الموضوع: آخر العمالقة
عرض مشاركة واحدة
قديم 10-28-2019, 10:46 AM   #1
AshganMohamed

منتسب جديد

آخر العمالقة
د. حمدي موصللي





آخر العمالقة

(مأساة في ثلاثة فصول)






من منشورات اتحاد الكتاب العرب
1998














تصميم الغلاف للفنان : اسماعيل نصرة



جرت حوادث هذه المأساة في عهد الملك الفارسي "احشويروش" ابن داريوس (عند العرب داراً)، وهذان من ملوك الدولة الأخمينية الفارسية من العرق الآري ومدة داريوس نحو 36 سنة (521-485 ق.م)، واحشويروش (485-466 ق.م).....".

الأشخاص الرئيسية للمأساة:
1- احشويروش: الملك الفارسي (485-466 ق.م).
2- وشتي: الملكة الفارسية والزوجة الأولى.
3- مردخاي: من القبالة اليهودية و وزير بيت المال وكبير المراسم والخدم في القصر الملكي.
4- أستير: الملكة الحسناء- ربيبة مردخاي- الزوجة الثانية.
5- هامان: الوزير الأول وقائد جيوش المملكة.
6- الحكيم أزدشير: رجل الحكمة والمعرفة في المملكة.
7- الأعرج: العراف اليهودي.
8- زرش: زوجة هامان العربي.
9- قائد الحمية الفارسية.
10- دانيال - عزرا- يهوديان من القبالة اليهودية.

وجهاء حاصور وأورشليم:
الأول- الثاني- الثالث.
الخدم:- حاجب الملك
- حاجب الوزير
- خصي الملكة.
الحرس: بغتان وترش وشخصيات أخرى.









الفصل الأول

فساد الجسد لا يعني بالضرورة فساد الروح





المشهد الأول
هواجس الحكيم أزدشير

(1)
المكان : معبد النار المقدسة في "شوش" المدينة.
ناراسين: خادم المعبد يؤجج النار في صحن المعبد.

ناراسين : (يطوف حول النار بخشوع وهو يردد):
أنت أيتها النار المقدسة، باركي طوافي ومسعاي إليك وأقبلي صلواتي ودعائي لمولاي الملك العظيم، وانصريه على أعدائه ومدي في عمره واحفظي له ملكه... (يدخل العراف اليهودي وخلفه بعض الصبية التلاميذ، ممسكاً بعصا غليظة يلوح بها. و يستخدمها أحياناً في تخويفهم)...
الأعرج : (يتابع حديثه في تخويفهم)....وبذلك نستطيع التعرف على الروح الحية والجسد الميت الفاسد..
(يحدق التلاميذ بخبث، ثم يبدأ‌ حديثه بإيقاع متصاعد...).
وفساد الجسد لا يعني بالضرورة فساد الروح أيتها الصبية؟‍!.
(سكتة قصيرة مصحوبة بالغرابة)...
الأعرج : (متابعاً).... وموت الجسد، موت فاسد تأكله ديدان الأرض..
(يقاطعه صوت مردخاي الذي دخل المعبد واستمع إلى جزءٍ من حديث العراف...).
مردخاي : (متابعاً).. وموت الجسد لا يعطينا فكرة عن الجهة التي انطلقت إليها الروح. (ينظر إليه الصبية بريبة ودهشة...).
مردخاي العمالقةمتنقلاً بين الصبية)... وفيما بعد تصبح هذه الروح مسؤولة عما تختاره. أي تختار الجسد الذي تريده...
الأعرج : (ضاحكاً)... هه... هه.. أصبحت ملماً بعلومنا وفنوننا ياسيدي..
مردخاي :بانفعال كاذب، وخبث مفتعل)... أرجو أن لا تقاطعني مرة ثانية أيها العراف (يتوقف عن الكلام قليلاً، ثم يتابع بهدوء...)..
والجسد في قوته وفي ضعفه، في عهره وطهره، في أمانه وشره، حقيقة ماثلة أمام الروح التي تريد أن تختاره (يلتفت إلى العراف)...
أليس كذلك أيها العراف؟!..
الأعرج : (باعتداد)... كل ما قلته، كنت دائماً أردده على أسماع الصبية ياسيدي (في تلك الأثناء، يدخل الحكيم أزدشير دون أن يشعر به أحد، ثم ينصت إلى حديثهما...)..
مردخاي : (متابعاً).. والروح قد تتقمص الجسد القوي المليء بالشر مثلاً.. أو قد تتقمص الجسد الضعيف.. في كلا الحالتين، هي التي اختارت الجسد القوي بدلاً من الضعيف الهزيل، فهي بذلك ضمنت القوة بدل الضعف..
الأعرج العمالقةمقاطعاً وقد نسي نفسه). أجل القوة بدل الضعف، القوة بدل الضعف.
مردخاي العمالقةمضيفاً بحقد زائد).. ومن أجل البقاء... فالقوة هي نور الأحياء على الأرض.
الأعرج : (بنشوة متابعاً)... نعم أيها الصبية... أبناء مدينة (شوش) العظيمة...
القوة هي نور الأحياء على الأرض.. والضعف، ظلام الضعفاء على الأرض إنه الفناء و الدمار.. (يتجول بين الصبية ملوحاً بعصاه الغليظة كمن يهدد)...
أزدشير : (يقترب من العراف والصبية يتأملهم بهدوء ثم يتجه إلى مردخاي... ويقف عنده قليلاً ثم يبتعد...)... بدأت أشك بعلوم الكهنوت التي تعلمها هؤلاء الصبية. (يلتفت إلى العراف) هؤلاء الغفل أبناء (شوش) أيها العراف... (بعد وقفة قصيرة وحذرة)... ما هذا الكلام؟‍! ماهذا الكلام عن الجسد والروح؟! عن القوة والضعف؟!.. (بانفعال يرفع صوته)...
أقسم بقدسية النار والرب الأكبر، إن ماتلقيه على هؤلاء... (يشير إلى الصبية)..
ماهو إلا تعاليم أهل السبي... بل دين أهل السبي.. يابن السبي (مردخاي يبتعد باتجاه صحن المعبد بينما آذانه تصيخ السمع إلى حديث أزدشير).
الأعرج العمالقةيتكور على نفسه بحياءٍ مصطنع)... الحكيم أزدشير؟! أنت بيننا؟! أهلاً بك... (يشير للصبية، فينحنون جميعاً)...
أزدشير : (باشمئزاز) لا تراوغ أيها العراف؟!
الأعرج : (يتصنع الحزن)... الحكيم أزدشير.. الحكيم أزدشير يشكك بعلوم الكهنوت التي أعلمها صبية (شوشن).. وينعتني بابن السبي؟!
(يقرأ بعض التعويذات المبهمة والمصحوبة بحركات إيمائية مريبة...)
الأعرج : (يلتفت إلى صبية)... أسمعتم: ماقاله سيدي الحكيم أزدشير؟!
(الصبية يهزون رؤوسهم بحياء)...
على رسلك أيها الحكيم أزدشير...؟! لن أسمح لنفسي أن أكون مثل البلهاء، ضعاف القلوب الذين يهزون رؤوسهم طوعاً وخوفاً مما تقوله؟! (بانفعال).. أسمع أيها الحكيم: لو أن لعقلك حكمة الأرباب، لما تفوهت بتلك الكلمات على أسماع الصبية...
مردخاي : (متدخلاً برياء).. كفاك ثرثرة أيها العراف؟!.. كيف تجرؤ على قول مثل هذا الكلام لرجل الحكمة في شوشن؟! (سكتة قصيرة...)... نأسف لما قاله معلم العرافة والكهنوت في (شوشن) أيها الحكيم أزدشير.. والمعذرة عما صدر منه.. (بعد لحظة صمت حذره)... (بابتسامة خجولة)... أرجو أن لا يفهم من كلام صديقنا الحكيم أزدشير، الإساءة إلى العراف بنعتك إياه بابن السبي...
أزدشير : (بدهشة الفطن لأمر أدركه في الحال)... هذا شأني في الكلام.. وليس لك فيه شأن ياكبير تجار (شوشن)...
(لحظة توقف وقد بدا خلالها العراف شديد الارتباك والانفعال)...
ثم يخرج وهو يلملم أردان ثوبه الطويل ومعه صبيته...)..
مردخاي العمالقةبحقد دفين وشفاه ترتجف وتكز على بعضها) لك ماتريد أيها الحكيم أزدشير... (قبل خروجه يوقفه صوت الحكيم أزدشير)...
أزدشير : هيه.. أيها التاجر؟!.. أنت تجعلني أشك بمجوسيتك...؟!
(مردخاي: يعود متجهاً إلى صحن المعبد ثم يبدأ بالطواف حول النار المقدسة بينما الخادم ناراسين يزيد في اشتعالها)..
مردخاي : أنت أيتها النار المقدسة، باركي طوافي ومسعاي إليك، واقبلي صلواتي ودعائي لمولاي الملك... (يقاطعه صوت أزدشير)...
أزدشير : لا تراوغ أيّها التاجر؟!
(يتوقف مردخاي عن الطواف، ثم يستدير نحو الحكيم أزدشير بخبث بارد وحياء مصطنع...)..
مردخاي : لا...لا أيها الحكيم أزدشير؟! لا تجعل لأوهامك مكاناً أو سبيلاً إلى عقلك.. اطردها قبل أن تعشش فيه وتخربه....
(يعود مرة ثانية إلى الطواف وهو يكرر بصوت عال الابتهال السابق)..
أزدشير العمالقةبتذمر واضح).. يبدو أن الأفاعي بدأت تنسلخ عن جلدها...؟!
(يرفع صوته بانفعال)
هيه... أنت تكذب أيتها التاجر...
مردخاي : (مصعوقاً)... أنا أكذب ياسيدي؟!
أزدشير : إنها الحقيقة أيها التاجر..؟!
مردخاي العمالقةلنفسه متسائلاً)... الحقيقة؟!... لا أفهم ماترمي إليه أيها الحكيم، أرجو الإفصاح عما تريد أن تعرفه؟!
أزدشير : (بهدوء) مجرد شكوك ينبغي تفسيرها يامردخاي...

(ينظر مردخاي بعمق إلى الحكيم طويلاً كمن يتوعده...)..
مردخاي : فسرها كما تشاء..
أزدشير : (مؤكداً) سأحاول وفي الوقت المناسب.. وأعلم أن الحقيقة لا تموت أبداً..
مردخاي : بالتأكيد الحقيقة لا تموت...
أزدشير : (قبل خروجه)... أسمع أيها التاجر.. لك الحرية المطلقة بالإجابة عن هذا السؤال...
مردخاي : (في حيرة)... وماهو هذا السؤال أيها الحكيم أزدشير؟!
(يتقدم أزدشير نحوه بهدوء ثم يدور حوله، ثم يهمس في أُذنه وبصوت مسموع...)...
أزدشير : وجودك... أسألك عن سبب وجودك في المعبد الآن: وفي هذا الوقت بالذات؟!...
مردخاي : (إجابة سريعة).. طبعاً للطواف والدعاء لمولانا؟!
أزدشير : (بذكاء) في هذا اليوم، وفي هذا الوقت المسائي؟!

مردخاي : (كالملسوع)... ماذا تقصد أيها الحكيم؟!
أزدشير : لقد تكرر حضورك إلى هذا المكان مرات عدة وفي أوقات لا تجب فيها العباده... (مردخاي وقد بدا في وضع غير مريح...)..
أزدشير : (ساخراً).. يبدو أنك نسيت عادات أهل شوشن في العبادة.. من ناحيتي أيها التاجر.. لن أجهد في تذكيرك بطريقتها وأوقاتها فما رأيك؟!...
مردخاي : (متجاهلاً)...
أزدشير العمالقةمتابعاً) أهلُ (شوشن) يهرعون جماعات للطواف وليس أفراداً.. ووقت اكتمال القمر ليصبح قرصاً.. انظر إلى القمر..
(يشير بأصبعه نحو الفراغ)...
ألا ترى أن القمر لم يبلغ نصف عمره بعد؟!
مردخاي : (متجاهلاً لا يرد..)...
أزدشير : بدأت أراهن عليك أيها التاجر... (يخرج... تسود فترات صمت قليلة باردة وحذرة...)..
ناراسين : (يتقدم بهدوء من مردخاي ويناوله كوباً من الماء...)... أشرب ياسيدي

مردخاي : (بانفعال يتناول الكوب ويدلقه بسرعة.. ثم يبصق في ناحية خروج أزدشير الحكيم...)... ابن الملعونة.. ابن الشياطين..
ناراسين : (بارتياب) سيدي.. يخالجني شعور بالخوف والقلق..؟ المصير... مصيرنا يا سيدي... بت أخاف... (يسكت بخوف)...
مرخاي : (يحاول الأتزان)... ومم تخاف أيها المتخفي باسم ناراسين؟!
ناراسين : من افتضاح أمرنا وإذلالنا من جديد..
مردخاي : (يقترب منه، ثم يصفعه بقسوة وبهدوء) يقول:
أرجو ألا تكرر ذلك ثانية يانحميا اليهودي..


- اظلام-





المشهد الثاني
في بيت مردخاي
المكان: حجرة مخيفة ومظلمة، في بيت مردخاي والحزم الضوئية البقعية تكشف الجوانب المراد العمل عليها..

الأعرج العمالقةمستاء) بت أخاف حدوث ما أكره ياسيدي؟!
مردخاي : (صامت لايرد)...
الأعرج : يبدو أن سيدي غير مبال بما قد يحدث؟!
مردخاي : (خارج عن صمته).. لم يقل لي العراف، مما يخاف ويكره حدوثه؟!
الأعرج العمالقةبحقد) من هامان العمليقي(2) إن عاد، ومن الحكيم..
مردخاي العمالقةببرود يتابع).. ومن الحكيم أزدشير أليس كذلك؟!..
الأعرج العمالقةبانفعال).. أجل ياسيدي... الحكيم أزدشير، بت أخافه؟!
مردخاي العمالقةبعفوية الحاقد)... وأنا أيضاً مثلك أيها العراف...
الأعرج :أخاف افتضاح أمرنا ياسيدي؟!
مردخاي : لا عليك أيها العراف...
الأعرج :هامان العمليقي.. أصبح رمزاً في بلاد الأخمينيين (الفرس)... والآمر والناهي في المملكة، واليد الطولى حتى على الملك..
مردخاي العمالقةيقلل من أهمية مايقوله العراف).. لا.. لا أيها العراف.. الأمور باتت في يدنا الآن، الملك والبلاد في أمس الحاجة إلينا.. المال والعيون والأنفار والعتاد ورجال الكهنوت والتجار من أهلنا في عون الملك والملكة.. والمدينة (شوشن) الآن في قبضتنا وتحت رحمتنا، وتجارنا احكموا قبضتهم عليها.
الأعرج العمالقةمذكراً) أرجو ألا ينسى سيدي، مافعله هامان، بمتاجرنا وتجارنا قبل سنوات مضت؟!...
مردخاي العمالقةمكرهاً) أنت مثل بوم الشؤم / بعد سكته/.. كيف.؟! مافعله هذا العمليقي... لا... لا وحق الرب.. يوماً ما سأسحقه لا زلت أذكر متاجرنا وبيوتنا وهي تحترق...
الأعرج :أنها صور منقوشة في الذاكرة..
مردخاي العمالقةبحرقة)... يومها هرب الكثير من شعبنا...
الأعرج العمالقةمتابعاً)... وقتل الكثير أيضاً...
مردخاي العمالقةمتابعاً)... وأخفى كثير منا دينه، خوفاً، والتمس المجوسية...
الأعرج :وأنا منهم.. وأنت والجميع ياسيدي.؟!
مردخاي العمالقةمتابعاً)... الكثير من نسائنا صار خدماً ومتاعاً ولهواً...
الأعرج :هذا حال اليهود في كل مكان.. منذ (نبوخذ نصر) وحتى هامان..
مردخاي العمالقةصارخاً)... سوف أقتله.. أقتله.. أتفهم أيها العراف؟!
(بعد لحظات متوترة، يقترب مردخاي من العراف ثم يدور حوله كمن يهدد ويتوعد، وبحركة سريعة يضع خنجره على عنق العراف وكأنه يجزه وقد بدا قلقاً شاحب الوجه...)...
مردخاي العمالقةبغليان).... سوف أقتله وعلى طريقتي أيها العراف ميشائيل.. (بعد سكته)..
مردخاي العمالقةبفتور بارد)... أما الحكيم أزدشير، فأيامه باتت قريبة...
الأعرج العمالقةمدهوشاً).. أتريد قتله ياسيدي...
مردخاي :إن استطعت.. وبأقصى سرعة..
الأعرج العمالقةمستفسراً مدهوشاً).. كيف.. ومتى ياسيدي؟!
مردخاي :أما كيف؟! فهذا سر؟! أما عن الوقت والزمن... (يهز رأسه ويصمت)...
(بعد لحظة صمت)... اسمع أيها العراف...
الأعرج : أمر سيدي.. (يبتسم بحذر).. يبدو أن سيدي قد توصل إلى أمر.؟
مردخاي : (متابعاً) بل إلى نتيجة... (متنهداً) عليك أن تغادر في الحال هذا المكان وأن تصطحب معك الصبية إلى القصر الملكي.
الأعرج : (بدهشة) لماذا؟!
مردخاي :لتقابل الملكة "وشتي" وتشرح لها ماحدث لك في المعبد، وكيف أساء إليك الحكيم أزدشير وشكك بعلومك التي تعلمها الصبية..
الأعرج العمالقةبقلق).. منذ أيام لم أصل القصر ولم أقابل الملكة..
مردخاي : (بنفور)... لماذا؟!
الأعرج : أخاف أن تسألني عن طوالع النجوم.. وأخبار المعارك والحصار...؟! فماذا أجيبها...؟!
مردخاي : قل ماتعلمه وتعرفه؟! 3
الأعرج :الطوالع غير مستقرة، وبلشاصر البابلي مازال يحاصر الملك وجيشه في مزربانة الشمال.
مردخاي :وهامان في طريقه إلى فك الحصار..
الأعرج : هذا إن استطاع؟!.. وإن لم يستطع فماذا نفعل؟!
مردخاي :أنت مثل بوم الشؤم.. بماذا تفكر؟؟!
الأعرج :ماذا لو مات الملك ياسيدي؟!...
مردخاي :ماذا تقصد أيها العراف المتشائم؟!
الأعرج العمالقةبتردد يكرر) أقول لو مات الملك..
مردخاي العمالقةفي صرامة) أسمع ياميشائيل.. الملك لن يموت والعهد لن يموت والوعد سيحيا ويتحقق...
الأعرج العمالقةبحزن) هذا ما ارجوه ياسيدي؟!
مردخاي :أجل لم يعد في الأمر سر.. لقد وعدنا الملك بالعودة إلى أرض حاصور الكنعانية، إن هو ظفر بالبابليين..
الأعرج :إنه الحلم الذي يراودني في صحوتي وغفلتي.... (ينتفض كالملسوع)... لكن الملك طائش مغرور..
مردخاي العمالقةبعنف).. وأنا أعرف طريقي إليه.. هيا أيها العراف... اتجه نحو القصر و معك الصبية.. (لنفسه بهدوء وخبث).. لقد أزف الوقت وبدأ اللعب.. (العراف يتهيأ للخروج).. هيه.. أيها العراف.. إن ناراسين شاهد على ماجرى..
(يلتفت إلى خادم المعبد قائلاً بهدوء).. أليس كذلك يا نارسين.
- اظلام-



المشهد الثالث
أخبار العائلة المالكة قبل عودة الملك

المكان: حديقة القصر الملكي.

