القراءة حياة
قديم 10-19-2019, 01:27 PM   #1
gogo

منتسب جديد

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب: التعليق على العدة شرح العمدة
المؤلف: أسامة علي محمد سليمان
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 76 درسا]
العدة شرح العمدة [1]
الوضوء له شروط ونواقض، ومن النواقض ما هو متفق عليه ومنها ما فيه خلاف، ومن النواقض الردة عن الإسلام وأكل لحم الجزور ومن شك في ناقض من النواقض بنى على الأصل.
(1/1)
________________________________________
نواقض الوضوء
نواقض الوضوء سبعة: الناقض الأول: الخارج من السبيلين، وينقسم إلى قسمين: معتاد ونادر، والمعتاد: هو البول والغائط، والنادر: هو الدود والشعر ودم الاستحاضة والحصى.
الناقض الثاني: خروج النجاسات من سائر الجسد.
الناقض الثالث: زوال العقل بنوم أو جنون أو إغماء أو سكر، فإذا زال العقل بأي طريق من هذه الطرق انتقض الوضوء.
الناقض الرابع: لمس ذكره بيده.
الناقض الخامس: أن تمس بشرته بشرة أنثى.
الناقض السادس: الردة عن الإسلام.
الناقض السابع: أكل لحم الجزور.
(1/2)
________________________________________
الردة عن الإسلام
قوله: (سادساً: والردة عن الإسلام): الردة عن الإسلام أن ينطق العبد بكلمة الكفر، أو يعتقد أو يشك شكاً يخرجه عن الإسلام، أو ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، كأن يقول: أنا غير مؤمن بالصلاة، أو ينكر الصيام، أو ينكر الحج، أو ينكر الزكاة، أو يطعن في القرآن، أو يطعن في السنة، أو يجحد حديثاً ويرده.
وفرق بين المتأول الذي يفهم فهماً خاطئاً، وبين الجاحد الذي يرد، فالذي يرد يعتبر مرتداً بعد استتابته وإقامة الحجة عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث -ومنهم-: التارك لدينه المفارق للجماعة) ويستتاب ثلاث مرات، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء:137].
وفي حديث البخاري أن معاذاً جاء إلى أبي موسى الأشعري ووجد رجلاً مربوطاً فقال: من هذا يا أبا موسى؟! قال: رجل ارتد.
قال: لن أنزل من على راحلتي حتى يقتل، قضاء الله ورسوله.
قال: وما جئنا به إلا لنقتله؛ لأنه ارتد عن دينه واستتيب فلم يتب فقتل.
وأذكر أن أحد المفكرين عميد أعلى كلية في جامعة الأزهر تمخض فولد رأياً عجيباً، قال: إن المرتد يستتاب مدى الحياة، يعني: لا يقتل بحال؛ حتى لا يقال: إن الإسلام دين قتل، وهذا أما تكفيه نصوص القرآن والسنة؟! إن الردة عن الإسلام ناقض من نواقض الوضوء؛ لأن الله قال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]، والوضوء عمل، فالمرتد وضوءه ينتقض.
(1/3)
________________________________________
أكل لحم الجزور
ومن نواقض الوضوء: أكل لحم الجزور؛ لما روى مسلم من حديث جابر بن سمرة وهو حجة على كل المذاهب؛ لأن هذا مذهب أحمد فقط، وأكل لحم الجزور هو لحم الإبل، ولحم الإبل ينقض الوضوء عند الحنابلة وهو الراجح خلافاً للشافعي وغيره؛ لما ثبت: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل، فقال: يا رسول الله! أنتوضأ من لحم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم.
توضأ من لحوم الإبل)، رواه مسلم.
قال الإمام أحمد: هذان حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً: الحديث حجة على المخالف.
وكنت أسمع في إذاعة القرآن الكريم، وكان ضيف الإذاعة الدكتور محمد بكر إسماعيل حفظه الله وهو شافعي المذهب، ففوجئت أنه يقول في هذا الحديث: إن المقصود بالوضوء هنا: غسل الفم؛ لأن العرب تطلق الوضوء على طهارة الفم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية: (عند كل صلاة)، فقال: كلمة (وضوء) هنا بمعنى: غسل الفم، ومع أنه أستاذنا في اللغة وأستاذنا في الأحكام الشرعية، ولا يمكن للأصاغر أن يتطاولوا على الأكابر، لكن نقول: يا أستاذنا! لا يصرف معنى الكلمة من المعنى الشرعي إلى المعنى اللغوي إلا بقرينة، يعني: الكلمة في أي حديث تحمل على المعنى الشرعي وليس على المعنى اللغوي، فحينما نقول: يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة، تحمل على المعنى الشرعي وهو الصلوات ولا تحمل على المعنى اللغوي وهو الدعاء، فكلمة الصلاة حينما تطلق فإنه يراد بها الصلوات إلا إذا جاءت قرينة تصرف الصلاة عن المعنى الشرعي إلى المعنى اللغوي، فحمل الوضوء على المعنى اللغوي ابتداءً يناقض الأصول، لأن الأصل أن نحمل الكلمة على المعنى الشرعي لا على المعنى اللغوي.
ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فإن قال رجل: أتمضمض وأغسل فمي وأصلي؛ لأن الوضوء هو طهارة الفم، فما تقولون فيه إن فعل ذلك؟ كما أن أول الحديث يدل على أن الوضوء هو الوضوء الشرعي.
قال: (أنتوضأ من لحم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ)، هل معنى ذلك: إن شئت فاغسل فمك وإن شئت فلا تغسل؟ هذا الكلام لا يمكن أن يفهم أبداً.
ولكن انتصاراً للمذهب الشافعي أراد الأستاذ الفاضل أن يصرف معنى الكلمة عن معناها الشرعي إلى معناها اللغوي، أقول ذلك مع احتفاظي بالتقدير؛ ولأنه أستاذنا تعلمنا منه كثيراً، فمن الأدب أن نتعلم كيف نتعامل مع أساتذتنا.
(1/4)
________________________________________
مس النساء ومباشرتهن
هذا الموضوع من الموضوعات الخلافية بين المذاهب وهو مس المرأة، والمس في المتن يقصد به: اللمس، فإذا مس رجل امرأة سواءً كانت زوجة أو غير زوجة هل ينقض وضوءه أم لا؟ مع الأخذ في الاعتبار أن مس المرأة التي ليست من المحارم حرام، وهذه مسألة أخرى، ونحن الآن نحقق مسألة نقض الوضوء.
فمن العلماء من قال: ينقض على الإطلاق كالإمام الشافعي؛ واستدل بقول الله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43]، واللمس في الآية عند غير الشافعي بمعنى: الجماع، أي: أو جامعتم النساء، والقول الراجح كما يقول الشارح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة وهو متوضئ، ويذهب إلى الصلاة، وكان يصلي أحياناً فيجد قدم عائشة في القبلة، فيغمزها في قدمها وهو يصلي، فهذا يدل على أن لمس عائشة لم ينقض الوضوء، إلا إذا كان المس بشهوة فإنه ينقض؛ لأن الشهوة مظنة نزول المذي، فإذا كان المس بشهوة: انتقض الوضوء، وإذا كان المس بغير شهوة فلا ينقض؛ ولذلك قال الشارح: (ولا ينقض اللمس بالذراع).
وفي الناقض الخامس أن تمس بشرته بشرة أنثى: ثلاث روايات عن أحمد بن حنبل.
واختلاف الروايات عن أحمد يعني: أن أحد تلامذته نقل رأياً عنه، وتلميذاً آخر من تلامذته نقل رأياً آخر، وتلميذاً آخر كذلك نقل رأياً آخر، ففي هذه المسألة ثلاث روايات عن أحمد والترجيح بين الروايات مهم، فالرواية الأولى عن أحمد: أنه ينقض بكل حال بشهوة أو بغير شهوة؛ لقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43]، فالإمام أحمد في هذه الرواية يوافق الشافعي، وهذا يدل على أن من ثراء مذهب الإمام أحمد أن فيه أكثر من رواية، وستجد أن بعض الروايات توافق المذاهب الأخرى، فدراسة مذهب الإمام أحمد يجعلك تحصل المذاهب الأخرى بعد أن تستكمل الدراسة.
والرواية الثانية: لا ينقض بحال؛ لما روي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل عائشة ثم صلى ولم يتوضأ)، رواه أبو داود، وبعضهم قال: إنه مرسل.
وفي حديث آخر: قالت عائشة: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلت أطلبه، فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد)، رواه مسلم، فلو أن لمس المرأة ينقض الوضوء لخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، لكنه أكمل الصلاة.
والرواية الثالثة عن أحمد وهي ظاهر المذهب: أنه ينقض إذا كان بشهوة ولا ينقض بغير شهوة جمعاً بين الآية والحديث، لأن إعمال الأدلة أولى من إهمالها؛ ولذلك جمع بين الدليلين.
(1/5)
________________________________________
مراتب العلم وحكم التيقن في الطهارة وحكم النسك فيها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو على ما تيقن منهما].
مثال ذلك: رجل توضأ للمغرب وصلى المغرب، ثم شك بعد المغرب: هل أحدث أم لا؟ إذاً: يبني على الأصل، والأصل أنه على وضوء، ويطرح الشك.
ومراتب العلم ستة: 1 - علم.
2 - جهل بسيط.
3 - جهل مركب.
4 - ظن.
5 - وهم.
6 - شك.
والعلم معناه: إدراك الشيء على حقيقته، كأن يقول الشخص إجابة على

السؤال
متى كان فتح مكة؟ فيقول: فتح مكة كان في سنة 8هـ، فهذا علم؛ لأنه أدرك الشيء على حقيقته، فلو قال شخص: فتح مكة كان سنة 7هـ، فهذا تسميه جهلاً مركباً؛ لأنه أدرك الشيء على غير حقيقته، وعلى هذا فإن الذي قال: إن النقاب عادة وليس عبادة قوله هذا جهل مركب.
ومن قال: لا أدري متى كان فتح مكة، فقوله هذا جهل بسيط، ومن قال: فتح مكة كان في العام الثامن، واحتمال أن يكون في العام السابع فقوله هذا ظن؛ لإدراك الراجح مع احتمال المرجوح، وإن قال قائل: فتح مكة كان في العام السابع، واحتمال أن يكون في الثامن فهذا وهم؛ لأنه أدرك المرجوح مع احتمال الراجح.
وإن قال قائل: يحتمل أن يكون فتح مكة في العام السابع ويحتمل أن يكون في العام الثامن، فهو متردد بين احتمالين ولم يجزم بقول.
فهذا شك.
فهنا أقول: إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث فإنه يبني على الأصل ويطرح الشك، وكذلك العكس إذا شك في الطهارة وتيقن الحدث فعليه أن يتوضأ؛ لأنه لا بد أن يعمل بالأصل وهو اليقين.
فمثلاً: رجل شك: هل صلى ثلاث ركعات أم أربع؟ فاليقين ثلاث ركعات والشك أربع، إذاً: يبني على اليقين فيأتي برابعة.
هذا هو الشك.
يقول المصنف: [ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن في الحدث وشك في الطهارة فهو على ما تيقن منهما؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه هل خرج منه شيء أم لم يخرج فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، متفق عليه].
فاليقين لا يزول بشك، مثال ذلك: رجل يصلي وأشكل عليه: هل أخرج ريحاً أو لم يخرج، فلا يخرج من الصلاة حتى يسمع صوتاً -صوت الحدث- أو يجد ريحاً، وليس المقصود بالحديث الظاهر، يعني: ربما رجل ما وجد صوتاً وما شم ريحاً ولكنه متيقن أنه أحدث فلا بد له أن يخرج من الصلاة ولا يتمسك بظاهر النص، فالحديث لا يحمل على ظاهره بقدر ما يحمل على علته، والعلة هي التيقن: أن تستصعب اليقين، والله تعالى أعلم.
(1/6)
________________________________________
الأسئلة
(1/7)
________________________________________
مراعاة الإمام أحوال المأمومين وعدم التطويل عليهم في القراءة

السؤال
ما حكم تطويل الإمام في القراءة في صلاة العشاء؟

الجواب
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء من قصار المفصل أو من أوسط المفصل، وأوسط المفصل يعني: من بعد ق والحجرات والمعارج وسبح، وقال ابن حجر في الفتح: كان يقرأ من قصار المفصل، يعني: سبح والغاشية، وحديث معاذ معروف: (كان يصلي العشاء الآخرة فقرأ البقرة)، وفي رواية: سورة لعلها المؤمنون، وابن حجر في فتح الباري بينها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فتان فتان فتان يا معاذ؟! من أم بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض وذا الحاجة والضعيف.
ألا قرأت بسبح؟ ألا قرأت بالشمس وضحاها والليل إذا يغشى)، قال العلماء: إن من السنة في العشاء الآخرة أن تقرأ من قصار المفصل، أما في صلاة الفجر فقد كان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قدر ستين آية، وهذه الرواية في البخاري.
والقاعدة الأصل: مراعاة حال المأموم، فإن كان المأموم لا يطيق أن يقف فلا بد أن يصلي الإمام على قدر قيامه.
(1/8)
________________________________________
حكم أكل لحم الجزور وما مسته النار

السؤال
ما حكم أكل لحم الجزور؟

الجواب
أكل لحم الجزور ليس بحرام، وقد بيَّن ابن تيمية في مجموع الفتاوى أن لحم الجزور يحدث تهيجات داخلية في المعدة، والوضوء يطفئ هذه التهيجات، فهذه نكتة طبية.
كما أن المعروف هو عدم الوضوء مما مسته النار، لكن لحم الجزور موضوع آخر، فإذا أكلت أي طعام مسته النار فلا تتوضأ، لكن أكل لحم الجزور لا بد من الوضوء منه؛ لما روى مسلم: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أنتوضأ من لحم الجزور؟ قال: نعم)، فحديث مسلم حجة على الأحناف وعلى من سواهم.
(1/9)
________________________________________
حكم العمل في نادٍ رياضي

السؤال
أعمل مهندساً زراعياً في نادي شمس الرياض، وأقوم بالإشراف والتنفيذ للأعمال الزراعية الخاصة بكل الملاعب، وكذلك الحدائق ذات المسطحات الخضراء، والمشتل الخاص بإنتاج النباتات والزهور والتي تباع لأعضاء النادي، فهل هذا العمل الذي أقوم به حرام؛ لأنه في خدمة أعضاء النادي؟

الجواب
عملك حلال؛ لأن أصل العمل مشروع، لكن إن خالطه شيء حرام فمن الورع أن تترك هذا العمل.
ولنفترض أن الذين في نادي الشمس كلهم عراة وأنت تذهب فتنظر رغم إرادتك، ولا تستطع أن تتحكم في نظرك، وترى منكراً وتوافق عليه ولا تستطع أن تغيره، فأصل العمل حلال، لكن جاءت بعض الأمور والظروف التي أحاطت بالعمل، فإن كان هناك منكر ولا تستطع أن تغيره فزل أنت عن المنكر؛ لأن العلماء يقولون: إما أن تغير المنكر وإما أن تزول أنت عنه، فإن رأيت منكراً ولم تستطع أن تغيره فابتعد.
بارك الله لك في رزقك.
(1/10)
________________________________________
حكم إخراج أشياء عينية على أنها زكاة المال

السؤال
أحد الأشخاص يريد أن يخرج زكاة المال أشياء عينية غير المال لتأليف القلوب، فما حكم ذلك؟

الجواب
لا يجوز أن يخرج أشياء عينية، بل لا بد أن يخرج مالاً عن زكاة المال، إلا إذا كانت زكاة عن عروض تجارة فيجوز أن تخرج من جنس التجارة.
(1/11)
________________________________________
حكم استحداد النساء والرجال

السؤال
ما حكم الاستحداد للنساء والرجال؟

الجواب
الاستحداد: هو نتف شعر العانة، ولا بأس مطلقاً للمرأة بعد بلوغها أن تزيل شعر الإبط والعانة، والبعض يتركه إلى أن يتزوج وهذه مخالفة شرعية صريحة، فإن إزالة شعر الإبط والعانة للرجال والنساء على السواء، ولا يزيد عن أربعين يوماً أبداً، فالمرأة مأمورة أن تزيل هذا الشعر ولا يزيد عن أربعين يوماً.
(1/12)
________________________________________
حكم استخدام الكريم المزيل للشعر في الاستحداد ونتف الإبط

السؤال
ما حكم استخدام الكريم المزيل للشعر في الاستحداد ونتف الإبط؟

الجواب
يجوز ولا بأس به.
(1/13)
________________________________________
الاختلاف في المعنى اللغوي لحف الشارب

السؤال
هل يعني حف الشارب: الحلق بالكلية أم التقصير؟

الجواب
فيه خلاف بين العلماء، منهم من قال: الحف بمعنى: التقصير، ومنهم من قال: الحف بمعنى الحلق بالكلية، والمالكية يعزرون من يحف الشارب كاملاً، والخلاف في المعنى اللغوي، هل: حف الشارب بمعنى الحلق بالموسى أم التقصير بالمقص وكلاهما إن شاء الله جائز.
(1/14)
________________________________________
حكم حضور من يعمل في المسجد دروساً على أن ينيب عنه في المسجد غيره

السؤال
أنا أعمل بوزارة الأوقاف بوظيفة في مسجد، وأريد أن أعرف هل يجوز لي أن أحضر درساً بين صلاة المغرب والعشاء على أن يكون هناك من ينوب عني خلال فترة غيابي، علماً بأن من ينوب عني هو أبي وأخي؟

الجواب
لا بأس أن تكلف غيرك بعملك، ثم تحضر درس العلم.
(1/15)
________________________________________
حكم صبغ الشعر بالسواد

السؤال
أنا شاب وعندي مشكلة وهي أن الشعر يشيب بالكامل أو معظمه، فهل يجوز لي أن أصبغ شعري بالسواد؟

الجواب
غير الشيب لكن بغير السواد.
(1/16)
________________________________________
حكم الصيام بعد النصف من شعبان

السؤال
هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان؟

الجواب
يجوز.
(1/17)
________________________________________
صيام النبي صلى الله عليه وسلم معظم شعبان

السؤال
هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم معظم شعبان؟

الجواب
نعم كان يصوم غالب شعبان؛ لحديث أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).
(1/18)
________________________________________
حكم تشغيل شريط قرآن ولا ينصت لسماعه

السؤال
ما حكم الاستماع إلى القرآن بغير إنصات، كأن أشغل شريط قرآن وأنا أذاكر؟

الجواب
لا يجوز، قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف:204]، ولم يقل: استمعوا فقط، وإنما قال: استمعوا وأنصتوا، والنص عام، فمن الأدب مع القرآن عند قراءته أن تستمع وأن تنصت، قال ابن حجر في الفتح: فمن الناس من يستمع دون إنصات، ومنهم من ينصت دون استماع، فلا بد أن تستمع وأن تنصت.
(1/19)
________________________________________
العدة شرح العمدة [2]
من موجبات الغسل خروج المني بشهوة، وكذا التقاء الختانين، والحيض والنفاس، والدخول في الإسلام، كما أن الغسل يجب فيه النية وتعميم البدن بالماء، ومن الاغتسال ما هو كمال ومنه ما هو غسل إجزاء، والمسلم يسعى إلى الكمال وتحقيق الوصول إليه.
(2/1)
________________________________________
باب الغسل من الجنابة
كنا قد توقفنا في كتاب العدة عند الغسل من الجنابة.
والكتاب الأول في العدة هو كتاب الطهارة، والكتاب ينقسم إلى أبواب، فكان الباب الأول: هو باب أحكام المياه، والباب الثاني: باب الآنية، والثالث: باب قضاء الحاجة، والرابع: باب المسح على الخفين، والخامس: باب نواقض الوضوء، ونحن الآن مع الباب السادس: باب الغسل من الجنابة.
(2/2)
________________________________________
خروج المني بشهوة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والموجب له-يعني: ما يوجب الغسل- خروج المني وهو الماء الدافق بلذة].
ما يجب له الغسل: أولاً: خروج المني، وضابطه أن يكون بلذة، يعني: بشهوة، والضابط الثاني: يقظة، فإن خرج المني بغير شهوة مناماً فعليه غسل، إذاً: ضابط الفقهاء حينما يقولون: خروج المني بشهوة يقصدون به: أن يخرج المني بشهوة في حال اليقظة، لكن إن خرج بغير شهوة في اليقظة هل يوجب الغسل أم لا؟ في الأثر -وإن كان ضعيفاً عند بعض العلماء إلا أنه يبين المعنى-: أن رجلاً دخل المسجد يوماً فقال للحضور: أفيكم مفتٍ؟ قالوا: سل، فقال: إني أجد الماء بعد الماء كلما تبولت؟ فقالوا له: الذي منه الولد؟ قال: الذي منه الولد، قالوا جميعاً: لا نرى لك إلا أنه يجب عليك الغسل، ففي هذه الحال كلما تبول الرجل اغتسل، وكان ابن عباس يصلي فسمع الرجل وسمع الإجابة، فعجل في صلاته ونادى الرجل، وقال له: أتجد شهوة في فرجك؟ قال: لا، قال: أتجد خدراً في جسدك؟ قال: لا، قال: إنما هي بردة -يعني: برد أصابك- يكفيك منه الوضوء وأن تغسل المذاكير، ثم قال الكلمة المعروفة: لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
فلا بد أن تعلم أن خروج المني في حال اليقظة لا بد أن يكون بشهوة، فإن كان لسبب مرضي فلا يوجب الغسل.
والمني قال الله في حقه: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق:5 - 7].
جاءت أم سليم إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟) يعني: إذا رأت في نومها ما رأت ثم احتلمت هل عليها غسل؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم.
إذا رأت الماء)، فعلق الغسل على رؤية الماء، فإذا رأت الماء وجب عليها الغسل.
فأول موجب للغسل هو خروج المني بشهوة في حال اليقظة أو حال المنام، إلا أنه في حال اليقظة يشترط أن يكون بشهوة، وفي حال المنام إذا رأت الماء.
فإذا لم يتذكر حلماً في منامه، ورأى ماء أو وجد بللاً في سراويله فعليه الغسل، وإن تذكر أنه رأى في منامه شيئاً، لكنه لم يجد بللاً فليس عليه غسل؛ لأن العلة هنا هي وجود الماء: (نعم.
إذا رأت الماء) فإذا رأى الماء فيجب أن يغتسل، وفي الحديث أن أم سلمة قالت: (أو تحتلم المرأة يا رسول الله! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: تربت يداك يا أم سلمة! ففيم يشبهها ولدها؟ إذا علا ماءُ الرجل ماء المرأة ذكر بإن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنث بإذن الله).
وقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من جنابته بعد الفجر.
و
الجواب
أن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة لا يكون إلا من الجماع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتلم؛ لأنه ليس للشيطان عليه سبيل، فلم يغتسل من احتلام أبداً صلى الله عليه وسلم إنما غسله كان من جماع، والاحتلام من الشيطان، وقد قال لـ عائشة حينما سألته: (أو لك شيطان يا رسول الله؟! قال: نعم.
إلا أن الله أعانني عليه فأسلم)، صلى الله عليه وسلم.
وحديث أم سليم هذا متفق عليه.
قالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق)، وهناك عبارة تدور على ألسنة البعض وهي غير صحيحة، وهي قولهم: (لا حياء في الدين) وهذا خطأ، فإن الدين كله حياء، و (الحياء من الإيمان) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
فجملة (لا حياء في الدين) كلمة خاطئة، ولكن قل: لا استحياء في التعلم، أو لا حياء في العلم، أي: لا حياء في طلبه.
(2/3)
________________________________________
التقاء الختانين
قال المصنف رحمه الله: [والتقاء الختانين].
يعني: أن التقاء الختانين يوجب الغسل، ومعنى التقاء الختانين: تغييب الحشفة في الفرج وإن لم يحصل الإنزال، يعني: إن جامع الرجل المرأة وغيب حشفته في فرجها أنزل أو لم ينزل فقد وجب عليه الغسل، والكثير يجامع دون أن ينزل ويظن أنه لا بد أن ينزل حتى يغتسل، وهذا خطأ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل) رواه مسلم، أي: مس ختان الرجل ختان المرأة.
إذاً: هذا الحديث دليل على أن المرأة تختتن، فالمرأة تختتن بدون أدنى شك، والذين يحاربون قضية ختان المرأة يريدون أن تعم الفاحشة في الأمة ومهما قالوا وبرقعوا هذا الكلام فليسمع من يسمع أن عدم ختان المرأة معناه إشاعة الفاحشة.
وفي الأدب المفرد عند البخاري من حديث أم المهاجر أنها أسلمت في عهد عثمان رضي الله عنه فأمر بها فاغتسلت ثم اختتنت، فأمرها عثمان رضي الله عنه أن تختتن مع كبر سنها بعد إسلامها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان الرجل إن لم تختتن أمه يعير بها بين العرب، فيقال له: يا ابن القلفاء! أي: غير مختتنة، والمرأة غير المختتنة تتطلع إلى الرجال أكثر من غيرها، فعدم ختان المرأة إشاعة للفاحشة تماماً، فنقول: يا قلفاء! اختتني اختتني ولا تسمعي لقول هؤلاء الناس، فإنهم يريدون للأمة أن تعمها الفاحشة.
ومن ضوابط ختان المرأة: عدم الإنهاك، فهو أنظر للوجه ويهذب الشهوة.
فهذا الحديث حجة، والتقاء الختانين موجب من موجبات الغسل.
(2/4)
________________________________________
انقطاع دم الحيض والدخول في الإسلام من موجبات الغسل
من موجبات الغسل أيضاً: الحيض، فبعد انقطاع دم الحيض ينبغي للمرأة أن تغتسل.
ومن موجبات الغسل أيضاً: الإسلام بعد الكفر، فإن كان كافراً وأراد أن يسلم فعليه أن يغتسل.
قال المصنف رحمه الله: [والواجب فيه -أي: الواجب في الغسل- النية]؛ لأن كل عمل يحتاج إلى نية.
قال: [وتعميم بدنه بالغسل] أن يعمم الجسد بالماء، وهو أن يصل الماء إلى كل ظاهر الجسد، والأنف والفم من ظاهر الجسد بأدلة خمسة، فلا بد أن يتمضمض وأن يستنشق في الغسل، وإن لم يفعل هذا فقد يكون الغسل باطلاً عند الحنابلة، والدليل على أن الأنف والفم من ظاهر الوجه أنهما يأخذان أحكام الظاهر، فمثلاً: لو تمضمض الصائم فإنه لا يفطر، ومعنى ذلك: أن الفم من الظاهر، وكذلك إذا أقاء وأخرج القيء من معدته إلى فمه، وإذا بلع ذلك القيء أفطر؛ لأن انتقال القيء من المعدة إلى الفم انتقال من باطن إلى ظاهر، ولو دخل الخمر في فمه ثم لفظه قبل أن يبتلعها فليس عليه حد، فلو أن الفم من الباطن لكان وصول الخمر إلى الفم معناه: إقامة الحد، ولو أن طفلاً رضيعاً أخذ ثدي امرأة ثم مص منه لبناً، وكلما مص قذف اللبن فلا تحسب رضعة؛ لأن وصول اللبن إلى الفم لا يعتبر وصولاً إلى الباطن وإنما وصول إلى الظاهر.
فكل هذه الأشياء تؤكد أن الفم من ظاهر الوجه.
إذاً: عند الغسل لا بد أن يدخل الماء إلى الفم، فلا بد من المضمضة والاستنشاق.
وقد يقول قائل: إن نزلت في بركة الماء مرة واحدة وأنا جنب ثم صعدت.
هل هذا يعد غسلاً ويغني عن الوضوء أم لا؟ نقول: يلزمك أن تتمضمض وتستنشق، فإن فعلت ذلك أجزأ؛ لأنك عممت الجسد بالماء.
وبعض الناس يتجاوز هذه النقطة فلا يصل الماء إلى الأماكن التي ينبغي الوصول إليها، كالإبطين وبين الفخذين، وبعض النساء -هداهن الله- تكون قد قامت بفرد شعرها عند الكوافير، ووضعته في الخلاط الكهربائي بخمسين جنيهاً أو مائة جنيه، وتخشى عليه من الماء، فإن أرادت أن تغتسل تضع كيس بلاستيك على رأسها وتربط عليه فتلة ثم تغتسل، فلا يصل الماء إلى منابت الشعر، فهذا لا يسمى غسلاً، كذلك إن وضعت على يدها ما يحول بينه وبين وصول الماء -كالمناكير مثلاً- فهذا لا يسمى غسلاً، لأنه حاجز عن الماء، فلا بد من تعميم الجسد بالماء.
إذاً: الواجب في الغسل النية ثم تعميم الجسد بالماء مع المضمضة والاستنشاق.
ولا يشترط للمرأة أن تحل ظفيرتها، وقد كان ابن عباس يقول بوجوب حل الظفيرة عند الغسل، فقالت عائشة: عجباً لـ ابن عباس! أيأمر النساء أن تحل ظفائرهن عند الغسل؟! أما يأمرهن بحلق رؤوسهن؟! لقد اغتسلت مع النبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد.
والظفيرة تنضح شريطة أن يصل الماء إلى منابت الشعر، فالمرأة في كل أنواع الغسل لا يلزمها أن تفك الظفيرة، وهذا هو الراجح.
(2/5)
________________________________________
صفة الغسل
قال في الشرح: [والغسل ضربان: غسل كمال وغسل إجزاء]، وهناك فرق بين الكمال والإجزاء، فمن فعل السنة وأدى الواجبات قبل ذلك واستكمل المستحبات فقد استكمل الغسل.
ومن اغتسل غسلاً كما هو وارد دون أن يفعل السنة فهذا يسميه العلماء إجزاء، أي: غسلاً أجزأه، والغسل الكمالي أن يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم: أولاً: أن يغسل مذاكيره، وبعد أن يغسل المذاكير يغسل اليدين، وبعد ذلك يغسل الرأس ثلاث مرات، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، وبالنسبة للقدمين تكون مع أعضاء الوضوء وقد تؤخر، فهذا ثابت في البخاري وهذا ثابت، وهذا من تعدد أفعال النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد أن يتوضأ وضوءه للصلاة يسيل الماء على شقه الأيمن، ثم على شقه الأيسر، ثم يعمم الجسد بالماء، وهكذا يكون قد اتبع السنة في الغسل، وهذا نسميه غسل كمال؛ لأنه اتبع السنة كما وردت عن نبينا عليه الصلاة والسلام.
أما غسل الإجزاء كرجل وجد بحيرة ماء، ثم نزل فيها برأسه وتمضمض واستنشق وخرج، فإنه يكون بذلك قد أجزأ غسله ولم يدلك ولم يستخدم ليفة ولا صابونة ولا غير ذلك، بل وصل الماء إلى كل أنحاء الجسد ووصل إلى منابت الشعر وتحت الإبطين وبين الفخذين وعمم الجسد بالماء مع المضمضة والاستنشاق، فهذا نسميه غسل إجزاء؛ لذلك قال في الشرح: [واعلم أن الغسل ضربان: كمال وإجزاء]، فالكمال أن يتوضأ للصلاة ثم يغتسل بعد الوضوء، وقد دل عليه حديث عائشة وميمونة.
روت عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً قبل أن يضعها في الإناء، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعر رأسه بيده) حتى يصل الماء إلى المنابت.
قال: (ويخلل لحيته بيده حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده) متفق عليه.
وقالت ميمونة: (توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، ثم غسل سائر جسده، فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيديه)، متفق عليه.
هكذا وصفت عائشة وميمونة رضي الله عنهما غسل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه صفة الكمال، أما صفة الإجزاء: فأن يعم بدنه بالماء في الغسل وينوي الغسل والوضوء ويتمضمض ويستنشق؛ لأن ذلك هو المأمور به.
قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6]، وقال تعالى: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء:43].
إن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن غسل المذاكير ضرب يديه بالأرض؛ حتى يطهرهما مما قد يعلق بهما، وقد يستخدم الذي يريد الغسل الصابون، وهذا كان قبل أن تكون هناك مطهرات.
وغسل الرجل إما أن تقدمها مع الوضوء، وإما أن تؤخرها، وهذا وارد في كتاب الغسل عند البخاري في المجلد الأول.
(2/6)
________________________________________
سنن الغسل مع التفصيل في نية الغسل
ويشرع الترتيب في الغسل لكن الغسل له حكمه.
وتسن التسمية ويدلك بدنه بيده، ويفعل كما روت ميمونة قالت: (سترت النبي صلى الله عليه وسلم، فاغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم ضرب الأرض بيده على الحائط والأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض الماء على بدنه، ثم تنحى فغسل رجليه)، ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة إذا روى أصوله، وإذا نوى بغسله أجزأ -أي: أجزأ عن الوضوء والغسل- ولو تيمم للحدثين والنجاسة على بدنه أجزأ عن جميعها، وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى بهما وجهه وكفيه.
(2/7)
________________________________________
الأسئلة
(2/8)
________________________________________
حكم غسل المرأة غير المختونة بعد جماع زوجها لها

السؤال
هل في قوله: (إذا التقى الختانان) دليل على أنه لا بد أن يكون للمرأة ختان حتى تغتسل، وهب أن المرأة غير مختونة، وأن الرجل غيب الحشفة في فرجها.
هل عليها غسل أم ليس عليها؟

الجواب
نعم.
عليها غسل، إنما المقصود: أنها خرجت مخرج الغالب، فغالب النساء مختونات.
(2/9)
________________________________________
حكم اختتان المرأة

السؤال
ما حكم اختتان المرأة؟

الجواب
ختان المرأة عند الحنابلة على سبيل الوجوب، وعند الشافعية مكرمة، وعند الأحناف قالوا: لو أن أهل بلد -مثل مصر- اجتمعوا على عدم ختان الإناث وجب على ولي الأمر أن يقاتلهم.
فمن قال بوجوب اختتان المرأة استدل بما رواه البخاري في الأدب المفرد: أن عثمان بن عفان أمر أم المهاجر أن تغتسل وأن تختتن تهذيباً، وهذا هو المذهب الراجح؛ لأنهم كانوا يعرفون الأسارى في الحرب بالختان.
(2/10)
________________________________________
حكم الغسل الواحد عن الجمعة والجنابة

السؤال
إذا نوى غسل الجمعة وغسل الجنابة، فهل يغتسل مرة أم مرتين؟

الجواب
يرى الشيخ الألباني في تمام المنة أنه لا بد أن يغتسل مرتين، وهذا الرأي مخالف لرأي الجمهور، والصواب: أن غسلاً واحداً يجزئ عن الجنابة وعن الجمعة، فالغسل عن الجنابة واجب، أما غسل الجمعة ففيه خلاف شديد: هل هو واجب أم سنة مؤكدة، لكن إن نوى بالغسل أن يرفع الجنابة وأن يكون هذا الغسل للجمعة أيضاً فلا حرج.
وهذا رأي جمهور العلماء.
(2/11)
________________________________________
حكم من صلى ركعتين قبل إقامة صلاة المغرب على أنها سنة مغرب وتحية مسجد وسنة وضوء

السؤال
من دخل لصلاة المغرب قبل إقامتها بدقائق هل يجوز له أن يصلي ركعتين على أنها تحية مسجد وسنة مغرب وسنة وضوء؟

الجواب
نعم.
يجوز، ولا بأس في ذلك.
(2/12)
________________________________________
حكم التسمية داخل الحمام

السؤال
ما حكم التسمية في الحمام؟

الجواب
التسمية في الحمام ليس فيها شيء، إنما المحظور أن تسمي الله في الخلاء، أي: في مكان قضاء الحاجة، لكن الحمام بعيد عن الخلاء.
(2/13)
________________________________________
حكم أداء الفرض والسنة بنية واحدة

السؤال
هل يجوز للمصلي أن يصلي الفرض والسنة بنية واحدة؟

الجواب
الفرض لا يمكن أن يكون سنة.
هذا لا يجوز، كما أنه لا يجوز للمرأة أن تنوي صيام قضاء أيامها التي لم تصمها في رمضان مع أيام شوال.
(2/14)
________________________________________
حكم جعل مقبرة واحدة للرجال والنساء

السؤال
هل يجوز أن يكون هناك مقبرة للرجال والنساء؟

الجواب
للنساء مقبرة إلا في حال الضرورة كضيق المكان أو عدم وجود مكان، فهذه ضرورة والضرورة تقدر، أما في الأحوال العادية فللرجال مقبرة وللنساء مقبرة.
(2/15)
________________________________________
بعض الأحكام الشرعية في غسل يوم الجمعة

السؤال
ما هو الرأي الراجح في حكم غسل يوم الجمعة، مع بيان أفضل أوقات الغسل؟

الجواب
غسل الجمعة واجب، وقد اختلف فيه العلماء اختلافاً شديداً، ففي كتاب الجمعة عند البخاري: أن عمر رضي الله عنه كان يخطب الجمعة، فدخل عثمان رضي الله عنه ولم يغتسل، فعاتبه ولامه على رءوس الصحابة.
قال: حتى الغسل لم تغتسل؟ قال: انقلبت من السوق.
قال ابن حجر في الفتح: فعتاب عمر لـ عثمان يدل على أن الغسل واجب، وبعض العلماء ردوا على ذلك.
أما غسل يوم الجمعة فإنه يكون بعد الفجر، وكلما اقترب الغسل من الجمعة كان أفضل، هب أن رجلاً اغتسل بعد صلاة الجمعة.
لا ينفع، لأن علة الغسل حضور الصلاة، كذلك لو أنه اغتسل بعد الفجر ثم خرج إلى الورشة وأصابه الزيت والرائحة فهل يجوز هذا الغسل؟ إن الغسل له علة، وعلة الغسل أن يأتي إلى المصلى طاهراً، والمعروف أن ابن حزم يرى الوجوب كما في المحلى.
(2/16)
________________________________________
حكم صيام يوم الإثنين بنية الست من شوال ونية متابعة النبي صلى الله عليه وسلم

السؤال
ما حكم صيام يوم الإثنين بنيتين: نية شوال ونية المتابعة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ "

الجواب
يجوز أن تنوي صيام أيام شوال التي منها الإثنين والخميس باعتبار أن الإثنين يجوز أن يصام من السنة، فلا بأس بهذه النية.
(2/17)
________________________________________
حكم اختتان المرأة التي لا يوجد لها ختان لقطعه

السؤال
المرأة التي لا يوجد لها ختان لقطعه ما حكم اختتانها؟

الجواب
هذه طبيعة وخلقة، فطالما لا يوجد مكان فليس عليها اختتان، ولا بد أن يكون ختان المرأة عند الطبيبة، والمصيبة أن نساء الأرياف يختتن عند الصحة أو المزين، وقد يأتي على شهوة المرأة فيقضي عليها تماماً؛ وذلك بسبب الاختتان بطريقة خاطئة، فتصاب المرأة ببرود جنسي، مما يجعل بعض الرجال يستترون، وهذه مشكلة واقعة لمسناها كثيراً، فبعض الناس يدفعون بناتهم إلى أن يختتن عند من ليس له خبرة، فيقطع الشهوة ويميتها مما يترتب عليه أن تصاب المرأة بحالة من البرود الجنسي الذي يعاني منه كثير من الأزواج.
(2/18)
________________________________________
حكم الاتفاق على قيام الليل في بيت واحد بعد رمضان

السؤال
هل يجوز اتفاق بعض الإخوة على قيام الليل في بيت واحد بعد رمضان؟

الجواب
لا يجوز أن يقام الليل في جماعة بعد رمضان إلا أن يكون عرضاً دون ترتيب، فإن كان بترتيب فقد أحدث، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي قيام الليل في بيت ميمونة.
يقول ابن عباس: (بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فقمت ووقفت عن يساره، فأخذني وجذبني من أمامه، وجعلني عن يمينه)، هل كان هناك اتفاق بين النبي صلى الله عليه وسلم وابن عباس على قيام الليل؟ يقول ابن حجر في الفتح: يجوز أن تصلي قيام الليل دون ترتيب.
أما أن تعطي موعداً كيوم الإثنين فتقول: سنصلي في المسجد جماعة؛ هذا لم يثبت عن السلف وليس عليه العمل، فإذا ولى رمضان فلا قيام، وهناك بعض الأدعية التي ينبغي أن ندقق النظر فيها، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله مفتي الديار السعودية هذا العام لفت الأنظار إلى دعاء عن العز بن عبد السلام يقول: اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، قال الشيخ: لا يجوز أن نقول: ويذل، وإنما ينبغي أن نقول: ويهدى فيه أهل معصيتك، فيكون الدعاء: اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك.
فدعاء العز بن عبد السلام: (ويذل فيه) ليس عليه دليل، والصواب: أن يقال: ويهدى.
فهناك بعض الأمور التي نراها، وليس عليها دليل من كتاب أو سنة.
(2/19)
________________________________________
حكم صلاة الرجل بأهله قيام الليل

السؤال
ما حكم صلاة الرجل بأهله قيام الليل؟

الجواب
لا بأس أن تصلي بأهلك قيام الليل.
(2/20)
________________________________________
حكم رفع اليدين والتأمين في دعاء قنوت الوتر

السؤال
هل يجوز رفع اليدين والتأمين في دعاء قنوت الوتر؟

الجواب
نعم.
يجوز رفع اليدين والتأمين جهراً.
(2/21)
________________________________________
حكم الاغتسال بعد الفجر من الجنابة

السؤال
لماذا اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفجر من جنابة؟

الجواب
الرسول عليه الصلاة والسلام اغتسل بعد الفجر من جنابة ليبين أن الصائم إذا أصبح جنباً فإنه يغتسل ويصوم، فإن لم يغتسل بعد الفجر فقد ضيع صلاة الفجر، ففي البخاري: (أنه صف الصفوف للصلاة وقال: استووا تراصوا.
فتذكر أنه جنب فتركهم ودخل واغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماءً) ولم يأمر المؤذن بإعادة الإقامة.
قال ابن حجر في الفتح: وفي الحديث جواز الفصل بين الإقامة والصلاة.
(2/22)
________________________________________
حكم من استيقظ قبل شروق الشمس وهو جنب ولم يصل صلاة الفجر

السؤال
لو أن رجلاً استيقظ من نومه قبل شروق الشمس بقليل وهو جنب.
ماذا يصنع؟ هل يغتسل أم يصلي متيمماً وهو جنب؟

الجواب
يغتسل؛ لأن النوم عذر.
قال في العدة: والانشغال بشروطها دخول فيها، فمن انشغل بالوضوء للصلاة فبمجرد أن انشغل بشروط من شروطها دخل فيها.
(2/23)
________________________________________
حكم تأخير المرأة والرجل لصلاة العشاء

السؤال
هل يجوز للمرأة والرجل تأخير صلاة العشاء إلى منتصف الليل؟

الجواب
المرأة تصلي العشاء في وقته: (أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها)، إلا إذا رأى الإمام أن يؤخر العشاء لعلة، كأن يجتمع الناس، فهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام، أما بالنسبة للمرأة فإن غلب على ظنها أنها ستصلي قبل الساعة الثانية عشرة فلا بأس أن تؤخر إلى الساعة العاشرة؛ لأنها غير مرتبطة بجماعة المسجد، فكلما أخرت كان أفضل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا ميعادها لولا أن أشق على أمتي).
(2/24)
________________________________________
العدة شرح العمدة [3]
من الرخص الشرعية لهذه الأمة -ومن خصائصها- التيمم في حال عدم وجود الماء وفي حال عجز الإنسان عن استخدامه، وصفته أن يضرب الإنسان بيديه على الصعيد ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه، وما ينتقض به الوضوء ينتقض به التيمم وزيادة على ذلك وجود الماء والقدرة على استعماله.
(3/1)
________________________________________
باب التيمم
إن من رحمة الله بهذه الأمة أن رخص لنا في حال عدم وجود الماء أن نتيمم، وهذا مما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي)، يعني: لم يعطها أحد قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الأشياء قال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل)، يعني: في أي مكان يمكنك أن تصلي، أما أهل الكتاب فلا يجوز لهم أن يؤدوا الصلاة إلا في الكنائس والمعابد.
قال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، يعني: ترابها طهور، واحذر أن تقول: (طاهر)، وفرق بين الطاهر والطهور، فالطاهر: طاهر في نفسه لكنه غير مطهر لغيره، والطهور: طاهر في نفسه ومطهر لغيره؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (طهوراً)، أي: أن تراب الأرض طاهر في نفسه مطهر لغيره.
(3/2)
________________________________________
صفة التيمم
صفة التيمم: أن يضرب بيديه على الصعيد الطيب ضربة واحدة فيمسح بهما وجهه وكفيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمار: (إنما كان يكفيك هكذا وضرب بيديه الأرض)، وفي الشرح قال: وصفته.
وأخذ يشرح صفة التيمم.
وحديث عمار هو عمدة في هذا الموضوع، فقد كان عمار بن ياسر مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سفر فأجنبا -أي: أصابتهما جنابة- أما عمار فتمرغ في الأرض كما تتمرغ الدابة؛ لأنه ظن أن التيمم معناه: أن يعمم الجسد بالتراب.
وصلى بعدها، وأما عمر فكف عن الصلاة، فلما وصل الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عمار: (إنما كان يكفيك هكذا)، أي: أن التيمم هكذا.
قال: (وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه) متفق عليه، وهذا الحديث عمدة وحجة على كل المذاهب، إذ إن الشافعي رحمه الله يرى أن التيمم ينبغي أن يكون لليد كاملة من الرسغ إلى الكف؛ لأنه حمل المطلق على المقيد، وهذا كلام مرجوح؛ لأن الثابت أن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب الأرض بيديه هكذا ثم مسح وجهه وكفيه مسحة واحدة، وهذا يكون في الطهارة الصغرى في الوضوء وأيضاً للجنابة.
وقال القاضي: المسنون ضربتان يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين، وهذا هو مذهب الشافعي، لكننا قلنا: الراجح أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة في القضية.
(3/3)
________________________________________
شروط التيمم
شروطه أربعة:
(3/4)
________________________________________
العجز عن استعمال الماء
أولاً: العجز عن استعمال الماء إما لعدمه، أو لخوف الضرر من استعماله لمرض أو برد شديد؛ أو لخوف العطش على نفسه أو رفيقه أو بهيمته؛ أو خوف على نفسه بطلبه؛ أو تعذر إلا بثمن كثير.
فإن أمكنه استعماله في بعض بدنه أو وجد ماء لا يكفيه لطهارته استعمله وتيمم للباقي.
والعاجز عن استعمال الماء معناه: أنه فقد الماء، والله يقول: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6]، وسبب التيمم جاء في قصة عائشة رضي الله عنها لما كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ونامت، وكانت قد أخذت عقداً من أختها استعارة -عارية مستردة- وسقط العقد منها، فلما قامت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن العقد قد سقط منها، فانشغل الصحابة بالبحث عنه حتى انعدم الماء، فلما انعدم الماء عاتب الصحابة عائشة، وعنفها أبو بكر تعنيفاً شديداً، فنزلت آية التيمم على النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السفرة.
يقول أسيد بن حضير ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر! يعني: ليست هذه أول بركة لكم، بسبب ضياع عقد عائشة نزلت آية التيمم.
ففي حالة إذا انعدم الماء فينبغي للمسلم أن يتيمم، فإن لم تجد ماء في العزيز ومكان آخر موجود فيه فإن الماء معدوم والعدم معناه: أنك تبحث في البقعة المحيطة بدون مشقة ولا تجد الماء مع عدم السفر إلى مكان جديد.
قال: أو لخوف ضرر من استعماله.
والمقصود: حد البحث في العرف إنما، مثال ذلك: في الزيتون فقد الماء، والماء موجود في الهرم، فهل يذهب إلى الهرم ويتوضأ ويعود؟! هذا ليس ممكناً، فقد الماء يكون في البقعة التي لا تكلفه مشقة أو سفر.
يقول في الشرح: [وله شروط أربعة: العجز عن استعمال الماء إما لعدمه؛ لقوله سبحانه: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء:43]، أو لخوف الضرر من استعماله لمرض أو برد شديد أو جرح؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء:43]؛ ولحديث عمرو بن العاص].
فالخوف من الضرر من استعمال الماء أو البرد الشديد كعدم وجوده.
وفي الحديث: أن عمرو بن العاص احتلم، وعندما استيقظ وجد الجو بارداً؛ فتذكر رضي الله عنه قول الله عز وجل: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، فتيمم ولم يغتسل مع وجود الماء، وصلى بأصحابه وهو متيمم وهم على وضوء، فلما علموا بعد الصلاة أنه فعل ذلك أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأخبره عمرو أنه تذكر قول الله عز وجل: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء:29]، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على فعله.
فإن قيل: هل يجوز للمتيمم أن يؤم متوضئاً؟

الجواب
نعم.
يجوز، فإن عمراً كان متيمماً، وأمّ الصحابة وهم على وضوء، وفي هذا حجة؛ لأن الحديث صحيح.
ثانياً: الخوف على نفسه من ضرر استخدام الماء، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم يأمره بالإعادة.
رواه أبو داود.
قال: [أو لخوف العطش على نفسه] وهذا كله في المسألة الأولى وهي انعدام الماء حكاه ابن المنذر إجماعاً، كرجل في صحراء ومعه ماء يكفي للوضوء ويكفي لشربه: هل يتوضأ به ولا يشرب؛ أم يتركه لشربه ويتيمم؟

الجواب
يتركه لشربه ويتيمم؛ لأنه يخاف العطش على نفسه.
قال: [أو لخوفه على رفيقه أو بهيمته]، الله أكبر! انظر إلى رحمة الإسلام، فلو كان معك بهيمة وتخاف عليها من العطش فإنك تتيمم وتترك الماء لها، والشواذ يقولون: الإسلام دين الإرهاب، وهل دين الإرهاب يجعل للبهيمة حقاً في الماء؟! تتيمم وتترك الماء لهذه البهيمة؛ لأنها من خلق الله سبحانه.
قال: [أو لخوف العطش على نفسه أو رفيقه -صديقه- أو بهيمته، أو خوف على نفسه أو ماله بطلبه].
بمعنى: أنه يوجد ماء في آخر هذا الشارع، ولكنك إن وصلت إليه فهناك عدو يتربص بك، أو ماء في بئر أمامك ولكنك لا تملك أن تنزل إليه، وإن نزلت لن تخرج، إذاً: هناك خوف من استخدام الماء إما لوجود عدو أو لتعذر استخدامه؛ فجاز له التيمم؛ لقوله عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار).
قال: [أو تعذر إلا بثمن كثير يزيد على ثمن المثل، أو لمن يعجز عن أدائه كذلك].
الماء موجود لكنه يباع وأنت لا تملك الثمن، أو تملك الثمن لكن يباع بأكثر من ثمن المثل، فهذا فيه مشقة؛ لأنه يبيع الماء بأكثر من ثمن المثل، فإن باعه بثمن المثل وأنت قادر عليه يجوز لك أن تستخدمه.
(3/5)
________________________________________
أحكام تتعلق بالتيمم عند العجز عن استعمال الماء
فإن أمكنه استعماله في بعض بدنه ولم يمكن في بعضه -كالمجروح- استعمله وتيمم للباقي؛ لأنه خائف على نفسه ويشبه المريض.
بمعنى: إن أمكن استعمال الماء ومعه ماء يكفي لغسل بعض أعضاء الوضوء ولا يكفي للآخر، هل يترك هذا الماء أم يستخدم ما يمكن أن يستخدم ثم يتيمم للباقي؟

الجواب
يستخدم الماء حتى ينتهي ثم يكمل بالتيمم؛ لأن ذلك ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا معناه: أن تحصّل من الواجبات ما تستطيع.
كحال بعض إخواننا في الصلاة ربما يكون عاجزاً عن القيام في الصلاة أثناء القراءة، يعني: لا يستطيع أن يقوم خلف الإمام فله أن يصلي جالساً، لكنه في حال ركوع الإمام ينبغي له أن يقوم ويركع وهو قائم لا كما يفعل البعض يركع وهو جالس، طالما يستطيع أن يركع وهو قائم فلا بد أن يحصل هذا الركن، يعني: يجلس عند القراءة، فإذا قال الإمام: الله أكبر عليه أن يقوم ثم يركع مع الإمام؛ لأنه قادر على الركوع، وهو عاجز عن القيام فقط خلفه في القراءة، إذاً: تحصل من الواجبات ما تستطيع، كما قال ربنا سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي شج رأسه أنه كان يجزئه أن يربط عليه خرقة ثم يمسح على هذا المربوط ويغسل الجزء الباقي.
يعني: رجل أصابته جنابة ثم شج في رأسه، فإن مكان الإصابة في الرأس، فهل يتيمم لكل جسده؛ أم يغتسل لسائر جسده ويمسح على الجزء؟ يغتسل لسائر الجسد ويمسح على الجزء، إذاً: يحصّل من الواجبات ما يستطيع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن وجد ماءً لا يكفي لزمه استعماله وتيمم للباقي]؛ لقوله عليه السلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، هذا إن كان جنباً، وإن كان محدثاً فعلى وجهين: أحدهما: يلزمه استعماله كالجنب، والثاني: لا يلزمه، وهذا مبني على وجوب الموالاة، وفيها روايتان: إن قلنا بوجوبها لم يلزمه استعماله؛ لأنه لا يفيد، وإن قلنا: إنها غير واجبة لزمه؛ لأنها تفيد رفع الحدث عن بعض بدنه، وأما الجنابة فليس فيها موالاة؛ لأن الأصل عدم الموالاة في الطهارتين؛ ولأن الله أمر بالغسل فيهما، وإنما وجبت في الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي رأى في قدمه لمعة لم يصبها الماء بإعادة الوضوء والصلاة؛ فبقي غسل الجنابة على الأصل.
في مسألة الجنابة وجد جزءاً من الماء لا يكفي لغسل بقية البدن، يكفي لغسل الشق الأيمن ولا يكفي لغسل الشق الأيسر، فهل يغسل الشق الأيمن ويتيمم للباقي؟ أم يجزئه التيمم في هذه الحالة كاملةً؟

الجواب
الموالاة معناها: الترتيب والتتابع في غسل الأعضاء، ولا يترك فترة زمنية بين عضو وعضو، هنا يقول: من قال بوجوب الموالاة قال: يترك الماء كلياً ويتيمم؛ لأن الموالاة شرط، ومن قال بعدم وجوب الموالاة قال: يستخدم الماء بالقدر الكافي ثم يتيمم للباقي.
(3/6)
________________________________________
دخول الوقت
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثانياً: دخول الوقت.
فلا يتيمم لفريضة قبل وقتها، ولا لنافلة في وقت النهي عنها].
فلا يجوز التيمم لفرض قبل دخول وقته، بمعنى: لا يجوز أن تتيمم للظهر إلا بعد دخول وقت الظهر؛ لأنك إن تيممت قبل وقته ربما جاء الماء في وقته فبطل التيمم في هذه الحالة.
لكن من تيمم للظهر وظل الماء مفقوداً حتى جاء العصر.
هل يلزمه إعادة التيمم، أم يكفيه التيمم الأول؟

الجواب
هناك خلاف شديد بين العلماء في كون التيمم رافعاً للحدث، أم هو بديل مؤقت عن الوضوء؟ فمن قال: إن التيمم رافع للحدث قال: يجوز له أن يصلي العصر بتيمم الظهر وهذا هو الراجح، خلافاً لمذهب الحنابلة، إذ إن الحنابلة يقولون: لا بد أن يعيد التيمم؛ لأن التيمم ليس رافعاً للحدث، فقالوا: إن تيمم للظهر، ثم أذن العصر عليه أن يطلب الماء، فإن لم يجد الماء أعاد التيمم رغم أنه لم يحدث، وقلنا: هذا الرأي مرجوح وإنما يكفيه التيمم؛ لأن التيمم رافع للحدث وبديل تام عن الوضوء.
لذلك قال هنا: فلا يجوز التيمم لفرض قبل دخول وقته، ولا لنافلة في وقت النهي عنها؛ لأنه قبل الوقت مستغنٍ عن التيمم فلم يجز تيممه كما لو تيمم عند وجود الماء، وإنما جار التيمم لحاجة الصلاة، وقبل الوقت هو غير محتاج إلى الصلاة، وكذلك وقت النهي.
(3/7)
________________________________________
مسائل تتعلق بالتيمم
مسألة: رجل تيمم لصلاة نافلة -كصلاة الضحى مثلاً- ثم أذن الظهر ولم ينتقض تيممه، فهل يلزمه أن يتيمم للفرض أم لا؟

الجواب
عند الحنابلة يلزمه، وعند الجمهور لا يلزمه.
وهناك تعليق للشيخ ابن عثيمين في الحديث الصحيح الذي فيه: أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقدا الماء فصليا بالتيمم، فالأول لما جاء الماء لم يتوضأ ولم يعد، والثاني: توضأ وأعاد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للأول: (أصبت السنة)، وقال للآخر: (لك الأجر مرتين)، يقول ابن عثيمين رحمه الله: قول النبي صلى الله عليه وسلم للأول: (أصبت السنة)، أي: ينبغي عليك وعلي أن نلزم السنة؛ لأنه بين أنه أصاب السنة، وهذا من رحمته عليه الصلاة والسلام.
مسألة: طيب رجل تيمم لقراءة القرآن، ثم جاء وقت الظهر وهو متيمم، فهل عليه أن يتيمم للظهر مرة أخرى أم يجزئه تيممه لقراءة القرآن؟

الجواب
من قال: إن التيمم رافع للحدث يجزئ عنده، وهذا هو الرأي الراجح.
مسألة: رجل يصلي وبينما هو يصلي جاء الماء في الركعة الثانية هل يخرج للوضوء أم يكمل الصلاة بالتيمم؟ الجواب: يقول الشيخ ابن عثيمين: يخرج من الصلاة؛ لأن الماء وجد وإذا وجد الماء بطل التيمم، والبعض يقول: لا يخرج؛ لأن أول دخوله كان متيمماً تيمماً رافعاً للحدث، وجد الماء بعد دخوله في الصلاة فلا يلزمه أن يخرج، والراجح: بأنه يخرج.
مسألة: رجل فقد الماء فتيمم وصلى، ثم وجد الماء قبل أن يخرج الوقت.
هل يتوضأ ويصلي مرة أخرى، أم يكفيه الصلاة الأولى؟ الجواب: ثبت في الصحيح أن صحابيين فقدا الماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء قبل أن يخرج الوقت، فالأول توضأ وأعاد، والآخر لم يتوضأ ولم يعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي لم يعد: (أصبت السنة)، وهذا هو الأصل.
(3/8)
________________________________________
النية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثالثاً: النية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، فإن تيمم لنافلة لم يصل فرضاً.
هذا قول الحنابلة: إن تيمم لنافلة لم يصل بها؛ وذلك لأن التيمم عند الحنابلة غير رافع للحدث، كأن يكون تيمم للضحى وجاء الظهر فهل يجوز أن يصلي الظهر بتيمم الضحى؟ الجواب عند الحنابلة: لا.
قال: فإن تيمم لنافلة لم يصل بها فرضاً؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث.
وهذا كلام مرجوح.
قال: فلا يباح الفرض حتى ينويه؛ لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات)، وإن تيمم لفريضة فله فعلها؛ لأنه نواها، وله فعل ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقتها؛ لأنها طهارة أباحت فرضاً فأباحت سائر ما ذكرناه.
أي: يصلي الظهر وسنة الظهر، أما العصر فلا، لا بد أن يعيد الوضوء عند الحنابلة.
(3/9)
________________________________________
التراب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: رابعاً: التراب.
فلا يتيمم إلا بتراب طاهر؛ لأن الله سبحانه قال: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43].
قال ابن عباس: الصعيد: تراب الحر، والطيب: الطاهر، ويشترط أن يكون له غبار؛ لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6]، ومن للتبعيض، وما لا غبار له لا يمسح شيء منه.
التراب الطاهر له غبار، وإني لأتعجب من بعض الناس يتيمم على عمود خرسانة أو لحاف، بل رأيت مريضاً في المستشفى يتيمم على البطانية، وهذا مخالف لقوله سبحانه: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].
إذاً: الذي ينبغي أن يتمم به ما له غبار، قال تعالى: {صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6]، فالرمال والجبال الذي لها غبار يتيمم بها.
(3/10)
________________________________________
مبطلات التيمم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويبطل التيمم ما يبطل طهارة الماء؛ لأنه بدل عنه.
يعني: إذا تيمم ثم أحدث بطل التيمم، فكل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم.
قال: ويبطل بخروج الوقت؛ لأنه طهارة ضرورة، فتقدر بقدر الضرورة، وقدر الضرورة: الوقت، فتقيد به؛ لأنه وقت الحاجة.
وهذا قول الحنابلة: أن التيمم يبطل بخروج الوقت، كأن أتيمم للظهر، فإن خرج وقت الظهر بطل التيمم، وعلي أن أتيمم مرة أخرى، وهذه كلها نتائج مترتبة على أنهم لم يجعلوا التيمم رافعاً للحدث.
قال: ويبطل بالقدرة على استعمال الماء، لقوله عليه السلام: (التراب كافيك ما لم تجد الماء، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك)، وتبطل طهارته وإن كان في الصلاة؛ لأنه لو كان خارج الصلاة لبطلت فكذلك في الصلاة.
وهذا قول الحنابلة أيضاً.
(3/11)
________________________________________
معنى التيمم لغة واصطلاحاً
حينما نقول: لغةً نعود إلى كتب اللغة كلسان العرب والمعجم الوسيط ومختار الصحاح والقاموس المحيط وتاج العروس وكتب أخرى متعددة في البحث عن المعنى اللغوي.
وحينما نقول: اصطلاحاً يعني: في الشرع.
ننظر إلى أقوال العلماء في التيمم.
يقول تعالى في سورة البقرة: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267]، والمفسرون يقولون في قوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} [البقرة:267] أي: لا تقصدوا، فالتيمم هنا بمعنى: القصد.
وللإمام الشافعي رأي في صفة التيمم يختلف عن رأي الجمهور، فهو يرى أن التيمم لا بد أن يكون للمرفق؛ لأنه حمل المطلق في آية التيمم على المقيد في آية الوضوء، والخلاف في الأصول ليس في الفروع، ففي آية الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]، وفي آية التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6]، فاليد في آية التيمم مطلقة، وفي آية الوضوء مقيدة، فـ الشافعي حمل المطلق في آية التيمم على المقيد في آية الوضوء.
فهل يجوز حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة؟ ومتى يجوز حمل المطلق على المقيد؟ هذه مسألة مهمة لابد أن نبحث عنها.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
آمين آمين آمين.
(3/12)
________________________________________
الأسئلة
(3/13)
________________________________________
حكم مباشرة الرجل لامرأته في الدبر

السؤال
امرأة تريد أن تفارق زوجها؛ لأنها ارتدت النقاب، وتريد أن تتعلم الشرع، وهو لا يعينها على ذلك، ومعها ولد وبنت، وطلبت منه الطلاق عدة مرات وهو يرفض، ومع ذلك يعاشرها معاشرة غير شرعية، إذ يأتيها في الدبر بإلحاح، فماذا تفعل معه، فهي لا تريد أن تخلع النقاب، بل تريد أن ترضي الله؟

الجواب
بما أنه يصر على المجامعة بهذه الطريقة فهو رجل عنده شذوذ جنسي، فأقول لكِ: ارفعي الأمر إلى القضاء في جلسة واحدة، وإن أطال القضاء معك اخلعي نفسك منه، والخلع -والحمد لله- موجود، فاخلعي نفسك في الحال ولا تمكثي تحت هذا الرجل الشاذ.
(3/14)
________________________________________
العدة شرح العمدة [4]
الحيض أحد العوارض التي تمنع المرأة من أداء بعض العبادات الواجبة عليها مثل: الصلاة والصيام ومس القرآن والطواف بالبيت واللبث في المسجد، وغيرها من الأحكام.
(4/1)
________________________________________
التيمم مبيح للصلاة رافع للحدث
مسألة: هل التيمم مبيح لما تجب له الطهارة أم رافع للحدث؟ في هذا نزاع، وإن قلنا: رافع للحدث، سيترتب على ذلك أمور، وإن قلنا: مبيح لما تجب له الطهارة، سيترتب على ذلك أمور أيضاً.
والحنابلة قالوا: إنه مبيح لما تجب له الطهارة، والمقصود: أنه لو تيمم مسلم لصلاة الظهر ثم جاء وقت العصر ولا يزال على تيممه فإنهم يلزمونه أن يعيد التيمم، وهذا مرجوح؛ لأن الراجح في التيمم أنه رافع للحدث وليس مبيحاً لما تجب له الطهارة.
مثال ذلك: تيمم لسنة صلاة الظهر فهل يجوز له أن يمس المصحف بهذا التيمم؟ القول الراجح عند الحنابلة: أنه إن تيمم لعبادة فلا يجوز أن يفعل ما فوقها، أما ما دونها فيجوز، وما فوق النافلة هو الفرض، أما مس المصحف فهو أدنى، والعلماء اختلفوا في مس المصحف بوضوء أو غير وضوء، والنافلة ما اختلف أحد فيها، فمسه للمصحف يجوز في هذه الحالة عند هؤلاء وعند هؤلاء.
ونحن نقول: الرأي الراجح: أنه إذا تيمم للظهر والعلة لا زالت قائمة وهي: عدم وجود الماء، فإنه يصلي بهذا التيمم ما شاء، فلو تيمم لسنة الظهر فإنه يصلي بها فرض الظهر، ويصلي بها العصر، ويصلي بها المغرب، ويصلي بها العشاء طالما لا تزال العلة قائمة، ويصلي بها ما نسي من الصلوات، ويقضي بها النوافل؛ لأن التيمم بديل تام عن الوضوء، ورافع للحدث عند عدم وجود الماء.
(4/2)
________________________________________
باب الحيض
(4/3)
________________________________________
ما يمنع منه الحيض
ننتقل إلى باب الحيض: الحيض عند الحنابلة يمنع عشرة أشياء: 1 - فعل الصلاة.
2 - وجوب الصلاة ومعنى هذا: أن الصلاة ترفع عن الحائض، ويرفع عنها القضاء.
3 - فعل الصيام، أما وجوب الصيام فلا يرفع؛ لأنها مأمورة بقضاء الصيام بعد انتهاء الحيض، فوجوب الصيام لم يرفع، والدليل في صحيح البخاري في كتاب الحيض، يقول البخاري: باب تقضي الحائض الصيام؛ لأن البخاري فقيه ومحدث، وفقهه يظهر من الترجمة، يقول: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في فطر أو أضحى، يعني: في عيد فطر أو عيد أضحى، والشك من الراوي، فبعد أن وعظ الرجال -أي: خطب الرجال- ذهب إلى النساء! وقال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الصدقة فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: يا رسول الله! ما بالنا أكثر أهل النار؟ قال: تكفرن -فقلن: نكفر بالله؟ - قال: لا.
بل تكفرن العشير، وتكثرن اللعن، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان عقلها ودينها يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل؟ - قلن: بلى- قال: أليس إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي؟).
فهذا معناه أن الصلاة والصيام ترفع عن الحائض في حال حيضها.
لذلك قال هنا: ويمنع الحيض عشرة أشياء: 1 - فعل الصلاة.
2 - وجوبها.
3 - فعل الصيام.
4 - والطواف.
5 - وقراءة القرآن.
6 - ومس المصحف.
7 - واللبث في المسجد.
8 - والوطء في الفرج -جماع-.
9 - وسنة الطلاق.
10 - والاعتداد بالأشهر.
ونأتي الآن إلى تفصيل العشرة وقد بينا الصلاة والصيام، وأما قوله: الطواف بالبيت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير)، ويمكن أن يقول قائل: إن هذا الحديث غير واضح في الدلالة، خذ الواضح: في البخاري في كتاب الحيض في الطواف: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم على السيدة عائشة في ذي الحليفة في حجة الوداع فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة أنفست؟)، انظروا إخواني إلى حرص عائشة رضي الله عنها على الطاعة، فهي تبكي حزناً على فوات الطاعة.
فقالت رضي الله عنها: يرجع صويحباتي بحج وعمرة وأنا أرجع بحج -لأن الحيض سيمنعها من أداء حجة متمتعة- فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم منها ذلك قال لها: (افعلي كما يفعل الحاج إلا أن لا تطوفي بالبيت)، فلا يجوز للحائض أن تطوف، ولذلك بعد أنهت مناسك الحج ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن أن يردفها خلفه إلى التنعيم لتحرم بالعمرة بعد أن طهرت، والتنعيم عمرة التنعيم للأعذار للحيض ونحن جعلناها الآن كلما سافر أحد منا ذهب إلى التنعيم، والسؤال كما قال شيخ الإسلام، عبد الرحمن صحابي أم لا؟ الصحابة يحرصون على الطاعة أم يضيعون الطاعات؟ لم لم يحرم مع أخته؛ لأنه ليس من أهل الأعذار؛ ولأنه ليس له عمرة لأن هذا الميقات ليس هو الخاص به، ونحن إذا سافرنا نقول: عملت عشر عمرات، رايح جاي الله أكبر! يا عبد الله! العمرة بسفرة من ميقاتك أنت، فلبي في الميقات عمرة عن أبي عمرة، عن أمي عمرة واحدة، أما أن تذهب إلى مكة تعتمر لنفسك ثم تخرج إلى التنعيم ويعتمر لأبيك ثم لأمك ثم لجدك ثم لخالتك، عمرات متتابعة، يقول شيخ الإسلام في الفتاوى: وهذا ليس عليه عمل السلف وما أثر عنهم أنهم كانوا يقومون بهذا.
ثم قال: قراءة القرآن: وهذا قول مرجوح، فقد فرق شيخ الإسلام بين الجنب والحائض في قراءة القرآن، وما ورد من نصوص في عدم جواز قراءة القرآن للحائض ضعيف، ولذلك قال: وقراءة القرآن، في الشرح، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)، رواه أبو داود وهو منكر، يعني: أنهم استدلوا بحديث منكر، ولذلك فهذا المذهب مرجوح، بل يجوز للحائض أن تقرأ دون أن تمس المصحف؛ لأن الحيض ليس بيدها، أما الجنب فبيده أن يرفع الجنابة، أما الحائض فربما يمتد مدة الحيض إلى خمسة عشر يوماً، فهل يجوز لنا أن نحرم المرأة من قراءة القرآن طوال هذه المدة؟ فيجوز لها أن تقرأ القرآن من ذاكرتها، أو تقرأ من كتاب غير المصحف.
وهذا من اختيارات شيخ الإسلام رحمه الله تعالى التي خالف فيها المذاهب: أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن وهذا هو الراجح.
ثم قال: ومس المصحف، ومس المصحف لا يجوز للحائض؛ لقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79]، وهذا الاستدلال في غير محله، مع أن مس المصحف لا يجوز، لكن هذا الدليل لا يصلح؛ لأن معنى لا يمسه إلا المطهرون المقصود بهم: الملائكة، إنما مس المصحف هناك أحاديث ضعيفة في النهي عن مس المصحف لكنها تتظافر وترتقي إلى مرتبة الحسن، وعند كثير من العلماء: أن مس المصحف للح
(4/4)
________________________________________
الأسئلة
(4/5)
________________________________________
حكم مس المصحف للحائض

السؤال
هل يجوز للحائض أن تمس المصحف بالقفّاز؛ لأنه حائل؟

الجواب
لا، لا يجوز، لكن يجوز أن تقرأ القرآن من كتاب تفسير؛ لأنه ليس مصحفاً، أو من حائل خشبي، يعني دون أن تمس المصحف.
(4/6)
________________________________________
العدة شرح العمدة [5]
الحيض مما كتبه الله على بنات آدم، وهو يمنع من الصلاة والصيام والمكث في المسجد ومس المصحف والطواف والمباشرة للزوج، كما أن الحيض له أحكام أخرى تتعلق به كالطلاق والمباشرة والاغتسال وغيرها.
(5/1)
________________________________________
موانع الحيض
قال المصنف رحمه الله: [باب الحيض ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة] فالحائض لا تصلي.
[وجوبها] يعني: لا تصلي ولا تقضي.
وكذلك رفع عنها الصيام ولكن لم يرفع عنها القضاء، فالصيام واجب على الحائض بعد أن تتطهر، لذلك أشار المصنف إلى فعل الصلاة ووجوب الصلاة وفعل الصيام، أما وجوب الصيام فلم يسقط، (كنا نؤمر بقضاء الصيام، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ونحن حيض).
وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (ريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء يكفرن، قلنا: يا رسول الله يكفرن بالله؟ قال: لا.
بل يكفرن العشير والإحسان، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم منكن، ثم سئل، فقال: أما نقصان العقل فشهادة المرأة نصف شهادة الرجل، وأما نقصان الدين فترفع عنها الصلاة وهي حائض ولا تؤمر بقضائها).
ويمنع الحيض عن المرأة: الطواف بالبيت، وقراءة القرآن وفيه خلاف، ومس المصحف وفيه خلاف، والمكث في المسجد وفيه خلاف، والجماع في الفرج وليس فيه خلاف، فالحيض يمنع على الرجل أن يجامع امرأته، ولا يجوز بحال من الأحوال، وسنة الطلاق فمن طلق امرأته وهي حائض فقد خالف السنة وتعدى في الحد، يقول تعالى: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، ومعنى لعدتهن: أي: من طهر لم يجامعها فيه، فلا يطلقها وهي حائض، أو في طهر جامعها فيه، فهذا طلاق بدعي، وبين العلماء خلاف في وقوعه وعدم وقوعه.
ويمنع الحيض عن المرأة الاعتداد بالأشهر، فالمرأة الحائض تعتد بالحيض.
والحيض يوجب الغسل، أي: أن الحيض من موجبات الغسل، ورب العالمين يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222]، والعزلة هنا عزلة جسدية وليست عزلة قلبية، والعزلة ثلاثة أنواع: عزلة جسدية، وعزلة قلبية، وعزلة جسدية قلبية، وإبراهيم عليه السلام اعتزل قومه بقلبه وجسده: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [مريم:48]، وكذلك أصحاب الكهف: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [الكهف:16]، اعتزلوا القوم بأجسادهم وبقلوبهم، أما عزلة الرجل للمرأة في المحيض فهي عزلة جسدية، قال تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222]، يعني: حتى يغتسلن.
إذاً: الحيض يوجب الغسل، وهو من علامات البلوغ، فإذا حاضت المرأة فقد بلغت، وعلامات بلوغ المرأة أربعة: أن ينبت شعر العانة، أو تحتلم، أو تحيض، أو تبلغ خمس عشرة سنة.
وقد تحيض المرأة لتسع سنين، فإن حاضت لتسع فقد بلغت، لأن أي علامة من هذه العلامات الأربع فهي علامة من علامات بلوغ المرأة.
وعلى هذا فعدة المرأة تكون بالحيض؛ لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228]، وأما المرأة التي لم تحض أو اليائسة من المحيض فعدتها ثلاثة أشهر، قال تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق:4]، إذاً فالمرأة التي يئست من المحيض عدتها ثلاثة أشهر، وكذلك التي لم تبلغ سن المحيض عدتها ثلاثة أشهر، أما التي تحيض فعدتها ثلاثة قروء.
إذاً: فالحيض يمنع عشرة أشياء، ويوجب ثلاثة أشياء: يوجب الغسل، ويوجب البلوغ، ويوجب الاعتداد به.
ثم قال: فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصوم، يعني: انقطع دم المرأة ولم تغتسل فيجوز لها الصيام، ولا يشترط في الصيام أن تغتسل، وإنما يشترط في الصيام انقطاع الدم، فإذا انقطع الدم قبل الفجر بدقيقة فيجوز لها أن تصوم حتى وإن اغتسلت بعد الفجر، لكن الصلاة لا بد أن تغتسل لها، وهناك فرق بين الصلاة والصيام.
فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصوم والطلاق بمعنى: يجوز أن يطلقها أيضاً بانقطاع الدم، وليس شرطاً أن تغتسل، ولم يبح سائرها حتى تغتسل.
ويجوز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء غير النكاح)، بمعنى: يجوز للزوج أن يستمتع من زوجته وهي حائض إلا أنه يحظر عليه أن يجامعها، أما ما دون الجماع فهو جائز.
قال: وأقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً.
قال في الشرح: وأقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، قال الشافعي رحمة الله: رأيت جدة في مصر عمرها 21 سنة؛ لأنها حاضت لتسع، ثم تزوجت بعد تسع وأنجبت بنتاً، وحاضت هذه البنت أيضاً لتسع ثم تزوجت وأنجبت فأصبحت الأم جدة.
قال: وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً وليس لأكثره حد، وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين وأكثره ستون، والمبتدئة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله
(5/2)
________________________________________
الأسئلة
(5/3)
________________________________________
حكم صلاة من به سلس بول أو نحوه

السؤال
أحياناً أتوضأ للصلاة، فإذا كنت في الصلاة أشعر بنزول مذي، فما العمل؟

الجواب
لا بد أن تعلم أن المذي ناقض من نواقض الوضوء، فإذا كنت مريضاً فأنت من أهل الأعذار وحكمك كحكم المستحاضة، تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها وتتحفظ.
(5/4)
________________________________________
الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة

السؤال
أفيدونا عن الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة؟ وهل صيام هذه الأيام من السنة وجزاكم الله خيراً؟

الجواب
نعم.
قال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيها من هذه الأيام العشر)، والعمل الصالح كلمة عامة تشمل الصيام والصلاة وقراءة القرآن، وقد حدثنا الشيخ الألباني في مسند الإمام أحمد أثراً بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الأيام التسع، وأياً كان حال هذا الأثر، فإن عندنا في البخاري: (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيها من هذه العشر)، ومن العمل الصالح: الصيام، فلا يجوز أن تقول: صيام التسعة بدعة؛ لأن هذه الأيام العمل الصالح محبب فيها إلى الله عز وجل، فصمها ولا حرج.
(5/5)
________________________________________
حكم الأخذ من اللحية

السؤال
هل يجوز الأخذ من اللحية؟ مداخلة: لا يجوز.
(5/6)
________________________________________
المكان الذي تؤخذ منه حصى الجمرات

السؤال
استكمالاً لدروس الحج الرجاء الإفادة عن رمي الجمرات، هل يجوز جمعها من المزدلفة أم لابد من منى؟ وهل يجوز استخدام الحصيات المستخدمة ولكم جزيل الشكر؟

الجواب
جمرة العقبة يوم العيد يجمع لها من المزدلفة هذا هو السنة، وأيام منى تجمع من منى، ولا يجوز أن تستخدم الحصى المستخدمة، فإن أخذت من الحوض فهذا لا يجوز.
(5/7)
________________________________________
حكم قول: صدق الله العظيم عند الفراغ من القراءة

