترة عند الطواف وبين المقام من المشقة البالغة، والمشقة تجلب التيسير، والواجبات -على القول بأن السترة واجبة- تسقط بالعجز، والطواف مقدم على الصلاة، قال تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125]، فقدم الطواف على الركوع والسجود، وعليه فلا يمكن أن نأمر المصلي بأن يتخذ سترة عند الصلاة إلى المقام؛ لأنه يترتب على ذلك تعطيل الطواف، وهذه من المشقة التي لا يمكن التحرز منها كما قال العلماء.
(48/3)
________________________________________
حكم الركعتين خلف المقام
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الركعتين خلف المقام، هل هما واجبتان أم هما من السنن المؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ والراجح والله تعالى أعلم: أنهما من السنن المؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتصليان في أي وقت، حتى وإن كان وقت كراهة، كالصلاة بعد الفجر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بعد الفجر حتى تشرق الشمس)، والصلاة بعد العصر، والصلاة عند شروق الشمس وعند غروبها، والصلاة عندما تكون الشمس في وسط السماء، يعني: قبل الظهر بقليل.
فهذه الأوقات الخمسة ينهى فيها عن التنفل المطلق، والصلاة ذات السبب تصلى في أي وقت، كدخول الرجل المسجد بعد الصبح، وهذا هو مذهب الشافعي وهو الراجح، خلافاً للإمام مالك الذي كان ينهى عن الصلاة المسببة في هذه الأوقات، ويروى أن مالكاً دخل يوماً المسجد بعد الصبح فقال له شاب: صل ركعتين تحية المسجد.
فصلى، فقيل له: يا إمام صليت وخالفت ما تقول! قال: خشيت من أن ينطبق علي قول الله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} [المرسلات:48]، فالإمام مالك رغم أنه يرى عدم الصلاة المسببة في أوقات الكراهة إلا أنه صلاها مرة، وعلى كل فالصلاة المسببة ومنها هذه الصلاة، أي: صلاة ركعتين خلف المقام، جائزة في أي وقت من ليل أو نهار، ومتى ما انتهى المسلم من الطواف صلاهما في أي وقت.
(48/4)
________________________________________
العودة إلى الركن لاستلامه بعد الفراغ من ركعتي الطواف
قال: [ويعود إلى الركن فيستلمه، يعني: إذا فرغ من ركعتي الطواف وأراد أن يخرج إلى الصفا فقال أحمد: يعود فيستلم الحجر، وكان ابن عمر يفعل ذلك ولا نعلم في ذلك خلافاً، والأصل فعل النبي صلى الله عليه وسلم له، ذكره جابر في صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام]، وجابر بن عبد الله هو الذي روى حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم.
(48/5)
________________________________________
ما يفعله الحاج عند خروجه إلى الصفا من بابه
قال: [ثم يخرج إلى الصفا من بابه فيرقى عليه ويكبر الله عز وجل ويهلله ويدعوه]، أي: يخرج إلى جبل الصفا من بابه فيرقى عليه ويدعو الله عز وجل، وبين الصفا والمروة وادٍ كان منخفضاً، وهي اليوم ما بين المصباحين الأخضرين أو العلمين الأخضرين، وقد كانت تهرول فيها هاجر يوم أن بحثت عن الماء لابنها إسماعيل، والحديث عند الشيخين، وفيه أن سعيد بن جبير لما شعر باقتراب أجله برز لتلامذته ليسألوه، فأكثروا عليه في السؤال، فكان مما سألوه عنه أنهم سألوه عن مقام إبراهيم، فروى هذا الحديث الطويل وفيه: أنه لما كان بين إبراهيم وبين زوجه سارة ما كان، ومحاولة ملك مصر أن يفعل الفاحشة بزوجته فدعت عليه، ثم وهبها أو أعطاها هاجر عليها السلام، وكانت أمة مملوكة، ثم أعطتها سارة لإبراهيم عليه السلام فتسرى بها، أي: دخل بها لأنها كانت من الإماء، فحملت هاجر عليها السلام، فغارت سارة عند ذلك، والغيرة شيء معروف عند النساء لا يمكن أن تنكر بأي حال من الأحوال، عند ذلك أمر الله إبراهيم أن يفصل بين زوجتيه سارة وهاجر، لأن الحكمة لمن تزوج بامرأتين أن يفصل بينهما، ولا يدعهما في مكان واحد، فإن حدث ما لا يحمد عقباه فلا يلومن إلا نفسه، فكان من إبراهيم أن جعل سارة في الشام، وأخذ هاجر وولدها الرضيع إلى شبه الجزيرة، واتخذت هاجر ذيلاً لثوبها يربط بحزامه على وسطها لتمحو أثر أقدامها حتى لا تتبعها سارة، فتعرف مكانها فتلحق بها، فوضع إبراهيم عليه السلام زوجه وولدها الرضيع في واد غير ذي زرع، ووضع لهما جراباً من تمر وإناء من ماء، ثم تركهما وانصرف، قال تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم:37]، فنادت هاجر فلم يجبها، حتى إذا ذهب إلى طريق كدا بعد أن بلغ الثنية التفت إليها فقالت له: يا إبراهيم لمن تتركنا أنا وابنك الرضيع، أربك أمرك بهذا؟ فقال: نعم، فقالت: إذاً فلن يضيعنا الله، وهذا من صدق التوكل على الله عز وجل.
ثم أخذت أمنا هاجر تبحث عن الماء -بعد أن نفد ماؤها- لتشرب هي ورضيعها، فأخذت تصعد إلى جبل الصفا، ثم تهبط إلى بطن الوادي فتهرول فيه، ثم تصعد إلى جبل المروة، وهكذا حتى أتمت سبعة أشواط وهي تنظر إلى ولدها إسماعيل لعله قد مات؛ لأنه كان يتقلب ظهراً على بطن من شدة الجوع والعطش، وبينما هي في الشوط السابع سمعت صوتاً فقالت لنفسها: صه، يعني: أنصتي، فإذا بجبريل عليه السلام يقوم بين يديها: من أنتِ؟ قالت: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا زوجة إبراهيم، لأنه فرق بين أم الولد وبين الزوجة، فقال: لمن ترككما في هذا المكان القحط ولمن وكلكما؟ فقالت: وكلنا إلى الله، فقال: هو حسبكما، فضرب الأرض فانفجر ماء زمزم، فأخذت هاجر تحيط الماء حرصاً على عدم ضياعه، قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله هاجر لو تركت زمزم لأصبحت عيناً جارياً على سطح الأرض)، لكن حرص هاجر جعل الماء في هذه البقعة.
(48/6)
________________________________________
الدعاء عند الوقوف بجبل الصفا
قال: [قال جابر: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا قرأ قول الله سبحانه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة:158]، أبدأ بما بدأ الله به -أي: أبدأ بالصفا- فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت -يعني: رقى إلى الصفا حتى رأى الكعبة- فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات.
وكان ابن عمر يقوم على الصفا فيكبر سبع مرات ثلاثاً ثلاثاً، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطاعة رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى وجنبي العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت وقولك الحق: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60]، وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى توفاني عليه، اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن، ويدعو دعاءً كثيراً حتى أنه ليملنا وإنا لشباب]، أي: أنه من طول دعائه لا يستطيع الشباب أن يحاكوه.
ولا يشترط الوضوء للسعي بين الصفا والمروة، والذهاب من الصفا إلى المروة يعتبر شوطاً، ومن المروة إلى الصفا شوطاً آخر، لا كما يفعله بعض الناس، فيحسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعودة من المروة إلى الصفا شوطاً واحداً، فيسعى أربعة عشر شوطاً! والبعض قد يعقد لكل شوط دعاء، والبعض الآخر قد يلحن في قراءة القرآن، حتى تجد البعض يقول: (فلا جناح عليه أن يتطوف بهما)، والناس تردد خلفه ولا تعلم الخطأ، فينبغي على العبد أن تعلوه السكينة والوقار، وأن يعيش هذه المناسك العظيمة.
ومن اللطائف في هذا المقام: أن ابن عباس كان يرى أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فلما سئل عن ذلك قال: الطواف حول البيت سبع، والسعي بين الصفا والمروة سبع، وعدد السموات سبع، وعدد الأرضين سبع، والمسلم يسجد على سبعة أعضاء، ويسمى الولد في يوم سابع ولادته، وقال تعالى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ} [الحاقة:7]، وقال في موضع آخر: {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} [لقمان:27].
(48/7)
________________________________________
الهرولة بين العلمين الأخضرين وكيفية احتساب الشوط في السعي
قال رحمه الله: [ثم ينزل فيمشي إلى العلم، ثم يسعى إلى العلم الآخر]، يعني: أنه يسعى بين العلمين الأخضرين، وهي منطقة الوادي التي كانت تهرول فيها أمنا هاجر عليها السلام.
قال: [ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل كفعله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، حتى يكمل سبعة أشواط]، ولا يشترط التتابع بين السبعة الأشواط، فله أن يستريح ثم يكمل طالما أنه ليس هناك فرق زمني كبير بين الشوط والشوط، لكن ليس من المقبول أبداً أن يسعى شوطاً ثم يخرج إلى الفندق وينام ثلاث ساعات، ثم يغتسل ويعود فيكمل! نقول له: أن يستريح لكن بالحد المعقول الذي لا يخرج عن المألوف أو عن انقطاع التتابع، وله أن يشرب أثناء السعي، وأن يقضي حاجته إذا أراد.
قال: [يحتسب بالذهاب سعيةً وبالرجوع سعيةً، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة، هذا وصف السعي، قال جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدنا مشى)].
والهرولة لا تكون إلا للرجال دون النساء، فالمرأة تمشي بسكينة ووقار، والخطأ أن تهرول المرأة، لأنها بذلك تظهر مفاتنها فلا يجوز.
(48/8)
________________________________________
التحلل بحلق الشعر أو تقصيره للرجل والأخذ منه قدر أنملة للمرأة
ثم بعد أن يتم السبعة الأشواط يتحلل، فيحلق أو يقصر، والمرأة تأخذ من ظفيرتيها قدر أنملة الأصبع، ومن المخالفات أن بعض الناس عندما يقصر يأخذ جزءاً يسيراً من شعره، وهذا لا يجوز، حتى أن بعض العلماء قد أوجب عليه دماً؛ لأنه ما حلق أو قصر التقصير الصحيح، فيأخذ من جميع أجزاء رأسه، والمستحب لمن حج قارناً أن يؤخر الحلق إلى حجه، وإن كان سيؤدي عمرة فقط في رمضان ثم يعود إلى بلده، فالأولى أن يحلق.
(48/9)
________________________________________
حرمة الأخذ من اللحية
ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من لحيته، فإن قال قائل: حديث أم سلمة عند مسلم: (إذا أهل بالحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره)، فهل للمسلم بعد أن يضحي أن يأخذ من شعر لحيته؟! ف

الجواب
لا يجوز، وأما فعل ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يأخذ ما زاد على القبضة فمخالف لروايته: (أعفوا اللحى)، فتقدم الرواية على الفعل، ومثل ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب)، وكان أبو هريرة يغسله ثلاثاً، فنقدم روايته على فعله كما هو مقرر في علم الأصول.
أيضاً: جاء في البخاري: أن الصحابة كانوا يعرفون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العصر من اضطراب لحيته، يعني: أن لحيته كانت تهتز، وهذا يدل على أن لحيته عليه الصلاة والسلام كانت كبيرة وكثيفة، وحالنا اليوم أننا نأخذ من اللحية كثيراً ونحتج بفعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ونقول: إن ابن عمر رضي الله عنهما قد حج ستين حجة وكان يأخذ من لحيته على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم يثبت عن أحد أنه أنكر عليه، فكيف ذلك؟! ف

