القراءة حياة
قديم 01-15-2020, 02:57 AM   #1
AshganMohamed

منتسب جديد

رواية










المدينة العارية









- أستاذ محمد, أستاذ محمد, الحصة بدأت يا أستاذ.
هذا الوكيل - صاحب البطن المتهدلة- وسجاياه لا أبتلعها. كنت على وشك الولوج إلى ذكراه, إستعادة ذكراه أجمل لحظات حياتي.
في أيامنا هذه تستطيع أن تمتلك أشياء كثيرة, ومن الصعب - بل من المستحيل - أن تستعيد لحظة مضت, حتى وأنا أكتب على السبورة عنواناً كبيراً, الحضارة المصرية القديمة.
- أستاذ محمد, كلمنا عن الحضارة المصرية القديمة.
أنت حين تسأل عن الحضارة المصرية القديمة, فأنت تسأل عن جدي أبو سلامة, وحين تسأل عن الحب في الحضارة المصرية القديمة, فأنت تعني بالطبع أبي سلامة, وحين تسأل عن جمال الحضارة المصرية القديمة, فأنت بلا شك تعني أمي قمر.
- أستاذ محمد الحصة انتهت.
لكل شئ نهاية, ولكل نهاية بداية, وبدايتي بعيدة, بعد الشمس عن القمر.



- 1 -
شئت أم لم أشأ, لملمت أغراضي في حقيبة صغيرة, ألبوم صور, شهادة ميلاد, شهادة الإعفاء من الجيش, شهادة ليسانس, وخمسة وعشرون عاما ما بين صور وأوراق سطورها باهتة, وذكريات بعيدة, وحزن تقاطر مع الدمع وأنا محشور في طرقة القطار, ليت وحيد معي ليحمل همومي كما اعتاد ويشفق عليّ, آه.. ما أجمل أن يحس بك شخص فيظهر الاهتمام بأمرك, ذلك هو الأخ الذي قيل إنه ربما لم تلده أمك.
- مدينة نصر, مكرم عبيد, إياك والنسيان.
أنا لا أملك يا محمود القص سوى الذكرى, لا أنسى مكتبة الكلية, هناك بحثت عنه في كل الأركان, أخيراً كان في يدك, أستسمحتك فيه, قلت إنك في قسم التاريخ, وتحتاج إليه مثلي في كتابة البحث, خرجنا ومعنا المرجع, طلبت لك شايا, ومددت لي سيجارة, فأعتذرت, ومع انقضاء الأيام كنت أنا من يعطيك السجائر, أخيرا معتصم الهادئ الوديع, ومروان اليتيم مثلنا, جمعتنا الصداقة واليتم والفقر معاً.
- لو سمحت, مدينة نصر ومكرم عبيد ؟.
- هناك أخر الميدان, اركب عباس العقاد.
القاهرة زحام في كل شئ, أنحشرت بين رجل سمين وامرأة بدينة.
- الأجرة يا أستاذ.
- كم من فضلك؟
- جنيه وربع.
غياب الدفء مع غياب الشمس, ولسعات البرد أُبعدت عني الحزن وإحساس الغربة, نعم الغربة, أنا في هذه المدينة غريب بلا شك. أشعلت سيجارة, دفئت بها أطراف أصابعي وسعلت, ثم سألت عن مكرم عبيد, فأشار البعض إنه هناك, ترجلت مسرعاً حتي صادفني أول كشك سجائر.
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام.
- محمود القص لو سمحت؟
تريث, ثم ناول شاب نحيل بعض الصحف وقال :
- أخو حمادة الأقرع ؟
إن كان هناك الملايين من حمادة الأقرع, فليس هناك سوى واحد محمود القص, أجبت:
- هو.
- هناك يا أستاذ عند مئذنة الجامع.
اطمأن قلبي بعض الشئ, سحبت ما تبقى من السيجارة, ثم عدلت من الحقيبة وسرت.
كان بالفعل أصلعا, والبعض ينادونه حمادة الأقرع, وتشعر أنه تائه بين هذا وذاك, استمع إليّ, وانشغل عني بقضاء طلبات الزبائن.
جسدي المنهك, عيناي المتعبتان, وحقيبتي التي ترقد بجوار قدمي توسلوا إليه, فدعاني للجلوس بجوار الكشك, ورفع سماعة التليفون بعد أن سأل عن اسمي كلمات قليلة, فيها الكثير من الاعتذار عن المجيء, والجهل من الذهاب إليه, وانتهت المكالمة باستضافتي فوق مرتبة تختبئ خلف الكشك, مع بطانية خفيفة وإن أشعرتني بالدفء, ووسادة متسخة تتسلل بعض أحشائها, تجاورهم صناديق الزجاجات الفارغة.
في الضحى لسعتني شمس الشتاء وأيقظتني ضوضاء النهار فرفعت الغطاء.
تبينت وجهه, أبيض منتفخ الأوداج, ظننته أخا آخر لمحمود لولا مباغتته لي "نموسيتك كحلي يا عيسى يا عوام".
عيسي العوام, لا أحد يناديني به سوى محمود القص, دعكت عيني ولم أجد سوى أن أرفع الغطاء وأجد نفسي بين أحضانه.
- وحشني يا ابن اللذين.
بعد السلام, والعناق الطويل, والنظرات المتأملة, أسلمني إلى صبي, قادني إلى حمام متهدم, قضيت حاجتي, وغسلت وجهي من صنبور مهمل, أغلقته بصعوبة وعدت إليه.
يسألني عن أشياء كثيرة, والماصي البعيد ألمحه في عينيه, هناك أيام رحلت, ورحلت معها إلى تلك المدينة ,هل تعود في رؤية أصحابها, حتى لو للحظات, ربما, لكني أرى بعضها وهو يسألني عن الصحاب:
- أخبار مروان ؟
- مروان لا أثر له.
- ومعتصم ؟.
تعجبت له وهو يداعب صغيرة تطلب نوع خاص من البسكوت, فسكت, ظاناً بهجرته عن الوطن كما كان يحلم, لكنه فاجأني بعد مداعبة الصغيرة وأشعال سيجارة :
- هو يعمل مع أخيه في الكهرباء في ضواحي الجيزة, وأنت؟
ثم تاه بين طلبات الزبائن, وتهت أنا مع سؤاله الأخير, وأنت؟ .
القدر وحده هو الذي يعلم عني كل شيء, ألقيت السيجارة وأسندت كوب الشاي الفارغ جانباً, وأنتبهت إلى فتاة في بنطلون جينز ضيق, و"تي شيرت", وشعر أصفر مسدل فوق كتفين, وعينين خضراوين, تمسك بمجلة وتبحلق في غلافها, تسألني :
- أنا أحلى منها صح؟.
كانت بالفعل أجمل من صورة الغلاف, وكنت مبهوتاً من حور عينيها, فيهما أري بلدتي البعيدة الساكنة في حضن الجبل, ومن بين أهدابها تنبعث أيامي القادمة, ربما رأيت فيهما عيني قمر اللتين أبحث عنهما, وربما رأت فيّ ما لم أره, أخذت ما ابتاعته ورحلت وهي تبتسم, غمز محمود بعينه نحوي :
- تتجوزها؟
لم أنطق, وإنما نظرت إليه في غيظ.
- عرفي يا أخي, دي خدامة, بس بنت.
بعدها قضى محمود ما تبقى من اليوم بين طلبات الزبائن, وقضيته أنا في تدخين السجائر, وتأمل البنايات العالية, والسيارات الفارهة, ونساء تلك المدينة, ومن وقت للآخر يعود محمود بي للوراء وتتبع أيام رحلت مع ناسها, وسؤال يأتي إلى خاطري, ماذا سيكون في المستقبل ؟. حتى قاربت الشمس على الغروب, فقدم حمادة الأقرع, دار بينه وبين محمود نقاش طويل, لم تكن فيه ابتسامة, بعدها أشار إليّ فحملت حقيبتي, وعدّلت هندامي, وأستقلينا أتوبيساً إلى ضاحية عين شمس.

- 2 -
شقة صغيرة لكنها جميلة, غرفة وصالة ومطبخ صغير, ومثله الحمام, وتكثر بها أصص الورود, خاصة الشرفة التي تطل على الشارع.
لم أدر كم من الوقت أمضيت في النوم؟ ولم أعلم في أي ساعة نكون حين شد الغطاء من فوقي لتناول العشاء؟.
أغتسلت, تذكرت أن يومين لم أسجد فيهما لله, فتوضأت, وسجدت ودعوت الله أن ينير الطريق.
بعد العشاء شربت الشاي في مقهى على ناصية الشارع, وأحتسى هو البيريل مع تدخين الشيشة, ثرثر كثيراً عن ألم الكلى والحصوات والأملاح, ونصيحة الطبيب له بإحتساء الشعير والبيريل, ثم حمادة أخوه الذي يعربد مع الراقصات بمال الكشك, ولذلك يبقيه ليلاً في العمل, وهناك شكوى مريرة تأتيه من زوجته, وابنائه الذين يتوقون لرؤيته ولو يوم في الأسبوع, وعدم السؤال عن أمه وأخوته الصغار القاطنون في بلدة قريبة من بلدتنا الساكنة في حضن الجبل, وأشياء أخرى لمحتها في عينيه لم يبثها وإن كنت أحسست بمرارتها, ثم عرجنا إلى ذكرياتنا, حلاوتها, ومرارتها, وذكرى الصحاب, كان حديثنا كأمواج بحر صاحبة, ترمي بنا فنرتطم بأيام كنا نحسبها دائمة, ثم جلنا في شوارع المدينة, ومعالمها الليلية, حكى لي عن الشجرة التي استظلت بها ستنا مريم وعيسى عليه السلام, والحارة التي لم يختمر لها خبز, كنا نأخذ من كل ميدان حارة, ومن كل حارة رجل وامرأة وطفل, ونسأل عن المصري القديم, فيبتسم في سخرية كعادته, " فربما تجده في زحمة الأتوبيسى ", "وربما يكون راقداً في مسستشفي أثر مرض مزمن ", " أو تحت أنقاض بيت مهدم, أو في طرف المدينة يتسول غذائه", وربما غطاه التراب مع قمر وسلامة وجدي وجدتي.
في الصباح لم يكن بجواري, فقط ورقة صغيرة, "إن شعرت بالملل أنا في انتظارك ", طويت الورقة, وشددت الغطاء, ورحت أمارس عادتي القديمة , تأمل الأشياء, وتخيل ما لا يمكن تحقيقه, هوايتي المفضلة منذ الصغر, في غبشة الصحيان ألمح جدي بجوار الكانون فوق كرسي خشبي صغير, منحسر الجلباب, والجوزة بين فخذيه, أعود لأسأل نفسي, لماذا ينادونني بابن النصرانية دون الصغار؟, يدب اليأس إلى قلبي, أرفع الغطاء, وأنط من فوق المصطبة, فيبتسم جدي ويحتضني بين فخذيه بدلا من الجوزة التي يركنها جانباً, تأتي جدتي بين يديها إناء اللبن.
- صباح الخير يا جدتي.
تقبل وجنتي الصغيرتين وتحتضني :
- صباحين يا غالى يا ولد الغالى.
مع احتساء اللبن أسأل جدي من الذي أسماني محمد؟, فيقول والدك, ومن الذي أسماني عيسى؟, فترد جدتي وصية أمك, وما معنى محمد وعيسى؟, تضمني جدتي إلى حضنها, وتقبل جبهتي العريضة, وتقول المحبة والسلام يا ولدي.
أطير إلى وحيد في الشارع, وحيد الوحيد الذي لا يناديني بابن النصرانية, كل يوم تشرق الشمس وتغيب ونحن معاً, معي في كل لعبة نلعبها, بجواري في كل عركة, حتى مع أولاد أعمامي, افتقدته في يوم وحيد, أنتظرته حتى سكنت الشمس كبد السماء, جرى إليّ وأخبرني بدخوله المدرسة, جريت إلى جدتي وبكيت حتى بلل الدمع شالها الأسود, ربتت فوق كتفي, وأصر جدي أن يلحقني بوحيد, السعادة كادت أن تذهب بعقلي ومقعد واحد يضمني أنا وهو, مع الأيام علمت في حصة الدين لماذا ينادونني بابن النصرانية, بكيت, وظللت أبكي حتى أسكتني جدي بقوله "أمك كانت تعبد الإله الذي نعبده".
شعرت بالملل, رفعت الغطاء, أغتسلت, وأشعلت سيجارة, ورحت أبحث عن المواطن المصري القديم في زحمة الأتوبيسات, وأطراف المدينة حتى وصلت إلى محمود القص.















- 3 -
هل الحياة تخلق أقدارنا ؟, أم أننا نزرعها بأيدينا ؟, فنجني حلوها, ونزدرد مرها, أطبقت جفوني, وأنتبهت للقص – في هذه الساعة المزدحمة بالزبائن - يناولني سيجارة أمريكاني ويسألني في حرص شديد :
- ناوي تعمل ايه؟
باغتني السؤال, وباغتتني بعينيها المعلقة بي وهي تتهادى في مشينتها نحونا, غازلها القص بنظرة وكلمة وهو يناولها بعض الحاجات, وتأملت عينيها ونظرتها المختلسة وهي تقلب صفحات مجلة بين يديها, ربما رأيت عيني قمر, دفعت ثمن الحاجات ورحلت وهي تبتسم, فطارت بي ابتسامتها من الجدب إلى حديقة غناء.
غمز القص كعادته وهو يبتسم في خبث :
- البنت عينها منك , سألتني عنك من ساعة.
تظاهرت بعدم الاكتراث وأنا أقلب صفحات جريدة يومية, أخذتني العناوين والمانشتات الحمراء, "أول استفتاء للإنتخابات الرئيسية بعد أن قام الرئيس محمد حسني مبارك بتعديل المادة 76من الدستور للسماح للأحزاب السياسية بخوض الانتخابات الرئيسية ", وغيرها من العناوين التي تخص فلسطين والعراق, وتذكرت أشياء مضت فأزحتها من أمامي, طويت الصحيفة وألقيت بها جانبا, فضحك وهو يقول في حسرة هذه المرة وهو يشير لسيجارته :
- أنا قلت لك الأمريكاني يكسب.
في نهاية اليوم لم نأخذ وجهتنا ناحية عين شمس,وإنما أخذني من يدي إلى نهاية شارع مكرم عبيد, ثم إلى حارة ضيقة في شارع آخر, ومنها إلى ميدان كبير, وأخذ يشير ويثرثر وأنا لا أملك سوى أن أومئ بذقني على الموافقة بعد أن ضغطت على نقود قليلة في جيبي, بعدها سرنا و ثمة أسى يلازمني من الأيام القادمة.
- السلام عليكم يا عم مدبولي.
- أهلاً يا محمود يا ولدي.
عم مدبولي رجل يبدو في عنفوان شبابه, وخاصة وهو يشير بذراعيه, ويزعق في صبيانه الذين يلتفون حوله, أو في نقاش مرير مع زبون على رزمة جرائد, على الرغم من الشعر الأبيض الذي يفرش رأسه الغليظ وذقنه المدببة, أيقنت من جلبابه الواسع ولهجته مع القص أنه من بلادنا البعيدة المنسية الساكنة في حضن الجبل, رحل عنها وعمره خمسة عشر عاماً, لم ترضه الحياة أن يكون ابنا لأم في عصمة رجل غير أبيه, ولأب يرقد في حضن امرأة غير أمه, مل من زيارتهما, وضجرا منه, ولم يسعه حضن عمه, ورفثه زوج خالته, فتركهم جميعا, وترك البلدة مع ابن عم, وربما ابن خال, وقد يكون ابن جيران, ورمى خلفه درجات نهائية في الحساب, وتفوق ملحوظ في العلوم والتاريخ, ليحط في تلك المدينة, وليزاحم ستة أفراد من بلدته في غرفة عطنة في مدخل ما يشبه عمارة, يصحو معهم فيحمل الفأس فوق كتفه, والمقطف في يمينه ويردد معهم " رزقي عليك يا رب ", ويسير حتى ينتهي به المطاف إلى جبال من الزلط والرمل وكل ما يخص مواد البناء, فإذا ودعته الشمس يرنو إلى تلك الجبال فلا يراها, ويظل يلهث ويمسح عرقا يبلل شعر رأسه, عند العودة يلقي بماء قليل ساخن فوق جسده وينام, ربما تناول عشائه, وربما لا, فلا يشعر معهم بقطرات الماء التي تتساقط فوقهم من اثر تصدع وربما تسريب من الطابق الذي يعلوهم, أسابيع وربما شهور في هذه الدائرة, إلا أن خفت حركة البناء في البلاد لحدث هام يخص السادات وربما اسرائيل, هو لا يعرف, كل ما يدركه جيدا تهافت الناس علي بائع الجرائد, فسأل عن ثمنها بالجملة, وراح يجمع ويطرح ما باعه الرجل ففتح فمه وعينيه في آن واحد, ولم ينتظر, آتى ببعض ما يدخره وعرف الطريق, وانطلق يزعق ورزمة تحت إبطه, أهرام, أخبار, جمهورية, في اليوم الثاني أجهز على الرزمة في وقت مبكر وأتى بالثانية, ومرت الأيام وكثرت الرزم, حتى استقر به الحال أن يقف في وسط كشك من الخشب يحوي السجائر والحلوى ومن أمامه رزم الجرائد والمجلات, والكشك تمخض عن كشك آخر, زينهما ببيت من خمسة طوابق بجوار العمارة التي كان ينام في غرفتها العضنة, ثم بيت آخر وزوجة وعيال حتى همس له طائر في أذنه باسم بلدته, فعاد يقبل رأس أمه, ويلثم يد أبيه, ويحتضن أخوة له منهما, حتى وراهما التراب, فاقتصرت زيارته على أداء الواجب.
قدمني القص إليه, إنني فلان بن فلان, من البلدة المجاورة الساكنة في حضن الجبل, جئت إلى تلك المدينة طامعا في حضن يضمني ويقيني شر الليالي الباردة, فمال للوراء وهو في كرسيه الخيزران, وارسل إليّ دخان شيشته وهو يتفرس وجهي بعينين, إحداهما بها رمد خفيف, والأخرى لمحت فيها طيبة وتودد واشفاق نحوي.
- مرحب يا ولدي.
- مرحب يا عم مدبولي.
- أخبار أعمامك ؟
وراح يسترسل في ذكر أعمامي الموقرين, الواحد تلو الآخر، عمي حمدان, وعمي عتمان, وعمي حسين, وكان لابد من ذكر عمي عبد الكريم, وأخذ يسرد لي قصته معهم, بدأها "الله يبارك لهم ", أراد أن يسترد أرضا من مغتصب, فأرسلوه أولاد الحلال إلى سلاحهم, وأنهى قصته وهو يبتسم "الله لا يبارك لهم, أخذوا نصف ثمنها".
- لكن أنت أبوك رجل طيب, قابلته مرتين, وسمعت عنه الكثير.
وقبل أن يسرد قصتهم قدمت صبية حلوة - تحمل الكثير من بلادنا – وتمسك بيدها الصغيرة طفلا, احتصنه وقبل وجنتيه ودس يده في جيبه وأخرجها وبها بعض النقود التي أخذتها الفتاة , بعدها عاد ليسرد القصة وهو يحاول وضع قطع الفحم المتوهجة فوق حجر الشيشة التي تطاير دخانها مع حكيه.
أعمامي الله لا يبارك لهم, لسانهم سلاحهم, من وقت لآخر يأتي أغراب إلينا, يأكلون ويشربون الشاي, ويدخنون الحشيش في باحة صغيرة خلف الدار, وينصرفون في الهزيع الأخير من الليل, وفي الهزيع الأول من ليل اليوم الثاني يخرج أعمامي والسلاح على أكتافهم, إلى أين يذهبون؟, أيسرقون أم يقتلون؟ كما حكى العيال في الحارة الضيقة التي نرتع فيه, ارتاب جدي في الأمر كثيرا, وبفضل ريبته نشب عراك استمر طويلا بينهم, انهاه سلامة بتفويض أمرهم لله,
أخوهم سلامة – والدي – مع جدي أبو سلامة لصلاة الفجر جماعة, بعدها جدي فوق الحمار, من أمامه ذاد اليوم الذي أعدته جدتي, وبيده حبل مربوط في البقرة اليتيمة, بجوارها عيلها, وسلامة من خلفهم, فأسه فوق كتفه, وعصى صغيرة بيده يحث بها البقرة ومولودها على مجاراة الحمار في السير, وبذكر العصى في يد سلامة, يجتمع لها الناس من كل الوديان, وذلك حين يرقص على قرع الطبل ونغمات المذمار, ويتشتت من حولها الناس حين يبطش بها, ألم ينزل بها الضابط من فوق فرسه حين أراد أن يأخذ جدي بدلاً من أعمامي الذين يختفون بعد كل فعلة يفعلونها؟.
ضحك عم مدبولي – ونحن معه – ملئ فمه وهو يركن شيشته جانبا من الضابط الذي أقسم ألا يبيت ليلة في مركزنا بعد سقوطه من فوق الفرس, ثم ابتسم للقص ودار بينهما حوار لم أعيه جيدا, كل ما فهمته أنني من الغد سأكون من صبيان المعلم مدبولي علي حد قوله.