السؤال
ما حكم قول صدق الله العظيم بعد الفراغ من القرآن، وهل هو بدعة؟

الجواب
قال الدكتور بكر أبو زيد في كتابه بدع القراء: إن الالتزام بصدق الله العظيم بعد قراءة القرآن بدعة.
والشيخ ابن عثيمين في شرح الممتع يقول: إن قول صدق الله العظيم دائماً بعد القراءة لا يجوز، أما إن قالها القارئ أحياناً فله أصل في قوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء:122]، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء:87]، لكن المواظبة عليها بعد كل قراءة هذا هو المحظور، فإن فعلتها مرة وتركتها مرات فلا بأس، والمشكلة أنك تجعلها مرتبطة بالتلاوة فكلما قرأت قلت: صدق الله العظيم.
(5/8)
________________________________________
حكم زكاة ذهب المرأة المعد للزينة

السؤال
الذهب الذي تلبسه المرأة هل عليه زكاة؟

الجواب
اختلف العلماء فيه فذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس عليه زكاة، والأحناف: أن عليه زكاة، والراجح رأي الأحناف، وهذا ما ذهب إليه الشيخ ابن عثيمين وهو حنبلي المذهب؛ لأن النصوص العامة تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخلت عليه امرأة سألها: هل أديت زكاة ما تلبسين من حلي؟ فلما أخبرته، قال: هل تحبين أن يسوّرك الله بسوار من نار؟ ولم يقل: هذا حلي، كما لم يفرق بين الحلي وغيره.
فالرأي الراجح وجوب الزكاة على الحلي لا سيّما إن زاد على النصاب.
وهناك رأي آخر يقول: هل الذهب الذي تلبسه في يديها لا يزيد عن العادة أم يزيد، فإن زاد فعليه زكاة وإن كان غير زائد على العادة فليس عليه زكاة.
ورأي الأحناف هو الراجح في وجوب الزكاة على الحلي، فكل سنة تزن الذهب، فإن زاد عن النصاب وهو أربعة وثمانين جراماً تخرج الزكاة.
(5/9)
________________________________________
حكم أكل طعام من يتعامل بالربا

السؤال
والد زوجتي يعمل مديراً لأحد البنوك، وأضطر للأكل عنده وكذلك زوجتي وأولادي؟

الجواب
إن كان له مصدر دخل آخر فكل، وإن لم يكن فلا تأكل، والله تعالى أعلم.
(5/10)
________________________________________
حكم الأضحية في حق الغارم

السؤال
أنا من الغارمين ولا أستطيع سداد ديوني؛ لأن مبالغها كثيرة جداً وأستطيع أن أقوم بشئون حياتي ومصارفها، فهل علي أن أضحي أضحية العيد؟

الجواب
أنت من الغارمين، فليس عليك أضحية وإنما تستحق الزكاة؛ لأن الله قال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة:60]، حتى قال: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة:60]، فأنت تستحق الزكاة.
(5/11)
________________________________________
العدة شرح العمدة [6]
النفاس هو الدم الخارج عند الولادة، والمرأة النفساء لا تصلي ولا تصوم، ثم تقضي الصوم بعد ذلك، وغالب نفاس المرأة أربعون يوماً ولا حد لأقله.
(6/1)
________________________________________
باب النفاس
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، -ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! نعود إلى ما بدأناه من كتاب العدة شرح العمدة في فقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله: باب النفاس: وهو الدم الخارج بسبب الولادة، أي: أن دم النفاس يختلف عن دم الحيض، فدم النفاس له سبب، وسببه هو: الولادة، فأي دم ينزل من المرأة بعد ولادتها نسميه: دم نفاس.
كما أن الحيض قد يطلق عليه نفاس، والنفاس قد يطلق عليه حيض، كما قد يطلق على الكسوف خسوفاً، وقد يطلق على الخسوف كسوفاً، وهذه من العبارات المترادفة التي يحل بعضها بدلاً عن بعض، والدليل: في البخاري في كتاب الغسل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل على عائشة رضي الله عنها في حجة الوداع وهو في ذي الحليفة فوجدها تبكي، قال: (ما يبكيك يا عائشة أنفست؟)، أي: أحضتِ، قال البخاري في تبويبه: باب من سمى الحيض نفاساً، ثم جاء بهذا الحديث وفقه البخاري في تراجمه، والبخاري قد قسم كتابه إلى كتب، وقسم الكتب إلى أبواب، وهذا منهج التصنيف عند البخاري رحمه الله تعالى، وعدد كتب البخاري في الصحيح: سبعة وتسعون كتاباً، بدأها بكتاب: بدء الوحي، وختمها بكتاب: التوحيد، وتحت كل كتاب يأتي بأبواب، ولا ينبغي لطالب علم أن يعيش بمعزل عن البخاري، وهناك شروح كثيرة للبخاري، أجمعها وأكثرها تفصيلاً هو كتاب: فتح الباري للعلامة: ابن حجر العسقلاني المصري رحمه الله تعالى، وقيل للشوكاني صاحب نيل الأوطار وصاحب فتح القدير: ألا تشرح لنا البخاري؟ فقال: لا هجرة بعد الفتح.
وهناك عمدة القارئ للعيني، وهناك شرح صحيح البخاري لـ ابن بطال، وشرح صحيح البخاري للكرماني، وشرح صحيح البخاري للزركشي، وفتح الباري لـ ابن رجب الحنبلي، وهناك شروح عديدة لصحيح البخاري تصل إلى أكثر من خمسين شرحاً.
أقول لإخواني: البخاري يضع باباً بهذا العنوان باب: من سمى الحيض نفاساً.
قال: وهو الدم الخارج بسبب الولادة.
(6/2)
________________________________________
حكم دم النفاس
حكمه الشرعي حكم الحيض -إلا أنه يختلف عن الحيض في أحكام سنبينها- فيما يحل ويحرم، ويجب ويسقط به.
وقد تحدثنا عما يحرمه الحيض وقلنا: يمتنع على الحائض عدة أشياء: أولاً وثانياً: فعل الصلاة ووجوب الصلاة، فيمتنع عليها أن تصلي، ويمتنع عليها أن تقضي الصلاة، فتسقط عنها الصلاة ووجوب قضاء الصلاة.
ثالثاً: فعل الصيام لكن لا يسقط الوجوب؛ لأن الصيام ينبغي عليها أن تقضيه.
رابعاً: مس المصحف عند جمهور العلماء.
خامساً: الطواف بالبيت.
سادساً: المكث في المسجد.
سابعاً: سنة الطلاق.
ثامناً: الوطء في الفرج.
تاسعاً: الاعتداد بالأشهر، هذه أشياء تحرم على المرأة إذا حاضت، وما يمتنع عليها وهي حائض يمتنع عليها وهي نفساء، هذا قول المصنف، ولا خلاف عليه أن دم النفاس يأخذ نفس حكم دم الحيض.
(6/3)
________________________________________
أكثر مدة لدم النفاس
قال: وأكثره أربعون يوماً، قال: ولأن دم النفاس دم حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل، يقول العلماء: دم الحيض ينزل في حال عدم الحمل، فإذا حملت المرأة انقطع عنها الحيض، لأنه غذاء للجنين في بطن أمه، إذاً يتحول ثم ينحبس هذا الدم وينزل بعد الولادة؛ لأن دم النفاس دم حيض احتبس لأجل الحمل، فنادراً ما تجد امرأة تحيض وهي حامل، وربما يحدث هذا ولكن الغالب أن علامة الحمل أن ينقطع الحيض عن المرأة.
قال: وأكثره أربعون يوماً لما روت أم سلمة قالت: (كانت النفساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً أو أربعين ليلة)، وأجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين أن النفساء تضع الصلاة أربعين يوماً وهذا أكثره، إلا أن ترى الطهر قبل الأربعين، والمعنى: أن أكثر مدة للنفاس أربعين يوماً.
فلو أن امرأة ولدت واستمر معها الدم بعد الأربعين فينبغي لها أن تغتسل وأن تتطهر، وإن استمر الدم فإنه يأخذ حكم دم الاستحاضة، أي: أنها تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها وتصوم وتطوف وكل شيء يجوز في حقها؛ لأن الدم الذي ينزل بعد ذلك ليس دم نفاس ولا دم حيض وإنما هو دم استحاضة وبمعنى أصح (نزيف)، ولذلك فإن أكثر مدة للنفاس أربعون يوماً، فإذا انقطع الدم قبل الأربعين فعليها أن تغتسل وأن تتطهر وأن تصلي، لا كما يفهم الكثير من النساء أنه لا بد أن تبقى إلى الأربعين.
والمرأة الحامل لها حكم خاص، قال تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4]، وهذا حكم خاص بالمرأة، لأن المرأة الحامل عدتها تنتهي بوضع الحمل، فإذا طلق الرجل زوجه وهي حامل في الشهر الثاني فيبقى لها سبعة أشهر على المعتاد، وعلى هذا يبقى على انقضاء العدة سبعة أشهر، فله أن يراجعها إن كان طلاقه رجعياً في هذه المدة؛ لأن أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، فإن وضعت الحمل بعد أسبوع فقد انقضت العدة، وبانقضاء العدة لها أن تتزوج، إن لم يراجعها الزوج في هذه المدة، فلها أن تتزوج غيره، أو إن كان مات عنها الزوج فلها أن تتزوج، كما رخص النبي صلى الله عليه وسلم لـ فاطمة بنت قيس بعد أن وضعت الحمل، رخص لها أن تتزوج بعد موت زوجها بمدة قليلة، فلا يشترط أن تبقى أربعة أشهر وعشراً؛ لأنها حامل والحامل لها عدة خاصة.
لكن ابن تيمية له رأي، وقد قال الأطباء: إن هذا الرأي معتبر وهو: إذا زادت مدة دم النفاس عن أربعين، فإن المرأة تصلي وتصوم، إلا الجماع فلا تجامع إلا بعد الستين يوماً وهذا رأي شيخ الإسلام، لأنه يرى أن الرحم بعد الولادة لا يعود إلى مكانه الطبيعي إلا بعد الستين يوماً، فسألت طبيباً للنساء فقال: بالفعل إن جامع الرجل المرأة بعد الولادة وقبل الستين يوماً ربما يترتب على ذلك نزيف شديد، فقول شيخ الإسلام: بجواز كل شيء على المرأة النفساء إلا الجماع فيكون بعد الستين، هو الراجح إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
قال: ولا حد لأقله، يعني: يمكن أن يستمر الدم يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام أو أربعة أيام، إلى غير ذلك لا حد لأقله، ولكن أكثره أربعون يوماً.
ومتى رأت الطهر اغتسلت وهي طاهرة، قال في الشرح معلقاً: ومتى رأت الطهر -وليس لأقله حد- فهي طاهر تغتسل وتصلي، كالحيض، وإن عاد في مدة الأربعين فهو نفاس.
والمقصود: إذا انقطع الدم بعد أسبوع تغتسل وتصلي، وبعد أسبوعين عاد الدم مرة أخرى في الأربعين فيأخذ حكم دم النفاس.
(6/4)
________________________________________
العدة شرح العمدة [7]
الصلوات الخمس واجبة بإجماع المسلمين، ومن أنكرها جحوداً فهو كافر مرتد، ومن تركها تكاسلاً وتهاوناً فإنه على خطر عظيم وذنب كبير، وقد اختلف العلماء في حكمه، ولا يتصور من رجل يقيم بين المسلمين ويسمع المؤذن ينادي للصلاة ثم يتركها إلا لنفاق في قلبه وعمى في بصيرته.
(7/1)
________________________________________
كتاب الصلاة
قال رحمه الله: كتاب الصلاة: روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له).
والصلوات الخمس واجبة على كل: مسلم عاقل بالغ، إلا الحائض والنفساء.
قوله: حديث عبادة بن الصامت، هذا الحديث عمدة في أمرين هامين: الأمر الأول: أن الصلوات المفروضة على المسلم خمس.
قالت الأحناف: الوتر واجب، وهذا قول مرجوح، لأن حديث عبادة قال: (خمس صلوات في اليوم والليلة)، هذا نص في أن الواجب خمس صلوات، ولو أن رجلاً نذر أن يصلي لله ركعتين، فإنه يصبح في حقه واجب، إذاً: هذا خرق لهذا الحديث، الواجب بحق الإسلام، لكن ليس معنى ذلك أن يكون هناك واجبات أخرى قد يفرضها الإنسان على نفسه، وقد تكون عارضة كصلاة الكسوف عند من قال بوجوبها، وكصلاة الاستسقاء عند من قال بوجوبها، لكنها ليست في اليوم والليلة وإنما هي عارضة، والحديث يتحدث عن الواجب في اليوم والليلة في حق المسلم: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد) وكتب بمعنى: فرض، وهي من صيغ الوجوب، وكلمة كتب المراد بها: الكتابة القدرية الكونية، وهناك كتابة شرعية دينية، وعدم التفرقة بين الشرع الديني والقدر الكوني يوقع في ضلال بعيد.
فقوله تبارك وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183]، فهذه كتابة شرعية دينية، فهناك فرق بين الشرع الديني والقدر الكوني.
{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21]، وهذه كتابة قدرية كونية وليست شرعية دينية، وقد أجاد شيخ الإسلام رحمه الله في بيان الفرق بين الكوني القدري والشرعي الديني في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ووضع باباً كاملاً في الفرق بين الأمر الشرعي الديني، والأمر الكوني القدري.
وقوله في الحديث: (كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن -أي: على الصلوات الخمس- كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن وضيعهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)، ولعل هذا دليل الجمهور في أن تارك الصلاة تكاسلاً وليس جاحداً تحت مشيئة الله، خلافاً للحنابلة الذين جاءوا بأدلة تبين أن تارك الصلاة تكاسلاً كافر كفراً يخرج من الملة، يعني: إن تركها تكاسلاً يكفر، فلا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، والجمهور رأيهم: أنه يكفر كفراً عملياً، ودليلهم هذا الحديث حديث عبادة: (ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد ولا برهان وأمره إلى الله).
والحنابلة قالوا: هذا الحديث مخصوص بأحاديث أخرى بيّنت أن تارك الصلاة كافر، منها حديث: (إن آخر من يخرج من النار أناس تعرفهم الملائكة بآثار سجودهم)، إذاً الذي لا يصلي لا يخرج من النار؛ لأن الحديث فيه: آخر من يخرج من النار تعرفهم الملائكة بآثار السجود، فالذي لا يصلي كيف تعرفه الملائكة وهو لا يصلي، فلن يخرج من النار.
واستدلوا أيضاً على كفر تارك الصلاة بحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، وقول الصحابة: كنا لا نعد من الأوامر الشرعية أمراً يعد تركه كفراً إلا الصلاة، فيا تارك الصلاة هل تريد أن تكون مختلفاً في أمرك؟ وقد اتفق الفريقان على أن تارك الصلاة يستتاب ثلاثاً، فإن أصر على تركها يقتل، ولكن الحنابلة يقولون: يقتل ردة، والجمهور يقولون: يقتل حداً كالزاني المتزوج يرجم حداً، ومعنى أنه يقتل حداً: أنه يصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
لكن لو جئنا برجل لا يصلي وقلنا له: صل وإلا قتلناك بعد ثلاث، فقال: اقتلوني ولن أصلي، فهذا جاحد لأننا لا نتصور أن يقال له: ستقتل ويختار القتل على الصلاة وهو مقر بها.
ومن أدلة كفر تارك الصلاة: قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر:38 - 43]، إذاً: تارك الصلاة في سقر، والذي قال عن القرآن: إن هو إلا سحر يؤثر يعني: من جحد القرآن فهو في سقر أيضاً، فكأن تارك الصلاة مع الذي قال: إن القرآن سحر، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن لم يحافظ عليهن حشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف)، قال ابن القيم رحمه الله: فمن شغله ماله حشر مع قارون، ومن شغلته وزارته حشر مع هامان،
(7/2)
________________________________________
الأسئلة
(7/3)
________________________________________
كيفية قضاء الصلوات الفائتة

السؤال
رجل ترك الصلاة لمدة خمسة أيام ثم عاد إلى الصلاة من نحو ثلاثة أيام، فكيف يؤدي ما فاته؟

الجواب
اختلف العلماء في هذا على قولين: القول الأول: لا قضاء للفائتة، وإنما عليه أن يكثر من النوافل.
والقول الثاني: عليه أن يقضي.
والراجح أنه يقضي إذا كانت الفائتة غير متعددة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى الفجر بعد شروق الشمس، وقضى العصر بعد غروب الشمس في يوم الأحزاب، فثبت أنه صلى قضاءً، صلى الفجر بعد الشروق، وهذا يسمى قضاء، وصلى العصر بعد الغروب يوم الأحزاب، وهذا مشروعية القضاء.
لكن إذا تعددت الفروض، ترك الصلاة شهراً أو تركها سنة، فإن الراجح من أقوال العلماء أنه لا يقضي وإنما يكثر من النوافل.
أما إذا ترك صلاة واحدة فقط فيقضيها حينما يذكرها؛ لحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، ولا يتركها إلى الفرض الثاني.
(7/4)
________________________________________
حكم من فاتته صلاة العصر حتى غربت الشمس

السؤال
فاتتني صلاة العصر وقد أقيمت صلاة المغرب فأيهما أصلي أولاً؟

الجواب
لا بد أن يصلي العصر للحفاظ على الترتيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته العصر في يوم الأحزاب بعد غروب الشمس صلى العصر ثم المغرب، قال ابن حجر في الفتح معلقاً: وفي هذا مشروعية الترتيب في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر ثم المغرب بعد غروب الشمس.
(7/5)
________________________________________
حكم من ترك صلاة واحدة متعمداً

السؤال
هل ترك صلاة واحدة كترك الصلوات جميعاً؟

الجواب
إن ترك الصلاة لنوم أو لنسيان فهذا معذور، ولكن إن أصر على تركها فهذه مسألة خطيرة جداً، لذلك قال العلماء: لا ينظر في أمر تارك الصلاة إلا بعد أن يترك أكثر من فرض، لكن شيخ الإسلام يقول: لو أن رجلاً نام وقد عزم النية على أن لا يستيقظ، بأن ضبط المنبه على الساعة الثامنة، أو قال لأهله: أيقظوني الساعة الثامنة، فهو على خطر عظيم، وأنا لا أقطع بكفره، ولكن مسألة التكفير نحن نتورع فيها، وأرجو من إخواني أن يتورعوا فيها، وأن لا يطلقوا لألسنتهم العنان في التكفير أبداً، فتارك الصلاة مرتكب لكبيرة، وهذا بلا أدنى خلاف، وتارك الفجر متعمداً مرتكب لكبيرة، بل من أكبر الكبائر وليس كبيرة فقط.
(7/6)
________________________________________
حكم صلاة الرجل في بيته جماعة

السؤال
ما حكم صلاة الرجل بالأسرة في المنزل؟

الجواب
ليس هناك صلاة للرجال في البيت إلا النافلة، صلاة البيت للنساء، أما الرجال في المساجد: (ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، وإن كان الحديث فيه كلام، لكن لا بد أن تعلم أن المساجد جعلت للصلاة، وحديث ابن أم مكتوم الرجل الأعمى الذي لم يجد من يقوده إلى المسجد، ربما تعترضه هوام، وربما يصطدم بشجرة في الطريق، وربما يقع في حفرة، فلم يرخص له النبي في ترك الجماعة، بل قال له: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب).
يا مبصر! النبي لم يرخص لأعمى في ترك الجماعة، فهل تريد منا أن نرخص لك أن تصلي في بيتك، والله يقول: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم:42 - 43]، كلمة يدعون هنا بمعنى: ينادى عليهم بالصلاة، حي على الصلاة، فالذي صلى في بيته وترك الجماعة لم يستجب للمؤذن.
وخير دليل استدل به شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله: أن الله عز وجل رخص للمقاتلين في سبيله أن يصلوا إلى غير قبلة، فيصلون إلى جهة العدو، أو رجالاً أو ركباناً، ويصلون في نعالهم، ويصلون والسلاح على أكتافهم، ويصلون ركعة ثم يتأخرون كما جاء في وصف صلاة الخوف، ومع كل هذا لم يرخص لهم في ترك الجماعة، فقال تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء:102]، انظر إلى الحرص على الجماعة حتى في القتال، طائفة تدافع وطائفة تصلي في الخلف هذا دليل وجوب واضح، وأنت آمن ليس هناك ما يمنعك من الصلاة في الجماعة، ولكن يمكن أن تصلي النافلة مع أهلك كما جاء في حديث معاذ الذي في البخاري حيث كان يصلي العشاء الآخرة خلف النبي عليه الصلاة والسلام ثم يعود إلى قومه فيصلي بهم العشاء هو متنفل وهم مفترضون، وهذا دليل الشافعي -والراجح خلافاً للجمهور- على أنه يجوز للمتنفل أن يؤم المفترض، وحديث معاذ حجة وعمدة في هذا.
(7/7)
________________________________________
الحكم إذا نزل المني بعد الغسل

السؤال
زوجتي اغتسلت بعد الجماع ثم بعد ساعتين نزل شيء كالمني، فقلت أنا: يكفي الوضوء، وقالت هي: لا بد من الغسل؟

الجواب
إذا نزل مني من الفرج بعد الغسل دون أن تتبول المرأة أو الرجل فيجب الغسل، أما إذا تبول كما قال صاحب المغني فإن البول طارد لبقايا المني، يعني: إذا جامعت ثم تبولت ثم اغتسلت فلا عبرة لما ينزل بعد ذلك؛ لأن البول مسلك لمجرى المني، أما إذا اغتسلت دون تبول ونزل مني فإنه يلزمك الغسل بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
(7/8)
________________________________________
العدة شرح العمدة [8]
الصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة إلا الحائض والنفساء، ومن جحد وجوبها فقد كفر، كما أنها تؤدى في أوقاتها المعلومة المحددة لها، ولا يجوز تأخيرها أو التكاسل عن أدائها والتهاون بها؛ لأنها ركن الإسلام وعموده وشعيرته العظمى.
(8/1)
________________________________________
فضل صيام يوم عاشوراء
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المتقين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: قبل أن نواصل الحديث مع كتاب العدة في فقه الإمام أحمد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى نذكر بيوم عاشوراء، ويوم عاشوراء هو: اليوم العاشر من شهر الله المحرم.
وشهر الله المحرم من الأشهر الحرم التي قال الله فيها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة:36]، والأربعة الحرم: ثلاثة على التوالي وشهر رجب الفرد، والتي على التوالي هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ونبينا صلى الله عليه وسلم -قال كما رواه مسلم في صحيحه-: (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل)، فصيام شهر الله المحرم من الأمور التي بينها نبينا صلى الله عليه وسلم.
وصوم عاشوراء كما هو رأي عند الفقهاء كان قد فرض على المسلمين في بدء الأمر قبل أن يفرض رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه، فلما فرض صيام رمضان نسخ صيام عاشوراء وبقي على التخيير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من شاء صام ومن شاء أفطر)، فتحول صيام عاشوراء من الفرض إلى الندب.
ويوم عاشوراء يوم أنجى الله فيه موسى عليه السلام من الغرق، وأغرق فيه فرعون ومن معه، والنبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بمخالفة اليهود؛ وقال صلى الله عليه وسلم: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر)، ثم لم يعش حتى يصوم التاسع والعاشر، وقد يتبادر أن هناك تناقضاً بين قولنا: إنه صامه عند نزوله المدينة، يعني: في أول سنة هجرية وبين قوله: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) ولا تناقض؛ فإنه لما رأى اليهود يصومون عاشوراء صامه وأمر بصيامه، فلما أخبر بأنهم يصومون عاشوراء ويفردونه بالصيام فأمر بمخالفتهم من الله عز وجل، وهذا في العام العاشر، فقال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر).
وبهذا استدل العلماء على القاعدة الأصولية التي تقول: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بنسخه.
وشيخ الإسلام له تحفظ على هذه القاعدة، ولكن أردت أن أوضح أن الصيام عرف في بني إسرائيل فكانوا يصومون عاشوراء، والنبي صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء.
فأريد أن أذكر بصيام هذا اليوم، وينبغي أن تضم إليه يوماً قبله أو يوماً بعده؛ حتى تخالف صيام أهل الكتاب بالنسبة لهذا اليوم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه: (يكفر ذنوب سنة ماضية)، وما أكثر ذنوبنا! فينبغي أن نتواصى بصيام يوم عاشوراء.
(8/2)
________________________________________
حكم تأخير الصلاة عن وقتها
قال المصنف رحمه الله: [فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم عاقل بالغ، إلا الحائض والنفساء، فمن جحد وجوبها لجهله عرف ذلك، وإن جحدها عناداً كفر، ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها].
ذكرنا أنه لا يحل أن تؤخر الصلاة عن وقت وجوبها، وسنذكر في كتاب مواقيت الصلاة أن لكل صلاة ميقاتاً بينه جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام، والله سبحانه قال: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] وأحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها، ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها.
قال المصنف: [إلا لناوٍ جمعها، أو مشتغل بشرطها، فإن تركها تهاوناً بها استتيب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل].
قوله: (إلا لناوٍ جمعها).
الظهر يجمع مع العصر، والمغرب مع العشاء، وإما أن يكون جمع تقديم أو جمع تأخير، فلا يجوز أن تجمع صلاة الليل مع صلاة النهار، يعني: لا يجوز أن تجمع المغرب مع العصر، هذا لا يجوز، وإنما الجمع يكون لفرضين: إما بالنهار وإما بالليل، وشروطه أربعة: الشرط الأول: أن يكون القصر لصلاة رباعية، فالصلاة الثنائية لا تقصر، والصلاة الثلاثية لا تقصر.
الشرط الثاني: أن يكون القصر في مسافة طويلة قدروها بأكثر من ثمانين كيلو متر، ويرى صاحب المغني أن تحديد المسافة ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة وإنما مطلق السفر يجوز فيه القصر.
الشرط الثالث في القصر: أن يكون قد نوى القصر؛ لأن النية أمر هام جداً.
الشرط الرابع للقصر: أن يكون على سفر، فلا يجوز أن يقصر في محل الإقامة، فإذا صار خارج البلدة فله أن يشرع في القصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة وهو يرى المدينة؛ لأنه كان قد شرع في السفر.
وهذه الشروط الأربعة للقصر عند الحنابلة سنتحدث عنها.
والجمع رخصة، بمعنى: في حالة الخوف من ضياع الوقت لك أن تجمع، وفي حالة الحبس لك أن تجمع، وفي حالة السفر لك أن تجمع، والنبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير مرض ولا سفر وقال: (حتى لا أشق على أمتي)، رواه مسلم.
يقول بعض العلماء: هذا لأهل الأعذار؛ فمثلاً: يصح الجمع للذي يشق عليه أن يصلي الفرض في وقته كطبيب يقوم بإجراء عملية جراحية لمريض، والعملية قد تستغرق ست ساعات، فإذا فتح بطنه وقام بإجراء العملية وأذن الظهر يستحيل أن يترك بطنه مفتوحاً ليصلي ثم يعود؛ لأن هذا أمر لا يحتمل التأخير فيبقى معه حتى ينتهي تماماً، فإذا دخل وقت العصر وهو لا يزال في إجراء العملية فله أن يجمع الظهر مع العصر.
مثال آخر: طالب في جامعة دخل المدرج الساعة الحادية عشرة، فأغلق الدكتور أبواب المدرج ولم تفتح إلا بعد نداء العصر، وليس هناك ماء، فله أن يجمع في هذه الحالة؛ لتعذر الصلاة؛ لأنه في هذه الحالة لن يستطيع أن يخرج، وإن خرج فسيحدث مفسدة وقد لا يفتح له أحد، فضلاً عن عدم وجود الماء، فإن قال قائل: يتيمم قلنا: الماء موجود، لكنه غير قادر على استخدامه، فالصلاة غير ممكنه في هذه الظروف.
إذاً: هناك ظروف حرجة قد تدفع الإنسان إلى الجمع.
فإذا نوى المسلم الجمع فيجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يدخل وقت الصلاة الثانية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، فيجوز تأخير وقت الظهر حتى يدخل وقت العصر، والنبي عليه الصلاة والسلام صلى في يوم عرفة الظهر مع العصر جمع تقديم.
وصلى بالمزدلفة المغرب والعشاء جمع تأخير والظهر والعصر جمع تقديم.
وابن مسعود صلى خلف عثمان رضي الله عنهما في منى، والصلاة في منى في أيام التشريق وفي يوم التروية تكون قصراً لا جمعاً، يعني: كل فرض في وقته ويصلى قصراً: الظهر ركعتين والعصر ركعتين، لكن عثمان رضي الله عنه أتم، وابن مسعود قال له: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر وكانوا يقصرون الصلاة، أما أنت فقد أتممت وأنت الإمام، فأتم خلفه، ثم قال له: الخلاف شر، فلم يرد أن يختلف مع إمامه، لكن هناك من العلماء من اعتذر عن فعل عثمان بخمسة أقوال أرجحها كما قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع: أنه رضي الله عنه كان قد تأهل في منى، وأقام فيها فأصبحت منى بالنسبة له محل إقامة، وعند ذلك يجوز له أن يتم الصلاة، وهذا أرجح الأعذار التي اعتذر بها بعض العلماء لفعل عثمان؛ لأنه يستحيل أن يتعمد عثمان رضي الله عنه مخالفة السنة، فلاشك أن هناك سبباً جعله يتم، أو يكون قد نزل بمنى ونوى الإقامة، فأصبحت بالنسبة له دار إقامة فينبغي أن يتم فيها الصلاة؛ لأن جمهور العلماء يقولون: إذا نزل المرء إلى بلد ونوى أن يقيم فيها أكثر من أربعة أيام فله أن يتم وليس له القصر، مثال ذلك: إذا ذهبت إلى الإسكندرية من القاهرة وقد حددت مدة إقامتك فيها أسبوعاً، فهل يجوز لك أن تقصر الصلاة هناك؟

الجواب
لا؛ لأنك نزلت بها وقد نويت الإقامة أكثر من أربعة أيا
(8/3)
________________________________________
حكم تارك الصلاة
الصلاة من تركها تهاوناً استتيب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل بالسيف؛ لما سبق، وقد اختلفت الرواية في الذي يجب قتله، فقال القاضي: يجب قتله إذا ترك صلاة واحدة حتى تضايق وقت الثانية؛ لأنه إذا ترك الأولى لم يعلم أنه عزم على تركها، فإذا خرج وقتها علمنا أنه تركها، لكن لا يجب قتله؛ لأنها فائتة، والفائتة وقتها موسع، فيصبر عليه حتى يتضايق وقت الثانية.
والرواية الثانية: أنه يجب قتله إذا ترك ثلاث صلوات ويتضايق وقت الرابعة عن فعلها؛ لأنه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهة، فإذا رأيناه ترك الرابعة علمنا أنه عزم على تركها فيجب قتله، وهذا يدل على إباحة قتله.
وقال عليه السلام: (نهيت عن قتل المصلين)، فمفهومه أنه لم ينه عن قتل غيرهم، وقال: (بين العبد والكفر ترك الصلاة)، رواه مسلم.
والكفر مبيح للقتل بدليل حديث: (لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق)، متفق على معناه.
فالمقصود: أن تارك الصلاة يستتاب، واختلفوا متى يستتاب، ولـ أحمد في ذلك روايتان: الرواية الأولى: إن ترك الظهر نتركه حتى يأتي وقت العصر، فإن جاء وقت العصر ولم يصل علمنا أنه لم يجمع بينهما وقد خرج وقت الظهر مع العصر وجاء وقت المغرب، إذاً: هو قد ترك فرضين متتاليين يجوز له أن يجمعهما، فإن ترك فرضين متتاليين وجاء الفرض الثالث فإنه يستتاب، والذي يستتيبه هم أهل الحل والعقد، والذي يقتله هو ولي الأمر، أما أن كل أحد يقتل تارك الصلاة فستتحول البلاد إلى برك دماء، فيا عبد الله! أنت غير مأمور بالاستتابة ولا بالقتل، فإن الذي يستتيب تارك الصلاة هم العلماء؛ لأنهم يستطيعون أن ينفوا عنه الشبهة وأن يقيموا عليه الأدلة، والذي يقتله إن أصر على تركها هو ولي الأمر، أما أنا وأنت فليس في يدنا أن نقتل، فانتبه إلى هذا المعنى، ولا تقل: جاري لا يصلي، فتستتيبه ثم تقتله؛ لأن الاستتابة لأهل الحل والعقد، والقتل لولي الأمر، ولا يجوز غير ذلك أبداً.
قال: (فإن تركها تهاوناً بها استتيب ثلاثاً) يعني: ثلاث مرات.
والرواية الثانية لـ أحمد: أن يترك ثلاثة فروض ويدخل وقت الرابعة، يعني: يترك الظهر والعصر والمغرب ويدخل وقت العشاء؛ لأنه ربما يكون متأولاً أو فاهماً فهماً خاطئاً فلا يترك ثلاثة فروض متتالية، وفي الرابعة يستتاب ويقام عليه الحجة ويبين له.
وأنا قلت قبل: إننا لا نتصور أن رجلاً يختار القتل على ترك الصلاة إلا إذا كان جاحداً لها، وهذا ليس ممكناً أبداً.
وهذا يبين بياناً شافياً عظم قدر الصلاة في شرعنا، وأن البعض يضيعها وهو يظن أن هذا أمراً هيناً، وهو أمر عظيم جداً عند الله عز وجل.
قال: [فإذا وجب قتله لم يقتل حتى يستتاب ثلاثاً، ويضيق عليه، ويدعى إلى فعل كل صلاة في وقتها، ويقال له: إن صليت وإلا قتلناك؛ لأنه قتل لترك واجب فتتقدمه الاستتابة كقتل المرتد، فإن تاب وإلا قتل بالسيف لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم].
فانظروا إلى إسلامنا، يعني: حتى في الذبيحة من الأنعام لا بد أن تريحها على الجنب الذي تستريح فيه، ولا تذبحها إلا بالسكين الحادة، حتى لا تعذبها.
وهنا سؤال مهم وهو: رجل يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء كل يوم بعد العشاء، فما حكمه؟
و
الجواب
أنه يستتاب؛ لأنه خرج بالصلاة عن وقتها، وكأنه لم يصل، يقال له: اجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، أما أن تصلي صلاة النهار بالليل فلا، يقول أبو بكر رضي الله عنه: إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وحقاً بالليل لا يقبله بالنهار.
وهنا سؤال آخر يقول: صلاة الجمعة جاءت في وقت الامتحان فهل يحضر الجمعة أو يحضر الامتحان؟
و
الجواب
أن هذا يبين لك أن واضع وقت الامتحان في هذا الوقت ليس له شأن بالجمعة، وأنه في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، فالمفروض أن واضع الامتحان يراعي أوقات الصلاة، فحتى الجمعة التي هي واجب على كل المسلمين يضع الامتحان في وقتها؟! وأقول لك: سقطت عنك الجمعة لأسباب: السبب الأول: أن هناك في علم الأصول ما يسمى تزاحم الواجبات، وهناك واجب مضيق وواجب موسع، وهناك واجب يحتمل التأخير وواجب لا يحتمل التأخير، كمن انشغل بالصلاة فرأى ناراً قد اشتعلت في داره فهل يترك الصلاة أم يطفئ النيران؟ فيؤخر الصلاة؛ لأنه من أهل الأعذار في هذه الحالة، قال العلماء: الشيء الذي لا يحتمل التأخير يقدم، وغالب النساء تسأل: أنا أصلي الظهر وبينما أنا أصلي اشتعلت النار من البوتاجاز في الإناء فهل أترك الصلاة أم أترك البوتاجاز والنار؟ وأقول: هذا لا يحتاج إلى كلام، فالشرع يقول: ما لا يحتمل التأخير يقدم، وهذا يسمى في علم الأصول تزاحم الواجبات.
فأنت الآن إن تركت الامتحان ستعقد لك لجنة خاصة وتُحاسب، فأنت الآن في حكم المحبوس المأسور، والأسر أنواع، لكن إ
(8/4)
________________________________________
باب الأذان والإقامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأذان والإقامة: وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء، والأذان خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيها، والإقامة إحدى عشرة كلمة، وينبغي أن يكون المؤذن أميناً صيتاً عالماً بالأوقات، ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً على موضع عالٍ، مستقبل القبلة، فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً، ولا يزيل قدميه، ويجعل أصبعيه في أذنيه، ويترسل في الأذان ويحدر الإقامة، ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين، ولا يؤذن قبل الأوقات إلا لها -يعني: للفجر- لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم).
ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول)].
قوله: (هما مشروعان للصلوات الخمس) أي: الأذان والإقامة، والأذان لغة: هو الإعلان، واصطلاحاً: هو الإعلان بدخول الصلاة بألفاظ مخصوصة.
ومن تعريفهم للأذان بهذه الصورة ينبغي أن نعلم أنه لا يجوز لأحد أن يزيد في الأذان حرفاً، أو أن يزيد فيه كلمة، فلا يجوز أن يقول قائل: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله بزعم أنه يحب رسول الله، فإنه كاذب في دعواه؛ لأن من يحب أحد يتبعه، فالمحبة اتباع، وأنت حين تقول: أسيد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد، والسيد مطاع، فالسيد المطاع يأمرك أن تؤذن بهذه الطريقة فتسييدك فيه عدم طاعة، يعني: أنت تسيد قولاً لكنك في واقع الأمر لا تسود.
قلت لأحدهم: هل أنت تحب رسول الله أكثر من بلال؟ قال: نعم، لأنه لا يجد إجابة، فقلت: بلال كيف كان يؤذن هل كان يقول: أشهد أن محمداً أم أن سيدنا محمداً؟ كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وأبو محذورة كان يؤذن هكذا، وهكذا في زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لم يكن فيه سيدنا، فدل ذلك على أنها بدعة محدثة، قالوا: لأن الشافعي قال: من باب الأدب، والأدب قدم على العلم، ويستدلون باستدلالات منها: أن أبا بكر أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصلي فرفض الأمر وعاد إلى الصلاة مأموماً، فقدم الأدب على الأمر، وفي الحديث: أن أبا بكر كان يصلي بالناس جماعة والنبي صلى الله عليه وسلم في قباء يصلح بين طائفتين وبين قبيلتين- فجاء النبي والصديق يصلي إماماً في الركعة الأولى فصفق الصحابة على أيديهم، فالتفت أبو بكر بطرف عينه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في الصف الأول فأشار إليه: أن اثبت، وفي هذا أمر له أن يصلي، فأبى أبو بكر وتراجع، وبعد الصلاة قال له: (ما لك تراجعت إذ أمرتك؟ فقال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي إماماً برسول الله)، وهذا من باب الأدب.
قالوا: فـ أبو بكر قدم الأدب على الأمر، إذاً: لنا أن نقدم الأدب على الأمر، فنقول: هذا قياس مع الفارق؛ فهذا أدب أقره النبي صلى الله عليه وسلم، أما (سيدنا) فهو أدب لم يقره، فلا يجوز أن تجتهد في أدب لم يقره النبي صلى الله عليه وسلم، بل أنت بذلك قليل الأدب؛ لأن الأدب أن تتبع، الأدب أن تتبع السنة وأن تطيع السيد الذي تسوده.
فقوله: (الأذان خمس عشرة كلمة)، يعني: أن كلمات الأذان معدودة، فلو أن أحداً قال: ست عشرة فيكون بذلك قد ابتدع.
وهي: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فهذه خمس عشرة كلمة.
والمراد بالكلمة هنا الجملة، ومن ذلك قول الله عز وجل في سورة الكهف: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف:5]، وهم قالوا جملة، وهي: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الكهف:4]، فقال الله: {كَبُرَتْ كَلِمَةً} [الكهف:5]، فسمى الجملة كلمة، فدل على أن الجملة تسمى كلمة.
فالأذان للصلوات الخمس دون غيرها؛ لأن المقصود منه الإعلان بوقت الصلاة المفروضة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غيرها؛ ولأن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن لها دون غيرها.
وهنا ينبغي أن تفرق بين أذانين: أذان أبي محذورة وأذان بلال، فـ أبو محذورة كان يرجع، وبلال كان لا يرجع.
والترجيع هو أنك قبل أن تتلفظ بأشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله بصوت منخفض.
والأذان الذي له ترجيع له إقامة معينة، والأذان الذي ليس
(8/5)
________________________________________
العدة شرح العمدة [9]
الأذان إعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، وهو مشروع للرجال دون النساء، وعدد كلماته خمس عشرة كلمة والإقامة إحدى عشرة كلمة، وينبغي للمؤذن أن يكون أميناً صيتاً عالماً بالأوقات، كما يستحب أن يؤذن وهو قائم متطهر.
(9/1)
________________________________________
باب الأذان والإقامة
قال المصنف رحمه الله: [باب الأذان والإقامة.
وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء].
والمعنى: أن الأذان والإقامة مشروعان فقط للصلوات الخمس، فلا أذان ولا إقامة لصلاة العيد، ولا أذان ولا إقامة لصلاة الكسوف، ولا أذان ولا إقامة لأي صلاة أخرى، إلا أن صلاة الكسوف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل منادياً ينادي: الصلاة جامعة.
وهناك من قال: ينطبق على العيد ما ينطبق على الكسوف، وهذا قول باطل؛ لأن هذا القول من مراسيل الزهري وأيضاً: النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم لصلاة العيد بغير أذان ولا إقامة ولا نداء بالصلاة جامعة، فمن فعل ذلك فقد ابتدع وأحدث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلها ولم يؤثر عنه أنه كان يقول قبل صلاة العيد: الصلاة جامعة، أو كان يرسل منادياً، إنما كان يخرج للصلاة دون نداء، هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وقوله: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء) أي: أن الأذان للرجال دون النساء، فليس للنساء أذان ولا إقامة.
قال في الشرح: [لأن المقصود منه الإعلام بوقت الصلاة المفروضة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غيرها، ولأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يؤذنون لها دون غيرها، وذلك مشروع للرجال دون النساء، وقال الحسن وإبراهيم والشعبي وسليمان بن يسار: ليس على النساء أذان ولا إقامة].
(9/2)
________________________________________
ألفاظ الأذان والإقامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيها، والإقامة إحدى عشرة كلمة].
وألفاظ الأذان هي: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فهذه خمس عشرة كلمة.
ثم قال: [والإقامة إحدى عشرة كلمة].
وألفاظ الإقامة هي: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
إذاً: الأذان خمس عشرة كلمة، والإقامة إحدى عشرة كلمة، وقد ذكرنا قبل ذلك حديث عبد الله بن زيد أنه قال: (لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس ليضرب به لجمع الناس للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر قال: ثم استأخر عني غير بعيد، قال: ثم تقول إذا قمت للصلاة فذكر الإقامة مفرداً غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، مرتين، ثم لما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فيؤذن به؛ فإنه أندى صوتاً منك).
وفي هذا الحديث فوائد، منها: انشغال الصحابة بالأمر الشرعي، فـ عبد الله بن زيد انشغل في نومه بالأذان؛ لأنه نام وقضية الأذان تشغله وتؤرقه وتسيطر على فكره.
لذلك يروى أن شيخاً أراد أن يختبر تلميذه، فقال له: يا ولدي! هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومك؟ قال: لم أره ولا مرة، قال: إذاً: يا ولدي! حبك فيه ضعف، قال: كيف؟ قال: سأبرهن لك الآن على ذلك، وقدم له طعام العشاء، وجعل في طعام العشاء أنواعاً من الأكل الذي يحتاج إلى ماء، ثم قال له: الماء مقطوع، فنم إلى الصباح ثم تشرب إن شاء الله تعالى، فنام التلميذ عطشاناً، وفي الفجر قام التلميذ فقال له الشيخ: ماذا رأيت في المنام؟ قال: رأيت أنهاراً وأمطاراً وسحباً وأنا أشرب، قال: صدق عطشك فصدقت رؤياك، ولو صدقت محبتك لتعلق قلبك بالحبيب صلى الله عليه وسلم.
ولذلك يقول سيدنا أنس: ما من ليلة تمر علي بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وأنا أراه في منامي.
وذلك لتعلق القلب؛ فالقلب يتعلق في النوم بما يحب، فالمدين يرى في نومه أنه يقضي دينه، وهكذا كل من كان يسيطر على ذهنه وقلبه شيء ينشغل به في منامه، وجرب أن تنشغل بشيء قبل نومك.
قال لي سائل: رأيت المسيح الدجال في نومي، فقلت له: متى آخر خطبة سمعتها عن الدجال؟ قال: الجمعة الماضية، قلت: كم كتاباً قرأت عن الدجال؟ قال: كنت أقرأ عنه في كتاب، فسيطر عليه الدجال فرآه في نومه؛ لأنه انشغل به، وجرب أن تنشغل بأمر يسيطر عليك فإنه لا بد أن تراه.
فذلك الصحابي الجليل انشغل بقضية الأذان وهو نائم، فرأى رجلاً في نومه معه ناقوس، فقال: يا عبد الله! أعطني الناقوس، فقال: وما تصنع به؟ قلت: نعلن به للصلاة، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال: قل: الله أكبر الله أكبر، وعلمه الأذان والإقامة، فقام عبد الله بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، وفي رواية أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها وافقت وحي عندي)، يعني: أن هذه الرؤيا وافقت وحياً عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم قال: (قم وعلمها بلالاً فإنه أندى منك صوتاً)، وفي الحديث أنه يؤذن صاحب الصوت الحسن، ولكن للأسف أن عندنا في مساجدنا بعض الناس يصر على الأذان والناس لا يدخلون المسجد لأجل هذا الصوت، فيا رجل! اتق الله وقرب من هو أندى منك صوتاً.
(9/3)
________________________________________
شروط وآداب المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وينبغي أن يكون المؤذن أميناً صيتاً عالماً بالأوقات، ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً].
ينبغي أن يكون أميناً؛ لأنه يؤتمن على الأوقات، فالمؤذن هو الذي يعلن الوقت، والناس تبني على دخول الوقت أحكاماً، فإن كانوا صياماً أفطروا، لكن هب أنه أذن قبل الوقت فإنه سيتسبب في أن يفطر الناس خطأً، فلا بد أن يكون أميناً عالماً بالأوقات، فإن لم يكن عادلاً غرهم بأذانه في غير الوقت.
ويكون صيتاً؛ لأنه أبلغ في الإعلام بالمقصود بالأذان، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ عبد الله بن زيد: (ألقه على بلال؛ فإنه أندى صوتاً منك).
ويكون عالماً بالأوقات؛ ليتمكن من الأذان في أوائلها، وهنا

السؤال
هل يجوز للأعمى أن يؤذن؟
و
الجواب
أنه يجوز إذا كان هناك من يخبره بدخول الوقت؛ لأن ابن أم مكتوم كان يؤذن، وكان أعمى، وكان له من يخبره بدخول الوقت، فإن لم يكن له من يخبره يتنحى عن النداء.
وقوله: (ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً) يعني: يؤذن وهو قائم وهو متطهر، وهذا على وجه الاستحباب، ويجوز أن يؤذن وهو على غير طهارة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً على موضع عالٍ].
يعني: مكان مرتفع؛ حتى يصل الصوت إلى أبعد بقعة، أو أكثر عدداً، والآن المكبر أغنانا عن هذا؛ وهناك مسألة خلافية: هل يؤذن المؤذن بالمكبر فوق السطح أم من داخل المسجد لأن العلة هي الإعلان؟ الشيخ الألباني له رأي وجيه جداً حيث قال: لو أن التيار الكهربائي انقطع والمؤذن يؤذن فسيؤذن في الداخل، ولكن لو أذن في الخارج والمكبر في يده لفعل خيراً؛ لأنه إذا انقطع التيار سيراه الناس، وصوته سيصل إلى الكثير.
وهناك علة أخرى وهي أنه ربما يرى الأصم المؤذن بعينه ولا يسمعه بأذنه، فيعلم أن الصلاة قد دخلت، وهناك علل أخرى أوردها الشيخ الألباني رحمه الله لمشروعية النداء بالمكبر على سطح المسجد أو على بابه أو في أي مكان في الخارج.
فيستحب أن يؤذن قائماً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ بلال: (قم فأذن)؛ ولأنه أبلغ في الإسماع.
ويكون متطهراً، وأما حديث: (لا يؤذن إلا متوضئ) فروي مرفوعاً وموقوفاً عن أبي هريرة والموقوف أصح.
ويكون على موضع عال؛ لأنه أبلغ في الإعلان، وقد روي أن بلالاً كان يؤذن على سطح امرأة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مستقبل القبلة] وهذا إجماع؛ لأن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون وهم مستقبلي القبلة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولا يزيل قدميه، ويجعل أصبعيه في أذنيه].
إذا بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح التفت يميناً في (حي على الصلاة) ويساراً في (حي على الفلاح) إن قال قائل: إن أذن في المكبر لا حاجة له بالالتفات؛ لأن الالتفات إنما هو ليسمع من على يمينه، ثم يسمع من على يساره، وقد حقق هذه المسألة ابن حجر في الفتح قائلاً: إنه أمر تعبدي، فلعل العلة أن يشهد الملائكة الذين على اليمين والذين على اليسار؛ فالعلة باقية، ولا يقول قائل: انتفت العلة بالمكبر فلا يلتفت، بل نقول: لا، إنما المشروع أن يلتفت حتى وإن أذن في المكبر.
وابن حجر العسقلاني في فتح الباري قد بحث هذه المسألة وأفاض فيها، فارجع إليه إن شئت.
ثم قال: (ولا يزيل قدميه) يعني: حينما يلتفت يميناً لا يحرك القدم وإنما يتحرك بصدره، ولا يزيل قدميه.
ويجعل أصبعيه في أذنيه، وكون المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه هذا أمر تعبدي أيضاً؛ لما روى أبو جحيفة قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم، وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً، وهو يقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح) متفق عليه، وفي لفظ: (ولم يستدر، وأصبعاه في أذنيه) يعني: كان بلال على هذه الهيئة التي علمه إياها النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن يكون النداء خاضعاً لأحكام التلاوة، فلا يقل: الله أكبر، فيمدها حتى يثبت ثلاثين حرفاً، ولو قال: آكبار، خرج به عن معناه، أو يمط ويقول: حي على الصلآة، ويخفض ويرفع، فهل تغني يا عبد الله؟! هذا لا يجوز، فأكثر المد ست حركات.
حتى يكون الأذان شرعياً لابد أن تلتزم فيه الأحكام الشرعية.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويترسل في الأذان ويحدر الإقامة].
ومعنى يترسل في الأذان: أن يؤذن بطيئاً؛ لأن غرض الأذان هو إعلام من بخارج المسجد، فيترسل فيه حتى يفرق بين كل كلمتين، بحيث يكون هناك أكبر وقت للإعلام، أما في الإقامة فيحدر: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله سريعاً؛ لأن الإقامة لمن بداخل المسجد.
وهذا الموضوع أيضاً خلافي: هل نقيم في ال
(9/4)
________________________________________
التثويب في صلاة الصبح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين].
وهذا يسمى عند العلماء التثويب لصلاة الفجر، وهو أن يقول بعد (حي على الفلاح): الصلاة خير من النوم، ولكن من الذي كان يقولها: بلال أم ابن أم مكتوم؟ المسألة خلافية، فمن العلماء من يقول: إن الأذان الأول ليس فيه الصلاة خير من النوم، وهذا معمول به في بعض البلدان.
والأذان الأول غير معمول به في كثير من البلدان، وأنا أربأ بمساجد أهل السنة أن تختفي فيها هذه السنة، ولنكن نحن أول المساجد التي نطبق هذه السنة، فالثابت في البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن للفجر أذانين: أذاناً قبل الفجر الصادق، وأذاناً عند الفجر الصادق، وكان يقول لأصحابه: (لا يغرنكم أذان بلال فإنه يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، والأذان الأول له غرض؛ وهو أن ينتبه الشارد ويستيقظ النائم ويغتسل الجنب، ويأتي البعيد، وهذه سنة مؤكدة ضيعناها وأقمنا بدلاً منها أذانين للجمعة، فأقول: الثابت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن الفجر له أذانان.
والمؤذن للأذان الأول يختلف عن الأذان الثاني، فالمؤذن للأذان الأول يؤذن طبقاً للمذهب الأول بغير: الصلاة خير من النوم، والمؤذن الثاني يقول: الصلاة خير من النوم، وهذه فروق بين الأذانين؛ فإذا سمعت التثويب علمت أنه الأذان الثاني، وإن لم تسمع علمت أنه الأذان الأول.
فأقول لإخواني: إن كان في يدك أمر مسجد فأقم هذه السنة، شريطة أن تمهد الأمر لتقبل الناس له، فتعود إلى البلد تتحدث عن السنة وتخبر الناس وتشهر في المجتمع قبل أن تفعل، أما أن تؤذن مباشرة من غير تعليم فممكن أن تحصل في البلد مشكلة.
فمن أحيا في الإسلام سنة حسنة -وهذه سنة حسنة- فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فهذه سنة لا ينبغي أن نتباطئ في تطبيقها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم مرتين، ولا يؤذن قبل الأوقات إلا لها] يعني: لا يؤذن قبل حلول الوقت إلا للفجر؛ [لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم).
ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول).
(9/5)
________________________________________
الأسئلة
(9/6)
________________________________________
حكم الأذان والإقامة للجماعة الثانية

السؤال
الجماعة الثانية هل لها إقامة؟

الجواب
نعم، لها إقامة، أما الأذان فلا.
(9/7)
________________________________________
الرد على من يرى عدم الأذان الأول في الفجر

السؤال
هناك أستاذ جامعي قال: إن أذان بلال الأول في الفجر الآن يحدث زعزعة في المجتمع واضطراباً، ويقول: إن الأذان الثاني في الجمعة سنة عثمان، ولذلك لا نفعله؛ حتى لا نحدث هذا الاضطراب فما تعليقكم؟

الجواب
ونحن نقول له: إقامة السنة لا يمكن أن تحدث اضطراباً، فعلم الناس السنة بدلاً من أن تقول هذا الكلام.
وقوله: إن الأذان الثاني سنة عثمان؟ أجيب عليه قائلاً: طبق سنة عثمان، واعلم ماذا فعل عثمان، فـ عثمان أرسل مؤذناً إلى الزوراء، وهذا قبل دخول وقت الجمعة؛ ليعلم الناس بدنو وقتها، فإن أردت أن تطبق سنة عثمان فأذن قبل وقت الجمعة، ولا تؤذن بعد دخول الوقت ثم تؤذن مرة أخرى.
(9/8)
________________________________________
حكم الأذان الأول للجمعة

السؤال
هل لـ عثمان سنة؟

الجواب
نعم، عثمان من الخلفاء الراشدين، وفعله سنة؛ فإن أصل العمل مشروع وهو أن النبي كان يتخذ للفجر الأول مؤذناً، وأما أذان عثمان الأول للجمعة فله علة، وهي أن الناس في يوم الجمعة يكونون منشغلين في السوق، فأرسل مؤذناً يؤذن قبل الجمعة؛ ليعلمهم باقتراب الوقت.
(9/9)
________________________________________
مقدار الوقت بين الأذانين في الفجر

السؤال
كم الوقت بين النداءين في الفجر؟

الجواب
جاء في البخاري: ولم يكن بين ذا وذا -يعني: بين بلال وابن أم مكتوم - إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا، والله تعالى أعلم.
(9/10)
________________________________________
العدة شرح العمدة [10]
شروط صحة الصلاة هي: ستر العورة والطهارة من الحدثين وطهارة البدن والثوب والمكان ودخول الوقت والنية واستقبال القبلة، ومتى فقد شيء من هذه الشروط ولم توجد في المصلي فإن صلاته تكون باطلة غير مقبولة.
(10/1)
________________________________________
باب شروط الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب شروط الصلاة: وهي ستة: أحدها: الطهارة من الحدث؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ)].
قال في الشرح: متفق عليه.
شروط الصلاة: منها شروط صحة وشروط وجوب، وهناك فرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب، وهذه التي ذكرها المصنف شروط صحة، والبلوغ شرط وجوب، يعني: أن غير البالغ له أن يصلي، فإن صلى صحت صلاته، لكن الصلاة لا تجب عليه إلا بعد البلوغ.
وهناك فرق بين الشرط والركن، فالشرط هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، يعني: إذا انعدم الشرط انعدم الحكم، مثل: إنسان يصلي بغير وضوء فصلاته باطلة؛ لأنه غاب عنها شرط، فإذا انعدم الشرط انعدم الحكم.
وشروط صحة الصلاة ستة: 1 - الطهارة من الحدثين: الأكبر والأصغر.
2 - طهارة البدن والثوب والمكان.
3 - استقبال القبلة.
4 - ستر العورة.
5 - دخول الوقت.
6 - النية.
وهذه شروط صحة الصلاة، وإذا تخلف شرط من هذه الشروط الستة فإن الصلاة باطلة.
لكن إذا وجد الشرط هل بالضرورة يوجد معه الحكم؟ يعني: إذا كنت مستقبل القبلة، فهل يلزم من استقبالك القبلة الصلاة أم لا؟ لا يلزم، وعلى هذا فلا يلزم من وجود الشرط وجود ولا عدم لذاته.
أما الركن فهو: ما يدخل في الماهية ويكون جزءاً منها، كتكبيرة الإحرام وكقراءة الفاتحة، وكالركوع، وكالسجود، وكالاعتدال من الركوع، وكالطمأنينة إلى آخره.
(10/2)
________________________________________
الطهارة من الحدث
أول شروطها: الطهارة من الحدث، والحدث: فساء أو ضراط، فإذا أخرج ريحاً سواء كان الريح بصوت مرتفع أو بصوت منخفض فإنه يسمى حدثاً، وكذلك الحدث الأكبر.
إذاً: لا صلاة لمحدث حتى يتوضأ، وحتى هنا للغاية.
(10/3)
________________________________________
دخول الوقت وذكر أوقات الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الشرط الثاني: الوقت -دخول الوقت- ووقت الظهر: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله]، يعني: أن وقت الظهر له بداية وله نهاية، وأول وقت الظهر عند الزوال، والمقصود بالزوال انحراف الشمس عن وسط السماء، فوقت الظهر يبدأ بمجرد أن تصل الشمس إلى وسط السماء ثم تتحرك قليلاً، فبمجرد أن تتحرك عن وسط السماء يبدأ وقت الظهر، وينتهي وقت الظهر حينما يصير ظل كل شيء مثله.
ويبدأ وقت العصر حينما يكون ظل كل شيء مثله، وينتهي وقت العصر حينما يكون ظل كل شيء مثليه، وفي رواية أخرى لـ أحمد: عند اصفرار الشمس، وسنتحدث عن وقت العصر بعد.
قال في الشرح: [ووقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عنه الشمس؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس، والفيء مثل الشراك)].
والفيء يعني: الظل، ومعنى (مثل الشراك): شراك النعل، قال أبو بكر رضي الله عنه: كل امرئٍ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله يعني: أن الموت أقرب إليه من شراك النعل، والشراك هو رباط الحذاء، فتجد الظل في وقت الزوال إذا كان كشراك النعل، فهذا هو أول وقت للظهر.
قال: [(ثم صلى بي المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله، وقال: الوقت ما بين هذين)، قال الترمذي: حديث حسن، ويعرف زوال الشمس بطول الظل بعد تناهي قصره].
يعرف زوال الشمس بطول الظل، ويبدأ الظل في الزيادة بعد أن كان قصيراً.
ووقت الظهر هو وقت الجمعة، ووقت الجمعة أيضاً له وقت بداية ونهاية، ونهاية وقت الجمعة هو بداية وقت العصر، يعني: أنه يمتد وقت الجمعة إلى نداء العصر، لكن متى يبدأ وقت الجمعة؟ هل بالظهر أم قبل ذلك؟ يقول جابر كما في صحيح مسلم: (كنا نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ونذهب إلى جمالنا نريحها ولم تزل الشمس عن وسط السماء)، يعني: كانوا يصلون الجمعة قبل وقت الظهر، أي: كانوا يبكرون بالجمعة أحياناً، فللإمام الراتب أن يبكر بصلاة الجمعة إن رأى أن في ذلك مصلحة أو رخصة، أما أن يؤخر الصلاة فليس من السنة، وإني أعجب من بعض المساجد التي تؤخر صلاة الجمعة فإن هذا مخالف للسنة، فإن شاءوا فليعودوا إلى البخاري أو أي كتاب من كتب السنة؛ لينظروا كيف كانت سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والتزام السنة أولى من تركها، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: إذا كان يوم غيم أو مطر كيف نعرف الزوال؟ ف

الجواب
الحمد لله عندنا الآن الساعات وعندنا وسائل عديدة لمعرفة وقت الزوال.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ووقت العصر -وهي الوسطى- من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس].
والعصر هي الصلاة الوسطى، قال في الشرح: [لما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (شغلونا عن صلاة العصر الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)، متفق عليه].
أي: أن الصلاة الوسطى بنص هذا الحديث هي صلاة العصر، [وأول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، وهو آخر وقت الظهر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل: (وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله)، وآخره ما لم تصفر الشمس، لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس)، رواه مسلم.
وعنه أن آخره -يعني: رواية أخرى عن أحمد - إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (وصلى بي جبريل العصر في المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثليه).
ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس، والضرورة: العذر، يعني: لا يباح تأخيرها إلا لعذر؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته)، متفق عليه].
إذاً: العصر له وقتان: وقت اختياري ووقت اضطراري، فإن سأل سائل: هل يجوز أن أصلي العصر بعد غروب الشمس وقبل نداء المغرب؟ فنقول: هل أنت من أهل الأعذار؟ فإن كان لك عذر فيجوز؛ لأن هذا هو وقت الاضطرار، أما وقت الاختيار فينتهي باصفرار الشمس، أو بأن يصير ظل كل شيء مثليه.
وفي الحديث: (تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق، الذي يجلس يرتقب الشمس إلى الغروب فإذا غربت قام فنقرها أربعاً)، فحكم عليه أنه منافق؛ لأنه يؤخرها بلا عذر؛ وليس هو من أهل الأعذار.
فعند الإمام أحمد أن العصر له وقتان: وقت اختيار ووقت اضطرار، ووقت الاختيار يبدأ من نهاية وقت الظهر وذلك
(10/4)
________________________________________
الأسئلة
(10/5)
________________________________________
بيان ما يقال بعد المؤذن عند قوله: الصلاة خير من النوم

السؤال
ماذا نقول عند قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، هل نقول: صدقت، أم ماذا نقول؟

الجواب
في الحديث: (قولوا مثلما يقول)، وهذا النص عام إلا في الحيعلتين فإنها مستثناة، فتقول مثلما يقول المؤذن، فإن قال: الصلاة خير من النوم، فقل: أنت أيضاً: الصلاة خير من النوم.
(10/6)
________________________________________
مقدار الوقت بين الأذانين في الفجر

السؤال
كم مقدار الوقت الذي بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم هل هو ثلث ساعة أم أقل أم أكثر؟

الجواب
الثلث كثير؛ لأن حديث البخاري يوضح هذا؛ فإن فيه: (ولم يكن بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم إلا أن ينزل ذا ويصعد ذا)، وابن أم مكتوم رجل أعمى، فكان ينزل بلال ويصعد ابن أم مكتوم، ونزول الأعمى قد يحتاج إلى وقت، فيُجعل بينهما: عشر دقائق أو ربع ساعة أو اثنا عشر دقيقة، ولا يزاد على هذا.
(10/7)
________________________________________
حكم إجبار الزوجة على الخلع

السؤال
هل يجوز للزوج أن يضيق على زوجته ليجبرها على الخلع ثم يأخذ منها المهر وزيادة على المهر ويأخذ كل مستحقاتها ويأخذ أكثر مما يستحق؟

الجواب
هذا أمر واقع، فبعض إخواننا هداهم الله يستحلون من المرأة ما يستحلون، والله يقول: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء:21]، فأنت تزوجتها بكراً ستعود إلى بيت أبيها ثيباً، ألا تستحي من ربك عز وجل أن تعوضها عما صنعت بهذا فمنهم من يسرق القائمة، ومنهم من يجبرها على التوقيع على بياض بالتنازل عن حقها، ومنهم من يجبرها على التنازل عن المتعة والعدة ومؤخر الصداق حتى تحصل على الحرية، ويتبجح بذلك في المجالس.
فمثل هذا نقول له: أما تستحي من ربك عز وجل؟! ألا تعلم أنك بذلك تأكل ناراً في بطنك وجوفك؟ فلا ينبغي لرجل يتقي الله عز وجل أن يأخذ من حق المرأة شيئاً أبداً؛ لأن الله يقول: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ} [النساء:4]، فلا بد أن تطيب نفس المرأة بالعطاء.
اتصلت بي أخت فاضلة وقالت: زوجي يجبرني على أن أرد الصداق إليه وأنا معه الآن، والمهر الذي دفعه هو ألف ونصف، واشترت هي بالألف والنصف قطعة أرض في السبعينات، وهذه الأرض الآن بعشرين ألفاً، فهو يريد أن يأخذ الصداق وربح الصداق.
أرأيتم إلى رجل كهذا؟ فيا عبد الله! كيف تستمتع بالمرأة بدون صداق؟ فالصداق هو الذي أحلها لك، وهو الذي مكنك منها، أما أن تأخذ حقوقك الشرعية بغير صداق فأنت مفترٍ ظالم.
فأقول: إخوتي الكرام! لنتق الله عز وجل في أمورنا.
والله تعالى أعلم.
(10/8)
________________________________________
العدة شرح العمدة [11]
الصلاة لها شروط وأركان وواجبات وسنن ومستحبات ومكروهات، نصت عليها السنة النبوية، وبينت أحكامها، كما أن الفقهاء شرحوا هذه الشروط والأركان وبينوا ذلك استنباطاً من السنة النبوية، ومن شروط الصلاة المعلومة ستر العورة.
(11/1)
________________________________________
شروط صحة الصلاة
ذكرنا فيما مضى أن من شروط صحة الصلاة: الأول: الطهارة من الحدثين: الأكبر والأصغر.
الثاني: دخول الوقت، وتحدثنا عن الوقت تفصيلاً، وقلنا: لكل صلاة وقت لا بد أن يدخل حتى تؤدى، لأن البعض قد يسأل فيقول: أنا مسافر إلى القاهرة في الساعة الحادية عشرة صباحاً، وسأصل إليها بعد العصر، فهل أستطيع أن أصلي الظهر والعصر جمع تقديم في بلدي؟
و
الجواب
لا يجوز؛ لأن وقت الظهر لم يدخل بعد، وهذا كلام بدهي يعرفه الغالب من الناس.
(11/2)
________________________________________
الفرق بين الشرط والركن
والفرق بين الشرط والركن: أن الشرط: خارج عن ماهية الفعل، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
مثاله: دخول الوقت شرط لصحة الصلاة، استقبال القبلة.
والركن: ما كان داخل في ماهية الشيء أو الفعل.
مثاله: تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، الركوع، الاعتدال من الركوع، السجود، الجلسة بين السجدتين.
(11/3)
________________________________________
ستر العورة
الثالث: ستر العورة، وللعلامة ابن عثيمين رحمه الله كلام جميل في الشرح الممتع في شرح زاد المستقنع، فقال رحمه الله تعالى: وعورة الصلاة تختلف عن عورة النظر.
أي: أن العورة خارج الصلاة تختلف عن العورة داخل الصلاة، فلا تقاس عورة الرجل خارج الصلاة على عورته في الصلاة، فهذه عورة وهذه عورة.
مثال ذلك: للمرأة في بيت زوجها أن تكشف شعرها، فإذا أرادت أن تصلي في البيت فيلزمها أن تستر شعرها، سواء كان زوجها موجود أو غير موجود.
مثال آخر: يقول العلماء: إن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وهذا هو القول الراجح، لكن لا يستطيع أن يصلي الرجل وهو كاشف الكتفين ونصف البطن، وإنما لا بد أن يستر أحد عاتقيه على الأقل.
وهنا لغز فقهي يقول: امرأة تصلي فبطلت صلاتها بكلمة من غيرها، كيف ذلك؟

الجواب
أن المرأة التي تصلي أمة، يعني: عبدة مملوكة، وللأمة أن تصلي مكشوفة النحر وجزء من الصدر، لكن لو أنها صلت كاشفة الشعر والنحر، فقال لها سيدها وهي تصلي: أنت حرة، عند ذلك أصبح الشعر والنحر عورة في حقها، فيلزمها تغطيتهما.
ثم قال في الشرح: وستر العورة واجب، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، رواه أبو داود، ومعنى الحديث: أن الله عز وجل لا يقبل صلاة المرأة البالغ إلا بخمار ساتر، فتلبسه وتغطي به نفسها حتى وإن لم يرها أحد.
قال رحمه الله تعالى: ويجب سترها بما يستر لون البشرة من الثياب والجلود أو غيرها، فإن وصف لون البشرة لم يعتد به؛ لأنه غير ساتر.
(11/4)
________________________________________
حدود عورة الرجل والأمة في غير الصلاة
عورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، لما روى أبو أيوب رضي الله عنه أنه -هذه عورة نظر وليست عورة صلاة- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة)، وعن جرهد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (غط فخذك فإن الفخذ من العورة)، رواه أحمد، وفي رواية أخرى عند أحمد: (الفرجان من الرجل)، وفي المقابل فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى أني لأنظر إلى بياض فخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والحقيقة أن عورة الرجل في النظر لا في الصلاة فيها خلاف، هل هي من السرة إلى الركبة؟ أم هي القبل والدبر فقط؟ فمن العلماء من قال: إن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، لحديث جرهد السابق، ومنهم من قال: إن الفخذ ليس بعورة، لحديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يجلس في حجرة عائشة وقد بدا جزء من فخذه فدخل أبو بكر فظل النبي على حاله، ثم دخل عمر فظل النبي على حاله، فلما دخل عثمان أسرع النبي ودارى فخذه وجذب القميص عليه وعدل من جلسته، فقالت عائشة: يا رسول الله ما هذا الذي عملت؟ قال: ألا أستحي من رجل تستحيي منه الملائكة)، ولحديث البخاري في يوم خيبر.
لكن هناك قاعدة أصولية تقول: إن الدليل القولي مقدم على الدليل الفعلي، فحديث: (إن الفخذ عورة) قولي، وحديث: جلسة النبي صلى الله عليه وسلم وقد بدا جزء من فخذه فعلي، فيقدم القول على الفعل، لأنه ربما أنه صلى الله عليه وسلم قد جلس تلك الجلسة لعذر، أو لعل ذلك خاص به، أي: أنه قد يطرأ على الفعل ما يمكن أن يصرف به، أما القول فلا احتمال لفهمه إلا هذا الفهم، وعلى هذا فإن الأحوط من أقوال العلماء: أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة؛ لأن حديث جرهد في هذه المسألة واضح وبين.
والعورة إن كانت تُرى من خلف القميص وجب سترها؛ لأنها لم تُستر بعد.
(11/5)
________________________________________
حدود عورة المرأة في الصلاة وغيرها
والحرة كلها عورة إلا الوجه والكفين، لقوله سبحانه: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]، قال ابن عباس: وجهها وكفيها؛ ولأنه يحرم ستر الوجه والكفين في الإحرام، ولو كانا عورة لم يجز كشفهما، وعنه: في الكفين أنهما عورة؛ لأن المشقة لا تلحق بسترهما، فأشبه سائر بدنها، وما عدا ذلك فعورة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، وعن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله! تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور القدمين)، فالحديثان يتكلمان عن عورة المرأة في الصلاة، وعورة المرأة في الصلاة تختلف عن عورة النظر، وصلاة المرأة في البنطلون باطلة، لا كما يزعم بعض من ينتسب إلى العلم ظلماً وزوراً أن صلاة المرأة بالبنطلون جائز! وذلك حتى نحببهم في الصلاة، ثم بعد ذلك نقول لهم: إن الصلاة بالبنطلون باطلة! إن هذا تميع في دين الله لا يقبل، بل ولا يرضي الله عز وجل، فضلاً عن أن البنطلون للمرأة لا يجوز؛ لأن فيه تشبهاً بالرجال، حتى ولو كانت مع زوجها بمفردها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلبس المرأة لبس الرجل، ولا يلبس الرجل لبس المرأة)، فالبنطال من ملابس الرجال، وليس للمرأة أن تلبس البنطال، وذلك كالعباءة، فهي من ملابس النساء، وليس للرجل أن يلبس العباءة، وإلا فهو متشبه بالنساء، وللمرأة أن تلبس سراويل تحت الجلباب حتى تستر نفسها، ولها أن تصلي في جلباب يجر إلى الأرض فيستر قدميها، والقدم موضع خلاف بين العلماء، لكن هذا الحديث قد حسم هذه القضية فقال: إن صلت في درع وخمار وليس عليه إزار؟ قال: (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها)، إذاً لا بد أن يكون الجلباب يغطي ظهور القدمين، لكن إن ظهر العقب فلا تبطل الصلاة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وعليه فمطلوب من المرأة إذا صلت أن تلبس الخمار والجلباب الطويل حتى تستر نفسها في صلاتها.
(11/6)
________________________________________
عورة الأمة كعورة الرجل
ثم قال رحمه الله تعالى: وعورة الأمة كعورة الرجل، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زوج أحدكم أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإنما تحت السرة إلى الركبة عورة)، وكذلك أم الولد والمعتق بعضها كالأمة، وأم الولد كـ هاجر أم ولد إبراهيم عليه السلام، وهي في الفقه تُسمى كذلك، لا أن نقول: هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام، ولذلك لما سألها جبريل: من أنت؟ فقالت له: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا زوجة إبراهيم، وإنما قالت: أنا أم ولد، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة، فلو أن رجلاً أعتق جزءاً من أمته فإنها تأخذ حكم الأمة تماماً، والكلام هذا لا داعٍ للتفصيل فيه؛ لأنه غير موجود في الواقع.
(11/7)
________________________________________
حكم من صلى في ثوب أو دار مغصوبة
ومن صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة أو توضأ بماء مسروق لم تصح صلاته؛ لأنه استعمل في شرط العبادة ما يحرم استعماله، وهذا كلام الحنابلة، وأما كلام الجمهور: فالصلاة صحيحة مع الإثم، وهذا الكلام معتبر وهو الراجح.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: والقميص الذي يلبسه المسلم ينبغي أن يكون مطابقاً للشرع، فمنه ما هو محرم لذاته، ومنه ما هو محرم لوصفه، فإن كان محرماً لذاته فالصلاة فيه باطلة، كمن صلى في ثوب حرير، أو صلى بثياب عليها تصاوير، أو صلى بثياب نسائية، فعند الحنابلة: الصلاة باطلة، وعند الجمهور: الصلاة صحيحة مع الإثم؛ لأن هذه الثياب محرمة لذاتها.
وأما المحرم لوصفه، كمن صلى مسبلاً، فصلاته باطلة عند الحنابلة، لأنهم لم يفرقوا بين المحرم لذاته والمحرم لوصفه، وعند الجمهور صحيحة مع الإثم، لذا فيحرم على الرجل أن يلبس قميصاً يجر إلى الأرض، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما جاوز الكعبين ففي النار)، وقوله: (ثلاثة لا يزكيهم الله ولا ينظر إليهم ولا يكلمهم يوم القيامة: ومنهم: مسبل الإزار)، أي: أن يجعل القميص أو الجلباب بعد الكعبين.
(11/8)
________________________________________
حكم من صلى في ثوب نجس
وكذلك: من صلى في ثوب نجس، فصلاته باطلة عند الحنابلة؛ ولأن الصلاة قربة منهي عنها على هذا الوجه، فكيف يتقرب بها بما هو عاصٍ به، أو يؤمر بما هو منهي عنه؟! ورواية أخرى عند أحمد رحمه الله تعالى: أن الصلاة تصح؛ لأن التحريم لا يعود إلى الصلاة، كما لو غسل ثوبه بماء مغصوب، أو صلى وعليه عمامة حرير؛ لأن الرأس ليس بعورة، إنما لو ستر فرجه بحرير فهذا كلام مختلف فيه.
ولبس الحرير والذهب مباح للنساء دون الرجال، لما روى أبو موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم)، قال ابن عبد البر: وهذا إجماع.
(11/9)
________________________________________
حكم لبس الدبلة عند الخطوبة
وأما لبس الدبلة عند الخطوبة فلا يجوز، وكذلك الذهب لا يجوز لبسه للرجال عند الخوف من سرقة الفلوس، لأنه لا يجوز للمسلم أن يحل مشكلته بحرام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لبس ذهباً من الرجال لبس في يده نار)، والدبلة عادة ليست إسلامية، حتى وإن كانت من فضة، لأنهم كانوا يعتقدون قديماً أن الدبلة ترتبط بعرق في القلب، واحد اثنين باسم الأب والابن وروح القدس، ويعتقدون أن العرق الذي في الأصبع يمتد إلى القلب، وما دامت الدبلة موجودة فالحب موجود، وإذا خلعت الدبلة خلع معها الحب! لذا قد يعجب المرء من رجل يتزوج أربعاً أين يضع هذه الدبل كلها! وأما الذهب المحلق فحلال للنساء بدون أدنى شك، ويجوز للإنسان أن يلبس خاتماً من فضة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام.
(11/10)
________________________________________
حكم لبس الحرير عند الحاجة
قال رحمه الله تعالى: [إلا عند الحاجة فيجوز للرجل أن يلبس الحرير كحكة أو قمل أو مرض ينفعه لبسه]، أي: إذا كان في الجلد مرض أو حكة، وقال الأطباء: لا بد أن يلبس الحرير، ففي هذه الحالة يجوز لبسه؛ لما روي: (أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرخص لهما في قميص الحرير، فرأيته عليهما)، متفق عليه.
ومن صلى في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأ ذلك، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)، كالفنيلة الحمالة التي لا تستر أحد الكتفين، لذا لا بد أن تستر أحد الكتفين في الصلاة، والصلاة جائزة لكن مع الكراهة؛ للحديث الذي ذكرناه، والمقصود بـ (عاتقيه) أي: كتفيه.
وهنا تنبيه مهم بالنسبة للبس الحرير: فيجوز لمن له حكة في الجلد، وليس هناك ثياباً يستطيع أن يلبسها إلا الحرير، فله ذلك، أما إذا وجدت الثياب واستطاع لبسها، فلا يجوز له لبس الحرير.
(11/11)
________________________________________
حكم صلاة من لم يجد ما يستر عورته
قال رحمه الله: [فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها؛ لأن سترها شرط لصحة الصلاة، وقد قدر عليه، فلزمه كسائر شروطها؛ ولأن ذلك واجب في غير الصلاة ففيها أولى]، أي: إذا لم يجد من الثياب إلا ما يستر عورة النظر فيحصله وصلاته صحيحة.
ثم قال: [فإن لم يكف جميعاً ستر الفرجين]، أي: يستر الفرجين أولاً، ثم من السرة إلى الركبة، فإذا لم يجد إلا ملابس تغطي إما الدبر وإما القبل، فقال بعضهم: يغطي الدبر؛ لأنه إذا ركع وسجد بدا، ومنهم من قال: يغطي القبل؛ لأنه يتوجه به إلى القبلة، وصلاة لاعبي الكرة بالشورت باطلة، انعدم الستر بكل حال صلى جالساً ويومئ إيماءً بالسجود؛ لأنه يحصل به ستر أغلب العورة، وعن أحمد رحمه الله تعالى: يصلي قائماً ويركع ويسجد؛ لأن المحافظة على ثلاثة أركان أولى من المحافظة على شرط واحد (ستر العورة).
فإن حصل أن هناك مجموعة من العراة، فإن الإمام يقف في وسط الصف كالنساء ولا يقف أمامهم، وهذا بالإجماع، لكن هل يصلون قياماً أم قعوداً؟ عند الإمام أحمد في رواية: يصلون قعوداً حتى يسترون العورة في الأرض، ثم يومئوا برءوسهم، وفي الرواية الأخرى: يصلون قياماً؛ لأن القيام والركوع والسجود أركان، وستر العورة شرط، فالمحافظة وتحصيل هذه الأركان أولى من شرط واحد (ستر العورة)، وهذا هو الراجح، ويغمضون عيونهم، وتغميض العينين في الصلاة مكروه إلا لضرورة، كأن تصلي وأمامك شيء يذهب بخشوعك في الصلاة، فلا حرج أن تغمض عينيك عند ذلك.
ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً صلى فيهما ولا إعادة عليه؛ لأن ستر العورة واجب في الصلاة وفي غيرها، وهو مخاطب ومأمور بها، فإذا صلى فقد أتى بما أمر به، فيخرج عن العهدة، لكن: هل عليه أن يعيد الصلاة أم لا؟ روايتان عن أحمد: الأولى: أنه لا يعيد، والثانية: يلزمه الإعادة، والراجح من أقوال العلماء: أنه يعيد إن لم يخرج الوقت، والله تعالى أعلم.
(11/12)
________________________________________
حرمة القدح في العلماء
هناك من الشباب -هداهم الله- هوايتهم القدح في العلماء، فيقول أحدهم: هذا عالم ثورجي! وهذا عالم فوضوي! وهذا عالم كذا؛ لأني سمعت من الشيخ الفلاني يقول عنه كذا وكذا، فأقول: ما شأنك يا قزم؟ فأنت قزم حينما تخطئ حق عالم من العلماء، ولذا لا ينبغي لطويلب علم أن يعطي نفسه الحق في أن يخطئ العلماء بحجة أنه سمع من الشيخ الفلاني يقول عن الشيخ فلان كذا وكذا، فهذا عذر قبيح، بل هذا من صنع السفهاء الذين لم يتعلموا، ولن يصلوا أبداً، لأنهم تركوا لأنفسهم حرية القدح في أهل العلم، ولذا فلحوم العلماء مسمومة، فاحذر أن تأكل السم بنفسك، وإذا قدح بعض أهل العلم في بعضهم، أو تناطح العلماء فيما بينهم، فإن ذلك يطوى ولا يروى، ولا يجوز لأخ فاضل بدأ في طلب العلم أن يبدأ الطريق بتناول العلماء بالسب والقدح، والله تعالى أعلم.
(11/13)
________________________________________
العدة شرح العمدة [12]
الطهارة من الحدث شرط في صحة الصلاة، فإن الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، والطهارة من السكينة تكون في الثوب والبدن وموضع الصلاة، وقد يعفى عن يسير النجاسة، كما أن على المصلي أن يحرص على الطهارة والبعد عن النجاسة؛ حتى تكمل صلاته وتصح.
(12/1)
________________________________________
طهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زلنا في كتاب العدة ومع شروط صحة الصلاة، وقد قلنا: إن شروط صحة الصلاة ستة، وقد ذكرنا منها ثلاثة: الشرط الأول: دخول الوقت.
الشرط الثاني: الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر.
الشرط الثالث: ستر العورة.
(12/2)
________________________________________
الطهارة من النجاسة
قال المصنف رحمه الله: (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه، وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علم بها ثم نسيها فصلاته صحيحة، وإن علم بها في الصلاة أزالها وبنى على صلاته، والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل وقارعة الطريق).
فأما طهارة النعل الذي يصلي به المصلي، فالدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرة بنعله وفيه نجاسة، وصلى الصحابة خلفه بالنعال -لأنهم كانوا يفعلون كما يفعل النبي عليه الصلاة والسلام- فجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بنعله أذى، أي: نجاسة، فخلع نعليه وخلع الصحابة دون أن يسألوا، ولما انقضت الصلاة سألوا، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما أنا فجاءني جبريل فأخبرني أن بهما أذىً)، يعني: نجاسة، فيجب على المصلي أن يتخلص فوراً من النجاسة التي على ثيابه أو نعله، والصلاة في النعال جائزة بضوابط، منها: أن لا يكون فيهما نجاسة، وأن يكون المسجد من حصى، وهذا هو الفرق بيننا وبين أهل الكتاب، فأهل الكتاب لا يصلون في نعالهم، وإنما هي خاصية لهذه الأمة المحمدية.
(12/3)
________________________________________
طهارة المكان من النجاسة
وأما طهارة المكان، فلحديث أبي داود: أن رجلاً دخل المسجد فبال فيه، فهم به الصحابة ليزجروه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (دعوه حتى يكمل بولته، ثم أريقوا عليها سجلاً من ماء)، ففي الحديث أنه لا بد من طهارة مكان الصلاة.
(12/4)
________________________________________
طهارة الثوب من النجاسة
قال في الشرح: (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته)، لقوله عليه السلام لـ أسماء بنت عميس في دم الحيض: -فقد كانت تصاب بحيض واستحاضة، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحك دم الحيض- (حتيه) -أي: اقرضيه- (ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء وصلي فيه)، فقد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة النجاسة قبل الصلاة، فدل ذلك على أنها ممنوعة من الصلاة فيه قبل غسله.
وهنا

