المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية - جزء الثاني


gogo
10-22-2019, 01:29 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب: عمدة الرعاية بتحشية شرح الوقاية
المؤلف: الإمام محمد عبد الحي اللكنوي (ت1304هـ)
المحقق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
الناشر: مركز العلماء العالمي للدراسات وتقنية المعلومات
الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: 10
[الكتاب مرقم ترقيماً آلياً للموسوعة غير مطابق للمطبوع]
ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة]
وإذا ادَّهنَ[(1)](2) فأمرَّ الماءَ عليه(3) لم(4) يصل(5) يجزئ.
__________
(1) قوله: وإذا ادَّهن؛ بتشديدِ الدالِ المهملةِ من الادِّهان؛ أي استعملَ الدهن في شعرِ الرأسِ أو اللحية فأمرّ بتشديدِ الراءِ المهملة من الإمرار؛ أي أسال إليه الماء، فلم يصل؛ أي الماء إلى العضو، وفي بعض النسخ: فلم يقبل؛ أي العضو؛ يجزئ؛ أي يكفي من دونِ ضرورةِ إزالةِ الدهنِ وغسلِ الرأسِ بالخطميّ وغيره لما فيه من الحرج.
(2) ادَّهن أي استعمل الدهن كزيت وشيرج وحوه بخلاف شحم وسمن جامد في عضو من أعضاءه، فإذا أسال الماء إليه لم يصل إلى العضو، فإن يكفي دون ضرورة إزالة الدهن؛ لوجود غسل العضو، كذا في ((رد المحتار))(1: 104)، و((عمدة الرعاية))(1: 78).
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و م.
(4) في أ: فلم.
(5) في ب و س و ص: يقبل.
(1/351)
________________________________________
وأمَّا ثُقْبُ[(1)] القُرْط(2): فإن كان القُرْطُ فيها، فإن(3) غلبَ على ظنِّه أنَّ الماءَ لا يصلُ من غيرِ تحريك، فلا بدَّ منه. فإن(4) لم يكنْ القُرْطُ فيها، فإن غلبَ على ظنِّهِ أنَّ الماءَ يصلُ من غيرِ تكلُّفٍ لا يتكلَّف، وإن غلبَ على ظنِّه أنَّهُ لا يصلُ إلا بتكلُّفٍ يتكلَّف. وإن انضمَّ الثُّقْبُ بعدَ نزعِه، وصارَ بحالٍ إن أمرَّ الماءَ عليها(5) يدخلها، وإن غفلَ لا يدخلها(6) أمرَّ الماء، ولا يتكلَّفُ في إدخالِ شيءٍَ سوى الماءِ من خشبٍ أو نحوه(7).
وإن كان في أُصْبَعِهِ[(8)] خاتمٌ ضيقٌ يجبُ تحريكُه؛ ليصلَ الماءُ تحتَه.
__________
(1) قوله: وأمّا ثقب؛ بالضم والضمتين جمعُ ثقبة بالضمّ، هي التي يدخلُ فيها القرط وغيره، ويقال له بالفارسية: سوراح، والقرطُ بالضم: حليةُ تعلّق في الأذن أو في شحمته للتزيين، وهو جائزٌ للنّساء، كما قال في ((جامع أحكام الصغار)): لا بأسَ بثقبِ أذنِ الطفلِ من البنات؛ لأنّهم كانوا يفعلونَ ذلك في زمانِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم من غير إنكار. انتهى، ومكروهٌ للرجالِ كما صرَّح به في ((الحاوي القدسي))، وكذا يجوزُ ثقبُ الأنفِ للبنات؛ لتعليقِ الخزام، صرَّح به الطحطاويّ في حواشي ((الدر المختار)).
(2) القُرْطُ: هو ما يعلق في شحمة الأذن. كما في ((تاج العروس))(20: 11).
(3) في ف و م: و.
(4) في أ و ب و س: وإن.
(5) في أ و ص و ف: عليها الماء.
(6) في ص و ف و م: يدخل.
(7) لأن المعتبر غلبة ظنه بوصول الماء. كما في ((الدر المختار))(1: 104).
(8) قوله: وإن كان في إصبعه؛ بكسرِ الهمزة، وسكون الصاد: انكَشت؛ أي إصبع المغتسل خاتم بكسر التاء وفتحها بالفارسية: انكَشتري ضيق: صفةٌ للخاتم؛ أي يكون بحيث لو لم يحرِّك لم يصلْ الماءُ تحته.
(1/352)
________________________________________
ويجبُ على الأَقْلَفِ(1) إدخالُ الماءِ داخلَ القُلْفَة(2)، وإن نزلَ البولُ إليها، ولم يخرجْ عنها نقضَ الوضوء، هذا عند بعضِ المشايخ[(3)](4) - رضي الله عنهم -، فلها حكمُ الظَّاهرِ من كلِّ وجه.
__________
(1) الأَقْلَفُ: من لم يُخْتَن. كما في ((تاج العروس))(24: 282).
(2) القُلْفَة: جلدة الذَّكَرِ التي أُلبستها الحشفة، وهي التي تقطع من ذكر الصبي. كما في ((تاج العروس))(24: 282).
(3) قوله: هذا عند بعض المشائخ؛ الحاصلُ أن القلفة عند بعضٍ لها حكمُ ظاهرِ الأعضاء فيفرضُ غسلُ ما تحتها، وينتقضُ الوضوءُ بوصولِ البول إليها، وإن لم يخرجْ من رأسِ الإحليل، وعند البعضِ لها حكمُ الظاهرِ في حقّ انتقاضِ الوضوء، وحكمُ الباطن في حقّ وجوبِ الغسل، وصحَّح في ((البدائع)) القولَ الاول واختاره صاحب ((الهداية)) في ((مختارات النوازل)) وصحح في ((البحر)): سقوطُ غسلِ ما تحتها للحرج، ولعلَّ الحقَّ ما اختاره الشرنبلاليّ في ((نور الإيضاح)): إنّه إن أمكن فسخُ القلفة وقلبها وظهورُ الحشفةِ يجب حينئذٍ غسلُ ما تحتها، وإلا فلا.
(4) صحح الزيعلي في ((التبيين))(1: 14) ملا خسرو في ((غرر الأحكام))(1: 17)، والعيني في ((رمز الحقائق))(1: 10) وجوب إيصال الماء داخل القلفة. واختاره صاحب ((مجمع الأنهر))(1: 21)، والكردري، وصاحب ((الهداية)) في ((مختارات النوازل)).
وصحح الكمال في ((فتح القدير))(1: 50) استحباب إدخال الماء داخل القلفة، وتبعه الحصكفي في ((الدر المنتقى))(1: 21)، و((الدر المختار))(1: 103)، وابن نجيم في ((البحر))(1: 51)، واختاره صاحب ((الكَنْز))(ص3)، و((الملتقى))(ص4).
وصحح الشرنبلالي في ((حاشيته على الدرر الحكام))(1: 17)، و((المراقي))(ص137) التفصيل، فإذا كان يمكن فسخ القلفة بلا مشقة لا يجزئه تركه، وإلا أجزأه. وتبعه اللكنوي في ((عمدة الرعاية))(1: 79).
(1/353)
________________________________________
وعند البعض: لا يجبُ إيصالُ الماءِ إليها في الغُسْل، مع أنَّهُ ينقضُ الوضوءَ إذا نزلَ البولُ إليها، فلها حكمُ الباطنِ في الغُسل، وحكمُ الظَّاهرِ في انتقاضِ الوضوء.
(لا دلكُه[(1)](2).
وسُنَّتُهُ:
__________
(1) قوله: لا دلكه؛ أي لا يفترضُ دلكُ البدنِ كما قاله مالك، وروي عن أبي يوسف معلَّلاً بأنّ المأمورَ به في الغسلِ المبالغةُ في التطهير، وذا يكونُ بالدلك؛ أي مرسُ البدنِ باليد، ومسحها عليه، وعلَّل أصحابنا بقوله عليه السلام لأبي ذر رضي الله عنه: ((إنَّ الصعيدَ الطيّب وضوءُ المسلم، وإن لم يجدْ الماءَ عشرَ سنين، فإذا وجدَ الماءَ فليمسّه بشرته))، أخرجَه أصحاب السنن.
(2) ولا يجب الدلك إلا في رواية عن أبي يوسف - رضي الله عنه -،وكان وجهه خصوص صيغة{ فاطهَّروا}، فإن فُعِلَ للمبغالة، وهو أصله، وذلك الدلك. كما في ((فتح القدير))(1: 50)، ولنا: الدلك يكون متمماً فيكون مستحباً. كما في ((شرح الوقاية))(ق8/أ) لابن ملك.
(1/354)
________________________________________
أن يغسلَ يديهِ[(1)] [إلى رسغيه](2)، وفرجَه[(3)]، ويزيلُ نجساً[(4)] إن كان): أي إن كانت النَّجاسة[(5)] (على بدنِه[(6)](7)، ثمَّ يتوضَّأُ[(8)
__________
(1) قوله: أن يغسلَ يديه؛ فيه إشارةٌ إلى أنّه يسنُّ الابتداءُ بغسلهما؛ لأنّهما آلةُ التطهير، فينبغي أن يطهرا أوّلاً، وهو غير الغسل الذي في بدءِ الوضوء، به شهدت أخبارُ الغسلِ النبويّ المرويّة في كتبِ الصحاح، كما بسطنا في ((السعاية)).
(2) زيادة من أ و س.
(3) قوله: وفرجه؛ قال أخي جلبي: غسلُ الفرجِ غير مختصّ بالرجل؛ لأنّ غسلها كغسلِه غاية الفرق أنّ لها فرجين، ولا يجب عليها تطهير الباطن. انتهى. وأنت تعلمُ أنَّ ضميرَ فرجَه راجع إلى المغتسل، والفرجُ يعمّ فرجَ الرجلِ والمرأة، فأين الاختصاص.
(4) قوله: ويزيل نجساً؛ هذه سنّة على حدة، غير غسل الفرج، فإنّه غير مختصّ بوجودِ النجاسةِ عليه، كما صحَّحه الطرابلسيّ في ((البرهان شرح مواهب الرحمن))، وصاحب ((البحر)) وغيرهما، وما توهَّم الزيلعيّ في ((شرح الكنْز)): إنّ غسلَ الفرجِ إنّما هو للنجاسة باطل.
(5) قوله: أي إن كان النجس؛ فائدةُ التفسيرِ الأوّل الإشارةُ إلى أن ضميرَ كان راجعٌ إلى النجسِ لا إلى المغتسل، كالضمائرِ السابقة، وفائدةُ التفسيرِ الثاني الإشارةُ إلى أنّ النجسَ في المتن بفتح الجيم.
(6) قوله: على بدنه؛ أشارَ به إلى أنّ المسنونَ هاهنا هو تقديمُ إزالةِ النجسِ من بدنه، وأمّا إزالته من ثوبِهِ فأمرٌ آخر، وإلى أنّ النجسَ أعمّ من أن يكونَ على فرجه أو عضو آخر.
(7) وإزالة النجاسة سنة على حدة غير غسل الفرج، فإنه غير مختص بوجود النجاسة عليه، كما في ((البحر))(1: 52)، و((الدر المختار))(1: 106).
(8) قوله: يتوضّأ؛ فيه إشارةٌ إلى أنّه يمسحُ الرأسَ في هذا الوضوء، وهو الصحيحُ كما في ((الخلاصة)). قوله: أي بالتحريك وادخال شيء اي يجب عليه ان يتكلف بادخال الخشبة ونحوها بفتح الهمزة الذي لم يختن بالضم الجلد الذي يقطع عند الختان ويكون محيطا بالحشفة لوجود خروج النجس الى الخارج في بعض النسخ سننه بالجمع اي من يغتسل رجلا كان او امرأة لو بدل الواؤ ههنا وفي ما يليه بثم لكان اولى ليكون والاعلى استنان الترتيب.
(1/355)
________________________________________
] إلا رجليه)، استثناءٌ متَّصل[(1)]، أي يغسلُ[(2)] أعضاءَ الوضوء(3) إلا رجليه، (ثُمَّ يفيضُ[(4)
__________
(1) استثناءٌ متصل؛ دفعٌ لما يتوهّم أنّه لا يصحّ الاستثناء؛ فإنّ الشرطَ فيه ان يكون ما بعده من جنسِ ما قبله داخلاً في حكمه، لولا الاستثناء، ومن المبين أنّ ما بعد إلا هاهنا أعني رجليه ليس من جنسِ الوضوء، وحاصله أنّ المستثنى منه هاهنا ليس هو الوضوء بل أعضاء الوضوء.
(2) قوله: أي يغسل؛ تفسيرٌ لقوله: يتوضَّأ بحيثُ يظهرُ المستثنى منه، وأوردَ عليه بأنّ هذا التفسير ناقص، لعدمِ ذكرِ مسح الرأس فيه، مع أنّه ليس في هذا الوضوء أيضاً على الرأي المعتمد، كما في ((الخلاصة))، و((التاتارخانيّة))، والجوابُ عنه بأنّه اختارَ روايةَ الحسنِ عن أبي حنيفةَ رضي الله عنه أنّه لا يمسح، وبأنّ في كلامِهِ تغليباً، فمعنى يغسل عامٌّ شاملٌ للمسح، وبأنّ لفظ: ويمسح محذوف، كما ذكره الناظرون، كلَّه ضعيفٌ جدّاً، والذيَ سنح لي أنّه ليس تفسيراً لقوله: يتوضَّأ حتى يردَ عليه ما أورد، بل هو إظهارٌ للمستثنى منه، وإشارةٌ إلى أنّه استثناءٌ من المفهومِ لا من المنطوق.
(3) والأولى أن يمسح رأسه في هذا الوضوء، وهو الصحيح. كما في ((البحر))(1: 52).
(4) قوله: ثمّ يفيض؛ فيه إشارةٌ إلى كونِ الترتيبِ بين التوضئ وبين الإفاضةِ مسنوناً، وإلى أنّ الإفاضةَ مسنونة، فلو لم يوجد الصبّ لم يكن الغسلُ مسنونا، وإن زالَ الحدث، وهذا في غير الماء الجاري، وأمّا في الماءِ الجاري فلو انغمسَ فيه، ومكثَ قدر الوضوءِ والغسلِ فقد أكملَ السنَّة، وإلا فلا. كذا في ((الدرر شرح الغرر))، و((الغنية)) وإلى أنّه لا يعيد المضمضة والاستنشاق عند الإفاضة، فإن فعلهما عند الوضوءِ السابقِ نابَ منابَ الفرض. كذا قال الطحطاوي في ((حواشي الدرّ المختار))، واختلف في كيفية الإفاضة على ثلاثة أقوال: أحدها ما نقله في ((المجتبى)) عن شمس الأئمّة الحلوائيّ وقال: إنّه الأصحّ أنّه يفيضُ على منكبه الأيمن ثلاثاً، ثمَّ على الأيسرِ ثلاثاً، ثمَّ على رأسهِ وسائر جسده، وثانيها: ما نقله في ((التاتارخانيّة)) أن يبدأ بالأيمنِ ثلاثاً ثمّ بالرأس، ثمّ بالأيسر، وثالثها: هو ظاهرُ ((مختصرِ القدوري)) و((الهداية)): إنّه يبدأ بالرأسِ ثم بالأيمنِ ثمّ بالأيسر، وهو الموافقُ لعدَّةِ أحاديثَ في ((صحيح البخاري)) وغيره، واختاره الحلبيّ في ((الغنية))، وصاحب ((فتح القدير))، وصاحب ((البحر))، وصاحب ((النهر))، وقال: إنّه ظاهرُ الرواية.
(1/356)
________________________________________
](1) الماءَ على كلِّ(2) بدنِهِ[(3)] ثلاثاً، ثمَّ يغسلُ رجليهِ[(4)] لا في مكانِه):أي إذا
__________
(1) اختلفوا في كيفية الإفاضة: فقيل: يبدأ برأسه، ثم منكبه الأيمن، ثم الأيسر، وهذا اختيار صاحب ((المراقي))(ص141)، و((فتح باب العناية))(1: 87)، و((تحفة الفقهاء))(1: 29)، و((البدائع))(1: 34)، و((الهداية))(1: 16)، و((فتح القدير))(1: 51)، والقدوري في ((مختصره))(ص3)، و((التبيين))(1: 14). و((البحر))(1: 52). وصححه الحصكفي في ((الدر المختار))(1: 107)، وقال: هو ظاهر الرواية، الأحاديث. مثل حديث عائشة - رضي الله عنه -: ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله)) في ((صحيح البخاري))(1: 99)، وغيره.
وقال الحلواني: يفيض الماء على منكبه الأيمن ثلاثاً ثم الأيسر ثلاثاً ثم على رأسه، وعلى سائر جسده ثلاثاً. واختاره صاحب ((التنوير))(1: 107)، وصححه ملا خسرو في ((الغرر))(1: 18)
وقيل: يبدأ بالأيمن ثلاثاً، ثم بالرأس، ثم بالأيسر. كما في ((التاتارخانية))(ق21/ب)، و((حاشية الشلبي على التبيين))(1: 14).
(2) سقطت من م.
(3) قوله: على كلّ بدنه؛ أشارَ به إلى أنّ المسنونَ بعد الوضوء هو الصبّ على جميعِ أجزاءِ البدن، لا أن يفيضَ على ما سوى أعضاءِ الوضوء اكتفاءً بالتوضي السابق.
(4) قوله: ثمّ يغسل رجليه؛ فيه إشارةٌ إلى أنّه لا يعيدُ الوضوءَ بعد الغسل، لما روي عن عائشةَ رضي الله عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعيدُ الوضوءَ بعد غسلِ الجنابة))، أخرجه ابن ماجه والترمذيّ.
(1/357)
________________________________________
كان[(1)
__________
(1) قوله: أي إذا كان... الخ؛ اعلم أنّهم اختلفوا في هذا الباب على أٍقوال ثلاثة: أحدها: أن لا يؤخِّرَ غسلَ رجليهِ مطلقاً، بل يغسلهما عند الوضوء، وهو قولُ الشافعيّن ومختارُ بعض أصحابنا استدلالاً بظاهرِ حديثِ عائشةَ رضي الله عنها في ((صحيح البخاري)) و((مسلم))، و((سنن النسائي)) و((أبي داود)) وغيرها: إنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتوضَّأ كما يتوضَّأ للصّلاة قبل إفاضةِ الماءِ على سائرِ جسده))، وثانيها: إنّه يؤّخرُ مطلقاً، وهو مختارُ أكثرِ أصحابنا، وإليه يومئ كلامُ المصنّف وسندُهم حديثُ ميمونة رضي الله عنها عند البخاري ومسلم وغيرهما: إنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تمضمضَ واستنشقَ وغسلَ وجهه ويديه، ثمَّ صبَّ على رأسه وجسده ثمَّ تحوَّل عن مكانِهِ فغسلَ قدميه، وثالثها: ما اختارَه صاحب ((الخلاصة)) و((المجتبى)): إنّه يؤخّر إن اغتسلَ في مستنقعِ الماء، وأمّا لو اغتسلَ على حجرٍ أو لوحٍ ونحوهما ممّا لا يجتمع فيه الماءُ فلا يؤخّر، وهذا الخلافُ كلّه إنّما هو في الأوّليّة والسنيّة لا في الجوازِ وعدمه، صرّح به صاحبُ ((البحر))، إذا عرفتَ هذا كلّه فاعرفْ أن كثيراً من الناظرينِ ظنّوا أنّ قول الشارح هاهنا تقييداً لكلام الماتن، فإنّ منطوقَ المتنِ التأخيرُ مطلقاً، فأشارَ بقوله: أي إذا كان... الخ إلى أنَّ التاخير مقيّد بما إذا اغتسلَ في الموضعِ الذي يجتمعُ فيه الماء، فإنّ غسلَ الرجلينِ يؤخّر حينئذٍ لتلوِّثِ الرجلينِ بالماء المستعمل، وعدمُ حصولِ فائدةٍ من غسلِ الرجلين سابقاً، وأما إذا اغتسلَ في موضعٍ لا يجتمعُ فيه الماءَ فلا، ولا يخفى عليك ما فيه، فإنّه لو كان كذلك لذكره عند قوله: إلا رجليه ويقال: يغسل رجليه عند الوضوء بدل قوله يغسل رجليه هناك، والصحيح أنّ قولَ الشارحِ هاهنا ليس تقييداً للتأخيرِ بل لقوله: لا في مكانه، فحاصله أنّ المسنونَ هو التأخيرُ مطلقاً، وغسلهما بعد إفاضةِ الماءِ على سائرِ جسده لكن غسلهما بعد الإفاضةِ لا في ذلك المكان مقيّد بما إذا اغتسلَ في مجتمعِ الماء، وأما إذا لم يكن كذلك فيغسلهما بعد الإفاضة في ذلك المكان من غير حاجةٍ إلى التنحي عن مكان الغسل.
(1/358)
________________________________________
] مكانُ الغُسْلِ مجتمعَ(1) الماءِ المستعمل، حتى إذا اغتسلَ على لوحٍ أو حجرٍ يغسلُ الرِّجلينِ هناك(2).
__________
(1) في م: يجمع.
(2) واعلم أنهم اختلفوا في تأخير غسل الرجلين:
فمنهم من ذهب إلى التأخير مطلقاً كصاحب ((الدر المختار))(1: 106)، وظاهر كلام النسفي في ((الكنْز))(ص4).
ومنهم من ذهب إلى التأخير مطلقاً وهو ظاهر كلام القدوري في ((مختصره))(ص3)، والحلبي في ((الملتقى))(ص4).
ومنهم من ذهب إلى التفصيل، كما قال الشارح، كصاحب ((التبيين))(ص14)، و((المراقي))(ص141)، ((التحفة))(1: 29)، و((البحر))(ص52)، و((تحفة الملوك))(ص28)، و((البدائع))(ص1: 34)، و((الهداية))(1: 16)، و((الاختيار))(1: 19)، ونبه ابن عابدين في ((رد المحتار))(1: 106) أن الاختلاف في الأولوية لا في الجواز.
(1/359)
________________________________________
(وليس على المرأةِ نقضُ ضفيرتِها[(1)](2)، ولا بلُّها إذا ابتلَّ أصلُها): خصَّ المرأةَ بالذِّكرِ(3) لقولِهِ - صلى الله عليه وسلم - لأمِّ سلمةَ - رضي الله عنه -: ((يكفيكِ[(4)] إذا بلغَ الماءُ
__________
(1) قوله: ضفيرتها؛ الضفيرة بفتح الضاد المعجمة، وكسر الفاء: الخصلةُ المجموعةُ من الشعر، يقال: ضفرتُ الشعر إذا أدخلت بعضه في بعض، وحاصلُ المسألة أنّه لا يجبُ على المرأة، بل لا يسنّ أيضاً أن تنقضَ الضفيرةَ لغسلِ الشعور، ولا إيصالِ الماء إليها، وبلَّها بتمامِها، بل يكفيها أن توصلَ الماءَ إلى أصولها، وبلّها به، وإن لم تبلّ الشعورَ المفتولة، وهذا في كلّ غسل، سواءً كان غسلُ الحيضِ أو غسلُ النفاس أو غير ذلك، هذا هو مذهب الجمهور خلافاً للنخعي في كل غسل، ولأحمد رحمه الله في غسلِ الحيضِ فقط، وسلفُ الجمهورِ في ذلك عائشة رضي الله عنها، وابن مسعود رضي الله عنه، وجابر رضي الله عنه وابن عمر رضي الله عنهما، وأم سلمة رضي الله عنها وغيرهم، كما أخرجه الدارميّ في ((سننه)) عنهم، والفقه فيه أنّ في نقضِ الضفائرِ وبلّ جميعِ الشعورِ للنساءِ حرجاً عظيماً، والحرجُ في الشرع موضوع، فسقط عنهنّ غسلها.
(2) الضَّفيرة: الذُّؤابة، وكل خصلة من خصل شعر المرأة تضفر ـ أي تجمع ـ على حدة ظفيرة، وجمعها ضفائر. كما في ((اللسان))(4: 2594),
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(4) قوله: يكفيكِ؛ بالكسر خطاباً إلى أمّ سلمة رضي الله عنها، هكذا ذكرَ هذا الحديثُ بهذا اللفظ صاحبُ ((الهداية)) وغيره، وقال ابن حجر في ((تخريج أحاديثه)): لم أجده؛ أي بهذا اللفظ، وفي ((جامع الترمذي)) عنها: قلت يا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: إنّي امرأة أشدّ ضفرَ رأسي أفأنقضه لغسلِ الجنابة، قال :لا إنّما يكفيك أن تحثّي على رأسكِ ثلاثَ حثياتٍ من ماء، ثمّ تفيضي على سائرِ جسدكِ الماء، فتطهرين))، ونحوه أخرجَه البخاريّ ومسلمٌ وابن ماجه وأبو داود والنسائيّ وغيرهم.
(1/360)
________________________________________
أصولَ شعرِك))(1).
ويجبُ[(2)] على الرَّجلِ نقضُها(3)، وقيل[(4)]: إذا كان الرَّجلُ مضفَّرَ الشَّعرِ كالعلويَّةِ(5)
__________
(1) ورد في كتب الحديث بألفاظ آخرى، مثل: عن أم سلمة، قالت: قلت يا رسول الله إنِّي امرأة أشدّ ضفرَ رأسي أفأنقضه؛ لغسل الجنابة، قال: ((لا إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء)) في ((صحيح مسلم))(1: 259)، واللفظ له، و((صحيح ابن خزيمة))(1: 122)، و((المنتقى))(1: 35)، و((جامع الترمذي))(1: 176)، وتمامه في ((نصب الراية))(1: 80).
(2) قوله: ويجب؛ يعني يجبُ على الرجلِ نقضُ الضفائرِ والذوائب، وغسلِ كلّ شعرٍ من الشعور المسترسلة وغيرها؛ لعدمِ الحرج فيه لهم، بخلافِ النساء، فإنّ التضفّر معتادٌ لهنّ، فسقط عنهم غسلُ المسترسل. كذا قال الصدر الشهيد في ((شرح جامع الصغير)).
(3) فيه عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان نظراً غلى العادة، وإلى عدم الضرورة، وذكر الصدر الشهيد أن يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر في حقهم لعدم الضرورة، وللاحتياط، قال في ((الخلاصة))، وفي شعر الرجل يفترض إيصال الماء إلى المسترسل، ولم يذكر غير ذلك، فكان هو الصحيح، عملاً بمقتضى المبالغة في الأية مع عدم الضرورة المخصصة في حقهم. كما في ((غنية المستملي))(ص48).
(4) قوله: وقيل... الخ؛ قال في ((المنية)) نقلاً عن ((المحيط)): الرجلُ إذا كان مضّفر الشعرِ كما يفعله العلويّون والأتراك: هل يجبُ إيصالُ الماءِ إلى أثناء الشعرِ أم لا؟ عن أبي حنيفة روايتان، وذكر الصدرُ الشهيدُ أنّه يجب. انتهى. قال الحلبيّ في شرحها ((الغنية)): العلويون المنتسبون إلى علي بن أبي طالب وبعضهم يخصه من كان من غير فاطمةَ رضي الله عنها، والأتراكُ أي بالفتح جمع ترك، بضم التاء: اسمُ جنسٍ كالعرب. انتهى. قوله: أي لا يجب عليها ذلك ويقال معناه ليس عليها ذلك مسنوناً.
(5) أي المنتسبون إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وبعضهم يخصهم بمن كان من غير فاطمة - رضي الله عنه -. كما في ((غنية المستملي))(1: 47).
(1/361)
________________________________________
والأتراكِ لا يجب، والأحوطُ أن يجب[(1)].
وقولُه: ولا بلُّها، قال بعضُ مشايخنا[(2)]: تبلُّ ذوائبَها وتعصرُها(3)، لكنَّ الأصحَّ عدمُ وجوبِه، وهذا إذا كانت مفتولة، أمَّا إذا كانتْ منقوضةً يجبُ إيصالِ الماءِ إلى أثناءِ الشَّعرِ كما في اللِّحية؛ لعدمِ الحرج(4).
(وموجِبُهُ[(5)]:
__________
(1) أن يجب؛ لأنّ الأحاديثَ دلَّت على افتراضِ سائرِ أجزاءِ البدنِ الظاهرةِ والشعرِ المسترسل داخلٌ فيها، كيف لا وقد أمرَ الله في الغسلِ بما يفيدُ المبالغة، ومن ثمَّ افترضَ الاستنشاقَ والتمضمض، ولولا حديث أمّ سلمة رضي الله عنها وغيره من الأحاديثِ الدالة على سقوطِ غسلِ المسترسل، ووجوب نقضِ الذوائب من النساء لكان ذلك فرضاً عليهنّ أيضاً.
(2) : قال بعض المشايخ: تبلّ؛ أي يجب عليها مع إيصالِ الماء إلى الأصولِ بل الذوائبِ وعصرها، كذا نقله في ((المجتبى)) عن البقاليّ، ورواه الحسنُ عن أبي حنيفة كما في ((التاتارخانيّة))، وسنده ما وردَ في بعض رواياتِ حديثِ أمّ سلمة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((واغمزي قرونك عند كلّ حفنة)) أخرجه أبو داود، لكنّ أكثر الروايات ساكتةٌ عنه، ومفيدةٌ لكفايةِ الصبّ على الرأسِ ووصولِ الماء إلى أصول الشعور، فمن ثمَّ صحَّح في ((الهداية)) وغيره عدم وجوبه.
(3) قال بهذا الرأي الفقيه أحمد بن إبراهيم، وقال: فائدة اشتراط العصر أن يبلغ الماء شعب قرونها. كذا في ((المحيط))(ص168).
(4) في م: الخرج.
(5) قوله: وموجبه؛ بكسر الجيم؛ أي ما يوجبُ الغسل، وكان المناسبُ بالقياسِ إلى ما ذكره في بحثِ الوضوء وناقضه وإن كان ما لهما واحداً، فإنّ كلّ حدثٍ ناقضٌ لما سبق، وموجبٌ لما يأتي.
(1/362)
________________________________________
إنزالُ[(1)] منيٍّ[(2)](3) ذي دفقٍ[(4)
__________
(1) قوله: إنزال؛ إفعال من النزالة بالضم، وهي: ماء الرجل، يقال: أنزلَ الرجلُ صارَ ذا نزالة، والمرادُ هاهنا الخروجُ بقرينةِ إضافته إلى المني، قاله البرجندي: ويشترطُ فيه الخروجُ إلى خارجِ البدن أو ما في حكمِهِ كالفرج الخارج، والقلفة على قول، فما دامَ في قصبةِ الذكرِ أو الفرجِ الداخلِ لا يجب الغسل، قال في ((الغنية)).
(2) قوله: منيّ؛ بفتح الميم، وكسر النون، وتشديد الياء آخر الحروف، وهو عامٌ يشملُ ماءَ الرجل وماء المرأة وله خواصّ يعرفُ بها، أحدهما: الخروج بشهوةٍ مع الفتور عقبه، الثانية: الرائحة، كرائحةِ الطلع، الثالثة: الخروجُ بدفقٍ ودفعات، هذا كلَّه في منيّ الرجل، وأمّا منيّ المرأةُ فهو أصفرٌ رقيق، كذا قال النووي، وأمّا المذي وهو الماءُ الرقيقُ الذي يخرجُ عند الشهوةِ الضعيفةِ بالملاعبةِ ونحوها من غير دفق، والودي وهو ماءُ أبيضٌ كدرٌ لا رائحة له يخرجُ بعد البول، فموجبان للوضوء لا للغسل.
(3) المَنِيّ: وهو عام يشمل ماء الرجل والمرأة، وله خواص يعرف بها: أحدها: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه، الثانية: الرائحة كرائحة الطلع رطباً، ورائحة البيض يابساً، الثالثة: الخروج بدفق ودفعات، والرابع: أنه أبيض خاثر ينكسر منه الذكر، هذا في مَنِيّ الرجل، وأما مني المرأة فهو أصفر رقيق. وأما المذي: وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة الضعيفة بالملاعبة ونحوها من غير دفق، والودي: وهو ماء أبيض كدر لا رائحة له يخرج بعد البول، وهما موجبان للوضء لا للغسل. كما في ((رد المحتار))(1: 107)، ((عمدة الرعاية))(1: 81)، و((اللباب))(1: 16).
(4) قوله: ذي دفق؛ بالفتح أي سيلانٍ بسرعة، وصبّ بشدّة، وهو وصفٌ يوجدُ في منيّ الرجلِ والمرأة كليهما كما اختارَه في ((غاية البيان))، و((جامع الرموز))، و((معالم التنْزيل))، وغيرها ومنهم مَن أنكرَ الدفقَ في مني المرأة، وليس بصحيحٍ كما بسطته في ((السعاية))، فإن قلت: ذكرُ الدفقِ والشهوةِ كليهما إنّما يستقيمُ على قولِ أبي يوسفَ لاشتراطِهِ الدفقَ والشهوة عند الخروج لا على قولهما، فإنّهما لم يشترطا الدفقَ عند الخروجِ حتى قالا بوجوبِ الغسلِ إذا زالَ المني عن مكانِهِ بشهوة، ثم سكنت الشهوةُ وخرجَ من غير دفق، قلت: هو مستقيمٌ على قولِ الكلّ، فإنّه إذا خرجَ المنيّ بشهوةٍ ودفقٍ يجبُ الغسلُ عند الكلّ، غايةُ الأمرِ بعض الموجبات على رأيهما، وهو خروج المني بشهوةٍ عند الانفصالِ من دون دفق ولا مضائقة فيه.
(1/363)
________________________________________
](1) وشهوةٍ(2) عند الانفصال[(3)](4) ) حتى لو أنزلَ بلا شهوةٍ لا يجبُ الغسلُ عندنا، خلافاً للشَّافعيّ[(5)
__________
(1) الدفق: هو سرعة الصب من رأس الذكر لا من مقرِّه. كما في ((رد المحتار))(1: 108).
(2) صورة إنزال المني على دفق وشهوة عند الانقصال موجب للغسل عند الإمام وصاحبيه (، وشرط الدفق إنما هو عند أبي يوسف لا عندهما، فلم يشترطا إلا الانفصال عن شهوة؛ لذا لم يقيد الإنزال بالدفق الشرنبلالي في ((المراقي))(ص131)، وملا خسرو في ((الغرر))(1: 19)، وصاحب ((التنوير))(1: 109)، وتبعه صاحب ((الدر المختار))(1: 109)، فقال الشرنبلالي: إذا انفصل عن مقرِّه بشهوة. وقد نبه على ذلك البابرتي في ((العناية على الهداية))(1: 53)، وصاحب ((مجمع الأنهر))(1: 23)، والحصكفي في ((الدر المنتقى))(1: 23)، و((رد المحتار))(1: 109)، وغيرهم. وإن كان قيَّده بما قيد به الماتن صاحب ((الهداية))(1: 17)، و((الاختيار))(1: 20)، و((الكنْز))(ص4)، و((الملتقى))(ص4)، والقدوري في ((مختصر))(ص3).
(3) قوله: عند الانفصال؛ أي انفصاله عن موضعِهِ ومستقرّه، وهو الصلبُ في الرجل، والترائب؛ أي عظامُ الصدرِ في المرأة، وهذا متعلّق بقيدِ الشهوةِ لا بالدفق، فإنّه لا يكون إلا عند الخروج.
(4) أي انفصاله عن موضعه ومستقره، وهو الصلب في الرجل والترائب: أي عظام الصدر في المرأة، وهذا متعلق بقيد الشهوة لا بالدفق، فإنه لا يكون إلا عند الخروج. كما في ((السعاية))(ص310).
(5) قوله: خلافاً للشافعيّ؛ فإنّه يقولُ بوجوبِ الغسلِ من خروجِ المني مطلقاً ولو بلا شهوة؛ لإطلاقِ حديثِ ((الماء من الماء))؛ أي الغسلُ واجبٌ من خروجِ المني، أخرجَه مسلمٌ وأحمد والبزارُ وغيرهم، ولنا حديث: ((إذا فضحت الماء فاغتسل)) أخرجَه أبو داود، وفي روايةِ أحمد: ((إذا خذفت الماء فاغتسل))، والخذف والفضح لا يكون إلا مع الدفقِ والشهوة، كذا قال العينيّ، وفي المقامِ مباحثٌ مذكورةٌ في ((السعاية)).
(1/364)
________________________________________
](1)ِ - رضي الله عنه -.
ثمَّ الشَّهوةُ[(2)] شرطٌ وقتَ الانفصالِ عند أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ - رضي الله عنهم -، ووقتُ الخروجِ عند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - حتى لو انفصلَ عن مكانِهِ بشهوة، وأخذَ رأسَ العضوِ حتى[(3)] سكنتْ شهوتُهُ فخرجَ بلا شهوةٍ يجبُ الغسلُ عندهما لا عنده، وإن اغتسلَ قبلَ أن يبول، ثمَّ خرجَ منهُ(4) بقيَّةُ المنيِّ
يجبُ غسلٌ ثانٍ عندهما، لا عنده.
__________
(1) ينظر: ((مغني المحتاج))(1: 70).
(2) قوله: ثمّ الشهوة… الخ؛ اعلم أنّهم بعد اتِّفاقهم على أنّ الغسلَ لا يجبُ إلا بخروجِ المني من الذكرِ لا بمجرَّد انفصالِهِ من مقرِّه، اختلفوا في أنّه هل تشترطُ مقارنةُ الشهوةِ للخروج، فعند أبي يوسفَ رح يشترط؛ لأنَّ وجوبَ الغسلِ منوطٌ بالانفصالِ والخروجِ كليهما، وقد شرطت الشهوةُ عند الانفصالِ اتِّفاقاً، فكذا عند الخروجِ أيضاً، وعندهما لا؛ لأنّه إذا وجدت الشهوةُ عند الانفصالِ وجدَ اسم الجنابة، فيجبُ الغسلُ من غير اشتراطِ أمرٍ زائد، وقال في ((التاتارخانيّة))، نقلاً عن ((النوازل)): بقول أبي يوسفَ نأخذ. انتهى. وفي ((غاية البيان)) قول أبي يوسفَ هو القياس، وقول أبي حنيفةَ ومحمّد استحسانٌ للاحتياط في أمرِ العبادة.
(3) قوله: حتى …الخ؛ بيانٌ لثمرةِ الخلافِ بينهما وبين أبي يوسف رح.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(1/365)
________________________________________
(ولو في نوم[(1)])، ولا فرقَ في هذا بين الرَّجلِ والمرأة[(2)](3)، ورُوِي عن محمَّدٍ - رضي الله عنه - في غيرِ روايةِ الأصول: إذا تذكَّرتْ الاحتلامَ والإنزالَ والتَّلذُّذ، ولم ترَ بللاً كان عليها الغُسْل[(4)]، قال شمسُ الأئمَّةِ الحَلْوانِيِّ(5) - رضي الله عنه -: لا يؤخذُ بهذهِ الرِّواية(6)
__________
(1) قوله: ولو في نوم؛ أي ولو كان خروجُ المني في نومٍ فإنّه إذا استيقظَ فإن تذكَّر الاحتلامَ ولم يرَ بللاً على بدنِهِ ولا على فراشِهِ لا غسلَ عليه، وإن تذكَّر الاحتلامَ ورأى بللاً، أو لم يتذكَّر ورآه يجبُ عليهِ الغسل، لحديث: ((الماء من الماء)) كما مرّ ذكره.
(2) قوله: بين الرجلِ والمرأة؛ فإنّها إذا رأت بللاً وجبَ عليها الغسل، تذكَّرت المنامَ أو لم تتذكّر؛ لحديث أمّ سليم أنّها سألتَ رسولَ الله عنه فأجابَ بأنّه يجبُ عليها الغسلُ إذا رأت الماء، أخرجَه الترمذيّ ومسلمٌ والبخاريّ وغيرهم، وفي البابِ أخبارٌ بسطنا ما لها وما عليها في ((السعاية)). قوله: فإنّ سقوطَ غسل الشعورِ عن النساءِ إنّما كان بالنظرِ إلى الخروج، وهو مفقودٌ في صورةِ كونِ الشعور غير منقولة.
(3) فإنها إذا رأت بللاً وجب عليها الغسل، تذكرت المنام أو لم تتذكر، كما في ((عمدة الرعاية))(1: 81).
(4) : كان عليها الغسل؛ هذا ممّا اختاره صاحب ((الهداية)) في ((مختارات النوازل)) وفي ((التجنيس والمزيد))، ووجهه بأنّ ماءها لا يكونُ واقفاً كماءِ الرجل، وإنّما ينْزلُ من صدرها، ولا يخفى ما فيه،أمّا أولاً: فإنّ عدمَ الدفق فيه ممنوع، وأمّا ثانياً فلأنّ الأحاديثَ علَّقت وجوبَ الغسل عليها برؤية الماء، والمراد حصول العلمِ بخروجه، سواءً كان برؤية البصرِ أو بغيرها، فإذا لم تعلمْ بخروجِهِ فما وجهُ وجوبِ الغسل، ومن ثمَّ اختارَ شمسُ الأئمّة الحلوائيّ عدمَ الوجوب، وردّ روايةَ الوجوب، وكذا صاحبُ الخلاصة وغيره.
(5) في أ و ب و س: الحلوائي.
(6) ينظر: ((المحيط))(ص180). وظاهر كلام صاحب ((الفتاوى البزازية))(1: 11) يدل على الأخذ بها.
(1/366)
________________________________________
.
(وغيبةُ[(1)] حَشَفةٍ(2) في قُبُلٍ أو دُبُرٍ على الفاعلِ والمفعولِ به، ورؤيةُ المستيقظِ[(3)] المَنِيّ، أو المَذْي(4) وإن لم يحتلم)، [أمَّا في المَنِيِّ فظاهر، و](5) أمَّا في المَذْي[(6)
__________
(1) قوله: وغيبة… الخ؛ الغيبةُ بالفتحِ مصدر غاب الشيء إذا استتر، والحشفة بفتحات رأسُ الذكرِ إلى المقطع، والقُبل: بالضمّ وسكون الباء وبضمّتين: فرج المرأة، والدبر: بالضم وبضمتين، وفيه إشارةٌ إلى أنّ موجبَ الغسل نفسُ الإدخال، وإن لم ينْزل لحديث: ))إذا التقى الختانان وغابت الحشفة، وجب الغسل أنزلَ أو لم ينْزل))، أخرجه الطبرانيّ وغيره ونحوه في ((صحيح البخاري)) و((مسلم)) والسنن وغيرها، وإلى أنّه لو جامعَ فيما دون الفرج ولم تغبِ الحشفة إلا أنّه خرجَ المنيّ وسالَ إلى الفرجِ لاُ يجب عليها الغسل كما في ((الخلاصة))، وإلى أنّه لو أدخلَ الإصبع ونحوها في القبلِ أو الدبرِ لا غسلَ عليه كما في ((التجنيس والمزيد))، ثمَّ المرادُ بالحشفةِ حشفةُ الآدميّ أو الجنيّ، فلو ولجَ ذكرُ البهائمِ في فرجِها لا غسلَ عليها ما لم تنْزل، صرَّح به في ((البناية))، ولو وطئها جنيّ وجبَ عليها الغسل، صرَّح به في ((آكام المرجان في أحكامِ الجانّ)).
(2) الحَشَفَة: ما فوق الختان، وهي رأس الذَّكَر. كما في ((اللسان))(2: 887).
(3) قوله: ورؤية المستيقظ… الخ؛ هذا التطويلُ بلا فائدة، ولو زاد بعد قوله: ولو في نوم، ولو كان الخارجُ مذياً لكفى.
(4) المذي: بتسكين الذال: ماء رقيق أبيض يخرج عند ملاعبة الأهل. كما في ((طلبة الطلبة))(ص18).
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ص و م.
(6) قوله: وأمّا في المذيِ قال في ((الذخيرة)): إذا استيقظَ ووجدَ على فراشِهِ أو فخذِهِ بلّة، وهو يتذكّر احتلاماً إن تيقّن أنّه منيّ أو تيقَّن أنّه مذي، أو شكّ أنّه منيّ أو مذيّ فعليه الغسل، وإن تيقَّن أنّه ودي لا غسلَ عليه، وإن لم يتذكرْ الاحتلامَ إن تيقَّن أنّه وديّ لا غسل عليه، وان تيقَّن أنّه منيٌّ كان عليه الغسل، وإن تيقَّن أنّه منيّ أو مذيّ، قال أبو يوسف: لا يجب الغسلُ حتى يتيقَّنَ بالاحتلام، وقالا: يجب الغسل.
(1/367)
________________________________________
]؛ فلاحتمالِ كونِهِ مَنِيَّاً رَقَّ بحرارةِ البدن، وفيه خلافٌ لأبي يوسفَ(1) - رضي الله عنه -.
(وانقطاعُ الحيضِ والنِّفاس[(2)])؛ لقولِهِ تعالى[(3)]: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (4)}(5)، على قراءةِ التَّشديد(6)
__________
(1) قال أبو يوسف: لا جب عليه حتى يتذكر الاحتلام؛ لأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب إلا بيقين، وهو القياس، وهما أخذا بالاحتياط؛ لأن النائم غافل، والمني قيد يرق بالهواء، فيصير مثل المذي، فيجب عليه احتياطاً. كما في ((التبيين))(1: 16).
(2) قوله: وانقطاع الحيض والنفاس؛ فيه أنّ الانقطاعَ طهارة، فكيف يكون موجباً للطهارة، وأيضاً لو كان الانقطاعُ موجباً لزمَ أن تكونَ الحائضُ والنفساءِ قبل الانقطاعِ محكوماً عليها ببقاء الطهارة، وليس كذلك، فالأولى أن يقال: خروجُ دمِ الحيض والنفاس، فإنّه الناقضُ لطهارةٍ في الماضي، وموجبٌ لطهارةٍ في الزمان الآتي.
(3) قوله: لقوله تعالى: حاصله أنّ الله قال: {ويسئلونك}؛ يا محمَّد {عن المحيض}؛ أي دم الحيض، {قل} في جوابهم: {هو أذى}؛ أي نجاسة، {فاعتزلوا النساء في المحيض}؛ أي عن الوطئ، {ولا تقربوهن} بالوطئ، {حتى يطهرن}، قرئ بتشديدِ الطاءِ والهاء فمعناه: حتى يغتسلن، وقرئ بسكونِ الطاءِ وضم الهاء مخفَّفا فمعناه: حتى ينقطعُ دم حيضهنّ، كذا ذكره المفسّرون، فهذه الآيةُ دلَّت على حرمةِ الوطئ قبل الاغتسال، ومن المعلوم أنّ الوطئ تصرفٌ واقعٌ في ملكه، فلو كان الاغتسالُ جائزاً ومستحباً لم يمنعْ الزوجُ من الوطئ، فعلم أنّه واجب، وبهذا ظهر وجهُ اختيارِ قراءةِ التشديد، فإنّه على قراءةِ التخفيفِ يكون مفسّراً بانقطاعِ الدم، فلا يدلّ على وجوبِ الغسل، فإن قلت: فأين ذكرُ النفاس، قلت: فهمَ من هذهِ الآيةِ ضمناً بقوله: {هو أذى}، فإنّ دمَ الحيض والنفاس مشتركا في كونه أذى.
(4) في م: يتطهرن.
(5) البقرة، (222).
(6) اختلفوا في تخفيف الطاء وضم الهاء وتشديد الطاء وفتح الهاء من قوله: {حتى يطهرن}:
فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: {يَطْهُرْنَ} خفيفة.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والمفضل وحمزة، والكسائي: {يَطَّهَرْنَ} مشددة.
وقرأ حفص عن عاصم: {يَطْهُرْنَ} خفيفة. كذا في ((السبعة في القراءات))(1: 182)، و((حجة القراءات))(1: 135).
(1/368)
________________________________________
، ولمَّا كان الانقطاعُ سبباً للغُسْل، فإذا انقطع، ثمَّ أسلمتْ لا(1) يلزمُها الاغتسال؛ إذ وقتُ الانقطاعِ كانت كافرة، وهي غيرُ مأمورةٍ بالشَّرائعِ عندنا[(2)]، ومتى أسلمت لم يوجدْ السَّبب، وهو الانقطاع، بخلافِ ما إذا أجنبتْ الكافرة، ثُمَّ أسلمت، حيث يجبُ عليها غُسْلُ الجنابة؛ لأنَّ الجنابةَ أمرٌ مستمرّ، فتكونُ(3) جُنُباً بعد الإسلام، والانقطاعُ غير مستمِّرٍ فافترقا[(4)
__________
(1) في م: لم.
(2) قوله: عندنا؛ ظاهره أنّه متَّفق عليه بين أصحابنا، وليس كذلك، قال ابن الهمام في ((تحرير الأصول)): عدمُ كونِ الكفَّار مكلَّفين بالفروعِ مذهبُ مشائخِ سمرقند، ومَن عداهم متَّفقون على التكليفِ بها، وإنّما اختلفوا في أنّه في حقّ الاعتقادِ فقط، أو الاعتقاد والعمل كليهما، فقال البخاريون بالأوّل، فعندهم يعاقبُ الكفَّار على تركِ الاعتقادِ بها، وعلى تركِ الاعتقادِ بالأيمان، وتركه، وقال العراقيّون بالثاني كالشافعيّة.
(3) في أ و ب و س و ص و ف: فيكون.
(4) قوله: فافترقا؛ محصّل الفرق الذي ذكرَه تبعاً لما ذكرَه شمسُ الأئمّة السرخسيّ في ((شرح السير الكبير)) وصاحب ((الذخيرة)) و((قاضي خان)) وغيرهم: إنّ موجبَ غسلِ الجنابة هو الجنابة، وهو مستدامةٌ إلى زمانِ الغسل، فإذا أجنبت الكافرةُ ثمَّ أسلمت فجنابتها باقية، وبقاؤها في الإسلامِ كانشائها، فيجبُ عليها الغسل، وأمّا غسلُ الحيضِ ونحوه فسببه انقطاعُ الدمّ، وهو أمرٌ غير مستمرّ، فإذا وجدَ حالَ الكفرِ لم يبقَ في الإسلام، فلا يجب الغسل به لا في الإسلام؛ لعدم وجوده، ولا قبله؛ لعدمِ كونِ الكفَّار مخاطبين بالفروع عملاً، وفيه نظرٌ من وجوه، الأوّل: إن كون الكفّار غير مخاطبين ليس أمراً إجماعيا بل هو أمرٌ خلافيّ بين أصحابنا أيضاً كما مرّ، فمَن قال من أصحابنا بكونهم مخاطبين لا يظهرُ الفرق على مذهبه بين الجنابة والانقطاع بل يجب الغسل في كلّ منهما حال الكفر، ويبقى بعد الإسلام، الثاني: إنّ الغسلَ سببَ وجوبه في الحقيقة إنّما هو إرادةُ الصلاة وما يتبعها لا الانقطاع ولا الجنابة، فيجبُ الغسلُ في كلتا الصورتين بعد الإسلام، الثالث: إنّ الجنابةَ حدوثها أيضاً بإنزالِ المني أو غيبوبة الحشفة في غير مستمر، وإنّما المستمرُ حكمُهُ وأثره، وكذا الانقطاع، وإن كان نفسه غير مستمرّ، لكنّ أثره باقٍ ما لم يغتسل، فما وجه اعتبارِ البقاء في أحدهما، والابتداء في الآخر فافهم. قوله: السبب… آه؛ لاأ ّسببه وهو الانقطاع وهو أمرٌ آنيّ غير مستمرٍ يوجد آناً فيعدمُ، وكان ذلك حال الكفر وبعد الإسلام لم يوجد، ولا معنى لوجوبِ الغسل بدون السبب.
(1/369)
________________________________________
].
([لا وطيءُ بهيمةٍ[(1)] بلا إنزال(2)](3).
__________
(1) قوله: لا وطيء بهيمة؛ أي لا يوجب الغسل وطئ بهيمة إذا لم ينْزل، فإن أنزلَ يجب الغسل بالإنزال، وذلك لأنّ أصلَ موجبِ الغسلِ هو الإنزالُ والإيلاجُ أقيمَ مقامِه لكونه سبباً له، مفضياً إليه غالباً، وهذه السببييّة إنّما تتحقَّق في ما تتكامل فيه الشهوة، وفرجُ البهائم ليس كذلك.
(2) لأن موجب الغسل هو الانزال، والايلاجُ أقيم مقامه؛ لكونه سبباً له مفضياً إليه غالباً، وهذه السببية إنما تتحقق فيما يتكامل فيه الشهوة، وفرج البهائم ليس كذلك، لنقصان السببية في اقتضاء الشهوة، وكذا وطء ميتة وصغير لا تُشْتَهَى. كما في ((وفتح باب العناية))(ص321)، و((السعاية))(ص321).
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ج.
(1/370)
________________________________________
وسُنَّ[(1)] للجمعةِ والعيدَيْن والإحرامِ وعرفة(2) )، فغُسْلُ الجُمُعةِ سُنَّ لصلاةِ الجُمُعة، وهو(3) الصَّحيح[(4)](5)
__________
(1) قوله: وسنّ؛ لمَّا فرغَ عن ذكرِ موجباتِ الغسلِ شرع في ذكر الغسل المسنون، والمراد بسنَّية غسل الجمعة وغيره هو السنّة المؤكَّدة على ما هو المتبادرُ من إطلاقاتهم، والأصل فيه حديث الفاكه: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم الجمعةِ ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة))، أخرجه أحمد والطبرانيّ، وأخرجَ الترمذيّ وغيره أنّه صلى الله عليه وسلم اغتسلَ لإحرامه.
(2) صحح الحلبي في ((غنية المستملي))(ص54-55) أن هذه الأغسال الأربعة مستحبة، وليست سنة. ومال إليه ابن الهمام في ((فتح القدير))(1: 57).
(3) في أ و ف و ص و م: هو.
(4) قوله: هو الصحيح؛ لحديث: ((إذا جاءَ أحدكم يوم الجمعة فليغتسل))، أخرجه البخاريّ والنسائيّ والترمذيّ وغيرهم، وفي قول الحسن بن زياد وهو لليوم، وثمرةُ الخلافِ أنّ مَن لا تجب عليهم الجمعة كالنساء والصبيان، يسنّ لهم الغسل عند الحسن، ولا يسنّ على الصحيح، وفي المقام أبحاثٌ نفيسة أوردناها في ((السعاية)).
(5) وهو قول أبي يوسف ( خلافاً للحسن بن زياد (. كما في ((ذخيرة العقبى على شرح الوقاية))(ص12) ليوسف جلبي، و((السراجية))(1: 10). وثمرة الخلاف تظهر أن من لا تجب عليهم الجمعة كالنساء والصبيان لو اغتسل، وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء نال الفضل عند الحسن لا عند أبي يوسف (.

لكن عبد الغني النابلسي في ((نهاية العماد))(ص188-189)، قال: إنهم صرَّحوا بأن هذه الأغسال الأربعة للنظافة لا للطهارة مع أنه لو تخلل الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانياً، ولئن كانت للطهارة أيضاً فهي حاصلة بالوضوء ثانياً مع بقاء النظافة، فالأولى عندي الإجزاء وإن تخلل الحدث؛ لأن مقتضى الأحاديث الواردة في ذلك طلب حصول النظافة فقط. ا.هـ. وأيده على كلامه ابن عابدين في ((رد المحتار))(1: 114) على ذلك.
(1/371)
________________________________________
.

(ويجوزُ الوضوءُ[(1)]:
بماءِ السَّماءِ(2) والأرضِ(3) كالمطرِ والعين[(4)])، وأمَّا ماءُ الثَّلجِ فإن كان ذائباً [(5)]بحيثُ يتقاطرُ يجوز، وإلا لا[(6)](7)، (وإن تغيَّرَ بطولِ المُكْث[(8)]، أو غُيِّرَ أحدُ(9) أوصافِه[(10)
__________
(1) قوله: الوضوء؛ إنّما اقتصرَ على ذكره مع أنّ حكم الغسلِ وغسل الثياب والبدن من النجاسة أيضاً كذلك؛ لكونه أكثرُ وقوعاً وأشدّ اهتماماً.
(2) لقوله تعالى: {ويُنْزِّلُ عليكم من السماء ماءً لِيُطَهِّركم به}[ الأنفال: 11].
(3) لقوله تعالى: {ألم تَرَ أنَّ الله أنزَلَ من السماءِ ماءً فسَلَكَهُ ينابيع في الأرض}[الزمر: 21].
(4) قوله: والعين؛ سواءً كان عيناً سائلاً أو راكداً، ومثله ماءُ البحرِ والنهر والبئر.
(5) قوله: فإن كان ذائباً؛ أي سائلاً رقيقاً، يقال: ذابَ الشيءُ يذوبُ ذوباً وذوباناً إذا سال والذائب خلاف المتصلّب الجامد.
(6) قوله: وإلا فلا؛ أي إن لم يكن ذائباً بل منجمداً لا يجوًُ التوضّئ به لفقدِ التقاطرِ المشروط في إزالة النجاساتِ الحكميّة والحقيقيُّة.
(7) في أ: فلا.
(8) قوله: بطول المكث؛ اعلم أنَّ التغيّر في الماء لا يخلو إمّا أن يكون باختلاطِ شيء نجسٍ أو بدونه، فإنّ كان الأوّل لا تجوزُ الطهارةُ به؛ لانعدامِ وصفِ الطهوريّة عنه، وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يكون التغيّر بمجرد طول المدة وامتداد مكثه في موضع فان الماء اذا لبث مدة في موضع يحصل فيه تغييرها او اما ان يكون بمخالطة شيء طاهر، وأيّا ما كان تجوزُ الطهارة به؛ لأنّ مثلَ هذه التغيّر لا يخرجُه عن وصفِ المطهرية، وقد اغتسلَ النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قصعةٍ فيها أثرُ العجين؛ أخرجه النسائيّ، وأمر النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم للميِّت أن يغسلَ بماءٍ مخلوطٍ بسدر؛ أخرجه الشيخان.
(9) هذا التقييد اتفاقي، فإنه لو غير وصفين لا يؤثر ما لم يسلب عنه اسم المائية. كذا في ((عمدة الرعاية))(1: 83).
(10) قوله: أحد أوصافه؛ هذا التقييد اتّفاقي؛ فإنّه لو غيّر الأوصافَ الثلاثة أيضاً: الأشنان أو الصابون أو المكث أو الأوراق، ولم يسلبْ عنه اسم المائيّة بأن لم يصرْ ثخينًا يجوز به التوضئ أيضاً على الصحيح، كما في ((النهاية) و((البناية)) و((جامع المضمرات)) وغيرها.
(1/372)
________________________________________
]): أي الطَّعم، أو اللَّون، أو الرِّيح، (شيءٌ طاهرُ كالتُّراب، والأُشْنَان(1)، والصَّابون، والزَّعْفَران(2) )، إنَّما عدَّ[(3)] هذه الأشياءِ ليعلمَ أنَّ الحكمَ لا يختلفُ:
بأن كان المخلوطُ من جنسِ الأرضِ كالتُّراب.
أو شيئاً يقصدُ بخَلْطِهِ التَّطهير: كالأُشْنَان والصَّابون.
أو شيئاً آخرَ كالزَّعْفَران [عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -](4).
وعند أبي يوسفَ[(5)] - رضي الله عنه -: إن كان المخلوطُ شيئاً يقصدُ بهِ التَّطهيرُ يجوزُ به(6) الوضوء، إلا أن يغلبَ على الماءِ حتى [(7)
__________
(1) الأُشْنَان: بضم الهمزة وكسرها: نبات تغسل به الثياب والأيدي وبدن الإنسان، يعمل عمل الصابون أيضاً. كما في هامش ((فتح باب العناية))(1: 89).
(2) الزَّعْفَران: هذا الصِّبغ، أي معروف، وهو من الطِّيب. كما في ((تاج العروس))(21: 428).
(3) قوله: إنَّما عدّ دفع دخلٍ مقدَّر وهو أنّه كان يكفي للتمثيل ذكرُ واحدٍ من هذه الأشياء، فما وجه التطويل بذكرها.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ص و ف.
(5) قوله: وعند أبي يوسف رح؛ حاصل مذهبِهِ أنّ ما اختلطَ به شيءٌ يقصدُ به ما يقصد بالماء، وهو التطهير فخلطُهُ غير مضرّ إلا ان يزيل اسم المائيّة، وإن كان غيره فعنه فيه روايتان، في رواية: إذا غلبَ لك الشيء لا يجوز التوضئ به، وإلا يجوز، وفي رواية لا يجوز به الوضوء مطلقاً، ومحمّدٌ اعتبرَ في جنس هذه المسائل لمنع جواز التوضئ غلبة المخلوط بالماء. كذا في ((الذخيرة)).
(6) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(7) قوله: حتى آه؛ فيه إاشارة إلى أن المعتبرَ الغلبةُ بحسب الأجزاء لا الغلبة من حيث اللون، وهو الصحيح كما في ((الهداية)).
قوله وعرفة آه؛ الظاهرُ أنّ غسله الموقوف لا لليوم، قاله صاحب ((حلية المحلى شرح منية المصلى)).

قوله: كالمطر؛ بفتحتين وهو الماء النازل من السحاب، وأصله من السماءِ كما نطقت به الآياتُ القرآنيّ،ة ومثله ماء البرد وماء الثلج وماء الطلّ.
ممّا لا يكون من جنس الأرض، ولا يقصدُ به التتطيف.
هذا الاستثناء ليس خاصاً بمذهبِ أبي يوسفَ بل هو عند الكلّ.
(1/373)
________________________________________
]يزولَ طبعُه، وهو الرِّقَّةُ والسَّيلان(1).
وإن كان شيئاً لا يقصدُ بهِ التَّطهيرُ:
ففي روايةٍ يشترطُ لعدمِ جوازِ التَّوضي بهِ غلبتُهُ على الماء.
وفي رواية: لا يشترط.
وما ليس من جنسِ الأرضِ فيه(2) خلافُ الشَّافِعِيِّ(3)[(4)] - رضي الله عنه -.
__________
(1) سقطت من ص و م.
(2) في أ: ففيه.
(3) ينظر: ((المنهاج))(1: 18).
(4) قوله ففيه خلاف الشافعيّ؛ قال ابن الهمام في ((فتح القدير)): اتَّفقوا على أنّ الماء المقيّد لا يزيل الأحداث، والحكمُ عند فقد المطلقِ منصرفٌ إلى التيمّم، والخلافُ في الماءِ الذي خالطه الزعفران وغيره مبنيّ على أنّه مقيَّد عند الشافعيّ، ونحن لا ننكر أنّه يقال له: ماء الزعفران، ولكنّا نقول: لا يمتنعُ مع ذلك ما دامَ المخالطِ مغلوباً أن يقال: إنّه ماءٌ من غيرِ زيادة، والإضافةُ إلى الزعفرانِ لا تمتنعُ الإطلاق، كالإضافةِ إلى البئر والعين وغيرهما.
(1/374)
________________________________________
(وبماءٍ [(1)]جارٍ فيه نَجَسٌ [(2)]لم يُرَ أثرُه[(3)](4): أي طعمُه، أو لونُه، أو ريحُه.
[وبماءٍ في جانبِ غديرٍ لا يحرِّكُهُ بتحريكِ جانبِهِ الآخرَ الذي نجس ماؤُه](5) ).
__________
(1) : وبماء؛ عطفٌ على قوله: بماء السماء، جارٍ من الجريان: صفة للماء، وهو أعمّ من أن يكون الجريان بمدد أو بغير مدد، فماءُ المطرِ والثلج إذا جرى في الطريقِ وفيه نجاسةٌ متفرِّقة بحيث لا يرى لونها ولا أثرها يجوز التوضئ به كما في ((مختارات النوازل))، وفروعُ هذا التعميمِ مفصّلة في ((السعاية))، واختار ابن الهمام اشتراطُ المدد للجريان، كما في العين والنهر، وقال صاحب ((البحر)) نقلاً عن ((السراج الوهاج)): إنَّه لا يشترط فيه المدد وهو الصحيح.
(2) قوله: فيه نجس؛ بفتح الجيم؛ أي نجاسته، وهو صفةٌ ثانيةٌ للماء، وظاهره أن الجاري إذا وقعت فيه نجاسة لم يرَ أثرها يجوز الوضوء به، سواءً كان النجسُ جيفةً أو غيره، فإذا بالَ إنسانٌ فيهِ فتوضَّأ آخر من أسفله جاز ما لم يظهرْ في الجرية أثره. كذا في ((البحر)).
(3) قوله قوله: لم ير أثره؛ صفةٌ لنجس؛ أي لم يعلم في ذلك الماء أثر ذلك النجاسة، فالمراد بالرؤية: العلم، وبه يندفع ما يقال: إنّ الرؤيةَ إنّما تتعلّق باللونِ لا بالطعم والريح.
(4) لم ير أثره أي لم يعلم في ذلك الماء أثر ذلك النجاسة، فالمراد بالرؤية العلم. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 84).
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(1/375)
________________________________________
اختلفوا [(1)]في حدِّ الجاري(2)، فالحدُّ الذي ليسَ(3) في دركِهِ حرجٌ[(4)] (5) ما يذهبُ[(6)
__________
(1) قوله: اختلفوا؛ أي اختلفَ الفقهاءُ في تعريف الماء الجاري، وما يقدَّر به جريه، فقيل: هو الذي يذهب بالنجاسةِ قبل اغترافِ الغرفة الثانية، وقيل: هو ما يكونَ بحيث لو وضع إنسانٌ يده عليه عرضاً لم ينقطع، وقيل: ما يعدّه العرفُ جارياً، كذا ذكره في ((التاتارخانيّة))، وصحَّح في ((غاية البيان)) و((البناية)) و((البدائع)) و((البحر))، وغيرها القول الآخر.
(2) فقيل: ما لا يتكرر استعماله، وقيل: إن وضع الإنسان يده في الماء عرضاً لا ينقطع، وعن أبي يوسف إذا كان لا ينحسر وجه الأرض بالاغتراف بكفيه، فهو جار، وقيل: ما يعدَّه الناس جارياً، وهو الأصح. كما في ((التبيين))(1: 23)، و((العناية))(1: 68).
(3) في س: لليس.
(4) قوله: حرج؛ أوردَ عليه بأنَّ التعريفاتَ كلَّها متساوية في أنّه لا حرجَ في إدراكها، اذ لا حرجَ في إدراك شيءٍ من المفهومات، وأجيبَ عنه بأنّ المرادَ ليس في درك الماء الجاري به حرج، وردّ بأنّ عدم الحرج في درك الحدّ يستلزمُ لعدمِ الحرج في درك المحدود، الذي سنح لي عند تأليف ((السعاية)): إنَّ مراده أنّ هذا الحدّ ليس في تعيين مصداقه، وصدقُ هذا المفهومِ على أفراده الجزئيَّةِ حرجٌ بخلافِ الحدود الباقية.
(5) في ب: جرح.
(6) قوله: ما يذهب؛ من الإذهاب، فالباءُ الداخلةُ على المتبنة زائدة، ويمكن أن يقرأ معروفاً من الذهاب، فالباء للتعدية، تبنية بكسرِ التاءِ المثناة الفوقيّة، وسكون الباء الموحدة، وفتح النون، يقال له بالفارسية: كَياه؛ أي الحشيش أو ورق: بفتحتين، يطلق على ورقِ الشجر، ويقال له بالفارسية: بركَ، وورقُ الكتاب، وأوردَ عليه بأنّه غيرُ نافعٍ لصدقه على السفينة، والجمل؛ فإنّهما يذهبان، تبيّن كثيرٌ من موضعٍ إلى موضع، وأجابَ عنه صاحب ((البحر)) بأنّ ما ليست موصولة، بل نكرة موصوفة، والمعنى: الجاري ماءُ يذهب بنيته، وبمثله يجابُ عمّا أورد على عبارة ((الكفاية)) الكلام ما تضمّن كلمتين بالاسناد.
(1/376)
________________________________________
] بتبنِةٍ أو ورقٍ، فإذا سُدَّ النَّهر من فوق، وبقيَّةُ الماءِ تجري(1) مع ضعفٍ يجوزُ بهِ الوضوء، إذ هو ماءٌ جارٍ، وكلُّ ماءٍ الجريان إذ توضَّأَ بهِ يجبُ[(2)] أن يجلسَ بحيث[(3)] لا يستعملَ غُسالتَه، أو يمكثَ بين الغرفتَيْن مقدارَ(4) ما يذهبُ غُسالتُه.
__________
(1) فيم: يجري.
(2) قوله: يجب هذا الحكمُ بإطلاقِهِ مبني على روايةِ نجاسةِ الماء المستعمل، وأمّا على المفتى به من أنّه طاهر غير طهور، فهو مقيّد بما إذا ظنّ غلبته المستعمل، فإنّهم صرَّحوا أنّ المستعملَ على المفتى به إذا اختلطَ بالماء الطهور، يجوزُ به الوضوء ما لم يغلبْ المستعمل عليه. كذا في ((فتح القدير)).
(3) قوله: بحيث؛ أي يجلس في مكانْ لا يستعملُ فيه غُسالته بالضمّ: ما غسلت به الشيء؛ أي ما تقاطر من أعضائه واختلطَ بالماءِ الضعيفِ الجريان، بأن يجلسَ على موردِ الماء ومنبعه، فإنّه إذا جلسَ إلى جهة سيل الماء وجريانه يلتزمُ استعمالَ المتقاطر، وحينذٍ يجب عليه أن يمكثَ بين الغرفتين مقدارَ ما يذهبُ المتقاطرُ مع الماء.
(4) في س: بمقدار.
(1/377)
________________________________________
وإذا كان الحوضُ صغيراً(1) يدخلُ فيه الماءُ من جانب، ويخرجُ من جانبٍ يجوزُ الوضوءُ في جميعِ جوانبِه، وعليهِ الفتوى، من غيرِ تفصيلٍ[(2)] بين أن يكونَ أربعاً في أربعٍ أو أقلّ، فيجوز، أو أكثرُ فلا يجوز(3).
__________
(1) العبارة في م: حوض صغير.
(2) قوله: من غير تفصيل… الخ؛ ذكر في ((مجموع النوازل)) عن الفقيه أبي الحسن أنّه إن كان أربعاً في أربعٍ فما دونه يجوزُ التوضئ به، وإن كان أكثرَ منه لا يجوزُ إلا في موضعِ دخولِ الماء وخروجه؛ لأنَّ في الوجه الأوّل ما يقع فيه من المستعمَل يخرجُ من ساعته، ولا يستقر فيه ولا كذلك الوجه الثاني، والأصحّ أن هذا التقدير غير لازم. كذا في ((التاتارخانية)).
(3) إلا في موضع دخوله وخروجه؛ لأن في الوجه الأول ما يقع منه من الماء المستعمل يخرج من ساعته، ولا يستقرّ فيه، ولا كذلك في الوجه الثاني. كما في ((الميحط))(ص207).
وقال قاضي خان في ((فتاواه))(1: 4) بعد ذكر المسألة: والأصح أن التقدير غير لازم إنما الاعتماد على ما ذكر في المعنى، فينظر فيه إن كان ما وقع فيه من الماء المستعمل يخرج من ساعته ولا يستقرّ فيه يجوز التوضؤ وإلا فلا.انتهى. وقال ابن الهمام في ((فتح القدير))(1: 69): واختاره السغدي جوازه.انتهى.
(1/378)
________________________________________
واعلم[(1)](2) أنه إذا أنتنَ(3) الماءُ فإنَّ علمَ[(4)](5) أن نتنَهُ للنَّجاسةِ لا يجوز، وإلاَّ يجوزُ حملاً على أنَّ نتنَهُ لطولُ المُكْث(6).
__________
(1) قوله: واعلم؛ هذه المسألة من فروعِ قاعدةِ البقاء ما كان على ما كان، أوردها توضيحاً لقولِ المصنّف لم يرَ أثره.
(2) هذه المسألة من فروع قاعدة ابقاء ما كان على ما كان أوردها توضيحاً لقول المصنف لم ير أثره. كما في ((السعاية))(ص346).
(3) إذا أنتن الماء سواء كان جارياً أو راكداً، وكذا إذا تغير طعمه أو لونه، فإنه إذا تغير الطعم أو اللون فإن علم أن تغيره للنجاسة لا يجوز الوضوء به، وإلا يجوز، فتخصيص النتن بالذكر على سبيل التمثيل. كما في ((السعاية))(ص347).
(4) قوله: فإن علم بإخبارِ رجلٍ مسلمٍ عدل أو بعلاماتٍ دالّة عليه تورثُ اليقينَ أو الظنّ، فإنّه في حكمِ اليقين بكونه للنجاسة.
(5) فإن علم بأخبار رجل مسلم عدل، أو بعلامات دالة عليه تورث اليقين أو الظن، فإنه في حكم اليقين بكونه النجاسة. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 84).
(6) لأن الماء قد يتغير بطول الزمان، وقد يتغير بوقوع الأوراق فيه، فالتغير لا يدل على وقوع النجاسة فيه لا محالة فيجوز التوضؤ به. كما في ((المحيط))(ص210).
(1/379)
________________________________________
وإذا سدَّ(1) كلبٌ[(2)] عرضَ النَّهر(3)، ويجري الماءُ فوقَه، إن كان ما يلاقي الكلبَ أقلُّ ممَّا لا يلاقيهِ يجوزُ الوضوءُ في الأسفل، وإلا لا، قال الفقيهُ أبو جعفرٍ(4) - رضي الله عنه -: على هذا أدركتُ مشايخي - رضي الله عنهم -، وعن أبي يوسفَ[(5)] - رضي
__________
(1) يشير إلى أن قوله لم ير أثره إنما هو في غير الجيفة ونحوها، وأما فيها فالمعتبر رؤية النجاسة. كما في ((السعاية))(ص348).
(2) قوله: وإذا سدّ كلب؛ يشيرُ إلى أن قوله: لم يرَ أثره إنّما هو في غيرِ الجيفةِ ونحوها، وأمّا فيها فالمعتبرُ هو عين النجاسة، فإذا وقعَ كلبٌ في النهرِ عرضاً وسدّ جريان الماء؛ أي كلبٌ ميّت لكونِهِ نجساً وحيّ أيضاً على روايةِ كونه نجس العين، فإن كان ما يلاقيه من الماءِ أقلّ ممّا لا يلاقيه جاز الوضوء به، اعتباراً للغالب، وإن كان أكثر لا يجوز، وإن كان مساوياً يجوز، لكن الأحوطَ أن لا يتوضَّأ، كذا نقله ابن كمال في ((الإيضاح)) عن ((التحفة)) و((البدائع))، وعرضَ به على الشارح بأنّ عبارته قاصرة.
(3) المسألة مذكورة في ((فتاوى قاضي خان))(1: 4) بلفظ: ساقية صغيرة.
(4) وهو محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمَّدِ بن عمرَ البَلْخي الهِنْدُوَانيّ، أبو جعفر، نسبةً إلى هِنْدُوَان، محلةٌ ببلخ، قال الكفوي: شيخ كبير، وإمام جليل القدر، كان على جانب عظيم من الفقه والذكاء والزهد والورع، ويقال له: أبا حنيفة الصغير لفقهه، حدث ببلخ وأفتى بالمشكلات وأوضح المعضلات، (ت362هـ). ينظر: ((العبر))(2: 328)، ((الجواهر))(1: 192)، ((الفوائد))(ص295).
(5) قوله: وعن أبي يوسف… آه؛ هذا هو الذي رجّحه ابن الهمام في ((فتح القدير)) بأنّ الحديثَ: وهو الماء طهور، لا ينجسه شيء لما حملَ على الماء الجاري كان مقتضاه جوازُ التوضئ من أسفله، وإن أخذت الجيفة أكثر الماء ولم يتغيَّر انتهى, وكذا اختاره ابن أمير حاج في ((الحلية))، وقال صاحب ((الطريقة المحمَّدية)): عليه الفتوى.
(1/380)
________________________________________
الله عنه -: لا بأسَ بالوضوءِ به(1) إذا لم يتغيَّرْ أحدُ أوصافِه(2).
__________
(1) سقطت من ص و ف و م.
(2) وقد صحح قول أبي يوسف ( اللكنوي في ((السعاية))(ص348)، وابن الهمام في ((فتح القدير))(1: 72)، واختاره تلميذه قاسم، وقوَّاه في ((النهر))، وأقرَّه صاحب ((التنوير))(1: 106). وصحح الحلبي في ((غنية المستملي))(1: 819) الأول، وهو ما اختاره صاحب ((البدائع))(1: 71)، وأقرَّه قاضي خان في ((فتاواه))(1: 4)، وقال ابن عابدين في ((رد المحتار))(1: 106): والحاصل أنهما قولان مصححان، وأولهما أحوط.
(1/381)
________________________________________
(وبماءٍ[(1)] ماتَ فيه حيوانٌ مائيُّ المولد؛ كالسَّمكِ والضِّفدِع): بكسرِ الدَّال[(2)](3)
__________
(1) قوله: وبماء؛ أي يجوزُ الوضوءُ بماءٍ مات فيه حيوان موصوفٌ بكونه مائي المولد؛ لأنّه طاهر لم ينجسه موته، فإنّ الموتَ ليس بنجسٍ في نفسه، وإنّما يحكمُ بنجاسة الميتة؛ لأنَّ الدمَ النجسَ السائل في العروق يختلط بعد الموت في جميعِ البدن، وينتشر في أجزائه، والحيوان المائيّ المولد ليس له دمٌ مسفوح، إذ الدمويّ لا يسكن الماء لمنافاةٍ بين طبعِ الماء والدم، وما يرى في السمكِ وغيره من رطوبةِ كلون الدم ليس بدمٍ حقيقة، بدليلِ أنّ الدمَ إذا ألقيَ في الشمس اسودّ، وهذه الرطوبةُ تبيضّ، وهذا أولى ممَّا علَّله بعضهم بأنّ ما يعيشُ في الماءِ إذا ماتَ فيه مات في معدنه، فلا يعطى له حكم النجاسة؛ لأنّه يقتضي أنّه لو ماتُ بحريّ خارجَ الماءِ ثمَّ وقعِ فيه فسدَ الماء مع أنّه ليس كذلك على الصحيح، صرّح به في ((فتح القدير)) و((البحر)) وغيرهما، فإن قلت: إذا كان وجه عدم تنجّس الماء بموتِ مائي المولد هو فقدانُ الدمِ السائلِ فيه، فلمَ ذكر المصنّف هذه الصورةَ على حدة، وهلا اكتفى على قوله: وما ليس له دم سائل، قلت: لمَّا كان لهذه المسألةِ وجهٌ آخرَ أيضاً أفردها بالذكر، مع أنّ في التعميمِ بعد التخصيصِ إفادةٌ زائدة.
(2) قوله: بكسر الدال؛ نبَّه به على أنّه الأصحّ والمشهور الفتح، وجاء ضمّ الضاد المعجمة وفتح الدال أيضاً، وعلى الأوّلين الضاد مكسورة، وهو الذي يقال له بالفارسيّة: غوك، وله أقسامٌ كثيرةٌ كما في ((حياة الحيوان)) للدميريّ.
(3) الضِّفْدِع: قال الدميري: ناس يقولون بفتح الدال، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف درهم، وهجرع، وهو الطويل، وهبلع، وهو الأكول، وبلعم، وهو اسم، وقال ابن الصلاح: الأشهر فيه من حيث اللغة كسر الدال، وفتح في ألسنة العامة، وأشباه العامة من الخاصة، وقد أنكره بعض أئمة اللغة. كما في ((حياة الحيوان))(2: 84-85)، للدميري.
(1/382)
________________________________________
، وإنَّما قال[(1)]: مائيُّ المولد، حتى لو كان مولدُهُ في غيرِ الماء، وهو يعيشُ في الماء، يفسدُ الماءُ بموتِهِ فيه.
__________
(1) قوله: وإنّما قال… الخ؛ اشارة إلى وجهِ اختيار هذه العبارة على ما يعيش في الماء، كما وقع في ((الهداية))، وعلى المائيّ كما في عبارات بعضهم، بأنّ بعضَ الحيوانات يتولَّد خارجه، ويعيشُ في الماءِ كالبطِّ والإوز، ووقوعه في الماءِ ميتاً مفسد؛ لوجودِ الدمِ السائل فيه، ولعدمِ موتِهِ في معدنه، مع أنّ ما يعيش في الماء والمائيّ صادقٌ عليه، فلذا اختارَ لفظَ مائيّ المولد؛ ليختصَّ بما يكون توالُده ومثواه في الماء فقط.
(1/383)
________________________________________
(أو ما ليسَ له دمٌ سائلٌ كالبقِّ والذُّباب):لأنَّ النَّجَسَ[(1)] هو الدَّمُ المسفوحُ كما ذكرنا(2)، وبحديثِ وقوعِ الذُّبابُ في الطَّعام[(3)](4)، وفيهِ [(5)]خلافُ الشَّافعيِّ(6) - رضي الله عنه -.
__________
(1) قوله: لأنَّ النجس؛ بفتح الجيم، يعني أنّ النجاسةَ إنّما هو الدمُ المسفوحُ لا غير، كما مرَّ في بحث نواقض الوضوء، فما لا دمَ له كذلك، فميتةٌ ظاهرة، وهذا تعليل للمسألةِ الثانية بل للأولى أيضاً كما عرفت.
(2) ص ).
(3) قوله: وقوعُ الذبابِ في الطعام؛ وهو ما روي عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أنّه قال: ((إذا وقعَ الذباب في إناءِ أحدكم فليمقله، أي ليغمسه فيه، فإنّ في أحدِ جناحيه داءٌ وفي الآخرِ دواء، وإنّه يتقي بجناحه الذي فيه الداء))، أخرجه البخاريّ والنسائيّ وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبّان وغيرهم، فهذا الحديث دلّ على الأمر بالغمس، ومن المعلومِ أنّ الطعامَ قد يكون حارَّا فيموت الذباب فيه، فلو كان يفسده موته لما أمر بغمسِهِ، وإذا ثبتَ الحكم ثبت في في نظائره ممَّا لا دمَ فيه.
(4) وهو عن أبي هريرة (، قال النبي (: ((إذا وقع الذُّباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داءً، والأخرى شفاءً)) في ((صحيح البخاري))(3: 1206)، واللفظ له، و((صحيح ابن خزيمة))(1: 56)، و((صحيح ابن حبان))(4: 53)، و((المنتقى))(1: 26)، وغيرها.
(5) قوله: وفيه؛ الظاهر أنّه راجعٌ إلى المسألة الثانية، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كلّ من المسألتين، فإنّ صاحب ((الهداية)) ذكر خلافه فيهما، والصحيح أنّ خلافه في الأولى فقط، وفي الثانية هو متَّفق معنى، كما بسطه العينيّ وغيره.
(6) فيه قولين عند الشافعي (، واختار الشيرازي في ((التنبيه))(ص11) عدم النجاسة، وقال: هو الأصلح للناس، وابن رسلان في ((الزبد))(ص13).
(1/384)
________________________________________
(لا بما(1) اعُتِصَر[(2)])، الرِّوايةُ[(3)] بقصرِ ما(4)، (من شجرٍ أو ثمر(5) )، أمَّا ما يقطرُ من الشَّجر، فيجوزُ الوضوءُ [(6)]به(7).

(ولا بماءٍ زالَ طبعُهُ بغلبةِ غيرِهِ أجزاءً[(8)]) المرادُ به: أن يُخْرِجَهُ من طبعِ الماء، وهو الرِّقَّةُ والسَّيلان(9).
__________
(1) في م: بماء.
(2) قوله: لا بما اعتصر؛ أي لا يجوزُ الوضوءُ بماءٍ اعتصرَ من الشجرِ أو الثمر، فإنّه ليس بماء مطلق؛ لأن المطلق ما يتبادرُ الذهنُ عند إطلاقِ الماءِ إليه، وما يقطر ونحوه ليس كذلك، بل هو ماء مقيّد.
(3) قوله: الرواية؛ أي المنقولُ المسموعُ من المصنِّف وغيره من الفقهاء، هو ما المقصورة الموصولة لا الماء، وإن كان هو أيضاً مستقيماً، ويؤيّده أنّه لو كان هاهنا لفظُ الماءِ لما احتجَّ إلى ذكره في قوله: ولا بماءٍ زال.
(4) في م: ماء.
(5) لأنه ليس بما مطلق. كما في ((الهداية))(1: 17).
(6) قوله: فيجوز به الوضوء؛ لأنَّه خرجَ بنفسه من غيرِ علاج، وهذا مختارُ صاحب ((الهداية)) و((المجتبى)) و((المستصفى)) وغيرهم، والذي رجَّحه صاحبُ ((البحر)) و((النهر)) و((الحلية)) و((الغنية)) و((نور الإيضاح)) و((منح الغفار)) وغيرهم: هو عدمِ الجوازِ لكونه ماءٌ مقيِّداً، والبسط في ((السعاية)).
(7) لأنه ماء يخرج من غير علاج. وهو اختيار صاحب ((الهداية))(1: 18)، و((التنوير))(1: 121)، ورجّح صاحب ((البحر))(1: 72)، والحصكفي في ((الدر المختار))(1: 121)، والشرنبلالي في ((المراقي))(ص65)؛ عدم الجواز، لأنه ليس لخروجه بلا عصر تأثير في نفي القيد، وصحة نفي الاسم عنه.
(8) قوله: أجزاء؛ أشار به إلى أنّ المعتبرَ هو غلبةُ أجزاءِ المخالط؛ لأنَّها المخرجةُ عن مقتضى طبعِ الماء، وهو السيلانُ والرقّة، وهو مذهب أبي يوسف، وهو الصحيح، وعند محمد رح تعتبرُ الغلبة بحسب اللون.
(9) هذا عند أبي يوسف ( وهو الصحيح، وعند محمد تعتبر الغلبة بحسب اللون. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 85).
(1/385)
________________________________________
(أو بالطَّبخ[(1)]، كالأشربةِ [(2)]والخلّ) نظيرُ ما اعتصرَ من الشَّجرِ والثَّمر، فشرابُ الرِّيباسِ معتصرٌ من الشَّجر، وشرابُ التُّفاحِ ونحوَهُ معتصرٌ من الثَّمر.
(وماءِ البَاقِلاَّء) نظيرُ ما غلبَ عليه غيرُهُ أجزاءً.
(والمرق) نظيرُ ما(3) غلبَ عليه غيرُهُ بالطَّبخ(4).
وأمَّا الماءُ الذي تغيَّرَ بكثرةِ الأوراقِ الواقعةِ فيهِ حتى إذا رُفِعَ(5) في الكفِّ(6) يظهرُ فيهِ لونُ الأوراق، فلا(7) يجوزُ بهِ الوضوء(8)؛ لأنَّهُ كماءِ الباقلاَّء.
__________
(1) أو بالطبخ؛ الظاهرُ انه عطفٌ على قوله: بغلبة؛ أي لا يجوزُ الوضوءُ بما زالَ طبعه بالطبخ، وظاهر كلامِ الشارح عند قوله: المرق يقتضي أنّه عطف على قوله: أجزاء، فيكون معناه بغلبة غيره بالأجزاءِ أو بالطبخ، وفيه بعدٌ ظاهر، فإنّه لا معنى لغلبةِ الأجزاءِ بالطبخ، فإنّ الحاصلَ به إنّما هو التغيّر لا الغلبة، إلا أن يقال: الباء بمعنى مع.
(2) قوله: كالأشربة؛ بفتحِ الهمزة، وسكونِ الشين المعجمة، وكسر الراء المهملة، جمع شراب بمعنى ما يشرب، والمراد الأشربةُ المتَّخذةُ من الأشجارِ والأثمار، كشرابِ الرمَّان والتفاح.
قوله:هو بفتحتين، وبالفتح في الأصل مصدر بمعنى الحياة، ويطلق على كلّ ذي روح.
(3) في أ: ماء.
(4) الأولى أن يقال نظير ما زال طبع بالطبخ. كما في ((السعاية))(ص361).
(5) في م: وقع.
(6) التقييد بالكف إشارة إلى كثرة التغير؛ لأنالماء قد يرى في محله متغيِّراً لونه لكن لو رفع منه شخص في كفه لا يراه متغيراً. كما في ((رد المحتار))(1: 125).
(7) في م: لا.
(8) ولكن صحح التمرتاشي في ((التنوير))(1: 125) جواز الوضوء به.
(1/386)
________________________________________
(ولا بماءٍ راكدٍ وقعَ فيه نَجَسٌ إلاَّ إذا كان[(1)
__________
(1) قوله: إلا إذا كان… الخ؛ اعلم أنّه قد وقعَ الاختلاف الكثير في تنجيس الماء الغير الجاري بوقوعِ النجاسة بين مجتهدي الأمّة وأتباعهم مع اتِّفاقهم على أنّ الجاري لا يتنجسُ بوقوعِ النجاسة فيه ما لم يظهر أثرها فيه، فذهب الظاهريَّة إلى عدمِ تنجسه مطلقاً، وإن تغيّر أحدُ أوصافه أو كلّها بوقوع النجس، وهو مذهب يردّه العقل والنقل، وذهبت الشافعيّة إلى أنّه إن كان مقداراً لقلتين لا ينجس ما لم يتغيّر أحد أوصافه، وإلا ينجس، وقدَّروا القلة: بضم القاف وتشديد اللام، يعني: الجرّة بما يسعُ قربتين ونصفاً، وذهبت المالكيَّة إلى أنّه لا ينجسُ مطلقاً إلا أن يتغيَّر طعمه أو لونه أو ريحه بوقوعِ النجس، سواءً كان أقلّ من القلَّتين أو أكثر، وقد بسطتُ الكلامَ بما لا مزيدَ عليه في ذكر أدلّتهم، وذكرُ ما يردُ عليهم، وما يدفع عنهم مع الإشارةِ إلى الترجيح، والقولِ النجيح في ((السعاية)) مَن أراد الاطِّلاع عليه فليرجع إليه، وأمّا أصحابنا فلم يقولوا بذاك ولا بهذا، بل اختاروا بأنّ الجاري وما في حكمِ الجاري لا ينجس وما سواه ينجس……. تغيّر أحد اوصافه أو لم يتغيّر قلّة كان أو قلّتين، أو أقلّ أو أكثر، وقالوا: ما في حكم الجاري هو مالا يخلصُ فيه النجس بوقوعه فيه إلى الجانب الآخر، وقد وقع فيه اختلافٌ بينهم، فمنهم مَن حدَّه بالمساحة، ومنهم مَن حدَّه بغيرها، أمّا الذين حدّوه بغيرِ المساحةِ فمنهم مَن حدَّه بالتكدّر، كما نقله صاحب ((النهاية)): عن محمَّد بن سلام أنّه إن كان بحال لو اغتسل فيه يتكدّر الجانبُ الآخر، فهو ممّا يخلص بعضه إلى بعض، وإن لم يصلْ فهو ممّا لا يخلص، ومنهم مَن حدَّه بالصبغِ كما نقله في ((النهاية)) عن أبي حفصٍ الكبير أنّه يلقى زعفران في جانبٍ منه، فإن أثَّر في الجانب الآخر كان ممَّا يخلصُ بعضه إلى بعض، وإلا فلا، ومنهم مَن حدَّه بالتحريك، ومنهم مَ‍ن فوَّضه إلى رأي المبتلى، وهذا هو أصل مذهب أئمَّتنا، والمختارُ عند قدمائهم، وجمعٌ من محقِّقي متأخّريهم، فقال محمّد في ((مؤطّاه)): إن كان الحوضُ عظيماً إن حرِّكت ناحيته لم تتحرَّك الناحية الأخرى لم يفسد ذلك الماء، ما ولغَ فيه من سبع ولا ما فيه قذر، إلا أن يغلبَ على ريحِهِ أو طعمه، فإذا كان حوضاً صغيراً إن تحرَّكت منه ناحيةٌ تحرَّكت الناحيةُ الأخرى، فولغَ فيه السبّاع أو وقعَ فيه القذر، فلا يتوضَّأ منه. انتهى. وشرح هذه العبارة مع ما لها وما عليها قد فرغتُ عنه في ((التعليق الممجّد على موطَّأ محمّ‍د)) رح فليرجع اليه، وقال ابن الهمامِ في ((فتح القدير))، قال أبو حنيفة: في ظاهرِ الروايةِ يعتبرُ فيه أكبر رأي المبتلى إن غلبَ على ظنّه؛ أنّه بحيث تصل النجاسةُ إلى الجانبِ الآخرِ لا يجوز الوضوء منه، وإلا جاز، وعنه اعتباره بالتحريك على ما هو مذكورٌ في الكتاب أي ((الهداية)) بالاغتسال أو بالوضوء أو باليد روايات، والأوّل أصحّ عند جماعة منهم: الكرخيّ، وصاحب ((الغاية)) و((الينابيع وغيرهم))، وهو الأليق بأصلِ أبي حنيفة. انتهى. وأمّا الذين قدّروه بالمساحةِ فمنهم مَن جعلَ الكبير ما كان بقدر ثمانٍ في ثمان، وما عداه قليلاً، ومنهم: مَن اختارَ اثنى عشرَ في اثنا عشر، ومنهم: مَن اختار خمسة عشر في خمسةَ عشر، واختار جمع من أصحابنا التقديرَ بعشر في عشر، أفتوا به منهم: قاضي خان في ((فتاواه))، وصاحب ((الهداية)) فيها، وفي ((مختارات النوازل))، وصاحب ((الخلاصة))، و((التاتارخانيّة))، وهو قول أبي سليمان الجوزجانيّ، واختارَه كثيرٌ من المتأخِّرين، وفرَّعوا عليه فروعاً، وبنوا عليه نكاتٍ بناءً على أنّه أسهل وأضبط، حتى اشتهرَ في ما بينهم أنّه مذهبُ أبي حنيفةَ وصاحبيه، وقد عرفت أنّه ليس كذلك.
(1/387)
________________________________________
] عشرةُ أذرعٍ في عشرةِ أذرع[(1)](2)
__________
(1) : في عشرة أذرع؛ أي بأن يكونَ كلّ ضلعٍ منه عشرة أذرع، فيكون حول الماءِ أربعين ذراعاً، ووجهه مئة ذراع، هذا إذا كان الحوضُ مربِّعاً بأنّ تتساوي أضلاعه الأربعة، لما تقرَّر في علم المساحة أنّ مساحة المربّع تكون بضربِ ضلعٍ واحدٍ من أضلاعه في نفسه، وإن كان مدوِّراً أو مثلثا أو نحو ذلك، يعتبر فيه أن يكون بحيث لو ربّع صارَ عشراً في عشر، وهل المعتبر ذراعُ المساحة ومقداره سبع قبضات، فوق كلّ قبضةٍ إبهام قائمة، والمراد بالقبضة الأصابعُ الأربعة المضمونة أو ذراع الكرباس، ومقداره ستّ قبضات من دون قيام الإصبع كما في ((الفتح))، أو سبعُ قبضاتٍ بدون قيام الاصبع كما في ((الظهيريّة))، فيه قولان مصحَّحان، فاختار صاحب ((الهداية)) و((الخلاصة))، ((وخزانة المفتيين))، الثاني: واختارَ أكثرهم منهم: قاضي خان الأوّل؛ لكونه أليق بالمسموحات.
(2) اختلفوا في هذا الحدّ:
فمنهم: من حدَّه بالتكدر، أي إذا اغتسل فيه يتدر الجانب الآخر، وهو قول محمد بن سلام
ومنهم: من حدّ الصبغ، أي إذا ألقي فيه زعفران أثر في الجانب الآخر، وهو قول أبي حفص الكبير.
ومنهم: من حدّه التحريك، وهو مذهب المتقدمين. كما في ((العناية))(1: 70)، وفيها تفصيل في الاختلاف في التحريك، هل هو باليد، أو بالتوضؤ، أو بالاغتسال. وقال صاحب ((التبيين))(1: 22): ظاهر المذهب التحريك. وقال صاحب ((البدائع))(1: 72): اتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك.

ومنهم: من فوَّضه إلى رأي المبتلي، وهذا هو أصل المذهب، والمختار عند المتقدمين كالكرخي، وجمع من محققي المتأخرين. فقد صححه ابن الهمام في ((فتح القدير))(1: 68-69)، وصاحب ((البحر))(1: 78-80)، وتبعه صاحب ((التنوير))(1: 128)، و((الدر المختار))(1: 128)، ووفق ابن عابدين في ((رد المحتار))(1: 128) بينه وبين رأي التحريك، فقال: المراد بغلبة الظن بأنه لو حرك لوصل إلى الجانب الآخر إذا لم يوجد التحريك بالفعل.
ومنهم: ومنهم من حدّه بقدر ثمان في ثمان، وبه أخذ محمد بن سلمة.
ومنهم من حدّه بخمسة عشر في خمسة عشر، وهو قول أبي مطيع البلخي.
ومنهم: من حدّه عشر بعشر، وهو قول أبو سليمان الجوزجاني، وعليه عامّة المشايخ، واختاره قاضي خان في ((فتاواه))(1: 5)، وصاحب ((المراقي))(ص69)، و((الملتقى))(ص4)، و((الكنْز))(ص4)، و((التبيين))(1: 21)، والقدوري في ((مختصره))(ص4). ينظر: تفصيل هذه المذاهب ((التعليق الممجد على موطأ محمد))(1: 269-270)، و((السعاية))(ص370-385)، و((البدائع))(1: 72)، و((المبسوط))(1: 70-71).
(1/388)
________________________________________
، ولا تنحسرُ[(1)] الأرضُ بالغَرْف(2) )، فحكمُهُ[(3)] حكمُ الماءِ الجاري:
__________
(1) قوله: ولا ينحسر؛ في تقدير العمق أقوال ذكرها الزاهديّ في ((المجتبى)) أحدها أنّ ما لم يبلغ الكعب فليس بمعتبر، وثانيهما: إن كان مقدارَ شبرٍ فهو كثير، وما قلّ منه قليل، وثالثها: إن كان ذراعاً فهو كثير، وإلا فهو قليل، ورابعها: ما اختارَه المصنّف تبعاً لما صحَّحه صاحب ((الهداية)) و((الخلاصة)) و((الظهيرية)): إنّه إن انكشفَ أرضُ الحوضِ بالغرفِ فهو قليل، وإلا فهو كثير وفيه أقوالٌ آخر أيضاً أوردناها في ((السعاية)) فليرجع إليه.
(2) اختلفوا في قدر عمقه: فقال بعضهم: إن كان بحال لو رفع الماء بكفه لا ينحسر ما تحته من الأرض، وفهو عميق، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة (. وصححه في ((الهداية))(1: 19). واختاره صاحب ((الملتقى))(ص4).
وقال بعضهم: إن كان بحال لو اغترف لا تصيب يده وجه الأرض، فهو عميق.
وقال بعضهم: قدر شبر.
وقال بعضه: قدر ذراع. كذا في ((الخانية))(1: 5)، و((العناية))(1: 71)
(3) قوله: فحكمه؛ الفاء إمّا تفريعيَّة: يعني لمَّا جازَ الوضوء من حوضٍ يكون عشراً في عشرٍ علمَ منه أنّ حكمه حكم الجاري في أنّه يجوزُ الوضوء منه، وإن وقعَ فيه نجس، وإمّا تعليليّة، والمقصود منه ذكرُ علَّة الحكم الذي ذكره المصنّف بالاستثناء.
قوله أي لا يجوزُ بماءٍ راكدٍ من الركود؛ أي جامدٍ مستقر في موضعه غير جارٍ، إذا وقعَ فيه نجس ما لم يكن عشراً في عشر.
بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الراء المهملة جمع الذراع.
بالفتح مصدر وهو اخذ الماء بالكف.
(1/389)
________________________________________
فإن كانت[(1)
__________
(1) قوله: فإن كانت… آه؛ الظاهر أنّ الفاءَ للتفريع، وحينئذٍ يردُ عليه أنّ الماءَ الجاري إذا كان ما لا يلاقي النجاسة منه أكثر ممّا يلاقي جازَ الوضوءُ في أسفله، فإذا كان حكمُ العشرِ في العشر حكمُ الجاري، ينبغي أن يكون حكمه كذلك، لا ما ذكره، وحاصل المسألة النجاسةُ الواقعةُ في الحوضِ لا تخلو إمّا أن تكون مرئيَّة كالعذرةِ والدمّ أو غير مرئيَّة كالبول ونحو ذلك، فإن كانت مرئيَّة لا يتوضَّأ من موضعِ وقوعِ النجاسة بل يتوضَّأ من جانب آخر، وإن كانت غير مرئيّة يتوضأ من ذلك الجانب أيضاً؛ لأنَّه بمنْزلةِ الماء الجاري، والجواب في الجاري على هذا الوجه هو أنّه يجوزُ الوضوء من ذلك الجانب أيضاً، إذا كانت النجاسةُ غير مرئيّة، وإن كانت مرئية يتوضّأ من الجانب الآخر، وهذا قول مشائخ بخارا، وأمّا مشائخِ العراقِ فقالوا: لا فرقَ بين المرئيَّة وغيرها في أنّه لا يتوضَّأ من ذلك الجانب، بل من الجانب الآخر. كذا في ((الذخيرة))، و((فتاوى قاضي خان))، وبهذا علمَ أنّ ما اختارَه الشارحُ هاهنا من الفرق إنّما هو قول مشائخ بخارا، وكذا قال صاحب ((الخلاصة)): بل يتنجس موضوعُ الوقوع، فنقول: النجاسة على نوعين: مرئيّة وغير مرئيّة، والمرئيّة كالعذرةِ والجيفة، وغير المرئيّة كقطرةِ خمر، ففي المرئيّة يتنجّس موضع الوقوعُ بالإجماع، ويتركُ موضعِ النجاسة بقدر الحوض الصغير، وأمّا في غير المرئيَّة فعند مشائخِ العراقِ كذلك، وعند مشائخ بلخ وبخارا يجوزُ التوضئ من موضعِ الوقوع. انتهى. والذي رجَّحهُ ابن الهمام في ((فتح القدير)) وتلميذه ابن أمير حاج في ((الحليةِ شرح المنية)) وغيرهما ما روى عن أبي يوسفَ أنّ الكثيرَ كالعشر في العشر، كالجاري في أنّه لا ينجس بوقوعِ النجاسةِ مطلقاً مرئيَّة كانت أو غير مرئيّة، إلا بالتغير، فيجوز الوضوء من جميع الجوانب فيهما؛ لأنَّ الدليلَ إنّما يقتضي عند الكثرة عدم التنجّس الا بالتغير من غير فصل
(1/390)
________________________________________
] النَّجاسةُ مرئيَّةً لا يُتَوَضَّأُ من موضعِ النَّجاسة، بل من الجانبِ الآخر[(1)].
وإن كانت غير مرئيَّة يُتَوَضَّأُ من جميعِ الجوانب، وكذا من موضعِ غُسالتِه[(2)].
__________
(1) : بل من الجانب الآخر؛ اختلفَ في مقدارِ التنحي على أقوالٍ ذكرناها في ((السعاية))، والذي صحَّحه صاحب ((البحر)) تبعاً لشارحِ ((المنية)) أنّه يتحرّى، فإن وقعَ تحرّيه على أنّ النجاسةَ لم تخلصْ إلى هذا الموضع جاز منه الوضوء.
(2) قوله: وكذا من موضع غسالته؛ هذا حكمٌ إجماعيّ كما صرَّح به في ((الخلاصة))، فإنّه إن كان الماءُ المستعملُ طاهراً فظاهر، ولإن كان نجساً فكذلك؛ لكونه نجاسته غير مرئيّة، وذكر في ((الذخيرة)) خلافاً فيه، وقد بيَّنا بطلانه في ((السعاية)).
(1/391)
________________________________________
قال محيي السُنَّة[(1)](2) - رضي الله عنه -: التَّقدير(3) بعشرٍ في عشرٍ لا يرجعُ إلى أصلٍ شرعيِّ يُعْتَمَدُ عليه[(4)].
__________
(1) قوله: قال محيي السنّة؛ هو أبو محمَّد الحسين بن مسعود البغويّ، مؤلف ((شرح السنّة))، و((مصابيح السنّة)) في الحديث، و((معالم التنْزيل)) في التفسير، وغيرها، وقد مرت ترجمته في المقدمة
(2) وهو حسين بن مسعود الفرَّاء البَغَوِيّ الشَّافِعِيّ، أبو محمد، محيي السُّنَّةِ، والبَغَوي: منسوب إلى بغا، بفتح الباء، وهي قرية بخُراسان بين هراة ومرو، والفراء: نسبة إلى عمل الفراء وبيعها، من مؤلفاته: ((معالم التنزيل في هلك التفسير))، و((مشكاة المصابيح))، و((شرح السنة))، قال الأسنوي: وكان ديناً ورعاً قانعاً باليسير، يأكل الخبز وحده، فَعُذِل في ذلك، وصار يأكله بالزيت، وكان لا يلقي درسه إلا على طهارة، (ت516هـ). ينظر: ((وفيات))(2: 136). ((طبقات الأسنوي))(1: 101). ((الكشف))(2: 1726).
(3) في م: التعديل.
(4) قوله: إلى أصلٍ شرعيّ يعتمدُ عليه، يريد أنّ التقديرَ لا مدخلَ فيه للرأي، بل لا بدّ أن يكون له أصلٌ شرعيّ من الكتابِ والسنّة صراحةً أو استنباطاً، أو كان وقعَ عليه الإجماع، والتقديرُ الذي ذكره الحنفيّة في عدمِ سرايةِ النجاسة؛ أي العشر في العشر، ليس له أصلٌ شرعيّ، بخلافِ تقدير الشافعيّة به بقلَّتين، فإنّه ثابتٌ بالحديثِ الصحيح، وكذا تقدير المالكيّة بالتغير.
(1/392)
________________________________________
أقول: أصلُ المسألةِ [(1)] أنَّ الغديرَ العظيمَ الذي لا يتحرَّكُ أحدُ طرفيهِ بتحريكِ الطَّرفِ الآخرِ إذا وقعتْ النَّجاسةُ في أحدِ جوانبهِ جازَ الوضوءُ في الجانبِ الآخر، ثمَّ قُدِّرَ هذا بعشرٍ في عشر، وإنَّما قُدِّرَ[(2)] بهِ بناءً على قولهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ حَفَرَ بِئْرَاً[(3)] فَلَهُ حَوْلُهَا أَرْبَعُون ذِرَاعاً))(4)، فيكونُ له حريمُها من كلِّ جانبٍ عشرة، ففهمَ من
__________
(1) قوله: أصل المسألة؛ لمّا كان التقديرُ بالعشرِ في العشرِ المذكورُ في المتون، وقد اشتهرَ أنّ المتونَ موضوعةٌ لنقلِ المذهب، فكان مظنَّة أن يتوهّم أنّ هذا التقدير هو أصلُ مذهب أبي حنيفة، وأن إيراد الشافعيّة واردٌ عليه، أشار إلى دفعه بأنّ التقديرَ إنّما صدرَ من المشايخ توضيحاً وتخريجاً وتسهيلاً، وأصلُ المذهبِ غيره، ولا يردُ عليه ما أورده محيي السنّة، فإن إيراده لو صحّ إنّما يرد على ما اختارَه من التقدير، وفيه أيضاً إشارةً إلى أنّ كون المتونِ موضوعةٌ لنقلِ أصل المذهب حكم أكثريّ لا كليّ، وإلى أنّه لو لم يتحصّل أصل لذلك التقدير لم يقدحْ في أصل المذهب.
(2) قوله: وإنّما قدَّر؛ يريد أنّ هذا التقديرَ له أيضاً أصلٌ شرعيّ، فاندفعَ إيرادُ محيي السنة.
(3) قوله: مَن حفر بئراً… الخ، هذا الحديث أخرجَه أحمد من حديثِ أبي هريرةَ وابن ماجه والطبرانيّ، من حديث عبد الله بن المغفل وأبو يوسفَ في ((كتاب الخراج)) من حديثِ الحسن البصريّ مرسلاً، كلهم رووه مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي أسانيده ضعفٌ يسيرٌ كما حقَّقه الزيلعيّ في ((تخريج أحاديث الهداية)).
(4) من حديث أبي هريرة وعبد الله بن مغفل ( في ((سنن ابن ماجه))(2: 831)، و((مسند أحمد))(2: 494))، و((سنن الدارقطني))(4: 220)، و((التحقيق في أحاديث الخلاف))(2: 225)، وقد استوفى طرقه الزيلعي في ((نصب الراية))(4: 291-292)، ورد كلام الدارقطني بأن الصحيح أنه مرسل.
(1/393)
________________________________________
هذا[(1)] أنَّهُ إذا أرادَ آخرٌ أن يحفرَ في حريمِها بئراً يُمْنَعُ منه؛ لأنَّهُ نجذبُ الماءُ إليها، وينقصُ الماءُ(2) في البئرِ الأُولَى، وإن أرادَ أن يحفرَ بئرَ بَالُوعةٍ[(3)](4) يُمْنَعُ أيضاً؛ لسرايةِ النَّجاسةِ إلى البئرِ الأُولَى، وتنجيس(5) مائها، ولا يُمْنَعُ منها(6) فيما وراءَ الحريم، وهو عشرٌ في عشر، فعُلِمَ[(7)
__________
(1) قوله: ففهم من هذا؛ يعني دلَّ هذا الحديث على أنّه إذا حفرَ رجلٌ بئراً وأرادَ آخرٌ أن يحفرَ في مقدارِ حريمها، وهو عشرة من كلّ جانبٍ يمنعُ منه؛ لأنّه لقربِهِ ينجذبُ الماءُ من البئر الأولى إلى الثانية، فلصاحبِ الأولى أن يمنعَه من ذلك، ويهدمَ ما حفره الثاني، وكذلك لو شاء الثاني أن يبنيَ في ذلك الموضعِ بناءً أو يزرعَ فيه زرعاً، كان للأوّل أن يمنعَ منه. كذا في ((كتاب الخراج)) للإمامِ أبي يوسف.
هو عبارةٌ عمّا حولَ الشيءِ من حقوقه ومرافقه، سمّي به؛ لأنّه محرّم على غير مالك أن ينتفع به.
(2) في م: بالماء.
(3) قوله: بئر بالوعة؛ هي بئر تحفر ضيّقة الرأس لماء المطر وغيره، يعني إذا أراد آخر أن يحفرَ حفرةً لألقاء البالوعة، وهي القذرة والنجاسات ونحوها، وسيلان الميزاب في حريمِ البئر الأولى لا يسعه ذلك.
(4) البَالُوعة: بئر تحفر ويضيق رأسُها يجري فيها المطر، وهي لغة أهل البصرة. كما في ((اللسان))(1: 345). قال اللكنوي في ((عمدة الرعاية))(1: 88): يعني إذا أراد آخر أن يحفر حفرة لألقاء النجاسات ونحوها وسيلان الميزاب في حريم البئر الأولى لا يسعه ذلك.
(5) في م: ينجس.
(6) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(7) قوله: فعلم… الخ؛ خلاصةُ الاستدلالِ أنّه فهم من حديث الحريم أنّ حفرَ بئر الماء أو بئر النجاسة في مقدارِ عشرةِ أذرع من البئر الأولى لا يجوز، وليس ذلك إلا لسرايةِ الماء والنجاسةِ إلى هذا المقدار، فعلم منه أنَّ الشرعَ اعتبرَ العشرَ في سرايةِ النجاسةِ وعدم سرايتها، فلذلك قدَّر الفقهاء الحوضَ بالعشرَ في العشر، وحكموا بأن في هذا المقدار لا تسري النجاسةُ من جانبٍ إلى جانب، وهاهنا أبحاثٌ من وجوه: الأوّل ما نقلَه صاحب ((البحر)) عن يعقوب باشا أنّ قوامَ الأرضِ أضعافُ قوامِ الماء، فقياسه عليها في مقدار عدمِ السرايةِ غير مستقيم، الثاني: إنّ كونَ الحريمِ من كلّ جانب عشرة إنّما هو قولُ البعض، والأصحّ أنّ الحريمَ من كلّ جانبٍ أربعون، قال صاحب ((الهداية)) هو الصحيح، واختاره المصنّف والشارحُ في ( كتاب إحياء الموات)، وعليه حملوا حديثَ الحريم، يعني أنّ معناه أربعون من كلّ جانب، وإذا بطلَ الأصلُ بطلَ الفرع، فإن قلت: يكفي في بيان أصل العشر كونِ الحريمِ بقدرِ العشرِ من كلّ جانبٍ عند البعض، قلت: فحينئذٍ يكون الأصلُ مرجوحاً ضعيفاً غير معتمدٍ عليه، وهذا هو مفادُ إيراد الشافعيّة، الثالث: إنَّ مقتضى حديثِ الحريمِ لو سلّم ما ذكره أن يكون الحوضَ أكثر من عشرٍ في عشر ليتصوّر بين النجاسة وبين محلّ الطهارة هذا القدر، الرابع: إنَّ هذا الأصلَ بعد تمامه إنّما هو استنباطيّ ليس بصريحيّ، فلا يصلح مخصَّصاً لعمومِ حديث: ((الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه))، وغير ذلك من الأخبار، وفي المقامِ أبحاثٌ أخر أيضاً مبسوطةٌ في ((السعاية))، وبالجملة فما أبداه الشارحُ من الأصلِ ليس بمعتمد عليه، والحقّ أنّ عدمَ تأصّل التقديرِ بالعشرِ لا يقدحُ في أصلِ المذهب، ولا حاجةَ إلى تأصيله على أصلٍ معتمدٍ عليه، فإنّ هذا التقديرَ وأمثاله إنّما هو للتسهيل.
(1/394)
________________________________________
] أنَّ الشَّرعَ اعتبرَ العشرةَ في العشرةِ في عدمِ سرايةِ النَّجاسة، حتى لو كانتْ النَّجاسةُ تسري، يحكمُ بالمنع، ثمَّ المتأخِّرونَ وسَّعُوا الأمرَ على النَّاس، وجوَّزوا الوضوءَ في جميعِ جوانبه.
(ولا بماءٍ[(1)] استعملَ لقربةٍ أو لرفعِ حدث)، اعلمْ أنَّ في الماءِ المستعملِ
__________
(1) قوله: ولا بماء؛ أي لا يجوزُ الوضوءُ بماءٍ، مستعمل وكذا الغسل واستعماله الذي يخرجه عن طهوريّته، يكون بأمرين: أحدهما: أن يستععمله لأجلِ قُربة، وهي بالضم عبارة عن فعلِ ما يثاب عليه بعد معرفةٍ مَن يتقرّب إليه، وإن لم يتوقّف على نيّة، وأمّا الطاعةُ فهو عبارةٌ عن فعلِ ما يثاب عليه توقّف على نيَّة أم لا؟ عرف ما يفعله لأجله أم لا؟ والعبادةُ ما يثابُ على فعلِهِ ويتوقَّف على نيّة فالصلوات الخمس والصوم ونحوها قربات وعبادات وطاعات، وقراءةُ القرآنِ قربة وطاعة لا عبادة، والنظرُ المؤدّي إلى معرفةِ الله طاعةٌ لا قربةٌ ولا عبادة. كذا في ((حواشي الأشباه)) للحمويّ، والمرادُ بالقربةِ هاهنا نفسُ الثوابِ إطلاقاً لاسمِ اللفعل على أثره، فالحاصل أنّ الذي استعملَ لغرض تحصيلِ الثوابِ أعمّ من أنَ يرتفع بهُ الحدثِ كالوضوء لرفع الحدث، أو لم يرتفع كالوضوء على الوضوء لا يجوز به التطهير، وثانيهما: أن يستعمله بغرضِ رفعِ حدث، سواءً كان لقربة أيضاً كالوضوءِ المنويّ أو كالوضوء الغير المنويّ عندنا، وبهذا وضحَ لك أنّ النسبة بين الاستعمالِ للقربة وبين الاستعمالِ لرفع الحدث، نسبة العموم والخصوص من وجه، وإن كلمة: أو؛ في كلام المصنّف لمنعِ الخلو؛ لعدمِ امتناع الجمع، وإنّ اللامَ الداخلةَ على القربةِ للغرض، لكن بمعنى العاقبة لا بما يكون مقصوداً من الفعلِ وباعثاً له، فاندفعَ ما أوردَ أنَّ الاستعمالَ لرفعِ الحدثِ لا ينفكّ عن النيّة، فلا يشملُ رفعُهُ بدون نيّة، وأمّا حملُ اللامِ على الوقتِ كما اختاره الناظرون فليس بصحيحٍ كما بسطناه في ((السعاية)).
(1/395)
________________________________________
اختلافات:
الأوَّل: في أنَّهُ بأيِّ شيءٍ يصيرُ مستعملاً، فعند أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ - رضي الله عنهم - بإزالةِ الحدث[(1)](2)، وأيضاً [(3)]بنيَّةِ القربة، فإذا توضَّأ المحدثُ وضوءً غيرَ منويٍّ يصيرُ مستعملاً، ولو توضَّأ غيرُ المحدثِ وضوءً(4) منويَّاً يصيرُ مستعملاً أيضاً.
__________
(1) قوله: بإزالةِ الحدث؛ أي النجاسة الغير الحقيقيّة، وأمّا المستعملُ لإزالةِ النجاساتِ الحقيقيَّة كماءِ الاستنجاءِ وغسالةِ الثياب النَّجسةِ فهو نجسٌ اتِّفاقاً ما لم يعطِ للمغسولِ حكم الطهارة، وبعد ذلك هو طاهر وطهور اتِّفاقاً. كذا في ((الغنية)) وغيرها، وما استعملَ في غسل الأعيان الطاهرةِ طاهرٌ بالاتِّفاق، كما في ((التاتارخانيّة)).
(2) أي النجاسة غير الحقيقية، وأما المستعمل لإزالة النجاسات الحقيقية كماءالاستنجاء وغسالة الثياب النجسة، فهو نجس اتفاقاً ما لميعط للمغسول حكم الطهارة، وبعد ذلك هو طاهر وطهور اتفاقاً. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 88).
(3) قوله: وأيضاً؛ أي بكلٍّ منهما اجتمعا أو تفرّقا، وذلك لأنَّ الاستعمالَ بانتقالِ نجاسةِ الآثامِ إلى الماء، وأنّها تزالُ بالقربةِ وإسقاطِ الفرض مؤثِّرٌ أيضاً. كذا في ((الهداية)) و((البناية))، وفي ((فتح القدير)) تتبّع الروايات يفيدُ أنّ صيرورةَ الماءِ مستعملاً بأحدِ أمورٍ ثلاثة: رفعُ الحدثِ تقرَّباً أو غير تقرّب، والتقرّب كان معه رفعُ حدثٍ أو لم يكن، وسقوطُ الفرضِ عن العضو، وعليه تجري فروعُ إدخالِ اليدِ في الماء القليل لا لحاجة.
(4) في م: وضوا.
(1/396)
________________________________________
وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه - بالثَّاني فقط[(1)](2).
وعند الشَّافعيِّ[(3)](4) - رضي الله عنه - بإزالةِ الحدث لكن إزالة الحدث لا يتحقَّقُ إلا بنيَّةِ القربةِ عندهُ بناءً على اشتراطِ النِيَّةِ في الوضوء.
__________
(1) قوله: بالثاني فقط؛ أي بنيّة القربة، بناءً على أنّ الاستعمالَ إنّما هو لانتقال الآثام، وهو بالقربة، وهذا هو المذكورُ في ((الخلاصة)) و((المحيط)) وغيرهما، وفي ((البحر)) هذا الخلافُ إنّما استنبطه أبو بكرٍ الرازيّ من مسألةِ الجنبِ إذا انغمسَ في البئر لطلب الدلو، فقال محمّد: إنّه طاهر وطهور لعدمِ إقامةِ القربة، وإن وجدَ معه رفعُ الحدث، وقال شمسُ الأئمّة السرخسيّ: التعليلُ بعدمِ إقامةِ القربةِ ليس بقويّ؛ لأنّه غير مرويّ عنه، والصحيحُ عنده أنّ إزالةَ الحدثِ بالماء أيضاً مفسدة، إلا عند الضرورة، كالجنبِ يدخلُ البئر لطلب الدلو.
(2) أي بنية القربة، واستدل أبو بكر الرازي لذلك بمسألة الجنب إذا انغمس في البئر لطب الدلو، فقال محمد الماء طاهر طهور؛ لعدم إقامة القربة، لكن قال السرخسي: التعليل محمد بعدم إقامة القربة ليس بقوي؛ لأنهغير مروي عنه، والصحيح عند أن إزالة الحدث بالماءمفسدة له إلا عند الضرورة. كما في ((البحر))(1: 95-96).
(3) قوله: وعند الشافعيّ؛ وكذا عند زفر، مستنداً بأنّ مجرَّدَ القربةِ لا يدنَّس، بل الإسقاط، ألا ترى أنّ المالَ لا يتدنَّس بمجرَّدِ نيَّة التقرَّب، حتى يجوزَ دفعُ صدقةِ التطوَّع إلى الهاشميّ بخلافِ الزكاة، وجوابه على ما في ((فتح القدير)) وغيره: إن كلاّ من التقرّب المزيلِ للسيئات وإسقاطِ الفرضِ مؤثر ألا ترى أنّه انفردَ وصفُ التقرّب في صدقةِ التطوّع، حيث حرّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم والأثرُ عند ثبوتِ وصف الأسقاط أشد حتى حرم الفرض على جميع بني هاشم وبه خرج الجواب عن ما نسب إلى محمد أيضاً من كفاية التقرب.
(4) ينظر: ((مغني المحتاج))(1: 200).
(1/397)
________________________________________
والاختلافُ الثَّاني[(1)]: في أنَّهُ [متى](2) يصيرُ مستعملاً(3)، ففي ((الهداية)): إنَّهُ كما زايلَ العضوَ صارَ مستعملاً(4).
والاختلافُ الثَّالث: في حكمه[(5)]:
__________
(1) قوله: والاختلاف الثاني؛ اعلم أنّهم بعدما اتَّفقوا على أنّه لا يعطى له حكمُ المستعملِ ما دام على العضو، اختلفوا في وقتِ كونه مستعملاً على قولين: أحدهما أنّه يصيرُ مستعملاً بمزايلته عن البدن واستقرارُهُ في موضع، وهو اختيارُ مشائخ بلخ والطحاويّ والظهير المرغينانيّ، والصدر الشهيد وفخر الإسلام، وثانيهما: إنّه يصيرُ مستعملاً بمجرَّدِ زوالِه عن العضو في الوضوء، وعن جميعِ البدن في الغسل، وهو الذي اختاره في ((الهداية)).
(2) سقطت من م.
(3) اختلفوا في وقت كونه مستعملاً على قولين: أحدهما: أنه يصير مستعملاً إذا زايل البدن واستقرّ في موضع، وهو اختيار مشايخ بلخ والطحاوي، والظهير المرغيناني، والصدر الشهيد، وفخر الإسلام. والثاني: أنه يصير مستعملاً بمجرد زواله عن العضو في الوضوء وعن جميع البدن في الغسل، وهو الذي اختاره في ((الهداية)). كما في ((السعاية))(ص396-397)،
(4) انتهى من ((الهداية))(1: 20)، وقال: لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة ولا ضرورة بعده.
(5) قوله: في حكمه؛ الأولى أن يقول: في صفته.
(1/398)
________________________________________
فعند[(1)] أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -: هو(2) نجسٌ نجاسةً غليظة.
وعند أبي يوسفَ - رضي الله عنه -: هو(3) نجسٌ(4) نجاسةً خفيفة.
__________
(1) قوله: فعند… الخ؛ اعلم أنه رويت عن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات: أحدها أنّه نجسٌ مغلّظاً رواه الحسن بن زياد، وأخذَ به، وسنده هو القياس على كونِ مالِ الصدقة مطهّراً محرَّ ماً على بني هاشم مع الأحاديثِ الدالةِ على خروجِ الخطايا بالماء، وثانيها: إنّه نجسٌ مخفّفاً رواه أبو يوسفَ وأخذ به، فإنّ للبلوى تأثيراً في تخفيفِ النجاسة، وثالثها: إنّه طاهر، رواه محمّد، وأخذ به، وعليه الفتوى، كما في ((البناية))، وهو الأقوى من حيث الدليل، كما بسطناه في ((السعاية))، ومن لطائف الأقوال ما في ((الميزان)) لعبد الوهاب الشعرانيّ قال: سمعت سيدي عليّا الخواص قال: مدارك الإمام أبي حنيفة دقيقة، لا يطَّلع عليها إلا أهلُ الكشفِ من أكابرِ الأولياء، وكان أبو حنيفةَ إذ رأى ماء الميضاة يعرف سائر الذنوبِ التي فيه، فلذا جعلَ ماءَ الطهارةِ إذا تطهَّر به المكلّف له ثلاثةُ أحوال: أحدها: إنّه كالنجاسةِ المغلّظة؛ لاحتمالِ أن يكون المكلّف ارتكبَ كبيرة، والثاني: إنّه كالنجاسةِ المتوسِّطة؛ لاحتمالِ أن يكونَ ارتكبَ صغيرة، والثالث: إنّه طاهرٌ في نفسِهِ غير مطهّر لغيره؛ لاحتمالِ أن يكون ارتكبَ مكروهاً، أو خلاف الأولى.
(2) سقطت من م.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(4) سقطت من ب.
(1/399)
________________________________________
وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه -: هو طاهرٌ غيرُ طهور(1).
وعند مالكٌ(2) والشَّافِعِيُّ - رضي الله عنهم - في قولِهِ القديم(3): هو طاهرٌ و(4) مطهِّر.
__________
(1) قال القاري في ((فتح باب العناية))(1: 120): لم يثبت مشايخ العراق خلافاً بين الأئمة الثلاثة في أن الماء المستعمل طاهر غير طهور، وأثبته مشايخ ما وراء النهر، واختلاف الرواية: فعن أبي حنيفة في رواية الحسن عنه، وهو قوله: أنه نجس نجاسة مغلَّظة، وعن أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة: أنه نجس نجاسة مخففة، وعن محمد وهو رواية عن أبي حنيفة وهو الأقيس: أنه طاهر غير طهور، واختار هذه الرواية المحقِّقون من مشايخ ما وراء النهر وغيرهم، وهو ظاهر الرواية، وعليها الفتوى.
(2) ينظر: ((مختصر خليل))(ص4)، و((حاشية الدسوقي))(1: 42)، و((التاج والإكليل))(1: 66)، و((الفواكه الدواني))(1: 125)، ولكنهم قالوا: كره ماء مستعمل في حدث.
(3) قال الشربيني في ((مغني المحتاج))(1: 20) أن مذهب الشافعي القديم هو أن الماء طهور.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(1/400)
________________________________________
ونحن نقول[(1)
__________
(1) قوله: ونحن نقول… الخ؛ اختلفت النسخ هاهنا، ففي بعضها: هكذا ونحن نقول: لو كان طاهراً لجاز في السفر الوضوء به ثمّ الشرب منه… الخ، وفي بعضها: ونحن نقول: لو كان طاهراً مطهراً لجاز.. الخ، فعلى النسخة الأولى هو استدلالٌ على نجاسةِ الماء المستعمل نصرةً لمذهبِ أبي حنيفة وردَّاً على مَن قال بالطهارة، وحاصله أنّه لو كان الماءُ المستعملُ طاهراً في نفسِهِ لجازَ في السفرِ أن يتوضَّأ بالماءِ ثم يشرب غسالته مع أنّه لم يقل به أحد؛ أي لم يقلْ بجوازِ الشربِ من المستعمل، أو لم يقلْ بالوضوءِ ثم الشربّ منه أحد، بل جوَّزوا التيمَّم عند خوف العطش، ومن المعلوم ان الحرمة لا للكرامةِ كما في الإنسان آية النجاسة، فعلم انه نجس، ولعلَّك تتفطّن من هذا البيان أنّ ضمير كان راجعٌ إلى الماء المستعمل، وضميرُ به راجعٌ إلى نفس الماء قبل استعماله، وضمير: منه راجعٌ إلى الماء بعد استعماله، والإشارةُ بذلك إلى جوازِ الشربِ أو التوضئ ثم الشرب، فإن قلت: يلزمُ حينئذٍ تفكيك الضمائر، قلت: لا بأس به، فإنّ ذات الماء المطلق والمستعمل واحدة، والاختلافُ باعتبارِ وصفٍ ولا حرج في أن يرجعَ ضمير إلى ذات شيء من قطعِ النظرِ عن الوصف، وآخر إليه، مع لحاظِ الوصف، وعلى النسخةِ الثانيةِ يحتمل أن يكون المطَّهر بصيغةِ اسم المفعول، ويحتمل أن يكون اسم فاعل مفيداً لمعنى الطهور، فعلى الأوّل يكون تأكيداً للطاهر، ويكون مآله هو مآل النسخةُ الأولى، وعلى الثاني يكونُ الغرضُ من هذا الكلام الردّ على مَن قال بالطهارة والطهوريّة جميعاً، نصرةً لمذهبِ محمّد، وردَّاً على مالكٍ ومَن وافقه، ويرجعُ كلّ ضميرٍ إلى المستعمل من حيث أنّه مستعمل، وحاصله أنّه لو كان المستعمل طاهراً أو طهوراً لجاز الوضوءُ بالمستعمل، والشرب منه عند العطش، وليس كذلك ولا يخفى على المتفطّن ما في هذا الكلام على كلتا النسختين من الاختلال والإعضال، أمّا أوَّلاً؛ فأاّن الحكمَ بعدم قول أحدٍ بجوازِ الوضوء بالماء المستعمل خطأ، فإن قال بطهوريّته قد ذهب إليه، وكذا الحكمُ بعدم قول أحد جواز الشربِ من الغسالة خطأ، فإنّ كلّ مَن قال بالطهارة قال به، وأثبت ذلك بحديثِ السائب بن يزيد المرويّ في ((صحيح البخاري)) وغيره، قال: ذهبت به خالتي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ ابن أختي وقعَ؛ أي جرحَ في قدميه، فمسحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسي ودعا لي بالبركة، ثمَّ توضَّأ، فشربتُ من وضوئه قال القسطلانيّ؛ أي المتقاطرُ من أعضائه الشريفة، وأمّا ثانياً لو سلم عدم قول أحدٍ بجوازِ الشرب به فنقول: لا يدلّ ذلك على النجاسة، فإنّ عدمَ جوازِ شرب شيء وأكله قد يكون للمضررّة والخباثة وأيضاً يجوز أن يكون ذلك لقوّة الشبهة في طهارته؛ للاختلافِ الواقع من الأئمّة، وأيضاً يجوز أن يكون منعهم من ذلك على طريقِ الأولويَّة بقصدِ النظافة، لا على طريق الحرمة، وأمّا ثالثاً فلأنّهم حكموا بجواز التيمّم لخوفِ عطش حيوان محترم كدَّابةِ الرجل مع أنّ شربَ الغسالة ليس محرَّماً على الدَّابة، فعلم أنّه ليس ذلك إلا دفعاً للحرج لا للنجاسة، وأمّا رابعاً: فلأنّ عدم جواز التوضئ به ثمّ الشرب منه إنّما هو لعدمِ الطهورية، وهذا لا يدلّ على عدم الطهارة، فالملازمة التي ذكرها بقوله: لو كان طاهراً… الخ على النسخةِ الأولى باطلة، وأمّا خامساً: فلأنّ التقييدَ بقوله: في السفر؛ لغو؛ فإنّ الحكمَ في الحضر والسفر سواء، إلا أن يقال: إنّه اتّفاقيّ، بناءً على أنّ الاحتياجَ في السفرِ أشدّ من غيره، وفي المقامِ أبحاثٌ آخر، أيضاً مذكورة في ((السعاية)).
(1/401)
________________________________________
]: لو كان طاهراً لجازَ في السَّفرِ الوضوءُ به، ثمَّ الشُّربُ منه(1): [أي لا يجوزُ الوضوءُ بالماءِ المستعمل، ولا الشُّرب](2)، ولم يقلْ أحد بذلك(3).
(وكلُّ إهابٍ[(4)] دُبِغَ فقد طهرُ[(5)](6) إلاَّ جلدُ الخنْزير[(7)
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(3) العبارة في م:: ولم يقل به أحد.
(4) قوله: وكل إهاب… الخ؛ ذكر هذه المسألة في هذا المقام مع كونهما من مسائل باب تطهير الأنجاس؛ لكونها مناسبة لبحث الوضوء والغسل، ففيه إعلامٌ أنّ الإهابَ المدبوغ طاهر، يجوز الوضوء والغسل من الماءِ الموضوع فيه وفي إيراد: كل، تنبيه على أنّ الحكم عامّ في كلّ جلد، سواءً كان جلد مأكولِ اللحم أو غيره؛ لحديث: ((أيّما إهاب دبغ فقط طهر))، أخرجه الترمذيّ وحسّنه ابن ماجه، ومسلم وأبو داود وغيرهم وفي الباب أخبارٌ كثيرة ذكرناها مع اختلافِ المذاهب في ((السعاية)).
(5) قوله: فقد طهر؛ إدخالُ الفاءِ على الخبر لتضمّن المبتدأ معنى الشرط.
(6) لقوله (: ((أيما إهاب قد دبغ فقد طهر)) في ((صحيح مسلم))(1: 277)، و((سنن أبي داود))(4: 66)، و((موطأ مالك))(2: 498)، و((سنن الدارمي))(2: 117)، وغيرها
(7) قوله: إلا جلد الخنْزير… الخ، في قصر الاستثناءِ عليهما إشارةٌ إلى طهارةِ جلدِ الكلب أيضاً بالدباغة، بناءً على أنّه ليس بنجسِ العين، كما اختاره في ((الهداية)) و((غاية البيان)) و((العناية))، والوجه في تقديم الخنْزير على الآدميّ ذكرا ان الموضعَ موضع إهانة، وفي مثله التعظيمُ في التأخير، والسببُ لعدمِ طهارة جلد الخنْزير بالدباغةِ أنّه نجسُ العين بجميع أجزائه، فلا تزيل الدباغة نجاسته العينيّة؛ فإنّ الدباغةَ إنّما تزيلُ النجاسةَ العارضةَ باختلاطِ الرطوبات النجسة. قال في النهاية الكاف للمفاجاة كما تقول رأيت زيدا كما اخرجت من البيت اي يصير الماء مستعملا مفاجأة وقت زواله عن العضو من غير توقف على الاستقرار.
(1/402)
________________________________________
]ِ والآدميّ[(1)])
__________
(1) : والآدميّ؛ اعلم أنّهم اتَّفقوا على أنّ جلدَ الخنْزيرِ لا يطهر بالدباغة، واختلفوا في قبوله لها، فمنهم من قال: لا يقبل؛ لأنَّ فيه جلوداً مترادفة، بعضها فوق بعض، ومنهم من قال: يقبلها لكن لا يطهر، وكذا اختلفوا في قبول جلد الإنسانِ الدباغة، فمنهم من قال: لا يقبلها؛ لأنَّه لرقته ولطافته لا يمكن سلخه ودباغته، ومنهم من قال: يقبلها، واتَّفقوا على أنّه لو دبغَ يطهر، لكن يحرمُ سلخُهُ ودبغه إعزازاً وإكراماً. كذا في شروح ((الهداية))، وحينئذٍ يردّ على المصنَّف أنّه لا يصحّ استثناؤه جلد الآدميّ من حكمِ الطهارة، ونظمُهُ في سلكِ عدم الطهارة مع جلدِ الخنْزير، فإنّه لا شكّ في أنّه لو دبغَ طهر، غايةُ الأمر أنّه لا يحلّ الانتفاعُ به شرافة، وهو أمر آخر، وأجيبَ عنه بوجوه منها: إنّه استثناءٌ منقطع، والمعنى: كلّ إهابٍ يقبلُ الدباغ إذا دبغَ طهر إلا جلدُ الخنْزيرِ والآدميّ فإنّهما لا يقبلانه، وفيه أنّه لا يستقيمُ عند مَن قال بإمكانِ دباغهما، وهو الأصحّ، ومنها ما في ((ذخيرة العقبى)) وغيره: إنّه استثناءٌ من طهر، والمرادُ به جوازُ الانتفاعِ به، تعبيراً عن اللازمِ بالملزوم، فكأنّه قال: كلّ إهابٍ دبغَ جازَ الانتفاعُ بهِ إلا جلدَ الخنْزير والآدميّ؛ فإنّه لا يجوز الانتفاعُ بهما بالأوّل لنجاسته، وبالثاني لكرامته، وفيه تكلّف واضح، والحقُّ الصوابُ في الجوابِ أن يقال: ذكرُ طهارةِ الجلد بالدباغ في هذا المقام إنّما هو لبيانِ جواز الانتفاعِ به، فكأنّه قال: طهرَ وجاز الوضوء والغسلُ وغيرهما من صورِ الانتفاعِ به إلا جلدَ الخنزير والآدميّ، فإنّه لا يحلّ الانتفاعُ به للنجاسةِ في الأوّل، والكرامة في الثاني.
(1/403)
________________________________________
اعلمْ أنَّ الدِّباغةَ هي إزالةُ[(1)] رائحةِ النَّتنِ والرُّطوباتِ النَّجسةِ من الجلد، فإن[(2)] كانت بالأدويةِ كالقَرظِ(3) ونحوِهِ يطهرُ الجلدُ ولا تعودُ(4) نجاستُهُ أبداً، وإن كانت بالتُّرابِ أو بالشَّمسِ يطهرُ إذا يَبِس، ثمَّ إن أصابَهُ الماءُ هل يعودُ نجساً؟
فعن أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -: روايتان[(5)](6).
__________
(1) قوله: هي إزالة؛ في إطلاقه إشارةٌ إلى أنّه يستوي فيه أن يكون الدابغُ مسلماً أو كافراً أو صبياً أوً مجنوناً او امرأة. كذا في ((السراج الوهّاج)).
(2) قوله: فإنّ… الخ؛ يشير إلى ان الدباغة على نوعين: حقيقية وهي أن تزالَ رطوباته بالأدويةُ كالملح، وقشور الرمان والعفص، والقرظ بفتح القاف ورق شجر السلم، وحكميّة وهي أن تزالَ بالتشميسِ أي إلقائه في ضوءِ الشمسِ إلى أن تذهبَ ريحه ورطوبته، أو بالتتريب: أي خلط التراب به وإلقائه في الريح، وما أشبه ذلك.
(3) في أ: كالفرظ. والقَرظ: ورق السَّلم يُدْبَغ به، وقيل: قِشْر البلوط. كما في ((مختار))(ص530).
(4) في النسخ: يعود.
(5) قوله: روايتان؛ في رواية: يعود نجساً؛ لعودِ الرطوبةِ المنجسة بابتلاله بالماء، وفي رواية: لا؛ لأنَّ البلةَ العائدةَ ليست تلك الذاهبة، فإنّها تلاشت وذهبت، وهذه غيرها، ونظيره: الأرضُ إذا طهرت باليبسِ ثمَّ أصابها الماءُ في رواية: تعودُ نجسة، وفي رواية: لا، وهو المختار. كذا في ((الغنية)).
(6) وهما: الأولى: يعود نجساً؛ لعود الرطوبة، والثانية: يعود نجساً، وهو الأقيس؛ لأن هذه الرطوبة ليست تلك التي كانت بقية الفضلات النجسة؛ لأن تلك تلاشت وصارت هواء، وذهبت معه، بل رطوبة تجددت من ماء طاهر وسرت في أجزاء حكم بطهارتها وملاقاة الطاهر الطاهر لا توجب تنجيسه، وهو المختار. كما في ((غنية المستملي))(ص156).
(1/404)
________________________________________
وعن أبي يوسفَ(1) - رضي الله عنه -: إن صارَ بالشَّمسِ بحيثُ لو تركَ لم يفسدْ[(2)] كان دباغاً.
وعن محمَّدٍ[(3)](4) - رضي الله عنه -: جلدُ الميتةِ إذا يبسَ ووقعَ في الماءِ لا ينجسُ من غيرِ فصل.
__________
(1) تأييداً لرواية عدم العود بأنه روي عن أبي يوسف (: أن الجلد إذا شمس وصار حيث لو ترك كان دباغاً، فيحكم بطهارته، ولم يفصل بين ما إذا أصابه الماء بعد وبين ما إذا لم يصبه. كما في ((السعاية))(ص412).
(2) قوله: لم يفسد؛ أي بالتعفّن، وحصول الريح الكريه، فإن فسدَ دلَّ ذلك على بقاءِ رطوباته النجسة.
(3) قوله: وعن محمّد؛ هذا والذي قبله ذكرهما تأييداً لروايةِ عدم العود، بأنّ هاتين الروايتين دلَّتا على الطهارةِ وحصول الدباغةِ من غير فصل، فقوله: من غير فصلٍ متعلَّق بكلتيهما، ومعناه: من غير فصل بين أن يصيبَه الماء وبين أن لا يصيبه، وهذا على الروايةِ عن أبي يوسفَ رح، ومن غير فصل بين أن يدبغَ بالأدويةِ أو بالتشميس، هذا على الثانية، وأكثرُ الناظرينِ على تعلُّقِه بالثاني فقط.
(4) تأييد ثان لرواية عدم العود بأنه روي عن محمد (: أن جلد الميتة إذا يبس وأصابه الماء لم يتنجس، ولم يفصل بين ما إذا دبغ التتريب والتشميس، وبين ما إذا دبغ بالقرظ ونحوه. كما في ((السعاية))(ص412).
(1/405)
________________________________________
والصَّحيحُ[(1)] في نافجةِ المِسْك(2) جوازُ الصَّلاةِ معها من غير فصل[(3)](4).
__________
(1) قوله: والصحيح في نافجةِ المسك؛ المسكُ بالكسر: طيبٌ معروفٌ يضرب به المثل في لطفِ الرائحةِ وحسنها، وحقيقته دمٌ يجتمع في سرَّة الظبيّ بإذنِ الله في وقتٍ معلومٍ من السنةِ بمنْزلةِ المواد التيِ التي تنصب إلى الأعضاء، وهذه السرَّة جعلها الله معدناً للمسك، والنافجةُ معدنها ومأواها.
(2) المِسْك من الطيب، فارسي معرب. كما في ((اللسان))(6: 4203)، وحقيقته دم يجمع في سرة الظبي بإذن الله في وقت معلوم من السنة بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء، وهذه السرة جعلها الله معدناً للمسك، والنافجة معدنها ومأوها. كما في ((العمدة))(1: 90).
(3) قوله: من غير فصل؛ أي من غير فرق بين أن يكون نافجةَ دابَّةٍ ذكيةٍ أو غير ذكيّة أصابها الماء أو لم يصب؛ لأنَّ بها دباغها، ولا تعود نجاسته بعده، فهو طاهرٌ يجوزُ الصلاةُ معه على كلّ حال.
(4) أي من غير فرق بين أن يكون نافجة دابة ذكية، أو غير ذكية أصابها الماء أو لم يصب؛ لأن يبسها دباغها، ولا تعود نجاسته بعده، فهو طاهر يجوز الصلاة معه كل حال. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 90).
(1/406)
________________________________________
(وما طَهُرَ جلدُهُ بالدَّبغِ [طَهُرَ(1) بالذَّكاة[(2)](3)، وكذا لحمُه[(4)]، وإن لم يؤكل(5)، وما لا فلا): أي ما لم يطهرْ جلدُهُ بالدِّباغِ(6)](7) لا يطهرُ بالذَّكاة، والمرادُ[(8)] بالذَّكاةُ أن يذبحَ المسلمُ أو الكتابيُّ من غيرِ أن يتركَ التَّسميةَ عامداً(9).
__________
(1) في ب و س: يطهر.
(2) قوله: بالذكاة؛ بالذالِ المعجمة بمعنى الذبح، والوجهُ في هذا أنّها تعملُ عملَ الدباغ في إزالة الرطوبات النجسة، بل أولى؛ لأنّها تمنعُ اتَّصال الرطوبات النجسة، والدباغة تزايلها بعد الاتصال.
(3) لأنها تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات النجسة. كما في ((الهداية))(1: 21).
(4) قوله: وكذا لحمه؛ أي يطهرُ اللحمُ بالذبح، وإن كان لحمُ ما لا يؤكل، وهو الصحيح، كما في ((الهداية))، وفيه اختلافٌ ذكره في ((النهاية)).
(5) اختلفوا في طهارة غير مأكول اللحم بالذكاة: فصحح صاحب ((التحفة))(1: 72)، و((الهداية))(1: 21) طهارته، واختاره في ((البدائع))(1: 86). واختار صاحب ((التنوير))(1: 127)، عدم طهارته، وقال صاحب ((الدر المختار))(1: 127): هذا أصح ما يفتى به، وأقرَّه ابن عابدين في ((رد المحتار))(1: 127).
(6) في أ و ب و س: بالدبغ.
(7) سقطت من ص.
(8) قوله: والمراد… الخ؛ يريد أنَّ الذكاةَ المطهّرةُ للجلدِ إنّما هي الذكاةُ المعتبرة في الشرع فلو ذبح المجوسيّ أو المسلم أو الكتابي ـ أي اليهودي والنصراني وترك التسميةَ عامداً، يكون مذبوحه ميتة لا يطهر جلده ولا لحمه بهذا الذبح.
(9) صحح في الزاهدي في ((القنية))(ق11/أ) أيضاً: طهارة ذبيحة المجوسي. وأقره في ((البحر))(1: 109).
(1/407)
________________________________________
(وشعرُ الميتةِ[(1)] وعظمُها، وعَصَبُها(2)، وحافرُها[(3)]، وقرنُها(4)، وشعرُ الإنسان[(5)](6)، وعظمُهُ طاهر.
__________
(1) قوله: وشعرُ الميتة… آه والوجه في طهارة هذه الأشياء أنّ هذه الأشياء ليست بميّتة؛ لأنها عبارة عمّا حلّ فيه الموت بغير وجهٍ شرعيٍ، والموتُ عبارةٌ عن عدمِ الحياة، فلا يحلّ إلا في ما يحل فيه الحياة، ولذا لا يقال للجماد: ميّت، وهذه الأشياءُ لا حياةَ فيها، بدليل أنّه لا يتألّم بقطعها إلا بما يتَّصل به من اللحم والشحم، ونحو ذلك كذا في ((الهداية)) وغيره، وفي المقامِ مباحثُ ذكرناها في ((السعاية)).
(2) العَصَب: عضو أبيض شبيه العظم، لين الانعطاف، صلب في الانفصال. كما في ((السعاية))(ص415).
(3) قوله: وحافرها؛ هي حافر الفرس والحمار وغيرهما، وهو العظم الذي يكون في أرجلهما من تحت.
(4) قيدها جميعاً في ((الدر المختار))(1: 138) بأن تكون خالية عن الدسومة
(5) قوله: وشعر الإنسان… الخ؛ أفرده بالذكر مع دخوله في إطلاقِ ما مضى اهتماماً بشأنه.
(6) قيده في ((الدر المختار))(1: 138) بغير المنتوف: أي رؤوسه التي فيها الدسومة.
(1/408)
________________________________________
وتجوزُ[(1)] صلاةُ مَن أعادَ سنَّهُ(2) إلى فمِهِ وإن جاوزَ قَدْرَ الدِّرهم) أفردَ [(3)]هذه المسألةَ بالذِّكرِ مع أنَّها فُهِمَتْ فيما مرَّ؛ لأنَّ السِّنَّ عظمٌ [أو عصب](4)، وقد ذكرَ أنَّ العظمَ طاهر ؛ لمكانِ[(5)] الاختلافِ فيها، فإنَّه إذا كان أكثرَ من قَدْرِ الدِّرهمِ لا يجوزُ(6) الصَّلاةُ به عند محمَّدٍ - رضي الله عنه -.
فصل[(7)]
__________
(1) قوله: ويجوز؛ يعني مَن سقطت أسنانه كلّها أو بعضها فأعادها إلى مكانها وصلَّى جازت صلاته، وإن كان المعاد أزيد من قدر الدرهم.
(2) صحح في ((البحر))(1: 113) طهارة سن الآدمي مطلقاً، وأقرَّه في ((الدر المختار))(1: 138).
(3) قوله: أفرد… الخ؛ دفعٌ لسؤالٍ مقدَّر، وهو أنّ إفرادَ مسألةِ جوازِ الصلاةِ بإعادةٍ سنّه بالذكر غير محتاجٍ إليه؛ لأنّها فهمت ممَّا مرَّ أنّ العظمَ طاهر، فإنّ السنَّ أيضاً عظم، وحاصله أنّه إنّما أفردها بالذكرِ لوجود الاختلاف فيها، فرفعه والإشارةُ إلى عدمِ اعتباره صرَّح به.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ص و ف و م.
(5) قوله: لمكان؛ علَّةُ للإفراد، والمكان مصدرٌ ميميّ بمعنى الكون، ومنشأ الاختلافِ في هذه المسألة اختلافهم في أنّ السنّ هل هو عظمٌ أم عصب، وعلى الأوَّل هل له حسّ أم لا؛ فإنّ منهم من ذهبَ إلى أنّ العظمَ لا حسَّ فيه إلا السنّ، وعلى التقديرِ الثاني هل العصب يكون نجساً أم لا، والذي صحَّحه أهلُ المذهب أنّه عظم لا حسّ له.
(6) في م: تجوز.
(7) قوله: فصل؛ لمّا كانت مسائل البئر ممتازٌ عمّا سبقَ يفصل، وفي بعض النسخ: لا أثرَ للفصل هاهنا وهو أاحسن.
(1/409)
________________________________________
(بئرٌ وقع(1) فيها نجس[(2)]، أو ماتَ[(3)](4) فيها[(5)](6) حيوان[(7)] وانتفخَ[(8)
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ص و ف و م.
(2) قوله: نجس؛ بفتح الجيم أو كسرها، وفي إطلاقه إشارةٌ إلى أنّه لا فرقَ بين النجاسةِ المخفَّفة وبين المغلظة، فإنّ أثرَ التخفيف إنّما يظهرُ في الثياب، فلو بالت فيها شاةٌ وغيرها ممّا يؤكلُ وجبَ نزحُ الكلّ مع كون نجاسته خفيفة، صرَّح به قاضي خان، وإلى أنّه لا فرق بين القليل والكثير، حتى لو وقعت قطرةٌ أيضاً من البولِ أو الدمِ أو الخمر وجبَ نزحُ الكلّ لكن ينبغي تقييده بما لم يكن معفوَّاً عنه للضرورة؛ كبعرِ الإبل والغنم، فإنّه لا يفسدُ الماء؛ لأنَّ آبارَ الفلوات ليس لها حاجز، والمواشي تردها، وتبعر حولها، وتلقيها الريح فيهما، فلذلكَ جعل القليل، وهو ما لم يستكثره الناظر عفواً. كذا في ((الهداية)).
(3) قوله: أو مات؛ فإن أخرجَ منه الحيوانُ حيَّا؛ فإن كان على جسِده نجسٌ متيقّن أو كان نجس العينِ وجبَ نزحُ الكلّ، وإلا لا.
(4) فإن أخرج منه الحيوان حياً، فإن كان على جسده نجس متيقن أو كان نجس العين وجب نَزح الكل، وإلا لا. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 91).
(5) قوله: فيها؛ هذا القيدُ اتِّفاقي؛ فانَّ الحكم كذلك فيما أذا ماتَ خارجها او وقع فيها كما في ((البحر)).
(6) قيد اتفاقي، فإن الحكم كذلك فيما إذا مات خارجها، أو وقع فيها. كما في ((الدر المختار))(1: 141).
(7) قوله: حيوان؛ أي إذا كان دمويّاً غير مائيّ المولد، وإلا فموته لا يفسد الماء كما مرّ ذكره.
(8) قوله: وانتفخ… الخ؛ الانتفاخ: عِظَم الشيء بالنفخ، يقال: انتفخ البطن؛ أي صارَ عظيماً بالرياح ونحوها، والتفسّخ هو انتشارُ الأجزاءِ وتفرّقها، وإنّما صرّح بالتفسّخ مع عدمِ الحاجةِ إليه، فإنّه لما علم حكم الانتفاخ علم حكم التفسخ بالطريق الأولى؛ لكونه أشدّ منه، للإشارةِ إلى دفع توهّم أنّه يجب في التفسّخ أمر زائد من نزحِ الماء، كغسلِ جدرانِ البئر ونحوه؛ لكونه أشدّ.
(1/410)
________________________________________
](1) أو تفسَّخ، أو ماتَ[(2)] آدميّ، أو شاة، أو كلب، يُنْزَحُ كلُّ مائها[(3)] إن أمكنَ وإلا قُدِّرَ ما فيها[(4)])، الأصحُ[(5)
__________
(1) الحاصل أنه إذا مات آدمي أو ما يقاربه في الجثة كالشاة والكلب ونحوهما ينْزح الكل، وإن لم ينتفخ، وفي ما عداها إنما يجب نَزح الكل إذا انتفخ وإلا فله حدٌّ معين. كما في ((السعاية))(ص431).
(2) قوله: أو مات؛ الحاصل أنّه إذا ماتَ آدميّ أو ما يقاربه في الجثَّةِ كالشاةِ والكلب، ونحوهما ينزحُ الكلّ، وإن لم ينتفخ، وفي ما عداها إنّما يجب نزح الكلّ إذا انتفخَ وإلا فله حدّ معيّن.
(3) قوله: كلّ مائها؛ أي الذي كان فيها وقتَ الوقوعِ والموت، أمّا في صورةِ وقوعِ النجس فلأنّ البئر كالحوضِ الصغيرِ يفسد بهُ الحوض، إلا إذا كان عشراً في عشر، فبوقوعِ النجسِ ينجسُ كلُّ ماء، فيجبُ النزح، وأمّا في صورةِ الانتفاخ والتفسخ؛ فلأنّ عند ذلك تخرجُ منه بلّة، وهي نجسةٌ مائعةٌ فينجسُ كلّ الماءِ باختلاطها، بخلاف ما لو أخرجَ قبل الانتفاخ، وأمّا في صورةِ موتِ الآدميّ فلما روى أنَّ حبشيّاً وقع في بئر زمزم بمكَّة ومات، فأمرَ ابن عباس رض ابن الزبير رض بنزحِ كلّ مائه، أخرجه ابن أبي شيبةَ، والبيهقيّ، والدارقطنيّ والطحاويّ وعبد الرزاق وغيرهم، وبعض أسانيده صحيحة، كما فصَّله ابن الهمام والزيلعيّ، وقد التحقَ بالإنسانِ بطريقِ الدلالة كلّ ما يقارب الإنسانَ في الجثَّة كالكلب ونحوه.
(4) قوله: ما فيها؛ أي الذي كان فيه وقتَ وقوعِ النجاسة كما في ((العناية)) و((البناية)) وغيرهما من شروح ((الهداية)).
(5) قوله: والأصحّ… الخ ذكر في ((الهداية)) عن أبي يوسفَ رح فيه وجهين: أحدهما أن تحفرَ حفرةً مثلَ موضعِ الماء من البئر، ويصبَّ فيه ما ينْزح إلى أن يمتليء، والثاني أن يرسلَ في البئر قصبة، ويجعلُ لمبلغ الماءِ علامة، ثمَّ تنزحُ منه عشرةُ دلاء، ثمَّ تعادُ القصبةُ كم انتقصَ من ماء البئر فينْزحُ لكلّ قدرٍ منها عشرةُ دلاء، وذكر العينيّ في ((منحة السلوك شرح تحفة الملوك))، ومحمد بن فراموز الشهير بمُلا خسرو في ((الدرر شرح الغرر)) وغيرهما: إنَّ الأصحّ الأشبهُ بالفقهِ هو أن يعتبرَ في مقدار الماء الذي في تلك البئر قولُ رجلين لهما بصارة في أمر الماء؛ أي لهم حدسٌ وذكاء يعرفون به مقادير مياه الآبار، فإنّ الإثنينِ نصابُ الشهادةِ الملزمة، ولأنَّ الأصل هو الرجوع إلى أهلِ العلم، بقوله تعالى: {فاسئلوا أهل الذكرِ إن كنتم لا تعلمون}، ومن المعلومِ أنّ لكلٍّ فنٍّ رجالاً عالمين به، فإذا تحقَّق بقولهما: إنَّ الماء في هذا البئر مئة، ولو مثلاً ينزح ذلك القدر.
(1/411)
________________________________________
](1) أن يؤخذَ بقولِ رجلَيْن لهما بصارةٌ في الماء، ومحمَّد - رضي الله عنه -: قدَّرَ بمائتي دلوٍ الى ثلاثمائة[(2)](3).
__________
(1) في م: والأصح.
(2) قوله: ومحمّد رح قدَّر بمئتي دلو إلى ثلاث مئة؛ أي حكمَ بنَزحِ هذا المقدار، فالمئتان بطريق الوجوب، وما زاد عليه إلى ثلاث مئة بطريق الاستحباب، وقد اختارَ هذا القول النسفيّ في ((الكنز))، وفي ((خزانة المفتين)): عليه الفتوى، وقال في ((البحر الرائق)): قد اختلفَ التصحيحُ في المسألةِ والإفتاءُبما عن محمّد أسهل، والعملُ بما عن نصير بن سلام من التفويض إلى رجلين أحوط، ولذا قال في ((المختار)): ما عن محمّد رح اليسر، لكن لا يخفى ضعفه، فإنّه إذا كان الحكمُ الشرعيّ نزحُ جميعِ الماءِ للحكمِ بالنجاسة، فالقولُ بالاقتصارِ على نزحِ عددٍ مخصوصٍ من الدلاء يتوقَّف على دليلٍ سمعيّ يفيده، وأنّى ذلك، بل المأثورُ عن ابنِ عبَّاس رضي الله عنهم وابن الزبيرِ خلافه. انتهى. وفي ((الهداية)) وغيره: إنّ محمَّداً إنّما قدَّر بهذا لما شاهده في بلدِهِ من أنّ الماءَ في الآبار يكون هذا المقدار غالباً.
(3) اختلفوا في التصحيح فيهما: فمنهم من ذهب إلى نَزح مئتي دلو إلى ثلاثمئة، كالشرنبلالي في ((نور الإيضاح))(1: 80)، وصاحب ((الكنْز))(ص5)، و((الاختيار))(1 :27). وفي ((الملتقى))(ص5): وبه يفتى.
ومنهم من ذهب إلى التفويض في نزح مقدار ما فيها إلى ذوي البصائر، وقد صححه صاحب ((الدرر))(1: 25)، و((التبيين))(1: 30)، واختاره في ((الهداية))(1: 22)، وأقرَّه صاحب ((الكفاية))(1: 93)، واختاره صاحب ((التنوير))(1: 143)، وفي ((الدر المختار))(1: 143): وبه يفتى، وهو الأحوط، ورجحه ابن عابدين في ((حاشيته))(1: 143).
(1/412)
________________________________________
(وفي نحوِ حمامة[(1)]ٍ أو دجاجةٍ ماتت فيها أربعونَ إلى ستِّين(2).
__________
(1) قوله: وفي نحو حمامة؛ هو بالفتحِ وتخفيف الميم، والتاء فيه للواحدة لا للتأنيث؛ لأنّ الحمامَ يطلقُ على الذكر والأنثى، وكذا تاء الدجاجة، وهو مثلَّث الدلل، ذكره الدمامينيّ في ((عين الحياة))، والدميريّ في ((حيوة الحيوان ))ففي الحمام والدجاج وما يقرب ذلك إذا مات في البئر ولم ينتفخْ ينْزحُ بطريقِ الوجوبِ أربعونَ دلواً، كما أخرجه الطحاويّ عن الشعبيّ، والنخعيّ، وحمَّاد بن أبي سليمان ، وأمّا مقدارُ الاستحبابِ فذكر المصنِّفُ تبعاً للقدوريّ إلى ستِّين، وهو لا يرجعُ إلى مستند؛ فإنّ الواردَ في الآثارِ عن الصحابة والتابعين كما بسطناها في ((السعاية)) في مثل هذه الصورة، وإمّا أربعون أو خمسون أو سبعون، وقد ذكر محمّد في ((الجامع الصغير)) في مثل هذه الصورة أربعون أو خمسون، واختاره صاحب ((الخلاصة))، و((المحيط)).
(2) فالأربعون للإيجاب، والستون للاستحباب. كما في ((الاختيار))(1: 26).
(1/413)
________________________________________
وفي نحوِ فأرةٍ[(1)] أو عصفور(2) عشرونَ إلى ثلاثين.
والمعتبرُ[(3)] الدَّلوُ الوسط(4)
__________
(1) قوله: وفي نحو فأرة؛ بالهمزة بعد الفاء وبغيرها، بالفارسية: موش أو عصفورة: بضم العين وفتح العين شاذّ أي فيهما، وفي ما يقاربها ينْزح وجوباً عشرون، واستحباباً إلى ثلاثين؛ فإن قلت: هذه التقديرات في أمثالِ هذه الصور لتطهير البئر مخالفةٌ للقياس؛ فإنّ القياس يقتضي أنّه لو نجس البئر بموتِ الحيوانات يجبُ نزحُ الكلّ في الكلّ، وإن لم يتنجس لا يجب نزحُ شيء في الكلّ، فمن أين ثبوت هذه التقديرات؟ قلت: قد وردت آثارٌ في هذا الباب عن الصحابة والتابعين، وذكر بعضهم فيه أخباراً مرفوعة أيضاً لكنها لم تثبت، فاقتفوا تلك الآثار، وقالوا: إنّ مسائل هذا الباب مستندةٌ إليها، وألحقوا بالصورِ المنقولةِ عنهم نظائرها بطريقِ دلالة النص، وفي المقام أبحاث من شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى ((السعاية)).
(2) في أ و ف و م: عصفورة.
(3) قوله: والمعتبر؛ أي في نزحِ الماءِ الدلو: بفتح الدال وسكون اللام الوسط بفتحتين، وفتح الأوّل وسكون الثاني في المتوسط بين الصغير والكبير، هذا على ما اختاره المصنّف ومؤلّف ((الكنْز)) و((الفقه النافع))، و((ملتقى الأبحر)) وغيرها، واختار صاحب ((الهداية)) و((المحيط)) و((البدائع)) وغيرهم ما هو ظاهر الرواية من اعتبارِ دلو تلك البئر، وألحق ما في ((جامع المضمرات)) وغيره أنَّ المعتبرَ هو دلو تلك البئر التي وقعت النجاسة فيها، فإن لم يكن لها دلو معيّن، أو لم ينزح به فالمعتبر الدلو الوسط.
(4) اختلف في الدلو المعتبر: فمنهم من اختار الدلو الوسط: كصاحب ((الكنْز))(5)، و((الملتقى))(ص5)، والقدوري في ((مختصره))(ص4)، و((التنوير))(1: 145).
ومنهم من اختار في كل بئر دلوها، كصاحب ((البحر))(1: 124)، و((الهداية))(1: 22)، و((الاختيار))(1: 27).

ومنهم: من اختار في كل بئر دلوها، وإن لم يكن لها دلو ينْزح به، يعتبر الدلو الوسط، كصاحب ((المضمرات))، وتبعه اللكنوي في ((عمدة الرعاية))(1: 92). واختار صاحب ((الدر المختار))(1: 145) إن لم يكن لها دلو فما يسع صاعاً.
وقيل: ما يسع فيها صاعاً، وهو مروي عن أبي حنيفة ( ، وقيل: ما يسع ثمان أرطال، وقيل: عشرة أرطال، وقيل: غير ذلك. كما في ((البحر))(1: 124)، و((البدائع))(1: 86).
(1/414)
________________________________________
، وما جاوزَهُ [(1)]احتسبَ به(2).
ويتنجَّسُ[(3)](4) البئرُ من وقتِ الوقوعِ إن عُلِمَ ذلك، وإلا فمنذ يومٍ وليلةٍ إن لم ينتفخ، ومنذُ ثلاثةٍ أيامٍ ولياليها إن انتفخ، وقالا: مذ(5) وجد[(6)
__________
(1) قوله: وما جاوزه؛ أي الدلو الوسط، فلو نزح قدر الواجب بدلوٍ واحد كبير كفى ذلك، وهو ظاهر المذهب لحصول المقصود.
(2) أي لو نَزَح الواجب بدلو كبير كفى ذلك، وهو ظاهر المذهب؛ لحصول المقصود. كما في ((العمدة))(1: 92).
(3) قوله: ويتنجّس؛ أي يحكم بنجاسة البئر، فلو توضَّأ منه أو اغتسلَ مع علمِ وقتِ الوقوع يعيد الصلوات، ويغسل ماغسل منه، هذا إذا علم؛ أي يقيناً أو ظنّاً وقت الوقوع، وإن لم يعلم ذلك يحكم بنجاسته من وقت الوجود والاطلاع عليه عندهما مطلقاً، وهو القياس؛ لأنّ اليقينَ لا يزولُ بالشكّ، والأصلُ إضافةُ الحادثِ إلى أقربِ أوقاته، وذلك لأنّا تيقنّا بطهارته فيما سبق، ووقعَ الشك ~في نجاسته بعد ذلك، فلا يحكم به؛ لاحتمال أن يكون مات في غير البئر، ثم ألقتها الريح العاصفُ أو بعض السفهاء فيها، وعند أبي حنيفة لو وجدَ منتفخاً أو متفسّخاً يحكمُ بنجاستِهِ من ابتداء ثلاثةِ أيّام ولياليها؛ لأنّ الإحالةَ على السببِ الظاهرِ واجبٌ عند خفاء الأسباب، والكون في الماء سبب ظاهر فيحمل عليه، والانتفاخُ دليل التقادم فيقدّر بالثلث؛ لأنّه يحصلُ في هذه المدّة غالباً، وأمّا لو وجدَ غير منتفخ فيقدّر عنده بيومٍ وليلة؛ لأنّ ما دون ذلك ساعات غير منضبطة، وفي المقام أبحاثٌ مبسوطة في شروح ((الهداية)).
(4) في ج و م: ينجس.
(5) في ص و ف و م: منذ.
(6) قوله: وقالا مَن وجد؛ أي ذلك النجس في البئر، قال في ((الجوهرة النيّرة شرح مختصر القدوري)): عليه الفتوى. انتهى. وفي ((المجتبى)): كان ركنُ الأئمّة الصباغيّ يفتى بقول أبي حنيفة فيما يتعلَّق بالصلاة، وبقولهما في ما سواه، يعني في غسل الثوب والبدن والأواني وغير ذلك ممَّا وصل إليه ذلك الماء.
(1/415)
________________________________________
](1).
وسؤرُ[(2)](3) الآدميِّ[(4)] والفَرس[(5)]، وكلُّ ما يأكلُ لحمُهُ[(6)] طاهر[(7)
__________
(1) وقولهما موافق للقياس، وقوله استحسان، وهو الأحوط في العبادات. كما في ((رد المحتار))(1: 147).
(2) قوله: وسؤر… الخ؛ لما كان بعض مسائلُ الآبارِ متوقّفة على مسائلِ الآثار، ذكر أحكام السؤر بعد أحكام البئر، وهو بضمّ السين، مهموز العين: اسمٌ للبقيَّة بعد الشرابِ التي أبقاها الشاربُ في الإناء، ثمّ عمّ استعماله في الطعام وغيره.
(3) السُّؤْرُ: بقية الشيء، وجمعه أسآر، فهو اسم للبقية بعد الشراب التي أبقاها الشارب. كذا في ((اللسان))(3: 92).
(4) قوله: الآدميّ؛ قدَّمه لشرافته، وأطلقه فشملَ الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والمسلم والكافر، والطاهر والجنب، والحائض والنفساء، فإنّ سؤر الكلّ طاهر وطهورٌ من غير كراهة، إلا أن يكون فمه نجساً، فسؤر شاربِ خمرٍ فورَ شربها نجس، بخلاف ما إذا مكثَ ساعةً وابتلعَ ريقه ثلاث مرَّات، كما في ((الحلية شرح المنية)).
(5) قوله: والفرس؛ قال في ((النهاية)) و((البناية)): سؤر الفرسِ طاهرُ في ظاهر الرواية، وروى عن أبي حنيفة أربع روايات، فروى البلخي أنّه قال: أحبّ إليّ أن يتوضّأ بغيره، وروى الحسنُ عنه أنّه مكروه كلحمه، وروى أنّه مشكوك؛ كسؤر الحمار، وروى عنه أنّه طاهر كقولهما، وهو الصحيح؛ لأنّ كراهةَ لحمه عنده لإظهارِ شرفه؛ لأنّه يرهبُ به عدوُّ الله، فيقعُ به إعزازُ الدين، فلا يؤثر تحريمه في سؤره كما في الآدميّ.
(6) قوله: وكلّ ما يؤكل لحمه؛ أي سؤر ما يباحُ أكلُ لحمه بالذبح كالشاةِ ونحوها طاهر من غير كراهة، إلا لأمرٍ عارض، كما في سؤر الإبل الجلالة والبقر الجلالة، وهي التي تأكل العذرة، وكذا الدجاجة المخلاة المختلطة بأكل النجاسات، فإنّه مكروه كما في ((البحر)) وغيره.
(7) قوله: طاهر؛ أي بلا كراهة كما يقتضيه التقابل بالمكروه، وذلك لأنَّ السؤر مخلوطٌ باللعاب، ولعاب الإنسانِ والفرس ومأكول اللحمِ طاهرٌ بالإجماع، ويلحق بمأكولِ اللحم ما ليس له نفسٌ سائلة ممَّا يعيشُ في الماء، فإنّ سؤره طاهر، ذكره الزيلعيّ في ((تبيين الحقائق شرح كنْز الدقائق)).
(1/416)
________________________________________
]، والكلبُ[(1)] والخنزيرُ وسباعُ البهائمِ نجس، والهرَّةُ [(2)]والدَّجاجةُ المخلاَّةُ(3) وسباعُ الطَّيرِ وسواكنُ البيوتِ مكروه[(4)
__________
(1) قوله: والكلب؛ هو مع قرينيه معطوفٌ على الآدميّ، والوجه في نجاسة سؤر هذه الثلاثة؛ أي الكلب والخنْزير وسباع البهائم أنّ سؤرها مخلوطٌ بلعابها، ولعابها نجس، بدليلِ ورودِ الأحاديثِ الدالةِ على غسلِ ثوبٍ أصابه لعابها، وتنجس ماء أصابه لعابها، وبدليل أنّه متولّد من لحومها وهي نجسة بدليلٍ تحريم أكلها، فإنّ الحرمةَ لا للكرامة آيةُ النجاسة، ويزادُ عليه في الخنْزيرِ كونه نجسَ العين بجميع أجزائه.
(2) قوله: والهرّة؛ هو مع ما يليه معطوفٌ على الآدميّ، والخبر مكروه، والهرَّة: بتشديد الراء المهملة، قبلها هاء مكسورة، جمعه: هرر، كقردة وقرد، بالفارسيّة: كَربه، والدجاجة المخلاّة: وهو اسم مفعول من التخلية، هي المرسلةُ الدائرةُ الآكلةُ من العذراتِ والنجاسات، واحترز بقيد المخلاة عن المحبوسة، وهي التي تحبسُ في موضعٍ وتعلف هناك، فلا يكره سؤرها لعدم احتمال اختلاطها بالنجاسات، وسباعُ الطير: هي الطيور التي تصطادُ بالمنقار وتفترس؛ كالصقر والبازي، وسواكن البيوت: هي الحشرات والحيوانات التي تسكن في البيوت؛ كالفأرةِ والحيَّة والعقرب، والوزغ ونحوها، وهو جمع ساكنة، وإنّما أوردَ المؤنَّث لأنّ أكثرها يعبّر عنهما باللفظ المؤنّث، أو هو جمع ساكن، وجمع فاعل على فواعل في الصفات، قياس عند بعضهم مطلقاً، وفيما لا يعقل عند بعضهم.
(3) المخلاَّة: أي مرسلة تخالط النجاسات، ويصل منقارها إلى ما تحت قدميها، أما التي تحبس في بيت وتعلف فلا يكره سؤرها؛ لأنها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها، وهي في عذرات نفسها لا تجول، بل تلاحظ الحب بينه. كما في ((رد المحتار))(1: 149).
(4) قوله: مكروه؛ فيجوز التوضئ به واستعماله مع كراهته إن كان قادراً على غيره، وإن لم يكن قادراً على غيره فلا كراهة، والوجه في الكراهةِ: أمّا في سؤر الهرَّة أنّ حرمةَ لحمها وإن كانت تقتضي نجاسته، المستلزمة لنجاسة لعابها، المستلزمة لنجاسة سؤرها، إلا أنّها سقطت بورودِ حديث: ((الهرة ليست بنجس، إنّما هي من الطوَّافين عليكم والطوَّافات))، أخرجه مالكٌ والترمذيّ وابن ماجه وأبو داود والنسائيّ والدارميّ وأبو يعلى وغيرهم، كما بسطنا ذلك في ((السعاية))، وفي ((التعليق الممجّد على موطأ محمد))، ولعله الطواف؛ أي الدوران في البيوت المستلزمِ للتحرّج في الاجتناب عن سؤرها سقطتْ نجاسة سؤر جميع سواكن البيوت؛ لاشتراكِ العلّة، وأمّا الكراهة فلأنّها لا تتحامى عن النجاسات، فيختلطُ لعابها بها، وبمثله يقال في سؤر سباع الطير والدجاجة، وبهذا تعلم أنّ الكراهةَ تنزيهيّة في الكلّ، صرّح به في ((البحر الرائق))، وقيل: في الهرة إنّها تحريميّة، وليس بمعتمدٍ من حيثُ الدليلِ كما فصَّلته في ((التعليق الممجّد)).
(1/417)
________________________________________
](1)، والحمارُ(2) والبغلُ(3) مشكوكٌ[(4)] يتوضَّأ به ويتيمَّم): [أي يتوضَّأُ بالمشكوك[(5)]، ثمَّ يتيمَّمُ إلا في المكروهِ[(6)] يتوضَّأ بهِ فقط](7) إن عدمَ غيرُه[(8)].
__________
(1) أي تنْزيهاً فيجوز التوضؤ به واستعمال مع كراهته إن كان قادراً على غيره، وإن لم يكن قادراً على غيره فلا كراهة. كما في ((السعاية))(465).
(2) أي الأهلي بخلاف الوحشي لأنه مأكول اللحم فلا شك في سؤره ولا كراهة. كما في ((رد المحتار))(1: 150).
(3) أي البغل الذي أمه حمارة، أما البغل الذي أمه فرس فسؤره طاهر؛ لأن الأصل في الحيوان الإلحاق بالأم. كذا في ((الهدية العلائية))(ص15-16).
(4) قوله: مشكوك؛ قيل: الشكّ في كونِه طاهراً، وقيل: لا بل في كونه مطهَّراً، وهو الأصحّ كما في ((الهداية))، والسببُ في ذلك أنّ للضرورةِ تأثيراً في سقوطِ النجاسةِ كما في الهرَّة، وهي موجودةٌ في الحمارِ والبغل؛ لأنَّهما ترتبطان في الدورِ والأفنية، وتشربُ من الأواني، إلا أنَّ الضرورةَ فيها أدون من الضرورةِ في سواكنِ البيوت والهرَّة، فلو لم تكن الضرورةُ فيهما للحكمِ بنجاسةِ سؤرهما كسؤر السباع، ولو كانت كضرورةِ الهرَّة يحكم بالطهارة والطهورية، فلمّا ثبتَ الضرورةُ من وجهٍ دون وجهٍ بقى الأمر مشكلاً.
(5) قوله: بالمشكوك؛ فيه بيان لضمير: به، الواقعُ في المتن؛ لئلا يتوهَّم أنَّ الحكمَ المذكور في المكروه أيضاً.
(6) قوله: إلا في المكروه؛ هذا استثناءٌ منقطع، فإنّ المكروهَ ليس بداخلٍ في المشكوك، والأوّلى أن يقول: أمّا في المكروه، أو: وفي المكروه… الخ.
(7) سقطت من م.
(8) قوله: إن عدم غيره؛ هذا عبارةُ المتنِ على ما وجدَ في نسخٍ عديدة، وفي بعضها عبارة الشرح أي غير المشكوك؛ فإن وجدَ غيره لا يتوضَّأ بالمشكوك بل بغيره.
(1/418)
________________________________________
(والعَرَقُ معتبرٌ بالسُّؤْر[(1)](2) ): لأنَّ السُّؤر[(3)] مخلوطٌ باللُّعاب، وحكمُ اللُّعابِ والعَرَقِ واحد؛ لأنَّ كلاًّ منهما(4) متولِّدانَ من اللَّحم.
__________
(1) قوله: والعرق معتبر؛ أي مقيسٌ بالسؤر، فما كان سؤرُهُ طاهراُ فعرقه طاهر، كالآدميّ والفرس، واستثنى منه بعضهم عرقَ مدمنِ الخمر، وحكموا بنجاسته وليس بصحيح، كما حقَّقه في ((رد المحتار على الدرّ المختار))، وما سؤره نجسٌ فعرقه نجس، وما سؤره مكروه فعرقه مكروه، واختلفَ في عرقِ الحمارِ والبغل، فقال الحلوانيّ: إنّه نجسٌ إلا أنّه جعلَ عفواً في الثوبِ والبدن للضَّرورة، والصحيحُ أنّه طاهر، وأمّا الطهوريَّة أو الشكّ فيها، فلا يتأتّي فيه؛ لأنَّ جميعَ أنواعِ العرق غير طهور. كذا في ((المنية)) و((الغنية))، وفي ((الدر المختار)): عرقُ الحمارِ إذا وقعَ في الماء صار مشكلاً على المذهبِ كما في ((المستصفى)). انتهى.
(2) أي مقيس بالسؤر فما كان سؤره طاهراً فعرقه طاهر كالآدمي والفرس. كما في ((العمدة))(1: 93).
(3) قوله: لأنّ السؤر… الخ؛ تعليل لكونِ حكم العرق كحكم السؤر، وحاصله أنّ نجاسةَ السؤر وكراهته وطهارته إنّما هو بخلط اللعاب به، وحكم اللعاب والعرق واحد؛ لكون كلّ منهما متولّداً من اللحم، فإنّ اللعابَ يتولَّد من لحمٍ غدديّ تحت اللسان، والعرقُ رطوبةٌ مائيَّة وصفراءُ يختلطان بالدم لتنفيذه في العرق، ويفترقان منه إلى ظاهرِ الجلدِ عند صيرورةِ الدمِ لحماً.
(4) العبارة في ص و ف و م: كليهما.
(1/419)
________________________________________
فإن[(1)] قيل: يجبُ أن لا يكونَ بين سُؤْرِ مأكولِ اللَّحم، وغيرِ مأكولِ اللَّحمِ فرق؛ لأنه إن اعتبرَ اللَّحم، فلحمُ كلُّ واحدٍ منهما طاهر، ألاَّ ترى أنَّ غيرَ مأكولَ اللَّحم إذا لم يكنْ نجسَ العينِ إذا ذُكِّيَ يكون لحمُهُ طاهراً، وإن اعتبرَ أنَّ لحمَهُ مخلوطٌ بالدَّمِ فمأكولُ اللَّحمِ وغيرُهُ في ذلكَ سواء.
__________
(1) قوله: فإن… الخ؛ إيرادٌ على ما فهمَ من قوله؛ لأنَّ كلا منهما متولّد من اللحم، فإن قلت: محلّ هذا السؤال كان قبلِ ذكر العرق، قلت: لمَّا كان العرقُ مقيساً على السؤر، وحكمه حكمه ذكره بعده، وحاصله أنّه لما علمَ أنّ حكمَ السؤرِ مأخوذٌ من اللعاب، واللعابُ متولِّدٌ من اللحم، فينبغي أن لا يكون بين سؤرِ مأكولِ اللحمِ وغيره فرقٌ في الطهارة، بكونِ الأوّل طاهراً وغيره نجساً أو مكروهاً؛ فإنّه إن اعتبرَ اللحمُ من حيث طهارتِهِ ونجاسته فلحمُ الكلّ طاهر، فإنّه ما دامَ في معدنه يعطي له حكم الطاهر، وإن كان مخلوطاً بالنجاسات وبعد الذبحِ إذا لم يكن نجس العين هو طاهر أيضاً، فاللعابُ المتولِّدُ منه طاهر؛ لأنَّ المتولّد من الطاهرِ طاهر، فيكون لعابُ الكلّ وسؤره طاهراً، وإن اعتبرَ اختلاطه بالدماءِ والنجاساتِ فلحمُ كلٍّ من المأكول وغيره مخلوط بهما، فيجب أن يكون كلّ لعابٍ وكلّ سؤر نجساً. قوله اشار بتقديمه الى افضلية تقديمه ولو قدم التيمم جاز كما في الهداية احتراز عن حرمة الانسان فانهما لكرامة فلا تكون لنجاسة وينبغي ان يراد ولا للمضرة والجتاثة كحرمة اكل الطين والذباب فانها ايس للنجاسة ولا للكرامة بل للمضرة اي في الحيوان المحرم او في الحرمة بتأويل المذكور او في هذا المقام.
(1/420)
________________________________________
قلنا: الحرمةُ إذا لم تكنْ للكرامة، فإنَّها آيةُ النَّجاسة، لكن فيه شبهةٌ أنَّ النَّجاسة؛ لاختلاطِ الدَّمِ باللَّحم، إذ لولا ذلك بل يكونُ نجاستُهُ لذاتِه، لكانَ نجسَ العينِ وليس كذلك، فغيرُ مأكولِ اللَّحمِ إذا كانَ حيَّاً فلعابُهُ متولِّدٌ من اللَّحمِ الحرامِ المخلوطِ بالدَّمِ فيكونُ نجساً لاجتماعِ الأمرين، [وهما الحرمة والاختلاط بالدم](1)، أمَّا في مأكولِ اللَّحمِ[(2)] فلم يوجدْ إلا أحدهما، وهو الاختلاطُ بالدَّمِ فلم يوجبْ نجاسةَ السُّؤْر؛ لأنَّ هذهِ العلَّةَ بانفرادِها ضعيفة، إذ الدَّمُ [(3)
__________
(1) سقطت من ص و م.
(2) أمّا في مأكولِ اللحم… الخ؛ خلاصةُ الجوابِ بعدما مهّده من أنّ الحرمةَ إذا لم تكن للكرامة دالَّة على النجاسةِ مع شبهة أنّ النجاسةَ لاختلاطِ الدمّ أنّ الحيوانَ الغيرَ المأكولِ إن كان حيَّاً اجتمع فيه الأمرانِ الموجبان للنجاسة، وهو الحرمةُ والاختلاط، فيكون لحمُهُ نجساً، فيكون اللعابُ المتولِّد منه، والسؤرُ المخلوطُ به أيضاً نجساً، بخلافِ المأكولِ فإنّه لم يوجد فيه إلا الاختلاط، وهو بنفسه ليس بسببٍ للنجاسة، فلا يكون لعابه المتولّد منه، والسؤر المخلوط به نجساً؛ فإن قلت: فيلزم على هذا نجاسةُ لعابِ الهرَّة وسؤرها؛ لوجودِ الحرمةِ والاختلاط كليهما، قلت: هب، لكنَّ النصَ أسقطَ نجاستها بعلَّة الطوافِ في البيوت، تسهيلاً للأمر، وهي موجودةٌ في سواكنِ البيوت، والضرورة بمثلها موجودةٌ في سباعِ الطير، بل أشد، فلذا لم يحكم بنجاسة لعابها، وهذا استحسان، وأمّا غير ما ذكر من الغير المأكول، فلم يوجد فيه أمر صارفٌ عن القياس، فبقي على أصله.
(3) قوله: إذ الدم… الخ؛ يعني أنّ الدمَ القائمَ في معدنه من العروق وغيرها لم يعطَ له حكمُ النجاسة، ولهذا لو صلَّى أحدٌ حاملاً للصبيّ أو حيوان ما على عنقِهِ بعد طهارةِ ظاهرِهِ جازت صلاته، وفيه بحث، وهو أنّ كلامه يشهدُ بأنّ اللحمَ موضع للدم، فإن أرادَ به غير المفسوح فهو صحيح؛ لكنّه ليس بنجسٍ مطلقاً على الصحيح، وإن أرادَ به المسفوح فكونُ اللحمِ معدنه مخالف لما مرَّ منه في نواقضِ الوضوء من الحكمةِ الغامضة، إلا أن يقال: الدمُ المسفوح وإن لم يكن مختلطاً باللحمِ بل معدنه العروق، لكن لا مناصَ من شبهةِ الاختلاط للقرب، ولهذا قال سابقاً: وفيه شبهة… الخ، ولم يجزم بكون النجاسة للاختلاط.
(1/421)
________________________________________
] المستقرُّ في موضعِهِ لم يعطى له حكمُ النَّجاسةِ في الحيّ، وإذا لم يكن حيَّاً [(1)]فإن لم يكنْ مذكَّى كان نجساً، سواءٌ كان مأكولَ اللَّحمِ أو غيره؛ لأنَّهُ صارَ بالموتِ حراماً، فالحرمةُ موجودةٌ مع اختلاطِ الدَّمِ فيكونُ نجساً، وإن كان مُذكَّى كان طاهراً، أمَّا في مأكولِ اللَّحمِ فلأنَّهُ لم توجدْ الحرمةُ ولا الاختلاطُ(2) بالدَّم(3)، وأمَّا في غيرِ مأكولِ اللَّحم؛ فلأنَّهُ لم يوجدْ الاختلاطُ بالدَّم(4)، والحرمةُ المجرَّدةُ غيرُ كافيةٍ في النَّجاسةِ على ما مرَّ أنَّها تثبتُ باجتماعِ الأمرين.
__________
(1) قوله: وإذا لم يكن حيَّا، الظاهر أنّه عطفٌ على قوله: إذا كان حيَّاً، وحينئذٍ يلوحُ أثرُ الإهمال على قوله: سواءً كان مأكولَ اللحمِ أو غيره، والصوابُ أن يقال: إنّ هذه الجملةَ معطوفةٌ على جملة مأكولِ اللحم إن كان حيَّاً… الخ، وضمير: لم يكن حيَّاً راجعٌ إلى مطلقِ الحيوانِ لا إلى غير المأكولِ فقط.
(2) في أ و ف: اختلاط.
(3) العبارة في م: ولاختلاط الدم، وفي أ و ص و ف: الدم.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س و م.
(1/422)
________________________________________
(فإن(1) عدمَ الماء[(2)](3) إلا بنبيذِ(4) التَّمر(5)، قال أبو حنيفةَ - رضي الله عنه -: بالوضوءِ به[(6)] فقط، وأبو
__________
(1) في ج و ص و م: وإن.
(2) قوله: فإنّ عدمَ الماء لمّا كان للنبيذِ شبهةُ بسؤر الحمارِ والبغل حيث حكمَ فيه بعضهم بالجمع بين الوضوء والتيمّم، ذكر حكمه عقيبَ حكمه، ولهذا أورد الفاء وأشار بقوله: فإنّ عدمَ الماء أي المطلقِ الذي يجوزُ به التوضي إلى أنّه لا يجوزُ التوضئ به مع وجودِ غيره اتِّفاقاً، والنبيذُ: فعيل بمعنى مفعول، من: نبذتُ الشيءَ إذا طرحته، وهو الماء الذي تنبذ فيه تمرات، فتخرجُ حلاوتها في الماء، وتخصيصُ نبيذ التمر بالذكر؛ لأنّه محلّ الخلافِ على المشهور، وأبّا سائر الأنبذة كنبيذِ العنب والحنطةِ والأرزِ ونحوها فلا يجوزُ التوضئ بها عند الجمهورِ جرياً على وفقِ القياس، ومقتضاه أن لا يجوزُ بالنبيذ مطلقاً، وإنّما جوّز بنبيذ التمر لورود الحديث. كذا في ((الهداية)) وكثير من شروحها، لكن قال العينيّ في شرحها: ينبغي أن يجوزَ التوضئ بسائر الأنبذة، إمّا بدلالة نصّ نبيذِ التمر، وإمّا لأنّه عليه السلام نبَّه على العلةِ بقوله: ثمرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهور.
(3) سقطت من ج و ص و ف و م.
(4) سائر الأنبذة إلا التمر لا يجوز الوضوء بها عند عامة العلماء، وهو الصحيح. كما في ((البحر))(1: 144).
(5) في ف و م: تمر.
(6) قوله: بالوضوء به؛ هذه إحدى الروايات عنه، ولا نص عنه في الاغتسال به، فيجوّز بعضهم اعتباراً بالوضوء، قال في ((الكافي)): هو الأصحّ، ومنعه بعضهم جرياً على وفقِ القياس، وإنّما تركَ ذلك في الوضوءِ بورودِ أنّه صلى الله عليه وسلم توضَّأ من نبيذٍ عندَ عدم غيره، وقال: ((تمرة طيبة وماء طهور))، أخرجه أحمد وأبو داود، والترمذيّ وابن ماجه والبزَّار والطبرانيّ والطحاويّ وغيرهم بأسانيدٍ متعدّدة يتحصَّل بجمعها صلوحه للاحتجاجِ به، وقد بسطت الكلام في دفعِ ما يرد على الاستناديّة في ((السعاية)).
(1/423)
________________________________________
يوسفَ - رضي الله عنه -: بالتَّيمُّمِ فحسب[(1)](2)، ومحمَّدٌ - رضي الله عنه - بهما[(3)])، والخلافُ[(4)](5) في نبيذِ تمرٍ(6) هو حلوٌ رقيقٌ يسيلُ كالماء، أمَّا إذا اشتدَّ فصارَ مُسْكِراً لا يتوضَّأُ به إجماعاً.
__________
(1) قوله: بالتيمم فحسب؛ هذه روايةٌ أخرى عن أبي حنيفة، وهذا هو القياس؛ لأنَّ النبيذ ليس بماءٍ مطلق، بل مقيَّد، والمصير عند فقده إلى التيمَّم كما مرّ في موضعه.
(2) هذا هو المذهب المعتمد المصحح المختار؛ وأبو حنيفة قد رجع إليه. كما في ((البحر))(1: 144)، واختاره صاحب ((التنوير))(1: 152)، وصححه صاحب ((الدر المختار))(1: 152). وفي ((الملتقى))(ص6) وبه يفتى. وفي ((رمز الحقائق))(1: 16): والفتوى على رأي أبي يوسف - رضي الله عنه -. واختار النسفي في ((الكنْز))(ص5) قول أبي حنيفة.
(3) قوله: بهما؛ أي قال محمد بالوضوءِ والتيمم، وهذه روايةٌ ثالثةٌ عن أبي حنيفة، وهو أحوط.
(4) قوله: الخلاف… الخ؛ يعني الخلافُ بين أبي حنيفةَ وغيره في جواز الوضوء بالنبيذ وعدمه إنّما هو في نبيذٍ موصوفٍ بصفةِ الحلاوةِ والرقَّةِ والسيلان، أمّا إذا لم يكن حلواً بأن ألقيت فيه تمرات وأخرجت قبل أن تظهرُ حلاوتها فيه يجوزُ الوضوءُ به اتِّفاقاً؛ لكونه ماءً مطلقاً، ولو لم يكن رقيقاً بل صارَ غليظاً بحيث خرجَ عن طبعِ الماءِ لا يجوزُ الوضوء به اتِّفاقا، وكذا لو صارَ مسكراً؛ فإنّه صار نجساً وحراماً، فلا يجوزُ به الوضوء بالضرورة، وفيه تفصيلٌ مذكورٌ في شروح ((الهداية)).
(5) في ف و م: الخلاف.
(6) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(1/424)
________________________________________
باب التَّيمُّم[(1)]
(هو لمُحْدِث، وجُنُب[(2)]، وحائض، ونفساءٍ لم يقدرُوا على الماء[(3)]): أي على ماءٍ[(4)] يكفي لطهارتِهِ حتى إذا كان للجُنُبِ ماءٌ يكفي للوضوءِ لا للغُسْلِ يتيمَّم[(5)]، ولا يجبُ عليهِ التَّوضُّؤ(6) عندنا، خلافاً للشَّافعيِّ(7) [(8)
__________
(1) قوله: باب التيمم؛ أي هذا بابٌ في أحكامِ التيمم، وقد اقتدى بذكره بعد الوضوء والغسل بالكتاب المجيد، فإنّه ذكرَ فيه التيمَّم بعدهما مع أنّ حصولَ الطهارة بالماء على وفقِ القياس فكان أولى بالتقديم.
(2) قوله: وجنب؛ إنّما أفردَ الجنبَ مع ما بعده بالذكر، مع أنّه لو قال: هو لمحدث، وأريد به مَن به حدثٌ أصغر أو أكبر لكفى لوقوع الخلاف فيه؛ فإنّ من الصحابة مَن جوَّز التيمَّم للمحدثِ دون الجنب وقرينه، وقد ارتفعَ ذلك الخلاف بالإجماعِ اللاحق على جوازه لكلٍّ منهم، وبه شهدت الأخبار الصحيحة، على ما بسطناها في ((السعاية)).
(3) قوله: على الماء؛ أي على استعماله، فإنَّ المريضَ قادرٌ على الماء، لكنّه ليس بقادر على استعماله، فيباح له التيمّم.
(4) قوله: اي على ماء؛ إشارةٌ الى أنّ اللام في قوله: الماء للعهد، والمراد الماء المطلق الكافي لما وجبَ عليه من الوضوء أو الغسل، فمّن كان عنده قدرٌ غير كافٍ للوضوءِ مثلاً، أو كان عنده ماء مقيَّد من المياه التي لا يجوزُ الوضوء بها يباح له التيمّم.
(5) قوله: يتيمَّم؛ أي يجب عليه أن يتيمَّمَ للغسل؛ لأنّه وإن وجدَ ماءً لكن لم يجد ماءً كافياً للطهارة الواجبةِ عليه، والمصير عند فقده إلى التيمّم.
(6) في م: وضوء.
(7) ينظر: ((مواهب الصمد))(ص29).
(8) قوله: خلافاً للشافعيّ؛ فإنّه يقول بوجوبِ التوضئ ثمَّ التيمم للغسل، كالعاري إذا وجدَ ثوباً يسترُ بعضَ عورته، يلزمُهُ سترُ ذلك القدر، وكذا إذا كانت بمَن وجدَ ماءً نجساً نجاستُه حقيقية بثوبه أو بدنه، يجب عليه استعمالُه في ذلك القدر، ونحن نقول: المزالُ هناك أمرٌ حسيّ، فاعتبرَ الزوالٌ حسَّاً، فوجبَ الاستعمالُ ما أمكن، وأمّا هاهنا فالطهارةُ حكميّة، ووجوب الوضوء والغسل منوطٌ بوجدان الماء الكافي لطهارته، بحيث تحلّ بها الصلاة، فإذا لم يوجدْ يباحُ له التيمّم.
(2/5)
________________________________________
]- رضي الله عنه -.
وأمَّا إذا كان مع الجنابةِ[(1)] حدثٌ يوجبُ الوضوءَ يجبُ عليه الوضوء، فالتَّيمُّمُ للجنابةِ بالاتَّفاق(2)
__________
(1) قوله: أما إذا كان مع الجنابة... الخ؛ ظاهر هذه العبارة مختلّ؛ من حيث
أنّ كلامه مشعرٌ بأنَّ الجنابةَ قد يكون معها حدثٌ موجب للوضوء، وقد لا يكون، وليس كذلك؛ فإن الحدث الأصغرَ لازمٌ للحدثِ الأكبر، فإنّ كلّ ما ينتقضُ به الوضوء، ومن حيث أنّ الفاءَ في قوله: فالتيمّم إن كانت للتفريعِ فلا محصل له؛ فإن كان التيمّم للجنابة غير مفرّعٍ على وجوبِ الوضوء، وإن كانت للتعليلِ وردَ عليه أنّ في الصورةِ السابقةِ التي حكمَ فيها بعدمِ وجوبِ الوضوء عندنا أيضاً التيمم للجنابة اتَّفاقاً، وقد تفرَّق الناظرونَ لإصلاحِ الكلام إلى مسالك، وقرَّروا تقريرات أكثرها مخدوشة كما أوضحناه في ((السعاية))، والقولُ المعتمدِ في هذا المقام أن كلمة: مع بمعنى: بعد، والمضاف محذوف، أو هي بمعناها، والمضاف محذوف، وهو التيمّم، وحاصله أنّه إذا وجدَ الجنب قدراً كافياً للوضوء قبل التيمّم لا يجبُ عليه الوضوء عندنا، وأمّا إذا تيمَّم بالجنابةِ ثمَّ طرأ عليه ناقض الوضوء، ووجدَ ماءً كافياً له، يجب عليه الوضوء عندنا أيضاً؛ فإنّ التيمَّم السابقَ للجنابة لا يرتفعُ به الحدثُ الطارئ، وبه ظهر أنَّ الفاءَ تعليليَّة، والمقصودُ به رفعُ ما يقال من أنّه كيف يجب عليه الوضوء مع بقاءِ التيمَّم بأنَّ التيمَّم السابقَ إنّما هو للجنابةِ لا للحدث الذي حدث بعده، وقوله: بالاتّفاق متعلّق بوجوبِ الوضوء، أو بكونِ التيمِّم للجنابةِ اتِّفاقا، وإنّما وجبَ الوضوءُ للحدث الطارئ، ومَن اختارَ أنّ معناه فالتيمم للجنابة واجبٌ بعد الوضوء فقد أخطأ.
(2) عبارة الشارح هذه موهمة خلاف المقصود، والمقصود هو أنه إذا وجد ماءً كافياً للوضوء قبل التيمم لا يجب عليه الوضوء عندنا، وأما إذا تيمم بالجنابة، ثم طرأ عليه ناقض الوضوء، ووجد ماءً كافياً له يجب عليه الوضوء عندنا أيضاً. فإن التيمم السابق للجنابة لا يرتفع به الحدث الطارئ بعده، فالفاء تعليلية أي لدفع ما يقال من أنه كيف يجب عليه الوضوء مع بقاء التيمم، فالتيمم السابق للجنابة لا للحدث الذي حدث بعده، وقوله: بالاتفاق، متعلق بوجوب الوضوء أو بكون التيمم للجنابة اتفاقاً، وإنما وجب الوضوء للحدث الطارئ. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 95). وينظر: ((رد المحتار))(1: 155).
(2/6)
________________________________________
.
وأمَّا إذا كان للمُحْدثِ ماءٌ يكفي لغُسْلِ بعضِ أعضائِهِ فالخلافُ[(1)] ثابتٌ أيضاً(2).
(لبعدِهِ[(3)] ميلاً(4) )، الميلُ(5)
__________
(1) قوله: فالخلاف...الخ؛ بيننا وبين الشافعي، فعنده يجب عليه أن يغسلَ بعض أعضائِه ثمَّ يتيمّم، وعندنا لا؛ لعدم الفائدة في ذلك.
(2) بيننا وبين الشافعي - رضي الله عنه -، ينظر: ((المنهاج)) وشرحه ((مغني المحتاج))(1: 89).
(3) قوله لبعده؛ اللام متعلّقة بقوله: لم يقدروا، والضميرُ راجعٌ إلى فاعل لم يقدروا؛ أي لبعدِ كلٍّ من المحدث والجنب وغيرهما عن الماء ميلاً، أو إلى الماء؛ أي لبعدِ الماء عنهم بقدر الميل.
(4) ولو مقيماً في المصر؛ لأن الشرط هو العدم، فأينما تحقق جاز التيمم. كما في ((رد المحتار))(1: 155).
(5) اختلفوا في مقدار الميل، فقالوا: فمنهم من ذهب إلى أنه ثلث الفرسخ، وهو أربع آلاف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، كصاحب ((المراقي))(ص151)، و((فتح باب العناية))(1: 164)، وابن ملك في ((شرح الوقاية))(ق12/ب). و((البحر))(1: 146)، و((العناية))(1: 108)، وهو اختيار الشارح.
ومنهم من ذهب إلى أربع آلاف ذراع كصاحب ((التبيين))(1: 37)، و((البناية))(1: 482)، و((الهدية العلائية))(ص34)، و((الدر المختار))(1: 155).
ومنهم من ذهب إلى أنه ثلاث آلاف ذراع وخمسمئة إلى أربعة آلاف، وهوابن شجاع.
ومنهم من ضبطه الميل بسير القدر نصف ساعة. كما في ((حاشية الطحطاوي على المراقي))(ص114).
(2/7)
________________________________________
ثلثُ الفرسخ[(1)](2)، وقيل: ثلاثةُ آلافٍ ذراع، و(3)خمسمئةٍ إلى أربعةٍ آلاف، وما ذُكِرَ(4) ظاهرُ الرُّواية، وفي روايةِ الحَسَنِ(5)
__________
(1) قوله: الفرسخ؛ الفرسخة في اللغة بمعنى: السعة، ومنه اشتقّ الفرسخ، وهو ثلاثة أميالٍ اتِّفاقاً، واختلفوا في مقدارِ الميل على أقوال، فالمشهورُ الذي اعتمدَ عليه ابن نجيمٍ والزيلعيّ والسروجيّ وغيرهم أنّه أربعةُ الآف ذراع، كل ذراعٍ أربعةٌ وعشرون أصبعاً، ومقدارُ الإصبع ستّ شعيراتٍ مضمومةِ البطون إلى الظهور، ومقدارُ كلّ شعيرةٍ ستّ شعور من ذنبِ الفرس التركيّ، وهذا موافقٌ لرأي المتأخّرين من الحساب، والقول الثاني: إنّه ثلاثة الآف ذراع، وهو مبني على أخذ الذراع بقدر اثنين وثلاثين إصبعاً على ما هو رأي قدماء الحساب، والخلاف بين هذين القولين لا يرجع إلى طائل، فإنّه لا يورث اختلافاً في مقدارِ مسافة الميلِ المتفاوتِ بين الذراعين، والثالث أنّه أربعةُ الآفِ خطوة، كلّ خطوةٍ ذراع ونصف بذراع العامّة، وهو أربعةٌ وعشرون إصبعاً، فتكون ذراع الميل ستَّة الآف، وهو قولٌ لا يعتمدُ عليه، صرَّح به الخير الرمليّ وغيره، والرابع: ما ذكره الشارح بلفظ: قيل وذكره في ((الذخيرة)) منسوباً إلى ابن شجاع ثلاثة الآف ذراع وخمسئة إلى أربعةِ الآف، ولعلّه إشارةٌ إلى الخلافِ الواقعِ بين القدماء والمتأخّرين من أهلِ الحساب، وإن شئت مزيد تفصيل في هذا المبحث، فارجع إلى رسالتي: ((الإفادةُ الخطيرةُ المتعلّقة ببحث سبعِ عرض شعيرة)) من ((شرح ملخص الخغميني في علم الهيأة)) ]
(2) الفَرْسَخ: السُّكون، والفَرْسخ المسافة المعلومة من الأرض مأخوذة منه، وسمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن. كما في ((اللسان))(5: 3381).
(3) في أ: أو.
(4) في م: ذكره.
(5) وهو الحسن بن زياد اللُّؤْلُؤي الكوفي، أبو عليّ، صاحب الإمام، قال الذهبي: قاضي الكوفة، وكان رأساً في الفقه، من مؤلَّفاته: ((المقالات))، و((الجرد))، (ت204هـ). ينظر: ((الجواهر))(2: 56-57)، ((العبر))(1: 345)، ((طبقات طاشكبرى))(ص18-19).
(2/8)
________________________________________
- رضي الله عنه -: الميلُ إنَّما يكونُ معتبراً(1) إذا كان في طرفٍ غيرِ قُدَّامه[(2)](3)، حتى يصيرَ ميلَيْن ذهاباً ومجيئاً، وأمَّا إذا كان في قُدِّامِهِ فيعتبرُ أن يكونَ ميلَيْن.
__________
(1) في أ و ب و س: معتداً.
(2) قوله: في طرف غير قدّامه؛ بأن يكونَ الماءُ من جانب الخلف أو اليمين أو اليسار، حتى لو ذهب إليه المتوضئ يصير ميلاً إياباً، وميلاً ذهاباً.
(3) بأن يكون الماء من الخلف أو اليمين أو اليسار حتى لو ذهب إليه المتوضئ يصير ميلاً ذهاباً وميلاً إياباً. كما في ((السعاية))(493). وفي ((البدائع))(1: 46) قالها الحسن من تلقاء نفسه. وفيها: وبعضهم فصل بين المقيم والمسافر، فقالوا إن كان مقيماً يعتبر قدر ميل كيفما كان، وإن كان مسافراً والماء على يمينه أو يساره فكذلك، وإن كان أمامه يعتبر ميلين، وروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه إن كان بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير ويحس أصواتهم أو أصوات الدواب، فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك، فهو بعيد، وقال بعضهم: إن كان بحيث يسمع أصوات أهل الماء، فهو قريب، وإن كان لا يسمع، فهو بعيد، وقال بعضهم قدر فرسخ، وقال بعضهم: مقدار ما لا يسمع الأذان، وقال بعضهم: إذا خرج من المصر مقدار ما لا يسمع أو نودي من أقصى المصر، فهو بعيد، وأقرب الأقاويل اعتبار الميل؛ لأن الجواز لدفع الحرج.
(2/9)
________________________________________
(أو لمرض[(1)]) لا يقدرُ معه على استعمالِ الماء، وإن استعملَ الماءَ اشتدَّ مرضُهُ حتى[(2)] لا يشترطَ خوفُ التَّلفِ خلافاً للشَّافعيِّ(3) - رضي الله عنه -، إذ ضررُ اشتدادِ المرضِ فوقَ ضررِ زيادةِ الثَّمن، وهو يبيحُ التَّيمُّم.
(أو برد) إن استعملَ الماء(4) يضرُّه.
__________
(1) قوله: أو لمرض؛ عطف على قوله: لبعده ميلاً، والوجه في إعادةِ اللازم هاهنا دون ما يأتي بعده هو أنَّ عذرَ عدم الوجدان والمرضِ مذكوران صريحاً في القرآن، مناسب أن يعطيَ لهما الاستقلال ذكراً، و يجعل ما عداهما تبعاً.
(2) قوله: حتى... الخ؛ يعني أنّ خوفَ اشتدادِ المرض ونحوها ممّا يورث المشقّة كافٍ لإباحةِ التيمّم من غير شرطِ خوفِ هلاك نفسٍ أو عضو؛ لأنَّ ضررَ الاشتدادِ وإن لم يبلغ إلى التلفِ أقوى من ضررِ زيادةٍ ثمنِ الماء؛ لظهورِ أنّ الضررَ البدنيّ أشدّ من الماليّ، وضررُ تزايدِ الثمنِ يبيحُ له اتَّفاقاً، فإنّه إذا لم يجدْ الماءَ إلا بالقيمة، فإن كانت قيمته مساويةً أو أقلّ من قيمةِ المثلِ اشتراه وتوضَّأ به، وإن كان ثمنُهُ أزيد لا يجبُ عليه الشراء، بل يباحُ له التيمّم اتّفاقاً.
(3) في ((التنبيه))(1: 16): إن خاف من استعمال الماء التلف لمرض تيمم ولى ولا إعادة عليه، وإن خاف الزيادة في المرض، ففيه قولان: أصحهما أنه يتيمم ولا إعادة عليه. انتهى.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(2/10)
________________________________________
(أو عدوٍ(1) أو عطش): أي إن[(2)] استعملَ الماءَ خافَ العطش، أو أبيح[(3)](4) الماءُ للشُّرب حتى إذا وجدَ المسافرُ ماءً في جُبٍّ(5) معدٍّ[(6)] للشَّربِ جازَ(7) له التَّيمُّم[(8)]، إلاَّ إذا كان كثيراً فيستدلُّ[(9)
__________
(1) كحية أو نار على نفسه، ولو من فاسق أو حبس غريم ـ أي بان كان صاحب الدين عند الماء وخاف المديون من الحبس ـ أو ماله ولو أمانة. كما في ((رد المحتار))(1: 156-157).
(2) قوله: أي إن... الخ؛ أشارَ به إلى أنّه ليس المبيح وجودُ العطشِ فقط، بل إذا خافَ العطشَ إن توضَّأ بالماءِ يجوزُ له التيمّم سواءً عرضَ له العطش أم لا، سواءً خافَه على نفسه أو على رفيقه أعمّ من أن يكون مخالطاً له، أو آخرَ ممَّن معه في القافلة، أو على كلبِهِ أو كلبِ رفيقِه إذا كان مباحَ الاقتناءِ ككلبِ الصيد. كذا في ((الدر المختار)) وحواشيه.
(3) قوله: أو أبيح؛ ظاهرُهُ مختلّ، واختلفَ الناظرونَ في توجيهه، فقيل: إنّه عطفٌ من جهةِ المعنى؛ أي إذا خافَ العطشَ من جهة استعمالِ الماء، وأبيحَ الماء للشرب، وقيل: هو عطفٌ على عطش، بتأويلِ الجملةِ بالمفرد؛ أي ولإباحةِ الماء للشرب.
(4) في م: يبيح.
(5) الجُبُّ: بالضم: البئر. كما في ((تاج العروس))(2: 120).
(6) قوله: حب معدَّاً... الخ بضم الحاءِ المهلمة، وتشديدِ الباء: الجرّةُ العظيمة والخابية فارسية خم، وفي أكثرِ النسخ بالجيم: وهو البئرِ التي لم تطوَ.
(7) الجواز هاهنا مستعمل فيما يعمّ الوجوب، فإن التيمم في مثل هذه الصورة واجب، والتقييد بالمسافر اتفاقي. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 96).
(8) قوله: جازَ له التيمّم؛ الجوازُ هاهنا مستعملٌ فيما يعمّ الوجوب، فإنّ التيمّم في مثل هذه الصورة واجب، والتقييدُ بالمسافرِ اتِّفاقيّ؛ لأنَ وجودَ مثلِ هذه الصورة وهو أن لا يجدَ إلا ماءً موضوعاً في خابيةٍ معدٍّ للشربِ نادر.
(9) قوله: فيستدلّ؛ أي يعلمُ بكونِ الماء المهيَّأ للواردينِ كثيراً على أنّه أبيحَ للشربِ والوضوءِ ونحو ذلك، فيجوز به الوضوء، ولا يجوزُ التيمّم، لقدرته على ما يتوضَّأ به، بخلاف ما إذا كان مباحاً للشربِ فقط، فإنّه حينئذً لم يقدرْ على ماءٍ فارغٍ عن الحوائجِ الضَّروريّة؛ لتعلّق حقّ الشاربين به، وخوفُ عطشِ الواردين إن استعملَه للوضوء.
(2/11)
________________________________________
] على أنه للشُّربِ والوضوء، فأمَّا الماءُ المعدُّ للوضوءِ فإنَّهُ يجوزُ أن يشربَ منه، وعند[(1)] الإمامِ الفضليِّ(2) - رضي الله عنه - : عكسُ هذا(3)، فلا يجوزُ التَّيمُّم.
(أو عدمِ آلة): كالدَّلو، ونحوه.
__________
(1) قوله: وعند... الخ؛ قال في ((الذخيرة)): كان الشيخ أبو بكرٍ محمّد بن الفضل يقول: الماء الموضوع لشربِ الناسِ إذا توضَّأ به رجلٌ حلّ له ذلك، ولو كان وضعَ ليتوضَّأ الناسُ به لا يحلُّ لأحدٍ أن يشربَ منه، فعلى قياس قوله، إذا وجدَ ماء وضع لشرب الناس لا يجوز له التيمّم.
(2) وهو محمد بن الفضل الكَمَاريّ البُخَاريّ، أبو بكر الفَضْلِيّ، قال الكفوي: كان إماً كبيراً وشيخاً جليلاً، معتمداً في الرواية مقلداً في الدراية رحل إليه أئمة البلاد، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته، (ت371هـ). ينظر: ((الجواهر))(3: 300-302)، ((طبقات طاشكبرى زاده))(ص62)، و((الفوائد))(ص303-304).
(3) العبارة في م: القضاء عكس هذا. وهو أن الماء الموضوع للرب يجوز منه التوضؤ، والموضوع للوضوع لا يباح منه الشرب. كما في ((المحيط))(ص317).
(2/12)
________________________________________
(أو خوفِ[(1)] فوتِ صلاةِ العيدِ في الابتداء): أي إذا خافَ فوتَ صلاةَ العيدِ جازَ له أن يتيمَّمَ ويشرعَ فيها، هذا بالاتِّفاق[(2)]، (وبعدَ الشُّروعِ متوضِّئاً والحدثُ للبناء): أي إذا شرعَ[(3)
__________
(1) قوله: أو خوف؛ عطف على ما سبقَ من الأعذار، وحاصله أنّه إذا خافَ فوتَ صلاةِ عيد الفطر أو الأضحى لو توضأ يجوز له أن يتيمَّم ويصلّي العيد، وإن كان صحيحاً واجداً للماءِ قادراً عليه، وذلك بأن يخافَ زوالَ الشمسِ وذهابَ الوقت، أو فراغ الأمام من صلاة العيد، والوجه في ذلك أنّ صلاة العيدِ تفوتُ لا إلى خلف، إذ لا قضاءَ لها، فكانت القدرةُ على الماءِ كعدمِ القدرة، فإن تعدَّدت صلاةُ العيدِ في موضعٍ وخافَ فوتها مع الإمامِ في مسجدٍ خاصٍّ لا يتمَّم بل يتوضَّأ ويذهبَ إلى مسجدٍ آخر، والأصلُ فيه ما وردَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تيمَّم في المدينةِ لجوابِ السلام؛ فإنّه سلَّم عليه رجلٌ وهو يبول، فلمَّا فرغَ تيمَّمَ وردَ عليه السَّلام، أخرجه البخاريّ ومسلم وغيرهما، وما ورد من الآثارِ من جوازِ التيمَّمِ لصلاةِ الجنازةِ عند خوف فوتها، أخرجه ابن أبي شيبةَ والنسائيّ والطحاويّ عن ابن عبَّاس، والطحاويّ عن الحسن وإبراهيم وعطاء وابن شهاب وغيرهم، والبيهقيّ والدارقطنيّ عن ابن عمر رضي الله عنه فان كل ذلك يدل على جواز التيمم لخوف فوت ما يفوت لا الى خلف وقد بسطنا كلّ ذلك في ))السعاية)).
(2) قوله: بالاتّفاق... الخ؛ أي بين أئمَّتنا الثلاثة خلافاً للشافعيّ، فإنّه لم يجوّز التيمَّم لصلاةِ العيد ولا صلاةِ الجنازة، بمجرَّد خوفِ الفوت بناءً على أنّه يجوزُ إعادتهما، فلا يتحقَّق فيهما الفوت لا إلى خلف.
(3) قوله: أي إذا شرع... الخ؛ توضيحه أنّه إذا شرعَ صلاة العيد بالوضوء، وسبقَه الحدثُ في خلالِ الصلاة فإن كان لا يخافُ ذهابَ الوقتِ ويمكنه أن يدركَ شيئاً منها مع الإمامِ توضَّأ ولا يتيمّم اتَّفاقاً لإمكانِ أداء الباقي بعده، وإن خافَ زوالَ الشمس لو اشتغلَ بالوضوءِ يباحُ له التيمّم اتَّفاقاً، ولو لم يخفْ زوالَ الشمسِ ولا رجاء إدراكهما مع الإمام، فعنده يتيمّم ويبني خلافاً لهما؛ لأنّ اللاحقَ يصلِّي بعد فراغِ الإمامِ من صلاته، فلا يخاف الفوت؛ لأنّه في حكمِ الصلاة بالجماعة، وأبو حنيفةَ نظرَ إلى أنَّ يومَ العيد يومُ زحمة، فلعلّه يعرضُهُ عارضٌ يفسدُ صلاته إذا صلَّى منفرداً فخوفَ الفوتِ في حقّه باقٍ، فلذلك أباحَ التيمَّم للبناء. كذا في ((الهداية)) وحواشيها.
(2/13)
________________________________________
] في صلاةِ العيدِ مُتَوضِّئاً، ثمَّ سبقَهُ(1) الحدث، ويخافُ أنه إن توضَّأَ تفوتُهُ الصَّلاةُ جازَ لهُ أن يتيمَّمَ للبناء، وهذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - خلافاً لهما(2)، وإن شرعَ بالتَّيمُّم، وسبقَهُ الحدثُ جازَ لهُ التَّيمُّم[(3)] للبناءِ بالاتِّفاق.
__________
(1) في أ: سبعته.
(2) لعدم خوف الفوت إذ اللاحق يصلي يصلي بعد فراغ الإمام، ولأبي حنيفة أن خوف الفوت باقٍ؛ لأنه يوم زحمة فربما اعتراه ما أفسد صلاته، والأظهر قولهما. كما في ((فتح باب العناية))(1: 167)، وصحح وقولَه الحصكفي في ((الدر المختار))(1: 162).
(3) قوله: جاز له التيمّم؛ لأنّا لو أوجبنا عليه الوضوء يكون واجداً للماءِ في صلاته، فتفسد صلاته، فإنّ المتيمَّم إذا وجدَ الماءَ في خلالِ صلاته يجب عليه أن يستأنف الصلاة.
(2/14)
________________________________________
فقوله[(1)]: هو لمحدث: مبتدأ، ضربةٌ: خبرُه، ولم يقدِّروا: صفةً لمحدث، وما بعدَهُ كالجنبِ والحائضِ وغيرهما.
وقولُه: لبعده ميلاً(2)، مع المعطوفات متعلِّقٌ بقولِه: لم يقدِّروا.
وقوله(3): في الابتداء، متعلِّقٌ بالمبتدأ، تقديرُهُ: التَّيمُّمُ لخوفِ فوتِ صلاةِ العيدِ في الابتداء، وبعدَ الشَّرعِ ضربة.
__________
(1) قوله: فقوله... الخ؛ شروعٌ في بيانِ تركيب عبارات المتنِ من ابتداءِ الباب إلى هذا المقام، وما ذكرَه في التركيبِ لا يخلو عن خدشة بوجوه: الأوّل أنّ محلَّ بيانِ هذه التركيبات كان قبيل قوله ضربة أو بعيده، فإنَّ لفظ: وصلاة الجنازةِ في المتن معطوفٌ على صلاةِ العيد، فهو داخلٌ في الجملة، وكذا قوله: لا لفوتِ الجمعةِ والوقتيّة، والمناسبُ بيانُ تركيبِ الجملةِ بعد تمامها، لا في أثنائها، والجوابُ عنه بأنّ مبادرةَ التعرَّض به لتوطئة بيانٍ متعلّق قوله: في الابتداء؛ لتوهّم خفائه كما ذكره في ))ذخيرة العقبى)) لا يجدي نفعاً، الثاني: إنّ المبتدأ هو الضميرُ وحدَه، فضمّ لمحدث إليه وإدخالُهُ فيه لا يخلو عن مسامحة، الثالث: إن ما اختارَه من كونِ هو مبتدأ، وكون ضربة خبره، يستلزمُ الفصلَ الكثيرَ بين المبتدأ والخبر، وهو وإن كان جائزاً إذا كان الفاصلُ غير أجنبيّ، لكن لا شبهةَ في إيراثه الانتشار، والأصوبُ أن يقال: إنّ الضميرَ مبتدأ، وخبره قوله: لمحدث مع ما عطفَ عليه، وقوله: ضربةٌ خبرُ بعد أو جملة مستأنفة بحذفِ المتبدأ بياناً لكيفيّة التيمّم، الرابع: إنّ ما اختارَه من كونِ لفظ في الابتداء متعلّقاً بالمتبدأ تكلّف واضح، والظاهر أنّه متعلّق بالفوت أو الخوف، الخامس: إنّه يلزمُ على ما اختارَه تخصيصُ المبتدأ المعروف وتوصيفُه بوصفٍ من غير حاجةٍ إليه، وفي المقام أبحاثٌ أخر مبسوطة في ((السعاية)).
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س و ف.
(2/15)
________________________________________
(أو صلاةِ الجنازةِ[(1)] لغيرِ الوليّ(2)، لا لفوتِ(3) الجمعةِ والوقتيَّة)؛ لأنَّ فوتهما[(4)] إلى خَلَفٍ وهو الظَّهرُ[(5)
__________
(1) قوله: أو صلاة الجنازة؛ عطفٌ على صلاة العيد، فإذا حضرت جنازةٌ وخافَ إن اشتغلَ بالطهارةِ أن تفوته صلاتها، يجوز له أن يتيمّم وذلك لأنّها إذا فاتت فاتت لا إلى خلف، فيتحقّق العجز بالخوف، ولهذا لا يجوز للمولى؛ لأنه ينتظر، فلا يخاف الفوت، والمراد به مَن له ولايةُ الصلاة سواءً كان قريباً للميِّت أو غيره كالسلطان والقاضي وغيرهما. كذا في ((الغنية شرح المنية))، ولو تيمَّم وصلَّى على جنازة ثمَّ أتي بأخرى فإن كان بين الثانيةِ والأولى مقدارُ ما يذهب ويتوضَّأ ثم يأتي ويصلّي أعاد التيمّم؛ لأنّ التيمّم لم يبقَ طهوراً في حقِّه وإلا صلَّى بذلك التيمّم عندهما، خلافاً لمحمَّد، والفتوى على قولهما. كذا في ((جامع المضمرات)).
(2) لأن الوليَّ ينتظر، ولو صلَّوا له حق الإعادة، كما في ((شرح الوقاية))(ق13/أ) لابن ملك. وصححه صاحب ((الهداية))(1: 27)، و((الخانية))(1: 63)، و((كافي)) النسفي، وفي ظاهر الرواية يجوز للولي أيضاً؛ لأن الانتظار فيها مكروه، وصحَّحه شمس الأئمة الحلواني. كما في ((رد المحتار))(1: 161).
(3) في م: فوت.
(4) قوله: لأنّ فوتهما؛ حاصله أنّ المجوّز للتيمّم إنّما هو خوفُ فوتِ ما لا يفوت إلى خلف، والجمعةُ والوقتيّة فوتهما إلى خلف فلا يتحقَّق العجزُ هاهنا، فإن قلت: فضيلةُ أداءِ الجمعة والوقت تفوت لا إلى خلف، قلت: فضيلةُ الوقتِ والأداء صفةٌ للمؤدّى ونافعٌ له غير مقصود بذاته فلا عبرة به.
(5) قوله: وهو الظهر؛ ظاهره أنّ الأصلَ يوم الجمعةُ هو صلاةُ الجمعةِ والظهرُ خلفَ عنه فيؤتى به عند تعذّر الأصل، وهذا قولُ زفر، وقيل: الفرض أحدهما، وهو روايةٌ عن محمّد، وعن أبي حنيفةَ فرضُ الوقتِ الظهر، لكنّه مأمورٌ بإسقاطه بالجمعة، والمختارُ على ما ذكره العينيّ وغيره أنّ الظهرَ أصلَ لا خلف، ولكنَّه تصوَّر بصورةِ الخلفِ باعتبارِ أنّه يقومُ مقامَ الجمعة عند فواتها.
(2/16)
________________________________________
] والقضاء[(1)].
(ضربةٌ[(2)] لمسحِ وجهِه[(3)]، وضربةٌ ليديهِ مع مرفقيه)، ولا يشترطُ[(4)
__________
(1) قوله: والقضاء؛ فيه إشارةٌ إلى أنّ المرادَ بالوقتيَّة هي الفرائضُ والواجباتُ التي تقضي، وإلا فصلاة الكسوفِ والخسوفِ والتراويحِ أيضاً وقتيّات، أي مؤقّتة بأوقاتها، فإن قلت: كان يكفي له ذكرُ القضاءِ من غير حاجةٍ إلى ذكرِ الظهرِ في الجمعة، قلت: كلا؛ فإنّ خوفَ فوتِ الجمعة قد يكون بخوفِ خروجِ الوقت، وقد يكون بخوفِ سلامِ الإمامِ حيث لا يتعدَّد أداؤها، فخلفيَّةُ الظهرِ مشتملة لكونِهِ أداءً أو قضاءً، فلذلك أفرده بالذكر.

(2) قوله: ضربة؛ إنّما اختارَ لفظ الضربِ مع أنّ نفسَ الوضعِ على التراب كان اتِّباعاً للأحاديث؛ فإن أكثرها وردت بهذا اللفظ، ثمَّ ظاهره يفيد أنّ الضربَ ركن، فلو ضربَ يديه وأحدثَ قبل أن يمسحَ بهما وجهه ويديه لا يجوزُ له المسحُ بتلك الضربة، والذي يقتضيه التحقيقُ كما في ((فتح القدير)): إنَّ الضربَ ليس بركن.
(3) قوله: لمسحِ وجهِه؛ فيه إشارةٌ إلى أنّ المقصودَ من الضربِ هو المسح، فلو حصلَ بدونه كفى، كما لو أدخلَ رأسه في موضع الغبارِ بنيّة التيمّم، ولو انهدمَ الحائط وظهرَ الغبارُ فحرَّك رأسه ونوى التيمّم جاز. كذا في ((الخلاصة)).
(4) 31] قوله: ولا يشترط فيه؛ إشارة إلى سرّ عطفِ الضربةِ الثانية على الأولى في المتن بالواو التي تدل على مطلق الجمعية، وإلى أن الترتبيب بتقديم مسح الوجه مسنون كما أشار إليه في المتن بيقديمه ذكراً.
(2/17)
________________________________________
] التَّرتيبُ عندنا، والفتوى[(1)] على أنه يشترطُ الاستيعابُ حتى لو بقيَ شيءٌ قليلٌ لا يجزئه[(2)](3).
والأحسنُ[(4)] في مسحِ الذِّراعينَ أن يمسحَ ظاهرَ الذِّراعِ اليُمْنى بالوسطى[(5)] والبِنْصَر والخِنْصَرِ مع شيءٍ من الكفِّ اليسرى، مبتدئاً من رؤوسِ الأصابع، ثمَّ باطنَها بالمسبِّحةِ والإبهامِ إلى رؤوسِ الأصابع، وهكذا يفعلُ بالذِّراعِ اليُسْرى.
__________
(1) قوله: والفتوى؛ مقابلة أنَّ الأكثرَ كافٍ كما روى الحسنُ عن أبي حنيفة، وإنّما كان الأصحّ هو الاستيعاب، عملاً بظاهر القرآن والاحاديث.
(2) قوله: لا يجزيه؛ فيجب أن يمسحَ ما تحت الحاجبين فوق العينين، كما في ((المحيط))، ومسح العذار كما في ((القينة))، ولو لم يحرِّك الخاتم إن كان ضيّقاً، وكذا المرأة إن لم تحرّك السوار لم يجزْ كما في ((الخانية)) و((الولوالجيّة))، ويجب تخليل الأصابع، كما في ((المنية)).
(3) حتى لو ترك شعرة، أو وترة منخر ـ أي حرف المنخر ـ لم يجز، وينْزع الخاتم والسوار، أو يحرك، به يفتى، كما في ((الدر المختار))(1: 158).
(4) قوله: والأحسن؛ إنما كان هذا الطريق أحسن؛ لأنّ فيه تحرِّزاً عن استعمال التراب المستعمل، وهو وإن كان غير مضرٍ، فإنّ الترابَ لا يكون مستعملاً على الأصحّ، لكنَّ الاجتنابَ عنه أولى.
بيان لكيفية ويتحول حقيقة والاصل عنه حدث التيمم ضربتان ضربة لوجهه وضربة ليديه الى المرفقين كما مر ذكره في بحث مسح الراس المسنون في الضربتين هو الضرب بباطن الكفين ويكفي الضرب بظاهرهما ايضا كذا في الذخيرة هو الايصال في كل جزء.
(5) قوله بالوسطى…الخ؛ هي التي تلي المسبحة على خلافِ جهةِ الإبهام، وما يليها بِنْصَر بكسر الباء وسكون النون وفتح الصاد، وما يليها وهو أصغر الأصابع خِنْصَر على وزن البنصر.
(2/18)
________________________________________
ثمَّ إذا لم يُدْخِلْ الغبارَ بين أصابعِه، فعليه أن يخلِّلَ أصابعَه، فيحتاجُ[(1)] إلى ضربةٍ ثالثةٍ لتخليلها(2).
__________
(1) قوله: فيحتاج؛ هذا على رواية محمّد؛ لأنَّ عنده لا يجوزُ التيمّم بلا غبار، فحيث لم يصل الغبارُ بين الأصابعِ احتيجَ إلى ضربةٍ أخرى، وأمّا عند غيره فلا يجبُ إيصالُ الغبار، بل يكفي المسح، فيجب عليه التخليل، وإن لم يصل الغبار إليه من غير احتياجٍ إلى ضربةٍ ثالثة. كذا في ((الدر المختار)) وغيره.
(2) هذه رواية عن محمد - رضي الله عنه - لأن عنده لا يجوز التيمم بلا غبار، فحيث لم يدخل بين الأصابع لا بدّ ضربة ثالثة، وعند غيره فلا يجب إيصال الغبار، بل يكفي المسح، فيجب عليه التخليل وإنلم يصل الغبار من غير احتياج إلى ضربة ثالثة. كذا في ((رد المحتار))(1: 159).
(2/19)
________________________________________
(على كلِّ طاهر) متعلِّقٌ بضربة، (من جنسِ الأرضِ[(1)](2) كالتُّراب، والرَّمل، والحَجَر)، وكذا[(3)] الكحلُ والزِّرنيخ(4).
__________
(1) قوله: من جنسِ الأرض؛ الفارقُ بين ما هو جنسِ الأرض، وبين ما ليس من جنسه على ما ذكره الزيلعيّ أنّ كل شيءٍ يحترقُ بالنارِ فيصيرُ رماداً كالشجرِ والحطب، وكلّ شيءٍ يلين ويذوب بالنار كالحديد والذهب والفضّة، وكل ما تأكله الأرضُ كالحنطةِ والشعيرِ وسائر الحبوب ليس من جنسِ الأرض، وما ليس كذلك فهو من جنسِ الأرض، وما ليس كذلك فهو من جنس الأرض، فالقسم الأوّل لا يجوزُ عليه التيمّم ما لم يكن عليه غبارٌ يمسح وجهه ويديه به، والأوّلُ يجوزُ التيمّم به وإن لم يكن عليه غبار.
(2) الحد الفاصل بين جنس الأرض وغيره أن كل ما يحترق بالنار فيصير رماداً: كالشجر، والحشيش، أو ينطبع ويلين: كالحديد، والصفر، والذهب، والزجاج، ونحوها، وكل ما تاكله الأرض ليس من جنسها كالحنطة والشعير وسائر الحبوب، فليس من جنس الأرض، فلا يجوز التميمم به بلا نقع ـ أي غبار ـ، وما كان من جنسها فيجوز بلا غبار. كذا في ((التبيين))(1: 39)، و((تحفة الفقهاء))(1: 41).
(3) قوله: وكذا؛ أي يجوزُ التيمّم بالكحلِ بالضم: سرمه، والزرنيخ: بكسر الزاي المعجمة، وسكون الراء المهملة، وكسر النون، وسكون الياء المثنّاة التحتيّة، بعدها فاء معجمة: هرتال، وكذا يجوز بالجصّ والنورةِ والأرض السبخة، والمراد أسبخ، والأثمد والآجر والحصى والكيزان والحيطان، وبالعتيق والزبرجد. كذا في ((فتاوى قاضي خان))، ويجوزُ بالمرجانِ لا باللؤلؤ؛ لأنَّها خلقت من الماء. كذا في ((البحر)) و((النهر)).
(4) الزِّرنيخ: بالكسر: حجرٌ معروف، وله أنواع كثيرة، منه أبيض، ومنه أحمر، ومنه أصفر. كما في ((تاج العروس))(7: 263).
(2/20)
________________________________________
وأمَّا الذَّهبُ والفضَّةُ فلا يجوزُ بهما، إذا كانا مسبوكَيْن، فإن كانا غيرَ مسبوكَيْن مختلطَيْن بالتُّرابِ يجوز[(1)] بهما(2).
والحنطةُ والشَّعيرُ إن كان عليهما(3) غبارٌ يجوز(4)، [وإلا فلا](5).
ولا يجوزُ[(6)] على مكانٍ كان فيه نجاسةٌ وقد زالَ أثرُها، مع أنه يجوزُ الصَّلاةُ فيه، ولا يجوزُ[(7)] بالرَّمادِ هذا عند أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ - رضي الله عنهم -.
__________
(1) قوله: يجوز؛ لتحقّق المسحِ على التراب؛ فإنّ الغبارَ ترابٌ رقيق، وكذا لو ضربَ يده على الثوبِ أو اليدِ ولزقَ بيده التراب فتيمّم به جاز.
(2) سقطت من ب و ف و م.
(3) في ف: عليها.
(4) سقطت من ف.
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(6) قوله: ولا يجوز؛ فيه تعريضٌ على المصنِّف في إطلاقِهِ الطاهر، فيلزم عليه أن يجوزَ التيمّم بمثل هذا إمكان؛ لكونه طاهراً حتى جازت الصلاة عليه، مع أنّه لا يجوز، وكأنّه إنّما أطلقَ هاهنا اعتماداً على ما سيصرّح به في باب الأنجاس أنَّ الأرضَ والآجرَّ المفروشَ تطهرُ باليبس وذهاب الأثر للصلاة لا للتيمَّم، وسنذكر وجهَ الفرقِ بين جوازِ الصلاة وجواز التيمّم هناك إن شاء الله تعالى.
(7) قوله: ولا يجوز؛ لأنَّ الرمادَ ليس من جنس الأرضِ بل هو من جنسِ الشجرِ كما هو الغالب، فإن كان الرمادُ من حجرٍ كما في بعضِ بلاد تركستان؛ فإنّ الحجرَ حطبهم، جاز التيمّم به، كما في ((جامع الرموز)) نقلاً عن ((الخزانة)).
(2/21)
________________________________________
وأمَّا عندَ أبي يوسفَ - رضي الله عنه -: فلا يجوزُ إلا بالتُّرابِ[(1)] أو الرَّمل.
وعند الشَّافعي(2) - رضي الله عنه -: لا يجوزُ إلا بالتُّراب.
(ولو بلا نقعٍ[(3)
__________
(1) قوله: لا يجوز إلا بالتراب؛ لحديث: ((جعلت تربتها ـ أي الأرض ـ لنا طهوراً))، أخرجه مسلم وابن خزيمة وابن حبّان وغيرهم، واستندَ أبو يوسفَ في جوازِهِ بالرمل، وهو قولُ الشافعيّ القديم بما أخرجه أحمدُ والبيهقيّ واسحق بن راهويه وأبو يعلى وغيرهم عن أبي هريرةَ أنّ أناساً من أهل الباديةِ أتوا النبيّ فقالوا: إنّا نكونِ بالرمال الأشهرُ الثلاثةَ والأربعة، ويكون فينا الجنبُ والحائض والنفساء ولا نجدُ الماء، فقال: ((عليكم بالأرض))، وسنده ضعيف، ومستند أبي حنيفةَ وغيره في جوازه بكلّ ما كانَ من جنسِ الأرض طاهر قوله تعالى: {فتيمّموا صعيداً طيباً}، فإنّه مفسّر بالأرض الطاهرة، والأحاديثُ التي وردت بلفظ: ((جعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً))، وهذا أقوى المذاهب، وقد بسطنا دلائلها في ((السعاية)).
(2) في ((المنهاج))(1: 96): يتيمم بكل تراب طاهر حتى ما يداوى به، وبرمل فيه غبار.انتهى.
(3) قوله: ولو بلا نقع؛ متعلّق بالحجر أو بكلّ طاهر؛ أي ولو كان ذلك الطاهرُ بلا نقع: بالفتح؛ أي غبار، وهذا عند أبي حنيفةَ ومحمّد في رواية، وفي روايةٍ أخرى عنه، وهو قول أبي يوسف أنّه لا يجوزُ بدون الغبارِ لقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}؛ فإنّ الضميرَ راجعٌ إالى التراب، فيقتضي ذلك استعمالَ جزءٍ منه، ولا يتصوَّر ذلك بدون الغبار، ومَن لم يشترطه استندَ بقوله تعالى في موضعٍ آخرَ: {فتيممّوا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم}، وفي المقامِ مباحثُ مذكورةٌ في ((السعاية)).

أي السبابة التي يشار به في التشهد لأنها ليسا من جنس الارض وكذا لا يجوز بالحديد والنحاس والملح المائي اي هذا بين بالنار متميزين عن التراب اي في ذلك المكان الذي كان نجسا وطهر بالبيس وزوال الاثر وان كان ملتصقا بغير الارض كالثوب ونحوه.
(2/22)
________________________________________
](1) وعليه): أي على النَّقع(2)، فلو كنسَ داراً، أو هدمَ حائطاً، أو كالَ حنطةً، فأصابَ (3)وجهَهُ وذراعيهِ غبارٌ لا يجزئه حتى يُمِرَّ يده عليه، (مع قدرتِهِ على الصَّعيدِ[(4)](5) بنيَّةِ أداءِ الصَّلاة[(6)])، فالنِّيَّةُ فرضٌ في التَّيمُّمِ خلافاً لزُفَرَ[(7)
__________
(1) ولو بلا نقع متعلق بالحجر أو بكل طاهر، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم - في رواية، وفي رواية أخرى عنه وهو قول أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه لا يجوز بدون الغبار. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 98).
(2) النَّقع: الغبار. كما في ((مختار))(ص676).
(3) في أ زيادة: على.
(4) قوله: مع قدرته على الصعيد؛ إنّما ذكره نفياً لما رويَ عن أبي يوسف أنّه لا يجوزُ التيمّم على الغبارِ نفسه إلا عند العجزِ عن الصعيد، والصحيح قولهما أنّه يجوز به مطلقاً؛ لأنّ الغبارَ ترابٌ رقيق. كذا في ((المحيط)).
(5) قال الصعيد لمخالفة أبي يوسف - رضي الله عنه - بذلك، إذ ليس الغبار من الصعيد عنده، والصحيح قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -. كذا في ((المحيط))(ص269).
(6) قوله: أداء الصلاة؛ ليس المرادُ به ما يقابل القضاء، فإنّ التيمَّم بنيّة القضاءِ أيضاً صحيحٌ اتِّفاقاً بل ما يشمله.
(7) قوله: خلافاً لزفر؛ فإنّه قال: النيّة فيه ليست بفرض؛ لأنّه خلفٌ عن الوضوء، فكما لا تشترط فيه النيَّة لا تشترطُ في التيمّم أيضاً، وإلا تلزمُ مخالفةُ الخلفِ للأصل، وجوابه: إنّه لا بأس بذلك إذا دلّ دليلٌ على مخالفةِ الخلف للأصلِ في بعض الأوصاف، وهو هاهنا موجود؛ فإنّ قوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} يدلّ على ذلك؛ لأنّ التيمّم في اللغةِ هو القصد، ويؤيّده أنّ التراب غير طهور في نفسِهِ بل هو ملوَّث في نفسه، وإنّما جعلَ طهوراً حالَ إرادةِ الصلاة فتشترط فيه النيّة بخلافِ الماء فإنّه خلقَ طهوراً فلا تشترط في التطهير به النيّة، وفي المقام أبحاثٌ نقضاً وإبراماُ، مذكورة في ((السعاية)).
(2/23)
________________________________________
] - رضي الله عنه -، حتى إذا كان بهِ حدثانِ [حدثٌ يوجبُ الغُسْلَ](1) كالجَنَابة، وحدثٌ يوجبُ الوضوء، ينبغي(2) أن ينويَّ عنهما[(3)]، فإن نَوَى عن أحدِهما لا يقعُ عن الآخر، لكن يكفي تيمُّمٌ واحدٌ عنهما(4).
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(2) في ف و م: فينبغي.
(3) قوله: ينبغي أن ينوي عنهما؛ أي عن الجنابة والحدث الأصغر، وفيه خلاف، فعند أبي بكرٍ الرازيّ من أصحابنا تجبُ في هذه الصورة نيّةُ التعيينِ والتمييز، وروى محمّد ابن سماعة عن محمَّد أنَّ الجنبَ إذا تيمَّم يريدُ به الوضوءَ أجزاه عن الجنابة، وهو الصحيحُ كما في ((الهداية)) وشروحها، فما ذكره الشارحُ هاهنا خلاف المذهب، إلا أن يحمل قوله: ينبغي على الاستحباب.
(4) يعني لو تيمم الجنب عن الوضوء كفى وجازت صلاته، ولا يحتاج أن يتيمم للجنابة، وكذا عكسه، لكن لا يقع تيممه للوضوء عن الجنابة. كذا في ((رد المحتار))(1: 165)، وينبغي حمل مطلع المسألة على هذا المعنى؛ لأن يصح تيمم جنب بنية الوضوء، وبه يفتى، كذا في ((الدرالمختار))(1: 165)، وفي ((الإيضاح))(ق6/ب): ولا يشترط نية التيمم للحدث أو الجنابة، هو الصحيح من المذهب.
(2/24)
________________________________________
(فلا يجوزُ تيمُّمُ كافرٍ(1) لإسلامه(2) ): أي لا يجوزُ[(3)](4) الصَّلاةُ بهذا التَّيمُّمِ عندهما، خلافاً لأبي يوسفَ - رضي الله عنه -: فعنده[(5)
__________
(1) تفريع على اشتراط النية؛ لأنه من شرائط صحته الإسلام، فلا يجوز تيمم الكافر سواء نوى عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة أو لا. كما في ((رد المحتار))(1: 165).
(2) أي يريد به الإسلام، ثم أسلم، لم يكن متيمماً عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: هو متيمم لانه نوى قربة مقصودة، أما القربة؛ فلأن الإسلام أعظم القرب، وأما أنها مقصودة؛ فلأن المراد به هاهنا ما لا يكون في ضمن شيء آخر كالمشروط، وإذا كان كذلك صح تيممه كالمسلم تيمم للصلاة. كما في ((العناية))(1: 115).
(3) قوله: أي لا يجوز… الخ ؛ لمّا كان ظاهرُ عبارة المتن كعبارة ((الهداية)) و((الجامع الصغير)) عدم صحَّة تيمَّم الكافرِ بقصد الإسلامِ مطلقاً حتى لا ينوبَ مقامَ الغسلِ الذي يؤمرُ به الكافرُ عند إسلامه، وليس كذلك، أشارَ الشارح الى دفعه بأنّ المرادَ أن تيمَّم الكافر لإسلامهِ غير معتبرٍ في حقّ جوازِ الصلاة لا مطلقاً.
(4) ظاهر عباة المتن كعبارة ((الهداية))(1: 26)، و((الجامع الصغير))(ص76) عدم صحة تيمم الكافر بقصد الإسلام مطلقاً حتى لا ينوب مقام الغسل الذي يؤمر به الكافر عند إسلامه، وليس كذلك، أشار الشارح إلى دفعه بأن المراد أن تيمم الكافر لإسلامه غير معتبر في حقّ جواز الصلاة لا مطلقاً. كذا في ((عمدة الرعاية))(1: 99).
(5) قوله: فعنده… الخ؛ اعلم أنّ العبادات على نوعين: مقصودة وغير مقصودة، والمرادُ بالمقصود في هذا البحث هي أن تكون مشروعةً ابتداءً تقرَّباً إلى الله من غير أن يكون تبعاً لغيرها، وبعبارةٍ أخرى هي ما لا يجبُ في ضمن شيءٍ آخر بالتبعيّة، وغير المقصودةِ بخلافه، فمن الأول الإسلام، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، والصلوات الخمس، وصلوة الجنازة وغيرها، ومن الثاني: دخول المسجد، ومسّ المصحف، وردّ السلام، وقراءة الأذكار ونحوها، ثمَّ المقصودة منها ما لا يصحّ أو لا يحلّ بدون الطهارةِ كالصلوات، وسجدة التلاوة ومنها ما يصحّ بدونها كالإسلام، إذا تمهّد لك هذا فاعرف أنّ الشرطَ لصحَّة التيمّم في نفسه هو نيّة ما قصده لأجله، سواءً كان قربةً مقصودة أو غيرها وهذا بالاتِّفاق، وأمّا في حقّ صحَّة في حقّ جواز الصلاة به فاختلفوا فيه؛ فعند أبي يوسف تشترط نيّة القربة المقصودة، وإن كانت تصحّ بدون الطهارة، فلو تيمَّم كافرٌ لإسلامِهِ وأسلمَ جازَ له أداءُ الصلاة به، نعم لو تيمَّم الكافرُ بقصد أداءِ الصلاةِ ثمَّ أسلمَ لا تصحّ أداءُ الصلاة به؛ لكونِ تلك النيّة منه لغواً، صرَّح به في ((النهاية))، وعند أبي حنيفةَ ومحمَّد تشترطُ نيّة القربة المقصودة التي لا تصحّ بدون الطهارة، وإن شئت الاطِّلاعَ على دلائل القولين مع ما لها وما عليها فارجع إلى حواشي ((الهداية)).
(2/25)
________________________________________
] يشترطُ لصحَّةِ التَّيمُّمِ في حقِّ جوازِ الصَّلاةِ أن ينويَ قربةً مقصودة(1)، سواءٌ كانت(2) لا تصحُّ بدونِ الطَّهارةِ كالصَّلاة، أو تصحُّ كالإسلام.
وعندهما: قربةٌ مقصودةٌ لا تصحُّ إلا بالطَّهارة، فإن تيمَّمَ[(3)] لصلاةِ الجنازة[(4)
__________
(1) اعلم أن العبادات على نوعين مقصودة وغير مقصودة، والمراد بالمقصود في هذا البحث هي أن تكون مشروعة ابتداءاً تقرباً إلى الله من غير أن يكون تبعاً لغيرها وبعبارة أخرى هي ما لا يجب في ضمن شيء آخر بالتبعية، وغير المقصودة بخلافه، فمنالأول الإسلام، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، والصلوات الخمس، وصلاة الجنازة، وغيرها، ومن الثاني: دخول المسجد، ومس المصحف، ورد السلام، وقراءة الأذكار ونحوها، ثم المقصودة منها ما لا يصح أو يحلّ بدون الطهارة كالصلوات وسجدة التلاوة، ومنها ما يصح بدونها كالاسلام. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 99).
(2) سقطت من أ و س و ص وم، وفي ف: كان.
(3) قوله: تيمّم… الخ؛ أي عند العجز عن استعمال الماء، وأمّا عند القدرة فلا يجوزُ التيمّم لسجدة التلاوة مطلقاً؛ لأنّها ممّا تشترطُ لها الطهارة، وما في ((جامع الرموز)) من جواز التيمّم لها مع القدرة على الماءِ فلا عبرةَ به.
(4) قوله: لصلاة الجنازة؛ هذا محمولٌ على ما إذا لم يكن واجداً للماء، أمّا إذا تيمَّم لها مع وجوده لخوفِ الفوت فإنّ تيمّمه يبطل لفراغه منها. كذا في ((البحر)).
قوله: على النقع؛ أي على نفسِ الغبار، بشرط أن يكون طاهراً، فلا يجوزُ التيمَّم بغبارِ ثوبٍ نجسٍ إلا إذا وقعَ الغبارُ عليه بعد ما جفّ. كذا في )) التاتارخانيّة)).

قوله اي ازال منها الكناسة وهو بضم ما يخرج من البيت لتصفيته بالمكنسة اي لا يكفي مجرد وصول الغبار بل لا بد من وجود فعل المسح منه مع النية فيه قصور لا يخفى والاولى ان يقول بنية التطهير او بنية العبادة.
(2/26)
________________________________________
]، أو لسجدةِ التَّلاوةِ يجوزُ بهذا التَّيمُّمِ أداءُ المكتوبات، وإن تيمَّمَ لمسِّ المصحفِ أو دخولِ المسجدِ لا تصحُّ به الصَّلاة؛ لأنَّهُ لم ينوِ(1) به قربةً مقصودة[(2)]، لكن يحلُّ لهُ مسُّ المصحف، ودخولُ المسجد[(3)].
__________
(1) في م: ينوي.
(2) قوله: لأنّه لم ينوِ قربةً مقصودة؛ فإنّ مسَّ المصحفِ لم يشرعْ عبادةً إلا للقراءة، ودخول المسجد لم يكن عبادة إلا لما يؤدّى فيه، وكذا لو تيمّم لقراءةِ القرآنِ عن ظهر القلب أو المصحف أو لزيارةِ القبور أو لدفن الميت، أو لردّ السلام، أو تعليمِ الغيرِ لا يجوزُ له أداء الصلاة بهذا التيمّم لأنها عبادات غير مقصودة. كذا في ((فتاوى قاضي خان)).
(3) قوله: لكن يحلّ له مسّ المصحف ودخول المسجد، هذا عند فقد الماء أوالعجز عن استعماله، وأمّا عند القدرة عليه فلا يحلّ له مسّ المصحف؛ لأنّه ممّا يشترط له ا لطهارة، ويحلّ دخول المسجد بناءً على أنّ ما لا تشترطُ له الطهارةُ يكفي له التيمّم مع القدرةِ على الماء، كما فصلّه في ((شرعة الإسلام))، وشرحه(( مفتاح الجنان))، و((البزازية)) وغيرها.
(2/27)
________________________________________
(وجازَ وضوؤهُ[(1)] بلا نيَّة) حتى إن توضَّأَ بلا نيَّةٍ فأسلمَ جازَ صلاتُهُ بهذا الوضوء خلافاً للشَّافعيِّ - رضي الله عنه -، وهذا[(2)](3) بناءً على مسألة النيَّةِ في الوضوء(4)، وإن توضَّأ[(5)] بالنِيَّةِ فأسلم، فالخلافُ ثابتٌ أيضاً(6)؛ لأنَّ نيَّةَ الكافرِ لغوٌ؛ لعدمِ الأهليَّة، وإنَّما قال[(7)
__________
(1) قوله: وجاز وضوؤه؛ أي الكافر بلا نيّة، فإذا توضَّأ حالَ كفره بلا نيّة ثم أسلم جاز أداءُ الصلاة به؛ لأنّ الماء طهورٌ بنفسه لا يحتاجُ تطهيره إلى النيّة، كما أنَّ الكافر إذا غسلَ الثوبَ النجس حال كفره ثمّ أسلم تجوزُ صلاته في ذلك الثوب.
(2) قوله: وهذا الخلاف بيننا وبين الشافعيّ مبنيّ على مسألة اشتراط النيّة في الوضوء، فعنده لما كانت النية شرطاً في صحة الوضوء مطلقاً، يكون الوضوء بلا نيّة لغواً، سواءً كان من المسلمِ أو الكافر، وعندنا لمّا لم تكن شرطاً لكونِ الوضوء مفتاح الصلاة، فيكون الوضوءُ بلا نيّة معتبرة أو إن صدرَ من الكافرِ حال كفره فيجوز أداء الصلاة به كغسلِ الثياب النجسة.
(3) في م: هذا.
(4) وهي أن الشافعي - رضي الله عنه - يشترط النية في الوضوء بخلافنا، ينظر: ((المنهاج))(1: 47).
(5) قوله: وإن توضّأ أي الكافر فيه إشارة إلى أن قول الماتن بلا نيّة ليس احترازياً، فإنّه لو توضّأ الكافرُ بنيّة أداءِ المكتوبة أو غيرها من العباداتِ التي يشترطُ لصحَّتها الإسلام يكون وضوؤه أيضاً لغواً عند الشافعيّ؛ لأنّ نيَّة الكافرِ لمثل هذه القرباتِ لغو؛ لعدم أهليّته لأدائها؛ لفقد شرطها وهو الإسلام، فبقىوضوءه بلا نيَّة، فلا يصحّ عند الشافعيّ ويصحّ عندنا.
(6) بيننا وبين الشافعي - رضي الله عنه - .
(7) قوله: وإنّما قال… الخ؛ دفع لما يقال لمّا كان حكم وضوء الكافر مع النيّة وبدونها واحداً، وهو الصحة عندنا، وعدم الصحّة عند الشافعيّ، فقوله: بلا نيّة؛ مستدرك يجب حذفه، وحاصله أنّه إنّما ذكره إفادةً للحكم على سبيل المبالغة، وإعلاماً لحكم الوضوء بالنيّةِ بطريق الأولويّة، فإنّه لمّا صحّ وضوؤه بلا نيّة يكون الوضوءُ مع النيّة صحيحاً بالطريق الأولى، فإن قلت: لمّا كانت نيّته لغواً لعدم الأهليّة كان وضوؤه بالنيّة وعدمها سواء، فلا يصح قوله بالطريق الأولى؛ لأنّه إنّما يستقيم إذا كان لنيّته اعتبار في الجملة، قلت: نيّة الكفار وإن كانت لغواً بالنظر إلى ذات المتوضئ لكن لا شكّ في أنّه إذا لوحظ إلى ذات الوضوء يحكم بأنّه مع النيّة أولى وأحرى بالصحّة منه بلا نيّة، وحكم الشارح بطريق الأولويّة بهذا الاعتبار لا بالاعتبارِ الأوّل، فاحفظ هذا، ولا تصغ إلى ما تفوّه به الناظرون كما بيّناه في ((السعاية)).
(2/28)
________________________________________
]: بلا نيَّة، مبالغةً فيصحُّ وضوءُ الكافرِ مع النِّيَّةِ بالطَّريقِ الأولى.
(ويصحُّ في الوقت) اتِّفاقاً[(1)]، (وقبلَه) خلافاً للشَّافعيِّ(2) - رضي الله عنه -، فلا يجوزُ به الصَّلاةِ في أوَّلِ(3) الوقتِ عنده، هذا بناءً على ما عُرِفَ في أصولِ الفقه(4): أنَّ التُّرابَ خَلَفٌ ضروريٌّ للماءِ عنده(5)، وعندنا: خَلَفٌ مطلق[(6)
__________
(1) قوله: اتّفاقاً؛ وهي بيننا وبين الشافعيّ، بل بين سائر العلماء، فإن قلت: لما كان هذا اتَّفاقيّاً فلا حاجةَ إلى ذكره، فلو قال: ويصحّ قبل الوقت لكان أفيد وأوجز، قلت: نعم، ولهذا لم يذكره الشارحُ في ((مختصره))، لكن المصنِّفَ نظرَ إلى أنّ ذكرَ المسألة الاتِّفاقيّة والاختلافيّة كليهما أفيد وأحسن من ذكر أحدهما، فلذا ذكرهما مرتّباً؛ الاتفاقيّ أوّلاً والاختلافيّ ثانياً.
(2) ينظر: ((المنهاج))(1: 105).
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ف و م.
(4) ينظر: ((أصول السرخسي))(2: 297)، و((التوضيح))(1: 155)، و((التلويح))(1: 155)، ((حاشية الطرطوسي))(ص224).
(5) ولهذا لم يعتبر التيمم قبل دخول الوقت في حق أداء الفريضة، ولم يجوز أداء الفريضتين بتيمم واحد؛ لأنه خلف ضروري فيشترط فيه تحقق الضرورةِ بالحاجة إلى إسقاط الفرض عن ذمته، وباعتبار كل فريضة تتجدد ضرورة أخرى، ولم يجوز التيمم للمريض الذي لا يخاف الهلاك على نفسه؛ لأن تحقُّقَ الضرورة عند خوف الهلاك على نفسه. كما في ((أصول السرخسي))(2: 297).
(6) قوله: وعندنا: خلف مطلق؛ توضيحه أنّ صفةَ الخلفيّة عندنا مطلقة أي كاملة، وعنده ضروريّة، والخلفُ الضروريّ عبارةٌ عمَّا تثبتت خلفيّته للضرورة لا مطلقاً، وهي ضرورةُ الحاجةِ إلى إسقاطِ الفرض عن الذمّة مع قيامِ الحدث كما في طهارةِ المستحاضة، فعنده التيمَّمُ خلفٌ عن الوضوء، وإن شئت قلت: الترابُ خلف بالماء، بمعنى أنّه يحكمُ بالطهارة به لأداءِ الفرض، وليس برافعٍ للحدث حقيقة، فلهذا لم يجوز تقديمُهُ قبل الوقت؛ لعدمِ وجودِ الحاجة المحوجة إليه، وعندنا هو خلفٌ مطلقٌ بمعنى أنه يرتفعُ به الحدث إلى غايةِ وجود الماء فهو أيضاً طهورٌ وارفعٌ للحدثِ كأصله، فكما أنّ الوضوءَ جائزٌ قبل الوقت يكون التيمّم أيضاً جائزٌ قبل الوقت، وإن شئت الاطِّلاعَ على أدلَّة القولين فارجع إلى ((التوضيح والتلويح)) وحواشيه، وقد ذكرنا قدراً معتدَّاً منه في ((السعاية)).
(2/29)
________________________________________
](1)، ففي إنائيْن طاهرٌ ونجس، يجوزُ التَّيمُّمُ عندنا خلافاً له[(2)]، وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: ((التُّرَابُ[(3)] طَهُورُ المُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَج))(4)
__________
(1) أي أنه يرتفع به الحدث إلى غاية وجود الماء، فهو طهور وأرفع للحدث كأصله فلما كان الوضوء جائز قبل الوقت يكون التيمم أيضاً جائز قبل الوقت. كذا في ((التلويح))(1: 155).
(2) قوله: خلافاً له؛ فإنّه يقول: لا يجوزُ التيمّم، بل يجب عليه التحرّي إذ معه ماء طاهر بيقين، يقدرُ على استعماله بدليلٍ معتبرٍ في الشرعِ وهو التحرّي، فلا ضرورة حينئذ، فلا يباحُ التيمم، وعندنا لا يجوزُ التحرّي؛ لأنّ الترابَ طهورٌ مطلقٌ عند العجز عن الماء، وقد تحقّق بالتعارضِ الموجبِ للتساقط. كذا في ((التلويح))، وفيه أيضاً: لا يخفى أنّ عدمَ صحَّة التيمّم قبل التحرّي عند الشافعيّ مبني على أنّه لا صحّة للتيمّم بدون العجز عن الماء، سواءً كان خلفاً ضرورياً أو مطلقاً، ولا عجز مع إمكانِ التحرّي، ولذا جوَّز التيمّم فيما إذا تحيّر، فتفريعُ هذه المسألة على كون التيمّم خلفاً ضرورياً بمعنى أنّه إنّما يكون بمقدار ما تندفعُ به الضرورة ليس كما ينبغي، وإن أراد بكونِه ضرورياً أن لا يكون إلا عند ضرورة العجز عن استعمال الماء، فهذا ممّا لا يتصوّر النِزاع فيه.
(3) قوله: التراب… الخ، ذكر هذا الحديث بهذا اللفظ صاحب ((الهداية))، ولم يذكر مخرِّجوا أحاديثها من أخرجه بهذا اللفظ، نعم روى أبو داود والترمذيّ وأحمد بلفظ أنّ الصعيد الطيب طهور ما لم يجد الماء، ولو عشر حجج، والبزّارُ بلفظ: ((الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين))، فهذه الروايات وأمثالها صريحةٌ في أنّ التيمّم ليس بخلفٍ ضروري، بل هو رافعٌ للحدث، وأنّ الترابَ طهور، بالفتح؛ أي مطهّر، وفي المقام أبحاث سؤالاً وجواباً ذكرناها في ((السعاية)).
(4) صححه ابن القطان، وهو من حديث أبي ذر ((إن الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو عشر حجج ، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء)) في ((صحيح ابن حبان))(4: 139)، و((مصنف ابن أبي شيبة))(1: 144)، و((مسند أحمد))(5: 146)، و((سنن الدارقطني))(1: 187)، و((سنن البيهقي الكبرى))(1: 187)، وينظر: ((نصب الراية))(1: 148)، و((الدراية))(1: 67)، و((خلاصة البدر))(1: 70).
(2/30)
________________________________________
يؤيِّدُ ما قلنا.
(وبعد طلبهِ من رفيقٍ[(1)] له ماءٌ مَنَعَه) حتى إذا صلَّى بعد المنع، ثمَّ أعطاهُ ينتقضُ(2) به(3) التَّيمُّمُ(4) الآن، فلا يعيدُ ما قد صلَّى، (وقبل طلبهِ جازَ خلافاً لهما)، هكذا ذكرَ في ((الهداية))(5).
__________
(1) قوله: من رفيق؛ ذكره جارٍ مجرى العادة؛ فإنّ كلّ مَن حضر وقت الصلاة وعنده ماء، فإنّ حكمه كذلك رفيقاً كان أو غيره، والحاصل أنَّ فاقدَ الماء إذا وجدَ عند رجل ماءً طلبه منه؛ لعدم المنع غالباً، فإن طلبه منه ومنعه يتيمّم، وبعد ذلك لو أعطاه فإن أعطاه قبل الصلاةِ لا يجوز صلاته بذلك التيمّم؛ لانتقاضه بالقدرة على الماء، وإن أعطاه بعد الصلاة تمّت صلاته وبطل تيمّمه في هذا الوقت؛ لوجود القدرة حينئذٍ.
المقصود من جواز وضوئه بلا نية جواز الصلاة به بعد الاسلام كما كان المقصود من عدم جواز التيمم عدم جواز الصلاة به اراه الى ان يقول فلا يجوز تيمم في حق اداء الصلاة الا في الوقت اي هذا الخلاف بيننا وبينه مبنى على اصل مختلف فيه اختار الاولى وبه يعلم حكم الاكثر كما لو كان اثنان طاهرين واثنان نجسين وفيه اشارة الى ان الخلاف بيننا وبينه في هذه المسألة انما هو اذا فرض تساوي الجانبين والا فان كان النجس اقل يجب التحري عندنا ايضا صرح به ابن مالك في شرح مجمع البحرين.
(2) في م: ينقض.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(4) في أ و ب و س و ص و ف: تيممه.
(5) الهداية))(1: 28).
(2/31)
________________________________________
وذكرَ (1) في ((المبسوط))(2): أنَّه إذا لم يطلبْ منه وصلَّى
__________
(1) سيذكر الشارح نصوصاً من ((المبسوط))، و((الزيادات)) تثبت أن مسألة الصلاة قبل طلب الماء لا تجوز اتفاقاً، وليس فيها خلاف بين الأئمة الثلاث، وإنما خالف فيها الحسن بن زياد - رضي الله عنه - . وهذا ما ذهب إليه صاحب ((البحر))(1: 170)، وتبعه صاحب ((التنوير))(1: 167)، و((الدر المختار))(1:167)، وقال: عليه الفتوى. ولكن الحلبي في ((غنية المستملي))(ص69) وفق بينهما، بأن الحسن رواه عن أبي حنيفة في غير ظاهر الرواية وأخذ هو به، فاعتمد في ((المبسوط)) ظاهر الرواية، واعتمد في ((الهداية)) رواية الحسن؛ لكونها أنسب بمذهب أبي حنيفة من عدم اعتبار القدرة بالغير، وفي اعتبار العجز للحال. انتهى. واختار الحلبي فيها: التفصيل تبعاً لأبي نصر الصفار والجصاص، وأيَّده في ذلك ابن عابدين في ((رد المحتار))(1: 167)، والتفصيل هو: أنه قوله فيما إذا غلب على ظنِّه منعه إياه، وقولهما عند غلبة الظن بعدم المنع، أو كما قال الصفار: إنما يجب السؤال في غير موضع عزة الماء، فإنه حينئذٍ يتحقق ما قالاه من أنه مبذول عادة.
(2) المبسوط)) لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبي بكر، شمس الأئمة، والسَّرَخْسِيُّ نسبة إلى سَرَخْس: بفتح السين، وفتح الراء، وسكون الخاء، بلدة قديمة من بلاد خُراسان، وهو اسم رجل سكن هذا الموضع وعَمَّرَه، وأتمَّ بناءَهُ ذو القرنين، قال الكفوي: كان إماً علامة حجَّة متكلماً مناظراً أصولياً مجتهداً، عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، وقد أملى ((المبسوط)) من غير مراجعة شيء من الكتب، وهو في الجبّ محبوس بسبب كلمة نصح بها الأمراء، وكان تلامذته يجتمعون على أعلا الجبّ يكتبون، ومن مؤلَّفاته: ((شرح السير الكبير))، و((أصول السرخسي))، و((شرح مختصر الطحاوي))، (ت نحو500هـ). ينظر: ((الجواهر المضية))(3: 78)، ((الفوائد))(ص261)، ((الكشف))(1: 112).
(2/32)
________________________________________
لم يجز؛ لأنَّ الماءَ مبذولٌ عادةً(1).
وفي موضعٍ آخرَ من ((المبسوط)): إنَّه(2) إن كان مع رفيقِهِ ماءٌ فعليه أن يسألَهُ إلاَّ على قولِ حسنِ بن زياد - رضي الله عنه -: فإنَّهُ يقولُ السُّؤالُ ذلٌّ[(3)] وفيه بعضُ الحرج، ولم يشرعْ التَّيمُّمُ إلاَّ لدفعِ الحرج.
__________
(1) انتهى من ((المبسوط))(1: 108).
(2) سقطت من ج و ق و م.
(3) قوله: السؤال ذلّ؛ حاصلُ دليلِ الحسنِ القائل بعدم وجوب طلبِ الماء من رفيقه، وجوازُ التيمَّم بدونِ الطلب أنّ السؤال من الغيرِ لا يخلو عن عيبٍ وذلّة، لا سيما عند أربابِ الوجاهة والمرؤة، وفيه؛ أي في السؤال أو فى الذلّ اللازم منه بعض الحرج، فلو وجبَ للزم وجوبُ بعض أقسامِ الحرج، مع أنَّ التيمَّم لم يشرع إلا لدفعِ الحرج، كما يفيده قوله تعالى بعد ذكرِ التيمَّم: {ما يريدُ الله ليجعلَ عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهّركم}.
(2/33)
________________________________________
ولكنَّا نقول[(1)]: ماءَ الطَّهارةِ مبذولٌ عادة، وليس في سؤالِ ما يُحتاجُ إليهِ مذلَّة، فقد سألَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعضَ حوائجهِ(2) من غيرِه[(3)
__________
(1) قوله: لكنّا نقول؛ هذا جوابٌ من قبل القائلين بوجوبِ الطلبِ عن دليل الحسن، وحاصله أنّ ماءَ الطهارة مبذولٌ في ما بين الناس عادة، فإنّهم لا يستنكفون عن أخذه وإعطائه، وما يكون كذلك لا يكون في سؤاله ذلّ، وإنّما هو في سؤال ما لا يكون كذلك، وأيضاً كون مطلقِ السؤالِ باعثاً للذلّةِ والحرج ممنوع، فقد ثبت أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سألَ الحوائجَ الضروريَّة من غيره، وأيّ جاهٍ أعظمُ من الجاهِ النبويّ، وإنّما الحرجُ والذلِ في إكثارِ السؤال، وفي سؤال ما لا يحتاج إليه، وقد وضحَ لك من هذا البيان أنّ كلامه مشتملٌ على جوابين: أشارَ إلى أحدهما بقوله: ماء الطهارة مبذول عادة، وإلى ثانيهما بقوله: وليس… الخ.
(2) كحديث ابن مسعود: ((أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس)) في ((صحيح البخاري))(1: 70)، و((جامع الترمذي))(1: 25)، وغيرهما.
(3) قوله: من غيره؛ هاهنا تمَّت عبارةُ المبسوط، فدليلُ الحسنِ والجواب عنه كلاهما داخلان فيها، لا كما ظنّ صاحب ((هداية الفقه)) أنّهما من إضافاتِ الشارح، والغرضُ من نقل عبارتي ((المبسوطِ)) أنّهما تدلاّن على خلافِ ما أفاده صاحب ((الهداية)) و((الوقاية))، فإنّهما قائلان بكون المسألةِ اختلافيّة بين الإمامِ وصاحبيه، وأنّ الطلبَ واجبٌ عندهما، فلا يجوزُ التيمّم قبله لا عنده، فيجوزُ قبله، وعبارتا ((المبسوط)) تدلاَّن على أنّ المسألة اتَّفاقيَّة بينهم، وأنّ وجوبَ الطلب لم يخالف فيه إلا الحسن بن زياد، وذكر الحلبيّ في ((الغنية)) في التوفيق بأنّ الحسنَ روى عدم وجوبِ الطلب، وأخذَ به، فاعتبرَ في ((المبسوط)) ظاهر الرواية ولم يذكر الخلاف، واعتبر صاحب ((الهداية)) وغيره رواية الحسن؛ لكونها أنسب بمذهبِ أبي حنيفةَ في عدمِ اعتبارِ القدرة بالغير، وفي اعتبارِ العجزِ للحال، فلذلك جعلوا المسألة اختلافيّة.
(2/34)
________________________________________
](1).(2)
وفي ((الزِّيادات))[(3)]: إن المتيمِّمَ المسافرَ إذا رأى مع رجلٍ[(4)] ماءً كثيراً[(5)]، وهو في الصَّلاةِ وغلبَ على ظنِّهِ أنهُ لا يعطيه، أو شكّ[(6)]، مضى على صلاتِه؛ لأنه صحَّ شروعُهُ[(7)
__________
(1) انتهى من ((المبسوط))(1: 115).
(2) رد الصفار على هذا التدليل، فقال: لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم فلا يقاس غيره عليه؛ لأنه إذا سأل افترض على المسؤول البذل ولا كذلك غيره. كما في ((غنية المستملي))(ص 69).
(3) قوله: وفي ((الزيادات))… الخ؛ المقصود من نقلِ عبارته إفادةُ أنَّ وجوبَ الطلبِ قبل الصلاةِ اتِّفاقيّ بينهم، موافقاً لما في ((المبسوط))، وإنَّ التفصيلَ بين غلبة ظنّ الإعطاءِ وغلبةِ ظنّ عدمه إنّما هو إذا رأى الماء داخل الصلاة.
(4) قوله: مع رجل؛ ذكرُ الرجلِ اتِّفاقيّ؛ فإنّ الحكمَ كذلك إذا وجدَ الماءَ مع المرأة، وفي إطلاقِهِ وعدم تقييدِهِ بالرفاقة إشارةٌ إلى أنّ قيدَ الرفيقِ في كلام مَن قيَّد به جارٍ على مجرى العادة، وإلى أنّ صاحبِ الماء وإن كان كافراً يطلب منه.
(5) قوله: ماء كثير؛ المرادُ به ما يكفى لطهارته، واحترزَ به عن القليلِ الغيرِ الكافي، فإنّ وجوده وعدمه سواسيان.
(6) قوله: أو شكّ؛ الشكّ عبارةٌ عن تساوي الطرفين، والظنّ هو الطرفُ الراجح، وهو ترجيحُ جهةِ الصواب، والوهمُ هو المرجوح، وأمّا أكبرُ الرأي وغالب الظنّ فهو الطرف الراجح إذا أخذَ به القلب، وطرحَ الطرفَ الآخر، ومرادُ الفقهاءِ بالشكّ في أبحاثِ الماءِ والحدثِ والنجاسةِ والصلاة والعتقِ والطلاق هو التردّد، سواءً كان الطرفان متساويين أو أحدهما راجحاً، والذي يبتنى عليه الظن، ويكون ملحقاً باليقين هو غالبُ الظن. كذا حقَّقه في ((الأشباهِ والنظائر)) وحواشيه.
(7) قوله: لأنّه صحّ شروعه؛ يعني صحّ شروعه في الصلاةِ بالتيمَّم؛ لعجزِهِ عن الماء، ولم توجد القدرةُ عليه إلى الآن، لا على سبيلِ اليقين، ولا على سبيلِ الظنّ، بل وجدت على سبيلِ الوهمِ في صورةِ غلبةِ الظنّ على عدمِ الإعطاء، وفي صورةِ الشكّ تردّد في تحقّقها.
(2/35)
________________________________________
] فلا يقطعُ بالشَّكِّ بخلافِ[(1)] ما إذا كانَ خارج الصَّلاة، ولم يطلبْ منه، وتيمَّمَ حيثُ لا يحلُ لهُ الشُّروعُ بالشَّك، فإنَّ القدرةَ والعجزَ مشكوكٌ فيهما، وإن غَلَبَ على ظنِّهِ أنه يعطيه قطعَ[(2)] الصَّلاةَ وطلبَ الماء(3).
__________
(1) قوله: بخلاف ما… الخ؛ يعني إذا رأى الماءَ خارجَ الصلاة ولم يطلب وتيمّم لا يجوز له ذلك، فإنّه لا يحلّ الشروع إلى الصلاةِ بالتيمّم مع الشكّ في القدرةِ على الماء، بل إذا تحقَّق العجز ولم يتحقَّق؛ لأنّه لم يسأل، حتى يظهرَ كونه قادراً أو عاجزاً.
قوله: مبذول… الخ؛ نعم لو كان موضعٌيبخل فيه بماء الطهارة لا يجبُ الطلب هناك اتّفاقاً. كذا في ((المجتبى شرح مختصر القدوري)).
(2) قوله: قطع؛ أي يجبُ عليه أن يقطعَ الصلاة لتحقَّق القدرةِ على الماء، بغلبة الرأي الملحق باليقين، فيبطل تيمّمه.
(3) انتهى من ((شرح الزيادات)) لقاضي خان(ق3/أ)، بتصرف.
(2/36)
________________________________________
ثمَّ قال[في ((الزيادات))](1): فإذا فرغَ من صلاتِهِ[(2)] فسأله فأعطاه[(3)]، أو أعطى بثمنِ المثل[(4)]، وهو قادرٌ عليه استأنفَ[(5)] الصَّلاة، فإذا(6) أبى تمَّتْ الصَّلاة، وكذا[(7)] إذا أبى، ثمَّ أعطى، لكن ينتقضُ(8) تيمُّمُه(9) الآن(10).
أقول: إن أردتَ أن تستوعبَ الأقسامَ كلَّها:
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و س.
(2) قوله: فإذا فرغَ من صلاته؛ أي في صورةِ ما إذا رأى الماء في الصلاة، وغلب على ظنّه عدمَ الإعطاءِ أو شكَ فيه فأتمَّ الصلاة ثمَّ سأله.
(3) قوله: فأعطاه؛ أي صاحب الماء، والمرادُ به إعطاؤه بلا قيمة بطريقِ الهبة أو الصدقة أو الإباحة بقرينة مقابلته بإلاعطاء العوض.
(4) قوله: بثمن المثل؛ أي ببيعه بمقابلةِ ثمن المثل، وهو عبارةٌ عمَّا يباعُ به مثل ذلك، وكذا الحكمُ فيما إذا أعطاهُ بغبنٍ يسير، فإنّ الغبنَ القليل لا عبرةَ به، بخلافِ ما إذا أعطاه بغبنٍ فاحش؛ فإنّه لا يجبُ عليه حينئذٍ شراؤه، وإن كان قادراً عليه؛ لكونه مفضياً إلى الحرج، وهو مدفوعٌ في الشرع، واختلفَ في تقديره، فقيل: الغبنُ الفاحش ضعفُ القيمة، وقيل في الوضوءِ يحتملُ من الغبنِ نصف درهم، وقيل: الفاحشُ ما لا يدخل تحت تقويمِ المقوِّمين. كذا في ((البحر)).
(5) قوله: استأنف؛ أي يجب عليه أن يشتريَ الماءَ ويعيد صلاته السابقة؛ لأنّه ظهرَ في هذا الوقت أنّه كان قادراً عليه بقبولِ الهبةِ أو بالشراء، وإن ظنَّه كان خطأ، ومن المعلوم أنّه لا عبرةَ بالظنّ إذا تبيّن خطؤه.
(6) في أ و ف: وإذا، وفي ص و م: وإن.
(7) قوله: وكذا؛ أي تتمّ صلاته السابقة أيضاً فيما إذ أنكر من الإعطاء، ثمّ أعطى بهبة أو بثمنِ المثل؛ لظهور العجز.
(8) في ص و م: ينقض.
(9) في ب و س: التيمم.
(10) انتهى من (( شرح الزيادات)) لقاضي خان (ق3/أ)، بتصرف.
(2/37)
________________________________________
فاعلمْ أنه إذا رأى الماء(1)خارجَ الصَّلاةِ وصلَّى ولم يسألْ بعد الصَّلاة؛ ليَظْهَرَ العجزُ أو(2) القدرة، فعلى ما ذكرَ في ((المبسوط)) [لم يجز](3) سواءٌ غلبَ على ظنِّهِ الإعطاء، أو عدمُه، أو شكَّ فيهما[(4)]، وهي مسألةُ المتن[(5)
__________
(1) سقطت من ص و ف و م.
(2) في م: و.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(4) قوله: أو شكّ فيهما؛ أي في الإعطاءِ وعدمه، وذلك لأنّ الماءَ مبذولٌ عادة، ولا حرج في سؤالِ الحوائج، فيجب عليه أن يسأله ليظهر العجز أو القدرة، فيصلّي بالتيمّم إن أبى أو بالوضوء إن وجدَ الماء، وهذا ظاهرٌ في صورةِ الشك، وعلى تقديرِ غلبةِ ظنّ الإعطاءِ الأمر أظهر، وأمّا على تقدير غلبةِ ظنّ عدم الإعطاء ففي وجوب السؤالِ وعدم جوازِ التيمّم بدونِ السؤال تأمّل؛ لأّ العجزَحينئذٍ مظنون، والظنّ معتبرٌ في الأحكام، فينبغي أن يحلّ التيمّم بدون السؤال، وهو الذي ذكره في ((الذخيرة)) عن الجصَّاص أنّه مذهبُ أبي حنيفة، إلا أن يقال: قد عارضته غلبةُ بذلِ الماء عادة، فيقعُ التردّد ولا يظهر العجز، بل يكون ظنّ عدمِ الإعطاءِ في حكم ما تبيّن خطؤه.
(5) قوله: وهي مسألةُ المتن؛ يعني هذه الصورةُ هي المذكورةُ في المتن، فإن قلت: هذا يحكم بأنّ كلامَ الماتن و((المبسوط))، موافق، وكلامه سابقاً يحكمُ بالمخالفة، قلت: هما موافقان في صورة المسألة، فإنّ وضعَ كلّ منهما فيما إذا رأى الماء خارجَ الصلاة، ومخالفان في أنّ المذكورَ في المتن أنّ المسألةَ اختلافيّة في ما بين أبي حنيفةَ وصاحبيه، والمذكور في ((المبسوط)) أنّها اتّفاقية بينهم، فالمرادُ من قوله: وهي مسألة المتن أنَّ موضوعَ المسألةِ المذكورة فيه هو موضوعُ المذكورةِ في ((المبسوط))، وإن كان فيهما تخالفٌ بوجه آخر.
أي سأل المتيمم من صاحب الماء راجيا منه ان يعطيه.
اي حكم بتمام صلاته السابقة وعدم لزوم الاعادة لظهور العجز

فلا يجوز له ان يصلي بذلك التيمم الصلاة لوجود القدرة على الماء
قوله فعلى اي فالحكم على ما في المبسوط وهو انه لا تجوز صلاته الا على قوله الحسن
اي لا يجوز صلاته لعدم ظهور العجز
بهبة او بيع بثمن مثل وهو قادر عليه.
(2/38)
________________________________________
](1).
وإذا رأى في الصَّلاةِ ولم يسألْ [بعدها، فكذا(2).
وإن رأى خارجَ الصَّلاةِ ولم يسألْ](3) وصلَّى، ثمَّ سألهُ فإن أُعطيَ بطلتْ صلاتُهُ[(4)] وإن أبى تمَّتْ صلاتُهُ (5) سواءٌ ظنَّ الإعطاءَ أو المنع، أو شكَّ فيهما.
وإن رأى في الصَّلاةِ فكما ذكرَ في ((الزِّيادات))[(6)](7).
لكن يبقى صورتان[(8)]: أحدهما(9): أنه قطعَ الصَّلاةَ[(10)] فيما إذا ظنَّ المنع، أو شكّ، فسأله فإن أعطيَ بطلَ تيمُّمُه، وإن أبى فهو باقٍ.
__________
(1) أي مسألة ((الوقاية)) السابق ذكرها.
(2) في م: فكذلك. أي لم يجز.
(3) سقطت من ص.
(4) قوله: صلاته؛ أي التي صلاها بالتيمّم؛ لظهور أنّه كان قادراً على الماء، والتقصيرُ جاء من قبله حيث لم يسأله.
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(6) قوله: فكما ذكر في ((الزيادات))؛ أي الحكمُ على التفصيلِ المذكور، وهو أنّه إن غلبَ على ظنِّه الإعطاءُ قطعَ الصلاة، وإلا لا.
(7) ص )، وهي: المتيمِّمَ المسافرَ إذا رأى مع رجلٍ....
(8) قوله: لكن يبقى صورتان؛ يعني لا ذكرَ لهما في العباراتِ السابقة صريحاً، وإن كان قوله في ((الزيادات)): وإن أبى تمّت صلاته، يدلّ على حكمهما بإطلاقه وإشارته.
(9) في م: أحديهما.
(10) قوله: إنّه قطعَ الصلاة؛ أي بجهله، وإن كان لا ينبغي له أن يفعل ذلك.
(2/39)
________________________________________
والأخرى: أنه أتمَّ الصَّلاةَ[(1)] فيما إذا ظنَّ أنه يعطى، ثمَّ سألَهُ فإن أعطى بطلتْ صلاتُه، وإن أبى تمَّت؛ لأنه ظهرَ أنَّ ظنَّهُ كان(2) خطأ بخلافِ[(3)] مسألةِ التَّحري؛ لأن القبلةَ حينئذٍ في جهةِ التَّحري أصالة، وهاهنا الحكمُ دائرٌ على حقيقةِ القدرةِ والعجز، فأقيمَ غلبةُ الظَّنِ مقامَهُما تيسيراً، فإذا ظهرَ خلافُهُ لم يبقَ قائماً مقامَهُما(4)
__________
(1) قوله: إنّه إذا أتمّ الصلاة؛ أي بجهله أو بأمرٍ آخر، وإن كان الواجبُ عليه في هذه الصورة القطع والسؤال، وما عرض للفاضل عصام أنّ القطعَ في هذه الصورةِ ليس بواجبٍ بل مندوب، فليس بصحيح، كما بينّاه في ((السعاية)).
(2) سقطت من م.
(3) قوله: بخلاف… الخ؛ جوابُ سؤال مقدَّر، تقريرُ السؤالِ أنّه لو اشتبهت على المصلّ] جهةُ القبلةِ فتحرّى إلى جهةٍ وصلّى إليها ظانّاً أنّها جهةُ القبلة، ثمَّ ظهرَ بعد الفراغِ أنّ الكعبةَ إلى جهةٍ أخرى، فالحكمُ فيه على ما سيأتي في موضعه أنّ صلاته تامّة، ولا تجب عليه الإعادةُ مع ظهورِ كون ظنَّه خطأ، فما الفارقُ بين ما نحنُ فيه، حيث لم يعتبرْ الظنّ بعد ظهورِ الخطأ، وبين تلك المسألة، وحاصلُ الجواب أنَّ القبلةَ في حقّ من اشتبهت عليه هي جهةُ التحرّي، فالواجبُ هناك حقيقةً هو الاستقبالُ إلى جهةِ تحرّيه وقد فعل فلا يضرّ ظهورُ خطأ ظنّه بعد الفراغ، ووفيما نحنُ فيه الحكمُ دائرٌ على حقيقةِ القدرة والعجز عن الماء، وأقيمت غلبةُ الظنّ مقامهما للتيسير، فإذا بانَ خلافَه لم يبقَ غلبةُ الظنِّ قائماً مقامهما، فلذلك لم تعتبرْ إذا ظهرَ خلاف ما ظنّه.
(4) حاصل جوابه: أن القبلة في حق من اشتبهت عليه هي جهة التحري، فالواجب هناك حقيقة هو الاستقبال إلى جهة تحريه، وقد فعل، فلا يضر ظهور خطأ ظنِّه بعد الفراغ، وفيما نحن فيه الحكم دائر على حقيقة القدرة والعجز عن الماء وأقيمت غلبة الظن مقامهما للتيسير فإذا بان خلافه لم يبق غلبة الظن قائماً مقامهما فلذلك لم تعتبر إذا ظهر خلاف ظنِّه. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 103).
(2/40)
________________________________________
.
(ويصلي بهِ ما شاءَ من فرضٍ ونفل)(1) خلافاً للشَّافعيِّ[(2)] (3)- رضي الله عنه -.
__________
(1) ينظر: ((الحجة على أهل المدينة))(1: 48-49) لمحمد بن الحسن - رضي الله عنه -.
(2) قوله: خلافاً للشافعيّ؛ فإنّ عنده يجب عليه أن يتيمّم لكلّ فرض، ولا يصلّي بتيمّم واحد فرضين، نعم يصلّي به ما شاء من النوافل، لأنّها تابعة للفرائض، والحجّة له كون التيمّم خلفاً ضرورياً، وقد مرّ ماله وما عليه، وما أخرجه الدارقطنيّ بسندٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أهّ قال: من السنّة أن لا يصلّي بالتيمّم أكثرَ من صلاةٍ واحدة، وما أخرجه البيهقيّ بسندٍ ضعيفٍ عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال: تيمَّم لكلّ صلاة، فلا دلالة لهما على افتراضِ ذلك، وقد بسطنا الكلام فيه في ((السعاية))، وفي كتاب ((الحجج)) للإمامِ محمّد: قال أهلُ المدنية تيمّم لكلّ صلاة، قال محمّد: لأيّ شيءٍ قلتم أنّه يتيمّم لكلٍّ صلاة، قالوا: لأنّ عليه أن يبتغيَ الماءَ لكلّ صلاة، فلمّا ابتغى الماء ولم يجد يتيمّم، قيل: وكيف وجبَ التيمّم في ابتغاءِ الماء، ولم يوجد الماء، إنّما يبتغي الماء ليجدَه فينتقض التيمّم إذا وجدَ الماء وليس ينقضه ابتغاءُ الماء إذا لم يوجد؛ لأنّ الله قال: {فإن لم تجدوا ماءً فتيمّموا}، فرخَّص لمّن لم يجد أن يتيمَّم، ولم يذكرْ ابتغاءَ الماء، أرأيتم لو كان في موضعٍ لا يطمعُ في الماء، وابتغى أينقضُ الابتغاءُ تيمّمه، إنّما ينتقضُ التيمّم بحدثٍ يحدثه الرجل، أو يجد الماء. انتهى.
(3) ينظر: ((المنهاج)) وشرحه ((مغني المحتاج))(1: 98).
(2/41)
________________________________________
(وينقضُهُ[(1)]: ناقضُ الوضوء[(2)]، وقدرتُهُ[(3)] على ماءٍ كافٍ[(4)] لطهرِه(5) ) حتى إذا قدرَ على الماءَ ولم يتوضَّأ، ثمَّ عدمَ أعاد التَّيمُّم.
__________
(1) قوله: وينقضه ؛ إسنادُ النقضِ إلى القدرةِ مجازيّ؛ لأنّ الناقضَ حقيقةً هو الحدث السابق، وزوال المبيح للتيمّم شرطٌ لظهورِ عمله، وإلى ناقضِ الوضوء حقيقي.
(2) قوله: ناقض الوضوء؛ لأنّه خلفٌ عن الوضوء، فيأخذُ حكمه، وأيضاً الأصلُ أقوى من الخلف، فما كان ناقضاً للأقوى كان ناقضاً للخلف، إلا ضعف بالطريق الأولى.
(3) قوله: وقدرته؛ هذا أولى من قول صاحب ((الهداية)): ورؤيةُ الماء؛ فإنّه لا يصدقُ إلا في التيمّم؛ لعدم الماء، مع أنّ كلّ عذرٍ يباحُ به التيمّم ينتقضُ بزواله، فإنّ المريضَ إذا تيمَّم للمرضِ ثم صحَّ انتقضَ تيمّمه، وكذا إذا تيمَّم للبردِ ثم زالَ البرد، والمرادُ بالقدرةِ القدرةُ الشرعيّة، فيخرج وجدان ماء الغصب والوديعة؛ فإنّه لا يباحُ له استعماله، فلا ينتقض به التيمّم.
(4) قوله: كافٍ؛ في إطلاقه إشارةٌ إلى اعتبارِ الأدنى، فلو وجد ماءً فغسلَ به كلّ عضو مرَّتين أو ثلاثاً فنقصَ عن إحدى رجليه مثلاً بطلَ تيمّمه على المختار؛ لأنّه لو اقتصرَ على المرَّةِ الواحدةِ كفاه. كذا في ((خلاصة الفتاوى)).
اي انكر صاحب الماء من اعطائه اي قبل الصلاة او بعد الصلاة عند السوال ولا عبرة بالظن البين خطاؤها تفريع على انتقاضه بالقدرة على الماء.
(5) أي للوضوء لو محدثاً وللاغتسال لو جنباً، واحترز به عما إذا كان يكفي لبعض أعضائه، أو يكفي للوضوء، وهو جنب، فلا يلزمه استعماله عندنا ابتداءً، وأيضاً اعتبار الأدنى فلو وجد ماءً فغسل به كل عضو مرتين أو ثلاثاً فنقص عن احدى رجليه مثلاً بطل تيممه على المختار؛ لأنه لو اقتصر على المرة الواحدة كفاه. كذا في ((البحر))(1: 160)، و((رد المحتار))(1: 170).
(2/42)
________________________________________
وإنَّما قال: كافٍ لطهرِهِ، حتى إذا اغتسلَ الجُنُبُ ولم يصلْ الماءُ إلى(1) لُمْعَةٍ[(2)](3) ظهرِه، وفنيَ الماءُ وأحدث حدثاً يوجبُ الوضوء، فتيمَّمَ لهما:
ثمَّ وجدَ من الماءِ ما يكفيهما، بطلَ تيمُّمُهُ[(4)] في حقِّ كلِّ واحدٍ منهما.
وإن لم يكفِ[(5)] لأحد(6) بقيَ في حقِّهما.
وإن كفى لأحدهِما بعينِه غَسَلَه، ويبقى التَّيمُّمُ في حقِّ الآخر.
وإن كفى[(7)
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(2) قوله: لمعة…الخ؛ بضم اللام: القطعةُ اللامعةُ اليابسة في أي موضعٍ كان، فالتقييدُ بالظهرِ جارٍ مجرى العادة، فإنّه كثيراً ما يبقى موضعٌ يابسٌ في جانب الخلف.
(3) سقطت من ب و ص و م. واللُّمْعَةُ: البقعة، وأصل اللام والميم والعين ما يدل على إضاءة بسرعة. كذا في ((مقاييس اللغة))(5: 211).
(4) قوله: بطل تيمَّمه؛ لأنَّه قدَّر به على ماءٍ كافٍ لطهره الذي تيمّم عوضاً عنه، والقدرةُ على الماءِ الكافي تنقضُ التيمّم.
(5) قوله: وإن لم يكف؛ هذه صورةٌ من صورِ المسألة، وهي أن يكون الماءُ الذي وجده غير كافٍ لأحدهما، بأن يكون قليلاً لا يمكن منه الوضوء، ولا غسلُ اللمعة، وحكمها أنّ تيمَّمه السابقُ باقٍ في حقِّ الحدثين؛ لعدمِ قدرته على ماءٍ كافٍ.
(6) في أ: لأحدهما.
(7) قوله: وإن كفى؛ هذه صورةٌ ثالثةٌ مشتملةٌ على صورتين: أحدهما أنَّ الماءَ الذي وجده يكون بحيثُ يكفي لغسلِ اللمعة، ولا يكفي للوضوء، وحكمها أنّه يبطلُ تيمَّمه للحدثِ الأكبر؛ لقدرتِهِ على الكافي للطهرِ الأكبر، ولا يبطلُ تيمَّمه عن الحدثِ الأصغر لعدمِ القدرةِ على ماءٍ كافٍ للوضوء، وآخرهما أن يجدَ الماءَ بحيث يكفي للوضوء دون غسل اللمعة، بأن يكون الماءُ قليلاً واللمعةُ كبيرة، وحكمها بطلانُ تيمَّمه للوضوء، وبقاؤه للغسل.

قوله: غسله؛ أي غسلُ ما يكفي الماءُ له من اللمعة وأعضاء الوضوء.
(2/43)
________________________________________
] لكلٍّ منهما[(1)] منفرداً غسلَ[(2)] اللُّمْعَة؛ لأنَّ الجنابةَ أغلظ، فإذا(3) غسلَ اللُّمْعَةَ هل يعيدُ التَّيمُّمُ للحدث؟ ففيه روايتان.
__________
(1) قوله: وإن كفى لكلٍّ واحدٍ منهما؛ هذه صورةٌ خامسةٌ أن يكون الماءُ الذي قدر عليه يكفي لكلٍّ منهما على حدة، انفراداً لا اجتماعاً؛ بأن يكون بحيثُ لو غسلَ به اللمعة يمكن له ذلك، لكن لا يبقى بعده مقدارُ ما يتوضَّأ به، ولو غسلَ به أعضاءَ الوضوءِ يمكنُ له ذلك، لكن لا يبقى بعدَه مقدارٌ يغسلُ به اللمعة، والحكمُ فيها أنّه يجبُ عليه أن يغسلَ به اللمعة؛ لكونِ الجنابةِ أغلظُ من الحدثِ الأصغر، فالتوجّه إلى دفعها أشدّ، و حينئذٍ فترتفعُ جنابتها، ويبطلُ تيمّمه في حقّها.
(2) قوله: فإذا غسل… الخ؛ يعني في هذه الصورةِ إذا غسلَ بذلك الماء اللمعةُ تقديماً للأهمّ فالأهم، هل يعيدُ التيمَّم للحدثِ الأصغر، فيه روايتان، إحداهما عدمُ الإعادة، وهو قولُ أبي يوسفَ رحمة الله تعالى عليه بناءً على عدمِ قدرته على الماءِ الكافي لرفعِ الحدث، فلم يبطلْ تيمَّمه في حقِّه، فلا حاجةَ إلى إعادته، وذلك لأنّ القدرةَ على الماءِ الكافي إنّما تعتبرُ إذا لم يكن واجبَ الصرفِ إلى جهةٍ أهم، كما سيأتي من الشارح تصريحه، وهذا الماء الذي وجدَه وإن كان كافياً لكلٍّ منهما على حدةٍ لكنَّ صرَفه إلى غسلِ اللمعةِ كان واجباً، فلم يكن قادراً على الكافي لرفعِ الحدثِ بالمعنى المذكور، وآخراهما الإعادة، وهو قولً محمَّد، بناءً على تحقَّق القدرةِ على الماء الكافي لطهرِه، وهذا هو الأصحّ، صرَّح به العتَّابي في ((شرح الزيادات)).
(3) في م: وإذا.
(2/44)
________________________________________
وإن تيمَّمَ أوَّلاً[(1)] ثمَّ غسلَ اللُّمْعَة ففي إعادةِ التَّيمُّمِ روايتانِ أيضاً[(2)].
وإن صرفَ إلى الحدثِ انتقضَ تيمُّمُهُ في حقِّ اللُّمْعَةِ باتِّفاقِ الرِّوايتَيْن.
هذا إذا تيمَّمَ[(3)] للحدثَيْن تيمُّمَاً واحداً، أمَّا إذا تيمَّمَ للجَنَابة، ثمَّ أحدثَ فتيمَّمَ للحدث، ثمَّ وجدَ الماء، فكذا في الوجوهِ المذكورة.
وإن تيمَّمَ للجنابةِ ثمَّ أحدث، ولم يتيمَّمْ للحدثِ فوجدَ الماء، فإن كفى اللُّمْعَةَ والوضوءَ فظاهر[(4)].
__________
(1) قوله: وإن تيمّم أوّلاً؛ أي للحدثِ الأصغر ظنَّاً منه أنّه قدرَ على ماءٍ كافٍ للوضوء فبطلَ تيمّمه.
(2) قوله: روايتان أيضاً؛ فعند أبي يوسف لا يعيد، بناءً على أنّ صرفَه إلى اللمعةِ واجب، فهو معدومٌ في حقِّ الحدثِ من الابتداء، فلا يبطلُ تيمَّمه في حقِّه، فتيمِّمه ثانياً عبث، وعند محمَّد رحمه الله يعيد؛ لكونه قادراً على الكافي للوضوء، فما دامَ يبقى الماء لا يفيدُ تيمَّمه، فإذا صرفَه إلى اللمعةِ نظراً إلى أنّه أهم وجبت عليه إعادةُ التيمَّم؛ لعجزه حٍينئذ عن الماءِ الكافي.
(3) قوله: أمّا إذا تيمَّم… الخ؛ يعني تيمَّم للجنابةِ أوّلاً، بناءً على فناءِ الماءِِ وبقاء اللمعة، ثمَّ أحدثَ حدثاً يوجبُ الوضوءَ فتيمَّم له ثانياً، ثمَّ وجدَ الماءَ فالحكمُ فيه كالحكمِ في الوجه الأوّل، وهو أنّه إذا وجدَ من الماءِ ما يكفي للحدثِ والجنابةِ كليهما بطلَ تيمَّمه في حقّ كلّ منهما، وإن لم يكفِ لأحدهما بقي في حقّهما، وإن كفى لأحدهما بعينه بطلَ تيمّمه في حقّه خاصة، وإن كفى لكلٍّ منهما منفرداً غسلَ اللمعة.
ظاهرالعبارة غير منتظم والاولى ان يقول انما قال كاف لطهره لانه لو لم يكف لم يكف لم ينتقض حتى اذاالخ اي للغسل والوضوء لم وجود الماء اي ذلك الماء الكافي منهما منفردا.
(4) قوله: فظاهر؛ أي حكمه ظاهر، وهو انتقاضُ تيمَّمه في حقِّ الجنابة، ووجوبُ غسلِ اللمعةِ والوضوء.
(2/45)
________________________________________
وإن لم يكفِ لأحدٍ(1) لا ينتقضُ(2) تيمُّمُه، فيستعملُ[(3)] الماءَ في اللُّمْعةِ تقليلاً للجنابة، ويتيمَّمُ للحدث.
وإن(4) كفى اللُّمْعَةَ لا الوضوءَ انتقضَ تيمُّمُه[(5)]، ويغسلُ اللُّمْعةَ ويتيمَّمُ للحدث.
وإن كفى للوضوءِ لا للُّمْعَةِ(6) فتيمُّمُهُ باقٍ وعليه الوضوء.
وإن كفى لكلِّ واحدٍ منهما منفرداً يصرفُهُ إلى اللُّمْعَة، ويتمَّمُ للحدث، فإن توضَّأَ به جاز، ويعيدُ التَّيمُّمَ للجَنَابة(7)، ولو لم يتوضَّأ به، ولكن بدأ بالتَّيمُّمِ[(8)] للحدثِ ثمَّ[(9)] صرفَهُ إلى اللُّمعة، هل يعيدُ التَّيمُّمَ أم لا؟
ففي روايةِ ((الزِّيادات))(10): يعيد.
وفي روايةِ ((الأصل))(11): لا.
__________
(1) في ف و م: لأحدهما.
(2) في م: ينقض.
(3) قوله: فيستعمل؛ هذا ليسَ على الوجوبِ بل على سبيلِ الأولويّة كما أشارَ إليه الشارحُ سابقاً في صدرِ الباب.
(4) في م: فإن.
(5) قوله: انتقضَ تيمَّمه؛ أي في حقِّ الجنابة؛ لقدرتِهِ على الماءِ الكافي لغسلِ لمعته.
(6) في س: لللمعة، وفي م: اللمعة.
(7) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س و م.
(8) قوله: ولكن بدأ بالتيمّم؛ ظنَّاً منه أنّ الماءَ يصرفُهُ إلى اللمعة، فكأنّه معدومٌ في حقّ الحدث.
(9) قوله: ثمّ… الخ؛ يريد أنّ المرادَ بالقدرةِ على الماءِ الكافي لطهرهِ القدرةُ المعتبرةُ شرعاً، وهي إنّما تكونُ إذا لم يكن الماءُ واجبَ الصرفِ شرعاً إلى جهةٍ أهم من طهره، كإزالةِ النجاسةِ الحقيقيَّة من بدنِهِ أو ثوبِهِ المانعةِ من أداءِ الصلاة، فإن كان كذلك فوجودُهُ بمنْزلةِ عدمِهِ فيباحُ له التيمّم.
(10) شرح الزيادات))(ق3/أ).
(11) الأصل))(1: 131)، وهو المسمَّى بـ((المبسوط)) لمحمد بن الحسن الشيباني - رضي الله عنه -.
(2/46)
________________________________________
ثمَّ إنَّما تثبتُ(1) القدرةُ إذا لم يكنْ مصروفاً إلى جهةٍ أهم، حتى إذا كان على بدنِه أو ثوبِهِ نجاسةٌ[(2)] يصرفُهُ إلى النَّجاسة، ثمَّ القدرةُ تثبتُ(3): بطريقِ الإباحة، وبطريقِ التَّمليك[(4)] (5).
__________
(1) في النسخ: يثبت.
(2) قوله: نجاسة؛ أي بقدرِ ما يمنعُ عن الصلاة، فإن كانت بقدرِ ما عفا الشارعُ عنه على ما سيأتي تفصيلُهُ إن شاء الله تعالى لم يلزمْهُ صرفُه إليها.
(3) في أ و ب و س و ص: يثبت.
(4) قوله: بطريقِ الإباحةِ وبطريقِ التمليك؛ يعني أنّ القدرةَ على الماءِ لا تنحصر في ملكِهِ بأن يدخلَ الماءَ في ملكِهِ بقبولِ الهبةِ أو الصدقةِ أو بالشراءِ أو غيرها من أسبابِ التمليك، بل تعمّ القدرةَ على سبيلِ الإباحةِ أيضاً، والفرقُ بينهما أنّ المملّك له يدخلُ في ملكه ذلك الشيء، وتترتّب عليه آثاره، فيقدرُ على بيعِهِ وهبته وسائرِ الانتقالاتِ وغير ذلك ممَّا يجوزُ للإنسانِ أن يفعلَه في ملكه، وأمّا المباحَ له فلا يملكُ إلا الانتفاعَ بذلك الشيء الذي أبيحَ له، ولا يملكُ التصرّف فيه، كتصرّف الرجل في ملكه.
(5) الفرق بينهما: أن المُمَلَّكَ له يدخل في ملكه ذلك الشيء، وتترتب عليه آثاره، فيقدر على بيعه، وهبته، وسائر الانتقالات، وغير ذلك مما يجوز للإنسان أن يفعله في ملكه، وأما المباح له فلا يملك إلا الانتفاع بذلك الشيء الذي أبيح له ولا يملك التصرف فيه كتصرف الرجل في ملكه. كما في ((السعاية))(ص551).
(2/47)
________________________________________
فإن قال صاحبُ الماءِ لجماعةٍ من المتيمِّمين: ليتوضَّأ بهذا الماءِ أيُّكم شاء، والماءُ يكفي لكلِّ واحدٍ منفرداً[(1)]، ينتقضُ تيمُّمُ كلُّ واحد، فإذا توضَّأ بهِ واحدٌ يعيدُ الباقونَ تيمُّمَهم؛ لثبوتِ[(2)] القدرةِ لكلِّ واحدٍ على الانفراد.
__________
(1) قوله: منفرداً؛ فإن كان الماءُ كثيراً كافياً لكلِّ واحدٍ واحدٍ مجتمعاً، فانتقاضُ تيمّمهم أظهر.
(2) قوله: لثبوت؛ متعلّق بقوله: يعيد أو بقوله: ينتقض؛ فإنّ ثبوتَ القدرةِ على الماءِ لكلِّ واحد، ولو على سبيلِ الإباحةِ علَّةٌ لانتقاضِ التيمَّم، وهو علَّةٌ لإعادته حين عدمِ الماء، يتوضَّئ واحدٌ منهم لظهور عجزِ الباقين.
(2/48)
________________________________________
وأمَّا إذا قال: هذا الماءُ لكم[(1)]، وقبضوا[(2)]، لا ينتقضُ تيمُّمُهم، أمَّا عندهما[(3)]؛ فلأنَّ هبةَ المشاعِ يوجبُ الملكَ على سبيلِ الاشتراك، فيملكُ كلَّ واحدٍ مقداراً لا يكفيه، وأمَّا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -؛ فالأصحُّ[(4)](5)
__________
(1) قوله: هذا الماء لكم؛ أي بلامِ التمليك، وكذا إذا صرَّح بلفظٍ دالٍّ على الهبة.
(2) قوله: وقبضوا؛ أي المتيمِّمون ذلك الماء، قيَّد بذلك لأنَّ الهبةَ لا تفيدُ الملكَ عندنا بدون القبض كما هو مفصَّل في (كتاب الهبة).
(3) قوله: أمّا عندهما؛ تفصيله أنّ هبةَ المشاعِ أي الشيء المشتركِ الشائعِ الغيرُ المنقسم إن كان ذلك ممَّا لا يقسّم؛ أي يكون بحيثٌ لو قسّم لا يبقى منتفعاً به؛ كالرحى والحمَّام والبيت الصغير جائزةٌ اتَّفاقاً، وإن كان ذلك الشيءُ ممّا يقسّم فهبته غير نافذةٍ عند أبي حنيفة ما لم يقسِّم، وتفرز حصَّةُ كلُّ واحد، ويقبضها صاحبها، وعند أبي يوسف ومحمّد: هذه أيضاً نافذةٌ ومفيدةٌ للملك، ففي ما إذا وهبَ الماءَ الكافي لكلِّ واحدٍ من المتيمِّمين انفراداً لا اجتماعاً من غيرِ تقسيمٍ وإفرازُ حصَّةِ كلّ منهم لا ينتقضُ تيمَّمهم، أمّا عنده فظاهر؛ لأنّ مثلَ هذه الهبةِ عنده ليست بنافذة، ولا مفيدة للملك؛ فيبقى الماءُ على ملك الواهب، فلم تثبت قدرتُهم على الماءِ مطلقاً، وأمّا عندهما؛ فلأنّ هبةَ المشاعِ وإن كانت تفيدُ الملكِ لكنَّها تفيدُهُ اشتراكاً، فيملكُ كلّ واحدٍ منهم في الصورةِ المذكورةِ شيئاً منه، وهو غيرُ كافٍ لطهره، فلم تثبتْ القدرةُ الناقضة للتيمّم.
(4) قوله: فالأصحّ؛ إشارةٌ إلى وقوعِ الخلاف فيه، فإنّ عصامَ بن يوسف روى أنّ هبةَ المشاعِ فاسدة، والفاسدةُ تفيدُ الملكَ بالقبض، وبه أخذَ بعضُ المشائخ، وظاهرُ الروايةِ أنّها لا تفيده، حتى لا ينفذَ تصرّفه فيه. كذا في ((الفتاوى الخيريّة)) و((الحامدية))، وغيرها.
(5) لأن فيها رواية عن عصام أنها تفيد الملك، وبه أخذ بعض المشايخ. قال خير الدين الرملي: ومع افادتها للملك عند هذا البعض أجمع الكل على أن للواهب استردادها من الموهوب له، ولو كان ذا رحم محرم من الواهب. كذا في ((الفتاوى الخيرية لنفع البرية))(2: 112) لخير الدين الرملي.
(2/49)
________________________________________
أنَّهُ يبقى على ملكِ الواهب، ولم تثبتْ[(1)](2) الإباحة؛ لأنه لمَّا بطلَ الهبةُ بطلَ ما في ضمنِهِ(3) من الإباحة، ثمَّ إن أباحوا واحداً بعينِهِ ينتقضُ تيمُّمُهُ عندهما لا عنده؛ لأنَّهُ لمَّا لم يملكُوهُ لا يصحُّ إباحتهم.
__________
(1) قوله: ولم يثبت؛ دفعُ دخلٍ مقدَّرٍ تقريرُ الدخلِ أنّ الهبةَ تفيدُ أمرين: الملكُ وإباحة الانتفاع، وبطلانُ ثبوت الملك بسبب كون الهبةِ هبة مشاع لا يستلزمُ بطلانَ الإباحة؛ لكونها تصحّ في مشاع، فينبغي في الصورةِ المذكورةِ أن تبقى الإباحةُ وينتقضُ التيمّم، وتحريرُ الدفعِ أنّ الإباحةَ في هذه الصورةِ لم تكن على سبيلِ الاستقلالِ بل كانت في ضمنِ الهبة، فلمَّا بطلتْ الهبةُ لم يثبت ما يتبعها أيضاً، لما تقرَّر في موضعِهِ أنّ الشيءَ إذا بطلَ بطلَ ما في ضمنه، وأنَّ المبني على الفاسدِ فاسد.
(2) في أ و ب و س و ف: يثبت.
(3) في ا: ضمنها.
(2/50)
________________________________________
(لا رِدَّتُه[(1)]) حتى إذا تيمَّمَ المسلمُ ثم ارتدّ، نعوذُ باللهِ تعالى منه، ثمَّ أسلمَ تصحُّ صلاتُهُ بذلك التَّيمُّم(2).
__________
(1) قوله: لا ردَّته؛ بكسرِ الراء المهملة، وتشديد الدال المهملة؛ أي لا ينقضُ التيمّم ارتدادُ المتيمّم، فإذا تيمَّم المسلمُ ثمَّ ارتدَّ ثمَّ أسلمَ ولم يوجدْ شيءٌ من النواقض السابقة يبقى تيمَّمه، فيصحّ أداءُ الصلاةِ به، وفيه خلافُ زفر، فإنّه يقولُ ببطلانِهِ باعتراضِ الردِّة معلِّلاً بأنّ الكفرَ ينافي التيمّم: لأنّه شرعَ مطهراً على خلافِ القياس، فينافيه الكفر كسائرِ العبادات؛ لعدمِ أهليَّة الكافرِ لها، والجواب عنه: إنّ الباقي بعد التيمِّم ليس نفس التيمم ليرتفعَ بورودِ الكفر، بل الباقي هو وصفُ كونِهِ طاهراً، واعتراضُ الكفرِ عليه لا ينافيه، كاعتراضِ الكفرِ على الوضوء، حيث لا تبطلُ الطهارةُ الحاصلة، فإن قلت: قد دلَّت الآياتُ والأحاديث على أنّ الردَّةَ تحبطُ العمل، فكيف يبقى تيمَّم المرتدّ ووضوءه، قلت: الردةُ إنّما تحبطُ ثوابَ الأعمال لا حكماً آخرَ ثابتاً بها، كوصف الطهارة.
(2) لأن الحاصل بالتيمم صفة الطهارة والكفر لا ينافيها كالوضوء والردة تطل ثواب العمل لا زوال الحدث. كما في ((رد المحتار))(1: 170).
(2/51)
________________________________________
(وندبَ[(1)] لراجيه(2) ): أي لراجي(3) الماء، ([أن يؤخِّر](4) صلاتَهُ(5) إلى(6) آخرَ الوقت)، فلو صلَّى بالتَّيمُّمِ في أوَّلِ الوقت، ثمَّ وجدَ الماءَ والوقتُ باقٍ لا يعيدُ الصَّلاة[(7)].
__________
(1) قوله: وندب؛ أي يستحبّ لمن كان يرجو إدراكَ الماءِ والقدرةُ عليه إن أخّر صلاته من أوّل الوقتِ أن يؤخِّرها لإحرازِ أكملِ الطهارتين، وليس ذلك بواجبٍ لثبوتِ العجز في الحال، وتخيير المصلّي شرعاً في أدائه أوّل الوقت أو أوسطه أو آخره.
(2) في س: تواجيه.
(3) المراد بالرجاء غلبة الظن، فإن كان لا يرجوه لا يؤخر الصلاة عن أول الوقت؛ لأن فائدة الانتظار احتمال وجدان الماء، فيؤديها بأكمل الطهارتين. كما في ((البحر))(1: 163-164).
(4) سقطت من ج و ص، وفي م: تأخير.
(5) في في م: الصلاة.
(6) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(7) قوله: لا يعيد الصلاة؛ لما أخرجه أبو داود والحاكمُ عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنهم قال: خرجَ رجلان في سفرٍ فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمَّما فصلَّيا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعادَ أحدهما ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله وذكرا ذلك له، فقال الذي لم يعد: ((أصبت الستة وأجزأ لك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجرُ مرَّتين)).
(2/52)
________________________________________
(ويجبُ طلبُهُ(1) قدرَ غَلْوة، لو ظنَّهُ[(2)] قريباً وإلا فلا)، الغَلْوةُ(3): مقدارُ ثلاثمئةِ ذراعٍ إلى أربعمئة(4).
__________
(1) أي على المسافر؛ لأن طلب الماء في العمرانات أو في قربها واجب مطلقاً. كما في ((البحر))(1: 168).
(2) قوله: لو ظنَّه…الخ؛ تفصيله على ما في ((البحر)) وغيره: إنّ فاقدَ الماء إن كان في العمرانات فالطلبُ واجبٌ اتِّفاقاً؛ لأنَّ غلبةَ وجودَ الماء في العمرانات دليلٌ ظاهرٌ على وجوده، فلا بدَّ من الطلبِ ليظهرَ عدمَه، فيتحقَّق عجزه، وإن كان في الصحراءِ فإن لم يظنَّه قريبا لا يجبُ عليه الطلب، بل يستحبّ إذا كان على طمعٍ من وجود الماء، وإن ظنَّه قريباً يجب عليه الطلب؛ لكونِ الظنّ معتبراً شرعاً، فلو لم يطلبْ وصلَّى بالتيمَّم ثم طلبه فلم يجده وجبت عليه الإعادةُ عندهما، خلافاً لأبي يوسف، ذكره في ((السراج الوهَّاج)).
(3) الغَلْوة: الغاية، مقدار رمية. كما في ((الصحاح))(2: 208).
(4) وعلى اعتبار الغلوة، فالطلب أن ينظر يمينه وشماله وأمامه ووراءه غلوة، وظاهره أنه لا يلزمه المشيء بل يكفيه النظر في هذه الجهات، وهو في مكانه هذا إذا كان حواليه لا يستتر عنه، فإن كان بقربه جبل صغير ونحوه صعده ونظر حواليه إن لم يخف ضرراً. كما في ((البحر))(1: 169).
(2/53)
________________________________________
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنه إذا كان الماءُ بحيثُ لو ذهبَ إليه وتوضَّأَ تذهبُ القافلةُ وتغيبُ عن بصرِه، وكان بعيداً جازَ له التَّيمُّم، قال صاحبُ ((المحيط))(1): هذا حسن(2) جداً[(3)](4).
__________
(1) المحيط البرهاني)) لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن مازه البخاري، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فارساً في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، من مؤلفاته: ((ذخيرة الفتاوي)) المشهورة بـ((الذخيرة البرهانية))، قال الإمام اللكنوي عنها: وهي مجموع نفيس مُعتبرٌ، (ت616). ينظر: ((الجواهر))(3: 233-234). ((الفوائد))(ص291-292). ((الكشف))(2: 1619).
(2) في م: أحسن.
(3) قوله: هذا حسنٌ جداً؛ بكسرِ الجيم وتشديد الدال؛ أي قطعاً رتبة أو كثيراً، وذلك لكونه أرفق وأدفعُ للحرج؛ فإنّ بقاءَ المسافرِ منفرداً أو غيبوبةُ القافلةِ عن بصره حرجٌ لا سيّما في الصحارى المخوفة، ولا سيما للضعفاء.
(4) المسألة مذكورة في ((المحيط))(ص281) لكن لم أقف على لفظ: هذا حسن جداً، بعدها.
(2/54)
________________________________________
(ولو نسيَهُ[(1)] مسافرٌ[(2)] في رَحْله[(3)]، وصلَّى متيمِّماً(4)، ثم ذكرَهُ في الوقتِ[(5)](6) لم يعدْ[(7)](8) إلاَّ عند أبي يوسفَ[(9)
__________
(1) قوله: ولو نسيه؛ أي الماء في تخصيصِ النسيانِ بالذكر احترازٌ عمّا إذا شكّ أو ظنّ أنّ ماءً قد فنى، فصلَّى بالتيمَّم ثمّ وجده، فإنّه يعيدُ إجماعاً. كذا في ((السراج الوهّاج)).
(2) قوله: مسافر؛ هذا قيدٌ اتِّفاقيّ، فإنّ الحكمَ في المقيم أيضاً كذلك، كما صرَّح به قاضي خان في ((فتاواه)).
(3) قوله: في رحله؛ بالفتح: للبعير كالسرج للدابة، ويقال لمنْزلِ الإنسانُ ومأواه أيضاً، وهو المرادُ هاهنا، أشارَ إليه في ((المغرب))، واختارَ صاحب ((البحر)) أنّ المرادَ هاهنا هو المعنى الأوَّل بدليلِ قولهم: لو كان الماءُ في مؤخِّرةِ الرحلِ واستظهرَ صاحب ((النهر)) أنّ المرادَ به في هذا المقام ما يوضعُ فيه الماءُ عادةً منْزلاٌ كان أو رحل بعير.
(4) في م: بتيمم.
(5) قوله: في الوقت؛ ليس الغرضُ منه الاحترازُ عن التذكّر بعد الوقت، فإنّه صرَّح في ((الهداية)) وغيره أنّ الحكمَ فيهما سواء، بل الغرضُ منه الإشارةُ إلى أنّ هذا الحكم إنّما هو إذا تذكَّر بعد الصلاة، فإن ذكرَه في أثناءِ الصلاة وجبَ عليه أن يقطعَها ويعيدُ الصلاة، كما صرَّح به في ((السراج الوهاج)).
(6) الذكر في الوقت وبعده سواء. كما في ((الهداية))(1: 27).
(7) قوله: لم يعد؛ من الإعادة؛ أي لا تجبُ عليه إعادةُ تلك الصلاةِ التي أدّاها بالتيمّم حال نسيانه الماء، وهذا إذا كان الماء بحيث ينسى عادة، فلو كان الماءُ على ظهرِهِ أو معلَّقاً في عنقِهِ أو موضوعاً بين يديه فنسيه وتيمّم وصلّى ثمّ وجد الماء يعيدها اتِّفاقاً كما في ((النهاية)) و((العناية)).
(8) لأنه لا قدرة بدون العلم، وهو المراد بالوجود وماء الرحل معد للشرب لا للاستعمال. كما في ((الهداية))(1: 27).
(9) قوله: إلا عند أبي يوسف؛ فإنّ الإعادةَ عنده واجبة؛ لأنَّه لمَّا كان الماءُ في رحله صار قادراً على الماء واجداً له؛ لكونِ رحلِه في يده، فلا يعتبرُ بنسيانه، وجوابه: إنّ النصَّ شرطَ لإباحةِ التيمِّم عدمَ وجود الماء، والمراد به عدمُ القدرةِ على استعماله، وظاهر أنّه للقدرة بدونِ العلم، فلم يكن النَّاسي لما ينسى عادةً قادراً.
(2/55)
________________________________________
](1) - رضي الله عنه -)، [ [قيل: الخلافُ[(2)]](3) فيما إذا وضعَهُ بنفسه، أو وضعَهُ غيرُه(4)](5)، أمَّا إذا وضعَهُ غيرُهُ وهو لا يعلم، فقد قيل: يجوزُ له التَّيمُّم اتِّفاقاً(6)، وقيل[(7)]: الخلافُ في الوجهَيْن، كذا في ((الهداية))[(8)](9).
__________
(1) لأنه لما كان الماء في رحله صار قادراً على الماء واجداً له لكون رحله في يده، فلا يعتبر بنسيانه. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 107).
(2) قوله: والخلاف؛ هذا هو المذكورُ في ((الهداية))، وعبارتها: الخلافُ فيما إذا وضعه هو، أو وضعه غيره بأمره. انتهت. وقال في ((النهاية)): إنّما قيّد بأمره؛ لأنّه لو وضعَه غيرَه وهو لا يعلمُ به يجزيه اتِّفاقاً؛ لأنَّ المرء لا يخاطب بفعل الغير.
(3) في أ: والخلاف.
(4) أي غيره بأمره. كما في ((الهداية))(1: 27).
(5) سقطت من ص و ف و م.
(6) لأن المرء لا يخاطب بفعل غيره. كما في ((العناية))(1: 124).
(7) قوله: وقيل؛ هذا هو الصحيحُ من أنّ الخلافَ بين أبي يوسفَ وبينهما في الكلّ صرَّح به فخر الإسلامُ في ((شرح الجامع الصغير))، والإتقانيّ في ((غاية البيان)).
(8) قوله: كذا في ((الهداية))؛ ظاهره أنّ ما ذكرَه قبله كلَّه مذكورٌ في ((الهداية))، وليس كذلك؛ فإنّه لا ذكرَ فيها لصورةِ وضع غيره بغير أمره مطلقاً، فضلاً عن ذكرِهِ الاتّفاق فيه، والخلافُ فيه، والحقّ أنّ الإشارةَ به إلى صدرِ كلامِهِ فقط، فاحفظ هذا ولا تصغِ إلى التوجيهِ المذكور في ((ذخيرة العقبى)) فقد بينَّا بطلانه في ((السعاية)).
(9) الهداية))(1: 27) والمذكور فيها من مطلع المسألة إلى أو وضعه غيره.
(2/56)
________________________________________
ويجبُ أن يُعلمَ[(1)](2) أنَّ المانعَ عن الوضوءِ إذا كان من جهةِ العبادِ كأسيرٍ يمنعُهُ الكفَّارُ عن الوضوءِ في محبوسٌ(3) في السِّجن، والذي قيل له: إن توضَّأتْ قتلتُكَ يجوزُ(4) له التَّيمُّمُ لكن إذا زالَ المانع ينبغي(5) أن يعيدَ الصَّلاة، كذا في ((الذَّخيرة))(6).
بابُ المسحِ على الخُفَّيْن[(7)]
__________
(1) قوله: ويجب أن يعلم…الخ؛ اعلم أنّ العذرَ المبيحَ للتيمّم قد يكون من جهةِ الله كالمرضِ والبرد وخوف العطش ونحوها، وحينئذٍ يجوز له التيمّم، ولا تجب الإعادة عند القدرةِ على الماء، وقد يكون من جهةِ العبادِ كأسيرٍ في أيدي الكفَّارِ يمنعونه عن الوضوء، وكالمحبوس في السجنِ لا يجدُ ماءً، وكالذي قيل له: إن توضَّأتَ قتلتك ونحو ذلك، ففي هذه الصورةِ يجوزُ له التيمَّم وأداءُ الصلاةِ به في الحال، لكن تجب عليه الإعادةُ بعد زوال ذلك المانع.
(2) اعلم أن العذر المبيح للتيمم قد يكون من جهة الله كالمرض والبرد وخوف العطش ونحوها، وحينئذٍ يجوز له التيمم ولا يجب الإعادة عند القدرة على الماء، وقد تكون من جهة العباد... ـ فحكمهم كما ذكر الشارح ـ . كذا في ((السعاية))(ص556).
(3) سقطت من م.
(4) في أ: فيجوز، وفي ب: ويجوز.
(5) في م: فينبغي.
(6) الذخيرة البرهانية))(ق7/أ) لمحمد بن أحمد، برهان الدين، (ت616هـ)، سبقت ترجمته، وهي مختصرة من ((المحيط البرهاني))(ص307).
(7) قوله: باب؛ أي هذا بابٌ في أحكامِ مسح الخفَّين، وإنّما ذكره عقيبَ التيمَّم لتناسبهما في كونِ كلٍّ منهما خلفاً، وبدلاً، ومؤقَّتاً ومقيَّدا بشرائط إلى غير ذلك من وجوهِ التناسب، كما بسطناها في ((السعاية))، ولمّا كان ثبوتُ التيمّم بالقرآن، وثبوتُ المسح بالسنَّة ناسبَ تقديمُ التيمّم.
(2/57)
________________________________________
(جازَ[(1)] بالسُنَّة[(2)]): أي بالسُنَّةِ المشهورةِ[(3)](4)
__________
(1) قوله: جاز؛ عبَّر بالجوازِ إشارةً إلى أنّ المسحَ على الخفَّين غير واجب؛ فإنّ للابسهما أن ينزعَهما ويغسلَ رجليهما، نعم لو غسلَ بدونِ نزعهما أثم، وإن أجزاه الغسلُ صرَّح به في ((الدرر شرح الغرر))، وهذا إذا لم يوجدْ مقتضٍ للوجوب، وإلا فيجب، كمَن ليسَ معه من الماءِ إلا ما يكفي المسح، أو خافَ فوت وقت أو وقوف عرفة أو نحو ذلك إن اشتغلَ بالغسل، فحينئذٍ يجب عليه المسح، صرَّح به في ((البحر))، وإلى أنّ الغسلَ أفضلُ من المسح؛ لأنّه أشقّ، ولكونه أبعدً عن مظنَّة الخلاف.
(2) قوله: بالسنّة؛ فيه إشارةٌ إلى الردّ على مَن قال بثبوتِهِ بقوله تعالى: {وأرجلكم} بالجرّ، فإنّ قوله تعالى: {إلى الكعبين} ينافيه، فإنّ المسحَ ليس محدوداً بهذا إجماعاً، واختارَ لفظ السنَّة على الحديث؛ لأنَّ الحديثَ كثيراً ما يختصّ بقول الرسولِ وأصحابه، والسنَّةُ تعمّ القولَ والفعلَ والتقريرَ، فأشارَ إلى ان ثبوتِ المسحِ بكلّ قسمٍ من أقسامِ السنَّة.
(3) قوله: بالسنَّة المشهورة؛ هي ما يكونُ آحادَ الأصل؛ أي يرويه في عصرٍ الصحابةِ عدد غيرُ بالغٍ إلى حدّ التواتر، ثمَّ ينقله أهلُ العصرِ الثاني وما بعده قومٌ تستميلُ العادة توافقهم على الكذب، فإن كان كذلك في العصرِ الأوّل أيضاً، فيه المتواتر، وإن لم يبلغ عدد التواتر في عصرٍ فهو خبرُ الواحد، وقد بلغت رواياتُ حديثِ المسح على الخفَّين إلى حدّ الكثرة، حتى عدَّه السيوطيّ في رسالته: ((الأزهارِ المتناثرةِ في الأخبارِ المتواترة من لأحاديث المتواترة))، وذكر العينيّ في ((البناية شرح الهداية))، و((شرح شرح معاني الآثار)): إنَّه قد رواه أٌكثر من خمسين صحابيّ، أو لم تزلْ رواته في كلّ عصرٍ كثيرة، وقد بسطنا كلّ ذلك في ((السعاية)).
(4) بل بالسنة المتواتر كما قاله السيوطي في ((تدريب الراوي))(2: 179) ، ((الأزهار المتناثر في الأخبار المتواتر)) فقد رواه سبعين صحابياً، وقد أخرج العيني في كتابه ((البناية))(1: 554)، و((شرح شرح معاني الآثار)) عن سبع وستين صحابياً، قال القاري في ((فتح باب العناية))(1: 183): روي عن أبي حنيفة أنه قال: ما قلت بالمسح على الخفين حتى وردت فيه آثار أضوأُ من الشمس، وعنه: أخاف الكفر على من لم يرَ المسح على الخفين؛ لأن الآثار التي جاءت فيه في حيِّز التواتر، أي المعنوي، وإن كانت من الآحاد اللفظي.
(2/58)
________________________________________
فيجوزُ[(1)] بها الزِّيادة(2) على الكتاب، فإنَّ[(3)] موجبَهُ غسلُ الرِّجلين. (للمحدثِ دونَ مَن وَجَبَ(4) عليه الغُسْل[(5)][(6)])، قيل: صورتُهُ[(7)
__________
(1) قوله: فيجوز؛ أشار به إلى دفعِ ما يردُ أنَّ القرآنَ حاكم بفرضيّة غسلِ الرجلين في الوضوءِ مطلقاً، فكيف تجوز الزيادة عليه بالحديث، وحاصله أنّ الزيادةَ على الكتاب وإبطالُ إطلاقه ونسخه إنّما لا يجوزُ بأخبار الآحاد، وأمّا بالخبرِ المشهور، وكذا المتواتر فجائزِ كما تقرَّر في كتب الأصول.
(2) في م: لزيادة.
(3) قوله: فإن…الخ؛ الفاءُ ليست للتعليل، بل لبيانِ مقتضى الكتاب، ويمكن أن تكون للتعليلِ ما فهمَ من لفظ الزيادة.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(5) قوله: دون من عليه الغسل؛ وهو الحائضُ والنفساءُ والمحتلم؛ لحديث صفوانَ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنَّا سفراً أن لا نتزع خفافنا ثلاثةَ أيّام ولياليها إلا عن جنابة، أخرجَهُ الترمذيّ والنسائيّ وابن ماجة وغيرهم، والوجه فيه أنّ الجنابةَ لا تتكرَّر عادة، فلا حرجَ في النَّزعِ بخلافِ الحدث الأصغر؛ فإنّه يتكرَّرْ فشرعَ المسحُ فيه دفعاً للحرج.
(6) قوله: عليه الغسل؛ الأولى أن يقول: دون المغتسل؛ ليشملَ غسل الجمعة والعيدين ونحوه ممَّا ليس بفرض؛ فإنّ المسحَ غير مشروعٍ في الغسلِ مطلقاً.
(7) قوله: قيل: صورته؛ إنّما احتيجَ فيه إلى التصوير؛ لاستبعادِ تحقَّق المسحِ في حالة الغسل، فإنّ المغتسل إن صبَّ من رأسه الماءِ وصلَ ذلك إلى رجليه، وقد ذكروا هاهنا صوراً منها ما في ((العناية)) و((الكفاية)) وغيرهما، إنّه إذا توضَّأ ولبسَ خفَّيه ثم أجنب ليس له أن يشدّ خفَّيه فوق الكعبين، ثم يغتسلُ ويمسح، أو يغتسلُ قاعداً واضعاً رجليه على شيءٍ مرتفعٍ ثم يمسح، ومنها أنّ المسافرَ إذا توضَّأ ولبسَ خفَّيه ثمَّ أجنب وعنده ماء يكفي للوضوء، فإنّه يتوضَّأ ويغسلُ رجليهِ ولا يمسح؛ لأنَّ الجنابة حلَّت القدم، ومنها ما ذكره الشارحُ ومعناه حملُ دونَ من عليه الغسل على معنى الاستثناء، فصار الحاصلُ أنّ المسحَ جائزٌ للمحدثِ الذي ليس عليه غسل، وأمّا المحدثُ الذي عليه الغسل فلا يجوزُ له المسح، ولا يخفى ما فيه من التكلّف، وليطلبْ تفصيلُ هذا البحثِ من ((السعاية)).
(2/59)
________________________________________
] جُنُبٌ تيمَّم، ثمَّ أحدث، ومعه من الماءِ ما يتوضَّأُ به، فتوضَّأ به ولَبِسَ خُفَّيْه، ثمَّ مرَّ على ماءٍ يكفي للاغتسال، ولم يغتسل، ثمَّ وجدَ من الماءِ ما يتوضَّأ به، فتيمَّمَ ثانياً(1) للجَنَابةِ(2)، فإن أحدثَ بعد ذلك توضَّأَ ونزعَ خفيَّه[(3)]، [وغسلَ رجليه(4)؛ لأنَّ الجَنَابة حلَّت الرِّجل بمرورِه على الماء](5).
__________
(1) سقطت من س.
(2) العبارة في م: للجنابة ثانياً.
(3) قوله: ونزعُ خفَّيه؛ فيه أنّه لمَّا تيمَّم للجنابةِ ثانياً، لم يبقَ ممّن عليه الغسل، فكيف يصحّ، هذا تصويرٌ لقولِ المصنّف دونَ من عليه الغسل، إلا أن يقال: معنى قوله: دون مَن عليه الغسل، دون مَن عليه غسل الرجلين، ولا تخفى سخافته بل بطلانه، علا أنّ في هذا التصويرِ من التطويلِ الزائدِ ما لا يخفى، والأوضح أن يقال: إذا لبسَ الخفّ على طهارةٍ كاملةٍ ثمَّ أجنبَ و تيمَّم للجنابة، ثم أحدثَ فوجدَ ما يكفي للوضوء، فعليه أن ينزعَ الخفَّين ويتوضَّأ، ولا يجوزُ له المسح؛ لأنّه حين وجبَ عليه الغسل حلَّ الحدث بالرجل فلا بدَّ من دفعِ ذلك بالغسل.
(4) أطال الشارح في هذا التصوير، ويمكنه أن يكتفي بالقول: إذا لبس الخف على طهارته كاملة، ثم أجنب وتيمم للجنابة، ثم أحدث، فوجد ماءً يكفي للوضوء فعليه أن ينْزع الخفين، ويتوضأ، ولا يجوز له المسح؛ لأنه حين وجب عليه الغسل حل الحدث بالرجل، فلا بد من رفع ذلك بالغسل. كذا في ((عمدة الرعاية))(1: 108).
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(2/60)
________________________________________
(خطوطاً[(1)] بأصابعَ مفرَّجة(2)، يبدأُ[(3)] من أصابعِ الرِّجلِ[(4)] إلى السَّاق[(5)])، هذا صفةُ المسحِ على الوجهِ المسنون[(6)]، فلو لم يفرِّجْ الأصابعَ لكن(7) مسحَ مقدارَ الواجبِ جاز، وإن مسحَ بأُصْبَعٍ واحدة، ثمَّ بلَّهَا ومسحَ ثانياً، ثمَّ هكذا جازَ أيضاً إن مسحَ كلَّ مرَّةٍ غيرَ ما مسحَ قبل ذلك، وإن مسحَ بالإبهامِ والمُسَبِّحةِ مُنْفَرِجَتَيْن(8)، جازَ أيضاً؛ لأنَّ ما بينهما مقدارُ أُصْبَعٍ أُخرى(9).
__________
(1) قوله: خطوطاً؛ تمييزٌ من فاعل جاز، ويحتمل أن يكون حالاً منه.
(2) في أ و ب و ف: منفرجة، وفي س: متفرجة.
(3) قوله: يبدأ؛ بصيغة المعروف؛ وضميرُهُ إلى المحدث؛ أو، أو بصيغةِ المجهول المؤنّث، والضميرُ إلى الخطوط، وهذه جملةٌ مستأنفةُ بياناً لكيفيَّة المسح والخطوط.
(4) قوله: من أصابعِ الرجل؛ ظاهره أنّ الأصابعَ لها دخلٌ في محلِّ المسح، حتى لو مسحَ عليه إن حصلَ قدرُ الفرضِ صحّ، وهو مفادُ أكثرِ المتون، وظاهر الفتاوى أنّه لا يجوز؛ فإنّهم قالوا: تفسير المسح أن يمسحَ على ظهرِ قدميه ما بين أطرافِ الأصابعِ فهذا يفيد أنَّ الأصابعَ غير داخلةٍ في المحلية، وبه صرَّح في ((الخانية)). كذا في ((البحر)).
(5) قوله: إلى الساق؛ هذا حدّ المسحِ المسنون، وأمّا محلُّ الفرضِ فحدَّه معقدُ الشراك، وهو المفصلُ الذي في وسطِ القدم.
قوله: على الخفَّين؛ مفردُه خفه، بضمِّ الخاء المعجمة، وتشديد الفاء، بالفارسية: موزه.
(6) قوله: على الوجه المسنون؛ فإنَّ المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: ((رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالَ ثمَّ جاءَ فتوضَّأ ومسحَ على خفَّيه، ووضعَ يدَه اليمنى على خفَّه الأيمن، ويده اليسرى على خفِّهِ الأيسر، ثم مسح إلى أعلاهما مسحةً واحدة، حتى انظرَ إلى أصابعِ رسول الله على الخفِّين))، أخرجه ابن أبي شيبة.
(7) في م: لكنه.
(8) في ف: متفرجتين.
(9) فيكون المسح بهما كالمسح بثلاث أصابع.
(2/61)
________________________________________
وسُئِلَ محمَّدٌ - رضي الله عنه - عن صفةِ المسح، قال: أن يضعَ أصابعَ يديهِ على مقدِّمِ خُفَّيْه، ويُجَافي كفَّيْه، ويمدَّهما(1) إلى السَّاق، أو يضعُ كفَّيهِ مع الأصابعِ ويمدُّهما جملة(2).
لكن إن مسحَ برؤوسِ الأصابع، وجافى أصولَ الأصابعِ والكفِّ لا يجوز[(3)](4)، إلاَّ أن يَبْتَلَّ من الخُفِّ عند الوضعِ مقدارُ الواجب، وهو مقدارُ ثلاثِ أصابع[(5)][(6)
__________
(1) في ص و م: يمدها.
(2) انتهى كلام محمد - رضي الله عنه - كما في ((المحيط))(ص339)، ثم ذكر بعدها عن هاتين الصفتين: قال محمد - رضي الله عنه -: كلاهما حسن.
(3) قوله: لا يجوز؛ لأنّ البلّة تصيرُ مستعملةً بمجرّد الإصابة، فإذا لم يكن متقاطراً صارت البلّة المستعملة أوّلاً مستعملة ثانياً في الفرض، بخلاف ما إذا كان متقاطراً، فإنّ البلّة التي مسحَ ثانياً حينئذٍ غير التي استعملت أوّلاً، وبخلافِ إقامةِ السنَّة فيما إذاَ وضع الأصابعَ ثمَّ مدَّها ولم يكن الماءُ متقاطراً؛ لأنّ النقلَ يغتفرُ فيه ما لا يغتفرُ في الفرضِ، وهو تابعٌ له، فيؤدِّي بماءٍ استعملَ فيه تبعاً ضرورةَ عدم شرعيَّة التكرار، علا أنَّ وقوعَ فعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم على هذه الصفةِ كافٍ في الجواز، ولا يقاسُ عليه الفرض؛ لأنّه أقوى. كذا في ((غنية المستملى شرح منية المصلي)).
(4) لأن البلة تصير مستعملة بمجرد الإصابة، فإذا لم يكن متقاطراً صارت البلة المستعملة أولاً مستعملة ثانياً في الفرض بخلاف ما إذا كان متقاطراً، فإن البلة التي مسح ثانياً حينئذٍ غير التي استعملت أولاً. كما في ((غنية المستملي))(ص110).
(5) قوله: مقدار ثلاث أصابع؛ أي من أصابع اليد، وقال الكرخيّ: من أصابعِ الرجل، والأوّل أصحّ اعتباراً لآلةِ المسح، قال في ((الهداية)): وهذا المقدارُ معتبرٌ من كلِّ رِجل، حتى لو مسحَ على إحدى رجليه مقدارَ إصبعين، وعلى الأخرى مقدارَ خمس أصابع لم يجز. كذا في ((الدرر شرح الغرر)).
(6) قوله: ثلاث…الخ؛ أي طولاً وعرضاً، فلو مسحَ بثلاث أصابعَ منصوبةٍ غير موضوعةٍ ولا ممدودة، لا يجوز. كذا في ((البحر)).
(2/62)
________________________________________
]، هكذا ذكرَ في ((المحيط))(1).
وذكرَ في ((الذَّخيرةِ))[(2)]: إنَّ المسحَ برؤوسِ الأصابعِ يجوزُ إذا كان الماءُ متقاطراً، [لأنَّه إذا كان الماءُ متقاطراً، فالماءُ ينزلُ من أصابعِهِ إلى رؤوسها، فإذا مدَّ كأنَّهُ أخذَ ماءً جديداً](3)، ولو مسحَ بظهرِ الكفِّ جاز، لكنَّ السُنَّةَ بباطنها[(4)]، وكذا إن ابتدأَ من طرفِ السَّاق، ولو نسيَ[(5)
__________
(1) المحيط))(ص340).
(2) قوله: وذكر في ((الذخيرة))؛ بصيغة المجهول أو بالمعروف، والضميرُ راجعٌ إلى صاحب ((المحيط))، وإنّما نقلَ عبارةَ ((المحيط)) لأنّ في كلٍّ منهما بياناً لأمرٍ ليس في الآخر، فإنّ عبارةَ ((المحيط)) تشهدُ بأنّ المسحَ برؤوس الأصابعِ لا يجوز إلا أن يبتلَّ قدرُ الواجب، وعبارة ((الذخيرة)) تشهدُ بأنّه يجوزُ إن كان الماءُ متقاطراً، ومنهم مَن ظنَّ أنّ بينهما منافاة، والحقّ أنّه لا منافاة؛ فإنّ الشرطَ لجوازِ المسح بالرؤوس أحد الأمرين: إمّا التقاطرُ وإمّا الابتلالُ عند الوضع؛ لأنّ المدارَ على عدمِ المسح ببلةٍ مستعملة، فذكر في ((المحيط)) أحدهما، والآخر في ((الذخيرة)).
(3) سقطت من ص و ف و م.
(4) قوله: لكنَّ السنَّة بباطنها؛ أي المسنون المتوارث هو المسح بباطن الكفّ والأصابع، ولو مسحَ على باطنِ خفَّيه أو من قبلِ العقبين، أو جوانبَ الرجلين لا يجوزُ مسحه؛ لأنّ الأخبارَ إنّما وردت بالمسحِ على أعلاه، فلا يجوزُ ما سواه؛ لأنّه خلافُ المحلّ الذي وردَ به النصّ، أمّا مخالفةُ الكيفيَّة كالمسحِ بظاهرِ الكفّ أو الابتداءِ من جهة الساقِ إلى الأصابع، فلا تضرّ؛ لأنّ الكيفيَّة غيرُ مقصودةٍ بالذات، بخلافِ المحل. كذا في ((الغنية)).
(5) قوله: ولو نسى…الخ؛ قال في ((المنية)) و((الغنية)): لو توضَّأ ولم يمسح خفَّيه ولكن خاضَ في الماءِ لا بنيَّة المسحِ، ولم يغسل إحدى رجليه أو أكثرها، أو مشى في الحشيشِ المبتلِّ بالماءِ المفاض عليه للسقي أو بالمطر، يجيزيه لحصولِ المسح ضمناً، وعدمُ اشتراطِ النيَّة فيه، وكذا إذا أصابَه المطرُ ينوبُ ذلك عن المسح، خلافاً للشافعيّ في ذلك كلَّه؛ لأنّ النيَّة عنده شرطٌ في الوضوء، والمسح جزءٌ منه.
(2/63)
________________________________________
] المسحَ وأصابَ المطرُ[(1)] ظاهرَ خُفَّيهِ حصلَ المسح، وكذا مسحُ الرَّأس، وكذا[(2)] لو مشى في الحشيشِ فابتلَّ ظاهرُ خفَّيهِ ولو بالطَّلِّ(3) هو الصَّحيح[(4)](5).
__________
(1) قوله: المطر…الخ؛ التقييدُ به اتِّفاقي؛ فإنّ الحكمَ في كلِّ ماءٍ، مطراً كان أو ماءَ النهر أو غير ذلك واحد.
(2) قوله: وكذا؛ أي لو تركَ مسحَ الرأسِ فأصابَ المطرُ رأسَه وابتلَّ مقدارُ الربع منه كفى ذلك.
(3) الطَّلّ: الندى. كما في ((مختار))(ص396).
(4) قوله: هو الصحيح؛ إشارةٌ إلى الخلافِ في الطَلِّ: بفتح الطاء المهملة، وتشديد اللام، يقال له: شبنم؛ فإنّ منهم مَن قال: لو كان مبتلاً بالطلّ وأصابَ الخفّ لا يجوز؛ لأنّ الطلّ نفسُ دابة تجذبُهُ الهواء، والصحيحُ أنّه يجوز؛ لأنّه ماءٌ ضعيف. كذا قال الزيلعيّ في ((شرح الكنز))، وليطلبْ تفصيلُ هذا البحثِ من ((السعاية)).
(5) ينظر: ((المحيط))(ص341).
(2/64)
________________________________________
(على ظاهرِ خفَّيه[(1)])، الخُفُّ[(2)]: ما يسترُ الكَعْبَ كلَّه(3)، أو يكونُ الظَّاهرُ منهُ أقلَّ من ثلاثِ أصابعِ الرِّجل أصغرها، أمَّا لو ظهرَ قدرَ
__________
(1) قوله: على ظاهر خفَّيه؛ متعلّق بقوله: جاز، وبقوله: خطوطاً، على أنّه حالٌ منه، أو بقوله: يبدأ، وفيه إشارةٌ إلى الردّ على مَن أوجبَ مسحَ باطنهما أيضاً أخذاً ممَّا أخرجه الترمذيّ وابنُ ماجه وأبو داود وغيرهم عن المغيرةِ رضي الله عنه قال: ((توضَّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحَ على الخفِّ أعلاه وأسفله))، وهو حديث ضعَّفه أبو زرعةَ والبخاريّ وأحمد، وغيرهم من الحفَّاظ، وقد كثرت الرواياتُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الاكتفاء بالمسحِ على أعلى الخفّ، وقال عليّ رضي الله عنه: لو كان الدينُ بالرأي لكان باطنُ الخفّ أولى من ظاهره، لكنّي رأيتُ رسولَ الله يمسحُ على ظاهرِ خفَّيه دون باطنهما، أخرجَه أبو داودَ وغيره في ((تخريجِ أحاديثِ الهداية)) للزيلعيّ، وابن حجر، ومن هاهنا يعلمُ أنّه لو مسحَ على الباطنِ أو العقبِ أو الساقِ فقط من دون المسح على الظاهر لم يجز، صرَّح به في ((الدرر)).
(2) قوله: الخفّ ما يستر…الخ؛ هذا ليس تفسيراً لمفهوم الخفّ بل بيانٌ للمراد، وحاصله أنّ الذي يجوزُ المسحُ عليه هو الخفّ الذي يسترُ القدمَ مع الكعب، وهو المفصلُ الذي ينتهي إلى الساق، بحيث لا ينكشفُ من القدمِ شيء، إلا أن يكون نقصانه أقلّ من الخرقِ المانع، وهذا إحدى شروطُ جوازِ المسح على الخفّ، وثانيها: كونه مشغولاً بالرجل؛ ليمنعِ سرايةِ الحدث، فلو كان واسعاً فمسحَ على الموضعِ الخالي من القدم لم يصح؛ لأنّه لم يقعْ المسحَ في محلَّه، وهو ظاهر القدم، فلو قدَّمه إليه ومسحَ جاز. كذا في ((خلاصة الفتاوى))، وثالثها: كونه ممَّا يمكنُ فيه تتابعُ المشي المعتاد، وله شروطٌ أخر أيضاً يأتي ذكرها متفرِّقاً في المتن والشرح.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(2/65)
________________________________________
ثلاثِ أصابعِ الرِّجل(1) فلا يجوز؛ لأنَّ هذا بمنْزِلةِ الخرقِ الكبير(2)، ولا بأسَ[(3)] بأن يكونَ واسعاً بحيثُ يُرى رجلُهُ من أعلى الخُفّ.
(أو جُرْمُوقَيْه[(4)](5) ): أي على خُفَّيْنِ يُلْبَسَانِ فوقَ الخُفَّين؛ ليكونا وقايةً لهما من الوَحَلِ(6) والنَّجاسة.
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ف و م.
(3) قوله: ولا بأس؛ إشارةٌ إلى أنّ المرادَ سترةُ الكعبين من الجوانبِ لا من الأعلى، وهذا هو مذهبُ الجمهور، خلافاً لأحمد رحمه الله.
(4) قوله: أو جرموقيه: بضم الجيم والميم، بينهما راء مهملة ساكنة، وقد ثبتَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسحَ على الجرموقِ من روايةِ بلال رضي الله عنه عند أبى داود وابنُ خزيمةَ والحاكم، وأنسٌ عند البيهقيّ، وأبى ذرّ عند الطبرانيّ.
(5) الجُرْمُوق: خُفٌّ صغير يلبس فوق الخُفّ. كما في ((اللسان))(1: 607)، والجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب إلا أن يكون معرَّباً أو حكاية صوت. كما في ((مختار))(ص106).
(6) الوَحَل: بفتحتين: الطين الرقيق. كما في ((مختار))(ص712).
(2/66)
________________________________________
فإن كان من أديمٍ(1)، أو نحوه، جازَ المسحُ عليهما(2)، سواءٌ لَبِسَهُما منفردَيْن، أو فوقَ الخُفَّيْن[(3)].
__________
(1) الأديم: الجِلدُ ما كا، وقيل الأحمر، وقيل: هو المدبوغ. كما في ((اللسان))(1: 45).
(2) العبارة في أ و ب و س و ص و ف: عليهما المسح.
(3) قوله: أو فوق الخفَّين؛ أمّا في صورةِ لبسهما منفردين، فلكونهما كالخفَّين فيمنعان سرايةِ الحدثِ إلى الرجلين، ويكفي المسحُ عليهما، وأمّا في صورةِ لبسهما فوق الخفَّين، فيخدشُ جوازَ المسحِ عليهما أنّ الخفَّ بدلٌ على الرجل، والبدلُ لا يكون له بدل لا سيما بالرأي، وبناءً على هذا لم يجوّزه الشافعيّ، ونحن نقول: قد ثبتَ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مسحَ على الجرموقين، ولا نسلَّم أنّه بدلٌ عن البدلِ، بل هو بدل عن الرجل، فلا يلزمُ البدلُ من المبدل، ولا إثبات البدليَّة بالرأي، فإن قلت: لو كان كذلك لوجبَ غسلُ الرجلينِ عند نزعِ الجرموقين كما في نزعِ الخفَّين وليس كذلك، قلت: وصفُ البدليَّة فيه عن الرجلِ إنّما هو ما دام في الرِّجل، فإذا نزعَ زالت البدليّة عنه، واتَّصفَ بها الخفّ. كذا في ((العناية)) و((النهاية))، وبهذا يعلمُ جواز المسح على خفٍّ لبسَ فوق مخيطٍ من كرباسٍ ونحوه ممّا لا يجوزُ المسحَ عليه؛ لأنّ الجرموقَ إذا كان بدلاً عن الرجلِ وجعل الخفّ الذي تحتَه مع جوازِ المسح عليهِ في حكمِ العدم، فلأن يكون الخفّ بدلاً عن الرجل، ويجعلُ ما لا يجوزُ المسحُ عليه في حكمِ العدم أولى. كذا حقَّقه صاحب ((الغنية)) و((البحر)) و((الدرر ))وغيرها، والتفصيل في ((السعاية)).
(2/67)
________________________________________
وإن كان من كِرْباسٍ(1)، أو نحوه، فإن لَبِسَهُما منفردَيْن لا يجوز[(2)]، وكذا إن لَبِسَهُما على الخُفَّيْن إلاَّ أن يكونا(3) بحيث يصلُ بَلَلُ المسحِ[(4)] إلى الخُفِّ الدَّاخل.
ثمَّ إذا كانا من نحوِ أديم، وقد لَبِسَهُما فوق الخُفَّيْن:
فإن لَبِسَهُما بعدما أحدث، ومسحَ على الخُفَّيْنِ لا يجوز[(5)] المسحُ على الجُرْمُوقَيْن.
__________
(1) الكِرْباس: بالكسر: ثوب من القطن الأبيض معرَّبٌ. كما في ((القاموس))(2: 254).
(2) قوله: لا يجوز؛ كما لا يجوزُ المسحُ على الخفَّين من كرباسٍ ونحوه؛ لفقدانِ بعض شروطِ جوازِ المسح عليه، وهو تتابعُ الشيء فيه؛ لوصولِ الماءِ منه غالباً إلى الرجل، والشرطُ في المسحِ أن لا تصلَ البلّة إلى الرجل، فإن كان كرباسٌ وجدت في الشروط يجوز المسحُ عليه، كما في ((الخانية)).
(3) في م: يكون.
(4) قوله: بحيث يصل بلل المسح؛ أي على الجرموقِ إلى الخفّ الداخلِ الذي تحت الجرموقِ فحينئذٍ يجوز؛ لأنّه يكون مسحاً على الخفّ.
(5) قوله: لا يجوز؛ لأنّ الحدثَ حلّ بالخفِ حكماً، وتقرَّرت البدليَّة عن الرجلِ للخفّ فلا تحصلُ للجرموق بعده.
(2/68)
________________________________________
وإن لَبِسَهُما قبل الحدثِ ومسحَ عليهما، ثمَّ نَزَعَهما دونَ الخفَّينِ أعادَ[(1)] المسحَ على الخُفَّينِ الدَّاخلين، بخلافِ[(2)](3) ما إذا مسحَ على خُفٍّ ذي طاقيْن[(4)](5) فَنَزَعُ أحدَ الطَّاقيْن، لا يعيدُ المسحَ على الطَّاقِ الآخر.
__________
(1) قوله: أعاد؛ لأنّ بدليَّة الجرموقِ عن الرجلِ إنّما كانت ما دامَ في الرجل، فإذا نزعَ بقى الرجلِ من غيرِ غسلٍ ولا مسح، وجاءت البدليَّة في الخفّ فيجب مسحه.
(2) قوله: بخلاف…الخ؛ وجهُ الفرق أنّ الطاقين لاتِّصالهما في حكمٍ شيءٍ واحد، فالمسحُ على طاقٍ كأنّه مسحٌ على كليهما، فنَزعُ أحدهما لا يضرّ في بقاءِ المسح، ولا كذلك الجرموقُ والخفّ، فإنّهما شيئان متمايزان منفصلان، فلا يكون المسحُ على أحدهما مسحاً على الآخر، فإذا نزع الجرموقين بقى الخفَّان بلا طهارة، فيجب أن لا يعيدَ المسحُ عليهما.
(3) وجه الفرق أن الطاقين لاتصالهما في حكم شيء واحد، فالمسح على طاق كأنهمسح على كليهما، فنَزع أحدهما لايضر في بقاء المسح، ولا كذلك الجرموق والخف، فإنهما شيئان متمايزان منفصلان لا يكون المسح على أحدهما مسحاً على الآخر، فإذا نَزعَ الجرموقين بقي الخفان بلا طهارة، فيجب أن لا يعيد المسح عليهما. كما في ((العمدة))(1: 111).
(4) قوله: ذي طاقين؛ المرادُ نجف ذي طاقين أن يوصلَ بين أدمين، ويركّب الخفّ منهما، بحيث يكون أحدهما ظهارة، والآخر بطانة.
(5) خفّ ذي طاقين: الذي يوصل بين آدمين ويركب الخفّ منهما بحيث يكون أحدهما ظهارة والآخر بطانة. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 111).
(2/69)
________________________________________
وإن نَزَعَ أحدَ الجُرْمُوقَيْن، فعليه[(1)] أن يعيدَ المسحَ على الجُرْمُوقِ الآخر، وعن أبي يوسفَ - رضي الله عنه -: أنه يخلعُ[(2)] الجُرْمُوقَ الآخر، ويمسحُ على الخُفَّيْن.
__________
(1) قوله: فعليه؛ ظاهره أنّ الواجبَ عليه هو الإعادة، وليس كذلك، بل هو مخيّر بين أن ينْزعَ الآخرَ أيضاً ويمسحَ على الخفَّين، وبين أن يعيدَ المسحَ على الجرموق الآخر، كما صرّح به في ((الغنية))، إلا أن يقال: هو مقيَّدٌ بما إذا لم يردْ النَّزع.
(2) قوله: إنّه يخلع؛ أي يجبُ عليه ذلك، ولا يكفي تجديدُ المسح، ووجهُ القياسِ على الخفّ، فإنّه إذا نزعَ أحدُ الخفَّين يجبُ عليه نزعُ الآخر، وغسلُ الرجلين، وجوابه أنّ ذلك لئلا يلزمَ الجمعَ بين المبدل والمبدل منه، وهذا الأمرُ منتفٍ في الجرموق؛ لأنّه ليس بدلاً عن الخفّ، بل عن الرجل.
(2/70)
________________________________________
(أو جَوْرَبَيْه[(1)](2) الثَّخينين(3) ): أي بحيثُ يَسْتَمْسِكانِ على السَّاقِ بلا شدّ، (منعَّلَيْن[(4)](5)، أو مُجَلَّدين(6) ) حتَّى إذا كانا[(7)
__________
(1) قوله: أو جوربيه؛ هو ما يلبسُ في الرجلِ لدفعِ البرد ونحوه ممَّا لا يسمَّى خفَّاً، فما لم يكن مخيطاً يسمى لفافة، وما كان مخيطاً يسمَّى جورباً، وهو قد يكون من الكرباسِ ومن الشعرِ ومن الأديم، ومن المرغرى وغير ذلك، والكلّ يجوزُ المسحُ عليه إذا وجدت فيه الشروط، وقد صرَّح أكثرهم بعدمِ جوازِ المسح على ما كان من الكرباسِ ونحوه، وعلَّلوه بأنّه لا يمكنُ فيه تتابعُ المشي فرسخاً أو فرسخين، والتفصيلُ في شروح ((المنية))، وشروح ((الكنْز)).
(2) في م: الجرابين.
(3) الجورب الثخيين الذي يجوز المسح عليه هو الذي يمشى به فرسخاً ويثبت على الساق بنفسه ـ أي من غير شد ـ ولا يرى ما تحته و لا يشفّ. كما في ((الدر المختار))(1: 179).
(4) قوله: منعلين؛ المنعلُ بضمِّ الميم، وسكون النون، أو بفتحِ النون وتشديدِ العين: ما وضعَ الجلدُ على أسفلِه كالنَّعلِ للقدم، والمجلَّد من التجليد: ما وضعَ الجلدُ على أعلاه وأسفله كليهما. كذا في ((الكفاية)).
(5) في ج و م: أو منعلين. والمنعل: ما يكون هو الذي وضع الجلد على أسفله كالنعل للقدم في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: يكون إلى الكعب. كما في ((الإيضاح))(ق7/ب).
(6) المجلد: هو الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله. كما في ((الإيضاح))(ق7/ب).
(7) قوله: حتى إذا كانا؛ تفريعٌ على تقييدِ المصنِّف مسحَ الجوربين بالمنعل أو المجلد على سبيلِ منعِ المخلود، والحاصلُ أنّ الجوربين إن كانا منعلين أو مجلدين يجوزُ المسحُ عليهما باتِّفاقِ أصحابنا، وإن لم يكونا منعلين ولا مجلدين اختلفوا فيه، فمنعه أبو حنيفةَ في قوله القديم، مستدلاًّ بأنّه لا يمكنُ مواظبةُ المشيِ فيه إلا إذا كان منعلاً أومجلَّداً فلم يكن في معنى الخفّ، وجوَّزه صاحباه بناءً على أنّه إذا كان ثخيناً يمكن فيه تتابعُ المشي، فشابه الخفّ، فإن لم يكونا ثخينين أيضاً لا يجوزُ المسحُ عليهما اتِّفاقا.ً
(2/71)
________________________________________
] ثخينين غير مُنعَّلين، أو مُجلَّدين لا يجوزُ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - خلافاً لهما، وعنه: أنه رجعَ[(1)] إلى قولِهما(2)، وبه يُفْتَى، (ملبوسينِ[(3)] على طُهْرٍ تامٍّ[(4)](5) وقتَ الحدث[(6)](7))، فلو توضَّأ وضوءاً غيرَ مرتبٍ فغسلَ الرِّجلين، و(8)لَبِسَ الخُفَّيْن، ثُمَّ غسلَ باقي الأعضاء[(9)
__________
(1) قوله: وعنه أنّه رجع؛ أي في آخرِ عمر قبل موتِهِ بتسعةِ أيّام، وقيل بثلاثة أيّام. كذا في ((مجمع الأنهر)).
(2) لم يكن الرجوع نصاً منه، بل استلالاً مما حكي عنه - رضي الله عنه - أنه مسح على جوربيه في مرضه الذي مات فيه، وقال: لعوَّاده فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به رجوعه إلى قولهما، وكان الحلواني - رضي الله عنه - يقول: هذا كلام محتمل يحتمل أنه كان رجوعاً ويكون اعتذاراً لهم إنما أخذت بقول المخالف للضرورة ولا يثبت الرجوع بالشك. كما في ((حاشية الشرنبلالي على الدرر))(1: 36).
(3) قوله: ملبوسين؛ صفةٌ لكلٍّ من الخفَّين والجرموقين والجوربين.
(4) قوله: طهرٌ تام؛ احترزَ به عمّا إذا لبسهما المتيمّم أو المتوضِّئ بنبيذِ التمر، فإنّه لا يمسح، وصاحبُ العذر مع العذر، فإنّه لا يمسحُ خارجَ الوقت. كذا في ((جامع الرموز)) وغيره.
(5) احترز به عن الناقص حقيقة كلمعة، أو معنى كتيمم، وغيره. كما في ((الدر المختار))(1: 180).
(6) قوله: وقت الحدث؛ ظرفٌ لتامّ؛ أي يشترطُ أن يكونَ الطهرُ التامّ عند الحدث اللاحقِ بعد لبسِ الخفَّين، ولا يشترطُ أن يكون تامَّاً عند اللبسِ وقبل الحدث أيضاً.
(7) فيه إشارة إلى أن التمام وقت اللبس ليس بشرط. كما في ((الإيضاح))(ق8/أ).
(8) في م: ثم.
(9) قوله: غسلُ باقي الأعضاء؛ المرادُ بالغسلِ أعمّ من الحقيقيّ والحكميّ، فيشملُ مسحَ الرأس؛ لكونِهِ غسلاً حكميَّاً، فلا يرد أن باقي الأعضاء إن أريدَ به ما يشملُ الرأسَ أيضاً فهو غير صحيح؛ لأنّه لا يغسلُ في الوضوء، وإن أريدَ به ما عداهُ يكون الكلام خالياً عن ذكرِ المسح.
(2/72)
________________________________________
]، ثُمَّ أحدث. أو توضَّأ وضوءاً مُرتَّباً، فغسلَ رجلَهُ اليُمْنى وأدخلَها في(1) الخُفّ، ثُمَّ غسلَ رجلَهُ اليُسْرى وأدخلَها(2) في(3) الخُفَّ ليس له طهارةٌ تامةٌ في الصُّورة الأولى[(4)] إذا لَبِسَ الخُفَّيْن، وفي الصُّورة الثَّانية [(5)
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(2) في س: أدخله.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(4) قوله: في الصورةِ الأولى؛ وهي ما إذا غسلَ الرجلين أوّلاً، ولبسَ الخفَّين ثمَّ أتمّ وضوءه، ففي هذه الصورةِ الموجودةِ عند حدوث اللبسِ ليس إلا غسلُ الرجلين لا الطهارةُ التامَّة لإتمامِهِ الوضوءَ بعده، نعم يصدقُ عليه أنّه ذو طهارةٍ كاملةٍ عند الحدث اللاحق، وهو زمانُ بقاء اللبس، لا زمان حدوثه.
(5) قوله: وفي الصورة الثانية؛ وهي ما إذا توضَّأ وضوءً مرتَّباً ولم يتمَّه، بل لبسَ الخفّ في اليمنى قبل تمامِه ثمَّ أتمّه بغسلِ اليسرى، ففي هذه الصورةِ ليس له طهارة كاملةٌ عند حدوثِ اللبس؛ لأنّ لبسَ الخفّ في اليمنى كان قبل تمامِها، نعمٌ له طهارةٌ كاملةٌ وقت الحدث، وهو زمانُ بقاءِ اللبس، ففي هاتين الصورتين يجوزُ المسحُ على الخفَّين بعد الحدثِ اللاحق؛ لوجودِ بقاء لبسهما على طهارةٍ كاملة، ووجودها قبيل الحدثِ اللاحق وإن لم يوجدْ حدوثُ اللِّبسِ على طهارةٍ كاملة، وفيه خلافُ الشافعيّ فإنّه يشترطُ كمالُ الطهارةِ عند حدوثِ اللبس، ولنا أنّ الخفَّ يمنعُ حلولَ الحدثِ بالقدم، فيراعى كمالُ الطهارةِ وقت المنع، وهو وقتُ الحدث لا وقت حدوث اللبس، ويؤيّده حديثُ المغيرةَ رضي الله عنه عند الشيخين البخاريّ ومسلم، وغيرهما: قال أهويت إلى الخفَّين لأنزعهما، فقال رسول الله: ((دع الخفّين، فإنّي أدخلتُ القدمين الخفَّين وهما طاهرتان، فمسح عليهما))، فإنّه صريحٌ في أنّ المعتبرَ هو طهارةُ القدمِ الذي يدخلُ في الخفِّ عند حدوثِ اللبس لا الطهارة الكاملة، وإلا يقال: إنّي أدخلت القدمين الخفَّين، وأنا طاهر أو نحو ذلك، وإن شئتَ الاطِّلاع على البسطِ في أدلَّة المذهب، فارجع إلى ((السعاية)).
(2/73)
________________________________________
]إذا لَبِسَ اليُمْنى، لكنَّهما ملبوسان على طهارةٍ كاملةٍ وقت الحدث[(1)].
فَعُلِمَ [(2)
__________
(1) قوله: وقت الحدث؛ فيه أنّ وقتَ الحدث وقتُ انتقاضِ الطهارة، فكيف يكون وقتُ الطهارةِ الكاملة، وأجيبَ عنه بأنّ المرادَ به قبيل وقت الحدث.
(2) قوله: فعلم …الخ؛ تفريع على ما ذكرَ في الصورتين، وتوجيههٌ لاختيارِ المصنِّف عبارةَ غير العبارةِ المشهورة، وحاصله أنّ قولهم: إذا لبسهما على طهارةٍ كاملةٍ وقت الحدثِ يدلّ بظاهرِهِ على اشتراطِ الطهارةِ الكاملةِ عند ابتداءِ اللِّبس؛ لأنّ الفعلَ الماضي يدلّ على الحدوثِ مع أنّه ليس كذلك عندنا، فإنّ المسحَ في الصورتين المذكورتين جائزٌ مع عدمِ الطهارةِ الكاملةِ عند ابتداءِ اللبس، وإنّما الشرطُ عندنا هو كمالُ الطهارةِ عند الحدث، وهو زمانُ بقاءِ اللِّبسِ لا وقتَ ابتدائه، فلذلك عدلَ المصنِّف عن تلك العبارة واختارَ صيغةَ اسمِ المفعولِ الدَّالةِ على الثباتِ والدوام؛ فإنّه يصدقُ في الصورتين المذكورتين ممّا ليس له كمال الطهارةِ عند الابتداء أنّهما ملبوسان على الطهارةِ الكاملة وقتَ الحدث، فيشملها كلامه، فاعلم أنّ عبارةَ المصنّف أحسنُ من عبارتهم، وهاهنا أبحاثٌ من وجوه: الأوّل: إنَّ صدرَ كلامِ الشارحِ المفيد؛ لأنّ عبارةَ المصنِّف أحسن من عبارتهم، يدلّ على أنّ عبارتَهم أيضاً صحيحة، وفيها أيضاً حسنٌ ولطافة، لكن عبارة المصنّف أزيد منها حسناً، وآخر كلامه وهو قوله: ولا يصحّ أن يقال: لبسهما على طهارةٍ كاملةٍ وقت الحدث، يدل على أن عبارتهم ممَّا لا يصحّ فضلاً عن حسن، فبين كلاميه تناقض، والجواب عنه من وجهين: أحدهما أن يقال: إنَّ لفظَ أحسن مجرَّد عن معنى التفضيل، فالغرضُ منه ليس إثباتُ زيادةُ الحسنِ بل إثباتُ نفس الحسن، كما يقال: الأعمّ والأخص، ويرادُ به نفس العامّ والخاص، فيدلّ كلامَه حينئذٍ على أنّ في عبارةِ المصنِّف حسناً، وفي عبارةِ الجمهور قبحاً، وما يشملُ على قبحٍ فهو في حكمٍ غير الصحيح، فلذلك قال في آخرِ كلامه: فلا يصحّ، فاندفع التعارض، وثانيهما: إنّا سلَّمنا أنّ المرادَ بالأحسنِ هو ما فيه زيادةُ حسن، لكن لمَّا كان غير الأحسنُ بمقابلةِ الأحسن في قوَّة القبيح، وغير الصحيح عند العقلاء الحذَّاق أطلق في آخر كلامِهِ عدمَ الصحَّة فاندفع التناقض، الثاني: إنّ الذي بنى عليه الشارح الفرق بين العبارتين من دلالةِ الفعل على الحدوثِ والاسم على الدوام والاستمرارِ غير صحيح، فكثيراً ما يجيء الفعلُ للاستمرار والاسمُ لنفسِ الثبوت، إلا أن يقال: غرضه أنّ الأصلَفي الفعل الدلالةِ علىُ الحدوث، وفي الاسمِ الاستمرار، فلا يضرّ استعمال أحدهما في الآخر، لكن يرد حينئذٍ إيرادٌ ثالث وهو أنّ كونَ الأصلَ في الفعلِ هو الحدوث مسلَّم، وأمّا كون الأصلِ في الاسمِ هو الاستمرارُ فممنوع، فإنّهم صرَّحوا بأنّ الاسمَ والجملةَ الاسميّة أصلُ وضعهما للثبوت مع قطعِ النظرِ عن الدوام وعدمه، وإنّما يفهمُ منه الاستمرارُ بقرينةٍ حاليّة أو مقاليَّة، الرابع: إنّهم صرَّحوا بأنّ مَن حلفَ لا يلبسُ هذا الثوب وهو لابسه ولم ينْزعه في الحال يحنث، صرَّح به في ((الهداية))، وهذا يدلّ على استعمالِ الفعلِ أعمّ من الحدوث والبقاء، ومثله قوله تعالى: {فلا تقعدْ بعد الذكرى مع القومِ الظالمين}، معناه لا تدم قعودك معهم، إلا أن يقال إنّ استعمال الفعلِ للبقاءِ ليس ينكره الشارح، بل غرضه أنَّ الأصلَ في الفعل هو استعماله للحدوث، فإن تخلَّف ذلك فذلك لاقتضاءِ مقامٍ أو قرينةٍ خارجة، الخامس: إنّهم صرَّحوا بأنّ اسمَ الفاعلِ والمفعولِ أيضاً للحدوث، وجوابه: إنَّه وإن كان الأصلُ فيه هو هذا، لكنَّ استعمالهما للبقاءِ شائ،ٌ وكثير بالنسبة إلى استعمالِ الفعل للبقاء، ولذلك حكمَ الشارحُ على عبارةِ المصنِّف بالأحسنيّة، السادس: إنَّ قولَ الفقهاءِ وقتَ الحدثِ متعلِّقٌ بقولهم: كاملة، لا بقولهم: إذا لبسهما؛ ليكون المعنى مسحُ الخفَّين جائزٌ إذا لبسهما على طهارة، يكون كمالها وقت حدث، فيكون مؤدَّاه ومؤدّى عبارةُ المصنّف واحداً، وفي المقامِ أبحاثٌ أخرُ مبسوطةٌ في ((السعاية)).
(2/74)
________________________________________
]أن قولَهُ: ملبوسين، أحسنُ من عبارتِهم، وهي: إذا لَبِسَهُما على طهارةٍ كاملة؛ لأنَّ المرادَ الطهارة(1) الكاملة وقتَ الحدث، وهذا الوقتُ هو زمانُ بقاءِ اللُّبْس لا زمانَ حدوثه، فيصحُّ أن يقال: هما ملبوسان على طهارةٍ كاملةٍ وقت الحدث، ولا يصحُّ أن يقال: لَبِسَهُما على طهارةٍ كاملةٍ وقتَ الحدث؛ لأنَّ الفعلَ دالٌّ على الحدوث، والاسمُ دالٌّ على الدَّوام والاستمرار(2).
__________
(1) في م: بالطهارة.
(2) حاصل كلام الشارح: أن قولهم: إذا لبسهما على طهارة كاملة وقت الحدث يدل بظاهره على اشتراط الطهارة الكاملة عند ابتداء اللبس؛ لأن الفعل الماضي يدل على الحدوث مع أنه ليس كذلك عندنا، فإن المسح في الصورتين المذكورتين جائز مع عدم الطهارة الكاملة عند ابتداء اللبس، وإنما الشرط عندنا هو كمال الطهارة عند الحدث، وهو زمان بقاء اللبس لا وقت ابتدائه، فلذلك عدل المصنف عن تلك العبارة ، واختار صيغة اسم المفعول الدالة على الثبات والدوام، فإنه يصدق في الصورتين المذكورتين مما ليس له كمال الطهارة عند الابتداء أنهما ملبوسان على الطهارة الكاملة وقت الحدث فيشملها كلامه. كما في ((عندة الرعاية))(1: 112).
(2/75)
________________________________________
(لا على عِمَامة[(1)](2)، وقَلَنْسُوة(3)
__________
(1) قوله: لا على عمامة؛ أي لا يجوز المسحُ على عمامة، وهو بكسرِ العين، ما يلفَّه الرجالُ على رؤوسهم، ولا على قلنسوة: بفتح القاف واللام، وسكون النون، وضمّ السين المهملة، وفتح الواو: ما يسترُ به الرأس، يقال له بالفارسيَّة: كلاه، فلو لم يمسحْ شيئاً من الرأسِ مسحَ على عمامةٍ أو قلنسوةٍ لم يجيزه ذلك، وكذا لا يجوزُ المسحُ مقامَ غسل الوجهِ على برقع، وهو بضمّ الباء الموحدة، وسكون الراء المهملة، ثم قاف مفتوحة، ثم عينٌ مهملة: خرقةٌ تسترُ بهما النساء وجوههنّ وأعينهنّ، وكذا لا يجوزُ المسحُ مقامَ غسلِ الكفَّين على قفازين، بضمّ القاف، وتشديد الفاء بعد الألف زاي معجمة، والقفَّاز ما يلبسُ في الكفِّ الصائدِ لدفعِ مخالبِ الطيور، وقد يكون من كرباسٍ يلبسُ لدفعِ البردِ ونحوه، ويقال له بالفارسيّة: دستانه، والوجه في ذلك كلَّه أنّ ثبوتَ المسحِ وقيامه مقام الغسلِ على خلافِ القياس، فيقتصر على ما وردَ به، ولم يرد في الشرعِ الاكتفاءُ بالمسحِ على هذه الأشياء، وقيامه مقامَ الغسل، ولا دخلَ للرأي فيه حتى يثبتَ جوازه بالقياس على مسحِ الخفَّين، وهذا كلُّه قولُ الجمهور، واختارَ أحمد والأوزاعي واسحق جوازَ المسحِ على العمامةِ مستنداً بأنّه ثبتَ ذلك عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلَّم بروايةِ عمرو بن أميّة الضمريّ عند البخاريّ، وبلال عند مسلمٍ وغيره، وأجاب الجمهورُ عنه بأنّه لا دلالةَ لما رووه على عدمِ مسحِ الرأس، والاكتفاءِ بمسح العمامة، بل في بعضها عند مسلم وغيره تصريحٌ بأنّه مسحَ على ناصيته وعمامته، بخلافِ مسح الخفَّين، فإنّ كثيراً من الروايات دلَّت على الاكتفاءِ به، وإن شئت الاطلاع على زيادة التفصيل في هذا البحث فعليك بـ((السعاية)).
(2) العِمامة: ما يلفّ على الرأس. كما في ((القاموس))(4: 156).
(3) القَلَنْسُوةُ: جمعها: قلانِس، وهي من ملابس الرؤوس. كما في ((اللسان))(5: 3720).
(2/76)
________________________________________
، وبُرْقُع(1)، وقُفَّازَيْن(2) )(3) : القُفَّازَيْن: ما يُلْبَسُ على(4) الكَفّ؛ ليكُفَّ[(5)] عنها مَخْلَبَ الصَّقر، ونحوه[(6)].
__________
(1) البُرْقُع: بفتح القاف وضمها، وجمعها: البَراقع: ما تلبسه نساء الأعراب، وفيه خرقان للعينان. كما في ((اللسان))(1: 265).
(2) القُفَازين: ما يعمل لليدين يحشى بقطن، ويكون له أزرار يُزرّ على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها. كما في ((مختار))(ص546).
(3) وعلة ذلك عدم الحرج. كما في ((الدر المختار))(1: 181).
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(5) قوله: ليكف؛ معروف، وفاعله ضميرٌ راجع إلى اللالبس، أو مجهول؛ أي ليمنع عنها؛ أي عنّ الكف، مخلب، بكسر الميم، وسكونُ الخاء المعجمة وفتح اللام، هو قائم مقامَ الفاعلِ على التقدير الثاني، ومفعولٌ على التقدير الأوّل: قال في ((منتهى الأرب)): خلب بالكسر: ناخن، ومخلب بكسر جنكال جوارح يعني أظفارِ الطيورِ الجارحة، الصقر: بفتح الصاد المهملة، قال في ((منتهى الأرب)): جرغ وهر مرغ شكارى ازباز وشاهين وجزآن. انتهى.
(6) قوله: ونحوه؛ هو إمّا بالكسرِ معطوفٌ على الصقر، وضميره إليه، وإمّا بالفتحِ عطفٌ على المخلب، وإمّا بالرفعِ عطفٌ عليه أيضاً على أحدِ التقديرين اللذين ذكرناهما سابقاً.
(2/77)
________________________________________
(وفرضُهُ قَدْرُ[(1)](2) ثلاثِ أصابعِ(3) اليد(4) )، فإنَّ مَسْحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كان خُطُوطاً[(5)](6)
__________
(1) قوله: قدر؛ أي مقدارُ ثلاث أصابعِ اليد، فيه إشارةٌ إلى أنَّ المسحَ بثلاث أصابعِ اليد بعينها ليس بفرضٍ إنّما هو سنَّة، والفرضُ إنّما هو مقداره، واعتبارُ أصابعِ اليد هو اختيارُ كثيرٍ من الفقهاء، وهو الذي صحَّحه في ((الهداية)) وغيره، اعتبارُ الآلة المسح، واعتبرَ الكرخيّ ثلاث أصابعٍ من أصابعِ الرجلِ اعتباراً باعتبارها في مسائلِ خرقِ الخفّ كما سيأتي في موضعه.
(3) أي فرضه قدر طول الثلاث أصابع وعرضها. كما في ((رد المحتار))(1: 181).
(4) لأنها آلة المسح والثلاث أكثرها، وبه وردت السنة، فإن ابتلّ قدرها ولو بخرقة أو صب جاز، ويكون على ظاهر مقدَّم كل رجل. كما في ((المراقي))(ص168).
(5) قوله: كان خطوطاً؛ كما يعلمُ ممَّا رواه ابن أبي شيبةَ في ((مصنَّفه)) عن الحسن البصريّ قال: من السنةِ أن يمسحَ على الخفَّينِ خطوطاً، روى أيضاً عن المغيرةِ بن شعبة رضي الله عنهم قال: ((رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالَ ثمَّ جاء فتوضَّأ ومسحَ على خفَّيه، ووضعَ يدَه اليمنى على خفّه الأيمن ويدَه اليسرى على خفِّه الأيسر، ثمّ مسحَ أعلاهما مسحةً واحدة، حتى كأنّي أنظرُ إلى أصابعِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على الخفَّين))، وروى ابن ماجةَ عن جابرٍ: ((إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال بيده هكذا من أطرافِ الأصابعِ إلى أصل الساق، وسنده ضعيف، وروى الطبرانيّ في ((معجمه الأوسط)) عن جابرٍ قال: مرَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم برجلٍ يتوضَّأ وهو يغسلُ خفَّيه فنفحه بيده وقال: ((إنّما أمرنا بالمسحِ هكذا، ومدَّ يده من مقدَّمِ الخفَّين إلى أصلِ السَّاقِ مرَّة، وفرَّجَ بين أصابعه))، كذا ذكره العينيّ في ((البناية)).
(6) روي من حديث المغيرة بن شعبة، وجابر ، أما حديث المغيرة - رضي الله عنه -، فهو: ((رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالَ، ثم جاء حتى توضأ ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خُفِّه الأيمن ويده اليسرى على خُفِّه الأيسر، ثم مسحَ أعلاهما مسحةً واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابعه - صلى الله عليه وسلم - على الخُفَّين)) في ((مصنف ابن أبي شيبة))(1: 170)، و((سنن البيهقي الكبير))(1: 292). وأما حديث جابر، فهو: ((مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل يتوضأ فغسل خفيه فنخسه برجليه، وقال ليس هكذا السنة، أمرنا بالمسح هكذا، وأمر بيديه على خُفَّيه))، ((المعجم الأوسط))(2: 30-31)، قال الطبراني: لا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، وفي رواية: ((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق وخطَّطَ بالأصابع)) في ((سنن ابن ماجه))(1: 183)، وينظر: ((نصب الراية))(1: 180)، و((البناية))(1: 576)، و((تخليص الحبير))(1: 160)، و((خلاصة البدر المنير))(1: 74).
(2/78)
________________________________________
، فَعُلِمَ أنَّها(1) بالأصابعِ دون الكَفّ، وما زادَ[(2)] على مقدارِ ثلاثِ أصابعِ اليدِ إنِّما هو بماءٍ مستعمل، فلا اعتبارَ له[(3)
__________
(1) في م: انه.
(2) قوله: وما زاد …الخ؛ لهذا الكلام محامل: الأوّل: أن يكون الغرضُ منه بيانُ اعتبار ثلاث أصابع لا أزيدَ منه، ودفعُ ما يرد أنّ الثابتَ بالحديث هو المسحُ بالأصابع، وليس فيه تقييده بالثلاث، وحاصله أنّه لمَّا علمَ أنَّ المسحَ بالأصابع، فإن اعتبرت الأصابعُ الأربعةُ أو الخمسةُ يكون المسحُ الزائدُ بماءٍ مستعملٍ فلا يعتبر به، فلذلك لم يدخلْ في المفروض، وتوضيحه أنّ ما زادَ على ثلاث إمّا أن يكونَ بماءٍ جديدٍ غير الماء الذي للثلاثة، أو بماءٍ مستعملٍ بالثلاثة على الأوّل، يلزمُ تعداد المسح، وعلى الثاني يلزم استعمالَ الماءِ المستعمل، وفيه أنَّ ماءَ اليدِ ما دام على العضو لا يأخذُ حكمَ الاستعمال ما لم ينفصلْ عن العضو كما مرَّ في موضعِه، والأولى في وجهِ تقديرِ الثلاث أنّه لمَّا ثبتَ أنّ مسحَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان بالأصابع، وأقلّ الجمعِ ثلاثة فقلنا بافتراضِ المتيقِّن دون ما زادَ عليه، الثاني أن يكون دفعاً لما يقال: قد مرَّ أنّ المسنونَ هو المسحُ بالأصابعِ المنفرجة، فيلزمُ الزيادةُ على مقدارِ الثلاث لانتشارِ الماء من الأصابعِ الثلاثة في فرجاتها وحاصله أنّ ما زادَ على الثلاث إنّما هو مستعملٌ لا ماءٌ جديد، فلا اعتبارَ له، فبقي مقدارُ الثلث، والثالثُ أن يكون دفعاً لما يقال من أنّ المسنونَ هو مدّ الأصابعِ إلى الساق، فتلزمُ الزيادةُ على مقدار الثلث، وحاصله أنّ ما زادَ على مقدارِهِ بمدِّه إنّما هو بماءٍ مستعمل، فلا اعتبارَ له، وفي المقامِ أبحاثٌ سؤالاً وجواباً، فلتطلب من ((السعاية)).
(3) قوله: فلا اعتبار له؛ يعني فلا يعتبرُ شرعاً، فيبقى مقدارُ الثلثِ مفروضاً والباقي لغواً أو المعنى فلا اعتبارَ له في لزومِ الزيادة على القدر المفروض.
(2/79)
________________________________________
](1)، فبقي مقدارُ ثلاثِ أصابع، ولا يفرضُ فيه شيءٌ آخر [(2)]كالنِيَّة، وغيرِها.
__________
(1) اعترض ملا خسرو في ((درر الحكام))(1: 36) على عبارة الشارح، فقال: لأن مد الصابع إلى الساق إذا كان سنة لم يحصل إلا بالماء المطهر، وقد اتفقوا على أن الماء المستعمل غير مطهر، وأيضاً اتفقوا على أن الماء ما دام في العضو لم يكن مستعملاً فكيف يصح ما ذكر.
(2) قوله: شيء آخر؛ أي سوى المقدارِ المذكورِ كالنيَّة والترتيبِ والموالاة؛ لعدمِ دليلٍ يدلّ على ذلك، فإن قلت: المسحً كالتيمّم بدلٌ عن الغسل، فيجبُ أن يشترطَ له النيَّة كما شرطت لها، قلت: إنّما شرطنا النيَّة في التيمَّم لدلالةِ الأدلَّة على ذلك، ولا دليل هاهنا، ونظيره مسحُ الرأس؛ لكونهما مشتركين في كونِهما طهارتين بالماءِ فكما لا يشترطُ في مسحِ الرأس شيءٌ من ذلك لا يشترطُ فيه.
(2/80)
________________________________________
(ومدَّتُهُ للمقيمِ[(1)] يومٌ وليلةٌ[(2)](3)، وللمسافرِ[(4)] ثلاثةُ أيام ولياليها من حين الحَدَث[(5)
__________
(1) قوله: للمقيم …الخ قال في ((النهاية)): ذكر في ((الأسرار)) قال عامَّة العلماءِ مدَّةُ المسحِ مقدَّرة، وقال مالك: غير مقدَّرة، ذكره من غيرٍ فصلٍ بين المقيم والمسافر كما ترى، وقال شيخ الإسلام في ((مبسوطه)) قال مالك: إنّ مدَّةَ المسحِ في حقّ المسافر غير مؤقَّتٍ بل يمسحُ كما شاءَ إذا لبسهما على الطهارة، وجعل هذا القولَ الإمامَ السرخسيّ قول الحسنِ البصريّ قال: وكان الحسنُ البصريّ يقول: المسحُ مؤبّد للمسافر، واحتجَّ مَن ادَّعى التأبيدَ للمسافر، واحتجَّ مَن ادَّعى التأبيدَ للمسافر بحديث رجلٍ قال: ((يا رسولَ الله؛ أمسحُ يوماً؟ قال: نعم، قال: فقلت: يومين؟ قال: نعم، حتى انتهيت إلى سبعةِ أيّام، فقال: إذا كنت في سفرٍ فامسحْ ما بدا لك))، وتأويله عندنا أنّ مرادَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بيانُ أنّ المسحَ مؤبّد غيرُ منسوخ. انتهى.
(2) قوله: وليلة؛ أي مع ليلة، ولم يقل: وليلة إشعاراً بأنَّ الليلةَ أعمّ من الليلةِ المتقدّمة والمتأخّرة، فلو لبسَ الخفَّ وقتَ طلوع الشمس يوم الجمعةِ مثلاً جازَ له المسحُ إلى طلوعِ الشمسِ يوم السبت، مع أنّ الليلةَ في هذهِ الصورة ليست ليلة ذلك اليوم، فإنّ ليلةَ اليوم شرعاً هي المتقدِّمة عليه، ولعلك تتقطّن من هاهنا أنّ قوله في بيانِ مدَّة المسافر: ولياليها، الإضافةُ فيه لأدنى ملابسة، والمرادُ الليالي التي تؤخذُ مع تلكِ الأيّام سواءً كانت متقدِّمةً عليها أو متأخّرةً عن بعضها.
(3) في س: وليلية.
(4) قوله: وللمسافر؛ يستثنى منه، وكذا من قرنيه صاحب الجرح السائل، فإنّه يجوزُ له المسحُ ما لم يخرج الوقت لا بعده، وإن بقيت هذه المدَّة، كما في ((خلاصة الفتاوى)).
(5) قوله: من حين الحدث؛ أي مبدأ هذه المدَّة اعتبارها من وقتِ الحدث؛ أي الحدثِ الأوّل الذي يلحقُ بعد اللبس، وهذا قولُ الجمهور، وفي روايةٍ عن أحمد من حين يمسح بعد الحدث، وعن الحسن البصريّ من حين اللبس، فمَن توضَّأ عند طلوعِ الفجرِ ولبس الخفَّ وأحدثَ بعد طلوعِ الشمسِ فتوضَّأ ومسحَ بعد الزوالِ فعلى قول الجمهورِ يجوزُ له المسح إلى طلوعِ الشمس من اليوم الثاني، وإلى طلوعِ الفجرِ عند أحمد، وإلى زوالِ اليوم الثاني عند الحسن، والبسطُ في دلائلٍ المذاهب مفوَّض إلى ((السعاية)).
(2/81)
________________________________________
])؛ لأنَّ قولَهُ - صلى الله عليه وسلم -: ((يَمْسَحُ[(1)] المُقِيمُ يَوْمَاً وَلَيْلَة، [وَالمُسَافِرُ ثَلاثَةَ أَيَّام](2) ))(3) الحديث، أفادَ جوازَ المسحَ في المُدَّةِ المذكورة، وقبل(4) الحَدَثِ لا احتياجَ إلى المَسْح، فالزَّمان الذي يُحتاجُ فيه إلى المسح، وهو من وقتِ الحدثِ[(5)] مقدَّرٌ بالمقدارِ المذكور[(6)](7).
__________
(1) قوله: يمسح …الخ أخرجه الطبرانيّ من حديث البراء، وأبو نعيم من حديث مالك بن سعد، ومسلم من حديث عليّ، وأبو داود من حديث خزيمة، وابن أبي شيبةَ من حديث عمر رض، والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه وغيرهم من حديثِ صفوان، وقد بسطَ الكلامُ فيه الزيلعيّ في ((تخريج أحاديث الهداية)).
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(3) من حديث علي - رضي الله عنه -: ((جعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم)) في ((صحيح مسلم))(1: 232)، واللفظ له، و((صحيح ابن خزيمة))(1: 97)، و((المسند المستخرج))(1: 330)، و((المجتبى))(1: 84)، وغيرهم، ومن حديث: صفوان بن غسان في ((جامع الترمذي))(1: 159). وينظر: ((نصب الراية))(4: 174)، و((الدراية))(1: 77).
(4) في أ و ب و س و ف: قيل.
(5) قوله: وهو من وقتِ الحدث؛ لأنَّه الزمانُ الذي وجدَ فيه سببُ وجوب الطهارة وانتقاضُ الطهارةِ السابقة.
(6) قوله: بالمقدار المذكور؛ لكونه وقتَ وجودِ السبب، وأيضاً هو وقتً منعِ الخفّ سرايةَ الحدثِ إلى القدم، وأيضاً هو وقتً وجودِ الرخصة، فكان أحقّ بالاعتبار من وقتِ اللبس ووقت الطهارة.
(7) لكونه وقت وجود السبب، وأيضاً: هو وقت منع الخف سراية الحدث إلى القدم، وأيضاً: هو وقت وجود الرخصة، فكان أحق بالاعتبار من وقت اللبس ووقت الطهارة. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 114).
(2/82)
________________________________________
(وينقضُهُ: ناقضُ الوضوء[(1)]، ونزعُ الخُفّ[(2)](3) )، ذَكَرَ لفظَ(4) الواحد، ولم يقلْ: نَزْعَ الخُفَّين؛ ليفيدَ أنَّ نزعَ أحدِهما ناقض، فإنَّه إذا نَزَعَ أحدَهما وجبَ غَسْلُ إحدى الرِّجلين[(5)]، فوجبَ[(6)] غَسْلُ الأُخرى، إذ لا جمعَ [(7)]بين الغَسْلِ والمسح، وكذا إن دخلَ الماءُ أحدَ خُفَّيه حتَّى صارَ جميعُ
__________
(1) قوله: ناقض الوضوء؛ أي كلّ ما ينقضُ الوضوء؛ لأنَّ المسحَ جزءٌ منه، فإذا انتقضَ انتقضَ فيجبُ تجديدُ المسح عند تجديد الوضوء عند بقاء المدَّة.
(2) قوله: ونزعُ الخف؛ لما روى عن عبدِ الله بن عمر أنّه كان في غزوةِ فنَزَع خفَّيه وغسَلَ قدميه ولم يعدْ الوضوء، وهكذا روى عن غيرِه من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمَ أنّ الحدثَ إنّما يزولُ بالمسحِ مؤقَّتاً لا مؤبَّداً. كذا في ((حواشي الهداية لملا الهداد الجونفوريّ)).
(3) أراد به ما يشمل الانتزاع، وإنما نقض لسراية الحدث إلى القدم عند زوال المانع. كما في ((رد المحتار))(1: 183).
(4) في م: بلفظ.
(5) قوله: وجبَ غسل إحدى الرجلين؛ وهو الذي نزعَه منه؛ لسراية الحدث إلى القدم، حيث زالَ الخفّ المانع، فإنّ الخفَ عهدَ شرعاً مانعاً عن سراية الحدث إلى ما فيه.
(6) قوله: فوجب؛ قال صاحب ((الهداية))، وكذا نزعُ أحدهما؛ لتعذّر الجمعِ بين الغسل والمسحِ في وظيفةٍ واحدة. انتهى. قال الجونفوريّ في ((حواشيه)): يعني المسحَ مع الغسلِ لم يشرعْ، إذ المسحُ طهارةٌ غير معقولة، فيقتصر على موردِ الشرع، فالمراد بالتعذّر التعذّر الشرعيّ، أو المرادُ أنّه يتعذَّر حكمُ الجمع بينهما.
(7) قوله: إذ لا جمع؛ يعني لا جمعَ في الشرعِ بين الغسلِ والمسح؛ أي في وظيفةٍ واحدة، وأمّا عند تعدِّدِ الوظيفة فالجمع موجود؛ كغسل الوجه واليدين والرجلين مع مسح الرأس في الوضوء، فلو مسح على الخفّ الواحدة، وغسل إحدى الرجلين لزمَ الجمع بينهما في وظيفةٍ واحدة متعلِّقة بالرجلين.
(2/83)
________________________________________
الرِّجل مغسولاً[(1)]، وإن أصابَ الماءُ أكثرَها، فكذا عند الفقيه أبي جعفر[(2)](3).
__________
(1) قوله: جميع الرجل مغسولاً؛ قال قاضي خان في ((فتاواه)): ماسحً الخفّ إذا دخلَ الماء في خفِّه وابتلّ من رجلِهِ قدرَ ثلاثةَ أصابعٍ أو أقلّ لا يبطلُ مسحه؛ لأنَّ هذا القدر لا يجزئ عن غسلِ الرجل، فلا يبطلُ به حكمُ المسح، وإن ابتلَّ جميع القدم وبلغَ الماء الكعب بطلَ المسح يروى ذلك عن أبي حنيفة. انتهى.
(2) قوله: فكذا عند الفقيه أبي جعفر الهنداويّ؛ بناءً على أنّ للأكثرِ حكمُ الكلّ، فيجب عليه أن ينْزعَ الخفّ ويغسلَ كلّ القدم، وقيل: لا يعتبرُ ذلك إلا أن يصيرَ جميعُ القدم مغسولا.
قوله: ومضي المدَّة؛ أي المدَّة المذكورة وإن لم يمسح فيها بأن لبسَ الخفَّ ثم أحدثَ بعده ثمَّ مضت المدَّةُ بعد الحدثِ ولم يمسح فيها، ليس له المسح، ونسبةُ النقض إلى مضيّ المدة، وكذا إلى نزعِ الخفِّ باعتبارِ ظهورِ النقضِ عندهما، وإلا فالنَّاقضُ في الحقيقةِ في هاتين الصورتين هو الحدثُ السابق، وذكر في ((فتاوى قاضي خان))، و((مختارات النوازل)) و((الخلاصة)) و((التاتارخانيّة)) و((الولوالجية)) وغيرها: إنّه إذا انقضت مدَّةُ المسحِ وهو مسافرٌ ويخافُ ذهابَ رجله من البرد لو نزعَ خفَّيه جازَ له المسح، وفيه ما ذكره ابنُ الهمامِ في ((فتح القدير)): إنَّ خوفَ البردِ لا أثرَ له في منعِ السراية، كما أنّ عدمَ الماء لا يمنعها، فغايةُ الأمرِ أنّه لا ينزع، لكن لا يمسح بل يتيمَّم لخوفِ البرد.
(3) بناءً على ان للأكثر حكم الكل، فيجب عليه أن ينْزع الخف، ويغسل كل القدم. كما في ((عمد الرعاية))(1: 114).
(2/84)
________________________________________
(ومُضِيِّ المدَّة(1)، وبعد أحد هذين): أي نَزَعُ الخُفّ، ومُضِي المُدَّة، (على المتوضئ غَسْلُ رجليه فحسب): أي على الذي كان له وضوءٌ(2) لا يَجِبُ إلاَّ غَسْلُ رجليه، أي لا يَجِبُ غَسْلُ بقيةِ الأعضاء، وينبغي[(3)] أن يكون فيه خلاف مالك(4) - رضي الله عنه - بناءً على فرضيةِ الولاء عنده.
__________
(1) خروج القدم ومضي المدة ليس بناقض حقيقة، وإنما الناقض الحدث السابق، لكن لما ظهر أثره عندهما نُسِبَ النقضُ إليهما. كما في ((فتح باب العناية))(1: 198).
(2) العبارة في س: أي على الذين كان وضوء.
(3) قوله: وينبغي؛ أشارَ به إلى أنّه لم يجد تصريحاً في ذلك، لكنّ قواعده تقتضيه.
(4) قال مالك - رضي الله عنه - في الذي ينزع خُفَّيه وقد مسح عليهما: إنه يغسل رجليه مكانه ويجزئه، وإن أخرَ ذلك ابتدأ الوضوء، فإن نزع خُفَّاً واحداً، فلينزع الآخر، ويغسل رجليه مكانه ويجزئه، وإن أخر ذلك ساعةً أعاد الوضوء، وقال الأبهري: حدُّ ذلك مقدارُ ما يجفُّ فيه الوضوء. كما في ((التاج والأكليل))(1: 323).
(2/85)
________________________________________
(وخروجُ أكثرِ العَقِبِ[(1)](2) إلى السَّاق نَزْع)، ولفظُ القُدُورِيِّ(3): أكثر القدم[(4)]، وما اختارَه في المتن(5) مَرْوِيٌّ عن أبي حنيفةَ(6)
__________
(1) قوله: وخروجُ أكثر العقب؛ بفتح العين المهملة، وسكون القاف، وجاء كسر العين أيضاً مع سكونِ القاف وفتح العين مع كسر القاف: مؤخّر القدمِ إلى موضعِ الشراك. كذا في ((مجمع البحار))، وفي إيرادِهِ مفرداً إشارةٌ إلى أنّ خروجَ الأكثرِ من أحدهما أيضاً ناقض، وهذا إذا كان بنيّة نزعِ الخف، أمّا إذا لم يكن بنيّته فلا يبطلُ المسحُ إجماعاً، كذا في ((النهاية))، وفي ((المحيط)): إذا كان الخفُّ واسعاً بحيث إذا رفع القدم ارتفع العقب، وإذا رجعَ عادَ إلى موضعه، فلا بأسَ بالمسح عليه.
(2) العقِب: مؤخِّر الرِّجل. كما في ((مختار))(ص444).
(3) وهو أحمد بن محمد بن أحمد البَغْدَادِيّ القُدُورِيّ، أبو الحسين، والقُدُوريّ بضم القاف والدال المهملة بعد الواو، قيل: نسبة إلى قرية من قرى بغداد، يقال: لها قُدُورة، وقيل: نسبة إلى بيع القُدُور، قال السَّمْعَانيُّ: انتهت إليه رئاسة اصحاب أبي حنيفة بالعراق، وعزَّ عندهم قدره وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في النظر، مديماً لتلاوة القرآن. من مؤلفاته: ((مختصر القُدُورِيّ))، و((شرح مختصر الكَرْخي))، و((التجريد))،(362-428هـ). ينظر: ((النجوم الزاهرة))(5: 24)، ((مرآة الجنان))(3: 47)، ((الفوائد))(ص57-58).
(4) قوله: أكثر القدم؛ قال في ((الهداية)): هو الصحيح.
(5) في س: المنتن.
(6) فعنده بقاء المسح لبقاء محل الغسل في الخف، وبخروج أكثر العقب إلى الساق الذي هو في حكم الظاهر لا يبقى محل الغسل فيه، وأيضاً: لا يمكن معه متابعة المشي المعتاد، قال القاري في ((فتح باب العناية))(1: 197): وهو الأحوط. واختاره الشارح بقول أبي حنيفة - رضي الله عنه - في ((النقاية))(ص9)، وصاحب ((الفتح))(1: 136)، ((البدائع))(1: 13).

وصحيح صاحب ((الهداية))(1: 29)، و((الدر المختار))(1: 184) خروج أكثر القدم، وهو المروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وبه جزم في ((الكنْز))(ص6)، و((الملقتى))(ص7)، وهو لأن فيه الاحتراز من خروج أقل القدم حرجاً كما في الخف الواسع، ولا حرج لأكثر، وتَنْزيلاً للأكثر منْزلة الكل.
وعند محمد إن بقي في محل المسح مقدار ما يجوز المسح عليه ـ يعني ثلاث أصابع ـ لا ينتقض المسح وغلا انتقض؛ لأن خروج ما سوى قدر المسح كلا خروج، وعليه أكثر المشايخ. كما في ((رد المحتار))(1: 184).
(2/86)
________________________________________
[(1)]- رضي الله عنه -.
__________
(1) قوله: مرويّ عن أبي حنيفة؛ قال البرجنديّ في ((شرح مختصر الوقاية)): ما ذكرَ في المتنِ هو روايةَ أبي يوسفَ عن أبي حنيفة، وفي روايةٍ أخرى عنه إن نزعَ من ظهرِ القدم قدرَ ثلاث أصابع انتقضَ مسحه، وفي روايةٍ: إن كان بحيثُ يمكنه المشي بعدما تحرَّك قدمه عن موضعِهِ فهذا لا يمنعُ جوازَ المسح، ذكره في ((الخلاصة))، وذكر في ((الحصر)): إنَّ عند أبي يوسفَ ما لم يخرجْ أكثرُ ظهرِ القدمِ إلى موضعِ الساقِ لا ينتقضُ المسح، وفي ((الكافي)): أكثرُ المشائخِ على ما روى عن محمَّد من أنّه إذا بقيَ من ظهرِ القدمِ في موضعِ المسحِ قدرَ ثلاثةِ أصابع لم يبطلْ المسح.
(2/87)
________________________________________
(ويمنعُهُ(1) خَرْقُ خُفٍّ(2) يبدو[(3)] منه قَدْرَ ثلاثِ أصابع الرِّجل[(4)] أصغرُها(5) لا ما دونَها[(6)])، فلو كان الخرقُ طويلاً يدخلُ فيه ثلاثُ أصابع الرِّجل(7) إن أُدْخِلَتْ لكن لا يبدو منه هذا المقدارُ جازَ المسح، ولو كان مضموماً لكن ينفتحُ إذا مَشَى ويظهرُ هذا المقدار لا يجوز.
فَعُلِمَ منه[(8)
__________
(1) إلا أن يكون فوقه خف آخر أو جرموق فيمسح عليه. كما في ((الدر المختار))(1: 182).
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(3) قوله: يبدو؛ أي يظهرُ منه، هو صفةٌ للخرق، والضميرُ راجعٌ إليه؛ أي خرقٌ يظهر منه من الخفّ مقدارُ ثلاث أصابع، الرجل، بكسر الراء، ويمكن أن يكون وصفاً للخفّ، والضميرُ أيضاً راجعاً إليه.
(4) قوله: قدر ثلاث أصابعِ الرجل؛ قال في ((النهاية)) نقلاً عن ((مبسوط شيخ الإسلام)): فقد اعتبرَ في حقِّ الخرقِ ثلاث أصابعِ الرجل، وفي حقّ المسحِ ثلاث أصابعِ اليد، والفرقُ بينهما أنّ الخرقَ إذا كان مقدارَ ثلاث أصابعٍ إنّما منعَ جوازَ المسح؛ لأنَّه ممَّا يمنعَُ قطع السفر، والمشي إنّما يتحقَّق بالرجل، فيعتبر ثلاث أصابعِ الرجل، وأمّا فعلُ المسحِ فإنّما يعتبرُ من اليد فاعتبر بأصابعِ اليد.
(5) روى الحسن عن أبي حنيفة أن المعتبر كونها من اليد، وقال محمد في ((الزيادات)) من اصابع الرجل أصغرها، وصحح صاحب ((الهداية))(1: 29)، كغيره، واعبر الأصغر للاحتياط. كما في ((البحر))(1: 184).
(6) قوله: لا ما دونه؛ فيه خلافُ الشافعيّ وزفر، بناءً على أنّه لمَّا وجبَ غسلُ البادي وإن قلَّ يجبُ غسلُ الباقي، وجوابه: إنّ الخفافَ قلَّما تخلو عن خرقٍ قليل، فاعتباره ممَّا يورث إلى الح رجِ في النّزع.
(7) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ف و م.
(8) قوله: فعلم منه؛ أي ممَّا ذكرنا، فإنّه علمَ من المسألتين اللَّتين ذكرهما أنّ الاعتبارَ في جوازِ المسحِ وعدم جوازِهِ لظهورِ ذلك المقدارِ المانع وعدم ظهوره عند المشي.

لأن الخف اعتبر شرعا مانعا عن سراية الحدث الى القدم الى انتهاء المدة حيث انتهت او ينزع ظهر حكم الحدث السابق اشارة الى ان المراد بالمتوضي الباقي على الوضوء لا محدثه ومريده خبر لقوله خروج اي هو في حكم النزع شرعا فيكون ناقضا للمسح بالفتح الشق والمراد به الخرق الذي كان تحت الكعب فان الخرق فوقه لا يمنع لأن الزائد على الكعب لا عبرة له ذكره الزيلعي في شرح الكنز بالكسر بدل من الاصابع اي لا لبس ذلك الخف.
(2/88)
________________________________________
] أن ما يُصْنَعُ من الغزلِ ونحوه مشقوقَ أسفلَ الكعب، إن كان يسترُ الكعبَ بخيط، أو نحوِه، يشدُّ(1) بعد اللُّبْسِ بحيث لم(2) يبدو(3) منه شىء، فهو كغيرِ المشقوق، وإن بَدَا كان كالخرق، فيعتبرُ المقدارُ المذكور[(4)].
(ويجمعُ[(5)] خروقَ[(6)](7) خُفٍّ لا خُفَّين[(8)
__________
(1) في ف و م: ويشد.
(2) في م: لا.
(3) في س: يبدأ.
(4) قوله: فيعتبر المقدار المذكور؛ أي إن ظهرَ منه ذلك المقدر لم يجزْ المسح، وإلا يجوز.
(5) قوله: ويجمع؛ يعني تجمعُ الخروق، وتعتبرُ مانعةً إن بلغ المجموع ذلك القدر.
(6) قوله: خروقُ خفّ؛ أي الخروق الواقعة في خفٍّ واحد، واختارَ ابن الهمام في ((فتح القدير)) عدم الجمع، وقوَّاه تمليذه ابن أمير حاج الحلبيّ في ((حلية المحلى شرح منية المصلّي))، واستظهره صاحب ((البحر)) لكن ذكر قبلَه أنّ الجمعَ هو المشهور في المذهب، وقال صاحب ((النهر الفائق)): إطباقُ عامَّة المتونُ والشروح عليه مؤذنٌ بترجيحه.
(7) اختار صاحب ((الفتح))(1: 134) وقوَّاه تلميذه ابن أمير الحاج بموافقته لما روي عن ابي يوسف من عدم الجمع مطلقاً، واستظهره في ((البحر))(1: 185)، لكن ذكره قبله أن الجمع هو المشهور في المذهب، وقال صاحب ((النهر)): اطباق عامة المتون والشروح عليه مؤذن بترجيحه. كما في ((رد المحتار))(1: 182).
(8) قوله: لا خفَّين؛ يعني لو كانت في كلِّ واحدٍ منهما خروقٌ قليلة غير مانعة، لكن إذا جمعت بلغت إلى القدرِ المانعِ لا تعدّ مانعة، ويصحّ المسح,
(2/89)
________________________________________
]): أي إذا كان على خُفٌّ واحدٍ خروقٌ كثيرةٌ تحت السَّاق[(1)]، ويبدو من كلِّ واحدٍ شىءٌ قليل، بحيث لو جُمِعَ البادي يكونُ مقدارَ ثلاثِ أصابعَ يمنعُ المسح، ولو كان هذا المقدارُ في الخُفَّين جازَ المسح[(2)].
__________
(1) قوله: تحت الساق؛ أي ساق الخفّ، أشارَ به إلى أنّه لا عبرةَ لخروق الساق وإن كانت كثيرة.
(2) قوله: جاز المسح؛ بشرط أن يقعَ فرضه على الخفّ نفسه لا على ما ظهرَ من خرقٍ يسير. كذا في ((الحلية))، وهذا بخلافِ النجاسةِ وانكشافِ العورة؛ فإنّ النجاسةَ المتفرِّقةَ تجمع، وإن كانت متفرِّقةً في خفَّيه أو ثوبه أو بدنه أو مكانه أو في المجموع، والانكشافُ المتفرِّق يمنعُ من الصلاة، كما إذا انكشفَ شيءٌ من فرجِ المرأة، وشيء من ظهرها، وشيء من فخذها، وشيء من ساقها، ووجهه أنّ المانعَ في العورة هو انكشافُ القدر المانع، وفي النجاسةِ هو كونه حاملاً لذلك القدرِ المانع، وقد وجد فيها بخلاف الخروقِ في الخفّ، فإنّما منعَ لامتناعِ قطعِ المسافة معه، وهذا المعنى مفقودٌ فيما إذا لم يكن في كلّ خفٍّ مقدارُ ثلاثِ أصابعِ اليد. كذا في ((البحر الرائق)).
(2/90)
________________________________________
(ويُتِمُّ مُدَّةَ السَّفرِ ماسحٌ سافرَ[(1)] قبل تمامِ يومِ وليلة، ويُتمُّهُما إن أقامَ قبلَهما، ويَنْزَعُ إن أقامَ بعدَهما)، فهنا(2) أربعُ مسائل؛ لأنَّه إمَّا أن يسافرَ المقيم، أو يقيمَ المسافر، وكلٌّ منهما(3) إمَّا قبل تمامِ يومِ وليلة، أو بعدَهما، وقد ذَكَرَ في المتن ثلاثاً منها[(4)](5)
__________
(1) قوله: سافر؛ قال في ((فتح القدير)): سواءً سافرَ قبل انتقاضِ الطهارة أو بعده، وفي الثاني خلافُ الشافعيّ، لنا إطلاقُ قولِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: ((يمسحُ المسافرَ… )) الحديث، وهذا مسافرٌ بخلافِ ما بعد كمال المدة؛ لأنَّ الحدثَ سرى إلى القدم، وما استدلَّ به من أنّه عبادةٌ ابتدأت حالةَ الإقامةِ فتعتبرُ فيها حالةُ الابتداء، كصلاة ابتدأ فيها مقيماً في سفينةٍ فسافرت، وصومٌ شرعَ مقيماً فسافر، حيث تعتبرُ فيه الإقامة، فغنى عن بيانِ تكلَّف الفرقِ لعدم ظهورِ وجه الجمع.
(2) في ص و م: فهذا.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و ف و م.
(4) قوله: ثلاثاً منها؛ الأوّل أن يسافرَ المقيمُ قبل تمام يوم وليلة، ذكره بقوله: ويتمّ مدَّة السفرِ ماسحُ سافرَ قبل تمامِ يومٍ وليلة، والثانيّ أن يقيمَ المسافرُ قبل تمام يومٍ وليلة، ذكره بقوله: ويتمَّها إن أقام قبلهما، والثالث أن يقيمَ المسافرُ بعد تمامِ يومٍ وليلة، ذكرَه بقوله: وينْزعُ إن أقام بعدهما، والرابع الذي لم يذكره صراحةً هو أن يسافرَ المقيمُ بعد تمامهما، والأصلُ في هذه المسائل أنّ الأحاديثَ الدَّالة على التوقيتِ دلَّت على كونه حكماً متعلِّقاً بالوقت، فيعتبر فيه آخر الوقت؛ كالصلاة لمَّا تعلَّقت بالوقتِ اعتبر فيها آخرُ الوقت في الطهر والحيض والإقامةِ والسفر.
(5) وهي: الأولى: أن يسافر المقيم قبل تمام يوم وليلة، ذكره بقوله: ويتم مدة السفر ماسح سافر قبل تمام يوم وليلة، والثانية: أن يقيم المسافر قبل تمام يوم وليلة ذكره بقوله: ويتمها إن أقام قبلها، والثالثة: أن يقيم المسافر بعد تمام يوم وليلة ذكره بقوله: وينْزع إن أقام بعدها. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 116).
(2/91)
________________________________________
، ولم يذكرْ [(1)]ما إذا سافرَ المقيمُ بعد تمامِ يومٍ وليلة، وحكمُهُ ظاهر[(2)]، وهو وجوبُ النَّزع[(3)].
__________
(1) قوله: ولم يذكر؛ أي صراحةً واستقلالاً، وإلا فقد أشارَ إليه بقوله: في الصورة الأولى: ماسحٌ سافرَ قبل تمام يوم وليلة؛ فإنّه يفهمُ منه أنّه لا يتمّ مدَّة السفرِ ماسحٌ سافرَ بعد تمامها، فإنّ مفهومَ المخالفة معتبرٌ في الروايات والعبادات.
(2) قوله: ظاهر؛ أشارَ به إلى وجهِ عدمِ ذكره، وهو الظهور.

(3) قوله: وهو وجوب النَّزع؛ لأنَّ الحدث قد سرى إلى القدمِ عند تمامِ مدَّة المسح، والخفُّ ليس برافعٍ للحدثِ الساري، بل هو مانعٌ عن سرايته في المدَّة.
(2/92)
________________________________________
(ويجوزُ[(1)] على جبيرةٍ(2) مُحْدِث[(3)
__________
(1) قوله: ويجوز؛ أي المسحُ على جبيرة؛ الجبيرةُ بفتح الجيم، وجمعه: جبائر، وهي العيدانُ التي تجبر بها العظام المكسورة، والتي تربطُ على موضعِ الكسر ونحوه؛ ليضمَّ بعض الأعضاء إلى بعض والتحامها واتصالها، والأصلُ في جوازه ما أخرجه أبو داود رح، وهو أصحّ ما روي في هذا الباب عن جابر قال: خرجنا في سفرٍ فأصابَ رجلاً منَّا حجرٌ فشجَّه في رأسه، فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصةً في التيمّم، فقالوا: ما نجدُ لك رخصةً وأنت تقدرُ على الماء، فاغتسلَ فمات، فلمَّا قدمنا على رسول الله خبِّر بذلك، فقال: ((قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنّما شفاءُ العيّ السؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمَّم أو يشدّ على جرحه خرقةً ثم يمسح عليها ويغسلُ سائر جسده))، وأخرجَ الدارقطنيّ بسندٍ ضعيف جداً عن ابن عمرِ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يمسحُ على الجبائر، وأخرجَ الطبرانيّ بسندٍ ضعيفٍ عن أبي أمامة أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا رماه ابن قمأة يوم أحدٍ رأيته إذا توضَّأ حلَّ عصابتَه ومسحَ عليها، وأخرجَ ابن ماجه بسندٍ ضعيفٍ عن عليّ قال: انكسرت إحدى زندي فسألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم فأمرني أن أمسح على الجبائر. كذا في ((البناية شرح الهداية)) للعيني.
(2) الجَبِيرة: جمعها الجبائر: وهي العيدان التي تشدها على العظم لتجبيره بها على استواء. كما في ((اللسان))(1: 536).
(3) قوله: محدث؛ ظاهره أنّه لا يجوزُ المسحُ على جبيرةِ الجنبِ والحائض والنفساء، مع أنّه ليس كذلك كما هو مصرَّح في المعتبرات، إلا أن يقال: المرادُ بالمحدثِ أعّم ممَّن به حدث أصغر، ومن به حدث أكبر، أو يقال: المرادُ به جبيرةُ من به حدث، بأن لم يشدَّها على طهارة، وأشارَ به إلى أنّه لا يشترطُ فيه شدَّها على الطهارة؛ لأنَّ شدَّها غالباً يقعُ على العجلة والضرورة، فاشتراطها فيه مورثٌ إلى الحرج، ولا كذلك مسح الخفّين.
(2/93)
________________________________________
](1)، ولا(2) يبطلُهُ السُّقوطُ إلاَّ عن بُرْء)، المسحُ على الجبيرةِ[(3)] إن أضرَّ(4) جازَ تركُه، وإن لم يضرَّ فقد اختلفتْ الرِّواياتُ عن أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - في جوازِ تركِه، والمأخوذُ أنَّه لا يجوزُ تركُه(5).
__________
(1) المراد أعمّ ممن به حدث أصغر، وممن به حدث أكبر. كما في ((العمدة))(1: 117).
(2) في م: فلا.
(3) قوله: المسح على الجبيرة… الخ؛ قال في ((المحيط)): لو تركَ المسحَ على الجبائر والمسحُ يضرِّه جاز، وإن لم يضرّ لم يجز، ولا تجوزُ صلاته عندهما، ولم نجد في الأصلِ قولَ أبي حنيفة، وقيل: عنده يجوز تركه، والصحيح أنّه واجبٌ عنده وليس بفرض.
(4) المراد الضرر المعتبر لا مطلقه؛ لأن العمل لا يخلو عن أدنى ضرر، وذلك لا يبيح الترك. كما في ((الدر المختار))(1: 186).
(5) وعليه الفتوى. كما في ((الدر المختار))(1: 186)، والصحيح من مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه ليس بفرض عنده. كما في ((غنية المستملي))(1: 117)، قال ابن عابدين في ((رد المحتار))(1: 186): إنه فرض عملي عندهما واجب عنده، فقد اتفق الإمام وصاحباه على الوجوب بمعنى عند جواز الترك لكن عندهما يفوت الجواز بفوته فلا تصح الصلاة بدونه أيضاً وعنده يأثم بتركه فقط مع صحة االصلاة بدونه ووجوب اعادتها.
(2/94)
________________________________________
ثُمَّ لا يُشترطُ[(1)] كون الجبيرةِ مشدودةً على طهارة، وإنِّما يجوزُ[(2)] المسحُ على الجبيرة إذا لم يقدرْ على مسحِ ذلك [ [الموضع من ](3) العضو](4)، كما لا يقدرُ على غَسْلِه بأن كان الماءُ يضرُّه، أو كانت(5) الجبيرةٌ مشدودةً يضرُّ حلُّها، أمَّا إذا كان قادراً على مسحِه، فلا يجوزُ مسحُ الجبيرة.
__________
(1) قوله: ثمّ لا يشترط؛ لعدمِ وجودِ دليلٍ يدلّ عليه، بخلافِ مسح الخفَّين، فإنّه وردت الأحاديثُ باشتراطِ لبسهما على طهارة.
(2) قوله: وإنما يجوز… الخ؛ يعني جوازُ المسحِ على الجبيرة إنّما هو إذا لم يكن قادراً على مسحِ ذلك الموضع الذي شدَّت عليه الجبيرة، ولا على غسله، بأن كان الماء يضرّ الجرح غسلاً كان أو مسحاً، أو كان لا يضرَّه لكن يضرَّ حلّ الجبيرةِ في كلّ مرة، فإن كان قادراً على مسحِ نفس القرحةِ وجبَ عليه ذلك، ولم يجزْ المسحُ على الجبيرة لعدم الضرورة والحرج.
(3) سقطت من أ و س.
(4) سقطت من ب و ص و ف.
(5) في ص و ف و م: كان.
(2/95)
________________________________________
وإذا(1) كان في أعضائِه شقاق[(2)]، فإن عَجِزَ عن غَسْلِه، يلزم إمرارُ الماءِ عليه، فإن عَجِزَ عنه يلزمُه المسح، ثُمَّ إن عَجِزَ عنه يغسلُ ما حولَه ويتركه، وإن كان الشِّقاق في يدِه، ويعجزُ عن الوضوءِ استعانَ بالغيرِ[(3)] ليوضِئه، فإن(4) لم يستعنْ وتيمَّمَ جازَ(5)
__________
(1) في ف و م: فإذا0
(2) قوله: شقاق: بضمّ الشين، وعبارة غيره: شقوق، بالضم، وهو جمع الشقّ، وصفٌ عارضٌ للجلدِ بسبب البرد ونحوه، يشقّ ويضرّ غسله، قال في ((صحاح الجوهريّ)): يقال: بيد فلانٍ شقوق، وبرجليه شقوق، ولا يقال: الشقاق، وإنّما الشقاقُ داءٌ يكون بالدواب، وهي تشقيقٌ به يصيب أرساغها، وما ارتفع إلى أوطفتها.
(3) قوله: استعان بالغير؛ قال في ((المنية)) وشرحه ((الغنية)): إن كان الشقاقُ في يدِهِ وقد عجزَ عن الوضوء بنفسِهِ يستعينُ بغيره، حتى يوضئه استحباباً عند أبي حنيفة، ووجوباً عندهما، وإن لم يستعنْ وتيمَّم وصلَّى جازت صلاته عند أبي حنيفةَ خلافاً لهما، وعلى هذا الخلافِ إذا كان لا يقدرُ على الاستقبالِ أو على التحول عن النجاسة، ووجد من يوجّهه ويحوّله، تجبُ عليه الاستعانةُ عندهما لا عنده، والأصلّ أنّ المكلَّف لا يعتبرُ قادراً بقدرةِ غيره عنده؛ لأنَّ الإنسانَ إنّما يعدّ قادراً إذا اختصَّ بحالةٍ يتهيَّأ له الفعل متى أراد، وهذا لا يتحقَّق بقدرةِ غيره، ولهذا إذا بذلَ الابنُ لأبيه المالَ والطاعة لا يلزمه الحجّ، ومَن وجبت عليه كفَّارة وهو معسرٌ فبذلَ له إنسانٌ المالَ لا يجبُ عليه قبوله، وعندهما تثبتُ له القدرة بآلةِ الغير؛ لأنَّ آلته صارت كآلته بالإعانة. كذا في ((شرح الهداية)) للشيخ كمال الدين ابن الهمام رح.
(4) في م: وإن.
(5) لأن المكلف لا يعتبر قادراً بقدرة غيره عنده، فالانسان يعد قادراً إذا اختص باحالة يتهيأ له الفعل متى أرارد، وهذا لا يتحقق بقدرة غيره، وعندهما تثبت القدرة بآلة الغير؛ لأن آلته صارت كآلته بالاعانة. كما في ((غنية المستملي))(1: 119-120).
(2/96)
________________________________________
خلافاً لهما[(1)].
وإذا وَضَعَ الدَّواءَ على[(2)] شقاقِ الرِّجلِ أَمَرَّ الماءَ فوقَ الدَّواء، فإذا أَمَرَّ الماءَ فوقَ الدَّواء، ثُمَّ سَقطَ الدَّواء إن كان[(3)] السُّقوطَ عن بُرْء[(4)]، غَسَلَ الموضعَ وإلاَّ فلا.
وإذا فَصَد(5)، ووضَعَ خرقة[(6)]، وشَدَّ العصابة[(7)]:
فعند بعضِ المشايخ(8): لا يجوزُ المسحُ عليها[(9)]، بل على الخرقة.
__________
(1) قوله: خلافا لهما؛ فإن لم يجدْ مَن يوضئه أو وجدَه فاستعان به فأبي عن الإعانة فتيمَّم وصلَّى جازت صلاته بلا خلافٍ، فتحقَّق العجز من كلّ وجه.
(2) قوله: وإذا وضعَ الدواءَ كالمرهم أو الشحم أو نحوه.
(3) قوله: إن كان؛ أي إن كان سقوطُ الدواءِ بسبب حصولِ البرءِ ودفع الحرج يلزمُ عليهِ غسلَ ذلك الموضع، ولا يكفيه غير ذلك؛ لاندفاعِ الحرج، وإن كان سقوطه لا عن برءٍ بل بسببِ إمرارِ الماءِ وغيره لا يلزمُهُ الغسل لبقاءِ العذرِ الآن كما كان.
(4) قوله: عن برء؛ كلمةٌ عن مستعملةٌ في مثلِ هذا الموضعِ بمعنى الباء، نحو قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى}، أو بمعنى اللامِ نحو قوله تعالى: }وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك}، أو بمعنى بعد، نحو قوله تعالى: {عمّا قليلل ليصبحنّ نادمين}.

(5) في م: افتصد. والفَصْدُ: قطع العرق. كما في ((اللسان))(5: 3420).
(6) قوله: ووضع خرقة؛ أي على موضعِ الفصد، وهو بكسرِ الخاء المعجمة: القطعة من الثوب.
(7) قوله: وشدّ العصابة؛ أي على تلك الخرقة، وهو بالكسرِ ما يعصبُ ويشدّ من الثوبِ على الجراحةِ وعلى موضعِ الفصد ونحو ذلك.
(8) وهو قول الإمام أبي علي النسفي. كما في ((المحيط))(ص373).
(9) قوله: لا يجوزُ المسحُ عليها؛ لعلَّ وجهه أنّ المتَّصلَ بالعضوِ إنّما هو الخرقة، فتقومَ مقامَه في المسحِ لا العصابة حتى يكفي مسحها.
(2/97)
________________________________________
وعند البعض(1): إن أمكنَه[(2)] شَدُّ العصابة بلا إعانةِ أحدٍ لا يجوزُ عليها المسح، وإن لم يُمْكِنْهُ ذلك يجوز.
__________
(1) وهو قول الإمام علاء الدين محمود الشعبي. كما في ((المحيط))(ص373).
(2) قوله: إن أمكنه؛ أي إن كان يمكنُ منه أن يحلّ العصابةَ فيمسحُ على الخرقةِ التي تحتها، ثمَّ يشدَّها من غير إعانة أحد لا يجوزُ له المسحُ على العصابة؛ لعدمِ الحرج حينئذٍ في حلّها، وإمكانُ المسحِ على الخرقةِ وإن لم يمكنه ذلك جازَ المسحُ عليه، إذ لا معتبرَ بالقدرةِ على الشيء بإعانةِ الغير عند أبي حنيفة رح، فعدمُ إمكانه حلَّها وشدَّها بدونِ الإعانة يثبتُ العجزُ عن المسحِ على الخرقة، فتقومُ العصابةُ مقامها، وفيه خلافٌ لهما على نحو ما مرَّ في مسألةِ الشقوق.
(2/98)
________________________________________
وقال بعضُهم[(1)](2): إن كان حلُّ العصابة وغَسْلُ ما تحتَها يضرُّ(3) الجراحة، جازَ المسحُ عليها، وإلاَّ فلا، وكذا الحكمُ [(4)]في كلِّ خرقةٍ جاوزت موضعَ القُرْحة.
وإن كان حلُّ العصابة لا يَضُرُّه(5)، لكنَّ نَزْعَها عن موضعِ الجراحةِ يضرُّه(6) يحلُّها، ويغسلُ ما تحتها إلاَّ موضعَ الجراحة، ثُمَّ يشدُّها، ويمسحُ موضع الجراحة.
__________
(1) قوله: وقال بعضهم… الخ؛ حاصلُ هذا القولِ أنّ العبرةَ في هذا البابِ للضَّرر والحرج؛ فإن كان حلّ العصابةِ ومسحُ الخرقةِ لا يضرّ الجراحة، لم يجزْ المسحُ على العصابة، وإن كان ذلك مضرَّاً بها جازَ المسحُ عليها؛ لأنَّ التكليفَ بحسبِ الوسع، ولو التصقت العصابةُ بالمحلّ بحيث يعرُ نزعها جازَ المسحُ أيضاً ولو كان بعد البرء، لكن حينئذٍ يمسحُ على الملتصقِ ويغسلُ ما قدر على غسله من الجوانب.
(2) وهو قول شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده. كما في ((المحيط))(ص373).
(3) في أ: بضر.
(4) قوله: وكذا الحكم؛ أي مثلُ الحكمِ في عصابة المفتصد؛ فإذا كانت زائدةً عن موضعِ الجراحةِ فإن ضرَّه الحلُ والغسلُ مسحَ الكلّ، وإلا يغسلُ ما حولَ الجراحةِ ويمسحُ عليها لا على الخرقةِ ما لم يضرّه مسحها، فإن ضرّ يمسحُ على الخرقةِ التي عليها، ويغسلُ حواليها، وما تحت الخرقةِ الزائدة؛ لأنَّ الثابتَ بالضرورةِ يتقدَّر بقدرها. كذا فصَّله في ((البحر الرائق)) وغيرها.
(5) في ص و ف و م: يضر.
(6) في أ: يضرها. و في ص و ف و م: يضره.
(2/99)
________________________________________
وعامة المشايخ على جوازِ مسحِ عصابة المفتصد، وأمَّا الموضعُ الظَّاهر من اليدِ ما بين العقدتين(1) من العصابة، فالأصحُّ[(2)](3) أنَّه يكفيه المسح، إذ لو غَسَلَ تبتلُّ العصابة، فربَّما(4) تنفذُ(5) البلَّةُ إلى موضعِ الفَصْد.
ويشترطُ الاستيعابُ في مسحِ الجبيرة والعصابةِ في روايةِ الحَسَن[(6)] عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وهو المذكور في ((الأسرار))(7).
__________
(1) في ص و ف و م: القعدين. وهو الموضع الذي لم تستره العصابة بين العصابة، فلا يجب غسله بل كيفيه المسح. كما في ((رد المحتار))(1: 187).
(2) قوله: فالأصحّ؛ أشارَ به إلى أن فيه خلافاً، فقد قيل: يجبُ غسله كما في ((الخلاصة)).
(3) وصححه صاحب ((الدر المختار))(1: 187)، واختاره صاحب ((الملتقى))(ص7).
(4) أ و ص و ف: وربما.
(5) في النسخ: ينفذ.
(6) قوله: في رواية الحسن؛ كذا نسبه إليه قاضي خان في ((فتاواه))، ونسبَ صاحب ((الهداية)) إليه القولَ الثاني.
(7) الأسرار في الأصول والفروع)) لعبيد الله بن عمر بن عيسى الدَّبوسِيّ الحَنَفيّ، أبو زيد، نسبةً إلى دَبُوسة بفتح الدال المهملة وضم الباء الموحدة، وبعدها واو ساكنة وسين مهملة، وهي بليدةٌ بين بُخارى وسَمَرْقَند، قال الذهبي: كان أحد من يضرب المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من أبرز علم الخلاف إلى الوجود، وكان شيخ تلك الديار، ومن مؤلفاته: ((تقويم الأدلة))، و((النظم في الفتاوى))، و((شرح الجامع الكبير))، و((تأسيس النظر في اختلاف الأئمة))((ت430هـ). ينظر: ((وفيات))(3: 48)، ((العبر))(3: 171)، ((هدية العارفين))(5: 648).
(2/100)
________________________________________
وعند البعض: يكفي الأكثر[(1)](2).
واذا مسح، ثُمَّ نزعَها، ثُمَّ أعادَها(3)، فعليه أن يعيدَ المسح، وإن لم يعدْ أجزأه[(4)].
وإذا سقطَتْ عنها فبدَّلَها بأخرى[(5)](6)، فالأَحسنُ إعادة المسح، وإن لم يعدْ أجزأه.
__________
(1) قوله: يكفي الأكثر؛ هذا هو الذي صحَّحه صاحبُ ((الكنْز)) في ((الكافي)) وغيره، وعلَّله بأنّه لو اشترطَ الاستيعابَ لاحتيجَ إلى الاستقصاء في إيصالِ البللِ إلى جميعِ أجزاءِ الخرقةِ ونحوها، فيؤدِّي إلى نفوذ البلَّة إلى الجراحة، وفي ((العناية)): الفرق بينه وبين مسحِ الرأس والخفّ حيث لا يشترطُ فيهما الأكثر: إنَّ مسحَ الرأس شرعَ بالكتاب، والباء دخلت على المحلّ فأوجبَ تبعيضه، والمسحُ على الخفَّين إن كان بالكتابِ كان حكمه حكم المعطوفِ عليه، وإن كان بالسنَّة فهي أوجبت مسحَ البعض، فأمّا المسحُ على الجبائرِ فإنّما يثبتُ بحديث عليّ، وليس فيه ما ينبئ عن البعض إلا أنَّ القليل سقطَ اعتباره للحرج.
(2) الفتاوى البزازية))(1: 15): الفتوى إن مسح أكثر الجبيرة عند من فرضه يكفي. ومشى عليه صاحب ((البدائع))(1: 14)، و((البحر))(1: 198)، و((الملتقى))(ص7)، و((الدر المختار))(1: 187)، وهو قول خواهر زاده: إذا: لا يشترط الاستيعاب، وإن مسح على الأكثر جاز، وإن مسح على النصف وما دونه لا يجوز. كما في ((الخانية))(1: 50).
(3) ص و ف و م: أعاد.
(4) قوله: أجزاه؛ أي كفاه؛ لأنّ ناقضَ المسح إنّما هو سقوطه ونزعُهُ عن برء، لا بدونه؛ لقيامِ العذر الموجب للعجز، فمجرَّد النَّزعِ لا يوجبُ إعادةَ المسح ولا غسلَ ما تحتها.
(5) قوله: فبدّلها بالأخرى؛ أي شدَّ موضعها عصابةً أو جبيرةً أخرى.
(6) في أ و ص: بالأخرى.
(2/101)
________________________________________
ولا يشترطُ تثليثُ مسحِ الجبائر، بل يكفيه مرَّةً واحدة، وهو الأصحّ[(1)](2).
ويجبُ أن يعلمَ[(3)
__________
(1) قوله: وهو الأصحّ؛ إشارة إلى نفي قولِ بعض المشائخِ أنّه يشترطُ فيه التكرار؛ لأنّه بمنْزلةِ الغسلِ إلا أن تكون الجراحةُ في الرأس.
(2) وصححه صاحب ((المحيط))(ص374)، و((الدر المختار))(1: 187)، ومنهم من شرط المسح ثلاثاً إلا أن تكون الجراحة في الرأس فلا يلزمه تكرار المسح. كما في ((البحر))(1: 198).
(3) قوله: ويجب أن يعلم… آه؛ بيان لوجودِ الفرقِ بين مسحِ الخفّ وبين مسحِ الجبيرةِ ونحوها، وهي كثيرة، ذكر الشارحُ منها أربعة: الأوّل: إنّه لا يشترطُ في جوازِ مسح الجبيرة شدَّها على طهارةٍ كاملة، ويشترطُ ذلك في مسحِ الخفَّين، والثاني: إنّه لا يتوقَّت بوقتٍ بل يجوزُ إلى أن تسقطَ عن برء، ويندفعُ الحرجُ بخلافِ مسحِ الخفّ فإنَّه مقدَّرٌ بيوم وليلة، أو ثلاثةِ أيَّامٍ مع لياليها، والوجه في ذلك أنَّ الأحاديثَ وردت باشتراطِ كمالِ الطهارة، وبالتوقيتِ في مسحِ الخفّ، ولم يردْ نحو ذلك في مسحِ الجبيرة والعصابة، والثالث: إنّه إن سقطت الجبيرةُ عن موضعها لا يبطلُ مسحه السابق، بخلاف الخفّ فإنّه إذا خرجَ القدمُ منه ولو بلا قصدٍ بطل مسحه؛ لسرايةِ الحدث في القدم؛ فإنّ الخفّ عهد مانعاً، فبزوالِه يسري الحدثُ إلى ما تحتَه فيجبُ غسله، وأمّا مسحُ الجبيرةِ فقائمٌ مقامَ غسل ما تحته، فصار كما إذا توضَّأ ثمَّ حلق الشعرَ أو أزالَ الظفر أو قطعَ عضواً مغسولاً لا تجب إعادةُ الوضوءِ ولا يبطل وضوءه، والرابع: إنّه إذا سقطت عن صحّة فإنّما يجبُ غسل ذلك الموضع فقط دون الموضع الآخر، بخلافِ مسح الخفّ؛ فإنّ عند نزعَ أحدِ الخفَّين يجبُ غسلُ الرِّجلِ الأخرى أيضاً كما مرَّ تحقيقه، والخامس: إنّه تصحّ الصلاةُ بدونِ مسحِ الجبيرة على رواية، ولا كذلك مسحُ الخفّ، وقد ذكرَ هذه المسألة، والسادس: إنّه يجوزُ للمحدثِ والجنب كليهما، بخلاف مسحِ الخفّ، فلا يجوزُ إلا للمحدث كما مرّ، والسابع: إنّه يشترطُ فيه الاستيعابُ في رواية، بخلافِ مسحِ الخفّ، والثامن: إنّه لا تشترطُ فيه النيَّةُ اتِّفاقاً بخلافِ مسحِ الخفّ، فإنّه يشترطُ له النيّة على رواية، والتاسع: إنّه يجوزُ الجمعُ بين مسحِ جبيرة رجل، وغسل الرّجل الأخرى، ولا كذلك مسحُ الخفّ، والعاشر: إنّه يجوزُ المسحُ على الجبيرةِ وإن كانت على غيرِ الرجلين، بخلافِ مسحِ الخفّ، وهناك وجوه أخر أيضاً يبلغُ مجموعها إلى أزيد من ثلاثين موضع، بسطها ((السعاية))، مَن شاءَ الاطلاع عليها مع ما لها وما عليها فليرجع إليها.
(2/102)
________________________________________
] أن مسحَ الجبيرةِ يُخالِفُ مسحَ الخُفِّ في:
أنَّه يجوزُ على حدث.
ولا يُقَدَّرُ له مُدَّة.
وإذا سقطَتْ لا عن بُرْءٍ لا يبطل.
وإن سقطت عن بُرْءٍ يجبُ غَسْلُ ذلك الموضعِ خاصة بخلافِ ما إذا خَلَعَ أحدَ الخُفَّين، حيث يلزمُهُ غَسْلُ الرِّجلين(1).

بابُ الحيض[(2)] والنفاس(3)
__________
(1) ويزاد على هذه الفروق: خامساً: أنها تجوز للمحدث والجنب كليهما بخلاف مسح الخف فلا يجوز إلا للمحدث. والسادس: أنه تجوز الصلاة بدون مسح الجبيرة على رواية ولا كذلك مسح الخف. والسابع: أنه يشترط فيه الاستيعاب في رواية بخلاف مسح الخف، والثامن: أنه تشترط فيه النية اتفاقاً بخلاف مسح الخف، فإنه يشترط له النية على رواية. والتاسع: أنه يجوز الجمع بين مسح جبيرة رجل وغسل الرجل الأخرى ولا كذلك مسح الخف، والعاشر: أنه يجوز المسح على الجبيرة وإن كانت على غير الرجلين بخلاف مسح الخف، وغيرها. كما في ((عمد الرعاية))(1: 119).
(2) قوله: باب الحيض؛ أي هذا بابٌ في بيان أحكامِ الحيض ونحوه، وإنّما اقتصرَ على ذكره في العنوان مع أنّه ذكر حكمَ الاستحاضةَ والنفاس أيضاً في هذا الباب؛ لكونهِ أكثر وقوعاً بالنسبةِ إليهما، وكون مسائله كثيرة وفروعه غفيرةٌ بالنسبةِ إلى مسائلهما، فكأنّه هو الأهمّ المقصود، وما عداه تبع له، والسببُ في تأخيره عمَّا سبقَ أنّ ما سبقَ كان بياناً لأحكامِ الطهارة من الأحداثِ أصلاً وخلفاً، وكانت أكثرُ وقوعاً وأشملُ للرجالِ والنساء، فصارت أحقّ بالتقديمِ من أحكامِ الطهارةِ من الأنجاس، ومن الأحكامِ الخَّاصةِ بالنساء، وفي المقامِ نكاتٌ ولطائفُ موضع بسطها ((السعاية)).
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في س.
(2/103)
________________________________________
الدِّماء المختصة بالنِّساء[(1)](2) ثلاثة: حيض(3)، واستحاضة(4)، ونُفاس(5).
__________
(1) قوله: المختصَّة بالنساء؛ احترزَ بهذا القيد عن دمِ الرعافِ والفصدِ ونحو ذلك ممّا يعمّ الرجل والمرأة.
(2) احترز بهذا القيد عن دم الرعاف والفصد ونحو ذلك مما يعم الرجل والمرأة. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 120).
(3) الحيض: في اللغة السيلان. كما في ((الكليات))(ص399) للكفوي.
(4) استحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتاد، فهي مستحاضة، والمستحاضة التي يرقأ دم حيضها ولا يسيل من المحيض ولكنه يسيل من عرق يقال له: العاذل. كما في ((اللسان))(2: 1071).
(5) النُّفاس: ولادة المرأة إذا وضعت.كما في ((القاموس))(2: 265).
(2/104)
________________________________________
فالحيض: (هو دمٌ[(1)] ينفُضُهُ رَحْمُ امرأةٍ(2) بالغة): أي بنتُ تسعِ سنين، (لا داءَ بها[(3)]، [ولم تبلغ الإياس](4) )، فالذي لا يكونُ من الرَّحم ليس بحيض، وكذا الذي قبل سنِّ البلوغ، أي تسع سنين، وكذا ما يَنْفِضُهُ الرَّحم لمرض[(5)
__________
(1) قوله: هو دم؛ هذا تفسيرُهُ المعتبرُ شرعاً، ولغة: هو عبارةٌ عن مطلقِ السيلانِ ينفضه بضمِّ الفاءِ من النفض، وهو تحريكُ الشيء ليسقطَ ما عليه من غبارٍ ونحوه؛ أي يخرجه، واحترزَ به عن الدمِ الذي في الرحم والذي لم يخرجْ إلى الفرجِ الخارج فإنّه ليس بحيضِ رحم، بفتح الراء المهملة وكسر الحاء المهملة وبكسرها، هو عضو ينبتُ فيه الولد، وتستقرُّ فيه النطفة، واحترز به عن دمِ سائرِ الأعضاء، امرأة؛ احترزَ به عن دمٍ يخرجُ من رحمِ الحيوانات التي تحيض كالخفاش والأرنب والضبع؛ فإنّه لا يسمّى حيضاً شرعاً، بالغة؛ أي مَن بلغت سنَّاً وأقرَّت فيه بالبلوغ صدقت، فاندفعَ ما أوردَ من أنّ معرفةَ البلوغِ موقوفةٌ على الحيضـ فتعريفه به، دوري؛ وهذا احترازٌ عن دمِ من ليس كذلك، كما سيذكره الشارح؛ لا داء بها؛ صفةٌ لامرأة، أي لا مرضَ بها احترازٌ عن دمِ الرحم الخارج بالمرض، فإنّه استحاضة، ولم تبلغ؛ أي تلك المرأة سنّ الإياس، هو في الأصل: الائياس على وزنِ إفعال، من ائياسة: جعلتهَ منقطع الرجاء، حذفت الهمزة التي هي عينُ الكلمة تخفيفاً. كذا في ((المغرب))، وهذا احترازٌ عن دمِ سنِّ الإياس؛ فإنّه استحاضة.
(2) سقطت من ج و ص و م.
(3) قوله :لا داء بها؛ الاظهرُ أن يقول: لا لمرض؛ ليفيدَ أنّ الخارجَ من الرحمِ لمرض لا يكون حيضاً، وعبارتُهُ توهم أنَّ الرحمَ التي بها المرض لا يكون الدمُ الخارج منها حيضاً، وليس كذلك، فإنّ الرحمَ المريضةَ إن كان خروجُ الدمِ منها طبعياً كان حيضاً وإلا لا، وبالجملة؛ المعتبرُ الخروج للمرض وعدمِه لا كون الرحمِ مريضة وصحيحة.
(4) سقطت من ج و م.
(5) قوله: لمرض؛ أشارَ به إلى أنَّ المعتبرَ في كونِهِ حيضاً وعدمِهِ هو خروجُهُ على مقتضى الطبيعة، وخروجُه للمرض سواءً كانت الرحمُ في ذاتها مريضة أو صحيحة، كما أشرنا إليه سابقاً.
(2/105)
________________________________________
]، وإذا استمرَّ[(1)](2) الدَّمُ كان سيلان البعضِ طبيعياً، فكان حيضاً، وسيلانُ البعضِ بسببِ المرض، فلا يكونُ حيضاً.
وكما قيَّدَهُ(3) بعدمِ الدَّاء، يَجِبُ أن يقيِّدَه(4) بعدم الولادة أيضاً احترازاً[(5)] عن(6) النُّفاس، ثُمَّ الأصحُّ[(7)
__________
(1) قوله: فإذا استمرّ؛ الغرضُ منه بيانُ أنّه قد يجتمعُ الحيضُ والاستحاضةُ في دمٍ واحد باختلافِ الأزمان.
(2) الغرض منه بيان انه قد يجتمع الحيض والاستحاضة في دم واحد باختلاف الأزمان. كما في ((العمدة))(1: 120).
(3) في ص و م: قيد.
(4) في ص و ف و م: يقيده.
(5) قوله: احترازاً؛ أي للاحترازِ عن النفاس، هو بالكسرِ لغة: عبارةٌ عن الولادة، وشرعاً: عبارةٌ عن دمٍ خارجٌ من رحمٍ عقيبَ خروج ولد، وحاصل إيراده أنّ تعريف المصنّف غير مانعٍ بصدقه على النفاس، فيجب أن يذكرَ قيدَ عدم الولادة؛ لإخراجه، فإن قلت: قد يطلقُ الحيضُ على النفاسِ أيضاً وقد وردَ ذلك في أحاديثَ كثيرة، وبوَّب له البخاريّ في ))صحيحه)) باباً على حدة، فلا بأسَ في صدقِ تعريفِ الحيض على النِّفاس مع أنّ المصنَّفَ يحتملُ أن يكون أرادَ بالحيضِ ما يعمّ النفاس، فلا حاجةَ إلى قيدٍ زائد، بل زيادته تصرّح به، قلت: إطلاقُ الحيضِ على النفاسِ وبالعكس ليس بمستنكر، لكن الكلام في أنّ لكلٍّ منهما حقيقةً متمايزةً عن الآخر، وسيذكرُ المصنّف حكمَ النفاسِ على حدة، وهو شاهدٌ عدلٌ على أنّه أرادَ بالحيض هو ما يقابلُ النفاس والاستحاضة فحينئذٍ يجب تقييده بما يخرجُ النفاس، فإن قلت: قوله: لا داءَ بها كافٍ لخروجِ النفاس، فإنّ الولادةَ في حكم المرض، قلت: كلا؛ فإنّ كونَ الولادةِ مرضاً مستنكرٌ جدَّاً شرعاً وعرفاً.
(6) في م: عن.
(7) قوله: ثمّ الأصح؛ يعني الأصحّ أنَّ الحيضَ المعتبر شرعاً مؤقَّت إلى سنِّ الإياس، فإذا بلغت المرأةُ ذلك السنّ ورأت الدمَ بعده لا يعدّ ذلك حيضاً، فإن قلت: هذا الذي ذكرَه من الأصحّ يدلّ على أنّ ما خرجَ بعد سنِّ الإياسِ ليس بحيضٍ مطلقاً، وهو منافٍ لما وسمه بلفظ المختار، من أنّ الدمَ القويّ بعده حيض، ومن المعلوم أنّ المختارَ والأصحّ كلاهما من ألفاظِ الفتوى، فكيف يصحّ جعلُ كلٍّ مفتى به، مع تخالفهما؟ قلت: الأصحيَّة راجعةٌ إلى نفسِ التوقيت لا إلى إطلاقِ الحيض، فلا تنافي، وللناظرين هاهنا كلماتٌ بيَّنا ما لها وما عليها في ((السعاية)).
(2/106)
________________________________________
](1) أن الحيضَ مؤقَّتٌ إلى سنِّ الإياس(2)، وأكثرُ المشايخ[(3)] قدَّروه بستِّين سنة، ومشايخُ بُخارا(4) وخَوَارَزْم(5) بخمسٍ وخمسين سنة(6)، فما رأتْ بعدها لا يكونُ حيضاً في ظاهرِ المذهب، والمختارُ أنَّها إن رأت دماً قويَّاً كالأسودِ والأحمرِ القاني كان حيضاً، ويبطلُ[(7)
__________
(1) وصححه في ((البحر))(1: 201).
(2) اختلفوا في تقدير سن الإياس: فمنهم من قدره بستين سنة، ومنهم من قدره خمس وخمسين سنة، وهو المختار كما في ((الظهيرية))، ((العناية))(1: 145)، و((الهدية العلائية))(ص43)، وقال صاحب ((المراقي))(ص175): وهو المفتى به، ومنهم من قدره بخمسين سنة، قال صاحب ((الكفاية))(1: 142): وعليه الفتوى في زماننا، ومنهم من قدره خمس وأربعين.
(3) قوله: وأكثرُ المشائخ… الخ؛ قال العينيّ في ((البناية)): اختلفَ في زمان الإياس، فقيل: ستّون، وعن محمد في المولدات: ستّون، وفي الروميّات: خمس وخمسون، وقيل: يعتبرُ أقرانها من قرابتها، وقيل: يعتبر تركيبها؛ لاختلافِ الطبائعِ باختلافِ البلدان، وقيل: خمسٌ وخمسون، والفتوى في زماننا عليه.
(4) بُخارا: بالضَّم من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلُّها، يعبر إليها من آمل الشط، وبينها وبين جيحون يومان من هذا الوجه، وكانت قاعدة ملك السَّامانيَّة. كما في ((معجم البلدان))(1: 353) لياقوت الحموي.
(5) خَوَارَزْم: بفتح الخاء المعجمة، والواو، ثم الألف، ثم الرَّاء المهملة المفتوحة، ثم الزَّاي المعجمة الساكنة، آخرها ميم، بلدة كبيرة سميت به؛ لأنَّ الجماعةَ التي بنوها أَوَّل الأمرِ كان مأكلهم لحم الصيد، وكان فيها حطب كثير، وبلغة أهل خوارزم: خوار: اللحم، ورزم: الحطب. وقيل: خوار بالفارسية: السهلة، ورزم: الحرب، وكان الحرب يسهل على سكانها، وقيل: لما أقام بها هرمز بن أنوشيروان رأى أرضاً سهلة، فقال: خوارزمين. كما ((الفوائد))(ص35).
(6) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ف.
(7) قوله: ويبطل؛ يعني لو طلَّقت الآئسة فاعتدَّت بالأشهرِ بناءً على أنّ عدَّة الآئسةِ ثلاثةَ شهورٍ ثمَّ عاد دمها قويَّاً، فإن كان ذلك في أثناءِ تلك الأشهرِ يحكمُ ببطلانِ تلك العدة، ويجب عليها استئناف العدَّة بثلاثةِ حيض؛ لتبيّن كونها ذات حيض، وإن كان ذلك بعد تمامِ الأشهرِ الثلاثة لا يحكمُ ببطلانها، حتى لو نكحت زوجاً آخر بعد ثلاث أشهرٍ لا يفسدُ ذلك النكاح، نعم يجبُ عليها العدَّةُ في المستقبلِ بالحيض، وهذا التفصيلُ هو الذي اختارَه في ((النهر))، وقال: هو أعدلُ الروايات، وفي ((المجتبى)): إنّه الصحيحُ المختار، واختارَ في ((الهداية)) بطلانَ العدَّةِ بالأشهرِ بعودِ الدمِ مطلقاً، وفي المسألةِ أقوالٌ أخر مبسوطةٌ في ((البحر)).
(2/107)
________________________________________
] الاعتدادُ بالأشهرِ قبل التَّمام، وبعدَه لا(1).
وإن رأت[(2)] صُفْرَة، أو خُضْرة، أو تُرْبِية، فهي استحاضة(3).
__________
(1) صورتها: أنه لو طلقت الآيسة فاعتدت بالأشهر بناء على أن عدة الآيسة ثلاثة شهور، ثم عاد دمها قوياً، فإن كان ذلك في أثناء تلك الأشهر يحكم ببطلان تلك العدة، ويجب عليها استئناف العدة بثلاثة حيض، لتبيِّنَ كونها ذات حيض، وإن كان ذلك بعد تمام الأشهر الثلاثة لا يحكم ببطلانها، حتى لو نكحت زوجاً آخر بعد ثلاثة أشهر لا يفسدُ ذلك النكاح، نعم يجب عليها العدَّةُ في المستقبل بالحيض، واختاره هذا التفصيل صاحب ((الرد المختار))(1: 202)، وقال صاحب((النهر)): أعدل الروايات، وفي ((المجتبى)) أنَّه الصَّحيح المختار، وفي ((تصحيح القدوري)): وهذا التصحيح أولى من تصحيح ((الهداية)) وهو بطلان العدَّة بالأشهر بعود الدم مطلقاً، كما في ((رد المحتار))(1: 202)، و((العمدة))(1: 121).
(2) قوله: وإن رأت؛ الآئسة بعد المدَّة المذكورةِ صفرةٌ بالضم بالفارسية: زردي، أو خضرة بالضم بالفارسية: سبنري، أو تربيّة: بضمّ التاء المثناة الفوقية، وفتح الراء المهملة وكسر الباء الموحدة، وتشديد الياء المثناة التحتية: اللونُ الذي يشبه التراب، فهي استحاضة، وهذا إذا لم تكن عادته لذلك، فإن كانت عادته قبل الإياسُ الصفرةُ أو الخضرةُ أو التربيّةُ يكون ذلك حيضاً. كذا في ((فتح القدير)).
(3) الاستحاضة: دم نقص عنثلاثة أيام، أو زاد على عشرة في الحيض، وعلى أربعين في النفاس، أو زاد على عادتها. كما في ((المراقي))(ص177)، وحكمه: كرعاف دائم، لا يمنع صوماً ولا صلاةً، ولو نفلاً ولا جماعاً، ولا قراءة، ولا مس مصحف، ودخول مسحد، وكذا لا تمنع عن الطواف إن أمنت اللوث. كما في ((الهدية العلائية))(ص45).
(2/108)
________________________________________
(وأقلُّه ثلاثةُ أيَّام، ولياليها وأكثرُه عشرة)، وعند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - أقلُّه يومان، وأكثرُ [من اليوم](1) الثَّالث، وعند الشَّافِعِيِّ(2) - رضي الله عنه - أقلُّهُ يومٌ وليلة، وأكثرُه خمسةَ عشر، ونحن نتمسَّكُ بقولِه[(3)] - صلى الله عليه وسلم -: ((أَقَلُّ الحَيْضِ لِلجَارِيَةِ البِكْرِ وَالثَّيْبِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّام))(4).
__________
(1) زيادة أ و ب و س.
(2) ينظر: ((المنهاج))(1: 109).
(3) قوله: بقوله… الخ؛ هذا الحديث أخرجه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة، والدارقطنيّ من حديث واثلة، وابن عديّ من حديث معاذ، وابن الجوزيّ من حديث أبي سعيدٍ الخدري، وابن عدي من حديث أنس وغيرهم، وفي أسانيدها ضعف، كما بسطه الزيلعيّ والعينيّ إلا أنّه انجبر بكثرة الطريق وبفتاوى الصحابة، فقد أخرجَ البيهقيّ والدارقطنيّ عن أنسٍ وابن مسعود، والعقيليّ عن معاذ، والدارقطنيّ عن عثمان ابن أبي العاص وغيرهم أنهم كانوا يفتون به ومن المعلوم أن المقادير التي لا دخل فيها للرأي والاجتهاد الموقوفُ فيها كالمرفوع، هذا وإن شئت التفصيل فارجع إلى ((السعاية)).
(4) من حديث أبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس وعائشة - رضي الله عنهم - : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أقلُّ الحيض ثلاث وأكثره)) في ((المعجم الكبير))(8: 126)، واللفظ له، و((المعجم الأوسط))(1: 190)، و((سنن الدارقطني))(1: 218)، و((العلل المتناهية))(1: 383)، و((الكامل))(2: 373)، و((التحقيق))(1: 260)، وطرقه يعضد بعضها بعضاً، وقد روي فتاوى عن كثير من الصحابة توافقه. ينظر: ((نصب الراية))(1: 191)، و((الدراية))(1: 84).
(2/109)
________________________________________
ثُمَّ اعلم أنَّ مبدأَ الحيضِ من وقتِ خروجِ الدَّمِ إلى الفرجِ الخارج(1).
__________
(1) للمرأة فرجان فرج ظاهر، وفرج باطن علىصورة الفم، وللفم شفتان وأسنان وجوف. فالفرج الظاهر: بمنْزلة الشفتين والأسنان، وموضع البكارة بمنْزلة الأسنان، والركنان بمنْزلة الشفتين، والفرج الباطن بمنْزلة المأكل ما بين الأسنان وجوف الفم، وحكم الفرج الباطن حكم قصبة الذكر لا يعطى للخارج إليه حكم الخروج، والفرج الظاهرة بمنْزلة القُلْفَة يعطى للخارج إليه حكم الخروج. كما في ((المحيط))(ص433-434).
(2/110)
________________________________________
[ووصول الدَّم إلى الفرج الداخل](1)، [فإذا لم يصل(2) إلى الفرج الخارج[(3)]](4)، بحيلولة(5) الكُرْسُف[(6)](7) لا تقطع الصَّلاة[(8)]، فعند وَضْعِ الكُرْسُفِ إنِّما يتحقَّقُ الخروجُ إذا وصلَ الدَّمُ إلى ما يحاذي الفرج الخارج من الكُرْسُف، فإذا احمرَّ من الكُرْسُفِ ما يحاذي الفرج الدَّاخل لا يتحقَّق الخروج إلاَّ إذا رفعَتْ الكُرْسف، فيتحقَّقُ الخروجُ من وقتِ الرَّفع[(9)
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(2) في ب و س: تصل.
(3) قوله: إلى الفرج الخارج؛ ذكر في ((المحيط)) أن ثقبة المرأة على صورةِ الفم؛ فالفرج الداخل كما بين الأسنانِ وجوف الفم، وموضعُ البكارةِ كالأسنان، وهو حجابٌ رقيقٌ يزولُ بالوطئ وغيره، والفرجُ الخارج كما بين الشَّفتين والأسنان.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ ب و س.
(5) في ف و م: فحيلولة.
(6) قوله: بحيلولة الكرسف؛ بضم الكاف والسين بينهما راء مهملة ساكنة، هو في الأصلِ القطن، وفي الاصطلاح: عبارةٌ عن قطعةِ قطنٍ أو ثوبٍ تضعُهُ الحائضُ ونحوها على فمِ الفرج. كذا في ((الكفاية)) و((المغرب)).
(7) الكُرْسُف: القطن، وقد يطلق على صاحبة الكرسف التي تستعمله في زمن المحيض. كما في ((التعريف الفقهية))(ص442).
(8) قوله: لا تقطع الصلاة؛ أي لا تتركُ تلكَ المرأةِ الصلاة؛ لأنّها ليست بحائضةٍ لعدم خروج الدم إلى الفرج الخارج وإنما تترك الصلاة إذا وصل الدم إلى قطعة الكرسف المحاذية للفرج الخارج.
(9) قوله: من وقت الرفع؛ أي رفع الكرسف، يتفرّعُ عليه ما قال بعد سطور: فالطاهرة إذا وضعت الكرسفَ في أوَّل الليلِ فحين أصبحت رأت عليه أثر الدم، فالآن يثبتُ حكمَ الحيض، والحائض إذا وضعت ورأت عليه البياض حين أصبحت حكمَ بطهارتها من حين وضعت، فإذا عرفَ البداء والمنتهى، فإن كان ما بينهما اثنتين وسبعين ساعة أو أكثر فالجميعُ حيض، وإن كان أقلّ فاستحاضة، وهذا أعني اعتبارَ الساعاتِ اختيارُ أكثر المشائخ، ونقل عن الشيخ أبي اسحاقَ أنّ هذا في أقلّ الحيض وأقلّ الطهر، وكان إذا أخبرته المرأةُ بالطهرِ في اليوم الحادي عشر أخذها بعشرة، وفي العاشر بتسعة، قال في ((الكفاية)): الفتوى على هذا تيسيرا. كذا في ((شرح مختصر الوقاية)) للبرجنديّ.
(2/111)
________________________________________
]، وكذا[(1)] في الاستحاضة، والنِّفاس، والبول، ووضعُ الرَّجلُ القُطْنةَ في الإحليل، والقُلْفة[(2)] كالخارج(3).
__________
(1) قوله: وكذا؛ أي مثلُ الحكمِ المذكورِ في الاستحاضة والنفاس، فإذا خرجَ دمُ النفاس والاستحاضة إلى الخارجِ حكم بكونها مستحاضةٍ وذات نفاس، وما لم يصل إلى الفرجِ الخارج لا يحكم به.
قوله: والبول؛ يعني يعتبرُ خروجُهُ إلى الخارجِ لا زواله عن موضعه، فما دامَ في المثانة ولم يخرج من رأس الذكرِ لا ينتقضُ الوضوء.
(2) قوله والقلفة؛ يعني إذا خرجَ بولُ مَن لم يختن من المثانة ووصل إلى القلفة، وهو بالضمّ الجلد الذي يقطع عند الختان، ولم يظهر خارجاً منها يحكم بانتقاض الوضوء؛ لأنَّ حكمَ القلفةِ حكمُ الخارج من كلّ وجهٍ في بابِ انتقاض الوضوء، كما مرَّ تفصيله في بحث فرائض الغسل.
(3) أي إذا خرج بول من لم يختن من المثانة ووصل إلى القلفة، ولم يظهر جارجاً منها يحكم بانتقاض الوضوء؛ لأن حكم القلفة حكم الخارج من كل وجه في انتقاض الوضوء. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 122).
(2/112)
________________________________________
ثُمَّ وَضْعُ الكُرْسُفِ مُسْتَحَبُّ للبكرِ في الحيض[(1)]، وللثَّيب في كلِّ حال، وموضعُهُ موضعَ البكارة[(2)]، ويُكْرَهُ في الفرج الدَّاخل، فالطَّاهرةُ إذا وَضَعَت أوَّل اللَّيل، فحين أصبحَتْ رأت عليه أثرُ الدَّم، فالآن يَثْبُتُ حُكْمُ الحيض، والحائضُ إذا وَضَعَتْ [أول الليل](3) ورأت عليه البياضَ[(4)] حين أصبحت حُكِمَ بطهارتِها من حين وَضَعَتْ.
__________
(1) قوله: مستحبّ للبكرِ في الحيض؛ بل سنَّةٌ للبكرِ والثيِّب كليهما حالةَ الحيض، بذلك وردَ الحديث، وهو المعلومُ من أحوالِ نساءِ الصحابة وغيرهم، والفرقُ بين البكرِ والثيِّب في استحبابِ وضعِ الكرسفِ للثيِّب حالة الطهرِ أيضاً دون البكر، ووجهه أنَّ بزوالِ البكارةِ يكون في فرجِها سعةٌ زائدة، ويكون نزولُ دمِها أسرع، وقلَّما يحسّ به، فالأوّلى هو وضع الكرسفُ في كلِّ حال احتياطاً ولا كذلك لبكر.
(2) قوله: موضع البكارة؛ وهو ما بين الفرجِ الخارج والداخل.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(4) قوله: ورأت عليه البياض؛ والمراد به إمّا بياضُ الثوب، والمقصود أنّها رأتُهُ صافياً غير ملّون بشيء، وإمّا شيءٌ يخرج من أقبالِ النساءِ بعد انقاطع الدمِ شبيهاً بالخيط الأبيض، وهو المراد من حديثٍ رواه مالك وغيره: كان النساءُ يبعثنَ إلى عائشةَ بالدرجةِ فيها الكرسفِ فيه الصفرةِ من دمِ الحيضة تسألنها عن الصلاة، فتقول لهنّ: لا تعجلنَ حتى ترينَ القصَّة البيضاء، تريدُ بذلك الطهرُ من الحيض، وقد فصّلت ذلك في ((التعليق الممجَّد على موطَّأ الإمام محمد))، وفي ((السعاية)).
(2/113)
________________________________________
(والطُّهْرُ[(1)] المُتَخَلِّل(2) ): أي بين الدَّمين[(3)]، (في مُدَّتِه[(4)]): أي مُدَّة الحيض، (وما رأت من لون فيها): أي في المُدَّة، (سوى البياضِ [الخالصِ](5) حيضٌ[(6)]).
فقولُهُ(7): والطَّهْرُ إذا تخلَّلَ بين الدَّمين: مبتدأ، وما رأت[(8)]: عطفٌ عليه، وحيضٌ: خَبَرُه.
واعلم[(9)
__________
(1) قوله: والطهر؛ هو بالضمّ مستعملٌ في عرفِ الفقهاءِ بمعنى الزمانِ الفاصلِ بين الدَّمين، وأقلّه خمسةَ عشر يوماً، وأكثره لا حدّ له، فإن كان بمقدار خمسةَ عشرَ يوماً كان طهراً صحيحاً يترتَّب عليه أحكامُ الطهارةِ من الحيض، وإن كان أقل منه فهو فاسد.
(2) أي الزمان الفاصل بين الدمين.
(3) قوله: أي بين الدمين لم يقل: بين الحيضين؛ لأنَّه لا يلزمُ أن يكون الدمُ المحيطُ بالطرفين حيضاً كما سيذكره مفصَّلاً.
(4) قوله: في مدته؛ قال الشارح الهرويّ هو حال من الدمين المذكورين ضمناً، وكونهما في مدَّةِ الحيضِ يستلزمُ كونَ الطهر المحاطِ بهما أيضاً كذلك، ولو جعل حالاً من الضميرِ في المتخلّل أو من التخلّل المذكورِ حكماً لا يظهر المقصود، إذ لا يلزمُ من كونِ الطهر بين الدمين أو كون تخلّله بينهما في مدَّة الحيضِ كونهما في مدَّة الحيض.
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(6) قوله: حيض… الخ؛ أي حقيقة أو حكماً، والمتخلّل بين الدمين من النفاس في أربعين يوماً لا يفصل عند أبي حنيفة، سواء كان خمسةَ عشرَ أو أقل أو أكثر، ويجعل إحاطةُ الدم بين الطرفين كالدم المتوالي، وعليه الفتوى، وعندهما: الخمسةُ عشر يفصل. كذا في ((التاتارخانية)).
(7) في ف و م: قوله.
(8) قوله: وما رأت؛ أي ولفظ ما رأت عطفٌ عليه، أي على الطهر وهو مصدر بمعنى المفعول أي معطوف أو صيغة مجهول ماضٍ، أو صيغة معروف وضميره يرجع إلى ما يرجع إليه ضمير قوله فقوله: وهو المصنف المذكور حكماً.
(9) قوله: واعلم؛ الغرضُ منه تفصيلُ المذاهب الواقعة في الطهر الفاسد المتخلل.
(2/114)
________________________________________
] أنَّ الطُّهْرَ الذي يكونَ أقلَّ [(1)]من خمسةَ عشرَ(2) إذا تخلَّلَ بين الدَّمين:
فإن كان[(3)] أقلَّ من ثلاثةِ أيام لا يفصلُ[(4)] بينهما، بل هو كالدَّم المتوالي إجماعاً.
__________
(1) قوله: الذي يكون أقل؛ قيّد به لأنّه إن كان المتخلّل بين الدمين مقدار خمسةَ عشرَ يوماً، كان فاصلا اتّفاقاً لا حيضاً، مثل أن ترى المرأة ثلاثة دماً ثم خمسةَ عشر طهراً، ثم ثلاثة دماً.
(2) لأن أقل مدة بين الحيضتين خمسة عشر يوماً ولياليها بالاتفاق. كما في ((الدر المختار))(1: 190).
(3) قوله: فإن كان؛ أي ذلك المتخلل أقل من ثلاثة أيام، نحو أن ترى يوماً دماً ثم يومين طهراً، ثم يومين دماً.
(4) قوله: لا يفصل؛ الفصل عبارة عن كونه طهراً صحيحاً، وعدم الفصل عبارة عن أن لا يجعل الطهر طهراً، بل يجعل كأيّام ترى فيها الدم.
بكسر الهمزة واللام الاولى بينهما حاء مهملة سالثة لقب الذكر.
(2/115)
________________________________________
وإن كان ثلاثةَ أيام[(1)]، أو أكثر[(2)]، فعند(3) أبي يوسفَ - رضي الله عنه -، وهو قولُ أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - آخراً(4) لا يفصل[(5)]، وإن كان أكثرَ[(6)] من عشرةِ أيام(7)
__________
(1) قوله: ثلاثة أيّام؛ نحو أن ترى يومين دماً، وثلاثةً طهراً ثمَّ في اليومِ السادس دماً.
(2) قوله: أو أكثر؛ أيّ من ثلاثة أيّام، وإن كان أكثر من عشرةِ أيّام كأن ترى امرأةً دماً يوماً، وعشرةَ أيّامٍ طهراً، ثمَّ يوماً دماً، كذا أفاده الوالدُ العلاَّمُ في رسالته: ((التعليق الفاصل في مسألة الطهر المتخلل))، وما في: ((التعليق الكامل في مسألة الطهر المتخلل)) لبعض معاصريه: أو أكثر من ثلاثة أيّامٍ إلى عشرةٍ. انتهى. فليس بصحيح.
(3) في ص و ف و م: فعن.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س و ص و ف.
(5) قوله: لا يفصل؛ أي لا يكون الطهرُ الذي هو ثلاثة أيّامٍ أو أكثر منه، وإن كان أكثرَ من عشرة أيّام طهراً، بل يجعلُ كأيَّامٍ متوالية للدم، وذلك لأنَّ مدَّةَ الطهرِ الصحيح الفاصل خمسةَ عشرَ يوماً وما دونه فاسد، فلا يجري عليه حكمُ الصحيح، وهو الفصلُ للمنافاةِ البيِّنة بين الصحَّة والفساد.
(6) قوله: أكثر؛ لكن بشرط أن يكون أقلّ من خمسةَ عشرَ يوماً، ولو نصف اليوم أو أقلّ، إنَّما لم يذكره؛ لأنَّه فهم من السابق، فإنَّ الكلام إنَّما هو من الطهرِ الفاسد، فإن قلت: عدم الفصل فيما إذا كان أكثر من عشرة أيضاً يفهم من إطلاق قوله: أو أكثر؛ فلا حاجةَ إلى ذكره، قلت: ذكره تفصيلاً ورفعاً لتوهّم أنّ المرادَ به أكثر من ثلاثة فقط، وصورته: أن ترى امرأةً دماً وأربعةَ عشرَ طهراً، ثمَّ يوماً دماً، ففي هذه الصورةِ وكذا في الصورة السابقة يعدّ الكلّ دُماً متوالياً فتجعل العشرة أو ما نقصَ منها حيضاً، وما زاد عليها استحاضة.
(7) على هذا القول إن كان الطهر كلُّه لا يزيد على العشرة فالكل حيض، ما رأت فيه الدم وما لم تر، سواء كانت مبتدأة أو صاحبة عادة، وإن زاد على العشرة: إن كانت لها عادة ردَّت إليها، ويكون الزائد استحاضة، وإن كانت مبتدأة، فالعشرة حيض ما رأت فيه الدم وما لم تر، وما زاد استحاضة. كذا في ((فتح باب العناية))(1: 209).
(2/116)
________________________________________
، فيجوزُ[(1)] بدايةُ الحيض، وختمُهُ بالطُّهْرِ على هذا القول فقط[(2)](3)، و[قد](4) ذُكِرَ[(5)] أنّ الفتوى على هذا تيسيراً على المُفْتِي والمستفتي[(6)
__________
(1) قوله: فيجوز؛ يعني لمّا كان الطهرُ الناقص عن خمسةَ عشرَ غير فاصلٍ مطلقاً من دون تقييد بما قيّد به غيره على ما سيأتي تفصيله فيجوزُ عنده ابتداءَ الحيض وختمه بالطهر؛ بأن يكون أوّل يومٍ منه وآخرَ يوم منه طهراً في حكم الحيض، وهذا إذا قبلَ البدايةِ وبعد الختم دمٌ في حكمِ الطهر، ومثاله على ما في ((العناية)): امرأةُ عادتها في أوّل كلّ شهرٍ خمسةَ أيام، رأت قبل خمستها يوماً دماً ثمّ طهرت أوّل يومٍ من خمستها، ثمَّ رأت ثلاثةً دماً، ثمَّ طهرت إلى آخر يومٍ من خمستها، ثمّ استمرَّ بها الدمُ فحيضها عند أبي يوسفَ خمسة، وإن كان بدؤه وختمه بالطهر؛ لوجودِ الدم قبله وبعده، فيجوزُ بدايته به إذا كان قبله فقط، ولا يختم به، ويجوزُ ختمه به فقط إذا كان بعده دماً لا قبله، وإن شئت الاطلاعَ على تفصيلِ في هذا البحث، فارجع إلى: ((التعليق الفاصل)) للوالد العلام، أدخله الله دار السلام.
(2) قوله: فقط؛ أي دونَ الأقوالِ الباقية الآتية، فإنه قد زيدت فيه شروطٌ لا يمكن باعتبارها هناك بدايةُ الحيض وختمه بالطهر.
(3) لكن يشترط إحاطة الدم من الجانبين، كما إذا رأت قبل عادتها يوماً دماً وعشرةً طهراً ويوماً دماً، فالعشرة حيض. كما في ((فتح باب العناية))(1: 209).
(4) سقطت من م.
(5) قوله: وقد ذكر؛ بصيغة المجهول يعني ذكرَ في الفتاوى أنّ المشائخَ أفتوا بهذا القولِ كما في ((المحيط)) و((السراجيّة)) و((الظهيرية)) وغيرها، وإنّما أفتوا به؛ لأنَّ فيه تيسيراً بالنسبة إلى الأقوالِ الباقية، وقد وردَ عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في الصحاحِ وغيرها: ((يسّروا ولا تعسّروا))، وورد: ((الدين يسر))، ووردَ عن عائشةَ رضي الله عنهم: ((ما خيَّر بين الأمرين إلا اختار أيسرهما)).
(6) قوله: على المفتي والمستفتي، وذلك لأنّ في الأقوالِ الباقية شروطاً وتفاصيلَ يعسر ضبطها على النساءِ الناقصات عقلاً، ويتعسّر على المفتي فهمها من بيانهنّ، فإن قلت آخذاً من ((الحواشي العصاميّة)): إنّه لا خفاء في اعتبارِ التيسيرِ في حقّ المبتلى بالعمل، أعني المستفتي، وأمَّا في حقّ المفتي فغير ظاهر، أذ على المفتي بذلُ غايةِ جهده في طلبِ الحقّ، قلت: المفتي إذا تعسَّر عليه فهمُ صورةِ الواقعة من بيانهنّ، وهنّ ناقصاتٌ جاهلات غالباً، فكيف يبذلُ الجهد، فالتيسيرُ معتبرٌ في حقّه أيضا؛ لئلا يخلّ ببذلِ جهده، والحاصل أنّ قول أبي يوسفَ أسهلُ وأقلّ تشقيقاً وتفصيلاً، فيسهل الإفتاءِ به في حقّ المفتي والمستفتي كليهما، فإن قلت: لمَّا كان قول أبي يوسفَ اليسر، وبه أفتى المشائخ، فلمَ اختارَ المصنف في المتنِ روايةُ محمّد كما يفصح عنه قوله: في مدَّته، قلت: تبعاً لمتن ((الهداية))، فإنّ المذكورَ فيه هو هذه الرواية لا غير، وللناظرين هاهنا كلمات باطلة من أرادَ الاطلاع عليها فليرجع إلى ((السعاية)).
(2/117)
________________________________________
](1).
وفي روايةِ محمَّدٍ - رضي الله عنه - عنه: إنَّه لا يفصلُ[(2)] إن أحاطَ الدَّمُ بطرفيه في عشرة، أو أقلّ(3).
__________
(1) وقيل: هو آخر أقوال أبي حنيفة - رضي الله عنه -، قال صاحب((الهداية))(1: 32)، والأخذ بهذا القول أيسر، وقال صاحب((الفتح))(1: 153): وعليه الفتوى، وقال صاحب ((العناية))(1: 153): والأخذ به أيسر، لأن في قول محمد تفاصيل يشق ضبطها، وكذا صاحب ((البحر))(1: 216)،
(2) قوله: إنه لا يفصل؛ حاصل هذه الرواية أن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً، وكان ثلثة أيام أو أكثر، فإن كانت إحاطةُ الدم بطرفيه في مدة الحيض وهو عشرة أيام، سواء بلغ المجموع عشرة، كما إذا رأت يوماً دماً ثم ثمانية أيام طهراً ثمَّ يوماً دماً، أو لم يبلغ كما إذا رأت يوماً دماً ثم خمسةَ طهراً ثمَّ يوماً دماً، يكون الطهر حينئذٍ في حكم الدم المتوالي، فيكون العشرة كلّها في الصورة الأولى، والسبعة في الثانية حيضاً، وإن لم يكن كذلك لا يكون الطهر حيضاً بل يكون فاصلاً كالصورتين اللتين ذكرناهما في قول أبي يوسف، أحدهما ما فيه الطهر زائد من ثلاثة فقط، وثانيهما: ما فيه الطهر زائد على العشرة، والوجه في ذلك على ما في ((الهداية)) وحواشيها: إنَّ استيعاب الدم مدّة الحيض ليس بشرطٍ في الحيض بالإجماع، فيعتبر وجوده أوَّلاً وآخراً في مدّته، ليجعل ما بينهما تبعاً لهما.
(3) أي أن المعتبر أن يكون في أولها وآخرها دم كالنصاب في باب الزكاة.
(2/118)
________________________________________
وفي رواية ابنُ المُبارك(1) - رضي الله عنه - عنه: إنه(2) يشترطُ[(3)] مع ذلك(4) كون الدَّمين نصاباً(5).
__________
(1) وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَلي بالولاء التَّميمي المَرْوَزِيّ، أبو عبد الرحمن، كان يأخذ برأي أبي حنيفة، وقال الذهبي: كان رأساً في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأساً في الكرم، وقال الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين، من مصنَّفاته: ((الجهاد))، و((الرَّقائق))، (118-181هـ). ينظر: ((وفيات))(3: 3234)، ((طبقات الشيرازي))(ص107-108)، ((المستطرفة))(37).
(2) سقطت من أ و ف و م.
(3) قوله: إنّه يشترط؛ حاصل هذه الرواية أنّ الطهرَ الذي هو ثلاثة أو أكثر وأقلّ من خمسةَ عشر إنّما يكون حيضاً إذا كان الدمُ المحيط به في الطرفين في عشرةٍ أو أقلّ، وكان مجموع الدمين المحيطين به نصاباً؛ أي ثلاثة أيام ولياليها أو أكثر، وإن لم يكن كلّ منهما نصاباً فهذا القولُ أخصّ وأضيقُ من روايةِ محمَّد؛ لاعتبارِ شرطٍ زائدٍ فيه كما أنَّ رواية محمد أضيق من قول أبي يوسف فعلى هذه الرواية لا يكون الطهر في الصورتين اللتين ذكرناهما على رواية محمد دماً متوالياً؛ لفقد إحاطة النصاب، وصورته: أن ترى يومين دماً، وسبعة أيام طهراً، ثمَّ يوماً دماً أو بالعكس، وأن ترى يوماً دماً وأربعة طهراً، ثمَّ يومين دماً أو بالعكس، ووجهه أنَّ الحيضَ لا يكون أقلّ من ثلاثة، فإذا بلغَ الدمُ المحيط هذا المقدارَ صار قويَّاَ فيمكن أن يجعلَ المتخلّل تبعاً ودماً لا يكون كذلك فهو ضعيف، لا يكون حيضاً إذا انفرد فلا يجعل غيره أيضاً حيضاً.
(4) أي مع ما سبق من الكلام في رواية محمد - رضي الله عنه - من أنه يكون أولها وآخرها دم.
(5) أي ثلاثة أيام ولياليها.
(2/119)
________________________________________
وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه - يُشْتَرطُ[(1)] مع هذا(2) كون الطُّهْرِ مساوياً للدَّمين، أو أقلّ، ثُمَّ إذا صارَ دماً [(3)
__________
(1) قوله: وعند محمد رح يشترط …الخ؛ هذا هو مذهب محمّد كما يدلّ عليه لفظ عند بخلافِ ما سبق، فإنّه كان روايةً عن شيخه أبي حنيفة، وهذا القول أكثرُ اشتراطاً بالنسبةِ إلى الروايات والأقوالِ السابقة، وحاصله أنّ عند محمَّد يشترطُ لكونِ الطهرِ المتخلّل المذكورِ حيضاً شروط ثلاثة: أحدها أن تكون إحاطةُ الدمِ بطرفيه في عشرةِ أيّام أو أقل، وثانيها: أن يكون مجموعُ الدمين نصاباً، وثالثها: أن يكون الطهر المتخلّل مساوياً للدَّمين المحيطين أو أقل من مجموعهما، فإن كان أكثر من مجموعهما يعدّ فاصلاً، فالصورتان اللَّتان ذكرناهما على روايةِ ابن المبارك يكون الطهر فيهما عنده فاصلاً؛ لكونه زائداً على مجموعِ الطرفين، ووجهه أنَّ الحكمَ شرعاً للغالبِ لا للمغلوب، فإذا زادَ الدمُ على الطهرِ يكون الطهر مغلوباً، فلا يظهرُ حكمه، بل يكون تابعاً للدم، وكذا في صورة المساواةِ يرجح حكمُ الدم، ويجعلُ الكلّ دماً احتياطاً، بخلاف ما إذا زادَ الطهرُ على الدمين فإنّه حينئذٍ يكون له نوعُ استقلالٍ وقوَّة، فلا يتبعُ الدمَ الذي هو أضعفَ منه، وصورته أن ترى امرأةٌ يومين دماً وخمسةَ أيّام طهراً، ثم ثلاثة دماً، وأن ترى ثلاثة أيّام دماً، ثمَّ ثلاثة أيّامٍ طهراً، ثم يوماً دماً، وكذا العكس في الصورتين، وإن شئت زيادةَ التفصيلِ في هذا المبحث بل في مبحث الطهرِ المتخلِّل بتمامِهِ فارجع إلى: ((التعليق الفاصل))، وإلى ((السعاية)).
(2) هذا رواية أخرى عند محمد - رضي الله عنه - يشترط فيها زيادة على ما سبق من أن يكون أولها وآخرها دم على ما سيذكره.
(3) قوله: ثمّ إذا صار دماً؛ أي الطهرً المساوي للدَّمين أو أقلّ المحاطُ بالدمِ في طرفيه في مدَّة الحيض عنده؛ أي محمَّد، فإن وجدَ بصيغةِ المجهول وفاعله طهرٌ آخر في عشرة هو؛ أي ذلك الطهر الذي صار دماً حكماً فيها؛ أي تلك العشرة، وهذه الجملةُ صفةٌ للعشرةِ طهرٌ آخر، يغلب؛ أي الآخر، وهذا صفةٌ للطهرِ الآخر،؛ أي وجدَ في تلك العشرة طهرٌ آخرُ موصوفاً بكونه غالبا علىً الدمين المحيطين به؛ أي للدمين الحقيقيين الذين في طرفي هذا الطهر الآخر؛ أي يكون زائداً على مجموعهما لكن يصير؛ أي ذلك الطهرُ الآخرُ مغلوباً؛ أي أقلّ من طرفيه، إن عدَّ ذلك الدمُ الحكميّ دماً؛ أي إن اعتبر ما أحاطه هذا الطهرُ من الدم الحقيقيّ يكون الطهرُ زائداً عليه، وإن اعتبرَ كون الطهر السابق عليه دماً حكماً وجوب مع أحد طرفيه، يكون الطهرُ الآخرُ أقلّ من مجموع طرفيه، وصورته: أن ترى امرأةٌ مبتدأةٌ يومين دماً وثلاثةً طهراً، ويوماً دماً، وثلاثةً طهرا، ويوماً دماً فالطهر الأوّل فيها في حكمِ الدمِ المتوالي؛ لوجود الشرائطِ التي اعتبرها، فإنّه يوجدُ فيه إحاطةُ الدمِ بطرفيه في مدَّةِ الحيض مع كون مجموع الطرفين نصاباً، وكونِ الطهرِ مساوياً له، والطهرُ الآخرُ الواقعُ في تلك العشرة التي وقع فيها الأوّل إن اعتبرَ طرفاه وهما يومان يكون الطهرُ أي ثلاثة أيَّام زائداً عليه، وإن اعتبرَ الطهرُ الذي صار دماً حكميَّاً في أحد طرفيه أيضاً، صار المجموعُ سبعةَ أيَّام، فيصيرُ الطهرُ مغلوباً، وقس عليه ما إذا كان الدمُ الحكميّ الجامعُ للشرائط مؤخَّراً عن الطهر الآخر الغالبِ على طرفيه، نحو أن ترى يوماً دماً وثلاثةَ أيّامٍ طهراً، ثمَّ يوماً دماّ وثلاثةَ أيّامٍ طهراً، ثمَّ يومين دماً، فإنّه لا فرقَ عند محمَّد في صورةِ التقديم والتأخير.
(2/120)
________________________________________
]عنده(1)، فإن وُجِدَ في عشرة هو فيها طُهْرٌ آخر يغلبُ الدَّمينِ المحيطين به، لكن يصيرُ مغلوباً إن عُدَّ ذلك الدَّمُ الحكميُّ دَمَاً، فإنَّه[(2)] يُعَدُّ دَمَاً حتَّى يُجْعَلَ الطُّهْرُ الآخرُ حيضاً أيضاً(3)، إلاَّ في قول(4) أبي سَهل[(5)
__________
(1) أي إن صار الطهر المساوي للدمين أو الأقل منهما دماً حكمياً عند محمد - رضي الله عنه -، وصورة الدم الحكمي مثلاً أن ترى امرأة مبتدأة يوماً دماً، وثلاثة أيام طهراً، ويومين دماً، فيكون ما رأت دماً حكمياً في ستة أيام.
(2) قوله: فإنّه جزاء لقوله: فإن وجد… الخ؛ أي ففي هذه الصورةِ يعد بصيغة المجهول؛ أي يحاسب الطهرُ الأوّل دماً حكماً حتى توجدَ الشرائط في الطهرِ الآخر، ويجعلُ الطهرُ الآخرُ مقدَّما كان أو مؤخَّراً حيضاً أيضاً، كالطهر الأوّل.
(3) أي إن وجد طهرٌ آخر مع الدم الحكمي في عشرة أيام ـ وهي أقصى مدة في الحيض ـ تفوق أيامه أيام الدم المحيط به إذا لم يعتبر الدم الحكمي، بل عدّ أيام الدم الحقيقي فحسب، ولكن يعدُّ الدم الحكمي مع الدم الحقيقي فتكون جميعهاً حيضاً لزيادتها عليه، وصورته: أن ترى امرأة متبدأة يومين دماً، وثلاثة طهراً، ويوماً دماً، وثلاثة طهراً، ويوماً دماً، ففي هذه الصورة قد أحاط الدم بالطرفين، لم يعد الدم الحكمي مع الدم الحقيقي فإن عدد أيام الطهر، وهي ستة أيام تفوق أيام الدم، ولكن مع عدّ الدم الحكمي مع الحقيقي يكون أيام الدم سبعة أيام وهي تفوق أيام الطهر.
(4) وهو لم يعد أيام الدم الحكمي مع الدم الحقيقي، بل أيام الدم الحقيقي، فتكون حائضاً في الأيام الست الأولى في الصورة التي ذكرناها سابقاً.
(5) قوله: إلا في قول أبي سهيل رح؛ استثناءٌ من قوله: يعد؛ أي يعدّ ذلك الطهر دماً ويحاسب مع الدمين المحيطين بالآخر، فيصيرُ الآخرُ مغلوباً وحيضاً في جميع أقوالِ المشائخ، منهم: أبو زيد وأبو علي الدقاق، وهو الذي رجَّحه صاحب ((المحيط))، وأفتوا عليه، إلا في قولِ أبي سهيل: بضم السين مصغّراً، وهو المعروف بأبي سهيلٍ الغزالي، وأبي سهيل الفرضيّ تلميذُ أبي الحسنِ الكرخيّ، فإنّه لا يجعلُ الطهرُ الآخر المغلوب في نفسه عن طرفيه الغالب على طرفيه إن عدَّ الطهرُ الأوّل دماً حكميَّاً، فيشترطُ عنده في كونِ الطهرِ حيضاً حكماً مع الشروط المذكورة كونه أقلّ أو مساوياً للدّمين الحقيقيين المحيطين به، ففي الصورتين اللتين ذكرناهما عند غيره : كلّ العشرة حيض، وعنده الستَّة الأولى فقط في الصورة الأولى، والستةُ الثانيةُ فقط في الصورة الثانية.
(2/121)
________________________________________
](1) - رضي الله عنه -، ولا فرقَ بين أن يكونَ الطُّهْرُ الآخرُ مُقَدَّماً على ذلك الطُّهْر، أو مؤخَّراً(2).
وعند الحَسَن(3) بن زياد[(4)] - رضي الله عنه -: الطُّهْرُ الذي يكون ثلاثةَ أيام(5)، أو أكثر يفصلُ مطلقاً(6).
__________
(1) في النسخ: ((سهيل))، وهو أبو سهل الزُّجاجي الغَزَالي الفَرَضي، درس على الكرخي، وأبي سعيد البردعي، قال الصاحب بن عباد: كان أبو سهل إذا دخل مجالس النظر تتغير وجوه المخالفين لقوة نفسه وحسن جدله، من مؤلفاته: كتاب ((الرياض))، ينظر: ((الجواهر))(4: 51-52)، ((تاج))(ص335-336)، ((الفوائد))(1: 140).
(2) أي لا فرق في قول محمد - رضي الله عنه - أن الطهر الآخر في خلال عشرة في بدايتها أو نهايتها، وقد كان في الصورة التي ذكرناها في نهايتها، وصورة أن يكون في بدايتها: أن ترى مبتدأة يوماً دماً، وثلاثة أيام طهراً، ويوماً دماً، وثلاثة أيام طهراً، ويومين دماً.
(3) في ف: حسن.
(4) قوله: وعند الحسن بن زياد… الخ؛ مذهبُهُ هذا في قوَّة النقيض؛ لقول أبي يوسفَ الذي هو قول أبي حنيفةَ أوَّلاً، فإنَّ حاصلَ ذلك القول أنَّ الطهرَ إذا كان ثلاثةً أو أكثر غير فاصل مطلقاً من دون اشتراطٍ وتفصيل، وحاصل هذا القول أنَّه فاصلٌ مطلقاً من غير اشتراطٍ وتفصيل، وهذا أضعف الأقوال، ولقد أحسنَ الشارحُ البارعُ في ترتيب الأقوالِ الستَّة، حيث بدأ بالأيسرِ الأقوى، وختم بالأضعفِ الأدنى، ولاحظ فيما بينهما تقديمَ الأيسر فالأيسر، وتأخير الأخصّ فالأخصّ.
(5) سقطت من أ و ب و س و ص.
(6) وهذا القول على عكس قول أبي يوسف - رضي الله عنه - من أن الطهر إذا كان ثلاثة أيام أو أكثر غير فاصل مطلقاً، وحاصل هذا القول أنه فاصل مطلقاً من غير اشتراط وتفصيل، وهذا أضعف الأقوال، ولقد أحسن الشارح البارع في ترتيب الأقوال على الأقوى. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 1: 124).
(2/122)
________________________________________
فهذه سِتَّةُ أقوال[(1)]، وقد ذُكِرَ[(2)] أنَّ كثيراً من المُتقدِّمين والمتأخرين أفتوا بقولِ محمَّدٍ - رضي الله عنه -، ونضعُ مثالاً يجمعُ هذه الأقوال: مبتدأةٌ[(3)](4) رأتْ يوماً دَمَاً، وأربعةَ عَشْرَ طُهراً، ثُمَّ يوماً دَمَاً، وثمانيةً طهراً(5)، ثُمَّ يوماً دَمَاً، وسبعة طهراً(6)، ثُمَّ يومينِ دَمَاً(7)، وثلاثةٌ طهراً(8)، ثُمَّ يوماً دماً(9)، وثلاثةٌ طهراً(10)، ثُمَّ يوماً دماً(11)
__________
(1) قوله: فهذه ستّة أقوال؛ يعني ما ذكرنا سابقاً من المذاهبِ والروايات ستَّة أقوال: قول أبي حنيفة المتأخّر المذكور أوّلاً، وقول الحسنِ المذكور آخراً، وروايةُ ابنِ المبارك، ومذهبُ محمَّد، وروايةُ محمَّد، وقول أبي سهيل، فالمسألة مسدسة.
اي احاطة الدم بطرفيه في مدة الحيض وكون مجموعهما نصابا
قوله اي في العشرة التي الطهر الاول فيها.
(2) قوله: وقد ذكر؛ أي في الفتاوى والكتب المعتبرة كما في ((المحيط)) و((المبسوط)) وغيرهما، فإن قلت: هذا مخالفٌ لما مرَّ من الشارحِ أنَّ الفتوى على قولِ أبي يوسفَ تيسيراً، قلت: لا مخالفة؛ فإنَّ كثيراً من المشائخِ أفتوا به، وكثيراً منهم أفتوا بقولِ محمَّد، فنقلَ كلا من الطريقين، ولا يعدّ هذا تناقضاً.
(3) قوله: مبتدأة؛ أي المرأةُ التي ابتدأ بلوغها وتخلَّل انتظامُ الدمِ من بدء بلوغها، وأمَّا المعتادةُ فالحكمُ فيها أنّه تعتبرُ فيه أيّام عادتها، فيكون ذلك القدرُ حيضاً والباقي استحاضة من غير تكلّف وتفصيل.
(4) المبتدأة: هي التي ابتدأ بلوغها بالحيض ولم تستقر عادتها. كما في ((العمدة))(1: 132).
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(6) زيادةمن أ و ب و س.
(7) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(8) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب.
(9) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(10) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(11) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(2/123)
________________________________________
، ويومين طهراً(1)، ثم يوماً دَما، فهذه خمسةٌ وأربعون يوماً.
ففي روايةِ أبي يوسف - رضي الله عنه -: العشرةُ الأولى[(2)]، والعشرةُ الرَّابعةُ حيض.
وفي روايةِ محمَّد[(3)] - رضي الله عنه -: العشرةُ بعد طُهْرٍ هو أربعةِ عشر.
وفي روايةِ ابن المُبارك - رضي الله عنه -: العشرةُ بعد طُهْرٍ هو ثمانية[(4)].
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(2) قوله: العشرة الأولى… الخ؛ وذلك لأنّه لمَّا كان الطهرُ الناقصُ من خمسةَ عشرَ غير فاصل عنده مطلقاً، فمجموع خمسة وأربعين في هذه الصورةِ يكون كالدمِ المتوالي، ولمَّا كان غالبُ عادةِ النساءِ كونهنّ حائضاتٍ في كلّ شهرٍ مرَّة يعتبرُ هذا الأمرِ في المبتدأةِ التي لم ينتظم أمرُ حيضها أيضاً حملاً للأمثالِ على الأمثال، فتكون العشرةُ الأولى من تلك الأيّام وهي ما رأت فيها يوماً دماً، وتسعةً طهراً، فأوَّلها دم وآخرها طهر حيضاً، وكذا العشرةُ الرابعةُ وهي ما رأت فيها يومين طهراً ثمَّ يومين دماً، ثمَّ ثلاثة طهراً ثمّ يوماً دماً، ثمَّ يومين طهراً حيض، والباقي وهو عشرون يوماً بين العشرتين، وخمسة أيّام بعد العشرةِ الرابعةِ استحاضة.
(3) قوله: وفي رواية محمّد… الخ؛ على هذه الروايةِ مجموعُ تلك الأيّام، وإن كان كلّها في حكمِ الدم المتوالي لكن الحيض حكماً إنّما هو الأيّام التي وجدت فيها إحاطةُ الدمِ بطرفي الطهر في مدَّة الحيض، وهي العشرةُ التي بعد طهر هو أربعةَ عشرَ يوماً، وهي التي رأت فيها يوماً دماً وثمانية طهراً، ثمَّ يوماً دماً، والباقي كلّه استحاضة.
(4) قوله: العشرة بعد طهر هو ثمانية؛ وهي ما رأت فيه يوماً دماً وسبعةَ طهراً، ثمَّ يومين دماً، لأنَّها التي وجدت فيها إحاطةُ الدمِ بالطرفينِ في مدَّةِ الحيضِ مع كون الطرفين نصاباً كما هو الشرط.
(2/124)
________________________________________
وعند محمَّد - رضي الله عنه -: العشرةُ بعد طُهْرٍ هو سبعة[(1)].
وعند أبي سهل(2) - رضي الله عنه -: السِتَّةُ الأولى منها[(3)](4).
__________
(1) قوله: العشرة بعد الطهر هو سبعة؛ وهي ما رأت فيه يومين دماً وثلاثةً طهراً، ثمَّ يوما دماً وثلاثة طهراً، ثمَّ يوماً دماً؛ لأنّه توجدُ فيها شروطه، وهي إحاطةُ الدمِ بطرفيه في مدَّةِ الحيض مع كون مجموع الدمين نصاباً، وكون الطهرِ مساوياً له أو أقل، والطهرُ الآخرُ الغالبُ على طرفيه إن اكتفى بالدمِ الحقيقيِّ المغلوب، إن اعتبرَ الدم الحكميّ داخل فيها، وباقي الأيّام تكون استحاضة.
(2) في النسخ: سهيل.
(3) قوله: الستة الأولى منها؛ أي من العشرةِ التي هي بعد طهرٍ هو سبعة التي هي بأسرها حيض عند محمّد رح، وذلك لأنّه يعتبرُ مساواةِ الطهر أو أقليَّته بالنسبةِ إلى الدَّمين الحقيقيين المحيطين به، ولا يعتبر الدم الحكميّ، وهذا الشرطً موجودٌ في الستّة الأولى منهما التي رأت فيها يومين دماً وثلاثة طهراً، ثم يوماً دماً، فيكون هذا المقدار حيضاً والأيّام التي قبل هذه الستّة والتي بعدها كلّها استحاضة.
(4) أي من العشرة بعد طهر هو سبعة.
(2/125)
________________________________________
وعند الحَسَن - رضي الله عنه -: الأربعةُ الأخيرة [(1)][من خمسة وأربعين](2)، وما سوى ذلك[(3)] استحاضة(4).
__________
(1) قوله: الأربعة الأخيرة؛ أي من خمسةٍ وأربعين يوماً، وهي التي أوَّلها دم وآخرها دم، والمتوسط يومان طهراً، فإنّ الطهرَ المتخلّل فيها أقلّ من ثلاثة أيّام فيكونُ حيضاً عنده دون باقي الايام التي قبل هذه الأربعة؛ لفقدان شرطه فيها؛ فإنّ الأطهارَ المتخلّلة فيها زائدةٌ على ثلاثة أيَّام فتكون فاصلة؛ أي لا تكون حيضاً.
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(3) قوله: دماً سوى ذلك؛ أي ما سوى ما ذكرنا من الأيَّام التي هي حيضٌ على أيّ مذهبٍ كان من المذاهب السابقة يكون استحاضةً على ذلك المذهب؛ لفقدانِ الشرط، وهذا نصّ على أنّ الشروطَ التي اشترطها أصحابُ الأقوالِ المذكورة سوى قول أبي يوسف إنّما هي لكونِ الطهرِ المتخلّل حيضاً لا لكونِ الطهرِ في حكمِ الدم المتوالي مطلقاً، فتلك الأيّام كلّها في حكمِ الدم المتوالي عند الكلّ، إلا أنَّ الحيضَ منها هو المقدار الجامعُ للشروطِ على كلِّ قول، والباقي استحاضة، وبه ظهرَ خطأ ما فهم مؤلّف ((التعليق الكامل)) من أنَّ الشروطَ شروط؛ لكونِ الطهرِ دماً متوالياً، وقد أوضحَ خطأه الوالد العلام ادخله الله دار السلام في منهيات رسالة ((التعليق الفاضل)).
(4) هذا جدول توضيحي للمسألة:
د
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
د
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
د
ط
ط
ط
ط
ط
ط
ط
د
د
ط
ط
ط
د
ط
ط
ط
د
ط
ط
د

العشرة الأولى في رواية أبي يوسف حيض

هذه العشرة حيض على رواية محمد

العشرة الرابعة على رواية أبي يوسف حيض

الأبعة حيض عند الحسن

هذه العشرة على رواية محمد حيض

هذه العشرة حيض على رواية ابن المبارك

الستة حيض على رأي أبي سهل
(2/126)
________________________________________
ففي كلِّ صورةٍ [(1)
__________
(1) قوله: ففي كلّ صورة… الخ؛ اختلفَ الناظرون في تركيب هذه الجملة وما يتّصل بها وبيان معناها، فمنهم من قال: إنّ كلّ صورةٍ بالإضافة خبر مبتدأ محذوف مؤخَّراً، وقوله: يكون الناقص فاصلاً صفةٌ لقوله: صورة، والضميرُ العائدُ إلى الموصوفِ محذوف، وقوله: فإن كان بيان للمبتدأ المحذوف فصار التقديرُ إذا عرفتَ ما ذكرنا ففي كلّ صورةٍ يكون الطهرُ الناقصُ فيها فاصلاً تفصيل وهو أنّه إن كان أحد الدمين المحيطين به نصاباً؛ أي ثلاثة أيّام إلى عشرةٍ كان حيضاً… الخ، ولا يخفى على المتدرّب ما فيه من التكلّف، أمّا أوَّلاً فللزومِ حذفِ المبتدأ الذي هو صدرُ الكلام من غير ضرورةٍ وقرينةٍ واضحة، وأمّا ثانياً فلحذفِ الضميرِ في الجملة التي وقعت صفة، وأمّا ثالثاً فلأنّ استثناءَ قول أبي يوسفَ على هذا لغو، فإنّ عنده لا توجد صورة يكون الطهر الناقص فيها فاصلاً، فإنّه يجعلُ الطهر الذي هو أقلّ من خمسةَ عشر يوماً مطلقاً غير فاصل كان أقلّ من ثلاثة أو أكثر، فأيّ حاجةٍ إلى استثنائه بعد توصيفِ الصورة بما وصفها به، إلا أن يقال: هو لمجرَّد التوضيح، ودفعِ إيهامِ دخول قوله في قوله في هذه الأقوال، ومنهم من قال: إنَّ قوله يكون صفةً للصورةِ والعائدُ محذوف، وقوله: كلّ صورةٍ بالإضافة ظرفٌ لقوله: فإن كان أحدُ الدمين… الخ، والفاء في قوله: فإن كان زائدة، فصارَ التقديرُ هكذا إذا عرفتَ ما ذكرنا فإن كان أحدُ الدمين نصاباً في كلّ صورةٍ يكون فيها الطهرُ الناقصُ فاصلاً كان ذلك الدمُ حيضاً… الخ، ولا يخفى ما فيه أيضاً من التكلّف من التزامِ زيادةِ الفاء، والتزامِ حذفِ الضمير، والتزامِ تقديم ما في خير الشرط على الشرط من غير ضرورة، ومنهم من قال: إنّ كلّ صورةٍ بالإضافةِ مبتدأ، وجملة يكون الطهر… الخ، خبره، واللامُ الداخلة على الطهر الناقص للعهد، والمرادُ به الذي زاد على ثلاثة ونقصَ من خمسة عشر، فالمعنى في كلِّ صورةٍ ذلك الطهر الناقص فاصلٌ في جميع هذه الأقوال، إلا قول أبي يوسفَ فإنّه ليس بفاصلٍ عنده مطلقاً، وفيه أيضاً ما لا يخفى للزوم إهمالِ قوله: في كلّ صورة، ومنهم من قال: الفعل أعني يكون منْزل منْزلة المصدر، فهو مبتدأ، وقوله: في هذه الأقوالِ خبر، والمراد بالناقص هو المعهود، فالمعنى كون الطهر الناقص وهو ما كان أكثر من ثلاثة فاصلاً ثابتٌ في جميع الأقوال، سوى قول أبي يوسف، فإنّه ليس بفاصلٍ عنده، ولا يخفى ما فيه من السخافة للزوم لغوية قوله: كل صورة، ولزومُ حملِ اللام على العهد، ومنهم مَن قال: إن تنوين كلّ عوض عن المضاف إليه، وهو لفظُ تقدير، وقوله: صورة مع صفتها، وهي جملة يكون الطهرُ مبتدأ خبره قوله في هذه الأقوال، فالمعنى أنّه في كلّ تقديرٍ الصورةُ التي يكون الطهرُ الناقصُ فيها فاصلاً موجودةٌ في هذه الأقوالِ سوى قول أبي يوسف رح، وفيه أيضاً من السخافة ما لا يخفى للزوم لغوية قوله: كل تقدير، ولزومُ حذف لفظ تقدير بدون قرينة، ولزوم حذف العائد في الجملة، ومنهم من قال: إنّ إحدى الفائين أعني فاء قوله: ففي كلّ صورة، وفاء قوله: فإن كان زائدة، وقوله: صورة بالرفع مبتدأ، والجملةُ التاليةُ صفةٌ له، وخبره قوله: في هذه الأقوال، يعني فصورةُ يكون الطهر الناقص فيها فاصلاً موجودةً في هذه الأقوالِ سوى قول أبي يوسف، فإنّ تلكَ الصورة غير متحقّقة فيها لعدم كون الطهر الناقص فاصلاً عنده مطلقاً، وقوله: فإن كان… الخ، تفصيلٌ لتلك الصورة، وفيه من التكلّف والتعسّف ما لا يخفى، والذي اختاره الوالدُ العلام أدخله الله دار السلام تبعاً لأستاذه وأب أم أبيه، وهو مولانا محمد ظهور الله رحمه الله: إنّ تنوينَ كلّ عوضٌ عن المضاف إليه، وقوله: في هذه الأقوالِ بدلٌ من قوله: في كلّ، بإعادة الجار، وقوله: صورة مع صفتها، وهيُ الجملة المتَّصلة به مع الضميرِ المحذوفِ خبر لقوله: كلّ، فالحاصلُ أنّ في كلٍّ من هذه الأقوالِ سوى قول أبي يوسفَ توجدُ صورةٌ يكون الطهرُ الناقص فاصلاً فيها، وهي ما فقدت فيه الشروط المعتبرة، ولا يتأفت هذا على قول أبي يوسف رح ؛ لعدم كون عدم الفصل عنده مشروطاً بشرط، واختار معاصره مؤلّف ((التعليق الكامل)) تبعاً لبعض أساتذته ما حاصله أنّ كلّ صورةٍ بالاضافة مبتدأ، وخبره قوله: يكون، والفاءُ الداخلةُ على قوله: ففي للتفسير، والمراد بكل صورةّ: كلّ صورةٍ من صور القسم الثاني، وهو ما إذا كان الطهرُ الناقصُ أكثر من ثلاثة، وتوضيحه أنَّ الشارحَ قسم الطهرَ المتخلل على قسمين: الأوّل ما كان أقلّ من ثلاثة، فهو لا يفصل اتّفاقاً، والثاني: ما كان ثلاثة أيّام أو أزيد، وذكر فيه صوراً مختلفة، وآراءً متنوعة، ففسّرها ثم قال: ففي كلّ صورة… الخ؛ أي في كلّ صورة صورة من القسم الثاني، يكون الطهر الناقص فاصلاً في تجويزِ صاحبيّ هذه الأقوال، سوى قول أبي يوسف مثلاً الصورة الأولى؛ أي ما كان الطهرُ أربعةَ عشر يوم فهو فيها فاصل عندهم، بناء على شروطهم التي مرّ ذكرها سوى أبي يوسف، وفي الصورةِ الثانية، وهي ما إذا كان الطهرُ ثمانيةَ ايام محاطاً بين الدمين في العشرة، فهوٌ فاصل فيِ روايةِ ابن المبارك وغيرها، وكذا في الصورة الثالثة وهي ما إذا كان الطهر سبعة أيّام في العشرة هو فاصل عند محمّد، وكذا في الصورة: الرابعة: وهي ما كان الطهرُ المتخلل فيه ثلاثة أيامّ هو فاصل عند الحسن بن زياد، وأمّا الصورةُ الأخيرة: أي ما كان الطهرُ يومين محاطاً بين الدمين فهي خارجةٌ عن القسم الثاني، فلا يفصلُ عند أحد كما لا يفصل عند أبي يوسف في جميعِ الصورِ المذكورة؛ لعدم اعتباره الشروط، هذا وفي المقام تفصيل آخر موضع بسطه هو ((السعاية)).
(2/127)
________________________________________
]يكونُ الطُّهْرُ النَّاقصُ فاصلاً في هذه الأقوال سوى قولِ أبي يوسف - رضي الله عنه -، فإن كان[(1)] أحدُ الدَّمين نصاباً، كان حيضاً، وإن كان[(2)] كلٌّ منهما نصاباً، فالأُوَّلُ حيض، وإن لم يكن شىءٌ منهما نصاباً، فالكلُّ استحاضة[(3)
__________
(1) قوله: فإن كان… الخ؛ يعني إذا ثبتَ أنّ فصلَ الطهرِ الناقص في جميعِ الأقوال سوى قول أبي يوسفَ رح، فينظر إن كان أحدُ الدمين المحيطين بذلك الطهرِ بقدر النصاب أي ثلاثة أيّام فصاعداً إلى عشرة أيّام لا أقلّ منه كان ذلك الدم حيضاً، والباقي وهو ذلك الطهرُ الذي ليس بحيضٍ حكما لفقدِ بعض الشروط، والدمُ الآخرُ يكون استحاضة، مثلاً لو رأت ثلاثة أيّامٍ دماً، وعشرة طهراً ثم يوماً دماً أو بالعكسِ فعلى روايةِ ابن المبارك ومحمّد يكون هذا الطهرُ فاصلاً، بمعنى أنّه لا يكون حيضاً؛ لأنّه يشترطُ فيهما كون إحاطةِ الدمين به في مدَّة الحيض، وفي هذه الصورة ليس كذلك، ففي هذه الصورة يكون ثلاثة أيّام من الأوّل ومن الآخر حيضاً، وباقي الأيّام استحاضة، ولو رأت يوماً دماً وخمسةً طهراً ثمَّ ثلاثةً دماً يكون الثلاثةُ حيضاً والباقي استحاضة على مذهبِ محمّد رح؛ لأنّ الطهرَ المتخلّل يشترطُ في كونه حيضاً عنده كونه مساوياً الدمين المحيطين أو أقل، وهو مفقود هاهنا، وقس على هذا أقوال الحسن، وبالجملة؛ فكلّ صورةٍ وجدَ فيها نصابُ أحد الدمين ولم توجد الشروط المعتبرة عند أصحابِ تلك الأقوال، يكون الحيضُ فيها هو ذلك النصاب والباقي استحاضة.
(2) قوله: وإن كان… الخ؛ مثلا لو رأت امرأة ثلاثةً دماً، وسبعةً طهراً، ثمَّ ثلاثةً دماً، يكون الثلاثة الأولى حيضاً، والباقي كلّه استحاضة، وذلك لفقدِ الشروط التي اعتبرها أصحابُ تلك المذاهب، وأمّا عند أبي يوسف فالطهرُ المذكورُ ليس بفاصل؛ لكونه أقلّ من خمسةَ عشر يوماً، فعنده يكون العشرة حيضاً، والباقي استحاضة.
(3) قوله: فالكلّ استحاضة؛ كما إذا رأت يوماً دماً، وثلاثةَ عشرَ طهراً ثمَّ يوماً دماً، فعلى الأقوالِ الخمسةِ هذه الأيّامُ كلّها استحاضة، هذا وزيادةُ التفصيلِ في هذه المباحثِ في ((التعليق الفاصل)).
(2/128)
________________________________________
]، وإنِّما استثني قولُ أبي يوسف - رضي الله عنه -؛ لأنَّ هذا لا يتأتى[(1)] على قولِه.
واعلم[(2)] أنَّ ألوان الحيضِ هي الحمرةُ والسَّواد[(3)] فهما(4) حيضٌ إجماعاً[(5)]، وكذا الصُّفْرَةُ [(6)]المُشْبَعَةُ في الأصحّ[(7)
__________
(1) قوله: لا يتأتّى؛ من التأتي؛ أي لا يحصلُ على مذهبِ أبي يوسف؛ لأنّه قائلٌ بكونِ الطهر الناقصِ مطلقاً غير فاصل.
(2) قوله: واعلم؛ لمّا فرغ عن تفصيل قول المصنّف: والطهر المتخلل في مدَّته، شرع في تفصيل قوله: وما رأت من لونٍ فيها سوى البياض.
(3) قوله: هي الحمرة والسواد؛ أمّا الحمرةُ فظاهرٌ أنّه لونٌ أصليّ للدم، والسوادُ يحصلُ بشدَّةِ الاحتراق، فإنّ الحمرةَ إذا اشتدَّت صارت سواداً، ولذا وردَ عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((دمُ الحيضة دمٌ أسودٌ يعرف))، أخرجه أبو داود والنسائيّ وغيرهما من حديث فاطمة بنت أبي حُبَيش، وأخرجَ الدارقطنيّ والبيهقيّ والطبرانيّ من حديث أبي أمامة مرفوعاً: ((دمُ الحيضِ أسود خاثرٌ تعلوه حمرة، ودمُ الاستحاضةِ أسودٌ ورقيق)).
(4) في م: فيهما.
(5) قوله: إجماعاً؛ أي بين أئمَّتنا وبين غيرهم من الأئمّة.
(6) قوله: وكذا الصفرة؛ بالضم بالفارسية: زردي، المشبعةُ بضمِّ الميمِ وسكون الشين المعجمة، وفتح الباء الموحدة؛ أي الصفرةُ القويّة، يعني: هو الحيض أيضاً لما في ((سنن البيهقي)) عن عائشةَ رض أنّها كانت تنهى النساءَ أن ينظرنَ إلى أنفسهنَّ ليلاً في الحيض، وتقول: إنّها قد تكون الصفرةُ والكدرة، وأمّا ما أخرجه البخاريّ وغيره عن أمّ عطية، كنَّا لا نعدّ الكدرةَ والصفرةَ شيئاً في عهدِ رسول الله فهو محمولٌ على رؤيته بعد الطهرِ للمعتادة، بدليل زيادةِ أبي داود والحاكم: بعد الطهر شيئاً، وفي رواية الدارمي: بعد الغسل.
(7) قوله: في الأصح؛ يحتملُ أن يكون معناه: أنّ كونَ الصفرةِ المشبعة حيضاً هو الأصح، ويحتمل أن يكون معناه كونه إجماعيَّاً لا خلافَ فيه أصح، وعلى كلٍّ ففيه إشارةُ إلى ضعف قول مَن لم يعدّ الصفرةَ مطلقاً من الحيض.
(2/129)
________________________________________
]، والخُضْرَةُ[(1)](2)
__________
(1) قوله: والخضرةُ؛ بالضم بالفارسية: سبنرى، والصفرةُ الضعيفةُ الكدرة بالضمّ، يقال له بالفارسية: يتركَى، وهو لونُ الماءِ الكدرِ المختلطِ بالغبار ونحوه، والتربيّة: بضم التاء، وفتح الياء، وكسر الباء الموحدة، وتشديد الياء: هو لونُ الترابِ عندنا؛ أي هذه الأربعةُ كلّها من ألوان الحيض عندنا، وظاهره أنّه لا خلاف فيه لأئمَّتنا، وخالف فيه غيرنا، وليس كذلك، فقد ذكر في ((الهداية)) وشرحها ((البناية)): إنّه ذكرَ في ((المبسوط)) عن أبي منصور الماتريديّ: لو اعتادت أن ترى أيّام طهرها صفرة، وأيّام حيضها حمرة، فحكمُ صفرتها حكمَ الطهر، وقيل: إنّما اعتبرَ ذلك في صفرة عليها بياض، وعن أبي بكر الإسكاف: فإن كانت الصفرةُ عن لون البقم فهو حيض، وإلا فلا، والمنقولُ عن الشافعيّ في ((مختصر المزنيّ)): إنَّ الصفرةَ والكدرةَ في أيّامِ الحيض حيض، وأمّا الخضرةُ فقال في ((البدائع)): اختلفَ المشائخ فيه، فقال الشيخ أبو منصور: إذا رأتها في أوَّل الحيضِ كان حيضاً، وإن رأتها في آخرِ الحيضِ لا يكون حيضاً، وجمهورُ الأصحابِ على كونها حيضاً مطلقاً، والصحيح أنّ المرأة إن كانت من ذواتِ الإقراء يكون حيضاً، ويحملُ على فساد الغذاء، وإن كانت كبيرةً لا ترى غير الخضرة، تحملُ على فساد المنبت، فلا يكون حيضاً، وأمّا الكدرة وفي حكمها التربية فقال أبو يوسف: لا يكون حيضاً إلا بعد الدم، فإن رأتها في أوّل أيّام الحيضِ لا يكون حيضاً إلا بعد الدم، فإن رأتها في أوّلِ أيّام الحيضِ لا تكون حيضاً، وبه قال أبو ثورٍ وابن المنذر، وفي المقام بسطٌ بسيط موضعه ((السعاية))، وبالجملة: كون هذه الألوانِ حيضاً مختلفٌ فيه بين مشائخنا وغيرهم، والأصحّ عندنا هو كونها حيضاً إذا كانت في مدَّة الحيض، لما روى عن عائشةَ رضي أنّها جعلت ما سوى البياض الخالص حيضاً؛ أخرجه مالك، ومن طريقه محمّد بن الحسن في ((الموطأ)).
(2) في ف: الخضر.
(2/130)
________________________________________
والصُّفْرةُ الضَّعيفة، والكُدْرة والتُّرْبيَّة عندنا، وفَرْقُ ما بينهما أنَّ الكُدْرةَ [ما](1) تضربُ(2) إلى البياضِ والتُّرْبيَّةَ إلى السَّواد، وإنِّما قَدَّم[(3)]َ مسألةَ الطُّهْرِ المُتَخَلِّلِ على ألوان الحيض؛ لأنَّها متعلِّقةٌ بمدَّةِ الحيض، فألحقَها بها ثُمَّ ذكر الألوان، ثُمَّ بعد ذلك شَرَعَ في أحكام الحيض، فقال:
__________
(1) سقطت من ص و م.
(2) في أ: يضرب. وفي ف: نضرب.
(3) قوله: وإنّما قدّم… الخ؛ دفعٌ لما يردُ على المصنّف من أنّه لم خالف في هذا المقام ترتيب صاحب ((الهداية))، فإنّ صاحب ((الهداية)) قدَّم ما يتعلَّق بالألوان، ثمَّ ذكر أحكامَ الحيض من سقوطِ الصلاة والصوم، وذكر بعدهما مسألةَ الطهرِ المتخلّل، وقدَّم على الكلّ ذكرَ المدَّة الأقلّ والأكثر، وحاصله أنّ المصنِّفَ لمَّا ذكرَ المدَّة، وكان ذكره واجبَ التقديم؛ لتوقّف أكثرِ مسائلِ هذا الباب على معرفتها ألحقَ بها مسألة الطهر المتخلّل؛ لأنّها متعلّقة بالمدة، بخلافِ مسألة الألوانِ فإنّها باحثةٌ عن كيفيّة الحيضِ لا عن مدَّته، فإن قلت: بحثُ الألوانِ أيضاً متعلِّقٌ بالمدَّة كما يقتضيه قول المصنّف: وما رأت فيها، قلت: لا ينكرُ مطلق التعلّق، ولو اعتبرَ مثل هذا فأحكامُ الحيضِ أيضاً متعلِّقةٌ بالمدَّة، بل الغرضُ أنّ البحثَ عن الطهرِ المتخلِّل بحثٌ عن نفسِ المدَّةِ بخلافِ البحث عن اللون، فناسبَ تقديمَ بحثِهِ عليه، ثمَّ لمَّا كان بحثُ اللون بحثاً عن كيفيَّة الحيض وجب تقديمه على أحكام الحيض التي هي خارجة عنه مترتبةٌ عليه.
(2/131)
________________________________________
(يمنعُ[(1)] الصَّلاة، والصَّوم، ويُقْضَى هو، لا هي(2)
__________
(1) قوله: يمنع… الخ؛ هذا أولى من قولِ صاحب ((الهداية)) وغيره أنَّ الحيضَ يسقطُ عن الحائض الصلاة …الخ؛ لأنّ ظاهره أنّه تجبُ عليها الصلاة ثم تبطلُ إذ السقوط يتلو الوجوب، وإليه مالَ القاضي أبو زيدٍ الدَّبوسيّ حيث قال: إنّ الصلاةَ يجبُ عليها نظراً إلى الوقت، ثمّ يسقطُ دفعاً للحرج، وعامَّةُ المشائخ على أن لا تجبُ عليها أصلاً،فلذلك عدل عنه وقال: يمنع؛ أي يمنعُ الحيض الصلاة والصوم، فإنّ المنعَ أعمّ من أن يكون بسقوطٍ بعد وجوب، أو بعد وجوب، أو بعدمِ وجوب ولما كان قد يتوهّم منه أنّ الصلاة والصوم سواسيان في الحكمِ صرَّح بالفرق بقوله: ويقضى بصيغة المجهول هو؛ أي الصوم، أي يجبُ عليها قضاءُ الصومِ بعد الطهارة، لا هي؛ أي لا تجبُ قضاء صلوات أيّام الحيض، وذلك لما أخرجه مسلم عن عائشة رض: ((كنا نحيضُ في عهدِ رسول الله فنؤمرُ بقضاءِ الصومِ ولا نؤمرُ بقضاء الصلاة))، وأخرجه البخاريّ وأبو داود والنسائيّ وابن ماجة والترمذيّ وغيرهم بألفاظٍ متقاربة، والسرّ فيه أنّ وجوبَ الصوم إنّما هو في شهرٍ واحدٍ فلا حرجَ في قضاءِ صيام أيّامٍ معدودةٍ منه، بخلافِ الصلاةِ فإنّها تتكرَّر كلّ يوم، فكان في أمرِ قضاءها حرجٌ عظيمٌ لا سيّما مَن كان حيضه عشرة أيّام، فلذلك عفا الشارعُ عنها، ودلّ ذلك على أنَّ الحيض تمنعُ وجوبَ الصلاة ديناً في أدائها، إذ لو لم تمنعْ الوجوب لوجب القضاء؛ فإنّه لا براءةَ من الواجبِ إلا بالأداء، أو بالإبراء، والصومُ يجب مع الحيض، ولكن لا يمكن أداؤه لوجودِ المنافي، فوجب قضاؤه، فإن قلت: وجوبُ القضاءِ يستدعي وجوبَ الأداء؛ لأنّه خلقه، والخلفُ إنّما يجبُ بما يجب به الأصل، وأداءُ الصومِ لا يجبُ على الحائض بل يحرّم، فكيف وجوب القضاء، قلت: وجوبُ القضاءِ يستدعي سابقية نفس الوجوب لا سابقية وجوبِ الأداءِ على ما عرف في كتب الأصول.
(2) لما روت عائشة - رضي الله عنه -: ((كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاءِ الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) في ((صحيح مسلم))(1: 265)، و((جامع الترمذي))(1: 270)، و((مسند أبي عوانة))(1: 383).
(2/132)
________________________________________
): أي يُقْضى الصَّومُ لا الصَّلاةُ بناءً على أنَّ الحيضَ يمنعُ وجوبَ الصَّلاة، وصحَّةُ أدائِها، لكن لا يمنعُ وجوبَ الصَّوم، فنفسُ وجوبِه ثابتة، بل يمنعُ صحَّةَ أدائِه، فيجبُ[(1)] القضاءُ إذا طَهُرَت.
ثُمَّ المعتبرُ عندنا آخر الوقت، فإذا[(2)] حاضتْ في آخرِ الوقتِ سقطَت، وإن طَهُرَتْ في آخر الوقتِ وجبت، فإذا كانت طهارتُها لعشرة وجبتِ الصَّلاة، وإن كان الباقي[(3)] من الوقتِ لمحة(4)، فإن كانت لأقلَّ منها، فإن كان الباقي من الوقت مقدارُ ما يسعُ الغُسْلَ[(5)
__________
(1) قوله: فيجب؛ تفريعٌ على ثبوتِ وجوب الصوم؛ أي فيجبُ عليها قضاءُ الصوم إذا طهرت من الحيض.
(2) قوله: فإذا… الخ؛ تفريعٌ على اعتبارِ آخرِ الوقت، يعني إذا حاضت المرأةُ في آخرِ وقتِ الصلاةِ وأدركت أوّلها وأوسطها طاهرةً سقطت عنه تلك الصلاة، ولم يجب قضاؤها، وإذا طهرت في آخرِ الوقتِ بعد ما كانت حائضاً قبله وجبتْ عليه تلك الصلاة، فإن لم تؤدّها في وقتها يجب قضاؤها وذلك لما حقَّق في كتبِ الأصولِ أنّ سببَ الوجوبِ عندنا هو الجزءُ المقارنُ للصلاة، ولا يزالُ تنتقلُ السببيّة، وتمتدُ إلى آخرِ الوقت، لكونِ الوجوبِ موسعاً، فإذا بلغَ الآخرُ تعيَّن ذلك الجزءُ للوجوب، فوجب اعتباره.
(3) قوله: وإن كان الباقي… الخ؛ لأنَّ انقطاعَ الدمِ لعشرةٍ طهارةٌ متيقِّنة؛ لعدمِ زيادةِ الحيض على هذه المدَّة، فإن ما زادَ عليها استحاضة، بخلافِ الانقطاع لأقلّ منها، فإنّه يحتملُ فيه عودُ الحيضِ لبقاء المدَّة، فاعتبر فيه زمانٌ يسعُ الغسلَ من الحيض وابتداء تحريمة الصلاة.
(4) لأن انقطاع الدم لعشرة طهارة متيقنة؛ لعدم زيادة الحيض على هذه المدة، فإن ما زاد عليها استحاضة بخلاف الانقطاع لأقل منها، فإنه يحتمل فيه عود الحيض لبقاء المدة، فاعتبر فيه ما يسع الغسل من الحيض وابتداء تحريمة الصلاة. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 128).
(5) قوله: مقدارُ ما يسع الغسل؛ بالضم، والمراد: الاغتسالُ مع مقدِّماتهِ كالاستقاءِ وخلعِ الثياب والتستّر ونحو ذلك، وهل المرادُ به الغسلُ المسنونُ أو المفروض، الظاهرُ هو الثاني، صرَّح به ابن أمير حاج، في ((شرح تحرير الأصول)).
(2/133)
________________________________________
] والتَّحريمةَ وَجَبَت، وإلاَّ [فلا](1)، فوقتُ الغُسْلِ يُحْتَسَبُ هاهنا من مدَّةِ الحيض[(2)].
__________
(1) سقطت من ف و م. وفي ص: لا.
(2) قوله: من مدَّة الحيض؛ وذلك لأنّ طهارتها إنّما تكون بعد الغسلِ لا قبله، فإذا أدركت بعد الانقطاعِ زماناً لا يسعُ فيه إلا الغسلُ لا تجبُ عليها قضاءُ تلك الصلاة؛ لأنّها لم تطهرْ من الحيض في الوقت حتى تجبْ عليها، بخلاف ما إذا كان يسعُ التحريمة أيضاً؛ لكونِ التحريمةِ من الطهر، فيجب عليها القضاء لما تقرَّر في الأصولِ أنّ من أدركَ من الوقتِ مقدارَ ما يسعُ التحريمةَ فقد وجبت عليها تلك الصلاة، وتظهرُ ثمرتُهُ في وجوبِ قضائها، وفي وجوبِ أدائها أيضاً إن اتَّسع الوقتُ أو أمكن له أداءَ العبادةِ الكثيرة في الزمانِ القليل، بخرقِ عادةٍ كما وقعَ لكثيرٍ من الأولياء، وهذا كلّه بخلافِ ما إذا انقطعَ لعشرة، فإنّ زمانَ الغسلِ هناك محسوبٌ من الطهر، وإلا لزمَ أن تزيدَ مدَّة الحيضِ على عشرة.
(2/134)
________________________________________
والصَّائمةُ إذا حاضَتْ في النَّهار، فإن(1) كان في آخرِه بطلَ صومُها، فيجبُ قضاؤُه إن كان صوماً واجباً، وإن كان نفلاً[(2)] لا(3)، بخلافِ صلاةِ النَّفل[(4)
__________
(1) في م: وإن.
(2) قوله: وإن كان نفلاً؛ المرادُ به ما يعمّ المسنون، والمستحبّ وغيرهما، كصومِ عاشوراء وعرفة، وأيام البيض وغيرها.
(3) ذكر ابن نجيم في ((البحر))(1: 216) أنه لا فرق بين قضاء نفل الصلاة والصوم، وأنه ما ذهب إليه صدر الشريعة من الفرق غير صحيح، وأيَّده الحصكفي في ((الدر المختار))(1: 194)، واللكنوي في ((العمدة))(1: 129).
(4) قوله: بخلاف صلاة النفل؛ تفصيلُ المقامِ أنّ الحائضَ في أثناءِ الصومِ والصلاة إمّا أن يكون صومها وصلاتها فرضاً، وإمّا أن يكون نفلاً، فإن كان الصومُ فرضاً بطلَ صومه ذلك بطريان الحيض، ووجبَ عليه قضاؤه؛ أي أداءُ ما كان واجباً عليه؛ لبقائه عليه، فإنّ الواجبَ إذا فسدَ لم يجب عليه إلا أداءُ ذلك الواجبِ مرَّة أخرى كما صرَّح به في ((الأشباه والنظائر)) وغيره، فإن كان الواجبُ مؤقَّتاً كالنذرِ المعيَّن، وصومُ رمضانَ ونحو ذلك، كان أداؤه بعد الطهارةِ وبعد ذهابِ الوقتِ قضاءً حقيقة، وإن لم يكن مؤقَّتاً كصومِ النذرِ المطلقِ سمِّي ذلك قضاءُ مسامحة، وإن كانت الصلاةُ فرضاً سقطت عنه تلك الصلاة، وبطلت، ولم يجبُ عليها قضاؤها بناءً على ما تقرَّر عندنا أنّ المعتبرَ هو آخرُ الوقت، فإذا طرأ الحيضُ في أثناءِ الوقت، ولو في أثناءِ الصلاةِ سقطت عنه تلك الصلاة. كذا في ((فتح القدير))، وإن كانت صلاتُها التي حاضت في أثنائها نفلاً بطلت تلك الصلاة، ووجب عليها قضاؤها، للزومها بالشروع، وإن كان الصومُ الذي حاضت في أثنائه نفلاً وجبَ عليها قضاؤه أيضاً للزومه بالشروع، صرَّح به في ((البحر)) نقلاً عن ((فتح القدير)) و((النهاية)) و((شرح مختصر الطحاويّ)) للإسبيجابي، وحكمَ بأنّ ما ذكره الشارحُ صدرُ الشريعة من الفرقِ بين الصومِ النفل والصلاة النفل غير صحيح، فإنّه لا يظهرُ الفرقُ بينهما لبطلانهما بالحيض، وكونهما لازمين بالشروع، وما لزمَ بالشروعِ وجبَ عليه قضاؤه بطريان المفسد، ووجه أخي جلبي في ((ذخيرة العقبي)) الفرق بأنّ التي شرعت الصومَ حائضاً لا يجبُ عليها صونُ ما أدّت؛ لأنَّها بمجرَّد الشروعِ فيه تصيرُ مشابهةً للمنهي عنه، ولذا تسمّى صائمةً بالشروعِ في الجزء الأوّل، ألا ترى أنّه يحنثُ به إذا حلفت أن لا تصوم، فلمَّا لم يجب عليها صون المؤدَّى بمباشرة المنهي عنه لم يجبْ عليها القضاء؛ لأنَّ وجوبه مبنيّ على وجوبِ الأداءِ بخلاف الشروع في الصلاة، فإنّها وإن شرعت فيها حائضاً بناءً على أنّ المفسدَ في أوّله وآخره سواء، لكنَّ الشروع فيها ليس بمجاورٍ للمنهيّ عنه؛ لأنَّ التحرم عقد على أدائها، وليس بأداء لأنّ أداءها لا يكون إلا بالتقييدِ بالسجدة، ولهذا لا يحنثُ به مَن حلفَ أن لا يصلِّي ما لم يقيِّد بالسجدة، فلمَّا كان الشروعُ صحيحاً هاهنا وجبَ عليها صونُ المؤدّى فيجبُ القضاء. انتهى.
ولا يخفى عليك أنّ هذا كلَّه مع ما فيه على سيطلَّع عليه مَن يطالع ((السعاية)) لا يدفعُ الإشكال،
وهو أنّه قد تقرَّر في الاأولِ أنّ النفلَ مطلقاً يلزمُ بالشروع، وأنّ طريان المفسدِ مفسدٌ له مطلقاً صوماً كان أو صلاة، وإنّ الواجبَ في الذمَّة سواءً كان بالشروعِ أو بغيره لا تبرأ عنه الذمَّة إلا بالأداءِ أو الإبراء، فبناءً على هذا الفرق مشكل.
(2/135)
________________________________________
] إذا حاضت في خلالِها، [فإنِّها تبطلُ ويجبُ قضاؤها](1).
وإن طَهُرَتْ في النَّهار، ولم تأكل شيئاً[(2)] لا يجزئ صومُ هذا اليوم[(3)]، لكن يَجِبُ عليها[(4)] الإمساك(5).
وإن طَهُرَتْ في اللَّيل لعشرةِ أيام يصحُّ صومُ هذا اليوم[(6)](7)، وإن كان الباقي من اللَّيلِ لمحة.
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(2) قوله: ولم تأكل شيئاً؛ أي من طلوعِ الفجر إلى ذلك الوقت.
(3) قوله: لا يجزئ صوم هذا اليوم؛ أي وإن طهرت قبل نصف النهار الشرعيّ، ونوت الصوم، وذلك لأنّ الحيض وكذا النفاس منافٍ لصحَّةِ الصومِ مطلقاً، فإنّ فقدهما شرطُ لصحته، والصومُ عبادةٌ واحدةٌ لا تجزئ، فإذا وجدَ المنافي في أوّله تحقّ‍ق حكمه في باقيه.
(4) قوله: لكن يجب عليها؛ لحرمة رمضان كما يجبُ على مسافرٍ أقامَ بعد نصفِ النهار، ومجنونٍ أفاق، ومريضٍ صحّ، وصبيٍّ بلغ، وكافرٍ أسلم، وسيتَّضحُ تفصيلُ هذه المسائلَ في موضعه إن شاء الله تعالى.
(5) وذلك لحرمة رمضان كما يجب على مسافر أقام بعد نصف النهار، ومجنون أفاق، ومريض صح، وصبي بلغ، وكافر أسلم. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 129).
(6) قوله: يصحّ صومُ هذا اليوم؛ أي يومُ الليلةِ التي طهرت فيه، بل يجبُ عليها صومه إن كان يوم رمضان، أو يوم النذرِ المعيَّن؛ لأنّ الحيضَ لا يزيدُ على عشرة، فانقطاعه لعشرةٍ بخلافِ ما إذا كان انقطاعه لأقلّ من عشرة، فإنّه يحسبُ هناك زمانٌ يسعُ فيه الغسلُ من زمانِ الحيضِ كما مرَّ في الصلاة.
(7) أي اليوم الحادي عشر؛ لأنها قد أتمت مدّة حيضها بيقين، وإن لم يبق وقتاً من الليل يكفي للغسل والتحريمة.
(2/136)
________________________________________
وإن طَهُرَتْ لأقلَّ من عشرةٍ يصحُّ الصَّومُ إن(1) كان (2)الباقي من اللَّيل مقدارُ ما يسعُ الغُسْلَ والتَّحريمة(3)، وإن لم تغتسلْ في اللَّيل لا يبطل صومُها[(4)](5).
(ودخولُ(6) المسجد[(7)
__________
(1) في أ: وإن.
(2) في ب زيادة: في.
(3) صحح صاحب ((الدر المختار))(1: 197) أنه لا تعتبر التحريمة في الصوم.
(4) قوله: لا يبطل صومها؛ لأنّها لمّا وجدت زماناً يمكنُ لها فيه الاغتسالُ وجبَ عليها صومُ ذلك اليوم، والجنابةُ غير منافيةٍ للصومِ بعد زوالِ ما ينافيه، فإن لم تغسلْ في الليلِ بل في النّهار لا يضرّ ذلك.
(5) لوجود وقت يمكنها فيه الاغتسال، فحالها كحال الجنب.
(6) في ج: دخول.
(7) قوله: ودخولُ المسجد؛ عطفٌ على قوله: الصلاة، وكذا ما يأتي بعده؛ أي يمنعُ الحيضَ دخول المسجد لحديث: ((إنّي لا أحلّ المسجدَ لجنبٍ ولا حائض))، أخرجه أبو داود وغيره ، وفي روايةِ ابن ماجة: ((إنّ المسجدَ لا يحلّ لجنبٍ ولا حائض))، وفي الإطلاقِ إشارةٌ إلى أنّ الدخولَ مطلقاً ممنوعٌ، سواءً كان على سبيلِ المكثِ أو على سبيلِ العبور، وإلى أنّ المساجدَ كلَّها سواءٌ في هذا الحكم، ولكن يستثنى منه مصلّى العيد ومصلّى الجنازة، فإنّه ليس لهما حكمُ المسجدِ في حرمةِ دخولِ الجنب، كما فصَّله في ((البحر الرائق)) وغيره.

المراد به ما يقال النفل فيدخل فيه الفرض كصوم رمضان والواجب كصوم النذر ونحوه اي اتجب عليها قضاؤه.
(2/137)
________________________________________
](1)، والطَّواف [(2)])؛ [لكونِه[(3)] يُفْعَلُ في المسجد، فإن طافَتْ[(4)](5) مع هذا تحلَّلت(6) ](7)
__________
(1) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) في ((صحيح ابن خزيمة))(2: 284)، و((سنن أبي داود))(1: 60)، و((مسند إسحاق بن راهويه))(3: 1032)، و((سنن البيهقي الكبير))(2: 442).
(2) قوله: والطواف؛ سواء كان فرضاً؛ كطوافِ الزيارة للحجّ أو نفلً.ا
(3) قوله: لكونه هكذا؛ علّله جمعٌ منهم صاحب ((الهداية))، وبناءً عليه أوردَ عليهم بأنّه لا حاجةَ إلى ذكرِ الطوافِ بعد ذكرِ ممانعةِ دخولِ المسجد، وأجيبَ عنه بأنّه ذكرَ على حدة لئلا يتوهّم أنّ جميعَ أركانِ الحجّ ومناسكه كالوقوفِ بعرفةَ وبالمزدلفة وبمنى وغيرها جائزةٌ للجنبِ والحائض، فكذا يجوز الطوافُ لها، فلدفعِ هذا الوهم صرّحوا بمنعه، والحقّ على ما يفهمُ من ((فتح القدير)) وغيره أنَّ هذا التعليل قاصر، وأنّه ليست العلَّةُ في حرمةِ الطوافِ كونه يفعلُ في المسجد، بل الطهارةُ مشروطةٌ لنفسِ الطواف، حتى لو لم يكن ثمّه مسجدٌ كما كان في زمانِ سيِّدنا إبراهيم على نبيِّنا وعليه الصلاة والتسليم، وكما لو هدمَ المسجدَ الحرام ـ والعياذ بالله ـ منه، أو طاف طائفٌ خارج المسجد، ودارَ حول الكعبةِ من خارج المسجد الحرام لم يجزْ أيضاً.
(4) قوله: فإن طافت؛ أي فإن طافت الحائضُ مع هذا؛ أي مع حرمته أثمت وتحلَّلت من التحلل؛ أي خرجت من إحرامها بطوافِ الزيارة، لكن يجبُ عليها ذبحُ بدنهٍ كفَّارة له، وبالجملةِ الطوافُ في حالةِ الحيضِ وإن كان ممنوعاُ لحديث عائشةَ رض وقد حاضت في الإحرامِ في سفرِ حجَّة الوداع قال لها النبيَّ صلى الله عليه وسلم: ((افعلي ما يفعلُ الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت))، لكن لو صدر ذلك من أحدٍ يترتَّب حكمه عليه.
(5) في س: طاقت.
(6) أي خرجت من إحرامها بطواف الزيارة؛ لكن يجب عليها ذبح بدنة كفارة له. كما في ((العمدة))(1: 130).
(7) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و س.
(2/138)
________________________________________
.
(واستمتاعُ ما تحت(1) الإزار(2) [(3)])(4) كالمباشرة[(5)]، والتَّفخيذ. وتحلُّ القبلة، وملامسةُ ما فوقَ الإزار، وعند محمَّدٍ - رضي الله عنه -: يتَّقي[(6)] شعار الدَّم، أي موضع
__________
(1) أي ما بين السرة والركبة. كما في ((فتح باب العناية))(1: 213).
(2) الإزار: المِلْحَفة، وفسَّره بعض أهل الغريب بما يسبر أسف البدن، والرداء: ما يستر أعلاه، وكلاهما غير مخيط، وقيل الإزار: ما تحت العاتق في وسط الأسفل، والرداء: ما على العاتق والظهر، وقيل الإزار ما يستر أسفل البدن ولا يكون مخيطاً، والكل صحيح. كما في ((تاج العروس))(10: 43).
(3) قوله: واستمتاع ما تحت الإزار؛ يعني من تحتِ السرَّة إلى الركبة؛ لحديث: ((لك ما فوق الإزار))، قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم لمَن سألَ عمّا يحلّ له من الحائض، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، وقد جاءَ ما هو أيسرُ من هذا، وهو حديث: ((اصنعوا كلّ شيء ـ أي بالحائض ـ إلا النكاح))؛ أي الجماع، أخرجه الترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه وغيره، وبناءً عليه ذهبَ محمّد أنّه يحرّمُ الجماع فقط، وإن شئت زيادةَ التفصيلِ في هذا المبحث فارجع إلى حاشيتي لـ((موطأ الإمام محمّد)) المسمّاة بـ((التعليق الممجّد)).
(4) لما روي أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض، قال: ((لك ما فوق الإزار)) في ((سنن أبي داود))(1: 55)، و((السنن الصغرى))(1: 123)، و((سنن الدارمي))(1: 259)، وغيرها، قال القاري في ((فتح باب العناية))(1: 214): حسنه البعض، وقال العراقي: ينبغي أن يكون صحيحاً.
(5) قوله: كالمباشرة؛ هو ما يكونُ لمسُ الجلد بالجلد كالمعانقة، ومنه المباشرةُ الفاحشة، وقد مرَّ ذكرها في بحثِ نواقض الوضوء.
(6) قوله: يتّقي؛ بصيغة المعروف أو المجهول؛ أي يتجنَّب المستمتع شعارَ الدمِ هو بالكسر في اللغة بمعنى العلامة، وبمعنى الثوب الذي يلي الجسد، والمرادُ به موضعُ الدم والكرسف وهو الفرج.
(2/139)
________________________________________
الفرج فقط.
(ولا تقرأُ[(1)] [هي](2) [للقرآن](3) كجُنُبٍ ونفساءٍ[(4)])(5) سواءٌ كان آيةً، أو ما دونَها عند الكَرْخِيّ(6)، وهو المُخْتَار(7)، وعند الطَّحَاوِيّ(8)
__________
(1) قوله: ولا تقرأ؛ أي يحرم على الحائضِ أن تقرأ القرآن وكذا على الجنبِ بالوطئ أو بالاحتلام، وكذا النفساء؛ لحديث: ((لا تقرأ الحائضُ ولا الجنبُ شيئاً من القرآن))، أخرجه الترمذيّ والدارقطنيّ، ووردَ عند أصحابِ السننِ الأربعةِ وغيرهم: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة)).
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ج و ف.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(4) قوله: نفساء؛ بضم النون، وفتح الفاء التي بها نفاس، قال البرجنديّ: حكمُ النفاسِ حكمُ الحيض في جميع الإمورِ إلا أنَّ العدةَ لا تنقضي به، ذكره في ((الخزانة)) فلا وجهَ لتخصيصِ النفساءِ بعدم القراءة، إذ يوهمُ أنّه يجوزُ لها الأمور الأخر.
(5) لما روى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)) في ((سنن الترمذي))(1: 236)، و((سنن البيهقي الكبير))(1: 309)، وقال: ليس هذا بالقوي.
(6) وهو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، أبو الحسن الكَرْخِي، نسبة إلى كَرْخ قرية بنواحي العراق، قال الكفوي: انتهت إليه رئاسة الحنفية. وعدَّه الإمام اللكنوي من أصحاب الوجوه في حين عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلفاته: ((المختصر)) و((شرح الجامع الكبير)) و((شرح الجامع الصغير))، (260-340هـ).((تاج))(ص200)، ((الفوائد))(ص183).
(7) واختاره صاحب ((الدر المختار))(1: 116)، و((الملتقى))(ص4)، و((المراقي))(ص178)، و((الاختيار))(1: 21)، و((الكنْز))(ص7)، وغيرها.
(8) وهو أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، أبو جعفر، نسبةً إلى طَحَا: بفتح الطاء والحاء المهملتين ، وبعدهما ألف، وهي قرية بصعيد مصر، وإلى الأزْد: بفتح الهمزة، وسكون الزاء المعجمة، وبالدال المهملة، وهي قبيلة مشهورة من قبائل اليمن. والحَجْري: بفتح الجاء المهملة وسكان الجيم، وفي آخرها الراء، نسبة غلى ثلاث قبائل اسم كل واحدة حجر الأزد، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وقال: ابن يونس: كان ثقة ثبتاً لم يخلف مثله، من مؤلَّفاته: ((شرح معاني الآثار))، و((مختصر الطحاوي))، (229-321هـ). ينظر: ((وفيات))(1: 71-72). ((العبر))(2: 186). ((روض المناظر))(ص171).
(2/140)
________________________________________
(1): يحل[(2)](3) ما دون الآية(4)، هذا إذا قصدت(5) القراءة، فإن(6) لم تقصدْها(7) نحو أن تقول(8) شكراً للنَّعمة: الحمدُ لله ربِّ العالمين، فلا بأس به[(9)].
ويجوزُ لها التَّهجِّي بالقرآن، [والتَّعليم](10)، والمعلمةُ[(11)] إذا حاضتْ فعند الكَرْخِيِّ تعلِّمُ كلمةً كلمة، وتقطعُ بين الكلمتين(12)، وعند الطَّحَاوِيّ - رضي الله عنه -: نصفَ آيةٍ وتقطع، ثم تُعَلِّمُ النِّصفَ الآخر.
__________
(1) قال الطحاوي في ((مختصره))(ص18)، و((شرح معاني الآثار))(1: 90): ولا يقرأ الجنب ولا الحائض الآية التامة.
(2) قوله: تحلّ ما دون الآية؛ بناء على أنّ المفروض في الصلاةِ المفسّر به قوله تعالى: {فاقرؤا ما تيسّر من القرآن}، هو مقدارُ ثلاث آياتٍ قصار أو آيةٍ فما دون الآية لا يجوزُ الصلاة به، فكذا لا يمنعُ عنه الجنب، وجوابه: إنّه قياسٌ مع الفارق، وإطلاقُ الأحاديثِ الواردةِ في باب المنع تردّه.
(3) في أ و س: تحل.
(4) وهو رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ووجهه أن قرأ ما دون الآية لا يعد بها قارئاً. ورحجه صاحب ((الفتح))(1: 148).
(5) في ص و ف و م: قصد.
(6) في م: وإن.
(7) في ص و م: يقصدها.
(8) في ف و م: يقول.
(9) قوله: فلا بأسَ به؛ لأنّ ألفاظَ القرآنِ تتغيّر عن القرآنيّة باختلافِ النيّة فما يؤثّر فيه ذلك، فلو قرأت الفاتحة على وجهِ الدعاء أو شيئاً ممَّا فيه معنى الدعاء ونحوه، ولم ترد القراءة جاز ذلك بخلافِ ما إذا قرأت سورة أبى لهب ونحوه ممّا لا يؤثر فيه قصدُ غير القرآنيّة.
(10) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(11) قوله: والمعلّمة؛ أي المرأةُ التي تعلِّم الأطفال القرآن.
(12) صححه صاحب ((الدر المختار))(1: 116).
(2/141)
________________________________________
وأمَّا(1) دعاءُ القنوت(2)، فيكرَهُ[(3)] عند بعضِ المشايخ، وفي ((المحيط)): لا يُكْرَهُ[(4)](5).
__________
(1) في ب و س: أما، وفي م: فأما.
(2) قال صاحب ((الفتح))(1: 149): ظاهر المذهب أنه لا يكره، وعليه الفتوى.
(3) قوله: فيكره؛ بناءً على ما روي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنهم: وإنّ القنوتَ من القرآن، وكان سورتين أحدهما سورة الخلع، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنّا نستعينك إلى قوله: مَن يفجرك، والثانية: سورة العقد، وهي بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إيّاك نعبد إلى ملحق، كذا ذكره السيوطيّ في ((الدر المنثور)).
(4) قوله: لا يكره؛ بناءً على أنّه ليس من القرآن عند جمهورِ الصحابة، وهو الصحيح، ومن ثمَّ لم تسنَّ قراءةُ البسملةِ في أوّله، وقد فصَّلتُ المسألةَ في رسالتي: ((إحكامُ القنطرةُ بأحكام البسملة)).
(5) انتهى من ((المحيط))(ص438).
(2/142)
________________________________________
وسائرُ الأدعية [المأثورة](1)، والأذكار، لا بأس بها[(2)]، ويكرَهُ قراءة التَّوراة[(3)]، والأنجيل، [والزَّبور](4)، (بخلافِ المحدث[(5)])(6) متعلَّقٌ بقولِه: ولا تقرأ.
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(2) قوله: لا بأس بها؛ لحديث: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كلّ أحيانه))، أخرجه أبو داود وغيره، ولو قرأ الجنبُ بسمَ الله الرحمن الرحيم على قصدِ الشكر أو الافتتاح جازَ اتِّفاقاً، وبقصد القراءةِ لا؛ بناءً على ما هو المختارُ من أنّها آيةٌ من القرآن، صرَّح به في ))الخلاصة))، وليطلب تفصيلُ كلّ ذلك من رسالتي: ((إحكام القنطرة)).
(3) قوله: ويكره قراءة التوراة؛ الذي أنزلَ على موسى عليه السلام، والإنجيلُ الذي أنزلَ على عيسى عليه السلام، وكذا الزبورُ الذي أنزلَ على داود عليه السلام وغيرها من كتب الله وصحائفه؛ لكونها مشتركةً بالقرآن في كونها كلام الله فيجب تعظيمها.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(5) قوله: بخلاف المحدث؛ فإنّه يجوزُ له أن يقرأ القرآن عن ظهرٍ قلب، أو عن مصحفٍ إذا قلّب أوراقه بقلمٍ أو سكينٍ أو رجلٍ متوضّئ غيره.
(6) فإنه يجوز له له أن يقرأ القرآن عن ظهر أوعن مصحف إذا قلب أوراقه بقلم أو غيره. كما في ((العمدة))(1: 131).
(2/143)
________________________________________
(ولا يمسُّ[(1)](2) هؤلاء): أي الحائض، والجُنُب، والنُّفساء، والمحدث (مصحفاً[(3)] إلا بغلاف متجاف[(4)]): أي منفصلٍ عنه(5).
__________
(1) قوله: ولا تمس؛ لقوله تعالى: {لا يمسّه إلا المطهرون}، ولحديث: ((لا يمسّ القرآنَ إلا طاهر))، أخرجه النسائيّ والطبرانيّ والبيهقيّ وأحمد والحاكمُ وغيرهم، ومَن شاءَ الاطِّلاع على تفاصيلِ إسناده فليرجع إلى ((السعاية)).
(2) في ب و ج و ق: يمس.
(3) قوله: مصحفا؛ وأمّا ما سواه من كتبِ الشريعة فيرخّص في مسّها لهؤلاء؛ لأنّ فيه ضرورة، ولا بأسَ بدفعِ المصحف إلى الصبيان؛ لأنّ في المنعِ تضييعُ حفظِ القرآن، وفي أمرهم بالتطهير حرج، هذا هو الصحيح. كذا في ((الهداية))، ولو كان القرآنُ مكتوباً بالفارسيَّة يكرهُ مسّه لهم، صرَّح به في ((الخلاصة))، وقد أوضحت هذه المسألة بتفاصيلها ودلائلها في رسالتي: ((آكام النفائس في أداء الأذكارِ بلسان الفارس)).
(4) قوله: متجاف؛ بأن يكون شيئاً ثالثاً بين الماسِ والممسوس، ولا يكون تبعاً لأحدهما، كالكم في حقّ الماس، والجلدُ في حقّ الممسوس. كذا في ((النهاية)).
(5) في س: منه.
(2/144)
________________________________________
[وأمَّا كتابةُ المصحفِ[(1)] إذا كان موضوعٌ على لوحٍ بحيث لا يمسُّ مكتوبَه، فعند أبي يوسفَ - رضي الله عنه - يجوز(2)، وعند محمّد - رضي الله عنه - لا يجوز](3).
__________
(1) قوله: كتابة المصحف؛ يعني إذا أرادَ الجنبُ ونحوه كتابةَ القرآن، فإن كان يلزمُ منه مسّ المكتوبِ لا يجوزُ ذلك، وإن كان القرطاسُ موضوعاً على لوحٍ من خشبٍ ونحوه أو غيره من الأشياءِ المنفصلة عنه، بحيث لا يلزمُ مسّ قدرُ ما كتبه، فعند محمَّد لا يجوزُ بناءً على أنّ الذي كتبَ في بعضه القرآن حكمُهُ كحكمِ الذي كتب في جميعه القرآن، وعند أبي يوسفَ يجوزُ بناءُ على قصرِ الحكمِ على قدر المكتوبِ وما يتبعه.
(2) لأنه ليس بحامل ، والكتابة ودت حرفاً حرفاً، وإنه ليس بقرآن، وقال محمد: أحب أن لا يكتب؛ لأن الكتابة تجري مجرى الحروف. كما في ((درر الحكام))(1: 20).
(3) ذكرها في م بعد: بالكم.
(2/145)
________________________________________
(وكُرِهَ[(1)] اللَّمْسُ بالكُمّ(2)، ولا درهماً فيه سورةٌ إلا بصرة[(3)](4) )، أرادَ[(5)] درهماً عليه آيةً من القرآن، وإنِّما قال: سورة، لأنَّ العادةَ كتابةُ سورةُ الإخلاصِ ونحوِها على الدَّراهم(6).
__________
(1) قوله: وكره؛ أي تحريماً بالكم، بضم الكاف وتشد الميم بالفارسية: آستين بيرهن، وكذا بغيره من ثيابِ البدن؛ لكونها تبعاً للماس، وهذا هو الذي صحَّحه في ((الهداية))، وذكر في ((الخانية)): إنّه ظاهرُ الرواية، وذكرَ في ((المحيط)) و((الكافي)): إنّه لا يكرهُ عند جمهورِ المشائخ بناءً على أنّ المحرَّم هو المسّ، وهو ما يكون بغير حائل.
(2) لأنه تابع للماس، فالمس به المس بيده، والمراد بقوله يكره مسه بالكم كراهة تحريم. كما في ((فتح القدير))(1: 149).
(3) قوله: إلابصرة ؛ بضمّ الصادِ المهملة، وتشديد الراء المهملة، بالفارسيّ: همياني وكيسه يعني لو كان درهمٌ كتبَ فيه قدرٌ من القرآنِ لا يحلّ مسّه للجنب؛ لأنّ حكمه حكم المصحف، إلا إذا كان في صرَّة، فإنّه كالغلاف المتجافي.
(4) أي ما يجعل فيها الدراهم، وتكون من غير ثيابه التابعة له. كذا في ((رد المحتار))(1: 117).
(5) قوله: أراد …الخ؛ الغرض منه دفعُ ما يتوهّم من ظاهرِ عبارة المتن أنَّ الممنوعَ إنّما هو مسّ ما كتبتَ عليه سورة، لا ما كتب عليها ما دونها، بأن ذكرَ السورة إنّما وقعَ اتِّفاقا على حسبَ جرى العادة، وإلا فالحكمُ عامّ في كلّ مقدار.
(6) في ف: دراهم.
(2/146)
________________________________________
(وحلَّ وَطْءُ مَن انقطعَ[(1)] دَمُها لأكثرِ الحيض، أو النِّفاس قبل الغُسْلِ دون وَطْءِ مَن قُطِعَ(2) لأقلَّ منه): أي لأقلَّ من الأكثر، وهو أن ينقطعَ الحيضُ لأقلَّ من عشرة، والنِّفاس لأقلَّ من أربعين، (إلاَّ إذا مضى[(3)] [عليها](4) وقتٌ يسعُ الغُسْلَ والتَّحريمة)، فحينئذٍ يحلُّ وَطْءُها، وإن لم تغتسلْ إقامةً للوقت الذي يُتَمَكَّنُ فيه من الاغتسالِ مقامَ حقيقةِ الاغتسالِ في حقِّ حِلِّ الوطء(5)
__________
(1) قوله: وحل وطئ مَن قطع… الخ؛ قال الشارح فصيح الدين الهرويّ: أي حلّ للزوجِ وطئ زوجته الحائضُ والنفساء، وكذا للمولى وطئ أمته الحائضُ أو النفساءُ إذا انقطعَ دمها لأكثر؛ أي لمضي أكثر مدَّة الحيض إن كانت حائضاً أو النفاسَ إن كانت نفساء، ويحتمل أن يكون اللامُ بمعنى على، وعلى كلا التقديرين هو متعلّق بقطع، ويحتملُ أن يتعلّق بحلّ وانقطاعِ الدم ليس بشرط، حتى لو لم ينقطع يكون الحكم كذلك، فإنّ الزيادةَ تكون استحاضة، إلا أنّه خرجَ مخرج العادة، أو لتناسبِ ما سيأتي من قوله :دون من قطع لأقلّ منه، وقال البرجنديّ: اللام لامُ التاريخ، كما في: كتبتُ لثلاثٍ خلون؛ أي بعد ثلاث. كذا في ((الصحاح))، ويحتمل أن يكون بمعنى في، ويكون حالاً من الدم.
(2) في م: انقطع.
(3) قوله: إلا إذا مضى؛ لأنّ الصلاةَ حٍينئذ صارت ديناً في ذمَّتها، فصارت طاهرة حكماً، فإن بالاغتسالِ يحكم بطهارتها، ويوجدان وقت التحريمة يجب القضاء.
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(5) تفصيل هذه المسألة أنه إذا انقطع دم الحائض لأقل من عشرة وكان لتمام عادتها، فإنه لا يحل وطءها إلا بعد الاغتسال أو التيمم بشرطه؛ لأنه صارت طاهرة حقيقة أو بعد أن تصير الصلاة ديناً في ذمتها؛ وذلك بأن ينقطع ويمضي عليها أدنى وقت صلاة من آخره، وهو قدر ما يسع الغسل واللبس والتحريمة سواء كان الانقطاع قبل الوقت أو في أوله أو قبيل آخره، فإذا انقطع قبل الظهر مثلاً أو في أول وقته لا يحل وطءها حتى يدخل وقت العصر؛ لأنها لما مضى عليها من آخر الوقت ذلك القدر صارت الصلاة ديناً في ذمتها؛ لأن المعتبر في الوجوب آخر الوقت وإذا صارت الصلاة ديناً في ذمتها صارت طاهرة حكماً؛ لأنها لا تجب في الذمة إلا بعد الحكم عليها بالطهارة، وإنما حل وطءها بعد الحكم عليها بالطهارة بصيرورة الصلاة ديناً في ذمتها؛ لأنها صارت كالجنب وخرجت من الحيض حكماً، وبه يعلم أنه لا يجوز لها قراءة القرآن. كما في ((رد المحتار))(1: 196).-
(2/147)
________________________________________
.
واعلم أنه إذا انقطع الدَّمُ لأقلَّ من عشرةِ أيامٍّ بعد[ما](1) مَضَى[(2)] ثلاثةُ أيام أو أكثر:
فإن كان الانقطاعُ فيما دون العادةِ[(3)] يجب[(4)]ُ(5) أن تؤخِّرَ الغُسْلَ إلى آخر وقت الصَّلاة، فإذا خافَتْ [فوت الصَّلاة](6) اغتسلتْ وصلَّت، والمرادُ آخر الوقتِ المستحبِّ دون وقتِ الكراهة[(7)
__________
(1) سقط من م.
(2) قوله: بعد ما مضى؛ ما مصدرية؛ أي بعد مضيّ ثلاثة أو أكثر مثلاً انقطعَ لسبعةٍ أيّام أو خمسة أيّام.
(3) قوله: فيما دون العادة؛ إذا كانت معتادة، بأن كانت عادته أن تحيضَ في كلّ شهرٍ سبعةَ أيّام فانقطعَ دمها في شهرٍ لستّة أيّام.
(4) قوله: يجب؛ يعني لا يتبادر إلى الغسلِ وأداءِ الصلاة ونحوها، بل تنتظر إلى آخر وقت الصلاة؛ لأنّ عودَ الدمِ مظنون لبقاءِ زمانِ العادة، والتخلّف عن العادةِ أمرٌ نادر، فإن عاد دمها فهي حائضة كما كانت، وما تخلَّل من الطهر غير فاصل، وإن لم يعد وخافت فوت الصلاة ونقصانها بذهاب الوقت اغتسلت وأدَّت الصلاة احتياطاً، لكن لا يحلّ الوطئ في هذه الصورة؛ أي ما انقطع الدمُ لدونِ عادتها، وإن اغتسلت إلا بعد مضي أيّام العادة؛ لأنَّ العودَ في العادةِ غالب، فكان الاحتياط في الاجتناب. كذا في ((الهداية)).
(5) يعني لا تبادر إلى الغسل وأداء الصلاة ونحوها، بل تنتظر إلى آخر وقت الصلاة؛ لأن عود الدم مطنون لبقاء زمان العادة والخلف عن العادة أمر نادر، فإن عاد دمها فهي حائضة كما كانت، وما تخلل من الطهر غير فاصل، وإن لم يعد وخافت فوت الصلاة ونقصانها بذهاب الوقت اغتسلت وأدت الصلاة احتياطاً؛ لكن لا يحل الوطء في هذه الصورة أي ما انقطع الدم لدون عادتها وإن اغتسلت إلا بعد مضي أيام العادة؛ لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب. كما في ((العمدة))(1: 132)، و((الهداية))(1: 32).
(6) في أ و ب و ص و س و ف: الفوت.
(7) قوله: دون وقت الكراهة؛ نصَّ عليه محمَّد رح في الأصل حيث قال: إذا انقطعَ الدم في وقت العشاءِ تؤخّر إلى وقتٍ يمكنها أن تغتسلَ فيه وتصلّي قبل انتصافِ الليل، وما بعد نصف الليل مكروه.
(2/148)
________________________________________
](1).
وإن كان الانقطاعُ على رأس عادتِها، أو أكثر، أو كانت مبتدأةً[(2)]، فتأخيرُ(3) الاغتسال بطريقِ الاستحباب[(4)].
وإن انقطعَ لأقلَّ من ثلاثةِ أيام أخَّرت[(5)] الصَّلاة إلى آخر الوقت، فإذا خافت [فوت الصلاة](6) توضَّأت وصلَّت، ثُمَّ في الصُّور المذكورة[(7)] إذا عادَ الدَّمُ في العشرة بطلَ الحُكْمُ بطهارتِها مبتدأةً كانت، أو معتاد.
__________
(1) قال محمد في ((الأصل))(1: 462): إذا انقطع في وقت العشاء تؤخر إلى وقت يمكنها أن تغتسل فيه وتصلي قبل انتصاف الليل وما بعد نصف الليل مكروه. كما في ((رد المحتار))(: 196).
(2) قوله: أو كانت مبتدأة؛ بصيغة المجهول، هي التي ابتدأ بلوغها بالحيض، ولم تستقر عادتها.
(3) في ص و س و ف و م: فتؤخر.
(4) قوله: بطريق الاستحباب؛ أي يستحبّ له تأخيرُ الغسلِ إلى آخرِ الوقت لمجرَّد الاحتياط وطلب التوثّق في الدين، ولا يجب ذلك عليها، فإن اغتسلت وصلَّت بدون التأخير لم تأثم؛ لعدم كون العود مظنوناً في حقّها.
(5) قوله: أخَّرت؛ أي يجب عليها أن تؤخِّر الصلاةَ إلى آخر الوقتِ المستحبّ؛ لكون العودِ مظنوناً، فإذا خافت الفوت توضّأت وصلّت من دون الغسل؛ لكون ذلك الدمِ استحاضة، وإن عاد قبله أو بعده في مدّة الحيضِ يحكمُ بكونه حيضاً، وعدمُ كون الطهرِ فاصلاً، والاحتياطُ في مثل هذه الصورة في باب الوطئ الاجتناب إلى أن يتيقّن الأمر.
(6) في أ و ب و ص و س و ف: الفوت.
(7) قوله: ثمَّ في الصورِ المذكورة؛ أي ما إذا انقطعَ لأقلّ من ثلاثة أيَّام، وما إذا انقطعَ بعده لأقلّ من عشرةٍ على رأسِ العادةِ في المعتادة أو قبله أو بعده.
فيحل الوطي اذا وجد وقت الاغتسال كما يحل اذا اغتسلت لبقاء مدة الحيض وكون الحكم السابق مبنيا على الاحتياط.
(2/149)
________________________________________
فإذا(1) انقطع الدَّمُ(2) لعشرة(3)، أو أكثر، فبمضي[(4)](5) العشرة يُحْكَمُ بطهارتِها، ويجبُ عليها الاغتسال، وقد ذُكِرَ[(6)] أن المعتادةَ التي عادتُها أن ترى يوماً دَمَاً ويوماً طُهْراً هكذا إلى عشرة أيام، فإذا رأت الدَّمَ تتركُ الصَّلاةَ والصَّوم، فإذا طَهُرَتْ في الثَّاني توضَّأت(7) وصلَّت[(8)]، ثُمَّ في اليوم الثَّالث تترك الصَّلاة والصَّوم، ثُمَّ في اليوم الرَّابع اغتسلتْ(9) وصلَّت[(10)] هكذا إلى العشرة[(11)](12)
__________
(1) في م: وإذا.
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س و م.
(3) في أ و ب: العشرة.
(4) قوله: فبمضي؛ أي بمجرَّد مضيّ العشرةِ يحكم بطهارتها، فيحلّ الوطئ ويجبُ الاغتسالُ لعدم زيادةِ الحيض على عشرة، فما زاد عليها يكون استحاضة.
(5) في أ و ب و ف: فيمضي.
(6) قوله: وقد ذكر؛ بصيغة المجهول أي في الفتاوى.
(7) لأن الدم السابق بسبب كونه أقلّ من ثلاث أيام استحاضة فلا يجب الغسل بل الوضوء فقط. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 133).
(8) قوله: توضَّأت وصلَّت؛ لأنَّ الدمَ السابقَ بسبب كونه أقلّ من ثلاثة أيّام استحاضة، فلا يجب الغسل بل الوضوء فقط.
(9) وذلك لمضي أقل مدة الحيض.
(10) قوله: اغتسلت وصلَّت؛ وذلك لمضيّ أقلّ مدَّة الحيض.
(11) قوله: هكذا إلى العشرة؛ أي تترك الصلاةَ والصومَ يوم الدم، وتغتسل وتصلِّي يوم الطهر، واعترضَ هاهنا بأنّ هذا مخالفٌ لما مرَّ بحثه، فإنّه يعلمُ منه أنّ الكلّ حيضلإ في مثل هذه الصور؛ لعدم كون الطهرِ الفاصلِ خمسةَ عشرَ يوماً، وأجيب عنه بأنّ البحثَ السابقَ في المبتدأة، وهذه في المعتادة وبأنَّ الأوّل هو ما اختاره الجمهور، وهذه روايةٌ عن البعض.
(12) ينظر: ((المحيط))(ص440). قال اللكنوي في ((العمدة))(1: 133): اعترض هاهنا بأن هذا مخالف لما مر بحثه فإنه يعلم أن الكل حيض في مثل هذ الصورة؛ لعدم كون الطهر الفاصل خمسة عشر يوماً، وأجيب عنه بأن البحث السابق في المبتدأ وهذه في المعتادة، وبأن الأول هو ما اختاره الجمهور، وهذه رواية عن البعض.
(2/150)
________________________________________
.
(وأقلَّ الطُّهْرِ خمسةَ عشرةَ يوماً ولا حدَّ لأكثره[(1)])؛ إلاَّ لنصبِ[(2)] العادة(3)، فإنَّ أكثرَ الطُّهْرِ مقدَّرٌ في حقِّه، ثُمَّ اختلفوا في تقديرِ مدَّتِه، والأصحُّ[(4)
__________
(1) قوله: ولا حدَّ لأكثره؛ أي ليس له حدّ مقدّر شرعاً لا يزيدُ عليه، فتصوم وتصلِّي ما دامَ ترى الطهر، وإن استغرقَه العمر، فإنّه قد يمتدُ إلى سنة وسنتين، وإلى أزيدَ من ذلك.
(2) قوله: إلا لنصب؛ يعني ليس لأكثرَ الطهر حدّ مقدر إلا لإقامة العادة المحتاج إليها في باب العدة وغيرها، فإنّ الجمهورَ على أنّ أكثره مقدّر.
(3) حقق هذه المسالة البركوي، وتبعه ابن عابدين: المبتدأة إذا استمر دمها، فحيضها في كل شهر عشرة وطهرها عشرون كما في عامة الكتب، بل نقل نوح أفند الاتفاق عليه خلافاً لما في ((الامداد)) من أن طهرها خمسة عشر، والمعتادة تردّ إلى عادتها في الطهر ما لم يكن ستة أشهر فإنها تردّ إلى ستة أشهر غير ساعة، كالمتحيرة ـ وتسمى الضالة وهي من نسيت عادتها، ولا يقدر طهرها وحيضها إلا في حق العدة في الطلاق ـ ، وهذا على قول الميداني الذي عليه الأكثر، أما على قول الحاكم الشهيد فتردّ إلى شهرين. وتمامه في ((رد المحتار))(1: 190)، وينظر: ((فتح باب العناية))(1: 205-207).
(4) قوله: والأصح… الخ؛ قال العينيّ في ((البناية شرح الهداية)): احتيجَ إلى نصبِ العادة عند استمرارِ الدمِ عند عامَّةِ العلماءِ خلافاً لأبي عصمة وأبي خادم القاضي، فإنّه لا غايةَ لأكثره عندهما على الإطلاق؛ لأنَّ نصبَ المقادير بالسماع، ولا سماعَ هاهنا، وعلى هذا إذا بلغت المرأةُ فرأت عشرةً دماً سنة أو سنتين طهراً ثمَّ استمرَّ بها الدم فعندهما طهرها ما رأت، وحيضها عشرة أيّام، تدعُ الصلاةِ في أوّل زمانِ الاستمرارِ عشرة أيّام، وتصلِّي سنةً أو سنتين، فإن طلَّقها زوجها تنقضي عدتها بثلاث سنين أو ست سنين، وأمّا العامّةُ فقد اختلفوا؛ فقال محمد بن شجاع: طهرها تسعةَ عشرَ يوماً؛ لأنَّ أكثرَ الحيضِ في كلِّ شهرٍ عشرة، والباقي تسعة عشر بيقين، وقال محمد بن سلمة: طهرها سبعة وعشرون يوماً؛ لأنَّ أقلّ الحيضِ ثلاثة أيّام، فيرفعُ من كلِّ شهرٍ فيبقى سبعة وعشرون، وقال محمّد بن إبراهيم الميداني: طهرها ستّة أشهرٍ إلا ساعة، وعليه الأكثر، وقال الحاكم الشهيد: طهرها شهران، وهو روايةُ محمّد بن سماعة عن محمّد؛ لأنَّ الحيضَ والطهر ما يتكرَّران في الشهر مرَّتين عادة، إذ الغالب أنّ النساءَ يحضن في كلِّ شهرٍ مرَّة، فإذا طهرت شهرين فقد طهرتُ في أيّام عادتها، فصار ذلك الطهرُ عادةً لها، فوجبَ التقديرُ به، وهو اختيار أبي سهل، قال الإمامُ برهان الدين: الفتوى عليه؛ لأنَّه أيسر على المفتي والنساء. انتهى. وهناك أقوالُ آخرُ أيضاً مَن شاء الاطِّلاعَ عليها مع ما لها وما عليها فليطالع ((السعاية)).
خبر لقوله ان المعتادة والفاء زائدة هذا مجمع عليه عند جمهور علماء الامة المراد به جزء من الزمان لا الساعة المعتبرة عند المنجمين.
(2/151)
________________________________________
] أنَّهُ مقدَّرٌ بستةِ أشهر إلا ساعة؛ لأنَّ العادةَ نقصانُ طُهْرِ غير الحامل عن طُهْرِ الحامل، وأقلُّ مدَّة الحملِ ستة أشهر، فانتقص(1) عن(2) هذا بشىء، وهو السَّاعة، صورتُه: مبتدأةٌ رأت عشرةَ أيامٍ دَمَاً، وستَّةُ أشهرٍ طُهْر، ثُمَّ استمرَ الدَّمُ تنقضي عدَّتُها بتسعةَ عشرَ شهراً إلاَّ ثلاثَ ساعات؛ لأنَّا نحتاجُ إلى ثلاثِ حيض، كُلُّ حيضٍ عشرة أيام، وإلى ثلاثةِ أطهار، كلُّ طُهْرٍ ستَّة أشهرٍ إلا ساعة.
__________
(1) في س: فانقص، وفي ف: نقص، و في م: وانقص.
(2) في ف: من.
(2/152)
________________________________________
(وما نقصَ عن أقلِّ الحيض[(1)]): أي الدَّمُ النَّاقصُ عن الثَّلاثة، (أو[(2)] زادَ على أكثرِه): أي على(3) العشرة، (أو أكثر النُّفاس)، وهو أربعونَ يوماً، (أو على عادةٍ عُرِفَتْ لحيض، وجاوزت(4) العشرة، أو نفاسٍ وجاوزَ الأربعين): أي إذا كانت لها عادةٌ معروفة(5) في الحيض، وفرضناها سبعةً مثلاً(6)
__________
(1) قوله: عن أقلّ الحيض… الخ؛ لمّا فرغَ عن ذكرِ أحكامِ الحيض والنفاسِ شرعَ في ذكر الاستحاضةِ وأحكامها وذكر في أقسامها أقساماً عديدة، منها: الدمُ الناقصُ عن أقلّ الحيض، وهو الدمُ الذي لم يبلغ ثلاثةَ أيّام ولياليها، وذلك لأنَّه لمَّا ثبتَ بالأحاديثِ أنَّ أقلّ الحيضِ هو المقدار المذكور، ومن المعلومِ أنّ الدماءَ الخارجة من فرجِ المرأةِ ليست إلا ثلاثة: حيض ونفاس واستحاضة، وهذا ليس بنفاسٍ قطعاً، ولا حيضاً لكونه أقلّ من مدة تقرَّرت شرعاً للحيض، فلا بدَّ أن يكون استحاضة، وقسْ عليه ما زادَ على أكثر الحيض أو أكثر النفاس.
(2) قوله: أو على؛ عطف على قوله: على أكثره، يعني الدمَ الذي زاد على عادة كانت مقرَّرة لحيضٍ، ومع ذلك جاوزَ العشرة، وكذا الدمُ الزائد على عادةٍ عرفت لنفاس، ومع ذلك جاوزَ أكثر مدَّته وهو أربعونَ يوماً، وذلك لحديث: ((المستحاضةُ تدعُ الصلاةَ أيام اقرائها ثم تغتسل وتصلّي))، أخرجه أبو داود والترمذيّ وابن ماجة والدارقطنيّ وغيرهم، وفي الباب أحاديثٌ كثيرةٌ تدلّ على أنّ ما زاد على العادةِ استحاضة، وإنّما اشترط كونه مجاوزاُ على أكثرِ مدَّة الحيضِ والنفاس؛ لأنّه إذا زادَ على أيّام العادةِ ولم يزد على أكثرِ المدَّة لا يحكمُ بكونه استحاضة؛ لبقاءِ المدَّة، واحتمالِ تبدّل العادةِ في هذه المرة، وإذا استمرَّ إلى أن جاوزَ أكثر المدَّة علم أنَّ الكلّ ممّا زاد على العادة وكان في المدّة وما زادَ عليها كلّه استحاضة.
(3) سقطت من م.
(4) في النسخ: جاوز.
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(6) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(2/153)
________________________________________
، فرأت الدَّم اثني عشر يوماً[(1)](2)، فخمسةُ أيامٍ بعد السَّبْعة استحاضة، وإذا كانت لها عادةٌ في النِّفاس، وهي ثلاثونَ يوماً مثلاً، فرأت الدَّم خمسينَ يوماً، فالعشرونَ التي بعد الثَّلاثين استحاضة، هذا[(3)](4) حُكْمُ المعتادة.
__________
(1) قوله: فرأت الدم اثني عشرَ يوماً؛ فإن رأت الدمَ عشرةَ أيّام يكون كلّه حيضاً لبقاءِ المدة واحتمال تبدّل العادة.
(2) أما لو رأت الدم عشرة أيام يكون كله حيضاً لبقاء مدة الحيض، واحتمال تبدل العادة. كما في ((العمدة))(1: 134).
(3) قوله: هذا؛ أي الذي ذكره بقوله: أو على عادة عرفت… الخ.
(4) في م: فهذا.
(2/154)
________________________________________
ثُمَّ أرادَ أن يُبَيِّنَ حُكْمَ المُبْتدأة[(1)]، فقال: (أو على عشرةِ حيضِ مَن بلَغَتْ مستحاضة[(2)]، أو على أربعين نفاسِها[(3)])، المُبْتدأةُ التي بَلَغَتْ مستحاضةً، فحيضُها(4) من(5) كلِّ شهرٍ عشرةُ أيام[(6)
__________
(1) قوله: المبتدأة؛ هي التي لم تبلغْ قبل ذلك، وجاء دمها ابتداء، وهو بصيغةِ المفعول، وقيل: بصيغة الفاعل، والأشهرُ الأظهرُ هو الأوّل.
(2) قوله: من بلغت مستحاضة؛ أي صارت بالغةً حال كونها مقدرة الاستحاضة، فهذا من قبيل الحالِ المقدَّرة، كقوله تعالى: {فادخلوها خالدين}، أي مقدّرين الخلود، فإنّ الخلودَ ليس في حال الدخول، فكذلك هاهنا لا يحكمُ بكونِ دم المبتدأةِ عند ابتداءِ بلوغها استحاضة، وإنّما يثبتُ ذلك بزيادته على العشرة.
(3) قوله: أو على أربعين نفاسها؛ أي نفاسُ المبتدأةِ وهي التي لم تلد قبل، فإذا استمرَّ بها الدمُ بعد أوّل ولادتها فما زادَ على أربعين استحاضة، وما دونه نفاس.
(4) في أ و ص و ف و م: حيضها.
(5) في ف و م: فيه.
(6) قوله: عشرة أيّام؛ وذلك لأنَّه لما لم تكن لها عادة معروفة حتى يرد إليه أمرُ حيضها يعتبرُ أكثرُ مدَّة الحيض؛ لأنَّ دخولها في الحيضِ متيقّن، والأيامُ صالحةٌ له، فلا يحكمُ بخروجها عنه بالشكّ، وما زادَ على أكثرِ المدَّة يكون استحاضةً لا محالة؛ لعدمِ صلوح الأيَّام للحيض.

وذلك بان يطلقها في اول الطهر ينبغي ان يزاد على ذلك لجواز ان يطلقها في اول حيضها فلا يعتد به ويحتاج الى ثلث حيض سواها قاله الزيلعي عطف على قوله على اكثر واي الدم الزائد على اربعين يوما بعد الولادة اي كانت عادتها ان تحيض سبعة ايام مثلا وان رأت اربعين كان كله نفاساً لما مر عطف على قوله على اكثره.
(2/155)
________________________________________
]، وما زادَ عليها استحاضة، فيكون طُهْرُها عشرين يوماً[(1)]، وأمَّا النُّفاس فإذا لم يكن للمرأة فيه عادةٌ[(2)] معروفة(3)، فنفاسُها أربعون يوماً، [وما زاد](4) عليها استحاضة.
فقوله(5): حيضِ مَن بلغت بالجرِ[(6)] عطفُ بيانٍ لعشرة، وقولُهُ: نفاسِها بالجرِّ عطفُ بيانٍ لأربعين(7).
(أو ما(8) رأت حاملٌ[(9)] فهو استحاضة): أي الدِّمُ الذي(10) تراهُ المرأةُ الحاملُ ليس بحيض، بل هو استحاضة.
__________
(1) قوله: عشرين يوماً؛ بناءً على أنّ الغالبَ في النساءِ أنّهن يحضنِ في كلّ شهرٍ مرَّة.
(2) قوله: عادة؛ قال في ((جامع الرموز)): اعلم أنّ المدَّة تصيرُ عادةً عند الطرفين بمرَّتين؛ لأنَّها مشتقةٌ من العود، وعنده بمرَّة، وعليه الفتوى كما هو المشهور، إذ المراهقةُ إذا رأت مدَّةً واحدةً منها صارت عادةً لها، فلو رأت مرَّتين أو أكثر ثمَّ استمرَّ بها الدمُ ردَّت إلى العادةِ المتكرِّرة عندهما، وإلى آخر ما رأت عنده.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(4) في أ و ص و ف: الزائد، و في م: والزائدة.
(5) في أ و ب و س: قوله.
(6) قوله: بالجر؛ ويمكن أن يكون بالرفعِ خبرُ مبتدأ محذوف، ويكون العشرةُ منوناً، وقسْ عليه قوله: نفاسها.
(7) في م: لأربعون.
(8) سقطت من ج و ص.
(9) قوله: أو ما رأت حامل؛ أي الدمُ الذي رأته امرأةٌ في رحمِها جنينٌ في أيّام حملها، فهذا الدمُ ليس من الرحمِ حتى يكون حيضاً؛ لانسدادِ فمِ الرحمِ أيّام الحمل، بل هو دمُ عرقٍ انفجر، فكان استحاضة، ويدلّ عليه ما وردَ برواياتٍ متعدِّدة أنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم منعَ من وطئ السبايا الحاملة حتى تضع، وعن وطئ غير الحاملةِ حتى تستبرأ بحيضة، وما ذلك إلا لتعرّف براءة رحمها من الحمل، فجعلَ الحيضُ علامةً البرأة، فعلمَ أنَّ الحامل لا تحيض.
(10) سقطت من ف.
(2/156)
________________________________________
فقولُهُ: وما نقص: مبتدأٌ، وقولُهُ: فهو استحاضةٌ: خبرُه[(1)].
ثُمَّ بيَّنَ حُكْمَ الاستحاضة، فقال: (لا تمنعُ(2) صلاةً[(3)](4)، وصوماً، ووَطْءَاً، ومَن لم يمضِ[(5)] عليه وقتُ فرضٍ إلاَّ وبه حدث): أي الحدثِ الذي ابتلي به، (من استحاضة، أو رعاف، أو نحوهما، يتوضَّأُ لوقتِ كُلِّ فرض[(6)]) [احترازٌ عن قولِ الشَّافِعِيِّ(7) - رضي الله عنه - فإنَّ عنده يُتَوضَّأُ لكلِّ فرض[(8)
__________
(1) قوله: خبره؛ وإنّما دخلت الفاءُ عليه لكون المبتدأ متضمِّناً لمعنى الشرط.
(2) في ف و م: يمنع.
(3) قوله: لا تمنعُ صلاة؛ لحديث: ((اجتنبي الصلاةَ أيّام حيضك، ثم اغتسلي وصلّي وتوضيء لكلِّ صلاة))، وزاد في رواية: ((وإن قطرَ الدمُ على الحصير))، أخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجه واسحاق بن راهويه والبزار وابن أبي شيبة وغيرهم، وفي ((سنن أبي داود)): كانت أم حبيش حمنة بنت جحش مستحاضة، وكان زوجها يغشاها.
(4) لما روت عائشة - رضي الله عنه -: أتت فاطمة بنت أبي حبيش النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني استحضت، فقال: ((دعي الصلاة أيام حيضك، ثم اغتسلي وتؤضئي عند كل صلاة وإن قطر على الحصير)) في ((مسند أحمد))(6: 42)، و((سنن ابن ماجه))(1: 204)، و((مصنف ابن أبي شيبة))(1: 118)، و((سنن الدارقطني))(1: 213). وينظر: ((نصب الراية))(1: 200).
(5) قوله: ومَن لم يمض؛ أي مَن لم يمر عليه وقتُ صلاةٍ مفروضةٍ في حالٍ من الأحوال إلا في استمرارِ حدثه الذي ابتليَ به، لا بمعنى استيعابِ الحدثِ كلّ الوقت، فإنّه ليس بشرطٍ في تحقّق العذر، بل بمعنى أنّه يوجدُ في كلٍّ وقتٍ من أوقاتِ الفرض، ولو في ساعةٍ منه.
(6) قوله: لوقتِ كلّ فرض؛ وإن لم يكن بين الوقتين واسطة، وكذا يتوضَّأ لوقتِ صلاةِ العيد، ووقت صلاة الضحى، ولمسّ المصحفِ في غير وقت فرض. كذا قال الشارح الهرويّ.
(7) ينظر: ((المنهاج))(1: 112).
(8) قوله: لكل فرضّ؛ لحديث: ((المستحاضةُ تتوضَّأ لكل صلاة))، أخرجه ابن ماجه وأبو داود وغيرهما، وظاهره تجديدُ الوضوءِ للنوافل أيضاً، وبه قال بعضُ الأئمَّة، لكنَّ جمعاً منهم خصّوا منه النوافل والسنن، وأجازوا أداءها بوضوءِ الفرض؛ لكونها تابعةً، ولنا ما في ((صحيح البخاري)) إنّه صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: ((ثمَّ توضيء لكلّ صلاةٍ حتى يجيءَ ذلك الوقت))، فإنّه صريحٌ في أنّ الوضوءَ الواحدَ في الوقتِ كافٍ، وعلى هذا فيحملُ اللامُ في الحديث السابقِ على الوقت؛ أي لوقت كلّ صلاة، وفي المقامِ تفصيلٌ مذكورٌ في ((شرح المعاني الآثار)) للطحاويّ وغيره.
(2/157)
________________________________________
]، ويُصلِّي النَّوافلِ بتبعيَّةِ الفرض](1).
(ويُصَلِّي(2) به فيه ما شاء من فرض ونفل، وينقضُهُ خروجُ الوقت[(3)] لا دخولُه)(4) احترازٌ عن قولِ زُفَرَ - رضي الله عنه -، فإنَّ النَّاقضَ(5) عنده دخولِ الوقت[(6)](7)، وعن قولِ أبي يوسفَ - رضي الله عنه -، فإنَّ النَّاقضَ عنده كلاهما(8)
__________
(1) ذكرها في م بعد: ونفل.
(2) في م: وتصلي.
(3) قوله: خروج الوقت؛ إسنادُ النقض إلى الخروجِ والدخول مجاز، فإنّ الناقضَ في هذه الصور هو الحدثُ السابق، وإنّما ظهر أثره في هذا الوقت.
لما كان صاحب الحدث المستمر حكم المستحاضة ذكر حكمهم متصلا بحكمها بالضم الدم السائل من الانف كدم خارج من الدبر وبول ومذي ونحو ذلك وكذا يجوز له بذلك الوضوء اداء صلاة الجنازة ومس المصحف.
(4) إسناد الننقض إلى الخروج والدخول مجاز، فإن الناقض في هذه الصور هو الحدث السابق، وإنما أثره في هذا الوقت. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 135)، و((الفتح))(1: 161).
(5) في س: الناقص.
(6) قوله: دخول الوقت؛ لأنَّ اعتبارَ الطهارةِ مع سيلانِ الحدثِ المنافي لها إنّما هو للحاجة إلى الأداء، ولا حاجة قبل الوقت، فلا تعتبر، وبهذا استندَ أبو يوسف، وزادَ أنّ الحاجةَ مقصورةٌ على الوقتِ لا قبله ولا بعده، فلا تعتبرُ الطهارةُ فيما عدا الوقت، فيكون الدخولُ والخروجُ كلاهما منافيين، فيعدّ كلّ منهما ناقضاً، ولأبي حنيفةَ ومحمَّد أنّه يحتاجُ إلى تقديمِ الطهارة على الوقت ليتمكَّن من أداء الصلاة أوّل الوقت، وخروجُ الوقتِ دليلُ زوالِ الحاجة، فيظهرُ اعتبارُ الحدث عنده، والمرادُ بالوقت عندهما وقتُ الفريضة، فلو توضَّأ المعذورُ لصلاةِ العيد قبل الزوال له أن يصلِّي بذلك الوضوءِ الظهر هو الصحيح. كذا في ((الهداية)).
(7) لأن اعتبار الطهارة منع المنافي للحاجة إلى الأداء، ولا حاجة قبل الوقت فلا تعتبر. كما في ((الهداية))(1: 33).
(8) لأن الحاجة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده لقيامه مقام الأداء. كما في ((العناية))(1: 162).
(2/158)
________________________________________
، (فيصلِّي[(1)] به(2) مَن توضَّأ قبل الزَّوال إلى آخرِ وقتِ الظُّهْر) خلافاً لأبي يوسفَ وزُفَر - رضي الله عنهم -، فإنَّه حصلَ دخولُ الوقتِ لا الخروج.
(لا بعد طلوعِ الشَّمس مَن توضَّأ قبله): أي مَن توضَّأ قبل طلوعِ الشَّمس، لكن[(3)] بعد طلوعِ الفجرِ خلافاً لزُفَرَ - رضي الله عنه -، فإنَّه وجدَ النَّاقض عندنا(4)، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -، وهو الخروج، لا عند زُفَرَ فإنَّ النَّاقضَ عنده الدُّخول، ولم يحصل.
__________
(1) قوله: فيصلّي؛ بيانٌ لثمرةِ الخلاف، وحاصله أنّ المعذورَ إذا توضَّأ قبل الزوالِ يجوزُ له أن يصلّي بذلك الوضوءِ إلى آخرِ وقتِ الظهرِ عندهما، فإذا خرجَ وقتُ الظهرِ انتقضَ وضوءه، وعند أبي يوسفَ وزفر لا يصلِّي به إلا قبل الزوال، وبعد الزوال لا؛ لوجود دخولِ الوقت وهو ناقض عندهما، ولو توضَّأ معذورٌ بعد طلوعِ الفجر؛ أي الصبح الصادق، وقبل طلوع الشمس يجوز له أن يصلِّي به ما شاءَ قبل طلوعِ الشمس وبعده لا عندهما؛ لوجودِ خروجِ وقت الصبح الناقض، وكذا عند أبي يوسف؛ لأنَّ الخروجَ عنده أيضاً ناقض، ويجوز عند زفر؛ لأنَّه لم يوجد الدخولُ الناقض.
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و س.
(3) قوله: لكن… الخ؛ لما كان قول المصنّف: مَن توضَّأ قبله أعمّ من أن يتوضَّأ بعد طلوع الصبح الصادق، أو فيما بينه وبين طلوعِ الشمس مع أنّ الخلافَ يظهرُ في الصورةِ الأولى، قيَّده به فإنّه لو توضَّأ قبل طلوعِ الصبحِ الصادق لا يجوزُ به أداءُ الصلاةِ بعد طلوع الشمس اتِّفاقاً، فعند الأئّمة الثلاثة لوجودِ الخروج، وعند زفر رح؛ لوجودِ دخول وقت صلاة الفجر.
(4) في م: عندنا الدخول.
(2/159)
________________________________________
(والنِّفاسُ[(1)](2) هو(3) دمٌّ يَعْقِبُ الولد(4)، ولا حَدَّ[(5)] لأقلِّه، وأكثرُه أربعون يوماً) خلافاً للشَّافِعِيِّ(6) - رضي الله عنه - إذ أكثرُهُ ستونَ يوماً عنده.
__________
(1) قوله: والنفاس؛ هو بالكسر والفتح، لغة: الولادة، وشرعاً: عبارةٌ عن دمٍ خارجٍ من الرحم من القبلِ عقبَ خروج ولد أو أكثره، فلو ولدته من السرَّة فإن سال الدمُ من الرحمِ من القبلِ فنفساء، وإلا لا. كذا في ((البحر)) وغيره، وبه يظهر أنّ في تعريف المصنِّفِ خللاً بيِّناً.
(2) وهو عبارة عن دم خارج من الرحم من القبل عقب خروج ولد أو أكثره، فلو ولدته من السرة، فإن سال الدم من الرحم من القبل تكون نفساء، وإلا فذات جرح. كذا في ((البحر))(1: 229).
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س.
(4) أو أكثره، ولو متقطعاً عضواً عضواً لا أقلِّه، فإن خرج أقلّ الولد وخافت فوت الصلاة تتوضأ إن قدرت أو تتيمم، وتومئ بالصلاة إن لم تقدر على الركوع والسجود، فإن لم تصل تكون عاصية لربها، ثم كيف تصلي قالوا: يؤتى بقدر فيجعل القدر تحتها أو يحفر لها وتجلس هناك كي لا تؤذي ولدها، ولا تؤخر الصلاة، فانظر وتأمل هذه المسألة هل تجد عذراً لتأخير الصلاة، ووايلاه لتاركها. كذا في ((رد المحتار))(1: 199).
(5) قوله: ولا حدّ؛ أي ليس له حدٌّ شرعاً من الجانبِ الأقل، فلو رأت الدمَ ساعةً ثمَّ طهرت يجب عليها أن تغتسلَ وتصلّي، وله حدّ من الجانبِ الآخر أخذاً من حديثِ أم سلمةّ رضي الله عنهم: كانت النفساءُ تقعدُ على عهدِ رسول الله ص أربعين يوماً، أخرجه أبو داود والترمذيّ، وعند الدارقطنيّ وابن ماجه عن أنس: ((وقَّت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للنفساء أربعينَ يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، وفي سنده كلامٌ ينجبرُ بكثرةِ الطرق كما حقَّقه ابنُ الهمامِ في ((فتح القدير)).
(6) ينظر: ((المنهاج)) مع شرحه ((مغني المحتاج))(1: 119).
(2/160)
________________________________________
(وهو لأمِّ التَّوأمينِ[(1)] من الأَوَّلِ خلافاً لمحمَّد - رضي الله عنه -) التَّوأمان: ولدان(2) من بطنٍ واحدٍ لا يكونُ بين ولادتِهما أقلِّ مُدَّةِ الحمل، وهو ستة أشهر، (وانقضاءُ[(3)
__________
(1) قوله: وهو لأم التوأمين… الخ؛ يعني مَن ولدت ولدين في بطنٍ واحدٍ وبين ولادتهما أقلّ من ستَّة أشهرٍ فنفاسها هو الدمُ الخارجُ بعد ولادةِ الأوّل عندهما، وعند محمَّد بعد ولادةِ الثاني بناءً على أنّ قبلَ ولادة الثاني هي حاملٌ فلا تصيرُ نفساء، وجوابه أنّه لما ولدت الأوّل انفتح فمُ الرحمِ وتنفَّس بالدم، فيكون الخارجُ من الرحمِ نفاساً بالضرورة. ((كذا في الهداية)).
(2) وكذا الحكم لو ولدت ثلاثة بين الأول والثاني أقل من ستة أشهر، وكذا بين الثاني والثالث، ولكن بين الأول والثالث أكثر من ستة أشهر فيجعل حملاً واحداً على الصحيح. كما في ((حاشية الشرنيلالي على الدرر))(1: 43).
(3) قوله: وانقضاء… الخ؛ يعني إذا طلِّقت الحاملُ أو ماتَ زوجها تنقضي عدَّتها بوضعِ الثاني لا بالأوّل اتِّفاقاً؛ لأنَّ القضاءَ العدَّةَ للحاملِ بوضع الحمل وبراءةِ الرحمِ بنصّ القرآن، وقبل وضع الثاني هي حامل قطعاً فلا تنقضي العدة.

استند في ذلك بما وجد في بعض النساء من سيلان الدم شهرين ولا عبرة به بعد ورود الحديث بخلافه فان ولدت ولدا ثم بعد ستة اشهر اخر فليسا بتوأمين لأحتمال اختلاف العلوق بالحركات الثلاث في السين يجدنا تمام.
(2/161)
________________________________________
] العدَّةِ من الأخيرِ إجماعاً، وسِقطٌ(1) يُرَى بعضُ(2) خَلْقِهِ(3) وُلِد): أي سِقط(4): مبتدأ، يُرَى: صفته(5)، وُلِد(6): خبرُه، (فتصيرُ هي به نفساء، والأمةُ أمُّ الولد[(7)]، ويقعُ المعلَّقُ بالولد): أي إذا قال: إذا وَلَدْتِ فأنت طالقٌ، تَطْلُقُ بخروجِ سقطٍ ظهرَ بعضُ خلقِه، (وتَنْقَضي العدَّةُ به): أي اذا طَلَّقَها زوجُها تَنْقَضي عدَّتُها بخروجِ هذا السَّقْطِ.
بابُ الأنجاس
__________
(1) سِقط: الكسر فيه أكثر: الولد يسقط من بطن أمه لغير تمام. كما في ((تاج العروس))(19: 356).
(2) في س: بعض بعض.
(3) أي كيد أو رجل أو أصبع أو ظفر أو شعر. كما في ((درر الحكام))(1: 43).
(4) في م: وسقط.
(5) في م: صفة.
(6) في أ: وولد.
(7) قوله: والأمة؛ أم الولد؛ أمّ الولدِ الأمة التي وطئها مولاها فولدت منه وادَّعى نسبه، وحكمها أنّها تعتقُ بعد موت مولاها، فلإن ولدت الأمةُ سقطاً استبانَ بعض خلقه تصيرُ أمّ ولد إن ادعى المولى.
(2/162)
________________________________________
(يَطْهُرُ[(1)] بدنُ المصلِّي[(2)
__________
(1) قوله: يطهر؛ بصيغة المجهول من التطهير، أو بصيغة المعروف من الطهارة، والهاء على الأوّل مفتوحةٌ وعلى الثاني مضمومة، وهو وإن كان خبراً صورة لكنّه أمر معنى، لما في ((النهاية)): إنّ أخبارَالمجتهد يجري مجرى إخبار الشارع في اقتضاء الوجوب بل هو آكد من الأمر، فالمعنى يجبٍ أن يطهر الأشياء المذكورةُ من النجاساتِ المذكورة، ويحتمل أن يكون الخير على معناه، ويكون المقصودُ الاخبار عما يطهر به الأشياء، وكيفيَّة تطهيره شرعاً.
(2) قوله: بدن المصلي؛ المرادُ بالبدن هاهنا الجسد، فإنّه صرَّح في ((المغرب)) و((مجمع البحار وغيرهما أنّ البدنَ بفتحتين اسمٌ لما سوى الرأسِ والأطرافِ والجسد اسمٌ للمجموع، وفي إضافته إلى المصلّي إشارةٌ إلى أنّ شرعيَّة التطهيرِ من النجاسات إنّما هي لاأاءِ الصلاة وما في حكمها، وإلى أنَّ الواجبَ إنَّما هو التطهير لمَن يريدُ الصلاة، فأمّا خارج الصلاةً فالتطهير ليس بفرض، فإنّه يجوزُ لبس الثوبِ النجسِ في غير الصلاة إلا إذا زادت النجاسةُ على قدرِ الدرهم، وله ثوب طاهر كما صرَّح به في ((القينة))، وفي المقامِ تفصيلٌ ذكرناه في شرح بابِ شروط الصلاة من ((السعاية))، فإن قلت: ما ذكره المصنّف هاهنا يغني عن قوله في باب شروطِ الصلاة: هي تطهيرُ بدنِ المصلى من حدثٍ وخبثٍ وثوبه ومكانه فما وجه التكرار، قلت: لا غناء ولا تكرار، فإنّ المقصودَ هناك بيان أنّ طهارةَ البدن وغيره من الشرائط للصلاة، والغرضُ هاهنا مجرَّد وجوبُ تطهيرِ البدن وغيره على المصلّي مع قطعِ النظرِ عن أن يكون فرضاً أو سنًة شرطاً، أو ركناً أو نقول: المقصودُ هاهنا مجرَّدُ الإخبارِ عن كيفيّة التطهير وما يطهرُ به، والمقصودُ هناك خصوصُ كونه شرطاً، أو نقول: المرادُ بالمصلّي هاهنا المسلم لا مَن يريد الصلاة، وتخصيصه بالذكر؛ لعدمِ كون الكافر مكلَّفاً بالفروع، لا سيما بتطهيرِ الثياب والأبدان والأمكنةِ من النجاسات، أو لانَّ المهتم بالشان هو ذكر الاحكام المتعلقة بالمسلم والكافر تبع له.
(2/163)
________________________________________
] وثوبُهُ ومكانُهُ[(1)] عن نَجَسٍ[(2)] مَرْئيٍّ(3) بزوالِ عينِه[(4)](5)، وإن بقيَ أثرٌ يَشُقُّ زوالُهُ بالماء[(6)
__________
(1) قوله: وثوبه ومكانه؛ ذكر في ((الهداية)) وغيرها: إنّ وجوبَ تطهيرِ الثياب للمصلّى يثبت بقوله تعالى: {وثيابكم فطهر} تطهيرُ البدنِ والمكان، وجوبه ثابتٌ بدلالة النص، وفيه ما فيه، فإنّ وجوب تطهير البدنِ والمكان أيضاً دلَّت عليه نصوصٌ نبويَّة بعبارتها كما بسطناها في ((السعاية)) فلا حاجة إلى إثباته بالدلالة.
(2) قوله: عن نجس؛ هو بفتح الجيم بمعنى عين النجاسة، وهو على ضربين: مرئيّة وغير مرئيّة، فالأوّل ما يبقى متجسدة ومنجمدة بعد الجفافِ كالدمِ والغائط والمني، والثاني ما ليس كذلك؛ كالبول كذا في ((العناية))، وقيل: المرئي ما له جرم، وغير المرئيّ ما لا جرمَ له سواء كان له لون أم لا.
(3) في س: موئي.
(4) قوله: بزوال عينه؛ إي ذاته؛ لأن النجاسة حلّت المحلّ، باعتبارِ العين، فتزولُ بزواله، وإن بقى أثرٌ يشق؛ أي تكون إزالته محتاجة إلى حرج وكلفة، فإاّن الحرجَ مرفوعٌ بالنصوص، فلوَ صبغ اليد بالحناءِ النَّجس فيطهرُ اليدُ بالغسل، وإن لم يزل اللون، صرّح به في ((الخلاصة))، وفي ((الذخيرة))، وفسَّروا المشقَّة بأن يحتاجَ إلى أمرٍ آخر غير الماء كالأشنان والصابون، وفسّروا الاثر بالرائحة واللون، فلو صبغَ الثوبَ بالنيلِ النجسِ وغسَّله ثلاث مرّات يطهر، وأمّا الطعمُ فلا بد منّ زواله؛ لأنّ بقاءَ الطعمِ يدلُّ على بقاءِ العين، كذا قال البرجنديّ، وفي الاكتفاءِ بذكرِ زوال العين إشارةٌ إلى أنّه لا يشترطُ في التطهيرِ من المرئي عدد ولا غسل بعد زوال العين.
(5) لأن تنجُّس ذلك الشيء لاتصال النجاسة به، فازالتها ولو بغسلهٍ واحدة تطهير له، وقال أبو جعفر: يغسل بعد زوال العين مرةً أو مرتين، وقيل ثلاثاً. كما في ((فتح باب العناية))(1: 236).
(6) قوله: بالماء؛ أي إذا كان طاهراً، فإنَّ النجس لا يثبت وصف الطهارة، وهذا ظاهر ولظهوره لم يذكره فلو كان الماء مستعملاً كفى في إزالةِ النجاسات على المفتى به.
(2/164)
________________________________________
](1) )، [قولُهُ: بالماء](2): متعلِّقٌ بقولِهِ: بزوالِ عينِه، (وبكلٍّ مائعٍ[(3)] طاهرٍ مزيلٍ كخلٍّ ونحوِه[(4)
__________
(1) ولو مستعملاً، به يفتى خلافاً لمحمد - رضي الله عنه -. كما في ((الدر المختار))(1: 205).
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م. وفي ص زيادة: بالماء.
(3) قوله: وبكلّ مائع؛ أي سائل، من ماع الماء يميع: إذا سالَ على وجهِ الأرض؛ أي يطهر بدن المصلّي وثوبه ومكانه عن نجاسةٍ مرئيّة بأن يزولَ عينها بكل سائل طاهر في نفسه، مزيل للنجاسة كالخلّ وماءِ الورد وغيرهما من المياه المقيّدة، واحترزَ بالسائل عن الذي ليس كذلك كالثلجِ والبرد، وقيل: الذوبان والسيلان، فإنّه لا تحصلُ الطهارةُ بهما؛ لعدم حصول إزالةِ النجاسة بهما، واحترز بقيدِ الطاهرِ عن النجس كبول ما يؤكل لحمه على رأي أبي حنيفةَ وأبي يوسف، فإنّه منجس، فكيف يكون مطهرا، ومنهم مَن حذف هذا القيد؛ بناءً على أنَّ السائلَ النجس يزيلُ النجاسةُ الأولى وتبقى نجاسته حاصلة به، وتظهرُ ثمرته في الحلفِ وغيره، مثلاً إذا كان الثوبُ نجسا ًبالدم فإزالة ببول مأكولِ اللحم، وحلفَ أنّ ثوبه ليست فيه نجاسة الدم لم يحنث، واحترز بقيد المزيل عمّا ليس كذلك بأن لا ينعصرَ بالعصر ولا تسيلُ أجزاءُ النجاسةِ به، كلبنٍ وزيتٍ ونحوهما ممّا فيه دسومةُ أو لزوجة، وهذا كلّه عند أبي يوسفَ وأبي حنيفة، وعن أبي يوسف: إنّه يطهرُ الثوبُ والمكان بكلِّ مائع دون البدن، فإنّه لا يطهر إلا بالماء، وعند محمَّد رح وزفر رح والشافعي رح لا تحصل الطهارة مطلقاً إلا بالماء، دون المائعات كذا في ((الهداية))، ولكلّ من هذه الأقوالِ دلائلٌ مبسوطة في حواشي ((الهداية)).
(4) قوله: ونحوه؛ بالكسر؛ أي ومثل الخلّ في إزالةِ النجاسة حتى الريق، وعلى هذا فرَّعوا طهارة ثدي المرأة إذا قاء عليه الولد ثمَّ رضع حتى زال القيء، وكذا إذا لحسَ أصبعه من نجاسة حتى ذهب الأثر، أو شربَ خمراً ثمَّ تردد ريقه في الفم مراراً طهرت أصبعه وفمه. كذا في ((البحر الرائق)).
(2/165)
________________________________________
]، وعمَّا(1) لم يرَ[(2)] أثره(3) )، عطفٌ على قوله: عن نَجَسٍ مَرْئيّ، (بغسلِهِ(4) ثلاثاً، وعصرِهِ في كُلِّ مرَّةٍ إن أمكن) بشرطِ أن يُبالِغَ[(5)] في العصرِ في
__________
(1) أي يطهر البدن والثوب والمكان عن نجاسة غير مرئية، وهي التي لا جرم لها لها ولا تحس بعد الجفاف سواء كان له لون أما لا. كما في ((العمدة))(1: 137).
(2) قوله: وعمّا لم ير… الخ؛ أي يطهرُ البدنُ والثوب والمكانُ عن نجاسةٍ غير مرئيّة وهي التي لا جرمَ لهما ولا تحسّ بعد الجفاف، سواءً كان له لونٌ أم لا. كذا في ((خزانة الفتاوى))، بأنَ يغسل ذلك الثوب بالماء أو بالمائعِ الطاهر المزيل ثلاث مرات ويعصره كلّ مرة إن أمكن عصرُ ذلك الشيء، فإن غسلَ ولم يعصر لا يطهر؛ لأنّ المستخرجَ للنجاسةِ المتشرّبة في أجزاءِ الثوب هو العصر، ولا يكفي فيه مجرّد الغسل، وهذا ظاهر الرواية، وعن محمّد رح: إنّه يكتفي به في المرَّة الأخيرة، وعن أبى يوسف رح، إنّه ليس بشرطٍ مطلقاً، كذا في شروح ))المنية))، وذكر في ((المنية)) وغيرها أنَّ المفتى به هو اعتبارُ غلبةِ ظنّ غاسل بزوالِ النجاسة من غير اشتراطِ العدد، وبه صرّح الكرخيّ والاسبيجابي، وذكر في ((السراجِ الوهّاج): إنّ اعتبارَ غلبةِ الظنّ مختار العراقيين، والتقدير بالثلاث مختارُ البخاريين، والظاهرُ الأوّل إن لم يكن موسوسا، وإن كان موسوساً فالثاني، وهذا توفيقٌ حسن. كذا في ((النهر الفائق))، وذكر في ((الهداية)): إنَّ التكرارَ لا بدَّ منه للاستخراج، ولا يقطعُ بزواله، فاعتبر غالبُ الظنّ كما في أمر القبلة، وإنّما قدّروا بالثلاث لأنّ غالب الظنّ يحصل عنده، فأقيم السببُ الظاهر مقامه تيسيراً، وتأييد ذلك بحديث المستيقظ من منامه.
(3) سقطت من ج.
(4) في س و م: يغسله، وفي ف: يغسل.
(5) قوله: يبالغ؛ ولو لم يبالغ لرقَّة الثوب مخافةَ ضياعه لا يطهرُ على ما في ((الدرر))، واختار في ((النهر)) و((السراج)) الطهارة للضرورة.
(2/166)
________________________________________
المرَّة الثَّالثةِ[(1)](2) بقدر قوتِه[(3)]، (وإلاَّ[(4)](5) يغسلُ ويتركُ [(6)
__________
(1) قوله: في المرَّة الثالثة؛ أشارَ به إلى أنّه لا تشترطُ المبالغةُ في كلّ عصر، وظاهر ((الخانية)) اشتراطها في كلّ مرّة، وعبارتها: غسلُ الثوبِ ثلاثاً وعصره في كلّ مرَّة، وقوته أكثرُ من ذلك، ولم يبالغْ فيه صيانةً للثوبِ لا يجوز.
(2) وهو قيد لهما، وعن محمد أن العصر في المرَّة الثالثة كاف، وهو أرفق، والأول ظاهر الرواية، وقيل عن أبي يوسف ومحمد أيضاً: إنه يطهر إن ظُنَّ طهارته بالغسلات بلا عصر، والمدار على غلبة الظن؛ لأنه دليل شرعي، وإنما قدرت غلبة الظن بالثلاث؛ لأنها تحصل عند هذا العدد غالباً، وقيل عند: بالسبع دفعاً للوسوسة كما في الاستنجاء. كما في ((فتح باب العناية))(1: 238).
(3) قوله: بقدرِ قوَّته؛ أشارَ به إلى أنّ المعتبرَ هو قوَّة الغاسل وطاقته؛ لأنّ كلّ أحد مكلَّف بوسعه لا بوسع غيره، فلو بالغَ في العصرِ بحسب قوَّته فلم تبقَ قطرة، ثمَّ عصرَ آخرٌ أقوى منه فقطر قطرةً فهو طاهرٌ بالنسبة إليه. كذا في شروح ((المنية)).
(4) قوله: وإلا؛ أي وإن لم يكن عصره بأن يكون النجسُ شيئاً صلباً كالجلدِ والحصير ونحوهما.
(5) أي وإن لم يكن عصره بأن يكون النجس شيئاً صلباً كالجلد والحصير ونحوها، يغسله ويتركه إلى أن ينتهي إلى عدم التقاطر، ثم يغسل ويترك هكذا، فإن المقصود من العصر هو استخراج النجاسة بالتقاطر، فحيث لم يكن العصر اعتبر نفس التقاطر. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 138)، وهذا عند أبي يوسف، وقال محمد: ما لم يمكن عصره لا يطهر. ويطهر عند أبي يوسف ما لا ينعصر إذا تنجس بغسله وتجفيفه ثلاثاً كالحنطة المتنجسة والخزف والخشب الجديدين والحصير والسكين المموَّه بالماء النجس واللحم المُغْلى به. كما في ((فتح باب العناية))(2: 239).
(6) قوله: يترك؛ أي يغسلُ مرّة ويترك إلى أن تتقاطر منه قطراته، ثم يغسل ويترك إلى أن ينتهيَ إلى عدم القاطر، ثم يغسل ويترك هكذا، فإنّ المقصودَ من العصرِ هو استخراجُ النجاسةِ بالتقاطر، فحيث لم يكن للعصرِ اعتبرَ نفس التقاطر.
(2/167)
________________________________________
]إلى عدمِ القَطَران(1)، ثُمَّ وثُمَّ هكذا.
وخُفُّهُ[(2)] عن ذي جِرْمٍ جَفَّ بالدَّلك بالأرضِ وجوَّزَهُ أبو(3) يوسف - رضي الله عنه - في رطبةٍ): أي في رطب ذي جُرْم، (إذا بالَغ، وبه يُفْتَى[(4)](5)، وعمَّا لا جِرْمَ له بالغَسْلِ فقط): أي يَطْهُرُ
__________
(1) في ف و م: قطرات.
(2) قوله: وخفّه؛ ذكر في ((الذخيرة)) وغيرها: إنَّه إذا أصابت النجاسةُ خفَّاً أو نعلاً فإن لم يكن لها جرمٌ كالبولِ والخمرِ فلا بدَّ من الغسلِ رطباً كان أو يابساً، وحكى عن الفضليّ أبى بكر محمّد بن الفضل أنّه إذا أصابه بولٌ أو خمرٌ ثمَّ مشى على الترابِ أو الرملِ حتى لزقَ به الترابُ وجفّ يكفي فيه المسح، وإن كان لها جرمٌ كالعذرةِ والدم، فإن كانت رطبةً لا تطهرُ إلا بالغسل، وعن أبي يوسف إذا مسحه بالترابِ ثمَّ مسحه تطهر، وإن كانت يابسةً يطهرُ بالمسح على الأرض، وفيه خلافُ محمَّد، فإنّه لا طهارةَ عنده إلا بالغسل عليه، والحديث حجّة عليه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصلِّ فيهما))، أخرجه أبو داود، وهذا لفظه، وابن حبّان والحاكمُ واسحق بن راهويه وأبو يعلي وغيرهم، وقد فصَّلت هذه المسألةَ مع تفاريعها ودلائلها في رسالتي: ((غايةُ المقالِ فيما يتعلَّق بالنعال))، وتعليقاتي عليها المسمَّاة بـ((ظفر الأنفال)).
(3) في م: أبي.
(4) قوله: وبه يفتى؛ لأنّ فيه تيسيراً، وإطلاقُ الحديث المذكور يؤيّده، فإن قلت: إطلاقه شامل لغير ذي جرم أيضاً فما بالهم لم يجوِّزوا فيه إلا الغسل، قلت: الذي لا جرمَ له خرجَ بإشارةِ تعليله صلى الله عليه وسلم، فإنّ الترابَ لها طهور؛ أي مزيلٌ للنجاسة، فإنّا نعلم يقيناً أنّ النعلَ والخفَّ إذا شربَ البول أو الخمرَ لا يزيله المسحُ بالأرض، ولا يخرجه من أجزاءِ الجلد.
(5) وعليه الأكثر، وفي ((النهاية)): وعليه الفتوى. كما في ((فتح باب العناية))(1: 244).
(2/168)
________________________________________
الخُفَّ عمَّا لا جَرْمَ له كالبولِ بالغَسْل فقط.
(وعن المنِّيِّ[(1)] بغَسْله(2) ) سواءٌ كان رطباً أو يابساً، (أو فركِ يابسِه[(3)][(4)]) هذا إذا كان رأسُ الذَّكَرِ طاهراً بأن بالَ[(5)] ولم يتجاوزْ البولُ عن رأسِ مخرجِه، أو تجاوزَ
__________
(1) قوله: وعن المني؛ هذا العطفُ لا يخلو عن إشكال، فإنّ ظاهره يقتضي أنّه معطوفٌ على قوله: عن ذي جرم، أو على قوله: عمَّا لا جرم له، ويرد عليه: إنّه لا اختصاص لما ذكره في الخفّ ونحوه، فالحكم يعمّ الثوب والبدن، فالصحيح أنَّه عطفٌ على قوله: عن نجسٍ مرئيّ، ولو قدّم هذه المسألة على مسألةِ الخفّ لكان أولى.
(2) في س: يغسله.
(3) قوله: أو فركِ يابسه؛ لحديث عائشة: (( كنت أغسلُ الجنابةَ أي المنيّ من ثوبِ النبي صلى الله عليه وسلم))، أخرجه مسلمٌ وأصحابُ السنن، وقالت أيضاً: ((كنت أفركُ المنيّ من ثوبه صلى الله عليه وسلم))، أخرجه مسلم وغيره، وفي رواية الدارقطنيّ والبيهقيّ: ((كنت أغسلُ المنيّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان رطباً، وأفركه إذا كان يابساً))، وفي البابِ أخبارٌ وآثارٌ كثيرة، موضع بسطها هو ((السعاية)).
(4) قوله: يابسه؛ سواء كان منيّ الرجل أو منيّ المرأة، وعلى الأوَّل سواءً كان رقيقاً لمرض أو غليظاً، وكذا الحكمُ في مني جميع الحيوانات، وهذا هو المعتمدُ على ما في ((الدر المختار)) وحواشيه وفيه اختلافٌ كثير.
(5) قوله: بأن بال… الخ؛ فإن لم يكن رأسُ الذكرِ طاهر فمنيه لا يطهرُ بالفرك؛ لاختلاطِهِ بنجس غيره، وطهارةُ المنيّ بالفركِ إنّما ثبتت بالآثارِ على خلاف القياس، فلا يتعدّى إلى غيره، فإن قلت: المني يكون مخلوطاً بالمذي، فإنّ الرجلَ يمذي ثمّ يمني، ومن المعلومِ أنّ المذي لا يطهرُ بالفرك، فكيف يطهرُ المني المخلوطُ به، قلت: لمَّا حكمَ الشارعُ بطهارةِ محلّ المني بالفرك، علمَ أنّه عفى عمَّا يختلطُ به من المذي للضرورة، ولا كذلك غيره من النجاسات.
(2/169)
________________________________________
واستنجى(1)، ولا فَرْقَ بين الثَّوبِ والبدنِ في ظاهرِ الرِّواية، وفي روايةِ الحَسَن عن أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، لا يَطْهُرُ البدنُ بالفرك[(2)].
__________
(1) فإن لم يكن رأس الذكر طاهراً فمنيه لا يطهر بالفرك؛ لاختلاطه بنجس غيره، وطهارة المني بالفرك إنما تثبت بالآثارعلى خلاف القياس، فلا يتعدى إلى غيره، أما عن إمكان اختلاطه بالمذي، وأن المذي لا يطهر بالفرك، فإن الشارع لما حكم بطهارة محل المني بالفرك علم أنه عفي عما يختلط به من المذي للضرورة، ولا كذلك غيره من النجاسات. كذا في ((عمدة الرعاية))(1: 138).
(2) قوله: لا يطهر البدن بالفرك؛ بناءً على أنَّ حرارةَ البدنِ جاذبةٌ له، فلا يزيله عنه إلا الماء وجوابه: إن ذلك القدر معفوّ عنه تيسيراً وضرورة، كما عفي عن القدرِ المنجذب في مسام الثوب.
(2/170)
________________________________________
(والسَّيْفُ[(1)] ونحوه بالمَسْح(2)، والبساطُ يجري الماءُ عليه ليلة[(3)](4)، والأرضُ والآجُرُّ[(5)](6) المفروشُ باليُبْس،[(7)
__________
(1) قوله: والسيف؛ أي يطهرُ السيفُ ونحوه من صيقلٍ لا مسامَ له، كمرآةٍ وظفرةٍ وعظمٍ وزجاج وغيرها، بمسحه على شيء طاهرٍ يزولُ به أثرُ النجاسة، سواءً كانت رطبةً أو يابسة، من غير حاجةٍ إلى الغسل؛ لأنّ هذه الأشياءَ لا تنشرَّب النجاسة، وما على ظاهرها يزول بالمسح.
(2) أي يطهر السيف الصقيل ونحوه في الصقالة وعدم المسام، سواء كان النجس رطباً أو يابساً بالمسحّ؛ لأن الغسل يفسده، وفيه خلاف محمد. كما في ((فتح باب العناية))(1: 245).
(3) قوله: يجري الماء عليه ليلة؛ قال الشارحُ الهرويّ: هذا موافقٌ لما في ))الظهيريّة)) و((الخلاصة))، و((خزانه المفتيين))، وفي ((الكافي)): يوماً وليلة، والظاهرُ أنّه المرادُ بليلة؛ أي مع يومها، وفي العبارةِ إشارةٌ إلى أنّه لا بدَّ من الجريان.
(4) أي يطهر البساط الكبير الذي لا يمكن عصره بجري الماء عليه قدر ليلة أو يوم؛ لأنَّ يُظَنّ زوال النجاسة منه، والتقدير بالليلة لقطع الوسوسة. كما في ((فتح باب العناية))(1: 245).
(5) قوله: والآجر؛ بمدّ الهمزة، وضم الجيم، وتشديد الراء المهملة، بالفارسية: خشت، وإنّما قيّده بالمفروش؛ أي على الأرض؛ لأنّه إذا لم يكن مفروشاً بل مثبتاً ينقلً ويحوّل لا يكون في حكمِ الأرض، فلا يطهرُ بالجفاف، ولذا قيدوا طهارةَ الشجرِ ونحوه ممَّا يتَّصلُ بالأرضِ اتِّصالَ قرارٍ بكونه قائماً في الأرض، فإنّ المقطوعَ ليس له حكمه.
(6) الآجُرّ: وهو طبيخ الطين، وهو الذين يبنى به، فارسي معرب. كما في ((تاج العروس))(10: 29).
(7) قوله: باليبس؛ لما يدلّ عليه حديث أبي داود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهم: كانت الكلابُ على عهدِ رسول الله ص تبولُ وتقبلُ وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك، ويؤيّده قول أبي جعفر محمَّد بن علي: زكاةُ الارض يبسها، أخرجه ابن أبي شيبة، وفي الباب أخبارٌ وآثارٌ أخر أيضاً.
(2/171)
________________________________________
] وذهابُ الأثرِ للصَّلاة لا للتَّيمُّم): أي يجوزُ الصَّلاة عليهما، ولا يجوزُ التَّيمُّم[(1)] بهما، (وكذا الخُصُّ) في ((المُغْرِب))(2): هو بيتٌ من قَصَب(3)، والمرادُ هنا السُّترةُ التي تكونُ على السُّطوح من القَصَب، (وشجرٌ وكلأٌ قائمٌ في الأرض لو تَنَجَس، ثُمَّ جَفَّ طَهُرَ(4)، هو المختار، وما قُطِعَ منهما[(5)] يغسلُهُ لا غيرَ(6)).
__________
(1) قوله: ولا يجوزُ التيمّم؛ لأنَّ طهارةَ ما يتيمَّم به ثبتت بنصّ الكتاب، فلا تتأدّى بما ثبتَ بأخبارِ الآحاد. كذا في ((الهداية)).
(2) المغرب في غريب ألفاظ الفقهاء )) لناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي المُطَرِّزيّ الخَوارَزْمِيّ الحَنَفي، أبو الفتح، والمُطَرِّزي: بضم الميم، وفتح الطاء المهلمة، وتشديد الراء وكسرها، وبعدها زاي، هذه النسبة إلى من يطرز الثياب ويرقهما، ومن مؤلفاته: ((شرح المقامات للحريري))، و((مختصر إصلاح المنطق)) ، (538-610هـ). ((وفيات))(5: 369-371). ((مرآة الجنان))(4: 20-21). ((معجم الأدباء))(19: 212-213). ((الجوهر المضية))(3: 528-529). ((أبجد العلوم))(3: 11). ((الأعلام))(8: 311).
(3) انتهى من ((المغرب))(ص146).
(4) سقطت من ص و م، وفي ب و س: يطهر. أي يطهر بالجفاف وذهاب الأثر؛ لأنه متصل بالأرض، فأخذ حكمها. كما في ((شرح الوقاية))(ق19/ب) لابن ملك.
(5) قوله: وما قطعَ منهما؛ أي الشجر والكلأ إذا قطعَ من الأرضِ وانفصلَ لا يطهرُ إلا بالغسل لا غير؛ لأنّ طهارةَ الأرضِ باليبسِ ثبتت على خلافِ قياس، فلا تتعدَّى إلى غيره، وغير ما هو متّصل به.
(6) في م: غيره. وهذا لأن طهارة الأرض باليبس ثبتت على خلاف قياس فلا تتعدى إلى غيره وغير ما هو متصل بها. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 139).
(2/172)
________________________________________
لَمَّا ذَكَرَ تطهيرَ النَّجاسات(1) شَرَعَ في تقسيمِها على الغليظةِ والخفيفةِ[(2)](3) وبيانِ ما هو عفوٌ منهما، فقال: (وقَدْرُ الدِّرهمِ[(4)] من نَجَسٍ[(5)
__________
(1) وقد استوفَّى الكلام في المطهرات عبد الغني النابلسي في ((نهاية المراد))(ص331-343)، واللكنوي في ((نفع المفتي))(ص134-164)، وغيرهما.
(2) قوله: على الغليظة والخفيفة؛ اعلم أنّ النجاسةَ المغلّظة عند أبي حنيفةَ ما وردَ فيه نصّ حاكمٌ بنجاسة، ولم يعارضه نصّ آخر، سواءً اختلفوا فيه أواتّفقوا، فإن وجدَ فيه نصّ معارضٌ فهو مخفّف؛ كبول ما يؤكل لحمه، وعندهما: ما اختلفَ في نجاسته فهو مخفّف، وما لم يكن كذلك فهو غير مخفَّف، فالروثُ مغلّظ عنده؛ لأنَّه وردَ نصّ بتسميته ركساً بالكسر؛ أي نجساً، ولم يعارضه نصّ آخر، وعندهما: مخفَّف؛ لوقوعِ الاختلافِ فيه؛ لقول مالك بطهارته لعمومِ البلوى، وليطلب تفصيلُ هذا المقام من المطوّلات.
(3) اعلم أن النجاسة المغلظة عند أبي حنيفة ما ورد فيه نص حاكم بنجاسة، ولم يعارضه نص آخر سواء اختلفوا فيه أو اتفقوا، فإن وجد فيه نص معارض، فهو مخفف كبول ما يؤكل لحمه، وعندهما ما اختلف في نجاسته فهو مخفف وما لم يكن كذلك، فهو غير مخفف، فالروث مغلظ عنده؛ لأنه ورد نص رِكساً: أي نجس، ولم يعارضه نص آخر، وعندهما مخفف؛ لوقوع الاختلاف فيه لقول مالك - رضي الله عنه - بطهارته لعموم البلوى. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 139)، ((فتح باب العناية))(1: 250).
(4) قوله: وقدر الدرهم؛ هو مبتدأ، خبره قوله: عفو، وقوله: ما دون ربع ثوب عطفٌ على المبتدأ.
(5) قوله: من نجس؛ بفتح الجيم، غليظٌ على وزن فعيل، صفة لنجس، وفي نسخة: غلظ بضم اللام على وزن كرم.
(2/173)
________________________________________
] غليظٍ كبول[(1)](2)، ؟؟؟[(3)]وخمر[(4)](5)
__________
(1) قوله: كبول؛ الظاهر أنّ المرادَ به بولُ الآدميّ وإن كان صبيَّاً رضيعاً، فإنّ بوله نجسٌ أيضاً، وكذا كلّ ما خرجَ من الآدميّ موجباً لوضوءٍ أو غسل، ويحتملُ أن يراد بولُ كلّ ما لا يؤكل لحمه، ويستثنى منه بولُ الخفَّاش، فإنّه طاهر، وكذا خرؤه. كذا في ((الدر المختار)).
(2) الظاهر أن المراد به بول الآدمي وإن كان صبياً رضيعاً، فإن بولَه نجس أيضاً، وكذا كل ما خرج من الآدمي موجباً لوضوء أو غسل، ويحتمل أن يراد بول كل ما يؤكل لحمه، ويستنثى منه بول الخفاش، فإنه طاهر، وكذا خرءه. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 139)، و((الدر المختار))(1: 212).
(3) قوله: ودم؛ أي مسفوح، من أيّ حيوانٍ كان، لما مرَّ أنّ غير المسفوحِ ليس بنجس، ويستثنى منه دمُ الشهيدِ ما دامَ على بدنه، كما حقَّقه في ((البحر)).
(4) قوله: وخمر؛ كونه نجساً مغلَّظاً اتِّفاقيّ، وكذا نجاسةُ باقي المسكراتِ المائعة، واختلف في كونها مغلَّظة أو مخفَّفة، وأمّا المسكراتُ الغيرُ المائعةُ كالأفيون والزعفران فظاهر كما حقَّقه في ((ردّ المحتار)).
(5) أما بين حكم باقي المسكرات غير الخمر، فقد قال صاحب ((الدر المختار))(1: 213): وفي باقي الأشربة المسكرة غير الخمر ثلاث روايات: التغليظ، والتخفيف، والطهارة، ورجح في ((البحر)) التغليظ، ورجح في ((النهر)) التخفيف. أفاد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: أنه على رواية التخفيف يعفى عما دون ربع الثوب المصاب، أو البدن. وكان العلامة أحمد الزرقا شيخ شيوخنا في حلب يعتمد رواية الطهارة ويفتي بها، وكان شيخنا العلامة المحق الكوثري يقول: المسكر غير الخمر كالاسبرتو يجوز استعماله، ويحرم شربه، ويذكر أن هذا مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -. ولا يخفى أن فتوى هذين الشيخين الجليلين فيها يسر وسماحة للناس؛ لشيوع استعمال هذه المادة الهامة ـ الاسبرتو ـ في كثير من مرافق الحياة اليوم، ولا ريب أن التنْزه عن استعمالها لمن استطاعه أولى لما فيها من اختلاف العلماء في طهارتها، والله أعلم. كما في هامش ((فتح باب العناية))(1: 258).
(2/174)
________________________________________
، وخرءِ دجاج(1)، وبولِ حمار[(2)]، وهِرَّة، وفأرة، وروث، وخِثى[(3)](4)، [وما دون ربع الثَّوب ممَّا خَفَّ كبول فرس و ما أكل لحمه وخرء طير لا يؤكل عفو[(5)]ٌ(6)
__________
(1) في أ و ف: دجاجة.
(2) قوله: وبول حمار؛ إنّما أفرده بالذكرِ دفعاً لإيهامِ أنّ بوله مشكوكٌ كلعابه، وأمّا الهرة: بكسر الهاء، وتشديد الراء المهملة، بالفارسية: كَربه، والفأرة بالفارسية: موش، فإنّما نصَّ على بولهما دفعاً لقول مَن قال من الفقهاء بطهارة بولهما.
(3) قوله: وروث وخثى؛ الروثُ بفتح الراء المهملة هو من الفرسِ والبغل والحمار كالعذرة من الانسان، والخثى: بكسر فسكون للبقرة والفيل، والبعرةُ للغنم والإبل، كما أنّ الخرءَ للطيور، والنجو للكلب، والعذرة والغائطُ للآدميّ. كذا في ((رد المحتار))، وبالجملةِ عذرةُ كلّ حيوانٍ نجسٍ غير الطيور.
(4) الروث: للفرس والبغل والحمار، والخثى بكسر فسكون: للبقر والفيل، والبعر: للأبل والغنم، والخرء: للطيور، والنجو: للكلب، والعذرة: للإنسان. كما في ((رد المحتار))(1: 213).
(5) قوله: عفواً؛ أي بالنسبةِ إلى صحّة الصلاةِ به، لا بالنسبةِ إلى الإثم، فإنّ إبقاءَ القدرِ المعفوّ عنه وأداءُ الصلاةِ به مكروه تحريماً، فيجبُ غسله، وأمّا الأقلّ منه فمكروه تنْزيهاً فيسنّ غسله، كذا حقَّقه شرَّاح ((الكنْز)) و((المنية))، والوجهُ في ذلك أنّ دلالةَ الإجماعِ والآثار شهدت بكونِ قدرٍ من النجاسةِ عفواً، وعدمُ التكليفِ بإزالةِ كلّ نجسٍ ولو قليلاً، فقدَّرنا ذلك بما دونَ الربعِ في المخفَّف، لأنَّ للربعِ حكمُ الكلّ في كثيرٍ من الأحكام، وبالدرهم في المغلَّظة أخذاً من أحاديثِ الاستنجاء بالأحجار، فإنّ من المعلومِ أنّه مجفّف منشفٌ لا مزيل، وقد عفا الشارعُ عنه، وموضعُ الغائظ يكون بقدر الدرهم.
(6) أي بالنسبة إلى صحة الصلاة به لا بالنسبة إلى الأثم، فإن ابقاء القدر المعفو عنه وأداء الصلاة به مكروه تنْزيهاً، فيسن غسله. كما في ((العمدة))(1: 139).
(2/175)
________________________________________
وإن زاد لا) [قيل: المرادُ بربعِ الثَّوب[(1)](2) ربعُ أدنى ثوب يجوزُ به الصَّلاة، وقيل[(3)]: ربعُ الموضعِ الذي أصابتُهُ النَّجاسة، كالذَّيل، والكُمّ(4)، والدِّخريص(5)، وقدَّرَهُ أبو يوسفَ - رضي الله عنه - بشبرٍ في شبر.
__________
(1) قوله: المرادُ بربع الثوب؛ قال الأقطع في ((شرح مختصر القدوري)): هذا أصحّ ما ورد فيه.
(2) اعلم أنهم اختلفوا في كيفية اعتبار الربع على ثلاثة أقوال: فقيل: ربع طرف أصابته النجاسة كالذيؤل والكمّ والدخريص إن كان المصاب ثوباً وربع العضو المصاب كاليد والرجل إن كان بدناً، وصححه في ((التحفة))(1: 65)، و((المحيط))(ص391)، و((مجمع الأنهر))(1: 63)، ورحجَّه صاحب ((الدر المختار))(1: 214). وقيل : ربع جميع الثوب والبدن، وصححه في ((المبسوط))(1: 55)، واختاره صاحب((الدر المختار))(1: 213)، وقيل: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالميزر، قال الأقطع: وهذا أصح ما روي فيه.
(3) قوله: وقيل؛ حاصله أنّ المعتبرَ ربع الطرف الذي أصابته النجاسة من الثوب، وربعُ العضو المصابِ كاليدِ والرجل، وصحَّ هذا القولُ في ((المحيط)) و((التحفة)) و((المجتبى)) وغيرها.
بضم الدال وفتحها وكسرها: فرع، وفي حكمِهِ كلّ طيرٍ لا يذرق في الهواء، كبطٍ أهليّ وغيره، وأمّا ما يذرق في الهواء، فما كان منه مأكولاً فخرؤه طاهر، وما لا يؤكل خرؤه نجس مخفف. كذا في ((البحر)).
(4) سقطت من ص و ف.
(5) الدِّخريص: من القميص، وهو ما البَدَنُ ليوسعه، وهو معرّب، وهو عند العرب البنيقة. كما في ((تاج العروس))(17: 577).
(2/176)
________________________________________
(ويعتبرُ[(1)](2) وزنُ الدِّرْهَم بقدرِ مثقالٍ في الكثيف، ومساحتُه بقدرِ](3) عرضِ الكَفِّ في الرَّقيق)، المرادُ بعرضِ الكَفّ: عرضُ مقعرِ الكَفّ، وهو داخلُ مفاصلِ الأصابع.
(ودمُ السَّمكِ ليس بنجس[(4)]، ولعابُ البغل، والحمارِ لا ينجسُ(5) طاهراً(6))؛ لأنَّه مشكوك[(7)]، فالطَّاهرُ(8) لا تزولُ طهارتُه بالشَّكّ.
__________
(1) قوله: واعتبر… الخ؛ لما اختلفَ تفسيرُ الدرهمِ عن محمّد فتارَّة فسَّره بعرضِ الكفّ، وتارَّة بالمثقال، وهو عشرون قيراطاً، فوفَّقوا بينهما بأنّ التفسيرَ الأوّل إذا كان النجسُ مغلَّظاً رقيقاً، والثاني إذا كان كثيفاً، وهو ما تشاهدَ البصرُ ذاته لا أثره فقط.
(2) في أ و ف: واعتبر.
(3) سقطت من م.
(4) قوله: ليس بنجس؛ لأنَّه ليس بدمٍ حقيقة، بل رطوبةٌ مائيّة شبيهةٌ به، بدليل أنّ الدمَ إذا أصابته الشمسُ اسودَّ ودمُ السمكِ يبيض.
(5) في ف: يتنجس.
(6) في س: ظاهرا.
(7) قوله: لأنّه مشكوك؛ يعني إذا أصابُ الثوبُ والبدنُ لعابَ البغلِ والحمار تجوزُ الصلاةُ به؛ لأنَّه مشكوكٌ على مرَّ تحقيقه في بحثِ السؤر، والشكُ لا يزيلُ اليقين، فلا تزولُ به طهارةُ الثوب الثابتة باليقين.
(8) في م: والطاهر.
(2/177)
________________________________________
(وبولٌ انتضحَ مثلَ رؤوسُ الإبرِ[(1)] ليس بشيء، وماءٌ وَرَدَ [(2)] على نَجَس، نَجِسٌ كعكسِه): أي كما أنَّ الماءَ نَجَسٌ في عكسِه، وهو ورودُ النَّجاسةِ على الماء.
(لا رمادُ[(3)] قَذَر(4)، وملحٌ كان حماراً): أي لا يكونُ شيءٌ منهما نَجَساً، وفي رمادِ القَذْر خلافُ الشَّافِعِيِّ(5) - رضي الله عنه -.
(ويُصَلِّي على ثَوْبٍ بِطانتُهُ[(6)
__________
(1) قوله: مثل رؤوس الإبر؛ بكسر الهمزة، وفتح الباء الموحدة، جمع الإبرة وهي: المخيطُ الذي ينظمُ فيه الخيط، ويخاطُ به الثوب، يقال له بالفارسية: سوزن، والتقييدُ بالرَّأس يفيدُ أنّه لو أصابه بقدرِ الجانبِ الآخرِ يلزمُ غسله، ومن المشائخِ مَن قال: لا يعتبر الجانبان؛ دفعاً للحرج. كذا في ((فتح القدير)).
(2) قوله: وماء ورد؛ مبتدأ خبره: نجس الثاني وهو بكسر الجيم، والأوَّل بفتحها، ويجوز الكسر فيهما، يعني ما جرى على شيءٍ نجسٍ أو نجاسة نجس، كما أنّ الماءَ الواردَ عليه النجسِ نجس؛ لوجودِ الاختلاط بالنجاسة.
(3) قوله: لا رماداً؛ أي رماد القذر ليس بنجس، وكذا ملحٌ كان حماراً أو غيره من الحيوانات، فوقع في المملحة، فانقلبَ ملحاً طاهر، بشرط أن لا يكونَ نجس العين، وذلك لأنَّ انقلابَ العين يزيلُ وصف النجاسة، فإنّ زوالَ الذاتِ مستلزمٌ لزوال الوصف.
(4) المراد به العذرة والروث. كما في ((رد المحتار))(1: 217).
(5) ينظر: ((التنبيه))(1: 17)، ((المنهاج)) وشرحه ((مغني المحتاج))(1: 81)، فإن عبارتها تدل على خلاف الشافعي في مسألة رماد القذر، ومسألة ملح كان حماراً؛ لأنه لا يطهر نجس العين عندهم إلا خمر تخللت وجلد نجس بالموت فيطهر بدبغه.
(6) قوله: بطانته؛ بكسر الأوّل هو الطرفُ الداخلُ من الثوب، يعني إذا كان ذا وجهين أحدهما نجسٌ ففرشَه على الأرضِ وصلَّى على الطاهرِ جاز؛ لأنّه بالانفصالِ صار في حكمِ الثوبِ الآخر، بخلاف ما إذا كان أحدهما مخيطاً بالآخر، فإنّه في حكمِ شيءٍ واحد.

قوله بكسر الدال المهملة المهملة بينهما خاء معجمة ما يوسع به القميص من الشعب بالكسر يك بالشت اي شبر طولا وشبر عرضا مبتدأ خبره ليس بشيء اي ليس بشيء معتدل به مانع من الصلاة بفتح القاف وكسر الذال المعجمة المراد به النجس كالسرقين اسم مفعول من التضريب اي مخيطا عطف على قوله على ثوب.
(2/178)
________________________________________
](1) نجس): أي إذا لم يكنْ الثَّوبُ مُضَرَّباً(2).
(وعلى طرفِ بساطٍ طرفٌ آخرٌ منه نجسٌ(3) يتحرَّكُ أحدُهما بتحريكِ الآخر أو لا)، وإنِّما قال هذا احترازاً عن قول مَن قال: إنِّما يجوزُ الصَّلاة على الطَّرفِ الآخر إذا لم يتحركْ[(4)] أحدُ الطَّرفين بتحريكِ الآخر.
__________
(1) وهو الطرف الداخل من الثوب، يعني إذا كان ذا وجهين أحدهما نجس ففرشه على الأرض وصلى على الطاهر جاز؛ لأنه بالانفصال صار في حكم الآخر بخلاف ما إذا كان أحدهما مخيطاً بالآخر، فإنهما في حكم شيء واحد. كما في ((العمدة))(1: 140).
(2) الثوب مُضَرَّباً: أي مخطياً. كما في ((اللسان))(4: 2570).
(3) سواء كان كبيراً أو صغيراً؛ لأنه بمنْزلة الأرض، فيشترط فيه طهارة موضع الصلاة، فقيد الطرف اتفاقي. كما في ((فتح باب العناية))(1: 262).
(4) قوله: إذا لم يتحرَّك… الخ؛ فإنّه إذا تحرَّك بأن كان صغيراً صار الطرفان في حكمٍ واحد، فكأنّه صلَّى على نجس، ومَن لم يقيّد به استندَ بأنّ البساطَ كالأرضِ فتشترطُ فيه طهارةُ مكانِ الصلاة فحسب، ولا يقدحُ فيه نجاسةُ الطرفِ الآخر.
(2/179)
________________________________________
(وفي ثوبٍ ظَهَرَ فيه ندوةُ(1) ثوبٍ رطبٍ نجسٍ(2) لُفَّ[(3)] فيه، لا كما يقطرُ شيءٌ(4) لو عصر): أي ظَهَرَ[(5)] فيه النَّدوة بحيث لا يقطرُ الماءُ لو عصر، ( أو وضعَ[(6)
__________
(1) ندوة: بلَّة. كما في ((مختار))(ص653).
(2) العبارة في م: نجس رطب.
(3) قوله: لف؛ ضميرُ الفعل المجهول إلى الثوبِ الأوّل الطاهر، وضميرُ فيه إلى الثوبِ الرطبِ النجس.
(4) في ف: بشيء.
(5) قوله: أي ظهر؛ إشارة إلى أنّ قوله: لا كما يقطر، متعلّق بقوله: ظهر، وأنّ ضميرَ عصرَ راجعٌ إلى الثوبِ الطاهرِ الملفوف، والحاصلُ أنّه إذا لفّ ثوبٌ طاهرٌ في ثوبٍ نجسٍ مبتلٍّ، واكتسبَ الطاهرُ منه أثراً، فإن كان بحيثُ لو عصرَ تقاطرَ منه الماءُ حكمَ بنجاسته، ولا تجوز الصلاةُ فيه، وإن ظهرت بلَّتة ورطوبةٌ فيه من غير أن يسل منه شيء فلا يكون نجساً، وهذا هو الذي ذكره كثيرٌ من المشائخ، وقال في ((الخلاصة)): هو الأصحّ، وقيّده في ((فتح القدير)) بما إذا لم ينبعْ من الطاهر شيء عند عصره، فقد يحصلُ بلى الثوب وعصره نبعُ رؤوس صغارٍ ليست لها قوَّة السيلان، ثم ترجعُ إذا حلّ الثوب، ويبعد في مثله الحكم بالطهارة مع وجود المخالط حقيقة، ومن الفقهاءِ كصاحبِ البرهان، والشرنبلاليّ وغيرهما اعتبروا حالَ النجس فقالوا: إن كان بحيث لو عصرَ قطرَ تنجَّس الطاهرُ سواءً كان بهذه الحالة أو لا ،وإلا لا.
(6) قوله: أو وضع؛ عطف: على ظهر؛ أي يصلّي في ثوبٍ وضعَ حال كونه رطباً بفتحتين على ما طيَّن بصيغة مجهول من الطين، وهو مسحُ شيءٍ بالطين، وهو الترابُ المخلوطُ بالماء بطينٍ فيه سرقين؛ أي وضعَ الثوبَ على شيء كالجدار والسطح ونحوهما، وقد طيّن ذلك الشيءُ بطينٍ نجس ويبس؛ أي كان ذلك الطينُ يابساً أو ما طيّن به يابساً، فإن وضعَ الرطبَ على اليابسِ لا يكتسبُ في الرطبِ به في نفسِهِ صفةُ نجاسة إلا أثراً قد عفي عنه شرعاً، بخلاف ما إذا كان الطينُ أو ما طيّن به رطباً، فإنّه ينجَّس حينئذٍ ما وضعَ عليه رطباً، ويحتملُ أن يكون ضميره إلى الثوب؛ أي يبسَ الثوب على ذلك الطين، لكن يشترطُ فيه أن يكون الطينُ أيضاً يابساً عند الوضع.
(2/180)
________________________________________
] رطباً على ما طُيِّنَ بطينٍ فيه سرقين(1)، ويَبِس، أو تَنَجَّس طرفٌ منه، فَنَسِيه(2) وغَسلَ طرفاً آخر بلا تحرّ): أي لا يشترطُ[(3)] التَّحرِّي في غسلِ طرفٍ من الثَّوب.
__________
(1) السِّرقين: ما تدمل به الأرض، وقد سَرْقَنَها، وهو معرب، ويقال: السرجين. كما في ((اللسان))(3: 1999).
(2) في ب: فنسبه.
(3) قوله: أي لا يشترط؛ أشارَ به إلى أنّ المقصودَ عدمُ اشتراطِ التحرّي لا اشتراطَ عدمِ التحرّي، والحاصلُ أنّه إذا غسلَ طرفاً من ثوبٍ علمَ بيقينٍ أنّ طرفاً منه نجس، ولم يعلم به بعينه أو علم ثمَّ نسيه من غيرِ تحرٍ؛ أي طلب غلبة ظنّ حكمَ بطهارةِ الكلّ لأنّ بغسلِ طرفٍ حصلَ الشكّ في نجاسته كلّ طرف، فلا تثبتُ بالشك، ومنهم مَن قال: يجبُ عليه التحري، فإن غلبَ على ظنَّه شيء فذاك، وإلا فيغسلُ الكلّ، وفي هذا المقام أبحاثٌ موضعُ بسطها ((السعاية)).
(2/181)
________________________________________
(كحنطةٍ بالَ عليها حمرٌ[(1)] تدوسها فقُسِم(2)، أو وُهِبَ(3) بعضُها، فيطهرُ ما بقي)، اعلمْ أنَّه إذا وُهِبَ(4) بعضُها، أو قُسِمَتْ الحنطةُ يكون كلُّ واحدٍ من القسمين طاهرا، إذ يحتملُ كلُّ واحدٍ من القسمين أن يكونَ النَّجاسةُ في الآخر، فاعتبرَ[(5)] هذا الاحتمالُ في الطَّهارة؛ لمكان الضرورة.
فصل(6)
(و(7) الاستنجاءُ[(8)
__________
(1) قوله: حمر؛ بضمتين: جمع الحمار، خصّه بالذكر؛ لكون بولِه نجساً مغلَّظا اتِّفاقاً، فيعلمُ بحكمه حكم غيره بالطريقِ الأولى.
(2) في ص و ف و م: فغسل. قال ابن نجيم في ((الأشباه والنظائر))(ص193): وذكر بعضهم أن قسمة المثلى من المطهرات، فلو تنجس بُرّ فقسم طهر، وفي التحقيق لا يطهر وإنما جاز لكل الانتفاع بالشك فيها حتى لو جمع عادت. وينظر: ((نهاية المراد))(ص343).
(3) في ف و م: ذهب.
(4) في ف و م: ذهب.
(5) قوله: فاعتبر ذلك؛ لأنَّ الطهارةَ كانت ثابتةً يقيناً في المجموع، وثبت ضدّها؛ أي النجاسةُ أيضاً يقيناً في محلٍّ مجهول، فإذا قسّم ذلك المجموعُ وقعَ الشكّ في بقاءِ ذلك الضدّ في كلّ قسمٍ؛ لاحتمال ذهابه في الآخر، فوجبَ العملُ بما كان ثابتاً بيقين للكل.
(6) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(7) سقطت من أ و ج.
(8) قوله: الاستنجاء؛ هو لغة عبارةٌ عن مسحِ موضعِ النجود، وهو ما يخرجُ من البطن، وشرعاً: يستعملُ في إزالةِ نجسٍ عن أحد السبيلينِ بالحجرِ أو الماء.

الجملة وصف لثوب وكان ينبغي ان يقول ظهرت بضم النون وضم الدال وتشديد الواو الرطوبة بكسر السين المهملة والقاف بينهما راء مهملة ساكنة معرب سركين اي نسي صاحبه الطرف النجس حتى يغسل بعينه يقال واس الشيء برجله اي ضربه بها ووطيه وكذا اي اختلط بغيرها او بيع بعضها او اكل فان الحكم بنجاسة الكل غير صحيح وبنجاسة احد الاقسام لا على التعيين مؤدٍ الى التكليف بما ليس في وضعه مبتدأ خبره قوله سنة
(2/182)
________________________________________
](1) من كلِّ حدث): أي خارجٌ من أحد السَّبيلين، (غيرُ النَّوم[(2)]، والرِّيح)(3) ، فإن قلتَ: إنَّ قيَّدَ الحدثَ بالخارج من أحد السَّبيلين، فاستثناءُ النَّوم مستدرك، وإن لم يقيِّدْ به، ففي كلِّ حدثٍ غيرِ النَّوم والرِّيح يكونُ الاستنجاءُ سُنَّة، فيُسَّنُ(4) في الفصدِ ونحوِه، وليس كذلك[(5)].
__________
(1) الاستنجاء: طلب طهارة القبل والدبر ممايخرج منالبطن بالتراب أوالماء، وهو من النجو، والنجوة: الارتفاع من الأرض. كذا في ((طلبة الطلبة))(ص10).
(2) قوله: غير النوم والريح؛ فإنَّ بخروجِ الريح لا يكونُ على السبيلِ شيء، فلا يسنّ الاستنجاء منه، بل هو بدعةٌ كما في ((المجتبى))، والنومُ في نفسه ليس بحدثٍ ولا نجس، وإنّما جعلَ حدثاً لإقامتِهِ مقامَ الحدث؛ لاحتمالِ خروجِ الحدث فيه، فلا حدث هناك فلا إزالة.
(3) أي ونحوها من الفصد والإغماء والجنون والسكر مما ليس له جرم خارج من أحدهما كالريح، أو ليس مما خرج من أحد السبيلين كالباقي، فإن الاستنجاء منها بدعة. كما في ((فتح باب العناية))(1: 266).
(4) في ف: وسن، وفي م: يسن.
(5) قوله: وليس كذلك؛ فإنّ المسنونَ إنّما هو إزالةُ ما على السبيلين لا غير.
(2/183)
________________________________________
قلت[(1)](2): قيَّدَ(3) الحدثَ بالخارجِ من أحد السَّبيلين، واستثناء النَّوم غير مستدرك؛ لأنَّه من هذا القبيل؛ لأنَّ النَّوم إنِّما ينقض؛ لأنَّ فيه مظنَّةَ الخروجِ من السِّبيلين.
__________
(1) قوله: قلت؛ حاصله أنّا نختارُ الشقّ الأوّل وندفعُ استدراكَ استثناءِ النوم، بأنّ المرادَ بالحدث أعمّ من الحقيقيّ والتقديريّ، والنومُ وإن لم يكن حدثاً حقيقة، لكنَّه حدثٌ تقديراً، فيدخل النوم في الحدث، ويصحّ استثناؤه.
(2) حاصله إنا نختار الشق الأول وندفع استثناء النوم بأن المراد بالحدث أعم من الحقيقي والتقديري والنوم وإن لم يكن حدثاً حقيقة لكنه حدث تقديراً، فيدخل النوم في الحدث، ويصح استثناؤه. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 142).
(3) في أ و ص: يقيد، وفي ب: نقيد، وفي ف: تقيد.
(2/184)
________________________________________
(بنحو حجرٍ[(1)] يمسَحُهُ حتَّى ينقيه بلا عددٍ سُنَّة[(2)](3) ): أي ليس فيه عددٌ مسنونٌ[(4)] عندنا، خلافاً للشَّافِعِيِّ(5) - رضي الله عنه -، (يُدْبِرُ[(6)
__________
(1) قوله: بنحو حجر؛ متعلّق بالاستنجاء، والمرادُ به الحجر وما يكون في معناه، في كونه منقياً ومنشفاً وقالعاً كمدرٍ وترابٍ وخرقةِ ثوب، وخشبٍ وآجر، وغير ذلك.
(2) قوله: سنّة؛ أي مؤكَّدة؛ لثبوتِ مواظبةِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم برواياتٍ كثيرةٍ مرويَّةٍ في السننِ الأربعةِ والصحيحين وغيرها، كما بسطها العينيّ والزيلعيّ وغيرهما من شرَّاح ((الهداية)).
(3) بل مستحب؛ جمعاً بين الأدلة، كما في ((الدر المختار))(1: 225).
(4) قوله: أي ليس فيه عددٌ مسنون، يشير إلى أنّ قوله: بلا عددٍ متعلِّقٌ بقوله: سنة، يعني عندنا نفسُ الاستنجائ سنَّة مؤكَّدة من غيرِ عدد، حتى إذا حصلت التنقيةُ بواحدةٍ كفى، نعم هو مستحبّ، وسندنا في ذلك حديث: ((من استجمر ـ أي استنجى ـ فليوتر، فمن فعلَ فقد أحسن، ومَن لا فلا حرج))، أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد والبيهقيّ وغيرهم، وعند الشافعيّ التثليثُ سنّة، وهو الحقّ؛ لدلالةِ أكثرِ الأحاديث عليه، كحديث: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرُ بثلاثة أحجار))، أخرجه النسائيّ وابن ماجه وأبو داود وابن حبّان وغيرهم، وكحديث: ((وليستنجِ بثلاثة أحجار))، أخرجه البيهقيّ والدارقطنيّ، وفي الباب أخبارٌ كثيرة.
(5) ينظر: ((الزبد)) وشرحها ((مواهب الصمد))(ص24).
(6) قوله: يدبر؛ جملة مستأنفة، بيان لما هو الأفضلُ من كيفيَّة الاستنجاء، وهذا في الاستنجاء من الغائط، وذكرَ الزاهديّ كيفيّته من البول: أن يأخذه بشمالِهِ ويكره على جدارٍ أو حجرٍ أو مدر، وذكر الشرنبلاليّ أنّه يلزمُ الرجلَ الاستبراء حتى يزولَ أثرُ البولِ ويطمئنَّ قلبه أي بنحو مشي أو تنحنح أو غير ذلك، وفي ((المقدمة الغزنوية)): تفعل المرأة كما يفعل الرجل، إلا أنّه لا استبراءَ عليها، بل كما فرغت من البولِ أو الغائطِ تصبرٌ ساعةً لطيفةً ثمَّ تمسحُ قبلها ودُبرها بالماء ثمّ تستنجي بالأحجار.
(2/185)
________________________________________
] بالحَجَرِ الأَوَّل، ويُقْبِلُ بالثَّاني، ويُدْبِرُ[(1)] بالثَّالِثِ صيفاً، ويُقْبِلُ الرِّجلَ بالأَوَّل، ويُدْبِرَ بالثَّاني وبالثَّالث شتاءً)، الإدبار: الذَّهاب(2) إلى جانبِ الدُّبر، والإقبال: ضدُّه، ثُمَّ إن(3) في المسحِ إقبالاً وإدباراً مبالغةً في التَّنْقية، وفي الصَّيف يُدْبِرُ بالحَجَر الأَوَّل(4)، [ويُقْبِلُ بالثَّاني](5)؛ لأنَّ الخصيةَ في الصَّيف مدلاة[(6)
__________
(1) قوله: مبالغة؛ إشارةٌ إلى أنّ اختيارَ هذه الكيفيَّة لحصولِ التنقية التامّةِ بها، وإلا فلو أقبلَ بالكلّ أو أدبر بالكلّ أجزاه.
(2) في أ و ب و س: الاذهاب.
(3) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب و م.
(4) في زيادة: ويدبر بالثاني.
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(6) قوله: مدلاة؛ أي مرسلة مائلة إلى أسفل، يقال: أدلى الدلو في البئر: إذا أرسلها في البئر، والحاصلُ أنّ الأنثيين في أيّام الصيفِ تكونُ مرسلةً إلى تحت بسببِ الحرارة، وتبلغ قريبَ المخرج، فإن أقبل بالحجرِ الأوّل يحتمل أن تتلوَّث الخصيةُ بالنجاسةِ التي في الحجر، فلذا كان الأولى للرجلِ أن يدبرَ بالأوّل ثمَّ يقبل، فإنّ احتمالَ التلويث في المرَّة الثانيةِ ضعيف؛ لقلَّةِ النجاسة، وذهابُ أكثرها بالحجرِ الأوّل، فاندفع بهذا ما يقال: إنّ احتمالَ التلويث قائمٌ في كلّ مرَّة، فينبغي أن لا يقبلَ مطلقاً، وأمّا الحجرُ الثالث فإنّما يدبرُ بها مبالغةً في النظافة، وقلعاً للنجاسةِ على التمام، وهذا كلّه في الصيف، وأمّا في الشتاءِ فيقبلُ بالحجر الأوّل لأن إذهابه من جانبِ الدبرِ إلى القبلِ أبلغُ في التنقيةِ من إذهابه من القبلِ إلى الدبر، واختيارُ الأبلغِ أولى في المرَّة الأولى لكثرةِ النجاسة فيها، وإنّما تركَ ذلك في الصيف؛ لكونِ احتمالِ تلوّث الخصية موجوداً بسبب كونها مدلاة، وهو مفقودٌ في الشتاء، فإنّ الخصيةَ فيه تكون متكاثفةً صاعدةً إلى فوق، مرتفعةً عن محاذاةِ المخرج، فإذا فرغَ من الأوّل أدبرَ بالثاني، وأقبل بالثالث؛ لأنَّ في اختلافِ جهاتِ الابتداء والانتهاء مع التثليثِ تحصلُ التنقيةُ على التمام والكمال.
(2/186)
________________________________________
]، فلا يُقْبِلُ احترازاً عن تلويثِها، ثُمَّ يُقْبِل، ثُمَّ يُدْبِرُ مبالغةً في التَّنظيف، وفي الشِّتاءِ غيرُ مدلاةً فيقبلُ بالأَوَّل؛ لأنَّ الأقبالَ أبلغُ في التَّنقية، ثُمَّ يُدْبِر، ثُمَّ يُقْبِلُ للمبالغة، وإنِّما قَيَّدَ[(1)] بالرَّجل؛ لأنَّ المرأة تُدْبِرُ بالأَوَّل أبداً؛ لئلا يتلوَّثَ فرجُها، والصَّيفُ والشِّتاء في ذلك سواء.
__________
(1) قوله: وإنّما قيّد به؛ يعني أطلقَ المصنّف الحكمَ الأوّل، وقيَّد الثاني بالرَّجل، فأفاد أنَّ المرأة تدبرُ بالأوّل مطلقاً سواءً كان الزمانً صيفاً أو شتاء؛ لأنَّ فرجها ليس بينه وبين مخرجها حاجز ففي الإقبالِ يلزم تلوّث فرجها؛ أي اختلاطها بالنجاسة، وحفظُ الأعضاءِ عن النجاسةِ مهتمّ به شرعاً ما أمكن، فلذا شرعَ لها مطلقاً أن تدبرَ بالأوّل ثمّ تقبل بالثاني؛ لضعفِ ذلك الاحتمالِ في المرَّة الثانية، ثمَّ تدبرُ بالثالثِ مبالغةً في التنقية.
(2/187)
________________________________________
(وغسلُهُ[(1)](2) بعد الحجرِ أدب[(3)
__________
(1) قوله: غسله؛ أي المخرج؛ أي الدبر، سواءً كان بالماءِ المطلق أو بغيره من المائعات المزيلة، فإنّ كلاً منها يطهرُ به في النجاسةَ الحقيقية إلا أنّه يكرهُ بغير الماء؛ لأنَّ فيه إضاعةَ المال. كذا في ((حلية المحلي)).
(2) والغسل بالماء إلى أن يقع في قلبه أنه طهر ما لم يكن موسوساً فيقدر بثلاث، هذا هو الصحيح، وقيل: يشترط الصب ثلاثاً، وقيل: سبعاً، وقيل: عشراً، وقيل: في الأحيليل ثلاثاً وفي المقعدة خمساً. كما في ((رد المحتار))(1: 225).
(3) قوله: أدب؛ أي مستحبّ ليس بفرضٍ ولا سنَّة مؤكّدة؛ لقوله تعالى: {فيه رجال يحبّون أن يطهروا}، نزلت في أهلِ مسجد قباء، وكانوا يتطهَّرون أوّلاً بالحجر ثمَّ بالماء؛ أي بعد الفراغِ من الغائط؛ أخرجه أبو داود والترمذيّ وابن ماجه وابن أبي شيبة وأحمد وغيرهم، على ما فصَّلنا ذلك في ((مذيلة الدراية لمقدمة الهداية))، دلَّت هذه الآيةُ على أنّ الجمعَ بين الماءِ والحجرِ أمرٌ حسن، وأنّ الحجرَ وحده كافٍ، فإنّه لو كان الغسلُ بالماءِ أمراً ضرورياً لما مدحوا بهذا العنوان، والحقّ أنّ الجمعَ بين الحجرِ والماء سنَّة مؤكَّدة، وبه يفتى، كما في ((فتح القدير)) و((الدر المختار)) وغيرهما، والاكتفاءُ بكلٍّ منهما كافٍ، أمّا كفايةُ الماءِ فظاهر، فإنّه خلقَ طهوراً مزيلاً للنجاسة، وأمّا كفايةَ الحجرِ فلحديث: ((إذا ذهبَ أحدكم إلى الغائطِ فليذهب منه بثلاثة أحجار، فإنّها تجزئ عنه))، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائيّ وابن ماجةَ والدارقطنيّ، وصحّحه، وأمّا استنان الجمع فلما علمَ برواياتٍ كثيرةٍ أنّه كانت عادةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ففي ((سنن ابن ماجه)) عن عائشة رضي الله عنهم: ما ما رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجَ قطّ من غايةِ إلا مسَّ ماءً))، وفي الصحيحين عن أنس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخلً الخلاءَ فأحملُ أنا وغلامٌ معي أداوةٍ من ماء، فيستنجي بالماء))، وفي ((جامع الترمذي)) و((مسند أحمد))، و((سنن البيهقي))، و((مسند البزار))، و((مصنف ابن أبي شيبة)) وغيرها: عن عائشة رضي الله عنهم قالت للنساء: مرن أزواجكنّ أن يغتسلوا أثرَ الغائط والبول بالماء، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله، وأنا أستحي منهم))، هذا كلّه في الغائط، وأمّا في البولِ فالغسلُ بالماء ثابتٌ بهذه الرواية، وأمّا استعمالُ الحجرِ فيه فلم أطَّلع على حديثٍ صريحٍ يدلّ عليه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فعله، نعم يفهمُ ذلك من رواية ابن ماجه التي ذكرناها آنفا، فإنّه يعلمُ منه أنّ موضع استنجائه صلى الله عليه وسلم كان غيرُ موضعِ قضاءِ حاجته، وكان يكتفي هناك على الأحجار، ويغسلُ في موضعٍ آخرَ مخرجَ الغائطِ والبول، ويعلم منه أنّه كان يستعملُ بعد البول أيضاً حجراً أو تراباً ونحو ذلك، وإلا لزمَ تزايدَ النجاسة، نعم ثبت ذلكَ صريحاً عن عمر رض أنّه كان يبولُ ويمسحُ ذكره بحجرٍ أو تراب، ثمّ يمسّه الماء، أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه))، وأبو نعيم في ((الحلية))، والطبرانيّ في ((الأوسط)).
(2/188)
________________________________________
]، فيغسلُ[(1)] يديه، ثُمَّ يُرْخي المخرجَ بمبالغةٍ ويغسلُه[(2)] ببطنِ أُصْبَع، أو أُصْبَعين[(3)
__________
(1) قوله: فيغسل؛ شروعٌ في كيفيّة الغسل، وتقديمُ غسلِ اليدين إلى الرسغ مستحبّ احتياطاً ليزولَ به احتمالُ كونهما نجستين، فيخلّ بإزالةِ النجاسة، وأمّا غسلُ اليدين بعد الفراغ من غسل المخرجِ فواجب لتطهيرها؛ لأنهما تنجسان بالاستنجاء، وقيل: بطهارةِ المغسول تطهيرُ اليد، فلا يجبُ غسلهما، والأصحّ أنَّ غسلَ اليدين بعد الفراغ من الاستنجاء سنَّة كما مرَّ في بحث سنن الوضوء.
(2) قوله: ويغسله؛ قيل: يشترطُ الصبّ ثلاثاً، وقيل: سبعاً، وقيل: عشراً، وقيل: في الإحليلِ ثلاثاً، وفي المقعدة: خمساً، والأصحّ أنّه لا يقدَّر بشيءٍ بل يغسله إلى أن يقعَ في قلبه أنّه طهر. كذا في ((الخلاصة)) وغيرها، ويشترطُ إزالةُ الرائحةِ عن اليدِ وعن المخرجِ إلا إذا عجز. كذا في ((الدر المختار)).
(3) قوله: ببطن إصبع أو إصبعين… الخ؛ فيه إشارةٌ إلى أن لا يغسلَ بالظهر ولا برؤوسِ الأصابع؛ لأنَّ الغسلَ بالبطونِ أبلغُ في التنقية، وأن لا يرتكبَ ما لا يحتاج إليه، فإن كان الغسلُ بالواحدِ والاثنين كافياً اكتفى به، ولا يختارُ الثلاث: الخنصر والبنصر والوسطى، ولا يغسل بالمسبِّحة لشرافتها، ولا بالكفّ؛ لعدمِ الحاجةِ إليه.

اي يرسل قوة نفسه مخرج الغائط للمبالغة ليزول ما في داخله ايضا.
(2/189)
________________________________________
]، أو ثلاثٍ لا برؤسِها، ثُمَّ يَغْسِلُ يديه ثانياً، ويَجِبُ الغَسْلُ(1) في نَجَسٍ جاوزَ المخرجَ(2) أكثرَ من درهم)، هذا مذهبُ[(3)](4) أبي حنيفة، وأبي يوسفَ - رضي الله عنه -، وهو أن يكونَ ما تجاوزَ أكثر من قدر(5) درهم(6)، وعند محمَّد - رضي الله عنه - يُعْتَبَرُ[(7)] ما تجاوز(8) المخرج(9) مع موضعِ الاستنجاء(10).
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(2) لأن ما على المخرج ساقط شرعاً، وإن كثير، ولهذا لا تكره الصلاة معه. كما في ((الدر المختار))(1: 226).
(3) قوله: هذا مذهب… الخ؛ لما كان المسحُ بالحجرِ غير مزيلٍ ومطهرٍ وإنّما هو منشِّفٌ ومقلّل، وقد وردَ الشرعُ بكفايته في موضعِ الاستنجاء للضرورة، فيجب أن لا يكفي في نجاسةِ تجاوزت عنه؛ لأنَّ الثابتَ بالضرورةِ يتقدَّر بقدرها، بل يجبُ الغسلُ كما في سائر النجاساتِ الحقيقيّة، وهذا اتِّفاقيّ، وإنّما الخلافُ في تعيين المقدارِ المانع، فعندهما يعتبرُ ذلك ما وراء موضع الاستنجاء بسقوطِ اعتبارِ ذلك الموضع، وعند محمَّد رح يدخلُ موضع الاستنجاء فيه.
(4) في س: فذهب.
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ و ب.
(6) لأن ما على المخرج إنما اكتفي منه بغي رالغسل للضرور، ولا ضرورة في المجاوز. كما في ((فتح باب العناية))(1: 273)، وقولهما هو الصحيح، كما في ((رد المحتار))(1: 226).
(7) قوله: يعتبر… الخ؛ فإن كان ما جاوزه أقلّ من درهمٍ أو بقدره لكن يكون أكثرُ من قدرِ الدرهم إن ضمّ معه موضعَ الاستنجاءِ وجبَ غسلَه عند محمَّدٍ لا عندهما.
(8) في م: يتجاوز.
(9) غير موجودة في النسخ، وموجودة في أ.
(10) بناءً على أن ما على المخرج في حكم الظاهر عنده، فلا يسقط اعتباره ويضم؛ لأنالعفو عنه لا يستلزم كونه من في حكم الباطن. كما في ((رد المحتار))(1: 226).
(2/190)
________________________________________
(ولا يستنجي بعظم، وروث(1)، وطعام(2)، ويمين[(3)]، وكُرِهَ(4) استقبالُ[(5)] القبلةِ واستدبارُها في الخلاء) ولا يختلفُ هذا عندنا[(6)
__________
(1) لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان يحمل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: ((من هذا، فقال: أنا أبو هريرة، فقال: ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة، قال: هما من طعام الجنِّ ...)) في ((صحيح البخاري)) (3: 1401).
(2) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ب و س و م. والعبارة في م: وطعام وروث.
(3) قوله: ولا يستنجي بعظمٍ وروثٍ ويمين؛ لأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستنجاءِ باليد اليمنى، أخرجه أصحابُ السننِ والصحيحين وغيرهما، والفقه فيه أنّ اليمينَ أشرفُ فلا ينبغي أن يدنس بمكروه، ولذا شرعَ كلّ ما كانَ من باب الآدابِ والكراهةِ باليمين، وكلّ ما كان خلافه بالشمال، ونهى أيضاً عن الاستنجاءِ بالعظمِ والروث: بفتح الراء المهملة: غائطُ الحيوانات، أخرجه الشيخان، وأصحابُ السنن، والفقه فيه أنّ الروثَ نجسٌ فلا يستعملُ في بابِ التطهير، والعظمُ زادُ الجنَّة وغذاؤهم، فلا يتلوَّث بالنجاسة، وكذا يكره بالآجرُّ والزجاجِ وخرقةِ ديباجٍ ونحوه من الأشياءِ المحترمة، وبورقِ الشجرةِ والقرطاس، كما في ((تنوير الأبصار)) و((السراج الوهاج)).
(4) أي تحريماً. كما في ((الدر المختار))(1: 228).
(5) قوله: استقبال؛ أي الجلوسُ مستقبلاً لجهة القبلة، أو مستدبراً؛ أي لغائط أو بولٍ، فإن جلسَ إليها مستقبلاً أو مستدبراً للاستنجاءِ لم يكره تحريماً، إلا أنَّ تركه أدب. كذا في شروح ((المنية)).
(6) قوله: عندنا؛ احترازٌ عن مذهبِ الشافعيّ وغيرِه أنّه لا يكرهُ في البنيان، كما أخرجه البخاريّ ومسلم عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهم أنّه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبراً لقبلته، ونحن نستدلّ بإطلاقِهِ صلى الله عليه وسلم: ((إذا ذهبَ أحدكم إلى الغائطِ فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائطٍ أو بول))، أخرجه أصحابُ السننِ الأربعة، ونقول: عند التعارضِ القولُ مقدَّم على الفعل، والفقهُ أيضاً مؤيّد لنا كما حقَّقناه في ((التعليق الممجّد على موطأ محمّد))، وزيادةُ البسطِ مفوَّضةٌ إلى ((السعاية)).
(2/191)
________________________________________
] في البنيان، والصحراء. [والله أعلم](1).
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ج و ف.
(2/192)
________________________________________
كتابُ الصَّلاة[(1)]
(الوقتُ للفجرِ[(2)](3) من الصُّبْح(4) المعترضِ(5) إلى طلوعِ ذُكاء)(6)، احترزَ[(7)] بالمعترضِ(8) عن المستطيل، وهو الصُّبْحُ الكاذب(9)
__________
(1) قوله: كتاب الصلاة؛ أي هذا كتاب في أحكامِ الصلاة وما يتعلَّق بها، وتقديمها على سائر الأركان؛ لكونها أفضلها وأهمها.
(2) قوله: الوقت للفجر؛ لمَّا كان الوقت سبباً لوجوبِ الصلاة على ما تقرَّر في كتبِ الأصولِ قدَّم مباحثه على سائرِ مباحث الصلاة، وقدَّم وقتَ الفجر؛ لأنَّه أوّل صلاةٍ في النهارِ وبعد الاستيقاظ، وفي المقامِ نكاتٍ ولطائف موضعُ بسطها ((السعاية)).
(3) في ف: المعجز.
(4) في س زيادة: في الأفق.
(5) أي المنتشر في الأفق يمنة ويسرى، وهو الصبح الثاني، ويسمَّى بالصبح الصادق؛ لأنه أصدق ظهوراً من المستطيل، ويسمى الصبح الأول؛ لأنه أول نور يظهر كذنب السرحان؛ لدقته واستطالته، ولأن الضوء في أعلاه دون أسفله، وبالصبح الكاذب؛ لأنه يعقبه ظلمة. كما في ((حاشية الطحطاوي على الدر المختار))(1: 173).
(6) ذُكاء: بالضم غير مصروف، اسم للشمس غير معرفة لا تدخلها الألف واللام، تقول: هذه ذكاء طالعة. كما في ((الصحاح))(1: 442).
(7) قوله: احترز؛ اعلم أنّ الصبحَ صبحان: فالأوّل يقال له: الصبح الكاذب؛ وهو البياض الذي يبدو طويلاً في السماء من أفقه إلى الأعالي كذنب الذئب ثم يعقبه ظلام، ثم يعقبه ضوء معترض؛ أي منتشرٌ في أطرافِ السماء المشرقيّة، ويزدادُ شيئاً فشيئاً، قال النبيَّ صلى الله عليه وسلم: ((لا يغرنَّكم الفجرُ المستطيل، وإنّما الفجر المستطير في الأفق))، أخرجه مسلم وغيره.
(8) في ف: المعترف.
(9) لحديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يغرنَّكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير ـ أي ينتشر وينبسط ـ هكذا))، وحكاه حماد: بيديه، قال: يعني معترضا. في ((صحيح مسلم))(2: 770) واللفظ له، و((صحيح ابن خزيمة))(3: 210)، و((جامع الترمذي))(3: 86).
(2/193)
________________________________________
.
(وللظُّهْرِ من زوالِها إلى بلوغِ ظلِّ كُلِّ شيءٍ مثيله سوى فَيءِ الزَّوال(1) ) لا بُدَّ ها هنا من معرفةِ وقتِ الزَّوال، وفيء الزَّوال، وطريقُهُ[(2)](3) أن
__________
(1) فيء الزوال هو الظلّ الذي يكون للأشياء وقت زوال الشمس. كما في ((فتح باب العناية))(1: 177).
(2) قوله: وطريقه؛ أي طريقةُ عرفانِ الزوال، وفيء الزوال أن يجعلَ موضعٌ من الأرضِ مستوياً بحيث لم يبقَ فيه ارتفاعٌ ولا انخفاض، وإنّما اشترطَ هذا لأنَّ استقامةَ الظلّ لا يحصل إلا بها، وامتحان تسويةِ الأرض طرق، منها: احد أن يصبَّ الماءَ هناك، فإن سال إلى جميعِ الجهات على السويَّة والمعيَّة فهو مستوٍ، وإن سال إلى بعض الأطرافِ بسرعة أو أكثر من الجانبِ الآخر علم أنّه منخفض؛ لأنَّ الماءَ بطبعه مائلٌ إلى المواضعِ المنخفضة، فيزالُ انخفاضُه ويسوّى، ومنها: أن يوضعَ شيءٌ مزحزح؛ أي متحرَّك كالزئبق، أو متدحرجٌ كالبندقة، فإن قامَ متحرجاً أو متدحرجاً علم أنّه مستوٍ، وإن مال إلى جانب علمَ أنّه غير مستوٍ، ومنها: أن يمتحنَ ذلك ببعضِ موازينِ المقنَّيين؛ من التقنية، وهم الذين يحضرون القناة، ويقال له بالفارسية: كاريز، وموازينهم آلاتهم التي يجرّبون بها تسويةَ الأرض وعدمها كالكونيا بضم الكاف الفارسية، وهو مثلَّثٌ متساوي الساقين يجعلُ في منتصفِ قاعدته علامة، ويعلَّق من رأسه وهو ملتقى الساقين شيءٌ ثقيل يسمَّى بالشاقول، فإن كانت الأرضُ بحيث إذا أديرت القاعدةُ عليها إلى أي جهةٍ كانت وقعَ الشاقول على العلامةِ فهي مستوية، وإلا لا، وذلك لأنَّه تقرَّر في مقرَّه أنّ جميعَ الأثقالِ مائلةٌ بالطبعِ إلى مركز العالم على سمتِ أعمدة، وخطّ الشاقولُ عمودٌ على سطح قاعدة الكَونيا، وسطحُ قاعدته موازية على ذلك السطح المستوي، فيكون عموداً عليه أيضاً، فإن وقعَ الشاقول على المنتصفِ علم أنّه مستوي، وإن مالَ يميناً أو شمالاً علمَ أنّه منخفضٌ ومرتفع.
(3) في س: طريقة.
(2/194)
________________________________________
تسوي(1) الأرضَ بحيث لا يكون بعضُ جوانبِها مُرْتفِعاً وبعضُها منخفضاً: إمِّا بصبِّ الماء، أو بنصبِ موازينِ المقننين(2)، وترسمُ[(3)] عليها دائرة، وتسمَّى بالدَّائرةِ الهنديَّة[(4)](5)، وينصبُ[(6)
__________
(1) في ف: تستوي، وفي ص و م: يسوى.
(2) وهو الذين يحفرون القناة، وموازينهم آلاتهم يعرفون بها تسوية الأرض وعدمها، فمنها الشاقول. كذا في ((ذخيرة العقبى))(1: 144).
(3) قوله: وترسم عليها؛ أي تلك الأرض المسواة على أيّ مركزٍ كان دائرة، وهي عبارةٌ عن سطح أحاطه خطّ مستديرٌ إحاطةً تامَّة، في وسطِهِ نقطةُ تتساوى جميع الخطوط المخرجةُ منها إليه، ويسمّى ذلك الخطّ محيطَ الدائرة، وكثيراً ما تطلقُ عليه الدائرة، وتلك النقطةُ يسمّى مركزها، ويشترط في رسمِ هذه الدائرةِ أن لا تبلغَ إلى أطرافِ القدر المسوّى؛ ليعرفَ يقيناً أنَّ الدائرةَ وقعت في السطح الموزون، فيعرف به دخولُ الظلّ وخروجه من غير اشتباهٍ، وأوّل مَن استخرجَ هذه الدائرة وبنى الأحكامَ عليها حكماءُ الهند، ولذا سمِّيت بالدائرة الهنديّة.
(5) لأن أول من استخرج هذه الدائرة وبنى الأحكام عليها حكماء الهند؛ لذا سميت بالدائرة الهندية. كما في ((العمدة))(1: 145).
(6) قوله: وينصب؛ أي يقامُ على موضعِ مركزِ تلك الدائرة مقياس، وهو بالكسرِ لغة: المقدار، واصطلاحاً: شاخصٌ مرتفعٌ يعرفُ به الظلّ، ويشترط فيه أمور، منها: أن يكون بكشلِ المخروط، ومنهما: أن يكون معتدلاً بين الرقَّة والغلظ، ومنها: أن يكون له ثقلٌ صالح؛ ليثبتَ في موضعه كأن يكون مصنوعاً من نحاسٍ أو حديد، ومنها: أن يكون طولُهُ بمقدارِ ربعِ قطر تلك الدائرة، وهو عبارةٌ عن خطٍّ مستقيمٍ خارجٌ من مركز الدائرة إلى محيطها من الجانبين، وإنّما اشترطَ هذا مع أنَّ الواجبَ أن يكون بمقدارٍ يكون ظلّه أقصرُ من نصفِ قطرِ الدائرة؛ لتمييز دخولِهِ وخروجه؛ لأنَّ وجودَ الفيء في أكثرِ الأقاليم لا يتصوَّر إلا فيه، كما هو مفصَّل في كتب علم الهيئة.
قوله: الدائرة الهندية؛ فصورتها هكذا
(2/195)
________________________________________
] في مركزِها مِقياسٌ قائمٌ بأن يكون[(1)] بُعْدُ رأسِهِ عن ثلاثِ نُقَطِ من محيطِ الدَّائرةِ متساوياً(2)، ولتكن(3) قامتُهُ بمقدارِ رُبْعِ قطر الدَّائرة(4).
__________
(1) قوله: بأن يكون؛ فإنّه إذا صارَ بعده عن ثلاث نقطٍ من نقطِ المحيط التي في ثلاث جوانبِ الدائرة متساوياً كان البعدُ متساوياً من جميع الجهات، فيعلم أنّه قائمٌ على الاستقامة من دون ميلان.
(2) وذلك لتأكد من أن المقياس قائمٌ، فإنه إذا بعده عن ثلاث نقط من نقط المحيط التي في ثلاث جوانب الدائرة متساوياً، كان البعد متساوياً من جميع الجهات، فيعلم انه قائم على الاستقامة دون ميلان. كذا في ((ذخيرة العقبى))(ص71).
(3) في ف و م: ولكن، وفي ص: وليكن.
(4) إنما اشترط هذا مع أن الواجب أن يكون بمقدار يكون ظله أقصر من نصف قطر الدائرة لتمييز دخوله وخروجه؛ لأن وجود الفيء في أكثر الأقاليم لا يتصور إلا فيه. كما في ((العمدة))(1: 145).
(2/196)
________________________________________
فرأسُ ظلِّه[(1)] في أوائلِ النَّهار خارجٌ عن الدَّائرة، لكنَّ الظِّلَّ ينقصُ[(2)
__________
(1) قوله: فرأس ظلَّه؛ أي ينتهي ظلّ ذلك المقياس، ورأسُهُ الفاصلُ بين الظلّ والضوء في أوّل النهار، أي عند طلوع الشمس يكون خارجَ تلك الدائرة، وتوضيحُهُ أنّ الظلَّ قد يؤخذُ من مقياسٍ قائمٌ عموداً على سطحِ الأفق، ويسمّى الظلّ الثاني والمستوي والمبسوط، وهذا هو المستعملُ في معرفةِ الأوقات، وقد يؤخذُ من مقياسٍ منصوبٍ على موازاةِ سطح الأفق، عموداً على سطحٍ قائمٍ على دائرتي الأفق والارتفاع، مواجهاً رأسه نحو الشمس، كوتد قائمٍ على لوح، يتحرَّك بحسبِ حركةِ دائرة الارتفاع، بحيث يقوم عليها أبداً، ويسمّى هذا الظلّ ظلاً؛ لأنَّ أوّل حدوثه في أوّل النهارِ ومعكوسا ومنكوساً؛ لكونِ رأسه إلى تحت، ومنصباً لكونه قائماً على الأفق، فعند طلوع الشمس يبتديء الظلُّ الأوّل، ويكون الظلّ الثاني في نهايةِ طوله، ثمّ لا يزالُ يتزايدُ الأوّل شيئاً فشيئاً بحسبِ ارتفاعِ الشمسِ من الأفق، ويتناقصُ الثاني كذلك، بحيث يكون الأوّل لكلّ ارتفاعٍ كالثاني، لتمامِ الارتفاع، وبالعكس، مثلاً إذا فرضَ ارتفاعَ الشمسِ عشرينَ درجة، فالظلّ الأوّل المعكوسُ يكون بقدرِ الظلّ الثاني المستوي لارتفاع سبعين، والظلّ الثاني لارتفاع عشرين يكون مثلُ الظلّ الأوّل لارتفاع سبعين، فيتساوى الظلّ الأوّل والثاني في ثمن الدور.
(2) قوله: ينقص؛ أي ظلّ ذلك المقياس يصيرُ ناقصاً و قصيراً كلَّما ارتفعت الشمسُ إلى أن يدخلَ رأسه في تلك الدائرة الهندية.
(2/197)
________________________________________
] إلى أن يدخلَ في الدَّائرة، فتضعُ[(1)] علامةً على مدخلِ الظِّلِ من محيطِ الدَّائرة، ولا شَكَّ أن الظِّلَّ ينقصُ إلى حدٍّ ما[(2)](3)، ثُمَّ يزيدُ[(4)] إلى أن ينتهي إلى محيطِ الدَّائرة، ثُمَّ يخرجُ منها، وذلك بعد نصفِ النَّهار، فتضعُ علامةً على مخرجِ الظِّلّ، فَتُنَصِّفُ(5) القوسَ[(6)
__________
(1) قوله: فتضع؛ أي يجعلُ علامة على موضعِ دخول الظلّ عند وصوله إلى محيطها للدخولِ فيها
من جانب المغرب قبل نصفِ النهار.
(2) قوله: إلى حدّ ما؛ فإنّ الظلّ لا يزالُ ينتقصُ ويقصر طولاً حسب ارتفاعِ الشمس إلى أن تصلَ الشمسُ إلى دائرةِ نصف النهار، وهي دائرة منصفةٌ للفلكِ على نصفين، شرقيّ وغربيّ، مارَّةً شمالاً وجنوباً على قطبيّ العالم، وسمت الرأسِ والقدمِ وحينئذٍ ينعدمُ الظلّ بالكليَّة إن وصلت الشمسُ على سمتِ الرأس، ثم يبدو منه شيءٌ من جانب المشرقِ عند زوال الشمس عنها؛ أي ميلانها عنها إلى المغرب، وإن لم تصلْ إلى سمت الرأسِ بل تكون مائلةً عنه إلى الجنوبِ مثلاً، كما في أكثرِ بلاد الهند والسند، بل أكثر البلادِ المعمورة يبقى قدرُ من الظلّ عند ذلك، ثمَّ عند زوال الشمس عن تلك الدائرةِ يشرعُ في الزيادة.
(3) في م: حدها.
(4) قوله: ثمّ يزيد؛ أي بعدَ وصولِهِ إلى حدّ لا ينقصُ منه يشرعُ في الزيادة، فكلَّما انحطَّت الشمسُ من نصفِ النهار إلى جانب المغرب طالَ ذلك الظلّ إلى الشرق، ولا يزالُ كذلك حتى ينتهيَ إلى محيطِ الدائرة الهنديّة، ثم يخرجُ منها، ولا يزال يطولُ إلى أن يغرب الشمس.
(5) في ب و س و ف: فينصف.
(6) قوله: القوس؛ هو عبارةٌ عن قطعةِ محيط الدائرة، يعني إذا وضعت علامةٌ على مدخلِ الظلّ من جانبِ الغرب، وعلى مخرجِ الظلّ من جانب الشرق، فيكون قوسان من قسي محيط الدائرةِ الهنديَّة محصورين بينهما بالضرورة؛ أحدهما أصغرُ من النصف، والآخرُ أكبرُ من النصف، فننصفُ القوسَ التي بينهما؛ أيّ قوسٍ كان منهما؛ أي تقطع بقطعتين متساويتين.
(2/198)
________________________________________
] التي(1) ما(2) بين مدخلِ الظِّلِّ ومخرجِه، وترسمُ خطاً مستقيماً[(3)] من متنصفِ القوسِ إلى مركزِ الدَّائرة[(4)]، مُخْرَجاً إلى الطَّرف الآخرِ من المحيط، فهذا الخط، هو خطُّ نصفِ النَّهار[(5)]، فإذا كان ظلُّ المقياسِ على هذا الخطّ، فهو[(6)
__________
(1) في م: الذي.
(2) سقطت من ص و ف و م.
(3) قوله: خطّاً مستقيماً؛ هو الخطّ الذي يكون وضعُهُ بحيث يتقابل؛ أي نقطةٍ تفرضُ عليه بعضها لبعض؛ أي لا يكون بعضهما مرتفعاً، وبعضها منخفضاً، وما لا يكون كذلك يسمّى خطاً منحنياً، ومنه محيطُ الدائرة.
(4) قوله: إلى مركزِ الدائرة؛ يعني ترسمُ خطاً مستقيماً من منتصف تلك القوس، منتهياً إلى مركز الدائرة الهنديَّة مخرجاً إلى الطرفِ الآخر المقابل لمبدأ ذلك الخط.
(5) قوله: هو خطّ نصف النهار؛ سمّي به؛ لأنّه في سطح دائرة نصف النهار، أو لأنّه إذا وصلَ الظلّ عليه ينتصفُ النهار، وذلك لأنَّ الظلّ أبداً يكون في سطحِ دائرة الارتفاع، والدائرةُ الهنديّةُ مركزها مركزُ الأفق الحسيّ، فمخرجُ الظلّ ومدخلُهُ يكون بمنْزلةِ تقاطع دائرتي الارتفاع والأفق، وهذا التقاطعُ يسمَّى نقطةُ السمت، وبعدا نقطتي السمتِ عن نقطتي الشمالِ والجنوب، وهما نقطتا تقاطعِ نصف النهار والأفق متساويان، فمنتصفا القوس التي بين مدخلِ الظلِ ومخرجِهِ بمنْزلةِ نقطتي الشمال والجنوب، فإذا نصفّت تلك القوسُ وأخرج من منتصفه خطّ مستقيم، وقعَ ذلك الخطّ تحت دائرةِ نصف النهار لا محالة، ودلائلُ هذه المقدِّمات واضحة لمَن له مهارة ٌفي علم الهيأة.
(6) قوله: فهو؛ أي فذلك الوقتُ وقتُ نصف النهار، فإنّه إذا كان ذلك الخطُّ في سطحِ دائرةِ نصف النهار، فإذا وصلَ الظلّ إليه علمَ أنّ الشمسَ وصلت إلى دائرةِ نصف النهار، فيكون ذلك الوقتُ وقت نصف النهار، واعلم أنّه قد يستخرج خطّ مستقيمٌ آخر من منتصفي القوسين اللتين تميَّزتا بخطِ نصف النهار مار بمركز الدائرة، ويسمّى خط الاعتدال، وخطّ المشرق والمغرب، فتنقسمُ الدائرةُ بهذين الخطين أربعةٌ أقسامٍ متساوية، ثم يقسّم كلّ قسمٍ منها تسعينَ جزءاً متساوية؛ للاحتياجِ إليها في بعضِ الأعمالِ كاستخراجِ سمت القبلةِ ونحوه، قال قاضي زاده الروميّ في ((شرح ملخص الجغميني)): اعلم أنّ لاستخراج هذين الخطّين مسالكُ أخرى إلا أن الأشهرَ هو المسلكُ المذكور، ولا شكَّ أنّه مبنيٌّ على كونِ الشمسِ حين وصول رأسِ الظلِّ إلى محيطِ الدائرةِ قبل الزوال وبعده على مدارٍ واحدٍ من المدارات اليوميَّة الموازيةِ لمعدَّل النهار، وليس كذلك في الحقيقة، فإذن ينبغي أن تراعى عدّة أمورٍ ليقرب العملُ من التحقيق، كأن يكون الشمسُ في الانقلابِ الصيفيّ أو قريباً منه لبطوءِ حركة الميلِ المخلّ بالموازاة هناك، وكون الظلّ أبينُ في الصيف لصفاءِ الهواءِ وشدَّة الشعاعِ وقلَّةِ عوارضِ الجوّ المانعةِ من أخذِ الظلّ، وأن لا تكون قريبةً من الأفق، إذ لا يتحقَّق أطرافُ الظلّ عند ذلك لتشتّتها، ولا من نصف النهار؛ لبطوءِ تقلّص الظلّ هناك وانبساطه، فلا يتعيَّن وقتُ الدخولُ والخروج، فإذا روعي هذه الشرائطُ تحفظُ الموازاةُ بقدر الإمكان، ويتبيّن الظلّ، ويسلّم عن تشتّت طرفه وبطوء حركته. انتهى. وذكر شرّاح تشريح الأفلاك وغيرهم أنّ من مسالكِ استخراجِ الخطَّين المذكورين أن يخرجَ من قاعدةِ المقياس خطّ مستقيمٌ على استقامةِ الظلّ قبل نصفِ النهار، ويؤخذُ الارتفاعُ في تلك الحالة، ثم ينظرُ بعد نصفِ النهار فإذا صارَ الارتفاعُ مثل الارتفاع الأوّل يخرجُ من القاعدةِ خطٌّ آخرُ على استقامةِ الظلّ، فيحصلُ في الأغلب زاوية، وتنصَّف تلك الزاوية، فالخطّ المنصّف هو خطّ نصف النهار، ومنها: أن يرصدَ الظلّ للمقياسِ قبل نصف النهار، ويعلم على رأسه علامة، ثمّ يرصدُ الظلّ بعد نصفِ النهار إلى أن صار مثل الظلّ الأوّل، ويعلم على رأسه علامة، ويوصلُ بين العلامتين بخطٍّ مستقيم، ويقامُ على ذلك الخطّ عمود، فهو خطّ نصفِ النهار، ومنها: أن يستخرجَ خطّ على امتدادِ ظلّ المقياسِ عند طلوع الشمس وغروبها في يومٍ واحد بخطّين، وتنصَّفُ الزاويةُ الواقعةُ بينهما فهو خطّ نصفِ النهار.
(2/199)
________________________________________
] نِصْفُ النَّهار، والظِّلُّ الذي في هذا الوقت هو فَيءُ الزَّوال[(1)
__________
(1) قوله: هو فيء الزوال؛ الفيءُ في اللغةٍ بمعنى الرجوع، وهو من أسماءِ الظلّ مطلقاً، سمّي به لرجوعِهِ من جانبٍ إلى جانب، ومنهم مَن يخصَّه بما بعد الزوال، وما قبل الزوالِ يخصّ باسم الظلّ، وهذا الظلّ الذي هو عند استواءِ الشمس على نصف النهار، واستواءُ ظلّ المقياسِ على خطّ نصفِ النهار إنّما سمَّيَ بفيءِ الزوالِ لأنّ الزوالَ متَّصلٌ به، فإضافةُ الفيءِ إلى الزوالِ لأدنى ملابسته، فإنَّ المرادَ بفيء الزوالِ ظلّ الأشياءِ عندما تكون الشمسُ على نصفِ النهار، وزوالُ الشمسِ من نصفِ النهارِ إلى جانبِ الغرب يكون بعدَه بلا واسطة، كذا ذكره البرجنديّ في ((حواشي شرح ملخص الجغميني))، وهذا يرشدك إلى أنّ الزوالَ عندهم عبارةٌ عن ميلانِ الشمس من وسطِ السماء إلى جانب المغرب، وأمّا قيامُهُ على دائرةِ نصفِ النهارِ في وسطِ السماء، فيقال له: الاستواء، وهذا هو المناسبُ بالنسبةِ إلى المعنى اللغويّ، وهو المستعملُ غالباً في الإطلاقاتِ الشرعيّة، وقد يطلقُ الزوالُ على نفسِ الاستواءِ أيضاً كما ذكرَه جمعٌ من محشّي الشرح المذكور، وعليه فإضافةُ الفيء إلى الزوالِ مستقيمةٌ بلا تكلّف، وبهذا اندفعَ التعارضُ بين قول بعض الفقهاء أنّ أوّل وقتِ الظهرِ هو أوّل الزوال، وبين قول بعض آخرين: إنّ وقتَه بعد الزوالِ ولو بدقيقة، وذلك لأنَّ المرادَ بالزوالِ في قولِ الأوّلين هو المعنى الأوّل، وفي قولِ الآخرين هو المعنى الثاني، ويمكن أن يرادَ بالزوالِ في قول الآخرين أيضاً هو المعنى الأوّل، ويقصدُ به الزوال النفس الامري، بناءً على ما قال محمود بن إلياس الروميّ في ((شرح مختصر الوقاية)): فإذا زالت الشمسُ على منتهى الارتفاعِ أخذ الظلّ في الزيادة، فمن حيث صارت الزيادةُ مدركةً بالحسّ دخلَ أوّل وقتِ الظهر، ويعلم قطعاً أنّ الزوالَ في علمِ الله وقعَ قبله، لكنّ التكاليف لا ترتبطُ إلا بما تدخلُ تحت الحسّ.
(2/200)
________________________________________
]، فإذا(1) زالَ الظِّلُّ من هذا الخطّ، فهو وقتُ الزَّوال[(2)]، وذلك أوَّل وقتِ الظُّهر[(3)
__________
(1) في م: وإذا.
(2) قوله: فهو وقت الزوال؛ هذا إذا كان قدر من الظل باقيا عند الاستواء، كما في أكثرِ البلاد الشمالية التي لا تصلُ الشمس فيها على سمتِ الرأس، بل تكون جنوبيّة حين وصولها على دائرةِ نصف النهار، وأمّا البلادُ التي تصلُ الشمسُ فيها على سمتِ الرأس في السنة مرَّةً أو مرَّتين فالزوالُ يعرف بزيادُة الظلّ على في الزوال في غير ذينك اليومين، وفي ذينك اليومين اللذين تصل الشمس فيها على سمتِ الرأسِ لا يكون للمقياسِ ظلّ عند الاستواء، فيعرف الزوال بحدوثه بعد فنائه.
(3) قوله فذلك أوّل وقت الظهر؛ أي وقتُ الزوالِ هو ابتداءُ وقتِ الظهر، وما في ((ملخص الخغميني)): إذا انتهى الظلّ الثاني؛ أي الظلّ المستوي نهايته عند غايةِ ارتفاع الشمس، فهو أوّل الظهر. انتهى. فهو سهوٌ ظاهر؛ لأنَّ أوّل وقتَ الظهرِ ليس وقت الاستواء، بل بعيده اتِّفاقاً إلا أن يقال: هو مبني على أنّ أوّل الشيءَ خارجٌ عن الشيء، وأمّا ما قال شارحُهُ قاضي زاده: إنّ أوّل وقته بعد الزوالِ بالاتِّفاق. انتهى. فإنّ حملَ الزوالِ في كلامه على الاستواءِ كما ذكرنا سابقاً فهو صحيح، وإلا ففسادُهُ ظاهر، والأولى أن يقول: بعيد الاستواء، والدليلُ على كونِ أوّل وقتِ الظهرِ هو الزوال قوله تعالى: {أقمِ الصلاةَ لدلوكِ الشمس}، فإنّه فسَّره ابنُ عمرَ - رضي الله عنهم - بالزوال، أخرجه عنه مالكٌ في ((الموطأ))، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر وغيرهم على ما بسطناه مع ذكرِ الاختلاف فيه في ((التعليق الممجَّد على موطأ محمد))، وحديث إمامة جبريل صبيحةَ ليلةِ المعراجِ على ما رواهُ الشافعيّ وأحمدُ واسحاق والترمذيّ وابن خزيمة والحاكم والدارقطنيّ والنسائيّ وأبو داود وابن حبّان ومسلم وغيرهم، على ما ذكرنا ذلك في ((تدوير الفلك في حصولِ الجماعةِ بالجن والملك))، وبسطُ تلك الرواياتِ مع ما لها وما عليها مفوَّض إلى ((السعاية))، فإنّه وردَ في هذه الرواياتِ أنَّ جبريل نزلَ لتعليم الأوقات، قامَ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في اليوم الأوّل من صلاةِ الظهرِ إلى صبح اليوم الثاني في أوائلِ أوقاتها، فصلَّى الظهرَ حين زالتِ الشمس من غيرنا تأخير.
(2/201)
________________________________________
].
وآخرُهُ[(1)] إذا صارَ ظِلُّ المِقياس مثليّ المِقياس سوى فَيءِ الزَّوال مثلاً، إذا كان فَيءُ الزَّوال مقدارُ ربعِ المقياس، فآخرُ وقتِ الظُّهر أن يصيرَ ظلُّه مثليّ[(2)] المِقياس وربعَه(3)
__________
(1) قوله: وآخره؛ أي آخر وقتِ الظهرِ إذا صار ظلّ المقياس مثلي المقياس، سوى فيء الزوال.
وهذا إذا وجدَ ظلّ عند الاستواء، وإلا فيعتبر مثلاً المقياس فقط، وفيه أنّ آخرَ الشيء يكون داخلاً فيه، وصيرورة الظلّ مثليّ المقياسِ مع الفيء أو بدونه وقتَ خروجِ وقتِ الظهرِ ودخولِ وقت العصر، فلا يكونُ ذلك آخرَ وقت الظهر، إلا أن يقال: معناه آخرُ الوقتِ الذي يتحقَّق عنده خروجُ الظهر، أو يقال: قد يطلقُ الآخرُ على الجزءِ المقارنِ بالجزءِ الداخل الآخر.
(2) قوله: مثلي المقياسِ وربعه؛ قال في ((الكفاية)): طريقُ معرفةِ الزوالِ أن ينصب عود مستوٍ في أرضٍ مستوية، فما دامَ ظلّ العودِ في النقصانِ علمَ أنّ الشمسَ في الارتفاع، وإن استوى الظلّ علمَ أنّه حالةَ الزوال، فإذا أخذَ الظلّ في الزيادةِ علم أنّها زالت، فيخطّ على رأسِ الزيادة، فيكون من رأس الخطِ إلى العودِ فيء الزوال، فإذا صارَ ظلّ العودِ مثليه من رأسِ الخط لا من العود، خرجَ الظهر عنده. انتهى. وفي ((شرح مختصر الوقاية)) لإلياس زاده: ثمّ يعلم على رأسِ الظلِ علامةٌ عند انحرافِه، فإذا صارَ الظلّ من تلك العلامة لا من العامود مثل العامود خرجَ وقت الظهر عند أبي حنيفة. انتهى.
(2/202)
________________________________________
(1)، هذا[(2)
__________
(1) وهناك طرق أخرى يمكن بها معرفة ذلك، ففي ((المحيط البرهاني))(ص65-66) عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه ينظر إلى القرص إلى القرص، فما دام في كبد السماء، فإنها لم تزل، فإذا انحطت يسيراً فقد زالت. وعن محمد - رضي الله عنه -: أن يقوم الرجل مستقبل القبلة، فإذا مالت الشمس عن يساره، فهو الزوال. وقيل: أن يغرز خشبة مستوية في أرض مستوية قبل زوال الشمس، ويخط في مبلغ ظلها علامة، فإن كان الظل يقصر عن العلامة، فاعلم أن الشمس لم تزل؛ لأن ظل الأشياء يقصر إلى زوال الشمس، وإن كان الظل يطول وتجاوز الخط فاعلم بأن الشمس قد زالت، وإن امتنع الظل عن القصر ولم ياخذ في الطول، فهذا هو وقت الزوال، وهو الظل الأصلي. انتهى. قال الشيخ وهبي سليمان غاوجي في ((التعليق الميسر على ملتقى الأبحر))(1: 55): قول محمد - رضي الله عنه - يصح إذا كانت القبلة إلى جهة الجنوب كما في المدينة المنورة وبلاد الشام، والله أعلم.
(2) قوله: هذا؛ أي خروجُ وقتِ الظهرِ عند صيرورةِ الظلّ مثلي المقياس، روايةٌ عن أبي حنيفة، وهو الذي رجَّحه صاحب ((البحر الرائق)) في رسالةٍ مستقلَّة له، وقال في ((الغياثية)): هو المختار، وقال في ((البدائع)) و((المحيط)): هو الصحيح، وهو الذي اختاره أكثرُ أربابِ المتون، واستدلَّ الإمام محمّد في ((الموطأ)) بقول أبي هريرةَ - رضي الله عنهم -: صلِّ الظهرَ إذا كان ظلّك مثلك، والعصر إذا كان ظلَّك مثليك، وهو استدلالٌ ليسَ بجيَّدٍ كما بيَّناه في ((التعليق الممجّد))، وروى عن أبي حنيفةَ أنّه بالمثلِ يخرجُ الظهر، وبالمثلين يدخلُ العصر، فما بينهما وقتٌ مهمل وهو قولٌ لا يعبأ به، وأكثرُ الأحاديثِ الصحيحةِ دالَّةٌ على أنّ بالمثلِ يخرجُ الظهرُ ويدخلُ العصر، فمَن ثمّ قال الطحاويّ: وبه نأخذ، وقال في ((غرر الأذكار)): هو المأخوذُ به، وفي ((البرهان)): هو الأظهر؛ لبيان جبريل، وفي ((فيض الكركي)): عليه عملُ الناسِ اليوم، وبه يفتي، وفي المقامِ تفصيلٌ ليس هذا موضعه، مَن شاءَ الاطِّلاعَ عليه فليرجعْ إلى ((السعاية)).
(2/203)
________________________________________
] في رواية عن أبي حنيفة(1) - رضي الله عنه -.
وفي رواية أخرى عنه(2)، وهو قولُ أبي يوسف ومحمَّد والشَّافِعِيِّ(3) - رضي الله عنهم -: إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه سوى فَيءِ الزَّوال.
__________
(1) واختار هذه الرواية أصحاب المتون كالنسفي في ((الكَنْز))(ص8)، و((المختار))(1: 52)، و((غرر الأحكام))(1: 51)، وصححه صاحب ((المراقي))(ص202)، و((البحر))(1: 257-258)، وفيه: قال في((البدائع)): أنها المذكورة في الأصل، وهو الصحيحن وفي ((النهاية)) إنها ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وفي ((غاية البيان)) وبها أخذ أبو حنيفة وهو المشهور عنه، وفي ((الينابيع)) وهو الصحيح، وفي ((تصحيح قاسم)) أن برهان الشريعة المحبوبي اختاره وعوَّل عليه النسفي، ووافقه صدر الشريعة، ورجح دليله، وفي ((الغياثية)) وهو المختار، وصححها الكرخي كما في ((المحيط))(ص67).
(2) اختارها الطحاوي في ((مختصر))(ص23)، واستظهره الشرنبلالي في ((حاشية على الدرر))(1: 51)، واختاره صاحب ((الدر المختار))(ص240)، وقال: وفي غرر الأذكار)) وهو المأخوذ به، وفي ((البرهان)): وهو الأظهر لبيان جبريل، وهو نص في الباب، وفي ((الفيض)) وعليه عمل الناس اليوم وبه يفتى.
واستحسن صاحب ((رد المحتار))(1: 240) أن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر إلى المثل، وأن لا يصلي العصر حتى يبلغ المثلين؛ ليكون مؤدياً للصلاتين في وقتهما بالاجماع. وينظر: ((فتح القدير))(1: 193).
(3) ينظر: ((المنهاج))(1: 121).
(2/204)
________________________________________
(وللعصر منه إلى غيبتِها) فوقتُ العصرِ من آخر وقتِ الظُّهرِ على القولينِ[(1)] إلى أن تغيبَ الشَّمس[(2)](3).
__________
(1) قوله: على القولين؛ أي قولُ أبي حنيفةَ وقولُ الصاحبين له في الابتداء حديث جابر: ((صلَّى بنا رسول
الله حين صارَ ظلّ كلّ شيء مثليه))، أخرجه ابن أبي شيبةَ بسندٍ لا بأس به، وفيه أنّه لا دلالة له على أنّه لا يدخل وقت العصر قبله، ولهما حديثُ جابر - رضي الله عنهم - المرويّ في ((سنن النسائيّ)) وغيره: إنّه صلَّى العصرَ حين صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله، ولهم في الانتهاءِ حديث: ((مَن أدركَ ركعةً قبل أن تغربَ الشمسِ فقد أدركَ العصر)) على ما سيأتي ذكره عن قريب إن شاء الله، فإنّه يدلّ على أنّ غروبَ الشمس منتهى وقته، وفي الباب أخبارٌ كثيرةٌ شاهدةٌ عليه.
(2) قوله: إلى أن تغيبَ الشمس؛ قال شيخ الإسلام التفتازانيّ: المعتبرُ في غروبِ الشمسِ سقوطُ قرصِ الشمس، وهذا ظاهرٌ في الصحراء، وأمّا في البنيان وقللِ الجبال فبأن لا يرى شيءٌ من شعائها على أطرافِ البنيان وقللِ الجبال، وأن يقبلَ الظلامُ من المشرق.
(3) قال شيخ الإسلام التفتازاني: المعتبر في غروب الشمس سقوط قرص الشمس، وهذا ظاهر في الصحراء، وأما في البنيان وقلل الجبال ـ أي أعلاها ـ فبأن لا يرى شيء من شعائها على أطراف البنيان وقلل الجبال، وأن يقبل الظلام من المشرق. كما في ((العمدة))(1: 147).
(2/205)
________________________________________
(وللمغربِ منه(1) إلى مغيبِ الشَّفَق[(2)]، وهو الحمرةُ[(3)] عندهما، وبه يُفْتَى)(4)، وعند أبي حنيفةَ الشَّفَقُ هو البياض[(5)](6).
__________
(1) أي من الغروب.
(2) قوله: إلى مغيبِ الشفق؛ بفتحتين؛ لحديثِ مسلم مرفوعاً: ((وقتُ صلاةِ المغرب ما لم يغربْ الشفق))، وفي رواية له: ((وقتُ المغربِ إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق)).
(3) قوله: وهو الحمرة؛ كما أخرجَه الدارقطنيّ والبيهقيّ وغيرهما عن ابنِ عمر - رضي الله عنهم - موقوفاً، وروى مرفوعاً أيضاً، وسنده ضعيف.
(4) وقال الحصكفي في ((الدر المنتقى))(1: 70)، و((الدر المختار))(1: 241): هو المذهب، وقال صاحب ((رمز الحقائق))(1: 29)، و((المراقي))(ص204)، و((المواهب))(ق19/أ): وعليه الفتوى، وقال صاحب ((الجوهرة النيرة))(1: 41): قولهما أوسع للناس وقوله أحوط. واختاره صاحب ((الهدية العلائية))(ص54).
(5) قوله: هو البياض؛ أي الذي يوجدُ بعد ذهابِ الحمرة، وهو المروىّ عن أبي بكرٍ ومعاذَ وعائشة وغيرهم، ولهذا الاختلافُ فيه، وفي وقت الظهرِ ذكروا أنّ الأولى أن يصلِّيَ الظهرَ قبل المثل، والعصرُ بعد المثلين، والمغربُ قبل ذهاب الحمرة. والعشاء بعد ذهاب البياض.
(6) اختاره صاحب ((الكنْز))(ص9)، و((الملتقى))(ص10)، و((الغرر))(1: 51)، ((الفتح))(1: 196)، و((البحر))(1: 258-259)، والطحاوي في ((مختصره))(ص23).
ومن المشايخ من قال: ينبغي أن يؤخذ بقولهما في الصيف وبقوله في الشتاء، كما في ((الدر المنتقى))(1: 71). قال صاحب ((التعليقات المرضية على الهدية العلائية))(ص54): بين الحمرة والبياض كما في الفجر الصادق والكاذب قدر ثلاث درج أي 12دقيقة.
(2/206)
________________________________________
(وللعشاءِ منه، وللوترِ ممَّا بعد العشاءِ[(1)](2) إلى الفجرِ لهما[(3)]):
__________
(1) قوله: ممَّا بعد العشاء؛ وهذا عندهما؛ لأنَّ الوترَ عندهما سنَّة من توابعِ العشاء، وعليه يدلُّ حديث: ((إنّ الله أمرَكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمُرِ النعم، وهي الوتر، جعلها الله لكم فيما بين صلاةِ العشاءِ إلى أن يطلعَ الفجر))، أخرجَه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذيّ والدارقطنيّ والحاكم وغيرهم، وأمّا عنده فالوترُ واجبٌ مستقلّ، وقتُهُ وقتُ العشاء، إلا أنّه يلزمُ تأخيره عنه للزومِ الترتيب، قال في ((النهر)): أثرُ الخلافِ يظهرُ فيما إذا قدَّم الوترَ عليها ناسياً، أو تذكَّر أنّه صلاها فقط على غيرِ وضوء، لا يعيده عنده، وعندهما يعيده.
(2) هذا عندهما؛ لأن الوتر عندهما سنة فهو من توابع العشاء، وأما عنده فالوتر فرض، فوقت الوتر والعشاء واحد؛ لأن الوقت إذا جمع فرضين كان لهما كقضاء وأداء، وإنما امتنع تقديم الوتر على العشاء عند التذكر لوجوب الترتيب، وثمرة الخلاف تظهرُ فيمن صلَّى الوتر قبل العشاء ناسياً، أو صلاهما مُرتبتين، ثم ظهر فساد العشاء دون الوتر، فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - تعاد العشاء وحدها؛ لأن الترتيب يسقط بمثل هذا العذر، وعندهما يعاد الوتر أيضاً؛ لأنه تبعٌ للعشاء، فلا يصح قبلها. كذا في ((فتح باب العناية))(1: 182)، و((عمدة الرعاية))(1: 148).
(3) قوله: لهما؛ إعاده مع أنّه مستغني عنه لوجودِ اللام على العشاء والوتر توضيحاً وتأكيداً في رفعِ وهمِ تعلَّق قوله: إلى الفجر بالوتر فقط، وقد مرَّ حديثٌ دالٌّ على وقتِ الوترِ ابتداءً وانتهاء، وأمّا ابتداءُ العشاءِ فيدلُّ عليه حديثُ إمامةِ جبريل، حيث أمّ بالنبيّ حين علَّمه أوائلَ الأوقاتِ بصلاة العشاء، بمجرَّدِ غروب الشفق، وأمّا انتهاؤه فيدلّ عليه ما أخرجه الطحاويّ عن عمر - رضي الله عنهم - أنّه كتبَ إلى أبي موسى الأشعريّ - رضي الله عنهم -: صلِّ العشاءَ إلى الليل.
(2/207)
________________________________________
أي للعشاء، والوتر.
(يستحبُّ للفجرِ البدايةُ[(1)] مسفراً(2) بحيث يمكنُهُ[(3)] ترتيلُ أربعين آية، أو أكثر، ثُمَّ إعادتُهُ إن ظَهَرَ فسادُ وضوئِه)، قال - صلى الله عليه وسلم -[(4)
__________
(1) قوله: البداية؛ أشارَ به إلى أنّ المستحبَّ هو البدايةُ بصلاة الفجر وختمهما كلاهما في الأسفار؛ أي وقت ظهور النور وانتشارُ البياض، واختارَ الطحاويّ وغيره استحبابَ البدايةِ في الغلسِ وختمها حالة الإسفار بتطويلِ القراءة، وهو الذي صرَّح به الإمامُ محمَّد في (كتاب الحجج)، وبه يجتمعُ أكثرُ الأحاديثِ الواردةِ في باب الأسفار، وفي باب التغليس كما بيَّناه في ((التعليق الممجَّد على موطأ محمّد)).
(2) مسفراً: من أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء إضاءةً لا يشك فيه. كما في ((اللسان))(3: 2026).
(3) قوله: بحيث يمكنه؛ تحديد للإسفارِ المستحبّ؛ أي في وقتٍ يمكنه أن يقرأ فيها مع الترتيلِ وإعطاءِ الحروف والكلماتِ القرآنية حقَّها بقدرِ أربعينَ آية إلى ستّين كما هو المسنونُ فيه، ثمّ إعادةُ صلاةِ الفجرِ مع طهارةٍ ومع الترتيلِ المذكورِ لو ظهرَ فسادُ صلاتِهِ بفسادٍ فيها أو في طهارتها، كلّ ذلكَ قبل طلوعِ الشمس، فإنّه لو أسفرَ جدَّاً وصلَّى ثمَّ ظهرَ فسادَ صلاتِهِ بنسيانِ الغسلِ من الجنابة أو الوضوءِ أو غير ذلك، لم تكن إعادتُهُ في الوقت، وهذا كلَّه للرجالِ الغير الحجَّاج المصلَّين بمزدلفة، فإنّه يستثنى منه صبحُ مزدلفة إذ لا يستحبّ لها الإسفارُ بل التغليس، بذلك وردت الأخبارُ أنّه صلى الله عليه وسلم صلاها هناك بغلس؛ أخرجَه البخاريّ وغيره وذكر في ((الدر المختار)) وغيره أنّ المرأةَ يستحبّ لها التغليسُ مطلقاً؛ لأنّ الظلامُ أسترُ في حقّها.
(4) قوله: قال عليه السلام؛ هذا الحديث أخرجه البزَّار والطحاويّ والطبرانيّ وابن ماجه وأبو داود والترمذيّ والنسائيّ وغيرهم، بطرق مختلفة بألفاظٍ متقاربة، وظاهر الأمرِ فيه وإن كان للوجوب لكنّ ما يليه وهو قوله: فإنّه أعظم للأجرِ صرَفه عن الوجوب إلى الاستحباب، ولمَّا كان هذا الحديثُ قوليَّاً رجَّح على ما رواهُ أصحابُ الصِّحاح أنّه صلَّى الله عليه وسلم صلَّى الصبحَ بغلسٍ؛ لأنّ القولَ مقدَّمٌ على الفعلِ كما تقرَّر في كتبِ الأصول، وتأويله بأنّ المرادَ به: صلَّوا عند ظهورِ الصبحِ الصادق، والتيقّن بهلا قبله، ولا في وقتٍ تردَّد فيه بين ظهوره وعدمِ ظهوره، كما نقلَ عن الشافعيّة يردّه ظاهرُ عبارة الحديث.
(2/208)
________________________________________
]: ((أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإنَّهُ أَعْظَمُ للأَجْرِ))(1).
__________
(1) من حديث رافع بن خديج وأبي هريرة وبلال وأنس وابن مسعود وغيرهم - رضي الله عنهم - في ((صحيح ابن حبان))(4: 357)، و((جامع الترمذي))(1: 289)، وقال: حسن صحيح، و((سنن النسائي))(1: 478)، و((مجمع الزوائد))(1: 315)، و((الأحاد والمثاني))(1: 178)، و((المعجم الكبير))(4: 289)، و((مصنف ابن أبي شيبة))(1: 284)، و((شرح معاني الآثار))(1: 178)، وغيرها، وينظر: ((الدراية))(1: 103-104).
(2/209)
________________________________________
(والتَّأخيرُ[(1)] لظهرِ الصَّيف)، في ((صحيح البُخَارِيّ))[(2)]: ((أَبْرِدُوا بِالصَّلاة، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم))(3)، وللعصرِ[(4)
__________
(1) قوله: والتأخير؛ أي يستحبّ التأخيرُ للظهرِ أيّام الصيف، وقيَّده في ((الجوهرة)) و((السراج الوهاج شرح مختصر القدوري)) بما إذا كان يصلّي بجماعةٍ في مسجد، وأن يكونَ في البلاد الحارّة، وأن يكون في شدَّة الحرّ، وردّه صاحب ((البحر)) وغيره، وأفتوا باستحبابِ الإبرادِ مطلقاً؛ لإطلاقِ الروايات، وحدَّه أن يصلّي قبل المثل.
(2) قوله: في ((صحيح البخاري))؛ وكذا رواه مسلم وابن ماجخ والنسائيّ وابن خزيمة وغيرهم، وفي ((صحيح البخاري)) أيضاً، كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتدَّ الحرّ أبرد، وإذا اشتدَّ البرد عجَّل، وفي البابِ أخبارٌ كثيرةُ قوليَّة وفعليّة، وبهذا يبطلُ تأويلُ بعض الشافعيّة أنّ المرادَ به: صللّوا في وقتٍ الحرّ، وأبردوا الحرارة بسبب أداءِ الصلاة، وفي ((مجمع البحار)): الفيح: شيوع الحرّ، ويقال: الفوح، من فاحت القدرُ تفوحُ وتفيح: إذا غلت، وهو علّةُ شرعيّة الإبراد، فإنّ شدَّته يسلبُ الخشوع، أو لأنّه وقتُ غضبِ الله، فلا ينجحُ فيه الطلبُ بالمناجاة.
(3) في ((صحيح البخاري))(3: 1189)، و((صحيح مسلم))(1: 430)، و((صحيح ابن خزيمة))(1: 170)، وغيرها.
(4) قوله: وللعصر؛ أي يستحبّ للعصر شتاءً كان أو صيفاً، إلا في يومِ غيمٍ أن يؤخّر عن أوّل وقته ما لم يتغيّر الشمس، وقدَّره بعضهم بأنّه إذا بقى مقدارَ رمحٍ لم يتغيّر، ودونه يتغيّر، وعن النخعيّ والثوريّ: إنّه يعتبرُ التغيرُ في ضوئها، وبه قال الحاكمُ الشهيد، فإذا جاءَ التغيّر كرهَ أداءُ الصلاةِ اتِّفاقاً، قال الإمامُ محمَّد في ((كتاب الحجج)): قال أبو حنيفةَ تأخيرُ صلاةِ العصرِ أفضلُ من تعجيلها إذا صلِّيت والشمسُ بيضاءُ نقيّة لم تتغيّر، وعلى هذا كان أصحابُ عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - بالكوفة، أخبرنا محمَّد بن أبان بن صالح عن حمَّاد عن إبراهيمِ النخعيّ قال: أدركتُ أصحابَ ابنَ مسعودٍ - رضي الله عنهم - يصلَّون العصرَ في آخرِ وقتها، وقال أهلُ المدينةِ ومالك: التعجيلُ بها أفضلُ من تأخيرها، قال محمد: قد جاءت في هذا آثار، فأمّا ما عليه أصحابُ ابنِ مسعودٍ فالتأخير. انتهى. وعلَّلَ صاحب ((الهداية)) وغيره أفضليَّة التأخيرِ بأنّ فيه تكثيرَ النوافل؛ لكراهتها بعد صلاة العصر، وهو تعليلٌ حسنٌ حقيقٌ بأن يؤخذَ به، وكذا الاتِّباعُ بأصحابِ عبد الله حسن لولا ورودِ الأحاديثِ الصحيحة المرويَّة في السنن والصحيحين وغيرها الدَّالةَ على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وعامّة أصحابه كانوا يعجِّلون العصر، وقد ذكرنا نبذاً من تحقيقِ هذه المسألةِ في ((التعليق الممجّد)) وزيادته مفوضّة إلى ((السعاية)).
(2/210)
________________________________________
] ما لم تتغيَّرِ الشَّمس(1)، وللعشاءِ[(2)] إلى ثُلُثِ اللَّيل، وللوترِ[(3)
__________
(1) سقطت من س و ص.
(2) قوله: وللعشاء؛ أي يستحبّ تأخيرُ صلاةِ العشاءِ صيفاً كان أو شتاءً إلى ثلثِ اللَّيل الأوّل؛ لحديث: ((لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتُهم بتأخيرِ العشاءِ إلى ثلثِ اللَّيل))، وفي روايةٍ: ((ونصفه))، أخرجَه الترمذيّ وابن ماجة وأبو داود والبزَّار وغيرهم، والسرّ فيه تكثيرُ الجماعة، وقطعُ السمرِ وهو الحديثُ الدنيويّ الممنوعُ عنه بعد صلاة العشاء، لما روى الستَّةُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يكرهُ النومَ قبلها والحديث بعدها.
(3) قوله: وللوتر؛ أي يستحبّ تأخيره إلى آخرِ الليل إن أمنَ من فوتِهِ واعتمدَ انتباهَه وإلا فأداؤه أوّله لحديث: ((اجعلوا آخرَ صلاتكم باللِّيل وتراً))، أخرجَه الشيخان، ولحديث: ((مَن خافَ منكم أن لا يستيقظَ من آخر الليل فليوترِ من أوّل الليل، ومن طمعَ منكم أن يستيقظَ فليوترِ آخرَ الليل، فإنّ صلاةَ آخرَ الليلِس مشهودة، وذلك أفضل))، أخرجه مسلم وأحمد.

واما الجمعة فلا يستحب لها الابراد بل التعجيل صيفا وشتاء صرح في الاشباه والنظائر.
(2/211)
________________________________________
] إلى [آخرِ وقتِهِ](1) لِمَنْ وَثِقَ بالانتباه فحسب، والتَّعجيلُ[(2)] لظهرِ الشِّتاء، والمغرب[(3)]، ويومُ غَيْم يعجِّلُ العصرَ والعشاء، ويؤَخِّرُ غيرَهما[(4)](5).
__________
(1) في أ و ب و ج و س و ص و ف: آخره.
(2) قوله: والتعجيلُ لظهرِ الشتاء؛ لما مرَّ من الحديثِ الفعليّ، ولحديث: ((أفضلُ الأعمالِ الصلاةُ لأوَّل وقتها))، أخرجه الحاكمُ والترمذيّ، ولحديث: ((أوّل الوقتِ رضوان الله))، أخرجه البيهقيّ والدارقطنيّ والترمذيّ، وسنده ضعيف، وإنّما استحبّ الإبرادُ في الصيفِ لوجهٍ آخر، ولم يوجد في الشتاء.
(3) قوله: والمغرب؛ أي يستحبّ تعجيلُهُ مطلقاً؛ لحديث: ((لا تزالً أمّتي بخيرٍ ما لم يؤخِّروا المغربَ إلى أن تشتبكَ النجوم))، أخرجه أبو داود والحاكم، وصحَّحه ابن ماجه.
(4) قوله: ويؤخّر غيرهما؛ وذلك لأنَّ في تأخيرِ العشاءِ وتقليل الجماعة على اعتبارِ المطر، وفي تأخيرِ العصر توهّم وقوعُه في الوقتِ المكروه، فلذلك يستحبّ تعجيلهما، ولا كذلك في باقي الصلوات، فيؤخّر حذاراً عن وقوعه قبل الوقت.
(5) لأن في تأخير العشاء تقليل الجماعة على اعتبار المطر، وفي تأخير العصر توهم وقوعه في الوقت المكروه، فلذلك يستحب تعجيلهما، ولا كذلك في باقي الصلوات، فيؤخِّر حذاراً عن وقوعه قبل الوقت. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 149). وينظر: ((رد المحتار))(1: 247).
(2/212)
________________________________________
ولا يجوزُ[(1)] صلاة، وسجدةُ تلاوة(2)، وصلاةُ جنازة(3) عند طلوعِها، وقيامِها، وغروبِها(4) إلاَّ عصرَ يومِه[(5)])، فقد ذُكِرَ في كتبِ أصول الفقه[(6)
__________
(1) قوله: ولا يجوز؛ أمّا عدمُ جوازِ الصلاة نفلاً كان أو فرضاً، وصلاةُ الجنازة؛ فلحديث عقبة: ((ثلاثُ ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلّي فيه أو نقبرَ فيهنّ موتانا: حين تطلعُ الشمسُ بازغة حتى ترتفع، وحين يقومُ قائمُ الظهيرة حتى تميل، وحين تضيّف للغروبِ حتى تغرب))، أخرجه أصحابُ السننِ الأربعة ومسلم، والمراد من النهي بقوله: ((وأن نقبر)) صلاة الجنازة، فإنّ الدفنَ في هذه الأوقاتِ غير مكروه، أشارَ إليه الترمذيّ حيث أورد هذا الحديثَ في باب كراهية صلاة الجنازة عنه طلوعِ الشمسِ وغروبها، وأمّا عدم جواز سجدة التلاوة؛ فلأنّها في حكمِ الصلاة، ومعنى عدم الجواز فيها الكراهة التحريميّة، وأمّا الانعقادُ وعدمُهُ ففيه تفصيل، فذكرَ في ((الدر المختار)) وغيره أنّه ينعقدُ نفل بشروعٍ في هذه الأوقاتِ بكراهةِ التحريم، ولا ينعقدُ الفرضُ وما هو ملحقٌ به، كواجبٍ لعينه؛ كوتر، ولا سجدةُ تلاوةٍ وصلاةِ جنازة تليت آيتُها في وقتٍ كامل، وحضرت الجنازةُ قبل هذه الأوقات؛ لوجوبِهِ كاملاً، فلو وجبتا فيها لم يكره فعلهما تحريماً، ولا يخلو عن الكراهة التنْزيهيّة.
(2) في م: التلاوة.
(3) في م: الجنازة.
(4) العبارة في ج: وغروبها وقيامها.
(5) قوله: إلا عصرَ يومه؛ أي يجوز أداء عصرَ ذلك اليوم وقتَ الغروبِ لا غيره، حتى قضاءَ عصرِ اليوم الآخر؛ لأنَّه وجبَ كاملاً، فلا يتأدّى ناقصاً.
(6) قوله: فقد ذكر في كتبِ أصول الفقه... الخ؛ توضيحه أنّه قد تقرَّر في كتبِ علمِ الأصولِ الذي يبحث فيه عن الأدلَّة الأربعة: الكتاب والسنَّة والإجماعُ والقياسُ من حيث استنباطِ الأحكام عنها: إنّ سببَ وجوب الصلاة هو جزءُ الوقتِ المتَّصلُ بالأداء، ومن المعلومِ أنَّ الواجبَ يكون على حسبِ وجوبه؛ فإن كان سببُ وجوبُهُ ناقصاً كان وجوبُهُ ناقصاً، وإن كان سببُهُ كاملاً كان وجوبُهُ كاملا، وآخرُ وقتِ العصرِ عند اصفرارِ الشمسِ ناقص وليس نقصانه في نفسِه؛ لأنَّ الأوقاتَ سواسية، ليس شيءٌ منها في نفسِهِ ناقصاً، وإنّما النقصانُ فيه لكونِهِ وقتُ عبادةِ الشمس، فالعبادةُ فيه مورثةٌ إلى التشبيه بالكفَّار، وهو ممّا يحترزُ عنه، فإذا كان الوقتُ ناقصاً وجبت تلك الصلاة ناقصة، فإذا شرعَ فيها وغربت الشمسُ في أثنائها لم تفسدْ صلاته؛ لأنَّ وجوبه كان ناقصاً بسببِ نقصان الجزء المتَّصل بشروعها، ولا كذلك وقتَ الفجر وغيره من الصلاة، فإنّ أواخرها ليست ناقصة، فيكون وجوبُ الصلاةِ فيها عند الشروعِ فيها كاملاً فلا يتأدّى ناقصاً.
(2/213)
________________________________________
](1) أنَّ الجزءَ المقارن للأداءِ سببٌ لوجوبِ الصَّلاة، وآخرُ وقتِ العصر، وقتٌ ناقص، إذ هو وقتُ عبادةِ الشَّمْس، فوجبَ ناقصاً، فإذا أدَّاه أدَّاه كما وجب، فإذا اعترضَ الفسادُ بالغروبِ لا تفسد، وفي الفجرِ كلُّ وقتِه وقتٌ كامل؛ لأنَّ الشَّمسَ لا تعبدُ قبلَ الطُّلوع، فوجبَ كاملاً، فإذا اعترضَ الفسادُ بالطَّلوع تفسد؛ لأنَّه لم يؤدِّها كما وَجَب(2)(3).
فإن قيل[(4)
__________
(1) ينظر: ((التوضيح))(1: 206)، و((تغيير التنقيح)) لابن كمال باشا(1: 128)، و((مرآة الأصول))(1: 134-135)، و((شرح المنار))لابن ملك(ص59-60)، و((شرح المنار))لابن العيني(ص60).
(2) في م: وجبت.
(3) ويمكن أيضاً أن يجاب عن إشكال الفجر بأن العصر يخرج إلى ما هو وقت الصلاة في الجملة بخلاف الفجر أو بأن في الطلوع دخولاً في الكراهة، وفي الغروب خروجاً عنها. كما في ((التلويح))(1: 207).
(4) قوله: فإن قيل... الخ؛ هذا إيرادٌ على الوجه الذي ذكره لصحَّةِ عصر ذلك اليوم عند الغروبِ دون صلاة الفجر، وسائرِ الصلوات، وحاصله أنّ الرأيَ والقياسَ لا مدخلَ له حين ورودِ النص، وهاهنا قد وردَ حديثٌ دالُّ صريحاً على مساواةِ حكمِ صلاةِ الفجر وصلاة العصر في أنّها لا تفسدُ باعتراضِ الطلوعِ والغروب، فالتعليل لإثباتِ خلافه يكون مردوداً.

بصيغة المجهول فما بعده فاعله او بصيغة المعروب فما بعده مفعوله وقس عليه قرينه اي جميع اجزائه فالكل مجموعي لا افرادي لا يعبده الكفار قبل طلوعها بل عين وقت طلوعها.
(2/214)
________________________________________
]: هذا تعليلٌ في معرضِ النَّص، وهو قولُه - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الفَجْرِ قَبْلَ الطُّلُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الفَجْر، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْر))(1).
__________
(1) في ((صحيح البخاري))(1: 204)، و((صحيح مسلم))(1: 424)، ولفظه عند مسلم: عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((مَن أدركَ ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغربَ الشمسُ فقد أدرك العصر)).
(2/215)
________________________________________
قلنا[(1)]: لَمَّا وقعَ التَّعارض بين هذا الحديث، وبين النَّهى الواردِ(2)
__________
(1) قوله: قلنا...الخ؛ جوابٌ عن السؤالِ المذكور، وحاصله أنّه قد وردَ هاهنا حديثان متعارضان: أحدهما من أدراكَ الدالُّ على جوازِ صلاةِ الصبح والعصرِ عند الطلوعِ وعند الغروب، وثانيهما: حديثُ النهي عن الصلاةِ مطلقاً في تلك الأوقات، وهما حديثان صحيحان متعارضان إن عملَ بأحدهما يبطلُ العملُ بالآخر، وقد تقرَّر في الأصولِ أنّ النَّصَيْن إذا تعارضا ولم يترجَّح أحدهما على الآخر تساقطا، ويلزمُ على المجتهدِ الرجوعُ إلى القياس، فما يوافقُ القياسُ يأخذُ به، وما لا يوافقُهُ يتركه، وهاهنا القياسُ يحكمُ بجوازِ صلاة العصر دون صلاة الفجر، فيعمل به، ويرجّح به، وفيه بحث، وهو أاّن المصيرَ إلى القياسِ عند تعارضِ النَّصَيْن إنّما هو اذا لم يكن الجمع بينهما، وأما إذا أمكن يلزمُ أن يجمع، وهاهنا العملُ بكليهما ممكن، بأن يخصّ صلاةَ العصر والفجر الوقتيّتان من عمومِ حديث النهي، ويعملُ بعمومه في غيرهما، وبحديث الجوازِ فيهما، إلا أن يقال: حديثُ الجواز خاصّ، وحديثُ النهي عامّ، وكلاهما قطعيان عند الحنفيّة، متساويان في القوَّةِ والدرجة، فلا يخصّ أحدهما الآخر، وفيه: إنّ قطعيَّة العامِّ كالخاصِّ ليس متَّفقاً عليه بين الحنفيّة، فإنّ كثيراً منهم وافقوا الشافعيَّةَ في كونِ العامِ ظنيَّاً، كما هو مبسوط في ((شروح المنتخب الحسامي)) وغيرها، وفي المقامِ تفصيلٌ موضعه ((السعاية)).
(2) لما روى عقبة بن عامر الجهني قال: ((ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهنّ، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب)) في ((صحيح مسلم))(1: 568)، و((صحيح ابن حبان))(3: 348)، و((سنن الترمذي))(3: 348)، و((سنن أبي داود))(3: 208)، وغيرهم.

ولما روى أبو سعيد الخدري، يقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)) في ((صحيح البخاري))(1: 213)، و((صحيح مسلم))(1: 567)، واللفظ له، و((صحيح ابن خزيمة))(3: 45)، و((صحيح ابن حبان))(4: 348)، غيرهم، وللوقوف على باقي الأحاديث الواردة في النهي ينظر: ((إعلاء السنن)) للتهانوي(2: 51-67).
(2/216)
________________________________________
عن الصَّلاة في الأوقات الثَّلاثة(1) رجعنا إلى القياسِ كما هو حُكْمُ التَّعارض(2)، إذِ(3) القياسُ يُرَجِّحُ هذا الحديثَ في صلاةِ العصر، وحديثُ النَّهي في صلاة الفجر، وأمَّا سائر الصَّلوات[(4)] فلا تجوزُ(5) في الأوقاتِ الثَّلاثة(6) لحديثِ النَّهي إذ لا معارضَ لحديث النَّهي فيها.
__________
(1) في ص و م: الثلاث.
(2) إذا أنهما تساقطا فيصار إلى ما بعدهما من الحجة، ينظر: ((المنار))(ص18)، و((التوضيح))(2: 104)، و((شرح المنار))لابن ملك(ص227)، و((شرح المنار))لابن العيني(ص227)، و((إفاضة الأنوار على أصول المنار)) للحصني (ص192)، و((نسمات الأسحار على إفاضة الأنوار)) لابن عابدين(ص192-193).
(3) في أ و ب و ف و س: و.
(4) قوله: وأمّا سائرُ الصلاة؛ أي باقي الصلاة غير عصرِ يومه وفجرِ يومِهِ من الفرائضِ والنوافلِ أداءً وقضاءً.
(5) في م: يجوز.
(6) في ص و ف و م: الثلاث.
(2/217)
________________________________________
(وكُرِهَ النَّفلُ[(1)](2) إذا خرجَ الإمامُ لخطبِة(3) الجُمُعة(4)، وبعد الصُّبْح[(5)
__________
(1) قوله: وكره النفل؛ ولو كان تحيَّة المسجد، وسنَّة الجمعة، وذلك هو المرويّ عن عليّ - رضي الله عنهم - وابن عبَّاس - رضي الله عنهم - وابن عمر - رضي الله عنهم - أنّهم كانوا يكرهونَ الصلاةَ والكلامَ بعد خروج الإمام، أخرجَه ابن أبي شيبة، وأخرج محمّد في ((الموطأ)) عن الزهريّ أنّه قال: خروجُهُ يقطع الصلاة، وكلامه يقطعُ الكلام، وهذه الكراهةُ من حين خروج الإمام؛ أي من بيتِهِ المتَّصلِ بالمسجد، أو من بيتٍ أعدّ له في المسجدِ على حدة، أو صعودُهُ على المنبرِ للخطبة إلى تمامِ صلاته، وسيجيء تفصيلُ هذا المبحث في بابِ الجمعة إن شاء الله.
(2) أي تحية المسجد وسنة الجمعة، وذلك هو المروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام، آخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(1: 448، 458)، وأخرج محمد في ((الموطأ))(1: 603) عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك: أنهم كانوا زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر... . وهذه الكراهة من حين خروج الإمام: أي من بيته المتصل بالمسجد أو من بيت أعد له في المسجد على حدة أو صعوده على المنبر للخطبة إلى تمام صلاته. كما في ((عمدة الرعاية))(1: 150).
(3) في ج الخطبة.
(4) في ج: لجمعة.
(5) قوله: وبعد الصبح؛ لمَّا فرغَ من النوعِ الأوّل من الأوقاتِ المكروهةِ شرعَ في النوع الثاني، والفرق بينهما أنّ النوعَ الأول وهو وقتُ الطلوعِ والغروب والاستواء تكره فيها تحريماً الصلوات مطلقاً، أداءً كان أو قضاءً، وقتيَّة كانت أو صلاةُ جنازة، وكذا ما في حكمها؛ كسجدةِ التلاوة، بل لا ينعقدُ بعضها كما مرَّ ذكره، وهذه الأوقاتُ لا تكرهُ فيها تحريماً إلا أداءُ النفل، ومنه السننُ الراتبة، وكلّ ما كان واجباً لغيره، وهو ما يتوقّف وجوبه على فعلِهِ كمنذور، وركعتي طواف، والدليلُ على كراهةِ التطوَّع في هذينِ الوقتين وما في حكمِهِ وهو الواجب بفعله دون غيره أنّ الأحاديث دلّت على كراهيةِ الصلاةِ في هذين الوقتين؛ كحديث: ((لا صلاةَ بعد الصبح حتى تطلعَ الشمس، ولا صلاةَ بلا العصرِ حتى تغرب))، أخرجه الشيخان وغيره من الأخبار المرويَّة في الصحيحين والسنن، ومن المعلوم أنّ الكراهةَ فيهما ليست بمعنى في الوقت، بل لحقّ الفرض لئلا يصيرَ الوقتُ مشغولاً بغيره، فلم يظهر ذلك في حقّ الفرائض، وما وجب لعينه؛ كسجدةِ التلاوة، وظهرَ في حقّ النفلِ والمنذور.
(2/218)
________________________________________
] إلاَّ سنتَه[(1)](2)، وبعد أداءِ العصرِ إلى أداءِ المغرب[(3)]، وصحَّ الفوائت، وصلاةُ الجنازة، وسجدةُ التَّلاوة [في هذين الوقتين(4) ](5) )، أي بعد الصُّبْحِ وبعد أداء العصرِ إلى أداء المغرب، لكنَّها تُكْرَهُ([(6)](7) في الأوَّل، وهو ما إذا خرجَ الإمامُ للخطبة(8).
__________
(1) قوله: إلا سنّته؛ أي سنّة الفجر قبل فرضه؛ فإن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان بعد طلوع الصبح لا يصلّي إلا ركعتين خفيفتين ثمَّ يصلّي الفرض، أخرجه مسلم وغيره.

(2) لشغل الوقت به تقديراً حتى لو نوى تطوعاً كان سنة الفجر بلا تعيين؛ لأن الصحيح المعتمد عدم اشتراط التعيين في السنن الرواتب، بل تصح بنية النفل ومطلق النية. كذا في ((الدر المختار))وحاشيته((رد المحتار))(1: 251).
(3) قوله: إلى أداء المغرب؛ يشير إلى كراهيةِ التطوّع قبل غروب الشمس وبعد غروبها قبل أداءِ صلاة المغرب أيضاً أما الأوّل فلما مرّ من الأحاديث، وأمّا الثاني فعلَّلوه بأنّه مستلزمٌ لتأخيرِ المغرب، وهو منهيّ عنه بالنصّ على ما مرّ ذكره أيضاً، وهو يفيدُ أنّه لو صلَّى ركعتين خفيفتين بحيث لم يلزمْ تأخيرُ المغربِ لم يكره، وقد صرَّح به في ((البحر الرائق)) و((حلية المحلي))، وهو الموافقُ لحديث: ((صلوا قبل المغرب ركعتين)) قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال في الثالثة: لمن شاء، إشارة إلى أنّه مباحٌ ليس بسنّة؛ أخرجَه البخاريّ وأبو داود وأحمد وغيرهم، وفي البابِ أخبارٌ كثيرةُ وقد وردت ما يعارضها أيضاً، والكلام فيها موضعه ((السعاية)).
(4) سقطت من أ و ص و ف.
(5) في ج: فيها.
(6) قوله:يكره؛ وذلك لإخلالهِ بالاستماعِ المأمورِ به، حتى نهى عن الأمرِ بالمعروف في الخطبةِ كما أخرجه الشيخان، وغيرهم: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، والامام يخطب فقد لغوت)).
(7) في أ و ب و س و ص: يكره.
(8) إلا إذا كانت الفائتة واجبت الترتيب فلا تكره. كما في ((الدر المختار))(1: 252).
(2/219)
________________________________________
(ولا يَجمعُ فرضان في وقتٍ بلا حجّ[(1)])، وفيه خلاف الشَّافِعِيِّ[(2)](3) - رضي الله عنه -.
(ومن طَهُرَتْ في وقتِ عصر، أو عشاء صلَّتْهما(4) فقط) خلافاً للشَّافِعِيّ(5) - رضي الله عنه -، فإن عنده مَن طَهُرَتْ في وقتِ العصرِ صلَّتْ الظُّهْرَ أيضاً، ومَن طَهُرَتْ في وقتِ العشاءِ صلَّت المغربَ أيضاً، فإن وقتَ الظُّهْرِ والعصرِ عنده كوقتٍ واحد[(6)]، وكذا وقتُ المغربِ والعشاء، ولهذا يجوزُ الجمعُ عندَهُ في السَّفَر.
__________
(1) قوله: بلا حجّ؛ أي في غير أوقاتِ الحجّ، فإنّه يجمعُ هناك بين الظهرِ والعصرِ بجمعِ التقديم في عرفات يوم عرفة، وبين المغربِ والعشاءِ بجمعُ التأخير في المزدلفةِ ليلةَ يومِ النحر، وذلك لثبوتِ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالنصوصِ الصريحةِ الصحيحةِ المرويَّة في كتبِ الصحاح، وأمّا عدمُ جوازِ الجمع في غيرِ ذلك فلحديث: ((ليس في النوم تفريط، إنّما التفريطُ في اليقظةِ أن يؤخِّرَ الصلاةَ حتى يجيءَ وقت الأخرى))، أخرجه مسلم وغيره، ولحديث: ((مَن جمعَ بين الصلاتين من غير عذرٍ فقد أتى باباً من أبوابِ الكبائر))، أخرجه الحاكمُ والترمذيُ لكن سندُه ضعيفٌ جدَّاً كما بسطناه في ((التعليق الممجّد على موطَّأ محمّد)) رح.
(2) قوله: وفيه خلافُ الشافعيّ رح؛ فإنّه يجوزُ الجمعُ في السفرِ بين الظهر والعصرِ تقديماً وتأخيراً، وبين العشاءِ والمغربِ كذلك؛ لورودِ أخبارٍ صريحةٍ دالَّةِ على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فعلَهُ في السفرِ غير مرَّة، أخرجها الشيخان وأصحابُ السنن وغيرهم، كما بسطه الحافظُ ابن حجرٍ في ((تلخيص الحبير))، وهذا هو الحقّ.
(3) ينظر: ((التنبيه))(ص30).
(4) في ج: صلها.
(5) ينظر: ((المنهاج))(1: 132).
(6) قوله: كوقت واحد؛ مستنده في ذلك أحاديثُ الجمع.
(2/220)
________________________________________
(ومَن هو[(1)] أهل فرضٍ في آخرِ وقتِهِ يقضيه لا مَن حاضَتْ فيه) يعني إذا بلغَ الصَّبيّ، أو أسلمَ الكافرُ في آخر الوقت، ولم يبقَ من الوقتِ إلاَّ قدرُ التَّحريمةِ يجبُ عليه قضاءُ صلاةِ ذلك الوقت(2) خلافاً لزُفَرَ[(3)](4) - رضي الله عنه -، ومَن حاضَتْ(5) في آخر الوقت لا يجبُ عليها قضاءُ صلاةِ ذلك الوقتِ خلافاً للشَّافِعِيّ(6) - رضي الله عنه -.
بابُ الأذان[(7)][(8)]
__________
(1) قوله: ومَن هو... الخ؛ يعني مَن يصدقُ عليه أنّه مكلَّفٌ بأداءٍ فرضس في آخرِ وقتِ ذلك الفرض، بأن لم يبقَ منه إلا مقدارَ ما يسعُ التحريمة، فأسلمَ الكافرُ فيه أو طهرت الحائضُ أو بلغَ الصبيّ.
(2) لأن آخر الوقت هو المعتبر في السببية عند عدم الأداء في أول الوقت، فمن كان أهلاً فيه وجب عليه فرض ذلك الوقت، ومن لم يكن أهلاً فيه سقط عنه. كما في ((فتح باب العناية))(1: 196).
(3) قوله: خلافاً لزفر؛ فإنّه يقول؛ لم يجبْ الأداءُ لعدمِ سعة الوقت، فلم يجب القضاء، وجوابهُ أنّ السعةَ ممكنٌ بخرقِ العادة.
(4) في س: للزفر.
(5) في س خاضت.
(6) ينظر: ((المنهاج)) وشرحه ((مغني المحتاج))(1: 132).
(7) قوله: باب الأذان؛ أي هذا بابٌ في أحكامِ الأذان، وذكرَه بعد ذكرِ الأوقات؛ لأنّه إعلامٌ بدخولِ الوقت.
(8) قوله: الأذان؛ هو في اللغة: الإعلامُ مطلقاً، وشرعاً: عبارةٌ عن كلماتٍ مخصوصة شرعت لإعلامِ الصلاة.
(2/221)
________________________________________
(هو سُنَّةٌ[(1)] للفرائضِ[(2)](3) فحسبٌ[(4)
__________
(1) قوله: هو سنَّة؛ الأصلُ فيه ما وردَ أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم لمَّا هاجرَ إلى المدينةِ ولم يكن عند ذلك أذانٌ ولا إقامةٌ اهتمَّ المسلمونَ لمعرفةِ الأوقاتِ فرأى عبدُ الله بن زيد الأنصاريّ - رضي الله عنه - رجلاً في المنامِ أنّه علَّمه كلماتِ الأذانِ والإقامة، فأخبر بذلك رسولُ الله فقال: ((إنّها لرؤيا حقّ))، فأمرَ بلالاً فأذّن، أخرجَ هذه القصَّة مطوَّلاً ومختصراً أبو داود والترمذيّ وابن ماجة والنسائيّ والطحاويّ وغيرهم، على ما بسطنا كلّ ذلك في ((السعاية)).
(2) قوله: للفرائض؛ أي فرائض الرجال؛ فإنّ النساءَ ليس عليهنّ أذانٌ ولا إقامة، وإن صلَّين بجماعة كما ذكرناه مفصَّلاً في ((تحفة النبلاء فيما يتعلَّق بجماعة النساء)).
(3) في ج و ص: الفرائض.
(4) قوله: فحسب؛ احترازٌ عن الوترِ وصلاةِ العيدين، والكسوف والخسوف، والتراويح والسنن الرواتب وغيرها.

قوله ولا بأس بتقليد مذهبه عند الضرورة كذا في الدر المختار اي تلك الصلاة طهرت في وقتها اي يجب عليه قضاء ذلك الفرض الذي وجد قدرا من وقته ولم يقدر على ادائه فيه لأن السببية عندنا تنتقل الى آخر الجزء فاذا بطلت الاهلية فيه لم تجب عليه تلك الصلاة.
(2/222)
________________________________________
](1) في وقتِها): أي هو سُنَّةٌ للفرائض الخمس والجُمُعة، وليس بسُنَّةٍ في النَّوافل، وقولُهُ: في وقتِها، احترازٌ عن الأذانِ قبلِ الوقت، وعن الأذان بعد الوقت[(2)]؛ لأجل الأداء، فأمَّا الأذانُ بعد الوقتِ للقضاء، فهو مسنونٌ أيضاً[(3)]، ولا(4) يَرِدُ إشكال[(5)](6)؛ لأنَّه في وقتِ القضاء، ولا يضرُّ كونُهُ بعد وقتِ الأداء؛ لأنَّه ليس للأداء، بل للقضاءِ في وقتِه، قال - صلى الله عليه وسلم -: (([مَنْ نَامَ[(7)
__________
(1) احترز عن الوتر وصلاة العيدين والكسوف والخسوف والتروايح والسنن والرواتب وغيرها. كذا في ((رمز الحقائق))(1: 32).
(2) قوله: وعن الأذانِ بعد الوقت؛ لأجلِ الأداء، فإنّه لا يجوز؛ لأنَّه لا فائدةَ في الإعلامِ بعد ذهاب الوقت للأداء.
(3) قوله: فهو مسنونٌ أيضاً؛ أي كما أنّه سنَّة للأداءِ في الوقت لمَّا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما ناموا في بعضِ الأسفارِ عن صلاةِ الصبحِ وأرادوا القضاءَ أذّن بلالٌ وأقامَ وصلَّى معهم بالجماعة، أخرجه البخاريّ ومسلمٌ وأصحابُ السنن.
(4) في م: فلا.
(5) قوله: ولا يرد إشكال؛ تقريرُ الإشكالِ أنّ قوله: في وقتها مضرّ؛ فإنّ الأذانَ للقضاءِ أيضاً مسنونٌ مع أنّه ليس في الوقت، وتحريرُ عدمُ وروده أنّ مرادَه ليس وقتُ أداءِ الفرائضِ حتى يلزمَ ما ألزم بل أعمّ، والوقت الذي يقضي فيها الفرائض وقت لقضائها، وإن لم يكن وقتاً للأداء، فالأذانَ فيه أذانٌ في الوقت.
(6) لأن مراده ليس وقت الأداء فحسب، بل وقت ذلك الفرض الذي يؤديه أداء كان أو قضاء، والوقت الذي يقضى فيه الصلاة وإن لم يكن وقتاً لأدائها، لكنه وقت للقضاء البتة، فصدق أن الذان في وقت الفرض المؤدى؛ لأنه ليس غلا للقضاء لا للأداء، فهو في وقته. كما في ((السعاية))(2: 10).
(7) قوله: مَن نام... الخ؛ قال الحافظُ ابن حجرٍ في ((تلخيص الحبير)) في كتاب التيمّم حديث: إنّه صلَّى الله عليه وسلم قال في الفائتة: ((فليصِّلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها))، رواه الدارقطنيّ والبيهقيّ من روايةِ حفصٍ بن أبي الغطاف، عن أبي الزناد عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ - رضي الله عنهم - مرفوعاً: ((من نسيَ صلاةً فوقتها إذا ذكرها))، وحفص ضعيفٌ جدّاً.
(2/223)
________________________________________
] عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا](1)، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا))(2)، وعند(3) أبي يوسف، والشَّافِعِيِّ(4)- رضي الله عنهم - يجوزُ للفجرِ[(5)] في النِّصفِ الأخيرِ من اللَّيل.
__________
(1) سقطت من ص و م.
(2) روي الحديث بألفاظ مختلفة في ((صحيح البخاري))(1: 215)، و((صحيح مسلم))(1: 471)، و((سنن الدارمي))(1: 305)، و((مسند أبي عوانة))(1: 70)، و((المنتقى))(1: 70)، بدون زيادة ((فإن ذلك وقتها))، ورواها الدارقطني في ((سننه))(1: 423)، والبيهقي في ((سننه الكبير))(2: 219) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: ((فوقتها إذا ذكرها))، قال ابن حجر في ((تلخيص الحبير))(1: 155) عن هذه الزياد: ضعيفة جداً، وقال ابن الملقن ((خلاصة البدر المنير))(1: 70) عنها: ضعيفة.
(3) في ص و ف و م: وعن.
(4) ينظر: ((التنبيه))(ص20).
(5) قوله: يجوزُ للفجر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ بلالاً يؤذِّنُ بليلٍ فكلوا واشربوا حتى ينادى ابنُ أمّ مكتوم))، أخرجه أصحابُ الصحاحِ والسنن، وحجَّة الجمهورِ أنّ الأذان إنّما هو لإعلامُ دخولِ الوقتِ وحضور الصلاة، فلا معنى لتقديمِه، وبه شهدت أخبارٌ كثيرة، وأمّا هذا الحديث فالجوابُ عنه على ما أفاده الشيخُ الأكبر في ((الفتوحات المكية)): إنّ أذانَ بلالٍ كان ذكراً بصورةِ الأذانِ ولم يكن لصلاةِ الفجر، ولذا احتيجَ إلى أذانٍ آخر، وفي المقامِ أبحاثٌ بسطناها في ((التعليق الممجد)) و((السعاية)).
(2/224)
________________________________________
(فيعادُ[(1)] لو أذَّنَ قبلَه(2)، ويؤذِّنُ عالماً بالأوقات لينالَ الثَّواب): أي الثَّواب[(3)] الذي وُعِدَ للمؤذِّنين، (مستقبلُ القبلة[(4)](5)، وأُصْبَعاهُ في أُذُنَيه[(6)](7)
__________
(1) قوله: فيعاد؛ تفريعٌ على قوله: في وقتها؛ أي فتجب إعادةُ الأذانِ إن أذّن قبل الوقت، وكذا لو قدَّم بعض كلماته على الوقتِ ووقعَ بعضها في الوقت، يلزمُ استئناف الكلّ، وكذا تجبُ إعادةُ الإقامةِ قبل الوقت.
(2) أي قبل وقت الأداء؛ لعدم الاعتداد بما قبله. كما في ((فتح باب العناية))(1: 200).
(3) قوله: أي الثواب؛ أشارَ به إلى أنّ مطلقَ الثوابِ ليس منوطاً على كونِهِ عالماً بالأوقات، فإنّه لا شكَّ أنّ من يذكرْ اللهَ يثابُ عليه قطعاً، بل الثوابُ الموعودُ للمؤذِّنين وفضلهم الواردُ في الأحاديث، كحديث: ((المؤذِّنون أطول الناسِ أعناقاً يوم القيامة))، أخرجَه مسلم، وحديث: ((من أذّن سبعَ سنين محتسباً كتبت له براءةٌ من النار))، وحديث: ((اللهم أرشد الأئمَّة واغفر للمؤذّنين)) إلى غير ذلك.
(4) قوله: مستقبل القبلة؛ هذا سنَّة، فلو تركَه جازَ لحصولِ المقصود، لكنَّه يكره. كذا في ((الهداية))، والأصلُ فيه هو ما وردَ في روايةِ أحمد وأبي داود في قصَّة عبد اللهِ بن زيد، ورؤيته رجلاً في المنامِ يعلِّمه الأذان أنّه استقبلَ القبلةَ وأذّن.
(5) ويكره تركه تنْزيهاً، ولو قدَّم في الأذان والإقامة مؤخراً أعاد ما قدَّم فقط، كما لو قد الفلاح على الصلاة يفيده فقط ولا يستأنف الأذان من أوله. كما في ((رد المحتار))(1: 260).
(6) قوله: وأصبعاه في أذنيه؛ المرادُ به أن يجعلَ المسبِّحتين من يديهِ في أذنيه، به أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بلالاً قال: ((إنه أرفعُ لصوتك))، أخرجه ابن ماجه وغيره، وهو أمرٌ مستحبّ ليس من السننِ الأصليّة، وفي المقامِ كلامٌ بسطناهُ في رسالتي: ((سباحة الفكر في الجهرِ بالذكر)).
(7) أي يجعل أصبعية في صماخ أذنيه، فأذانه بدونه حسن، وبه أحسن. كما في ((الدر المختار))(1: 260).
(2/225)
________________________________________
، و(1) يَتَرَسَّلُ فيه[(2)]): أي يتمهَّل(3)، (بلا لَحْنٍٍ وترجيع): لَحَّنَ في القراءة: طَرَّبَ وتَرَنَّمَ، مأخوذٌ من ألحان الأغاني(4)، فلا يُنْقِصُ شيئاً من حروفِه، ولا يزيدُ(5) في أثنائِه حرفاً(6)، وكذا لا يُنْقِص، ولا يزيدُ من كيفياتِ الحروف، كالحركاتِ والسَّكنات، والمدَّات، وغيرِ ذلك؛ لتحسين الصَّوت، فأمَّا مجرَّدُ تحسينِ الصَّوتِ بلا تغييرِ لفظٍ فإنَّه حَسَن[(7)]، والتَّرجيعُ[(8)] في الشَّهادتين أن يخفضَ بهما، ثُمَّ يرفعُ الصَّوت بهما.
__________
(1) سقطت من ج و ف.
(2) قوله: ويترسّل؛ الترسّل هو التمهّل، وهو أن يفصلَ بين كل كلمتين بسكتة من غيرِ إسراع، والمسنونُ في الإقامةِ هو الإسراع، لحديث: ((إذا أذَّنت فترسَّل في أذانك، وإذا أقمت فأحدر))؛ أي أسرع، قاله النبيَّ صلى الله عليه وسلم لبلال، أخرجه الترمذيّ.
بالرفع فاعل يرد وفي نسخة اشكالا وح فاعل يرد هو الضمير الراجع الى اذان القضاء يستنبط هذا من حديث ليؤذن لكم خياركم اخرجه ابو داود وابن ماجة
قوله جمع الاغنية بضم الهمزة وسكون الغين وكسر النون الغناء وتحسين الصوت كذا في الصحاح للجوهري فلا يقول له الله اكبر بالمد او الله اكبار.

(3) بأن يفصل بين كل جملتين منه بسككتة يسع فيه الإجابة. كما في ((فتح باب العناية))(1: 202).
(4) ينظر: ((اللسان))(6: 4013).
(5) في س: يريد.
(6) في م: حروفا.
(7) قوله: فإنه حسن؛ لأنّه مرقّق ومؤثّر، ولذا وردَ الأمرُ في تلاوةِ القرآن؛ لحديث: ((زيّنوا القرآنُ بأصواتكم))، وحدث: ((ليس منَّا مَن لم يتغنَّ القرآن)).
(8) قوله: والترجيع؛ هو سنَّة عند الشافعيّ وغيره؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم علَّم أبا محذورةَ الأذانَ بهذه الكيفيّة، وأصحابنا أخذوا بأذان بلال الذي كان يؤذِّن به بين يدي رسولِ الله حضراً وسفراً، فإنّه خالٍ عن الترجيع، وكذا رواياتُ قصّة عبد الله بن زيد.
(2/226)
________________________________________
(ويُحَوِّلُ[(1)] وجهَهُ في الحَيْعلتيْن[(2)] يَمْنةً ويَسْرة(3)، ويَسْتَدْيرُ في صومعتِهِ[(4)](5) إن لم يمكنْ التَّحويل مع الثَّبات في مكانِه): المرادُ أنَّه إذا كان المئذنة(6) بحيث لو حوَّلَ وجهَهُ[(7)] مع ثباتِ قدميه لا يحصلُ الإعلام، فحينئذٍ يستديرُ فيها، فيخرجُ رأسَهُ من الكَوَّة(8) اليُمْنى، ويقول(9): حيِّ على الصَّلاة
__________
(1) قوله: ويحوّل؛ من التحويل؛ أي يصرفُ وجهه يميناً عند: حيّ على الصلاة، وشمالاً عند حيَّ على الفلاح؛ لأنّه خطاب، فينبغي أن يواجه به القوم، وهو المرويّ من فعلِ بلالٍ رض أخرجَهُ البخاريّ وغيره.
(2) قوله: في الحيعلتين؛ تثنية حيعلة، بفتح الحاء، وتشديد الياء المفتوحة، وهو مصدرُ حيعل؛ أي قال: حيَّ على الصلاة، حيّ على الفلاح.
(3) ولو وحده أو لمولود؛ لأنه سنة الأذان مطلقاً. كما في ((الدر المختار))(1: 259).
(4) قوله: صومعته؛ هي الموضعُ العالي على رأسِ المأذنة، وهي في الأصلِ متعبّد النصارى، قاله العينيّ.
(5) أي المنارة، وفي الأصل هي منارة الرَّاهب التي يتعبد بها فيها. كذا في ((رمز الحقائق))(1: 32).
(6) في ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد(8: 419): عن أم زيد بن ثابت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجده، فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد وقد رفع له شيء فوق ظهره. قال السيوطي في ((الوسائل إلى معرفة الأوائل))(ص27): أول من رقى منارة بمصر للأذان شرحبيل بن عامر المرادي، وبنى مسلمة المنائر للأذان بأمر معاوية، ولم تكن قبل ذلك.
(7) قوله: بحيث لو حوّل وجهه؛ لما استشعرَ بما في كلامِ المصنِّف من الإشكالِ بأنّه كيف لا يمكنُ تحويلُ الوجهِ مع ثباتِ قدميهِ في موضعِهِ أشارَ إلى دفعه بأنّ المقصودَ نفيُ التحويلِ الذي يحصلُ به الإعلام.
(8) الكَوَّة: الخرق في الحائط. كما في ((اللسان))(6: 3964).
(9) في م: فيقول.
(2/227)
________________________________________
ثُمَّ يذهبُ[(1)] إلى الكَوَّة اليُسرى، ويُخْرِجُ رأسَه، ويقول: حيَّ على الفلاح.
(ويقولُ: بعد فلاحِ الفجرِ[(2)][(3)] الصَّلاة خيرٌ من النَّوم[(4)] مرَّتين، والإقامةُ مثلُه[(5)
__________
(1) قوله: ثمَّ يذهب؛ هذا هو الأصحّ؛ كما في ((البناية)) و((التبيين)) و((المنية)) وغيرها، وقيل: يحوِّل وجهَه في كلّ من الحيعلتين مرَّة يمنةً، ومرّة يسرة، قال ابن الهمام: هو الأوجه، وردَّه الخيرُ الرمليّ بأنّه مخالفٌ للصحيح المنقولِ عن السلف.
(2) قوله: بعد فلاح الفجر؛ ذهب بعض المشايخ إلى أنّ محلّ الصلاة خيرٌ من النوم بعد تمام الأذان، وإليه يميل كلام الإمامُ محمّد رح في ((الموطأ))، وقد رددته عليه في ((لتعليق الممجد))، وبيّنت أنَّ الصحيحَ هو كونه في الأذان بعد حيَّ على الفلاح من أذانِ الفجر، وهو الثابت من فعل بلال، وبه أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أرجه ابن ماجه والطبرانيّ وغيرهما.
(3) قوله: الفجر دون غير من الصلوات ؛ لحديث: ((لا تثويبَ في شيء من الصلاة إلا في الفجر)) قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم لبلالٍ المؤذّن، أخرجه الترمذيّ، وفسَّر التثويبَ بأن يقول بعد الفلاح: الصلاةُ خيرٌ من النوم.
(4) قوله: خيرٌ من النوم؛ قال في ((منح الغفار)) تبعاً لصاحب ((البحر)): إنّما كان النومُ مشاركاً للصلاة في أصلِ الخيريَّة لأنّه قد يكون عبادة كما إذا كان وسيلةً إلى طاعةٍ أو تركها، أو ترك معصية، أو لأنَّ النومَ راحةٌ في الدنيا، والصلاة راحةٌ في الآخرة، فتكون الراحةُ في الآخرة أفضل.
(5) قوله: والإقامةُ مثله، هو في الأصلِ مصدر ثمَّ سمَّيت بها الكلماتُ التي تقالُ عند إرادةِ ابتداءِ الصلاةِ لإعلامِ الحاضرين، وليس المرادُ المثليَّة في جميعِ الأحوال، فإنّ بينهما فرقاً من وجوب ولا في الأحوال التي مرّ ذكرها في المتن، فإنّ منها وضعُ الأصبعين في الأذنين وليس ذلك في الإقامةِ على القولِ المعتمد، وكذا لا تحويلَ فيها ، وكذا لا يزاد فيها الصلاة خير من النوم، بل المراد المثليّة في الكلمات، وكيفيّتها من الترتيب، وكونها مثنى مثنى غير التكبير الأوّل فإنّه أربع مرّات.
(2/228)
________________________________________
]) خلافاً للشَّافِعِيِّ(1) - رضي الله عنه - فإن عنده الإقامةُ فُرادَى[(2)] إلاَّ قد قامَت الصَّلاة. (لكن يَحْدِرُ(3) فيها، ويقولُ بعد فلاحِها: قد قامت الصَّلاةُ مرَّتين، ولا يتكلَّمُ فيهما[(4)]): أي لا يتكلَّمُ في أثناءِ الأذان، ولا في أثناءِ الاقامة.
__________
(1) ينظر: ((المنهاج))(1: 136).
(2) قوله: فرادى ؛ أي تفرد كلّ كلمة وتثنى: قد قامت الصلاة؛ لحديث أنس - رضي الله عنهم -: أمر بلالٌ أن يشفع الأذان؛ ويوتر الإقامة، أخرجه الشيخان وغيرهم، ولنا حديث أبي محذورةَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة، أخرجه أبو داود والنسائيّ وغيرهما، وفي الباب أحاديث من الجانبين بسطناها مع الجواب عنها من الطرفين في ((السعاية))، والحقُّ أنَّ هذا الاختلاف وأمثاله اختلافٌ في مباح، والكلّ ثابتٌ وجائز، قال في ((المواهب اللدنية)): كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة مؤذّنين: بلال - رضي الله عنهم -، وعمرو بن أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة، منهم مَن كان يرجع الأذان ويثنّي الإقامة، وبلالٌ كان يفرد الإقامة ولا يرجع، فأخذ الشافعيّ رح بإقامة بلال رض، وأهلُ مكَّة أخذوا بأذانِ أبي محذورة؛ أي مع الترجيعِ وإقامة بلال رض، وأخذَ أبو حنيفةَ رح وأهل العراقِ بأذان بلال رض وإقامة أبي محذورة، وأخذ أحمد رح وأهل المدينة بأذان بلال رض وإقامته، وخالفهم مالك رح في موضعين: تثنيةُ التكبير، وتثنية لفظ الإقامة.
(3) حدر في قراءته وفي أذانه: أسرع. كما في ((مختار))(ص126).
(4) قوله: ولا يتكلّم فيهما؛ المرادُ بالكلامِ هاهنا ما يكونُ غير ألفاظِ الأذانِ والإقامة، وإن كان ردّ سلام أو تشميتَ عاطسٍ أو حمداً على العطس، أو السلام، فإن تكلَّم استأنفَ إلا إذا كان يسيراً. كذا في ((البحر)) و((الخلاصة)).
(2/229)
________________________________________
(واستحسنَ المتأخِّرونَ[(1)
__________
(1) قوله: واستحسن المتأخرون... الخ؛ اعلم أنّ التثويبَ هو الإعلامُ بعد الإعلام بنحو: الصلاةُ خيرٌ من النوم، أو حيّ على الصلاة، أو الصلاةُ حاضرة أو نحو ذلك بأي لسانٍ كان، وقد كان يسمّى في العهدِ النبويّ وعهد أصحابه - رضي الله عنهم - زيادة: الصلاة خيرٌ من النوم في أذانِ الفجر تثويباً، وهو المرادُ بقول بلال - رضي الله عنه - : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أثوَّب إلا في الفجر، أخرجه ابن ماجة، وأخرجَ الطحاويّ في ((شرح معاني الآثار)) عن ابن عمر - رضي الله عنهم - وأنس كان التثويب في الغداة إذا قال المؤذّن: حيّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، وأمّا التثويبُ بين الإذان والإقامة فلم يكن في ذلك العهد، بل قد أنكرَ عليه كما أخرجه ابن أبي شيبةَ أنّ أبا محذورةَ - رضي الله عنهم - مؤذّن مكَّة أتى ابنَ عمرَ - رضي الله عنهم - بعد الأذان، وقال: الصلاة الصلاة، فقال عمر: ويحك أمجنونٌ أنت، أما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك، وكذا أنكرِ التثويبَ بين الأذانِ والإقامةِ ابن عمرَ كما في ((سنن أبي داود))، واختلف الفقهاء في حكم هذا التثويب على ثلاثة أقوال: الأوّل: إنّه يكرهُ في جميعِ الصلوات إلا الفجر؛ لكونِهِ وقتَ نومٍ وغفلة، ويشهد له حديث أبي بكرة: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاةِ الصبح فكان لا يمرُّ برجلٍ إلا ناداهُ بالصلاةِ أو حرَّكه برجله، أخرجه أبو داود؛ فإنّه يدلّ على اختصاصِ الفجر في الجملة، الثاني: ما قاله أبو يوسفَ واختاره قاضي خان: إنّه يجوزُ التثويب للأمراء، وكلّ مَن كان مشغولاً بمصالحِ المسلمين؛ كالقاضي والمفتي في جميع الصلوات لا لغيرهم، ويشهدُ له ما ثبتَ برواياتٍ عديدةٍ أنَّ بلالاً كان يحضرُ باب الحجرةِ النبويَّةِ بعد الأذان، ويقول: الصلاة الصلاة، والثالث: ما اختاره المتأخِّرون أنّ التثويبَ مستحسنٌ في جميعِ الصلوات لجميع الناس لظهور التكاسلِ في أمورِ الدين، لا سيّما في الصلاة، ويستثنى منه المغرب بناء على أنّه ليس يفصلُ فيه كثيراً بين الأذان والإقامة، صرح به في ((لعناية)) و((الدرر)) و((النهاية)) وغيرها، وقد أوضحتُ المسألةَ مع دلائلها وفروعها في رسالتي: ((التحقيق العجيب في التثويب)) فلتطالع.
(2/230)
________________________________________
] تثويبَ الصَّلاةِ كلِّها)(1)، التَّثويبُ(2) هو الإعلامُ بعد الإعلام[(3)](4).
__________
(1) قال التُّمُرْتَاشِيُّ في ((منح الغفار في شرح تنوير الأبصار))(ق1: 50/أ): أفادَ صاحبُ ((الوقايةِ)) بمفهومِهِ أنه ليسَ بمستحسنٍ عندَ المتقدِّمين، وهو كذلك. فقد صرَّح في ((البحرِ))، وغيرِه: أنه مكروهٌ عندهم في غيرِ الفجر، وهو قولُ الجمهور، كما حكاهُ النَّوَوِيُّ في ((المجموع شرح المهذب))(3: 106). وأفادَ بإطلاقِهِ أنَّهُ لا يخصُّ شخصاً دون شخص، فالأميرُ وغيرُهُ سواء، وهو قولُ محمَّد. انتهى
(2) اختلف الفقهاء في التثويب على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يكره في جميع الصلوات إلا الفجر؛ لكونه وقت نوم وغفلة.
الثاني: أنه يجوز للأمراء ولكل من كان مشغولاً بمصالح المسلمين كالقاضي والمفتي، وهو ما قاله أبو يوسف واختاره قاضي خان.
والثالث: ما اختاره المتأخرون أن التثويب مستحسن في جميع الصلوات لجميع الناس؛ لظهور التكاسل في أمور الدين ولا سيما في الصلاة. وتفصيل الأقوال وأدلتها في ((التحقيق العجيب في التثويب)) لللكنوي.
(3) قوله: هو الإعلامُ بعد الاعلام؛ أشار بإطلاقِه؛ أي أنّه لا يخصّ التثويبُ بلفظٍ دون لفظ، بل يكفي فيه التنحنح أيضاً، ولا يختصّ أيضاً بلسانٍ دون لسان، وإلى أنّ استحسانَ التثويبِ إنّما هو لمّا كان له الإعلام الأوّل فما تعورف في بعض بلادنا من قول: الصلاة الصلاة سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأذانين من يوم الجمعة ليس داخلاً في استحسانِ المتأخّرين ولا في استحسانِ المتقدّمين، فيلزم تركه.
(4) ويكون التثويب بما تعورف كتنحنح، أو قامت قامت، الصلاة الصلاة، ولو أحدثوا اعلاماً مخالفاً لذلك جاز. كما في ((رد المحتار))(1: 261).
(2/231)
________________________________________
(ويجلسُ بينَهما[(1)](2) إلاَّ في المغرب، ويؤذِّنُ للفائتة[(3)]، ويقيم): أي إذا صلَّى فائتة واحدة، (وكذا لأولى الفوائت): أي إذا صلَّى فوائتَ كثيرة، (ولكلِّ من البواقي يأتي بهما، أو بها[(4)
__________
(1) قوله: ويجلس بينهما؛ ليس المرادُ بهِ خصوصُ الجلوس، بل الفصلُ بين الأذانِ والإقامةِ مقدارُ ما يحضر القومُ ويصلّون السنن، مع مراعات الوقتِ المستحبّ لحديث: ((اجعل بين أذانك وإقامتك قدرَ ما يفرغُ الآكل من أكله، والشاربُ من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاءِ حاجته)) قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم لبلالٍ - رضي الله عنهم -، أخرجه الترمذيّ والحاكم، وهذا كلَّه في غير المغرب، أمّا فيه فقال أبو حنيفة: الأفضلُ أن لا يجلسَ فيه بل يكتفي فيه بالسكوت بمقدارِ ثلاث آياتٍ قصار، أو ثلاث خطوات؛ لئلا يلزمَ تأخيرُ المغربِ المنهيّ عنه، وقالا: يجلس بينهما جلسة خفيفة، كجلسة الخطيب. كذا في ((الهداية)) وشروحها.
(2) ليس المراد به خصوص الجلوس، بل الفصل بين الأذان والإقامة مقدار ما يحضر القوم ويصلون السنن مع مراعات الوقت المستحب، أما في المغرب فقال أبو حنيفة: الأفضل أن لا يجلس فيه، بل يكتفي فيه بالسكوت بمقدار ثلاث آيات قصار أو ثلاث خطوات؛ لئلا يلزم تأخير المغرب المنهي عنه، وقالا يجلس بينهما جلسة خفيفة كجلسة الخطيب. كما في ((السعاية))(2: 28).
(3) قوله: للفائنة الأصل؛ فيه قصَّةُ ليلة ِالتعريس، وسيأتي ذكرها في باب إدراكِ الفريضة إن شاء الله تعالى، قال في ((منح الغفار)): هذا إذا قضى منفرداً، أمّا إذا كان في المسجدِ فلا أذان لها. انتهى. وفي ((مراقي الفلاح)): إذا كان التفويت لأمرٍ عامٍّ فالأذانُ في المسجد ِلا يكره.
(4) قوله: بهما أو بها؛ أيّ هو مخيّر بين أن يؤذّن ويقيمَ للكلّ، وبين أن يكتفيَ على الإقامة كما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فاتته أربعُ صلوات يوم غزوةِ الأحزاب فقضى الظهرَ والعصرَ والمغرب بأذانٍ واحدٍ وإقامةٍ متعدِّدة، أخرجه الترمذيّ وغيره.
(2/232)
________________________________________
](1).
وجازَ أذانُ المحدث[(2)]، وكُرِه إقامتُه(3)، ولم(4) تعاد[(5)]، وكُرِه أذانُ الجُنُبِ[(6)] وإقامتِه، ولا تعادُ هي، بل هو[(7)])؛ لأنه لم يُشْرَعْ تكرارُ الإقامة[(8)
__________
(1) في ((الدر المختار))(1: 262): يخير في الأذان للباقي لو في مجلس، وفعله أولى، ويقيم للكل، وفي ((نور الإيضاح))(1: 223): وكره ترك الإقامة دون الأذان في البواقي إن اتحدّ المجلس.
(2) قوله: وجاز أذان المحدث؛ أي مَن به حدثٌ أصغر، يعني بلا كراهةٍ في ظاهر الرواية، وذلك لأنّ الأذان ذكر كسائرِ الأذكار، فتستحبّ له الطهارة، ولا تكره بدونها كقراءة القرآن في الإقامة محدثاً، يلزمُ الفصلُ بين الإقامةِ وبين الصلاةِ بالاشتغال بالطهارة، وهو مكروهٌ فافترقا، وفي روايةٍ عن أبي حنيفةَ رح: لا تكره الإقامةُ أيضاً، وفي رواية: يكره الأذانُ أيضاً. كذا في ((البحر))، أمّا حديث: ((لا يؤذّن إلا متوضّئ))، أخرجه الترمذيّ وأشارَ إلى تضعيفه فلا يدلّ إلى على الاستحباب.
(3) أي المحدث؛ لأن الإقامة لم تشرع إلا متصلة بصلاة المقيم، ولم يكره آذانه؛ لأنه ذكر يستحب في الطهارة، فلا يكره بدونها كقراءة القرآن، وقيل يكره. كما في ((فتح باب العناية))(1: 208).
(4) في م: ولا.
(5) قوله: ولم يعادا؛ أي إن أذّن أو أقام محدثاً لا يجبً إعادته، أمّا عدمُ إعادةِ الأذان فلأنّه لا كراهةَ فيه، وأمّا عدم الإقامة، فلعدمِ مشروعيَّة تكرارِ الاقامة، ولذا لا تعادُ إقامة الجنب.
(6) قوله: أذان الجنب؛ وذلك لأنّ للأذانِ شبهًا بالصلاة، وشبهاً بباقي الأذكار، فاعتبرنا الشبهين، وقلنا: لا يكره مع الحدث الأصغر، ويكره مع الحدث الأكبر، وأمّا الإقامةُ فإنّها إذا كرهت بالحدثِ الأصغرِ كرهت بالحدث الأكبرِ بالطريقِ الأولى. ((كذا في الذخيرة)).
(7) قوله: بل هو؛ أي الأذان، قال محمّد في ((الجامع الصغير)): أحبّ إليّ أن يعيدَ وإن لم يعد أجزاه.
(8) قوله: تكرار الإقامة؛ أي الصلاةُ واحدة، بخلافِ الأذان، فإنَّ تكرارَه مشروعٌ كأذانِ الجمعة.
(2/233)
________________________________________
]؛ لأنَّها لإعلام(1) الحاضرين، فتكفي(2) الواحدة، والأذانُ لإعلامِ الغائبين، فيحتملُ سماعُ البعضِ دون البعض، فتكرارُه مفيد. ( كأذان المرأة[(3)](4)، والمجنون، والسَّكران[(5)](6) )(7): أي يُكْرَه، ويستحبُّ[(8)] إعادتُه.
__________
(1) في م: اعلام.
(2) في أ و ب و س و ص: ويكفي.
(3) قوله: كأذانِ المرأة؛ لأنَّ في أذانها احتمالُ وقوعِ الفتنة برفعِ صوتها، فلذلك كره أذانها، وكذا أذانُ الخنثى كما في ((البحر)).
(4) لأن لم ينقل عن السلف حين كانت الجماعة مشروعة في حقهن، فيكون من المحدثات ولاسيما بعد انتساخ جماعتهن، ولأنها منهية عن رفع صوتها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، وينبغي أن تكون الخنثى كالمرأة. كما في ((التبيين))(1: 94)، ((البحر))(1: 277).
(5) قوله: والمجنون والسكران؛ وكذا الصبيّ الذي لا يعقل، والمعتوه؛ لأنّ أذانهم صادرٌ من غيرِ فهمٍ واختيار، فلا يعتدّ به، كصوتِ الطير. كذا في ((البناية)) و((البحر)).
(6) في أ: والشكران.
(7) لعدم الوثوق بقولهما ولفقد تميزهما، فيتعين إعادة أذانهما وإقامتهما، وكذا يعاد أذان الصبي الذي لا يعقل. كما في ((فتح باب العناية))(1: 209).
(8) قوله: ويستحبّ؛ وقيل: تجب الإعادةُ في أذانِ المجنون والسكران.
الاحسن ان ي جعل استثناء من حكم استحسان المتاخرين التثويب في الصلوات كلها ومن حكم الجلوس كليهما كما اختاره محمد ابن الفراموز الرومي في درره شرح غرره البرجندي في شرح النقاية.
(2/234)
________________________________________
(ويأتي بهما المسافر[(1)]، والمصلِّي في المسجدِ[(2)] جماعة، أو في بيتِه في مصر، وكُرِه تَرْكُهما للأولين لا للثَّالِث[(3)]): أي كُرِهَ [تركُهما: أي](4) تركُ كلِّ واحدٍ منهما[(5)] للمسافر، والمصلِّي في المسجدِ جماعة، أمَّا تركُ واحدٍ منهما، فلم يذكره(6)، فنقول: أمَّا المصلِّي في المسجدِ جماعة، فيكرَهُ له تركُ واحدٍ منهما، وأمَّا المسافر فيجوزُ له الاكتفاءُ بالإقامة.
__________
(1) قوله: المسافرُ منفرداً كان أو مع الرفقاء؛ لحديث مالك بن الحويرث: إنّه لمَّا أرادَ الانصراف من عند النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى وطنه ومعه ابن عمر - رضي الله عنهم - قال له رسول الله: ((إذا حضرت الصلاةُ فليؤذِّن أحدكم))، أخرجه أصحابُ الكتب الستة.
(2) قوله: والمصلي في المسجد؛ فإن صلَّى منفرداً في المسجدِ بعد ما صلَّى فيه فإنّه يكرهُ له فعلهما، ذكره في ((الذخيرة)) وغيره.
(3) قوله: لا للثالث؛ لأنَّ المصلِّي في بيته وإن كان صلَّى بغير أذانٍ وإقامة، فإنّه صلَّى بهما حكماً؛ لكفايةِ أذانِ المسجدِ الحية، بخلاف المسافرِ فإنّه لو تركَهما يكون مصليَّاً بدون أذانٍ وإقامةٍ حقيقةً وحكماً. كذا في ((الذخيرة)).
(4) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ص و ف و م.
(5) قوله: ترك واحدٍ منهما؛ أيّ واحدٍ كان، فإنَّ الأذانَ والإقامةَ جعلا من شعائرِ الإسلامِ لجماعاتِ المساجد، فيكره فيها تركُ كلٍّ منهما، فإن دخلَ مع رفقائه في مسجدٍ قد صلَّى فيه بأذانٍ وإقامةٍ وصلَّى مع الجماعةِ لم يؤذِّن، ولا بأسَ بالإقامة، بل هو الأفضلُ بناءً على أنّ تكرارَ الأذانِ في وقتٍ واحدٍ مشوّش، والإقامةُ للحاضرين وهم في الجماعةِ الثانية غير الأوَّلين، فينبغي لهم الإقامة.
(6) في م: يذكر.
(2/235)
________________________________________
و[أمَّا](1) المصلِّي في بيتِهِ في مصرٍ إن تَرَكَ كلاً منهما فيجوز(2)؛ لقولِ ابن مسعود[(3)] - رضي الله عنه -: ((أذان(4) الحيِّ يكفينا))(5)، وهذا[(6)] إذا أُذِّنَ وأقيمَ في مسجدِ حيِّه. وأمَّا في القرى: فإن كان فيها مسجدٌ فيه أذانٌ وإقامة، فَحُكْمُ المصلِّي فيها كما مرّ، والمصلِّي في بيتِهِ[(7)
__________
(1) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(2) ينظر: ((درر الحكام))(1: 56-57).
(3) قوله: لقول ابن مسعود - رضي الله عنهم -؛ فإنَّه صلَّى مع علقمةَ بن قيس، والأسودُ بن يزيد بغير أذانٍ وإقامة، وقال: يجزي إقامةُ الناسِ حولنا، أخرجه محمَّد في كتاب ((الآثار))، وأمّا اللفظُ الذي ذكرَه الشارحُ أخذاً من ((الهداية)) فلم أجده.
(4) في م: أذن.
(5) روي في ((مصنف عبد الرزاق))(1: 512)، و((المعجم الكبير))(9: 257)، و((مجمع الزوائد))(2: 3) عن إبراهيم النخعي أن ابن مسعود: صلَّى بأصحابه في داره بغير إقامة، وقال: إقامة المصر تكفي وروى: أن ابن مسعود وعثمان والأسود صلَّوا بغير أذان ولا إقامة قال سفيان: كفتهم إقامة المصر. وينظر لمعرفة مزيد من الآثار في ذلك ((مصنف ابن أبي شيبة))(1: 512)، و((نصب الراية))(1: 291)، و((الدراية))(1: 121).
(6) قوله: وهذا؛ أي جوازُ تركِ كلٍّ منهما للمصلِّي في بيته.
(7) قوله: والمصلِّي في بيته؛ الظاهرُ أنّه مستدركٌ بعد قوله: فحكم المصلِّي فيها كما مرّ، كما أشارَ إليه في ((ذخيرة العقبي))، وقد خطرَ ببالي عند تأليفِ ((السعاية)) توجيه حسن، وهو: إنّ ضميرَ فيها في الجملةِ السابقةِ راجعٌ إلى مسجدِ القرى لا إلى القرى، وتأنيثُ الضميرِ باعتبارِ اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه، فإنّه يكتسبُ المضافُ من المضاف إليه أموراً منها: التأنيثُ على ما بسطها في ((مغني اللبيب)) وغيره، وبسطتُ الكلامُ فيها في رسالتي: ((خير الكلام في تصحيح كلامِ الملوك ملوك الكلام))، فتكونُ الجملةِ السابقة بياناً لحكم المصلِّي في مساجدِ القرى جماعة، وهذه الجملةُ بياناً لحكمِ المصلِّي في بيوتِ القرى، فلا استدراكَ ولا تكرار.
(2/236)
________________________________________
] يكفيه أذان المسجد، وإقامتُه، وإن لم يَكُنْ فيها مسجد كذا، فمَن يُصلِّي في بيتِه حُكْمُه حُكْمُ المُسافر[(1)].
(ويقومُ الإمامُ[(2)] والقومُ عند[(3)] حيِّ على الصَّلاة، ويَشْرَعُ عند قد قامت الصَّلاة(4). [والله أعلم](5) ).
بابُ شروطِ[(6)] الصَّلاة
__________
(1) قوله: حكمُ المسافر؛ أي يكرَهُ له تركهما والاكتفاءُ بالأذان، ويجوزُ له الاكتفاءُ بالإقامة.
(2) قوله: ويقوم الإمام؛ أي من مواضعهم إلى الصفّ، وفيه إشارةٌ إلى أنّه إذا دخلَ المسجدُ يكرَه له انتظارُ الصلاةِ قائماً بل يجلسُ في موضعٍ ثمَّ يقومُ عند حيَّ على الفلاح، وبه صرَّح في ((جامع المضمرات)).
(3) قوله: عند؛ أي قبيله عند أبي حنيفةَ ومحمَّد، وبعده عند أبي يوسف، والخلافُ في الأفضليَّة ووجهه أنّ هذا إخبارٌ بقيامِ الصلاة، فينبغي الشروعُ عنده.
للحاضرين فينبغي لهم أن يجيبوا ويتهيأوا الصلاة.
(4) هذا قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -، واختاره صاحب ((الملتقى))(ص11)، قال الحلواني: هو الصحيح، وأما على قول أبي يوسف - رضي الله عنه - فيشرع بعد الفراغ من الصلاة، في ((الخلاصة)): هو الأصح، واختاره ابن ملك في ((شرح الوقاية))(ق27/أ)، وابن كمال باشا في ((الإيضاح))(ق13/ب)، وقال الحصكفي في ((الدر المنتقى))(1: 78): وهو أعدل المذاهب قاله ابن الساعاتي، وقال القاري في ((فتح باب العناية))(1: 211): الجمهور على قول أبي يوسف ليدرك المؤذن أول صلاة الإمام، وعليه عمل أهل الحرمين. وذكر في ((الخزانة)): أنه لو لم يشرع حتى فرغ من الإقامة فلا بأس به، والكلام في الاستحباب لا في الجواز. وينظر: ((جامع الرموز))(1: 79).
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ج.
(6) قوله: شروط؛ شرطُ الشيء ما يكون خارجاً عن حقيقتِهِ ويتوقَّف عليه وجوده من دون أن يكون مفضياً إليه أو مؤثَّراً، فإن كان مؤثِّراً فهو علَّة، وإن كان مفضياً فهو سبب.
(2/237)
________________________________________
(هي طهرُ بدنِ المصلِّي من حدثٍ وخبث)، الحدثُ[(1)]: النَّجاسةُ الحكميَّة(2)، والخبثُ: النَّجاسة الحقيقية. (وثوبِه[(3)]، ومكانِه[(4)]، وسترُ عورتِه[(5)]، واستقبالُ القبلة[(6)]، والنِيَّة[(7)].
__________
(1) قوله: الحدث؛ النجاسةُ الحكميَّة؛ أي التي حكمَ الشارعُ بها، وثبت ذلك بجعلِها كنجاسةِ الجنب والمحدث، والحقيقةُ هي مصداقُ النجاسةِ حقيقةً من غير احتياج إلى جعل الشارعِ كالغائط والبول ونحو ذلك.
(2) النجاسة الحكمية: أي التي حكم الشارع بها، وثبت ذلك بجعلها كنجاسة الجنب والمحدث، والحقيقية: هي مصداق النجاسة حقيقة من غير احتياج إلى جعل الشارع كالغائظ والبول ونحو ذلك. كما في ((العمدة))(1: 156).
(3) قوله: وثوبه؛ قال البرجندي: ينبغي أن يعمَّ الثوبُ بحيث يشملُ القلنسوةَ والنعلَ والخفّ، ونحوها في ((الظهيريَّة)): إذا صلَّى في ثوبٍ نجسٍ ويعلمُ أنَّه لو غسلَهُ تنجَّس ثانياً وثالثاً جازَ أن يصلِّي فيه.
(4) قوله: ومكانه؛ أي بقدرِ موضعِ قدميهِ وموضعِ سجوده، فلو كان الخبثُ في موضعِ ركبتيه أو يديه لم يمنع؛ لأنَّ اتِّصالها ليس بفرض، قاله البرجنديّ.
(5) قوله: وستر عورته؛ العورةُ بالفتح: العضو الذي وجبَ ستره، ووجوبُ سترِهِ في الصلاةِ إنّما هو بالنسبةِ إلى الغير، فلو صلَّى محلولَ الجيبِ فوقعَ بصرُهُ على عورتِهِ لم تفسد صلاته. كذا في ((البناية))، والأصلُ في وجوبِ السترِ قوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كلّ مسجد}؛ فإنَّ المرادَ بالزينة الثياب.
(6) قوله: واستقبال القبلة؛ أي جهةُ الكعبة؛ لقوله تعالى: {فولّ وجهك شطر المسجد الحرام}، ولا تشترطُ إصابةُ عينِ الكعبةِ إلا للمكيّ على اختلافٍ فيه، كما بسطناه في ((السعاية)).
(7) قوله: والنية؛ أي قصدُ العبادةِ الله تعالى.
(2/238)
________________________________________
والعورةُ[(1)] للرَّجل(2) من تحتِ سرَّتِهِ(3) إلى تحتِ ركبتِه، وللأمةِ[(4)] مثلُهُ مع ظهرِها وبطنِها، وللحرَّةِ كلُّ(5) بدنِها(6) إلاَّ الوجهَ والكفَّ[(7)] والقدم[(8)](9)
__________
(1) قوله: والعورة... الخ؛ لمَّا فرغَ عن ذكرِ الشروط الستَّة وكان قد فرغَ من تفصيلِ الثلاثة الأولِ في كتاب الطهارات أرادَ أن يبيِّن تفصيلاً متعلِّقا بالثلاثة الباقية.
(2) في ج: من الرجل.
(3) في ج: السرية. أي: ما تحت الخط الذي يمر بالسرّة ويدور على محيط بدنه بحيث يكون بعده عن موقعه في جميع جوانبه على السواء. كما في ((رد المحتار))(1: 271).
(4) قوله: وللأمة؛ سواءً كانت رقيقة أو مدبَّرة أو مكاتبة.
(5) سقطت من ت و ج و ص و ف. وفي م: كلها.
(6) سقطت من م.
(7) قوله: والكف؛ وكذا ظاهرُ الكفِّ ليس بعورةٍ على المعتمد، كما في ((فتاوى قاضيخان)) و((حلية المحلي)).
(8) قوله: والقدم؛ هذا أحد الأقوالِ الثلاثة، وصحَّحه في ((الهداية))، وثانيهما: إنّه عورة، وصحَّحه الأقطع شارح ((مختصر القدوريّ)) وثالثهما: إنّه عورةٌ في الصلاةِ فيجبُ ستره لا خارجها.
(9) اختلفوا في القدم على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه ليس بعورة، للابتلاء بإبدائهما خصوصاً للفقيرات، اختاره المصنف، وصححه صاحب((الهداية))(1: 43)، و((المحيط))(ص84)، و((التبيين))(1: 96)، وقال صاحب ((مجمع الأنهر))(1: 81): وهو الأصح، وقال الحصكفي في ((الدر المنتقى))(1: 81): وهو المعتمد من المذهب.
والثاني: أنه عورة، صححه قاضي خان في ((فتاواه))(1: 134)، والأقطع، واختاره الاسبيجابي. كذا في ((البناية))(2: 63)

والثالث: أنه ليس بعورة في الصلاة، وعورة خارجها، وصححه صاحب ((الاختيار))(1: 63)، و((السراجية))(1: 47).
(2/239)
________________________________________
، وكشفُ ربعِ ساقِها وبطنِها، وفخذِها، ودُبُرِها، وشعرٍ نَزلَ من رأسِها[(1)]، وربعِ ذَكَرِهِ منفرداً، و(2) الأُنْثَيين(3) يمنع)، فالحاصلُ(4) أنَّ كشفَ ربعِ العضو الذي هو عورةٌ يمنعُ جوازَ الصَّلاة، فالرَّأسُ عضو، والشَّعرُ النَّازِلُ عضوٌ آخر، والذَّكرُ عضو، والأنثيان آخر(5).
(وعَادِمُ مُزيلِ(6) النَّجسِ(7) صلَّى معه، ولم يعد[(8)
__________
(1) قوله: نزل من رأسها؛ قيَّد به لأنَّه لا خلافَ في الشعرِ الذي على الرأسِ في أنّه عورةٌ إنَّما الخلافُ في المسترسلِ فقيل: ليس بعورة، والصحيح إنّه عورة.
(2) في ف: أو.
(3) الأُنْثَيان: الخُصْيتان. كما في ((الصحاح))(1: 51).
(4) في ص و ف و م: الحاصل.
(5) وتفصيل الكلام في عورة الرجل والأمة والحرة ينظر: ((رد المحتار))(1: 274).
(6) أي الخبث عدماً حقيقياً، أو حكمياً، كما إذا كان معه ماء، لكن يخاف العطش، فإن صلى مع النجس للضرورة، لم يعد وإن كان الوقت باقياً؛ لأنه فعل ما في وسعه. كذا في ((فتح باب العناية))(1: 220).
(7) في ف: النجاسة.
(8) قوله: ولم يعد؛ لأنَّ تكليفِ التطهير سقطَ عنه للعجز.

بالضم شرط بفتح الشين وسكون الراء لا جمع شرط بفتحتين كما توهم صاحب النهر.
(2/240)
________________________________________
]، فإن صلَّى عارياً وربعُ ثوبِهِ طاهرٌ لم يجز، وفي أقلَّ من ربعٍ الأفضلُ[(1)] صلاتُهُ فيه، ومَن(2) عَدِمَ ثوباً فصلَّى قائماً جاز، وقاعداً مومئاً نُدِب[(3)].
__________
(1) قوله: الأفضل؛ يعني هو مخيَّر بين أن يصلِّي عرياناً وبين أن يصلِّي في ذلك النجس؛ لأنَّ كلاً منهما مانعٌ عن جوازِ الصلاةِ حالة الاختيار، ومستوفي حقَّ المقدار، فتساويا، والأفضلُ هو التستَّر، فإنَّ لبسَ الثوبِ النجس أهون من كونه عرياناً، حتى جازَ الأوَّل خارجَ الصلاة لا الثاني، ومَن ابتلي ببليّتين يختارُ أهونهما.
(2) في ج و ص: من.
(3) قوله: نُدِبَ؛ إمّا مصدر بمعنى المفعول، أو ماضٍ مجهول، يعني: إنّه مخيَّر بين أن يصلِّي قائماً بركوعٍ وسجودٍ، وبين أن يصلِّي قاعداً بالإيماء؛ لأنَّ في القيامِ أداءُ الأركان، وفي القعودِ سترٌ في الجملة، فيميل إلى أيّهما شاء، والأفضلُ هو الثاني؛ لأنَّ الأركانَ لهما خلف وهو الإيماء، ولا خلفَ لستر العورة، وبهذا أفتى ابن عبَّاس - رضي الله عنهم -، أخرجه عبد الرزاق وظاهر ما في ((الهداية)): إنّه لا يجوزُ الإيماءُ قائما، وذكر في ((ملتقى البحار)) و((البرهان)) وشروح ((المنية)): إنّه مخيَّر بين أن يصلي قائماً مومئاً، أو راكعاً وساجداً وأن يصلِّي قاعداً مومئاً أو بركوعٍ وسجود.
(2/241)
________________________________________
وقِبلةُ[(1)] خائفِ الاستقبالِ جهةُ قدرتِه[(2)]، فإن جهلَها وعدمَ[(3)] مَن يسألُهُ(4) تحرَّى[(5)]، ولم يعد[(6)
__________
(1) قوله: وقبله؛ لمَّا فرغَ من تفصيلِ متعلّق بالشرطِ الرابعِ شرعَ فيما يتعلَّقُ بالشرطِ الخامس، مشيراً إلى أنّه ليس المرادُ بالقبلةِ في القولِ السابقِ الكعبةُ خاصَّة، فمَن خافَ من إنسانٍ عدو أو سبع إن صلَّى إلى جهةِ الكعبة، أو مرضَ مرضاً لا يمكنُ به أن يتوجَّه إليها، ولم يجدْ من يوجّهه، ومَن عجزَ عن النزول عن الدابةِ السائرةِ لخوفٍ أو مرضٍ أو طينٍ أو نحو ذلك، صلَّى إلى جهةٍ قدرَ على التوجه إليها. كذا في ((البرهان شرح مواهب الرحمن)).
(2) قوله: جهة قدرته؛ لأنَّ التكليفَ بحسب الطاقة، {وأينما تولّوا فثمَّ وجه الله}.
(3) قوله: وعدم؛ أي لم لم يجدْ هناك مَن يسأله، ولا يجبُ عليه طلبُ مَن يسأله، ذكره العيني، فإن وجدَ لم يجز له التحرّي بشرطِ أن يكونَ الرجلُ من أهل ذلك الموضعِ عارفاً بالقبلة، فإن لم يكن كذلك فهو والمتحرِّي سواء. كذا في ((النهاية))، ولو كان في المفازةِ والسماءُ مصحية، وله علمُ بالاستدلالِ بالنجومِ على القبلة لم يجزْ له التحرّي. كذا في ((البحر)).
(4) في ج و ص: يسال. وفي ف: سال.
(5) قوله: تحرّى؛ التحرّي طلبُ أحرى الأمرين وأوَّلهما؛ أي وجبَ عليه أن يتحرَّى بقلبه، فيصلِّي إلى جهةٍ مالَ إليها ظنَّه؛ لقوله تعالى: {أينما تُولوّا فثمَّ وجه اللهْ، نزلت في مثلِ هذه الصورة، كما أخرجه الترمذيّ، والكلامُ في هذا المقامِ طويل، مبسوطٌ في ((السعاية)).
(6) قوله: ولم يعد إن أخطأ؛ يعني إذا صلَّى إلى جهةِ تحرِّيهِ وعلمَ بعد ذلك أنّ القبلةَ كانت غيرها لا تجبُ عليه الإعادة؛ لأنَّ الواجبَ حين الجهلِ هو التوجُّه إلى جهةِ التحرِّي، وقد فعل، وقد ثبتَ أنّ بعض الصحابة اشتبهت عليهم القبلة فصلَّى كلٌّ منهم إلى جهةِ تحرِّيه، فلما أصبحوا علموا أنّهم صلِّوا إلى غيرِ القبلة، فذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم يأمرهم بالإعادة، أخرجه الترمذيّ والحاكمُ وأبو نعيم وغيرهم، وأسانيدهم لهذهِ القصَّة وإن كانت ضعيفةً لكنَّه تأيّد ذلك بإجماعِ الأمَّة.
(2/242)
________________________________________
] إن أخطأ، وإن عَلِمَ به مصلِّياً، أو تحوَّل رأيه إلى جهة(1) أخرى استدار): أي إن عَلِمَ[(2)] بالخطأ في الصَّلاة[(3)]، أو تحوَّل غلبةُ ظنِّهِ[(4)] إلى جهةِ أُخرى، وهو في الصَّلاة استدار.
__________
(1) من ت و ج و ف و م.
(2) قوله: وإن علم؛ أي إن علمَ بخطئه في الصلاة، بأن زالت الظلمةُ واستنارت الكواكبُ فعرفَ جهةَ الكعبة، أو أخبره مخبرٌ عالمٌ بهما في الصلاةِ يجبُ عليه أن يستديرَ في الصلاةِ ويصلِّي ما بقيَ إلى جهةِ الكعبة، ولا يجبُ عليه أن يستأنف؛ لأنَّ المفروضَ عند العجزِ والجهلِ هو جهة التحرِّي، وقد فعل، وحين عرفَ جهتها تبدَّلَ فرضها، فيلزمُ عليه التوجُّه إليها، والأصلُ فيه وفي مسألةِ تحوَّل الرأي قصَّةُ استدارةِ الصحابةِ حين نسخَ التوجُّه إلى بيتِ المقدس، فإنّه رويَ أنّه حين نزلَ القرآنُ بافتراضِ التوجِّه إلى الكعبةِ ونسخَ التوجُّهُ إلى بيتِ المقدس وصلَ خبرُهُ إلى جمعٍ من الصحابةِ وهم في الصلاة، فاستداروا فيها من جهةِ الشامِ إلى جهةِ مكَّة، وأتّموا ما بقي، أخرجه البخاريّ ومسلمٌ وأصحابُ السننِ على ما بسطناه في ((السعاية))، فإنّ تحوَّل الرأي والعلمِ بعد الجهلِ مشابهٌ لوصولِ خبر النسخ.
(3) قوله: وهو في الصلاة؛ قيَّد به؛ لأنَّه لو تحوَّل رأيه بعد الصلاةِ لم يعدْ ما مضى، كما في صورةِ ظهور الخطأ.
(4) قوله: أو تحوَّل غلبةُ ظنِّه؛ أشارَ به إلى أنّ المرادَ بالرأي في المتنِ الرأيُ الغالبُ لا مطلقُ الرأى، إذ لا اعتبارَ للرأي الضعيف ولا للمتردِّد في بابِ التوجه.
أي اذا كان الطاهر اقل من ربعه والباقي نجسا المراد به مطلق الساتر ولو ورق الشجر اشار به الى ان ضمير به راجع الى الخطأ المذكور سابقا ضمنا اي وان علم باصابته سواء علم في الصلاة او بعد الفراغ منها.
(2/243)
________________________________________
(وإن شرعَ بلا تحرٍّ لم يجز، وإن أصاب)؛ لأن قبلتَهُ[(1)
__________
(1) قوله: لأنَّ قبلته… الخ؛ ظاهرُ هذا التعليلِ يقتضي عدمَ الجوازِ مطلقاً، سواءً علمَ بالإصابةِ في الصلاةِ أو بعدها، وكذا ظاهرُ كلامِ المصنِّف، وإن أصاب، وظاهرُ قولِ الشارحِ في ((النقاية)) لم يعد مخطئ تحرّي، بل مصيب لم يتحرَّ، وإليه مالَ ابنُ الهمامِ في بعضِ تحريراته، وقال تلميذُهُ قاسم ابن قلطوبغا في رسالتِهِ ((الفوائدِ الجلة في اشتباهِ القبلة)) بعد نقلِ هذه العبارات، وعبارة ((مختارات النوازل)) لصاحب ((الهداية)): لو صلَّى بلا تحرٍّ لتركَ ما هو الواجبُ عليه، وهو التحرّي، وإن أصاب. انتهى. المفهومُ من هذه العباراتِ ما هو الظاهرُ منها وهو أنّ مَن اشتبهت عليه القبلةُ فصلَّى بلا تحرٍّ ثمَّ علمَ بعد الفراغ أنّه أصابَ لم تجز صلاته، وعليه الاعتماد، وقيل: هذه العباراتُ إنّما هي فيما إذا شرعَ بلا تحرٍّ، ثمَّ علمَ في صلاته أنّه أصاب؛ لأنّ صاحب ((الوقاية)) قال قبل ذلك: وإن جهلها وعدمَ مَن يسأل تحرّى ولم يعدْ إن أخطأ، وإن علمَ به مصلِّياً أو تحوَّل رأيه إلى أخرى استدار، قلت: ليس في عبارةِ ((الوقاية)) دليلٌ على هذا المراد بوجهٍ من وجوهِ الدلالات، ولو كان فرضُ المسألةِ فيمَن علمَ بالإصابةِ في الصلاةِ للزمَ التكرار، وهو بعيدٌ من برهانِ الشريعة. انتهى ملخّصاً. وفي ((غنية المستملي)): إنَ شرع فيِ الصلاة بغير تحرٍّ لم يجز، وإن أصابَ في الواقع؛ لأنّ القبلةَ حينئذٍ كانت جهةَ التحرَّي، ولم توجد، فبطلت صلاته، هذا إذا لم يعلم أنّه أصابَ أو أخطأ، فإن علمَ أنّه أصاب، فإن علمَ في الصلاةِ أنّه أصابَ استقبلَ عندهما؛ لأنَّ حالةَ العلمِ أقوى ممَّا قبله، وبناءُ القويّ على الضعيفِ لا يجوز، وعند أبي يوسف يبني؛ لأنّ الفرضَ هو التوجّهُ إلى الكعبة، وقد وجد، فيجوزُ ما قد صلّى وإن علمَ بالإصابةِ بعد الفراغِ فلا إعادةَ عليه بالاتّفاق، والفرقُ لهما بين هذه المسألةِ وبين ما إذا تحرَّى وخالفَ جهةَ التحرِّي أنّ ما فرضَ لغيره يشترطُ حصوله مطلقاً لا حصوله قصداً، كالسعي إلى الجمعة، لكن مع عدم اعتقاد الفساد، وعدم الدليل عليه وهو موجود في صورةِ عدمِ التحرّي، بخلاف تلك الصورة؛ فإنّ مخالفةَ جهةِ تحرّيه اقتضت فسادَ صلاته في اعتقادِه، فصار كما لو صلَّى في ثوبٍ نجسٍ عنده فتبيَّن أنّه طاهر، أو صلَّى ظاناً أنّه محدث، فتبيَّن أنّه متوضئ، أو صلَّى الفرض وعنده أنّ الوقت لم يدخل، فظهرَ أنّه كان قد دخل، لا يجزيه في هذا كلّه، فكذلك هاهنا، وأمّا صورةُ عدمِ التحرّي فإنّه لم يعتقدْ الفساد فيها، بل هو شاكٌّ في الجوازِ وعدمِهِ فإذا ظهرَ أنَّه أصابَ بعد تمامِ الصلاة زالَ أحد الاحتمالين، وتقرَّر الآخر، فجازت صلاته، ومن هاهنا ظهرَ الفرقُ عندهما بين علمِ الإصابةِ بعد التمام وبين علمها قبله، فإنّه إذا علمَ بالإصابةِ في الصلاةِ يلزمُ بناءَ القويّ على الضعيف، ولا كذلك بعد التمام، وقد اندفعَ بهذا التقريرِ ما أورده ابنُ الهمام من أنّ هذه المسألة: يعني مسألةَ عدمِ الإجزاءِ بالعدولِ عن جهة التحرّي مشكلةٌ على قولهما؛ لأنّ تعليلهما في هذه المسألة وهي أنَّ القبلةَ جهةُ التحرّي، وقد تركها يقتضي الفسادَ مطلقاً في صورة تركِ التحرّي، وإن علمَ إصابته؛ لأنَّ تركَ جهةِ التحرّي يصدقُ مع تركِ التحرّي، وتعليلهما في تلك يعني في التي شرعَ بغيرِ تحرٍّ، بأنّ ما شرعَ لغيرِهِ يشترطُ حصولُهُ لا تحصيله يقتضي الصحَّة في هذه المسألة، وجه الفرقِ ظاهرٌ ممَّا ذكرناه من الفرق. انتهى.
(2/244)
________________________________________
] جهةُ تحرِّيه، ولم يوجد، (فإن تحرَّوا كلَّ جهةٍ بلا علمِ حالِ إمامِهم، وهم خلفَه جازَ لا لمن عَلِمَ حالَه، أو تقدَّمَه): أي صلَّى[(1)] قومٌ في ليلةٍ مظلمةٍ بالجماعة[(2)]، وتحرَّوا القبلة، وتوجَّه كلُّ واحدٍ إلى جهةِ تحرِّيه، ولم يعلم أحدٌ أن الإمامَ إلى أي جهةٍ توجَّه، لكن يعلمُ كلُّ واحدٍ أنَّ الإمامَ ليس خلفَهُ جازت صلاتُهم[(3)].
__________
(1) قوله: أي صلَّى قوم… الخ؛ فيه مسامحة؛ فإنّ وضعَ المسألة لا يتوقَّف على الثلاثة فما فوق، بل لو كان من اقتدى به اثنين أو واحداً يكون الحكم كذلك، والقوم إنَّما يطلقُ على الثلاثة فما فوقها، ولذا عدَّه أهلُ الأصولِ من ألفاظِ العموم.
(2) قوله: بالجماعة؛ اعترضَ عليه بأنّ صلاةَ الليلِ بالجماعةِ جهريَّة، فكيف يشتبُهُ حال الإمام، وأجيبَ عنه بأنّه يجوزُ أن يتركَ الإمامُ الجهرَ سهواً، أو بأنَّه لا يلزمُ من سماعِ صوتِهِ معرفةُ جهته فيمكن أن يعرفوا بصوته أنّه ليس خلفهم، ولا يحصلُ لهم التمييزُ بأنّه إلى أيّ جهةٍ توجَّه. كذا في ((البناية)).
(3) قوله: جازت صلاتهم؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم استقبلَ قبلته، وهي جهةُ تحرِّيه، ولا تضرّهم مخالفةُ جهتهم لجهةِ الإمام، كما في جوفِ الكعبة، فإنّه لو جعلَ بعضُ القومِ ظهرَه إلى ظهرِ الإمامِ صحَّت صلاته، بخلافِ ما إذا علمَ جهةِ تحرَّيه، وخالفه، فإنّه لا تصحّ صلاته؛ لأنّ مخالفةَ الإمام مانعةٌ من صحَّةِ الاقتداء، وكذا إذا علمَ أنَّ الإمامَ خلفه؛ لأنّه حينئذٍ يلزمُ قلبَ الموضوع، وإن صلَّى الإمامُ متحرِّياً واقتدى به مَن لم يتحرَّ، فإن أصابَ الإمامُ جازت صلاتهما، وإن أخطأ الإمامُ فصلاته جائزة لا صلاةُ المقتدى، صرَّح به في ((البزازية)).
(2/245)
________________________________________
أمَّا إن عَلِمَ[(1)] أحدُهم في الصَّلاة جهةَ توجِّه الإمام، ومع ذلك خالفَه لا تجوزُ صلوتُه، وكذا إذا علم أنَّ الإمامَ خلفَه.
__________
(1) قوله: إن علم… الخ؛ إطلاقُ العلمِ يشمل اليقين والظن، وتقييدُ صاحبِ ((تنوير الأبصار)) بالتيقّن ليس بصحيح، وفي التقييدِ بقوله: في الصلاة، إشارةٌ إلى أنّه لو علمَ بمخالفة جهةِ الإمامِ بعد الصلاةِ لم يضرّه ذلك، وجازت صلاته، ولم يذكر هذا القيد في الصورةِ الثانية إشعاراً بأنّ التقدّم على الإمامِ يضرّه مطلقاً، سواءً علمَ به حالة الأداءِ أو بعده، نعم لا يضرّ مجرَّدُ التقدّم بلا علم، صرَّح به القهستانيّ في جامعِ الرموز، والحاصلُ إن علم تقدّمه وكونُ الإمامِ خلفه يضرّ مطلقاً، سواءً كان بعد الصلاةِ أو قبلها، لا التقدّم مطلقاً ومخالفةُ الجهة، إنَّما يضرّ علمها في الصلاةِ لا غير.
(2/246)
________________________________________
فقوله: وهم خَلْفُهُ، فيه تساهل[(1)]؛ لأنَّ كلامَنا فيما إذا لم يعلمْ أحدٌ أنَّ الإمامَ إلى أيِّ جهةٍ توجَّه، فكيف يعلمُ أنه خلفَ الإمام، فالمرادُ أنه يعلمُ أن الإمامَ أمامَه، وهذا أعمُّ من أن يكونَ هو خلفَ الإمام، [أو لا(2)](3)، لأنه إذا كان الإمامُ قُدَّامَه يحتملُ أن يكونَ وجهُهُ إلى وجهِ الإمام(4)، أو إلى جنبِه، أو إلى ظهرِه، وإنِّما يكون[(5)] هو خَلْفَ الإمامِ إذا كان وجهُه إلى ظهرِ الإمام، وحينئذٍ يكون(6) جهةُ توجُّهِ الإمامِ معلومة، وكلامُنا ليس في هذا.
وعبارةُ ((المختصر)): ولا يضرُّ جهلُهُ جهةَ إمامِه إذا عَلِمَ أنَّه ليس خَلْفَه، بل تقدَّمَه، أو عَلِمَ مخالفتَه(7): أي إذا عَلِمَ أنَّ الإمامَ ليس خلفَه.
__________
(1) قوله: فيه تساهل؛ وذلك لأنّ قوله: وهم خلفه إن حملَ على كونِهم خلفَ الإمامِ في نفسِ الأمر علموا ذلك ، أو لم يعلموا يفهمُ منه اشتراطَ ذلك، ليس كذلك، فإنّهم لو اقتدوه على اعتقاد أنّهم خلفه جازت صلاته، وإن تقدَّموا في نفسِ الأمر، وإن حملَ على علمهم بكونهم خلفه، وردَّ عليه أنَّ كلامنا في ما إذا لم يعلم جهته فكيف يعلم كونه خلفه.
(2) في م: لم يكن.
(3) سقطت من ص.
(4) في م: إمامه.
(5) قوله: وإنّما يكون… الخ؛ فيه خدشةٌ ظاهرة، فإنّه يمكن أن يقال: المرادُ بكونِهِ خلفَ الإمام عدم كونِهِ أقربَ منه إلى قبلته، سواءً كان وجهه إلى جنبه أو ظهره، فلا فرقَ بين الإمامِ وبين الخلف في حملها على المعنى العام
(6) في م: تكون.
(7) انتهت عبارة ((مختصر الوقاية)) المسمَّى بـ((النقاية))(ص18) لصدر الشريعة.
(2/247)
________________________________________
(ويَصِلُ قصدُ قلبِه صلاتَه بتحريمتِها[(1)])(2)، هذا تفسيرُ النِيَّة[(3)]، (والقصدُ مع لفظِه[(4)] أفضل[(5)]، ويكفي للنَّفل، والتَّراويح، وسائرِ السُّنن[(6)
__________
(1) قوله: بتحريمها؛ متعلِّقُ بقوله: يصلّ، وهذا بيانُ الوقتِ المستحبّ، فإنَّ قرانَ النيَّةِ بتحريمة الصلاةِ مستحبّ، ويجوزُ تقديمها عليها عندنا بشرط أن لا يشتغلَ بينهما بما ليسَ من جنسِ الصلاة، وأمّا النيَّة المتأخّرة عن التحريمةِ فلا يجوز على الأصح. كذا في ((البناية)) و((الخلاصة)).
(2) هذا بيان الوقت المستحب في النية، ويجوز تقديمها بشرط أن لا يشتغل بينهما بما ليس من جنس الصلاة. كما في ((العمدة))(1: 159).
(3) قوله: تفسير النية: اللامُ للعهد، أي النيَّة المعتبرة في الصلاة.
(4) قوله: لفظه؛ هو إمّا مصدر؛ أي مع تلّفظه، أو بمعنى الملفوظ؛ أي مع تكلّم ما يدلّ عليه.
(5) قوله: أفضل؛ هاهنا ثلاث صور: أحدها الاكتفاءُ بنيِّةِ القلب، وهو مجزئ اتِّفاقاً، وهو الطريقةُ المشروعةُ المأثورةُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلم ينقلْ عن أحد منهم التكلَّم بـ: نويت أو أنوي صلاةَ كذا في وقتٍ كذا، ونحو ذلك، كما حقَّقه ابنُ الهمامِ في ((فتح القدير))، وابن القيِّم في: ((زاد المعاد))، وقد فصَّلتُ ذلك في ((السعاية))، وفي رسالتي ((آكام النفائس في أداءِ الأذكارِ بلسانِ الفارس))، وثانيها: الاكتفاءُ بالتلفُّظِ من دونِ قصد القلب، وهو غير مجزئ، وثالثها: الجمعُ بينهما، وهو سنَّةٌ على ما في ((تحفة الملوك)) وليس بصحيح، ومستحبٌّ على ما في ((المنية))؛ أي بمعنى ما فعلَه العلماءُ واستحبّوه، لا بمعنى ما فعلَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أو رغَّب إليه، فإنّه لم يثبت ذلك، وعلَّلوا استحبابه وحسنه بأنّ فيه موافقةٌ بين القلبِ واللسان، وجمعاً للعزيمة.
(6) قوله: سائرُ السنن؛ دخلَ في إطلاقِهِ سنَّةُ الفجر، حتى لو صلَّى ركعتين تهجّداً ثمَّ تبيَّن أنّهما صلّيتا بعد طلوعِ الفجرِ أجزأتا عن السنَّة. كذا في ((البحر)).
(2/248)
________________________________________
] نيَّة مطلقِ الصَّلاة[(1)]، وللفرض شُرِطَ تعيينُهُ[(2)] لا نِيَّةُ[(3)] عددِ ركعاتِه، وللمقتدي[(4)
__________
(1) قوله: نيَّةُ مطلقِ الصلاة؛ هذا في النفلِ بالاتِّفاق، فإنّه إذا نوى مطلقَ الصلاةِ والعملُ بعمومِ أفرادها متعذّر، لا بدَّ أن يرادَ أحدها، وصرفُهُ إلى النفلِ أولى؛ لكونِهِ أدنى وأشمل، فإنّه مشروعٌ في كلِّ الأوقات، فكان بمنْزلةِ الحقيقة، وأمّا في التراويحِ وبقيَّةِ السننِ المؤكَّدة فقال بعضُ المشايخ: إنّها لا تتأدّى بنيَّةِ مطلقِ الصلاة؛ لأنَّها صلاةٌ مخصوصة، فتجبُ مراعاةُ الصفةِ للخروجِ عن العهدة، وهو الذي صحَّحه قاضي خان وصاحب ((البزازية)) وغيرهما، وظاهرُ الروايةِ الذي صحَّحه في ((الهداية)) هو ما ذكرَهُ المصنِّف، ونسبه ابنُ الهمامِ في ((فتح القدير)) إلى المحقّقين، ووجهه بأنَّ معنى السنَّة كونُ النافلةِ مواظباً عليها من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعد الفريضة أو قبلها، فإذا أوقعَ المصلِّي النافلةَ في ذلك المحلِّ صدقَ عليه أنّه فعلَ الفعلَ المسمَّى سنَّة، فإنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن ينوي سنَّة، بل الصلاةَ لله، فعلمَ أنّ وصفَ السنَّة ثبتَ بعد فعله على ذلك الوجهِ تسميةٌ منّا لفعلِهِ المخصوص، وفي الأصل هو نفل، لا أنّه يتوقَّف حصولُهُ على نيَّة السنَّة.
(2) قوله: تعيينه؛ لأنَّ الفريضةَ وصفٌ زائدٌ على مطلقِ الصلاة، ووقتها ظرفٌ صالحٌ للفرض والنفلِ كليهما، فما لم يعيِّن المصلِّي لم يتعيّن، وهو أن ينويَ الظهرَ أو العصر، ولو نوى فرضَ الوقتِ أو فرضَ اليومِ جاز. كذا في ((الظهيرية))، ولو نوى الظهرَ وتلفَّظَ بالعصرِ أجزاه؛ لأنَّ المعتبرَ هو التعيينُ بالقلب. كذا في ((القنية)).
(3) قوله: لا نيَّة؛ أي لا تشترطُ نيَّةُ عددِ ركعات ما يصلّي، فإنّه إذا عيَّن الصلاةَ تعيَّنت الركعات بالضرورة، وكذا لا تشترطُ نيَّةُ الاستقبالِ إلى الكعبةِ على الأصحّ.
(4) قوله: وللمقتدي؛ أي يلزمُ للمقتديِ نيَّةُ صلاةِ إمامه مع نيَّةِ اقتدائه؛ لأنَّه يلزمُهُ الصحةُ والفسادُ من جهةِ إمامه، فلا بدَّ من نيَّةِ متابعته، ولا تشترطُ نيَّةُ تعيينِ الإمام، ولو نوى الاقتداءَ بالإمام ويظنّ أنّه زيد، فإذا هو عمرو صحّ. كذا في ((البحر)).
أي لا يضر المقتدي في صحة صلاته جهله جهة امامه بشرط ان يعلم ان الامام ليس خلفه سواء كان الى قدامه او جنبه افرده بالذكر مع دخوله في السنن اهتماما بشأنه.
السائر بمعنى الباقي، مأخوذٌ من السؤر، مهموزاً بمعنى البقيَّة، وقد يستعملُ بمعنى الجميع أيضاً. لحديث لكل امرئ ما نوى اخرجه اصحاب الكتب الستة.
(2/249)
________________________________________
] نيَّة صَلاته(1)، واقتدائِه)(2).
بابُ صفةِ الصَّلاة[(3)]
__________
(1) في م: الصلاة.
(2) لأنه يلزم الفساد من جهته، فلا بد من التزامه في نيته، ولا تشترط نية تعيين الإمام، ولو نوى الاقتداء بزيد فإذا عمرو لا يجوز؛ لأنه اقتدى بغائب، ولو نوى الاقتداء ظاناً أنه زيد، فإذا هو عمرو، يجوز. كذا في ((البحر))(1: 292).
(3) قوله: باب صفةُ الصلاة؛ هو بكسرِ الصاد، إمَّا مصدرٌ كما في ((صحاح الجوهري)): وصفُ الشيء وصفاً وصفةً، فالهاءُ عوض عن الواو، كالعظةِ والوعظ، والوعدِ والعدة. انتهى. وأمّا عبارة عن المعنى القائم بذاتِ الموصوفِ بخلاف الوصف، فإنّه عبارةٌ عن كلامِ الواصف، كما في ((النهاية))، والمرادُ بها إمّا الأمورُ المذكورةُ في هذا الباب من واجباتِ الصلاةِ وفرائضها وسننها وآدابها، وحينئذٍ فالإضافةُ إلى الصلاةِ من قبيل إضافةِ الجزءِ إلى الكل، وإمّا الكيفيَّة، وحينئذٍ فالمضافُ محذوف، والمعنى هذا بابٌ في بيانِ كيفيَّة إجزاءِ الصلاة، وإمَّا الهيئةُ الحاصلةُ بتركيبِ بعض أجزائها ببعض.
(2/250)
________________________________________
(فرضُها[(1)]: التَّحريمة[(2)]): وهي قولُهُ: اللهُ أكبر[(3)]، وما يقومُ مقامَه[(4)
__________
(1) قوله: فرضها؛ لم يقل: ركنها؛ لتدخلَ التحريمة، فإنّها شرطٌ عندنا لا ركن، والفرقُ بينهما بعد اشتراكهما في توقِّفِ الشيئ عليهما أنّ الشرطَ يكون خارجاً عن حقيقةِ الشيء، والركنُ يكون داخلاً فيها، والمرادُ بالفرضِ ما لزمَ فعله بدليلٍ قطعيٍّ أعمّ من أن يكون ركناً أو شرطاً، فيكفرُ جاحده ويستحقّ تاركُهُ العقاب.
(2) قوله: التحريمة؛ سمّى التكبيرَ ونحوه ممَّا يفتتحُ به الصلاةُ تحريمة؛ لأنّه يحرمُ على المصلّي ما ليسَ من جنس الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مفتاحُ الصلاةِ الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))، أخرجه الترمذيّ وغيره، والدليلُ على افتراضِ التحريمةِ قوله تعالى: {وربك فكبر}، ومواظبةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك.
(3) قوله: وهي قوله : الله اكبر؛ هذا هو المنقولُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وتعليماً وفعلاً على ما هو مخرَّج في ((معجم الطبراني))، و((صحيح ابن خزيمة))، و((سنن ابن حبّان)) وغيرها، ومن ثمَّ صرَّحوا بأنّ اختيارَ خصوصِ هذا اللفظِ سنَّة مؤكّدة، فلو شرعَ بفارسيَّةٍ أو بالتسبيح أو التحميد أو نحو ذلك كره، صرَّح به في ((الذخيرة)) و((الظهيريّة)) وغيرها.
(4) قوله: وما يقوم مقامه؛ أي كلّ ما يدلّ على التعظيمِ الخالصِ غير المشوبِ بالدعاء وغيره، وذلك لأنّ قوله تعالى: {وذكرَ اسمَ ربِّه فصلى}، وقوله: { وربك فكبر}، إنّما يدلّ على وجوبِ ما يدل على التعظيم، فإنّ التكبيرَ هو التعظيم، ولا دلالةَ فيه على خصوصِ لفظ: أكبر، حتى يكون فرضاً، غايةُ ما في الباب أنّ خصوصَ هذا اللفظِ يكون سنّة، فالفرضُ مطلقُ ما يدلّ على التعظيم، فلو شرعَ بقوله: الله أجلّ أو أعظم كفى ذلك، ولو شرعَ باللهمَّ اغفر لي لم يجز، هذا كلّه عند أبي حنيفة رح ومحمّد، وهو المختار، وعند أبي يوسف يجوزُ بأربعةِ ألفاظ: الله أكبر، والله الأكبر، والله كبير، والله الكبير لا بغيرها، وعند الشافعيّ باللَّفظين الأوّلين فقط، وعند مالكٍ بالأوّل فقط، ولكلِّ وجهةٍ هو مولّيها.
(2/251)
________________________________________
]، وهو شرطٌ عندنا[(1)]؛ لقوله تعالى[(2)]: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(3)، وعند الشَّافِعِيِّ(4) - رضي الله عنه - ركن[(5)]، فأمَّا رَفْعُ اليدين(6) فسُنَّة.
__________
(1) قوله: وهو شرط عندنا؛ ثمرةُ الخلافِ تظهرُ في بناءِ الصلاة بعضها على بعض، فمَن صلَّى فرضاً ثمَّ قامَ إلى النفلِ من غير السلام عن الأوّل، ومن غير التحريمةِ المبتدأةِ للنفلِ يجوز ذلك عندنا؛ لأنّ التحريمةَ شرط، ويمكن أن تتأدَّى مشروطاتٍ بشرطٍ واحد، كالطهارةِ الواحدةِ يصلّي بها الصلوات الكثيرة، وعند الشافعيّ رح لا يجوز بناءً على أنّ التحريمةَ ركن، فلا يمكن أن يتأدى صلاة بركنٍ صلاة أخرى، والجواز عندنا عبارةٌ عن الإجزاء، ولا نجاةَ عن لزومِ الكراهة. كذا في ((الدر المختار)) وحواشيه.
(2) قوله: لقوله تعالى؛ هذا دليلٌ لكونِ التحريمة شرطاً لا ركناً، وحاصله أنَّ الله قد عطفَ الصلاة على ذكر اسمِه بحرف الفاء الدالةِ على التعقيب حيث قال: {قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى}، والأصلُ في العطف المغايرة، فعلمَ منه أنَّ التحريمةَ مغايرةٌ للصلاة، وهي تعقبها وتتّصل بها.
(3) الأعلى، (15).
(4) ينظر: ((المنهاج))(1: 150).
(5) قوله: ركن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ هذه الصلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلام الناسِ إنّما هي التكبيرُ والتسبيحُ وقراءة القرآن))، ونحن نقول: إنّه متروكُ الظاهر، وإلا يلزمُ كونُ التسبيح ركناً، وليس كذلك بالإجماع، وأيضاً لا دلالة على جزئيَّة تكبيرة التحريمة؛ لاحتمال أن يكون المرادُ به تكبيراتُ الانتقالات.
(6) في م: اليد.
(2/252)
________________________________________
(والقيام[(1)](2)، والقرءاة[(3)]، والرُّكوع، والسُّجُودُ[(4)] بالجبهةِ والأنف(5)، وبه أخذ[(6)
__________
(1) قوله: والقيام؛ لقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين}؛ أي داعين أو خاشعين متواضعين، أو ساكتين على اختلافِ الأقوالِ وأظهرها آخرها.
(2) بحيث لو مدّ يديه لا ينال ركبتيه. كما في ((الدر المختار))(1: 298).
(3) قوله: والقراءة؛ أي مطلقها من غيرِ تعيينِ الفاتحةِ وغيرها؛ لقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن}.
(4) قوله: والركوع والسجود؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا}، والركنُ منهما أدنى ما يطلقُ عليه اسمُ الركوعِ والسجود، وما زادَ عليه واجبٌ أو مستحبّ.
(5) ظاهر عبارة المصنف موهمة إلى أن فرض السجود يكون بالجبهة والأنف، ولكن المصرَّح به أن السجود على الجبهة يكفي اتفاقاً، وإنما اختلف الإمام مع صاحبيه بالاكتفاء بالأنف عند عدم العذر فرواية أسد عنه تفيد الجواز وعندهما لا يكفي. ينظر: ((كمال الدراية شرح النقاية))(ق40/ب) للشمني، و((الإيضاح))(ق14/ب)، و((العمدة))(1: 160).
(6) قوله: وبه أخذ؛ بصيغة المجهول، أي أخذَ به المشائخ وأفتوا به، وهذا الكلامُ لا يخلو عن مسامحة؛ لأنّ المفهومَ من ظاهر قوله: والسجودُ بالجبهةِ والأنفِ عندنا تعدادُ الفرائض، أنَّ وضعَ الجبهةِ والأنفِ كليهما فرض، وأنّه المفتى به، مع أنّه ليس مذهباً لأحدٍ من أئمَّتنا، فإنَّ أبا حنيفةَ رح جوَّز الاكتفاءَ بالأنف، وخالفه فيه صاحباه، وأمّا الاكتفاءُ بالجبهةِ فهو متَّفقٌ بينهم على جوازه، وبالجملة اتّفقوا على أنَّ المسنونَ هو وضعُ الجبهةِ والأنفِ كليهما، وعلى أنّه يكفي وضعُ الجبهة فقط، إلا أنَّه يكره، وإنّما اختلفوا في الاكتفاءِ بالأنف، وإن حملَ قولُهُ على أنّ وضعَ الجبهةِ أو الأنفِ فرضٌ بأن تكونَ الواو بمعنى أو، ويكون الغرضُ منه بيانُ مذهب أبي حنيفة رح، ورد عليه أنّه ليس مفتى به عند مشايخنا، فقد صرَّح أصحابُ الكتبِ المتداولة أنَّ المفتى به هو قولهما، وهو رواية عنه أنَّه لا يجوزُ الاكتفاءُ بالأنف، والعجبُ من الشارحِ حيث لم يتنبّه على مسامحةِ المصنّف، وقال في ((مختصره)) تبعا له: والسجودُ بالجبهةِ والأنفِ وبه يفتى، مع تصريحه هاهنا بأنَّ الفتوى على قولهما، وللناظرين هاهنا كلمات بيّناها في ((السعاية)).
(2/253)
________________________________________
])(1) يجوزُ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - الاكتفاءُ بالأنفِ[(2)] عند عدمِ العُذْرِ خلافاً لهما، والفتوى على قولِهما[(3)]، (والقعدةُ الأخيرةُ[(4)
__________
(1) أي المتأخرون وأفتوا به ولم يجيزوا الاقتصار على الأنف من غير عذر. كذا في ((شرح الوقاية))(ق26/ب).
(2) قوله: الاكتفاءُ بالأنف؛ لحديث: ((إذا سجدَ العبد سجدَ معه سبعة آراب ـ أي أعضاء ـ: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه))، فإنّ الوجه هاهنا مطلق، وجميع أجزائه ليس بمراد إجماعاً، فإنّ الاقتصارَ على الخدين والذقنِ لا يجوزُ اتِّفاقاً، فتعيَّن أن يكون المرادُ به الجبهةُ والأنف؛ لكونهما محلّ السجود، فكما يجوزُ الاكتفاءُ بالجبهةِ يجوزُ الاكتفاءُ بالأنف، وجوابه: إنَّ الوجه في هذه الرواية التي رواها أصحابُ السننِ وغيرهم مفسّر بالجبهةِ كما وردَ التصريحُ به في بعض روايات مسلم والنسائيّ.
(3) قوله: والفتوى على قولهما؛ لقوَّة دليله، بل ذكرَ في ((البرهان شرح مواهب الرحمن))، و((مراقي الفلاح))، و((المقدمة الغزنوية)) وغيرها أنَّ الإمامَ رجع إليه.
(4) قوله: والقعدةُ الأخيرة؛ قال في ((فتح القدير)): قوله تعالى: {وربك فكبر} وقوله: {قوموا لله}، وقوله: {اقرؤا}، وقوله: {اركعوا واسجدوا}، أوامرٌ ومقتضاها الافتراض، ولم يفرضْ خارجُ الصلاةِ شيءٌ منها، فوجبَ أن يرادَ بها الافتراضُ في الصلاة، وهو لا ينافي إجمالَ الصلاة إذ الحاصلُ حينئذٍ أنّ الصلاةَ فعلٌ يشتملٌ على هذه، بقى كيفيّة ترتيبها في الأداء، وهل الصلاةُ هذه فقط أو مع أمورٍ أخر، فوقعَ البيانُ في ذلكِ كلِّه ببيانه صلى الله عليه وسلم، وقوله: وهو لم يفعلْها قطّ بدون القعدة الأخيرة، والموظبةُ بدونِ التركِ دليل الوجوب، فإذا وقعت بياناً للفرضِ المجمل: أعني الصلاة كانت فرضاً متعلِّقاً بها، ولو لم يقمْ الدليلُ في غيرِهِ على السنيَّة لكان فرضاً، ولو لم يلزم تقييدُ مطلقِ الكتابِ بخبرِ الواحد في الفاتحة، والطمأنينةُ وهو نسخٌ للقاطعِ بالظنىّ، لكانا فرضين، ولولا أنّه صلى الله عليه وسلم لم يعد إلى القعدة الأولى لما سها ثمَّ علم لكانت فرضاً، وعما ذكرنا كان تقديمُ القيامِ على الركوع، والركوع على السجود فرضاً؛ لأنَّه عليه السلام بيَّنها كذلك.
(2/254)
________________________________________
] قدرَ التَّشهُّد[(1)]، والخروجُ بصنعِه[(2)](3).
__________
(1) قوله: قدر التشهد؛ أي مقدار ما يأتي فيه من قراءةِ التشهّد من أوّله إلى آخره، وقيل: ما يأتي فيه بكلمتيّ الشهادة، والأصحّ هو الأوّل. كذا في ((جامع المضمرات))، و((البناية))، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ ما زادَ عليه لقراءةِ الصلاة والأدعيةِ ليس بفرضٍ بل سنَّة.
(2) قوله: والخروج بصنعه؛ أي الخروجُ من الصلاةِ قصداً من المصلَّي بقولٍ أو عملٍ ينافي الصلاة بعد تمامها، سواءً كان قوله: السلام عليكم، كما هو الواجب، أو كان كلام الناس، أو الأكل، أو الشرب، أو نحو ذلك ممّا يكون مكروهاً تحريماً مفوِّتاً للواجب. كذا في ((البحر الرائق)).
(3) أي الخروج من الصلاة قصداً من المصلي بقول أو عمل ينافي الصلاة بعد تمامها فرض سواء كان ذلك قوله: السلام عليكم، أو أكل، أو شرب، أو مشى، وإنما كان مكروهاً تحريم؛ لكونه مفوتاً للواجب وهو السلام. كما في ((البحر))(1: 311).
(2/255)
________________________________________
وواجبُها[(1)]: قرءاةُ الفاتحة[(2)]، وضمُّ(3) سورةٍ معها[(4)](5)، ورعايةُ التَّرتيب فيما تكرر).
في ((الهداية)): ومراعاةُ التَّرتيبِ فيما شُرِعَ مكرراً من الأفعال(6).
وذُكِرَ في حواشي ((الهداية)) نقلاً عن ((المبسوط))(7): كالسَّجدة الثَّانية(8)، فإنَّه لو قامَ إلى الثَّانية بعدما سجدَ سجدةً واحدة، قبل أن يسجدَ الأخرى يقضيها، ويكون القيامُ معتبراً؛ لأنَّه لم يتركْ إلا الواجب.
__________
(1) قوله: وواجبها؛ هو ما ثبتَ لزومه بدليلٍّ ظنيّ، وهو مساوٍ للفرضِ في حقِّ العمل، إلا أنَّه لا يكفرُ جاحده، وبتركه سهواً تجبُ سجدةُ السهو، وبتركِهِ عمداً لا تبطلُ الصلاةُ لكن تجبُ الإعادة. كذا ذكره في ((فتح القدير)).
(2) قوله: قراءة الفاتحة؛ لحديث: ((لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتاب))، وحديث: ((كلّ صلاةٍ لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خداج))، أي ناقص، وغير ذلك من أخبارِ الآحادِ المرويّة في الصحاح الستّة.
(3) سقطت من ت.
(4) قوله: وضمّ سورة؛ أي أقصر سورة أو قدرها؛ لحديث: ((لا صلاةَ لمَن لم يقرأ بالحمد وسورة معها))، أخرجه الترمذيّ وابن ماجةَ وغيره، وفي الباب كلامٌ طويلٌ موضعه ((السعاية))، فلو قرأ ثلاث آياتٍ قصار، أو كانت الآية أو الآيتانِ تعدلُ ثلاثَ آياتٍ خرجَ عن حدّ الكراهةِ التحريميّة اللازمةِ من ترك الواجب. كذا في ((الغنية)).
(5) غير موجودة في النسخ، وموجودة في م.
(6) انتهى من ((الهداية))(1: 46).
(7) عبارة ((المبسوط))(1: 80) في كتاب السجدات: إن الترتيب في أفعال صلاة واحدة فيما شرع متكرراً لا يكون ركناً، وتركها لا يفسد الصلاة عمداً كان أو سهواً.ا.هـ.
(8) غير موجودة في النسخ، وموجودة في ف و م.
(2/256)
________________________________________
أقول: قولُهُ: فيما تكرَّر،(1) ليس قيداً يُوجِبَ نفي الحُكْمِ عمَّا عداه(2)، فإنَّه مراعاةَ التَّرتيبِ في الأركانِ التَّي لا تتكرَّر(3) في ركعةٍ واحدة كالرُّكوع ونحوِه واجبٌ أيضاً على ما يأتي في بابِ سجودِ السَّهو(4): أنَّ سجودَ السَّهْو يَجِبُ بتقديمِ ركنٍ... إلى آخره(5)، وأوردوا لنَّظير(6) تقديم الرُّكنِ الرُّكوعَ قبل القرءاة(7)، وسجدةُ(8) السَّهو لا تجبُ إلاَّ بتركِ الواجب،
__________
(1) في ف و م: يكرر.
(2) بل هو قيد وليس كما ظن الشارح - رضي الله عنه -، وقد تبعه على كلامه هذا القاري في ((فتح باب العناية))(2: 232)، فقال أن مراعات الترتيب بين القيام والقراءة والركوع والسجود واجبٌ، وليس كذلك، بل هي فرض بدليل أنه لو ركع بعد سجود لا يكون معتداً به بالاجماع كما صرَّح به في ((النهاية))، وإنما يكون الترتيب واجباً بعد إعادة ركن الركوع ثم السجود بعده مثلاً، لا بتأخير الركوع إلى آخر الصلاة على اعتبار أن الترتيب واجب، فالترتيب هنا فرض باعتبار فساد الركن الذي هو فيه قبل الإعادة، والله أعلم، ولم يوافق الشارح إلى ما ذهب إليه محققوا المذهب كابن الهمام في ((فتح القدير))(1: 241)، وابن نجيم في ((البحر))(1: 315)، وابن كمال باشا في ((الإيضاح))(ق14/ب)، والحصكفي في ((الدر المختار))(1: 309-310)، وابن عابدين في ((منحة الخالق))(1: 314-315)، و((رد المحتار))(1: 310)، وغيرهم، وفي المسالة تفصيل يحسن الرجوع إليه لفهمها وهو مذكور في الكتب السابقة ذكرها.
(3) في ص: تكرر، وفي س و م: يتكرر.
(4) ص ).
(5) في م: آخر.
(6) في ب: نظير، وفي ف: نظيرا، وفي م: النظير.
(7) أي الركوع بدون قراءة، ولم يعد للقراءة ولا الركوع، وإنما يكون فيه سجدة السهو؛ لأن ركن القراءة غير متعيِّن، فكما يكون في الأوليين، يكون في الأخريين بخلاف الركوع والقيام فإنه متعيِّنٌ في كل ركعة. ينظر المصادر السابقة.
(8) في س: سجد.
(2/257)
________________________________________
فَعُلِمَ[(1)
__________
(1) قوله: فعلم… الخ؛ اعلم أنّ من الأفعالِ ما لا يتكرَّر في الصلاةِ على سبيلِ الفرضية، كتكبير الافتتاح؛ فإنّه غيرُ متكرّرٍ أصلاً، وكالقعدةِ فإنّها غير متكرِّرة في الثنائية، وفي الرباعيَّة والثلاثيّة وإن تكرَّرت، لكن الأولى واجبة، والترتيبُ بين هذه الأفعال فرضٌ حتى لو أخّرَ تكبيرةَ الافتتاحِ عن القعدةِ بطلت صلاته، والترتيب بينها وبين غيرها من الأفعالِ أيضاً فرض، لكن لا بمعنى أنّه تفسدُ الصلاةِ بتركه، بل بمعنى أنّه لا يعتدّ به، فلو تذكَّر بعد القعدةِ قبل السلامِ أو بعدَه أنّه تركَ سجدةً أو ركوعاً أو غير ذلك من الأفعالِ السابقة، لزمَ عليه أن يأتيَ به ويتشهّد ثانياً، ويسجدُ للسهو. كذا في ((البزازية)) و((فتاوى قاضي خان))، ومن الأفعالِ ما يتَّحدّ في كلّ ركعةٍ، ويتعدَّد في كلِّ الصلاة؛ كالقيام والركوع والقراءة، ومنها: ما يتعدَّد في كلّ ركعةٍ كالسجدة، إذا عرفتَ هذا فاعرف أنّ القسمَ الأوّل ليس مراداً قطعاً من قولهم عند ذكرِ واجبات الصلاة، ورعايةُ الترتيبِ فيما تكرَّر؛ لعدمِ تكراره بقي القسمان الأخيران، فذهبَ كثيرٌ من شرَّاح ((الهداية)) وغيرها إلى أنّ المرادَ ما تكرَّر في كلّ ركعةٍ احترازاً عمَّا تكرَّر في الصلاةِ دون الركعة، فإنّ الترتيبَ بين ما تكرَّر في كلِّ الصلاةِ فرضٌ لا واجب، كما هو مصرَّح في ((فتح القدير)) و((الكافي)) وغيرهما، وأوردَ عليهم الشارحُ بأنّه ليس قيداً احترازايَّاً يحترزُ به عمَّا تكرَّر في كلّ الصلاة، وظنّ أنّ الترتيبَ بين الأفعالِ المتكرِّرة مطلقاً واجب تكرًّرت في كلّ ركعةٍ أو في كلّ الصلاة، واستند بعباراتهم الواقعة في باب سجود السهو، حيث مثَّلوا الصورَ التي يجبُ فيها سجودُ السهوِ بما يترك فيه الترتيبُ بين الأفعالِ المتكرّرة في الصلاةِ الغير المتكرِّرة في الركعة، ومن المعلومِ أنّ سجدةَ السهو لا تجبُ إلا بتركِ الواجبِ لا بتركِ الفرض، وأشارَ إلى إيرادِ لزوم التناقض بين كلماتهم في باب صفةِ الصلاة، حيث يصرِّحون أنَّ المرادَ بما تكرَّر المتكرّر في كلّ ركعة، وأنّه احترازٌ عن المتكرِّر في كلّ الصلاة، وأنّ الترتيبَ بينه فرض، وبين كلماتهم في باب سجود السهو، وأجاب عنه صاحب ((البحر الرائق)) بأنّه ليس بين الكلامين تناقض؛ لأنَّ قولهم هاهنا الترتيبُ بين المتكرِّر في الصلاةِ شرط أو فرض معناه أنّ الركنَ الذي هو فيه يفسدُ بتركه، حتى إذا ركع بعد السجودِ لا يقع معتدَّاً به بالإجماع، كما صرَّح به في ((النهاية))، فتلزمه إعادةُ السجود، وقولهم في باب سجود السهو: إنّ هذا الترتيبَ واجبٌ معناه أنّ الصلاةَ لا تفسدُ بتركه إذا أعاد الركن الذي أتى به، وإذا أعاده فقد تركَ الترتيبَ صورة، فيجب سجود السهو. انتهى. وهذا تحقيقٌ حسنٌ يندفعُ به المتعارضُ بين أقوالهم، ويصحّ كون ما تكرَّر بمعنى ما تكرَّرَ في كلّ ركعةٍ قيداً احترازياً، وأمّا حملُ كلامهم في بابِ صفةِ الصلاةِ على أنّ المرادَ بالفرضِ المحمولُ على المتكرِّر في الصلاة الواجب، كما فعله البرجنديّ في ((شرح النقاية)) فغيرُ صحيح، تأبي عنه عباراتهم، كيف ولو كان كذلك لم يصحَّ جعلهم ما تكرَّر بمعنى ما تكرَّر في كلّ ركعة، احترازاً عنه.
(2/258)
________________________________________
] أنَّ التَّرتيب بين الرُّكوعِ والقرءاةِ واجب، مع أنَّهما غيرُ مكرَّرين(1) في ركعةٍ واحدة.
وقد قال في ((الذَّخيرة)): أمَّا تقديمُ الرُّكنِ نحو أن يركعَ قبل أن يقرأ؛ فلأن مراعاةَ التَّرتيبِ واجبةٌ عند أصحابِنا الثَّلاثة خلافاً لزُفَر - رضي الله عنه -، فإنَّها فرضٌ عنده.
فَعُلِمَ أنَّ مراعاةَ التَّرتيب واجبةٌ مطلقاً، فلا حاجةَ إلى قوله فيما تكرَّر(2)؛ ولهذا لم أذكرْهُ في ((المختصر))(3)، ويخطرُ ببالي[(4)] أن المرادَ بما تكرَّر فيما يتكرَّرُ في الصَّلاة احترازاً عمَّا لا يتكرَّرُ في الصَّلاة على سبيلِ الفرضيَّة، وهو تكبيرةُ الافتتاح، والقعدةُ الأخيرة، فإن مراعاةَ التَّرتيبِ في ذلك فرض.
__________
(1) في النسخ مكرر، والمثبت من م.
(2) في ف و م: يكرر.
(3) أي ((مختصر الوقاية))(ص19)، فاكتفى بقوله: ورعاية الترتيب.
(4) قوله: ويخطر، من الخطور من باب نصر ينصر، ببالي أي يمر ويختلج بقلبي، والغرضُ منه توجيه قولهم: ما تكرر بجيث يكون قيداً احترازياً، ويردّ عليه أنّه لما كان لقولهم محملاً صحيحاً فلم حذفه في ((المختصر))، وكيف يصحّ قوله سابقاً: فلا حاجة إليه، وجوابه: إن خطور هذا التوجيه كان بعد تأليف ((المختصر))، وعدم الاحتياج إليه باعتبار الاحتراز عن المتكرّر في كلّ الصلاة لا، مطلقاً وفي المقام أبحاث ودقائق فصلناها في ((السعاية)).
(2/259)
________________________________________
(والقعدةُ الأولى، والتَّشهُّدان)، ذَكَرَ في ((الذَّخيرة)): أنَّ القعدةَ الأولى[(1)] سنَّة، والثَّانية واجبة، وفي ((الهداية)): إنَّ قرءاةَ التَّشهُّدِ[(2)] في القعدةِ الأولى سُنَّة[(3)]، وفي[(4)] الثَّانية واجبة(5)
__________
(1) قوله: الأولى؛ المرادُ بالأوّل غيرُ الآخر، لا الفردُ السابق، إذ قد تجبُ القعدتان الأولى والثانيةُ كما في المسبوقِ بثلاثةٍ في الرباعيّة، فإنّه يقعدُ ثلاثُ قعدات: الأوّلى والثانية منها واجبة، والأخيرةُ فرض. كذا في ((البحر الرائق))، والدليلُ على وجوبِ القعدةِ الأولى وعدمُ افتراضها ما أخرجه أبو داود وغيره أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم القعدةَ الأوّلى مرةً ساهياً، وسجدَ للسهو فلو كانت فرضاً لم تجبرْ به، بل تبطل صلاته.
(2) قوله: والتشهدان؛ أي قراءةُ التحيات لله…الخ؛ في القعدة.
(3) قوله: سنّة؛ هذا قولُ الكرخيّ والطحاويّ، والوجوبُ هو الصحيحُ كما في ((الظهيرية))، و((منح الغفار))، وقال في ((البدائع)): أطلقُ أكثر مشائخنا عليها اسمُ السنيّة، إمّا لأنَّها وجوبها عرف بالسنّة فعلاً، أو لأنَّ السنَّةَ المؤكَّدة المذكورة في معنى الواجب.
(4) قوله: وفي ((الهداية)): الأَولى أن يقول: ويفهمُ من ((الهداية))، فإنّ ما ذكرَه يفهمُ من قوله: في باب صفة الصلاة، عند تعدادِ الواجباتِ كقراءةِ الفاتحة، وضمّ السورة، ومراعاتِ الترتيبِ فيما شرعَ مكرَّراً من الأفعالِ والقعدةِ الأولى، وقراءةِ التشهدِ في الأخيرة… الخ، حيث قيّد بقوله: في الأخيرةِ أنّ قراءةَ التشهّدِ في الأولى ليست بواجبةٍ بناءً على أنّ تقييدَ حكمٍ بقيدٍ يفيد نفيَ الحكمِ عمّا عداه في عباراتِ الفقهاء، ولم يصرِّحْ في موضعٍ من ((الهداية)) أنّ قراءةَ التشهّد في الأولى سنّة، بل قد صرَّح بوجوبها في باب سجودِ السهو من ((الهداية)).
(5) ما نسبه الشارح - رضي الله عنه - إلى ((الهداية)) من القول بسنية التشهد في القعدة الأولى هو ما يفهم من كلام صاحب ((الهداية))(1: 46) عند ذكر واجبات الصلاة، إذ لم يذكر التشهد الأول من بينها، ولكن هذا الفهم يخالف نصَّ صاحب ((الهداية))(1: 74) في باب سجود السهو إذ ذكره من الواجبات، وقال: هو الصحيح.
(2/260)
________________________________________
، لكنَّ المصنِّف - رضي الله عنه - لم يأخذْ بهذا؛ لأن قولَه[(1)] - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود - رضي الله عنه -: ((قُل: التِّحِيَّاتُ لله))(2)، لا يوجبُ[(3)] الفرقَ في قراءة التَّشهدِ في الأولى والثَّانية، بل يوجبُ الوجوبَ في كليهما، ولمَّا كانت[(4)
__________
(1) قوله: لأنّ قوله… الخ؛ هذا الحديثُأخرجه البخاريّ بلفظ: ((إذا صلَّى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات… الخ))، وفي رواية ابن ماجة: ((إذا جلستم فقولوا: التحيِّاتُ لله))، وفي رواية النسائيّ والطحاويّ: ((إذا قعدتم في كلّ ركعتين فقولوا: التحيَّات لله… الخ))، وفي رواية للنسائيّ: ((قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قولوا في كلّ جلسة… الخ))، وبهذا يظهرُ أنّه لا حاجةَ إلى أن يستدلَّ بالأمرِ المطلق، ويقال: إنّه مطلقٌ يوجبُ الوجوبَ في كلتا الجلستين من غير فرق، كما فعلَه الشارح، فإن كثيراً من الرواياتِ بذكر الجلستين صراحة.
(2) الحديث عن عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنا نقول في الصَّلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: ((إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين...)) في ((صحيح البخاري))(1: 403)، و((صحيح مسلم))(1: 301)، واللفظ له، و((صحيح ابن خزيمة))(1: 356)، و((صحيح ابن حبان))(5: 275).
(3) قوله: يوجب؛ الوجوبُ يرد عليه أنّ الأمر للافتراض، فلمَ لم يقولوا بافتراضِه، ويجاب عنه بأنّ خبر التشهَّد من أخبار الآحاد، فلا تثبتُ الفرضيّة بل الوجوب.
(4) قوله: ولما كانت؛ استدلالٌ على وجوبِ القعدةِ الأولى، بأنّه لمَّا كانت قراءةُ التشهّد في الأولى واجبة، يلزمُ منه وجوبُ القعدةِ الأولى أيضاً؛ لأنّ ما لا يتمّ الواجبُ إلا به يكونُ واجباً، كما ثبتَ في كتبِ الأصول، فإن قلت: فيلزمُ أن تكونَ القعدةُ الأخيرةُ أيضاً واجبة؛ لوجوبِ قراءةِ التشهّد فيها، قلت: كلا؛ فإنّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به يجب أن لا يكون أدنى من الواجب؛ بأن يكون سنَّة أو مستحبّاً، ولا يلزمُ أن يكون مثله من كلّ وجه، فلو ثبتت فرضيّته بدليلٍ لم يقدحْ في المقصود، فإن قلت: فلتكن القعدةُ الأولى أيضاً فرضاً، قلت: لولا ما أخرجه أصحابُ السننِ وغيرهم أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قام من ثنتين، ولم يجلس، وسجدَ للسهو لقلنا بافتراضه، وبهذا يثبتُ عدم افتراضِ التشهّد أيضاً.
(2/261)
________________________________________