- 4 -
في الصباح جذبني محمود, وحثني على الركض – ومعنا الكثير من الرجال والنساء والصيبة – نحو أتوبيس يسير في خطى متمهلة, باكورة الشمس شاهدة على ذلك, لم أدر كيف وضعنا أقدامنا على أول درجة من سلم الباب الخلفي, وتركنا أنفسنا للموج الذي ورائنا, كنا كنتف القطن التي يحشرها جدي في الأكياس, من أمامي امرأة بدينة وقصيرة وصغيرة بعض الشئ, ومحمود من أمامه امرأة أيضا بدينة, ولكنها طويلة ومليحة وتزداد بياضا عن التي امامي, رعشة في جسدي وأنا أتململ يمينا وشمالاً حتى أصنع مسافة بيني وبينها كي تمنعني من الالتصاق بها , من العبث, بل يزداد الالتصاق, ويزداد معه الدفع من الخلف رغما عني, لحظتها خلت كل الناس تبحلق في, وأن المرأة سترفع حذاءها في وجهي وتلطمني به بعد أن تستدير وتبصق في وجهي, لكن شيئا من هذا لم يحدث, بل كانت المرأة تتململ من أمامي, وتحثني على الالتصاق أكثر, ومرق الأتوبيس ومحمود غافل عني حتى وصلنا مكرم عبيد.
كان يتلذذ في تدخين السيجارة, ويسكت عن الكلام.
قابلنا حمادة الأقرع بعينين كليلتين, أسلمه درج النقود, وأخبره برزم الجرائد, ورزم المرتجع , وأشياء أخرى وانصرف.
ترجاني محمود في البقاء لعشر دقائق, لمحته خلالها يروح إلى دورة المياه لا تبعد كثيرا عن الكشك, ثم رأيته يخرج منها وبين يديه إناء كبير, سكب فيه ماء ساخن من صفيحة فوق أسطوانة بوتجاز في نصبة شاي لشاب أسمر, وسمعت خلالها محمود يضحك بصوت عال, ويومئ برأسه للشاب الأسمر, ويعود لدورة المياه مرة أخرى.
أنتبهت لرجل عجوز, يطلب علبة سجائر مستوردة, وصحيفة الأخبار, ناولته علبة السجائر, وتناول هو الصحيفة من فوق الرصيف, أشعلت مثله سيجارة, وهفت نفسي إلى تصفح الجريدة, والتطلع إلى عناوينها, "انهيار عقار سكني مما أسفر عن مقتل أكثر من خمسين قتيلا", " وزير التعليم يتفقد الأبنية التعليمية ويطمأن علي حالة الطلاب ".
عاد محمود ضاحكاً, وهو يدعك صدره, وبتلذذ بسيجارة أخرى, مع الشاي الذي أخذه من الشاب الأسمر, ثم يشير إلىّ حيث كان, ويقول:
- دورك..
وجمت, وأستنكرت فعلته, فقال:
- كلما اشتدت عليّ وطأتها بحثت عنها في الأتوبيس, أخف الأضرار.
وأعاد على مسمعي ما قاله المعلم مدبولي, وأخبرني بما يجب فعله, وأحثني على الذهاب بعد تناول الشاي.
لاقاني المعلم مدبولي بوجه بشوش وضاحك, أسلمني رزمة الجرائد, ودعا ليّ بالتساهيل, ولم أجد مشقة في الوصول للميدان.
خرجت الكلمات شحيحة الحروف واهنة, أهرام, أخبار, جمهورية , ثم ماتت, لكن انتصابي كعمود إشارة المرور الذي أستند إليه, وأنا تحت إبطي الأيسر رزمة الجرائد, وبيدي اليمنى ألوح بجريدة منفردة كان كافياً, تركن العربة عند الإشارة الحمراء, ويشير السائق, فأهرول إليه, يعطيني ورقة صحيحة, قد تكون عشرون جنيهاً, وأحياناً أكثر من ذلك, يأخذ الصحيفة, و قبل مناولته ما تبقى من الورقة الصحيحة, تلمع الإشارة الخضراء فيمرق, بضع ساعات مرت, خف معها الحمل تحت إبطي, وامتلأ جيبي بالنقود, ولمعت الإشارة الحمراء, ولمع معها الورق الأحمر والأخضر, حتى نفدت الجرائد إلا واحدة, قررت تصفحها في طريق العودة.
ادركني ثلاثة من الشباب, وضع أحدهم يده اليسرى فوق كتفي, والآخر المطواة في يمنه, والثالث يسأل عن المكان والجرائد التي كانت معي, تفرست وجوههم دون خشية, وأنزلت اليد التي فوق كتفي, وانتبهوا إلى جسدي الفارع وذراعيّ القويتين, فلانوا في الكلام بعد أن ذكرت اسمي محمود القص والمعلم مدبولي.
أحصى محمود النقود, ودس في جيبي أكثر من عشرين جنيها, وأخبرني خبر الشباب الثلاثة:
- هم من صبيان المعلم مدبولي, والمكان ملك لواحد منهم يأتيه في الليل, وطامعا أن يأتيه أحد أصحابه في النهار.
فسألت في قلق :
- وماذا لو آتاه وأنا أبيع الجرائد ؟
- لم يأت أحد والمعلم مدبول كفيل بذلك.
اطمأن قلبي فقررت أن يكون العشاء في هذه الليلة سمكا من النقود التي أكتسبتها.






- 5 -
أيام على هذا المنوال, ألفت المكان, صرت قطعة منه, وأينعت علاقة ودودة بيني وبين المعلم مدبولي, أثمرت زيادة في حصتي من الصحف, ونشبت بوادر صداقة بيني وبين الشباب الثلاثة.
مرت شهور, في الليل نأكل السمك سويا أنا والقص, وساندوتشات الكبدة – التلوث كما يسميها – ونحتسي البيريل مع تدخين الشيشة, ونرتع في شوارع القاهرة الليلية, نبحلق في وجوه الفتيات وأجسادهن الشبه عارية, وبنطلوناتهن الضيقة,إلى أن ترامت إلى أذنينا بموسيقاها الهادئة.
مضاع هاجرت مدني عني
وما أبحرت منها شراعاتي
نفيتُ وأستوطن الأغراب في بلدي
ودمروا كل أشياء حبيبات
خانتك عيناك خانتك عيناك
في زيف وفي كذب
أم غرك البهرج الخداع ؟.... مولاتي
أخذتنا إلى أقرب مقهى في الميدان, طلبنا شاياً وشيشة, وسكتنا عن الكلام, وآثر كل منا الغوص في الماضي البعيد, العراق وفسلطين, والنوم فوق أجسادنا العارية في الغرف المعتمة, العطنة والمؤلمة, فجأة رأيت القمر يتواري عن الميدان خلف بناية عالية, ويظهر كلب ضامر يلهث بين السائرين, ورجل عجوز يهمل صحيفته اليومية فوق دكة خشبية ويشرع في السير, لكنه يعود مرة أخرى ليلتقط نظارتها من فوقها, يثبتها جيدا بيديه المجعدتين, ثم يتوكأ علي عصاه, يسير بمحاذاة امرأة يتأبطها رجل سمين, تتشبث به بنية حلوة القسمات, يقترب الكلب الضامر منها, يهشه العجوز بعصاه, فتذكرت جدي أبو سلامة وجدتي, وبدأت أبحث من جديد عن عيني قمر بين العائدين. شيء وحيد كان يكدر صفو حياتي, ذكر ألم الماضي البعيد, وأعتراني حزناً عند ذكري وحيد, وأحسست بغصة لفراقه, وخوف أنني لن أراه ثانية.
كان شاباً جميلاً دارساً للأدب الفرنسي, يقرض الشعر فيحسنه في زمن ضاعت فيه الكلمات, كان يحلم بأشياء هي من حقه, لكن كما يقول "من المستحيل في أيامنا هذه أن تحصل على حقك دون رشوة, ويا ليتك تجد من ترشه, لذا سأقرر الرحيل", رحل إلى بلاد بعيدة, ورحلت بعده إلى تلك المدينة, هل هي بالفعل مدينة عارية كما كنت تقول؟.


- 6 -
خرجت الكلمات غير شحيحة ومبتورة من فمي, أهرام, أخبار, جمهورية, راقت الحياة بعض الشئ, ولم ينثني بي موجها, وعجبتُ في نفسي من هؤلاء الناس الذين يمرقون من أمامي بسيارتهم الفارهة, والذين يبتاعون بضاعتي, أين يعيشون؟, وماذا يأكلون؟, وكيف يرقدون؟, لا شك هم في رغد من الحياة, فأشفقت على نفسي, وعلى من مثلي, وسألت هل سيدخلون الجنة مثلنا؟, رغد الأولى والأخرة ؟, ومن أين لي بالجنة ؟, أستغفر الله العظيم, يبدو أن الشمس التي فوقي أضاعت عقلي.
كان هندامي متسخاً, ووكنت مبللاً بالعرق والتراب, حين وضعت يدها الرقيقة فوق كتفي :
- ممكن الجمهورية ؟
وجهها الضاحك, وثغرها المتبسم, وعيناها اللتان أرى فيهما سنابل القمح الخضراء التي كان يرويها أبو سلامة, جعلوني ممن يعيشون رغد الحياة, أنا لا أملك سوى أن أبتسم وأتأمل ذلك الوجه الملائكي, شعوري بالخوف والخجل – منذ الصغر – من القرب من النساء لا يمنعاني أن أجيب عن سؤالها :
-أنت اسمك محمد صح ؟.
أومأت بذقني فأكملت :
- أنا سألت عنك محمود القص, واضح أنه يحبك قوي.
أخبرتها أننا أبناء وطن واحد, وسألتها عن اسمها, فردت في حنان وهي تشدني من يدي إلى جانب الميدان :
- حنان, اسمي حنان.
ثم أكملت أنها من ريف الجيزة, وهي الآن ذاهبة إلى عملها, تغسل وتطهي مع سيدتها, وتقدم الشاء والقهوة, ولم تنل من التعليم حظاً سوى القراءة والكتابة, ثم رحلت وهي تبتسم وتركت في نفسسي ما تركته.
حملت نفسي وعدت لعمود الإشارة .
قررنا يوما زيارة معتصم في نواحي الجيزة, يومها فرح بلقائنا, وفرحنا معه بإجترار الذكريات, ومعرفة أخبار مروان الذي يعمل في مدينة سياحية, وأحاطنا الحبور
خاصة حين قام معتصم من جواري, وراح ناحية الباب وأتى بصحيفة قديمة في يده اليمني, وأخذ يحاكيني في سخرية مضحكة:
- أهرام, أخبار, جمهورية.
ثم سألني وهو يقهقه:
- أين قراءة التاريخ تصنع الرجال يا ابن الفراعنة؟.
قلت:
- ألست الرجولة في العمل ؟
- لا ياصديقي العزيز, إنما الرجولة في بلادنا بما في الجيوب.
رد القص وهو ينفث الدخان بعيداً:
- وجيبي الحمد لله خال, إلا من القليل.
ضحكت معهم وقال معتصم في حسرة :
- كنت تحلم أن تكون كاتباً لهذه السطور, لكن أصبحت تبيع عناوينا لرجال كنا نمقتهم.
مررنا بذكريات أليمة, وإصرارنا على التنديد من أجل فلسطين والعراق, إلى أن لُجمت ألسنتنا, وقُبض علينا في المظاهرات المناهضة, ومن يومها عاهدنا أنفسنا ألا نقرب السياسة, هي لعبة كل يوم نخسر فيها.
أجرى معتصم مكالمة تليفونية من هاتفه الخلوي, كان المتحدث مروان, فرحنا بصوته وعمله في السياحة ,وإصراره على أن ألحق به في أقرب وقت.
لم يطل الوقت, بعدها كان معتصم ينتظرني في الظهيرة عند كشك القص, ويخبرني بضرورة السفر في الليل.














- 7 -
ساعة, تباعدت فيها شوارع القاهرة, ولمحت الزمن القديم وأنا مغمض العينين, وسألت السؤال الذي ينتابني دائماً, ماذا تخبئ لي الأيام؟, أشتقت لسيجارة أضيع مع دخانها الوجوه التي تلاحقني, قمت أستأذن السائق وعامله, فذكراني بقانون التدخين في العربات, عدت إلى مقعدي, وأنا ألمح وجهي - في الزجاج - شاحبا , وعيني كليلتين, وباقي الوجوه ضاحكة ومستبشرة, رميت نفسي في المقعد والصحراء مترامية الأطراف, والسماء ستارة مسدلة, والسحب فيها متناثرة, أستسلمت لنعاس طويل غير مريح, أُيقظت عيناي بعده مع ندى الفجر الذي يكسو جبال صخرية سوداء, ورمت الشمس نورها فوق المياه الزرقاء, وشممت رائحة دخان السجائر آتيا من جهة السائق.
ترجلت إليه, دون استئذان أشعلت سيجارتي, ورحت أتطلع مع عامله وسائح أجنبي إلى واجهات الفنادق والقرى السياحية, قبل أن تنتهي السيجارة, سمعت السائق يردد " الحمد لله على السلامة ".
اطمأن قلبي لوجود مروان في انتظاري, احتضنني, وترجل بي إلى مقهى صغير, أغتسلت, وأحتسينا الشاي, ثم سدد لي نصيحته الغالية, ألا أردد مقولتي المشهورة, قراءة التاريخ تصنع الرجال, وأن الوقت لا وقتها, ولا حتى المكان, فإن قراءة التاريخ تستبيح قتل نصف سكان هذه المدينة.
إجراءات التعيين لم تقتضي وقتا طويلا, فقط أُنهيت مع قليل من الابتسامات بين مروان والعاملين, بعد إخبارهم بإحتياج فريق العمل إلى فرد آخر, وهذا من تعليمات مستر طارق مدير الشاطئ.
هذه هي الحياة التي سوف آؤول إليها, ركنت حقيبتي في غرفة نصفها العلوي من زجاج والنصف الآخر من خشب - تشبه كشك السجائر الذي يتوسطه القص- والمياه الزرقاء من أمامي تمتد, والرمال تفرشها النساء العاريات, إلا من شريطة تُحكم حول عوراتهن, ومروان يرطن بلغة أجهلها, ويطاطئ ليقبل هذه, ويعتدل جزعه ليحضن تلك, وهو يمرر يده فوق ظهرها وردفيها, وشباب يفرشن مقاعد خشبية تشبه الأسرة الصغيرة, يدعونها "شازلونج ", وآخرون يفرشونها بمراتب أسفنجية, ومنهم من يحمل بين يديه زجاجات.
شدني من ياقتي, ثم طوقني بذراعه, ومشينا وهو يقول سترى "هنا ما لا تراه في منامك ", وكأنه يكشف عن مكنون القدر.
هالني المنظر, تسمرت نظرتي مع قدمي, وركن مروان إلى الذي يدعونه "شازلونج" خالي, وراح يدخن وهو يبحلق ويردد من حين لآخر "استر يا رب, يا رب استر", رجل يضاجع امرأة, نعم كالدواة في المحبرة, يقبلها في كل أجزاء جسدها, وهي تجاهد معه, سبحت نظراتي, حتي فرغ الرجل, وأفرغ في جوفه ما تبقى من زجاجة بجواره, فردت المرأة ساقيها وأنامت ذراعيها بجانبها, وغطت عينيها بنظارة سوداء, وقدم الرجل يتبختر إلينا.
حدث مروان بلغة بعيدة عن الإنجليزية, فيها الكثير من الابتسامات التي ترقص بها شفاه, والخبث الذي يظهر في العينين, وختم حديثه بمداعبة خد مروان, وراح في المياه الزرقاء.
أخبرني مروان أنه يستنكر نظراتنا, وذكرني أن ديننا يأمرنا بغض البصر, فأقنعته أنني أخشى على الشازلونج من كثرة الصعود والهبوط, وأنني سأتكلف ثمن إصلاحه, وربما ثمنه كله كما حدث الأسبوع الماضي.
عدنا من جديد نمشط الشاطئ, وهو يحدثني عن تلك المدينة, وعن مستر طارق مدير الشاطئ, وأمه هولندية الأصل, وأباه المصري, وعودته من إلمانيا في خلال يومين, وأشار إلى الشاليه الذي يسكنه, وحكى لي عن بعض السائحين, وأن اللغة الألمانية والروسية هما الأهم في هذه المدينة, بعدها راح يأمر بعض الشباب ونحن نروح ونأتي على الشاطئ, حتى خلى من العراة, ونامت الشمس في مخدعها.
















- 8-
السكن لم يكن بعيداً عن الفندق, وأيضا الغرفة لم تكن ضيقة, تتسع لثلاثة أسرة, الأول كان لشاب بدين أسمر يغض في النوم, والثاني لم يأت صاحبه بعد,والثالث كان بالقرب من النافذة المطلة على البحر, فكان من نصيبي, أنس قلبي به, فض مروان حقيبتي وركن ما بها في خزانة صغيرة لي بجوار السرير, فصحا النائم من الضجة التي أحدثها مروان, صافحه في ود مبالغ وأشعل له سيجارة ولي بعد أن قدمني له, أخذت نفساً, ورحت أطل للبحر, ثم رميت بجسدي المنهك فوق السرير, وأنا أستمع لثرثرتهما, ومغامرتهما مع السائحات, وتمنيت لو طال سهري, لكن التعب والإنهاك قد نالا مني,فأستأذنت وشرعت في النوم, لكن السؤال الذي ألح عليّ, ولم يدعني أهنأ في نومي, لم لا تتحرك الرغبة بداخلي؟, على الرغم أنني لأول مرة أرى امرأة عارية, بل نساء عاريات؟ هل أصابني التبلد ,وشيء من البرود؟, وآتتني حنان وهي تبتسم, وسألت نفسي السؤال الذي يحيرني, ماذا سيكون في المستقبل ؟.
في الصباح تبينت وجه عبدالله وهو يوقظني, يميل للسواد أكثر, وعلمت منه - ونحن نفرش المراتب فوق كل شازلونج على حدة – أنه دارس التاريخ والحضارة من جامعة الأزهر, لكنه لا يريد تذكر ما حدث في الماضي, فكل ما يشغل باله مضاجعة النساء الأوربيات, والرحيل إلى بلادهم, وعلمت منه أيضاً إن الذي كان يقاسمني طاولة الإفطار يدعى سعيد, وأنه نصراني, ولا يدق الصليب في معصمه, وأنه خريج كلية الآداب, وإن بشرته البيضاء - فضلاً عن إجادته اللغة الإنجليزية - يجعلانه يحظى بإعجاب لدى الفتيات الأوربيات, ولذلك له قصة مع كل فوج يأتي إلى الفندق, وهو صاحب السرير الثالث الذي يقبع بجواري.
جذبتني الصداقة إليه, خاصة بعد أن أسعفني مع سائح يطلب زجاجة فوديكا, تلكأت وترددت ونظرت إلى مروان, فرأيته منهمك مع شاب وفتاة, يمرحان بطول الشاطئ, وهو يلتقط لهما الصور, جرى سعيد نحوي, وعاد بزجاجة الفوديكا ليقدمها للرجل, وتبسم وهو عائد بعد أن دُست في يده ورقة مالية, نظرت إلى معصمه الأيمن ونحن نركن إلى شُجيرة لتدخين السجائر فلم ألمح شيئا:
- أنت صحيح مسيحي يا سعيد ؟
أومأ بذقنه :
- نعم.
لكنه لايذهب إلى الكنيسة إلا نادرا,ً ولا يدق في معصمه الصليب, لأن الدين في القلوب وليس في دق الصليب وتطويل اللحية, وسألني إن كنت أداوم على الصلاة أم لا, فقلت :
- إنه الشيء الجميل في حياتي.
فأرشدني إلى مُسيجد بالفندق, يداوم مستر طارق ومروان على الذهاب إليه, ثم قام وهو يأسف على نفسه.
قدم مروان ينفخ آخر نفس من سيجارته, ثم يرمي بها بعيدا على الشاطئ, ويركل الأرض بقدمه, ركن بجواري إلى الشُجيرة, وشرع في تأنيبي, ويذكرني بأيام رحلت, ويسألني أين قراءة التاريخ تصنع الرجال يا بن الفراعنة؟ أين الرجولة ونحن نخدم عاهرة مع مخمور لم يصب من التعليم ما أصبناه, وأشار إلى الشاب والفتاة, ونظرة الحسد والحقد لا تفارق عينيه، الشاب يعمل في بلده عاملا للحفر، يتقاضى ألفين ونصف من "اليورو" أول كل شهر, قرر أن ينفق نصفها مع الفتاة التي يعشقها في هذه المدينة، أخبرته أنني لا أستطيع تقديم الخمر للزبائن, ويكفي تنظيف كل شازلونج يتسخ, وفرش المراتب, وتقديم المشروبات العادية, وإجلاء القاذورات عن الشاطئ، وألزمني تعلم اللغات الأجنبية في مركز سوازن لتعليم اللغات, وألا أسأل عن الحلال والحرام إن أردت العيش في هذه المدينة.
في الليل خرجنا للتسكع في شوارع تلك المدينة الفسيحة، أحتسينا الشاي في مقهى في طرف منها لا يرتاده الأجانب، وأُلتقطت لي الصور حتى أتمكن من الالتحاق بمركز سوزان.
أجرى مروان مكالمة تليفونية, على أثرها أستقلينا عربة, مرقت بنا حتى رمتنا في صحراء مترامية الأطراف, إلا من قرية سياحية تحت الإنشاء.
برقوق، هذا اسمه، شعر مشعث وذقن رثة وعمر طويل، خفير القرية, بصحبة شاب في عمرنا, حلو الملامح اسمه هيثم, وصوت وردة الجزائرية يصدح في أرجاء المكان بالقرب من مياه البحر.
احتضنهما مروان في غير حماس, جلسنا فوق حصيرة مفروشة, وهو يتمايل مع الموسيقى, التي أثارت في نفسي الشجن، راق لي الجو, وأرتاحت نفسي للمكان, وأستعذبت حديث هيثم عن الحياة, وإن كنت لم أفهم جملته الأخيرة, وهو يناولني عبوة "بيبسي كانز":
- شغال يا باشا ؟.
ترددت في مد يدي, لكني أحسست بنشفان الريق, فألتقطتها, وأفرغت ما فيها في جوفي، كلما هممت بالكلام تمنعني نار تحترق في حلقي، روحي تخرج وأنا أسأل عما تجرعته, وهم يقهقهون من حولي.
- فوديكا ياخفيف.
سمعتها من مروان والقيء يأخذني بعيداً عنهم.
أستغفرت الله, وحمدته على قضاء صلاة اليوم, وأعتذرت عن عبوة أخرى كانت بالفعل مشروباً غازياً, وأكتفيت بتدخين سيجارة مع الشاي وأنا أراقبهم وهم يدخنون الحشيش حتى هز انتباهي صوت فرملة عربة بالخارج أهتز قلبي معها, لمحت من فرجة الباب امرأة وفتاة يتبختران نحونا، المرأة وقحة في كلامها مع عم برقوق وهي تشد خصرها بشال أسود وتتمايل مع الموسيقى, والفتاة سكنت بجوار هيثم تجرع من الفوديكا وهو يداعبها في شعرها ويقبلها في شفتيها.
عم برقوق يتطوح بذراعيه وينظر نحوي ويقول:
- البلدي يؤكل يا ابن عمي.
نظرت إلى مروان, كان منشغلاً في لف سيجارة حشيش, ودهشت من نفسي, كيف صحت الرغبة في داخلي من ردفي المرأة وهما يهتزان مع الصدر الرجراج؟، ولم تضطرم النار بصدري من رؤية السائحات العاريات كما ولدتهن أمهاتهن, كما اضطرمت من مؤخرة ساقيها المدورتين وهما يشبهان الحليب الرائق، نار من نظرتها نحوي أقوى من نار الفوديكا التي تجرعتها.
أستعجلت الرحيل، دائما أستعجل الرحيل, أعتذرت, فمالت المرأة على أذن عم برقوق وهمست, فقال وهو يداعبها في شفاها :
- أصل البيبي تأخر عن ميعاد نومه.
وأكمل هيثم وهو يحتضن الفتاة بقوة ويوصي مروان :
- بالمرة يشرب اللبن قبل النوم.
لا أملك سوى أن أنظر إليهم جميعا في غيظ, وهممت بالرحيل, ورافقني مروان لجهلي بالطريق, رغم الرغبة في البقاء, التي فضحتها يده وهي تمتد لنحر الفتاة.