السؤال
هل يجوز للمرأة أن تصلي في ثوب أصابه دم الحيض؟

الجواب
نعم، بشرط أن تحته ثم تقرصه ثم تغسله، ومعنى: تحته: أي: أن تمسك الدم ثم تخلل بين أجزائه، وعليه فهذه ثلاث خطوات: تحُت، ثم تقرض، أي: تعصر، ثم تغسل حتى يزال الدم، ولذا فالحديث دليل على أنه لا بد من إزالة النجاسة من الثوب الذي يصلي فيه المصلي، إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه، لأنه عفي عنها لمشقة التحرز على ما سبق في باب المياه، والمصنف رحمه الله تعالى يقرر أن الدم نجس، ولكن الراجح أنه ليس بنجس، لكن لو أصاب الثوب دم كثير فينبغي أن يزال، وهنا يأتي سائل فيقول: ثوبي مصاب بدم برغوث، فهل تجوز الصلاة فيه؟
و
الجواب
أن كل ذلك ورع يا عبد الله! فيعفى عن يسيره طالما يشق أن تتحرز منه، والمشقة تجلب التيسير، وهناك أناس يضيقون على أنفسهم، فربما قد تأتي أشياء لا يمكن بحال أن تتحرز منها، كسيارة تسير في الطريق فجاء على قميصك رذاذ، فهذا الرذاذ غير متميز، وهناك مشقة في إزالته، فيعفى عن يسير النجاسة طالما أن هناك مشقة في إزالتها.
(12/5)
________________________________________
حكم من صلى وعلى ثوبه نجاسة لم يكن علم بها أو علم بها ثم نسيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علم بها ثم نسيها)، أي: إن صلى المسلم وفي ثوبه نجاسة لم يكن يعلم بها، أو علم بها لكنه نسيها، ففيه روايتان عن أحمد: إحداهما: يعيد، لأنها طهارة واجبة فلم تسقط بالجهل كالوضوء، والثانية: لا يعيد؛ لما روى أبو سعيد رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم، فقال: مالكم خلعتم نعالكم؟)، فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: (أما أنا فأتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً)، فوجه الحجة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن علم بالنجاسة حتى أخبر بها، وبنى على صلاته، ولو علم بالنجاسة وهو في الصلاة، فإن أمكنه أن يزيلها بغير عمل كثير أزالها وبنى على صلاته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يمكنه إلا بعمل كثير استأنفها، كالسترة إذا وجدها وهو في الصلاة بعيدة منه، لأن اتخاذ السترة واجب من واجبات الصلاة.
واختار الشافعي رحمه الله تعالى وهو رواية عن أحمد كما ذكرنا: أنه يعيد طالما أن الوقت لم يخرج بعد، ومعنى رواية عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن أحد تلامذته نقل عنه رأياً، ثم نقل تلميذ آخر رأياً آخر، والعلامة المرداوي في كتاب: (الإنصاف في الراجح من مسائل الخلاف) قد رجح بين الروايات في المذهب الواحد، لا في المذاهب المتعددة.
والراجح: أن الوقت إذا لم يخرج فإن عليه أن يعيد الصلاة، فإن خرج الوقت فلا إعادة، ويعذر بخطئه وبعدم علمه، وكذلك: من صلى بثوب نجس، ثم علم بالنجاسة وهو في الصلاة، فإن أمكنه إزالة النجاسة بحركة يسيرة أزالها؛ للحديث الذي رواه البخاري في كتاب الصلاة: أن الشقي عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فوضع على ظهره الشريف سلا الجزور، فجاءت ابنته فاطمة رضي الله عنها وأزالت النجاسة عن أبيها، وأكمل النبي عليه الصلاة والسلام صلاته، قال البخاري في صحيحه وابن حجر معلقاً: وفي الحديث: إذا عرضت للمصلي نجاسة فاستطاع أن يزيلها أزالها وأتم الصلاة، وإن لم يستطع إزالتها إلا بحركة كثيرة تخل بالصلاة، أزالها ثم أعاد الصلاة من أولها.
(12/6)
________________________________________
مواضع النهي عن الصلاة
قوله: (والأرض كلها مسجد)، أي: أن الأرض كلها مسجد تصح الصلاة، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند البخاري في كتاب التيمم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس كافة)، فالشاهد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً)، أي: كل الأرض يجوز أن تصلي فيها إلا المقبرة، فلا تصل في المقبرة ولا تصل إلى القبور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، وقوله: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تتخذوا القبور مساجد)، فكل هذه النصوص المحكمة الواضحة البينة تدل على أن الصلاة في المساجد التي فيها قبور لا تصح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كان المسجد قد بني أولاً ينبش القبر ويزال من المسجد، وإن كان القبر قبل المسجد فيهدم المسجد؛ لأنه لا يجتمع قبر مع مسجد في دين الإسلام أبداً، ولذلك أقول: هذه ظاهرة منتشرة عندنا وفي بعض البلاد الإسلامية، فتدفن الأموات في المساجد، وتقام لها الأضرحة، ثم يطاف بها، ويسمى المسجد باسم صاحب الضريح، وتعجب عندما تجد أن علماء السوء يدافعون عن هذا، ولا غرو في ذلك؛ لأن صناديق النذور تجلب الملايين من السفهاء والأغنياء، حتى لو خرج صاحب الضريح حياً لقتلوه مرة أخرى للمصلحة التي تعود إليهم! وهذه قصة تدل على جهل هؤلاء الذين يطوفون بالقبور يُذكر أن رجلين جاءا بجحش ودفناه، وأعدا له مقاماً ليطوف الناس به، وفعلاً عندما كان الناس يأتون إلى المسجد يطوفون بالقبر، وتقول: مقام سيدي جحش! فاختلف الرجلان على صندوق النذور -لأنه يجلب الكثير- فقال أحدهما للآخر: وهل نسيت أننا دفناه مع بعض؟ أي: أنه لا يفعل هذا الفعل إلا من لا عقل له ولا شرع عنده، ولذا فالمساجد ليست مكاناً للدفن، وليست مكاناً للقبور أبداً.
وهنا شبهة عريضة يرددها بعض الناس: إن قبر النبي في مسجده، وهذا كذب وافتراء، فقبر النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة، وكان المسجد يبعد عن الحجرة إلى أن جاء عبد الملك بن مروان في زمن الدولة الأموية فوسع المسجد وألحق به الحجرة، يعني: أن الأمر أولاً لم يكن في عهد الخلفاء الراشدين، والنبي عليه الصلاة والسلام قد نهانا أن ندفن في المسجد، فلم هذا الإصرار العجيب على هذا الفعل الذي يخالف الشرع؟! إن لم يكن فيه إلا ما يحدث من طواف وطلب للمدد فيكفي.
وأذكر أن رجلاً نذر خروفاً للبدوي إن نجح ابنه في الثانوية -والنذر لغير الله شرك- فشاء الله أن يمرض الخروف، ثم شاء الله أن يموت الخروف، فإذا به يقول: يا بدوي لم استعجلت عليه؟ كنت سآتيك به بعد أيام! فأثبت له أنه يحيي ويميت من دون الله عز وجل، إنها سفاهة عقول خربة، حتى المرأة إذا أرادت الحمل قيل لها: اذهبي إلى مقام سيدي فلان، وطوفي به واذبحي له، إلى هذا الحد ما زلنا نقوم بهذه الأعمال الشركية، فإن تحدثنا ونهرنا ومنعنا قالوا: أصوليون، متحجرون، إرهابيون، رجعيون، متخلفون، وخذ المصطلحات الكثيرة من قاموس البذاءات، ونسأل الله العافية.
وكذلك: لا يجوز الصلاة في الحمام والحش، أي: موضع قضاء الحاجة، وأعطان الإبل، أي: المكان الذي تبرك فيه، فهذه الأماكن الأربعة التي لا يجوز فيها الصلاة من سائر الأرض.
قال الشارح: أما المقبرة والحمام؛ فلما روى أبو سعيد في سنن أبي داود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)، وأما الحش فبطريق التنبيه عليه بالنهي عن هذين الموضعين، أي: إن كان الحمام لا تجوز فيه الصلاة، فمن باب أولى الخلاء، وأما أعطان الإبل؛ فلما روى جابر بن سمرة كما عند الإمام مسلم: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل لعلتين: الأولى: أن الإبل بها شيطنة، فحينما تثور لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها.
الثانية: أن الإبل حينما تبرك تستر النجاسة التي تنفصل عنها، وهي مظنة النجاسة.
ولذا قال الشارح: ولأنها مظنة النجاسة، فإن البعير إذا برك صار سترة للبائل -يعني: يستر البول- بخلاف الغنم فإنها لا تستر، فأقمنا المظنة مقام حقيقة النجاسة.
بمعنى: أن الإبل قد تستر ما تحتها من نجاسة -وليس معنى ذلك أن بول الإبل نجس- فنظن أن هناك نجاسة، وطالما أننا نظن فلا نصل في ذلك الموضع.
وأنا لست في مجال الحكم على الصلاة في المساجد التي بها قبور، فأقول: الصلاة باطلة أو
(12/7)
________________________________________
استقبال القبلة
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الشرط الخامس: استقبال القبلة)، أي: أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة؛ لقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144]، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى في المدينة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً إلى المسجد الأقصى، وكان بعد كل صلاة يقلب بصره في السماء سائلاً الله عز وجل أن يحول القبلة إلى المسجد الحرام، فأنزل الله عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144].
ثم قال: (إلا في النافلة على الراحلة والعاجز)، فاستثنى اثنين من شروط استقبال القبلة: النافلة على الراحلة، والعاجز، كمريض مربوط، أو لا يستطيع أن يتحرك في سرير مرضه، أو أسير مربوط في اتجاه غير اتجاه القبلة، أو في صلاة الخوف؛ لأنه ليس من الحكمة أن أعطي ظهري للعدو وأصلي إلى القبلة.
(12/8)
________________________________________
سقوط استقبال القبلة للعاجز والمتنفل على الراحلة
قال الشارح: (إلا في النافلة على الراحلة للمسافر فإنه يصلي حيث كان وجهه، لما روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسبح -يعني: يصلي- على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، وكان يوتر على بعيره صلى الله عليه وسلم، متفق عليه)، وعليه فيجوز للإنسان وهو في القطار أو في السيارة أو على البعير أو على الدابة أن يصلي وهو جالس، وليس شرطاً أن يستقبل القبلة، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة ساجداً على راحلته صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]، وهذا في صلاة النافلة على الراحلة فحسب، وأما في الفريضة فلا بد فيها من استقبال القبلة.
ثم قال الشارح: (والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره؛ لأنه فرض عجز عنه أشبه القيام؛ لأن الله قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239])، أي: صلوا قياماً على أرجلكم، أو وأنتم راكبون في حال القتال، ولذا فإن عجز عن استقبالها في حال الفرض جاز له أن يصلي إلى جهة غير القبلة، كالمسافر في الطائرة سفراً طويلاً، كيومين أو ثلاثة، فله أن يصلي إلى غير اتجاه القبلة؛ لأنه عاجز عن استقبالها، وله أن يصلي قاعداً إن عجز عن القيام، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة -طالما أنه مسافر- حتى يخرج وقت الصلاة الأخرى، كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، فحد أقصى أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر، أما أن يخرج وقت الظهر ويخرج وقت العصر، أو يخرج وقت المغرب ويخرج وقت العشاء ولا صلاة، فلا يجوز ذلك مطلقاً، وإنما يصلي حسب قدرته واستطاعته، لأن الله قال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وأما إن كان في سيارة وسيقف بعد ساعة أو ساعتين، فلا بد عليه أن ينتظر حتى يحقق القيام في الصلاة، ولا يجوز له أن يصلي إيماءً ويقول: إنه مسافر، بل طالما أنه يستطيع القيام واستقبال القبلة فلا بد من ذلك، وهذا الكلام في حال العجز التام عن استقبالها، والأمر ليس بيده.
(12/9)
________________________________________
إصابة عين الكعبة لمن كان قريباً منها وجهتها لمن كان بعيداً عنها
قال المصنف: (فإن كان قريباً منها -أي: الكعبة- لزمته الصلاة إلى عينها)، ففرق بين ثلاثة أشياء: من هو داخل المسجد الحرام، فهذا يستقبل عين الكعبة، ومن هو داخل مكة، فهذا يستقبل المسجد الحرام، ومن في أقطار الأرض، فهذا يستقبل مكة، وعليه فنحن نصلي إلى جهة مكة، ولا يقل قائل: نحن نصلي إلى جهة المسجد الحرام أو إلى الكعبة، ولعل هذا في سورة البقرة بين وواضح، فإذا كنت تصلي داخل المسجد فيلزمك أن تتوجه إلى الكعبة، وإن كنت تصلي في مكة فيلزمك أن تتوجه إلى المسجد الحرام، وإن كنت تصلي في خارج مكة فيلزمك استقبال مكة المكرمة؛ لأن مكة يطلق عليها المسجد الحرام، والراجح من أقوال أهل العلم: أن مكة كلها حرم، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة:217]، فالمسجد الحرام المقصود به هنا: هو مكة بدون شك، وليس إخراج الناس من المسجد، بل من مكة، ولذلك يقول ربنا: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة:28]، فالمقصود بالمسجد الحرام هو مكة بإجماع المفسرين، فلا يجوز لمشرك أن يدخل مكة، ثم قال الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة:28]، أي: إن خفتم فقراً فلا تخافوا، أو خفتم أن ينقطع العون والمدد فما عند الله أكثر، أو خفتم أن تنقطع الإعانات والدعم فلا تحزنوا.
(12/10)
________________________________________
حكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في الحضر
ثم قال رحمه الله تعالى: (وإن كان بعيداً فإلى جهتها)، لأنه لا يستطيع إصابة العين بخلاف القريب.
قال: (وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة)، أي: إن كان لا يعرف جهة القبلة، واجتهد في تحديدها، ثم صلى وبان له خطؤه بعد ذلك، فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، وإن صلى دون أن يجتهد في معرفة القبلة، فيلزمه الإعادة، وإن صلى في مسجد وجاء آخر فقال له: القبلة في الجهة الأخرى، لزمه الاستدارة إلى اتجاه القبلة؛ لما ثبت أن أهل قباء استداروا في صلاة الفجر وهم يصلون بعد أن وصلهم خبر تحويل القبلة، ولم يسلموا ويخرجوا من الصلاة، وإنما استداروا في الصلاة.
وقول المصنف: (واستدل بمحاريب المسلمين)، وكلمة: (المحاريب) قد يفهمها البعض بأنها التجويف الذي في الحائط، لا، بل المحاريب مكان الصلاة، قال تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران:39]، أي: في مكان صلاته، لا في المكان المجوف الذي يعمله المسلمون اليوم، فهو من البدع المحدثة، وقد دفع ذلك الشيخ الجزائري بقوله: طالما أنه أقيم للإرشاد إلى جهة القبلة فليس بشيء، لكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى يرى أنه بدعة، والمهم أننا نمتثل خير الهدي، وخير الهدي هو هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهل أقام عليه السلام تجويفاً في حائط؟ ما أقام عليه الصلاة والسلام، لكن أحياناً الضرورة تستدعي ذلك: كأن يكون المسجد ضيقاً، فإن دخل الإمام في هذا التجويف ترك صفاً، ففي هذه الحالة ليست للتعبد وإنما لسعة المسجد، فتختلف الأمور عند ذلك، والخلاصة: أن السنة أن لا تقام هذه التجاويف في الحوائط، وإنما المحاريب هي أماكن الصلاة.
(12/11)
________________________________________
حكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في السفر
ثم قال رحمه الله تعالى: (وإن خفيت القبلة في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه)، وإن أخطأ؛ لأنه أتى بالمأمور فيخرج عن عهدة الأمر، ودليل أنه أتى بما أمر به: أنه اجتهد وليس عليه أكثر من الاجتهاد، وهو مأمور بالصلاة إلى الجهة التي يغلب على ظنه بعد الاجتهاد أنها جهة الكعبة، قال: (وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما الآخر)، لأنهما تعارضا فتساقطا، ثم قال: (ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه) كما نقول في الأحكام.
(12/12)
________________________________________
شرط النية
الشرط السادس: النية، وقد اعتبرها بعض العلماء ركناً، وبعضهم اعتبرها شرطاً، وهنا اعتبرها شرطاً، وقد فرقت سابقاً بين الركن والشرط، وعليه فالنية شرط لصحة الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، قبل دخوله الصلاة، فإن نوى أن يصلي الظهر فلا يجوز له أن يصلي العصر بنية الظهر، لأن الأعمال بالنيات، والنية محلها القلب، ويعبر عنها بالإرادة، وبالابتغاء وبالباعث، يقول ربنا عز وجل: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ} [الليل:19 - 20]، والابتغاء يعني: النية، وقال تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران:152]، فالإرادة هنا بمعنى: النية، ولأنها عبادة أشبهت الصوم، ويجب أن ينويها بعينها إن كانت معينة ظهراً أو عصراً لتتميز عن غيرها، وإن كان سنة معينة كالوتر لزمه تعيينها، وإن لم تكن معينة كالنافلة المطلقة أجزأه نية الصلاة، لأنها غير معينة، والنية تقدم على التكبير بلا شك؛ لأنها لا بد أن تسبق أول أعمال الصلاة، وهي تكبيرة الإحرام.
والله تعالى أعلم.
(12/13)
________________________________________
العدة شرح العمدة [13]
يستحب للعبد عند المشي إلى الصلاة أن تكون خطاه متقاربة، وعليه السكنية والوقار، لأنه في صلاة ما قصد الصلاة، وإذا أتى المسجد شرع له الدخول مباشرة مع الإمام إذا كان قد شرع في الصلاة، كما أن على المصلي أن يلتزم بآداب الصلاة داخل المسجد وخارجه.
(13/1)
________________________________________
أمور في الصلاة يجب التنبيه عليها
قبل أن ندخل في باب: آداب المشي إلى الصلاة، أحب أن أتكلم وأنبه على أمور تحدث في الصلاة، فأقول: سأصلي أمامكم على المنبر، لحديث مالك بن الحويرث عند البخاري قال: ما أردت أن أصلي، ولكن أردت أن أبين لكم كيف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا فالتعليم بوسائل الإيضاح من أهم الوسائل لوصول ورسوخ المعلومة، لأننا في المساجد قد نجد واحداً يضع يده هكذا، والآخر هكذا، والثالث تحت السرة وهكذا، كما نجد أيضاً عند الاعتدال من الركوع يرفع البعض يديه، وفريق آخر لا يرفع، مع أن الثابت أن يرفع المسلم يديه عند الرفع من الركوع خلافاً للمالكية، لأنهم لا يعملون بخبر الآحاد إذا خالف عمل أهل المدينة، وهذا كلام في أصول المالكية.
والمهم أنني أريد أن أقول: إننا نختلف بجوار بعضنا البعض في كيفية الصلاة! رغم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ونقل الصحابة لكيفية صفة صلاته عليه الصلاة والسلام بل حتى عندما كان يقرأ في الصلاة وأصابته عطسة فقطع القراءة وركع، وتحريك الأصبع في التشهد، ووضع اليدين على الركبتين في حال الركوع، كل ذلك نقلوه عن النبي عليه الصلاة والسلام نقلاً دقيقاً، وعليه فلا يجوز للمسلم أن يخالف في ذلك.
أيضاً: التأمين فلا زلنا نخطئ فيه ونصر على الخطأ، قال شيخنا العلامة الألباني رحمه الله تعالى: إنه لا بد حتى يحصل المأموم على الأجر أن يوافق تأمينه تأمين الإمام.
أما نحن فحالنا أننا نسبق الإمام بالتأمين، فبمجرد أن يقول: {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7]، نقول بسرعة: آمين، والإمام لم يشرع بعد في قول آمين، بينما لو وافق تأمين المأموم للإمام غفر له ما تقدم من ذنبه.
كذلك: تجد البعض عندما يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام أو عند الركوع أو عند الرفع من الركوع يرفعهما وكأنه ينش الذباب، أو يرفعهما بكسل جداً، أو يرفعهما كالسيف! والسنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام أن تكون الأصابع متجهة إلى القبلة، وفي حذو المنكبين تحت شحمة الأذنين، لحديث أبي داود رحمه الله تعالى.
لكن تعال في زمننا اليوم، فتجد أن كل واحد يرفع يديه حسب هواه، وكيفما أراد، بل بعضهم قد لا يرفع أبداً، ولذلك حينما نتعلم كيفية صفة الصلاة لا بد أن ننقلها إلى العباد في كل مسجد، فنقول: إن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هي: أن يكبر المسلم تكبيرة الإحرام، ثم يضع اليمنى على اليسرى في أول الصدر، ثم يقول دعاء الاستفتاح وينظر إلى محل سجوده، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يركع، ثم يرفع من الركوع، ثم يسجد على سبعة أعظم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف يداً ولا شعراً)، ونعمل ذلك عملياً أمام الناس، ثم يبين حركة الإصبع عند التشهد، ثم ينقل الخلاف: هل النزول إلى السجود على الركبتين أم على اليدين؟ فالشيخ أبو إسحاق يرى النزول على اليدين أولاً، وابن القيم في زاد المعاد يقول: لا بد من النزول على الركبتين، والراجح: النزول على اليدين، وسأبين سبب ذلك إن شاء الله تعالى، والمهم حركة الإصبع في التشهد، لأننا نجد البعض قد يعمل بأصابعه هكذا، فيقبضها ثم يبسطها، والسنة أن تكون الأصبع تجاه القبلة لا تتحول عنها، والبعض الآخر قد يحلق بإصبعه كذا، والذي بجانبه متضايق منه، والبعض أيضاً: عندما يقف في الصف يريد أن يضع رجله في رجل الذي بجانبه، بل وربما قد يضعها فوق رجل أخيه! والبعض كذلك: قد يفتح رجليه مائتين وثمانين درجة! فيقف في الصف مباعداً بين رجليه، وكذلك بعض الناس قد يقف في الصلاة مكتوفاً هكذا، وهو يظن أنه على حق، وسأنقل لكم الكيفية بالنصوص، والجمع بين الأدلة كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأموراً أخرى عجيبة في الصلاة نراها ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(13/2)
________________________________________
آداب المشي إلى الصلاة
وسنشرع في باب: (آداب المشي إلى الصلاة) فنقول: قال المصنف رحمه الله تعالى: [يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ويقارب بين خطاه، ولا يشبك أصابعه، ويقول: باسم الله: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:78] الآيات إلى قوله: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:89]، ويقول: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، فإذا سمع الإقامة لم يسع إليها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).
وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وإذا أتى المسجد قدم رجله اليمنى في الدخول، وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك].
(13/3)
________________________________________
المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار
يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، لأن العبد إذا خرج من بيته فهو في صلاة، فإذا أتى والإمام ساجد، فلا ينتظر حتى يقوم، فإن ذلك فيه مخالفة للنص: (فما أدركتم فصلوا)، وكذلك إذا أتاه وهو قائم أو راكع، لكن البعض قد يجد الإمام ساجداً فيقول: قد فاتت الركعة، ولا يدخل مع الإمام، فنقول له: هب أن ملك الموت أتاك وأنت خارج الصلاة، ولم تدخل بعد، فكان الأفضل لك أن يأتيك وأنت داخل الصلاة، وكذلك النص فيه: أن المأموم يدخل مع الإمام على أي هيئة كان.
وتعال إلى بعض المساجد، فتجد أن المأموم يدرك الإمام وهو راكع، فيريد المأموم أن يدرك الركعة، فيقول بصوت حتى يسمعه الإمام: إن الله مع الصابرين! فهذا العمل لا يجوز، لأن العبد مأمور بأن ما أدركه من الصلاة صلى، وما فاته أتم.
(13/4)
________________________________________
مقاربة الخطا عند المشي إلى الصلاة
قول المصنف: (ويقارب بين خطاه)، أي: يكثر من خطواته عند ذهابه إلى المسجد، لأن تلك الخطوات مكتوبة له في صحائف عمله، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس:12]، فخطوة ترفعك درجة، وخطوة تحط عنك خطيئة، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم كما في مسند ابن حميد رحمه الله تعالى، وكذلك فعله أنس وهو يسير مع تلميذه ثابت البناني، قال ثابت: كنت أسير مع أنس بن مالك فضيق الخطا، فقلت: يا أنس ما هذا الذي تصنعه؟ فقال: أما تعلم يا ثابت أن خطواتنا إلى بيت الله عز وجل تكتب في صحائف أعمالنا؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح)، وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط).
(13/5)
________________________________________
النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة
وقوله: (ولا يشبك أصابعه)، أي: في الصلاة، وعند الإتيان إليها، والبخاري رحمه الله تعالى قد أورد حديثاً في صحيحه، فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ناسياً، ثم قام إلى مؤخرة المسجد وشبك بين أصابعه)، فقام رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ما قصرت الصلاة ولا نسيت، ثم قال: أحقاً ما قال ذو اليدين؟، - وفي القوم أبو بكر وعمر - فقالوا: نعم يا رسول الله، ثم صلى بهم ركعتين وسجد للسهو بعد التسليمتين، فكيف نجمع بين النهي عن التشبيك بين الأصابع في الصلاة وبين هذا الحديث الذي ورد فيه: (وشبك بين أصابعه)؟ قال ابن حجر في الفتح: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد انصرافه من الصلاة، أما والمسلم في صلاة أو هو آتٍ من بيته إلى المسجد فلا يجوز ذلك، ولذلك بوب البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة باب: (تشبيك الأصابع في المسجد)، ليجمع بين النصوص التي تنهى عن التشبيك، والنصوص التي تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله.
(13/6)
________________________________________
صلاة ركعتين عند دخول المسجد
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويقول: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ")، هذا الدعاء ليس عليه دليل، وإنما الصواب أن يقول دعاء الخروج من البيت: (اللهم اجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، ومن خلفي نوراً، ومن فوقي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، واجعل لي نوراً)، وهذا هو الثابت في دعاء الخروج، فإذا وصل إلى المسجد دخل برجله اليمنى - وكم أحزن عندما أجد مسلماً يدخل المسجد برجله اليسرى - وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج خرج برجله اليسرى وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب فضلك.
ويستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، وإن كان دخوله في وقت سنة صلى السنة وأجزأته عن التحية، وإن كان دخوله والناس يصلون فرضاً صلى معهم وأجزأته عن تحية المسجد، وعليه: فالمهم أن يكون أول فعل يفعله عند دخوله المسجد أن يصلي.
وكذلك يوم الجمعة إذا جاء والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من جاء والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين)، ومن باب أولى من جاء إلى حلق العلم، فلا يجوز له أن يجلس حتى يصلي ركعتين.
(13/7)
________________________________________
الانتظار للصلاة صلاة
ثم ينتظر في مصلاه حتى يأمر الإمام المؤذن بالإقامة، وهذه هي السنة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، لا كما يفعله بعض الناس في المساجد، فتجد أحدهم يأمر المؤذن بالإقامة أو ربما قد يحدث فوضى في المسجد، ونسي أن هناك آداباً للمسجد لابد أن تراعى، بل الأعجب من ذلك أن تجد بعض المصلين يصلون لحالهم ثم ينصرفون قبل الجماعة الكبرى، وهذين مثالين يبينان جهل الناس بهذا الأمر: الأول: لو أن بعض الناس دخلوا مسرحاً، وأخبروا بأن الستار سيرفع في الثامنة، فقال أحدهم: بل في الثامنة إلا خمس! لقالوا له: ما شأنك أنت؟! ولا يمكن أن يؤمر برفع الستار إلا في الوقت المحدد، والمخرج الفني هو الذي يأمر بذلك، والجمهور كأن على رؤوسهم الطير.
الثاني: أن الحكم هو الذي يأمر ببداية المباراة ونهايتها، فهو الذي يملك تحديد الوقت، الوقت الضائع والوقت بعد الضائع، وهو الذي ينظر ويعطي الأمر بالإشارة، ولا يقوم بذلك أحد غيره.
(13/8)
________________________________________
إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة نافلة
قوله: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، أي: إذا أقيم للصلاة فلا يجوز التنفل، خلافاً للأحناف؛ لأن أفضل وقت عندهم للصلاة هو آخره وليس أوله، وهذا تجده كثيراً في الحرم المكي، فتجد الشيخ يصلي الفجر وبعضهم يصلي السنة، والحديث حجة عليه: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وهذا ليس فيه جدال، لكن لو أقيمت الصلاة والمسلم يصلي النافلة، فما الحكم؟

الجواب
أنه بالخيار، فإن استطاع أن يتم قبل أن يدخل الإمام في تكبيرة الإحرام ودعاء الاستفتاح فليتم، لأن الإقامة وتكبيرة الإحرام تحتاج إلى وقت، لكن لو أنه في الركعة الأولى وأقيمت الصلاة، ففي هذه الحالة يخرج من الصلاة دون تسليم، وهذا اختيار فقهائنا، والله تعالى أعلم.
وأما صلاة النافلة بعد الفجر فتجوز، أي: صلاة سنة الفجر إن فاتت.
(13/9)
________________________________________
العدة شرح العمدة [14]
علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كل دقائق الصلاة، وهم نقلوا لمن بعدهم كل أفعاله في اختلاف أحواله عليه الصلاة والسلام، فلابد للمسلم من الحرص على تتبع هديه ومعرفة كيف صلى؛ حتى يصلي صلاة صحيحة موافقة لصلاة نبيه صلى الله عليه وسلم.
(14/1)
________________________________________
صفة الصلاة
الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فنشرع بعون الله وفضله وتوفيقه في كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمرنا أن نصلي كما صلى، فقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وفي الحديث: أنه رأى رجلاً يسيء في صلاته -وما أكثر من يسيء في صلاته- فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، فأمره بإعادة الصلاة؛ لأنه لم يصل على الكيفية التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
والمتأمل في حال الأمة اليوم يجد أن كثيراً من الناس يصلي وهو لا يصلي؛ لأنه يجهل كيف صلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كنا في مسجد واحد نختلف فيما بيننا، فهذا يرفع وهذا لا يرفع، وهذا يضع يده على صدره وهذا يضع يده تحت سرته، وهذا يضعها عن يساره، وهذا يضعها عن يمينه إلى غير ذلك من الاختلاف الذي لا ينبغي أن يكون، لاسيما بين أهل السنة الذين يلتزمون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك خصصت هذا الحديث عن صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، مع اعتبار أن هناك أموراً فيها خلاف بين العلماء، سنحصرها ثم نبين الراجح منها، مع العلم أنك قد تختلف معي في وجهة النظر في هذه المسألة، لكن سأذكر الرأي الراجح نقلاً عن أهل العلم.
ومن هذه المسائل: مسألة وضع اليمنى على اليسرى بعد الاعتدال من الركوع.
ومسألة النزول إلى السجود: هل يكون على الركبتين أم على اليدين قبل الركبتين؟ ومسألة تحريك السبابة في التشهد: هل تحرك أم لا تحرك؟ وما الفرق بين الحركة والقبض والبسط؟ ومسألة: الفرق بين التورك والافتراش، ومتى تتورك ومتى تفترش؟ ولبيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أقرأ أولاً متن العدة، ثم أقوم بالشرح والتعليق مع بيان المرجوح في هذا الكتاب من أقوال العلماء.
قال رحمه الله: [باب صفة الصلاة: إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، يجهر بها الإمام، وبسائر التكبير ليسمع من خلفه، ويخفيه غيره، ويرفع يديه عند ابتداء التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه، ويجعلهما تحت سرته، ويجعل بصره إلى موضع سجوده، ثم يقول (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، ثم يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ} [الفاتحة:1] ولا يجهر بشيء من ذلك؛ لقول أنس: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم).
ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها إلا المأموم، فإن قراءة الإمام له قراءة، ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وفيما لا يجهر فيه، ثم يقرأ بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل -بكسر الطاء- وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوسطه، ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح والأولين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذلك.
ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول، ثم يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه، ويمد ظهره، ويجعل رأسه حياله، ثم يقول: سبحان ربي العظيم.
ثلاثاً.
ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه كرفعه الأول، فإذا اعتدل قائماً قال: ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، ويقتصر المأموم على قول: ربنا ولك الحمد.
ثم يخر ساجداً مكبراً، ولا يرفع يديه، ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم كفاه ثم جبهته وأنفه، ويجافي عضديه عن جنبه، وبطنه عن فخذيه، ويجعل يديه حذو منكبيه، ويكون على أطراف قدميه، ثم يقول: سبحان ربي الأعلى.
ثلاثاً.
ثم يرفع رأسه مكبراً، ويجلس مفترشاً، فيفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويثني أصابعها نحو القبلة، ويقول: رب اغفر لي.
ثلاثاً.
ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى، ثم يرفع رأسه مكبراً وينهض قائماً، فيصلي الثانية كالأولى.
فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشاً، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، يقبض منهما الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة في تشهده، ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فهذا أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد يقول: اللهم صل على محمد
(14/2)
________________________________________
معنى تحية المسجد
تحدثنا فيما مضى عن آداب المشي إلى المسجد، فإذا دخل المسجد يدخل برجله اليمنى ويقول: (باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك).
فإذا دخل إلى المسجد صلى تحية المسجد، وإذا كان هناك سنة راتبة للفريضة تجزئ عن تحية المسجد؛ لأن تحية المسجد معناها أن يكون أول فعل للقادم للمسجد هو الصلاة؛ فإن صلى نافلة أجزأ، وإن وجدهم في الفريضة أجزأ، هذا معنى تحية المسجد، فحينما يدخل يصلي صلاة النافلة الثابتة للفريضة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يجلس -والعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة- يستغفر ويتأدب بآداب المسجد حتى تقام الصلاة.
(14/3)
________________________________________
وقت قيام المصلي لصلاة الجماعة
متى يقوم المصلي للصلاة؟ خلاف بين العلماء، والراجح أنه يقوم إذا شرع المؤذن في الإقامة ورأى الإمام؛ لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقوموا حتى تروني) وهو الإمام، فلا يجوز للمأموم أن يقوم إلا إذا رأى الإمام، سواء في أول القيام أو أوسطه أو آخره، الكل سواء، وليس معنى ذلك أن ينتظر حتى يقول: قد قامت الصلاة كما قال بعض العلماء، لا.
إنما بمجرد أن يرى الإمام ويشرع المؤذن في الإقامة، فله أن يقوم.
وهذا هو القول الراجح، ولكن نحن نقوم أحياناً ولم يشرع المؤذن في الإقامة، وهذا خطأ موجود في المساجد يقع فيه الكثير، نعم أنت رأيت الإمام ولكن لابد لكي تقوم أن يشرع المؤذن في الإقامة، ولا تقوم حتى ترى الإمام.
والعلة في ذلك: أنك ربما تقوم ويتأخر الإمام أو يعرض له عارض، لما في البخاري: أنه صلى الله عليه وسلم قام ليصلي بأصحابه، وبعد أن سواهم وتوجه إلى القبلة تذكر أنه جنب -والنسيان هنا للتشريع- فقال لهم: كما أنتم.
ودخل واغتسل وخرج وهم قيام، ولم يأمر بالإقامة مرة أخرى.
يقول ابن حجر في الفتح معلقاً: (وفي الحديث بيان أنه ربما يعرض للإمام عارض فيظل المأموم على حاله) وهب أنك قمت ولم تر الإمام، ثم تأخر الإمام لعارض، فإنك تظل قائما؛ ً فإذاً لا قيام إلا حينما ترى الإمام.
(14/4)
________________________________________
تسوية الصفوف في الصلاة
إذا قام الإمام إلى الصلاة ليصلي فإن أول أمر يجب عليه فعله هو أن يسوي الصفوف، لأن تسوية الصف من تمام الصلاة، وتسوية الصفوف تتم عن طريق لزق المنكب بالمنكب، يعني: الكتف بالكتف، والكعب بالكعب، وليس معنى ذلك: أن تكون كذلك طوال الصلاة، لكن المقصود هو المحاذاة، وليس المقصود أن تضايق من بجوارك، وتضع قدمك فوق قدمه، فإن الدكتور بكر أبو زيد له كتاب اسمه: لا جديد في أحكام الصلاة، ذكر فيه هذا، وبين أن المقصود هو: المحاذاة، والعلة هي المحاذاة، فإن تم التحاذي انتهت العلة.
ولا تترك للشيطان فرجة كما يأمر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وينبغي على الإمام أن يقوم بتسوية الصف، فإن رأى من تقدم أخره، وهذا أمر واجب على الإمام: أن يسوي الصفوف قبل الشروع في الصلاة.
(14/5)
________________________________________
هيئة رفع اليدين للتكبير
يبدأ المصلي الصلاة برفع يديه حذو منكبيه أو بمحاذاة شحمة الأذن، وهذا ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والراجح: أن تجعل أصابعك مبسوطة منفردة متجهة إلى القبلة حذو المنكبين أو بمحاذاة شحمة الأذنين، فتكون الكف متجهة إلى القبلة والأصابع واقفة قائمة مبسوطة ومضمومة حذو المنكبين أو بمحاذاة شحمة الأذنين، وهذا هو الموضع الأول للرفع.
وللرفع أربعة مواضع: الموضع الأول: عند تكبيرة الإحرام.
الموضع الثاني: عند الركوع، والتكبير في الركوع يكون أثناء الحركة؛ لأن البعض يكبر بعد أن يركع وهذا لا يجوز؛ لأنه جعل التكبير من ذكر الركوع، أو يكبر وهو قائم ثم يركع، إنما الوارد أن يكون الركوع أثناء الحركة.
إذاً: أول تكبيرة هي الإحرام، والإحرام ركن من أركان الصلاة، ولها كيفية: يقول: الله أكبر.
ثم يضع اليمنى على اليسرى، وكيف يضع اليمنى على اليسرى؟ البعض يضعها تحت السرة كقول المذهب، وهذا ضعيف، والبعض يضع اليمنى على اليسرى في الناحية اليسرى أسفل السرة، وهذا أيضاً ضعيف، والثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع اليمنى على اليسرى على أول الصدر، إما أن يضع وإما أن يقبض، كلاهما وارد.
روى البخاري أن ابن عباس قام يصلي بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع اليسرى على اليمنى فجذبه النبي صلى الله عليه وسلم ووضع اليمنى على اليسرى، وفي رواية: أنه وقف عن يساره فجذبه فجعله عن يمينه.
ثم بعد تكبيرة الإحرام ووضع اليمنى على اليسرى ينظر إلى موضع السجود، أو إلى إمامه كلاهما ثابت، والنظر إلى موضع السجود أدعى للخشوع، فقد روى البخاري أن الصحابة في صلاة الكسوف نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: (يا رسول الله! ما لك تكعكعت وأنت تصلي؟) يعني: تراجعت، فما الذي جعلهم يرونه وهو يتراجع إلا أنهم كانوا ينظرون إليه، وهناك أكثر من حديث يثبت أنهم كانوا ينظرون إلى الإمام، ولذلك فإن من شروط الجماعة أن تتصل الصفوف ويرى كل صف الصف الذي أمامه حتى يتأسى به في الركوع والسجود.
(14/6)
________________________________________
دعاء الاستفتاح
بعد وضع اليمنى على اليسرى على أول الصدر يبدأ بقراءة دعاء الاستفتاح، وله صيغ متعددة منها عن أبي هريرة وعمر الذي أورده المصنف هنا، وأنت بالخيار في دعاء الاستفتاح الذي تفتتح به الصلاة.
الأول: كان النبي عليه الصلاة والسلام بعد تكبيرة الإحرام يسكت قبل أن يقرأ، فقال أبو هريرة: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ماذا تقول عند سكوتك في الصلاة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، هذا دعاء.
وربما يقول قائل: وهل للنبي خطايا؟
و
الجواب
الأنبياء عصمهم الله من كبائر الذنوب قبل البعثة وبعد البعثة، وعصمهم من صغائر الخسة كالنظر إلى المرأة الأجنبية، إنما الصغائر إن وقعت من الأنبياء فإنها تقع بدون عذر ولا إصرار، وفي الحال يعاتبون أنفسهم ويتوبون إلى ربهم، ويكون حالهم بعد التوبة أفضل من حالهم قبلها.
هذا رأي أهل السنة والجماعة؛ لأن الأنبياء بشر، والذين قالوا بعصمتهم من كل الصغائر هم المعتزلة، وشيخ الإسلام له تفصيل في هذه المسألة.
الثاني: دعاء عمر وهو: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).
الثالث: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) من العلماء من قال: يجوز أن تقول (أول) ومنهم من قال: يجب أن تقول (وأنا من المسلمين)، والراجح أن تقول: (من)؛ لأن أول المسلمين هذه رتبة للنبي عليه الصلاة والسلام.
ودعاء الاستفتاح يشرع لكل صلاة حتى النافلة ما عدا صلاة الجنازة؛ لأنه ليس فيها ركوع ولا سجود بل هي على سبيل التخفيف، فلا يشرع فيها دعاء الاستفتاح.
(14/7)
________________________________________
قراءة الفاتحة
بعد تكبيرة الإحرام ووضع اليمنى على اليسرى ودعاء الاستفتاح يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يبدأ في قراءة فاتحة الكتاب، ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
والصلاة بالنسبة لقراءة الفاتحة أمرها خطير، فإذا لحن بحرف في الفاتحة بطلت الصلاة، والبعض لا يخرج لسانه في الذال من (الذين) فيقول: الزين، فيغير المعنى، أو يحذف حرفاً أو يغير تشكيلاً (أنعمتَ) يقول: (أنعمتُ) وهذا صلاته باطلة، لذا ينبغي أن تكون قراءة الفاتحة قراءة صحيحة.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] الباء هنا مشددة.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:3] فإن كان ألثغاً فلا يؤم إلا من على شاكلته، يعني: واحد يقول: (الغحمان الغحيم) قلب الراء إلى غين، هذا لحن رغم إرادته، نقول له: لا تصل إماماً إلا بمن على شاكلتك؛ لأنه لا يجوز للألثغ أن يؤم أصحاء، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:3 - 6] البعض يقول: (المستكيم) فيبدل القاف كافاً، فهذا صلاته باطلة، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7].
أيضاً (مالكِ) يقول: (مالك) وهذا لحن جلي يبطل الصلاة، كل ذلك لابد أن نعلمه الناس، فلابد للمصلي أن يقرأ الفاتحة قراءة صحيحة على يد شيخ، يراجعها على يد من يجيد القراءة، ليس هناك مشكلة مطلقاً في هذا، و (مالك) ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجهين (ملك) و (مالك).
ثم ينبغي له إن كان منفرداً أن يقول: (آمين) مع نفسه، وإن كان مأموماً أن يوافق تأمينه تأمين الإمام، وهذا خطأ منتشر؛ لأن الكثير يسبق الإمام، وينبغي للمأموم أن يوافق الإمام.
هذا الخطأ الأول.
الخطأ الثاني: أنه ينطقها خطأً فيقول: (آمين) فيمدها زيادة، إنما (آمين) مد بدل، قلبت الهمزة ألفاً، تمد بقدر حركتين، إذاً: الصحيح أن يقول: (آمين) ليس (آآآ) مثل كل المساجد يطيلونها إلى أربع أو ست حركات بينما هي حركتين فقط.
الخطأ الثالث: أن يوافق المأموم الإمام، والآن الإمام هو من يوافق المأموم، فيقول الإمام: (ولا الضالين) قبل أن يصل على (ين) تجد من يقول (آمين)، لا.
لابد أن ننتظر، وهذا هو السائد في المساجد، أول ما يقول: (ين) تجد من يقول (آمين) مباشرة، لابد أن ننتظر حتى يبدأ الإمام؛ لأن الحديث: (فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) فلابد من الموافقة، وهذا صعب في كثير من المساجد.
الخطأ الرابع: لا ينبغي أن يقول: (آمّين) يعني: قاصدين، وهذا خطأ فادح.
ويلاحظ: أنه إن لم يسمع في الصفوف الخلفية الإمام يسمع من أمامه، لذلك نقول: ينبغي للصفوف أن تتصل حتى نتأسى بمن بين يديه.
(14/8)
________________________________________
أحكام البسملة
أما الجهر بالبسملة ففي حديث أنس أنه قال: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان فما سمعتهم يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، إنما كانوا يسرون بها) يعني يقول: {بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ} [الفاتحة:1] يسرها في نفسه.
وابن القيم له رأي: أنه يسر بها أحياناً ويجهر بها أحياناً.
أولاً: هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ هي آية من آيات القرآن الكريم نزلت للفصل بين السور، ولكن العلماء اختلفوا في حكمها في فاتحة الكتاب، فـ الشافعي قال: هي آية، ولابد من الجهر بها، وإنما مناط الخلاف هو في السر أم الجهر.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر بها أحياناً ويجهر بها أحياناً، وكان سره أكثر من جهره، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن صليت بأناس يحبون أن تجهر فاجهر، ولا تجعل المسألة خلافية؛ لأن البعض ينزل إلى قرى ويصر على عدم الجهر، فيحدث فتنة وهو يظن أنه يحسن صنعاً، بينما الجهر وارد والسرية واردة، فلا داعٍ للخلاف، وحديث أنس الذي أورده المصنف هنا أنه صلى خلف النبي عليه الصلاة والسلام فما سمع (بسم الله الرحمن الرحيم) كان في الصلاة الجهرية.
(14/9)
________________________________________
القراءة بعد سورة الفاتحة
بعد قراءة الفاتحة والتأمين يشرع الإمام في قراءة ما تيسر من القرآن، والقراءة فيها تفصيل، قال المصنف هنا: (يقرأ من المفصل في الفجر والمغرب والعشاء) ما هو المفصل؟ قسم علماء علوم القرآن القرآن إلى أقسام: الأول: السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة أو يونس على خلاف في السابعة.
هذه السور اسمها السبع الطوال، وورد أن النبي صلى بغير المفصل.
الثاني: المئين: وهي بعد السبع الطوال، وهي السور التي عدد آياتها يزيد عن المائة قليلاً.
الثالث: المثاني: وهي السور التي يقل عدد آياتها عن المائة، وسميت بالمثاني لسرعة الفصل بين بعضها البعض وبين آياتها.
الرابع: المفصل: ويبدأ من سورة (ق) أو الحجرات -على خلاف في ذلك- إلى آخر المصحف، والمفصل قسموه إلى ثلاثة أقسام: طوال المفصل -بكسر الطاء- وأوسط المفصل، وقصار المفصل، وبالنسبة لطوال المفصل فمن (ق) إلى النبأ {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ:1] فهذا يسمى الطوال، وبالنسبة لأوسط المفصل يبدأ من النبأ إلى الضحى أو البروج -على خلاف- ومن البروج إلى آخر القرآن يسمى القصار، ولا يقال: صغار القرآن، فليس فيه صغار، وإنما قصار المفصل، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في الفجر بطوال المفصل.
أقول: بعد قراءة الفاتحة يقرأ الإمام ما تيسر من القرآن، وإن قرأ الفاتحة فقط ركع فصلاته صحيحة؛ لأن الفاتحة هي الركن، وما زاد عن الفاتحة من مستحبات الصلاة، يعني: إن أخطأ في قراءة (ق) فصلاته صحيحة، حتى لو لحن لحناً جلياً.
ولنفترض أنه لا يحفظ الفاتحة فعليه أن يقرأ ما تيسر من القرآن بقدر الفاتحة، وهب أنه لا يحفظ شيئاً من القرآن، فإنه يسبح سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
هل يلزم المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية؟ خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: لابد من القراءة، وشيخ الإسلام ابن تيمية قال: قراءة الإمام قراءة للمأموم، إلا أن الشيخ ابن عثيمين يرى أن حديث ابن حبان حجة، وهو أن الصحابة كانوا ينازعون النبي في الفاتحة، فقال لهم: (لعلكم تنازعوني، قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب).
يعني: إذا قال الإمام: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] فقل أنت: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:3] فقل: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:3] وهذه منازعة، أو يسكت الإمام بعد الفاتحة سكتة خفيفة يمكن أن تقرأ فيها الفاتحة، وهذه السكتة فيها خلاف، لكن الراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسكت سكتة خفيفة لا تتسع لقراءة الفاتحة، بل إن بعض العلماء رأى أن يقرأ المأموم الفاتحة في حال السكتات في القرآن، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:2 - 3] فحينما ينتقل إلى آية أنا أقرأ آية من الفاتحة، فبعضهم رأى هذا، والأحوط أن تقرأ (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
إذاً: يستحب في الفجر أن يقرأ بطوال المفصل؛ لأن الفجر ركعتان، وقرآن الفجر مشهود، فيستحب أن يطيل الإمام في القراءة، أما في المغرب فقد كان يقرأ من قصار المفصل، وفي العشاء من أوسط المفصل، المهم أن يقرأ ما تيسر من القرآن.
ومسألة القراءة تحتاج إلى بسط أوسع، فقد كان يقرأ في الفجر أحياناً من السبع الطوال، وقرأ مرة الزلزلة في الركعة الأولى، والزلزلة في الركعة الثانية في الفجر كذلك، ولو فعل واحد منا اليوم هذا لقالوا: لا يحفظ، يعيد الزلزلة مرتين، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وهذا من السنة.
كما أن هناك بعض السور ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يكررها في صلواته.
(14/10)
________________________________________
هيئة الركوع والرفع منه
الحالة الثانية: رفع اليدين عند الركوع، وعند الركوع ينبغي أن ننتبه إلى ظهر الراكع أن يكون مستوياً، وإلى موضع اليدين على الركبتين، حيث تكون مفتوحتين كأنه يمسك بهما، ورفع اليدين عند الركوع ثابت من حديث ابن عمر أنه كان يرفع يديه قبل الركوع، فيرفع ثم يكبر ويركع عند الانتقال، وفي الركوع لابد أن يكون الظهر مستوياً، ولا يرفع الرأس ولا يخفضه، واليد تكون على الركبة مفتوحة الأصابع، مقبوضة على الركبة والظهر مستوياً، بحيث إذا سقط عليهما استقر، ولا صلاة لمن لم يركع بهذه الطريقة، ولابد أن تطمئن راكعاً، ولو اطمأن راكعاً وخفض الرأس فصلاته صحيحة لكنه خالف.
ثم يقول وهو راكع: سبحان ربي العظيم، (صلوا كما رأيتموني أصلي) لا يسبح في عجالة بل يخشع ويطمئن، وبعض الأئمة لا يطمئن راكعاً، وإن سبح واحدة باطمئنان أجزأه، ثم يقول إن شاء: سبوح قدوس رب الملائكة والروح؛ لحديث: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب)، ومن التعظيم أن تقول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، والحديث في البخاري عن عائشة قالت: (كان يتأول القرآن).
ثم يعتدل قائلاً: سمع الله لمن حمده.
ويرفع يديه مرة أخرى، وهذا هو الموضع الثالث للرفع.
ويقول الإمام: سمع الله لمن حمده، فيقول المأموم والإمام: ربنا ولك الحمد، كما عند البخاري (ربنا) ثناء، (ولك الحمد) ثناء آخر، أما رواية (ربنا لك الحمد) فهو ثناء واحد، هذا قول ابن حجر وقول: (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) هكذا كان يقول النبي عليه الصلاة والسلام، (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه) لما قالها أحد الصحابة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً)، وإذا عددت هذه الكلمات ستجد أنها اثني عشر.
أما وضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع ففيه خلاف، والراجح عدم الوضع، لما ثبت أن الصحابة كانوا ينقلون أحوال الصلاة حتى إذا عطس، قالوا: عطس في وضع الركبة، قالوا: وكان يضع الأصابع على الركبة مفرجة، ولم ينقلوا لنا أنه كان يضع اليمنى على اليسرى بعد الاعتدال، فأدق حركات الصلاة نقلوها، ولم ينقل عن واحد منهم أنه بعد الاعتدال من الركوع كان يضع اليمنى على اليسرى، وإن استدل البعض بقوله: (حتى يعود كل عضو إلى مكانه)، قلت: أن يعود كل عضو إلى مكانه قبل أن يدخل في الصلاة.
المهم أن المسألة خلافية، لكن لا يجوز القياس في الصلاة؛ لأن الصلاة نقلت نقلاً دقيقاً من الصحابة، أيعجز أحدهم أن ينقل لنا أنه كان يضع اليمنى على اليسرى بعد الاعتدال من الركوع، ويتركها للاستنباط والاستنتاج؟ أياً كان فالموضوع خلافي، والراجح فيه ما ذكرت.
هذا وشيخنا الألباني رحمه الله يرى أن الإرسال هو الأصل، وشيخنا ابن باز يرى أن وضع اليمنى على اليسرى هو الأصل، وكلاهما مجتهد، ولكن الراجح عندي ما نقلت لكم.
فإذا اعتدل من الركوع يقف مطمئناً، ويقول: (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه) ولا يجوز أن يعتدل ثم يسجد مباشرة بل لابد أن يعتدل قائماً ويطمئن، ويعود الظهر إلى وضعه الأصلي، ورأي المالكية عدم رفع اليدين بعد الاعتدال؛ لأنهم يقدمون عمل أهل المدينة على خبر الواحد، والبعض يقول: ربنا ولك الحمد والشكر، ولفظة (الشكر) لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاتباع أولى من الابتداع.
(14/11)
________________________________________
هيئة السجود
أما السجود فهل ينزل على ركبتيه أم ينزل على يديه؟ لشيخنا أبي إسحاق كتاب يسمى: نهي الصحبة عن النزول على الركبة، وابن القيم في زاد المعاد يدافع عن وجوب النزول على الركبة، والشيخ ابن باز في صفة الصلاة يقول أيضاً بالنزول على الركبة، لكن الراجح أن ينزل على يديه؛ لأن الحديث حجة: (وليضع يديه قبل ركبتيه).
وكذلك حديث سراقة بن مالك في البخاري: أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فغاصت قدم البعير حتى ركبتيه، ومناط الخلاف: (لا تسجد كما يسجد البعير)، فكيف يسجد البعير، هل يضع ركبتيه أم يديه؟ ركبتا البعير في يديه، وطالما قال: (وليضع يديه قبل ركبتيه حجة) فهو على من قال بغير ذلك.
الشيخ ابن عثيمين يرى أنه يسجد على الركبتين، ويرى أن الحديث فيه قلب، وأن الراوي قال: (وليضع يديه قبل ركبتيه)، وكان ينبغي أن يقول: وليضع ركبتيه قبل يديه؛ لأن فيه قلباً على الراوي.
والراجح من أقوال العلماء: أن يسجد على اليدين قبل الركبتين، والمشكلة الآن هي في وضع السجود؛ لأن السجود ينبغي أن يكون على سبعة أعظم، (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف ثوباً ولا شعراً)، رواه البخاري، ولذلك نحن أمرنا بعد غسل الميت أن نطيب مواضع السجود بالكافور.
ومواضع السجود السبعة هي: الجبهة مع الأنف -هذا عضو- ثم اليدان متجهتان إلى القبلة، ثم الركبتان وأطراف أصابع القدمين، والبعض يعلق أطراف أصابعه في الهواء، وهذا خطأ، لابد أن يسجد على أطراف أصابع القدمين، وقد بوب البخاري: باب السجود على أطراف أصابع القدمين.
وأصابع القدمين تكون منصوبتين على الأرض، ويجافي بين عضديه، فلا يلصق عضديه بمنكبيه، وإنما يبسط ظهره، وبهذا يكون قد جافى بين عضديه، ويسجد على سبعة أعظم، فإذا سجد بهذه الطريقة وقع السجود صحيحاً، ولا ينبغي أن يلصق الكوع بالإبط، فإن هذا منهي عنه، وإنما يفرج بحيث إذا مر شيء من تحت إبطه يمر.
وإذا كنت بجوار أخ لك فهذا يضيق عليك الأمر، فاسجد على قدر استطاعتك، طالما أنت في جماعة، وكذلك للمنفرد.
والمرأة والرجل سواء في الصلاة ليس هناك فرق بينهما، ومن فرق فلا دليل معه، كلاهما يسجد بهذه الطريقة على سبعة أعظم.
ويقول وهو ساجد: سبحان ربي الأعلى، ويكثر من الدعاء في سجوده.
وهل يجلس بين السجدتين متوركاً أم مفترشاً؟ خلاف بين العلماء، وصاحب العدة سماه (افتراشاً) وبعض العلماء سماه (توركاً) ولا مشاحاة في الاصطلاح بعد فهم المعنى.
يعني: إن اتفقنا على معنى كلمة لن نختلف، إنما الصواب أن يسمى توركاً خلافاً للعدة؛ لأنه ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى، وهذا يسمى توركاً بين السجدتين.
ويقول بين السجدتين: رب اغفر لي.
ثلاث مرات، وهي واجبة عند الحنابلة، ومن تركها تجبر بسجود سهو.
يقول: (رب اغفر لي -ثلاثاً- وارحمني وارزقني واهدني واكسني).
إلى غير ذلك من الدعاء الوارد بين السجدتين.
ويعتدل ثم يسجد ويكبر تكبيرات الانتقال، وهي واجبة عند الحنابلة، إن تركها تجبر بسجود سهو؛ لأن الصلاة لها أركان وواجبات ومستحبات سنبينها إن شاء الله تعالى.
والناسي لا شيء عليه، إن تركها نسياناً يجبر بسجود سهو عند الحنابلة، وإن تعمد تركها تبطل الصلاة عند الحنابلة.
(14/12)
________________________________________
هيئة جلسة الاستراحة
أما جلسة الاستراحة ففيها خلاف: فمنهم من قال: يجلس وهي من السنة، ومنهم من قال: لما تقدم السن بالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستريح قليلاً ثم يقوم، ولكن الراجح أنها ليست لعلة، وإنما فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قام إلى الركعة الثانية معتمداً على بطن كفيه، وفي رواية أبي داود: أنه كان يعجن.
وهذا ما يراه الشيخ الألباني، وهناك من يرى عدم العجن، والراجح عدم العجن.
والجلوس مع التورك، ثم يقوم لركعة ثانية.
وهناك جلسة أخرى وهي جلسة الافتراش، وتكون في الصلاة الرباعية التي فيها تشهدان، والافتراش أن تدخل القدم اليسرى وتجلس على الإلية على المقعدة، ولا يصح الافتراش في صلاة ثنائية، لأن جلسة الافتراش لا تكون إلا في الصلاة التي فيها أكثر من تشهد، وتكون في التشهد الأخير.
(14/13)
________________________________________
هيئة التشهد
أما وضع الإصبع في التشهد فهل يكون محركاً من أول التشهد إلى آخره أم بالإشارة فقط؟ الراجح أنه يشير بإصبعه من أول التشهد إلى آخره دون حركة، ومن قال بالحركة اعتمد على رواية زائدة بن قدامة أنه قال: (كان يشير ويحرك)، وهذا فيه مخالفة، لأنه أولاً: يتحول الأصبع اتجاهه عن القبلة، ثانياً: أن الحركة تختلف عن القبض والبسط، إنما كان يشير، ومعظم الرواة رووا الحديث أنه كان يشير دون أن يذكروا الحركة، فجاء زائدة بن قدامة وقال: (كان يشير ويحرك).
وهذه الزيادة شاذة عند بعض العلماء، وهذا هو الراجح؛ لأن الزيادة هنا من ذات الطريق، بمعنى: أنا الآن أتكلم في مسجد العزيز، والمسجد كله أجمع على أني قلت كذا، وواحد فقط هو الذي خالف، إذاً هذا الواحد يخالف جماعة من ذات الطريق، ثم أعتمد المخالفة؟ وهذا لا يمكن بحال، وحتى من قال بالحركة قال بحركة خفيفة من أول التشهد إلى آخره، ومن قال بعدم الحركة قال بالشذوذ للرواية، والأمر فيه سعة.
وفي آخر التشهد يقول: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة المسيح الدجال).
أما صيغة التشهد التي اعتمدها المصنف فهي حديث ابن مسعود: (التحيات لله والصلوات والطيبات)، أثبت الواو لتعدد الثناء، حينما أقول: (التحيات الصلوات الطيبات لله) أثبت ثناءً واحداً، وحينما أقول: (التحيات لله والصلوات والطيبات) أثبت أكثر من ثناء، وكلاهما رواية، لكن هذا الراجح، ولا داعٍ للخلاف.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وهي رواية: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) هذه صيغة، وربما تقول: (في العالمين إنك حميد مجيد)، وصيغة ابن مسعود وصيغة ابن عمر وكعب بن عجرة كلها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كان يستعيذ بعد أن ينتهي من التشهد، وفي حديث مسلم: (يستعيذ بالله من خمس: اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن المأثم، ومن المغرم، ومن شر عذاب جهنم، وعذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال) كان يستعيذ منهن في كل صلاة، صلى الله عليه وسلم.
ثم يسلم يميناً حتى يرى بياض خده الأيسر، السلام عليكم ورحمة الله، ثم السلام عليكم ورحمة الله، ويكفي تسليمة واحدة؛ فإن أحدث بعد التسليمة الأولى فقد انتهت الصلاة وصلاته صحيحة.
وبعض الناس يرفع يده عند السلام ويقلبها، وهذا منهي عنه أو يسلم بحركة الرأس، وهذا مخالف للسنة.
ختاماً: أعلم أن الكثير لديه تساؤلات، لكن ينبغي أن نبدأ بصغار العلم قبل كباره، والمعنى: أنه ينبغي علينا أن نمحو أولاً الجهل في كيفية الصلاة، والخلاف بين العلماء لطلبة العلم الذين يريدون أن يبحثوا، لكن الحد الأدنى من المعلومات ينبغي أن يكون واضحاً بيناً عند المسلمين.
(14/14)
________________________________________
الأسئلة
(14/15)
________________________________________
حكم قراءة التشهد كله في التشهد الأوسط

السؤال
هل يقرأ التشهد كاملاً في التشهد الأوسط؟

الجواب
نعم، التشهد الأوسط هل تكمله إلى آخره، أم تقرأ إلى: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؟ الراجح أن تقرأ إلى الآخر؛ لأن الذين قالوا: إنه إلى الوسط ليس عندهم دليل إلا دليل احتمالي، وهذا هو الراجح، والله تعالى أعلم.
(14/16)
________________________________________
سبب التورك في الثنائية والافتراش في الرباعية

السؤال
لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتورك في الثنائية ويفترض في الرباعية؟

الجواب
النبي صلى الله عليه وسلم كان يتورك في الثنائية ويفترش في الرباعية، لأنك وأنت داخل إلى المسجد لو رأيت الإمام يقرأ التحيات إن كان مفترشاً علمت أنه في الرباعية، وإن كان متوركاً علمت أنه في الثنائية، والدليل عملي، وقد نقل الصحابة صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أنه كان يتورك في الثنائية ويفترش في الرباعية، والحديث رواه البخاري.
(14/17)
________________________________________
حكم إغماض العينين

السؤال
تغميض العين؟

الجواب
تغميض العين في الصلاة يكره إلا لضرورة، فإذا كان أمامك شيء يشغلك عن الصلاة فيجوز لك أن تغمض العين لضرورة، أما أن تغمض العين لغير ضرورة فهذا مكروه، كما أن النظر إلى السماء أيضاً فيه وعيد، حيث توعد النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينظر إلى السماء بأن يأخذ الله عينيه، فبعض الناس يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] وينظر إلى السقف أو إلى النجوم، وهذا منهي عنه.
(14/18)
________________________________________
كيفية سجود المرأة

السؤال
سجود المرأة كيف يكون؟

الجواب
سجود المرأة كسجود الرجل لا فرق ولا خلاف بينهما في ذلك.
(14/19)
________________________________________
الموضع الرابع لرفع اليدين في الصلاة

السؤال
ما هو الموضع الرابع لرفع اليدين في الصلاة؟

الجواب
الموضع الرابع: القيام من التشهد الأوسط إلى الركعة الثالثة هو الموضع الرابع لرفع اليدين، وهل يرفع من تحت أم يرفع عند قيامه؟ خلاف بين العلماء، والراجح فيه أن يرفع عند قيامه.
(14/20)
________________________________________
كيفية دفع التثاؤب في الصلاة

السؤال
كيف يدفع التثاؤب في الصلاة؟

الجواب
يدفع التثاؤب بظهر يده اليمنى، أما الشمال فهي للاستنجاء، وللأمور الأخرى، ولا يضعها على الفم.
(14/21)
________________________________________
عدد التكبيرات في كل ركعة

السؤال
ما عدد التكبير في كل ركعة؟

الجواب
كم تكبيرة في الصلاة في الركعة الواحدة؟ الله أكبر عند الركوع، وسمع الله لمن حمده ليس تكبيراً.
والله أكبر عند السجود، والله أكبر عند الاعتدال، والله أكبر عند السجود مرة أخرى، والله أكبر عند القيام، هذه خمس تكبيرات في أربع ركعات بعشرين، وتكبيرة الإحرام واحد وعشرون تكبيرة، هذه تكبيرات الانتقال، والشيخ عبد اللطيف حفظه الله يقول: الله أكبر ويركع، والمفروض أن المأموم يقول: الله أكبر، والبعض لا يذكر تكبيرة الانتقال ويترك واجباً في الصلاة، (إذا كبر فكبروا) فلابد أن تكبر كما يكبر الإمام، والبعض لا يكبر ويكتفي بتكبيرة الإمام، وهذا خطأ.
(14/22)
________________________________________
حكم الإمام إذا أحدث

السؤال
إذا أحدث الإمام ما يفعل؟

الجواب
إذا أحدث الإمام يستخلف من خلفه.
(14/23)
________________________________________
حكم المأموم إذا لم يرفع الإمام يديه في بعض مواضع الرفع

السؤال
الإمام إذا لم يرفع يديه في بعض مواضع الرفع فما الحكم؟

الجواب
إذا لم يرفع الإمام اليد ارفع أنت، لأنك مأمور بالرفع وقد خالف الإمام.
(14/24)
________________________________________
مواضع النظر في الصلاة

السؤال
أين ينظر المصلي؟

الجواب
تنظر إلى موضع سجودك في الصلاة، إلا في موضعين وهما: في حال صلاة الخوف تنظر إلى العدو، وفي حال التشهد تنظر إلى الأصبع.
(14/25)
________________________________________
حكم صلاة المنفرد خلف الصف