(تدخل الملكة "وشتي" ومعها الأميرة "زرش" صديقتها وهي زوجة الوزير هامان..."..
وشتي : (متأففة)... أف.. ثلاث سنوات مضت والأخبار الواصلة إلى القصر متضاربة... ماعدت أطيق سماعها، القلق ينتابني منذ حصار زوجي وجيشه في مزربانة الشمال... (تبكي)..
زرش : (متماسكة وتحاول مواساتها)... خففي من روعك يامولاتي.. زوجي وسيدي هامان، ومعه الجيش الكبير في طريقه إلى فك الحصار..
وشتي العمالقةشاكرة).. أشكر لك مواساتك ولن أنسى فضل زوجك هامان على الملك والملكة وشعوبها..
زرش : هذا واجب المرؤوس أمام مليكه وما عليه إلاّ الطاعة...
وشتي : أعرف هذا يازرش.. لكن ليست في كل مرة تسلم الجّرة..
زرش العمالقةبخوف).. فأل الخير ولا فأل الشر يامولاتي؟!..
وشتي : إنها الحقيقة.. والحقيقة مرة يازرش..
زرش : لا أفهم ماترمين إليه؟!
وشتي : يبدو أنك لا تفكرين بغدك؟!
زرش : وماذا عنه؟!
وشتي : لو هزم الملك؟! ماذا سيحل بي؟!
زرش : أبعدي عن رأسك هذه التكهنات الشيطانية المزعجة..
( تقترب منها ملاطفة)..
ثم لن يحل بك أي مكروه.. على الأقل حظك سيكون أوفر من حظي...
وشتي : (بدهشة)... كيف؟!
زرش : سوف تصبحين سبية ملكية، ويتزوجك مليكهم متوجاً بزواجك انتصاره...
وشتي : أرفض..
زرش : (ضاحكة)... هه... هه.. لن تفعلي.. أما أنا فيا حسرتي..
وشتي : لماذا؟!
زرش : الذي أعرفه أن الكثير من الأرامل تتمنى ساعتها أن تمسك بي لتطفئ نار حقدها ثأراً من زوجي..
وشتي : لماذا؟!
زرش : لأني زوجة هامان...
وشتي : (بارتياب) وأنا زوجة الملك؟!
زرش : وزوجي قائد جنده ووزيره وصاحب انتصارات المملكة..
وشتي : ماذا تقصدين؟!
زرش : مولاتي الأرامل من النساء يعتقدن أن زوجي سبب هلاك أزواجهن..
(يدخل أحد الخصيان)..
وشتي :مولاتي..
وشتي : ماوراءك أيها الخصي..
الخصي : العراف ومعه الصبية في القاعة الملكية يطلب المثول..
وشتي : سأكون هناك في الحال..
(تلتفت إلى زرش)..
منذ أيام والعراف لم يأتِ القصر.. لعل طوالع نجومه تحمل إلينا أخباراً سارّه؟!
(يخرجان)..


المشهد الرابع
طالع النجم الكبير
المكان: قاعة العرش

"تدخل الملكة "وشتي" وخلفها الأميرة زرش.. العراف ومعه الصبية ينحنون"..

وشتي : (بلطف) كيف حال الصبية أيها العراف؟!
الأعرج : في أحسن حال.. لقد قطعوا أشواطاً في علوم الكهنوت... شهور قليلة، وبعدها لن تحتاجوا إلي...
وشتي : نأمل ذلك أيها العراف... (بعد سكته)... ها.. لقد طلبت المثول أمامنا ألك لدينا حاجة نلبيها؟!..
الأعرج : (بحزن كاذب) .. ليس لي حاجة أطلبها..
وشتي : إذن.. لم طلبت المثول أمامنا؟!
الأعرج : (بوداعة كاذبة).. سبب بسيط وتافه..
وشتي العمالقةحانقة) إذا كان السبب تافه كما تقول...
الأعرج : (مقاطعاً) عفواً مولاتي.. حرصاً على عدم
إزعاجك..
وشتي : إذن.. قل ماترغب قوله..
الأعرج : (بحزن كاذب)... يؤسفني أن أقول لمولاتي حقيقة ماحدث معي وأمام صبية "شوشن" وفي مملكة مولاي "احشويروش" وفي غيابه أيضاً..
وشتي : (بانفعال) أنا الملكة أيها العراف؟! ولا أقل مكانة وقدرة عن الملك في إدارة البلاد وتلبية الحاجات..
الأعرج : (بتلعثم، وخوف)... آ... آسف مولاتي اطلب الغفران والمعذرة.. لم أقصد الإساءة، بل الفخر والاعتزاز في مملكة الكرامة والحرية والـ...
وشتي : (مقاطعة بنفور) قل حاجتك أيها العراف ولا تطل..
الأعرج : (مطأطئ الرأس) لم أكن أتوقع أن يهان من هو في منصبي وعلمي إن مولاتي الملكة تحترم العلماء وتقدر علمهم...
وشتي : (بهدوء) مرة ثانية قل حاجتك أيها العراف؟!
الأعرج : هؤلاء... (ينظر إلى الصبية فيهز الجميع رؤوسهم بالإيجاب)... صبية "شوشن" يشهدون وناراسين خادم المعبد أيضاً..
وشتي : (فاقدة الصبر).. للمرة الأخيرة قل حاجتك أيها العراف؟!
الأعرج : إذا كانت مولاتي ترغب وتصر
وشتي : أجل وبسرعة..
الأعرج : الحكيم أزدشير..
زرش : (متدخلة) الحكيم أزدشير؟! ماذا فعل لك؟!
الأعرج : (بحزن كاذب) لقد تطاول على رجل العلم والمعرفة في بلدكم...
زرش : مستحيل أزدشير؟! لا.. لا... إنه لا يفعل ذلك؟!..
الأعرج : لكنه فعل ياسيدتي.. (برياء واحتيال).. أنا لم أصدق مافعله معي.. فكيف تصدقون أنتم؟!.. لقد أساء إلي يامولاتي... صدقيني...
وشتي : (بدهشة) كيف؟!...
الأعرج : وجه إلي كلاماً لا يليق بمكانتي.. بل نال من كرامتي وأمام الصبية وخادم المعبد..
وشتي : ماذا قال؟‍‍!
الأعرج : شكك بأفكاري، وقال عن علومي الكهنوتية التي أعلمها لأولادكم إنها تعاليم دين... (يتوقف عن الكلام...)...
وشتي : (مشددة) أكمل كلامك أيها العراف؟! تعاليم دين من؟!
الأعرج : دين أهل السبي ولا تمت بصلة إلى العلوم الكهنوتية..
زرش : (متدخلة)... لعمري إن الحكيم "أزدشير" لم يكن ليقول هذا لولا وجود مايدلل على ذلك!!
وشتي : (تسأله) وماذا قال أيضاً؟!
الأعرج : (ببكائية كاذبة).. نعتني بابن السبي...
زرش : (ساخرة).. وما رأيك أنت فيما قاله الحكيم أزدشير؟!
الأعرج : (بحياء مزعوم)... يبدو أنني أصبحت غير مرغوب فيه؟؟!... مولاتي: أرجو إعفائي من عملي والسماح لي بالرحيل عن "شوشن" مدينة العلم والمعرفة..
وشتي : (بهدوء) اسمع أيها العراف: سوف نتحرى الحقيقة ومن ثم نرسل بطلب الحكيم أزدشير ونسأله.. بعدها سوف نحكم لك أم عليك...
لا تنسَ أيها العراف... إن الشريعة في بلادنا تقضي العين بالعين...
الأعرج: (مطأطئ الرأس) أتأذن مولاتي لنا بالانصراف؟!
وشتي : (برحابة صدر)... بكل تأكيد... لكن ليس قبل سماع طوالع النجوم؟!
زرش : (متدخلة)... بت تتحين الذهاب دون إخبار الملكة بطالع نجومك؟!
وشتي : هل نسيت مايقلقني أيها العراف؟!
الأعرج : (بارتباك واضح).. ها.. كدت أنسى... أرجو المعذرة.. تواً عدتُ من تل الأجرام السماوية السبعة... كنت وصبيتي هناك نراقب طالعها..
والذي حدث.. (باسترسال مصطنع)... إن غيمة سوداء عظيمة، حجبت نجماً كبيراً... جداً عن أعيننا.. إنها المرة الأولى التي أرى فيها نجماً عملاقاً وقد حجبته غيمة سوداء عظيمة رغم نوره المبهر..
(لحظة سكون، ثم يقوم بحركات إيمائية يستعرض فيها خفايا من أسرار وخفة رجل كهنوت ذاك العصر...)..
ثم تلاشت الغيمة.. وفجأة ظهرت شهبٌ ساطعة، مالبثت أن خرت جميعها على الأرض.. إلا شهاب تابع طريقه يشق أجواز الفضاء...(وقفة قصيرة)... ثم... ثم....
وشتي : (مشددة تصغي)... ثم.. ثم ماذا أيها العراف؟!
الأعرج : (ببرودة خبيثة).. ثم أصبحت السماء صافية...(يصمت كالمستاء)...
وشتي : (تبدي خوفاً واضحاً).. والنجم الكبير؟!
الأعرج : (بحزن).. أختفى يامولاتي.. ولم يعد له أي أثر...
وشتي : (متشائمة)... بت متذمرة من نجمك.. ولم أفهم ذاك الشهاب...؟!
ماذا تريد أن تقول أيها العراف؟! أريد تفسيراً لكل ذلك وبسرعة..
الأعرج : (بارتباك) ما.. ماذا؟ الآن؟! حلمك يامولاتي ولا تتعجلي... لو فسرت لك طالعه، لأفشيت بالأسرار الكهنوتية... مولاتي الملكة.. امهليني ليلة أو ليلتين ونهاراً.. حتى آتيك بأخبار الأخبار بعد كشف الستار...
وشتي : لك ماتريد أيها العراف، وزد على الليلتين ليلة ثالثة لتأتِ بآخر الأخبار مهما عظمت وبلغت... شرط اليقين والصحة فيها.. وغير هذا لا أقبل إلا بصلبك على أحد أبواب "شوشن"...
(تشير له بالانصراف.. ينحني وخلفه الصبية يفعلون ثم يخرجون جميعاً)..





المشهد الخامس
حكايا من التلمود
المكان: في بيت مردخاي والحجرة ذاتها...

ملاحظة: الإنارة بقعة ضوئية خافتة في الوسط، تبرز معالم مصطبة مستطيلة من الزان العتيق، وعليها آنية فخارية وكؤوس صفت بفوضى، ومن حولها مقاعد مستطيلة للجلوس...
المشهد يضفي حالة من الرهبة والخوف في هذه الحجرة.. (من العمق يظهر مردخاي وخلفه ربيبته أستير...)
أستير : تبدو معكر المزاج عصبياً ياعماه؟! (تقترب منه وتحتضنه من الخلف، مسندة رأسها على كتفه)..
أخبرني عما يخالجك من شعور يثقل عليك؟!...
مردخاي: لاشيء يابنتي... مجرد هواجس لعينة ترتسم في مخيلتي... أحاول طردها... (يحدث نفسه مبتعداً)... يبدو أن الأمور باتت خطيرة وعلينا من الآن الاستعداد لها.. هامان آجلاً أم عاجلاً سيعود... والحكيم أزدشير لن يدعنا بسلام... (ينادي) هداسا... هداسا...
أستير : (باستغراب) أنا بالقرب منك ياعماه؟!
مردخاي : (يستدرك) آه.. نسيت...
أستير : أرجو أن أن تخبرني ياعماه.. ما الذي تخشاه من عودة هامان؟! وماسبب قلقك من الحكيم أزدشير؟!
مردخاي : هامان العدو اللدود لأهلنا... أهلنا يا هداسا.. يتحين الفرصة المناسبة ليقضي على أهلنا..
أستير : (متسائلة)... ما الذي حدث ياسيدي؟!.. من سنين ولا أحد يعرف عنك إلا التاجر المجوسي الكبير الذي قدم من أبعد المزربانات الفارسية؟..
مردخاي : إنه أزدشير ياهداسا..
استير : (بدهشة) الحكيم أزدشير؟!..
مردخاي : وأظنه يعلم الكثير عني، وعن العراف ميشائيل وعن /تقاطعه/...
أستير : (بارتباك وغرابة)... ماذا تقول ياسيدي؟!
مردخاي : الحقيقة ياهداسا.. بالأمس شكك بي وبالعراف، نعت العراف بابن السبي... وشكك بعلومه الكهنوتية، وقال عنها: إنها تعاليم أهل السبي أقصد دين أهلنا.. كما حاول إيقاعي بفخ الحقيقة...
أستير : حقيقة ماذا؟!
مردخاي : التي نحن عليها..
أستير : (بخوف) هل.. هل افتضح أمرنا ياعماه..؟!
مردخاي : (بعد لحظة تفكير)... بالنسبة لي لا أظن.. أما بالنسبة للعراف بت أخافُ علينا منه، وأخاف عليه من نفسه...
أستير : (متابعة)... إذن بات أمره مكشوفاً...؟!
مردخاي : نعم.. وأزدشير الحكيم لن يسكت، سوف يخبر هامان حين يعود..
أستير : (بحرقة وانفعال) لم تسكت له وتدعه يلوك مايحلو له من الكلام؟!
مردخاي : أجبرت على ذلك.. الموقف كان صعباً للغاية.. لا المكان ولا الزمان كانا وقتها في صالحي..
أستير : (متذمرة) إلى متى نعيش مرارة هذا الواقع؟!
مردخاي : أراك متذمرة.. متشائمة...؟! أهناك أمر يضايقك ولا أعرفه؟!
أستير : نعم ياسيدي وولي أمري..
مردخاي : (بقلق) ماهو؟!
أستير : الخوف والقلق من المستقبل المجهول الذي يهددنا دائماً.. حياة الشتات والضياع والأسرار... لا وطن.. لا أرض...
وبالسر اسمي هداسا(5)... بالسر ندين باليهودية.. (يقاطعها بحدة)...
مردخاي : هذا شأن أكثر أبناء أهلنا..
أستير: (بانفعال ترفع صوتها).... لماذا ياسيدي؟! لماذا ونحن أرقى المخلوقات على الأرض.. ألم تقل لي أننا الشعب المختار عند الرب؟!
ألم تقل لي أننا صفوة الناس وماعدانا ليسوا سوى حيوانات (6)...
مردخاي : إنها تعاليم كتبنا...
أستير : (متابعة) ألم تقل لي أن الرب ميز الخلق (7)..
مردخاي : ولا زلت أقول مايقوله الرب: اسمعي مايقوله الرب:
"المخلوقات نوعان: علوي وسفلي، والعالم يسكنه سبعون شعباً بسبعين لغةً، وإسرائيل صفوة المخلوقات..."
(يمسكها بقوة من كتفيها ويهزها)...
"لقد اختاره الرب لكي تكون له السيادة العليا على بني البشر جميعاً.. سيادة الإنسان على الحيوان...".
أستير : (تقاطعه مقهورة)، هذا غير كاف، ولا ينفي حقيقة أننا شعب مشتت لا أرض له... لا وطن.. لا...
(يقترب منها بسرعة وبغضب يصفعها بقوة فتتهالك على الأرض باكيةً...).
مردخاي : (ببرودة ممزوجة بحقد) حتى لا تقولي لا أرض له.. لا وطن...
أستير : (ببكاء مخنوق)... أنت قلت هذا أيضاً ياسيدي..
مردخاي : (يستذكر) لا.. بل التوراة هي التي قالت وقالت: "أيضاً كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم" (ينحني نحوها ثم يرفعها بقوة لتستوي واقفة، وجهها مقابل وجهه، ثم ينظر إليها بجحوظ...).
يقول الرب.. إن غير اليهود كلاب عند اليهود(8)...
أستير : (مندفعة).. إذا كان الرب قد خصنا دون الآخرين، فلم لا يفرج كربنا ويقوينا عليهم حتى نذلهم كما أذلونا ؟!
مردخاي : اسمعي هداسا: عليك بتعاليم ديننا وافهميها كما هي...
أستير : (باستغراب).. كما هي؟!
مردخاي : (متابعاً بغضب) كما هي يابنة السبي..
أستير : (بغرابة أكثر) يابنة السبي؟!
مردخاي : نعم... وأنا مثلك وأهلنا أيضاً... لهذا يجب أن يكون لنا أرض يعيش عليها أهلنا... أين شاء الرب وعلى أي أرض تكون...
أستير : (باندهاش زائد) والوعد الذي قطعه الملك "احشويروش" لنا؟ العودة إلى أرض كنعان ياسيدي... الحلم والوطن القادم إلينا...؟!
مردخاي : (يسترسل بحقد) لا عليك... قريباً ياهداساً يأتي هذا اليوم...


هوامش الفصل الأول
1- شوشن أو شوشان: اقليم خوزستان، وفي التاريخ العربي الأهواز وحديثاً عربستان، وسكان هذا الأقليم عرب محض ومعظمهم من كعب.
2- العمالقة: شعب عربي قديم ذو عصبية قوية الشكيمة في شرق سيناء وجنوب فلسطين وقف بالسيف في وجه بني إسرائيل.
- بقايا العماليق عاشت إلى العهود الإسلامية الأولى وقد اشتمل التاريخ العربي وكتب الأدب العربي على الكثير من طلي أخبارهم ولاسيما عرب تدمر والزباء ملكة تدمر.
- راجع البكري طبعة القاهرة 1945 - ص 26، 110، 219.
- تاريخ سيناء الحديث نعوم شقير..
- راجع تاريخ العرب قبل الإسلام د. جواد علي (العراق) 1951.
- راجع الطبري (1-103) وماذكره عن العمالقة.
3- بلشاصر بن نبوخذ نصر وآخر ملوك الدولة الكلدانية 561 ق.م.
4- موقع حاصور كان قرب الحولة غربي جسر بنات يعقوب على بعد ستة أميال، ويظن إحراق حاصور الأول على يد يشوع بن نون حوالي (1383 ق.م)، وهي عاصمة الكنعانيين.
5- هداسا: الاسم العبري لاستير ويعني زهرة الآس/ والكواكب وكثيراً ما لجأ اليهود أثناء السبي إلى تغيير أسمائهم خوفاً من التنكيل والبطش بهم.
- دانيال: بالكلدانية بلشاصر.
- ميشائيل: ميشخ.. راجع الترجمة الأميركية (العهد القديم) سفر دانيال.
6- التلمود... المستند إلى الفقرة السادسة عشرة من فصل 12 من سفر الخروج.
7- نفس المصدر السابق.
8- نفس المصدر السابق.
ملاحظة:
مزربانة وتعني ولاية وقد بلغ عددها أيام حكم "احشويروش" /127/ مزربانة و تمتد من الهند إلى (كوش) الحبشة.
آخر العمالقة.




الفصل الثاني
ماهو العنف؟!... أليس هو الدافع إلى أن يبقى الأقوياء على الأرض...

الإرهاب الصهيوني..

آخر العمالقة.






المشهد الأول
ليلة مقتل العراف
المكان: الحجرة.. في بيت مردخاي -نلمح ثلاثة أشخاص حول المصطبة..
الإنارة : خافتة بالجوانب، وبقعة دائرية في الوسط على لمصطبة... تندّ من الخارج أصوات الرعد مصحوبة بوميض البرق وغزارة الأمطار..
هذه الحالة وبمصاحبة رتم موسيقي مخصص، تضفي على المكان رهبة وخوفاً...

مردخاي : (بصوت غير مستقر)... أهلاً.. أهلاً بكم أيها القباليون(1) في "شوشن" لقد دعونا إلى هذا الاجتماع العاجل... (واقفاً) ... الأمر خطير. رأيتُ من الواجب البتُّ فيه على عجل وقبل أن يدركنا الوقت فنهلك كما هلك أهلنا من قبل... (يتأمل الوجوه بقسوة وهو يدور حولهم ويحدق فيهم...)...
مردخاي : (متابعاً) إذا كان الفشل حليف من سبقنا إليه من أهلنا....
... (يتوقف قليلاً... ثم يتابع)... هذا لا يعني أنه حليفنا...
مردخاي : (بعد سكتة...) دانيال
دانيال : أمر سيدي؟!
مردخاي : دانيال... يارئيس قبالة بابل، ما أخبار أهلنا في "أور" البابلية؟!
دانيال : ليست بأحسن حال في عهد الملك (بلشاصر) من عهد أبيه "نبوخذ نصر".
مردخاي : كيف؟! ... ومعظم كهنة "أور" وكبار تجارها من اليهود؟
دانيال : كان ذلك قبل سقوط "نينوى" و"تل آب" و"تل شمش"(2) أنتم تعلمون تماماً مافعله تجارنا ونساؤنا وكهنتنا من مؤامرات ودسائس حتى سقطت هذه المزربانات واستولى عليها الأخمينيون الفرس.
مردخاي : (باعتداد) هذا قليل لا يفي قرباناً لرب آيل.. (يجلس) ... قربان الربُّ
دانيال: ومن يومها "بلشاصر" يلاحق تجارنا وأهلنا...
مردخاي : (لرئيس قبالة كنعان) ... وأنت يا رئيس قبالة كنعان... أقصد أرض كنعان؟!
عزرا : أمر سيدي..
مردخاي : ماذا عن أوضاع أهلنا في أرض كنعان؟!
عزرا : في أورشليم الشقية أم في حاصور أم في يريخو أم في السامرة(3)؟!..
مردخاي : أريد شرحاً لأوضاع كل واحدة؟!
عزرا : في أورشيلم يعاني أهلنا الويل والحرمان من قائدها العمليقي "بشلام" ومن سطوة جنودها القساة، ومن إذلال أهلها الكنعانيين لنا.
مردخاي : (بانفعال زائد)... وفرق الرعاع القتالية ماذا تفعل؟ لِمَ لَمْ تخرج من أوكارها الجبلية لتقاتل؟! أليست مستعدة للقتال؟!
عزرا : كعادتها تقوم بالإغارة ليلاً على أطراف أورشليم.. تدمر وتنهب وتقتل وتحرق المعابد وفي الحول الماضي أحرقنا معبد الإله شمش
مردخاي : وحاصورا الكنعانية؟!
عزرا : لا نصيب لنا فيها..
مردخاي : لم؟!

عزرا : حصونها منيعة وأهلها أشداء.. قتلوا وأسروا الكثير منا..
مردخاي : مسألة رد اعتبار...
أنسيتم كيف أحرقها خادم الرب يشوع بن ونون (بحقد) وسوف نحرقها ثانية وثالثة ورابعة لو استطعنا.. (لحظة صمت)...
مردخاي : أما عن السامرة وأهلنا فيها.. ماذا تقول يارئيس قبالة أرض كنعان؟!
عزرا : في السامرة الحياة لا تطاق، الذل والهوان مصير من يعيش فيها.. فهي خراب في خراب... حاولنا مراراً الاستقرار فيها ولم نستطع..
(يدخل العراف اليهودي مبللاً بمياه المطر.. ينهض الجميع لاستقباله ثم ينضم صامتاً... ويجلسون)..
مردخاي : لقد صدقت أيها العراف... فعلاً القوة بدل الضعف، ولن يكون الإنسان قوياً مالم يتمرد على ضعفه.. (ينهض مردخاي بثقل، ثم ينتقل بين الجماعة وهو يحدق فيهم الواحد تلو الآخر)...
ناراسين : (يخرج عن صمته بحذر)... إذن كيف السبيل إلى القوة ونحن في وضع لا يسمح لنا بالتحرك... هل نعلن التمرد؟!
مردخاي : في "شوشن" لاحاجة لذلك ياناراسين، فلنا فيها أساليبنا الخاصة..
ناراسين : لا أفهم ماترمي إليه ياسيدي؟!
مردخاي : وأنا أعرف ماتشعر به وماينتابك من أرق ياناراسين.. تذكر أننا حين نشعر بالخطر حولنا، نعرف تماماً كيف نتخلص منه.. (يرفع عقيرته ثم يسأل بصوت عال)..
أيها الأتباع.. ماهو العنف؟!... (الوجوه تحدق بغرابة في بعضها)...
أليس هو الدافع إلى أن يبقى الأقوياء على هذه الأرض...
(بشيء من الخبث)...
مامعنى أن يعيش الضعفاء على الأرض؟!... من منكم يستطيع أن يشم رائحة الموت؟! الجميع يهزون رؤوسهم بالإيجاب)...
أما الضعفاء فعاجزون.. أجل عاجزون.. أفهمت ياناراسين...
اسمعوا ماذا يقول الرب: (من يسفك من اليهود دم ضال يقدم قرباناً مرضياً)(4).
دانيال : (يسأل) سيدي مردخاي: لم تحدثنا عن أوضاع أهلنا في بلاد فارس؟!
مردخاي : في أحسن حال... وثقة الملك "احشويروش" بنا عمياء... رسخها الكهنة والتجار، وعززتها أموالنا التي ملأت خزائنه ومولت حروبه ونساءنا اللواتي عرفن كيف السبيل... لقد استطعنا انتزاع وعد منه يقضي بالعودة إلى أرض كنعان...
....(يتوقف قليلاً عن الكلام ثم يتابع بحذر)...
هذا لا ينفي وجود من يحاول التربص والإيقاع بنا والسعي وراء هلاكنا وأخشى أن يدركنا.. (فجأة يسكت ثم يجلس في مكانه)...
عزرا : (مستفسراً بدهشة).. وتخشى من ياسيدي؟!
مردخاي : هناك من يحاول جرنا وافتضاح أمرنا.. وأخشى أن يدركنا الوقت فنهلك...
عزرا : (واقفاً في مكانه).. ومن هذا الذي يسعى إلى هلاكنا؟!
مردخاي : (متنهداً.. يشير لعزرا بالجلوس)... إنه الحكيم أزدشير..

دانيال : (مصعوقاً) أزدشير..؟!
مردخاي : أجل.. أزدشير أصبح خطراً كبيراً علينا..
دانيال : (بنزق) كيف ، وأين يكمن خطره؟!
مردخاي : عيونه ترصدنا بالخفاء.. والدلائل التي في حوزته كافية لتقودنا إلى الهلاك..
عزرا : (يسأل) هل هذا مجرد افتراض ياسيدي؟!
مردخاي : بل الحقيقة يارئيس قبالة أرض كنعان.. العراف ياساده...
(يسكت ثم ينهض واقفاً في مكانه ثم يجلس...) العراف أيها الساده...
دانيال : (بغرابة)... مابه ياسيدي...؟!
مردخاي : العراف ميشخ... أمره مكشوف للحكيم أزدشير...
عزرا : سيدي؟!
مردخاي : أجل أيها القباليون... أزدشير شك به واتهمه بعلومه ونعته بابن السبي بل حاول الإيقاع بي... (يستوى واقفاً مرة ثانية ويتابع حديثه بهدوء تام...).. مارأيك ياناراسين فيما قلته...؟!

ناراسين : وأنا أشهد على ذلك ياسيدي...
(يلتفت ناراسين إلى دانيال وعزرا)...
يومها كنا جميعاً أنا وسيدي مردخاي وسيدي ميشخ في صحن المعبد المكان الذي نخطط فيه مانريد فعله (ينظر إلى مردخاي بارتباك)..
مردخاي : (متابعاً) إنه المكان المناسب لعملنا وأسرارنا.. (لناراسين) أكمل ياناراسين..
ناراسين : (يكلم مردخاي) أتذكر ياسيدي كيف فاجأنا الحكيم أزدشير بحضوره؟!
في تلك اللحظة فقط عرفت أن الحكيم "أزدشير" يعرف الكثير عن العراف لقد حضر "أزدشير" على غير عادته وبمفرده.. لماذا؟!
مردخاي : (يهز رأسه)... أنت رائع ياناراسين؟!
ناراسين : (متابعاً)... أظنه ياساده يعرف الكثير عن العراف وعن...
مردخاي : (مقاطعاً).. وهذا ما أخشاه ياناراسين؟!.. والطامة الكبرى أن عاد هامان العمليقي وأخبره الحكيم أزدشير بالحقيقة...
دانيال : (بعصبية) و.. ما العمل ياسادة؟!

عزرا : (بعفوية الخائف) نتخلص منه.. نقتله قبل أن يقتلنا؟!
ناراسين: (كالملسوع)... نقتله.. نقتله بهذه السهولة؟!
عزرا : (بعنف) لقد قتلنا الكثير قبله...
(أثناء الحوار نلاحظ العراف شارداً لا يعبأ بمن حوله، وحالة من القلق تسيطر عليه...)..
مردخاي : (للعراف) لم أسمع رأي العراف ميشخ... عراف "شوشن"..
الأعرج : (صامت لا يرد)..
دانيال : لعل أمراً ما.. يشغل عقل سيدي ميشخ؟!
عزرا : (واقفاً يهز كتف العراف)... مايقلق عراف "شوشن"؟‍!
الأعرج : (ينتبه فجأة)...لا ... لاشيء...
مردخاي :منذ دخولك الحجرة وأنت واجم، شارد اللب، معكر المزاج؟!
هل هناك أمر تخفيه عنا؟!
الأعرج : (يرتجف قليلاً ثم يخمد...ا....ا....) الليلة سأكون في حضرة الملكة "وشتي" و معي النبوءة الكاملة لطالع النجم الكبير...
(ينهض متوتراً... يرتجف قليلاً.. يتحرك جيئة وذهاباً... يرسم بعض الحركات غير المتوازنة...)..
الأعرج: (يتابع) والليلة أيضاً أنا والحكيم أزدشير وجهاً لوجه في مجلس الأعيان وأمامهم وبحضور الملكة...
(متنهداً) حقاً.. إنها ليلة صاخبة وعظيمة...
(فجأة تسود الوجوه حالة من الارتباك والفزع والضغط النفسي.. تبدو الوجوه كأنها محاصرة ومضغوطة وهي تستمع إلى العراف...).
الأعرج : (مكملاً بارتياب).. فترات قليلة تفصل بين الأسود والأبيض.. أكون أو لا أكون... وأعلم تماماً أني لن أكون، وهذا ليس مهماً..
(للاتباع) أشيروا علي ماذا أفعل؟‍!
المهلة التي حددتها الملكة لأفضي إليها بآخر الأخبار.. عن الحرب.. عن الملك.. عن الحصار.. شرط اليقين والصحة.. تنقضي هذه الليلة بعد منتصفها...
مردخاي : (بهدوء).. هذا عملك وعليك القيام به..
الأعرج : أن تفسير طوالع النجوم يقوم على التبصير والتنجيم، لا على اليقين والصحة. و الملكة "وشتي" مصرة تريد اليقين لا التنجيم...؟!
(يزداد التوتر على الوجوه المضغوطة وهي تراقب الأعرج)...
أقسمت أن تصلبني على أحد الأبواب في "شوشن" أن أخفقت نبوءتي (لنفسه)... أكون أو لا أكون.. المهم نبوءة هذا النجم؟!
مردخاي : (بحذر) نبوءة هذا النجم مثل أية نبوءة أخرى؟!
ناراسين : (بقلق زائد)... ماذا تقصد ياسيدي العراف....؟!
الأعرج : لو تحققت نبوءة هذا النجم وصدقت (يتوقف عن الكلام ويرسم حركات بالهواء...).
مردخاي : (مستاء ومنفعلاً).. ماذا تريد أن تقول؟!
- بعد سكتة- ...
الأعرج : اسمعوا أيها القباليون: لو تحققت نبوءة هذا النجم وصدقت.. سوف تحل بنا جميعاً أبناء السبي كارثة... لن ننهض بعدها وإلى الأبد..
(تزداد الوجوه انضغاطاً وتوتراً ترصد الملامح وتزيد في شحوبها)...
الأعرج : (متابعاً)... أشيروا علي ماذا أفعل؟!

عزرا : (مصعوقاً).. بماذا نشير عليك ونحن نغوص في متاهات كلامك وأسرار نجمك؟!
دانيال : هل أنت تهذي ياسيدي؟.... (تسود فترة صمت مشوبة بالقلق والخوف)...
مردخاي : (بهدوء قلق) وطالع نجمك هذا ماذا يقول أيها العراف؟!
الأعرج : (يسترسل بغير اتزان)...
الغيمة السوداء العظيمة التي حجبت النجم الكبير ثم تلاشى بعدها النجم.. هذه الحالة تؤكد موت الملك احشويروش...
أما الشهب التي تساقطت بعد تلاشي الغيمة... تعني هزيمة الجيوش الفارسية أمام البابلية...
أما الشهاب المضاء والصاعد.. فهو النذير بعودة هامان سريعاً واقتناص الحكم...
(الجميع وقوفاً.. العيون ترصد بعضها تتفق فيما بينها.. البرق والرعد يضفيان رهبة زائدة...)..
مردخاي : (بفزع هائل) ما.. ما.. ماذا قلت؟!... ماذا قلت أيها العراف؟!
العراف : حقيقة النبوءة التي فسّرت طالع النجم الكبير....؟!
(مردخاي كالمصعوق.. مشغول ينظر إلى الأتباع برهبة وقلق...يكلم نفسه...)..
مردخاي : أي حقيقة هذه؟! إنه الخراب القادم أيها العراف؟!
كارثة لو انتصر البابليين ومات الملك؟!
"نبوخذ نصر" مات والبعث لم يقم بعد.. (يرفع صوته).. كانت نبوءة ولم تتحقق...
أنعود إلى البداية.. زمن الضلالات والضياع والتشتت.
الأعرج : (بهستريا) "نبوخذ نصر مات"، "نبوخذ نصر مات" نبوخذ نصر مات؟!
(يبكي بحرقة)..
اقتلوني.. أقتلوني أيها الأتباع... ماذا أقول؟! هو ذا طالع نجمي؟! ماذا أفعل...؟!
ناراسين : (بفظاعة) ... ياويلنا... ياويلنا لو صح طالع نجمك ومات الملك؟!



لوحة
(الأعرج يدخل في حالة عدم اتزان يبدأ بالدوران حول نفسه تارة ثم ينقبض تارة أخرى... تارة يكرر نبوخذ نصر مات وتارة يردد مات الملك.. وعلى فترات... بينما مردخاي يحدق في أتباعه فينهضون جميعاً ويبدأون بالدوران البطيء حول العراف)..
- بعد هذه اللوحة... يقترب مردخاي من العراف يثبته ويمنعه من الدوران حتى ينهي حديثه.. بينما الجماعة تتابع دورانها حولهم.
مردخاي : (بحنان) ميشخ أيها العراف..
الأعرج : (ببكائية) ... أرجوك ياسيدي نادني باسمي ميشائيل... (يكرر) ميشائيل مرة واحدة أريد أن أسمعه...
مردخاي : اسمع ميشائيل... (العراف يبتسم ببرود...)... الملكة وشتي تريد اليقين... أليس كذلك؟!
الأعرج : نعم...
مردخاي : وطالع نجمك قد يغدر بك أمامها..
الأعرج : (يهز رأسه) نعم...
مردخاي : وقد أقسمت على صلبك على أحد أبواب "شوشن"...
الأعرج : إنها ملكة مجنونة...
(يدور حول نفسه بسرعة ثم يتوقف ثم يدور... وهو يردد... نبوخذ نصر... مات...)..
الأعرج العمالقةبهذيان ) هم يريدون قتلي.. سواء أكان طالعي تبصيراً أم يقيناً.. وأنتم... (يشير إلى جماعته) ... وأنتم أيضاً تريدون قتلي... أعرف ذلك...
(تتوقف المجموعة عن الدوران، ثم ينتقل العراف بينهم يحاورهم... بتهالك)..
قبل قتلي... اقتلوا أزدشير... إنه البلاء الذي أفشى سري... أزدشير اللعنة القادمة لهلاكنا...
قبل قتلي.. بشَّروا بقتل هامان.. حتى أموت مرتاحاً...
(يلتفت إلى مردخاي يريد الاتجاه إليه تمنعه الأيدي المتشابكة حوله...)
حتى أنت يامردخاي.. أيها التاجر المجوسي المشكوك بأصله.. أزدشير الحكيم... قال عنك ذلك... بل ويعرف الكثير عنك يامردخاي...

مردخاي : (يصرخ) أنا سيدك... قل سيدي أيها العرّاف...
الأعرج : (يرتجف يشير بأصبعه)... اقتله يامردخاي.. اقتل أزدشير بسرعة.. الوقت قصير...
(يتقدم مردخاي باتجاه العراف، يدخل دائرة القتل... يبدأ الاتباع بالدوران ويبدأ طقس القتل....).
مردخاي : (ممسكاً بلحية العراف).. لكي نتخلص من الحكيم أزدشير... (يحز خنجره على رقبة العراف)...
الأعرج : (يصرخ) بيدي لا بيدك يامردخاي...
(يستل خنجره من خصره.. يحاول قتل نفسه.. يمسكه الأتباع ويجردوه من سلاحه...).
مردخاي : نحن من يقرر قتلك.. أنت ميشائيل العظيم الذي حاك أكبر المؤامرات والدسائس في البلاد البابلية والأخمينية، (يرفع عن رأس العراف قبعته ويتابع حديثه ببروده وحنان مصطنع...)...
مردخاي : أنت ميشائيل العظيم الذي نفذ بأمانة أوامر القبالة اليهودية..
(يغمد خنجره في بطن العراف، ومن ثم تقوم الجماعة بطعن العراف حتى يقع أرضاً مضجراً بدمائه.. ثم تحمل جثة العراف، وتوضع فوق المصطبة.. ثم يقوم مردخاي بشق رسغ العراف ويملأ طاسة فخارية من دمه النازف يشرب منه ثم يشرب خلفه الأتباع...).
مردخاي : (وهو يعيد خنجره الملوث بدماء العراف).. في موتك سلامة لشعبك... في موتك نضمن صمتك عن طالع نجمك.. حتى لا تسمعه الملكة ويعلم به أفراد الشعب.. فيدب الفزع وتعم البلاد الفوضى وتزداد النقمة علينا ودمك نهبه قرباناً للرب...






المشهد الثاني
كذب المنجمون ولو صدقوا

المكان: المشهد السابق
"جثة العراف فوق المصطبة، مغطاة بوشاح أحمر بينما وقف الرجال الثلاثة على سوية واحدة وقد ارتدوا السواد"..

- يدخل أحد الخصيان..
الخصي : سيدي.. وصل رسول قبالة بابل
(الجميع بفزع والعيون تراقب بعضها)
مردخاي : دعه يدخل.. (يحدث نفسه) ... كارثة لو صدقت نبوءة العراف
(يدخل الرسول)
مردخاي : ماوراءك من أخبار أيها الرسول؟!
الرسول : خبر سار تزفه جماعة القبالة في بابل مهنئين أهلنا والشعوب الأخمينية
(يزداد الصخب).
مردخاي : (بغبطة) ما.. ماذا تقول؟!
الرسول : أخيراً هزم البابليون وإلى الأبد
(الوجوه وقد انفرجت أخاديدها تكاد لا تصدق.. تقفز في الهواء تصرخ فرحة.. تتعانق...).
الرسول : (متابعاً)... كان الحصار مخيفاً.. استطاع هامان فكه وأنقذ حياة الملك ومن معه.. وهو الآن يواصل زحفه نحو بابل و"أور الكلدان"...
مردخاي : (مقاطعاً) ... هل هناك ماتحب أن تزودنا به قبل انصرافك؟؟!
الرسول : القبالة البابلية ترغب بأخبار القصر الملكي كأول من يزف الخبر... كما وتوصي القبالة إقامة الأفراح..
مردخاي : (عابساً) هذا شأننا.. عليك بالسكوت والانصراف يارسول قبالة بابل
(الرسول يخرج)
(ينظر إلى جثة العراف بنشوة) لقد كذب نجمك أيها العراف فقتلك طالعه..
(مردخاي مطرقاً يفكر.. فجأة)..
(ينادي ناراسين.. عزرا.. احملا جثة العراف وارمياها في ساحة المعبد..
ناراسين : سيدي؟!
مردخاي : (يلقنه كذباً) لقد قتله "أزدشير" وأنت من رأى كيف قتل بقسوة ولماذا قتل يا ناراسين أليس كذلك...؟!
ناراسين : (متلعثماً) أ...عرف... أعرف أنه قتل ولكن لا أعرف لماذا؟!
مردخاي : (يلقنه كذباً) أزدشير قتله بقسوة.. أغمد خنجره مرات ومرات حتى يروي غليل حقده... مات العراف ولكن نبوءته باقية ولم تمت.. أراد أخبار القصر بطالع نجمه صحة ويقيناً.. لقد انتصرت الجيوش الملكية على البابليين، والأيام القليلة القادمة قد تحمل خبر الانتصار العظيم.. وعودة الملك ظافراً... سليماً.. معافى.. هل فهمت ياناراسين؟!
ناراسين : (يهز رأسه) مفهوم يا سيدي...
مرخاي : (متابعاً) وأنت في حضرة الملكة (وشتي) لا تنسَ المناحة والبكاء على فقيدنا الغالي وتعظيم أفعاله وحسن سلوكه... (يلتفت إلى دانيال).. أما أنت يادانيال احتل على شكلك وبدل في ملامحه، واتجه فوراً إلى الحكيم أزدشير وأخبره بنبأ الانتصار العظيم ثم اختفِ ونتنكّر ثانية ثم اظهر في السوق مع عزرا..
(للجميع..).. مفهوم.. (يهزون رؤوسهم)...
- بعد سكتة قصيرة
اسمع يا عزرا بعد رمي جثة العراف في المعبد، أضرم النار فيها وفي المعبد، ثم اتجه إلى سوق المدينة مع أتباعنا وانشروا نبأ مصرع العراف على يد الحكيم "أزدشير"... كيف قتله وكيف أحرق جثته وكيف أحرق المعبد...ولماذا؟‍
عزرا : (يكرر باسترسال حزين مصطنع)... أغمد خنجره مرات ومرات، حتى يروي غليله ويطفئ نار حقده... انتزعَ منه السر العظيم... نبأ انتصار الجيوش الملكية على البابليين ثم أحرق المعبد لإخفاء جريمته...
(الجميع يخرجون بالتتالي وهم يرددون أغمد خنجره مرات ومرات.. الخ)..
"حل إخراجي"
اللوحات الآتية، يفترض أن تكون موزعة على مستويات مختلفة ومتدرجة بالظهور وضمن بقع ضوئية)..
لوحة (1)... رجلان من (المارة)
رجل (1) :هل سمعت آخر الأخبار...؟‍!
رجل (2) : (يهمس) لا ترفع صوتك.. نعم سمعت.. أزدشير الحكيم قتل العراف وأحرق جثته..
رجل (1) : وأحرق المعبد أيضاً..
رجل (2) : هل تعرف السبب..
رجل (1) :لا...؟! ولا أريد أن أعرف... (بانفعال)...
رجل (2) : إذن تعرف..
رجل (1) : أتصدق أنت؟!
رجل (2) : بل أشك...
رجل (1) : مؤامرة.. حاكها أبناء السبي...
رجل (2) : لا ترفع صوتك...؟!

لوحة (2) دانيال وعزرا في سوق "شوشن"
وحولهم جماعة من الناس
دانيال : (باسترسال) قتله بقسوة.. أغمد خنجره مرات ومرات حتى يروي غليله ويطفئ نار حقده؟!
عزرا : مات عراف "شوشن" ... مات ولكن نبوءته لم تمت... سيعود الملك ظافراً سليماً معافى... يوم أو يومان وتصل الأخبار.. الملك مكلل بالانتصار.
لوحة (3)... أصوات تتعالى، تهتف بحياة الملك المنتصر ووزيره هامان..

لوحة (4)... في سوق "شوشن"..
رجل (3) : آخر الأخبار.... آخر الأخبار.... أزدشير الحكيم... لن يدافع عن نفسه كل الأدلة ضده... آخر الأخبار.... آخر الأخبار....(يكرر)..

لوحة (5) أزدشير مصلوباً يحتضر
من عمق المنصة في أعلى زاوية يظهر الحكيم أزدشير مصلوباً يحتضر الضمير الغائب لشخص أزدشير يتجول أمام المنصة على شاكلة طيف، يحاور أزدشير المصلوب.
الطيف : قتلوك.. يخافون من حركة اللسان.. وحركة اللسان لها إيقاع مخيف... قتلوك يا صوتاً في داخلنا... فقد صرخت بهم، إن الحقيقة لا تموت والحكمة لا تموت.... والعدل لا يموت...

- إظلام-





المشهد الثالث
المؤامرة

الزمن: بعد ثلاث سنوات من الانتصار الكبير.
المكان: القصر الملكي مخدع الملكة "وشتي"
"الملكة على فراشها الوثير، ومن حولها الوصيفات... يدخل أحد الخصيان"

الخصي : (ينحني) مولاتي كبير الخدم في الباب...
(واقفة تشير للوصيفات أن يخرجن)
وشتي : دعه يدخل... (فترة... ويدخل مردخاي بحلته الجديدة وقد تغيرّ بعض ملامحه ولباسه زاده ثراء)...
مردخاي : (ينحني)...
وشتي : ماوراءك ياكبير الخدم؟!
مردخاي : (بحزن ورّقة صوت)... لاشيء يامولاتي..
وشتي : لم أعتد على استقبال أحد في مخدعي إلا لأمر هام..
مردخاي : سنوات ثلاث مضت وأنا أعمل بتفاني في القصر، وفي خدمة مولاتي
(ينحني ثم يتابع حديثه)..
ومن يومها وأنا أكتم الكثير من الأسرار والأخبار، ومايحدث في الليل والنهار من أمور وخفايا، وأنقلها أول بأول لمولاتي... (بخبث).. ومع ذلك هناك أمور تحدث وأخفيها عن مولاتي، خوفاً من بطش أصحابها لي...
(يتوقف عن الكلام.. يستدير نصف استدارة)...
وشتي : (قلقة) ماتريد قوله يامردخاي؟!
مردخاي : هناك أمور تحدث بالخفاء ولا يمكن السكوت عنها... (يتودّد لها).. أنت مليكتي وأنت من صنع هيبتي ورفع من مكانتي وزاد وقاري، وأعطاني اليد الطولى في القصر... ومن وجودك أستمد قوتي، وأخاف أن أفقدها يوماً.
وشتي : (بعصبية) أنا قادرة على حمايتك يامردخاي.. هذا وعد إذا كان الصواب فيما تقوله.
مردخاي : وكلامي يخصك يامولاتي...
وشتي : (في حيرة ‎) يخصني؟!
مردخاي : (في دهاء).. ينبغي أن يزداد المرء صلابة، كلما ازداد التهديد الذي يتعرض له، وأن يجابه القدر دون أن يفكر بالعواقب...
وشتي : بت لا أفهمك يامردخاي؟! بدأت تثير أعصابي... (بانفعال)...
مردخاي : (ببرودة مصطنعة)... لا... يامولاتي.. أرجوك ألاَّ تنفعلي واذكري أن مزيداً من الهدوء له القدرة على حل أكبر المعضلات...
وشتي : (وقد نفذ صبرها)... أسمع، لم أعد أحتمل هذا الغمز في الكلام..قل حاجتك.. وإلا...؟!
مردخاي : خففي من حدة هذا الغضب، واعلمي أن زوجك يعمل بنصيحة هامان.. وقد علمت أن هامان، استطاع أخيراً إقناع الملك بالزواج.
وشتي : (مصعوقة) الملك يريد الزواج؟! لماذا؟!
مردخاي : أجل يامولاتي.. الملك يرغب في ولد يرثه، (بخبث) قال هامان..
(يتوقف عن الحديث متصنعاً الحزن، مطأطئ
الرأس)..
وشتي: (بنفور وانفعال) و... وماذا قال الملعون هامان أيضاً؟!
مردخاي : (بوقاحة)... قال هامان أنت عاقر يامولاتي.. وجمالك لا يليق بمكانة الملكة (الملكة "وشتي" تنهار على فراشها وتجهش بالبكاء بينما وقف مردخاي ينظر إليها بعيون ثعلبية).
مردخاي : (متابعاً).. قلت في نفسي كيف تسكت يامردخاي عن مثل هذا والملك يريد الزواج من فتاة تشاركه الملك وترث العرش بدل مولاتي... كيف ولماذا لا أقول لها الحقيقة؟!
(يتقدم منها، يركع إلى جانب الفراش، يواسيها كذباً)..
أنت أيتها الملكة العظيمة.. يامن أفنيت عمرك ودفنت سعادتك في خدمة الملك العجوز وتفانيت في خدمة الشعب.. دافعت عن الحكم وكنت السند العظيم للملك في غيابه... حتى هابك الأمراء والمرازبة في المزربانات جميعاً..
وشتي : (تصرخ متذمرة) أنا عاقر ولست جميلة... ياويلك ياهامان... أيها اللعنة المزيفة بثياب حرباء... سأعرف كيف أنال منك... سوف أرميك عظماً للكلاب القذرة...
مردخاي : (بخبث متابعاً) عجلي يامولاتي.. وبأسرع وقت
(بعد سكتة طويلة.. تنهض الملكة وتتجه إلى نافذة شرفتها بعصبية زائدة...).
وشتي : وماذا علمت أيضاً يامردخاي؟!
مردخاي : اتفقوا على موعد..
وشتي : (بلهفة الخائف)... هل تعرف اليوم؟!... (مردخاي يهز رأسه بالنفي)..
ألا يخاف أن يخونني؟! هل يعتقد أني سأسكت على هذه الإهانة؟!
(لنفسها تتوعد)..فلتبدأ منذ الآن في خشيتي أيها الزوج الضعيف...
(مردخاي يراقب تصرفاتها وحركات انفعالها)..
إذا كان قد كف عن حبي، فسوف يرى هذا الخائن، إلى أي حد من الفظاعة يمكن أن تصل ثورة غضبي.
مردخاي : (يزيد في ثورتها)... هناك ملك وخلفه وزيره القوي... يجب أن تخافيه؟!
(يحدث نفسه بمكر وخبث)..
إن الحماسة القوية في قلب شديد الحساسية، تجعل كل شيء ممكناً في ساعة الغضب؟! - بعد سكنة مضطربة-... الملكة تفاجئ مردخاي بقرارها الأخير والمفاجئ-
وشتي : اسمع مردخاي.. أريد الاعتماد عليك..
مردخاي : إني اتبعك في خضوع تام..
وشتي : (بانفعال) أنا الوريثة الوحيدة للعرش فيما لو مات الملك..
مردخاي : ( باضطراب).. ما.. مات... من؟! ماذا قلت يامولاتي...؟!
وشتي : (بحقد) سوف أقتل زوجي..
مردخاي : (بخوف) مولاتي!! إن ماتفعلينه ينطوي على خطر أكيد..
وشتي : ماذا تقصد؟!
مردخاي : هامان.. موت الملك لا يفيد مادام "هامان" الرأس المدبر حياً يرزق..
وشتي : لم يعد قتل "هامان" يفي الآن.. أنا أنثى يامردخاي.. وأعرف شعور الأنثى وكيد الرجال...
مردخاي : (باضطراب زائد) مولاتي...؟!
وشتي: انتهى الأمر..
مردخاي : (لنفسه بهمس مسموع).. يبدو أن الغيرة قوية...؟! وفي كل الأحوال صادرة عن غاية مشروعة.. لأحاول مرة أخرى أن أبعدها عن هذا الهاجس...
مولاتي... أرجو أن تعدلي عن... (تقاطعه)
وشتي : انتهى الأمر.. ولاتحاول إقناعي.. اسمع: لقد وعدتني بأن اعتمد عليك وأنا أعدك أيضاً أن تكون مستشاري الأول في المملكة والأمين على أسرارها..
مردخاي : (بارتباك)... (يحاول تغيير الحديث).. في صباح الغد، يقام الاحتفال السنوي الثالث بذكرى النصر على البابليين... (الملكة تبتعد دون أن تعير أي اهتمام لما يقوله مردخاي)...
مردخاي : (متابعاً) مولاي الملك، طلب مني إخبارك بالاستعداد لهذه المناسبة خير استعداد، أن تتزيني وتظهري من جمالك وفتنتك مايثير الدهشة ويربك النظر (ينسحب خارجاً.. بينما وشتي غارقة في تفكير عميق)...






المشهد الرابع
الاستعداد للقتل

المكان: مخدع الملكة "وشتي"
الوقت: ليل.. والظلمة تسود المكان
(الملكة مع اثنين من حرسها الشخصي بفتان وترش(5)...)

وشتي : الليلة كل شيء جاهز.. كبير الخدم سوف يعمل على تسهيل المهمة الموكلة لكم...
بغتان : (مدهوشاً) كبير الخدم مردخاي.. لا أصدق يامولاتي..؟1 فهو أقرب إلى الملك من جلالتك... في الأيام الأخيرة الماضية لم يبرح مخدع مولاي الملك.
ترش : لا تنسي يامولاتي أن أكثر جواري الملك وخدمه من أهل السبي...؟!
وشتي : (تبدد مخاوفهما) لا عليكما.. مردخاي أكثر أتباعي إخلاصاً ومودة، ومن مصلحته أن يكون معنا.. (تغير مجرى الحديث)... اسمع "بغتان": وأنت يا "ترش".. اسمعا جيداً... طعام المساء على الطاولة في حجرة الملك.. عليك يا "بغتان" أن تكون حذراً للغاية وأنت تضع رأس الوعل المذبوح والمحروق أمام الملك لأن أحد قرنيه هو الخنجر المسموم.. أما أنت يا "ترش" قف خلف الملك تماماً و عند الانقضاض ثبته من كتفيه بقوة، حتى يسهل على "بغتان" طعنه..
(أثناء ذلك يدخل مردخاي بهو المخدع المظلم وهو يتلمس طريقه بحذر)..
مردخاي : (بهمس مسموع).. مولاتي... مولاتي...؟!
وشتي : (تفاجئه)... بالقرب منك.. لقد تأخرت..
مردخاي : ها.. (يأخذ نفساً طويلاً....) سبب تأخري هو أنت...
وشتي : (بدهشة) أنا..؟!..
مردخاي : أجل أنت.. لم لم تحضري الاحتفال؟!.. الملك ناقم عليك بشدة..
وشتي : (تقاطه وتكلم الحارسان).. اذهبا علىالفور واستعدا... سنوافيكم في الوقت المحدد..
(يخرجان).
وشتي : كيف كان الاحتفال يامردخاي؟! (تستدير بلا مبالاة)..
مردخاي : أجمل وأبهج احتفالٍ رأته عيناي..
وشتي : (تسخر) وهل كانت هناك نساء حسناوات رائعات..
مردخاي : أزواج الأمراء وبناتهم ذوات الجمال الرائع.. (مجاملاً).. لكن عيني لم تريا أجمل من حسن مولاتي.. (يستذكر بخبث)... ها.. لكن الذي لفت نظري تلك الفتاة الصغيرة الساحرة التي وقفت بين الوزير "هامان" ومولاي الملك وألهبت العقول؟!
وشتي : من تكون هذه الفتاة؟!
مردخاي : (في مكر) يقولون أنها من أهل السبي..
وشتي : (في دهاء) هل هي قريبة أم صنيعة لك؟!
مردخاي : (بتلعثم) و.. ما.. من قال هذا؟! مولاتي.. لماذا؟!
وشتي : (تبتسم بحذر).. مجرد تخمين ياكبير الخدم.. قل لي.. أهي جميلة أكثر مني؟!
مردخاي : (يبدي انزعاجاً كاذباً).. ليس هذا وقت السؤال؟! الملك يامولاتي ناقم عليك بشدة قد أقسم أمام الأعيان أن يثأر لتلك الإهانة؟!
وشتي : (حاقدة) كل شيء انتهى.. أما أنا وأما الملك.... المملكة لم تعد تتسع لكلينا.. (بجدية)... قل لي: هل أحكمت خطتك جيداً؟!
مردخاي : ضبطت كل شيء وبدقة وبقي التنفيذ... الحارسان "بفتان وترش" سيكونان في حجرة الملك الليلة وسوف يفرشان الطعام للملك..
وشتي : وحدهما؟!
مردخاي : بعد إبعاد بقية الخدم عن المخدع:
وشتي : إذن.. كل شيء جاهز.. (باعتداد) ما أن يقتل الملك وتتأكد تماماً من موته.. اقتل الحارسين فوراً.. ثم أنت وخدمك وحرسك املؤوا القصر صراخاً.. ثم أعلن أمام الحاشية الملكية، أن الملك قتل غيلة.. والذي قتله رجل يشبه جسم ولباس هامان الوزير.. واترك الباقي لي..
-بعد لحظة صمت-... تشير لمردخاي بالانصراف فيخرج سريعاً...
وشتي : (تكلم نفسها).. بتُّ أخاف هذا الـ (تقطع كلامها).. ترى هل مردخاي صادق النوايا؟!
- إظلام-





المشهد الخامس

المكان: البهو المؤدي إلى مخدع الملك
(يظهر الملك وبرفقته وزيره هامان وبعض أفراد الحاشية
-ثمة حوار يدور بين هامان والملك عند باب الحجرة
-الحاشية تودع مليكها بالانحناء والابتعاد..
.. الحارسان بغتان وترش عند الباب)

الملك : أفعل ما أمرت به يا هامان
هامان : (يتوسل) امنح الملكة فرصة تدافع بها عن نفسها يا مولاي.. لا بد من سوء طالع عطل حضورها.
الملك : (مؤكداً) افعل ما أمرت به يا هامان.. غداً عند الفجر وفي الساحة الملكية وأمام الحاشية والأشراف وكبار التجار، ووجهاء الرعية.. اتل أمامهم أمري ممهمورا بخاتمي بعزل الملكة وتجريدها من اللقب، وأفقأ عينيها، وأنفها إلى أبعد المزربانات.
هامان : (متردداً) لكن؟
الملك : (بانفعال) ماذا تريد أن تقول يا وزير؟
هامان : (بتودد) مولاتي الملكة لم يسبق لها قبل ذلك أن رفضت طلباً بل كانت حريصة أشد الحرص على راحتك.
الملك : (بانفعال) وهل تعرف الملكة أكثر مني.
هامان : (وقد بدا محرجاً).. لا.. هل يأذن مولاي لي بالانصراف.
الملك : لك ما تريد يا وزير البلاد.. أريد صحوة مبكرة وكل شيء جاهز.
هامان : أمر مولاي مطاع.. (يبتعد بحزن وبخطا ثقيلة، في حين وقف الملك يراقبه، وفجأة يظهر مردخاي وقد بدا شديد الارتباك.. يقترب من الملك، يهمس إليه، ثم يبتعدان إلى ركن بعيد عن الحراس..)
الملك : (مصعوقاً).. هـ.. هكذا إذاً؟ الملكة تريد قتلي
(يفكر قليلاً ثم ينظر خلسة إلى الحارسين.. ينتفض في مكانه..)
إذا تأكد لي ذلك سيكون لك شأن عظيم يا مردخاي.. أما لو
(يقاطعه)..
مردخاي : وهل تشك بإخلاصي يامولاي؟ لقد ضبطت كل شيء، وأعددت خطة محكمة كافية لحمايتك من القتل والإيقاع بالفاعلين، وسوف ترى مدى وفائي وإخلاصي.
الملك : (بخوف) كيف..؟ قدماي لم تعد قادرتا على حملي؟
مردخاي : (مهدئا) مولاي.. أتخاف وأنت الملك.. إتجه الآن إلى حجرتك لتتناول طعام المساء، وبشكل طبيعي.
الملك : (مرتاعاً) قد يقتلوني؟
مردخاي : لن يصلوا إليك إلا وهم جثث نتنة ملقاة على الأرض.
(يبتعد مردخاي وهو ينحني في حين الملك يتجه إلى الحجرة بخطى حذرة وقد بدا شاحب الوجه قلقاً، فيما عيناه كانتا تختلسان النظر إلى الحارسين..)
اظلام




المشهد السادس
بعد خمس سنوات

-المكان: حجرة ما في القصر الملكي
-مردخاي والملكة الفاتنة أستير

مردخاي : قد تحقق حلمك وأصبحت ملكة على طول البلاد وعرضها.. خمس سنوات مضت كأنها يوم أمس..
الملكة : (في وله).. بل تحقق حلمنا معاً.. أنت الآن وزير بيت المال.
مردخاي : (باسترسال حزين).. وحلمنا يا استير.. حلمنا الكبير.. متى؟
الملكة : قريباً يا عماه.
مردخاي : الآن وأنت الملكة.. حان الوقت لكي يكون لك شأن عظيم يا (هداسا).. (في صرامة).. اعلمي يا هداساً(6) جهنم هي أرض موحلة فاسدة لا فرح فيها ولا سرور بل بكاء وظلام" واعلمي أيضاً.. "الجنة اللذيذة لا يدخلها إلا اليهود"..(7).
(مردخاي يزيد في الموعظة التلمودية بينما الملكة تجلس خاشعة بين يدي مردخاي).
مردخاي : "الإسرائيلي إذا كان صالحاً- يجب عليه أن يعمل بلا هوادة في أن ينبذ المتسلطين من غير اليهود.. لأن السلطة على الشعوب غير اليهودية هي من نصيب اليهود.. وفي كل مكان يدخله اليهود يجب أن يكونوا هم المتسلطين..)(8).
(يمسح شعرها بيده، بينما هي تمسح دموعها التي انسابت على خديها..)
مردخاي : (متابعاً) أرجو أن تتابعي مع زوجك الموعظة التلمودية.
الملكة : (بحنان) أنت معلمي وأنت من رعاني وأوصلني إلى هذه السدة، أعلم يا عماه أني سأكون طوعاً لشعبي وسأبذل كل جهدي لتحقيق حلمنا.
-بعد لحظة توقف.
الملكة : (متابعة بدلال) لم تقل لي كيف رأيت زوجي العجوز يا عماه؟
مردخاي : شديد الغباء..
الملكة : (بغيرة كاذبة) عماه.. إنه زوجي.
مردخاي : (مصراً) ومع ذلك غبي.. أجل لا تزعلي.. فهو سميك العقل في تلقيه لعلوم ديننا(8)
الملكة : وما الحل؟
مردخاي : أحاول جاهداً الإسراع في تهويده.. لا تقلقي.. (تدخل إحدى الوصيفات)
الوصيفة : مولاتي.. قد أعددت الأساور والحلي.. مولاي الملك بعث إلى جلالتك بقلادة عشتار (تقدمها وهي تنحني راكعة).
الملكة : (تتلقفها بسرعة) يا له من ملك رقيق.
مردخاي : (ساخراً) وكريم رغم غبائه.
الملكة : (ترمق الوصيفة بنظرة إذلال) هيا.. انصرفي
(تخرج الوصيفة)
الملكة : (ضاحكة).. رفعنا الرب إلى السماء.. فلا أقل من أن يرفعنا إلى العرش (يضحكان.. يلج الملك القاعة بردائه الأبيض الفضفاض موشحا بخيوط الذهب، ويعلو رأسه تاج تعلوه رأس لبوة تهرع إليه الملكة وتأخذ بيده في راحتيها، ثم تضم ثوبها الهفهاف حوله..)
الملكة : (في وله ودلع).. مولاي.. حبيبي..
(يجلسان على أريكة وثيرة، ما تلبث الملكة أن تضع رأسها على ركبتي الملك.. بينما مردخاي يراقب ذلك مسروراً)..
الملك : (في وله شديد).. فتاتي الصغيرة.. أملي ونور عيني.. ما بك؟
الملكة : أشعر في ضيق.. يعكر مزاجي ويثير غضبي.
الملك : له.. له.. ليس هذا وقت غضب.. وما الذي يغضبك حتى أقتلعه من جذوره؟
الملكة : أحياناً.. الوحدة والفراغ.. الفراغ الذي يأخذك مني ويجعلني وحيدة..
الملك : (يتوعد الفراغ) سوف أحاكمه قريباً.. وسأصلبه على خشبة طولها خمسون بل مئة ذراع.. (يضحكون.. ثم يضع يده على ذراعيها.. يميل نحوها.. تتلّق رأسه تقبله بعنف.. مردخاي يحاول أن ينسل خارجاً)..
الملك : (ينتبه) إلى أين ذاهب يا وزير بيت المال؟
مردخاي : (يبتسم) الوقت غير مناسب لوجودي بينكما الآن.. هناك بعض الأمور المالية الهامة أحاول انهاءها بأسرع وقت ممكن.
الملك : آه.. ذكرتني كيف حال الخزينة يا وزير؟
مردخاي : (بامتغاص) هناك بعض العجز في المزانية؟
الملك : (مستفسراً) كيف؟ ولماذا؟
مردخاي : المسحوبات الملكية كانت كبيرة خلال هذا الحول، عدا مصاريف الحاشية ومراسيم الاستقبال والأعياد والهبات و.. و..
الملك : (يقاطعه) كفى يا وزير.. أريد الحل؟
مردخاي : زيادة الضرائب مرة أو مرتين على الأقل.
الملك : في الحول الماضي زادت أكثر من ثلاث مرات؟
مردخاي : ذلك أفضل من الإفلاس؟
الملك : (مستاء) ابحث لي عن طريقة أخرى غير زيادة الضرائب يا وزير؟
مردخاي : (بعد تفكير).. وجدتها..
الملك : قل وبسرعة؟
مردخاي : طريقة لا تحتاج فيها إلى زيادة الضرائب.
الملك : ما هي هذه الطريقة.. أتوق شوقاً إلى سماعها..؟
مردخاي : نقوم بشراء القمح والماشية من العوام ونضعها في مخازن القصر.
الملك : من أين نأتي بالمال لشراء هذه الكميات الكبيرة..؟
مردخاي : هناك التجار والنبلاء وتجار أهل السبي وأوقاف الكهنة أيضاً يساعدوننا مقابل الأسعار التي نحددها لهم.. عند ذلك سيحدث نقص في الغلال والماشية.
الملك : (مستاء) لكن هذا يهدد حياة الناس ويزداد الفقر والجوع؟
مردخاي : لفترة قصيرة.. بعدها نفتح شون الغلال ونبيع بالأسعار التي نحددها لهم، وبهذا يكون المال قد ملأ الخزانة الملكية.
الملكة : (تبارك هذه الطريقة).. ما أشد ذكاءك يا عماه، أنت في هذا تسدي أجل الخدمات للملك والمملكة.. (بدلال) والملكة.. (تلتفت للملك بنظرات غانية).. ما رأيك يا زوجي ونور عيني؟
الملك : (يبارك الطريقة على مضض).. ليكن.. أفعل ما يمليه عليك عقلك وتجد الصالح لخير البلاد.. (تأخذ الملكة بذراع الملك وتنسل به خارج القاعة.. بينما وقف مردخاي يراقب المشهد بمكر وهو يبتسم...).
اظلام




هوامش الفصل الثاني
1-القبالة: هيئة عهد إليها شؤون رعاية اليهود في البلاد غير اليهودية هذا في الظاهر، أما في الباطن فهي العنف والقتل والنساء-
راجع الجزء الثاني من بروتوكلات صهيون.
2-مدن بابلية (كلدانية) قديمة سقطت أثناء حروب الفرس والبابليين بسبب الدسائس والمؤامرات التي حاكها أهل السبي (اليهود).
3-مدن كنعانية يبوسية داخلية:
يريخو: أريحا (مدينة القمر) نسبة إلى تاج إله القمر
السامرة: (سبسطية) عاصمة إسرائيل الشمالية بعد انقسام مملكة سليمان وداوود.
4-التلمود: ص45-47.
التلمود: هو الاسم الجامع للمشنا والجمارا
(المشنا) التفسير الشفوي المعزو إلى شريعة موسى
(الجمارا) فهي شرح للمشنا
راجع كتاب التلمود لكل مريد 1 كوهين
5-بغتان وترش الحارسان في بلاط الملك الفارسي "احشويروش" اللذان حاولا قتله (سفر استير.. الترجمة الأمريكية.. العهد القديم)
6-التلمود ص45
7-التلمود ص47
8-التلمود ص47
9-احشويروش: أدان باليهودية على يد مردخاي.. راجع الطبري /1: 28/.. راجع سفر دانيال الجزء المترجم منه في كتاب البروتوكلات جـ 2 عرض عجاج نويهض.









الفصل الثالث

"أقسم بأني سأصلبك على خشبة طولها خمسون ذراعاً"



-ارهابي صهيوني





المشهد الأول
هواجس هامان

المكان: قاعة في قصر الوزير هامان
(الأميرة زرش زوجة هامان وثمة وصيفة تقوم بترتيب القاعة..)

زرش : (للوصيفة) ناوليني تلك الزهور.. (تترد).. لا بل ضعيها في الإناء الزهري الكبير قرب باب القاعة.. (تنظر حولها) ماذا بقي؟
الوصيفة : بقي أن أعطر القاعة.. أي العطور مولاتي تفضل ؟
زرش : عطر الشمال أذكى.. (الوصيفة تتجه إلى المنضدة وتتناول إناء من الفضة..)
زرش : (بفجأة) لا.. توقفّي ولا ترشي منه.. رائحته ذكية لكنها سريعة الزوال
الوصيفة : (بمرح) إذن عطر الجنوب.
زرش : (بانفعال) لا.. إنه يذكرني بتلك الأيام والشهور الطويلة التي أبعدت هامان عني.. هناك في الجنوب.. كان يحارب.
الوصيفة : (بارتباك) أتفضل مولاتي عطر (شوشن)..؟
زرش : (بحسرة).. آه.. إنه العطر التي كانت تفضله.
الوصيفة : متسائلة.. ومن هي يا مولاتي؟
زرش : (بعيون دامعة).. الملكة وشتي
الوصيفة : قالوا عنها إنها كانت قوية ومتسلطة وأرادت قتل زوجها لتستولي على الحكم.
زرش : (بانفجار) اصمتي.. (تتابع ببكاء حنون).. كانت تحبه وما كانت لتخونه.. كانت أمينة على العرش، أكثر من أمانة الملك عليه،
مؤامرة دبرت لإبعادها والقضاء عليها.. (تمسح دموعها)..
(يدخل هامان.. تهرع الزوجة زرش لاستقباله
تغادر الوصيفة القاعة في الحال..)
زرش : (باسمة)..
لقد تأخر سيدي بعض الوقت؟
هامان : قليلاً.. (يأخذها بين ذراعيه يطبع على خدها قبلة).. كيف حال الأولاد؟
زرش : في أحسن حال، عند المربية يلعبون ويمرحون وينعمون بالراحة..
هامان : اسفانا(1) واريداي(2).. لقد شبّا.. ارسليهما إلى المعبد لتلقي علوم الكهنوت.
زرش : في أقرب وقت يا مولاي.. (تسأله) هل من أخبار وصلت الحصن؟
هامان : تقصدين أخبار الأولاد؟
زرش : كم أنا مشتاقة إلى رؤية دلفون(3) واريساي(4)..
هامان : بالأمس كنت في الحصن.. (باسترسال).. كان ولدي دلفون رائعاً.. يشد القوس ويرمي السهام فيشق أجواز الفضاء حتى يستقر في هدفه.
(تدس زرش رأسها في صدر هامان حتى لا يرى دموعها التي انسابت على خديها)
هامان : (متابعاً) أما أريساي هذا الشاب المشاكس.. اندفع كالأسد الضاري يزأر وقد أخذ بلجام فرسه يشق جموع الجند، كأنه شهاب يمرق وسط الظلام.. كم أنا سعيد بهما.. سيكون لهما شأن عظيم يوما.
(تبتعد زرش أثر دخول أحد الخصيان الخدم..)
الخصي العمالقةينحني).. مولاي قائد حامية شوشن وجندها في الباب.
هامان : (يهندم ثيابه).. دعه يدخل
(يدلف القائد مسرعا)
القائد : (ينحني) سيدي الوزير.
هامان : أقبل أيها القائد.. (يتردد القائد قليلاً ثم ما يلبث أن يتقدم مطاطئ الرأس..)
هامان : (في حيرة).. اجلس.. (يجلسان)..
زرش : (معتذرة) أهلا بك أيها القائد.. (تلتفت إلى زوجها).. اطلب الأذن بالخروج يا سيدي..
هامان : لك هذه الرغبة.. (تغادر القاعة وقد بدا عليها شيء غير قليل من القلق..)
هامان : أراك حزيناً أيها القائد؟
القائد : إنه مردخاي
هامان : مردخاي؟ (ناهضاً بانفعال) مردخاي ثانية
القائد : (متابعاً) اليوم يتحدى الإرادة الملكية، ويعلن أمام الحاشية أنه يهودي والملكة أستير من نسله..
هامان : (بحقد) إنه سافر.. كنا نعلم ذلك أصلاً.
القائد : (خارجاً عن طوره) وسكتنا من أجل الملك.. الملك هو السبب
هامان : (مؤنباً) نحن لا نغتاب أحداً.. الملك هو ملك وما علينا إلاّ طاعته.
القائد : (بأسف حزين).. مولاي: أرجو المغفرة عما بدر مني.. حبي للملك وللمملكة جعلاني أنسى من أنا..
هامان : (يربت على كتفه) لا عليك أيها القائد.. لكل منا هفواته.. وماذا قال أيضاً؟
القائد : تقصد مردخاي يا سيدي
هامان : ومن غيره بات يشغلنا الآن
القائد : (على مضض) وقال أنه لن.. (يتوقف عن الكلام مطاطئ الرأس حزيناً)..
هامان : (بإصرار) و.. وماذا قال أيها القائد؟
القائد : أعفني عن قول ما ردده اليهودي مردخاي
هامان : (يرفع صوته) إني آمرك.
القائد : قال أمام الحاشية وبحضور الملكة: إنه لا يقل منزلة ورفعة عن الملك ذاته وعن الملكة.. وأعلن بوقاحة أنه لن يؤدي التحية والإنحناء بعد اليوم.. أردت قتله يا سيدي.. لكني تريثت..
هامان : حسناً فعلت.. القائد الفذ هو الذي يملك القدرة على الصبر وقت الشدائد

القائد : وحسبي أن تذيقه أفظع العقاب يا سيدي.
(بعد سكتة)
هامان : النذل.. سأعرف كيف أقتص منه.. (يلتفت إلى القائد)
منذ وطأت قدماه القصر وأنا مرتاب من هذا اليهودي.. أسئلة ملحة تشل عقلي وتجعلني دائم التفكير ومع ذلك لا أجد لها جواباً أما اليوم ومنذ هذا الوقت سوف أجهد في أيجاد الجواب..
أشكرك أيها القائد لأنك لم تتصرف بغباء وتقتله فتجعل منه بطلاً.
(القائد ينحني ثم يستدير للإنصراف
يستوقفه صوت هامان)
هامان : أيها القائد.. (مستذكراً).. أتذكر يوم وصولنا "شوشن" قبل سنوات؟
القائد : تقصد بعد الحرب..؟
هامان : تماماً.. بعد الحرب
القائد : أذكر ذلك يا سيدي..
هامان : أتذكر أيها القائد يوم وصولنا شوشن المدينة؟
القائد : أذكر تماماً يا سيدي.. (باسترسال).. كان الفرح يسكن شوشن في كل بيت أو حي.. مواكب العير الطويلة، وألف من الفيلة المزدانة بالحلي والعاج، ومئات من الجواري الحسان وقد ارتدين أجمل الأثواب الحريرية ومشين في المقدمة يحملن أقواساً من أزهار اللوتس، جلبت خصيصاً من مصر وزاد الموكب عظمة الإطلالة الجميلة للملكة وشتي والحاشية التي خلفها.
(يتوقف فجأة عن متابعة الكلام)
هامان : لم توقفت عن متابعة الوصف أيها القائد؟
القائد : (مطاطئ الرأس حزين)..
هامان : (يهز رأسه) ماتت ومات سرها معها، ويقيني أنها لم تكن خائنة
القائد : (متابعاً) وأزدشير الحكيم..؟
هامان : (بحزن).. كان مصلوباً هو الآخر مات وسره معه..
(يلتفت مذكراً).. أتذكر ذاك الرجل الذي كان في مقدمة الحاشية إلى جانب الملكة؟
القائد : (ينتفض) نعم.. إنه مردخاي؟ وقد سألتني من يكون هذا الرجل
هامان : (يبدي راحة) ومن يومها وأنا أفكر بمردخاي هذا؟
القائد : هل تشك بمردخاي يا سيدي؟
هامان : ربما..؟ قد أكون على صواب أو لا أكون..
بعد فترة تأمل قصيرة)
ما رأيك أيها القائد أن نعود معاً.. سنوات إلى الوراء..
القائد : تقريباً.. منذ متى يا سيدي؟
هامان : منذ إحراق معبد النار المقدسة ومقتل العراف
القائد : كان ذلك قبل عودتنا بأيام قليلة
هامان : هو كذلك.. ما رأيك في إحراق المعبد وقتل العراف أولاً؟ ثم اتهام أزدشير الحكيم وصلبه؟
القائد : هناك بعض الغموض.. أو.. لا أدري؟
هامان : أعتقد مؤامرة
القائد : لم لا تكون فعلاً مؤامرة مدبرة خطط لها؟
هامان : (متابعاً) ثم محاولة اغتيال الملك وإتهام الملكة بتدبيرها.. بل كيف نفسر وجود حارسي الملكة (بغتان .. و.. و...
القائد : (متابعاً) وترش
هامان : وجودهما بين الخدم وفي ليلة الاغتيال، ومن ثم قتلهم على أيدي حراس مردخاي دون استجواب.. لماذا؟
القائد العمالقةبدهشة) كم أنت فطن يا سيدي.. لا أعرف أبرع منك وأقدر موهبة في تذليل صعاب الأمور.
هامان : (متابعاً).. فجأة.. فجأة تقتل الملكة وفجأة مردخاي وزيراً للخزينة الملكية وكبير الخدم والمراسيم في القصر؟
(يرفع صوته.. يتحرك جيئة وذهاباً)..
وفجأة الملك يتزوج أستير ربيبة مردخاي ومن نسله لماذا؟
القائد : (مقاطعاً ومتابعاً) واليوم وبوقاحة وجرأة يعلن أنه ربيبته من نسل اليهود ولن ينحني للملك بعد اليوم.
هامان : يبدو أن خيوط المؤامرة بدأت تتكشف يا قائد الحامية..
(بفطنة يسأل) ما رأيك أن نفكك خيوطها
القائد : المؤامرة؟
هامان : أجل.. ونبدأ بالخيط الأول.. من إحراق المعبد وقتل العراف وصلب أزدشير (يلملم اردان ثوبه إلى صدره ويخرج بسرعة وخلفه يسير القائد..)






المشهد الثاني
حياً أو ميتاً

المكان: حصن شوشن.. القاعة العسكرية
نلاحظ: لوحات حربية تزخرف جدران القاعة يتوسط القاعة منضدة دائرية وحولها مقاعد وفوقها أوراق من البردى وفي جانب من الجوانب ثمة أسلحة.. سهام وقسي وحراب
(هامان في الثياب العسكرية.. ثمة حاجب بالزي العسكري عند باب القاعة)

هامان : (واقفاً يحدث نفسه بانزعاج).. كان ينبغي القضاء عليه قبل تماديه.. حذرت الملك منه.. (يمشي حول المنضدة، يقلب أوراق البردى)
يتفحص أحدها.. ثم ينادي الحاجب..)
هامان : أيها الجندي.
الجندي : (يقدم التحية العسكرية) أمر سيدي.
هامان : أسرع في طلب قائد الحامية.. (الجندي يخرج بعد التحية)..
(يحدث نفسه) منذ أكثر من حول، والملك لا يبرح مخدعه إلا للتغوط واستنشاق الهواء في حديقة القصر بصحبة الملكة..
ماذا جرى؟ يا لمكر النساء.. أخبلته وسلبت عقله تلك اليهودية حتى في أدق الأوقات حرجاً.. البلاد أصبحت في خطر..
(يدلف القائد مسرعاً، يؤدي التحية العسكرية..)
هامان : أيها القائد.. فرعون طيبة، أعلن الانفصال والتمرد وأيضاً مرازبة الجنوب والشمال.
القائد : (مقاطعاً) كانوا يتحينون الوقت المناسب، وقد أعلن ذلك أكثر من مرة فرعون طيبة وفي كل مرة نخرج إلى قتاله يتراجع عن عصيانه ويعلن الطاعة والولاء للملك.
هامان : بماذا تشير علينا أيها القائد؟
القائد : الحرب.. وبأقصى سرعة.. وأنت تعلم ما يحصل الآن في البلاد.. شعوب المملكة تعيش حالة غليان، بسبب الفقر والعوز والضرائب التي أنهكت الناس ومصادرة الممتلكات.. وتسلط رجال الكهنة وتحكمهم بشؤون الرعية والمملكة.. (بانفعال).. إنه مردخاي.. مردخاي الذي يفعل بالعباد أصحاب البلاد، ويحرض الكهنة على الفساد.. فغدا القتل والسلب والنهب من سمات البلاد.. فما نحن فاعلون يا سيدي سوى أن نستعد للحرب، كي ينسى العباد ما جرى لهم..
هامان : (على مضض) تقصد نشغلهم عما يحدث للبلاد بالحرب والقتال.. (يهز رأسه).. أيعقل أن يكون أهلنا غفلا إلى هذه الدرجة؟
اسمع أيها القائد.
الأمر لم يعد بهذه السهولة وهو يحتاج إلى عمل سريع..
سوف يتحرك الجيش والأسطول... (يسأل).. ما هي حال أسطولنا أيها القائد؟
القائد : أقوى من أي وقت.. هو الآن في جولته يجوب أعالي الفرات والخليج بقيادة ولدكم دلفون.
هامان : وحال الجيش؟
القائد : أنهى قبل حول تدريباته الجبلية في الهجوم والدفاع واقتحام الحصون.
هامان : (يأمر).. اطلب من قائد الأسطول الاتجاه فوراً إلى سواحل فينيقيا وأعد جزر كريت وقبرص للطاعة، وأقضي على حاكمها وأبعث لي برأسه واطلب من قائدي فيلق كورش وداريوس الزحف شمالاً عبر النهر(5) والقضاء على تمرد مرازبة الجنوب، ثم التجمع في "حاصور" ومن هناك يتجه الأسطول والجيش معاً لملاقاة فرعون طيبة (لنفسه وللقائد) أريد فرعون طيبة حياً أو ميتاً..

اظلام





المشهد الثالث
الانفجار الكبير

-الملك على كرسي العرش،

الملك : (مضطرباً وواقفاً).. كيف حدث هذا؟ لقد عاد إلى طاعتي؟
ماذا فعلنا له كي يعصي أمرنا ويتمرد؟ (يتحرك بخطوات سريعة)..
أنا الذي اكرهت هامان على قتاله؟
ومرازبة الجنوب والشمال.. ما بالهم يتمردون أيضاً..؟
(ينادي الحاجب)
أيها الحاجب.. (لنفسه).. لقد حذرني هامان..
أيها الحاجب.. (يدلف الحاجب مسرعاً وبخوف)..
الحاجب : أمر مولاي..
الملك : ناد الوزير هامان..
(ما إن يلج الحاجب باب القاعة حتى يدخل هامان وقد بدا عصبياً..)
الملك : (مسرعاً إليه) ما أمر هذا الفرعون الطيبي؟
هامان : (ينحني ثم يتابع).. كنت قد نبهتكم عن أمره، وها هو يخرج علينا مرة أخرى.
الملك : لكنه عاد إلى طاعتنا فعفونا عنه؟
هامان : وما أكثر خيانة العهود ونقض المواثيق.. (بانفعال) فرعون طيبة ومرازبة الجنوب في الفرات الأعلى وكريت وقبرص.. و.. (يقاطعه الملك)
الملك : (متشائماً) على رسلك أيها الوزير.. لم لم تخبرني أولاً بأول.. أنا الملك..؟! أنا الملك وآخر من يعلم؟ /بعد سكتة/.. ماذا فعلت؟
هامان : (بحسرة) قمت بواجبي.
الملك : كيف؟
هامان : أرسلت الجيش والأسطول.. وجيشنا الآن يحاصر مرازبة الجنوب.. أما لماذا لم أخبرك يا مولاي، فأنت أدرى بذلك..
الملك : ماذا تقصد يا هامان؟
هامان : لا أقصد إلا ما هو خير البلاد والملك.. (على مضض).. أنت يا مولاي ومنذ حول أو يزيد لم تخرج من مخدعك.
الملك : (مقاطعاً ومحموقاً) هل كنت تراقبني؟
هامان : حاشا ذلك يا مولاي؟.. لكنك يا مولاي رفضت استقبال أحد.
الملك : إلا أنت يا هامان.. وخاتمي بأصبعك..
هامان : (بانفعال) سل مردخاي وزير بيت المال ومسؤول القصر فهو يخبرك؟
الملك : منعك من الدخول علي؟
هامان : بل أصدر تعليمات باسمك تمنع الاتصال بك أو الدخول عليك حتى لو كنت أنا يا مولاي.
الملك : (بدهشة) مردخاي؟
(يدخل رسول الملك.. يقدم رسالة مطوية من ورق البردى.. الملك يستلم الرسالة ثم يسلمها إلى هامان.. يقرأ هامان الرسالة بصمت.. يشير الملك إلى الرسول بالخروج..)
هامان : (يبتسم بانفعال).. فيلق كورش دخل الجنوب وأسر المرازبة وهم على أبواب شوشن.
الملك : (بابتسامة حادة) لا تأخذكم بهم رأفة، علقوهم عراة.. وابقروا بطونهم لتنزف منها الدماء، فالعقبان الجارحة تألف رائحة الدم، وتستعجل الإفتراس.
هامان : (يهز رأسه).. مولاي لم تسأل عن الأسباب التي أدت إلى خروج المرازبة عن الطاعة والولاء لمولانا في كريت وقبرص وفينيقا ومصر.. ولماذا في هذا الوقت؟
الملك : (يفكر قليلاً ثم يهز رأسه بالنفي).. لا.. لا أدري يا وزيري؟
هامان : عادة يقع التمرد في ولاية بعيدة كما فعل فرعون طيبة أكثر من مرة.. أما أن يقع التمرد في الولايات القريبة فهذا أمر مشكوك فيه.. ولا بد من أمر ما أدى لذلك التمرد..
الملك : (يهز رأسه) هل تفسر لي حقيقة الأمر..؟
هامان: سأثبت ذلك في أقرب وقت يا مولاي.. فالأدلة ما زالت مجردة..
الملك : (في حيرة).. أنت تقول ألغازاً يا هامان.. ما..
(يقاطعه الدخول المفاجئ والمضطرب لمردخاي الوزير، ودون أن ينحني يتكلم مع هامان)
مردخاي : الفوضى تعم أرجاء شوشن ماذا يفعل جندك يا هامان..؟ أنزلهم إلى الشوارع.
هامان : (يندفع نحوه بغضب).. من تكون أنت لتسألني وتأمرني أيها اليهودي؟
(يتدخل الملك بينهم).
الملك : الوقت غير جدير بالملاسنة أيها الوزيران ..
مردخاي : (بخبث) الحرائق تملأ شوشن والمتاجر تسرق، والرعية تحيط بالقصر (تسمع أصوات صاخبة منبعثة من خارج القصر يتقدم الملك نحو باب القاعة الموارب للشرفة يفتحه.. يزداد اندفاع الأصوات إليه.. يبتعد الملك مرتاعاً..)
الملك : (بعيون جاحظة).. افعل شيئاً يا وزيري؟.. ماذا يجري يا هامان؟ امنعوهم من الوصول إلى القصر.. أخرجوهم بقسوة واضربوهم..
هامان : (أكثر جدية).. يا مولاي: القسوة والضرب لا يجديان نفعاً.
مردخاي : (يهزء) وما الذي يجدي إذن؟ أنسمح لهم بالوصول إلى الملك والعرش.. يا لهذا الاستخفاف.. يا لسخرية القدر.. الطامة الكبرى أن يستخف المملوك بمالكه.
هامان : (بحقد) أنت رأس الأفعى يا مردخاي وسأعرف كيف أنال منك يوماً..
مردخاي : (بحزن كاذب) وتهددني يا هامان؟... ماذا فعلت لك يا وزير..؟ (بخبث) نحن شركاء في حماية مولانا وعرشه وملكه.. (يلتفت للملك).. أسمعت يا مولاي..؟ في حضرتك يهددني..
(الملك غير مبال وقد اتجه إلى باب الشرفة ثم إلى النافذة بالوقت الذي فيه تزداد الصرخات.. الملك يفتح النافذة ثم يغلقها بقوة وغضب وقد بدت علامات الشحوب ترتسم على محياه).
الملك : افعل شيئاً يا هامان.. اخمد هذه الصرخات الملعونة.. بالضرب بالصلب بالاعتقال افعل شيئاً يا هامان وارحمني؟
هامان : (مصرا) يا مولاي الضرب والاعتقال والصلب سيزيد الناس قوة وجرأة وكرها (هامان يقترب من الملك ثم يفتح باب الشرفة على مصراعيه.. تندفع الأصوات والصرخات العالية..)
هامان : يا مولاي انظر إلى تلك الجموع البائسة؟
(يتقدم الملك بخطا حذرة والخوف يدب في أوصاله ينظر بعيون جاحظة.. ثم يبتعد..)
هامان : (يتابع) انظر يا مولاي إلى تلك الأفواه الجائعة والمتعبة.. البلاد بدأت تسوء والفقر عطل الحياة، الكهنة والقائمون على أوقاف القصر من أمراء وحاشية.. وكذلك كبار التجار والباعة من اليهود.. هؤلاء جميعهم أحالوا البلاد إلى فوضى وفساد.. إلى سوء ما بعده سوء.. لم تعرفه البلاد حتى في سني حربنا الطويلة مع البابليين. (هامان يسترسل بحزن ولوعة والملك يصغي بذهول.. ومردخاي يراقب بمكر وحقد..)
مردخاي : (مقاطعاً).. أنت في هذا تزيد الموقف حرجاً.. الحديث وتفسيراته الخاطئة والمليئة بالحقد والظنون ما عادت تجدي نفعاً في هذا الوقت..
الملك يريد الحل السريع لهذه المشكلة.
هامان : لدي السبب وأعرف الحل.. (يحجب غيظه ويتماسك).. فرعون طيبة يعلن مصر فرعونية ويقتل الحامية الفارسية في الفيوم(6) ومنف(7) والاشمونين(8) وعين شمس(9) وغيرها من المدن المصرية.. (يلتفت إلى مردخاي)
أتعرف لماذا يا مردخاي الوزير فعل هذا فرعون طيبة؟
مردخاي : (بوقاحة) وما يهمك إن عرفت هذا أو لم أعرف؟
الملك : (بغباء) إذن تعرف لماذا؟
مردخاي : أنا لم أقل أني أعرف يا مولاي؟
الملك : إذن لا تعرف؟.. (يلتفت إلى هامان) تابع حديثك يا هامان
هامان : (لمردخاي يريد إحراجه).. أتعرف لماذا مرازبة الجنوب والشمال وكريت وقبرص تمردوا يا وزير بيت المال؟
الملك : قلت لك لا يعرف شيئاً.
مردخاي: (ساخراً) أصبحت عرافاً يا وزير البلاد.. ومولانا الملك ونحن ننتظر تفسير طوالع نجومك.
هامان : (يزيد في تماسكه ويتابع).. يا مولاي.. الرعية جائعة.. والجوع لا يرحم من الرعية استمد المرازبة القوة على التمرد والعصيان ووجدوا الفرصة مناسبة (ترتفع الأصوات وبوقع أعلى تدل على غليانها الحاد يتجه هامان نحو باب الشرفة ويغلقه..)
الملك : (بلهفة المستجير) وما الحل يا وزير؟
هامان : نحن مع مولاي
الملك : (يرفع عصا الصولجان) أفعل ما تراه حلاً.. أولست وزيري الأول ألم أعطك خاتمي.. (يفتح ساعديه مشيراً).. ها هي البلاد من جديد تحتاجك يا هامان.
هامان : أوامركم يا مولاي.
الملك : وما هي أوامري؟
هامان : أن تأمر مردخاي بفتح شون الغلال وحظائر الماشية التي في أوقاف القصر وأوقاف الكهنة وضياع النبلاء، ومنع التجار الباعة من اليهود بيعها ومصادرتها وصرفها بالحال..
مردخاي : (مبرراً بخبث).. ليست هذه أول مرة تتعرض البلاد لمثل هذا الأمر.. فيما مضى أكل الناس أطفالهم وموتاهم جوعاً، ومع ذلك الذنب ليس ذنب مولاي.. أو ذنب الكهنة أو ذنب التجار.. إن الفيضانات النهرية في الفرات والخابور ودجلة والساجور وجقحق وغيرها من الأنهار، كانت شحيحة هذه السنة..
الملك : (بانفعال) اسمع يا مردخاي.. شعبي يجوع.. أتفهم..
مردخاي : (مستدركاً بخبث) يا مولاي: علينا أن نهب النار المقدسة والرب. فها هي الخزانة الملكية فاضت بالمال..
الملك : (يكلم مردخاي) الظروف ما عادت مواتية الآن.. إذهب ونفذ ما أشار إليه هامان.
مردخاي : لكن يا مولاي..
الملك : (مقاطعاً بحدة) لا تثرني أكثر مما أنا عليه يا مردخاي؟
اذهب ونفذ ما أمر به هامان وبسرعة. .
مردخاي : أمر مولاي مطاع..
(يرمق هامان بنظرات ثعلبية تنم عن خبث ومكر.. أثناء ذلك تدخل الملكة أستير وقد بدت في زهو وفتنة تسحر الألباب تحدق بعيون تبرق لمعاناً بجهة الوزير هامان..
-الملك يهرع إليها مفتوناً بها ولا يعي ما حوله..)
الملكة : (بدلال) طاب يوم مولاي.
الملك : (بلهفة عارمة) أس.. استير.. زوجتي الجميلة..؟
الملكة : (للوزيرين) طاب يومكما أيها الوزيران..
هامان : (ينحني).. ومولاتي في أسعد حال.
مردخاي : (لا ينحني).. طاب يومك أيتها الملكة الحسناء..
الملكة : (في دلال للملك وهي تمسح لحيته).. كيف حال مولاي.. وسيدي.

الملك : (في نشوة عارمة.. يحرك ساعديه) في.. في أحسن حال..
الملكة : (تبتسم لهامان).. وحال الوزير هامان..
هامان : (في دهاء).. عندما تكون أمور المملكة وحال مولاي والرعية في أحسن حال.
الملكة : (تقاطعه) الرعية..؟
هامان : أجل.. وبلا شك سوف أكون في أحسن حال..
الملكة : (ساخرة بمكر).. كم أنت حريص وشديد الاخلاص يا وزير.
هامان : (مجاملاً) أحقاً مولاتي؟
الملكة : نعم أيها الوزير القائد.. يا صاحب انتصارات هذه المملكة وصانع أمجادها.
هامان : (يبتسم بحذر).. زدتيني ثقة وإخلاصاً..
(الملك يسعل كي يلفت نظر الملكة إليه والتي بدت مهتمة بالوزير هامان عن قصد وغاية بقصد غلغلة وتحريض شعور الملك غيرة عليها.. وهذا من أساليب الإغواء والمكر عند اليهود..)
الملكة : (تستدرك بصفة مقصودة) آه.. مولاي.. حبيبي.. (تأخذ ذراعه بدلال) أشعر بضيق.. متى نخرج إلى الصيد؟
الملك : كالعادة.. في عيد الربيع.
الملكة : (بحرد) هل ننتظر حتى يأتي الربيع؟.. يبدو أننا لن نخرج للصيد أبداً (تستدير نصف استدارة وتركز عيونها بعيون مردخاي)
الملك : (يستدر عطفها وحردها).. يا مليكتي لك ما ترغبين..
الملكة : (تبتسم بدلال) في الغد نخرج..؟
الملك : (مرتبكاً ينظر إلى هامان) في الغد؟ أرى لو نؤجل الصيد بضعة أيام حتى تهدأ حالة الفوضى في البلاد.. أليس كذلك يا وزيري هامان..؟
هامان : (على مضض) أجل يا مولاي.. خوفاً عليكم من شر أو مكروه.. فالأمن غير موفور والعصاة في كل مكان..
الملكة : (بمكر وخبث) الأمن في البلاد معقود عليك أيها الوزير.. وعليك توفيره حال خروجنا.. أليس كذلك يا وزير..
(تستدير بسرعة وهي تتأبط ذراع الملك وتميل برأسها على كتفه بغنج، ثم تسحبه
-بينما وقف هامان ينظر بشرر إليهما حتى يغادرا القاعة
-أثناء ذلك ينسل مردخاي كثعلب خارج القاعة)
هامان : (يحدث نفسه) يا لمكر النساء، أخبلته وسلبت عقله.. حتى في أدق الأوقات حرجاً الملك غارق حتى أذنيه.. نسي مصلحة البلاد..
(يطرق مفكراً)
ماذا تبغي سليلة اليهود هذه؟
(فجأة يدخل قائد الحامية على عجل ودون إذن مسبق..)
القائد : (يقدم التحية العسكرية ثم ينحني).. أرجو المعذرة يا سيدي لدخولي القاعة بدون إذن.
هامان : لك عذرك أيها القائد.. هل من أخبار جديدة؟
القائد : جزر كريت وقبرص استسلمت لنا بلا قتال ومرزبانها قتل نفسه بالسم.. وأنا أنتظر أمرك بمصير مرازبة الجنوب الأربعة؟
هامان : علقوهم عراة وأبقروا بطونهم واتركوهم للعقبان الجارحة، وللناس فرجة.
القائد : هناك أمر آخر يا مولاي؟
هامان : وما هو أيها القائد؟
القائد : عيون الحرس على أبواب (شوشن) أخبرتنا بوصول وفد أورشليم وحاصور وسائر المدن الكنعانية قبل ليال ثلاث.
هامان : (ينتفض) وأين هم الآن؟
القائد : بحثنا عنهم ولم نعثر على أثر لهم؟
هامان : (مصعوقاً) ما.. ماذا تقول؟
القائد : حقيقة ما قمنا به..
هامان : (مكرراً) أمتأكد من وصول الوفد إلى شوشن أيها القائد..
القائد : عيوننا تملأ كل أرجاء شوشن وترصد الداخل والخارج وحتى دبيب النمل (يتحرك هامان بضع خطوات مدهوشاً يسأل نفسه..)
هامان : من له مصلحة في ذلك؟ الشعب لا يفعلها ولا حتى العصاة؟
(بعد لحظة تفكير).. أقسم أنه هو
القائد : (بدهشة).. من هو يا سيدي؟
هامان : ومن يكون غير الثعلب الماكر وزبانيته.
القائد : مردخاي.. (يؤكد).. إنه هو.. لا أحد غيره
(يخرجان بسرعة)

اظلام




المشهد الرابع
ناراسين يعترف

(خيوط اللعبة)
المكان: حصن شوشن القاعة العسكرية
(هامان لوحده يحدث نفسه بهدوء)

هامان : عاد الهدوء إلى "شوشن" ولكن الحذر واجب.. (يمشي ثم يقف).. كان المشهد مروعاً.. والمرازبة الأربعة مبقورة البطون.. دماء تسيل، وعقبان وغربان تنهش الجثث بلا رأفة.
(يدلف الحاجب القاعة)
الحاجب : (ينحني) سيدي
هامان : ما وراءك أيها الحاجب.
الحاجب : في الباب وفد المدن الكنعانية أورشليم وحاصور.
هامان : (يأخذ مكانه ويصلح من هندامه).. لقد ظهروا أخيراً؟
(يحدث نفسه باستفسار).. أو لم يصلوا إلى القصر؟
لماذا جاؤوا إلى الحصن؟ أين كانوا متوارين طيلة هذه الفترة؟
(يومئ للحاجب) أنا بانتظارهم..
(يدخل القاعة ثلاثة من الأشراف بلحى كثة طويلة ثم ينحنون حتى الركوع).
هامان : (مرحباً) أهلاً بوجهاء العرب الكنعانين.. أهلاً بكم في حصن شوشن (يبدي غبطة زائدة ويتصنع عدم المعرفة بما حدث لهم..)
يبدو أنكم وصلتم البلاد توا..
الأول (في ضيق) لا.. لا يا سيدي..
الثاني : (متابعاً) منذ نصف حول تقريباً..
هامان : (بحذر).. منذ نصف حول..؟ (في إطراء) لعل شوشن أخذتكم منا وأنستكم عناء السفر الطويل.. فهي جميلة.. (الثاني يهز رأسه بالنفي)..
هامان : أو أن القصر الملكي أضافكم..؟
الأول : لا هذا ولا ذاك يا سيدي.. يبدو أن الحظ لم يسعفنا في أن نمثل في حضرة مولانا الملك.. (يقاطعه الثالث)..
الثالث : (متابعاً) حتى شوشن العظيمة لم نرها..
هامان : (بتحفظ) أفهم من ذلك أنكم لم تقابلوا الملك؟ ولم تنزلوا المدينة؟
الثاني : هذا ما حدث يا سيدي.
الأول : بل أذلنا وزيركم يا سيدي.. ما أن دخلنا المدينة حتى أطبق جنده علينا وتوجهوا بنا إليه..
هامان : الوزير مردخاي؟ ماذا تقول؟ هل توجهوا بكم إلى القصر؟
الأول : لا.. بل إلى مكان نجهله تماماً وبعيداً عن (شوشن)..
هامان : (مبرراً على مضض).. على كل حال، ما فعله "مردخاي" ما هي إلا اجراءات أمنية.. (يبتسم بشفاه مرتجفة.. يلاحظ الوجهاء حالة الارتباك التي بدت على محياه..)..
هامان : (يتابع مبرراً). القصد منها أمن وسلامة الملك مولانا، وخاصة في مثل هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها البلاد..
الثاني : (مستفسراً) لكن الذي حصل؟.. القسوة التي قابلنا بها الجند؟ والشتائم والسباب انهالت علينا؟..
الثالث : (مقاطعاً) طلب منا معرفة السبب الذي أتينا من أجله؟.. كيف نطلعه على ملف الشكوى ونحن على علم مسبق أنه الوزير اليهودي في بلاط القصر.
الأول : يكفي أنه من نسل اليهود الذين وفدوا سراً يهاجمون "حاصور" و"أورشليم" و"يريخو" ويعملون في أهلها وممتلكاتها القتل والسلب ثم يفرون، وكم من مرة أحرقوا المعابد وحطموا الآلهة.
الثاني : (متابعاً) لقد زاد خطرهم في الآونة الأخيرة.
الثالث : ونحن نقاومهم بقوة.. و(بشلام) مرزبان حاصور).. أمرنا بالتوجه إلى مولانا الملك وإعلامه حقيقة أبناء السبي..
الأول : ووزيركم مردخاي يا سيدي: هددنا بالقتل لو بقينا يوماً آخر في "شوشن"
هامان : لماذا؟
الأول : قال لنا: الوضع الأمني في البلاد لا يسمح بوجودنا.. والملك مولانا خرج للصيد ولن يعود قبل حَوْلٍ على الأقل.
الثاني : (متابعاً) نحن على علم بعودة مولانا من رحلة الصيد الملكية قبل أيام من قدومنا.
الثالث : لا نخفي عليك يا سيدي.. إن الوزير مردخاي له اليد الطولى فيما يحدث في أورشليم وحاصور والمدن الأخرى، من فظائع الأمور..
الأول : (مقاطعاً) حالة الرعية تسوء يا سيدي.. والوضع لم يعد يطاق لقد جئناك خلسة إلى الحصن..
الثاني : عيون مردخاي تملأ أرجاء شوشن
(يخرج رقعة من البردى كانت مربوطة إلى كعب صندله الجلدي..)
هذا ملف الشكوى الذي أرسله المرزبان (بشلام)
(يتناول هامان الملف دون أن يفتحه بالوقت الذي يدخل فيه القائد على عجل)
القائد : (يقدم التحية العسكرية ثم ينحني) سيدي هامان.. أنهينا في شوشن وأطرافها توزيع الغلال والماشية على الرعية.. لكن تجار اليهود رفضوا.
هامان : (بعصبية) رفضوا وماذا فعلتم بهم أيها القائد؟
القائد : ما أمرتنا به يا سيدي.. صادرنا الأموال وأغلقنا المتاجر والذي قاوم منهم وضعناه في سجن الحصن..
هامان : (بغليان).. هذا لا يكفي..
(الوجهاء وقد تكتشف أساريرهم عن ابتسامات أزالت كدر الوجوه المتعبة، وشرعوا يهزون الرؤوس فيما بينهم وهم ينظرون إلى هامان باحترام وتقدير..)
القائد : أنا في شوق لم تأمر به يا سيدي..
هامان : (لنفسه) لقد أزف الوقت لتعرف من يكون هامان أيها اليهودي الوزير (يلتفت إلى القائد).. أيها القائد..
أعمل على راحة ضيوفنا وأنزلهم منزلة تليق بمقام الوجهاء.. أكرمهم بحفاوة تنسيهم ما حدث لهم.. (للوجهاء).. أقيموا في ربوع شوشن العظيمة، إلى أن أنظر مع الملك في أمر هذا الملف وبعدها نحملكم جوابنا إلى /بشلام/
(يأذن لهم بالخروج..)
القائد : (قبل أن يخرج).. سيدي
هامان : هل من طلب نلبيه لك..؟
القائد : وجود الوجهاء منعني من الكلام.. أخيراً بدأنا نفك رموز اللغز.
هامان : (في حيرة) فسر ما تقول أيها القائد؟
القائد : ناراسين.
هامان : ناراسين خادم المعبد؟..
القائد : يهودي آخر في ثياب كاهن وحارس لنارنا المقدسة..
هامان : (بدهشة) ما.. ماذا تقول؟
القائد : راقبته عيوننا وعرفت اتصالاته وأماكن تواجده ومواعيدها بدقة وكثيراً ما كان يتنكر في تحركاته المشبوهة، وعلاقته الكبيرة بالوزير مردخاي وجماعات يهودية تطلق على نفسها القبالة.
هامان : القبالة؟
القائد : (مفسراً) يقال أنها تنظم أمور اليهود في البلاد غير اليهودية هذا في الظاهر أما.. (يقاطعه هامان)..
هامان : (متابعاً بدهشة) أما في الباطن أيها القائد؟
القائد : في الباطن تزود جماعات أهل السبي بأدوات القتل والعنف في أور وأورشليم وحاصور و.. (يقاطعه هامان).
هامان : و.. شوشن أليس كذلك..؟
القائد : وهذا ما أخافه يا سيدي..؟
هامان : وماذا فعلتم مع ناراسين؟
القائد : أمرنا باعتقاله.. أودعناه الزنزانة بعد استجوابه وشددنا الحراسة عليه..
هامان : بماذا اعترف؟
القائد : لن تصدق بماذا اعترف يا سيدي
هامان : وهل هو لغز؟ قله بسرعة؟
القائد : توقعاتك كانت في مكانها.. مردخاي وجماعته ومعهم "ناراسين" قاموا بقتل العراف..
هامان (بدهشة).. عظيم.. فعلاً هذا ما توقعته؟.. تابع أيها القائد.
القائد : وناراسين ومعه يهودي يدعى عزرا
هامان : وماذا فعل هذا اليهودي الآخر..
القائد : أحرق المعبد والجثة وهرب متنكراً.. وعيوننا تبحث عنه في كل مكان.
هامان : (متسائلاً بغرابة) لماذا قتلوا العراف؟ ألم يكن من جماعتهم؟
القائد : وهذا ما عرفناه أيضاً.. العراف كان يهودياً ومن أهل السبي.. وحين كشف أمره الحكيم أزدشير.. قتلوه جماعته وألصقوا تهمة القتل بالحكيم أزدشير.. زوراً وبهتاناً.. وناراسين شاهد الزور..
هامان : أبناء العاهرات..؟ لقد أزفت ساعتك وتكشفت ألاعيبك وخسرت اللعبة يا مردخاي.. (يرفع صوته..) أقسم بقدسية النار..
سأصلبك على خشبة طولها خمسون ذراعاً
اسمع أيها القائد: أنتظرك في القصر.. أحضر ومعك ناراسين اليهودي
(يخرجان)

اظلام






المشهد الخامس
"اغتيال ناراسين"

المكان: القاعة الملكية..
(الملك وهامان وحالة من الإنفعال تسيطر عليهما)

الملك : هكذا إذاً؟ نذير الشؤوم يمنع وفد "حاصور وأورشليم" عن مقابلتي؟
ما هو السبب؟ لقد تمادى كثيراً..
هامان : (وهو يقدم ملف الشكوى) هذا ملف الشكوى الذي حمله لك الوفد من حاكمهم المرزبان بشلام/..
الملك : (وهو يرده لهامان) اقرأه علينا.
هامان : (يقرأ) (10) من بشلام مرزبان حاصور وأورشليم وسائر المدن الكنعانية، إلى مولاي المعظم ملك البلاد احشويروش.. أرفع إليكم إحتجاج شعب حاصور الكنعاني، إن اليهود الذين خرجوا من عندك يا مولاي، قد وفدوا إلينا.. إلى أورشليم يبنون أسوارها، وليكن معلوماً لدى الملك، أنه لو بنيت هذه المدينة وتمت أسوارها، فإن اليهود لا يؤدون الخراج ولا الخفاوة فيكون قد أضر بخزانته. وإذا ما بنيت هذه المدينة وأقيمت لها أسوارٌ. فلا يكون للملك عبر النهر(11). وهؤلاء اليهود قد أثاروا شغباً في الأيام السابقة ولذلك حل بهم الخراب.. وليتأكد مولانا من السجلات الموجودة في مكتبة القصر فسوف يجد أن هذه المدينة كم كانت مسيئة يوم احتلها اليهود إلى السكان والملوك والأقاليم.. وطالما نحن مرزبان حاصور وسائر المدن الكنعانية الفلسطينية وشعوبها نتبع إرادة ملكنا، فلا يليق بنا أن نسكت عن هذه المأساة ولذلك كتبنا هذه الشكوى../
"بشلام" مرزبان حاصور وأورشليم.
الملك : (واقفاً بغضب).. ابعث إلى /بشلام/ ردنا.. واطلب منه هدم ما بنى من أسوار في أورشليم الكنعانية ولاحقوا أهل السبي، وقاتلوهم وأخرجوهم.
هامان : أمرك مطاع يا مولاي.
الملك : (متابعاً) وأصدر أوامرنا إلى حراس المعابر /عبر النهر/ وامنعوا أهل السبي من الدخول إلى أرض كنعان..
هامان : (يبتسم بحذر).. بأمرك يا مولاي..
الملك : هل من طلب آخر ياوزير؟
هامان : (بفطنة) مولاي: هناك أمر يقلقني وأحب أن أفضي به على سمعك.
الملك : وما هو هذا الأمر يا وزير..
هامان : هل تعرف يا مولاي من الذي قتل العراف اليهودي.
الملك : (يتذكر).. العراف.. العراف.. تقصد معلم الصبية في شوشن.
هامان : نعم يا مولاي.
الملك : وهل كان يهودياً؟
هامان : نعم يا مولاي.
الملك : أنا أعرف أن الحكيم "أزدشير" هو الذي قتله؟
هامان : لا.. لا يا مولاي
الملك : إذن من الذي قتله؟
هامان : سوف تعرف ذلك قريباً يا مولاي..
الملك : وهل هو سر تخفيه علي يا وزيري؟
هامان : حاشاك يا مولاي.. (يتابع الأسئلة) أتعرف يا مولاي من الذي أحرق المعبد
الملك : (في حيرة).. لا أذكر تماماً..
هامان : (متابعاً) ومن الذي شهد زوراً وبهتاناً بحق الحكيم أزدشير؟
الملك : (برهبة).. لا..؟
هامان : ولا أدري يا مولاي، إذا ما كانت هناك مؤامرة مدبرة أتت على حياة الملكة "وشتي" أيضاً؟
الملك : (متوتراً).. لا..لا..؟ ومن يكون هذا يا وزيري؟
هامان : مردخاي ورجاله يا مولاي..
الملك : (مذعوراً) مردخاي؟ مردخاي؟
هامان : ناراسين خادم المعبد.. اليهودي المتخفي بدين المجوس
الملك : ناراسين؟.. خادم المعبد؟ لا أصدق؟
هامان : سوف يعترف أمامك بكل ما حدث..
(ينادي الحاجب).. أيها الحاجب: ناد على الوزير مردخاي (ما أن يكمل كلامه حتى يدلف القاعة، قائد الحامية في شبه ذهول)
هامان : (بارتباك) أين.. أين ناراسين؟ لم لم تصحبه معك؟
القائد : لقد قتل يا سيدي.. وجدناه مع ثلاثة من الحرس..
هامان : (كالمصعوق) قتل؟ كيف قتل أيها القائد؟
الملك : ألم تشدد الحراسة عليه..؟
القائد : بلى يا مولاي.. لكن "مردخاي الوزير" ومعه حرسه غافلوا الحراس وهاجموهم.. (يدخل الحاجب على عجل).
الحاجب : (ينحني) مولاي.. الوزير مردخاي لا أثر له في القصر.
شاهده الحراس عند طلوع الصباح يغادر مع مجموعة من الجند باتجاه الشمال.
القائد : هرب يا سيدي.. هرب يا مولاي.. علم أن أمره قد كشف.
الملك : (كمن فقد صوابه).. ابحثوا عنه في كل مكان.. (يلتفت إلى الوزير هامان).. اسمع أيها الوزير: مردخاي متآمر وخائن، وهبته وأهله لك..
فافعل ما شئت بهم.. (يحاكي نفسه بضيق)..
مردخاي الذي قربته وجعلته في أعلى المراتب والمناصب؟
هامان : (لنفسه) ما أعجب طبائع الإنسان..؟ لا يدرك الحقيقة إلا بعد فوات الأوان..
الملك : (ملوماً) أعرف ذلك يا هامان.. لقد أساء إليك كثيراً.

(يبتعد الملك خارج القاعة بخطا سريعة ومشية مضطربة).
هامان : (بنشوة المنتصر).. أيها القائد ابعث بمنشوري إلى كافة المرازبة في كافة الولايات الأخمينية الفارسية.. (يرفع صوته)..
(5) "إلى كافة المرازبة.. إنه موجود فئات مشتتةومتفرقة من الناس بين الشعوب في كل البلاد، سننهم مغايرة لجميع الشعوب.. لا يعملون بسنن الملك وشعبه بل أكثرهم يحاول الفساد في البلاد.. فلا يليق ترك من يفعل السوء منهم والفساد، ويزرع الضغينة والحقد.."
"وحدد عليه الليلة الثالثة عشرة من آذار، أن يصلب منهم من هو قاتل ومجرم ويطرد الباقي خارج حدود المملكة على طول البلاد وعرضها.. ولتؤدي نفقات هذا العمل من الخزانة الملكية".
هامان : لا تنس أيها القائد أن تنشر عيونك في كل مكان للقبض على اليهودي مردخاي حيا أو ميتاً دمع من تبعه..
اظلام





المشهد السادس
اللقاء السري

المكان: مخدع الملكة أستير
الإنارة: خافتة ومردخاي المتخفي، لابس مسح المناحة
وعليه رماد..

الملكة : (بفزع) كيف دخلت القصر يا سيدي؟
مردخاي : (صامت يحدق بعيون جاحظة ويتلفت حوله..).
الملكة : لماذا جئت؟.. عيون هامان في كل مكان تبحث عنك وعن (يقاطعها بوضع إحدى يديه على فمها)
مردخاي : (بصوت خافت).. أعرف أيتها الملكة اليهودية النبيلة (يرفع يده عن فمها)
وأعرف أن الملك قد أباح دمي ودم أتباعي وأهلي في كل مكان وهبه لهامان ليفعل بنا ما يشاء؟..
ومن أجل هذا جئت إليك..
الملكة : أرجوك يا سيدي.. (تلح) ابتعد عن هذا المكان؟
مردخاي : يبدو أن الملكة لا تعلم ما دبره هامان.
الملكة : (وهي تنوح) أعلم.. أعلم يا عماه.
مردخاي : (يزيدها توتراً) هامان أيتها الملكة اليهودية، وضع خطة بموافقة الملك لإبادة اليهود وأعلمي أن نفقات هذا العملِ تؤدى من الخزانة الملكية..(11)
(يخرج لها رقعة من البردى).
انظري..؟ هذا المرسوم الهاماني الذي صدقه الملك، إنه من فعل هامان يقضي بإبادة اليهود أينما وجدوا وفي وقت واحد هو الليلة الثالثة عشرة من آذار.
الملكة : كيف استطعت الحصول عليه؟
مردخاي : (بمكر) لا زالت مواقعنا في القصر ثابتة.. وإلا كيف تفسرين وجودي..؟ أنا لم أغادر القصر ولن أغادره.
الملكة : (بخوف) مولاي..؟ الملك غاضب وحانق وعازم على القبض عليك حياً أو ميتاً.
مردخاي : اسمعي: (يقترب منها ممسكاً بذراعيها ويهزها بقوة).. رغم غباء زوجك الشديد، ومهما عظمت قوة بطش وزيره هامان، لم تحن الفرصة بعد لقتلي (يضحك بخفوت خبيث)
مردخاي : (متابعاً) المناحة فاقت الوصف عند نسلك.. (يتوعد) اسمعي: غداً الليلة الأولى من آذار (يهزها بقوة).. واعلمي: إنما جئت وأصبحت ملكة في هذا القصر.. لماذا..؟
أتعرفين لماذا؟.. لخدمة قومك أيتها الملكة النبيلة.. ولا تظنين أنك إن لم تفعلي لنجاة نسلك تبقين حية وملكة.. لا بل ستقتلين..
الملكة : (في مأزق حرج) عماه.. الملك ناقم بشدة.. لم يدخل مخدعي ولم أدخل إليه يكبسني منذ زمن؟ وقد أعلن أنه لا يجوز الدخول عليه إلا لمن يدعي من قبله.. ومن دخل غير مدعو ولم يرفع له قضيب الذهب علامة الرضى.. قتله(12).
مردخاي : (بانفعال) الرب يأمرك بالدخول.. ويأمره بالإيجاب(13) إنه يهودي الدين.. هل نسيت ذلك..
الملكة : (ببكاء متقطع).. سوف أدخل إليه.. فإذا هلكت.. هلكت..




المشهد ما قبل الأخير
أحداث الليلة الثالثة عشرة

ملاحظة: هذا المشهد عبارة عن مجموعة من اللوحات يمكن الفصل بينها بواسطة الإنارة البقعية..

لوحة(1)
المكان القاعة الملكية -الملك في خلوة مع نفسه..
تدخل الملكة إليه وهي أشد فتنة وإغراء-
ما إن وقعت نظرات الملك عليها حتى فقد إتزانه وخل عقله ونسي لحظتها ما حدث.. وإذ به يرفع قضيب الذهب علامة الرضى
الملكة : مولاي..
الملك : (ملهوفاً) مولاتي وحبيبتي..
الملكة : كم أنا مشتاقة إليك.
الملك : وكم أنا شديد اللوعة لرؤياك.
الملكة : لا أصدق..؟
الملك : وماذا أفعل حتى تصدقين.

لوحة (2)
المكان حصن شوشن -القاعة العسكرية
هامان : أخيراً سقط مردخاي في حبل خداعه
القائد : وأخيراً سقط فرعون طيبة وعادت طيبة للطاعة
هامان : أريد مردخاي حياً أو ميتاً أيها القائد؟
القائد : ماذا نفعل بفرعون طيبة يا سيدي؟
هامان : أصلبوه وأفقوا عينيه وأبقروا بطنه..
القائد : هل نخبر الملك بمصيره (هامان يضرب كفاً بكف)
هامان : لقد أمرتك وعليك الطاعة.. وتسألني عن الملك؟
أين الملك..؟


لوحة(3)
المكان: مخدع الملكة- الملك والملكة تجمعهما نشوة عارمة طابت على مفرش الشراب وهم يحتسيان الخمرة أكواباً.. الملكة أستير وقد بدت أكثر فتنة بثوبها اللحمي الشفاف برز النهد منه وبان الجسد..
لوحة (4)
المكان: حصن شوشن -القاعة العسكرية
القائد : هون عليك يا سيدي؟ أيام معدودة ولم يبق إلا ذكراهم الفاسدة..
سوف يقول الناس في ذكراهم.. كان هناك فئة مشتتة من الناس فاسدة..
هامان : (في حيرة) يبدو أنك لا تشعر بخطر اللعبة التي بدأت تحاك من جديد..
القائد : (مستفسراً) عن أية لعبة تتحدث يا سيدي..؟
هامان : اللعبة.. (يهز رأسه).. المؤامرة الجديدة التي بدأت الملكة تحيك خيوطها.
القائد : (بدهشة).. وكيف عرفت يا سيدي؟
هامان : منذ أيام والملك لا يبرح مخدعها كعادته السابقة.. نسي نفسه ونسي المملكة والناس..
ورفض لي شرف المثول أمامه والتحدث إليه بأمور المملكة وما آلت إليه.
وعن أخبار الجيوش والانتصارات.. لا أصدق أيها القائد.
القائد : قل غير هذا يا سيدي.

لوحة (5)
المكان: مخدع الملكة- الملك والملكة أشباه عراة الملك مرهقاً خائر القوى..
الملكة : (في ثمالة) مولاي.. حبيبي.
الملك : (في ثمالة مسرفة).. مولاتي تكلمني؟
الملكة : هل من طلب أطلبه فتلبيه..؟
الملك : لك نصف المملكة إذا أردت.
الملكة :حتى أصدق أرفع قضيب الذهب علامة الرضى
الملك : (يرفع القضيب).. لك ما شئت.. (تقبله بنشوة)..
لوحة (6)
المكان: في الخفاء من مخدع الملكة
الملكة تنسل خفية من بين أحضان الملك وتتجه لملاقاة مردخاي الواقف بركن مظلم
الملكة : (بصوت متقطع) كل شيء يسير على ما يرام يا عماه.
مردخاي : أخيراً رفع القضيب.. أصبحت الآمرة الناهية.. لم يبق إلا ليلتان وشوشن اللعينة تستعد من الآن، حيث نصبت الأوتاد في كل مكان.. تنتظر هلاك نسلك من اليهود على يد هامان.. اسمعي: الوقت قصير لن يغفر لك شعبك لو تم التنفيذ.. لن يغفر لك الرب.. سوف تهلكين إذا ما نجا شعبك من مكان آخر(14).
الملكة : (حاقدة).. لا تيئس ياعماه.. الليلة إما أن أقتل الملك وأقتل نفسي وإما أن أقتل هامان وأهله ووعشيرته..

لوحة (7)
المكان حصن شوشن - القاعة العسكرية
القائد : جموع اليهود العصاة في زنزاناتها جاهزة..
هامان : وأنا جاهز أيها القائد.. أخرج العصاة باتجاه الأوتاد في ساحة المدينة ثم أوقدوا المشاعل كي يضاء ليل شوشن.


اللوحة (8)
المكان: مخدع الملكة- حديث رطب يجمع الملك والملكة في الفراش
الملكة : (وهي تلعب بخصلة شعرها) لكنك وعدتني ورفعت القضيب؟
الملوك في وعودهم لا ينكثون؟
الملك : (رغم ثمالته).. ماذا سيقولون عني؟.. الحاشية الملكية.. قادة الجند.. الرعية؟
وهامان الوزير الذي يحمل أوزار المملكة لوحده..؟ (بعد سكتة قصيرة).. لا.. لا يا مولاتي..
(يدلف الملك كأساً من الخمرة، فتضيف الملكة له كأساً أخرى فيدلفه بسرعة..)
الملكة : (تقبله من خده وتعبث بلحيته).. أنت الملك وعلى الرعية الطاعة والولاء.. متى كان الملوك يأمرون والرعاع يرفضون؟ (ساخرة).. وإلا لما احتاج الأمر إلى ملك ومملوك.
(تلتفت إليه نصف التفاتة ويداها تلعبان في صدره وهي تقول بانزعاج كاذب)
.. الرعية في شوشن وفي كافة المرزبانات..
(تقطع حديثها ثم تستأنفه في بكاء تستدر به عطف الملك).
انزل يا مولاي.. انزل إلى الحواري والشوارع.. انزل لتسمع ما تقوله الرعاع عنك؟
(تستشير الملك).
الرعية يا مولاي ترى في وزيرك هامان ما لا تراه فيك.
الملك : (كالمصعوق).. ماذا تقولين؟
الملكة : (في بكاء كاذب).. الرعية يا مولاي.. ترى فيه.. الحاكم والبطل.. قاهر الأعداء ولولاه لكان الملك والملك والرعية بغير أمان.
(يقاطعها في ضيق وانفعال رغم ثمالته الشديدة)
الملك : لا تصدقي كل ما تسمعين يا حبيبتي.. لا..؟ أنا ملك الدنيا.. احشويروش بن داريوس العظيم، الذي طاحن الإغريق.
(يقف لكنه يفقد توازنه فيقع على السرير ويتابع صراخه مع خفوت صوته وهو يردد لا.. لا..
(تناوله الملكة كوباً من الخمرة يدلفه على عجل)
الملكة : (تزيد في إثارته) لقد نسوك يا مولاي.. بقي أن يعملوا منه إلهاً ويعبدوه.. أصح يا مولاي.. يا ملك ملوك الأرض.. أصح يا مليكي وضياء قلبي ونور عيني.. يا من قلبي يتفطر له لوعة وأسى (تناوله كوباً من الخمر)
(بعد سكتة قصيرة.. تمسك برأس الملك وتضمه إلى صدرها بقوة ثم تدفعه بتهالك على الفراش.. الملك يبكي منهاراً..)
اصح يا بن داريوس العظيم.. فهامان في طريقه ليقضي عليك ويعتلي عرشك.. عرش أجدادك العظام
(تحاول مساعدته على الوقوف لكنه لا يستطيع
تقبله من عنقه ثم تمسح العرق عن جبينه)
الملكة : (بصوت دافئ وحنان).. هامان نفسه في العرش يا مولاي
الملك : (بتثاقل).. لا.. يا أستير.. أيتها الحبيبة المخلصة.. أيتها الملاك الطاهر (يرفع رأسه نحوها)
هامان وزيري ولا أظنه يفعل هذا يا أستير؟
الملكة : أنت تظن يا مولاي والظن لا يقي الملوك شر المؤامرة (تضمه إلى صدرها).. أكنت تظن بزوجتك وشتي الخائنة ولو مرة واحدة؟ (تبتعد عنه قليلاً)..
الملك : (ينتفض كالملسوع).. الخائنة.. كادت تقتلني لولا إخلاص مردخاي الذي فضحها وأنقذني من الموت المحقق.. وهامان يريد إقناعي بأنها لم تكن خائنة.. (يضحك بسره)..
الملكة : (بخبث).. إذا مردخاي أنقذ حياتك من غدر زوجتك الخائنة التي أرادت قتل مولاي وحبيبي..
(تبكي كذباً.. الملك يقترب منها بثقل يلعب بظفائر شعرها)
الملك : لا عليك يا أسيرتي سوف يكون لك ما تريدين (يبحث عن القضيب.. يتناوله ثم يرفعه).
الملكة : (بعد أن تقبله).. أريد هامان.. أريده حياً أو ميتاً يا مولاي.
(تتناهى المخدع أصوات احتفالية بعيدة ممزوجة بالأهازيج والغناء تقترب الأصوات رويداً رويداً في علوها.. الملك والملكة يتجهان باتجاه نافذة الشرفة.. الملكة تفتحها.. تدلف الأصوات برتم عالي.. الأصوات تحي هامان وتنصره وتهتف بحياته، وأصوات أخرى تندد باليهود.. تغلق النافذة بقوة.. تضع يدها على صدرها الذي بدأ يرتفع وينخفض بفعل توتر طرقات القلب)
الملكة : (تبكي).. الليلة الثالثة عشرة.. آلاف المشاعل أضاءت ليل "شوشن" آلاف الأوتاد نصبت لاستقبال آلاف اليهود.
(تفتح النافذة من جديد.. أصوات تنبعث تحي هامان وتنصره).
الملكة : (تزيد في ثورة الملك).. هل من صوت يهتف بحياتك.. العرش يهتز؟
اصح أيها الملك يا بن داريوس العظيم.
الملك : (يثور).. الويل لهم إن صدقوا هذا؟ أنا الذي صنع هامان، وأنا الذي سأهلكه.. (يخرج بسرعة يترنح وهو يصرخ).
أنا الملك.. أنا الملك.. أنا الملك..

اللوحة ما قبل الأخيرة
(نهاية اللعبة)
المكان: نفس المشهد السابق - الليلة ذاتها
وبعد خروج الملك.. يخرج مردخاي من إحدى زوايا المخدع
مردخاي : كم كنت رائعة وفاتنة وملعونة يا أستير
الملكة : تبقى أنت معلمي
مردخاي : (شارحاً) اطلبي في الحال الوزير هامان.. ادعيه للحب والخمرة
الملكة : وإن رفض.
مردخاي : لا ينقصك أسلوب المراودة.. سواء رفض أم لم يرفض سنكون أنا والملك والحاشية شاهدين على فعلته.. فقط عليك بالصراخ.
(يختفي)
الملكة : (تنادي الخصي) أيها الخصي
الخصي : أمر مولاتي
الملكة : أسرع في طلب الوزير هامان وبسرعة، أريده في مخدعي
(مع نفسها تكلم نفسها)
سأعرف كيف أقتصّ منك أيها العمليقي.. هذه الليلة الأخيرة.. أما أنا وشعبي وأما أنت وعشيرتك..
(بعد فترة قصيرة يدخل الوزير هامان وقد ارتدى أجمل الثياب.. الملكة على فراشها تتلوى بشبق)
الملكة : تعالى أيها الوزير الوسيم.. تعالى وشاركني الشراب والفراش.. تعالى لنحتفل معاً في هذه الليلة.. ليلة انتصارك العظيمة.
هامان : (يعتذر مدهوشاً).. مولاتي؟ أرجو إعفائي من ذلك (تقترب منه بغنج.. تمرر يدها على صدره تمرر كوب الخمر من فمه.. يبعد يدها بلطف..)
الملكة : (بحقد) تريد قتل شعبي يا هامان.. تريد قتل نسلي؟ لا.. لا أيها العمليقي (تضحك بنشوة الشراب).
ولكن قبل أن تقتل نسلي.. اقتلني أولاً.. لتحظى بشرف قتل ملكة يهودية..
(ترفع الكوب ملوحة به.. تمرر يدها على مواضع فتنتها بإغراء).
لكن قبل قتلي أمنحك شرف دعوتي إلى شرابي وفراشي وتكبيسي.. تعالي لتعتلي المجد العظيم لجسد امرأة يهودية ملكة وفاتنة (تضحك بثمالة).
هامان : (يحدث نفسه).. أيتها العاهرة.. تراويديني في غياب الملك..؟ (يريد الخروج) أيتها الملكة.. أرجو السماح لي بالانصراف.
الملكة : لا أيها الوزير.. لن تخرج قبل أن تسمع أمري
(تنهض وتتجه إليه بعيون حاقدة)
الملكة : اسمع أيها الوزير وافعل ما آمرك به
هامان : (لنفسه).. لا بد أنها تحيك مؤامرة جديدة.. إنها حرباء في جلد امرأة.
الملكة : (بانفعال) بما تحدثك نفسك أيها العمليقي
هامان : (صامت لا يرد)
الملكة : عجل في إصدار قرار الملك وأطلق سراح اليهود في كافة المرزبانات.
هامان : (مدهوشاً) الملك مولاي هو من يأمر بذلك
الملكة : هذه رغبة الملك وعليك تنفيذها.. (ترفع قضيب المُلّك)..
هامان : (في ذهول).. لا..؟ هذه لعبة جديدة تلعبينها.
الملكة : (ضاحكة).. هه.. هه.. (تعود إلى فراشها نصف جالسة)
ماذا تحسب نفسك؟ أنت مجرد خادم وجندي في المملكة لا تنسى أني الملكة وعليك الطاعة والولاء.. (واقفة).. هيا انحني واخرج ونفذ ما أمر به الملك.
هامان : (كالمصعوق تقوده قدماه إلى فراشها).. عرفت كيف تصلين بخبثك.. أنت تفوقين مردخاي حيلة ومكراً أيتها العاهرة.
الملكة : (بوقاحة).. بل وأكثر أيها العمليقي واعلم أن الذئب لا يضحك حين يكشر عن أنيابه.
(تضحك بقوة)
هامان : لم أخف الذئب يوماً وقد بنيت من رؤوسها حصناً وقلاعا
(يقترب من الفراش.. يثب إليها يحاول خنقها تصرخ بقوة يدخل مردخاي والملك وبعض الحاشية.. يشير مردخاي للحرس بالقبض على هامان.. هامان يقف مذهولاً..
بينما الملكة تهرع إلى الملك قائلة)
الملكة : خائن.. جبان.. دخل مخدعي عنوة.. طلب الشراب والفراش.. يريد أن يكبّسني في غيابك يا مولاي.. (تبكي بصنعة)..
هامان : (بذهول).. أنا.. أنا أيتها الفاسدة
الملك : (مفجوعاً) حتى هذا ياهامان تريد أن تكبّس الملك معي..؟
خذوه واصلبوه على خشبة ارتفاعها خمسون ذراعاً..
واصلبوا أبناؤه ونسله وأعوانه..(15)
مردخاي : (للحرس).. غطوا وجهه بوشاح أسود (يقترب الملك من هامان وينزع خاتمه من اصبعه)
الملك : (لمردخاي) خذ خاتمي هذا، فأنت وزيري الأول.. وافعل ما شئت في البلاد من الهند إلى كوش (الحبشة) -وما تقتضيه مصلحة البلاد.
مردخاي : سأكون العين الساهرة لمولانا..
(يخرجون جميعاً عدا مردخاي الذي يتقدم باتجاه المنصة من الامام وهو يخطب)
"على اليهود في كل المدينة، أن يهلكوا ويقتلوا ويبيدوا كل شعب حتى الأطفال والنساء والشيوخ وأن يعيدوا في اليوم الرابع والخامس عشر"(16)
مردخاي الوزير الأول
466ق.م











المشهد الأخير

لوحة(1).. الشروق
المكان: ساحة"شوشن" الكبيرة
الزمان: الرابع عشر من الشهر الأول الفارسي سنة 466 ق.م
المنظر: يُرينا مئات الأوتاد المتقاطعة والمربوطة بحبالٍ على شاكلة حرف(×) كما نلحظ أن آلاف المشاعل التي أضائت ليل مدينة شوشن" وساحتها بدأت بالخفوت التدريجي مع بزوغ خيوط الحزينة، ترافق دخول أرتال المعتقلين تباعاً وهم مكبلين الأيدي والأرجل بالجنازير والأثقال الحديدية باتجاه الأوتاد المعدة لصلبهم، يتقدمهم هامان العمليقي.
- فجأة وعلى صوت إيقاع صاخب مرافق، تدخل متدافعة جموع من الناس ومن جميع الجهات المطلة على الساحة بغليانٍ صاخب ما تلبّث أن تحيط بهامان وهي تهتف له.
- أثناء ذلك تزداد أشعة الشمس بزوغاً وتوهجاً وتحول حتى تحيلُ الساحة إلى قطعة من نور مبهر يعمي الأبصار.
- ملاحظة: هذه اللوحة الرمزية تستمر لفترة بعد تشكيلها.





هوامش الفصل الثالث

1-2-اسفانا واريداي: من أبناء هامان العشرة - الترجمة اليسوعية- العهد القديم.
3-4-دلفون واريساي: من أبناء هامان العشرة- الترجمة اليسوعية- العهد القديم.
6-7-8-9-مدن مصرية فرعونية قديمة بناها الفراعنة في أوقات مختلفة من حكم أسر الفراعنة التي تتالت على مصر.
10-أحد الاحتجاجات الثلاثة المقدمة إلى ملوك فارس..
اثنان للملك "ارتحشتا".. واحتجاج واحد للملك الفارسي "احشويروش" وهذا نموذج منها -راجع سفر استير- العهد القديم.
11-راجع الأصحاح الرابع من سفر استير (العهد القديم)
12- المرجع السابق
13- المرجع السابق.
14- المرجع السابق
15- المرجع السابق
16-عيد البوريم (أي القرعة).. لأن هامان ألقى القرعة لإفنائهم.. (سفر استير- العهد القديم).
17- هذه المسرحية نشرت لأول مرة عام 1986 تحت اسم إحداث الليلة الثالثة عشرة وأعيدت كتابتها بشكل معدل ودقيق عام 1997.






المحتوى
الفصل الأول 5
المشهد الأول : هواجس الحكيم أردشير 7
المشهد الثاني: في بيت مردخاي 17
المشهد الثالث: أخبار العائلة المالكة قبل عودة الملك 22
المشهد الرابع: طالع النجم الكبير 25
المشهد الخامس: حكايا من التلمود 31
هوامش الفصل الأول 37
الفصل الثاني 39
المشهد الأول: ليلة مقتل العراف 41
المشهد الثاني: كذب المنجمون ولو صدقوا 58
المشهد الثالث: المؤامرة 64
المشهد الرابع: الاستعداد للقتل 71
المشهد الخامس 75
المشهد السادس:بعد خمس سنوات 78
هوامش الفصل الثاني 84
الفصل الثالث 87
المشهد الأول:هواجس هامان 89
المشهد الثاني: حياً أو ميتاً 98
المشهد الثالث::الانفجار الكبير 102
المشهد الرابع: ناراسين يعترف 116
المشهد الخامس::اغتيال ناراسين" 125
المشهد السادس: اللقاء السري 131
المشهد ما قبل الأخير: أحداث الليلة الثالثة عشرة 134
المشهد الأخير 149
هوامش الفصل الثالث 151




رقم الايداع في مكتبة الأسد - الوطنية

آخر العمالقة:مأساة في ثلاثة فصول / حمدي موصللي - دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1998-154ص؛ 24سم .

1- 812.051 م و ص أ
2- 812.009561 م و ص أ
3- العنوان
4- موصللي

ع -1515/9/98 مكتبة الأسد





هذا الكتاب
مسرحية تعالج هموماً قومية تدور أحداثها في فترة تاريخية معينة تفضح دور اليهود التآمري في التاريخ، حيث تبدو المآمرة سلاحاً أساسياً من أسلحة اليهودية العالمية.
والمسرحية في إطار كلاسيكي، لغتها جزلة والحبكة الدرامية تثير التشويق لدى القارئ أو المشاهد وتسلسل الأحداث وتطورها متصاعد نحو نهاية الحدث الفجائعية.


الموضوع الأصلي : آخر العمالقة || المصدر : منتديات روضة الكتب


Nov hgulhgrm






  رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32