- 9-
مرت شهور، قلت فيها مواضبتي على الصلاة, وإن كنت أحرص على مداومتها، وأتقنت اللغة الألمانية, وزاد جسدي بسطة عن البسطة التي وهبني الله إياها, وملأت عيني الثقة, وكنت كما قال أحد الألمان، من أراد أن يرى الوجه المصري فلينظر إلى عيسى, وربما هذا ما دعاها أن تشير إليّ.
أطفأت السيجارة في رمال الشاطئ, وعيناي ثاقبة على جسدها الممدود فوق الشازلونج، كلما أقتربت هبت نار في صدري، رفعت النظارة عن عينيها العسليتين، قلت في نفسي هذا بحر موجه عال عليّ، ظلت تمعن النظر فيَّ من أصبعي حتى منبت شعر رأسي, أخيرا سبابتها في وجهي:
- فوديكا بليز.
لم أنطق، أكتفيت بإيماءة من رأسي, وناديت سعيد على الرغم من وجود عبد الله, وبعض الرفاق بالقرب مني ينتظرون.
كلهم يفتتنون بجمالها, وصدرها الممتلئ, وجسدها المكتنز, وأردافها المدورة, وجسدها الخمري, وعينيها التي أخذتهما من بقرة رضيع, وشعرها الحالك بلون الليل، كلهم يجهلون هويتها, وإن أقسموا أنها لأب عربي أعوج لسانها.
جرى سعيد بزجاجة الفوديكا كالذي ظفر بسبية في حرب مرهقة, ركنت إلى الغرفة أدخن, وأراقب ابتسامته المتعسرة في وجهها الساخط والمشمئز, ورأيتها تهرول إليّ, من ثورتها في وجهي يهتز الردفان, ويرتج النهدان, وإن كنت ألمح عتابا خفيفا في عينيها.
قدم مروان مسرعا, يعاملها في رقة ولطف, ليهدأ من روعها, عادت إلى مكانها مستكينة, وشبح ابتسامة يزايل وجهها الجميل وهي ترنو إليّ.
وبخني مروان, وردد على سمعي من جديد وصيته "إن أردت العيش في هذا المكان لا تسأل عن الحلال والحرام", وزاد عليها " إن الضرورات تبيح المحظورات , ولو مستر طارق علم بما حدث لكان له تصرف آخر" .
لا أنكر أن شيئاً من البهجة خالجني وأنا ألبي طلبات زوار الشاطئ. عدت إلى الغرفة أدخن وأراقبها دون أن تشعر, وتشير إليّ من جديد, وتعلو دقات قلبي, وتذكرت مستر طارق, وخشيت أن ينشب عراك جديد, أقعيت بجوار الشازلونج وأنا أبتسم, وأحادثها بالكلمات الانجليزية القليلة التي أدخرها, لكنها نطقت بالعربية المكسرة :
- أريد الكولا.
قبل أن أجري استبقتني من يدي وقالت:
- اسمك؟
ثم أعادت السؤال بالأنجليزية, دغدغة خفيفة سرت في أوصالى من لمستها وسؤالها عن اسمي, فأجبت والسعادة التي بداخلي لا تستطيع عيناي أن يخفياها.
- محمد.
وببديهة أكملت :
- وعيسى إن أردتي.
ابتسمت وقالت :
- عيسى, لأنني مريم.
جريت وعدت بالكولا, أقعيت بجوارها أصب في الكأس الصغيرة.
كانت تشرب, وتنظر, وتبتسم, ثم طلبت مني مرافقتها على الشاطئ, فأجبتها في حبور.
حكت لي عن أبيها المصري, وأمها الألمانية, وفطنتها إلى القليل من العربية, فكنا نتحادث مرة بها, وإن استعصى علينا الأمرعدنا إلى الألمانية, وواصلت حديثها عن دراستها للهندسة, وأشارتّ إلى أمها وهي تسبح برفقة صديق لهما تحت الماء, ولم تغب الشمس إلا وميعاد يجمعنا سويا في شوارع المدينة.
في العودة إلى السكن حكيت لمروان عما دار بيننا, فوصف لي مكانا على شاطئ البحر, لم يرتاده الكثير من الناس, أستطيع الخلوة بها, ثم ضحك وهو يقول" أخيرا ستنزلق رجلك في الوحل يا ابن الفراعنة ".
لمحت في عيني سعيد الحسد, وعيني عبدالله الحقد, فلم أبال بهما.
أرتديت أغلى ما عندي من الثياب, ولاقتني بأقصر ما عندها, جونلة, يأخذ الردفان حرية الحركة بداخلها, وإن كانت بالكاد تداريهما, و"تي شيرت" بالكاد يصل خصرها, أجمل ما في هذه المدينة هواؤها, يأخذك ويطير مع شعرها المسترسل, أنتحينا جانبا فوق صخرة, ألقت نفسها في حضني, طوقتها بذراعي وأنا أبحث عن شفتيها, لأول مرة أشعر بجسد امرأة, تجاهد وأنا أجاهد.
عدت بلذة ناقصة, يشوبها ندم يزيله حب التجربة, وجسد يشتعل نارا.
لم أنم ليلتي, ظللت أرهف السمع لعبدالله بجواري وهو يستشير سعيد في أمور النساء الأوروبيات, وقوانين الآلهة التي تحول بيننا وبينهن, بجانب الامراض المنتشرة, والواقي الذكري الذي لا يخلو من جيب سعيد, وقصة الشاب الذي آتته شرطة السياحة بإبلاغ من سيدة روسية أنه سرق منها بعض المتعلقات, وكيف اكتفى الضابط بترحيله من هذه المدينة, لأنه يعلم أن الشاب لم يقترف ذنبا, وإنما رفض مسايرة المرأة فيما أرادته, وسألت نفسي هل سأحتاج إلى هذا الواقي الذي يحتفظ به سعيد في جيبه مع مريم؟, لم تسعفني الإجابة, وإنما شممت بوادرها في صباح اليوم الجديد.
قدمت تتبختر مع أمها والصديق الذي يرافقهما, قبلتني في خدي, أحسست بالريبة من عيني أمها التي قبلتني أيضا بعد أن قُدمت لها, كنت العذراء التي خُدش حيائها في جمع من الناس.
جلسوا في مكانهم المعتاد بالقرب من الغرفة الصغيرة, كنت أتنقل من شازلونج لآخر, أفرش المراتب وأقدم ما يطلب مني وأنا أختلس النظر من الحين والآخر, لمحت مريم والصديق في بدلتي غوص ويتجهان نحو الماء, والمرأة ترنو إلىّ في شغف وتشير.
سألتني أسئلة معتادة, دراستي, هوايتي, وأخيرا مدى علاقتي بمريم, ثم طلبت سيجارة, أشعلت لها واحدة, ويدها تعبث بأجزاء من جسدها, ثم وهبتني دولارات كثيرة بعد أن صببت لها بعض الكولا في كأس صغير, بعدها طلبت مرافقتي تحت الماء.
تذكرت شرطة السياحة, ومستر طارق, والابتسامة لاتفارق وجهي, وسمعت مروان يناديني, أستأذنت ولم أعتذر.
طلب مني مرافقة رجل عجوز إلى آخرالشاطئ يريد أن ينعم بالقراءة مع سماع الموسيقى, واحتساء الشاي في شئ من الهدوء.
كان رقيقا في معاملتي, حاورني في كثير من الأحداث التاريخية , حدثني عن هتلروالنازية, , ثم سألني :
- أتعرف لماذا هتلر لم يحرق كل اليهود؟".
قلت وأنا أشعل له السيجارة :
- ربما المحرقة لم يكن بها وقوداً.
ابتسم وهو يسعل وقال:
- لا, وإنما حتي يثبت للعالم كله أنه كان له الحق في حرقهم.
أبتسمت معه, ثم دس في يدي بضع دولارات, أخذتها وركنت إلى صخرة صغيرة في آخر الشاطئ أدخن السجائر مع عبدالله الذي كان يراقب امرأة في الماء.
فجأة لمحت بدلتي غوص يركنان بجوارنا دون صاحب, لكزني عبدالله فرأيت ساقي فتاة تحوطان خصررجل ويداها تطوقان رقبته وشفتاها في فمه.
كانت مريم. لسعت السيجارة أصبعي ونط عبدالله في حضن المرأة التي خرجت من الماء, عدت إلى الغرفة الصغيرة لم أكترث بنظرات أمها وإيمائتها, ولم أحسب حسابا لمستر طارق وشرطة السياحة, وكنت أتحاشى أن أكون بالقرب منهم بعد أن عادا سويا وهما يضحكان.
أنشغلنا جميعا بقيء سعيد, والدوخة التي انتابته, وطلب مني مرافقته للسكن, فرأيت ذلك مخرجا لما أنا فيه.
كنت قليل الكلام معه, ولاحظ شراهتي في تدخين السجائر, فقال من تحت الغطاء بعد أن هدأت جوارحه:
- لا تحتاج كل هذا الضيق.
نظرت إليه نظرة المستفهم, وتحججت بمن ينادي خارج الغرفة, وتلكأت في عودتي, لكنه فأجأني وأنا أجرعه الدواء يكمل:
- أنا لاحظت كل حاجة.
فقلت وكأنني محقق معه وأنا أسكب الدواء في غطاء الزجاجة :
- وماذا لاحظت ؟
تجرعه وهو يتألم وقال :
- مريم .
ثم حاول إشعال سسيجارة فمنعته فامتثل وقال :
- نساء الغرب غير نساء الشرق .
وابتسم. دثرته جيداً بالغطاء. في الليل سألت مروان عن إجازاتي وعدد الأيام المدخرة ليّ, ضحك ودعاني للخروج. ذهبنا إلى المكان الذي قبلت فيه مريم, وأراني كثير من الشباب وهم في أحضان الخواجات, وأطلعني أن مصر ليست أجمل مكان في العالم كما يدعون, وإن السياحة في بلادنا ماهى إلا سياحة جنسية, والمرأة التي تأتي لا تبحث إلا عن المتعة الجنسية, والشاب لابد أن يخرج من حضن المرأة بتذكرة طائرة إلى بلادها, أو كاميرا, أو تليفون وبضع دولارات, هذه هى الحياة في تلك المدينة العارية, ثم نصحني في الذهاب معه إلي عم برقوق,
أعتذرت, عدت إلى غرفتي بكثير من الحزن الذي ينبعث في قلبي, كانت صفحة المياه منبسطة أمامي, أشتقت لصورة سلامة وقمر, وتذكرت قول جدي أن العمر المديد يمضي كسنة من النوم, فخشيت أن أعود من حضن امرأة بتذكرة إلى بلادها فأنسى الواقي الذي يحتفظ به سعيد في جيبه.

- 10-
في الصباح اتهمني مروان بالجنون, وعانقني عبدالله, وقبلت سعيد فوق جبينه وهو تحت الغطاء, ورجوته أن يذهب للكنيسة حال قيامه من هذه الوعكة.
يشملني توق شديد في العودة إلى بلدتي الساكنة بالقرب من الجبل, لكن الرصاصة مازالت تدوي في أذني, وصفعات عمي وركلاته كادت تهاجمني كأعمدة الإضاءة والجبال من نافذة العربة.
كادت أن تودي بي, قلبي يسأل عن الجرم, وعيناي تستغيثان, والجواب من عمي عبدالكريم للأقارب والجيران وأولاد الحلال:
- ابن الكلب تهجم على المرأة وهي تستحم في رواقها.
امرأة عمي هذه التي تستحم في رواقها, لا ينبض لها قلب, ولا يهتز لها جسد, قصيرة وسوداء, رحم الله جدتي حينما كانت تسمعها تناديني بابن النصرانية, كانت تقول "ولية وشك وش الماعون المحروق".
رصاصة بندقيته مرت بجوار أذني, كيف نجوت من براثنه؟, هذا ما يعلمه الله, أقسم أمام الجميع إن لم أغادر البلدة اليوم سيدفني في الصباح.
أشتقت لسيجارة أُضيع مع دخانها تلك الذكريات, تذكرت غضب غير المدخنين في العربة, نمت غير هانئ وأنا أطالع النجوم البعيدة, فجأة أهتزت العربة وتأرجحت, ورأيت نتوءات الجبال تقترب من عيني المفتوحة عن آخرها, وأستمعت لصوت فرملة العربة, وقول بعض الركاب "استر يا رب, يا رب استر", والسائق يصرخ فينا جميعا "ياناس حرام عليكم أنا نمت, اللي قاعد جانبي لازم يكون صاحي", على الفور أنتقلت أنا وشاب يخشى الموت إلى جواره, وسُمح لنا بالتدخين مع صوت المذياع الذي ظل يصدح مع اختفاء البحر عن جانبنا.
ولد الصباح بنا في السويس, فحملتني أشعة الشمس إلى عربة أخرى تنقلني إلى القاهرة.
من جديد يتلقفني محمود القص بشاربه الراقص, ظاناً أنني في إجازة, جئت أبعثرها في اشتياقه واشتياق تللك المدينة.
لا أنكر أنني عانيت, وكابدت في الحجرة حبيس القلب ليومين, ألملم ذكريات الماضي, وتذكرت وحيد وإحدى مقولاته "أنت تبحث عن الماضي فأنت بلا شك تحيى حاضرا أليما ً", نعم أنا أحيى حاضراً أليماً, أفتقده وأفتقد معه الأمل, أنا بلا أخ أو أخت, وأيضا بلا أب وأم, بل بلا وطن.
جعلت رأسي تحت الصنبور, أرتويت قليلا, زاحمت الناس في حواريها وشوارعها, أنحشرت في أتوبيس, وجوه كابية, متعبة, ونساء مقنعة, تفوح منها رائحة العرق اللزج, كيف يتسني لمحمود القص أن يشعر باللذة؟.
لم يجبني, ظل منهمكا في طلبات الزبائن, وعند آخر النهار أخذني إلى المعلم مدبولي.
كان قد فرغ من صلاته, ركن السجادة جانبا,ً احتضنني كابن طالت غيبته, أصر على تناول العشاء معه, بعد الأكل دخنا السجائر, وحدثه القص عن إشارة المرور التي كنت أعمل عندها.
- أنت عارف يا محمود, أنا ما أحب أقطع أرزاق حد.
كنت أدرك جيدا أن المكان لم يكن خاليا, وأن هناك من شغله, وكانت رغبتي مقتولة في عمل أي شئ حتى الطعام والشراب.
- يا ولدي أرتاح لك يومين, وإن شاء الله محلولة.
كنت أبتسم في وجهه وهو يدعوني يا ولدي.
بالفعل كنت أحتاج إلى الراحة والهدوء, وكنت أريد السير في شوارع المدينة, لألملم ملامح أمي قمر وأبي سلامة, حتى أصل إلى ملامح وجهي, كنت أقطع طرفا من النهار مع نفسي, وأعربد الجزء الأكبر من الليل مع القص, خاصة أنه يمر بحالة سيئة بعد رفض عمه طلبه الاقتران من ابنته, سألته وأنا أرمي بصري ناحية النهر :
- ألم تحبك مثلما تحبها ؟
- أشك في شعورها نحوي.
ومضى اليومان, ومعهما ثالث, ورحت لعم مدبولي, صافحني الرجل في ود مبالغ, وأجلسني بجواره, وفتح لي حاجة ساقعة من الثلاجة التي تنتصب بجوار الكشك, انشغل عني برهة مع بعض مندوبي التوزيع, أرى رزم الجرائد من خلال دوائر دخان السجائر بكثرة في جانب من الرصيف, والمرصوصة بجوار بعضها أمام الكشك, عاد إليّ وبصيص أمل مشوش في عينيه.
- بص ياولدي .
كان يشير إلى البنايات التي من أمامنا, ومن وراءنا وعن جانبنا, كنت في حاجة إلى فكرته, وخاصة أن المنطقة كانت تضم طبقة خاصة من المجتمع أتوق إلى رؤيتها عن قرب, وأنهى كلامه :
- متقلقش يا ولدي فيها حسنة حلوة.
لم أنتظر, في اليوم التالى حملت رزمة الجرائد تحت إبطي الأيسر, ويدي اليمنى تلوح بصحيفة, وصوتي يعلو بدرجة أكاد أُحسد عليها, أهرام, أخبار, جمهورية, يشير إليَّ رجل عجوز في شرفة عالية, أو امرأة, أتمهل, تنزل سلة صغيرة مدلاة في حبل طويل, أجد فيها ثمن الجريدة وأحيانا الضعف, ألتقطه وأضعه في جيبي, وأدس الصحيفة في السلة, وأمضي, يعود صوتي من جديد, أهرام, أخبار, جمهورية.
تدهشني الحارات المتسعة. وطرقاتها اللامعة, ومدخل البنايات, ورحابتها الرخامية, وعامل الأمن بجوار البواب, لكن لم تكن هناك حسنة حلوة كما أوهمني المعلم مدبولي, فالأعداد التي أبيعها قليلة جدا, حتي ظننت أن الناس يعرفون ما تسطره تلك الصحف, إلى أن أوكل إليّ المعلم مدبولي عدداً من الأسماء التي أذهب إليهم والصحيفة في يدي, أسلمها للبواب أو أصعد درجات السلم, غافلا عن الأسانسير ونداءات البواب, فألقي بها تحت عقب الباب, أو تفتح خادمة فتتلقاها مني, وأحيانا ربة البيت نفسها, دونت الأسماء في ورقة صغيرة مع عناوينهم, منهم من يطلب صحيفة بعينها, أو مجلة بذاتها في وقت بعينه, وخف صوتي من ترديد جملتي المعهودة, ودخلت أماكن كنت أظنها تحصى في الجنة فقط, ورأيت وجوها لم أرها إلا في واجهات الصحف والتلفاز, وعرفت أسماء كنت أقرأ لها وأنا حديث العهد بالسياسة في الجامعة, ونسيت شيئا قليلا عن نفسي, كل هذا والقص لا أراه إلا يسيرا في النهار, صامتا في الليل, حتي ضبطته متلبسا يحتسي زجاجة بيرة, نظرت إليه في استنكار, ساق حججه في كثرة الحصوات وزيادة الأملاح, ومع الأيام زاد إدمانه لها, فسألته عن ابنة عمه, فقال في أسى وصمت:
- تزوجت من أسبوع.
لم أنطق, تذكرت مريم وهى في أحضان رجل آخر في عرض البحر, وقبل أن أنطق كان قد أغلق الباب وخرج, هرولت وراءه, حاذيته وسرنا في صمت, حتى وطأت أقدامنا حديقة صغيرة, تلمح في ضوئها الخافت أقدام قليلة بين جزوع الأشجار, أشعل سيجارة وأهملني, وراح يتصفح نجوم السماء, فعلت مثله, تهادى إلى سمعي همس فتاة تقول:
- أنا خايفة لحد يشوفنا.
يطمئنها صاحبها, كنت أسترق السمع إلى وقع القبلات على نفسيهما, غمزت محمود, أشاح بيده, وحثني على القيام.
في طريق العودة ضحك كالمخمور من غير سبب وقال:
- حنان سألتني عنك أكثر من مرة.
تظاهرت بعدم الاكتراث, وإن كان شعور جميل يخالج نفسي, ولم نتحدث في تلك الليلة مرة ثانية












- 11-
في اليوم التالي مررت عليه في الكشك, قبل الذهاب إلى العم مدبولي, رأيته يبتسم مع كل زبون, ثم يضحك بصوته العال وشاربه الراقص., قبل أن أبادره بتحية الصباح قال:
- نموسيتك كحلي يا عوام.
وأعطاني سيجارة, فقلت وأنا ألتقط من أمامه كوب الشاي:
- نهارك غير ليلك ؟.
ثم جلس بجواري وهو في شبه غبطة.
- الحياة لا تقف عند فتاة تركتك في منتصف الطريق.
وناولني صحيفة قومية وقال:
- اقرأ هذا الأعلان.
إدارة تعليمية تطلب مدرسين في جميع التخصصات, قلت:
- ما رأيك؟
فقال وهو يشعل سيجارة أخرى :
- راتبهم لا يكفيني تدخين السجائر.
أما أنا فرحلت مطمئن القلب, أستلمت حصتي وتوكلت على الله.
بدأت بالأسماء المدونة في الورقة حتي أنتهيت منها, وقبل أن أشرع في بضاعتي الجامدة, وقبل أن أنعطف إلى حارة ضيقة, سمعت صوت هادئ يناديني:
- محمد, يا محمد.
ألتفت, كانت هي, حنان. صافحتني في اشتياق ولهفة.
- كتير أسأل عنك محمود.
أعتذرت, أخبرتها بسفري, وعودتي عندما سحبت يدي من يدها, قالت:
- أعرف بسفرك, ولكني كنت أسأل لأطمأن عليك.
هززت رأسي ولا أدري لما, ولكني كنت انظر إليها وإلى مريم في آن واحد, كانت تبث لي أشياء كثيرة وأنا غارق في عينهيها, هنا الجمال الحقيقي, هنا الأصل, هنا الوطن, أخيرا عدت إليها :
- وأنت أخبارك ايه ؟.
ابتسمت وهي تميل برأسها إلى كتفها , فتنتشي نفسي أكثر, فترد في حنان كأول مرة ألاقيها في الميدان :
- الحمد لله , ماشية, المهم أنت ؟
أبتسمت, وابتسمت, وهمت بالرحيل وهي تقول :
- أتمني أن أشوفك في أقرب وقت.
- أكيد, إن شاء الله .
انطلقت, وأنطلقتُ أنادي علي بضاعتي, وأجول في الشوارع والحارات من جديد, وعيناها لم تفارق عيني حتى نفدت بضاعتي. عدت في أخر اليوم لكشك القص والغبطة تملأ قلبي, وأعاود قراءة الإعلان أكثر من مرة, واستعيد بسمتها وعينيها مرات ومرات, هل الحياة ستضحك لي مرة أخري؟, وعاد السؤال من جديد, ماذا سيكون في المستقبل ؟.
في اليوم التالي لم أنادي على بضاعتي, فقط جمعت أوراقي وذهبت, طامعا في نفسي أن أكون رجلاً يحمل التاريخ فوق عاتقه لينير به مستقبل الآخرين, واكتفي القص ببيع السجائر والصحف والمجلات.
القدر لم يتركنا لصدفة بعيدة, أضاف المعلم مدبولي بعض أسماء الذين يطلبون صحيفة الاسبوع, أضفتها إلى مدونتي الصغيرة, غافلت البواب وأهملت نداءه, وفي الدور الثاني عشر ألقيت بالصحيفة تحت عقب الباب, ثم ضغطت علي زر الجرس ورحت ألتقط أنفاسي عند درابزين السلم, فُتح باب الشقة, أُلتقطت الصحيفة, عند إغلاق الباب ملأت الغبطة عينيها.
- محمد؟
كنت ألهث, وألعن السجائر في نفسي, وسمعت صوتا يأتي إلينا من الداخل, سيدة عجوز لكنها تحتفظ بجمال سنين فاتت في عينيها :
- مين يا حنان؟
اختفت حنان بعد إعطاء سيدة البيت الصحيفة, وعادت مسرعة في يدها كوب الماء, دلقتها في فمي بعد أن دسست ورقة مالية صغيرة في جيبي من يد سيدتها, عند رحيلي همست لي بموعد عند كشك محمود القص, نزلت السلم على مهل, أعتذرت للبواب عن عدم ركوب الأسانسير, لأنه يشعرني بالقيئ, فقال في لهجة ريفية طيبة:
- ربنا يشفيك يا ولدي.
في العصاري جلست عند الكشك, أرشف الشاي, وأدخن السجائر, وأنتظر.
القص لم يدعني, يغمز بعينه كعادته, أو يناوشني بكلمة أو مقطع أغنية, وأنا أتشاغل عنه بتطلع بعض الصحف والمجلات حتى لمحتها قادمة وهي تبتسم, لم تمل ناحية الكشك ,إنما أكملت سيرها, نهضت وراءها غير مهتم بغمز القص.
سرنا, يدانا معقودتان, ثرثرت عن أهلها في ضواحي الجيزة, وعن عملها في خدمة حرم الأستاذ الكبير, وعن حبها لي دون خجل, وحكيت لها كيف جئت إلي الحياة؟, وموت قمر وهي تضعني, ووصيتها أن أُسمى عيسى, وسلامة الذي مات بالسم من بعد وفاة قمر, وجدي وجدتي لأمي اللذان تركا البلدة دون الرجوع إليها, بعد أن أحاطتهما الشكوك بقتل سلامة, كنا نمشط الشوارع دون كل.
في الهزيع الأخير من الليل, تذكرت الجُنينة وضوئها الخافت والأقدام القليلة بين الأشجار, فتواعدنا.
مع غروب الشمس كانت يدها تتسلل إلى يدي في الأتوبيس, لم أرتاب لندرة الركاب, وميل رأس الكومساري إلى خدر لذيذ من النوم وهو في كرسيه, أتينا الجنينة مع النجوم, كنت أنتظر وشيشها, وبوادر خوفها من الغرباء, لكني وجدت الابتسامة تغطي وجهها الجميل, وفي عينيها الحب, وفي نهديها العشق, وأخيرا الرغبة في شفتيها, همست وهمستُ, قربت شفتيها من شفتي فاقتربت أكثر, حتى أطبقت عليهما, وطوقت رقبتي بذراعيها, وخصرها كان مقيدا بيدي, سرنا في لذة ألذ من لذة خدر النوم التي رأيت عليها كومساري الأتوبيس.
كانت لذة ناقصة, نختلسها في ظلام الحارات, وفي الجنينة, والأسانسيرات, وكثيرا ما أعود إلى نفسي, فأخاف عليها مني, حتي اكتملت في هذا اليوم.
رشفت من كوب البواب عدة رشفات من الشاي الساخن, ركبت الأسانسير ولم أصعد السلالم, لحظة انطلاق صوت جرس الباب كانت أمامي, في ثوب أزرق شفاف, ينحسرعن الركبة بمقدار شبر, ويظهر منه قناة صدرها, فيشع بياضا مقدمة نهديها, لا أدري, سحبتني إلى الداخل كالمخمور, وخيل لي أن هناك كلمات مبتورة خرجت من فمها الصغير, أن سيدة البيت وزوجها في سفر لأخر النهار, جلسنا إلى أقرب كنبة جلدية, ألقت رأسها في حضني, وسكرنا بخمراللذة , لم أفق إلا وأنا عاريا.
كالملسوع خرجت دون النظر إليها, أخبط في الشوارع على غير هدى, كدت أن أجهش بالبكاء, لولا خشية الناس, غلبتني دموعي وأنا بجوار الكشك, لم ينتبه إليّ محمود من كثرة الزبائن, ولم ينتبه لها أيضا وهى تشدني من يدي, سرت معها منكس الرأس, لا أنكر أنني وجدت الدواء في حديثها , واكتشافي أنها تحبني منذ وطأت أقدامي تلك المدينة, وأنها تسأل عني محمود في كل مرة, وأنها تعلم كل تفاصيل حياتي حتي أمي النصرانية, وأنها شاءت أم لم تشأ هناك من يفض بكارتها, فتمنت أن يكون أنا, كانت تنظر إليّ وحب يفيض من عينيها, حب يستطيع أن يغمر كل القلوب البائسة, واختلست قبلة في غفلة مني ومن الناس وجرت, كنت أتتبعها أمامي كخيال أراه قبل النوم, يركض حتى يختفي.
أنتابتني مخاوف كثيرة في فراشي, وساورني القلق, ومحمود بجواري يعلو شخيره, وكنت أسأل ماذا ستفعل بخطيئتنا؟, وتمنيت لو أن هذا المكان ملكا لي, أو أمتلك ما يكفي معيشتنا لتزوجتها, أنهض لأشعل سيجارة, أبحث في زجاجات البيرة الفارغة لعلي أجد الخلاص من ليلتي هذه, أعود أتقلب من جديد فوق جمر النار, نعم أنا أحببتها بالفعل, لم تكن حمى سأشفى منها قريبا كحمى مريم, وأتاني النوم بعد قرار الزواج منها وليكن ما يكن.
في الصباح أول ما قصدت قصدت بابها, أخذت سيدة البيت الصحيفة وشكرتني, وأغلقت الباب, تعللت للمعلم مدبولي بمرض يستحيل معه توزيع باقي الصحف, أنتظرت قدومها عند الكشك, غاب النهار ولم ألمح طيفها, وصرت فريسة لليلة أخرى.
في اليوم الثاني لم يفتح الباب, إنما رأيت الصحيفة تُسحب في تأن عجيب من تحت عقب الباب, ولم أجد بدا من سؤال البواب بعد أن أعطيته سيجارة, فأخبرني وهو يهرول لأحد السكان إنها رحلت, وهناك من شغل مكانها, ولم يعرف عنوانا لها.
لم أستطع أن أتعلل مرة أخرى للمعلم مدبولي, كنت أطوف الشوارع والحارات والبنايات, أبعثر الصحف وأبحث عن وجهها الملائكي بين وجوه الناس المتعبة, ولاحظ القص اقبالي الشديد على زجاجات البيرة فقال في إشفاق :
- مالك يا صاحبي؟
كنت أنظر إليه كالملدوغ, أو كالذي أوشك علي مفارقة الحياة, فكنت أهمس بصوتها وأنا في حضنه, فسمعته يتمتم :
- حمي الحب .
ثم أكمل :
- الحياة لا تقف عند امرأة تركتك في منتصف الطريق.
فأشفقت عليها, لأنني الذي تركتها في منتصف الطريق.
قُضيت أيام طويلة, عشق فيها السهر عيني, وأحاط بقلبي الحزن والخوف والقلق, أمشط الطرقات, ألملم ثناياها من وجوه الناس مع وجهي قمر وسلامة, كنت أمر بكل الأماكن التي قبلتها فيها, في الجنينة أجلس إلى جزوع الأشجار, وأنتظر أن تهم لتقبلني, لكنها كانت صفحة وطويت في كتاب الذكريات.





- 12-
حكت الحياة معي حكاية جديدة, علمت بدايتها من محمود في الظهيرة, هناك خطاب ينتظرني في البيت, انفرجت أساريري, قلت في نفسي عادت حنان لتقبلني من جديد, قبل أن أفضه كان ختم الإدارة التعليمية على ظهره, كنت قد نسيت, وقال المعلم مدبولي:
- الوظيفة أمان يا ولدي, والله يعينك.
لم يعلق محمود, وجمعت أوراقي وتقدمت.
لم يسمعني العامل من الضجة التي يحدثها عمال الورش وأغلق الباب, نقرت أكثر من مرة حتى حدث صرير من فتحة صغيرة تشبه الطاقة, أخبرته أنني مدرس التاريخ الجديد, قادني بكلمات الترحيب من خلال فناء يضيق بمبنى لعله دورة المياه, إلى حجرة صغيرة, كتب أعلاها شئون عاملين.
في الحجرة رجلان, يجلسان إلى مكتبين صغيرين, أحدهما جاوز الأربعين بذقن بيضاء وشعر رأس أسود, يفرش أمامه جورنال فوقه سندوتشات الفول والطعمية, والآخر يقاربني في العمر, يحتسي الشاي مع تدخين السجائر, ومن أمامه أوراق مكدسة.
أخبرهما العامل فطلبا بعض الأوراق التي في يدي, والبعض الآخر كلفت العامل بشرائها من الخارج, مع دوسيه بلاستيك, وبعض الدمغات, ثم دلفت إلى حجرة كبيرة بعض الشئ, كتب علي بابها فوق قطعة خشبية "المدير", فُرشت بسجاد مهترئ, وبها بعض الكراسي الأرابيسك, ومكتب كبير مغطى بلوح زجاج, يجلس إليه رجل لاحظت طوله المديد, وعظامه القوية وهو ينهض ليسلم عليّ, ويبالغ في كلمات الترحيب, والعامل من جواري يخبره أنني المعلم الجديد, فبالغ في الترحيب أكثر وهو بتفحصني جيدا, ويقول :
-أهلا ,أهلا بالجيل الجديد.
ثم قدمني إلى رجل يجلس قبالته بذقن مدببة :
- مدرس التاريخ الجديد.
ثم دعاني للجلوس قبالته, بجوار صاحب الذقن المدببة, وانشغل مع العامل في أمور أخرى.
فجأة سألني الرجل في بغتة مني, ما الفائدة التي ستعود على الطلاب من دراسة التاريخ؟, قلت على الفور:
- قراءة التاريخ تصنع الرجال.
قبل أن أستطرد في سرد قصة كفاح طيبة لنجيب محفوظ وأهميتها التاريخية, استأذن, وقاده العامل بعد أن عاد بالأوراق والدمغات المطلوبة, شيعني الرجل بنظرة مبتسمة, أخبرني المدير أنه موجه مادة التاريخ, قدم عامل آخر في يده كوبة شاي, مع رجل بطنه متهدلة, وجزء من قميصه يتسلل من البنطلون, أوكل إليه المدير إدراج اسمي في لوحة جدول الحصص, وكذلك في كشف الحضور والانصراف, أمليت اسمي كاملاً, أتى العامل الأول ومن أمامه بضعة تلاميذ, يسوقهم إلى الداخل كقطيع من البهائم, لم ينبس المدير, إنما أشار بأصبعيه للخارج, فراحوا يركضون, أنزعجت لطلب صاحب البطن المتهدلة من المدير بأن أصعد إلى الفصل الثالث الإعدادي لتغيب المدرس, فكان الرد في اشفاق:
- تمهل يا سيد.
ولا أدري أهذا لقبه أم اسمه؟.
رشفت عدة رشفات من كوبة الشاي التي أمامي في هدوء, بعد اصطحاب أحد المدرسين الاحتياط الجالسين في حجرة الكمبيوتر. عاد التلاميذ يتقاطر من رءوسهم الماء, حتي بلل مقدمة سترتهم, وأسنان بعضهم تصطك من البرودة الشديدة, وقال المدير:
- إنني لا أرى الماء, أجر يا ولد مرة أخرى.
ثم دعاني للمرور معه على الفصول, من فصل إلى فصل آخر, ينقر الباب نقرتين, ندلف, يقف الطلاب كـأنهم سرية في جيش نظامي, يلقي تحية السلام, بصوت عال, يردد الطلاب "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته", يشير بأصبعه, يجلسون, ينظر إلى السبورة, يطالع ما عليها, ثم يعتدل ليصافح المعلم وهو يحسه علي الاجتهاد أكثر :
- أحسنت يا سيدنا, كان الله في عونك .
يوقع في دفتر التحضير, ثم يرفع جزعه المديد وينظر إلى الطلاب وهو يبتسم ويسأل :
- من قائد الحملة الفرنسية ؟
أخيراً يشير إليّ, "مدرس التاريخ الجديد, الأستاذ محمد", يصافحني المعلم, وتتلقفني نظرات التلاميذ وهم يبتسمون, وعند الرحيل يدعو بالتوفيق للجميع.
من فصل إلى فصل, يوقع في دفاتر التحضير, ويقدمني للجميع, منهم من يصافحني, ومنهم من يكتفي بابتسامة, ومنهن من تبحلق في وجهي دون خجل, إلا واحدة, انكسرت نظرتها إلى الأرض, سوسن, عرفتها فيما بعد, تحبو فوق العشرين, مدرسة الخط,, يختبئ جزء من وجهها تحت حجاب مُدلى طرفه إلى خصرها, ويضئ بخدين حمراوين, ويزهو بشفتين في لون التفاح, لفم صغيركالنبقة, يبتسم في خجل تحت أنف صغير, لكنك تحس العظمة فيه, ليجعلك تخر ساقطاً تحته.
عدنا نهبط درجات السلم, قبل أن ندلف إلى مكتبه, أنتبهت لأمرين, أولهما, أن كل العاملين يخلعون عليه لقب الشيخ, "أهلا يا شيخ محمد", "الشيخ محمد مخلوف قال كذا وكذا", على الرغم أنه حليق الذقن, ولا يستند إلى عكاز, والأمر الثاني, تحدثه اللغة العربية الفصحى, مع القليل من اللهجة الصعيدية.
عدنا إلى مكتبه, وجلست في أول كرسي لاقيته, سألت في فضول مهذب إن كان من أهل هذه المدينة الأصليين, قال وهو يبتسم, فتظهر أسنان بيضاء قوية :
- يا بني أنا من الصعيد, تسمع عن بني العديات؟
قلت في التو:
- ما من دارس للتاريخ لا يعلم القيمة التاريخية لهذة البلدة العظيمة, ولا ينسى مقاومتها للفرنسيين.
ابتسم لمعرفتي بهذه المعلومة التاريخية, ونادى " ياسليمان" , وأسرد لي حكايات كثيرة موجزة, التار الذي يلبس أجساد أخوته وأعمامه, التجارة التي هواها منذ الصغر, قدم إلى تلك المدينة طامعا في عيشة آمنة, ومستقبل يرضاه لأبنائه.
- يا بني, الإنسان لا يستطع العيش بدون الأمان, وكذلك ثلث الرزق في التجارة, صدق رسول الله صل الله عليه وسلم.
قلت:
- ربنا يكرمك.
وهممت أن أسأل عن لغته الفصحى لولا قدوم صوت خشن :
- أتفضل الشاي يا عم الشيخ .
سليمان, رجل غليظ,, تجهد عينيك لو حاولت البحث عن رقبته, قصير, في بنطون قديم وسترة متسخة, وضع أحد الكوبين فوق المكتب, والأخر قدمه ليّ فشكرته, رشفت رشفتين وأنا أضمر الاستئذان في الخروج لأشعال سيجارة, لكن مثول الأستاذ عادل صاحب الذقن البيضاء المدببة أمام الشيخ مخلوف أوقفني برهة, كنت أطالع وجه الشيخ مخلوف وهو يدقق النظر في الورقة التي قدمت له, يبدو أن قراءتها يصعب أمرها عليه, فمن الحين والحين يقربها أكثر إلى ضوء النافذة, ورأسه تهتز هزة خفيفة, وصاحب الذقن المدببة يقف أمامه في ضيق, ويداه تفتشان جيبه في غيظ,, أخيرا يوقع الشيخ, ويقول " تفضل يا سيدنا ", يتنهد الأستاذ عادل, ويخرج وهو ينظر إلى الأرض في غيظ.
رشفت ما تبقي من الكوب وأستأذنت, فأشار وهو يبتسم ويردد:
- خذ راحتك يا سيدنا.
أبتسمت, خرجت إلي الفناء, ثمة صيبة يلعبون الكرة, مثلهم في جانب الفناء, يشجعون ويتأهبون, ومن الجانب الأخر بضع فتيات يجرين وراء بعضهن, وصافرة في فم مدرس طويل, تأمر وتنهي, أخرجت سيجارة, ورحت أدخن, أبحلق في دهشة إلي الذي يستحوذ علي الكرة,
يتخلل بها أرجل اللاعين, أخذها منه, أركض بها, أراوغ, أمر بها, أخيرا أمررها إلى وحيد, في حركة سريعة يأتي بها فوق رأسه, يتخطي بها الذي أمامه, يعيدها إليّ, بكل قوتي أركلها في المرمى, تضرب رأس حارسه وتدخل, أطير إلى وحيد, أحتضنه مع تصفيق المتفرجين من عيال الحارة, طوبة تأتي إلى ظهري, تؤلمني, وأخرى تلسعني " يا بن النصرانية ", كانت من يد وفم جابر بن عمي عتمان حارس المرمى, ينشب العراك, ويسيل الدم من أنفي وأنف وحيد في غفلة من الجميع, تزعق جدتي, وتشتم, وتسب, وجدي يلعن سلاسفينهم, ويعوضني بربع الجنيه الأخضر, أفتش عن وحيد, أعلم أين يكون, عند الجبل, يعد خطته لأخذ الثأر, دائماً نهزم يا صديقي العزيز, أغريه في تقشير عيدان القصب, نطير إلى عم عزمي, نجلس فوق كومة ورق العيدان اليابسة, نظل في تقشيرها حتى تمتلئ مثانتنا, أزيح الذكرى, أري وجه الأستاذ سيد مدرس الألعاب.
- أهلاً وسهلاً, حضرتك مدرس التاريخ الجديد؟
أشرت بذقني " أي نعم ", وأخرجت سيجارة من جديد, قدمت إليه واحدة, اعتذر وهو يضع سبابته في فمه ويبتسم, وقدمت بنية مليحة تزعق من بعيد " يا أستاذ سيد, يا أستاذ سيد, البنت هبة زاحتني, ووقعت بسكويتي في الأرض", تروح بسمته, وتبحلق عيناه, ويزعق فتهتز شعيرات خفيفة تصارع صلعاً في مقدمة رأسه, تأتي هبة وتقسم بأغلظ الأيمانات, إنها دون قصد اصطدمت بها, تلين ملامحه من جديد وتضئ صلعته الحلوة, علي الرغم من سمار وجهه, ويفك الاشتباك بضحكة مع هذه, ومزحة مع تلك, فيهرولان سوياً, يطلق صفارته من جديد, تقف الكرة ,ويدق الجرس, يأتي سليمان ليعلمني أن الشيخ مخلوف يريدني في مكتبه حالا, ألقيت السيجارة وأستأذنت من الأستاذ
سيد, على وعد إحتساء الشاي معه فيما بعد.
جلست إلى الكرسي الذي كنت فيه من قبل, قبالتي من الجانب الأخر يجلس رجل يبدو مترنحاً, في رأسه صلع, بجوار امرأة في الأربعين, وجهها يطفح بالأنوثة أكثر من المساحيق التي يُغطي بها, في فمها لبنانة, تلوكها وهي تدق الأرض برجليها دقات خفيفة.كلنا في انتظار إنهاء مكالمته الهاتفية.
- أهلاً وسهلاً يا أستاذ محمد, إن شاء الله تكون مبسوطاً معنا.
لم يكن وجهها فقط الذي يطفح بالأنوثة, إنما صوتها أيضاً, ونظرة عينيها, ورائحتها التي تدعوك لمضاجعتها.
- إن شاء الله يا سيدنا, وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
عاد إلى كرسيه وهو يضع الهاتف في جيبه, ونظرات حادة منه إلى الرجل المترنح :
- يا أستاذ رمضان, لا تنسى يا سيدنا أن الطلاب أمانة في رقابنا.
لم أسمع ما نطق به الأستاذ رمضان, وإن كنت أظنه يتمتم وهو يعتدل في جلسته, ويحاول مجاهداً أن يفتح عينيه.
- أستاذة ماجدة.
لاحظت عدم النظر إليها وهو يحادثها, ويرجوها أن تترفق بي في خطة المنهج, إنما تارة كان ينظر إلى تليفونه الذي أخرجه من جديد ,وتارة أخرى إلىّ, أو إلى الأستاذ رمضان, حتي أنهى ما أراده وأنصرف .
تتحدث وتفيض, وكل شئ في جسدها يهتز, والأستاذ رمضان يصحو ويرمقها بشهوة مفضوحة, أخيراً نصيبي من التركة الصف الأول الإعدادي بفصوله الأربعة, بإضافة حصص الاحتياط,, خرجت بعد توزيعها التركة, وخرجت نظراتنا الملتهبة وراء صدرها الناهد, وكتفيها العريضيتين, حين سارت خطوتين لم أستطع أن أبعد ناظري عن مؤخرتها الكبيرة, التي ينسدل فوقها ثوب يشف عن نعومة اللحم الطري الذي يخبيه, ويفخر بأنه يعلو ساقين ملفوفين, أحسست بحرج الموقف لوجود الأستاذ رمضان, لكنه زال سريعاً بعد أن رأيت عينيه ما زالت متشبثتين بعجيزتها وهي تتبختبر في مشيتها.
في أخر اليوم كنت مثلها, أتبختر في مشيتي, في يدي دفتر التحضير,عدلت عن الذهاب إلى البيت, وطرت إلى محمود القص, جلست منجعصاً في كرسيه, وفي فمي السيجارة.
- مرحب يا مدرس.
كنت مزهوا في نفسي وهو يدعونني يا مدرس أمام الزبائن, ولم لا ؟, ألست فيّ الأقوال المأثورة التي ترفعني إلى أعناق السماء.
رشفت عدة رشفات من كوبة الشاي التي أحضرها, وأنا أتطلع إلى صحيفة يومية, واضع ساقاً على ساق, والقص من الحين والحين يرمقني في خبث, ويدقق النظر إلى حذائي المهترئ ويقول :
- بالفعل مدرس.
قلت وأنا أراه يجلس قبالتي:
- قم للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا.
- يا بني حال الشحاذين أفضل منكم
لم أهتم, كنت أرشف, وأدخن, وأطالع, وهناك خاطر يداعبني, مجيئ حنان كعادتها تشتري, وتنظر, وتبتسم, وتطير بي إلى بعيد, فجأة رأيتني منكساً الرأس, وكاد الخاطر أن يأخذني بعيداً لولا غروب الشمس.




- 13-
كنت أول الموجودين في المدرسة من بعد العمال والشيخ مخلوف, وكنت أكثر المضطربين في أرض الطابور, كنت في حالة الطالب الذي أهمل واجبه, ويخشى عقاب المدرس.
من الحين والحين أطمئن على حذائي بعد إصلاح ما به وتلميعه جيداً, ومن الحين والحين أيضاً كنت أرمق الطلاب وهم في وقفة الانتباه, ومن أمام كل فصل مدرسه, كنت مشتت الذهن إلى أن راح الشيخ مخلوف يطلق كلمته التي بدأها " بسم الله الرحمن الرحيم ", ثم انطلق في ما يجب على المعلم, وما يجب علي طالب العلم, ورارح يستشهد بقصة سيدنا موسي والخضر, حلو اللسان في ذكر آية, أو حديث نبوي شريف, أو قول مأثور, وبيت شعر, نفد الوقت ولم تنفد كلماته, أخيرا مسك الختام القرآن الكريم, صوت الأستاذ سيد يعلو صفا وانتباه, وأصوات تعلو لترج المكان, " الله أكبر, الله أكبر, تحيى جمهورية مصر العربية ".
في الفصل أكتشفت أن لدي موهبة خاصة في سرد حكايات الأجداد, مما جعلت كل الآذان صاغية في شغف, ما قلته في الفصل الأول هو ما رددته في الفصل الثاني, مع إضافات قليلة, وحكيته في الفصل الثالث, مع إضافات كثيرة هذه المرة, رحلت الاضطرابات عني, وحطت السكينة في نفسي, كنت أحيي الشخصيات وأخلق لها أصواتاً وحركات تمثيلية, يُزهل الطلاب, ويضحكون, وأحيانا يدمعون, في نهاية الحصة كنت أدعهم يعلو صياحهم, وتختلط أصواتهم, وأنا أسمعهم مغتبطاً.
كنت إلى السعادة أقرب في هذه الأيام, عرفت الكثير من الطلاب بأسمائهم, وأحببني الكثير منهم, وطبتُ إلى قلب الشيخ مخلوف, اعتاد على زيارتي في الفصل, يأتي وكرسي في يده, يجلس أخر الفصل و يستمع, وحين أنتهي يقول:
- أنك تسرد التاريخ كما ينبغي أن يكون.
قلت في امتنان شديد :
- التاريخ حياتنا القديمة, يجب أن نحياها جيدا حتى نستطيع أن نحيى حاضرنا :
فأكد كلامي :
- بل ونخطط لمستقبلنا .
كان يناقشني في كثير من الأحداث في مكتبه, ونحاول سويا أن نربط بينها وبين الحاضر, وتدور المجادلات بيني وبينه, وبين من يحضر معنا الحديث, كيف تكون الشخصية المصرية في القديم وفي الحديث ؟, يستشهد الأستاذ يحيى – مدرس اللغة الإنجليزية بمقولة أحد الكتاب الكبار
- أن هذا الشعب تجمعه الربابة وتفرقه العصى.
ويأتي الأستاذ عصام- صاحب الذقن الكثيفة – بمقولة نابليون- عند انسحاب حملته :
– أن هذا الشعب إما مجنون وإما حكيم ؟.
ولا أدري إن كانت هذه المقوله صحيحة أم لا, ولابد من الأستاذ حسام أن يثرثر ويفتي فيقول بألفاظ متزحلقة :
- إن الشعب المصري شعب عظيم, فهو الذي قهر الهكسوس وحطم خط بارليف .
وراح يخوض في أحداث التاريخ ويخلط بينها في جهل واضح, وأنا أصحح له المعلومة, ولم أجد بداً من سؤال الشيخ مخلوف عن رأية في الشخصية المصرية, فتكلم عن عظمة المصري القديم, ثم ذكر رأي عمرو بن العاص حين سأله سيدنا عمر بن الخطاب فكان رده أنه أول من يطع وأخر من يثور, وجاءت لفظة الثورة, ولابد لها أن تأخذنا إلى طرق أخرى, عدد الثورات التي قام بها المصريون, وأهمية أسبابها, فكان لازماً عليّ أن أذكر الثورة التي قامت في عهد أخناتون من أجل توحيد الآلهة, وقليل من اضرابات العمال, وسأل يحيى عن رأينا في وصف الشعب الذي يظل قرون طويلة لا يحكم نفسه, وعلق في ازدراء واضح وهو يقول :
- حتي التتار حين قدموا مصر وقالوا نريد أن نكلم حاكم مصر, فلم يجدوا من المصريين من يتقدم ليخاطبهم وخاطبهم قطس .
وأخيراً نطق الأستاذ سيد وهو يلعب بصفارته حين دخل الأستاذ رمضان:
- الشعب المصري شعب طيب وغلبان, ولذلك تراه يعيش في الظلم والطغيان دون ثورة أو مقاومة .
وكان لابد أن يذكر الشيخ مخلوف أية قرآنية في حق مصر والمصريين, فقال:
- " وأدخلوها بسلام آمنين " صدق الله العظيم, يكفي هذا الشعب العظيم أنه صاحب الأرض التي يشيع فيها الأمن والسلام.
ضحك الأستاذ سيد وهو يعلق على حديثه:
- هو حضرتك من سكان السلام ............؟.
ضحكنا كلنا, وضحك معنا الشيخ وهو يخلع حذائه وينتعل آخرا من البلاستيك يخبئه تحت مكتبه وقال:
- أخشى أن يطول الحديث وتفوتنا صلاة الظهر.
وقام ليتوضأ, وأنا في أثره مع نفر قليل. قبل أن يكتمل وضوؤنا لمحت سليمان يفرش حصيرة صغيرة تحت الشُجيرة, وسمعت صوت الشيخ مخلوف يشدو في الفناء بالأذان, كان إمامنا وكنا تابعيه, حين فرغنا استغفر ربه ثلاث مرات, وحين استدار إلينا ليصافحنا زعق في وجه الأستاذ عصام :
- يا أستاذ عصام,يا سيدنا, ألف مرة قلت لا يأتي الصلاة من كان بالحصة.
مسح الأستاذ عصام لحيته الطويلة بيديه وهو يقول:
- صلاة الجماعة يا شيخ مخلوف فض.....
قبل أن يكمل فضلها باغته الشيخ بقوله :
- يمكنك أن تصليها يا سيدنا بعد انتهاء العمل مع زميل لك, أو مع زوجتك في البيت.
راح الأستاذ عصام ينتعل حذائه وهو يقول :
- يا شيخنا صلاة الجماعة لا تؤثر علي الحصة, خمس دقائق ليس فيها ضرر.
فقاطعه الشيخ مخلوف :
- العمل قبل العبادة يا سيدنا .
ثم نظر إلينا جميعا :
- المدرس يجب أن يكون قدوة حميمة في انضباط السلوك والاحترام والكبرياء الشديد, ولديه الشعور بالمسئولية, كل دقيقة تمر دون أن يستفيد منها الطالب سنسأل عنها يوم القيامة يا أفاضل.
دلف إلى مكتبه ممتعضاً, وهرول الأستاذ عصام إلى السلم, وأنا عدلت من هندامي مع سيد الذي راح يكتم ضحكه هذه المرة وهو يهمس لي :
- أصل الأستاذ عصام مداري ورا لحيتة الطويلة .
ثم أكد كلامه وهو يسدد لي نصيحته الغالية :
- دع الملك للمالك, وابعد عن أصحاب الذقون .
أخذت بنصيحته, وتركت الملك للمالك, ولكن هل سأبعد عن أصحاب الذقون ؟ .

















- 14 -
لأول مرة منذ جئت هذه المدرسة أدلف هذه الحجرة, أصر الأستاذ سيد أن نرشف الشاي فيها .
- هناك غلاية أشتراها حسام بيه, شايها أحسن من شاي عمك عبدالعال المعفن.
الحجرة تتسع لطلاب الفصل الأربعين وأكثر, بها الكثير من أجهزة الكمبيوتر, والكراسي المريحة التي تحوط تربيزة طويلة, بطول الحجرة, وتربيزة صغيرة بعرضها في واجهة الباب, من فوقها أيضاً جهاز كمبيوتر, ومحاطة بثلاث كراسي, الكمبيوتر الذي فوقها خاص بحسام بيه, وحسام بيه هذا هو مدرس الحاسب الآلي, شاب طويل, يصغرني بعامين, يرتدي أفخم القصان والبناطيل والأحذية, وأرق الجوارب, يبدو كنجوم السينما بشعر رأسه الأسود المرسل قرب كتفيه, وذقنه التي تترك لأربع أو خمس أيام دون حلاقة, يترك أزرار القميص مفتوحة حتى الصدر, الذي يظهر نصفه حتى لو في أيام الشتاء, فتبدو شبكة الشعر الأسود الكثيف متأهبة لصيد الفتيات والأرامل والعانثات, يثرثر في كل شئ, مع جهل واضح بكل شئ, وكثيرا ما ما يختلق الأكاذيب, كل ما في الأمر أنه في هوس كي يلفت الأنظار إليه.
جلسنا إلى التربيزة المواجهة للباب, راح الأستاذ سيد يدير الجهاز وهو يقول:
- ما في عندك جديد على الجهاز؟
- يا بني أنا عندي كل جديد.
لا أدري عن أي شئ يتحدثان, كل ما هنالك أنني لمحت حسام ينظر إليّ- وهو يجيب ويضع تلقيمة الشاي والسكر في الأكواب- وكأنه يفتخر باقتناء أندر الأشياء, اكتفى سيد بتصفح جهاز الكمبيوتر, وأكتفيت أنا بتدخين السجائر مع رشفات الشاي, وحسام بيه كان يدخن معي ويثرثر بمقابلة الفنان أحمد السقا, والتقاطه الصور مع النجمة منة شلبي, ويحكي الحكايات, وأنا من الحين والحين أحاول جاهدا التلفظ بكلمات توهمه التصديق, وأختلس النظر إلى سيد في مكر, فوجئت بصدقه في كل كلمة يقولها, أخوه يعمل مديرا لأعمال النجم الكبير خالد أبو المجد, يلازمه في كل خطوة يخطوها, فجأة خيالني ظل من نافذة الحجرة, سريعا ما اختفى, وسريعاً ما ظهر أمام الباب وهو يهرول إلى السلم, كان ظل الأستاذة ماجدة, تحاول ان تلحق بحصتها, ركن حسام كوب الشاي فوق التربيزة وطار إلى الباب, يرمقها وهي تصعد الدرج, نظر سيد إليّ وقال وهو يبتسم :
- هيموت الكلب عشان ينام معها ليلة .
فرد عليه وهو يشعل سجيارة أخرى ويتأهب للعودة:
- بنت الكلب طلقة وهي في البنطلون الجينز.
لكنه تسمر في مكانه بعد مقولته, سوسن تمر من أمامنا وتوقفها الأستاذة محاسن مدرسة اللغة العربية, تحدثها في وضع يسمح لي برؤية وجهها الوردي, أما جزعها فكان حسام يداريه عني, أحسست بدغدغة وهي تفارق محدثتها, وثمة ابتسامة تزايل شفتيها, ونظرة تتسلل إليّ.
لا أدري إن كان سلامة وقمر وجدي وجدتي ووحيد وحنان وبلدتي الساكنة في حضن الجبل سيرحلون عن ذاكرتي, وأتيان سوسن إليّ عفو الخاطر شيئاً يسعدني أم لا, إنما ما أسعدني حقاً أقلاع محمود القص عن احتساء الخمر, وعودة الحياة إليه, وعودتنا لزمن ليس بالبعيد, نتناول عشاءنا, ندخن الشيشة في المقاهي مع احتساء البيريل, نرتاد دخول السينمات, نتلصص إلى الفتيات والنساء, وأرديتهن الضيقة, ونبتسم للتي ترتدي الحجاب مع بنطلون جينز ضيق يظهر أكثر مفاتنها, ونقول لها شئ لله وشئ لعبد الله , وكنا نشير للحجاب في الجملة الأولى, ونشير لردفيها في الجملة الثانية, نضحك ويعلو ضحكنا, ونثرثر في حدث هام ونقوم بتحليله من كل الجوانب, ونناقش مقال صحفي لكاتب كبير, ونستمع لكاظم الساهر وطارق الشيخ, وعدنا لزيارة معتصم واجترار الذكريات البعيدة, ولا ننسى معاودة الاتصال بمروان, فيذكرني بمريم وأوصية السلام لعبدالله وسعيد ونساء تلك المدينة العارية.











- 15-
في هذا الوقت من الظهيرة, أعتدتنا أن نأكل غداءنا داخل الكشك, نأتي بطاولة صغيرة, ومعها كرسيين, هي تتوسطنا وهما يحملانا, ومن يأت ليبتاع, يلتقط ما يريده ومن امامنا يضع ثمنها, وإن استعصى الأمر انثني محمود قليلاً, فيناوله علبة سجائرمستورد, بسكوت من نوع خاص, أو شيئ آخر.
كنت شارداً, وكان القص يبتلع لقيماته وكأنه في صلاة و يتابع حركة الناس من حوله, ولا ينظر إلى الطعام, بغتة منه ومني ولعله تذكر شيئاً من الزمن الغابر.
- كانت جميلة, ولكنها رعناء .
ثم توقف عن الأكل, ومال للوراء, وتناول علبة سجائر من جواره, وأشعل واحدة.
أبتلعت ما في فمي من بقايا طعام وسألته :
- ابنة عمك ؟.
لم ينطق, وإنما زفر بشدة دخان السجائر, فتابعت أكلي وأنا أسأله :
- كنت تحبها ؟
فردد مقولته :
- الحياة لا تقف عند امرأة تركتك في منتصف الطريق .
وراح يتأمل حركة الناس من جديد والعربات التي تمرق وكأنه يبحث عن شئ ما .
فرغت من غدائي, وتناولت علبة السجائر من أمامه وأشعلت واحدة, ورحت أتابع معه حركة الناس وأبحث عن هذا الشئ.
لمحت معتصم يهرول كالديك الرومي, وحين اقترب منا مال ناحية الثلاجة, فتح بابها وأخرج الحاجة الساقعة, وحين دلف إلينا ورأى الطعام الزائد ابتسم وقال :
- لا سلام على طعام .
وراح يلتهم ما تبقي .
كنت قد نسيت السؤال الذي يحيرني, ويطير النوم من عيني, ماذا سيكون في المستقبل؟, إلى أن فوجئت بزيارة معتصم لنا هذه المرة, يدعونا لحفل زفافه.
- ابنة خالي, متوسطة الجمال, لكنها تمتلك الشقة في بيت أبيها الكبير, فضلاً عن وظيفتها الثابتة في الحكومة التي تدر آخر كل شهر سبعمائة من الجنيهات.
وأشار بأصبعيه السبعة في وجه القص, ثم أضاف :
- وخالي الله يخليه لنا علي صلة وثيقة برئيس محكمة, سيعينني فيها براتب لا يقل عن ألفى جنيه في الشهر.
قلت :
- دارس للتاريخ ماذا يعمل في المحكمة؟
رمى القص سيجارة في يده وقال:
- في بلدك لا تسأل .
وراح يشعل أخرى ويشير " بلا " لرجل يطلب صحيفة المصري اليوم, فقلت وأنا أرشف من كوب الشاي :
- والحب يا معتصم؟
ضحك ضحكا هستيريا وقال:
- يا صديقي نحن نبحث عن الحب في الزواج, والحب يأتي بالعشرة.
ربما يكون صادقاً, لم أحب حنان من أول نظرة مثل مريم, وحين عاشرتها صارت قمر التي رحلت عني.
في ليل الخميس كان معتصم مزهوا في كرسيه بجوار عروسه, هي قصيرة, وإن كانت طويلة بالنسبة لطول معتصم, بيضاء, يعيب بياضها هذا أنفها المفلطح, لكنها جميلة في نظري أنا على الأقل, جمالها هذا ينبع من طيبتها التي تبدو في عينيها وخجلها الذي تحاول أن تداريه.
جلسنا في المكان المعد لذلك, صوان كبير بعرض الشارع المتسع, ُصفت الكراسي فيه علي الجانبين, جانب للنساء والآخر للرجال, خلفهما حلقات متفرقة من الكراسي, جلسنا في حلقة من هذه الحلقات, يرحب بنا أشقاء معتصم, وأخوة العروس بزجاجات البيرة وسجائر الحشيش الملفوفة, أعتذرت في حرص شديد على عدم احتسائها, وكادت يد القص أن تمتد لواحدة, غير أني منعته, لكني لم استطع منعه من التقاط سيجارة حشيش من الحاج ابراهيم أبو الدهب, رجل بالكاد يدخل باب شقتنا, في جلباب بلدي, تحاكي حياكته جلباب عمي عبد الكريم, من فوق الجلباب عباءة صوف, الحاج ابراهيم أبوالدهب, والد العروس وخال معتصم, صاحب أكبر مقهى في هذا الحي, وصاحب المخبزين, وعربتان تحت يده, أحدهما تجري علي خط أسكندرية, والثانية تروح بلدتنا البعيدة الساكنة في حضن الجبل وتعود في نفس اليوم لتعاود الكرة, ملك يمينه ثلاث نساء, عروس معتصم من أوسطهن.
دخن القص السيجارة الملفوفة, وزاغ بصره في وجوه الفتيات والنساء, وراح ينظر إلى معتصم وعينيه شاردة, خلته يفكر في أمر كنت أفكر فيه أيضاً.
عند عودتنا, طلب مني أن نركن إلى شاطئ النهر, كان يريد هواءه, كان يدخن في إمعان شديد, ويسأل ما الحياة؟, وهل الحياة امرأة؟.
لم أدخن الحشيش, ولم أهتم بسؤاليه, فقط كنت أتأمله, حزن دفين في عينيه لم أره من قبل, هو مثلي عاش يتيم الأب, وتكفل بأمه وأخوته الصغار, وأخوه حمادة في واد آخر, ولذلك يشعر بالدفئ وأنا معه.
قبل أن يطير مني أشرت لتاكس, أكتفينا بالمقعد الخلفي, أمال رأسه للوراء, وضيق العربة حاله من مد قدميه, وأختفت عيناه في الظلام.
كنا كالمترنحين, ولم أدرك ما همهم السائق به, وعجزت أن أتبين وجهه في المرآة, عند وصولنا أول الشارع تسللت يدي إلى جيب بنطالي, وقبل أن أخرجها باغتني السائق :
- الأجرة وصلت يا أستاذ محمد.
أمعنت النظر في ضوء المصباح الشحيح فقلت في دهشة :
- الأستاذ رمضان ؟ .
أبتسمت, وابتسم, وانطلق وهو يتمنى لي ليلة مثل الفل.
يوم الجمعة, قررت أن أؤدي صلاة الظهر في مسجد قريب من كشك القص, بعدها تغدينا وشربنا الشاي, وتسليت بتصفح الجرائد والمجلات وذكرى حنان, في آخر اليوم عرجنا إلى عم مدبولي, هذا الرجل يتلقانا دائما بالأحضان والسؤال, أجلسنا بجوراه فوق دكة خشبية صغيرة, مفروشة بكليم بني اللون كان جدي أبو سلامة يفترشه دائما فوق مصطبته الطينية, ثم زعق في صبي لإحضار الشاي, وصبي آخر كان يناوش فتاة في ثمن مجلة لعرض الأزياء, ثم عاد إلينا بابتسامته المعهودة وهو يحكي لنا حكاياته عن بلادنا البعيدة, فأتوه معه, وأرحل بعيدا عنه, أروح لبلدتنا الساكنة بالقرب من الجبل.




















- 16 -
- صباح الخير يا أستاذ محمد.
- صباح النور يا أستاذة سوسن.
كنت بمفردي في حجرة المدرسين, أستقطب المعلومات والأسئلة لأضع امتحان الشهر, جلست قبالتي إلى مكتب صغير, أمسكت بحقيبتها الحمراء التي بلون بلوزتها, أخرجت كتاباً ودفتراً وقلماً, وراحت تقرأ وتكتب في دفترها, وأنا أتلصص إلى عينيها العسليتين وخديها الحمراوين دون أن تشعر.
في غفلة مني رأيتها ترقد في حضني فوق سرير مريح, أو متأبطة ذراعي في شوارع تلك المدينة, وفي غفلة منها كنت أهرول وراءها في شقة متسعة, لكن سريعاً ما أرتد خيالي فور دخول الأستاذ حسام بقامته المديدة, وشعر صدره المفتوح, والسيجارة التي ترقص طرباً في جانب فمه وهو يتبختر كالطاووس وينظر إليها بقامته المديدة:
- صباح الخير يا أستاذة سوسن .
لم ترفع رأسها, ولم تنطق.
اقترب مني وهو يعلو صوته هذه المرة :

- أخبارك يا أستاذ محمد؟.
- الحمد لله .
بادلته التحية في اقتضاب ولم أكترث بالرد, وأنهمكت معها في الكتابة دون أن أرفع رأسي مثلها, ثرثر عن رحلة الفيوم وهو يناولني سيجارة من علبته المستورد, يقف بيني وبينها ليصنع جسده حاجزاً يستحيل عليّ رؤيتها, يسألني إن كنت أنوي الذهاب أم لا, أعتذرت فلوى بوزه, فأستدار إليها ليسألها :
- والأستاذة سوسن ؟
هي أيضاً اعتذرت دون أن ترفع وجهها, خرج مخلفاً دخانه معنا, سمعتها تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتستغفر ربها وتتنهد, بعد هذا رفعت وجهها وقالت وهي تنظر إليّ وتبتسم :
- أخبار التلاميذ معك أيه يا أستاذ محمد؟
كنت في حالة أشفق فيها علي نفسي, أأنتقي الكلمات التي أرد بها؟, أم أطير مع بسمتها؟, أم أظل منتشياً من خمر وجهها؟, كنا سنسبح في بحر الحديث, لولا قدوم الأستاذة ماجدة تتبختر بعجيزتها الطرية المدورة, التي تختبئ تحت فستان واسع قصير لا يفلح في مداراة ساقيها العاريتين الملفوفتين
- صباح الخير يا كتاكيت.
ابتسمت مرة أخرى ابتسامة صافية وهي ترد تحية الصباح, خلتها تخصني بها وهي تنظر إليّ جلست بجوارها في درج صغير من الأدراج التي أتى بها سليمان في الحجرة لندرة الكراسي, كانت تجلس وساقيها العاريتين يظهران من بين قوائمه الاربعة, نبهتني إلى وضع الامتحان قبل نهاية الأسبوع وهي تخرج لفافة من من حقيبتها وتفكها وتلتهم ما بها من سندوتشات دون أن تدعونا إلى ذلك, هي امرأة في الأربعين, أم لولدين, وزوجة لرجل يعمل في أحدي الدول الأوربية, يأتيها كل بضعة شهور ليأنس بها ليال قليلة ثم يرحل, إن حدثتها وهي قريبة منك قد لا تملك نفسك فتنقض عليها من عطرها الفواح ووجهها الذي يطفح بالانوثة الظمآنة والابتسامة التي تفضح كثيرا ما بداخلها, ولذلك كنت أرى الشيخ مخلوف يحادثها ووجهه في الأرض, أو إلى كتاب يفتحه خصيصاً حتى لا ينظر إليها, وحين تنصرف من أمامه يستغفرربه, ويذكر آية أو آيتين من القرآن الكريم, التهمت السندوتشات وهي تحكي معها في أمور لا تهم كثيرا, حتى دق الجرس, نهضت سوسن ونظرت إليّ وابتسمت وهي تستأذن, ولا أدري أتستأذن في النظر والابتسام, أم استأذانها كان في الخروج؟, لا يهم, ما يهمني أن السعادة التي استولت عليّ في ذلك اليوم والنشوة التي تسربت إلي كياني جعلتني أنسى كل شئ حتى السؤال الذي يحيرني, نظرتها وابتسامتها لم يفارقا عيني طوال اليوم, كانا كأساً من البلور ممتلئ بخمر الذة, رائحته تكفيك كي تحلق للسماء وأنت تغرد.












- 17 -
هذا اليوم لا ينسى, في المنام , رأيت عمي عتمان و أعمامي الموقرين وابنائهم وزوجاتهم يهرولون, ومن ورائهم ذئاب الجبل.
كنت بجوار جدي عند الكانون, وجدتي تصب اللبن في إناء صغير, ووحيد من جواري يرسم الارض بريشة حمام.
حين صحوت أتكأت إلى حافة السرير, أشعلت سيجارة وما زال الغطاء من فوقي.
كنت أتلذذ بدخانها, وأعيد ما رأيته في المنام أكثر من مرة, وثنايا وجوههم عالقة في أهدابي .
نظرت في الساعة, أدركت أن الطابور لم يتبق له سوى دقائق قليلة, طسست وجهي بالماء, أرتديت ملابسي وجريت. فور وصولي المدرسة, لمحت الأستاذ سيد وهو يخرج من حجرة عم عبدالعال وفي يده كوب الشاي, لمحني من طاقة الباب الصغيرة, ففتح الباب على الفور.
أختطفت الكوب من يده وراح ينظر في كراسة في يده, رشفت عدة رشفات وأنا أسمعه :
- عندك الفصل الأول يا بيه.
أسلمته الكوب وطرت إلى غرفة الشيخ مخلوف, كانت خالية إلا من الأستاذ عبدالرحيم, وبطنه المتهدلة المتكومة في كرسي, وشخيره الذي يعلو, قبل إخراج القلم لأوقع في دفتر الحضور والانصراف, سكت عن شخيره وسمعته يقول :
- أستاذ محمد اليوم أنت غياب, حضرتك تأخرت عشرة دقائق عن حصتك.
ونزع قلمه الأحمر وراح يخط في الدفتر.
- أستاذ عبدالرحيم, لوسمحت يابيه, إستأذن الأول من المشرف.
الكلمات كانت من فم الأستاذ سيد وهو يركن منتصباً بجوار باب الحجرة, وفي يده كوب الشاي وكراسة الإ شراف, اعتدل جسد الأستاذ عبدالرحيم المائل ووقف القلم الأحمر امام اسمي, ونظر في ازدراء لمحدثه وقال :
- أنت نسيت أني الوكيل يا أستاذ سيد ؟
رشف سيد ما تبقي من كوب الشاي, بعدها ركنه فوق المكتب ووجه كلامه لي :
- لو سمحت يا أستاذ محمد روح لفصلك .
خرجت إلى الفصل دون النظر للأستاذ عبدالرحيم الذي تسمر في وقفته, وغير مبال للعراك الذي سينشب بينهما, كنت على ثقة من انتصار سيد في نهاية الأمر, كل ما يشغل بالي هو الشيخ مخلوف, والخجل الذي سيساورني من جراء علمه بهذه العركة.
نقرت الباب نقرتين, وأنا أحس وقع أنفاسي المتلاحقة من الصمت الذي يخيم على التلاميذ, طالعت وجهه منتصباً, وفي يده الطباشير, كنت أظنه يحيى, أو الأستاذ رمضان, وربما حتى الأستاذة ماجدة, أو أي من صاحب حصص الاحتياط, لكنه الشيخ مخلوف بقامته المديدة وبسمته المعهودة معي وهو يقول :
- تفضل يا سيدنا, حمدلله على السلامة.
كنت لا أجد كلمات الاعتذار على شفتي, وإنما كنت أتمتم بكلمات لا أتبينها, ثم اطمأن قلبي وهو يقول :
- لعل المانع يكون خير .
و خرج وهو يدعو لي بالتوفيق.
أغلقت الباب وراءه, أخرج التلاميذ الكتب والكراسات, ورحت إلى السبورة, كتبت العنوان الكبير في وسطها, وفي جانبها الأيمن خططت عناصر الدرس, والجانب الأيسر أبقيته كما هو لحين الإنتهاء من الدرس لأخط فيه الأسئلة, ثم لم أطالبهم بأسئلة الدرس الفائت وخضت في شرح الدرس الجديد.
قُضيت الحصة الأولى بسلام, ومعها الثانية, الثالثة كانت فارغة, أرسلت سليمان ليأتي لي بسندوتشين فول وطعمية, بعدها ركنت في طرقة الدور الثاني وأشعلت سيجارة وأنتظرت, كانت خارجة من الفصل الثاني, تعثرت بسمتها في وجه الأستاذة ماجدة وهي قادمة نحوي, فاكتفت بالنظرة وتحية الصباح وتابعت سيرها وعيناي في أثرها, حين ألتفت للوراء كانت الأستاذة ماجدة تركن عند عتبة فصلها ولم تدلف, ابتسمت ابتسامة مكراء وأغلقت الباب وراءها .
آتى سليمان بالساندوتشين وأسندهما في حجرة عم عبالعال.
الحجرة بالكاد تتسع للسرير الذي أجلس إلى حافتته, والذي يستخدم لمبيت صاحب النبوتجية في الليل, وتربيزة صغيرة من فوقها السخان الكهربائي, وصفيحة مملوءة بالماء لشطف الأكواب التي تتبعثر من حولها, مع علب صغيرة تحوي الشاي والسكر والبن, والحجرة بها أيضاً طلاء أزرق أكلته الأيام والرطوبة.
أما عم عبدالعال فهو رجل رحل عن الخمسين بعام – هذا ما يقوله – أسمر البشرة, بدين القوام, يلبس جلباباً أسود وطاقية من الوبر البني يضعها عند مؤخرة رأسه, خدم عشر سنوات في العراق, أحلى سنين عمره كما يحكي عنها ويقول " زمان يا ولدي لما كانت الارض لسة خضرا, والبيت فيه جاموسة ومعزة, بعت المعزة وعيلها, كنت في العشرين من عمري, تنقص وما تزيد, بعت المعزة وعيلها, وحجزت تذكرة طيران, ورحت العراق, الصدام الله يرحمه, شهيد هو يا ولدي صح؟.
قلت وأنا أبتسم ولم أكد علي كلامي :
- نحسبه عند الله شهيدا .
ثم أكلمت :
- العلم عند الله يا عم عبدالعال
وأكمل " الخير عنده كتير يا ولدي, وشعبه يموت في حاجة اسمها مصريين, نقعد السنة, شغالين أو عاطلين, عند عودتنا يعطينا التلات ورقات, ويقول فرحوا أهاليكم, نفك التلات ورقات ونبني ونجوز ونشتري التليفزيون والغسالة والمروحة ونفرح العيال.
يسكت عن الكلام, ويذم شفتيه, ويشعل سيجارة, ثم مع نفسه " حسبي الله ونعم الوكيل "
كنت أطالع وجهه الغليظ البشوش وبطنه المكومة أمامه, وأستمع إلى ترديده أغنية يستعصي عليّ فهم لهجتها.
سكت وبادرني على غير العادة وأنا أبتلع آخر لقمة في فمي :
- اليوم الشاي علي حسابي يا أستاذ محمد .
ألوك بقايا الطعام وأنا أخرج علبة السجائر من جيب بنطالي, تحسست ما بها فوجدتها قد تفارقني قريبا ورغم ذلك قدمت له واحدة, التقطها ووضعها فوق أذنه اليمنى, أشعلت سيجارتي وسألت :
- وما المناسبة ياعم عبدالعال ؟
كان يقلب أكواب الشاي فوق صينيته الصدئة وظهره لي :
- من أجل عيونه .
نهضت من جلستي إلى السخان, ملت برأسي والسيجارة في فمي, أشعلتها ونفثت دخانها بعيدا وأنا أستفهمه أكثر :
- عيون من ؟
التقط السيجارة من فوق أذنه ووضعها في فمه, فمددت له سيجارتي وراح يشعل منها وهو يرتاب في كوني مدرساً.
- يا أستاذ محمد أنت غايب عن الدينا ؟
وخرج بين يديه الصينية, لم أهتم, رحت أرشف وأدخن حتى فرغ الكوب, وضعته فوق التربيزة, ووضعت يدي في جيبي, والسيجارة في جانب من فمي وخرجت.
في ممشاي من الحجرة إلى حجرة المدير, لمحت حلقة من المدرسين يتوسطهم الشيخ مخلوف في جانب من الفناء, يحتسون الشاي ويدخنون ويثرثرون, ولاقيت سيد يتجه نحو باب المدرسة ويشير لي وهو يضع سبابته في فمه, أستوقفته برهة حكى فيها عما قاله الشيخ مخلوف للأستاذ عبدالرحيم, يكفيني أنني أؤدي عملي على أكمل وجه, بإضافة حصص الاحتياط التي أعيد فيها ما يستعصى علي الطلاب فهمه, وليت كل المدرسين مثلي, هذا رأي الشيخ مخلوف في, أعتذرت عن الخروج معه لتدخين الشيشة في مقهى البرنس المجاور, ولم أجد بداً من الانضمام إلى هذه الحلقة, وأستعطف معهم شمس الشتاء في دفء قليل.
جلست في جانب من الأستاذ يحيى مدرس اللغة الإنجليزية, شاب تأنس بصحبته, قل فيه ما تشاء, يقترب من الاربعين ولم يتزوج بعد, ليس ضيقاً من ذات اليد, فمعه الكثير, خلاف الشقة والعربة الحديثة, وليس عيباً في خلقه, فإنه يحمل من الوسامة التي تجعله يقود نجوم السينما, وسامته هذه التي خلقت المناوشات بينه وبين الكثير من المدرسات, الاتي رغبن في الزواج منه, فضلاً عن عشق التلميذات له, دائما مايناوشه حسام فيبتسم, كثير الابتسام وقليل التعليق, جيبه لا يخلو من السجائر المستوردة, وكثيرا ما ينفحني منها, أشعلها وأنا أتفرس وجهه, وأغور في عينيه, كي أدرك ما أبهمه عنه فلا أنجح, وإن كنت ألمح حزناً دفينا فيهما.
همس في أذني وهو يناولني سيجارة مستوردة :
- أخبار الحب معك ؟ .
لم أعتاد على سؤاله هذا, ونظرته لم تكن إلا نظرة الأستاذة ماجدة من قبل, لم أعلق, ورحت أدخن وأستمع لثرثرتهم .
في الجلسة سمعت اسم منتظر الزيدي أكثر من مرة, وعم عبدالعال يلملم من حولنا الأكواب, وما زال يردد أغنيته, أخيراً أختطفت الصحيفة من يد الأستاذ فرغلي وهو يهلل بها, رحت أتصفح العناوين, "منتظر الزيدي يضرب بوش بالحذاء ", " ضرب بوش على يد بطل عراقي", أنتابتني حالة من الحبور من أثرها طلبت من عم عبالعال شاياً لكل الموجودين, وأرى الفرحة العارمة على وجوه الحاضرين, وإن كانت غير ظاهرة في وجه الأستاذ يحيى وخاصة وهو يبرر موقفه هذا بقوله :
- الغرب لا يعيبهم ضريهم بالحذاء, ولا ينقص من كرامتهم شئ, فطباعئهم غيرنا, فضرب الحذاء كضرب أي شئ.
وأنتظرت حتى انتهى اليوم, وطرت لكشك القص.
من بعيد لمحت عينيه وهي تغني, وشاربه يرقص وهو يلوح بالجريدة, لحظة أن رآني احتضني وهو يقهقه, ويردد "عادت إلينا كرامتنا من جديد ", ثم يخلع حذاءه ويضرب به في الهواء ويقول " هذه قبلة الوداع يا كلب يا بن الكلب ".


- 18 -
الأستاذ مصطفى, مدرس اللغة العربية, منذ إن وطأت قدماي أرض المدرسة لم أره, كان منتدباً في العريش, رجل أبيض الوجه, تتخلله حمرة, حمرة تنم عن عز قديم, ذو شارب أصفر كثيف, يزيد من وسامته مع الذقن غير المحلوقة, والتي تتخللها بعض الشعيرات البيضاء, هو في الأربعين, يثرثر أكثر مما يستمع, وإن استمع لا يلقي بالاً لمحدثه, وإن أهتم بالأمر مال رأسه إليك حتي يتيقن مما يسمعه, تساعده في ذلك سماعة صغيرة تختبء عند أذنه اليسرى, يستأذن الشيخ مخلوف في ساعة, وكثيراً ما يزوغ مع الأستاذ سيد والأستاذ فرغلي لتدخين الشيشة في مقهي البرنس, هو رفيق الأستاذ يحيى, ويوافقه في الطباع, غير أنه متزوج, وله من الأولاد ثلاثة, أكبرهم في الثانوية, من مشيته تظن أنه شاعر يتذلل إلى معنى, وفي جلسته تقول أنه أديب يبحث عن فكرة, ألتقيته في مقهى البرنس في صحبة الأستاذ سيد وحسام, رأيت ذقنه فظننت أنه عضو بارز في جماعة الأخوان المسلمين, غير أنه دائم التلصص إالى النساء المارات من نافذة المقهى, وحين تتشبث عيناه بردفي امرأة أو بنهدين لفتاة ناضجة يغمز لسيد وهو يختطف من يده لاي الشيشة, فيزفر سيد ويتنهد ويرددان سويا " أسد, أسد ", ومن خلالها يسأله عن أحوال البرنس, يجيبه سيد وهو يغمز من جديد, وكأن هناك شئ يفهمانه سويا دوني أنا وحسام.
نظرت إلى البرنس لأحثه في طلب الشاي, وفأر يهرول مسرعاً من داخل نصبته, والأستاذ مصطفى يرمقني بنظرة حادة, ودخان كثيف يتصاعد من أنفه وفمه, بعدها سألني :
- متزوج يا أستاذ محمد ؟
قلت :
- لا .
وأخرجت علبة سجائري, أشعلت واحدة لي, وأهملت حسام الذي انشغل بمكالمة هاتفية, وقدم يحيى يتبختر وفي فمه السيجارة وفي يده اليمني علبة السجائر المستورد ونظارة الشمس.
جلس وهو يستعجل البرنس في طلب شاي, وراح بعدها يناوش الرفاق, ويجتر الذكريات مع الأستاذ مصطفي في هذار خفيف عن النساء والزواج. كنت غائب عنهم, أدقق النظر في رجل بدين, جلس بالقرب من طاولتنا ومن حوله بعض الرجال, يرتدي جلبابا ورجال أخرون يرحبون به, ويفسحون له المكان, نعم رأيت هذا الرجل من قبل, أين ؟, هذا ما يحيرني, متى ؟, هذا ما جعلني أهمل حديث الصحاب.
قدم البرنس بالشاي دون الماء ورحل سريعا إلى صاحب الجلباب البلدي, ترجلت من مكاني إلى النصبة, صببت كوب ماء من الصنبور, شربت حتى أرتويت, صببت أخر ليحيى, عند أغلاق الصنبور لمحت بابا صغيرا داخلها, عاد الفأر مرة أخرى, واختفى بين الصناديق, والرجل البدين يثور في كلامه, والبرنس وبعض الرجال يحاولون تهدئته, عند أنصرافنا لمحت البرنس يخرج أوراق نقدية ويعطيها للرجل.
الحصة السادسة كانت عالقة في رقبتي, أنهيتها وأنا خامل تماماً, عند ترابزين السلم أهملت نداء طالب ورحلت مسرعاً,ربما كان يُخيل لي, واليقين هو أنني لاقيت يحيى والأستاذة ماجدة فوق بسطة السلم, وبقايا ابتسامات فوق وجههما, مع الكثير من الارتباك, ألقيت السلام وسألتني ماجدة في أمور تخص مادتنا التي ندرسها ورحلت دون انتظار الأجابة, وهو نفحني سيجارة مستوردة, أشعلتها وأنا أتفرس وجهه جيدا, وما خُيل لي أراه أمام عيني.
أستأذنت الشيخ مخلوف فيما تبقى من الوفت وقصدت البيت.
في الليل ونحن نرتاد المقهى أخبرني القص بقدوم مروان أخر الأسبوع, وزيارة معتصم بصحبته, بعدها أكلنا جبنة وخيار, وفي البيت تصفحت الجرائد وهو استمع لأم كلثوم ونمنا.
في طابور الصباح كنت أنقل ناظري بين وجهي يحيى وماجدة, وفي جلستنا في المقهى علمت من سيد أن الأستاذ مصطفى والأستاذ يحيى كل منهما بئر أسرار للآخر, أسندت أذني لصوت ميادة الحناوي وهي تصصدح " حبيبي جيت أنا الدنيا دي إلا عشان أحبك " فرقصت حنان أمام عيني, أشعلت سيجارة وتهت مع الأغنية, وأهملت حديثهم عن الحوافز والمرتبات وقرار المحكمة الدستورية بإلزام الحكومة بالحد الأدنى للأجور.










-19 -
خمسة أحصنة, فوق أرض صفراء, يتسابقون, القوة والأصرار في أعينهم, هم داخل إطار ببرواز أسود, معلق على الحائط,, أول ما لمحته حين أسلمتنا زوجة معتصم إلى غرفة خُصصت للضيوف.
جلسنا, أستأذنتنا في بضع دقائق لخروج معتصم من الحمام, وخرجت تتلوى في عباءة حمراء نحو طرقة ضيقة.
- فرسة يا مروان يا خوي, طول عمرك حظك عالي يا معتصم.
- عيب يا قص, احترم نفسك, زوجة صديقنا.
راحا في جسدها الأبيض المكتنز, وعيب أنفها المفلطح, ورحت أنا في طيبتها التي تكسو عينيها مع الكحل الأسود.
رحنا ندخن السجائر وننتظر مجيئه, كنا نتأمل الغرفة وكليمها المنقوش وكراسيها المنجدة, وطلاءها الأزرق الزاهي, الذي تتخلله خطوط رفيعة صفراء, وصندوق صغير مملوء بالماء, بداخله سمكتين صغيرتين, لونهما من بعض, يجريان, تريد إحدهما أن تلحق بالأخري, ترى هل هما عاشقين ؟,أم أن أحدهما يهرب من الآخر ؟ .غمرتنا رائحة معتصم العطرة, وأذهلتنا بشرته البيضاء في البيجامة الحمراء, وجسده الذي زاد سمنة على سمنته.
علق القص على بطنة المتكومة امامه وهو يربت عليها برفق :
- الزواج يعمل هذه البطن بسرعة .
أشار مروان بيدية ورسم نصف دائرة في الهواء بالقرب من خصره وهو يضحك :
- أخاف أن تكون قلبت الآية .
كنا نضحك أكثر مما نتكلم, ونتكلم أكثر مما نأكل حين دعانا إلى سفرة مليئة بما لذ وطاب.
دق جرس الباب, طالعنا وجه منتفخ الأوداج , آه.. هو الرجل الذي أجهد ذاكرتي ولم أتذكره في مقهى البرنس, لم يصفاحنا حين وقفنا وإن رحب بنا وهو يدعونا للجلوس مرة ويقول :
- لا سلام على طعام .
أخبرني بعدها القص أنه حما معتصم, أنتظرت حتى دلف غرفة ابنته, وأنتهينا نحن من غداءنا, قصصت لمعتصم, فحكى القصة لنا موجزة, وضحك القص حين علم أن مدرستنا بجوار مقهى البرنس, وإنني مداوم عليها في أوقات الفراغ مع الصحاب, فأخبرني خبر الباب الصغير الذي يختبء في النصبة, ودهش مروان من الأخ الأكبر لزوجة معتصم, وحمل كل هذه الأموال عند ذهابه إلى عاهرة, ثم أخذنا الضحك والهرج والمرج واجترار الذكرايات البعيدة إلى سكك بعيدة, كنت صامتا وسطهم, أتأمل وجوههم الضاحكة, والأمل الذي مات في عيني القص, والأمل الذي ينتظره مروان, كنت مثلهما, هناك أمل مات في عيني, وأمل أنتظره في الأيام القادمة, وعاد إليّ السؤال من جديد, ماذا سيكون في المستقبل ؟, وخشيت من نفسي أن تأخذني لمضاجعة زوجة البرنس, أو تهفو لتقبيل أخته من خلال الباب الصغير الذي يختبء في نصبته, أستغفرت الله في نفسي, وأتتني حنان تتخايل في عباءة زوجة معتصم, ورأيتني أرتدي بدلته الحمراء, وأرقص طربا معها في هذه الشقة.
- ايه؟ رحت فين يا بن الفراعنة ؟
أنتبهت لمروان وهو يناولني سيجارة مستوردة, ومعتصم يبحلق في وجهي ويبتسم ثم يقول :
- أوعي تكون ناوي تتجنن وتفكر في الزواج.
ضحك القص وهو ينفث الدخان في وجهي :
- ابقي قابلني لو تزوجت وأنت ما زلت تردد في هذه المدينة قراءة التاريخ تصنع الرجال.
ضحك مروان ملء صدره وهو يربت كتفي :
- لا تأمل في عودة صلاح الدين الأيوبي أو حتى جمال عبدالناصر.
قال معتصم وهو يركن كوب العصير فوق الطاولة الصغيرة التي تتوسطنا :
- هؤلاء كانوا من الرجال الذين يقرأون التاريخ جيداً.
سئلت :
- وما المانع في قراءة التاريخ حتي نصنع لأنفسنا مستقبلا جديدا .
قبل أن أكمل قاطعني القص وهو يخرج محفظته ويقلب فيها :
- والحياة التي نحياها تدعك أن تقرأ التاريخ جيدا أم تبحث عن لقمة عيش مغموسة بالذل ؟.
ثم أخرج من جيب المحفظة قرص أحمر ودسه في يد معتصم وقال:
- حباية تعمل بها أحلى واجب مع جماعتك.
رمقهما مروان ثم نظر إليّ وقال :
- هذا ما يريده النظام في بلادنا, نعدل الدماغ ونظبط المزاج ودعك من قراءة التاريخ.
نظرت إليهم جميعا وأبتسمت, ونظر مروان إلى ساعته ونهض من جلسته ونحن معه, أصر معتصم علي وداعنا إلى نهاية الشارع حتى تقلنا العربة إلى وسط البلد.
الليلة صيفية, هواؤها بارد, لم يؤكل منها شيئا, وما زلنا في أولها.
عرجنا من شارع إلى شارع, نطالع واجهات المحلات ونقلب بضاعتها, ومن مقهى إلى مقهى, يثرثران ويجتران بعض الذكريات البعيدة, والصمت يعود إليّ من جديد ليخيم عليّ, حتى ظنا بي الخرس, وأنتبهت لدقائق قليلة على تحرك العربة التي تقل مروان إلى تلك المدينة التي اجتزت مني بعض الذكريات, وكعادتي أوصيت مروان السلام لمن يقطنونها.
عدت لصمتي من جديد ودندنة القص الحزينة وهو يعبر بي من شارع إلى شارع حتى وصلنا إلى البيت.
غاب القص عني بعض الدقائق, أغتسلت فيها من تراب الطريق, وطالعت صفيحة قديمة وأنا أرشف الشاي في الشرفة, ركنت الصحيفة جانبا, تابعت حركة الطريق, هناك صبية يلعبون الكرة, الأهلي حديد, وصوت أم كلثوم يأتي من مذياع بعيد مع نسمة رقيقة, " لا نوم ولا دمع في عينية مخلاش الفراق فيّ نسيت النوم واأحلامه نسيت لياليه وأيامه ", وشاب يختلس النظر إلى فتاة وهو جالس في المقهى الصغير, وهي تبادله الابتسام مع الحرص من وراء ستارة, وصوت دراجة بخارية مخلفة من وراءها دخان كثيف, وتبعد صوت أم كلثوم أكثر, قدم القص معها وفي يده زجاجة بيرة, جلس بجواري وهو يدخن وينظر لبعيد, كنت أرمقه من الحين والحين,أشفقت عليه وعلى نفسي, هو يبحث عن ماضي رحل, وأنا أبحث عن ماضي لأعيده, عاد إلينا صوت أم كلثوم من جديد, " بخاف عليك وبخاف تنساني والشوق إليك علي طول صحاني, غلبني الشوق وغلبني " بعد يومين كنا نجول في شوارع المدينة أنا والقص, وفي أخر النهار أشار لي إلى فتاة خمرية بشعر مجعد ونهدين مدورين يدعيانك لاحتضانهما, وقال هذه أخت البرنس, وأشار إلى التي بصحبتها وقال هذه زوجته, تأملت شفتيها فأشتهيت تقبيلهما رغم كبر سنها.

















- 20 -
مع نهاية العام انزعجت لأمور كنت غافلا عنها, إقلاع محمود القص عن الخمر, واعتياده تدخين الحشيش في الشقة مع رفقة, يأتون على فترات متقاربة من الأسبوع, كنت لا أبالي, ألقي السلام وأشكر دعوتهم وأدلف غرفتي, أقرأ وأنام, وإن كانت تروادني فكرة الجلوس معهم أكثر من مرة لكني أبيت, وكثيرا ما دعاني القص لتناول العشاء معهم فيعتذر استيائي له بحجة تناول العشاء قبل المجيء, فيخرج منكس الرأس ويغلق الباب وراءه لأنعم بقراءتي والنوم.
شئ آخر هو أن جيبي بدأ يضن عليّ, وأنتبهت إلى أن كل ما أنفقته في الشهور الفائتة كان من مدخرات عملي في السياحة, وتوزيع الصحف, وأن هذا المخزون بدأ في النفاد.
وانقطع التلاميذ عن المجيء إلى المدرسة لأيام قليلة يعقبها امتحان نهاية العام, كنا نضيعها في حلقة – في جانب من الفناء – يتوسطنا الشيخ مخلوف, فنستمع منه إلى آية أو حديث نبوي أو قول مأثور ليفسر لنا ما نحن عليه من فرقة بيننا وبين أشقائنا العرب, فسال لساني معه بمعلومات على أثرها كنت أراه ينظر إليّ ويبتسم وهو يهز رأسه هزة خفيفة ليؤم بها على صدق كلامي, نزف لساني بالكلمات ومعها سالت الكلمات من افواههم, فمنهم من تحدث عن الليبرالية,ومنهم من دافع عن العلمانية, ويحيى الذي ذكرنا بالحزب اليساري, وبلادنا التي في أمس الحاجة إليه, كي يناصر الضعفاء والفقراء والمعدومين في هذا الوطن, فأجد الأستاذ رمضان يبحلق في وجهي وهو يفتح فمه في بلاهة واضحة, وأن يتهم حسام بيه الأستاذ يحيى بالشيعة, فأصحح له اللفظ بالشيوعية, فيبتسم الشيخ مخلوف دون الحاضرين, ويمسح الأستاذ عصام لحيته ويقر أن لا فكر غير فكر الأخوان المسلمون ينفع لإصلاح المجتمع, فيرده يحيى بتاريخهم المليء بالدهاء والمكر من أجل الوصول للسلطة, ويشتد العراك, و يأتيني السؤال الذي يحيرني فأسأله للشيخ مخلوف لعلي أجد الخلاص منه, هل كل الفقراء والأغنياء سيدخلون الجنة ؟
يفتحون أعينهم وينظرون إلىّ, أعلم أنه سؤال ساذج, ولذلك علق حسام وهو يسخر مني :
- بطل فلسفة يا أخي .
لم يعلق أحد وإن ابتسم بعضهم والشيخ مخلوف بفراسته يقول :
- هات ما عندك يا سيدنا .
- أقصد يا شيخنا, أن الغني الذي يعمل صالحاً سيدخل الجنة, وكذلك الفقير المعدم الذي يعاني شظف العيش سيدخل الجنة .
فأكمل الشيخ مخلوف نيابة عني :
- وكذلك الأمر يا بني بالنسبة للفقير العاصي والذي أنعم الله عليه في الحياة ولكنه عاصي سيدخلان النار, سيدخلان النار سويا ً
هنا أنتبه الجميع وأنتظر, فقلت :
- هناك أناس ينعمون في الدنيا والآخرة وفقير يعاني الدنيا وينعم بالآخرة مع الغني الذي تمتع بالأثنين .
فرد الشيخ مخلوف بمقولة رسولنا الكريم :
- أطلعت على أهل الجنة فوجدت أكثرها من الفقراء.
ثم قال غير مؤكدا :
- قيل أن الفقير يدخل الجنة قبل الغني بعدد من السنين .
وأكمل الأستاذ عصام وهو يمسح لحيته :
- واليوم عند الله بخمسين ألف سنة مما تعدون.
اطمأن قلبي قليلا وسرى الرضا – الذي رأيته في وجوههم – في نفسي, وأنتبهت لسيد الذي يشير للخارج وهو يضع سبابته في فمه, فأستأذنت معه في ساعة نقضيها في مقهى البرنس.
أتى البرنس بالشيشة لحظة جلوسنا, وعاد مسرعا ليأتي بالشاي من جديد, وضعه فوق الطاولة الحديدية الصغيرة التي تتوسطنا, بعدها راح يداعب سيد في خده وهو يغمز بعينه, فأخرج سيد ورقة سوليفان صغيرة ودسها في يده, ففتحها ثم قربها من أنفه وابتسم ووضعها في جيبه, ثم أخرج من جيب أخر قرص أحمر صغير – مثل الذي رأيته مع القص – التقطه سيد على الفور في فمه وسكب خلفه كوب الماء.
راح البرنس لزبائنه, وغمزت لسيد بعيني فابتسم, وقال :
- دع الملك للمالك.
قلت وأنا أشعل سيجارة وألمح يحيى ومصطفي قادمين :
- أنت تعرف البرنس من أمتى ؟
- أنا أدخن الشيشة هنا من قبل إستلام عملي في هذه المدرسة.
هممت أن أسأل عن الباب الذي يختبء في النصبة وأخت البرنس وزوجته, لكن انضمام مصطفي ويحيى حال دون ذلك, وإن كنت أعلم جيدا رد سيد وهو " دع الملك للمالك ".



-21 -
قُضيت الأيام القليلة, وقدم التلاميذ من جديد لأداء امتحان نهاية العام, مع تشديد الشيخ مخلوف وحرصه على أخذ كل طالب حقه, وعلى كل معلم أن يراعي ربه في المراقبة, فرغنا من المراقبة والتصحيح ورصد الدرجات في الكنترول, وارسلنا بنسخ من النتيجة للإدارة وأبقينا واحدة, ثم عاد التراب ليغطي أدراج التلاميذ من جديد, ونالت مدرستنا شهادة تقدير من الإدارة لتفوقها على جميع المدارس, فطمع الكثير من المدرسين في إجازة صغيرة من الشيخ مخلوف يقضونها مع ذويهم, هو أيضا سافر لقضاء يومين في الصعيد, وكنت أقوم بتوديعم أنا والأستاذ سيد الواحد تلو الآخر, كنت أرى قطارات الوجه البحري والوجه القبلي وهي تزعق فأرى نفسي مثلهم حاملا حقيبتي وأستقل القطار وألمح قمر في النافذة وهي تنتظر قدومي, ويلقاني سلامة أول الحارة, وأخوة لي صغار يحملون عني حقيبتي, وأقبل يد جدي أبو سلامة وأنام في حضن جدتي وهي تغمرني بقبلاتها, وأتناول السمك الذي أعدته خصيصا لي, ثم أطير إلى وحيد فنرتع في حارات بلدتنا البعيدة الساكنة في حضن الجبل, أتوه معهم وأعود إلى سيد ولكزاته وإصراره على تناول الغداء معه في شقته.
شقته ليست بعيدة عن الحارة التي أسكن فيها, وليست متسعة, ولكنها كافية لإيواء أسرته الجميلة, زوجته التي تعمل في إحدى المدن الجامعية, وابنه محمد الذي يخطو إلى العام الثاني, والذي يدعونه من وقت للآخر ب " كابتشينو " , كان سيد يقوم بإحضار الغداء من وراء ستارة ويضعه فوق طبلية صغيرة, وابنه محمد بالكاد يخرج الحروف س..س..يد بدلا من بابا, وبعد الغداء علمت أن سيد أخ لأخوة يتبغددون في الحياة, وشقته في بيت أحدهم, وأنه يضع الجنيه فوق جنيه زوجته لكي ينهي ثمنها, وأنه لم ير وجه أبيه مثلي.
كنت أرقب الصغير وهو يركل الكرة بجانبنا, ورغبة ترتع بداخلي أن يكون لي ابن مثله, بعد الشاي خرجنا نبعثر باقي النهار في المقاهي والأراضي البور, وأكتشفت أيضا أن سيد حلقة صغيرة في سلسلة كبيرة من سماسرة الأراضي والعقارات, ودهشت لرؤية رجل يدس ورقة صغيرة ملفوفة في حجم حبة الفول وهو يهمس له في أذنه " ليلتك فل", فأفشيت له سر محمود القص بتدخينه الحشيش, ضحك ضحكا هيستيريا وقال:
- بلدك معظمها يدخن الحشيش.
نظرت إليه في ارتياب, فقال:
- الحشيش متوفر في كل مكان, وأرخص من الخمر, ودماغه حلوة.
ثم أخذ يعدد لي الكثير من الأسماء التي تتعاطاه ممن نعرفهم, لدرجة أنني ظننت أن الشيخ مخلوف كذلك يدخن الحشيش.
عرج بي بعد ذلك إلى مقهى, أحتسينا الشاي, ثم فرد الورقة الصغيرة وأخرج ما بها, قربها من فمه, بأسنانه جز بعضها وراح يلوك فمه وهو يقدم لي ما تبقي, أبعدتها بيدي في اشمئزاز فقال :
- أنت فاكره حشيش ؟ ده كيف الملوك.
نظرت بارتياب وعيناي تسأل وهو يحكم الورقة جيدا ويدسها في جيبه ويقول :
- أفيون يا معلم, كيف الملوك.
وراح يتلذذ بأنفاس الشيشة, فيجعل من دخانها شبورة تحيط بنا.

-22-
الصيف قضيته في شبه عربدة, عربدة يحوطها القليل من الإيمان, كنت لا أؤدي الصلاة في أوقاتها, وإن كنت أحرص عليها.
في النهار من مقهى إلى مقهى مع سيد, وفي الليل أيضا من مقهى إلى شارع مع القص, حتى التقى سيد والقص معي, فصارا صديقين, تجمعهما الشيشة وأنا وزبون من طرف القص يبغي شراء قطعة أرض, أو محل من قبل سيد طامعا في مشتري يبحث عنه القص.
كان الليل يجمعنا سويا في مقهى البرنس, وكلما نهضت من وسطهما لأصب لنفسي كوب ماء من الصنبور ألمح الباب المختبء في النصبة, فتروادني رغبة جامحة ويطير بي الخيال حتى يوقفه سيد أو القص برغبة في الارتواء.
كان النهار أيضاَ يجمعنا في كشك القص لدقائق قد تمتد لساعة, لمحت فيها مرة - وأنا أتصفح بعض الجرائد, وسيد والقص مشغولان بقطعة أرض – حسام في عربة "هيونداي ", تقودها فتاة جميلة, تجاهلني على الرغم من وقوع عينه على عيني, فتجاهلته بعد نزول الفتاة وفتح باب الثلاجة المنتصبة وإخراج الحاجة الساقعة منها, وعودتها إلى العربة لتقودها وهي تبتسم.
عدت إلى سيد والقص اللذان أتما صفقة قطعة أرض صغيرة, قررا أن يكون لي نصيبا منها, فرحت به خاصة بعد أن أدركت أن ما أدخره سيذهب قريبا مع الرياح في تلك الأيام المسعورة التي نعيشها.
ومرت أيام على هذا المنوال, حتى باغتني القص في هذه الليلة بجمع أغراضه, وعودته إلى بلدته لأداء واجب عزاء في أحد أقاربه, فرأيت العربة التي تقله لم تنحرف ناحية الكوبري الصغير, وإنما واصلت سيرها نحو الجبل حيث بلدتنا الساكنة هناك, فطفت شوارعها وحواريها, وشممت رائحة دروبها, وركنت في إحدى عطفاتها لأستعيد ذكريات أليمة, توخزني الآن كوخز الدبوس, وتذكرت مقولة لأحد الأدباء - لعله محمد عبدالحليم عبدالله – الوطن عزيز حتى لو نبذنا.
- رحت فين ؟
- معك في تلك المدينة.
- تقصد الوطن ؟.
- وطن بلا ابناء, أم أننا ابناء بلا وطن؟
ثم مطيت شفتني وسألته عن أمر الكشك, فأخبرني أن أحد ابناء أخيه – وعلى الأخص زيكو - سيتولى أمره في ساعات النهار.
رحل القص, ونمت تلك الليلة ولا أذكر أن النوم بادلني الابتسام, أو داعب جفوني, إنما ظل يلاعبني, ويخرج لسانه, ويمسك بيده ذكريات بعيدة تؤلمني, وأخرى تبكيني, وحين تُغمض عيناي يأتيني بالأيام القادمة, فلا أراها إلا مظلمة, غرف حالكة تحيى في الليل دون النهار.
وارتفع ضحا اليوم الثاني, وعلى غير عادتي في تلك الأيام والتي أظل نائما فيها حتى بعد الظهر بظهر كما يقولون, وأحيانا أستمع إلى صوت المؤذن وهو ينادي لصلاة العصروالنعاس ما زال يطبق على جفوني, ولم أستطع أن أمارس عادتي القديمة, وهي تخيل ما لا يمكن تحقيقه, وإنما كنت أحاول التعرف علي الوجوه التي كانت تلاحقني في منامي, وأن ألملم شتات وجه قمر وهي تمد يدها لي, فأعجز في الوصول إليه كعادتي, لم يكن لي خال أو خالة, ولم أر وجهي أبويها حتى أنسج منهما وجها لها كما فعلت مع سلامة, حين أشتاق لوجهه كنت أرمق جدي بإمعان, أو أسرف في النظر إلى وجهي في المرآة.
ونهضت لأطس وجهي بالماء, وتقبل السيجارة فمي ولم أتناول إفطاري بعد.
خرجت وأنا أقصد المدرسة, لعلي أجد الشيخ مخلوف فأستمع إلى كلماته فيطمأن قلبي قليلا, فلم أجد إلا ماجدة وهي تتبختر بعجيزتها الطرية في طرقة المدرسة, والأستاذ رمضان يتابعها بشهوة مفضوحة كالعادة, وبعض المدرسات يرمقنها في حقد وحسد وهن في جلستهن تحت الشُجيرة.
أن تترك الماضي وترحل هذا مستحيل, كل منا يحمل ماضيه فوق كتفيه, ينوء بالحمل ولا يستطيع إلقائه, وحنان جزء كبير من الماضي الذي أعيش فيه, خلتني نسيتها حين نظرت إلى سوسن, لكنها عادت إليّ, كانت تلازمني في كل يوم أذهب فيه إلى كشك القص, وكنت أترقب عودتها, وأتذكر حضنها لي, آتتني في المنام أكثر من مرة هي وبلدتي الساكنة في حضن الجبل, فأصحو باكيا تارة, وأخري يقتلني الشوق.
أما سوسن فكنت لا أبحث عنها, ولم أرها منذ انقطاع التلاميذ عن المدرسة, إلا في هذا اليوم, كانت مبتسمة في وجه كل من تحادثه, يومها حسام كان موجودا, قال أنه رآها مع شاب يعمل طبيبا ويسكن بالقرب من بيته, ولم أقل له أنني رأيته مع فتاة في عربة " هيونداي ".
وليت مدبرا, وأهملت الشاي الذي أعده سليمان, وفضلت احتسائه في مقهى البرنس.
كنت أرشف الشاي, وأتابع أخبار الفضائيات, أزمة في فلسطين, أزمة في البنزين, أزمة في رغيف الخبز, أزمة في التعليم, أزمة في الصحة, وأزمة في مجلس الشعب تخص الأخوان المسلمون, وأزمة في الخصخصة, الحكومة لم تجد ما تبيعه سوى البني آدم, وأزمة في الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين, وأزمة في المرور, وأزمة.....وأزمة...... وأزمات, ولمحت سيد وسط الناس- وهو يقدم على المقهى- يترنح حتى استقر بجواري, ويضع سبابته في فمه وينظر للبرنس, فأتت الشيشة تجري إليه, في زيلها كوب الشاي, شد عدة أنفاس في نهم شديد وهو ينظر إلى التلفاز ولم يتكلم, سعلت لأنبهه أنني بجواره, أمال رأسه للوراء وقال:
- صباحك فل .
فعلمت أن سهرة البارحة كانت حمراء, بدأها بتدخين الحشيش, ثم مضغ الأفيون, وأكملها بقرص أحمر قبل أن يضاجع المرأة.
ثم أخذ يثرثر عن أزمة في المنتخب, وأزمة في نادي الأهلي, وأزمة في المدرسة لمجئ البعض وغياب البعض الآخر, وأزمة في البنزين, فشعرت وكأنني في معجم لُغوي لا يحوي سوى لفظة واحدة وهي الأزمة, فأطفأت سيجارتي وغادرت المقهى لصلاة الظهر.
لحظة خروجي لمحت أخت البرنس, كانت تسير بمحاذاتي, في جونلة سوداء ضيقة, تتلوى بها في مشيتها كثعبان وهي توزع نظراتها, فملأت عيني من نهديها المدورين المختبئين تحت سترة صفراء فضفاضة, وأحسست بنار تسري في أوصالي حين وقعت عينها علي عيني, ثم شبه ابتسامة زايلت شفتيها وهي ترمقني مرة أخرى, وكأنها تأمل في ميعاد يجمعنا سويا, لم تكن طويلة ولم تكن قصيرة, ولم تكن ممشوقة القوام, وليس بها ما يدعوك لمضاجعتها, وإنما كان هناك سحر خاص يجذبك لإحتضانها, سحر يرغمك علي تقبيلها حتى لو كنت في وسط جمهرة من الناس, وكدت أن أفعل ذلك, لولا أن أحتميت بباب المسجد, فأستغفرت الله, وأطفأت النار بالوضوء وسجدت لله.
فرغت من الصلاة وعدت لسيد, فوجدت الشيشة لم تفارق فمه, أكمل ما بها ثم رافقته لإحضار ابنه من الحضانة القريبة من المدرسة.
ركنت إلى عربة بجوار المبنى, ودلفت سيد من باب يخرج منه الابناء متشبثين بأيدي أبائهم وهم مغتبطون, أو محمولين فوق أكتافهم وهم فارحون, ولمحت وجهي في زجاج العربة, فرأيت شعيرات بيضاء تخط رأسي, وعاد إليّ السؤال من جديد ماذا سيكون في المستقبل, وقبل أن أحصي ما مضى من العمر, خرج سيد من الباب وابنه فوق كتفه, ومن الحين والحين يحاول بكفيه الصغيرتين أن يحجب الرؤية عن أبيه, فيوهمه سيد أنه لا يرى وسيصدم بشجرة أمامه, فتعلو ضحكة الصغير مع صوصوة العصافير المستكينة في أشجارها.
تلقيت " كابتشينو " في هذا اليوم وغمرته بقبلاتي, ولم أنم في تلك الليلة, وأهملت رغبة الخروج إلى الشارع, وكنت أدور في الشقة كالذي يبحث عن شئ يجهله, ووقعت عيني على أصص الورود في الشرفة, فحزنت لأوراقها الزابلة, فأتيتها بالماء حتى ارتوت, ولمحت شيئا من النضارة في أوراقها وأنا أتأملها, واستهوتني رغبة النظر في المرآة, وجعلت من نفسي شخصا آخر ينظر ويتأمل, فيشفق ويحس بالحسرة من أجله, وأسأل نفسي ما الماء الذي به تخضر أوراقي الذابلة؟ هل هو المرأة ؟ ومن تكون ؟ قمر التي لم أرها ؟ أم حنان التي رحلت ؟ ولم أترك نفسي لتلك النار التي تأكل فيّ كلما أقتربت منها, ولم أسأل نفسي السؤال ذاته, وإنما كنت في هذه اللحظة كالذي كان في بحر وغلبه الموج العالي, فترك نفسه له يلعب به كما يشاء, أما يبتلعه, أو يلقي به إلى الشاطئ.
وعاد القص في الليلة التالية مع نسمة صيف طرية, لفحتني وأنا منزو في ركن بعيد في مقهى البرنس, التي غُمرت بتهافت الناس لمشاهدة مباراة المنتخب الوطني, وكأن أهل تلك المدينة أقسموا ألا يجتمعوا إلا لمشاهدة هذه المباراة.
وقف القص يفحص المتفرجين, فخلته يبحث عني, لكنه أشار لي وتخلل بعض الصفوف, وجاور سيد في مقعده رغم التعب والانهاك اللذان يخيمان على وجهه, وكنت أنتظر رجوعه ولا أدري لم ؟ هل هي الوحشة التي تركني فيها؟ أم أنني كنت في لهفة لمعرفة بعض أخبار بلدتنا الساكنة في حضن الجبل, والتي يمكن أن يكون أصاب منها شيئا.
لاذ منتخبنا بفرحة النصر, ورقصت الجماهير, ورفُعت الاعلام, وحُذفت لفظة أزمة من المُعجم, ليحط مكانها ألفاظ كثيرة تعبر عن فرحة أهل تلك المدينة, وعاد لي القص وسيد ليحللا المباراة بجواري, وألف تحية لمن أصاب, وملعون سلسفين أبوه من أخفق, لكن وطننا العزيز دائما منتصر رغم كل الأزمات, وقلت في نفسي وشعبه دائما منكسر ومنهزم.
وانقضت سهرتنا, ورحلنا, ولم أسأل, ولم ينطق القص, وماتت الرغبة في قراءة كتاب, وأطفأت المصباح الصغير المدلى وشرعت في تلاوة ورد النوم, ففوجئت بخطوات تقترب من غرفتي, ثم يفتح الباب, ويضاء المصباح, فأطالع وجه القص والنوم يداعب جفونه, ويسأل :
- محمد, أنت نمت ؟
وسكت, وحين رفعت الغطاء الخفيف عن وجهي, رأيته يخرج ورقة صغيرة من جيب بنطاله ويمدها إلىّ, ويهمهم بكلام لم أتبينه, ثم عاد وأطفأ النور من جديد, فأبتسمت في نفسي, ونهضت من فوق السرير لأضئ المصباح, وشرعت في فض الورقة وقلبي مرتجف .
الأعزاء دوماَ بين أحضان الوجدان.
وعلى جدران الذاكرة لوحات جميلة.
لا يأتي عليها غبار النسيان.
قريباَ سنلتقي إن شاء الله
وحيد أبوزيد
طويت الورقة ونمت .












- 23-
لم تدعني الحياة أنتظر طويلاً, توالت الطرقات مع صوت الجرس, وقتها كنت لا أدري في أي وقت نكون؟ كل ما أعلمه جيداً أن النعاس كان يطبق علي جفوني, فيستحيل علي فتحها, ورأسي ثقيل, لكن مع إفاقة قليلة من شدة نقرات الباب, بحثت- بعين مفوحة وأخرى يقتلها النعاس- عما أنتعله بجوار السرير, ومع توالي الطرقات هرولت حافياً, وفتحت الباب لأجد " زيكو " ابن أخ محمود ومن خلال أنفاس متقطعة وتهكم لنومي حتى ذلك الوقت :
- صح النوم يا عم محمد, عمي محمود يقولك كلم عم الشيخ.
وربت فوق كتف عم الشيخ واختفى في لمح البصر عن بسطة السلم.
نظرت إلى عم الشيخ, لأجد شابا, فارع الطول, في جلباب أبيض, حلو القسمات, حلو البسمة - وهو ينظر إليّ ويتأملني – في وجه, تزينه ذقن طويلة مدببة, ورحت أتأمل ذلك الكائن الأبيض الذي ينتصب أمامي, والنعاس رويدا رويدا يرحل عني, فما أجمل أن تأتيك الأيام بإنسان من الماضي, تقاسمت معه مر الحياة وحلاوتها, من قال أن الماضي لا يعود؟ بل يعود وأراه الآن, وأعيشه لحظة بلحظة وأنا في هذا العناق الطويل, حتى أخليت له الباب ليدخل وأنا أطوقه بذراعي, جلسنا إلى أقرب كرسيين في طريقنا, ولهفة الاشتياق وحلاوة اللقاء أنستني الاغتسال أو عمل كوبين شاي.
كان يسأل عن أحوالي, فأندفع في الحال محدثاً إياه عن كل شئ, منذ رحيله عن بلدتنا, وعن فعلة عمي وامرأته التي انتهت بي إلى تلك المدينة, حدثته عن عملي في تلك المدينة العارية, وعن القص, وعم مدبولي, ولم يهتم بعملي في إحدى المدارس, وأثرت بسر حنان في نفسي, ثم خرجنا لإنهاء بعض أوراق خاصة بسفره بعد أن أدينا صلاة الظهر في زواية تقيم في نهاية الشارع, ثم أخذتنا أقدامنا إلى الذكريات البعيدة, فيختفي شارع ويحل محله طريق آخر, وكأننا في بلدتنا البعيدة, وكأننا صعدنا الجبل من جديد, ورحنا نذكر أحلامنا القديمة, وكنا نتحدث بحميمية وصدق وصفاء عن آلامنا ومشاكلنا, وأسأله عن أعمامي وابناء اعمامي وأهل بلدتنا, فيجيب بكلمة أو كلمتين ويمعن النظر إليّ ويبتسم, فأهرب من ابتسامته التي أحفظها جيدا إلى أقرب مقهى أصادفه لاحتساء الشاي, فيظل يمعن النظر ويبتسم وهو يرشف ويسأل عن عودتي للبلدة, فأفر منه إلى ذكرى أو حادثة من حياتنا أثرت فينا, فعرجنا إلى فترة من حياتنا, كانت أحلامنا نبتاً فيها, زبلت أوراقه, وتحطم عوده, فأصبح هشيماً تزروه الرياح, وعن أمنا التي رفعت غطاء المحبة والسلام عن ابنائها, وكشفت عن صدرها لينام فيه كل آفاق ولص ومستبد وابن كلب, فقلت لأحسه أنني طُردت من بلدتي وأنه غادر البلدة كلها باختياره:
- أليس من المروءة أن نترك أمنا عارية ؟
فقال وهو يبتسم ابتسامته المعهودة :
- هي التي نبذتنا, وعرت نفسها.
فلا أملك إلى أن أقول له :
- الوطن عزيز حتى لو نبذنا.
يمط شفتيه ويردد مع نفسه
- الوطن عزيز حتي لو نبذنا, جميلة هذه العبارة .
ثم نظر إليّ وابتسم :
- أنت احترفت قول الشعر؟
- لا, وإنما قرأتها في إحدى روايات محمد عبدالحليم عبدالله
ثم سأل واليأس مطبق على نظرته :
- من الذي سيستر صدرها؟ الشباب الذي يرقص طرباً في الميادين والشوارع لفوز ناديه في مباراة لكرة القدم؟ أم الشاب الذي تخطى الثلاثين مثلك ولم يكن له وطن؟ وربما العجائز الذين شغلوا بالبحث عن رغيف عيش, واحتمال يكون المفكرون والكتاب الذين بيعت أقلامهم للنظام الذي بدوره باع نفسه للعدو الصهيوني.
وابتسم في سخرية لذيدة وهو يرشف ما تبقى من كوب الشاي, فقلت :
- طفح الكيل, هناك حركات كثيرة ظهرت وأنت في الخارج, حركة كفاية, وحركة ستة أبريل, والوطنية للتغير وغيرها كثير يدعو لحب الوطن وتغيره للأحسن.
فقال وهو يضرب سطح الطاولة بالكوب الفارغ ضربات خفيفة :
- ترى هؤلاء سيقلبون نظام الحكم في مصر ؟
- قد تكون الشرارة التي تهب في أثرها نار التغير.
مط شفتيه وابتسم ونظر في ساعته, ثم عرج بنا الحديث إلى طريق آخر, أشد ما سرني منه زواجه من فتاة أهلها من بلدة القص, ذهب لأداء واجب العزاء, فمنحه الواجب فرصة اللقاء به .
وسرت في جسدي رعشة من قرب لحظة الوداع, فواريتها ببسمة متهكمة وأنا أشعل سيجارة, أو سؤال عن أي شئ, لكنه لم يستطع, ولمحت الدمع يترقرق في عينيه, فكدت أن أبكي من أجله, وظلت أعيننا متعانقة حتى رحل القطار, الذي خلف سحابة ضبابية سوداء, جعلتني أتعثر في أيامي التالية.
وعاد القص لرفاقه وجلساتهم المتفرقة من أيام الأسبوع في الشقة, ومعهم صديقه الجديد الأستاذ سيد, فكنت أجالسهم ساعة أو ساعتين, أرنو إلى وجوههم وهم يضحكون على أي شئ يقولونه, أو يسمعونه مني, وأحيانا يشملهم الصمت, ويأخذهم صوت أم كلثوم فيميلون برؤوسهم للوراء, مبحلقة أعينهم وهي شاخصة إلى سقف الحجرة, لا شك هم في عالم لذيذ لا يريدون الإفاقة منه, تمنيت لو كنت معهم, وكادت يدي أن تمتد للجوزة التي تتوسطهم, أو إلى سيجارة ملفوفة من التي أمام القص, لكن دائما ما أكبح رغبتي, فأفر إلى حجرتي لعلي أجد نفسي بين سطور كتاب, أقرأه وأنام.
وعادت التلاميذ من جديد لتبحث لنفسها عن فرصة أخيرة في امتحانات الدور الثاني, وعاد معهم كل العاملين في المدرسة, وألتقيت بالشيخ مخلوف, فاطمأن قلبي من وجهه النضر البشوش معي, والمسبح دائما, وكانت وقع كلماته العطرة علي نفسي كوقع الماء على الأوراق الذابلة, ولمحت سوسن ونظرتها التي كانت تموت قبل أن تولد, وإن كنت أراها أحيانا تمعن النظر وتطيله, فأوقن أنها تقارن بيني وبين الطبيب الذي رآه حسام برفقتها, فبكيت نفسي مع نسمة صيف طرية وأنا في الشرفة, ثم بللت أغصان الورود وأوراقها بالماء, وطويت كتاب ذكرياتي ونمت.



-24-
مع بداية العام الدراسي الجديد ومع أول أسبوع منه, كنت في الفصل, دُق الباب دقتين, بعدها دخل سليمان في يده زجاجة " كولا ", وقال :
- بمناسية خطوبة الأستاذة سوسن .
كنت لا أجد الحروف التي أشكره بها, تناولتها منه وأشرت بها للطلاب, ووهبتها لمن يجب عن السؤال الآتي, ما الفرق بين الشخصية المصرية القديمة والمعاصرة ؟.
في مقهى البرنس ناوشني سيد ببضع كلمات تخصها, وعلق الأستاذ مصطفى بإنني الأجدر بها, ولم يتكلم يحيى وظل منكس الرأس وهو يدخن سيجارته.
في الأسبوع الثاني جاء خطاب من المديرية يفيد بنقلها إلى الأسكندرية, عرفت الخبر من الأستاذ عادل مصادفة وأنا أشعل له سيجارة, فانطفأ العود في يدي.
هي كانت فرحة بين زميلاتها, كانت تقبل ماجدة بمحبة زائدة وهي تنظر إليّ, أخلت طرفها من المدرسة ورحلت.
الحياة, الحياة تبقى كما هي, تسير دون كل, دون تعب, دون معاناة, ونحن معها لا نعنيها في شئ.
مشت, ومشيت معها, مطبقا جفوني ببلاهة, كنت معها, لا شئ يغريني في الضحك, ولا شئ يغازلني في بسمة, أغلقت دفتر ذكرياتي ومشيت معها.
كنت أظن الشيخ مخلوف سيبقى سائرا بجواري, لكنه رحل هو الآخر, جاء الخطاب يفيد نقله إلى مدرسة أخرى, رحل من بعد رحيل سوسن بشهر واحد, كأنها أقسمت أن تأخذ كل شئ حلو معها, هو كان يضمر ذلك, قال " طالما دعوت الله أن أرحل عن هذه المدرسة, دون مرض أو جزاء ", شكرته على ما فات ورجوته أن يتذكرني, فقال " أنت في القلب قبل العين ", وأحتضني, حزنت لفراقه, ترك أثرا طيباً في نفسي ورحل.
جاء بعده رجل أسمر الوجه, له وجه فأر, يدعى الأستاذ عبدالرحمن, يمشي يتلصص بعينيه الضيقتين, ويتكلم أكثر مما يستمع, لا يستر خطأ ولا يعطي نصيحة, ولا يلقي بالاً لمن تأخرت عشرة دقائق عن الحصة, تكفيه الابتسامة وحجج المواصلات وبكاء العيال, ولا يعنيه وجود الأستاذ فرغلي في الفصل هو وباقي الزملاء أم لا, كل ما يهمه ساعة يقضيها ويرحل, يرحل ويترك تفويضاً لوكيله الأستاذ عبدالرحيم الذي صال وجال كما أراد, أما الأستاذ عادل - صاحب الذقن المدببة وملك امبراطورية شئون الطلاب والعاملين - كثيرا ما أستأذنت منه في ساعة وهو جالس في كرسي الإدارة وبحوزته ختم المدرسة.
أشتقت لسيجارة أضيع دخانها مع الهواء الطلق, صعدت إلى الدور المهمل, فتذكرت الشيخ مخلوف وهو سائر بمشيته العسكرية كضابط في الجيش النظامي, بعوده المفرود, وعظامه القوية, وأنا من خلفه أكاد ألهث, يدلف الحجرة وينظر, ويدلف أخرى ويقلب ناظريه, وأنا لا أسال, تأخذني حكاياته القديمة مع الهواء الطلق.
مع أول نفس, شعرت بهمهمات, وربما أهات, دلفت الحجرة الأولى, قلبت ناظري, فعلت ذلك في كل حجرة دلفتها, حتى الأخيرة, طالب الصف الثالث الأعدادي يحتضن طالبة الصف الثاني, سحبت نفساً آخر وأخرجته في وجههما.
في المقهى سألني سيد دون اهتمام ماذا فعلت معهما, ألقيت السيجارة وصفعت الولد وجرت هي من أمامي, ولم أستطع إخبار الإدارة, ضحك سيد والدخان يتصاعد من أنفه وفمه في آن واحد, وتمني لو كان بدلاً مني, تأكدت من صدق عبارته من الحسرة التي طلت عليّ من عينيه, لم أسأله عما كان سيفعله, وركنت إلى صوت أم كلثوم " وإن مر يوم من غير رؤياك ما يتحسبش من عمري ".
صبيحة اليوم الثاني أشرت له إلى الولد ولم أشر إلى البنت, وإن كنت أراه ينظر إليها في إمعان شديد.
في جانب من الفناء ومع احتساء الشاي, علمت أن هذا الأمر قبل مجئ الشيخ مخلوف هو أمر طبيعي, وإدارة المدرسة والمعلمين لم يفاجئو بوجود تللك المصائب, وهناك طالبات حملن, وكانت لهن قصص مع طلاب ومدرسين, فضلا عن الشذوذ الجنسي, هذا لم يحدث إلا مرة واحدة في وجود الشيخ مخلوف, ثم كان يشير إلى فتيات ويخبرني خبرهن مع طلاب بعينهم.
أزعجني الأمر كثيرا عدة أيام, ثم لم ألتفت إليه بعد إجازة الأستاذة ماجدة وإضافة بعض حصصها إلى جدولي, وخلافاتي المتكررة مع صاحب وجه الفأر, وذيله الأستاذ عبدالرحيم, ونصيحة سيد أن أدع الملك للمالك.
طيلة هذه الأيام لم أر يحيى إلا نادراً, وإن لاقيته لاقيته بوجه عابس, ثم فوجئت بنقله من المدرسة, لم تعد المدرسة متاعي الذي أرتع فيه, ولم يكن بداً من ارتياد مقهى البرنس في كل أوقات الفراغ حتى مر العام والأدراج غطاها التراب من جديد.
مضت أيام, كنت نائماً في لياليها, تائهاً في نهارها, ولم أنس تلك الليلة, ورؤيتي يحيى يقود سيارة ووجهه زاد وسامة على وسامته, وبجواره الأستاذة ماجدة تضحك وتلقي بنفسها في حضنه.
في نهار اليوم الثاني, بحثت عن سيد في المقاهي التي يرتادها فلم أجده, ذهبت إلى بيته, أخبرتني زوجته من وراء الباب بنومه فطلبت إيقاظه.
صحى وفتح الباب, وقادني إلى الغرفة المخصصة لتدخين الشيشة, جلست, وراح هو يغير ماءها ويأتي بالشاي, رشفت رشفتين وأشعلت سيجارة من فوهة الحجر وركنت للوراء, وهو راح يشد أنفاساً دون أن ينطق.
لعلي أزعجته, بلا شك أنا أزعجته, ملامحه تقول هذا وهو لا ينظر إليّ, لكن فجأة أنفرجت أساريره وراح يحكي عن ليلة الأمس وتدخين الحشيش وربح اليوم الفائت من قطعة أرض تعب في بيعها, وسألته بعد أن أتت المدرسة إلى ألسنتنا :
- متى رأيت يحيى أخر مرة ؟
فقال من وراء الدخان وهو يرمقني في خبث :
- امبارح كان عندي هو وزوج الأستاذة ماجدة لشراء قطعة أرض.
وجرى الحديث عن ماجدة وزوجها ويحيى, ثم هب علينا ابنه " كابتشينو " فحمله وخرج به وعاد وبين يديه صينية فوقها كوبين من الليمون, فأخبرته بما رأيته, لم أجد منه غير جملته المعهودة " دع الملك للمالك ", لكنه لم يحتمل وحكى ما يخبئه صدره عني.
في الليل أتتني قبل المنام بعجيزتها الطرية التي تتبختر بها وصدرها المشع بياضا, وتذكرت الاستاذ رمضان وهو يرنو إليها بشهوة مفضوحة, والشيخ مخلوف وعزوفه عن رؤية وجهها, ورأيت نفسي يحيى, أذهب إلى بيتها, وأطالع مع ولديها ما يستعصى عليهما فهمه, ثم أرشف من رحيق شفتيها, وأرتع بين نهديها, لكني سأكون أكثر حذراً منه, ولم أدع الجنون يقودني لتقبيلها في المدرسة, فيراني صاحب وجه الفأر ويساومني عليها, نفضت كل هذه الخيالات وقرأت الفاتحة والمعوذتين ونمت وصورة حنان تأتيني في الظلام.
















-25-
أقبل الشتاء, بحثت في جيبي لعلي أجد ما يدفئني ويستر, خاب رجائي, تعففت في الاقتراض من سيد, يكفي ما اقرضني إياه في الأيام الفائتة, والقص جيبه مفتوح لي, ما يدخره يطلع إلى الولد" المللك " تاجر الحشيش, وجزء أخر لأمه في البلد البعيدة, وما يتبقى بالكاد لمعيشته وأخوته الصغار, ويكفيه إيوائه لي طيلة هذه الأيام, كنت أقترض من جسدي ما يعينني على هذه الأيام, أصلي الفجر, وأترجل ساعة – أو أكثر - إلى طابور المدرسة, أحيي النهار بطوله ومعدتي لم تصب سوي ساندوتش فول, أقتصدت في تدخين السجائر حتى لم أجد مفرا من الأقلاع عنها.
خارت قواي, هزل جسدي, برزت عظامي, وغارت العينان, فوجدتني أقف أمام عم مدبولي, أستعطفه في حارة صغيرة, كان الرجل مشفقا عليّ, ويشعر أنه يقتل شيئا كبيرا بداخلي إن لبى طلبي, " أنت مدرس مقامك عالى يا ولدي", المقام العالى هو ما يعين ويستر, وأسدى لي خدمة, تعليم ابنه الأصغر القراءة والكتابة, ومطالعة دروس ابنا آخر لجار له, كان يكفيان كسوتي ومعاشي, كان هذا شيئا جميلا يجعلني في حالة امتنان شديدة.
مع الأيام بدت المرارة في نظرتي, والعصبية والانفعال الزائد عن الحد في لهجتي مع المدرسين والتلاميذ, وخاصة مع هذا المدير الجديد الذي يُشترى بسيجارة, أو حكاية عن امرأة عاهرة فتكون من المحظوظين الذين يقودون المدرسة لبضعة أيام, كنت أفر منهم جميعا ومن حديثهم وهم يتطرقون إلى الاحدأث الهامة, وتضخم طوابير الخبز, واستيراد حصص القمح الفاسدة, وبيع شركة عمر أفندي بأبخس الأثمان, وبيع أجزاء كثيرة من الوطن, مع رشاوي بعض الوزراء, وحكاية التوريث, وتشبيه أحدهم تلك المدينة التي نحيى في رحابها بامرأة عارية لا يتسع حضنها إلا للأغراب والآفاقين والحرامية وأولاد الكلب, كما قال وحيد من قبل, والحكي عن الكرة المصرية, ومنها إلى الأوضاع الجنسية الملائمة لكل امرأة, مع التفوه بالعبارات الفاضحة التي تلقاها مصادفة أذن مدرسة, أو طالبة لها نهدين, فأهرع من جوارهم إلى حصتي, أو لتدخين السجائر في الفناء وأنا أشاهد الطلاب وهم يقومون ببعض الالعاب الرياضية, أوالذهاب لمقهى البرنس.
كنت أرى القليل من التلاميذ, وندر لقاء المدرسين لغيابهم, ومرت شهور ربما سنين, تدهورت حالتي من أسوأ إلى أسوأ, وأصبحت أعاني ألوان شتى من الحرمان واليأس, وفي أوقات كثيرة كنت أكابد حمية الجنس التي افتقدتها حين غابت حنان عني, كنت أطوف الشوارع والميادين بلا هدف, لا حول لي ولا قوة, أندس في أي زحام أصادفه, مظاهرة أو اعتصام, ربما لغلاء الأسعار وقلة الأجور, أو للتنديد لما يحدث في فلسطين, أنحشر وسطهم, ويعلو صوتي معهم حتي ينفض الزحام, فأركن إلى أقرب مقهى, ثم أسيح في الشوارع والحارات من جديد, أمعن النظر في العبارات التي يحملها هذا الاختراع الذي يشبه الضفدع ويسمونه " توك توك ", " حلم العمر ضاع يا بشر ", " الظلم حرام "," كله خان " كنت أشعر إنها تواسيني في تلك الأيام بما يخط فوقها أو في جانب منها من عبارات تلمس قلبي.
أعود إلى فراشي هزيلا, وأتمني نومة لا أصحو منها, ويغلبني النعاس, وأنا في الفصل أظنني ما زلت في هذا النعاس, أسرد الأحداث وأخلط بينها, وأهزئ بكثير من الأشياء, كنت في حالة رثى لها الاستاذ سيد, وجعلته يقبل جبيني ويخط الأمل من أمامي بيد ناعمة, " لا نعرف ماذا سيكون في الغد " , كنت في حالة دعت القص ليطوقني بذارعه في الكشك وأنا أدخن بشراهة بعد أن عدت للسيجارة مرة أخرى.
- سيبها على الله مسيرها تفرج يا صاحبي.
كنت أنظر إليه نظرة بلاهة, تحولت إلى عجز وأنا أستمع إلى صوت الراديو الذي يشدو " تدخل الرئيس شخصياً لحل مشكلة الحضري مع النادي الأهلي ".
فزع من جواري على أثر قدوم عربة وقفت أمامنا, وراح يهلل كالعيال " مرحب, مرحب عم الشيخ ", نزل سائقها وبقى الشيخ - في جلبابه الأبيض وعقاله الملفوف حول رأسه - في كرسيه, ومن خلفه سيدة يغطي السواد جسدها, إلا عينيها, تنظر إليّ في إمعان شديد, وبجوارها وليدها, يعقد يديه ببعضهما, يقربهما إلى فمه الصغير, ينظر إليّ ويبتسم, جميل اللحظة, حلو الرسمة, بشعر حالك السواد, وجه أبيض من الحليب الرائق.
عاد محمود يسألني بعد أن مرقت العربة من أمامي عن السيدة المتشحة بالسواد في انبهار, أشحت بوجهي بعيدا عنه, كنت أستعذب بنظرة وليدها لي, بكيت في نفسي حين علمت إنها حنان, عادة أهل حيها, يزوجون بناتهم لأثرياء العرب, ومن يبتسم حظها تنجب الولد.
كنت أجري كالمجنون, والدموع علي خدي, وصورة ابني ترقص أمامي وهو يعقد يديه بالقرب من فمه ويرنو إليّ ويبتسم, هو ابني بلا شك, طفت كل الشوارع والحارات ألاحق العربة, سألت كل الوجوه, كلهم أشاحوا عني ودعوا " ألطف يارب ", قطعت الهزيع الأول من الليل وعدت.
ألقيت السلام على محمود ورفاقه, لبيت دعوتهم هذه المرة , رحت أنظر إلي وجوههم وألوانهم, وسجائر الحشيش التي تدور على أفواههم, ناولني أحدهم سيجارة - وكنت أراه لأول مرة معهم وهو يقول:
- ليلتك فل, اسم الكريم أيه؟
أمتدت يدي للسيجارة ومع أول نفس ألقيت رأسي للوراء, وقبل أن أهم بالثاني كنت أقول :
- أنا ابن حضارة سبعة آلاف سنة.
كنت أبتسم معهم, ومع النفس الثاني يعلو صوت ضحكي , ثم سأل مرة أخرى محمود القص عن مهنتي التي أمتهنها, فاخبره أنني ممن يقولون قراءة التاريخ تصنع الرجال, كنت قد أنتهيت من السيجارة وشرعت في أخذ الثانية, قبل أن أضعها في فمي, طُلب مني أن أحكي حكاية من حكايات الأجداد, أحسست بخدر لذيد يجري في جسدي, لا أدري إن كنت أحكي أم أنني أرى, سلامة, العصى في يديه, يرقص على نغمات طبل والمزمار, قمر, قمر فوق السطوح كل صباح أحد,, تجدل ضفائرها تحت شمس الشتاء, سلامة, الجمع من حوله يصفقون, قمر, قمر تردد ترانيم المحبة في كنيستها, سلامة يسقط الضابط من فوق فرسه, قمر, قمر تسقط قلوب الشباب في عودتها, سلامة يصير أسطورة تحكيها الأمهات لعيالها في الليل, قمر, قمر تردد في الليل اسم سلامة, سلامة يخر ساقطا من فوق فرسه في عيني قمر, قمر تسبح في أحضانه وتقول:
- تزوجتني وأنا نصرانية.
سلامة يقول :
- وعشقتيني وأنا مسلم.
قمر :
- ديننا يدعو للمحبة.
سلامة :
- ديننا يدعو للسلام.
يشيران بأصبيعهما إلى السماء ولكننا نعبد إلها واحدا.
- توتة توتة حلوة ولا ملتوتة .
سمعتها من أحدهم, وربما قلتها أنا, كلهم يقهقهون ويرتمون للوراء, وأنا معهم أنصت لأغنية شعبية, " من فوق شجر المحبة عصفور الحب طار, جاب أشة جنب أشة بنا عش للصغار" , فكنت أرى نفسي هذا العصفور, أحلق في السماء حتى أحط في بلدتنا الساكنة في حضن الجبل, كنت في عالم لذيذ, أضرب الأرض بفأسي خلف جدي أبو سلامة, أصعد الجبل مع وحيد, أنعس في حضن جدتي, أرتع في حضن حنان, وأضم ابني إليّ...,أضمه ...أضمه, سرت اللذة في جسدي وكنت أشعر بالخدر تسلل إليّ, من أصبع قدمي ويسير ويسير حتي منبت رأسي, يطير بي إلى السماء, وأنا أتفوه بكلمات لا أدرك معانيها, ولا أذكر ألفاظها, وخُيل إلي - وربما رأيت - وجوها تلتف حولي, وتبحلق في, ثم تحملني فوق أكتافها, وجوه لم أصل لمعالمها, ربما محمود ورفاقه, ربما تفوهت بكلمات أغضبت النظام وهذه وجوههم, وربما مسني الجنون, وأتوا ليعزلونني عن الناس, ولعلي مت, وهذه وجوه ملائكة الرحمة آتت لتحملني إلي السماء. تمت


الموضوع الأصلي : المدينة العارية || المصدر : منتديات روضة الكتب


hgl]dkm hguhvdm






  رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
المدينة, العارية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المدينة المسحورة AshganMohamed الروايات العربية والعالمية 0 01-15-2020 02:55 AM
المدينة بدم كذب AshganMohamed الروايات العربية والعالمية 0 01-15-2020 02:34 AM
رحلة فى قاع المدينة AshganMohamed الروايات العربية والعالمية 0 11-19-2019 07:41 PM
أصول علم العربية في المدينة word هدى علوم اللغة العربية 0 10-06-2016 03:30 PM
تاريخ المدينة لابن شبة word هدى متون الحديث 0 10-03-2016 03:00 PM


شات تعب قلبي تعب قلبي شات الرياض شات بنات الرياض شات الغلا الغلا شات الود شات خليجي شات الشله الشله شات حفر الباطن حفر الباطن شات الامارات سعودي انحراف شات دردشة دردشة الرياض شات الخليج سعودي انحراف180 مسوق شات صوتي شات عرب توك دردشة عرب توك عرب توك


اعلانات نصية  

RSS RSS2.0 XML HTML INFO GZ MAP SITEMAP TAGS


الساعة الآن 07:51 AM

أقسام المنتدى

المنتدى العام @ كتب العقيدة @ علوم القرآن @ متون الحديث @ أصول الفقه والقواعد الفقهية @ السيرة والشمائل @ الأخلاق والرقائق والاذكار @ التاريخ @ علوم اللغة العربية @ الفرق والردود @ الصفحات @ طلبات الزوار والأعضاء @ كتب التنمية البشرية @ كتب عامة @ إستراحة الأعضاء ومناقشاتهم @ المنتدى الإعلامي @ بيع وشراء الكتب @ جديد عالم الكتب @ فهارس الكتب والأدلة @ كتب الإقتصاد @ الأجزاء الحديثية @ كتب ابن أبي الدنيا @ English books @ أخبار عالم الكتب والمخطوطات @ American Libraries @ Health and self help books @ Computer Science & Information Systems @ Children's Library @ Education @ الروايات العربية والعالمية @ إقتباسات من كتب التاريخ @ إقتباسات من كتب التنمية البشرية @



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
أنت تقرأ من منتديات روضة الكتب فانسب الحقوق إلى أهلها
UNION EDU