السؤال
ما حكم صلاة المنفرد خلف الصف؟

الجواب
( لا صلاة لمنفرد خلف الصف) فإذا وجد فرجة في الصف ولم يقف فيها فصلاته باطلة، أما إذا كان الصف مكتملاً فيقف بمفرده وصلاته صحيحة، وهذا اختيار الحنابلة.
(14/26)
________________________________________
العدة شرح العمدة [15]
قسم أهل العلم أفعال الصلاة إلى أركان وواجبات ومسنونات، فالركن ما تبطل الصلاة بتركه كالركوع أو السجود، والواجب ما يجبر بسجود السهو إن ترك سهواً كالتشهد الأوسط، والمسنون إن أتى به المصلي أُجر عليه وإن تركه لم يأثم.
(15/1)
________________________________________
أركان الصلاة وواجباتها
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وبعد: تحدثنا سلفاً عن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم، ولعل هذا هو عنوان كتاب شيخنا المبارك فضيلة الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها.
وسنشرع الآن في إكمال صفة الصلاة من كتاب العدة، ونتحدث عن الأركان والواجبات والسنن في الصلاة.
ولابد أن نعلم أولاً أن الصلاة لها أركان وواجبات وسنن، فما الفرق بين الركن والواجب والسنة؟ معلوم أن الأركان من الواجبات، لكنه واجب لا يجبره سهو، فالواجبات متنوعة في درجتها؛ ولذلك يقول العلماء: أركان الصلاة تختلف واجباتها عن سننها، وهناك فرق بين شروط صحة الصلاة وبين أركانها، فالشرط يخرج عن ماهية الشيء، أما الركن فيكون داخل الماهية.
قبل البدء أريد أن أذكر أمراً، وهو أن صحيفة علمانية نشرت: حرب بين أنصار السنة والأزهر: أين الله؟ كان هذا في الأسبوع الماضي، ومن حسن ظني بهم أعددت رداً وأرسلته لهم على الفاكس، فنشروا الرد لكن كيف نشروه؟ راقصة عارية تماماً والرد تحتها، وهذا دأبهم! هل يستقيم أن تنشر كلاماً يعالج قضية من أخطر القضايا في العقيدة قضية العلو لله عز وجل وأدلة إثبات العلو تحت صورة راقصة، لكن هذا ليس غريباً على هؤلاء، فهؤلاء قد مسخوا قردة وخنازير! ولا تعليق.
(15/2)
________________________________________
أركان الصلاة
قال المصنف رحمه الله: (أركانها اثنا عشر، وواجباتها سبعة)، والفرق بين الركن والواجب: أن الركن لا بد من تحصيله ولا يجبره سجود سهو، مثال ذلك: رجل ترك السجود الثاني، ثم قام للركعة بعد ذلك، وتذكر أنه نسي أن يسجد السجدة الثانية، فلا يقال له: اسجد للسهو، بل لابد من تحصيل ركعة كاملة؛ لأن غياب ركن عن ركعة يفسدها، ثم يسجد للسهو بعد ذلك، ليس جبراً للركن وإنما جبراً للنسيان.
ثم ذكر أركان الصلاة فقال: (القيام مع القدرة)، فأول ركن هو القيام، والبعض يجلس في صلاة الفريضة مع قدرته على القيام، ومن صلى قاعداً وهو قادر على القيام فصلاته باطلة.
إنما في النافلة يجوز أن يصلي قاعداً وهو قادر، وله نصف الأجر كما في الحديث، أما إن صلى قاعداً في الفريضة مع قدرته فتبطل، فالقيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة؛ لأن الله يقول: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238].
الركن الثاني: تكبيرة الإحرام: وهي ركن من أركان الصلاة، وعدم تحصيلها يؤدي إلى بطلان الصلاة بالكلية؛ مثال ذلك: قد يأتي المصلي والإمام راكع فيدخل معه في الصلاة بتكبيرة الركوع دون أن يكبر تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الإحرام لابد أن تكون من قيام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم).
الركن الثالث: قراءة الفاتحة فـ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، ويستثنى من ذلك المأموم إذا أدرك الإمام وهو راكع، فقراءة الإمام تجبر قراءة المأموم، وإدراك الركوع إدراك لركعة، وهذا رأي الجمهور؛ لحديث أبي بكرة.
واعلم أن في المسألة خلافاً، لكن الراجح أن من أدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة.
الركن الرابع: الركوع، فمن ركع دون أن يأتي بالركوع الصحيح فصلاته باطلة؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: (ارجع فصل) فالركوع له هيئة، وهي: أن يستوي الظهر وأن يطمئن راكعاً.
الركن الخامس: الرفع من الركوع: بحيث يطمئن قائماً، ويعود كل عضو إلى محله، ويقول: سمع الله لمن حمده، ثم يطمئن ويعتدل، والاعتدال ركن في الركوع.
الركن السادس: السجود: فمن لم يسجد على سبعة أعظم فسجوده باطل، ومن ثم فصلاته باطلة، فلابد أن يكون السجود بالهيئة التي أمرنا بها النبي عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
الركن السابع: (الجلوس عنه) أي: الجلوس بين السجدتين.
الركن الثامن: الطمأنينة في كل الأركان السابقة.
الركن التاسع: التشهد الأخير.
الركن العاشر: الجلوس للتشهد الأخير.
فالتشهد ركن والجلوس له ركن، وهب أن إنساناً قرأ التشهد الأخير من قيام، فصلاته باطلة؛ لأنه ترك ركناً وهو الجلوس للتشهد الأخير.
الركن الحادي عشر: التسليمة الأولى، السلام عليكم ورحمة الله، والثانية سنة، (وتحليلها التسليم) أي: تسليمة واحدة لا تسليمتين.
وينبني على هذا أحكام فقهية: فلو قال إمام: السلام عليكم ورحمة الله، ثم أحدث فما حكم الصلاة؟ صحيحة ولا شيء عليه.
أو مأموم يأتم بالإمام وبعد أن انتهى الإمام من التسليمة الأولى، قام ليأتي بالركعة المسبوق فيها، فصلاته صحيحة أيضاً؛ لأن الصلاة تنتهي بالتسليمة الأولى، ولكن الأولى أن ينتظر حتى ينتهي من التسليمتين.
(15/3)
________________________________________
ترتيب الأركان
الركن الثاني عشر: (ترتيبها على ما ذكر)، ترتيب هذه الأركان على هذا النحو الذي ذكرنا.
فأي ركن من هذه الأركان نسيته فلابد أن تأتي به، ولا يجبره سجود سهو، فمن نسي الفاتحة يأتي بركعة، ومن نسي الركوع يأتي بركعة، والسؤال الآن: إن استطاع أن يحصل الركن فلا بأس طالما أنه لم يفصل بين الركن والركن بركن، والمعنى: عندنا سلم فهل تستطيع أن تصعد إلى الدرجة الثالثة دون أن تصعد الأولى ثم الثانية ثم الثالثة؟ فإن نسيت الأولى وأنت على الثانية تستطيع أن تعود، أما إن نسيت الأولى ووصلت إلى الثالثة انتهى الأمر، فإن فصلت بين الركنين بركن لابد من تحصيل ركعة كاملة، أما إن تذكرت الركن وأنت في الركن الذي بعده فيمكنك أن تعود إلى الركن الذي تركته.
مثال ذلك: رجل نسي السجدة الثانية وجلس للتشهد، ظناً منه أنه سجد سجدتين، فتذكر أنه لم يسجد، إنما تشهد ثم سلم.
فصل بين الركنين بركن؛ فإن تذكر الركن الذي نساه في الركن الثاني يجوز له أن يعود إلى الركن الذي نساه.
أما إن فصل بين الركنين بركن فيحصل الركعة كاملة.
(15/4)
________________________________________
واجبات الصلاة
قال: (وواجباتها سبعة)، ولعل الحنابلة اختلفوا مع الفقهاء في هذه المسألة.
الإمام أحمد أحاط بالسنة ما لم يحط بها غيره، ولذلك من ثراء هذا المذهب أن فيه أكثر من رواية، ودائماً تجد إحدى الروايات توافق المذاهب الأخرى، فهو لا يقتصر على رواية واحدة.
قال: (وواجباتها سبعة) أي: واجبات الصلاة التي إن نسيت تجبر بسجود السهو، لكن إن تعمد ترك الواجب هل تبطل الصلاة أم تصح مع سجود السهو؟ رجل تعمد ألا يقول: سمع الله لمن حمده، فما حكم صلاته؟ عند أحمد روايتان: رواية أنها تبطل، ورواية أنها سنة لا تبطل وتجبر بسجود السهو.
قال الإمام أحمد: إن النبي عليه الصلاة والسلام نسي التشهد الأوسط -كما في البخاري - واعتدل للركعة الثالثة، فقام من خلفه، ولم يرجع إلى التشهد الأوسط مرة ثانية، ثم سجد للسهو قبل التسليمتين.
قال أحمد: وهذا يدل على أن التشهد الأوسط واجب، والواجبات تجبر بسجود السهو إن نسيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد نسي، لكن ما قولك فيمن تعمد أن يترك التشهد الأوسط؟ النبي صلى الله عليه وسلم نسي فسجد للسهو قبل التسليمتين، أما هذا فقد تعمد أن يقوم للثالثة، إذاً: ترك واجباً مع التعمد، فما حكم صلاته؟ عند أحمد الرواية الأولى أنها تبطل، والرواية الثانية أنها لا تبطل، ولعل هذا هو رأي الجمهور؛ هل تعلم أن قولك: (رب اغفر لي) بين السجدتين واجب، وعلى رواية أحمد أن من تركها أن الصلاة باطلة.
فمثلاً: رجل تعمد ألا يقول: ربنا ولك الحمد، وهي من واجبات الصلاة، فإن تعمد أن يترك واجباً بطلت الصلاة في رواية، وفي رواية أنها لا تبطل، ولعل هذا هو رأي جمهور العلماء.
وواجباتها سبعة: (التكبير غير تكبيرة الإحرام)، وهي تكبيرات الانتقال، ولابد من متابعة الإمام في تكبيرات الانتقال؛ لأنها واجبة، والكثير لا يقولها وراء الإمام؛ لأنه يسهى أو ينسى أو يتعمد ترك تكبيرات الانتقال مع أنها مهمة، وهي خمس تكبيرات في كل ركعة: تكبيرة الركوع، ثم تكبيرة السجود، ثم الاعتدال من السجود، ثم السجود، ثم القيام، فهذه التكبيرات يسميها العلماء تكبيرات الانتقال من ركن إلى ركن.
وحينما قلنا: إن من يسجد للتلاوة فإنه يكبر عند السجود ويكبر عند القيام، قامت الدنيا عند بعض إخواننا في إمبابه؛ لأن بعض العلماء يقولون: لا تكبير عند الرفع، واستدلوا بحديث عائشة.
يا عبد الله! الانتقال من ركن إلى ركن لابد له من تكبير، والرأي المعتبر أن تكبر عند السجود وعند الرفع، ونحن لا نصادر آراء علمائنا، ولكن أقول: هذا هو الراجح، والله تعالى أعلم.
(وواجباتها سبعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة)، يعني: إن ركع، وقال: سبحان ربي العظيم مرة واحدة.
هذا هو الواجب والزيادة سنة.
ما تقول في رجل كبر وركع ثم تعمد الصمت، ترك واجباً أم ركناً ما حكم صلاته؟ في رواية عن أحمد تبطل؛ لأنه ترك واجباً متعمداً، والرواية الأخرى أنها لا تبطل.
(التكبيرات بخلاف تكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة، والتسميع والتحميد في الرفع من الركوع)، يعني: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، هذه أيضاً من واجبات الصلاة.
(وقول: رب اغفر لي بين السجدتين)، واجب.
(والتشهد الأول) الأوسط واجب، (والجلوس للتشهد الأوسط، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير).
قال أحمد: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير من واجبات الصلاة، يعني قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله في التشهد الأخير ثم سلم، فإذا تعمد أن يترك واجباً، فإن الصلاة تبطل في رواية وهو الراجح، وقد رأيت البعض في رمضان في بعض المساجد يقول للمصلين في التراويح: يكفيكم أن تقرءوا إلى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم نسلم من أجل أن نصلي أكبر عدد من الركعات! يأمرهم بترك الواجب عمداً، ويأمرهم بترك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أرأيتم الجفاء والجهل المدقع.
الأمة الآن مبتلاة، فهذا أستاذ دكتور في كلية الآداب قسم الفلسفة الإسلامية، في الأسبوع الماضي يخطب الجمعة ساعة إلا ربع، ويقول: إن الرسول أول خلق الله رغم أنف الحاقدين، ولما أذنب آدم في الجنة توسل بجاه النبي عند الله أن يغفر له، ولتفاهة رأيك لن نرد عليك، أنا أقول لك هذا الكلام، هذه تفاهة رأي، وأنت لا تعرف الفرق بين الوجود العيني والوجود العلمي! الوجود العلمي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: علمي: وهو أن أخبركم عن وجود كوب، الثاني: علمي لفظي: تلفظت به.
الثالث: علمي رسمي: قمت وكتبت على السبورة (كوب) بالقلم، إذاً: الوجود الكتابي وجود علمي.
ولو قلت لكم: هذا كوب.
فأنت تتخيل الكوب في ذهنك، هذا وجود ذهني، فالذهني والرسمي واللفظي كلها وجود علمي، ثم لو جئتك بالكوب وقلت: هذا هو الكوب، فهذا وجود عي
(15/5)
________________________________________
حكم ترك واجبات الصلاة
قال: (فإن تركها عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً سجد لها)، واستدل ابن قدامة على هذا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم نسي التشهد الأوسط فجبره بسجود، فقال: وسائر الواجبات تقاس عليه، ثم قال: (وما عدا هذا فسنن لا تبطل الصلاة بعمدها، ولا يجب السجود لسهوها)، يعني: ما عدا الأركان والواجبات فهو سنن لا تبطل الصلاة بتركها عمداً أو سهواً، ولا يجب السجود لها في السهو.
ولعل البعض يقول: ما رأيكم في قول الحنابلة: إن ترك الواجب عمداً بطلت الصلاة، وإن تركه نسياناً سجد للسهو؟ وهذه الرواية الأولى عن أحمد، والرواية الثانية أنها لا تبطل، والحقيقة أن استدلال الحنابلة بمسألة التشهد الأوسط ثم قاسوا عليه سائر الواجبات فيه نظر، نقول: لا تقاس سائر الواجبات على بعضها؛ فإن من نسي قول: (رب اغفر لي) بين السجدتين، أو تعمد أن يتركها عمداً لا يمكن أن يقاس على من نسي أو تعمد أن يترك التشهد الأوسط، فالواجبات تختلف عن بعضها البعض في الرتبة.
(15/6)
________________________________________
قاعدة فيما يجوز في الفرض والنفل
القاعدة تقول: ما يجوز في الفرض يجوز في السنة وليس العكس.
هذه القاعدة بمعنى: يجوز في السنة أن تقعد مع القدرة على القيام، ولكن لا يجوز في الفرض.
وهذه القاعدة ترد على من يقول: إن من نسي وهو صائم في السنة لابد أن يفطر، ومن نسي وهو صائم في رمضان فليتم، وهذا يقوله بعض المالكية، وهو مرجوح، والصواب: إن كان الله عز وجل قد عفا عن النسيان في الفرض فمن باب أولى أن يعفو عنه في السنة، للحديث: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، والحديث لم يفرق بين الفرض والسنة، إذاً: أنت لا تفرق، فإن التفريق لا دليل عليه؛ ويصادم قاعدة ما يجوز في الفرض يجوز في السنة وليس العكس.
(15/7)
________________________________________
صفة الصلاة
تبدأ الصلاة بتكبيرة الإحرام، وينبغي أن يستقبل المصلي القبلة في وقت وجيز بأطراف قدميه، فلا يفرِّج قدميه يميناً أو يساراً كما يقف البعض بل يقف معتدلاً متجهاً إلى القبلة، والأصابع متجهة إلى القبلة.
كما أنه لا يفتح القدمين أكثر من محاذاة الجسد، ثم يكبر تكبيرة الإحرام، ويجعل الأصابع في حذو المنكبين بمحاذاة شحمة الأذنين، والأصابع مبسوطتان متجهتان إلى القبلة، ثم يكبر مع الرفع، هذا هو الأرجح، وعند التكبير لا يلحن كما يفعل بعض الأئمة، أو يمطط لفظ الجلالة، فهو لفظ ينطق بضوابطه الشرعية.
ثم يضع اليمنى على اليسرى على أول الصدر، إما أن يقبض وإما أن يضع، وصفة القبض تكون على الرسغ، أو أن يضع اليمنى على اليسرى على أول الصدر، وبعض المصلين يشدد على نفسه، والبعض الآخر يضعها تحت السرة أو فوق السرة أو على اليمين أو الشمال، بينما الثابت أنه صلى الله عليه وسلم كان يضع اليمنى على اليسرى على أول الصدر في بساطة، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح وينظر إلى محل سجوده؛ فإن ذلك أدعى للخشوع.
ودعاء الاستفتاح متعدد، كأن يقرأ: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) أو يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين).
ثم هل يجوز أن يجمع بين أكثر من دعاء للاستفتاح؟

الجواب
لا؛ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جمع بين أكثر من استفتاح، وهذا من اختلاف التعدد، يعني: كل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يبسمل، ثم يقرأ الفاتحة، وقراءة الفاتحة ينبغي أن تكون قراءة صحيحة؛ لأن اللحن الجلي في الفاتحة يبطل الصلاة، ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يرفع يديه حذو منكبيه.
ثم يكبر للركوع، ويكون ظهره حال الركوع مستوياً مع الرأس، فلا يخفض رأسه ولا يرفعه، ويطمئن راكعاً، ويجعل يديه على ركبتيه، ويقبض بهما الركبة، وينظر إلى محل السجود، ويقول: سبحان ربي العظيم.
سبحان ربي العظيم.
سبحان ربي العظيم، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبحانك اللهم وبحمدك رب اغفر لي، كما في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول ذلك في ركوعه، وأقل التسبيح مرة واحدة.
ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حذو منكبيه ويقف معتدلاً.
وهل يضع اليدين: اليمنى على اليسرى على الصدر أم يرسلها؟ قلنا: هذا موطن خلاف، والراجح أن يرسلهما؛ لأنه لا قياس في الصلاة؛ ولأن الصحابة نقلوا لنا الصلاة بالتفصيل، ولم يتركوا هذا المكان سهواً، فقد نقلوا حتى العطسة، ولما ينقلوا أنه كان بعد الاعتدال من الركوع يضع اليمنى على اليسرى؟! ويقول وهو قائم: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد)، وإن أردت أن تسترسل في الدعاء فقل: (أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
ثم عند السجود يكبر وهو هابط، ويكون السجود على اليدين، وهو الراجح في كتاب الشيخ أبي إسحاق: نهي الصحبة عن النزول بالركبة.
فقد أورد الأدلة التي تبين أن السجود يكون على اليدين قبل الركبتين.
وبعض الناس يسجد على يديه كاملة، وهذا منهي عنه، وبعض الناس لا يجافي بين عضديه، بل يلصق العضدين إلى جانبيه، وهذا منهي عنه أيضاً.
ثم يسجد على سبعة أعظم، وهي: الجبهة مع الأنف واليدين والركبتين وأصابع القدمين، ويجافي بين عضديه، ولا يفترش الأرض بيديه، فهو منهي عن افتراش الأرض باليدين، إلا إذا كان في جماعة فإنه يجافي قدر الاستطاعة، ثم يقول وهو ساجد: سبحان ربي الأعلى.
سبحان ربي الأعلى.
سبحان ربي الأعلى، ثم يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، رب اغفر لي، ويدعو بما شاء الله له أن يدعو، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولا يقرأ القرآن في ركوع ولا سجود، فهذا منهي عنه.
ثم يكبر للرفع: الله أكبر، ويجلس متوركاً فارشاً اليسرى وينصب اليمنى، ويضع الأصابع على أول الفخذين عند الركبتين، وينظر إلى محل السجود، ويقول بين السجدتين: رب اغفر لي ثلاثاً، ثم يكبر للسجدة الثانية كما كبر للسجدة الأولى، ثم يجلس جلسة الاستراحة، وينهض على يديه للركعة الثانية، والله تعالى أعلم.
(15/8)
________________________________________
الأسئلة
(15/9)
________________________________________
حكم الأبناء الذين لا يصلون
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
قبل أن أسترسل في الأسئلة، أقول: بعض الآباء يشكون من عدم صلاة الأبناء، وفي الواقع أن هذه الظاهرة الخطيرة لا ينبغي لأب مسلم أن يفرط فيها، فالولد إن لم يصل ليس من أهلك، فإن نوحاً عليه السلام قال لله: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود:45]، فقال له: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود:46].
فالابن الذي لا يصلي ولد عاق لأبويه، وهذا ولد في أبسط الأمور يترك فرضاً كتبه الله عليه قد يخرج به من الإسلام إلى الكفر عند كثير من العلماء.
(15/10)
________________________________________
حكم الظهار

السؤال
يسأل البعض أيضاً أن الزوج قد يحرم زوجته على نفسه، ويقول لها: أنت حرام علي إن فعلت كذا؟

الجواب
تحريم الزوجة على النفس يسمى عند الفقهاء ظهار الزوجة، فينبغي عليه أن يكفر كفارة الظهار وهي: بصيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً.
(15/11)
________________________________________
حكم معاملة الابن لأبيه الذي لا يصلي

السؤال
إذا كان الوالد لا يصلي؟

الجواب
يكون مع أبيه كما كان إبراهيم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:41 - 45] ينصحه برفق وبحكمة، وإن أصر على ما هو فيه فقل كما قال إبراهيم لأبيه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:48].
(15/12)
________________________________________
موضع رفع اليدين بعد القيام من التشهد الأوسط

السؤال
موضع رفع اليدين عندما يقوم من السجود بعد التشهد الأوسط، هل يرفعهما وهو جالس أم بعد القيام؟

الجواب
الراجح أن يرفعهما بعد القيام، أما الرفع وهو جالس فلا، وأنا أعلم رأي مشايخنا، لكني أقول لك الراجح: أن يرفع وهو قائم إلى الركعة.
(15/13)
________________________________________
آداب الذكر والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام

السؤال
أحد الخطباء في أحد المساجد بعد الانتهاء من الدرس يقول: هيا بنا نصلي على سيدنا رسول الله كما فعل الإمام الشافعي، ويقول بطريقة ملحنة: (اللهم صل على أفضل مخلوقاتك)، ثم يطلب من الموجودين الترديد معه أو بعده، هل كل هذا الفعل يوافق الشرع؟ وهل يصح لي الصلاة وراءه؟

الجواب
هذا رجل مخرف، وهؤلاء يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وهذا يشبه من كان يقول: (صلى الله على طه خير الخلق وأحلاها)، وطه ليس من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام، وعد إلى كل كتب التفاسير وإلى أقوال العلماء، فستجد أن تفسير طه مثل ألف لام ميم، ولم يقل أحد من علماء السلف: إن طه من أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم يقول: (وعلى الكرار أبي الكرماء)، الكرار يعني: الذي يقاتل الأعداء، (وعلى الزهراء وأبناها)، ثم يمدح ويتمايل ومعه البطانة، وبعد أن يتم المدح، ينطلقون إلى الفتة فرادى أو جماعات.
نسأل الله العافية.
هذا الكلام عفا عليه الدهر {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الأعراف:205] فهناك أدب للذكر.
أخي الفاضل العزيز: هذا رجل يظن أنه يحسن صنعاً، ولكن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لها آداب.
مداخلة: لكنه يحتج بحديث البخاري على الذكر الجماعي، وأن الرسول دخل على أصحابه وهم يفعلون ذلك وأقرهم على هذا ولم ينههم؟ الشيخ: تقصد أثر: كنا نعرف أن هناك صلاة من ارتفاع أصوات المصلين، هذا قول ابن حجر في الفتح، وهذا كان في أول الأمر كانوا يقولون: سبحان الله.
بصوت مرتفع، أما أن يذكر الله عز وجل ذكراً جماعياً بهذه الطريقة، أو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فلا.
يا قوم! المحبة ليست غناء ولا شعراً، إنما المحبة اتباع، مدخن ويقول: صلى الله على سيد الخلق، فلماذا لا تطيعه؟ وهو لا يصلي الجماعات، وزوجته متبرجة، ويفعل الموبقات، يأتي الكبائر ويترك الواجبات، يا قوم! حبكم هذا لا ينفع المحبة محبة اتباع.
مثلاً: رجل يقول: (يا بوي ذوبني.
ذوب جالس في منامي.
يا بوي لبسني ثوب) هذه مصيبة.
يقول هذا وهو يغني للناس، لو أن حب الرسول ذوبك لتركت الغناء! تغني على المسرح وحب الرسول يذوبك! هؤلاء واهمون في حبهم، كاذبون في ادعائهم، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] تحبه وأنت حليق! أين الحب؟! أين الأسوة؟! أين القدوة؟! كيف تحبه وأنت تقيم المساجد على الأضرحة؟! هذا حب كاذب، وهؤلاء ليس لهم من الحب إلا الشعارات الكاذبة، وهذا دأب من كان قبلنا.
(15/14)
________________________________________
حكم حضور الحائض دروس العلم

السؤال
هل يجوز للحائض أن تحضر درس العلم؟

الجواب
لا يجوز للحائض أن تحضر درس العلم أبداً إلا في مكان غير ملحق بالمسجد.
وهذا رأي الجمهور: أن الحائض لا يجوز لها أن تدخل المسجد، أنا أعرف رأي الشيخ مصطفى العدوي ورأي الشيخ محمد حسين يعقوب ورأي الشيخ الألباني، لكني قرأت الردود، وأنا أستدل لكم الآن بحديث عند البخاري في كتاب الحيض، تقول أمنا عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً، فكان يخرج لي رأسه وأنا في حجرتي لأغسلها وأمشطها، وأنا في حجرتي؛ لأني حائض، فما الذي يمنع عائشة من دخول المسجد؟ لو أنها تعلم أن الحائض يجوز لها أن تدخل المسجد لفعلت.
يقول العلامة ابن حجر في الفتح معلقاً: فما الذي يمنعها من دخول المسجد؟ أنا أعرف أنهم ضعفوا الأحاديث التي فيها أنه: (لا يحل المسجد لحائض ولا جنب)، إنما لما قال لـ عائشة: (ناوليني الخمرة من المسجد -يعني: الحصيرة- فقالت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست بيدك).
وأنا الآن بمفهوم المخالفة أسأل: عندما قالت عائشة: إني حائض حينما أمرت بدخول المسجد، لو لم تكن تعلم أن الحائض لا يجوز لها أن تدخل المسجد لما قالت: إني حائض؟ يعني: أن الحيض يمنعني من دخول المسجد، فقال لها: ناوليني ثم اخرجي، لا تدخلي على سبيل المكث والاستقرار، وهذا رأي المذاهب الأربعة، وأنا أعلم أن هناك آراءً لكني لا أستطيع أن أقول بالجواز أبداً.
مداخلة: هل يجوز لها أن تقرأ القرآن؟ الشيخ: نعم.
لها أن تقرأ القرآن، لكن من دون أن تمس المصحف.
(15/15)
________________________________________
حكم بقاء المأموم في السجدة الأولى حتى سجود الإمام السجدة الثانية

السؤال
إذا تأخر المأموم في سجوده الأول حتى أتى الإمام بالسجدة الثانية فما الحكم؟

الجواب
الصورة هذه: أن المأموم ساجد والإمام جلس بين السجدتين ثم أتى بالسجدة الثانية ولا يزال المأموم في السجدة الأولى، إن تعمد مخالفة الإمام فصلاته كلها باطلة، وإن لم يستدرك الإمام وقد فصل بركنين فصلاته تبطل أيضاً، وهو متوعد.
(15/16)
________________________________________
حكم من أدرك مع الإمام التسليمة الثانية

السؤال
ما حكم المأموم إذا تأخر عن الصلاة حتى سلم الإمام التسليمة الأولى وأدرك الثانية؟

الجواب
بمجرد أن يسلم الإمام التسليمة الأولى انتهت الصلاة.
(15/17)
________________________________________
حكم انتظار الإمام حتى يسلم ثم إنشاء جماعة جديدة

السؤال
بعض الناس يدخلون المسجد عندما يكون الإمام في التشهد الأخير، فينتظرون حتى يسلم ثم يقيمون جماعة فهل هذا صحيح؟

الجواب
هذا مخالف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أدركتم فصلوا)، فإذا وجدت الإمام يقرأ التشهد فادخل معه على هذه الهيئة؛ لأن انتظارك هذا مخالف.
(15/18)
________________________________________
حكم صلاة المنفرد خلف الصف

السؤال
هل يجوز الصلاة للفرد خلف الصف؟

الجواب
نعم، يجوز في حالة إن لم يجد فرجة في الصف، والبخاري قد بوب على ذلك في صحيحه أن صلاة المرأة بمفردها خلف الصف جازت لعدم وجود امرأة أخرى، لحديث أنس والطفل اليتيم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم والمرأة خلفهم)، إلى غير ذلك من الأدلة، فضلاً عن أن أصول الفقه تجيب عن السؤال، هل يكلفنا الله فوق طاقتنا أم ما في طاقتنا؟ فمثلاً: رجل جاء ووجد الصف مكتملاً أين يقف؟ لو سحب رجلاً من الصف.
نقول: السحب ضعيف ولا دليل عليه، والشرع لا يكلف الإنسان إلا ما في مقدوره.
(15/19)
________________________________________
حكم رفع اليدين في الصلاة لسجود التلاوة

السؤال
في سجود التلاوة داخل الصلاة هل يتم رفع اليدين قبل السجود؟

الجواب
نعم، ترفع عند السجود (الله أكبر)، ثم تسجد، وكذلك عند الرفع تكبر.
(15/20)
________________________________________
حكم تجاوز المساجد للوصول إلى مسجد تقام فيه الدروس

السؤال
ما حكم المرور بمساجد تقام فيها الجماعة لأجل إدراك الدرس في مسجد آخر؟

الجواب
لا يجوز أن تمر على مسجد يصلي جماعة وتتركه لأجل الدرس، إن أقيمت الصلاة فصل في أقرب المساجد، وبعض الإخوة يقول: أحضر الدرس وأصلي جماعة هناك، وأنت تمشي جاءك ملك الموت أتضمن؟ ما زلت في الطريق، وتحاسب لأنك كان في مقدورك الصلاة، ولماذا تترك المسجد الذي في أول الطريق؟ أي مسجد تمر عليه فصل فيه، أما أن تترك المساجد والجماعة مقامة فهذا ليس من الخلق.
إذاً: إن كنت قاصداً المسجد للدرس والصلاة لم تقم بعد فلا بأس، لكن لو أتيت والمساجد تصلي فصل ثم احضر.
(15/21)
________________________________________
نصيحة للمستفتين عبر الهاتف

السؤال
أحياناً نتصل عبر الهاتف ببعض المشايخ فيغضبون منا، أو أنهم لا يجيبون؟

الجواب
أنا تعبت من إخواني، لهم أسئلة في التليفون تستمر نصف ساعة، وفي الأخير سؤال صغير بعد نصف ساعة شرح، اتق الله في وقت الناس، واتق الله في نفسك، حسن السؤال نصف العلم، لماذا لا تقل: أنا قلت لزوجتي: أنت طالق، فما حكم الطلاق؟ وإن قلنا هذا الكلام قالوا: الشيخ عصبي.
قبل عدة أيام قبل الفجر بساعة ونصف، يتصل أحدهم ليقول لي: يا شيخ! آسف أنا طلقت زوجتي؟ مصيبة كبيرة جداً، طبعاً أنا أرحب ولكن من داخلي غاضب، نعم قد يكون الرجل في أزمة ومعذوراً، والذي نصب نفسه للإجابة على الأسئلة كالطبيب يستدعى في أي وقت.
وأنا لا أغضب، لأنه لا ينبغي أن يحجب الإنسان نفسه عن الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على بابه حراس ولا حجاب، في أي وقت تريده تجده، هذا هو الأصل، وقد يكون الرجل معذوراً فلا يستريح إلا بالكلام معك.
أنا أريد أن أبين أنه ممكن أن يوقظك لكن السؤال يكون في دقيقتين.
احذر أن تحجب نفسك عن الناس، لك حق نعم، لكن الناس لهم عليك حقوق، إن كنت أنت لك حق فهم لهم حقوق لابد أن توفيها تامة.
(15/22)
________________________________________
الرضاعة المحرمة للزواج

السؤال
عزمت على خطبة فتاة من ذوي القرابة، وأخبرتني أختي بأنها أرضعت تلك الفتاة، وقالت: أرضعتها مرة أو اثنتين أو ثلاثاً، ثم بعد ذلك قالت: والله أعلم بالعدد، وهو ليس بالكثير؛ لأنني كنت لا أكفيها، فكنت أرضع من جارتي، أفتونا يرحمكم الله ويحسن إليكم؟

الجواب
يريد أن يخطب فتاة رضعت من أخته، وتكلم في عدد الرضعات، ويقول العلماء: إن كان هناك شك في عدد الرضعات قبل الزواج فابن على الأحوط، والأحوط هو عدم الزواج، وإن كان بعد الزواج فلا نفرق بينهما إلا بيقين.
أقول مرة أخرى: تزوج من امرأة رضع عليها، لكن المرضعة تقول: لا أذكر عدد الرضعات، فالزواج قائم؛ ولأن الزواج قائم فلا نستطيع أن نفرق بينهما.
لكن إذا كنت متأكداً أنها رضعت لكن عدد الرضعات فيه مشكلة، فأغلق هذا الباب، والأحوط أن تترك هذا الباب.
(15/23)
________________________________________
تقييم كتاب صفة الصلاة للألباني

السؤال
ما رأيك في كتاب صفة الصلاة للشيخ الألباني؟

الجواب
وهل أنا أقول رأيي في صفة الصلاة للشيخ الألباني! يا عبد الله! اتق الله شيخنا الألباني نحن نقول رأينا فيه؟ إذاً نحن لم نتعلم الأدب، وعلم بلا أدب كالنار بلا حطب، فكونك تقول: ما رأيك في كتاب صفة الصلاة للشيخ الألباني، هذا سؤال خطأ؛ لأنك تسأل طويلب علم عند الشيخ الألباني، فاتق الله في نفسك.
(15/24)
________________________________________
حكم طاعة الأب في عدم إعفاء اللحية

السؤال
والدي يعارضني في إعفاء اللحية فهل أطيعه أم لا؟

الجواب
لا طاعة له مطلقاً، تريد أن تذهب إلى أصحاب المنهج الحزبي، انظر سيقول لك: احلق لمصلحة الدعوة.
(15/25)
________________________________________
حكم الائتمام بالشخص المكروه

السؤال
هل يجوز الصلاة خلف من تكره، فقد سمعت أن هذا يبطل الصلاة؟

الجواب
إن كنت تكرهه لسبب شرعي، فنعم، وأما لغير هذا فلا.
مداخلة: هو مسبل وحليق.
الشيخ: مسبل وحليق، لكنه الإمام راتب أم لا؟ مداخلة: راتب.
الشيخ: يصلي خلفه، والشيخ ابن تيمية له كتاب في هذا، جواز الصلاة خلف المبتدع والفاسق طالما أن البدعة ليست كفرية، لكن ينصح طالما لم يكفر، ولو وجدت مسجداً آخر، فاذهب للأتم والأصلح.
مداخلة: ما هي البدع الكفرية؟ الشيخ: البدع الكفرية كمن يشد الرحال إلى القبور، ويطلب المدد من غير الله، ويذبح لغير الله.
(15/26)
________________________________________
حكم صلاة سنة الفجر بعد الفرض

السؤال
هل يجوز أن أصلي سنة الفجر بعد الفرض؟

الجواب
نعم، يجوز؛ لفعل الصحابة، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم على ذلك.
(15/27)
________________________________________
نصيحة لمن ينسى القرآن سريعاً

السؤال
أداوم على حفظ القرآن، ولكني سريع النسيان ماذا أفعل؟

الجواب
صل به قيام الليل والفروض والنوافل، وتتبعه واقرأ تفسير الآيات التي تحفظها يثبته الله لك.
(15/28)
________________________________________
معنى القُرء

السؤال
اللفظ المشترك بين الحيض والطهارة والخلاف بين الحنفية والشافعية فأيهما أرجح؟

الجواب
أنا أعرف اللفظ المشترك بالنسبة للقرء، {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] هذا القرء حيض إلى حيض، أم طهر إلى طهر؟ الراجح أنه طهر إلى طهر.
(15/29)
________________________________________
حكم ترك الجماعة والخروج منها

السؤال
هل يجوز الخروج من الصلاة في الجماعة؟

الجواب
إذا كان لمصلحة فإنه يجوز، والدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما انفلت الرجل من وراء معاذ بن جبل وصلى بمفرده، هل أمره بالإعادة أم أقره على صلاته؟ يعني: إما أنه أطال الصلاة حتى أن المأموم خرج عن الخشوع، فانفلت وصلى بمفرده، فأقره النبي على فعله ولم يأمره بالإعادة.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم تقبل صلاتنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمارنا، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، نعوذ بك يا رب من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها.
(15/30)
________________________________________
العدة شرح العمدة [16]
من طبع الإنسان السهو والنسيان، ومن ذلك سهوه ونسيانه في العبادات، ولما كانت الصلاة أكثر العبادات ممارسة كان السهو فيها أكثر، على أنه يفرق بين الأركان والواجبات والمسنونات، فالسهو في ركن يبطل الركعة، والسهو في واجب يجبر بسجدتي السهو، وأما المسنونات فلا تحتاج إلى سجود سهو، ويكون السجود للسهو قبل السلام وبعده.
(16/1)
________________________________________
أحكام سجود السهو
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: نواصل قراءة كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب: سجدتي السهو.
وقبل أن أبدأ أريد أن أنبه إلى أننا عندما نطرح بحثاً فينبغي أن يهتم الحضور ببحث هذه المسألة، وقد طرحت في الدرس السابق بحثاً وهو: هل ترك الواجب المتعمد يبطل الصلاة أم لا؟ وذكرت أن أركان الصلاة اثني عشر ركناً، والواجبات سبعة، وحكم هذه الواجبات إن تركها المصلي عامداً، وذكرنا أن الحنابلة لهم في المسألة روايتان، وقد كنت أريد من الحضور أن يهتموا بهذه المسألة وأن يبحثوها لاسيما وأنها من المسائل المهمة في الصلاة.
(16/2)
________________________________________
الحكمة من سجدتي السهو
قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب سجدتي السهو).
قوله: (سجدتي) يشير إلى أن للسهو سجدتين، وعلل بعض الفقهاء الحكمة منها، فقالوا: السهو من الشيطان، فهو الذي يجعل الإنسان يسهو في صلاته، فيسجد ليغيظ ذلك اللعين ترغيماً لأنفه؛ لأنه أمر بالسجود فلم يسجد، وابن آدم أمر بالسجود فسجد، فجبرت بعض واجبات الصلاة بسجود سهو ترغيماً للشيطان.
(16/3)
________________________________________
السهو بزيادة فعل من جنس الصلاة
يقول المصنف: (السهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: زيادة فعل من جنس الصلاة)، أن يزيد المصلي فعلاً من جنس الصلاة، كأن يزيد ركعة أو سجدة أو ركناً (فتبطل الصلاة بعمده، ويسجد لسهوه) وإن ذكر وهو في الركعة الزائدة جلس في الحال، وإن سلم عن نقص في صلاته أتى بما بقي عليه منها ثم سجد، ولو فعل ما ليس من جنس الصلاة لاستوى عمده وسهوه، فإن كان كثيراً أبطلها، وإن كان يسيراً كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حمله أمامة وفتحه الباب لـ عائشة فلا بأس.
إذاً: القسم الأول من السهو: هو أن يزيد فعلاً من جنس الصلاة.
(16/4)
________________________________________
حالتا سجود السهو قبل السلام
ذكر الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله أقسام السجود قبل وبعد السلام، وقد قسم المسألة تقسيماً بديعاً في كتابه الممتع، ولعل بعض المطابع أخذت جزءاً من كتابه الممتع وسمته أحكام سجود السهو.
قال: هناك حالتان قبل التسليمتين، وحالتان بعد التسليمتين.
أما ما يسجد له قبل التسليمتين: فهما الشك ونسيان الواجب، بمعنى: أنك شككت في الصلاة هل صليت ثلاثاً أم أربعاً؟ فالواجب عليك أن تبني على الأقل، وهو ثلاث ركعات، وهذا يسميه العلماء اليقين: اليقين أنك صليت ثلاثاً، والشك أنك صليت أربعاً.
ومراتب العلم ستة، وهي: الأولى العلم: وهو إدراك الشيء على حقيقته، فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ إن قلت: كانت في السنة الثانية من الهجرة، فهذا يسمى: (علم)، والعلم هو إدراك الشيء على حقيقته، أما لو قلت: كانت غزوة بدر في السنة الثالثة، فهذا نسميه: (جهل مركب)، وهو: إدراك الشيء على غير حقيقته، وهذا في زماننا حدث به ولا حرج.
هذه الثانية، وإن قلت: لا أدري متى كانت غزوة بدر، فهذا يسمى (جهل بسيط)، لأنه لا يدري، ومن قال: لا أدري فقد أفتى.
هذه الثالثة.
الرابعة: لو قال قائل: غزوة بدر كانت في السنة الثانية الهجرية واحتمال أن تكون في السنة الثالثة، فهذا يسمى عند العلماء (الظن)، وهو إدراك المعنى الراجح مع احتمال مرجوح، يعني: ضعيف.
الخامسة: لو قلت: غزوة بدر كانت في السنة الثالثة الهجرية، واحتمال أن تكون في السنة الثانية، فهذا يسمى (وهم)، أدرك المعنى المرجوح وأخر المعنى الراجح.
السادسة: لو قلت: أنا لا أدري ربما تكون في الثانية وربما تكون في الثالثة، فهذا يسمى (شك)، أي: أنه استوى عنده الطرفان.
إذاً: مراتب العلم ستة: علم، جهل مركب، جهل بسيط، ظن، وهم، شك، فقول المصنف: (شك) معناه: أنك ترى (50%) أنك صليت ثلاثاً، و (50%) أنك صليت أربعاً، ولا يوجد احتمال راجح، بل تتساوى الاحتمالات، فعندها يبني على الأقل وهو الثلاثة، ويقوم ويأتي بركعة؛ فإن كانت الخامسة فلا بأس، وإن كانت الرابعة فالحمد لله، ثم يسجد للسهو قبل التسليمتين، يسبح فيها كتسبيحه في السجود العادي، سبحان ربي الأعلى، لكن بعض الناس يقول: سبحان الذي لا يسهو ولا ينام، وهذا دعاء ليس له أصل في الشرع، إنما يسبح تسبيحاً عادياً.
والواجبات سبعة، وهي: تكبيرات الانتقال، والتشهد الأوسط، والجلوس له، والتسميع، والتحميد عند الرفع من الركوع، والاستغفار بين السجدتين: (رب اغفر لي ثلاثاً)، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم التسبيح في الركوع والسجود، والركوع والسجود ركن، ولكن التسبيح فيهما واجب.
ولو أن المصلي نسي واجباً من واجبات الصلاة سهواً فعليه أن يسجد للسهو، والسهو للمنفرد، أما المأموم فلا يسجد للسهو إلا إذا سجد الإمام، فإن سها فلا يسجد بمفرده إنما يجبر سهوه الإمام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري عن الأئمة: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).
والمقصود: لو أن إماماً صلى بالناس جنباً حتى انتهت الصلاة، وبعد الصلاة تذكر أنه كان جنباً، فهل يعيد المأمومون الصلاة أم يعيد الإمام فقط؟ يعيد الإمام فقط، وأما المأموم فصلاته صحيحة؛ للحديث: (يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم)، إذاً: يلزم الإمام أن يعيد الصلاة بمفرده ولا يلزم المأموم.
(16/5)
________________________________________
حالتا سجود السهو بعد السلام
أما الحالتان التي يسجد لهما بعد التسليمتين: فحالة الزيادة وحالة النقص، إن زاد في عدد الركعات أو قلل، وعمدتنا في ذلك حديث ذي اليدين في البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه إحدى صلاتي العشي)، في الكتاب (العشاء) وهذا غلط، وصلاتي العشي هما: الظهر والعصر، وصلاة الغداة هي صلاة الفجر.
وصلاة العشي كل منهما أربع ركعات؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام صلاها ركعتين، فلما صلى سكت الصحابة وظنوا أن الصلاة قصرت، ونزل حكماً، فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر المسجد وشبك بين أصابعه، وفي القوم رجل يسمى ذا اليدين، يعني: أن إحدى يديه أطول من الثانية، وهذه ليست غيبة؛ لأنها تعريف: القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسق ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر أي: أن هذا للتعريف، وأبو هريرة هذا تعريف، وبشر الحافي تعريف، والأكوع تعريف، والأعرج تعريف، وطالما أنه يعرف بهذا فلا بأس أن تذكره بذلك؛ لأن هذا من قبيل التعريف، لكن لو أن رجلاً اسمه (محمد) وليس له لقب وأنت تعرفه بلقب، فهذا تنابز بالألقاب، أما إن كان مشتهراً بين الناس بهذا الاسم فهذه ليست غيبة.
قال ذو اليدين: (يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم؟ قال: صليت بنا ركعتين، قال: أحقاً ما قال ذو اليدين؟ قال الصحابة: نعم يا رسول الله! وفي القوم أبو بكر وعمر فقام النبي صلى الله عليه وسلم وكبر وصلى ركعتين ثم سجد للسهو بعد التسليمتين).
ومن هنا استدل العلماء على أنه في حال النقص يسجد للسهو بعد التسليمتين.
وفي حديث ابن مسعود قال لأصحابه: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإن نسيت فذكروني)، وهو ينسى للتشريع.
قال المؤلف: (زيادة فعل من جنس الصلاة كركعة أو ركن) كرجل زاد في الصلاة ركعة، فإن زادها متعمداً فصلاته باطلة بلا خلاف، أو زاد فيها ركناً من أركانها الاثني عشر، ومعنى ذلك: أنه لا يجوز أن تقرأ الفاتحة مرتين، والبعض ينتهي من الفاتحة قبل الإمام فيعيدها الإمام مرة ثانية، لا.
أنت الآن تحصل الركن أكثر من مرة.
رجل ركع في الصلاة ركوعين، فإن كرر الركن فلا يجوز، وإن تعمد أن يزيد ركناً فصلاته باطلة.
ولو زاد ركناً بسهو، يعني: سجد ثلاث سجدات، أو ركع ركوعين، أو صلى خمساً، فهذه زيادة فعل من جنس الصلاة تبطل الصلاة بعمده ويسجد لسهوه، وإن ذكر وهو في الركعة الزائدة جلس في الحال، والأركان لا بد من تحصيلها، لا تجبر بسجوده.
وهذا يشبه حال بعض الأئمة عندما يقوم لخامسة، فيذكره من خلفه من الرجال بالتسبيح، والنساء يصفقن ببطون كفهن على ظهر الأخرى.
وفي حديث أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ بلال: (إن تأخرت فأقم الصلاة، وائذن لـ أبي بكر) وذهب إلى صلح في قباء بين بني عوف.
وهذا المعتبر أن الإمام الراتب عندما يتأخر يستخلف خليفة، ونحن الآن في مساجدنا نرى الإمام الراتب يغيب، وراتب الراتب يغيب، وهذا أمر نعاني منه في كثير من المساجد، والمؤذن يقدم على هواه، ويتقاتلون على الأذان والإمامة؛ لأن الراتب لا يعين خليفة.
فلما حضرت الصلاة أقام بلال وصلى أبو بكر بالناس، وبينما هو في الركعة الأولى جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فصفق الصحابة لـ أبي بكر، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى أبي بكر أن اثبت وأكمل، فتراجع الصديق رغم هذه الإشارة ووقف في الصف الأول بعد تكبيرة الإحرام، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وصلى بالناس إماماً، وبعد الصلاة قال له: (يا أبا بكر ما لك تراجعت إذ أمرتك -أن تكمل- قال: يا رسول الله! ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي إماماً برسول الله)، وهذا من أدب أبي بكر.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حزبه أمر في الصلاة إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء).
وقد بوب أبو داود باب التصفيق للنساء، إذا حزبها في الصلاة أمر تصفق.
قال: (يسجد للسهو)، إن قام الإمام لخامسة وسبحنا فينبغي له أن يجلس، والإمام مسألته تختلف عن المنفرد؛ لأن له من يذكره، وعلى الإمام أن يذعن لرأي المجموعة ويجلس ويسجد للسهو.
(وإن ذكر في الركعة الزائدة جلس في الحال، وإن سلم عن نقص في صلاته أتى بما بقي عليه منها ثم سجد)، والدليل هنا حديث ذي اليدين الذي ذكرت.
(16/6)
________________________________________
السهو بزيادة فعل ليس من جنس الصلاة
قال المؤلف: (ولو فعل ما ليس من جنس الصلاة لاستوى عمده وسهوه، فإن كان كثيراً أبطلها، وإن كان كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حمله أمامة وفتحه الباب لـ عائشة فلا بأس).
ومعنى أن المصلي فعل شيئاً ليس من جنس الصلاة: أنه قد يخرج منديلاً وينشف العرق، أو يتنخم إلى غير ذلك، فهذا ليس من جنسها، يستوي فيه العمد والسهو.
قال المصنف هنا: (إن كان ليس من جنسها فيعفى عن يسيره) ولكن قد تبطل الصلاة إن كثر، لأنه ليس من جنس الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام أتى بأفعال ليست من جنس الصلاة، مثل حمل أمامة بنت بنته ووضعها وهو في الصلاة، والحمل والوضع ليس من جنس الصلاة، حتى أنه صلى على المنبر للصحابة صلاة صحيحة ونزل من على المنبر، ثم تراجع وسجد في أصل المنبر، ثم قام وارتقى المنبر، ثم رجع وسجد، وهذا الرجوع فيه حركة ولكنها ليست كثيرة.
فيقول المصنف هنا: (كالمشي والحك والتروح) إن كان كثيراً يبطل الصلاة؛ لأنه من غير جنسها (ولا يشرع له سجود، وإن قل لم يبطلها، لما روى أبا قتادة (أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص بنت بنته إذا قام حملها وإذا سجد وضعها) متفق عليه).
وروي أنه فتح الباب لـ عائشة رضي الله عنها في الصلاة، والقليل مما شابه فعل النبي عليه الصلاة والسلام في فتحه الباب وحمله أمامة، والكثير إذا عد في العرف كثيراً فيبطل، إلا أن يفعله متفرقاً بدليل حمل النبي صلى الله عليه وسلم لـ أمامة في صلاته، حيث فعله متفرقاً لم يبطل وإن كان كثيراً.
ومعنى هذا: أن الفعل إن كان ليس من جنس الصلاة فيعفى عن يسيره، وإن كان كثيراً متفرقاً فيعفى عنه أيضاً، لكن من يصلي وأتى بحركة ليست من جنس الصلاة وهي طويلة كالخروج إلى الشارع، فهذا خرج من الصلاة.
أو أغلق الهاتف وهو يصلي، فصلاته صحيحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فتح الباب لـ عائشة وهو يصلي، وحمل أمامة بنت بنته وهو يصلي، وعندما يركع فإنه يضعها، وحينما يرفع من السجود يأخذها، وهذه كلها حركات ليست من جنس الصلاة.
لكن لو أن الباب طرق وأنت وهو في غير اتجاه القبلة فلو فتحت ستنحرف عن القبلة وهذا لا يجوز.
فالحركة لصالح الصلاة تجوز إن كانت يسيرة أو كثيرة متفرقة بين الركعات، وابن حجر في الفتح ذكر هذا، لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر بين أصحابه ليصلي لهم ويعلمهم الصلاة، فكبر تكبيرة الإحرام وهو على المنبر، وقرأ الفاتحة، ثم ركع، فإذا أراد أن يسجد تراجع ونزل من على المنبر، ثم نزل وسجد عند أصل المنبر عند الدرجة الأولى ثم سجد ثم اعتدل وقام وعاد على المنبر، قال ابن حجر في الفتح معلقاً: وفي الحديث جواز الفعل الكثير إن تفرق لصالح الصلاة.
وحد الكثير والقليل العرف، ما يعتبروه الناس كثيراً وما يعتبره الناس قليلاً، وقد ذكر المصنف هنا أن القليل هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح الباب لـ عائشة وحمل أمامة، أما من يصلي وأخرج ألف جنيه بعدها ثم غلط في العد ماذا أقول في شأنه؟ وآخر ينظر في الساعة، ثم فتح الساعة وحرك العقارب، أو أخرج التلفون يتصل في الصلاة، أو يقلب الرسائل، فهل هذا مصل؟ أما من نسي إغلاقه ودق ثم أخرجه وأقفله فلا.
كذلك لو صلى، والغترة مالت على وجهه وعدلها فصحيح، أما من يهندم نفسه في الصلاة.
فلا يصح، أو امرأة تصلي والطبيخ على النار، وتذهب للمطبخ فهذا ينهي الصلاة، أما لو كانت بجواره وأغلقته ثم صلت في اتجاه القبلة فلا بأس.
وأيضاً يجب أن يخشع المرء في صلاته، فبعض الناس يريد أن يتابع المباراة في الصلاة، فيأتي بالتلفزيون أمامه، ويقول: من أجل أن يخشع في الصلاة، هذا لا يجوز.
(16/7)
________________________________________
سجود السهو بسبب نسيان واجب
الضرب الثاني من السهو (كنسيان واجب، فإن قام عن التشهد الأول فذكر قبل أن يستتم قائماً رجع فأتى به، وإن استتم قائماً لم يرجع) رجل نسي التشهد الثاني، ثم تذكر قبل أن يستتم قائماً، فعليه أن يعود، أما إن استتم قائماً فلا يعود؛ لأنه يعود من ركن إلى واجب.
ولو أن رجلاً في التشهد الأخير تذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية؛ فإنه يسجد لأنه لم يفصل بين الركنين.
قال المؤلف: (وإن نسي ركناً فذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى رجع فأتى به وبما بعده، وإن ذكره بعد ذلك بطلت الركعة التي تركها منها)، والمعنى: نسي السجدة الثانية، ثم قام من الركعة الثانية وقرأ الفاتحة، وركع واعتدل، وبعد أن اعتدل تذكر أنه نسي السجدة الثانية فإن الركعة كلها باطلة، ويأتي بركعة كاملة لأنه فصل بعد الركن بأركان، قام وقرأ الفاتحة وركع ثم تذكر أنه نسي ركناً لابد من تحصيل الركعة بكاملها، إذاً: الركعة الأولى تحذف من حساباته، ويأتي بركعة إضافية في آخر الصلاة؛ لأنه نسي ركناً وفصل بينه بأركان.
قال المؤلف: (وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات فذكر في التشهد سجد في الحال وصحت له ركعة، ثم يأتي بثلاث ركعات)، والمعنى: أنا أصلي الظهر، ونسيت السجدة الثانية في الركعة الأولى، والسجدة الثانية في الركعة الثانية، والسجدة الثانية في الركعة الثالثة، والسجدة الثالثة في الركعة الرابعة، ثم وأنا أقرأ التشهد تذكرت أنني ما سجدت للأولى والثانية والثالثة والرابعة، فماذا أعمل؟ أسجد سجدة فتصح لي الركعة الرابعة فقط، وتعتبر الركعة الأولى صحيحة كاملة، وأقوم بصلاة ثلاث ركعات.
(16/8)
________________________________________
سجود السهو بسبب الشك
قال المؤلف: (الضرب الثالث من سجود السهو: الشك، فمن شك في ترك ركن فهو كتركه له)، كأن شككت هل أقرأت الفاتحة أم لم تقرأ وأنت منفرد في صلاة، فكأنك لم تقرأ، إذاً تأتي بركعة كاملة، لأن الشك في ركن يلغيه.
وأول الأركان تكبيرة الإحرام، وهي تختلف عن كل الأركان، إذا شككت أنك لم تكبر تكبيرة الإحرام فالصلاة من أولها لا تصح؛ لأن مفتاحها التكبير، وأنت خسرت المفتاح.
وأركان الصلاة هي: تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، الركوع حتى تطمئن، الاعتدال من الركوع، السجود حتى تطمئن، الاعتدال من السجود، السجدة الثانية، قراءة التشهد الأخير، التسليمة الأولى، الاطمئنان في كل ما ذكرنا، الترتيب على ما ذكرناه، القيام بعد الركوع.
الضرب الثالث من ضروب السهو: (الشك فمن شك في ترك ركن فهو كتركه له، ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين)، أي: الأقل، إلا الإمام خاصة، فإنه يبني على غالب ظنه؛ لأن الإمام وراءه من يذكره، لكن المنفرد ليس معه أحد، (ولكل سهو سجدتان قبل السلام إلا من سلم عن نقص في صلاته، والإمام إذا بنى على غالب ظنه، والناسي للسجود قبل السلام، فإنه يسجد سجدتين بعد سلامه، ثم يتشهد ويسلم.
وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو الإمام فيسجد معه، ومن سها إمامه أو نابه أمر في صلاته فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء، (إذا نابكم أمر فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء))، والتصفيق ليس للرجال مطلقاً في الصلاة وخارجها.
ذكر المصنف هنا أن السهو على ثلاثة أضرب: الأول: أن يزيد فعلاً من جنس الصلاة، والثاني: النقص كنسيان واجب، والثالث: الشك في ترك ركن، أو في عدد الركعات يبني على اليقين.
وللفائدة: يوجد صحابي وحيد هو الذي صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم إماماً، وهو عبد الرحمن بن عوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في الركعة الثانية في الفجر ولم يدخل في الركعة الأولى، فوصول الإمام الراتب في الأولى يختلف عن وصوله في الثانية.
(16/9)
________________________________________
الأسئلة
(16/10)
________________________________________
حكم من شك في الإتيان بركن

السؤال
دخلت الصلاة، وكبرت تكبيرة الإحرام، وقرأت دعاء الاستفتاح، وبينما أنا قائم شككت هل قرأت الفاتحة أم لا؟

الجواب
من شك في ترك ركن أتى به، فلابد أن يأتي به، وعلى هذا فعليه أن يقرأ الفاتحة طالما هو منفرد، والله تعالى أعلم.
(16/11)
________________________________________
مذهب الحنابلة فيمن نسي سجود السهو

السؤال
قال المؤلف: على من نسي السجود للسهو قبل السلام أن يسجد للسهو ثم يتشهد، فما معنى كلامه؟

الجواب
هذا كلام المذهب: من نسي أن يسجد للسهو، يسجد بعد أن يتذكر، ويتشهد ويسلم، والراجح أنه لا يتشهد.
(16/12)
________________________________________
أحوال استخلاف الإمام

السؤال
ما هي أحوال استخلاف الإمام لمن خلفه أو لمن ينوبه؟

الجواب
الاستخلاف حكم عام، فلو أن الإمام الراتب عرض له عارض فتأخر كأن أحدث أو أجنب فجذب مأموماً ليؤم الناس، فهذا اسمه استخلاف، أما حالة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فهي أخرى، فقد كانوا بدءوا في الصلاة ثم أتاهم وهم في الركعة الأولى فائتم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم.
مداخلة: هل أكبر مع الإمام النائب من جديد؟ الشيخ: لماذا تكبر وقد كبرت، هل ستكبر مرتين؟ أنت كبرت ورائي وأنا الإمام، وأنا أستخلف سواي.
حتى لو كان في الركعة الأولى.
(16/13)
________________________________________
حكم المأموم إذا قام الإمام لركعة خامسة

السؤال
إذا قام الإمام لركعة خامسة، والمأموم متأكد من ذلك، وبعضهم قام رغم أنه متأكد فهل يجوز ذلك، مع العلم أن البعض الآخر لم يقم؟

الجواب
العلماء في هذه المسألة على خلاف، هل يجلس الذي أتى برابعة ويترك الإمام ويقرأ التشهد ويفارق؟ أم يجلس وينتظر حتى يجلس الإمام ويتشهد معه للمتابعة؟ والصواب: عليه أن يفارق؛ لأن الإمام لا يتابع في الخطأ، وإنما يتابع في الصواب، إذا الإمام أخطأ وأصر ولا يريد أن يقعد، فأنت لك أن تتشهد وتفارقه؛ لأن هذا خطأ ولا يتابع الإمام عليه.
أما من قام إلى الخامسة ويعلم علم اليقين أنها خامسة فقد بطلت صلاته؛ لأنه زاد في الصلاة.
والشيخ ابن عثيمين رحمه الله يختار الرأي الثاني وهو المفارقة، تسلم قبله لأنه لا يتابع في الخطأ، بل تسبح له فإن جلس فبها ونعمت، وإن أصر على المخالفة تفارقه، يعني: تخرج من الصلاة، وبالنسبة للإمام فقد يكون قام لخامسة لشك، فالشك يزول بالتسبيح، فلعله نسي الفاتحة وحينها هو من يقوم ويصحح، لكن أنا غير مطالب بالمتابعة؛ لأني لا أتابع في الخطأ، وإنما أتابع في الصواب.
وبعضهم قالوا: إذا أخطأ الإمام وكان الخطأ لصالح الصلاة فإنه يجوز.
إذاً: الشيخ ابن عثيمين اختار المفارقة وهي الصواب؛ لأن الإمام هنا أخطأ (إنما جعل الإمام ليؤتم به) يعني: في الصواب، وإن أخطأ كانت هذه دعوة مفارقة في هذه الحالة.
(16/14)
________________________________________
ضابط الفاصل الذي تنقطع به الموالاة بين الركعات في حق من نسي بعضها

السؤال
لو أن الإمام صلى ركعتين وسلم وسلم معه المأمومون ثم ذكر بعد الصلاة فقام وصلاهما، فهل فعله هذا صحيح؟

الجواب
يشترط في الفترة الزمنية بين الركعتين المتممتين أن لا تطول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج من المسجد.
والإمام مالك له رأي عجيب في المسألة، يقول: إن خرج ومكث شهراً يأتي بركعتين، والصواب أن الأمر حده العرف، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ثم جلس في آخر المسجد، وحصل بينه وبين ذي اليدين حواراً وسأل الصحابة، لكن الفاصل لم يطل، ولم يخرج من المسجد.
والراجح: أنه لا ينبغي أن يفصل بين الركعتين بمدة زمنية طويلة، والحد الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام أنه تأخر في آخر المسجد، فمثلاً: أنا صليت ركعتين، واستدرت بوجهي، فقيل لي: يا شيخ! أنت صليت ركعتين، صحيح؟ نعم والله صحيح، فنقوم ونأتي بالركعتين مباشرة، وليس هناك زمن محدد إنما العرف.
(16/15)
________________________________________
حكم المأموم إذا نسي الإمام التشهد الأوسط

السؤال
إمام يصلي المغرب، وقام من الثانية إلى الثالثة دون أن يقرأ التشهد، ماذا يفعل المأموم؟

الجواب
طالما اعتدل الإمام قائماً فإن المأموم يقوم معه؛ لأنه لا يجوز إذا اعتدل أن يعود، والمأموم ظل جالساً وسبح له، لو أن الإمام فقيه يدعه يسبح للصبح، أنا قمت لركن، لن أعود إلى الواجب من ركن، والإمام جلس وظن أنه نسي سجدة، فجلس وتذكر أنه في التشهد الأوسط فقام مرة أخرى، فالإمام بطلت صلاته، إن كان جاهلاً يعذر بجهله، ولا يؤم الناس إلا فقيه بالصلاة حتى يستدرك هذه الأخطاء التي تعرض له.
(16/16)
________________________________________
حكم البسملة في الصلاة

السؤال
ما حكم البسملة في الصلاة؟

الجواب
البعض لا يبسمل في الفاتحة، والراجح أنها آية من الفاتحة، ونسيان آية كنسيان الفاتحة، فيكون قد نسي ركناً، ويلزمه أن يحصل ركعة كاملة، أما الذي لا يجهر بها فهذا هو السنة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس: (صليت خلف النبي وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أياً منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، إنما كان يسر بها)، وأما عدم قراءتها ألبتة فهذا غير صحيح؛ لأن معناه أن يجعل الفاتحة ست آيات لا سبع آيات.
(16/17)
________________________________________
حكم من استخلفه الإمام قبل أن يكمل الفاتحة

السؤال
استخلفني الإمام وأنا أصلي خلفه لأنه أحدث فقال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:4 - 5]، ثم خرج من الصلاة، فهل أكمل الفاتحة أم أبدأ من جديد؟

الجواب
تكمل الفاتحة؛ لأن قراءته صحيحة.
(16/18)
________________________________________
حكم مرور الصبي بين يدي المصلي

السؤال
هل نأخذ من حديث حمل الرسول صلى الله عليه وسلم لـ أمامة جواز مرور الصبية بين يدي المصلي؟

الجواب
الصبي غير المميز، نعم، أما الصبي المميز فلا، ولابد أن نعلم أن سترة الإمام سترة للمأموم.
(16/19)
________________________________________
حكم العمل في أماكن اللهو

السؤال
أعمل سباكاً في شركة أجنبية، تقوم بتشطيب الفنادق مع العلم أنه يوجد بارات وصالات ديسكو وحمامات سباحة وغير ذلك؟

الجواب
إن كان الفندق فيه بارات وصالات ديسكو فلا يجوز، لكن لو كان هناك فندق ليس فيه بارات فإنه يجوز فيه الاستعمال الحسن ويجوز فيه الاستعمال السيئ، إذاً أبني على الجميل، والإثم على من يستخدم، حتى لو أن قلبوا هذه الصالة لصالة أفراح ليس لي دخل، وصالة الديسكو معروف أنها لخمر فلا أصممها، فهناك حرام لذاته وهناك حرام لوصفه أو لغيره، والحرام لذاته لا يجوز أن تعمل فيه، والحرام لغيره إثمه على المستخدم وليس على الباني.
مداخلة: حتى ولو كان متيقناً أنه يستخدم في الحرام؟ الشيخ: لا، المتيقن، لا يجوز له، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
(16/20)
________________________________________
العدة شرح العمدة [17]
السنن الرواتب بمثابة سياج حفظ للفريضة، وبإحسان النوافل تكمل الفرائض، ومن داوم عليها فإنه ينال محبة الله تعالى بذلك، وهي اثنتا عشرة ركعة في اليوم والليلة، ومن تطوع أكثر في أوقات غير منهي عن الصلاة فيها فهو نور على نور.
(17/1)
________________________________________
السنن الراتبة
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شرٍ يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! طبتم جميعاً وطاب ممشاكم إلى بيت الله عز وجل، وأسأل الله سبحانه بفضله وكرمه أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
لا زلنا مع كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب: صلاة التطوع، وهذا الباب مهم؛ لأنه يرتبط بعبادة متكررة.
قال رحمه الله: [وهي على خمسة أضرب] أي: أنه قسم التطوع إلى خمسة أنواع: [أحدها: السنن الراتبة].
ومعنى قوله: السنن الرواتب أي: السنن التي ليست مطلقة وإنما هي مقيدة بالفرض ولها صفة الرتابة، أي: الاستمرار.
لذلك قال: [وهي عشر ركعات]، أي: أن السنن الرواتب عشر ركعات، وهناك خلاف بين حديثين: أحدهما لـ ابن عمر قال فيه: إنها عشر ركعات، والآخر لـ عائشة رضي الله عنها أنها اثنتي عشرة ركعة، والخلاف بينهما في سنة الظهر، كما سأبين إن شاء الله تعالى.
قال: [قال ابن عمر: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها)، وحدثتني حفصة: (أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين)، متفق عليه.
وآكدها ركعتا الفجر؛ قالت عائشة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر)، وقال: (ركعتا الفجر أحب إلي من الدنيا وما فيها)، رواه مسلم، ويستحب تخفيفهما].
النافلة تعد بمثابة سياج حفظ للفريضة؛ لأنه إذا أصابك الفتور فيؤثر على النافلة، وإن لم يكن هناك نافلة وأصابك الفتور فيؤثر على الفريضة، فالنافلة بمثابة حفظ للفريضة.
ثانياً: النافلة تعتبر تمهيداً للدخول إلى الفريضة، كصيام أيام من شعبان تمهيداً للدخول في صيام رمضان.
ثالثاً: النافلة سبب لحب الله، قال تعالى في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)؛ لأنه يزيد على جنس الواجبات من جنسها المستحبات، قال ابن تيمية رحمه الله: الولي هو الذي يفعل الواجبات، ويضيف إليها المستحبات، ويتجنب المحرمات والمكروهات، ويترك بعض الأمور المباحة لأجل رضا ربه عز وجل.
ومن المستحبات: السنن النوافل، كركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما في بيته؛ لأن من السنة أن تجعل لبيتك نصيباً من الصلاة لا سيما صلاة النوافل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن القبور لا يصلى فيها ولا يقرأ فيها القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين بعد العشاء في بيته، أما ركعتا الفجر وهما آكد السنن فقد كان صلى الله عليه وسلم يصليهما في بيته ويخفف فيهما، ولذلك يستحب فيهما التخفيف، وكان يقرأ فيهما بسورتي (الكافرون والإخلاص)، كذلك ركعتا المغرب.
قال: [ويستحب تخفيفهما] أي: ركعتا الفجر، فإن ذلك من السنة.
قال: [لأن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين قبل الصلاة، حتى أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟)، أخرجه أبو داود].
وهذا يشير إلى التخفيف، وليس معناه السرعة والنقر، إنما كان عليه الصلاة والسلام يخففهما بالنسبة للمعهود في صلاته عليه الصلاة والسلام، والمعهود في صلاته أنه كان يطيل.
جاء في صحيح البخاري في باب تقصير الصلاة: عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يصلي قيام الليل وهو قاعد أبداً إلا بعد أن أسن -أي: بعد أن تقدم سنه- كان يفتتح الصلاة قائماً ثم يجلس-يعني: يقعد- ويقرأ وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام وقرأ ما يقرب من أربعين أو خمسين آية قائماً ثم يركع).
وهذا يدل على أنه كان يقرأ في قعوده أكثر من خمسين آية، لذلك فإن أحب الص
(17/2)
________________________________________
صلاة الوتر
قال: [الضرب الثاني -يعني: القسم الثاني-: الوتر، ووقتها ما بين العشاء والفجر، لما روى أبو بصرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر الوتر)، وقال عليه الصلاة والسلام: (فإذا خشيت الفجر فأوتر بواحدة)، متفق عليه].
والإمام البخاري له كتاب في الصحيح اسمه كتاب الوتر في المجلد الثاني.
والوتر سنة خلافاً للأحناف الذين قالوا: إنه واجب، والدليل على سنيته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الوتر أحياناً على راحلته، ومعلوم أنه لا يجوز أن تصلى الفريضة على الراحلة، فدل ذلك على أن الوتر نافلة.
ولذلك يقول ابن حجر: ولو أن البخاري لم يضع هذا الباب في كتاب الوتر لظننت أنه يقول بالوجوب، أي: باب: صلاة الوتر على الراحلة، وهذا من فقه البخاري.
وكان يوتر أحياناً في أول الليل يعني: بعد العشاء، وأحياناً في وسط الليل، وأحياناً في آخر الليل، وكان آخر عهده أنه كان يوتر في آخر الليل، لكنه قال لـ أبي ذر: (أوصاني خليلي -أي: حبيبي- بثلاث: أن أوتر قبل أن أنام، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبصلاة الضحى)، وإنما قال لـ أبي ذر: (أوتر قبل أن تنام)، وذلك أخذاً بالحيطة، إذا أوترت في أول الليل فربما تستيقظ مع الفجر وقد أوترت، وإن غلب على ظنك وتيقنت أنك ستقوم قبل الفجر فلك أن توتر بعد الاستيقاظ من النوم.
قال رحمه الله: [وأقله ركعة] كما في حديث البخاري: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)، وهذا هو الأولى أن يصلى الوتر مثنى مثنى ثم الإيتار بركعة واحدة، لحديث: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يصلي الوتر ثلاثاً بتشهد واحد)، وليس بتشهدين كصلاة المغرب فإن هذا لا يجوز.
قال رحمه الله: [وأكثره إحدى عشرة ركعة؛ لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة) متفق عليه.
وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين، لما روى عبد الله أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم)] يعني: صل ركعتين ثم سلم ثم صل ركعة واحدة وسلم، فهذه هي أفضل طريقة لصلاتها، أما من صلاها متصلة فهو جائز؛ فقد ثبت عنه ذلك صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى في الركعة الأولى، وبالكافرون في الركعة الثانية، وبالإخلاص في الركعة الثالثة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في الوتر قبل الركوع أحياناً، وبعد الركوع أحياناً، وأحياناً كان لا يقنت وكل الأفعال ثابتة، فالسنة أن تقنت قبل الركوع أو بعد الركوع، أو تترك القنوت طالما أن ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن السنة أن تفعل الثلاث، ولا تستدم على حال.
ومن البدع في القنوت: ما يفعله البعض في دعاء القنوت من إطالته بطريقة تخالف السنة، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: [ويقنت بعد الركوع؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع)، والقنوت الدعاء].
ولفظ القنوت أورد له الحافظ العراقي عشرة معاني، منها: الدعاء.
قال رحمه الله: [وهو ما روي عن عمر: أنه قنت فقال: اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونؤمن بك، ونتوب إليك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك.
وروى الحسن قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) رواه الترمذي].
وإذا كان المصلي إماماً فإنه يأتي بصيغة الجمع لا الإفراد، أما المأموم فإنه يؤمن عند الدعاء.
وهنا أخطاء يقع فيها بعض الناس في الدعاء، منها قولهم: وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، والصواب: وقنا شر ما قضيت، أو قولهم: إنك تقضي بالحق، والصواب: إنك تقضي ولا يقضى عليك، أو زيادة لفظة يا الله بعد قوله: إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، وهذا غير وارد.
ويجوز التأمين بلفظ آمين فقط، والثناء على الله عند آيات الثناء، أو تقول: سبحانك، في سرك، ففي هذا تنزيه لله، أما أن تقول: حقاً، أشهد، يا الله! فهذا كلام غير
(17/3)
________________________________________
صلاة التطوع
قال رحمه الله: [القسم الثالث: التطوع المطلق -أي: غير المقيد بصلوات- وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار؛ لأن الله سبحانه أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:1 - 2]]، والدليل الأبين من هذه الآية: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل:6]، يعني: صلاة الليل أفضل من صلاة النهار.
قال رحمه الله: [وقال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء:79]، وروى أبو هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول؛ لما روي عن عائشة -في الحديث الذي رواه مسلم - قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء؛ وإن لم يكن جنباً توضأ)، وصلاة الليل مثنى مثنى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الليل مثنى مثنى)] ومن التطوع المطلق قيام الليل، والصلاة ما بين المغرب والعشاء تطوع مطلق ليس في وقت الكراهة، وكذا الصلاة من بعد الظهر إلى العصر تطوع مطلق.
قال رحمه الله: [وصلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم].
فلو صلى المصلي التطوع المطلق وهو قاعد فيجوز له ذلك لكن له نصف أجر صلاة القائم، وهذا يشترط فيه أن يكون قادراً على القيام، فإن قعد لعجزه فله الأجر كاملاً، لأن هذا من باب المشقة.
قال رحمه الله: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة)، وقال عليه السلام: (من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر صلاة القائم) رواه البخاري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس)، أخرجه مسلم] وله رواية أيضاً في البخاري.
(17/4)
________________________________________
ما تسن له الجماعة
قال رحمه الله: [الضرب الرابع: ما تسن له الجماعة].
يعني: منها ما تسن له الجماعة ومنها ما لا تسن له الجماعة، والأصل فيها أنها فرادى، كسنة المغرب.
(17/5)
________________________________________
صلاة التراويح
قال رحمه الله: [وهو ثلاثة أنواع: أحدها: التراويح وهي عشرين ركعة بعد العشاء في رمضان]، وهذا اختيار المذهب وإنما الراجح أنها إحدى عشرة ركعة، لكن الخلاف سائغ؛ لأنه ثبت أن بعض الصحابة زاد عن إحدى عشرة ركعة، ولعلمائنا رسائل عديدة في هذا الموضوع، ولا نحجر واسعاً.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: إن أردت أن تزيد عدد الركعات فقلل من حجم القراءة، وإن أردت أن تزيد في القراءة فقلل من عدد الركعات، وهذا على حسب حال المأمومين، وهذا كله وارد، وهو من الخلاف السائغ.
قال رحمه الله: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان وأقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، متفق عليه، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثلاثاً ثم تركها خشية أن تفرض، فكان الناس يصلون لأنفسهم حتى خرج عمر وهم أوزاع -يعني: متفرقون- يصلون، فجمعهم على أبي بن كعب، قال السائب بن يزيد: لما جمع عمر الناس على أبي وكان يصلي بهم عشرين ركعة، والسنة فعلها جماعة، أخرجه البخاري].
ورواية العشرين ركعة التي سنها عمر فيها كلام في تخريجها، إنما أياً كان فإن الراجح: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح في جماعة في أول يوم في رمضان وثاني يوم وثالث يوم، وامتلأ المسجد بالمصلين، فخشي أن تفرض على الأمة فتركهم في اليوم الرابع، فظلوا جلوساً حتى أذن الفجر فخرج إليهم وقال: (لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم).
ولما كانت خلافة عمر رضي الله عنه وجدهم متفرقين يصلون فرادى، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم قال: نعمت البدعة هذه، ولا يوجد شيء اسمه بدعة حسنة، فإن عمر رضي الله عنه لم يأت بجديد، والعلة قد انتهت، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (خشيت أن تفرض عليكم).
فقد انقطع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فـ عمر أمن من أن تفرض فعاد إلى أول عهدها، فقال: نعمت البدعة، قال ابن تيمية: البدعة في قول عمر هي البدعة بمعناها اللغوي وليست البدعة بمعناها الشرعي.
وأهل البدع يستدلون علينا بهذا الحديث على الابتداع في الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة)، وطالما أنها بدعة فهي ضلالة.
وعمر رضي الله عنه لم يأت بجديد، إنما أقام أمراً مشروعاً فعله النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد البدعة بمعناها اللغوي، ولم يرد بمعناها الشرعي، فانتبه إلى هذا المعنى.
وسميت صلاة التراويح بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل ركعتين، فإنهم كانوا يطيلون فيها القيام، بخلاف الأئمة في زماننا الذي يخففون في القراءة تخفيفاً مفرطاً.
ومن البدع: قول بعض الناس بعد الانتهاء من صلاة التراويح: الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله، الصلاة عليك يا رسول الله، ثلاثة آلاف صلاة عليك يا رسول الله، مع أن هذه العبارة تتضمن صلاة واحدة، كمن قال بعد الصلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، فإنها تحسب مرة واحدة؛ لأنه إذا تلفظ بالذكر مع العدد فإنها لا تعد إلا مرة واحدة.
ومن البدع أيضاً: قول بعض الناس قبل الوتر: أوتروا واستقبلوا شهر الصيام أثابكم الله، وعمل ورد لكل ركعتين من عند شيطانه، يملي عليه هذا، وإذا قلنا: بدعة، قالوا: هؤلاء أهل السنة يكرهون أهل البيت.
فنقول لهم: هل النبي صلى الله عليه وسلم فعلها أم لم يفعلها؟ فسيقولون: لم يفعلها لكن باب الذكر مفتوح، فنقول لهم: لا بد من الالتزام بالسنة.
ومن البدع أيضاً: قراءة سورة الإخلاص بصوت جماعي موحد ثلاث مرات بين كل أربع ركعات، حتى أن المسبوق بركعة أو أكثر لا يستطيع أن يتم صلاته، فهذه بدع محدثة ما أنزل الله بها من سلطان، وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام.
قال الإمام الشافعي: من استحسن فقد شرع.
أيها الإخوة الكرام! حينما تحدثنا عن التعدي في الدعاء لا يؤثر ذلك على صحة الصلاة، فهناك أخ فاضل عزيز يقول: أنت تدعو أحياناً لبعض البلاد باسمها، والآن تحذر من الدعاء، فبأي القولين: نأخذ بفعلك أم بقولك؟ فأقول: هذا الفهم لا ينبغي أن يكون فهم طالب علم، فالعراق مبتلاة فلا بد أن أدعو لها بالاسم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قبيلتين وخصهما بالاسم، ولا تعدد البلاد إن زادت عن واحدة، ما دام وأنها مبتلاة، فأحياناً نخصص الدولة في زمن البلاء الفعلي لها، إنما لا ينبغي التعدد لأن بعض الأئمة يعدد بلداناً كثيرة، إنما إن كانت بلدة واحدة أو اثنتين فلا مانع كفلسطين والعراق.
(17/6)
________________________________________
صلاة الكسوف
قال: [النوع الثاني: صلاة الكسوف] تسن لها الجماعة، [فإذا انكسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة -أي: في جماعة- لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة، وخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات)، متفق عليه].
إذاً: تشرع الجماعة لصلاة كسوف الشمس وخسوف القمر، أو كسوف الشمس وكسوف القمر، أو خسوف الشمس وخسوف القمر، وهذا كله جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر آيتان لا ينكسفان أو ينخفسان)، فكلمة الكسوف يمكن أن تحل بدلاً من الخسوف.
وبوب البخاري فقال: باب الخسوف للشمس والقمر؛ حتى يبين هذا المعنى، أي: أن الخسوف يمكن أن يطلق على القمر مع الشمس، ومعروف أن الكسوف ينقسم إلى قسمين: كسوف كلي، وكسوف جزئي، ويشرع في الكسوف أن ينادي للناس فيقال: الصلاة جامعة، وقاس بعضهم العيد، ولا قياس، فلا يشرع في العيد أن تقول: الصلاة جامعة؛ لأن هذا قول ضعيف جداً، فلا يشرع إلا في صلاة الكسوف.
أما كيفية صلاة الكسوف فهي ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان.
والأفضل أن تصلى صلاة الكسوف في جماعة، فيكبر الإمام ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة، ويفعل كما روت عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انكسفت الشمس خرج إلى المسجد وصف الناس وراءه، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة ثم كبر وركع، ثم رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام فقرأ قراءة طويلة).
إذاً: صفة صلاة الكسوف هي أن يكبر الإمام ثم يدعو دعاء الاستفتاح ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة كالبقرة، ثم يركع، ثم يعتدل من الركوع ويقرأ مرة ثانية الفاتحة وآل عمران مثلاً ثم يركع ثم يعتدل من الركوع الثاني ثم يسجد، وهكذا في الركعة الثانية، فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى انجلت الشمس، متفق عليه.
(17/7)
________________________________________
صلاة الاستسقاء
قال رحمه الله: [الثالث: صلاة الاستسقاء -والاستسقاء يعني: طلب السقيا- إذا أجدبت الأرض، واحتبس القطر، خرجوا مع الإمام على الصفة التي خرج عليها الرسول صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذلاً -يعني: غير متجمل- متواضعاً متخشعاً متضرعاً حتى أتى المصلى فلم يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما يصلي في العيدين، ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد بعد الصلاة؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خطب بنا) وهذا صريح؛ ولأنها تشبه صلاة العيد وخطبتها بعد الصلاة.
وعنه -أي: عن أحمد - لا يخطب؛ لقول ابن عباس: لم يخطب كخطبتكم هذه] وصلاة الاستسقاء كصلاة العيدين، ففي الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفي الركعة الثانية: خمس تكبيرات، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، وفي الركعة الثانية يقرأ بعد الفاتحة {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية:1].
ثم بعد الصلاة يخطب الناس خطبة كخطبة العيد، ثم يقلب رداءه ويستقبل القبلة، ويدعو الله عز وجل.
ومعنى قلب الرداء: هو أن يجعل الكم اليمين في الشمال والشمال في اليمين، والوجه وراءه والظهر قدامه، ويتضرع ويستغفر ويدعو الله الإمام والمأموم، ولذلك قال المصنف: [ويكثر فيها من الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به مثل: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح:10 - 11]، وقوله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود:3]، ويحوّل الناس أرديتهم -وفي ذلك إشارة إلى تحول الحال، والتواضع والخشوع- وهو أن يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك تفاؤلاً أن يحول الله الجدب خصباً، رواه سعيد بإسناده].
وصلاة الاستسقاء في المصلى كالعيد، ويجوز أن تصلى في المسجد، والدليل: أن أعرابياً دخل من باب المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة وسأله أن يستسقي، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأمنّ الناس وحول الرداء، قال البخاري في صحيحه: باب الاستسقاء في المسجد، لكن السنة أن تكون الصلاة في المصلى، وقد كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء في المسجد يوم الجمعة، يقول أنس: ولم نر في السماء قزعة، يعني: سحابة، فإذا بسحاب يتجمع فوق المسجد على المدينة، وإذا بالسماء تمطر كأنها القرب، يعني: فتحت حتى انغمر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالماء، فظل الماء أسبوعاً كاملاً حتى سجد النبي بين الماء والطين عليه الصلاة والسلام، فجاء الأعرابي السابق، وقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع ادع لنا ربك أن يمسك الغيث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا)، إشارة إلى أن هناك أماكن تحتاج إلى الماء فهذا الماء ينصرف إليها.
قال رحمه الله: [وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا -يعني: إذا خرجوا مع المسلمين لم يمنعوا من ذلك، لكن لا يصلون وينفردون عن المسلمين- لأنهم يطلبون الرزق فلا يمنعون منه].
(17/8)
________________________________________
سجود التلاوة
قال رحمه الله: [الخامس: سجود التلاوة، وهي أربع عشرة سجدة]، ومواطن السجود في القرآن الكريم هي في سورة الأعراف، ثم الرعد، ثم النحل، ثم الإسراء، ثم مريم، ثم الحج في موضعين، ثم النمل ثم الفرقان ثم السجدة، (ص) وهذه مختلف فيها ثم النجم، ثم الإنشقاق ثم في العلق، ومجموعها أربع عشرة سجدة.
قال رحمه الله: [ويسن السجود للتالي والمستمع دون السامع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد وسجد أصحابه معه، ولا نعلم فيها خلافاً]، والراجح أن السجدة سنة وليست فرضاً؛ لأن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر سورة النحل يوم الجمعة فنزل وسجد، وفي الجمعة التي بعدها قرأ نفس الآيات من سورة النحل ولم ينزل ولم يسجد، قال: أردت أن أعلمكم أنها سنة، أي: أن من سجد فله الأجر ومن لم يسجد فلا شيء عليه.
والنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أيضاً لبيان أن السجود سنة [لحديث ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته)].
وهناك فرق بين السامع والمستمع، فالمستمع هو الذي يجلس مع القارئ ويستمع قراءته، أما السامع فهو الذي يسمع القرآن دون أن يجلس مع القارئ في الحلقة.
وسجود التلاوة فيها خلاف بين العلماء هل يشترط لها ما يشترط للصلاة؟ والجمهور اشترطوا لها ما يشترط للصلاة من استقبال القبلة وستر العورة والطهارة، وشيخ الإسلام ابن تيمية ومعه مجموعة كبيرة من العلماء ولهم في السلف سبق يرون أنه لا يشترط لها ما يشترط للصلاة، ودليلهم أن بعض الصحابة سجدوا لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم إلى غير القبلة وعلى غير وضوء، والخلاف بين الفريقين خلاف معتبر.
ومن قال: يشترط لها ما يشترط للصلاة قال: فلا بد أن تكبر قبلها، وعند الرفع منها، وأن تسلم بعد الانتهاء؛ لأنها جزء من الصلاة فيشرع لها ما يشرع للصلاة، ومن قال: لا يشترط لها استقبال القبلة ولا الطهارة قال: تكبر وعند الرفع لا تكبر ولا تسلم، وهذا الخلاف بين العلماء في سجود التلاوة لسنا بصدد الترجيح وبيان الراجح من المرجوح.
لعله هنا يقول: (يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته).
قال رحمه الله: [فأما السامع غير القاصد للسماع فلا يستحب له، لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه مر بقاص فقرأ القاص سجدة ليسجد عثمان فلم يسجد، وإنما قال: إنما السجدة على من استمع لا على من سمع، وقال عمر وابن مسعود: وإنما جلسنا لها ولا مخالف لهما في عصره، ويكبر إذا سجد وإذا رفع ثم يسلم.
المهم أن الإمام إذا كان في الصلاة ومر بآية بها سجدة فله أن يسجد ويكبر عند السجود وعند الرفع، هذا هو الثابت ولا خلاف عليه.
(17/9)
________________________________________
الأسئلة
(17/10)
________________________________________
القنوت في الصلاة

السؤال
متى يكون القنوت، قبل الركوع أم بعده؟

الجواب
خصص بعض العلماء أن القنوت قبل الركوع في الفريضة، وبعد الركوع في الوتر، لكن الراجح أن القنوت قبل الركوع أو بعده سواء في الفريضة أو الوتر.
(17/11)
________________________________________
عدد صلاة التراويح

السؤال
كم عدد صلاة التراويح؟ بالرغم من أن بعض الناس يقولون: إنها عشرون ركعة؟

الجواب
هذا كلام رد عليه الشيخ ابن باز وابن عثيمين، وأخونا الشيخ مصطفى العدوي حيث عمل رسالة خاصة، قال فيها: إن صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة لا زيادة، وهذا رأي شيخنا العلامة الألباني رحمه الله: أنه ما زاد عن إحدى عشرة ركعة، وهذا هو الرأي الراجح.
(17/12)
________________________________________
حكم قراءة غير الفاتحة في الصلاة

السؤال
ما حكم قراءة القرآن في الصلاة؟

الجواب
قراءة القرآن في الصلاة سوى الفاتحة سنة وليست من الواجبات أو الأركان.
ومن نسي فليس عليه شيء.
وإذا قرأ الفاتحة ثم ركع أجزأ وصلاته صحيحة وليس عليه سهو، لأن قراءة السورة بعد الفاتحة من السنن وليست من الواجبات.
(17/13)
________________________________________
حكم من عجز عن سجود التلاوة

السؤال
ما حكم من عجز عن سجود التلاوة؟

الجواب
ليس عليه السجود، وبعض العلماء قال: يومئ برأسه مشيراً إلى السجود للعجز عنه.
(17/14)
________________________________________
حكم سجود التلاوة بدون تكبير

السؤال
ما حكم من سجد سجدة التلاوة بدون أن يكبر؟

الجواب
هذا فعل غير صحيح، إذا سجد كبر وإذا رفع كبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فعل ذلك كبر، والذي يرفع بدون تكبير معه دليل ضعيف.
وهكذا في الصلاة يكبر عند السجود وعند الرفع؛ لحديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر إذا سجد وإذا رفع)، وعندما تحمل النصوص الأخرى على غير ذلك فهذا يحتاج إلى فقه، قال في المغني: الراجح: التكبير إذا سجد وإذا رفع من السجود، ومن قال بغير ذلك فقد استنبط من نص واحد وعكس الفهم.
(17/15)
________________________________________
حكم التسليم من سجدة التلاوة

السؤال
ما حكم التسليم من سجدة التلاوة؟

الجواب
من اشترط من علمائنا أن سجدة التلاوة كالصلاة وأنها جزء منها قال: يسلم منها، ومن قال: إنها تجوز بغير وضوء وإلى غير القبلة قال: لا يسلم.
(17/16)
________________________________________
بطلان حديث الشيطان

السؤال
الأخ الفاضل بعث إلي حديثاً الأسبوع الماضي، يعرف بحديث الشيطان، وهو: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذ طرق الباب طارق، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: أتدرون من في الباب؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه إبليس، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه.

الجواب
هذا يعني: أن عمر جاهل بالقرآن، يقول تعالى: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر:37 - 38]، فهذا كذب وافتراء وكما قيل: طالما المغفل موجود النصاب بخير، فقد ظهرت وصية الشيخ أحمد.
وكذا الحديث المؤلف والمفترى والذي يزعم قائله أنه قدسي وأن الله تعالى قال فيه: يا ابن آدم خلقتك وجعلت لك قراراً في بطن أمك، وغشيت وجهك بغشاء حتى لا يؤذيك منظر الرحم، وجعلت وجهك في ظهر أمك حتى لا تؤذيك رائحة الطعام، علمتك القيام والقعود في بطن أمك -هل الجنين يقوم ويقعد في بطن أمه؟! - وجعلت لك متكأً عن اليمين ومتكأً عن اليسار؛ فأما الذي عن اليمين فالكبد وأما الذي عن اليسار فالطحال، فلما اكتمل مدة الحمل أمرت ملك الأرحام أن يخرجك على ريش من جناحه لا لك سن يقطع ولا يد تبطش ولا رجل تمشي بها، وأنبت لك عرقين رقيقين في ثديي أمك يخرجان لك لبناً خالصاً حاراً في الشتاء، بارداً في الصيف، ووضعت محبتك في قلب أبويك فلا يأكلان حتى تشبع، ولا يرقدان حتى تنام، فلما اشتد عودك بارزتني بالمعاصي واعتمدت على المخلوقين ولم تعتمد علي، وبارزتني في المعاصي في خلواتك ولم تستح مني.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم تقبل منا يا رب العالمين.
(17/17)
________________________________________
العدة شرح العمدة [18]
الإمامة لها أحكام شرعية كثيرة، منها: أنه لا تصح إمامة المرأة بالرجال، ولا تصح إمامة الذي لا يحسن الفاتحة، ويصح إمامة المتنفل بالمفترض والمتيمم بالمتوضئ، ويقف المأمومون خلف الإمام، وإن كان واحداً فعن يمين الإمام، أما عن يساره أو قدامه فلا، وتقف المرأة إمامة للنساء في وسطهن.
(18/1)
________________________________________
الرد على العلمانيين الذين ينكرون الحجاب الإسلامي ويتهجمون على أصول الدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل اللقاء مع الفقه الحنبلي من كتاب العدَّة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي، ولكن قبل أن نعيش مع موضوعنا هذه الليلة دفع لي بعض الإخوة مقالاً في كتاب موجود لرجل معروف بردته قبل ذلك، وقد أصدر الأزهر فتوى بردته واستتابته واسم الكتاب (حقيقة الحجاب وحجية الحديث)، يتطاول فيه على الحجاب الشرعي، وعلى الآيات القرآنية التي جاءت في ذكر آية الحجاب، ولا أدري ماذا يريد؟ هل يريد للنساء أن يخرجن عاريات؟ فإن الفطرة السليمة السوية تقبل الحجاب، أما صاحب الفطرة التي فيها دخن فإنه يحب لزوجته أو لابنته أن تسير عارية الذراعين أو الفخذين أو الصدر وينظر إليها الرجال، إن كان يحب ذلك فهذه دياثة؛ فليراجع الأوراق.
وليست بجديدة هذه الهجمة الشرسة على الحجاب الذي فرضه الله عز وجل.
ثانياً: ذكر في مجلة حمراء -وما أكثر المجلات الحمراء في هذا الزمن الذي وسِّد فيه الأمر إلى غير أهله- أن معظم الباعة الذين يجلسون بجوار مسجد العزيز يلبسون ثياباً بيضاء قصيرة، ويطلقون اللحى؛ كأنه يستهزئ من هذا السمت، وذكرت المجلة أن الباعة يمولون الإرهاب.
الله أكبر! وهؤلاء أناس لا عقول لهم، هل انتهت أزمة الأمة؟! يا عباد الله! نسأل الله لكم العافية.
ثالثاً: والتقط صورة لأخت منتقبة، وهذا السمت يزعجهم ويقلقهم ويمرض قلوبهم، فهم يريدون للنساء العري والإباحية والاختلاط.
ولو أنه ذهب والتقط صورة على (الكرنيش) لشاب يحضن فتاة ويقبلها لكان ذلك يعجبهم.
وأبناؤهم هم الذين يفعلون هذا، لا شك في ذلك ولا مراء ولا جدال، فالمسألة -إخوتي الكرام- مسألة مزايدة، فهم يقولون: الحقوا يا ناس! الإرهاب من عند مسجد العزيز وفي الشوارع، فهم يظهرون غير ما يبطنون، وينتسبون إلى اللادين، ليس عندهم دين ألبتة، بل علمانية لها تصور في الشريعة وفي العقيدة كما بينا، تصور العلمانية في الشريعة أن هناك فرقاً بين الدين والدنيا، والدين لا يدخل في الأحكام الدنيوية، وهذا اسمه فصل الدين عن الدولة، يعني: الدين مساجد عبادة تماتم تسبيحات، إنما الأحكام والمعاملات ليس لها دخل بالدين.
إذاً: العلمانية العفنة في أقبح صورها هي: فصل الدين عن الدولة، أما في مجال العقيدة فهؤلاء يؤمنون بكل محسوس، فما أحسوه آمنوا به، وما لم يحسوه لم يؤمنوا به؛ فهذه العلمانية في أبسط صورها، وهي بدعة أوروبية مستوردة.
وهذه المجلات الهابطة الداعرة يتسلط فيها أصحابها بجهل أو بأسلوب متعمد على شرع الله عز وجل وعلى دين الله تبارك وتعالى وهم أبواق تردد ما يملى عليها.
طبعاً! مجلة في هذا الحجم وبهذه الطبعة الفاخرة تكلف آلاف الجنيهات، وأنا أنصح بعدم شراء هذه المجلات الحمراء، لا تقل: أشتريها لأعرف ما بها، أنت الآن تدعمها، إنما اجعلها كالزبالة، لا تلتفت إليها، من أجل أن تطبع ثم ترد، حتى تتوقف عن الطباعة، أما أن يطبع منها -مثلاً- عشرة آلاف نسخة وتباع؛ فهذا تصريح بالاستمرارية.
فأنا ضد اقتناء مثل هذه المجلات الحمراء أبداً بحال، وهؤلاء معروفون عندنا، تاريخهم القديم معروف بحربهم على الثوابت الإسلامية.
أما الحجاب الشرعي فقد اتفق عليه علماء الأمة قاطبة، وأنا لن أرد عليه، وإنما سأحيله إلى مفتي الديار حينما قال: الحجاب من ثوابت الإسلام، فهو الآن في حرب مع المفتي، فإنه يناقض قول مفتي الديار الذي عين مفتياً للديار، أنت يا عبد الله أيها القزم! يا من يطعن في الحجاب، لا قيمة لطعنك هذا.
بعض الناس إن لم يكن له ذكر ويكون نكرة، فيريد أن يذكر ويشتهر، فيطعن في الثوابت؛ لأجل أن نهتم به، هذا هو الغرض، يأتي إلى أمر مجمع عليه ولا نزاع فيه بين علماء الأمة فيدخل في هذا الموضوع، ونقول: وما ضر الورود وما علاها إذا المزكوم لم يطعم شذاها وحينما تقول: إن السيف أمضى من العصا ظلمت السيف.
قال الشاعر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا أي: أنك إذا قارنت بين السيف والعصا ظلمت السيف، فلا تلتفت إلى العصا، فإن من الظلم أن يقارن السيف بالعصا.
ولو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار أي: لو أن كل كلب عوى ألقمته إلى فمه حجراً؛ أصبحت الحجارة لها ثمن؛ فدعهم ينبحون ولا جدوى لنباحهم، قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف:8]، وأمر التدافع بين أصحاب دعوة الحق وأصحاب الدعوات الباطلة سنة كونية أبدية سرمدية إلى قيام الساعة، لا بد من الصراع بين الحق والباطل، ودولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا
(18/2)
________________________________________
حكم إمامة المرأة بالرجال
أيها الإخوة الكرام! كنا توقفنا في باب الإمامة عند قوله: [ولا تصح إمامة المرأة بالرجال].
وهذا أمر لا خلاف فيه؛ لأن الله قال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء:34]، فالمرأة لا يجوز لها أن تؤم الرجل، ولذلك لو تتبعت الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة؛ لوجدت أن كثيراً منها يختلف فيها الذكور عن الإناث، فليس للمرأة أن تؤذن، ولا أن تخطب الجمعة، ولا أن تصلي بالرجال، ولا أن تعتلي منصب القضاء، بل إن بول الجارية يغسل، وبول الذكر ينضح وذلك قبل الفطام، لحديث أم قيس في البخاري: (بول الصبي ينضح وبول الجارية يغسل).
وفي العقيقة للذكر شاتان، وللأنثى شاة واحدة.
وفي الميراث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:11].
وفي الشهادة: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة:282].
وفي الدية: أجمع العلماء على أن دية الذكر مثلي دية الأنثى، فهذه أحكام شرعية، وربنا عز وجل قال في آل عمران: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:36]، فهذا حكم مجمع عليه.
(18/3)
________________________________________
حكم إمامة من به سلس البول
قال رحمه الله: [ولا تصح إمامة من به سلس البول) لأنه أخل بشرط من شروط الصلاة وهو الطهارة، فإن صاحب سلس البول مريض، وكذا من به انفلات الريح والمستحاضة، وهؤلاء أهل أعذار، وأهل الأعذار لا يجوز لهم إمامة الصحيح أو السليم المعافى؛ لذلك لما سألني أحد الإخوة: عن حكم إمامة الرجل الكسيح يعني: المشلول، قلت: لا يجوز له أن يكون إماماً، إلا إذا اعتلاه مرض يرجى برؤه، وفرق بين هذا وهذا؛ لأن الذي يؤم الناس ينبغي أن يكون صحيحاً معافى، فالذي به سلس بول، وهو انفلات الماء لضعف المثانة حيث أنها لا تتحكم في البول؛ فيقطر منه البول بعد الوضوء، فهذا مريض بسلس البول.
وهناك أناس -عافانا الله وإياكم- عندهم انفلات ريح أو سلس بول، فهم من أهل الأعذار، فمن كان به سلس بول فإنه يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، ويصلي حتى وإن خرج منه البول بعد ذلك؛ شريطة أن يتحفظ على فرجه حتى يعزل بين البول وبين ملابسه بحافظة، هذا كلام العلماء، لكن من به مرض سلس البول لا يجوز له أن يكون إماماً.
(18/4)
________________________________________
حكم إمامة الأمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة
قال رحمه الله: [ولا تصح إمامة الأمي الذي لا يحسن الفاتحة، أو يخل بحرف منها إلا بمثله] يعني: مريض سلس البول لا يتقدم فيؤم الناس، وكذا الألتغ الذي يقلب الحروف لا ينبغي أن يؤم غيره.
كذلك الأمي الذي لا يجيد قراءة الفاتحة، ويخل بحرف من حروفها، كمن قرأ: (الذين) ولم يخرج مخرج الذال؛ فيكون قد أخل بحرف من الحروف، فعلى المصلي أن يتقن قراءة الفاتحة قراءة صحيحة، واللحن الخفي لا يخل في القراءة بخلاف اللحن الجلي، كأن يقرأ قول الله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ} [الفاتحة:7]، برفع: (أنعمتُ)، أي: أنه نسب النعمة إلى نفسه، فإذا قال: (أنعمتُ)؛ بطلت الصلاة، فهذا مثل لحركة بطلت بها الصلاة، فلا بد أن يجيد الإمام قراءة الفاتحة ولا يلحن في قراءة حرف واحد من حروفها.
وكذا في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4]، وهناك من يثبت ياء، فيقول: (مالكي يوم الدين)، فأثبت ياء بحركتين، فأبطل بذلك الفاتحة.
ولا يصح أن يسكن لفظ (مالكَ) أو يفتح؛ لأن (مالك) لفظ مكسور، إن وقف سكن، وإن وصل كسر، فهذا لحن أيضاً في حروف الفاتحة.
فعلى الإمام أن يجلس بين يدي قارئ للقرآن يصحح له الفاتحة ويقرأها قراءة صحيحة مائة بالمائة، ولا يكون إماماً إلا وهو يجيد قراءة الفاتحة إلخ.
ثم قال: إن لحن الإمام في الفاتحة لحناً جلياً يراد بأنه إذا أقرَّ على هذا الخطأ بطلت الصلاة؛ لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة.
(18/5)
________________________________________
حكم ائتمام المتوضئ بالمتيمم
ثم قال: [ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم] لأن المتيمم العادم للماء كالمتوضئ القادر على الماء، والدليل أن عمرو بن العاص رضي الله عنه صلى بأصحابه في غزوة ذات السلاسل وهو متيمم، فقد أصابته جنابة فتيمم، وأم الناس وهم متوضئون، وبعد الصلاة علموا أنه على جنابة وصلى بهم متيمماً، فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو! صليت بهم جنباً، قال: نعم يا رسول الله! تذكرت قول الله عز وجل: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، والجو كان بارداً برداً شديداً، وفي هذه الحالة لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم من صلى خلف عمرو أن يعيد الصلاة إقراراً منه على ائتمام المتوضئ بالمتيمم.
(18/6)
________________________________________
حكم إمامة المفترض بالمتنفل
قال رحمه الله: [ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل، لما روى جابر أن معاذاً كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة، متفق عليه.
وروى الأثرم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه في الخوف ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين أيضاً ثم سلم].
صلاة الخوف في الحرب لها صور متعددة: منها: أن الإمام يصلي ركعتين بطائفة، وركعتين بطائفة أخرى، يصلي ركعتين بالطائفة الأولى فرضاً بالنسبة له والطائفة الثانية يصلي بهم ركعتين نفلاً وهم مفترضون.
والصورة الصحيحة: أن يصلي ركعتين، يصلي ركعة بطائفة ثم يقوم وتقوم معه الطائفة الأولى، ثم يظل قائماً إلى أن تأتي الطائفة الأولى بركعة وهو قائم، ثم يسلمون ويتقدمون وترجع الأخرى، وتأتي معه بركعة التي قام فيها، ثم يصلي ركعة ويجلس للتشهد، فتقوم الطائفة الثانية تأتي بالركعة وهو جالس للتشهد، ويجلسون ويتشهدون ويسلمون.
نأتي بطائفتين والإمام أمامهم، ثم يصلي بطائفة والطائفة الثانية في الأمام تحرس، والإمام في الخلف هو والطائفة الأولى، فطائفة تحرس وطائفة تصلي، وبالنسبة للطائفة التي تصلي مع الإمام في الخلف تسمى الطائفة الأولى، يصلي بهم الإمام ركعة كاملة، ثم يقوم ليأتي بالركعة وهم معه، ويظل قائماً، وهم يأتون بركعة بمفردهم حتى ينتهوا من الركعتين، ثم يتقدمون.
ثم بعد أن ينتهوا ينفصلوا عن الإمام ويتقدموا للحراسة بدلاً من الطائفة الثانية، وتعود الطائفة الثانية مع الإمام الواقف تأتي معه بركعة، ثم يجلس هو للتشهد، ثم تقوم الطائفة الثانية وتأتي بركعة ثانية ثم تجلس معه للتشهد، ولا تسلم حتى يسلم الإمام.
فأحد صور صلاة الخوف: أن يصلي الإمام ركعتين مفترضاً وركعتين متنفلاً.
ثم قال رحمه الله: [ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين أيضاً ثم سلم، والثانية منهما تقع نافلة، وقد أم بها مفترضين، ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال؛ فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الأخرى كالمتنفل خلف المفترض، وعنه: لا يجوز؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه) متفق عليه]، يعني: رواية عن أحمد أنه لا يجوز، والرواية الأخرى يجوز، والراجح وخلاصة القول: أنه يجوز للمفترض أن يأتم بالمتنفل، وهذا مذهب الشافعي وهو الراجح، وأدلته أقوى وأوضح، لحديث معاذ، وحديث صلاة الخوف.
(18/7)
________________________________________
موقع المأمومين من الإمام
قال رحمه الله: [وإذا كان المأموم واحداً وقف عن يمين الإمام] أي: يقف بجواره تماماً، أن تكون القدم ملاصقة لقدم الإمام لحديث ابن عباس في البخاري؛ وكثير من الناس يعتقد أنه إذا صلى مع الإمام فينبغي أن يتراجع قليلاً، وحديث ابن عباس في البخاري هو: (أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عن يساره، فأداره النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه)، أي: إذا صلى المأموم بجوار الإمام منفرداً فينبغي أن يقف عن يمين الإمام، وابن عباس وقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فجذبه النبي صلى الله عليه وسلم من أذنه وفتلها، وجعله عن يمينه، وفي هذا جواز أن يعدل الإمام وقفة المأموم.
قال رحمه الله: [فإن وقف عن يساره أو قدامه أو وحده لم تصح] وهذه المسألة مهمة جداً، فإن بعض الناس في مسجد العزيز في يوم الجمعة يصلون أمام الإمام لغير ضرورة، وأنا أحذر من هذا الصنيع، إذا وقف المأموم أمام الإمام لم تصح الصلاة، إلا لضرورة، وهي ضيق المكان، أما إذا كان المكان واسعاً أو توجد شوارع حول المسجد؛ فلا يجوز للمأموم -لأنه تابع- أن يتقدم على الإمام، فضلاً عن أن البعض يصلي في أماكن ليس فيها اتصال صفوف، فيقف لوحده في حجرة في المسجد أو خارجه ويتابع إمام المسجد في الصلاة، وهذا لا يصح، لأنه لا بد من اتصال الصفوف وأن يرى كل صف الذي قبله، وهذه من الأمور المهمة التي نفرط فيها كثيراً.
وهنا ثلاث حالات: الأولى: إذا كان المأموم واحداً، ووقف عن يسار الإمام، قال: لم تصح، والصحيح أنها تصح؛ لأن ابن عباس لما وقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم جذبه، وما أمره أن يعيد ما صلى عن يساره، هذا هو الكلام المعتبر، لكن إن وقف وحده خلف الإمام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، فإن كان بمفرده لا بد أن يكون بجواره، أما إن اكتمل الصف وهو عاجز عن أن يقف مع آخر؛ فيسقط عنه الأمر، فلو دخلت المسجد فوجدت أن الصف قد اكتمل قف بمفردك خلف الصف وصلاتك صحيحة، وهذا هو القول الراجح.
أما من قال بجذب واحد من الصف الممتلئ فليس معه دليل فضلاً عن الخلل الذي أحدثه في الصف الأول وهو فرجة.
ثانياً: يتسبب في أن يرجع رجلاً من الصف الأول إلى الصف الثاني، وهو جاء مبكراً يريد الصف الأول وأجره، فيُرَدُّ إلى الصف الثاني.
أما أصول الفقه وأقوال الفقهاء فتؤيد ما قلناه من أن المكلف لا يكلف إلا ما في طاقته، إذ لا تكليف إلا بمقدور، فلو أن شخصاً مصاباً بكسور لا يلزم بالقيام في الصلاة على أساس أن القيام ركن فيها.
وفي مسألتنا هذه وهي إتيان الفرد لصلاة الجماعة مع اكتمال الصف، فينفرد بسبب عدم القدرة على الدخول في الصف، والحديث في البخاري حجة وكذا حديث أنس مع الطفل اليتيم والمرأة، يقول أنس: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وبجواري غلام يتيم، ووقف من خلفنا أم سليم بمفردها)، فـ أم سليم وقفت خلف الصف لوحدها كما في الحديث، فدل ذلك على أن صلاة المرأة منفردة خلف الصف تصح وصلاة الرجل منفرداً خلف الصف يصح كذلك، وأم سليم لم تجد من يقف بجوارها؛ فهي لا تكلف إلا قدر استطاعتها، وابن حجر يعلق على ذلك قائلاً: والدليل على هذه القضية حديث أنس.
وليس من المعقول ولا من المنقول أن تكلفني ما فوق طاقتي.
وهل على من أتى ولم يجد فرجة في الصف السابق أن ينتظر حتى يأتي شخص آخر معه في الصف، وإلا فعليه أن ينتظر؟ وإن لم يأت أحد فماذا يعمل؟ وجذب أحد المصلين إلى الصف الثاني ليس عليه دليل.
وإذا دخل اثنان معاً المسجد وفي الصف السابق فرجة لواحد فقط، فيسد أحدهما الفرجة والثاني يقف بمفرده في الصف، فإما أن يقف الاثنان في الصف الثاني ويدعا الفرجة دون أن تسد وهذا لا يصح، وصلاة أحدهما تبطل؛ لأنه إذا رأى المأموم فرجة وتركها، ووقف منفرداً بطلت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يقف بمفرده خلف الصف وفي الصف السابق فرجة فأمره بإعادة الصلاة؛ لأنه وجد فرجة ولم يسدها بل أنشأ صفاً جديداً، هذا فقه الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله).
وإذا تيسر له أن يقف بجوار الإمام فهذا هو الأولى إذا كان سيتخطى الرقاب مسافة طويلة، فهذا عاجز وليس عليه حرج، بل يسقط للعجز.
حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل صلى خلف الصف: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، وأمره أن يعيد صلاته.
إذاً: المواضع المنهي عن الوقوف للمأموم: عن يسار الإمام أو أمامه أو منفرداً خلف الصف.
قال رحمه الله: [إلا أن تكون امرأة فتقف وحدها خلفه؛ لما روى أنس أنه قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه وال
(18/8)
________________________________________
كيفية ترتيب الرجال والصبيان والنساء في المسجد الواحد
قال رحمه الله: [فإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء] وأنبه على ظاهرة خطيرة في مساجدنا وهي أن الصف الأول للرجال، وبعد الرجال الصبيان ثم النساء، وهذا الكلام غير صحيح أبداً، والدليل على ذلك عدة أحاديث عند البخاري، منها: أن الغلمان الصغار كانوا يقفون مع الرجال في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أما أن يخصص صفاً للصغار، فهذا كلام غير صحيح؛ لأنه ثبت أن غلاماً يتيماً صلى بجوار أنس بن مالك، فلو كان الأمر كذلك -ولا يجوز للصغير أن يقف بجانب الكبير- لما أوقف أنس ذلك الصغير بجانبه.
وحديث آخر عند البخاري عن ابن عباس يقول: (كنت غلاماً لم أناهز الحلم -أي: لم أحتلم- فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في منى في حجة الوداع إلى غير جدار، فقمت في الصفوف).
وأكثر من سبعة أحاديث أوردها البخاري مستدلاً على أن الغلام يقف في الصف، ولا نقيم صفاً لهم، إنما الصف الأول هو الذي ينبغي أن يكون فيه أولو الأحلام والنهى والحفظة؛ بحيث إذا اعترض الإمام شيء استخلف من الصف الأول من يقوم مقامه، وبعد ذلك فإن الغلمان يدخلون بين الصفوف، وهذا كلام الألباني رحمه الله، قال الألباني: الغلام لما يقف بجوار الكبير فسيتعلم منه كيف يصلي، أما عندما نعمل لهم صفاً مستقلاً خلف صف الرجال فسيلعب الأطفال بدلاً من أن يتعلموا الصلاة، وذكر الإمام البخاري في باب الأذان في أكثر من حديث يستدل به على أن الغلمان يصلون مع الرجال داخل الصفوف وهو: (تقدم الرجال ثم الصبيان) وهذا كلام مرجوح، قال رحمه الله: [ثم الخناثى ثم النساء؛ والأصل في ذلك ما روي عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه قال: (ألا أحدثكم بصلاة رسول الله! أقام الصلاة فصف الرجال، ثم صف خلفهم الغلمان)]، وهذا حديث ضعيف، رواه أبو داود.
أنا أستدل بما عند البخاري، والمذهب يستدل بحديث ضعيف، احذر أن تأخذ بهذا الحديث الضعيف الذي فيه أنه رصَّ الرجال ثم الغلمان، أنا أحيلك إلى البخاري في تحقيق هذه المسألة الهامة.
والخنثى: هو الرجل الذي جمع بين الذكورة والأنوثة.
(18/9)
________________________________________
إدراك المأموم للجماعة
قال رحمه الله: [ومن كبر قبل سلام الإمام؛ فقد أدرك الجماعة] والمذهب على أن من أدرك الإمام ولو في التشهد؛ فقد أدرك الجماعة، وهذا هو الصحيح، والعلامة ابن حجر في فتح الباري جاء بهذا الكلام في أكثر من حديث؛ لأن البعض يقول: إدراك الجماعة بإدراك ركعة، وهذا غير صحيح، مثال ذلك: إذا أدركت الإمام يوم الجمعة في التشهد ودخلت معه؛ فقد أدركت الجمعة بإدراك التشهد، فتصليها ظهراً، لكن سقطت عنك الجمعة.
مثال آخر: سافرت مائتين وخمسين كيلو، فجئت أصلي فأدركت الإمام وهو في التشهد الأخير، فدخلت معه، فيلزمني أن آتي بأربع ركعات؛ لأنني صليت خلف مقيم.
فإدراكي التشهد يلزمني أن أصلي أربعاً، مع أنني مسافر، قال الفقهاء: إذا أدرك المسافر الإمام المقيم وهو في التشهد الأخير فعليه الائتمام به ويصلي أربعاً، فمن أدرك التشهد فقد أدرك الجماعة، والحديث في البخاري وقد علق عليه ابن حجر تعليقاً وافياً، قال: إن من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، والمفروض أن يحسب الثلث داخل في الوقت وثنتين خارج الوقت، لكن من فضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يعطيهم أجراً كاملاً.
وهذا الحديث الذي وقع فيه صاحب كتاب (عمر أمة الإسلام)، وهو أن اليهود عملوا من الفجر إلى الظهر، والنصارى من الظهر إلى العصر، والمسلمين عملوا من العصر إلى المغرب، فصاحب العمل أعطى من عمل من الفجر إلى الظهر أجراً، وأعطى الذي عمل من الظهر إلى العصر أجراً، وأعطى الذي عمل من العصر إلى المغرب أجرين، فاعترض الأولان، وقالوا: كيف يأخذ ضعفينا وقد عمل أقل منا، أي: أن اليهود عملوا أطول وقتاً منا، لكن الله أعطى الأمة الإسلامية مثل ما أعطى الأمتين معاً، فلما اعترضوا قال لهم: ذلك فضلي أوتيه من أشاء، هل ظلمتكم؟ قالوا: لا.
والإمام البخاري يأتي بهذا الحديث، وصاحب كتاب (عمر أمة الإسلام) قال: إن عمر أمة الإسلام تساوي عمر أمة اليهود والنصارى مجتمعتين.
قال رحمه الله: [ومن كبر قبل سلام الإمام؛ فقد أدرك الجماعة؛ لأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام فأشبه ما لو أدرك ركعة، ولأنه إذا أدرك جزءاً من الصلاة فدخل مع الإمام؛ لزمه أن ينوي الصفة التي هو عليها، وهو كونه مأموماً فيدرك فضل الجماعة.
ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، وإلا فلا]، وهذه المسألة فيها خلاف، ورأي الجمهور أن من أدرك الإمام راكعاً؛ فقد أدرك الركعة، وحد الإدراك أن يدرك معه تسبيحة واحدة مطمئناً؛ لحديث أبي بكرة: لما جاء متأخراً، فكبر خلف الإمام وركع، وسار وهو راكع حتى وصل الصف وأدرك الركعة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً ولا تعد)؛ وصاحب تحفة الأحوذي وغيره قالوا بعدم اعتمادها ركعة إلا بإدراك الفاتحة، لكن قول الجمهور أرجح، وأدلته كالشمس واضحة في رابعة النهار.
قال: [لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أدركتم السجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)، رواه أبو داود] أي: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، إلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن إدراك الركوع إدراك للصلاة.
ودليلنا أيضاً: ما عليه جمهور العلماء عدا الأحناف: أن من أدرك الإمام راكعاً في صلاة الجمعة في الركعة الثانية فقد أدرك ركعة فليصل جمعة، ومن أدركه ساجداً فلم يدرك فليصل ظهراً، فجعلوا إدراك الركوع يوم الجمعة إدراك الجمعة؛ فيصلي ركعتين، وهذا قول جمهور العلماء، ولا خلاف بينهم في هذا القول.
(18/10)
________________________________________
الرد على من يقوم بنشر أوراق فيها وصايا منامية
أيها الإخوة الكرام! هذه ورقة تخرج علينا كل سنة، ويوزعها من لهم أغراض: فتاة تبلغ من العمر ست عشرة سنة، مريضة جداً، والأطباء عجزوا عن علاجها، والورقة توزع في القرى، وتدخل على السفهاء والجهلاء، وفي ليلة القدر بكت، ونامت في منامها، فجاءتها السيدة زينب وأيقظتها وأعطتها شربة ماء، ولما استيقظت من نومها وجدت نفسها شفيت تماماً بإذن الله، ووجدت قطعة قماش مكتوب عليها: أن تنشر هذه الرسالة وتوزعها على اثني عشر شخصاً.
وصلت الرسالة إلى عميد بحري ووزعها؛ فحصل على ترقية خلال اثني عشر يوماً، ووصلت إلى تاجر فأهملها؛ فخسر كل ثروته خلال اثني عشر يوماً، ووصلت إلى عامل فوزعها؛ فحصل على ترقية وحلت كل مشاكله خلال اثني عشر يوماً.
أرجو منك يا أخي المسلم أن تقوم بنشرها وتوزيعها على اثني عشر فرداً، والرجاء عدم الإهمال.
ملحوظة: قم بنشر هذه الرسالة وفقنا الله وإياكم لخير الأمة.
إمضاء الفتاة.
أهذا خير الأمة يا عبد الله! أنا لا أدري ماذا أقول في هذه السفاهة؟! وهذا لا يحتاج إلى تعليق حقيقة، لكن أردت أن أبين إلى متى الاستخفاف بعقول الناس، وربما يقول قائل: يا شيخ! هذا كلام معروف، لكن ثق وتأكد أن هناك من يصورها وهم طبقة من المثقفين.
(18/11)
________________________________________
الرد على القصة التي فيها التوسل بالإمام الغزالي
مات في البلدة -وهو العمدة- فقام أحد الناس على القبر فقال: الرسول صلى الله عليه وسلم قابل موسى عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج، فقال موسى له: يا محمد! -عليه الصلاة والسلام- أنت تقول: علماء أمتك أنبياء بني إسرائيل! قال: موسى! نعم، قال موسى: كيف ذلك يا محمد؟! فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم يقول لموسى: قل: يا يا شيخ محمد يا غزالي! فسيجيبك في علم الغيب، فنادى موسى وقال: يا شيخ محمد يا غزالي! فقال: نعم يا موسى! وبجواره أساتذة وعلماء ودكاترة في الجامعة، ولم يقل له أحد: يا مخرف اسكت! ماذا تقول يا رجل؟ فمعنى ذلك: أن الناس خلقوا قبل أن يوجدوا على الأرض، وهذه نظرية ابن عربي، فإنه يرى أننا قبل أن نكون خلقاً على الأرض كنا خلقاً في السماء، يعني: الأشباح خلقت قبل أن توجد، فموسى عليه السلام نادى على الشيخ الغزالي باسمه فرد عليه في الملأ الأعلى في علم الغيب.
وهذا كثير جداً، وحدث عنه ولا حرج.
وأنا كنت بعيداً في آخر الدفن، ولو كنت قريباً لحدث ما لا يحسبوه، لقلت له: يكفي يا مخرف! ممكن يحدث عواقب وأنا أعرف هذا، لكن تعجبت ممن بجواره، وهو رئيس قسم في أصول الدين بجانبه، ولم يعلق عليه، فهل يقبل هذا الكلام؟ وأذكر لكم فيما أذكر أن الشيخ عبد اللطيف مشتهري رئيس الجمعية الشرعية السابق، جاءه رجل فقال له: يا شيخ! هل إسماعيل عليه السلام دفن في الحجر؟ -بعض الناس يقول هذا الكلام- ولا دليل عليه، قال له: لماذا؟ قال: خطيب الجمعة اليوم قال لنا: إن إسماعيل دفن في الحجر، قال الشيخ: أنتم سكتم؟ قال: المسجد كله لم يتكلم أحد، فقال: خلاص، كأنه يقول: يا بهائم أنا مالي، نسأل الله العافية.
والشاهد من الكلام: أنه ليس أي كلام يقال يؤخذ، لو سمع الناس الخطيب أو غيره قال كلاماً أخطأ فيه فالمفروض عليهم تنبيهه وردُّ كلامه، لأن هذا دين فلا بد من قول كلمة الحق، ومع ذلك رواد المسجد كله ساكت على كلام لا يغني ولا يسمن من جوع.
يا عبد الله! الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجلس وينام في حجره علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فنام علي حتى غربت الشمس فقام، وقال: يا رسول الله! أنا لم أصل العصر، فأمر الشمس فعادت فقام وصلى ثم غربت بعد ذلك، وهذا الحديث في صحيح البخاري.
(18/12)
________________________________________
ذكر بعض قصص الوضاعين للأحاديث النبوية
وللأسف فإن هناك من يفتري على البخاري وينسب إليه الأحاديث كشخص في جامعة القاهرة علق حديثاً في ورقة طولها عشرة أمتار وكتب في آخره رواه البخاري، وهو ليس بحديث؛ فقلت له: يا ضلالي! حرام عليك، البخاري ما ذكر هذا الحديث.
وأغلب القصاصين يذكرون قصصاً واهية، كما في قصة أحدهم أنه جلس في الحرم يقول: حدثني أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين، فنظر أحدهما إلى الآخر: هل حدثنا هذا الرجل، فقال أحمد بن حنبل: يا هذا! أنا ابن حنبل وهذا ابن معين، ما حدثناك! قال: ألستما عاقلان؟! أليس في العالم كله إلا ابن حنبل وابن معين! أنا سمعت من ابن حنبل آخر وابن معين آخر، فهذا معناه أنه يكذب.
كذلك نوح بن أبي مريم وضع أربعة آلاف حديثاً من عنده في فضل القرآن الكريم، وفضل بعض سور القرآن، فقيل له: لم فعلت ذلك يا نوح! قال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن؛ فأردت أن أرغبهم في قراءته، وكان الدافع لذلك هو زيادة الأجر في قراءة سورة معينة أو آية من كتاب الله لم يرد بذلك الشرع المطهر، فهذا وضع هذه الأحاديث بدافع أن يحبب الناس في قراءة القرآن الكريم؛ لذلك فإن حركة الوضع في السنة حركة مقصودة، فمنها: إسرائيليات وأحاديث ضعيفة، ولذلك تجد المتعصبين -كالأحناف- أرادوا أن يقدحوا في المذهب الشافعي فإذا ببعضهم يضع حديثاً قال فيه: قال صلى الله عليه وسلم: سيولد في أمتي رجل هو أضر عليها من إبليس اسمه محمد بن إدريس، والذي وضع هذا الحديث أراد أن يقدح في المذهب الشافعي؛ فوضع هذا الحديث، وحدث ولا حرج.
(18/13)
________________________________________
أسباب وضع الأحاديث النبوية
وأسباب وضع الأحاديث كثيرة: منها التعصب المذهبي، والتعصب القبلي، والتعصب للغة، والتعصب لشخص، وبعض الحركات التي أرادت أن تثبت نفسها مثل الصوفية، فإنها وضعت أحاديث في فضل كذا وكذا، والشيعة وضعت أحاديث في فضل كذا وكذا، وبعض أهل السنة وضعوا أحاديث في أبي بكر وعمر؛ رداً على الشيعة.
ووضعوا أيضاً في فضل اللغة وفضل العواصم وفضل البلاد وفضل التجارة، فمثلاً: شخص يبيع عنباً وبلحاً ولم ير أي تحسن في البيع والشراء؛ فيقول: قال صلى الله عليه وسلم: (خيار أمتي في البطيخ والعنب)، (من أسمك فليتمر)، أي: عندما تأكلوا سمك كلوا التمر، (الهريسة تشد الظهر)، وحدث ولا حرج عن الحركات التي تسببت في هذا الكلام من وضع أحاديث لا صحة لها ألبتة.
فإن كانوا قديماً يقولون: سموا لنا رجالكم، فنحن اليوم أولى؛ لأن عندنا سوقاً مفتوحاً لكل من هب ودب يضع فيه أحاديث، حتى أن بعضهم قال: (إن آدم لما أكل من الشجرة نظر إلى العرش فوجد مكتوباً عليه: محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا رب! من محمد؟ قال: يا آدم! محمد من أجله خلقتك، وخلقت الجنة والنار، قال: يا رب! بحق إيماني بمحمد اغفر لي ذنبي).
وهذا كلام لا أدري من أين جاءوا به؟ فيا عبد الله! لا تقبل الكلام إلا بدليل أو بحديث مخرج ثابت النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(18/14)
________________________________________
الأسئلة
(18/15)
________________________________________
الرأي في قول العالم عن نفسه: إنه ليس بعالم ولا طويلب علم

السؤال
ما رأيك في شيخ يقول قبل درسه أو خطبته: إنه ليس بعالم ولا بطويلب علم، ولكني أقول: إن العصمة دفنت يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب
هذا الخطيب الذي يقول عن نفسه أول ما يبدأ: أنا لست بعالم ولا طويلب علم، هذا من باب هضم النفس، لكن لا يكون هذا دائماً كل ما يبدأ بالخطبة أو الدرس يقول هذا الكلام؛ فيحمل على غير مقصده.
(18/16)
________________________________________
حكم نكاح الولي إذا كان لا يصلي

السؤال
ما صحة عقد نكاح قائم إذا كان الولي لا يصلي؟

الجواب
العقد صحيح.
(18/17)
________________________________________
زمن الراتبة التي بعد الصلاة

السؤال
الرواتب البعدية هل لها أوقات تخرج عنها مثل سنة المغرب؟ وكم لها من الوقت بعد الصلاة؟

الجواب
تمتد سنة المغرب إلى وقت العشاء.
(18/18)
________________________________________
أيهما أفضل في التشهد قول: السلام عليك أيها النبي أم السلام على النبي

السؤال
بالنسبة للتشهد في الصلاة هل نقول: السلام عليك أيها النبي، أم نقول: السلام على النبي؟

الجواب
في هذه المسألة راجح ومرجوح: فالراجح أن تقول: السلام عليك، وفي رواية ابن مسعود أنهم كانوا يقولون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: السلام على النبي، لكن الراجح عند العلماء أن تقول: السلام عليك بصيغة الخطاب.
(18/19)
________________________________________
حكم الصلاة في غرفة فيها صور أو لُعَبِ الأطفال المجسمة

السؤال
هل تصح الصلاة في غرفة بها صور أو لعب الأطفال المجسمة لحيوانات؟

الجواب
لا يجوز أن تصلي في غرفة بها صور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مزق قراماً لـ عائشة كان عليه تصاوير، وقال: (شغلني في الصلاة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة)، وفي الحقيقة الصورة تشمل الجميع.
(18/20)
________________________________________
المواضع التي يتخلى فيها الرقيب والعتيد عن الإنسان

السؤال
هل إذا كان الإنسان في مكان فيه صور يغادر المكان الملكان الرقيب والعتيد؟

الجواب
لا، لن يتركوك، لأن هناك فرقاً بين الحفظة والكتبة، فالكتبة معك دائماً، قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18]، إلا في حال قضاء الحاجة.
(18/21)
________________________________________
حكم الصلاة خلف إمام يقنت في صلاة الفجر

السؤال
هل تجوز الصلاة خلف إمام يقنت في صلاة الفجر فقط؟

الجواب
نعم، يجوز، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
(18/22)
________________________________________
حكم الزواج بامرأة صالحة وأبوها غير ملتزم بالدين

السؤال
أخت ذات دين وخلق كريم، وأمها امرأة صالحة، توفي أبوها منذ عامين سابقين، ولكنه كان يمارس ألعاب النردشير، ويشاهد برامج الدش التي لا ترضي الله، أريد أن أتقدم لخطبتها فما رأي الإسلام في ذلك؟

الجواب
أنت تقول: إنه توفي، فلا بأس بذلك ما دام أنه قد مات والبقاء لله وإنا لله وإنا إليه راجعون، ما دام أنها على دين وخلق وأمها صالحة.
(18/23)
________________________________________
تقييم كتاب صفوة التفاسير للصابوني

السؤال
ما رأيك في كتاب صفوة التفاسير للشيخ الصابوني؟

الجواب
صفوة التفاسير هناك استدراك لشيخنا العلامة ابن باز على بعض ما فيه من مختصرات، وما هو عليه من عقيدة الأشعرية في باب الأسماء والصفات، فانتبه إلى مثل هذا، ولشيخنا العلامة ابن باز كتاب اسمه: تنبيهات هامة على ما كتبه الشيخ محمد علي الصابوني في صفات الله عز وجل، وهذا كتاب موجود في السوق، وينصح بقراءته قبل قراءة صفوة التفاسير.
وفي الحقيقة هناك كتب في التفاسير مطلوب منك أن تعرف منهج المفسر، مثل الرازي والزمخشري، والنسفي وسيد قطب، وبعض الكتب التي ينبغي ألا تقرأها إلا إذا كنت عارفاً بما فيها؛ لأن فيها أشياء إن أخذتها على علتها ضعت، كما في قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن:26]، قال الرازي في هذه الآية: الغيب هو يوم القيامة، و (عالم الغيب) يعني: عالم يوم القيامة، فلا يظهر على غيبه أحداً {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:27]، يعني: أن الرسل يعلمون متى يوم القيامة، وهذا قول خطير.
(18/24)
________________________________________
حكم من دخل المسجد ولم يجد فيه ماء

السؤال
ما حكم من دخل المسجد ولم يجد ماءً، فهل يتيمم؟

الجواب
إذا دخلت المسجد ولم تجد ماء فلا تيمم بل اطلب الماء في البقعة المحيطة.
(18/25)
________________________________________
تقييم كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم

السؤال
ما رأيك في كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم تأليف: حسنين هيكل؟

الجواب
كتاب حياة محمد صلى الله عليه وسلم لـ حسنين هيكل عليه ملاحظات كثيرة جداً.
(18/26)
________________________________________
حكم الصلاة خلف إمام يلحن في الفاتحة لحناً جلياً

السؤال
ما حكم صلاة المأموم إذا صلى وراء إمام يخطئ في قراءة الفاتحة خطأً كبيراً؟ مع العلم بأن الإمام ليس الإمام الراتب للمسجد، ويصلي بالناس بعض الفروض فقط؟

الجواب
لماذا تسمحوا له ليصلي بالناس ما دام أنه غير راتب وهو لا يجيد قراءة الفاتحة؟ فهذا ينصح ويقال له: قراءتك باطلة، فننصحك بالتراجع، ولا بد من هذا.
أما المأموم فإنه يجب عليه إعادة الصلاة.
(18/27)
________________________________________
تقييم كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب

السؤال
ما رأيك في كتاب في ظلال القرآن لـ سيد قطب؟

الجواب
هذا موضوع طويل، وهل هذا وقته؟ ومن ليس عليه استدراكات؟ لا شك أن فيه بعض الأمور وبعض العبارات الموهمة للتشبيه، وكذا بعض الأمور العقائدية الآدابية التي لا تليق مثال ذلك: قول البعض: وكان موسى عصبي المزاج، هل يقال عن نبي هذا الكلام؟ مثال آخر: في سورة يونس، ومساجد المسلمين الآن في بلاد المسلمين معابد للأصنام، والكلام هذا في الظلال وقد قرأته بنفسي.
فلا تقدس الرجال، وأنا أعرف أن البعض سيتضايق ويقول: كيف ينتقد الشيخ في ظلال القرآن لـ سيد قطب؟ والمتضايقون هم الحزبيون المرجفون الواهمون، فكل إنسان يؤخذ من قوله ويترك إلا محمد صلى الله عليه وسلم، والعصمة ليست لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نحمل الكلام على محمله الحسن، ونرشد ونقول: عندما تقرأ الفقرة الفلانية انتبه، ولن أقول: الشيخ حلولي اتحادي زنديق وغيره من الكلام الكبير الذي لا نتحمله، إنما ننبه حين القراءة من بعض الألفاظ التي خرجت من مؤلفه رحمه الله تعالى والتي قد تكون بدون قصد، ونحملها على وجه حسن، إلى غير ذلك.
لكن لا تقدس آراء الرجال، وهذا الكلام في كتب جاءت من السعودية في هذا الكلام، وبعض أساتذة الجامعة أعطوا التلاميذ استدراكات، فمثلاً: تفسير النسفي عليه استدراكات خطيرة جداً.
المهم: أن تقرأ في باب العقيدة منهج السلف الصالح، لا تقرأ أي شيء غيره، فتفسير ابن كثير غير المحقق فيه قصص واهية كثيرة جداً وإسرائيليات.
مثلاً: قصة أن رجلاً أعرابياً جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتوسل به أن يغفر له ذنوبه، ثم رحل وأخذ ينادي ويقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي فداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم فسمعه رجل كان بجوار القبر فنام بجوار القبر، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقال: الحق الأعرابي وبشره أن الله قد غفر له.
فذكر المؤلف هذه القصة دون أن يبين صحتها، والحكم عليها، فإن هذا الكلام يوهم التوسل بالأموات.
يا إخواني! نحن ضد تجريح العلماء، لكن مع وضع المنهج السليم في أقوال أهل العلم في موضعها.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
آمين آمين آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(18/28)
________________________________________
العدة شرح العمدة [19]
المريض من أهل الأعذار والرخص، وله أحكام خاصة به في الصلاة والجمع والطهارة وغيرها، فمن لم يستطع الوضوء فليتيمم، ومن لم يقدر أن يصلي قائماً فقاعداً أو على جنب، كما يجوز له الجمع بين الصلاتين.
(19/1)
________________________________________
الرد على العلمانيين في ذمهم المذهب الحنبلي
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قيماً، وهدانا صراطاً مستقيماًَ، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب الصلاة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
الحقيقة أن الإمام ابن حنبل ظلم بيننا الآن، وأنا في الطريق قال لي أحد الإخوة: إن بعض الناس يعيرونني ويقولون لي: يا حنبلي! ولفظة حنبلي عندنا يفهم منها أنه متشدد، أو متنطع، وهذا من صنع المستشرقين، وهو طعم شربناه وأكلناه؛ لأننا مستهدفون.
حدث ولا حرج عن العلمانية، وعن الاستشراق، وعمن صنع عند الغرب ورضع من عصارته: طه حسين، رفاعة الطهطاوي، قاسم أمين، علي مبارك، أحمد عبد المعطي حجازي، لويس عوض، محمد سعيد عشماوي، وإذا ظللت أذكر هذه الأسماء ستنتهي المحاضرة وأنا لم أنته بعد من سردها.
أسماء ترتبت ورضعت ولها أذناب: نصر أبو زيد، سيد القمي، وما أدراك؟ هؤلاء الذين أرادوا أن يكون لهم ذكر؛ فطعنوا في الشريعة، حتى قال قائلهم -وهذا قاسم مشترك عندهم جميعاً-: إن القرآن كتاب يخضع للزمان والمكان والتقييم البشري.
يعني: كتاب أدب، يمكن أن نرفض منه أو نقبل على حسب الأحوال الزمانية والمكانية، لا يوجد عندهم شيء اسمه ثوابت، إنما كل العقيدة والشريعة متغيرات على حسب الزمان والمكان.
لذلك إخوتي الكرام! أقول: من هذه الأقوال الظالمة: ذم المذهب الحنبلي، إن ابن حنبل إمام أهل السنة، ومذهبه آخر المذاهب رحمه الله تعالى، وأكثرها إحاطة بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك قال عنه الشافعي: تركت في بغداد -يوم أن جاء إلى مصر- شاباً إذا قال: حدثنا؛ استمع الناس له، كاد يكون إماماً في بطن أمه.
ابن حنبل إمام أهل السنة قال عنه علي بن المديني شيخ البخاري: لقد حفظ الله الإسلام برجلين: بـ أبي بكر رضي الله عنه يوم الردة، وبـ أحمد يوم المحنة رحمه الله تعالى.
لكننا الآن إذا أردنا أن نعير شخصاً نقول له: أنت حنبلي، ولماذا تدرسون في العزيز بالله الفقه الحنبلي يا حنابلة؟! شرف لنا أن نكون من أتباع مذهب أحمد، ولسنا ندعو إلى المذهبية أبداً ولا إلى التعصب لمذهب، لكن مذهب أحمد أكثر المذاهب إحاطة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، علاوة على أن للإمام أكثر من رواية، وهذا يدل على ثراء المذهب، فما من رواية إلا يقابلها رأي في المذهب الآخر.
فمن الظلم التعسفي وملامح الغربة في بلادنا هذه: أن يكون لقب الحنبلي دليل اتهام، وإنما لفظ الحنبلي دليل شرف؛ لأنه يتبع السنة، وليس هذا قدحاً، فكلهم من رسول الله ملتمس، ونحن مع الدليل حيث دار.
أبو حنيفة رحمه الله أسس مذهبه على بضعة أحاديث، أدرك البعض ولم يصله البعض، وكلما كان الإنسان متقدماً كان أقل في الإحاطة، فـ ابن حنبل رحمه الله تعالى أكثر إحاطة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك إذا كان المذهب مرجوحاً نقول: هذا مرجوح، والدليل ليس معه؛ لأننا كما قلنا: نمقت التعصب المذهبي، والدين بالدليل، والعلم قال الله قال رسوله.
تعلمون أن محنة الإمام كانت في مسألة خلق القرآن في زمن الخليفة المأمون في بغداد في العصر العباسي، يوم أن أقنع المعتزلة المأمون بفكر الاعتزال، وهو أن القرآن مخلوق، ومن قال: إن القرآن مخلوق فهو زنديق؛ لأن القرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، ومعنى أنه مخلوق: أن الصفة لم تكن موجودة ثم وجدت، أي: أن الله كان لا يتكلم ثم تكلم.
ثم ما من أمر مخلوق إلا ومصيره إلى الفناء وحاشا لله عز وجل أن يفنى! وكذلك كل أمر مخلوق ناقص؛ ولذا يشعر بالنقص، ولذلك أبى الإمام أن يقولها، وأرسل إليه الخليفة.
قال: يا أحمد! قلها، قال: لن أقولها؛ لأنه يعلم أن زلة العالِم زلة عالَم، فأرسل إليه المأمون وقد قرر أن يقتله: ائتوني بـ ابن حنبل، وفي الطريق إليه قال: اللهم لا تجمع بيني وبين المأمون بعد اليوم في الدنيا أبداً، فجاءه الصارخ بصوت مرتفع: يا أحمد! أبشر؛ فإن المأمون قد مات.
ثم أدخلوه السجن في عهد المعتصم وجلدوه، وأبى أن
(19/2)
________________________________________
باب صلاة المريض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: المريض من أهل الأعذار والرخص، وله كيفية خاصة للصلاة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: صلاة المريض.
والمريض إذا كان القيام يزيد في المرض صلى جالساً، فإن لم يطق فعلى جنبه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك) فإن شق عليه فعلى ظهره، فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ إيماءً، وعليه قضاء ما فاته من الصلوات في إغمائه.
وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشاءين في وقت إحداهما، فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند فعلها، ويعتبر استمرار العذر حتى يشرع في الثانية منهما، ولا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء، وإن أخر اعتبر استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية، وأن ينوي الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها، ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر، ويجوز في المطر بين العشاءين].
انتهى! هذا باب صلاة المريض، ثم صلاة المسافر، ثم صلاة الجمعة، ثم صلاة العيدين والخوف، وننتهي من كتاب الصلاة، ثم ننتقل إلى كتاب الجنائز، ثم إلى كتاب الزكاة، ثم إلى كتاب الصوم، ثم إلى كتاب الحج والعمرة إن شاء الله عز وجل.
بالنسبة لصلاة المريض إن كان عاجزاً عن القيام فهناك قاعدة مهمة جداً في الفقه، وهي: أن تحصل من الواجبات ما تستطيع، مثال ذلك: رجل لا يستطيع أن يسجد على الأرض لألم في ظهره، نقول له: قم واركع، وعند السجود أومئ برأسك فقط.
حصل من الواجبات ما تستطيع، حصلت القيام وحصلت الركوع، وأنت عاجز عن السجود؛ فأومئ برأسك في السجود، لكن البعض الآن عاجز عن السجود فيجلس ويهدر أركاناً كثيرة، ونقول: حَصِّل من الواجبات ما تستطيع، وقد يكون مصاباً بجرح فيربط على مكان الجرح في حال غسل الجنابة، ويمسح عليه ويعمم الجسد بالماء إلا هذا الموضع؛ فيحَصِّل من الواجبات ما يستطيع.
قال في الشرح: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً).
قلنا: القيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة في الفرض، فإن صلى جالساً في الفرض مع قدرته بطلت الصلاة، وإني أرى الكثير يتحرك ويذهب إلى المخبز ويأتي بخبز ويذهب إلى عمله، فإذا جاءت الصلاة جلس وقال: أنا متعب.
طيب! يا عبد الله! أنت تتحرك بصفة طبيعية، إذاً: لا يجوز لك أن تجلس إلا إذا كنت عاجزاً عن القيام، فالجلوس مع القدرة يبطل الصلاة، بعكس النافلة.
قلت: (فإن لم تستطع فقاعداً)، والقعود هنا عكس القيام، والجلوس عكس الاتكاء؛ لأن الله قال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا} [آل عمران:191].
وفي الحديث الآخر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس وقال: ألا وقول الزور)، فالجلوس يكون من اتكاء، والقعود يكون من قيام، فالتعبير الصحيح: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)، والبعض يقعد بالافتراش، والصواب أن يجلس متربعاً، ثم يومئ برأسه عند الركوع، ثم يسجد على الأرض إن استطاع، وإن لم يستطع يومئ.
قال: (فإن لم تستطع فعلى جنبك)، الأول: قائماً، والثاني: قاعداً، ثم على جنب، والجنب متجه إلى القبلة، يستقبل بوجهه القبلة وهو على جنبه، وأجمعوا على أن من لم يطق القيام فرض عليه أن يصلي قاعداً، فإذا شق عليه -يعني: الصلاة على جنبه- صلى على ظهره، ووجهه ورجلاه إلى القبلة؛ لأن ذلك أسهل عليه.
مثال ذلك: رجل يشق عليه أن يصلي على جنبه، يجعل القدمين إلى القبلة، ويستلقي على ظهره مستقبل القبلة، بحيث إذا اعتدل قام إلى القبلة، وهذه طريقة أخرى.
ولذلك قلت: هناك خلاف بالنسبة للقبر، هل الميت يوجه إلى القبلة هكذا، يعني: وجهه إلى القبلة، أم ينام بحيث تكون رجلاه إلى القبلة وهو على ظهره، بحيث لو قام كالنائم تماماً، الحالتان هنا ثابتتان.
قال: (فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما)، يعني: وإيماء الركوع يكون أعلى من إيماء السجود؛ اعتباراً بأصلهما.
قال: (وعليه قضاء ما فاته من الصلوات في إغمائه) كالنائم، ثم يقضي ما فاته من صلوات، بمعنى: رجل يغيب عن الوعي مدة طويلة، فغاب عن الوعي من الظهر إلى العشاء، ثم فاق بعد العشاء، فإنه يصلي ما فاته بالترتيب؛ لأنه مكلف منذ لحظة رجوع العقل، وإذا غاب العقل سقط التكليف؛ لذلك هناك خلاف بين العلماء في حكم صلاة السكران، رجل شرب الخمر بإرادته، وأخذت بعقله؛ فقال لزوجته: أنت طالق، ما حكم صلاته؟ هنا اختلف العلماء: فمن العلماء من قال: يقع عقوبة له؛ لأنه تناول الخمر بإرادته.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لا يقع؛ لأن العقل مناط التكليف، وإثم الخمر مسألة، ووقوع الطلاق مسألة أخرى، وهو لم يرد الطلاق.
كذلك يقول: إن الطلاق يتعدى إلى الغير، أي: أن ضرره يتعدى للزوجة، فما ذنب الزوجة أن تطلق والزوج سكران؟! فـ شيخ الإسلام يدافع عن تلك القضية فيقول: لا يقع طلاق السكران حتى
(19/3)
________________________________________
العدة شرح العمدة [20]
للمسافر أحكام خاصة به من قصر الصلاة والفطر في رمضان وغيرها، والقصر في السفر له شروط وأحكام، والسفر الذي يرخص القصر فيه هو ما سمي سفراً عرفاً وإن لم يحدد بمسافة معينة، واختلف في المدة التي تقصر فيها الصلاة.
(20/1)
________________________________________
باب صلاة المسافر
(باب صلاة المسافر).
سمي السفر سفراً لعلتين: العلة الأولى: لأنه يسفر عنه أخلاق الرجال، يعني: يظهر المعادن؛ لذلك لا تعرف الرجل إلا في السفر.
العلة الثانية: لأنه إذا سافر برز خارج البلدة، فمنه سفور المرأة يعني: ظهور المفاتن، فحينما تخرج من محيط بلدك تبرز أي: تظهر، فسمي السفر سفراً لهاتين العلتين.
قال رحمه الله تعالى: [والمسافر إذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخاً -وهي مسيرة يومين قاصدين- وكان مباحاً فله قصر الرباعية خاصة].
مذهب الإمام أحمد في هذا مرجوح؛ لأنه قيد القصر بمسافة قدرها ستة عشر فرسخاً.
أي: أربعة أبرد أو ثمانية وأربعون ميلاً، أو اثنان وثمانون كيلو، والراجح عند العلماء -وهو اختيار شيخ الإسلام - مطلق السفر، أي: ما يسميه الناس سفراً يجوز لك أن تقصر فيه الصلاة، ولا تقيده بمسافة؛ لأن من قيد لا دليل معه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قصر في فتح مكة تسعة عشر يوماً، فإن كنت أنا مسافراً من (القاهرة) إلى (أسيوط) وسأمكث في (أسيوط) أسبوعاً -أي: حددت مدة الإقامة- هل يجوز لي أن أقصر؟

الجواب
لا؛ لأني نويت أن أقيم أكثر من رأي الجمهور: أربعة أيام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة تسعة عشر يوماً؛ لأنه لا يدري متى سيرحل؟ ربما سيرحل بعد ساعة، وربما يرحل غداً أو بعد غد أو بعد شهر، فطالما أنك مسافر ولا تعلم متى الرحيل فإنه يجوز لك أن تقصر الصلاة، لكن إن حددت مدة الإقامة وهي أكثر من أربعة أيام فليس لك أن تقصر الصلاة، وإنما تتم منذ نزولك إلى البلدة؛ لأنك الآن في حكم المقيم.
ووهم البعض فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر وهو يرى مشارف المدينة.
قلت: قصر لأنه على متن السفر، وليس لأن هذه المسافة هي التي يجوز فيها القصر، فلا نقل: إنك قصرت على هذه المسافة، ولكن نقول: إنك قصرت لأنك فارقت البلد وشرعت في السفر.
من العلماء والصحابة من قال: إن مدة القصر تسعة عشر يوماً، فمن زاد عن هذه المدة فليس له أن يقصر، قلت: الراجح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر هذه المدة لأنه أقامها، ولو أقام عشرين يوماًً لقصر، ولو أقام واحداً وعشرين يوماً لقصر؛ فلا يجوز أن نقول: إن القصر تسعة عشر يوماً.
قال: [والمسافر إذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخاً، وهي مسيرة يومين قاصدين، وكان مباحاً؛ فله قصر الرباعية خاصة].
أي: أن الإمام أحمد يشترط لقصر الصلاة في السفر: أولاً: المسافة.
ثانياً: أن يكون السفر مباحاً.
فمن سافر للمصيف عند الإمام أحمد: لا يقصر، والراجح: أنه يقصر، وهذا اختيار شيخ الإسلام وقد حقق المسألة.
قال الإمام أحمد: لأن الرخص لا تعطى إلا للمؤمن التقي، ولا تعطى للفساق، مثال ذلك: رجل سافر ليشاهد حفل رقص في مكان ما، فهل يجوز له أن يقصر الصلاة؟

الجواب
لا، فعند أحمد: لا بد أن يكون السفر مباحاً أو يكون سفر طاعة، فإن كان سفر معصية فعند أحمد لا يجوز له أن يقصر، والرأي الراجح: أنه يقصر وعليه إثم المعصية، فهذه مسألة وتلك مسألة ثانية.
قال رحمه الله: [فله قصر الرباعية خاصة]، فلا قصر للثلاثية ولا الثنائية، لا يقصر الفجر ولا المغرب، وإنما القصر للظهر والعصر والعشاء.
(20/2)
________________________________________
شروط قصر الصلاة
(ويشترط للقصر شروط: منها: أن يكون طويلاً قدره أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، كل فرسخ ثلاثة أميال.
قال القاضي: الميل اثنا عشر ألف قدم، وذلك نحو يومين قاصدين)، وبالكيلو متر: اثنان وثمانون كيلو.
فإن قيل: من أقام أكثر من أربعة أيام لا يسمى مسافراً؟

الجواب
لأن المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة، فاعتبرت الثلاثة الأيام أقصى مدة، وبعد ذلك يعتبر في حكم الإقامة، وهذا استنباط جمهور العلماء، ولا يعد سائق القطار مسافراً؛ لأنه أصبح عملاً دائماً بالنسبة له، والسفر حالة عارضة أو طارئة.
مثال ذلك: رجل على باخرة يقضي على متنها عشرين يوماً من كل شهر، فهذا أصبح في حكم المقيم؛ لأن السفينة الآن هي محل الإقامة، ولذلك قال ابن تيمية: كساعي البريد الذي يوصل البريد من مركز إلى مركز، هذا ليس له قصر؛ لأن تنقله أصبح مهنة، وهذه المسألة فيها خلاف لكن هذه هي الآراء الراجحة.
قال: (الشرط الثاني: أن يكون سفره مباحاً، فإن سافر في معصية كالآبق، وقاطع الطريق، والتجارة في الخمر لم يقصر، ولم يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأنه لا يجوز تعليق الرخص بالمعاصي؛ لما فيه من الإعانة عليها والدعاية إليها، والشرع لا يرد بذلك.
الشرط الثالث: أن القصر في الرباعية خاصة إلى ركعتين، فلا يجوز قصر الفجر ولا المغرب إجماعاً؛ لأن قصر الصبح يجحف بها، وقصر المغرب يخرجها عن كونها وتراً.
الشرط الرابع: شروعه في السفر بخروجه من بيوت قريته أو خيام قومه؛ لأن الله سبحانه قال: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء:101]، ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج).
العبد الآبق: هو الذي فر من سيده، يعني: عصى سيده.
أقول: كثر جهل المسلمين، فالكثيرون اليوم لا يفهمون أن القصر للرباعية فقط، ولا قصر للفجر ولا للمغرب.
ومن شروط قصر الصلاة: أن يخرج من محل الإقامة، فلا قصر في محل الإقامة، مثلاً: أنت من الزيتون وتريد أن تسافر إلى الإسكندرية، فإذا أردت أن تصلي في الزيتون تتم؛ لأنه لا قصر في محل الإقامة، لا قصر إلا إذا ضرب في الأرض، ويجوز له أن يجمع.
قال: (إلا أن يأتم بمقيم)، المسافر إذا ائتم بمقيم فعليه أن يتم، أما ابن حزم فله رأي آخر، ولغيره رأي كذلك، وهذا هو الراجح.
إذا ائتم المسافر بمقيم عليه أن يتم، وإن أدرك المقيم في التشهد الأخير لابد أن يتم، فطالما أنه مؤتم عليه أن يتبع الإمام في الإتمام.
(20/3)
________________________________________
الأحوال التي لا يجوز فيها قصر الصلاة
قال: (إلا أن يأتم بمقيم فعليه الإتمام؛ لأن ابن عباس سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين حال الانفراد وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة.
رواه الإمام أحمد، وهو ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه قول جماعة من الصحابة، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف من الصحابة؛ فكان إجماعاً.
أو لا ينوي القصر مع نية الإحرام؛ فإنه يلزمه الإتمام)، بمعنى: إذا كبر تكبيرة الإحرام وقد نوى أن يتم، ولم ينو القصر، فهل يجوز له أن ينوي القصر بعد أن نوى الإتمام؟

الجواب
لا بد أن يتم؛ لأنه لم ينو القصر.
قال: (لأن الإتمام هو الأصل، فإطلاق النية ينصرف إليه، كما لو نوى الصلاة مطلقاً انصرف إلى الانفراد الذي هو الأصل.
أو ينسى صلاة حضر فيذكرها في السفر)، يعني: يستثنى من القصر أحوالاً لا يجوز له فيها أن يقصر: أولاً: إذا ائتم بمقيم.
ثانياً: إذا لم ينو القصر.
ثالثاً: إذا نسي صلاة في الحضر وتذكرها في السفر، فمثلاً: نسيت صلاة الظهر هنا وتذكرت في سفري أنني لم أصل الظهر؛ فليس لي أن أقصرها في السفر.
قال: (أو صلاة سفر فيذكرها في الحضر، فإن عليه الإتمام)، يعني: كنت مسافراً فنسيت أن أصلي في البلد التي سافرت إليها، فتذكرتها في الحضر حين عدت من سفري، فلا أقصرها، بل علي الإتمام، وهذا الرأي مرجوح؛ لأنه وجبت عليه في السفر ركعتان، فتكون في الحضر كما هي؛ ولذلك توجد رواية أخرى عن أحمد: أنه إن نسي صلاة رباعية في السفر فله أن يقصرها في الحضر.
قال: (لأن صلاة الحضر وجبت أربعاً، وصلاة السفر -إذا ذكرها في الحضر- وجبت أربعاً؛ لأن المبيح للقصر هو السفر، وقد زال؛ فيلزمه الإتمام؛ لأنه الأصل).
(20/4)
________________________________________
اختلاف العلماء في كون قصر الصلاة في السفر رخصة أم عزيمة
هل قصر الصلاة في السفر رخصة أم عزيمة؟ المسألة خلافية.
قال بعض السلف: من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين، وكأنهم يرون أن القصر عزيمة وليس رخصة؛ لأن الرخصة معناها: أن تقبلها أو لا تقبلها، لكن حينما نقول: القصر عزيمة فإنه يلزمك أن تقصر الصلاة.
وقد استدل الفريق الأول على أن القصر عزيمة بقول أمنا عائشة: فرضت الصلاة في السفر ركعتين ركعتين، ثم زيدت في الحضر.
فالأصل أنها ركعتان، وزادت في الحضر إلى أربع إلى غير ذلك من أدلة، لكن إن صليت مأموماً فهذه مسألة أخرى.
والثابت: أن الصحابة كانوا يقصرون في السفر، والنبي صلى الله عليه وسلم قصر في السفر، ولم يثبت أن أحداً من الصحابة سافر ولم يقصر إلا عثمان، واعتذر له بأربعة اعتذارات عن فعله.
قال: (وللمسافر أن يتم)، إذاً: الإمام أحمد يرى أن القصر رخصة.
قال: (لقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء:101]، مفهومه: أن القصر رخصة يجوز تركها، وعن عائشة أنها قالت: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت؛ فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أفطرت وصمت، وأتممت وقصرت، فقال: أحسنت)، رواه أبو داود الطيالسي)، وهو منكر؛ ولذلك سقط به الاستدلال.
قال الناظم: والمنكر الفرد به راو غدا تعديله لا يحمل التفردا يعني: انفرد به راو وهو غير ثقة وعدل، فإذا انفرد به راوٍ من طريق واحد يعتبر الحديث منكراً.
فإذا انفرد به راوٍ لا تنسحب إليه العدالة فهو منكر.
قال الإمام أحمد: (والقصر أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه داوموا عليه، وعابوا من تركه، قال عبد الرحمن بن يزيد: صلى عثمان أربعاً فقال عبد الله: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين، ثم انصرفت بكم الطرق، ولوددت أن حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، متفق عليه)، يرى الإمام أحمد أن القصر أفضل؛ لأنه ثبت أن الصحابة جميعاً كانوا يقصرون في السفر، ولم يثبت عن واحد منهم أنه أتم إلا عثمان في منى، وقد تأول الجميع فعله رحمه الله تعالى.
فإن قال قائل: إن كنت مسافراً ودخلت المسجد فوجدت الجماعة في التشهد الأخير، أأدخل مع الجماعة أم أنتظر؟

الجواب
ادخل مع الجماعة في الحال؛ لحديث: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، حتى ولم تدرك إلا التشهد، فالمختار: أن من أدرك الإمام في التشهد فقد أدرك الصلاة، فالسفر ليس رخصة لك في أن تترك الجماعة.
وإن قال قائل: أنا مسافر وأريد أن أقيم عشرة أيام.
أأقصر في أربعة أيام وأتم في ستة أيام؟

الجواب
ليس لك ذلك، بل تتم منذ نزولك من أول يوم؛ لأنك أصبحت في حكم المقيم.
قال: (ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم)، يعني: أكثر من أربعة أيام.
(فإن لم يجمع على ذلك قصر أبداً)، يعني: إن لم يدر متى سيعود يقصر أبداً طالما أنه في سفر، فإن نوى الإقامة مدة أكثر من أربعة أيام فإنه يصبح في هذه الحالة في حكم المقيم.
قال: (لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة فصلى إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها؛ لأنه قدم لصبح رابعة إلى يوم التروية، فصلى الصبح ثم خرج، فمن أقام مثل إقامته قصر، ومن زاد أتم.
قال أنس: أقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة، ومعناه: ما ذكرناه؛ لأنه حسب خروجه إلى منى وعرفة، وما بعده من العشر).
أيها الإخوة الكرام! مسألة قصر الصلاة وصلاة أهل الأعذار من الأهمية بمكان، والعلماء قد اختلفوا فيها اختلافاً شديداً، وفيها أقوال عديدة، ولكننا نجتهد على حسب القدرة في التماس الرأي الراجح، وهذا ما انتهينا إليه.
(20/5)
________________________________________
الأسئلة
(20/6)
________________________________________
حكم السنن الراتبة للمسافر الذي يريد قصر الصلاة

السؤال
هل للمسافر أن يصلي السنن الراتبة عند قصره للصلاة؟

الجواب
السنن لا تصلى في القصر.
قال ابن عمر: لو كنت متماً لتنفلت.
فالله عز وجل رفع عنك من صلاة الفريضة ركعتين، فمن باب أولى أن تسقط السنة، فلا تنفل للمسافر إلا الوتر وركعتي الفجر وقيام الليل؛ لأنه ثبت أنهم كانوا في قيام الليل يوترون ويصلون ركعتي الفجر ويتهجدون، أما السنن الرواتب الملازمة للصلوات، فلا يصليها المسافر إذا قصر الصلاة؛ لأنه أسقط من الفريضة ركعتين، فمن باب أولى النافلة.
(20/7)
________________________________________
حكم المسافر يصلى خلف مقيم فأتم ويصلي السنة الراتبة

السؤال
أنا مسافر ودخلت وراء الإمام فأتممت؛ لأن الإمام يتم فهل علي سنة راتبة؟

الجواب
ليس عليك سنة؛ لأنك في حالة سفر، والذي دفعك للإتمام أنك ائتممت بمقيم فقط.
(20/8)
________________________________________
حكم ترك المسافر الصلاة في جماعة لعلة السفر

السؤال
أنا مسافر هل أصلي في المسجد أم في البيت؟

الجواب
صل في المسجد؛ لأنه ليس من أعذار ترك الجماعة أن تكون مسافراً، فإن كنت في سفر وسمعت النداء فإنه يلزمك أن تصلي في جماعة.
(20/9)
________________________________________
حكم صلاة المقيم خلف المسافر

السؤال
ما حكم صلاة المقيم خلف المسافر؟

الجواب
يقصر الإمام الصلاة إن كان مسافراً، ويقوم المأموم ليتم، ويقول الإمام المسافر لمن خلفه: أتموا صلاتكم؛ فإنا على سفر، ولكن الراجح: أن يأتم المسافر بالمقيم، والأولى لمن يؤم الناس وهو مسافر أن يتنصل من الإمامة.
(20/10)
________________________________________
مسألة في الرضاعة

السؤال
شاب رضع من زوج خاله وعنده بنات، ثم توفيت هذه الزوجة فتزوج الخال امرأة أخرى وأنجب منها بنات، فهل يستطيع الشاب أن يتزوج واحدة من بنات تلك المرأة الأخرى؟

الجواب
نعم.
يجوز لأنه لم يجتمع معها على رضاعة، ولا علاقة بين بنات المرأة الثانية بالمرأة الأولى.
(20/11)
________________________________________
حكم بناء زوايا مسجدية متقاربة في حي واحد

السؤال
يوجد زاوية في المنطقة -مسجد- وكان دائماً يغلق لعدم وجود إمام، وفي صلاة الجمعة دائماً أو غالباً يغيب الخطيب؛ لعدم وجود خطيب منتظم، فأخذتني الغيرة على غلق المسجد في الجمعة التي يغيب فيها الخطيب فخطبت، غير أني ما زلت طالب علم، وما عندي من العلم إلا القليل، هل أترك المسجد في صلاة الجمعة يغلق رغم قلة علمي، أم ماذا أفعل؟ وهل لو تركت الخطبة يكون علي إثم؟

الجواب
أنت تقول: مسجد زاوية، والزوايا الأفضل أن تغلق، فإنه ما ضاعت الأمة إلا بسبب هذه الزوايا، ورغم أن القرار موجود في وزارة الأوقاف بإغلاق الزوايا يوم الجمعة إلا أن القرار لم يطبق، والجمعة ما سميت جمعة إلا لأنها تجمع، ونحن تفرقنا، فكل من بنى داراً جعل فيه زاوية، ويصلي فيه صفان.
يقول عبد الرزاق عفيفي في فتاويه: إن المسجد إذا فتح مع وجود مكان في المسجد الجامع تبطل فيه الجمعة، فطالما أن المسجد الجامع يسع فلا عبرة بفتح مسجد آخر إلا إذا ضاق هذا المسجد الجامع.
إن هذه الفوضى التي نعيشها هي سبب في هذا الوباء الذي نراه الآن، فهذه الزوايا دمرت الأمة، وليس عندنا خطباء على المستوى المرضي، زد أن فيه ما لذ وطاب، فكل واحد يصعد ليقول ما يريد من شعر، وانظر إلى كثرة الزوايا في المناطق، في كل عشرة أمتار زاوية، حتى في يوم العيد يصلي الناس في العراء وهو يصلي في الزاوية، ويصلي معه العوام.
إن هذا الأمر فيه تشتيت للأمة، إذاً: الزاوية لا بد أن تغلق.
كذلك القرى تشتت المصلون فيها، فقد ذهبت إلى قريتنا منذ فترة قصيرة، وكان المسجد الكبير يكتظ بالمصلين ونحن صغار، أما الآن فدخلت إليه فوجدت صفاً في الجمعة أو صفين، فقلت: أين الباقي؟ قالوا: كل سنة وأنت طيب! القرية فيها أربع عشرة زاوية، فبعد أن كانت القرية تجتمع في مسجد واحد، أصبح الآن فيها أربع عشرة زاوية فتفرق الناس، فكل عائلة لها زاوية، أنا لن أغلق زاوية بيت فلان، وكل عائلة عملت لها مضيفة وزاوية، فيا عبد الله! هذا شتات وضياع للأمة؛ فلا نحيي هذه البدع للعصبية التي نعيشها.
والله تعالى أعلم.
(20/12)
________________________________________
حكم رؤية الرجل مخطوبته المنتقبة عدة مرات

السؤال
هل يجوز للخاطب أن يرى وجه مخطوبته المنتقبة في كل مرة ويجلس معها؟

الجواب
هل هو من أحد المحارم حتى يذهب ويجيء؟ يا عبد الله! لا ترى مخطوبتك إلا مرة واحدة، فإن وقعت في قلبك عادت أجنبية، وثانية وثالثة لا بأس، والذين قالوا بأن الرؤية ثلاث مرات استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أريتك في المنام ثلاثاً)، فاستنبطوا من هذا: أنه يجوز للخاطب أن يرى المخطوبة ثلاث مرات، وبعد الثلاث تصير أجنبية، أما أن تكشف له كلما جاءها فهذا لا يجوز؛ لأنه تصرف غير شرعي.
كما أنه يحرم عليك أن تحدثها بالتلفون؛ لأن التلفون سلك لا نعرف ما يقال فيه، وهي أجنبية عنه إلا أن يعقد عليها، أو يحدثها مباشرة وبوجود محرم وهي منتقبة، فيناقش معها مسائل الزواج وغيرها من المسائل، أما أن يقول ولي الأمر: أنا سأتركك مع ابنتي خمسة أيام أمانة، ثم أرجع!! فأي أمانة هذه وأنت تركت في بيتك رجلاً أجنبياً؟! إن هذا فيه ضياع للأمة وضياع لأخلاقياتها، ويترتب عليه فتن كثيرة.
فيا عبد الله! أغلق الباب من أول وهلة، ولا يحل لك بحال أن تتحدث مع امرأة أجنبية لا تحل لك، إلا بقدر الضرورة، وفي أضيق الظروف.
قال موسى عليه السلام لابنتي شعيب عليهما السلام: ((مَا خَطْبُكُمَا))، كلمة واحدة فقط {قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص:23]، لو أن واحداً منا رأى فتاة لقال لها: الأخت الفاضلة! ما اسمك؟ أين تدرسين؟ كم عمرك؟ وما أخبار العائلة؟ ويدخل نفسه في متاهات، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، بل إن الفتاة تثرثر معه وتتحدث.
قال الشاعر: نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء فزواج عرفي، فإنجاب، فإجهاض، فمصيبة، فضياع، وهذا الذي نحن فيه الآن، فحينما نغلق الباب من أول وهلة نغلق على الشيطان مداخله.
(20/13)
________________________________________
نظرة الإسلام إلى التعدد

السؤال
ما هي نظرة الإسلام إلى التعدد؟

الجواب
نظرتنا إلى التعدد نظرة معكوسة، ونظرة غربية أوروبية؛ لأن التعدد من الإسلام بدون أدنى شك، وهو في قول ربنا سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3]، لكن لا بد أن نضع الضوابط الشرعية للتعدد، وهي أن يعدل الزوج بين زوجاته وألا يظلم، وألا يكون التعدد لغرض في نفسه ثم يزول، إنما على سبيل الاستقرار، ولا بد لكل امرأة من زوج، فإن زاد عدد النساء عن عدد الرجال، فأين تذهب الزيادة؟! إن المرأة قنبلة موقوتة، وبلا رجل تعرض للانفجار في كل وقت؛ ولذلك يقولون في الأرياف: ظل رجل ولا ظل حائط.
فأقول: عالجوا لنا هذه المعادلة يا علماء! إذا زاد عدد النساء عن عدد الرجال ماذا نصنع بالزيادة؟ الحل هو أن يجمع الرجل بين أكثر من زوجة إن كان قادراً ويستطيع أن يعدل، أي: بالضوابط التي بيناها ووصفناها، لكن هذا الكلام يغضب البعض، وقد يسيء البعض استخدام هذا الحق، فيعدد بدون ضوابط، حيث إن راتبه مائة جنيه مثلاً، ويدفع إيجاراً مقداره (150) جنيهاً، فهو يستلف (50) جنيهاً وفوق هذا يقول: أريد أن أعدد.
إذا كان معه سعة في الرزق وعنده مكان إقامة آخر؛ فيجوز له أن يعدد طالما أنه يستطيع أن ينفق على بيتين.
أما قول بعض الرجال: زوجتي الأولى لا ترضى، نقول: هذا شرع الله عز وجل، والشرع على رقابنا كالسيف، فطالما أن الزوج لا يفعل إلا ما يرضي الله تعالى فلا اعتبار لرضا الزوجة، والعجيب أننا نحرم التعدد على أنفسنا ونوافق على شعار: أوافق على عشيقة، وللأسف الشديد هذا الكلام رأيناه كثيراً، بل إن بعضهن يقلن: أنا لا أحب الشريك، وهذا الكلام فيه عدم انقياد للشرع، وإلا فأخبروني عن نبي تزوج بواحدة، إن سليمان عليه السلام قال: لأطوفن الليلة على مائة زوجة، وإبراهيم عليه السلام تزوج بـ سارة ومن بعدها بـ هاجر.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
آمين آمين آمين! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(20/14)
________________________________________
العدة شرح العمدة [21]
شدد الإسلام على صلاة الجماعة، فلم يسقطها حتى في احتدام الحرب، ولكنه شرع صلاة الخوف، وصلاة الخوف لها هيئات متعددة معروفة في الكتاب والسنة.
(21/1)
________________________________________
باب صلاة الخوف
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
الخوف عام، فقد يكون خوفاً في معركة، أو خوفاً من عدو، أو خوفاً وأنت في صحراء من عدو مفترس إلى غير ذلك.
قال رحمه الله: [باب: صلاة الخوف.
وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم].
والمعنى: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الخوف بأكثر من صفة، وهذا يسميه العلماء: اختلاف تنوع، أي: أنه فعل هذا وفعل هذا لبيان جواز هذا وجواز هذا، وهذا كثير فلننتبه إليه، فمثلاً: تارة كان يفتتح الصلاة بقوله: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب)، وتارة يفتتح الصلاة بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وتارة يفتتح الصلاة بقوله: (قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).
إذاً: هذه حالات فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، ونسمي هذا الاختلاف: اختلاف تنوع، ولابد أن تعرف هذا لأهميته، وهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بأكثر من طريقة.
قال في الشرح: [قال أحمد رضي الله عنه: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من خمسة أوجه أو ستة -أو قال: ستة أو سبعة يروى فيها كلها جائز- قال شيخنا: والمختار منها هو الذي اختاره أحمد، وهو ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف].
يعني: اختار الإمام أحمد صفة من صفات صلاة الخوف، ولها ستة أوجه أو خمسة أوجه تعددت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمختار منها: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرس وطائفة تصلي، وهذا دليل على عظم صلاة الجماعة، حتى عند القتال لم يرخص لنا في ترك صلاة الجماعة، ولعل هذا من الأدلة عند من قال بوجوب الجماعة، أي: أن الجندي في المعركة يقاتل ويصلي إلى غير القبلة ويصلي في نعله، ويحمل السلاح ويتيمم لعجزه عن الوضوء، لكنه لا يرخص له في ترك صلاة الجماعة، فمن باب أولى الآمن، فإن لم يرخص للمقاتل في ترك الجماعة فما بالك بالآمن؟ فهذا دليل عند العلماء على وجوب صلاة الجماعة.
الطائفة التي تحرس تكون في المقدمة في مواجهة العدو، والطائفة التي تصلي تكون خلف الطائفة التي تحرس وتصلي مع الإمام ركعة كاملة، أي: أن الإمام يكبر وطائفة خلفه تكبر وتصلي والأخرى تحرس ثم يظل الإمام في الركعة الثانية قائماً، والطائفة التي تصلي معه تأتي بركعة ثانية والإمام قائم يطيل في قراءة الفاتحة والقرآن، وهذه الصلاة الوحيدة التي فيها الركعة الثانية أطول من الأولى، فإن من السنة أن تكون الأولى أطول من الثانية إلا في صلاة الخوف بالنسبة للإمام، فعليه أن يطيل في الثانية، ويظل قائماً يقرأ حتى تنتهي الطائفة التي معه من الركعة الثانية وتسلم، ثم بعد أن تسلم تأخذ مكان الطائفة التي تحرس، فتأتي الطائفة التي كانت تحرس فتصلي معه ركعة وهو لا يزال قائماً، فتكبر وتأتي معه بركعة، فإذا جلس للتشهد، قامت هي للركعة الثانية، ويظل الإمام يقرأ التشهد على مهل، حتى تنتهي الطائفة الثانية من الركعة الثانية وتجلس معه للتشهد ثم تسلم معه، وهكذا يكون صلى الإمام ركعتين، وكل طائفة صلت ركعتين: ركعة مع الإمام وركعة بمفردها.
هذه هي الصفة التي اختارها الإمام أحمد الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يسأل سائل: أتقرأ التشهد مرتين في صلاة الخوف أم لا؟

الجواب
لا يجوز أن تقرأ التشهد مرتين أو الفاتحة مرتين، وإنما تقرأ على مهل، فتكون جهرية في الجهرية، وسرية في السرية، وكل الصلوات ركعتان إلا المغرب فإنه ثلاث ركعات.
وصلاة الخوف ركعتان للرباعية، ومن العلماء من قال: صلاة الخوف بالنسبة للإمام أربع ركعات، حيث يصلي بكل طائفة ركعتين، وهذا استدلال من قال: إنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل؛ وذلك لأن الإمام يصلي بطائفة ركعتين وهي له فريضة، ويصلي بطائفة ركعتين وهي له نافلة، وهذا دليل من قال: إنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل.
أما صلاة الخوف بالنسبة للمغرب فهي صلاة ثلاثية، يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين كاملتين، ثم تقوم الطائفة الأولى فتأتي بركعة بمفردها، ويظل الإمام قائماً في الركعة الثالثة حتى تنتهي الطائفة الأولى من الركعة الثالثة، ثم تأتي الطائفة التي لم تصل خلف الإمام وتصلي معه ركعة، ثم تأتي بركعتين وهو جالس للتشهد، حتى إذا ما انتهت من الركعتين جلست مع الإمام وسلمت معه.
أما بالنسبة للاستفتاح للطائفة الثان
(21/2)
________________________________________
صفة الصلاة إذا حمي الوطيس واشتد القتال
لكن المصنف هنا فاته أن يذكر الصلاة إن حمي الوطيس واقترب الفتح، هل نصلي أم نفتح؟ فأنت الآن تقاتل العدو في حصن، واقترب فتح الحصن، والوقت سيخرج، فهل تؤجل فتح الحصن للصلاة، أم تفتح ثم تصلي بعد خروج الوقت؟ هذه نقطة مهمة جداً ذكرها البخاري في كتاب صلاة الخوف المجلد الثاني من فتح الباري، وقد أفرد لها الإمام البخاري كتاباً مستقلاً في المجلد الثاني.
قال: باب: إذا اشتد القتال ودنا فتح الحصن، واستدل البخاري هنا بحديثين: الحديث الأول: حديث غزوة الأحزاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب انشغل بحفر الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، وصلى المغرب بعد غروب الشمس، وقال ابن حجر في الفتح معلقاً: من قال: إن غزوة الأحزاب كانت قبل صلاة الخوف ليس معه دليل، فغزوة الأحزاب كانت في العام السادس من الهجرة فهي متأخرة، في الحديث: قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! يوم الأحزاب ما صليت العصر، فقال: أشعل الله في بيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى -وهي صلاة العصر- وصلى العصر بعد غروب الشمس)، فـ البخاري يستدل هنا بفعل السلف على أنه إذا تعارض الفتح مع وقت الصلاة فإنه يمكن أن تؤخر الصلاة حتى وإن خرج الوقت؛ لتعذر التحصيل.
(21/3)
________________________________________
العدة شرح العمدة [22]
الجمعة واجبة على كل من تجب عليه الجماعة، ولها شروط وآداب وسنن ينبغي للإنسان معرفتها، حتى لا يخل بشيء من أحكامها وشروطها، كما أن أهل الأعذار لهم أحكام خاصة بهم كالمرأة والعبد والمسافر والمريض.
(22/1)
________________________________________
باب صلاة الجمعة
من فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي وكثير من العلماء: في حال وجود مساحة في المسجد الجامع تبطل الصلاة في أي مسجد آخر، فانظر إلى خطورة الأمر، طالما أن المسجد الجامع يتسع للمسلمين في الجمعة فإنه لا يجوز أن تصلي في مسجد آخر.
قال رحمه الله: [باب: صلاة الجمعة.
كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إن كان مستوطناً ببناء وبينه وبين الجامع فرسخ فما دون ذلك، إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم، إلا لمعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به، ومن شرط صحتها فعلها في وقتها في قرية، وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها، وأن تتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والموعظة، ويستحب أن يخطب الخطيب على منبر، فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم الإمام فيخطب بهم، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم تقام الصلاة فينزل، فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة، وإلا أتمها ظهراً، وكذلك إن نقص العدد أو خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة، وإلا أتموها ظهراً، ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها].
والمصر: القطر.
قال: [أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة أكثر منها، ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل، ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب، ويبكر إليها، فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما، ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا الإمام أو من كلمه الإمام].
انتهى.
هذا الكلام الثمين يحتاج إلى شرح لا شك في هذا؛ لأنها أحكام تتعلق بعبادة نقوم بأدائها في كل أسبوع، فهناك أحكام مهمة فيها.
قال: (من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة) أي: أن الجمعة فرض على كل مسلم بالغ عاقل -نفس شروط الصلاة المكتوبة- فإذا وجبت الصلاة على الرجل وجبت عليه الجمعة، ومن لم يبلغ لا تجب عليه الصلاة، ولكن له أن يصلي، أي: أن الصبي يمكن أن يشهد الجمعة، والمرأة يمكن أن تشهد الجمعة، لكن إن صلت في البيت ليس عليها جمعة، فهي ليس لها جمعة وليس عليها جمعة؛ كذلك المسافر ليس عليه جمعة، لكن له أن يصلي، وكذلك الصبي والمرأة ليس عليهما جمعة، ولكن لهما أن يصليا، وإن صلى الصبي الجمعة لا يدخل في العدد؛ لأنه غير مكلف بها، وكذلك المرأة لا تنعقد بها جمعة؛ فالمذهب الحنبلي يرى أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين، واختلف العلماء في عدد الحاضرين للجمعة اختلافاً شديداً، عده ابن حجر في الفتح أكثر من ثلاثين قولاً، منهم من قال: تنعقد بواحد مع الإمام، ومنهم من قال: تنعقد بأربعين، ومنهم من قال: تنعقد باثني عشر؛ لأن الذين تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم يخطب الجمعة في سورة الجمعة تركوه وبقي معه اثنا عشر، فقالوا: لا تنعقد إلا باثني عشر، ولكن الراجح: أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به صلاة الجماعة، وهذا هو الراجح وهو الذي عليه التحقيق.
قال: [فهي واجبة -فريضة- لقوله عليه السلام: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم) البخاري واللفظ لـ مسلم.
والآية واضحة في سورة الجمعة، قال تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9]، وطالما نحن في بلد مسلم ننادي بأعلى صوتنا: فلنصدر قانوناً بتحريم البيع والشراء عند الجمعة؛ لأنه من الأمور الواضحة تماماً، بل إن العلماء قد اختلفوا: هل ينعقد البيع أم يقع باطلاً؟ منهم من قال: العقد يبطل عند الجمعة، ومنهم من قال: العقد صحيح ومعه الإثم، لكن الذين قالوا ببطلان العقد لديهم أدلة؛ لأن الله قال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة:9]، فتحزن حينما ترى البيع والشراء ينعقد عند صلاة الجمعة، وكأننا لسنا على الإسلام، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات هذه الأمة التي ميزها الله تبارك وتعالى.
قال: [عن جابر: (خطبنا رسول صلى الله عليه وسلم فقال: اعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في يومي هذا، في شهري هذا، في مقامي هذا، فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره)]، وهو حديث ضعيف.
من المعلوم أنه عند النداء للجمعة يقف البيع على كل بائع، وإذا كان البائع غير مسلم فلا ينبغي أبداً أن يفتح متجراً والجمعة منعقدة؛ لأن هذا فيه محادة ومحاربة ومعاندة لله ولرسوله، بل لنص القرآن الظاهر البين، فالأمر واضح لا جدال فيه.
(22/2)
________________________________________
شروط وجوب الجمعة
(22/3)
________________________________________
الاستيطان والإقامة
قال في الشرح: [تجب الجمعة بشروط: أحدها: أن يكون مستوطناً، وهو الإقامة في قرية مبنية بحجارة أو لبن أو قصب أو ما جرت به العادة بالبناء].
أي: أن الجمعة على المقيم في بناء، فهناك أناس رحالة في صحراء ليس لهم بيوت، فهؤلاء ليس عليهم جمعة؛ لأنهم لا يملكون بيتاً، وإنما يترحلون في الصحراء.
قال: [لا يظعن عنها صيفاً ولا شتاء]، يظعن يعني: يسافر.
[أما أهل الخيام وبيوت الشعر فلا جمعة عليهم؛ لأن قبائل العرب كانت حول المدينة فلم يقيموا جمعة ولا أمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أمرهم لم يخف ذلك، ولم يترك نقله لكثرته وعموم البلوى به].
إذاً: الشرط الأول للجمعة: أن يكون مستوطناً.
(22/4)
________________________________________
القرب من المسجد الجامع بمقدار فرسخ فما دون
قال في الشرح: [الشرط الثاني: أن يكون بينه وبين الجامع فرسخ فما دون، وإن كان أبعد من فرسخ فلا جمعة عليه؛ لأن عثمان رضي الله عنه صلى صلاة العيد يوم جمعة، ثم قال لأهل العوالي: من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة فليقم، وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة على من سمع النداء) رواه أبو داود؛ ولا يمكن اعتبار سماع حقيقة النداء؛ لأنه قد يكون ثقيل السمع، أو في مكان مستتر لا يسمع أو غير مصغٍ أو يكون النداء ضعيفاً، أو في حال هبوب الرياح، فينبغي أن يقدر بمقدار لا يختلف، والموضع الذي يسمع النداء في الغالب إذا كان المؤذن صيِّتاً في موضع عال، والرياح ساكنة، والمستمع سميعاً غير ساه هو الفرسخ أو ما قاربه فيحد به].
الشرط الثاني للجمعة: أن يكون قريباً من المسجد الجامع، فهب أن بينك وبين الجامع مسافة طويلة جداً، فإن قام المؤذن يؤذن فوق المسجد بصوته العادي فإنك لا تسمعه.
فمن الممكن أن يصل ثلاثة أو اثنين كيلو أو كيلو إلى غير ذلك، فالمهم أن العلة هنا ليست المسافة، إنما العلة هنا المشقة، كأن تكون في صحراء وبينك وبين المسجد الذي فيه جمعة مسافة طويلة ويصعب عليك أن ترحل للصلاة، فإنها تسقط عنك.
وقديماً كانوا يقيسون المسافة عن طريق النبال، فإن أهل العوالي سقطت عنهم الجمعة في المدينة؛ لأنهم يسكنون بعد العزيزية، فالمسجد النبوي يبعد عنه العوالي نحو (8) كيلو أو (10) كيلو، فمشقة عليهم أن يأتوا إلى المسجد، فشروط وجوب الجمعة أن يكون مستوطناً، وأن يكون قريباً من المسجد الذي تقام فيه الجمعة، ويستطيع أن يدرك الصلاة بدون مشقة.
ثم قال: [إلا المرأة والعبد؛ لما روى طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض)].
فالذين ليس عليهم جمعة: أولاً: المملوك العبد.
ثانياً: المرأة ليس عليها جمعة.
ثالثاً: الصبي الذي لم يبلغ.
رابعاً: المريض المعذور، فهؤلاء ليس عليهم جمعة، لكن من أراد منهم أن يصلي الجمعة فله ذلك.
فالعبد المملوك ليس عليه جمعة؛ لأنه ليس حراً.
والمسافر تسقط عنه الجمعة.
قال: [والمسافر لا تجب عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها بعرفة حيث كان مسافراً، والمعذور بمطر أو مرض أو خوف، أما المعذور بمرض فلحديث طارق، وأما المعذور لمطر فلما روي عن ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الباردة: صلوا في رحالكم) متفق عليه، والمطر الذي يعذر به هو الذي يبل الثياب؛ لأن في الخروج فيه مشقة].
أي: إذا كان هناك مطر شديد قبل الجمعة وحال بينك وبين الوصول إلى المسجد سقطت عنك الجمعة، كذلك إذا كان لمرض أو لسفر أو لخوف كما سنبين.
فهؤلاء الذين تسقط عنهم الجمعة: الصبي، والمرأة، والمملوك، والمريض، والمسافر، وفي حالة المطر الشديد، وفي حالة الخوف الشديد.
قال: [أما الخوف فلما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر، قيل: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل الله الصلاة التي صلى).
والخوف ثلاثة أنواع: أحدهما: الخوف على المال من سلطان أو لص، أو يكون له خبز في تنور، أو طبيخ على النار يخاف أن يحرق وما أشبه ذلك، فهذا كله عذر عن الجمعة].
هب أن رجلاً يعمل في مخبز، ولا يستطيع أن يمتنع عن إعداد الخبز في ساعة الجمعة، نقول له: تسقط عنك الجمعة، لكن الآن من الممكن أن يقفل البوتجاز ويذهب، أما في القديم فكانوا لا يستطيعون، وليست العلة هنا، وإنما العلة معناها: من كان له عذر لا يمكنه أن يؤجله، مثال ذلك: طالب في الجامعة معه امتحان في الساعة الثانية عشرة، وصلاة الجمعة في الساعة الواحدة، فمن المستحيل أن يقول: أوقفوا اللجنة حتى أصلي الجمعة.
إذاً: تسقط عنه الجمعة.
كذلك مريض يقوم بإجراء عملية جراحية عند صلاة الجمعة، فإن الجمعة تسقط عنه إلى غير ذلك من أعذار لا يملك المكلف معها شيئاً.
قال: [مثل أن يخاف من سلطان يأخذه أو عدو أو سبع أو سيل لذلك، الثالث: الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا، أو يكون ولده ضائعاً ويرجو وجوده في تلك الحال، فيعذر بذلك لأنه خوف]؛ ولذلك قالوا: المحبوس لا جمعة عليه؛ لأنه مقيد الإرادة.
يقول: [وإن حضروها أجزأتهم]، أي: إن حضر الصبي والمرأة والخائف والمسافر والمريض والعبد الجمعة أجزأتهم؛ [لأن سقوطها عنهم كان رخصة، فإذا تكلفوا فعلها أجزأتهم، كالمريض يتكلف الصلاة قائماً، ولم تنعقد بهم؛ لأنهم من غير أهل الوجوب، فلم تنعقد بهم كالنساء، إلا المعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به؛ لأن سقطوها كان لدفع المشقة، فإذا حضر زالت المشقة؛ فوجبت عليه وانعقدت به].
هناك فرق بين من سقطت عنهم الج
(22/5)
________________________________________
فعل صلاة الجمعة في وقتها كوقت صلاة الظهر
قال في الشرح: [ومن شرط صحتها فعلها في وقتها، فلا تصح قبل وقتها ولا بعده إجماعاً]، فوقت الجمعة هو وقت الظهر، أي: أن وقت الجمعة يبدأ من أذان الظهر وينتهي مع العصر؛ فلذلك يمكن أن تؤخر النداء قليلاً عن وقت الظهر؛ لأن وقت الظهر يمتد، لكن السنة ألا تؤخر النداء بل تقدم، فإنه لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخر نداء الجمعة، وإنما أثر عنه أنه بكر به؛ لحديث جابر الذي رواه مسلم: (أنه صلى الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول جابر: وذهبنا إلى جمالنا وأنخناها في الظهيرة، ولم تزل الشمس عن كبد السماء)، يعني: صلوا وخرجوا ومازال وقت الظهر لم يأتِ.
يقول العلماء: للإمام الراكب أن يبكر للجمعة في حال الأعذار، فلابد أن نلتزم السنة، وخير الهدي هو هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لك أن تصلب الناس وتعرقل حركة المرور ثلاث ساعات، ثم تقول: هذه جمعة! ذكر البخاري في كتاب الجمعة (باب: القيلولة بعد الجمعة) فقد كانوا يصلون الجمعة ثم يذهبون للقيلولة، وبعد القيلولة يتناولون طعام الغداء، ولم يؤذن العصر بعد، هذا هو الهناء، فإن الله سبحانه إذا قال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} [الجمعة:10]، فإن علينا أن نصلي صلاة خفيفة.
قال: [فلا تصح قبل وقتها ولا بعده إجماعاً، وآخر وقتها آخر وقت الظهر إجماعاً، فأما أوله فذكر القاضي أنها تجوز في وقت العيد].
يعني: بعد ارتفاع الشمس برمح أو رمحين.
قال: [لأن أحمد رحمه الله قال: يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال] يعني: قبل وقت الظهر.
قال: [يذهب إلى أنها كصلاة العيد؛ لحديث وكيع عن جعفر بن برقان عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل انتصاف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره، وهذا نقل للإجماع، وعن جابر: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس) أخرجه مسلم].
نصلي ونذهب إلى الجمال وما زال وقت الظهر لم يأت بعد، وهذا ليس على إطلاقه، وإنما للإمام الراتب في حال الأعذار أن يبكر بالجمعة عن وقتها، فالسنة التبكير عن الوقت وليس التأخير.
(22/6)
________________________________________
إقامة الجمعة في قرية يستوطنها أربعون رجلاً من أهل وجوبها
قال في الشرح: [ومن شرط صحتها أن يفعلها في قرية، يستوطنها أربعون رجلاً من أهل وجوبها سكنى إقامة لا يظعنون -يعني: لا يسافرون- فإذا اجتمعت هذه الشروط في قرية وجبت الجمعة على أهلها وصحت بها؛ لأن كعباً قال: أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخصمات.
قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون].
فالمذهب يشترط لعدد الجمعة أربعين، وهذا موضوع خلافي، والراجح: أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به الجماعة، والنقطة التي أريد أن أركز عليها هي أنه إذا كان لا يجوز أن يفتح مسجداً في قطر إلا للضرورة فمعنى هذا: أن تبحث عن المسجد الجامع وتصلي فيه، وإياك أن تصلي في زاوية، فأداء الفروض الخمس في الزوايا من باب الترخيص، أما الجمعة فإنها لم تسم جمعة إلا لأنها تجمع المسلمين في مكان واحد، لكن الذي نراه الآن أكثر من (1500) أو (3000) جمعة في بقعة واحدة، وهذا تمزيق لكلمة الأمة، وأمر لم يقل به أحد من العلماء.
قال: [وأن يحضرها من المستوطنين أربعون من أهل وجوبها؛ لأن جابراً قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة].
قال: [وأن تتقدمها خطبتان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يخطب خطبتين يقعد بينهما) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقالت عائشة: (إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة) وفي كل خطبة حمد الله تعالى -إن الحمد لله- لأن جابراً قال: (كان الرسول عليه الصلاة والسلام يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما أهله، ثم يقول: من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فروض الخطبة أربعة: الأول: حمد الله وقد سبق، والثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان.
الثالث: قراءة آية -يعني: يقرأ آية في الخطبة- فصاعداً؛ لأن جابر بن سمرة قال: (كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصداً وخطبته قصداً؛ يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس) رواه أبو داود؛ ولأن الخطبة فرض في الجمعة فوجبت فيها القراءة كالصلاة.
الرابع في الخطبة: الموعظة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، وهي القصد من الخطبة في حديث جابر بن سمرة: (يقرأ آيات ويذكر الناس)].
فمن فقه الإمام تقصير الخطبة وإطالة الصلاة، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً، فالمستمع جاء ليأخذ معلومة ويمضي، فلا تعطه قصصاً وأساطير لساعة ونصف، فإن الكلام الكثير لا داع له، فنحن في المساجد نعلم الناس أمور الدين، ومن أتى الجمعة لم يأت إلا ليتعلم ما هو المطلوب منه وما هو الواجب عليه أن يفعله في العقيدة أو العبادة أو الشريعة، وتهييج الناس في أمور سياسية ليس من الدين، والخطبة ليست نشرة أخبار، فيا عبد الله لابد أن تراعي المقام؛ لذلك نحن السبب فيما يحدث الآن وذلك بتجاوزنا كثيراً، وقد يقول قائل: إن الشيخ هز الملعب أو الشارع من أجل أن يفرض على الناس مقالته.
لا يا أخي! هدئ نفسك، إن الجمعة شرعت لتعلم الناس ما هو المطلوب في العقيدة والشريعة، لا لتشحنه ليخرج فيكسر، وإلا فأنت لم تأتِ لجمعة، وإنما جئت مزايدة بأحداث، ونحن لا نريد أن نزايد على ديننا، نحن جئنا الجمعة لنتعلم الشرع، وقد يقول قائل: أليس من الشرع الولاء والبراء؟ نقول: نعم.
وعلمه العقيدة بكامل معناها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينتقد يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)، ولم يذكر أحداً باسمه على المنبر، فإذا كانت البلوى عمت، والكلام فيه مخالفة شرعية ككتاب حديث الشفاعة، أو كإنكار عذاب القبر إلى غيره -فهذه مسألة اعتقادية يجوز أن نتنبه لها، لكن تصعد المنبر وتقول نشرة أخبار: سقط من البوسنة خمسون، ومن الهرسك أربعون فهذا غير صحيح، فالمجتمع يريدك أن تقول له: رب أبناءك على حب الإسلام، وعلى التخلص من العدو، وعلى الاستقامة، وعلى مجاهدة النفس، وعلى التحرر الفكري.
أيها الإخوة! إن الاحتلال أنواع: احتلال أرض واحتلال فكر، فنحن الآن محتلون فكرياً وشبابنا ضائع؛ ولذلك أقول: ينبغي أن يكون المقال على قدر المقام، فلا مزايدة للتلاعب بالجماهير، فالقرآن والسنة واضحان وبينان، وإنني بكلامي هذا لا أقصد أحداً بعينه، بل الكلام عام، ولسنا أعداء أحد، فإن كل من يعمل في حقل الدعوة فهو فوق الرءوس محمول حتى وإن جانب الصواب، ولسنا من أرباب الشتائم ولا البذاءات.
(22/7)
________________________________________
ذكر كيفية أداء خطبتي الجمعة وصلاة الجمعة
قال في الشرح: [ويستحب أن يخطب على منبر أو موضع عال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبره، ولأنه أبلغ في الإعلام].
والمنبر من ثلاث درجات، صنعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقوم عليه، وبعض المساجد تعقد منبراً من خمسين، فيكون الخطيب في الدور التاسع، والمصلي في الدور الأرضي، حتى إذا قرأ آية فيها سجدة أراد أن ينزل للسجود يريد ساعة نزول وساعة صعود! وارتفاع المنبر يجعل المستمع بعيداً عن الخطيب، والخطيب لا يتفاعل مع الجمهور، فارتفاع المنبر ليس من السنة في شيء، والحديث في البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صُنع له منبر من ثلاث درجات).
قال: [فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم].
قال: السلام عليكم ورحمة الله.
قال: [لأن جابراً قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم عليهم) رواه ابن ماجه].
ومن السنة: أن يستقبل الناس بوجهه، وأن يستقبله الناس بوجوههم، فلا يجوز أن تعطي ظهرك للإمام أو ظهرك للقبلة، وقد يقول قائل: نرى بعض الإخوة يضع ظهره على الجدار بحيث يكون في غير اتجاه القبلة؟ أقول: هذا مخالفة للسنة، لابد أن يستقبل المأموم الإمام بوجهه ولا يعطي ظهره للقبلة، بل يعطي وجهه للقبلة؛ لأن هذا فيه سنة وأدب في استقبال القبلة وعدم استدبارها.
قال: [ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم فيخطب بهم، ثم يجلس] شرعت للاستراحة وليست للدعاء.
قال: [ثم يخطب الخطبة الثانية؛ لأن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب) رواه أبو داود؛ ولأن جابر بن سمرة قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن حدثك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب) رواه مسلم].
يعني: كان يخطب قائماً، والدليل من القرآن: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة:11]، فهذا دليل على أنه كان يخطب قائماً عليه الصلاة والسلام، إلا لمرض أو عذر فيجوز للخطيب أن يخطب جالساً.
قال: [ثم تقام الصلاة، فينزل فيصلي بهم ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة.
إجماعاً نقل الخلف عن السلف.
ويستحب أن يقرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية: المنافقين أو سبح والغاشية].
يقول هنا: يستحب؛ لأن بعض الإخوة يقول: يا شيخ! أنت تصلي الجمعة بقصار السور، فلماذا لا تقرأ بسبح والغاشية؟ أقول: يا عبد الله! أنا أرى أن المسجد مكتظاً والشوارع مقفلة؛ ولذلك أقرأ بسورة الإخلاص والنصر والعصر، كي أنتهي وأسهل الأمور؛ لأنه يستحب فقط، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وترك المستحبات لأجل تأليف القلوب أمر واجب.
لكن بعض الناس قلب الهرم، فتراه يفعل المستحب قبل الواجب، ويقاتل على المستحب ويوالي ويعادي على المستحب، فلتعلم أن المستحبات مندوبات، من فعلها له الأجر، ومن لم يفعلها فليس عليه شيء.
قال في الشرح: [فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة].
إذاً: من أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك الجمعة، وإدراك الركعة بإدراك الركوع.
قال: [لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة) ورواه ابن ماجه ولفظه: (فليصل إليها أخرى)، وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، وإن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهراً].
فمن أتى وأدرك الإمام ساجداً في الركعة الثانية فعليه أن يصلي ظهراً؛ لأنه لم يدرك الجمعة، وفي هذا دليل على جواز اختلاف النية بين المأموم والإمام، فالإمام يصلي جمعة والمأموم يصلي ظهراً، فهذا فيه اختلاف النوايا وهو دليل عند الشافعي.
قال رحمه الله: [قال الخرقي: إذا كان قد دخل بنية الظهر فظاهر هذا: أنه لو نوى جمعة لزمه الاستئناف؛ لأنهما صلاتان لا تتأدى إحداهما بنية الأخرى، فلم يجز بناؤها عليها كالظهر والعصر].
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم.
(22/8)
________________________________________
العدة شرح العمدة [23]
حث الإسلام على اجتماع المسلمين وتقوية أواصر المحبة بينهم، وجعل مواسم لتحقيق روح الأخوة والتآلف، ومن هذه المواسم يوم الجمعة ويوما الفطر والأضحى، كما شرعت صلاة العيد في هذين اليومين، ولها أحكام ينبغي للمسلم أن يفقهها.
(23/1)
________________________________________
تابع باب صلاة الجمعة
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر:3].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: ذكرنا أيها الإخوة الكرام في الأسبوع الماضي أن الجمعة يجوز أن تقدم، وفهم البعض أن هذا أمر على الإطلاق، ونقول: لا، هذا أمر للإمام الراتب، إن رأى عذراً يدفع لتقديمها؛ لحديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم: (كنا نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ونذهب إلى جمالنا ولم تزل الشمس في كبد السماء)، يعني: وقت الظهر لم يؤذن بعد وكانوا قد صلوا الجمعة وانتهوا منها، يقول العلماء: وفي هذا جواز التبكير لوقت الجمعة للإمام الراتب إن كان هناك عذر يستدعي ذلك.
قلت: والسنة في الجمعة التبكير وليس التأخير.
(23/2)
________________________________________
أحكام تتعلق بإدراك الجمعة أو ركعة أو جزء منها
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فمن أدرك منها ركعة أتمها جمعة].
إذاً: إدراك الجمعة بإدراك ركعة، وإدراك الركعة بإدراك الركوع، فمن أدرك الإمام راكعاً في الركعة الثانية فقد أدرك الجمعة طالما أدرك معه ركعة، ومعلوم أن مذهب الجمهور هو إدراك الركعة بإدراك الركوع فيها.
قال: [وإلا أتمها ظهراً].
أي: أن من لم يدرك مع الإمام ركعة عليه أن يصلي ظهراً.
قال: [وكذلك إن نقص العدد].
المذهب هنا يشترط للجمعة عدداً وهو أربعون مستوطناً من أهل التكليف الشرعي.
قال: [وكذلك إن نقص العدد -يعني: عن الأربعين- وقد صلوا منها ركعة أتموها جمعة؛ لأنه شرط يختص بالجمعة، فلا يعتبر في أكثر من ركعة كالجماعة، وإن نقصوا قبل ركعة أتموها ظهراً كالمسبوق بركوع الثانية].
والمقصود: إذا كان عدد الجمعة قل عن الأربعين، وبينما نحن نصلي تم العدد في الركعة الثانية إلى الأربعين فإننا نصليها جمعة؛ لأن العدد تم قبل الانتهاء من الركعة الثانية إلى الأربعين، فإن تم العدد بعد ركعتين -يعني: ونحن في السجود الثاني- نصليها ظهراً؛ لأن شرط انعقاد الجمعة أربعون عند الحنابلة.
قلت: وهذا رأي مرجوح، إذ إن الجمعة تنعقد بما ينعقد به الجماعة.
قال رحمه الله: [وإن خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة].
والمعنى: أنهم أخروا الجمعة إلى الساعة الرابعة والثلث، وصلى الإمام من الجمعة ركعة، واعتدل للثانية فأذن العصر، فإن إدراك الركعة إدراك للوقت، فمن صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن صلى من الصبح ركعة قبل أن تشرق الشمس فقد أدرك الصبح، فإدراك الجمعة يكون بإدراك ركعة في وقتها، فلو أدرك ركعة في الوقت ثم جاء العصر فقد أدرك الجمعة.
وهذا هو الذي أراده المصنف.
قال: [وإن خرج الوقت وقد صلوا أقل من ركعة أتموها ظهراً لذلك]، بمعنى: أنه لم يدرك ركعة في الوقت، وإنما أدرك أقل من ركعة، يعني: كبر تكبيرة الإحرام ولم يركع، فأذن العصر، هنا نقول: عليه أن يصلي ظهراً؛ لأن وقت الجمعة قد خرج.
يقول رحمه الله: [وقال عليه الصلاة والسلام: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة).
مفهومه: أن من أدرك أقل لا يكون مدركاً لها].
فإدراك الجمعة يكون بركعة في وقتها مع الإمام.
(23/3)
________________________________________
حكم أداء أكثر من جمعة في مصر واحد
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة].
المصر: هو البلد الواحد، ولا بد أن ننبه إلى أن إطالة الجمعة في الخطبة إلى العصر مخالف للسنة، والمواظبة على درس بعد الجمعة مخالف للسنة؛ لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان لا يواظب على موعظة بعد الجمعة.
قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} [الجمعة:10] فمرة نعظ ومرة نترك ولا نواظب على الدوام، بل نحن نقيم السنة، والكلام عن أشخاص بأعينهم ليس من هديه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يجر علينا مفسدة أكبر من المصلحة، فنحن لا نريد بذلك إلا وجه الله عز وجل.
قال: [ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة].
يعني: طالما هي رقعة واحدة فإننا لا نقيم فيها أكثر من جمعة.
قال: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة].
أي: أن الجمعة كانت تنعقد في المدينة في المسجد النبوي، فأهل قباء يأتون وبنو سلمة يأتون وأهل العوالي يأتون، فكل أهل يجتمعون في مسجد واحد، فكان المسجد يسمى جامعاً؛ لأنه يجمع المسلمين جميعاً، أما الآن لو حصرنا حياً مثل حي الزيتون فإننا سنجد فيه أربعة آلاف مسجد؛ وخمسة آلاف زاوية، وأربعة آلاف مصلى، وكل شخص يعمل له جمعة بنفرين أو ثلاثة، مسجد متران في متر وفيه جمعة، زاوية أربعة في أربعة وفيها جمعة وهكذا، فمن الذي قال لك: إن هذه الجمعة تجوز أصلاً يا عبد الله؟! انظر إلى قول العلماء.
قال: [إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها فيجوز].
يعني: إذا ضاق المسجد الجامع برواده عند ذلك لنا أن نفتح مسجداً آخر بإذن ولي الأمر، فلا بد من تنظيم وجمع للكلمة، فإن تفتت الكلمة ترتب عليه الكثير من المفاسد.
إن مسئولية الدعوة والدين مسئولية كبيرة، وهل هناك ما هو أغلى من الدين؟ وهل هناك ما يحتاج إلى ترتيب وضبط سوى الدين؟ فحصر المساجد وإعطاء الأماكن الكبيرة الأولوية في الجمعة هو الأولى، فإن ضاق المسجد عن رواده أٌمِرَ بفتح مسجد آخر.
قال: [ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة، إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها فيجوز؛ لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في جوامع من غير نكير، فكان إجماعاً؛ ولأنها صلاة عيد فجاز فعلها في موضعين مع الحاجة كغيرها].
والمعنى: أن الجمعة ما سميت جمعة إلا أنها تجمع المسلمين في مكان واحد، فنحن فرقنا كلمة الناس وفتتنا هذا الجمع بانتشار هذه الأماكن التي لا ينبغي أن تقام فيها الجمعة.
(23/4)
________________________________________
مستحبات يوم الجمعة
قال الشارح: [ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب؛ لما روى سلمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)].
وقوله: (ولا يفرق بين اثنين)، هناك ظاهرة تخطي الرقاب، وهذه الظاهرة الخطيرة نتجاوز نحن فيها بسبب أننا لا نرتب الجلوس على الأسبقية، فالمفروض أن من جاء أولاً يجلس أولاً ولا يفرط؛ لأن هذا المجلس من حقه، والتبكير إلى الصف الأول له ثواب، فلا يجوز له أن يأتي مبكراً ويجلس متأخراً كي يسند ظهره على الحائط، أما ما يحدث من تخطي الرقاب فهناك نهي عنه، ولذلك قال: (ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له)، إذاً: المشروع قبل الجمعة الصلاة، وليس المشروع قبل الجمعة أن نأتي بمقرئ يقرأ سورة جهرية، فإن ذلك لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل لـ ابن مسعود: اجلس يا ابن مسعود! نسمع منك سورة الكهف يوم الجمعة.
فهذا ما ثبت عنه، إنما الثابت أنه كان يصلي ما شاء الله له أن يصلي، فهذا يصلي وهذا يسبح وهذا يقرأ، وهذه السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: [وغسل الجمعة على كل محتلم وسواك وأن يمس طيباً].
غسل الجمعة فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه واجب، وذهب إلى ذلك ابن حزم الظاهري، ودافع عنه في المحلى، وأتى بأدلة تدل على الوجوب، ومنهم من قال: إنه سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والراجح: أنه سنة وليس واجباً؛ لما ثبت أن عثمان رضي الله عنه جاء إلى الجمعة دون أن يغتسل، والحديث في البخاري، فسأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن سبب تأخيره، فأخبره أنه تأخر لحاجة ولم يغتسل، فعاتبه عمر رضي الله عنه لأنه لم يغتسل، فلو كان هذا الأمر واجباً لأمره عمر أن يغتسل؛ لأن تحصيل الواجب ضروري.
ثانياً: لا يمكن أن نتصور أن عثمان رضي الله عنه يجهل واجباً عند عامة المسلمين، فالأدلة كثيرة على عدم الوجوب، فهو من آكد السنن، وقد يصبح غسل الجمعة واجباً في حق من له رائحة نفاذة، حتى لا يؤذي إخوانه في صلاة الجمعة، فالتطيب والغسل ولبس أجمل الثياب والتسوك والتبكير من سنن الجمعة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: [والمذهب الأول] يعني: المختار في مذهب الحنابلة أن غسل الجمعة ليس بواجب.
[لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، وإن اغتسل فالغسل أفضل)، والمراد بالخبر الأول: تأكيد الاستحباب، وكذلك ذكر فيه السواك والطيب وليسا واجبين].
إذاً: غسل يوم الجمعة من آكد السنن، فتغسل يوم الجمعة وتتطيب وتلبس أجمل الثياب، ويمكن أن تجعل للجمعة ثياباً مخصوصة، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم للجمعة والعيدين حلة خاصة، يلبسها في ذلك اليوم، ويتسوك ويبكر.
قال: [ويبكر إليها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غسل واغتسل)].
اختلف العلماء في معنى (غسل واغتسل)، فمنهم من قال: يعني: تسبب في غسل زوجته، وعندنا في بعض الأرياف مازال غسل الجمعة في حقهم واجباً، وهذا له أصل في الشرع؛ فإن الرجل حينما يجامع أهله في ليلة الجمعة يخرج وقد قضى وطره.
قال: [(من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع، ولم يلغ -يعني: يتحدث بلغو- كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) رواه ابن ماجه].
وتخريج الحديث صحيح.
وجاء في البخاري: (من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، ومن جاء والإمام يخطب فكأنه لم يقرب شيئاً)، لكننا نحن حتى البيضة زهدناها، كان أبو هريرة يبكي عند سماع حديث: (من صلى على جنازة ثم تبعها كتب له من الأجر قيراطان، كل قيراط كجبل أحد)، ويقول: كم ضيعنا والله من قراريط، ويروى أن ابن مسعود بكر للجمعة؛ لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الناس في الجنة يصفون على قدر تبكيرهم)، يعني: يوم القيامة تقف على حسب التبكير، فـ ابن مسعود صلى الفجر وذهب واغتسل ولبس أجمل الثياب، وتطيب وجاء مبكراً ليكون أول الداخلين، فوجد اثنين وفي رواية: ثلاثة، فأخذ يبكي ويقول: ثالث ثلاثة.
يا عبد الله! وما ثالث ثلاثة من الله ببعيد، فالتبكير ليوم الجمعة فيه أجر عظيم ونحن نفرط فيه كثيراً، وهو سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف
(23/5)
________________________________________
باب صلاة العيدين
قال المصنف رحمه الله: [وهي فرض على الكفاية إذا قام بها أربعون من أهل المصر سقطت عن سائرهم، ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال، والسنة فعلها في المصلى، وتعجيل الأضحى وتأخير الفطر، والفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة، ويسن أن يغتسل وأن يتنظف ويتطيب، فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام.
ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين، ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر فيهما بالقراءة، فإذا سلم خطب بهم خطبتين، فإن كان فطراً حثهم على الصدقة وبين لهم حكمها، وإن كان أضحى بين لهم حكم الأضحية والتكبيرات الزوائد، والخطبتان سنة.
ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضعها، ومن أدرك الإمام قبل سلامه أتمها على صفتها، ومن فاتته فلا قضاء عليه، فإن أحب صلاها تطوعاً: إن شاء ركعتين وإن شاء أربعاً وإن شاء صلاها على صفتها، ويستحب التكبير في ليلتي العيدين، ويكبر في الأضحى عقيب الفرائض في الجماعة من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.
وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد].
قال: [وهي فرض على الكفاية] هذا اختيار المذهب، واختلف العلماء في حكمها، لكن الشوكاني له استنباط جيد في كتاب الروضة الندية، حيث قال: إن صلاة العيدين فرض على المكلف، وتاركها عاص؛ لأنه لو اجتمع العيد مع الجمعة في يوم واحد فإنه يجوز لمن صلى العيد ألا يصلي جمعة وأن يصليها ظهراً، فإن لم يكن العيد واجباً، فهل يستطيع غير الواجب أن يسقط واجبة؟ بمعنى: أن الجمعة واجب فأسقطها العيد وحولها إلى ظهر، فهل يقوى غير الواجب على أن يسقط الواجب؟ ثانياً: أن أم عطية قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج إلى العيد، وأن نخرج العواتق من النساء والحيض وذوات الخدور؛ ليشهدن الخير)، وقولها: (أمرنا) يفيد الوجوب.
إذاًَ: أدلة وجوب العيدين على الأعيان من أقوى الأدلة، وقول المذهب: إنها فرض على الكفاية نرد عليه بهذه الأدلة.
ثم قال: [إذا قام بها أربعون]، أيضاً يشترط للعيد عدد.
قال: [من أهل المصر سقطت عن سائرهم، بدليل قوله سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2]].
وهذا استدلال في غاية الضعف؛ لأن قوله: ((فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)) ليس معناه: صل العيد، وإنما الراجح عند المفسرين: صل لربك وانحر لربك، فالصلاة ليست إلا إلى ربك، والنحر ليس إلا إلى ربك، وليس المقصود: فصل وانحصر كما هو معروف عند الناس، وإنما الراجح: الصلاة لربك والذبح لربك عز وجل.
قال: [والمشهور في التفسير أن المراد بها: صلاة العيد، وهو أمر والأمر يقتضي الوجوب؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يداومون عليها؛ ولأنها من شعائر الإسلام فأشبهت الجهاد].
(23/6)
________________________________________
بيان وقت صلاة العيدين
قال في الشرح: [مسألة: وأول وقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها في هذا الوقت].
يعني: بمجرد أن تشرق الشمس وترتفع بقدر رمحين تبدأ صلاة العيد، والسنة التأخير في الفطر والتبكير في الأضحى، أما التأخير في الفطر لإعطاء فرصة لمن لم يخرج زكاة الفطر، وعند الحديث في باب الزكاة سيتبين لنا أننا نخرج زكاة الفطر خطأً؛ نخرجها في أول رمضان: في عشرين، في ثلاثة وعشرين، والراجح من أقوال العلماء: أن تؤخر بعد غروب شمس اليوم الأخير من رمضان؛ لأن لها علة، والعلة هي: (اغنوهم عن المسألة في يوم العيد)، فكلما كانت أقرب للعيد كانت أفضل على وجه الاستحباب، فلو أن رجلاً أخرجها في يوم العشرين من رمضان وأنفقها الفقير، فهل ينتفع بها في يوم العيد؟

الجواب
لا.
ثانياً: لو أن رجلاً مات في يوم عشرين من رمضان، فهل يلزم الورثة أن يخرجوا عنه زكاة الفطر؟

الجواب
لا، لابد أن يتم صيام الشهر كاملاً.
وهذا بالنسبة للمكلف، أما الصغير فهذا يخرج عنه الولي.
قال: [والسنة فعلها في المصلى] أي: أن صلاة العيد تصلى في المصلى.
قال: [لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يفعلونها في الصحراء، فإن كان ثم عذر من مطر أو نحوه لم يكره فعلها في الجامع؛ لما روى أبو هريرة: (أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد) رواه أبو داود]، وهذا الحديث ضعيف، لكن السنة أن تصلى في المصلى.
ومعنى مصلى: مكان بعيد عن البنيان يجمع معظم الناس، فما هو الحاصل الآن؟ الحاصل أن كل حي يعمل مصلى، وفي كل شارع مصلى، ويخرجون السجاد من المسجد في الشارع المجاور، ويخرجون والميكرفون والشيخ يتوكل على الله، فهل هذا يا عبد الله هو المقصود من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟! حرفنا وبدلنا، فالمصلى الجامع الذي يجمع الناس من أطفال ونساء وكبار ويكون تعدادهم مائتي ألف ويكبرون تكبيراً واحداً؛ يجعل المنافقين يدخلون جحورهم مباشرة، لكننا نجد في كل شارعين مصلى، والأدهى من ذلك حمية الجاهلية، ونقول: هذا مصلى السلفية، وهذا مصلى الحزبيين المبتدعين، وهذا مصلى الخوارج، فيا لها من مصيبة كبرى! أيها الإخوة! هذه الجماعات الحزبية مزقت الأمة وضيعتها، ونحن أمة واحدة على منهج السلف، والسلف ليس جماعة وإنما هو منهج، فانتبه لمثل هذا، فالذي يدعوك للانضمام إلى جماعة يدعوك إلى بدعة ويدعوك إلى معصية؛ لأنه يفرق جمع الأمة ويضرب وحدتها.
قال: [والسنة تعجيل الأضحى وتأخير الفطر؛ لأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة، ففي تأخيرها توسيع لوقتها، ولا يجوز التضحية إلا بعد الصلاة ففي تعجيلها مبادرة إلى الأضحية].
وهذا من فقه الواقع فالناس مشغولون بالذبح، وأنت تجد الشخص الذي أتى المصلى يريد أن ينتهي من الصلاة ويذهب مباشرة ليذبح الأضحية، ثم بعد ذلك يذهب إلى أخته في الأرياف، فلا بد من تعجيل صلاة عيد الأضحى وتخفيف الخطبة، فلا يجوز يا أخي المسلم! أن تغفل الطرف عن واقع الأمة، فتكون أنت في واد والناس في واد آخر، فإن مراعاة ظروف الناس وفقه الواقع أمور مهمة جداً كثيراً ما نغفل عنها.
قال: [ويسن أن يغتسل ويتنظف ويتطيب].
شأنه شأن الجمعة.
(23/7)
________________________________________
بيان صفة صلاة العيدين
قال المصنف رحمه الله: [فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام وصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة].
فقول: الصلاة جامعة بدعة.
قال: [ولا خلاف بينهم أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان، يكبر في الأولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ ستاً سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية بعد القيام من السجود خمساً؛ لما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التكبير في الفطر والأضحى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام) رواه أبو داود].
ومن البدع إخراج المنبر في صلاة العيد، وهذا ما فعله مروان بن الحكم في عهد الدولة الأموية، فجذبه أبو سعيد الخدري وقال: كم غيرتم وبدلتم، والذي نفسي بيده ما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم المنبر في صلاة العيد، إنما كان يخطب على الأرض، فقال: أما هذا فقد أدى الذي عليه، فمن البدع المحدثة إخراج المنبر في صلاة العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على الأرض.
ثم قال: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة].
قد تجد في صلاة الجنازة بعض الإخوة يقول: لا ترفع اليد إلا في تكبيرة الإحرام! لأن الرفع لم يثبت، بل اعلم أن الرفع هو الثابت، وهذا فعل عمر وفعل ابن عمر وعليه جمهور الصحابة.
ففي الجنازة والعيد ترفع يديك مع كل تكبيرة.
قال: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة في العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير، وروى الأثرم عن عمر: أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة والعيد ولا يعرف له مخالف].
فـ عمر بن الخطاب كان يرفع وهو خليفة أمام الناس جميعاً، وأقره الصحابة على فعله.
والمأموم يكبر خلفه ويرفع، فما ينطبق على الإمام ينطبق على غيره: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
قال في الجنائز: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لأن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه في تكبيرة الجنازة والعيد، ولأنها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فسن لها الرفع كتكبيرة الإحرام].
إن الخلاف السائغ الذي تعدد عن السلف، هو أنهم فعلوا هذا وفعلوا هذا، فقد ثبت عن ابن عمر الرفع، وثبت عن غيرهم عدم الرفع.
إذاً: هذا من خلاف التعدد والتنوع، وليس من خلاف التناقض والتعارض، فلا تحجر على الناس واسعاً.
قال: [ويسن الفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة، ويمسك في الأضحى حتى يصلي].
يعني: من السنة أن تأكل في عيد الفطر قبل أن تخرج إلى المصلى تمرات، وفي الأضحى تؤخر الفطر حتى تعود وتأكل من الأضحية، وذكر البخاري أن هذا في شأن من كانت له أضحية، أما من ليس عنده أضحية في عيد الأضحى فإنه يأكل قبل الخروج إلى المصلى.
قال: [ويسن أن يغتسل ويتنظف ويتطيب.
وإذا حلت الصلاة تقدم الإمام وصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى سبع تكبيرات يرفع يديه مع كل تكبيرة ويحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين].
هذا في الحقيقة كلام مذهبي لا دليل عليه؛ لأن الفصل بين التكبيرتين بتسبيح هذا فعل بعض السلف، وليس عندنا عليه دليل.
قال: [لما روى الأثرم في سننه أن علقمة وعبد الله بن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد وقال: إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير؟ قال: تبدأ تكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك إلى أن قال: وتركع].
يعني يقول: الله أكبر، ويفصل بين كل تكبيرتين بتسبيح وتحميد، لكن هذا القول نقف عنده؛ لأنه في الحقيقة ليس عندنا فيه دليل حتى ولو كان له حكم الرفع.
والحقيقة أن تكبيرات صلاة العيدين وكذلك الجنازة قد تعددت، فقد ورد فيها خمس تكبيرات وست تكبيرات وسبع تكبيرات وثمان تكبيرات، وهذا اختلاف تعدد على حسب الحال، هذا ورد وهذا ورد.
قال بعض العلماء: يمكن أن تزيد في عدد تكبيرات الجنازة إن كان الميت من أهل الفضل؛ للإكثار من الدعاء عليه.
قال: [فيحمد الله ويثني عليه، ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر بها بالقراءة].
الجهر وارد؛ لأنهم رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سبح والغاشية، وهذا يعني: أنهم ما علموا أنه يقرأ سبح والغاشية إلا لأنه جهر بالصلاة، فصلاة العيد فيها جهر بدون أدنى شك.
قال: [فإذا سلم خطب بهم خطبتين].
أو خطبة، فإن فيه خلافاً بين العلماء، ولم أقف على نص بين أنه خطب خطبة واحدة، وجاء نص بأنه خطب خطبتين كالجمعة.
قال: [يجلس بينهما؛ لما روى ابن ماجه عن أبي الزبير].
وهذا الحديث منكر.
قال: [فإن كان فطراً حثهم فيها على الصدقة، وبين لهم ما يخرجون فيذكر لهم قدرها ووجوبها ووقت إخراجها].
قلت: إن قال ذلك في الصلاة فقد انتهت الزكاة وما الفائدة حي
(23/8)
________________________________________
أحكام التكبير في العيدين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب التكبير في ليلتي العيدين؛ لقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة:185]].
والتكبير في الفطر آكد منه في الأضحى؛ لأن الآية في سورة البقرة: ((وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ))، فجاء التكبير في عيد الفطر في القرآن الكريم واضحاً، ونكبر في الفطر من ثبوت هلال شوال إلى الخروج إلى المصلى، وينقطع التكبير بخروج الإمام؛ ومن فقه الإمام أن يكون هو آخر الناس خروجاً إلى المصلى، حتى ينقطع بخروجه التكبير، ويكبرون فرادى؛ لأن التكبير الجماعي على إيقاع واحد ليس من السنة.
قال: [وعن ابن عباس قال: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا.
هذا في الفطر، وأما في الأضحى فالتكبير فيه على ضربين: مطلق ومقيد، فالمطلق التكبير في جميع الأوقات من أول الشهر إلى آخر أيام التشريق].
أي: من أول يوم في ذي الحجة تكبر إلى الثالث عشر من ذي الحجة، وهو آخر أيام التشريق، فهذا تكبير مطلق؛ لقوله سبحانه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:203].
قيل: هي أيام التشريق، وقيل: أيام النحر، وقيل: العشر، والتكبير في أول العشر إلى آخر أيام التشريق يجمع الأقوال الثلاثة.
قال: [وأما المقيد: فهو التكبير في أدبار الصلوات من صلاة الصبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق بعد صلاة العصر].
قيل لـ أحمد: أي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع، علي وعمر وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم].
والمعنى: أن التكبير قيد بالصلوات فقط، فقد كان أبو هريرة وابن عمر يدخلان السوق ويكبران، فيكبر الناس بتكبيرهما، فيرتج السوق من تكبيرهم في هذه الأيام المباركة، وتكبر حين تدخل إلى منزلك وحين تخرج.
وصفة التكبير أرجح الروايات فيها ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
يعني: شفعاً وليس وتراً، ورواية الوتر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً وردت أيضاً، لكن الحديث الوارد في مصنف ابن أبي شيبة هو أرجح الأقوال فيها: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وعندما أقول: الراجح: الشفع أي: اثنتان فقط، فإننا لا نحدث خلافاً؛ لأن بعض الإخوة إن دخلوا مصلى يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، وأنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً.
الله أكبر الله أكبر أقول: نعم.
هذه الصيغة وردت في كتب الشافعية، لكن إن أحدثت فتنة فاترك الناس على حالهم، فأحياناً درء المفسدة يقدم في بعض الأحوال، ولا داعٍ أبداً إلى أن نحدث خلافاً.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، نسألك رضاك والجنة، نعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
آمين آمين آمين.
وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
(23/9)
________________________________________
العدة شرح العمدة [24]
أحكام الجنائز في الشريعة الإسلامية واضحة بينة، ابتداءً من احتضار الميت وانتهاءً بالتعزية، فعلى المسلم أن يلتزم المشروع ويبتعد عن محدثات الأمور، سيما وأن مثل هذه الأحكام قد تدخلها العاطفة والجهل فيحيد الناس عن اتباع السنة وموافقة الشرع.
(24/1)
________________________________________
ما يرتبط بفقه الجنائز
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! مع كتاب الجنائز من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
الحقيقة أيها الإخوة الكرام! سنقوم اليوم بالشرح النظري؛ حتى نرتب المسألة العملية أكثر؛ وحتى نربط بين النظري والتطبيق، فقه الجنائز من أهم أنواع الفقه؛ فقد كثرت البدع فيه، وغاب عن كثير من المسلمين.
وفقه الجنائز يتعلق به عدة موضوعات: الموضوع الأول: ما يجب على الحي تجاه الميت عند احتضاره وبعد موته، ثم تغسيل الجنازة.
وهناك فرق بين الجنازة -الجنازة بفتح الجيم وبكسره- فالجنازة بفتحها: هو الميت، والجنازة: هي النعش الذي يحمل فيه الميت.
ويرتبط بفقه الجنائز: غسل الميت، وتكفينه والصلاة عليه، ومن أولى الناس بالصلاة عليه، وطريقة الصلاة وصفتها، ثم اللحد في القبر، ثم القربات التي تصل إلى الميت بعد موته ما يصل منها وما لا يصل.
ومما يرتبط أيضاً بهذا الفقه الهام أولاً: البدع التي انتشرت بين المسلمين في مسائل الجنائز، وحدث ولا حرج عن هذه البدع المنتشرة بين الناس وهو يحسبون أنها سنة، مثل وضع الجريدة على القبر بزعم أن هذه ليست خاصية للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي خاصة به كما سنبين ذلك بالأدلة.
ثانياً: ارتفاع القبور عن حدها الشرعي، وتزيينها وزخرفتها، والكتابة على ألواح رخامية: هذا قبر فلان الفلاني، والقطع له بالجنة، والندب والنياحة عليه، ونعيه كنعي الجاهلية، وإقامة السرادقات واستجلاب القراء، وتوزيع الدخان والسجائر، وكل هذا من بدع الجنائز، والموسيقى العسكرية التي تصاحب بعض الجنائز، ورفع الأعلام الصوفية في جنائز الأقطاب والأوتاد، وحدث ولا حرج، وكذلك التابوت الذي يحملون فيه الميت ويضعون فوقه غطاءً مكتوباً عليه أسماء الخلفاء الراشدين، وهذا التابوت ليس من ديننا، وحمل الميت عندنا له طريقة شرعية، ومعظم الذي نفعله الآن بشأن الميت فيه كثير من البدع.
وسنبدأ بدراسة فقه الجنائز بتدبر ثم نقوم بتنفيذ الغسل والتكفين عملياً، ونوضح الفرق بين غسل الرجل وغسل المرأة، وبين كفن الرجل وكفن المرأة، ومن أحق الناس بتغسيل الميت، ومن أحق الناس بالصلاة عليه، وهذه أمور مهمة جداً ينبغي أن نكون على علم بها.
(24/2)
________________________________________
ما يعرف به الموت
لا بد أولاً أن تتيقن أن الميت قد مات، ويتيقن من الموت بأمور عديدة، أولاً: عن طريق الأطباء أصحاب التخصص، أو بفتح العين والفم، وبرود الأطراف.
ثانياً: أن مفاصل الميت تكون سهلة لينة، فمثلاً: إذا أغلقت فم الميت ثم عدت بعد ذلك وجذبت ما أغلقته به عاد مفتوحاً.
(24/3)
________________________________________
ما يفعل بالميت إذا مات
فإذا تيقن موته فهناك أمور تفعل بالميت في الحال، وهي: أولاً: قوله: [إذا تيقن موته غمضت عيناه].
لأن (العين تتبع الروح) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فأول أمر ينبغي على الحي أن يفعله أن يغمض عين الميت.
ثانياً: [وشد لحياه].
وشد اللحيين يعني: أن يشد الفم بقطعة قماش يربطها من أعلى رأسه إلى أسفل ذقنه حتى يغلق الفم؛ لأنه إذا ترك الفم مفتوحاً ربما يدخل فيه أشياء لا ينبغي دخولها، ولأنه يصبح منظره قبيحاً وقد تخرج منه رائحة.
ثالثاً: [وجعل على بطنه مرآة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ البطن].
والمعنى: أن يجعل على بطنه شيئاً ثقيلاً حتى لا ينتفخ؛ لأنه إذا تأخر دفنه لأسباب شرعية فيمكن أن ينتفخ بطنه.
رابعاً: تليين مفاصله، ويكون ذلك بالضم والبسط ليديه ورجليه؛ لأنه إذا ترك الميت بعد موته بدون تليين الأعصاب والعظام فستصبح جامدة في يد المغسل، فلا بد من تليينها حتى إذا جاء المغسل وجد أعضاءه لينة، فيستطيع أن يتعامل معها برفق وسهولة.
(24/4)
________________________________________
ما يجب على الأحياء تجاه الميت عند موته
ومما يجب على الأحياء تجاه الميت عند موته أولاً: تلقينه الشهادة، و (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
فإذا تلفظ بها فلا يعيدها عليه إلا إذا تكلم الميت بكلام آخر؛ حتى تكون آخر كلامه.
ثانياً: تذكيره بسعة رحمة الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه).
فيذكره بصلاته وبصيامه وبجهاده وبمحاسنه، ولا يذكر عنده عذاب أبداً، وبعض الناس يجلسون عند رأس الميت ويقرءون فوق رأسه: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا} [النبأ:21 - 22]، حتى يفزع الميت، والعياذ بالله.
والذي ينبغي هو ذكر آيات الرحمة وتبشيره بسعة رحمة الله عز وجل، وقد قال العلماء: ينبغي للعبد عند الاحتضار أن يغلب جانب الرجاء والطمع في رحمة الله عز وجل على جانب الخوف، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف.
فهذه من الأمور التي ينبغي على الحضور أن يتنبهوا لها، وحدث ولا حرج عن غياب هذا الفقه في المستشفيات، وكثير من النساء ليس لهن خبرة بهذا الصنيع.
ثالثاً: توجيه الميت إلى القبلة، وفيه خلاف، والراجح أنه يوجه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا عند النوم أن نضطجع على شقنا الأيمن وأن نستقبل القبلة، والنوم والموت صنوان؛ لأننا نقول بعد قيامنا من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: إن توجيه الميت إلى القبلة لم يصح فيه حديث، وأقول: لقد قال العلماء: إن توجيه الميت إلى القبلة عليه أدلة.
ثم بعد موته يغطى مباشرة بغطاء كبير لا يكشف الوجه، وقد غطي النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولما جاء الصديق رفع الغطاء وقبل جبهة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! ويمكن أن نحصر ما يجب علينا تجاه الميت في الآتي: 1 - أفعال تجب قبل الغسل.
2 - وضوء الميت.
3 - غسل النظافة.
4 - غسل الميت.
(24/5)
________________________________________
ستر عورة الميت أثناء الغسل
قال المصنف رحمه الله: [فإذا أخذ في غسله ستر عورته].
فإذا جاء المغسل رفع الغطاء وجرد الميت من ثيابه، وينبغي أن يكون معه شيء يستر به عورته من فوق السرة إلى تحت الركبة، ولا يجوز له أن ينظر إلى عورة الميت، والبعض عند تغسيل الميت ينظر إلى عورته، وهذا لا يجوز أبداً، فلا بد من ستر عورته حتى الانتهاء من تكفينه، ثم تخلع عنه.
(24/6)
________________________________________
من يغسل الميت
ولا بد من التعامل مع الميت برفق وليكن مع المغسل من يعينه على تغسيل الميت، ولا يدخل على الميت إلا من كان يحبه في حال الدنيا، ولا يدخل عليه الخصوم، فهذا لا يجوز، ولا يدخل عليه الرجل إلا إذا كان صالحاً.
واليوم يغسل الميت من لا يصلي والساحر والمرأة المتبرجة، ولا يجوز للمرأة أن تغسل الرجل إلا إذا كانت زوجته، خلافاً للأحناف الذين قالوا: لا يجوز للزوج أن يغسل زوجته؛ لأن عقد الزواج قد انتهى، وهذا كلام باطل ولا دليل عليه، فقد صح: أن بعض الصحابة غسلوا زوجاتهم، حتى أن عائشة قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا زوجاته.
وهذا حديث صحيح.
وأسماء بنت عميس غسلت زوجها الصديق، والبعض يضعف هذا الحديث، وعلي بن أبي طالب غسل زوجته فاطمة، والبعض ضعف هذا الحديث أيضاً، ولكن قول عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لا شبهة فيه.
فلا يجوز للمرأة أن تغسل الرجل، وليس للرجل أن يغسل المرأة أبداً بحال، إلا إذا كانت صغيرة لم تبلغ الحلم ولا تشتهي، ولم تبلغ الحيض حتى لا يفتن بها المغسل.
(24/7)
________________________________________
ما ينبغي للمغسل اصطحابه لغسل الميت
يبدأ المغسل في إعداد الأشياء التي تساعده في الغسل، والتي تسمى عدة الغسل، وهي: 1 - كمامة يلبسها على فمه.
2 - خرقة؛ حتى لا يمس عورة الميت بيده؛ وحتى يزيل بها النجاسة عن الميت.
3 - حذاء كحذاء رجل المطافئ.
ومن يساعد المغسل عليه إعداد هذه الأشياء أيضاً.
(24/8)
________________________________________
صفة ماء غسل الميت
ولا ينبغي أن يغسل الميت بماء يتأذى منه الحي، ففي الصيف لا بأس أن تغسل الميت بماء بارد، ولكن لا ينبغي أن تغسله في الشتاء بماء بارد، فهذا يتأذى منه الحي، بل تسخنه قليلاً.
وليكن بجوارك إناء كبير وزيت كافور، فهو أصلح الأنواع لوقف نزيف الدم وتجليطه، ويخلط هذا الكافور بالمياه المعدة لغسل الميت.
(24/9)
________________________________________
حكم ملابس الميت
ثم ينقل الميت إلى المغسلة بين يدي المغسل، فيجرده من ملابسه ويدفعها لأهل بيت الميت، وفي بعض الأرياف ملابس الميت تبقى أربعين يوماً، لا يقترب منها أحد؛ لأنها ملابس شؤم؛ ولا بأس بالتصدق بها أو لبسها، وهي من الميراث، فلا ينبغي أن يستأثر بها أحد الورثة دون غيره، وفي بعض القرى إذا رأى أحد الورثة عباءة جميلة أو بدلة محترمة أخذها، وكذلك الساعة أو الخاتم، وكل ذلك يدخل في تركة الميت.
وقد حكي أن امرأة من السلف كانت تعجن عجين البيت فجاءها الخبر أن زوجها قد مات، فقالت: لا أقربك الآن، فقد أصبح لنا الآن فيك شركاء.
(24/10)
________________________________________
صفة غسل الميت
(24/11)
________________________________________
عصر بطن الميت لإزالة الأذى
بعد تجريد المغسل للميت من ملابسه يغطيه بسترة، ثم يضغط على بطنه ضغطاً يسيراً لتخرج البقايا والفضلات، ويكون بجواره إناء فارع يلقي فيه هذه الفضلات، ثم يضغط مرة أخرى ضغطاً خفيفاً على بطنه عند السرة وتحتها وفوقها ليخرج بقية الفضلات، ويمكن أن يجلس الميت على المغسلة لإخراج الفضلات، ويفعل هكذا حتى تخرج اليد بيضاء لا شيء فيها، ويتأكد أن جوف الميت قد صفا من كل الفضلات.
وهذا معنى قول المؤلف: [يعصر بطنه عصراً رقيقاً؛ ليخرج ما في جوفه من فضلة حتى لا يخرج بعد الغسل أو بعد التكفين فيفسد الكفن، ويلف على يده خرقة ثم ينجيه بها].
[ولا يحل مس عورته؛ لأن رؤيتها محرم فمسها أولى].
فلا يحل له أن يرى العورة ولا أن يمسها.
(24/12)
________________________________________
وضوء الميت
قال المصنف رحمه الله: [ثم يوضئه وضوءه للصلاة].
والوضوء يكون قبل الغسل، وبعد تصفية ما في بطنه من فضلات يوضأ الميت كما يتوضأ الحي، إلا في المضمضة، فلا يدخل الماء داخل فمه وإنما يمسح مسحاً خفيفاً جداً خارج فمه، وكذلك لا يدفع الماء داخل الأنف وإنما من الخارج، ثم غسل الوجه واليدين مع المرافق ثم المسح على الرأس مع الأذنين، ثم غسل القدمين وتخليل الأصابع، وبهذا تكون قد وضأت الميت وضوءاً شرعياً صحيحاً.
هذه السنة في غسل الميت، والغسل يجزئ عن الوضوء، وهناك فرق بين الكمال والإجزاء في الفقه، فلو أن رجلاً جنباً خلع ملابسه ونزل في الماء وتمضمض واستنشق وخرج فإنه يجزئه هذا، ولكنه لا يكون كاملاً إلا إذا غسل مذاكيره ثم توضأ ثم غسل رأسه ثم صب الماء على شقه الأيمن ثم على شقه الأيسر.
قال المصنف رحمه الله: [لما روت أم عطية أنها قالت: لما غسلنا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب قال صلى الله عليه وسلم: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها).
متفق عليه]، يعني: ابدءوا بغسل الميامن ثم مواضع الوضوء.
وحديث أم عطية عمدة في فقه الجنائز، كما أن حديث عمار عمدة في فقه التيمم.
[ولأن الحي يتوضأ إذا أراد الغسل فكذلك الميت فافعل بالميت ما يفعل بالحي].
(24/13)
________________________________________
كيفية غسل الميت
قال المصنف رحمه الله: [ثم يبدأ بعد ذلك بغسل مقدم رأسه ولحيته بماء وسدر؛ لتذهب عنه الأوساخ والأدران] ولم يشر المصنف رحمه الله إلى غسل النظافة بعد الوضوء، فغسل النظافة مشروع في غسل الجنازة، فبعد أن توضئ الميت اغسل رأسه ثلاث مرات بالماء والصابون، ثم اسكب الماء على شقه الأيمن، وتتبع بالماء المغابن، وهي المفاصل والأماكن التي هي مظنة عدم وصول الماء، مثل: الإبطين، وبين الفخذين، فلا بد من تتبع المغابن بالماء عند الغسل؛ لأننا سنطيبها بعد الغسل.
ثم بعد غسل النظافة نغسله الغسل الشرعي بالماء والسدر، والسدر ورق النبق، وهذا الورق يعطي رائحة طيبة للماء.
قال المصنف رحمه الله: [ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر].
فبعد غسل النظافة نبدأ في الغسل الشرعي للميت، ونبدأ بغسل الشق الأيمن؛ لقوله عليه السلام: (ابدأن بميامنها).
قال المصنف رحمه الله: [ثم يغسله أكثر من مرة] أي: مرتين أو ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.
قال المصنف رحمه الله: [يمرر في كل مرة يده على بطنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك)].
فإن كان هناك ضرورة للزيادة زاد، فإذا ضغط على بطنه وخرجت الفضلات مرة ثانية أزالها ووضأه مرة ثانية؛ لأن خروج الفضلات ناقض للوضوء، وكذلك يعيد الغسل إن كان قد غسله.
ولو خرجت منه الفضلات كلما ضغط على بطنه فيضع قطناً في هذا الموضع ثم يغسله، فهناك بعض الموتى يكون عندهم نزيف داخلي متتابع، فلو مكثت مائة مرة فلن ينقطع.
قال المصنف رحمه الله: [وإن خرج منه شيء غسّله وسده بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر].
وهذا إشارة إلى أنه يستخدم ما يوقف النزيف.
وزيت الكافور يجعل هذه المواطن تتجلط إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله: [ثم ينشفه بثوب، وذلك مستحب؛ لئلا تبل الأكفان، وفي حديث ابن عباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فجففوه بثوب)] فينشف بثوب بعد انتهاء الغسل.
(24/14)
________________________________________
تطييب الميت
قال المصنف رحمه الله: [ثم يجعل الطيب في مغابنه]، أي: بعد أن ينتهي من الغسل والتنشيف يجعل الطيب في المغابن، وهي المفارق التي هي مظنة عدم وصول الماء.
[في مغابنه ومواضع سجوده]، ومواضع السجود سبعة وهي: الجبهة مع الأنف، ثم اليدان، ثم الركبتان، ثم القدمان، وإن عمم الطيب لكل الجسد فلا بأس، وإن عممه بالطيب وبالمسك على كل جسده فلا بأس.
قال المصنف رحمه الله: [لأن المغابن مواضع الأوساخ، وأماكن السجود تطيب لشرفها، وإن طيبه كله كان حسناً؛ لقوله عليه السلام: (واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور)].
(24/15)
________________________________________
تجمير الكفن
قال المصنف رحمه الله: [ويجمّر أكفانه].
يعني: يبخرها كما يفعل الحي.
(24/16)
________________________________________
حكم الأخذ من شارب الميت وأظفاره أو تسريح شعره، وحكم ما يسقط منه
قال المصنف رحمه الله: [وإن كان شاربه طويلاً أو أظفاره أخذ منه؛ لأن ذلك سنة في حياته].
وهذا مرجوح جداً، فلا ينبغي أن يأخذ من شعره شيئاً ولا من أظفاره، فهذا ضعيف في المذهب ولا دليل عليه.
[ويترك في أكفانه؛ لأنه من أجزائه]، يعني: أنه يريد أن يقول: إذا أخذ من الأظفار والشارب فإنه يوضع في الكفن، وهذا كلام ضعيف.
[وكذلك كل ما يسقط منه، ولا يسرح شعره؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: لا تسرّحوا شعره بالمشط؛ لأنه يقطع الشعر وينتفه.
(24/17)
________________________________________
ظفر شعر المرأة والحكمة منه
قال المصنف رحمه الله: [والمرأة يظفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها].
والحكمة من ظفر شعر المرأة أنه قد يكون طويلاً فيخرج من تحت الكفن، فإذا ظفر فإنه يستر بذلك، ولذلك إذا اغتسلت المرأة غسل الجنابة، فإنها تنضح الظفيرة ولا تفكها؛ لأنه أدعى للتحجب والستر.
والشعر لو كان مفروداً فقد يصيب المغسل أو يخرج من تحت الكفن إلى غير ذلك.
ولما أمر ابن عباس النساء بفك الظفيرة في غسل الجنابة قالت عائشة رضي الله عنها: عجباً لـ ابن عباس يأمر النساء بفك ظفائرهن ألا يأمرهن بحلق رءوسهن، لقد اغتسلت عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمرني بفك الظفيرة.
فتنضح الظفيرة شريطة أن يصل الماء إلى منابت الشعر في غسل الجنابة.
(24/18)
________________________________________
صفة الكفن
قال المصنف رحمه الله: [ثم يكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، لقول عائشة رضي الله عنها: (كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية)]، يعني: طيبة من أجود الأنواع، (ليس فيها قميص ولا عمامة).
متفق عليه.
ولأن أكمل أحوال الحي حالة الإحرام، وهو لا يلبس فيها قميصاً ولا عمامة، فكذلك حال الموت، يدرج فيها إدراجاً، فيؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها فتبسط على بساط ليكون الظاهر للناس أحسنها].
فتكون الأخيرة أطولها وأفضلها، ثم تبسط الثانية، ثم الثالثة كطبقات الرقاق، فيدرج في الأولى ثم تثنى عليه، ثم في الثانية وتثنى عليه، ثم في الثالثة يدرج إدراجاً.
قال المصنف رحمه الله: [ثم تبسط الثانية فوقها، ثم الثالثة فوقها، ثم يحمل فيوضع عليها مستلقياً؛ ليكون أمكن لإدراجه فيها، ثم يثني طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر فوق الطرف الآخر، وإنما استحب له ذلك؛ لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن عند وضعه في القبر، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك، ثم يجمع ذلك طرف العمامة فيرده على وجهه].
فلا بد أن تكون اللفافة أطول من جسم الميت، والزيادة التي فوق رأسه تجمع وترد على وجه الميت كأنها عمامة.
قال المصنف رحمه الله: [إلا أن يخاف انتشارها فيعقدها، فإذا وضع في القبر حلها].
يعني: إذا وضعها على وجهه فيمكن أن تنتشر، فيربطها ثلاثة أربطة عند العمامة، وفي وسطه عند الفخذين، وعند الرجلين أو القدمين.
قال المصنف رحمه الله: [وتكفن المرأة في خمسة أثواب]، ويجوز أن تكفن المرأة في المخيط؛ لأنه يجوز لها أن تلبس المخيط في حال الإحرام، وكذلك في حال الموت.
قال المصنف رحمه الله: [وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة فلا بأس]، يعني: إذا لم يجد كفناً من ثلاث قطع يكفن في قميص ومئزر ولفافة، يعني: قميص يلبسه، ومئزر كالإزار، ولفافة تلفه بها، وهذا في حال عدم وجود ثلاث قطع؛ لأن مصعب بن عمير كفن في نمرة كان إذا غطى بها أعلاه بدا أسفله، وإذا غطى أسفله بدا أعلاه، فغطوا بها رأسه، ووضعوا على رجليه ورقاً، وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إذا تذكر حال مصعب بكى، وقال: مات أخي مصعب، ولم نجد له شيئاً نكفه فيه.
ويمكن أن يكفن الميت بثيابه التي كان يلبسها في حال الحياة، فإذا لم نجد له كفناً فلا بأس بقطع ثيابه وتكفينه فيها.
فالأمور التي تفعل بالميت قبل الغسل: 1 - تغميض العينين.
2 - شد اللحيين.
3 - تليين المفاصل.
4 - وضع شيء ثقيل على بطنه.
5 - تغطيته.
6 - توجيهه إلى القبلة.
والأمور التي تفعل بالميت عند الغسل: 1 - كشف الغطاء.
2 - تجريده من ثيابه.
3 - ستر عورته من السرة إلى الركبة.
4 - عصر بطنه عصراً رقيقاً وإخراج الفضلات حتى تخرج اليد بيضاء.
5 - الوضوء.
6 - غسل النظافة.
7 - الغسل الشرعي، ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.
8 - تطييب المغابن ومواضع السجود.
(24/19)
________________________________________
أحق الناس بغسل الميت والصلاة عليه
قال المصنف رحمه الله: [وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه].
فإن أوصى أن فلاناً يغسلني، وفلاناً يصلي علي فلا يجوز ترك وصيته، ويقدم الوصي بلا خلاف، وإن لم يوص قدم في غسله أقرباؤه: الأب والجد والأخ؛ لأنهم أستر الناس عليه إن كان صالحاً.
ويشترط أن يكون المغسل فقيهاً بالغسل.
وإن لم يوص الميت بمن يصلي عليه صلى عليه إمام المسجد، ولا يقدم الأب أو الجد أو الأخ على إمام المسجد؛ لما ثبت أن إمام المدينة صلى على أم كلثوم بنت علي، وكان خلفه ثمانية من الصحابة فلم ينكر عليه أحد منهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الجنائز وخلفه الأب والأخ والعم والعصبات، ونحن اليوم نسأل عمن هو أقرب للميت ونقدمه يصلي عليه، وهو لا يعرف كيف يعمل، ولا يفهم شيئاً، فما دام الإمام الراتب موجوداً فيلغى كل الناس، والرجل لا يؤم الأمير في سلطانه، وإذا لم يكن الإمام الراتب موجوداً فإنه يستخلف، واليوم أصبحت هذه المسألة فوضى، فالمساجد ليس لها إمام راتب ولا من يستخلفه، بل كل واحد يقول لمن يريد: تقدم يا فلان! حتى أنهم ضربوا بعضهم بعضاً على الإمامة، وأصبحت المساجد الآن ليس لها نظام ولا ضبط ولا ربط، وإنما الذي يريد أن يصلي يصلي، حتى أنه في مرة من المرات صلى إمام بالناس وهو يلبس بنطلون جينز، وهو محشور فيه حشراً ولا يجيد قراءة الفاتحة، وقرأ تبت إيد أبو لهب وتب! وثلاثة أرباع أئمة المساجد يوقعون الثلاثين يوماً مقدماً، ودفاتر الحضور والانصراف تحت آباطهم، ويقول لك: أنا أريد وظيفة فقط، وبعد ذلك أبحث عن رزق ومشروع آخر، ويجلس إماماً على الورق، ولا يدخل المسجد إلا مرة في السنة، والله الذي لا إله غيره حتى الإمام إن عين لا يستطيع أن يقرأ الفاتحة، فكيف عين إماماً؟ وكيف يؤم بالناس؟ وفي مرة عين مؤذن أعرفه فقال لي: لو سمحت اكتب لي الأذان في ورقة؛ لأني لا أعرف أؤذن، فكتبته له، فأمسك الورقة وأذن من الورقة.
والمساجد كثيرة، وربع المساجد الموجودة هي التي فيها أئمة، و 75% بلا أئمة، بل متروكة لمن هب ودب هكذا بدون ضابط ولا رابط.
قال المصنف رحمه الله: [لأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس فقدمت لذلك، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل، ولأنه حق للميت، فقدّم الوصي على غيره كتفريق ثلثه؛ ولأن الصحابة أجمعوا على أن الوصي في الصلاة مقدّم على غير الوصي.
فإن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب وابنه حاضر].
فقد أوصى عمر أن يصلي عليه صهيب وابن عمر حاضر، فلم يقدم الابن على الوصي.
قال المصنف رحمه الله: [وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة، وأوصت عائشة رضي الله عنها أن يصلي عليها أبو هريرة، ولم يعرف لهم مخالف مع كثرته وشهرته فكان إجماعاً؛ ولأن الغرض من الصلاة الدعاء والشفاعة إلى الله، فالظاهر أن الميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحاً في نفسه وأقرب إلى الله وسيلة ليشفع له].
فالصلاة دعاء وشفاعة فيختار الأصلح والأقرب والأرجى إجابة عند الله.
قال المصنف رحمه الله: [ثم الأب؛ لمكان شفقته، ثم جده كذلك، ثم ابنه وإن نزل كذلك، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم الرجل من ذوي أرحامه ثم الأجانب.
وأولى الناس بغسل المرأة الأقرب فالأقرب من نسائها، أمها ثم جدتها ثم ابنتها، ثم الأقرب فالأقرب، ثم الأجنبيات كالرجل.
إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده -والأمير يعني: الإمام الراتب- لقوله عليه السلام: (لا يؤمن الرجل في سلطانه)، رواه مسلم.
وروى أحمد بإسناده: أن عماراً مولى بني هاشم قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي فصلى عليها سعيد بن العاص وكان سعيد بن العاص أمير المدينة وخلفه يومئذ ثمانية من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم ابن عمر والحسن والحسين وزيد بن ثابت وأبو هريرة، ولأنها صلاة شرع لها الاجتماع فأشبهت سائر الصلاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز مع حضور أقاربها والخلفاء، ولم ينقل أنهم استأذنوا ولي الميت في التقدم].
فالإمام الراتب يقدم، ولكن إن كان الإمام الراتب صاحب معصية أو كبيرة ويصر عليها فيقدم الولي؛ لأن الصلاة على الجنازة فيها شفاعة ودعاء فيتقدم الأصلح للميت، فلا يقدم الإمام الراتب إلا للظن أنه على علم وتقوى، ولا يحتل هذا المكان في الشرع إذا كان جاهلاً أو صاحب كبيرة.
فيقدم في غسل الميت والصلاة عليه الوصي، فإن لم يوص قدم الأب،
(24/20)
________________________________________
كيفية الصلاة على الميت
قال المصنف رحمه الله: [والصلاة عليه يكبر ويقرأ الفاتحة؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على النجاشي أربعاً)، متفق عليه.
ويقرأ الحمد في الأولى؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب).
وصلى ابن عباس على جنازة فقرأ بأم القرآن وقال: لتعلموا أنها من السنة، أو قال: من تمام السنة.
] ولا يقرأ دعاء استفتاح في الجنازة، بل يقرأ الفاتحة بعد التكبير مباشرة، وكان ابن عباس أحياناً يجهر بها ليعلمهم، يعني: كأن يقول: الله أكبر، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:2 - 4].
يعني: يعلم الذين خلفه.
قال المصنف رحمه الله: [ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما روى ابن سهل عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سراً في نفسه]، يعني: لا يجهر بالتسليم.
قال المصنف رحمه الله: [ثم يكبر ويدعو للميت في الثالثة؛ لقوله عليه السلام: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء)؛ ولأنه المقصود فلا يجوز الإخلال به، ويدعو بما روى أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة قال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وزاد فيه: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده).
وعن عوف بن مالك قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار)، يقول عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.
رواه مسلم] فقد كان صلى الله عليه وسلم يجهر أحياناً ليسمع من خلفه للتعليم، كما كان يجهر بأذكار ما بعد الصلاة في أول البعثة، كما في البخاري، فما كانوا يعرفون انقضاء الصلاة إلا بالتسبيح.
وهذا كان في أول البعثة كما قال ابن بطال في شرح البخاري.
وفي الرجل تقول: ارزقه زوجاً، أي: من الحور العين أفضل من الزوجة، وأما الزوجة فهي لآخر أزواجها في الدنيا، ولذلك أم الدرداء أبت أن تتزوج بعد أبي الدرداء، ولما تقدم لخطبتها كثير من الصحابة قالت: ما مثلكم يردون، ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المرأة لآخر أزواجها في الدنيا)، فأريد أن أكون زوجة لـ أبي الدرداء في الجنة؛ وفاءً له، فلا يجوز أن تقول في الدعاء للمرأة: وارزقها زوجاً خيراً من زوجها، وإنما يجوز أن تقول ذلك للرجل.
وفي الدعاء السابق: (اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا).
وهذا للداعي وللميت.
قال المصنف رحمه الله: [ثم يكبر ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه].
ومذهب الحنابلة أنه يسلم تسليمة واحدة.
والمختار: أن التسليمة أو التسليمتين جائزتان؛ وهذا خلاف سائغ كالرفع وعدم الرفع.
قال المصنف رحمه الله: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لأن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه في تكبيرة الجنازة والعيد؛ ولأنها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فسن لها الرفع كتكبيرة الإحرام.
] ورفع اليدين في التكبير فعله عمر وابنه على مرأى كثير من الصحابة، ولم يعلم لهما مخالف، وإن علم لهما مخالف فهو تعدد فعل واختلاف تعدد، وليس اختلاف تضاد وتعارض، فهذا ثبت وهذا ثبت، فهذا من الخلاف السائغ الذي لا يجوز أن نتطاحن فيه وأن نتقاتل عليه.
قال المصنف رحمه الله: [والواجب من ذلك التكبيرات والقراءة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأدنى دعاء للميت والسلام].
(24/21)
________________________________________
من يدخل الميت في قبره
ولا يجوز أن يلحد الميت في قبره إلا رجل لم يجامع زوجته، ففي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن أحد بناته سأل الحضور: (هل منكم أحد لم يجامع زوجته البارحة؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! قال: انزل معها فالحدها).
قال ابن حجر مبيناً العلة: لا ينزل مع الميت من جامع زوجته بالأمس؛ لأنه يكون حديث عهد بشهوة وبدنيا وإلى غير ذلك من الأمور.
وقد اختلف العلماء في العلة، وأقربها إلى الأفهام: أن الذي جامع زوجته بالأمس يكون حديث عهد بشهوة دنيا.
(24/22)
________________________________________
الصلاة على القبر
قال المصنف رحمه الله: [ومن فاته الصلاة عليه صلى على القبر] فمن فاتته الصلاة على الميت صلى على قبره، وتوقيت مدة الصلاة على القبر بشهر مذهب مرجوح، والصواب: أن المدة مطلقة، وتقييد الصلاة على القبر بشهر قيد بغير دليل.
والنبي عليه الصلاة والسلام لما سأل عن المرأة السوداء التي كانت تنظف المسجد، فقالوا له: يا رسول الله! ماتت بالليل فغسلناها وكفناها وصلينا عليها ثم دفناها وكرهنا أن نوقظك من نومك، قال: (دلوني على قبرها، ثم صلى عليها صلى الله عليه وسلم، وقال: إن هذه القبور تمتلئ ظلمة على أهلها، وإن الله منورها لأمتي بصلاتي عليهم).
قال المصنف رحمه الله: [لما روى ابن عباس: (أنه مر مع النبي صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه).
ولا يصلى على القبر بعد شهر إلا بقليل].
وهذا تحكم لا دليل عليه.
قال المصنف رحمه الله: [لأن أكثر ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى على أم سعد بن عبادة بعدما دفنت بشهر)].
وهذا ليس دليلاً على هذا الفعل.
قال المصنف رحمه الله: [ولأنه لم يعلم بقاؤه أكثر من شهر فيقيد به] والصحيح: أنه يصلى عليه مهما طالت المدة.
(24/23)
________________________________________
حكم صلاة الولد على قبر أبيه

السؤال
مات أبي ولم أصل عليه، فهل أذهب إلى قبره لأصلي عليه؟

الجواب
اذهب وصلِّ عليه؛ لأن الصلاة دعاء وتشفع للميت، فيجوز أن تصلي عليه في قبره ولا شك في هذا.
قال المصنف رحمه الله: [وإن كان الميت غائباً عن البلد صلى عليه بالنية، لما روى أبو هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي رحمه الله في اليوم الذي مات فيه، فصف بهم في المصلى وكبر أربعاً)].
فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي صلاة الغائب، وصلاة الغائب فيها خلاف، فلا نصلها إلا إذا علمنا أنه لم يصل عليه، وأما إذا صلوا عليه في بلده فلا صلاة.
(24/24)
________________________________________
كيفية العمل بمن تعذر غسله
قال المصنف رحمه الله: [ومن تعذر غسله لعدم الماء أو للخوف عليه من التقطع كالمجدور أو المحترق، أو لكون المرأة بين الرجال أو الرجل بين النساء فإنه ييمم].
فإذا ماتت امرأة ولم تجد من يغسلها إلا رجلاً فتيمم؛ لأنه لا يجوز أن يغسلها أجنبي، وكذلك الرجل إذا مات ولم نجد من يغسله إلا امرأة، وكذلك المحروق ومن مات تحت حائط، والغريق الذي يخاف تقطع جسده، فهؤلاء ييممون إذا تعذر غسلهم.
(24/25)
________________________________________
غسل أحد الزوجين للآخر
قال المصنف رحمه الله: [إلا أن لكل واحد من الزوجين غسل صاحبه؛ لأن أبا بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، وعائشة قالت: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ عائشة: (لو مت قبلي لغسّلتك وكفنتك).
وقد غسّل علي فاطمة رضي الله عنهما ولم ينكره منكر، فكان إجماعاً؛ ولأنه أحد الزوجين فأشبه الآخر، وكذلك للسيد مع أم ولده؛ لأنها محل استمتاعه فأشبهت الزوجة].
يعني: السيد مع أم الولد.
(24/26)
________________________________________
حكم الشهيد
قال المصنف رحمه الله: [والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسّل ولم يصل عليه] فالشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يوضع على جسده طيباً ولا يغطى رأسه، وهذه خاصة بالشهيد الذي مات في المعركة.
قال المصنف رحمه الله: [لما روى جابر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم).
رواه البخاري.
وينحى عنه الحديد والجلود ثم يزمّل في ثيابه، لما روى ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم).
وإن كفن في غيرها فلا بأس].
يعني: يكفن في ملابسه أو في غيرها، والشهيد لا يغسل، وإنما يدفن بدمائه؛ لأنه يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولأنه ما مات، {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169]، فهو ينتقل من حياة إلى حياة.
قال المصنف رحمه الله: [لأن صفية أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن حمزة فيهما، (فكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحدهما وكفن في الآخر رجلاً آخر).
وعنه -يعني: رواية أخرى عن أحمد -: أنه يصلى على الميت وإن قتل في المعركة.
].
يعني: هناك رواية عن أحمد أنه يصلى على الشهيد، وهذه الرواية مرجوحة.
قال المصنف رحمه الله: [لما روى عقبة بن عامر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف)].
والمراد بالصلاة هنا الدعاء للميت؛ لأن الثابت أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء.
والله تعالى أعلم.
(24/27)
________________________________________
حكم المحرم
قال المصنف رحمه الله: [والمحرم يغسل بماء وسدر، ولا يلبس مخيطاً، ولا يغطى رأسه، ولا يقرب طيباً].
فالمحرم هو: الذي مات محرماً، فيغسل بماء وسدر، ولا نلبسه مخيطاً ولا نغطي رأسه.
قال المصنف رحمه الله: [لما روى ابن عباس قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)]، أي: يبعث على الحال الذي مات عليه.
وهذا معناه: أن المحرم له حالة خاصة.
قال المصنف رحمه الله: [ولا يقطع شعره ولا ظفره كحال حياته].
(24/28)
________________________________________
صفة القبر
وبعد أن تحدث المصنف عن الغسل والتكفين انتقل إلى القبر وكيفية إدخال الميت فيه، فقال: [ويستحب دفن الميت في لحد وينصب عليه اللبن نصباً] واللحد: الشق في بطن الأرض، وهو: أن يفتح في بطن الأرض فتحة جانبية بحيث يلحد فيها الميت ثم يوضع عليه لبنات طوب لم تحرق بالنار، هذا هو كلام أهل العلم بالنسبة لكيفية لحد الميت.
قال المصنف رحمه الله: [لقول سعد بن مالك: (ألحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم).
ولا يدخل القبر آجراً ولا خشباً ولا شيئاً مسته النار؛ لما روي عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب والآجر وكره ما مسته النار للتفاؤل بالنار].
أيها الإخوة الكرام! فقه الجنائز من أهم أنواع الفقه الغائب.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم ارزقنا علماً نافعاً، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، آمين آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(24/29)
________________________________________
العدة شرح العمدة [25]
إذا مات الإنسان فإنه يشرع تغسيله وتطييبه وتكفينه والصلاة عليه وتجهيزه للدفن، وحين يوضع في القبر تفك الأربطة وتوضع عليه حجارة لم تمسها النار، ثم يهال عليه التراب، كما أنه ينبغي لمن يتولى تجهيز الميت ودفنه أن يكون أميناً عالماً بالأحكام الشرعية المتعلقة بذلك؛ حتى يتجنب المحدثات والبدع التي يقع فيها كثير من الناس.
(25/1)
________________________________________
من يدخل مع المغسل لغسل الميت
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: لا يدخل مع المغسل أكثر من اثنين، فيكون عند الميت ثلاثة فقط، المغسل واثنان من أقاربه، أحدهما من أهل الصلاح والتقوى؛ ليزداد عظة وعملاً صالحاً ويساعد في غسله ويعلم السنة، والرجل الآخر يكون من أهل المعاصي -ونعوذ بالله تعالى- ليرق قلبه ويتعظ ويستعد للموت.
قال العلماء: يستحب أن يكون مع المغسل رجلان من أقارب الميت، أحدهما من أهل الطاعة والآخر من أهل المعصية.
(25/2)
________________________________________
ما يستعد به المغسل ومن يعاونه لتغسيل الميت
ثم قبل تغسيل الميت لا بد من استعداد المغسل لعملية الغسل بالآتي: أولاًً: واقي اليد الذي نسميه الجونتي، فيلبسه المغسل؛ لأنه سيباشر مسألة تنجية الميت واستخراج الفضلات، ولا يجوز أن يمس عورة الميت بيده، وكل هذه الأمور تلزمه أن يلبس واقياً على يده، وهذا الواقي يسمى في الفقه خرقة، وتسمى اليوم الجونتي.
ثانياً: الكمامة حتى يدفع بها الروائح الكريهة.
ثالثاً: ساتر بلاستيك يلبسه فوق ملابسه؛ حتى يقي نفسه من الأوساخ والأدران أثناء عملية الغسل.
رابعاً: حذاء بوت بلاستيك.
وكذلك يستعد المعاونان بهذه الأشياء.
(25/3)
________________________________________
ما يفعل بالميت إذا مات
وأما التعامل مع الميت فبعد التحقق من موته نقوم بتغميض العينين بالأصبعين، ففي حديث أبي سلمة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم غمض عينيه، وقال: إن العين تتبع الروح).
ثم شد اللحيين برباط شديدة تقفل الفم.
ثم يؤتى بثقل يوضع على بطن الميت حتى لا ينتفخ.
ثم يبدأ في تليين مفاصل الميت، فتلين مفاصل اليد اليمنى ثم اليسرى؛ لأن أعصاب الميت بعد موته تكون مفككة فتستجيب للتليين، ثم تلين قدماه، وإذا لم تلين المفاصل فستكون شديدة صعبة عند الغسل، فلا بد من التليين بين وقت وآخر حتى يأتي المغسل.
وبعد تليين المفاصل يترك الميت ويؤتى بسترة أو بغطاء كبير يغطي جسد الميت ويفرش فوق جسده، وهذا ما تم فعله مع سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث غطوه بعد موته.
وأما مسألة توجيه الميت إلى القبلة فهي مسألة خلافية، ولكن الشيخ ابن عثيمين يرى أن مجموع الأحاديث يرقى إلى درجة الحسن، وأنه يستحب أن يوجه الميت إلى القبلة.
(25/4)
________________________________________
بيان ما يفعله المغسل مع الميت قبل الغسل
إذا جاء المغسل فإنه يبدأ في الاستعداد لعملية الغسل، وأول شيء يفعله رفع الغطاء الذي على الميت، ثم يدفعه للمساعد الذي بجواره، ثم يبدأ بتجريد الميت من ملابسه، ومسألة تجريد الميت من ملابسه مسألة مهمة، ولا بد أن تكون بحكمة؛ لأن الميت يتأذى كما يتأذى الحي، فيبدأ بفك أزرار الثياب ثم يرفع اليد اليمنى، وهكذا حتى ينتهي من تجريده من قميصه العام، وعندما يصل موضع ظهور العورة يستعين بالسترة.
وعورة المرأة بين النساء من السرة إلى الركبة كعورة الرجل.
ثم يأخذ الثقل ويدفعه للمعاون، ويضع السترة على الميت يستره بها، والميت مجرد من كل ملابسه بين يديه.
ثم يأتي بماء وسدر وماء وكافور، ويكون قد استعد بإعداد هذا الماء قبل ذلك، والسدر ورق النبق، قال العلماء: لكل أربعة جوالين ماء مقدار فنجان كبير من السدر من فناجين القهوة، ويطحن ورق السدر طحناً، وأما الكافور فيباع عند العطارين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ أم عطية عند تغسيل ابنته زينب: (اغسلنها بماء وسدر ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو زدن على ذلك إن رأيتن ذلك، واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور).
فالغسلة الأخيرة يكون بها ماء وكافور.
ويغني عن الماء والسدر الماء والمسك أو الماء والطيب.
وقبل الغسل يقوم المغسل بتنجية الميت التي يسميها العوام: النحنحة.
(25/5)
________________________________________
غسل الميت
(25/6)
________________________________________
كيفية غسل فرج الميت
مسألة غسل الميت لها ثلاث خطوات متتالية.
أولاً: تنجية الميت، إما بالضغط على بطن الميت بخفة، فيضغط باليد اليمنى ثم يدخل يده اليسرى إلى دبره لاستخراج الفضلات، ويكون بجواره إناء ثالث فارغ يضع فيه الفضلات ثم يغسل يده في إناء بعيد، ثم يعود للضغط واستخراج الفضلات حتى تخرج اليد بيضاء ليس فيها أي مخلفات أو رواسب، وبهذه الطريقة يضمن أن بطن الميت قد تفرغ تماماً مما فيه.
(25/7)
________________________________________
غسل النظافة
ثم يفك الرباط الذي على اللحية عندما يبدأ في غسل النظافة، فيغسل الميت بالماء والصابون، ويبدأ أولاً برأس الميت، وليكن معه ليفة في غسل النظافة، ويقوم بغسل الميت كما يغتسل الحي، وأول شيء يغسله الرأس ثلاث مرات بالصابون والليفة، ثم ينتقل إلى الشق الأيمن، فيغسله تحت الإبط بالليفة، ويغسل الشق الأيمن من أعلى إلى أصابع القدمين من الأمام ومن الخلف، ثم يرفعه ويغسله من الناحية اليسرى بالصابون والليفة، والسترة كما هي، ثم يدخل يده إلى السرة، ولا يقترب من العورة، ولا ينظر إليها ولا يمسها، ثم يعمم جسده بالماء كغسل الحي.
وبهذا يكون قد انتهى من غسل النظافة.
(25/8)
________________________________________
وضوء الميت
ثم يبدأ بالوضوء، فيقول: باسم الله، كما لو كان يتوضأ وهو حي، فوضوء الميت كوضوء الحي تماماً إلا في المضمضة، فلا يدفع الماء إلى داخل فمه وإنما من الخارج، فقط على باب الأسنان، ولا يدخل إصبعه داخل الفم، وإنما على فتحة الشفتين يمسهما يميناً ويساراً ثلاث مرات، ثم الاستنشاق يتم بيسر.
فتفعل ما بوسعك مع الميت، فتأخذ قطنة وتمررها على أسنانه يميناً ويساراً باليد اليمنى والاستنثار باليسرى ثلاث مرات، ثم تغسل وجه الميت ثلاث مرات، ثم اليد اليمنى حتى المرفقين ثلاث مرات، ثم اليد اليسرى ثلاثاً حتى المرفقين، ثم تمسح رأسه مقبلاً ومدبراً كوضوء الحي، ثم تمسح الأذنين مع الرأس مسحة واحدة كوضوء الحي، ثم تغسل قدميه، فتبدأ باليمنى وتخلل أصابعها، ثم اليسرى.
ثم تغسل الميت غسل النظافة مستخدماً الماء والسدر في الغسلة الأولى، مبتدئاً بالرأس ثلاث مرات، ثم تغسل الشق الأيمن بالماء والسدر أيضاً وتحت السترة من الأمام والظهر، ثم تنتقل إلى الشق الأيسر، ثم ترفع الميت قليلاً حتى تغسل ظهره، ثم تنتقل إلى البطن وتعمم الجسد بالماء تماماً، ثم تفعل ذلك بالميت ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، وتجعل في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور.
وبعد أن تنتهي نشف الميت تنشيفاً عاماً، والسترة ما زالت موجودة.
(25/9)
________________________________________
تطييب الميت
ثم تأتي بطيب وتطيب المغابن ومواضع السجود السبعة، وهي: الجبهة والأنف والكفين ثم الركبتين ثم أصابع القدمين.
وكذلك تطيب بين الفخذين؛ لأنهما مظنة عدم وصول الماء إليهما، أو مظنة لحمل الأوساخ، فإن طيبت الميت كله فلا بأس.
(25/10)
________________________________________
كيفية التعامل مع الميت إذا لم ينقطع حدثه
وإذا لم ينقطع خروج الفضلات من الميت، فإننا نأتي بقطن وندخله إلى دبر الميت ونغلق به فتحة الدبر بعد أن نطيب هذا القطن طويلاً، ثم نقوم بربط هذا القطن بشيء من القماش، حتى إذا خرج منه وجد هذا الشيء يحفظه.
(25/11)
________________________________________
تكفين الميت
ثم بعد ذلك نبدأ في تكفين الميت، ويكفن الرجل ثلاث قطع، يدرج فيها إدراجاً، وتكون كل واحدة أطول من الأخرى، وتكون السترة ما تزال على الميت، ولا ترفع إلا بعد البدء في تكفينه؛ لأن الكفن يواري عورة الميت.
وإذا كان الميت قد انتفخ فيغسل كهذا الغسل تماماً وهذا الانتفاخ بسبب بقائه مدة طويلة وعدم وجود ثقل، ويعصر بطنه برفق، ثم بعد ذلك يكفن الرجل ويكفن الرجل في ثلاث قطع، ليس فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل، فكل ذلك محظور بالنسبة للميت، وتكون الثلاث القطع كل واحدة منها أطول من الأخرى، يدرج فيها الميت إدراجاً، ثم ترفع السترة، وتربط الأكفان من الناحية اليسرى؛ حتى يتمكن من فك الأربطة في القبر، فعند تكفين الميت ينتبه من أن الميت سيوضع في القبر على شقه الأيمن.
وبالنسبة للقطع لا بد أن تكون أطول من جسد الميت من أعلى ومن أسفل، فالزيادة من أعلى ترد على رأسه وتربط، ومسألة التكفين سهلة جداً، كما لو أنك تلف طفلاً مرة واثنتين وثلاثاً، وتبدأ في الغطاء باليمين ثم اليسار ثلاث مرات، ثم تأتي بالأربطة، فتربط ما زاد من تحت الرجلين، وما زاد عن الرأس، ثم تربط رباطاً على الساقين، ورباطاً في منتصفه، ورباطاً على البطن، ورباطاً على الصدر حسب الحال.
وفي الأرياف يفصل للميت قميص وسروال وعمامة، وكل هذا منهي عنه، وإنما يدرج في ثلاث قطع إدراجاً.
ويختلف كفن المرأة عن كفن الرجل في أن كفن المرأة يكون خمس قطع: إزاراً وخماراً ومقنعة كاللبس الأفغاني ثم لفافتين.
(25/12)
________________________________________
صفة القبر
وأما القبر فإنه يحفر لحداً في بطن الأرض من أعلى ومن أسفل، ثم تحفر في وسطه بحيث تفتح في الأرض لحداً، ثم تدخل الميت فيه على شقه الأيمن، ثم تحل الأربطة، وكشف الوجه في القبر ليس عليه دليل، وتقول: باسم الله وعلى سنة رسول الله عندما تضع الميت، ولا بد أن يكون من ينزل مع الميت لم يجامع زوجته في ليلة الدفن.
(25/13)
________________________________________
ترتيب الجنائز في الصلاة إذا تعددت
ولو تعددت الجنازات مثل أن تكون جنازة رجل وامرأة وصبي فيكون الرجل هو المقدم بين يدي الإمام ونعشه أقرب إلى الإمام، ثم نعش الصبي، ثم نعش المرأة، بحيث يقف الإمام عند رأس الرجل، ويكون رأس الطفل موازياً لرأس الرجل، ويكون وسط المرأة محاذياً لرأس الرجل.
ولقد بوب الإمام البخاري على هذا: باب الإمام يقف إلى وسط المرأة وعند رأس الرجل.
(25/14)
________________________________________
الصلاة على الجنازة في المسجد
وأما الصلاة على الجنازة داخل المسجد فلقد ثبت أنهم صلوا على بعض الصحابة في المسجد الحرام، وأورد ذلك علماء الأمة، والأفضل أن يصلى عليه في مصلى الجنائز، يصلى عليه والناس قيام بالنعال طالما أن النعل ليس فيها شيء.
ولا بأس بإدخال الميت إلى المسجد مطلقاً، فقد ثبت أن عائشة رضي الله عنها صلت على أحد الصحابة داخل المسجد، والمسألة فيها سعة، فلا نحجر واسعاً ونقيم معارك على أمور مستحبة.
وهناك كتاب بعنوان: (الوجازة في تجهيز الجنازة) موضح بالصور الإيضاحية.
(25/15)
________________________________________
اقتراح إنشاء مغسلة للأموات
ونقترح هنا إعداد مغسلة الأموات وتدريب أناس على أعلى مستوى، وإقامة دورة لهم يدرسون فيها ما يجب تجاه الميت من لحظة خروج الروح إلى دفنه وكل ما يتعلق بذلك، والأحاديث التي وردت في ذلك، مثل ما أخرجه الطبراني: (من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين كبيرة)، وصححه العلامة الألباني في كتابه فقه الجنائز، وكذلك ما أخرجه الطبراني في فضل تكفين الميت وفي من قام بتكفينه: (ومن كفن ميتاً ألبسه الله من سندس الجنة)، ومثل حديث: (ولا يغسل موتاكم إلا المأمونون).
فلا ينفع أن يكفن الميت إنسان تارك للصلاة أو ساحر، فلا يغسل الميت إلا المأمون، وأولى الناس بغسله الوصي ثم الأب وإن علا والابن وإن نزل.
ومسألة إعداد مغسلة للأموات الآن في القاهرة الكبرى مسألة ملحة؛ لأن معظم الناس يسكنون في شقق فاخرة، فأين سيغسلون موتاهم، وهناك أناس غسلوا أباهم في دورة المياه وما وجدوا مكاناً في البيت لتغسيله، وقالوا: أنسب مكان هو الحمام حيث إن فيه متسعاً، وهذا لا يجوز، فهو إجرام بحق الميت؛ لأن الحمام بيت الخبث والخبائث.
فلا بد من إعداد مغسلة للأموات، وسيارات لنقل الموتى حتى يغسلون في المغسلة ويكفنون، ثم يحملون ويشيعون.
وأما مكان المغسلة فيمكن أن يقيمها أي مركز أو أي جمعية خيرية، ويؤهل أناس للتغسيل والتكفين، وتنشر أرقام تلفوناتها، ومن أراد أن يغسل ميتاً وأن يكفنه يتصل بهم، ثم يذهب المغسل والمكفن إلى المكان الذي فيه الميت ويتعاملان مع الميت معاملة صحيحة؛ لأننا في هذه الأيام نرى كثيراً من البدع.
ونسأل الله تعالى أن يعافينا وإياكم.
وبعد أن بينا كيف يتم تكفين الميت والصلاة عليه يبقى عندنا مسألة لحد الميت في قبره.
(25/16)
________________________________________
حمل الميت
ومن السنة أن يحمل الميت على خشبة، ولا يحمل على تابوت مغلق كما يفعله الكثير الآن، فإنهم يحملونه على صندوق ويغلقونه، ويضعون فوقه مفروشاً، وهذا كله ليس له أصل في السنة، وإنما السنة أن يحمل على خشبة ثم يغطى بغطاء؛ لأن الميت لا يجوز أن تبدو عورته.
وقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان: باب اتباع الجنائز من الإيمان، وهو يبين أن كل الأعمال الصالحة تدخل في مسمى الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى على جنازة ثم تبعها حتى يفرغ من دفنها)، أي: أنه ينتظر حتى ينتهي الناس من الدفن، (كتب له قيراطان كل قيراط كجبل أحد)، قال ابن عمر عند سماع هذا الحديث: كم ضيعنا والله من قراريط.
(25/17)
________________________________________
كيفية إدخال الميت إلى قبره
وعندما يصل الميت إلى قبره يدخل برأسه ويوجه إلى جهة القبلة بحيث إذا قام اعتدل نحو القبلة، فيوضع متوجهاً إلى القبلة بوجهه كحال النائم على شقه الأيمن ورجلاه في القبلة ورأسه إلى الجهة الخلفية بحيث إذا قام قام إلى القبلة كحال النائم، وفي الأمر متسع عند العلماء، فمنهم من قال: يوجه إلى القبلة، بمعنى: أن يستقبل القبلة بوجهه، أو ينام كحال النائم على فراشه على شقه الأيمن، وتكون رجلاه إلى القبلة، ويوضع تحت رأس الميت شيئاً يرفع رأسه قليلاً؛ لأن الميت يتأذى مما يتأذى منه الحي، فكما أن الحي لا يستطيع أن ينام ورأسه مساوياً لجسمه وإنما يرفع رأسه قليلاً فنضع تحت رأس الميت شيئاً يرفع رأسه.
ثم يقوم من يلحد الميت بفك الأربطة عنه من عند القدمين ومن عند الرأس وفي الوسط وعند البطن وعلى الفخذين، وأما كشف الوجه فليس فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(25/18)
________________________________________
ما يشترط فيمن يلحد الميت
ويشترط فيمن يلحد الميت أيضاً أن يكون أميناً، فلا يذكر إن رأى في قبره ما يشير إلى سوء خاتمة الميت، ولا يفضح سر الميت، وإن كان يريد أن يعظ الناس فليعظهم بكلام عام، مثل أن يقول: إن رجلاً كان لا يصلي فحدث له كذا وكذا، ولا يسمي الميت باسمه؛ لأن هذا فيه كشف لعورته أو لسوءته وفضيحته.
ثم بعد ذلك أيضاً يسن لمن يلحد الميت أن يأخذ ثلاث حثيات من تراب ويلقيها على قبره ويقول: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55].
(25/19)
________________________________________
حكم الموعظة عند القبر بعد الدفن
ثم بعد أن يلحد الميت يغلق باب اللحد على الميت ويهال عليه التراب.
وفي كثير من البلاد يقف بعد الدفن شخص يلقي موعظة على القبر، ويظن ذلك سنة راتبة بل آكدة، فبعد أن يدفن الميت يقف يقول للميت: اعلم يا عبد الله! ويا ابن عبده وأمته! أنك تركت الدار الفانية وانتقلت إلى الدار الباقية، وأنك الآن بين يدي ربك، وسيأتيك بعد قليل ملكان رحيمان على من أطاع الله، غليظان على من عصى الله، فإن سألاك وقالا لك: من ربك؟ فقل لهما بلسان ذلق طلق: الله ربي حقاً ومحمد نبيي صدقاً، ويظل هذا المسكين يملي كلامه على الميت، وما درى أن الذي يفعل هذا مبتدع، وأن هذه بدعة ما ثبتت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما الثابت عنه قوله: (استغفروا لأخيكم؛ فإنه الآن يسأل).
هذا والدعاء الجماعي أيضاً لا يجوز، وإنما يدعو للميت كل واحد في نفسه، ويدعو بما شاء للميت.
وإذا قام رجل يذكر الحضور بالموت فلا بأس، شريطة ألا يكون ذلك راتباً، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما وعظ مرة واحدة كما في حديث البراء بن عازب، ولم يفعلها بعد ذلك، فعل ذلك مرة وتركها مرات.
فإذا وجدت الناس أعرضوا عن الموت وعظته فيمكنك أن تذكرهم، فالموعظة للأحياء، والبعض ينتظر حتى ينتهي الناس من دفن الميت رغم أن الحديث في مسند أحمد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يعظهم ولما يلحد)، يعني: لم ينتهوا من اللحد، فقد تكلم وهم يلحدون، فإن أردت أن تعظ فعظ الناس وهم يلحدون الميت، بحيث إذا انتهوا من إهالة التراب عليه لا يكون هناك شغل للحضور إلا الدعاء والاستغفار، ومن العجب أن الميت بعد أن يدفن يقف المتحدث ويعظ الأحياء، فما أشبه الميت بغريق يحتاج إلى من ينقذه ونحن نجادل في مسألة على شاطئ البحر، فالغريق يقول: أنقذوني، ونحن نجادل الذي سينزل هل سينزل بالملابس العادية أم القصيرة؟ فلا ينبغي أبداً أن ننشغل بعد موت الميت إلا بالاستغفار له، (استغفروا لأخيكم؛ فإنه الآن يسأل).
(25/20)
________________________________________
الأسئلة
(25/21)
________________________________________
حكم دفن الرجل والمرأة في قبر واحد

السؤال
هل يجوز دفن الرجل والمرأة في قبر واحد؟

الجواب
لا يجوز إلا في حال الضرورة وضيق الأماكن، وإلا فالسنة أن يكون للمرأة لحد، وللرجل لحد منفصل عنها.
ويغلق اللحد بالطوب اللبن وليس بالطوب الذي دخلته النار.
(25/22)
________________________________________
حكم تكفين الميت في ثيابه

السؤال
هل كفن أبو بكر الصديق في قميص؟

الجواب
صفة التكفين شرحناها وأما إن لم يوجد ما يكفن فيه الميت فشق ثيابه وكفنه فيها، فقد كفن مصعب بن عمير بنمرة، كان إذا غطي أعلاه بها بدا أسفله، وإذا غطي أسفله بدا أعلاه، فيجوز أن تكفن الميت في قميص إن لم تجد ما تكفنه فيه، ومصلحة الحي مقدمة على مصلحة الميت.
(25/23)
________________________________________
حكم تغسيل تارك الصلاة للميت

السؤال
القول بأنه يدخل مع المغسل رجل من أهل التقوى ورجل من أهل المعاصي، هل إذا كان الرجل الذي من أهل المعاصي لا يصلي أميناً أم لا، علماً بأنه قد خان خالقه أولاً فهل يؤتمن؟

الجواب
لا يقصد بالرجل العاصي تارك الصلاة، فتارك الصلاة رجل مجرم، {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر41 - 43].
فالرجل العاصي مثل المدخن، والغير الملتزم بالشرع، والمفرط في بعض الواجبات، فمثل هؤلاء قال العلماء: يستحب أن يدخل؛ ليرتدع عن معاصيه.
(25/24)
________________________________________
حكم تعليم غسل الميت وتكفينه عملياً في المسجد

السؤال
هل ثبت أن أحد الصحابة دخل إلى المسجد وغسل الميت فيه وكفنه؟

الجواب
الأصل موجود، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر وقال: (ما أريد أن أصلي ولكن أريد أن أبين لكم).
ومالك بن حويرث وعثمان بن عفان دعا كل منهما بإناء فيه ماء وتوضأا وقالا: نريد أن نبين لكم كيف توضأ النبي صلى الله عليه وسلم.
ووسائل الإيضاح توضح المعنى للمتحدث، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يستخدم الوسائل، فقد خط خطاً مستقيماً وخط خطوطاً متعرجة وأقام دائرة إلى غير ذلك، فأصل بيان هذه الطاعات موجود بدون أدنى شك في السنة، وأما كون هذا لم يفعله أحد من السلف فلأن الناس كانوا يعلمون ذلك.
فنحن نوصل المعلومة بالعمل بالنظر بالفيديو بالسيدي، فهل نحرق السيديهات والفيديو لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في زمنه فيديو ولا سيديهات ولا أشرطة كاسيت ولم يسجل لنا خطبة؟! فهناك أمور مستحدثة علينا أن نطوعها لخدمة العلم الشرعي.
(25/25)
________________________________________
حكم تغطية الميت وهو على النعش

السؤال
عندما يوضع الميت على النعش هل يغطى بغطاء أم يكتفى بالكفن؟

الجواب
يغطى بغطاء ذكراً أو أنثى، والأنثى أشد؛ لأن الأصل فيها التستر.
(25/26)
________________________________________
كيفية تكفين الميت

السؤال
هل أقوم برفع الميت ووضع الأكفان أم ماذا؟

الجواب
هذه المسألة تحتاج إلى تدريب، فلا بد أن تكون أولاً مساعد مغسل، وبعد ذلك مغسل، فالمحاضرة لن تجعلك مغسلاً، بل لا بد أن تتعلم التغسيل والتكفين، ولو جلست إلى الصبح أشرح لك كيف تكفن الميت فلن تستطيع تكفينه عندما تمارس التكفين عملياً.
فالتطبيق العملي يكون أدق من التعليم النظري.
(25/27)
________________________________________
حكم صلاة المرأة على الميت

السؤال
هل يجوز للمرأة أن تصلي على الميت؟

الجواب
نعم، فـ عائشة صلت على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي شهود المرأة للصلاة أحاديث كثيرة، لكن المرأة لا تتبع الميت إلى مقبرته.
ولا داعٍ لكلمة مثواه الأخير، فهذه الكلمة ليست صحيحة، فمعنى مثواه الأخير أنه ليس هناك بعث، فلننتبه.
(25/28)
________________________________________
صفة السترة التي يستر بها الميت

السؤال
هل تكون السترة التي يضعها المغسل على الميت من قماش الكفن أم لا؟

الجواب
السترة التي توضع على الميت لا بد أن تكون سميكة لا تصف ولا تشف، وإذا وضع عليها الماء لا تظهر ما تحتها، وهذا الكلام غني عن البيان، ولا ينبغي السؤال عنه.
(25/29)
________________________________________
حكم غسل الميت

السؤال
هل الغسل سنة أم فرض؟

الجواب
الغسل فرض، فغسل الميت واجب وليس سنة، ومن موجبات الغسل الموت.
(25/30)
________________________________________
حكم الصلاة في مسجد تحيط به المقابر

السؤال
ما حكم الصلاة في مسجد تحيط به المقابر؟

الجواب
يجوز طالما أن القبر ليس بداخل المسجد، وأنت لا تقصد القبور، والنبي صلى الله عليه وسلم لما بنى مسجده نبش قبور الجاهلية، ولو أن القبر خارج المسجد ويحمل المسجد اسم صاحب القبر فلا يصلي فيه؛ لأنه في هذه الحالة ينسب المسجد إلى صاحب الضريح فلينتبه لمثل هذا.
(25/31)
________________________________________
حكم أخذ المغسل أجرة على غسل الميت

السؤال
هل يأخذ المغسل أجراً على الغسل؟

الجواب
لا يأخذ المغسل أجراً على الغسل، وإن أخذ أجراً قل ذلك من ثوابه بدون أدنى شك، والأصل عدم أخذ أجرة على الغسل.
(25/32)
________________________________________
حكم تغسيل المدخن للميت

السؤال
هل يجوز أن يكون المغسل مدخناً؟

الجواب
المدخن رائحة فمه كريهة، فسيؤذي الميت والملائكة.
(25/33)
________________________________________
حكم استخدام القطن لتنظيف فم الميت

السؤال
هل يجوز استخدام القطن لاستخراج الفضلات من فم الميت؟

الجواب
نعم، يمكن إدخال قطنة في فم الميت ببساطة؛ لإخراج ما به من أذىً، وقال بعضهم: يستحب أن يوضع في فم الميت قطنة وفي أنفه إلى آخر الغسل؛ حتى لا يتأذى الميت كلما صببت عليه الماء.
(25/34)
________________________________________
عورة الزوجة بالنسبة للزوج

السؤال
إذا غسل الرجل زوجته فما هي العورة التي تستر بالنسبة له؟

الجواب
لا سترة منه، فليس هناك عورة للمرأة أمام زوجها.
وإذا احتاج الزوج إلى من يساعده فيدخل معه نساء من محارمه، وهنا لا بد أن تستر المرأة عن الأجانب حتى ولو كانوا محارم، فإن دخلت أختها فلا بد أن يضع عليها السترة، وكذلك إن دخلت أمها أو بنتها.
الشيخ: ولا يجوز للزوج أن يمس العورة إلا بحائل.
وأما القول بأنه لا يجوز للزوج أن يغسل زوجته فهذا كلام الأحناف وهو باطل.
(25/35)
________________________________________
حكم القعود على القبر مقدار نحر جزور وتوزيعه

السؤال
هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا ننصرف من القبور بعد الموت إلا بمقدار ذبح بعير؟

الجواب
هذا أثر موقوف على عمرو بن العاص، وليس عليه عمل الصحابة.
ويوم أن مات شيخنا الشيخ صفوت نور الدين رحمه الله، قال أحد الإخوة الحضور: قوموا على قبره بقدر ذبح جزور وتوزيعه، فقال الشيخ مصطفى العدوي حفظه الله: هذا أثر موقوف على عمرو بن العاص وليس عليه عمل الصحابة، فحمده الجميع لهذا البيان.
(25/36)
________________________________________
دعاء الميت

السؤال
أناشدك أن تدعو لموتانا وموتى المسلمين بالمغفرة والرحمة، وأن تخص أخاً لنا قد توفي قبل ليلة أمس.

الجواب
اللهم اغفر له وارحمه، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم اغفر له وارحمه.
نكتفي بهذا القدر.
اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، آمين آمين آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(25/37)
________________________________________
العدة شرح العمدة [26]
شرعت التعزية لأهل الميت مواساة لهم على ما أصابهم، وندب صناعة الطعام لهم، فقد أتاهم ما يشغلهم، كما أجيزت زيارة القبور، والبكاء على الميت من غير جزع، واليوم قد شاب كل هذه الأمور الكثير من مظاهر البدع، وانحرف بها عن نهج الإسلام وقصده، فعلى المسلم الحذر من ذلك.
(26/1)
________________________________________
التعزية وبعض البدع التي تفعل فيها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويستحب تعزية أهل الميت]، وهذا على وجه الاستحباب لا الوجوب، كما يستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل، ولمن حمله أن يتوضأ، وقد قال العلماء: هذا ليس على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الاستحباب.
وأما التعزية فلما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عزى مصاباً فله مثل أجره).
حديث غريب.
ومن بدع التعزية ما يتردد على الناس من أنه: (لا عزاء بعد ثلاثة).
وهذا لا أصل له، وهو غير صحيح.
ومن بدع التعزية أيضاً: إقامة السرادقات والجلوس لقبول العزاء في دار المناسبات أو في بيت الميت، وهذا لم يؤثر عن السلف بحال؛ لأنهم كانوا يعتبرون الجلوس لتقبل العزاء من النياحة.
والتعزية من واجبات المسلم على أخيه المسلم، وأفضل صيغة للتعزية ما ورد في صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت له ابنته تخبره أن ابنتها قد ماتت -يعني: حفيدته- فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مع الرسول قائلاً لها: مرها فلتصبر ولتحتسب)، يعني: قل لها: اصبري واحتسبي، فأفضل صيغة للعزاء أن تقول للمصاب: اصبر واحتسب.
فهذه الصيغة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهناك صيغ طيبة لا بأس بها، والباب فيها واسع، مثل قولك: البقية في حياتك، وقد أفتى الشيخ ابن عثيمين بجوازها إن أراد بها قائلها: البقية في الأعمال الصالحة، وفي بعض القرى يقولون هذه الكلمة معتقدين أن الميت مات وقد ترك جزءاً من عمره، وقد أعطى هذا الباقي لمن تبقى من العائلة، وهذا الكلام خرافات، ولا ينبغي أن يكون أبداً.
وتكون التعزية بدون مصافحة؛ لأن المصافحة ما وردت في السنة، فكونك تجمع المصافحة مع التعزية فهذا يعني أنك جئت بشيء جديد، إنما قل: (اصبر واحتسب)، واربط على قلبه.
ولا يجوز بحال أن يجتمع أهل الميت كما يجتمعون الآن في سرادق ويأتون بقارئ يقرأ القرآن، والناس طوابير للعزاء، أو ما يفعل في بعض القرى حيث يقف أهل الجنازة طابوراً مكوناً من نحو خمسين رجلاً من العائلة، والجنازة مزدحمة، ويأتي الناس وكلهم يريدون أن يصافحوا ويعانقوا، فهذا كله بدعة.
فلا بد أن تكون التعزية وفقاً للسنة، وتكون في المسجد، وبالهاتف، وفي الطريق العام، وفي العمل، وحديث: (لا عزاء بعد ثلاثة) لا أصل له في السنة، وهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
والتعزية عندنا الآن فيها من البدع الكثير والكثير، ولاسيما مجتمعات النساء وما يحدث فيها، فإنهن يجلسن للعزاء أربعين يوماً والخميس الكبير، والسنوية، ويتكلمون في المكبر: يحيي عائلة فلان بن فلان السنوية الكبيرة، ويعتقدون أن الروح ترد إلى الميت في اليوم الأربعين؛ فيحيون الأربعين لذلك، وينعون الميت نعي الجاهلية في الصحف، وينشرون اسمه وصورته، وتحت ذلك ابن العم وابن الأخت والخال والجد والكبير والصغير.
فهذه الأمور كلها من بدع الجنائز التي ما أنزل الله بها من سلطان، ونحن لا زلنا نصر عليها، وأفضل مقام تقيم فيه السنة إذا مات لك ميت، يعني: يوم أن يموت أبوك أو أخوك مثلاً، فأقم السنة في مأتمه؛ لأنه مأتم وليك، وليس لأحد دخل معك، فأنت حر، فاحمله على خشبة وانفي التابوت تماماً، وأقم الصلاة عليه في مصلى، وأعلمهم السنة، واجعل له لحداً، واغسله على السنة، فلا بد من تطبيق السنة وإن استغربها الناس، وليستغربوها أول الأمر، ثم بعد ذلك تسير الأمور على ما يرام.
ولعلكم تذكرون أن صلاة العيد في العراء واجهها كبار السن يوم أن ذكرنا أنها سنة، قالوا: إن السنيين جاءوا ببدعة، وظلوا يحاربون هذه السنة إلى أن أصبحت الآن مسألة مقررة، وتقام لها الساحات وتقنن، وتعد إعداداً.
فإقامة السنة تحتاج منا إلى صبر ومجالدة في أول الأمر، فإذا مات لك ميت فاحمله على خشبة، ولا تحمله على تابوت أو صندوق، هذا هو السنة، واغسله وكفنه على السنة، ومما يذكر في ترجمة ومناقب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أنه مات أبوه في العصر، فدفنه وعاد إلى الدرس في المغرب، ولم يقل: أجلس لتقبل العزاء؛ لأن هذا الفعل غير شرعي.
فالتعزية تكون في أي مكان، وأما الاجتماع والسرادقات وقراءة القرآن فليس من السنة في شيء، وعندنا الآن وسائل حديثة للتعزية، مثل: التلغراف، وهذه وسيلة طيبة، فاكتب مثلاً: اصبر واحتسب، أخوك فلان! ويمكن التعزية أيضاً بالهاتف وبالإيميل على الكمبيوتر.
وهناك وسائل متعددة والحمد لله.
ولذلك يقول العلماء: العالم ضاق، فيمكنك الآن أن تشاهد البرازيل وأنت في هذا المكان، فالعالم ضاق نظراً لثورة الاتصالات الهائلة في مجال المعلومات.
فوسائل التعزية المتعددة عندنا الآن كثيرة، ولكنك تجد في العائلة من يعارضك كثيراً جداً، ويقولون لك: هل تريد أن يموت أبوك كالفقراء دون مأتم.
(26/2)
________________________________________
صناعة الطعام لأهل الميت
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يصنعوا طعاماً لآل جعفر، فقال عليه الصلاة والسلام: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً).
فنصنع لآل الميت طعاماً؛ لأنه نزل بهم أناس، واليوم أهل الميت يأتون بطباخ يصنع لهم الطعام، والمفروض العكس، فأهل الميت نزل بهم ما يشغلهم، فالمفروض أن نصنع نحن لهم طعاماً ونرسله إليهم، وهذه هي السنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الذي يحدث الآن هو العكس.
فنحن لا نحمل الشخص فوق طاقته، وإنما إن كان صاحب ولاية القرار في البيت فليقم السنة، ومع تكرار إقامتها سيتعلم السنة.
(26/3)
________________________________________
البكاء على الميت
قال المصنف رحمه الله: [والبكاء عليه غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة]، فالبكاء على الميت لا بأس به، وفي الحديث: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم! لمحزونون)، و (إن الله لا يعذب بدمعة العين).
وجمود العين من قسوة القلب فلا بأس بالبكاء، ولا يجوز النياحة، والنياحة أن تنادي على الميت بلفظة (يا) مثل قول الزوجة: يا زوجي! يا بعلي! يا كبيري! من لنا بعدك؟ وامصيبتاه! ونسمع في بعض الأحيان ألفاظاً كفرية وفي مآتم كثيرة جداً، ومن ذلك: أن رجلاً كان لا ينجب إلا إناثاً، فرزق بذكر واحد فمات، فقال: يا رب! مستكثر علي هذا الولد! فهو يحاسب ربه عز وجل، وهذا كفر يا عبد الله! وقال آخر: يقول: يا رب! لم يكن هو، بل كنت أنا مكانه، والله إنه كذاب.
وفي جنازة في بور سعيد جاء ابن المتوفي يقول: أريد أن أدخل مع أبي، ولا بد أن أدخل معه، فقلت للحضور: دعوه يدخل، فرجع مباشرة.
(26/4)
________________________________________
حكم الندب والنياحة على الميت
لا يكون الأجر على الصبر إلا عند الصدمة الأولى، وأما النياحة ولطم الخدود وشق الجيوب والملابس والألفاظ الجاهلية التي انتشرت في زماننا فكلها من الأفعال المنهي عنها شرعاً، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم على سعد بن عبادة فوجده في غاشية، فبكى وبكى معه أصحابه، فقال: (ألا تسمعون! إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه).
متفق عليه.
والنياحة: ذكر محاسن الميت على سبيل التسخط، وهذا لا يجوز أبداً، ولاسيما النساء، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في توعد المرأة النائحة إن لم تتب إلى الله عز وجل أنها تسربل سربالاً من نار يوم القيامة.
ولا يجوز الندب، والندب: تعداد محاسن الميت، والنياحة رفع الصوت بذلك، كأن يقال مثلاً: يا من كنت تأتي لنا بالطعام! يا من كنت تؤنس البيت! فهذه نياحة، ولا يجوز ذلك أبداً، وبعض النساء يتبعن الجنائز في القرى، ويرفعن أصواتهن، فعليهن التوبة والاستغفار والندم والعزم على عدم العودة، مع التصدق والصيام، وأنت إن وجدت هذا الفعل فانصح، وإن وجدت إصراراً فعد، وقد كان ابن عمر إذا رآهن في الخلف خالفهن وعاد، وليس معنى ذلك أن نهجر الجنائز، ولكن لا بد أن نعلم السنة، فهذه الأمور مهمة جداً.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الميت يعذب ببكاء أهله)، حديث صحيح، وقد اختلفت عائشة مع بعض الصحابة في معنى (إن الميت يعذب ببكاء أهله)، وهذا الكلام له معانٍ متعددة عند العلماء، فقال بعضهم: يعذب ببكاء أهله إن أقرهم على هذا الصنيع ولم يوص بعدم النياحة والندب، فإن فعلوا بهذه الأفعال عذب بها؛ لأنه لم يوص بتركها، فإن أوصى فهو بريء من فعلهم.
وابن تيمية يقول: إن معنى إن الميت يعذب ببكاء أهله: أنه كالنائم الذي يعذب بصوت الحي، ومعنى العذاب: التأذي، وليس عذاباً فعلياً، بل إذا كان رجل نائماً وآخر يرفع صوته فوق رأسه فإنه يتأذى بذلك.
قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز الندب ولا النياحة، لأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)] وليس معنى قوله: (ليس منا) أنه كافر، ليس منا، بل ليس على طريقتنا وهدينا وسنتنا، وليس المقصود أنه كافر كما يعتقد البعض، والبعض يفهم النصوص على فهمه الخاص، وإساءة الفهم تجلب لنا مصائب.
فإذا صاحت امرأة وندبت فلا نقل لها: أنت كافرة ولست منا، فهذا ليس صحيحاً تماماً، وإنما نقول لها: أنت لست على السنة والطريقة والهدي، وأنت مخالفة وقد ارتكبت كبيرة.
وقال المصنف رحمه الله: [وقال أحمد في قوله سبحانه: {وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة:12]، هو النوح، فسماه معصية].
(26/5)
________________________________________
حكم زيارة القبور
قال المصنف رحمه الله: [ولا بأس بزيارة القبور للرجال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة)].
فزيارة القبور مشروعة للرجال بدون أدنى شك، وأما النساء ففيها خلاف، ومن العلماء من منعها، ومن جوزها اشترط لها شروطاً كثيرة، منها: أولاً: أن تخرج المرأة غير متعطرة.
ثانياًَ: أن تخرج بملابسها الشرعية.
ثالثاً: ألا تأتي بفعل من أفعال الجاهلية.
رابعاً: ألا تخالط الرجال.
خامساً: ألا تكثر من الزيارة.
سادساً: أن تخرج للعظة والعبرة.
(26/6)
________________________________________
الأدلة على جواز زيارة النساء للقبور
والأدلة على ذلك لا حصر لها، ومنها: أولاً: أن عائشة رضي الله عنها لما سألت النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا أقول عندما أدخل المقبرة؟ قال لها: قولي: (السلام عليكم) ولم يقل لها: يا عائشة! لا تزوي القبور، وهذا غير مشروع لك، وإنما أقرها على السؤال وعلمها الدعاء.
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى امرأة عند القبر صبرها فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تكن تعرفه، فلما أخبرت المرأة أن ذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فذهبت إلى داره فلم أجد على باب بيته بوابين، فدخلت مباشرة على النبي صلى الله عليه وسلم واعتذرت وتأسفت، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عن الصدمة الأولى).
ولم ينهها أو يقل لها: هذا المقام ليس مقامك، وإنما أقرها على زيارتها، وعلمها الصبر عندها.
ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) نص عام، ومن أراد أن يخصصه بالرجال فليأت بمخصص، فإن قال قائل: حديث: (لعن الله زوارات القبور)، قلنا: الحديث ضعيف، وإن صح الحديث فكلمة: (زوارات) يعني: مكثرات الزيارة.
وبدع النساء في زيارة القبور كثيرة، فقد تذهب في يوم العيد، وتأخذ معها ما لذ وطاب من الطعام، وتأتي بقارئ يقرأ عند القبر، وقد تأتي بمن لا يعرف القراءة، وتجد بعض هؤلاء يلبس زي المقرئ ويجلس يتحدث بأي كلام والمرأة لا تعرف ما يقول.
وهذه كلها بدع ما أنزل الله بها من سلطان، والأصل أن تدعو وتستغفر للميت وتقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم اغفر لهم وارحمهم، اللهم تجاوز عن سيئاتهم، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وتدعو للميت بما شاءت، وقراءة القرآن على القبور ليس لها أصل من السنة مطلقاً من قريب أو بعيد.
(26/7)
________________________________________
الحكمة من زيارة القبور
القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها قراءة القرآن وذكر الموت، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يزور مقبرة البقيع ويسلم على أهلها، ويزور شهداء أحد، فلا بد أن تجعل لنفسك يوماً في الشهر أو في الأسبوع لزيارة القبور؛ حتى ترقق القلب، ولاسيما في هذا الزمن، زمن الماديات والجفاء، والانشغال الشديد، والتكالب على الحياة، حتى أنك لو أخبرت بعضهم أن فلاناً مريض قال: شفاه الله! لا أجد وقتاً لزيارته.
ولو قيل له: أخوك فلان مات قال: البقاء لله، الحمد لله، لكن لا أجد وقتاً للعزاء، عندي مشاغل وارتباطات.
فالانشغال بالدنيا في هذه الأيام أصبح خطيراً جداً.
وقد رأيت في بور سعيد أنهم لا يحملون الجنازة على أكتافهم، وإنما على سيارة، والسيارة تسير في طريق والمشيعون في طريق آخر، واللقاء عند القبور، وهذا موجود وليس معنى هذا أننا نقدح في أهل بور سعيد، ولكن هذا ليس من السنة، فلا بد أن نعلم الناس أن يصلوا على الجنازة ثم يتبعوها، وأما أن تسير الجنازة في طريق، والمشيعون في طريق، وأهل الميت في طريق، ثم يسرعون في الدفن فهذا أمر خطير، والبعض إذا وصل إلى المقبرة عزى أهل الميت ثم ينصرف وسواء دفنوا ميتهم أم لم يدفنوه، فلا وقت لديه للانتظار، ولو كان الأمر بيده لألقاه ثم عاد مسرعاً.
وأما مسألة الركوب فيجوز إذا كانت الجنازة بعيدة.
(26/8)
________________________________________
دفن الجنازة
وبعض الناس عندهم عادات جاهلية، فالأصل أن يدفن الميت في أقرب مقبرة من المكان الذي مات فيه، وبعض الناس ينقله إلى محل سكنه ويتعدى به إلى خامس أو سادس مقبرة، والسبب أنها مقبرة العائلة.
فنقل الميت من المكان الذي مات فيه مكروه إلا لضرورة شرعية؛ لأن الله سبحانه جعل الأرض كفاتاً لسائر المسلمين، فاحفر ثم ضعه في أي قبر.
وفي زماننا أصبحت المقابر تحجز، وأصبحت بعض المقابر مضاءة ومزينة، نسأل الله العافية، حتى ضاقت المقابر في القرى.
والمفروض أن يخصص مكان للأموات، ويسور عليه، ثم إن امتلأ خصص مكان آخر لها، وهكذا.
(26/9)
________________________________________
ما يقول من مر على القبور وزارها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقول إذا مرَّ بها أو زارها ما رواه مسلم: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله العظيم لنا ولكم العافية)].
ومن الدروس المستفادة من هذا الدعاء: أولاً: ينبغي أن يكون الدعاء لنفسك، كما في قوله: (نسأل الله لنا ولكم).
فحينما تدعو فادع أولاً لنفسك.
ثانياً: قوله: (السلام عليكم)، فيه دليل على أن الميت يسمع.
والذين قالوا بعدم سماع الموتى قد يقصدون بالسماع غير ما نقصد؛ لأن السماع في القرآن الكريم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: - سمع بمعنى استماع الصوت، كما في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة:1].
فمعنى سمع هنا: سمع صوتها.
- وسمع بمعنى الإجابة، مثل قول المصلي بعد الاعتدال من الركوع: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب الله لمن حمده، وكقول الكفار كما في سورة الملك: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10]، والكفار الآن يسمعون عبر الأقمار الصناعية، وإنما نفوا عن أنفسهم سماع الإجابة، فهم سمعوا ولكن ما استجابوا، فكأنهم لم يسمعوا.
- وسمع بمعنى الفهم، كقوله تعالى في سورة البقرة: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة:171].
فالله يضرب مثلاً للكافر الذي لم يستجب لأمر الله بأن حاله كحال الحمار، فالحمار حينما تقول له أي كلمة فإنه لا يفهم الكلام، بل يدرك الصوت فقط، ولا يدرك المقصود من ذلك، ولا يقدر على ترجمة الكلام.
فهو يسمع الصوت ولكن لا يفهم معناه، فربما سمع الإنسان الصوت، وربما استجاب له، ولكنه لم يفهم.
وكمثل لو خاطبك رجل باللغة الألمانية وأنت لا تعرف اللغة الألمانية فإنك تدرك الصوت وتسمعه، ولكنك لا تفهم ما يقول.
فقد يكون مقصود من قال بعدم سماع الميت: أن السمع المنفي عنه سمع الإجابة وليس سمع الإدراك؛ لأن الميت يسمع قرع نعال أصحابه بعد انصرافهم من دفنه، وهذا في البخاري.
وبعض العلماء قال: لا يسمع إلا أصوات النعال فقط.
ولكن مقصود الحديث الإشارة إلى أنه يسمع، ويدرك الصوت.
وفي قوله: (السلام عليكم) الكاف هنا للخطاب، ولو كان الميت لا يسمع لكان من الأولى أن نقول لهم: السلام عليهم؛ لأنهم غائبون عنا ولا يدركون، فقول: (السلام عليكم) فيه إلقاء السلام على المخاطب، فالميت يسمع الصوت، ولكنه لا يملك الإجابة.
وقال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر:22].
معنى هذه الآية: أن حال الكفار حينما سمعوا دعوتك يا محمد ولم يستجيبوا لك كحال الأموات حينما يسمعون من يناديهم ولا يستجيبون.
فالموتى يسمعون ويدركون الصوت.
وأما القول بأن الموتى لا يسمعون ففيه تحجر ومراد قائله أن يسدوا ذريعة الذين يطوفون حول القبور وينادون أصحابها، فقالوا: الموتى لا يسمعون.
فالأدلة على سماعهم واضحة، ونحن نقول بسماعهم، ولكنهم لا يملكون شيئاً لأنفسهم.
ولما جمع النبي عليه الصلاة والسلام أهل بدر من المشركين في القليب نادى عليهم: (يا شيبة بن ربيعة! يا عتبة بن ربيعة! يا أبا جهل! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً.
فقال عمر: يا رسول الله! أتنادي على أجساد قد أرمت؟! قال: والله يا عمر! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستجيبون).
فأثبت لهم سماع الصوت، ونفى عنهم الإجابة.
وهناك من العلماء من يقول بخصوص هذه القصة، ونحن نقول: الأصل العموم.
وفي قوله: السلام عليكم، الكاف هنا للخطاب، والمخاطبون هم الموتى.
وحينما آمرك أن تلقي السلام على من لا يسمع فهذا عبث، وإنما أقول لك: قل: السلام عليهم؛ باعتبار أنهم غائبون عنك.
والحديث في البخاري: (الميت يسمع قرع نعال أصحابه إذا انصرفوا).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا كلام قال فيه بسماع الموتى.
نسأل الله العظيم لنا ولكم العافية.
(26/10)
________________________________________
إهداء الثواب للميت
قال المصنف رحمه الله: [وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر:10].
وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد:19].
وروى أبو داود أن رجلاً قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (إن أمي توفيت، أفينفعها إن قضيت عنها؟ قال: نعم).
وقال عليه الصلاة والسلام للمرأة التي قالت: (يا رسول الله! إن فريضة الله في الحج قد أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء).
وأما قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت فالإجماع واقع على فعله من غير نكير].
أي: المذهب على أن قراءة القرآن يصل ثوابها للميت من وليه أو من أحد الصالحين، لكن لا يعني ذلك القراءة على القبر، بل المقصود بذلك القربات التي تصل إلى الأموات، وهذا الأمر مهم جداً.
وهذا الكلام في المذهب الحنبلي من كتاب ابن قدامة المقدسي، ولو أن هذه المسألة قد تواجه بالرفض من كثير من إخواننا؛ لأن المعتاد عندنا القول بأن قراءة القرآن لا تصل، ولا يفهم من كلام المصنف أن يستأجر قارئاً، أو أن يقرأ على القبور، فهاتان المسألتان لا تجوزان.
ولكن يقرأ الإنسان بنفسه، ثم يهدي ثواب ما قرأ لأخيه المتوفى.
فقراءة القرآن كسائر الأعمال، وكما أنه يعذب على الأشياء السيئة، فكذلك يؤجر على الأعمال الصالحة، وممن رجح هذا صاحب المغني، ومن العلماء من رأى أن هذا توسع في القياس؛ لأن ما يصل إلى الميت لا بد أن يكون عليه دليل، والحج جاء فيه.
والنص الصريح، (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء).
لكن بشرط أن يكون من يحج عنه قد حج عن نفسه.
والمفروض أنه إذا مات الميت ولم يحج أن يقتطع من أصول تركته مبلغاً من المال ليحج أحد الورثة عنه؛ لأن هذا دين على التركة، والآن توزع التركة دون أن ينظر هل حج أو لم يحج، والأصل أنه ما دام أنه لم يحج فلا بد أن يحج عنه أحد الورثة.
وإن لم يكن هناك ولي قادر على الحج فيستأجر أحد الناس الذين قد حجوا من غير الأولياء؛ ليحج عنه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة فقال: من شبرمة؟ قال: رجل أحج عنه يا رسول الله! فقال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة.
فالحج عن الميت يجوز، والصيام عن الميت فيه خلاف، وأما صيام النذر فلا خلاف فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صوم نذر صام عنه وليه) وأما صيام رمضان فأرجح الأقوال أن تطعم عن كل يوم مسكيناً إن مات وقد أفطر أياماً منه.
هذا هو الوارد.
وأعمال الصدقة الجارية كماء السبيل أو المصحف كل هذا يصل إلى الميت، وأما قراءة القرآن فالخلاف فيه شديد، والبحث مطلوب فيه.
(26/11)
________________________________________
الأسئلة
(26/12)
________________________________________
حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت

السؤال
هل تصل قراءة القرآن إلى الميت من وليه أو من غيره أم لا تصل؟

الجواب
اجمع أقوال الحنابلة والشافعية والمالكية والأحناف وابن تيمية وكل علماء الأمة ثم رجح وانظر في المسألة، فـ ابن قدامة يقول هنا: (وأما قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت فالإجماع واقع على فعله من غير نكير).
وفي قول ابن قدامة: (الإجماع واقع) تحتاج إلى تحقيق أيضاً، فينظر هل فيها إجماع فعلاً أم لا؟ لا أن نقرأ ونسلم بما نقرأ، وهو لا يقصد بقوله: (الإجماع واقع) إجماع علماء المذهب، وإنما إجماع الأمة.
والدعاء يصل إلى الميت، والمذهب يقول: إن القرآن من جنس الدعاء، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر:10].
فحقق المسألة، ولا تنتصر لرأي، ومن القربات التي ينتفع بها الميت بعد موته الحج والصوم، ولو أن رجلاً يصلي ويواظب على الصلاة، فدخل في غيبوبة الموت يومين أو ثلاثة فلم يصل ومات جاز لوليه أن يقضي عنه تلك الصلوات، وأما إذا ترك الصلاة متعمداً فهذا لا يجوز الصلاة عنه قولاً واحداً.
ومن الكتب التي اعتنت ببحث هذه المسألة: كتاب المغني، والمجموع للنووي، ونصب الراية للزيلعي، والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس، فابحث في أمهات كتب الفقه هاتين المسألتين: المسألة الأولى: مسألة قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت.
المسألة الثانية: رجل ترك صلوات لعذر مرضي مع أنه كان يحافظ عليها هل يصلي عنه الولي أم لا يصلي تلك الفروض؟ والإجماع بعد عصر الصحابة متعذر، قال أحمد بن حنبل: الإجماع بعد عصر الصحابة لا يوجد، ولكن قل: لا أعلم مخالفاً.
وهذا من الدقة في الكلام، فعندما تدعي إجماع الأمة هل ذهبت إلى سنغافورة وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية حتى حصلت على إجماع الأمة، بل قل: لا أعلم مخالفاً، والصحابة لما كانوا في المدينة كان يمكن حصر الآراء، ولكن بعد اتساع الرقعة الإسلامية تعذر معرفة الآراء، فيقول: لا أعلم مخالفاً، وقد قال الإمام أحمد: تعذر الإجماع بعد عصر الصحابة.
(26/13)
________________________________________
عذاب القبر للروح والجسد

السؤال
هل عذاب القبر للروح أم للجسد أم لهما معاً؟

الجواب
سئل ابن عباس هذا السؤال فقال: أرأيت لو أن رجلاً كسيحاً مع رجل أعمى دخلا إلى حديقة لسرقة ثمرتها، فالكسيح يرى لكنه لا يقدر، والأعمى يقدر لكنه لا يرى، فقال الكسيح للأعمى: لو أنك حملتني على رقبتك لقطفت وأعطيك وأكلنا جميعاً، فالعقوبة والإثم لكليهما معاً؛ لأنهما شركاء، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فالجسد مطية الروح، والروح تركب الجسد، فإذا ارتكب الإنسان إثماً فإنما يرتكبه بالروح والجسد معاً، فعذاب القبر لهما معاً.
هذا كلام ابن عباس وهو ما عليه جمهور الأمة.
(26/14)
________________________________________
حكم صلاة المرأة إذا غطت وجهها أو يديها

السؤال
هل يجوز للمرأة أن تصلي وهي ساترة لوجهها أو ليديها؟

الجواب
لا يجوز، بل على المرأة أن تكشف الوجه والكفين في الصلاة، فهي مأمورة بكشف الوجه والكفين وهي تصلي.
(26/15)
________________________________________
الكلام الحسن وترك الكلام البذيء

السؤال
أنا وزوجي ملتزمان، وهو يشتمني بألفاظ بذيئة، حتى ولو غلط الأولاد بلا ذنب مني، فأرجو منك أن تسمعه هل هذا حلال أم حرام؟

الجواب
كيف يكون هذا ملتزماً وهو يتلفظ بألفاظ بذيئة هذا التزام صوري وهمي شكلي فقط، صناعة وتقليد؛ لأن الالتزام {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة:83].
ولم يقل: وقولوا للمؤمنين، بل قال: وقولوا للناس، حتى الكافر حتى البذيء، وإن شتمك البذيء فـ {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} [المؤمنون:96].
وكل إناء بما فيه ينضح.
وقال رجل للأحنف بن قيس: إن قلت كلمة فستسمع سبعين، فقال الأحنف له: وأنت إن قلت سبعين فلن تسمع كلمة.
فلا يجوز أن تنزل إلى هذا المستوى أيها الأخ في الله! واحفظ لسانك، (ليس المؤمن بالبذيء ولا السباب ولا اللعان).
(26/16)
________________________________________
معنى السائمة

السؤال
ما المقصود بالسائمة؟

الجواب
المقصود بالسائمة الأنعام، سواء كانت إبلاً أو بقراً أو غنماً، وهي: التي ترعى في الكلأ المباح أغلب الحول، وأما رجل اقتنى غنماً وعلفها فهذه لا تسمى سائمة، فالسائمة هي التي ترعى في الكلأ المباح أغلب الحول، يعني: ترعى بدون مقابل، بل تطلقها فتأكل بدون مقابل.
(26/17)
________________________________________
حكم خلع الحذاء لمن دخل المقابر

السؤال
ما حكم خلع الحذاء أثناء دخول المقابر؟

الجواب
أورد البخاري والحافظ ابن حجر في الفتح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً عند دخول المقابر أن يخلع النعلين، وقد حمل بعض العلماء هذا على إطلاقه، وحمله بعضهم على أن هذا النعل كان مؤذياً نعلاً سبتياً.
وفي البخاري: (إن الميت يسمع قرع نعال أصحابه)، وهذا يفيد أن الأصل لبس النعل، والراجح أنه إذا لم يكن النعل مؤذياً فإنه يلبس؛ لأن الميت يسمع قرع نعال أصحابه، فأثبت لباس النعل.
(26/18)
________________________________________
حكم قراءة القرآن على القبور

السؤال
ما قولك فيمن يستدل بحديث: (اقرءوا القرآن في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً) على أنه لا مانع من قراءة القرآن في القبور؟

الجواب
القرآن لا يقرأ في القبور قولاً واحداً، وإنما معنى قوله: (لا تجعلوا بيوتكم كالقبور) أن القبور لا يصلى فيها، فينبغي أن تصلوا في بيوتكم، وكذلك اقرءوا فيها القرآن؛ لأن القبور لا يقرأ فيها القرآن.
(26/19)
________________________________________
صلاة الغائب على من لم يصل عليه

السؤال
لي صديق مسلم أسلم في مصر، ثم مات في بلد بعيد ولم يكفن ولم يصل عليه أحد، ودفن في المقبرة، فهل يجوز أن أصلي عليه؟

الجواب
نعم، يمكنك أن تصلي عليه الآن صلاة الغائب؛ لأنه لم يصل عليه هناك.
(26/20)
________________________________________
حكم صلاة الجمعة لمن لم يدرك منها إلا التشهد فقط

السؤال
ما حكم من أدرك التشهد في صلاة الجمعة، نرجو التفصيل؟

الجواب
من أدرك من الجمعة التشهد فقط فلا يصلي جمعة، وإنما يصلي ظهراًَ.
(26/21)
________________________________________
حكم دخول المسجد لمن شرب السجائر

السؤال
هل شرب السجائر ينقض الوضوء؟

الجواب
لا، ولكن من شرب السجائر بعد الوضوء لا يجوز له أن يدخل المسجد؛ لأن في الحديث: (من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً فلا يقربن مسجدنا).
والحديث في البخاري.
فإذا كان قد نهى عن دخول المسجد لرائحة فم من أكل الثوم والبصل والكراث فرائحة السجائر أشد منها.
(26/22)
________________________________________
حكم صلاة من يحمل السجائر أثناء الصلاة، ونصيحة لمن ابتلي بشربها

السؤال
نرجو النصح لمن ابتلوا بشرب الدخان، وما حكم صلاة من حمل السجائر في جيبه أثناء الصلاة؟

الجواب
صلاته صحيحة، لكن أقول: هل رأيتم رجلاً عاقلاً يخرج من جيبه عشر جنيهات ويشعل فيها ناراً، والذي ينفق الأموال على السجائر فإنما يحطم صحته، ويجلب الأمراض لنفسه، ويبذر فيما لا يرضي الله، وهناك من يدخن كل يوم علبتين (مالبورا) بأربعة عشر جنيهاً، أي: أنه يدخن في الشهر بأربعمائة وعشرين جنيهاً، وفي السنة بستة آلاف جنيه تقريباً، وكم ينفق على السجائر في العالم؟! والعجيب أنك تجد المصنع يكتب على العلبة: التدخين ضار بالصحة، ويسبب الموت، ثم يقول قائل: هي مكروهة، وإن كانت حراماً فنحن نحرقها، وإن كانت حلالاً فنحن نشربها.
وهذا قد زين له الشيطان سوء عمله.
فقلت له: إن كنت صادقاً فيما تقول فقل عند شربك للدخان: باسم الله، وبعد انتهائك قل: الحمد لله.
فهي من الخبائث المحرمة.
(26/23)
________________________________________
حكم الصلاة في المقبرة

السؤال
ما حكم الصلاة في المقبرة؟

الجواب
لا يجوز، الصلاة في المقبرة لا تجوز إلا صلاة الجنازة.
(26/24)
________________________________________
بعض مخالفات الصوفية

السؤال
هل تجوز الصلاة على المتصوف المتشدد في تصوفه وتشييع جنازته؟

الجواب
التصوف وباء على هذه الأمة، وهو صنو التشيع، وهو صناعة يهودية، أتى به عبد الله بن سبأ، وأرباب التصوف يرددون ما لا يعرفون كـ ابن عربي والحلاج والبسطامي والتلمساني الفاجر، ولهم ألفاظ كفرية، وهذا التصوف الفلسفي كفر وردة، وكثير من المتصوفة يردد عبارة: (العلم اللدني) و (العلم الباطن)؛ لدرجة أن هناك طبيباً وينتمي إلى الطريقة الدندراوية رحل إلى الصعيد وقال لزملائه: أحرقوا البخاري، لأن البخاري أورد حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وهل يصدق أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر؟ ومن البخاري أو مسلم أو ابن كثير أو غيرهم؟ فلا حاجة لنا إلى العلماء، فعندنا العلم اللدني، فهو مصدر العلم.
ويقولون: إنما يؤخذ العلم من شيخ يتلقى العلم اللدني الذي هو علم الباطن، ويقولون: بأن الخضر عليه السلام يجلس معهم، ويعلمهم الأوراد والأذكار، حتى أن بعض الطرق ولعلها الطريقة البرهانية في السودان لها فيه ألفاظ سريانية، مثل (كدٍ كدٍ كدرد هيهات، نووا نووا عما نووا نو نو)، ويقولون: لا تعترض على هذا، فهذا الشيخ جاء به من شيخه وهذا مصيبة كبيرة للغاية.
وفي موالدهم تجد المرأة بجوار الرجل، ويقول: أختي في الله! ويبيت معها بدون محرم.
وأنا أعرف أحد هؤلاء أغلق على نفسه الحجرة ولا يخرج إلى جمعة ولا إلى جماعة، وإلى الآن لا زال في حجرته.
فهؤلاء وباء على الأمة الإسلامية.
ويوم أن دخلت فرنسا إلى الجزائر قام شيخ الطريقة التيجانية وقال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} [الأحزاب:38].
وقال: رأيت جنرال فرنسا يدخل البلاد، فسلموا له.
فبسبب أنه رأى في المنام أن البلاد احتلت لم يجوز الجهاد.
ولذلك تجد النفخ في هذه الطرق؛ لأنها تنزع من الإسلام روح الجهاد، فالجهاد عندهم مسبحة، وسبح ألف مرة فتكون من المجاهدين.
ومن العجب العجاب أن كل شيخ له ورد، ولا يوجد عنهم أي ورد للنبي صلى الله عليه وسلم؟ وعندهم أنه لا يجوز للمريد أن يعترض على شيخه، وإذا دخلت إلى شيخك فاخلع عقلك عند الباب كما تخلع الحذاء، وكن بين يدي شيخك كالميت بين يدي المغسل، ولا تتكلم بشيء وإلا انطردت من الحضرة، ويقولون: لا تعترض فتنطرد، فعقول مريديهم في النعال، وهذا ما يريدونه، وهي مصيبة كبيرة.
ولذلك تفتح لهم الإذاعات المقروءة والمسموعة والمرئية والاحتفالات؛ لأن الجهاد عندهم تمتمة بالأذكار فقط، فضلاً عن العلم الباطن والعلم اللدني، وابن عربي يقول في فصوص الحكم: والولي عندنا في منزلة أعلى من النبي، ثم يقول: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي وفويق الرسول يعني: النبي أعلى من الرسول، ودون الولي يعني: النبي في درجة أدنى من الولي، ودليله على ذلك: أن موسى نبي، والخضر ولي، والنبي قد تعلم من الولي، والولاية تخضع لنظرية الحقيقة المحمدية، وهي أن الله قبض قبضة من نور ذاته، ثم أودعها الملائكة، ثم انتقلت إلى الأنبياء، فكلما حلت في رجل صار نبياً، وبعد أن انتهت النبوة انتقلت من ظهر الأنبياء إلى ظهر الأولياء، فلا تحل إلا في ولي، إلى غير ذلك من الأمور العجيبة.
حتى أن بعضهم أسقط الفرائض عن نفسه، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]، واليقين عندهم يعني: بلوغ كشف الحُجُب.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في مرض موته يصلي، وهم يقولون: رفعت عنا الصلاة؛ لأننا بلغنا منزلة اليقين.
وللأسف الشديد عندنا الآن أكثر من ثلاثة آلاف طريقة، وكل طريقة لها شيخ ورمز وعلم ولهم أتباع.
حتى أن بعض هؤلاء قال لي: إن زوجتي تعرفت على أحد هؤلاء وقال لها: عندي لك رسالة من حضرة النبي بأنك ولية من أولياء الله، فأعطته ذهبها، وذهبت معه يختلي بها دون زوجها وهو لا يحل لها، وكل ليلة يقول لها: سيدنا النبي جاء ويسلم عليك.
ورجل تقاعد من القوات المسلحة وأعطي ستين ألف جنيه، ثم انتمى إلى إحدى هذه الطرق، فكانوا كل ليلة يأتون عنده ليسكروا وينتعشوا ويقيمون الحضرة، ثم بعد ذلك يأكلون ما لذ وطاب، ومع آخر جنيه من الستين ألفاً قال لهم: اخرجوا خربتم بيتي.
وهم ليس عندهم علم، ولا يعرفون تحقيق الأحاديث، ولا أحكام القرآن، ولا التخريج من مظان الكتب، ولا البحث العلمي، ويقولون في طلبة العلم أو في أهل السنة: أنتم لكم علم الورق ونحن لنا علم الخرق.
وقيل لرجل من كبار هؤلاء: ألا ترحل لتسمع الحديث من صاحب المصنف عبد الرزاق في أرض اليمن؟ قال: وما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يتلقى من الخلاق؟ وهذا هو طريق التخبط بعينه، فإياك إياك! وعليك بالكتاب والسنة! عض عليهما بالنواجذ، وعليك بمنهج السلف الصالح، وإياك وفرق الضلال! وإياك والحزبية! وإياك أن تنتمي لجماعة؛
(26/25)
________________________________________
حكم العمليات الاستشهادية

السؤال
ما حكم العمليات التي تتم في فلسطين؟

الجواب
هي عمليات استشهادية، ويخطئ من يسميها انتحارية، فليتق الله في نفسه، وليجلس في بيته، ولينم قرير العين، وليترك هؤلاء يجاهدون عن عرض الأمة.
والله تعالى أعلم.
(26/26)
________________________________________
العدة شرح العمدة [27]
ندب الإسلام المسلم إلى إخراج الطيب من الصدقة، وكره له إخراج الخبيث منها، فلا يخرج العوراء والهرمة ونحوها، وقد بين الإسلام زكاة السائمة، وشروط الخلطة الصحيحة، وما الذي يخرج في زكاة الأنعام.
(27/1)
________________________________________
الأصناف التي لا تؤخذ في الصدقة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب العدة وفي كتاب الزكاة، قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا ذات عوار ولا هرمة ولا الرَّبيُّ ولا الماخض ولا الأكولة، ولا يؤخذ شرار المال ولا كرائمه إلا أن يتبرع به أرباب المال].
وقبل بيان هذه الأصناف التي لا يجوز إخراج الزكاة منها، توعد الله عز وجل صاحب الإبل، أو صاحب البقر، أو صاحب الغنم، أو صاحب الذهب، أو صاحب الفضة بالعذاب إن قصر في إخراج زكاتها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة:34 - 35].
وجاء في البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاة ماله إلا بعث الله له يوم القيامة ثعباناً يأخذ بشدقية ويقول: أنا مالك أنا كنزك)، فإياك يا عبد الله أن تبخل على ربك عز وجل.
وأما الأصناف التي لا يجوز إخراج الزكاة منها: أولاً: التيس، وهو فحل الغنم، كما أن فحل الضأن يسمى خروفاً، وفحل الإبل يسمى جملاً، وفحل البقر يسمى ثوراً، فلكل صنف من الأنعام فحل.
ثانياً: الهرمة، أي: المسنة، فلا يأخذ صاحب الزكاة أجود وأفضل المال، ولا يأخذ أردى وأقبح المال، بل يأخذ من أوسطها.
ثالثاً: العوراء، أي: المعيبة، لقوله سبحانه: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267]]، أي: لا تقصدوا الخبيث من الزكاة، بل أنفق مما تحب، قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92]، فلا بد أن تجعل لله ما تحب، وإياك أن تبحث عن الأنواع الرديئة، فتجعل لله ما تكره.
قال الشارح: وروى أنس في كتاب الصدقات: (ولا يجزئ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس).
رابعاً: الرَّبيُّ، وهي التي تربي ولدها، لأجل ولدها، كالأم التي تربي أولادها.
خامساً: الماخض، وهي الحامل التي حان ولادها.
سادساً: الأكولة، وهي السمينة.
سابعاً: شرار المال وكرائمه، أي: أسوأه وأحسنه، لحديث معاذ: (إياك وكرائم أموالهم)، فإذا جاء جامع الزكاة إلى صاحب المال، قسم صاحب المال ماله إلى ثلاث: خيار، وشرار، ووسط، فيأخذ جامع الزكاة من الوسط، ويجتنب الأصناف الأولى التي ذكرناها.
ثم قال رحمه الله تعالى: [إلا أن يتبرعوا به]، يعني: أن صاحب المال إذا تبرع بالخيار جاز أخذه، كأن يعطي (حقة)، والواجب في حقه (بنت مخاض)؛ لأن المنع من أخذه لحقّه فجاز برضاه، كما لو دفع فرضين مكان فرض، كأن يلزمه بنت مخاض فأخرج بنتين.
(27/2)
________________________________________
ما الذي يخرج من زكاة الأنعام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يخرج إلا الأنثى الصحيحة]، أي: شاة، [إلا في ثلاثين من البقر]، أي: تبيعة أو تبيع، فيجوز في البقر أن تخرج ذكراً أو أنثى، لكن الأصل أن تخرج أنثى؛ لأنها تحمل لحمل أكثر من الذكر.
ثم قال: [وابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها]، يعني: إذا انعدمت بنت المخاض عنده جاز له أن يخرج ابن لبون عنها.
قال: [إلا أن تكون ماشية كلها ذكور فيجزئ واحدة منها]، لأن الزكاة وجبت مواساة، والمواساة إنما تكون بجنس المال.
قال: [ولا يخرج إلا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز]، والثنية من المعز ما لها سنة، والجذعة من الضأن ما لها ستة أشهر، بخلاف جذعة المعز في الأضحية فلا تجزئ، ولذا قال الشارح: [ولأن جذعة الضأن تجزئ من الأضحية بخلاف جذعة المعز، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام لـ أبي بردة: (تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك).
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [إلا أن يختار رب المال إخراج سن أعلى من الواجب، فله ذلك؛ لما روى أبو داود عن أبي بن كعب: أن رجلاً قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، فزعم أن مالي فيه بنت مخاض فعرضت عليه ناقةً فتية سمينة، فقال له صلى الله عليه وسلم: (ذلك الذي وجبت عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك)، فقال: ها هي ذه يا رسول الله! فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبضها ودعا له بالبركة.
ثم قال: [أو تكون ماشيته كلها صغاراً فيخرج صغيرة]، يعني: ليس عنده إلا هذا السن فيجزئ عنه؛ لأن الزكاة من جنس المال فتجزئ.
فال الشارح: [ويتصور ذلك إذا كان عنده نصاب كبار فأبدلها بصغار في أثناء الحول، أو تولدت الكبار ثم ماتت وحال الحول على الصغار فيجوز إخراج الصغيرة، لقول أبي بكر رضي الله عنه: لو منعوني عناقاً -وهو صغير السن- كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها"، ولا تؤدى العناق إلا عن الصغار.
].
قال رحمه الله: [وإن كان فيها صحاح ومراض وذكور وإناث أخرج صحيحة كبيرة على قدر المالين]؛ لأن الزكاة مواساة فيجب أن تكون من رأس المال.
ثم قال: [فإن كان فيها بخاتي وعراب، وبقر وجواميس، ومعز وضأن، وكرام ولئام، وسمان ومهازيل، أخذت الفريضة من أحدهما]، أي: من أوسطهما، فلا يأخذ من صنف ويترك صنفاً، بل يراعي أن يأخذ من كل الأصناف.
(27/3)
________________________________________
زكاة السائمة
ثم أخذ المصنف في بيان زكاة السائمة، ولأهميتها يسميها الفقهاء بـ (الخلطة)، فهل تؤثر الخلطة في زكاة غير السائمة؟ الجمهور: لا، فلو أن شريكاً دفع خمسين ألفاً، والشريك الآخر كذلك، ثم في نهاية السنة عملا جرداً لبضاعتهم، فخرج نصاب أحدهم كذا، ونصاب الآخر كذا، فهل يجزئ أن يخرج أحدهم الزكاة عنهم الاثنين؟ لا، بل لا بد أن يخرج كل واحد زكاة نصابه إذا حال عليه الحول، وهذا ما يسمى بـ (عدم اعتبار الخلطة).
وأما في السائمة فالخلطة تؤثر، فلو أن رجلاً عنده عشرين شاة، والآخر كذلك، فإن قلنا: بعدم الاختلاط، فلا زكاة على أحدهما، ولو قلنا: بالخلطة، فتجب عليهما الزكاة، وهي شاة وهنا نشرع في شروط الخلطة الصحيحة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن اختلط جماعة في نصاب من السائمة حولاً كاملاً]، أي: لا بد أن تكون الخلطة في كل الحول، قال: (وكان مرعاهم وفحلهم ومبيتهم ومحلبهم ومشربهم واحداً)، أي: أن ترعى مع بعضها البعض، وفحلهم ومبيتهم ومحلبهم ومشربهم واحد، ثم قال: [فحكم زكاتها حكم زكاة الواحد].
قال الشارح: [سواءً كانت خلطة أعيان بأن تكون مشاعاً بينهما، أو خلطة أوصاف بأن يكون مال كل واحد منهما متميزاً فخلطاه واشتركا في المراح والمسرح والمحلب والمشرب والراعي والفحل، فإن اختل شرط منها أو ثبت لهما حكم الإنفراد في بعض الحول زكيا زكاة المنفردين فيه].
فلو أن فحل غنم شخص يختلف عن فحل غنم شخص آخر، فلا تجب الزكاة؛ لأن من شروط الزكاة أن يشترك في الفحل والمرعى والمبيت والمحلب والمشرب، أي: خلطة كاملة.
ثم قال الشارح: [فإذا اختل شرط منها أو ثبت لهما حكم الإنفراد في بعض الحول زكيا زكاة المنفردين فيه، الأصل في الخلطة ما روى أنس في حديث الصدقات: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) "].
مثال ذلك: لو أن رجلاً يملك أربعين من الغنم، ثم جاء في نصف الحول وقسمها إلى نصفين: نصف في الشرقية، وآخر في الدقهلية؛ حتى يهرب من الزكاة، فإنه لا عبرة أبداً بهذه الفرقة.
(27/4)
________________________________________
شروط الخلطة
قال الشارح: [ويعتبر للخلطة شروط أربعة: الأول: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة]، أي: بين مسلم ومسلم، لا بين مسلم ونصراني مثلاً، ولذا قال: [فإن كان أحدهما مكاتباً أو ذمياً فلا أثر لخلطته؛ لأنه لا زكاة في ماله فلم يكمل النصاب به].
قوله: (مكاتباً)، المكاتب: هو العبد الذي كاتب سيده على مبلغ من المال مقابل أن يعتقه.
[الثاني: أن يختلطا في نصاب]، أي: لا بد أن يبلغا النصاب سوياً، [فإن كان دونه مثل ثلاثين شاة لم تؤثر الخلطة، سواء كان لهما سواه أو لم يكن؛ لأن المجتمع دون النصاب].
[الشرط الثالث: أن تكون الخلطة في السائمة فلا تؤثر في غيرها؛ لأن النص اختص بها]، يعني: أن لا تعتبر الخلطة إلا في السائمة فقط، وما عدا ذلك فلا، فلو أن امرأة عندها مائتان جرام من الذهب، وأختها كذلك، فجمعتا الكل، فإنه لا عبرة بهذه الخلطة، وإنما تجب على كل واحدة منهن الزكاة منفردة إذا حال عليها الحول.
وكذلك: إذا كانت إحداهن تملك خمسين جراماً من الذهب، والأخرى كذلك، ثم جمعتا الكل، فإنه لا زكاة على أي منهما؛ لأن كل واحدة منهن ملكن أقل من النصاب.
[الرابع: أن يختلطا في ستة أشياء لا يتميز أحدهما عن صاحبه فيها وهي: المسرح، والمشرب، والمحلب، والمراح، والراعي، والفحل]؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي، نص على هذه الثلاثة فنبه على سائرها، ولأنه إذا تميز كل مال بشيء مما ذكرنا لم يصيرا كمال الواحد في المؤنة].
[الخامس: أن يختلطا في جميع الحول، فإن ثبت لهما حكم الانفراد في بعضه زكيا زكاة المنفردين فيه؛ لأن الخلطة معنى يتعلق به إيجاب الزكاة فاعتبرت في جميع الحول كالنصاب].
قال: [وإذا أخرج الفرض من مال أحدهم رجع على خلطائه بحصصهم منه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)، رواه أنس في حديث الصدقات].
قال: [ولا تؤثر الخلطة في غير السائمة، وعنه - عن أحمد - تؤثر في شركة الأعيان؛ لعموم الخبر، ولأنه تجب فيه الزكاة فأثرت فيه الخلطة كالسائمة، ودليل الأولى قوله: (الخليطان ما اجتمعا على الحوض والراعي والفحل) رواه الدارقطني، وهذا مفسر للخلطة شرعا فيجب تقديمه؛ ولأن الخلطة في السائمة أثرت في الضرر كتأثيرها في النفع، وفي غيرها لا تؤثر في النفع لعدم الوقص فيها، وقوله عليه السلام: (لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة)، دليل على اختصاص ذلك بالسائمة التي تقل الصدقة بجمعها لأجل الأوقاص بخلاف غيرها].
(27/5)
________________________________________
الأسئلة
(27/6)
________________________________________
حكم من مات في مرضه وعليه أيام لم يصلها

السؤال
رجل مريض دخل في غيبوبة الموت، فترك الصلاة أياماً ثم مات، فهل يجوز لوليه أن يصلي عنه؟

الجواب
نعم، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ لأنه ما تمكن من أداء الصلاة، فيجوز لوليه أن يصلي عنه، وهذا من باب الإحسان، والله تعالى أعلم.
(27/7)
________________________________________
حكم افتتاح عقد الزواج بالقرآن

السؤال
هل من السنة أن يفتتح عقد الزواج وغيرها من الاحتفالات المشروعة بالقرآن الكريم؟

الجواب
ليس من السنة أن نبدأ عقد الزواج بقراءة القرآن، والله تعالى أعلم.
(27/8)
________________________________________
عدم وجود صيغة محددة لعقد الزواج

السؤال
هل يوجد صيغة محددة لعقد الزواج؟

الجواب
لم يحدد العلماء صيغة معينة لعقد الزواج، وإنما اشترطوا أن يكون فيها قبول وإيجاب، فيقول الموجب: زوجتك، أو أنكحتك ابنتي فلانة، والآخر يقول: قبلت.
(27/9)
________________________________________
حكم من حلف على امرأته بالطلاق قبل أن يبني بها

السؤال
ما الحكم في رجل عقد على امرأة ولم يبنِ بها، ثم حلف على امرأته بالطلاق ولم تطعه، مع العلم أنه كان في ساعة غضب شديد، فهل يقع الطلاق؟

الجواب
يقع الطلاق، ولا تحل له إلا بعقد ومهر جديدين؛ لأنها غير مدخول بها، وليس لها عدة.
(27/10)
________________________________________
موعد أذان صلاة الفجر

السؤال
بعض المساجد يؤذن فيها المؤذن لصلاة الفجر أذانين، ولكن بهذه الكيفية: يؤذن مع أذان الإذاعة، ثم بعد نحو ثلث ساعة يؤذن الأذان الثاني، فهل تطبيق هذه السنة بهذه الكيفية صحيحة؟ وهل معنى هذا أن التقويم المعمول به غير صحيح؟

الجواب
الذين يفعلون هذا عليهم أن يتقوا الله عز وجل، فبدلاً من أن يشككوا الناس في مواقيت الصلاة، عليهم أن يدعوا الناس في صلاة الفجر ويقوموا للصلاة هم، أما أن نزعزع الأوقات ونحدث فتنة فلا، ويكفي في دخول الوقت غلبة الظن، ثم لو كان الوقت خاطئاً فالإثم على من حدد لنا الوقت، ونحن غير خبراء في الأرصاد، فلماذا نكلف أنفسنا فوق طاقتها؟! ولماذا نحدث فتنة ونعمل مشكلة؟! الأمر الذي دفع الدكتور طه حبيش أن يكتب: شيطان الدعاة يتلاعب بوقت الصلاة، ثم لماذا نثير فتناً في المجتمع؟ اتركوا الكلام هذا حفظكم الله، وربع ساعة بعد الأذان الأول كافية، والإذاعة تبقى ربع ساعة ولا حرج، والتواشيح وقراءة القرآن والفاتحة لسيدنا فلان من البدع التي لا تجوز، ثم إنه ورد في الحديث عند البخاري: كنا نصلي بغلس، ونخرج ولا يعرفن النساء، أي: لم يزل الوقت ظلاماً، ولا ترى المرأة أختها من شدة الظلام.
لذا فلا داع لمثل هذه الأمور التي تشغلنا عن أمور أهم، فنصير كالجدل البيزنطي الذي كان سبباً في احتلال مدينة من مدنهم، وهم يتجادلون في دم البعوضة، هل ينقض الوضوء أم لا؟! فتركوا العدو يحتل البلد وهم غارقون في إثارة أمور لا فائدة منها.
ثم إنه قد اجتمع العلماء: الشيخ صفوت نور الدين والشيخ أبو إسحاق والشيخ محمد حسان ومجموعة من العلماء وأصدروا بياناً في مجلة التوحيد بأن وقت الفجر الحالي صادق ولا داع للتشكيك فيه.
أيضاً الصحوة الإسلامية قد تأخرت مئات السنين بسبب سلوك بعض المنتسبين إليها، وأنا أقول هذا الكلام وأنا مسئول عنه، فسلوك البعض يؤخرنا سنوات، فيوم أن خرجت جماعة ترى تغيير المنكر باليد، ويوم أن ظهرت مسألة التكفير والقدح في الناس واتهام النيات، وتسفيه العلماء، ومسائل كثيرة أخرى، كلفت الأمة أموراً عظيمة.
لذا أقول: يا عبد الله! عليك بأهل العلم، ولا تندفع بمفردك، فحماس الشباب يحتاج إلى ضبط، والله تعالى أعلم.
وأنا بكلامي هذا لا أنتقد أحداً بعينه، ولا أقصد شيخاً معيناً، وإنما الكلام عام، ونحن نحب ونجل الجميع، والعلماء جميعاً فوق رؤوسنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبناً وإسرافنا في أمرنا، اللهم تقبل منا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، آمين آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(27/11)
________________________________________
العدة شرح العمدة [28]
الزكاة واجبة في كل حب وثمر يكال ويدخر ويبلغ نصاباً ويكون مملوكاً وقت إخراج الزكاة، والمعادن إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول ففيها ربع العشر.
(28/1)
________________________________________
زكاة الخارج من الأرض
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر:3]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب الزكاة، وبعد أن انتهينا من زكاة الأنعام ببيان أقسامها الثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم، وبينا الشروط الواجب توافرها، والأنصبة في كل قسم، شرعنا في زكاة الخارج من الأرض.
وقد قسم المصنف الخارج من الأرض إلى قسمين: أحدهما: النبات، والآخر: المعدن.
(28/2)
________________________________________
زكاة النبات
قال في القسم الأول رحمه الله تعالى: [فتجب الزكاة منه في كل حب وثمر يكال ويدخر] قد ذكرنا فيما مضى: أن الأحكام التكليفية خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومحرم، ومكروه، والواجب هو الفرض عند جمهور العلماء، خلافاً للأحناف الذين فرقوا بين الفرض والواجب.
لذا قال المصنف: (تجب الزكاة منه في كل حب وثمر يكال ويدخر)، وقد اشترط جمهور العلماء خمسة شروط -سأذكرها بعد قليل- لوجوب الزكاة في الزروع؛ لقوله سبحانه: {أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة:267]، فقوله: ((ومما أخرجنا لكم من الأرض))، تبين أن الخارج من الأرض عليه زكاة، سواءً كان نباتاً أو كان معدناً، بينما الأحناف تمسكوا بظاهر الآية فقالوا: قوله: (ومما أخرجنا لكم من الأرض)، أي: كل ما خرج من الأرض فعليه زكاة، سواءً كان مما يدخر أو لا، وسواء كان مما يكال أو لا، وعليه فالقطن عليه زكاة عند الأحناف، وعند الجمهور ليس عليه زكاة؛ لأنه لا يكال ولا يدخر ولا يقتات، كذلك بالنسبة للفواكه، كالكمثرى والجوافة والمانجو وغيرها ليس عليها زكاة عند جمهور العلماء، وعند الأحناف تجب فيها الزكاة.
وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) أي: أن النبات الذي يسقى بماء السماء أو بالعيون ففيه العشر، لأنه لا يسبب لصاحب الزرع مشقة ولا جهد ولا عناء ولا نصب ولا تعب في السقيا، وكذلك النبات العثري، وهو: النبات الذي يمتص الماء من الأرض، فعنده قوة امتصاص.
وأما النبات الذي يسقى بالنضح، أي: بجهد ومشقة، ففيه نصف العشر.
(28/3)
________________________________________
شروط زكاة النبات عند الجمهور
وقبل أن نشرع في بيان هذه الشروط نضع سؤالاً فنقول: هل يشترط للزروع حول؟
و
الجواب
لا، وإنما يؤدى حقها يوم حصادها، قال تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141]، بخلاف الأنعام السائمة، وعروض التجارة، والنقدين، فلابد فيها من الحول.
قال الشارح: ولا تجب إلا بخمسة شروط: أحدها: أن يكون حباً أو ثمراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا زكاة في ثمر ولا حب حتى يبلغ خمسة أوسق).
الثاني: أن يكون مكيلاً -يعني: يكال- لتقديره بالأوسق، وهي مكاييل فيدل ذلك على اعتبارها، وللشيخ ابن باز رحمه الله تحقيق في ذلك، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية: ويوزن، أي: مما يكال أو يوزن.
الثالث: أن يكون مما يدخر؛ لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر -وعليه فالفاكهة لا تدخر، والأرز والحنطة والقمح والذرة تدخر- ولأن غير المدخر لم تكمل ماليته لعدم التمكن من الانتفاع به في المال، أي: أن غير المدخر يؤكل في الحال، أما المدخر فينتفع به في المستقبل.
الرابع: أن يبلغ نصاباً قدره بعد التصفية -أي: إزالة ما علق به من القشور- في الحبوب والجفاف في الثمار خمسة أوسق، وعليه فالعنب بعد جفافه فيه زكاة؛ لأنه تحول إلى زبيب، والزبيب مما يكال، وكذلك البلح بعد أن يتحول إلى تمر، فتستطيع أن تدخره وأن يكال، ثم قال: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)، والوسق ستون صاعاً، حكاه ابن المنذر إجماعاً).
أي: يعادل ما يقرب من ثمانية أقداح، وبالكيلو يعادل ما يقرب من اثنين وخمسين كيلو، والصاع أربعة أمداد.
وعليه؛ فمن ملك هذا النصاب ففيه زكاة، فإن سقي بالسماء ففيه العشر، وإن سقي بالنضح ففيه نصف العشر، ويجب أن يتنبه إلى أن على المسلم أن يخرج الأحسن والأفضل من ماله؛ لقوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267]، أي: لا تستبدلوا الرديء بالحسن، قال الشاعر: إن في القرآن آية ذكرها للقلب طب لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبوا لكن قضيتنا في الزكاة أننا استبدلناها بالمكوس.
و (الضرائب) التي تسوي بين الغني والفقير، فلو أن رجلاً يملك الملايين، والآخر يملك القليل من المال، فإنهما يخضعان للضريبة بنفس الأعباء، وهذا هو قانون الضريبة الموحدة، فهذا يأخذ أعباء ثلاثة آلاف، والثاني كذلك! أيضاً: إن تأخر عن السداد فيلزمه هذا القانون بفائدة محرمة، عن تأخير شهر واحد 1%، بحيث تصبح في السنة 12%، فيكون معسراً وغير قادر على السداد، والأمر الذي دعا إلى الضحك والعجب: أن رجلاً اقترض من بنك الائتمان الزراعي مبلغ خمسين ألف جنيه، وتوقف عن السداد لمدة عشر سنوات، فوصلت الفائدة عليه إلى تسعين ألفاً، غير أصل المال الذي اقترضه! فقلت: يا قوم! إن الرجل عاجز عن سداد الأصل، وفوق ذلك أرهقتموه وكبلتموه بالفائدة، والله يقول: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، وبالتالي فأي قرض يزيد بمضي المدة يعتبر ربا، وأي عقد يقبل فيه صاحبه بالزيادة فهو ربا، كأن يشتري شقة من البنك، بشرط إن تأخر عن السداد في أول كل شهر يخضع للفائدة.
ثم قال: (الشرط الخامس: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة، لقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج:24]، فلا تجب فيما يكتسبه اللُّقاط، ولا ما يأخذه بحصاده، ولا ما يجتنيه من المباح كالبُطم والزعبل ونحوه).
أي: لا بد أن يمتلك الزرع عند وجوب الزكاة، فلا تجب فيما يكتسبه اللقاط، لأنه امتلكها عند عدم وجوب الزكاة عليه، وكذلك النبات الذي يخرج دون سبب مباشر منه، والذي يسميه بعض الجهال بـ (النبات الشيطاني)، ولا ما يأخذه بحصاده، بمعنى: أنك إذا أعطيت رجلاً حباً أو ثمراً مقابل عمله، فلا تجب عليه الزكاة، وإنما تجب الزكاة على من يملك الثمرة على شجرتها.
ثم قال: (ويجب العشر فيما سقي من السماء والسيوح، ونصف العشر فيما سقي بكلفة) -أي: بمشقة- للخبر في أول الباب).
(28/4)
________________________________________
وجوب الزكاة عند بدو الصلاح في الثمار واشتداد حبها
قال: (وإذا بدا الصلاح في الثمار واشتد الحب وجبت الزكاة، أي: إذا اشتد الحب وهو في سنبله، ثم قال: لأنه حينئذ يقصد للأكل والاقتيات فأشبه اليابس، وقبله لا يقصد لذلك فهو كالرطبة).
قال: (ولا يخرج الحب إلا مصفى، ولا التمر إلا يابساً؛ لما روى عتاب بن أسيد قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً)، رواه أبو داود.
ولأنه أوان الكمال وحال الادخار، فلو أخرج الزكاة قبل الجفاف لم يجزه ولزمه الإخراج بعد التجفيف؛ لأنه أخرج غير الفرض فلم يجزه كما لو أخرج الصغير من الماشية عن الكبار، يعني: كما لو أخرج بنت المخاض بدلاً من ابنة اللبون، أو أخرج ابنة اللبون بدلاً من الحقة دون أن يدفع الفرق، فهذا لا يجوز؛ لأنه وجب في حقه نوع معين، فلزمه أن يخرجه.
(28/5)
________________________________________
ذكر أشياء لا زكاة فيها
قال: (ولا زكاة فيما يكسبه من مباح الحب والثمر، ولا في اللقاط، ولا فيما يأخذه أجره لحصاده؛ لأن هذه الأشياء إنما تملك بحيازتها وأخذها، أي: أن الذي ملك هو الذي يملك الثمرة أو الحب وهي على سوقها، أما الذي أخذ بعد ذلك فهي حيازة وليست ملكية حقيقة)، ثم قال: (والزكاة إنما تجب في الحبوب والثمار إذا بدا صلاحها، وفي تلك الحال لم تكن ملكاً له فلا يتعلق به الوجوب ويصبر كما لو وهب نصاباً بعد بدو صلاحه أو اشتراه أو ملكه بجهة من الجهات لم تجب زكاته اتفاقاً.
وهنا

السؤال
لو أن رجلاً زرع عند رجل آخر على أن يأخذ هذا النصف وهذا النصف، فإن الزكاة تجب على هذا بمقدار ما يملك، وعلى هذا بمقدار ما يملك.
(28/6)
________________________________________
حكم ضم صنف إلى غيره من غير جنسه لتكميل النصاب
قال: ولا يضم صنف من الحب والثمر إلى غيره في تكميل النصاب، أي: لو أن رجلاً يملك خمسين كيلو من الأرز، فلا زكاة عليه، لأنه لم يبلغ النصاب بعد، وعنده كذلك سبعة كيلو من القمح، فلا زكاة عليه فيهما وإن خلطهما؛ لأنه لا اعتبار للخلطة إلا في السائمة بشروطها التي ذكرناها سابقاً.
ثم قال: لأنهما جنسان مختلفان فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالماشية.
قال: فإن كان صنفاً واحداً مختلف الأنواع كالتمور ففيه الزكاة، فلو أن رجلاً يملك تمراً نوعه كذا، وتمراً آخر نوعه كذا، وتمراً آخر نوعه كذا، فالنوع واحد والصنف مختلف، فيجوز أن يضاف بعضه إلى بعض في تكميل النصاب كما تضم أنواع الحنطة، وليحذر المسلم من ربا الفضل في الأنواع الستة: الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح، كما في حديث بلال حينما جاء بتمر جيد من خيبر، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (يا بلال أوكل تمر خيبر هكذا؟)، فقال: لا يا رسول الله، إنما هذا تمر جيد استبدلناه بتمر رديء -يعني: آخذ مثلاً اثنين كيلو جيد وأعطي خمسة كيلو رديء- فقال: (هو عين الربا يا بلال)؛ لأن التمر بالتمر والفضل ربا، وطالما أنه يخضع لربا الفضل فلا بد أن يكونا متساويين في القيمة، لكن إن اختلفت الأجناس فلا ربا، وربا الفضل عند جمهور العلماء لا يكون إلا في هذه الستة الأنواع فقط، فلو أن رجلاً أعطى جلابية ورداء لآخر، وأعطاه الآخر بدل ذلك قميصاً، فلا ربا، لأنه لم يقل: والقميص بالقميص والفضل ربا، وكذلك رجل يمتلك سيارة فاستبدلها بأخرى أحسن منها ودفع الفرق فليس هذا ربا؛ لأن ربا الفضل في هذه الأنواع الستة المبينة في الحديث.
وعلى ذلك يحرم أن يشتري المسلم الذهب أو الفضة بالآجل، وإنما لابد أن يكون يداً بيد، ومثلاً بمثل في مجلس العقد، والشيخ ابن عثيمين له كتاب اسمه: (الفتاوى الذهبية)؛ لما في أسواق الذهب من مخالفات شرعية، إذ قد يبيع أحدهم ذهباً قديماً للبائع، فيزن البائع هذا الذهب ويقدره، ثم يأتي له بذهب جديد ويقول له: أعندك فرق مائة جنيه؟ فأعطاه، فهذا هو عين الربا، وكان المفروض أن يبيع القديم أولاً ويقبض ثمنه، ثم يشتري منه أو من غيره، فهذه مخالفة تحدث في سوق الذهب، وغيرها الكثير، حتى قال الشيخ رحمه الله في فتاويه: لو أنك اشتريت الذهب بشيك بنك غير مقبول الدفع فلا يجوز، لكن لو كان الشيك مقبول الدفع جاز؛ لأنه في حكم المال.
الشيخ: وكل ما يقوم مقام النقدين (الذهب والفضة) فإنه يأخذ نفس الحكم، كالأوراق النقدية.
قال: ويخرج من كل صنف على حدته؛ لأن الفقراء بمنزلة الشركاء، يعني: لو أن رجلاً عنده أرز وذرة وقمح، فيخرج من الأرز أرزاً، ومن القمح قمحاً، ومن الذرة ذرة، من كل صنف على حدته، ولا يخرج الرديء عن الجيد، لقوله سبحانه: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267]، وإن أخرج الجيد عن الرديء جاز له وله أجره، يعني: رجل عنده الأنواع المتوسطة كلها رديء، فيخرج من الرديء، لكنه أراد أن يخرج الجيد فله ذلك، كمن وجبت عليه ابنة مخاض فأخرج بإرادته ابنة لبون، فهذا تُقبل منه على سبيل الفضل، لكن لا نلزمه بها.
(28/7)
________________________________________
زكاة المعدن
قال: النوع الثاني: المعدن، فمن استخرج من معدن نصاباً من الذهب أو الفضة أو ما قيمته نصاب من الجواهر أو الكحل والصُّفر والحديد أو غيره فعليه الزكاة في الحال ربع العشر من قيمته.
أي: من استخرج من باطن الأرض حديداً أو نحاساً أو رصاصاً أو أي نوع آخر ففيه في الحال ربع العشر، لكن بشرط أن يكون المعدن قد بلغ نصاب أحد النقدين (الذهب أو الفضة)، فالذهب 85 جراماً عيار أربعة وعشرين وليس واحداً وعشرين كما يفهم البعض، والفضة 595 جراماً، والأصلح للفقير أن يقدر بنصاب الفضة؛ لأننا لو قدرناه بالذهب لخرج الكثير من الأغنياء عن هذا النطاق.
ثم قال: لقوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة:267]، وعليه فالبترول معدن، فيلزم فيه ربع العشر.
قال: وروى الجوزجاني بإسناده عن بلال بن الحارث المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من معادن القبيلة الصدقة وقدرها ربع العشر؛ ولأنها زكاة في الأثمان فأشبهت سائر الأثمان، أو تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة التجارة، ولا يعتبر لها حول؛ لأنه يراد لتكامل النماء، أي: أن العلة في الحول هي: تكامل النماء، أما الخارج فقد نما يوم أن أخرجناه، قال: وبالوجود يصل إلى النماء فلا يعتبر له حول كالعشر، يعني: كالنبات يوم أن يخرج تجب فيه الزكاة.
ثم قال: ولا يخرج إلا بعد السبك والتصفية، كالحب والثمرة.
قال: ولا شيء في اللؤلؤ والمرجان والعنبر والسمك؛ لأن ابن عباس قال: لا شيء في العنبر إنما هو شيء ألقاه البحر؛ ولأنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه فلم تسبق فيه سنة، وعلى قياسه اللؤلؤ والمرجان، وعنه -أي: عن أحمد - فيه الزكاة قياساً على العنبر.
لذلك فإن من ثراء المذهب الحنبلي أن فيه أكثر من رواية، وقلما تجد رواية من روايات الإمام أحمد إلا ويقابلها رأي عند المذهب الآخر، فتجد مثلاً في مذهب الشافعي أو مذهب أبي حنيفة رأياً يقابل رواية عند أحمد رحمه الله تعالى، وسبل ترجيح الروايات في المذهب قد فصلها صاحب الإنصاف في: (الراجح من مسائل الخلاف) داخل المذهب الواحد، وهناك رسالة ماجستير مكونة من مجلدين، تناول فيها صاحبها: المسائل التي لم يختلف فيها أحمد موافق مع باقي الفقهاء الثلاثة، ورسالة دكتوراه لـ أحمد موافق في دار العلوم، والمسماه بـ (الاختيارات العلمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، ابن تيمية الذي قد وافق المذاهب في بعض الأحكام، كما خالف ثلاثة واتفق مع واحد، وخالف الأربعة في بعض المسائل، وقد أتى الباحث بهذه الآراء الفقهية لشيخ الإسلام وأثبت أن لها أصلاً من أقوال السلف، ولم ينفرد في مسألة برأيه، وإنما لها أصل عن الصحابة أو عن التابعين، وقد بلغت هذه الرسالة ثلاثة مجلدات.
(28/8)
________________________________________
الأسئلة
(28/9)
________________________________________
حكم وضع المصحف على الأرض

السؤال
كثير من الإخوة يضعون المصاحف على الأرض بحجة أن الأرض طاهرة، أو أن المصحف فوق الكتاب أو الكيس أو المنديل، وأثناء الزحام عندما يتخطى بعض الإخوة الرقاب منهم من يطأ المصحف بقدمه، فما حكم ذلك؟

الجواب
وضع المصحف على الأرض محاذياً للأقدام لا يمكن أن يقبل بأي حال من الأحوال، لأنه يعلو ولا يعلى عليه، ولأن فيه أيضاً امتهاناً للمصحف، وقد رأيت منذ سنتين في الحرم من يضع المصحف بجوار قدمه ثم قام يصلي، ورأيت رجلاً من موريتانيا أو غيرها يبكي بشدة ويشير إلى المصحف، لذا كان من سوء الأدب وعدم احترام المصحف أن تلقيه وتضعه محاذياً للقدم ثم تقوم تصلي، وربما جاء متخطٍ للرقاب فداس عليه، لذلك قال الفقهاء: لا يجوز أن تدخل المصحف إلى بلاد الكفر، ولا إلى دورة المياه؛ تعظيماً له ومعرفة لقدره، إلا إذا خاف عليه الضياع، وممكن قبل ذلك أن تستأمن أحد الناس فيه.
(28/10)
________________________________________
حكم الأخذ من اللحية

السؤال
هل يجوز الأخذ من اللحية؟

الجواب
لا يجوز الأخذ من اللحية قولاً واحداً، وحديث ابن عمر: أنه قبض القبضة وأخذ ما زاد عليها فعل، والرواية تقدم على الفعل، أي: عندما تتعارض رواية الصحابي مع فعله نقدم الرواية كما عند علماء الأصول، ومثله حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب)، روى هذا الحديث أبو هريرة، وأبو هريرة كان يغسل ثلاثاً، فنقدم روايته على فعله، وهناك عدة أحاديث أمرت بإعفاء اللحية، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعفوا اللحى)، وقوله: (أرخوا اللحى)، وقوله: (وفروا اللحى)، كما جاء أيضاً في كتاب البخاري في كتاب الصلاة: أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يعرفون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العصر باضطراب لحيته عليه الصلاة والسلام، ومعنى ذلك: أنها كانت كثة تزيد عن القبضة بكثير، والله تعالى أعلم.
(28/11)
________________________________________
حكم الشرط بسداد غرامة في حالة التأخر عن دفع القسط في بيع التقسيط

السؤال
أريد أن أشتري شقة ولا أملك لها المبلغ الكلي، فألجأ إلى التقسيط، ويوجد في العقد شرط بسداد غرامة في حالة التأخر عن دفع القسط، علماً بأن جميع الشركات تعمل بهذا النظام، فما حكم ذلك؟

الجواب
لا يجوز؛ لأن ذلك هو عين الربا، وسواء سموها فائدة أو غرامة أو أي اسم آخر، والله تعالى أعلم.
(28/12)
________________________________________
حكم البيع بالتقسيط مع الزيادة في ثمن السلعة

السؤال
اشتريت سلعة بالتقسيط مع الزيادة في ثمنها الأصلي، فما حكم ذلك؟

الجواب
جمهور العلماء على جواز البيع بالتقسيط مع ارتفاع السعر، ولا بأس بهذا البيع، لكن المشكلة الآن أنه يقول: ثمنه الآجل بنسبة الفائدة المعلنة في البنك، ثم يحسب بسعر الفائدة، وهذه مشكلة، وكان يمكنه أن يحدد للسلعة ثمناً فورياً عاجلاً وثمناً بالتقسيط، والمستهلك بعد ذلك بالخيار، أما أن يحسب الفائدة المعلنة باعتبار أنها في البنك كذا، فهذه هي الشبهة، والله تعالى أعلم.
(28/13)
________________________________________
حكم التنكيس في القراءة

السؤال
ما حكم التنكيس؟

الجواب
إذا كان المراد بالتنكيس أن يقرأ السورة من آخرها إلى أولها، فهذا حرام بإجماع العلماء، كأن يقرأ البقرة من قوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ} [البقرة:285]، إلى أن يصل إلى قوله: {الم} [البقرة:1].
وأما التنكيس المراد به أن يقرأ سورة قبل سورة فهذا خلاف بين العلماء، والراجح: الجواز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في قيام الليل بسورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران، وآل عمران كما هو معلوم قبل النساء، وأيضاً: عثمان رضي الله عنه قرأ من آخره ثم من أوله، وقال: كله قرآن، والنووي في كتابه القيم في علوم القرآن: (التبيان في آداب حملة القرآن) قال: لكنه خلاف الأولى، والأولى أن يقرأ على الترتيب الموجود في المصحف، والله تعالى أعلم.
(28/14)
________________________________________
حكم أخذ المال الزائد عن الأصل من البنك

السؤال
أنا شاب بلغت من العمر الواحد والعشرين عاماً، وقد توفي والدي وأنا صغير، وحول لي مبلغ خمسة آلاف، فقامت عائلتي بإيداع هذا المبلغ لدى البنك كوديعة حتى أكبر، فاستلمت خمسة وعشرين ألفاً، فهل هذا المال الزائد حرام؟

الجواب
من شروط التكليف عند علماء الأصول: أن يكون المكلف مختاراً للفعل، وهذا الولد كان صغيراً لم يختر هذا الفعل، فقول العلماء: يجوز له أن يأخذ المبلغ وما زاد عنه؛ لأنه لا اختيار له فيما تم، والله تعالى أعلم.
(28/15)
________________________________________
حكم تجارة العملة واستبدال نوع من العملة بأخرى

السؤال
ما قولكم في تجارة العملة واستبدال نوع من العملة بأخرى؟

الجواب
لا بأس بذلك طالما قد اختلفت العملة، أي: الجنيه بالدولار، والجنيه بالريال وهكذا، أما إن اتحد الجنس فلا تجوز الزيادة، كخمسة دولار بستة دولار، والله تعالى أعلم.
(28/16)
________________________________________
حكم الانتقال إلى مكان آخر بعد تأدية الفريضة لتأدية السنة

السؤال
بعض المصلين يغير مكان الصلاة بعد الفريضة لأداء السنة الراتبة، فهل هذا الفعل له أصل في السنة؟

الجواب
له أصل عند البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفريضة انتقل من مكانه لأداء السنة)، يقول الحافظ ابن حجر: حتى يعلم الداخل أن الصلاة قد انقضت، ولأن الإمام لو صلى في مكانه لحصل التباس على الناس، أيضاً: أنه يتحرك في أكثر من مكان؛ ليشهد له أكثر من مكان، ويجوز أن تصلي في مكان واحد، والله تعالى أعلم.
(28/17)
________________________________________
الخوف من خلع النقاب بعد لبسه

السؤال
أنا أريد أن ألبس النقاب، لكني خائفة من خلعه بعد لبسه، فماذا تنصحونني؟

الجواب
أنا أخاف عليك أن تموتي قبل أن تلبسي الحجاب، لذا توكلي على الله ولا تؤجلي طاعة أبداً: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه:84]، {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات:50]، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران:133]، والذي يعطلكِ عن هذه المنقبة وهذه المحمدة الشيطان، فالشيطان يقول لك: لا تلبس النقاب؛ لأنك لو لبستيه ربما قد تخلعيه، فيسوف لك هذا العمل.
والإمام النووي له في كتاب: (رياض الصالحين) باب لا بد أن نقرأه، باب: (التعجيل بالطاعة والمسارعة إلى الخيرات) وهذه من سمة المتقين والصالحين، فيا أيتها الأخت الفاضلة بارك الله فيك أدع الله لك أن تخرجي من المسجد وقد ارتديتِ النقاب، فتكثّري جمع الموحدين في زمن الغربة، كما خرج ابن أم مكتوم -مع أنه أعمى- مع المجاهدين يوماً في سبيل الله، فقيل له: يا ابن أم مكتوم أنت أعمى فلماذا خرجت؟ قال: خرجت لأكثّر جمع المسلمين، فتكثير جمع المسلمين مهم جداً، ويوم أن تخرج في صلاة العيد جماعة ونكبر وتخرج النساء الحيض تدخل الرهبة في قلوب المنافقين، وكلما ازددنا نقاباً ولحية ازداد المرجفون والعلمانيون هلعاً وخوفاً، فيا أمة الله! عليكِ أن تلتزمي وأن تكوني أسوة حسنة، (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، أسأل الله أن يثبتكِ على الحق بإذن الله تعالى.
(28/18)
________________________________________
حكم تبديل عملة بعملة أخرى

السؤال
هل ربا الفضل في المعاملات النقدية بأكملها يعني: تبديل الدولار الواحد بستة جنيهات؟

الجواب
لا، لأنه ما دام اختلفت العملة فيجوز ذلك.
(28/19)
________________________________________
نصيحة لمن أراد أن يسافر لطلب العلم والعمل

السؤال
إذا يسَّر الله لي السفر إلى السعودية للعمل في مكة أو المدينة وطلب العلم، فهل من عالم تنصحونني بطلب العلم على يديه؟ وهل الأفضل الزواج قبل الذهاب أم طلب العلم قبل الزواج؟

الجواب
مكة والمدينة تمتلئ بالعلماء، وعليك بشيخنا المبارك الشيخ: محمد المختار الشنقيطي، فهذا رجل بأمة نحسبه كذلك، ولا نزكيه على الله، وهو في الفقه قدم راسخ، ثم الدكتور عبد المحسن العباد في السنة، يعني: شرح البخاري ومسلم والسنن، وهو يحفظ تراجم رجال الصحيح كما تحفظ أنت اسمي واسمك، فإذا قال له الطالب: حدثنا مكي بن إبراهيم، فهو من الذاكرة يعرف متى مات؟ وكم أخرج له البخاري رحمه الله تعالى، فهؤلاء رجال عليك بهم، ونسأل الله لك التوفيق بإذن الله عز وجل.
وإن كنت قادراً على الزواج فبكر به في زمن الفتن، ثم ارحل إلى طلب العلم شهوراً -أربعة أشهر، ويجوز أكثر من ذلك برضا الزوجة عند العلماء- وعد إلى زوجتك ولا تتركها مدة طويلة، ولا نستطيع أن نقول: أجل الزواج لا سيّما في هذا الزمن.
(28/20)
________________________________________
العدة شرح العمدة [29]
الركاز هو الخارج من الأرض من دفين الجاهلية، ويجب في قليله وكثيره الخمس، كما أن مصرفه مصرف الفيء، والأثمان من الذهب والفضة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول ففيها ربع العشر.
(29/1)
________________________________________
زكاة الركاز
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب: (العدة شرح العمدة) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا عند زكاة الركاز.
قال رحمه الله: [وفي الركاز الخمس]، والركاز هو: الخارج من الأرض من نقود الجاهلية أو -إن صح التعبير- من مدافن الجاهلية، ويعرف الركاز أنه من أصول الجاهلية: بأن يكون عليه إشارة قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام؛ ويخرج الخمس منه كالغنيمة.
قال رحمه الله تعالى: [وتجب في قليله وكثيره من أي نوع كان من غير حول لذلك، وتجب على كل واجد له من أهل الزكاة وغيرهم لذلك.
]
(29/2)
________________________________________
مصرف الركاز
ثم قال: [ومصرفه مصرف الفيء]، أي: أن مصرف الركاز هو مصرف الفيء، ورواية أخرى: أن مصرفه مصرف الزكاة كما سيأتي.
ومصارف الفيء جاء ذكرها في سورة الحشر، فقال تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} [الحشر:6]، ثم قال الله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر:7]، فالفيء هو: المال الذي حصل عليه المسلمون من المشركين والكفار بدون قتال، كما حصل ذلك في بني النظير عندما أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام دون قتال، قال تعالى: ((يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ))، أي: من الداخل، ((وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)) أي: من الخارج، {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2]، ثم قال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر:7]، إذاً: يوزع الخمس بنص الآية على خمسة: الله ورسوله، وذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فلكل واحد من هؤلاء واحد من خمسة.
ثم قال: [ومصرفه مصرف الفيء لذلك، ولأنه روي عن عمر رضي الله عنه: أنه رد بعض خمس الركاز على واجده -باعتباره مسكيناً أو فقيراً- ولا يجوز ذلك في الزكاة]، وكونه يرد على واجد الركاز معناه أنه اعتبره فيئاً ولم يعتبره زكاة.
قال: [وعنه]، أي: عن أحمد رواية أخرى: [أنه زكاة، فمصرفه مصرفها اختاره الخرقي، لأن علياً رضي الله عنه أمر واجد الركاز أن يتصدق به على المساكين؛ ولأنه حق تعلق بمستفاد من الأرض فأشبه صدقة المعدن]، والراجح أن مصرف الركاز هي مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في سورة التوبة.
(29/3)
________________________________________
ملكية الركاز
قال رحمه الله تعالى: [وباقيه لواجده، إن وجده في موات أو أرض لا يُعلم مالكها]، ومعنى: موات: أي: أرض ميتة ليست لأحد، أو أرض صحراوية غير مزروعة.
ثم قال: [لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (في الركاز الخمس) دلالة على أن باقيه لواجده، وإنما اشترط ذلك؛ لأنه إذا وجده في أرض غير موات أو أرض يعلم مالكها آدمياً أو معصوماً أو كانت منتقلة إليه فيه روايتان].
بمعنى: لو أن رجلاً باع أرضه من آخر، ثم وجد هذا الآخر ركازاً في هذه الأرض، والمالك البائع معلوم، فهل الركاز في هذه الحالة يكون للمالك الأول باعتباره المالك الحقيقي، أم للمالك الثاني؟ وكذلك إذا وجد الركاز في أرض غير موات، أي: أنها مزروعة، أو أرض يُعلم مالكها آدمياً أو معصوماً، أو كانت منتقلة إليه، فما الحكم؟ روايتان عن أحمد: [إحداهما أنه يملكه أيضاً؛ لأنه لا يملكه بملك الأرض، لأنه ليس من أجزائها إنما هو مودع فيها فجرى مجرى الصيد والكلأ، يملكه من ظفر به كالمباحات كلها]، إذاً: الرواية الأولى عند أحمد رحمه الله تعالى: أن من عثر عليه يكون مالكاً له.
قال رحمه الله تعالى: [وإذا ادعاه مالك الأرض فهو له مع يمينه لثبوت يده على محلِّه]، أي: أن من باع أرضاً لآخر، وهو يعلم أن بها ركازاً، ثم أتى بعد ذلك وقال لمشتريها: في الأرض التي بعتك ركاز، وهو ملكي، فهو له مع يمينه.
قال: [والرواية الأخرى: هو لمالك الأرض أو لمن انتقلت عنه إن اعترف به، فإن لم يعترف به فهو لأول مالك، لأنه في ملكه فكان له كحيطانه]، أي: إن اختلفوا فهو للمالك الأول مع يمينه، فإذا لم يؤد اليمين ولم تكن له قرينة فهو لمالك الأرض التي انتقلت إليه باعتبار أنه من المباحات وجده ورزق ساقه الله إليه.
(29/4)
________________________________________
زكاة الأثمان
(29/5)
________________________________________
نصاب الفضة والذهب
قال رحمه الله: [باب زكاة الأثمان، وهي نوعان: ذهب، وفضة، ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم]، أي: ما يعادل 595 جراماً، إذ الدرهم الواحد يساوي ثلاثة جرامات، والنصاب بالجنيه المصري تقريباً أكثر من 900 جنيه مصري، إذ سعر الجرام من الفضة جنيه ونصف، فنضرب جنيه ونصف في 595.
ثم قال: [ولا في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً فيجب فيها نصف مثقال]، والعشرون المثقال 85 جراماً، وسعر المثقال الواحد عيار 24: 4.
25 جنيه مصري، والعشرون المثقال بسبعين جنيه مصري، والخمسة والثمانون الجرام بخمسة آلاف وستمائة جنيه، وعليه فمن ملك هذا النصاب من المال فعليه زكاة.
قال: [لما روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب ولا أقل من مائتي درهم صدقة)]، أي: إن ملك أقل من 85 جراماً من الذهب، أو 595 جراماً من الفضة فلا زكاة عليه.
ثم قال: والواجب ربع العشر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (في الرقة ربع العشر) رواه البخاري، وروى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس عليك في ذهبك شيء حتى يبلغ عشرين مثقالاً، فإذا بلغ عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال)]، يعني: ربع العشر.
قال: [والرقة الدراهم المضروبة وهي دراهم الإسلام التي وزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل بغير خلاف].
(29/6)
________________________________________
حكم ما إذا وجد الغش في أحد النقدين
قال: [فإن كان فيها غش] أي: في الذهب أو الفضة، [فلا زكاة فيها حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصاباً]، أي: لا بد أن يكون ذهباً خالصاً وفضة خالصة، ثم قال: [فإن شك في ذلك خُيّر بين الإخراج وبين سبكهما ليعلم قدر ذلك]، قوله: (سبكهما)، أي: يدخلها النار حتى ينفى الخبث، ثم يزن الذهب الخالص أو الفضة الخالصة، [أو يستظهره يخرج ليسقط الفرض بيقين].
(29/7)
________________________________________
زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال والعارية
ثم قال: [ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال والعارية]، والحلي: هو الذهب أو الفضة الذي أُعد لزينة المرأة، ففي المذهب أنه لا زكاة فيه، وهو رأي مالك والشافعي رحمهما الله تعالى، وخالف في ذلك الأحناف وهو الراجح، فقالوا: بزكاة الحلي إذا بلغ نصاباً وحال عليه الحول، والشيخ محمد بن صالح في كتاب: (الشرح الممتع) قد أعد بحثاً ممتعاً في أكثر من عشر ورقات رجح فيه وجوب زكاة الحلي، وساق الأدلة على ذلك، رغم أنه حنبلي المذهب في الدراسة؛ لكن النصوص واضحة، فحينما دخلت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تلبس في يديها سبيكة من ذهب سألها: (أتؤدين زكاة هذه؟ فقالت: لا، فقال: أيسرك أن يسورك الله سوارين من نار يوم القيامة؟)، ولم يسألها: هل تلبسيه للزينة أم لا؟ فالنص كان عاماً، والحديث المطلق كما عند البخاري: (ما من صاحب ذهب ولا فضة)، ولم يبين أنه حلي أو غير حلي، وعليه فالراجح من أقوال العلماء أن الحلي فيه زكاة، وانتصر لهذا الرأي ابن باز رحمه الله تعالى، وكثير جداً من علمائنا المعاصرين انتصروا لهذا الرأي.
قوله: (والعارية)، أي: الذهب المستعار التي تعيره المرأة، ثم قال: [في ظاهر المذهب؛ لما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس في الحلي زكاة) -وهو حديث ضعيف- ولأنه مصروف عن جهة النماء]، أي: أنه لا نماء فيه، فهو لم يلبس للنماء، وإنما: [إلى استعمال مباح تجب فيه زكاة كثياب البدن، وحكى ابن أبي موسى عنه أن فيه الزكاة لعموم الأخبار]، وأقول: إن الذهب المستخدم كالثياب الذي أستخدمه، وقال من لم يوجب الزكاة في الحلي، وهم الجمهور: لو أن رجلاً اقتنى سيارة بمليون جنيه لاستعماله الشخصي، فهل عليه زكاة؟ لا، إذاً فكيف توجبون الزكاة على امرأة تلبس ذهباً قيمته بعض آلاف، وتعفون من الزكاة من اقتنى سيارة قيمتها المليون؟! فنقول لهم: إن النص قد جاء في الذهب دون غيره.
(29/8)
________________________________________
ما يباح من الذهب أو الفضة للرجال والنساء
ثم قال: [ويباح للنساء كل ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة]، أي: أن بعض الآراء الفقهية ميّزت فقالت: إن كان الذهب الذي تتحلى به المرأة خارج عن مألوف بنات جنسها، ففيه الزكاة، وإلا فلا، كأن تضع المرأة في يدها نصف كيلو ذهب، فهذا خارج عن مألوف بنات جنسها، فنوجب عليها الزكاة، بينما أخرى لا تملك إلا مائة جرام من الذهب، فلا نوجب عليها الزكاة، لأنها لا تملك زيادة على بنات جنسها، وعليه فيباح للمرأة أن تلبس ما يباح لبنات جنسها من الذهب، وذلك قول الله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف:18]، أي: البنت عندما تنشأ في الحلية، فتخرق أذناها وتوضع بها الذهب، بعكس الصبية الصغار فلا يجوز أن نأتي لهم بالذهب.
قال: [ويباح للرجال من الفضة الخاتم]، أي: أن للرجل أن يلبس خاتماً من فضة، وهل هذا على سبيل الاستحباب أم الوجوب أم الإباحة؟ يقول الشيخ ابن عثيمين كلاماً بديعاً في ذلك: لو أنك في مجتمع لم يتعودوا على لبس الفضة فلا تلبسه؛ لأنه يعد في حقك لباس شهرة، لذا فبعض المباحات تترك حتى لا تكون شهرة بين الناس، والأمر المباح قد يُترك أحياناً، وهذا الكلام لا بد أن نقيم له اعتباراً؛ لأن البعض الآن قد يأتي بأمور مباحة ويوجبها على نفسه، فيشذ عن مجتمعه حتى يشار إليه بالبنان.
يقول الشيخ ابن عثيمين: لو أنه لبس خاتم الفضة في مجتمع من مجتمعات المسلمين لم يتعودوا على لبسه، ولو لبسه لأصبح شاذاً بين بني جنسه، لزمه عدم اللبس، ثم تحدث عن لبس الساعة -لأن بعض الإخوة يقول: البس الساعة في اليمين- فقال: ولبس الساعة في اليد اليمين ليست من الأمور المشروعة؛ لأنها من أمور العادات وليست من العبادات، أيضاً: أن غير المسلمين لا يميزوا بها، وإنما في مجتمع المسلمين أن لبس الساعة في اليسرى، فحينما تقابل رجلاً يلبس ساعة في اليسرى فلا تقل: هذا غير مسلم، كذلك: العمل يكون باليد اليمنى، فإذا كان الذي يلبس الساعة في اليد اليمنى فإنه سوف يؤذي الساعة، لكن قد يقول البعض: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن.
فنقول له: لكن جرت العادة على أمر ليس فيه تعبد، فلا تحجّر واسعاً.
ثم قال: [وحلية السيف والمنطقة ونحوها]، أي: قد يحلَّى السيف، كأن يكون رأسه من فضة، والمنطقة تكون حول الخاصر، قال: [فأما المعد للكراء -أي: للاستئجار- أو للادخار ففيه الزكاة، إذا بلغ نصاباً، لأنه معد للنماء فهو كالمضروب]، أي: أن الذهب والفضة المعد للإيجار أو للادخار فيه زكاة، أما المعد للاستعمال فليس فيه زكاة، وهذا كلام المذهب.
قال: [وأما المحرم: الذي يتخذه الرجل لنفسه من الطوق وخاتم الذهب ففيه الزكاة؛ لأنه فعل محرم فلم يخرج به عن أصله]، أي: أن الرجل إذا لبس ذهباً وزنه أكثر من 85 جراماً، ففيه زكاة، رغم أن لبس الذهب محرم عليه، وهنا ننبه على أنه لا يجوز للمسلم أن يلبس الدبلة من الفضة فضلاً عن الذهب، لما فيه من التشبه باليهود والنصارى، لكن يقول لي بعض الرجال: يا شيخ! أنا لا أستطيع أن أخلعها، لأن الزوجة ستغضب من ذلك وتقول: لماذا تخلع حبي من قلبك؟! فتربط بين الحب والدبلة، فقل لها: أأستجيب لأمرك أم لأمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟! فلا أريد أن أرى رجلاً مسلماً يلبس دبلة من فضة أو ذهب، ولذلك يحرم بيع الذهب للرجال، وكم أحزن من بعض المحلات الإسلامية التي تبيع الذهب للرجال، وتدّعي أنها إسلامية وتبيع الذهب للرجال! فالله إذا حرّم شيئاً حرّم بيعه وشرائه وثمنه، فلا يجوز أن تبيع الذهب للرجال بحال من الأحوال، وإن جاءك رجل شاب يريد أن يخطب امرأة ويريد منك أن تصنع لها دبلة، وتسجل عليهما اسمهما، فقل له: الذهب حرام عليك، وليس عندي ذهب للرجال، وعليه فلا بد أن يكون عملك مشروعاً يا عبد الله، واتق الله فيما تدخله في جوفك، ولا تقل: كل الناس هكذا، فهذا أمر لا نقبله بحال من الأحوال.
(29/9)
________________________________________
إخراج الزكاة عن المال بعد الحصول عليه
قال رحمه الله: [باب حكم الدين ومن كان له دين على مليء أو مال يمكن خلاصه كالمجحود الذي له بينة والمغصوب الذي يتمكن من أخذه فعليه زكاته إذا قبضه لما مضى]، ومعنى ذلك: لو أن رجلاً له عند آخر مال من سنة، وهذا المال عند مليء، أي: صاحب مال كثير، أو له مال عند آخر يمكن الحصول عليه، كالمجحود الذي له بينة على دعواه في هذا المال، أو له مال عند آخر مغصوب يمكنه أن يحصل عليه، ففي هذه الحالة إذا قبض هذا المال فيلزمه أن يزكي عن السنوات الماضية كلها، وهذا إذا كان نصاباً، وبعض الفقهاء يقولون: يخرج الزكاة عن كل سنة، رغم أن المال غير موجود، لكن الراجح أن يخرج الزكاة متى ما قبض هذا المال، ومثل هذا: مؤخر الصداق بالنسبة للزوجة، فيجب المؤخر إما بموت الزوج، أو بالطلاق، أو بالمطالبة؛ لأنه دين، وعند حصول المرأة على هذا المؤخر يلزمها الزكاة عن كل السنوات الماضية، فهذا رأي بعض الفقهاء وهو المذهب، وبعضهم يقول: تؤدي الزكاة عن السنة التي قبضت فيها المال، وهذا مرجوح.
(29/10)
________________________________________
لا زكاة على الدين المعدوم
قال: [وإن كان متعذراً كالدين على مفلس أو على جاحد ولا بينة به، والمغصوب والضال الذي لا يرجى وجوده فلا زكاة فيه؛ لأن ملكه فيه غير تام، لأنه غير مقدور عليه].
أي: لو أن رجلاً من الناس له عند فلان مبلغ من المال، وفلان هذا مفلس أو جاحد ولا بينة للطرف الآخر، أو المال مغصوب أو ضال لا يرجى وجوده، ففي هذه الحالة لا زكاة على صاحبه، لأنه ملكه فيه غير تام.
قال رحمه الله تعالى: [وحكم الصداق حكم الدين كذلك]، أي: أنه يأخذ نفس الحكم، فلو أن امرأة سمى لها زوجها صداقاً مؤخراً، لكن لم يتم التوثيق، أو جحده، ولم تستطع الحصول عليه، ففي هذه الحالة لا زكاة عليها فيه.
(29/11)
________________________________________
لا زكاة على المدين إذا كان دينه يستغرق النصاب
ثم قال: [ومن كان عليه دين يستغرق النصاب الذي معه فلا زكاة فيه]، أي: لو أن رجلاً يملك عشرة آلاف ريال وحال عليها الحول ففيها زكاة، لكن عليه (30.
000) ريال ديون، فلا زكاة عليه؛ لأن دينه استغرق النصاب، بل يعان من الزكاة.
(29/12)
________________________________________
الأسئلة
(29/13)
________________________________________
حكم شراء الكتب من مال الزكاة

السؤال
هل يجوز شراء الكتب من مال الزكاة؟

الجواب
هو أوجب المصارف في زمن البدعة وعدم العلم، وطالب العلم هو أولى من يعان.
(29/14)
________________________________________
حكم اللعب بالضمنة

السؤال
ما حكم الدين فيمن يلعب بالضمنة والكوتشينة، ويصر على أنها من اللهو المباح، علماً بأنها في هذه الحالة لم تكن تلعب قماراً أو ميسراً، فما الدليل؟

الجواب
لعب الضمنة والكوتشينة حرام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لعب بالنرد شير كأنما غمس يده في لحم خنزير) والحديث في صحيح مسلم، وسواء كان اللعب بهما يحتوي على مقامرة أم لا، والله تعالى أعلم.
(29/15)
________________________________________
حكم الدروس الخصوصية

السؤال
ما حكم الدين في الدروس الخصوصية؟

الجواب
لا بأس بها، بشرط: أن تكون بغير إكراه، وأن لا يكون فيها اختلاط بين البنين والبنات، وأن يتقي المعلم الله فيبذل جهده في الشرح، وأن لا يدخل البيت في غياب المحرم، فكم من مصيبة قد حدثت بسبب هذا، وعليه فلا بأس بذلك طالما ليس فيه مخالفات شرعية، والله تعالى أعلم.
(29/16)
________________________________________
حكم التورك في تشهد الفجر

السؤال
الجلوس في تشهد الفجر تورك أم افتراش؟

الجواب
تورك، لأنه ليس في الصلاة الثنائية افتراش، وإنما الافتراش في الرباعية ذات التشهدين.
(29/17)
________________________________________
حرمة التلاعب بأوقات الصلاة

السؤال
هل وقت أذان الفجر حالياً صحيح أم لا، علماً بأن أحد المشايخ قال: إن وقت أذان الفجر يُرفع قبل موعده بثلث ساعة، ولا تصح الصلاة قبل الميعاد المحدد؟

الجواب
مع احترامي وتقديري لشيخنا الذي ذكرت، واتق الله في السؤال، فلا تكتب اسم الشيخ حتى لا نختلف مع علمائنا، فإن وقت الفجر الحالي صحيح، والصلاة فيه صحيحة، ولا شبهة فيه ألبتة، وما ثبت باليقين لا يزول بالشك، وأهل التخصص أولى بعملهم، ويكفي في دخول الوقت غلبة الظن، وقد نشرت مجلة التوحيد رأي اللجنة العلمية التي انعقدت في بيلبيس أن وقت الفجر صحيح، ولا داعٍ للتلاعب بأوقات الصلاة، وتشكيك المسلمين فيها، فاتقوا الله في دين الله، والذي يترتب على هذا أن الكثير قد ترك صلاة الفجر في المساجد حتى طلعت الشمس، بحجة أن الوقت غير صحيح، والحديث في البخاري يقول: (كانت النساء تخرج من الفجر لا يُعرفن بغلس)، والغلس: ظلمة في آخر الليل، أما أن تقول: إن مصر تصلي قبل الوقت بثلث ساعة! فإذا كنت تعتقد ما تقول فكل واشرب بعد الأذان الثاني في رمضان، لا يمكن أن تأكل وأن تشرب؛ لأنك تحتاط لصومك، إذاً أنت غير متيقن 100% أن هذا الوقت غير صحيح، ولو تيقنت لأكلت وشربت، فكيف تحتاط لصومك وفي نفس الوقت تشكك في موعد الصلاة؟! لقد رأيت بلداً يؤذن للفجر فيها أذان ثانٍ بعد الإذاعة، أي: يؤذن أذان في الموعد المحدد، ثم يؤذن أذان آخر بعد ثلث ساعة، ثم يمكث يقيم بعد ذلك ستين دقيقة، ليؤذن أذان آخر مخالفاً للناس! إن هذه أمور يندى لها الجبين، فاتقوا الله في دين الله، وهذا الأمر قد دفع الدكتور طه حبيشي أن يؤلف كتاباً اسمه: (شيطان المسلمين يلعب بمواقيت الصلاة) وعليه فلا داعٍ لمثل هذا الكلام؛ لأننا نحب إخواننا في الله عز وجل.
(29/18)
________________________________________
عدم الخوض فيما جرى بين الصحابة الكرام

السؤال
أرجو منكم يا شيخ أن تحدثونا عن الفتنة بين سيدنا علي وسيدنا معاوية؟

الجواب
حينما أتحدث عن الفتنة سأقول: المخطئ هو فلان والمصيب هو فلان، وسأقحم نفسي في دائرة لا داعٍ لها، قال عمر بن عبد العزيز: تلك فتنة طهّر الله أيدينا منها، فيجب أن نطهّر ألسنتنا منها، فلماذا تدخل نفسك بين الصحابة فتخطئ هذا وتقول: أخطأ معاوية في كذا، وعلي كان ينبغي عليه أن يفعل كذا، فأنت بهذا قد تتكلم في الصحابة! والكف عما شجر بنيهم من خلاف أفضل وأسلم، وهذا ما وقع فيه الدكتور طارق السويدان في بعض أشرطته، مما دفع لجنة الفتوى العلمية في دار الإفتاء السعودية أن تحذر من أشرطته؛ لأنه في بعض أشرطته قد طعن في بعض الصحابة، فنقول: إياك إياك أن تدخل نفسك فيما جرى بين الصحابة، وتتحدث عن الخلاف بينهم، فهذا لا يجوز أبداً، وهناك حملة مسعورة على معاوية بالذات، فتجد من يسب معاوية ويكفره! ولم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشّره بالجنة، فقال: (أول جيش يغزو القسطنطينية يركب البحر مغفور له)، وكان أول جيش هو جيش معاوية، فلا داع لأن تطعن في مسلم هو من كتبة الوحي، فاعرف قدرك والزم غرزك، فخطؤهم مغفور واجتهادهم مشكور، والمجتهد فيهم له أجر إن أخطأ، والمصيب له أجران، فكلاهما له أجر، فاتق الله في نفسك ولا تسب أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سمعت بأذني مَنْ كان يخطب -وقد تشيّع، وقلنا مراراً: منهم، إلا أنهم كانوا يعرضون له حديثاً على الشاشات- ويلعن أبا بكر وعمر بعدد رمال الأرض، هذا المجرم قد أذلّه الله فأخذ حكماً سبع سنوات، ثم عُفي عنه ورُحّل إلى دول الخليج، والآن يبث سمومه هناك، حتى أهداني أحد الإخوة على النت يقول: عمر كان لواطاً! هذا المجرم الذي ظل سنوات يخطب لآلاف الجماهير والناس تصفق له، وتؤمٍّن على دعائه، بل ويختلي بالنساء، إنها مصيبة كبيرة، فأقول لك: نحن الآن في محنة سب الصحابة، وهناك: مجلة حمراء تسمى: (الشيوعية) لا هم لها إلا سب الصحابة، فهؤلاء رمم لا قيمة لهم بإذن الله، ومن هم في ميزان أصحاب رسول الله {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29]؟ فهذا مدح لكل أصحاب رسول الله، لذا فأحذر كل من وقع في صحابي من صحابة رسول الله، ثم قل لي بالله: أتسمع على من عذّب ابن تيمية؟ لا، أتسمع على ابن تيمية؟ نعم، أتسمع على من جلد ابن حنبل؟ لا، فهؤلاء نكرات لا يُعرفون، وكذلك هؤلاء نكرات يريدون لأنفسهم ذكرى، والله سبحانه قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، فهؤلاء يحاربون أولياء الله، وإن لم يكن الصحابة هم الأولياء فمن الأولياء؟ فأقول هذا الكلام حتى لا نقع فريسة لمثل هؤلاء، والله تعالى أعلم.
(29/19)
________________________________________




hgjugdr ugn hgu]m avp hgul]m [.x H,g






  رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع