المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فتح باب العناية بشرح النقاية - جزء الرابع


gogo
10-22-2019, 12:51 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب: فتح باب العناية بشرح النقاية
المؤلف: ملا علي القاري (ت1014هـ)
ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة]
***
وفي «الجامع الكبير»: ولو قال: أنتِ طَالِقٌ قبل أنّ أتزوّجك إذا تزوّجتك، أو أنتِ طالقٌ إذا تزوّجتك قبل أن أتزوّجك، يقع الطّلاق عند وجود التزوّج بالاتفاق. ولو قال: إذا تزوّجتك فأنتِ طالقٌ قبل أنْ أتزوّجك، لا يقع الطّلاق عند أبي حنيفة ومحمد، ويقع عند أبي يوسف، لأن الطّلاق إذا أُضِيفَ إلى وقتين أحدهما يقبله والآخر لا يقبله، (صحّ ما يقبله) وبطل ما لا يقبله. ولهما: أنّ ذكر الفاء رجَّح جهة الشرطية، والمعلّق بالشرط كالمنجز عند وجوده، فصار كأنه قال: عند التزوّج أنتِ طالقٌ قبل أن أتزوّجك، فلا يقع.
(ويَقَعُ) الطّلاق (آخِرَ العُمُرِ) أي في آخر عمر الزّوج أو الزّوجة بأن يبقى منه ما لا يسع صيغة التطليق (في: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ) لأنّه جعل الشّرط عدم الطّلاق، وهو لا يتحقق إلا باليأس من الحياة، ثم إن مات الزّوج لها الميراث إن كان مدخولاً بها، رجعياً كان الطّلاق أو بائناً، ولا ميراث لها إن كانت غير مدخول بها. وهي مسألة الفارِّ. وإن ماتت هي لا يرثها الزّوج إن كان قبل الدّخول أَو كان ثلاثاً.

(ويَقَعُ) الطّلاق (حَالاً في:) أنتِ طالقٌ (مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ) أو متى ما لم أطلِّقك (وسَكَتَ)، لأنّه أضاف الطّلاق إلى زمانٍ خالٍ عن التطليق، وقد وُجْدَ. وكذا يقع حالاً في: أنْتِ طَالِقٌ ما لم أطلّقك، لأن كلمة «ما» تكون للوقت كقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام {مَا دُمْتُ حَيًّا} والشّرط كقوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكُ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} وهي هنا للوقت، لأن التطليق لا بد له من الوقت.
---
(3/327)
________________________________________
***
ولو قال: حين لم أطلِّقك أو زمان لم أطلِّقك، أو حيث لم أطلقَك، ولا نيّة له وسكت، يقع حالاً. ولو قال: زمان لا أطلّقك، أو حين لا أطلّقك لم تطلق حتى يمضي ستة أشهر. لأن كلمة «لم» لقلب المضارع إلى الماضي ونفيه، فإذا سكت وُجِدَ زمانٌ لم يطلّقها فيه. وكلمة «حيث» اسم للمكان، وكم من مكانٍ لم يطلقها فيه فوُجِدَ الشرط. وكلمة «لا» للاستقبال، فلا تقع للحال.
وإنّما قدّرنا بستة أشهرٍ لأنّه أوسط استعمال الحين، لأنه استعمل في الساعة، كقوله تعالى: {حِينَ تُمْسُونَ}، وفي ستةِ أشهرٍ كقوله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حينٍ}، وفي أَربعين سنة، كقوله تعالى: {حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} فيما رُويَ عن ابن عباس. والزّمان كالحين لأنهما في الاستعمال سواء. وإنما قال: وسكت، لأنه لو لم يسكت بل قال: أنتِ طالقٌ موصولاً بقوله: أنتِ طالقٌ متى لم أطلّقك، فإنه لا يقع بقوله: أنت طالقٌ متى لم أطلّق شيءٌ، وإنما يقع بالموصول به وهو أنت طالقٌ.
وقال زُفَر: يقع في هذه الصورة تطليقتان. وفيما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً ما لم أطلّقك أنتِ طالقٌ، يقع ثلاثاً، لأنه أضاف الطّلاق إلى زمانٍ خالٍ عنه، وقد وُجِدَ زمانٌ لطيفٌ، وهو وقت قوله: أنتِ طالقٌ قبل أن يفرغ منه. ولنا: وهو وجه الاستحسان أنّ قوله أنتِ طالقٌ هو زمان البِرِّ، وزمان البرِّ لا يدخل في اليمين. ويوضّحه: أن البرَّ مراد الحالف، ولا يتأتى له البرُّ إلا بعد أنْ يجعل هذا القدر مستثنى، وما لا يستطيع الامتناع عنه يجعل عفواً. وأصل المسألة فيما إذا قال: إنْ ركبت هذه الدابة وهو راكبها، فأخذ في النُّزول في الحال، حيث لا يحنَث عندهم، ويحنَث عند زُفَر.
---
(3/328)
________________________________________
***
(وفي إِذَا) بأنْ قال: أنتِ طالِقٌ إذا لم أطلّقك، أو إذا ما لم أطلّقك (يُنَوَّى) بتشديد الواو المفتوحة، أي يُسْأَلُ عن نيّته ويعمل بما في طويته، فإن قال: نويت الظّرف ـ وهو الوقت ـ يقع الطّلاق في الحال، وإنْ قال: نويت الشَّرط يقع في آخر العُمُر، لأن لفظ «إذا» يحتملهما لاستعماله فيهما. (فإنْ لَمْ يَنْوِ) شيئاً (فَكَـ: «إِنْ» عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ) لا يَقَعُ الطّلاق إلا آخر العُمُر. وبه قال الشافعيّ، وفي قول أحمد. وكـ: متى عند أبي يوسف ومحمد، فيقع الطّلاق حين سكت، وبه قال مالك، والشافعيّ في الأصحّ، وأحمد في رواية. لأن كلمة «إذا» لا تكون شرطاً إلا في الشّعر كما هو مذهب البصريين من النحاة، ومنه قول القائل:

*واسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بالغِنَى ** وَإذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجمَّلِ
ولهذا لو قال: إذا شئتِ فأنتِ طالقٌ، لا يخرج الأمر من يدها بالقيام عن المجلس، كما لو قال: متى شئتِ، بخلاف إن شئتِ. ولأبي حنيفة أَنّ «إذا» قد تكون للشرط كما هو مذهب الكوفيين، فإذا كانت هنا للشرط لا تطلق المرأة في الحال، وإن كانت للوقت تطلق فيه. فوقع الشّك في الطّلاق في الحال، فلا تطلق فيه. وإنما لم يخرج الأمر من يدها بالقيام من المجلس في قوله: إذا شئتِ، لأن الأمر صار في يدها بيقين، فلا يخرج بالشكّ.
---
(3/329)
________________________________________
***
(واليَوْمُ للنَّهَارِ) وهو من طلوع الشَّمس إلى الغروب، وهذا هو المعنى العُرْفِيّ. وأمّا الشَّرعيّ فهو من طلوع الصبح الصادق إلى غروب جِرْم الشّمس، وكل منهما حقيقيّ. ومعناه المجازي هو مطلق الوقت. (مَعَ فِعْلٍ مُمْتَدَ)، وفي نسخة: يمتدّ. وهو ما يقبل التوقيت (كأَمْرُكِ بِيَدِكِ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ) فإن الأمر باليد ممتدٌّ لقَبوله التوقيت. وفي «شرح الوقاية»: أَنّ المراد بالامتداد امتدادٌ يمكن أنْ يستوعب النّهار لا مطلق الامتداد، لأنهم جعلوا التكلّم من قبيل غير الممتدّ، ولا شك أنّ التكلّم قد يمتدّ زماناً طويلاً، لكن لا يمتدّ بحيث يستوعب النّهار.
(ولِلْوَقْتِ المُطْلَقِ مَعَ فِعْلٍ لا يمتدّ، كَأَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدُ) لأنّ اليوم يطلق ويُرَاد به النّهار، كما في قوله تعالى: {إذَا نُودِيَ للصَّلاَةِ مَنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ} ويطلق ويُرَاد به الوقت كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} بدليل أنّ من فرّ من الزحف ليلاً أو نهاراً يستحق الوعيد، وكما في قول الشاعر:
*
*فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا
يُرَادُ مُطْلَقُ الوقت، ومنه قوله تعالى: {وتلْكَ الأَيَامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} فيحمل مع الفعل الممتدّ كالصّوم والسّير والرّكوب وتخيير المرأة على النّهار، ومع غير الممتدّ كالطَّلاق والعَتاق على مطلق الوقت رعايةً للمناسبة واستعمال العرف. وهذا التفصيل إذا لم يكن له نيّة. أمّا لو قال في غير الممتدّ: شئت النّهار، فإنه يصدق قضاءً، لأنه نوى حقيقة كلامه فيصدق وإن كان فيه تخفيف على نفسه.
---
(3/330)
________________________________________
***
قيّد باليوم لأن النّهار لا يكون إلاّ للبياض خاصّةً، والليلَ لا يكون إلاّ للسّواد خاصّةً، سواء كان الفعل ممتدًّا أو غير ممتدّ. واختلفت عباراتهم فيما إذا اعْتُبِرَ الامتداد وعدمه: فمنهم من يعتبره في المضاف إليه اليوم، لأنّ المضاف يحصل له التعريف والاختصاص من المضاف إليه، وهو مختار فخر الإسلام والصّدر الشهيد والعَتَّابيّ حيث اعتبروه في الشرط. ومنهم من يعتبره في الجواب والجزاء، لأنه هو العامل فيه. وفي «شرح الكَنْزِ»: والأوجه أنْ يعتبره الممتدّ منهما، وعليه مسائلهم.

(وفي أنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً لِغَيْرِ المَدْخُولَةِ يَقَعْنَ) وهو قول عمر وعليّ وابن عباس وأبي هريرة وجمهور العلماء. وقال الحسن البصريّ وعطاء وجابر بن زيد: تقع واحدةً، لأنها تبين بقوله: أنتِ طالقٌ لا إلى عدّة، فيصادفها قوله ثلاثاً وهي بائنٌ فلا يقع به شيءٌ، وصار كقوله أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ. ولنا أنّ الثلاث صفة للطّلاق الذي أوقعه، والموصوف لا يوجد بدون صفته، فصار الكلام واحداً، وصار كقوله: أوقعت عليكِ ثلاث تطليقات.
(وبالْعَطْفِ) نحو: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، أو بالتكرير من غير عطفٍ نحو: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ (تَبِينُ بالأوَّلِ) وكانت الثنتان فيما لا يملك، وهو قول عليّ وابن مسعود وزيد وإبراهيم. وقال ابن (أبي) ليلى: إذا كان في مجلسٍ واحدٍ يقع ثلاث تطليقات، لأن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ويجعلها واحداً. وقال مالك، والشّافعيّ في القديم، والأوزاعيّ، واللّيث بن سعد: تطلق ثلاثاً. وقال أحمد: إنْ ذكر بالواو تطلق ثلاثاً وإلاّ تبين بالأوَّل، لأن المذكور بحرف الجمع كالمذكور بلفظ الجمع. ولهم: أنّ المجلس واحدٌ وهو يجمع المتفرقات، فيقع الثلاث.
---
(3/331)
________________________________________
***
ولنا: أنّ الواو لمطلق العطف وليس في آخر الكلام ما يغيّر أوّله من شرط أو استثناء وكان كل واحد إيقاعاً على حدة، فتَبِين بالأوَّل، ولم تبق محلاً للثَّانِي لأنها غير معتدّة.
(كَمَا) تَبِين بالأوّل (لَوْ عَلَّقَ وَقَدَّمَ الشَّرْطَ) بأن قال لغير المدخول بها: إن دخلتِ الدّار فأنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً وواحدةً، أو فأنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ، فإنه يقع بدخولها طلقة واحدة، وهذا عند أبي حنيفة وهو وجه في مذهب الشَّافعِيّ. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد وربيعة والليث بن سعد وابن أبي ليلى والقاضي أبو الطَّيب ـ من أصحاب الشافعي ـ: يقع الكل.
(ويَقَعُ الكُلُّ إنْ أُخِّرَ الشَّرْطُ) لأنّ آخر الكلام إذا كان فيه ما يغيّر أوله كالشرط، توقف أوّل الكلام على آخره، ولم يكن فيه تعاقب في التعليق، فلا يكون فيه تعاقب في الوقوع، وهذا إذا كان تكرار بدون عاطفٍ أو كان العاطف الواو.
وأمّا إذا كان الفاء فقال الكَرْخِيّ والطَّحَاوِيّ: أنّه كالواو. ويقع مع تقديم الشّرط واحدةٌ عند أبي حنيفة والكُلُّ عند أبي يوسف ومحمد.
وقال الفقيه أبو اللّيث في «مختلفه»: يقع واحدة بالاتفاق، لأنّ الفاء للتعقيب وموجبه الترتيب، فيصادفها الثَّانية وهي أجنبية ، وهو الصحيح. ولو كان العاطف «ثُمّ» فإنْ كان الشّرط مقدماً ففي المدخول بها تعلَّقت الأولى، ووقعت الثّانية والثّالثة، وفي غيرها تعلّقت الأولى ووقعت الثّانية ولَغَا الثّالثة. وإن كان الشرط مؤخّراً وهي مدخول بها وقعت الأولى والثانية في الحال، وتعلّقت الثّالثة. وإن كان غير مدخول بها وقعت الأولى في الحال ولَغَا ما سواها، وهذا كلُّه عند أبي حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعيّ وأحمد: يتعلق الثَّلاث بالشّرط، سواء تقدّم أو تأخّر، وقد دخل بها أو لم يدخل. وعند وجود الشَّرط إنْ كانت مدخولة يقع ثلاث وإلا واحدة.
---
(3/332)
________________________________________
***
(وفي أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْل واحدةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، يَقَعُ وَاحِدَةٌ في غَيْرِ المَوْطُوءَةِ، وفي المَوْطُوءَةِ) أي المدخول بها (ثِنْتَانِ) لبقاء المحلّيّة فيها بعد وقوع الأولى، بخلاف غير المدخول بها. (وفي قَبْلِهَا) موطوءة كانت أو غير موطوءة بأن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلها واحدةٌ، (وَ) في (بَعْد) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ، (وَ) في (مَعَهَا وَ) في (مَعَ) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ واحدةً معها واحدةٌ، أو أنتِ طالقٌ واحدةً مع واحدةٍ يقع (اثْنَانِ) أمّا وقوع اثنين في الموطوءة وغيرها بكلمة «مع» فلأنّها موضوعة للقَرْنِ.
وأمّا وقوع واحدة في غير الموطوءة وثنتين في الموطوءة بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ظاهرٍ، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى (ضميرٍ، ووقوع ثنتين في الموطوءة وفي غيرها بكلمة «قبل» إذا أضيفت إلى ضميرٍ، وبكلمة «بعد» إذا أضيفت إلى ظاهرٍ،) فلأنّ كلمة «قبل» و«بعد» إذا أُضِيفَتَا إلى ضميرٍ كانتا في المعنى صفةً لِمَا بعدهما، وإذا أُضِيفَتَا إلى ظاهرٍ كانتا في المعنى صفةً لِمَا قبلهما. فإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبل واحدةٍ كانت القبليّة صفةً للواحدة الأولى (فتبين بها)، وغير الموطوءة لم تبق محلاً للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان فيها.
وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بَعدها واحدةٌ كانت البعديّة صفةً للواحدة الثَّانية، فتبين غيرُ الموطوءة بالأولى، ولم تصر محلاً للثانية، بخلاف الموطوءة فيقعان فيها. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلها واحدةٌ كانت القبلية صفةً للواحدة الثّانية، وليس في وُسْعه تقديمها على الأولى، وفي وسعه إيقاعها في الحال، فيقع ما في وسعه، فيقع ثنتان. وإذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ كانت البعدية صفة للواحدة الأولى فيقتضي الكلام وقوعها بعد الثّانية، وليس في وسعه ذلك فيقعان جميعًا.
---
(3/333)
________________________________________
***
ومذهب مالك كمذهبنا، ومذهب الشافعيّ في «قبل» مع الضمير وجهان: أحدهما أنه لا يقع شيءٌ، والثّاني أنه يقع واحدة، وفي الثلاث صور الأُخَر يقع واحدة.
(وإنّ أَشارَ بالأصْبَعِ) أي ببطون الأصابع إلى عدد الطَّلاق (يُعْتَبَرُ عَدُّ المَنْشُورَةِ) ولا يصدق قضاءً في نيّة المضمومة (وإنْ أَشَارَ بِظُهُورِهَا) بأنْ جعل ظهر الأصابع إلى المرأة وبطنَها إلى نفسه (فَالمَضْمُومَةُ) معتبرةٌ وإن كان في الأصل أنْ تقع الإشارة بالمنشورة، هكذا ذكر شمس الأئمة في «شرح الكافي» عن بعض المتأخرين.

والمذكور في «الظَّهِيرِيّة» وسائر الكتب: أنّ المعتبر المنشورة مطلقاً، حتى لو قال: عَنَيتُ المضمومة لا يُصَدَّقُ قضاءً. ومما يدلّ على اعتبار عدد المنشورة مطلقاً ما رَوَى البُخَارِي ومسلم من حديث جَبَلَة بن سُحَيم أنه قال: سمعت ابن عمر يقول: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» وخنَس الإبهام في الثالثة. ولولا اعتبارُ عدد المنشورة لكان الشهر إحدى وعشرين يوماً لا تسعة وعشرين يوماً.
---
(3/334)
________________________________________
***
(وإنْ وَصَفَ الطَّلاَقَ بالشِّدّةِ) بأنْ قال: أنتِ طالقٌ بائِنٌ أو البَتَّةُ، أو أشدَ الطَّلاق، أو أَكبَره، أو أعظَمه، أو أسوأَه، أو أفحشَه، أو أخبثَه، أو طلاق الشّيطان، أو طلاق البدعة، أو ملءَ البيت (أو الطُّولِ أوْ العَرْضِ) أي بهما: بأن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً طويلةً أو عريضةً، (أوْ شِبْهِهِ) أي الطّلاق (بِمَا يَدُلُّ عَلَى هَذا) أي على ما ذُكِرَ من الشِّدة أو الطُّولِ أو العرضِ، بأن قال: أنتِ طالقٌ كالجبلِ أو كألفٍ (فَثَلاَثٌ إنّ نَوَاهَا) أي الثَّلاث (وإلاَّ) أي وإنْ لم ينوِ شَيئاً أو نوى واحدةً أو ثنتين (فَبَائِنَةٌ) واحدة، لأنّ وصف الطّلاق بالشِّدَّة والطول والعرض وتشبيهَه بما يدلّ على ذلك إنّما هو اعتبار أثره، وذلك بكونه بائناً . والبينونة نوعان: خفيفة، وغليظة، فإذا نوى الغليظة صحَّت نيّته، وإذا نوى الثنتين لا تصحّ نِيَّتهما، لأن البينونة جنسٌ يحتمل الأقل والأكثر دون العدد، والثنتان عددٌ.
وقال مالك والشافعيّ وأحمد: إذا قال للمدخول بها: أنتِ طالقٌ بائنٌ يقع رجعياً. لأن قوله: أنتِ طالقٌ صريحٌ وهو رجعي وقوله بائنٌ تغيير له فيردُ عليه. ولنا: أنه وصف الطّلاق بما يحتمله فلا يكون تغييراً له بل تبييناً. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعيّ وأحمد في أنتِ طالقٌ كالجبل: يقع رجعية، لأنه يحتمل التشبيه في الوحدة وفي العِظَم، وهو في الوحدة رجعيّة وفي العظم بائنة، فلا تقع البينونة بالشَّك.
---
(3/335)
________________________________________
***
ولأبي حنيفة أنّ التشبيه يقتضي زيادة، وذلك بالبينونة. ولو شبَّه الطَّلاق بعدد ما لا عدد له بأن قال: أنتِ طالقٌ كعدد الشمس، وكعدد التراب فهي بائنة في قول أبي حنيفة، لأنّ التشبيه يقتضي ضرباً من الزيادة، ولا يمكن حمله على الزيادة في العدد، فيحمل على الزيادة في الصفة. وقال أبو يوسف: رجعيّة، واختاره إمام الحرمين من الشافعية، لأنّ التشبيه بالعدد فيما لا عدد له لغوٌ فيبقى قوله: أنتِ طالقٌ، وبه يقع رجعيّة. وقال محمد والشافعيّ وأحمد: ثلاثٌ، لأنّ مثل هذا الكلام يراد به الكثرة.

(وكِنَايَتُهُ) وهي لغةً: ضدّ التصريح، والمراد بها عند الفقهاء هنا (مَا يَحْتَمِلُهُ) أي لفظ يحتمل الطَّلاق (وغَيْرَهُ) فيفتقر إلى نيّة في حالة الرِّضا وعدم مذاكرة الطّلاق. وكذا الكتابة المستبينة في لوحٍ بمِدَاد أو في رملٍ ونحوه يحتاج إلى نيّة أو دلالة حال. واحترز بالمستبينة عن الكتابة في الماء والهواء والصخرة الصَّمَّاء ونحوها بلا مَدادٍ، فإنّه لا يقع به شيءٌ وإن نوى. فلو كتب رسالة على رسم الكتابة بأن كتب: أمّا بعد، يا فلانة إذا بلغك كتابي هذا، فأنتِ طالقٌ، فإنه يقع به الطَّلاق، ولا يصدق قضاءً في عدم النيّة، لدلالة الحال في الكلّ.
(فَنَحْو: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَقُومِي، يَحْتَمِلُ رَدًّا) لسؤال المرأة الطّلاق بأن يريد تبعيدها عن نفسه، وجواباً لسؤالها الطّلاق بأن يريد اخْرُجِي لأني طلَّقتك، وكذا البواقي (ونحو: خَلِيَّة بَرِيّة بَائِنٌ، بَتَّةٌ، حَرَامٌ، يَصْلُحُ سبًّا) للمرأة بأن يُرَاد خَلِيّةٌ من الخير، بَرِيَّةٌ عن الطاعة أو عن المحامد، وبائِنٌ عن الرُّشد والدين، وبَتَّةٌ عن الأخلاق الحسنة، لأن البين والبتّ بمعنى القطع، حرامٌ في الصحبة أو العِشْرة، ويصلح جواباً لسؤالها الطَّلاق: بأن يراد أنت خَلِيَّة لأني طلّقتك وكذا البواقي.
---
(3/336)
________________________________________
***
(ونَحْو: اعْتَدِّي، واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، أنْتِ وَاحِدَةٌ، أنتِ حُرَّةٌ، اخْتَارِي، أمْركِ بِيَدِكِ، وسَرَّحْتُكِ، وفَارَقْتُكِ، لا يحتملهما) أي الردّ لسؤال المرأة، والسَّبّ لها، وإنما يصلح جواباً لسؤالها ومعاني أُخَرَ.
(فَفِي الرِّضَا) وهو أنْ لا يكون غضبٌ ولا مذاكرة طلاقٍ (يَتَوَقَّفُ الكُلُّ عَلَى النِيَّةِ) للاحتمال وعدم دلالة الحال (وَفِي الغَضَبِ) يتوقّف القسمان (الأَوَّلاَنِ) على النيّة لأن الأوَّلَ لَمّا احتمل الرَّدّ والثّاني السّبّ، وقع الشّك في الجواب، فلا تطلَّق إلا بالنيّة. (وَفِي مُذَاكَرَةِ الطَّلاَقِ) يتوقَّف (الأوَّلُ فَقَطْ) أي ولا يتوقف الأخيران.
أمّا توقف الأول فلأنه لَمّا احتمل الرَّدَّ والجواب، والرد أدْنى من الجواب لأن الرَّدّ دفعٌ والجواب رفعٌ، حُمِلَ عند عدم النِّيَّة على الرَّدِّ. وأمّا عدم توقف الآخرين فلأنّ الظاهر منهما عند مذاكرة الطَّلاق إرادته، فلا يتوقفان عندها على النِّيَّة. والقول قوله في تركها مع يمينه لأنها محتملة، فإن أنكر النِّيَّة في مذاكرة الطَّلاق لم يصدق قضاءً فيما يصلح منها جواباً فقط، ولا يصلح سبًّا ولا ردًّا، أو يصلح جواباً وسبًّا أيضاً، وصُدِّق فيما يصلح جواباً ورداً. وإن أنكرها في حال الغضب لم يصدق فيما يصلح جواباً فقط، ويصدق فيما عداه.

ولا يقع الطَّلاق بكنايتيْ التفويض وهما: اختاري نفسكِ، وأمركِ بيدكِ، إلاّ بإيقاعها بعد التفويض كما سيأتي في محله. وإنما ذُكِرَا مع الكِنَايَات ههنا لاحتمالهما تخييرها في نفسها بالإقامة على النِّكاح وعدمه، واحتمالهما تخييرها في غيره من نفقةٍ أو كِسْوةٍ. فإن اختارت نفسها وأنكر الزّوج قصد الطّلاق، كان القول له مع يمينه، إلاّ إذا كان بعد مذاكرة الطّلاق، أو في حال الغضب، فاختارت نفسها فإنه لا يصدق قضاءً.
---
(3/337)
________________________________________
***
(فإنْ نَوَى الثَّلاَثَ) بهذه الألفاظ من الكنايات كلها سوى ثلاثة ألفاظ تذكر بعد ذلك بمنزلة الاستثناء، وسوى لفظ اختاري كما سيأتي (يَقَعْنَ) الثلاث، (وإلاّ) أي وإن لم ينوِ الثَّلاث: بأن لم ينوِ شيئاً، أو نوى واحدة أو ثنتين (فَبَائِنَةٌ) أي فيقع واحدةٌ بائنةٌ. وقال مالك والشافعي وأحمد: يقع بها رجعيٌّ إن لم ينو الثَّلاث. والمسألة مختلفٌ فيها بين الصحابة، فقال عمر وابن مسعود: الواقع بها رجعيّ. رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، ومحمد بن الحسن في «آثاره». وقال عليّ وزيد بن ثابت وعامة الصّحابة: الواقع بها بائنٌ. وإنّما لا تصحّ نيته اثنتين عندنا خلافاً لزُفَر، لأن معنى التوحيد مراعىً في ألفاظ الوُحْدَان وذلك بالفردية أو الجنسية، والمثنّى بمعزلٍ منهما.
(وفي اعْتَدِّي) وهو قوله صلى الله عليه وسلم لسَوْدَة حين أراد أن يطلّقها: اعتدّي (واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ) لأنه بمنزلة التفسير لِمَا قَبْلَهُ (وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) يقع (رَجْعِيَّة) ولا فرق بين نصب الواحدة وعدمه، لأن العوام، بل بعض الفقهاء الكرام لا يفرِّقون بين وجوه الإعراب. وقال بعض المشايخ: إنْ نصبَ الواحدة تقع رجعيّة وإن لم ينوِ، لأنه نعتٌ لمصدر محذوف، وإنْ رفعها لا يقع شيءٌ وإن نوى، لأنه نعتٌ للمرأة، وإن سَكَّنَ يحتاج إلى النِّيَّة لاحتمال الأمرين. وقيل: يجوز الرفع لكونه نعتاً لطلقة، أي أنتِ تطليقة واحدة، ويجوز النَّصب لكونه نعتاً لمصدر آخر، أي أنتِ متكلمةٌ كلمةً واحدةً، فعلى هذا لا فرق بين الخواصّ والعوام.
(ويَقَعُ) الطَّلاق البائن (بإسْنَادِ البَيْنُونَةِ والحُرْمَةِ إلَيْهِ) بأنْ قال: أنا منك بائنٌ، أو قال: أنا منك حرامٌ ونوى الطّلاق، كما يقع بإسنادهما إلى المرأة (لا الطَّلاَقِ) أي لا يقع بإسناد الطّلاق إليه شيءٌ بأن قال: أنا منكِ طالقٌ وإنْ نوى الطَّلاق، وهو قول أحمد. وقال مالك والشافعيّ: يقع الطَّلاق إذا نَوَاه.
---
(3/338)
________________________________________
***

وحجَّتنا في ذلك ما رُوِيَ أن امرأةً قالت لزوجها: لو كان إليّ ما إليك لرأيت ماذا أصنع؟ فقال: جعلت إليك ما إليّ، فقالت: طلَّقتك. فَرُفِعَ ذلك إلى ابن عباسٍ فقال: خَطَّأَ الله نَوَّاها، هلاّ قالت: طلّقت نفسي منك. ثم الطّلاق واقعٌ بِـ: لستِ بامرأتي، أو: لستُ زوجك، إنْ نوى الطَّلاق عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
ويَلحقُ الطّلاقُ الصريح مثلَه: كـ: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، ويلحق البائنَ أيضاً: كـ:أنتِ بائنٌ أنت طالقٌ، ويلحق البائنُ الصريحَ: كـ: أنتِ طالقٌ أنتِ بائنٌ، ولا يلحق بائناً مثله: كـ: أنتِ بائنٌ أنتِ حرامٌ. وقد نظم بقوله:
*وكُلُّ طَلاَقٍ بَعْدَ أُخْرَى وَاقِعٌ ** سِوَى بائن مَعْ مِثْلِهِ لا يُعَلَّقُ وهذا عندنا، وعند الشافعيّ لا يلحق البائن الصريح كما لا يلحق البائن حتى لو قال لها بعد الخُلْع: أنتِ بائن لا يقع اتفاقاً. أمّا عندنا فلأنّ البائن لا يلحق البائن، وأمّا عنده فلأن الخُلْعَ فسخٌ في أحد قوليه. ولأنّ الرَّجْعِيّ لا يلحق البائن عنده. ولو قال لها بعد الخُلْع أو الطّلاق على مالٍ: أنتِ طالقٌ يقع عندنا، وعنده لا يقع. له: أنّ هذا تصرفٌ لَم يصادف في محله فيلغو، وهذا لأنّ الطَّلاق شُرِعَ لإزالة ملك النِّكاح، وقد زال بالخُلْع أو الطَّلاق على مالٍ، فلا يقع الطّلاق بعده كما بعد انقضاء العِدّة.
---
(3/339)
________________________________________
***
ولنا: قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} يعني الخُلْعَ، ثم قال: {فإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} والفاء للوصل والتعقيب، فيكون هذا تنصيصاً على وقوع الطلقة الثَّالثة بعد الخُلْع. وعن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «المُخْتَلِعَةُ يلحقها صريح الطَّلاق ما دامت في العدّة». رواه أبو يوسف في «الأمالي» بإسناده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وبه قال ابن مسعود، وعِمْران بن الحُصَيْن، وأبو الدَّرْدَاءِ، وسعيد ابن المُسَيَّبِ، وشُرَيْح، وطَاوسُ، والزُّهْرِيّ، والنَّخَعِيّ، والحَكَمُ، وحَمَّاد، ومَكْحُول، وعطاء، والثَّوْرِيّ، والله تعالى أعلم.

فصلٌ في تَفْوِيضِ الطَّلاَقِ
(تَفْوِيضُ طَلاَقِهَا إلَيْهَا) بأنْ قَالَ لها: طلِّقي نفسكِ (يَتَقَيَّدُ بِمَجْلِسِ عِلْمِهَا) غائبةً كانت أو حاضرةً، فتطلِّق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، وإنْ قامت منه أو أخذت في عملٍ آخرٍ، خرج الأمر من يدها. وقال مالك في رواية، والشافعيّ في القديم: لا يتقيّد بالمجلس وقال أحمد: لا يتقيد الأمر باليد بالمجلس.
لنا: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن ابن مسعود أنّه قال: إذا ملَّكها أمرها، فتفرقا قبل أنْ ينقضي شيءٌ فلا أمر لها. وما رَوَى أيضاً عن جابر بن عبد الله أنه قال: إذا خيَّر الرَّجل امرأته، فلم تختر في مجلسها ذلك، فلا خيار لها. وما رَوَى أيضاً هو وابن أبي شَيْبَة عن عمر بن الخَطَّاب، وعثمان بن عفَّان أنهما قالا: أيما رجلٍ ملَّك امرأته أمرها وخيّرها ثم افترقا من ذلك المجلس، فليس لها خيار وأمرها إلى زوجها. وأسنده ابن أبي شَيْبَة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد قال به عطاء ومجاهد والشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ والأوْزَاعِيّ وسُفْيَان.
---
(3/340)
________________________________________
***
وقال محمد: بلغنا عن عمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وجابر في الرَّجل يخيّر امرأته: أنّ لها الخِيار ما دامت في مجلسها ذلك، فإذا قامت من مجلسها فلا خِيار لها. وقال الزُّهْرِيّ وقَتادة وأبو عُبَيْد بن نصر: يبقى أمرها بيدها في ذلك المجلس، وفي غيره. وحكى صاحب «المُغْنِي» هذا القول عن عليّ كَرَّم الله وجهه.
قلنا: لم تستقر الرواية عن عليّ، إذ قد رُوِيَ عنه كالجماعة، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة.
قال البَيْهَقِيّ: وقد تعلَّق بعض مَن يجعل لها الخِيار ولو قامت من المجلس بحديث تخيير عائشة، وهو في الصحيحين: «إنّي ذاكرٌ لكِ أمراً، فلا عليكِ أنْ لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويكِ». وهذا الاستدلال غير ظاهر، لأنّه صلى الله عليه وسلم لم يخيّرها في إيقاع الطَّلاق بنفسها، وإنما خيّرها على أنها إن اختارت نفسها أحدث عليها الطَّلاق، لقوله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. انتهى.
(إلاّ أنْ يَقُولَ: كُلَّمَا شِئْتِ، أَوْ مَتَى شِئْتِ، أَوْ إذَا شِئْتِ) فإنّه لا يتقيّد بمجلس عِلْمها، لأنّ هذه الألفاظ عامةٌ في الوقت، فصار كأنه قال: طلِّقي نفسك أيّ وقت شِئْتِ، وفي كُلَّما شِئْتِ لها أنْ توقع ثلاث طلقاتٍ متفرقاتٍ، وليس لها أنْ توقعها جملةً، لأن «كُلَّمَا» تعمُّ الأفعال والأزمان عموم الانفراد لا عموم الاجتماع، إلاّ أنّ اليمين تنصرف إلى الملك القائم، فلا تملك الإيقاع بعد وقوع الثَّلاث إذا رجعت إليه بعد زوجٍ آخرٍ.

ولو طَلَّقَتْ نفسها ثلاثاً جملةً لا يقع شيءٌ عند أبي حنيفة، ويقع واحدةٌ عندهما، بناءً على أن إيقاع الثلاث إيقاع للواحدة أمْ لا؟ ويؤيد قولهما رميُ الحصيات السبع جملةً حيث يقع عن واحدة اتفاقاً.
---
(3/341)
________________________________________
***
(بِخِلاَفِ إنْ شِئْتِ) فإنَّه يتقيَّد بمجلس علمها لعدم ما يدلُّ على عموم الوقت. (وَلاَ يَرْجِعُ) من فوّض الطّلاق إلى امرأته (عَنْهُ) لأنّ التفويض فيه معنى اليمين، فإنه تعليق طلاق المرأة بتطليقها، واليمين تصرّفٌ لازمٌ فلا يصح الرُّجوع عنها.
(وإلى غَيْرِهَا) عَطْفٌ على «إليها»
أي وتفويض طلاقها إلى غيرها، سواء كان ضَرَّتها أو شخصاً آخر (لاَ يَتَقَيَّدُ) بالمجلس، ، لأن ذلك توكيلٌ بالطَّلاق وأمرٌ بإيقاعه، والتوكيل والأمر لا يقتضيان الفور كأمر الشَّارع، وكباقي الوكالات. (ويَرْجِعُ) الزَّوج عنه متى شاء، لأنّه إنّما استعان بغيره ليكون التَّصرُّف له لا عليه، فلو ألزمناه به لحِقَه الضَّرر.
(والمَجْلِسُ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالقِيَامِ) دون القعود (أو الذَّهَابِ أوِ الشُّرُوعِ في قَوْلٍ) كثيرٍ (أوْ عَمَلٍ) كَثيرٍ (لاَ يَتَعَلَّقُ بِمَا مَضَى) من التفويض، لأنّ ما ذكره دليل الإعراض.
قيّدنا القول والعمل بالكثير، لأنها لو سبَّحت، أو قرأت آيةً، أو أكلت شيئاً يسيراً، أو لَبِسَتْ ثيابها من غير قيام، لم يختلف مجلسها. وقيَّد القول والعمل بعدم التعلّق بالتفويض، لأنها لو دعت أباها للمشورة، أو شهوداً للإشهاد، لم يختلف مجلسها، لأن المشورة لتحرّي الصّواب، والإشهاد للتحرز عن الجحود.
(وفُلْكهَا) أي السَّفينة التي هي فيها وقت علمها بالتفويض (كَبَيْتِهَا) لأنّ جريان الفُلْكِ لا يضاف إلى راكبه، فثبت لها الخيار ما دامت في مجلسها كالبيت (وسَيْرُ دَابَّتِهَا كَسَيْرِهَا) لأنّ سير الدَّابَّة يُضَافُ إلى راكبها، لأنها تسير باختياره، فلو وقفت لم يَبْطُل خيارها، ولو نزلت بطل، وكذا لو ركبت وكانت نازلةً.
---
(3/342)
________________________________________
***
(وَفِي: اخْتَارِي بِنيَّةِ التَّفْوِيضِ) قيّد به لأنها تحتمل الأمر باختيار كِسْوة أو مأكل، فلا بد من نيَّة التفويض (فَقَالَتْ: اخْتَرْتُ) نفسي، أو: أنا اختار نفسي (لاَ يَقَعُ إلاّ بَائِنَةً) وكان القياس أنْ لا يقع شيءٌ وإن نوى الطَّلاق، لأنه لا يملك الإيقاع بهذا اللفظ، فلا يملك التفويض به إلى غيره إلاّ أنّ هذا القياس تُرِكَ باتفاق الصحابة على وقوع الطّلاق وإن اختلفوا في صفته.

وقال الشافعيّ: يقع رجعيٌّ، وهو قول أحمد، لأنه أدنى ما يكون من الاختيار. وقال مالك: يقع ثلاثاً، لأن الثلاث أتمّ ما يكون من الاختيار.
ولنا: أَنّ اختيارها لنفسها إنّما يتحقق بزوال ملك الزَّوج عنها، وزواله إنّما هو بالبينونة، وهي لا تستلزم الثلاث، وليس في اللفظ ما يدلّ عليها، فلا تقع وإن نواها، لأنّ الاختيار لا يتنوع، فَبَقِي مجرد نيّة العدد وهي لا تصح، بخلاف أنتِ بائنٌ، لأنّ البينونة تتنوع.
وفي «جامع الترمذي»: اختلف أهل العلم في الخِيار: فَرُوِيَ عن عمر وعبد الله بن مسعود أنَّهما قالا: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ. ورُوِيَ عنهما أيضاً أنّهما قالا: واحدةٌ يملك الرّجعة، وإنْ اختارت زوجها فلا شيء.
ورُوِيَ عن عليّ أنّه قال: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ يملِكُ الرجعة. وقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة، وإن اختارت نفسها فثلاثٌ. انتهى.
ولنا على أنها إن اختارت زوجها لم يقع شيءٌ ـ وهو قول أكثر أهل العلم ـ ما روى البُخَارِي ومسلم من حديث عائشة قالت: خيّرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم فاخترنا الله ورسوله، فلم يعدَّ ذلك شيئاً. كذا ذكروه وفيه: أنْ ذلك كان تخييراً لا تفويضاً كما تقدّم، والله تعالى أعلم.
---
(3/343)
________________________________________
***
(وشُرِطَ ذِكْرُ النَّفْسِ مِنْ أَحَدِهِمَا) متّصلاً أو منفصلاً في المجلس. وقال مالك والشافعيّ وأحمد: لا يُشْتَرَطُ (أوْ قَوْلُهُ: اخْتَارِي اخْتِيَارَةً) أو تطليقة، أو ما يكون كناية عن ذلك في أحد كلامهما (فَتَقُولُ: اخْتَرْتُ) أو: أختار نفسي. والقياس في قولها: أنا أختار نفسي عدم الوقوع كما قال الشافعيّ، لأنه وَعْدٌ، كما لو قال: طلّقي نفسك، فقالت: أنا أطلِّق نفسي، حيث لا تَطْلُقُ.
ووجه الاستحسان أنّ الكلام جُعِلَ جواباً بالسُّنَّة، وهي ما في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: لَمّا أُمِر رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تخيير أزواجه بدأ بي فقال: «إنّي ذاكرٌ لكِ أمراً إلى أن قالت: فقلت: ففي هذا أستأمر أبويّ، فإنّي أريد اللَّهَ ورسولَه والدّارَ الآخرة». ثم فعل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ الذي فعلت. وفي لفظ لمسلم: كلا، بل أختار الله ورسوله، واعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً.
وفي المعقول فإنّ المضارع قد يُراد به الحال كما في قول الشاهد: أشهد، وقول الكافر: أشهد أن لا إله إلاّ الله، فإنّه يُرَاد به التحقيق حتى صار به مسلماً، لأنه يخبر عن اعتقاده، فكذا هنا، «أنا أختار» حكاية عن اختيارها، بخلاف قولها: أنا أطلّق، لأنه لا يتصوّر أن تكون مطلّقة في حال كونها حاكية.

(وَلَوْ كَرَّرَهَا ثَلاَثاً) بأن قال لها: اختاري اختاري اختاري (فَاخْتَارَتْ إِحَدَاهَا) بغير لفظ التطليق بأنْ قالت: اخترت الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة، أو اخترت اختيارةً، أو باختيارةٍ، أو مرةً، أو بمرةٍ، أو دفعةً، أو بواحدةٍ (فَثَلاَثٌ). قيْدنا بغير لفظ التطليق، لأنها لو قالت: اخترت التطليقة الأولى تطلُق واحدةً باتفاقٍ. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قالت: اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة تطلق واحدةً. وهو اختيار الطَّحَاويّ.
---
(3/344)
________________________________________
***
(وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي، أوْ اخْتَرْتُ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ، فَبَائِنَةٌ) كذا في «المَبْسُوطِ»، و «الجامع الكبير»، و«الزيادات»، و«جوامع الفقه»، وعامة نسخ «الجامع الصغير» سوى «جامع صدر الإسلام»، فإن فيه ما في «الهداية»: أنه يقع طلقةٌ رجعية اعتباراً لما أتت به من صريح الطّلاق. وفي «الفوائد الظهيرية»: هذا سهوٌ وقع من الكاتب، لأن المرأة تتصرف بحكم التفويض وهو عندنا تطليقةٌ بائنةٌ. وفي «شرح الوِقَاية»: ذكر في «الهداية» أنه يقع واحدة يملك الرّجعة، فقيل: هذا غلطٌ وقع من الكاتب، وقيل: فيه روايتان: إِحداهما: أنه يقع واحدة رجعية، لأن لفظها صريحٌ، والأخرى: أنه بائنةٌ، وهذا أصحّ. انتهى.
(وَلَوْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ بِنِيَّةِ التَّفْوِيضِ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا) بأن قالت: طلّقت نفسي واحدةً، أو اخترت نفسي بتطليقةٍ (فَبَائِنَةٌ) أي فيقع طلقةٌ بائنة (وَإنْ نَوَى) الزَّوج (الثَّلاَثَ) فقالت: اخترت نفسي بواحدةٍ (يَقَعْنَ) لأنَّ الاختيار يصلح جواباً للأمر باليد لكونه تمليكاً كالتخيير، فصار كأنَّهَا قالت: اخترت نفسي بمرةٍ واحدةٍ وبذلك يقع الثلاث. وقال مالك: يقع بالتفويض ثلاثٌ. وقال الشافعيّ وأحمد: رجعيةٌ.
(وَفِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ فِي تَطْلِقَيةٍ، أوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فاخْتَارَتْ) نفسها (فَرَجْعِيَّةٌ) لأنها تتصرف بِجَعْل الزّوج، وهو إِنما جعل لها تطليقةً صريحةً، والصّريح يعقب الرّجعة.
(وَفِي: أمْرُكِ بِيَدِكِ اليَوْمَ وَغَداً يَدْخُلُ اللَّيْلُ) لأنه لم يتخلل بين الوقتين المذكورين وقتُ من جنسهما لم يتناوله الأمر، فكان أمراً واحداً (وَإنْ رُدَّ) الأمر من المرأة (في اليَوْمِ لاَ يَبْقَى بَعْدَهُ) أي في الغد، كما لا يبقى في آخر النَّهار إذا قال لها: أمرُك بيدكِ اليوم وردّت في أوّله.
---
(3/345)
________________________________________
***
(وَإنْ قَالَ:) أمرك بِيدِك (اليَوْمَ وبَعْدَ غَدٍ يَخْتَلِفُ الحُكْمَانِ) السابقان فلا يدخل الليل هنا، وإن ردّ الأمر في اليوم يبقَى بعد الغد خلافاً لزُفَر (وَفِي: طَلِقي نَفْسَكِ إنْ نَوَى ثَلاَثاً) فطلَّقت ثلاثاً: جملةً أو متفرقاً (يَقَعْنَ وَإِلاَّ) أي وإن لم ينوِ ثلاثاً بأن لم ينوِ شيئاً، أو نوى واحدةً أو ثِنتين والمرأة ليس بأَمَةٍ (فَرَجْعِيَّةٌ) أي فيقع طلقةٌ رجعيةٌ (وفي: طَلِّقِي) نفسك (ثَلاَثاً) فطلّقت واحدةً (يَقَعُ) واحدةٌ، وهو قول الشافعيّ وأحمد. وقال مالك: لا يقع شيءٌ، لأنها أتت بغير ما فوّض إليها.
ولنا: أنها ملكت إيقاع الثلاث فتملك إيقاع الواحدة، لأن من مَلَك شيئاً ملك أَيّ جزءٍ من أجزائه (لاَ فِي عَكْسِهِ) أي لا يقع شيءٌ في: طلِّقي نفسك واحدةً، فطلّقت ثلاثاً. وهذا عند أبي حنيفة، وهو رواية عن مالك، (وقول زُفَر. وقال أبو يوسف ومحمد: يقع واحدةٌ، وهو قول الشافعيّ وأحمد ورواية عن مالك)، لأنها أتت بما تملِكه وزيادة، فيقع ما تملكه وتُلْغَى الزّيادة. لأبي حنيفة: أنها مخالِفة، فكانت مبتدئةً لا مجيبة، وذلك أنّه فوّض إليها واحدة، فأتت بغيرها وهو الثلاث.
(وَلَوْ أَمَرَ بالبَائِنِ أوْ الرَّجْعِيّ فَعَكَسَتْ) بأن قالت: طلّقت نفسي طلقةً رجعيّةً في جواب: طلّقي نفسك طلقةً بائنةً، أو قالت: طلّقت نفسي طلقةً بائنةً في جواب: طلّقي نفسك طلقةً رجعيّةً (يَقَعُ ما أَرَادَ بِهِ) الزَّوج كذا في «الهداية». والمذكور في «الخِزَانة»: أَنّه إذا عكست لم يقع أصلاً.
---
(3/346)
________________________________________
***
(وَالشَّرْطُ في: أنْتِ طَالِقٌ إن شِئْتِ مَشِيئَةٌ مَنَجَّزَةٌ) أي غيرَ معلّقةٍ بشيءٍ بأن تقول: شئت، من غير أنْ تعلِّق (أوْ مُعَلَّقَةٌ بِمَا قَدْ عُلِمَ وِجُودُهُ) نحو شئت إن مضى أمس، أو إن كانت السّماء فوقنا، لأنّ التعليق بما عُلِمَ وجوده تنجيز. فقوله: الشّرط مبتدأ، ومَشِيئَةٌ خبره، ومعلقةٌ عطفٌ على مُنَجَّزَة، ومنجزةٌ صفةٌ لمشيئة (لاَ مَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ بَعْدُ) ذلك كما لو قالت: شئت إن كان كذا، الأمر لم يجىء بعد، و (كَما لَوْ قَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ، فَقَالَ: شِئْتُ) لأنه علّق الطّلاق بالمشيئة المرسلة، وهي أتت بالمشيئة المعلّقة فلم يوجد الشّرط، فخرج الأمر من يدها لاشتغالها بما لا يعنيها.
(وَفِي) أنتِ طالقٌ (كُلَّمَا شِئْتِ تُطَلِّقُ) المرأة نفسها (ثَلاَثاً مُتَفَرقةً) لا مجتمعة، لأن كلمة كلّمَا تفيد عمومَ الأفعال عمومَ انفرادٍ لا عمومَ اجتماع، ولو طلّقت ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ لا يقع شيءٌ عند أبي حنيفة، ويقع واحدةٌ عند أبي يوسف ومحمد، بناءً على أن إيقاع الثلاث إيقاع للواحدة كما قالا، أو ليس بإيقاع لها كما قال.

(لاَ بَعْدَ التَّحْلِيلِ) حتّى لو قال: أنتِ طالقٌ كلَّما شئت، فطلّقت نفسها ثلاثاً متفرقةً ثم عادت إليه بعد زوجٍ آخر، ثم طلّقت نفسها لم يقع شيءٌ، لأنّ التعليق ينصرف إلى الملك القائم، وهذا ملك جديد ليس في كلام الزوج ما يدلُّ على الإضافة إليه، وبهذا قال مالك والشافعيّ في قول.
ولو طلّقت نفسها طلقةً أو طلقتين ثم عادت إليه بعد زوج آخر فلها أنْ تطلِّق بثلاثٍ خلافاً لمحمد، فإنه يقول: إِنها لا تطلِّق إلا ما بقي، بناءً على أنّ الزَّوج يملك بهذا العقد عليها الثّلاث وهو قولهما، أو ما بقي من النّكاح الأوّل وهو قول محمد.
---
(3/347)
________________________________________
***
(وَفِي كَيْفَ شِئْتِ تَقَعُ بَائِنَةٌ أو ثَلاَثٌ) وفي نسخةٍ: أو ثلاثاً (إنْ نَوَتْ وَلَمْ تُخَالِفْهَا نِيَّتُهُ) جملة حاليّة، بأن شاءت واحدةً بائنةً ونواها الزّوج (أو لم يكن له نية، أو شاءت ثلاثاً ونواها الزّوج)، أو لم يكن له نيّة، لوجود المطابقة بين مشيئتها وإرادته إذا نوى. (وَإلاَّ) أي وإن لم يكن لها نيّة، أو كانت وخالفت نيتُه نيتها، بأن نوت واحدةً ونوى ثلاثاً، أو نوت ثلاثاً، ونوى واحدةً (فَرَجْعِيَّةٌ) أي فتطلق رجعيّة (وفي) طلِّقي (مَا شِئْتِ مِنْ ثَلاَثٍ) لها أنْ تطلِّق (مَا دُونَهَا) واحدةً أو ثنتين، وليس لها أنْ تطلّق ثلاثاً وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول الشافعي وأحمد.
وقال أبو يوسف ومحمد: لها أن تطلّق ثلاثاً، لأن «ما» مُحْكَمَةٌ في التعميم، و«من» قد تكون للتبيين فتحمل عليه كطلِّق «من» نسائي مَنْ شِئْتَ، وكل من طعامي ما شِئْتَ. ولأبي حنيفة: أنّ من للتبعيض كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، وللتبيين كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} فتيقَّنا التبعيض، وشككنا في التعميم، فلا يثبت بالشك، والله تعالى أعلم.

فصلٌ فِي التَّعْلِيقِ
(صِحَّةُ شَرْطِ التَّعْلِيقِ المِلْكُ) بأن يكون المعلِّق مالكاً لِمَا علّقه في وقت التعليق، كأنْ يقول في التعليق لمنكوحته: إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ. (أوْ الإضَافَةُ إلَيْهِ) أي إلى الملك، بأنْ يعلِّق على نفس الملك نحو: إنْ ملكتُ طلاقك فأنتِ طالقٌ، أو على سببه نحو: إن تزوّجتك فأنتِ طالقٌ. ثم التعليق قد يكون بصريح الشَّرط وهو ظاهر، وقد يكون بمعناه ويشترط حينئذٍ أن تكون المرأة غير معينة نحو: المرأة التي أتزوّجها طالقٌ، بخلاف هذه التي أتزوّجها لأنها لَمّا تَعَرّفَتْ بالإشارة لم يراع فيها صفةُ التزوّج، فَبَقِي قوله: هذه طالقٌ.
---
(3/348)
________________________________________
***
وقال الشافعي: لا يصح التعليق المضاف إلى الملك. وقال (مالك) في المشهور عنه: إذا لم يسمّ امرأةً بعينها، أو قبيلةً نحو قَرَشِيَّةٍ، أو أرضاً نحو مكيّة، أو نحو هذا، بأن قال: كل امرأةٍ، من غير زيادة وصف هنالك، فليس يلزمه ذلك لِمَا في «الموّطأ» أنّ عبد الله بن مسعود كان يقول فيمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالقٌ، إذا لم يسم قبيلةً أو امرأةً بعينها فلا شيء عليه. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت. انتهى. وهو قول ابن أبي ليلى، لِمَا فيه من باب سد نعمة النِّكاح على نفسه.
وللشافعيّ ما روى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن عامر الأحْوَل، عن عمرو ابن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا نَذْرَ لابن آدم فيما لا يملك، ولا عِتْقَ له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك». قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء رُوِيَ في هذا الباب. ولقول ابن عباس، فإنه سُئِلَ عمَّن يقول لامرأة: إن تزوّجتُك فأنتِ طالقٌ، فتلا قوله تعالى: {إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} وقال: شَرَعَ الله الطَّلاق بعد النِّكاح، فلا طلاق قبله. واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عِتق قبل ملكٍ». رواه ابن ماجه بسنده.
ولنا ما رواه في «الموطّأ»: أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وابن شِهَاب، وسُلَيْمان بن يَسَار كانوا يقولون: إذا حلف الرّجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها، ثم أثِم ـ أي حنث ـ إنّ ذلك لازمٌ له إذا نكحها، أي قبل الحِنْث.
---
(3/349)
________________________________________
***
وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن سالم، والقاسم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، والشَّعْبِيّ، والنَّخَعِيّ، والزُّهْرِيّ، والأسود (وأبي بكر بن عبد الرحمن)، وأبي بكر بن عَمرو بن حَزْم، وعبد اللهبن عبد الرحمن، ومكحول الشَّاميّ في رجلٍ قال: إنْ تزوّجت فلانةً فهي طالقٌ، أو يوم أتزوّجها فهي طالقٌ، أو كلّ امرأةٍ أتزوّجها فهي طالقٌ. قالوا: هو كما قال. وفي لفظ: يجوز ذلك عليه ـ أي يقع ـ وقد نقل مذهبنا ـ (وهو قول عمر وابنه وابن مسعود) ـ أيضاً عن سعيد بن المُسَيَّبِ، وعطاء، وحَمَّاد بن أبي سليمان (وشُرَيْح رحمهم الله).

وروى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ أنه قال: في رجلٍ قال: كل امرأةٍ أتزوّجها فهي طالقٌ، وكل أمَةٍ أشتريها فهي حرةٌ: هو كما قال. فقال له مَعْمَر: أو ليس قد جاء: «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عِتْق إلاّ بعد الملك»؟ قال: إنما ذلك أن يقول الرّجل: امرأةُ فلانٍ طالقٌ، وعبدُ فلانٍ حرٌّ.
وأمّا ما في «سنن الدَّارَقُطْنِيّ» عن أبي خالدٍ الوَاسِطِيّ بسنده عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سُئِلَ عن رجلٍ قال: يوم أتزوّج فلانةً فهي طالقٌ ثلاثاً، قال: «طلَّق ما لا يملك». فحديثٌ باطلٌ. قال صاحب «التّنْقِيح»: وأبو خالدٍ هو عمرو بن خالد وهو وَضَّاع. وقال أحمد ويحيى: كذَّابٌ. وما في «سننه» عن عليّ بن قرين بسنده عن أبي ثَعْلَبَة الخُشَنِيّ قال: قال عَمٌّ لي: اعمل لي عملاً حتّى أزوّجك ابنتي، فقلت: إن تزوّجتها فهي طالقٌ ثلاثاً، ثم بدا لي أنْ أتزوّجها، فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسألته فقال لي: تزوّجها، فإنه لا طلاق إلاّ بعد النِّكاح. قال فتزوّجتها فولدت لي سعداً وسعيداً. قال صاحب «التنقيح»: وهذا أيضاً باطلٌ، وعليّ بن قرين كذَّبه يحيى بن مَعِين وغيره. وقال ابن عَدِيّ: يسرِق الحديث.
---
(3/350)
________________________________________
***
هذا وما صحّ من الأحاديث محمولٌ على نفي التنجيز لأنه هو الطّلاق، وأمّا المعلّق فليس بطلاقٍ، بل له عرضية أن يصير طلاقاً عند وجود الشّرط. وهذا محملٌ مأثورٌ عن السلف كما قدمناه عن الزُّهْرِيّ. وقد جمع أبو بكر بن العربي الأحاديث وقال: ليس لها أصلٌ في الصِّحَّة، ولهذا ما عمل بها مالك، وربيعة، والأوْزَاعِيّ. فإن قيل: لا معنى لحَمْله على التنجيز لأنه ظاهر يعرفه كل أحدٍ، فوجب حَمْله على التعليق. قلنا: صار ظاهراً بعد اشتهار حكم الشّرع لا قبله، فإنّهم كانوا في الجاهلية يطلّقون قبل التزوّج تنجيزاً ويعدّونه طلاقاً إذا وُجِدَ النِّكاح، فنفاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الأحاديث. والله سبحانه أعلم.
(وألْفَاظُهُ) أي ألفاظ التعليق المتداولة عند الفقهاء (إنْ، وإذَا، وإذَا مَا، وَمَتى، ومَتَى مَا، وكُلُّ، وكُلَّمَا) وهنا ألفاظٌ أُخَر للشرط لم يبحثوا عنها كثيرَ بحثٍ وهي: مَنْ، ومَا، وكَيْفَما، وأيْنَ، وغير ذلك. وعدّوا كلَّ واحدٍ من ألفاظ التعليق باعتبار أنّ الحكم يتعلّق بالفعل الذي يلي مدخولها نحو: كلُّ مَنْ دخلَتْ منكنَّ الدَّار فهي طالقٌ، فإنه لا تطلُق غير التي تدخل. ثم متى تقدّم الجزاء على الشرط امتنع أنْ يرتبط بحرف الفاء، ومتى تأخَّر عنه وجب أنْ يرتبط به إذا كان واحداً من سبعٍ وهي: طَلَبِيّةٌ، واسميّةٌ ، وبجامدٍ، وبما، ولن، وبقد، وبالتنفيس. فلو قال: إن دخلت الدَّار أنتِ طالقٌ، يَتَنَجَّزُ عند محمدٍ وإن نوى التعليق، وهو قول أكثر أصحاب الشافعيّ لعدم ما به التعليق وهو الفاء. ولا يَتَنَجَّزُ عند أبي يوسف، وهو قول أحمد وبعض أصحاب الشافعيّ، لأن ذِكْرَ هذا الكلام لإرادة التعليق، والعبرة بالمعاني دون الألفاظ والمباني.
---
(3/351)
________________________________________
***
ولو قال: أنتِ طالقٌ وإن دخلت الدّار يَتَنَجَّزُ اتفاقاً، لأنّ معناه في كل حال، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ أنْ دخلت الدَّار ـ بفتح الهمزة ـ، لأنّ أن للتعليل، ولا يشترط وجود العلة. وإن قال لها: إنْ دخلت الدَّار فأنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، فدخلت تلك الدَّار، فالواقع واحدةٌ عندنا، أي عند أبي حنيفة. وقالا: ثلاثٌ، كما قال مالك والشّافعيّ، كما لو أخّر الشّرط فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ إن دخلت الدَّار. ولو عطف بحرف الفاء فهو على الخلاف فيما ذكر الكَرْخِيُّ والطَّحَاوِيّ. وذكر الفقيه أبو اللَّيْث أنه يقع واحدةٌ بالاتفاق، لأنّ الفاء للتعقيب وهو الأصحّ.
(وَزَوَالُ المِلْكِ لاَ يُبْطِلُهُ) أي لا يبطل التعليق إذا لم يوجد الشّرط: بأن طلّق امرأته دون الثَّلاث وراجعها، ثم وُجِدَ الشرط فإنّه ينزل الجزاء، بل ينحلُّ اليمين لوجود الشّرط وإن لم يكن في الملك. فلو قال: إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ، ثم طلّقها واحدةً وانقضت عدّتها، ثم تزوّجها فدخلت الدَّار طَلُقَتْ لأنّ التعليق باقٍ لبقاء محله.
---
(3/352)
________________________________________
***
(فَفِي غَيْرِ «كُلَّمَا») من ألفاظ التعليق (إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ مَرّةً فِي المِلْكِ) المعلَّق فيه ولو بعد عقدٍ ثان فيه (يَنْحَلُّ) التعليق (إلَى جَزَاءٍ) لأنّ غير «كُلَّمَا» من ألفاظ التعليق لا يدلّ على التكرار، وقد وُجِدَ الشَّرط في الملك، فيقع الجزاء المعلّق عليه. (وَإنْ وُجِدَ) الشَّرط مرةً (فِي غَيْرِ المِلْكِ) ينحل التعليق لوجود الشرط (لاَ إلَى جَزَاءٍ) لعدم المحليّة. قال ابن المنذر: أجمع مَنْ يُحفظ عنه العلمُ على أنّ الرّجل إذا قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إن دخلتِ الدَّار، ثم طلَّقها ثلاثاً، ثم نكحت غيره، ثم نكحها الحالف، ثم دخلت الدَّار لا يقع عليها طلاقٌ. ولو أبانها بدون الثّلاث، ثم وُجِدَ الشَّرط انحلت اليمين حتى لو تزوّجها بعد لا يقع شيءٌ. وإن لم يوجد الشّرط في حال البينونة، ثم نكحها لم تنحل عند أبي حنيفة ومالك وأحد أقوال الشّافعيّ، وله قول: لا تعود الصفة بحالٍ. واختاره المُزَنِيّ. انتهى.
(وَفِي «كُلَّمَا» يَنْحَلُّ بَعْدَ الثَّلاثِ فَلاَ يَقَعُ) الطَّلاق (إنْ نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ) وقال زُفَر: يقع لأنّ «كلما» لعموم الأفعال قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً}. ولنا: أنّ التعليق والعموم باعتبار الملك الموجود، وقد زال ذلك الملك فيبطل (إلاّ إذَا دَخَلَتْ) كُلَّمَا (في التَّزَوُّجِ) نحو: كُلَّمَا أَتزوّجُكِ فأنتِ طالقٌ، فإنّ الجزاء يقع إن نكحها بعد زوج آخر، لأنّ انعقاد هذا التعليق على ما يملك عليها من الطّلاق بالتَّزوُّج، وهو غير محصور.

(وَإنِ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالقَوْلُ لَهُ) أي للزَّوج لأنه ينكر وقوع الطَّلاق، وهي تدّعيه، والقول قول المُنْكِر. (إلاّ مَعَ حُجَّتِهَا) لأنّها أوضحت دعواها بالبينة.
---
(3/353)
________________________________________
***
(وَفِي شَرْطٍ لاَ يُعْلَمُ إلاّ مِنْهَا نَحو: إنْ حِضْتِ فَأْنْتِ طَالِقٌ وفُلاَنَةٌ) فقالت: حضت، وكذّبها الزّوج (صُدِّقَتْ في حَقِّهَا فَقَطْ) أي ولم تُصَدَّق في حقّ فلانة (فَيُحْكَمُ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ بِالطَّلاَقِ) أي بوقوعه (في أوَّلِهَا) أي أول الثَّلاثة. ومذهب الشّافعيّ عند انقضاء يومٍ وليلةٍ، وفي وجهٍ في مذهبه وهو قول أحمد: عند أول رؤية الدَّم. والقياس أنْ لا تُصَدَّق لأنها تدَّعي حِنْث الزّوج، وهو يُنْكره.
ووجه الاستحسان أنها مأمورةٌ بإظهار ما عندها لقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ في أرْحَامِهِنَّ} ولو لم يكن قولها فيه مقبولاً لم يكن لأَمْرها به فائدة. وإنما لا تصدق في حقّ فلانة لأنها متَّهمةٌ فيه، ولو صدَّقها الزَّوج طلقت ضَرّتها أيضاً لثبوت الحيض في حقّها بتصديقه. ولَمّا كان أقل الحيض عندنا ثلاثة أيامٍ، فإذا استمر الدمّ إليها عُرِفَ أنه حيضٌ، فتطلق عندها طلاقاً مستنداً إلى أوله. حتى لو كانت غير مدخولٍ بها وتزوّجت عند رؤية الدَّم، صحّ نكاحُها.
(وفي: إنْ حِضْتِ حَيْضَةً) فأنتِ طالقٌ (يَقَعُ) الطَّلاق (إذَا طَهُرَتْ) لأنّ الحيضة اسم للمرّة من الحيض، ولا تحصل إلا بانتهائه وهو الطهر. ولو قال لحائض: إذا حِضْت فأنتِ طالقٌ لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض.
ولو قال لطاهرٍ: إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالقٌ لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر. لأنّ اليمين يقتضي شرطاً مستقبلاً، وهذا قد مضى بعضُه وبقي بعضه ، وما مضى لا يدخل تحت اليمين فكذا ما بَقِيَ. (وفي: إن صُمْتِ يَوْماً) فأنْتِ طالقٌ فصامت يقع الطّلاق (إذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) لأنّ ذكر اليوم يدلّ على كمال الصّوم، وذلك بغروب الشّمس (بِخِلاَفِ إنْ صُمْتِ) فأنتِ طالقٌ، فإِنها تطلق بأوّل الشّروع في الصّوم لوجود ركن الصّوم وعدم ما يدلَّ على كماله.
---
(3/354)
________________________________________
***
(وإن عَلَّقَ طَلْقَةً بِوِلاَدَةِ ذَكَرٍ وَطَلْقَتَيْنِ بِأُنْثَى) بأن قال: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإنْ ولدتِ أُنْثَى فثِنْتَيْنِ (فَوَلَدَتْهُمَا وَلَمْ يَدْرِ الأوَّلَ) كأنْ كانت الولادة ليلاً (طُلِّقَتْ وَاحِدَةً قَضَاءً) لتيقُّنِها (وَثِنْتَيْنِ تَنَزُّهاً) أي تباعداً عن الحرمة واحتياطاً حتى لو كانت عنده بتطليقة لا يتزوّجها (وَانْقَضَتْ العِدَّةُ بالثَّانِي) بيقينٍ لأن الحامل تنقضي عدّتها بوضع حملها، فإن ولدت الذَّكر أولاً انقضت عدّتها (بِوضْع الأُنثى، وإن ولدت الأنثى أولاً انقضت عدّتها بوضع) الذَّكَر. وفي «الجامع»: لو قال: إن ولدت ولداً فأنتِ طالقٌ، وإن كان الذي تلدينه غلاماً فأنتِ طالقٌ ثنتين، فولدت غلاماً يقع الثلاث لوجود الشرطين، لأنّ المطلق موجود في ضمن المقيد، وهو قول مالك والشافعيّ.

(وإنّ عَلَّقَ) الطّلاق (بِشَيْئَيْنِ يَقَعُ الطَّلاَقُ إنْ وُجِدَ الثَّانِي في المِلْكِ) سواء وُجِدَ الأول فيه أو لا، حتّى لو قال: إن كلّمتِ أبا عمرو وأبا زيدٍ فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، ثم طلّقها، ثم انقضت عدّتها، فكلّمت أبا عمرٍو، ثم تزوّجها فكلّمت أبا زيدٍ طلّقت ثلاثاً. قيّد بوجود الثّاني في الملك، لأنه لو وُجِدَ في غيره لا يقع الطّلاق باتفاق. سواء وُجِدَ الأوَّلُ في الملك، أو في غيره.
---
(3/355)
________________________________________
***
وقال زُفَر: لا بدّ من وجود الأوّل في الملك أيضاً اعتباراً بالثّاني، إذ هما ـ لتوّقف الطّلاق عليهما ـ كشيءٍ واحدٍ. ولو ذُكِرَ الجزاء بين شرطين بغير حرف الواو والفاء، يُجْعَلُ الشّرط الأخير غاية لليمين. ولو ذُكِرَ الجزاء مؤخّراً عن الشّرطين، يُجْعَلُ الشّرط الأوَّل مع الجزاء جزاءً للشّرط الثّاني على التقديم والتأخير إن صلح لذلك بذكر الفاء أو إضماره في الشَّرط الأول في الذّكر، كقوله تعالى: {فإذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ آتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ} فإنّ التَّقدير ـ والله تعالى أعلم ـ إن أتين بفاحشةٍ فإذا أحصنّ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ، ومعنى أَحْصَنَّ ـ على قراءة الفتح ـ:
أَسْلَمْنَ، وعلى قراءة الضم: زُوِّجْنَ.
ولو ذُكِرَ الجزاء مقدماً على الشرطين، يُجْعَلُ الشّرط الأخير مقدماً في التقدير، ويكون شرطاً لانعقاد اليمين، والشَّرط السابق شرط الحنْث. فإذا قال: أنت طالقِ إن دخلت الدّار إنْ كلّمتِ زيداً، فإذا كَلَّمَتْ زيداً ينعقد اليمين، ثم إذا دخلت الدّار يقع الطّلاق. ونظيره في التقديم والتأخير قوله تعالى: {وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ ا يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ}.
(والتَّنْجِيزُ) أي تنجيز الثّلاث (يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ) أي تعليق الثّلاث (فَلَوْ عَلَّقَ) بأنْ قال: إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ ثلاثاً (ثُمَّ نَجَّزَ الثَّلاَثَ) بأن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً قبل دخول الدّار. (ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ التَّحْلِيلِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ) بأنْ دخلت الدَّار (لاَ يَقَعُ) الطّلاق المعلّق، وهو قول الشّافعيّ الجديد ومالك وأحمد. وقال زُفَر ـ وهو قول الشافعيّ القديم ـ: يقع.
---
(3/356)
________________________________________
***
(وإنْ وَصَلَ: إنْ شَاءَ الله بِكَلاَمِهِ بَطَلَ) كلامه عند أبي حنيفة ومحمد، وبه قال ابن أبي ليلى وإسحاق، وأبو عُبَيْدَة، وبعض أصحاب الشافعيّ. وقال مالك: لا يبطل الطَّلاق والعَتَاق والصَّدقة، ويبطل اليمين والنَّذْر. وقال أحمد: لا يبطل الطَّلاق خاصةً.

لنا: أنّ موسى عليه السلام قال: {سَتَجِدُني إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً} ولم يصبر. وما روى أصحاب السنن الأربعة من حديث أيُّوب السَّخْتِيَانِيّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء اللَّهُ فلا حِنْثَ عليه». ولفظ أبي داود والنَّسائي: «فقد استثنى». قال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ. وقد رُوِيَ عن نافعٍ وسالمٍ عن ابن عمر موقوفاً، ولا نعلم أحداً يرفعه (غير أيّوب السَّخْتِيَانيّ. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أحياناً يرفعه وأحياناً لا يرفعه). انتهى. وهذا كله غير قادحٍ في الرَّفع لِمَا مرّ من نظائره غير مرّة.
وروى ابن عَدِيّ في «الكامل» عن إسحاق بن أبي يحيى الكَعْبِيّ بسنده عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قال لامرأته أنتِ طالقٌ إن شاء الله، أو لغلامه أنت حرٌّ إن شاء الله، أو عليّ المشي إلى بيت الله إن شاء الله، فلا شيء عليه». إلاّ أنّ الدَّارَقُطْنِيّ وابن حِبّان ضعّفا إسحاق. قيّد بالوصل لأنه لو فصل إن شاء الله عن كلامه لا يبطل كلامه. وأراد بالوصل ما يقابل الفصل غير الضّروريّ، فيشمل الفصل الضّروريّ كالفصل لتنفس أو عُطَاس أو جُشَاء أو ثِقَل لسان.
والعطف في قوله: أنتِ طالقٌ (ثلاثاً وثلاثاً، أو في أنتِ حرّة وحرة إن شاء الله، فاصلٌ عند أبي حنيفة، خلافاً لهما حيث لم يعدّاه فاصلاً كما في قوله: أنتِ طالقٌ) وعبدي حرٌ إن شاء الله، لكون الكلام موصولاً ظاهراً.

فصلٌ في طَلاَقِ المَرِيضِ الفَارّ
---
(3/357)
________________________________________
***
(مَنْ غَالِبُ حَالِهِ الهَلاَكُ) مبتدأ (كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجَ الَبْيتِ) سواء عَجَزَ عن إقامتها داخل البيت أو لم يعجِز (وَمَنْ بَارَزَ) في الحرب، عطفٌ على مريضٍ (أوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ لِقِصَاصٍ أوْ رَجْمٍ) ونحوهما (مَرِيضٌ) خبر المبتدأ (مَرَض المَوْتِ) (احترازٌ عَمَّن أبانها في مرضه ثم صحّ ثم مات) ولأنّ الغالب في هذه الأشياء الهلاك.
(فَلَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ) أي الحرّة المسلمة بأنْ طلّقها طلقةً بائنةً أو ثلاثاً (بِغَيْرِ رِضَاهَا) قيّد به لأنه لو أبانها بأمرها، أو بانت منه باختيارها نفسها بسبب تفويضٍ، أو جَبَ؛ أو عُنَّةٍ، أو خِيار بلوغٍ أو عتقٍ لا ترث، لأنها رضيت بإبطال حقّها (وَمَاتَ) في ذلك المرض، أو في تلك المبارزة، أو ذلك التقديم (وَلَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ السَّبَبِ) بأنْ مات في ذلك المرض بغيره، وفي تلك المبارزة بمرض، وفي ذلك التقديم بغير القتل أو الرّجم، لأن الموت قد اتصل به في مرضه الذي طلّقها فيه فيكون فارّاً. (وإنما قلنا في ذلك المرض احترازاً عمّن أبانها في مرضه، ثم صحّ ثم مات فإنه لا يكون فارَّاً)، خلافاً لزُفَر.
(وَهِيَ فِي العِدَّةِ) قيّد به لأنه لو مات بعد العِدَّة لا ترث. وقال ابن أبي لَيْلَى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن رَاهُويه، وأبو عُبيد: ترث بعد العِدّة ما لم تتزوج بآخر. وعن مالك واللّيث: وإن تزوّجت بأزواجٍ (تَرِثُ) وفي نسخة: ترثه. وهذا جواب لو، وبه قال مالك كما في الطّلاق الرّجعيّ. وقال الشّافعيّ في الجديد، وأبو ثور، وابن المنذر: لا ترث، وهو القياس. لأن سبب الإرث ـ وهو الزوجية ـ قد ارتفع قبل الموت، فصار كما لو طلّقها قبل الدّخول، أو في الصَّحَّة، ولهذا لو حلف أنه لا زوجة له لا يحنَث.
---
(3/358)
________________________________________
***
ولنا أنّ الزَّوجية سبب إرثها، والزّوج قصد إبطالها فيردّ عليه قصده بتأخير عمله إلى انقضاء العِدّة لبقاء بعض الأحكام، بخلاف ما إذا ماتت هي حيث لا يرثها، لأنه رضي بذلك، وبخلاف ما إذا طلّقها بسؤالها لأنها رضيت ببطلان حقّها، واستحساناً لاتفاق الصَّحابة، فقد رُوِيَ أنّ عبد الرّحمن بن عوف لَمّا بَتّ طلاق امرأته ـ تُمَاضِر بنت الأصبغ بن زياد بن الحُصَيْن الكلبيّة ـ في مرضه، ومات عبد الرّحمن وهي في العِدّة وَرَّثَها عثمانُ بمحضَرٍ من المهاجرين والأنصار وقال: ما اتَّهَمْتُه، ولكن أَرَدتُ السُّنَّة.

ورُوِيَ عن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عُمر وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم: أنّ امرأة الفارّ تَرِثُ ما دامت في العِدّة. وعن إبراهيم: جاء عُرْوَة البَارِقِيّ إلى شُرَيْح من عند عمر بخمس خصالٍ منها: ما إذا طلّق المريض امرأته ثلاثاً ورثته إذا مات وهي في العدّة. وعن الشَّعْبِيّ: أنَّ أمّ البنين بنت عُيَيْنَة بن حصن الفَزَارية كانت تحت عثمان بن عفّان رضي الله عنه ففارقها بعدما حُصِرَ، فجاءت إلى عليّ بعدما قُتِلَ وأخبرته بذلك، فقال: تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها، وورّثها منه. ويشكل هذا بقولهم: لو كان محصوراً في حصن لا يكون فاراً.
وعن عائشة: أنّ امرأة الفَارِّ ترث منه ما دامت في العدّة. وعن أبيّ بن كعب: أنها ترث ما لم تتزوّج. وقال ابن سِيرِين: كانوا يقولون ولا يختلفون: من فرّ من كتاب الله رُدّ إليه. يعني هذا الحكم يردّ عليه قصده. ولم يُنْقَلْ عن صحابيّ خلافه، وبه قال النَّخَعِي، والشَّعْبِيّ، وسعيد بن المُسَيَّب، وابن سيرين، وعُرْوَة، وشُرَيْح، وطَاوُس، والثَّوْرِيّ، وابن شُبْرُمة، وحمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، وبمثله يُتْرَك القياس. وابن عوف لم ينكر التوريث حتى رُوِي عن عثمان (أنه) عادَهُ فقال: لو مُتَّ ورّثتها منك، فقال: أنا أعلم ذلك، ما طلّقتها فراراً ولا ضِراراً.
---
(3/359)
________________________________________
***
وقال ابن أبي ليلى: إنّ عدّتها في حقّ الميراث لا تنقضي حتى إنّ لها الميراث ما لم تتزوّج، فإذا تزوّجت فهي التي رضيت بسقوط حقّها، ولها ذلك كما لو سألته في الابتداء. ولكنّا نقول لَمّا انقضت عدّتها حلّ لها أن تتزوّج، وذلك دليلٌ حكميّ منافٍ للنِّكاح الأوّل، فلا يبقى معه النِّكاح حكماً كما لو تزوّجت. وعلماؤنا شرطوا بقاء عدّتها لإرثها منه، ونفاه مالك وورّثها منه وإن تزوّجت، لإطلاق: مَن فرّ مِن كتاب الله رُدَّ إليه. قلنا: المرأة الواحدة لا ترث من زوجين بحكم النِّكاح، وما قال يؤدي إليه.
ويجعل أبو يوسف العدّة بالأَقراء، لأنّ النِّكاح قد انقطع بالطّلاق قبل الموت، فلزمها أن تعتدّ بثلاث حِيَضٍ، وإبقاء النّكاح في حق الإرث أمرٌ حكميٌّ، فلا يظهر في حقّ تغيير العدّة. وأبو حنيفة ومحمد قدّراها بأبعد الأجلين، لأن نكاحها لها إذا بَقِيَ في حقّ الإرث، فبقاؤه في حقّ العدّة أوْلى لأنها أسرع ثبوتاً منه، ولهذا وجبت دونه في النِّكاح الفاسد.
(وَمَنْ هُوَ في صَفِّ القِتَالِ أوْ حُمَّ) أي حصل له حُمًّى لم يَعْجِز معها مِن إقامة مصالحه خارج البيت. فمَنْ مبتدأ، وحُمّ عطفٌ على هو في صفّ القتال، وكذا قوله: (أوْ حُبِسَ لِقَتْلٍ) في حدَ، أو قصاصٍ، أو نزل في مَسْبَعَةٍ ـ وهي أرضٌ كثيرة السَّبُع ـ أو في مخيفٍ من عدوٍ، أو حُصِرَ في حصنٍ أو دارٍ (صَحِيحٌ) خبر المبتدأ، والمراد به صحيحٌ في حقّ الطّلاق حتى لو طلّقها في حال من هذه الأحوال، ومات بذلك السبب وهي في العدّة لا ترث، لأنه لا يغلب في مثل هذا الهلاكُ.
---
(3/360)
________________________________________
***
(وَلَوْ تَصَادَقَا) أي الزّوج والمرأة (فِي مَرَضِهِ عَلَى طَلاَقِهَا ومُضِيّ عِدّتِهَا) بأنْ يقول: كنت طلّقتك ثلاثاً في صِحَّتي، وانقضت عدّتك وصدّقته. (أوْ أبَانَهَا بِأمْرِهَا ثُمَّ أَقَرّ لهَا) بعد التّصادق أو الإبانة (بَدَيْنٍ أوْ أوْصَى) بوصيةٍ (فَلَهَا الأَقَلُّ مِنْهُ) أي من كلّ واحد من الإقرار والوصية (وَمِنَ الإرْثِ) وهذا عند أبي حنيفة في المسألتين أعني التّصديق والإبانة، وعند أبي يوسف ومحمد في البائنة. وقال زُفَر: لها جميع ما أقرّ به أو أوصى في المسألتين، وإن تصادقا على الإبانة ومُضِيّ العدّة في زمان الصِّحَّة فأقرّ، أو أوصى لها بشيءٌ فالحكم كما تقدّم عند أبي حنيفة، وحَكَما بصحَّتها كمالك والشَّافعيّ.
(وإنْ عَلَّقَ) الزّوج (بَيْنُونَتَهَا بِشَرْطٍ ووُجِدَ) ذلك الشّرط (في مَرَضِهِ) سواء كان التعليق في الصّحَّة أو في المرض (تَرِثُ إنْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ) سواء كان الفعل ممّا له منه بدّ، أو ممّا لا بدّ منه، لأنه قصد إبطال حقّها بالتعليق وبمباشرة الشّرط في المرض فيردّ عليه. قيّد بالبينونة، لأنه لو علّق الرّجعيّ ورثت في الأحوال الماضية كلها إذا مات في عدّتها (أو بِفِعْلِهَا وَلاَ بُدَّ لَهَا مِنْهُ) كالأكل والشُّرب وكلام الأبوين وقضاء الدّين واستقضائه، سواء كان التعليق في الصّحَّة أو في المرض، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد ـ وهو قول زُفَر ـ: إذا كان التعليق في الصِّحَّة والشّرط في المرض لا ترث، لأنه لم يوجد من الزّوج صنع بعد تعلّق حقّها بماله، وإنّما المرأة أبطلت حقّها بإتيانها بذلك الفعل. ولهما: أنّ الزّوج ألجأها إلى المباشرة، فينتقل إليه الفعل كما في الإكراه.
---
(3/361)
________________________________________
***
وفي مبسوط فخر الإسلام: الصحيح في هذه المسألة قول محمد. قيّد الفعل بكونه لا بدّ لها منه، لأنه لو كان لها منه بدّ لا ترث، سواء كان التعليق والشّرط في المرض، أو كان التعليق في الصّحَّةِ والشَّرط في المرض، لأنها رضيت بالشّرط فصار كما لو طلّقها بسؤالها (أوْ) عَلَّقَ (بِغَيْرِهِمَا) أي بغير فعله وفعلها بأن علّق بينونتها بفعلٍ أجنبيّ أو بمجيء وقتٍ (وَقَدْ عَلَّقَ فِي المَرَضِ) قيّد به، لأنه لو علّق في الصّحّة لا ترث. وقال زُفَر وأحمد والأوزاعيّ (والثَّوْرِيّ): ترث، لأنّ المعلّق بالشّرط كالمُنَجَّزِ عند وجوده، فكان تطليقاً بعد تعلّق حقّها فيردّ عليه لأنه ظلم. ولنا: أنّ المعلّق بالشّرط كالمُنَجَّزِ عنده حكماً لا قصداً، ولا ظلم إلاّ عن قصدٍ، فلا يردّ تصرفه. والله أعلم.

فصلٌ (في الرَّجْعَةِ)
(تَصِحُّ الرَّجْعَةُ) بفتح الرّاء وبكسرها (في العِّدّةِ) لقوله تعالى: {فإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، ولأنّ الرّجعة استدامة ملك النِّكاح، ولا ملك بعد انقضاء العدّة. والدليلُ على بقاء الملك مطلقاً أنه يملك التّصرفات كالظِّهار والإيلاء، وأنّهما يتوارثان، وأنّه يحِل وطؤها بعد الرّجعة، وهي ليست بسبب لحِل الوطىء مقصوداً، حتى لا يُعْتَبر فيها مهرٌ ولا رضاها، وهذا معنى قوله: (وَإنْ أَبَتْ) أي المرأة لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بَرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ} أي زمان العدّة، وعليه إجماع أهل العلم (إذَا لَمْ تَبِنْ) لم تصر بائنة (خَفِيفَةً) وهي طلقةٌ بائنةٌ (أوْ غَلِيظَةً) وهي الثلاث في الحرّة. والثنتان في الأمة (بِنَحْوِ: رَاجَعْتُكِ) وارْتَجَعْتُكِ، ورَجَّعْتُكِ، ورددتك، وأمْسَكْتُكِ، ومَسَكْتُكِ، أو رَاجَعْتُ امرأتي إن كانت غائبةً، وهذا صريح الرّجعة.
---
(3/362)
________________________________________
***
وأمّا كِنَايتها فنحو: أَنتِ عندي كما كُنتِ، وأنتِ امرأتي إذا نوى الرّجعة (وبوطئها) في فَرْجها أو دُبُرها، وعليه الفتوى. (ومَسِّهَا بِشَهْوَةٍ وَنَظَرِهِ إِلَى فَرْجِهَا) الدّاخل (بِشَهْوَةٍ) قيّد بالفرج لأن النّظر إلى دُبُرها ليس برجعة. وقال مالك وإسحاق: إنْ أراد بالوطىء الرّجعة فهو رجعة. وقال الشافعيّ وأبو ثوّر: لا تكون الرّجعة إلاّ بالقول.
ولنا: أنه بوطئها وبكل فعلٍ يختصّ بالنِّكَاح يكون مستديماً لملك النِّكاح، كَوطىء البائع أَمته إذا كان له الخِيار. ولو لَمَست زوجها بشهوةٍ، أو نظرت إلى فَرْجه بشهوةٍ وعلم الزّوج بذلك وتركها، فهو رجعة. وإن كان ذلك اختلاساً منها لا بتمكينه، فقال السَّرَخْسِيّ وشيخ الإسلام: إِنه رجعة عند أبي حنيفة ومحمد اعتباراً بالمصاهرة، وليست برجعة عند أبي يوسف، لأنّ الرّجعة إنما تكون من جانب الزّوج. ولو تزوّجها في العدّة فَرَجْعَةٌ عند محمد، ولغوٌ عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف روايتان. قال أبو جعفر: وبقول محمد نأخذ. وفي «الينابيع»: وعليه الفتوى.
(وَنُدِبَ إشْهَادُهُ عَلَى الرَّجْعَةِ) بأن يقول لاثنين من المسلمين: اشهدا أنّي راجعت زوجتي، وبهذا قال مالك، والشافعيّ في الأصحّ، وأحمد في رواية. وقال القاضي أبو بكر بن العلاء، وأهل الظّاهر: يجب الإشهاد لقوله تعالى: {وأشْهِدُوا ذَوي عَدْلٍ مِنْكُمْ} حيث أَمر بالإشهاد، والأمر للوجوب.

ولنا: أن النصوص الواردة في الرّجعة ليست مقيّدة بإشهادٍ لقوله تعالى: {فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف}، وقوله تعالى: {وبُعُولَتُهُنَّ أحَقّ برَدِّهِنَّ}، وقوله تعالى: {فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} وقوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أنْ يَتَرَاجَعَا}، وقوله صلى الله عليه وسلم «مُرْ ابنك فليراجعها». وهو مرويّ عن ابن مسعود وعمّار بن ياسر.
---
(3/363)
________________________________________
***
(و) نُدِبَ (إعْلاَمُهَا) أي إعلام الرجل المرأة (بِهَا) أي بالرّجعة، لأنها إذا لم تعلم ربّما تزوّجت بآخر بعد انقضاء عدّتها. قال الطَّحَاوِيّ في شرحه: والرجعة على ضربين: سُنِّيٌّ وبِدْعِيٌّ، فالسُّنِّيُّ أن يراجعها بالقول، ويُشْهِدُ على رجعتها ويُعْلِمها، حتى لو راجعها بالقول ولم يُشهد أو أشهد ولم يعلمها كان مخالِفاً للسُّنَّة. وقال الحاكم الشهيد: وإذا كَتَمها الطّلاق، ثم راجعها وكتمها الرّجعة، فهي امرأته، غير أنه قد أساء فيما صنع. ولو راجعها ولم تعلم حتى انقضت عدّتها وتزوّجت بآخر، فهي امرأته ويُفَرَّقُ بينها وبين الثّاني سواء دخل بها، أو لم يدخل.
(وَ) نُدِبَ (أنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْذِنَهَا) أي يُعْلِمها بدخوله: بأنْ يخفق نعله أو يتنحنح (إنْ لَمْ يَقْصِدْ رَجْعَتَهَا) لأنّه قد يقع بصره على موضعٍ يصير به مراجِعاً، فيحتاج إلى طلاقها ثانياً فيطوّل عليها العدّة، وتتضرر بامتداد المدّة.
(ومُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيِّ تَتَزَيَّنُ) لأنّ النِّكاح قائمٌ إلى انقضاء العدّة، ولهذا يجري التوارث بينهما، وتطلق طلقة أخرى إذا قال: كل امرأة لي طالقٌ. ولأنّ التَّزيّن ربّما كان حاملاً له على الرّجعة وهي مستحبة. (وَلَهُ وَطْؤُهَا) ويكون به مراجعاً. وقال الشّافعيّ: ليس له ذلك. ولنا أنّ الزّوجيّة قائمةٌ لأنه تعالى سمّاه بَعْلاً بقوله تعالى: {وبعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بَرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ} ولأنه يملك مراجعتها بالقول من غير رضاها، والأجنبيّ لا يقدر على ذلك. (ولاَ يُسَافِرُ بِهَا حَتَّى) يراجعها و (يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا) على سبيل الاستحباب، لأنّ بالإشهاد يَتقرَّر ملك الزّوج اتفاقاً.
---
(3/364)
________________________________________
***
وقال زُفَر: يجوز له أنْ يسافر بها، وإن لم يراجعها لأنّ النِّكاح بينهما قائمٌ، فصار كما لو لم يطلّقها. ولنا: قوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ} الآية في الرّجعي لقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}، وقوله تعالى: {لاَ تَدْرِي لَعَلَّ ا يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْراً}.

(وصُدِّقَتْ في مُضِيِّ عِدَّتِهَا إنْ أَمْكَنَ) مُضِيُّها (وَفِي بَقَائِهَا) واخْتُلِفَ في أقل مدّة تُصَدَّق فيها الحرّة الحائض في انقضاء عدّتها: فقال أبو حنيفة: ستون يوماً، وقال أبو يوسف ومحمد: تسعةٌ وثلاثون يوماً، وقال مالك: أربعون يوماً، وقال الشافعيّ: أكثر منِ اثنين وثلاثين يوماً، وقالت الحنابلة: تسعةٌ وعشرون يوماً. وأمّا أقلّ مدّة تُصدّق فيها الأمَة، فعند أبي حنيفة على تخريج محمد: أربعون يوماً، وعلى تخريج الحسن خمسةٌ وثلاثون يوماً، وعند أبي يوسف ومحمد: أحد وعشرون يوماً.
(و) في (تَكْذِيبِهَا إخْبَارَهُ) أي وصدقت المرأة في تكذيبها إخبار الزّوج بعد العدّة (بالرَّجْعَةِ في العِدَّةِ) بأنّ قال بعد العدّة: كنت راجعت فيها، وكذَّبته.
ويجوز أنْ ينكح الرّجل مبانته في العدّة وبعدها لبقاء المحل، وإنما مُنع الغير من نكاحها في العدّة لاشتباه النَّسَبِ ، وهو إنما يكون عند اختلاف المياه، ولا اختلاف ههنا.
---
(3/365)
________________________________________
***
(وَلاَ تَحِلُّ حُرَّةٌ) لمطلِّقها قبل الدّخول بها أو بعده (بَعْدَ ثَلاَثٍ، وَلاَ أَمَةٌ) لمطلّقها كذلك (بَعْدَ ثِنْتَيْنِ حتّى يَطَأَهَا) ولو بغير إنزالٍ، أو في حيضٍ، أو صومٍ، أو إحرامٍ (بَالِغٌ أوْ مُرَاهِقٌ) وهو القريب من البلوغ. وقيل: الذي تتحرك آلته ويشتهي الجِماع. وقال سعيد بن المسَيَّب: لا يشترط الوطىء، لِمَا في «سنن سعيد بن منصور»، عن ابن المُسَيَّب قال: النّاس يقولون حتى يجامعها، أمّا أنا أقول إذا تزوّجها نكاحاً صحيحاً فإنها تحلّ للأول. وقد تبعه طائفة من الخوارج واسْتُغرِبَ هذا منه حتى قيل: لم يبلغه الحديث. كما استُغْرِبَ من الحسن اشتراط الإنزال نظراً إلى معنى العُسَيْلَة، وقولهما غير معتبرٌ حتى لو قضى القاضي به لا ينفذ.
(بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) لا بملك يمين ولا نكاحٍ فاسدٍ، لأن النِّكاح مشروطٌ بالنص، فلا يتناول وطىء المولى وهو مطلق، فلا يتناول الفاسد لأنّ المطلق يحمل على الكامل. وقال الشافعيّ في القديم: الوطىء في النِّكاح الفاسد يحلّ. (وقال مالك وأحمد في رواية: الوطىء في الحيض أو الإحرام لا يحلّ كالنكاح الفاسد). وحتّى (تَمْضِي عِدَّةُ طَلاَقِهِ) أو عدّة موته لقوله تعالى: {فَإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} المراد الطلقة الثّالثة، والثنتان في الأمة كالثلاث في الحرّة، إذ الرِّق مُنَصِّفٌ لِحِل المحل.
---
(3/366)
________________________________________
***
والوطىء شرطٌ عند الجمهور لِمَا روى أصحاب الكتب الستة من حديث عائشة قالت: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ طلّق امرأته، فتزوّجت زوجاً غيره فدخل بها، ثم طلقها قبل أنْ يواقعها أتحلُّ لزوجها الأول؟ قال: «لا حتّى يذوقَ الآخَرُ من عُسَيْلَتِها ما ذاق الأوّل». وفي نسخة: «مثل ما ذاق الأوّل». وروى أحمد في مسنده، عن مروان عن أبي عبد الملك المَكِيّ، عن عبد الله ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «العُسَيْلَةُ الجِماع». ورواه الدَّارَقُطْنِيّ في سننه، لكن المَكِّيّ مجهولٌ.
وفي السُّنَن إلاّ أبا داود عنها أيضاً قالت: جاءت امرأة رِفَاعَة القُرَظِيّ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رِفَاعة فطلّقني وبَتّ طلاقي، فتزوّجتُ بعده عبد الرحمن بن الزُّبير، وإنَّ ما معه مثل هُدْبَةِ الثَّوب، فتبسَّم صلى الله عليه وسلم وقال: «أتريدين أنْ ترجعي إلى رِفاعة»؟ قالت: نعم. قال: «لا حتّى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ من عُسَيْلَتكِ». وفي لفظ للبخاري قال: كَذَبَتْ والله يا رسول الله، إنّي لأنفُضُها نفضَ الأديم، ولكنها ناشزٌ تريد أن ترجع إلى رِفَاعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإن كان ذلك لا تَحِلِّين له حتّى يذوقَ من عُسَيْلَتِكِ». قال: وكان مع عبد الرحمن ابنان له من غيرها، فقال صلى الله عليه وسلم «بَنُوكَ هؤلاء؟». قال: نعم. فقال لها: هذا، وأنتِ تَزْعُمين ما تزعمين، فوالله لَهُمْ أشبهُ به من الغُراب بالغُراب».
---
(3/367)
________________________________________
***
وقد ثبت شرط الدّخول بإشارة النص، وهو أن يحمل النِّكاح على الوطىء حملاً للكلام على الإفادة دون الإعادة، إذ العقد استفيد من إطلاق اسم الزّوج. وفي «المبسوط»: المقصود منع الزّوج من استكثار الطَّلاق، وذا لا يحصل بمجرد العقد، بل بما فيه من المغايظة للزوّج، ودخول الثَّاني مباحٌ مُبْغَضٌ عند الزّوج الأول، كما أَنّ الاستكثار من الطّلاق مباحٌ مُبْغَضٌ أي عند الله ليكون الجزاء بحسب العمل أي {جزَاءً وِفَاقاً}.
وفي «الأصل»: وإذا طلّق الرّجل امرأته ثلاثاً جميعاً، فقد خالف السُّنَّة وهي طالقٌ ثلاثاً، ولا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره، ويدخلَ بها. بلغنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وغيرهم، إن دخل بها أو لم يدخل بها ـ أي الزّوج الأول ـ فهو سواء. وعن «المُشْكِلاَت»: من طلّق امرأته غير المدخول بها ثلاثاً، فله أنْ يتزوّجها بلا تحليل، وأمّا قوله تعالى: {فإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ منْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} ففي حقّ المدخول بها. انتهى. وهذه روايةٌ مردودةٌ بالغ ابن الهُمَام في تخطئة قائلها، بل قيل: بتكفيره.

وذكر التُّمُرْتَاشِيّ عن «فتاوى الوتري»: أنّ الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجِماع لو أولج بمساعدة اليد لا تحلّ. وفي «العيون» و «الفتاوى الصغرى»: لو خافت أنّ يَظْهَر أمرها على المُحَلِّل تَهَب لبعض من تثق به مالاً يشتري به مراهقاً فيتزوّجها به بشاهدين ويدخل بها، ثم يهَب المشتري المملوك من المرأة فيبطل النِّكاح، وترسل المملوك إلى بلدٍ آخر وتبيعه، فلا يظهر أمرها بوطىء الزَّوج الثّاني.
---
(3/368)
________________________________________
***
وذكر التُّمُرْتَاشِيّ أنها إن خافت أن لا يطلّقها المحلِّل فقالت: زوّجتُك نفسي على أنّ أمري بيدي أطلق نفسي كُلَّمَا أردت، فقيل: جاز النِّكاح، وصار أمرها بيدها. ولو كانت المرأة مُفْضَاة لا تَحِلُّ للأول بعد دخول الثّاني إلاّ إذا حَبِلت، ليعلم أنّ الوطىء كان في قُبُلِها. ووطىء الذميّ الذميّة يُحِلّها، وبه قال الشّافعيّ وأحمد. وقال مالك: لا يُحِلّها بناءً على فساد أنكحتهم عنده.
(والنِّكَاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ) بأنْ يقول هو تزوّجتك على أنْ أُحَلِّلَكِ، أو تقول هي تزوّجتُك على أنْ تُحَلِّلَنِي (يُكْرَهُ ويُحِلُّ) بضم فكسر أي يثبت الحِلُّ. قيّد بشرط التحليل، لأنه لو لم يكن بشرطٍ بل كان بنيته لا يكره. قال المَرْغِينَانِيّ: ويُثَاب على ذلك إذا كان قصده به الإصلاح.
وقال مالك والشافعيّ وأحمد وأبو يوسف واللّيث وإسحاق وأبو عُبَيْدَ: اشتراط التحليل يُفْسد العقد، ولا تَحِلّ للأول. وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يفسد العقد، ولا تحلّ للأوّل. لهم: ما رواه الحاكم في «المستدرك» وصححه، من حديث عمرو بن نافعٍ، عن أبيه أنه قال: جاء رجلٌ إلى ابن عمر رضي الله عنه فسأله عن رجلٍ طلّق امرأته ثلاثاً، فتزوّجها أخٌ له ليحلّها ـ وفي نسخة: ليحَلِّلَها ـ لأخيه هل تحلّ للأوّل؟ قال: لا إِنَّ النِّكاح رغبةٌ، كنّا نعدّ هذا سِفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وما روى النَّسائي، وأحمد، والترمذيّ وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ، أنه قال صلى الله عليه وسلم «لعن الله المُحَلِّلَ والمُحَلَّل له». وما روى ابن ماجه من حديث ابن عبّاس وعُقْبَة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم بالتيس المُسْتَعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: «هو المحِلّ ـ، وفي نسخة: المحلل ـ لعن اللَّهُ المحلِّل والمحلَّل له».
---
(3/369)
________________________________________
***
قال عبد الحق (في «الأحكام»: إسناده حسن، وروى أبو داود) والترمذيّ، وابن ماجه، عن الحارث، عن عليّ قال: لعن رسول الله المحلِّل والمحلَّل له. ورواه الترمذي والنَّسائي عن ابن مسعود من غير وجهٍ. ورواه أحمد، والبزَّار وابن أبي شَيْبَة، وغيرهم عن أبي هريرة بنحوه سواء.

ولنا: أنّ شرط التَّحليل في النِّكاح شرطٌ فاسدٌ، والنِّكاح لا يفسد بالشُّروط الفاسدة، إلاّ أنّ محمداً لم يثبت الحِلَّ للأوَّل لأنه استعجل ما أخّره الشرع فجُوزِيَ بمنعه. فهذا الحديث يقتضي صحة النِّكاح والحلّ للزّوج الأوّل والكراهة. والجواب عن حديث الحاكم: أنّه ليس بمرفوعٍ فلا يُعَارِضُ المرفوع.
(وإنْ قَالَتْ) المُطَلَّقة ثلاثاً (حَلَلْتُ، والمُدَّةُ تَحْتَمِلُ) بأن ذكرت لكل عِدَّةٍ ما يمكن، وهو شهران عند أبي حنيفة رحمه الله، وتسعة وثلاثون يوماً عندهما (وغَلَبَ عَلَى ظَنّهِ صِدْقُهَا حَلّ له نِكَاحُهَا) لأنّ النِّكاح إما أمرٌ دُنْيَويّ، وقول الواحد فيه مقبولٌ كالوكالة، وإمّا أمرٌ دينيّ وقول الواحد فيه مقبولٌ كالإخبار بطهارة شيءٍ، ونجاسة الماء، ورواية الحديث. وسُئِلَ الصَّفَّار ونجم الدين النَّسَفِيّ عن امرأة سمعت الطَّلاق الثلاث من الزّوج، ولا يمتنع عنها هل يَسَعُها قَتْلُه؟ قالا: يسعها عند إرادة قربانها. وهكذا أفتى السيد أبو الشُّجاع. وقال: الإسبِيجَابِيّ: لا يسعها.
(والزَّوْجُ الثَّانِي يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلاثِ) عند أبي حنيفة (وأبي يوسف) حتى لو طلّقها واحدة، وانقضت عدّتها، وتزوّجت بآخر وطلّقها، وانقضت عدّتها منه، ثم تزوّجها الأوّل يملك عليها ثلاثاً إن كانت حرّة، وثِنتين إن كانت أَمة.
---
(3/370)
________________________________________
***
(خِلاَفاً لِمُحَمَّد) فإنّ عنده لا يهدِم، فيملكها الأوّل إذا عادت إليه بعد زوج بما بَقِيَ من الثلاث. وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد وزُفَر لِمَا روى البَيْهَقِيّ في «المعرفة» من طريق الشافعيّ، عن ابن عُيينة (عن الزُّهْرِيّ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن بن عَوْف، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة،) وسُلَيْمَان بن يَسَار أنهم سمعوا أبا هريرة يقول: سألت عمر بن الخطّاب عن رجلٍ من أهل البَحْرين طلّق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم انقضت عدّتها. فتزوّجها غيره، ثم فارقها، ثم تزوّجها الأوّل. قال: هي عنده على ما بَقِي. وروى أيضاً ـ من حديث الحاكم ـ ابن عُيَيْنَة، عن يزيد بن جابر، عن أبيه أنه سمع عليّ بن أبي طالبٍ يقول: هي على ما بَقِي. ونُقِلَ مثله عن أُبيّ بن كعب، وعِمْران بن حُصَيْن.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف: ما روى محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة، عن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، عن سعيد بن جُبَيْر قال: كنتُ جالساً عند (عبد الله ابن) عُتْبَة بن مسعود إذ جاءه أعرابي، فسأله عن رجلٍ طلّق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم انقضت عدّتها وتزوّجت زوجاً غيره فدخل بها، ثم مات عنها أو طلّقها، ثم انقضت عدّتها فأراد الأوّل أن يتزوّجها، على كم هي عنده؟ فالتفت إلى ابن عبّاس وقال: ما تقول في هذا؟ فقال: يَهْدِم الزّوجُ الثّاني الواحدةَ والثِّنتين والثلاث، واسأل ابن عمر. قال: فلقيت ابن عمر فسألته، فقال مثل ما قال ابن عبّاس. قال بعض المحققين: الظاهر ما قال محمد وباقي الأئمة. ولقد صدق قول صاحب «الأسرار»: مسألةٌ اختلف فيها كبار الصحابة (يَعُوز فِقْهُها)، ويَصْعُب الخروج عنها.

فصلٌ (في الإيلاَءِ)
(الإِيْلاءُ) في اللغة: اليمين، يقال: آلَى يُؤلي إيلاءً، كأعطى يُعْطي إعطاءً.
---
(3/371)
________________________________________
***
وفي الشرع: (حَلِفٌ) بما يوجب الكفارة أو الجزاء (يَمْنَعُ وَطْىءَ الزَّوْجَةِ) مسلمة كانت أو كتابية (أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) أو أكثر حال كونها (حُرَّةً)، وإن كانت تحت عبدٍ (وشَهْرَيْنِ) حال كونها (أَمَةً) كوالله لا أقربك أربعة أشهر، أو والله لا أقربك. قيّد بالزوّجة لأنّ الشخص لا يكون مُولِياً من أَمته، لأن قوله تعالى: {لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ} لا يتناول إلاّ الزّوجات. ويصحّ الإيلاء من المطلَّقة الرّجعية لقيام الزَّوجية، ولقوله تعالى: {وبُعُولَتُهُنَّ}، والبعل: الزوج حقيقةً.
وقال مالك والشّافعيّ أَزيد من أربعة أشهر. لنا: أنّ النَّصّ على أربعة أشهر يمنع الزيادة عليها، كالنّصِّ على أربعة أشهرٍ وعشر في عدّة الوفاة، وعلى ثلاثة في عدّة الحياة.
وروى الواحديّ في «أسباب النُّزول» بسنده عن عطاء، عن ابن عبّاس قال: كان إيلاء أهل الجاهليّة السَّنَة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقّت الله أربعة أشهرٍ، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بمولٍ. ثم قال سعيد بن المُسَيَّب: كان الإيلاء ضِرَارَ أهل الجاهليّة، كان الرّجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوّجها غيره، فيحلف أنْ لا يقربها أبداً، فكان يتركها كذلك، لا أيّماً ولا ذات بعلٍ، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهرٍ، وأنزل: {لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} الآية.
وألفاظه صريحٌ نحو: لا أَقْرَبُكِ، لا أجامعك، لا أطؤك، لا أُبَاضِعُك، لا أغتسل منك من جنابة، فلو ادّعى أنه لم يعنِ الجماع لم يُصَدَّقْ قضاءً، وكنايةٌ يحتاج إليها نحو: لا أَمَسُّكِ، لا آتيكِ، لا أغشَاكِ، لا أجمع رأسي ورأسكِ، لا أُضاجعكِ، لا أَقْرَبُ فراشكِ، ويصدّق في عدم النيّة قضاءً.
---
(3/372)
________________________________________
***
(فَإنْ قَرِبَهَا) أي وطئها الزَّوج في المدّة، أي في أربعة أشهرٍ في الحُرَّة، وفي شهرين في الأمة (حَنِثَ) لفوات البِّر (ويَجِبُ الكَفَّارَةُ في الحَلِفِ بالله) وهو قول مالك، والشّافعيّ في الجديد، وأحمد، لأنّ هذا النوع من الحَلِف مُوجِبٌ للكفارة عند الحنث.
(وَ) يجب (فِي غَيْرِهِ) أي في غير الحَلِف بالله وهو التعليق (الجَزَاءُ) لتحقق موجبه (ويَسْقُطُ الإيلاَءُ) بإجماع العلماء لانحلال اليمين بالحِنْث.

(وَإلاَّ) أي وإن لم يقربها الزّوج في المدّة (بَانَتْ بِوَاحِدَةٍ) ولا تتوقّف الفُرْقة بينهما على تطليقه إياها، أو تفريق الحاكم بينهما عندنا. وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد يُوقَفُ حتّى يطلِّق. والمسألة ذات خلافٍ بين الصّحابة والتابعين. قال البخاري في «صحيحه»: قال لي إسماعيل: حدّثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر: إذا مضت المدّة يُوقَفُ حتى يطلِّق. ولا يقع عليه الطّلاق حتّى يطلّق. قال ويُذْكَرُ عن عثمان، وعليّ، وأبي الدرداء، وعائشة، واثني عشر رجلاً من الصحابة.
وقال أبو عيسى الترمذيَّ في «جامعه»: اختلف أهل العلم، فقيل: إذا مضت أربعة أشهرٍ يوقّف فإمّا أنْ يفيء، وإمّا أنْ يطلّق. وهو قول مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم: إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقةٌ بائنةٌ. انتهى. وفي «موطّأ محمد بن الحسن»: بلغنا عن عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، أنهم قالوا: إذا آلى الرّجل من امرأته، فمضت أربعة أشهرٍ قبل أن يفيء، فقد بانت بتطليقةٍ، وهو خاطبٌ من الخُطَّاب. وكانوا لا يروْن أن توقّف بعدها أربعة أشهر.
---
(3/373)
________________________________________
***
قال ابن عبّاس في تفسير هذه الآية: {لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فَاؤُا فَإنّ ا غَفُورٌ رحيمٌ وإنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فإنَّ ا سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الفيء: الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة الطّلاق: انقضاء الأربعة الأشهر، فإذا مضت بانت بتطليقةٍ ولا توقّف بعدها. وكان ابن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره. انتهى كلام محمد.
ثم عندهم الفيء الذي يُؤْمَرُ به الزّوج بعد مُضِيّ المدّة لقوله تعالى: {فإنْ فَاؤُا} بحرف التعقيب، وعندنا الفيء في المدّة لقراءة ابن مسعود: فإنْ فَاؤُا فِيهِنَّ، وقراءته لا تتخلّف فيها عن سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقسيم في قوله تعالى: {وإنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ} دليلٌ أيضاً على أن الفيء في المدّة، وعزيمة الطَّلاق بعدها، كما في قوله تعالى: {فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو سَرِحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} والإمساك بالمعروف بالمراجعة في العدّة، والتّسريح بالإحسان بتركها حتى يتبين بمُضِيّ العدّة.
ثم عندهم لا يقع إلاّ بتفريق القاضي بينهما، أو بإيقاع الزّوج الطّلاق، لأن الله تعالى قال: {فإنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فإنّ ا سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وَهو إشارةٌ إلى أنّ عزيمة الطّلاق بما هو مسموعٌ، وذلك بأحدهما.
---
(3/374)
________________________________________
***
ولنا أنّه تعالى ذكر عزيمة الطّلاق بعد ذكر المدّة، وهو إشارةٌ إلى أنَّ ترك الفيء في المدّة عزيمة الطّلاق عند مُضِيّها. وقد رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عزيمة الطَّلاق مُضِيّ أربعة أشهر». وقد أضافه إلى الزّوج، فدلّ أنّ الطّلاق يتمّ به من غير حاجةٍ إلى قضاء القاضي. ومعنى قوله تعالى: {فإنّ ا سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لإيلائه عليمٌ بقصد إضراره. وما رواه عبد الرّزّاق في «مصنفه»: حدثنا مَعْمَرُ عن عطاء الخُرَاسَانِيّ، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرّحمن أنّ عثمان بن عفّان وزيد بن ثابت كانا يقولان في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقةٌ واحدةٌ، وهي أحقُّ بنفسها، وتعتدّ عدّة المطلّقة. قال: وأَخبرنا مَعْمَرُ، عن قَتَادة: أنّ علياً، وابن عبّاس قالوا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقةٌ، وهي أحقُّ بنفسها، وتعتدّ عدّة المطلّقة.
وأخرج نحوه عن عطاء، وجابر بن زيد، وعِكْرِمَة، وابن المُسَيَّب، وأبي بكر بن عبد الرّحمن، ومَكحُول. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن ابن عبّاس وابن عمر قالا: إذا آلى فلم يفء حتّى إذا مضت أربعة أشهرٍ، فهي تطليقةٌ بائنةٌ.
وأخرج نحوه ابن الحنفيّة، والشَّعْبِي، والنَّخَعِيّ، ومسروق، والحسن، وابن سِيرين، وقَبِيصَة، وسالم، وأبي سَلَمة.
والحاصل: أَنّ ما رويناه فهو عن الأكابر منهم والفقهاء فيهم، فيكون أرجح وأولى ويسمع الكل لقوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنُّجوم بأَيِّهم اقتديتم اهتديتم».
(وسَقَطَ الحَلِفُ المُؤَقَّتُ) بأربعة أشهرٍ في الحرّة، وبشهرين في الأمة، لأن اليمين لا تبقى بعد مُضِيّ وقتها. (لا المُؤَبَّدُ) أي فلا يسقط الحَلِفُ المؤبّد نحو: والله لا أقربك، وإن لم يقل أبداً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما حيث قالا: لا بد من ذكر الأبد، أو ما يقوم مقامه. وإنّما لم يسقط لعدم ما يبطله من حِنْث أو مُضِيّ وقت.
---
(3/375)
________________________________________
***
(فَتَبِينُ بأُخْرَى إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ أخْرَى) وهي أربعة أشهرٍ في الحرة، وشهران في الأمة (بَعْدَ نِكَاحٍ ثَانٍ) من الحالف (بِلاَ فَيِءٍ) أي بلا قربان (ثُمَّ أُخْرَى) أي ثم تَبين بأُخرى (كَذَلِكَ) أي إنْ مضت المدتان (بَعْدَ) نِكاحٍ (ثَالِثٍ) من الحالف بلا فَيءٍ (وبَقِي الحَلِفُ بَعْدَ) وقوع طلقاتٍ (ثَلاَثٍ) لبقاء اليمين.
وفي «شرح الوقاية»: هذا إن كان الحَلِف بغير طلاقها، وإن كان بطلاقها لا يبقى الحَلِفُ لأنّ التنجيز يُبْطِلُ التّعليق، (لاَ الإيلاَءُ) أي ولا يبقى الإيلاء، لأنّه بمنزلة تعليق الطَّلاق بمضيّ الزّمان، فلا يبقى بعد استيفاء الملك كما لو قال: كلما مضى أربعة أشهر فأنتِ طالقٌ.

(فإنْ قَرِبَهَا) بعد زوج (كَفَّرَ) لبقاء اليمين (وَلاَ تَبِينُ بالإيلاَءِ) لزواله، فصار كما لو قال لأجنبية: والله لا أَقْرَبُكِ، ثم تزوّجها فإنه لا يكون مُولِياً، وتجب الكفَّارة إذا قَرِبَها. احترز بقوله «بعد نكاحٍ ثانٍ» عن قول أبي سهل البردعي قال: إنّ اليمين تنعقد بعد انقضاء أربعة أشهرٍ قبل انقضاء عدّتها، لأن معنى الإيلاء على الأبد هو كلَّمَا مضى أربعة أشهرٍ ما أقربك فيها فأنتِ طالقٌ، ولو قال ذلك لكان الحكم فيه ما بيّنا. والأصحُّ ما ذكره المصنف، وهو قول الكَرْخِيّ لأنّ انعقاد اليمين ابتداءً لاعتبار معنى الإضرار، وهو ليس بموجودٍ في المبانة ما لم يتزوّجها.
---
(3/376)
________________________________________
***
(وَلَوْ عَجزَ عَنْ الفَيءِ بِالْوَطْىءِ) من وقت الإيلاء إلى مُضِيّ أربعة أشهرٍ في الحرّة وشهرين في الأمة (لِمَرَض أحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ) أي لغير المرض: بأنْ كانت رَتْقَاءَ، أو صغيرةً، أو في مكان لا يعرفه، أو كان مجبوباً، أو عِنّيناً، أو أسيراً في دار الحرب، أو بينه وبينها مسيرة أربعة أشهرٍ (فَفَيْؤهُ أنّ يَقُولَ: فِئْتُ إلَيْهَا) أو: رجعت إليها، أو: راجعتها، أو: أبطلت إيلاءها. وسقط الإيلاء على المذهب عندنا، ولكن لا يَحْنَث إلاّ بالوطىء.
وقال سعيد بن جُبَيْر: لا يكون الفيء إلاّ بالجماع، وهو مَرْويّ عن أبي ثَوْر، ومختار الطَّحَاوي، وبه قال مالك والشّافعيّ. قيّدنا العجز بكونه من وقت الإيلاء إلى آخر المدّة، لأنه لو آلى وهو قادرٌ على الوطىء ثم عجِزَ عنه، أو آلى وهو عاجزٌ عنه ثم زال عجزه في المدّة، لم يصحّ فيئه باللسان، لأنّ الفيء حَلِفٌ عن الجماع فيشترط فيه العجز المستوعِب للمدّة.
(فإنْ قَدِرَ) على الجماع (قَبْلَ المُدَّةِ) بعد فيئه باللسان (فَفَيْؤهُ بِالْوَطْىءِ) لأنّه قَدِر على الأصل قبل حصول المقصود بحَلِفه، فصار كالمتيمم إذا رأى الماء وهو في الصّلاة. (وفي: وأنْتِ عَلَيّ حَرَامٌ) يرجع إلى نيّته (إنْ نَوَى الظِّهَارَ أوْ الثَّلاَثَ أوْ الكَذِبَ فَمَا نَوَى)، وقال محمّد: إنْ نوى الظِّهار لا يكون مُظَاهِراً لعدم ركن الظِّهار، وهو تشبيه بالمُحَرَّمَة على التأبيد.
ولنا: أنّ هذا اللفظ يحتمل الظِّهار لِمَا فيه من معنى الحرمة فإذا نواه صحّت نيّته. (وإنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فإيلاَءٌ) لأنّ تحريم الحلال يمينٌ عندنا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ ااُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أزْوَاجِكَ والّلهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ ا لَكُمْ تَحِلَّةَ أيْمَانِكُمْ}.
---
(3/377)
________________________________________
***
(وَإنْ نَوَى الطَّلاَقَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئاً فِيهِ) أي في: أنتِ عليَّ حرامٌ، (وَكَذَا في: كُلُّ حِلَ عَلَيَّ حَرَامٌ (وفي حلال الله عليَّ حرام، وفي: حلال المسلمين عليَّ حرام) فَبَائِنَةٌ) أمّا إن نوى «بأَنتِ عليّ حرامٌ» الطّلاقَ، فإنّ التَّحريم من ألفاظ الكنايات، والواقع بها بائنٌ. وأمَّا إذا لم ينوِ شيئاً فجَعَلَه المتقدّمون إيلاءً، وهو مختار صاحب «مواهب الرحمان»، وصرفه المتأخِّرون إلى الطّلاق البائن، وهو مختار الفضل، والإسكاف، وأبي بكر بن أبي سعيد، والفقيه أبي جعفر الهِنْدُوَانِيّ. قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ، لأن العادة جرت أنهم يريدون بهذا اللفظ الطّلاق. والله أعلم.

فصلٌ في الخُلْعِ
وهو بالضمّ لغةٌ في الخَلْع بمعنى النّزع، يقال: خَلَعَ نعله وثوبه.
وشرعاً: أخذ المال بإزاء ملك النّكاح بلفظ الخُلْع. فإنّ الطَّلاق على مالٍ ليس خُلْعاً بل في حكمه من وقوع البينونة لا مطلقاً، وإلاّ يجري فيه الخلاف في أنه فسخٌ. وقيل: إزالة الزّوجيّة ببذل بدَلٍ. (لاَ بَأسَ بِالخُلعِ عِنْدَ الحَاجَةِ) لقوله تعالى: {فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمَا حُدُودَ ا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}، والمراد بالخوف هنا العلم، لأن الخوف من لوازمه. وقيل: الظن، وهو الأظهر. والخطاب للحكام أو لأهل الإسلام، وهذا الشرط خرج مخرج العادة لجواز الخُلْع بدونه.
---
(3/378)
________________________________________
***
والمراد بالحدود: ما يلزم الزوجين من مواجب الزّوجيّة، وسمّى ما أعطت فداءً لأنها كالأسير في يده تخلّص نفسها منه. والمعنى: لا جناح على الزّوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما أعطت، ولِمَا في «صحيح البخاريّ» عن ابن عباس: أنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: ثابت بن قيس ما أَعِيب عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم «أَتَرُدِّينَ عليه حديقته»؟ قالت: نعم. قال صلى الله عليه وسلم «اقْبَل الحديقةَ وطلِّقْهَا تطليقةً». (وفي «مصنف ابن أبي شَيْبَة» مكان: «اقبل الحديقة وطلّقهاَ»: فأمره أن يأخذ منها حديقته) ولا يزداد.
وقال بكر بن عبد الله المُزَنِيّ: الخُلْع غيرُ جائزٍ، لأنّ الآية السابقة منسوخةٌ بقوله تعالى: {وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً}. وأجِيبَ: بأنّ شرط النَّسخ العلم بتأخر الناسخ، وتعذّر الجمع بينهما. ولم يوجدا، إذ يمكن الجمع بحمل عدم الأخذ على سوى الخُلْع وفَقْد رضاها. وقد يقال: إنّ النهيّ متعلق بما إذا أراد الزّوج استبدال غيرها مكانها، والآية الأخرى مُطْلقة، فكيف تكون ناسخةً؟ وقيَّدته الظّاهريّة بما إذا كرهته وخافت أنْ لا يوفيها حقّها وأن لا تُوفِّيه. ومنعته إذا أكرهها هو. وقال قوم: لا يجوز إلا بإذن السّلطان، رُوِيَ ذلك عن ابن سيرين، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن. ولَعلّ متمسَّكَهم ظاهرُ قوله تعالى: {فإنْ خِفْتُمْ} على أنّ الضمير للحُكَّام.
---
(3/379)
________________________________________
***
(بِمَا يَصِحَّ مَهْراً) أي بجنس ما صَلُح لا بمقداره (وَهُوَ طَلاَقٌ بَائِنٌ) عند جماهير الأئمة من السلف والخلف. وقال أحمد وإسحاق بن رَاهُويَه والشّافعي في القديم: فُرْقَةٌ بغير طلاقٍ. لما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عبّاس: الخلع فُرْقَةٌ وليس بطلاقٍ، ولما روى عبد الرّزّاق في مصنفه من رواية طاوُس، عن ابن عبّاس أنه قال: لو طلّق رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، حلّ له أنْ ينكحها. ذكر الله الطَّلاق في أول الآية وفي آخِرها، والخُلْع بينهما بقوله: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} إلى أن قال: {فَلاَ جُنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ثم قال: {فَإنْ طَلَّقَهَا} يعني الثالثة المفاد شرعيتها بقوله تعالى: {أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانٍ} فيكون الافتداء غيرَ طلاقٍ، وإلاّ كان أربعاً، والثّاني منتفٍ. ولأن النِّكاح يحتمل الفسخ لأنه يفسخ بخِيار العتق فكذا بالتَّراضي بالخلع، كالبيع في الإقالة.

وعن الحنابلة: لا يقع بالخلع طلاقٌ، بل هو فسخ بشرط عدم نيّة الطّلاق لا يُنْقص عدد الطّلاق. وقال آخرون: يقع ويكون رجعيًّا، فإن راجعها ردّ البدل الذي أخذه. (رواه عبد الرّزاق عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: وكان الزّهْرِي يقول ذلك.).
---
(3/380)
________________________________________
***
ولنا: ما روى عبد الرّزّاق، وابن أبي شَيْبَة في «مُصنَّفَيهما»، عن ابن جُرَيْج عن داود بن أبي عاصم، عن سعيد بن المُسَيَّب: أنّ النْبيّ صلى الله عليه وسلم جعل الخُلْع تطليقة. وما روى الدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في سننيهما، وابن عَدِيّ في «الكامل» من حديث عَبَّاد بن كَثِير، عن أيوب، عن عِكْرمة، عن ابن عباس: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل الخُلع تطليقةً بائنةً. لكن عبَّاد بن كثير فيه كلام، إلاّ أنه يَنْجَبِرُ بحديث ابن المُسَيَّب وإن كان مرسلاً، فإن مرسَلَه حُجَّةٌ إجماعاً. ورَوَى مالك، عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن جُهْمان مولى الأسلميين، عن أم بَكْرَة الأسْلَميّة: أنها اختلعت من زوجها عبدِ الله بن خالد بن أَسد، فأتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقةٌ.
وروى ابن أبي شَيْبَة بسنده إلى ابن مسعودٍ أنّه قال: لا يكون طلقةً بائنةً إلا في فديةٍ أو إيلاءٍ. وروى نحوه عن عليّ أيضاً: فإذا قالت: اخلعني، أو قالت: طلّقني على ألفٍ مثلاً، فَفَعَلَ ما قالت في المجلس، بانت منه. (وَيَجبُ عَلَيْهَا بَدَلُهُ) ـ بفتح الدّال المهملة لا بسكون المعجمة ـ أي ويجب على المختلعة عوض الخُلْع لأنه واجبٌ بالتزامها.
(وكُرِهَ) للزوج (أخْذُهُ) أي البدل منها (إن نَشَزَ) هُوَ وكَرِهها.
وقال مالك: لا يجوز لقوله تعالى: {وإنْ أرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} والقنطار: المال العظيم. ولنا: أنّ النهيّ في الآية لمعنى في غيره، وهو زيادة الإيحاش، والنهي لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية، كالبيع وقت النّداء يوم الجمعة، يجوز مع الكراهة.
---
(3/381)
________________________________________
***
(والفَضْلُ) أي وكُرِهَ للزوج أخذ الزائد على ما أعطاها (إنْ نَشَزَتْ) هكذا قال القُدُورِيّ، وهو رواية «الأصل». وفي «الجامع الصغير»: أَنّ الفضل يطيب له لإطلاق قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ، ودليل «الأصل» وهو الصحيح ما قدّمنا. وما روى ابن أبي شَيْبَة، وعبد الرّزّاق في مصنفيهما، عن حفص، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء قال: جاءت امرأةٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها، فقال: «أَتَرُدِّينَ عليه حديقته التي أَصْدَقَكِ»؟ قالت: نعم وزيادة. قال: «أمّا الزيادة فلا». وما أخرج الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن حَجَّاج، عن ابن جُرَيْج قال: أخبرني أبو الزُبَيْر: أنّ ثابت بن قيس بن شَمَّاس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وكان أصدقها حديقة وكرهته، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم «أتردين عليه حديقته التي أعطاكِ»؟ قالت: نعم وزيادة. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم «أمّا الزِّيادة فلا».

وأخرج أيضاً عن عطاء أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يأخذ الرّجل من المُخْتَلَعَة أكثر ممّا أعطاها». وروى وَكِيع عن أبي حنيفة، عن عَمّار بن عِمْرَان الهَمْدَانِيّ، عن أبيه، عن عليّ أنه كَرِه أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها. وذكر عبد الرّزّاق عن عليّ: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها. وذكر أيضاً: أنّ الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْرَاء: حدّثته أنها اختلعت من زوجها بكل شيءٍ تملكه، فخوصم في ذلك عثمان رضي الله عنه فأجازه، وأمره أنّ يأخذ عِقَاص رأسها فما دونه. ورُويَ أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رُفِعَتْ إليه امرأةٌ نشزت على زوجها، فقال: اخلعها ولو من قُرْطِها. فكانت المسألة خلافية بين الصحابة رضي الله عنهم.
---
(3/382)
________________________________________
***
(وإنْ طَلّقَ بِمَالٍ) بأنْ قال: طلْقتكِ بألفٍ (أوْ عَلَى مَالٍ) بأنّ قال: أنتِ طالقٌ على ألفٍ (وَقَعَ بَائِنٌ إنْ قَبِلَتْ) ولزمها المال. (وَ) إنْ طلّق المسلم أو خالع (بِخَمْرٍ أوْ خِنْزِيرٍ) أو ميتةٍ أو حرَ (لاَ يَجِبُ شَيءٌ لِلزَّوْجِ) لأنّ المُسمّى لا يجب للإسلام، وغيره لا يجب لعدم الالتزام (وَوَقَعَ بَائِنٌ في الخُلْعِ وَرَجْعِيٌّ فِي الطَّلاَقِ) لأنّ الإيقاع معلّق بالقبول، وقد وُجِدَ. ولَمَّا بطل العوض كان العامل في الأوَّل لفظ الخلع وهو كناية، والواقع بها بائنٌ. وفي الثّاني لفظ الطّلاق، وهو يُعْقِب الرَّجعة. وقال مالك وأحمد: رجعيّ. وقال زُفَر: تردّ مهرها. وقال الشّافعي: يجب مهر المثل اعتباراً بالنِّكاح، ويقع طلاقٌ بائنٌ.
(وَإنْ طَلَبَتْ ثَلاَثاً) بأن قالت: طلّقني ثلاثاً (بِألْفٍ وَطلّقَهَا وَاحِدَةً) في المجلس (فَبَائِنَةٌ) فيقع بائنة (بِثُلُثِ الألْفِ) وقال مالك: بالألف. وقال أحمد: بغير شيءٍ. ولنا: أنّ الباء تصحب العِوَض، وهو ينقسم على المعوض، (وفي:) إنْ طلبت ثلاثاً (عَلَى ألْفٍ) فطلّقها واحدةً يقع (رَجْعِيّةٌ بِلاَ شَيْءٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ) وبالألف عند مالك، ويقع بائنةٌ بثلث الألف عند أبي يوسف ومحمد والشّافعيّ، (والخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ في حَقِّهَا) لدفعها البدل فصار كالبيع (يَصِحّ رُجُوعُهُا) إذا كان الإيجاب منها قبل قبول الزّوج، (و) يصح (شَرْطُ الخِيَارِ لَهَا) عند أبي حنيفة في المسألتين.
(ويَقْتَصِرُ) الخُلْع من جانبها (عَلَى المَجْلِسِ) أي مجلس المرأة عند أبي حنيفة وأصحابه، فلا يتوقّف إيجابها على ما وراءه لو كان غائباً. (ويَمِين في حَقِّهِ) لأنّه يوقع الطّلاق بشرط قبولها. (حتّى انْعَكَسَ الأحْكَامُ) فَلا يصحّ رجوعه، ولا شرط الخيار له، ولا يقتصر على المجلس من جانبه، فيتوقف إيجابه على ما وراء المجلس لو كانت غائبةً.
---
(3/383)
________________________________________
***
وقال أبو يوسف ومحمد والشّافعيّ وأحمد: شرط الخِيار لها باطلٌ كشرطه له، لأنّ الخلع من جانبها شرط اليمين وهو الطلاق، وكما لا يصحّ الخيار في اليمين لا يصح في شرطه. ولهذا لو قال: أنتِ طالقٌ إنْ دخلتِ الدّار على أَنك بالخِيار ثلاثة أيام، كان الخيار باطلاً.
ولأبي حنيفة: أنّ الخلع من جانبها بمنزلة البيع، لأنه تمليك مالٍ بعوضٍ، ولهذا لو قالت: اختلعت نفسي منك بكذا ثم رجعت أو قامت من المجلس قبل قَبوله بطل. ولو كان غائباً فبلغه فقبل كان باطلاً.
(وَالعَبْدُ بِمَنْزِلَتِهَا) أي بمنزلة المختلعة، فيصحّ شرط الخيار له عند أبي حنيفة فيما إذا أعتقه مولاه على مالٍ، ويَبْطُل عند أبي يوسف ومحمد لأنّ العتق يمينٌ، وقَبولَ العبد المال شرطٌ له، والخيار لا يصحّ في اليمين، فكذا في شرطها. ولأبي حنيفة: أَنّ ذلك من جانب العبد في معنى البيع، فيصحّ شرط الخيار له كالبيع.
(وَيُسْقِطُ الخُلْعُ) على مالٍ معلومٍ (والمُبَارَأَةُ) وهو أنْ يُبْرِىء كلّ منهما صاحبه. وترك الهمزة منه خطأ كذا في «المغرب» (حَقُوقَ النِّكَاحِ) الواجبة من الجانبين (عَنْهُمَا) فلا يسقط ما لم يتعلّق بالنِّكاح، كثمن ما اشترت من الزّوج، ويسقط ما يتعلّق به، كالمهر والنَّفقة الماضية. قيّدنا به لأنَّه للمختلعة. والمبارأة: النَّفقة والسُكْنَى ما دامت في العدّة، ولا يسقطان إلاّ بالذِّكْر. وقال محمد: لا يُسقِط الخُلع والمُبارأة إلاّ ما سمّيا فقط كمالك والشافعيّ.
---
(3/384)
________________________________________
***
وأمّا نفقة العدّة فإنْ شُرِطت فيهما تَسقط إجماعاً، وإلاّ لا تسقط إجماعاً. ولو شرطا البراءة من نفقة الولد الصغير ـ أعني مُؤنة الرّضاع ـ فإنْ وقّتا وقتاً كالسَّنة جاز وإلاّ فلا. ولو أبرأته عن النّفقة والسُّكْنَى صحّت البراءة عن النّفقة، ولم تصح عن السُّكنَى لأنّ النَّفقة حقُّها، والسُّكْنَى حقّ الشَّرع، لقوله تعالى: {وَلاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إلاّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبيِّنَةٍ} فلو أبرأته عن مؤنة السُّكْنَى صحّ: بأن التزمت أُجرة مكانها أو سكنت مِلْكَهَا.
ثم الإبراء عن النَّفقة إِنَّما يصحُّ في ضمن عقد الخُلْع تبعاً للخُلْع إجماعاً، حتى لو أسقطت نفقتها بعد الخلع بإبراء الزّوج عنها لا يصح لعدم استحقاقها إلاّ يوماً فيوماً. (وإنْ خَلَعَ الأبُ صَبِيَّتَهُ بِمَالِهَا لَغَا) ذلك الخلع (إلاّ في) حَقِّ (وُقُوعِ الطَّلاقِ) يعني أنه يلغو في حقِّ المال دون الطَّلاق، وهذا في أصحّ الروايتين، وهو قول الشّافعيّ وأحمد. وفي الرواية الأخرى يلغو في حقّ الطّلاق أيضاً، (وَكَذَا) يَلْغُو الخُلْع في حقّ المال دون الطَّلاق (إنْ قَبِلَتْ) شَرْطَ الزّوج البَدَلَ عليها وهي مُميِّزة تعرف أنّ الخلع سالبٌ والنِّكاح جالبٌ.

(وَعَلى أنَّهُ ضَامِنٌ) ـ عطفٌ على بمالها ـ أي وإِنْ خلع صغيرته على أنّه ضامنٌ لبدل الخُلع (فَعَلَيْهِ المال) أي بذَلُهُ (لا من مالها، والله سبحانه وتعالى أعلم (بالصواب).

فصل (في الظِّهَارُ)
(الظهار) في اللغة: مصدرُ ظاهر امرأته إذا قال لها: أنتِ عَلَيَ كَظَهْرِ أُمّي.
---
(3/385)
________________________________________
***
وفي الشرع: (تَشْبِيهُ) المسلم (مَا يُضَافُ إلَيْهِ الطَّلاَقُ مِنْ الزَّوْجَةِ) بأنْ يشبِّهَهَا، أو عضواً يُعَبَّرُ به عنها، أو جزءاً شائعاً منها (بِمَا يَحْرُمُ إلَيْهِ النَّظَرُ مِنْ عُضْوِ مَحْرَمِهِ) وهي المحرّمة عليه مؤبداً بِنَسَبٍ، أو مصاهرةٍ، أو رضاعٍ. قيّدنا بالمسلم لأنه لا ظهار للذّميّ عندنا لظاهر قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ}، ولأن الذِّميّ ليس أهلاً للكفارة. وقال الشافعيّ وأحمد: يصحّ ظهار الذّميّ، وأمّا ظهار الصّبيّ فلا يصحّ إجماعاً. وقيّد بما يضاف إليه الطّلاق لأنه لو قال لامرأته: يدك أو رجلك عليّ كظهر أمّي لا يكون مظاهراً. وقيّد بالزَّوجة لأنه لو قال لأمَتِه لا يكون مظاهراً، لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ}.
وقال مالك والثَّوْرِيّ: يصحّ ظهار الرجل من أَمته، ومُدَبَّرته، وأمَّ ولده، وهو قول جَمْع كثيرٍ من الصَّحابة والتابعين. واعتبره سعيد بن المُسَيَّب، وعِكْرِمة، وطاوُس، وقَتَادة والزُّهْرِيّ في الموطوءة. وقيّدنا بكون التّحريم على التأبيد لأنه لو قال لامرأته: أنتِ علَيّ كظهر أختكِ لا يكون مظاهراً، لأن حرمة أخت امرأته ما دامت امرأته في عصمته.
---
(3/386)
________________________________________
***
(وَهُوَ) أي الظِّهار (يُحَرِّمُ وَطْأَهَا وَدَواعِيهِ) بشهوة كمَسَ وقُبلةٍ بشهوةٍ (حَتّى يُكَفِّرَ) لِمَا روى أبو داود من حديث خَوْلَة بنت ثعلبة قالت: ظاهر مني أوْس بن الصّامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه وهو يجادلني فيه ويقول: «اتقي الله فإنّما هو ابنُ عمِّك». فما بَرِحْتُ حتّى أنزل الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ ا قَوْلَ الَّتي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا} الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: «يعتق رقبة». قالت: لا يجد. قال: «فيصوم شهرين متتابعين». قالت: إنّه شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع أنْ يصوم. قال: يُطْعِمُ ستين مسكيناً. قالت: ليس عنده شيءٌ يتصدّق به. قال: «فإني أعينه بِعَرَقٍ من تمرٍ». قالت: يا رسول الله وأنا أُعِينه بعَرَقٍ آخر. قال: «أحسنتِ، اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك».
قال أبو داود: والعَرَقُ: ستون صاعاً. ثم روى عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن أنه قال: العَرَقُ: زِنْبِيلٌ يأخذ خمسة عشر صاعاً. وقال أبو داود وغيره: العَرَقُ: مِكْتل يسع ثلاثين صاعاً.
---
(3/387)
________________________________________
***
وعن الشَّافعيّ وأحمد: أنّ الدَّوَاعي لا تُحْرُمُ لأنّ التّحريم عُرِفَ بالآية، والتَّماسّ فيها كناية عن الجماع. ولنا: أنّ التّماسّ حقيقة في المسّ باليد. والحقيقة أحق بأن تراد، والله تعالى أعلم بالمراد. فإن وقع منه وطىء أو دواعيه استغفر ربه ولا يعود إليه حتى يُكَفِّرَ لِمَا في السنن الأربعة عن ابن عبّاس أنّ رجلاً ظاهر امرأته، فوقع عليها قبل أنْ يُكَفِّرَ، فقال صلى الله عليه وسلم «ما حملك على ذلك»؟ قال: رأيت خَلْخَالَها في ضوء القمر ـ وفي لفظ: بياض ساقيها ـ. قال: «فاعتزلها حتى تكفّر». وفي لفظ ابن ماجه: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أنْ لا يقربها حتى يكفّر. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب صحيحٌ. ورَوَى عن سَلَمَة بن صَخْر البَيَاضِيّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في المُظَاهِر يُوَاقِع قبل أنْ يُكَفِّر، قال: «كفارةٌ واحدةٌ». وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
(وَفِي: أَنْتِ عَلَيّ كأُمِّي) أو مثل أمي (صَحَّ نِيّةُ الكَرَامَةِ) لأنّ إرادتها بمثل هذا الكلام شائعٌ (وَ) صَحّ نية (الظِّهَارِ) لأنّ التشبيه بجميع الأم تشبيهٌ بظهرها لكنّه ليس بصريحٍ فيفتقر إلى النِّيَّة . (وَ) صحَّ نية (الطَّلاَقِ) لأنّه كناية، كما لو قال: أنتِ عليّ حرامٌ، ونوى به الطَّلاق يكون طلاقاً بائناً.
(فإنْ لَمْ يَنْوِ) شيئاً (لَغَا) في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ووجهٌ في مذهب الشافعيّ. وكان ظهاراً في قول محمد، ورواية عن أبي يوسف، ووجهٌ في مذهب الشافعيّ، وإيلاءً في قول مالك، وأحمد، ورواية عن أبي يوسف.
---
(3/388)
________________________________________
***
(وَفِي: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمّي) لزِمه (مَا نَوَى مِنْ ظِهَارٍ) لِمَا فيه من التشبيه بالحرمة (أو طَلاَقٍ) لأنّ أنتِ عليّ حرامٌ من كناياته، فإذا نواه طَلُقَتْ بائناً، ويكون التشبيه بالحرمة للتأكيد دون الإكرام تصريحٌ بالحرمة، كذا قالوا. وفيه بحثٌ إذ لا يَبْعُد أن يُراد بالحرام المحترم، فهو من محتملات كلامه، فيصدّق ديانةً إذا ادّعى نيتة.
(فَإنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ) شيئاً (فإيلاءٌ عِنْدَ أبِي يُوسُفَ وَظِهَارٌ عِنْدَ مُحَمَّدَ) وفي «جامع قاضيخان»: والأصحّ أنه ظهارٌ عند الكلِّ، لأن التّحريم المؤكد بالتشبيه ظهارٌ. وكذا ذكره التُّمُرْتَاشِيّ أنه ظهار من غير خلاف. (وَفِي) قوله: (أَنْتُنَّ عَلَيّ كَظَهْرِ أمّي لِنِسَائِهِ يَجِبُ لِكُلَ كفَّارَةٌ) وهو قول الشّافعيّ الجديد كما لو ظاهر مراراً، ولو في مجلسٍ واحدٍ.

وقال مالك، وأحمد، وأبو ثور: يجب كفارةٌ واحدةٌ، ولا يَبْطُل الظِّهار بطلاقها ثلاثاً، حتى لو عادت إليه بعد زوج آخر كان الظِّهار على حاله لا يقرَبها حتى يكفِّر، وكذا بشرائها ـ لو كانت أمةً ـ بعد ما ظاهر منها.
(وَهِيَ) أي الكفّارة (تَجِبُ بِالْعَوْدِ أي بِالعَزْمِ عَلَى وَطْئِهَا) وهو ظاهر مذهب مالك، وجعله في «الموطّأ» العزم على الوطىء والإمساك. (ومذهب الشّافعيّ أنَ يمسك عن طلاقها عقِيبَ الظِّهار في زمانٍ يمكنه طلاقها فيه، وفي «الينابيع»:) إذا رَضي أنْ تكون مُحرَّمة ولا يعزم على وطئها، لا تجب الكفّارة. ولو عزم ثم ترك العزم، لا يجب أيضاً. فعُلِمَ أنّ الكفّارة لا تجب بمجرد الظِّهار، وهو قول أحمد والصحيح من مذهب مالك.
(وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ) صغيرةٍ أو كبيرةٍ، مسلمةٍ أو كافرةٍ لا مرتدة.
وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: لا تجزىء الكافرة لأنه تحرير في تكفير، فكان الإيمانُ من شرطه كَكفَّارة القتل.
---
(3/389)
________________________________________
***
ولنا: أنّ المنصوص عليه الرقبة، وهي اسم لذاتٍ مملوكةٍ من كل وجهٍ وقد وُجِدَت، وليس في النّص ما يبيّن عن صفة الإيمان والكفر، والتقييد بصفة الإيمان يكون زيادة ، والزيادة على النّص نسخٌ، فلا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس. ثم قياس المنصوص (على المنصوص) باطلٌ عندنا لاستلزامه إعتقاد النقص فيما تولّى الله بيانه، وذلك لا يجوز. ولا يجوز دعوى التخصيص ههنا لأن التخصيص لما له عموم، والمطلق غير العام.
(لاَ فَائِتَ) أي لا عِتقَ فائتِ (جِنْسِ المَنْفَعَةِ) لأنه هالك معنىً (كَالأَعْمَى والمقْطُوعِ يَدَاهُ أوْ رِجْلاَهُ أوْ إبْهَامَاهُ)، لفوات منفعة البطش لأن قوته بإبهاميه (أوْ يَدٍ وَرِجْلٍ مَنْ جَانِبٍ) (لفوات منفعة المشيّ منه لأنه متعذّر عليه. قيّد بالجانب لأنه لو كان من جانبين لا يمنع لاختلال جنس المنفعة دون فواتها).
(و) لاَ (المَجْنُونِ) المُطْبَق (والمَدَبَّرِ) أي ولا عتق المُدَبَّر لأنه استحقّ الحرّية بوجه وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يقتضي الكمال، وإنشاء الحرية من كل وجه. وكذا حكم أمّ الولد.
(و) لا عتق (المُكَاتَبِ) حال كونه (أدَّى بَعْضَ بَدَلِهِ) لأن إعتاقه حينئذٍ ببدلٍ، وبه لا تتأدى الكفّارة لأنها عبادة، فلا بدّ أن تكون خالصةً، ومتى كان بعضه بعوضٍ لم يكن خالصاً لأنه يكون تجارة، ولأنّ الصّحابة اختلفوا في رقّه بعد أدائه بعض البدل، فكان عليّ رضي الله عنه يقول: يَعْتِق بقدر ما أدّى، وابن مسعود يقول: إذا أدّى قيمة نفسه يَعْتِقُ. واختلافهم في رِقِهِ شبهةٌ مانعةٌ من جواز التكفير به.

وقيّد المُكَاتَب بكونه أدّى بعض بدله لأنه لو لم يؤدّ شيئاً جاز عتقه عن الكفّارة عندنا خلافاً لزُفَر، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد في رواية. لأنّ الرقبة اسم لذاتٍ مرقوقةٍ عرفاً، والمُكَاتَب كذلك. قال صلى الله عليه وسلم «المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِيَ عليه من كتابته شيءٌ». رواه أبو داود.
---
(3/390)
________________________________________
***
(و) لا عتق (نِصْفِ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ) عن كَفّارته (ثُمّ) عِتق (بَاقِيهِ بَعْدَ ضَمَانِهِ) وقال أبو يوسف ومحمد: تجزئه إن كان مُوسِراً (وَ) لا عتق (نِصْفِ عَبْدِهِ) عن كفّارته (ثُمّ) عتق (بَاقِيهِ بَعْدَ وَطْئِهَا) لأنّ عتق باقي العبد وقع بعد المسيس، والمأمور به هو العتق قبل المسيس، وهذا عند أبي حنيفة، لأن العتق يتجزأ.
وأمّا عند أبي يوسف ومحمد فيجوز لأنّ العتق لا يتجزأ عندهما، فإعتاق بعض العبد إعتاق الكل.
(وإنْ عَجَزَ) المُظَاهِر (عَنِ العِتْقِ) بأنْ لم يملك رقبة ولا ثمنها وقت التكفير وهو قول مالك. وقال أحمد: وقت الوجوب. وللشّافعيّ ثلاثة أقوال: وقت التّكفير، ووقت الوجوب، وأغلظ الحالين
.
(صَامَ شَهْرَيْنِ وِلاَءً) أي متتابعين لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (لَيْسَ فِيهِمَا) ولا بينهما (رَمَضَانُ وَلاَ الأيّامُ المَنْهِيَّةُ) وهي: يوما العيد وأيام التشريق، لأنّ رمضان لا يجوز فيه للصحيح المقيم صيام غيره بالإجماع، وصيام يوم العيد وأيّام التّشريق مَنْهِيٌّ عنه. ولو صام شهرين بالأهَلّة جاز، وإنْ كان كلّ شهرٍ تسعة وعشرين يوماً. وإنْ صام بغير الأهلّة وأفطر لتمام تسعة وخمسين يوماً فعليه الاستقبال.
---
(3/391)
________________________________________
***
وينقطع التتابع بالمرض عندنا، وعند الشّافعيّ في الجديد. وقال مالك، وأحمد: لا ينقطع كما لا ينقطع بالحيض في كفارة القتل والفطر. وأجيب بأنّ التتابع شرط بالنّص، والغالب أنها تحيض في كل شهرٍ، فكان كالمستثنى. ولو صام شهرين متتابعين ثم قدر على الإعتاق قبل غروب الشَّمس من آخر يوم يجب عليه العتق، وهو قول المُزَنِيّ لقدرته على المُبْدَل قبل فراغه من البدل، وصار صومه تطوعاً. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا يلزمه العتق، ولكن يستحب. وفي «خزانة الأكمل»: لا يصوم من له خادم بخلاف المسكن. وقال مالك والشّافعيّ: يصوم من له خادم، واعتبره بالماء المعدّ للعطش. وفرّق الرّازي بينهما في «أحكام القرآن» بأنّ المأمور بإمساكه لعطشه، واستعمالُه محظورٌ عليه بخلاف الخادم. ولو أعتق أجنبيّ عن مُظَاهِرٍ لا يُجْزِئُهُ وإن كان بأمره لما فيه من إلزام الولاية. وقال أبو يوسف، ومالك، والشّافعيّ تجزئه إِنْ كان بأمره.

(وَإنْ أَفْطَرَ) في الشَّهرين بأَكْلٍ أو شُربٍ أو جِماعٍ غَيرِها (اسْتَأْنَفَ) لفوات التتابع المنصوص عليه (وَكَذَا) استأنف (إنْ وَطِئَهَا) أي الّتي ظاهر منها في الشهرين (لَيْلاً عَمْداً) عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يستأنف (أوْ يَوْماً) وفي بعض النُّسخ أو نهاراً (مُطْلَقاٌ) أي عمداً أو سهواً. واعلم أنّ قيد العمد في وطىء التي ظاهر منها ليلاً وقع في هذا المختصر تبعاً «للهداية»، وهو فيها قيدٌ اتفافيّ لا يُحْترز به عن شيء، لأنّ العمد والنسيان في الوطىء بالليل سواءً.
---
(3/392)
________________________________________
***
(وَإنْ عَجَزَ) المظاهر عن الصوم لِكبَرٍ أو مرضٍ لا يُرْجَى زواله (أطْعَمَ) هو أو نائبه (ستِّينَ مِسْكِيناً) لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكيناً} (كُلاًّ) أي يُطْعِمُ كل مسكين (قَدْرَ الفِطْرَةِ) نصف صاعٍ من بُرَ وهو مُدّان، أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ (أو قِيمَتَهُ) لأنّ المعتبر دفع حاجة اليوم عن المساكين، فكان كصدقة الفِطْر. وقال الشّافعيّ: يُطْعِم مُدًّا من غالب قوت البلد من الحبوب. وقال مالك: يطعم مُدًّا بمُدِّ هشام، وهو مُدّان بمُدِّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقال أحمد: يجب من البُرّ مُدٌّ، ومن التّمر والشعير مُدّان.
(وَإنْ غَدّاهُمْ) أي ستِّين مسكيناً (وَعَشَّاهُمْ) أي بأعيانهم (وَأَشْبَعَهُمْ) قليلاً ما أكلوا أو كثيراً. ولا بد من الإِدَام إنْ أطعمهم خبز الذُّرَة أو الشعير بخلاف خبز البُرّ. (أوْ أعْطَى) كلّ واحدٍ (مَنَّ بُرَ) وهو: رطْلان: ربع الصّاع، على قول أبي حنيفة (ومَنَوَيْ تَمْرٍ أوْ شَعِير،أوْ) أعطى (وَاحِداً شَهْرَيْنِ جَازَ) وبه قال مالك. وقال الشّافعيّ: لا بد من التمليك في الكفارات. ولنا: أنّ المنصوص عليه الإطعام، وحقيقة ذلك في التمكين، والمقصود به سَدّ الخَلَّة، وفي التّمليك تمام ذلك، فيتأدّى الواجب بكل واحدٍ منهما. أمّا بالتّمليك فظاهرٌ، وأمّا بالتّمكين فلمراعاة عبارة النص، والدليل عليه أنه شبّهه بطعام الأهل، فقال الله تعالى: {مِنْ أوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ} وذلك يتأدّى بالتّمليك تارة، وبالتّمكين أخرى.
هذا، ويجب تقديم الإطعام على المس لاحتمال أنْ يَقْدَر قبله على ما هو واجبٌ قبله، ولا يستأنف الإطعام بالوطىء في خلاله لأنّ النّص فيه مطلقٌ غير مقيّدٌ بما قبل التّماسّ.
---
(3/393)
________________________________________
***
(وَفِي يَوْمٍ) أي ولو أعطى واحداً في يومٍ (قَدْرَ الشَّهْرَيْنِ لاَ) يجوز إلاّ عن يوم، سواء أعطاه ذلك في يومٍ دفعةً أو على دَفَعَاتٍ، لأنّ الواجب عليه التّفريق الخاص، ولم يوجد، كالحاجّ إذَا رمى الجمرة بسبع حصياتٍ دفعةً واحدةً مجتمعةً لا متفرقةً لا يُجْزِئُهُ إلاّ عن واحدةٍ. لأنّ المعتبر سَدّ الخَلّةَ، وقد اندفعت في ذلك اليوم بما دفعه أولاً، فالصرف إليه بعد ذلك يكون إطعام الطَّاعم فلا يُجْزِئُهُ. وقيل: إذا أعطاه على دفعاتٍ يُجْزِئُهُ، لأنّ التَّمليك أقيم مقام الإطعام، والحاجة بطريق التَّمليك ليس لها نهاية. فإذا فرّق الدّفعات في يومٍ جاز كما في الأيام.

وفي «شرح الوَافِي»: ما ورد في النّص بلفظ الإطعام، فالإباحةُ فيه كافيةٌ، ككفارة الظِّهار والإفطار في رمضان، واليمين، وجزاء الصيد، والفداء. وما ورد فيه بلفظ الإيتاء والفِداء فيُشترط فيه التَّمليك، كالزكاة والصَّدقة، والفِطر، والعُشْر، والحلق عن الأذى في الإحرام، والله سبحانه أعلم بحقائق المرام.

فصلٌ في اللِّعانِ
وهو لغةً: مَصْدرُ لاعَن يلاعِن ملاعنةً ولِعَاناً. وأصل اللَّعْن الطَّرْد والإبعاد. وشريعةً: هو عندنا شهاداتٌ مؤكَّداتٌ بالأيْمان، مقْرونةٌ باللّعن في جانب الرجل، ومقرونةٌ بذكر الغضب في جانب المرأة، قائمةٌ مقامَ حدّ القذف في حقه، ومقامَ حدّ الزنا في حقّها.
وقال مالك والشُّافعيّ: إنّه أيْمان مؤكدةٌ بالشهادة، واحتجا بقوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِا}، فقوله: {با} مُحْكَمٌ في اليمين، والشهادة تحتمل اليمين، فإنه لو قال: أشهد، كان يميناً، فَحَمَلا المُحْتَمِلَ على المُحْكَم.
---
(3/394)
________________________________________
***
ولَنَا قوله صلى الله عليه وسلم «أربعةٌ من النِّساء لا ملاعنة بينهم: النّصرانيةُ تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحُرّ، والحُرَّة تحت المملوك». رواه ابن ماجه والدَّارَقُطْنِيّ من حديث عمرو بن شُعَيْب. ووقفه الأوْزَاعِيّ وابن جُرَيْج على جدّ عمرو بن شُعَيْب.
وقال محمد بن الحسن: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ولا بين العبد وامرأته». فهذا نصٌ على اشتراط أهليّة الشَّهادة فيهما. وفي الآية إشارة إلى هذا فإنّه تعالى قال: {وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاّ أنْفُسُهُمْ} استثنى أنفسهم عن الشهداء فثبت أن الزّوج شاهدٌ لأنّ المستثنى يكون من جنس المستثنى منه، ثم نصّ على شهادته فقال: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهَادَاتٍ با} فنصّ على الشّهادة واليمين.
فقلنا: الرّكن هو الشّهادة المؤكدة باليمين. ولأنّ الحاجة هنا إلى إيجاب الحكم في الطرفين، والذي يصلح لإيجاب الحكم فيهما هو الشهادة دون اليمين، إلاّ أنها مؤكدةٌ باليمين لأنه يشهد لنفسه، والتأكيد باليمين لا تخرجه عن أنْ يكون شهادةً. فقرّر الشّارع الرُّكن في جانبه باللّعن لو كان كاذباً، وبالغضب في جانبها لو كانت كاذبةً. لأنّ الصّادق أحدهما، والقاضي لا يعلم ذلك، فكان اللّعن في جانبه قائماً مقام حدّ القذف، وفي جانبها صار الغضب قائماً مقام حدّ الزنا. وسُمِّيَ الكل لعاناً لِشَرْع اللعن فيها ، كالصلاة تُسَمَّى ركوعاً وسجوداً لشرعيتهما فيها أو للتغليب كالعُمَرين، والقمَرين، واللعن من جانب الرّجل وهو مقدّمٌ فيه.
---
(3/395)
________________________________________
***
(مَنْ قَذَفَ) أي رمى (بِالزِّنَا) صريحاً (زَوْجَتَهُ) بأنْ قال لها: رأيتك تزنين، أو أنت زانيةٌ، أو يا زانية (العَفِيفَةَ) عن الزِّنا وهي التي لا تكون زانيةً ولا متهمةً بزنىً كمن يكون لها ولدٌ لا يكون له أبٌ معروفٌ. والحاصل: أنها تكون ممّن يُحَدُّ قاذِفُها، فلو لم تكن ممّن يُحَدّ قاذفها: بأنْ تزوّجت بنكاحٍ فاسدٍ ودخل بها فيه، أو زنت في عمرها، أو وُطِئَت حراماً بشبهة ولو مرّة، ولا يجري اللّعان بينهما، لأنها في حقّها مقام حدّ القذف، فلا بدّ أنْ تكون مُحْصنةً.

(وَكُلٌّ) من الزّوجين (صَلُحَ شَاهِداً) أي مؤديًّا للشهادة على المسلم، فلا لعان من مجنونٍ ولا محدودٍ في قذفٍ لأنّهما لا يصلحان لأداء الشهادة ولا لتحمّلها، ولا من مملوكٍ وصبيَ لأنهما لا يصلُحان لأداء الشهادة وإنْ صَلُحا لحمّلها، ولا من كافرٍ لأنه لا يصلُح لأداء الشهادة على المسلم وإن صَلُحَ لأدائها على مثله عندنا، لكن مع ذلك يوجب حدّ القذف، لأنّ القذف بالزِّنا لا ينفك عن موجِبه، فإذا خرج من أن يكون موجباً للعان لمعنىً في القاذف كان موجباً للحدّ.
(أوْ نَفَى) الزَّوج (وَلَدَهَا) الذي وُلِدَ في فراشه، أو الذي من غيره عن أبيه المعروف، لأنه يصير بذلك قاذفاً. ولهذا يحدّ من قال لأجنبيّ: لست لأبيك. ولا إعتبار لاحتمال كونه من غيره لشبهةٍ، كما لا يعتبر ذلك فيما لو نفاه أجنبيّ، لأنّ الأصل في النَّسب النِّكاح الصحيح، والفاسد ملحقٌ به. ونفيه عن الفراش الصحيح قذفٌ حتى يظهر المُلْحَق به. وقال الشِّافعيّ لا يصير قاذفاً بالنفي ما لم يقل إِنه من الزِّنا.
(وطَالَبَتْ بِهِ) أي بموجِب القذف لأنّه حقّها لدفع عار الزِّنا عنها كما في حدّ القذف، إلاّ أنّ للولد أنْ يُطَالب في القذف لأنه حقّه أيضاً لاحتياجه إلى نَفْي نَسَبه عمّن ليس هو منه.
---
(3/396)
________________________________________
***
(لاَعَنَ) خبر المبتدأ وهو مَنْ قذف، وإنّما يُلاعن لِمَا روى البُخاريّ، ومسلم، ومالك في «الموطّأ»، وأبو داود، وابن ماجه من حديث ابن شِهَاب عن سَهْل بن سَعْد السَّاعِدِيّ، أن عُوَيْمِر العَجْلاَنِيّ جاء إلى عاصم بن عَدِيّ، فقال له: يا عاصم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها فلمّا رجع عاصم إلى أهله، جاء عُوَيْمِر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله؟ فقال عاصم: كَرِه رسول الله المسائل التي سألته عنها ـ وفي نسخة سألتها ـ وعابها. فقال له عُوَيْمِر: والله لا أنتهي حتّى أسأله عنها، فأقبل عُوَيْمِر حتّى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وسط النّاس، فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد أنزل الله عليّ فيكَ وفي صاحبتك قرآناً، فاذهب فأْتِ بها. قال سهل: فتلاعَنَا وأنا مع النّاس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال عُوَيْمِرُ: كَذَبْتُ عليها يا رسول الله إنْ أمْسَكْتُهَا، فطلّقها عُوَيْمِر ثلاثاً قبل أنْ يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب: فكانت تلك سُنَّة المتلاعنين.
---
(3/397)
________________________________________
***
وصفة اللعان ثابتةٌ بالكتاب: (يَبْدَأُ الزَّوْجُ) لأنّه المُدَّعِي، والحُجَّة تُطلب منه أولاً (فَيَقُولُ أرْبَعاً): أي أربع مراتٍ (أَشْهَدُ بالله) أي أُقسم به (أَنّي صَادِقٌ) أو لَمِن الصادقين (فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا) إن كان رماها بالزِّنا (أو) فيما رميتها به من (نَفْي الوَلَدِ) إنْ كان رماها بنفي الولد (وَفِي الخَامِسَةِ لَعْنَةُ الله عَلَيْهِ إنْ كَانَ كَاذِباً) أو من الكاذبين (فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا) أو نفي الولد، ويشير إليها في كلّ مرّة.
(ثُمَّ تَقُولُ) المرأة (أرْبَعاً: أشْهَدُ بالله أَنّه كَاذِبٌ) أو من الكاذبين (فِيمَا رَمَانِي بِهِ) أي من الزِّنا إنْ كان رماها بالزِّنا، أو فيما رماني به من نفي الولد إن كان رماها بنفي الولد (وَفِي الخَامِسَةِ غَضَبُ الله عَلَيْهَا إنْ كَانَ صَادِقاً) أو من الصّادقين (فِيمَا رَمَانِي بِهِ) من الزِّنا أوْ نفي الولد، وتشير إليه في كل مرّة. وإنّما خُصَّت المرأة بالغضب، لأنّ النِّساء يستعملن اللّعن كثيراً فلا يبالين به بخلاف الغضب.
---
(3/398)
________________________________________
***
(ثُمَّ يُفَرِّقُ القَاضِي بَيْنَهُمَا) ولو سألاه أنْ لا يفرِّق (فَتَبِينُ بِطَلْقَةٍ) وتستحق نفقة العدّة كالمعتدّة من طلاقٍ أو فسخٍ، والتّفريق رواية عن أحمد. (ويَنْفِي) القاضي (نَسَبَ الوَلَدِ عَنْهُ) أي عن الزَّوج بأن يقول: قطعت نسب هذا الولد عنه وألزمتُه بأُمّه، بعدما قال: فرّقت بينكما. كذا رُوِيَ عن أبي يوسف. فلو مات أحدهما قَبل التّفريق وَرِثه الآخر، ولو ظاهر منها أو آلى أوْ طلّقها صحّ لبقاء النِّكاح. وقال زُفَر: تقع الفرقة بنفس تلاعنهِما، وهو المشهور من مذهب مالك. ويُرْوَى عن أحمد، وابن عباس لِمَا روى الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» بإسنادٍ جيدٍ من حديث ابن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً». ولقول عليّ وعبد الله: مضت السُّنَّة أن لا يجتمع المتلاعنان أبداً. رواه الدَّارَقُطْنِيّ أيضاً.
وقال الشّافعيّ: تقع الفُرْقة بلعانه، لأنه لما شهد عليها بالزِّنا أربع مرّات وأكّده باللّعن، فالظاهر أنهما لا يأتلفان، فلم يكن في إبقاء النِّكاح فائدةٌ، كما إذا ارتدّ أحد الزّوجين. وهو يخالف ظاهر الحديث: «المتلاعنان لا يجتمعان»، فإنَّ قَبْل لعانها لا يصدق عليهما المتلاعنان. على أنّه يحتمل أنْ لا تلاعن هي فترجم عنده، فلا تفريق ولا اجتماع. وأيضاً في رواية: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان».
---
(3/399)
________________________________________
***
ولنا حديث سَهْل بن سَعْدِ السَّاعِدِيّ المتقدّم، وقد رواه أبو داود وقال: فطلّقها ثلاث تطليقاتٍ، فأَنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما صنع عند رسول الله سُنَّة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السُّنّة بعد في المتلاعنين أنْ يفرَّق بينهما ثم لايجتمعان أبداً. ففي هذه الألفاظ كلها دليلٌ على أنّ الفُرْقة لم تقع باللّعان، والله المستعان. وكذا ما في الصحيحين من حديث ابن عمر أنّ رجلاً لاعن امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرّق عليه الصلاة والسّلام بينهما وألحق الولد بأمّه. وفي رواية: بالمرأة.
(ولم يُرْوَ أنّه عليه الصلاة السّلام فرّق بينهما بعد لعان الرّجل قبل لعان المرأة.) وأمّا قول البَيْهَقِيّ في «المعرفة»: أن عُوَيْمِر حين طلّقها ثلاثاً كان جاهلاً بأنّ اللّعان فُرْقَة، فصار كمن شَرَطَ الضَّمان في السّلف، وهو يلزمه شرط أو لم يشرط. فجوابه: أنّ هذا خلاف الظّاهر، والله أعلم بالسّرائر.
---
(3/400)
________________________________________
***
(وإنْ أبَى) الزّوج (عَنِ اللّعَانِ حُبِسَ) لامتناعه عن حقَ وجب عليه وهو قادرٌ على أدائه، فيُحْبَس لإيفائه (حتّى يُلاَعِنَ) فَيُوَفِّي ما عليه (أوْ يُكَذِّب نَفْسَهُ) فيحدّ لإقراره على نفسه بالتزام الحدّ. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: إن أبىَ الزّوج عن اللّعان يُحدّ بناءً على أنّ موجَب القذف منه عندهم الحدّ، وعندنا اللّعان، وإذا لاعن الزّوج وجب على المرأة أنْ تلاعن بالنَّص (وَإنْ أَبَتْ حُبِسَتْ) لأنّها امتنعت عن إيفاء حقَ هي قادرةٌ عليها، فتحبس لإيفائها كسائر الحقوق (حَتَّى تُلاَعِنَ) فتُوَفِّي ما عليها (أوْ تُصَدِّقهُ) فيرتفع سبب اللّعان، وإذا صَدّقته نفى القاضي نَسَب ولدها، ولم يحدّها لأنّ تصديقها ليس إقراراً قصداً بصريح الزِّنا، فلا يعتبر في وجوب الحدّ بل في درئه. وما وقع في بعض نسخ القُدُورِيّ: أو تُصدِّقُه فتحدّ، غلطٌ لأنّ الحدّ لا يجب بالإقرار مرّة، فكيف بالتّصديق مرّة وهو لا يجب بالتّصديق أربع مرّات. وقال مالك والشَّافعيّ: لا تحبس المرأة، بل تُرْجم.
(وإنْ كَانَ) الزَّوج لم يَصْلُح شاهداً بأنْ كان (عَبْداً) وهي حرّة (أوْ كَافِراً) وهي مسلمة، وصورته: أنْ يكونا كافرين فَتُسْلم الزّوجة، ويقذِفُها قبل عرض الإسلام (أوْ كَانَ مَحْدُوداً فِي قَذْفٍ) وهي من أهل الشّهادة (حُدَّ الزَّوْجُ) لأنَّه لَمّا تعذّر اللّعان من جهته صير إلى الحدّ لِمَا قدّمنا من أنّه لا ينفك عن موجَبه، ولقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (وَإنْ صَلُحَ) الزَّوْجُ شاهداً (وَهِي أَمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ) بأن تكون ذمِيّةً (أوْ مَحْدُودَةٌ في قَذْفٍ أوْ صَبِيَّةٌ أَوْ مَجْنْونَةٌ أوْ زَانِيَةٌ فَلاَ حَدّ عَلَيْهِ) لعدم إحصانها كما لو قذفها أجنبيّ (وَلاَ لِعَانَ) لعدم أهليتها للشّهادة.
---
(3/401)
________________________________________
***
(وَالمُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَداً) روى ذلك الدَّارَقُطْنِيّ عن عليّ وابن مسعود وابن عبّاس موقوفاً، وأخرجه مرفوعاً من حديث ابن عمر. (وَإنْ أَكْذَبَ) الزّوج (نَفْسَهُ) بعد اللّعان قبل التَّفريق أو بعده (حُدَّ) لإقراره بوجوب الحدّ عليه. قيّدنا الإكْذَاب بكونه بعد اللّعان، لأنه لو كان قبله بعدما أبانها لا حدّ عليه ولا لعان، لأنّ قذفه كان موجِباً للّعان، فلا ينقلب موجباً للحدّ، (ولأنّ المقصود من اللّعان التّفريق، وذلك لا يتأتى بعد البينونة.) (وَحَلّ للزّوْجِ) بعد إكذاب نفسه (نِكَاحُهَا) عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف وزُفَر، وهو قول مالك والشّافعيّ: لا يحل لأنهما متلاعنان، وفي الحديث: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان أبداً».
(ولهما: أنّ اللّعان شهادةٌ، وهي تبطل بالرجوع). (وَكَذَا) حَلّ نكاحها (إنْ قَذَفَ) الزّوج (غَيْرَهَا) بعد التّلاعن (فَحُدَّ أوْ زَنَتْ فَحُدَّتْ) لأنّ بقاء أهلية اللّعان شرط لبقاء حكمه من عدم اجتماعهما. وقوله: فَحُدّت قيدٌ اتفاقي، لأن زناهما من غير حدّ يسقط به إحصانها، بخلاف القذف فإنه لا يسقط به الإحصان حتّى يُحَدَّ القاذف.
(وَلاَ لِعَانَ بِقَذْفِ الأَخْرَسِ وَنَفَي الحَمْلِ) أمّا الأخرس فلأنّ اللعن يتعلّق بالصّريح كحدّ القذف، ولا صريح للأخرس، فقذفه لا يَعْرى عن شبهة، والحدود تسقط بها. وقال مالك، والشّافعيّ، وأبو الخَطَّاب من الحنابلة: يصحّ قذف الأخرس ويلاعن بالإشارة كما يصحّ طلاقه وبيعه وسائر تصرفاته بالإِشارة. ولنا: أنّه لا بُدّ أن يأتي بلفظ الشّهادة في اللعن حتى لو قال: أحلف مكان أشهد لا يجوز، وإشارته لا تكون شهادة. ولا لعان أيضاً لو كانت المرأة خرساء لأنّ قذف الأجنبيّ لها لا يوجب الحدّ لاحتمال أنها تصدّقه، ولأنها عاجزةٌ عن الإتيان بلفظ الشهادة، وهو شرط في اللّعان.
---
(3/402)
________________________________________
***
وأمّا عدم اللّعان بنفي الحمل ـ وهو قول أبي حنيفة آخراً وأحمد، والثَّوْرِيّ، والحسن البَصْرِيّ، والشَّعْبِيّ، وابن أبي لَيْلَى ـ فلعدم التَّيقن بقيام الحمل، لاحتمال أنّ ما بها نفخٌ، فلم يكن قذفاً. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشّافعيّ وأبو حنيفة أولاً: إِنه يلاعن إذا جاءت به لأقلّ من ست أشهرٍ، لأنا تيقنا بقيام الحمل عند نفيه له، فتحقق القذف. ثم لا يجب اللعان في الحال عندنا، وحكم مالك والشّافعيّ باللّعان قبل الوضع، لأنه قذَفها حقيقة بنفي الولد. قلنا: نفيه (لا يكون بدونه ولا يعلم به، فلعله ريحٌ أوْ ماءٌ أو انتفاخٌ. وقيل: يوجبه أبو يوسف في الولادة، ذكره الطَّحاوي)، لقصة عُوَيْمِر.

(وَبِـ: زَنَيْتِ، وَ: هَذَا الحَمْلُ مِنْهُ) أي من الزِّنا (تَلاَعَنَا) في الحال لوجود القذف بذكر صريح الزِّنا (وَلَمْ يَنْتَفِ الحَمْلُ) أي نَسَبه باللّعان قبل الوضع. وقال مالك والشَّافعيّ: ينتفي الحمل لأنه عليه الصّلاة والسلام نَفَى الولد عن هلال، وكان قَذَفها حاملا..ًولنا: قول ابن الجَوْزِيّ: إنّ أحمد، وابن جَرير أنكرا لِعان هلال بالحمل، وقالا: إنما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي أمرهما باللّعان ـ) لمّا جاء وشهد بالزّنا، ولو كان اللّعان بالحمل، لكان الحمل منفيًّا من الزّوج غير لاحقٍ به، أَشْبَهه أو لم يُشْبِهه. وقد قال صلى الله عليه وسلم «إن جاءت به أُحَيْمِر» ـ وفي نُسخة أحمرـ حَمْش السّاقين ـ أي دقيقهما ـ فهو لهلال، وإن جاءت به أسود جعْداً فهو لشَرِيكِ»، فجاءت به على النَّعت المكروه.
(وَمَنْ نَفَى الوَلَدَ زَمَانَ التهنئة، أو زمان شراء آلَةِ الوِلاَدَةِ) وهو ما يحتاج إليه لأجلها عادة، فإنهما كزمان الولادة. قيل: إِنه مقصورٌ على ثلاثة أيامٍ، وقيل: على يوم أو يومين، وقيل: على سبعة (صَحَّ) نفيه (وبَعْدَهُ لاَ يَصِحُّ) نفيه (وَلاَعَنَ فِيهِمَا) لوجود القذف.
---
(3/403)
________________________________________
***
وقال أبو يوسف ومحمد: يصحّ نفيه في مدة النِّفاس، وكان القياس أنْ لا يصحّ نفيه إلاّ على فور الولادة، وبه أخذ الشّافعيّ، ولكنَّهما استحسنا جواز تأخّره مدّةً يقع فيها التأمل، لأنّ النّفي يحتاج إليه، كيلا يقع في نفي ولده، أو استلحاق غير ولده، وكلاهما حرامٌ. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آية الملاعنة: «أيّما امرأة، أدخلت على قوم مَنْ ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخِلها الجنة. وأيّما رجلٍ جَحَد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه الله على رؤوس الأوَّلين والآخرين». رواه أبو داود، والنَّسائي.
ثم في كلّ موضعٍ لزمه الولد، لا يكون له نفيه بعد ذلك عند الأئمة الأربعة وأصحابهم، (وَإنْ نَفَى أوّلَ التَّوْأَمَيْنِ) وهما الولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهرٍ (وَأَقَرَّ بِالآخَرِ حُدَّ) لأنّه أكذب نفسه بدعوى الثَّاني، لأنّهما خلقا من ماءٍ واحدٍ (وَفِي عَكْسِهِ) وهو ما إذا أقرّ بالأوّل ونفى الثّاني (لاَعَنَ) لأنّه قذفٌ بنفي الثاني (وَيَثْبُتُ نَسَبَهُمَا) أي التَّوأمين (فِيهِمَا) أي في المسألتين لاعترافه بأحدهما، وهما من ماءٍ واحدٍ، والله تعالى أعلم.

فصلٌ في العِنِّينِ
وهو لغةً: من لا يريد النِّساء. والأُنثى عِنِّينةٌ، وهي لا تشتهي الرّجل، فَعِيل بمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، والاسم منه العُنَّة.
---
(3/404)
________________________________________
***
شرعاً: ـ عندنا ـ مَن لا يصل إلى النِّساء مع وجود الآلة، أو يصل إلى الثَّيب دون البكر، أو إلى بعض النساء دون بعض، وذلك لمرضٍ به، أو لضعفٍ في خِلْقته، أو لِكبرٍ في سنه، أو لسحرٍ سُحِرَ به، فيكون عِنِّيناً به في حقّ من لا يصل إليها لفوات المقصود في حقّها، كذا ذكره قاضيخان. وسواء يقوم ذَكَرُهُ، أو لم يقم. وعند مالك: العِنِّين من لا يتأتّى بِذَكَرِهِ الجماعُ لصغره. وفي «المحيط»: إذا كانت آلته قصيرةً لا يمكنه إدخالُها داخل الفرج، لا حقّ لها في المطالبة بالتفريق.
(إنّ أَقَرّ) الزّوج (أنّهُ لَمْ يَطَأْ) امرأته بعدما دخل عليها (أَجَّلَهُ الحَاكِمُ) بعد طلبها. حتّى لو وجدته عِنّيناً ولم تطالب مدّةً، لم يبطل حقّها، لأنّ عدم المطالبة ربما يكون للتّجربة والامتحان لا للرّضا. ولأنّها ربّما لا تقدر على الخُصومة في كل زمانٍ. ويعتبر طلبُها إنْ كانت حرّةً، وطلبُ سيّدها إن كانت أمةً. وقال زُفَر: الطلب للأَمة، (سَنَةً قَمَرِيّةً) ابتداؤها من وقت الخُصومة وهو ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة شمسيّة، وهو اختيار السَّرَخْسِيّ وقاضيخان احتياطاً، والأوّل هو الصحيح.
(وَرَمَضَانُ وأيَّامُ حَيْضِهَا مِنْهَا) أي من السنة لأنّ السنة، لا تخلو عنها (لاَ مُدَّةَ مَرَضِ أحَدِهِمَا) لأنّ السنة قد تخلو عن المرض، وعلى هذا فتوى المشايخ. وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» عن هُشَيم، عن محمد بن سالم، عن الشَّعْبِيّ أنّ عمر بن الخطَّاب رَضِيَ الله عنه كتب إلى شُرَيْح أن يُؤَجِّلَ العِنِّين سنةً من يوم يُرْفَعُ إليه، فإن استطاعها أقامها، وإلاّ فخيّرها: فإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقت. وروى أيضاً عن عليّ وابن مسعود والمُغِيرَة بن شُعْبَة: أنّ العِنِّين يُؤَجَّلُ سنةً بألفاظٍ مختلفةٍ.
---
(3/405)
________________________________________
***
أمّا الرواية عن عمر، فأَسْندها عبد الرَّزَّاق، وابن أبي شَيْبَة عن سعيد بن المُسَيَّب قال: قضى عمر في العِنِّين أنّ يؤجّل سنةً. قال مَعْمَر: وبلغني أنّ التأجيل من يوم تخاصمه. وزاد ابن أبي شيبة وقال: فإن أَصابها، وإلاّ فرّقوا بينهما، ولها الصَّداق كاملاً. وأسندها محمد بن الحسن في «آثاره»: أخبرنا أبو حنيفة: حدّثنا إسماعيل بن مسلم المَكِّيّ، عن الحسن، عن عمر: أنّ امرأة أتت فأخبرته أَنّ زوجها لا يصل إليها، فأجَّله حولاً، فلما انقضى ولم يصل إليها، فخيَّرها فاختارت نفسها، ففرّق بينهما عمر، وجعلها تطليقةً بائنةً.

وأمّا الرِّواية عن عليّ، فأَسندها ابن أبي شَيْبَة عن الضَّحاك، عن عليّ قال: يؤجَّلُ العِنِّين سنةً، فإن وصل إليها وإلاّ فُرِّقَ بينهما. وأسندها عبد الرّزّاق عن يحيى، (عن عليّ) قال: يؤجّل العِنِّين سنةً، فإن أصابها، وإلاّ فهي أحقّ بنفسها. وأمّا الرِّواية عن ابن مسعود، فأسندها ابن أبي شَيْبَة عن حُصَيْن بن قَبِيصَة، عن عبد الله بن مسعود قال: يؤجّل العنّين سنةً فإن جامعها، وإلاّ فُرِّق بينهما. وأُسند عن المُغِيرَة بنحوه.
وإنّما أجّلوه سنةً، لأنّ المرض غالباً يكون لغلبة البرودة، أو الحرارة، أو الرطوبة، أو اليَبُوسة، وفصول السَّنة مشتملة على هذه الأربعة، فعسى أنْ يوافق فصلٌ منها طبعه، فيزول ما به من العارض باعتدال الطبع.
---
(3/406)
________________________________________
***
فمتى مضت السَّنة ولم يَزُل، فالظاهر أنّه قد استحكم، وأَنّ حقّها قد فات، فيفرّق بينهما، وهذا معنى قوله: (فَإنْ لَمْ يَصِلْ) الزّوج المرأة (فِيهَا) أي في السَّنة (فَرَّقَ) الحاكم (بَيْنَهُمَا إنْ طَلَبَتْهُ) أي التّفريق لأنه خالص حقّها، فلا بدَّ من طلبها حتى لو لم تطالبه بعد مُضِيّ السّنة التي أجّلها الحاكم لطلبها، لا يَبْطُل حقّها من التّفريق لما قدمنا. ولو تزوّجها بعد تفريق القاضي لم يكن لها خِيار لرضاها بحاله، ولو تزوّج امرأةً أخرى عالمةً بحاله، ففي «الأصل»: لا خيار لها، وعليه الفتوى لِعِلْمها بالعيب، وبه قال أحمد، والشّافعيّ في القديم.
والحاصل: أنّ الزّوج إن وصل إليها ولو مرّةً بقي النّكاح، وإلاّ فالتّفريق بينهما للحاكم.ـي رواية الحسن عن أبي حنيفة بِطَلبها لو كانت حرّة. وظاهر الرِّواية عنه: أنّ التّفريق لها، وبه قالا، لأنّ الشّرع خيرّها عند تمام الحول لدفع الضّرر عنها، فلا يحتاج إلى تفريق القاضي كما إذا خيّرها الزّوج. وأمّا إذا كانت أَمةً فالتّفريق للموْلى عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: للأمة، لأنّ الوطىء حقّها. وعن محمد: قولان.
(فَتَبِين بِطَلْقَةٍ) وهو قول مالك، وقال الشّافعيّ وأحمد: بفسخٍ، لأنّها فُرْقة من جهتها. قلنا: بل هي فُرْقة من جهته، لأنّ فعل القاضي مضافٌ إليه لنيابته منابه لامتناعه عن الإمساك بالمعروف.
(وَلَهَا كُلُّ المَهْرِ إنْ خَلاَ بِهَا) ونصفُه إن لم يخل بها. وقال الشّافعيّ: لا يجب شيءٌ من المهر ولا المتعة. لأنه فسخٌ عنده (وَتَجِبُ العِدَّةُ) وبه قال مالك والشّافعيّ وأحمد، واستشكل المُزَنِيّ مذهب الشافعيّ فقال: كيف يجب عليها العِدّة ولم يصبها، والخلوة ليست كالدّخول عنده. ولأصحابه أجوبةٌ عن ذلك تطلب ممّا هنالك.
---
(3/407)
________________________________________
***
(وَإنْ اخْتَلَفَا) في الوصول إليها قبل التأجيل (وَكَانَتْ ثَيِّباً) حين تزوّجها (أو بِكْراً فَنَظَرَتْ النِّسَاءُ) إليها بعد الاختلاف (وَقُلْنَ: ثَيِّبٌ) ويكفي قول الواحدة ، والاثنتان أحوط (حَلَفَ) أمّا في المسألة الأولى: فلأنّ المرأة تدّعي استحقاق الفُرْقة عليه، وهو أَنكرها ولأنه متمسكٌ بالأصل ـ وهو السلامة ـ فيكون القول قوله مع يمينه. وأمّا في الثانية: فلأن الثِّيَابة وإنْ ثبتت بقول النِّساء، ليس من ضرورةِ ثبوتِها وصولُ الرّجل إلى المرأة لاحتمال زوال بكارتها بشيءٍ آخر، فيحلف
(فَإنْ حَلَفَ) في المسألتين (بَطَلَ حَقُّهَا وَإنْ نَكَلَ) في المسألتين (أوْ قُلْنَ: بِكْرٌ) فيما إذا كانت بكرًا (أُجِّلَ السَّنَةَ) وقالوا: ويُعرف أنها بكرٌ بأن يدفع في فرجها أصغرُ بيضةٍ، فإن دخلت بلا عنفٍ فهي ثيّبٌ وإلاّ فبكرٌ. وقيل: إن أمكنها أن تبول على الجدار، فَبِكْرٌ وإلاّ فثيّبٌ. وقيل: تكسر البيضة وتصبّ في فرجها، فإن دخل ما فيها فثّيبٌ وإلاّ فبكرٌ.
(وَلَوْ أُجِّلَ ثُمَّ اخْتَلَفَا) في الوصول إليها (فَالتَّقْسِيمُ هُنَا كَمَا مَرَّ) فإن كانت ثيّباً أو بكراً وقالت النِّساء: ثيّب، حلف (وبَطَلَ حَقُّهَا) وهو التَّفريق هنا (بِحَلِفِهِ حَيْثُ) أي في موضع (بَطَلَ حَقُّهَا) وهو التَّأجيل، (فِيهِ) وفي نسخة: ثم، أي فيما إذا كان الاختلاف قبل التَّأجيل، (كَمَا لَوْ اخْتَارَتْهُ) أي كما يَبْطُل حقّ الزّوجة لو اختارت زوجها (وَخُيِّرَتْ) الزّوجة (هُنَا) أي فيما إذا كان الاختلاف بعد التّأجيل،(حَيْثُ أُجِّلَ) الزّوج (ثَمَّةَ) أي فيما إذا كان الاختلاف قبل التّأجيل.
---
(3/408)
________________________________________
***
والحاصل: أنّها إذا كانت ثيّباً، فالقول قوله ابتداءً وانتهاءً مع يمينه، فإنْ نَكَلَ في الابتداء لا يُؤَجَّلُ السّنة، وإن نَكَلَ في الانتهاء تخيّر المرأة. وإن كانت بِكْراً بقول النساء يؤجل في الابتداء، وتخيّر في الانتهاء. (والخَصِيُّ) سواء كان مسلولاً: وهو الذي سُلَّت خُصْيتاه، أو موجوءاً: وهو الذي قطعت خُصْيَتاه، كذا قال الشارح. وفي «القاموس»: وَجَأَ: دقّ عُروق خُصْيَيْهِ بين حجرين من غير إخراجهما، أو هو: رضّهما حتى تَنْفَضِخَا، أي تنكسرا.
(كَالْعِنِّينِ فيِهِ) أي التّأجيل لأن الوطىء منه متوقعٌ (وَفِي المَجْبُوبِ) أي مقطوع الذَّكَر (فَرَّقَ حَالاً بِطَلَبِهَا) إذ لا فائدة في التَّأجيل، لأنَّ الوطىء منه غير متوقع.

(ولا يتخيّر أحدهما) أي أحد الزّوجين (بِعَيْبِ الآخَرِ) سوى ما تقدّم. فلا يُفْسَخُ النِّكاح عندنا بجنونٍ وجُذَام وبرصٍ به أو بها، وقَرْن ورَتَقٍ بها. والقرْن ـ بسكون الراء ـ: غُدّةٌ غليظةٌ، أو لحمةٌ مرتفعةٌ، أو عظمٌ يمنع سلوك الذَّكَر. والرَّتَقُ ـ بفتحتين ـ: مصدر قولك: امرأة رَتْقَاء: لا يمكن جماعها لارتياق ذلك الموضع ـ أي لانسداده ـ ليس لها خَرقٌ إلا المَبَال.
وأجَازه الزُّهْريّ، وشُرَيْح، وأبو ثور بجميع العيوب كالبيع. وأجازه مالك والشافعي وأحمد لكلّ من الزّوجين بكل من العيوب الخمسة، ولا شيء لها قبل الدّخول، ولها مهر المثل بعده، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّج امرأة من بني بياضة فوجد بكَشْحِها بياضاً فقال: «الحقي بأهلك». وعن عمر أنه أثبت الخيار للزَّوج بهذه العيوب.
---
(3/409)
________________________________________
***
ولأنّ المقصود من النِّكاح قضاءُ الشهوة طبعاً، وثبوت النَّسب شرعاً، وهذه العيوب تُخِلّ به حساً أو طبعاً بخلاف العمى، والشلل، والبَخَر، والذَّفَر. وأجازه محمد للمرأة بالجنون، والجُذَام، والبرص لدفع الضَّرر عنها كما في الجَبِّ والعُنِّة، بخلاف جانبه لقدرته على دفع الضّرر عنه بالطّلاق. ولقول عليّ: إذا تزوّج امرأة فوجد بها قَرْناً، أو بَرَصاً، أو جُذَاماً أو جنوناً، فالنِّكاح جائزٌ لازمٌ له، إن شاء طلّق، وإن شاء أمسك. وقول ابنِ مسعود: لا تردّ المرأة من عيوبٍ. ونفاه أبو حنيفة وأبو يوسف، وهو قول عطاء، والنَّخَعِيّ وعمر بن عبد العزيز، والأوْزَاعِيّ، والثَّوْرِي، وابن أبي ليلى.
فإنّ تأثير وجود العيب في تفويت تمام الرضا إنما يوجب الرد في عقد يشترط فيه الرضا، ولزوم النكاح لا يتوقّف على تمام الرضا. ألا ترى أنه لو تزوج امرأة بشرط أنها بكرٌ شابَّةٌ جميلة فوجدها ثيباً عجوزاً شوهاء صماء عمياء بَكْماء، لها شِقٌّ مائل، وأنف هائل، ولعاب سائل، وعقل زائل، أو مريضة بالدق والسِّلّ مما لا بُرْءَ منه عند الأطباء، فإنه يجوز بلا شك لأحد من العلماء، وأنه لا يثبت له الخيار وإن فقد رضاه، وعليه الإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والله المستعان.
والحديث لم يصحَّ لأنه من رواية جميل بن زيد ـ وهو متروك ـ عن زيد بن كعب بن عُجْرة، وهو مجهول لا يُعلم لكعب بن عجرة ولد اسمه زيد، ولو سُلِّم جاز أن يكون ذلك طلاقاً، فإن لفظ: الحقي بأهلك من كنايات الطلاق. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد»، ظاهره غيرُ مراد بالاتفاق على إباحة القرب منه، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم ثقةً بالله وتوكلاً عليه.

فصلٌ في العِدَّة
وهي في اللغة: الإحصاء، ويطلق أيضاً على المعدود.
وفي الشرع: تربصٌ يلزمُ المرأة عندَ زوالِ النكاح أو شُبْهَته.
---
(3/410)
________________________________________
***
(وسبب وجوبها عندنا نكاح) متأَكّد بالتسليم، أو ما يقوم مَقَامه من خَلوة أو موت.
(العِدَّة) مبتدأ، ولام (للحُرَّة) متعلقٌ به (تَحيْضُ) نعت لها أو حال عنها (للطلاق) أي لأجل الطلاق عن دخول أو خَلوة، (و) لأجل (الفسْخِ) لخيار بلوغ، أو عِتْق، ولمِلْك أحد الزوجين، ولتقبيل ابن الزوج بشهوة، ولارتداد أحدهما، ولعدم الكفاءة، لأنه في معنى الفرقة بالطلاق في وجوب تَعَرُّفِ بَرَاءة الرحم (ثَلاثُ حِيَض) خبر المبتدأ (كَوَامِل) قيّد به لأنه لو طلقها وهي حائض لا يُحتسب بذلك الحيضِ، ولو بقي من الحيضة الثالثة شيء لم تَنْقضِ عِدَّتُها، وذلك لأن الحيضة الواحدة لا تتجزّى. وما وُجِد قبل الطلاق لا يحتسب منها فلا يحتسب ما بقي ضرورة. وبه قال ابن عباس، وشُرَيح، وإبراهيم النَّخَعِي.
وقال مالك والشافعي: ثلاثة أطهار، وهو مروي عن عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، لقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهنَّ لِعِدَّتِهنَّ}، وقوله تعالى: {والمُطَلَّقاتُ يَتَربَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُرُوء}. وقد عُلِم أنَّ تأنيث العدد يقتضي تذكير المعدود، والطُّهْر هو المذكر لا الحيض، فلو أراد به الحيض لقال: ثلاث قروء.
ولنا أن الاستبراء بحيضة، كما رواه أحمد وأبو داود في سبايا أوطاس،وأصل العِدَّة للاستبراء، فيكون بالحيض. وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: أُمِرَت بَرِيْرَةُ أنْ تعتدَّ بثلاث حِيَض. ومذهبنا قول الخلفاء الأربعة، والعبادلة، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي الدَرْداء، وعُبَادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، ومعْبَدٍ الجُهَنِي،
---
(3/411)
________________________________________
***
وعبد الله بن قيس، وطائفة من التابعين: كسعيد بن المُسيَّب، وابن جُبَيْر، وعطاء، وطاوس، وعِكْرِمة، ومُجاهد، وقَتَادة، والضَّحَاك، والحسن، ومُقَاتِل، وشَرِيك، والثَّوْري، والأوزاعي، وابن شُبْرُمة، والسُّدِّي، وكذا: الأَصْمعي، والكِسَائي، والفرَّاء، والأخْفَشُ. ورواه الطحاوي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، فتعارضت الرواية عنهما.
قال أحمد بن حنبل: كنت أقول الأطهار، ثم وقفت لقول الأكابر، وفي نسخة: وقفتُ والله ولي التوفيق بقول أهل التحقيق.
وعن أبي عبيدة وابن السِّكِّيت: أن القُرءَ يصح للحيض والطهر ولا ينتظمهما جملة، لأن المشترك لا عموم له، والحمل على الحيض أولى عندنا لما رويناه في عِدَّة الأَمَة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «وقُرؤها حيضتان»، ولم يقل: طهران، ولا خلاف أن عدة الأمة نِصف عدة الحرة، لأن أثر الرِّقِ في التنصيف لا في تغيير أصل العدة، ولقوله تعالى: {واللائي يَئسنَ من المَحِيْضِ من نِسَائكم إنْ ارْتبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ}، فأقام الأشهر مُقَام الحِيض دون الأطهار، والنقل إلى البدل إنما يكون عند عدم الأصل، كقوله تعالى: {فلمْ تَجِدُوا ماءً فَتيَمَّمُوا صعيداً طيباً}، فهو تنصيص على أن المرادَ بالقُرءِ الحيضُ، ولأن الغَرَضَ في العدَّةِ استبراءُ الرَّحِم، والحيض هو الذي يُستبرأ به الأرحام دون الطهر، ولذا كان استبراء الأَمة بالحيض إجماعاً.

وأما الاستدلال بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فلا يصح، لأنه بناء على أن اللام بمعنى «في»، وهو غير معهود في الاستعمال، ويستلزم تقدُّمَ العدة على الطلاق، أو مقارنته له لاقتضائه وقوعَه في وقت العدة. وقراءة: «لِقَبْلِ عدَّتِهنَّ» في «صحيح مسلم» تنفيه إذ أفادت أن اللام فيه مفيدة معنى استقبال عدتهن، وهذا استعمال محقق من العربية، يقال في التاريخ بإجماع أهل العربية: خرج لثلاث بَقِيَن ونحوه.
---
(3/412)
________________________________________
***
وأما التمسك بتأنيث العدد في الآية الأخرى فليس بشيء، لأن الشيء إذا كان له اسمان مُذكَّر كالبُرِّ، ومؤنَّث كالحِنْطة، ولا تأنيث حقيقي، يؤنث عدده إذا أضيف إلى اللفظ المذكر، ويُذكَّر إذا أضيف إلى اللفظ المؤنث.
(كأمِّ وَلَدٍ) أي كما تعتد بثلاث حيض كوامل أم ولد (ماتَ مولاها أو أعتَقَها) وهي ممن تحيض وليست حاملاً، ولا تحت زوج، ولا في عدة زوج، لأنها لو كانت تحت زوج أو في عدة زوج، لم يلزمها من المولى عدة.
(ومَوْطُوءةٍ) أي وكموطوءةٍ (بشُبهةٍ) كما لو زُفَّتْ إليه امرأة فوطئها وهو لا يَعْرِفها (أو نكاحٍ فاسدٍ) كالمؤقت، والنكاح بغير شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة (في الموت والفُرْقَةِ) أي لأن الوطىء بشبهة كالنكاح الفاسد، والنكاح الفاسد كالصحيح ولا نَفَقَة لها، لأن العدة هنا لِتُعرَف براءةُ الرَّحِم لا لقضاء حق النكاح، والحيض هو المعرِّف ولو في الموت.
وقال الشافعي: عِدَّة أُمِّ الولد من مولاها حيضةٌ واحدةٌ وإن كانت لا تحيض (فشهر. وقال مالك: عدتها حيضة واحدة، وإن كانت لا تحيض) فثلاثة أشهر، وهو قولُ أحمدَ بن حنبل، لما روى مالك في «الموطأ»: عن نافع، عن ابن عمر: أنه قال: عِدَّة أم الولد إذا هلك عنها سيدها حَيْضة. ولأنها وجبت لتُعْرَف بَرَاءةُ الرحم، فصارت كالاستبراء.
ولنا ما روى محمد بن الحسن في «الأصل»: عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم النَّخَعي أنهم قالوا: عدَّة أم الولد ثلاث حِيض. وكذلك روى الحاكم عن علي، وابن مسعود، وعطاء. وروى أيضاً أن عمرو بن العاص أمر أم ولدٍ أُعتِقت أن تعتد بثلاث حِيض، وكتب إلى عمر بذلك، فكتب عمر إليه بحُسن رأيه.
---
(3/413)
________________________________________
***
(ولِمَنْ لا تحيضُ) أي، والعدة من طلاق أو فسْخ لحرة لا تحيض (لِصِغَرٍ أو كِبَرٍ أو بلغت بالسن ولم تَحِض: ثلاثةُ أشهر) أما التي لا تحيض لكبر فلقوله تعالى: {واللائي يَئِسْنَ من المحيضِ من نِسَائكم إنْ ارْتَبْتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهر}، ومعنى {إن ارتبتم}: إن أَشكل عليكم حُكْمُهنَّ وجهِلْتُم أمرهن. وأما التي لا تحيض لصغر والتي بلغت بالسن ولم تحض، فلقوله تعالى: {واللائي لم يَحِضْن} أي فعدتهن ثلاثة أشهر، فَحُذِفَ لدلالة ما تقدم عليه، والنص يتناول الصغيرة. وعلماؤنا والشافعي أمروا ممتدة الطهر بالأَقرَاءِ لا بالتربص لسَنة. وقال مالك: تَرَبَّصُ بعد الطلاق تسعة أشهر ثم تعتد بعدها بثلاثة أشهر، لأن تسعة أشهر هو المدة المعتادة لظهور الحَبَل، فإذا مضت تحقَّقَت براءة الرحم، فتعتد بثلاثة أشهر لصيرورتها في معنى مَنْ لا تحيض.

ولنا أن الاعتداد بالأشهر مختصٌ بالصغيرة والآيسة، وهذه لم يُحكم بإياسها فتكون حائضاً باستصحاب الحال، فلا تعتد بالأشهر. وعلماؤنا والشافعي أمروا الأَمة الآيسة بشهر ونصف، لإمكان تنصيف عدتها بالنسبة إلى الأشهر، فجرينا فيها على الأَصل لا بثلاثة أشهر كما قال مالك، واحتج بإطلاق ما تلونا من قوله تعالى: {فعدتهن ثلاثة أشهر}
.
(وللموت) أي وعدة الحرة لأجل موت زوجها وهي ليست بحامل (أَربعة أشهر وعشر) من حين الوفاة لا العلم بها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كتابية، تحت مسلم قبل الدخول أو بعده، حراً كان الزوج أو عبداً، حاضت أو لم تحض، لقوله تعالى: {والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُوْنَ أزْوَاجاً يَتَرَبصنَّ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشهر وعَشْراً}، ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِدَّ على مَيِّتٍ فوق ثلاث، إلا على أزواجها أربعة أشهر وعشراً». والمعتبر عشرة أيام وعشرة ليال من الشهر الخامس عندنا.
---
(3/414)
________________________________________
***
وفي «المبسوط»: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: عدة الحرة لموت زوجها أربعة أشهر وعشر ليال وتسعة أيام، حتى يجوز لها أن تتزوج في اليوم العاشر، لأن العشر في الآية مؤنث لحذف التاء، فيتناول الليالي، ويدخل ما في خلالها من الأيام ضرورة وهي تسعة. وأُجيب بأن ذِكْرَ أحد العددين من الأيام والليالي بعبارة الجمع يقتضي دخول مِثْله مما بإزائه من العدد الآخر، وقد سبق نظير هذا في الاعتكاف.
(و) العدة (لأَمةٍ تحيض) للطلاق والفسخ، سواء كانت قِنًّا، أو مُدَبَّرَة، أو أم ولد، أو مكاتبة، أو معتقة البعض على قول أبي حنيفة (حيضتان) لما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طلاقُ الأَمةِ تطليقتان، وعدَّتها حيضتان». ولأن الرِّقَ مُنَصفٌ لقوله تعالى: {فعليهن نِصفُ ما على المُحْصَناتِ مِن العذاب}.
لكن الحيضةَ لمَّا لم يُدْر نصفُها لاختلافها بالكثرة والقلة والوقت، جَعَل عدة الأَمة حيضتين، ولأن الحيضةَ لا تتجزىء كالطلقة، فكُمِّلَت، فصارت حيضتين. وقد روى البيهقي، عن الشافعي، عن رجل من ثَقِيف أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: لو استطعت لجعلتها حيضة ونصفاً، فقال رجل: فاجعلها شهراً ونصفاً، فسكت عمر. قلت: وهذا من كمال حِلْمه مع جمال علمه.
(ولمن) أي ولأمة (لم تحِض، أو مات عنها زوجها نِصفُ ما للحرة) فالتي لم تحض لصغر أو كبر أو بلوغ بالسن شهر ونصف، وللتي مات عنها زوجها شهرانِ وخمسة أيام، لأن كلاً من الثلاثة الأشهر والأربعة الأَشهر وعشرة أيام قابل للتنصيف.
---
(3/415)
________________________________________
***
(و) العدة (للحاملِ الحرةِ والأمة وإن مات عنها زوجها) وفي بعض النسخ: وإن مات عنها صبي، يعني بأن ولدت بعد موته لأقل من ستة أشهر (وَضْعُ حَمْلِها) وإن لم يلحق به لعدم مائه، لأن قوله تعالى: {وأُولاتُ الأحْمَالِ أجلُهُنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ} . لا فصل فيه بين الحرة والأمة، ولا بين المطلقة والمفسوخة، والمتوفى عنها زوجها والموطوءة بشُبهة، ولا بين الحمل الثابت النَّسَب وغيره. وقال أبو يوسف وزفر: الحامل التي مات عنها الصبي المذكور أربعة أشهر وعشر. وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأنه ليس بثابت النَّسَب منه، لكونه صبياً لم يوجد منه المني، الحال أنها ولدت لأقل من ستة أشهر.
وعن علي وابن عباس: تعتد المتوفَّى عنها بأبعد الأَجَلين، فتعتد بأَربعة أشهر وعشر، فيها ثلاث حِيض، لأن قوله تعالى: {وأُولاتُ الأحمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهنَّ} يوجب العدة بوَضْع الحمل، وقوله تعالى: {والذين يُتَوَفَّونَ منكم ويَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً} يوجب الأشهرَ فيجمعُ بينهما احتياطاً.
ودليل عامة العلماء ما روى مالك في «الموطأ»: أن عبد الله بن عباس وأبا سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف اختلفا في المرأة تُنْفَسُ بعد وفاة زوجها بليال، فقال أبو سَلَمة: إذا وضعت ما في بطنها فقد حَلَّت. وقال ابن عباس: آخِر الأَجَلين. فقال أبو هريرة: أَنا مع ابن أخي ـ يعني أبا سلمة ـ فأرسلوا كُرَيْباً مولى ابن عباس إلى أُم سَلَمة زَوْج النبيَّ صلى الله عليه وسلم يسألها عن ذلك، فجاءهم فأخبرهم أنها قالت: ولدت سُبَيْعة الأسْلميَّة بعد وفاة زوجها بليالٍ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قد حَلَلْتِ فانكِحِي مَنْ شئت». وفي رواية للبخاري: فمَكُثَت قريباً من عشر لياللٍ
---
(3/416)
________________________________________
***
وروى الشيخان: أن عمر بن عبد الله بن أرقم دخل على سُبَيْعة بنت الحارث الأسلمية فسألها حديثه، فأخبرته أنها كانت تحت سعيد بن خَوْلة ـ وهو من بني عامر ابن لؤي، وكان ممن شهِد بدراً ـ فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حاملٌ، فلم تلبث أن وضعت حَمْلَها بعد وفاته، فلما فرغت من نِفَاسها تجملَّت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك ـ رجل من بني عبد الدار ـ فقال لها: مالي أراكِ متجملة، لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سُبَيْعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. قال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أنه لا يَقْربُها زوجها حتى تَطْهُر، وهو قول عمر وابنه.

وفي البخاري أيضاً في تفسير سورة الطلاق، وأواخر البقرة: أن ابن مسعود قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة؟ لَنَزَلَتْ سورة النساء القُصْرَى بعد الطُّولى: {وأَوْلاتُ الأحْمَالِ أجَلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ} ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. بلفظ: من شاء لاَعَنْتُه، لأُنزلت سورة النساء القُصْرَى بعد الأربعة أشهر وعشراً. وأخرجه البزَّار عنه بلفظ: من شاء حالفتُه إنَّ: {وأُوْلاتُ الأحْمَالِ أجَلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلَهنَّ}. نزلت بعد آية المُتوفَّى، فإذا وضعت المتوفى عنها حملَها فقد حلّت.
---
(3/417)
________________________________________
***
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه من حديث المُثَنَّى بن الصَّبَّاح، والطبري، وابن أبي حاتم عن ابن لَهِيْعَة، والطبري وحده عن عبد الكريم ابن أبي المُخَارِق (كلهم) عن أُبيّ بن كعب قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم {وأُولاتُ الأحمالِ أجلُهنَّ أنْ يَضعْنَ حَمْلهنَّ} للمطلّقة ثلاثاً أو المتوفى عنها؟ قال: «هي للمطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها». إلا أن المُثَنَّى متروك، والآخران ضعيفان، لكن يقويه ما أسنده عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «مصنفيهما» عن الزبير بن العَوَّام: أنه كانت تحته أم كلثوم، وكان فيه شدةُ على النساء فكرهته، فسألته أن يطلقها وهي حامل، فأبى، فلما ضربها الطَّلْق ألحَّتْ عليه في تطليقة، فطلقها واحدة، وهو يتوضأ، ثم خرج، فأدركه إنسان فأخبره أنها وضعت، فقال: خدعتني خدعها الله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: «سبقك كتاب الله فيها، خطُبْها». فقال: لا ترجع إليَّ أبداً.
(و) العدة (لمن حَبِلت بعد موت) زوجها (الصبيِّ) بأن ولدت لستة أشهر فصاعداً من موته، وهذا عند الجمهور، وقيل: أن تلد لأكثر من سنتين (عدَّةُ الموت) أربعة أشهر وعشر للحرة، وشهران وخمسة أيام للأمة، لأنها ليست حاملاً وقت موته، فلا تدخل في قوله: {وأُولاتُ الأحمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلهنَّ}، (ولا نَسَب) ثابت (في وَجْهَيه) أي وَجْهَيْ حَبَلِ امرأة الصبي، وهما: حَبَلها قبل موته، وحَبَلها بعده، لأن النَّسَب يعتمد الماء، ولا ماء للصبي.
(و) العدة (لامرأة الفارّ) وهو الذي طلَّق في مرض موته ونحوه (للبائن) بثلاث حيض أو بواحدة (أبعد الأجلين) من عدَّة الوفاة وعدة الطلاق، بأن تتربص أربعة أشهر وعشراً من وقت الموت، فيها ثلاث حِيض من وقت الطلاق. وقال أبو يوسف: تعتد بثلاثة أقراء، لا أبعد الأجلين، وهو قول مالك والشافعي، لأن العدة وجبت في حياته، فتكون بالأَقراء.
---
(3/418)
________________________________________
***
ولنا أن فيما قلناه احتياطاً، فكان أولى: (وللرجعيِّ) عطف على البائن (ما للموت)، لأن النكاح قائم من كل وجه، وقد انقطع بالموت، فتدخل في عموم قوله تعالى: {والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ أربعةَ أشْهر وعَشْراً}.
(ولمن) أي والعدة لأمة (أُعتقتْ في عِدَّةِ رجعيَ، كعدة حرة) فتعتد بثلاث حِيض، أو بثلاثة أشهر من وقت الطلاق، لأن النكاح لم يَزُل عنها بالرجعة، وقد كَمُل مِلك الزوج عليها بالعتق، والطلاق في مِلْكٍ كامل يوجب عدة الحرائر (وفي عدة بائن أو موت كأَمَة) لأن النكاح زال بالبينونة أو الموت، فلم يَكْمُل ملكُ الزوج بالعتق، فلم يقع الطلاق في ملك كامل، فلا تنتقل عدتها إلى عدة الحرائر.
وقال مالك: لا ينتقل ما يختلف بالرِّق والحرية، ويكون المعتبر فيه حال تقرر الوجوب، كالحدود وهو أحد قولي الشافعي.
(وآيِسةٌ) مبتدأ، أي منقطعةُ دمِ الحيض في سن الإياس وهو: خمسة وخمسون سنة، وعليه الفتوى (رَأَتِ الدَّمَ) على عادتها أو حَبِلت من زوج آخر (بعد عدة الأشهر) أي بعد فراغها (تستأنفُ) خبر المبتدأ، أي تبتدىء عدة أخرى (بالحِيَض) بكسر ففتح، ويفسد نكاحها إن كانت تزوجت، لأنه تَبيَّن أنها من ذوات الأَقراء، وهذا هو الصحيح. وفي «النوازل»: إذا تزوجت الآيسة بعد تمام اعتدادها بالأشهر ثم رأت الدم، فالأصح أن نكاحها جائز، قضى القاضي بجوازه أو لم يقض، وتكون عدتها في المستقبل بالحِيض، (كما تستأنف بالشهور) أي اتفاقاً (مَنْ حاضت) من عدتها (حيضة) أو حيضتين (ثم أَيِسَتْ) أي بالسن، تحرزاً عن الجمع بين الأصل والبدل.
---
(3/419)
________________________________________
***
(وعلى معتدة) من طلاق أو غيره (وُطِئت بشبهة) كما لو تزوجها وهو لا يعلم أنها معتدة الغير، أو وجدها على فراشها وقال النساء: إنها زوجتك (عدة أخرى) وأما إذا علم أنها امرأة الغير، أو معتدته، فلا تجب العدة، حتى لا يحرم على الزوج وطئها وبه يُفْتى كما في «الذخيرة» (وتداخلتا) أي العدَّتان، فتُحْتَسب بالدم الذي تراه في العِدّة الأخرى من العدتين.
(فإذا تَمَّت الأولى انقضى بعض الثانية) حتى لو كان الوطىء بشبهة بعد حيضة من العدة، لزمها ثلاث حِيض أُخر، لتكون الحيضة الثالثة تكملةً للعدة الثانية، ولو كانت العدة من وفاةٍ فوطئت بشبهة تعتد بالأشهر، وتَحْتَسب بما تراه من الحيض فيها من العدة الثانية تحقيقاً للتداخل بقَدْر الإمكان، وهو قول معاذ بن جبل.

وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كانت العدتان من شخص واحد تداخلتا إذا اتفقتا بأن لم يكن إحبالٌ، وكانت من ذوات الأشهر أو الأَقراء، وإن اختلفتا بأن كانت إِحداهما بالحمل، ففي تداخلهما وجهان، وإن كانت العدتان من شخصين لم تتداخلا، لأن العدتين حَقَّان مقصودان لآدميين، فلا تتداخلان، كالدِّيتين، والحدَّين، والمهرين.
ولنا أن المقصود التعرفُ عن فراغ الرحم، وقد حصل بالواحدة فتتداخلان، وإن العدة مجرد أجل، والآجال إذا اجتمعت تنقضي بمدة واحدة، كرجل عليه ديون إلى أجل، فإذا مضى حلّت كلها، وإنما قلنا إنها أجل لقوله تعالى: {وأُولاتُ الأحْمَالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَملهنَّ}، وقوله تعالى: {فإذا بَلغْنَ أجَلهنَّ فأمسِكُوهنَّ}، وقوله تعالى: {حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجله} وسمّاه تربصاً وهو الانتظار، وهو يكون بسبب الأجل كالانتظار في المطالبة بالدين إلى انقضاء الأجل.
---
(3/420)
________________________________________
***
(وعِدَّة النكاح الفاسِدِ عقيب تفريقِهِ، أو عَزْمه تَركَ الوطىء) بأن يقول: تركتك، أو خلَّيت سبيلك، أو ما يقوم مَقَام ذلك، لا بمجرد العزم أو بعدم المجيء إليها. وقال زفر: من آخر الوطآت، وبه أخذ أبو القاسم الصَّفَّار (وتنقضي العدة وإنْ جَهِلَتِ) المرأة ذلك، بأن لم تعلم وقوع الطلاق أو الموت حتى مضت المدة، لأن العِدَّة أجل وهو لا يشترط العلم بانقضائه.
(وإن نَكَحَ مُعتدَّتَه من بائنٍ) بما دون الثلاث (وطلَّق قبل الوطء، وجب مهرٌ تامٌّ وعدةٌ مستقبَلَة) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو رواية عن أحمد. وقال زفر: يجب نِصف المهر أو المُتْعَة ولا عدة عليها. وقال محمد: نِصف المهر أو المُتْعَة وعليها تمام العدة الأولى، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد.
(ولا عِدَّة) عند أبي حنيفة (على ذميَّة طلقها ذِميّ) لا يعتقد العدة، أو مات عنها. وعنه: أنها لا توطأ إلا بعد حيضة. وعنه: أنها لا تُزَوَّج إلا بعد حيضة.
وقال أبو يوسف ومحمد: تعتد لأن في العدة حقَّ الزوج وإن كان فيها حق الشرع، ولهذا يجب على الصغيرة والكتابية مخاطبة بحقوق العباد.
ولأبي حنيفة: أَن الذمية غير مخاطبة بالفروع، فلا يجب العدة عليها لحق الشرع وزوجُها غيرُ مُعتقِد للعدة، فلا يجب عليها لحق الزوج. وأما لو اعتقدها وجب عليها العدة اتفاقاً.
(ولا) على (حربية) منكوحة (خرجت إلينا مُسْلِمة) أو ذمية ثم أسلمت، أو خرجت مستأمِنة ثم أسلمت، أو صارت ذمية (إلا الحامل) لأن في بطنها ولداً ثابت النسب.

وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة لأنها فُرْقة بعد الدخول في دار الإسلام بسبب التباين، فيجب العدة كما لو وقعت بسبب آخر نحو: الموت ومطاوعة ابن الزوج.
ولأبي حنيفة أن قوله تعالى: {ولا جُنَاح عليكم أنْ تنكحوهن} مطلقٌ، وأَنَّ العدة فيها حق العبد، والحربي مُلحَق بالجمَاد، حتى صار محلاً للتملك، فلا حُرْمة لفراشه.
---
(3/421)
________________________________________
***
(تَحِدُّ) بكسر الحاء وضمها، ومصدره الحِدَاد، والأفصح أنه من الإِحداد، أي وتُظْهِر الحُزْن (معتدةُ البائن) بثلاث أو خُلْع، إن كانت حرة، وباثنين أو خلع إن كانت أَمة.
وقال مالك والشافعي: لا تَحِد معتدة البائن، لأن الحِدَاد وجب إظهاراً للتأسف على فوت زوجٍ وفيَ بعهدها إلى مماته، والمبانة قد أوحشها بالإبانة فلا تأسف لموته.
ولنا أنه وجب إظهاراً للتأسف على فَوْت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية لمُؤنها، والإبانة فيها ذلك الفوت، ولأنه من أسباب رغبةِ الرجال فيها وهي ممنوعة منهم ما دامت معتدة. ولما أسنده الطحاوي في «آثاره»: عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: المطلقة، والمُخْتَلعة، والمتوفى عنها زوجها، والمُلاَعنة: لا تختضب، ولا تتطيَّب، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، ولا يخرجن من بيوتهن. وهو ممن أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى، فيجوز تقليده.
(و) تَحِدُّ معتدة (الموت: كبيرة، عاقلة، مسلمة) فلا حِداد على صغيرة، ولا كافرة، ولا مجنونة.
وقال مالك والشافعي: عليهن الحِدَاد، لأنه لموت الزوج، فيعم النساء كالعِدَّة.
ولنا أنه عبادة، فلا يجب إلا على المخاطَبين بهذا، ولذا قال صلى الله عليه وسلم «لا يحِلُّ لامرأة تؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ...» الحديث، حيث شرط الإيمان بخلاف العدة، فإن فيها حقَّ الزوجية.
(بترك الزينة) أي الحُلِيّ والحرير، (و) بترك (لُبْس المُزَعْفَر والمُعَصْفر) إلا أن يكون خَلَقاً
لا يحصل به الزينة. وإن لم يكن لها إلا ثوب مصبوغٌ فلا بأس بأن تَلْبَسَه من غير أن تقصِدَ الزينة بِلُبْسه، لأنها لا تجد بداً من سِتر عورتها. وإذا لم تجد سواه فمقصودها السِّتر لا الزينة، والأعمال بالنية.
---
(3/422)
________________________________________
***
(و) بترك (الدُّهن) بالأدهان الطيبة باتفاق، وبالزيت والسيرج الخَالِصين خلافاً لمالك وأحمد، (و) بِترْك (الحِنَّاء والطِيْب والكُحْل إلا بعذر) من حِكَّة، أو مرض، أو قَمْل. ولا تمتشط بمُشْطٍ أسنانه ضيقة، لأنه لتحسين الشعر وتزيينه، بخلاف الواسعة. وقال مالك والشافعي وأحمد: تمتشط به.

ودليل وجوب الحِدَاد على المتوفى عنها زوجها ما رواه الجماعة إلا الترمذي عن حفصة، عن أم عَطِية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحِل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِد على مَيّت فوق ثلاثِ ليال، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً، ولاتلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْبٍ ـ وهو ضرب من البُرد ـ ولا تكتحلُ ولا تمسّ طيباً، إلا إذا طَهُرَت نُبْذَة من قُسْط أو أظفار». والقُسْط: ضرب من الطيب، وقيل: العود. والأظفار: جنس من الطيب لا وَاحِد له من لفظه، كذا في «النهاية». وفي لفظٍ للبخاري ومسلم: وقد رُخِّص للمرأة في طهرها إذا اغتسلت من حيضها في نُبْذَةٍ من قُسْط أو أظفارٍ. وزاد مسلم من حديث حَفْصة: «إلا على زوجها، فإنها تَحِد عليه أربعة أشهر وعشراً».
وروى أبو داود من حديث أم حَكيم بنت أَسِيد، عن أمها، عن مولاة لها، عن أم سَلَمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في عدتي من وفاة أبي سَلَمة: «لا تمتشطي بالطيب ولا بالحِنَّاء، فإنه خِضَابٌ».
قلت: فبأي شيء أمتشط يا رسول الله، قال: «بالسِّدر تُغَلّفين به رأسك». وفي الصحيحين من حديث أم سَلَمة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينَها أفَنَكْحُلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم «لا» ـ مرتين أو ثلاثاً ـ كل ذلك يقول: «لا» ثم قال صلى الله عليه وسلم «إنما هي أربعة أشهر وعشر».
---
(3/423)
________________________________________
***
(لا) تَحِد (مُعتدَّة عِتقٍ و) معتدة (نِكاحٍ فاسدٍ) لأن الحِدَاد لإظهار التأسف على فَوَات نعمة النكاح، ولم يَفُتْها ذلك، ولأن زوال الرِّقِ نعمة، فلا يليق به التأسف، بل المناسب له الشكر لما زال عنها من أثر الرِّق، والنكاحُ الفاسد معصية، فيلزَمُها الشُّكْرُ على فَوْته لا التأسف.
(ولا تُخطَب معتدَّة) مطلقاً، لقوله تعالى: {ولا تَعْزِمُوا عُقْدَة النكاح حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجلَه}، (إلا تَعْرِيضاً) في المتوفى عنها لقوله تعالى: {ولا جُنَاح عليكم فيما عَرَّضتُم بهِ من خِطْبةِ النساء أو أكْننتُم في أنفسكم عَلِمَ ا أنَّكُم سَتَذْكُرُونهنَّ ولكنْ لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً إلا أنْ تقولوا قَوْلاً مَعْرُوفاً}، فقوله: {لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً} معناه: لا يأخذ عليها عهداً أو ميثاقاً أن لا تتزوج غيره. أسنده ابن أبي شيبة عن الشَّعبي، ونقله أبو بكر الرازي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد. وقال عبد الرزاق: حدثنا مجاهد عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولكنْ لا تُوَاعِدُوهنَّ سِراً} قال: يقول: إِنكِ من حاجتي. وأما ما في «الهداية:» قال عليه الصلاة والسلام: «السِّرُّ النِّكاح»، فغير معروف رَفْعه.

وأما المطلَّقة فلا يجوز التعريضُ فيها: أما الرجعية فلقيام الزوجية، وأما البائن فلإفضائه إلى العَدَاوة في مُطلِّقها. والأظهر في مذهب الشافعي: أنه يجوز التعريض في البائن إلحاقاً لها بالمُتوفى عنها.
وصفة التعريض ما روى البخاري في كتاب النكاح: عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولا جُنَاح عليكم فيما عَرّضتُم به من خِطْبةِ النساء} قال: يقول: إني أريد التزويج، ولَوَدِدتُ أنه تيسر لي امرأةٌ صالحة. وعن القاسم أنه يقول: إِنكِ عليَّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنَّ الله تعالى لسائق إليك خيراً، أو نحو هذا. انتهى.
---
(3/424)
________________________________________
***
(ولا تخرُج معتدَّة الرَّجعِيّ والبائن من بيتها أصلاً) أي لا ليلاً ولا نهاراً، لقوله تعالى: {لا تُخْرِجُوهنَّ من بُيوتهنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أن يَأتِيْنَ بفاحشةٍ مُبيِّنَة} قال النَّخَعي: هي نفس الخروج، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله. وقال ابن مسعود: هي الزنا، فتخرجُ لإقامةِ الحدِّ، وبه أخذ أبو يوسف. وقال ابن عباس: أن تكون بَذِيَّة اللسان على أحماء زوجها، فتخرج من مسكن الزوج. ثم هذا في الحرة، وأما في الأمة فتخرج لرعاية حق المولى في الخِدمة، إلا أن يُبِوِّءها منزلاً ويترك استخدامها تَفضُّلاً.
(وتخرجُ معتدة الموتِ في المَلَوين) أي في الليل والنهار (وتبيت) أكثر الليل (في منزلها) لأن نفقتَها عليها، فتحتاج إلى الخروج للكَسْب بالنهار وبعض الليل، بخلاف المعتدة عن طلاق، فإن نفقتها على زوجها، حتى لو اختلعت نفسها على نفقتِها، كان لها الخروج نهاراً في رواية لضرورة معاشها. وفي رواية: لا تخرج لأنها أسقطت حقها برضاها. وفي «جامع قاضيخان»: أَنّه الصحيح، كما لو اختلعت على أن لا سُكْنى حيث تسقط مُؤنة السُّكنى، ويلزمها أن تكتري بيت الزوج، وبه كان يُفتي الصَّدْرُ الشهيد. وعن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة: تعتد المُتوفَّى عنها حيث شاءت، وهو قول الحسن وعطاء.
(وتعتد) المعتدة (في منزلها) الذي يضاف إليها بالسكنى (وقت الفرْقة والموت) حتى لو طلقها وهي زائرة وجب عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد فيه، (إلا أن تخرج) بأن كان نصيبُها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الوَرَثةُ من نصيبِهم (أو خافت تَلَف مالها، أو الانهدام، أو لم تجد كِرَاء البيت) لأن الواجب يتقيد بالاقتدار مع هذه الأعذار، وقد قال الله تعالى: {فاتَّقوا ا ما استطعتم}.
---
(3/425)
________________________________________
***
وإنما تعتد في منزلها لما روى مالك في «الموطأ»، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والطحاوي، والترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ: أَنَّ فُرَيْعة بنتَ مالك أخت أبي سعيد الخُدَري لما قُتل زوجها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أَرجِع إلى أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملِكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعم»، قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنت بالحجرة أو بالمسجد ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أَمرني فنوديت له، فقال: «كيف قلت؟» قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرتُ له من شأن زوجي. قال: «امكُثي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. قالت: فلما كان عثمانُ أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتَّبَعَه.
ثم تعيين المنزل الذي تنتقل إليه عند الضرورة إلى الزوج في الطلاق وأجرته عليه، وإلى المرأة في الوفاة وأجرته عليها. وإذا سكنت منزلاً آخر لا تخرج منه إلا لعذر، لأن الانتقال عن الأول لا يكون إلا عن عذر، فكذا عن الثاني. ولا تخرج إلى صحن دار فيها منازل، لأنه بمنزلة السِّكَّة، ولهذا لو أخرج السارق المتاع إليه يُقطع.
(ولا بد من سترة بينهما) إن كان سُكْناها في منزل الزوج (في البائن) بثلاث أو بخلع حَذَراً من الخَلوة بالأجنبية (وإن ضاق المنزل عليهما) أي على المعتدة ومطلِّقِها (فالأولى خروجُه) لا خروجُها، لقوله تعالى: {ولا يَخْرُجْنَ} وكذا الحُكْم مع فِسْقه، لأن مُكثَها في منزل الزوج واجب، ومُكثه فيه غير واجبٍ ، ولو خرجت هي بعد إبائه جاز، لأن ذلك عذرٌ لها.
(وحَسُنَ أن يجعل بينهما امرأة قادرة على الحَيْلولة) بأن تكون ثقة تحول بينهما، لحصول المُكْثِ في منزل الزوج حينئذ من غير ضرر يلحقها منه، فلا يُحتاج إلى خروج أحدهما.
---
(3/426)
________________________________________
***
(ولو أبانها، أو مات عنها في سفر) سواء كان في مَفَازةٍ أو مِصرٍ (وليس بينها وبين مِصرها) أي محلها الذي خرجت منه (مسيرة سفرٍ، رجعتْ إلى مِصرها) سواء كان بينها وبين مَقصِدها مسيرة سفر أو لم يكن، كان معها محرم أو لا، وكانت في مصر أو في مفازة. أما رجوع التي لم يكن بينها وبين مقصِدها مسيرة سفر، فعلى سبيل الأولوية، لتكون عِدَّتها في منزلها، وأما رجوع التي بينها وبين مقصدها مسيرة سفر فعلى سبيل الوجوب، لأن رجوعَها ليس فيه إنشاء سفر، ولأنها تصير بالرجوع مقيمةً، وبالمُضِي مسافرة.

قيد بالإبانة أو الموت، لأنه لو طلقها رجعياً لم تفارِقْه، لأن الزوجية قائمة بينهما (وإن كانت تلك) أي مسيرة السفر (من كل جانب) من جانبي مصرها ومقصِدها (فإن كانت في مفازة خُيِّرت) بين الرجوع والمُضي للضرورة، سواء كان معها وليٌّ أو لا، لأن ما يُخاف عليها في ذلك المكان أعظم مما يُخاف عليها في الخروج منه. وقال السَّرَخْسي: تختار أقربَهما. (والعود أحمَدُ) لتعتد في منزلها.
(وإن كانت في مِصر تعتد ثَمَّة) أي في المِصر عند أبي حنيفة، سواء كان معها محرم أو لا (ثم تخرجُ بمحرم) وقال أبو يوسف ومحمد: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أولاً: إن كان معها مَحْرَم، فلها أن لا تعتد ثَمَّة، وتخرج مع مَحْرَمها.
ولو طلق ذو الخيمة من أهل البادية امرأته وأراد الانتقال بها إلى مكان آخر للماء والكلاء لمواشيه، لا ينقلها لوجوب القرار عليها في موضعٍ طُلِّقت فيه، إلا أن يلحَقها بعدمه ضررٌ بيِّنٌ بتركه، فينقلها حينئذٍ دفعاً له، قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدِّيْن من حَرَجٍ}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ضَرَرَ ولا ضرار».

فصل (في الحَضَانَة)
---
(3/427)
________________________________________
***
(الحَضَانَةُ) وهي تربيةُ الولد الصغير (للأم) بإجماع أهل العلم. وبما روى أبو داود من حديث عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحِجْري له حِواء، وإنَّ أباه طلقني وأراد أن ينزِعَه مني. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتِ أحقُ بهِ ما لم تنكِحي». وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن سعيد بن المسيَّب: أن عمرَ طلق أم عاصم، ثم أتى عليها وفي حِجْرها عاصم، وأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلامُ، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: مَسْحُها وحِجْرها وريحها خير له منكَ، حتى يَشِبّ الصبي فيختار لنفسه.
وفيه: عن القاسم بن محمد: أن عمر بن الخطاب طلق جميلة بنت عاصم بن ثابت، فتزوجت فجاء عمر فأخذ ابنه، فأدركته الشَّمُوس امرأة عاصم الأنصارية ـ وهي أم جميلة ـ فأخذته فترافعا إلى أبي بكر، فقال لعمر: خَلِّ بينها وبين ابنها، فأخذته.
(بلا جَبْرِها) إذا أبت سواء (طُلِّقت أو لا) إلا أن لا يكون له إلا هي، أو لا يقبل غيرها، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. وقال مالك في رواية، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح: تُجْبر. واختاره أبو الليث، والهِنْدُوَاني من أصحابنا، لأن ذلك حق الولد، لقوله تعالى: {والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أولادَهنَّ} والمراد به الأمر، وهو للوجوب.
ولنا قوله تعالى: {وإنْ تعاسَرْتُم فستُرْضِعُ له أخرَى} وإذا اختلفا فقد تعاسرا (ثم أُمّها) أي ثم لأُم الأم، بأن ماتت الأم، أو تزوجت بغير ذي رَحِم مَحْرم، أو لم تكن أهلاً للحضانة (وإِن علت). وعن أَحمد: أَنَّ أُم الأَب أَحقُّ من أمُ الأُم. وإنما كانت أمُ الأُم أَحق من أُم الأَب لما قدمنا من قضية عمر مع جدة ولده.
---
(3/428)
________________________________________
***
(ثم أُم أَبيه) أي ثم لأُم الأَب وإن علت. وقال زفر: الأُخت لأَب وأُم أولى، والخالة (للأُم) أحق من أمُ الأَب (ثم أُخته) أي أُخت الولد (لأَب وأُم، ثم لأُم، ثم لأب) وبه قال المُزَنِيّ وابن شُرَيح من الشافعية. وقال زفر: يشترك الأخت لأم مع الأخت لأبوين لاستوائهما فيما هو الأصل في الباب، وهو الأُم. والأصح من مذهب الشافعي أن الأُخت لأَب أَحق من الأُخت لأُم، وبه قال أحمد اعتباراً بقوَّة الميراث.
ولنا أن الاعتبار بالأحق بالحضانة وهي الأُم أولى، وجِهَة الأبوة تصلح للترجيح، فكانت مرجِّحة، (ثم خالته) أي خالة الولد (كذلك) أي تقدم التي للأب والأم على التي للأم، والتي للأُم على التي للأب، هكذا ذكر في كتاب النكاح في الأصل.

وفي كتاب الطلاق: تُقَدَّم الخالة على الأُخت للأَب، لأن الخالة بمنزلة الأم، لما روى البخاري في حديث عمرة القضاء : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخالةُ بمنزلةِ الأم» ووجه الرواية الأخرى أن الاعتبار بقرب القرابة، والأخت أقرب من الخالة بمنزلة، لأنها ولد الأب، والخالة ولد الجد. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «الخالة والدةٌ». رواه الطبراني في «معجمه»، وأبو داود في «سننه» عن علي بلفظ: «الخالةُ أُمّ».
---
(3/429)
________________________________________
***
وفي «مسند إسحاق بن رَاهُويَه» عن علي قال: لما خرجنا من مكة أتتنا بنتُ حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولتها بيدها، فدفعتها إلى فاطمة، فقلتُ: دونك بنت عَمِّك، فلما قدمنا المدينة اختصمنا فيها أنا وجعفر وزيد بن حارثة، فقال جعفر: بنت عمي وخالتُها عندي ـ يعني أسماء بنتَ عُمَيْسَ. وقال زيد: بنت أخي ـ أي في المؤاخاة. وقلت: أنا أخذتها وهي بنت عمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما أنت يا جعفر: أشبهت خَلْقي وخُلُقي، وأما أنت يا علي فمني وأنا منك، وأما أنت يا زيد فأخونا ومولانا، والجارية عند خالتها، فإنَّ الخالة والدة». قلت يا رسول الله: ألا تتزوجها قال: «ابنة أخي من الرَّضاعة». انتهى. وكان ذلك في عُمرةِ القضاء.
وروى ابن المبارك في كتاب «البر والصلة» بسنده عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العم أب إذا لم يكن دونه أب، والخالة والدةٌ إذا لم تكن دونها أم». والحديث يدل على أن لها في الجملة حقاً هنالك، ولا نزاع في ذلك. وقال مالك والشافعي: تُقدَّم الخالةُ من الأَب على الخالة من الأُم كما قالا في الأُخت.
(ثم عَمته كذلك) لأب وأم، ثم لأم، ثم لأب. وفي «المحيط»: وأما بناتُ الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فبِمَعْزِل عن حق الحضانة، لأن قرابتهن لم تتأكد بالمحرمية. وفي «البدائع»: لا حق للرجال من قِبَلِ الأم (بشرط حريتهن) لأن غير الحرة مشغولة بخدمة المولى، فلا تتفرغ للولد، فإن كان الصغير في الرِّق، فحضانته لمولاه، ولا يفرق بينه وبين أُمه، وإن كان حراً فحضانته لأقربائه الأحرار.
---
(3/430)
________________________________________
***
(فلا حق لأَمَةٍ ولا أُمِّ ولد) ولا لمدَبَّرة ولا لمكاتَبة في ولدها قبل الكتابة. وأما ولدها زمن الكتابة فداخل في كتابتها تبعاً لها. (والذمية) كتابية كانت أو مجوسية في ولد المُسلم (كالمسلمة) لأن الشفقة لا تختلف باختلاف الدِّين (حتى يعقِلَ) الصغير (ديْناً) أو يُخاف عليه أن يألف الكفر، فإنه ينْزع منها. وقال الشافعي وأحمد: لا حضانة للذمية، وهو رواية عن مالك.

(وبنكاحِ غيرِ محْرَمٍ) من الصغير من لها الحضانة (سقط حقُّها) من الحضانة لحصول الضرر للصغير، فإن زوج الأم ينظر إليه شَزْراً، وينفق عليه نَزْراً، ويتبَرَّم بمكانه ضرراً، فلا نَظَر في الدفع إليها خطراً. قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم إلا الحسن. وهو رواية عن محمد، واحتجا بأنه صلى الله عليه وسلم دفع بنتَ حمزة إلى خالتها وكانت متزوجةً بجعفر، وهو غير محرم منها، وإذا لم يمنع ذلك الاستحقاق ابتداءً فالأولى أن لا يمنعه بقاءً. وللجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: «أنت أحقُّ به ما لم تنكحي».
(وبمحْرَم لا) أي بنكاح مَحْرمٍ لا يسقط حقُها من الحضانة (كأُم نكحت عمَّه) أي عَمَّ الصغير (وجَدَّةٍ) نكحت (جدَّه) وخالة نكحت عمَّه أو أخاه من أبيه، وعمة نكحت خاله أو أخاه من أمه، لانتفاء الضرر حينئذ عن الصغير (ويعودُ الحق) من الحضانة (بزوالِ نكاح سقط به) حقُ الحضانةِ لزوال المانع مع قيام السبب، كالنَّاشِزة تسقط نفقتُها بالنشوز، وإذا زال بعَوْدِها إلى منزل الزوج عادت، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية.
---
(3/431)
________________________________________
***
(ثم) الحضانة (للعصَبَاتِ) بعد النساء (على ترتيبهم) في الإرث، يقدّم الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الأخ لأَب وأُم، ثم لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم لأب وإن سَفَل، ثم العم لأب وأم، ثم لأب وإن علا، ثم ابن العم لأب وأم، ثم لأب وإن سَفَل، ثم مولى العَتَاقة، (لكن لا تُدْفع صبيةٌ إلى عَصَبةِ غير مَحْرمٍ، كمولى العَتَاقة، وابن العمِّ) تحرُّزاً عن الفتنة.
وإذا لم يكن له عصبة يُدفع إلى الأخ لأم، ثم إلى ولده، ثم العمّ لأُم، ثم إلى الخال لأبوين، ثم لأب، ثم لأم، لأن لهؤلاء ولاية عند أبي حنيفة رحمه الله.
ثم التَّدْبير في ذلك إلى القاضي يدفعه إلى ثقةٍ تَحْضُنُه حتى يستغني.
(ولا) إلى (فاسقٍ مَاجِنٍ) وهو مَن لا يبالي قولاً ولا فعلاً، لأنه غير مأمون عليها، ولا إلى غير مأمونة أيضاً من النساء. وفي «المبسوط»: لو اجتمعت إخوة أو أعمام في درجة، فأولاهم أكثرهم صلاحاً وورعاً، فإن استَوَوا فأكبرهم سِناً (ولا يُخيَّر طِفْلٌ) غلاماً كان أو جارية. وقال الشافعي: يُخير في سبعٍ أو ثمانٍ.
---
(3/432)
________________________________________
***
وقال أحمد: في سبع، لما روى أصحاب «السنن الأربعة»: من حديث هلال بن أُسامة، عن أبي مَيْمُونة سُليم ويقال: سلمان مولى من أهل المدينة، رجل صدق، قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، وقد طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة ورطنت بالفارسية ـ أي: تكلَّمَتْ بلسان أهل الفرس من العجم ـ زوجي يريد أن يذهب بابني فقال أبو هريرة: استهما عليه ـ أي اقترعا ـ ورطن لها بذلك. فجاء زوجها، فقال: مَنْ يُحاقُّني ـ بتشديد القاف، أي ينازعني في ولدي ـ فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده، فقالت يا رسول الله: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة وقد نفعني. فقال صلى الله عليه وسلم «استهما عليه»، فقال زوجها: مَنْ يُحَاقُّني في ولدي، فقال صلى الله عليه وسلم «هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيِّهما شئت». فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. وعِنَبة مفردة الأعناب.

وروى أبو داود في الطلاق، والنسائي في الفرائض من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده رافع بن سِنان: أنه أسلم وأبتِ امرأتُه أن تُسْلم، فجاء بابن لهما صغير لم يبلغ، فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب ههنا، والأم ههنا ثم خَيَّره، وقال: «اللهم اهده»، فذهب إلى أبيه.
---
(3/433)
________________________________________
***
ولنا ما روى مالك في «الموطأ» من حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: كانت عند عمر امرأة من الأنصار فولدت له عاصماً، ثم فارقها عمر، فركب عمرُ يوماً إلى قُباء، فوجد ابنه يلعب بفِناء المسجد، فأخذه بعضُدِه فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه، فأقبلا حتى أتيا أبا بكر، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خلِّ بينه وبينها، فما راجعه عمر الكلام. ورواه البيهقي وزاد: ثم قال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تُوَلَّه والدة عن ولدها»، وفي نسخة: «على ولدها». وقوله: «لا تولَّه» بضم ففتح فتشديد لام مفتوحة: أي لا تُخير. ولأنه طفل غير رشيد ولا عارف بمصلحته، فلا يعتمد اختياره كسائر تصرفاته.
وأجيب عن حديث حُميد بأنه وفق ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم لاختيار الأنظر له، فلا يقاس عليه غيره. وعن حديث أبي هريرة بأنه صلى الله عليه وسلم أمرهما بالاستهام: وهو متروك بالإجماع، فكذا التخيير، بدليل قول الصِّدِّيق لعمر فتدبر. وبأن قولها: «إن زوجي»، يدل على أنها كانت غير مُطلَّقة، وبأن قولها: قد سقاني من بئر أبي عِنبَة يدل على أنه كان بالغاً، لأنها بئرٌ بالقُرْب من المدينة لا يتأتى الاستقاء منها إلا للبالغ، وهو ينفرد بالسُّكنى، فيكون عند أيهما أَراد. والحاصل: أنه حكاية حالٍ فلا يُحتج بها.
---
(3/434)
________________________________________
***
(والأم والجدة أحق به) أي بالصبي (حتى يأكل ويشرَب، ويلبَسَ، ويستنجِيَ وحدَهُ) وقدّر الخصّافُ ذلك بسبع سنين، اعتباراً للغالب وعليه الفتوى. وعند مالك الأم أحق بالغلام حتى يحتلم. وعند الشافعي يُخيّر الولد في سبع أو ثمان، فإذا اختار الغلام أُمَّه كان عندها بالليل، وعند الأب بالنهار. وأما البنت فتكون عند مَن اختارته ليلاً ونهاراً. وقال أحمد وإسحاق: يُخير الولد في سبع، فإذا اختار أحدهما وسُلِّم إليه، ثم اختار الآخر فله ذلك وردَّ إليه، فإن عاد فاختار الأول أُعيد إليه هكذا.
وأما المعتوه فلا يُخيَّر ويكون عند الأم، لأنها أشفقُ عليه، وإنما كان للأب أن يأخذ عاقلاً متميزاً لأنه يحتاج إلى التخلّق بأخلاق الرجال وآدابهم في الأحوال، والأب أقدر على ذلك من الأم والجدة، ولو امتنع الأب عن أخذه أُجبر، لأن نفقته عليه.

(وبالبنت) عطف على «به» أي والأم والجدة أحق بالبنت (حتى تحيض) لأنها قبل الحيض تحتاج إلى معرفة آداب النساء من الغَزْل، والطبخ، والغسل. والأم والجدة أقدر على ذلك، وبعد الحيض تحتاج إلى الصيانة، والأب أقدر عليها، وإلى التزويج وهو إِلى الأَب دونهما.
(وعن محمد) في «نوادر هشام»: (حتى تُشتَهى) وبنت إحدى عشر سنة تُشتهى في قولهم جميعاً. وقال أبو الليث: بنتُ تسع سنين، وعليه الفتوى. وقال مالك: الأم أحق بالبنت حتى تُنْكَح ويَدخل بها الزوج وإن حاضت.
(وهو) أي قول محمد (المعتبر لفساد الزمان) على ما في «غياث المفتي» (وغيرهما) أي غير الأم والجدة من الأخوات، والخالات، والعَمَّات أحقُّ بالبنت (حتى تُشتهى) وفي «الجامع الصغير»: حتى تستغني كما في الصبي، والأول هو الصحيح.
---
(3/435)
________________________________________
***
(ولا تسافر مُطَلَّقةٌ) انقضت عدَّتها (بوَلدها) لما في ذلك من الإضرار بالأب (إلا إلى وطنها الذي نكحها فيه) لأنه التزم المقام فيه عرفاً وشرعاً. لما روى ابن أبي شيبة وأبو يَعْلى المَوْصِلي في «مسنده»: أن عثمان صلى بمنى أربعاً ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تأهّل في بلدة فهو من أهلها، يصلي صلاة المقيم، وإني تأهلتُ منذ قدمت مكة» (وهذا) السفر بالولد (للأم فقط) فليس لغيرها أن تسافر به إلا بإذن أبيه، ولا له أن يسافر به في مدة الحضانة لغيره، لأن في ذلك ضرراً بالحاضنة وإبطالاً لحقها. وقال مالك والشافعي وأحمد: للأب ذلك.

فصلٌ في ثُبُوتِ النَّسَبِ
(أقلُ مُدَّة الحملِ ستةُ أشهر) باتفاق العلماء، ولأن الولد يُنْفخ فيه الروح عند مضي أربعة أشهر، ويتم خَلْقُه بعد ذلك في شهرين، لحديث ابن مسعود في الأربعين. وقد رُوي أنَّ عبدَ الملك بن مروان وُلد لستة أشهر. ولما قدمنا أن رجلاً تزوج امرأةً فولدت لستة أشهر، فهمَّ عثمان أن يرجمَها، فقال ابن عباس: أما إِنها لو خاصمَتكم بكتاب الله لَخَصَمَتْكُم، قال الله تعالى: {وحَمْلُه وفِصَالُه ثلاثون شَهْراً} في الأحقاف، وقال الله تعالى: {وفِصَالُه في عامين} فإذا ذهب للفصال عامان لم يبق للحمل إلا ستُةُ أشهر، فَدَرأ عثمانُ الحد، وأثبَتَ النَّسب من الزوج. وهكذا رُوي عن علي. فإقدَامُ عثمان على إقامة الحد يدل على أنه لا يكون أقلَّ من ستةِ أشهر.
---
(3/436)
________________________________________
***
(وأَكْثَرُها) أي أكثر مدة الحمل (سنتان) وهو قول الثَّوري، والضحَّاك بن مُزاحِم، وأحمد في رواية، لما رَوى الدارقطني والبيهقي في سُنَنَيهما من حديث عائشة: أنها قالت: ما تزيدُ المرأة في الحمل على سنتين، قدر ما يتحول ظل عمود المِغْزل، وهو محمول على السماع، لأن مثلَه لا يُدرك بالرأي. وهذه العبارة مَثَلٌ في القِلَّة، لأن ظِل عمود المِغْزل حال الدوران أسرعُ زوالاً من سائر الأظلال. وقال عبَّاد بن العَوَّام: أكثرُ مدة الحمل خمس سنين. وقال الزهري: ستُ سنين. وقال ربيعة: سبع سنين. وقال أبو عُبيد: ليس لأقصاه حد. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنهما: أَربع سنين، لأن الضحَّاك ولدته أمه لأربع سنين بعدما نبتت ثَنْيتاه وهو يضحك، فسمِّي ضَحَّاكاً.
ولما روى الدَّارقطني والبيهقي عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: أي حديث عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل، فقال: سبحان الله مَنْ يقول هذا، هذه جارتنا امرأة محمد بن عَجْلان امرأة صدق، (وزَوْجُها رَجُلُ صِدْق) حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة: كل بطن في أربع سنين.
وأخرج الدارقطني عن هاشم بن يحيى المُجَاشِعي قال: بينما مالك يوماً جالس إذ جاءه رجل ، فقال: يا أبا يحيى ادع الله لامرأة حُبلى منذ أربع سنين، قد أصبحت في كرب شديد. فغضب مالك وأطبق المصحف، ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أنَّا أنبياء، ثم قرأ، ثم دعا وقال: اللهم إن كان في بطن هذه المرأة ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بغلامٍ، فإنك تمحو ما تشاء وتُثْبِت وعندك أمّ الكتاب، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم، وجاء رجل إلى الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل، فما حطّ مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جَعْد قَطَط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه ما قطعت سِرَاره. وجَعْد قَطَط: أي شديدُ الجُعُودة.
---
(3/437)
________________________________________
***

وأجيب بأن الأحكام تُبنى على العادة الظاهرة، وبقاء الولد في البطن أكثر من سنتين إن ثبت في غاية النُّدرة، فلا يُبنى عليه حكم، مع أنه حكاية حال فيها احتمال أن يكون الولد منها، أو من غيرها، أو كان في بطنها ريح قبل حَمْلها ونحو ذلك، فإن الضحَّاك ونحوه ما كانوا يعرفون ذلك من أنفسهم، وكذلك غيرهم، لأن ما في الرَّحم لا يعلمه إلا الله. وأما دعاء مالك فيما هو مفروغ عنه منهيٌ عنه، وكان ظهور الغلاَم من الأمور الاتفاقية في المقام أو أنه من الكرامات وخوارق العادات، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور والحالات.
(فيثبت نسبُ ولد معتدة الرجعي، وإن جاءت به لأكثرَ من سنتين) من وقت الطلاق، أما إن جاءت به لأقل من ستة أشهر، فلأنه كان موجوداً وقت الطلاق، فكان من عُلوقٍ قبله، وتَبِين بالوضع لانقضاء عدَّتها به بوضع الحمل. وأما إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر وأقل من سنتين، فلوجود العُلوق في النكاح أو في العِدَّة، وتَبين من زوجها، لانقضاء عدتها بوضع الحمل. وأما إن جاءت به لأكثر من سنتين، فلأن العُلوق بعد الطلاق، فيحمل على أنه راجعها، إذ الظاهر من حال المسلم أنه لا يزني.
فإن قيل: لانتفاء الزنا وَجْهٌ غير هذا، وهو أن تكون تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها، فيكون الولد منه.
أجيب بأن البقاء أسهل من الابتداء، فكان الحمل على أن زوجها راجعها أولى من الحمل على أنها تزوجت بآخر. انتهى.
وفيه أنه مع احتمال كون الولد من غيره، فكيف يُحكمُ بثبوت نسبه، ولعل هذا احتمال في ثبوت النسب خوفاً من تضييع الولد.
---
(3/438)
________________________________________
***
(ما لم تُقِر بِمُضِيّ العِدة) في مدة تحتمل. وأما لو أقرت بِمُضِيِّها ثم جاءت لستة أشهر أو أكثر من وقت الإقرار لم يثبت نَسَبه، لاحتمال حدوث الحبل بنكاح جديد، بخلاف ما لو جاءت به لأقل من ستة أشهر، حيث ثبت نَسَبُه لظهور كَذِبِها (فتثبت الرجعة) إن جاءت به لأكثر من سنتين، لأن العُلوقَ بعد الطلاق، والظاهر أنه منه لانتفاء الزنا عن المسلم، فيصير بالوطء مراجِعاً. (ولأقل منهما) أي من السنتين (لا) أي لا تثبت الرجعة لاحتمال العُلوق قبل الطلاق واحتماله بعده، فلا يصير مراجِعاً بالشك.
(ومبتُوتَةٍ) بالجر عطف على المعتدة، أي ويثبت نَسَب ولدِ مبتوتة (ولدَتْه لأقل منهما) أي من سنتين من وقت الطلاق، لأنه يحتمل الوجود عند الطلاق، فيحمل عليه احتيالاً في ثبوت النسب (لالاِلتَمَامِهما) لثبوت الحمل بعد الطلاق، ووطءِ المبْتُوتة حرامٌ (إلا بِدِعْوة) لأنه التزمه. ثم في رواية: يشترط تصديق المرأة. وفي رواية: لا يشترط (ويُحمَلُ على وَطئِها بشبْهةٍ في العدَّةِ) واعتُرِض بأن الزوج إذا وطِء بشبهةٍ معتدَّتَه من طلاق ثلاث، أو على مالٍ، فأتت بولد لا يثبت نسبه وإن ادَّعاه. نص على ذلك في كتاب الحدود.
---
(3/439)
________________________________________
***
(إذا جَحَدَ) الرجلُ (ولادَة زوجته تثبتُ) الوِلادة (بشهادة امرأة) وأما النَّسَب فيثبت بالفِرَاش، حتى لو نفاه يُلاعن. وإذا جَحَدَ ولادة معتدَّة، فثبوتُها بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو بوجود حَبَل ظاهر، أو اعترافه بالحَبَل، أو تصديق الوَرَثة عند أبي حنيفة. وقالا: لا يُكتفى بشهادة حرة مسلمة ثقة، كتعيين الولد بالحرة الثقة اتفاقاً. وأما الطلاق المُعلَّق بالولادة فلا يقع بشهادة امرأة واحدة على الولادة عند أبي حنيفة إِذا لم يكن حَبَلٌ ظاهر. وعندهما: يقع بشهادتهما، لأن الطلاقَ حكمٌ متعلِّقٌ بالولادة، وشهادة المرأة حجة في إثبات الولادة، لقول حذيفة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة. رواه الدارقطني.
ولقول الزُّهري: مضت السُّنة أنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرُهن من ولادة النساء وعيوبهن. وتجوز شهادة القَابلة وحدها في الاستهلال، وامرأتان فيما سوى ذلك. رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة. فكذا فيما يتعلق بالوِلادة. ولعل هذا الحكم مقتَبَسٌ من عموم قوله تعالى: {ولا يَحِلُ لهنَّ أنْ يَكْتُمنَ ما خَلَقَ ا في أرحامِهنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ با واليومِ الآخرِ} فإنه إن لم تُقبل شهادتهُن، يكون إظهارهن عبثاً في حَقّهِنَّ.
ولأبي حنيفة: أنها ادعت الحِنْث، فلا يثبت إلا بحجة، وشهادة النساء ضرورية في حق الولادة، فلا يظهر في حق الطلاق، لأنه ليس من ضروريات الولادة، إذ الطلاق ينفك عنها في الجملة وإن صار من لوازمها هنا.
ثم إقرار الزوج بالحَبَل كافٍ لوقوع الطلاق المُعلَّق على الولادة من غير الشهادة إذا قالت: ولدت وصَدَقها الزوج، وعندهما يشترط شهادة القابلة.،لأنه حكم متعلق بالولادة، فلا يثبت عند المنازعة بلا حجة، وشهادتها حجةٌ فيها. لما روينا. وله أن الإقرارَ بالحبل إقرارٌ بما يفضي إليه وهو الولادة.

فصلٌ في النَّفَقَةِ والكِسْوة والسُّكْنى
---
(3/440)
________________________________________
***
وأسباب النفقة ثلاثة: الزَّوْجية، والقَرَابة، والمِلْك.
(تجبُ النفقةُ والكِسوةُ والسُّكْنى على الزوج) بالإجماع، وبالكتاب، وهو قوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِه}، وقوله سبحانه وتعالى: {وعلى المَوْلُودِ له رِزْقُهنَّ وكِسْوَتُهنَّ بالمعْرُوف} أي على مَنْ يُولد له وهو الوالد، وقوله تعالى: {أَسْكِنُوهنَّ مِنْ حيث سَكَنتُم من وُجْدِكُم}. وبالسُّنَّة وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في حديث جابر الطويل على ما رواه مسلم وأبو داود: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهنَّ عَوَانٌ ـ أي أُسرَاء لكم ـ اتخذْتُموهنَّ بأمانة الله، واستَحْللتُم فُرُوجهنَّ بكلمة الله، وإنَّ عليهنَّ أنْ لا يُوطِئنَ فُرُشَكُم أحداً، وأن لا يأذنَّ في بُيوتكم أحداً تكرهونه، فإذا فَعلْن ذلك فاضرِبُوهنَّ ضرباً غير مُبَرِّحٍ، وإنَّ لَهنَّ عليكم نفقتَهنَّ وكِسْوتَهنَّ بالمعروف». (ولو كان) الزوج (صغيراً لا يقدِرُ على الوطء) خلافاً لمالك.
ولنا أنَّ العجز من قِبَله، فكان كالمجبوب، (للعِرْس) متعلقٌ بتجب، وهو متناولٌ لمَن مَنَعت نَفْسَها قبل الدخول حتى تقبِضَ المعجّل وهو قولهم، أو بعده وهو قول أبي حنيفة (مسلمة) كانت (أو كافرة) أي ذمية، لإطلاق النصوص، غنية أو فقيرة (كبيرة أو صغيرة توطأ) أي قابلة لأن توطأ وإن لم تزف إليه في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى. وأما غيرهما ممن لا قدرة له على وطئها، فلا نفقة لها سواء كانت في منزل الزوج أو لم تكن.
وقال الشافعي ـ وهو الأصح في مذهبه: لها النفقة وإن كانت في المهد لإطلاق النصوص.
ولنا: أن النفقة لاحتباس مستحق بعقد النكاح ينتفع به الزوج في الجماع ودواعيه، والصغيرة لا تصلُح لذلك، حتى لو كانت مُشتهاة يمكن جماعها فيما دون الفرج، وجبت نفقتُها.
---
(3/441)
________________________________________
***
(بِقَدْرِ حالهما) أي حال الزوج والمرأة. وهذا اختيار الخصَّاف، وعليه الفتوى، وهو قول أحمد (فتجبُ في المُوسِرِيْن نفقة اليَسَار) أي الغنى والسَّعَة، (و) في (المُعْسِرِين نفقة الإِعسَار) أي الفقر والقناعة (وفي المُوسِرِ والمُعسِرَة وعكسه) وهو المُعسِرُ والمُوسِرَة (بين الحالين) أي دون نفقة اليَسار وفوق نفقة الإعسار بلا إسراف ولا تقتير، إذ خير الأمور أَوسطها. قال الله تعالى: {والذين إذا أنفَقُوا لم يُسْرِفُوا ولم يَقْتُروا وكان بين ذلك قَوَاماً}.

ثم كما تفرض لها قدر الكفاية من الطعام، فكذلك من الإدام، لأن الخبز لا يُتُناول عادة إلا مأدُوماً. وجاء في تأويل قوله تعالى: {من أوسَطِ ما تُطْعِمونَ أهْلِيْكم} أن أعلى ما يُطعم الرجل أهله الخبزُ واللحم، وأوسطَهُ الخبزُ والزيت، وأدناه الخبز واللبن. وأما الدُّهن فلا يُستغنى عنه خصوصاً في ديار الحَرِّ، فهو من أصل الحوائج كالخبز. وقال الشافعي: بقدْر حال الزوج، وهو اختيار الكَرْخي.
وفي «الذخيرة» و «المبسوط»: أَنه ظاهر الرواية، لقوله تعالى: {وعلى المُوْسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه}، وقوله سبحانه: {ليُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه ومَنْ قُدِرَ عليه رِزْقُه فَلْينفِقْ مما آتاه ااُ لا يُكَلِّفُ ااُ نَفْساً إلا ما آتاها سيَجْعلُ ااُ بعد عسرٍ يسراً}، ولأنها لمّا زوجت نفسها من معسرٍ فقد رضيت بنفقة المُعْسِرِين.
وقال مالك: بقدر حال المرأة، لما روى الجماعة إلا الترمذي من حديث عائشة: أن هنداً بنت عُتْبة قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف».
---
(3/442)
________________________________________
***
ولنا أن الكتاب يقتضي أنها بِقَدْر حال الزوج. وحديث هند يقتضي أنها بقدر حال المرأة، فقلنا: إنها بقدر حالهما عملاً بالدليلين. لكن قد يقال: إن الحديث ليس فيه دلالة على إِعسار الزوج وإيسار المرأة، بل على إيساره و (بخله) عليها بحسب اقتداره.
هذا، وتجب النفقة أيضاً (ولو) كانت هي (في بيت أبيها) ولم يطلب الزوج انتقالها إلى منزله، لإطلاق النصوص. وعن أبي يوسف ـ: وهو اختيار القُدُورِيّ وبعض المتأخرين من علماء بلخ ـ: أنها لا تستحق النفقة حتى تُزَفَّ إلى منزل الزوج، وكأنهم بَنَوا أمرها على العرف.
(أو مَرِضت في بيت الزوج) بأن زُفَّت إليه صحيحة فمرضت في بيته. والقياس: أن لا نفقة لها إذا كان ذلك المرضُ مانعاً من الجماع. ووجه الاستحسان : أنه يَستأنِسُ بها ويتمتع بمسها، ومانع المرض عارض، فأشبه الحيض. وفي قوله: في «بيت الزوج» إيماءٌ إلى أنها لو مرِضت ثم سلَّمت نفسها، لا تجبُ النفقة، لأن التسليمَ لم يصح، وهو مروي عن أبي يوسف، قالوا: وهو حسن.
(لا) تجب النفقة (لناشِزَةٍ خرجت من بيته) الذي تسكن معه فيه، أو مُنِعت من الدخول إلى منزلها الذي يسكن معها فيه بغير حق. أما إن خرجت لأنه لم يعْطِها المهر المعجَّل أو لأنه ساكنٌ في مغصوبٍ، أو منعتهُ من الدخول إلى منزلها الذي يسكنُ معها فيه لاحتياجها إليه، وكانت سأَلته أن يحوِّلها إلى منزله، أو يكتري لها منزلاً آخر ولم يفعل: لم تكن ناشزة. وإنما اعتبر في الناشزة عدم الإقامة في المنزل، لأن الظاهرَ أنه يقدر على وطء المقيمة، لأن البكرَ لا تُوطأ إلا كَرْها.
---
(3/443)
________________________________________
***
والدليلُ على وجوب النفقة وإن كان مُطْلقاً، لكن خرجت الناشزة بِدَلالة النص. وهو قوله تعالى: {واهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ} حيث أُمِر بمنع حقها من الصحبة التي هي مشتركة بينهما، فأولى بمنع النفقة التي هي مختصة لها. ومن اللطائف أنه قيل لشُرَيْح: هل للناشزة نفقة؟ فقال: نعم، فقيل: كم؟، فقال: جِرَابٌ من تراب.
(و) لا (محبُوسةٍ بِدَيْن) عليها، سواء كانت تقدِر على قضائه أو لا (ولا مريضة لم تُزفّ) إلى الزوج لعدم الاحتباس والاستمتاع. وفي «الذخيرة»: ولو مرِضت في منزلها فلها النفقة، لأنها غير مانعةٍ نفسها من الزوج بغير حق، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن تُحمل الثانيةُ على مرضٍ غير مانعٍ من الجماع. (و) لا (مغصوبةٍ كَرْهاً) وعليه الفتوى. وكذا لا نفقة لامرأة معتدة لوطءٍ وقع بشبهة، لاحتباسها عنه لمانع من جهتها.
(و) لا (حاجَّةٍ) أي لا تجب على الزوج نفقةُ امرأتِه الحاجّة مَعَ غيره إن كان مَْحَرماً لها (لا معه) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف: حيث لها عنده نفقة الحَضَرِ (ولو كانت) حاجَّة (معه فَلها نفقةُ الحَضَرِ) اتفاقاً، بأن يعتبر قِيمة الطعام فيه، (لا) نفقة (السفر) لأن زيادةَ القيمة في السفر يسقط بما حَصَلَ لها من المنفعة به (ولا الكِرَاء) لأن المُستَحقَّ هو النفقة وليس الكراء منها.
وقال الشافعي: إن حجت بغير إذن زوجها فرضاً أو نفلاً فلا نفقة لها، وبإذنه إن ذهب معها فلها النفقة، وكذا إن لم يذهب في أظهر القولين. وقال أحمد: إن أحرمت من المِيْقَاتِ فلها النفقة، وقيل: لا.
---
(3/444)
________________________________________
***
(وعليه موسِراً) إذا كانت امرأته حرة (نفقةُ خادمٍ واحدٍ لها فقط) عند أبي حنيفة، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو يوسف: نفقة خادمين: أحدهما لداخل البيت، والآخر لخارجه. ثم الخادم إن كان مملوكاً لها استحقَّ النفقةَ عندهم، وإن كانت حرة ومملوكة لغيرها اختُلف فيه. ولا يبلغ نفقة خادمها نفقتها. حتى قالوا: يُفرض لخادمِها أدنى ما يُفْرض لها على الزوج المُعْسِر.
وفي «الذخيرة»: إن لم يكن لها خادم فليس عليه نفقتُه، وهو ظاهر الرواية، وقول أحمد، وأكثر أصحاب الشافعي. وفي «نوازل أَبي الليث»: أنّ المرأة إذا كانت تقدِر على خدمة نفسها تُجبر عليها. وفي «فتاوى أهل سمرقند»: أنها إذا كانت من ذوي الأقدار، ولها خدم كثير، تجب عليه نفقةُ خادمين.

(لا معسراً) أي ليس عليه نفقة خادمها إذا كان معسراً، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. وقوله: (في الأصح): احترز به عن قول محمد: إنه تجب عليه نفقة خادمها إذا لم تكتف بخدمة نفسها، كما لو كان موسراً. ووجه الأول: أن استعمال الخادم لزيادة التنعم
، فيعتبر في حال اليسار دون الإعسار، ولأن المُعسر يلزمه أدنى الكفاية، والمرأة قد تكتفي بخدمة نفسها كذا قرر الشُّرَّاح. وفيه: أن رواية محمدٍ محمولةٌ على ما إذا لم تكتف بخدمة نفسها، ورواية غيره محمولة على ما إذا كانت تكتفي بخدمة نفسها، فلا تعارض.
(ولا يفرَّقُ بينهما لعجْزِهِ عنها) أي عن النفقة الراتبة والكِسوة (وتُؤمر) المرأة (بالاستدانة عليه) أي على الزوج، بأن تأخذ الطعام على أن تقضي ثمنَه من مال الزوج. وفائدة هذا الأمر ـ مع فَرْض القاضي لها النفقة ـ أن يمكِّنَها أنْ تُحيل ربَ الدين على الزوج، وأنّ ترجع بالدَّيْن على تركته إن مات، وهذا عندنا، وهو قول عطاء بن يَسَار، والحسن البصري، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وحمَّاد بن سليمان، والظاهرية.
---
(3/445)
________________________________________
***
وأجاز التفريق مالك والشافعي وأحمد إذا طَلبَتْه، لقوله تعالى: {فإمسَاكٌ بمعروفٍ أو تَسْرِيحٌ بإحسَانٍ} والإمساك بالمعروف أن يوفيها حقها من المهر والنفقة، فإذا عَجَزَ عن ذلك تعين التَّسْريح، إذ المستحِقُّ عليه أحد الأمرين، فإذا تعذر أحدهما تعيَّن الآخر. ألا ترى أنه إذا عَجَزَ عن الوصول إليها بسبب الجَبِّ أو العُنَّةِ، يفرّقُ بينهما لفوات الإمساك بالمعروف بل أولى، لأن حاجتها إلى النفقة أظهرُ من حاجتها إلى قضاء الشهوة، وهذا كنفقة العبد والأمة فإنها مُستحقَّة عليه بالملك، فإذا تعذرت أجبره القاضي على إزالة المِلك بالبيع. وقيل لسعيد بن المسيَّب: أتفرق بين العاجز عن النفقة وبين امرأته، فقال: نعم، فقيل له: إنه سنةٌ، فقال: نعم. والسُّنَّة إذا أُطلقت يُفهم منها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مذهب مالك: يُفرَّق بينهما بالطلاق. ومذهب الشافعي وأحمد: يفرق بفسخ.
ولنا قوله تعالى: {وإنْ كان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرةٍ}. وهو مُطْلق في كل مُعْسِر بحق، وقوله تعالى: {وأنكِحُوا الأيَامَى منكم والصَّالِحين من عِبَادِكُم وإمائِكم إنْ يكونوا فُقَراءَ يُغْنِهم ا مِنْ فَضْلِهِ} حيث جعل الفقر غير مانع من النكاح ابتداءً، فَلأَن يكون غير مانع منه بقاءً أولى، وقوله سبحانه: {لا يُكلِّفُ ا نَفْساً إلا ما آتاها سَيَجْعلُ ا بعد عُسْرٍ يُسْراً} حيث دل على أن مَنْ لم يقدر على النفقة لم يُكلَّفْها، فلا يفرَّق لعجزه عنها، ولأن في التفريق إبطال مِلك الزوج، وفي الأمر بالاستدانة تأخير حقها وهو أهون له، فكان أولى وأحسن.

وفي «شرح المختار»: المعسِرة إذا كان زوجها مُعسِراً ولها ابن مِنْ غيرِ موسِر، أو أخ موسر، فنفقتها على زوجها، ويؤمر الابن أو الأَخ بالإنفاق عليها، ويرجع به على الزوج إذا أيسر، ويُحْبَس الابن أو الأخ إذا امتنع، لأن هذا من المعروف.
---
(3/446)
________________________________________
***
وفي «شرح الوقاية»: وأصحابنا لما شاهدوا ضرورة الناس إلى التفريق، لأن دَفْع الحاجة الدائمة لا يتيسر بالاستدانة ـ والظاهر أنها لا تجد من يقرضها وغِنى الزوج في المال أمر مُتَوهم ـ استحسنوا أن ينصب القاضي نائباً شافعي المذهب يفرق بينهما. انتهى.
ثم العجز عن النفقة إنما يظهر في حق الزوج الحاضر، وأما الغائبُ غَيْبةً منقطعةً إذا لم يُخلِّف نفقة ورفعت أمرها إلى حاكم شرعي وفرق بينهما، فقال مشايخ سمرقند: جاز تفريقه، لأنه قضى في فصلين مُجْتهدٍ فيهما: أحدهما: التفريق بالعجز عن النفقة، والآخر: القضاء على الغائب. وقال صاحب «الذخيرة»: الصحيح أنه لا يصح قضاؤه، لأن العجزَ لا يُعرف في حال الغَيْبةِ، لجواز أن يكون قادراً، فإذا رُفع هذا القضاء إلى قاضٍ آخر فأمضاه، فالصحيح أنه لا ينفذ، لأن هذا القضاء ليس في فصلٍ مجتهد فيه إِذ العجز لم يثبت. انتهى. والمشهور في مذهب الشافعي: أنه لا يفرّق بين المرأة وبين زوجها الغائب، ولو غاب عنها مدة طويلة ولم يترك لها نفقة، وإنما يُنسَب هذا إلى الحنابلة. والله سبحانه أعلم.
(ومَنْ فُرِضَت) النفقة (لعَسَاره فأيسر تمّم) وفي بعض النسخ: أتم (نفقة يَسَاره إنْ طلبت) المرأة، ومن فرضت ليساره فأعسر، فعليه نفقة عَسَاره، لأن القضاء بالنفقة كان باعتبار حالهما، وقد تبدلت حاله، فتبدلت بتبدلها. (وتسقط) نفقة الزوجة (في مدة مضت) لم ينفق عليها الزوج فيها، سواء كان غائباً أو حاضراً وامتنع من الإنفاق (إلا إذا سبق فَرْضُ قاضٍ، أو رضيا بشيء) بأن اتفقت مع الزوج على مقدارٍ، (فتجب لما مضى) من هاتين المسألتين (ما داما حيَّينِ، فإن مات أحدهما، أو طلقها) الزوج (قبل قبض) النفقة، وبعد فرض القاضي، أو التراضي على شيء (سَقَط المفروض) وكذا ما تراضيا عليه، لأن الصِّلة لا تتم إلا بالقبض. وعندهما: لا يسقط، لأن الأعواضَ لا تسقط قبل القبض.
---
(3/447)
________________________________________
***
(إلا إذا استدانت بأمر القاضي) فإنه لا يسقط. ذكر ذلك الحاكم الشهيد في «مختصره»، وذكر الخصَّافُ: أنه يسقط. والصحيح الأول، لأن استدانتها بأمر القاضي بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، وهو لا يسقط بموت أحدهما فكذا هذه. وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: تصيرُ النفقة الماضية ديناً بلا قضاءٍ وتراض كالمهر.

ولنا أنها صِلة بقدر الكفاية جزاء على الاحتباس، كرزق القاضي في بيت المال، فلا بد من التسليم كالهبة، أو التأكيد بقضاء أو تراضٍ، بخلاف المهر فإنه مطلق.
(ولا تُسترد) نفقةٌ أو كسوةٌ (معجلة مُدَّةً، مات أحدهما) أو كلاهما (قبلها) أي قبل مضي المدة، سواء كانت تلك النفقة قائمة، أو هالكة، أو مستهلكة. وقال محمد والشافعي وأحمد: يحتسب لها بنفقة ما مضى، وترد ما بقي من النفقة إن كانت قائمة وقيمتَها إن كانت مستهلكة، ولا ترد إن كانت هالكة بالاتفاق، لأنها أخذت مالاً لمقصود الزوج، ولم يحصل له، فكان له أن يسترده، كما لو عجَّل لها نفقة ليتزوجها، فماتت قبل ذلك. كذا في «الذخيرة».
---
(3/448)
________________________________________
***
(ونفقةُ عِرُسِ القِنّ) أي العبد الذي لا حرية فيه بوجه (عليه) أي على القِنِّ إذا تزوج بإذن مولاه (يباع فيها مرة بعد أخرى) حتى لو اجتمع عليه نفقة بعدما بِيْع مرة، بِيْع ثانياً وكذا ثالثاً، إِلى ما لا يتناهى، إلا أن يفديه مولاه لأنها دين في ذمته، وقد ظَهَر وجوبُه في حق المولى فيتعلق برقبته، كدين التجارة في العبد المأذون. ولما كان حَقُّها في النفقة لا في عين الرَّقبةِ كان للسيد أن يفديه، ولو مات العبد سقطت النفقة، وكذا المهر، لفوات محل الاستيفاء، كالعبد الجاني، وكذا لو قتل في الصحيح. قيد بالقن، لأن المدبَّر، وولد أم الولد لا يباع، بل يسعى وكذا المكاتَب ما لم يعجِز. وقيدنا بإذن المولى، لأنه إذا تزوج بغير إذنه لا يباع فيها. وقال الشافعي: لا يباع القِنُّ في نفقة عِرسِه، ويثبت لها الخِيار في الفُرقة. وقال أحمد: لا يباع، ونفقتُها على سيده، وفي رواية: في كسبه.
(وفي دَيْن غيرها) أي غير النفقة كالمهر (يُبَاع) القِنُّ (مرة واحدةً) إذا عجِز عن أدائه ولم يَفْدِه مولاه. والفرق أن دين النفقة يتجدد في كل زمان، فيكون ديناً آخر حادثاً بعد البيع، ولا كذلك سائر الديون. وقد تقدم: أن الأمة والمُدبَّرة وأم الولد لا تجب لها النفقة على زوجها إلا بالتبْوِئة. وأما المكاتَبة فهي في يد نفسها، وليس لمولاها أن يستخدمها، فكانت كالحرة في استحقاق النفقة على الزوج إذا لم تحبس نفسها منه ظالمة.
(وتجب سُكناها) أي سكنى المرأة على الزوج (في بيتٍ) بالمِلْك، أو الإجارة، أو الإعارة، أو بالوقف عليه، (ليس فيه أحدٌ من أهله) ساكن معها (ولو) كان (ولدَه من غيرها) لأن السكنى حقها، فلا يشترك معها غيرها، كالنفقة (إلا برضاها) لأن لها إسقاطَ حقها.
---
(3/449)
________________________________________
***
(وبيتٌ مفردٌ من دار له) أي لذلك البيت (غَلَقٌ) ومرافق (كَفَاها) لحصول مقصودها (وله منعُ والدَيها وولَدِها من غيره من الدخول عليها) لأن البيت له، فله المنع من الدخول فيه (لا من النظر) أي ليس له منعهم من النظر (إليها و) لا من (كلامها متى شاؤا) حذراً من قطيعة الرحم بما لا ضرر عليه فيه.
(وقيل: لا يمنعُ) الرجلَ امرأَتَه (من الخروج إلى الوالدين ولا) يمنعُ والديها (من دخولهما عليها، كل جُمُعة، وفي مَحْرَمٍ غيرهما) أي غير الوالدين لا يمنع من دخوله عليها (كل سنة وهو الصحيح) احترز به عن قول محمد بن مُقَاتل الَّرازي: لا يمنعُ المَحْرَم كل شهرٍ. وعلى هذا خُرُوجِها لزيارة عمتها أو خالتها. وعن الحسن: لا يَمنعها عن زيارة الأقارب في كل شهرين أو ثلاثة، ولا يمنعْ محارِمَها من الدخول عليها كلَ جُمُعة.
(وتُفرَض نفقةُ عِرْسِ الغائب و) نفقة (طِفله و) نفقة (أبويه في مالٍ له) أي للغائب (من جِنْس حقِّهم) بأن يكون ذلك المال طعاماً أو دراهم، أو دنانير، أو ثياباً من جنس ما يكسى به، لأن نفقتَهم واجبة بدون القضاء، فكان القضاء إعانة لهم، لا إيجاباً مبتدأً، إذ القضاء على الغائب مُمتنعٌ (فقط) أي ولا يُفرض نفقة غير من ذُكِر من المحارم، لأن نفقتَهم لا تجب إلا بالقضاء للاختلاف فيها، إذ عند الشافعي: لا تجب النفقة لغيرهم، ولا تُفرضُ نفقة من ذُكِر أيضاً إذا كان المال من غير جنس حَقِّهم، بأن كان عُرُوضاً، لأنه يحتاج إلى القضاء بالقيمة، أو إلى البيع، وذلك لا يجوز على الغائب.
---
(3/450)
________________________________________
***
(عند مُوْدَعٍ) هذه صفة ثالثةٌ لمالٍ، أو حال ثانية. والظرف الأول وهو «له» صفة لمال. (أو مُضاربٍ، أو مديونٍ إن أقرَّ بِهِ) أي بالمال (وبالنكاح) وبطِفْلِه وأبويه. قيَّد به لأن أحداً منهم لو أنكر المال أو النكاح، فأقامت المرأةُ البينةَ على ذلك، لا يَفْرض لها القاضي، لأن بيِّنَتَها لا تُقبل، لأن أحداً منهم ليس خصماً عن الغائب في إثبات الزوجية، ولا المرأةُ خصماً في إثبات حقوق الغائب في ماله. وإذا ثبت في حقه تعدّى إلى الغائب (أو عَلِمَ) عطف على أَقر، أي أو إن علم (القاضي ذلك) أي المال، والنكاح، والنَّسَب، لأن علمَه حُجةٌ يجوز القضاء به في محل ولايته.
(ويُحلِّفُها) أي القاضي المرأة (أنه) أي الزوج (لم يُعطِها النفقةَ ويُكْفِلُها) أي ويأخذ منها كفيلاً أيضاً، لاحتمال أنها استوفتِ النفقة، أو طلقها الزوج وانقضت عدتها.

(لا بإقامة بينةٍ) على النكاح، ولا إن لم يُخلِّف مالاً، فأقامت بينة، أي لا يَفْرض القاضي للمرأة النفقة إذا أنكر المُودَعُ، أو المُضَارِبُ، أو المديون النكاح، فأقامت البينة عليه، أو أنكر المال، فأقامت البينَةَ عليه (ليفرض عليه) أي على الغائب (ويأمرَها بالاستدانة) عليه. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، الآخر وقول محمد. والأصح قَبُوله البينَةَ، وهو قولهما الأول، وبه قال زفر.
---
(3/451)
________________________________________
***
(ولا يقضي بالنكاح) لأن في ذلك قضاءً على الغائب (وقال زفر: يقضي بالنفقة لا بالنكاح، وعمل القضاة اليوم على هذا) الذي قال زفر: (للحاجة) والرِّفقِ بالناس. ولا تحتاج المرأة على قول زفر إلى إقامة البينة أنه لم يترك لها نفقة (ولمطلقة الرجعي، والبائن، والمفرَّقة بلا معصية، كخيار العِتْقِ والبُلوغ والتفريق لعدم الكفاءة) أو بإسلام المرأة وإباء الزوج، أو باللعان، أو بالإِيلاء، أو بالعُنَّة، أو بالجَبِّ (النفقةُ والسُّكْنَى)، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور: لا نفقة للمطلقة ثلاثاً أو على عِوَضٍ إلا إذا كانت حاملاً فبالإجماع لقوله تعالى: {وإنْ كُنَّ أولاتِ حَمْلٍ فَأنفِقُوا عليهنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
ثم دليلهم ما روى الجماعة إلا البخاري من حديث الشَّعبي عن فاطمة بنتِ قَيْس قالت: طلقني زوجي ثلاثاً، فخاصمتُه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجعل لي سُكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدَّ في بيت ابن أم مَكْتُوم. وعند النَّسَائي فيه من حديث سعيد ابن يزيد الأحْمَسي: حدثنا الشَّعبي به: إنما النَّفقة والسُكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة. وفي مسلم: أن أبا عمرو بن حَفْص بن المُغِيْرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام، وعَيَّاش بن أبي ربيعة بنفقة فسَخِطَتْهَا، فقالا: لا والله ليس لك نفقة إلا أن تَكُوني حاملاً، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتْ له قولَهُما، فقال: «لا نفقة لك». وزاد أبو داود: «إلا أن تَكُوني حاملاً».
---
(3/452)
________________________________________
***
ولنا إطلاق قوله تعالى: {أسْكِنُوهنَّ مِنْ حيثُ سَكَنْتُم من وُجْدِكُم}، وما روى مسلم من حديث أبي إسحاق قال: حدَّث الشَّعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا سُكنى لها ولا نفقة». فأخذ الأسود كفاً من حصى ـ وفي نُسخة: حَصْبَاء ـ فَحَصَبَه به وقال: ويْلَك تُحدِّث بمثلِ هذا. قال عمر: لا نتركُ كتابَ الله ولا سنةَ نبينَا بقولِ امرأة، لا ندري أحفظتْ أم نسيت، لها السُّكْنى والنفقة، قال الله تعالى: {ولا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهنَّ} الآية. فقد أخبر أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب في أن قول الصحابي: «من السنة كذا» رَفْعٌ، فكيف إذا كان قائله عمر.

وقد صرح البيهقي والدارقطني بزيادة قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للمطلقة ثلاثاً النفقة والسكنى». وقال إبراهيم كان عمرُ إذا ذكر عنده حديث فاطمة قال: ما كُنَّا نغيِّر في دِيننا بشهادة امرأة. فهذا شاهدٌ على أنه كان الدِّينُ المعروف المشهورُ عندهم وجوب النفقة والسكنى. فَنُزِّل حديثُها من ذلك بمنزلةِ الشَّاذ. والثِّقة إذا شذ لا يُقبل ما شذ فيه. ويُصرح بهذا ما في مسلم من قول مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعِصمة التي وجدنا الناس عليها، والناس إذ ذاك هم الصحابة.
---
(3/453)
________________________________________
***
وروى مسلم أيضاً من حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت في فاطمة: لا خير أن لها في ذِكْر هذا، تعني قوله: لا سُكنى لك ولا نفقة. وفي لفظ للبخاري: قالت: ما لفاطمة أَلا تتقي الله، تعني في قولها: لا سُكْنى لك ولا نفقة. وعنها: أنها قالت لفاطمة: إنما أخرجك هذا للسان، يعني أنها إنما استطالت على أحْمَائها، وكَثُر الشر بينهم، فأخرجها عليه الصلاة والسلام لذلك. ويقوي ثبوته عن عائشة احتجاج ابن المسيَّب به، وهو معاصر لها، وأعظم متتبِعٍ لأقوال من عاصره من الصحابة حفظاً ودراية على ما في أبي داود من حديث ميمون بن مِهْران قال: قدِمتُ المدينة فَدُفِعت إلى سعيد بن المسيَّب، فقلت: فاطمة بنت قيس طُلِّقت، فخرجت من بيتها؟ فقال: تلك امرأة فَتَنَتِ الناس، كانت لَسِنَةً، فَوُضِعَتْ على يد ابن أم مكتوم.
وهذا هو المناسب لمنصبه، فإنه لم يكن لينسُبَ إلى صحابية ذلك من عند نفسه. وفي الحديث: أن سليمان بن يَسَار قال: خروج فاطمة إنما كان من سُوء الخُلُق. وممن ردّه زوجها أسامة بن زيد حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا ذكرت فاطمة شيئاً من ذلك، يعني من انتقالها في عدّتها، رماها بما في يده. رواه عبد الله بن صالح من حديث الليْث بن سعد بسنده. فهذا لم يكن إِلاَّ لعلمه بأنه غلط منها، أو لِعِلْمه بخصوص سببه من اللَّسَنِ أو ضيقِ المكانْ.
وممن رده: زيد بن ثابت، ومروان بن الحكم. ومن التابعين: ابن المسيَّب، وشُرَيْح، والشَّعْبي، والحسن، والأسود بن يزيد، وممن بعدهم: الثوريُّ وأحمد بن حنبل وخلقٌ كثير من بعدهم.
---
(3/454)
________________________________________
***
وقال الطحاوي: إن الله تعالى لما بيَّن بقوله: {يَأيها النَّبيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} الآية، أن للمطلقة السُّكنى، ونهاها عن الخروج، ونهى الزوج عن إخراجها، من غير تفرقة بين المطلقة للسُنَّة التي لا رَجْعَة عليها، وبين التي عليها الرجعة. وجاءت فاطمة وروت التفرقة بينهما على خلاف ما رُوي عن عمر، وما جاء به الكتاب صحّ احتجاج عمر وبطل حديثها.

فإن قيل: المراد بالآية المطلقة رجعياً لقوله تعالى في آخرها: {فإذا بَلَغْنَ أجَلَهنَّ فأمسِكُوهُنَّ بمعروفٍ أو فارِقُوهنَّ بمعروف} وهو حكم الرجعة دون البائن. أُجيب بأن صدرَ الآية عام وآخرَها خاص ببعض ما تناوله الصدر، وذلك لا يُبْطِل عمومَه. ونظير ذلك قوله تعالى: {والمُطلَّقاتُ يَتَرَبَصنَّ بأنْفُسِهنَّ ثلاثةَ قُروء} فإِنه عام في البائن والرجعي ولم يبطل عمومه بآخر الآية الخاص بالرجعي، وهو قوله تعالى: {وبُعُولَتُهنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلك}،
(لا لمُعتدَّة الموتِ) أي لا نفقة لها، لأن احتباسها لحق الشرع لا لحق الزوج، فإن التربُّصَ منها عبادة، ولهذا لا يراعى فيها التعرُّف عن براءة الرَّحِم بالحيض مع إمكانه. وعن الشافعي في وجوب السكنى قولان: أحدهما: عدم الوجوب، وهو اختيار المُزَنِيّ. وثانيهما: الوجوب، وهو قول مالك. (والمفرَّقة) أي ولا نفقة للمفرَّقة بينها وبين زوجها (بمعصية) منها (كالرِّدة، وتقبيلِ ابن الزوج) بأَنْ قَبَّلَتْه بالشهوة في عصمة أبيه، أو عدته من الرجعي، لأنها حبست نفسها بغير حق، فصارت كالنَّاشِزة، بل أشدَّ منها لإزالتها النكاح بالكلية، بخلاف المفرَّقة بغير معصية، كخيار العتق والبلوغ، وعدم الكفاءة، لأنها حبست نفسها بالحق، وذلك لا يُسقِط النفقة، كما إذا مَنَعت نفسها لاستيفاء مهرها.
---
(3/455)
________________________________________
***
(ورِدَّة مُعتدَّة الثلاثِ تُسقِطُ النفقة لا تَمِكينُها) أي لا يُسْقط النفقة تمكين معتدة الثلاث (ابنه) أَي ابن الزوج، لأنه لا أثر حينئذٍ للرِّدة. إلا أنَّ المرتدة تُحْبَس لتتوب، ولا نفقة للمحبوسة، بخلاف الممكِّنَةِ ابن زوجها.
(ونفقةُ الطِفل) حال كونه (فقيراً على أبيه) لأنه تعالى أوجب نفقة النساء على الرجال لأجل أولادهن، لقوله تعالى: {وعلى المَوْلُودِ له رِزْقُهنَّ وكِسْوتُهنَّ بالمعروف} لأن ترتب الحكم على الوصف يُشعر بالعِلِّيَةِ، فَلأَن تجب نفقة الأولاد أولى. والمولود له هو الأب، ولأنه تعالى أوجب على الأب نفقة طِفله من اللبن وغيره وقت الرضاع بقوله: {فإن إرْضَعْنَ لكم فآتوهنَّ أجُورَهُنَّ}، فيجب بعده بجامِع الفقر والعَجْز.
ونفقة الإرضاع على الأب لا يشاركه فيها أحد، فكذا نفقة الأولاد الصغار، وكذا يجب عليه نفقة طِفلٍ ابنهِ فقيرين (لا يشاركه) أي الأب في نفقة طِفْله (أحد) من الأم ونحوها (كنفقة) أي كما لا يشاركه أحد في نفقة (أبويه وعِرْسه) وعن أبي حنيفة أن نفقة الطفل على الأب والأم أثلاثاً بحسب ميراثهما. قيد بالأب لأن الجد والأم يشاركهما غيرهما، لأن نفقة الطفل عليهما على قَدْر ميراثهما في ظاهر الرواية. وبه قال أحمد. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها على الجد وحدَه، وهو قول الشافعي.

(وليس على أُمه إرضاعُهُ) قضاءً، لأنه من النَّفقة وهي على الأب. قيدنا بالقضاء لأن عليها إرضاعه ديانةً، كخدمة البيت من الكَنْسِ، والطبخ، والخَبز (إلا إذا تعينَتْ) بأن لم يوجد غيرها، أو وجد ولم يقبله الطفل، أو كان الأب مُعسِراً، فإنها تُجبرُ على إرضاعه صِيَانة للولد عن الضياع. وأوجب مالك على الأم إرضاع ولدها بلا أُجرة إذا كانت تحته، أو طُلِّقت رجعية ولا مانع، كأن تكون عالية القدر.
---
(3/456)
________________________________________
***
ولنا أن الإرضاع كالنفقة، ونفقة الصغير على الأب دون الأم، فكذا الإرضاع، وربما لا تقدر عليه لعذر بها، فلو أُجبِرَت تضررت، وقد قال الله تعالى: {لا تُضَارَّ والدةٌ بِوَلَدِهَا} أي بإلزامها الإرضاع مع كراهتها. كذا قرّروه، والظاهر أن الأعذار تمنع الإجبار من غير خلاف للإضرار.
(ويستأجِرُ الأب مَنْ يُرْضِعُهُ عندها) إن أرادت ذلك، لأن لها الحضانة (ولو استأجَرَها) أي الأب الأمَّ حال كونها (مَنْكُوحَةً له أو معتدةً من رَجعي لتُرْضِعَه لم يَجُزْ) لأن الإرضاع مُستَحَقَ عليها ديانة بقوله تعالى: {والوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أولادَهنَّ حَوْلَيْنِ} واستئجار الشخص لأمر مُستَحقَ عليه لا يجوز. وأجازه الشافعي، لأنها كالأجنبية بالنسبة إلى هذه الأعمال، ولذا لو امتنعت عنه لم تُجبر عليه، فيصح إجارتها نفسَها، كما يصح لإرضاع ولد له من غيرها.
(وفي) استئجار الأم (المبتوتة) المعتدة (روايتان) الجواز، لأن النكاح قد زال فالتحقت بالأجانب، وعدمه وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، لأن العِدَّةَ من أحكام النكاح، ولهذا يجب لها النفقة والسُّكنى، ولا يجوز للزوج أن يدفع الزكاة إليها، ولا أن يشهد لها.
(وَلإِرضَاعِهِ) عطف على لِتُرضعه، أي ولو استأجرها (بعد العِدّة) لإرضاع ابنه منها، أو لابنه من غيرها وهي في نكاحه (صَحَّ)، لأن الإرضاع ليس بمُستَحقَ عليها (وهي) أي الأم بعد العدة (أَحق من الأَجنبية) لأنها عليه أشفق، ولبنها له أوفق، وهي به أرفق، فكانت أحق (إلا أن تطلبَ) الأم (زيادة أجر) على الأجنبية دفعاً للضرر عن الأب، أو تكون الأجنبية ترضعه بغير أجر والأم بأجر، لقوله تعالى: {لا تُضَارَّ وَالدةٌ بِوَلَدِهَا ولا مُوْلُودٌ له بِوَلَدَهِ}. قالوا: مُضارَّة الأب إلزامه الزيادة على أجرة الأجنبية، وقد قال الله تعالى: {وإن تَعَاسَرْتُم فَستُرضعُ له أخرى}.
---
(3/457)
________________________________________
***
(ونفقةُ البنت بالغةً) ليس لها زوج (والابن) بالغاً (زَمِنَاً) إذا كانا فقيرين، وكذا إذا كان أعمى، أو ذاهِبَ العقل فقيراً، أو طالبَ علم لا يهتدي إلى الكَسْب، أو من ذوي البيوت وأبناء الكِرَام، أو لا يجد من يستأجر، فهو عاجزٌ. قال الحَلْواني: ورأيت في موضع أن هذا إن كان بهم رشد (على الأب خاصة) لأنه لا يشاركه أحد في مؤنة رضاعهما صغيرين، فكذا في نفقتهما كبيرين (وبه يُفتى)، ومختار الخَصَّاف وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنها تجب أثلاثاً: ثلثان على الأب وثلث على الأم.

(وعلى المُوسِر يَسَارَ الفِطْرَة) وهو أن يَملِكُ نِصَاباً من أي مال كان، فاضلاً عن حاجته الأصلية، لأنه المعتبر لوجوب المواساة في الشرع ولو كان كسوباً، وهذا عند أبي يوسف. وعند محمد: تقدير اليَسَار هنا بأن يَفضُلَ عن نفقته ونفقة عياله شهراً إن لم يكن من أهل الحِرَف، وعن نفقتِهِ ونفقة عِيَاله كل يوم إن كان من أهلها، حتى لو اكتسب درهماً كل يوم وكفاه بعضه يجب صرف باقيه إلى قريبه. قال صاحب «التحفة»: قول محمد أرفق.
وجعل في «الهداية» الفتوى على قول أبي يوسف. وعند الشافعي بأن يَفضُلَ عن قُوتِهِ وقوت عياله ما يُصرف إلى قريبه.
(نفقةُ أصولِهِ الفقراء) من أبويه، وأجداده، وجدّاته من الطرفين وإن عَلَوا، (بالسَّويَّة بين الابن والبنت) في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنها بالتفاوت على الذكر مِثْل حظِ الأنثيين على قياس الميراث، ونفقة ذوي الأرحام، وبه قال الشافعي وأحمد. والأول أصح لأن استحقاق الأبوين النفقةَ باعتبار حق المِلك لهما في مال الولد، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالُك لأبِيْك». وهو في الذَّكَر والأنثى سَواء، ولهذا ثبت لهما هذا الاستحقاق مع اختلاف المِلَّة وإن انعدم التوارث بسبب اختلاف المِلَّة.
---
(3/458)
________________________________________
***
(ويُعتبر فيها) أي في نفقةِ الأصول. وفي بعض النُسخ: «فيه»، أي في هذا النوع من النفقة (القُرب والجُزئية) لا الإرث، ولهذا يجب مع اختلاف الدين.
(ففي مَنْ له بنتٌ وابنُ ابنٍ) كلها (على البنت) للعلتين، (وفي ولد بنت وأخ على ولدها) قال الحَلْواني: لو كان الأب قادراً على الكسب لا يُجبر الابن على نفقته، لأنه غني باعتبار كسبه. وقال السَّرَخْسِيُ: قيل: وهو ظاهر الرواية إذا كان الابن قادراً على الكسب، لا تجب نفقتُه على الأب. وإذا كان الأب قادراً على الكسب تجب نفقته على الابن، لأن معنى الأذى في الكدِّ والتعب أكثر منه في التأفيف المنهيّ عنه في حق الأبوين حيث قال الله تعالى: {فلا تَقلْ لهما أُفَ}. وأما الأجداد والجدات فإنهم كالآباء والأمهات، ولأنهم تسببوا لإحيائه، فاستوجَبُوا عليه الإحياء، كالأبوين. وإنما شُرِطَ الفقر لأنهم لو كانوا موسرِينَ لا يجبُ نفقتُهم عليه، إذ الأصل أن نفقة الإنسان في ماله.
(و) على الموسِرِ (نفقةُ كلِ ذي رحمٍ مَحْرَمٍ صغيرٍ) فقير أو كبير عاجز عن الكسب (أو بالغة فقيرة) حتى يكون نفقة الصغيرة على الأم والجد أثلاثاً، ونفقة الأخ المعسر على أخواته المتفرِّقات المُوسِرَات أخماساً، لأن في قوله تعالى: {وعلى الوَارِثِ مثلُ ذلك} إشعاراً باعتبار المِقدَار، ولأن الغُرْم بالغُنْمِ. وشُرِطَت المحرمية لقراءة ابن مسعود: «وعلى الوارِثِ ذي الرَّحِمِ المَحْرَم مثلُ ذلك» فقيِّدَ المطلق به، إذ قراءته لا تنزل عن رواية، ومن يكون محتاجاً من الوارثين يُجعل في حكم المعدوم (أو ذَكَرٍ زَمِنٍ، أو أعمى: على قدْرِ الإرث).
---
(3/459)
________________________________________
***
وعند الشافعي لا يجب غير نفقة الوِلاد، فلا تجب النفقة لغير الوالدين والمولودين، لأن استحقاق الصِّلة عنده باعتبار الولاد دون القرابة، حتى لا يَعْتِقُ أحدٌ على أحد إلا الوالدان والمولودون عنده. وجعل قَرَابة الإخوة كقرابة بني الأعمام، وحمل قوله تعالى: {وعلى الوارِثِ مِثْلُ ذلك} على نفي المُضارَّة دون النفقة. وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: المراد بالوارث وارث الأب، وهو الصبي نفسُه. والمعنى: أنه مات أبوه وورثه، وجبت أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال أجبرتِ الأم على إرضاعه. وقيل: المراد به الباقي من الأبوين من قوله صلى الله عليه وسلم «واجْعَلْه الوَارِثَ مِنَّا».
وأجيب بأن الإشارة بذلك للبعيد، وهو هنا وُجوبُ الرزق والكسوة على الأب. ونفي المُضارَّة لا يختص بالوارث، بل يجب على غيره أيضاً، فلا تحمل الآية عليه، بدليل قول عمر وزيد، فإنهما قالا: {وعلى الوَارِثِ مِثْلُ ذلك} من النفقة.
ثم اعلم أن مالكاً قصر النفَقَة على الصُلْبيّ، أي قريب الوِلاد بلا واسطة، حتى لا يجب عنده نفقةُ جِدَ ولا جدّةٍ، ولا ولد ولد، بل يجبُ على الأب نفقة ولده المحصور (الفقير) على قدر حاله حتى يحتلم، عاقلاً غير زَمِنٍ بما يمنع التكسّب. وعلى الولد كبيراً كان أو صغيراً، ذكراً كان أو أنثى: نفقة أبويه الفقيرين، صحيحين كانا أو زَمِنَيْن، مسلمين أو كافرين، لأن إنفاقَه على من يثبت بينه وبين جزئية بلا واسطة، كأنه إِنفاقٌ على نفسه، فيجب بخلاف غيره.
وقال ابن أبي ليلى: تجب النفقة على كل وارث مَحْرماً كان أو غير محرم. واستدل بظاهر قوله تعالى: {وعلى الوَارِثِ مِثْلُ ذلك}.
---
(3/460)
________________________________________
***
ولنا ما قدّمنا من قراءة ابن مسعود: «وعلى الوَارِثِ ذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ مِثْلُ ذلك» فقيَّدَ المطلق به، ولأنه الذي يَحرُم قطعُه. ومنعُ النفقةِ مع يَسَار المنفقِ يؤدي إلى قطيعة الرَّحِمِ، وهي من الملاعِنِ، قال الله تعالى: {أولَئكَ الذيْنَ لَعَنَهم ا} وقد ورد: «الرَّحِمُ معلقةٌ بالعرش تقول: مَنْ وصلني وَصَلَه الله، ومَنْ قَطَعَني قَطَعَه الله». رواه مسلم عن عائشة.
وشَرطَ الصِّغر أو الفقر أو الزَّمَانَة لتحقق العجز، فإِن هذه الأمور أمَارَةُ الحاجة. وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اليد العُليا أفضل من اليد السُّفلى، وابدَأْ بِمَن تَعُول: أُمَّكَ، وأَباكَ، وأختكَ وأخاك، وأدنَاك فأدناك». وهو في «الصحيحين» وغيرهما بنحوه من حديث حكيم بن حِزَام . وروى الطبراني في «الأوسط» من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أنفق المرءُ على نفسِهِ، وأهله، وولده، وذي رَحِمِهِ وقَرَابَتِهِ، فهو له صدقة».

(ويعتبر) في نفقة ذي الرحم المحرم (أهلية الإرث لا حقيقته) لأن حقيقة الإرث لا تُعلم إلا بعد الموت، وحينئذٍ تسقط النفقة، (فنفقة مَنْ له خالٌ وابن عم على الخال) لأنه ذو رحم محرم، يمكن أن يرث ممن له النفقة بناءً على توريث ذوي الأرحام، بأن يموت ابن العم قبله. وإِن استويا في المَحْرَميَّةِ والأهليةِ للإرث تَرَجَّحَ مَنْ كان وارثاً في الحال، فلو كان له عم وخال، أو عم وعمة، تجب النفقة على العم، لاستوائهما في المحرمية، وتَرَجَّحَ العمُّ بكونه وارثاً في الحال بالنسبة إلى العمة والخال.
---
(3/461)
________________________________________
***
(ولا نفقَةَ) تجب (مع الاختلافِ دِيْناً إلا للزوجة والأصول) الأبوين، والأجداد، والجدَّات (والفروع) الولد وولد الولد. أما الزوجة فلأن نفقتَهَا لاحتِبَاسها بحقٍ مقصودٍ بعقدِ النِّكَاح، وذلك يَعتَمِدُ صحةَ العقدِ دونَ اتحاد المِلة. وأما الأصول والفروع فلأن نفقتهم باعتبار الجُزئية، وجُزءُ المرء في معنى نفسه، وكما لا يُمنع نفقَةَ نفسِهِ بكفره، لا يُمنع نفقَةَ جزئِه إلا أنهم إذا كانوا حَربِيّين لا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا مستأمَنين، لأنا نُهينا عن بِرِّهم، لقوله تعالى: {إنَّما يَنْهَاكُم ا عن الذين قَاتَلُوكُم في الدِّيْن} الآية.
وكان القياسُ في حق الوالدين والولد أنْ لا يثبت استحقاق النفقة مع اختلاف المِلة، لأن استحقاقَها بطريق الصِّلة كنفقة الأقارب، ولكنهم استحسنوا وأوجبوا على الولد المسلم نفقة أبويه الذِّميين، لقوله تعالى: {وصَاحِبْهُما في الدنيا مَعرُوفاً} وليس من المُصاحبةِ بالمعروف أن يتقلب في نِعم الله تعالى ويدعهما يموتان جُوعاً وعُرْياً. والأجداد والجدَّات من قِبَل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، لأن استحقاقَهم باعتبار الوِلاد، وبمنزلة استحقاق الأبوين.
(ولا) نفقة تجب (مع الفقر) وفي بعض النُسخ: ولا على الفقير (إلا لها) أي الزوجة. (وللفُرُوعِ) الصغار. وقيل: إذا كان فقيراً زَمِناً أو أعمى، تجب نفقة أولاده في بيت المال كنفقته. (ولا) نفقة تجب (للغني إلا لها) أي للزوجة، لأن نفقتَها جزاءُ احتباسِها، وهو موجود في «الغُنْية».
---
(3/462)
________________________________________
***
(وباع الأب) عند أبي حنيفة لنفقتِهِ بقَدْر حاجته (عَرْض ابنه) الكبير الغائب، لأنه إذا كان حاضراً لايبيع الأب عَرْضه اتفاقاً، وإذا كان صغيراً يبيعه اتفاقاً. والمراد بالعَرْض هنا ما يُنقل (لا عَقَارَه) أي لا يبيع الأب عَقَار ابنه (لنفقتِهِ) متعلق بـ: باع. والقياس أن لا يبيعَ العَرْض أيضاً إذا كان الابن كبيراً، وهو قول أبي يوسف ومحمد، لأن ولاية الأب زالت ببلوغ الابن رشيداً، إلا فيما يبيعُه تحصيناً له، فللوصي وللأب بيع عُرُوض الابن الغائب تحصيناً لماله، وبيعه هنا ليس للتحصين، بل لنفسه وليس له هذه الوِلاية. ألا تَرى أنَّ النفقَةَ لا تكون أوجب من سائر الديون. وليس لأب بيع شيء من مَتَاع ولده في دين له عليه، ولا يقضي القاضي بذلك أيضاً، لأن فيه قضاءً على الغائب، فكذا في النفقة واستحقاق الأم النفقة، كاستحقاق الأب، وهي لا تبيع عُرُوض الولد في نفقتِها فكذا هو.

ولأبي حنيفة ـ وهو وجه الاستحسان ـ أن للوالِدِ أن يتملَّك مال ابنه عند الضرورة، ونفقة نفسه منها. ولأن ولاية التصرُّف وإن زالت بالبلوغ عن عقل، فولاية الحِفْظ ثابتة، لأن ولاية الحفظ تثبت لمن لا يثبت له ولاية التصرف، كالوصي في حقِ الوارثِ الكبيرِ الغائب له ولاية الحِفظ وبيع العُرُوض، فالأب بذلك أحق لأنه أشفق، وبيعُ العُرُوض من الحفظ لأنه يُخشى عليه من التَّوَى، وحفظ الثمن أيسر وأيمن، وبعد البيع يصيرُ الثمن من جنس حقه، فله أن يأخذ منه قدْر النفقةِ. وإنما لا يبيع العَقَار لأنه مُعدٌّ للانتفاع به مع بقائه، ويحصل مقصود الأب من النفقة باستغلاله، فلا يجوز له بيعه إلا بكمال الوِلاية، وهو عند صِغَرِ الولد أو جُنُونه.
---
(3/463)
________________________________________
***
(لا لِدَين) أي لا يبيعُ الأب عَرْض ابنه لأجل دين (له) أي للأب (عليه) أي على الابن (سواها) أي سوى نفقة الأب، إذ لا ضرورة في ذلك (ولا الأم تبيع مالَه) أي مال الابن مطلقاً (لنفقتها) لأن تَمَلُّك مال الابن مخصوص بالأب، لقوله صلى الله عليه وسلم «أنْتَ ومالُكَ لأبيك». وفي «الذخيرة»: أن في الأقضية جواز بيع الأبوين عَرْض ابنهما. وهكذا ذكر القدوري في شرحه، بل ينبغي أن تكون هي بالجواز أولى لِضَعْفِها وكمال حاجتها، ولقوله صلى الله عليه وسلم «أمكَ، ثم أمك، ثُمَّ أباك، ثم الأقرب فالأقرب».
(وضَمِنَ) قضاءً لا ديانة (مُودَعُ الابن لو أنفقها) أي الوَدِيْعة (على أبويه بلا أمر قاضٍ) لتصرفه في مال غيره بدون إذنه، بخلافِ ما إذا أمره القاضي لعموم ولايته. وإذا ضَمِنَ لا يرجع على القابض، لأنه مَلَكَ بالضمان، فَظَهَرَ أنه كان متبرعاً. وإنما قلنا: إنه لا يضمن ديانة، حتى كان له أن يَحلِف بعد موت المودِع أنه لا حق لورثته قِبَلَه، لأنه لم يُردْ بذلك غيرالإصلاح. وفي «النوادر»: إذا لم يكن في مكان يمكن استطلاع رأي القاضي لا يضمن استحساناً، وقد قالوا في رجلين كانا في سفرٍ فأُغمي على أحدهما، فأنفقَ رفيقُه عليه من ماله، أو مات فَجَهَّزَه صاحبه من ماله، لم يضمن استحساناً. (لا الأبوان) أي لا يضمن الأبوان (لو أنفقا ماله) وديعة (عندهما) لأن نفقتَهُما واجبةٌ على الابن بدون القضاء، فاستوفيا حقَّهُما.
---
(3/464)
________________________________________
***
(وإذا قُضِي بنفقةِ غير العِرْس) وهم: الولد والوالدان، وذوو الأرحام (ومضت مدة سقطت) وبه قال الشافعي وأحمد، لأن نفقة هؤلاء لكفاية الحاجة، فتسقط بحصولها، (إلا أن يأذن القاضي) لِمَن له النفقة (بالاستدانة) على الغائب واستدان عليه، لأن للقاضي ولايةً عامة، فصار إذنه كإذن الغائب. ولو ضاعت نفقة مُعجَّلة أو كِسْوة لذوي الأرحام، يفرض لهم مرة بعد أخرى، لتحقق حاجتهم، ولو ضاعت نفقة أو كِسوة للزوجة لا تفرض لها نفقة أخرى، لعدم اعتبار الحاجة في حقها، ولهذا تجب النفقة لها مع غناها، وبعكس هذا لو بقيت النفقةُ المفروضة في مدةٍ بعد المُدة، تُفرض للزوجات ولا تفرض لذوي الأرحام. ولو عجّل نفقةَ مدةٍ ثم مات أحدهما قبل المدةِ، يسترد في الزوجات عند محمد دون الأقارب.

(ونفقةُ المملوك) ذكراً كان أو أنثى، مدبَّراً أو أمّ ولد، لا مكاتَباً لالتحاقه بالأحرار (على سيِّدهِ) للإجماع، ولقوله صلى الله عليه وسلم «هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعِمْه مما يأكل، وليُلْبِسه مما يَلْبَس، ولا تُكلِّفُوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلَّفْتُموهُم فأعينُوهم». رواه الشيخان، وزاد أبو داود: «من لم يُلائمكم منهم فَبِيعُوه، ولا تُعذِّبوا خَلْق الله». ولأن نفعَه له، والغُرْمُ بالغُنْم.
---
(3/465)
________________________________________
***
(فإن أبى) السيد عن الإنفاق عليه (كَسَبَ) المملوك (وأنفَقَ) على نفسه، نظراً له ببقاءِ نفسِه، ولسيِّده ببقاء مِلكه، (وإن عَجَزَ عنه) أي عن الكسب: بأن كان صغيراً، أو زَمِناً، أو أعمىً، أو جاريةً لا يُؤجر مِثْلُها. (أُمِرَ ببيعه) إن كان قِنًّا، لأن المملوك من أهل الاستحقاق، وفي بيعه إيفاءُ حقِّه بدون إبطال حق المولى، لقيام ثمنه خَلَفاً عنه، بخلاف المدبَّر وأمِّ الولد، حيث يُجبر على الإنفاق عليهما إذا عَجَزا عن الكسب، لأنهما عاجزان ولا يقبلان النقل من ملكه، ومنفعتُهما له فيُجبر على نفقتِهما، وبخلاف سائر الحيوانات حيث لا يُجبر على بيعها، ولا على الإنفاق عليها، لأنها ليست من أهل الاستحقاق. والمَقْضِي له لا بد أن يكون من أهله، ولكنه يُفتى فيما بينه وبين الله تعالى بأن ينفق عليها أو يبيعها، ويكون آثماً معاقباً في جهنم بحبسها عن البيع مع عدم الإنفاق عليها.
ففي الحديث: «امرأة دخلتِ النار في هِرةٍ حبستها حتى ماتت، لا هي أطلقتها فتأكُل من خَشَاش الأرض، ولا هي أطعمتْها». وعن أبي يوسف: أنه يُجبر، وهو قول مالك والشافعي. وغاية ما فيه أن يتصور فيه دعوى حُسْبة، فَيُجبِرهُ القاضي لترك الواجد .
ويُقوِّيه ما في حديث يَعْلى بن مُرَّة الثَّقَفي على ما رواه البغوي: بينا نحن نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مررنا ببعير يُسْنَى عليه، فلما رآه البعيرُ جَرْجَرَ ـ أي صَوَّت ـ ووضَع جِرَانه ـ وهو بكسر الجيم: مُقدَّم عُنُقِه ـ فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أين صاحبُ هذا البعير»؟ فجاء فقال: «بِعْنِيه» فقال: لا بل أهَبه لك يا رسول الله، فقال: «لا، بِعْنِيْه» قال: لا بل نهَبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيتٍ ما لهم معيشة غيره، فقال: «أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شَكَى كثرة العمل، وقِلَّة العَلَفِ، فأحسنوا إليه».
---
(3/466)
________________________________________
***
وأما غير الحيوان، كالعَقَار، والزرع، والشجر، فيُكره له أن لاَ ينفق عليها حتى تفسد، للنهي عن تضييع المال. ولو كان عبدٌ بين رجلين يُجبَرَان على نفقته. وفي الدَّابة لا يجبران، فلو طَلَب أحدهما من القاضي أن يأمره بالنفقة عليها حتى لا يكون متطوعاً، فالقاضي يقول للآبي: إما أن تبيع نصيبك من الدابة، أو تنفق عليها رِعاية لجانب الشريك، هكذا ذكره الخَصَّاف. وفي «المحيط»: يُجبر صاحبه، لأنه لو لم يُجبر لتضرر الشريك. ولو امتنع المولى من الإنفاق على عبده، فتناول من مال سيده، فله ذلك إن كان عاجِزاً عن الكسب، أو قادراً عليه ونهاه عنه، وإلا فليس له ذلك. ولو أعتق عبداً زَمِناً أو صغيراً سقطت نفقته، ويجب في بيت المالِ، لأنه ليس بينهما مَحرميَّة، والله تعالى أعلم.

كتاب العَتَاق
هو بفتح العين، العِتق والحرية وكذا العَتَاقة.
وفي الشرع: قوةٌ حُكمية يَصيرُ بها المرءُ أهلاً للشهادة والوِلاية، وإثبات هذه القوة يُسمى إعتاقاً، فلا يَتَجَزَّى كالعِتقِ والرِّقِ، لقوله صلى الله عليه وسلم «من أعتَقَ شِقْصاً له في عبدٍ، فَخَلاصُهُ عليه في ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مالٌ قُوِّم عليه فاستسعى العبد به غير مَشْقُوقٍ عليه». رواه الستة في كتبهم. وهذا عند أبي يوسف ومحمد.
وعند أبي حنيفة: هو إزالة المِلْك عن المملوك، فيَتجزىء عنده، وكذا الكتابةُ والتَّدْبيرُ، فإنهما يتجزيان عنده، لأنهما من فُرُوعه. وذلك لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم «من أعتَقَ شِركاً له في عبد، وكان له مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العبدِ، قُوِّم العبدُ عليه قِيمَةَ العدل، فأَعْطَى شُركاءَهُ حِصَصَهُم وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلا فَقَدْ عَتَق مِنه ما عَتَقَ». رواه الستة من حديث ابن عمر.
---
(3/467)
________________________________________
***
وقول البخاري: قال أيوب: لا أدري أشيءٌ قاله نافع أو شيءٌ في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني قوله: «وإلا فَقَد عَتَقَ منه ما عَتَق»، لا يضر إذ الظاهر، بل الواجب أنه منه، إذ لا يجوز إدراجُ مثل هذه عن غير نَصَ قاطع في إفادة أنه ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن في الحديث عِلةٌ قادحةٌ، كما أجاب عنه بعض المحققين.
وهو مندوب إليه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وما أدْرَاكَ ما العَقَبةُ فَكُّ رَقَبةٍ} إلى قوله: {أولئِكَ أصحابُ المَيْمَنَةِ}.
وأما السنة: فما في الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما امرء مسلم أعتق رقبةً مؤمنةً، أعتق الله بكلِ عُضوٍ منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفَرْج بالفَرْج». وروى الترمذي ـ وقال: صحيح غريب ـ عن أبي أُمَامَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرء مسلم أعتَقَ امرأً مسلماً، استنقذ الله بكل عضوٍ منه عضواً من النار»، وفي لفظ: «من أعتق رقبةً مؤمنةً أعتقَ الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفَرْج بالفَرْج».
وروى الترمذي ـ وقال: صحيح غريب ـ عن أبي أُمَامَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما امرء مسلمٍ أعتَقَ امرأً مسلماً كان فِكَاكه من النار، يُجزىء كل عضو منها عضواً منه، وأيُّما امرء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يُجزىء كل عضو منهما عضواً منه». وفي لفظ لأبي داود وابن ماجه: عن كعب بن مُرَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما رجل مسلمٍ أعتَقَ رجلاً مسلماً، كان فِكَاكه من النار، وأيُّما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار». وفي قوله صلى الله عليه وسلم «أعتق الله بكل عضو» إيْمَاءٌ إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن العتق يتجزىء.

وأما الإجماع: فإنه ليس لأحد في استحبابه النزاع.
---
(3/468)
________________________________________
***
(وهو) أي الإعتاق (يَصِحُّ مِنْ حَرٍ) لأن المملوك لا مِلْك له، والعتقُ لا يقع إلا في الملك (مُكلَّفٍ) أي عاقلٍ بالغٍ ولو كافراً لأن العتقَ تبرُّع، وليس واحد من الصبي والمجنون بأهل له. ولهذا لو قال البالغ: أعتقت وأنا صبي، أو قال المفيقُ من جنونه: أعتقتُ وأنا مجنون، لم يقع عتق، لإسناده إلى حالة منافية. وكذا لو قال الصبي: إذا بلغت، أو المجنون: إذا أفقت فعبدي حرٌ، لأنه ليس بأهل لقول ملزم، وإنما لم يقل في ملكه كما قال غيره، لأن عِتقَ مِلك الغير موقوف على إجازة المالك. ومراده ما يصح، سواء كان نافذاً أو موقوفاً، ثم مال العبد وقت العتق لمولاه عند الجمهور. وقال الحسن، وعطاء، والنَّخَعي، ومالك، وأهل المدينة: للعبد.
(بِصَريْح لَفْظِهِ) وهو لفظ يدل على العتق بالوَضْع، (بِلا نِيّة، كأنت حرٌ، أو معتَقٌ، أو عَتِيقٌ، أو أعتقتُك، أو مُحَرَّرٌ، أو حَرَّرتُك) لأن هذه الألفاظ موضوعة للإعتاق شرعاً وعرفاً، فلا يفتقر إلى نية. ولو قال: أردت الكذب، أو أنه حر من العمل صُدِّق دِيَانة ـ لأنه مُحْتَمَل كلامه ـ لا قضاءً، لأنه خِلاف الظاهر. (أو هذا مَوْلاي) (أو هذه مولاتي) لأنه وصف لولاية العَتَاقة السفلى، فَيَعْتِقُ من غير نية، لأن المَوْلى لا يكون هنا بمعنى المَوَالي في الدين، لأنه مجازٌ لا دليل عليه، ولا بمعنى الناصر، لأن المالك لا يستنصر بمملوكه، ولا بمعنى ابن العم، لأن الكلام في العبد المعروف النَّسَب، ولا بمعنى المُعْتَق، لأن إضافته إليه في العبودية ينافي ذلك ، فالتحق بالصريح، فلم يحتج إلى النية. ولو قال: عنيت به المَوَالي في الدين، أو الكذب، يُصدَّق دِيَانة للاحتمال، لا قضاءً لمخالفة الظاهر.
---
(3/469)
________________________________________
***
(أو يا مَوْلاي) وإن لم ينو به العتق، لأن نداءه بهذا الوصف يقتضي ثُبُوتَه. وإثباتُه من جهته ممكن، فيثبت تصديقاً له، وكذا لو قال: يا عَتِيق، أو يا حر، إلا إن كان اسمه وناداه به، لأن مراده حينئذٍ الذات دون الوصفِ، حتى لو ناداه بلفظ آخر بمعناه عَتَق.
مثل أن يكون اسمه حراً فيقول: يا عتيق أو بالعكس، إذ الأَعلام لا تتغيَّر فيعتبر إخباراً عن الوصف. وشرط زفر النية في «يا مولاي» ونحوه. وبه قال مالك والشافعي، لأن هذا اللفظ في موضع النداء يراد به الإكرام لا التحقيق، كقوله: يا سيدي، يا مالكي، وأنا عبدك ونحو ذلك، فإنه لا يعتِق بلا نية، فكذا إذا قال: يا مولاي.

ولنا أن الكلام محمولٌ على حقيقته ما أمكن، وحقيقة قوله: يا مولاي أن يكون له عليه وَلاء، وقد تعيّن المُعتَقُ لذلك، فالتحق بالصريح، بخلاف نحو: يا سيدي، فإنه ليس فيه ذكر ما يختص بإعتاقه إياه، فكان إكراماً محضاً.
(ورأسُكَ حُرٌ ونحوه مما عُبِّر به عن البَدَنِ) كالوجه، والرأس، والرقبة. وأما الفَرْج فيختص بالأمة لقوله صلى الله عليه وسلم «لعن الله الفُروجَ على السُّروجِ»، لأن التحرير يقعُ في جملة الأعضاء، فلا بد من الإضافة إليها، أو إلى ما يُعبر به عنها، حتى لو أضافه إلى غير ذلك، كاليد والرجل لا يقع عندنا، خلافاً لمالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول زفر. وقد مرت المسألة في الطلاق.
(وبِكنَايتِهِ) عطف على «بصريح لفظه». وكناية العتق لفظ غير موضوع له يحتمله وغيره (إنْ نوى) الإعتاق، قَيَّد به، لأن أحد المُحتَمَلين لا يتعين إلا بالنية إزاحة للاشتباه والاحتمال، (كـ: لا مِلك لي عليك، ولا سبيل) لي عليك أو إليك (ولا رِقّ) لي عليك، (وخرجت عن ملكي، وخَلَّيتُ سبيلَك) لأن كلاً من هذه الأشياء يكون بالبيع، وبالكتابة، وبالعتق، والمُحتمِلُ لا يتعينُ فيه جهة بلا نية، فلا يعتق بدونها.
---
(3/470)
________________________________________
***
(ولأمتِهِ) وكذا لعبده (قد أطلقتك) لأنه بمنزلة: خلَّيتُ سبيلك (وبـ: هذا ابني) عطف على «بصريح لفظه» أو على قوله: بكنايته، كما صرح به المصنف في «شرح الوقاية». وإنما ذكر حرف الباء لئلا يُتَوَهم أنه عطف على أَمثلة الكناية كما صرح به فيلزم حينئذ أنه كناية وليس كذلك، لأنه لو كان كناية لاحتاج إلى النية، وهو غير محتاج إليها (للأصْغَرِ) سناً من مالكه (والأكْبَرِ) سناً منه.
أما الأصغر إذا كان يولد مِثْلُه لمثله ولم يكن ثابت النسب من غيره، فلأنه ثَبَتَ نسبُه منه، فَيَعْتِقُ عليه وإن لم ينو، وإذا كان لا يولد مثله لمثله، أو كان ثابت النسب من غيره، فلأن الحرية لازمة للبنوة إلا أن تكون الأُم أَمة الغير. والإقرار بالشيء إقرار بلوازمه، فيكون هذا مجازاً عن الحرية فيعتِق وإن لم ينو، لأن المجاز متعين. وأما الأكبر فالمذكور قول أبي حنيفة، وأما عندهما: فلا يعتق لأنه محال، فَيُردّ كما لو قال: أعتقتك قبل أن أخلق، أُو قبل أن تُخْلق.
ولأبي حنيفة: أنه صحيح بمجازه، فيصار إليه وإن كان مستحيلاً بحقيقته، كمن حَلَفَ لا يأكل من هذه النخلة، فإنه ينصرف إلى ما يخرج منها. والإعتاق قبل الخَلْقِ إعتاقٌ قبل المِلْك، فيستحيل بالكلية. وعلى هذا الخلاف لو قال للأصغر: هذا أبي، أو هذه أمي. وفي «الذخيرة»: لو قال لغلامه: هذا عمي، أو هذا خالي يعتِق، ولو قال: هذا أخي لا يعتِق في ظاهر الرواية، لأن اسم الأخ يطلق على الأخ في الدين، قال الله تعالى: {إنَّما المؤمنونَ إخوَة}، وعلى الأخ في القبيلة قال الله تعالى: {وإلى عادٍ أخَاهُم هوداً}، وكذا لا يعتق بـ:هذه بنتي في الأظهر. ولو قال: هذا ابني من الزنا يعتِق، ولا يثبت نَسَبُه لقوله عليه الصلاة والسلام: «الولدُ للفِرَاش وللعاهِرِ الحَجَر».
---
(3/471)
________________________________________
***
(لا) يعتق (بـ: يا ابني و: يا أخي) على ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يعتق، والظاهر الأول، لأن المقصود بالنداء استحضار المُنادَى، فإن كان بوصف لا يمكن إثباته من جهة المُنادِي نحو: يا ابني كان لمجرد الإعلام دون تحقيق الوصف لتعذره، لأنه لا يمكن إثبات البنوة بالنداء، سواء خُلق من مائه أو من ماء غيره، للقطع بأنه إذا خُلق من مائه لا تثبت الابنِيَّة إلا بذلك التخلق من ذلك الماء، لا باللفظ وإن كان بوصف يمكن إثباته من جهته نحو: يا حر، كان لإثبات ذلك الوصف.
(ولا سلطان) عطف على يا ابني، أي ولا بلا سلطان (لي عليك) عندنا وإن نوى بها العتق، لأن السلطان عبارة عن اليد، وقد يبقى الملك دون اليد. كما في المكاتَب، بخلاف قوله: لا سبيل لي عليك، لأن نفيَه مطلقاً بانتفاء الملك. وتوضيحه أن السلطان عبارة عن اليد وهو ينتفي بالكتابة، والرهن والإجارة، فلا يفيد نفيه نفي الملك، فلا يعتق، وإن نوى بخلاف: لا سبيل لي عليك، لأن للمولى سبيلاً على مملوكه وإن خرج من يده بالكتابة، لأنه يطالب ببدلها، حتى لو انتفى عنه ذلك بالبراءة عَتَق، فيفيد نفي السبيل ونفي الملك وذلك بالعتق أو بغيره، فإذا نواه صح وعتق.
قال أبو بكر الرَّازي: خَرَجَ الشيخ أبو الحسن الكَرْخي من الدنيا والفرقُ بين السبيلِ والسلطانِ مُشكلٌ عليه، وقد عرفتَه. وقال بعض مشايخنا: يعتِق إن نواه كما قال مالك والشافعي وأحمد، (لأن المِثْلَ يُستعمل للمشاركةِ في بعض المعاني عُرْفاً، فلا يتعين للحرية إلا بالنية).
(ولفظ الطلاق) أي ولا يعتِق بلفظ الطلاق صريحه (و) لا (كِنَايته) ولو (مع نية العتق) وهو قول مالك ورواية عن أحمد. وقال الشافعي: يعتق بهما، وبه قال أحمد في رواية، لأن النكاح فيه معنى الرِّق. وقد ورد مرفوعاً: «النِّكاحُ رِقٌ»، فيستعار أحدهما للآخر. ولأنه يُستباح بكل واحد منهما الوطء في محله.
---
(3/472)
________________________________________
***
ولنا: أنه نوى ما لا يحتمله لَفْظُه، فهو كما لو قال لها: كلي واشربي ونوى العتق. (وأنت) أي ولا بـ: أنت (مثلُ الحُرّ) لأن لفظ المِثْل يُستعمل للمُشاركة في بعض المعاني وللمشاركة في كلها، فوقع الشكُ في الحرية، فلا يعتِق. وقيل: إذا نوى العتق يَعتِقُ، كما لو قال لامرأته: أنت مثلُ امرأة فلان، وقد كان فلان آلى منها، فإنه يكون مولياً. (بخلاف ما أنت إلاَّ حُرٌّ) حيث يعتق، لأن الاستثناء من النفي إثبات على وجه التأكيد، فكان في هذا إثبات الحرية بأبلغ وجه.

(ومَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ) أي ذا قرابة (منه) بسبب الرَّحِم. ومَحْرَمٍ صِفةُ ذا، وجَرَّه للجوار، كذا في «شرح الوقاية». ولا فرق في هذا بين كون المالك صبياً أو مجنوناً، أو كون المملوك صغيراً أو كبيراً، مسلماً أو كافراً في دار الإسلام، لإِطْلاقِ قوله عليه الصلاة والسلام: «مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرمٍ منه عَتَقَ عليه». رواه النسائي عن ضَمْرة بن ربيعة الرَّمليّ، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن عمر مرفوعاً، وضَعَّفه بسبب انفراد ضَمْرة به عن سفيان. وصححه عبد الحق وقال: ضَمْرة ثقة، وإذا أسند الحديث ثقة لا يضر انفرادُه، ولا إرسال من أرسله، ولا وَقْف من وقفه. وصوَّب ابن القطان كلامه.
---
(3/473)
________________________________________
***
قيد بالرحم لأن المَحْرَم بلا رَحِمٍ كابنه من الرضاع لا يعتِق عليه اتفاقاً، وكذا المَحْرم بطريق المُصاهرة كأم الزوجة وبنتها الربيبة. وقيد بالمَحْرَمِ لأن الرحم بلا محرم كابن عمه لا يعتِق اتفاقاً. وقال الشافعي: لا يعتِق غير قرابةِ الوِلاد لأن العِتق على المِلك ثبت في قرابة الولاد على خلاف القياس لمكان الجُزئية، فلا يُلحق بها ما هو أنزل منها. وقال مالك: يعتق قرابة الوِلاد والإِخوة والأخوات، لأن العتق على المالك من أقوى صلات المملوك، فيختص هذا بأقرب القرابات وهي الوِلادة والأُخوة. وقال الأوزاعي: يعتِقُ كل ذي رحم ولو لم يكن مَحْرماً.
وبمذهبنا قال أحمد، والحسن البصري، وجابر بن زيد، وعطاء، والشَّعبيّ والزهري وحمَّاد، والحَكَم، والثوري، والنَّخَعي، والليث. وروي عن عمر وابن مسعود ولا يُعرف لهما مخالفٌ في الصحابة. والدليل: قوله عليه الصلاة والسلام: «من مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه فهو حر». رواه أحمد، وأبو داود، الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في «مستدركه» عن سَمُرَة. وفي «النهاية» لابن الأثير: وبه قال أكثر أَهل العِلْم من الصحابة والتابعين، وإليه ذهبَ أبو حنيفة وأصحابُه وأحمد.
(أو أعتق) عطف على مَلَك (لوجه الله تعالى أو للشيطان أو للصَّنَم) لأن العتق صَدَر من أَهْله في محله، فيعتبر وتلغو تسمية جهته، (أو) أعتق حال كونه (مُكْرَهاً أو سَكْرَان) في الأصح لوجود ركن العِتق من الأهل في المحل، كما في الطلاق. وخَالَفَنَا في المكرَه مالك والشافعي وأحمد.
---
(3/474)
________________________________________
***
(أو أضاف عِتقه إلى مِلك) نحو إن مَلكتُ عبداً فهو حر وبه قال مالك. وخَالَفَنَا فيه الشافعي وقد بينا ذلك في كتاب الطلاق. (أو) إلى (شرط) نحو: إن قَدِمَ فلانٌ فأنت حرٌ (ووُجِدَ) ذلك الشرط (عَتَق) أي عليه، ليكون في الخبرِ ضمير عائدٌ على المبتدأ الذي هو: «مَنْ مَلَك» وإنما عتق في التعليق إذا وُجد الشرط، لأن العِتق إسقاط، فيجري فيه التعليق، وهذا لا خلاف فيه.

(كعبد) أي كعتقِ عبد (لِحَرْبي خَرَجَ إلينا مسلماً) لما روى أبو داود في الجهاد، والترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث رِبعي بن خِراش ـ بكسر المهملة والمعجمة ـ عن علي قال: خرج عُبْدَانٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحُدَيْبية قبل الصلح، فقال مواليهم: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رَغَبةً في دينِكَ، وإنما خَرَجوا هَرَباً من الرِّقِ، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردَّهم إليهم، فغضِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ما أراكم تَنْتَهون يا معشرَ قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رِقَابكم على هذا». وأبى أن يردهم وقال: «هم عُتَقاءُ الله سبحانه وتعالى».
وروى عبد الرزاق في «مصنفه» في الجهاد عن مَعْمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن أبي بَكْرة: أنه خَرَجَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصِر أهل الطائف بثلاثة وعشرين عبداً، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين يقال لهم: العُتَقاء. وأبو بَكْرَة اسمه: نُفَيْع، كُنِّي بأبي بَكْرة لأنه نَزَل بُكْرَة النهار، وقيل: لأنه نَزَلَ بِبَكَرة.
---
(3/475)
________________________________________
***
(والحمْلُ يتبع أمه) ولا ينعكس حُكْمُه (في المِلْكِ) وهو تَمكُّن الشخص من التصرف فيه، (و) في (الرِّق) وهو الذي جعله الله تعالى جزاء الاستنكاف عن طاعة الحق، (وفي العِتقِ و) في (فروعه) أي فروع العتق وهي: الكتابة، وأمومية الولد، والتَّدبير، لأن الحَمْل وإن كان مخلوقاً من ماء أمه وأبيه، لقوله تعالى: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يخرُجُ مِنْ بينِ الصُّلْبِ والتَّرَائبِ} إلا أنَّ كون هذه أُمَّهُ يقيني في الجملة، دون كون هذا أباه. ومن هنا لمَّا سمع عبد الله بن سلام قوله تعالى: {الذين آتَيْنَاهُمْ الكِتَابَ يعرفونَه كما يعرِفُونَ أبناءَهُم} قال: «لَمَعرِفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني. قال عمر: كيف ذلك، فقال: أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من الله تعالى، وقد نَعَتَه في كتابنا، ولا أدري ما تصنع النساء، فقال عمر: وفقك الله فقد صدقت».
ولهذا المعنى يثبت نسب ولد الزنا والملاعنة من أمُه دون أبيه، فكان ماء الأم أولى بالاعتبار. ومذهب الشافعي أن المُدَبَّرة إذا ولدت من نكاح أو زنا لا يصير ولدها مدبّراً، وإن الحامِلَ إذا دُبِّرت صار ولدها مدبَّراً. وعن أحمد وجابر بن زيد، وعطاء: لا يتبعها ولدها في التدبير، حتى لا يُعتَق بموت سيدها. واعتبروه بالتعليق بدخول الدار، وللجمهور القياس على تبعيته لأم الولد.

(إلا أنَّ وَلَدَ الأمة من مَوْلاهَا حرٌ) لأنه مخلوق من مِائِهِ فيعتِقُ عليه، ولا يعارضها ماء الأمة، لأن ماءَها مملوك له، بخلاف أمَة الغير، لأن ماءَها مملوك لسيدها، فتحققت المعارضة فرجحنا جانبها بما تقدم. والزوج قد رضي بِرِقِّ ولدها حيث أقدم على نكاح الأمة بعلمه به، بخلاف ولد المَغْرور، لأن الوالد لم يرض به. ولو تزوج هاشمي أَمة فأتت بولد فهو رقيق تبعاً لأُمه، هاشمي تبعاً لأبيه، لأن النسب للتعريف، وحال الرجال مكشوفة دون النساء.
---
(3/476)
________________________________________
***
فصلٌ في عِتقِ البعضِ وغَيْرِه
(إن أعتَقَ) مولى (بعض عبده) سواء عيّن ذلك البعض بأن قال: رُبُعُك حر، أو أبهمه بأن قال: بعضُك حر (صَحَّ) عند أبي حنيفة، ولَزِم المولى تفسير المبهم بأنه: نِصفه، أو ثُلثه، أو نحوه (وسَعَى) العبدُ لمولاه (فيما بقي) لأن ماليةَ بعضه احتُبِست عنده، فيسعى لفكِ رقبتِهِ. والاستسعاء: أن يؤاجره ويأخذ قيمة ما بقي من أُجرتِه، (وهو كالمكاتب) في أنه لا يجوز بيعه ولا هبته. ويخرج إلى العِتق بسعايته، إلا أنه (بِلا ردّ إلى الرِّق لو عَجَزَ).
(وقالا:) إن أعتق بعضَ عبده (عَتَقَ كُلهُ) ولا يستسعيه، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وقَتادة، والثوري، والشَّعبي. وعلى هذا الخلاف تدبيرُ البعض، لأنه نوع من الإعتاق.
لهم أن مُوجبَ الإعتاق إزالة الرِّق، وهو لا يتجزأُ باتفاق، وكذا إزالته فصار كالطلاق، والاستيلاد، والعفو عن القصاص.
ولأبي حنيفة وهو قول الحسن البصري، والمَرْوي عن علي: أن موجب الإعتاق إزالة المِلك، والمِلك يتجزأ ثبوتاً كشراء نصف عبد، وزوالاً كبيعه. وأما نفس الإعتاق فلا يتجزأ بالاتفاق.
(ولو أعتَقَ شريكٌ حَظَّهُ) أي نصيبَه (أعتق الآخر) حظه إن شاء لقيام مِلْكه (أو اسْتَسْعاه) أي العبد، لاحتباس ماليته عنده أو دَبَّره، لأن التدبير نوعُ عتِقٍ، أو كاتبه، لأن الكتابة استسعاء. (أو ضَمِنَ المُعتِق) حال كونه موسراً (قِيْمة حَظِّه) أي حظ الآخر يوم العتق، لأنه جنى على نصيبه بما مَنَعَه من التصرف فيه، بما عدا الإعتاقَ وتوابعه (لا معسِراً) أي لا يضمن المعتِق حال كونه معسراً، بل إن شاء الآخر أعتق لبقاء ملكه، وإن شاء استسعى لاحتباس ماليته عند العبد، وله ولاء نصيبه لوجود عتقِهِ من جهته. ويعتبر اليَسَار يوم الإعتاق، وهو: أن يملِكَ قيمة نصيب الآخر خارجاً عن المشغول بحاجته الأصلية.
---
(3/477)
________________________________________
***
(والوَلاءُ لهما) أي للمعتِقِ وللآخر (إن أعتَقَ) الآخر (أو استسعى) لصدور العتق من جهتهما (وللمعتِق) وحده (إن ضَمِنَهُ) الآخر لصدور العتق كله من جهته، لأنه ملك نصيب الآخر بأداء ضَمَانِه (ورَجَعَ) المعتِقُ (به) أي بما ضمنه (على العبد) لقيامه بأداء الضمان مَقَام الآخر، وقد كان للآخر الاستسعاء (وقالا: له) أي للآخر (ضمانه) أي تضمين المعتِق حال كونه (غنياً) (من غير رجوع على العبد) (والسَّعاية) حال كونه (فقيراً فقط) (أي وليس له السعاية حال كونه غنياً) (والوَلاءُ للمعتِقِ في الوجهين) لحصول عتق العبد كله من جهته.

ومبنى هذا الخلاف على أصلين:
أحدهما: أن الحرية تثبت في الكل بعتق بعضه عندهما، ولا تثبت عنده وقد بيناه فيما قدمنا.
وثانيهما: أن يَسَار المعتِقِ لا يمنعُ السِّعاية عند أبي حنيفة، ويمنعها عندهما، لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث سعيد بن أبي عَرُوْبة، عن قَتَادة، عن النَّضْر بن أنس، عن بشِير بن نَهِيكٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أعتق شِقْصاً له في عبدٍ، فَخَلاصُهُ في ماله إنْ كَانَ لَهُ مالٌ، فإن لم يَكُنْ لَهُ مالٌ اسْتُسعِيَ العبدُ غيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». ووجه الدلالة أنه قِسْم، والقِسْمَةُ تنافي الشركة في الإعتاق.
ولأبي حنيفة: أن ماليةَ نصيبِهِ احتُبِست عند العبد، فله أن يُضَمِّنَه، غير أنَّ العبد فقير فيسعى.
(ومن مَلَك ابنه مع) مالك (آخر) بشراءٍ، أو هِبة، أو صدقة، أو وصية، أو إرث. وصورته: أن تموت امرأة ولها عبد، وهو ابن زوجها ويرثها أخوها وزوجها (عَتَقَ حصته) أي زال مِلْكه عنها (ولم يضمن) لشريكه سواءٌ علم الشريك أنه ابنه أو لم يعلم، لأن هذا ضمان إفساد في ظاهر الرواية، فيدار الحكم على سببه.
---
(3/478)
________________________________________
***
(وقالا: ضمن) الأب حال كونه (غنياً) وسعى الابن حال كونه فقيراً (إلا في الإرث) فإن الأب لا يضمن باتفاقهم (وإن قال لعبدَيْه) في صحته: (أحدكما حُر، فخرج واحدٌ) منهما (ودخل ثالث فأعاد) أي كرره وقال: أحدكما حُر (ومات) المَوْلى (بلا بيان) لمراده (عَتَقَ ممن ثَبَتَ) وأُعيد عليه القول (ثَلاثةُ أربَاعِه، ومن كل من غيره) وهو الذي خرج والذي دخل (نِصفُه) لأن الإيجاب الأول دائرٌ بين الخارج والثابت، فيتنصَّفُ بينهما، والإيجاب الثاني دائرٌ بين الثابت والداخل، فيتنصَّف بينهما، لكنَّ النصفَ الذي أصاب الثابت شائع فيه، فما أصاب النصف الذي عَتَق بالإيجاب الأول لغا، وما أصاب النصف الفارغ وهو الربع بقي، فيعتِق ثلاثة أرباعه ونصف كل من الداخل والخارج.
(وعند محمد عَتَق رُبْع مَنْ دخل) لأن الإيجاب الثاني لما أَوْجب عِتْقَ الرُبْع من الثابت أوجبه من الداخل، لأنه متنصّف بينهما.
وأجيب بأن في الثابت مانعاً من عتق النصف بالإيجاب الثاني، ولا مانع في الداخل.
والحاصل: أنَّ الثابت يَعْتِق منه ثلاثة أرباعه باتفاق، والخارج يعتق منه نصفه باتفاق ، والداخل يعتق منه نصفه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ورُبْعه عند محمد.

(وإن قال) ذلك (في مرضِهِ) ومات بلا بيان (ولم يُجِزْ وارثٌ) ولا مال سوى العبيد الثلاثة وقيمتهم متساوية (جعل كل عبد سبعة) من الأسهم متساوية عند أبي حنيفة وأبي يوسف، كسهام العتق عندهما ليصيرَ المجموع أحداً وعشرين، فيستقيم الثُّلث والثُّلثانْ لأن العِتقَ في المرض وصية وهي من الثلث (وعَتَق ممن ثبت ثلاثة) أسهم (ومن كلٍ مِنْ غيره سَهمان، وعند محمد جُعل كل) من العبد (ستة) كسهام العتق عنده، ليصير المجموع ثمانية عشر فيستقيم الثلث والثلثان (وعَتَق ممن خرج سهمان، وممن ثبت ثلاثة، وممن دخل سَهمٌ وسعى كل) من الثابت وغيره في كل من مسألتي الصحة والمرض (في الباقي) منه باتفاق.
---
(3/479)
________________________________________
***
ولو أعتق عبيده الثلاثة في مرض موته وليس له مال غيرهم عتق من كل منهم ثلثه، وسعى في ثلثيه من قيمته للورثة إذا لم يجيزوه، لأنهم لما اشتركوا في سببه بإيقاعه عليهم، لم يَجُز حِرْمَان بعضهم، بل يُوزَّع بينهم بالسوية ولا يُقرع بينهم عندنا كما قال مالك والشافعي. واحتجا بحديث عِمران بن حُصَيْن: «أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزَّأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة». رواه الجماعة إلا البخاري. وهذا الحديث صحيح لكن علماءنا لم يقبلوه لانقطاعه باطناً. وقد عُلم أنَّ ما صح سنده جاز أن يضعَّف بعلة قادحة. ومن العِلَلِ: مخالفة الكتاب والسنة المشهورة، وكذا مخالفة العادة القاضية بخلافه.
قالوا: فهذا الحديث يخالف نص القرآن بتحريم الميسر، فإنه من جنسه، لأن حاصله تعليق المِلك أو الاستحقاق بالحظر، والقُرْعة من هذا القبيل، لأنها توجب استحقاق العِتق إن ظهر كذا، وعدمه إن ظهر كذا. وأما قضاء العادة بخلافه، فإنها قاضية بنفي أن واحداً يملِكُ ستة أعبدٍ ولا يملك غيرهم من درهم، ولا ثوب، ولا فَلْس، ولا دابة، ولا دار يسكنها، ولا شيء قليل ولا كثير.
فوجب رَدُّ هذه الرواية لهذه العلة الباطنة، ولذا أجمع على عدم الإقراع عند تعارض البينتين ليعمل بأحدهما، وعلى عدمِهِ أيضاً عند الخبرين. ونحن لا ننفي شرعية القُرعة في الجملة، بل نثبتها شرعاً لتطييب الفؤاد، ودفع الضغائن والأحقاد، ودفع التنازع المنجر إلى الفساد فيما بين العباد.
كما أقرع صلى الله عليه وسلم بين نسائه ليسافر بمن خرجت قُرعتها نفياً لاتهام تخصيص بَعْضِهنَّ على بعض.
---
(3/480)
________________________________________
***
والحاصل: أنها إنما تستعمل في المواضع التي يجوز تركها فيها، فإما أن يتعرف بها الاستحقاق بعد اشتراكهم في سببه (فأولى منه ظاهر التوزيع، لأن القرعة قد تؤدي إلى حِرْمان المستَحِقّ بالكلية) فإن العتق إذا كان شائعاً فيهم، يقع في كل منهم منه شيء، فإذا جمع الكل في واحد فقد حُرِم الآخر بَعْضَ حقّه. هذا زبدة كلام بعض المحققين، والله تعالى أعلم بحقائق اليقين.
(والوطءُ والموتُ بيانٌ في طلاقٍ مُبهَمٍ) كما إذا قال الرجل لامرأتيه: إذا جاء غد فإحداكما طالق، فوطء إحداهما أو ماتت، ثم جاء الغد، فإن غير الموطؤة وغير الميتة تتعين للطلاق. أما كون الوطء بياناً في الطلاق المبهم، فلما سيأتي. وأما كون الموت بياناً فيه، فلأن الميتة لم تبق بالموت محلاً للطلاق، فتتعين الأخرى له.
(كبيع) أي كما يكون البيان ببيع صحيح، أو فاسد مع القبض، أو بشرط الخيار (وموت، وتدبير، واستيلاد، وهِبَة، وصدقة مُسَلَّمَتَين) أي مقبوضتين (في عتقٍ مُبهمٍ) حتى لو قال لأَمتيه: إِحداكما حرة، أو قال: إذا جاء غد فإحداكما حرة، ثم حَصَلَ في إحداهما واحد من هذه الأشياء، فإن التي لم يحصل فيها ذلك تتعين للعتق. أما الموت فلأنه أخرج محله عن أن يكون محلاً للعِتق، فتتَعين الأخرى له. وأما البيع وباقي التصرفات فلأن نفاذها يستلزم قيام مِلك اليمين، فصار كما لو صرح بأنها المملوكة (دون وطء فيه) أي ليس الوطء في العتق المبهم بياناً، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد.
وقال أبو يوسف ومحمد: يكون بياناً في العتق المبهم، كالطلاق، وبه قال الشافعي ومالك في رواية.
---
(3/481)
________________________________________
***
(والشهادة) على أحد (بالعتق المبهم) أي بأنه أَعتق أَحدَ عبديه أو أَمتيه في صحته (باطلة) أي مردودة وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: مقبولة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. قيّد بالعِتق المبهم، لأن الشهادة بالعتق المعين مقبولة باتفاق. وقيدنا المبهم بكونه في الصحة، لأنه لو شهد أنه أعتق أحد عبديه في مرض موته يقبل استحساناً، لأن العِتق في مرض الموت وصية، ولأن عتق المبهم في المرض يشيع فيهما بالموت حتى يعتق من كل واحد منهما نصفه، فيكون كل واحد خصماً (لا الطلاق المبهم) أي لا يبطل الشهادة على رجل بأنه طلق إحدى نسائه، بل يُجبر على تعيين إحداهن باتفاق. والله أعلم.

فصلٌ في الحَلِفِ بالعِتْقِ وبِهِ على مَالٍ
(ويَعتِقُ بـ:إنْ دَخَلْتُ الدارَ) ونحوه (فكُلُ عَبدٍ لي يومئذٍ حرٌ، مَنْ) تعين هو (له حين دَخَل) الدار ولو ليلاً سواء (ملكه وقت الحَلِفِ أوْ لا) كما تَطلُق: بِـ:إنْ دخلتُ الدار، فكل امرأة لي حينئذٍ طالق، مَنْ هي امرأته حين دخل الدار، سواء كانت امرأته وقت الحَلِفِ أوْ لا. وهو قول مالك ورواية عن أحمد في العتق دون الطلاق، لأن الشرع مُتشوِّفٌ للعتق، ولذا حرَّض عليه دون الطلاق، فإِنَّه مبغوض له.
ولنا أن المعتبر قيامُ المِلك وقت الدخول، لأن معنى «يومئذ» يوم إذ دخلت الدار، فحذف منه (الفعل وعوض منه) التنوين. (وبلا يومئذ) بِأن قال: إن دخلتُ الدار فكل عبد لي أو أملِكه حر، يعتق (مَنْ) هو (له وقتَ حَلِفِهِ فقط) أي، ولا يعتق من هو له بعد الحَلِفِ، لأن قوله: أملِكه للحال، وكذا كل مملوك لي، لأن اللام للاختصاص، وهو مملوك له في الحال. وإلا لكان هو وغيره سواء، فيكون الجَزَاء عِتق مَنْ هو في مِلكِه في الحال، إلا أنه لما دخل الشَّرطُ عليه تأَخَّر إلى وجود الشرط.
---
(3/482)
________________________________________
***
(لا الحمل) أي لا يعتق حمل الأمة الذَّكر (بكل مملوك لي ذكرٌ حرٌ) سَواء ولد لستة أشهر من وقت القول أو لأقل منها. قيد بالذَّكر لأن المالك لو لم يَذْكُره تعتِق الأم، فيعتِقُ الولد تبعاً لها (ومَنْ أُعتِقَ) بصيغة المفعول (على مال) مثل أن يقولَ سيدٌ لعبده: أنت حر على ألف (أو) أُعتَقَ (به) أي بمال، مثل أن يقولَ: أنت حرٌ بأَلف (فَقَبِلَ) العبد (عَتَقَ) ولزمه المال، لأن هذا معاوضة، فيثبت حكمها بالقَبُول للحال، كما في البيع والنِّكاح (والمال دَيْن عليه) يصح به الكفالة، لأنه يسعى فيه وهو حر، بخلاف بدل الكِتَابة، حيث لا تصح به الكفالة، لأنه يسعى فيه وهو عبدٌ والمَوْلى لا يستوجب على عبده دَيناً.
(والمُعلَّقُ عِتقُه بالأداء) بأن قال له سيده: إن أدَّيت إليّ كذا، فأنت حرٌ (مأذون) له في التجارة، لأنه لا يتمكن من الأداء إلا بالاكتساب، وهو: إما بالشَّحذ أو بالتجارة، ويمتنع أن يراد الشِّحَاذَة والتكَدِّي للخَسَاسة، فيتعين التجارة للنفاسة (إن أدى عَتَقَ) لوجود الشرط.
(لا مكاتَبٌ) أي ليس المعلق عِتقُه بالأداءِ مكاتباً، ولهذا لو مات وترك وفاءً، كان المالُ لمولاه ولا يؤدَّى عنه. ولو مات المولى فالعبدُ رقيقٌ يُورَث عنه مع ما في يده من أكسابه. ولو كانت أمةً فولدت ثم أدت لم يَعتِق ولدها. ولو حطّ المال أو أبرأ المَولى لم يعتق. ولو كان مكاتباً لكان الحكم على العكس. واعلم أنه لا يقتصر في قوله «إذا أديت» على المجلس، لأن «إذا» تستعمل للوقت بمنزلة «متى» ويقتصر عليه في قوله: إن أديت، في ظاهر الرواية.

(وفي أنت حرٌ بعد موتي بألفٍ) أو على ألف (إن قَبِلَ) العبدُ (بعد موتِهِ) أي موت مولاه (وأعتقه الوارث) أو الوصي، أو القاضي (عَتَقَ وإلا لا) أي وإن لم يقبل العبدُ بعد موت مولاه، بل قَبِل قَبْله، أو قَبِلَ بعده ولم يُعتِقه الوارث، ولا الوصي، ولا القاضي: لم يعتق.
---
(3/483)
________________________________________
***
(وإن حرره) مولاه (على خدمَتِهِ) أي على أن يخدُمَه (سنةً) مثل أن يقول: أنتَ حرٌ على أن تخدُمني سنة، فقبل (عَتَقَ) لأن هذا عِتقٌ على عِوضٍ، والعِتقُ على عوض يقع بالقَبُول قبل الأداء (ويخدُمُه سنةً) قيده بعلى، لأنه لو قال: إن خدمُتني سنةً، لا يعتِق إلا بعد خِدمة سنة، حتى لو خَدَمه أقل منها أو أعطاه مالاً عن خِدْمته لا يعتق. وكذا لو قال: إن خدمتني وأولادي سنة، فمات بعضُ أولاده لا يعتِقُ. والفرقُ أنّ كلمة «إن» للتعليق، و«على» للمعاوضة.
(فإنْ مات) مَوْلاه، أو مات هو (قَبْلها) أي قبل الخِدْمة (يجب قيمته) عند أبي حنيفة وأبي يوسف (وعند محمد:) يجبُ (قِيمة خدمتِهِ).

فصل في التَّدْبيرِ والاستيلاد
(مَنْ أُعتِقَ) بصيغة المجهول، و«مَنْ» نَكِرَة مَوْصُوفة مبتدأ (بعد موتِهِ) أي موت سيده (مطلقاً) كإنْ قال له: أنت حرٌ بعد موتي (أو) مقيداً (إلى مُدةٍ غَلَبَ موتُه) أي موتُ سيده (قَبْلها) كإن مِتُّ إلى مِئَةِ سنة، فأنت حر، ومثل المَوْلى لا يعيش إليها غالباً (مُدَبَّر) خبر المبتدأ (لا يباعُ ولا يُوهبُ) ولا يخرج عن ملِك مولاه إلا إلى الحُرِّية. وبه قال مالك.
وقال الشافعي وأحمد وداود: يُباع عند الحاجة، وكذا يُوهب ويُتَصدَّق به. لما رواه الشيخان من حديث عمرو بن دينار عن جابر: أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دُبُر ـ لم يكن له مالٌ غيره ـ فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: «مَن يشتريه مني؟»، فاشتراه نُعيم بن عبد الله بِثَمان مِئة درهم، فدفعها إليه. وأخرجه النسائي وقال فيه: وكان محتاجاً، كان عليه دين، فباعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اقض بها ديْنَك». ولحديث جابر هذا ألفاظٌ كثيرةٌ. وروى أبو حنيفة بسنده: أن النبي صلى الله عليه وسلم باع المُدبَّر.
---
(3/484)
________________________________________
***
ولنا أن قوله تعالى: {أوْفُوا بالعُقُودِ}، وما روى الدارقطني من حديث عَبيدة ابن حسان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المدبَّر لا يُباع ولا يُوهب، وهو حر من ثُلُثِ المال». وقد رواه حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر من قوله، وهو الصحيح لثقة حمَّاد وضَعْفِ عَبيدة.
والحاصل: أنه ضُعِّف رَفْعُه وصُحِّح وقفه، فعلى تقدير الرفع لا إشكال، وعلى تقدير الوقف فقول الصحابي حينئذٍ لا يعارضه النص البتة، لأنه واقعةُ حالٍ لا عموم لها، وإنما يعارضه أن لو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يباع المدبَّر. فإن قلنا بوجوبِ تقليدِهِ فظاهرٌ، وأما عند عدم تقليده يجب أن يحمل على السماع، لأن منْعَ بيعه مع بقاء الرِّق على خلاف القياس، فيحمل على السماع، فبطل ما قيل: حديث ابن عمر لا يصلح لمعارضة حديث جابر. وأما قول صاحب «الهداية» أن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «المدبَّر: لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث وهو حر من الثُلُثِ»، فقوله: «ولا يورث» غير معروف.
وأجيْبَ عن حديث جابر بجوابين:
أحدهما: أنه حكايةُ فِعْلٍ، فلا عموم له، فيكون مَحْمولاً على المُدبَّر المقيد، وهو يجوز بيعُه عندنا، إلا إنْ بيَّنُوا أنه كان مدبراً مطلقاً، وهم لا يقدرون على ذلك. وكونُه لم يكن له مال غيره ليس بعلة لجواز بيعه، لأن المذهب عندنا: أنه يسعى في قيمته، لما روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن زياد الأعرج عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل أعتق عبده عند الموتِ وترك ديناً، وليس له مالٌ قال: «يُسْتَسْعى في قيمته». ثم روى عن علي نحوه سَواء. والمُرْسل يشده هذا الموقوف ويعضُدُه.
---
(3/485)
________________________________________
***
وثانيهما: أنه محمولٌ على بيع الخِدْمة والمنفعة دون الرقبة. لما روى الدارقطني عن عبد الغفار بن القاسم عن أبي جعفر قال: ذُكِرَ عنده أن عطاءً وطاوساً يقولان عن جابر في الذي أعتقه مولاه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعتَقَه عن دُبُر، فأمره أن يبيع ويقضي دينه، فباعه بثمانِ مِئَةِ درهم. قال أبو جعفر: سمعت الحديث من جابر إنما أذِن في بيع خِدْمته. انتهى. قال الدارقطني: وأبو جعفر هذا وإن كان من الثقات إلا أنَّ حديثَه مرسل. والجواب عليه: أن المُرسل حجةٌ عند الجمهور، وهو كفاية في بيان المعنى اتفاقاً كما لا يخفى.
فإن قيل: عبد الغفار يُرْمى بالكذب وكان من غُلاةِ الشيعة. أُجيب بأن ابن القطان قال في كتابه: إنه مرسل صحيح، لأنه من رواية عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي عن أبي جعفر وهو ثقة.
(و) المدبَّر (يُستخدَمُ ويُستأجَرُ والمُدبَّرة) زيادة على ذلك (تُوطأ) وقال الزهري ومالك في رواية: لا توطأ. وقال الأوزاعي: إن كان لا يطأها قبل التدبير لا يَطَأُها بعده (وتنكح) لأن مِلك المولى ثابت له، وبه تستفاد هذه التصرفات من غير إبطال حق العبد. وولد المُدبَّرة مدبَّر، على ذلك نُقِلَ إجماع الصحابة كذا في «الهداية».
(وإن مات سيدُهُ) عَتَقَ (من ثُلثِ مالهِ) أي مالِ سيده من التَّرِكة يوم موته فإن كان الثُلُثُ مساوياً لقيمته أو أزيدَ منها، عَتَق المدبّرُ كله. وإن كان أنقصَ منها عتَقَ منه بَحسابِه، أي بقدر ثُلُث التَّرِكة مَجَّاناً (وسعى فيما زاد) أي على ما انعتق منه، وهو ما بقي من قيمتِهِ مدبراً. أما عتِقُ المدبَّرِ من الثُلُثِ فلحديث ابن عمر السابق. وأما سعيه فيما زاد على ما عتق منه، فلأن المدبر كالمُوصَى إليه، وهو لا يَسْلَم له شيء إلا إذا سَلِمَ للورثة ضِعْفُه.
---
(3/486)
________________________________________
***
(وإن استغرق المدبَّرُ دَينَه) أي دينَ مولاه (ففي كله) أي في جميع قيمته يسعى، لأن الدَّين مقدمٌ على التبرع، ولا يمكن نقضُ العِتق حقيقةً، فيجب نقضه معنىً بردِّ قيمته فيسعى في قيمته (وإن قال: إن مِتُّ في مرضي هذا) أو في سفري هذا، أو في هذا الشهر، أو في هذه السنة، أو إلى عشر سنين (صح بيعُه) وما يوجب انتقالَه عن ملك مولاه قبل وجود الشرط، لأن الموتَ على تلك الحالةِ لمّا لم يكن كائناً لا محالَةَ، لم ينعقد السبب للحال، فبقي كسائر التعليقات، (وإن وُجد الشرط) وهو موت المَوْلى على الوصف الذي ذكره لانعقاد السبب مآلاً (عَتَقَ) من الثُلُثِ (كالمدبَّرِ) اتفاقاً.

(وأَمةٌ ولدتْ من سيدها) مبتدأ موصوف (فادَّعى) سيدُها ولدَها (أو من زوجٍ فَمَلَكَها) زوجها (أُمُّ ولده) خبر المبتدأ، وأم الولد يَصدُقُ لغةً على الزوجة وغيرها ممن لها ولد. وعرفاً يختص بالأَمة التي يثبتُ نسبُ ولدها من مولاها. وقال مالك والشافعي: لا تصير الأمة أم ولدٍ إذا مَلَكَها زوجُها بعد ما ولدت منه بِرِقَ (وحكمُها) عند الجمهور (كالمُدبَّرَة) فيما سبق.
وقال بِشر المَرِيسي وداود الأصفهاني: يجوز بيعُها ولا تعتِق بموت مولاها، لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث جابر: «بِعْنَا أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فلما كان عمرُ نَهَانَا عن ذلك فانتهينا». وقال ربيعة بتعجيل عتقِها، لما روى ابن ماجه والحاكم في «مستدركه» ـ وسكت عنه ـ من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أعتَقَها ولَدُها». وقال ابن القطَّان في كتابه: وقد روي بإسناد جيد عن ابن عباس قال: لما ولدتْ ماريةُ إبراهيمَ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعتَقَهَا وَلَدُها».
---
(3/487)
________________________________________
***
واستدل الجمهور بما روى أبو داود من حديث سَلاَمة بنت مَعْقِل امرأة من خارجة قيس غَيْلان قالت: قدم بي عمي في الجاهلية فباعني من الحُبَاب بن عمرو، فولدتُ له عبد الرحمن، ثم هلك فقالت امرأته: والله الآن تباعين في دَينهِ، فأتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ وَلِيُّ الحُبَاب؟» فقيل: أخوه أبو اليَسَر كعب بن عمرو، فبعث إليه فقال: «أعتقوها فإذا سَمِعْتم برقيقٍ قَدِمَ عليَّ، فأتوني أُعَوِّضكم». قالت: فأعتقوني، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق، فعوضهم غلاماً. وبما روى مالك في «الموطأ» عن عمر أنه قال: «أيُّما وَلِيْدةٍ وَلَدَتْ من سيدها فإنه لا يبيعها، ولا يهبُها، ويستمتع بها ما عاش، فإذا مات فهي حرة».
وبما رواه ابن ماجه عن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيُّما أمةٍ وَلَدَتْ من سيِّدها فهي حرةٌ بعد موته». ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه. وفي رواية أبي يَعلى المَوْصِلي: «أيُّما أمةٍ وَلَدَتْ من سيدها، فإنها حرة إذا مات، إلا أن يَعْتِقَها قبل موته». وروى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع أمهاتِ الأولاد وقال: «لا يُبعْنَ، ولا يُوهبنَ، ولا يُورثْنَ، يستمتع بها سيدُها ما دام حياً، فإذا مات فهي حرة».

وأجابوا عن حديث أم إبراهيم بأنَّ ظاهِرَه تَنُجِيْزُ الحرية، وهو خلاف الإجماع، فيثبت به حق الحُرية إعمالاً للحديث بقدر الإمكان. قال الخطابي: وقد ثبت أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّا مَعَاشِرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما تركْنَاه صدقة».
---
(3/488)
________________________________________
***
ولو جَاز بيعُ أم الولد لَبِيْعت مارية وصار ثمنُها صدقةً. انتهى. وعن حديث جابر بأنه يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَشْعُرْ ببيعهم إيَّاها، ولا يكون حجةً إلا إذا عَلِمَ به وأقرهم عليه، ويُحتمل أن يكون ذلك أول الأمر، ثم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلم به أبو بكر لقصرِ مُدة خلافتِهِ، واشتغاله بأُمور المسلمين من حرب مُسَيْلِمة وأهل الرِّدَّة، ثم نهى عنه عمر لمَّا بلغه نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عنه. كما قيل في حديث جابر في المتعة الذي رواه «مسلم»: كنا نستمتع بالقبضة من التمرة والدقيق الأيامَ على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهانا عنه عمر.
ومما يدل على انعقاد الإجماع على عدم بيعهن في أيام عمر ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا مَعْمَرُ، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبيدة السَّلْماني قال: سمعت علياً يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أنْ لا يُبَعْن، ثم رأيت بعد أن يُبَعْنَ. قال: فقلت له: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليَّ من رأيك وحدَك في الفرْقة، قال: فضحك عليٌ كرم الله وجهه.
(إلا أنها) أي أم الولد (تعتِق عند موته) أي موت سيدها (من كل مالِهِ ولم تَسع لديْنِهِ) لما قدمنا من إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «أعتَقَهَا ولدُها»، وقوله: «فإنها حرة بعد موته» (ولا يثبت نَسَبَ الولد) من سيِّدها المعتَرِفِ بوطئها (إلا بِدِعوة) بكسر الدال على ما هو المشهور، أي بدعوى أن ولدها منه. وبه قال الثوري، والشَّعْبي، والحسن البصري. وقال مالك والشافعي وأحمد: يثبت نَسَبه إذا أقر بوطئها وإن عَزَلَ عنها، إلا أن يدَّعِي أنه استبْرَأَهَا بعد الوطء بحيضة، لأنه لما ثَبَتَ النسب بعقد النكاح فَلأَن يثبت بالوطء وهو أكثر إفضاءً أولى.
---
(3/489)
________________________________________
***
ولنا ما روى الطحاوي عن ابن عباس : أنه كان يأتي جارية، فحملت فقال: ليس مني، إني أتيتها إتياناً لا أريد به الولد ـ يعني كان يعزِل عنها ـ وعن زيد بن ثابت: أنه كان يطأ جاريةً فارسيةً ويعزل عنها، فجاءت بولد، فأعتق الولد وجلدها. وعنه: أنه قال لها: مِمَّن حملتِ؟ قالت: منك، قال: كذبتِ ما وصل إليك ما يكون منه الحمل، ولم يلتزمه زيد مع اعترافه بوطئها.

(ثم) إن جاءت بولدٍ بعد الاعتراف بالأوّل يثبتُ نَسَبهُ (بلا دِعوة) لأنه لما ادَّعى الأولَ تعين الولد مقصوداً فيها، فصارت فِراشاً له، كالمقصود عليها بالنكاح، ولهذا لو أعتقها، أو مات عنها، يلزمها العِدَّة (لكن ينتفي الولدُ بالنفي) أي بمجرد نفيه بلا لِعَان، لأن فراشها ليس بقوي، ولهذا يَملِكُ المَوْلى نقله بالتزويج، بخلاف المنكوحة حيث لا ينتفي ولدها إلا باللعان لتأكد فراشها، ولذا لا يملك الزوج نقلها بالتزويج. وفي «المبسوط»: إنما يملكُ السيد نفيَه إذا لم يقض القاضي، أو لم يتطاول الزمان، لأن قضاء القاضي مُلزم، وتطاول الزمان دليل الاعتراف.
واعلم أن هذا كلَّه في القضاء، وأما في الدِّيَانة فإن كان وطِئَها وحصَّنَها، أي حِفظَها عما يوجب رِيْبة الزنا ولم يعزِل عنها لَزِمَه أن يعترِفَ به ويدَّعيه، لأن الظاهرَ أنَّ الولدَ منه. وإن عَزَلَ عنها أو لم يحصنها جاز له أن ينفيه، لأن هذا الظاهر عارَضَهُ ظاهرٌ آخر.
وعن أبي يوسف: لو وطِئها ولم يستبرئها بعد ذلك، فجاءت بولد، فعليه أن يدَّعيَه، سواءٌ عَزَلَ عنها أو لم يعزل، حصنها أو لم يحصن، تحسيناً للظن بها، وحملاً لأمْرِها على الصلاح ما لم يتبين خلافه.
---
(3/490)
________________________________________
***
وعن محمد: لا ينبغي أن يدَّعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه، ولكنه ينبغى أن يعتِق الولد ويستمتع بها، ويعتِقها بعد موته، لأن استلحاقَ ما ليس منه حرامٌ شرعاً، فَيحْتاط من الجانبين. وقد ذكر صاحب «الإيضاح» هاتين الروايتين بلفظ الاستحباب، فقال: قال أبو يوسف: أحبُّ إليَّ أن يدَّعيَه. وقال زفر: أحبُّ إليَّ أن يعتق الولدَ. قلت: وهذا هو الأحوط في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
ولو ادّعى ولدَ أمةٍ مُشْتَرَكةٍ، ثبت نَسَبُه منه، وصارت كلُّها أُمَّ ولد له، ولزمه نصف قيمته لشريكه يوم العُلُوق، موسِراً كان أو معسراً، ويضمن نِصف عُقْرها، لوقوع الوطء في نصيبِ شريكِهِ في غير المِلْك، إذ الملك يثبت حكماً للاستيلاد في نصيبه فيعقّب، ولا يضمن قيمة الولد، لأنه عَلِقَ (حُرَّ الأصل)، إذ النَّسَب يثبت مستنداً إلى وقت العُلُوق، والضمان وجب حين العُلوق، فيحدث الولد حرّ الأصل على ملكه ولم يَعْلَق شيء منه على ملك شريكه.
وإن ادَّعيا معاً ثبت نسبه منهما، وصارت أمَّ ولدهما، وتقاصَّا في عُقْرها لعدم الفائدة في أخذ كل منهما ثم ردّه إلى الآخر، إلا أن يكونَ نصيبُ أحدهما أكثر، فيأخذ الزائد. وورث الولدُ من كل منهما إرث ابن مُؤاخذة لهما بزعمهما، وورثا منه إرث أب واحد، لأن أباه إنما هو أحدهما، لكنه غير معلوم، فوزِّع ميراثُ الأب عليهما.

ولو مات أحدهما كان ميراثُه للباقي منهما، ولا يعتبرُ عندنا قول القائفِ في إلحاقِهِ بأحدهما.
---
(3/491)
________________________________________
***
واعتبره مالك والشافعي ومَنَعَا ثبوت النسب من اثنين، لأن ثبوتَ نسب مولود من الولد بكونه مخلوقاً من مائه، ونحن نتيقن أنه غير مخلوق من ماء رجلين، لأن كلَّ واحدٍ منهما أصل للولد، كالأم بمنزلة البيضِ للفَرْخ، والحبِّ للحنطة، فكما لا يُتصور فرخٌ واحد من بيضتين، وسنبلةٌ واحدةٌ من حبتين، فكذلك لا يُتصور ولد واحد ماءين، وهذا لأن وصول الماءين إلى الرحم في وقت واحد لا يُتصور، وإذا وصل ماءُ أحدهما إليه ينسدُ فمه، فلا يخلط إليه الثاني.
فإذا تعذر القضاء بالنَّسب منهما جميعاً، يُرجع إلى قول القائف. لما روت عائشة دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسروراً فقال: «يا عائشة ألم تَرَي أن مُجَزِّراً المُدْلِجِيَّ دخل وعندي أسامة بن زيد، فرأى أسامةَ وزيداً وعليهما قَطِيفةٌ وقد غطَّيا رؤوسهما، وبَدَتْ أقدَامُهُما، فقال: هذه أقدامٌ بعضُها من بعض». أخرجه الستة في كتبهم. قال أبو داود: وكان أُسامة أسود، وكان زيدٌ أبيض. وروى عبد الرزاق بسنده: أنَّ رجلين اختصما في ولد، فدعا عمر القافة، وافتدى في ذلك ببصيرة القافة وألحقه بأَحَد الرجلين.
---
(3/492)
________________________________________
***
ولنا ما رواه البيهقي عن مبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن عمر: في رجلين وطِئا جارية في طهر واحد، فجاءت بغلام فُرُفِعَا إلى عمر، فدعا له بثلاثة من القافة، فاجتمعوا على أنه أخذ الشَّبَه منهما جميعاً، وكان عمر قائفاً، فقال: قد كانت الكلبة يتردّد عليها الأَسود، والأَصفر، والأَغرّ، فتؤدي إلى كل كلب شَبَهه، ولم أكن أرى هذا في الناس، حتى رأيت هذا، فجعله عمر لهما يرثهما ويرثانِه، وهو للباقي منهما. وروى الطحاوي في «آثاره» عن سِمَاك ـ مولىً لآل مخزوم ـ قال: وقع رجلان على جارية في طُهر واحد، فَعَلِقت الجارية، فلم يُدر من أيهما هو، فأتيا علياً رضي الله عنه، فقال: هو بينكما يرثكما وترثانِه، وهو للباقي منكما. ورواه عبد الرزاق: أخبرنا سفيان الثوري، عن قابوس بن أبي ظَبْيان عن علي نحوه.

فصل في الوَلاءِ
وهو بفتح الواو والمد مشتقٌ من الوِلاَيَةِ وهو المقاربة.
وفي الشرع: عبارة عن عَصَبةٍ مُتَرَاخية عن عُصوبةِ النَّسبِ، يرث بها المُعتِق، ويلي أمر النكاح، والصلاة عليه، وهو نوعان: وَلاءُ عَتَاقةٍ، ويُسمّى ولاءَ نِعمة، قال الله تعالى: {وإذ تقولُ للذِي أنْعَمَ ا عليه} (أي بالإسلام {وأنعمت عليه} أي بالعتق وهو زيد بن حَارِثة. وولاء الموالاة، قال الله تعالى: {والذين عَقَدَتْ أيمانُكُم فآتُوهُم نَصِيْبَهُم}، سنذكر بيان مَوْلى المُوالاة. وإنما ذَكَرَ المصنفُ ولاء العَتَاقة فقط، لأنه أكثر وأقوى فقال:
(من عَتَقَ) أي حصل له عِتقٌ وخلاصٌ من رِقَ (بإعتاق، أو بفَرْعٍ له) أي الإعتاق، كالكتابة والتَّدْبير والاستيلاد (أو بمِلْك قريبه إياه، فَوَلاؤُه لسيده) ذكراً كان أو أنثى، مفرداً أو غيره.
---
(3/493)
________________________________________
***
(وإن شَرَطَ عدمه) أي نفى ولاية لسيده. لما روى أصحاب الكتب الستة من حديث عائشة: أنها لما اشترت بَرِيْرَة اشترط أهلها أن يكون ولاؤها لهم، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أعتقيها، فإنما الوَلاءُ لمن أعتَقَ» وهو بعمومه يتناول جميع أفراده.
وما رواه الشافعي في «مسنده» عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف القاضي ـ يعقوب بن إبراهيم ـ عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمة النَّسَب، لا يُباع ولا يُوهب». وله طرق أُخر، منها: ما رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أَوْفَى. ومنها: ما رواه الحاكم في «مستدركه»، والبيهقي عن ابن عمر. وفي رواية أحمد والطبراني عن ابن عباس: «الولاء لمن أعتَقَ»، وفي رواية الشيخين، والثلاثة عن عائشة: «الولاء لمن أعطى الوَرِقَ، ووَلِيَ النِّعمة».
(ومن أعتَقَ أَمَةً زوجها قِنٌّ) فولدت لأقل من نِصف حَوْل من وقت الإعتاق، أو لأكثر منه (فله) أي للمعتِقِ (ولاءُ الولد) لأن أباه قِنٌّ لا ولاء له، وقد دخل هو مع الأم في عتقها لاتصاله بها حين العتق أو بعده، فيتبعها في الوَلاءِ إلا أنَّ ولاءها لا ينتقل في الأقل من نِصف الحَوْل أبداً، لأنا تيقنا بوجود الولد وقت العتق، فلا ينتقل ولاؤه عن مولى الأم.
(فإن أُعتِقَ) القِنُّ بعد الأُمِّ (جَرّ) القِنُّ (ولاء ابنه إلى قومه) أي مواليه (إن كان بين إعتاق الأم وولادتها أكثرُ من نِصف حَوْل) لأنه وقت الإعتاق لم يتيقن به، فلم يعتق قصداً بل تبعاً، بخلاف الأول. وهذا إذا لم تكن معتدة، لأنها لو كانت معتدةً وولدتْ لأكثر من ستة أشهر من وقت العتق، ولأقل من سنتين من وقت الفِرَاق، لا ينتقل ولاؤه، لأنه كان موجوداً عند عتق الأم، ولهذا ثبت نَسَبُه.
---
(3/494)
________________________________________
***
فقد روى مالك في «الموطأ» عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن الزبير بن العَوَّام اشترى عبداً فأعتقه وللعبد بَنُوَن من امرأة حُرَّة، فقال الزبير: هم مَوَاليَّ، وقال موالي أُمِّهم: هم موالينا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى للزبير بولائهم. وهذا لأن الولاء لُحْمَةٌ كلُحمةِ النسب، وهو إلى الآباء. وكما أن النسب يكون للأُمِّ عند الضرورة ثم ينتقل عنها إلى الأب كولد الملاعنة يُنسب إلى أُمه، ثم إذا أكذب الأب نفسه انتقل عنها إلى أبيه، فكذلك الوَلاء يكون لموالي الأم عند الضرورة، ثم ينتقل عنهم عند زوالها إلى موالي الأب.
(والمُعتِقُ عَصَبَةٌ) بنفسه يأخذ ما بقي من أصحاب الفروض إن وُجِدوا، وجميعَ المال إذا فقدوا، لأنه أحيا العبد بالإعتَاقِ، فأشبه إحياءَ الأب بالوِلادة. (قدَّمَ) العصبة (النَّسَبية عليه) وهم: مَنْ لا فرض له، ولا يدخل في نسبته إلى الميت أُنثى (وهو) أي المعتِق قُدِّم (على ذي الرَّحِم) وفي بعض النُسخ: ذي الرَّحِمِ المَحْرَم، وهو من خطأ الناسخ. وإنما قدَّمَ المعتِقَ على ذي الرحم لما روى النسائي وابن ماجه من حديث
عبد الله بن شداد، عن ابنه حمزة بن عبد المطلب قال: مات مولىً لي وترك ابنة له، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله بيني وبين ابنته، فجعل لي النصف ولها النصف.
---
(3/495)
________________________________________
***
وفي «مسند الدارمي» عن الحسن: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل، فقال: إني اشتريت هذا فأَعْتِقه، فما ترى فيه؟ قال: «هو أخوك ومولاك (قال: ما ترى في صحبته؟ قال:) إن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو شر له وخير لك»، قال: فما ترى في ماله؟ قال: «إن مات ولم يَدَع وارثاً فتملك ماله». وفي رواية عبد الرزاق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لم يكن له عَصَبةٌ فهو لك». وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن قَتادة: أن زيد بن ثابت كان يُورِّث الموالي دون ذوي الأرحام. وعمر وابن مسعود كانا يورثان ذوي الأرحام دون الموالي.
(فإن مات السيدُ ثم المعتَقُ، فولاؤُه) أي إرثه (لأقرب عصبة سيده على الترتيب) الذي يُذكر في الفرائض، لقول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي مسعود الأنصاري، وأسامة بن زيد: الوَلاء للكُبْر. وبه أخذ علماؤنا. وكان شُريح يقول: الوَلاءُ بمنزلة الملك. وفي نُسخة بزيادة: المال. وفائدة هذا الاختلاف أن ميراث المعتَق (بالولاء بعد المعتِقِ) يكون لابن المعتِق دون بنته عندنا. وعند شريح بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ الأُنثيين.

وهذا معنى قول الصحابة: الوَلاءُ للكُبْر، أي للقرب. وتفسيره: أن رجلاً لو أعتق عبداً ثم مات وترك ابنين، ثم مات أحدهما وترك ابناً، ثم مات، فميراثه لابن المعتِقِ لِصُلْبه دون ابن ابنه، لأن ابن المعتِقِ لِصُلبه أقرب إليه من ابن ابنه، ولهذا كان أحق بميراثه، فكذلك بالإرث لولائه.
---
(3/496)
________________________________________
***
(ولا ولاء للنساء إلا ما أعتقن) كما في الحديث في «شرح الوقاية» عبارة هذا الحديث: «ليس للنساء من الولاءِ إلا ما أعتقْنَ، أو أعتَقَ من أعتقن، أو كاتبن أو كاتب من كاتبن، أو دبَّرْن أو دبَّر من دبَّرن، أو جرَّ ولاء مُعتقِهنَّ». أو معتَقِ مُعتِقِهنَّ. انتهى. وهذا ليس بموجود في كتب الحديث، وإنما فيها ما روى البيهقي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت: أنهم كانوا يجعلون الوَلاء للكُبْر من العصبة ولا يورِّثون النساء من الولاء إلا ما أعتَقْن أو أعتَقَ مَنْ أعتقن. وما روى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: «لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقْنَ أو أعتَقَ من أعتقن. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «لا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقْنَ أو كاتبْنَ». ورُوي نحوه عن ابن سيرين، وابن المسيَّب، وعطاء، والنَّخَعي.
والحاصل: أن هذا الحديث لا يثبت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن قال في «المبسوط»: والحديث وإن كان شاذاً، فقد تأكد بما اشتهر من أقاويل الكبار من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. وزبدة كلامه أنه في حكم المرفوع ومقامِهِ، إذ لا يُتَصوَّر مثله من الرأي وأحكامه.
ولو مات المعتَقُ ولم يترك إلا ابنةً المعتِقُ، فلا شيء لها في ظاهر الرواية وتُوضع تركته في بيت المال. وأفتى بعض المشايخ بدفع المال إليها لا بطريق الإرث، بل لأنها أقرب الناس إلى الميت، فكانت أولى من بيت المال، وليس في زماننا بيت المال منتظماً بحسن الحال.
ولو أسلم رجلٌ على يد رجل ووالاه أو والى غيره على: أنه يرثه إذا مات ويَعقِلُ عنه إذا جنى، صح هذا الولاء عندنا، ويعقل عنه إذا جنى جنايةً موجبها المال، ويرثه إن لم يكن له وارث.
ونفاه مالك والشافعي لأن الإرث متعلق بالقرابة، أو الزوجية بالنص، أو بالعتق بالحديث ولم يوجد واحد منها.
---
(3/497)
________________________________________
***
ولنا قوله تعالى: {والذين عَقَدَتْ أيمانُكم فآتُوهُم نَصيبَهم} أي نصيبهم من الميراث . والمراد به الموالاة. وما في «السنن الأربعة» عن تميم الدَّاري قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما السُّنَّةُ في الرجل يُسلم على يد رجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحْيَاه ومماتِهِ». ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: على شرط مسلم. وما روى ابن أبي شيبة في الدِّيات: أن رجلاً أتى عمر فقال: إن رجلاً أسلم على يدي، فمات وترك ألف درهم، فخرجت منها فقال: أرأيت لو جنى جنايةً على مَنْ يكون؟ قال: عليَّ، قال: فميرَاثُه لك. يعني الغُنْمَ بالغُرْم. وما في «المبسوط» من حديث زياد عن علي: أن رجلاً من ـ أهل الأرض ـ أي ـ البادية ـ أتاه يواليه فأبى عليٌّ ذلك، فأتى ابن عباس فوالاه. ومن حديث مسروق أن رجلاً من أهل الأرض والى ابن عم له وأسلم على يديه فمات وترك مالاً، فسأل ابن مسعود عن ميراثِهِ، فقال: هو لمولاه، ويؤخر مولى الموالاة في الميراث عن ذوي الرَّحِمِ، يعني لو كان له عمة أو خالة أو غيرهما من ذوي الأرحام، يكون أولى منه، لأن الموالاة عقدهما (ولا يلزم غيرهما)، وذووا الأرحام وَرَثَتُهُ بنصِّ الكتاب.

كتاب المُكَاتَب
(الكِتابة) وكذا المُكَاتبة والكِتَاب مصدر كاتَبه.
---
(3/498)
________________________________________
***
وشرعاً: (إعتاق المَملُوكِ يداً حالاً) أي تصرفاً في الحال (ورقبة مآلاً) أي باعتبار المآل. ولذا قيل: المُكاتب طار من ذُل العبودية ولم ينزل بساحة الحرية. ومنه قوله تعالى: {والذين يَبتَغُون الكِتَاب مِمَّا مَلَكتْ أيمَانُكم فكاتِبُوهم إن عَلِمْتُم فيهم خَيْراً}، والأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن: ليس ذاك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وعن عمر: هي عَزْمة من عَزَمات الله. وقوله: {خيراً} أي قدرةً على إيفاء ما تعاقدا عليه. وقيل: تكسُّباً وأمانة. وقيل: صلاحاً ودِيانة. وبُني على صيغة المفاعلة، لأن الرجلَ يقول لمملوكِهِ: كاتبتُك على ألف درهم. ومعناه: كتبتُ لك على نفسي أن تَعْتِقَ مني إذا وفَّيتَ بالمال، وكتبتَ لي على نفسك أن تَفَِي بذلك. أو كتبتُ عليك الوفاءَ بالمال، وكتبتَ عليَّ العِتْقَ في المآل.
واختلف الصحابة رضي الله عنهم في وقت عِتقِ المكاتَب، فكان ابن عباس يقول: كما أخذ الصحيفة من مولاه يَعتِق. يعني بنفس العقد، لأن الصحيفةَ عند ذلك تكتب، فكأنه جعل الكِتَابة واردةً على الرقبة، كالعتق بِجُعْل يعتق بالقبول وهو غريم للمولى (فيما عليه من بدَل الكتابة. وكان ابن مسعود يقول: إذا أدى قيمة نفسِهِ عَتق وهو غريم للمولى) في الفضل فكأنه اعتبر وصول قدر مالية الرقبة إلى المولى، ليندفع به الضرر عنه. وكان علي يقول: يعتِق بقدر ما أدى، فكأنه اعتبر البعض بالكل، وهو بناء على قوله: يُعتِق الرجل من عبده ما شاء. وكان عثمان، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة يقولون: هو عبد ما بقي عليه درهم.
وبه أخذ جمهور الفقهاء وقالوا: لا يعتق ما لم يؤد جميع البدل. والأصل فيه ما رواه عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كاتب عبده على مئة أُوقِيَّة فأداها إلا عشر أواق فهو رقيق». رواه أصحاب «السنن الأربعة» بألفاظ متقاربة. والأُوقِيّة: أربعون درهماً.
---
(3/499)
________________________________________
***
(فإن كاتب) السيد (قِنَّه ولو) كان القِنُّ (صغيراً يَعْقِل) أي العقد، لأن الكتابة لا بد فيها من القَبُول، ومن لا يعقلُ العقدَ ليس بأهل له (بمال حالّ) أي معجل، مثل: كاتبتُكَ بمِئةٍ حالة، (أو) بمالٍ (مُنجَّمٍ) أي مقسط، مثل: كاتبتك بمئة تؤدي بها كل شهر كذا، (أو) بمال (مؤجل) مثل، كاتبتك بمئة تؤديها بعد شهر (أو قال: جعلتُ عليك ألفاً تؤديها نُجُوماً) متفرِّقة: (أَوّلُها كذا، وآخرها كذا، فإن أديتَه فأنت حر، وإن عَجزْتَ فقِنٌّ، وقَبِلَ العبدُ، صَحّ) العقد. هذا جوابُ الشرطِ الأول. وقيد بالقبول، لأن هذا إلزام، فلا بد من التزامه وهو بالقبول. والقياس عدم الصحة، لأن للسيد أن يضرب على عبده ما شاء من المال فيما شاء من المدة. وقوله بعد ذلك: «إن أديته فأنت حر» تعليق للعِتقِ بأداء المال، وهو لا يُوجَب الكتابة. ووجه الاستحسان: أن العبرة للمعاني دون الألفاظ والمباني، وقد أتى بمعنى الكتابة وتفسيرها هنا فتنعقد.

وقال مالك والشافعي: لا يجوز كتابة الصغير ولا الكتابة الحالّة. أما الأول: فلأن الصغير ليس بأهل للتصرف، وهذا بناءً على ما ذهب إليه من أن الإذن للصبي في التجارة لا يجوز. وأما الثاني: فلأنه عاجز عن تسليم معقود عليه، لأنه مملوك لا يقدر على شيء، وفي زمانٍ قليلٍ لا يمكنه التحصيل.
ولنا إطلاق قوله تعالى: {والذيْنَ يَبتَغُونَ الكِتَابَ مما مَلَكتْ أيْمَانُكم} فإِنه يتناول المعجَّل والمؤجَّل، والكبير والصغير الذي يتأتى منه طلبُ الكتابة. ولأن البدل في الكتابة معقود به، كالثمن في البيع. والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط لصحة العقد ولإمكان فرضه المال والتصدق عليه في الحال.
---
(3/500)
________________________________________
***
(وخرج) القِنُّ إذا صحت كتابته (من يده) أي يد سيده. ليتفرغ لتحصيل البدل، ولهذا ليس له منعه من الخروج والسفر وإن شرط ذلك في كتابته (دون مِلْكِه) أي لم يخرج من ملك سيده لما روينا. ولأنها عقدُ المعاوضة، والمبادلة ومبناها على المعادلة، ولهذا إذا عَجَزَ عن أداء بدل الكتابة يصير قِنًّا.
ولا يجب على السيد حطُّ شيء من البدل عنه، وهو قول مالك. وأوجبه الشافعي، والأصح عنه: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم، لظاهر قوله تعالى: {وآتُوهُم مِنْ مالِ ا الذي آتَاكُم} إذ مطلق الأمر للوجوب، وهو قول عثمان رضي الله تعالى عنه.
ولنا: أنه عقد معاوضة فيعتبر بسائر المعاوضات، حيث يكون العقدُ موجِباً للبدل لا لإسقاطه، إذ الشيء لا يتضمن ضدهُ والأمر في الآية للندب دون الحتم، فإنه معطوف على الأمر المذكور في قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهم} وذا ندبٌ، فكذا هذا، لأن حُكمَ المعطوف حكمُ المعطوف عليه. وذكر الكَلْبي أن المراد دَفْع الصدقة إلى المكاتبين، فيكون خطاباً للناس بصرف الصدقة إليهم، ليستعينوا بذلك على أداء بدل المكاتبة، كما قال الله تعالى في بيان صَرْف الصدقات: {وفي الرِّقَابِ} أي في فَكِّها. والمراد: المكاتبون، والدليل عليه أنه قال: {من مال ا} والمضافُ إلى الله مطلقُ الصدقة.
---
(4/1)
________________________________________
***
(وعَتَق) المكاتب (مجّاناً) أي بلا عِوَض (إن أُعتِقَ) لأنه ما التزم البدلَ إلا ليحْصُلَ له العتق، وقد حصل. (وغَرِمَ السيد العُقْر) بالضم: دِيَةُ الفرجِ المغصوب، وصداق المرأة كذا في «القاموس». وقال بعض الشراح: أي قدر ما تُستأجر به المرأة على الزنا لو كان الاستئجار حلالاً (إن وطىء مكاتبَتَه) لاختصاص المكاتب بمنافعه وأكسابِهِ (والأَرْشَ) أي وغَرِمَ المولى أيضاً أرْشَه، أي دِيَتَه (إن جنى) السيد (عليها، أو على ولدها، أو مالها) أي إن تعدّى على مالها ضمِنه، لأنه بعقد الكتابة صار كالأجنبي منها، ومنفعة بُضعِها ملحقة بجُزئها، فيجب عليه العُقر بوطئها، وينتفي الحَدُّ للشُّبهة.

(وصحت) الكتابة (على حيوانٍ ذَكَرَ جنسه فقط) أي ولم يذكر نوعه، ولا وصفه، كعبد أو جارية، لأن الكتابة مبنية على المساهلة، فلا تفسد بيسير من الجهالة، كالنكاح، وصارت كجهالة الأجل في الكتابة (ويؤدي الوَسَطَ) من ذلك الحيوان (أو قيمتَه) والخيار للعبد.
(وفَسدَتِ) الكتابة (على قيمتِهِ) أي قيمة القِنِّ، لأنها مجهولةُ القدر لاختلافها باختلاف المقوِّمِينَ، ومجهولة الجنس لأنها تعتبر بجنس الثمن، وهو النقدان، ولم يتعين واحد منهما، فكانت جهالة فاحشة، فصارت كما إذا كاتبه على ثوب أو دابة (وعلى خَمْرٍ، أو) على (خِنزير من المسلم) لأن واحداً منهما ليس بمتقوَّم في حق المسلم، فلا يصير مستحقًّا له بالتسمية. وتسميةُ ما ليس بمتقوَّم فيما يحتاج إلى تسمية البدل، تُوجب فساد العقد كالبيع، بخلاف النكاح حيث لا يفسُدُ بتسمية أحدهما، لأنه لا يحتاج لصحته إلى تسمية البدل، حتى يجوز بلا تسميته.
---
(4/2)
________________________________________
***
(وصح للمُكاتب البيعُ والشراءُ) لأن تحصيل المال بهما غالباً (والسَّفرُ) لأنهما قد لا ينفعان في الحضر وإن شرط عليه المولى عدَمَه استحساناً، لأنه شرط مخالف لما اقتضاه العقد من مالكيّته يداً (وإنكاح أمته) لاكتسابه مهرَهَا وسقوط نفقتِها عنه، بخلاف تزويج المكاتبة نفسَها، لأن ملك المولى قائمٌ فيها يمنعها من الاستيلاد والاستقلال، ولأن فيه تَعييبَها، وقد تَعجِزُ فيكون في ذلك ضررٌ على المولى (وكِتَابةُ قِنِّه) استحساناً لأنها من الاكتساب، فيملكها كالبيع، بخلاف الإعتاق على المال، فإنه إثبات الحرية للحال، وهو لا يقدر على ذلك. وبه قال مالك خلافاً لزفر والشافعي، وهو القياس، لأنها تَؤُول إلى العتق، وهو ليس من أهله، كالإعتاق على مال.
(وله) أي للمكاتب (ولاؤُه) أي ولاء قِنِّه الذي كاتبه (إن أدى) ذلك القنُّ كتابته (بعد عتِقِه) لأن الوَلاء لمن أعتَقَ، وهو أهلٌ للولاءِ عند عِتقِ قِنِّه بالأداء، ومِلْكُه فيه تام، فيثبت له (ولسيدِهِ) أي لسيد المكاتب ولاؤه (إن أدى قَبْلَه) أي قبل عتق المكاتَبِ، لأنه لما تعذر جعل المكاتب مُعتَقاً لعدم أهليته للإعتاق، خَلَفَه فيه أقرب الناس إليه وهو مولاه، كالعبد المأذون إذا اشترى شيئاً لا يَمْلك، لعدم أهليته، ويخلفه فيه مولاه (لا تَزَوُّجُه) لا يصح للمكاتب أن يتزوج بغير إذن مولاه، لأنه ليس من الاكتساب، لما فيه من شَغْلِ ذمتِهِ بالمهر والنفقة، ولأنه مملوكه رقبةً (ولا هبتُه ولو بِعِوضٍ) لأنها تبرُّع ابتداءً، وهو لا يملكه.
---
(4/3)
________________________________________
***
(ولا تَصَدُّقه) لأنه تبرع مَحْض (إلا بيَسير) لأن ذلك من ضرورات التجارة، إذ لا يجد بُداً من ضيافة وإعارة ليجتمع عليه التجارة. ومن ملك شيئاً، مَلَكَ ما هو من توابِعِه وضرورته، (و) لا (تكفُّلُهُ) بمال أو نفس، (و) لا (إقراضُه) لأنهما تبرعٌ محض، وليسا من ضرورات التجارة ولا من الاكتساب، (و) لا (إعتاقُ عبده) ولو بمال، لأنه إسقاط المِلْك عن العبد بدين في ذمته وهو مفلس، فليس من باب الاكتساب، ولأنه فوق الكتابة. والشيء يتضمن ما دونه لا ما فوقه ولا مِثْله (و) لا (بَيْعُ نفس عبد منه) لأنه عِتقٌ بمال (و) لا (إنكاحُه) أي تزويج عبده، لأنه تعييب له ونقص لماله بلزوم المهر والنفقة.
(والأب والوصي في رقيق الصغير كالمكاتب) في هذه التصرفات، فيملِكان تزويجَ أمتِه وكتابَة عبده، لأن في ذلك نَظَراً له، ولا نَظَرَ في سواهما والولاية نظرية. ولأنهما يملِكان الاكتساب للصغير كما يملِكه المكاتب، وهذا من الاكتساب (وإذا عَجَزَ) المكاتب (عن أداء نَجْم إن كان له وجهٌ سيصلُ إليه) منه شيء، بأن كان له دين يَقبِضُه، أو مال يَقْدُم عليه (لا يُعَجِّزه الحاكم) بطلب مولاه (ويُمْهِله إلى ثلاثة أيام) لأن السُّنَّة في الكتابة التأجيل والتيسير، والثلاث هي ضُرِبَتْ لإيلاء الأعذار، كإِمهال الخصم للدفع، والمديون للقضاء، ولا يُزاد عليها.
---
(4/4)
________________________________________
***
(وإلا) أي وإن لم يكن له وجه سيصل (عَجَّزَه) الحاكم في الحال (وفَسَخَها بطلب سيده أو) فسخها (سيدُه برضاه) أي رضا المكاتب، لأن الكتابة تقبل الفسخَ بلا عذر بالتراضي، فمع العذرِ أولى. وقيل: يُعَجِّزُه مولاه بدون رضاه، لتحقق العَجْزِ وتوهم التحصيل. وقال أبو يوسف: لا يُعَجِّزُه حتى يتوالى عليه نجمان، لأنه عقد إرفاقٍ، حتى كان أحسنه مؤجله. وحالةُ الوجوبِ بعد حُلول نجم، فلا بد من إمهال مدة استيساراً، وأولى المدة ما اتفق عليه العاقدان. ولقول علي رضي الله عنه: إذا تتابع على المكاتب نجمان، فلم يؤد نجومه عاد في الرِّق. رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» والبيهقي في «سننه» (وعاد رِقُّه) أي أحكامه كما كانت، لأن الكتابة قد انفسخت (وما في يده لسيده) لأنه ظهر أنه كَسْبُ عبده.
(فإن مات) المكاتب عن وَفَاءٍ لم تُفسَخ كتابتُه، لأنها عقدُ معاوضةٍ لا يُفسخ بموت أحد المتعاقدين، وهو المولى، فلا تُفسخ بموت الآخرِ (وقضى البَدَلَ) أي بدل الكتابة (من مالِهِ، وحُكم بموتِهِ حُراً) لأن البَدَلَ بموته انتقل إلى تَرِكَتِه كسائر الديون، فإذا أدى منها صار كأدائه بنفسه قبل الموت (والإرث منه) أي وحُكم بإرث ورثتِهِ منه ما بقي من ماله (وعَتَقَ بَنِيْه) أي وحُكم بِعِتقِ أَولاده حال كونهم (وُلِدُوا في كتابته أو) حال كونهم (شَرَاهم أو) حال كونه (كُوتِبَ هو وابنه، صغيراً) لأن هؤلاء يتبعونهم في الكتابة، فيتبعونه في عتقها، (أو) حال كونه كوتب هو وابنه (كبيراً بمرة) أي بكتابة واحدة، لأنهما صارا باتحاد الكتابة كشخص واحد، فإذا حكم بعتق أحدهما في وقت، حكم بعِتْقِ الآخر فيه.
---
(4/5)
________________________________________
***
والحاصل: لا تبطلُ الكتابةُ عندنا بموت المكاتَب قبل أداء البدل. وهو قول علي وابن مسعود، خلافاً لمالك والشافعي. وهو قول زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر. أخرج البيهقي عن الشَّعْبي قال: كان زيد بن ثابت يقول: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، لا يرثُ ولا يُورث. وكان علي يقول: إذا مات المُكاتبَ وترك مالاً، قُسِم ما ترك على ما أدى وعلى ما بقي، فما أصاب ما أدى فلورثته، وما أصاب ما بقي فلمواليه. وكان عبد الله يقول: يؤدي إلى مواليه ما بقي من مكاتَبتِهِ، ولورثته ما بقي. ورَوى ابن يونس في «تاريخ مصر» بسنده إلى قَابُوس بن أبي المُخَارِق قال: كنت عند محمد بن أبي بكر وهو على مصر والٍ لعلي بن أبي طالب، فكتب إلى علي في مكاتب مات وترك مالاً، فكتب إليه علي: خذ منه بقية مُكاتبتِهِ فادفعها إلى مواليه، وما بقي فَلِعصبتِهِ.
(وطَابَ) ما أدى المكاتب (لسيِّدِه) الذي ليس بمَصْرِف للصدقة (إن أدى إليه منْ صَدَقةٍ) تصدَّق بها عليه (فعَجَزَ) لأن المِلْك قد تبدُّل، وتَبَدُّلُ الملكِ كتبدلِ العين. أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بَرِيْرَة حيث قال في اللحم الذي تُصدِّق به عليها: «هو لها صَدَقَةٌ ولنا هدية»، وصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها، حيث تطيب لوارثه الغني، وكالفقير إذا استغنى حيث يَطيْبُ له ما أَخذه من الزكاة حالة الفقر، وكابن السبيل إذا أخذ الصدقَةَ ثم وصل إلى ماله ومعه شيء منها، حيث يَطيبُ له، لأن المُحَرَّمَ على الغني هو الأخذ، وهو ليس بموجود ممن أخذ حالة الحاجة ثم استغنى. ولو أباح الفقير للغني أو الهاشمي عينَ ما أخذه من الزكاة لا يَطيبُ له، لأن المِلْك لم يتبدَّل.
---
(4/6)
________________________________________
***
(ولا تنفَسِخُ) الكتابة (بموت السيد) لأنها حقُ العبد، فلا تبطلُ بموت سيده كالتدبير، وأُمُوميَّة الولد، وأجل الدَّين إذا مات الطالب (وأدى) المكاتب (البدل إلى ورثته على نجومه) لأن النجوم أجل الكتابة، وهو حق المطلوب، فلا يبطل بموت الطالب، كأجل الدَّين بخلاف موت المطلوب، لأن ذمته خَرِبت وانتقل الدين إلى تركته وهو عين. وهذا إذا كاتبه وهو صحيح، وأما إذا كاتبه وهو مريض فلا يَصِحُ تأجيله إلا من الثلث.
(وإن أعتَقَه) أي المكاتب (بعضُهم) أي بعض الورثة (لا يصح) لأنه لم يَملِكْه، إذ لم يقبل النقلَ من مِلك إلى ملك، ولا عِتقَ بدون المِلْك (وإن أعتقوه عَتَقَ مجّاناً) والقياس: أن لا يعتِق، لأنهم لم يملكوه، ولهذا لا يكون للإناث منهم الولاء فيه، ولو ملكوه لكان الولاء لهنَّ. ووجه الاستحسان: أنّ هذا إبراءٌ عن بدل الكِتَابة، لأنه حقُهم، وقد جرى فيه الإِرث، أو إقرار بالاستيفاء منه، فتبرأ ذمته فيعتق، كما لو أبرأه المولى عن بدل الكِتَابة كله. ويشترط أن يُعتِقُوه في مجلسٍ واحدٍ، حتى لو أعتَقَه بعضهم في مجلس وبعضهم في مجلسٍ آخر لم يَعتِقْ على الصحيح.

كتاب الأيْمَان
اليمين في اللغة: القوةُ، ومنه قوله تعالى: {لأخَذْنَا منه باليمينِ}، والجَارِحةُ، ومنه قوله تعالى: {وأصحاب اليمين}، والحَلِفُ، ومنه قوله تعالى: {إنَّهم لا أيْمانَ لهم}.
وفي الشريعة: تقوية الخبَرِ بذكر الله، أو بالتعليق. وسببها: قصدُ الحالف إظهارَ صِدْقه في قلب السامع، أو حمل نفسه على الفعل أو الترك. وشرطها: كونُ الحالف مكلفاً. ورُكنها: اللفظ الذي ينعقد به اليمين. وحكمها: البَرُّ حال بقاءِ اليمينِ، والكفَّارة عند فوات البَرِّ. وهي نوعان: يمين بالله، ويمين بغيره.
---
(4/7)
________________________________________
***
فالأُولى مشروعة بالكتاب، وهو قوله تعالى حكاية: {وتَااِ لأكِيْدَنَّ أصنامَكُم} و {تَااِ لقدْ آثَرَكَ ا علينا}. وبالسنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «والله لأغزون قريشاً»، وبالإجماع.
وكذا بغير «الله» مشروعة: وهي تعليق الجزاء بالشرط، نحو: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ أو فأنتَ حرٌ وما أشبه ذلك، لأنه التزمَ حُكماً بالشرط وله ولاية إلزامه. وهو ليس بيمين وصفاً وإنَّما سُمِّيَ يميناً في عرف الفقهاء لحصول ما هو المقصود باليمين بالله، من الحمل على الشرط أو المنع عنه، فكان يميناً. حتى لو حلف أن لا يحلِفَ فعلَّق بالطلاق ونحوه يحنَث. والحَلِفُ بغير الله مكروه لقوله عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ بغير الله فقد أَشْرك». رواه أحمد والترمذي والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر.
(هي) أي اليمين التي اعتبرها الشارع ورتب عليها الأحكام (ثلاثَ:) وإلا فمطلق اليمين أكثر من الثلاث، كاليمين على الفعل الماضي صادقاً. والمراد بترتب الأحكام عليها ترتُّبَ المُؤاخذة على الغَمُوس، وعدَمَها على اللغو، والكفارة على المُنعقدة.
(فَحَلِفُه) مبتدأ (على فِعْلٍ) أراد به المصدر أعم من أن يكون قائماً بالعقلاء أو بغيرهم، نحو: واللَّهِ لقد هَبَّتِ الريح (أو تَرْكٍ) أي عدمِ فعلٍ (ماضٍ). وفي «الإيضاح» و «التحفة»: أن اليمين الغَمُوس يكون على الحال أيضاً، نحو: والله ما لهذا عليَّ دينٌ، وهو يعلمُ خلافَه. والتحقيق أنه داخلٌ في ماضٍ حكماً.
---
(4/8)
________________________________________
***
(كاذباً عمداً) حالان من الضمير في حَلِفِه (غَمُوسٌ) خبر المبتدأ. وسميت هذه اليمين غموساً لانغِماس صاحبها في الإثم، ثم في النار (يأثم به) أي بهذا الحلف، لما روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الكَبَائرُ: الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النَّفْس، واليمينُ الغَمُوس». وروى ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث أبي أُمَامَة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حَلَفَ على يمينٍ هو فيها فَاجرٌ ليقتَطِعَ بها مال امرءٍ مسلمٍ حَرَّم الله عليه الجنة، وأدخله الله النار».

ورواه الشيخان من حديث ابن مسعود بلفظ: «لقي اللَّهَ وهو عليه غضبان». وروى أبو داود من حديث عِمران بن حُصَيْن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حَلَف على يمينٍ مَصْبُورةٍ كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار». والمَصْبُورة: اللازم من جهة الحكم، ذكره الخطَّابي. وفي «الصحاح»: تبوأت منزلاً، أي نَزَلْت. وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ كاذباً أدخَلَه الله النارِ» فغيرٌ معروفٍ.
(وظانّاً) عطفٌ على كاذباً، أي حَلِفُه على فِعْلٍ أو تَرْكِ ماضٍ حالَ كونِه ظاناً (أنه حقٌ، وهو ضِدُّه) أي غير حقٍ (لغوٌ) رُوِي هذا عن ابن عباس وعن زُرَارة بن أبي أوْفَى. وفي «المعرفة» للبيهقي: نحوه عن عائشة قالت: هو حَلِفُ الرجل على علمه، ثم لا يجده على ذلك. وفي «مصنف عبد الرزاق» نحوه عن مجاهد قال: هو أنَّ الرجل يَحلِفُ على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كذلك. وهو أيضاً قول مالك. (يُرجى عفوه) كذا قال محمد، وعبارته: فهذه يمينٌ نَرجُو أن لا يُؤاخِذَ الله بها صاحبها.
فإن قيل: ما معنى تعليق نفي المؤاخذةِ بالرجاء. وعدم المؤاخذة باللغو منصوصٌ عليه لقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ باللغوِ في أيْمَانِكم} ؟.
---
(4/9)
________________________________________
***
أجيب بأن المنصوصَ عليه عدم المؤاخذة بما هو لغو في نفس الأمر، والمعلقُ بالرجاء عدم المؤاخذة بما هو لغو على هذا التفسير، لأنه قيل في تفسير اللغو أقوال أُخر. فروى البخاري في «صحيحه» عن هشام بن عروة عن عائشة في قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ ا باللغوِ في أيْمَانِكُم} قالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وهو رواية عن أبي حنيفة وقول محمد والشافعي. ورُوِي عن الشافعي أنه فسّر اللغو بالخالي عن القصد، سواء كان في الماضي أو الآتي، بأن قصد التسبيح، فجرى على لسانه اليمين.
وحكى محمد عن أبي حنيفة أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم: لا والله، وبلى والله. لما روى أبو داود عن عطاءٍ قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هو كلام الرجل في بيته: كـ:لا والله: وبلى والله». وتأويله عندنا فيما يكون خبراً عن الماضي، فإن اللغو ما يكون خالياً عن الفائدة. والخبرُ الماضي خالٍ عن فائدة اليمين التي هي الحظر أو الإيجاب، فكان لغواً. فأما الخبرُ في المستقبل فإن عَدِمَ القصد لا يَعْدَم فائدة اليمين. وقد ورد الشرع بأن الهزل والجِدّ في اليمين سواء. وقال الشَّعبي ومَسْرُوق: اليمين اللغو أن يحلِفَ على (معصية فيتركها لاغياً بيمينه. وعن سعيد بن جُبَيْر: هو الرجل يحلف على) الحَرَام بأن يُحَرِّمَ على نفسه ما أحلَّ الله له من قولٍ أو عملٍ، فلا يُؤَاخِذُ اللهاُ بتركه. وعن النّخَعي والحسن: أن الرجل يحلِف على الشيء ثم ينسى.

(وعلى) فعل أو ترك (آتٍ) أي مستقبل (مُنعَقِدَةٌ) وإعادةُ «على» لطول الفصل. وهذا أولى مما قال في «شرح الوقاية». ولو قال: وآت بلا لفظ «على» ليكون عطفاً على ماضٍ، لكان أولى كما لا يخفى.
---
(4/10)
________________________________________
***
(وكفَّر فيه) أي في الحَلِفِ على آت (فقط) أي ولم يُكفِّر في الغَمُوس (إن حَنِثَ) لأن الكفارة لرفع الذنب الحاصل بالحِنْث، وذنبُه حصل بأصل يمينه، فيجب عليه التوبة والاستغفار. وقال الشافعي: يُكفِّر في الغموس أيضاً وهو قول الزهري، لقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُم ا باللغو في أيْمانِكُم ولكنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما كُسَبتْ قُلوُبكم} والغَمُوسُ مكسوبةٌ بالقلب.
ولنا قوله تعالى: {ولكنْ يُؤَاخِذُكُم بما عقَّدتُم الأَيمانَ فكفَّارَتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكين} حيث رُتِّبَت الكفارة على المعقودةِ والغموس غير معقودة. ومذهبنا قول ابن مسعود، وابن عباس، وابن المُسيَّب، والحسن البصري، والأوزَاعِي، والثوري، والليث، وأبي عُبيد، ومالك، وأحمد. وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد جيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال فيه: «خمسٌ ليس لهنَّ كفارة: الشرك بالله، وقتلُ النفس بغير حق، ونَهْبُ مؤمن، والفِرارُ من الزَّحف، ويمينٌ صابرةٌ يقتطع بها مالاً بغير حق». ويؤكده قول ابن مسعود: كُنّا نَعُدُّ اليمين الغموس من الأيْمَان التي لا كفارة فيها.
(ولو سَهْواً) وفي معناه النسيان، بل أولى (أو كَرْهاً) بخلاف النائم، فإنه لا يصح يمينه كما في «المجمع» (حَلَفَ أو حَنِثَ) خلافاً لمالك والشافعي وأحمد في الحَلِفِ بطريق السهو أو الإكراه. وخلافاً للشافعي في أصح القولين، ولأحمد في رواية في الحنث بطريق السهو أو الإكراه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «رُفِعَ عن أمتي الخطأُ والنِّسيانُ وما استُكْرهوا عليه».
ولنا أن الشرط هو الفعلُ وقد وجد. والفعل الحقيقي لا يصير معدوماً بالنسيان والإكْرَاه، ولقوله عليه الصلاة والسلام حين حَلّف المشركون صفوان وابنه: «نَفِي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم»، فبين أن اليمينَ طوعاً وكَرهاً سواء.
---
(4/11)
________________________________________
***
وقوله: «رُفِعَ» محمول على رفع الإثم، وهو لا يقتضي عدم الكفَّارة كما حُقق في فعل الخطأ والنسيان في الصلاة، ومحظورات الإحرام. ويُتَصور النسيان في الحلف بأن حلف أن لا يحلف، فنسي فحلف. وأما السهو فمعناه الخطأ، كأن يريد أن يقول: اسقني الماء، فيقول: والله لا أشرب الماء. وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث جِدُّهن جِدّ وهَزلُهن جِدّ: النكاح، والطلاق، واليمين» فغير معروف. وإنما المعروف ما رواه أصحاب «السنن الأربعة» من حديث أبي هريرة، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم بلفظ: «النكاح والطلاق والرجعة». وقد رواه ابن عَدِي فقال: «الطلاق والنكاح والعتَاق».

(والقَسَمُ بالله) أي ثابت بهذا اللفظ الشريف (أو باسم من أسمائه) المنيفة (كالرحمن، والرحيم، والحق) والخالق، والذي لا إله إلا هو رب السماوات والأرض ورب العالمين، سواء تعارف الناس الحَلِفَ به أو لم يتعارفوا (أو بصفة يُحلف بها) عرفاً (من صفاته: كعزة الله، وجلاله وكبريائه، وعظمته، وقدرته) المراد بالاسم هنا اللفظ الدال على الذات مع صفة، وبالصفة اللفظ الدال على الصفة دون الذات.
(لا بغير الله) أي لا يصح القَسَمُ بغير الله (كالنبي، والقرآن، والكعبة) لحديث ابن عمر المتفق عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إنَّ الله تعالى نَهَاكم أن تحلِفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فلْيَحْلِف بالله أو ليصْمُت». وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان منكم حالفاً فليحلفْ بالله أو ليذرْ» فغير معروف بهذا اللفظ. ولعل نَهْيَه مأخوذ من قوله تعالى: {فلا تجعلوا أنداداً}، وقد ورد: «مَنْ حَلفَ فليَحْلِف برب الكعبة». رواه أحمد والبيهقي.
---
(4/12)
________________________________________
***
(ولا بصفة لا يُحلف بها عرفاً كرحمتِهِ، وعلمه، ورضائه، وغضبه، وسخطه، وعذابه) وهو اختيار مشايخ ما وراء النهر، وهو الأصح. لأن مبنى الأيمان على عُرْفِ أهل الزمان. والحَلِفُ بها غير متعارف، ولأن الرحمةَ قد يراد بها أثرها وهو الجنة، قال الله تعالى: {ففي رحمةِ ا هم فيها خالدون}. والغضب والسَّخط يراد بهما النار، فيكون حالفاً بغير الله.
وقال مالك: لا ينعقد اليمينُ بصفات الفعل، وبه قال أحمد في رواية، لأن اليمينَ ينعقد لحُرْمة اسم الله تعالى، ومع الاشتراك لا حرمة له. وفي «المبسوط»: قال مشايخنا العراقيون: الحَلِفُ بصفاتِ الذات كالقدرة، والعظمة، والعزة، والجلال، والكبرياء يمين، والحَلِفُ بصفات الفعل كالرحمة، والسَّخط، والغضب، والرضاء لا يكون يميناً. وقالوا: صفة الذات: ما يجوز أن يُوصَف بها ولا يجوز أن يوصف بضدها، كالقدرة. وصفة الفعل: ما يجوز أن يوصَف بها وبضدها كالرضا، فإنه تعالى يرضى بالإيمان ولا يرضى بالكفر. انتهى. واتفقوا على أنه لا يُحلف بعلمه، إما لأنه غير متعارَف، وإما لأن العلم يُذكر بمعنى المعلوم.
وفي «المحيط»: لو قال: يعلم الله أنه فعل كذا ولم يفعله يُكْفَر، لأنه وصفَ الله تعالى بالعلم بوجود شيء قبل وجوده، فصار كما لو وَصَفَه بالجهل. والأصح: أنه لا يُكْفر، لأنه قصد بهذا الكلام إثبات صدقِهِ في خبره لا وصف الله به. ويجوز أن يحلف بجميع أسمائه وإن لم يتعارف الناس بها على الصحيح، لأن اليمين باسم الله ثبت بقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفاً فليحلف بالله»، والحلفُ بسائر أسمائه حَلِفٌ بالله. وما ثبت بالنص أو بدلالته لا يراعى فيه العُرْف. وقال بعضهم: كل اسم لا يسمى به غير الله، كالرحمن فهو يمين، وما يسمى به غير الله كالحكيم، والعليم، والقادر، والرحيم، فإن أراد به يميناً فهو يمين، وإن لم يردْ به يميناً لا يكون يميناً.
---
(4/13)
________________________________________
***
(وقوله) مبتدأ (لعَمْرُ الله) أي لبقائه، وهو بفتح العين أذ لا يُستعمل في القسم بضمها، وهو مبتدأ خبره محذوف تقديره: قسمي أو يميني. قال الله تعالى: {لعَمْرُكَ إنَّهم لفي سَكْرتِهم يعمهون}، (وَايْمُ الله) وهو عند الفرَّاء جمع يمين، فأَصْلُه أَيْمُن سقطت نونُهُ وهمزتُه في الوصل للتخفيف. وعند سِيْبَوَيْه: كلمة اشتُقت من اليمين، ساكنة الأول فاجتلبت الهمزة للنطق به. وقيل: أيم صلة أي زائدة، والمعنى والله، وهو حلف متعارف بها. فقد قال صلى الله عليه وسلم حين طعن الناس في إمارة أسامة بن زيد: «إن كنتم تطعنون في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وَأَيم الله إنْ كان لخليقاً بالإمارة». رواه البخاري.
(وعَهْدِ الله وميثاقِه) وكذا ذمته وأمانته. والواو في هذه الألفاظ للقسم، فما بعدها مجرور بها. وقال الشافعي: لا يكون هذا النوع يميناً إلا بالنية. ولنا أنَّ العهد غلب استعماله في اليمين، والميثاق، والذمة. والأمانة بمعناه، ويدل عليه قوله تعالى: {وأوفوا بِعَهْدِ ا إذا عَاهدْتُم} ثم قال: {ولا تَنْقُضُوا الأَيمانَ بعد تَوْكِيْدِها}. لكن قد ورد: «من حَلَفَ بالأمانَةِ فليس مِنّا». رواه أبو داود عن بُرَيْدَة.
(وأُقسِم، وأَحلف، وأَشهد، وإن لم يقل: بالله) الواو في هذا وما بعده للعطف لا للقسم، لأن الحالف يقول: أُقسِمُ لأفعلنَّ. وقال زفر والشافعي: لا يكون يميناً إلا إذا قال: بالله، نوى اليمينَ أو لم ينوه. (وعليَّ نَذْرٌ) وقال مالك: لا يكون يميناً إلا إذا قال: بالله، ونوى اليمين.
ولنا ما في السنن من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر نذراً لم يُسمِّه، فكفارتُه كفارةُ يمين». وأما ما في «الهداية» من قوله عليه الصلاة والسلام: «من نَذَر وسَمى فعليه الوفاء بما سَمَّى» فغير معروف.
---
(4/14)
________________________________________
***
(أو) عليَّ (يمين أو) عليَّ (عهدٌ وإن لم يُضَف إلى الله) لأن معناه عليَّ موجب يمين وموجب عهد (وإن فَعَلَ كذا فَهُو كَافِرٌ) وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: لا يكون يميناً، لأنه علق بالفعل ما هو معصية، فصار كما لو قال: إن فعلت كذا فأنا زان.
ولنا أن تعليقَ الكفرِ بفعلٍ، تحريمٌ لذلك الفعل، وتحريم الحلال يمين كما سيأتي. والفرق بين هو كافر وبين هو زان أنه لا يكون زانياً عند الله بمجرد قوله: هو زان، ويكون كافراً بقوله: هو كافر. فقول القائل: إن فعل كذا فهو كافر يمينٌ.

(وإن لم يَكْفُر) سواء (علقهُ بماضٍ أو آتٍ) رُوِيَ ذلك عن أبي يوسف. وقال محمد بن مقاتل: يَكْفُر إذا علقه بماضٍ، لأنه علق الكفر بموجود، والتعليق بالموجود تنجيز، فصار كما لو قال ابتداءً: هو كافر. والصحيح أنه إِذَا كان عالماً أنه يمين لا يَكفُر فيهما، وإن كان جاهلاً أو عنده أنه يكفر في الماضي أو بمباشرة الشرط في المستقبل يَكفر فيهما، لأنه لما أقدم على الفعل وعنده أنه يَكفر، فقد رضي بالكفر. وكذا لو قال: إنْ فَعَل كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الله، أو من النبي، أو من الإسلام، أو من القرآن، أو من القبلة، أو الكعبة، كان يميناً عندنا، ونفاه مالك والشافعي لما تقدم.
ولنا ما رُوِي عن ابن عباس أنه قال: من حلف بالتهود والتنصر فهو يمين. وأما ما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ على يمين بمِلّة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال». فالظاهر أنه خَرَج مَخرَج الغالب، فإن الغالب ممن يحلف بمثل هذه الأيمان أن يكون من أهل الجهل لا يُعْرف منه إلا لزومُ الكفر على تقدير الحِنْث، لا من أهل العلم والخبر، فإن تمّ هذا وإلا فهي شاهد لمن أطلق القول بكفره.
---
(4/15)
________________________________________
***
(وسَوْكَنْدِ ميخُورَمْ بَخُدَايْ) أي أقسم بالله بلسان الفارسي، وكذا الحكم بسائر ألسنة العجم (قَسَمٌ) هذا خبر المبتدأ الذي هو قوله: لعَمْرُ الله وما عُطف عليه (وحقاً) أي قوله: حقاً (وحق الله وحرمته وسَوْكَنْد خُورَمْ بَخُدَاي) أي بصيغة الاستقبال (يابطلاق زن) يعني سَوْكَنْد خُورَمْ بطلاق زن (وإن فعله) أي كذا (فعليه غَضَبُه) أي غضب الله (أو سخطُه، أو لعنتُه) أو حرم الله عليه الجنة أو عذَّبه بالنار (أو أنا زانٍ، أو سارق، أو شارب خمر، أو آكل رباً) أي لا يكون قَسَماً. أما حقاً فلأنه يراد به تحقيق الوعيد، وأما حق الله فلأنه يراد به واحدُ الحقوق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «هل تدري ما حقُّ الله على عباده».
وأما الغضب والسَّخط واللعنة، فلأنه يرادُ بها آثارُها وهي النار، ولأنه دعاء على نفسه، قال الله تعالى: {ويَدْعُ الإنسانُ بالشَّرِ دَعَاءَه بالخير}. ولأن واحداً من هذه الأمور لم يْتعارف الحَلِفُ به. وقيد بحق الله لأنه لو قال: والحق يكون قسماً، لأنه من أسمائه سبحانه. وأما قوله: أنا زان ونحوه فلعدم استلزام وجود الشرط وجودَ ما فعله جزاء من الزنا ونحوه، لتوقفه على فعل مستأنف.

(وحُرُوفُ القَسَمِ: الواو، والباء، والتاء) كقوله: واللَّهِ، وباللَّهِ، وتالله. لأن كل ذلك معهودٌ في الأَيمان ومذكور في القرآن ، قال الله تعالى: {وا رَبِّنا ما كُنّا مشركين}، {يَحْلِفون با ما قالوا}، {تا تفتؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ}. وأصل هذه الحروف الباء، ولذا تدخل على الظاهر والمضمر نحو بالله، وبه. ويجوز إظهار الفعل معها نحو: حلفت بالله، وأُقسِمُ بالله. والواو ملحَقَة بها، ولهذا لا تدخل على المُضمَر، ولا يجوز إظهار الفعل معها. والتاءُ ملحقة بالواو وتدخل على لفظة «الله» خاصة. ورواية تَرَبَّ الكعبة شاذة.
---
(4/16)
________________________________________
***
(وقد تُضمَر) حروف القسم (كـ:الله لأفعلن) وفي نُسخة: لا أَفعله. وينصب الاسم حينئذٍ على إسقاط الخافض واتصال فعل الحلف به كقوله تعالى: {واختَار مُوسَى قَوْمَه} وهو أكثر استعمالاً، أو يُخفض على إضمار الخافض وبقاء أثره، وهو قليل شاذ. وحُكِيَ الرفع أيضاً نحو: الله لأفعلنّ على إضمار المبتدأ أو خبره وهو الأولى، لأن الاسم الكريم أعرَفُ المعارِفِ، فهو أولى بكونه مبتدأ، والتقدير: الله قسمي، أو قسمي اللهاُ لأفعلن. ولو قال: واللهاِ والرحمنِ يكون يمينين، إلا أن يريد تِكرار الأول في ظاهر الرواية، وعليه أكثر المشايخ.
وروى الحسن عن أبي حنيفة يكون يميناً واحداً وبه أخذ مشايخ سمرقند. ولو قال: والله والله فهو يمينان كذا ذكروه، وفيه أنه أولى بأن يصلح ثانِيه للتأكيد مما قبله. ولو قال: والله ووالله فيمينٌ واحد استحساناً. ولو قال: والله لا أكلمك والله لا أكلمك فيمينان. وروى الحسن إن نوى بالثاني الخبر عن الأول صُدِّق ديانة.
هذا، وإن وصل إن شاء الله بحلِفِهِ بَرّ، لما روينا في الطلاق من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حَلَفَ على يمينٍ فقال: إن شاء الله فقد استثنى». رواه أبو داود والنسائي والحاكم في «مستدركه» عن ابن عمر. وكذا إذا نَذَرَ وقال: إن شاء اللهاُ مُتَّصِلاً لا يلزمه شيء.
قال محمد: بلغنا ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وكذا قال موسى عليه السلام: {سَتَجِدُنِي إن شاء اللَّهُ صابراً} ولم يصبر، ولم يُعدّ مُخْلِفاً لوعده. والاتصال شرط عمل الاستثناء في الإبطال، فلو انقطع بتنفّس أو سعال ونحوه لا يضر. وعن ابن عباس أنه كان يُجَوِّز الاستثناء المنفصل إلى ستة أشهر، وقيل: إلى سنة لقوله تعالى: {واذْكُرْ رَبَّك إذا نَسِيْتَ} أي: إذا نسيتَ الاستثناء موصولاً فاستثن بمفصول.
---
(4/17)
________________________________________
***
ورُوِي أن محمد بن إسحاق صاحب «المغازي» كان عند المنصور، فكان يقرأ عنده المغازي وأبو حنيفة كان حاضراً، فأراد أن يغري الخليفة عليه، فقال: إن هذا الشيخ يخالفُ جدَّكَ في الاستثناء المنفصل، فقال: أَبَلَغَ مِن قدرك أن تخالف جدي؟ فقال: إن هذا يريد أن يُفسدَ عليك مُلكك، لأنه لو جاز الاستثناء المنفصل، فبارك الله لك في عُهُودِكَ إذاً، فإن الناس يُبَايِعونك ويَحلِفون، ثم يخرجون ويستثنون، ثم يخالفون ولايخشَون، فقال: نِعْمَ ما قلت، وغضب على محمد بن إسحاق وأخرجه من عنده.
وأما تأويل قوله تعالى: {واذْكُر رَبَّك إذا نَسِيْتَ} أي إذا لم تَذْكُر إن شاء الله في أول كلامك فاذكره في آخره موصولاً به. كذا ذكره بعضهم. وعندي أنه خاصٌ بما بين العبد وربه في نحو قوله: {إني فاعلٌ ذلك غَداً} ولم يستثن نسياناً، فمتى جاء في ذكره ينبغي أن يستثنىِ ولو في آخِر عمره مرةً. وقيل: المعنى اذكر ربَّك إذا نسيت غيره ولو نفسك، فإن كمال الذكر هو الفَناءُ والاستغراق في نحو شهود المذكور المعبَّر عنه بكمال الحضور.

(كَفَّاَرة اليَمِينِ)
(وكفارته) أي كفارة القَسَم واحد من ثلاثة. ويتعينُ بفعل العبد أَحدها (عِتقُ رقبة) أي عبد أو أَمة (أو إطعامُ عشرة مساكين كما هي في الظِّهَار) الظاهر أنه قيد للأَخير، ويُحتمل أن يكون لهما. وفي نُسخة: كما هما في الظهار، أي كالعِتْق والإطعام في كفارة الظهار. وقد تقدم أنه يطعم كل مسكين نِصف صاعٍ من بُرّ، أو صاعاً من غيره. (أو كِسْوَتُهم لكل) من العشرة (ثوبٌ يستُر عامة بَدَنِه) قميص أو إزار ورداء، أو قَبَاء أو كِسَاء على الصحيح. وفي «المحيط»: وهو ظاهر الرواية. وفي «المبسوط»: أدنى الكِسوة ما يجوز فيه الصلاة، وهو مرويٌ عن محمد رحمه الله.
---
(4/18)
________________________________________
***
(فلمْ تجز السَّرَاويل) أي فقط، وإلا فهو جائزٌ مع انضمام الرداء اتفاقاً. وعن محمد: لا يجوز السراويل للمرأة، لأن المعتبر رد العُرْي بقدر ما تجوز به الصلاة. والسراويل تجوز فيه الصلاة للرجل دون المرأة. وقال مالك والليث: أدناها للرجل ثوب، وللمرأة ثوبان: درع وخِمار. والمراد بالدرع القميص. وقال الشافعي: ما يُطلق عليه اسم الكسوة: كالسراويل، والإزار والمِقْنَعَة، والطَّيْلَسَان. وعن ابن عمر لا يجزىء أقل من ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ورداء. وعن أبي موسى الأشعري: ثوبان. وذلك لقوله تعالى: {فَكفَّارتُه إطعامُ عَشَرةِ مساكينَ من أوْسَطِ ما تُطْعِمُون أهلِيْكُم أو كِسْوتُهم أو تحريرُ رَقَبةٍ} ففي الآية بدأ بالإطعام لأنه أهون على الأنام، فيكون تَرِّقياً في الكلام. وعكَس الفقهاءُ إيماءً إلى بيان الأفضل، فتأمل.
(فإن عَجَزَ عنها) أي عن العِتق والإطعام والكسوة. وفي نُسخة: فإن عَدِمها (وقتَ الأداء) وعند الشافعي: وقت الوجوب (صام ثلاثة أيام وِلاء) أي متتابعات. وقال مالك والشافعي في قول واحد في رواية: يُخير بين التتابع وعدمه، لإطلاق قوله تعالى: {فمنْ لمْ يَجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيام}.
ولنا قراءة ابن مسعود: «فصيامُ ثلاثةِ أيام مُتتابعات» وهي كالخبر المشهور، فإنه إنما يقْرَأ سماعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت قراءته كالرواية المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم فصحت الزيادة والتقييد بها.
ولم تَجُزْ الكفّارة (بلا حِنْثٍ) أي لم تُجزىء قبل الحنثِ، سواء كانت بالمال أو بالصوم.
وقال مالك وأحمد: تُجزىء. وقال الشافعي: إن كانت بالمال تُجزىء، وإن كانت بالصوم لا تجزىء، (وفي وجه تجزىء).
---
(4/19)
________________________________________
***
وكان ابن عمر وسليمان وأبو الدرداء يُكفِّرُون قبل الحنث، وكذلك الحسن وابن سيرين. رواه ابن أبي شَيبة. وذلك لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليُكفِّر عن يمينه وليأت الذي هو خير»، وكلمة الفاء للتعقيب. وما روى أبو داود بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن سَمُرَة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا عبد الرحمن إذا حَلَفتَ على يمينٍ فرأيت غيرها خيراً منها، فكفِّر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير»،. وكلمة «ثُم» للتراخي.
ولنا أن الكفارة لِسَتْر الجناية ولا جناية قبل الحنث، لأن عقدَ اليمينِ بدون الحنثِ ليس بذنبٍ إجماعاً، لأنه أَمْرٌ مشروع، فإن في عقدِ اليمين تعظيمَ اسم الله تعالى، والمشروع لا يوصف بالذنب، وإنّما الذنبُ في هتك حرمة اسم الله تعالى بالحنث، فاستحال التكفير قبل الحنث كالطهارة قبل الحدث، فلا يصح كفارة اليمين قبل الحنث، كما لا يصح كفارة القتل قبل الجرح.
وأجيب عما رَوَوْا بأنه يقتضي وجوب تقديم الكفارة على الحِنْث، ولا قائل به. وبأن الحديث الأول معارَضٌ برواية مسلم له أيضاً بلفظ: «فليأت الذي هو خير وليُكفِّر عن يمينه». ورُوي في الصحيحين فيهما بالتقديم والتأخير من حديث أبي هريرة، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وعديّ بن حاتم. وبأن الفاء الجزائية تفيد تعقيب ما قبلها في الجملة، كما حُقِّق في قوله تعالى: {إذا قُمتُم إلى الصلاة فاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وأيدِيَكُم} والواو تدل على الجمعية، فلا دلالة على تقديم أحد الجزأين على الآخر، كما في: ادخلِ السوق فاشترِ لحماً وفاكهةً، فإنّ المقصود تعقيب دخول السوق لكل من الأمرين.
---
(4/20)
________________________________________
***
وأما الحديث الثاني فمعارَضٌ بما أخرجه الإمام أبو محمد قاسم بن ثابت بن حزم السَرَقُسْطي في كتاب «غريب الحديث» عن أبي حازم عن أبي هريرة: أن رجلاً أَعْتَمَ عنده ـ أي أمسى ـ فسأل صِبْيَتُه أُمَّهُم الطعام، فقالت: حتى يجيء أبوكم، فنام الصِّبْيَة، فجاء أبوهم فقال: أَشْهَيْتِ الصِّبْيَة؟، فقالت: لا، كنت أنتظر مجيئك، فَحَلَفَ أن لا يَطْعَمَ، ثم قال بعد ذلك: أيقظيهم وجيئي بالطعام، فسمى الله وأكل، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي صنع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «من حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليأته ثم ليكفِّر عن يمينه». قال السَرَقُسْطي: أَشْهَيْتِ الصبية: أي أطعمتهم شهوتهم. و«ثم» قد تجيء للتشريك في الحكم ولا تقتضي الترتيب، كما في قوله عز وجل: {وبَدَأ خَلْق الإنسان من طِيْنٍ ثم جَعَلَ نَسْلَه}...الآية، كذا في «القاموس».

فإن قيل: تعليلكم وتأويلكم مَرْدودان لمخالفتهما النصَّ، وهو قوله تعالى: {ولكن يُؤَاخِذُكُم بما عَقَّدتُم الأيْمَان فكفارتُه} الآية، والفاء للوصل والتعقيب، فيقتضي جواز التكفير بعد اليمين متصلاً بها، وكذا قوله: {ذلك كفارةُ أيْمَانِكُم إذا حَلَفتُم}، رتَّبها على الحَلِفِ لا على الحنث.
قلنا: الحِنث مضمرٌ في النص، بدلالة ما قلنا في قوله تعالى: {فمنْ كان منكم مَرِيضاً أو على سَفَر فَعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر}، ويدل عليه قراءة ابن مسعود: «إذا حلفتم وحنثتم».
(ومَنْ حَلَفَ على معصيةٍ كعدمِ الكلامِ مع أبَويْهِ) أو أحدهما (حَنِثَ) أي ينبغي أن يحنَثَ في الحال (وكفَّرَ) في الحال بالصوم والمال، لما روينا من الحديث، فإن ظاهرَه يقتضي وجوب الحِنْث إذا لم يكن المحلوفُ عليه معصية، وكان الحِنْثُ خيراً من البِرِّ، فأولى أن يجب عليه الحنثُ إذا كان معصية.
---
(4/21)
________________________________________
***
والحاصل: أنه يجب البرُّ في الحَلِفِ على فِعْل الفرض وتَرْك المعصية، ويجب الحنث في عكسه، لقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ حَلَفَ أن يطيعَ الله فليُطعْه، ومَنْ حَلَفَ أن يعصيه فلا يعْصِه» ويرجَّح البر في الحَلِفِ على فعل المباح، لقوله: {واحفَظوا أيْمَانَكم} أي عن الحنث. ويرجَّح الحنث في الحلِفِ على ترك فعل القُرْبة لقوله عليه الصلاة والسلام: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيراً منها، إلا كفّرت عن يميني وأتيتُ الذي هو خير». رواه الشيخان، وفي لفظ: «أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني». ولعل معنى: «كفرت عن يميني» في اللفظ الأول: نويت التكفير عن يميني، أو قدم للاهتمام. والله تعالى أعلم بحقيقة المرام.
ثم اليمين في الحديث بمعنى المقسم عليه، فذُكرَ الكل وأُريد البعض. وقيل: ذكر اسم الحال وأُريد المحل، لأن المحلوف عليه محل اليمين.
(ولا كفارة في حَلِفِ كافر وإن حَنِثَ مُسْلِماً) وقال الشافعي: يلزمه الكفارة بالمال دون الصوم إذا حنث كافراً، لأنه أهل لليمين، ولهذا يُستحلف في الدعاوى والخصومات.
ولنا قوله تعالى: {فَقَاتِلوا أئمةَ الكفرِ إنّهم لا أيْمَانَ لهم} ولأنه ليس بأهل لليمين، لأن المقصود منها البِرُّ تعظيماً لاسم الله تعالى، والكافر ليس من أهله، لأنه هتك حرمة اسم الله تعالى بإصراره على الكفر، والتعظيم مع الهتك لا يجتمعان.

(ومَنْ حَرَّمَ) على نفسه (مِلكَه) من طعام، أو ثوب، أو أَمة، أو غير ذلك (لا يَحْرُم عليه) لأن ذلك قلب المشروع، ولا قدرة له عليه (وإن استَبَاحَه) أي عامله معاملة المباح، بأن أكل الطعام، أو لبس الثوب، أو وطء الأمة (كفَّرَ) كفارة يمين. وكذا لو قال: طعام فلان، أو ثوبه، أو أمته عليَّ حرام، فهو يمينٌ، لأن ظاهِرَه الإنشاء، إلا أن يريد به الإخبار عن الحرمة.
---
(4/22)
________________________________________
***
وقال مالك والشافعي: لا كفارة عليه، لأنه ليس بيمين إلا في حق الجواري، والنساء في معناهن، فيقتصر على مورده في لزوم الكفارة، لأن تحريمَ الحلال قلبُ المشروع، واليمين عقد مشروع، فلا ينعقد بلفظٍ هو قلب المشروع كقلبه، وهو تحليل الحرام، ولأن ذا ليس إلى العبد، فإن المُحلِّل والمحرِّم هو الله سبحانه، فيلغو.
ولنا قوله تعالى: {يا أيها النبيُّ لم تُحرِّم ما أحلَّ اللَّهُ لك تَبْتَغي مرضاتَ أزْواجِكَ وا غفورٌ رحيمٌ قد فَرَضَ ا لكم تَحِلَّة أيْمَانِكُم} وسبب نزول هذه الآية ما في البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم شَرِبَ عند زينبَ بنت جحشٍ عسلاً، فعلمت به عائشة فتواصت هي وحفصة أيَّةٌ، وفي رواية: أيَّتُنا، دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلْتقل: إني أجدُ منك ريحَ المَغَافِير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: «لا بل شربت عسلاً عند زينب ولن أعود». وفيه أيضاً عن عائشة أن التي سقته العسلَ حفصة، وأَن التي تواصت هي وإياها سَوْدَة والمغافير: بالغين المعجمة، جمع مُغفُور بضم الميم والفاء: صَمْغُ بعضِ الشجر يُحَلُّ بالماء وله رائحة كريهة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَكره أن يُوجد منه الروايح، فصدَّق عليه الصلاة والسلام القائلة له ذلك من أزواجه، وحرَّم العسل على نفسه.
---
(4/23)
________________________________________
***
وقال الخطَّابي: والأكثر على أن الآية إنما نزلت في تحريم مارية القُبطية حين حرَّمها على نفسه. وذلك أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي عليَّ وقد حرمت مارية على نفسي، فأخبرت به عائشة، وكانتا متصادقتين. وقيل: خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها، فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه إِلى شهرٍ ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية. انتهى. والأول أولى بالاعتبار، لأنه رواية صاحب القضية، وصاحب البيت أدرى بما فيه، فالتمسك به ظاهر، وكذا بالثاني لأن العبرة بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السببِ، ولأن التحريم المضاف إلى الجواري لما ثبت يميناً بهذه الآية، فكذا التحريمُ المضاف إلى سائر المباحات دلالة. فإن قيل: روي أنه قال: «والله لا أذوقه» فلذلك سُمِّي تحريماً ولزمته التَّحِلة.

أُجيب بأنه لم يُذكر في الآية ولا في الحديث الصحيح، فلا يجوز أن يُحكم به، ويُقيَّدُ به حُكْمُ النص.

فصلٌ في الحَلِفِ في الفعلِ أو الترك من الدخول والخروج وغيرهما
(مَنْ حَلَفَ لا يدخلُ بيتاً) وهو ما أُعد للبيتُوتة (يحنَث بدخول صُفَّة) لأنها تُبنى للبيتُوتة فيها في بعض الأوقات، فصارت كالبيت الصيفي. قال شمس الأئمة: إلا أن ينوي بيتاً غير الصُّفة، فيُصدَّق ديانة، لأنه خصَّ العام بنيتِهِ. (لا الكعْبَة) أي لا يحنَث بدخول الكعبة (أو مسجد، أو بِيْعَة) وهي معبد النصارى (أو كنيسة) وهي معبد اليهود (أو دِهليز) بكسر الدال: وهو ما بين الباب والدار (أو ظُلَّة باب دار) وهي الساباط الذي يكون على باب الدار، لأن واحداً من هذه الأشياء لم يُبْنَ للبيتوتة، فلا يكون بيتاً.
---
(4/24)
________________________________________
***
(كما) أي مثل ما لا يحنث (في: لا يدخل داراً) وكذا بيتاً، بل أولى (فَدَخَلَ داراً خَرِبَةً) لأن الدار وإن كانت اسماً للعَرْصة أدير عليها الحائط، إلا أنَّ البناء كالصُّفَّة فيها. ولذا يقال: دار عامرة، ودار غامرة. والصِّفة في المنكَّر من كل وجه معتبرة، ليحصل بها تمييزه، فتعلقت اليمين بدار موصوفة لصفة، فلا يحنثُ بعد زوال تلك الصفة.
(وفي:) لا يدخل (هذه الدارَ، يَحنثُ إنْ دَخَلَهَا مُنهدمةً صحراءً، أو بعدما بُنيت أخرى) لأن الدار هنا معينةٌ والصِّفة في المُعينِ إذا لم تكنْ باعثةً على اليمينِ غير معتبرة، لعدم الاحتياج إليها وتعين الموصوف بدونها، فتعلقت اليمينُ بذاتِ الدار دون صفتها.
(أو وقف) عطف على دَخَلَها، أي ويحنَث إن وقف (على سطحها) لأن سطح الدار منها، ولذا لا يجوز الوقوف للحائض والجُنب على سطح المسجد، وبه قال بعض الشافعية.
(وقيل: في عُرفنا) أي في عرف العَجَم (لا يحنَث كما) أي مثل ما لا يَحْنَث (لو جُعلت) الدارُ التي حلف على دخولها (مسجداً، أو بُستاناً، أو بيتاً) أو نهراً، لأن اسمها تَبَدَّل، وَتَبَدُل الاسم كتبدل العين، فبقاء الاسم دليل بقاء المُسمَّى، وزوالُه دليل زواله.
(أو دَخَلَها) أي الدار (بعد هدم الحمّام) الذي جعلته الدار، سواء بقي صحراء أو جُعل داراً أخرى، لأنه بالانهدام لم يَعُد له اسم الدار، وعودُه له ببنائه داراً أخرى مُنزَّل مَنْزِلَة اسم آخر، نظراً إلى تبدُّلِ السبب.
---
(4/25)
________________________________________
***
(و: كهذا البيت) أي وكما لا يَحْنَث إذا حَلَفَ لا يدخل هذا البيت (ودخله) حالَ كونِهِ (منهدماً صحراءَ) لزوال اسم البيت عنه، فإنه لا يُبات فيه حينئذ، ولو بقيت الحيطان دون السقف يحنَث، لأنه يبات فيه (أو) دَخَلَه (بعدما بُني بيتاً آخر) لأن اسم البيت لما عاد إليه بعد زواله عنه بالانهدام، صار بمنزلة اسم آخر، (أو) لا يدخل (هذه الدار) أو هذا البيت (فوقف في طاق الباب) للمحلوف عليه أو عتبة له وكان الباب بحيث (لو أُغلِقَ كان) ذلك الواقف (خارجاً) عن الدار أو البيت، فإنه لا يحنَث، لأن غَلْقَ باب الدار أو البيت لإحراز ما فيهما، فما كان داخلاً عنه فهو فيهما، وما لا فلا.

وفي «الكافي شرح الوافي»: لو حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له، فدخل في صحن داره لم يحنَث حتى يدخل البيت. قال: وهذا في عرفِهِم، أي المتقدمين، وأما في عُرفنا فالدار والبيت واحد، فيحنث إن دخل صحن الدار، وعليه الفتوى.
(أو: لا يسكنها) أي الدار (وهو ساكنها، أو: لا يَلبَسه) أي الثوب (وهو لابسه، أو: لا يَرْكبه) أي المركوب (وهو رَاكبه فأخَذَ) أي فشرع فوراً (في النُّقْلة) عن الدار (ونَزَع) الثوب (ونَزَل) عن الدابة (بلا مُكثٍ) لا يحنث. وقال زُفَر: يحنث لوجود الشرط، وهو تحققه بعد فراغ حَلِفِه من السُّكنى واللُّبس والرُّكوبِ وإن قلّ.
ولنا أنّ اليمين تعقدُ للبِرَّ، فيُستثنى منها زمان تحققه بعد فراغ حَلِفِه من السكنى، لأن مواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع. وهذا لأن البِرَّ مأمور به، والحنثَ منهيٌ عنه لقوله تعالى: {واحفظُوا أيْمَانَكم}. والظاهر أن يَقصِدَ المأمور به. قيد بقوله: بلا مُكث، لأنه لو مَكَثَ ساعة على حاله حَنِثَ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
---
(4/26)
________________________________________
***
(أو: لا يدخلُ) هذه الدار وهو فيها (فقَعَدَ فيها) ولو أياماً لا يحنث (إلا أن يَخرُجَ ثم يدخل) استحساناً، لأن الدخول مما لا يمتد، فإنه الانتقال من خارج إلى داخل، فلا يكون لدوامه حكم الابتداء. والدليل عليه قوله تعالى: {فَلاَ تَقْعد بعد الذِّكْرَى} أي لا تَمْكُث قاعداً. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النظرةَ، فإن الأولى لك والثانية عليك»، بخلاف السُّكنى، واللُّبْس، والركوب، والقعود، والقيام والنظر ونحو ذلك مما يمتد، فإنه يكونُ لِدوامه حكم الابتداء. والقياس أن يَحنَثَ، وهو قول الشافعي، لأن للدوام حكم الابتداء، حتى لو نوى بالدخول الدوامَ صحت نيته، ولو لم يكن له حكمَ الابتداء لما صحت.
(وفي: لا يسكن هذه الدار) أو المَحَلَّة، أو هذا البيت (لا بد) عند أبي حنيفة (من خروجه بأهله ومَتاعِهِ أجمع، حتى يَحنث بوَتَدٍ بَقِيَ) وبه قال أحمد. وقال مشايخنا: لا يحنَث ببقاء نحو الوتد والمِكْنَسَة، لأنه لا يُعد به ساكناً. وعند أبي يوسف: لا بد من خروجه بأهله وأكثر مَتَاعهِ وعليه الفتوى. كذا في «المحيط» و «الفوائد الظهيرية»، لأن نَقلَ الكلِ قد يتعذرُ، وببقاء الأقل لا يُعد ساكناً. وعند محمد: لا بد من خروجه بأهله ومتاعه الذي يقوم به ضَرُورَاتُهُ، لأن بقاءَ ما وراءَ ذلك ليس بِسُكْنى. وفي «شرح المجمع»: واستحسنه المشايخ وعليه الفتوى، وهو أصح ما يُفتى به من التصحيحين كما ذكره الطرابلسي.

وقال أبو الليث: إن سَلَّم داره بإجارة أو رد المستأجر إلى المؤجِر لا يحنَث، سواء اتخذ داراً في موضع آخر أو لم يتخذ، لأنه لم يبق ساكناً. ولو كان في طلب مسكن آخر وترك الأمتعة فيها أياماً لا يَحنَث في الصحيح، لأن طلب المنزل من عمل النُّقلة، فصارت مدة الطلب مستثناة بحكم العرف إذا لم يُفرط في الطلب. وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
---
(4/27)
________________________________________
***
وفي لا يدخل دار زيد ولا نية له حَنِث بالدخول (في المستأجرة والمستعارة عندنا كالمملوكة. وخصّه مالك والشافعي بالدخول) في المملوكة أو لا. وفي لا يدخل دار فلان وله دار يسكنها ودار غَلَّة، فدخل دار الغَلَّة لا يَحْنَث. وفي لا يدخل دار فلانة فدخل دارها وزَوْجُها يسكنها لا يحنَث، لأن الدار تُنسب إلى الساكن. ذكره الزَّيلعي.
وشرط أبو يوسف للحنث إضافتها إليه وقت الحَلِفِ، كوقت الشرط، لأن أفهام الناس تقع على ما في مِلكِهِ يوم اليمين والحنث جميعاً في العادة.
واكتفيا لحنثه بدخوله داراً يملِكُها بعد اليمين، لأنه عَقَد بيمينه على دار غيرِ مشارٍ إليها فلا يختص بالموجودة في الحال كما في قوله: لا أكلم عبد فلان، أو لا آكُل طعامه، أو لا ألبَس ثوبه. وأما ما ذكر من العادة فغير مستمرة، بل هي مشتركة.
(بخلافِ المِصْر والقَرْيةِ) فإنه لو حلف لا يسكن هذا المصر فخرج منه وترك أهله ومتاعه فيه لا يَحْنَث فيما رُوي عن أبي يوسف. ونَقله أبو الليث في «أماليه»، لأنه لا يعد ساكناً فيها، لأن الرجل قد يكون ساكناً في مصرٍ وله في مصرٍ آخر أهل ومتاعٌ. والقرية قيل بمنزلة الدار، وقيل بمنزلة المصر، وهو المختار. (وحَنِث في لا يَخرُجُ لو حُمِلَ وأخرِج بأمرِهِ) لأن فعلَ المأمور يُضاف إلى الآمر، فصار كما إذا ركب دابة فخرجت (لا) يحنثُ (إن أُخرجَ بلا أمرِهِ) سواء كان (مُكْرَهاً) أي غير راضٍ (أو راضياً) لأنه لم يوجد منه خروج لا حقيقةً ـ وهو ظاهر ـ ولا حكماً، لأنه لم يأمر به. وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد في رواية.
---
(4/28)
________________________________________
***
(ومِثلُه) أي ومثل «لا يخرج» (لا يدخل أَقسَاماً) بفتح همزة، جمع قِسم بكسر أوله وهي ثلاثة بأمره وبلا أمره مكرهاً أو راضياً (وحكماً) وهو الحنث في الأول وعدمه في الآخرين. (ولا) يَحنَثُ (في لا يخرجُ إلا إلى جنازة، إن خَرَجَ إليها) وفي نُسخة: فخرج يريدها (ثم أتى إلى أَمرٍ آخر) لأن الخروج هو الانفصال من الباطن إلى الظاهر وهو موجود بالنسبة إلى الجنازة دون الأمر الآخر، فإن الموجود في حقه الإتيان، وهو الوصول، وهو ليس بخروج، والدوام على الخروج ليس بخروج أيضاً لعدم امتداده.

(وحنِث في لا يخرجُ إلى مكّة، فخَرَجَ يُريدُها) وجاوز عمران مِصرِه (ورَجَعَ) لتحقُّقِ الشرط وهو الخروج إلى مكة، وإنما قيدنا بمجاوزة العمران، لأنه لو رجع قبل مجاوزتها لا يحنث، لأن الخروج (إلى مكة سفر، وهو لا يتحقق إلا بمجاوزة العمران، وذلك لأن الخروج) انفصال عن الداخل إلى الخارج. وإذا انفصل عن وطنه قاصداً مكة فقد خرج إليها. قال الله تعالى: {ومَنْ يَخْرجْ من بيتِهِ مُهاجِراً إلى ا ورسوله} الآية، والمراد بها من مات قبل وصوله إليه (لا) يحنت (في) حَلِفِهِ (لا يأتيها) أي مكة (حَتّى يدخُلَها) لأن الإتيان هو الوصول قال الله تعالى: {فأْتِيَاهُ فقولا إنَّا رَسُولا ربك}.
(وذَهَابه كخروجِهِ) فإذا حلف لا يذهب إلى مكة، فخرج يريدها حَنِثَ (في الأصح) وهو قول محمد بن سَلَمة. وقال نصر بن يحيى: هو كإتيانِهِ، فلا يحنَث حتى يدخلَها لقوله تعالى: {اذْهَبَا إلى فِرْعونَ إنَّه طَغَى فَقَولا له}، ووجه الأول قوله تعالى: {إنما يُريدُ ااُ ليُذهِبَ عنكُمُ الرِّجْسَ أهلَ البيتِ} ليُزِيله. وإذا كان الإذهاب بمعنى الإزالة، كان الذَّهاب بمعنى الزَّوال. وهذا الاختلاف إذا لم يَكُنْ له في الذهاب نية، فإن نوى الخروجَ أو الإتيانَ فعلى ما نوى، لأنه مُحتَملُ كلامِهِ.
---
(4/29)
________________________________________
***
(وفي: ليأتين مكة ولم يأتها) ومضى عليه مدة (لا يحنَث إلا في آخر حياته) لأن شرطَ الحنث فوتُ الإتيان، وهو لا يتحقق إلا في آخر جزء الحياة، لأن البِرَّ مرجوٌ ما دَام حياً.
(وحَنِثَ في: ليأتينه غداً إن استطاع) إتيانه (إن لم يأته بلا مانع كمرض أو سلطان) لأن الاستطاعة في العُرْف سلامَةُ الأسباب، والآلات، وارتفاعُ الموانع الحسيَّة، فينصرف اللفظ إليها عند الإِطلاق، ومن ذلك قوله تعالى: {و على النَّاسِ حِجُّ البيتِ مَن استطاعَ إليه سبيلاً} وفسّره النبي صلى الله عليه وسلم بِمِلك الزَّاد والرَّاحلة. وقوله سبحانه: {وأعِدُّوا لهم ما استطعتم مِنْ قُوَّة} وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي.
(ودُيِّنَ نَِّيةَ الحقيقة) أي صُدِّق دِيَانة إن قال: نويت حقيقة الاستطاعة، وهي القدرة الحقيقية التي يُحدثها الله تعالى للعبد حال قصد اكتسابه الفعل، بعد سلاَمةِ الأسباب والآلات، ولا تكونُ إلا مقارِنَةً للفعل. قال الله تعالى: {ولَنْ تَستطِيعُوا أنْ تَعدِلُوا بين النساء}، {فما أسْطعاعُوا أن يَظهرُوه وما استطاعوا له نَقْباً} وإنما صُدِّق دِيَانةً لأنه نوى محتمل كلامه لا قضاءً، لأنه نوى خلاف الظاهر. وفي رواية صُدِّق قضاءً أيضاً لأنه نوى حقيقة كلامه، وهذا بناء على أنه إذا نوى حقيقة كلامه والظاهرُ لا يخالفه، يُصدَّق دِيَانة وقضاءً، وإن كان يُخالفها ففي تصديقه قضاءً روايتان.

(وشُرِطَ للبِرِّ في: لا تَخْرُج) امرأته (إلا بإذنه، لكل خروجٍ إذنٌ) حتى لو خرجت بإذنه مرة، ثم خرجت مرة أخرى بلا إذنه يحنث، لأنه استُثني من المحلوف عليه خروجاً ملصوقاً بالإذن، فكل خروج لا يكون كذلك فهو داخل في اليمين.
---
(4/30)
________________________________________
***
والحيلة في ذلك أن يقول لها: كلما أردت الخروج فقد أذنت لك. ولو قال: أردت إلا بإذني مرةً صُدِّق دِيَانةً، لأنه نوى محتمل كلامِهِ، لا قضاءً لأن فيه تخفيفاً عليه (لا في) لا تخرج (إلا أن آذن) أي لا يُشترط لكل خروج إذن في: لا تخرج إلا إن أَذِن، حتى لو خرجت بإذنه مرة، ثم خرجت مرة أخرى بلا إذنه لا يحنث، لأن: «إلا أن» بمعنى حتى فيما يتوقت، قال الله تعالى: {إلا أن يُحاط بكم}، أي حتى يُحاط بكم.
ألا ترى أنه لا يَستقيمُ إظهار المصدر هنا، بخلاف إلا بإذني، فإنه يستقيم أن يقول: إلا خُروجاً بإذني، فعرفنا أنه (صفة المستثنى. وهنا لو قال: إلا خروجاً إن أذن لك، كان كلاماً مختلاً، فعرفنا أنه) بمعنى التوقيت، فإن قيل: يشكل هذا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلُوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يُؤْذَنَ لكم} فإنَّ الإذن لا بد منه في الدخول إلى بيت النبي في كل مرة.
وأجيب بأن ذلك ثبت بآخر الآية وهو قوله تعالى: {إن ذلكم كان يُؤذي النبيَّ} والإيذاء موجود في كل مرة، أو بدليل آخر من الأُصول، وهو أن الدخول في ملك الغير بغير إذنه حرام. ولو قال: أردت إلا أن آذن كل مرة صُدق ديانةً وقضاءً، لأن في ذلك تشديداً عليه.
(وللحِنْث) عطف على للبِرِّ، أي وشرط للحنث (في: إن خرجت وإن ضربت) فأنت طالق (لمُريْدة خروج) في الأولى (أو ضربِ عبدٍ) في الثانية (فِعْلُهُما) أي فعل الخروج وفعل الضرب (فوراً) أي في الحال، وهو في أصل اللغة مصدر فارت القِدْر إذا غَلَت، استُعيرت للسرعة والحالة التي لا لبث فيها، حتى لو جلست ثم خرجت أو تركت ضَرْب العبدِ، ثم ضربته لم يحنث، لأن مرادَ المتكلِّمِ الخروجُ والضربُ في تلك الحالة، فيتقيد بها. والاعتبار بالعرف.
(وفي إن تغديت) عطف على في إن خرجت. أي وشُرط للحنث في: إن تغديتُ، من غير أن يقول: معك أو معه، فعبدي حر (بعد) قول القائل (تَعَالَ تَغَدَّ معي، تغدّيه معه) فوراً.
---
(4/31)
________________________________________
***
وقال زفر ومالك والشافعي: لا يشترط، لأنه عقد يمينَه على مطلق الغداء. ولنا أنه عقد كلامه على غداءٍ معين وهو الغداءُ المدعو إليه الذي بين يديه، لأن كلامه خرج مَخْرَج الجواب. والغداءُ في السؤال معين وكذا في جوابه. وقد تفرد بإظهار هذه اليمين الفورية أبو حنيفة. وكان الناس يقولون: اليمين على نوعين: مطلقة، ومؤقتة بوقت، فاستنبط أبو حنيفة من العرف هذه، وهي مطلقةٌ لفظاً مؤقتةٌ معنًى. وقيل: إنما أخذها من حديث جابر بن عبد الله وابنه حين دعيا إلى نُصرة إنسان، فحلفا أن لا ينصراه، ثم نصراه بعد ذلك ولم يحنثا.

(وكفى) في الحنث (مطلق التعدّي إن ضَمَّ اليومَ) بأن قال: إن تغديت اليومَ فعبدي حرٌ بعد قول القائل: تعال تغدّ معي، لأنه لما زاد على الجواب كان مبتدئاً لا مجيباً حذراً عن إلغاء الزيادة، فإن قيل: إن موسى عليه السلام زاد في الجواب حين سئل عن العصا ولم يُجعل مبتدئاً بل جعل مُجيباً. أُجيب بأن السؤال في الآية لما كان بـ:«ما» وهي تقع للسؤال عن الذات، والسؤال عن الصفات، جمع بينهما عليه الصلاة والسلام في الجواب ليكون مجيباً على كل تقدير.
(ومَرْكَبُ) العبد (المأذون ليس لمولاه في حق الحَلِفِ) فلا يحنث مَنْ حَلَفَ لا يَركبُ مركب فلان، وهو سيد له عبيد، فركب الحالف مركب عبده المأذون.
---
(4/32)
________________________________________
***
(إلا إذا لم يكن عليه دينٌ مُستغرِقٌ) لرقبته وكسبه، بأن لم يكن عليه دين أصلاً، أو كان دين لا يستغرق (ونواه) أي والحال أنه قد نوى الحالف مركب المأذون، فإنه يحنَث حينئذٍ وهذا عند أبي حنيفة، لأن الملك عنده للعبد إذا كان عليه دين مستغرق فلا يدخل في يمينه نواه أو لا، وللمولى إذا لم يكن عليه دين مستغرق لكنه يضاف إلى العبد، فيدخل إن نواه. وقال أبو يوسف: يحنث في الوجوه كلها إذا نواه، لأن الملك عنده للمولى إلا أنَّ الإضافة إليه قد اختلَّت لإضافته إلى العبد عُرفاً، فلا يدخل إلا بالنية. وقال محمد: يحنث في الوجوه كلها وإن لم ينو، لأن العبد وما في يده لمولاه. وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
قيد بالمأذون لأن مركب المكاتب ليس مركباً لمولاه بالاتفاق.
(ويُقََّيدُ الأكل) في: لا آكل (من هذه النخلة) ولها ثمر (بثمرها) فيحنث بطلْعِها وبُسرها ورُطَبِها ودِبسها الذي يسيل منه، وبه قال الشافعي وأحمد. وأما لو لم يكن للنخلة ثَمَرٌ، فيتقيد الأكل بثمنها، إذ النخلةُ لا تُؤكل، فتعذر العملُ بالحقيقة، فيصير إلى المجاز، لكن شُرِط أن لا يتغير بصنعةٍ حَادِثَة، فلهذا لا يحنثِ بخَلها والدِّبس المطبوخ منها، لأن ذا مضاف إلى فعل حادث، فلم يبق منسوباً إلى الشجر، فلم يصح أن يدخل في المجاز.
والكَرْم في معنى النخلة، فيحنَث بعنَبِه، وعصِيره، وزبِيبِه، دون دِبسه المطبوخ منه.
(وهذا البُرّ) أي ويُقَيَّد الأكل من هذا البر (بأكله قَضْماً) وهو الأكل بأطراف الأسنان، فلا يحنث بأكل خبزه ولا سَويْقِهِ، وهذا عند أبي حنيفة، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو يوسف: يحنَث بخبزه لا بسويقه. وقال محمد: يحنث بهما. وأما القَضْم فََيْحنَث به عند الكل إلا أحمد. وفي «الفوائد الظهيرية»: إن هذا الخلاف إذا لم يكن له نية، فأما إذا نوى فيمينُه على ما نوى باتفاق، لأنه نوى حقيقة كلامه أو محتَمَله.
---
(4/33)
________________________________________
***
(وهذا الدقيق) أي ويقيد الأكل من هذا الدقيق (بأكل خبزه) وعصيدته، لأن عينَ الدقيق غير مأكول، فانصرف يمينه إلى ما يُتخذ منه، وبه قال مالك وأحمد (فلا يَحنثُ لو استفَّه كما هو) لأن الحقيقة مهجورة في الاستعمال عادة، فسقط اعتبارها. وقيل: يحنث لأنه أكل الدقيق حقيقة. والصحيح: أنه لا يحنَث إلا إن نواه، فإنه يحنَث به لا بِخُبْزِهِ.
(وأكلُ الشواء) هو بالرفع عطف على الأكل. أي ويقيد أكل الشواء (باللحم) لأنه المتبادر دون البيض المشوي، أو الباذنجان، أو الجوز، وهو قول أحمد، إلا أن ينوي كل مشوي، فتصح نيته لأن فيه تشديداً عليه (والطبخِ) عطف على الشواء، أي ويُقَيّدُ أكل الطبخ (بما طُبِخَ من اللحم) لأنه المفهوم في العرف، ولا بُدَّ أن يُطبخ بالماء، لأن المقلي اليابس لا يُسمى طبيخاً، (ولو أكل الخبز بالمَرَقة التي طُبخ فيها اللحم يحنث، لأنها تُسمى طبيخاً) وفيها أجزاء اللحم.
(والرأسِ) أي ويُقَيّد أكل الرأس (برأسٍ يُكبس في التنانير) أي يُدخل فيها (ويباع) ذلك الرأس المتعارف (في مصره) أي في بلده من الإبل والبقر والغنم. وكان أبو حنيفة أولاً يقول: إذا حلف لا يأكل رأساً يحنث برأس الغنم والإبل والبقر، ثم رجع وقال: يحنَث برأس البقر والغنم خاصة. وقالا يحنَث برأس الغنم خاصة، وهذا اختلاف عصرٍ وزمانٍ لا اختلاف حجة وبرهان. كان العرف في زمانه أولاً في الثلاثة، ثم في البقر والغنم، وفي زمانهما في الغنم خاصة.
وفي زماننا يفتى بحسب العادة كما ذكره المصنف، لأن كل رأس ليس بمراد للقطع بعدم إرادة رأس نحو الجراد والعصفور، فوجب الرجوع إلى العرف لأنه الأصل في مسائل الأَيمان. وعند الشافعي يمينه على ما يباع منفرداً عن بدنه ولحمه. وعند مالك وأحمد على رأس كل حيوان من الغنم والصيد والطير والحيتان. وهذا إذا لم ينو نوعاً، فإن نوى فيمينه على ما نوى بالإجماع، وعلى هذا الخلاف الشواء.
---
(4/34)
________________________________________
***
(والشَّحْمِ) أي ويقيد أكل الشحم (بشحمِ البطن) حتى لو أكل شحم الظهر، وهو الذي خالطه لحمه لم يحنَث وهذا عند أبي حنيفة. وهو قول مالك والشافعي في الأصح. وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بشحم الظهر أيضاً، وهو وجه في مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد. وكذا الخلاف في الشحم المختلط بالعظم، والشحم على ظاهر الأَمعاء. ويؤيد قول صاحبيه أن الله تعالى استثنى شحم الظهور من الشَّحم حيث قال: {ومن البقر والغنم حَرَّمنا عليهم شُحومَهُما إلا ما حَمَلَت ظُهُورُهما أو الحَوَايا أو ما اختَلَط بعَظْم} وحقيقة الاستثناء أن يكون المُستثنى من جنس المستثنى منه.

(والخُبز) أي ويقيد أكلُ الخبزِ (بخبز البُرّ والشَّعير) لأنه هو المعتاد في غالب البلاد. وقال مالك والشافعي: يحنث بأي خبز كان (لا خبز الأرُزّ) بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي على أشهر لغاته، وفيه لغات أُخر خمس. أي لا يقيد أكل الخبز بخبز الأرُزّ ولا بخبز الذرة (ببلد لا يُعتاد) فيه، أما لو كان ببلد يعتاد خُبز الأَرُز كطُبرستان أو خبز الذرة (كزَبِيد، يحنث به. وكذا لو كان من أهل بلد لا يعتادون أكل خبز الشعير، لا يحنث ولو اعتادوا أكل خبز الذرة والدُّخْن) كأهل الحجاز واليمن يحنث بأكله. (والفاكهةِ) أي ويقيد أكل الفاكهة (بالتفاح، والمِشْمِش، والبطِّيخ) والخوخ، والتين، والسفرجل، والكُمَّثْرى ونحو ذلك (لا العنب) أي لم يقيد أكلَ الفاكهة بالعنب (والرُّمَّان والرُّطَب والقِثَّاء والخِيَار).
---
(4/35)
________________________________________
***
وقال أبو يوسف ومحمد: العنب والرُّمان والرطب فاكهة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. والأصل أن الفاكهة اسم لما يُتفكه به قبل الطعام أو بعده، زيادة على الغذاء الأصلي. وهذا المعنى موجود في التفاح وأخواته، فيحنث بها، وغير موجود في القِثاء والخِيَار لأنهما من البقول، وأما العنب والرمان والرطب فهم يقولون: معنى التفكه موجود فيها، فإنها من أعز الفواكه، والتنعم بها فوق التنعم بغيرها. وأبو حنيفة يقول: إن العنب والرطب يؤكلان للغذاء حتى يُكْتفى بهما في بعض المواضع. والرُّمان قد يُستعمل للدواء فنقصت الثلاثة في معنى التفكه وهو التنعم. قال الله تعالى: {انقلبوا فَكِهِيَن} أي متنعمين، فلا يتناولها مطلقُ اسمه.
ألا ترى أن يابس هذه الأشياء ليس من الفواكه، فالزبيب والتمر من الأقوات، وحبُّ الرُّمان من التوابل. والفاكهة لا يَختلفُ رطبها ويابسها في معنى التفكه، ولذا قال شمس الأئمة: البِطيخ ليس بفاكهة، لأن ما لا يكون يابسه فاكهة فرطبه كذلك، كالتين والمِشمِش والخوخ. وأيضاً أنه سبحانه عطفها على الفاكهة في آية وعطف عليها الفاكهة في أخرى، والعطف يقتضي المغايرة. قال الله تعالى: {فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّان}، وقال الله تعالى: {وعِنَباً وقَضباً وزيْتوناً ونَخْلاً وحدائقَ غُلباً وفاكهةً وأبًّا} وهذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى فيمينه على ما نوى بالإجماع. وفي «المحيط»: العبرة للعُرْف فما يؤكل عادة على سبيل التفكه، ويُعد فاكهة في العرف يدخل في اليمين، وما لا فلا.
---
(4/36)
________________________________________
***
(والشُرْبُ) بالرفع عطف على الأكل، أي ويقيد الشرب إذا حَلَفَ لا يشرب (من نهرٍ) كدِجلة (بالكَرْع منه) وهو تناول الماء بالفم من موضعه كما تتناول الدابة، (فلا يحنَث لو شرب منه بإناء) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يحنث به كالكرع. وهذه المسألة مبنيةٌ على أنَّ الأَولى اعتبار الحقيقة المستعملة وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، أو عموم المجاز المتعارف، وهو قولهما.
(بخلاف الحَلِفِ) لا يشرب (من مائه) حيث يحنث بالشرب منه بإناء أو بغيره اتفاقاً، لأنه بعد الاغتراف منسوب إلى ذلك النهر وهو الشرط. ونظير المسألتين ما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز، فصب الماء الذي فيه في كوز آخر وشرب منه حيث لا يحنث باتفاق. ولو قال: من ماء هذا الكوز يحنث باتفاق.
(وتحليفُ الوالي) بالرفع عطف على الأكل، أي ويقيد تحليفُ الوالي (رجلاً لِيُعلِمَه بكل داعرٍ) بدال مهملة، أي مفسد فاجر (أتى) إلى البلد (بحال ولايته) متعلق بـ:يُقيَّد، وإنما يتقيد الحَلِفُ بذلك لأن غرض المُستحلِف دفعُ شر الدَّاعر وغيره بالضرب ونحوه، فلا يفيد إعلامه بعد زوال ولايته، لعدم قدرته على ذلك. وعن أبي يوسف: أنه لا يقيد بحالِ ولايته. وإعلامه بعد عزله مفيدٌ أيضاً لاحتمال أن يتولى بعد ذلك، فيؤدِّب الدَّاعر، أو أنه يَسعى في تأديبه عند من له الولاية، وبه قال الشافعي في قول واحمد في روايه.
---
(4/37)
________________________________________
***
(والضرب) أي ويُقيد الضرب. (والكِسْوة، والكلام، والدخول عليه بالحياة) أي بحياة المحلوف عليه، حتى لو فعل به هذه الأشياء بعد موته لم يحنث الحالف، لأن هذه الأشياءَ لا تتحقق في الميت من الحالف، لأن الضرب هو الفعل المؤلم، ولا يتحقق في الميت الإيلام. والمراد بالكلام الإفهام وأنه يختصُ بالحيّ من الأنام، وبالكِسْوة عند الإِطلاق التمليك، ولا تمليك من الميت. وإن نوى به الستر صح، لأنه محتملُ كلامِهِ، فلو كفَّنه حنث. وبالدخول الزيارة عرفاً في موضع يجلس فيه للزيارة والتعظيم، حتى لو لم يقصده بالدخول بأن دخل على غيره أو لحاجة أُخرى لا يكون دخولاً عليه.
فإن قيل: روى البخاري من حديث أبي طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر أمر بأربعةٍ وعشرين رجلاً من صَناديد قريش فقُذِفُوا في طَوِيّ من أطواءِ بدر خَبيثٍ مُخْثٍ، وكان إذا ظَهَرَ على قومٍ أقام بالعَرْصة ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدر اليومَ الثالثَ أمرَ براحِلتهِ، فَشُدَّ عليها رحلُها ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نَرَى يَنْطلِقُ إلا لبعض حاجته، حتّى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ، فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وَعَدَنا ربُّنا حقاً، فهل وجدْتُم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلمُ من أجسادٍ لا أرواح لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسُ محمدٍ بيدِه ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم». والطَوِيّ: بفتح المهملة وكسر الواو وتشديد الياء: البئر المطوية بالحجارة. والرَّكي: على وزنه: البئر.

أجيب بأن عائشة تقول: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما أنتم بأسمع منهم» ما أنتم بأعلم منهم مستدلَّة بقوله تعالى: {إنك لا تُسمع المَوْتَى} {وما أنت بمُسمعٍ مَنْ في القُبور}
---
(4/38)
________________________________________
***
ولو سُلِّم فذلك من خصوصيات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قتادة: أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتحسيراً وتنديماً، كذا ذكره بعضهم. والأظهر أنهم يسمعون، لكنهم على الرد ما يقدرون، ولذا سُنَّ في مقبرة المسلمين التسليم عليهم والقراءة لديهم، لكن مبنى العُرف على سماع من (يكون حياً) شأنه الاستطاعة على رد الكلام. قال الشارح: فإن قيل: الميت يزار، قلنا: لا بل قَبْرُه. قال عليه الصلاة والسلام: «كنت نَهَيتُكم عن زيارة القبور فَزُوروها».
ولو دخل عليه وهو نائمٌ لا يكون زائراً، فههنا أولى. ولا يخفى أنه ورد: «من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً». والتحقيق: أن الزيارة للقبور ظاهراً ولأَصحابها باطناً لما سبق من السلام والكلام. وأما قوله: لو دخل عليه وهو نائم لا يكون زائراً، فمحمول على العُرف وإلا فلا شك أنه قصد الزيارة وحصل له أجرها. ففي الأثر المشهور: «خير الزيارة فَقْد المزور».
(لا الغُسْل) أي لا يقيد الغُسْل بالحياة في حَلِفِه لا يغسل، وكذا الحمل والمسّ لا يتقيد بحال حياته لتحقق الكل في حال حياته ومماته. ولو حلف ليضربنَّه بالسوط حتى يموت أو حتى يقتله يراد به (أشدُّ الضرب، لأنه المراد في العرف، وليضربنه بالسيف حتى يموت أو يقتله) الحقيقةُ وهو الموت. والله سبحانه أعلم.
(والقريب) أي ويقيد القريب (بما دون الشهر في) حَلِفِهِ (ليقضين دَيْنَه إلى قريب، والشهر بعيد) ولم يقدرهما الشافعي وأحمد بشيءٍ لوقوعهما على القليل والكثير، وإنما حَكَما بحنثِه إذا مات قبل أن يقضيه مع التمكن. ولعلهما أخذا من قوله تعالى: {إلى أجلٍ قريب}.
ولنا أن كلاً منهما أمر إضافي فيعتبر فيهما العُرْف، وهو بما قلنا، إلا إذا كانت له نيةٌ فيُحمل عليه (وما اصْطُبِغَ به) بصيغة المفعول، أي غُمس فيه كالخل، والزيت، والمَرَق (فإدام) يحنث به إذا حلف لا يأكل بإدام.
---
(4/39)
________________________________________
***
(وكذا الملح لا الشِّواء) قال ابن الأنباري: الإدام ما يُطَيِّبُ الخبز ويُصلِحُه ويَلَتذُّ به الآكل، وهو يعم المائع وغيره. وأما الصِّبْغ فمختص بالمائع وهو ما يغمس فيه الخبز ويلوث به. وفي «النهاية»: وحاصل ذلك على ثلاثة أوجه: فالخل، والزيت، واللبن، والعسل، والزّبد وأمثالها مما يُصبغ به إدامٌ بالإجماع. والبِطيخ، والعنب، والتمر وأمثالها مما يؤكل وحده غالباً ليس بإدام باتفاق. واختلفوا في الجُبن، والبيض، واللحم، فجعلها محمد إداماً، وهو رواية عن أبي يوسف. وأبو حنيفة رحمه الله غير إدام، وهو رواية عن أبي يوسف أيضاً.

ولمحمد أنها تؤكل مع الخبز غالباً، فكانت تبعاً له، ولأبي حنيفة أن حقيقة التبعية بالاختلاط، وعدم الأكل وحده. ووافق محمداً مالك والشافعي واختاره أبو الليث، لأن الإدام مُشتق من الموادمة وهي الموافقة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمُغيرة حين خطب امرأةً: «انظر إليها، فإنه أحْرَى أنْ يُؤْدَم بينكما»، أي يوافق. فما يُؤكل مع الخبز غالباً فهو موافقٌ له، فيكون إداماً. ويؤيده ما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم» وقال: «سيد إدامِكم اللحم»، رواه ابن ماجه. والجوزُ واللوزُ والبقلُ وسائر الفواكه ليس مما يُؤكل مع الخبز، فليس إداماً، إلا إذا تَعَارف أهل بلد أكلها تبعاً للخُبز، كأكل أهل الحجاز الكُرَّاث مع الخبز، وأهل مصر البصل معه، وهذا إذا لم تكن له نية وأما إذا كانت، فعلى ما نوى بالإجماع.
---
(4/40)
________________________________________
***
(ولا يَحْنثُ في) حَلِفِهِ (لا يأكلُ من هذا البُسر فأكله رُطَباً، أو) لا يأكلُ (من هذا الرُّطب، أو اللبن فأكله) أي أكل ذلك الرُّطب حال كونه (تمراً، أو) أكل ذلك اللبن حال كونه (شِيْرَازاً) وهو اللبن الخاثرُ إذا استُخْرِجَ ماؤه، لأن صفة البُسرية والرُّطبية واللبنية داعية إلى اليمين، فتُقيدُ بها، لأن الأصل أن كل ما دلّ على صفة، إن كانت داعيةً إلى اليمينِ تُعتبر في المُعرَّف والمُنكَّر، وإن كانت غير داعيةٍ تُعتبر في المُنكَّر دون المُعرَّف، (أو) لا يأكل (بُسْراً فأكل رُطباً) (أو لا يأكل رُطباً فأكل بُسراً) لأنه لم يأكل المحلوف عليه.
(أو) لا يأكل (لحماً فأكل سمكاً) لأنه خلاف العرف، إلا أن يَنْويَهُ، وكذا كل ما يعيشُ في الماء، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد. والقياسُ أن يحنث، وهو قول مالك ورواية عن أحمد، لأن الله تعالى قال: {لحماً طَرِياً} والمراد به لحم السمك إجماعاً. وقد استدل الثوري أيضاً بالآية لمن استفتاه فيمن حَلَفَ لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً، فجاء إلى أبي حنيفة رحمه الله فأخبره فقال: ارجع إليه فَسْأَله فيمن حلف لا يجلسُ على بساط، فجلس على الأرض فسأله فقال: لا يحنث، فقال: أليس الله تعالى قال: {وا جَعَلَ لكم الأرض بِسَاطاً} فقال سفيان: كأنك السائل الذي سألني أمسِ، قال: نعم، فقال: سفيان: لا يحنث في هذا ولا في الأول، فرجع عن ذلك القول، فظهر أن تمسك أبي حنيفة إنما هو بالعرف.
---
(4/41)
________________________________________
***
((أو) لا يأكل (لحماً) أو) لا يأكل (شحماً فأكل ألْيَةً) لأنها نوع ثالث، فإنها لا تُستَعمل استعمال اللحوم ولا استعمال الشحوم، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: هي لحم، وبعضهم: هي شحم، وهو قول أحمد. وفي «المحيط»: حلف لا يأكلُ لحم الشاة، فأكل لحم العنز، وهو الأنثى من المَعِز، لا يحنث. وقال أبو الليث: يحنث سواء كان الحالف مصرياً أو قروياً، وعليه الفتوى. انتهى. وفيه نظر لا يخفى. (ولا) يحنث (في لا يشتري رُطباً، فاشترى كِبَاسة بُسر) بكسر الكاف: عنقود النخل، أي عِذْقه (فيها رطب) لأن ما اشتراه غير ما حلف عليه والقليل تبعٌ للكثير.
(وحنث) عند أبي حنيفة رحمه الله (لو حلف لا يأكل رُطباً أو) لا يأكل (بُسراً، أو لا) يأكل (رُطباً ولا بُسراً، فأكل مُذَنِّباً) بكسر النون. وقال أبو يوسف وهو قول الإصطخري: لا يحنث إذا حلف لا يأكل رطباً فأكل بُسراً مذنِّباً، أو حلف لا يأكل بُسراً فأكل رُطباً مُذَنِّباً، لأن الرطب المُذنِّب لا يسمى بُسراً عرفاً، والبُسر المُذنِّب لا يُسمى رطباً عرفاً وهو المُعتبرُ في الأيمان، ولأن المغلوبَ في مقابلةِ الغالبِ كالمعدوم.
ولأبي حنيفة وهو قول الشافعي وأحمد: إنْ أَكل الرُطب المذنِّب أو البُسر المذنِّب فهو آكل بسر أو رطب، فيحنث به وإن كان قليلاً. ولهذا لو ميَّزه فأكله لا يحنث إجماعاً. وجعل صاحب «الهداية» قول محمد مع أبي يوسف ـ وفي أكثر الكتب ـ أنه مع أبي حنيفة. وقيل: رُوي عن محمد الحِنْث وعدمه. والرُّطب المذنِّب ما يكون في ذَنَبِه قليل بسر، والبُسر المذنِّب عكسه.
---
(4/42)
________________________________________
***
(أو لا يأكل لحماً) عطف على: لا يأكل رُطباً، أي وحنث لو حلف لا يأكل لحماً (فأكل كَبِداً) أو طحالاً (أو كَرِشاً) والأصح في مذهب الشافعي أنه لا يحنث، وبه قال أحمد، لأن لهذه الأشياء أسماء تخصها، فلا تكون لحماً عرفاً. ولنا أنها لحم حقيقة، فإن نُموها من الدم، وتستعمل استعمال اللحم. وفي «المحيط»: هذا في عُرف أهل الكوفة، وفي عرفنا لا يحنث، لأنها لا تُعدّ لحماً، ولا تُستعمل استعمال اللحوم.
(أو) أكل (لحم خنزير، أو) لحم (إنسان) حنث وبه قال مالك وأحمد والشافعي في وجه، لأنه لحم حقيقة وإن كانت حراماً كالمغصوب. واليمينُ ينعقدُ على الحرام منعاً وحملاً، وإن وجب الحِنثُ في الحمل، بخلاف النذر بالمعصية، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا نَذْر في معصية الله». ونقل الزَّاهِدي عن العَتَّابي: أنه لا يحنث، لأن أكله ليس بمُتَعارف، ومبنى الأيمان على العرف. وقال: هو الصحيح. وفي «الكافي»: وعليه الفتوى. وما قيل: من أنّ العرف العملي لا يُقَيِّدُ اللفظ، فغير صحيح.

ولو أكل لَحْمَ الأَلية قيل: يحنث، وبه قال الشافعي وأحمد، وقيل: لا يحنث، وبه قال مالك. ولو أكل الرأس والأكارع يحنَث، وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد في رواية. ولو أكل القلب يحنَث، وبه قال الشافعي في وجه، والله تعالى أعلم.
(والغَدَاء) أي وأكل الغداء (الأكل من طُلوع الفجر إلى الظهر، والعَشَاءِ) أي وأكل العَشَاءِ الأكل (منه) أي من الظهر (إلى نِصف الليل، والسَّحور) الأكل (منه) أي من نصف الليل (إلى الفجر) وإنما قدّرنا مضافاً لما في «المغرب» من أنّ الغداء: اسم لطعام الغدوة، والعَشَاء بالفتح والمد: اسم لطعام العشي، فلا يصح تفسيره بالأكل إلا إذا كان بمعنى المأكول. وأما السّحور فإن كان بضم السين فهو اسم للأكل في ذلك الوقت، فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن كان بفتحها فهو اسم لما يُؤكل، فيحتاج إليه.
---
(4/43)
________________________________________
***
وأما العِشاء بكسر العين فيراد به ما بعد الظهر، لما في الصحيحين من رواية أبي هريرة: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء، وفُسِّرت بأنها الظهر في بعض الروايات. وفي «شرح الطحاوي» للإِسبيجابي: وقت الغداء من طلوع الشمس إلى وقت الزوال، ووقت العشاء منه إلى أن يمضيَ أكثر الليل، ووقت السّحور من مُضي أكثره إلى طلوع الفجر، ثم قال: هذا في عرفهم، وأما في عرفِنَا: فوقت العِشاء من بعد العصر. انتهى. ولا يَبعُد أن يحمل يمين كل أحد على ما عُرِف من عادته، إذ قد يَختلفُ العُرف فيما بين أهل بلدته. ولو أكل اللقمتين أَو أكثر لا يحنث، حتى يأكل أكثر من نصف الشِّبَع، وبه قال الشافعي.
(وفي: إن لبِستُ، أو أكلت، أو شربت، ونوى عيناً) أي ثوباً معيناً، أو طعاماً معيناً، أو شراباً معيناً (لم يُصدَّق أصلاً) أي لا قضاءً ولا دِيَانة. وقال الشافعي: يُصدَّق ديانة وهو رواية عن أبي يوسف، ومختار الخَصَّاف. (ولو ضَمّ ثوباً) في إن لبستُ (أو طعاماً) في إن أكلت (أو شراباً) في إن شربت (دُيّن) أي صُدِّق دِيَانة، لأن النَّكرة في حيز الشرط تَعم، فتصح نية التخصيص، ولا يُصدَّق قضاءً لأنه نوى خلاف الظاهر، وهو العموم، وفيه تخفيف عليه.
---
(4/44)
________________________________________
***
(وتَصوُّر البرِّ شَرْطُ صحة الحَلِف) عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول مالك، ووجه في مذهب الشافعي (خلافاً لأبي يوسف) وهو وجه في مذهب الشافعي، لأن محلَ اليمين خبرٌ في المستقبل قَدَر الحالف أو عَجَز. ولأبي حنيفة محل اليمين المعقودة خبرٌ فيه رجاء الصدق، لأنها تعقدُ للحظر أو الإيجاب، أو لإظهار معنى الصدق، وذلك لا يتحققُ فيما ليس فيه رجاء الصدق (فمَنْ حَلَف لأشربنَّ ماء هذا الكُوْز اليوم، ولا ماء فيه) سَواء عَلِمَ أنَّ فيه ماءً أو لم يعلم (أو كان) عطف على لا ماء، أي أو حلف لأشربنَّ ماء هذا الكوز اليوم وكان فيه ماء (فصب في يومه لا يحنث) عند أبي حنيفة ومحمد، لاستحالة البرِّ أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن البرَّ في المؤقت يجب أن يكون في آخر الوقت، وهو مستحيل فيه. ويحنث عند أبي يوسف في آخر جزء من أجزاء ذلك اليوم، حتى يجب عليه الكفّارة إذا مضى ذلك اليوم.

(وإن أطلق عن الوقت) بأن قال: لأشربنَّ ماء هذا الكوز بدون ذكراليوم (فكذا في الأول) أي لا يحنث فيما إذا لم يكن في الكوز ماء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأن اليمين لم ينعقد لاستحالة البرَّ للحال، ويحنث عند أبي يوسف (دون الثاني) وهو ما إذا كان في الكوز ماء فصب، فإنه يحنث فيه باتفاق. أما عند أبي يوسف فظاهر، وأما عندهما فلأن البرَّ يجبُ عليه، كما فرغ من اليمين فإذا صب بعد ذلك فقد فات البرُ، فيحنث حينئذ، كما لو مات الحالف والماء باق.
---
(4/45)
________________________________________
***
(وفي) الحَلِفِ على ممكن غير واقع بحسب العادة (نحو لَيَصْعدنَّ السماء، أو لَيَقْلِبن هذا الحجر ذهباً، أو ليقتُلنَّ فلاناً عالماً بموته) لأنه حينئذٍ يُراد قتله بعد إحياء الله تعالى، وهو ممكن غير واقع (انعقد) يمينُه (لتصوُّر البِرِّ) في الجُملة، فإِنَّ الصعودَ إلى السماء ممكنٌ، لأن الملائكة يصعدون، وكذا صَعِدَ بعضُ الأنبياء، وكذا يحوّلُ الحجرَ ذهباً بتحويل الله تعالى، وكذا قتل فلان الذي علم بموته بأن يعيد الله تعالى فيه الحياة (وحنث) عَقِيبها إن كانت اليمينُ مطلقةً، وإن كانت مؤقتة فعند مُضيّ ذلك الوقت (للعجز) الثابت عادة، كما إذا مات الحالفُ، وهو وجه في مذهب الشافعي، لأنه مستحيل عادة، فأشبَه المستحيلَ حقيقةً.
(وإن لم يعلم) بموته (فلا) ينعقدُ يمينُه، لأنه حينئذٍ يُراد به قتلُه مع تلك الحياة. ولمّا كان ميتاً كان قتلُه مع تلك الحياة ممتنعاً. وقال زفر: لا ينعقدُ اليمينُ في المسألتين إلحاقاً للمستحيلِ عادةً بالمستحيل حقيقة، للعجز عن تحقيق البرِّ في الصورتين. (ومدُّ شعرها) أي المرأة (وخنْقُها، وعصُّها كضربها) يحنث به إذا حَلَفَ لا يضربُها، لأن الضرْبَ اسم لفعل مؤلم وقد حصل، وبه قال أحمد. وقال الشافعي: لا يحنث. وقال مالك: يحنث به، وبما يؤلم قلبَها: من سبّ أو شتمٍ. وقيل: هذا مقيَّدٌ بحال الغضب، بخلاف حال الملاعبة، لأن ذلك حينئذٍ ممازحة.
(وقُطنٌ) مبتدأ (مَلَكه بعد) قوله: (إنْ لبِسْتُ من غَزْلِكِ فهديٌ) أي فهو صدقة على فقراء مكة (فَغَزَلتْه ونُسِجَ ولبِسَ هديٌ) خبر مبتدأ، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وهو قول الشافعي. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون هَدْياً إلا إذا غَزَلته من قطن في مِلْكِه يوم الحلف.
---
(4/46)
________________________________________
***
(وخاتمَ ذهبٌ حَلْي) بفتح وسكون: ما يُلبس للزينة، وجمعه حُلِيّ بضم فكسر فتشديد ياء. فحنث بلبسه إذا حَلَفَ لا يَلبَسُ حُلِياً، لأنه لا يُستعمل إلا للتزين، ولذا لا يحلُ للرجل، فكان كاملاً في معنى الحُلي، فدخل تحت اسمه (لا خاتَم فضة) أي ليس خاتم الفِضة بِحُلي، لأنه يُستعمل لغير التزيُّن، ولهذا حلّ للرجال، فلم يكن كاملاً في معنى الحُلي، فلم يدخل في مطلق اسمه. وفي «جامع قاضيخان»: قال مشايخنا إذا كان خاتم الفضة مصنوعاً على هيئة خاتم الرجال، بأن لم يكن فيه فص، حتى لو كان فيه فص حنث. انتهى. ولعله مقيدٌ بِفَصَ فيه زينة، وإلا فقد ثبت في شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خاتَمه له فَصٌّ.

(وعندهما) وكذا عند مالك والشافعي وأحمد (عقدُ لؤلؤٍ) وياقوتٍ، وَزَبَرْجَدٍ، وزُمُردٍ وبَلَخْش (لم يُرصّع) أي لم يركب بذهب وفضة (حُليّ) يحنث بلُبْسه إذا حلف لا يَلبَس حُلياً (وبه يُفْتَى) لأن التَّحلي به على الانفراد معتاد، ولقوله تعالى: {وتَسْتَخْرِجونَ منه حِلْيَةً تلبَسُونَها}. وإنما يُستخرج من البحر اللؤلؤ. وقال أبو حنيفة: لا يَحنث، لأن العادة لم تَجْرِ بالتحلِّي باللؤلؤ ونحوه إلا مرصَّعاً، والمعتبر في اليمين العُرف لا الحقيقة. ولعل هذا اختلافُ عصر وزمانٍ لا حجةٍ وبرهان، فكان في زمانه لا يُتَحلَّى به إلا مرصعاً، وفي زمانهما تُعورِف التحلي بالسَّاذج منه كالمُرَصَّع، ولهذا كان المفتى به قولهما.
---
(4/47)
________________________________________
***
(ومن حَلَفَ لا ينامُ على هذا الفِرَاش، فَنَامَ على قِرَامٍ) بكسر القاف: سِتْرٌ فيه رقم ونقش (فوقه) أي فوق الفراش (حَنِثَ) لأن القِرام تبعٌ للفِراش، فيُعدّ بنومه عليه نائماً على الفِرَاش (لا) يحنثُ (مَنْ جَعَل فوقه) أي فوق الفراش (فراشاً آخر) لأنه لا يعد نائماً على الفراش الأسفل. وقال أبو يوسف: يحنَث، وبه قال الشافعي، لأنه نائم عليهما حقيقة وعرفاً. وصار كمن حلف لا يكلم فلاناً فسلَّم على جَمْع هو فيهم.
ولنا أنّ مثل الشيء لا يكون تبعاً له، فانقطعت النِّسبة عن الفراش الأول، فكان نائماً على الثاني، وصار كمن فرش ثوباً على فراش حرير، فقعد عليه حيث لا يحرم عليه، ويؤيده أيضاً قوله: (أو حَلَفَ) أي ولا يحنَث مَنْ حلف (لا يَجلِسُ على الأرض فجلس على بِساطٍ أو حصيرٍ) فوقها، لأنه لا يُسمى جالساً على الأرض عادة (ولو حالَ بينه وبينها لباسه حنِثَ) لأن لباسَه تبع له، فلا يعتبر حائلاً (كمن حَلَفَ لا يجلسُ على هذا السرير، فجلس على بِسَاطٍ فوقه) فإنه يحنث، لأنه يُعدّ جالساً على السرير عادة (بخلاف جُلوسِهِ على سرير آخر فوقه) فإنه لا يحنَث، لأنه لا يُعد جالساً على السرير الأسفل (ولا يفعلْه يقعُ على الأبد) أي آخر عُمُرِه، لأنه نفى الفعلَ مطلقاً، فيقتضي عدمه في جميع العمر، ضرورة عموم النفي، إذ وجوده في جزء منه ينافي العدم في جميعه.
(ويفعَلْه) يقع (على فعله مرةً) واحدةً، لأن الفعل يقتضي مصدراً مُنكّراً، والنَّكرةُ في النَّفي تعم، وفي الإثبات تخص. والواحد هو المُتَيقَّن لعدم اقتضائه التكرار.
---
(4/48)
________________________________________
***
وإنما يحنث بوقوعِ اليأس عن الفعل، وذا بهلاك الفاعل أو محل الفعل (وبـ:عليَّ المَشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة) أو إلى مكة، وقول الشارح: أو بمكة ليس في محله: ولعله بكة فتصَحَّفَت على النُّساخ (يجبُ حجٌ أو عمرةٌ مشياً) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول. والقياس أن لا يجب عليه شيء لأنه التزم المشي وهو ليس بقُربة مقصودة، والنذر بما ليس بقربة مقصودة غير لازم. ووجه الاستحسان أن هذه العبارة كنايةٌ عن إِيجاب الإحرام شرعاً، فصار كما لو قال: عليّ الإحرام بحجةٍ أو عُمرةٍ ماشياً.

(ويجبُ دمٌ إن رَكِبَ) لما روى الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد عن الحسن، عن عِمران بن حُصين قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبةً إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المُثْلة، وقال: «إن من المثلة أن ينذرَ الرجلُ أن يحج ماشياً، فمن نذر أن يحجَ ماشياً فليُهد هدياً. وروى أحمد في «مسنده» عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله عز وجل غنيٌ عن نذر أختك لتركب وتلهد بدنة». وقد سبق تحقيق هذا البحث في كتاب الحج.
(ولا شيء بـ:عليّ الخروج أو) عليّ (الذهاب) أو السفر، أو المُضي، أو السير (إلى بيت الله) باتفاق أئمتنا، لأن التزام الإحرام بهذه الأَلفاظ غير متعارف. وقال الشافعي وأحمد، وهو رواية أشْهَب عن مالك: يلزمه الحج والعمرة كما في: عليّ المشيُ إلى مكة، (أو المشي) أي ولا شيء بـ:عليّ المشي (إلى الحرام أو) إلى (المسجد الحرام) عند أبي حنيفة، لأن التزام الإحرام غير متعارف بهذا الكلام. وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد: يلزمه الحج والعُمرة، لأن الحرم والمسجد الحرام شامل للبيت، فكان ذكرُه كذكرِهِ.
---
(4/49)
________________________________________
***
(أو) إلى (الصفا والمروة) أو بقعة أخرى من الحرم كالمُزدلفة، وعرفات ومنى باتفاق أئمتنا. وبه قال مالك لما تقدم. وقال الشافعي وأحمد وأَصْبَغ من المالكية: يلزمه المشيُ إليها بحج أو عمرة. ولو نَذَر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى المسجد الأقصى لا شيء عليه، وهو قول الشافعي في «الأم». وقال مالك وأحمد: ينعقد نذره، وهو قول الشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تُشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». ولنا أنهما لا يُقصدَان بالنُّسك، فأشبها سائر المساجد. والمقصود من الحديث تخصيص القُربة وفضيلتها في هذه المساجد.
(ولا يَعتِق) عند أبي حنيفة وأبي يوسف (عبد قيل له) أي قال السيد له: (إن لم أحجّ العامَ فأنت حر) ثم قال السيد: حججت، وأنكر العبد وأتى بشاهدين (فَشَهِدا بِنَحْرِهِ) أي بأن السيد نحر أضحية (بكوفة) وقال محمد: يعتق، لأن هذه شهادة قامت على أمر معلوم وهو التضحية، ومن ضرورته انتفاء الحج، فيتحققُ الشرط. ولهما: أن هذه شهادة على النفي، فلا تقبل، كما شهدا أنه لم يحج.
(وحَنِثَ بصومِ سَاعةٍ) ثم أفطَرَ (في: لا يصوم) لوجود الشرط وهو الإمساك عن المفطرات مع النية على قصد التقرب، فإذا أصبح صائماً فقد وجد ذلك. ولذا يقال: صام فلان ساعة ثم أفطر. ووجود الإفطار بعد ذلك لا يرفع الحِنْث المتقرر.
---
(4/50)
________________________________________
***
وفي «شرح الوقاية»: فإن قلت: الصوم الشرعي: هو صوم اليوم، واللفظ إذا كان له معنى لغوي ومعنى شرعي يُحمل على المعنى الشرعي. قلت: الشرع قد أطلقه على ما دون اليوم في قوله تعالى: {أتمو الصيامَ إلى الليل}. انتهى. ولا يخفى أن الصيام الشرعي لكونه مغياً إلى الليل لا يتم بدون اليوم. (لا) أي لا يحنث (لو ضمّ يوماً أو صوماً) أي بأن حَلَفَ لا يصومُ يوماً، أو لا يصومُ صوماً (حتى يتم يوماً) لأنه في الأول ذكر اليومَ وهو صريح في تقدير المدة، وفي الثاني أكَّد الصومَ، ينصرف إلى الكامل، وهو الصوم المعتبر شرعاً، وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
(و) حَنِثَ (بركعة في: لا يصلي) واختلف المشايخ فقال بعضهم: يحنث بالسجدة، وقال بعضهم: برفع الرأس منها (لا بما دونها). والقياس أن يَحنَثَ بالافتتاح اعتباراً بالشروع في الصوم. ووجه الاستحسان أن الصلاة عبارة عن: القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، فما لم يتحقق كلها لم يُسم صلاة، ألا ترى أنه لا يقال: صلى رُكوعاً ولا سجوداً، وإنما يقال: صلى ركعة. (ولو ضم صلاة) بأن حَلَفَ لا يُصلي صلاة (فَبِشَفعٍ) يحنث (لا بأقل) لأنه أكّد الصلاة، فتنصرف إلى الكاملة، وأقلها عندنا ركعتان للنهي عن البُتيراء. وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يحنث بركعة، لأن الركعة الواحدة صلاة عندهما، وقالا أيضاً: يحنث بالشروع، لأنه يُسمى مصلياً.
---
(4/51)
________________________________________
***
(و) حنث (بولد ميْتٍ في: إن ولدت فأنت كذا) لأن الولد الميْتَ ولدٌ حقيقةً وعرفاً وشرعاً، ولهذا تنقضي به العدة، ويكون الدم الذي بعده نِفاساً، وتصير الأمة به أمَ ولدٍ (وعَتَقَ الحي) عند أبي حنيفة (في: إن ولدْتِ فهو حرٌ إن ولدْتِ ميتاً ثم حيًّا) وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، لأن الشرط قد تحقق بولادة الميت، فتنحل اليمين لا إلى جزاء، لأن الميتَ ليس بمحلٍ للحُرية وهي الجزاء. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه لما جعل الحريةَ وصفاً للمولودِ، تقيد اليمينُ بولادةِ الحيّ، نظراً إلى هذا الوصف، إذ الميت لا يقبله. وأن الحياة تثبتُ فيه مقتضىً، صوناً لكلام العاقل عن اللغو، ألا ترى أنه لو قال: إن ولدْتِ ولداً ميْتاً فهو حر كان لغواً.
(وفي لَيَقْضِيَنَّ دينَه اليومَ) كلمة «في» متعلقةٌ بالفعل المتأخِرِ، وهو قوله الآتي: «بَرَّ» (وقضاه زُيُوفَاً أو نَبَهْرَجةً) الزُّيوف: ما زيّفه بيت المال، ولكنه يروج فيما بين التجار. والنَّبَهْرجة: ما يُبهرِجُه التُّجار. والمُسامحُ منهم يتجوَّزه، والمُسْتقضي منهم لا يتجوَّزه لغشٍ فيه.

(أو) قضاه (مُستحقة) للغير (أو باعه) أي المديون الدائن (به) بدينه (شيئاً وقبضَه) أي الدائنُ ذلك الشيء (بَرَّ) في يمينه، لأن الزُّيوفَ والنَّبَهْرجةَ دراهم حقيقة، إلا أنها معيبة، والعَيْب لا يُعدِمُ الجنسية، ولهذا لو تجوّز بهما صار مُستوفياً، وكذا لو تجوّز بهما في رأس مال السَّلَم وبدل الصرف يجوز، ولولا أنهما من جنس حقه لما جاز، ولأن قبضَ الدراهمِ المُستحقة صحيح، حتى لو أجازه المستحق في الصرف والسلم بعد الافتراق جاز، ولأن قضاء الدَّين طريقه المُقاصّة، وقد تحققت بمجرد البيع. وهذا لأن الديون تُقضى بأمثالها. وقال الشافعي: يبر في النَّبهرجةِ والزُّيوفِ، ولا يبر في البيع.
وقال مالك: لا يبر فيهما، ويبر في البيع إن كان بقيمة حقه، ويحنثُ إن كان بأقل منها.
---
(4/52)
________________________________________
***
(ولو كان) الذي قضاه بأن ظَهَرَ المدفوع (سَتُّوقة) بفتح السين، أردأ من النَّبهرجة (أو رُصاصاً) بضم أوله (أو وهب له) أي وهب الدائنُ الدين للمديون (لا) يبر، لأن السَّتُّوقة والرُّصاص ليسا من جنس الدراهم، ولهذا لو تَجَوَّز بهما لم يجز إلا برضا الآخر بطريق الاستبدال. ولو تَجَوَّز بهما في الصرف والسَّلَم. لا يجوز لحرمة الاستبدال فيهما، حتى لو افترقا يَبطُل العقد والتَّجوُّز لغوٌ، لأن القضاءَ فعل المديون، والهبة إسقاط من رب الدين، فلا قضاء.
(وفي: لا يقبِضُ دَينَه درهماً دون درهمٍ، حَنِثَ بقبضِ كُلِّه متفرقاً) لوجود شرط الحِنْثِ، وهو قبضُ الكل بوصف التَّفرقة، لأنه أضاف القبضَ إلى دينٍ مُعرَّف بالإضافة إليه، فيتناول كله (لا ببعضه) أي لا يحنثُ بقبض بعضِ دينه (دُوْنَ باقيه) حتى يقبِضَه، لعدم وجود الشرط، وهو قبضُ الكل بوصف التَّفرقة إذا لم يَقبض باقيه، ووجود الشرط إذا قبض باقيه، فإذا قبضَ بعضه في أول النهار وبعضه في آخره حِنث لوجود الشرط (أو كله) أي ولا يقبض كله (بوزنين) أو أكثر (لم يتخللهما) عمل (إلا عمل الوزن)، وقال زفر: يحنث في هذه الصورة لوجود التفريق حقيقةً.
ولنا أن هذا لا يُعد تفريقاً في العادة، فصار كمن حلف لا يَلبَسُ هذا الثوب، وهو عليه، فنزعه في الحال، ولأنه قد يتعذرُ وزنُ الكلِّ دُفعة واحدة، فيصير هذا القَدْر مستثنى من اليمين.
(ولا) يحنث (في إن كان لي إلا مئة) أو غير مئة، أو سوى مئة (فكذا) أي فعبده حر مثلاً (ولم يملك إلا خمسين) أو ما هو دون المئة، لأن المقصود من هذا اليمين في العُرْف نَفْيُ ما زاد على المئة، فلا يحنث بِمِلكها أو بِمِلك بعضها. (ولا) يحنث (في لا يَشَمُّ ريحاناً إن شمّ ورداً أو ياسميناً) لأن الرَّيحان اسم لما تكون لساقه رائحة طيبة، والورد لما تكون لورقه رائحة طيبة لا لساقه، والياسمين ليست لساقه رائحة طيبة كذا في «المبسوط».
---
(4/53)
________________________________________
***
وقيل: «لا يحنث بشم الورد والياسمين لأنهما من جملة الأشجار. والريحان اسم لما ليس له شجر، ألا ترى أن الله تعالى قال: {والنَّجمُ والشَّجرُ يسجدان} إلى قوله: {والحبَّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحَان} فقد جعل الرَّيحان غيره، فعرفنا أن ما له شجر ليس بريحان وإن كان له رائحة طيبة. (وكذا في العرف لا يُطلق اسم الرَّيحان على الورد والياسمين، وإنما يُطلق على ما نبت من بَذْر وله رائحة طيبة مما لا شجر له).
(والبَنَفسج) بفتح الباء (والورد) محمولان (على الوَرَقِ) لا على دهنهما، حتى لو حلف لا يشتري بَنفسجاً أو ورداً ولا نية له فاشترى ورقَهما يحنث، ولو اشترى دهنهما لا يحنث للعرف. وقيل: يختص الحِنْثُ بشراء دُهنه، والياسمين كالورد لا يتناول الدُّهن، لأن دُهنه لا يُسمى ياسميناً بل زنبقاً.

فصلٌ في حَلِفِ القول
(حنِث في: لا يكلِّمُه إن كلّمه نائماً) وبه قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية (بشرط إيقاظه) أي بتكليمه، لأن النائم كالغائب، فإذا لم ينتبه كان بمنزلة من ناداه من بعيد، بحيث لا يَسمعُ صوتَه فلا يحنث، وإذا انتبه علمنا أنه أسمعه صوتَه، فيكون مكلِّماً له، فإن ناداه نائماً بحيث يسمع لو كان منتبهاً لا يحنث في الأظهر. وقيل: هو على الخلاف، فعند أبي حنيفة يحنث لأنه يجعلُ النائمَ كالمنتبه، وعندهما لا يحنث.
ولو كتب إليه كتاباً، أو أرسل إليه رسولاً لا يحنث، وبه قال الشافعي في الجديد واختاره المُزَنيّ، لأنه لا يُسمى كلاماً في العُرف. وقال مالك وأحمد والشافعي في القديم: يحنث، لأن الله تعالى استثنى الرسالة من الكلام فقال: {وما كان لبَشرٍ أن يُكلِّمَه ا إلا وحياً أو مِنْ وراء حجابٍ أو يُرسلَ رسولاً} والاستثناء إخراج من الجنس. وأُجيبَ بأن مبنى الأَيمان على العرف. والآية جاز أن يكون الاستثناء فيها منقطعاً.
---
(4/54)
________________________________________
***
ولو ناداه المحلوفُ عليه فقال: لبيك، يحنث. ولو سلّم في الصلاة والمحلوف عليه معه فيها، قيل: إن كان المحلوف عليه على يمينه لا يحنث، وإن كان على يساره يحنث، لأن الأولى واقعة في الصلاة، بخلاف الثانية. وقيل: لا يحنث في المسألتين وهو الصحيح، لأنه من أفعال الصلاة وليس بكلام عُرفاً. وإن كان الحالف مقتدياً فعلى هذا التفصيل عندهما. وعند محمد يحنث، سواء كان على يمينه أو يساره، بناء على أنه يخرج بسلامِ الإمام عنده، وبه قال مالك. والأظهر عند الشافعي أنه يحنث بالسلام في الصلاة على أي حال كان إلا أن لا ينويه. ولو قرع المحلوف عليه الباب فقال (الحالف): من هذا، يحنث. ولو فتح عليه في الصلاة لا يحنث، وخارجها يحنث، كذا أطلقوه. والظاهر أنه يُقيد بما إذا نوى الفتح دون القراءة.
(و) حَنِثَ (في لا يُكلمه إلا بإذنه، إن أذِنَ ولم يعلم به فكلَّمه) وهو قول مالك وأحمد ووجه في مذهب الشافعي ، لأن الإذن من الأذان وهو: الإعلام لغةً، قال الله تعالى: {وأَذَانٌ من ا ورسولهِ} أي إعلام. أو من الوقوع في الإذن، وكل ذلك لا يتحقق إلا بعد العلم. وقال أبو يوسف في رواية: لا يحنث، وهو الأظهر من مذهب الشافعي، لأن غرضه أن لا يكلِّمَه إلا برضاه فرضي ولم يعلم الحالف، فكلمه لا يحنث، فكذا هذا. وأُجيب بأن الرضا من أعمال القلب فيتم به، ولا كذلك الإذن.

(و) حَنِثَ (في: لا يكلمُ صاحبَ هذا الثوب، فَبَاعه وكَلَّمه) لأن الإنسان لا يُعادي لمعنى في ثوبه، فتعلقت اليمين به. وصار كما لو قال: لا أكلم هذا وأشار إلى صاحب الثوب، كذا قاله الشارح. وفيه أن الإنسان قد يعادي لمعنى في ثوبه، بأن لبس مغصوباً أو حريراً أو نحو ذلك، إلا أنه يحنث، لأنه ببيعِهِ لا يخرجُ عن كونِهِ صاحبَ الثوب في الجملة، على أن مَبْنَى الأيمان على عُرْف الأزمان.
---
(4/55)
________________________________________
***
(و) حَنِثَ (في: لا يكلم هذا الشاب فكلَّمه) وقد صار (شيخاً) أو كهلاً، لأن الوصف المذكور ليس بداعٍ إلى اليمين، ولا يَصلُح مانعاً من الكلام، فيلغو ويتعلق اليمين بالذات.
(و) حَنِثَ (في هذا حر إن بعته) مشيراً إلى عبده، فعتق ببيعِهِ بيعاً فاسداً، أو موقوفاً، أو بالخيار لنفسه، وبه قال مالك والشافعي في وجه، لوجود شرط العتق الذي هو البيع. وقال أحمد: لا يعتق. وأما إن باعه بيعاً لازماً أو باطلاً لم يعتق. أما في الباتِّ فلأنه كما تم البيع زال الملك، (والجزاء لا ينزل في غير الملك)، وأما في الباطل فلعدم الشرط وهو البيع، إذ الباطل ليس ببيع. (أو) هذا حرٌّ إن (اشتريته، إن عقد) شِرَءاه (بالخيار) لنفسه، وبه قال أحمد والشافعي في وجه. وقال مالك: لا يعتِق وهو وجه في مذهب الشافعي.
(و) حَنِثَ (في إن لم أبعه فكذا، فأعتق أو دبَّر) لأن الشرط قد تحقق وهو عدم البيع لفوات محله، كما لو مات الحالف أو العبد، ولا خلاف فيه على الصحيح. (و) حَنِثَ (بفعل وكيلِهِ في حَلِفِ النكاح، والطلاق، والخُلع، والعِتقِ، والكتابةِ، والصلحِ عن دمِ عمدٍ، والهبةِ، والصدقة، والقرْضِ، والاستقراض، والإيداعِ، والاستيداعِ، والاستعارة، والإعارة، والذبح، وضرب العبد، وقضاءِ الدين وقبضه، والبناءِ، والخياطة، والكِسوة، والحمل) لأن ما كان من هذه الأشياء حكمياً أي غير حسي، كان الوكيل فيه سفيراً ومعبِّراً، ولذا لا يُستغنى عن إضافتها إلى الموكِّل، ولو باشَرَه بغير إِذنه لا ينفذ عليه، فصارت مباشرة الوكيل كمباشرته.
---
(4/56)
________________________________________
***
وما كان منها حسياً كذبح الشاة وضَرْب العبد، فإن المالك له ولاية ذلك ومنفعته راجعةٌ إليه، فيُجعل مباشِراً، إذ لا حقوقَ لهذا الفعل ترجع إلى المأمور. ولو قال الحالف في الحكمي: نويت أن لا أفعل ذلك بنفسي صُدِّق دِيَانةً، لأنه نوى محتمل كلامِهِ، لا قضاءً، لأنه نوى خلاف الظاهر وهو العموم. ولو قاله الحالف في الحسي صدق دِيَانةً وقضاءً، لأن النسبة إلى الأمر باعتبار السبب مجاز، فإذا نوى الفعل بنفسه فقد نوى حقيقة كلامه.

(لا في البيع) أي لا يحنثُ بفعل وكيله في حلف البيع (والشراء، والإجارةِ، والاستئجارِ، والصُّلحِ عن مال، والخُصومةِ، والقِسمةِ، وضرب الولد) لأن الفعل لم يوجد من الموكل حقيقةً ـ وهو ظاهرٌ ـ ولا حكماً، ولهذا لم ترجع الحقوق إليه، بل إلى الوكيل. فلو قال: نويت أن آمر به غيري حَنِثَ بالتوكيل أيضاً، لأنه شدّد على نفسه. ولو كان مِثلُ الحالف لا يُباشر هذه الأشياء يحنث بالأمر، لأن اليمينَ يتقيد بالعرف وبمقصودِ الحالف. والفرق بين ضرب العبد وضرب الولد أنّ الضربَ فعلٌ حِسيٌ لا يحكم بنقله عن الوكيل إلى الموكِّل إلا إذا صح التوكيل. وصحة التوكيل تكون في الأموال، فيصح في العبد دون الولد، ألا ترى أنَّ من حلف لا يضرب رجلاً حراً، فأمر به فضُرِبَ لا يحنث، لأنَّه لا يَمْلِكُ ضربه، فلا يصحُ أمره، إلا أن يكون الآمر قاضياً أو والياً، لأنهما يملكان ضَرْب الأحرار حداً أو تعزيراً.
---
(4/57)
________________________________________
***
(ولا) يحنث (في) حلفه (لا يتكلمُ فقرأ القرآن، أو سبح، أو هلل، أو كبر في صلاته) اتفاقاً (أو خارجها) وهو اختيار شيخ الإسلام خواهر زاده وقول أحمد، لأنه لا يُعد متكلماً في العُرف بل قارئاً. والقرآن كلام الله تعالى، قال الله تعالى: {حتى يسمعَ كلامَ ا} أو مسبحاً أو مهللاً، أو مكبِّراً. ولا في الشرع، لقوله صلى الله عليه وسلم «إنَّ الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإنّ مما أحدثَ أنْ لا يُتَكلَّم في الصلاة». متفق عليه. واختار القُدُوري: أنه إذا قرأ في الصلاة لا يحنث، وإذا قرأ خارجها يحنث. وقال الشافعي: لا يحنث بقراءة القرآن في الصلاة وخارجها، ويحنث بالتسبيح، والتهليل، والتكبير في الصلاة وخارجها.
(ويوم أُكَلِّمُه) محمولٌ (على المَلَوين) أي الليل والنهار لما تقدم في كتاب الطلاق من أن اليوم إذا قُرِن بغير ممتد يُراد به مطلق الوقت، ومنه قوله تعالى: {ومن يُولِّهم يومئذٍ دُبُرَه} (وصحَ نِيَّةُ النهار) دِيَانةً وقضاءً، لأنه نوى الحقيقة المستعملة. وعند أبي يوسف: لا يصح قضاءً، لأنه نوى التخصيص في كلامه، وفيه تخفيفٌ عليه. (وليلة أُكَلِّمُه على الليل) خاصة، لأن الليل ضد النهار، قال الله تعالى: {وهو الذي جَعَلَ اللَّيْل والنَّهار خِلْفَةً} والنهار مختصٌ بزمانِ الضوء، فيكون الليلُ مختصاً بزمان الظلمة. (وإلا أنْ للغاية كحتّى) لأن حقيقة «إلا» للاستثناء وهو متعذر فيها هنا مع أن لعدمِ مجانسةِ ما بعدها لما قبلها، وبين الاستثناء والغاية مناسبة من حيث إِن ما بعدهما مخالفٌ لما قبلهما.
---
(4/58)
________________________________________
***
(ففي إن كلَّمتُه إلا أنْ يقدم زيد أو حتى) يقدم زيد (حَنِثَ إن كلَّمه قبل قُدُومِهِ) لا إن كلَّمه بعد قدومه، لأن اليمينَ باقيةٌ قبل الغاية ومنتهية بعدها (وفي لا يكلم عبده) أي عبد فلان أو عبد نفسه (أو امرأته أو صديقه) بخلاف قوله: زوجة فلان أو صديقه كما في «المبسوط»، (أو لا يدخل داره) أو لا يأكل طعامه، أو لا يلبَس ثوبه، أو لا يركب دابته (إن زالت إضافته) ببيعِ العبد والدارِ ونحوهما، وبطلاق المرأة، وعداوة الصديق (وكلّمَه، لا يحنَث في العبد) ونحوه مما هو مُشتملٌ على إضافة مِلكٍ، كالدار في لا يدخل داره، والطعام في لا يأكل طعامه.
(أَشار إليه بهذا أولاً) لأن شرط الحِنث كلامه لعبد مملوكٍ لمن أضيف إليه ولم يوجد. أما إذا لم يُعيِّن العبد بإشارته أو غيرها فظاهر وهو وفاقاً، وأما إذا عَيَّنه فلأَن العبد لسقوط منزلته لا يُعادى لذاته، بل لِمَن أضيف إليه، فتكون الإضافة فيه معتبرة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزُفَر: يحنث في المعيَّن، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، لأن الإشارة لقطعها شركة الأغيار أبلغ من الإضافة، فاعتبرت ولغت الإضافة، وانعقدت اليمينُ على ذات العبد. (وفي غيره) أي وفي غير العبد مما هو مشتمل على إضافة نسبة كامرأته وصديقِهِ (إن أشار بهذا) أو بهذه أو عَيّن (حَنِثَ) لأن الحرَ يُهجر لذاته (وإلا) أي لم يشر ولم يُعين (فلا) أي فلا يحنث، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يحنث.
(وحينٍ وزمانٍ بلا نية نِصفُ سَنة) سواء (نَكَّرَ) بأن قال: لا أكلمُه حيناً أو زماناً (أو عَرَّف) بأن قال: لا أكلمُه الحين أو الزمان، وبه قال أحمد. وقال مالك: سنة. وقال الشافعي: أدنى مدة، وهو ساعة، لأنه المُتيقَّن.
---
(4/59)
________________________________________
***
ولنا أن الحين يطلق على الساعة، قال الله تعالى: {فسبحانَ ا حِينَ تُمسونَ وحينَ تُصبحونَ} (وبه أخذ الشافعي). وعلى أربعين سنة، قال الله تعالى: {هل أَتَى على الإنسانِ حينٌ من الدَّهر} والمراد بالإنسان آدم، وبالحين أربعون سنة، وهي مدة كونِه مُلقى بين مكة والطائف، حال كونه من طين إلى أن تنفخ فيه الروح، وفسره بعضهم بِسَنة، وبه أخذ مالك.
وعلى ستة أشهر. قال الله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلها كلّ حين} قال سعيد بن جُبير، وقَتَادة، والحسن، وهو رواية عن ابن عباس: هي النخلة تمكث من الأطلاع إلى الأصرام ستة أشهر، فحملناه عليه لأنه الوسط، فإِنَّ خيرَ الأمور أوسطها، والزمان بمعناه.

(ومعها) أي ومع النية (ما نوى) مُنكَّراً أو معرَّفاً، لأنه نَوى محتملَ كلامه. (والدهر لم يُدْر) عند أبي حنيفة، أي تتوقف فيه حال كونه (مُنكَّراً) قال: لا أدري ماهو في حكم التقدير، لأن الدهر مخالف للحين والزمن، إذ مُعَرَّفِهِ يقع على الأبد، بخلاف الحين والزمان، فلم يلحق بهما قياساً. والعُرف لم يعرف استمراره لاختلاف في الاستعمال، قال الله تعالى: {وما يُهلِكُنا إلا الدَّهر}، وقال صلى الله عليه وسلم «لا تَسبُوا الدهر، فإِنَّ الله هو الدهر» أي خالقه فكان مجملاً، والتوقف في المجمل علامة كمال العلم. وعندهما: يحمل المنكر على ستة أشهر. وعند مالك: على سنة. وعند الشافعي: على أدنى مدة.
---
(4/60)
________________________________________
***
(وللأبد) أي جميع العمر (معرَّفاً) باتفاق إذا لم يقترن بِنِيّة، لأنه تعالى قال: {هل أتى على الإنسانِ حِيْنٌ من الدَّهر} فقد جعل الحينَ جُزءاً من الدهر، فيبعد أن يُسوّى بينهما في التقدير. (وأَيام مُنكَّرة ثلاثة) لأنها أَقلّ الجمع المُنكَّر. ولو حلف لا يتزوج نساءً، ولا يشتري عبيداً يقع على الثلاثة بلا خلاف. (وأيام كثيرة، والأيام، والشهور) والسِّنون، والجُمع، والدّهور، والأزمنة (عشرة) عند أبي حنيفة. وعندهما: أيام كثيرة والأيام كلاهما سبعة، والشهور ستة، والسِّنون وغيرها للأبد.
(وفي أول عبد أشتريه حر، إنْ اشترى عبدًا عتَقَ) وهو ظاهر (وإن اشترى عبدين) معاً (ثم آخر، فلا أصلاً) أي فلا يَعتِقُ واحدٌ منهما، لأن الأول اسم لمفرد سابق، وهو موجود في المسألة الأولى دون الثانية (فإن ضمّ) كلمة (وحده) بأن قال: أول عبد اشتريه وحده فهو حر، فاشترى عبدين معاً ثم آخر وحده (عَتَقَ الثالثُ) لأن معنى وحدَه منفرد، والثالثُ متصفٌ بهذه الصفة وهي الانفراد في الشراء. (وفي آخر عبدٍ) أشتريه فهو حر (إن اشترى عبداً ومات) المشتري (لم يعتِق) العبدُ لأنه ليس بآخر عبد، فإن الآخر لا بد له من سابق ولا سابق لهذا.
---
(4/61)
________________________________________
***
(فإن اشترى عبداً ثم آخر، ثم مات) المشتري (عتق الآخر) لاتصافِهِ بالآخرية، لأن له سابقاً. وهذا الحكم ظاهرٌ، وإنما ذَكَرَه ليَبنِي عليه قوله: (يوم شَرَى) يعني أنَّ عِتقَه يكونُ من يوم الشراءِ، لاستناد العتق إليه (من كل ماله) إن كان الشراءُ في الصحة، وهذا عند أبي حنيفة. (وعندهما:) عتق (يوم مات من ثُلُثه) سواء كان الشراءُ في الصحة أو في المرض، لأن الآخرية ـ وهي الشرط ـ تثبت بعدم شراء غيره بعده. وهذا يتحقق عند موت السيد فيفتقر العِتقُ على زمان موته. ولأبي حنيفة أن الآخرية تثبت للثاني كما اشتراه، إلا أنّ هذه الصفة يعرض عليها الزوال، لاحتمال شراء غيره بعده، فإذا مات ولم يوجد من يُبطلها، تبين أنه كان آخراً منذ اشتراه، فيعتق من ذلك الوقت.

(ولا يصيرُ الزوج فاراً) عند أبي حنيفة، فلا ترث منه (لو علق الثلاث به) أي بالآخر بأن قال: آخرُ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ ثلاثاً، فتزوج امرأة، ثم أخرى في صحته ثم مات، لأن طلاقها عنده يستند إلى وقت تزوُّجِها، ثم إن كان دخل بها فلها مَهر للدخولِ بشُبهة، ونِصْفُ مهر للطلاقِ قبل الدخول، وعدتها بالحِيَضِ، ولا حِدَاد عليها (خِلافاً لهما) فإنّ عندهما يكون الزوج فاراً، فترث منه، لأنها تطلق في آخر حياته، ولها مهر واحد، وتعتدُّ بأبعد الأجلين من عدة الطلاق والوفاة، ولو كان الطلاقُ رجعياً تعتدُّ بعدةِ الوفاة، وعليها الحِدَاد.
---
(4/62)
________________________________________
***
(وبكل عبدٍ بشَّرني بكذا فهو حر) الباء في بـ:كل تتعلق بقوله: (عَتَقَ أول ثلاثة) مِثْله، وكان الأظهر أن يقول: أول جماعة (بشَّروه) أي من عبيده (متفرقين) لأن البِشَارة اسم لخبر سار صدق، ليس للمبشَّر به علم، سُمِّي بذلك لأن بَشَرَة الوجه تتغير به، وتقيدت بالسَّار من العرف (والكلُ) عطف على الأول أي وعتقَ الكل (إنْ بشروه معاً) لتحقق البِشَارة منهم، قال الله تعالى: {وبَشَّرُوه بِغُلامٍ عليمٍ} فنسبها إلى جماعة، ولو كان التعليق على الإِخبار مكان البِشارة بأن قال: كل من أخبرني، والباقي بحاله عتق الكل.
وذلك لما رُوي أنه صلى الله عليه وسلم مر بابن مسعود وهو يقرأ القرآن فقال: «من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أُنْزِلَ، فليقرأ بقراءةِ ابن أم عبد» فابتدر إليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بالبِشَارة، فسبق أبو بكر، فكان ابن مسعود يقول: متى ذكره: بشَّرني أبو بكر وأخبرني عمر.
(وسَقَطَ بشراءِ أبيه لكفارتِهِ هي) أي كفارته، وهي فاعلُ سقط، فكان الأولى أن يقول: ويسقط بشراء إبيه كفارة ابنه، وكذا حكم كلِّ ذي رحمٍ محرمٍ منه. وقال زفر، ومالك، والشافعي، وأحمد: لا تسقط وهو القياس، وهو قول أبي حنيفة أولاً، فصاحباه معه في قوله الآخر. ووجهه أنَّ الشارعَ جعل شراء القريب إعتاقاً، لما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لن يجزي ولدٌ والدَه إلا أن يجدَه مملوكاً فيشتَريْه فيعتِقَهُ»، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الابن قادرٌ على إعتاق الأب، فيكون قادراً تصديقاً له عليه الصلاة والسلام فيما أخبر.
---
(4/63)
________________________________________
***
ولا يقدِرُ على إعتاقه قبل الشراء، لعدم الملك ولا بعده، لأنه يَعتِقُ به عليه، فيكون نفس الشراء إعتاقاً، فإذا نوى بالشِّراء الكفَّارة يصير إعتاقاً عنها، فيصح ويجزيه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يشترط غير الشراء، فإذا اشترى أباه بنية الكفارة كانت النية مُقَارِنَةً لعلةِ العتق، فيعتق عنها.

(لا) أي لا تسقط (بشراء عبد حَلَفَ بعتقه) إذا نوى بالشراء كفارته، لأن النيةَ لم تَقترن بعلةِ العتق، وهي اليمين. (ولا) بشراء (مستولدة بنكاح) حال كونه (عَلَّقَ عتقها عن كفارته بشرائها) بأن قال لأمة غيره التي استولدها بنكاحه: إنّ اشترَيتُك فأنت حرةٌ عن كفارة يميني، ثم اشتراها، فإنها تعتق لوجود الشرط، ولا يجزئه عن الكفارة، لأن حريتَها مستحقة بالاستيلاد، فلا تضاف إلى اليمين من كل وجه (وتَعتِقُ بـ: إِنْ تسرَّيتُ أمةً فهي حرة، مَنْ تسرَّاها وهي مِلكُه يومَ حَلَف) وبه قال مالك والشافعي وأحمد. ويثبت التَّسَري عندنا بالتحصين، وهو منعها من الخروج، وتبوئتها ليلاً مع الوطء، وهو وجه في مذهب الشافعي، وفي وجه ثانٍ بالوطء مع الإنزال والتحصين، وفي وجه ثالث بالوطء وحده، وبه قال أحمد. وقال أبو يوسف: يشترط مع الوطء طلب الولد، حتى لو وطء وعزل عنها لا تكون سُرِّيَّة عنده.
(لا مَنْ شَرَاها) بعد قوله: إن تَسرَّيتُ أَمة فهي حرة، (فتسرَّاها)، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. وقال زُفَر: تعتق لأن التسري لا يصح إلا في المِلك فذِكرُ التسرَّي كذكره. (وَعَتَقَ بكلِ مملوكٍ لي حرٌّ أمهاتُ أولادِهِ ومُدَبَّرُوه وعبيدُه) لأنه تَمَلَّكَهم رقبةً ويداً (لا مكاتبوه) أي لا يعتق بكلِّ مملوكٍ لي حرٌّ مكاتبوه (إلا بنيتِهم) لأن مِلكَ المولى فيهم ناقصٌ، لخروجه عن ملكه يداً، فلا يدخلون في مطلق المملوك وهو الكامل إلا بالنية.
---
(4/64)
________________________________________
***
(و) عتق (بهذا حرٌ أو هذا وهذا) بالواو (لعبيده ثالِثُهم) في الحال (وخُيِّرَ في الأُوْليين كالطلاق) بأن قال لنسائه: هذه طالق أو هذه وهذه، حيث تطلق الثالثة ويُخير في الأُوْليين، لأن الكلام لإيجاب الإعتاق في أحد الأوليين، وتشريكُ الثالث فيما سِيْقَ له الكلام، فصار بمنزلة أحدهما حر. وهذا، فالمعطوف عليه هو المأخوذُ من صدر الكلام لأحد المذكورين بالتعيين.
(ولاَمٌ دخل على فعل) أي تعلق بفعل (يقع عن غيره) أي غير فاعله، بأن كان مما يجري فيه النيابة والتوكيل، وهو كل فعل يُملك بالعقد (كبيع، وشراء، وإجارة، وخياطة، وصياغة) وفي نُسخة بالموحدة، وفي أخرى بالنون والعين المهملة (وبناء اقتضى) ذلك اللام (أمره) أي توكيله بالفعل (ليخُصَّه به) لأن اللام للاختصاص، وأقوى وجوهه المِلك، فإذا دخلت على الفعل أوجبت ملكَه، وذا بأن يفعله بأمره ليقع ذلك الفعل له (فلم يحنث في: إن بعتُ لك ثوباً، إنْ باعَه بلا أمرِهِ) من المخاطب سواء (مَلَكَه) المخاطب (أو لا) لأن تقدير الكلام: إن بعتُ ثوباً بأمرك، ولم يوجد الأمر.

(وإن دخل على عينٍ أو) على (فعل لا يقعُ عن غيره) وهو كل فعل لا يُملك بالعقد (كأكل، وشُرب، ودخول وضَرْبِ الولدِ، اقتضى) دخول اللام (ملكه) ذلك العين لا أمره بالفعل (فحنث في: إن بِعتُ ثوباً لك، إن باعَ ثوبَه بلا أمره) من المخاطب وكذا حَنِثَ في: إن أكلت لك طعاماً وأكل طعامه بلا أمره، سواء علم به أو لا، لأن اللام لما دخلت على العين أوجبت ملكه، ولما دخلت على الفعل الذي لا يقع عن غيره أوجبت أيضاً مِلك العين، لأن هذا الفعل لمّا كان مما لا يُملك بالعقد، وجب صَرْف اللام فيه إلى ما يُملك بالعقد، وهو العين، وقيّد الضرب بالولد لأن ضرب العبد يحتمل النيابة والوكالة، فصار نظير الإجارة دون الأكل والشرب.
---
(4/65)
________________________________________
***
(وفي كل عِرْس لي فكذا، بعد قول عِرْسِه: نَكَحْتَ عليَّ، طلُقت هي) أي عِرْسُه، يعني أن مَنْ قالت امرأتُه: تزوجت عليّ، فقال: كل امرأة لي طالق تطلق امرأته. وعن أبي يوسف أنها لا تطلق، لأن كلامه خرج جواباً لكلامها، فيتقيد به، وكلامها كان في تزويج غيرها، ولأنه قَصَدَ إِرضاءها وذلك بطلاق غيرها، فيتقيد به. وفي «جامع السَّرَخْسِي»: قول أبي يوسف أصح عندي.
ووجه الظاهر، وهو قول مالك والشافعي وأحمد أن العمل بالعموم واجبٌ ما أمكن، وقد أمكن ههنا فيعمل به، وذلك أنه زاد على الجواب، إذ جوابه أن يقول: إن فعلتُ فهي طالق، فكان ذلك مبتدئاً. وجاز أن يكون فائدتها إيحاش المرأة وإغضابها وإلحاق الغيظ بها، حين اعترضت عليه فيما أحله الشرع له. (وصح نيةُ غيرها دِيَانة) لأنه نوى محتمَل كلامِهِ، لا قضاءً لأنه نوى تخصيصَ العامّ وهو خلاف الظاهر. والله تعالى أعلم بحقائق الظواهر والضمائر.

كتاب البَيْعِ
اعلم أنّ المقصود من بيان كتاب البيع بيانُ الحلالِ الذي هو بيعٌ شرعاً، والحرام الذي هو الرِّبا، ونحوه من العقود الفاسدة. ولهذا قيل لمحمد رحمه الله تعالى: ألا تصنِّف شيئاً في الزُّهد؟ فقال: قد صنّفت كتاب البيع.
ومراده: بَيَّنْتُ فيه ما يَحِلُّ وما يَحْرُم. وليس الزُّهد إلاّ اجتناب الحرام، والرغبة في الحلال، كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم حيث ذكر الرّجل يُطيل السّفر، أشعثَ أغبرَ يقول: يا ربُّ، يا ربُّ، ومَطْعَمُهُ حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغُذِّي بالحرام، فأنّى يُسْتَجَابُ لذلك؟
---
(4/66)
________________________________________
***
ثمَّ (هُوَ) في اللّغة مشتركٌ بين إخراج الشيء عن المِلْكِ بمالٍ، وبين ضِدّه، وهو إدخال الشيء في الملك بمالٍ. ومن هذا القبيل حديث: «لا يَبِعْ أحدُكم على بيع أخيه»، أي: لا يشتري على شرائه. كذا في «الصّحاح». ولا يَبْعُد أن يكون البيع في الحديث على بابه. وهو يتعدّى إلى المفعول الثّاني بنفسه، وبحرف الجر نحو: بعتُ هذا فلاناً، وبعته منه.
وكذا لفظ الشِّراء مشتركٌ بين فعل المشتري وفعل البائع، ومنه قوله تعالى: {وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}، أي: باعوه. وهذا إذا كان الضمير للإخوة، وأمّا إذا كان للسَّيَّارة، فالشراء على بابه. وكذا قوله تعالى: {ولَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}، أي: باعوا حظّها أو اشتَرَوه.
وأمّا قوله تعالى: {إنّ اللَّه اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} فعلى حقيقته، وكذا قوله تعالى: {أوَلَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ}، أي: استبدلوه واختاروه عليه.
وفي الشَّرع: (مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ) أي على وجه التمليك (بِتَرَاضٍ) لقوله تعالى: {إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}.
وهو عقدٌ مشروعٌ بقوله تعالى: {وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ؛ وبالسُّنَّة وهي كثيرةٌ شهيرةٌ؛ وبإجماع الأمّة على جوازه، وأنّه أحد أسباب المِلك، وبأنّه صلى الله عليه وسلم بُعثَ والنَّاس يتبايعون فأقرّهم عليه حتى قال: «يا معشر التُّجَّار إنْ بيعكم هذا يحضره اللّغو والكذب، فشُوبُوه بالصَّدقة». وقد باع واشترى بمباشرة وتوكيلٍ.
---
(4/67)
________________________________________
***
وقد صحّ عند أرباب السِّيَر أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم اتَّجر لخديجة، لكن قبل البعثة بخمسة عشر سنة، فإنه بُعِثَ على رأس الأربعين، وخرج تاجراً إلى الشام لخديجة لَمّا بلغ خمساً وعشرين سنةً، قبل أنْ يتزوّجها بشهرين وخمسةٍ وعشرين يوماً. وكان أبو بكر تاجراً في البَزِّ، وعمرُ في الطَّعام، وعثمانُ في الَبزِّ والتَّمْر، وعبّاس في العطر. ومن هنا قال أصحابنا: أفضل الكسب بعد الجهاد التِّجارة، ثُمَّ الزِّراعة، ثُمَّ الصّناعة. وعندي أنّ أفضلها الكتابة.

(وَيَنْعَقِدُ) البيع (بإيجَابٍ) أَي: إثباتٍ؛ والمراد به ما يُذْكَر أولاً من كلام المتعاقدين، لأنه يُثِبتُ خِيار القبول للآخر. (وَقَبُولٍ) وهو ما يُذْكَر آخِراً من كلامهما، أو ما يقوم مَقَامه من قبض المبيع، كما لو قال: بعتك هذا بدرهمٍ، فقبضه المشتري ولم يقل شيئاً.
والمعنى أنه ينعقد بمجموع الإيجاب والقَبُول، ولا بدَّ أن يكون أحدهما يدلّ على الإيجاب كـ:أعطيتك، و: جعلت لك هذا بكذا، والآخر على القَبول كـ:أخذت، و:رضيت، و: أجزت.
ويُشْتَرطُ سماع المتعاقدين كلامَهما (وبِلَفْظَي ماضٍ)
كـ: بعتُ، و:اشتريتُ. وإنما شُرِطَ الماضي فيهما لأنّ البيع إنشاء تصرفٍ، والإنشاء يُعْرَفُ بالشَّرع، لأنّ الواضع لم يضع له لفظاً خاصّاً؛ والشَّرعُ يَستعمل فيهِ اللّفظَ الذي وُضِعَ للإخبار عن الماضي، لأنه يستدعي سَبْقَ المُخْبَر عنه ليكون الكلام صحيحاً، فكان الماضي أدلَّ من غيره على تحقّق الوجود، فكان أشبهَ بالإنشاء المحصِّل للوجود.
(وَبِتَعَاطٍ) أي: وينعقد أيضاً بمعاطاةٍ وهي ههنا إعطاء البائع المبيعَ للمشتري على وجه البيع والتَّمليك، وإعطاء المشتري الثمنَ للبائع كذلك، بلا إيجابٍ وقَبُولٍ.
---
(4/68)
________________________________________
***
(مُطْلقاً)، أي: سواء كان المبيع خسيساً، وهو: ما تكون قيمته دون نصاب السَّرِقة، أو نفيساً وهو: ما تكون قيمته مثل نصابها أو أكثر، وبه قال الخُرَاسَانِيُّونَ. وقال الكَرْخِيّ والعِرَاقِيُّونَ: ينعقد به في الخسيس للعادة دون النفيس لعدمها. وأُجِيبَ: بأنّ جواز أصل البيع إنَّما هو باعتبار الرِّضا من الجانبين، إلاّ أنّ الرِّضا لَمّا كان باطنياً، أُقِيمَ الإيجاب والقَبُول مُقَامه لدلالتهما عليه، والتعاطي أدلّ عليه منهما، لأنهما قد يوجدان بغير رضاهما أو أحدهما.
ومذهب الشَّافعيّ وأحمد: أنّ البيع لا ينعقد بالتَّعاطي، لأنّ الأفعال لا دلالة لها بالوضع على مقاصد النّاس. لكن قد يُقَال: إنّ في القرائن من الفوائد ما تدلّ على المقاصد.
وقال مالك: ينعقد بكل ما يعدّه النّاس بيعاً، لأنّ المقصود المبادلةُ بالرّضا، فمتى حصلت ثبت حكم البيع، ولأنّ الشّارع لم يَثْبُتْ عنه اشتراطُ اللفظ، فوجب الرّجوع إلى العُرْفِ المعروف الذي هو التّعاطي مطلقاً.
واخْتُلِفَ في التّعاطي بأحد الجانبين مع بيان الثمن، والأظهرُ جوازه لتعارف النّاس عليه، وكذا بدون بيان الثمن إذا كان معلوماً. قال الطَّرَابُلْسِيّ: وهو الصحيح. وقد أشار محمد في «الجامع الصغير» إلى أنّ تسليم المبيع يكفي.

(وَإذَا أَوْجَبَ وَاحِدٌ) من المتعاقدين البيع (قَبِلَ الآخَرُ)، واحداً كان الآخر أو متعدّداً، (كَلَّ المَبِيع بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ تَرَكَ)، وليس للعاقد إن كان واحداً، ولا لواحدٍ إن كان العاقد متعدّداً، أن يقبل في بعض المبيع ببعض الثمن لتفرُّق الصَّفْقَةِ عليه، فإنّ رضاء المُوجِبِ ببيع ذلك البعض وحدَه غيرُ معلومٍ، والرضا بِبَيْع المجموع ليس رضا ببيع بعضه وحدَه، إذ قد يَضُمُّ الرَّديء إلى الجيّد ويبيعهما جميعاً معاً، فيفوت غرضُه.
---
(4/69)
________________________________________
***
(إلاّ إذَا بَيَّنَ) المُوجِبُ (ثَمَنَ كُلَ) ممّا قَبِلَ الآخر وما ترك، لأنّ ذلك دليلٌ على رضاه بالتفريق، ولأنّ الإيجاب حينئذٍ في معنى إيجابات متعدّدة. أمّا إذا كرَّر في البيان لفظ البيع، بأنْ قال: بعتك هذين بألفٍ: بعت هذا بخمس مئة، وبعت هذا بخمس مئة، فباتفاقٍ. وأمّا إذا لم يكرر بأن قال: بعتك هذين بألفٍ: كلَّ واحدٍ بخمس مئة، فعند أبي يوسف ومحمد جاز، خلافاً لأبي حنيفة. والمختار قولُهما. وكذا جاز إذا رَضِي الآخر في المجلس إن كان المبيع ممّا ينقسم الثّمن عليه بالأجزاء، كعبدٍ واحدٍ، أو مكيلٍ، أو موزون.
(وَمَا لَمْ يَقْبَلْ) الآخر (بَطَلَ الإيجَابُ، إنْ رَجَعَ المُوجِبُ)، مشترياً كان أو بائعاً، (أوْ) إنْ (قَامَ أحَدُهُمَا) أي أحد العاقدين عن المجلس. أمّا إن رجع المُوجِب، فلأنّ الإيجاب لَمَّا لم يُفِد حكم البيع بدون القَبُول، كان للموجب أن يرجع قبله لخُلُوِّ رجوعِهِ عن إبطال حقّ غيره، فإذا رجع بَطَلَ إيجابه. وأمّا إنْ قام أحد العاقدين عن المجلس، فلأنّ القيام دليل الرّجوع، ولهما ذلك قبل القَبول، لأنه لو لم يثبت الخيار، يلزمه حكم العقد من غير رضاه، وهذا يسمى خيارَ القَبول.
(وَإذَا وُجِدَا) أي الإيجاب والقبول في البيع الصحيح (لَزِمَ) ولا خيار لواحدٍ من العاقدين. وبه قال مالك، وهو رواية عن أحمد، ومختارُ النَّخَعِيّ والثَّوْري. قال شارح: وقال الشافعيّ: لا يلزم، بل لأحدهما الخيار ما دام المجلس، وبه قال أحمد.
---
(4/70)
________________________________________
***
لنا ما روى مالك من حديث ابن عمر أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتَّى يستوفِيَه». ووجه الدلالة أنّه صلى الله عليه وسلم عبَّر عن المنع من البيع باستيفاء المبيع، فإذا استوفى جاز البيع، سواء استوفى في المجلس أو بعده. والبيعُ لا يجوز إلاّ بعد ثبوت الملك. وقوله عليه الصلاة السلام لحَبَّان بن مُنْقِذ ـ وكان يُغْبَنُ في البيع ـ: «إذا ابتعت فقل: لا خِلاَبة، وليَ الخيارُ ثلاثةَ أيامٍ». والخِلابة بكسر الخاء المعجمة: الخداعة. فإنّه يدلّ على لزوم البيع بالإيجاب والقبول؛ ولأنّ في إثبات الخيار لأحد المتبايعين إبطالُ حقّ الآخر، وهو غير جائزٍ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَار»، ولأنّ البيع عقد معاوضة، فيلزم بالإيجاب والقبول كالنِّكاح.

وأمّا ما رواه أصحاب الكتب السِّتَّة ـ واللفظ للشيخين ـ عن نافع، عن عبد الله ابن عمر أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «البَيِّعَانِ كلّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرّقا، إلاّ بيع الخيار (أو يكون بيعهما بيعَ خيار)». وفي لفظ لهما: «إذا تبايع المتبايعان بالبيع، فكلَّ واحدٍ منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرّقا»، أو قال: «يكون بيعهما على الخِيَار، فإذا كان بيعهما على خيار فقد وَجَبَ».
---
(4/71)
________________________________________
***
فقال محمد بن الحسن ـ وهو منقول عن إبراهيم النَّخَعِيّ ـ: مُؤَوَّلٌ بأنّ المراد بالخيار فيه خيار القَبول. فإنّ أحدهما إذا أوجب كان لكلَ منهما قبل القبول الخيارُ، ما داما في المجلس ولم يأخذْ أحدُهما في عملٍ آخر. وفي لفظ الحديث إشارةٌ إليه، فإنهما متبايعان حالةَ البيع حقيقةً. وعلى هذا، فالتفرّق بالأقوال لا بالأبدان، كما في قوله تعالى: {وَإنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ}. فإنّ الزَّوج إذا طلّق امرأته على مالٍ تحصل الفُرْقة بقبولها. وقال أبو يوسف: مُؤَوَّلٌ بأنّ المراد بالتفرُّقِ فيه التفرُّقُ بالأبدان بعد الإيجاب قبل القَبُول. انتهى.
والمراد بقوله: «إلاّ بيع الخيار» (أي: إلاّ المتبايعين بيع الخيار، أو) إلاّ إذا تبايعا بيع الخيار. والمعنى أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: اخترتُ، فيكون هذا إلزاماً للبيع، وَيَسْقُطُ خيارُهما، وإن كان المجلس قائماً.
وحَمَلَ بعضهم الخيارَ على خيار الشّرط، وهو بعيد لرواية الترمذيّ: «البَيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقَا أو يختار». وفي لفظ: «أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر»، بدل «أو يختار». وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً وأحبّ أن يكون له، فَارَقَ صاحبه فمشى قليلاً، ثم رجع، فَحُمِلَ على التفرّق بالأبدان. ويدلّ عليه زيادة أبي داود والترمذيّ: «ولا يَحِلّ له أن يفارق صاحبه خشيةَ أن يستقيله»، أي: خشية أنْ يفسخ العقد.
---
(4/72)
________________________________________
***
ولنا إطلاق قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وهذا عقدٌ قبل التخيير، وقوله تعالى: {لا تأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلاَّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ، وبعد الإيجاب والقَبول تَصدُق تجارةً عن تراضٍ، غيرَ متوقفة على التخيير. فقد أباح الله تعالى أكل المشتري قبل التخيير. وقوله تعالى: {وَأشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أَمْرٌ بالتَّوثُّق بالشَّهادة لئلا يقع التَّجاحد في البيع، فلو ثبت الخيار وعَدِمَ اللُّزوم قبله، لزم إبطال هذه النصوص.

قال بعض المحققين: ولا مخلص له من هذا إلاّ أن يمنع لزومَ العقد قبل الخيار ويقول: إنما يُعرف لزومه شرعاً، وقد اعتُبِر فيه اختيار التّراضي بعد الإيجاب والقَبُول بالأحاديث التي رويناها. ثم قال: ولا مخلص لنا إلاّ بتسليم إمكان اعتبار الخيار في لزومِ العقد، وادّعاء أنه غير لازمٍ من الحديث المذكور بناءً على أن حقيقة المتبايعين المتشاغلان بأمر البيع، لا مَن تَمَّ البيع بينهما وانقضى، لأنه مجاز. والمتشاغلان يعني المتساومَيْنِ، يصدق عليهما عند إيجاب أحدهما قبل قبول الآخر، فيكون ذلك هو المراد، وهذا هو خيار القَبول.
(وَيُعرَفُ المَبِيعُ بالإشَارَةِ) (إليه، أي): إذا كان محسوساً، (لا بِذِكْرِ القَدْرِ والْوَصْفِ)، أي: لا حاجة بذكرهما حينئذٍ. والمعنى: يُشْتَرَطُ لصحة البيع معرفةُ المبيع بما ينفي جهالته، قطعاً للمنازعة. فإن كان حاضراً يُكْتَفى بالإشارة، لأن بها كفايةً في التَّعريف، فإذا قال: بعتك هذه الصُّبْرَة من الحِنْطَة، أو هذه الثياب ـ وهي مجهولة العدد ـ بهذه الدَّراهم، ـ وهي مرئية له ـ فَقَبِل، جاز البيع ولَزِم، لأن البّاقي جهالة القدر، وهي لا تضرّ لعدم منعها من التَّسليم والتَّسلُّم.
---
(4/73)
________________________________________
***
(إلاّ في السَّلَمَ) فإن المبيع فيه لا بدّ من معرفة قدره ووصفه، على ما يجيء في بابه، إن شاء الله سبحانه.
وحاصله
أنّ المبيع إذا كان غائباً، فإن كان مما يُعْرَف بالأُنْمُوذَجِ: كالكَيْلِي من الحبوبَ، والوَزْنِيّ من السَّمْنِ والعسل، والعدديّ المتقارب: كالجوز واللّوز، فرؤية بعضه كرؤية كله. وإن لم يعرف به كالثياب والدَّواب، فلا بد من ذكر جميع أوصافه، قطعاً للمنازعة. وله خيار الرُّؤية، ويشترط معرفة قدر الثَّمن ووصفه لو كان في الذِّمة، إذا اختلف نقد البلد، قطعاً للمنازعة، لا معرفة قدر الثَّمن المشار إليه ووصفه، إذ الإشارة أبلغ أسباب التعريف.
ونفينا تعيين النقدين المضروبين في البيع، فيجوز للمشتري دفع غير المعيَّن في العقد عندنا. وعيّنه زُفَر، ومالك، والشَّافعيّ بالتعيين في عقود المعاوضة وفسوخها كما يتعين في الهبة، والشَّركة، والوكالة، والغصب، والصّدقة.
(وَ) يعرَف (الثَّمَنُ بِأَحَدِهِمَا) أي بالإشارةَ أو بذكر القدر والصفة. فيعرَف بالإشارة إنْ كان معيناً بها، وبذكر القدر والصفة إن لم يكن.
(وَيَصِحُّ البَيْعُ بِثَمَنٍ حَالَ) وهو الأصل (وَمُؤَجَّلٍ بِأَجَلٍ مَعْلومٍ) لإطلاق قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ}، ولِمَا في البخاري عن عائشة من أنّه صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهوديّ إلى أجلٍ ورهنه درعاً له من حديد. وفي لفظٍ للصحيحين: طعاماً بنسيئةٍ. ولقوله عليه الصلاة والسلام (في السَّلم): «من أسلف في تمر، فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزن معلومٍ، إلى أجلٍ معلوم». وعلى ذلك انعقد الإجماع.
---
(4/74)
________________________________________
***
(وَلاَ يَضُرُّ الجُزَافُ) بتثليث الجيم، والضم أشهر، وهو البيع بالحَدْس، أو بالظّن بلا كيلٍ ولا وزنٍ، وهو فارسيّ مُعَرَّب كَزاف بالكاف العَجَمّية (إلاّ في) بيع (الجِنْسِ بِالجِنْسِ) لِمَا روى الجماعة إلاّ البخاريّ من حديث عُبَادة بن الصامت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرّ بالبُرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ». ولأنّ الجهالة في الجُزَافِ غير مانعةٍ من التَّسليم، فلا يضرّ كجهالة القيمة، بأنْ اشترى شيئاً بدرهمٍ ولم يدر قيمته. وإنّما امتنع الجُزَاف في الجنسِ بالجنس لِمَا فيه من احتمال الرِّبا، واحتماله ملحقٌ بحقيقته احتياطاً. وفي «الذَّخيرة»: أنّ هذا الاستثناء إذا كان شيئاً يدخل تحت الكيل ـ وأدناه نصف صاع ـ، وأمَّا إذا كان قليلاً لا يدخل تحته، فيجوز بيعه بجنسه جُزَافاً.
(وَمُطْلَقُ الثَّمَنِ) وهو الذي لم يُقَيَّد في صلب العقد، أو في المجلس بوصفٍ، ولا بنقدِ بلدٍ نحو عشرة دراهم (يُحْمَلُ عَلَى الأرْوَجِ) أي أغلب ما يُتَعَامل به في كلِّ البلد سواء استوت ماليّة النقود، أو اختلفت، لأنّ ما غلب التعامل به معلومٌ بالعرف، والمعلوم بالعرف كالمعلوم بالنَّص. (فَإنْ اسْتَوَى رَوَاجُ النُّقُودِ فَسَدَ) البيع (إنْ اخْتَلَفَتْ مَالِيَّتُهَا) لأنّ مثل هذه الجهالة يفضي إلى المنازعة. وأمّا لو استوت الماليّة والرَّواج جاز البيع.
---
(4/75)
________________________________________
***
(وَإنْ بيعَ ذو أفْرَادٍ كُلَّ وَاحِدٍ) منها (بِكَذَا) درهماً، (فَإِنْ لَمْ تَتَفَاوَتْ) تلك الأفراد بأنْ بيعت صُبْرةٌ: كل قفيزٍ بدرهمٍ، أو بيع ثوبٌ: كل ذراعٍ بدرهمٍ (صَحَّ) البيع (في وَاحِدٍ) عند أبي حنيفة، وفي الكلّ عند أبي يوسف ومحمد، وبه يُفْتَى. وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لأنّ المبيع معلومٌ بالإشارة فلا يحتاج إلى معرفة قدره، وما فيه من الجهالة لا يضرُّ لأن رفعها بيدهما بأنْ يكيلا الصُّبْرَة في المجلس.
ولأبي حنيفة أنّ الثمن مجهولٌ لأن جملة الأفراد غير معلومةٍ، فيكون ما بإزائها من الثمن مجهولاً إلاّ أنّ الأقلّ ـ وهو الواحد ـ معلومٌ، فيصحّ البيع فيه ويفسد فيما عداه، إلاّ أن ترتفع الجهالة بتسمية جميع الأفراد، أو بالكيل في المجلس.

(وإلاّ) أي وإنْ تفاوتت الأفراد في القيمة كما لو باع غنماً كلّ شاةٍ بدرهمٍ (فَلاَ) يصحّ البيع (أصْلاً)،
أي لا في جملة الأفراد ، ولا في واحدٍ منها، وهذا عند أبي حنيفة. وأمّا عندهما فيصحّ في الكلّ، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، والوجه ما مرّ إلاّ أنّ الأفراد هنا متفاوتة، فلا يجوز البيع في واحدٍ منها عند أبي حنيفة بخلاف الصُّبْرَة.
(وَإنْ بَاعَ صُبْرَةً) أي كُوْمة طعامٍ بلا كيلٍ ولا وزنٍ (عَلىَ أنَّهَا مِئَةُ صاعٍ بِمِئَةٍ) درهم، (فإنْ نَقَصَ) المبيع عن المئة (أَخَذَ المُشْتَرِيِ) الموجود (بالحِصَّةِ) لأنّ الكيل ذو جزءٍ، والثمن ينقسم على أجزاء المبيع، (أوْ فَسَخَ) البيع لأنّ الصَّفقة لَمَّا تفرّقت عليه لم يتمّ رضاؤه بالموجود، وبه قال مالك والشّافعي وأحمد. (وَإنْ زَادَ) على المئة (فَللبَائِعِ) ما زاد، لأنّه باقٍ على ملكه، فإنّ البيع وقع على قدرٍ معينٍ، وما يكون كذلك لا يتناول غيره.
---
(4/76)
________________________________________
***
(وَفِي المَذْرُوع) بأنْ باع ثوباً على أنّه عشرة أذرعٍ بعشرةٍ، فوجد المشتري الثوب أقل من ذلك، (أَخَذَ) المشتري (الأقَّلَ بِكُلِّ الثّمَنِ أوْ تَرَكَ) لأنّ الذّراع وصفٌ للمذروع، والثمن لا ينقسم على الأوصاف، فكان كلُّ الثمن مقابَلاً بكل العين، غير أنّه ثبت الخيار للمشتري، لأنّه فاته وصفٌ مرغوبٌ فيه، وقع عليه العقد. (والأكْثَرُ لَهُ) أي للمشتري، ولا خيار للبائع، لأن الزّائد هنا صفة، فكان هذا بمنزلة ما إذا باع بشرط أنّه معيب، فإذا هو سليمٌ.
(وَإنْ قَالَ):
بعتك هذا الثوب على أنّه عشرة أذرعٍ (كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ) فوجده المشتري أقلّ أو أكثر (فَبِالْحِصَّةِ)،
أي فيأخذ الكلّ بالحصّة (فِيهمَا) أي في الزّيادة والنقصان، وله الترك، لأنَّ الذِّراع وإنْ كان وصفاً، إلاّ أنه يصلح أن يكون أصلاً لأنه يُنتفع به بانفراده، فإذا سُمِّي له ثمنٌ صار أصلاً، وإنما كان الخيار للمشتري لتفرّق الصّفْقة عليه في النقصان، ولزيادة الثمن في الزِّيادة. وعن الشافعي في القديم قولان: أحدهما: يصحّ العقد وله الخيار كمذهبنا، والآخر: لا يصحّ.
(وَصَحَّ بَيْعُ البُّرِ فِي سُنْبُلِهِ) وهو قول مالك وأحمد والشافعيّ في القديم، وقال في الجديد: لا يصحّ، لأنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، وهذا منه، لأنه لا يدري قدر الحبّ. وأُجِيبَ بأنّ ذلك محمولٌ على نحو بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء. وفي «المبسوط»: أو على بيعه في السُنْبُلِ قبل أنْ يشتدّ.

(و) صحّ بيع (البَاقِلاءِ) بكسر القاف وتشديد اللاّم مقصوراً، وبتخفيفها ممدوداً (وَنَحْوِهِ) ممّا له قشران كالسِّمْسِم، والأرز، والحِمِّص الأخضر وسائر الحبوب المغلَّفة، والجوز واللّوز والفَسْتُق والبندق (في قِشْرِهِ الأوَّلِ)، وفي نُسخة: في قشره الخارج، وإنّما قال: الأوّل، لأنّ فيه خلافاً للشَّافِعيّ، أمّا في قِشره الثَّاني فيجوز إجماعاً.
---
(4/77)
________________________________________
***
والمنصوص عن الشّافعيّ في بيع البَاقِلاء الأخضر أنّه لا يجوز. وقال مالك وأحمد وكثير من أصحاب الشَّافِعيّ: يجوز، وكذا الجوز واللّوز الرَّطِبَان، وأمّا اليابس منهما فيجوز بلا خلاف.
لنا ما روى الجماعة إلاّ البخاريّ عن نافع عن ابن عمر «أنّ النبِيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السُّنْبُلِ حتى يبيضّ ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري». يقال: زهى النّخلُ يزهو إذا بدت فيه الحمرة أو الصُّفرة. وما في «الصحيحين» عن أنس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثِّمار حتّى يبدوَ صلاحُها، وعن بيع النَّخل حتّى يزهو، قيل: ما يزهو؟ قال: «يَحْمَارُّ أو يَصْفَارّ».
وفي زكاة البُخَاريّ، عن ابن عمر أنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثَّمر حتى يبدوَ صلاحُها، وكان إذا سُئِلَ عن صلاحها قال: «حتى تذهب عاهتها». وما روى أبو داود والترمذيّ وابن ماجه من حديث حَمَّاد بن سَلَمَة، عن حُمَيْد، عن أنس أنّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسودّ، وعن بيع الحبّ حتى يشتدّ. قال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث حمّاد بن سَلَمة. ورواه ابن حِبّانِ، في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيح على شرط مسلم. وفي رواية: عن بيع الحبِّ حتّى يفرك. وقال البيهقي: إنْ كان بكسر الرّاء بإسناد الإفراك إلى الحبّ، وهو الأشبه، وافق قوله: حتى يشتدّ، وإن كان بفتح الرّاء على ما لم يُسَمَ فاعله، خالفه واقتضى تنقيته عن السُّنْبُلِ حتّى يجوز بيعه.
ووجه الدّلالة أنّ حكم ما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، فظاهر الحديث يقتضي الجواز عند وجود الغاية. وعند الشّافعي لا يجوز حتى يخرج البُّرُ من سُنْبُلِه والباقلاء من قِشره الأوّل.
---
(4/78)
________________________________________
***
قلنا: إنّه مالٌ مُنْتَفَعٌ به، لأنْه يُدَّخر في سنبله قال الله تعالى: {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ} فيجوز بيعه فيه، وبيع نحو الباقلاء في القشر كالشعير في سنبله. فإن قيل: يجوز بيع النّخل قبل الزَّهو عندكم، ومقتضى ما استدللتم به من الحديث أنه لا يجوز أُجِيبَ بأنّه محمولٌ على بيع التّمر على النَّخْل بشرط التَّرك إلى أن يحمرّ أو يصفرّ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «أرأيت لو أذهَبَ اللَّه الثمرةَ، بم يستحلّ أحدكم مال أخيه» ؟ إذ الإذهاب إنّما يُتوهَّم إذا اشتراه قبل الإدراك بشرط التّرك. أو محمولٌ على السَّلَم، يعني لا يجوز السَّلَمُ فيه حتّى يوجد بين النّاس بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «إذا منع الله الثَّمر، فبم يستحلّ أحدكم مال أخيه »؟ فيكون دليلاً لنا على اشتراط وجود المُسْلَمِ فيه من حين العقد إلى حين الحلول.

(و) صَحّ (بَيْعُ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا) وقال مالك، والشَّافعيّ، وأحمد، وشمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، وخَواهِرْ زَادَه من أصحابنا: لا يجوز. والحيلة في جوازه أن يُبَاع مع الشجرة فيكون تبعاً لها، والأصحّ الجواز عندنا لأنه منتفَع به في المال، فصار كبيع الطفل والجحش. (أوْ قَدْ بَدَا) صلاحها، وهذا بلا خلافٍ بين العلماء، وإنما الخلاف في تفسير بُدُوِّ صلاحها، فعندنا على ما في «المَبْسُوطِ»: هو أنْ يُؤمَنَ العاهة والفساد، وعلى ما في «الخُلاَصَة» عن «التجريد»: أنْ يكون منتفعاً به. وعند الشَّافعيّ: هو ظهور النُّضج ومبادىء الحلاوة.
(و) إذا صحّ بيع الثّمرة (يَجِبُ) على المشتري (قَطْعُهَا) في الحال ليتفرّغ ملك البائع عن ملكه، كبيع الشجرة دون الثّمر، وهذا إذا اشتراها مطلقاً، أو بشرط القطع.
(وَشَرْطُ تَرْكِهَا) أي الثَّمرة (عَلَى الشَّجَرِ) وترك الزّرع في الأرض (يُفْسِدُ البَيْعَ).
---
(4/79)
________________________________________
***
أمّا إذا لم يَبْدُ صلاحها، أو بدا ولم يَتَنَاهَ عظمها، فباتِّفاق. وأمّا إذا تناهى عظمها فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يفسد، لأنه شرطٌ لا يقتضيه العقد، وهو شَغْل ملك الغير، أو لأنّه مشتملٌ على منهيٍ عنه، وهو صفقةٌ في صفقةٍ، لأنه إجارةٌ في بيع إن كان للمنفعة حصّةٌ من الثَّمن، وإعارةٌ في بيعٍ إن لم تكن لها. وقال محمد: لا يفسد استحساناً. وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد ومختار الطحاويّ لتعامل الناس به من غير نكير.
وفي «الأسرار»: الفتوى على قول محمد. وفي «التُّحْفَةِ»: الفتوى على قولهما، لأنّ التّعامل لم يكن بشرط التّرك، وإنْ كان بالإذن بالتّرك من غير شرط. انتهى. وفي «الذَّخِيَرةِ»: قال أبو الليث: المخلص في طريق الإذن (أن يأذن) للمشتري في التّرك على أنه متى رجع عن الإذن كان مأذوناً له في التّرك بإذنٍ جديدٍ.
واحتجّ لنا بعض المحققين بما روينا من قوله عليه الصلاة والسلام: «من اشترى نخلاً قد أُبِّرَتْ فثمرتها للبائع، إلاّ أنْ يشترطَ المبتاع». فجعلُه للمشتري بالشّرط يدلّ على جواز بيعه مطلقاً، لأنه لم يقيّد دخوله في البيع عند اشتراط المبتاع بكونه بدا صلاحه. واعْتُرضَ عليه بأنّ النّزاع في جواز بيعه مستقلاً لا تبعاً، لأنه لا خلاف فيه. واحتجّ أيضاً بما في «موطأ مالك» عن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن قالت: ابتاع رجلٌ ثمر حائطٍ في زمن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فعالجه وقام عليه حتّى تبيّن له النّقصان، فسأل ربّ الحائط أن يضع به أو يُقِيله، فحلف لا يفعل، فذهبتْ أمّ المشتري إلى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك. فقال: «تألَّى أن لا يفعل خيراً»، فسمع بذلك ربّ الحائط فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هو له. ولولا صحة البيع لم تترتب الإقالة عليه.
---
(4/80)
________________________________________
***
وأمّا النهي المذكور فهم قد تركوا ظاهره، فإنهم جوّزوا البيع قبل أن يبدو صلاحها بشرط القطع. وهذه معارضة صريحة لمنطوقه، فقد اتَّفقنا على أنه متروك الظاهر.
هذا، وإذا رضي البائع ببقائها يطيب الفضل في الثّمرة للمشتري، لأنه حصل له بطريقٍ مباحٍ، وإن لم يرض وتركها المشتري، تصدّق بما زاد من ذات الثّمرة، لحصول الزّيادة بمعنى من الشجر بلا إذن المالك، فلا يطيب له.
وتُعرف الزّيادة بالتقويم يوم البيع والتقويم يوم الإدراك، فالزيادة تفاوت بينهما. وإن تركها بعدما تناهى عظمها، لم يتصدّق بشيء، لأنها زادت جودة بتغير الطعم واللون، وذا من أثر الشمس والقمر لا ذاتاً.
(كاسْتِثْنَاءِ قَدْرٍ) كما يَفْسُدُ البيع باستثناء مقدارٍ (مَعْلُومٍ) من الثمر، مقطوعةً أو غير مقطوعةٍ، لأنه ربَّما لا يبقى شيء بعد المستثنى، فيخلو العقد عن الفائدة، بخلاف ما إذا استثنى نخلاً معيناً، لأنّ الباقي معلومٌ بالمشاهدة. وفي «المواهب»: لو باع الثمرةَ واستثنى منها أرطالاً معلومةً صحَّ البيع في ظاهر الرواية، لأن الأصل أن ما جاز إفراده بالعقد جاز استثناؤه من العقد، كما لو استثنى جزءاً مُشاعاً، وما لا يجوز إفراده بالعقد لا يصحّ استثناؤه منه، كما لو استثنى عضواً من الشّاة ونحوها. وقيل: يفسد، وهو رواية الحسن، واختارها الطّحاويّ لجهالة ما بقي من بعد الاستثناء.

فصلٌ

(في خِيَارِ الشَّرْطِ)
---
(4/81)
________________________________________
***
(صَحَّ) بالإجماع (خِيَارُ الشَّرْطِ)، والقياس أنْ لا يصحّ، لِمَا فيه من الغَرَر، ولظاهر نهيه عليه الصلاة والسَّلام عن بيعٍ وشرطٍ، إلاّ أنّ النَّص ورد به، وهو ما رواه ابن ماجه في «سننه»: أنّ حَبَّان بن مُنْقِذ بن عمرو كان رجلاً قد أصابته آمَّةٌ في رأسه فكسرت لسانه، وكان لا يدع على ذلك التِّجارة، فكان لا يزال يُغْبَنُ، فأتى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: «إذا أنت بايعت فقل: لا خِلاَبة، ثم أنت في كلّ سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليالٍ، فإذا رضيت فأمسكها، وإن سخِطت فارددها على صاحبها». وحَبَّان بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ومُنْقِذ بالمعجمة، والخِلابة بكسر المعجمة: الخداعة.
(لِكُلَ مِنْهُمَا) أي لكل من البائع والمشتري، (وَلَهُمَا) أي معاً، ولغيرهما بإذنهما. وأفسد زُفَر العقد بالخيار لغير العاقد، وهو القياس.
(ثَلاَثَةَ أَيّامٍ أوْ أقَلَّ) بالنصب فيهما على الظرفية.
وقال سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وابن شُبْرُمَة: يجوز الخيار للمشتري لا للبائع، لأنّه ثبت على خلاف القياس، فَيُقْتَصَرُ على مورد النّص وهو المشتري، لِمَا أخرجه الحاكم وسكت عنه، عن ابن عمر قال: كان حَبَّان بن مُنْقِذ رجلاً ضعيفاً، وكان قد سُفِعَ في رأسه مأمومةً ـ أي ضُرِبَ ـ فجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثة أيّامٍ فيما اشتراه، وكان قد ثقل لسانه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بع ـ أي اشتر ـ فقل: لا خِلاَبة»، وكنت أسمعه يقول: لا خِدابة لا خِدابة. يعني بإبدال اللام دالاً، لِثَقلِ لسانه، وبتكراره لإظهار بيانه. وكان يشتري الشيء ويجيء به إلى أهله فيقولون له: إنّ هذا غالٍ، فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خَيَّرني في بيعي. أي: شرائي.
---
(4/82)
________________________________________
***
وأجيب بأنّ خيار الشّرط إنّما جاز لحاجة النَّاس إليه لدفع الغبن بالتأمل والتفكر، وذلك يستوي فيه البائع والمشتري، على أنّ لفظ ابن ماجه: «إذا بايعت»، وهو يشتمل البيع والشراء. بل رواه البخاري في «تاريخه الأوسط»: «إذا بعت فقل: لا خِلابة». والأصل كونه على بابه، وإن جاز البيع بمعنى الشِّراء كما تقدّم.
(لا أكْثَرَ) أي لا يصحّ خيار الشّرط أكثرَ من ثلاثة أيّام، وهذا عند أبي حنيفة، وهو قول زُفَر والشّافعي. وقال مالك: مدّةُ الخيار ما يمكن اختيار المبيع في مثله، ويختلف باختلاف الأشياء، فإن كان المبيع مما لا يبقى أكثر من يومٍ كالفاكهة لم يجز فيه أن يشترط أكثر من يوم، وإن كان فيه صفةٌ لا يمكن الوقوف عليها في ثلاثة أيّام، يجوز أن يشترط فيه أكثر من ثلاثة أيّام، لأنه شُرِعَ للحاجة إلى التأمّل، وهي تندفع بذلك.

وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد: يصح أكثر من ثلاثة أيّام إذا كان مدّةً معلومةً، كالتّأجيل في الثمن، سواء طالت أو قصرت، ولحديث ابن عمر أنَّه أجاز الخيار إلى شهرين. ولأبي حنيفة: أنّ شرط الخيار يثبت بالحديث على خلاف القياس، فلا يزاد على المدّة المذكورة فيه، وذلك أنّ التقدير الشَّرعي إمّا أنْ يمنع النقصان والزيادة كما في الحدود، أو يمنع أحدَهما كأقلِّ الحيض وأكثره، وهو ههنا لا يمنع النقصان بالإجماع، فيمنع الزّيادة، وإلاّ لم يكن له فائدة. ولأنّه صلى الله عليه وسلم ضرب الثلاثة لمن كان في غاية ضعف المعرفة، ولم يزد عليها.
---
(4/83)
________________________________________
***
(إلاّ أنّه) أي البيع بشرط الخيار إذا كان أكثر من ثلاثة أيّام (يَجُوزُ إنْ أَجَازَهَ) من له الخيار (في الثَلاَثَةِ) وقال الشّافعي وزُفَر: لا يجوز، لأنّ البيع انعقد فاسداً لفساد الشرط الثابت فيه، فلا ينقلب صحيحاً بإسقاطه، كما لو باع درهماً بدرهمين، ثم أسقطَ الدّرهم الزائد، وكما لو نكح امرأة وتحته أربعة نسوة، ثم طلّق الرابعة. ولأبي حنيفة: أنه بإجازته في الثَّلاثة أسقطَ المُفسد قبل تقرّره، فصار كما لو باع جذعاً في سقف ثم نزعه وسلّمه. وفي «المحيط»: شرط الخيار أبداً، أو مطلقاً، أو مؤقتاً بوقتٍ مجهولٍ فاسدٌ خلافاً لمالك وأحمد.
(وَكَذَا) يجوز البيع (إنْ شَرَطَ أنَّهُ) أي المشتري (إنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ إلى ثَلاَثَةِ) أيّام (أوْ أكَثْرَ فَلاَ بَيْعَ) بينهما. أمّا إلى ثلاثة، فعند علمائنا الثلاثة، وأمّا إلى أكثر من الثلاثة، فعند محمد فقط، لكن إن نقد في الثَّلاثة صحَّ عند الثلاثة. والقياس أن لا يجوزَ البيعُ بهذا الشّرط، وهو قول زُفَر ومالك والشَّافعيّ وأحمد، لأنه بيع شُرِط فيه إقالةٌ فاسدةٌ لتعلّقها بشرطٍ وهو عدم نقد الثمن في ثلاثة أيّام، فلا يجوز كالبيع بشرط إقالة صحيحة بل أوْلى.
ولنا أنّه في معنى خيار الشرط في الحاجة والمقصود، لأنه يتخيرّ في الثلاثة بين الفسخ والإمضاء، وشرط الخيار جُوِّزَ لهذا المقصود. وفي «المُجْتَبَى»: ولو قال بعد البيع: جعلتك بالخيار ثلاثة أيّام، صحَّ بالإجماع. ولو زاد على الثلاثة أو أطلق، فسد البيع عند أبي حنيفة وزُفَر والشَّافعي، كالشرط الفاسد إذا لحق بالبيع الصحيح. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز كما في شرط الخيار.
(وَلاَ يَخْرُجُ مَبِيعٌ عَنْ مِلْكِ بَائِعِهِ مَعْ خِيَارِهِ) أي مع أنّ الخيار لبائعه، لأنه باشتراطه الخيار له لم يتمّ رضاه، ولا يخرج المبيع عن ملك مالكه إلا بعد تمام رضاه. ولهذا ينفذ عِتقُ البائع ويملك التصرف فيه دون المشتري، وإن قبضه بإذن البائع.
---
(4/84)
________________________________________
***

وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه: أحدها كمذهبنا، وهو قول مالك. وثانيها: أن المِلك ينتقل بنفس العقد، وهو قول أحمد. وثالثها: أنه موقوفٌ، فإن أمضى البيع تبيّن أن الملك قد انتقل بنفس العقد، وإن فسخ تبيّن أنه لم ينتقل.
فإذا عرفت ذلك (فَهُلْكُهُ) أي فهلاك المبيع (في يَدِ المُشْتَرِي) في مدّة خيار البائع يوجب ضمانَة (بالقِيَمة)، لأنّ البائع ما رَضِيَ بقبضة إلاّ بجهة العقد، والمقبوض بجهة العقد يكون مضموناً بالقيمة (كَالمَقْبُوضِ عَلَى سَوْم الشِّرَاءِ) إذا لم يكن مثلياً وهلك في يد المشتري، لأنّ الأصل هو الضمان بالقيمة، وإنما يُعْدَل عنه عند تمام البيع، ولم يوجد. وهذا قول مالك، والوجه المشهور في مذهب الشّافعي. وفي وجه آخر يَضمَنه بالثمن، وهو قياس قول أحمد.
قيَّد بالهلاك لأنه لو تعيَّب في يد المشتري، كان البائع بالخيار، إن شاء ألزم البيع، وإن شاء فسخه، وضمن المشتري النقصان، لأنه مضمون عليه بجميع أجزائه كالمغصوب. ولو تعيب في يد البائع، فإن تعيّب (بفعله ينتقض البيع بقَدْرِهِ، وتسقط حِصَّته من الثمن، وإن تعيّب) لا بفعله، فالمشتري إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء فسخ كما في البيع المطلق عن خيار الشرط. وقيّد الهلاك بكونه في يد المشتري، لأنه لو كان في يد البائع انفسخ البيعُ بلا شيء كالبيع المطلق.
---
(4/85)
________________________________________
***
(وَيَخْرُجُ) المبيع عن ملك بائعه (مَع خِيارِ المُشْتَرِي) لأنّ البيع من جهة بائعه لازمٌ، إذ الخيار شُرِعَ نظراً لمن هو له، فيعمل في حقّه دون الآخر. وفي مذهب الشَّافعيّ هنا أيضاً ثلاثة أوجه كما فيما إذا كان الخيار للبائع على ما تقدّم. (فَهُلْكُهُ في يَدِهِ) أي فضمان هُلْكِ المبيع في يد المشتري (بالثَّمَنِ كَتَعَيُّبهِ) أي كضمان تعيب المبيع في يد المشتري بعيب لا يرتفع في مدّة الخيار، فإنه بالثمن، سواء تعيّب بفعله أو بفعل غيره أو بآفة سماويّة. وقال زُفَر والشَّافِعيّ ـ في قولٍ: ضمانه بالقيمة كما لو كان الخيار للبائع. قيّدنا العيب بكونه لا يرتفع في مدة الخيار، لأنه لو كان يرتفع فيها كان على خياره، فإن ارتفع فيها فله الفسخ بعد ارتفاعه. وإن لم يرتفع لزم العقد لتعذّر الرّد.
(لَكِنْ لاَ يَمْلِكُهُ المُشْتَرِي) عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يملكه، وهو قول مالك وأحمد والشَّافِعيّ، لأنه لو لم يملكه لكان خارجاً من ملك البائع لا إلى مالك، ولم يعرف هذا بالشرع.

ولأبي حنيفة أنّ الثمن لم يخرج عن ملك المشتري، لأنّ الخيار يعملُ في حقّ من هو له، فلو دخل المبيع في ملكه لدخل بلا عوضٍ، ولاجتمع في ملكه العوضُ وعِوَضُه، ولم يعرف هذا في الشّرع. وعُرف فيه الخروج عن ملك شخص لا إلى مالك في صور منها: ما إذا اشترى متولّي أمر الكعبة عبداً لخدمتها، فإنه يخرج عن ملك مالكه ولا يدخل في ملك أحد، ومنها: مال التركة إذا استغرقه الدّين، فإنه يخرج عن ملك الميت ولا يدخل في ملك الورثة، (ولا الغرماء)، ومنها الوقف على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.
---
(4/86)
________________________________________
***
(فَلاَ تَثْبُتُ أَحْكَامُ المِلْكِ) للمشتري إذا كان الخيار له عند أبي حنيفة لعدم ملكه (كَعِتْقِ قَرِيبِه) بأن اشترى قريبه بالخيار، فإنه لا يعتِقُ في مدّته عند أبي حنيفة، ويعتق عندهما. (وَنَحْوِه) أي ونحو القريب في العتق بالشِّراء، وهو العبد الذي كان مشتريه بشرط الخيار قال: إن ملكتُ عبداً فهو حرّ، فإنه لا يعتق في مدّة الخيار عند أبي حنيفة، ويعتق عندهما. وإنّما قلنا أن مشتريه قال: إن ملكت، لأنه لو قال: إن اشتريت، يعتق في المدّة باتفاقٍ، أمّا عندهما فلوجود الملك، وأمّا عند أبي حنيفة فلأن المعلّق بالشرط كالمطلق عند وجود ذلك الشرط، وهو لو أطلق العتق بعد شرائه بالخيار، يعتق.
(والفَسْخُ) أي فسخ من له خيار الشّرط بالقول، سواء كان بائعاً أو مشترياً أو أجنبياً، (لاَ يَعْملُ) عند أبي حنيفة ومحمد (إلاّ أنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهُ) أي صاحب الفاسخ، وهو العاقد الذي لا خيار له (في المُدَّةِ) أي مدة الخيار، سواء كان غائباً أو حاضراً. وقال أبو يوسف: يعمل وإن لم يعلم صاحبه، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لأن من له الخيار مسلّطٌ على الفسخ من جهةِ مَن لا خيار له، فلا يتوقف فسخه على علمه كالإجازة، وصار كالوكيل بالبيع فتصرّف فيما وُكِّلَ، وإن لم يعلم مُوَكِّله.
ولهما: أنّ من لا خيار له قد يلحقه الضَّرر إذا فَسخ بغير علمه مَنْ لَهُ الخيار، فإنّ الخيار إذا كان للبائع ومضت المدّة يَظنّ المشتري أنّ البيع تمّ بناءً على الظاهر، فيتصرّف في المبيع، ثم يظهر أنه مِلكٌ لغيره، فيلحقه الضمان بالهلاك. وإذا كان للمشتري، فالبائع لا يطلب لسلعته مشترياً بناءً على أن البيع تمّ بِمُضِيّ المدّة، فإذا أخبره المشتري بعد ذلك أنه كان فسخ العقد تضرّر. وقال الكَرْخِيّ : وعلى هذا الخلاف خيار الرؤية، بخلاف خيارُ العيب، فإنه لا يصحّ فسخه بدون علم صاحبه باتفاقٍ.
---
(4/87)
________________________________________
***
(بِخِلاَفِ الإجَازَةِ) فإنها تعمل وإن لم يعلم صاحب المجيز، لأنه لا ضرر فيها عليه إذ العقد لازمٌ من طرفه. قيّدنا الفسخ بكونه بالقول لأنه لو كان بالفعل بأن أعتق أو وطىء أو باع، فإنّ العقد ينفسخ وإن لم يعلم صاحبه، لأنّ فسخه حينئذٍ حكمي، وهو لا يشترط فيه العلم كعزل الوكيل. وقَيَّد علم صاحبه بكونه في المدّة، لأنه لو كان بعدها، بأن فسخ حال غيبته، ومضت المدَّة قبل علمه، تمّ العقد.
ثم اعلم أنّه يثبت الخيار لكلّ من العاقد والمشروط له من غير العاقدين، فإن أجاز أحدهما البيع وفسخ الآخر، يُعتبر الأسبق منهما، ردّاً كان أو إجازة، لأنّ السابق إن كان ردّاً انفسخ العقد، والمفسوخ لا يُجَاز، وإن كان إجازة انبرم، وبعد انبرامه لا ينفرد أحد العاقدين بفسخه، فإن وُجِدَا معاً، فالفسخ أحقّ على الأصحّ. وقيل: تصرف العاقد أحقّ.
(وَيَسْقُطُ الخِيَارُ بِمُضِيّ المُدَّةِ) لأنه لا يثبت إلاّ فيها، فيكون مقدَّراً بمُضِيها. (وَمَا) أي وبفعل ما (يَدُلَّ عَلَى الرِّضَى كَالْرُّكُوبِ) في الدّابة إذا كان له منه بدٌّ، أما ركوبها لينظر إلى سيرها فلا يُبْطِلُ خياره، لأنه لا بدّ له منه للامتحان. (وَالوَطْىءِ) أي كالوطىء في الأَمةِ، لأنه لا يَحِلّ في غير الملك. (وَشِرَاءِ أَحِد الثَّوْبَيْنِ أو أحَدِ الثَّلاَثَةِ، عَلَى أنْ يُعَيِّنَ) المشتري (أحَداً) أي واحداً، ويشاء في ثلاثة أيّام. (صَحّ) ويسمّى هذا خيار التعيين. وقال زُفَر والشَّافعي رحمهما الله: لا يصحّ.
(لاَ فِي الأكْثَرِ) أي لا يصحّ شراء أحدٍ أكثرَ من ثلاثة على أن يعين واحداً، لأنّ الحاجة تندفع بالثلاثة لاشتمالها على الجيّد والرديء والوسط.
---
(4/88)
________________________________________
***
(وَشِرَاءِ عبْدَيْنِ) وكذا بيعهما (بالْخِيَارِ في أحَدِهِمَا، صَحَّ إنْ فَصَّلَ) البائع (الثَّمَنَ وَعَيّنَ مَحَلَّ الخِيَار) لأنّ المبيع معلومٌ، والثَّمن معلومٌ. قيّد بالعبدين، لأنّ شراء الكَيْلِيّ والوَزْنِيّ، أو العبد الواحد على أنّه بالخيار في نصفه جائز، سواء فصّل الثمن أو لم يفصّل، لأنّ النّصف من الشيء الواحد لا يتفاوت.
(وَفَسَدَ البَيْعُ في الأَوجُه البَاقِيَةِ) وهي ما إذا لم يفصّل الثَّمن ولم يعيّن محل الخيار، أو فصّل ولم يعّين، أو عيّن ولم يفصّل، لجهالة الثَّمن والمبيع في الأول، وجهالة المبيع في الثاني، وجهالة الثَّمن في الثّالث.

(وَعَبْدٍ مَشْرِيًّ) كمَرْمِيّ اسم مفعول من الشراء. وفي نسخة: مشترىً. (بِشَرْطِ كَتْبِهِ) أي بشرط أنه كَاتِبٌ (وَلَمْ يُوجَدْ) الشَّرط، (أَخَذَ) المشتري ذلك العبدَ (بِثَمَنِهِ أوْ تَرَكَ) وهو قول الشّافعيّ، لأن الكِتَابة وصفٌ مرغوبٌ فيه، فيُسْتَحَقُّ بالشرط، ويثبت بفواته الخيار للمشتري، لأنه لم يرض بالعبد دونه، ويُكْتَفَى بأدنى ما يُطْلَقُ عليه اسم الكاتب لوجود الشرط. نصّ عليه محمد في «الزيادات»، وهو قول الشّافعي.
(وَيُوَرَّثُ خِيَارُ التَّعْيِيِنِ و) خيار (العَيْبِ) أي يثبت كل منهما ابتداء لوارثٍ: هو له ـ لاستحقاقه ـ المطالبةُ بعده. (لاَ الشَّرَطِ) أي لا يورّث خيار الشرط، (و) لا خيار (الرُّؤْيَةِ).
---
(4/89)
________________________________________
***
وقال مالك والشَّافعيّ: يورّث خيار الشّرط، لأنه حقّ في المبيع فيجري فيه الإرث كخيار العيب وخيار التعيين. ولنا: أنّ خيار الإنسان لا ينتقل إلى غيره بل ينقطع بموته، وإنما يورّث ما يحتمل الانتقال، وأمّا خيار العيب فإنّ المورِّث استحق المبيع سليماً فكذا وارثه. وخيار التعيين فإنه يثبت للوارث ابتداءً في ضمن اختلاط ملكه بملك البائع. وتوضيحه أن الثابت بالشَّرط لا يورَّث ويسقط، ولكنه وَرِثَ المبيع مجهولاً مختلطاً بملك الغير، فيثبت له خيار التعيين ابتداءً، كمن اختلط ماله بمال رجلٍ يثبت له خيار التعيين.

فصلٌ

(في خيار الرؤية)
(صَحَّ شَراءُ مَا لَمْ يَرَهُ) سواء ذُكِرَ وصفه أو لم يُذْكَر، كمن اشترى زيتاً في زِقَ، أو بُرّاً في عِدْلٍ، أو دَرَّةً في حُقَّةٍ، أو ثوباً في كُمَ واتَّفقا على أنّه موجودٌ في مِلكه ولم يَرَ المشتري شيئاً من ذلك. (وَلِمُشْتَريهِ خِيَارُهُ) أي خيار ما لم يره. وفي نسخة: الخيار. (عِنْدَهَا) أي عند الرُّؤية (إلى أنْ يُوجَدَ مُبْطِلُهُ) أي مبطل خيار الرُّؤية، وهو ما يدلّ على الرِّضا. وقال الشافعيّ: لا يَصِحّ شراء ما لم يره إن لم يكن جنسه معلوماً للمشتري، وإن كان معلوماً يجوز على قوله القديم، ولا يجوز على قوله الجديد. واختار كثيرٌ من الشَّافعية الجواز منهم القَفَّال. وعن مالك الجواز وعدمه. وقال بعض أصحابه: لا يصحّ بلا ذِكْر صفةٍ ولا تقدُّم رؤيةٍ.
لهما في عدم الجواز: نهيُه عليه الصلاة والسلام عن بيع الغَرَر. والغَرَرُ ما يكون مستورَ العاقبة، وهو موجودٌ فيما لم يره، ونهيُه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عند الإنسان. والمراد ما ليس بحاضرٍ مَرْئِيَ للمشتري، لإجماعنا على أنّ المشتري إن كان رآه، فالعقد جائز وإن لم يكن حاضراً عند العقد.
---
(4/90)
________________________________________
***
ولنا العمومات المجوِّزة للبيع مثل قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وما رواه ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه» والدَّارَقُطْنِيّ والبَيْهَقِيّ في «سُنَنَيْهِما» مرسلاً: حدَّثنا إسماعيل بن (عَيّاش، عن) أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مَكْحُول رفعه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من اشترى شيئاً لم يره، فله الخيار إذا رآه، إنْ شاء أخذ، وإن شاء ترك». قال الدَّارَقُطْنِيّ: أبو بكر بن أبي مريم ضعيفٌ.
وأُجِيبَ: بأن تضعيف ابن أبي مريم لجهالة عدالته، لا يُنَافي علم غير المضعِّف بها. وقد رواه أيضاً الحسن البَصْرِيّ، وسَلَمَةُ بن المُحَبَّق عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى الدَّارَقُطْنِيّ مسنداً عن دَاهِرِ بن نوحٍ، عن عمر بن إبراهيم بن خالد الكُرْدِيّ، عن وَهْب اليَشْكُرِيّ، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إذا رآه».
قال الكُرْدِيّ: وأخبرني الفُضَيْل بن عِيَاض، عن هِشَام، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله. قال عمر وأخَبرني القاسم بن الحكم، عن أبي حنيفة (عن الهَيْثَم)، عن ابن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بمثله. لكن قال الدَّارَقُطْنِيّ: وعمر بن إبراهيم هذا يَضَعُ الأحاديث، ولم يروه غيره، أي مسنداً، وإنّما يُعْرَف هذا عن ابن سيرين من قوله. وقال ابن القَطَّانِ في كتابه: والراوي عن الكُرْدِيّ دَاهِر بن نوح، وهو لا يُعْرف، ولعلَّ الجِنَاية منه.
---
(4/91)
________________________________________
***
هذا، وتأويل النَّهي عن بيع ما ليس عند الإنسان: بيع ما ليس في ملكه، بدليل قصة الحديث. قال حكِيمُ بن حِزَام: فقلت يا رسول الله يأتيني الرَّجل يطلب مني بيعةً ليست عندي، فأبيعها منه، ثُمَّ أدخل السُّوق فأستجيدها، فأشتري بها، فأسلِّمُها إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك». والنهي عن بيع الغرر ينصرف إلى ما لا يكون معلوم العين: كالطير في الهواء، والسمك في الماء.
إذا عُرِفَ هذا فيخيّرُ المشتري فقط (وَإِنْ) كان (رَضِيَ قَبْلَهَا) «إنْ» هذه وصلية أي: وللمشتري أنْ يردّ المبيع عند الرُّؤية وإن رَضِيَ قبل الرّؤية، بأنْ قال بعد تمام العقد: رضيت بذلك المبيع على أي وصفٍ كان، لأنّ هذا الخيار تعلّق ثبوته بالرّؤية فكان عدماً قبلها، (فلا يصحّ إسقاطه قبلها). ثمَّ لا رواية في الرَّدِّ قبل الرّؤية، واختَلَف فيه المشايخ فقيل: لا يملكه المشتري كالإجازة، وقيل: يملكه، وهو ظاهر مذهب أصحابنا.
(لا لِبَائِعِهِ) أي لا خيار لبائع ما لم يره. وكان أبو حنيفة أولاً يقول: (له الخيار) قياساً على المشتري، ثمّ رجع إلى أنّه لا خيار له. لِمَا روى الطّحَاوِيّ والبَيْهَقِيّ عن عَلْقَمَة بن أبي وَقَّاص: أنّ طَلْحَةَ اشترى من عثمان مالاً، فقيل لعثمان: إنك قد غُبِنْتَ فقال عثمان: لي الخيار لأني بعت ما لم أره. قال طلحة: لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره. فحكَّما بينهما جُبَيْرَ بن مُطْعِم، فقضى أنّ الخيار لطلحة، ولا خيار لعثمان، (وكان ذلك بمحضر من الصحابة)، فقد اتَّفقوا على جواز الشِّراء.
---
(4/92)
________________________________________
***
(وَيُبْطِلُهُ) أي ويبطل خيار الرُّؤية (وَ) يبطل (خِيَارَ الشَّرْطِ) أيضاً (تَعَيُّبُهُ) أي المبيع بتعد أو غيره عند المشتري دفعاً للضَّرر عن البائع، لأنّه خرج عن ملكه سليماً، فلا يعود إليه معيباً. (وَتَصَرُّفٌ) من المشتري، وهو بالرفع عطف على تعيبه (يُوجِبُ) ذلك التّصرف (حَقّاً لِغَيْرِهِ كَالْبَيْعِ بِلاَ خِيَارٍ) والإعتاق والتّدبير والرّهن والإجارة (قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَبَعْدَهَا) أَمّا قبل الرّؤية، فلتعذّر الفسخ في هذه التّصرفات لوقوعها صحيحة لابتناء صحتها على قيام الملك، وقد وُجِدَ، وبعد صحتها لا يمكن رفعها، وأمّا بعد الرّؤية لأنها دليلٌ على الرضا.
(وَمَا) أي وتصرف من المشتري، وهو مبتدأ صفته (لاَ يُوجِبُهُ) أي لا يوجب حقّاً لغير المشتري (كَالْبَيْعِ بِخِيَارٍ وَمُسَاوَمَةٍ) بعدها، أي كمساومة لسلعة، وهو عرض المبيع للبيع (وَهِبَةٍ بَلاَ تَسْلِيم يُبْطِلُ) خيار الرّؤية خبر المبتدأ (بَعْدَهَا) أي بعد الرّؤية لوجود ما يدلّ على الرضا، (فَقَطْ) أي ولا يبطل خيار الرّؤية قبلها، لإنها لا تزيد على صريح الرضا، وهو لا يبطل خيار الرّؤية قبلها.

إلاّ أنّه إذا تعلّق به حقّ الغير، صار ذلك الحقّ مانعاً من الفسخ، ولاحقّ هنا.
ويُبْطِلُ خيار الرّؤية أيضاً قبضُ المبيع بعد الرُّؤية، لأنه يدلّ على الرّضا، لأنه مؤكدٌ لحكم العقد فشابه البيع. ثم اعلم أنّ قوله: كالبيع بلا خيارٍ، يعني للبائع، سواء كان بلا خيارٍ أصلاً، أو بخيارٍ للمشتري أو لغيره، لأنّ البيع حينئذٍ من جانبه باتٌ لازمٌ. وإنّ قوله: كالبيع بخيار، يعني للبائع، لأنّ البيع من جانبه حينئذٍ غير باتٍ، وإنّ قوله في المسألة الأولى الرّؤية، وبعدها منصوب (يبطله، كما إنّ قوله في مقابلها: بعدها فقط منصوبٌ) يبطل.
---
(4/93)
________________________________________
***
(وَيُعَتَبَرُ رُؤْيَةُ المَقْصُودِ) لأنه بها يحصل العلم بالمبيع، ولا يشترط رؤية غيره، ولا يُكْتَفَى بها وحدها حتّى لو رأى سائر أعضائه دون ما هو المقصود، كان باقياً على خياره (كَوَجْهِ الأمَةِ) والعبد، وإنّما كان المقصود في الرقيق وجهه، لأن سائر الأعضاء فيه تبعٌ لوجهه، لأنّ القيمة فيه تتفاوت بتفاوته مع التّساوي في سائر الأعضاء.
(والدَّابَّةِ) أي، ووجهها (وَكَفَلِهَا) هذا هو الصحيح. وقال محمد: يكفي رؤية الوجه اعتباراً بالرقيق. وقال بعض المشايخ، وهو مذهب الشَّافعي: لا بدّ: من رؤية الوجه والكَفَل والقوائم، وأما فيما يُطعَم من السَّمنِ والعسل ونحوهما فلا بد من الذَّوق، لأنّ العلم بما هو المقصود لا يحصل إلاّ به.
(ومَوْضِعِ عَلَمِ) الثوب (المُعْلَمِ) لأنّ ماليَّتَه تتفاوت بحسبه (وَظَاهِرِ غَيْرِهِ) أي غير المُعْلَم لأنّ برؤية ظاهره يُعْلَمُ حال البقية، إذ لا تتفاوت أطراف الثّوب الواحد إلاّ يسيراً، وذا غير معتبر. وأطلق المصنّف، وهو مقيدٌ بما إذا كان مطويّا. وفي «المحيط»: قيل: هذا في عرفهم، أمّا في عرفنا فما لم ير الباطنَ لا يسقط خياره. وعند الشّافعيّ لا بدّ من نشره ورؤية كلّه في قولٍ، وهو قول زُفَر لأنْه ليس بمثلي، فلا يُعْرَفُ كله بدون ذلك.
(وبُيُوتٍ) في الدّار (مَقْصُودَةٍ) هذا قول زُفَر وهو الأصحّ، لأنّ بيوتها تختلف بالشتوية والصيفية، والعُلْوية والسُّفلية. وعامة الروايات على أنه يكفي رؤية صحن الدَّار دون بيوتها، وكذا رؤية خارجها، وهو مبنيّ على عادة أهل الكوفة في ذلك الزَّمان. فإنّ دُورهم كانت على نمطٍ واحدٍ لا تختلف إلاّ بالكبر والصغر، وبكونها جديدة أو عتيقة، وذلك يظهر برؤية خارجها، وأمّا اليوم فلا بدّ من النظر إلى داخلها لتفاوت بيوتها ومرافقها. وفي «المُحِيط»: وبعضهم شرط رؤية الكلّ، وهو الأظهر كما قال الشّافعيّ.
---
(4/94)
________________________________________
***
(وَ) يعتبر (نَظَرُ وَكِيلِهِ بِالشِّرَاءِ أوْ القَبْضِ لاَ نَظَرُ رَسُولِهِ) أمّا نظر وكيله بالشراء فباتفاقٍ، وأمّا نظر وكيله بالقبض فعند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: الوكيل بالقبض والرسول سواء، وللمشتري أن يردّه إذا رآه. (وَ) يعتبر (جَسُّ الأعْمَى) فيما يُعْرَفُ بالجسّ كشاة اللّحم (وَشَمُّهُ) فيما يُعْرَفُ بالشَّمِّ كالمسك وماء الورد (وَذَوْقُهُ) فيما يُعْرَفُ بالذَّوقِ. (وَ) يُعْتَبَرُ (وَصْفُ العَقَارِ) للأعمى (عِنْدَهُ) أي عند العَقَار.
(وَمَنْ رَأَى شَيْئاً ثُمَّ شَرَى) ما رآه بعد مدّة (فَلَهَ الخِيَارُ إنْ تَغَيَّرَ) المُشْتَرَى، لأنّ تلك الرُّؤية لم تقع مُعلِمة بأوصافه، فصار كأنه لم يره. قيّد بتغيره لأنه لو لم يتغيّر لم يكن له الخيار، لأنّ العلم بأوصافه حاصلٌ له بالرُّؤية السابقة، وقد رَضِيَ به ما دام على تلك الصفة.
(وَالقَوْلُ لِلْبَائِعِ) مع يمينه (في عَدَمِ تَغَيُّرِهِ) إن اختلفا في تغيّره وكانت المدّة قريبة يُعلم أنّه لا يتغيّر في مثلها، لأنّ الأصل بقاء ما كان على حاله، فلا يصدّق المشتري في دعوى التغيّر إلاّ ببينةٍ، إلاّ إذا بعدت المدّة بأن رأى أمةً شابةً، ثمَّ اشتراها بعد عشرين سنة، لأنّ الظاهر يشهد له (وَ) القول (لِلْمُشْتَرِي) مع يمينه (في عَدَمِ رُؤْيَتِهِ) إن اختلفا فيها لأنّها أمرٌ حادثٌ، والمشتري ينكره، فيكون القول له. ولو اشترى شيئاً مُغيَّباً في الأرض، كالجزر والفُجل والبصل والثوم وأصول الزَّعْفَرَان وما أشبه ذلك، يجوز، وبه قال مالك وأحمد، وله الخيار إذا رأى جميعه. ورؤية بعضه لا تبطل خياره عند أبي حنيفة، لأنّ هذه الأشياء تتفاوت بالصغر والكبر، والجودة والرداءة. وقال أبو يوسف ومحمد: رؤية بعض أحد هذه الأشياء كرؤية كلّه، لأنّ بعض الواحد منها يستدلُّ به في العادة على جميعه، فصارت كالمكيل والموزون والعددي المتقارب.

فصلٌ
---
(4/95)
________________________________________
***

(في خِيَارِ العَيْبِ)
(وَلِمُشْتَرٍ) خبر مقدم (وَجَدَ بِمَشْرِيِّهِ) أي بمشتراه (عَيْباً نَقَّصَ) بفتح القاف المشدّدة (ثَمَنَهُ عِنْدَ التُّجَّار) يعني وقبضه غير عالم بالعيب (رَدُّهُ) مبتدأ الخبر المقدّم (أوْ أَخْذُهُ) بصيغة المصدر، أي أخذ المشتري (بِثَمَنِهِ (كلّه)) قيّد النقص بكونه عند التّجار، لأنّ المرجع في معرفة ذلك إليهم. وفي «الذَّخيرة»: كلّ شيءٍ إذا رجع إلى أهل صنعته يعدُّونه عيباً، فهو عيبٌ وإن لم يُوجب نقصاً في العين ولا في منافعها، لأنّه عندهم يوجب نقص ثمنه. نظيره الظُّفَر الأسود إن كان يُنقِص الثمن، فهو عيبٌ كما في الأتراك. وإن كان لا ينقصه، فليس بعيب كما في الحبش. وإنّما كان للمشتري الخيار بالعيب، لأنّ مطلق العقد يقتضي السَّلامة، فعند فواتها يتخيّر المشتري كي لا يتضرّر بلزوم ما لا يرضى به. وإنما لم يكن له أنْ يأخذه ويأخذ النقصان لتضرّر البائع، لأنه ما رَضِيَ بزوال المبيع عن ملكه إلاّ بكلّ الثمن.
---
(4/96)
________________________________________
***
وفي «البخاري»: ويُذْكَرُ عن العَدّاء بن خالد قال: كتب لي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: «هذا ما اشترى محمدٌ رسول الله من العَدَّاء بن خالد، بيعَ المُسْلِم المُسْلِمَ، لا داءَ ولا خِبْثَة ولا غَائِلَه، ثم قال البخاري: وقال قتادة: الغائلة: الزِّنا والسَّرقة والإباق. وروى ابن شاهين في «المعجم» عن أبيه قال: حدّثنا عبد العزيز بن معاوية القُرَشِيّ قال: حدّثنا عَبَّاد بن ليث قال: حدّثنا عبد الحميد بن وَهْبٍ قال: قال لي العدَّاء بن خالد بن هَوْذَة: ألا أقرأ لك كتاباً كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟: «هذا ما اشترى العدّاء بن خالد بن هَوْذَة من محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً أو أمة، لا داء ولا غَائِلة ولا خِبْثَة، بيع المُسلِم المسلِمَ». ففي هذا الحديث أنّ المشتري العدّاء، وفي الأول أنه النّبي صلى الله عليه وسلم. وصحّح في «المُغْرِب» أنّ المشتري كان العدّاء.
---
(4/97)
________________________________________
***
وتعليق البخاري إنّما يكون صحيحاً إذا لم يكن بصيغة التمريض كـ: يُذْكَرُ، بل بنحو قوله: وقال قتادة. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «بيع المسلم المسلم» دليلٌ على أنّ بيعَ المُسلمِ المُسلمَ ما كان سليماً. ويدلّ عليه قضاؤه بالرَّد فيه على ما في «سنن أبي داود» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنّ رجلاً ابتاع غلاماً فأقام عنده ما شاء الله أن يُقيم، ثم وجد به عيباً فخاصمه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فردَّه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغلّ غلامي فقال عليه الصلاة والسلام: «الخراج بالضَّمان». وفسّر الخَطَّابيّ الدَّاء بما يكون في الرقيق من الأدواء التي يُرَدُّ بها، كالجنون والجُذَام ونحوهما. والخِبْثَة: ما كان خبيث الأصل مثل أنْ يُسْبَى من له عهد. يقال: هذا سبيٌّ خِبْثَةٌ إذا كان ممن يَحْرُم سبيه، وهذا سبيٌّ طِيَبَةٌ ـ بوزن حِبَرَة ـ ضِدّه. ومعنى الغائلة: ما يَغْتال حقّك من حيلة، وما يُدَلّس عليك في المبيع من عيب. وتفسير الدّاء يوافق تفسير أبي يوسف (له. وأما أبو حنيفة، ففسّره فيما رواه الحسن عنه بالمرض في الجوف والكبد والريّة. وفسَّر أبو يوسف) الغائلة بما يكون من قبيل الأفعال كالإباق والسَّرقة، وهو قول الزَّمْخَشِريِ الغائلة: الخَصْلة التي تغول المالَ، أي تُهْلِكه من إباق وغيره. والخِبْثَة هو الاستحقاق، وقيل: هو الجنون.
---
(4/98)
________________________________________
***
(والإبَاقُ والبَوْلُ في الفِرَاشِ وسَرِقَةُ صَغِيرٍ يَعْقِلُ) أي يمّيز (عَيْبٌ) لأنّ هذه الأشياء توجب نقصان القيمة عند التُّجَّار، كالسعال القديم لدلالته على داءٍ مَسْتَحْكِمٍ، كالشَّعْرِ والماء في العينٍ لأنه يُضْعِفُ البصر. وقيّد الصَّغير بالعقل، لأنّ الذي لا يعقل لا يكون ذلك عيباً منه. وقيّد السَّرقة بالصغير تبعاً «للوقاية»، وهو قيْدٌ في الجميع. ولو قال: والسَّرقة من صغير يعقل لكان أولى. وقد تكلّف بأنّ اللاَّم في الإباق والبول للعهد، أي إباق الصغير وبوله. ويقدر بخمس سنين.
ثم الإباق عيبٌ باتفاقٍ إن خرج الآبق من البلد إلى غير مولاه، سواء أبق من المولى أو ممن كان عنده بإجارة أو إعارة أو وديعةٍ أو غصبٍ، وهو يعرف منزله ويقوى على الرُّجوع إليه. وإن لم يخرج من البلد اختلف المشايخ، والأشبه أن يقال: إن كانت البلدة كبيرة، كمصر وَسَمرْقَنْد يكون عيباً، وإن كانت صغيرة بحيث لا يخفى عليه أهلها وبيوتها، لا يكون عيباً كالحرمين الشريفين. ولا فرق في السَّرقة بين أنْ يكون من المولى أو من غيره، إلاّ إذا سرق من المولى شيئاً يُؤكَلُ، فإنّ التقصير من المولى حيث أحوجه إلى ذلك، إلاّ إذا سرقه لبيعه أو ليعطي غيره، ولو سرق نحو الفَلْس والفلسين، لا يكون عيباً.
(وَ) من (بَالِغٍ عَيْبٌ آخَرُ) حتَّى لو سرق عند البائع قبل بلوغه ثم سرق عند المشتري بعد بلوغه، لا يردّ بهذا العيب، (ولو سرق عند كل منهما قبل بلوغه، أو سرق عند كل منهما بعد بلوغه يردّ به)، ولو اشتُرِي بشرط البراءة، لأنّ سبب هذه الأشياء يختلف باختلاف الصغر والكبر، واختلاف الأسباب دليلُ اختلاف المسببات. فالبول في الفراش في الصغر لضعف المَثَانة، وفي الكبر لافَةٍ في القوة الماسكة. والإباق في الصغر لحب اللعب. والسَّرقة فيه لقلة المبالاة، وهما في الكبر لخبثٍ في الطباع، فراراً من عمل الخدمة في الإباق، ورغبةً في المال في السَّرقة.
---
(4/99)
________________________________________
***
(وَجُنُونُ الصَّغِيرِ) عند البائع ولو ساعةً، وقيل: أكثر من يومٍ وليلةٍ، وقيل: المُطْبِق دون غيره (عَيْبٌ أبَداً) هكذا قال محمد. ومعناه عند جمهور المشايخ سواء وُجِدَ عند المشتري في حال الصّغر أو الكبر، لأن الثّاني عينُ الأوّل، فإن السبب متّحدٌ وهو آفة في الدّماغ. وقيل معناه سواء وُجِدَ عند المشتري أو لم يوجد، وإلى هذا مال الحَلْوَانِيّ وشيخ الإسلام خَواهِرْ زَادَهَ، وهو رواية «المُنْتَقَى»، وظاهر مذهب مالك والشافعي وأحمد. وقال جمهور المشايخ، وهو الصحيح والمذكور في «الأصل» و«الجامع الكبير»: لا يردّ بالجنون عند البائع حتّى يعاود عند المشتري، لأنّ الآفة التي هي سببه قد لا تتمكن فتزول، وقد تتمكن فلا تزول. ولأنّ الله تعالى قادرٌ على إزالة تلك الآفة كسائر الآفات، فلم يكن من ضرورة وجودها مرّةً وجودها دائماً. وجنون الكبير أيضاً عيبٌ، ويشترط معاودته في يد المشتري عند الجمهور.

(وَالبَخَرُ) بفتح الموحدة والمعجمة: نَتْنُ رائحة الفم (والذَّفَرُ) بالمعجمة والمهملة والفاء رائحةٌ مؤذيةٌ تحت الإبط (والزِّنَا) أي فعله (وَالتَّوَلُّدُ مِنْهُ عَيْبٌ فِيهَا) أي في الأَمَةِ، لأن ذلك يخل بالمقصود منها والبخر والذَّفر يخل بالقرب للخدمة، والزنا بالاستفراش، والتولّد من الزِّنا يخلّ بطلب الولد (لاَ فِيهِ) أي ليست هذه الأشياء عيباً في العبد، لأنّ الغالب طلب استخدامه من العبد إلاّ إذا كان البخر والذفر فاحشاً، أو يكون الزِّنا عادةً له بأن يقع منه أكثر من مرتين، لأنّ ذلك يُخلُّ بالاستخدام، لأنه يترك حاجة مولاه ويذهب في متابعة هواه.
---
(4/100)
________________________________________
***
(والكُفْرُ عَيْبٌ فِيهِمَا) أي في الأمة والعبد، لأنّ طبع المسلم ينفِر عن صُحْبة الكافر للعداوة الدينية. ولو اشتراه على أنّه كافرٌ، فإذا هو مسلمٌ فلا خيار له، لأنّ الإسلام زوال عيب الكفر، فصار كما لو اشتراه معيباً فإذا هو سليمٌ، فإنّه لا خيار بالإجماع. وقال الشّافعيّ وأحمد: له الخيار، لأنّه وجده على خلاف ما شرطه، وربَّما يتعلَّق له بهذا الشّرط غرضٌ مثل أن يستخدمه في محقّرات الأمور، ولا يستجيز من نفسه أن يستخدم المسلم فيها.
(والتَّزَوُّجُ عَيْبٌ فِيهِمَا) أمّا في الأمة، فلِفَوات غرضِ الاستمتاع، وأمّا في العبد، فلوجوب المهر والنفقة عليه. (والحَبَلُ عَيْبٌ في الأمةِ) لأنّه ينقص ماليتها لا في البهيمة لأنّه يزيدها (والاسْتِحَاضَةُ) عَيْبٌ (وارْتِفَاعُ حَيْضِ بَنْتِ سَبْعَ عَشرَة سَنَةً) أي عدمه وانقطاعه (عَيْبٌ) قيّد بسَبعَ عَشرة، لأنه أقصى زمن البلوغ عند أبي حنيفة. أمّا كون الاستحاضة عيباً، فلأنها لِداءٍ في عروق المرأة. وقد أشار إلى ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال لفاطمة بنت أبي حُبَيْش حين سألته وكانت تُستحاض: «إنّ ذلك عِرْق، وليس بالحيضة». وأمَّا عدم الحيض في البالغة فلداءٍ في باطنها، إذ العادة الأصليّة في النِّساء اللاتي جُبِلْنَ على السّلامة أن يَحِضْنَ في أوانه (وَيَطْهُرْنَ في أوانه)، فإذا كان بخلافه كان لداءٍ في الباطن وإنّما يُعْرَفُ هذا بقول الأمة، لا طريق لمعرفة ذلك إلاّ هذا.
---
(4/101)
________________________________________
***
(وَإنْ ظَهَرَ) لِلمُشْتَري (عَيْبٌ قَدِيمٌ) أي كان عند البائع (بَعْدَمَا مَاتَ) المبيع (أوْ) بعدما (أَعَتقَهُ) المشتري غير عالم بالعيب عِتْقَاً (مجّاناً) أي ليس على مالٍ، (أوْ) بعدما (دَبَّرَهُ أوْ اسْتَوْلَدَ رَجَعَ بالنّقْصَانِ) لأنّه استحقّ المبيع بوصف السّلامة، فصار كما لو تعيّب عنده. أمّا الموت، فلأنّ الملك ينتهي به والامتناع حُكْمِيّ لا بفعله. وأمّا الإعتاق، فالقياس فيه أن لا يرجع وهو قول زُفَر، (لأنّ امتناع الرّد فيه بفعله، ووجه الرُّجوع وهو الاستحسان، وقول الشّافعي وأحمد: أنّ الإعتاق إنهاء المِلك، لأنّ الآدميّ لم يخلق محلاً للملك، وإنّما يثبت فيه على خلاف الأصل مؤقتاً بالإعتاق. والشيء يتقرر بانتهائه، فيصير الملك كأنّه باقٍ والرّدّ متعذّرٌ، ولهذا يثبت الوَلاء بالعتق وهو من آثار الملك، فبقاؤه كبقاء الملك).

قيّدنا العتق بكونه قبل (العلم) بالعيب، لأنه لو كان بعده لا يرجع بالنُّقصان، لأنّ إقدامه على الإعتاق يدلّ على رضاه بالعيب. وقيده بكونه مجّاناً لأنّه لو كان على مالٍ لم يرجع. وأمّا التَّدبير والاستيلاد فلأنّهما بمنزلة الإعتاق. وطريق معرفة النُّقصان: أن يُقوَّم وبه عيب ويقوّم بلا عيبٍ، فإن كان تفاوتٌ ما بين القيمتين العُشْر، رجع بعشر الثمن، وعلى هذا.
---
(4/102)
________________________________________
***
(لاَ بَعْدَمَا أعْتَقَ) أي لا يرجع المشتري بالنُّقصان إن ظهر عيبٌ قديمٌ في المبيع بعدما أعتق (عَلَى مَالٍ) أو بعدما (كَاتَبَهُ أو) بعدما (قَتَلَهُ، (أَوْ بَعْدَمَا أَكَلَ بَعْضَهُ؛) أوْ) بعدما (أَكَلَ كُلَّهُ، أوْ) بعدما (لَبِسَ) الثّوب (فَتَخَرَّقَ)، أمّا الإعتاق على مالٍ فلأنّه أزال ملكه عنه بعِوض، فصار كالبيع وهو فيه لا يرجع، فكذا هذا. وعن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف والشّافعيّ وأحمد أنه (يرجع، لأنّه) إنهاءٌ للملك وإن كان بعوضٍ، فكان كالعتق مجّاناً، ولهذا ثبت فيه الوَلاء والكِتَابة كالإعتاق على مالٍ لحصول العوض فيها. وأمّا القتل فالمذكور ظاهر الرِّواية، وعن أبي يوسف ومحمّد معه في رواية «اليَنَابِيع»: أنّه يرجع، وبه قال الشّافعيّ وأحمد، لأنّ المقتول مات بأجله، فكأنّه مات حَتْفَ أنفه، ولأنّ قتل المولى لا يتعلّق به حكمٌ دنيويّ من قصاص أو دِيَةٍ، فصار كالموت حَتْفَ الأنف، وإنّما يتعلق به حكم أخروي من استحقاق العقاب إذا كان بغير حقٍ.
ووجه الظاهر أنّ القتل فعلٌ مضمونٌ، إذ لو باشره في ملك غيره ضمن، لقوله عليه الصلاة والسّلام: «ليس في الإسلام دَمٌ مُفْرَجٌ» أي مهدرٌ. وإنّما سقط ضمانه عن المولى لأجل أنّه ملكه، فكان ذلك السقوط في معنى عوضٍ سُلِّمَ له، وصار كأنّه باعه به بخلاف الإعتاق، فإنه لا يوجب الضمان لا محالة، كإعتاق المُعْسِر عبداً مشتركاً. وأمّا أكل الكلِّ، ولبس الثّوب فالمذكور هنا قول أبي حنيفة. والقياس أنْ يرجع بالنُّقصان، وهو قولهما ومذهب الشّافعيّ وأحمد، وبه أخذ الطَّحَاوِيّ.
---
(4/103)
________________________________________
***
وفي «الخُلاَصَةِ»: وعليه الفتوى، لأنّه فَعَل بالطعام والثوب ما يقصد بشرائهما ويعتاد فيهما، فأشبه الإعتاق بخلاف القتل والإحراق ونحوهما من الاستهلاك، فإنّه ليس غرضاً معتاداً من الشِّراء. ووجه قول أبي حنيفة ـ وهو الاستحسان ـ أنّ الرَّدَّ تعذّر بفعلٍ مضمونٍ، فأشبه البيع والقتل. وإنّما سقط عنه الضَّمان لأجل أنه ملك. وأمَّا أكل بعض الطَّعام فالمذكور قول أبي حنيفة، وهو أنّه لا يرجع بنقصان ما أكل وما بَقِيَ اعتباراً بالكلّ، ولا يردّ الباقي لأنّ الطَّعام كشيءٍ واحدٍ فلا يردّ بعضُه بالعيب دون البعض، كما لو باع البعض.

وعندهما يرجع بالنُّقصان في الكلِّ، وليس له أن يَرُدَّ البَّاقي، لأنّ أكل الكلّ لا يمنع الرُّجوع عندهما، فالبعض أولى والطعام كشيءٍ واحدٍ، فلا يردّ بعضه بالعيب. وفي «شرح الطَّحَاوي»: أنّ الرُّجوع بنقص الكلّ قول أبي يوسف، والردّ والرُّجوع قول محمد. وفي «قاضيخان»: وعليه الفتوى، ولو باع بعض الطَّعام منعنا الرّجوع بنقص الباقي منه، كالزَّائل عن ملكه، فإنّه لا يرجع بنقصه. وأجازه زُفَر لِمَا قدّمناه في بيع نصف العبد. وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يَرُدُّ الباقي من الطعام ويرجع بنقصان عيب ما باعه اعتباراً للنقص بالكلّ، وبهذه الرواية يُفْتَى، واختارها الفقيه أبو جعفر، والفقيه أبو اللّيث لأنّ التبعيض لا يَضُرّه.
---
(4/104)
________________________________________
***
(وَبَعْدَمَا حَدَثَ) عطفٌ على ما بعدما مات، أي وإن ظهر عيبٌ قديمٌ بعدما حدث (عَيْبٌ) عند المشتري، كما لو ظهر عيبٌ بالثوب بعدما قطعه (رَجَعَ) المشتري (بِهِ) ، أي بالنُّقصان لأنّ في ردّه إضراراً بالبائع، فإنّه خرج عن ملكه سليماً ويعود إليه مَعيباً (إلاّ أَنْ يَأْخُذَهُ البَائِعُ كَذَلِكَ) أي معيباً، فإنّ المشتري لا يرجع بالنّقصان، لأنّ البائع رَضِي بالضَّرر، بل يتخيّر المشتري بين أن يأخذه ولا يرجع بشيءٍ، وبين أن يردّه (مَا لَمْ يَخْتَلِط بِمِلْكِ المُشْتَرِي).
وقيدّ به، لأنّه إن اختلط بمِلْكِ المشتري كما لو قطع الثوب وخاط فاختلط بخيطه، أو صبغه أحمر أو أصفر أو أسود وهو قولهما، لأنّ السواد عندهما زيادة، وعند أبي حنيفة نقصان، فاختلط بصَبْغة. أو لتّ السّويق بسمن فاختلط بسمنه، ثم ظهر عيبٌ، فإن بائعه لا يأخذه بل يرجع مشتريه بنقصانه، إذ الفسخ في الأصل بدون الزِّيادة لا يمكن، لأنّها لا تنفك عنه، ومع الزّيادة لا يمكن لأنّ العقد لم يرد عليها، والفسخ لا يرد إلاَّ على ما ورد عليه العقد.
والفرق بين ما اختلط بملك المشتري، وبين ما لم يختلط: أَنّ امتناع الردّ فيما لم يختلط لحقِّ البائع فيقدر على إسقاطه، بخلاف ما اختلط فإنه لحقِّ الله، وهو شبهة الرِّبا.
(فَلاَ يَرْجِعُ) المشتري (إنْ بَاعَ) بعد حدوث العيب عنده (قَبْلَهُ)، أي قبل الاختلاط بملكه، لأنّه صار حابساً له بالبيع، لأنّ الردّ غير ممتنع بأن رَضِيَ البائع به (لاَ بَعْدَهُ) أي ويرجع المشتري إن باع بعد الاختلاط بملكه، لأنه غير حابسٍ للمبيع بالبيع لامتناع الردّ قبله بالاختلاط.
---
(4/105)
________________________________________
***
ثم اعلم أنّ الزِّيادة في المبيع على نوعين: متصلة ومنفصلة. والمتّصلة نوعان: متولِّدة كالسِّمَن والجَمَال، وهي لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية، لأن فسخ العقد فيها ممكنٌ، لأنّها تبعٌ محضٌ باعتبار التولّد والاتصال. ومتّصلة غير متولّدة كالصِّبْغ، وهي تمنع الردّ بالعيب اتفاقاً. والمنفصلة نوعان: متولّدة كالولد والثمر، وهي تمنع الردّ بالعيب، إذ لا سبيل إلى فسخها قصداً، لأنّ العقد لم يرد عليها، ولا تبعاً لانقطاع التبعيَّة بالانفصال. وغيرُ متولّدة من المبيع كالكسب، وهي لا تمنع الردّ بالعيب، بل يفسخ العقد في الأَصل ويسلّم الكسب للمشتري لأنه متولد من المنافع، وهي غير مبيعة بحالٍ.
(وَ) إن ظهر عيبٌ قديمٌ (بَعْدَ كَسْرِ الجَوْزِ) ونحوه من اللّوز والفُسْتُقِ والبُنْدُقِ والبَيْضِ (والبِطِّيخ) والقِثَّاء والخِيارِ (رَجَعَ) المشتري (بالنُّقْصَانِ في المُنْتَفَعِ بِهِ) ولم يردّه إلاّ برضاء البائع، لأنّ الكسر عيبٌ حدث عنده. وقال مالك وأحمد في رواية: لا يردّه، ولا يرجع بالنُّقصان لأنّه ليس من البائع تلبيس، فإنّه لا يعلم ما في باطنه. وأمّا لو ظهر العيب قبل الكسر فلا يرجع بالنُّقصان، لأنّه دليل الرِّضى بالعيب. (و) رجع (بِالْكُلِّ) أي كلّ الثمن (في غَيْرِهِ) أي في غير المنتفع به، كالقرع إذا وجده مُرّاً، لأنه ليس بمالٍ فكان البيع فيه باطلاً. وهذا كلُّه إذا وجد الكلّ فاسداً.
---
(4/106)
________________________________________
***
وأمّا إذا وجد البعض فاسداً، فإن كان قليلاً صحّ البيع استحساناً، لأنّ الكثير من الجوز لا يخلو عن قليلٍ فاسدٍ، فصار كالتراب في الحنطة، وفي القياس يفسُد، لأنّ الثمن لم يفصّل. والقليل ما لا يخلو عنه الجوز والبيض عادة كالواحد والاثنين أو الثلاثة في المئة، وإن كان الفاسد كثيراً لا يصحّ في الكلّ ويرجع بكل الثمن عند أبي حنيفة لجمعه في العقد بين ما له قيمة وما لا قيمة له، فصار كالجمع بين حرّ وعبدٍ. وعندهما يصحّ العقد فيما إذا كان صحيحاً. وقيل: يفسُد العقد في الكلّ إجماعاً، لأنّ الثمن لم يفصّل، فيكون بيعاً بالحِصّة ابتداءً.
(وَإذَا ادَّعَى) المشتري (الإبَاقَ)، أو السَّرقة، أو البول في الفراش ممّا لا يعلم إلاّ بالتَّجربة والاختبار، وأنكر البائع أنّ هذا العيب وجد عند المشتري (أَثْبَتَ) المشتري أولاً أنه أَبَقَ عنده حتّى ينتصب البائع خصماً له (بِالبَيِّنَةِ) متعلّق بـ: أثبت (أوْ نُكُولِ البَائِعِ عَنِ الحَلِفِ عَلَى العِلْمِ) أي على أنه ما يعلم أنه أَبَقَ عند المشتري، لأنّ هذا تحليفٌ على فعل غير الحالف وهو العبد، فلا يكون على البتّ. وهذا ـ أعني تحليف المشتري للبائع ـ قول أبي يوسف ومحمد، لأنّ المشتري ادّعى عليه ما لو أقرّ به لزِمه، فإذا أنكر، له أنْ يحلّفه رجاء النكول كما في سائر الدَّعاوى.

واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة رحمه الله، فقال بعضهم: يُحَلَّفُ عنده أيضاً. وقال بعضهم: لا يُحَلَّف وهو الصحيح، لأنّ الحَلِف إنما يترتب على دعوى صحيحة. ولا تصِح الدَّعْوَى إلاّ من خصمٍ، ولا يصير المشتري خصماً إلاّ بعد قيام العيب عنده، (ولم يثبت عنده).
---
(4/107)
________________________________________
***
(ثُمَّ بَرْهَنَ) المشتري أيضاً (عَلَى أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَ البَائِعِ) لاحتمال أنّه حدث عند المشتري، فلا يستحقّ الرَّدَّ على البائع (أَوْ حَلَّفَهُ) أي المشتري البائع (أنّهُ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ) إليه (وَمَا أَبَقَ قَطُّ أو مَا لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِهَذِهِ الدَّعْوَى) ولا يحلّفه بالله ما أبق عندك قطّ، لاحتمال أنّه أي باعه وقد كان أبق عند غيره، وبه يردُّ المشتري عليه. (وَلاَ ثَمَنَ عَلَى المُشْتَرِي) أي لا يُجبر المشتري على دفع الثَّمن (إِذَا ادَّعَى العَيْبَ) لاحتمال أن يكون صادقاً في دعواه، فلو قضى عليه بدفع الثمن ربّما ظهر العيب فاستردّ الثمن من البائع وانتقض القضاء. (حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ) أي عدم العيب: بأن يحلف البائع أنّ هذا العيب لم يكن فيه.
(وَمُدَاوَاةُ المَعِيبِ وَرُكُوبُهُ) يعني إذا داوى المشتري المَعيب بعد العلم بالعيب أو ركبه (في حَاجَتِهِ)، أو تصرّف فيه بما يدلّ على الرِّضا، كالعرض على البيع، والإجارة، واللُّبس، والسُّكْنَى، والرَّهن، والكِتَابَة، والاستخدام مرّة ثانية (يَكُونُ) ذلك (رضاً) ولا خلاف فيه لأحد. ثمّ عند الشّافعيّ يبطل خيار الرّدّ بتأخيره من غير عذرٍ. وعندنا لا يبطُل ما لم يوجد منه تصرّف يدلّ على استبقاء الملك. (لا لِرَدِّهِ) أي ليس ركوب المشتري المعيب رضاً به إذا كان لردّه على بائعه (أوْ سَقْيِهِ أوْ شِرَاءِ عَلفِهِ) حال كون المشتري (ولا بَدَّ لَهُ مِنْهُ) أي من الرّكوب، إمّا لصعوبة انقياد المعيب، أو لعجز المشتري عن المشي: بأن كان مريضاً أو شيخاً كبيراً. وهو قيّد في السقي، وفي شراء العلف، لأنّ الرّكوب للردّ لا يكون رضاً كيف كان لكونه سبباً للردّ.
---
(4/108)
________________________________________
***
(وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَوَجَدَ بِأحَدِهِمَا عَيْباً رَدّهُ خَاصَةً إنْ قَبَضَهُمَا). وقال زُفَرُ والشّافعيّ في قول: ليس له أن يردّ المعيب وحدَه، لأنّ فيه تفريق الصّفقة، وهو لا يخلو عن تضرّر البائع بردّ المَعيب وحده، لأنّ العادة جرت بضمّ الجيد إلى الرديء. ولنا أنه تفريق بعد تمام الصَّفقة لأنها تمّت بالقبض، لأنّ خيار العيب لا يمنع تمامها فيكون الفسخ بعد القبض في ملك المشتري من كل وجه، فيقتصر الرّدّ على ما فيه علة وهو المعيب.

وإنّما وضع المسألة في عبدين، لكونهما ممّا يُنْتَفَعُ بأحدهما دون الآخر. فلو اشترى شيئين لا ينتفع بأحدهما دون الآخر كنعلين أو خُفَّيْنِ فوجد في أحدهما عيباً بعد قبضهما، فإنّه يردّهما أو يمسكهما باتفاقٍ، لأنهما في الصورة شيآن، وفي المعنى والمنفعة شيءٌ واحدٌ، والمعتبر هو المعنى دون الصورة والمبنى. ولو قال المشتري فيما يمكن إفراد أحدهما بالانتفاع عن الآخر: أَنا أمسك المعيب وآخذ النقصان، ليس له ذلك، لأنّه لمّا رضي بالمعيب فات حقّه في وصف السّلامة، فلم يكن له المطالبة بالنُّقْصان.
(وإلاّ) وإن لم يقبضهما بل قبض أحدهما وظهر أنّ به أو بالآخر عيباً (أَخَذَهُمَا أَوْ رَدَّهُمَا)، وليس له أنْ يأخذ السليم ويردّ المعيب، لأنّ في ذلك تفريقَ الصّفقة قبل تمامها، لأنّ تمامها بقبضهما لكونه مفيداً لملك التّصرف فيهما، ومؤكداً لملك رقبتهما (كَمَا فِي الكَيْلِيّ وَالْوَزْنِيّ) أي كان كما إنّ من شرى ما يكال، أو ما يوزن من نوعٍ واحدٍ، فوجد ببعضه عيباً، فإنّه يردّه كلّه أو يأخذه كلّه، وليس له أنْ يأخذ السليم ويرّد المعيب سواء كان قبل القبض أو بعده.
---
(4/109)
________________________________________
***
(وَإنْ قَبَضَ) الكَيْلِيّ أوْ الوَزْنِيّ (وَلَوِ اسْتُحَقَّ البَعْضُ) منه (لَمْ يَرُدَّ البَاقِي) لأنّ الشّركة فيهما ليست بعيب، إذ التَّبعيض فيهما لا يضرّ، والاستحقاق لا يمنع تمام الصَّفقة، لأنّ العقد حقّ العاقد وتمامه برضاه وقد وُجِدَ، لا برضى المالك. قدّم القبض على استحقاق البعض لأنّ البعض لو استحقّ قبل القبض، كان للمشتري أن يردّ الباقي لتفرّق الصّفقة عليه قبل تمامها (بِخِلاَفِ الثَّوْبِ) فإنّ مشتريه إذا قبضه واستحقّ منه بعضه، له خيار الرَّدّ في الباقي، لأنّ الشَّركة فيه عيبٌ عُرْفاً وقد كانت وقت البيع قبل ظهور الاستحقاق.
(وَصَحَّ) البيع (إنْ بَرِىءَ) فيه البائع (مِنْ كُلِّ عَيْبٍ) أي إن باع بشرط البراءة من كل عيبٍ، وليس للمشتري أن يردّه بعيبٍ (وَإنْ لَمْ يَعُدَّهَا) أي العيوب، والأصَحُّ في مذهب الشَّافعيّ. ويروى عن مالك: أنّه لا يَبْرَأ في غير الحيوان، ويَبْرَأ في الحيوان ممّا لا يعلمه، دون ما يعلمه لِمَا رُوِيَ: أنّ ابن عمر باع عبداً من زيد بن ثابت بشرط البراءة فوجد به عيباً، فأراد ردّه فلم يقبله ابن عمر، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: أتحلف أنّك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا. فردّه عليه.

والفرق بين ما لا يعلمه وما يعلمه، وبين الحيوان وغيره: أنّ كتمان ما يعلمه تلبيسٌ، بخلاف ما لا يعلمه، وإنّ الحيوان قلّ ما ينفكّ عن عيبٍ خَفِيّ أو ظاهر، فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة من كل عيبٍ ليثقَ بلزوم العقد، بخلاف غير الحيوان. وقال أحمد في رواية، وهو قول الشّافعيّ: لا يبرأ البائع عن العيب، فإنّ خيار العيب ثابتٌ بالشّرع، فلا ينتفي بالشرط كسائر مقتضيات العقد.
---
(4/110)
________________________________________
***
ولنا: أنّ الإبراء إسقاط، ولهذا جاز بلا قبول، كالطّلاق والعتَاق والجهالة في الإسقاط لا تفضي إلى المنازعة، فلا تكون مفسدة. ويدخل في البراءة من كل عيبٍ العيبُ الموجود عند العقد، والحادث بعد العقد قبل القبض في ظاهر الرواية عن أبي يوسف رحمه الله، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أيضاً. وقال محمد: لا يدخل الحادث، وبه قال أبو يوسف رحمه الله أيضاً، وزُفَر ومالك والشافعيّ، لأنّ البراءة تتناول الثّابت فتنصرف إلى الموجود عند العقد.
هذا، والمُصَرَّاة، وهي النّاقة أو الشّاة يُحْقَنُ اللبن في ضَرْعِهِا أياماً لِيُرَى أنها كثيرة اللّبن، إذا بيعت، لا تردّ عندنا. وردّها مالك والشَّافعيّ مع لبنها إن كان باقياً، أو مع صاعٍ من تمرٍ لفقده، لِمَا روى أبو هُرَيْرَة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تَلَقَّوا الرُّكبان لبيعٍ، ولا يَبِع بعضُكم على بيع بعضٍ، ولا تَنَاجَشوا، ولا يَبِع حاضرٌ لبادٍ، ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النَّظَرَيْن بعد أن يَحْلُبَهَا إن رَضِيَها أمْسَكَهَا، وإنْ سَخِطَها ردَّها وصاعاً من تمر»، متّفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لمسلم وأبي داود: «مَنْ اشترى شاةً مُصَرَّاةً فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردّها ردّ معها صاعاً من طعامٍ ـ أي تمر ـ لا سَمْراء ». وفي روايةٍ لأبي داود: «مَن اشترى غنماً مُصَرَّاةً احتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سَخِطَهما ففي حلبتها صاعٌ من تمرٍ». فجعلاها عيباً وأثبتا له الخيار إذا تبيّن بعد الحلب خلافُ ما تحلُبه، تمسكاً بهذا الحديث.
واحتجّ لنا بعض مشايخنا بقوله عليه الصلاة السّلام: «البيِّعَان بالخِيار ما لم يتفرّقا». وقال بعضهم: التَّصْرِيَةُ ليست بعيبٍ، وليس للمشتري ولاية الرّدّ بسببها من غير شرطٍ لأنّ البيع يقتضي سلامة المبيع، وبقلة اللّبن لا تفوت صفة السَّلامة، واللّبن ثمرةٌ وبعدمها لا تَنْعَدِمُ السّلامة، فبقلتها أولى.
---
(4/111)
________________________________________
***

قال: وإنّما ترك أصحابنا العمل بحديث أبي هريرة هنا لمخالفته الكتاب، وهو قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، والسُّنَّة المشهورة الموجبة لإيجاب القيمة عند تعذّر المِثْل صورةً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شِقْصاً له في عبد، قُوِّم عليه نصيب شريكه إنْ كان مُوسِراً» الحديث، ولمخالفته الإجماع المنعقد على وجوب المِثْل والقيمة عند فوات العين وتعذّر الرَّدّ. قال: ولا بِدْعَ في ردّ حديثه عند مخالفة الأصول، فإنّه قريبٌ من المتواتر أنّه لَمَّا روى الوضوء مما مستّهُ النَّار، قال له ابن عبّاس رضي الله عنهما: إنّا نتوضأ بالماء السخين، أنتوضأ منه؟ ولما روى: من أصبح جُنُباً فلا صوم له. قالت عائشة: نحن أعلم بذلك منه. وكذلك ردّ عليه عليّ رضي الله عنه.
وشرط عيسى بن أَبان فِقْه الراوي لتقديم الخبر على القياس، واختاره أبو زيد الدَّبُوسِيّ، وخرَّج عليه حديث المُصَرَّاة، وتابعه أكثر المتأخرين.
ونفاه الكَرْخِيّ ومَن تابعه من أصحابنا وقبلوا خبر كلّ عدلٍ ضابطٍ وقدّموه على القياس، ومنعوا أيضاً أنّ أبا هُرَيْرَة لم يكن فقيهاً، وقالوا: بل كان فقيهاً وكان يُفْتِي في زمن الصَّحابة، وما كان يُفْتِي في زمانهم إلاّ فقيهٌ مجتهدٌ، مع أَنّه كان من المُتَبحِّرين من عِلْيَةِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال إسحاق الحَنْظَلِيّ ثبت عندنا في الأحكام ثلاثة آلاف من الأحاديث: روى أبو هريرة منها ألفاً وخمس مئة. وقال البُخَارِيّ: روى عنه سبع مئة نفرٍ من أولاد المهاجرين والأنصار. وقد روى جماعة من الصحابة عنه، فلا وجه لردّ حديثه بالقياس؛ وهذا غاية التحقيق والله وليّ التوفيق.
---
(4/112)
________________________________________
***
والمختار فيه: الرُّجوع بالنقص على رواية شرح الطَّحَاويّ، يعني أنّه لَمّا امتنع الرّدّ بسبب الزِّيادة المنفصلة منها يرجع بحصّة النُّقصان من الثَّمن، ولا يرجع على رواية «الأَسْرَار»، لأنّ اجتماع اللّبن في الضَّرْع وجمعه لا يكون عَيْباً، ولأنه مُغْتَرٌّ بكبر ضَرْعِها لا بقول البائع. ووجه المختار: أنّ الموجود من التَّصْرِية غرورٌ منه للمتشري بالفعل، حيث تزداد رغبته في شرائها، فاغتراره بواسطة هذا الفعل كاغتراره بقول البائع: إنّها حلوبٌ غزيرةُ اللبن. وإنّما صَحّ البيع بناءً على أنّ شرط كونها حلوباً لا يُفسِد البيع، لأنّه شرطُ وصفٍ مرغوبٍ فيه، وهو رواية الطَّحَاوِي، والله سبحانه أعلم.

فصلٌ

(في البَيْعِ الصَّحِيح، وَالبَاطِلِ، وَالفَاسِدِ، وَالمَكْرُوه)
(بَطَلَ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ) سواء كان ثمناً أو مثمَّناً لانعدام ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال (كالدَّمِ وَالمَيْتَةِ) والتُّرَابِ (والحُرِّ وأتْبَاعِهِ) من أمّ الولد والمكاتَب الذي لم يرض، فإنّ الذي رَضِيَ يجوز بيعه على أظهر الرِّوايتين عن أبي حنيفة ـ ومعه الشَّافعي ـ والمُدَبَّرالمطلق، فإنّ المقيّد يجوز بيعه عندنا. وعند مالك والشَّافعيّ وأحمد: يجوز بيع المطلق أيضاً.
(وَ) بَطَلَ (بَيْعُ مَالٍ غَيْرِ مُتَقَوَّم) في حقّ الإسلام (كَالْخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ بالثَّمَن) وهو الدّراهم والدّنانير حالاً أو مؤجلاً، لأنّ الدَّراهم والدّنانير غير مقصودةٍ، وإنَّما هي وسائل. فإذا كانت عوضاً لغير المتقوّم كان غيرُ المتقوّم هو المقصود، وفي ذلك إعزازٌ له، وقد أمر الشارع بإهانتهِ. وكذا إذا باعهما بما ثبت في الذِّمة من مكيلٍ أو موزونٍ. وأمّا لو باعهما بِالعَرْض، فالبيع فاسدٌ لعدم تَعَيُّنِهمَا مَبِيعين، وسيأتي.
---
(4/113)
________________________________________
***
والفرق بين الباطل والفاسد: أنّ الباطل هو الذي لا يكون صحيحاً بأصله (وذلك لفوات ركنه، فلا يفيد المِلْك أصلاً)، والفاسد هو الذي يكون صحيحاً بأصله لا بوصفه، فيفيد الملك بالقيمة عند القبض. وفي «الإيضَاحِ»: لو نفي العوض وقال: بعتك هذا بغير ثمنٍ، يبطل، ولو قال: بعتك هذا، وسكت عن الثمن، يفسد، لأنّ البيع يقتضي المعاوضة، فعند السكوت يحمل على قيمته، فصار كأنه قال: بعته بقيمته، وهي مجهولة فيفسُد.
(وَ) بَطَل (بَيْعُ قِنٍ ضُمَّ إلى حُرّ وَ) بيع (ذَكِيَّةٍ) أي مذبوحة شرعية (ضُمَّتْ إلى مَيْتَةٍ) حتف أنفها. وأمّا التي خُنِقَتْ أو جُرِحَتْ في غير موضع الذّبح كما هو عادة بعض الكفّار، وذبائح المجوس فمالٌ، إلاّ أنها غيرُ متقوّمةٍ كالخمر والخنزير (وَإنْ سَمَّى ثَمَنَ كُلَ) وهذا عند أبي حنيفة، وقول الشَّافعي، وروايةٌ عن أحمد. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن سمّى ثمن كلّ واحدٍ منهما جاز في القِنِّ والذَّكَيَّةِ، وإلاّ فلا. وبه قال الشَّافعيّ في قولٍ، وأحمد في روايةٍ. ومتروك التّسمية عامداً كالميتة عندنا، لأنّ حرمته منصوصٌ عليها، فلا يجوز العقد فيما ضُمَّ إليه، ولا ينفذ بيعه بالقضاء.
---
(4/114)
________________________________________
***
(وصَحَّ) البيع (في قِنَ ضُمَّ إلى مُدَبَّرٍ) أو أم ولدٍ أو مُكاتَبٍ. وقال زُفَرُ: لا يصحّ. (أوْ) ضُمَّ (إلى قِنِّ) شخصٍ (غَيْرِهِ) أي غير البائع (بِحِصَّتِهِ) أي حصّة القِنّ من الثمن. وعند زُفَر: لا يصحّ. (كَمِلْكٍ) أي كما صحّ بيع ملك (ضُمَّ إلى وَقْفٍ) وقيل: لا يصحّ في الملك، وهو عند مالك، والشّافعيّ في قولٍ، وأحمد في رواية، لأنّ الوقف محرّر عن المِلْك والتمليك، فصاركقِنّ ضُمَّ إلى حرّ. وفي «نوادر الفقيه أبي اللَّيْثِ»: والأصحّ أنّ البيع يجوز في الملك لأنّ الوقف مالٌ، ولهذا ينتفع به انتفاع الأموال، وإنّما لا يباع لأجل حقَ تعلّق به، وذلك لا يوجب فساد العقد فيما ضُمَّ إليه، كالمُدَبَّر ونحوه، بخلاف المسجد، حيث يبطُل العقد فيما ضُمَّ إليه لأنّه ليس بمالٍ، ولهذا لا ينتفع به انتفاع الأموال، فصار كالحرّ.

(وَفَسَدَ بَيْعُ العَرْضِ بَالخْمَرِ) ونحوها مما هو مالٌ غير متقوَّم (وَعَكْسُهُ) وهو بيع الخمر ونحوها بالعَرْضِ. في «شرح الوقاية»: أي البيع فاسدٌ في العَرْضِ حتّى يجب قيمته عند القبضِ، ويُملك هو بالقبض، لكن البيع في الخمر باطلٌ حتّى لا يملك عين الخمر.
(ولاَ يَجُوزُ بَيْعُ المُبَاحَاتِ قَبْلَ أنْ تُمْلَكَ) لأنّها وقت البيع غير مملوكةٍ للبائع. (وَ) لا بيع (مَا لاَ قُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلاّ بِحِيلة) كسمك لم يُصَد، أو صِيْدَ وأُرْسِل، وهو لا يعود، فلو قبضه البائع وسلمه قالوا: ينبغي أن يكون على الروايتين في تسليم الآبق بعد بيعه، بناءً على أنّه باطلٌ أو فاسدٌ.
---
(4/115)
________________________________________
***
(أوْ) إلاّ (بِضَرَرٍ) كجذعٍ في سقفٍ، وذراعٍ من ثوبٍ يضرّه القطع، سواء ذُكِرَ موضع القطع أو لم يذكر. ولو قطع البائع الجذع، أو قطع الثوب وسلّم قبل الفسخ عاد صحيحاً لزوال المانع من الصّحة. وقيّد القدرة على تسليمه بالحيلة، لأنها لو كانت بغير ذلك: كما لو صاد السمك وألقاه في حظيرة صغيرة، بحيث يمكن أخذه منها بلا حيلة، جاز البيع لأنه مقدورُ التسليم، وكذا لو اجتمع فيه بنفسه وسدّ المدخل جاز، وإلاّ فلا.
(ولا) بيع (مَا فِيهِ غَرَرٌ كَحَمْلٍ) أي جنين (في بَطْنٍ، وَلَؤلُؤٍ في صَدَفٍ، وَلَبَنٍ في ضَرْعٍ) لِمَا روى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخُدْرِي أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتّى تضع. وما روى الشَّافعيّ بسنده عن ابن عبّاس أنّه كان ينهى عن بيع اللّبن في ضَرْع الغنم، والصوف على ظهرها.
قال البَيْهَقِيّ: ورُوِيَ مرفوعاً، والصحيح أَنّه موقوفٌ. ولقول ابن عبّاس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حتّى تُطْعَم، ولا يباع صوفٌ على ظهر غنم، ولا لبنٌ في ضَرْعٍ. رواه الطّبرانِيّ والدَّارَقُطْنِيّ مرفوعاً، وأبو داود موقوفاً عليه. قيل: لا تباع أصواف الغنم على ظهورها، ولا ألبانها في ضروعها.
وفي «شرح الوقاية»: ذكروا لِلّبن في الضَّرْع علتين: أحدهما: أنه لا يُعْلَمُ لبنٌ، أَو دَمٌ، أو ريحٌ، وهذا يقتضي بطلان البيع، لأنه مشكوك الوجود فلا يكون مالاً. والأخرى: أن اللّبن يوجد شيئاً فشيئاً فيختلط ملك المشتري بملك البائع.
---
(4/116)
________________________________________
***
هذا، ولا يجوز بيع النَّتاج أيضاً، وهو أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها وهو حَبَلُ الحَبَلَةِ، لِمَا في «مصنف عبد الرَّزَّاق» عن ابن عمر، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنّه نهى عن بيع المَضَامِينِ، والمَلاَقِيحِ، وحَبَلِ الحَبَلَةِ، قال: والمضامين ما في أصلاب الإبل. والملاقيح: ما في بطونها. وحبل الحبلة: ولد ولد هذه النَّاقة. وفي «الموطأ»: أخبرنا ابن شهابٍ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ أنه قال: لا ربا في الحيوان، وإنّما نهى في الحيوان عن ثلاثة: عن المَضامِينِ، والمَلاَقِيح، وحَبَل الحَبَلَةِ. فالمضامين: ما في بطون إناث الإبل. والملاقيح: ما في ظهور الجمال. وفي الصحيحين عن ابن عمر: أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ. وكان بيعاً يبتاعه أهل الجاهلية، كان الرّجل يبتاع الجَزُور إلى أن (تُنْتَج الناقة، ثم) تُنْتَج التي في بطنها.
---
(4/117)
________________________________________
***
(وَ) لا بيع (مَا تُفْضِي جَهَالَتُهُ إلى المُنَازَعَةِ) كصوفٍ على ظهر الغنم، لأنّه يفضي إلى التَّنازع في موضع القطع. وكلّ بيعٍ يفضي إلى التَّنازع، فهو فاسدٌ. (وَلاَ) يجوز بيع (المُزَابَنَةِ) وهو من إضافة الأعمّ إلى أخصّه، ويسميها بعض المتأخرين إضافة بيانية (وَهِيَ بَيْعُ تَمْرٍ مَجْذُوذٍ) أي مقطوع (بِمِثْلِهِ عَلَى النَّخْلِ خَرْصاً) أي تقديراً وحَزْراً، (وَ) لاَ (المُحَاقَلَةِ) وهي بيع الحِنْطَةِ في سنبلها بمثل كيلها، لِمَا روى مسلم عن زيد بن أبي أُنَيْسَة قال: حدّثنا أبو الوليد المَكِّيّ وهو جالسٌ عند عطاء بن أبي رباحٍ عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُحَاقَلَة، والمُزابَنَةَ، والمُخَابَرَةِ. والمُحَاقَلَةُ: أن يباع الحقل بكيلٍ من الطعام معلومٍ. والحقل: هو الزَّرع إذا تشعَّب قبل أن يغلظ سوقه. والمَزَابنَةُ: أن يباع النخل بأوساقٍ من التمر. والمَخَابَرَةُ: أن يزرع الأرض على الثلث، أو الربع، وأشباه ذلك. قال زيد: قلت لعطاء بن أبي رباح: أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم.
---
(4/118)
________________________________________
***
وقال الشَّافعيّ: يجوز بيع المَزَابَنَةِ فيما دون خمسة أوسق، لِمَا في الصحيحين عن داود بن الحُصَيْن، عن أبي سفيان، عن أبي هُرَيْرَة: أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم رخصّ في بيع العرايا بَخْرصِها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق ـ شكّ داود ـ قال: دون خمسة أو في خمسة. وروى مسلم عن سهل بن أبي حَثْمَةَ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، وقال: «ذلك الرِّبا تلك المُزَابَنَةُ»، إلاَّ أنّه رخَّص في بيع العَريَّةِ: النُخْلة والنَّخلتين يأخذها أهل البيت بِخَرْصِهَا كيلاً. وفي لفظٍ: رخّص في العَرِيَّةِ: أن يؤخذ بمثل خَرْصها تمراً، يأكل أهلها رُطَباً. ورواه الطَّحاويّ أيضاً بطرقٍ مختلفةٍ، وقال: وقد جاءت هذه الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواترت الرُّخصة في بيع العرايا، فقبلها أهل العلم جميعاً، ولم يختلفوا في صحة مجيئها ولكنهم تنازعوا في تأويلها. انتهى.
والشَّافعي ذهب إلى ظاهره من الاستناد، وعنه في الخمسة أوْسُق قولان: أحدهما الجواز، وهو منقول المُزَنِيّ عنه، وهو الأظهر. والآخر عدمه، وهو مختار المُزَنِيّ ومذهب أحمد، لأنّ النّهي عن المزابنة محقق، والرُّخصة في خمسة أوْسُقٍ مشكوكٌ فيها.
---
(4/119)
________________________________________
***
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلاً بمثلٍ»، وما على النَّخل ثَمَرٌ، فلا يجوز بيعه بالتَّمْرِ إلاّ كذلك. وأمّا العَرِيَّةُ التي فيها الرُّخصة فهي العَطِيّةُ دون البيع، وبه قال مالك. وتفسيرها أن يهب الرُّجل ثمرة نخلةٍ من بستانه لإنسانٍ ثم يشقّ عليه الدُّخول في بُسْتَانِهِ كلّ يومٍ، ولا يرضى بالخُلْف في الوعد، والرّجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمراً مجذوذاً بالخَرْص ليدفع ضرره عن نفسه. وهذا جائزٌ عندنا، لأنّ الموهوب لا يصير ملكاً للموهوب له ما دام متصلاً بملك الواهب، فما يعطيه من التّمر لا يكون عوضاً بل هبةً مبتدأة، وإنّما سُمِّيَ بيعاً مجازاً لأنَّه في صورته. ثمّ ذلك المرويّ اتُّفِقَ أنه كان أقل من خمسة أوْسُقٍ أو خمسةَ أوْسُقٍ، فظنّ الرَّاوي أنّ الرُّخصة مقصورةٌ على ذلك القَدْر.
وقال قومٌ: العرايا: أنْ يكون له النّخلة أو النَّخلتان في وسط النّخل الكثير لرجلٍ آخر، وكان أهل المدينة يخرجون وقت الثِّمار إلى حوائطهم بأهليهم، فيضرّ ممرّ صاحب النَّخلة صاحب النّخل الكثير، فرخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعْطِي صاحبَ النُخلة خرص ماله من ذلك تمراً لينصرف عنه ويَخْلُصَ التّمر كله له. وهذا مرويّ عن مالك، والتأويل الأول قول أبي حنيفة رحمه الله. قال الطَّحَاوِيّ، وهو أنسب وأولى ممّا قال مالك، لأنّ العَرِيَّة إنَّما هي العَطِيَّة.
---
(4/120)
________________________________________
***
(وَ) لا بيع (المَلاَمَسَةِ، وَ) لا بيع (إلْقَاءِ الحَجَر، وَ) لا بيع (المُنَابَذَةِ) لأنّ في كلّ واحدٍ من هذه البِياعات تعليق الملك بالخطر، وفيه معنى القمار. وقد كان في الجاهلية يتساوم الرَّجلان السّلعة فإذا لمسها المشتري، أو نبذها إليه البائع، أو وضع المشتري عليها حصاةً لزم البيع. فالأوّل الملامسة، والثاني المنابذة، والثالث إلقاء الحجر. روى مسلم والبخاري من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المُلاَمَسَةِ، والمُنَابَذَةِ في البيع. والملامسة: لمس الرّجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقبله إلا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ الرّجل إلى الرّجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ.
---
(4/121)
________________________________________
***
(ولا) بيع (المَرَاعِي) أي الكلأ النّابت في أرضٍ غير مملوكةٍ، أو في أرض البائع بدون تسبُّب منه. أمّا لو تسبّب بأن سقى الأرض، أو هيأها للإنبات، جاز له بيع كلائها لأنّه ملكه، حتّى لو احتشّه إنسانٌ بغير إذنه كان له استرداده. وقال بعضهم: لا يجوز بيعه لأنه ليس بملكه، لأنّ الشَّركة فيه ثابتةٌ بالنّص، فلا تنقطع بدون الحيازة. وتهيئة الأرض للإنبات ليست بحيازةٍ، وكونه نابتاً في أرضه لا يقطع شركتهم عنه، ولا يصيّره مملوكاً له، فلم يستفد المشتري بهذا العقد شيئاً لم يكن له، فيبطل. والنّص قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ، والنّار». رواه أحمد وأبو داود. والمراد بالماء الذي في الأنهار والآبار لا ما أُخِذَ وجُعِلَ في إناءٍ فإنّه محرزٌ يجوز بيعه. وبالكلأ ما نبت في أرضٍ غير مملوكةٍ، وما نبت في أرضٍ مملوكةٍ بلا إنبات ربّ الأرض، لأنّ ربّ الأرض لا يكون محرزاً له بكونه في أرضه. ومعنى إثبات الشّركة في النّار الانتفاع بضوئها، والاستدفاء بها، وتجفيف الثياب بها. أمّا إِذا أراد أن يأخذ الجمر، فليس له ذلك إلاّ بإذن صاحبها. ذكره القُدُورِيّ.

(وَلا إجَارَتُهَا) أي ولا يجوز إجارة المراعي التي هي الكلأ، لأن إجارتها تقع على استهلاك عين غير مملوكةٍ، وتلك الإجارة غير جائزةٍ كما استأجر بقرة ليشرب لبنها لا يصحّ، لأنّ محل الإجارة المنافع لا الأعيان. فالإجارة على استهلاك عينٍ مباحةٍ أولى. والحيلة في إجارة المراعي في الأرض المملوكة: أن يستأجر موضعها من الأرض ليضرب فيه فسطاطاً، أو ليجعله حظيرة لغنمه، فتصحّ الإجارة، ويبيح له صاحب المَرْعَى الانتفاع بالمَرْعَى فيحصل مقصودها.
---
(4/122)
________________________________________
***
(ولا) بيع (النَّحْلَةِ إلاّ مَعَ الكُوَّارَاتِ) ـ بضم الكاف وتشديد الواو ـ، وفي الصحاح كُوَّارات النَّحل: عسلها في الشَّمع. أمّا عدم جواز بيع النّحل وحده فعند أبي حنيفة رحمه الله، وأبي يوسف رحمه الله. وقال محمد ومالك والشَّافعيّ وأحمد: يجوز بيعه وحده إذا كان مجموعاً، لأنه حيوان يُنْتَفَعُ به ويُتَمَوّلُ، فيصح بيعه وإن لم يؤكل كالبغل والحمار. ولهما: أنّه من الهوامِّ، فلا يصحّ بيعه كالُزّنْبُور. وفي «الذَّخيرة»: الفتوى على قول محمد.
(وَلاَ) بيع (أَجْزَاءِ آدَمِيِ) لكرامته، فلا يجوز بيع شعر الإنسان لأنه جزؤه، ولا بيع لبن المرأة ولو في قدحٍ، حرّةً كانت أو أمة، ولا يضمن متلفه. وقال الشَّافعيّ: يجوز حرةً كانت أو أمةً ويضمن متلفه، لأنّه مشروبٌ طاهرٌ كلبن الشّاة. وقال أبو يوسف: إن كانت أمةً يجوز، وإن كان حرّةً لا يجوز اعتباراً للَّبن بأصله لكونه متولِّداً منه.
ولهما أنه جزء الآدميّ بدلالة أنّ الشّرع أثبت به حرمة الرضاع بمعنى البعضيّة، والآدمي بكلّ أجزائه مكرمٌ مَصونٌ عن الابتذال والامتهان بالبيع إلاّ فيما حلّ فيه الرّق، والرّق لا يحلّ اللبن، لأنَّه ضعفٌ حكميٌّ، فيختصّ بمحلّ القوة التي هي ضدّه، وهو الحيّ، ولا حياة في اللَّبن لأنه جمادٌ. وليس حلّه على الإطلاق، بل باعتبار حاجة الطفل لأنّه لا يتعدّى بغيره حتّى لو استغنى عنه، لم يبح شربه. حتّى لا يجوز صبّه في عينٍ رَمِدَةٍ عند بعض أصحابنا.
---
(4/123)
________________________________________
***
(وَلاَ) بيع (أجْزَاء الخِنْزِيرِ) لنجاسة عينه، فلا يصحّ بيع شيء منه إهانةً له كالخمر (إلاّ شَعْرَهُ) لِيُنتفعَ به للخرز للضرورة. (ولا) بيع (جِلْدِ المِيْتَةِ قَبْلَ دَبْغِهِ) لحرمة الانتفاع به لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ» وهو اسم لغير المدبوغ، وأمّا بعد الدبغ فَيُبَاعُ ويُنْتَفَعُ به لطهارته، لِمَا في «صحيح مسلم» عن ابن عبّاس قال: تُصُدِّقَ على مولاةٍ لِميمُونةَ بشاةٍ فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هَلاّ أخذتم إهابَها فدبغتموه فانتفعتم به». فقالوا: إنها ميتةٌ. فقال: «إنّما حَرُمَ أكْلُهَا».

(وَلاَ) بيع (دُودِ القَزِّ) بتشديد الزاي، لأنه من الهوام كالزّنبور والحيّة والعقرب، (ولا) بيع (بيضه) لأنه غير منتفع به باعتبار ذاته بل باعتبار غيره، وذلك معدوم في الحال، وفي وجوده خطر في المآل. (خِلاَفاً لَهُمَا) قال محمد: يجوز بيع دود القز وبيضه، وهو قول (مالك) والشَّافعي وأحمد، واختيار الصدر الشهيد، وعليه الفتوى اعتباراً بالعادة. وقال أبو يوسف: يجوز بيع دود القز إن ظهر فيه القز تبعاً له وإلاّ لا، واضطرب قوله في بيض الدُّود.
(ولا) بيع (العُلْوِ بَعْدَ سُقُوطِهِ) بأن كان عُلْوٌ لرجلٍ وسُفْلٌ لآخر، فسقطا أو سقط العُلْوُ وبَقِيَ السُفْلُ فباع صاحب العُلْوِ موضع العُلْوِ لأنّ هذا البيع لم يصادف المحل، لأنّ محل البيع المال، والثابت لصاحب العُلْوِ بعدالانهدام حقّ التَّعلّي، وحقّ التّعلّي ليس بمالٍ لأنه يتعلّق بهواء السّاحة، وهو ليس بمالٍ. قيّد ببعد السقوط لأن بيع العُلْوِ قبل السُّقوط جاز باعتبار البناء القائم.
---
(4/124)
________________________________________
***
(وَلاَ) بيع (شَخضٍ عَلَى أنَّهُ أَمَةٌ وَهُوَ عَبْدٌ) ولا على أنّه عبدٌ وهو أَمَةٌ، والقياس أن يجوز، وهو قول زُفَر، لأنّ هذا اختلاف وصف الذكورة والأنوثة، واختلاف الوصف يوجب الخِيار للمشتري دون الفساد، فصار كما لو اشترى كبشاً فإذا هو نعجةٌ أو بالعكس. أو عبداً على أنه خبازٌ فإذا هو كاتبٌ أو بالعكس. ولنا: أنّ تفاوت الأغراض بين النوعين ملحقٌ باختلاف الجنسين، لأنّ المقصود من البيع حصول الانتفاع بالمبيع على غرض المشتري، فإذا لم يحصل غرضُه ولا أكثره فكأنّه لم يحصل أصلاً. وهذا إذا كان الوصف متفاحشاً، إذ قلة التفاوت لا تُفسد البيع، كما إذا اشترى كبشاً فظهر نعجةً، فإنّ المقصود من الكلّ الأكل، لكنهما مختلفان وصفاً فقلّ التّفاوت.
(وَشَراء مَا بَاعَ) أي ولا يجوز شراء البائع لنفسه أو لغيره من المشتري، أو من وكيله، أو من وارثه ما باع بثمنٍ حال أو مؤجلٍ بنفسه أو بوكيله (بأقلّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ ثَمَنِهِ الأوَّل) إن كان المبيع لم ينقص ذاته، واتّحد الثمنان جنساً. وقال الشّافعيّ: يجوز، لأن الملك تمّ بقبض المبيع، فصار شراء البائع بأقلّ كشراء غيره به، وكشرائه بمثل الثَّمن الأوَّل أو بأكثر منه.
ولنا: ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر والثَّوْرِيّ عن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأةٌ فقالت: يا أمّ المؤمنين، كانت لي جاريةٌ فبعتها من زَيْدِ بن أرْقَم بثمان مئةٍ إلى العطاء، ثم ابتعتها منه بست مئةٍ، فنقدته الست مئة وكتبت عليه ثمان مئة. فقالت عائشة: بئس ما اشتريتِ، وبئس ما اشترى. أخبري زَيْدَ بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ أنْ يتوب. فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذتُ رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ فقالت عائشة: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ}.
---
(4/125)
________________________________________
***
فهذا الوعيد الشديد دلّ على فساد هذا العقد. وإلحاق هذا الوعيد بهذا الصنع الأكيد لا يَهْتَدِي إليه العقل، فدلّ ذلك على أنها قالته سماعاً.
وقال ابن الجَوْزِيّ: قالوا: العَالِيةُ امرأةٌ مجهولةٌ لا يُقْبَلُ خبرها. قلنا: بل هي معروفةٌ جليلة القدر ذكرها ابن سعد في «الطبقات». فقال: إنّ العالية بنت أنفع بن شُرَاحيل امرأة أبي إسحاق السَّبِيعِيّ سمعت من عائشة. وجعل في «مسند أبي حنيفة»: البائع إلى العطاء زيدَ بنَ أرقم، والمشتريَ بست مئةٍ المرأةَ. وهو في «سنن أبي داود» عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم (بالعِينَةِ)، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذُلاً لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم». وروى أحمد بن حنبل في كتاب «الزّهد» بإسنادٍ ـ قال ابن القَّطان: رجاله ثقات ـ عن ابن عمر قال: أتى علينا زمانٌ وما يرى أحدنا أنّه أحق بالدّينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم أصبح الدينار والدرهم أحبَّ إلى أحدنا من أخيه المسلم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ضنّ النّاس أي بخلوا بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينَة، واتّبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أدخل الله، عليهم ذُلاً لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم».
وَالعِينة بالكسر: بيع السلعة بثمن مؤجّلٍ ثم شراؤها بأنقص منه حالاً، ولأن الثّمن لا يدخل في ضمان البائع قبل قبضه، فإذا عاد إليه المبيع بالصّفة التي خرج بها عن ملكه فصار بعض الثمن قصاصاً ببعضه وبَقِيَ فضلٌ بلا عوضٍ، فكان ذلك ربح ما لم يضمن، وهو حرام بالنّص.
---
(4/126)
________________________________________
***
قيّد الشراء بكونه بأقلّ مما باع، لأنه لو كان بمثله أو أكثر منه جاز، لأنّ الفضل في الأكثر يحصل للمشتري والمبيع داخل في ضمانه. وقيّد بكونه قبل نقد الثَّمن، لأنه لو كان بعده جاز. وقيَّدنا بكون الشراء من المشتري منه أو من وارثه، لأنّ المشتري لو باعه من رجلٍ أو وهبه لرجلٍ أو أوصى به لرجلٍ، ثم اشتراه البائع الأول من ذلك الرّجل جاز، لأن اختلاف سبب الملك كاختلاف العين. وقيّدنا بكون المبيع لم ينقص، لأنّه لو تعيّب في يد المشتري، فباعه من البائع بأقل من الثمن جاز، لأنّ ما نقص من الثمن بمقابلة العيب الحادث، فكان البائع مشترياً ما باع بمثل الثمن الأول معنًى.
وقيّدنا النقصان بكونه في الذَّات، لأنّه لو كان في القيمة: بأن تغيّر سعره لم يجز شراؤه بأقل ممّا باع، لأنّ تغيّر السعر غير معتبرٍ في حقّ الأحكام كما في حقّ الغاصب. وقيّدنا باتحاد الثمنين جنساً، لأنّه لو اشتراه بجنسٍ آخر غير جنس الثمن الأوّل جاز وإن كان الثّمن الثاني أقلّ، لأن الرّبح لا يظهر عند اختلاف الجنس، والدّينارُ جنس الدّرهم هنا وفي الشُفْعَةِ خلافاً لزُفَر.

وشراء من لا تصحُّ شهادته للبائع وهو ولده ووالده وزوجته ومُكَاتَبُه فهو كشراء البائع بنفسه. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز غير العبد والمُكَاتَب لتباين الأملاك ، بخلاف العبد، لأنّ كسبه لمالكه، وبخلاف المُكَاتَب لأن للسيد في كسبه حقَّ الملك، فكان تصّرفه كتصرّفه. ولأبي حنيفة أنّ شراء هؤلاء كشراء البائع بنفسه لاتصال منافع الأملاك بينهم، وهو نظير الخلاف في الوكيل بالبيع إذا عقد مع هؤلاء. وشراء المُوَكِّلِ بأقلّ مما باع وكيله لا يجوز، لأنّ وكيله لمّا باع بإذنه صار كأنّه باع بنفسه، ثم اشترى بأقلّ، وشراء الوكيل بأقلّ. ممّا باع لنفسه أو لغيره بأمره قبل نقد الثّمن لا يجوز.
---
(4/127)
________________________________________
***
أمّا شراؤه لنفسه، فلأنّ الوكيل بالبيع أصيلٌ في الحقوق، فكلُّ هذا شراء للبائع من وجهٍ، والثابت من وجهٍ كالثابت من كلّ وجهٍ في باب الحُرُمَاتِ. وأمّا شراؤه لغيره بأمره، فلأنّ شراء المأمور واقعٌ له من حيث الحقوق، فكان هذا شراء ما باع لنفسه من وجهٍ. وشراء البائع من وارث المشتري بأقلّ مما اشتراه المُوَرِّثُ لا يجوز لقيام الوارث مقام المُوَرِّث، بخلاف شراء وارث البائع بأقلّ مما باع مُوَرِّثه، فإنّه يجوز.
(وَلاَ) يجوز (شَرِاءُ مَا بَاعَ مَعَ شَيْءٍ) متعلقٌ بشراءٍ (لَمْ يَبِعْهُ) ـ صفةٌ لشيءٍ ـ (بِثَمَنِهِ الأوَّلِ) ـ متعلّقٌ بشراء ـ وكذا (فِيمَا بَاعَ) يعني أنّ مَنْ باع أمةً بخمس مئةٍ مثلاً، وقبضها المشتري ثم اشتراها منه وأَمَة أخرى معها قبل نقد الثّمن بخمس مئة، فإنّ الشراء في التي لم يبعها منه صحيحٌ، لأنه لم يفسد فيها، وفي الأخرى وهي التي باعها منه باطلٌ، لأنّه لا بدّ أن يجعل بعض الثَّمن بمقابلة التي لم يبعها منه، فيكون مشترياً للأخرى بأقلّ ممّا باع ضرورةً.
(وَزَيْتٍ) أي ولا يجوز شراء زيت ونحوه (عَلَى أنْ يُوزَنَ) الزَّيت (بِظَرْفِهِ ويُطْرَحَ لِلظَّرْفِ) كلّ مرةٍ (كَذَا رَطْلاً) إلاّ أن يكون ذلك وزنه. لأنّ هذا شرطٌ مخالفٌ لِمَا يقتضيه العقد، لأنّه يقتضي أن يُطْرَحَ عنه مقدار وزن الظَّرْف، أيَّ مقدارٍ كان، فإذا شرط أن يُطْرَحَ عنه مقدارٌ معينٌ، وكان ذلك الظَّرْف أنقص من ذلك المقدار أو أكثر منه، كان ذلك الشَّرط مخالفاً لمقتضى العقد، ولأحد العاقدين فيه نفعٌ، لأَنَّ ذلك المقدار إِن كان أَكثر من وزن الظرّف، فللمشتري فيه نَفْعٌ، وإنْ كان أقلّ من وزنه، فللبائع فيه نفعٌ. (بِخِلاَفِ شَرْطِ طَرْحِ وَزْنِ الظَّرْفِ) فإنّ الشِّراء يجوز، لأنّه شرطٌ يوافق مقتضى العقد، لأنّه يقتضي طَرْح وزن الظَّرْفِ، وما يوافق مقتضى العقد يؤكده ولا يفسده.
---
(4/128)
________________________________________
***
(وَالبَيْعُ) أي ولا يجوز البيع (بِشَرْطٍ لاَ يَقْتَضِيهِ العَقْدُ) احترز به عمّا يقتضيه، كشرط الملك للمشتري في المبيع، وشرط تسليم المبيع، وشرط حبس المبيع لاستيفاء الثَّمن، وشرط انتفاع المشتري بالمبيع، لأنّ هذا كله يثبت بمطلق العقد، فلا يزيده الشَّرط إلاّ تأكيداً (وَفِيهِ نَفْعٌ لأحَدِهِمَا) ـ جملة حاليةٌ ـ أمّا البائع: فكما لو باع شيئاً بشرط أن يقرضه المشتري درهما، أو يهدي إليه هديةً، أو باع داراً على أن يسكنها شهراً.
وأمّا المشتري: فكما لو اشترى ثوباً على أن يقطعه البائع ويخيطه قَبَاءً أو قميصاً.
(أوْ) فيه نفعٌ (لِمَبِيعٍ يَسْتَحِقُّ) أي يكون أهلاً للاستحقاق على غيره بأن يكون آدمياً، كبيع عبد بشرط أنْ لا يبيعه المشتري، لأنّ العبد يعجبه أن لا تتناوله الأيدي. واحترز بهذا عمّا لو اشترى دابةً، أو ثوباً. بشرط أنْ لا يبيعه المشتري فإنّ الشرط باطلٌ، والبيع صحيحٌ في ظاهر المذهب. وعن أبي يوسف: أنّ البيع فاسدٌ.
وجه الظاهر: أنّه لا مطالب لهذا الشّرط، فكان لغواً، ولا بدَّ من تقييد الشّرط بكونه لا يلائم العقد احترازاً عمّا يلائمه كالبيع بشرط أن يعطي المشتري بالثمن رهناً أو كفيلاً، فإنّ البيع لا يفسد. ولا بدّ أيضاً من تقييد ما لا يلائم العقد بأنّ الشّرع لم يرد بجوازه، فإنّ ما ورد بجوازه لا يفسد، كالبيع بشرط الخيار أو الأجل، وكذا ما تعارف النّاس عليه كشراء نعلٍ على أن يَحْذُوَه، أو يُشَرِّكَه البائع، فإنّ البيع لا يفسد استحساناً للتعامل، وهو حجةٌ يترك بها القياس. وإنّما لا يجوز البيع بشرط لا يقتضيه العقد لنهيه عليه الصلاة والسّلام عن بيع وشرط. إلاّ أنّ ما ذكرناه من الشُّروط الجائزة مستثنى من هذا النَّهي، فَبَقِي ما عداه داخلاً تحته، ولأنّ الثّمن مقابَل بجميع المبيع، والشَّرط زيادةٌ لا يقابلها شيء من العوض. فأشبه الرِّبا، ولأنّه ذريعةٌ إلى وقوع النِّزاع، فيعرى معه العقد عن مقصوده.
---
(4/129)
________________________________________
***
روى الطَّبَرَانِي في «معجمه الأوْسَطِ» عن عبد الله بن أيوب المقري، عن محمد بن سليمان الذُّهْلي، عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، فسألت أبا حنيفة عن رجلٍ باع بيعاً وشرط شرطاً. فقال: البيع باطلٌ والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائزٌ، والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فسألته فقال: البيع جائزٌ والشرط جائزٌ. فقلت: سبحان الله ثلاثةٌ من فقهاء العراق اختلفوا في مسألةٍ واحدةٍ. فأتيت أبا حنيفة فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعِ وشرطٍ. البيع باطلٌ، والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة أنَّها قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اشتري بَرِيرَة فأعتقها. البيع جائزٌ، والشرطُ باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فأخبرته. فقال: لا أدري ما قالا: حدّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن مُحَارب بن دِثَارٍ، عن جابر قال: بعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة. البيع جائزٌ، والشرطُ جائزٌ.

(وَلاَ) يجوز بيع الرَّقيق (بِشَرْطِ الإعْتَاقِ) وقال مالك: يجوز. وهو روايةُ الحسن عن أبي حنيفة، وقول للشافعي، وأَصحّ الروايتين عن أحمد. (وإلى أَجَلٍ) عطفٌ على شرطَ، أي لا يجوز البيع بثمن غير معين إلى أجلٍ (جُهِلَ) كالحصاد، والدِّيَاس، وقدوم الحاج، لأنّ هذه الأشياء تتقدّم وتتأخرّ لكونها من أفعال العباد تثبت بحسب ما يبدو لهم، فكان التأجيل بها يفضي إلى المنازعة. والآجال شرعت بالأوقات، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ للنَّاسِ}
---
(4/130)
________________________________________
***
. (قيدنا بالثمنٍ غير المعيّن، لأنّ تأجيل المبيع المعيّن يفسد البيع سواء كان الأجلُ مجهولاً أو معلوماً، وكذا تأجيل الثَّمن) المعيَّن لأَنه مبيع، وكذا تأجيل العقد لكونه خلاف موجب العقد وهو التأبيد. ولو باع مطلقاً ثم أجّل الثّمن إلى هذه الأوقات صحّ لأن هذا تأجيل الدّين والجهالة في الدّين محتملةٌ، بخلاف ما إذا اشترط في أصل العقد، لأنّ العقد لا يحتمل فيه الجهالة.
(وَصَحَّ) البيع (إنْ أسْقَطَ) الأجل المجهول (قَبْلَ الحُلُولِ) كما لو أسقط الأجل إلى الحصاد مَنْ هو حقّه، وهو المشتري قبل أن يأخذ النّاس في الحصاد. وقال زُفَر والشَّافعيّ: لا يصحّ لأنه انعقد فاسداً فلا ينقلب جائزاً. ولنا إنّ المفسد فيما نحن فيه خارجٌ عن صلب العقد، وقد سقط قبل تقرره فينقلب العقد جائزاً، وهو قول مشايخ العراق. وقال غيرهم: إن العقد انعقد موقوفاً، وبالإسقاط تبيّن أنّه كان جائزاً، وهو الصحيح، لأنّ فساد العقد باعتبار إفضائه إلى المنازعة، وقبل مجيء الأجل لا منازعة.
(وإنْ قَبَضَ المُشْتَرِي المَبِيعَ بَيْعاً فَاسِداً) وكان قبضه (بِرَضَا بَائِعِهِ صَرِيحاً) أي رضاً صريحاً كَاقْبِضْهُ أو خُذْهُ أو تَسَلَّمْهُ، وهذا قبل الافتراق أو بعده (أوْ دَلاَلَةً) قبل الافتراق (كَقَبْضِهِ) بحضرة البائع (في مَجْلِس عَقْدِهِ وَكُلٌّ مِنْ عِوَضَيْهِ) أي البيع (مَالٌ) ـ جملة حالية ـ (مَلَكَهُ) أي المشتري المبيع ملكاً خبيثاً بالقيمة. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا يملكه لأنّ البيع الفاسد محظورٌ لكونه منهياً عنه، والنهيَّ يقتضي التَّحريم، والملك نعمة لكونه ذريعةً إلى قضاء المآرب ووسيلةً إلى درك المطالب، والنعمة لا تُنَاط بالمحظور لاشتراط الملاءمة بين المناط والمُناط به.
---
(4/131)
________________________________________
***
ولنا: إنّ ملزوم الملك وهو البيع تحقّق، فيتحقّق الملك لأنّ البيع الفاسد بيعٌ حقيقةً لصدور ركنهِ وهو مبادلة المال بالمال بالتَّراضي من أهله، فإنّ أهل الشيء مَنْ يكون قادراً عليه لتندفع به حاجته، مضافاً إلى محل قابلٍ لحكمه إذ الكلام فيه، فيترتب حكمه وهو الملك، ونعمة الملك ما انيطت بالمحظور بل بالبيع، وهو غير محظور، إنّما المحظور ما يتصل به من الشرط الفاسد ونحوه كما في البيع وقت النِّداء، فإنّ النّهي ورد فيه لمعنى غير البيع، وهو الاشتغال عن السَّعْي بسبب البيع.

(والاشتغال عن السعي غير البيع)، وإنّما شرط أنْ يكون كل من عِوَضَيْهِ مالاً ليثبت ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال. ويشترط أيضاً أن لا يكون للبائع خِيار الشَّرط، لأن شرط الخِيار يمنع الملك في البيع الجائز، ففي الفاسد أولى. وإنّما لم يحِلّ وطىء الجارية، ولا أكل الطَّعام لأنّ في كل منهما إعراضاً عمّا هو واجب عليه، وهو الرّدّ.
(وَلَزِمَهُ) أي المشتري (مِثْلُهُ حَقِيقَةً) أي صورةً (أوْ مَعْنًى) وهو قيمته يوم القبض، لأنه به يدخل في ضمانه. وعند محمد: يوم التلف، لأنّه به يتقرَّر عليه. وإنّما لزم المشتري مثلُه لأنّه مضمونٌ بالقبض كالغصب، والمثل صورةً ومعنى لا يكون إلاّ فيما هو من ذوات الأمثال، وهو أعدل من المِثْل معنًى، فلا يُصَار إليه مع إمكان الأوَّل.
(فإنْ كَانَ الفَسَادُ) لجهالة الأجل أو (بِشَرْطٍ زَائِدٍ) فيه نفعٌ لأحد العاقدين، وكانت العين باقيةً (فَلِمَنْ لَهُ الشَّرْطُ) وهو المنتفع به (فَسْخُهُ) بحضرة صاحبه لأنّ منفعة الشّرط لمّا كانت عائدةً إليه، كان الفسخ له دون الآخر، لأن في فسخ الآخر إبطال حقّ من له منفعة الشَّرط، وهو تصحيح العقد بإبطال ذلك الشَّرط، وهذا عند محمد. وقالا: لكلّ واحدٍ من المتعاقدين الفسخ لأنّه حقّ الشّرع، فانتفى اللّزوم عن العقد.
---
(4/132)
________________________________________
***
(وإلاَّ) أي وإن لم يكن الفساد لشرطٍ زائدٍ بل كان في صلب العقد: بأن كان في أحد العِوَضَيْنِ كما لو باع درهمين بدرهم أو ثوباً بخمرٍ (فَلِكُلّ مِنْهُمَا) أي من العاقدين فسخه بعد القبض، لأنّ إعدام الفساد واجبٌ حقاً للشّرع، وقبل القبض لكن بمْحضَرٍ من الآخر، لأنّ البيع الفاسد قبل القبض لمّا لم يُفِد الملك كان فسخه أمتناعاً عن القبض، وإنّما توقّف على حضور الآخر لأنه إلزام موجب الفسخ، فلا يلزمه إلاّ بعلمه.
(فَإِنْ خَرَجَ) المبيع بيعاً فاسداً (مِنْ مِلْكِ المُشْتَرِي) ببيعٍ صحيحٍ، أو بهبةٍ وتسليمٍ، أو بعتقٍ (أوْ بَنَى) المشتري (فِيهِ) أو غرس، أو اتخذه مسجداً (فَلاَ فَسْخَ) لأنّ المشتري ملك المبيع بالقبض فينفذ تصرّفه فيه، وينقطع حقّ البائع من الاسترداد، سواء كان تصرّفاً لا يحتمل النقض كالإعتاق، أو يحتمله كالبيع، لأنّ بهذه التصرّفات تعلّق حقّ العبد، وبالبيع الفاسد تعلّق حقّ الشّرع وهو الفسخ، فيغلب حقّ العبد ـ لحاجته ـ على حقّ الشّرع لغناه.
قيدّ الخروج بكونه من الملك، لأنّ المشتري لو أجّر المبيعِ، أو أنكحه لم ينقطع حقّ الفسخ، لأنّ النِّكاح لا يمنع فسخ البيع، فَيُفْسَخُ وتُرَدّ الأمة على البائع، والنِّكاح على حاله. والإجارة تفسخ بالأعذار، ودفعُ الفساد عذرٌ. وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لا ينقطع حقّ الفسخ بشيءٍ من ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ينقطع بالبناء والغرس بل ينقض ويردّ المبيع على صاحبه.
---
(4/133)
________________________________________
***
(وَطَابَ لِلْبَائِعِ ربْحُ ثَمَنِهِ) أي ثمن المبيع بيعاً فاسداً إذا كان دراهم أَو دنانير (بَعْدَ التَّقَابُضِ) ـ متعلّقٌ بربح ـ (وَلاَ لِلْمُشْتَرِي) أي ولا يطيب للمشتري (رِبْحُ مَبِيعِهِ) أي مبيعِ البيع الفاسد بعدالتَّقابض (فَيَتَصَّدقُ) المشتري (بِهِ) أي بربحه، حتّى لو اشترى أمةً شراءً فاسداً بألِفِ درهمٍ وتقابضا وربح كلّ واحدٍ منهما فيما قبض، طاب للبائع ما ربح في الثَّمن، ولم يطب للمشتري ما ربح في الأَمة. والفرق أنّ الأَمة ممّا يتعينّ، فيتعلَّق العقد بعينها فيتمكن الخَبَثُ في ربحها فيتصدق به، والدراهم والدنانير لا تتعّينان في العقود، فلا يتعلّق العقد بعينها، فلا يتمكن الخَبَثُ في ربحهما.
هذا، والبيع الباطل لا يُفِيد الملك بالقبض ولو كان بإذنٍ من المالك، ولا ملك التّصرّف، لأنّه (يُبْنَى على الملكِ، والملكُ) يُبْنَى على العقد الصحيح أو القبض في العقد الفاسد. ثُمَّ المقبوض في البيع الباطل أمانةٌ عند أبي حنيفة، لأنّ العقد باطلٌ، والباطل غير مُعتبرٍ والقبض بإذن المالك، فيكون أمانةً. وقالا: إنّه مضمونٌ بالقيمة لو كان قيمياً، وبالمِثْل لو كان مثلياً إذا هلك عند المشتري، كالمقبوض في البيع الفاسد، والمقبوض على سَوْم الشراء. هذا وإذا اشترى مَكِيلاً كالتّمر، أو موزوناً كالسمن كيلاً ووزناً حَرُمَ عليه بَيْعه وأكله، أو شيءٍ منه حتّى يكيله أو يزنه.
---
(4/134)
________________________________________
***
وأصله أن الأموال ثلاثة أنواع: مقدّرات، كالمكيلات والموزونات، والعدديات المتقاربة، والمَذْرُوَعات؛ فإن اشترى شيئاً منها مشاراً إليها مجازفةً صحَّ التصرفُ فيه بعد القبض، لأنه معلوم بالإشارة، وإن اشترى شيئاً منها بشرط كيلٍ أو وزنٍ أو ذرعٍ أو عد، فإن لم يقبض بَطَلَ التّصرف فيه، وبعد القبض لم يجز التّصرف في المكيل والموزون، لنهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان: صاعُ البائع، وصاعُ المشتري، فيكون لصاحبه الزيادة، وعليه النقصان. رواه البزَّار عن أبي هُرَيْرَةَ.
والنهي عن البيع يقتضي الفساد إذا كان لمعنى في البيع، وقد وُجِدَ إذ البيع يتناول ما يجوز به الكيل والوزن، وهو مجهولٌ، فربَّما يزيد أو ينقص، فما لم يكل لنفسه أو يزن لا يمتاز المبيع عن غيره، فكان المبيع مجهولاً فيفسد البيع. ولأنّ أصل القبض شرط جواز التّصرّف في المبيع، فكان تمام القبض شرطاً أيضاً. والكيلُ والوزن فيما بيع كيلاً ووزناً من تمام القبض، لأنّ القَدْر المقصود عليه فيما بيع كيلاً ووزناً حتّى يلزمه ردّ الزيادة إن زاد، ونقص الثّمن بحِصته إن نقص. والقبض غير معتبرٍ لتوهم الزّيادة والنقصان.

ولا معتبر بكيل البائع قبل البيع وإن كان يحضره المشتري، لأن الشرط صاع البائع والمشتري، ولم يوجد. ولو كاله البائع (بعد البيع) بحضرة المشتري، قيل: لا يكفي لظاهر ما روينا. والصحيح أنه يكفي، وعليه الجمهور، إذ الغرض منه إعلام المبيع وافرازه، وذا حاصلٌ بالكيل مرةً. والحديث محمولٌ على بيع العين ممّا كان مكيلاً مكايلة بعدما اشتراه فإنه يحتاج إلى كيلين والعددي المتقارب كالجوز والبيض، كالموزون في أظهر الرّوايتين عن أبي حنيفة. وقالا: هو كالمذروع، وهو رواية عنه إذ لا يجري الرِّبا بين المعدودَين كما لا يجري بين المذروعيْن.
---
(4/135)
________________________________________
***
(وَكُرِهَ) (وهو رواية) عندنا وعند الشَّافعيّ (النَّجَشُ) ـ بفتح النون والجيم ويسكن ـ وهو أن يزيد في الثَّمن ولا يريد الشّراء بل يُرَّغِبُ غيره. (وَ) كُرِهَ (السَّوْمُ) أي سوم الشخص السلعة وهو طلبها بالثمن (عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ إذَا رَضِيَا) أي ربّ السّلعة والذي سام أولاً (بِثَمَنٍ) قيّد به لأنّهما لو لم يرضيا بثمنٍ فلا بأس به، لأنّه بيع مَنْ يزيد. (وَ) كُرِهَ (تَلَقِّي الجَلَبِ) أي المجلوب وهو ما يُجَاء به من بلد إلى بلد للتّجارة (المُضِرُّ بأَهْلِ البَلَدِ) قيّد بأهل البلد لأنّ الذي لا يضرّ بهم لا بأس به إلاّ إذا لُبِّسَ السعر على الجالبين.
(وَ) كُره بيع (الحَاضِرِ لِلْبَادِي زَمَانَ القَحْطِ) وهو أن يجلب البادي السلعة فيأخذها الحاضر ليبيعها له بعد وقتٍ بأعلى من السعر الموجود وقت الجلب. وقيل: هو أن يجيء البادي بالطعام إلى المِصْرِ فلا يتركه السمسار الحاضر يبيعه (بنفسه، بل يتوكّل عليه ويبيعه)، ويغلّي على النَّاس السعر. وإنّما نُهِيَ عنه لأنّه لو تركه يبيعه بنفسه لربّما رخَّص السّعر. وقيل: هو أنْ يكون أهل البلد في قحطٍ وهو يبيع من أهل البدو طَمَعاً في الثَّمن الغالي، وعلى هذا فاللام بمعنى مِن.
روى الشيخان من حديث أبي هُرَيْرَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن تَلَقِّي الرُّكْبَان، وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ، وأن تسأل المرأة طلاق أختها، وعن النَّجَشِ، والتَّصْرِيَةِ، وأن يَسْتَامَ الرُّجل على سوم أخيه. ورويا أيضاً عن طَاوُس، عن ابن عبّاس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتلقّى الركبان، وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ. قال: قلت لابن عباس: ما قوله حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمساراً.

(وَ) كُرِهَ (الَبْيَعُ وَقْتَ النِّدَاءِ) للجمعة، لقوله تعالى: {وَذَرُوا البَيْعَ}
---
(4/136)
________________________________________
***
، ولأنّ فيه إخلالاً بالواجب وهو السعي إذا قعدا للبيع أو وقفا له. قيل: ولو تبايعا وهما يمشيان، لا بأس به، وهذا مُشْكِل فإنّ الله تعالى قد نهى عن البيع مطلقاً. ثم المعتبر هو النِّداء الأول إِذا وقع بعد الزَّوال على المختار. وإنّما كُرِهَ البيع في جميع هذه الصور ولم يفسد خلافاً لمالك، لأنّ النهي عنها لمعنًى مجاورٍ للبيع لا في صلبه، ولا في شرطِ صحته. والنهي الوارد لمعنى مجاورٍ لا يقتضي الفساد، بل يقتضي الكراهة.
(وَ) كره تحريماً (تَفْرِيقُ صَغِيرٍ) أي غير بالغٍ (عَنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) سواء كان صغيراً أو كبيراً، بِبَيْعٍ وغيره، لِمَا روى الترمذي في البيوع وفي السِّيَر، ـ وقال: حسنٌ غريبٌ ـ عن أبي أيُّوب الأنْصَارِيّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من فرّق بين والدة وولدها، فرّق اللهاُ بينه وبين أحبّته يوم القيامة».
ورواه أحمد في «مسنده» بزيادة قصّة فيه ولفظه: عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ قال: كنّا في البحر وعلينا عبد الله بن قَيْس الفَزَارِيّ، ومعنا أبو أيُّوب الأنصاريّ، فمرّ بصاحب المَقَاسِم وقد أقام السبيّ، فإذا امرأةٌ تبكي فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: فرّقوا بينها وبين ولدها، فانطلق أبو أيوب فأتى بولدها حتّى وضعه في يدها، (فانطلق صاحب المَقَاسم إلى عبد الله بن قيس فأخبره)، فأرسل إليه عبد الله بن قَيْس فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من فرّق...». الحديث.
---
(4/137)
________________________________________
***
وفي «المعرفة» للبَيْهَقِيّ بسنده، عن جَعْفَرِ بن محمد، عن أبيه، عن جده، أنّ أبا أُسَيْد جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْيٍ من البحرين فنظر عليه الصلاة والسلام إلى امرأة منهنّ تبكي فقال: «ما شأنُكِ؟» قالت: باع ابني، فقال عليه الصلاة والسلام لأبي أُسَيْد: «أَبِعْتَ ابنها»؟ قال: نعم. قال: «فيمن»؟ قال: في بني عَبْس. فقال عليه الصلاة والسلام: «اركب بنفسك فَأْتِ به».
وروى الدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن أبي موسى قال: لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من فرّق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وأخيه. وروى ابن ماجه والترمذي ـ وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ ـ، عن عليّ ابن أبي طالب، قال: وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عليّ ما فعل غلاماك؟». فأخبرته، فقال: «ردّه ردّه». وفي «سنن الدَّارَقُطْنِي» «والمستدرك» عن عليّ قال: قَدِمَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فأمرني ببيع أخويْن فبعتهما وفرّقت بينهما، ثم أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «أدركهما فارتجعهما وبعهما جميعاً، ولا تفرّق بينهما». قال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرّجاه. ولأنّ الصغير يَستأنس بالصغير وبالكبير، والكبير يُشفق على الصغير ويقوم بحوائجه للشفقة الثابتة من قرب القرابة، ففي التفريق بينهما إيحاش الصغير وترك الترحّم عليه، وهو منهيٌّ عنه.
---
(4/138)
________________________________________
***
ثم المنع من التّفريق معللٌ بالصّغر والقرابة المُحَرِّمَة للنِّكاح، فلا يدخل فيه الكبيران، لأنّ كل واحدٍ منهما يقوم بحوائجه ولا يستأنس بالآخَر عادةً، بل ربّما يتأذّى به. ولأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فرّق بين مارية وسيرين، وكانتا أمَتَيْنِ أختيْن كبيرتيْن. وسيرين بالسين المهملة على ما ذكره ابن الهُمَام. ولا مَحْرَمٌ غيرُ قريبٍ كامرأة الأب، ولا قريبٌ غيرُ مَحْرَمٍ كابن العمّ، ولا الزوجان وإن كانا صغيرين لعدم هذه القرابة. ولو اجتمع مع الصغير عددٌ من أقاربه، لا يُفَرَّقُ بينه وبين أحدٍ سواء اختلفت جهة القرابة كالعمّ والخال، أو اتّحدت كخالين عند أبي يوسف، لأنه يَسْتَوحِشُ بفراق الكلّ. وقيل: لو اتّحدت الجهة يُتْرَكُ واحدٌ ويُفَرِّقُ بينه وبين الباقي إن شاء. أمّا لو اجتمع مع أبويه، فلا يفرّق بينه وبين واحدٍ منهما، لأنه لا يُسْتَغْنَى بأحدهما عن الآخر.
وفي «شرح الوافي»: مَسْبِيَّةٌ معها صبيّ ادّعت أنه ابنها، لا يثبت نسبه منها لأنها تحمل النَّسب على الغير، ولا يُفَرَّقُ لأنّ قول الواحد مقبولٌ في الديانات خصوصاً فيما يُبْنىَ على الاحتياط.
وإذا وقع تفريق بين صغيرٍ وذي رَحمٍ مَحْرَمٍ منه ببيع، نفذ في الكلِّ عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول للشافعيّ. وعن أبي يوسف: لا يجوز في قرابة الولاد لقوتها، ويجوز في قرابة غيرها لضعفها، وهو الأصحّ في مذهب الشّافعيّ. وقال مالك: لا يجوز في الأمّ فقط، وعن أبي يوسف أيضاً، وهو قول أحمد: لا يجوز في الكلّ، لأنّ الأمر بالردّ في الحديث السابق لا يكون إلاّ في البيع الفاسد، وهو قول الحسن بن زياد. وذكر الطَّحَاويّ قول محمد مع أبي يوسف. وذكره الكَرْخِيّ مع أبي حنيفة رحمه الله.
---
(4/139)
________________________________________
***
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنّ ركن البيع صَدَر من أهله مضافاً إلى محله فينفذ، والنهي عن بيع أحدهما لمعنى مجاورٍ للبيع غير متصلٍ به، وهو الإضرار بالصغير، فلا يفسُد العقد كالنهيّ عن السَّوْم على سَوْم غيره.
(لاَ بَيْعَ مَنْ يَزِيدُ) أي لا يكره، لِمَا روى أصحاب «السنن الأربعة»، عن أنس بن مالك: أنّ رجلاً من الأنصار أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: «أما في بيتك شيءٌ»؟ قال: بلى، حِلْسٌ ـ أي كساء ـ نَلْبَسُ بعضه ونبسط بعضه، وقَعْبٌ ـ أي قدح ـ نشرب فيه الماء. قال: «ائتني بهما»، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «مَنْ يشتري هذين؟» فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: «من يزيد على درهم» مرتين أو ثلاثاً ـ قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه فأخذ الدّرهمين فأعطاهما الأنصاريّ. وقال: «اشترِ بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قَدُوماً فائتني به»، فأتاه به فشدّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عُوداً بيده ثمّ قال: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أرَينَّك خمسة عشر يوماً». فذهب الرّجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نُكْتَةً في وجهك يوم القيامة».

قال الزَّيْلَعِيّ في «شرح الكنز»: ومن مشايخ بُخَارَى مَنْ جعل بيع الوفاء، كبيع المُكَره، منهم الإمام ظهير الدّين، والصدر الشهيد حُسَام الدِّين، والصدر السعيد تاج الإسلام. وصورته: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين بدينٍ لك، على أَني متى قضيت الدّين فهو لي. فجعلوه فاسداً باعتبار شَرْط الفسخ عند القدرة على إيفاء الدين، فيفيد الملك عند اتصال القبض وينقض بيع المشتري كبيع المُكْره، لأنّ الفساد باعتبار عدم الرِّضا فكان حكمه كحكم بيع المكره في جميع ما ذكرنا.
---
(4/140)
________________________________________
***
ومنهم مَنْ جعله رهناً، منهم: السيد الإمام أبو شجاع، وعليّ السُّغْدِيّ، والإمام القاضي الحسن المَاتُرِيدِي. قالوا: لَمّا شرط عليه أخذه عند قضاء الدين كان بمعنى الرّهن، لأنه هو الذي يُؤْخَذُ عند قضاء الدّين، والعبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ، حتّى جُعِلَت الكَفَالَة بشرط براءة الأصيل حَوَالَة، وبالعكس كفالة، والاستصناع عند ضَرْب الأجل سَلَماً، فإذا كان رهناً لا يملكه ولا ينتفع به. وأيّ شيءٍ أُكِلَ من زوائده يضمن ويستردّه عند قضاء الدين. ولو استأجره البائع، لا تلزمه أجرته، كالرّاهن إذا استأجر المرهون وانتفع به وسقط الدين بهلاكه، فيثبت به جميع أحكام الرّهن. ومن مشايخ سَمَرْقَنْد من جعله بيعاً جائزاً مفيداً بعض أحكامه، منهم الإمام نجم الدين النَّسَفِيّ، فقال: اتّفق مشايخنا في هذا الزَّمان فجعلوه بيعاً جائزاً مفيداً لبعض الأحكام ـ وهو الانتفاع به ـ دون البعض، وهو البيع لحاجة النّاس إليه ولتعاملهم فيه، والقواعد قد تترك بالتعامل. وجوّز الاستصناع لذلك، وقال صاحب «النهاية»: وعليه الفتوى.
ومن المشايخ من جعله باطلاً واعتبره بالهازل. وقال في «الكافي»: والصحيح أنّ العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهناً، ثم ينظر إِن كانا اشترطا الفسخ في البيع، فسد البيع وإن لم يذكرا ذلك في البيع، وتلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء أو بالبيع الجائز. وعندهما: هذا البيع عبارة عن بيعٍ غير لازمٍ فكذلك. وإن ذكرا البيع من غير شرطٍ ثم ذكرا الشرط على وجه الميعاد جاز البيع، ويلزمه الوفاء بالميعاد، لأنّ المواعيد قد تكون لازمةً.
---
(4/141)
________________________________________
***
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العِدَةُ دينٌ». فيجعل هذا الميعاد لازماً لحاجة النّاس إليه. وقال جلال الدين في «حواشي الهداية»: وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين بألفِ درهمٍ على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع العين إليّ. ثم قال: ويُسمّى هذا بيع الوفاء، وهذا البيع موجودٌ في المِصْر يُتَعَامَلُ به ويسمّونه بيع الأمانة. والله تعالى أعلم.

فصلٌ الإقَالَةُ
(الإقالَةُ) مندوبة لِمَا في «سنن أبي داود وابن ماجه»، عن أبي هُرَيْرَةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أقال مسلماً بيعتَهُ، أقال اللهاُ عثرتَه». زاد ابن ماجه: «يوم القيامة». وفي رواية البَيْهَقِيّ: «من أقال نادماً». وهي تصح بايجابٍ كـ: أقلتك، وقَبُولٍ في المجلس من الآخر، وبتعاطٍ أيضاً. (فَسْخٌ في حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ) عند أبي حنيفة إلا أن لا يمكن جعلها فسخاً (فَتَبْطُلُ) الإقالة (بَعْدَ وِلاَدَةِ المَبِيعَةِ) بعد القبض، لأنّ الزّيادة المنفصلة تمنع الفسخ بخلاف المتَّصلة عند أبي حنيفة رحمه الله (وَبَيْعٌ) جديدٌ (في حَقِّ الثَّالِثِ) إنْ وُجِدَ كالشفيع، (فَيَجِبُ بها)
أي بالإقالة (الشُّفْعَةُ) للشفيع الذي سُلِّمَ الشُّفْعَة في البيع لأنه ثالثٌ، وكذا الاستبراء في إقالة الأَمة.
وقال أبو يوسف، والشافعيّ في القديم، ومالك: بيع في حقّ الكل بعد القبض (إلاّ إذا تعذّر جعلها بيعاً، بأن كانت قبل القبض في المنقول، أو كانت بعد هلاك أحد العِوَضيْن في المقايضة، فيجعلها أبو يوسف) فسخاً إلاّ إذا تعذّر جعلُها فسخاً بأن تقايلا قبل القبض في المنقول على خلاف الجنس أو المقدار، فتبطل الإقالة، لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، والفسخ يكون بالثَّمن الأوّل وقد سمّيا ثمناً آخر، فتبطل الإقالة ويبقى البيع الأول على حاله.
---
(4/142)
________________________________________
***
وقال محمد والشّافعي في الجديد، وزُفَرُ: فسخٌ في حقّ الكلّ إن كانت بالثّمن الأوّل أو بأقلّ، إلاّ إذا تعذَّر جعلها فسخاً (بأن تقايلا بعد القبض بالثّمن الأول بعد الزِّيادة المنفصلة، أو تقايلا بعد القبض بخلاف جنس الثَّمن الأوّل، فيجعل بيعاً إلاّ إذا تعذّر جعلها بيعاً بأن تقايلا قبل القبض في المنقول على خلاف الجنس أو المقدار)، فتبطل الإقالة ويبقى البيع على حاله.
(وَصَحَّتْ) الإقالة (بِمِثْلِ الثَّمَنِ الأوّلِ) جنساً وقدراً (وإنْ شَرَطَ غَيْرَ جِنْسِهِ) كما لو كان الثَّمن دراهم وأقال على دنانير، لأنّ غير جنس الثَّمن ليس ثابتاً في المفسوخ ورفع ما ليس ثابتاً محالٌ، فيكون تسمية غير جنس الثَّمن في الإقالة شرطاً فاسداً، والإقالة لا تبطل بالشُّروط الفاسدة، (أوْ) إنْ شَرَطَ (أكْثَرَ مِنْه) أي من الثَّمن لأنّ الزِّيادة يتعذّر الفسخ عليها، لأنّها لم تكن ثابتة في المفسوخ، فيكون تسميتها شرطاً فاسداً فيلغو. وهذا يؤيد قول أبي حنيفة ومحمد: أَنّ الإقالة فسخٌ، إذ لو كانت بيعاً لبطلت بالشرط الفاسد كالبيع.
---
(4/143)
________________________________________
***
(وكذا) تصحُّ الإِقالة بِمثل الثمن الأَوّل وإِن شَرَط (الأَقلّ)، فلو تقايلا بخمس مئة والمبيع بحاله لم يتعيّب وكان الثمن أَلفاً صحت الإِقالة بأَلف، لأَنه لا يمكنُ تصحيحُهما بخمس مئة فيبطُل ذكر الخمس مئة، وتبقى الإِقالة، فيجب على البائع ردّ الأَلف على المشتري (إِلاَّ إِذا تعيَّب) المبيع: بأَن حدث به عيبٌ عند المشتري، فإنّ الإقالة تصحّ بالأقلّ حينئذٍ ويكون المحطوط من الثَّمن بإزاء العيب، وهذا كله عند أبي حنيفة. وأمّا عندهما، ففي أكثر من الثّمن يكون بيعاً، لأن البيع أصلٌ عند أبي يوسف وكان جعلها بيعاً ممكناً، وبالزيادة ظهر قصد البيع فيجعل بيعاً عند محمد، وكذا في أقلّ من الثّمن يكون بيعاً عند أبي يوسف لأنّه الأصل عنده، وفسخاً بالثّمن الأوّل عند محمد لأنه سكوت عن بعض الثَّمن الأوَّل، وهو لو أقال وسكت عن الثَّمن الأوَّل يكون فسخاً، فهذا أحقّ.
(وَلَمْ يَمْنَعْهَا) أي الإقالة (هَلاَكُ الثَّمَنِ بَلْ) يمنعها (هَلاَكُ المَبِيعِ) لأنّ الإقالة رفع البيع، ورفعه يستدعي قيامه، وقيامه بالمبيع دون الثّمن. ولهذا لو هلك المبيع قبل القبض يبطل البيع، ولو هلك الثمن قبله لا يبطل. (وَهَلاَكُ بَعْضِهُ) أي المبيع (يَمْنَعُ) من الإقالة (بقدره) اعتباراً للجزء بالكلّ، فتجوز الإقالة في الباقي، ويمتنع في الهالك. ولو باع بشرط الإقالة، إذا ردّ البائع الثَّمن عند أكثر المشايخ له حكم الرَّهن، فلا يباح للمشتري أن ينتفع به بدون إذن البائع، ويسقط الدّين بهلاكه. وعند بعض المشايخ: هو باطلٌ لأنّه تلاعب.
---
(4/144)
________________________________________
***
وقال نجم الدين النَّسَفِي : اتّفق مشايخنا في هذا الزَّمان على جوازه لحاجة النّاس إليه وتعاملهم به، والقواعد قد تترك بالتعامل كما في الاستصناع. وفي «النهاية»: وعليه الفتوى. وفي «الخَانِيَّة»: الصحيح أنّ العقد إن كان بلفظ البيع لا يكون رهناً، ثم ينظر فإنْ ذُكِرَ الشرط فيه يفسد، وإن ذُكِرَ قبله أو بعده على وجه المواعدة يصحّ العقد، ويلزم الوفاء بالعهد لحاجة الناس.

فصلٌ

(في التَّوْلِيَةِ والمُرَابَحَةِ)
(التَّوْلِيَةُ) لُغَةً: جعل الشيء والياً لغيره.
وشرعاً: (أنْ يَشْتَرِطَ) البائع (في البَيْعِ أنّهُ بِمَا شَرَى) أَي بقدره وجنسه لا بنفسه، لأنّ نفس ما شرى به صار ملكاً للبائع الأوَّل، فلا يمكن البيع به إلاّ إذ صار ملكاً للمشتري. ولو قال: «بما قام عليه» بدل قوله: «بما شرى»، لكان أولى، لأنّ الصبغ والقِصَارة ونحوهما يُضَمُّ إلى الثَّمن الأوّل (والمُرَابَحَةُ بِهِ) أي بما شرى، فهي أن يشترط البائع في البيع أنّه بما شرى (مَعَ فَضْلٍ) وأمّا إذا كان بأقلّ من الثَّمن فوضيعةٌ. وهما بيعان جائزان لتعامل النّاس بهما من غير نكير، ولِمَا روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه»، عن مَعْمَر، عن رَبِيعَة ابن أبي عبد الرّحمنِ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التَّوْلِيَةُ، والإقَالَةُ، والشَّرِكَةُ سواءٌ لا بأس به». وروى ابن أبي شَيْبَة في «مصنفه»، عن الحسن وابن سيرين وطاوس أنهّم قالوا: التَّوْلِيَةُ بيعٌ.
---
(4/145)
________________________________________
***
وفي البخاري عن عائشة أنّ أبا بكرٍ قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: خذ بأبي أنت وأمي (يا رسول الله) إحدى راحلتيّ هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بالثَّمن». وفي «سيرة ابن إسحاق»: فلمّا قرّب أبو بكر رضي الله عنه الرَّاحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبي وأمي يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أركب بعيراً ليس لي». فقال: هي لك يا رسول الله. قال: «لا، ولكن بالثَّمن الذي ابتعتها به». قال: كذا وكذا، قال: «أخذتها بذلك». قال: هي لك يا رسول الله، فركبا وانطلقا.
وفي «طبقات ابن سعد»: وكان أبو بكر قد اشتراهما من نَعَمِ بني قشير بثمان مئة درهمٍ، فأخذ إحداهما وهي القصوى. ولأنّ شرائط الجواز متحقّقة فيهما، وقد مسّت الحاجة إليهما، لأن غير الفَطِن في الشِّراء يحتاج إلى أنْ يعتمد على فعل الماهر فيه، فيشتري عنه بمثل ما اشترى وبزيادة ربحٍ، لئلا يُغْبَنَ بأكثر ممّا لو لم يعتمد على فعله، ولهذا كان مبناهما على الأمانة والاحتراز عن التّهمةِ والخيانة، إذ لو لم يبنيا على ذلك فات المقصود.
---
(4/146)
________________________________________
***
(وشَرْطُهُمَا) أي المُرَابَحِةِ والتّوْلِيَةِ، وكذا الوضيعة (شِرَاؤُهُ) أي شراء البائع المبيع (بِمثْلِيّ) أي كيليّ، أو وزنيّ، أو عدديّ متقارب، (وَلَهُ) أي للبائع (ضَمُّ أجْرَةِ القِصَارَةِ وَالحَمْلِ وَنَحْوِهِمَا) أي نحو القِصَارة ممّا زاد في عين المبيع، ونحو الحمل مما زاد في قيمته، لأنّ ما زاد في عين الشيء أو في قيمته ملحقٌ به. وإنّما كان الحمل مما يزيد في قيمة المبيع، لأنّ القيمة تختلف باختلاف المكان فيضمّ أجر الفَتْل والطِّرَاز والصَّبْغ والغسل والخياطة ونحوها. والأَصل أَنَّ ما جرى عُرْف التجّار على إِلحاقه برأس المال يُلحق به، وما لا فلا. وأَما أُجرة الدَّلاّل فلا تضم اتفاقاً، وتضم نفقة المبيع وكسوته لا نفقة المشتري على نفسه في سفره من وقت شرائه للمبيع. وقيّد بالأُجرة لأَنه لو فعل القصارة أو الحمل أَو نحوهما بيده لا يُضم.

(وَيَقُولُ: قَامَ عَلَيّ بِكَذَا) ولا يقول: شريت بكذا، تحرّزاً عن الكذب، إذ المُشْتَرى به ما ذُكِرَ ثمناً في العقد. ((فَإنْ ظَهَرَ خِيَانَتُهُ في المُرَابَحَةِ)) بإقرار البائع أو بالبينة أو بنكوله عن اليمين وقد ادّعاها المشتري (أَخَذَهُ) أَي المبيع (بِثَمَنِهِ) كلّه (أوْ رَدَّهُ) بالفسخ.
(وَ) إنْ ظهر له خيانةٌ (في التَّوْلِيَةِ حُطَّ) قَدْر الخيانة من الثَّمن ولا يُفْسَخ، هذا عند أبي حنيفة، (وَعِنْدَ أبِي يُوسُفَ حُطَّ فِيهِمَا) أي في المُرَابَحَةِ والتَّوّلِيَةِ، وهو قول الشّافعي في «المختصر» وأحمد (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وهو قولٌ للشَّافعيّ (خُيِّرَ فِيهِمَا) بين الأخذ بكل الثَّمن والفسخ. ولو اشترى بألفٍ مؤجَّلَةٍ، وباع بربح مئة، أو باع توليةً بلا بيانٍ، خُيِّرَ المشتري بين أخذه بكلّ الثَّمن وبين رَدّه اتفاقاً.
---
(4/147)
________________________________________
***
وفي «المُحِيطِ»: من اشترى شيئاً وصار مغبوناً غبناً فاحشاً، له أن يردّه على البائع بحكم الغبن. وقال القاضي أبو عليّ النَّسَفِيّ: فيه روايتان عن أصحابنا ويُفْتَى برواية الرَّدِّ رفقاً بالناس. وكان صدر الإسلام أبو اليُسْر يفتي بأنّ البائع إن قال للمشتري: قيمة متاعي كذا، أو قال: متاعي يساوي كذا، فاشترى بناءً على ذلك فظهر بخلافه، له الرّدّ بحكم التغرير. وإن لم يقل ذلك، فليس له الرّدّ. وبعضهم لا يفتون بالرّدّ بكلّ حالٍ. والصحيح أن يُفْتَى بالرّدّ إذا وُجِدَ التغرير، وبدونه لا يُفْتَى. والله تعالى أعلم.

فصل ٌ في الرِّبا
(الرِّبَا) لغةً: الفضل والزيادة. يقال هذا يربو على هذا، أي يفضُل، ومنه قوله تعالى: {وَمَا ءَاتَيتُمْ مِنْ رباً لِيَرْبُوَا في أمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ}، وسُمِّيَ المكان المرتفع رَبوةً لفضله على سائر البقاع.
وشرعاً: (فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ) أي لا يقابله عوض في معاوضة مالٍ بمالٍ (شُرِطَ لأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ في المُعَاوَضَةِ).
في «شرح الوِقَاية»: أي فَضْلَ أحد المتجانسين على الآخر بالمعيار الشرعيّ، أي الكيل والوزن. فَفَضْل قَفِيزَي شعيرٍ على قفيز بُرَ لا يكون رباً، وكذا فضل عشرة أذرعٍ من الثوب الهروي على خمسة أذرعٍ منه لا يكون رباً. وقال: خالٍ عن عِوَضٍ، ليحترز عن بيع كُرِّ بُرَ وكُرّ شعيرٍ بكُرّي بُرَ وكُرّي شعيرٍ، فإن للثاني فضلاً عن الأول ، لكنّه غير خالٍ عن العوض بصرف الجنس إلى خلاف الجنس. وقال: شُرِطَ لأحد المتعاقدين، لأنه لو شُرِطَ لغيرهما لا يكون رباً. وقال: في المعاوضة، لأنّ الفضل الخالي عن العوض الذي في الهبة ليس برباً. انتهى.
---
(4/148)
________________________________________
***
وفي «جمع العلوم»: الرِّبا شرعاً: عبارة عن عقدٍ فاسدٍ وإن لم يكن فيه زيادة، لأنّ بيع الدّرهم بالدّرهم نَسَاءً ربا وإن لم يتحقق فيه الزِّيادة. أقول: ولا يبعد عدّ النَّساء زيادةً مجازاً.
ثم ثبوت حرمة الرّبا بالكتاب نحو قوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا}. وبالسَّنَّةِ نحو ما رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن مسعود: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الرّبا ومُؤْكِلَهُ وشاهدَه وكاتِبَه. وبإجماع الأَمَّة. قال الإِسْبِيجَابِيّ: اتفقوا على أنه إذا أنكر ربا النَّسَاء يكفر، واختلفوا في ربا الفضل، فإن ابن عباس لا يرى الرّبا إلاّ في النَّسِيئة. وعنه أنه رجع إلى قول غيره.
والحاصل:
أنّ الأصل في حُرمة الربا قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، ومعناه اللُّغَويّ: الذي هو مطلق الفضل. والزيادة ليست مراداً بالإجماع، فكان النَّصُ مجملاً وقد ورد بيانه بقوله عليه السلام: «الذَّهب بالذَّهبِ، والفضةُ بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعير، والتَّمرُ بالتَّمر، والملحُ بالملح، مثلا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإن اختلفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ». رواه الستة من حديث عُبَادة بن الصَّامت إلاّ البخاريّ. وأخرجه مسلمٌ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء، وزاد بعد قوله: «يداً بيدٍ»: «فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخِذُ والمُعْطِي فيه سواءٌ». والتقدير في هذه الرِّواية: بيعوا مثلاً بمثل.
---
(4/149)
________________________________________
***
وروى محمد بن الحسن في أول بيوع «الأصل» قال: حدّثنا أبو حنيفة عن عَطِيّة العَوْفِي، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذَّهبُ بالذَّهب مثلاً بمثلٍ يداً بيدٍ، والفضل ربا، والفضةُ بالفضة. مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، والفضل ربا»، وهكذا إلى آخر الأشياء الستة. فالتقدير بيعها مثلاً بمثلٍ، أو يباع مثلاً بمثلٍ، وهو خبرٌ بمعنى الأمر بل آكَدٌ منه تحقيقاً لمعنى البيع.
وفي روايةٍ لأبي داود عن عُبَادة بن الصَّامت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذّهبُ بالذّهب تِبْرُها وعَيْنُها، والفضة بالفضة تِبْرُها وعَيْنُها، والبُرُّ بالبُرِّ مُدْيٌ بمُدْيٍ، (والشعيرُ بالشعير مُدْيٌ بمُدْيٍ)، والتَّمْرُ بالتَّمْر مُدْيٌ بمُدْي، والملحُ بالملح مُدْيٌ بمُدْيٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يداً بيد، وأمّا نسيئةً فلا، ولا بأس ببيع البُر بالشعير، والشعير أكثرهما يداً بيدٍ، وأمّا نسيئة فلا». وفي «القاموس»: المُدْيُ: ـ بضم ـ مكيال الشام ومصر، وهو غير المُدّ، جمعه أمْدَاء.
وبرواية الطَّحَاويّ عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذَّهبَ بالذَّهب ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبُّرِ، ولا الشعيرَ بالشعير، (ولا التّمرَ بالتّمر)، ولا الملحَ بالملح إلاّ سواءً بسواءٍ، عيناً بعينٍ، ولكن بيعوا الذَّهبَ بالوَرِقِ، والوَرِقَ بالذَّهب، والبُرَّ بالشعير، والشعيرَ بالبُرِّ، والتّمرَ بالمِلْح، والمِلْحَ بالتّمر، يداً بيدٍ كيف شئتم». وقد اتّفق القائسون أنّ الحكم ليس مقصوراً على الأشياء الستة بل النَّص معلّلٌ بالاتفاق خلافاً لداود الظاهري نافي القياس، وعثمان البَتِّيّ. لكن اختلفوا في العلّة، فقال علماؤنا:
---
(4/150)
________________________________________
***
(وَعلَّتُهُ) أي علَّة وجوب المساواة وحرمة الفضل، أو علة كون المال رِبَوِيّاً (القَدْرُ: أي الكَيْلُ أوْ الوَزْنُ مَعَ الجِنْسِ) فَلاَ ربا فيما لا يدخل تحت كَيلٍ أو وزنٍ، كالحَفْنَةِ من القمح، والذَّرَّة من الذَّهب، ولا في مكيلٍ أو موزونٍ مع خلاف جنسه، وبه قال أحمد في رواية.
وقال مالك: علَّتُه الاقتيات والإدّخار مع الجنس، لأنّه صلى الله عليه وسلم خَصَّ بالذّكر كل مقتاتٍ ومُدَّخَرٍ. وقال الشّافعيّ في القديم: علته الطُّعم مع الكيل أو الوزن؛ وفي الجديد: علته الطُّعم في الأشياء الأربعة، والثَّمنيّة في الذَّهب والفضة، والجنسية شرطٌ لا تعمل العلّة بدونه، وبه قال مالك وأحمد في رواية، لِمَا روى مسلم من حديث مَعْمَر بن عبد الله أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الطَّعَامُ بالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ».

وفي رواية «لا تبيعوا الطَّعامَ بالطَّعام إلاّ مِثْلاً بمثلٍ»، وفي رواية: «إلاّ سواءً بسواءٍ». ونَصبهما على الحال. ووجه الدَّلالة: أن الطَّعام مشتقٌ من الطعم ومتى ترتّب الحكم على اسمٍ مشتقٍ كان مأخذ الاشتقاق علّة له. والطَّعْمُ بالفتح: ما يؤدِّيه الذَّوق من حلاوةٍ ومرارةٍ وما بينهما. وبالضمّ: الطَّعام.
ولنا ما رُوِّينَا عن أبي سعيد الخُدْري وغيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذّهبُ بالذّهب، والفِضَّةُ بالفضة» إلى أن قال: «مِثْلاً بِمِثْلٍ...» الحديثَ. ووجه الدَّلالة أنّه صلى الله عليه وسلم أوجب المماثلة في الجنس الواحد تتميماً للفائدة في حقّ العاقديّن، إذ لو كان أحدُ العِوَضَيْن أقلّ من الآخر لكانت الفائدة تامّة لأحد العاقديْن دون الآخر. والمماثلة باعتبار الصورة القَدْرُ، وباعتبار المعنى الجِنْسُ.
---
(4/151)
________________________________________
***
وروى الشيخان عن سعيد بن المُسَيَّب أنّ أبا سعيد الخُدْرِيّ وأبا هُرَيْرَة حدّثاه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سَوَادَ بن غَزِيَّة وأمّره على خَيْبَرَ. فَقَدِمَ عليه بتمرٍ جَنِيبٍ ـ يعني طيبِ ـ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَكُلُّ تمر خَيْبَرَ هكذا»؟ قال: لا والله يا رسول الله إنّا نشتري الصَّاع بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة من الجَمْعِ. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تفعل، ولكن بع هذا، واشترِ بثمنه من هذا، وكذلك الميزان» . انتهى. والجَمْعُ: تمرٌ رديءٌ مخلوطٌ.
وفي رواية لهما: قال أبو سعيد: جاء بلالٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بتمر بَرْنِي. فقال: «من أين هذا»؟ قال: كان عندنا تمرٌ رديءٌ فبعت منه صاعين بصاعٍ. فقال: «أوْهِ عينُ الرِّبا. لا تفعل، ولكن إذا أردت أنْ تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به. ووجه الدَّلالة أنه اشترط في الجنس المماثلة، وهي لا تتحقق إلاّ بالكيل (أو الوزن)، ثم (قاس عليه الميزان، أي ما يدخل تحت الوزن. لكن) قال البيهقي: الأشبه أنّ قوله: «وكذلك الميزان» من قول أبي سعيد. انتهى.
والظاهر أنّه مرفوعٌ لِمَا في الصحيحين: «لا تفعل بِع الجَمْع بالدّراهم، ثم ابتع بالدّراهم جَنِيباً». وقال: «في الميزان مثل ذلك». فإنّ ضمير «قال» إمّا إليه صلى الله عليه وسلم، فهو ظاهرٌ، وإمّا إلى أبي سعيد، فيُفِد أنه نقل في الميزان مثلما نقل في المكيال. والله تعالى أعلم بالأحوال. وفي «الكفاية»: اختلاف الجنس يعرف باختلاف الاسم والمقصود. فالحِنْطَة والشعير جنسان عندنا وعند الشافعي لكونهما مختلفين اسماً ومعنًى. وعند مالك جنسٌ واحدٌ.
---
(4/152)
________________________________________
***
(وَالبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالمِلْحُ كَيْلِيٌّ) وإن ترك النّاس الكيل فيه (والذَّهَبُ وَالفِضَّةُ وَزْنِيّ) وإن ترك النّاس الوزن فيه (وَغَيْرُهَا) أي غير المذكورات. وفي نسخة أُخْرَى: وغيرهما، أي غير ما ذكرناه من كَيْلِيّ ووزنيّ (عَلَى العُرْفِ) يُبْنَى عملاً بالأدنى عند عدم الأقوى. وعن أبي يوسف: أنّ العُرْفَ يعتبر فيهما أيضاً، لأنّ النّص فيهما إنّما كان لأنّه العادة في ذلك الوقت، فكانت العادة هي المنظور إليها، وقد تبدَّلت، فلو باع حِنْطَةً بجنسها متساوياً وزناً، أو ذهباً بجنسه متساوياً كيلاً لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وإن تعارفوا ذلك، لتوهُّمِ الفضل على ما هو المعيار فيه، كما لو باعه مجازفةً.
(فَإِنْ وُجِدَ الوَصْفَانِ) أي القَدْر والجنس (حَرُمَ الفَضْلُ والنَّسَاءُ) بوجود علّة حرمتهما، فلا يجوز بيعُ الجَصِّ بمثله متفاضلاً لوجود الكيل مع الجنس، ولا بيع الحديدِ بمثله متفاضلاً لوجود الوزن مع الجنس (فإنْ عَدِمَا) أي فُقِد الوصفان (حَلاَّ) أي الفضل والنَّسَاءِ لعدم علّة حرمتهما مع أنّ الأصل الإباحة.
(وإنْ وُجدَ أحَدُهُمَا) أي أحد الوصفين بأن وُجِدَ القَدْر دون الجنس كالحِنْطة بالشعير، أو الجنس دون القَدْر كثوبٍ هَرَوِيّ بجنسه، وحيوانٍ بجنسه، (حَرُمَ النَّسَاءُ فَقَطْ) أي دون الفضل. فحرمة ربا الفضل بالوصفين، وحرمة ربا النَّسَاءِ بأحدهما. وقال مالك: لا يجوز بيع حيوانٍ باثنين من جنسه يُقْصَدُ بهما أمرٌ واحدٌ من ذبحٍ وغيره. وقال الشّافعيّ: ما عدا الذّهبَ والفضّةَ والمأكولَ والمشروبَ لا يَحْرُمُ فيه شيء من جهة الرِّبا. ولنا: ما روى أحمد في «مسنده» عن جابر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الحيوان اثنان بواحدٍ لا بأس به يداً بيدٍ، ولا يصْلُحُ نَسَاء». وفي رواية: «لا خَيْرَ فيه نَسَاء».
---
(4/153)
________________________________________
***
(وَلاَ يَجُوزُ) بيع (الكَيْلِيّ بِمْثِلِهِ إلاّ مُتَسَاوياً كَيْلاً) وإن تعارفوا فيه الوزن، (وَ) لا (الوَزْنِيّ) بمثله (إلاّ متساوياً وَزْناً
) وإن تعارفوا فيه الكيل، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عُبَادة: «مِثْلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ». ووجه الدّلالة: أنه صلى الله عليه وسلم شرط في جواز بيع المَكِيل بجنسه، والموزون بجنسه المساواة بما اعتبر فيه من القدر، وحصول المساواة بغير ذلك لا تعرف بها المساواة في ذلك، فلا يجوز، كما لو باع مجازفةً. ويكفي التَّعيين في بيع المال الرِّبَوي بمثله، ولا يُشْتَرَطُ التَّقابض قبل التَّفرق عندنا، وشرَطه مالك والشافعيّ كالصَّرْف لِمَا روينا من قوله: «يداً بيد». والمراد به القبض، وإنما كنّى عنه بها لأنها آلته. ولأنّه المراد في النقدين، فكذا في غيرهما. ولأنّه إذا لم يقبض في المجلس يتعاقب القبض، وللنقد مَزِيّة على غيره، فتتحقق شبهة الرِّبا، وهي مانعةٌ كالحقيقة، كما في الحالّ والمؤجَّل.
---
(4/154)
________________________________________
***
ولنا أنّه باع عيناً بعينٍ فلا يُشْتَرَطُ فيهما التّقابض، كما لو باع ثوباً بثوبٍ أو بثوبين وافترقا لا عن قبض. وهذا لأنّ المطلوب من العقد التّمكن من التصرّف، وذا يترتّب على التّعيين. غير أنه في النقود لا يتحقّق إلا بالتقابض. فاشتراطه في الصَّرْف للتعيين لا لنفسه، وغير النقود يتعيّن بالتعيين، فلا حاجة إلى التَّقابض. والمراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «يداً بيدٍ»، عيناً بعين، إذ اليد آلة التّعيين فلم يكن حَمْلُه على القبض أولى، بل حمله على هذا أحقّ، لِمَا في رواية عُبَادة بن الصَّامت «عيناً بعينٍ». وتَعَاقُب القبض لا يعتبر (تفاوتاً) في المالية عُرْفاً بخلاف الحالّ والمؤجَّل، لكن ما في «الصحيحين» عن عمر رَضِيَ اللَّه عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذَّهبُ بالوَرِقِ رباً إلاّ هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رباً إلاّ هاءَ وهاءَ...» الحديثَ، يُرَجَّح حَمْله على القبض؟ كيف ومعنى هاءَ: خُذْ، وهو من أسماء الأفعال، ومنه قوله تعالى: {هَاؤُمُ اقْرَؤُا كِتَابِيَه}، كذا حققّه بعض المتأخرين.
(وَالجَيِّدُ والرَّدِيءُ سَوَاءٌ) لإطلاق الحديث، ولحديث: «جيدها ورديئها سواءٌ»، لأنّ الجودة لا يجوز الاعتياض عنها لأنّ بيع قَفيزِ حِنْطةٍ جيدةٍ بقَفيزِ حنطةٍ رديئةٍ ودرهمٍ لا يجوز بالإجماع. وما لا يجوز الاعتياض عنه بالبيع، لا يكونُ مالاً متقوّماً كالخمر.
---
(4/155)
________________________________________
***
(وَجَازَ بَيْعُ حَفْنَةٍ) من كيليّ (بِحَفْنَتَيْنِ) وتفاحةٍ بتفاحتين، وبيضةٍ ببيضتين، وجَوزةٍ بجوزتين، وتمرةٍ بتمرتين، لانعدام علة الرِّبَا بانعدام جزئها وهو القَدْر، إذ المراد بالمماثلة القدر بالنّص، ولا تقدير في الشَّرع بحفنة ولا حفنتين. ولذا يُضمن الحَفنة والحفنتان بالقيمة عندنا، كما لو باع ما دون نصف صاعٍ بما دون نصف صاعٍ جاز، لأنّه لا تقدير في الشّرع بما دون نصف الصَّاع. بخلاف ما دون نصف صاعٍ بنصف صاعٍ أو أكثر، فإنّه لا يجوز إلاّ مثلاً بمثلٍ لوجود القدر من أحد الجانبين، لوقوع التقدير بنصف الصاع في الشرع، كما في صدقة الفطر. وعند مالك والشّافعيّ وأحمد: لا يجوز ذلك إلاّ في روايةٍ عن مالك، ورواية عن أحمد، وروى المُعَلَّى عن محمد أنّه كَرِه التَّمرة بالتَّمرتين، وقال: كلُّ شيءٍ حَرُمَ في الكثير، فالقليلِ منه حرام. وإلى هذه الرواية مال بعض المحققّين.

(وَ) جاز (فَلْسٌ بِفَلْسَيْنِ بأَعْيَانِهِمَا) أي الفَلْسُ والفَلْسَيْن بأنْ كان كلٌّ من الفَلْسِ والفَلْسِيْنِ معّيناً، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال مالك والشّافعيّ في الأصحّ. وعند محمد وأحمد: لا يجوز، كبيع درهمٍ بدرهمين. قيّد بأعيانهما، لأنهما لو كانا أو أحدهما بغير عينه لم يجز بالاتفاق. أمّا إن كانا بغير أعيانهما فلأنه بيع الكالىء بالكالىء، أعني النسيئة بالنسيئة، وهو منهيٌ عنه، وأمّا إن كان أحدهما بغير عينه فلأنّ الجنس بانفراده يُحَرِّمُ النَّسَاء.
---
(4/156)
________________________________________
***
(وَ) جَازَ (اللحْمُ بِالحَيَوَانِ) من غير جنسه، ومن جنسه أيضاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف والمُزَنِيّ من أصحاب الشّافعيّ. وقال محمد: لا يجوز إذا كان من جنسه إلاّ إذا كان اللحمُ أكثرَ ممّا في الحيوان، ليكون اللّحمُ مُقَابَلاً باللحم والزائدُ مُقَابَلاً بالسَّقَطِ، لأنّه لو لم يكن كذلك لتحقّق الرِّبا من حيث زيادةُ السَّقَطِ، أو من حيث زيادةُ اللّحم، وصار كَبَيْع دُهن السِّمْسم بالسِّمْسم، فإنه لا يجوز إلاّ بطريق الاعتبار.
وقال مالك والشافعي (وأحمد): لا يجوز بجنسه أصلاً، لا بطريق الاعتبار ولا بغيره، ومذهب مالك وأَحمد أَنّه يجوز بغير جنسه، والأَصحّ في مذهب الشَّافعيّ أنه لا يجوز بغير جنسه، لعموم النهي فيما روى مالك في «الموطأ»، وأبو داود في «المراسيل» عن سعيد بن المُسَيَّب: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللَّحم بالحيوان، وهو مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «إذا اختلفت الأنواع، فبيعوا كيف شئتم» دليل مالك وأحمد.
ولأبي حنيفة أنّه بيع موزونٍ بغير موزون فيصحّ كيفما كان، كما لو باع الثوب بالقطن، وهذا لأنّ الحيوان ليس بموزونٍ بل هو عدديٌّ متفاوتٌ. والمراد بالنهي في حديث ابن المُسَيَّب ما إذا كان أحدُهما نسيئةً، لِمَا في «السنن الأربعة» عن سَمُرَة بن جُنْدُب: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وأخرج عن الحَجَّاج بن أَرْطَاة، عن أبي الزُبَيْر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحيوان اثنين بواحد لا يصحّ نَسَاءً ولا بأس به يداً بيدٍ». وقال: حديثٌ حسن.
---
(4/157)
________________________________________
***
(وَ) جاز (الدَّقيقُ بِجِنْسِهِ) والنُّخَالة بجنسها (كَيْلاً) ونصّ الشّافعيّ في القديم والجديد: أنه لا يجوز بيع الدقيق بالدقيق (كيلاً). وحكى البُوَيْطِي والمُزَنِيّ عن الشَّافعي جوازه، وهو مذهب أحمد. وقيّد بالكيل لأنّ بيع الدقيق بالدقيق وزناً لا يجوز، لأنّ الدقيق كيليّ، ولهذا لا يجوز بيع الحِنْطة بالدقيق وزناً، ولو كان وزنياً لجاز.

(و) جاز (الرُّطبُ بالرُّطَبِ) اتفاقاً (وَ) كذا التَّمْرُ بالتَّمْرِ والرُّطب (بالتَّمْرِ) وعكسه مِثْلاً بمثلٍ وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الرُّطَب بالتَّمر، وهو قول مالك والشَّافعيّ وأحمد، لِمَا روى مالك في «المُوَطأ» عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سُفْيَان، عن زيد بن أبي عَيَّاش، عن سعد بن أبي وَقَّاص أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن شِرى التّمر بالرُّطَبِ، فقال صلى الله عليه وسلم: «أينقص الرُّطَب إذ يَبِس»؟ قالوا: نعم. فنهاه عن ذلك. ومن طريق مالك رواه أصحاب «السنن الأربعة»، وقال الترمذيّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
---
(4/158)
________________________________________
***
فأفسد صلى الله عليه وسلم البيع، وأشار إلى أنّ العلّة النُّقصان عند الجفاف، وبه تبيّن أن شرط جواز العقد المماثلة في أَعدل الأحوال، وهو ما بعد الجفاف وذا لا يُعْرَفُ بالمساواة كيلاً في الحال، لأنّ قَفِيز الرُّطَب ربّما يصير نصف قفيز عند الجفاف. وكان ذلك كبيع الدّقيق بالحِنْطَة حيث لا يجوز للتّفاوت بعد الطَّحن. ولأبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم حين أُهْدِيَ له رُطَبٌ: «أَكُلُّ تمر خَيْبَر هكذا»؟ فسمّى الرُّطَب تمراً، كذا قيل. وهو إنما يتمّ في الجملة إذا كان المهدي رُطَباً، وليس كذلك بل كان تمراً، لِمَا في «الصحيحين» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أَخا بني عَدِيّ الأنصاري، فاستعمله على خيبر. فَقَدِمَ بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَكُلُّ تمر خَيبرَ هكذا»؟ فقال: لا... الحديثَ.
وله أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عُبَادَة بن الصَّامت: «والتّمر بالتّمر مثلاً بمثلٍ، والملح بالملح مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم» وذلك إنّ الرُّطَب إن كان تمراً جاز البيع بأوّل الحديث، وهو قوله: «التَّمر بالتَّمر»، وإن كان غير تمرٍ فبِآخِره وهو قوله: «إذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبيعوا كيف شئتم».
---
(4/159)
________________________________________
***
وهذا حسنٌ في باب المُناظرة لدفع الخصم، كما قال أبو حنيفة حين دخل بغداد، وكانوا أشدّاء عليه لمخالفته الخبر، فسألوه فأجاب بما تقدّم فأورد عليه الحديث السابق، فقال: هذا الحديث دائرٌ على زيد ابن أبي عَيَّاشٍ، فهو مِمَّنْ لا يُقبل حديثه. وقد أُجِيبَ بأنّه على تقدير صحة السند فالمراد منه النسيئة، لِمَا في «سنن أبي داود» عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عبد الله بن يزيد: أنّ أبا عَيّاش أخبره أنه سمع سعد بن أبي وَقّاص يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرُّطب بالتّمر نسيئةً. وكذا رواه الطّحاوي. وإذا صحّت الزِّيادة يجب قَبولها على المختار عند المحدثين، وإن كان الأكثر لم يروها لكن قد ردّ ترديده بين كونه تمراً أو لا، بأنّ ههنا قسماً ثالثاً، وهو كونه من الجنس، ولا يجوز بيعه بالآخر، كالحِنْطَةِ المَقْلِيّة بغير المَقْلِيّة لعدم تسوية الكيل بينهما، فكذا الرُّطب بالتَّمر لا يسوِّيهما الكيل، وإنما يسوّى في حال اعتدال البدلين وهو أن يَجِفَّ.

وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التّساوي حال العقد، وعروض النَّقص بعد ذلك لا يمنع. لكن فيه أنّ التعليل في مَعْرِض النّص غير مقبول. وأمّا ما ذكره الشارح بأنّ التفاوت بين الرُّطَب والتَّمر بأصل الخلقة فيكون ساقط الاعتبار، كالتفاوت بين الجيد والرديء، ففي غاية من السقوط.
(وَ) جاز (العِنَبُ بِالزَّبِيبِ) عند أبي حنيفة خلافاً لمَن تقدّم، والوجه ما بيّنَّاه في الرُّطب والتّمر من الجانبين. وقيل: لا يجوز اتفاقاً كالحِنْطَة المَقْلِيّة بغير المَقْلِيّة.
---
(4/160)
________________________________________
***
(وَ) جاز (البُرُّ) حال كونه (رَطْباً) أي غير يابسٍ، (أوْ) حال كونه (مَبْلُولاً بِمِثْلِهِ أوْ باليَابِسِ المُنْقَعِ) فيجوز البُرّ الرَّطْب بمثله وباليابس، والبُرُّ المبلول بمثله وباليابس. (وَ) جاز (التَّمْرُ) المُنْقَعُ (والزَّبِيبُ المنْقَعُ) اسم مفعول من أنقعه في الخابية إذا ألقاه فيها ليبتلّ ويخرج منه الحلاوة، واسم الشراب: نقيعٌ (بالمُنْقَعِ مِنْهُمَا) أي بمثله وباليابس «فمن» هنا بمعنى الباء، أي جاز بيع التّمر المُنْقَعِ بمثله وباليابس، والزبيب المُنْقَعِ بمثله وباليابس (مُتَسَاوِياً) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنّهما يعتبران التَّساوي في الحال، إذ التّساوي شرط صحة العقد، فيشترط عند العقد لا بعده، إلاّ أنّ أبا يوسف ترك هذا الأصل في بيع الرُّطَبِ بالتمر لحديث سعد، ففي الباقي على أصله. وقال محمد: لا يجوز بشيء من ذلك، لأنه يَعتبرُ المماثلة في أعدل الأحوال، وهو حال اليُبْس، ولم يوجد في هذه الصُّورة.
(وَ) جاز (لَحْمُ حَيَوَانٍ بِلِحْمِ حَيَوَانٍ آخَرَ) ولو غير جنسه (مُتَفَاضِلاً وَكَذَا اللّبَنُ) أي جاز لبن حيوان بلبن حيوانٍ آخر من غير جنسه متفاضلاً. وعن الشافعيّ: إن اللّحمين واللَّبَنَيْنِ جنسٌ واحدٌ لاتحاد المقصود منهما، وهو التغذّي والتَّقوِّي. وظاهر مذهبه وهو اختيار المُزَنِيّ: أنّ اللّحوم أجناسٌ مختلفةٌ كمذهبنا، وكذا الأصحّ من مذهبه في الألبان أنها أجناسٌ مختلفةٌ، لأنّ أصولها مختلفةُ الأجناس، حتّى لا يُضَمُّ بعضها إلى بعضٍ في الزكاة، ومختلفةُ الأسماء باعتبار الإضافة كدقيق البُرّ مع دقيق الشعير، ومختلفةُ المقصود فإنّ بعض الناس يرغب في بعض اللُّحوم والألبان دون البعض، وقد ينفعه البعض ويضرّه البعض.
وقال مالك: اللحوم ثلاثة: الطيور، والدّواب أهليتها ووَحْشَيّتها، والبَحْرِيَات. وبه قال أحمد في إحدى الرِّوايات. وعنه روايتان أخريان كقولي الشافعيّ.
---
(4/161)
________________________________________
***
قيّد الحيوان بكونه من غير الجنس، لأنّه لو كان من الجنس كلحم البقر بلحم الجاموس، ولبن البقر بلبن الجاموس لم يجز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، لأنهما جنس واحدٌ، ولهذا يُضَمُّ أحدهما إلى الآخر في الزكاة، وكذا لحم المَعْزِ والضَّأْن ولبنهما، ولحم العِرَاب والبُخْت ولبنهما، بخلاف شعر المعز وصوف الغنم، فإنهما جنسان لاختلاف الصورة والمقصود.
(وَكَذَا) جاز (خَلُّ الدَّقَلِ) وهو نوع من التمر رديء (بِخَلِّ العِنَبِ) متفاضلان لاخْتلاف أصليهما. وإنّما خُصَّ خَلُّ الدَّقَل بالذِّكر مع أَنّ الحكم في خلّ كلّ تمر مع خل العنب واحد، لأنّهم كانوا يجعلون الخلّ من الدَّقَل. (وَ) جاز (شَحْمُ البَطْنِ بِالأَلْيَةِ أوْ بِاللَّحْمِ) وكذا عكسه متفاضلاً سواء كانت من أجناس أو من جنسٍ واحدٍ من الحيوان، لأنهما أجناسٌ مختلفةٌ لاختلاف الأسامي والصّور والمقاصد كالشَّعر والصُّوف.
(وَ) جَازَ (الخُبْزُ بِالبُرِّ والدَّقيقِ) متفاضلان لأنّ الخبز عدديّ، وهو قول محمّد أو وزنيّ وهو قول أبي يوسف، والبُرّ كيليّ بالنّص وكذا الدّقيق لأنه جزؤه، فلم يجمعهما القَدْر من كل وجهٍ. وعن أبي حنيفة: أنّه لا يجوز، وبه قال الشَّافعيّ وأحمد، لأن في الخبز أجزاء الدّقيق، وذلك يورث شبهة المجانسة. والفتوى على الجواز.
(وَإنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أي جاز إن لم يكن أحد البَدَلَيْنِ الذين هما الخبز والبُرّ أو الخبز والدّقيق نسيئةً، وإن كان أحدهما (نِسَيَئةً) أمّا إن كان البُرّ هو النَّسيئة، فالجواز باتفاقٍ لإمكان ضبطه. وإن كان الخبز هو النَّسيئة، فعند أبي يوسف إذا ذكر وزناً معلوماً. ونوعاً معلوماً، وعليه الفتوى لحاجة النَّاس إليه.
---
(4/162)
________________________________________
***
(لاَ البُرُّ) أي لا يجوز البُرُّ (بالدّقيقِ أوْ بالسَّوِيقِ) أي بدقيق البُرّ أو سويقه متفاضلاً أو متساوياً. أمّا متفاضلاً، فلأنّ كلّ واحدٍ من الدّقيق والسَّويق بُرٌّ من وجهٍ وإن اخْتُصَّ باسم، لأن كلّ واحدٍ منهما من أجزاء البُرّ، لأنّ الطَّحن لم يعمل إلا تفريق الأجزاء، والمجتَمِع لا يصير بالتّفريق جنساً آخر. وأمّا متساوياً، فلأنّ المعيار فيه الكيل، وهو غير مستوٍ بينهما وبين البُرّ لاكتنازهما وتخلخل البُرِّ؛ ويجوز عند مالكٍ وأحمد في روايةٍ بيع البُرِّ بالدّقيق وبالسَّويق كيلاً ووزناً.
(وَلاَ الدَّقِيقُ بالسَّوِيقِ) أي دقيق البُرّ بسويقه (مُتَفَاضِلاً أوْ مُتَسَاوِياً) وهذا عند أبي حنيفة لبقاء المجانسة من وجهٍ، إذ السَّويق أجزاء حِنْطة مَقْليّة، والدّقيق أجزاء حِنْطة غير مَقْليّة.

وبيع الحِنْطة المقليّة بغير المقليّة لا يجوز بحالٍ، فكذا بيع الدّقيق بالسّويق. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز الدّقيق بالسّويق كيفما كان، لأنّهما جنسان مختلفان لاختلاف اسميهما والمقصود منهما، لأنّ أحدهما يصلح لِمَا لا يصلح له الآخر. فإن الدّقيق يصلح للخبز والعصيد ونحوهما، ولا يصلح لشيء من ذلك السّويق، بل يلّت بالسّمن أو العسل ويؤكل.
(وَلاَ يَجُوزُ السِّمْسِمُ بِالحَلِّ) ـ بفتح الحاء المهملة ـ وهو دُهْن السمسم المسمّى بالشَّيْرَج (إلاّ أنْ يَكُونَ الحَلُّ أكْثَرَ مِمَّا) أي من حَلّ أو من الذي (في السِّمْسِمِ) ليكون قدر الحَلّ بمثله والزائد بالثُّفْل ، وكذا بيع الزَّيتون بزيته، والجوز بدُهنه، واللبن بسمنه، والسمن بزبده، والعنب بعصيره على ما في «الهداية» وغيره. وعند مالك والشّافعي وأحمد لا يجوز أصلاً.
---
(4/163)
________________________________________
***
(وَيُسْتَقْرَضُ الخُبْزُ وَزْناً لا عَدَداً) وهذا عند أبي يوسف في «الكافي»، وعليه الفتوى، لأنّه موزونٌ فيُعْلَمُ بالوزن لا بالعدد لتفاوت آحاده قدراً فلا يتحقَّق التّساوي. وعند أبي حنيفة لا يجوز مطلقاً وإن وزناً، فهو متفاوتٌ بتفاوت الخبز والخبّاز والتَّنُورِ والتقدّم والتأخر. والاستقراض إنّما يصحّ في المِثْليّ لأنّ من شرطه القدرة على أداء مِثْل المُسْتَقْرَضِ، وقد فات شرطُ صحّته فلا يصحّ. وأجاز محمد بالعدد أيضاً للتعامل، والقياس يُتْرَكُ بالتَّعامل كما في الاستصناع.
وفي مذهب الشَّافعي وجهان في استقراض الخبز: أحدهما كقول أبي حنيفة، وهو الأصحّ. والثاني الجواز وزناً وعدداً، وبه قال أحمد وهو اختيار ابن الصَّبَّاغ لحاجة النّاس إليه.

(لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب)
(وَلاَ رباً بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ) لأنّ العبد وما في يده لسيده، هذا إذا لم يكن مأذوناً مديوناً. وكذا لا رباً بين السّيد وأمّ ولده، ولا بين المُدَبَّر وسيده، لأنْ كسب كلّ واحدٍ منهما لسيده بخلاف المُكَاتَب، لأنّه صار كالحرّ يداً وتصرّفاً.
(وَ) لا رباً (بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيّ في دَارِهِ) أي دار الحرب.
وقال أبو يوسف ومالك والشّافعيّ وأحمد: يقع بينهما الرِّبا لإطلاق النّصوص الواردة. ولأبي حنيفة ومحمد: إنّ مال أهل الحرب مباحٌ في دارهم، فكان المُرَابي آخذاً بالرِّبا مالاً مباحاً بلا غدرٍ فيصحّ.
والمراد بالنصوص: الرِّبا في مالٍ محظورٍ، ومالِ الحربي في دار الحرب غير محظورٍ بخلاف المُسْتَأْمَنُ منهم، لأنَّ ماله صار محظوراً بِقَدْر الأمان. وما رواه مكحول عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا بين المسلمِ والحربي في دار الحرب». ذكره محمد بن الحسن.
---
(4/164)
________________________________________
***
وأسند البُيْهَقِيّ في «المعرفة» في كتاب السِّيَر عن الشّافعيّ قال: قال أبو يوسف: إنّما قال أبو حنيفة هذا، لأنّ بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا بين أهل الحرب». وأظنه قال: «وأهل الإسلام». قال الشّافعي: وهذا حديثٌ ليس له ثباتٌ، ولا حجّة فيه. وقال في «المَبْسُوطِ»: هذا مرسلٌ، ومكحول ثقةٌ، والمرسل من مثله مقبولٌ، والله تعالى أعلم.

فصلٌ في بيع المنقول
(وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ مُشْتَرى مَنْقُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ) لأنّ فيه غرراً، وهو انفساخ العقد بهلاكه. قيّد بالمنقول لأنّ بيع العقار يجوز قبل قبضه، لأنّه لا يُتوهم انفساخ العقد فيه بالهلاك وهو مقدور التّسليم. وقال محمد وزُفَرُ والشَّافعي: لا يجوز أيضاً، لأنّه مبيعٌ لم يقبض، فلا يصحّ بيعه كالمنقول. وقال أحمد: لا يجوز بيعه قبل القبض إن كان مكيلاً، أو موزوناً، أو معدوداً، وإلاّ جاز. وقال مالك: تجوز جميع التصرفات إن كان غير طعامٍ ، لأنّه صلى الله عليه وسلم قال في الطّعام: «يداً بيدٍ». وقبل القبض لا يتأتى ذلك. ولما روى هو عن نافع، عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتّى يستوفيه».
ولنا ما روى أبو داود، وابن حِبّان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» وصححه عن عبد الله بن عمر قال: ابتعت زيتاً في السُّوق ـ أي اشتريته ـ فلما استوجبته لقيني رجلٌ، فأعطاني فيه ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجلٌ من خلفي بذراعي فالتفت، فإذا هو زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رَحْلِكَ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أنّ تباع السِّلع حيث تبتاع حتّى يحوزها التّجار إلى رحالهم.
---
(4/165)
________________________________________
***
وعن حَكِيم بن حِزَام قال قلت: يا رسول الله إني رجلٌ أبتاع هذه السّلع وأبيعها، فما يحل لي منهما وما يَحْرُمُ؟ قال: «لا تَبِيعَنَّ شيئاً حتى تقبضه». رواه الطَّحَاوِيّ عن حَكِيم بن حِزَام قال: قلت: أشتري طعاماً فأربح فيه قبل أن أقبضه، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا تبعه حتى تقبضه». وفي «الصحيحين» عن ابن عبّاس: الذي نهى عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم هو الطَّعام قبل أنْ يقبض، قال: ولا أحسب كل شيءٍ إلاّ مثله. انتهى.
والتخصيص على الشيء لا ينفي الحكم عمّا عداه. قيّد بالبيع، لأنّ المشتري لو وهبه، أو تصدّق به، أو أقرضه قبل قبضه يصحّ على الأصحّ، وهو قول محمد خلافاً لأبي يوسف. وقيّد بالمشتري لأنّ بيع المهر، أو الميراث، أو بدل الخُلْع، أو بدل العِتْق قبل القبض جائزٌ اتفاقاً، لأنّ العقد لا ينفسخ بِهَلاكه.
(وَصَحَّ التَّصُرُّفُ) أي تصرّف البائع (في الثَّمَن قَبْلَهُ)، أي قبل قبضه (وَصَحّ الحَطُّ عَنْهُ)، أي عن الثَّمن بأن نَقَّصَ منه. (وَ) صحَّ (المَزِيدُ فِيهِ) أي الذي زيد في الثَّمن على أنّ المزيد اسم مفعولٍ، أو الزِّيادة فيه على أنه مصدرٌ ميميٌّ سواء كان ذلك من المشتري أو من أجنبي، وسواء كان من جنس المزيد أو من غير جنسه (إنْ بَقِيَ المَبِيعُ) هذا شرطٌ لصحة الزِّيادة. والمراد ببقاء المبيع: بقاؤُه محلاً للمقابلة في حقّ المشتري حقيقةً، بأن لم يبعه المشتري ولم يتصدّق به ولم يهبه، أو وهبه ولم يسلّم، حتى لو باعه أو تصدّق به أو وهبه وسلّم: لا تصحّ الزِّيادة. وعن محمد تصحّ لبقاء المبيع، كذا في «المحيط».
---
(4/166)
________________________________________
***
(وَ) صحَّ المزيد (في المَبِيعِ) عطفٌ على فيه. أي وصحّ المزيد في المبيع سواء بقي المبيع أو هلك، ويكون لذلك المزيد حِصةٌ من الثّمن، حتّى لو هلك قبل قبضه سقط لحصته شيء من الثّمن، والأصل أنّ الزيادة والنُّقصان يلحقان بأصل العقد عندنا، فيصير العقد كأنّه ورد على ذلك القَدْر. وعند زُفَر والشَّافعيّ: لا يلحقان به بل يكونان هبةً مبتدأةً. قيّد زيادة الثّمن ببقاء المبيع، لأنّ الزّيادة تغيير العقد من وصفٍ مشروعٍ إلى وصفٍ مشروعٍ، فيستدعي قيام العقد، وقيامه بقيام المعقود عليه.
(لَكِنّ الشَّفِيعَ يأْخُذُ) العَقَار الذي حُطَّ من ثمنه والذي زيد فيه (بالأَقَلِّ) فيأخذ بما بقي في الحطّ وبدون الزِّيادة في المزيد، لأنّ حقّ الشّفيع تعلّق بالعقد الأوَّل، ولا يملك العاقدان التّصرّف فيه بما يرجع إلى إضراره، فلم تظهر الزّيادة في حقّه وظهر الحطّ فيه.
(وَصَحَّ تَأجِيلُ كُلِّ دَيْنٍ) وسواء ثبت في الذّمة بعقدٍ أو باستهلاكٍ، حتّى لو باع شيئاً بثمنٍ حال ثمّ أجَّله أجلاً معلوماً صار مؤجلاً، لأنّ الحلول حقّ البائع فله إسقاطه بتأجيله تيسيراً على من عليه الثّمن، ولأنّه يملك إسقاط المطالبة مطلقاً بالإبراء، فلأَن يملك إسقاطها مدة معينةً بالتَّأجيل أولى. ولو أجّله إلى أجلٍ مجهولٍ، فإنْ كانت الجهالة فاحشةً كهبوب الرّيح لا يصحّ، وإنْ كانت متعارفة كالحمل والدِّيَاس يصحّ كما في الكفالة
(إلاّ القَرْضَ) وهو ما ثبت في الذّمة باستقراضٍ، فإنّه لا يصحّ تأجيله حتى لو أجلّه مدةً معلومةً عِنْد الإقراض أوبعده لا يثبت الأجل وله المطالبة في الحال. وقال مالك: يصحّ تأجيل القرض كسائر الديون. وقال الشّافعيّ: لا يجوز تأجيل غير القرض كالقرض.
---
(4/167)
________________________________________
***
ولنا: أنّ القرض إعارةٌ وتبرّعٌ ابتداءءً ولهذا يصحّ بلفظ الإعارة، ومعاوضةٌ انتهاءً حتّى يلزمه ردّ مثله. فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كالإعارة، فإنّ المُعير وإنْ وقّت الإعارة، له أن يستردّها من ساعته، إذ لا جبر في التبرّع. وعلى اعتبار الانتهاء لا يصحّ التأجيل فيه لأنه مبادلة الدارهم بِمْثلِها نسيئةً، وهو حرامٌ.

(بَابُ الحُقُوقِ)
(وَيَدْخُلُ البِنَاءُ وَالمَفَاتِيحُ) المتصل أَغلاقها به (والعُلْوُ والكَنِيفُ في بَيْعِ الدَّارِ) لأنّ العَرْصَةَ أصلٌ في الدَّار لقرار البناء عليها. وإنّما دخل البناء وما اتّصل به في بيع الدّار بطريق التبعية لاتصاله بالعَرْصَة اتّصال قرار. فما لا يكون متَّصلاً بالبناء لا يدخل في بيع الدَّار إلاّ إذا جرى العرف أنّ البائع يسامح به، فإنّه يدخل بلا ذكرٍ، فيدخل العُلْو بلا ذكرٍ لاتّصاله بالبناء، ولا يدخل المِفْتاح في القياس لأنّه غير متّصلٍ بالبناء، فصار كثوبٍ موضوع في الدَّار، ويدخل في الاستحسان، إذ العادة أنّ البائع لا يمنعه عن المشترى بل يسلّمه مع الدّار إليه.
ولا يدخل الباب الموضوع ولا القفل ومفتاحه، ويدخل السُلَّم المتصل بالبناء، ولو كان من خشبٍ، ولا يدخل غير المتّصل إلاّ في عرف أهل مصر فإِنْه يدخل، ذكره الزَّيْلَعِيُّ. ويدخل الحجر الأَسفل من الرَّحى، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأحمد، ويدخل الحجر الأعلى منها استحساناً، وهو الأَظهر في مذهب الشَّافعيّ.
(لا الظُّلَّةُ) أي لا تدخل الظُّلَّةُ في بيع الدَّار وهي: السُّدَّة التي فوق الباب على ما في «المغرب»، أو السَّابَاط الذي يكون أحد طرفيه على الدار والطرف الآخر على دار أخرى أو على أسطوانات في السِّكَّة على ما في «جامع قاضيخان».
---
(4/168)
________________________________________
***
(إِلاَّ بِذِكْرِ كُلِّ حقٍ هُوَ لها) أي للدار، (أو: بِمَرَافِقِها) أي بذكر مرافقها، وهي حقوقها ومنافعها، (أو بكل قليلٍ) أي بذكر كلِّ قليلٍ (وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا) وهذا عند أَبِي حنيفة، وعندهما تدخل الظُّلَّة إن كان مفتحها في الدَّار لأَنها حينئذٍ من توابع الدَّار، فصارت كالكنيف والعُلْو. ولأبي حنيفة: أَنْ الظُّلَّة تابعةٌ للدَّار من حيث إِنّ قرار أحد طرفيها على بناء الدَّار، وليست بتابعة، لها من حيث إِنّ قرار طرفها الآخر على غير بنائها، فلا تدخل بلا ذكر الحقوق وتدخل بذكرها عملاً بالشبهين.
(و) يدخل (الشَّجَرُ) في بيع الأرض بلا ذكره صغيراً كان أو كبيراً ممَّا يُثْمِرُ أو ممَّا لا يُثْمِرُ (لا الزَّرْعُ) أي لا يدخل الزَّرع (في بِيْعِ الأَرْضِ) بلا ذكره، والفرق بينهما: أَنَّ اتصال الشَّجر بالأَرْض للقرار فكان كالبناء، واتصال الزَّرع بها لا للقرار فكان كالمتاع. وإنّما دخل الجنين في بيع أمه من غير ذكر، مع أنّ اتّصاله ليس للقرار، لأنْه جزءٌ منها.
---
(4/169)
________________________________________
***
(وَلاَ) يدخل (الثَّمَرُ) وهو بالمثلثة (في بَيْعِ الشَّجَرِ) إِلاَّ بشرطه سواء كان لذلك الثَّمر قيمة وقت البيع أو لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: «من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع. ومن باع نخلاً مؤبّراً، فالثَّمرة للبائع إِلاَّ أن يشترط المبتاع». رواه أصحاب الكتب السَّتة. ولأنَّ اتصال الثَّمر بأصله وإن كان اتصال قرار كاتّصال الشجر بالأرض، إلاّ أنّ قطع الثَّمر له غايةٌ معلومةٌ، فصار في حكم المقطوع. ويقال للبائع: اقطع الثمر وسلِّم الشَّجر. وكذا إذا بيعت الأَرض وبها زرعٌ، يؤمر البائع بالحصاد والتسليم. وقال مالك والشَّافعي وأحمد: يترك الثَّمر حتّى يظهر صلاحه، ويترك الزَّرع حتّى يستحصد، لأنّ الواجب هو التّسليم المعتاد، ولم تجرِ العادة بقطع الثَّمر قبل بُدُوِّ صلاحه، ولا حصاد الزَّرع قبل استحصاده، وصار كما لو مضت مدَّة الإجارة وفي الأرض زرعٌ لم يدرك.
(وَلاَ) يدخل (العُلْوُ في بَيْعِ بَيْتٍ) فوقه بيتٌ (إِلاَّ بِشَرْطِهِ) لا تبعاً ولا بذكر ما ذُكِرَ، لأَنَّ البيت اسم لمُسْقفٍ له دَهْليزٌ ويصلح للبيتوتة فيه، والشيء لا يكون تبعاً لمثله ولا من حقوقه ومرافقه.
(وَلاَ) في (بَيْعِ مَنْزِلٍ) فوقه بيت تبعاً (إِلاَّ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ) من الحقوق والمرافق، لأَنَّ المنزل اسمٌ لما يشتمل على: بيوتٍ وصحنٍ مُسْقَفٍ ومطبخ. والدار اسمٌ لما يشتمل على: بيوتٍ ومنازل وصحن غير مُسْقَفٍ، فكانت الدَّار أعمَّ منها لاشتمالها عليها، فاستتبعت العلو وإن لم يذكر الحقوق، لأنَّها اسمٌ لكل ما أدير عليه الحائط، والعُلْوُ مِمَّا أدير عليه الحائِطُ فيدخل.
---
(4/170)
________________________________________
***
والبيت اسمٌ لما يبات فيه والعلو مثله بلا تفاوتٍ، والشيء لا يستتبع مثله، وليس من أجزائه وتوابعه ليدخل بذكر التوابع، والمنزل دون الدَّار وفوق البيت، فله منزلة بين المنزلتين. فتَوَفَّر على الشَّبَهَين حظهما ، فيدخل العلو فيه تبعاً بذكر التَّوابع عملاً بشَبَهِهِ بالدَّار، ولا يدخل بدونه عملاً بشَبَهِهِ بالبيت.
وفي شرح «الوافي» قالوا: هذا على عرف أهل الكوفة، وأمَّا على عرفنا، فيدخل العُلْو في الكلِّ، سواء باع باسم البيت أو المنزل أو الدَّار.
(كَالطَّرِيقِ) أي كما لا يدخل الطَّريق في بيع ما له طريق (والشِّرْبِ) في بيع ما له شِرْبٌ (وَالمَسِيلِ) في بيع ما له مسيلٌ إلا بذكر الحقوق أو الموافق، لأنّ كلّ واحدٍ منهما تبعٌ للمبيع من حيث إنّه خارجٌ عن حدوده ويقصد للانتفاع به فيه، وأصلٌ من حيث إنّه يُتَصَوَّرُ بدون المبيع. فكان تبعاً من وجهٍ دون وجهٍ، فلا يدخل إلاّ بذكر ما ذكر عملاً بالشبهين.

(وَتَدْخُلُ) هذه الثلاثة في الإجارة من غير ما ذكر، لأنّ الإجارة لم تشرع إلاّ للانتفاع، وهو لا يتحقق فيما له طريقٌ أو شِرْبٌ أو مَسيل إلاّ بطريقه أو شِرْبه أو مَسِيلِهِ. بخلاف البيع، فإنّه شُرِعَ لملك الرّقبة والانتفاع من ثمراته.
(وَيُؤْخَذُ الولد) الذي ولدته الأمَةُ عند المشتري لا بالاستيلاد (إن اسْتُحِقَّتْ أُمُّهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ) استُحقّت بأن (أقَرَّ) المشتري (بِهَا) لمدعيها (لاَ) أي لا يؤخذ الولد، بل تؤخذ أمّه وحدها. ويدخل في البيع ملبوس الغلام والجارية لو كان خسيساً، للعُرْف، ولا يدخل لو كان نفيساً إلاّ بالشرط لعدم العُرْف.

(بَيْعُ الفُضُولي)
---
(4/171)
________________________________________
***
(وَلِمَالِكٍ بَاعَ غَيْرُهُ) بالرفع فاعل باع (مِلكَهُ) بالنصب على أنه مفعول باع أي ملك المالك. والمعنى: إذا باع شخصٌ ملك غيره انعقد بيعه، وبه قال مالك، وهو بيع الفُضُوليّ، ولمالكه (فَسْخُهُ) أي فسخ البيع، وهو مبتدأ خبره الظرف المقدّم.
(وَلَهُ) أي للمالك (إجَازَتُهُ إنْ بَقِيَ العَاقِدَانِ) والمقعود له وهو المالك (وَالمَبِيعُ وَكَذَا إنْ بَقِيَ الثَّمَنُ) حال كونه (عَرْضاً) لأنّه مبيع من وجهٍ. وقال الشّافعيّ في الجديد، وأحمد في روايةٍ: لا ينعقد لأنّه أضاف ذلك المبيع إلى محلٍ لا ولاية له عليه، لأنّها تكون بالملك المطلق للتّصرفات، أو بإذن المالك الذي له ولاية التّصرّف، ولم يوجد واحدٌ منهما فيلغو.
والتّصرّف الشرعيّ كما يتوقّف على الأهل والمحل، يتوقّف على الولاية الشرعية، فإذا فاتت لا ينعقد. ولأنّ بيع الآبق لا ينعقد مع كونه مملوكاً لعدم القدرة على تسليمه، فما لا يملكه البائع أولى. ولنا ما رُوِيَ عن عُرْوَة وغيره: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دفع إلى عُرْوَة البَارِقِيّ ديناراً ليشتري به شاةً للأُضْحِيَةِ، فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينارٍ، وجاء بشاةٍ ودينارٍ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسّلام: «بارك الله لك في صَفْقة يمينك». ووجه الدّلالة: أنّ عُرْوَة باع الشاة الثانية من غير إذن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد أجازه عليه الصلاة والسّلام.
---
(4/172)
________________________________________
***
وروى الطَّبرانِيّ في «معجمه» والترمذيّ في «جامعه» مثل هذا عن حَكِيم بن حِزَام: إلاّ أنّ حكيماً أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ليشتري به أُضْحية، فاشترى أضْحِيةً، بدينارٍ فباعها بدينارين، ثم اشترى أضحية بدينارٍ (وجاءه بدينارٍ) وأضحيةٍ، فتصدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدّينار ودعا له بالبركة. ولأنَّ هذا تصرّف صدر من أهله، لأنّه عاقلٌ بالغٌ، مضافاً إلى محله لأنّه مالٌ متقوّمٌ، ولا ضرر في انعقاده على المالك، لأنّه مخيّرٌ، فإن رأى فيه مصلحةً أجازه وإلاّ فسخه، فينعقد ويتوقّف نفوذه على إجازة المالك، بل فيه نفعٌ له حيث سقط عنه مؤنة طلب المشتري وقرار الثمن.
وفيه نفع العاقد من حيث صيانةُ كلامه عن الإلغاء، وفيه نفع المشتري. فتثبت القدرة الشَّرعية تحصيلاً لهذه الوجوه على أَن الإذن ثابتٌ دلالةً، لأنّ كلّ عاقلٍ راضٍ بتحصيل التّصرّف النافع له. وكذا كل ما له مجيزٌ حالة وقوعه من العقود والفسوخ والنِّكاح والطَّلاق، فهو على الخلاف، وإن لم يكن له مجيزٌ حالة العقد لا يتوقّف ويقع. وإنّما شُرِطَ بقاء العاقدَيْن والمعقود عليه وله، لأنّ الإجازة تصرّفٌ في العقد فيفتقر إلى قيامه، وقيامه بقيام هذه الأشياء.

وخَصَّ المصنف بيع الفُضُولِيّ بالحكم، لأنّ شراءه لا يتوقّف على الإجازة، بل إن وجد نفاذاً على الفُضُولي نفذ عليه، وإن لم يجد نفاذاً عليه بأن كان محجوراً عليه يتوقّف. وقال الشّافعيّ في القديم: يتوقّف كالبيع، وبه قال مالك وأحمد في روايةٍ. ولنا: أنّ الثَّمن في الشِّراء لازمٌ لذِمَّة المشتري بالتزامه فينفذ. بخلاف البيع، فإنّ قيامه بالمبيع وهو ملك لغيره، ويتضرر بلزوم العقد فيه، فيتوقّف على رضاه. ولم يفرّق بينهما صاحب «المواهب» حيث قال: ويجوز تصرف الفُضُوليّ من الإيجاب والقَبول عندنا.
---
(4/173)
________________________________________
***
(وَهُوَ) أي الثَّمن إذا أجاز المالك البيع (مِلْكٌ لِلْمُجِيزِ) وهو المالك (وأمَانَةٌ عِنْدَ بَائِعِهِ) وهو الفُضُوليّ لأنّه حينئذٍ بمنزلة الوكيل، لأنّ الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة. (وَلَهُ) أي للبائع الفُضُوليّ، (فَسْخُهُ) أي البيع (قَبْلَ الإجَازَةِ) دفعاً للحقوق عن نفسه، بخلاف الفُضُوليّ في النِّكاح، فإنه ليس له الفسخ قبل الإجازة، لأنّ الحقوق لا ترجع إليه، لأنّه سفيرٌ محضٌ، فإذا حصل منه العقد انتهى أمره فصار كأجنبيّ.
(وَجَازَ إعْتَاقُ المَشْتَرِي مِنَ الغَاصِبِ) إن أجيز بيع الغاصب (لاَ بَيْعُهُ) أي لا يجوز بيع المشتري من الغاصب (إنْ أُجِيزَ بَيْعُ الغَاصِبِ) يعني مَن اشترى عبداً من الغاصب فأعتقه ثم أجاز المولى ذلك الشّراء جاز العتق، وإن باعه المشتري فأجاز المولى الشَّراء الأول لم يجز الشراء الثاني، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمّد وزُفَر، وهو روايةٌ عن أبي يوسف رحمهم الله: لا يجوز العتق أيضاً، وهو القياس وقول مالك والشّافعيّ. وهذه ثانية المسألتين اللّتين جرت المحاورة فيهما بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
---
(4/174)
________________________________________
***
وقال أبو يوسف لمحمد: رويت لك إنّ العتق باطلٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال محمد: رويت لي أنّ العتق جائزٌ عنده. وحاصل الخلاف راجعٌ إلى أنّ إعتاق المشتري من الغاصب موقوفٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله على أن ينفذ الشِّراء بإجازة المالك، وباطلٌ عند محمد رحمه الله، لأنّ الإعتاق لا يصحّ إلاّ في الملك الكامل للمُعْتَقِ لِمَا روى أبو داود، والترمذي في الطّلاق ـ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ـ عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاقَ له فيما لا يملك». ولأبي حنيفة رحمه الله وهو وجه الاستحسان: أَنّ ملك المشتري من الغاصب ثبت موقوفاً بتصرفٍ مطلقٍ موضوعٍ لإفادة الملك، فيتوقف الإعتاق بتوقّفه، وإذا نفذ نفذ بحقوقه.

فصلٌ (في السَّلَمِ)
(يَصِحُّ السَّلَمُ) ؛ وهو لغةً: السَّلَف.
وشرعاً:
اسمٌ لعقدٍ يوجب المِلك في الثَّمن عاجلاً، وفي المُثَمَّنِ آجِلاً.
وهو مشروعٌ على خلاف القياس لكونه بيعَ معدومٍ، ولكنّه جائزٌ بالكتاب لِمَا روى الحاكم في «المُسْتَدْرَك» في تفسير سورة البقرة ـ وقال: صحيح على شرط الشيخين ـ عن ابن عبّاس أنه قال: أشهد أَنّ السَّلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلّه الله تعالى في الكتاب، وأذِنَ فيه. قال الله تعالى: {يَا أيُّهَا الذّيِنَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى فَاكْتُبُوهُ} الآية.
---
(4/175)
________________________________________
***
ورواه الشَّافعيّ في «مسنده» بالسّند، وهو ما أخرجه الأئمة السّتة في كتبهم عن أبي المِنْهَال، عن ابن عبّاس قال: قدم النَّبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يُسْلِفُونَ في التّمر السّنة والسنتين والثلاث. فقال صلى الله عليه وسلم: «مَن أسلف في تمرٍ، فليُسلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ». وما أخرجه البخاري عن عبد الله بن أبي أوْفَى أنه قال: إنّا كنّا لَنُسْلِف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما في الحِنْطَة، والشَّعير، والتّمر، والزبيب. وبالإجماع فإنّ الأمّة أجمعت على جواز السَّلم لحاجة النّاس وضرورتهم إليه.
وإنّما يصحّ السَّلم (فِيمَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، وَوَصْفُهُ) بكيلٍ أو وزنٍ، أو ذراعٍ، أو عدَ، بخلاف ما لا يُعْلم قدره ووصفه بكيلٍ، حيث لا يصحّ السَّلم فيه، لحديث ابن عبّاس. ولأنّ ما لا يعلم قدره ووصفه مجهولٌ جهالةً تُفْضِي إلى المنازعة، فلا يصحّ السّلم فيه، وذلك (كالْمَكِيلِ) نحو البُرّ والشّعير وسائر الحبوب وغيرها. ولو أسلم في الحنطة وزناً اخْتُلِفَ فيه، والفتوى على جوازه لتعامل النّاس.
(والمَوْزُونِ) نحو الدُّهن (مُثَمَّناً) قيَّد به لأنّ الموزون الثّمن، وهو الدّارهم والدّنانير، لا يكون مُسْلماً فيه، لأنّه ثمنٌ. والمُسْلَم فيه مبيعٌ فلا يكون ثمناً. فعلماؤنا والشّافعي حصروا جواز الموزون بالمُثَمَّن منه، وعَمَّمه مالك لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: «ووزنٍ معلوم»، ولأنّه يمكن ضبط النَّقدين بالصفة، فيجوز السّلم فيها.
ولنا: أنْهما خُلِقَا أثماناً، والمُسْلَم فيه مبيعٌ، والنّص مقَّيدٌ به، لأنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان.
---
(4/176)
________________________________________
***
ولو أسلم في الثَّمن بأن أسلم حنطة أو عروضاً في أحد النّقدين يكون باطلاً عند ابن أبَان، وبيعاً صحيحاً بثمنٍ مؤجّلٍ عند أبي بكر الأعْمَش حملاً لكلام العاقلين على الصِّحة، وهو إنّهما قصدا مبادلة الحنطة بالدّراهم. وقول ابن أبَان أصحّ، لأن المعقود عليه هو المُسْلَم فيه. وهذا الخلاف إذا اسلم غير شيءٍ من النقدين في أحدهما، وأمّا إذا أسلم أحدهما في الآخر، فإنه لا يجوز بالإجماع، لأنّ القدر بانفراده يحرّم النَّسَاء.
(والمَذْرُوعِ) أي وكالمذروع (كالثَّوْبِ مُبَيِّناً طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَرُقْعَتَهُ) أي رِقته وغِلَظه، لأنَّ مقدار المالية في الثياب يعلم بذكر هذه الأشياء، والتّفاوت بغيرها يسير فلا يضرّ، لأنه لا يُفْضي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلّم، وهذا في غير الحرير. وأمّا في الحرير، فلا بدّ فيه من ذكر الوزن أيضاً، لأنّ قيمة الثوب منه يختلف باختلاف وزنه. وفي «المُجْتَبَى»: والقياس أنّه لا يجوز السَّلم في المذروعات لتعذّر ثبوتها في الذِّمة، ولهذا لا يضمن بالمثل في الاستهلاك كالجواهر، لكن تُرِكَ ذلك بإجماع الفقهاء. وفي «الخُلاَصَة»: ولو أطلق ذكر الذِّراع فله ذراعٌ وسط.
---
(4/177)
________________________________________
***
(وَالمَعْدُودِ) أي وكالمعدود (مُتَقَارِباً) وهو ما لا يتفاوت آحاده في القيمة ويُضْمَنُ بالمثل كالجوز والبيض، لأنّهما معلوما القَدْرِ بالعدد، والتّفاوت بين آحادهما بالصغر والكبر ساقط الاعتبار فيما بين النّاس. قيّد بالمتقارب لأنّ المتفاوت كالبطيخ والرمان والسَّفَرْجَل لا يصحّ فيه السلم عدداً لتفاوت آحاده في القيمة (فَيَصِحُّ) السَّلم (في السَّمَكِ) أي في الصِّغار واخْتُلِفَ في الكبار (المَلِيحِ) أي الذي قُدِّدَ ومُلِّحَ، وإنَّما يصحّ السَّلم فيه بالوزن لا بالعدد، لتفاوت آحاده بالكبر والصغر. قيّد بالمليح لأنّ الطّري لا يصحّ السّلم فيه في غير حينه، لأنّه منقطعٌ من أيدي النّاس حتى لو كان في حينه جاز السَّلم فيه. وقيل: لا فرق بين الطَّريّ والمَلِيح. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا يصح فيهما.
(لاَ في الحَيَوَانِ) أي لا يصح السّلم في الحيوان، وهو قول الثَّوْرِيّ والأَوْزَاعِيّ، وقال الشّافعيّ وأحمد: يصحّ، وهو قول مالك إلاّ في الخَلِفاتِ ـ وهي: الحوامل من النُّوق ـ فإنّها مجهولةٌ لِمَا روى أبو داود في («سننه»، وأحمد بن حنبل) في «مسنده»، والبزَّار في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيحٌ على شرط مسلم ـ عن عبد الله بن عمرو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أنْ يجهّز جيشاً فَنَفِدَتْ الإبل. فأمره أن يأخذ من قلائص الصّدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
---
(4/178)
________________________________________
***
و «من» ههنا بمعنى «على» كما في روايةٍ، نحو قوله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القَوْمِ الّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}، ولأنّه مبيعٌ معلوم الصّفة، فيجوز السَّلم فيه، كالثياب؛ واعْتُرِضَ بما رواه ابن حِبّان في «صحيحه»، وعبد الرّزّاق في «مصنفه» من حديث ابن عبّاس، وأصحاب السنن الأربعة من حديث سَمُرَة بن جُنْدُب: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. وأُجيبِ بأنّه محمولٌ على أن يكون النَّسَاء في الحيوان من الطرفين.
وأمّا ما في «آثار الطَّحاويّ» بسنده إلى أبي رافعٍ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بَكْراً، فقدِمَتْ عليه إبلٌ من إبل الصّدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرّجل بَكْره، فرجع إليه أبو رافعٍ فقال: لم أجد فيها إلاّ جَمَلاً خِيَاراً رَباعِياً فقال: «أعطه إيّاه إن خيار الناس أحسنهم قضاءً». فمحمولٌ على القرض.
ولنا: ما أخرجه الحاكم في «مستدركه» ـ وقال: صحيح الإسناد ـ والدَّارَقُطْنِيّ في «سننه» عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السَّلف في الحيوان. وما رواه محمد في «الآثار» عن أبي حنيفة رحمه الله، عن حَمّاد بن أبي سُلَيْمَان، عن إبراهيم النَّخَعِيّ قال: دفع عبد الله بن مسعود إلى زيد بن خُوَيلدة البَكْرِيّ مالاً مضاربةً، فأسلم زيد إلى عِتْرِيس بن عُرْقُوب الشَّيْبَانِيّ في قلائص، فلمّا حلّت أخذ بعضاً وبقي بعض. فأعسر، عِتْرِيس وبلغه أنّ المال لعبد الله، فأتاه يسترفقه، (فقال عبدالله: اَفَعَلَ زيد؟ قال: نعم)، فأرسل عبد الله إلى زيد وقال: اردُدْ ما أخذت وخذ رأس مالك، ولا تُسْلِمَنّ مالنَا في شيءٍ من الحيوان.
---
(4/179)
________________________________________
***
ولأن الحيوان يتفاوت آحاده تفاوتاً فاحشاً. فإنّك ترى عبدين أو أمَتَيْنِ متفقين في الأوصاف المشروطة، ومع ذلك، باختلاف الصَّباحة، والملاحة، والفصاحة، والكِيَاسة، وحسن السيرة، والصورة، يساوي أحدهما ألفاً والآخر ألوفاً. قال (الشاعر):
*أَلاَّ رُبَّ فَرْدٍ يَعْدِلُ الألْفَ زَائِداً ** وأَلْفٍ تَرَاهُمْ لا يُسَاوُونَ وَاحِداً
فلا يجوز السَّلم فيه كالجواهر، بخلاف الثياب، فإنها بصنع العبد، وهي إنّما تُصْنَع بآلةٍ، فإذا اتّحدت الآلة والصانع لم يبق إلاّ التفاوت اليسير، وهو لا يضر. وحديث عبد الله بن عمرو السّابق، قال ابن القطّان في كتابه: إنّه ضعيفٌ مضطربُ الإسناد. وبيَّنه، فلا يُحتجّ به.

ولا يصحّ السَّلم في اللّحم عند أبي حنيفة، ولو منزوعَ العظم، على الأصحّ في الروايتين عنه. ويصحّ عندهما كمالك والشَّافعيّ مطلقاً، إِنْ بيّن جنسه ونوعه، وسِنَّه، وصفته، وموضعه، وقدره، كشاةٍ خَصِي ثَنِيّ سمينٍ من الجنب، كذا رطلٍ بكذا، يصحّ. كما يصحّ في الأَلْية، والشَّحم، والسَّمك وزناً، وبه يُفْتَى.
(وَأطْرَافِهِ) أي ولا يصحّ السَّلم في أطراف الحيوان، كالرؤوس، والأكارِع، وهي جمع كُرَاع: وهو ما دون الرُّكبة في الدَّواب، وبه قال الشَّافعيّ في الأظهر، لأنّها عددية متفاوتة. قيل: هذا قول أبي حنيفة، وأمّا عندهما فيجوز كما في اللَّحم، وقيل: لا يجوز باتفاقٍ.
(وَجُلُودِهِ) أي ولا يصحّ السَّلم في الجلود عدداً غيرَ مُبَيَّن الطُّول والعرض والصِّفة. إذ التفاوت بين رأس ورأسٍ، وكُراعٍ وكُرَاعٍ معتبرٌ فيما بين النّاس، ويُمَاكِسُون لأجله. ولو أسلم في الرؤوس والأكارِع وزناً اختلفوا فيه. وقال مالك والشافعيّ وأحمد رحمهم الله في روايةٍ: يجوز السَّلم في الجلود، والرؤوس والأكارِع عدداً ووزناً، لأنّها معلومة القدر والصّفة بالذّكر، ولأنّ الجلود في معنى الثياب لأنّها يُتخذ منها الفرو والخِفَاف.
---
(4/180)
________________________________________
***
قيَّدنا بالعدد غير المُبَيَّن الطول والعرض والصفة، لأنّ السَّلم فيها وزناً، يجوز، وكذا عدداً إذا بيّن طولها وعرضها.
(وَالجَوَاهِرِ) أي ولا يجوز السَّلم في الجواهر لأنّها عددية متفاوتة لتفاوت آحادها في الماليّة بالصغر والتدوير، بخلاف اللآلي الصِّغار التي تباع وزناً، فإنّها يصحّ السَّلم فيها لأنّها تُعلم بالوزن.
(وَلاَ بِصَاعٍ) أي ولا يصحّ السّلم بمكيالٍ (وَلاَ ذِرَاعٍ مُعَيَّنَيْنِ لَمْ يُدْرَ قَدْرُهُ)،
لأنّ القدرة على التَّسليم وقت وجوبه شرطٌ، وهي لا تتحقّق إلاّ ببقاء ما عيّنه من المكيال والذّراع إلى وقت التَّسليم، وبقاؤه غير معلومٍ لاحتمال أنّه يضيع فيقع النِّزاع، وإنّما جاز البيع بهما لأنّ السَّلم يتأخر فيه التَّسليم، فيكون الضياع محتملاً بخلاف البيع.

(شُرُوط السَّلَمِ)
(وشُرُوطُهُ) أي السَّلم. وفي بعض النسخ: وشرطه (بَيَانُ جِنْسِهِ) أي جنس المُسْلَم فيه (كَبُرَ) أو شعيرٍ. (وَ) بيان (نَوْعِهِ كَسَقِيَّةٍ) بفتح فكسر فتشديد التحتيّة، أي حنطة مَسْقِيّة سَيْحاً. (وَ) بيان (صِفَتِهِ كَجَيِّدٍ، وَ) بيان (قَدْرِهِ) ككذا كيلاً بمكيالٍ معروفٍ، أو كذا وزناً بميزان معروفٍ، لأنّ المُسْلَم فيه قد يختلف بالجنس والنوع والصّفة والقدر، فلا بدّ من بيان هذه الأشياء لقطع المنازعة.
(وَ) بيان (أجَلِهِ) فلا يجوز السّلم في حالَ ولا مؤجّلٍ بأجلٍ مجهولٍ. وقال الشّافعيّ: يجوز السّلم في الحالّ، وبه قال عطاءٌ وأبو ثور، واختاره ابن المُنْذِر، لأنّه مبادلة مالٍ بمالٍ فلا يكون الأجل فيه شرطاً كالبيع. ولنا: ما مرّ من قوله عليه الصلاة والسّلام: «من أسلف في شيءٍ فليُسْلف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ». (وأقَلُّهُ) أي أقلّ الأجل في السّلم (شَهْرٌ) كذا رُويَ عن محمد، وهو الأصحّ، وعليه الفتوى.
---
(4/181)
________________________________________
***
(وَ) من شروط السَّلم بيان (قَدْر رَأسِ المَالِ في) رأس المال (الكَيْلِيّ، وَ) في رأس المال (الوَزْنِيّ، وَ) في رأس المال (العَدَدَيّ). ولو قال: وقدر رأس المال الكيليّ... إلى آخره لكان أولى. ثم ما ذكره إن كان رأس المال عند العقد غيرَ مشارٍ إليه فباتفاقٍ، وإن كان مشاراً إليه، فعند أبي حنيفة رحمه الله خلافاً لهما. حتّى لو قال: أسلمت إليك هذه الدَّراهم في كُرِّ بُرّ، ولم يبيّن وزن الدَّراهم. أو قال: أسلمت إليك هذا البُرَّ في مَنّ زعفران ولم يبيَّن قدر البُرّ، لا يصحّ عنده، ويصحّ عندهما. وأمّا رأس المال الذِّراعي إذا كان مشاراً إليه عند العقد، لا يُشْتَرطُ بيانُ قدره باتفاق.
(وَ) من شروطه بيان (مَكَانِ إيفَاءِ مُسْلَمٍ) أي مُسْلَمٍ فيه (لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله، وَوَجْهٌ في مذهب الشَّافعيّ. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يشترط مكان الإيفاء، ولكنْ إِن شرطا مكاناً صحّ، وإن لم يُشْتَرط يتعيّن مكان العقد، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أولاً، والأصحّ في مذهب الشَّافعي، لأنّ التسليم وجب بالعقد، فيتعيّن له مكان العقد كما في البيع.
ولأبي حنيفة رحمه الله: إنَّ تعيّن مكان العقد إمّا بالتعيين صريحاً أو بضرورة وجوب التّسليم في الحالّ، ولم يوجد واحدٌ منهما بخلاف البيع، فإنه واجب التّسليم في الحالّ، فيتعيّن له موضع بالعقد. وقيّد المُسْلَم فيه بأن يكون لحمله مُؤْنة، لأنه لو لم يكن كذلك، كالمسك والزَّعْفَران، والكَافُورِ القليلة لا يحتاج فيه إلى بيان الإيفاء عندهم، لأنّ قيمته لا تختلف باختلاف المكان.
---
(4/182)
________________________________________
***
(وَقَبْصِ رَأْسِ المَالِ) أي مال السَّلَم (قَبْلَ الافْتِرَاقِ) أي افتراق العاقدين بالأبدان (شَرْطُ بَقَائِهِ) خبرٌ لمبتدأ مقدمٍ، أي شرط بقاء السَّلم صحيحاً، وبه قال الشّافعيّ. ولهذا صحّ السَّلم مع تأخير التّسليم إلى آخر المجلس. ولو مكثا إلى الليل، أو سارا فَرْسَخاً، أو نام أحدهما. وجوّز مالك تأخيره اليوم واليومين والثلاث بشرط. وقيل: لا يجوز، فإنْ أخَّر أكثر بغير شرطٍ فقولان. ولا فرق بين كون رأس المال ممّا لا يتعيّن كالنُّقود، أو ممّا يتعيّن كالعروض. أمّا إن كان ممّا لا يتعيّن فلئلا يفترقا عن دينٍ بدينٍ، وهو بيع الكالىء بالكالىء، أي النّسيئة بالنّسيئة، لِمَا رواه ابن أبي شَيْبَة، وإسحاق بن رَاهُويَه، والبزَّار في «مسانيدهم» من حديث موسى بن عُبَيْدة، عن عبد الله بن دِينارٍ، عن ابن عمر، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. ولفظ البزَّار ـ قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وعن بيع الكالىء بالكالىء، وعن بيع عاجلٍ بآجلٍ».
فالغرر: أن تبيع ما ليس عندك. والكالىء بالكالىء: دينٌ بدينٍ. والعاجل بالآجل: أن يكون له عليك ألف درهمٍ مؤجّلةً، فيتعجّل عنها بخمس مئة. وأمّا إن كان من العروض، فلأنّ السَّلم أَخْذُ عاجلٍ بآجل، والمُسْلَم فيه آجلٌ، فوجب أنْ يكون رأس المال عاجلاً، ليكون حُكْمُه على وَفْق اسمه. ولو أبى المُسْلَم إليه قبض رأس المال أُجْبِرَ عليه.
ومِن شروط السَّلم: وجود المُسْلَم فيه من وقت العقد إلى وقت التَّسليم، حتّى لو كان موجوداً حال العقد، معدوماً وقت التّسليم لا يجوز بالإجماع. ولو كان معدوماً حال العقد موجوداً وقت التّسليم، أو معدوماً بينهما لا يجوز عندنا، وهو قول الأوْزَاعِيّ. والمعتبر وجوده في السّوق الذي يُبَاع فيه في ذلك المصر. وقال مالك والشّافعيّ: يُشْتَرط وجوده حال حلوله فقط.
---
(4/183)
________________________________________
***
ولنا: ما رواه أبو داود وابن ماجه ـ واللفظ له ـ عن أبي إسحاق، عن النَّجْرَانيّ قلت لعبد الله بن عمر: أُسْلِمُ في نخلٍ قبل أنْ يُطْلِع؟ قال: لا. قلت: لِمَ؟ قال: إن رجلاً أسلم في حديقة نخلٍ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يُطْلِع النخل، فلم يُطِلْع النخل شيئاً ذلك العام، فقال المشتري: أؤخرك حتى يُطْلِعَ. فقال البائع: إنّما بعتك النّخل هذه السنة. فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للبائع: أَخذ من نخلك شيئاً»؟ قال: لا. قال: «بم تستحلّ ماله؟ اردد عليه ما أخذت منه، ولا تُسْلِمُوا في نخلٍ حتى يبدوَ صلاحُه». وفيه مجهولٌ كما علمت.

وما في البخاري عن أبي البَخْتَرِي قال: سألت ابن عمر عن السّلم في النّخل، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يصلح، وعن بيع الوَرِق نسأً بناجزٍ. وسألت ابن عبّاس عن السّلم في النّخل، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النّخل حتَّى يُؤْكَلَ منه.
فقد ثبت عن هذين الصّحابيين الكبيرين في العلم والتتبع أنهما فَهِمَا من نهيه عن بيع النّخل حتّى يصلح، بيعَ السّلم، فقد دلّ الحديث على اشتراط وجوده عند العقد، والاتفاق على اشتراطه عند المَحَلّ.
(فَلَوْ كَانَ) رأس المال (دَيْناً وعَيْناً) من جنس واحد: بأن أسلم مئة درهم نقداً، ومئة درهم ديناً على المُسْلَم إليه في الكُرِّ (بَطَلَ) السّلم (في حِصَّةِ الدَّيْنِ) لأنّه دين بدينٍ، وصحّ في حصة النقد لوجود قبض رأس المال في المجلس. وقال زُفَر: يشيع الفساد ويبطُل العقد في حصة العين أيضاً، لأنّ هذا الفساد في صلب العقد. (وَلاَ يَجُوزُ) أي لا يصحّ (التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المَالِ) قبل قبضه، (وَ) لا التَّصرُّف في (المُسْلَم فيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ) باستبدالٍ، أو توليةٍ، أو شركةٍ، أو إقالةٍ بخلاف ارتهانٍ أو حَوالةٍ.
---
(4/184)
________________________________________
***
أمّا في رأس المال، فلأنّ قبضه في المجلس حقّ الله تعالى، وفي التَّصرّف فيه قبل قبضه تعرّض لتفويت ذلك. وأمّا في المُسْلَم فيه، فلما أخرجه أبو داود، وابن ماجه والترمذي في «عِلَله الكبير» ـ وقال: لا أعرفه إلاّ من هذا الوجه، وهو حسنٌ ـ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أسلم في شيءٍ، فلا يصرِفْه إلى غيره». وما روى عبد الرَّزّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن ابن عمر أنه قال: إذا أسلفت في شيءٍ، فلا تأخذ إلاّ رأس مالك أو الذي أسلفت فيه.
ولو أسلم في رُطَبٍ فأخذ مثله تمراً، أو بالعكس، صحّ عند أبي حنيفة رحمه الله، نظراً إلى التَّساوي في الحال، ولم يصحّ عندهما نظراً إلى التَّفاوت في المآل. ولو أخذ دقيقاً، أو سَوِيقاً، أو مَقْلِيّاً عن بُرّ، أو أخذ دقيقاً عن سويقٍ أو بالعكس لا يصحّ لاختلاف الجنس فكان استبدالاً. وإن تقايلا عقد السَّلم مَنَعْنَا ربَّ السّلم شراء شيءٍ من المُسْلَم إليه برأس المال استحساناً. ولم يمنعه زُفَر قياساً، لأنه لمّا بطل السَّلم بقي رأس المال ديناً في ذمته، فيصحّ الاستبدال به كسائر الديون.

ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أسلم في شيءٍ، فلا يصرفه إلى غيره». رواه أبو داود، والترمذي وحسَّنه. ورواه الدَّارَقُطْنِيّ عن إبراهيم بن سعيد الجَوْهَرِيّ، ولفظه: «فلا يأخذ إلاّ ما أسلم فيه، أو رأس ماله».

(فصلٌ في الاستصناع)
---
(4/185)
________________________________________
***
(والاسْتِصْنَاعُ) استفعالٌ من الصنع، وهو العمل من نحو خُفَ وَطَسْتٍ. وصورته: أن يقول لخفّافٍ: اخرز لي خُفّاً من أديمك يوافق رجلي، ويريه رجله بكذا (بأجَلٍ) يضرب مثله للسَّلم (سَلَمٌ) فيعتبر فيه شروطُ السَّلَم سواء (تَعَامَلُوا فِيهِ) كالخفاف (أوْ لاَ) كالثياب. وقال أبو يوسف ومحمد: هو فيما تعاملوا فيه استصناعٌ، لأنه بلفظه فيحمل عليه، ويكون ذلك الأجل للاستعجال لا للاستمهال، بخلاف ما لم يتعاملوا فيه لأنّه استصناعٌ فاسدٌ، فيحمل على السَّلم الصحيح.
ولأبي حنيفة: أنّ الاستصناع يحتمل السَّلم، فكان حَمْلُه عليه أولى، لأنّ جوازه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وجواز الاستصناع بالتّعامل. وقيّدنا الأجل بكونه يُضْرب مِثْلُه للسَّلم، لأنّه لو قال: على أن يفرغه غداً، أو بعد غدٍ لا يكون سَلَماً، لأنّ ذكر المدة حينئذٍ للفراغ من العمل للمطالبة. وقال زفر والشَّافعيّ: لا يصحّ الاستصناع، وهو القياس، لأنّه لا يمكن تجويزه إجارةً، لأنه استئجار على العمل في ملك الآخر إذ الأديم ملك الصانع. ولا بيعاً لأنه بيع ما ليس عنده، ولا سلماً لفقد شرائطه، ولكن جوّزناه استحساناً بالتّعامل الراجع إلى الإجماع العملي من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم بلا نكيرٍ، والتّعامل بهذه الصفة أصلٌ مندرجٌ في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على ضلالة».
(وَ) الاستصناع (بِلاَ أَجَلٍ فِيمَا يَتَعَامَلُ) النّاس (فِيهِ بيعٌ) لا عِدَةٌ. وكان الحاكم الشهيد يقول: الاستصناع مواعدة، وإنّما ينعقد بالتّعاطي إذا جاء به الصانع مفروغاً منه، ولهذا ثبت الخيار لكل منهما. والصحيح عند الجمهور أنه بيعٌ، لأنّ محمداً سمَّاه شراءً، وذكر فيه القياس والاستحسان، وفصّل بين ما فيه تعامل وبين ما لا تعامل فيه. والمواعدة تجوز قياساً واستحساناً في الكلّ. قيل: وحكم الحاكم أحكم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
---
(4/186)
________________________________________
***
لكن الصحيح أنه بيعٌ (فَيُجْبَرُ الصَانِعُ عَلَى العَمَلِ) ولو كان مواعدة لما أجبر (وَلاَ يَرْجِعُ الآمِرُ) عنه، ولو كان مواعدة لكان له الرّجوع.
(والمَبِيعُ) في الاستصناع هو (العَيْنُ لا عَمَلهُ) أي عمل الصانع. وقال أبو سعيد الَبرْدَعِي: عمله، نظراً إلى أن الاستصناع مشتقٌ من الصنع وهو العمل. وقد أشار المصنف إلى ما يدلّ من الفروع على أنّ المبيع في الاستصناع العينُ بقوله:

(فَلَوْ جَاءَ بِمَا صَنَعَهُ غَيْرُهُ) قبل العقد أو بعده، (أوْ) بما صنعه (هُوَ قَبْلَ العَقْدِ) الظرف متعلقٌ بـ: «صَنَعَهُ» المقدّر (فَأَخَذَ) الآمر العين (صَحَّ) ولو كان المعقود عليه عمله لم يصحّ وبقوله: (ولا يَتَعَيَّنُ لَهُ) أي للآمر (بِلاَ اخْتِيَارِهِ) إذ الذي يدخله خيارُ الرُّؤية بيعُ العين لا بيع العمل (فَصَحَّ) للصانع (بَيْعُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ الآمِرِ) أي المستصنع لعدم تعيّنه حينئذٍ، لأن تعيّنه باختيار الآمر، واختيار الآمر بعد رؤيته. ولا يثبت للمستصنع خيار الرّؤية إذا جاء به الصانع على الصفة المشروطة عند أبي حنيفة خلافاً لهما.

مَسَائِلُ شَتَّى
---
(4/187)
________________________________________
***
(وَصَحَّ بَيْعُ الكَلْبِ) ولو كان عَقوراً (والسِّباعِ عُلِّمَتْ أوْ لاَ) وشرط (شمس) الأئمة لجواز بيع الكلب ونحوه أن يكون مُعَلَّماً أو قابلاً للتّعليم. وقال الشّافعي: لا يصحّ بيع الكلب مطلقاً، لأنّه نجس العين كالخنزير، وكذا عندنا في روايةٍ، وهو قول أحمد وبعض أصحاب مالك، والمشهور من مذهبه الجواز. وأمّا اقتناء الكلب لصيدٍ أو لحفظ الزّرع أو المواشي أو البيوت فجائزة بالإجماع. لهم: ما روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الأنصاريّ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البَغِيِّ، وحُلْوَان الكاهن». ولنا: ما روى أبو حنيفة في «مسنده» عن الهَيْثَم، عن عِكْرَمَةَ، عن ابن عبّاس قال: رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمن كلب الصيد.
(والذِّمِّي في) أحكام (البَيْعِ كَالْمُسْلِمِ) لأنّه مكلفٌ بموجب المعاملات، فما جاز للمسلم من البِياعات جاز له، وما لا فلا، كالرِّبا (إلاّ في الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ فَهُمَا) في عقد الذِّمِّيّ (كَالخَلِّ وَالشَّاةِ في عَقْدِنَا) فيكون الخمر عندهم مِثْلياً والخنزير قيمياً، لما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن سفيان الثَّوْريّ، عن إبراهيم بن عبد الأعْلى الجُعْفِيّ، عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: بلغ عمر بن الخطَّاب أنّ عُمَّاله يأخذون الجِزْية من الخمر، فناشدهم ثلاثاً. فقال له بلال: إنهم ليفعلون ذلك. قال: فلا تفعلوا، ولُّوهم بيعها، فإن اليهود حُرِّمَت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها.
ورواه أبو عُبَيْد في «كتاب الأموال»، وقال: كانوا يأخذون من أهل الذِّمة الخمر والخِنزير في جزية رؤوسهم، وخَراج أراضيهم بقيمتها، ثم يتوّلى المسلمون بيعها. فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر. ورخّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذِّمة المتولين بيعها، لأنها مالٌ لهم وليس بمالٍ للمسلمين. انتهى.
---
(4/188)
________________________________________