الجواب
أولاً: غير صحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما حج ستين حجة.
ثانياً: أن فعل ابن عمر هذا ليس حجة على غيره من الصحابة، فقد كان بعض الصحابة من تبلغ لحيته إلى سرته، وليس فعل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة الدليل، وهذا كلام الأصوليين.
ومثل ذلك: أن الكل يُجمع على أن الحجاب من الفروض الإسلامية، والعجيب أنهم يشترطون على المذيعة أو المضيفة حتى تحصل على عمل: أن تظهر نحرها وشعرها، ولم نر مذيعة أو مضيفة محجبة، وإلا فالفصل ينتظرهما، فهم بذلك يناقضون أنفسهم، وإلا فما دام أنه فريضة من الفرائض فلماذا لا يعمل به؟! وكذلك اللحية فهي فرض، ومع ذلك يعبثون بها!!
(48/10)
________________________________________
البدء بالصفا والختم بالمروة في السعي
قال رحمه الله: [ويفتتح بالصفا ويختم بالمروة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالصفا، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، فيقتضي الترتيب؛ لأنه أمر يقتضي الوجوب، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط]، أي: لو أن حاجاً بدأ بالمروة فإنه لا يحسب له شوطاً، لأن الترتيب في الآية: {إِنَّ الصَّفَا} [البقرة:158]، يقتضي الوجوب، ومثله في الوضوء، خلافاً لبعضهم، قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن إدخال العضو الممسوح بين المغسولين -في الآية- لا يفيد إلا الترتيب، حيث قال الله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة:6]، فـ (أرجلكم) معطوفة على (وأيديكم إلى المرافق)، فكما أنه تغسل الذراعان فكذلك تغسل القدمان، وإدخال الممسوح بين المغسولين أفاد الترتيب، لأن الترتيب لو كان غير مقصود لجاء بالمغسول على حاله وجاء بالممسوح كذلك على حاله، وهذا الكلام معتبر وله حجته.
قال: [ثم يقصر من شعره إن كان معتمراً وقد حل، إلا المتمتع إن كان معه هدي والقارن والمفرد فإنه لا يحل]، أي: بعد انتهائه من السعي بين الصفا والمروة يحلق أو يقصر إن كان متمتعاً، ويجوز له كل شيء من محظورات الإحرام حتى النساء، وأما إن كان قارناً أو مفرداً أو متمتعاً قد ساق الهدي، فإنه لا يحل له أن يتحلل، وإنما يظل على إحرامه، فالقارن قد قرن بين حج وعمرة، والمفرد سيؤدي حجاً فقط، والمتمتع الذي ساق الهدي من بلده يلزمه أن يقرن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولتحللت).
قال: [لما روى ابن عمر قال: (تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليحلل)، متفق عليه.
والأحاديث في ذلك كثيرة لا نعلم فيها خلافاً].
وقد جمع ووفق ابن عثيمين بين الروايات الثلاث التي تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حج متمتعاً، وحج قارناً، وحج مفرداً، وكلها صحيحة، فقال رحمه الله تعالى: حج النبي صلى الله عليه وسلم قارناً لأنه ساق الهدي، وحج مفرداً لأنه أتى بأعمال الحاج المفرد والتي هي نفس أعمال الحاج القارن، فكلاهما لهما طواف واحد وسعي واحد، ما عدا الدم، فالقارن يلزمه دم والمفرد لا يلزمه، وحج صلى الله عليه وسلم متمتعاً لأنه أدى العمرة مع الحج، أي: في سفرة الحج، ولا شك أن التمتع هو أفضلها.
(48/11)
________________________________________
من كان معه هدي بقي على إحرامه وأدخل إحرام الحج على العمرة
قال: [أما من كان معه هدي فإنه يقيم على إحرامه ويدخل إحرام الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً]، أي: يظل محرماً ويدخل الحج على العمرة، لكن لا يجوز له أن يدخل العمرة على الحج، وهذا مذهب أحمد وهو الصحيح.
قال: [وفي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً).
(48/12)
________________________________________
المعتمر غير المتمتع يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن معه هدي
قال: [وأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي نحره عند المروة]، يعني: أنه يعتمر عمرة فقط، كمن يعتمر في رمضان ولم يؤد الحج، لكن هب أن إنساناً أحرم بالعمرة في رمضان وساق معه الهدي، فيجوز له أن يتحلل ويذبح الهدي، لأنه لم يسق الهدي في أشهر الحج.
قال: [وحيث نحره من مكة جاز -يعني: أن المعتمر لا بد عليه أن ينحر هديه في مكة- لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر سوى العمرة التي مع حجته فكان يحل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل فجاج مكة طريق ومنحر).
(48/13)
________________________________________
إذا طاف وسعى المفرد أو القارن استحب له أن يفسخ نية الحج وينوي عمرة مفردة
قال: [وأما القارن والمفرد فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نية الحج وينوي عمرة مفردة، فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعاً]، يعني: لو أن رجلاً نوى أن يحج قارناً، وأدى الطواف والسعي، فيجوز له أن يتحلل ويجعلها عمرة ثم يحج متمتعاً؛ لأن الصحابة فعلوا ذلك، فقد قلبوا الطواف والسعي إلى عمرة، والعمرة أركانها الآتي: الإحرام، والطواف، والسعي.
وحتى لا يلتبس الأمر: فالإحرام ركن من أركان العمرة أو الحج، والإحرام من الميقات واجب، فلو أن رجلاً أراد أن يحج، ولا يستطيع أن يدخل السعودية إلا بمهنة جزار أو خدمة الحجيج، فله أن يدخل بملابسه ويحرم منها أو من جدة، ويلزمه فدية؛ لأنه جاوز الميقات دون إحرام، لكن أصل الإحرام ركن، يعني: يعقد النية عند الميقات ويلبي، وإن لم يستطع الفدية صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده.
وآخر: رجل اعتمر في رمضان، ولما جاءت أشهر الحج لبى بالحج مفرداً من مكانه، فله أن يحج مفرداً وليس عليه دم؛ لأنه أوقع العمرة في غير أشهر الحج، بينما المتمتع هو من أوقع العمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، فمن اعتمر فيها يعتبر متمتعاً ويلزمه دم، قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196]، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة:196].
ثم قال: [وإنما يجوز ذلك بشرطين أحدهما: أن لا يكون معه هدي، فإن كان معه هدي بقي محرماً حتى يفرغ من أفعال الحج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر أصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق معه هدياً)، رواه جابر وابن عباس وعائشة متفق عليه، واحتج أحمد بقوله عليه السلام: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، والأحاديث في ذلك كثيرة صحاح تقرب من التواتر والقطع.
الشرط الثاني: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالفسخ قبل الوقوف] يعني: من أراد أن يحول الطواف والسعي إلى عمرة مفردة فله ذلك بشرطين: الأول: أن لا يكون قد ساق الهدي، والثاني: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن من وقف بعرفة فقد انتهى حجه.
قال: [والمرأة كالرجل إلا أنها لا ترمل في طواف ولا سعي، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع؛ لأن الأصل في الرمل والاضطباع أمر الجلد -يعني: القوة- ولا يقصد في ذلك النساء؛ ولأن النساء يقصد فيهن الستر وفي الرمل والاضطباع تعرُّض للانكشاف].
(48/14)
________________________________________
العدة شرح العمدة [49]
يشرع للحاج المبيت بمنى يوم التروية وليلة التاسع من ذي الحجة، وإن كان متمتعاً أحرم من منى، فإذا أضحى يوم عرفة خرج إلى عرفة وبقي فيها حتى غروب شمس يوم التاسع، ثم يدفع إلى مزدلفة ويصلي فيها المغرب والعشاء جمع تأخير، ويبيت فيها استعداداً لأداء مناسك يوم النحر.
(49/1)
________________________________________
ما يفعله الحاج يوم التروية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب (صفة الحج).
قال المصنف رحمه الله: [وإذا كان يوم التروية، فمن كان حلالاً أحرم من مكة وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما]، ويوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وسمي بيوم التروية، لأنهم كانوا يتروون فيه الماء، حتى إذا ما صعدوا إلى عرفة أو ذهبوا إلى منى يكون معهم الماء، والمتمتع في اليوم الثامن يُحرم من مكانه الذي هو فيه، فإن كان في الفندق فله أن يغتسل ويطيب المفارق ويلبس الإزار والرداء، ثم يصلي ركعتين، وليس هناك ركعتين تسمى بـ (ركعتي الإحرام)، فهذا خطأ وهو شائع، لكن إن كانت هناك فريضة صلاها، وإن كانت نافلة صلاها، أو سنة الوضوء أو تحية المسجد، أي: أنها صلاة مسببة، ثم يلبي من مكانه: لبيك حجاً، لأنه قد لبى بالعمرة من الميقات، ويقول: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
وهذا كله قبل الظهر يوم الثامن من ذي الحجة، ثم يتوجه إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، فيقصر الصلاة دون أن يجمع، أي: أنه يصلي الظهر ركعتين والعصر ركعتين والمغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين والفجر ركعتين، وكل فريضة في وقتها، وهناك صحابي جليل من الخلفاء الراشدين قد أتم الصلاة في منى، وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه، وصلى خلفه عبد الله بن مسعود فقال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم في منى فقصر، وصليت خلف أبي بكر فقصر، وصليت خلف عمر فقصر، فلما جاءت خلافة عثمان أتم عثمان، وقد اعتذر العلماء لفعل عثمان بأعذار عديدة، منها: أنه تأول، هل القصر في منى من النسك أم هو رخصة؟ من النسك، فلو أن رجلاً بيته في منى، فهل يصلي قصراً أم يتم؟ يصلي قصراً؛ لأن القصر من النسك وليست رخصة للمسافر دون غيره، ومن السنة أن يبيت في منى، وليس ذلك واجباً من واجبات الحج، ولا ركناً من أركانه، فإن بات في منى صلى الفجر فيها صبيحة اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة، وهو خير يوم طلعت فيه شمس العام، ثم بعد أن يصلي الفجر في منى ينتظر حتى يسفر النهار، ثم يتوجه بعد ذلك إلى عرفة.
قوله: [وخرج إلى عرفات] أي: خرج إلى عرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة، وكما تعلمون أن بعض المعاصرين يقترح على الأمة أن تعدد أيام عرفة لأجل تخفيف الزحام! أي: أنه بدلاً من أن يكون يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة ممكن أن يكون التاسع من شوال، وممكن أن يكون التاسع من ذي القعدة، والغريب أن الصحفي الذي كتب هذا المقال في جريدة الأهرام أو الأخبار -على ما أذكر- قال: وهذا اقتراح جدير بالدراسة، عرفة يتعدد وهو يوم واحد في السنة! وليس هناك عرفة سواه، ولكن أحياناً العقول تضل.
وقوله: [فإذا زالت الشمس يوم عرفة]، أي: انحرفت عن وسط السماء، [صلى الظهر والعصر يجمع بينهما]، أي: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر مع العصر في عرفة يجمع بينهما.
(49/2)
________________________________________
ذكر جابر لأفعال النبي في يوم الثامن والتاسع والعاشر من ذي الحجة
قال: [وروى جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم الحديث إلى أن قال: (فحل الناس كلهم وقصّروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها -أي: بمنى- الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضُربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي صلى الله عليه وسلم)]، أي: أنه بعد الزوال أتى من نمرة إلى بطن الوادي إلى عرفة، وعرنة جزء منها من عرفة، وجزء منها خارج حدود عرفة، لذا فعرفة لها حدود معينة، ولا بد أن يقف الحاج على عرفة، فيقف عليها جزءاً من النهار مع جزء من الليل، وبذلك يكون قد أتى بالسنة، ولذلك لو أن حاجاً وقف على عرفة نهاراً، ثم ترك عرفة قبل غروب الشمس، فيكون بذلك قد ترك واجباً؛ لأن الوقوف في عرفة في جزء من الليل من واجبات الحج، فإن تركه يجبر بالدم.
ولو أن رجلاً وقف على عرفة بعد غروب الشمس ولم يقف بالنهار، فحجه صحيح.
ولو أن رجلاً ترك الوقوف على عرفة بالنهار، ولكنه وقف بالليل، فحجه صحيح ولا شيء عليه؛ لأن الوقوف بعرفة يكون ليلاً، فمن أدركها بالليل فقد أدرك الحج ولا شيء عليه؛ والجمع بين الوقوف في عرفة ليلاً ونهاراً سنة، ومن أدرك عرفة فقد أدرك الحج.
ولو أن رجلاً خرج من بلده وتوجه مباشرة إلى عرفة، فأدرك عرفة قبل أن يؤذن الفجر، فحجه صحيح وعليه دم، لأنه ترك المبيت بمزدلفة ليلة العيد.
قال: [فخطب الناس صلى الله عليه وسلم]، أي: أنه خطبهم خطبة الوداع قبل أن يصلي الظهر مع العصر، وخطب -كذلك- بعد زوال الشمس، أي: بعد أن دخل وقت الظهر، فقام فيهم خطيباً في خطبة جامعة لم يعرف التاريخ ولن يعرف مثلها في تمامها وكمالها.
قال: (ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً)]، أي: أنه صلى الظهر والعصر جمعاً، وهذا من النسك.
قال: [(ثم ركب حتى أتى الموقف واستقبل القبلة حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص)]، أي: أنه لم يترك عرفة إلا بعد غروب الشمس، فجمع صلى الله عليه وسلم في الوقوف في عرفة بين الليل والنهار.
قال: [(حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء)]، أي: جمع تأخير؛ لأن المغرب حان عليه في عرفة قبل أن يخرج منتصف الليل، لكن بعض الحجاج قد يركب السيارة فيكون هناك زحام، فيصل إلى مزدلفة في الساعة الثانية أو الثالثة فجراً، ويؤخر العشاء والمغرب إلى هذا الوقت! وهذا لا يجوز، يقول علماؤنا: إن خرج منتصف الليل نزل من سيارته وصلى في أي مكان، وليس شرطاً أن يصلي في مزدلفة؛ لأنه حبسه حابس عن الوصول إلى المزدلفة، لكن إن يسّر الله له فوصل إلى مزدلفة قبل منتصف الليل صلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير.
قال: [(فصلى بها المغرب والعشاء -أي بمزدلفة- بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبّح بينهما شيئاً)]، أي: أنه لم يصل النافلة؛ لأن الذي يجمع الصلاة ليس له أن يصلي النافلة، ومن باب أولى الذي يجمع ويقصر، لكن لو أتم صلى نافلة، والفريضة جُبرت عنه، فمن باب أولى النافلة.
قال: [(ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر)]، أي: أنه صلى المغرب والعشاء ثم اضطجع، ولم يصل قيام الليل، لأنه ليس من السنة قيام الليل في ليلة المبيت بمزدلفة، ولأنه يحتاج إلى جهد لأداء النسك.
ثم قال: [(فصلى الصبح حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة)]، أي: أنه صلى الصبح في مزدلفة، ولذلك من واجبات الحج المبيت بالمزدلفة، لكن رُخّص لأهل الأعذار أن يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل، كالساقي أو الرجل معه النساء وغير ذلك.
قال: [(ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً)]، أي: أنه مكث واقفاً في مزدلفة حتى ظهر ضوء النهار، وأسفر بمعنى: بدا وظهر، قال تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} [المدثر:34]، ومنه سفور المرأة، أي: ظهور مفاتنها، وسمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، فلا تعرف الرجل إلا إذا سافرت معه، فتعرف أخلاقه الطيبة من معايبه.
قال: [(فدفع قبل أن تطلع الشمس -أي: في يوم مزدلفة قبل طلوع الشمس- حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى)]، وهذا في صباح يوم العيد؛ لأنه بات في مزدلفة ليلة العيد، ثم توجه إلى منى ليسلك الطريق المؤدي إلى جمرة العقبة الكبرى أو العظمى، بحيث يرمي الحاج جمرة واحدة بسبع حصيات، وإجمالي ما يرميه الحاج في حجه 49 حصاة إذا تعجّل، وإذا تأخر 70 حصاة، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْن
(49/3)
________________________________________
استحباب الإحرام للحاج المتمتع يوم التروية حين توجهه إلى منى
قال رحمه الله تعالى: [ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يتروون من الماء فيما يعدونه ليوم عرفة، فالمستحب لمن كان بمكة حلالاً -من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم ومن كان مقيماً بها من أهلها وغيرهم- أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى منى، لما تقدم من حديث جابر.
(49/4)
________________________________________
الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به
ثم قال: [(وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس صلى بها الظهر والعصر يجمع بينهما)، لما سبق من حديث جابر، ثم يصير إلى الموقف، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، وذلك لأن الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به إجماعاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) أخرجه أبو داود وابن ماجه]، وليلة الجمع هي ليلة مزدلفة، ومن جاء قبل الفجر وأدرك عرفة فقد أدرك الحج.
قال: [وقال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثاً أشرف منه، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة)]، أي: أنه صلى الله عليه وسلم وقف في عرفة وقال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)، ولذا فليس من المعقول أن يقف الناس في الموقف الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديد، ولكن لهم أن يتوزعوا في عرفة، وصعود جبل الرحمة في عرفة ليس من السنة؛ لأن البعض يقتتلون من أجل صعود جبل الرحمة، ويعتبرون ذلك من السنة، وهذه من المخالفات التي يقع فيها الحجيج، ولذا قال المصنف: [ولأنه لم يقف بعرفة فلم يجزه كما لو وقف بمزدلفة].
(49/5)
________________________________________
استحباب أن يقف الحاج بعرفة في موقف النبي عليه الصلاة والسلام
قال: [ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند الجبل قريباً من الصخرات، لما في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه.
واستقبل القبلة، ويجعل جبل المشاة بين يديه ويستقبل القبلة لذلك].
ثم قال: [ويكون راكباً وهو أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكباً]، أي: وقف في عرفة راكباً، وطاف بالبيت راكباً، حتى أن أسامة بن زيد قال: (وقع خطام دابته من يده وهو يدعو الله عز وجل في يوم عرفة).
(49/6)
________________________________________
الاجتهاد في الدعاء والثناء على الله في يوم عرفة
قال: [ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)]، فينبغي لمن وفقه الله ولمن اصطفاه الله ولمن اختاره الله أن يقف على عرفة أن يجتهد في الدعاء، ولا يقض يوم عرفة في النوم كما يفعل البعض، أو في معصية الله سبحانه كما يفعل البعض؛ لأنكم لو رأيتم ماذا يحدث في عرفة لعلمتم أن الأمة في غفلة، فالبعض يصطحب معه إلى عرفة لعبة الطاولة والضمنة! والبعض قد يصطحب معه موبقات، والبعض قد ينام في يوم عرفة ولا يستيقظ إلا بعد غروب الشمس، وغاب عنه أن هذا الوقت هو وقت مبارك وطيب، ونبيه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيه بالدعاء، وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لذا فإنه من بركة هذا اليوم المبارك أن ربنا سبحانه وتعالى يباهي بحجاج بيته الملائكة، فلا بد أن يراك ربك متضرعاً خائفاً وجلاً داعياً باكياً نادماً على فعل المعاصي السابقة.
يقول: [ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل إلى غروب الشمس؛ لأنه يوم ترجى فيه الإجابة، ولذلك أحببنا له الفطر ليتقوى على الدعاء]، وأما غير الحاج فله أن يصوم التسع من ذي الحجة، وغالب علماء السنة على مشروعيتها، فلا داعي أن نبدّع من صامها، ونكون بذلك قد خالفنا ابن القيم وشيخ الإسلام وابن عثيمين والنووي وابن حجر وغيرهم من حفاظ الأمة، وذلك بدون أن نبحث في المسألة، يقول الشيخ ابن عثيمين: إن الأصل فيه موجود: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)، والصيام من العمل الصالح، فلا داعي أن نبدّع الناس بذلك.
قال: [قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو -عز وجل- ثم يباهي بكم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟)].
ثم قال: [ويستحب أن يدعو بالمأثور من الأدعية مثل ما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أكثر دعاء الأنبياء قبلي ودعائي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ويسر لي أمري)، وكان ابن عمر يقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى، ثم يرد يده فيسكت قدر ما كان إنسان قارئاً بفاتحة الكتاب، ثم يعود فيرفع يديه ويقول مثل ذلك، ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض، وسئل ابن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فقيل له: هذا ثناء وليس بدعاء -أي: أنهم سألوه عن الدعاء فأجاب بالثناء- فقال: أما سمعتم قول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء].
أي: هل أذكر حاجتي أم الثناء عليك يكفي؟ ومن أكرم من الله عز وجل؟ فإذا أثنى العبد على ربه سبحانه فإن هذا بمثابة الدعاء.
قال: [وقوله: (إلى غروب الشمس)، معناه: أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة حتى غربت الشمس.
كذا في حديث جابر].
(49/7)
________________________________________
صفة دفع الحجيج ليلة النحر إلى مزدلفة ووقته
قال: [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار، وذلك أنه لا ينبغي للناس أن يدفعوا حتى يدفع الإمام]، وهذا حين يكون للأمة إمام، فيتحرك الإمام ويتحرك الناس من خلفه، أما الآن فقد سقطت الخلافة الإسلامية، وكل يدّعي أنه إمام أهل السنة، بل ونجح أعداؤنا في وضع الحدود الجغرافية بين كل بلد وآخر، حتى رؤية رمضان وذو الحجة لم تفلح الأمة في توحيدها إلى الآن، ولذلك يروى أن هارون الرشيد نظر إلى سحابة في السماء فقال لها: أمطري حيث شئت فإن خراجك سيأتيني.
أي: في أي بقعة من الأرض أمطرت فسيأتيني خراجك إن شاء الله، ومعنى هذا: أن الإسلام قد شمل كل بقاع الأرض، وأن الأرض كلها كانت تخضع للإسلام ولولي أمر المسلمين، فتأملوا في هذا وانظروا إلى ما وصلنا إليه! وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه حينما جاء من أرمينيا أو أذربيجان اقترح على ذي النورين أن يجمع المصحف على حرف واحد؛ لاختلاف القراء، فهذا يقرأ بلغة وهذا بلغة أخرى، والقرآن قد نزل على سبعة أحرف، فتأمل كيف أن حذيفة جاء من أقصى الدنيا، أي: أن الإسلام قد عم الأرض جميعاً، ولذا فلا أمان ولا اطمئنان في هذا العالم إلا إذا ساده الإسلام، فهو دين الله عز وجل الذي ارتضاه للخلق أجمعين.
قال: [وهو الوالي الذي إليه أمر الحاج من قبل الإمام، فالمستحب أن يقف حتى يدفع الإمام، ثم يسير نحو المزدلفة على طريق المأزمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلكه وإن سلك الطريق الآخر جاز، ويكون عليه سكينة ووقار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام حين دفع وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب موركة رحله ويقول بيده اليمنى: (أيها الناس السكينة السكينة)].
ويحضرني الآن قول عمر رضي الله عنه حينما نظر إلى الحجاج فوجد العدد كبير: الركب كثير والحاج قليل، أي: من ذهب طلباً لرضا ربه ومغفرته، وأتقن العمل، ويخاف ألا يتقبل الله منه، فهو حاج، وهؤلاء قليل، ومن ذهب ليقال: إنه قد ذهب ليحج، حتى أنك ترى السيارات والأعلام البيض، والطبل والمزامير في انتظاره، وبعد عودته من الحج لم يتغير سلوكه، فهؤلاء ركب وهم كثير.
ثم قال: [وقال عروة: (سئل أسامة -وأنا جالس-: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص)]، أي: أنه إذا وجد الطريق ميسورة للمشي مشى، وإذا وجد الزحام توقف، وفي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي أن تزاحم الناس وتؤذيهم.
(49/8)
________________________________________
استحباب الإكثار من التلبية والذكر في يوم عرفة
قال: [ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل]، ولا يقطع الحاج التلبية إلا عند رمي جمرة العقبة، وعند الشروع في الطواف بالنسبة للمعتمر.
قال: [فإن ذكره مستحب في جميع الأوقات وهو في هذا الوقت آكد؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة:198]؛ ولأنه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى والتلبس بعبادته والسعي إلى شعائره، فيستحب الإكثار فيه من ذكره، ويستحب التلبية، قال الفضل بن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة)]، وقد أردف النبي صلى الله عليه وسلم خلفه ابن عباس ومعاذاً وأسامة بن زيد، وهنا في حجة الوداع أردف النبي صلى الله عليه وسلم خلفه الفضل بن عباس، فرأى امرأة محرمة لكنها كشفت وجهها، فجعل ينظر إليها فصرف النبي عليه الصلاة والسلام وجهه عنها وقال: (رأيت شاباً وشابة، فكيف آمن الشيطان عليهما؟)، وكلما عاد الفضل لينظر صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه، وهذا دليل لمن قال بعدم وجوب غطاء الوجه للمرأة، فنقول له: هذا في الحج، والمرأة قد أُمرت ألا تغطي وجهها في الحج إذا أمنت مخالطة الرجال، فإن قال قائل: فكيف ينظر إليها الفضل وقد خالطت الرجال؟ نقول: المرأة كانت تأمن من عدم المخالطة، لكن الفضل نظر فرآها وليس على وجهها حجاب، فلما نظر إليها جذبه النبي صلى الله عليه وسلم، فمعنى ذلك: حرمة النظر إلى الوجه؛ لأن الوجه يجمع المحاسن، ولذلك فهذه مؤامرة خبيثة على هذا الزي الإسلامي الذي عرفته الأمة منذ قديم الزمان.
(49/9)
________________________________________
صلاة الحاج للمغرب والعشاء والفجر بمزدلفة
قال: [فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما]، أي: قبل أن يحط الرحال يصلي المغرب والعشاء، [والسنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصل إلى مزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء قبل حط الرحال، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بجمع -أي: بمزدلفة- بين المغرب والعشاء، والأصل في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما].
قال: [ثم يبيت بها -أي: بمزدلفة- والمبيت بمزدلفة واجب من تركه فعليه دم، وقال بعضهم: من فاته جمع فاته الحج]، أي: أن بعضهم قال: إن المبيت بمزدلفة ركن وليس واجباً، فانظر إلى خطورة المسألة، فمعظم الحجاج المصريين يدفعون من عرفة إلى الجمرة إلى منى ولا يبيتون بمزدلفة، بحجة أن المطوف قد فعل ذلك، فيا عبد الله! إن المبيت بمزدلفة واجب فلا ينبغي أبداً أن تتركه، وأقول لك: حتى يكون حجك صحيحاً خذ عنوان الفندق وأد النسك في اطمئنان وسكينة، ولا تخش على نفسك.
قال: [ولنا قوله عليه السلام: (الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه)، يعني: من جاء من يوم عرفة].
ثم قال: [ثم يصلي الفجر بغلس] أي: بظلام.
قال: [السنة أن يبيت بمزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلي الصبح]، وهذا استدلال على أن وقت صلاة الفجر لا شبهة فيه، وقد نشرت مجلة التوحيد في عدد لها فتوى حول هذا الأمر؛ لأن البعض يؤخر الفجر عن الجماعة الأولى، ويظل يطعن في موعد الفجر حتى نام ولم يصل الفجر بعد، فيكفي في دخول الوقت غلبة الظن، وما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين، وإن قلت لأحد الإخوة: أنت الآن تشكك في موعد الفجر، فقال: نعم، قلت له: إذاً في رمضان كل واشرب بعد النداء، فقال: لا يجوز؛ احتياطاً للصيام، فإذاً هو غير متأكد وغير متيقن مما يقول، فلا داعي أبداً أن نثير هذه الشبهات والقلاقل في مواعيد استقرت، وأهل الخبرة أو أهل التخصص قد وضعوها في النتيجة، وإن كان هناك خطأ في التقدير فعليهم، وأنت الآن تصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء في موعد محدد، فلماذا تطعن في الفجر يا عبد الله؟! يقول: هناك أقوال كذا وكذا لبعض العلماء أو الدعاة! وأنا أعتقد أن هذه المسألة قد حسمت قديماً فلا داعي أبداً لهذا؛ لأن الفتنة لا زالت تذهب إلى بعض القرى، فبعض الناس لا يصلي الفجر مع الجماعة الأولى بحجة أنهم يصلون بليل، فيؤخر الجماعة فيخالف، أو يصلي مع الجماعة الأولى ثم يعود فيصلي مرة ثانية! ولا صلاة مرتين في اليوم، فيقع في المخالفات العديدة بسبب هذا الموضوع.
قال: [والسنة أن يعجلها في أول وقتها ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام]، وهذا دليل آخر أيضاً، فيصلي الفجر في أول الوقت بغلس، أي: بظلام، وقد استدل علماؤنا على ذلك بأن نساء المؤمنين زمن النبي كن يخرجن من صلاة الفجر بغلس فلا يُعرفن، أي: أن الصلاة تنتهي والجو لا يزال مظلماً، فلا تعرف المرأة أختها، وفي البخاري: أن الرجل كان ينظر فلا يميز بين الرجل والأنثى من شدة الظلام، فلا داعي لمثل هذه الأمور، وهذا كلام مستقر، لذا فأقول: إن السنة أن يعجلها في أول وقتها.
قال: [وفي حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح حين تبين له الصبح، وفي حديث: أنه صلى الفجر حين طلع الفجر، وقائل يقول: قد طلع، وقائل يقول: لم يطلع]، أي: أن الصحابة اختلفوا، فمنهم من يقول: قد طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع بعد، فصلى عليه الصلاة والسلام في هذا الوقت؛ حتى يتمكن من الدعاء عند المشعر الحرام.
(49/10)
________________________________________
الوقوف والدعاء عند المشعر الحرام
قال: [ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو، وفي حديث جابر: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المشعر الحرام فرقى عليه، وحمد الله وهلله وكبّره ووحده)]، أي: حمد الله فقال: الحمد لله، وهلله فقال: لا إله إلا الله، وكبّره فقال: الله أكبر، ووحّده سبحانه وتعالى.
قال: [ويستحب أن يكون من دعائه: اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا فيه لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:198 - 199].
(49/11)
________________________________________
دفع الحاج من المشعر الحرام قبل طلوع الشمس
ثم قال: [ثم يدفع قبل طلوع الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، قال عمر: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس فيقولوا: أشرق ثبير كيما نغير]، وهذا من أقوال المشركين، فالنغير: العصفور الصغير، بمعنى: أشرق الصباح والعصفور صاح؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لـ عمير الطفل الصغير: (يا أبا عمير ما صنع النغير؟)، والنغير هو العصفور، فكان لـ أبي عمير عصفور صغير يلعب به، وكان يسر به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمازحه فيقول له: ويقول: (يا أبا عمير ما صنع النغير؟ وهو يبكي ويقول: (مات النغير يا رسول الله).
(49/12)
________________________________________
استحباب الإسراع في وادي محسر والبدء برمي جمرة العقبة
قال: [فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى، يستحب الإسراع في وادي محسر، وهو ما بين جمع منى، فإن كان ماشياً أسرع وإن كان راكباً حرك دابته، قال جابر: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بطن محسر حرك دابته قليلاً)].
ثم قال: [فيبدأ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف، ويقطع التلبية عند الرمي، وبعد رمي جمرة العقبة يحل له كل شيء إلا النساء، وبعد الرمي والذبح والحلق يكون قد تحلل تحللاً أصغر]، فيحل له كل شيء إلا النساء، وإن جامع بعد أن تحلل التحلل الأصغر فعليه دم، ويذهب إلى التنعيم فيحرم ويطوف بالبيت وهو محرم، وإن جامع قبل التحلل الأول، أي: قبل أن يرمي جمرة العقبة فقد فسد حجه ولزمه الإتمام وعليه بدنة، ويقضي من قابل، والبدنة يذبحها في الحرم في مكة.
(49/13)
________________________________________
نحر الهدي بعد الفراغ من رمي الجمرة
قال: [ثم ينحر هديه، وذلك أنه إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر ثم يحلق رأسه أو يقصر، والحلق أفضل- لأنه قد قصّر بعد أداء العمرة إن كان متمتعاً- ثم قد حل له كل شيء إلا النساء ثم يذهب إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً، أما إن كان قارناً قد سعى عند قدومه فلا يسعى]، لأن القارن والمفرد عليهما سعي واحد، أما المتمتع فعليه سعيان: سعي للعمرة وسعي للحج.
إلى هنا نكون قد انتهينا من صفة الحج، ويبقى عندنا ثلاثة أبواب: باب: (ما يفعله في منى بعد الحل)، وباب: (أركان الحج والعمرة)، وباب: (الهدي والأضحية والعقيقة)، وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في وقت لاحق، ونكتفي بهذا القدر وجزاكم الله خيراً.
(49/14)
________________________________________
العدة شرح العمدة [50]
من أعمال الحج يوم النحر أن يرجع الحاج إلى منى بعد الإفاضة فيمكث بها ليالي التشريق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ويرمي الجمرات، ومن أراد التعجل في يومين من أيام التشريق فينفر بعد زوال يوم الثاني من أيام التشريق.
(50/1)
________________________________________
ما يفعله الحاج يوم النحر وأيام التشريق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب ما يفعله بعد الحل، والمعنى: بعد أن يتحلل الحاج برمي جمرة العقبة، وبالذبح والحلق يكون قد تحلل تحللاً أصغر، فإن طاف للإفاضة فقد تحلل تحللاً أكبر، سواء كان تحلل تحللاً أصغر أم أكبر هناك أفعال تلزم الحاج بعد الحل، يعني: ما يفعله بعد التحلل
(50/2)
________________________________________
حكم المبيت بمنى بعد الإفاضة يوم النحر وأيام التشريق
يقول المصنف: [ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها]، أي: أن الحاج بعد أن يرمي جمرة العقبة، وبعد أن يذبح ويحلق يعود إلى منى، فيبيت بها.
قال الشارح: [وذلك أن السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى، قالت عائشة رضي الله عنها: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر)]، يعني: صلى الظهر بالمسجد الحرام، ثم طاف للإفاضة ثم عاد إلى منى.
قال الشارح: [(ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي التشريق)، رواه أبو داود.
وروى أحمد عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى)].
وهنا ننبه إلى أنه لا يلزم الحاج أن يطوف طواف الإفاضة يوم النحر؛ لأن وقت طواف الإفاضة يمتد إلى آخر ذي الحجة، فبعد تحلله الأصغر برمي جمرة العقبة، وبالذبح ثم الحلق؛ يكون قد تحلل تحللاً أصغر، فيجوز له كل شيء إلا النساء، فالنساء لا تحل له إلا بعد التحلل الأكبر، هذا يسمى التحلل الأصغر، وهو أن يفعل أمرين من ثلاثة: الرمي، والذبح، والطواف.
والحلق لا يحسب ولا يعد.
فإن فعل من هذه الثلاثة اثنين؛ فقد تحلل تحللاً أصغر، ويلزمه أن يعود فيبيت في منى ليالي التشريق، وهي: ليلة الحادي عشر من شهر ذي الحجة، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر لمن أراد أن يتأخر، يقول تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:203]، ونفي الإثم من صيغ الإباحة في علم أصول الفقه يعني: أنه يستوي الفعل مع الترك.
قال الشارح: [(ثم رجع فصلى الظهر بمنى)، والمبيت في منى ليالي منى واجب]، يعني: ليالي التشريق المبيت بمنى واجب.
قال الشارح: [وهي إحدى الروايتين عن أحمد]، أي: أن الحاج إذا ترك المبيت بمنى يلزمه دم؛ لأنه ترك واجباً، فالمبيت في منى واجب، ورمي الجمرات في أيام التشريق واجب مع جمرة العقبة.
وقد سمعتم ما يحصل من زحام شديد عند الجمار فيسبب ضحايا، والأمر يحتاج إلى تأمل من فقهائنا، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي جمرة العقبة ثم يقف فيدعو طويلاً بمقدار ما يقرأ سورة البقرة، فهل يتيسر للحاج هذا الأمر في هذه الأيام؟ لا يمكن.
ثانياً: إن منى مساحتها ضيقة، لا يمكن أن تتسع لمليوني حاج في وقت واحد؛ فإن الواجبات تسقط بالعجز كما يقول العلماء، والمشقة تجلب التيسير: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78].
إن الجمود عند بعض النصوص وإن كان فيها تهلكة للأمة، لم يأمر به الله عز وجل.
قال الشارح: [لما روى ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته)، متفق عليه]، وكونه يرخص للعباس مفهوم المخالفة أن من سوى العباس يجب عليه المبيت.
والنبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس ليبيت بمكة من أجل السقاية، فمن عدا العباس ليس له رخصة، هذا مفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة في أصول الفقه لا يُعمل به إلا بشروط؛ لأن البعض قد يستنبط من الآيات مفهوم المخالفة، والآية ليس لها مفهوم مخالفة، كما في قوله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} [النور:33]، قال قائلهم: الإكراه لا يجوز، فمفهوم المخالفة أن الرضا يجوز، وكما قلنا: إن الآية ليس لها مفهوم مخالفة، وكما في قول الله عز وجل: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء:31]، غالب فعلهم أنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق؛ فجاءت الآية بهذا فخرجت مخرج الغالب، فليس لها مفهوم مخالفة.
فمن شروط مفهوم المخالفة: أن لا يخرج الكلام مخرج الغالب.
قال الشارح: [وتخصيص العباس بالرخصة من أجل السقاية دليل على أنه لا رخصة لغيره.
وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: (لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أن يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته).
وروى الأثرم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال: لا يبيتن أحد من الحجاج إلا بمنى]، وكثير من الحجاج المصريين بعد أن يرموا جمرة العقبة لا يرجعون إلى منى، ولكنهم يجلسون عند الجمرات ثم يعودون إلى الفندق، فهم بهذا يتركون واجباً، والواجب أن يقضوا في منى أكثر من نصف الليل، فإذا دخلوا إلى منى بعد الغروب وبقوا فيها إلى الثانية بعد منتصف الليل، فيكونون قد قضوا غالب الليل وهذا جائز.
وأما ألا يبيت ف
(50/3)
________________________________________
صفة رمي الجمرات يوم النحر وأيام التشريق
ثم قال المصنف: [فيرمي بها الجمرات بعد الزوال]، يعني: يبيت بمنى ويرمي الجمرات، بعد الظهر، فيرمي جمرة العقبة قبل الزوال، والجمرتان يرميهما بعد الزوال، وهذا يحتاج إلى إعادة نظر، نعم قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الرمي بعد الزوال، لكن ليس معنى هذا أن الرمي لا يمتد، بل يمتد لأهل الأعذار إلى غروب الشمس، بل إلى الليل؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن يرمي الحجيج مرة واحدة بعد الزوال؛ فلا بد أيضاً من إعادة النظر في بعض مناسك الحج في ضوء الزحام الشديد: كالرمل، فلا يمكن أن ترمل حول البيت في حال الزحام الشديد.
وكالدعاء بعد رمي الجمار، فلا يتصور أن تقف وتدعو بمقدار سورة البقرة.
فهناك بعض الأمور الفقهية تحتاج من فقهاء الأمة إلى إعادة نظر، لكن ليس كما قال الدكتور القرضاوي: أنه يجوز أن تتصدق بثمن الأضحية لأجل فلسطين.
وهذا الكلام يخالف الشرع؛ لأن الأضحية نسك، والغرض منها إسالة الدماء في يوم النحر، وهذه الفتوى توزع على النقابات المهنية ويقولون فيها: خذ الأجر مرتين، أجر الأضحية وأجر التصدق لإخوانك في فلسطين، ولم يقل بهذا الكلام أحد من أهل العلم أبداًَ، وليس له سلف، فإن الأضحية نسك، ونحن نجل العلماء ونقدرهم، لكن الحق أحب إلينا، فإسالة الدماء في يوم العيد مقصودة لذاتها، وأحب الأعمال إلى الله في يوم النحر: هي إسالة الدماء، لو أن الأمة جميعاً تصدقت بالمبالغ إلى فلسطين، إذاً لن تسال دماء في يوم العيد، إذاً ما فائدة يوم النحر، وما سمي بهذا الاسم إلا وفيه نحر، وقد صدروا الفتوى بحديث موضوع مكذوب وهو عند ابن ماجه، (ما بال الأضحية؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، لكم بكل شعرة حسنة)، وقد حققت هذه الأحاديث مجلة التوحيد في هذا الشهر.
فلابد أن يراجع نفسه من قال هذا الكلام.
قال الشارح: [فيرمي الجمرات بعد الزوال من أيامها كل جمرة بسبع حصيات، فيبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة؛ لأن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة]: يرمي في يوم النحر سبعاً.
وفي اليوم الأول من أيام التشريق واحداً وعشرين.
ثم في اليوم الثاني واحداً وعشرين.
وإن تأخر في اليوم الثالث فيرمي واحداً وعشرين فيكون المجموع: سبعين حصاة.
قال الشارح: [لأن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة: سبع منها يوم النحر بعد طلوع الشمس، وسائرها في أيام التشريق بعد زوال الشمس، كل يوم إحدى وعشرين حصاة لثلاث جمرات]، ويجوز التوكيل في الرمي لأهل الأعذار، فالمرأة بدلاً من أن ترمي الجمرة وتخالط الرجال في هذا الزحام الشديد؛ يجوز لها أن توكل غيرها في الرمي، ولا بأس بذلك، فهي معذورة.
قال الشارح: [يبتدئ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات من مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره ويستقبل القبلة، ويرميها بسبع حصيات كما وصفنا في جمرة العقبة، ثم يتقدم عنها إلى موضع لا يصيبه الحصا، فيقف طويلاً]، بعد رمي الجمرة الصغرى يقف طويلاً، أما الآن فهذا صعب جداً، وبعض الناس يريد أن يطبق هذه السنة فيعرقل الناس، والبعض يصر على تقبيل الحجر، ولو كان فيه إيذاء للمسلمين، وليس هذا من الفقه بحال.
ثم قال الشارح: [يدعو الله عز وجل رافعاً يديه، ثم يتقدم إلى الوسطى فيجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة، ويرميها بسبع حصيات، ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عندها]، أي: أنه يقف بعد الجمرة الأولى وبعد الثانية.
قال الشارح: [قالت عائشة رضي الله عنها: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث فيها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، يقف عند الأولى والثانية، ويطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها) رواه أبو داود.
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات، فيكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم ويُسْهِل)]، ومعنى ذلك: أنه يمشي بسهولة ويسر.
قال الشارح: [(ويقوم قياماً طويلاً ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ بذات الشمال فيُسْهِل، ويقوم مستقبلاً القبلة قياماً طويلاً، ثم يرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف، قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله)]، وابن عمر كان متمسكاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك فإنه في يوم مطر شديد -وهذا الحديث في البخاري في كتاب الأذان- كان المؤذن يؤذن فوق سطح المسجد والجو شتاء، فقال ابن عمر حينما بلغ المؤذن: حي على الصلاة، قال: قل: صلوا في رحالكم، يعني: أمره أن يستبدل: حي على الصلاة بقوله: صلوا في رحالكم، ثم قال للناس: فعلها من هـ
(50/4)
________________________________________
ما يفعله من أراد التعجل في يومين من أيام التشريق
قال الشارح: [أجمع أهل العلم أن لمن أراد الخروج من منى شاخصاً عن الحرم غير مقيم بمكة، أو ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق إذا رمى فيه، فأما إن أحب أن يقيم بمكة؛ فقد قال أحمد: لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة]، يعني: أن مذهب الإمام أحمد فيمن تعجل أن يخرج من مكة ويسافر، فطالما أنك مقيم بمكة أياماً تأخر، إذ ما الفرق بين المبيت بمكة ومنى، التعجل لمن أراد أن يسافر من مكة، أما إن كنت باقياً في مكة فالأولى لك أن تتأخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر؛ لذلك فإنك حين تنظر إلى منى في يوم الثالث عشر تجدها خاوية إلا من القليل، وعندما تذهب إلى مكة تجد الحجاج في الفنادق لا زالوا يقيمون فيها، لماذا تقيمون في الفنادق؟ أقيموا في منى، فإن أراد أن يرحل تعجل، وإن أراد أن يقيم فيتأخر.
قال الشارح: [وكان مالك يقول: من كان له عذر من أهل مكة؛ فله أن يتعجل في يومين، وإن أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا، ويحتج من يذهب إلى هذا بقول عمر: من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفروا إلا في النفر الآخر، قال ابن المنذر: جعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر: إلا آل خزيمة، أي: أنهم أهل حزم، وظاهر المذهب جواز النفر في النفر الأول لكل أحد]، يعني: يجوز أن يخرج من منى حتى وإن تأخر بمكة، لكن هذا على سبيل الاستحباب؛ لأن الآية جاءت واضحة قال تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:203]، وإن أدركه الغروب ولم يخرج من منى؛ يلزمه المبيت بها حتى يرمي في اليوم الثالث عشر من أيام ذي الحجة.
(50/5)
________________________________________
الفرق بين ختام عمل الحاج في الأنساك الثلاثة
قال الشارح: [فإن كان متمتعاً أو قارناً؛ فقد انقضى حجه وعمرته، وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر]، والمعنى: أن المتمتع والقارن ينتهي نسكهما في اليوم الثاني عشر من أيام ذي الحجة، والمفرد يجوز له أن يذهب إلى التنعيم ليحرم بالعمرة بعد أن أدى الحج.
قال الشارح: [وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمرر الموسى على رأسه، وقد تم حجه وعمرته؛ لأنه قد فعل أفعال الحج والعمرة.
وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم]، وهذا مقارنة بين المتمتع وبين القارن وبين المفرد، وإذا نظرنا إلى أعمال كل منهم فسوف نجد أن على المتمتع أن يطوف: طواف العمرة، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع.
وعلى القارن أن يطوف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، لكن طواف القدوم بالنسبة للقارن سنة، إن لم يفعله فلا شيء عليه.
أما المفرد فمثل القارن إلا أمر واحد وهو: أن القارن عليه دم، والمفرد ليس عليه دم، هذا الفرق الوحيد بين القارن وبين المفرد.
قال الشارح: [وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم]، فالقارن عليه دم، والمتمتع عليه دم.
وهنا مسألة مهمة فلو أن رجلاً دخل إلى مكة بثيابه لأن معه تأشيرة عمل، ولا يستطيع أن يحرم من الميقات، فماذا يلزمه؟

الجواب
إن كان مفرداً لزمه دم واحد، هو دم ترك الإحرام من الميقات، وإن كان متمتعاً فعليه دمان: الدم الأول دم ترك الواجب، والدم الثاني دم التمتع، لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} [البقرة:196].
قال الشارح: [بل فعلهما سواء]، أي القارن والمفرد.
قال الشارح: [ويجزيه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته، نص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه]، أي: أن المفرد يلزمه طواف واحد، ويلزمه سعي واحد، والقارن كذلك، والمتمتع يلزمه طوافان وسعيان، طواف العمرة وطواف الحج، وسعي العمرة وسعي الحج، ولو قال قائل: أين طواف العمرة؟ قلنا: كحال الطهارة الصغرى حينما تدخل في الكبرى، والمعنى: أنك حينما تغتسل وتنوي بغسلك الوضوء؛ يدخل الوضوء في الغسل، تماماً كما قال الإمام أحمد، ودليله واضح في صحيح مسلم أن المفرد والقارن ليس عليهما إلا طواف وسعي واحد.
قال الشارح: [وعنه]، يعني: عن أحمد في رواية أخرى.
قال الشارح: [أن على القارن طوافين وسعيين، روي ذلك عن علي، ولم يصح عنه، واحتج من قال ذلك بقوله سبحانه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]، وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره، قالوا: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان)]، حديث الدارقطني ضعيف، وبهذا يستدل من قال: إن على القارن طوافين وسعيين، وهذا مذهب أحمد في الرواية الأخرى.
والراجح: أن عليه طواف واحد وسعي واحد، وسأذكر الأدلة بعد استعراض الرأي الثاني.
يقول الشارح: [ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا لهما طوافاً واحداً، متفق عليه.
وفي مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عائشة لما قرنت بين الحج والعمرة: يسعك طوافك لحجك وعمرتك) الحديث، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعي واحد حتى يحل منهما جميعاً)، وعن جابر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً)، رواهما الترمذي، وقال في كل واحد منهما: حديث حسن.
وعنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجهم حين قدموا إلا طوافاً واحداً)، رواه الأثرم وابن ماجه، كل ذلك يستدل به الإمام أحمد في روايته الأولى على أن القارن والمفرد لهما طواف واحد وسعي واحد، وينتصر إلى هذا الرأي الذي فيه الحديث المتفق عليه، والذي رواه جابر أيضاً، لكن القارن عليه دم.
قال الشارح: [لكن عليه دم، أكثر أهل العلم على القول بوجوب الدم عليه]، يعني: على القارن.
قال الشارح: [ولا نعلم فيه اختلافاً، إلا ما حكي عن داود أنه قال: لا دم عليه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرن بين حجه وعمرته؛ فليهرق دماً)، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين].
فالقارن هنا يؤدي العمر
(50/6)
________________________________________
حكم طواف الوداع للحاج والمعتمر
قال المصنف: [وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت]، فبعد أن بين الصوم لمن عجز عن الواجب، تحدث عن طواف الوداع، وليس على المعتمر طواف وداع، وقد أفتى شيخنا ابن عثيمين رحمه الله أن عليه طواف وداع، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أدى العمرة في أكثر من مرة ولم يطف للوداع، ولكن شيخنا رحمه الله أخذ بمطلق النص، وقال: (فليكن آخر عهدك بالبيت)؛ فأراد أن يلزم المعتمر بطواف الوداع.
لكن طواف الوداع يسقط عن المرأة إذا حاضت.
وإذا ترك الحاج طواف الوداع ورحل إلى بلده فعليه دم؛ لأن طواف الوداع واجب، وطواف الإفاضة ركن، فإن ترك الإفاضة فقد بطل الحج، وإن ترك الوداع يلزمه فدية يذبحها في مكة، أو يرسل بدنانير إلى مكة تذبح عنه وتوزع بداخل مكة، فإن عجز عن هذه الفدية فعليه صيام عشرة أيام في بلده.
قال الشارح: [وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت؛ لما روى ابن عباس قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض)، متفق عليه.
ولـ مسلم قال: (كان الناس ينصرفون كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).
فإن اشتغل بعده بتجارة أعاد طواف الوداع]، فلو أن رجلاً طاف طواف الوداع، ثم توجه إلى الفندق لحمل حقائبه وهو في الطريق اشترى ماءً وغذاءً، فإنه لا يعيد الطواف لأنه تزود للسفر، فلا بأس بذلك، إنما المحظور بعد طواف الوداع أن يقيم في مكة للتجارة، أو أن يبقى بها، فلا بد أن يرحل منها؛ لأن هذا هو آخر عهده، فإذا اشتغل بالتجارة أعاد.
قال الشارح: [وذلك أن الوداع إنما يكون عند خروجه؛ ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف الوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة؛ أعاد طواف الوداع للحديث.
ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت؛ لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: (طفت مع عبد الله، فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا نتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطهما بسطاً، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله).
قال المصنف: [فمن خرج قبل الوداع رجع إن كان قريباً]، يعني: من خرج من مكة ولم يطف للوداع؛ فإن كان قريباً فعليه أن يعود ليطوف طواف الوداع.
قال المصنف: [وإن أبعد بعث بدم]، يعني: إن خرج من مكة وبعد؛ بعث بدم.
قال المصنف: [وذلك لأن طواف الوداع واجب يجب بتركه دم، وليس ركناً، فإذا خرج قبل فعله لزمه الرجوع إن كان قريباً، لأنه أمكنه الإتيان بالواجب من غير مشقة، فلزمه كما لو كان بمكة، وإن كان بعيداً لم يلزمه الرجوع؛ لأن فيه مشقة، فلم يلزمه، إلا المرأة الحائض والنفساء فلا وداع عليهما للخبر، والنفساء في معنى الحائض، ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء]، أي: يستحب للحائض والنفساء أن يقفا عند المسجد؛ لأن المرأة الحائض لا تمنع من الذكر، وإنما تمنع من الطواف.
فإذا حاضت المرأة ولم تطف للإفاضة وكان الركب يستعدون للرحيل، فإنها تتحفظ وتطوف للإفاضة ويلزمها فدية، ومسألة الفدية فيها خلاف: من العلماء من قال: تتحفظ وتطوف ولا شيء عليها؛ لأنها معذورة، وهذا الركن بالنسبة لها سقط بعجزها، أو لأن المشقة تجلب التيسير.
وبعضهم قال: لابد لها من فدية بعد الطواف.
وقد ذكرنا أحكام الحائض والنفساء قبل ذلك، وابن تيمية فرق بين الحائض والجنب، فالجنب بيده أن يرفع الجنابة، أما الحائض فليس في يدها شيء، فلا يجوز للحائض أن تدخل المسجد، لكن رخصنا لها لأن الركب سيرحل، ومن المستحيل أن نقول للركب: قفوا حتى تطهر؛ ولذلك (قال صلى الله عليه وسلم لـ صفية: أحابستنا هي؟! فأخبروه أنها طافت للإفاضة ولم تطف للوداع؛ فرحل صلى الله عليه وسلم).
فقوله: أحابستنا هي؟! بمعنى أنه سيستمر معها حتى تطهر لتطوف للإفاضة؛ لذلك يستحب للنساء بعد رمي جمرة العقبة، وبعد الذبح والتحلل أن يطفن للإفاضة مسرعات؛ لأن المرأة الحائض تمنع الركب من الرحيل، فبما أنها تستطيع أن تطوف الإفاضة في يوم النحر فتطوف.
وقد ذكرنا قبل ذلك أحكام الحيض والنفاس في عدة محاضرات وقلنا: إن الحيض يمنع عشرة أشياء، منها ما هو متفق عليها، ومنها ما هو مختلف فيها، ودم النفاس كدم الحيض تماماً، إلا أن النفساء أطول عدة لها أربعون يوماً، فإن زاد فهو استحاضة.
(50/7)
________________________________________
الأسئلة
(50/8)
________________________________________
نصيحة لمن أراد الاستقامة

السؤال
نريد أن نستقيم على الدين، ولكن لا نملك الإرادة القوية والتضحية بمفاتن الحياة، ونحن طلاب جامعة أمامنا الكثير من الفتن، وكلما نقترب من الدين فسرعان ما نبعد عنه، ولكن نحاول الاقتراب من الدين، الرجاء أن تدلنا على الطريق السليم والأسلحة التي نتسلح بها؟

الجواب
الأسلحة هي: أن تصاحب الأتقياء، وأن تبتعد عن الشياطين، وأن تكون مع الصالحين في مجالس العلم، ليأخذوا بيدك إن شاء الله، فإن غفلت ذكروك، وإن نمت أيقظوك، وإن أردت أن تنحرف أقاموك على الجادة، فأول نصيحة أنصحك بها أيها الأخ الكريم: أن تكون مع المؤمنين الصالحين.
(50/9)
________________________________________
حكم لقطة الكتاب الثمين

السؤال
وجدت كتاباً ثمنه اثنا عشر جنيهاً، هل يجوز لي أن آخذه أم ماذا أفعل؟

الجواب
هذا لقطة، عليك أن تعرِّف الكتاب، فإن لم تجد له صاحباً فانتفع به إلى أن يظهر صاحبه، فإن لم يظهر خلال العام فأنت وما وجدت.
(50/10)
________________________________________
من وسائل دفع الهم والغم

السؤال
أصبت بمرض الضيق والسآمة من الدنيا وما فيها، وأؤدي الفروض والعبادات بملل شديد؛ مع أنه لا ينقصني شيء من لذات الحياة، فهل ذلك الضيق لأن الدنيا سجن المؤمن، أم ما سبب هذا الضيق؟

الجواب
وسائل دفع الهم متعددة، والدكتور ناصر العمر له كتاب اسمه: (دفع الهم) فراجعه، فأنصحك بأن تكرر هذا الدعاء: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)، لكن عند قول هذا الدعاء لابد أن تقوله بيقين، وأنصحك بكثرة السجود، وقيام الليل، وقراءة القرآن، يقول تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل:97]، فالحياة الطيبة في القرآن والذكر والطاعة، فعليك بهذا، وإن شاء الله يفرج همك.
(50/11)
________________________________________
حكم كشف الرأس في الصلاة

السؤال
هل ذكر الشيخ الألباني في كتاب تمام المنة في شروط صحة الصلاة أن كشف الرأس من مكروهات الصلاة؟

الجواب
أنا لم أقف على هذا الكلام، ولكن قال ابن عمر: غطاء الرأس في الصلاة من زينتها.
لكن هذا يخضع لعرف المجتمع.
قال أحد السلف لآخر: أتحب أن يراك الناس مكشوف الرأس؟ قال: لا.
فقال: ربك أحق أن تتزين له.
فإن كان كشف الرأس في مجتمع خارم من خوارم المروءة؛ فيلزم تغطية الرأس.
ويحضرني أن صحفياً في المملكة جاء ليدخل على أحد علماء المملكة، ولم يكن عليه غطاء؛ فأبى أن يأذن له حتى يغطي رأسه، فاعتبر الدخول دون تغطية الرأس من عدم احترام العالم، فذهب الصحفي واشترى طاقية وغطى رأسه.
والمجتمعات تختلف، فبعض الناس إن سار مكشوف الرأس كأن شيئاً ينقصه، وهذا موجود إلى الآن، لكن بعض الإخوة اعتاد أن يكشف الرأس، وعموماً المسألة تخضع للمجتمع الذي يعيش فيه.
(50/12)
________________________________________
الحكم إذا رضع الطفل من امرأة غير مسلمة

السؤال
رجل حينما كان رضيعاً مرضت أمه وأرضعته جارة نصرانية لمدة حتى شفى الله أمه، وهذه النصرانية لها ابن في مثل سنه كان يرضع معه هل هذا الولد هو أخوه من الرضاعة؟

الجواب
كل ما في المسألة أنه يحرم عليه بنات هذه المرأة؛ لأنه رضع منها، حتى وإن كانت من أهل الكتاب؛ لأنه يحل له في شرعنا أن يتزوج من أهل الكتاب، وبمجرد الرضاعة يحرمن عليه.
واختلاف الدين أيها الإخوة الكرام! يمنع الميراث، ويمنع أخوة الدين.
ولكن هو هنا أخوه من الرضاعة؛ لأنه رضع معه، وكان لـ عمر أخ كافر، فأهدى النبي صلى الله عليه وسلم عمر ثوباً من حرير، فأهداه عمر لأخيه الكافر، فعلى هذا رأى بعض العلماء أن التعامل مع الكفار يكون بهذا المنطق، والحديث في البخاري.
(50/13)
________________________________________
حكم صيام يوم السبت إذا وافق يوم عرفة

السؤال
وافق يوم عرفة يوم السبت، وبعض الناس صامه منفرداً، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إفراد يوم السبت أو الأحد بصيام؟

الجواب
( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) حديث موضوع متروك شاذ؛ لأنه عارض ما في الصحيح: (أفضل الصيام صيام نبي الله داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) فإذا صام يوماً وأفطر يوماً فسيصوم السبت منفرداً حتماً.
ثم حديث جويرية قالت: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وأنا صائمة فقال: صمت أمس؟ قالت: لا، قال: تصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري) فإذا صامت السبت بعده أيكون فيما افترض؟ هذا معنى قوله: (لا تصوموا السبت إلا فيما افترض)، فالمتن فيه نكارة كما قال العلماء، وجمهور أهل العلم على جواز إفراد السبت بصيام إن وافق عرفة، ولقد راجعنا الشيخ محمد حسان في هذا فقال: أنا لم أقل على المنبر بعدم الجواز، لكن الحضور فهموا هذا, فأرجو أن يصل صوتي إليهم وأنا سأعود إلى الشريط مرة ومرة؛ لأن عقيدتي أنه يجوز إفراد السبت بالصيام.
(50/14)
________________________________________
حكم سلس البول

السؤال
عندما أنتهي من الاستنجاء وأقوم إلى الوضوء أشعر ببعض القطرات من البول وفي الصلاة أيضاً؟

الجواب
أنت الآن مريض بسلس البول، فعندما تتوضأ تربط على فرجك خرقة وتصلي حتى وإن نزل منك وقال لي أحدهم: طلقت امرأتي في نفسي فهل علي شيء؟ قلت: لا يقع.
وبعد قليل قال: يا شيخ! تخيلت أني طلقتها فهل يقع أم لا؟ قلت: لا يقع.
قال: يا شيخ! تصورت أني أطلقها، فقلت له: اتق الله في نفسك.
وآخر يقول: عندي سلس بول! قلت: كيف؟ قال: بعد خروجي من الخلاء أظل أنظر إلى بشرتي وإلى ما بداخلها، ثم أنقب عما فيها وهذه وسوسة؛ فينبغي ألا يلتفت إلى هذا أبداً، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى.
فالوسواس القهري هذا مرض موجود، فأنت من أهل الأعذار ولا شك، حتى وإن صليت بنجاسة متلبس بها لا تعلمها ولا يمكنك أن تزيلها؛ فلا تلتفت.
وبعض الإخوة يدخل الخلاء ساعتين، ويتوضأ ثلاث ساعات، فيكون قد ذهب وقت الصلاة ودخل وقت الأخرى، وهذا لا يمكن أن يقبل بحال، فاتق الله في نفسك.
(50/15)
________________________________________
حكم تهنئة الأم في عيد الأم

السؤال
هل قولي لأمي في عيد الأم: كل سنة وأنت طيبة من البدع؛ لأن أمي تغضب مني إذا لم أقل لها ذلك في هذا اليوم؟

الجواب
هل يوجد عندنا عيد في الشرع يقال له: عيد الأم؟ إن الأولى أن تقبل يدها في كل يوم، وفي كل يوم تقول لها: حفظك الله! أما أن تجعل هذا اليوم فقط يوماً لتكريم الأم؛ فهذا ليس من الشرع في شيء، وهذه الأيام التي تسمى بالأعياد كثيرة جداً، والأعياد الشرعية عيد الفطر وعيد الأضحى.
(50/16)
________________________________________
حكم استئذان المرأة لزوجها عند قضائها للصوم

السؤال
أفطرت في رمضان لعذر الاستحاضة، هل عندما أبدأ في تعويض هذه الأيام أستأذن زوجي؟

الجواب
لا ينبغي للمرأة أن تفطر بسبب الاستحاضة، إنما تفطر بسبب الحيض، أما الاستحاضة فلا تفطر من أجلها الصائمة، أما ما دام الأمر كما تقولين فلا يلزمك أن تستأذني الزوج.
(50/17)
________________________________________
حكم إخراج قيمة الأضحية للفقراء

السؤال
سمعت أحد المشايخ في التلفاز يفتي بأن مذهب أبي حنيفة يجوز إخراج قيمة الأضحية مالاً وتوزيعه على الفقراء إذا كان في ذلك الفعل مصلحة، فهل يفهم من ذلك أن الأضحية غير واجبة على القادر، أم للقادر حرية الاختيار في إخراجها أضحية أو مالاً؟

الجواب
هذا كلام غير صحيح، حتى وإن كان هذا مذهب أبي حنيفة فهذا قول باطل؛ لأنه عارض الأدلة، والأحناف أحياناً يقيسون قياساً فاسداً من وجوه، ولا يلتفت إلى أقوالهم أبداً، ورحم الله من قال: وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر فلا داعي أن نقول: إن الأحناف قالوا: يجوز إخراج الأضحية نقداً، فزكاة الفطر يجوزون أن تخرج نقداً، والأضحية يجوزون أن تخرج نقداً، لا أدري ماذا سيصنعون بالفقه بعد ذلك.
والنبي صلى الله عليه وسلم ضحى، ولم يأذن للصحابة إلا بالأضحية، والصحابي الذي ذبح قبل الصلاة أمره أن يعيد الذبح، فقال: ليس عندي إلا جذعة، قال: (تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد غيرك).
ولم يقل له: أخرج دراهم أو دنانير.
وهذا الكلام فيه خلل كبير يناقض الأدلة، وفي حد علمي أن الأحناف لم يقولوا هذا الكلام، وإنما قالوا بوجوب الأضحية، خلافاً لجمهور العلماء، فإنهم قالوا: إنها سنة مؤكدة، فأرى أن يعاد النظر في هذه المسألة.
(50/18)
________________________________________
العدة شرح العمدة [51]
فرض الله حج البيت على الناس من استطاع السبيل إليه، ووضح النبي صلى الله عليه وسلم مناسك الحج والعمرة لأمته في حجة الوداع وبين لهم ما يجب عليهم فعله في الحج ابتداءً بالإحرام ومروراً بالوقوف في عرفة وانتهاءً بطواف الوداع، فبين لهم عليه الصلاة والسلام ما يجب فعله وما يحرم فعله، وما يستحب فعله وما يكره، فأخذ الصحابة الكرام مناسك الحج عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقلوها للأمة بعدهم.
(51/1)
________________________________________
باب أركان الحج والعمرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: قال المصنف رحمه الله: [باب أركان الحج والعمرة.
أركان الحج يقصد بها: ما إذا تركه المكلف يقع الحج باطلاً]، أي: أن الحج يبطل بترك ركن من هذه الأركان، وفرقنا بين الركن والواجب والسنة، والحج له أركان، وله واجبات وله سنن.
فالأركان لا بد من تحصيلها، والواجبات إن تركها تجبر بدم، والسنن لا شيء في تركها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة]، لكنه نسي أن يذكر الإحرام، فنضيف إليها: الإحرام، وأصل الإحرام ركن، والإحرام من الميقات واجب، فلو مر على الميقات دون أن يحرم وأحرم بعد الميقات يلزمه دم، لكن لا يجوز أبداً أن لا يحرم، فأصل الإحرام ركن، والإحرام من الميقات واجب، لذلك نضيف هنا: الإحرام، فقد نسي المصنف أن يذكره.
قال الشارح: [الوقوف بعرفة: فلا يتم الحج إلا به إجماعاً، وروى عبد الرحمن بن يعمر قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: الحج عرفة)]، وقوله: (الحج عرفة)، تعريف للحج بأهم ركن من أركانه، وأمثال هذا في الكتاب والسنة كثير، يقول ربنا سبحانه: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:43]، (اسجدي) أي: صلي، و (اركعي مع الراكعين) أي: صلي مع المصلين، فعبر عن الصلاة بأحد أركانها، فالتعبير عن الشيء بركن من أركانه معروف في لغة العرب.
قال الشارح: [(الحج عرفة)، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه أخرجه أبو داود وابن ماجه] وليلة جمع هي ليلة المبيت بالمزدلفة، فلو أن رجلاً انطلق من مصر في اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة، وأدرك الوقوف بعرفة قبل فجر يوم العيد فقد أدرك الحج.
قال الشارح: [قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثاً أشرف منه].
ولا بد أن نفرق بين الوقوف بعرفة والوقوف بعرفة نهاراً، والسنة أن يجمع في الوقوف بعرفة بين النهار والليل، فإذا وقف بالليل ولم يقف بالنهار فحجه صحيح ولا شيء عليه، وإذا وقف بالنهار وترك عرفة قبل غروب الشمس، فقد ترك واجباً من واجبات الحج عند بعض الفقهاء وأنه يجبره بدم.
قال الشارح: [وطواف الزيارة ركن لا يتم الحج إلا به]، ويسمى: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وطواف الحج، وطواف الركن، فله أربعة أسماء: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وطواف الحج، وطواف الركن، وكلها بمعنىً واحد.
قال الشارح: [طواف الزيارة ركن لا يتم الحج إلا به، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر له أن صفية حاضت، قال: (أحابستنا هي؟، قيل: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذاً)]، بمعنى: أن صفية زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أصابها الحيض فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحابستنا هي؟)، أي: أنها ستؤخرنا عن الرحيل؛ لأنها لا بد أن تطوف طواف الزيارة فلما أخبر أنها طافت طواف الإفاضة في يوم النحر قال: (فلتنفر إذاً)؛ لأن طواف الوداع يسقط عنها؛ لأنها حائض.
(51/2)
________________________________________
واجبات الحج
قال الشارح: [فصل ثم ذكر الواجبات]، إذاً بعد أن ذكر الأركان ذكر الواجبات، إذاً فالأركان ثلاثة ذكر المصنف ركنين الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، أو الإفاضة، ونسي الإحرام.
(51/3)
________________________________________
الإحرام من الميقات
قال المصنف: [وواجباته: الإحرام من الميقات] كما قلنا: أن أصل الإحرام ركن، والإحرام من الميقات واجب، والوقوف بعرفة إلى الليل واجب، والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل واجب، والسعي بين الصفا والمروة، والمبيت بمنى والرمل، والحلق، وطواف الوداع، فهي ثمانية في المذهب، والسعي مختلف فيه، فمنهم من قال: أن السعي ركن، ودراسة المذهب تفيد طالب العلم في دراسة الفقه، فإذا درس مذهباً واحداً وأجاده، يدخل بعد ذلك إلى الفقه المقارن، أما أن يدخل إلى الفقه المقارن قبل أن يجيد مذهباً هذا لم يعرفه السلف، وليس معنى دراسة المذهب أن نتعصب له، بل هناك فرق بين الدراسة والمذهبية، فكل علماء السلف كان لهم مذهب، فـ ابن رجب كان حنبلياً، وابن العربي كان مالكياً، وابن حجر كان شافعياً، والنووي كذلك، لذلك لا تجد عالماً من علماء سلفنا إلا وله مذهب، وليس معنى ذلك أنه يتعصب للمذهب ولكنه تخصص في دراسة مذهب من المذاهب، والكثير من طلاب العلم اليوم يدرس الفقه بطرق عشوائية، فإن قلت له ما مذهبك في الدراسة؟ يقول: لا أدري؛ لأنه لا يدري فعلاً، فهو يقرأ بعض الوقت في كتاب فقه السنة، والبعض الآخر في كتاب نيل الأوطار، والبعض الآخر في كتاب العدة، والبعض الآخر في كتاب التمهيد لـ ابن عبد البر، فيجمع بين هذه الكتب ولا يعرف أصولها، ولا يعرف مشايخ هذا المذهب ولا مجتهدي هذا المذهب، ولا يعرف كتب المذهب ومصطلحات المذهب، وليس معنى هذا أننا ندعو إلى المذهبية؛ لأن البعض قد يظن خطأً أنني أدعو إلى المذهبية، إنما ندعو إلى التخصص في دراسة مذهب واحد ثم بعد ذلك تنفتح على كتب الفقه الأخرى.
وعالمنا الجليل الشيخ ابن عثيمين كان حنبلي المذهب في الدراسة لكنه في كتابه: الشرح الممتع أحياناً يترك المذهب الحنبلي ويقول: أخطأ المذهب، والراجح مذهب الشافعي، ومن الأمثلة على ذلك قوله: في مذهب الحنابلة لا يجوز أن تستقبل القمر أو الشمس بغائط أو بول، وهذا كلام غير صحيح، هذا كلام لا ينبغي أن يقال أبداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شرقوا أو غربوا)، معنى ذلك أنه لا يتوجه إلى القبلة أو إلى بيت المقدس.
إذاً واجبات الحج عند الحنابلة ثمانية: أولاً: الإحرام من الميقات.
ثانياً: الوقوف بعرفة ليلاً.
ثالثاً: المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل.
رابعاً: السعي.
خامساً: المبيت بمنى.
سادساً: رمي الجمرات.
سابعاً: الحلق.
ثامناً: طواف الوداع.
قال الشارح: [أما الإحرام فهو أن ينوي الدخول في العبادة، قال ابن عباس: (أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته)]، وهناك فرق بين الإحرام وملابس الإحرام، والبعض يعتقد أن لبس الإزار والرداء إحرام، هو الآن تهيأ للإحرام، والإحرام أن يستحضر النية وأن يقول: لبيك عمرة أو لبيك حجاً، ولكن إن تهيؤ للإحرام في المطار فهذا ليس إحراماً وإنما هذا تهيأ، وعلى هذا يسأل البعض ويقول: أنا ألبس الإحرام والجو بارد فهل يجوز أن أضع العباءة فوق الإحرام؟
و
الجواب
لا بأس بما أنك لم تصل إلى الميقات، فالعبرة بالميقات.
قال الشارح رحمه الله: [في حديث جابر: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى)، رواه مسلم.
وفي حديث: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يهلوا بالحج إذا خرجوا إلى منى وأمرهم بالإحرام)، والأمر يقتضي الوجوب، يعني أمرهم بالإحرام بعد أن تحللوا من العمرة قبل أن يذهبوا إلى منى في يوم التروية، أحرموا من مكانهم قبل أن يتوجهوا إلى منى.
ويستحب النطق بذلك كما في صلاة الفرض] وهذا خطأ، فإنه لا يستحب في صلاة الفرض النطق بالنية، وهذا الكلام لا نوافقهم عليه، وصدق من قال: من تتبع أقوال الرجال وقع في متاهات الضلال.
بعض المتصوفة عندنا كتب ورقة: أن الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعد شركاً؛ لأن الله حلف به فقال: {لَعَمْرُكَ} [الحجر:72]، والإمام أحمد يرى جواز الحلف بالنبي، وهذا الكلام حتى وإن ورد في مذهب أحمد فإنه يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفاً فليحلف بالله).
إذاً نحن لا نعتد بأقوال الرجال إن خالفت النص، والإمام أحمد بن حنبل على ورعه قال الدارمي في مقدمة سننه: والإمام أحمد على ورعه قال بجواز مسح اليد، هل معنى هذا الكلام أن آخذ هذا القول وأجعله دليلاً، فربما كان للإمام أحمد شبهة أو أنه كان متأولاً، إنما الحق واضح أبلج وضوح الشمس، لا ينبغي أبداً أن نتمسك بزلة عالم أو بقول مرجوح ضعيف ونسير في ركبه وندندن حوله، فإن هذا الكلام من
(51/4)
________________________________________
الوقوف بعرفة إلى الليل
قال الشارح: [ويحرم من الميقات كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: (خذوا عني مناسككم)، وأما الوقوف بعرفة إلى الليل فواجب ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف في عرفة فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة حتى غابت الشمس وفي حديث عروة: (من شهد صلاتنا ووقف معنا حتى ندفع، ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)]، التفث يعني: النسك، قال الشارح: [وإذا تركه فعليه دم]، ومن ترك الوقوف بعرفة ليلاً عليه دم، لكن لا بد أن يقف بالنهار، فإن ترك الوقوف ليلاً ونهاراً فإن حجه باطل؛ لأنه ترك ركناً، والفرق بين الفساد والبطلان في الحج: أنه إذا ترك ركناً يقال: حج باطل، ولكن إن جامع زوجته قبل التحلل الأصغر فيسمى: فاسداً.
وإن ترك عرفة فهذا يسمى الفوات، وقد شرحناه قبل ذلك باسم الفوات.
قال الشارح: [(من شهد صلاتنا ووقف معنا حتى ندفع ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه)، فإذا تركه فعليه دم لقول ابن عباس: من ترك نسكاً فعليه دم] عليه دم يعني: عليه فدية، وإن عجز عن الفدية يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، وهذا الحكم أيضاً فيمن ترك واجباً.
(51/5)
________________________________________
المبيت بمزدلفة
قال الشارح: [وأما المبيت بمزدلفة فواجب لما في حديث جابر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح حين تبين له الصبح)، يعني: بمزدلفة، وفي حديث ابن مسعود: (صلى الفجر حين طلع الفجر)، وهذا دليل على أنه بات بها، وقد قال: (خذوا عني مناسككم).
فإن دفع قبل نصف الليل فعليه دم؛ لأنه لم يبت، وإن دفع بعد نصف الليل فلا شيء عليه؛ لأنه يكون قد بات؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس في ترك المبيت بمزدلفة لأجل سقايته وللرعاة من أجل رعايتهم، وذلك دليل على وجوبه على غيرهم؛ لكونه سقط عن هؤلاء رخصة].
قال الشارح: [وعنه] يعني: رواية أخرى عن أحمد [أن المبيت غير واجب ولا شيء على تاركه]، ولكن المذهب الأول هو الراجح، وهذا الواجب يتركه غالب حجاج مصر للأسف، فيأتون من عرفة مباشرة إلى منى، ولا يبيتون في مزدلفة، الغالب يترك هذا الأمر وبذلك يكون قد ترك واجباً، ويقول: لي عذر فالمطوف هو الذي ذهب بنا إلى منى، فأقول: يا عبد الله! لا تجعل المطوف يقودك في ركن من أركان هذا الدين، اترك المطوف وانزل في المزدلفة وبت فيها ثم توجه إلى منى في المخيم، ويجوز أن يدفع من المزدلفة بعد نصف الليل أصحاب الأعذار إن كان معهم نساء، فهم في حكم الصحبة والمرافق لهم يأخذ نفس الحكم، إنما النبي صلى الله عليه وسلم بات في مزدلفة حتى أسفر جداً وصلى بها الفجر.
(51/6)
________________________________________
السعي بين الصفا والمروة
قال الشارح: [وأما السعي فعن أحمد رحمه الله: أنه لا يتم الحج إلا به، ولا ينوب عنه دم بوجه، وهو قول عائشة وعروة وهذا معناه أنه ركن فلا يجبره دم].
يعني: هناك رواية عن أحمد، ومن ثراء المذهب الحنبلي أن فيه أكثر من رواية، وكل رواية متعددة في مذهب الإمام أحمد تقابل رأياً في المذهب الآخر، فستجد أن مذهب الشافعي فيه قول من أقوال أحمد، فتعدد الروايات عن الإمام أحمد يجعل لهذا المذهب ثراء، ولذلك اختلف العلماء في روايات الإمام وكيف نرجح بين الروايات، وهناك كتاب للمرداوي اسمه: الإنصاف في الراجح من مسائل الخلاف، يرجح رواية واحدة في المذهب، ومن الجدير بالذكر أن المستشرقين قد زرعوا في الأمة هذا التقليد الأعمى: فإذا كان الرجل حنبلياً فمعناه أنه متشدد، وما كان الإمام أحمد متشدداً، وما عرف التشدد في يوم من الأيام، بل هو أقرب المذاهب إلى السنة؛ لأن الإمام أحمد كان أكثر الأئمة حفظاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول الشارح: [وعنه أنه مستحب ولا يجب بتركه دم، وذلك عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن الزبير فإن الله تعالى قال: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، وفي مصحف أبي وابن مسعود: ((فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما))، وهذا إن لم يكن قرآناً فلا ينحط عن درجة الخبر؛ لأنهما يرويانه عن النبي صلى الله عليه وسلم، واختار القاضي أن يكون حكمه حكم الرمي يكون واجباً ينوب عنه الدم].
إذاً الخلاف وقع في السعي، منهم من قال: ركن، ومنهم من قال: واجب، ومنهم من قال: مستحب سنة ولكن الراجح أنه واجب إن تركه يجبر بدم، والقراءة الشاذة لا يعتد بها، كقراءة ابن مسعود: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات))، كلمة (متتابعات) قراءة شاذة، في كفارة اليمين: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} [المائدة:89]، وقراءة ((ثلاثة أيام متتابعات))، هذه قراءة ابن مسعود وهي قراءة شاذة، والأحناف أخذوا بالقراءة الشاذة فقالوا: يشترط التتابع، وجمهور العلماء قالوا لا يشترط التتابع؛ لأن القراءة الشاذة لا يعتد بها.
ومعرفة القراءات السبع مهم جداً، ومن المهم أن تعرف الفرق بين القراءات السبع وبين الأحرف السبعة، ولذلك يقول بعضهم: سامح الله من جعل القراءات سبعاً فإنه قد اختلط على الكثير أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع وما تشابهت إلا في العدد، لكن القراءات السبع تختلف عن الأحرف السبعة، فالقرآن نزل على سبعة أحرف، ومعنى أنه نزل على سبعة أحرف أن الكلمة مختلفة اللفظ لكن المعنى واحد، فهي لهجات عند العرف: تعال، أقبل، هلم، كلها بمعنىً واحد، ولذلك كتبوه بلغة قريش، والأحرف السبعة هناك اختلاف فيها إلى ستة أقوال، هل هي القراءات السبع؟ هل هي الأوجه المغايرة؟ هل العدد لا مفهوم له؟ فأحياناً يكون عدد لا مفهوم له، الله يقول: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة:80]، فالعدد هنا ليس له مفهوم وإنما يشير إلى الكثرة؛ لأن نهاية الآحاد عند العرب كانت سبعة ونهاية العشرات سبعين، وحينما أقول لك: سبعة يعني نهاية كمال الآحاد، فالعدد ليس مقصوداً لذاته وإنما لا مفهوم للعدد وإنما يشير إلى الكمال والكثرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أعلم أني لو زدت عن السبعين لغفر له لفعلت).
(51/7)
________________________________________
المبيت بمنى يوم النحر وأيام التشريق
ثم انتقل بعد أن تحدث عن السعي إلى المبيت بمنى قال الشارح: [والمبيت بمنى واجب وعنه أنه غير واجب، قال ابن عباس رضي الله عنه: إذا رميت فبت حيث شئت، ووجه الأول ما سبق من الترخيص للعباس للمبيت في المزدلفة].
والمبيت بمنى ليس فيه إنابة؛ لأن هذا لا يجوز، فلا بد أن يبيت الشخص بنفسه ثم يوكل في الرمي إن لم يستطع، فبعض الناس يفهم أنه يجوز أن يوكل من يبيت عنه في منى لاقتران المبيت بالرمي، هكذا يفهم الكثير، وهذا لا يجوز لا بد أن يبيت بنفسه في منى.
(51/8)
________________________________________
رمي الجمرات
قال الشارح: [والرمي واجب قالت عائشة: (ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس)]، يعني: بعد الظهر، [وقال جابر: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس)]، في يوم العيد رمى قبل الزوال، وبعد العيد رمى بعد الزوال.
قال الشارح: [الرمي واجب قالت عائشة: (ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات)].
(51/9)
________________________________________
حلق الرأس وطواف الوداع
ثم قال الشارح: [والحلق واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، قال أنس: (إن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله دفعاً بذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بينه وبين من يليه الشعرة والشعرتين)]، يعني: بعد أن حلق الجزء الأيمن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر الذي حلقه وأعطاه أصحابه ليتبركوا بشعر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حلق الشق الأيسر؛ لأنه جاء في البخاري: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء، في تنعله وترجله وطهوره)، وترجله يعني: ترجيل الشعر، تبدأ باليمين قبل اليسار، وكذلك الحلق تبدأ باليمين أولاً، [ثم أخذ شق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال: (هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة)]، دفع الشق الأيسر كاملاً إلى أبي طلحة الأنصاري، [وقال: (خذوا عني مناسككم)]، ولقد أخطأ ابن حجر خطأً كبيراً حينما جوز التبرك بآثار الصالحين اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن التبرك موقوف على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤثر في سلفنا أنهم تبركوا بشعر أبي بكر أو بشعر عمر فلا يجوز أن نتبرك بآثار أحد الصالحين بحجة أن الصحابة تبركوا بشعر النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعاً التمسك بقول ابن حجر من صنيع مرضى القلوب؛ لأن هذه أقوال رجال نريد الدليل عليها، فلا داعي أبداً أن يأتي إلى كلام ابن حجر ويقول: قال ابن حجر في الفتح كذا فعلى هذا يجوز أن أتبرك بآثار سيدي الشيخ فلان؛ لأن هذا قول ابن حجر، كما فعل الحافظ ابن كثير في تفسيره حينما جاء بقصة العتبي الذي كان بجوار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وجاء رجل ينادي على القبر ويقول: يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي فداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال: ثم انطلق الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: أدرك الأعرابي وقل له: إن الله قد غفر له، أوردها ابن كثير بدون تعليق، والقصة واهية موضوعة حققها علماء الحديث، ما كان ينبغي لـ ابن كثير أن يورد القصة دون أن يعلق عليها؛ لأن هذه القصة فتحت باباً للدراويش ليذهبوا إلى الأعتاب والأوتاد وليقبلوا ويقولوا: ابن كثير قال، فنقول لهم: نحن مع الدليل، ما صنع ذلك أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من القرون الثلاثة الأول.
إذاً فالحلق واجب، ولكن لا أن تأخذ شعرات كما يفعل البعض، فإما أن تحلق الكل وإما أن تقصر الكل، أما أن تأخذ شعرات فهذا لا يجوز، والمرأة تأخذ من ظفيرتها بقدر أنملة، هذا التحلل الحقيقي، أما التحلل الذي يفعله البعض الآن فيحافظ على شعره كما هو ويأخذ منه شعرة أو شعرتين فهذا لا يجوز أبداً، وقد ألزم بعض العلماء من يفعل ذلك بدم؛ لأنه ما حلق.
قال الشارح: [وطواف الوداع واجب بدليل ما سبق من حديث ابن عباس].
(51/10)
________________________________________
أركان العمرة
قال الشارح: [وأركان العمرة: الطواف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، فروى ابن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، وليقصر وليحلل)، وأمره يقتضي الوجوب، متفق عليه؛ ولأنه طواف في عبادة كان ركناً فيها كالحج].
نسي المصنف أن يذكر الإحرام، وهو من أركان العمرة.
الإحرام من الميقات واجب، وأصل الإحرام ركن.
إذاً أركان العمرة ما هي: الإحرام، والطواف، والسعي عند بعضهم، ولا بد أن نذكر النية، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، فمدار الأعمال على النيات.
فإن عزم بقلبه ولم يتلفظ بها فحجه صحيح، والتلفظ بها مستحب في الحج فقط، وبعض الفقهاء قالوا: لا يجوز التلفظ حتى في الحج والعمرة.
(51/11)
________________________________________
واجبات العمرة
قال الشارح: [وواجبات العمرة: الإحرام من الميقات ثم السعي والحلق، كما في الحج وفعل النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه؛ لأنه ترك سنة في عبادة فلم يلزمه لها جبران كالصلاة، ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج، فيتحلل بطواف وسعي وينحر].
(51/12)
________________________________________
الحكم فيمن لم يدرك الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر
قال الشارح: [في هذه المسألة أربعة فصول: الأول: أن آخر وقت للوقوف هو آخر ليلة النحر، فمن لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر فاته الحج، لا نعلم في ذلك خلافاً، قال جابر: (لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر)، من ليلة جمع، قال أبو الزبير: أقلت له: أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال: نعم.
الثاني: أن يتحلل بطواف وسعي وحلق وهذا الصحيح من المذهب، روي ذلك عن عمر وابن عمر وزيد وابن عباس وابن الزبير ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً، وروى الأثرم بإسناده أن هبار بن الأسود حج من الشام وقدم يوم النحر فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم عرفة، قال: فانطلق إلى البيت]، وحديث هبار هذا حجة في الفوات، انتبه إليه! رجل جاء من الشام ولم يدرك الوقوف بعرفة وأخطأ في تحديد عرفة قال له عمر: [انطلق إلى البيت فطف به سبعاً وإن كان معك هدي فانحرها، ثم إذا كان من عام قابل فاحجج، وإن وجدت سعة فاهد فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت.
وروى البخاري عن عطاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة وليحج من قابل)؛ ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى، إذا ثبت هذا فإنه يجعلها عمرة لحديث عطاء الثالث: أنه يلزمه القضاء من قابل سواءً كان الفائت واجباً أو تطوعاً] بمعنى: أن من فاته الوقوف بعرفة يترتب على ذلك أربعة أشياء: 1 - أن يطوف.
2 - أن يسعى.
3 - أن يتحلل.
4 - أن يذبح الهدي.
قال الشارح: [الثالث: أنه يلزمه القضاء من قابل سواءً كان الفائت واجباً أو تطوعاً، روي ذلك عن جماعة من الصحابة، وعن أحمد أنه لا قضاء عليه بل إن كان فرضاً فعلها بالوجوب السابق، وإن كانت نفلاً سقطت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج أكثر من مرة، قال: (بل مرة واحدة)، ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة؛ ولأنها عبادة تطوع بها، فإذا فاتت لم يلزمه قضاءها كسائر التطوعات.
والرواية الأولى أولى؛ لما ذكرنا من الحديث وإجماع الصحابة]، يعني: من فاته الوقوف بعرفة، وكان حجه تطوعاً، هل يلزمه القضاء أم لا يلزمه؟ خلاف بين العلماء: والراجح أنه يلزمه، ومن قال بذلك انتصر بهذا الدليل، وأما الحديث فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة وحجة واحدة وهذا إنما تجب بإيجابه لها بالشروع فيها، فتصير كالمنذور بمعنى: أنه لو شرع في حج النافلة يجب عليه أن يقضي، وأن يتم النسك، ليس معنى أن الحج مرة أنه سقط إتمام مناسك الحج حتى وإن كانت تطوعاً فإن الله قال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]، لذلك لا ينبغي لمن بدأ في مناسك الحج حتى وإن كان تطوعاً أن يخرج منها، فمن فاته الوقوف بعرفة في التطوع وجب عليه القضاء من قابل وهذا إجماع الصحابة وهو الأولى.
والله تعالى أعلم.
(51/13)
________________________________________
حكم الوقوف بعرفة في غير يوم التاسع نتيجة الخطأ في رؤية هلال الشهر
قال: [وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك] يعني: لو أن الناس أخطأت الهلال فوقفوا اليوم الثامن على اعتبار أنه اليوم التاسع، فحجهم صحيح ولا شيء عليهم؛ لأن الله عز وجل تعبدنا بما في وسعنا، فقد يولد الهلال ولا نراه، وقد يولد ويحول بيننا وبينه شيء إلى غير ذلك.
قال: [وإن أخطأ الناس ووقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك؛ لأنه لا يؤمر مثل ذلك بالقضاء فيشق وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج]، يعني: إن فعل ذلك البعض فاتهم الحج كـ هبار، أما إن أجمعت الأمة على أن هذا اليوم هو يوم عرفة ثم وقفوا بعرفة ثم تبين لهم أنه ما كان عرفة فحجهم صحيح ولا شيء عليهم.
(51/14)
________________________________________
حكم زيارة قبر النبي وصاحبيه للحاج
قال الشارح: [ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما، قال أحمد في رواية عبد الله عن أبي هريرة: (ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)]، ليست زيارة المسجد النبوي من مناسك الحج، فإذا توجه إلى المدينة وشد الرحال، فإنه يشد الرحال إلى المسجد لا إلى القبر، وزيارة القبر تبع للمسجد، فتقصد المسجد لتصلي فيه لأن الصلاة فيه بألف صلاة، ولا ينبغي أن تكون في المسجد ولا تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه، والبعض يقول لك إذا ذهبت إلى الحج: لا تنس الفاتحة عند القبر، فيجعل زيارة القبر من نسك الحج، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال المستحبة، ولا يجوز لمسلم أن يكون بجوار قبره صلى الله عليه وسلم ولا يزوره، وهناك آداب لزيارة القبر منها: أن لا تتمسح بأعتابه وأن لا تدعو إلى جهة القبر، وأن تدعو إلى جهة القبلة، وأن لا ترفع صوتك عند قبره صلى الله عليه وسلم فإن هذا محظور، وليس من الأدب مع نبينا صلى الله عليه وسلم.
(51/15)
________________________________________
الأسئلة
(51/16)
________________________________________
حكم خدمة أم الزوج

السؤال
ما حكم الشرع في خدمة الزوجة لأم الزوج سواءً كانت مقيمة معها أم لا؟

الجواب
رعاية أم الزوج من البر، والله تبارك وتعالى قال للمكلف: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ} [الإسراء:23]، ومعنى: (عندك) يعني: في الإقامة معك، فلا ينبغي لزوجة الابن بحال أن تعق أم زوجها فهذا من باب العقوق للزوج بدون أدنى شك.
وعلى الزوجة أن يكون قصدها أن ترضي ربها عز وجل وأن تكون أم زوجها بمثابة أمها، وهذا من باب بر الزوج، والله تعالى أعلم.
وحتى لو كانت أم زوجها مؤذية فعليها أن تصبر قال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان:17]، ولا ينبغي للزوجة أن تعاملها بالمثل، فإن هذا لا ينبغي أبداً لامرأة مسلمة.
(51/17)
________________________________________
كيفية التعامل مع أصحاب المعاصي

السؤال
لي صديق يعمل كوافير حريمي ونصحته أكثر من مرة فلم يستجب فهل أقطع الصلة معه أم ماذا؟

الجواب
يقول تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78 - 79]، صاحب المعصية لا بد أن تأخذ على يده بهجره حتى يعلم أنه على معصية وأنك غير راضٍ عن فعله، وليس معنى هذا أنا ندعو إلى الهجر المطلق، ولكن كما قال ابن حجر: الزجر بالهجر، فإن كان الهجر سيأتي بنتيجة فاهجره، ولكن الحقوق العامة التي في الحديث وهي: أن تلقي السلام، وأن ترد عليه السلام، وأن تجيبه إذا دعاك، وأن تعوده إذا مرض، وإذا عطس فحمد الله فشمته، هذه الحقوق العامة لا تسقط بحال حتى عن أصحاب المعاصي.
(51/18)
________________________________________
حكم من عليه قضاء في الحج ولم يستطع القضاء

السؤال
من لزمه قضاء الحج من قابل كيف يقضي والقانون يلزم الحاج أن يوقع على إقرار أن لا يحج؟

الجواب
إن تعسر عليه أن يذهب لن يسأله الله لم لم تحج، لأن الحكومة منعته، وذلك بإلزامه بالتوقيع على الإقرار، والإقرار يقول: لا يحج إلا في كل خمس سنوات مرة فلا تكليف إلا بمستطاع، فالذي لا يستطيع أن يقضي لا شيء عليه، فإن القضاء للمستطيع.
(51/19)
________________________________________
حكم من نذر نذراً مشروطاً فزاد عند الوفاء في المشروط

السؤال
نذرت نذراً بذبح خروفين فهل يجوز لي ذبح جديين بدلاً من الخروفين، أو أذبح أي شيء آخر بدلاً؟

الجواب
الوفاء بالنذر واجب بالشرط، لكن يجزئك أن تذبح جملين، يعني: أن تزيد لا أن تقل.
(51/20)
________________________________________
حكم الأكل من النذر

السؤال
هل يجوز الأكل من النذر؟

الجواب
لا يجوز الأكل من النذر.
(51/21)
________________________________________
توجيه لمن أراد اقتناء كتاب في علم الحديث

السؤال
ما رأيك في كتاب: توجيه العناية لتعريف علم الحديث؟

الجواب
يا أخي الفاضل! الكتاب لم أره من قبل، وأفضل كتاب هو كتاب البيقونية، وقد شرح المنظومة البيقونية الشيخ: ابن عثيمين.
(51/22)
________________________________________
حكم قراءة الفاتحة على الأموات

السؤال
يقول هل يجوز قراءة الفاتحة على الميت أم أنها دعاء للأحياء؟

الجواب
الدعاء للميت هو الذي يصل إن شاء الله، أما الفاتحة فلم يرد بها نص، وإنما هو قياس، ولا قياس مع وجود النص.
(51/23)
________________________________________
حكم التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم

السؤال
هل يجوز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب
نعم يجوز، والدليل معنا في البخاري وغيره.
(51/24)
________________________________________
حكم السعي بعد طواف الوداع للقارن والمفرد

السؤال
طفت طواف القدوم وسعيت بين الصفا والمروة ثم أقمت مناسك الحج وطفت طواف الإفاضة وطواف الوداع ولم أسع بين الصفا والمروة مرة أخرى؟

الجواب
لا يلزمك شيء؛ لأن السعي مرة واحدة بالنسبة للقارن والمفرد، أما المتمتع فعليه سعي آخر.
وبما أنك ذكرت طوافك للقدوم، إذاً أنت قارن أو مفرد.
(51/25)
________________________________________
أقرب المذاهب إلى السنة

السؤال
أي مذهب تقوم باتباعه ويكون أقرب للسنة؟

الجواب
لا شك أن مذهب الإمام أحمد هو أقرب المذاهب إلى السنة.
(51/26)
________________________________________
الحكم إذا ترك الحاج واجباً ولم يستطع الصوم

السؤال
إذا ترك الحاج واجباً ولم يستطع صوم عشرة أيام فماذا يفعل؟

الجواب
يسقط عنه بعدم الاستطاعة، وهذه قاعدة في أصول الفقه: أن الواجبات تسقط بالعجز.
(51/27)
________________________________________
حكم من جامع زوجته قبل غسلها من الحيض

السؤال
ما حكم من جامع زوجته وهي في الكدرة قبل الطهر هل عليهما كفارة؟

الجواب
لا يجوز أن يجامع إلا بعد الاغتسال، فإن جمهور العلماء على أن قول الله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، أي يغتسلن فهناك قراءة: ((حتى يطّهرن))، بتشديد الطاء، يعني: يغتسلن، خلافاً للأحناف فقد ذهبوا إلى أنه يجوز جماع الزوجة قبل الغسل وهذا مرجوح، والصحيح قول جمهور الصحابة وسلف الأمة: أنه لا يجامع إلا بعد الغسل، وعلى هذا فعليك كفارة، فتتصدق بنصف دينار، يعني: ما يعادله من المال تخرجه لله عز وجل.
(51/28)
________________________________________
حكم من أدرك الإمام ساجداً في الركعة الأخيرة

السؤال
إذا وجدت الإمام ساجداً في آخر ركعة هل أدخل في الصلاة أم أنتظر الجماعة الثانية؟

الجواب
تدخل في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في البخاري: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فإذا أدركت الإمام على أي هيئة فادخل معه ولا تنتظر جماعة أخرى.
(51/29)
________________________________________
كلمة عن سيد قطب

السؤال
ما رأيك في الشيخ سيد قطب، وهل أقرأ كتبه أم لا؟

الجواب
عليه ملاحظات وقبل أن تقرأ ينبغي أن نحذر من بعض الكلمات التي توهم تأويلاً أو توهم حلولاً أو اتحاداً، ولعل بعض علماء المملكة له كتاب اسمه: المورد العذب الزلال فيما وقع في تفسير الظلال، من مخالفات لعقيدة السلف.
وهذا الكلام قد لا يعجب البعض ولكن الرجل عليه ملاحظات ففي كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام يقول عندما تحدث عن عثمان بن عفان أنه كان يحابي أقرباءه ويقربهم، وهذا الكلام لا يقبل بحال في حق ذي النورين.
فالرجل أفضى إلى ما قدم غفر الله له وجزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.
ويقول في أحد كتبه: ومساجد المسلمين اليوم في مجتمعاتهم هي كمعابد الأصنام تماماً، هذا الكلام يرد عليه، ويقول: وليس غياب شخص النبي صلى الله عليه وسلم يمثل فرقاً بين جيلنا وجيل الصحابة.
وهذا كلام غير صحيح، فإن غياب شخص النبي صلى الله عليه وسلم يمثل فرقاً بأدلة كثيرة.
فالرجل عليه ملاحظات جزاه الله خيراً عما قدم لدين الله سبحانه.
ولا ينبغي أن نقول فيه أنه: حلولي أو اتحادي أو زنديق، فقد أفضى إلى ما قدم غفر الله له.
(51/30)
________________________________________
معنى حديث: لا صلاة بحضرة طعام

السؤال
هل ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا صلاة لكاتم، يعني: كاتم الريح؟

الجواب
الحديث الصحيح (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)، ولفظة كاتم ليست من الحديث، ومعنى الحديث لا صلاة كاملة في الأجر؛ لأنه ينشغل بالمدافعة.
(51/31)
________________________________________
الحكم فيمن أمره مديره في العمل بحلق لحيته

السؤال
أنا أعمل بوزارة العدل بوظيفة رئيس نيابة وقمت بتربية لحيتي منذ ما يقرب من ستة أشهر إلا أن المسئولين طالبوني أكثر من مرة بحلقها، ووصل الأمر إلى التهديد والضغط لحلقها، وأنا أرفض تماماً اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فما الحكم في ذلك؟

الجواب
ثبتك الله! إعفاء اللحية واجب، قل لهم: طاعة النبي واجبة، وطاعتكم غير واجبة في معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثبتك الله، فلا تفرط في واجب أبداً لأجل أن ترضي غير الله ولا غير رسوله صلى الله عليه وسلم.
(51/32)
________________________________________
حكم ارتداء البدلة

السؤال
ما حكم ارتداء البدلة حيث أن عملي يتطلب ارتداء بدلة كاملة؟

الجواب
البس ولا حرج، لكن أنصحك أن تلبس البدلة بدون كرفتة، فالكرفتة ليست من زي المسلمين ولا من لباسهم، يعني: بدلة جاكت طويل فضفاض مع بنطول غير مسبل، فلا بد أن يكون الزي مطابقاً للشرع.
(51/33)
________________________________________
حكم إسبال العمامة

السؤال
هل يجوز إسبال العمامة وما حد الإسبال؟

الجواب
العمامة لا تزيد عن الكتفين ولا تصل إلى الظهر، هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
(51/34)
________________________________________
حض الدعاة إلى الله على الرفق بالمدعوين

السؤال
هناك في قريتي رجل يحفظ القرآن الكريم ولكنه يميل إلى الصوفية ويبغض أهل السنة حتى إنه يقول: الذي ضيع الدين بوش وشارون والسنية؟

الجواب
يا ستير! وضعنا مع بوش وشارون يا رجل! نسأل الله العافية، رأيتم يا إخواننا! هذا أيضاً ربما يكون معذوراً بسبب ممارسات بعض الناس معه، لكني لا ألتمس له عذراً طالماً يستطيع أن يتعلم، وقد يكون قوله هذا ناتجاً عن مواجهة أحد من الشباب السلفي له بغلظة وجفاء، فأقول أيضاً للشباب: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]، وما دخل اللين في شيء إلا زانه، وما دخل العنف في شيء إلا شانه.
(51/35)
________________________________________
حكم الصلاة خلف المبتدع

السؤال
هل يجوز الصلاة خلف المبتدع؟

الجواب
الصلاة خلف من عنده بدعة في العقيدة لا تجوز.
(51/36)
________________________________________
الحد الزمني للخِطبة وعدد المرات التي يرى فيها الرجل مخطوبته

السؤال
هل الخطبة لها زمن محدد، أو كم مرة يشرع للرجل أن يرى الخطيبة؟

الجواب
ينظر إلى مخطوبته ثلاث مرات، وليس للخطبة زمن محدد، والخاطب أجنبي عن مخطوبته.
(51/37)
________________________________________
حكم دبلة الخطوبة

السؤال
ما حكم لبس دبلة الخطوبة؟

الجواب
الدبلة تقليد غير إسلامي، والمحبس كذلك.
(51/38)
________________________________________
شمول عذاب القبر للروح والجسد

السؤال
هل عذاب القبر يكون للجسد أم للروح؟

الجواب
أجاب ابن عباس عن هذا بقوله: أرأيت لو أن رجلاً أعمى دخل إلى بستان مع رجل كسيح فقال: الكسيح للأعمى: أنا أرى ولا أستطيع المشي، وأنت تستطيع المشي ولا ترى، فلو نتعاون فأنت تحملني فوق كتفيك، فآخذ وأعطيك، فالإثم هنا عليهما، كذلك حال الروح مع الجسد، فالجسد مطية الروح، كما قال ابن تيمية.
(51/39)
________________________________________
العدة شرح العمدة [52]
شرع الله لأمة الإسلام عيد الفطر وعيد الأضحى، وهما من شعائر الإسلام، وشرع سبحانه للمسلمين التقرب إليه في عيد الأضحى بالذبح وهو من أحب الأعمال إلى الله يوم النحر، فهو قربة يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه، وينبغي لمن أراد أن يضحي أن يعلم أن هذه الأضحية قربة إلى الله فلابد أن تكون خالصة لوجهه سبحانه، وأن تتحقق فيها الشروط التي وضحها المصطفى صلى الله عليه وسلم.
(52/1)
________________________________________
حكم إخراج قيمة الأضحية للمجاهدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
أيها الإخوة الكرام الأحباب موضوعات هامة نتحدث عنها في عجالة قبل أن ننتقل إلى باب الهدي والأضحية والعقيقة، والثلاثة من النسك.
والأضحية من النسك التي عرفت في شرع السابقين.
وصدق ابن القيم حينما قال في كتابه تحفة الودود: لو تصدق بثمنها أضعافاً مضاعفة ما تُقبِّل منه على أنها أضحية؛ لأن الأضحية مقصودة لذاتها.
أي أن الرجل لو جاء بثمن الأضحية مضاعفاً، لا تعتبر أضحية، وهناك فتوى نشرها البعض على لسان الدكتور القرضاوي لا أعرف مدى صحتها عنه، وسواء صدرت منه أو من غيره فهي باطلة، وهي جواز إخراج قيمة الأضحية نقداً للمجاهدين في فلسطين أو في أي بلد إسلامي، وهذا الكلام الباطل لا يقبل بحال؛ لأنه ما قال به أحد من العلماء إلا أصحاب الرأي وهم قلة.
ولذلك يقول ابن القيم: لو تصدق بثمن الأضحية أضعافاً مضاعفة ما تُقبِّل منه على أنها أضحية؛ لأن الأضحية مقصودة بذاتها وهي إراقة الدماء.
وهذا ما سنوضحه إن شاء الله سبحانه وتعالى في الحديث عن الهدي والأضحية والعقيقة.
(52/2)
________________________________________
لزوم الرفق في الدعوة إلى الله
الأمر الثاني خاص بالنساء، فنقول: مرحباً بالأخوات الفاضلات اللاتي يحضرن لطلب العلم، لكن الدعوة إلى الله لها ضوابط ومعايير، فإذا دخلت المسجد إحدى الأخوات وهي تلبس لبساً فضفاضاً فلا ننفرها ونقول لها: أنتِ من أصحاب النار إن لم تنتقبي اخرجي انتقبي الآن! فهذه دعوة فظة، فيها غلظة وعدم فقه وتجن على الناس، وبهذه الطريقة ننفر الناس من المسجد ومن دروس العلم، فهذه الشكوى وصلتني من أكثر من جهة، ولا أعلم من هن المشكو في حقهن، لكن أياً كان فهذا الكلام عام سواء وقع أو لم يقع فهو عام، لنا ولهن فأي إنسان يدخل المسجد فنحن نستقبل الجميع ولا نقول لأخت فاضلة جاءت ببنطال وتلبس فوق البنطال شيئاً: اخرجي فأنتِ آثمة من أهل النار، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ فهذا كلام فيه إجرام في حق الدعوة إلى الله عز وجل، فلا داعي أبداً لتنفير الناس من دين الله عز وجل، فإن الدين لا يُدعى إليه بهذه الكيفية.
وهذا الكلام في الحقيقة يدمي القلب؛ فقد جاءني أكثر من اتصال أن بعض الأخوات وهي داخلة إلى المسجد، إذا لم يعجب زيها بعض الأخوات الملتزمات فإنها تجد النهر والزجر في الحال، والواجب دعوتها إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا تحدث في نقاب أبداً؛ لأنها حين تحضر الدرس الأول والثاني والثالث والرابع وهكذا سوف تستر نفسها، وعلينا أن نحمد الله عز وجل على أنها تأتي المسجد.
لكن في الحقيقة لا بد من تعلم أصول الدين والصغار قبل الكبار، والموعظة، والانتقال بغير الملتزم رويداً رويداً، {كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء:94].
فالله عز وجل من علينا، فعلينا أن نرحم غيرنا ونشفق عليهم.
أسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والسداد لما يحبه الله ويرضاه.
(52/3)
________________________________________
حكم الهدي والأضحية
قال المصنف: [باب الهدي والأضحية].
وهناك فرق بين الهدي والأضحية، فما هو الفرق بين الهدي والأضحية؟ فكل ما يهدى في الحرم هدي، حتى وإن كان طعاماً أو لباساً فهو هدي، فالهدي أشمل من الأضحية، والأضحية أخص؛ لأنها من بهيمة الأنعام، فكل أضحية هدي وليس كل هدي أضحية.
قال المصنف: [والهدي والأضحية سنة] أي من سنن الله عز وجل في خلقه، وليس المعنى أن الهدي والأضحية سنة، فمن فعلهما يؤجر ومن لم يفعلها فلا إثم عليه، وهذا كلام فيه تدليس على الناس، وبعض المدلسين حينما يسأل: ما حكم اللحية؟ يقول: اللحية سنة من فعلها أثيب، ومن لم يفعلها لا شيء عليه، بهذه البساطة يدلّس على الناس ويتعمد الكذب؛ لأنه يعلم أن هناك فرقاً في مصطلح السنة عند المحدثين وعند الفقهاء، فالسنة معناها عند المحدثين: أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وتقريراته، فأقوال النبي صلى الله عليه وسلم سنة، وأفعاله سنة، وتقريراته سنة، وعند المحدثين تشمل الواجب، فمن السنة ما هو واجب، ومن السنة ما هو محرم، ومن السنة ما هو مستحب، ومن السنة ما هو مكروه، ومن السنة ما هو مباح.
فلبس الذهب عرفنا أنه حرام من السنة، إذاً السنة حرّمت، وكذلك السنة فرضت فروضاً فهناك فروضاً في السنة، فحينما نقول: إن إعفاء اللحية سنة أي أنه عُرف فرضها بالسنة، وليس معنى أنها سنة بمعنى أن من يفعلها يأخذ أجراً، ومن لم يفعلها ليس عليه إثم، فهذا الكلام الذي فيه تدليس هو تعمد لتضييع معنى السنة، فالسنة عند الفقهاء في مقابل الواجب.
قال المصنف: [الهدي والأضحية سنة لا تجب إلا بالنذر] أي لا تجب عليّ الهدي إلا أن أنذر أن أذبح لله، فإن نذرت فقد وجب الذبح، فكلمة (الأضحية لا تجب إلا بالنذر) نقف عندها؛ لأن العلماء اختلفوا في حكم الأضحية: فجمهور العلماء ذهبوا إلى استحبابها، وأبو حنيفة فقط ذهب إلى وجوبها، والراجح ما رآه أبو حنيفة؛ لأن من قدر على الأضحية ولم يضح فإنه آثم، وسنبين ذلك من النصوص التي أوردها المصنف.
قال الشارح: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم (أهدى في حجته مائة بدنة)].
بينما كان الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم وقد حج قارناً أن يقدم هدياً، وقد ساقه من المدينة؛ لكنه ذبح مائة بدنة، وهذا للاستحباب وليس للوجوب.
إذاً فهو ذبح مائة بدنة تقرباً إلى الله عز وجل.
قال الشارح: [(أهدى في حجته مائة بدنة وضحى بكبشين أملحين موجوءين)] موجوءين: يعني مخصيين.
إذاً فلا بأس بأن يضحي الإنسان بالمخصي، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين موجوءين.
قال الشارح: [ذبحهما بيده، وقال: (اللهم هذا منك ولك، واضعاً قدمه على صفاحهما)].
(52/4)
________________________________________
حكم من نسي التسمية عند ذبح الهدي أو الأضحية
وهنا نقطة مهمة جداً تحتاج إلى بحث وهي: ما الحكم إذا نسي الذابح أن يذكر اسم الله؟ هناك أربعة آراء فقهية لهذه المسألة.
واختيار ابن تيمية، وهو ما رجّحه الشيخ ابن عثيمين: أنه إذا نسي أن يذكر اسم الله على الذبيحة فلا تؤكل.
وبعض الفقهاء يقولون: سم الله وكل، فقد رفع الإثم عن الناسي لقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا} [البقرة:286].
يقول الشيخ ابن عثيمين: هب أن مصلياً صلى بحدثه وهو ناس، ولم يذكر إلا بعد انتهائه من الصلاة هل تجزئه الصلاة أم لا تجزئ؟ لا تجزئ، كذلك في الأضحية إذا لم يسم على ما يذبح، فإن نسي أن يذكر اسم الله فلا يأكل منها وتلقى الذبيحة.
فهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية خلافاً للمذاهب الأربعة.
فإن قال قائل: أنتم الآن تضيقون على الناس، وتضيعون على الواحد ثمن الأضحية.
قال بعض علمائنا: إن عزّرناه بهذا فلن ينسى التسمية أبداً، أي: أنه إن فعلها مرة فسيذكر اسم الله عز وجل في كل مرة.
والتسمية شرط يلزم من عدمها العدم، وهناك خلاف بين الفقهاء في موضوع التسمية إن تركها عمداً أو نسيها سهواً.
(52/5)
________________________________________
الرد على من قال: إن الأضحية لا تجب إلا بالنذر
قال الشارح: [ولا يجب الهدي والأضحية إلا بالنذر، فيقول: لله عليّ أن أذبح هذا الهدي] لكن يسمي الله وجوباً، لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121] ثم يكبّر استحباباً يقول: بسم الله، الله أكبر.
قال الشارح: [ولا يجب الهدي والأضحية إلا بالنذر، فيقول: لله عليّ أن أذبح هذا الهدي أو هذه الأضحية وإن قال: هذا نذر لله وجب؛ لأن لفظه يقتضي الإيجاب، فأشبه لفظ الوقوف، ولا يجب بسوقه مع نيته].
أي: لو أن رجلاً ذهب إلى السوق واشترى أضحية، ودفع الثمن، لكنه لم يقل هذه الأضحية وقف لله عز وجل، أي أنه لم يتلفظ بأنه وقفها لله كأضحية، فإن تلفظ أصبحت واجبة، وإذا اشترى أضحية من السوق وفي الطريق قابل رجلاً فقال له: بكم اشتريت هذه الأضحية؟ فقال: بخمسمائة جنيه، قال: سأشتريها منك بخمسمائة وخمسين جنيهاً، فهنا يستطيع أن يبيعها؛ لأنها الآن لا تعد وقفاً، فإنه اشتراها وبنيته أنها أضحية، لكنه لم يتلفظ بالوقف، ولكن الشيخ ابن عثيمين وبعض العلماء يرى أن الوقف أحياناً يكون بالفعل ولا يكون باللفظ، مثل أن أفعل في البهيمة شيئاً يجعلها وقفاً كتقليد الهدي، فيمكن أيضاً أن أفعل فعلاً ما يوحي أنها أصبحت أضحية وقف، فهناك من الأفعال ما إذا فعلناه حوّل الشيء إلى وقف، وهذا ليس في زماننا، فقديماً كانوا يقلدون الهدي.
قال الشارح: [والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بدنة، ولا يفعل إلا الأفضل].
فالأضحية تقدم على الصدقة بثمنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه أن يتصدق لكنه ذبح.
أي أن الأضحية تقدم على التصدق بثمنها، وليس معنى ذلك أنك لو تصدقت بثمنها تعتبر أضحية، فإنها لا تعد أضحية، ولا تسمى أنك ضحيت، فلو أن رجلاً في يوم النحر أنفق خمسمائة جنيه أو ألف جنيه بنية أنها أضحية، فلا يعد أنه قد ضحى، فالأضحية لا بد فيها من إراقة الدم في وقت معلوم، وبطريقة معلومة، وبسن معلوم، وبصفات معلومة.
(52/6)
________________________________________
أفضل الأضحية والهدي الإبل ثم البقر ثم الغنم
قال المصنف: [والأفضل فيهما الإبل، ثم البقر، ثم الغنم].
والمالكية ذهبوا إلى أن أفضل الأضحية هو الضأن أو الماعز باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين، فهو لا يفعل إلا الأفضل.
والجمهور قالوا: الأفضل الإبل بدليل حديث: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) متفق عليه.
إذاً فالأفضل في الأضحية باتفاق جمهور العلماء خلافاً للمالكية الإبل، لكن الإبل تجزئ عن سبعة، فإن ضحى بها الواحد فقد أجزأت، أي: لو أراد شخص أن يضحي بإبل بمفرده، هل نقول له لابد أن تضحي بشاة؟ لا؛ لأن التشريك في الأجر لا حدود له، والتشريك في العدد له حدود.
بمعنى أني أضحي عن نفسي وعن زوجتي وعن أولادي بشاة في الأجر والثواب، أي أن ثوابها يصل ولو كنا اثني عشر، أما إن جئت في التشريك، فلا يجوز أن أشرِّك بين الاثني عشر في بعير، ويجزئ في العدد سبعة، أي أن كل واحد يجزئ السبع عن نفسه وعن أهل بيته.
فالبدنة والبقرة تجزئ عن سبعة، والدليل حديث صلح الحديبية أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لأصحابه أن يذبحوا البقرة عن سبعة.
(52/7)
________________________________________
ما يجزئ في الأضحية والهدي من بهيمة الأنعام
قال الشارح: [ويستحب استحسانها واستسمانها، لقوله سبحانه: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر].
الضأن هو الخروف أو الغنم، ففي الأضحية لا يقل عن ستة أشهر.
قال المصنف: [وثني المعز ما له سنة وثني الإبل].
ومعنى ثني الإبل أي الذي كسر اثنين من أسنانه، أي أنه أتم الخامسة.
قال المصنف: [وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ومن البقر ما له سنتان] هذه شروط.
إذاً لماذا سميت الأضحية بهذا الاسم؟ نسبة إلى أنها تُذبح في ضحى يوم العيد، فسميت أضحية.
والحديث الذي ساقه الشارح: [(يجوز الجذع من الضأن أضحية)، وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: (كنا مع رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر منادياً فنادى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: الجذع يوفي بما توفي منه الثنية)].
قال الشارح: [إنما يجزئ الجذع من الضأن في الأضاحي؛ لأنه ينزو فيلقح، فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يصير ثنياً وتجزئ الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يُعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) رواه ابن ماجة وعن جابر قال: كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له: والبقر؟ فقال: وهل هي إلا من البدن؟ وأحكام الهدي والأضاحي سواء].
قوله: وأحكام الهدي والأضاحي سواء، يحتاج إلى بيان؛ لأن هناك اختلافاً بين الهدي والأضاحي في بعض النقاط، أما الأضحية فلها وقت في يوم النحر أو أيام التشريق، أما الهدي فيذبح إذا كان الشخص حاجاً متمتعاً فيذبحه في يوم النحر، بعد رمي الجمرة، فتختلف الأضحية عن الهدي في التوقيت.
فهناك فروق بسيطة.
قال المصنف: [ولا تجزئ العوراء البين عورها].
أحد الإخوة يقول: عندي من البقر سنها أقل من السن الشرعي، لكنها تنتج لحماً أكثر، فهل المقصود اللحم أم لا بد أن تستوفي السن الشرعية؟ قلت له كلام جمهور العلماء: أن مواصفات الشرع مقصودة لذاتها، وليس المقصود هو وفرة اللحم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما ضحى أبو بردة بن دينار قبل الصلاة في يوم العيد، ضحى بجذعة، أي أنه ضحى بشيء يطابق المواصفات من الضأن، لكنه ذبحها قبل الصلاة، فحينما سمع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العيد يقول: (من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم والذبح بعد الصلاة)، قام وقال: يا رسول الله، ذبحت قبل الصلاة لأوسّع على جيراني في يوم العيد من فقراء المسلمين، وليس عندي إلا جذعة من الماعز -فهي لم تبلغ سنة ولكن لها ستة أشهر، وهي من الماعز وليست من الضأن، فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: (تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك).
إذاً السن هنا مقصود لذاته، فلو أنه جوزها له وكان هناك عدم تقييد بالسن لقال اذبحها ولا حرج، إنما قال: (لا تجزئ عن أحد بعدك) حتى لا يختلط الأمر فالسن مقصود لذاته.
قال المصنف: [ولا تجزئ العوراء البيّن عورها] وجاء بقيد البيّن عورها؛ لأن هناك عوراء ليس بيناً عورها فهذه تجزئ ولا شيء على من يذبحها، والعوراء البيّن عورها هي التي لا يختلف عليها اثنان في وضوح عورها، فهذه لا تجزئ، وعلى هذا قاس العلماء العمياء، فإن كانت العوراء لا تجزئ فمن باب أولى العمياء.
قال المصنف: [ولا العجفاء التي لا تنقي] عجفاء: أي هزيلة ولا مخ لها، أي: أنها هزيلة ولا مخ لها.
قال المصنف: [ولا العرجاء البيّن ضلعها] البيّن عرجها أي أن عرجها ظاهر في أنها لا تواكب المسير مع أخواتها.
قال المصنف: [ولا المريضة البيّن مرضها] أي الواضح مرضها فلا تجزئ.
قال الشارح: [قال البراء بن عازب: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء، والمريضة، والعرجاء، والكسيرة).
ولا تجزئ العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها لما روي عن علي رضي الله عنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب الأذن والقرن)].
أما إذا ولدت وليس لها قرون فتجزئ، ولو أنها ولدت ليس لها ذيل فتجزئ، والتي تجزئ في الأضاحي الواجب أن تكون سليمة من العيوب لأنك تقربها إلى الله عز وجل.
قال الشارح: [وتجزئ الجماء والبتراء] المقطوع جنبها [والخصي -المخصية- وما شقت أذنها أو خرقت أو قطع أقل من نصفها، والأبتر المقطوع الذنب -أي الذيل- لأن ذلك ليس بمقصود، والجماء التي لم يخلق لها قرن، فتجزئ لأن القرن غير مقصود، ويجزئ الخصي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوءين، والموجوء الذي رضت خصيتاه أو قطعتا].
رضت خصيتاه: أي رفع الخصية إلى أعلى وربطها.
قال الشارح: [ولا فرق بينهما لأن المرضوض كالمقطوع؛ ولأن ذلك العضو غير مستطاب وذهابه يؤثر في سمنها، وكث
(52/8)
________________________________________
صفة ذبح الأضحية والهدي
قال: [والسنة نحر الإبل قائمة].
بدأ بعد أن تحدث عن شروط الأضحية وعن مواصفاتها بدأ في كيفية الذبح، فقال: الإبل تُذبح وهي قائمة.
ما الدليل من القرآن على أنها تذبح قائمة؟ قال تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ} [الحج:36] وجبت بمعنى سقطت، إذاً تُذبح قائمة، فالسنة أن تُذبح الإبل وهي قائمة، وليس هذا شرطاً إنما على سبيل الاستحباب.
أيهما أسرع موتاً الإبل، أم البقر، أم الغنم؟ الإبل؛ لأن قلب الإبل أقرب إلى عنقها من الغنم والبقر، فحينما تنحر الإبل تموت أسرع لقرب القلب من مكان النحر سيدخل القلب الدم مباشرة، أما الغنم فقلبها أبعد، ولذلك حرّم الله الميتة؛ لأنه لا يخرج منها دم، فالدم سيظل محبوساً.
لذلك استحب العلماء أن تُذبح الأضحية بدون أن تقيد، لتجعلها تتحرك ويخرج جميع الدم الذي بها، لأنها إن قيدتها فستصبح حركتها محدودة فينحصر فيها جزء من الدم، ولذلك فلا يستحب هذا.
قال الشارح: [والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى -أي مربوطة- لقوله سبحانه وتعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36].
قال زياد بن جبير: رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنته ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم.
وذبح البقر والغنم؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل علينا بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه) رواه البخاري، وقال أنس: (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما) متفق عليه].
والصفحة هي الرقبة.
قال الشارح: [ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثاً وستين بدنة، وأعطى علياً فنحر ما غبر منها] أي ما تبقى منها.
قال الشارح: [ويستحب أن يقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك؛ لما روى أنس قال: (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين ذبحهما بيده وسمى وكبّر)، وروى جابر أنه قال: (اللهم هذا منك ولك عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر ثم ذبح)].
قال الشارح: [ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم؛ لأنها قربة].
وهذا الأمر فيه خلاف لكن الأولى والأرجح والأقوى أدلة ألا يذبح الأضحية إلا مسلم لأنها نسك وقربى إلى الله عز وجل.
قال الشارح: [وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل لحديث أنس.
]
(52/9)
________________________________________
وقت ذبح الأضحية وكيفية تقسيمها
قال: [ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد أو قدرها].
بمعنى أن الذي لا يصلي العيد ينتظر حتى يمر قدر صلاة العيد، ثم يذبح في هذا الوقت.
قال المصنف: [إلى آخر يومين من أيام الثشريق] أي إلى آخر أيام التشريق وهو الراجح.
قال الشارح: [وتتعين الأضحية بقول هذه أضحية، ولا يعطى الجزار بأجرته شيئاً منها] لحديث علي الذي سبق أن أشرت إليه وهو: أنه لا يجوز أن يُعطى الجزار أو الجازر شيئاً من الأضحية على الإطلاق ولا حتى الجلد كثمن لذبحه، وإنما يتصدق به لأن هذه الأضحية لله عز وجل، فإن أخذه الجزار بمبلغ من المال واشتراه وتصدقت أنت بثمنه فلا بأس، والجلد إما أن تبيعه أو تتصدق بثمنه إن كنت عاجزاً عن أن تنفق، وإما أن تستخدمه كفراش وهذا يجوز أيضاً.
قال المصنف: [والسنة أن يأكل من أضحيته ثلثها، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها].
وهذا ليس شرطاً عند العلماء، وإنما له أن يأكل وأن يتصدق، وله أن يتصدق بأكثر من الثلث، وليس شرطاً أن يتصدق بالثلث، لكن التشريك فقط هو المقصود، ولكن هذا القول معتبر، فإن تصدق بثلث وأكل الثلث فلا بأس.
قال الشارح: [لما روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأضحية قال: (ويُطعم أهل بيته الثلث، ويُطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث).
قال الحافظ: هذا حديث حسن، وقال ابن عمر: الضحايا والهدايا ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين، وإن أكل أكثر جاز؛ لأنها سنة غير واجبة.
وله أن ينتفع بجلدها ويصنع منه النعال والخفاف والفراء والأسقية ويدخر منها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوها ما بدا لكم) ولا يجوز بيع شيء منها].
(52/10)
________________________________________
ما يمنع الأكل منه من الهدي
فأما الهدي فينقسم إلى قسمين: هدي واجب وهدي تطوع، أما الهدي الواجب فهو هدي التمتع والقارن فهما هدي واجب، وأما هدي التطوع فهو ما سوى ذلك.
قال المصنف: [ولا يأكل من واجب إلا من هدي التمتع والقران] بمعنى أنه لا يأكل من واجب، فالنذر لا يأكل منه لأنه واجب، والكفارات لا يأكل منها لأنها واجبة، فكل ما هو واجب عليه لا يأكل منه إلا هدي التمتع والقران، فإنه يجوز أن يأكل منهما.
(52/11)
________________________________________
العدة شرح العمدة [53]
من رزقه الله بمولود فيستحب له أن يعق عنه يوم سابعه، وعقيقة المولود تكون بشاتين عن الغلام وشاة عن الجارية، ولابد من توافر شروط معينة في العقيقة؛ وهي تتفق في هذه الشروط مع الأضحية، فما يضحى به يجزئ أن يكون عقيقة.
(53/1)
________________________________________
أحكام العقيقة
(53/2)
________________________________________
باب العقيقة
قال المصنف رحمه الله: [باب العقيقة.
وهي سنة ثابتة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عق عن الحسن والحسين.
[تاركها مع القدرة لا يأثم]، وهذا هو الراجح من أقوال العلماء.
العقيقة من عق، وعق أي قطع، ومنها عقوق الوالدين، ومعنى عقوق الوالدين أي مقاطعة الوالدين، فالعقيقة تُذبح عن الغلام تفاؤلاً بقدومه نفس بنفس، ولذلك في الحديث: (كل مولود مرهون بعقيقته) مرهون: أي محفوظ من أذى الشيطان بالعقيقة، ولذلك إن لم يعق أباك عنك عُق عن نفسك الآن مع كبر سنك.
وهي الذبيحة عن المولود، وهي سنة.
وقد اختلف العلماء فيما لو ولد الغلام أو الجارية بعد أربعة أشهر ميتاً، فمنهم من قال: لا يعق عنه باعتبار أنه ولد ميتاً، ومنهم من قال: يعق عنه باعتبار أنه اكتمل خلقه، والرأي الثاني هو الذي يميل إليه الشيخ ابن عثيمين: أنه يعق عنه طالما أنه اكتملت مراحل الخلق في بطن أمه.
ولو نزل من بطن أمه حياً ثم مات بعد اليوم السابع فيعق عنه بإجماع العلماء؛ لأن العقيقة في اليوم السابع، وهو استمر إلى بعد السابع فيعق عنه.
ولو نزل من بطن أمه حياً ثم مات في اليوم الرابع، هل يعق عنه أم لا؟ هذا فيه خلاف، والراجح أنه يعق عنه؛ لأنه نزل حياً من بطن أمه.
(53/3)
________________________________________
من مواطن اختلاف الذكر عن الأنثى في الأحكام
ومن مواطن الخلاف بين الذكر والأنثى العقيقة، يقول ربنا سبحانه وتعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:36] فعن الذكر يعق شاتان، وعن الأنثى شاة، أي: أن الذكر يضاعف له في العدد، فإذا افترضنا أنك غير قادر على ذبح شاتين عن ذكرك تذبح شاة؛ لأن الواجبات تحصّل على قدر الاستطاعة، فمن باب أولى السنن المؤكدة، فتحصل منها ما استطعت، ولا بد أن تكون العقيقة من بهيمة الأنعام، أي: غنماً، أو ضأناً، أو إبلاً، أو بقراً.
فلو قال قائل: سأذبح ديكاً، فلا يجزئ، بل لا بد من أن تذبح من بهيمة الأنعام.
قال: [ومواطن الخلاف بين الذكر والأنثى متعددة ففي الشهادة: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:282]] معنى ذلك: أن شهادة الرجل على المثلين من شهادة المرأة، والعجيب أن الطبري في التفسير قال: ((فَتُذَكِّرَ)) أي: تجعلها ذكراً، وفي الأصل أن تذكّر بمعنى أنها تذكرها من نسيانها، وهذا من الأقوال التي أخذها العلماء على الطبري في تفسيره.
كذلك من مواطن الخلاف بين الذكر والأنثى: أنه ليس على المرأة جمعة، وليس لها أن تؤذن، ولا أن تقيم، ولا أن تؤم الرجال، ولا أن تخطب الجمعة هذا كله يختص بالرجال، والنبوة لا تكون إلا للرجال {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [يوسف:109] فالأنبياء رجال؛ لأن الله قال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا} [النساء:34] حتى بعد الميلاد إن بال الذكر على ثوبك قبل فطامه فينضح، وإن كانت أنثى يُغسل، فبول الجارية يُغسل وبول الذكر يُنضح، لحديث أم قيس في البخاري، وهذا قبل الفطام، أما بعد الفطام فكلاهما يُغسل.
هذه بعض الفروق الشرعية بين الذكر والأنثى، وربنا يقول: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:36]، لكن في زماننا أرادوا للذكر أن يكون أنثى، نسأل الله العافية، ولا أدري أيريدون للرجال أن يحيضوا في زمن يحيض فيه البعض! نسأل الله العافية.
فهم يقولون المساواة، ما معنى المساواة؟ الذي خلق الذكر هو الله، والذي خلق الأنثى هو الله، وقال: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:36] فهذا له صفات وهذه لها صفات، إنما المساواة دعوى كاذبة يتبناها بعض العلمانيين في هذا الزمن، حتى قالت إحداهن -وهي معروفة بأقوالها التي تناقض الشريعة-: إن الإسلام أعطى للأنثى النصف يوم أن كانت تقتل، أما الآن فهي تزاحم الرجال في الأعمال، فلا بد من إعادة النظر في أحكام المواريث.
إذاً: هنا لابد من تعديل صورة النساء استجابة لرغبة العارفة بالله، نسأل الله العافية.
(53/4)
________________________________________
الحكمة من توقيت ذبح العقيقة في اليوم السابع
قال: [لما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل غلام رهينة بعقيقته تُذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويُحلق رأسه)].
ما هي العلة في اختيار اليوم السابع؟ القول الأول: أنه محبوس عن أذى الشيطان بعقيقته، فيحفظه الله من أذى الشيطان، هذا معنى.
القول الثاني: تفاؤلاً بأن أيام السنة كلها مرت عليه، أي أنه إن ولد يوم السبت يُعق عنه يوم الجمعة، فقد مر عليه السبت والأحد وجميع أيام الأسبوع، وهل أيام السنة إلا هذه الأيام المعروفة؟ تفاؤلاً في أن يعيش هذا الغلام، وهذا قول بعض العلماء.
القول الثالث: العدد سبعة هو نهاية الآحاد، والعدد سبعين هو نهاية العشرات، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة:80] والعدد (سبعين) لا مفهوم له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أعلم أني لو زدت عن السبعين لغُفر لفعلت)، فيكون هذا كناية عن الكثرة، فالعرب قديماً كانوا يعتبرون العدد سبعة هو نهاية الآحاد، ولذلك جاء العدد سبعة في أكثر الأصول الشرعية ليبين أنه نهاية الأعداد ولا مفهوم له: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) هل الحديث مقصور على هؤلاء السبعة؟ الشيخ العفاني حفظه الله له كتاب: ترطيب الأفواه بذكر من يظلهم الله، وقد وصلوا إلى السبعين، وابن حجر العسقلاني من قبله له كتاب من يظلهم الله تحت عرشه، فليس المقصود بهم هؤلاء السبعة فقط، كذلك الشيخ عطية سالم رحمه الله له كتاب أيضاً فيمن يظلهم الله تحت عرشه.
إذاً العدد سبعة لا مفهوم له، وعلى هذا جاءت بعض النصوص، وفي بعض النصوص العدد سبعة مقصود لذاته، مثل قول ربنا سبحانه: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} [الحجر:44] فلا يقول أحد: إن هذا العدد لا مفهوم له، وإنما هي بالفعل لها سبعة أبواب، وللجنة ثمانية أبواب، فالعدد سبعة هنا قال عنه العلماء: لأنه كمال الآحاد.
كما أقول لك حين تطلب مني مسألة: إن سألتني ألف مرة فلن ألتفت إليك، فهل هذا العدد كناية عن الكثرة أم أن العدد مقصود لذاته؟ العدد هنا أريد به الكثرة ولم يقصد لذاته.
إذاً: قال بعضهم: العقيقة في اليوم السابع أولاً: تفاؤلاً بأن أيام العام مرت على المولود، ثانياً: أنه نهاية الآحاد.
ولذلك ربنا يقول: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة:7]، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} [لقمان:27] فالسبعة هنا ليست مقصودة لذاتها، وإنما نهاية للآحاد، ولو أن البحر يمده من بعده مائة ألف بحر ما نفدت كلمات الله، فالسبعة ليست مقصودة لذاتها، وإنما العدد أحياناً يكون لا مفهوم له.
(53/5)
________________________________________
شروط العقيقة
قال المؤلف: [عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة، لما روت أم كرز الكعبية].
ولو أن رجلاً أراد أن يعق عن ولده فاشترك في بعير بالسبع فإن ذلك لا يجزئ؛ لأنه لا بد من نفس مقابل نفس، وهنا حدث التشريك، فاذبح شاة بدلاً من أن تدخل شريكاً في بدنة.
قال: [عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة] في اليوم السابع، فلو ولد الغلام يوم السبت يعق عنه يوم الجمعة، ولو ولد يوم الجمعة يعق عنه يوم الخميس، ولو ولد يوم الخميس يعق عنه يوم الأربعاء وهكذا.
قال: [قالت عائشة رضي الله عنها: السنة شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة، تطبخ جدولاً، ولا يكسر عظمها، ويأكل ويطعم ويتصدق].
ومعنى لا يكسر عظمها، أي تطبخ كما هي تفاؤلاً بعدم كسر المولود.
وهنا مسألة: لو قال قائل: هل يجوز أن أقترض لذبح العقيقة؟ فنقول: إن كنت مليئاً قادراً على الوفاء بالدين يجوز، ولا مانع أن تقترض ثمن العقيقة ثم توفي بعد ذلك، أما إذا كنت لا تمتلك ثمناً على الإطلاق لا الآن ولا فيما بعد فلا يجوز أن تقترض.
قال: [ويأكل ويطعم ويتصدق] أي يأكل منها، ويتصدق، والعقيقة لا يشترط فيها أن يطعم الفقراء، إنما هي دعوى عامة للأغنياء والفقراء والأقارب والأرحام فالكل يأكل ولا حرج.
قال: [وذلك في اليوم السابع، ويُحلق رأسه] هذا بالنسبة للذكر وليس للأنثى، فليس هناك دليل على حلق شعر الأنثى في اليوم السابع.
[يُحلق رأسه، ويتصدق بوزنه ورقاً] أي فضة.
ولو قرر الأطباء أنه لا يحلق يُقدّر ويتصدق بثمنه فضة.
والشيخ ابن عثيمين يرى وهو رأي بعض العلماء: أن الحلق هو بالنسبة للذكر؛ لأن الأنثى لا تحلق، فالأصل فيها عدم الحلق.
ثم قال: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين رضي الله عنهما بكبش كبش، وأنه تصدق بوزن شعرهما ورقاً، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين، لما روى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة: (تُذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين).
وينزعها أعضاء ولا يكسر لها عظماً؛ لحديث عائشة، وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك قياساً عليها].
أي أنه لا بد أن تجزئ أن تكون أضحية، أي العمر عمر أضحية، والمواصفات مواصفات أضحية، فالعوراء والتولاء والعرجاء لا تجزئ في العقيقة، ولابد أن تبلغ ستة أشهر إذا كانت من الضأن، وإذا كانت من الماعز فسنة، وإذا كانت من الإبل فخمس سنين، وإذا كانت من البقر فتبلغ سنتين.
ومعنى تجزئ أضحية أي أن شروط الأضحية تنطبق على العقيقة، فالعوراء والعمياء والتولاء والعرجاء والعضباء والهتماء والجرباء كلها لا تجزئ، كذلك في العمر لا بد أن يكون عمرها كعمر الأضحية.
إلى هنا انتهى مبحث العقيقة في عجالة سريعة.
(53/6)
________________________________________
الأسئلة
(53/7)
________________________________________
حكم وضع المصحف على الأرض

السؤال
هل يجوز وضع المصحف على الأرض؟ الشيخ: لا يجوز، وهذا من سوء الأدب، فلا يجوز أن يوضع المصحف بين الأحذية ولا على الأرض، فبعض الناس يضع المصحف على الأرض عند الصلاة كما ترون، أو يضع المصحف على حاملة الأحذية، فهل هذا يجوز يا عباد الله؟ فلا بد لنا من أن نعظّم كتاب الله عز وجل.
(53/8)
________________________________________
حكم ذبح الشاة بنية الجمع بين الأضحية والعقيقة

السؤال
هل تجزئ العقيقة مع الأضحية؟

الجواب
هذا السؤال يأتي كثيراً في عيد الأضحى، فبعض الناس يريد أن يلبّس الأضحية بالعقيقة، هذا نسك وهذا نسك، ولا يجوز أن تذبح العقيقة بنية الأضحية، فتسد عن الأضحية والعقيقة معاً.
(53/9)
________________________________________
حكم جعل العقيقة كفارة لليمين

السؤال
أنا عندي عقيقة وعليّ كفارة إطعام عشرة مساكين، فهل آتي بالعشرة ليأكلوا من العقيقة ويجزئ هذا؟

الجواب
لا يجزئ هذا، فهذا تلفيق.
(53/10)
________________________________________
حكم تكافؤ الشياه في العقيقة

السؤال
هل يشترط أن تكون الشاتان في العقيقة متكافئتين؟

الجواب
هذا من السنة، وإن لم يكونا متكافئتين فلا حرج.
(53/11)
________________________________________
حكم تقديم العقيقة على الدَّين

السؤال
إذا كان علي دين فهل أقضيه أولاً أم أبدأ بالعقيقة؟

الجواب
يقضى الدين أولاً قبل العقيقة، فالدين مقدم على العقيقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة كان لا يصلي على جنازة إذا كان عليها دين، ولكن هذا في السابق وبعد هذا قال صلى الله عليه وسلم: (من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي) وهذا بعد الفتوحات الإسلامية.
(53/12)
________________________________________
مكان ذبح العقيقة عن المولود

السؤال
إذا ولد المولود في مصر وأبوه في تونس فأين يعق عن المولود؟

الجواب
يعق عنه في مصر فيرسل ثمن العقيقة، وفتوى الدكتور القرضاوي أنه يجوز أن يوزع ثمن العقيقة لفلسطين، وهذه فتوى لم نسمع بها في الملة الأولى إن هذا إلا اختلاق، فلا يجزئ إلا الذبح.
(53/13)
________________________________________
حكم ذبح شاة عن كل مولود ذكر

السؤال
هل يجزئ عن المولودين كبشين؟

الجواب
لا، إنما عن كل مولود كبشين إن كانا ذكرين، أي أربعة عن الذكرين.
(53/14)
________________________________________
حكم الأضحية بالإبل

السؤال
أنت قلت: إنه يجوز أن يعق عنه بالإبل، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه عق بكبشين.

الجواب
النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين، وأفضل الأضحية هي الإبل؛ لأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تخرج بالتيسير على الأمة، فلو أنه ضحى بإبل للزمنا أن نضحي بإبل، فهو يفعل الأيسر للأمة.
أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن نفهمها، فقد يفعل لبيان الجواز، وقد يفعل الأيسر، رغم أنه أوصى بالأعلى، وجمهور العلماء على أن أفضل الأضحية هي الإبل؛ لأن الحديث: (من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة) ثم جعل الساعة قبل الأخيرة للكبش، فالإبل مقدمة على الكبش، لكن الخلاف بين العلماء قائم في العقيقة: هل الأفضل الشاة أم الإبل؟ ولكن جمهور العلماء على أن الأفضل في العقيقة الشاة.
(53/15)
________________________________________
حكم النضح من بول صبي يرضع لبناً صناعياً

السؤال
ولدي لا يرضع من ثدي أمه طبيعياً، إنما يرضع لبناً صناعياً وبال، هل ينضح؟

الجواب
نعم ينضح؛ لأن هذا لا يُشترط فيه اللبن الطبيعي.
(53/16)
________________________________________
حكم كسر عظم العقيقة

السؤال
هل ترك العقيقة على حالها دون كسر عظمها واجب؟

الجواب
لا، وإنما من باب الاستحباب، والشيخ ابن عثيمين يرى أن عدم كسر العظم من باب التوسع في التفاؤل فقط.
نكتفي بهذا القدر، وجزاكم الله خيراً.
(53/17)
________________________________________
العدة شرح العمدة [54]
فقه البيوع من أهم أنواع الفقه، فالبيع متكرر بكثرة في الحياة اليومية، وما لم يتفقه فيه الإنسان فإنه يقع في بعض البيوع المحرمة والمنهي عنها في الشرع.
وقد فصلت الشريعة البيوع المنهي عنها أوضح تفصيل؛ ليكون الإنسان على بينة من أمره في بيعه وشرائه.
(54/1)
________________________________________
بعض البيوع المخالفة للشرع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقه المعاملات من الفقه الغائب عن حياتنا، فقد أصبحت العناية الكبرى بفقه العبادات، وأما فقه المعاملات ففقه غائب في تدريسه وغائب عن واقعنا.
وكثير من معاملاتنا تقع مخالفة للشرع لعدم علمنا به، فمثلاً: بيع علبة السمن المغلقة بيع غرر، ونحن جميعاً نشتري السمن بهذه الطريقة، وهذا بيع جهالة؛ لأنه لا بد من رؤية المشترى قبل أن تشتريه، والبعض إذا اشترى علبة سمن مغلقة وذهب بها إلى البيت وفتحها وجد بها ما لذ وطاب ولا يجد بها سمناً فيعود بها إلى البائع فيقول له البائع: لا تعاد البضاعة بعد مفارقة المحل.
وهذا بيع غرر.
وسأضرب من واقعنا بعض الأمثلة قبل أن أبدأ: - بعض الشركات تضع جوائز للمستهلكين، كأن تضع سيارة وتقول: الذي يجمع صورة السيارة كاملة يحصل على سيارة، ثم تضع ربع السيارة في سلعة والربع الثاني في سلعة أخرى، والربع الثالث في سلعة، والرابع في سلعة، فإذا اشترى شخص سلعة ووجد فيها ربع سيارة، فإذا أراد أن يحصل على السيارة ولا سيما إن كانت جيدة فإنه يذهب يشتري السلعة بكثرة حتى يستطيع إكمال صورة السيارة، فهذا اشترى السلعة لغرض السيارة وهذا حرام، وهو موجود في حياتنا.
ومثل ما يحدث في الطريق العام، فتجد رجلاً يبيع سلعاً ويقول: اشتر سلعة وخذ معها الكوبون، وفي الكوبون جائزة تحصل عليها، إما أن يكون جهاز تسجيل أو مروحة أو مكواة أو جهاز كاميرا أو غير ذلك، وهذا البيع حرام؛ لأن فيه غرراً وجهالة.
فإذا حددت الجائزة كأن يقول: من يشتري مني بألف فله جائزة بمقدار كذا فهذا معلوم وجائز، وأما الأول فمجهول، وكل بيع فيه جهالة حرام.
وأيضاً (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة)، وهو الجنين في بطن أمه، مثل أن يذهب التاجر إلى السوق ويشتري بهيمة فيقال له: هذه بثلاثة آلاف وما في بطنها بألف، فيدفع الأربعة آلاف، فيكون قد اشترى الجنين في بطن أمه، وهذا البيع حرام؛ لأننا لا ندري هل ينزل الجنين أم لا ينزل.
وكذلك بيع المصراة، كأن يربط على ضرع الجاموسة كيساً ليحبس اللبن في ضرعها، ثم يذهب بها إلى السوق وهي منتفخة الضرع، وهذا بيع حرام.
ومثل أن يفتح محلاً لبيع الخضروات والبطيخ مثلاً، ويأتي بثلاثة أشخاص لا هم لهم في البيع والشراء وإنما ليزيدوا على المشتري، فيقول أحدهم: سأشتريها بمائتين، وكل هدفه أن يرفع السعر على المشتري الحقيقي، وهذا يسمى عند العلماء بيع النجْش أو النجَش -على خلاف بينهم هل هو بالتسكين أو الفتح- وبيع النجش حرام.
وهذا الذي يحدث.
ومثل من احتاج إلى اقتراض المال ولم يجد أحداً يعطيه، فإنه يذهب إلى تاجر آخر ويشتري منه سلعة بالتقسيط ثم يبيعها له مباشرة بسعر أقل، وهذا يسمى عند الفقهاء بيع العينة، وهو حرام؛ لأنه من الحيل التي لا ينبغي أن تكون.
وكذلك بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع الحصاة، وغيرها من أنواع البيوع كالمزابنة، والمحاقلة، والمخابرة.
وكذلك بيع الذهب بالذهب مع أخذ الفرق، وهذا يحدث في سوق الذهب والمجوهرات ولا سيما من النساء، فتجد المرأة تخلع ذهبها القديم وتعطيه لتاجر الذهب فيزنه، ثم تقول له: أريد ذهباً جديداً، فيزن لها الذهب الجديد وتدفع الفارق بين القديم والجديد، وهذا حرام، بل عليها أن تبيع القديم أولاً وتقبض ثمنه، ثم تشتري جديداً من المشتري أو من غيره، ولا يجوز أن يُباع الذهب بالذهب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبادة في باب الربا: (الذهب بالذهب والفضل ربا، والفضة بالفضة والفضل ربا، والشعير بالشعير والفضل ربا، والتمر بالتمر والفضل ربا، والبر بالبر والفضل ربا، والملح بالملح والفضل ربا).
وقد اختلف الحنابلة هل علة تحريم هذه الأصناف الكيل والوزن أم الثمنية والكيل، أم الطعم والوزن.
والربا ليس مقتصراً على هذه الأصناف الستة في ربا الفضل، بل لو جاء رجل بكيلة ذرة واستبدلها بكيلتين من الذرة أيضاً فهذا ربا، مع أنه ليس في الحديث الذرة بالذرة، ولكن قياساً على المذكور في الحديث، وعلة الحرمة هي الكيل، والعلة في الأصناف الأربعة الكيل، وفي الذهب والفضة الثمنية وليست الوزن؛ والحنابلة يرون أن العلة في تحريم الذهب والفضة الوزن، وعلى هذا فلو أن رجلاً باع طناً من الحديد بطنين فعند الحنابلة أن هذا ربا؛ لأن العلة في تحريم الذهب والفضة عندهم هو الوزن، والحديد موزون، والذهب والفضة موزونان، ونحن نقول: لا، ليس ربا؛ لأن العلة من تحريم الذهب والفضة هي الثمنية، فأي شيء له ثمن فيه ربا، وعلى هذا فهذه النقود الورقية التي نحملها فيها ربا؛ لوجود علة التحريم فيها، وهي الثمنية.
وكذلك من البيوع المخالفة للشرع بيع الثمرة قبل نضجها، وهذا يسمى بيع المزابنة عند العلماء.
وكذلك بيع الثمرة وهي على غصنها قبل أن تنضج.
وكذلك بيع النخل المؤبر، أي: الملقح.
وتلقيح النخل هو: أخذ طلع الذكر ويأتي إلى الأنثى و
(54/2)
________________________________________
كتاب البيوع
قال المصنف رحمه الله: [كتاب البيوع] قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275]].
والبيع معاوضة المال بالمال، ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح، إلا الكلب فإنه لا يجوز بيعه، ولا غُرم على متلفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، وقال: (من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراطان).
ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه، ولا بيع ما لا نفع فيه كالحشرات، ولا ما نفعه محرم كالخمر والميتة، ولا بيع معدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته، أو مجهول كالحمل، والغائب الذي لم يوصف، ولم تتقدم رؤيته، ولا معجوز عن تسليمه كالآبق والشارد، والطير في الهواء، والسمك في الماء، ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه، أو من يقدر على أخذه منه، ولا بيع غير معيّن كعبد من عبيده أو شاة من قطيعه، إلا فيما تتساوى أجزاؤه كقفيز من صبرة.
فصل ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الملامسة وعن المنابذة، وعن بيع الحصاة، وعن بيع الرجل على بيع أخيه، وعن بيع حاضر لباد، وهو أن يكون له سمساراً وعن النجش: وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، وعن بيعتين في بيعة، وأن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسّرة، أو يقول: بعتك هذا على أن تبيعني هذا أو تشتري مني هذا، وقال: (لا تلقوا السلع حتى يُهبط بها الأسواق)، وقال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)].
(54/3)
________________________________________
الأصل في البيع الحلية إلا ما جاء الدليل على تحريمه
قال المصنف رحمه الله في الشرح: [قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275].
فقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] يدل على أن الأصل في البيوع الحل، فإذا جاءك رجل وقال: هذا البيع حرام فعليه الدليل؛ لأن الأصل في البيع الحل، قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275].
والأصل عند الفقهاء براءة الذمة، فلو قال شخص: لي ألف جنيه عند فلان لزمه الدليل؛ لأن الأصل براءة الذمة، فالأصل أن الثاني ليس مديناً، فمن ادعى أن فلاناً مدين له فعليه أن يقيم الدليل، فاستصحاب البراءة الأصلية مهم.
وكذلك الأصل في المرأة أنها بكر، فإن تزوجها أحد وادعى أنها ليست بكراً، فعليه الدليل؛ لأن الأصل فيها البكارة وهكذا.
وكذلك الأصل أن ما في حوزتي ملك لي، فالأصل في الحيازة الملكية.
والأصل في الماء أنه طهور، ومن قال: إن هذا الماء غير طهور لزمه الدليل.
وهذا الأمر مهم في البيوع، فالأصل في البيوع الحل، قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275].
(54/4)
________________________________________
تعريف البيع
قال المصنف رحمه الله: [والبيع: معاوضة المال بالمال لغرض التملك].
فإذا اشترى لا لغرض التملك فهو حرام؛ لأنه اشترى لا ليتملك، والأصل في البيع أنه يشتري لغرض التملك، ومن هنا حرمنا البيوع التي هي لأجل الجوائز وليست لأجل التملك، فمن اشترى لا ليتملك وإنما ليحصل على المكسب المالي، كمواقع الإنترنت في التسويق الهرمي، وشراء خدمة النت لا لغرض التملك وإنما لغرض الحصول على المكسب المالي.
وهذه شركات يهودية وقعنا فريسة لها.
فالبيع هو معاوضة المال بالمال لغرض التملك، فإذا اشتريت منك كوباً ودفعت لك ثمنه وأعطيتني الكوب فهنا تنتقل الملكية لي، فأنا الآن متملك لهذه السلعة، وإذا اشتريت منك الكوب لا لأجل نقل الملكية، وإنما لأن بداخله جائزة، وأنا لا أريد أن أتملك السلعة وإنما أريد الجائزة فهذا البيع لا يجوز.
(54/5)
________________________________________
ما يجوز بيعه
قال المصنف رحمه الله: [ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح]، أي: فلا تبع إلا ما تملك، ويحرم عليك بيع ما لا تملك.
وبيع ما لا نملك موجود بكثرة في حياتنا.
وذلك كأن يريد شخص شراء ثلاجة وليس معه ثمنها نقداً فيأتي إلى آخر فيقول له: أنا أشتريها وأقسطها لك، فيذهبان سوياً إلى التاجر ويشتري صاحبه السلعة دون أن يتملكها، وإنما يشتريها لحساب أخيه، ثم يقسّطها له، فهذا حرام وهو ربا؛ لأنه لم يتملك السلعة.
فهذا هو عين الربا.
وإذا أردت أن يكون البيع حلالاً فعليه أن يشتري الثلاجة أولاً ويتملكها، ثم يعيد البيع لك أو لغيرك، ولا تتفقان على الثمن قبل أن يتملك السلعة.
فالعبرة أن تبيع ما تملك، فلا تتفق مع المشتري على سعر السلعة وهي ليست ملكك، قال صلى الله عليه وسلم لـ حكيم بن حزام: (لا تبع ما ليس عندك).
فيشترط لصحة البيع أن يكون المبيع مملوكاً لبائعه، فلا تبع السمك في الماء؛ لأنه ليس مملوكاً لك، وكذلك لا تبع ناقة في الصحراء.
قال المصنف رحمه الله: [أو مأذوناً له فيه]، أي: كأن آذن لك في بيع ما أملكه.
(54/6)
________________________________________
حكم بيع الإنسان ما لا يملك بغير إذن صاحبه
قال المصنف رحمه الله: [فإن باع ملك غيره بغير إذنه لم يصح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ حكيم بن حزام: (لا تبع ما ليس عندك).
رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث صحيح، يعني: (ما لا تملك)؛ لأنه ذكره جواباً له حين سأله أن يبيع الشيء، ثم يمضي ويشتريه ويسلمه، ولأنه عقد على ما لا يقدر على تسليمه أشبه ببيع الطير في الهواء، وعنه -أي رواية أخرى عن أحمد - يصح ويقف على إجازة المالك].
ولكن المذهب والراجح هو ألا يبيع إلا ما يملك.
قال المصنف رحمه الله: [وقوله: فيه نفع مباح احترازاً عما فيه نفع محرم كآلات اللهو]، كآلة الجيتار بيعها حرام؛ لأن فيها نفعاً حراماً، فلا بد أن يكون النفع حلالاً، (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) فيحرم بيعه وشراؤه، فالسلعة حرام لذاتها.
ومن فقه البخاري أنه أخرج حديثاً عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا وهو يأكل جمّاراً -والجمّار هو قلب النخلة الأبيض- ثم سأل أصحابه إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها حدثوني ما هي؟) وفي رواية: (أخبروني ما هي؟) وفي رواية: (أنبئوني ما هي؟ فوقع الصحابة في شجر البوادي، فقال ابن عمر: وكنت أصغر القوم، فمنعني الحياء، فحدثتني نفسي أنها النخلة، فلما عجزوا عن الإجابة قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها النخلة، فقال ابن عمر لأبيه عمر: يا أبي! والله لقد حدثتني نفسي أنها النخلة، لكني استحيت أن أتحدث في وجودكم، قال: يا بني! لقد كان أحب إلي من الدنيا وما فيها أن تخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم) وهذا الحديث قد أخرجه البخاري في كتاب العلم، وأخرجه أيضاً في كتاب البيوع، وعلة ذلك: أن الجمّار يؤكل، فيجوز بيعه؛ لأن ما يجوز أكله يجوز بيعه.
فيشترط في المبيع: أن يكون مملوكاً، ثانياً: أن يكون فيه نفع مباح.
(54/7)
________________________________________
حكم بيع الكلب
قال المصنف رحمه الله: [إلا الكلب فإنه لا يجوز بيعه، وإن كان معلماً؛ لما روى أبو مسعود الأنصاري: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب) وقال: (ثمن الكلب خبيث) متفق عليه].
حتى وإن كان معلماً أو للحراسة؛ لما روى أبو مسعود الأنصاري: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب).
وقال: (ثمن الكلب خبيث).
فيحرم فتح المحلات التي تبيع الكلاب.
قال المصنف رحمه الله: [ولا غرم على متلفه لذلك] فلو أن رجلاً أمسك بكلب فأتلفه لم يلزمه الضمان، ولا غرم عليه].
قال المصنف رحمه الله: [ولأنه لا قيمة له].
(54/8)
________________________________________
حكم بيع الإنسان ما لا يملك
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه].
(54/9)
________________________________________
حكم بيع ما لا نفع فيه
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع ما لا نفع فيه كالحشرات؛ لأنها لا قيمة لها، وهي محرمة، أشبهت الميتة ما لا نفع فيه].
فلا يجوز لرجل أن يفتح متجراً لبيع الصراصير أو لبيع الذباب حتى وإن ملكهما؛ لأنه لا نفع فيهما، والنفع يختلف من فرد إلى آخر.
فيشترط فيهما الملكية والنفع.
(54/10)
________________________________________
حكم بيع ما نفعه محرم
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع ما نفعه محرم كالخمر والميتة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)، وفي حديث جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)].
فما نفعه محرم لا يجوز أن يباع، فكل ما حرمه الله -كبيع الذهب للرجال- حرام؛ لأنه محرم وهكذا.
(54/11)
________________________________________
حكم بيع المعدوم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز بيع معدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته].
فلو أن أمة مملوكة حملت من سيدها فلا يجوز بيع ما في بطنها، وكذلك لا يجوز بيع الثمرة في الشجرة قبل نضجها، إلا أن يشترط البائع على المشتري أن يقطعها في الحال، فلو أن رجلاً اشترى من بائع بلحاً لم يتحول إلى رُطب فلا يجوز إلا بشرط القطع الآن، وأما بيعه باعتبار أنه سيصبح رطباً فهذا بيع للثمرة قبل نضجها باعتبار أنها ناضجة، وهذا بيع حرام.
قال المصنف رحمه الله: [لأنه مجهول غير مقدور على تسليمه].
ومن شروط صحة البيع أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه، فأنا أبيع ما أملك حتى أقدر على تسليمه، وإذا بعتك ما لا أملك فلن أستطيع أن أسلمه لك، فمن شروط صحة البيع أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه.
(54/12)
________________________________________
حكم بيع الغائب
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته].
فلا يجوز بيع الغائب إلا إذا وصف أو تقدمت رؤيته فيجوز بيعه، وهذا موجود في البيع الذي يسمى الآن الاستيراد من الخارج، فإنهم يرسلون لك عيّنة تنظر إليها ثم ترسل العقد على الفاكس وتحول لهم بالقيمة ويرسلون لك السلعة، فهذا الشراء شرعي؛ لأنه موصوف في الذمة، وقد تقدمت رؤيته.
قال المصنف رحمه الله: [لجهالته]، فأي مبيع يجهل المشتري صفته فشراؤه له حرام حتى يعلم صفته.
(54/13)
________________________________________
حكم بيع ما لا يقدر على تسليمه
قال المصنف رحمه الله: [ولا بيع معجوز عن تسليمه كالآبق].
والآبق: العبد الهارب، فلا يجوز أن تبيع عبداً هرب إلى الصحراء، وهو بيع حرام؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، فضلاً عن أنه بيع جهالة.
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع الغائب كالآبق والطير في الهواء والسمك في الماء؛ لأن القدرة على التسليم شرط في صحة البيع ولم يوجد].
(54/14)
________________________________________
حكم بيع المغصوب
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع المغصوب] فلو أن رجلاً اغتصبت أرضه فلا يجوز لصاحب الأرض بيعها؛ لأنه لا يستطيع تسليمها.
قال المصنف الله: [ولا يجوز بيع المغصوب لذلك إلا لغاصبه].
فلو بيعت الأرض المغصوبة لمن غصبها بسعر السوق جاز ذلك؛ لأن الغاصب قادر على استلامها.
قال المصنف رحمه الله: [أو لمن يقدر على أخذه منه؛ لأنه يقدر على تسليمه].
(54/15)
________________________________________
حكم بيع غير المعين
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع غير معين كعبد من عبيده].
كما لو أن عندي عشرة من العبيد وبعتك أحدهم دون تحديد له فيحرم هذا البيع؛ لأنه بيع جهالة، وبيع الجهالة حرام؛ لأن المشتري لم يعاين المبيع ولم يعرف ماذا سيشتري.
قال المصنف رحمه الله: [أو شاة من قطيعه]، فلو كان لشخص قطيع من الغنم وقال لك: بعتك شاة من هذا القطيع، ولم يحددها فهذا البيع بيع جهالة.
قال المصنف رحمه الله: [فإن تساوت أجزاؤه كقفيز من صبرة معينة صح].
فلو أن شخصاً عنده كومة من أرز أبيض فيجوز أن يبيع 2 كيلو؛ لأن أجزاءها متجانسة، وهذا يسمى بيع قفيز من صبرة.
قال المصنف رحمه الله: [لأنه يصير معلوماً].
(54/16)
________________________________________
حكم بيع الملامسة والمنابذة والمزابنة
قال المصنف رحمه الله: [ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة].
هنا بدأ المصنف رحمه الله يتكلم عن البيوع المنهي عنها، والبيوع المنهي عنها تصل إلى الخمسين بل أكثر، وليست على سبيل الحصر، وكتاب العدة في الفقه الحنبلي للمبتدئين فقط، وهو لمحو الأمية في الفقه، وأنا لن أتوسع هنا، وإنما سنتوسع في المغني بعد ذلك، وفي فقه أكبر.
والملامسة هي: أنك إذا لمست السلعة وجب عليك الشراء بمجرد اللمس، وهي: أن يقول البائع للمشتري: أي ثوب تلمسه فهو لك بكذا، أو يقول المشتري: أي ثوب ألمسه فهو لي بكذا.
فالعبرة هنا باللمس، وهو لا يدري أي الأثواب سيلمس، فأصبح بيع غرر وجهالة.
وأيضاً نهى عن بيع المنابذة.
قال المصنف رحمه الله: [لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في فساد هذين البيعين].
ونهي كذلك عن المزابنة، وهي بيع الثمرة على الأرض بالثمرة على الشجرة؛ لأنها ما دامت على الشجرة فإنها لم تستو، إذ لو استوت لسقطت على الأرض.
قال المصنف رحمه الله: [المنابذة أن يقول: أي ثوب نبذته إليّ فقد اشتريته، وفي البخاري: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلّبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة)].
فالمنابذة هي أن يقول البائع: أي ثوب نبذته إليك وجب عليك شراؤه قبل أن تعاينه أو تنظر إليه، وهذا معناه: أنه لا بد للمشتري أن يعاين قبل الشراء.
واليوم إذا ذهبت تشتري جلابية كبيرة فيعطيك البائع جلابية غيباً ويبيعها لك دون أن ترى حجمها، وهذا محرم، فلا بد من معاينتها، والاطلاع عليها، فإن كانت سليمة سألت عن الثمن ودفعته.
وإنما الذي يحدث اليوم هو العكس، فتجد الشخص يشتري ثوباً ولم يفتحه ولم يعاينه، ويذهب به إلى البيت بعد الشراء فإذا وجد في الثوب عيباً، عاد إلى البائع فيقول له: به عيب، فيقول: العيب حدث عندك أنت، ويحدث الخلاف.
وأما الإسلام فيريد من المشتري أن يعاين السلعة معاينة نافية للجهالة.
فالإسلام يعلمنا كيف نبيع وكيف نشتري، ولو أننا أقمنا الإسلام في حياتنا لما حدث خلاف بين البائع والمشتري.
فلا بد من تحديد الثمن قبل الانفصال، وتحديد مدة السداد إن كان البيع بالأجل، وسنتحدث عن البيع بالأجل وجوازه عند جمهور العلماء في دروس قادمة إن شاء الله.
فإذا قال لك البائع: خذ هذا الكتاب بثمن عشرين جنيهاً إلى أجل فقل له: إلى حين الميسرة، فإذا قابلك وقال: أين العشرون جنيهاً فقل له: قلت لك: إلى حين الميسرة، الميسرة لم تأت.
فلا بد أن يكون الشراء بثمن معلوم إلى أجل معلوم، وأما الفوضى التي نعيش فيها فليست من الشرع في شيء.
(54/17)
________________________________________
حكم بيع الحصاة
قال المصنف رحمه الله: [ونهى عن بيع الحصاة، فروى مسلم عن أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة).
واختلف في تفسيره فقيل: هو أن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا].
ولو أراد أن يشتري أرضاً فيقال له: المتر بألف أو ألفي جنيه، أو ارم الحصاة فأينما بلغت الحصاة بُعداً فهو لك بعشرين ألف جنيه.
وبعض الناس يحتفلون بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ويقومون بفعل ما يسمى بالسرك القومي، أو بلعب القمار والميسر، ويكون فيه بيوعاً محرمة وغير ذلك، وليس منهم رجل رشيد يقول: هذا حرام.
نكتفي بهذا القدر.
وجزاكم الله خيراً.
(54/18)
________________________________________
العدة شرح العمدة [55]
شرع الله البيع والشراء لينتفع الناس به، والأصل في البيع الحل ما لم يأت الدليل بتحريمه، وقد نهى الشرع الحنيف عن عدد من البيوع كبيع الرجل على بيع غيره وبيع الحاضر للبادي وبيع النجش، ونهى عن بيعتين في بيعة وعن غير ذلك من البيوع التي يترتب عليها الضرر أو الغرر.
(55/1)
________________________________________
اشتراط الخيار للبائع والمشتري هروباً من بيع الجهالة والغرر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: كثير من الإخوة اتصلوا يستفسرون حول ما قلنا من أن بيع علبة السمن بيع غرر، فنقول: إن العلماء وضعوا أسساً ومعايير وشروطاً للبيع الصحيح، وبيع الغرر بلا خلاف يحرم، وكذلك بيع الجهالة، وحتى تخرج من هذين البيعين فلك أن تشتري بالخيار، فتقول للبائع: أنا بالخيار، فإن ظهر بها عيب رددتها إليك.
وهذا ليس مشكلة.
والبائع والمشتري بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما، وللمشتري أن يشترط فيقول: إذا وجدت فيها عيباً رددتها، وهذا لا يحدث، بل إنك إذا اشتريت علبة ثم وجدت فيها عيباً فإنه لا يمكن أن يأخذها منك، وهذا كثير، فيمكنك أن تشترط عليه؛ حتى تخرج بهذه الطريقة من المحذور الشرعي، فيكون البيع والشراء بالخيار.
(55/2)
________________________________________
النهي عن البيع على بيع الغير
قال المصنف رحمه الله: [ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرجل على بيع أخيه؛ لقوله عليه السلام: (لا يبع بعضكم على بيع بعض)].
وكلمة (نهى) تفيد التحريم، فالنهي يفيد التحريم، قال تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، ونهاكم؛ أي: حرم عليكم.
وقد نهى عن بيع الرجل على بيع أخيه، فالبيع لا بد أن يكتمل، والبيع بدون اكتمال لا يعد بيعاً، فإذا عاين السلعة واتفقا على الثمن ودفع الثمن فقد انتقلت الملكية إلى المشتري، ثم لا بد أن يتفرقا حتى يتم البيع، والفرقة تكون بالأبدان، ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين: لو أنك اشتريت سلعة في طائرة، ثم أقلعت الطائرة من المطار الساعة الثامنة مساءً، ووصلت إلى المطار الآخر صباحاً فإنك لم تفارق البائع، ولم تتم الفرقة بالأبدان.
وكذلك الخطبة، كما في حديث: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه).
وقاس العلماء عليهما الإيجار، أي: لا يستأجر أحدكم على إيجار أخيه؛ لأن العلة واحدة.
والقياس: اشتراك شيئين في حكم شرعي؛ لاشتراكهما في العلة.
والعلة في النهي عن البيع على البيع أن فيه إيغار الصدور، وحقد المسلم على أخيه، وحمل شيء في قلبه لأخيه.
وهذا موجود في الإيجار على الإيجار، فإذا كنت مستأجراً لمتجر وجئت أنت تخبب المؤجر عليّ فإنك تغير بذلك صدري وتجعلني أحقد عليك ومعناه: أن الرجلين إذا تبايعا فجاء آخر إلى المشتري فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بأقل من الثمن الذي اشتريت به.
فلو أني اشتريت مسجلاً من تاجر الأدوات الكهربائية بمائة وخمسين جنيهاً، وقبض الثمن وأخذت السلعة، وبعد ذلك قابلني بائع آخر وسألني بكم اشتريته، فقلت: اشتريته بكذا، فقال: هو عندي بأقل من هذا السعر، فهذا معناه أنه يخبب على البائع الأول، وهذا منهي عنه شرعاً.
قال المصنف رحمه الله: [أو قال: أبيعك خيراً منها بثمنها أو عرض عليه سلعة أخرى حسب ما ذكره، فهذا غير جائز؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه، لما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه، فيكون حراماً، فإن خالف وعقد البيع فالبيع باطل؛ لأنه نهي عنه، والنهي يقتضي الفساد].
وهناك كتيب بهذا العنوان (النهي يقتضي الفساد)، وطالما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشيء فهو فاسد، وهذا هو الراجح، ولذلك إن باعه بعد ذلك فالبيع باطل، يعني: لا ينعقد، أي: أن العقد ولد باطلاً.
وقد سألت أخت تقول: تقدم لخطبتي رجل فاضل فلم أعطه كلمة ولم أعده، فهل يجوز أن أقابل رجلاً آخر؟ أي: أنه تقدم إليها اثنان في وقت واحد، فلم تعد الأول وإنما رأته، فهل لها أن ترى الآخر؟ فقلت: نعم؛ لأن العبرة بأن توافق ويحدث القبول والإيجاب، وهنا لم يحدث قبول ولا إيجاب، وإنما الذي حدث رؤية، فلا مانع مطلقاً في هذا.
(55/3)
________________________________________
النهي عن بيع الحاضر للبادي
قال المصنف رحمه الله: [ونهى أن يبيع حاضر لباد].
هنا بدأ المصنف يعدد أنواع البيوع المنهي عنها.
و (ابن حزم الأندلسي له كتاب طبعته دار الحرمين بعنوان البيوع المنهي عنها، وقد عد منها أكثر من مائة بيع، ونحن هنا نأخذ عينات من البيوع المنهي عنها التي انتشرت في حياتنا، والموسوعة الفقهية الكويتية أوردت أيضاً أكثر من مائة نوع من البيوع المنهي عنها.
ونكتفي هنا بما أورده المصنف.
والحاضر هو من كان من أهل البلدة أو المدينة أو القطر، والبادي: القادم من البدو أو من خارجها، فهو لا يعلم حال المدينة ولا حال سوقها ولا حال العرض والطلب بها، فيلقاه الحاضر ويقول له: أنا أكفيك مؤنة البيع فاجلس أنت وأنا أتولى البيع، ويكون له سمساراً.
وقد نهي أن يبيع الحاضر للباد؛ لأن البادي إذا أتى إلى السوق فإنه لا يعلم حال السوق، فيبيع بالسعر الذي يناسبه، فإذا كان عنده مثلاً غنمة أنفق عليها 200 جنيه فإنه يأتي السوق وهو يأمل في أن بيعها بـ250 جنيهاً، وقد تكون نظيرتها في السوق بـ300 جنيه عند الحاضر، فإذا دخل البادي السوق وعرضها بـ250 جنيهاً فإنه يترتب على هذا أن ينزل الحاضر بالسعر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
وهذا من تشريع الإسلام لأحوال السوق ودفع الغلاء في بعض الأسواق.
قال المصنف رحمه الله: [والبادي هاهنا هو من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء كان بدوياً، أو من قرية، أو بلدة أخرى.
قال ابن عباس: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، فقلت لـ ابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمساراً).
متفق عليه.
وروى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
والمعنى في ذلك: أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص وتوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع أن يبيعها إلا بسعر البلد ضاق على أهل البلد فيضر بهم، فنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم].
فلو أن الحاضر هو الذي تولى البيع لضبط السعر وحافظ عليه عند مستوى معين، فيضر بذلك الناس، فدخول البادي إلى السوق يتسبب في نزول السعر، فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحاضر للبادي بشروط خمسة ذكرها المصنف.
قال المصنف رحمه الله: [وعنه يصح -أي: رواية عن أحمد أنه يجوز- والنهى اختص بأول الإسلام؛ لما عليهم من الضيق في ذلك، والأول المذهب لعموم النهي].
أي: أن الراجح هو الرواية الأولى.
(55/4)
________________________________________
شروط النهي عن أن يبيع حاضر لبادٍ
قال المصنف رحمه الله: [ويشترط لعدم الصحة خمسة شروط: أن يحضر البدوي لبيع سلعته بسعر يومها، جاهلاً سعرها، ويقصده الحاضر، وبالناس حاجة إليها.
وإنما اشترط ذلك لأن النهي معلل بالضرر الحاصل من الضيق على أهل المصر، وإغلاء أسعارها، ولهذا قال عليه السلام: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
ولا يحصل الضرر إلا باجتماع الشروط الخمسة أحدها: أن يحضر البادي لبيع سلعته]، أي: أنه جاء ليبيعها لا ليهديها.
قال المصنف رحمه الله: [فأما إن جاء بها ليأكلها أو يخزنها أو يهديها فليس في بيع الحاضر له تضييق بل فيه توسعة]، أي: أنه إن جاء بها ليخزّنها ثم أخذها الحاضر وتولى بيعها بدلاً منه فهاهنا توسعة ولا يوجد تضييق، فالسلعة لم تكن في النية أن تباع فحوّلها إلى بيع.
قال المصنف رحمه الله: [الثاني: أن يحضر ليبيعها بسعر يومها، فإن أحضرها وفي نفسه ألا يبيعها رخيصة فليس في بيعه له تضييق].
فإن نوى البادي أن يبيعها بسعر أعلى من سعر يومها فلا تضييق.
قال المصنف رحمه الله: [الثالث: أن يقصده الحاضر، فإن كان هو القاصد للحاضر جاز؛ لأن التضييق حصل منه لا من الحاضر، فأشبه ما لو امتنع هو من بيعها إلا بسعر غال الرابع: أن يكون جاهلاً بسعرها، فإن كان عالماً بسعرها لم تحصل التوسعة بتركه بيعها؛ لأن الظاهر أنه لا يبيعها إلا بسعرها].
أي: أنه إن كان عالماً بالسعر فالحاصل أنه لن يبيع إلا بالسعر، وأما إن كان جاهلاً فسيدخل السوق وهو جاهل، فيترتب على ذلك أن يخفض السعر، فإن خفض السعر عادت الأسعار إلى الانخفاض.
قال المصنف رحمه الله: [الخامس: أن يكون بالناس حاجة إلى سلعته كالأقوات ونحوها؛ لأن ذلك هو الذي يعم الضرر بغلو سعره].
أي: أن تكون السلعة من القوت، لا أن تكون سيارة، أو ثلاجة، أو مكيفاً، فهذه ليست من القوت، فلا بد أن تكون السلعة مما يقتاته الناس، والنهي عام لمصلحة المسلمين، فالنهي عن أن يبيع حاضر لباد ليتحقق انخفاض السلعة، فكل ما يدعو إلى الانخفاض فنحن معه، فإن ترتب على ذلك الارتفاع فلا يجوز.
(55/5)
________________________________________
النهي عن النجش
قال المصنف رحمه الله: [ونهى عن النجْش].
والنجش بعد التحقيق بالسكون، وليس في كتب القاموس العربية النجش بالفتح.
قال المصنف رحمه الله: [وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها].
وذلك مثل صاحب الخضار يأتي بخمسة أشخاص لا ينوون بيعاً ولا شراء، وإنما هدفهم أن يرفعوا السعر على المشتري، فيقول الأول: أنا أشتري بـ200، ثم يقول الثاني: بـ250، وهكذا حتى يأتي المشتري فيقول: أنا أشتري بـ500، فيستدرجونه إلى سعر عال، وبعد ينتهي صاحب السلعة من البيع يعطي المتسبب في رفع سعر السلعة نسبة من الثمن.
وهذا هو بيع النجْش.
قال المصنف رحمه الله: [ليقتدي به من يريد شراءها، يظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه، فيغتر لذلك].
وهذا موجود كثير جداً في المزادات وفي المناقصات.
قال المصنف رحمه الله: [وهو حرام، وقد روى ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجْش).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلقوا الركبان)].
وتلقي الركبان مثل أن يأتي رجل من خارج البلد ليبيع السلعة في السوق، وقبل أن يدخل بها السوق يقابله آخر خارج البلد ويشتريها منه بمائة جنيه، ثم يدخل بها السوق ويبيعها بخمسمائة.
قال المصنف رحمه الله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد)].
والنجش لا يجوز أبداً، حتى لو عرض سعراً أقل من قيمته، فلا بد أن يدخل وينوي الشراء، لا أن يغرر بالمشتري.
(55/6)
________________________________________
النهي عن بيعتين في بيعة
قال المصنف رحمه الله: [ونهى عن بيعتين في بيعة].
وإذا كانت السلعة سعرها نقداً بعشرة، وسعرها بالتقسيط بخمسة عشر، فلا يعد هذا من باب بيعتين في بيعة، وهذا إخبار فقط، وإنما معنى البيعتين في البيعة عند العلماء ألا يحدد البائع ولا المشتري بيعاً واحداً في عقد البيع، كأن يبيع نقداً بعشرة جنيهات وبخمسة عشر تقسيطاً، ولم يتفق مع المشتري على أي نوع منهما.
هذا هو الراجح من أقوال العلماء في معنى البيعتين في بيعة.
قال المصنف رحمه الله: [وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة، أو بعشرة نقداً أو عشرين نسيئة].
ولم يستقر المشتري على بيع، وإنما انصرفت الإرادة إلى النقدي والنسيئة.
قال المصنف رحمه الله: [فهذا لا يصح؛ لأن: (النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة) حديث صحيح].
وفي رواية أخرى عن أحمد أنه يجوز، ولكن الراجح أنه لا يجوز.
والنسيئة أي: القسط، ومنه ربا النسيئة، وقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة:37] فالنسيء هو التأخير، فقد كانوا في الجاهلية يقدمون شهراً ويؤخرون شهراً على حسب أهوائهم، فالنسيء هو التأخير، وأما بيع النسيئة فهو بيع الأجل، أي: البيع بالتقسيط، ولذلك يسمى ربا النسيئة.
والبيع بالتقسيط جائز عند جمهور العلماء، وقد اختلف فيه العلماء بين الحل والحرمة، وكتب بعض العلماء رسالة خاصة في جواز البيع بالتقسيط، وبعضهم ردوا على الشيخ الألباني في هذه المسألة، ولا يجوز لنا أن نقلل من شأنه؛ لأنه مجتهد، فإن اجتهد فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وقد كان الشيخ يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، والتشهير بالعلماء لا يجوز.
(55/7)
________________________________________
النهي عن تلقي السلع
قال المصنف رحمه الله: [وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق).
رواه البخاري.
وروي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب -أي: الركبان- فيشترون منهم الأمتعة قبل أن يهبط بها الأسواق، فربما غبنوهم غبناً بيناً فيضروا بهم، وربما أضروا بأهل البلد؛ لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم]، أي: أنه إذا دخل الركبان السوق أثروا في سعره، فعندما تلقوا الركبان في خارج البلدة يحقق لهم الغرض فيمنع انخفاض السعر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا تلقوا الركبان).
قال المصنف رحمه الله: [وهؤلاء الذين يتلقونهم لا يبيعون سريعاً ويتربصون به السعر، فهو في معنى بيع الحاضر للبادي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال في حديث ابن عباس: (ولا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد)، وعن أبي هريرة مثله متفق عليهما، فإن خالف وتلقى الركبان واشترى منهم فالبيع صحيح].
لأنه ليس هناك في هذا فساد، وتلقي الركبان في بيعه صحيح.
قال المصنف رحمه الله: [لأن في حديث أبي هريرة: (لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه واشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار).
هكذا رواه مسلم.
والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولأن النهي لا لمعنى في البيع بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها بإثبات الخيار فأشبه بيع المصراة].
(55/8)
________________________________________
معنى المصراة وحكم بيعها
والمصراة: حبس اللبن في ضرع البهيمة؛ لأجل أن ينتفخ الضرع، فلا يحلبها لمدة أسبوع، فتدخل إلى السوق منتفخة الضرع، فيأتي المشتري ويظن أنها حامل فيشتريها، فإن اشتراها ثم حلب ما في ضرعها تبين له أنها مصراة، وحكم المصراة كما في الرأي الراجح أن المشتري إما أن يردها إلى البائع وإما أن يمضي البيع، فإن ردها رد معها صاعاً من تمر؛ مقابل اللبن الذي أخذه منها، كما في البخاري، فيرد معها صاعاً من تمر، وليس من أرز ولا من بر ولا من أي نوع آخر.
(55/9)
________________________________________
النهي عن بيع الطعام بعد شرائه حتى يكال
قال المصنف رحمه الله: [وقال عليه الصلاة والسلام: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه)].
وهذا هو ما يسميه العلماء بالبيع الجزافي، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع الجزافي إلا في أنواع سأبينها، (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه).
فلو اشتريت مثلاً ثلاثة أرطال من الحليب فلا بد أن أستوفي هذه الثلاثة الأرطال.
هذا هو المقصود.
قال المصنف رحمه الله: [وروى ابن عمر قال: رأيت الذين يشترون الطعام جزافاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضربون حتى يؤوه إلى رحالهم، وفي الحديث: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه).
متفق عليهما.
ولـ مسلم عن ابن عمر قال: (كنا نشتري من الركبان جزافاً، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه)].
أي: حتى نستوفيه في رحالنا، وحتى ننقل السلعة معلومة المقدار إلينا.
قال المصنف رحمه الله: [وأجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاماً فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه].
فإذا كان هناك سيارة محملة مائة بطيخة والمشتري لا يعلم، فهذا هو البيع الجزافي، وهو حرام، لأنه علم به طرف ولم يعلم الآخر.
(55/10)
________________________________________
الأسئلة
(55/11)
________________________________________
حكم بيع ما ليس ملكاً للبائع

السؤال
رجل أراد أن يشتري غسالة وليس معه ثمنها الفوري، فاتفق مع آخر على أن يدفع له الثمن ثم يقسطه له كل شهر مبلغاً معيناً، مع العلم أن كلاهما يعرف مواصفات الغسالة؟

الجواب
لا يجوز، وهذا البيع حرام؛ لأنه باع ما لا يملك، وقد ذكرناه قبل ذلك.
(55/12)
________________________________________
حكم القرض بالفائدة

السؤال
هل القرض من النقابة أو الجامعة لعمل مشروع حلال أم حرام؟

الجواب
القرض من النقابة حرام؛ لأنه بفائدة.
(55/13)
________________________________________
حكم تخفيف اللحية

السؤال
هل يجوز تخفيف اللحية؟

الجواب
لا يجوز حتى وإن أمرك الأب.
(55/14)
________________________________________
حكم رفع السعر زيادة عن سعر السوق

السؤال
عندي محل لبيع المياه الغازية، وسعر المحل مرتفع، وأنا أزيد في السعر عشرة قروش عن سعر السوق، فما الحكم في ذلك؟

الجواب
يجوز أن ترفع في السعر ولا شبهة في ذلك.
نكتفي بهذا القدر، وجزاكم الله خيراً.
(55/15)
________________________________________
العدة شرح العمدة [56]
الربا باب شر عظيم إذا ما انفتح في مجتمع من المجتمعات آذن بخرابه، وقد توعد الله أهل الربا بالحرب، وما ذاك إلا لما ينطوي عليه هذا الفعل من أكل للأموال بالباطل واستغلال لحاجة المضطرين، وإفساد لاقتصاد الأمة.
(56/1)
________________________________________
تعريف الربا
قال المصنف رحمه الله: [باب الربا.
وهو في اللغة: الزيادة، قال الله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج:5].
وقال سبحانه وتعالى: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل:92]، أي: أكثر عدداً.
ويقال: أربى فلان على فلان إذا زاد عليه.
وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة].
فليس كل زيادة ربا، وليس كل ربا زيادة، فلو بعتك سيارة بسيارتين فليس هذا ربا، رغم أنه زيادة، ولمعرفة ما يجري فيه الربا لابد أن نحدد صنف السلعة، وهل هي مكيل أو موزون أو مطعوم، والخلاف بين العلماء في باب الربا كان لتحديد العلة.
(56/2)
________________________________________
حكم الربا
قال المصنف رحمه الله: [وقال صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه).
متفق عليه].
فهم فيه سواء آكل الربا، وكاتب عقده، وشاهديه، وموكله.
قال المصنف رحمه الله: [وأجمعت الأمة على أن الربا محرم].
فالربا محرم بالقرآن والسنة والإجماع.
(56/3)
________________________________________
ما يجري فيه الربا
قال المصنف رحمه الله: [والأعيان المنصوص على الربا فيها ستة، وهي في حديث عبادة بن الصامت قال صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى)].
فالنبي عليه الصلاة والسلام يبين في هذا الحديث نوعاً من الربا، وهو ربا الفضل، وقد قسم العلماء الربا إلى قسمين: ربا الفضل وربا النسيئة، وكان ربا الجاهلية في النسيئة، فقد كانوا يقرضون المال ويقولون للمقترض: موعد السداد في يوم كذا، فإن تأخرت عن الموعد المحدد فكل يوم تتأخر فيه عليك زيادة، أي: أنه ينظرك مقابل الزيادة، وكلما مر يوم تحمل فيه زيادة.
هذا هو ربا النسيئة، وهو ربا واضح بيّن.
(56/4)
________________________________________
علة الربا
الظاهرية كـ ابن حزم ومن معه، وبعض علماء السلف تمسكوا بهذا النص، فقالوا: إن الربا في الأنواع المذكورة في الحديث فقط.
وهذا القول رده جمهور العلماء، وهو يخالف روح الشريعة؛ لأن الشريعة لا تغاير بين متماثلين ولا تجمع بين متناقضين، وهذه قاعدة مهمة جداً، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [الأنعام:50].
فالأعمى والبصير متناقضان، ولا تفرق بين متماثلين، فإذا كان هذا مثل هذا فلا بد أن يكون له حكمه؛ لأنهما سواء.
وعلى هذا فالذهب والفضة لهما علة في التحريم، والأربعة الباقية لها علة.
فأما علة تحريم الذهب والفضة فقال الأحناف والحنابلة: الوزن، وقال غيرهم: الثمنية، وأما العلة في الأصناف الأخرى فقال بعضهم: إنها مكيلة، وقال بعضهم: إنها مطعومة.
ولو حققنا موضع العلة لعرفنا الخلاف.
فلو أن رجلاً باع طناً من الحديد بطنين من الحديد فإنا قلنا: الحديد موزون، فلو أن العلة في تحريم الذهب والفضة هي الوزن، لقلنا: هذا التعامل ربوي، لأن العلة هي الوزن.
ولو أن رجلاً باع كتاباً بكتابين لكان جائزاً؛ لأن هذا التعامل ليس مطعوماً ولا مأكولاً ولا موزوناً.
والراجح: أن العلة في الذهب والفضة الثمنية، وقول الأحناف والحنابلة بأن العلة هي الوزن قول ضعيف ومرجوح، وعلى هذا فلو أنني استبدلت طناً من النحاس بطنين منه فهذا عند الحنابلة والأحناف ربا، والراجح أنه ليس بربا؛ لأن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، وقيمتها في كونها لها قيمة ثمنية، ومعنى ذلك أن هذه النقود فيها ربا؛ لأن لها قيمة، فلو أننا اليوم تعارفنا على شراء السلع بالحديد لدخله الربا؛ لأن العلة في الذهب والفضة الثمنية، فأي سلعة لها ثمنية التعامل جرى فيها الربا، ولذلك يجري الربا في الأوراق النقدية والعملة الفضية؛ لأن الثمنية هي علة التحريم في الذهب والفضة.
وأما علة التحريم في الأصناف الأربعة الأخرى فقال بعضهم: الكيل، وقال بعضهم: الطعم، والراجح ما حققه ابن تيمية من كونها مطعومة ومكيلة، فلو أني أعطيتك برتقالة فأعطيتني برتقالتين فهذا ليس بربا؛ لأن البرتقال مطعوم ولكنه غير مكيل، ونحن نشترط في التعامل الربوي أن يكون مطعوماً ومكيلاً.
فلو أعطيتك إردباً من القمح، وأخذت منك إردبين فهذا ربا؛ لأنه مكيل ومطعوم.
ولو أعطيتك كيلوين من التمر وأخذت منك كيلو واحد رطباً فهذا ربا؛ لأنه مكيل ومطعوم.
وكذلك لو أعطيتك كيلوين ذرة وأخذت منك كيلو واحد.
وأما لو أعطيتك بطيخة ببطيختين فهذا مطعوم وليس مكيلاً، فليس فيه ربا.
ولو كان معك كيلو أرز من الدرجة الأولى وأردت استبداله بكيلوين من الدرجة الثانية فهذا عين الربا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البر بالبر، والقمح بالقمح، والشعير بالشعير).
والأرز من هذا الجنس، فهو مطعوم ومكيل، وقد أتى بلال بتمر من خيبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا بلال! أوكل تمر خيبر هكذا؟ قال: يا رسول الله! هذا تمر طيب نستبدله بتمر رديء قال: هو عين الربا يا بلال!).
واليوم إذا أرادت المرأة أن تستبدل الذهب القديم بذهب جديد فإنها تدفع الفارق بينهما وهذا ربا، فلا بد أن تبيع القديم أولاً وتحصل على ثمنه، ثم تشتري منه أو من غيره؛ لأنه لا يجوز في الذهب والفضة إلا بالمثل.
(56/5)
________________________________________
بعض قواعد الربا
ومن قواعد الربا: القاعدة الأولى: إن اتحدت الأجناس وكانت ربوية فلا بد فيها من شرطين: 1 - التقابض في مجلس العقد.
2 - المماثلة.
القاعدة الثانية: إذا اتحدت الأجناس وكانت غير ربوية، فلا يشترط التقابض ولا المماثلة.
القاعدة الثالثة: إذا بيع جنس ربوي بجنس آخر غير ربوي، فلا يشترط التقابض في مجلس العقد، ولا تشترط المماثلة، فالمماثلة لا تشترط إلا إذا كانت الأجناس متحدة.
(56/6)
________________________________________
حكم التفاضل في الجنس الواحد
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع مطعوم مكيل أو موزون بجنسه إلا مثلاً بمثل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل).
رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله، والمماثلة المعتبرة في الشرع هي المماثلة في الكيل والوزن، فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن، ولا يحرم فيما لا يُطعم كالأشنان والحديد، ولا فيما لا يكال كالبطيخ والرمان، وهي إحدى الروايات].
ومن ثراء مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعدد الروايات، فله أكثر من رواية في تحديد العلة، والرواية الثالثة هي: أن العلة في تحريم الذهب والفضة هي الثمنية، وفي تحريم الأصناف الأربعة الكيل وكونها مطعومة.
(56/7)
________________________________________
حكم بيع المكيل بجنسه موزوناً أو العكس
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بجنسه وزناً، ولا موزون كيلاً].
ومعنى ذلك: أن المكيل لا بد أن يقابله مكيلاً، والموزون لا بد أن يقابله موزوناً فلا آخذ مثلاً مقابل الصبرة من البر 20 كيلو جراماً من بر؛ لأن هذه مكيلة وهذا موزون، ولا بد من معادلة الكيل بالكيل.
ولو أعطيتك كيلة من التمر فلا يجوز أن تعطيني بدلاً منها 20 كيلو جراماً من التمر؛ لأن هذا موزون مقابل مكيل، وهذا لا يجوز في الأوصاف الربوية، فلا بد أن يقابل المكيل مكيلاً، والموزون موزوناً، وأما المكيل بالموزون فلا يجوز.
قال المصنف رحمه الله: [وقد سبق أن قضية البيع المساواة، والمساواة المرعية في الشرع هي المساواة في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً، فإذا تحققت المساواة في ذلك لم يضر اختلافها فيما سواه].
فلو أعطيتني 20 كيلو جراماً تمراً مقابل 20 كيلو تمراً جيداً فلا يضر، فالمهم التماثل في الميزان، وألا يكون هذا مكيلاً وهذا موزوناً.
قال المصنف رحمه الله: [وإن لم توجد المساواة في ذلك لم يصح البيع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب وزناً بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل).
(البر بالبر مداً بمد، والشعير بالشعير مداً بمد)]، أي: اتحاد وحدة القياس، ولو أعطيتني بالوزن وأعطيتك بالكيل لاختلفت الأوزان، فلا بد من المساواة في الوزن.
قال المصنف رحمه الله: [(فمن زاد أو اسزاد فقد أربى).
فأمر بالمساواة في الموزونات المذكورة في الوزن، وأمر بالمساواة في المكيلات في الكيل، ولأن حقيقة الفضل مبطلة للبيع، والمساواة مشترطة، فيجب العلم بوجود الشرط، فلا يجوز بيع المكيل بالمكيل وزناً؛ لأن تماثلهما في الكيل شرط].
(56/8)
________________________________________
عدم اشتراط التماثل عند اختلاف الجنسين
قال المصنف رحمه الله: [وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد]، أي: أنه إذا اختلف الجنسان كقمح بتمر، أو قمح بملح.
فلا بد هنا من شرط واحد وهو التقابض في مجلس العقد، ولا تشترط المماثلة إذا اختلفت الأجناس.
قال المصنف رحمه الله: [ولم يجز النسأ فيه لذلك] أي: التأخير، فالمقابضة ليست شرطاً؛ لأنها اختلفت الأجناس.
قال المصنف رحمه الله: [وفي لفظ أبي داود: (لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا)].
فلو أن معي 20 جراماً من الذهب لجاز أن أشتري بها 100 جرام من الفضة بشرط التقابض في مجلس العقد، ولا يشترط التماثل؛ لأن كلا الصنفين ربوي -الذهب والفضة-.
قال المصنف رحمه الله: [ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا].
فلو أني أعطيتك كيلة من الشعير مقابل كيلتين من البر شريطة أن تعطيني إياهما بعد أسبوع فهذا ربا؛ لأنه لا بد من التقابض في مجلس العقد، وإن اختلف الجنسان فيجوز لانتفاء المماثلة ولكن لا بد من التقابض في مجلس العقد، فالنسيئة تعني التأخير، وهذا هو الذي أراده المصنف.
قال المصنف رحمه الله: [فما اتحدت علة ربا الفضل فيهما كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون عند من يعلل بهما، والمطعوم عند من يعلل به فهذا لا خلاف بين أهل العلم في تحريم النسأ فيه]، أي: لا اختلاف بين أهل العلم في أن الأجناس إذا اختلفت تجوز الزيادة، ولكن بشرط التقابض في مجلس العقد.
قال المصنف رحمه الله: [وما اختلفت علتاهما كالمكيل بالموزون ففيه روايتان عن أحمد.
إحداهما: لا يجوز النسأ فيه بالقياس على ما اتفقت علتهما].
أي: لأن هذا صنف ربوي مكيل وهذا موزون، كالبرتقال بالقمح، فالبرتقال موزون والقمح مكيل، والقمح ربوي والبرتقال ليس ربوياً عند من قال: إن العلة هي المطعوم والمكيل، وأما من قال: العلة الطعم صار فيه الربا.
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز النسأ فيه ولا التفرق قبل القبض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (يداً بيد).
فيحتمل أنه أراد به القبض، وعبّر باليد عن القبض].
والقبض بمعنى: التقابض في مجلس العقد، وهذا هو الشرط، والقبض يغني عن الحلول كما قال بعض العلماء.
(56/9)
________________________________________
تلخيص باب الربا
وهذا الباب مهم جداً، فأعيد ما قلت في اختصار شديد.
الربا: لغة: هو الزيادة، واصطلاحاً: هو الزيادة في أشياء مخصوصة.
وهو من الكبائر بالكتاب والسنة والإجماع، وينقسم إلى قسمين: ربا الفضل وربا النسيئة.
أما ربا الفضل فقد جاء في حديث عبادة بن الصامت قال صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، والتمر بالتمر، فمن زاد أو استزاد فقد أربى).
وفي الحديث الآخر: (يداً بيد ومثلاً بمثل).
وهذا الحديث هو العمدة في كتاب الربا.
والعلة في تحريم الذهب والفضة الثمنية، والعلة في تحريم الأصناف الأربعة أنها مكيلة ومطعومة، فكل مطعوم متى تحقق فيه هذا الشرط فهو ربا.
وعلى هذا اشترط العلماء للسلع الربوية شرطان، وهما: التقابض والمماثلة.
التقابض: بمعنى يداً بيد، والمماثلة: مثلاً بمثل، وحتى الرديء بالجيد لا بد من المماثلة فيهما.
نكتفي بهذا القدر، وجزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
(56/10)
________________________________________
العدة شرح العمدة [57]
الربا نوعان: ربا نسيئة وربا فضل، وربا النسيئة هو الذي كان رائجاً ومعروفاً عند مشركي العرب، وهو محرم لذاته، أما ربا الفضل فتحريمه جاء من باب تحريم الوسائل، وهو يقع في ستة أصناف ويقاس عليها غيرها، ولاجتناب الوقوع فيه يجب أن يتحقق في هذا البيع شرطان: التماثل والتقابض.
(57/1)
________________________________________
تابع باب الربا
(57/2)
________________________________________
تعريف الربا لغة وشرعاً
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: الربا لغة: الزيادة، يقول ربنا عز وجل: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج:5]، ويقول عز وجل: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل:92].
وشرعاً: الزيادة في أشياء مخصوصة، أو الزيادة في جنسين نص عليهما الشرع.
(57/3)
________________________________________
أنواع الربا وحكمه
وقسم العلماء الربا إلى قسمين، وكان بعض السلف يرى أن الربا قسم واحد، وهو ربا النسيئة.
والنسيئة هي: التأخير، فلو أعطيتك ألفاً من الجنيهات على أن تردها لي في (1 محرم 1405) هذا الأجل وهذا القرض، فإن جاء شهر المحرم وعجزت أنت عن السداد، أقول لك: اقضني.
فتقول: ليس معي أنا معسر، فأقول: إن تأخرت بعد ذلك فكل يوم يمر ففيه زيادة مقابل التأخير، هذا هو ربا النسيئة.
يقول ربنا: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، يعني: المعسر أمهله وأعطيه أجلاً للسداد، وصورة ربا الجاهلية أن الواحد منهم كان يقرض أخاه مبلغاً من المال فإن تأخر عن السداد زاد، وهذا فعل البنوك الربوية اليوم، تعطيك (2000) من الجنيهات وتأخذها (2200) مثلاً، تعطيك (1000) وتأخذها (1200) هذا يسمى ربا النسيئة.
وله صورة أخرى: أعطيك أيضاً مبلغاً من الجنيهات لا لأجل، وإنما على أن تقضيني إياه بمبلغ أعلى، يعني: أنت محتاج 1000، خذ 1000 وردها لي 1500، وهذا هو عين الربا.
ولذلك الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع، يقول ربنا عز وجل: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]، وتعاملاتنا الآن -إلا القليل منها- يشوبها الربا، صندوق التكافل الاجتماعي الذي تدفع فيه مبلغاً من المال ثم يوضع في البنك بسعر فائدة، وهذا عين الربا.
وهناك ما يسمى بالتأمين التعاوني وهو جائز عند العلماء، لكن التأمين التعاوني معناه: أنا وأنت وهذا وهذا أصحاب حرفة واحدة نشترك في صندوق، نضع فيه اشتراكاً شهرياً بشرط أنه إذا حل بأحدنا ملمة أخذ من الصندوق المبلغ بشروط: أولاً: ألا نوسط البنك.
ثانياً: أن الصندوق يدار بمعرفة أصحابه.
ثالثاً: أن المبلغ الذي أريده أنا إذا كان أكبر من القسط نزيده، وإذا كان أقل نأخذ الزيادة، هذا التأمين التعاوني الذي تحدث عنه العلماء، أما توسيط البنك بسعر فائدة في أي تعامل فهو ربا.
يعني: أنا مثلاً حدثت لي مشكلة تستحق مبلغ (20000)، وفي الصندوق 15000، إذاً: كل واحد منا يدفع (5000) حتى نستكمل (20000)، إن كان المبلغ الذي أستحق (10000) إذاً: 5000 ترد إلى أصحابها، هذا هو التأمين التعاوني الذي تحدث عنه الدكتور بكر أبو زيد وتحدث العلماء في مشروعيته.
أما ربا الفضل فهو من التفاضل، والتفاضل: أن سلعة تفضل سلعة، ومعنى تفضلها: تزيد عنها، وهذا يجوز إلا في أصناف عينها الشارع سداً للذريعة، فتحريم ربا الفضل من تحريم الوسائل وليس من تحريم الذوات، بعكس ربا النسيئة فهو محرم لذاته، وربا الفضل محرم لوصفه.
مثال: الخمر محرمة لذاتها، البيع عند نداء الجمعة محرم لوصفه؛ لأن الله تعالى يقول في هذا الوقت: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9]، أصل البيع حلال، لكن البيع في هذه الساعة حرام، وبيع العنب حرام، وإن كان البيع لأجل أن يصنع منه خمر حرام، فهو حرام لوصفه.
فالحرام قسمان: حرام لذاته وحرام لوصفه، رجل يبني برجاً سكنياً، وأتاه رجل وقال: أجرني هذا المحل لأقيم فيه سينما، فهل الإيجار حلال أم حرام؟ أصل الإيجار حلال، ولكن أتت صفة وقلبته إلى حرام، وهي أنه يريد أن يستغله في سينما والسينما حرام، فهذا حرام لوصفه، فالحرام قسمان: حرام لذاته، وهو ما حرمه الشارع سواء بالكتاب أو بالسنة، فالخمر محرم لذاته، والربا محرم لذاته، والسرقة محرمة لذاتها، القتل محرم لذاته وهكذا كل ما جاء في الكتاب والسنة أنه حرام فهو حرام لذاته، وأما الحرام لوصفه فهو في الأصل حلال، ثم جاءت صفة فجعلته حراماً فهو حرام، وربا الفضل من هذا القسم، وقد علمتم ربا النسيئة بأنه ربا الزيادة، وربا الفضل هو التفاضل بين أنواع معينة حددها الشارع بعينها، وهي ستة أصناف.
يقول: [قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت: (لعن الله آكل الربا وكاتبه وموكله وشاهديه)].
يعني: الذي يشارك في عملية الربا ويوافق عليها أيضاً تصيبه اللعنة، ومن هنا كاتب العقد ملعون، والذي يعطي المال ملعون، والذي يشهد على هذا التعامل ملعون.
(57/4)
________________________________________
الأصناف الربوية وشروط التبايع بها
ربا الفضل يوجد في ستة أصناف، ولتجنبه لابد من شرطين: التماثل والتقابض.
وحديث عبادة بن الصامت حدد ستة أنواع يكون فيها الربا: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، يعني: حينما أبيع الذهب لابد من شرطين هما: التقابض والتماثل، يعني: أعطيت صاحب الذهب 20 جراماً من الذهب، لابد أن آخذ منه 20 جراماً في مجلس واحد يداً بيد مثلاً بمثل.
وهذه الأنواع الستة حددها الشارع سداً لذريعة الربا، لذلك إن أردت أن أبيع الذهب القديم بذهب جديد، التعامل الصحيح هو أن أبيع القديم أولاً، وأحصل على ثمنه، ثم أشتري الجديد منه أو من غيره، هذه بيعة وهذه بيعة.
ومعنى التقابض: يداً بيد في مجلس واحد.
هذين الشرطين في: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والشعير بالشعير، والبر بالبر، والتمر بالتمر والملح بالملح، وهذه الأصناف تسمى عندنا الأصناف الربوية، إذا بادلت جنساً ربوياً بجنس آخر ربوي إما أن أبدله بجنسه أو بغير جنسه، لو أني أبدلت شعيراً بشعير اتفق الجنسان، فلابد من شرطين التقابض والمماثلة، ومعنى المماثلة بأني أعطيتك كيلو شعير فلابد أن تعطيني كيلو في مجلس واحد، يداً بيد، فلو أعطيتك كيلو من التمر مقابل اثنين كيلو من الأرز يجوز لاختلاف الجنسين، في هذه الحالة لابد من شرط واحد، وهو التقابض في مجلس واحد، أيضاً: أنا معي 300 جرام فضة، استبدلتها بـ: 20 جراماً من الذهب في مجلس واحد، فهذا حلال؛ لأن التماثل ليس شرطاً لاختلاف الجنسين، وإنما الشرط هو التقابض.
إذاً: نستطيع أن نضع قاعدة أولى: إن اتفق الجنسان وكانا ربويين فلابد من شرطين وهما التماثل والتقابض، إن اختلفت الأجناس وكانت ربوية، لابد من شرط واحد هو التقابض، ولا تشترط المماثلة.
فلو أن معي 2 كيلو قمح -بر- واستبدلتها بـ3 كيلو من التمر في مجلس واحد، فما حكم التعامل؟ جائز.
ولو أن رجلاً أعطاني 3 تمر وأخذ 2 قمح فاختلفت الكميات، لكن الجنسين مختلفين، كل ما نشترطه هنا التقابض فقط لاختلاف الجنسين، إن اتحدت الأجناس لابد من شرطين: المماثلة والتقابض.
ولو ذهبت امرأة إلى تاجر المجوهرات ومعها ذهب عيار 24 فأعطته إياه لتبيعه، فوزن الذهب فوجده 100 جرام، قالت: أعطني بذهبي ذهباً، لابد أن يعطيها 100 جرام ولا يأخذ منها الفرق، والمصنعية هذه ربا، لابد أن تبيع القديم وتحصل على ثمنه وتشتري الجديد؛ لأن المقايضة يشترط فيها مثلاً بمثل، يداً بيد، طالما الجنس واحد.
(57/5)
________________________________________




hgjugdr ugn hgu]m avp hgul]m [.x ehkd






  رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع