المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء أول


gogo
10-21-2019, 09:46 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب: شرح زاد المستقنع
المؤلف: أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء: 6
[الكتاب مرقم آليا]
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
المؤلف: أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء: 6
[الكتاب مرقم آليا]
(/)
________________________________________
شرح المقدمة
قال الشارح حفظه الله تعالى: -.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: -
هذا الكتاب - يا إخواني - من تأليف الشيخ/ شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي المقدسي الصالحي.
والشيخ شرف الدين من أكبر فقهاء الحنابلة بل كان في عصره هو مفتي الحنابلة في دمشق.
ولد الشيخ - رحمه الله - في قرية تسمى حجَّه سنة 895 هـ.
نشأ في هذه القرية - رحمه الله وغفر له - وأخذ مبادئ العلوم وقرأ القراءات ثم أكب انكباباً كاملاً على علم الفقه.
ثم بعد فترة من الزمن انتقل - رحمه الله - إلى دمشق ولازم العلامة الشويكي في الفقه إلى أن تمكن فيه تمكناً تاماً وانفرد بتحقيق مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
وهنا نكتة وهي أن العلامة الشويكي له كتاب اسمه: ((التوضيح)) جمع فيه بين المقنع والتنقيح وهذا يعني أن له عناية خاصة بكتاب المقنع وهو أصل كتابنا هذا الذي ندرسه - إن شاء الله.
وهذا يدل على أن عناية الشيخ شرف الدين موسى بالمقنع واختصاره كانت من زمن طويل فهو امتداد لعناية شيخه الشويكي بالمقنع.
اشتهر الشيخ - رحمه الله - أيضاً بالورع والعبادة.

التحق بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمرو ودرس فيها والتدريس في هذه المدرسة هو بحد ذاته منزلة علمية رفيعة.
توفي الشيخ - رحمه الله - سنة 968 هـ بعد عمر حافل بالعلم والفتوى والتأليف.
له مؤلفات كثيرة نأخذ أهم المؤلفات:
أهم مؤلف - من وجهة نظري للشيخ - كتاب الإقناع جرَّد فيه مذهب الحنابلة يقول صاحب شذرات الذهب: ((لم يؤلف مثله في تحرير النقول وكثرة المسائل)).
وله كتاب اسمه حاشية التنقيح في تحرير أحكام المقنع وهذا أيضاً يعطي دلالة أن الشيخ له عناية مبكرة بكتاب المقنع.
له كتاب اسمه منظومة الآداب الشرعية في ألف بيت وشرحه هو بنفسه - رحمه الله.
أخيراً له كتاب اسمه زاد المستقنع قي اختصار المقنع ويسمى أحياناً مختصر المقنع وهو كتابنا هذا الذي سنشرحه إن شاء الله تعالى.
وجميع الكتب التي ذكرت مطبوعة طبعات جيدة محققة على نسخ خطية نفيسة.
هذا فيما يتعلق بالمؤلف.
ثم ننتقل إلى شرح مقدمة الكتاب.

(1/1)
________________________________________
قال المؤلف - رحمه الله -:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
قوله: بسم الله الرحمن الرحيم ابتدأ بالبسملة لأمرين:
الأول: اقتداء بكتاب الله حيث بدأ الله سبحانه وتعالى كتابه بالبسملة.
والثاني: اقتداء بمراسلات النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان إذا راسل الملوك والرؤساء كتب في مقدمة الرسالة بسم الله الرحمن الرحيم.
كما ثبت في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما راسل هرقل كتب له ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى عظيم الروم هرقل)).
وقوله: ((بسم الله)) جار ومجرور.
والجار والمجرور دائماً يحتاج إلى متعلق ولكن لا نجد في بسم الله الرحمن الرحيم شيئاً يتعلق به الجار والمجرور ولذا لابد من تقديره ويقدر هنا: بفعل متأخر مناسب.
كأنه - رحمه الله - يقول: بسم الله أؤلف.
والرحيم: يتعلق بأفعال الرب سبحانه وتعالى.
اسم الجلالة ((الله)) و ((والرحمن))
يختصان بشيء لا يشاركهما فيه غيرهما من الأسماء وهو: أنه لا يجوز أن يطلق هذان الاسمان إلا على الرب سبحانه وتعالى.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
الحمد للَّه حمداً لا ينفد
أيضاً بدأ المؤلف كتابه بالحمد اقتداء بالكتاب العظيم لأن أول الفاتحة وهي أول سورة في القرآن فيها {الحمد لله رب العالمين}.
والحمد هو: ذكر محاسن وصفات المحمود على وجه المحبة والتعظيم والإجلال.
ـ فإن كان هذا الذكر خالياً من المحبة فهو: مدح.
ـ وإن كرر هذا الذكر مع المحبة انتقل من الحمد ليصبح ثناء.
فعندنا الآن حمد ومدح وثناء.
- ومما يتعلق بالحمد مسألة الشكر لأن حمد الله وشكره يقترنان كثيراً.
- فالفرق بين الحمد والشكر:
- أن الشكر يكون فقط في مقابلة النعمة فإن الإنسان لا يشكر على صفاته الذاتية بدون أن يسدي نعمة ولا الله سبحانه وتعالى - اصطلاحاً يشكر على نعمه ويحمد على صفاته الذاتية وأفعاله.

وهناك فرق آخر وهو:
- أن الشكر يؤدى باللسان والقلب والأركان - الجوارح.
بينما الحمد لا يؤدى إلا باللسان، قيل: وبالقلب.
وذهب بعض أهل العلم إلا أنه لا يوجد فرق بين الحمد والشكر.
والتفريق هو الأقرب.
وقوله ((لله)):
اللام: للاستحقاق والاختصاص.
يعني أن الذي يستحق استحقاقاً كاملاً أن يحمد ويحب ويعظم هو الرب.
(1/2)
________________________________________
كما أنه يختص بهذا الحمد.
وأل في الحمد: للاستغراق. ما معنى الاستغراق؟
أي استغراق جميع أنواع المحامد.
وقوله ((حمداً)): مصدر مؤكد.
وقوله ((لا ينفد)): يعني لا ينقطع ولا ينتهي.
وأشار أكثر من شارح إلى أن قوله: لا ينفد هو باعتبار استحقاق الرب لا باعتبار أداء العبد لأن حمد العبد ينتهي بسكوته أو انقطاعه أو اشتغاله بغير الحمد.
لكن الله سبحانه وتعالى يستحق حمدا لا ينفد.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
أفضل ما ينبغي أن يحمد، وصلى اللَّه وسلم على أفضل المصطفين محمد
الصلاة من الله على نبيه تعني الثناء عليه في الملأ الأعلى فإذا قلنا اللهم صلًّ على محمد يعني: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى.
وهذا التفسير ذكره أبو العالية وهو من الطبقة الأولى من السلف من التابعين وأخرجه البخاري معلقاً.
إذا عرفنا الآن معنى أن نطلب أن الله يصلي على نبيه أي: أننا نطلب أن يثني عليه في الملأ الأعلى.
وقوله ((وسلم)):
معنى أننا نطلب من الله أن يسلم النبي: أي: أننا نطلب له السلامة من الآفات والعيوب.
فنطلب له السلامة من الآفات والنقائص على حدٍّ سواء.
والنقص هو: النقص الأصلي الموجود في صفة الإنسان كالبخل مثلاً أو الجبن.
والآفات يعني: الأمراض والمصائب.
فنطلب له السلامة من الجهتين.
وقوله ((المصطفين)):
جمع مصطفى وهو: أفضل وخلاصة الخلق.
فنبينا - صلى الله عليه وسلم - أفضل الخلق على الإطلاق.
فإذا أردنا أن نبدأ من الأول فنقول:
o الأنبياء والرسل هم أفضل الخلق.
o ثم أولوا العزم منهم أفضل من الباقين.
o ثم أفضل أولي العزم نبينا وحبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
وعلى آله وأصحابه ومن تعبد
الآل: مشتقة من الرجوع آل إليه يعني رجع إليه وسمي أقارب الرجل آل لأنهم يرجعون إليه نسباً.
ولكن ما المقصود بالآل في كلام المؤلف؟
هذا محل خلاف بين أهل العلم:
ـ منهم من قال: آل النبي - صلى الله عليه وسلم - هم أهله وأزواجه وأقربائه المؤمنين به.
ـ ومنهم من قال: بل آل الرجل هم أتباعه على دينه.
ـ ومنهم من قال: أن هذا يختلف باختلاف السياق فالسياق هو الذي يحدد هل المقصود بالآل أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أصحابه.
(1/3)
________________________________________
ولعل الأقرب والله سبحانه وتعالى أعلم أنه:
إذا عطف الأصحاب على الآل صار المقصود بالآل: أقرباء النبي - رضي الله عنه -.
وإذا لم يعطف على الآل الأصحاب صار المقصود بالآل الأقرباء والأصحاب يعني أتباعه على دينه من أقربائه ومن غيرهم.
= بقينا في مسألة واحدة:
من هم آل النبي الذين يقصد من أقربائه هل هم جميع الأقرباء أو جزء من الأقرباء؟
الذي مال إليه ابن القيم - رحمه الله - أن آل النبي - صلى الله عليه وسلم - هم: من تحرم عليهم الزكاة فقط وهم: بنو هاشم.
وقوله ((وأصحابه)):
أصحاب النبي هم كل من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته مؤمناً به ومات على ذلك.
فإذا لقيه وهو كافر ثم آمن بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس بصحابي.
وإذا آمن بلا لقيا فهذا من باب أولى.
وإذا رآه وآمن به ولكنه مات كافراً فليس أيضاً من الصحابة.

• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
أما بعد: فهذا مختصر في الفقه

شرع الشيخ في المقصود.
وقوله ((أما بعد)):
معنى هذه الكلمة مهما يكن من شيء بعد هذه المقدمة فهذا مختصر في الفقه.
والكلام المختصر هو: كل كلام قلَّت حروفه وكلماته وكثرت معانيه.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي جوامع الكلم.
والكلام المختصر يمدح - في الأصل - ما لم يخل بالمقصود.
وقوله ((في الفقه)):
حَّددَ - رحمه الله - الفن الذي أراد أن يؤلف فيه وأن تأليفه على سبيل الاختصار.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
من مقنع الإمام الموفق أبي محمد

الإمام الموفق أبي محمد هو/ عبد الله بن أحمد بن قدامة علم مشهور من أشهر علماء الحنابلة حتى أنه إذا قيل الشيخ عند المتقدمين يقصد به ابن قدامة.
له مؤلفات مشهورة معروفة انتفع بها المسلمون منها كتاب المقنع.
والشيخ - رحمه الله - تعالى ألف ثلاث كتب:
الأول: العمدة وهو أخصر كتب الفقه التي ألفها على قول واحد.
ثم ألف بعده المقنع وطريقته - رحمه الله - أن يذكر فيه قولين أو وجهين أو احتمالين ويطلق الخلاف ليتمرن طالب العلم على معرفة الاختلاف داخل مذهب الحنابلة.
ثم ألف بعد ذلك المغني وذكر فيه الخلاف العالي بين أصحاب المذاهب مع الأدلة.
(1/4)
________________________________________
((وبهذه المناسبة الكتاب الذي وزع عليكم ذكر محقق الكتاب في المقدمة اختصاراً لكل ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد في كتابه المدخل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل.
وللشيخ بكر أبو زيد حفظه الله له كتاب المدخل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل كتاب رائع جداً يتكلم في عن مذهب الحنابلة عن مصطلحاتهم عن ترجمة مختصرة للإمام أحمد عن أشهر الكتب وعن أشياء كثيرة تتعلق بالمذهب.
المحقق أجاد في اختصار هذا الكتاب ذكر في المقدمة أنه اختصر هذا الكتاب أريد من كل واحد من إخوانا أن يقرأ اختصار المحقق لكتاب الشيخ بكر المذكور في المقدمة والاختصار أنصحكم بقراءته قراءة للانتفاع لكن ذكر موضوعين لابد من القراءة فيهما.
الموضوع الأول: مزايا فقه الحنابلة ذكر ماذا يمتاز فقه الحنابلة وذكر مايتعلق باهتمامهم بالدليل وأقوال الصحابة.
الثاني: ذكر موضوع أصول الإمام أحمد التي كان يعتمد عليها في تقرير الأحكام الفقهيه)).

• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
على قول واحد

أفاد المؤلف - رحمه الله - أن تأليفه هذا مختصر وأنه يقتصر فيه على قول واحد فقط ثم بين ما هو هذا القول:
• فقال - رحمه الله -:
وهو الراجح في مذهب أحمد

إذاً أراد المؤلف أن كل ما يذكره في هذا الكتاب فهو المذهب الاصطلاحي للإمام أحمد وهو مذهب الحنابلة.
فيصح أن ننسب أي قول في هذا الكتاب فنقول هذا مذهب الحنابلة لأنه يقول: على قول واحد وهو الراجح في مذهب أحمد.
وقد التزم - رحمه الله - هذا الأمر ولم يذكر في كتابه أي مسألة ليست متوافقة مع المذهب الاصطلاحي للإمام أحمد فيما عدا نحو ثلاثين مسألة سيأتي التنبيه على كل مسألة عند ذكرها.
فيما عدا هذا التزم - رحمه الله - بما ذكره من أنه سيذكر الأقوال متوافقة مع مذهب الإمام أحمد.

- - وهنا نقطة أحب التنبيه إليه:
ذكر كثير من المعاصرين والمتأخرين أن هناك مذهب شخصي للإمام أحمد وهناك مذهب اصطلاحي.
والفرق بينهما أن المذهب الاصطلاحي هو المذكور في كتب الحنابلة المعتمد عليها عند المتأخرين وهو كشاف القناع ومنتهى الإرادات.
والمذهب الاصطلاحي هو المسائل والفتاوى والروايات المنقولة عن الإمام أحمد.
وأشاروا إلى أن هناك فرقاُ بين المذهب الاصطلاحي والمذهب الشخصي.
(1/5)
________________________________________
وفيما أرى وبحسب اطلاعي على أقوال الحنابلة الاصطلاحية مع جمعها مع مسائل الإمام أحمد المطبوع - وقد طبع كما تعلمون منها نحو سبع كتب روايات عن الإمام أحمد.
يظهر لي أن الحنابلة لا يخرجون عن روايات الإمام أحمد إلا أن الإمام أحمد له أكثر من رواية ولكن الحنابلة - أصحاب الإمام أحمد - يعتنون حين تقرير المذهب بروايات الإمام أحمد وأقواله واختياراته - رحمه الله - فليس هناك فرق بين المذهب الاصطلاحي والمذهب الشخصي إلا فيما يتعلق بالروايات.
والروايات لا يمكن حصرها حيث تبلغ في بعض المسائل إلى سبع روايات لكن الحنابلة يلتزمون بالروايات المذكورة عن الإمام أحمد.

• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع وزدت ما على مثله يعتمد
إلى هنا عرفنا عدة مزايا ذكرها المؤلف لكتابه:
الأول: أنه مختصر.
والثاني: أنه مختصر من المقنع. وهذه ميزة لأن المقنع كتاب مشهور حافل اعتنى به الأئمة شرحاً وتهميشاً وحواشي فهو كتاب حافل جداً فكونه اختصار للمقنع هذه بحد ذاتها ميزة.
الثالث: أنه على قول واحد.
الرابع: أنه التزم بأن يذكر في الكتاب الراجح عند الحنابلة.
الخامس: أنه حذف المسائل النادرة.
السادس: أنه زاد ما على مثله يعتمد. هذه ست مزايا لكتابنا هذا.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
إذ الهمم قد قصرت
هذا تعليل لأمرين:
الأول: أنه مختصر.
والثاني: أنه اكتفى بقول واحد.
لأن من الحنابلة من ألف كتاباً مختصراً ولم يكتف بقول واحد كالمقنع فالمقنع يعتبر مختصراً وهو مع ذلك يذكر قولين.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت
قصور الهمم وكثرت الأسباب المثبطة لم توجد في عصر من الأعصار قطعاً بلا تردد أكثر مما وجدت في عصرنا هذا لكثرت الملهيات وانفتاح الدنيا واشتغال الناس بها وبالملذات وضاعت همة كثير من الناس.
وهذا يوجب للإنسان أن يحفز همته وأن يستعد وأن يبادر ويسأل الله أن يوفقه لإتمام ما بدأ به من طلب العلم.
وإذا كان الشيخ في وقته يقول مثل هذا الكلام فكيف به لو رأى وقتنا.
(1/6)
________________________________________
وإلى وقت قريب كانت همم أهل العلم رفيعة جداً فلنذكر مرحلة قريبة جداً ومثال واحد - كان من علماء هذا البلد - الشيخ أبا بطين مفتي الديار يقول أحد تلاميذه قرأت عليه شرح منتهى الإرادات مراراً مراراً - مع التحرير والبحث والمدارسة والمراجعة أثناء الدرس - تصور - مَنْ مِنْ طلاب العلم التزم أثناء طلبه للعلم بقرءاة كتاب كبير مثل شرح منتهى الإرادات مراراً.
هذا في وقت الشيخ أبا بطين ففي وقت المؤلف كانت الهمم أعلى.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا همة وإخلاصاً وإقبالاً.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
وهو بعون الله مع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل
هذه ميزة أخرى للكتاب أنه مع أن حجمه صغير إلا أنه حوى ما يغني عن التطويل بحيث إذا ألم الإنسان بمفردات مسائل الزاد حصل له خير عظيم وتمرس في الفقه وأصبح طالباً ناضجاً يستطيع أن يفهم كلام أهل العلم وأهل الاختصاص في هذا الفن.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
ولا حول ولا قوة إلاّ باللَّه وهو حسبنا ونعم الوكيل
معنى لا حول ولا قوة إلا بالله: أي أنه لا تحول ولا انتقال للعبد من حال إلى حال إلا بقوة الله وإعانته سبحانه وتعالى.
ونلاحظ أن الشيخ - رحمه الله - شديد التضرع والإقبال على الله حتى أنه في آخر هذه المقدمة المختصرة جداً أعاد وكرر الاستعانة والتوكل على الله. فقال: وهو بعون الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فهو إن شاء الله من العلماء الربانيين الذين لهم تعلق بالرب سبحانه وتعالى.
ونحن نسأل الله سبحانه أن يعيننا وأن يوفقنا وأن يجعلنا هداة مهتدين.
• قال المؤلف - رحمه الله -:

كتاب الطهارة
قوله: ((كتاب)):مصدر يقال كتبت كتاباً.
ونوع هذا المصدر أنه مصدر سيَّال.
وما هو المصدر السيَّال؟
هو الذي يحدث شيئاً فشيئاً فإن الأفعال تارة تحصل جملة واحدة وتارة تحصل بالتدريج فكتابة الكتاب - مثلاً -:
هل تحصل جملة أو بالتدريج؟
بالتدريج.
والأكل والشرب يحصلان جملة أو بالتدريج؟
بالتدريج.
والخروج من الباب يحصل جملة واحدة أو بالتدريج؟
جملة واحدة.
فالكتاب هذا المصدر سيَّال يعني أنه يحصل شيئاً فشيئاً.
والمقصود من قوله: ((كتاب)):أي المكتوب يعني هذا مكتوب في الطهارة.

• قال المؤلف - رحمه الله -:
كتاب الطهارة
(1/7)
________________________________________
العلماء يبدؤون بأركان الإسلام ويبدؤون من أركان الإسلام بالصلاة لأنها أعظم أركان الإسلام ويبدؤون من الصلاة بشرط الطهارة لأنها مفتاح للصلاة.

وقوله ((كتاب الطهارة)): الطهارة كما تلاحظ المؤلف لم يعرفها لغة.
الطهارة في لغة العرب: هي النظافة والنزاهة من الأقذار الحسية والمعنوية.
- فالأقذار الحسية معلومة.
- والأقذار المعنوية كالشرك والذنوب.
فهذا هو معنى الطهارة في لغة العرب.
ثم ذكر الشيخ ’ تعالى تعريف الطهارة الاصطلاحي وهو المهم عندنا الآن.
• فقال ’:
وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث

ارتفاع الحدث وزوال الخبث هذان هما: عنصرا الطهارة.
إذاً الطهارة تنصرف إلى الحدث وإلى الخبث.

قوله: ((ارتفاع الحدث))
الحدث هو: وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها.
وفهم من هذا التعريف أنه ليس أمر اً حسياً وإنما هو وصف قائم بالبدن ومن شأن هذا الوصف أن يمنع من الصلاة ونحوها.
والمقصود من كلمة ((نحوها)): كل ما تشترط له الطهارة كقراءة القرآن والطواف عند من يرى اشتراط الطهارة للطواف.
إذاً الطهارة هي ارتفاع الحدث وما في معناه.
عرفنا الآن ما هو الحدث؟ وعرفنا أن ارتفاع هذا الحدث هو أحد عنصري الطهارة وأن العنصر الآخر هو زوال الخبث.
قوله ((وزوال الخبث))
الخبث هو: النجاسة الحسية ولا يدخل معنا الآن النجاسة المعنوية.
إذاً ارتفاع الحدث وزوال الخبث.
لاحظ دقة الفقهاء فقد عبَّر ’:
- عن الحدث بالارتفاع لأنه أمر غير محسوس يرتفع ارتفاعاً معنوياً.
- وعن النجاسة بكلمة زوال لأنه زوال محسوس.
والخبث هنا هو النجاسة الحسية كما تقدم.
قوله: ((وما في معناه))
يعني مافي معنى الإرتفاع.
ما معنى هذه العبارة؟
إذا أحدث الإنسان ثم توضأ ارتفع الحدث ارتفاعاً حقيقياً لكن إذا كان الانسان على طهارة ثم توضأ فهنا ارتفع ارتفاعاً معنوياً وليس حقيقياً لأن لا يوجد أصلاً حدث يرتفع فهو في الأصل على طهارة.
إذاً ومافي معناه: الضمير إلام يعود إلى الحدث أو إلى الارتفاع؟
- إلى الارتفاع.
ذكر الحنابلة عدة صور لما يعتبر في معنى الارتفاع:
- منها هذا الذي ذكرته لك وهو من توضأ على طهارة.
- ومنها الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والغسل.
(1/8)
________________________________________
- ومنها عند الحنابلة التيمم لأنهم يعتبرون التيمم مبيح وليس رافعاً.
وهذا أمر سيأتي التطرق إليه عند الكلام على التيمم.

ثم انتقل الشيخ - رحمه الله - تعالى إلى الحديث عن المياه لأنها وسيلة الطهارة
• فقال - رحمه الله -:
المياه ثلاثة
يقصد الشيخ بقوله المياه ثلاثة أن المياه - كل المياه - في الشرع - لا العرف ولا في العقل - تنقسم إلى ثلاثة أقسام عند الحنابلة هي:
1. طهور.
2. وطاهر.
3. ونجس.
وسيأتي تفصيل هذه المسألة حيث سيعتني بها المؤلف عناية خاصة لأن البحث في المياه من أساسيات كتاب الطهارة.
وتقسيم المياه إلى ثلاثة هذا مذهب الحنابلة وأيضاً مذهب المالكية الشافعية فهو مذهب الأئمة الثلاثة.

وذهب الأحناف إلى أن المياه تنقسم إلى قسمين فقط:
1. طهور.
2. ونجس.
وأن قسم الطاهر ليس له وجود في الشرع.
وهذا القول الثاني هو القول الذي تدل عليه الأدلة الشرعية فإنه ليس في الشرع وجود لقسم اسمه طاهر وليس طهور.
وهذا القول هو اختيار كثير من المحققين منهم شيخ الاسلام بن تيمية - رحمه الله -.
ويتضح هذا البحث - تقسيم المياه إلى ثلاثة - لطالب العلم إذا تكلمنا عن قسم الطاهر فسنبين أنه ليس بموجود ونذكر الأدلة.
وإذا لم يكن موجوداً هذا القسم صارت المياه فقط: طهور ونجس.
ونبدأ بالطهور:
• قال - رحمه الله -:
طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره
مقصوده بكلمة طهور: يعني مطهر فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره.
وقد عرَّف الشيخ الطهور ببيان حكمه والتعريف ببيان الحكم أحياناً يكون أنفع من التعريف ببيان الحقيقة لأن الذي يهمنا الآن هو بيان حكم الماء الطهور وليس حقيقته وماهيته.
فقال الشيخ الطهور هو الذي لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره.
لا يرفع الحدث شيء من المائعات إلا الماء فالنبيذ والعصير وما يسمى مثلاً بالشاهي والقهوة كل هذه الأمور مائعات لكنها لا ترفع الحدث إنما يرفع الحدث فقط ماذا؟
الماء ليس إلا.
وكونه لا يرفع الحدث إلا الماء هذا أمر متفق عليه بين الأئمة الأربعة ولا يحتاج إلى وقفة.
إنما ذهب الأحناف فقط إلى أن النبيذ يرفع الحدث لحديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بنبيذ التمر.
والجواب على هذا الاستدلال أن الحديث ضعيف جداً أو موضوع.
(1/9)
________________________________________
إذاً بقينا أنه لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور فقط.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا يزيل النجس
النجس في لغة العرب القذارة.
وفي الاصطلاح عرفوها بتعريف يقرب النجاسة التي يجب أن تزال ليحصل التطهر أو الطهارة فقالوا: ... كل عين يحرم تناولها لا لضرر ولا لاستقذار ولا لحرمة.
ثلاثة أشياء: كل عين يحرم على الانسان أن يتناولها لا لضرر ولا لاستقذار ولا لحرمة فهي نجسة.
فخرج بقوله ((لا لضرر)): السم.
فالسم لايجوز للإنسان أن يتناوله لا لأنه نجس ولكن لأنه مضر.
وخرج بقوله ((ولا لاستقذار)) المخاط والمني.
فإن كلَّاً منهما طاهر لكن مع ذلك لا يجوز للإنسان أن يتناولهما بسبب الاستقذار لا بسبب النجاسة.
وخرج بقوله ((ولا لحرمتها)) صيد المحرم.
فإن صيد المحرم يعتبر ميتةً لأنه لم تتحقق في شروط التذكية. فلا يجوز للمسلم أن يتناوله والسبب أنه محرم وليس لأنه نجس.
إذاً إذا أخذت هذا الضابط عرفت كل عين نجسة.
فعرفنا الآن أن البول نجس لأنه لا يجوز تناوله بسبب النجاسة لا لسبب من الأسباب الثلاثة التي ذكرنا.
وكذلك الغائط والدم والميتة والخنزير والخمر فيشمل كل نجس.
وسيخصص المؤلف باباً لبيان الأعيان النجسة ولكنه الآن يريد أن يبين حكم الأعيان النجسة هنا.
ثم لما بين الشيء المهم وهو حكم الماء الطهور انتقل إلى بيان حقيقة الماء الطهور.
• فقال - رحمه الله -:
وهو الباقي على خلقته
وقد يكون بقاء الماء على خلقته بقاء حقيقياً وقد يكون بقاءً حكمياً.
ما الفرق بين البقاء الحكمي والحقيقي؟
البقاء الحقيقي هو: الماء الذي بقي على خلقته الأصلية لم يتغير منه لا لون ولا رائحة ولا طعم لا بطاهر ولا بنجس كمياه الأمطار والآبار.
أما الماء الذي بقي على خلقته بقاءً حكمياً: فكالماء المتغير - الآسن - فإن الماء إذا بقي في إناء معدني يتغير ولكنه مع ذلك يبقى طهوراً لأنه باقٍ على خلقته وهذا التغير لا يؤثر عليه.
ثم لما بين الشيخ - رحمه الله - تعالى تعقيب الماء الطهور باعتبارين باعتبار حكمه وباعتبار حقيقته انتقل إلى التفاصيل التي تتعلق بالماء الطهور.
• فقال - رحمه الله -:
فإن تغير بغير ممازج
ذكر الشيخ حكم الماء إذا تغير بغير ممازج وسيذكر بعد ذلك حكم الماء إذا تغير بممازجة.
(1/10)
________________________________________
ونبقى الآن بالماء الذي يتغير بغير ممازجة ذكر الشيخ له عدة أمثلة.
• قال ’:
كقطع كافور
المثال الأول: إذا تغير بقطع الكافور. الكافور نوع من الطيب معروف – لكن يشترط في هذا الطيب أن يكون قطع وهذا الشرط احترازاً من ماذا؟
من المسحوق أو الناعم لا السائل.
فإذا كان الكافور قطعاً وسقط في الماء فإنه تغير الماء بهذا الكافور هو تغير بممازجة أو بغير ممازجة؟ بغير ممازجة. يعني بغير اختلاط فالممازجة هي الاختلاط.
• قال ’:
أو دهن
المقصود بالدهن جميع أنواع الدهون فجميع أنواع الدهون لا تختلط بالماء إذا وقعت فيه
• قال ’:
أو بملح مائي
الملح المائي هو: الملح المنعقد من الماء فإن الماء إذا أطلق في السباخ انقلب إلى قطع ملح فإذا ألقي مرة أخرى في الماء ماع وانحل في هذا الماء ومع ذلك يبقى بغير ممازجة وهذا النوع من الملح – الملح المائي - إذا وقع في الماء فإن الحنابلة يعتبرون الماء مازال طهوراً ولكنه مكروه.
إذاً عرفنا الآن أن الماء إذا تغير بغير ممازج فإذا وقع فيه الكافور أو وقع فيه دهن أو وقع في ملح مائي فإنه يعتبر ماء طهورا ولكنه مكروه.
وعليه نحتاج إلى الجواب عن سؤالين:
1 - لماذا بقي طهوراً؟ ... 2 - ولماذا كره؟
أما لماذا بقي طهوراً؟ فالجواب: فلأنه هذا التغير بالمجاورة وليس بالمخالطة وقاعدة الحنابلة: أن أي تغير بالمجاورة بدون مخالطة يبقى معه الماء طهوراً.
وأما لماذا كره مادام بقي طهوراً؟ فالجواب: لأنه اختلف فيه فذهب بعض أهل العلم إلى أنه خرج من الطهورية إلى الطاهرية فسلبت طهوريته فأصبح بدلاً من أن يكون طهوراً طاهر فقالوا: نظراً لهذا الخلاف نحكم عليه بالكراهة.
- أما التعليل الأول وهو كونه يبقى طهوراً فهو تعليل صحيح وفقهي قوي.
- أما التعليل الثاني وهو كونه يصبح مكروها مع كونه طهوراً فهو تعليل ضعيف.
ولكن أحب أن أنبه إلى شيء:
وهو أن كثيراً من الطلاب يسمع قضية أن التعليل بالخلاف عليل وأنه ضعيف وأنه لا يعلل الحكم الشرعي بوجود الخلاف بين أهل العلم وهذا الكلام كله صحيح وقوي علمياً.
لكن يبقى أن يلاحظ طالب العلم أن مراعاة الخلاف والاحتياط والورع أمر مطلوب من طالب العلم ومن العامل.
(1/11)
________________________________________
ألاحظ الآن أن مسألة الاحتياط في مسائل الخلاف أصبحت ملغاة مع أن أكثر الذين ألفوا في القواعد الفقهية ذكروا من القواعد الفقهية أن مراعاة الخلاف أمر مطلوب.
فإذاً نحن نقول هذا الماء ليس بمكروه لأن الكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل ومجرد وجود الخلاف ليس دليلاً شرعياً.
لكن مع ذلك ينبغي لطالب العلم أن يستشعر أن المسألة إذا كان فيها خلاف لاسيما إذا كان الخلاف قوياً فينبغي أن يحتاط فيها الإنسان احتياطاً واضحاً.
فبعض المسائل يكون الخلاف فيها قوي جداً إلى درجة أن عدداً من أهل العلم يتوقف في الترجيح وفي الإفتاء.
مثال ذلك: مسائل طلاق الثلاث والطلاق في الحيض مسائل مشكلة جداً وغاية في الإشكال حتى كان الإمام أحمد لا يمكن أن يفتي في مسائل الطلاق بالثلاث أو في حيض وإذا طالع الإنسان الخلاف عرف أن الخلاف قوي.
المقصود الآن أن مراعاة الخلاف أمر طيب من طالب العلم على سبيل الورع والاحتياط.

• قال - رحمه الله -:
أو سخن بنجس
إذا سخن الماء بنجاسة فإن الحنابلة يعتبرونه طهور ولكنه مكروه فنحتاج أيضاً إلى الجواب على السؤالين:
1. لماذا بقي طهوراً؟
2. ولماذا هو مكروه؟
أما الجواب على أنه لماذا بقي طهوراً فلنفس السبب الأول وهو أن التغير هنا بمجاورة.
وأما لماذا كره؟ قالوا: لأنه لا يؤمن أن تنتقل إليه أجزاء من الدخان المنبعث من النجاسة فلأجل هذا الأمر جعلوه مكروهاً.
عرفنا من هذا التقرير للحنابلة أن الإناء إذا كان محكم الإغلاق لا يصبح بعد ذلك مكروهاً لأنا نأمن من وصول الدخان إليه - مع ذلك قسم كبير من الحنابلة يرون أنه مكروه ولو كان محكم الإغلاق.
((انتهى الدرس الأول))
(1/12)
________________________________________
بالأمس تكلمنا عن مسألة ونسينا الحقيقة مسألة.
• فيقول المؤلف - رحمه الله -:
لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره

قوله: ((ولا يزيل النجس الطارئ غيره)):
- الحنابلة يرون أنه لا يمكن إزالة النجاسة إلا بالماء فقط وهذا أيضاً مذهب المالكية والشافعية فهو مذهب الأئمة الثلاثة.
ويستدلون بحديث صحيح وهو: - حديث أسماء أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: (تحته ثم تقرصه ثم تغسله بالماء).
قالوا: فنص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن غسل النجاسة ومنها دم الحيض يكون بالماء.
عرفنا الآن مذهب الحنابلة وهذه هي المرحلة الأولى في كل المسائل أن تفهم مذهب الحنابلة فهماً صحيحاً وتفهم دليلهم لأننا نتدارس في كتاب من كتبهم.
- وذهب أبو حنيفة - رحمه الله - إلى أنه يمكن إزالة النجاسة بأي مزيل.
ويستدل الحنفية بأدلة قوية أيضاً.
الدليل الأول لهم: جميع أحاديث الاستجمار لأن الاستجمار عبارة عن إزالة النجاسة بغير الماء أي: بالأحجار.
ويستدلون أيضاً بحديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألته عائشة عن الدم يصيب الثوب فقالت: كنا ننزعه بالريق والظفر.
ومن المعلوم أن إزالة الدم من الثوب بالريق والظفر إزالة للنجاسة بغير الماء.
فصار للأحناف كم دليل؟ دليلان ولهم أدلة كثيرة هذان الدليلان أقوى الأدلة باعتبار أنها من النصوص.
ولهم دليل ثالث وهو أن الحكم يزول بزوال علته، وعلة التنجيس وجود النجاسة فإذا زالت بأي مزيل زال حكمها. - وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم.
وهذا القول اختاره عدد من المحققين واختاره بعض السلف كالفقيه المعروف ابن أبي ليلى وهو اختيار أيضاً ابن قاضي الجبل من الحنابلة واختيار أيضاً شيخ الإسلام ابن القيم.
(1/13)
________________________________________
وابن قاضي الجبل سيتكرر معنا باعتبار أن له اختيارات رائعة جداً وهو من تلاميذ شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله - - وقد انتدب بعض طلاب العلم لجمع اختيارات ابن قاضي الجبل - رحمه الله -.
وهذا القول الثاني الذي هو مذهب الحنفية هو القول الصواب وما ذهب إليه المؤلف قول ضعيف.
بالإضافة إلى أن فيه تشديد وتعسير على الناس.
• قال - رحمه الله -:
ولا يزيل النجس الطارئ غيره

قوله ((الطارئ)): يفهم منه أن النجاسة تنقسم إلى قسمين:
1. نجاسة عينية.
2. ونجاسة طارئة.
والنجاسة التي تقبل التطهير هي: النجاسة الطارئة.
أما النجاسة العينية: فإنها لا تقبل التطهير إلا بالاستحالة وسيفرد المؤلف كلاماً خاصاً عن الاستحالة في باب إزالة النجاسة.
مثال النجاسة العينية: العذرة والكلب والخنزير وما شابه هذه الأعيان التي تعتبر نجسة نجاسة عينية.
مثال المعين النجس نجاسة طارئة: الثوب إذا أصيب ببول أو الأرض إذا أصيبت بدم.
(1/14)
________________________________________
إذاً التطهير ينفع في النجس نجاسة عينية أو في النجس نجاسة طارئة؟
الطارئة ولهذا نص المؤلف على ذلك بقوله: ولا يزيل النجس الطارئ غيره.
نرجع إلى ما توقفنا عنده.
• قال المؤلف - رحمه الله -:
((وإن تغير بمكثه))
إذا تغير الماء بمكثه يعني بسبب طول مكثه فإن يبقى طهور بلا كراهة.
والدليل: الإجماع. فإن العلماء أجمعوا أن مثل هذا الماء يبقى طهوراً.
• قال - رحمه الله -:
((أو بما يشق صون الماء عنه))
إذا تغير الماء بما يشق صونه عن الماء فإنه يعتبر طهورٌ بلا كراهة.
التعليل: قال التعليل القاعدة المتفق عليها وهي أن المشقة تجلب التيسير.
هنا يتبادر إلى الذهن سؤال:
هل يبقى الماء طهور بلا كراهة ولو خالطه هذا الذي يشق صونه عن الماء؟ حتى لو خالطه.
الجواب: نعم. إذا سقط فيه شيء واختلط فيه ومازجه فبما أنه يشق صونه عن الماء فإن الماء يبقى طهوراً للقاعدة السابقة.
عرف من قوله: يشق صون الماء عنه حكم مسألتين لم يذكرهما المؤلف - رحمه الله - وأنا قلت لك في الدرس السابق أن الكتاب فيه مسائل تؤخذ من المنطوق وفيه مسائل تؤخذ من المفهوم.
فمفهوم قوله يشق صون الماء أنه لو جاء شخص ووضع قصداً هذا الشيء في الماء يصبح ماذا؟
طهور مكروه أو طاهر؟
- إن اختلط به صار طاهراً.
- وإن لم يختلط به صار طهور ولكنه مكروه.
وإن وقع فيه مالا يشق صون الماء عنه أيضاً يصبح طهور: ولكنه مكروه.
إذاً قوله - رحمه الله - أو بما يشق صون الماء عنه له مفهوم ومراد للمؤلف أنه إذا كان لا يشق صون الماء فإن الماء لا يبقى طهور بلا كراهة وإنما يصبح طهوراً مع ماذا؟ مع الكراهة.
• قال - رحمه الله -:
((أو بمجاورة ميتة))
يعني إذا كان بجوار الماء ميتة ثم تغير الماء بسبب مجاورة الميتة وغالباً سيتغير فيه أي صفة من الصفات؟ الرائحة.
فإن هذا الماء يبقى طهور وبلا كراهة مع العلم أنك أذا تناولت هذا الماء تشم فيه رائحة ماذا؟ الميتة.
مع ذلك يرى الحنابلة بل يرى الأئمة الأربعة بل حكي الإجماع أن هذا الماء يبقى طهور بلا كراهة.
لكن من المعلوم أن كثيراً من الناس نفسه لا تقبل مثل هذا الماء بسبب وجود الرائحة المؤذية لكن حكمه الفقهي أنه يبقى طهور وأيضاً بلا كراهة.
- أما أنه طهور فواضح لأنه باقي على خلقته الأصلية.
(1/15)
________________________________________
- وأما بلا كراهة فلأنه لا يوجد دليل على الكراهة بل أجمعوا على عدم الكراهة.
• ثم قال ’:
أو سخن بالشمس أو بطاهر.
إذا سخن الماء بالشمس أو سخن بطاهر –كالحطب - فإنه يبقى طهور بلا كراهة.
الدليل على أنه يبقى طهور بلا كراهة أن الصحابة è دخلوا الحمامات وهي الأماكن العامة التي وضعت للاغتسال واغتسلوا بالماء الذي فيها للتنظيف والتبريد والتطهر – يعني غسل الجنابة ومن المعلوم أن المياه التي في الحمامات العامة تسخن قبل أن يتناولها المغتسل.
وهذه الحمامات وإن كانت لا توجد في نجد إلا أنها منتشرة وبكثرة في الشام ومصر وكثير من البلدان.
فهذه الحمامات الماء الذي فيها مسخن أو بارد؟
مسخن واغتسل فيها الصحابة وهي مسخنة.
والإمام أحمد ’ من أصوله الأخذ بما ورد عن الصحابة ولذلك كله اعتبر أن الماء المسخن طهور بلا كراهة.
بين المؤلف قسماً من المياه تعتبر طهورة ولكنها مكروهة ثم بين قسماً من المياه تعتبر طهورة ولكن بدون كراهة ثم رجع المؤلف مرة أخرى لقسم المياه الطهورة المكروهة.
• فقال ’:
((وإن استعمل في طهارة مستحبة، كتجديد وضوء وغسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة: كره))
إذا استعمل في طهارة مستحبة فإن الماء المستعمل في هذه الطهارة المستحبة يعتبر عند الحنابلة طهور لكن مكروه.
يلاحظ على المؤلف ’ أنه أخل بالترتيب المنطقي لأنه ذكر نوع المياه (( .... )) المكروهة ثم انتقل إلى غير المكروه ثم رجع إلى المكروه والمفترض والمتبادر إلى الذهن أن يجعل المكروه جملة واحدة في مكان واحد والطهور غير المكروه في مكان واحد لكنه ’ قسمها هذا التقسيم.
إذا استعمل الماء في طهارة مستحبة ومثل المؤلف للطهارة المستحبة تجديد وضوء وغسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة فإن الماء يصبح طهور ولكنه مكروه وهذا مذهب الحنابلة.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن الماء المستعمل في طهارة مستحبة يبقى طهور بلا كراهة لأنه لا يوجد دليل على الكراهة.
وتقدم معنا أن الكراهة حكم شرعي من الأحكام التكليفية الخمسة يحتاج إلى دليل وبلا دليل لايمكن القول بهذا الحكم.
ولكن لماذا اعتبر الحنابلة الماء المستعمل في طهارة مستحبة مكروه؟
(1/16)
________________________________________
قالوا: لأنه اختلف العلماء في سلبه الطهورية والحنابلة يعللون كثيراً بالاختلاف فكل مسألة يختلف فيها العلماء يعتبرونها مكروهة وإن كانوا لم يطردوا في جميع المسائل.
• قال المؤلف - رحمه الله -:
((وإن استعمل في طهارة مستحبة))
عرفنا من هذه العبارة أنه إذا استعمل في طهارة واجبة فله حكم آخر وهذا المفهوم صحيح وسيصرح المؤلف بحكم الماء المستعمل في طهارة واجبة.
بعد أن بين المؤلف الكلام عن الطهور بأقسامه - كما تقدم معنا الآن وعرفنا حكم كل قسم من أقسام الماء الطهور انتقل المؤلف إلى موضوع آخر مهم وسيتكرر معنا وهو الكلام عن الماء الكثير والماء القليل.

ولكن إذا سئل الإنسان لماذا ذكر المؤلف الماء القليل والماء الكثير؟
فالجواب: لأنه سيرتب أحكاماً كثيرة على الماء القليل والماء الكثير فاحتاج قبل أن يذكر أحكامهما أن يبين ما هو الماء القليل وما هو الماء الكثير.
• قال - رحمه الله -:
وإن بلغ قلتين وهو الكثير - وهما خمسمائة رطل عراقي تقريباً - فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره، أو خالطه البول أو العذرة ويشق نزحه كمصانع طريق مكة: فطهور.
الآن نريد أن نتصور مذهب الحنابلة قبل أن ننتقل إلى قول آخر إن كان في المسألة قول آخر.
الحنابلة يرون أن الماء إذا بلغ قلتين وخالطته نجاسة ولم تغيره فإنه يبقى طهوراً حتى لو خالطته النجاسة بشرطين:
1. أن يكون كثير.
2. وأن لا تغيره هذه النجاسة.
إلا إذا كانت هذه النجاسة بول الآدمي أو عذرته المائعة فإن البول والعذرة إذا وقعا في الماء ولو كان كثيراً ولو لم تغيره فإن الماء يعتبر نجساً.
نريد الآن أن نفهم مذهب الحنابلة فقط.
بقينا في تحديد الماء الكثير والقليل.
الماء الكثير هو: مابلغ قلتين.
ومعلوم أن القلتين لا يعرف الآن مقدارهما ولا نحتاج أن نخوض في الرطل والمقاييس التي ذكرت إنما نريد أن مقياسين مشهورين في وقتنا هذا وهو الذي يهم المسلم وهما اللتر والكيلو فإن المياه اليوم إما أن تقاس باللتر أو تقاس بالكيلو.
فالماء الكثير بالنسبة للتر 190 لتر أو 191 كيلو.
وسيتبين لنا أنا لا نحتاج حتى معرفة مقدار الماء الكثير.
ما هو الدليل أن هذا الماء الكثير لا ينجس ولو وقعت فيه نجاسة؟
(1/17)
________________________________________
استدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس)) وفي رواية ((لم يحمل الخبث)).
هذا الحديث اختلف فيه الحفاظ تصحيحاً وتضعيفاً.
- فذهب إمامان حافظان إلى تصحيحه وهما ابن معين والدارقطني وهما من الأئمة المحدثين الكبار.
- وذهب بعض العلماء إلى الحكم عليه بالوقف على ابن عمر كالحافظ المزي وشيخ الاسلام ابن تيمية.
- وذهب بعض الحفاظ إلى أنه ضعيف كالزيلعي وابن القيم.
إذا اختلفوا في هذا الحديث على ثلاث مذاهب.
والصواب إن شاء الله أنه حديث صحيح ثابت:
أولاً: لكثرة أسانيده وصحتها.
وثانياً: لأن الذين صححوه هم أئمة هذا الشأن وهما الدارقطني وابن معين وصححه معهما خلق لكن هؤلاء هم أبرز الذين صححوه.
أخذنا الآن الدليل على أن اعتبار القلتين كثير نحتاج إلى الدليل على استثناء بول الآدمي وعذرته المائعة.
استدل الحنابلة على هذا الاستثناء بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه)).
قال الحنابلة لولا أن البول في الماء الدائم يؤثر فيه بسلبه الطهورية لما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البول فيه.
((وبهذه المناسبة أحب أن تتنبهوا دائماً إلى وجه الاستدلال فكثير من إخواننا يعرف الدليل ولكن ربما لو قيل له ما وجه الاستدلال من هذا الدليل لم ينتزعه منه)).
هكذا استدل الحنابلة بهذا الحديث وهو حديث صحيح والاستدلال في الحقيقة قوي.
القول الثاني: أن بول الآدمي وعذرته المائعة كسائر النجاسات ولا يكون بول الآدمي أشد من بول الكلب.
واستدلوا على هذا بدليل قالوا: أن في بعض ألفاظ حديث القلتين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بئر بضاعة وما يلقى فيه من فضلات الناس.
قالوا: ومع كون النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عما يلقى في البئر من فضلات الناس أخبر أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء.
وهذا القول – الثاني – هو مذهب كثير من الحنابلة وهو القول الصواب ان شاء الله وهو أن بول الآدمي كسائر النجاسات.
(1/18)
________________________________________
فهم من قول المؤلف أن الماء إذا بلغ قلتين فطهور أنه إذا كان أقل من القلتين فله حكم آخر وهذا المفهوم صحيح فإن الحنابلة وغيرهم من الفقهاء يفرقون بين القليل والكثير. ولكن ما هو الحكم الآخر؟ سيصرح المؤلف بحكم الماء اليسير ولكن نريد الآن أن نفهم حكم الماء الكثير.
إذاً عرفنا الآن حكم الماء الكثير وهو أنه إذا سقطت فيه النجاسة لم تنجسه ولو ذابت فيه.
إذا أتينا بماء كثير ووقع فيه بول لكنه ماء كثير وتغير فهل هو نجس أو طهور أو طاهر؟
الصواب: أنه إذا وقعت فيه نجاسة وغيرته أنه نجس بلا خلاف وبإجماع الأمة على ذلك.
ويجب أن ننتبه فالشيء سهل لكنه عند التطبيق يكون صعباً فاحرص أن تفهم المقصود على وجهه.
إذاً نعيد فنقول الماء إذا كان كثيراً وهو ما بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة ولم تغيره فإنه يصبح طهوراً وقلت لكم أنه بشرطين الأول أن يكون كثيراً والثاني لم تغيره.
من أعظم مميزات وفوائد حفظ المتن أو على الأقل استظهاره أن تتبين للإنسان الأحكام باستظهار كلام المؤلف.
مثلاً هذا السؤال الذي سألته الآن لو أن الإنسان يستظهر قول الشيخ هنا (فلم تغيره).
بين الشيخ أنه إذا وقع في الماء الكثير بول الآدمي أو عذرته المائعة فإن الماء يصبح نجساً ولو لم تغيره النجاسة.
وهذا الحكم عند الحنابلة خاص بماذا؟ ببول الآدمي وعذرته المائعة.
يستثنى من هذا الحكم - يستثنى من الاستثناء إذا كان الماء مما يشق نزحه لكثرته وتبحره فإنه يبقى طهور ولو وقعت العذرة المائعة أو البول.
إذاً هذا استثناء من الاستثناء.
وبهذا نعرف أن تقرير مذهب الحنابلة في هذه المسألة فيه صعوبة وتعقيد وصعوبة القول وتعقيده وتداخله من علامات ضعفه.
إذاً للمرة الأخيرة نلخص مذهب الحنابلة أن الماء الكثير هو الذي يبلغ قلتين وأنه يبقى طهور بشرطين:
1. الشرط الأول: أن يكون كثيراً.
2. الشرط الثاني: أن لا يتغير.
بهذين الشرطين يبقى طهور ولو وقعت فيه النجاسة.
يستثنى من هذا الحكم الكلي إذا وقعت في الماء الكثير عذرة الآدمي المائعة أو بوله فإنه يعتبر نجس بمجرد الملاقاة إلا إذا كان هذا الماء كثير بحيث يشق نزحه.
(1/19)
________________________________________
والنزح هو إخراج الماء من البئر إلى أن يفرغ فإذا أخرجنا الماء من البئر فسيأتي ماء جديد ولكن هل تستطيع أن تنزح البحر أو بركة طولها ثلاث كيلو في ثلاث كيلو؟ الجواب: لا فهذا البحر أو هذه البركة إذا وقع فيها بول الآدمي أو عذرته المائعة هل يبقى طهور أو يكون نجساً؟ يبقى طهور لمشقة نزحه.

ثم انتقل الشيخ - رحمه الله - إلى موضوع آخر:
• فقال - رحمه الله -:
((ولا يرفع حدث رجل: طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث))
ما زال البحث الآن في الماء الطهور فجميع ما سبق من البحث في الماء الطهور فإلى الآن لم ننتقل إلى القسم الثاني وهو الطاهر.
من أقسام الماء الطهور ماء يجوز أن تتطهر به المرأة ولا يجوز أن يتطهر به الرجل.
ولا نحتاج أن نكرر أننا أولاً نقرر مذهب الحنابلة ولا يلزم أن يكون هو القول الصواب.
فالحنابلة يرون أن هناك نوع من المياه يرفع حدث المرأة ولا يرفع حدث الرجل.
وهو الذي عبَّر عنه الشيخ هنا ولنتأمل عباراته - رحمه الله -:
يقول: ولا يرفع حدث رجل: طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث. الحنابلة يرون أن المرأة إذا خلت بماء يسير وتوضأت منه لطهارة كاملة فإن هذا الماء لا يرفع حدث الرجل.
فقرروا عدة أمور:
أولاً: أن يكون يسيراً. نحن الآن نأخذ شروط الماء الذي لا يرفع حدث الرجل ويرفع حدث المرأة.
والثاني: أن تخلو به المرأة.
والثالث: أن ترفع به حدثاً كاملاً لطهارة كاملة.
فهذه ثلاث شروط إذا انطبقت فإن الحنابلة يعتبرون هذا الماء يرفع حدث المرأة ولا يرفع حدث الرجل.
واستدلوا: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة.
هذا الحكم عند الحنابلة من المفردات. ومعنى أنه من المفردات: يعني: أنه تفرد الحنابلة بالقول به من بين الأئمة الثلاثة.
والحنابلة أخذوا القيود من الحديث:
فقولهم: (خلت به امرأة) من أين أخذوه؟
من قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث "" خلت به امرأة "".
وقولهم (لطهارة كاملة) من أين أخذوه؟
من قوله - صلى الله عليه وسلم - "" بفضل طهور المرأة "".
وجه الاستدلال: قالوا أن الطهور عند الاطلاق في الشرع ينصرف إلى رفع الحدث الكامل لا إلى التجديد.
(1/20)
________________________________________
بقينا في شرط عند الحنابلة وهو قول المؤلف (خلت) فمن أين أخذوه؟
هم لم يأخذوه من الحديث وإنما أخذوه من فتاوى الصحابة فالإمام أحمد أخذ هذا الشرط من فتاوى الصحابة.
وهنا جاءت فائدة معرفتك كطالب علم أن الإمام أحمد يعتمد كثيراً على فتاوى الصحابة فانظر كم هي الأقوال التي مرَّت معنا كان قد اعتمد عليها - رحمه الله - من أقوال الصحابة فإن فالصحابة هنا اشترطوا أن تخلوا المرأة به.
وهنا بحث أخير في هذه المسألة قبل أن ننتقل إلى القول الآخر:
ما هو حدُّ الخلوة؟ وما المقصود بها؟
هذه الخلوة: اختلفت الرواية فيها عن الإمام أحمد وباختصار نقول:
روي عن الإمام أحمد في تفسيرها روايتان.
الأولى: أن المقصود بالخلوة أن تتوضأ المرأة بدون أن يشاهدها أحد.
والثانية: أن تنفرد المرأة بالوضوء من هذا الإناء.
والراجح الثانية وهو أن معنى الخلوة أن تنفرد المرأة بالوضوء حتى لو بحضرة الرجال فإنه يعتبر خلوة.
وسبب الترجيح أن هذه الرواية ألصق بالحديث فإن الحديث يشترط فيه أن تتوضأ المرأة فقط فلم يتعرض فيه لقضية المشاهدة.
عرفنا الآن مذهب الحنابلة وشروطهم ودليلهم وتعليلاتهم لكل شرط من الشروط فنأخذ الآن:
القول الثاني: للأئمة الثلاثة. أنه يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل طهور المرأة.
واستدلوا على هذا الحكم: بما أخرج مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (توضأ بفضل ميمونة).
وبحديث عائشة في الصحيح (أنها كانت تغتسل هي والنبي - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد)
سؤال: لماذا ذكر المؤلف - رحمه الله - هذا النوع من المياه في قسم الطهور؟ مع أنه لا يرفع حدث الرجل وقد عرف الطهور بأنه: الذي يرفع الحدث.
الجواب: لأنه يرفع حدث المرأة فهو بهذا يعتبر من أقسام الطهور.
ثم انتقل - رحمه الله - إلى القسم الثاني من أقسام المياه.
• فقال - رحمه الله -:
وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه: بطبخ أو ساقط فيه.
بدأ المؤلف بالقسم الثاني من أقسم المياه عند الحنابلة وهو: الماء الطاهر.
وهذا الماء الطاهر ينقسم إلى قسمين:
الأول: - أن يكون طاهراً بسبب: اختلاط الطاهرات به.
والثاني: أن يكون طاهراً بسبب: رفع الحدث به.
فكل ما سيذكره المؤلف - رحمه الله - يندرج تحت أحد هذين القسمين.
ونبدأ بالقسم الأول: - تغير الماء بالطاهرات.
(1/21)
________________________________________
فنقول: أن الماء الطاهر الذي تغير بالطاهرات ينقسم إلى قسمين:
الأول: - أن يتغير الماء بالطاهرات مع بقاء الإسم.
الثاني: - أن يتغير الماء بالطاهرات مع ذهاب الاسم.
ومثال القسم الأول: كماء الورد.
ومثال القسم الثاني: كالمرق والصابون والشاهي.
وتنبه إلى أن المقصود بالبحث في كتب الفقهاء هو الماء الذي تغير مع بقاء الإسم أما الماء الذي تغير مع ذهاب الاسم فهذا لا إشكال أنه لا يرفع الحدث.
الحنابلة يقولون: إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه أصبح طاهراً بعد أن كان طهوراً.
ما هو دليل الحنابلة على هذا الحكم؟ - وهو حكم كبير لأنهم بذلك يخرجون قسماً كبيراً من المياه فلا يصلح أن يتوضأ بها المسلم.
قالوا: أن الله سبحانه وتعالى نقلنا في كتابه عند عدم الماء إلى التيمم فقال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء/43]
والماء في الآية مطلق والماء المتغير بالطاهرات ليس بماء مطلق فننتقل إلى التيمم.
ودليلهم دليل وجيه كما نرى.
والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد.
أن الماء إذا تغير بالطاهرات فإنه يبقى طهور.
بماذا استدل أصحاب هذا القول؟
استدلوا: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر النساء اللاتي يغسلن ابنته أن يضعن مع الماء سدراً.
ومن المعلوم أن الماء والسدر المطحون يعتبر من الماء المتغير بالطاهرات لأنه يتغير بوضع السدر المطحون فيه فإنه يختلف ريحه وطعمه ولونه ومن المعلوم أيضاً أن غسل الميت غسل واجب ويعتبر من الطهارات الشرعية ومع ذلك كله أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغسلوا ابنته بماء وسدر.
فدل هذا الحديث أن الماء إذا تغير بالطاهرات فإنه يبقى طهور.
أي الدليلين أقوى؟ ولماذا؟
- الدليل الثاني أقوى. للقائل بأن الماء المتغير بالطاهرات يبقى طهور. ولماذا؟ لأنه أخص بالمسألة. والدليل إذا كان أخص بالمسألة فيرجح على الدليل العام.
أما دليل الحنابلة فهو مفهوم من الآية فهماً ولا شك أن الدليل المنطوق الأخص يقدم على المفهوم.
ننتقل الآن إلى القسم الثاني من أقسام الماء الطاهر:
• فقال - رحمه الله -:
أو رفع بقليله حدث.
الحنابلة يرون أن الماء إذا رفع بقليله حدث - والقليل هو ما دون القلتين - فإنه يعتبر طاهراً.
(1/22)
________________________________________
- تقدم معنا أن الحنابلة يرون أن الماء إذا استخدم في طهارة مستحبة فإن حكمه أنه: طهور مكروه.
وهنا بين المؤلف ’ أن الماء إذا رفع بقليله حدث - أي أنه استعمل في طهارة واجبة - فإنه يكون عندهم طاهر. أي: لا يرفع الحدث.
الدليل: قالوا: أن النبي ‘ يقول: (لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب).
قالوا: لولا أن هذا الاغتسال يؤثر في الماء لم ينه عنه النبي ‘.
ولاحظ أن النبي ‘ قال: (وهو جنب). يعني: أن هذا الاغتسال: اغتسال واجب.
فقال الحنابلة: لماذا نهى النبي ‘ عن هذا الأمر؟ إلا أنه يؤثر في الماء فيرفع عنه الطهورية ويصبح طاهر.
وهذا استدلال قوي.
ولابد أن نفهم هذا أن الحنابلة رحمهم الله يستدلون بأدلة قوية فليست أدلتهم بالضعيفة.
القول الثاني: أن الماء إذا رفع بقليله - أو بكثيره من باب أولى - الحدث فإنه: يبقى طهور.
استدلوا على هذا: بأن النبي ‘ (كان يغتسل هو وأزواجه جميعاً) كما تقدم معنا في حديث عائشة بالبخاري. فكانت تغتسل هي والنبي ‘ وكانت تقول له: دع لي. دع لي.
أي: أن الاغتسال يتم بالتدرج فتغمس يدها فتأخذ من الماء وتغتسل. ولو كان الماء إذا رفع به الحدث يصبح طاهراً وليس بطهور لم يكن النبي ‘ يغتسل بفضل طهور عائشة.
وهذا القول هو الصواب.
ووجه الترجيح: ما تقدم أن حديث عائشة أخص بالمسألة.
نحتاج أن نجيب عن الحديث الذي استدل به الحنابلة (لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) فنقول: إن هناك عدة أجوبة عنه:
- أقواها: أن النبي ‘ نهى عن ذلك لئلا يتخذ مثل هذا الفعل عادة فيؤدي ذلك إلى تغيرالماء واستقذار الناس له ففي القديم كان الناس يعتمدون اعتماداً كبيراً على المياه والبرك فإذا اغتسل بعض الناس في هذا الماء فقد أفسده على الباقين.
وهذا الحمل حمل قوي في الحقيقة إذا تأمل فيه الإنسان وجد أنه تفقه قوي فنحمل الحديث على خشية استقذار الناس لا على التنجيس.
(((ونسينا أن نقول لكم - وأنا أهتم بهذا وأريد أن تهتموا به - أن الحنابلة استدلوا بأن النبي ‘ (نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) وقد أجبنا عن هذا الحديث في موضعه وبينا القول الثاني - نقول أيضاً:
(1/23)
________________________________________
أن من الأجوبة على هذا الحديث: أن البخاري والبيهقي ضعفا هذا الحديث وهذا الجواب هو الأول: لأنه أصلاً لا يمكن الاستدلال بحديث ضعيف وهذا هو الصواب أن هذا الحديث ضعيف وإن كان كثير من المعاصرين يصحح الحديث لكن الإمام الحافظ البارع البيهقي يرى أن هذا الحديث ليس بمحفوظ وقد نقل الترمذي عن البخاري في كتابه العلل الكبير - وهذا كتاب مفيد يحسن أن يكون عند كل طالب علم - نقل عن البخاري تضعيفه لهذا الحديث))).
القسم الثالث: من أقسام الماء الطاهر:
• قال - رحمه الله -:
أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء.
- كما اعتدنا نفهم أولاً مذهب الحنابلة -
فالحنابلة يرون أن الماء اليسير إذا غمس رجل قائم من نوم ليل يده فيه قبل أن يغسلهما ثلاثاً فإن الماء ينقلب من كونه طهور إلى طاهر.
وقد ذكر المؤلف قيوداً في هذه المسألة:
- الأول: (أن يغمس يده). أما لو غمس أي جزء آخر فإنه لا يكون مؤثراً فهذا مفهوم قوله: (يده).
- الثاني: (قائم من نوم ليل). فلو كان قائماً من نوم نهار وغمس يده فإنه لا يؤثر.
- الثالث: (ناقض). أن يكون النوم ناقضاً.
دليل الحنابلة. ونبين كيف أخذ الحنابلة منه هذه القيود:
استدلوا: بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا استيقظ أحدكم فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)
أما استنباطاتهم منه:
- فقولهم: (أو غمس فيه يد). من قوله: (فلا يغمس يده) وهذا نص.
- وقولهم: (من نوم ليل). من قوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده). والبيتوتة تكون بالليل كما قال الشافعي - رحمه الله -.

- وقولهم: (ناقض لوضوء). من قوله: (لايدري). لأن النائم إذا كان يدري فإن وضوئه لا ينتقض فدل على أن النوم الذي يحدث هذا التغيير هو النوم الناقض للوضوء.
إذاً عرفنا ما هو مذهب الحنابلة؟ وعرفنا شروطهم وتصورنا تماماً أقوالهم ثم عرفنا دليلهم.
القول الثاني: أن غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثاً لا ينقل الماء من الطهورية فيصبح طاهراً بل يبقى طهوراً.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي. فهذا يعني أن هذه المسألة من المفردات. وهي كذلك.
(1/24)
________________________________________
دليل الجمهور: أن هذا الحديث لا تعلم له علة وليست منصوصاً عليها بل علته تعبدية وليست للتنجيس والأصل في الماء أنه يبقى طهور.
ومذهب الجمهور - الأئمة الثلاثة - هو الأقرب للصواب إن شاء الله.
وإن كان في الحقيقة الاحتياط في مثل هذا الماء يتعين لقوة استدلال الحنابلة لكن من حيث البحث العملي فإن الأقرب أنه يبقى طهور.
وأن انتقال الماء من الطهورية أمر يحتاج إلى دليل قوي.
القسم الرابع - الأخير: من قسم الماء الطاهر.
• قال - رحمه الله -:
أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها: فطاهر.
هذا هو آخر نوع من أنواع المياه الطاهرة: فإذا غسل الإنسان النجاسة وزالت النجاسة فالماء المنفصل بعد أخر غسلة إذا لم يكن متغيراً يصبح عند الحنابلة طاهراً.
هذا هو الحكم.
بقينا لماذا يعتبر الحنابلة الماء الذي أزلنا به النجاسة طاهراً؟
الجواب: للأصل السابق وهو أنه مستعمل في إزالة الخبث فإذا كان مستعملاً في إزالة الخبث فإنه يعتبر مستعملاً في طهارة واجبة وقاعدة المذهب أن الماء إذا استعمل في طهارة واجبة فإنه يعتبر طاهراً وليس طهوراً.

• قال - رحمه الله -:
أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها: فطاهر.
هذا هو آخر نوع من أنواع المياه الطاهرة: فإذا غسل الإنسان النجاسة وزالت النجاسة فالماء المنفصل بعد أخر غسلة إذا لم يكن متغيراً يصبح عند الحنابلة طاهراً.
هذا هو الحكم.
بقينا لماذا يعتبر الحنابلة الماء الذي أزلنا به النجاسة طاهراً؟
الجواب: للأصل السابق وهو أنه مستعمل في إزالة الخبث فإذا كان مستعملاً في إزالة الخبث فإنه يعتبر مستعملاً في طهارة واجبة وقاعدة المذهب أن الماء إذا استعمل في طهارة واجبة فإنه يعتبر طاهراً وليس طهوراً.
وأخذنا الخلاف في مسألة الماء المستعمل في طهارة واجبة وأدلة الحنابلة والقول الثاني ودليله وعرفنا مما سبق أن الصواب أن الماء الذي يستعمل في طهارة واجبة يبقى طهوراً إذا لا دليل على انتقاله أن يكون طاهراً.
ولكن حكم الحنابلة بأنه يصبح طاهراً مقيد بأن ينفصل بلا تغير وسنستكمل أقسام الماء المنفصل من محل التطهير عند قول المؤلف في قسم النجس: أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها.
(1/25)
________________________________________
وبهذا انتهى الطاهر وانتقل المؤلف - رحمه الله - إلى قسم النجس:
• فقال - رحمه الله -:
(3) والنجس: ما تغير بنجاسة.
عرف المؤلف - رحمه الله - النجس بأنه الماء الذي تغير بنجاسة ويجب أن تحفظ هذه العبارة - دائماً وأبداً - الماء إذا تغير بنجاسة فهو نجس.
والدليل: الإجماع وهو إجماع قوي والسبب في قوته أن ممن حكاه الإمام أحمد فقد كان - رحمه الله - يتشدد في الإجماع كما أنه حكاه الشافعي أيضاً.
ومثل هؤلاء إذا حكوا الإجماع فلا شك أن حكايتهم له أقوى من حكاية ابن المنذر أو ابن قدامة أو ابن عبد البر.
والماء إذا وقعت فيه النجاسة وغيرته فإنه يصبح نجساً ولو كان التغير يسيراً فقد يكون التغير يسير جداً ومع ذلك يبقى نجس.
هذا هو النوع الأول من المياه النجسة وهو ما تغير بالنجاسة.
• النوع الثاني يقول - رحمه الله -:
أو لآقاها وهو يسير.
تقدم معنا أن الحنابلة يرون أن الماء إذا بلغ قلتين فإنه لا ينجس إلا بالتغير فيقول المؤلف فيما سبق: وإن بلغ قلتين وهو الكثير فخالطته نجاسة فلم تغيره فطهور: مفهوم هذه العبارة السابقة أن الماء إذا كان أقل من قلتين فإنه إذا وقعت فيه النجاسة ينجس ولو لم يتغير وهو ما يعبر عنه الحنابلة بقولهم ينجس بمجرد الملاقاة.
هذا المفهوم صرح به المؤلف هنا فقال: أو لاقاها وهو يسير.
ومعنى قوله: أو لاقاها وهو يسير: إذا لاقى الماء القليل النجاسة فإنه يينجس بمجرد هذه الملاقاة وإن لم يتغير. - وهذا لابد أن تفهموه لأنه أمر مهم عند الحنابلة وينبني عليه مسائل مهمة أيضاً.
إذاً الحنابلة يرون أن الماء إذا كان أقل من قلتين فإنه بمجرد وقوع النجاسة فيه ينجس ولو يتغير.
يستدلون على هذا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث وفي رواية لم ينجس يعني يستدلون بمفهوم هذا الحديث وهذا مذهب الجمهور.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن الكثير والقليل لا ينجس إلا بالتغير ويستدل هؤلاء بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الماء طهور لاينجسه شيء.
والأقرب القول الثاني.
ووجه الترجيح: أن حديث القول الثاني أخص من حديث القول الأول لأنه نص ودليل القول الأول مفهوم والنص دائماً مقدم على المفهوم.
نحتاج أن نجيب على دليل القول الأول وهو حديث القلتين فالجواب عنه من وجهين:
(1/26)
________________________________________
الأول: أنه ضعيف عند بعض العلماء - كما تقدم معنا.
والثاني: أن الحكم أخذ منه مفهوماً وأخذ من حديث أبي سعيد منصوصاً والنص مقدم على المفهوم.
إذا كان الحكم منطوق به في النص فهو مقدم على المفهوم.
إذاً تبين معنا الآن حكم الماء إذا تغير بالنجاسة قليلاً كان أو كثيراً وتبين معنا بالتفصيل حكم الماء القليل إذا لاقته النجاسة من قوله أو لا قاها وهو يسير.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها.
إذا غسل الإنسان محلاً نجساً كأن يغسل إناء أصابه بول أو دم أو يغسل قماشاًَ أصابه بول أو عذرة مائعة أو دم أو أي عين نجسة.
إذا غسل الإنسان هذه الأعيان فإن ما يتبقى من الماء وهو ما عبر عنه الشيخ بقوله: انفصل فله ثلاثة أنواع - وهذا يحصر لك المسألة:
الأول: أن ينفصل متغيراً بالنجاسة. يعني غسلنا هذا الإناء المصاب بنجاسة فانفصل الماء بعد غسل الإناء متغيراً بالنجاسة التي كانت في الإناء وهذا الماء المنفصل نجس بالإجماع كما تقدم معنا لأنه ماء تغير بنجاسة.
الثاني: أن ينفصل عن محل النجاسة قبل زوالها ولم يتغير فهذا عند الحنابلة يعتبر نجساً لماذا؟ لأنه يسير لاقى النجاسة.
وهو يقول هنا: أو لاقاها وهو يسير.
القسم الثالث: وقد تقدم معنا: أن ينفصل عن محل النجاسة بعد زوالها ولم يتغير فهذا عند الحنابلة طاهر.
والصواب أنه طهور.
لماذا اعتبره الحنابلة طاهراً؟ لما تقدم معنا لأنه أزيلت به النجاسة.
والماء إذا رفع به الحدث أو أزيلت به النجاسة عند الحنابلة يعتبر طاهراً ولا يعتبر طهوراً.
إذا كم قسم للماء المنفصل عن المحل المتنجس؟ ثلاثة أقسام.
ولعلنا الآن تصورنا معنا أن ينفصل الماء يعني أن يخرج من الإناء المتنجس أو من الثوب المتنجس أو من البساط أو من القماش أو ما شابه هذه الأمور.
انتهى المؤلف الآن من بيان القسم الثالث وهو النجس.
إذاً الماء النجس عرفنا أقسامه وما هيته عند الحنابلة والخلاف في الماء القليل إذا لا قته النجاسة ولم تغيره.
بعد ذلك انتقل الشيخ - رحمه الله - إلى مسألة التطهير - لما بين الماء المتنجس بين كيف نطهر هذا الماء المتنجس.
تطهير الماء المتنجس يحصل بثلاثة أمور - مختصرة وواضحة:
المكاثرة والتغير والنزح.
(1/27)
________________________________________
وهذه عناوين لما يحصل به التطهير.
فالمكاثرة تطهر الماء المتنجس سواء القليل أو الكثير. وسيأتينا هذا في كلام المؤلف ولكن أحب أن نذكر أولاً جملة الأحكام حتى تتصور ثم نرجع إلى كلامه.
والتغير ((لعلها الزوال لأنه قال زال تغير النجس الكثير بنفسه)) يطهر القلتين فأكثر فقط.
والنزح لا يطهر إلا ما كان أكثر من قلتين فهو أضيق أنواع التطهير والنزح لا يؤثر في القلتين فلا يمكن أن تطهر ماء نجساً مقداره قلتين بالنزح.
ثم نأتي إلى تفصيل كلام المؤلف وهو يوضح.
• يقول المؤلف ’:
فإن أُضيف إلى الماء النجس طهور كثير. (طهر).
هذا الذي نسميه المكاثرة. ومعنى المكاثرة: أن يضاف إلى الماء المتنجس ماء طاهراً كثيراً.
علمنا من قوله طهور كثير أنه يشترط للتطهير بالمكاثرة أن يكون الماء المضاف كثير والكثير في عرف الفقهاء ما بلغ قلتين فأكثر.
وقوله ((فإن أضيف إلى الماء)) الماء هنا المقصود به القليل أو الكثير؟
القليل والكثير لكن الماء المضاف لابد أن يكون كثيراً.
فعندنا ماء متنجس نريد أن نطهره هذا الماء المتنجس إذا أردنا أن نطهره بإضافة ماء آخر يجب أن يكون الماء المضاف كثير فهذا معنى قوله إن أضيف طهور كثير.
• قال ’:
غير تراب ونحوه.
يعني أنه عند الحنابلة لا يمكن أن نطهر الماء بالتراب لماذا؟
قالوا لأن التراب لا يدفع النجاسة عن نفسه فعن غيره من باب أولى.
أما الماء فإنه يدفع النجاسة عن غيره وعن نفسه لأن الماء إذا كان يطهر غيره فمن باب أولى أن يطهر نفسه.
إذاً إذا أردنا أن نفهم الفرق بين الماء والتراب عند الحنابلة فالفرق بينهما واضح:
وهو أن الماء يطهر غيره فمن باب أولى أن يطهر نفسه لكن التراب لا يطهر غيره فمن باب أولى لا يطهر نفسه.
والقول الثاني: في مسألة التراب وهو قول عند الحنابلة أنه يطهر يعني أنا إذا وجدنا ماء متنجساً وأضفنا إليه تراب فطهر وتغير وذهبت عنه علامات النجاسة فإنه يعتبر طاهراً حتى لو كان هذا التطهر حصل بالتراب.
وهذا القول – الثاني – هو الصواب لما تقدم معنا أن النجاسة إذا زالت زال حكمها لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
انتهينا الآن من كيفية التطهير بالمكاثرة ننتقل إلى التطهير بالزوال
• فقال المؤلف ’:
(1/28)
________________________________________
أو زال تغير النجس الكثير بنفسه.
إذا كان عندنا ماء نجس كثير وتركناه مدة من الزمن ثم وجدناه قد تغير فزالت عنه علامات النجاسة فالآن الطهارة حصلت بالتغير الذي قد يكون سببه المكث أو لأي سبب آخر كاختلاف الأجواء أو شدة الحرارة فالمهم أنه تغير بنفسه بدون إضافة ماء إليه.
فهذا الماء عند الحنابلة يكون طهوراً ولكن يشترط في الماء الذي يطهر بالمكث أو بالزوال أن يكون كثيراً ولذلك يقول الشيخ هنا:
أو زال تغير النجس الكثير بنفسه.
- فإن كان قليلاً فإن هذا النوع من التطهير لا يصلح فيه.
- أو نزح منه فبقي بعده كثير غير متغير: طهر.
ثم انتقل المؤلف إلى النوع الثالث من التطهير وهو النزح والنزح معناه إخراج الماء من البئر أو مما هو فيه فقد يكون بئراً أو بركةً أو أي شيء يجمع الماء.
إذا كان عندنا ماء متجمع في بركة أو في بئر نجي فيمكن أن نطهره بأن ننزحه أي نخرج الماء من البئر إلى أن يبقى في البئر ماء طهور لأن البئر مع النزح يخرج فيه ماء جديد طهور ولكن يشترط في هذا الماء الذي نطهره بالنزح أن يكون أكثر من قلتين بحيث يبقى بعد النزح قلتين.
إذاً السؤال هل يمكن أن نطهر ماء نجساً مقداره قلتين فقط بمجرد النزح؟
لا. لماذا؟ لأنه يشترط أن يبقى بعد النزح قلتان.
والنزح قد يكون يطهر الإناء بسبب أنا نخرج من خلال عملية النزح العين النجسة قد ننزح فتخرج معنا العين النجسة فيزول تأثيرها على الماء فيصبح الماء طهور.
وقد يكون بسبب انبعاث ماء جديد كما في الآبار.
المهم أنه لأي سبب من الأسباب إذا نزحنا الماء النجس الذي فوق قلتين وطهر فإنه يصبح طهوراً لأن النزح وسيلة من وسائل التطهير.
إذاً صار التطهير عند الحنابلة بثلاث وسائل:
إما بالمكاثرة أو بالتغير أو بالنزح.
- فالمكاثرة تطهر الماء القليل والكثير.
- والتغير يطهر الماء الكثير فقط.
- والنزح لايطهر إلا الماء الذي فوق القلتين أي أكثر من الكثير بحيث يبقى بعد النزح مقدار قلتين.
هذا التفصيل عند الحنابلة – عرفنا كيف نطهر الماء عند الحنابلة.
(1/29)
________________________________________
والقول الثاني في مسألة التطهير أن التطهير يتم بأي وسيلة من الوسائل فمتى زال تغير الماء سواء كان قليلاً أو كثيراً بأي وسيلة من الوسائل التقليدية أو الحديثة فإن الماء يصبح طهور.
وتعرفون التعليل وهو ما سبق معنا أن الحكمة يدور مع علته وجوداً وعدماً.
والنبي ‘ أمر من وجد في نعليه نجاسة إذا أراد أن يدخل المسجد أن يفركهما بالتراب فجعل ‘ التراب مطهراً.
وتقدم معنا أن أحاديث الاستجمار تدل على أن التطهير يحصل بأي أداة.
ثم لما بين الشيخ ’ الماء الطهور والطاهر والنجس انتقل إلى مسائل تشترك فيها هذه الأنواع الثلاثة - وبهذا نعرف دقة الفقهاء وحسن تدرجهم في المسائل الفقيهة -
• فقال ’:
وإن شك في نجاسة ماء أو غيره، أو طهارته: بنى على اليقين. وإن اشتبه طهور بنجس: حرم استعمالهما ولم يتحرَّ، ولا يشترط للتيمم: إراقتهما ولا خلطهما.
ذكر الشيخ في آخر هذا الباب مسألتين فقط.
1. المسألة الأولى: الشك.
2. والمسألة الثانية: الاشتباه.
لكنه فصل في الاشتباه لكثرة مسائله واكتفى في الشك بمسألة واحدة لوضوحها وإجماع العلماء عليها.
فقال: وإن شك في نجاسة ماء أو غيره، أو طهارته: بنى على اليقين.
هذه قاعدة شرعية كبيرة وهي أن الإنسان:
- إذا شك في نجاسة ماء أصله طهور فإنه يبقى طهور.
- وإذا شك في طهارة ماء أصله نجس فإنه يبقى نجساًَ.
- وإن شك في نجاسة ماء أو غيره فإنه يبقى طهور أو شك في طهارة ماء أو غيره فإنه يبقى نجس.
الدليل على هذه القاعدة – قاعدة أجمع عليها الفقهاء وهي من القواعد الخمس الكبرى:
- اليقين لا يزول بالشك.
فهذه القاعدة متفق عليها لم ينازع فيها أحد من أهل العلم من حيث هي قاعدة.
دليل هذه القاعدة أن النبي ‘ قال: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً وهو في الصلاة فلا ينصرف حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً)).
وهذا الحديث نص في دعم القاعدة أن الإنسان لا ينتقل عن المتيقن إلى المشكوك فيه وإنما يبقى على المتيقن.
إذا هذه المسألة واضحة: إذا شك الإنسان في شيء فإنه يبقى على الأصل واليقين.
فإذا وجدنا إناء فيه ماء أعرف أنه طهور ثم شككت في كونه نجساً فحكم الماء في الشرع: طهور.
(1/30)
________________________________________
وإذا علمت أن الماء الذي في هذا الإناء نجس ثم شككت أنه طهر فا الأصل أنه نجس.
وهكذا تكون أحكام المياه من حيث الشك واضحة.
ثم ننتقل إلى الاشتباه:
• يقول المؤلف ’:
وإن اشتبه طهور بنجس: حرم استعمالهما ولم يتحرَّ.
نريد الآن أن نقرر مذهب الحنابلة أولاً نفهم مذهب الحنابلة.
الحنابلة يقولون: إذا اشتبه إناء فيه ماء طهور بإناء فيه ماء نجس فلم يعد الإنسان يعرف أيهما الطهور وأيهما النجس.
فإن الحنابلة يقولون: يترك المائين ولا يتحرا ويتيمم ولا يشترط لتيممه للإراقة ولا الخلط.
وهذا الحكم عند الحنابلة يشترط فيه أن لا يمكن تطهير أحد المائين بالآخر فإن أمكن فنطهر أحد المائين بالآخر.
الدليل: ما هو دليل الحنابلة؟ لماذا قرروا هذا الحكم للمياه المشتبهه؟
الدليل: قالوا: النبي ‘ يقول: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)).
هذا الحديث في إسناده ضعف لأن فيه رجلاً مجهولاً لكن الحافظ في الفتح ذكر له شواهد كثيرة في الحقيقة يتقوى بها وإلا فإن ابن رجب يقول أنه في إسناده مجهول لكن هذه الشواهد تقويه ويؤيده الأصول العامة.
الدليل الثاني: قالوا: أن اجتناب الماء النجس واجب في الشرع وهذا صحيح فلا يجوز للإنسان أن يمس ماء نجساً ولا يمكن اجتناب النجس إلا بترك المائين لأنه إذا استعمل الإنسان أحد المائين فقد يكون استعمل النجس وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب.
هذا التعليل ذكره الحنابلة ولكن الاستدلال بالحديث أحسن لأن الإمام أحمد له عناية بالآثار لا بالتعليلات.
الآن عرفنا مذهب الحنابلة ودليلهم وماذا يصنع الإنسان إذا اشتبهت عليه المياه.
القول الثاني في مسألة الاشتباه: أن الإنسان يتحرى وهذا مذهب الإمام الشافعي.
يتحرى ويعمل على غالب ظنه.
الدليل: استدل الإمام الشافعي بحديث ابن مسعود أن النبي ‘ قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر وليبن على ما استيقن)).
ما هو وجه الاستدلال من الحديث: أنه إذا أمر الإنسان بالتحري في الصلاة وهي أعظم من الطهارة فلأن يتحرى في الطهارة من باب أولى.
(1/31)
________________________________________
وإذا تأملت في استدلال الشافعي تجد أنه متين لأن الإنسان في الصلاة وهي الصلاة أعظم من الطهارة بكثير وعمود الدين يجوز للإنسان أن يتحرى فيها فمن باب أولى أن يتحرى في المياه المشتبهه.
وهذا القول هو الصواب لما علمتم من قوة استدلال الشافعي.
لكن إذا تحرى الإنسان ولم يتبين له شيء فماذا يصنع؟
الشيخ الفقيه المرداوي في الإنصاف يقول: على القول بالتحري إذا تحرا ولم يتبين له شيء فإنه يتيمم.
وشيخنا - رحمه الله - يقول بل يعمل بما استقر عليه واطمأن قلبه وإن لم توجد قرينة ويتوضأ من أحد فإن هذا خير من التيمم.
سؤال مهم جداً: كيف يشتبه الطهور بالنجس؟ ونحن نقول أن النجس هو الماء الذي يتغير - فإذا كان يتغير فكيف يشتبه؟ هل يتصور؟
يتصور مثلاً أن يعلم الإنسان أن هذا الإناء وقع فيه بول ليس له لون ولا رائحة ولا طعم وهذا يوجد ويتصور جداً عند الحنابلة الذين ينجسون بمجرد الملاقاة بالنسبة للماء القليل. المهم أنه يتصور وإن كان تصوره قليل ونادر.
• قال - رحمه الله -:
ولا يشترط للتيمم: إراقتهما ولا خلطهما.
هذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة وممن نصر هذا القول ابن قدامة - نحن الآن نتكلم في تفصيل داخل مذهب الحنابلة - أنه لا يشترط للتيمم الإراقة لماذا؟
لأن هذا الشخص الذي اشتبهت عليه المياه فهو غير واجد للماء شرعاً فيصدق عليه قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء)) لأنه الآن لم يجد ماء حساً أو شرعاً؟
شرعاً: لأنه لا يستطيع شرعاً أن يتطهر بأحد المائين للاشتباه.
فإذاً لو قلنا أن الإنسان يتيمم ولا يتحرا فلا يشترط لا الإراقة ولا الخلط.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإن اشتبه بطاهر: توضأ منهما وضوءاً واحداً - من هذا غرفة ومن هذا غرفة - وصلى صلاة واحدة.
هذا المسألة مفروضة على القول بتقسيم المياه إلى ثلاثة أقسام أما على القول الثاني وهو أن المياه إما طهور أو نجس ولا يوجد في الشرع قسم ثالث يسمى طاهر فلا تتصور أصلاً هذه المسألة.
إذا اشتبه ماء طاهر بطهور فإن الحنابلة يقولون: يتوضأ من المائين من هذا غرفة ومن هذا غرفة ثم يصلي صلاة واحدة.
معنى هذا أنه لا يجوز له أن يتوضأ وضواءً كاملاً من هذا الماء ووضوءاً كاملاً من الماء الآخر.
(1/32)
________________________________________
ولماذا يتوضأ غرفة من هذا وغرفة من هذا ولا يتوضأ وضوءاً كاملاً من المائين كل واحد منهما على حدة؟
أجابوا عن هذا بأنه إذا توضأ وضوءاً كاملاً من كل إناء توضأ مع التردد وعدم الجزم والوضوء عبادة يشترط لها النية ويشترط لصحة النية أن يكون الإنسان جازماً بها غير متردد.
فإذا توضأ من كل إناء على حدة لابد أن يكون متردد. وجه التردد: أنه إذا توضأ من هذا الإناء فسيتردد ربما يكون هذا الإناء هو الطهور وربما يكون الطاهر.
وإذا توضأ من الإناء الآخر فكذلك سيتردد ربما يكون هذا الإناء طهور وربما يكون طاهراً.
بينما إذا توضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة وضوءاً واحداً بنية واحدة فإن هذا الوضوء وضوء مجزوم به بلا تردد فصح هذا الوضوء.
وذكرت لكم (بالأمس) قاعدة أن كثرت التفاصيل المتعبة في القول دليل على ضعفه فهذه المسألة بالذات من أدلة ضعف وجود الماء الطاهر في الشرع.
• ثم قال المؤلف ’:
وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو بمحرمة: صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس أو المحرم، وزاد صلاة.
إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة:
1. فإما أن يكون عدد الثياب النجسة معلوم.
2. وإما أن يكون مجهولاً.
مثال المعلوم: رجل عنده عشرة ثياب يعلم أن النجس منها ثلاثة ثياب لكن لا يستطيع أن يحدد هذه الثلاث الثياب من بين العشرة ثياب.
فماذا يصنع عند الحنابلة؟
يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد صلاة واحدة.
ففي المثال كم سيصلي؟
أربع صلوات.
هذا التفصيل إذا كان عدد الثياب النجسة معلوم أو مجهول؟
معلوم.
النوع الثاني أن يكون عدد الثياب النجسة مجهولاً مثاله:
رجل عنده عشرة ثياب – نفس العدد حتى يتضح الفرق - فيها ثياب نجسة نقول له كم الثياب النجسة التي تظن أنها نجسة؟
يقول: لا أدري.
فماذا يصنع عند الحنابلة؟
يصلي بعدد الثياب جميعاً ولو كثرت ثم يزيد صلاة واحدة.
فكم سيصلي؟
إحدى عشرة صلاة.
عرفنا الفرق.
في المسألة الأولى سيصلي أربع صلوات فقط وفي المسألة الثانية سيصلي عدد كبير إحدى عشرة صلاة.
ما هو دليل هذا التفصيل؟
قالوا: لأنه بذلك يخرج من العهدة يقيناً فيكون مصلياً صلاةً صحيحةً يقيناً فتبرأ الذمة.
(1/33)
________________________________________
القول الثاني: في هذه المسألة: أنه يتحرا ينظر في هذه الثياب ويتحرى من خلال القرائن والعلامات ويصلي صلاة واحدة بثوب واحد بعد التحري.
والدليل: تقدم معنا من حديث ابن مسعود لأنه إذا كان التحري في ذات الصلاة فلأن يتحرا في شرط الصلاة من باب أولى وستر العورة شرط من شروط الصلاة.
ففرق كبير بين قول يلزم الإنسان أن يصلي عشر صلوات أو أكثر وبين قول يلزم الإنسان أن يصلي صلاة واحدة.

بهذا انتهى ما يتعلق بالمياه ننتقل إلى باب الآنية ...
• قال المؤلف - رحمه الله -:
باب الآنية
الباب: ما يدخل منه إلى المقصود حسياً كان أو معنوياً.
والآنية: جمع إناء وهو الوعاء.
وذكر باب الآنية بعد المياه: لأن الآنية يحمل بها الماء فلما ذكر الماء وأحكامه ذكر ما يحمل به الماء وهذا الترتيب ترتيب منطقي.
• قال المؤلف - رحمه الله -:
كل إناء طاهر ولو ثميناً: يباح إتخاذه واستعماله
قاعدة: كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله.
الدليل: أن الأصل في الأعيان الطهارة والإباحة لأن الله تعالى ذكر في كتابه أنه خلق لنا ما في الأرض جميعاً فقال تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} البقرة - 29. وهذا دليل عام.
الدليل الخاص: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (توضأ تارة من إناء نحاس وتارة من إناء جلد وتارة من خشب).
فدل على أنه يجوز للإنسان أن يتوضأ من أي إناء طاهر مباح.
إذاً عرفنا بهذا قاعدة المذهب في هذا وهي قاعدة صحيحة وكذلك عرفنا دليل الحنابلة وهو أيضاً دليل صحيح ثبوتاً واستدلالاً.
• ثم قال المؤلف - رحمه الله -:
يباح اتخاذه واستعماله
يفهم من قول المؤلف - رحمه الله - هذا - يباح اتخاذه واستعماله - أن بين الاتخاذ والاستعمال فرقٌ وهذا المفهوم صحيح.
فالاتخاذ هو: اقتناء الإناء لا للاستعمال.
وعليه إذا لم يكن للاستعمال فلماذا يقتنى؟
الجواب: نقول ربما للزينة أو لأي غرض آخر.
فالاتخاذ والاستعمال كلاهما جائز والاتخاذ والاستعمال بينهما تلازم.
وعند شيخ الاسلام قاعدة مفيدة في هذا ((أن كل ما حرم استعماله حرم اتخاذه)).
- وهذه قاعدة تبين للإنسان كثيراً من الأحكام فمن أمثلتها:
- الملاهي: فلو أن إنساناً اتخذ آلة ملاهي في البيت بدون أي استعمال فهل يجوز له أن يتخذها زينة في بيته؟
(1/34)
________________________________________
الجواب: لا يجوز.
لماذا؟ لأن القاعدة تقول: أن كل شيء يحرم استعماله فإنه يحرم اتخاذه.
ولماذا أخذوا بهذه القاعدة؟
قالوا: لأن الاتخاذ ذريعة إلى الاستعمال.
الآن عرفنا هذه المسائل وهي واضحة وظاهرة: أن الأواني المباحة يجوز أن تستعمل مهما كانت مادة الصنع إلا ما ستثني في قوله: إلا آنية ذهب فضة ومضبباً بهما فإنه يحرم اتخاذها.
• قال المؤلف ’:
((إلاّ آنية ذهب وفضة ومضبَّباً بهما: فإنه يحرم إتخاذها واستعمالها))
آنية الذهب والفضة يحرم استعمالها في الأكل والشرب بإجماع العلماء لحديث حذيفة - رضي الله عنه -: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)).
وحديث أم سلمة: ((الذي يشرب في آنية الذهب والفضة كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)).
وهذا الوعيد الخاص يدل على أن الشارع يعتبر أن استعمال هذه الأواني من الكبائر وليست أمراً سهلاً كما يتعامل معها كثير من الناس.
• قال المؤلف ’:
((ومضبباً بهما))
يحرم استعمال الآنية التي ضببت بالذهب أو الفضة.
والتضبيب هو: إصلاح ما انصدع – ما انكسر - من الإناء بالذهب أو الفضة.
وهذا التعريف في هذا الباب وإلا فقد يكون التضبيب بمعدن آخر لكن نحن نتكلم عن التضبيب بالذهب والفضة.
والدليل على أنه لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة ولا يجوز استعمال الأواني التي صنعت من مادة أخرى إذا كان فيها ذهب أو فضة:
- أن الدارقطني أخرج هذا الحديث وذكر في لفظ له: ((أو إناء فيه شيء منهما)).
هذا اللفظ حسنه الدارقطني نفسه في السنن ولذلك فهو صالح للإستدلال.
((نحن الآن نتكلم عن مسألة معينة مهمة وهي أنه كما أنه يحرم أن نستعمل أواني الذهب والفضة فإنه يحرم أن نستعمل الأواني التي فيها ذهب وفضة ولو كانت مصنوعة من نحاس أو من أي معدن آخر)).
الدليل الآخر: قاعدة ذكرها شيخ الاسلام – وهي مفيدة أيضاً – قال: ((تحريم الشيء مطلقاً يقتضي تحريم كل جزء منه - أبعاض هذا الشيء))
فتحريم الذهب والفضة يقتضي تحريم أبعاض الذهب والفضة.
- فإذا قيل لك ما حكم الإناء المصنوع من نحاس وضبب بالذهب والفضة؟
فالجواب: لا يجوز.
- ما حكم الإناء المصنوع من خشب وطلي بالذهب؟
الجواب: لا يجوز.
(1/35)
________________________________________
- ما حكم الإناء المصنوع من بلاستيك وموه بالذهب؟
الجواب: لا يجوز.
- ولماذا قلنا بعدم الجواز؟
الجواب: للحديث والتعليل.
إذاًُ عرفنا الآن:
= حكم الأواني المصنوعة من خالص الذهب أو الفضة.
= وحكم الأواني المصنوعة من معادن أخرى وفيها ذهب أو فضة.
• ثم قال ’ تعالى:
((فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها))
يعني أن الحنابلة – رحمهم الله – يرون أن آنية الذهب والفضة يحرم فيهما الاتخاذ والاستعمال سواء كان الاستعمال في الأكل أو الشرب أو في غيرهما كاستعمالها في الإدهان أو الاغتسال أو الوضوء أو لأي غرض آخر.
ومذهب الحنابلة هذا هو:
مذهب جماهير أهل العلم بل حكي إجماعاً فعامة الأمة على هذا القول وكذلك جملة المحققين من أهل العلم المتقدمين على هذا القول.
- ما هو الدليل؟
قالوا: الدليل حديث أم سلمة وأبي حذيفة السابقين.
- قيل لهم أنهما وردا في خصوص الأكل والشرب؟
قالوا: أن هذا خرج مخرج الغالب فإن الأواني غالباً ما تستعمل في الأكل والشرب ولذلك ذكرا في الحديث.
ثم قالوا: بأن عندنا دليل آخر وهو:
أنه جاء في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ((نهى عن آنية الذهب والفضة)) – هكذا مطلقاً بدون التقييد بذكر الأكل أو الشرب.
وهذا الحديث ذكره ابن حزم وصححه.
القول الثاني: أن المحرم هو الأكل والشرب فقط.
استدل هؤلاء بعدة أدلة:
الدليل الأول: أن الأحاديث المانعة جاءت بالأكل والشرب فقط.
وهذا الاستدلال واضح فإنهم قالوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي جوامع الكلم ولو كان يريد النهي عن جميع الاستعمالات لجاء بلفظ يشمل جميع الاستعمالات.
والدليل الثاني: قالوا: أن أم سلمة هي راوية حديث المنع ومع ذلك كانت قد اتخذت جلجلاً من فضة وضعت فيه شعرات للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
ففيه أنها استخدمت آنية من الفضة والراوي أعلم بما روى فكأنها علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد تخصيص النهي بالأكل والشرب.
(1/36)
________________________________________
هذا القول لا أعلم الآن أحداً قال به من المتقدمين إلا الصنعاني والشوكاني أما الأئمة كأحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وابن عيينة والفقهاء السبعة ومن بعدهم جملة متقدمي العلماء كلهم يرون أنه لا يجوز الاستعمال في الأكل والشرب وفي غيرهما.
إنما من نصر هذا القول وأظهره الصنعاني وبعده الشوكاني.
فلذلك أرى - بناء على أن جمهور السلف على القول الأول وبناء على الحديث الذي ذكره ابن حزم وهو نص في المسألة أن هذا القول بأن سائر الاستعمالات محرمة أكلاً وشرباً وغيرهما - هو الصواب إن شاء الله.
وينبغي أن يكون الإنسان عنده توقف في الحقيقة إذا صار جمهور السلف أو كل السلف على قول من الأقوال والمخالف متأخر عنهم.
فينبغي أن يكون عند الانسان تردد كبير جداً بمخالفة جمهور السلف هذا من جهة.
ومن جهة أخرى الدليل الذي ذكره ابن حزم دليل قوي.
• قال:
((ولو على أُنثى))
نفهم من هذه العبارة قاعدة مفيدة وهي:
أن: باب الآنية أضيق من باب اللباس.
وهذه القاعدة قررها شيخ الإسلام وهذه العبارة تدل عليها.
وكيف عرفنا ذلك؟
من قوله ((ولو على أنثى)).
= فالأنثى هل يجوز لها في باب اللباس أن تتحلى بالذهب والفضة؟
- الجواب: نعم يجوز.
= وهل يجوز للأنثى أن تستخدم - في باب الآنية - أنية الذهب والفضة؟
- الجواب: لا. لايجوز.
فعرفنا من هذا أن باب الآنية أضيق من باب اللباس.
• ثم قال - رحمه الله -:
((وتصح الطهارة منها))
يعني أنه مع أن آنية الذهب والفضة يحرم على الإنسان أن يستعملهما. ومع ذلك لو توضأ الإنسان فإنه آثم ولكن طهارته صحيحة.
= لماذا؟ - لأن النهي يعود لأمر خارج عن العبادة وهذا الذي ذكره الحنابلة صحيح.
فلو أن إنساناً اشترى آنية من فضة وتوضأ منها فنقول أنت آثم ولكن الوضوء صحيح.
• قال - رحمه الله -:
((إلاَّ ضبةً يسيرةً من فضة لحاجة))
هذا الاستثناء في قوله: ((إلا)) استثناء من التحريم.
يعني: يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة والمضبب إلا ضبة يسيرة من فضة لحاجة.
تقرير مذهب الحنابلة:
أنه يجوز استعمال الآنية المضببة بشروط:
الشرط الأول: أن تكون يسيرة.
والشرط الثاني: أن تكون من فضة.
والشرط الثالث: أن تكون لحاجة.
(1/37)
________________________________________
ويمكن أن نقول بشرط رابع هو: أن تكون ضبة. بمعنى أنه يجوز استخدام الآنية التي فيها فضة بشرط أن تكون على شكل ضبة أما لو كانت حلقة أو تمويه ... (مموه) فإنه لا يجوز وإنما التضبيب فقط.
الدليل على هذه الشروط:
أن البخاري أخرج عن أنس - رضي الله عنه - (أن قدح النبي - صلى الله عليه وسلم - انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسة من فضة).
وكيف نستنبط هذه الشروط التي ذكرها الحنابلة من الحديث؟
- أولاً: قوله: ((ضبة)) من قوله فاتخذ مكان الشعب.
- ثانياً: قوله: ((يسيرة)) تستنبط من الحديث لأن غالب التضبيب يكون يسيراً.
- ثالثاً: قوله: ((من فضة)) من نص الحديث من فضة.
- رابعاً: قوله: ((لحاجة)) من الكسر لأنه لو لم ينكسر لم يحتج إلى تضبيبه ولكن سيأتينا أن هذا القيد ليس بصحيح.
والمقصود بالحاجة هنا: أن يتعلق بها غرض صحيح لا أن لا يوجد غيرها.
بمعنى لو أنه اتخذ التضبيب للزينة فلا يجوز لكن إذا اتخذه لغرض صحيح فيجوز ولو أمكنه أن يضبب الإناء بمعدن آخر.
فالخلاصة أنه يجوز أن نستعمل الإناء إذا كان مضبباً بفضة بشرط أن تكون يسيرة ولحاجة.
إذاً لو قيل لك ما هو ضابط التضبيب عند الحنابلة؟
- الضابط - المتبادر إلى الذهن - أن تكون من فضة ويسير ولحاجة فيتعلق الأمر بالكمية لأنه يقول يسيرة وبوجود الحاجة.
بينما ذهب شيخ الإسلام - رحمه الله - إلى ضابط آخر فقال: ((أن الضابط هو الاستعمال وعدم الاستعمال لا الكثرة والقلة)).
- فإذا كان إضافة الفضة للإناء في مكان يستعمل فإنه لا يجوز.
- وإذا كان في مكان لا يستعمل فإنه يجوز.
ومقصود شيخ الإسلام بقوله يستعمل يعني على انفراد.
إذاً ما هو الضابط عند شيخ الإسلام الكثرة والقلة أو الاستعمال؟
الاستعمال.
مثال يوضح المقصود:
= لو وضعنا في إناء حلقة - عروة - هل هو يستعمل أو لا يستعمل؟
- يستعمل - فإنك تستعمله تمسك الإناء فتحمله بالحلقة - العروة.
هذه الحلقة أو العروة لا تجوز ولو كانت قليلة لأنها تستعمل.
((انتهى الدرس الثالث))
(1/38)
________________________________________
• زيادة توضيح لقوله رحمه الله:
إلاَّ ضبةً يسيرةً من فضة لحاجة
(1/39)
________________________________________
نريد الآن أن نقرر مذهب الحنابلة وأن يفهم في مسألة الضبة لأن مذهبهم هو أيضاً مذهب لكثير من أهل العلم بل نسب للجمهور.
بعد أن قرر المؤلف أن أواني الذهب والفضة والأواني التي فيها شيء من الذهب والفضة كلها محرمة. ذكر ما يستثنى من هذا الحكم العام وهو قوله ((إلا ضبة يسيرة من فضة)).
- فما هو الذي يستثنى؟
- يستثنى شيء واحد وهو التضبيب على أن يكون يسير ومن فضة ولحاجة هذا الشيء فقط هو الذي يستثنى.
إذاً أربعة قيود وذَكَرْتُ ((بالأمس)) الدليل من حديث أنس - رضي الله عنه - ((أن قدح النبي - صلى الله عليه وسلم - انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة)).
وعرفنا الحديث وكيف أخذ الحنابلة منه هذه الأحكام التفصيلية.
باقي الآن أن نفهم أن الحنابلة قرروا جواز استخدام الإناء المضبب بهذه الشروط ولكن أضافو حكماً آخر أنه تكره مباشرة الجهة التي فيها الفضة وهو معنى قوله ’ ((وتكره مباشرتها لغير حاجة)).
= لماذا تكره المباشرة؟
- قالوا: لأن في المباشرة استعمالاً للفضة فقالوا: ((إلا لحاجة)).
ومثلوا للحاجة: بما إذا شرب من غير جهة الفضة فأدى ذلك الى تدفق السائل وانكبابه قالوا: والحالة هذه فيجوز له بلا كراهة أن يشرب من الجهة التي فيها الفضة.
الآن عرفنا مذهب الحنابلة: متى نستخدم الفضة في أي إناء؟ وما هو ضابط هذا الاستخدام؟ وما هو دليله؟ ومسألة كراهة مباشرة الجهة التي فيها الفضة.
الآن انتهى فقه الحنابلة في هذه المسألة فنأتي إلى القول الثاني.
القول الثاني: أن ضابط استخدام الفضة في الأواني هو الاستعمال وعدمه لا الكثرة ولا القلة.
فإن الحنابلة يقولون: أن الفضة إذا كانت قليلة فيجوز وإذا كانت كثيرة فلا يجوز.
شيخ الإسلام يقول أني قرأت كلام الإمام أحمد وفتاويه وتقريراته ففهمت منها أن الإمام أحمد يجعل الضابط: الاستعمال لا الكثرة ولا القلة.
ويقصد بالاستعمال الاستعمال على جهة الإنفراد
المثال الذي يوضح شيء يستعمل وشيء لا يستعمل ومعنى قولنا يستعمل على جهة الانفراد.
قال شيخ الإسلام مثل الحلقة - وهي العروة - فأنت تستخدم العروة على جهة الانفراد فالعروة يقول شيخ الإسلام هي حرام ولو كانت قليلة لماذا؟
(1/40)
________________________________________
لأنها تستعمل والتضبيب جائز ولو كان كثيراً لأنه لا يمكن أن يستعمل على جهة الانفراد.
إلا أن شيخ الإسلام أضاف قيداً دقيقاً يجب أن ينتبه إليه طالب العلم وهو: أنه يجوز أن نستخدم الإناء المضبب بالفضة ولو كثرت بشرط أن تكون أقل مما هي فيه - فلتكن كثيرة لكن بشرط أن تكون أقل مما هي فيه.
أما إذا كان الإناء ثلثيه فضة تضبيباً وثلثه نحاس فهذا لا يجوز ولو لم تستعمل.
انتهينا الآن من فقه مسألة ما يستثنى من أواني الذهب والفضة
• ثم انتقل ’ إلى مسألة أخرى فقال
((وتباح آنية الكفار ولو لم تحل ذبائحهم وثيابهم: إن جهل حالها))
أواني الكفار يقصد بها: أواني أهل الكتاب وأواني غير أهل الكتاب.
عند الحنابلة يجوز لنا أن نستعمل أواني أهل الكتاب والكفار من المشركين أو ممن ليس لهم دين
واستدلوا على هذا بنصوص واضحة وقوية:
الأول: قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} (المائدة/5).
ومن المعلوم أن أهل الكتاب إنما يطبخون طعامهم في أوانيهم هذا وجه الاستدلال.
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاه يهودي ودعته يهوديه وأكل ومعلوم أن اليهودي واليهودية طبخا في أوانيهما.
= فإن قلت: بأن جميع الأدلة المذكورة تتعلق بأهل الكتاب؟
- فالجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة وهذا في صحيح البخاري والمشركة ليست من أهل الكتاب.
فتبين جواز استخدام أواني أهل الكتاب والكفار من غيرهم.
نأتي إلى الثياب: الثياب تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول من الثياب: الثياب التي لم تستعمل - الجديدة - فهذه اتفق الأئمة على أن ثياب الكفار الجديدة التي لا تستعمل يجوز للمسلمين أن يستعملوها بدليل أن ثياب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانت في الغالب من صنع الكفار.

القسم الثاني: الثياب التي يستخدمونها - يعني يلبسونها فهذه أيضاً على قسمين:
- إما أن تكون فوقانية: أي أنها لا تمس العورة كالعمامة والثوب الخارجي فهذه أيضاً يجوز للمسلمين أن يستعملوها لأن الأصل العام في الشرع الطهارة ولا نحكم على عين من الأعيان بالنجاسة إلا بدليل.
(1/41)
________________________________________
- ما ولي عوراتهم: يعني إذا لبس لباساً يلي العورة فهذا أيضاً جائز لكن مكروه عند الإمام أحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من أئمة الإسلام
وهذا التفصيل كله فيما لا يعلم نجاسته فإذا علمنا أن الكفار يشربون في هذه الأواني الخمر أو يطبخون الخنزير أو يطبخون الميتة لأن كثيراً من ذبائح أهل الكتاب ميتة لأنها تذبح على غير الطريقة الإسلامية.
فإذا علمنا ذلك فإنه لا يجوز لنا أن نستعمل هذه الأواني إلا بعد غسلها.
= فإن قيل: أنه يتعارض مع تقرير الجواز أن النبي ‘ سئل عن أواني الكفار فقال: ((لا تستعملوها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها)).
= فالجواب عن هذا الحديث من وجهين:
- الوجه الأول: أن هذا الحديث يقصد به أناس من المشركين عرفوا بمباشرة النجاسة
- الوجه الثاني: أن هذا الحديث يحمل على الكراهة التنزيهية والحامل له على الكراهة التنزيهية النصوص الكثيرة في الشرع التي تدل على جواز استخدام أواني الكفار وبهذا كمل حكم ثياب وأواني الكفار.
• وننتقل إلى المسألة الأخرى
• قال ’:
ولا يطهر جلد ميتة: بدباغ
هذه المسألة غاية في الأهمية فمسائل الفقه تتفاوت في الأهمية والمسألة تأخذ أهميتها من كثرة الحاجة إليها.
فمسألة دباغ الجلود مسألة مهمة جداً ويحتاج طالب العلم أن يكون على بصيرة ووضوح في أحكامها كما سبق نقرر أولاً مذهب الحنابلة.
• يقول ’:
((ولا يطهر جلد ميتة: بدباغ ويباح استعماله بعد الدبغ: في يابس من حيوان طاهر في الحياة))
الحنابلة لا يرون أن أي جلد يطهر بالدباغة فجلود الميتات كلها نجسة ولا يمكن أن تطهر بالدباغة.
وهذا القول للحنابلة من المفردات.
وعندنا قاعدة في مفردات الحنابلة هي: ((أن أي مسألة من مفردات الحنابلة ففي الغالب لها نص لأن الإمام أحمد لا ينفرد إلا بشي فيه نص)).
استدلوا بنص قالوا أنه روي في الحديث الصحيح - رواه ابن عكيم قال أتانا كتاب - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بشهر ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). وهذا الحديث ضعفه الحافظ البارع الناقد ابن معين بل الإمام أحمد كان يأخذ بهذا الحديث ثم تركه لا ضطرابه.
(1/42)
________________________________________
فالحنابلة يرون أن كل الجلود إذا لم تذكى ذكاة شرعية فإنها نجسة ولا يمكن أن تطهر.
واستدلوا بحديث ابن عكيم السابق وهو نص.
نستكمل فقه الحنابلة: لكنهم يقولون مع كون الجلود نجسة وتبقى نجسة إلا أنه يباح أن تستعمل فقط.
يعني ولا يباح أن تباع لأنه لا يجوز أن نبيع ونشتري في النجسات.
فيباح أن تستعمل بثلاثة شروط:
أولاً: أن تدبغ.
ثانياً: أن لا تستعمل إلا في يابس.
ثالثاً: أن هذا خاص بجلود الحيوانات التي تكون طاهرة في الحياة.
والدليل لقضية أنه لا بد أن تدبغ حديث ميمونة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((هلا انتفعتم بإهابها)) - يقصد ميتة - فقال: هلا انتفعتم: فقالوا إذاً يجوز أن ننتفع.
وفي رواية: ((هلا دبغتموه وانتفعتم به)) فبعض الروايات ذكرت الدباغة وبعضها لم تذكرها ولكن لفظة الدباغة ثابتة.
والدليل على أنه يجب أن يستعمل في يابس أن النجاسة لا تنتقل بين يابسين وهذه قاعدة فأي يابسين لا تنتقل بينهما النجاسة.
فإذا وضعت شيء نجس في وعاء طاهر والكل يابس فإنه لا تنتقل النجاسة إلى الإناء والعكس صحيح.
= إذاً إذا قيل لك لماذا يشترط الحنابلة أن يكون استعمال الإناء في يابسات لا في مائعات؟
- فتقول: لأن النجاسة لا تنتقل بين يابسين.
من حيوان طاهر في الحياة. ما هو الحيوان الطاهر في الحياة؟
قالوا الحيوان الطاهر في الحياة على نوعين:
النوع الأول: الآدمي.
والثاني: ما كان بحجم الهرة فأقل.
والثالث: ما لا نفس له سائلة.
ولا نريد الوقوف هنا في تحديد ما هو الحيوان الطاهر لأن المؤلف سيعود ويذكر هذه المسألة نصاً ونناقش الحنابلة في هذا الضابط لكن المقصود الآن أن تفهم ما هو مذهب الحنابلة؟
إذاً الآن الحنابلة يرون أن جلد الميتة لا يطهر مهما كان نوعه ومهما دبغ وأنه يجوز أن يستعمل في الطاهرات بعد الدبغ هذا خلاصة مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أنه أي جلد دبغ فقد طهر مهما كان نوعه من حيوان طاهر في الحياة أو ليس بطاهر.
واستدلوا بحديث ابن عباس - رضي الله عنه - ((أيما إيهاب دبغ فقد طهر)).
وهذا الحديث في الصحيح وهو نص في المسألة.
(1/43)
________________________________________
وهذا الاختيار الأول لشيخ الإسلام - لأن له في المسألة اختيارين لصعوبة المسألة واختلاف الآثار فيها.
القول الثالث: أنه لا يطهر إلا جلد مأكول اللحم.
يعني إذا فرضنا أن شاة ماتت حتف أنفها يعني صارت ميتة فجلدها الآن نجس فعلى القول الثالث هل يطهر بالدباغة؟
الجواب: نعم يطهر.
وإذا مات حمار حتف أنفه فهل يطهر جلده بالدباغة؟
الجواب: لا. لايطهر. لأنه غير مأكول اللحم
دليل القول الثالث: حديث سلمة بن المحبق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((دباغها ذكاتها)).
فدل الحديث على أن الدباغة إنما تؤثر فيما تؤثر فيه الذكاة والذكاة لا تؤثر إلا في مأكول اللحم.
ما معنى جملة أن الذكاة لا تؤثر إلا في مأكول اللحم؟
يعني لو أن إنساناً أخذ كلباً وذبحه على وفق القواعد الشرعية بأن قطع الحلقوم والودجين فهل يصبح جائز الأكل؟
الجواب: لا. لأن الذكاة لا تؤثر فيه أصلاً.
وهذا القول هو الاختيار الثاني لشيخ الإسلام واختاره أيضاً شيخنا محمد العثيمين رحمه الله.
والأقرب والله أعلم في هذه المسألة هذا القول الثالث.
سبب هذا الترجيح:
نقول أن القول الثاني أقوى ولكن هناك مرجح للقول الثالث وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ((نهى عن جلود السباع)).
وجلود السباع لا تكاد تستخدم إلا مدبوغة ومع ذلك نهى عنها مما يدل على أن الدباغة لا تؤثر فيها.
والمسألة تحتمل أكثر من هذا الشرح لكن هذه رؤوس الأقوال والأدلة وعرفت الآن أن الراجح هو القول الثالث.
= هل ينبني على هذا القول شيء؟
- الجواب: ينبني عليه مئات المسائل.
= فمثلاً - حتى يتدرب طالب العلم على التطبيق - الشنط المصنوعة من جلود النمور ومن جلود الأفاعي ما حكمها؟
- لا تجوز.
= ذيل الثعلب - الذي يحتفظ به بعض الناس - ما حكمه؟
- لا يجوز.
لكن عند الحنابلة هذه الأمور لا يجوز أن تباع ولا تشترى لكن هل يجوز أن ننتفع بها بعد الدباغة؟
- يجوز.
لكن الإشكال أن الأحذية والشنط والأحزمة تباع وتشترى وهذا هو محل الإشكال.
فعلى القول الثالث لا يجوز لا أن تباع ولا أن تشترى.
ويجب أن تنتبه إلى أن الذي لا يجوز أن يباع ويشترى ما كان من الجلد الحقيقي أما الشكل والرسم فهذا لا بأس به.
(1/44)
________________________________________
فإن كان من جلد حقيقي لنمر وذئب أو لدب أو للأفاعي - وهذه أشهر الجلود التي تصنع منها الشنط والأحذية - فإنه لا يجوز لا أن تباع ولا أن تشرى على القول الثالث وعلى القول الثاني أي جلد دبغ فقد طهر.
• ثم انتقل ’ لمسألة أخرى فقال:
ولبنها وكل أجزائها: نجسة غير شعر ونحوه، وما أُبين من حي: فهو كميتته
في الحقيقة أراد المؤلف ’ في آخر الباب أن يبين أحكام أجزاء الميتة لكنه بدء بالجلد لأهميته ولقوة الخلاف فيه فلما انتهى من الكلام على الجلد انتقل إلى الحديث عن باقي أجزاء الميتة فقال ’:
ولبنها وكل أجزائها: نجسة
يعني ولبن الميتة وكل أجزاء الميتة نجسة.
إذاً الحنابلة يرون أن لبن الميتة وأجزاؤها نجسة.
الدليل: قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} (الأنعام/145).
فهذه الآية نصت على أن الميتة بكل ما فيها فهو رجس.
إذاً عرفنا أن الحنابلة يقررون أن الميتة بجميع أجزائها نجسة هذا بالنسبة للحنابلة.
أما على القول الراجح إلا الجلد من مأكول اللحم.
القول الثاني: أن لبن وأنفحة الميتة طاهرة.
واستدل أصحاب هذا القول على أنها طاهرة بعمل الصحابة رضي الله عنهم.
قالوا: فإن الصحابة è لما فتحوا العراق وكان بعض سكانه من المجوس أكلوا الجبن المصنوع في العراق في ذلك الوقت والجبن معلوم أنه لا ينعقد إلا بالأنفحة والأنفحة لا تؤخذ إلا من الميتة لأنهم هم لا يذبحون إنما يأخذونها منها ميتة ومع كون الجبن انعقد من أنفحة ميتة أكل منه الصحابة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو أن اللبن والأنفحة من الميتة طاهرة وليست بنجسة وهذا القول هو الصواب.
فما يكون للإنسان أن يأتي إلى مسألة فيها آثار صحيحة عن الصحابة وليس لها معارض فيعارضها ويختلف معها.
بما أن الصحابة وهم أورع وأعلم الناس وأفقه الناس في كتاب الله يرون أن لبن وأنفحة الميتة طاهر فإنا نقول بقولهم.
• قال ’:
ولبنها وكل أجزائها: نجسة.
إذاً ناقشنا المؤلف في اللبن والأنفحة فهل بقي شيء من أجزاء الميتة؟
(1/45)
________________________________________
نعم باقي أجزاء كثيرة كالأجزاء الداخلية الكبد والمعدة واللحم وغيرها.
من الأجزاء التي يناقش فيها المؤلف: العظم والقرن.
فالمؤلف يرى أنها نجسة ويستدل بعموم الآية.
والقول الثاني في هذه المسألة أن العظم والقرن طاهران.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ’ ودليله الذي استدل به قوي:
يقول ’:أن مناط النجاسة بوجود الدم فإذا وجد الدم وجدت النجاسة بدليل أن الشارع الحكيم جعل ما لا نفس له سائلة طاهر كما في حديث الذباب فإنه أمر أن يغمس وإذا غمس في الماء الحار فسيموت. فهذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة طاهر قال: كذلك كل ما ليس فيه دم فهو طاهر لأنا عرفنا أن الشارع إنما رتب النجاسة على وجود الدم. والعظم والقرن ليس فيهما دم.

وما ذكره شيخ الإسلام صحيح لكن يحتاج إلى مسألة وهي:
هل فعلاً الطب الحديث يثبت أن العظم ليس فيه دم؟
إذا نظرت إلى العظم فهو يابس لكن هل العظم لا دم فيه من الأصل؟ هذا محل تردد من حيث وجود الدم وعدمه لأنه من المعلوم أن الذي يغذي الجسد بأجزائه الدم وهو سبب النمو فيحتاج إلى أن ننظر هل العظام فيها دم؟ أو كما رأى شيخ الإسلام أنه ليس فيها دم.
على كل حال إذا كان كما قال شيخ الإسلام ليس فيها دم فالأصل فيها الطهارة.
• ثم قال ’:
غير شعر ونحوه
الشعر طاهر عند الحنابلة وعند غيرهم
- فما هو الدليل على طهارة شعر الميتة؟
انتبهو إلى الدليل حتى لا يصعب على بعضكم -
يقولون: أنه يجوز أن نجز شعر الحي من الحيوان وإذا جززناه فإنه يبقى طاهراً.
مع أن القاعدة تقول: أن ما أبين من حي فهو كميتته فمقتضى القاعدة أنا إذا جززنا شعر الحي فإن هذا الشعر يكون نجس لأن ميتة الحيوان نجسة.
فإذا كان الشعر المأخوذ من البهيمة أثناء الحياة يبقى طاهراً مع أن القاعدة: - كما ذكرنا - أن يكون نجساً فكذلك شعر الميتة.
وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم.
وقوله: ((ونحوه)) أي كالقرن والظفر والصوف بالنسبة للحيوانات التي ليس فيها شعر.
• ثم قال ’:
وما أُبين من حي: فهو كميتته
هذه القاعدة هي نص حديث وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال إلا أن معناه متفق عليه.
والقاعدة: ((تقول أن الحديث المتفق على معناه فإنه يصلح للاستدلال)).
(1/46)
________________________________________
فمثلاً: إذا أخذنا يد شاة وهي حية فما حكم هذه اليد؟
الجواب: أنها نجسة.
وإذا أخذنا يد إنسان وهو حي فما الحكم؟
الجواب: نقول أنه طاهر لأنه إذا مات فهو طاهر.
نأخذ مثالاً أوضح.

إذا أخذنا قطعة من سمكة وهي حية فما الحكم؟
الجواب: أنها طاهرة. ولماذا؟
لأن ميتة السمك طاهرة.
إذاً ما أبين من حي فهو كميتته
= إذا أخذت قطعة من حيوان حي فحكم هذه القطعة كحكم ميتة هذا الحيوان:
• إن كان طاهراً فطاهر.
• وإن كان نجساً فنجس.
• إذا أخذنا جزء من الجراد فطاهر.
• وإذا أخذنا جزء من الفرس فنجس.
- مسألة: وقد استثنى الحنابلة من هذه القاعدة أمرين هما:
= الأول: الطريدة
ما المقصود بالطريدة؟
يقصد بالطريدة الأجزاء التي تقطع من الحيوان في الصيد أثناء المطاردة.
مثاله: لو أن إنساناً طارد غزالاً وضرب الغزال فانقطع منه قطعة كيد واستطاع أن يجري بعد ذلك ما حكم هذه القطعة؟
الجواب: طاهرة.
ما الدليل على هذا الحكم؟
قالوا: أن الصحابة - كانوا يفعلون هذا في مغازيهم فإن الجيش أثناء الغزو يحتاج إلى الصيد أكثر منه إذا كان في مدينته
فإذاً هذا استدلال بآثار الصحابة وهذا كثير عند الحنابلة. ونعم الاستدلال.
= المستثى الثاني: الفأرة ومسكها.
يعني الفأرة وما فيها من مسك.
ماهي الفأرة؟
الفأرة هي: وعاء يخرج من الغزال الذكر من نوع معين من الغزلان بعد أن يجري لمدة طويلة.
فإذا جرى خرجت هذه الفأرة متدلية منه وفيها مسك وبعد فترة تسقط فإذا وجد الإنسان هذه الفأرة فالأصل أن تكون نجسة لأن ميتة الغزال نجسة لكن هذه مستثناة.
ولماذا استثنيت؟
الجواب: لأن عمل المسلمين المتواصل على الاستفادة من المسك ولو كانت نجسة لم ينتفعوا منه.
وعليه فالمسك وفأرته طاهران ولو سقطت أثناء الحياة.
وبهذا انتهى باب الآنية وننتقل إلى باب الاستنجاء.
(1/47)
________________________________________
باب الإستنجاء
((تابع الدرس الرابع))
قوله: ((باب الاستنجاء)).
أي: باب يقصد منه بيان أحكام الاستنجاء وآدابه.
الاستنجاء: مأخوذ في اللغة: من القطع.
وهو في الاصطلاح: إزالة الخارج من السبيلين بالماء أو الحجر ونحوه.
والرابط بين معنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن في كل منهما قطع فالاستنجاء قطع لآثار النجاسة.
إذاً الآن عرفنا معنى الاستنجاء في لغة العرب وفي اصطلاح الفقهاء.
• قال - رحمه الله -:
يستحب:
كثير من أهل العلم يفرق بين قولهم يستحب ويسن.
والفرق بين قولهم: يستحب وقولهم: يسن:
• أنه لا يقال للشيء يسن إلا إذا أخذ من نص صحيح صريح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
• ويقال للشيء يستحب إذا أخذ من القواعد العامة.
قالوا ولا يجوز الخلط بين الأمرين.
= فأيهما أعلى مرتبة الذي يسن أو الذي يستحب؟
- الذي يستحب.
= لماذا؟
- لاعتماده على نص صريح.
إذاًَ من أين نأخذ الاستحباب من القواعد العامة أو من مفهوم النصوص وليس من النص الصريح.
= وهل يؤخذ من أقوال الصحابة؟
- الجواب: أنه يؤخذ من أفعال الصحابة مما يقال عنه أنه لا مجال للرأي فيه فيقال يسن.
بعد أن عرفنا الفرق بين قولنا يستحب وقولنا يسن السؤال:
= فأيهما أنسب أن يقول المؤلف يستحب أو يقول يسن؟
- أن يقول: يسن.
= لماذا؟
- لأن فيه نص صحيح صريح.
ولكن فيما أرى أن هذا ليس بصحيح بل الأحسن في هذا السياق أن يؤتى بلفظة يستحب.
= لماذا؟
- لأن الشيخ سيذكر مجموعة من الأداب والأحكام بعضها تعتمد على نصوص وبعضها تعتمد على قواعد عامة.
فالتعبير بيستحب أفضل ليشمل الجميع لأن مصطلح يستحب أوسع من مصطلح يسن.
فالذي يظهر لي والله أعلم أنه لا ينتقد المؤلف بقوله: يستحب.
والأمر في هذا سهل فإنها اصطلاحات لا يترتب عليها أحكام.
• قال - رحمه الله -:
يستحب عند دخول الخلاء قول: ((بِسْمِ اللَّهِ))
يستحب للإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول بسم الله لحديث علي?: ستر عورات الإنس عن الجن إذا دخلوا الخلاء أن يقولوا بسم الله.
لكن الإشكال أن هذا الحديث ضعيف.
= فإذا كان ضعيفاً فما هو الدليل على قول القائل بسم الله؟
- الدليل عليه آثار عن الصحابة وهي تصلح للتمسك بها في مثل هذا الباب مع حديث علي لأن ضعفه ليس شديداً.
(1/48)
________________________________________
إذاً فصحيح يستحب وإن كان بعض أهل العلم يقول لا يستحب لأنه لا يوجد دليل لكن مع وجود هذا الحديث الضعيف وآثار الصحابة فيستطيع الإنسان أن يقول أنه يستحب.
ويستحب أيضاً أن يقول:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ))
هذا الحديث حديث صحيح رواه البخاري ولذلك ينبغي أن يعمل به المسلم عند إرادته دخول الخلاء.
وقوله: الخبث:
الخبث: بالتسكين الشر. والخبائث أهله: فاستعاذ من الشر وأهله.
وروي بالضم الخُبُث وهو جمع خبيث يعني ذكران الشياطين وتكون الخبائث على هذه الرواية إناث الشياطين.
والأقرب الرواية الأولى لأنها أعم.
• قال المؤلف ’:
وعند الخروج منه: ((غُفْرَانَكَ.
ويقول عند خروجه منه غفرانك:
فيستحب للإنسان أن يقول غفرانك إذا خرج من الخلاء وهذا الحديث صحيح ولذا ينبغي أن يعمل به المسلم.
• قال ’:
ويقول: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِي الأَذَى وَعَافَانِي))
هذا الذكر ورد من حديث ضعيف وهو مروي عن اثنين من الصحابة أنس وأبي ذر.
• حديث أنس ضعيف. وممن أشار إلى ضعفه الحافظ الناقد أبو حاتم.
• وحديث أبي ذر أيضاً معلول إلا أنه يصح موقوفاً على أبي ذر.
ولكن مع ذلك الأظهر والله أعلم أنه لايسن أن يقال هذا الذكر.
= لماذا؟
- لأنه موقوف على أبي ذر وهو مما يقال من قبل الرأي فقد يكون أبو ذر قاله تفقهاً والأذكار توقيفية فإذا لم يكن عندنا نص صحيح صريح لا يمكن أن نعتبر هذا الشيء سنة.
• ثم قال ’:
وتقديم رجله اليسرى دخولاً ويمنى خروجاً: عكس مسجد ونعل.
قاعدة الشرع أنه يقدم اليمنى للطيبات واليسرى للخبائث.
ويمكن أن تقول بعبارة أدق:
يقدم اليسرى لما يكره واليمنى لما عدى ذلك فيكون أوسع.
هذا الأصل الشرعي له عدة نصوص تدل عليه.
• منها أن النبي ‘ أمر المسلم إذا أراد أن ينتعل أن يبدأ باليمنى وإذا خلع أن يبدأ باليسرى.
• ومنها الأكل باليمنى.
• ومنها النهي عن الاستجمار باليمنى.
فهذا الأصل له نصوص كثير ة وهو أصل ثابت لم يختلف فيه.
• ثم قال ’:
واعتماده على رجله اليسرى
= أولاً: ما معنى الاعتماد على رجله اليسرى؟
- الجواب: أن الحنابلة يقولون إذا جلس الإنسان يريد قضاء الحاجة فإنه يسن له أن يتكئ على رجله اليسرى. يعني يميل قليلاً على رجله اليسرى. فيرون أن هذا سنة - مستحب -.
واستدلوا بحديث سراقة بن مالك أن النبي ‘ أمر أن نتكئ على اليسرى وأن ننصب اليمنى. هذا الدليل.
ولهم أيضاً تعليل: وهو أن هذا يسهل خروج الأذى.
(1/49)
________________________________________
وفي الحقيقة هذا القول للحنابلة ضعيف جداً ولا أظنه يصح عن الإمام أحمد.
أولاً: لأن فيه تكلف شديد.
ثانياً: أن الحديث ضعيف.
ثالثاً: أنا نجد أن الشارع اعتنى تماماً بآداب الاستنجاء كما سيأتينا فبين أدق التفاصيل ولم يذكر هذا الأدب مما يدل على أنه لا يستحب ولا ينبغي.
ثم فيه عناء ومشقة على الإنسان.
فالخلاصة أن هذا الأدب القول به ضعيف جداً.
• ثم قال - رحمه الله -:
وبُعْدُه في فضاء.
معنى هذا الكلام أنه يستحب للمسلم إذا أراد أن يقضي حاجته في فضاء أن يبعد.
الدليل على هذا: أن المغيرة بن شعبة أخبر أنه كان هو والنبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر وأن نبينا - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يقضي حاجته قال المغيرة فانطلق حتى توارى عني - يعني انطلق يمشي إلى أن أصبح المغيرة لا يراه من شدة البعد ولذلك يقولون وبعده في فضاء.
هناك تعليلات كثيرة لاستحباب البعد:
• منها: حصول الستر للإنسان عند إرادة قضاء الحاجة.
• ومنها البعد عن الصوت.
• ومنها أن لا يتأذى الناس الذين بجواره به.
وعدة فوائد أخرى.
فهذا سنة ثابتة من حيث الأثر ومن حيث النظر.
• قال - رحمه الله -:
واستتاره.
الدليل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يستتر حديث أبي هريرة من أتى الغائط فليستتر.
وهناك أحاديث أخرى أصح من حديث أبي هريرة وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يقضي حاجته اتخذ هدفاً أو شجرةً أو عشب نخل.
يعني أنه يذهب إلى شيء منتصب يستتر خلفه.
والمراد من الاستتار هنا الاستتار من حيث البدن أما العورة فيجب أن تستر فلا يستحب بل يجب وجوباً.
فالذي يستحب للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يكون في مكان لا يرى البدن كله حتى لو لم يبعد.
وهذه سنة يغفل عنها كثير من الناس أن يقضي حاجته بحيث لا يرى بدنه.
• ثم قال - رحمه الله -:
وارتياده لبوله مكاناً رخواً.
استدلوا على استحباب هذه المسألة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بال أحدكم فليرتد لبوله.
= ما معنى ارتياده لبوله مكاناً رخواً؟
- الجواب: هو أن يذهب إلى مكان من الأرض لين وليس بقاس حتى إذا سقط البول لا يكون له رشاش.
فمن المعلوم أن البول إذا سقط على أرضية قاسية ارتد.
وإذا سقط على أرضية لينة ورخوه لم يرتد.
(1/50)
________________________________________
فيقول الحنابلة أنه يستحب للمسلم أنهإذا أراد أن يقضي حاجته أن يذهب إلى أرض كما قال: رخوة.
{{وسمعتم الدليل من السنة والتعليل: حتى لا يرتد الرشاش}}.
هذا الحديث فيه ضعف - مسألة فليرتد لبوله فيه ضعف.
= قوله ’: وارتياده لبوله مكاناً رخواً: هل هو من أمثلة المستحب أو المسنون؟
- الجواب: أنه من أمثلة المستحب لأنه تدل عليه النصوص العامة.
= مثل ماذا من النصوص العامة التي تدل على هذا الاستحباب؟
- مثل الأحاديث التي فيها الأمر بالتنزه من البول فإنها تصلح شاهداً عاماً لهذا الحكم.
• ثم قال ’:
ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله: من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً، ونتره ثلاثاً.
هذان أدبان يسميان المسح والنتر.
- المسح هو أن يجعلأصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوق الذكر ويبدأ من أصل الذكر ويمسح إلى رأس الذكر.
{{تصورتم الآن. هذا أمر مستحب عند الحنابلة ينبغي للإنسان أن يفعله .. هكذا ... يعني من الداخل إلى الخارج ولايمكن أن يكون العكس هذا المسح}}
- والنتر هو: جذب وتحريك الذكر من الداخل.
= ماهو الدليل على استحباب المسح والنتر؟
- الجواب: قالوا: التعليل: ليستيقن البرءاة والطهارة لأنه إذا فعل ذلك فقد أخرج يقينا كل ما في الذكر.
إذاً عند الحنابلة يستحب.
والقول الثاني: - فرق شاسع جداً بين القول الأول والثاني - أن المسح والنتر بدعة - فانتقلنا من الاستحباب إلى أنه بدعة.
واعتبار المسح والنتر بدعة اختيار شيخ الإسلام وابن القيم.
وهذا صحيح فإنه بدعة لعدة أسباب.
السبب الأول: أنه ليس له أصل في الشرع مع أن الشارع قد اعتنى بآداب الاستنجاء.
السبب الثاني: شدة مضرة هذا العمل.
واستثى شيخنا - ابن عثيمين - ’ شيء قد يكون مفيداً وهو النتر أحياناً عند الحاجة بهذه القيود.
أما المسح فلا شك أنه بدعة ومضر جداً لعضلة الذكر. كذلك الإكثار من النتر بلا حاجة مضر جداً أيضاً.
عرفنا الآن مذهب الحنابلة في المسح والنتر وما معناهما؟ وما هو القول الثاني في حكم المسح والنتر.
• ثم قال ’:
وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره: إن خاف تلوثاً.
(1/51)
________________________________________
يعني أنه يستحب للإنسان إذا انتهى من حاجته وأراد أن يستنجي أو يستجمر - يستحب له أن ينتقل من موضعه هذا متى؟ إن خاف تلوثاً.
فإن لم يخف تلوثاً فإنه لا يستحب.
دليل الاستحباب: الأدلة العامة السابقة.
وقال بعض الفقهاء بل إذا خاف أن يتلوث فيجب أن يتحول عن موضعه.
والأقرب - والله أعلم - أنه بحسب الظن فإذا غلب على ظنه أنه سيتلوث فيجب وإذا ظن ظناً يسيراً عابراً أنه سيتلوث فيستحب. فيختلف باختلاف مدى احتمال إصابته بالنجاسة.
لما انتهى الشيخ ’ من بيان المستحبات انتقل إلى المكروهات ثم سينتقل بعده إلى المحرمات ولا يخفى أن في هذا ترتيباً بديعاً لطيفاً.
• قال ’:
ويكره: دخوله بشيء فيه ذكر اللَّه تعالى إلاَّ لحاجة.
يكره للإنسان أن يدخل بشيء يعني بورقة أو بإناء أو بقلم أو بساعة أو بجوال فيه ذكر الله إلا إذا احتاج بأن خشي أن يسرق أو خشي أن يتلف إلى آخره من اختلاف الحاجات.
إذاً يكره عند للإنسان عند الحنابلة أن يدخل بيت الخلاء بشيء فيه ذكر الله وترتفع الكراهة إذا وجدت الحاجة.
الدليل:
قالوا أن النبي ‘ أخبر عنه أنس أنه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء نزع خاتمه.
ومعلوم أن خاتم النبي ‘ مكتوب عليه محمد رسول الله وفي الرسم هي: - الله - رسول - محمد - حيث جعل لفظ الجلالة في الأعلى.
فقالوا: أنه ‘ لم يخلع خاتمه إلا لما فيه من ذكر الله.
لكن هذا الحديث ضعفه الأئمة مثل الإمام النسائي صاحب السنن ومثل الإمام الدارقطني فهولاء ضعفوا هذا الحديث.
= وإذا كان هذا الحديث ضعيفاً فما هو الدليل على الكراهة؟
- الدليل على الكراهة هو: تعظيم اسم الله.
الآن عرفنا حكم الدخول للخلاء إذا كان مع الإنسان شيء فيه ذكر لله أنه مكروه وأنه الكراهة ترتفع عند الحاجة.
مسألة: ما حكم دخول الخلاء بالمصحف؟
= قالوا: أن الدخول بالمصحف محرم بل قال المرداوي صاحب الانصاف: أنه لا يتوقف في هذا عاقل.
ومع وضوح حكم دخول الإنسان المسلم بالمصحف بيت الخلاء إلا أن بعض أهل العلم ممن قد يأخذ ويبالغ في الظواهر قال: أنه يكره لعدم الدليل وفي الحقيقة هذا بعيد جداً من نصوص الشرع حتى كما أوردنا عن المرداوي قوله أن هذا مما لا يتوقف فيه عاقل.
(1/52)
________________________________________
إذاً بالنسبة للمصحف حتى مع وجود الحاجة حتى مع خشية الضياع ومع أي ظرف من الظروف فلا يجوز الدخول به إلى بيت الخلاء.
أما مافيه ذكر الله فكما سمعتم حكمه وهو كما قال أصحاب الإمام أحمد.
• ثم قال - رحمه الله -:
ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض.
يكره للإنسان أن يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض: يعني أنه يستحب له أن لا يرفع ثوبه إلا إذا دنى من الأرض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرفع ثوبه إلا إذا دنى من الأرض.
فرفع الثوب قبل الدنو من الأرض مكروه.
• أما إذا كان يشاهده الغير فإن رفع الثوب قبل الدنو من الأرض يكون محرم لأن ستر العورة واجب.
وهذه الأحكام كثير منها إذا كان الإنسان في الخلاء أو ليس في بيت خلاء مغلق إنما في الصحراء.
• قال - رحمه الله -:
وكلامه فيه.
يكره للإنسان أن يتكلم في بيت الخلاء لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر عليه رجل وهو يبول فسلم فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - السلام.
فعلمنا من هذا أنه لا ينبغي أن يتكلم الإنسان وهو في بيت الخلاء.
وقال بعض أهل العلم بل لا يجوز أن يتكلم - محرم - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرد السلام مع أن رده يعتبر واجباً فدل على أنه ما ترك الواجب إلا لوجود المحرم.
إذاً اختلف في كلام الإنسان في بيت الخلاء هل هو مكروه أو محرم؟ - وسمعتم الاستدلال - والأقرب أنه مكروه لأن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لرد السلام علله بقوله: لأنني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة.
إذاً الحنابلة يرون أن كلام الإنسان في بيت الخلاء حكمه مكروه والقول الثاني أنه محرم والأقرب ما ذهب إليه الحنابلة.
• ثم قال - رحمه الله -:
وبوله في شَق ونحوه.
يكره عند الحنابلة البول في شق لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نهى يبول الإنسان في الجحر وهذا الحديث إسناده جيد.
وهناك تعليل: أن البول في الجحر قد يؤدي إلى خروج ما يؤذي على الإنسان.
إذاً هذه الآداب واضحة الآداب السابقة: رفع الثوب والكلام والبول في الشق.
• ثم قال - رحمه الله -:
ومس فرجه بيمينه
(1/53)
________________________________________
• بسم الله الرحمن الرحيم
• يقول المؤلف - رحمه الله - مما يكره أيضاً:
مسه فرجه بيمينه واستنجاؤه واستجماره بها.
أي أنه يكره للمسلم أن يمس ذكره بيمينه وأن يستجي أو أن يستجمر بها
هذان مكروهان:
دليلهما: حديث واحد وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه.
وفي رواية صحيحة لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول.
والمؤلف - رحمه الله - يقول هنا - ومس فرجه بيمينه - ولم يقيده بحال البول بينما نجد أنه في الحديث قيد النهي بحال البول.
= فهل يكون النهي عام في كل الأحوال أو خاص بأثناء البول؟
- الجواب: أن النهي عام أثناء البول وفي غيره.
فالإنسان منهي أن يمس ذكره بيمينه في حال البول وفي غيرها.
= ما الدليل؟
- الدليل لايمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول.
= فإن قيل: الحديث خصص حال البول؟
- فالجواب أن نقول هذا صحيح أن الإسناد الثابت لحديث أبي قتادة لايمسكن أحدكم ذكره مخصص بالبول لكن إذا كان الشارع نهى عن مس الذكر أثناء البول مع الحاجة إليه ففي غيره الحاجة يكون النهي من باب أولى.
يعني: إذا كان المسلم منهياً عن أن يمس ذكره حتى وهو يبول مع الحاجة أثناء البول إلى مس الذكر ففي غير هذه الحال من باب أولى.
ومن الفقهاء من قال بل لا ينهى إلا حال البول لأن حال البول هي الحال المستكرهة التي لا يحب الشارع من المسلم أن يمس ذكره بيمينه أثنائها.
والأقرب مذهب الحنابلة أنه يكره أن يمس الإنسان ذكره بيمينه سواء في أثناء البول أو في غيره من الأحوال وإن كان الحديث فيه التقييد بحال البول.
أما الاستنجاء والاستجمار باليمين فلا شك أنه مكروه لقوله في الحديث السابق ولا يتمسح من الخلاء بيمينه.
والشارع الحكيم جعل لليمين ميزة خاصة وأفردها بأحكام كثيرة جداً فينبغي للمسلم أن يهتم بهذا الأمر لأن الشارع اهتم به.
فمثلاً إذا مس الإنسان ذكره بيده انتقضت طهارته - على خلاف في المسألة كما سيأتينا - ولا يجوز أن يمس ذكره على القول الصواب ولا في غير حال البول ولا يجوز أن يستنجي أو أن يستجمر بيمينه ويجب أن يبدأ بالطاهرات بيمينه ويجب أن يبدأ بالمستخبثات بغير يمينه.
إذاً هناك جملة من الأحكام خص الشارع بها اليد اليمنى مما يدل على أن الإنسان يجب أن يهتم بها لأن على كل مسلم أن يهتم بما اهتم به الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
• قال - رحمه الله -:
واستقبال النيرين.
وهذا هو المكروه الأخير وهو السابع استقبال النيرين:
(1/54)
________________________________________
فيكره عند الحنابلة أن يستقبل الانسان أثناء قضاء الحاجة النيرين والمقصود بهما الشمس والقمر.
والتعليل: قالوا لأن فيهما من نور الله.
والقول الثاني: أن استقبال النيرين أو استقبال أحدهما ليس بمكروه.
أولاً: لأنه لا دليل على الكراهة والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل.
وثانياً: لأن الإنسان منهي عن استقبال القبلة كما سيأتي. والإنسان إذا لم يستقبل القبلة فإنه سيستقبل النيرين - إذا انحرف عن القبلة فسيستقبل النيرين.
بل إنه صرح في الحديث الذي سيأتي ذكره النهي عن استقبال القبلة ولكن شرقوا أو غربوا.
وإذا شرق الإنسان أو غرب فسيستقبل أحد النيرين.
إذاً قول المؤلف - رحمه الله - واستقبال النيرين ضعيف جداً لأنه مخالف للنص من جهة ولعدم وجود ما يدل عليه من جهة أخرى.
• لما أنهى المؤلف - رحمه الله - الكلام على المكروهات انتقل إلى المحرمات فقال - رحمه الله -:
ويحرم: استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان ولبثه فوق حاجته، وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة.
هذه ثلاث محرمات فقط منهي عنها على سبيل التحريم عند الحنابلة.
الاستقبال واللبث والبول في الطريق.
• قال - رحمه الله -:
ويحرم: استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان.
ذهب الحنابلة إلى أنه يحرم على المسلم الاستقبال والاستدبار للقبلة إلا في البنيان فيجوز الاستقبال والاستدبار فيه.
ومذهب الحنابلة هذا اختاره من المحققين - بهذا التفصيل - الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله -.
واستدل الحنابلة بحديث أبي أيوب الأنصاري - أنه قال إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا.
فهذا نص صريح.
وروي في الصحيح عن أبي هريرة بلفظ قريب من لفظ حديث أبي أيوب وفيه النهي عن استقبال القبلة في البول والغائط.
هذان الحديثان - حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة - يدلان على النهي.
يحتاج الحنابلة إلى حديث يدل على استثناء البنيان قالوا الدليل على استثناء البنيان حديث ابن عمر الصحيح قال رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبول وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
قالوا فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان في البنيان خاصة أن يستقبل أو أو يستدبر القبلة.
انتهى الآن مذهب الحنابلة وعرفنا دليلهم وعرفنا وجه استثناء البنيان.
(1/55)
________________________________________
القول الثاني: أن الاستدبار والاستقبال في البنيان وفي غير البنيان - في الفضاء - محرم وهذا معنى قول الفقهاء: محرمٌ مطلقاً.
وانتصر لهذا القول بقوة شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وانتصر له أيضاً عدد من المحققين ونسب إلى الجمهور.
دليلهم: أدلتهم الأحاديث - حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة - قالوا كل حديث يخالف هذه الاأحاديث فهو إما ضعيف أو يدخله الاحتمال ثم قرر ابن القيم قاعدة جيدة في الحقيقة وإن كانت قد لا تسلم في هذا الموضع ولكنها قاعدة ينبغي أن يعتني بها طالب العلم.
((أن الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة لا تعارض بالأحاديث المحتملة)).
فيقول ابن القيم عندنا أحاديث صحيحة صريحة قوية ثابتة وهي نص في المسألة في التحريم المطلق فلا نزول عنها إلى أحاديث محتملة أو أحاديث ضعيفة.
القول الثالث: أن الاستقبال والاستدبار يحرم مطلقاً إلا الاستدبار في البنيان.
وهذا القول اختاره القاضي أبي يوسف - صاحب أبي حنيفة - أخذاً بحديث ابن عمر بتقييده الخاص.
وفي الحقيقة هذه المسألة من المسائل المشكلة ولذلك كثرت فيها الأقوال وتشعبت واختلف فيها العلماء كما ترون اختلاف كثير.
وما في شك أن الأحوط اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والأقوى دليلاً اختيار القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقوله صحيح وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول مستدبر الكعبة دليل على الجواز في البنيان خاصة.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولبثه فوق حاجته.
يعني أنه يحرم على الإنسان أن يبقى فوق حاجته بعد انتهاء الحاجة لتعليلين:
الأول: أنه يحرم على الإنسان أن يكشف عورته بلا حاجة بالإجماع - حكي الإجماع عليه وهنا هو كاشف لعورته بلا حاجة.
الثاني: أن هذا البقاء بعد انتهاء الحاجة يضر بالإنسان.
إذاً ما ذكره المؤلف من أن لبث الإنسان فوق حاجته بعد انتهائه أنه محرم فحكم صحيح.
• ثم قال - رحمه الله -:
وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة.
يحرم البول في ثلاث أماكن:
الأول: الطريق.
والثاني: الظل.
والثالث: الشجرة التي لها ثمرة. ولو لم يكن لها ظل فمجرد وجود الثمرة يحرم قضاء الحاجة تحت الشجرة.
وعلم من كلام المؤلف أنه يجوز للإنسان أن يبول تحت شجرة ليس لها ظل ولا ثمرة.
(1/56)
________________________________________
وتقدم معنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتخذ هدف أو شجرة وعليه نجزم - والله أعلم - أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتخذ شجرة لا ظل لها ولا ثمرة كصغار الشجر التي تستر الإنسان بدون أن يكون لها ظل ولا ثمرة.
الدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم.
ومعنى اللعانين: يعني الأمرين الجالبين للعن.
فقوله - صلى الله عليه وسلم - اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم دليل على أنه محرم ودليل على مسألة أخرى وهي أنه من كبائر الذنوب لأن الكبيرة في عرف الفقهاء كل عمل رتب عليه الشارع وعيد خاص.
وهذا القول اختاره الذهبي وشيخ الإسلام وابن القيم وعدد من المحققين أن هذا هو حد الكبيرة - كل عمل ترتب عليه وعيد خاص -. واللعن من أشد أنواع الوعيد.
ويقاس على الطريق والظل النافع والشجرة المثمرة - كل مكان يتأذى المسلمون بقضاء الحاجة فيه ولو لم يكن طريق ولا ظل ولا شجرة لها ثمرة كالمكان الذي اعتاد الناس أن يجلسوا فيه.
فلو فرضنا أن هناك مكان اعتاد الناس أن يجلسوا فيه وليس ظلاً وليس تحت شجرة مثمرة وليس طريقاً أيضاً فقضاء الحاجة في هذا المكان يعتبر محرماً لأن العلة التي نهى الشارع من أجلها هي أن يتأذى المسلمون.
انتهى - رحمه الله - من تفصيل الآداب المستحبة أو المكروهة أو المحرمة وانتقل إلى موضوع آخر وهو أحكام الاستجمار.
• فقال - رحمه الله -:
ويستجمر بحجر ثم يستنجي بالماء.
المؤلف رحمه يريد أن يبين الطريقة الأمثل في الاستنجاء والتخلص من الأذى والحنابلة يرون أنها على ثلاث مراتب:
1. فأفضل الطرق في تنظيف النجاسة أن يبدأ الإنسان بالحجارة وينظف المحل ثم يتبع الحجارة الماء.
2. يليه في الأفضلية أن يستعمل الإنسان الماء وحده.
3. ثم يليه في الأفضلية أن يستعمل الحجارة وحدها.
فهذه ثلاث مراتب للاستنجاء والاستجمار أفضلها الجمع ثم الماء ثم الحجر.
استدل الحنابلة على هذا التفصيل بأمرين:
الأول: الإجماع. قالوا أجمع أهل العلم أن أفضل الطرق أن يبدأ بالحجارة ثم يتبعها الماء.
الثاني: استدلوا بحديث عائشة أنها قالت مرن أزواجكن أن يتبعن الحجارة الماء فإني استحييهم وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله.
الحنابلة يقولون بعد هذا الحديث - في كتبهم - رواه أحمد واحتج به.
(1/57)
________________________________________
لكني بحثت بحث طويل عن هذا اللفظ في السنن والمسانيد والمعاجم ومسند أحمد ومعجم الصحابة للإمام أحمد وغيرها من الكتب فلم أجد هذا اللفظ وإنما اللفظ الموجود في سنن النسائي والترمذي والبيهقي وغيرها مروا أزواجكن أن يستنجوا بالماء فلا يوجد ذكر للحجارة.
ففي الحقيقة لا أدري من أين أتى الحنابلو بقولهم رواه أحمد واحتج به بل ثبت أن الإمام أحمد احتج بهذا اللفظ فهذا فرع التصحيح وتصحيح الإمام أحمد من أعلى مراتب التصحيح لكن لم نجد هذا اللفظ مطلقاً في الكتب المصنفة والمسانيد مع ذكر الحنابلة له في كتبهم.
لكن مع ذلك هذا التفصيل يسنده ماذا؟ يسنده الإجماع.
ولكن الإنسان يتردد في قضية أخرى وهي هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخدم الحجارة والماء في وقت واحد أو كان يستخدم الحجارة مفردة والماء مفرد؟
فإنه ليس في النصوص الصحيحة ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستخدم الحجارة ثم يتبعها الماء بالطريقة التي يصفها الحنابلة.

لكن مع هذا البحث العلمي يبقى أن ما ذكره الحنابلة أفضل وصحيح.
أولاً: للإجماع.
ثانياً: لأن هذه الطريقة تحول بين الإنسان وبين مباشرة النجاسة لأن الإنسان إذا اكتفى بالماء فيباشر النجاسة بينما إذا استخدم الحجارة ثم أتبع الحجارة بالماء لن يمس النجاسة ومعلوم أن الشارع قطعاً من النصوص العامة والمتكاثرة يحب أن لا يمس الإنسان النجاسة إذاً لهذين الأمرين الإجماع وهذا التعليل نقول أن ما ذكره الحنابلة من التفصيل وهذه المراتب الثلاث تفصيل صحيح.
وبالإمكان أن نقول بالنسبة لوقتنا المعاصر مع تيسر أدوات التنظيف أن بإمكان الإنسان أن يستخدم اليوم الماء بدون أن يمس النجاسة فيحصل الاكتفاء بالماء مع عدم مس النجاسة.
وعدم مس النجاسة أمر يعتني به الشارع وفي مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عدة آثار عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها النهي عن مس النجاسة أثناء الاستنجاء إذا أمكن.
إذا عرفنا الآن الطرق التي يستخدمها المسلم في الاستجمار والاستنجاء.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويجزئه الإستجمار: إن لم يعْدُ الخارج موضع العادة.
(1/58)
________________________________________
يقصد العلماء رحمهم الله أنه يجزئ الإنسان أن يستخدم الحجارة حتى مع وجود الماء - يعني إذا كان الإنسان يستطيع أن يستنجي بالماء وتركه واستجمر بالحجارة أو بنحوها جاز ذلك حتى مع وجود الماء.
الدليل: أجماع الصحابة - والحمد لله فما دام في المسألة إجماع الصحابة فهي مسألة دليلها قوي جداً.
لكن قيد المؤلف - رحمه الله - هذا لجواز بقيد فقال: إن لم يعد الخارج موضع العادة.
يعني أنه يجوز للإنسان أن يكتفي بالاستجمار بالحجارة بدون الماء بشرط أن لا يتجاوز الخارج موضع العادة.
فإذا تغوط الإنسان ثم تعدى هذا الغائط موضع الحاجة المعتاد ووصل إلى الإليتين ففي هذا الحالة يقول الحنابلة لا يجوز للإنسان أن يستخدم الحجارة فقط بل يجب عليه هنا أن يستخدم الماء.
الدليل: تعليل: قالوا أن الاستجمار بالحجارة ونحوها إنما شرع لمشقة التكرار - وتعدي الخارج موضع الحاجة لا يتكرر فنرجع إلى الأصل وهو الماء هذا تعليل الحنابلة.
والقول الثاني: في هذه المسألة أنه يجوز للإنسان أن يستخدم الحجارة دائماً وفي كل الأحوال بلا استثناء لأن الشارع الحكيم لم يستثن حالاً دون حال وإنما النصوص عامة.
وهذا القول - الثاني - اختاره شيخ الإسلام - رحمه الله -.
وهو القول الراجح كما ترون لأنه اعتمد على عموم الدليل ولا يوجد مخصص.

• ثم قال - رحمه الله -:
ويشترط للإستجمار بأحجار ونحوها: أن يكون طاهراً منقياً، غير عظم وروث وطعام ومحترم ومتصل بحيوان ويشترط: ثلاث مسحات منقية فأكثر، ولو بحجر ذي شعب، ويسن قطعه على وتر.
ذكر المؤلف - رحمه الله - هنا شروط الاستجمار - ونذكر الشروط على سبيل الإجمال:
الشرط الأول: أن يكون الاستجمار بأحجار ونحوها. يعني بهذا الجنس.
الشرط الثاني: أن يكون طاهراً.
الشرط الثالث: أن يكون منقياً.
الشرط الرابع: غير محترم. ((إجمال لما ذكره في قوله العظم والروث)).
الشرط الخامس: أن لا يقل عن ثلاث مسحات.
الشرط السادس: أن يقطعه على وتر - على الراجح كما سيأتينا.
نرجع إلى بيان الشروط:
الشرط الأول: أن يكون بأحجار وهذا الشرط ستبينه الشروط التالية.
أولاً: أن يكون طاهراً: الدليل على هذا الشرط. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يقضي حاجته أمر الصحابي الجليل ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار.
(1/59)
________________________________________
فوجد حجرين ولم يجد الثالث فأتاه بروثة فأخذ النبي ‘ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس يعني رجس.
فهذا الدليل نص على أن لا يجوز للإنسان أن يستجمر بنجس وإنما يجب أن يستجمر بطاهر.
إذاً هذا الشرط صحيح.
الثاني: أن يكون منقياً التعليل: أن المقصود من الاستجمار الانقاء فإذا لم يحصل فإن لم يحصل المقصود.
الثالث: في قوله ’ تعالى ((غير عظم وروث)) يعني أنه لايجوز للإنسان أن يستجمر بهذين الشيئين العظام والروث.
الدليل أيضاً حديث ابن مسعود أن النبي ‘ قال لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنها زاد إخوانكم من الجن.
فهذا نهي صريح وهذا الحديث مفيد جداً لأن فيه الحكم والتعليل. فالحكم عدم الجواز والتعليل أنها زاد إخواننا من الجن.
فالروث زاد لدوابهم والعظام زاد لهم.
فإن استنجى بالروث والعظام فالحنابلة يرون أنه لا يجزئه فكأنه لم يستنج ولم يستجمر وهذا أيضاً مذهب الشافعية قالوا لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد.
والقول الثاني: أنه يجزئ مع الإثم لأن النهي عنهما لالأنهما لايطهران بل لأنمهما زاد لأخواننا من الجن.
فاستفدنا من التعليل الذي في حديث ابن مسعود حكم زائد وهو حكم ما إذى خالف الإنسان فاستجمر بالروث أو بالعظام.
• ثم قال ’:
وطعام ومحترم ومتصل بحيوان
لا يجوز للإنسان أن يستنجي بالطعام لماذا؟
لأنه إذا كان هي عن الاستنجاء بطعام الجن فطعام الإنس من باب أولى سواء كان الطعام لهم أو لدوابهم قياساً على طعام دواب الجن
((ومحترم)) يقصدون بالمحترم ككتب أهل العلم ويقصدون بالكتب هنا كما صرحوا بالتمثيل الكتب الشرعية ككتب الفقه والحديث ويقاس عليها كتب العلوم النافعة ولا يقاس عليها كتب العلوم الضارة.
= فإذا قيل لك هل يجوز للإنسان أن يستجني بكتاب فيه كيفية تعلم السحر؟
- الجواب: نعم يجوز لأنه كتاب غير محترم.
= لو قيل لك هل يجوز أن يستنجي الانسان بكتاب فيه تعليم الفيزياءوالكيمياء والرياضيات؟
- الجواب: لا يجوز لأنها علوم نافعة.
• قال ’:
ومتصل بحيوان.
المتصل بالحيون لا يجوز الاستنجاء به.
= ما معنى متصل بالحيوان؟
(1/60)
________________________________________
= يعني لو جلس الإنسان يقضي حاجته بجوار شاة فهل يجوز له إذا انتهى من قضاء الحاجة أن يأخذ طرف الشاة ويستجمر به؟
- الجواب: لا يجوز.
والتعليل: قالوا: إما أن يكون هذا الحيوان طاهر أو نجس فإن نجساً فإنه لا يطهر وإن كان طاهر فهو محترم والمحترم أخذنا قاعدة المحترم أنه لايجوز أن نستنجي ولا أن نستجمر به.
• قال ’:
ويشترط: ثلاث مسحات منقية فأكثر.
يعني أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يستجمر أن لايقل عن ثلاثة أحجار حتى ولو حصل الإنقاء بحجرين.
وهذا الحكم بالذات عامة العوام لا يعرفونه ولا يطبقونه.
= ما هو الحكم؟
- الحكم: أنه لا يجوز للإنسان أن يكتفي بحجر ولا بحجرين ولو حصل الإنقاء فلا بد أن يستعمل ثلاثة أحجار.
الدليل على هذا الحكم الذي لا تدركه العقول:
نقول أن هذا الحكم تعبدي لأنه من الممكن للإنسان أن يتطهر بحجرين.
والدليل أن سلمان - روى عن النبي أنه نهى أن يستجمر الإنسان بأقل من ثلاثة أحجار.
إذاً يجوز للإنسان أن يكتفي بثلاثة أحجار لكن بشرط ذكره المؤلف وهو أن تكون منقية فلا يجوز للإنسان أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار مطلقاً ويجوز له أن يقتصر على ثلاثة أحجار بشرط أن تكون منقية ولذلك يقول المؤلف ’:
منقية فأكثر.
= ما معنى فأكثر؟
- يعني: أنها إذا لم تنق الثلاثة فيجب أن يزيد إلى أن يحصل النقاء.
• ثم قال ’:
ولو بحجر ذي شعب.
المقصود ثلاث شعب فأكثر.
فإذا وجد الإنسان حجر كبير له ثلاث جهات وهذا معنى ثلاث شعب فيجوز له أن يكتفي به ولا يشترط أن يكون ثلاثة أحجار منفصلة ولكن المقصود ثلاث مسحات.
هذا مذهب الحنابلة واختاره من علماء الحنابلة المحققين الخرقي ’. نظراً للمعنى.
ومن الحنابلة من قال: يجب أن يستعمل ثلاثة أحجار منفصلة.
والمذهب هو الصواب - ما ذكره المؤلف واهتاره الخرقي هو الصواب بشرط أن يكون بحجر كبير له ثلاث جهات يمكن أن يمسح بكل جهة منها.
• قال ’:
ويسن قطعه على وتر.
يسن للإنسان أن يقطع الاستجمار بوتر فإذا مسح الإنسان خمس مسحات ثم أنقى المحل فهل يسن له أن يزيد؟
لا يسن له أن يزيد.
وإذا مسح أربع مسحات فهل يسن له أن يزيد؟
نعم يسن له أن يزيد واحدة.
لكن المؤلف ’ يقول أن هذا سنة.
(1/61)
________________________________________
الدليل قول النبي ‘ من استجمر فليوتر.
واللام للأمر لذلك الأقرب أن قطع الاستجمار على وتر فيما يظهر لي أنه واجب لقوله فليوتر وهذا أمر صريح.
هذا الحكم وعدم جواز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار حكمان يجهلهما كثير من العوام بالذات هذين الحكمين.
• ثم قال ’:
ويجب الإستنجاءُ: لكل خارج إلاّ الريح.
بين ’ أنه يجب على الإنسان أن يستنجي بالماء بعد قضاء الحاجة أو يستجمر لحديث عائشة إذا ذهب أحدكم لى الخلاء فليستطب بثلاثة أحجار واللام للوجوب.
لكن الحنابلة قيدوا هذا الوجوب بقيد هو: قوله في الروض إذا أراد الصلاة.
يعني أن الحنابلة يرون أنه يجب على الإنسان إذا قضى حاجته أن يستجمر أو أن يستنجي لكن إذا أراد الصلاة.
أما إذا لم يرد الصلاة فهو مخير فيستطيع أن لا يتنجي ولا يستجمر ثم إذا حضر وقت الصلاة وجب عليه أن يطهر بدنه وثوبه إن كان مس ثوبه شيء من النجاسة.
ولكن الأقرب إذا قضى حاجته يجب عليه مباشرة أن يستنجي أو أن يستجمر.
لماذا؟
لأن النصوص التي تقدمت معنا كحديث سلمان وحديث ابن مسعود وحديث عائشة كلها لم تقيد الأمر بإرادة الصلاة.
ثم الشارع الحكيم متشوف للطهارة وهذا من أهم أنواع الطهارة.
ثم هذا من الفروق الكبيرة بين دين الاسلام ودين النصارى فإنهم أناس لا يعتنون بالنظافة بينما الاسلام كما سيأتينا كثيراً - ما يدل على اعتناء الاسلام بالطهارة.
إذاً الصواب أنه يجب على الإنسان بعد قضاء الحاجة أن يستجمر أو يستنجي ولو لم يكن يرد الصلاة.
• ثم قال ’:
ولا يصح قبله: وضوء ولا تيمم.
يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يتيمم أو يتوضأ إلا بعد الاستنجاء والاستجمار أما لو قضى حاجته ثم توضأ ثم استنجى أو استجمر فإن الوضوء يكون باطل.
الدليل: قالوا: أن علي بن أبي طالب - أمر من يسأل النبي ‘ لأنه كان كثير الإمذاء فسأله عن هذه المسألة مسألة حكم المذي فأفتاه النبي ‘ بقوله اغسل ذكرك وتوضأ.
قالوا: فأمره النبي ‘ أولاً بالاستنجاء ثم بعد ذلك يتوضأ.
والقول الثاني:
أنه يجوز للإنسان أن يبدأ بالضوء ثم يستنجي أو يستجمر.
قالوا لأنه ثبت في الصحيح رواية لحديث علي أن النبي ‘ قال له توضأ وانضح فرجك.
فبدأ بالوضوء قبل الاستنجاء.
(1/62)
________________________________________
قالوا فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يتوضأ ثم بعد ذلك أن يستنجي أو يستجمر.
وهذا القول الثاني هو الصواب لأنه لا يوجد ارتباط بين الوضوء وإزالة النجاسة.
- انتبهوا لهذه القاعدة لتفهموا هذه القاعدة حتى تريحكم في كثير من الأشياء -
لو أن الإنسان على ظهره نجاسة أي نجاسة وقعت على ظهره فهل يجوز له أن يتوضأ ثم يغسل هذه النجاسة؟
نعم يجوز. بالإجماع إذا لم تكن النجاسة في أحد السبيلين فبالإجماع.
هذه المسألة تبين أنه لا يوجد ارتباط بين مسألة إزالة النجاسة ومسألة الوضوء.
نقول ولا يوجد فرق بين أن تكون النجاسة على أحد السبيلين وبين أن تكون في موضع آخر من البدن.
إذاً ما في شك أن الإنسان لو توضأ ثم استنجى أو استجمر فوضوءه صحيح لكن لا ينبغي له أبداً أنت يفعل لوجود الخلاف ولأن الإنسان ينبغي له أن يتطهر تطهراً كاملاً فيبدأ بإزالة الخبث ثم الوضوء وهو التحلي بالطهارة المعنوية.
(1/63)
________________________________________
((تابع الدرس الخامس))
لما أنهى المؤلف - رحمه الله - ما يتعلق بالاستنجاء والاستجمار وآداب التخلي انتقل إلى ما يأتي بعده عادة وهو السواك وسنن الوضوء لأن الإنسان يقضي حاجته ثم يستنجي أو يستجمر ثم يتوضأ وهذا الترتيب المنطقي هو الذي سار عليه المؤلف.

باب السواك وسنن الوضوء
السواك: من أعظم سنن الإسلام واعتنى به الشارع عناية خاصة كثيرة حتى أنه - صلى الله عليه وسلم - إستاك وهو يموت - وهو في النزع - من شدة عنايته ومحبته للسواك.
ولما رأى العلماء اهتمام الشارع واهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسواك جعلوا له بحثاً خاصاً بل إن كثيراًَ من أهل العلم أفرده بمؤلف.
- السواك هو: دلك الفم لإزالة التغير ونحوه.
• والمقصود الأول من الاستياك: التننظيف.
• والمقصود الثاني: إزالة الرائحة.
• والمقصود الثالث: إزالة التغير باللون.
• قال - رحمه الله -:
التسوك: بعود لين منق غير مضر لا يتفتت، لا بإصبعه وخرقة مسنون كل وقت، لغير صائم بعد الزوال
بدء المؤلف يبين أحكام السواك فبين:
أولاً: أنه مسنون لأنه قال: التسوك بعود لين ...... مسنون.
إذاً حكمه: أنه سنة.
• لحديث أبي هريرة - - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
• ولحديث عائشة - رضي الله عنها - - الصحيح أيضاً - (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب).
(1/64)
________________________________________
وحديث عائشة هذا مهم. ولماذا هو مهم؟
الجواب: لأن كثيراً من الأحكام التي يذكرها المؤلف تستنبط من هذا الحديث.
• يقول - رحمه الله -:
التسوك: بعود لين
يسن أن يكون العود ليناً ولا يكون يابساً.
= ما الدليل على أنه يكون ليناً؟
- قالوا: الدليل لأن العود اللين أنقى من العود اليابس.
= ما الدليل على أن العود الأنقى أحب إلى الله من العود الأقل نقاوة؟
- الجواب: حديث عائشة لأنها تقول مطهرة للفم فإذاً كل ما يكون فيه تطهير أشد فهو أكثر محبة للشارع.
• ثم قال - رحمه الله -:
لين منق.
= ما الدليل على أنه كلما كان العود منقياً فهو أفضل؟
- الجواب: أن المقصود هو الإنقاء بدليل حديث عائشة.
• ثم قال - رحمه الله -:
غير مضر.
هذا الحكم لا يرجع إلى حديث عائشة.
ويعني أنه: يكره للإنسان أن يستعمل عوداً مضراً وإن شئت أن تقول يستحب للإنسان أن يستعمل عوداً لا يضر.
ومن العلماء من قال: بل يحرم. أن استعمال العود المضر يحرم.
والصواب أنه بحسب المضرة:
- فإن كانت المضرة شديدة فهو: محرم.
- وإن كانت المضرة يسيرة فهو: مكروه.
والحنابلة عندهم قاعدة: وهي: أن كل عود له رائحة طيبة فهو مضر.
والظاهر أنهم أخذوا هذا الحكم من التجارب.
• ثم قال - رحمه الله -:
لا يتفتت.
ما العلة في كونه لا يتفتت؟ - من فهم الكلام السابق فيستطيع أن يذكر التعليل -.
الجواب أن العلة هي: أن التفتت يناقض الإنقاء من وجهين:
- الوجه الأول: أن الأجزاء المتفتتة ستبقى في الفم.
- والوجه الثاني: أن العود إذا تفتت لم ينق.
إذاً تستطيع أن تقول: تعليل مختصر: أن العود الذي يتفتت لا يستحب لأنه ينافي الغرض من التسوك.
• ثم قال - رحمه الله -:
لا بأصبع وخرقة.
الحنابلة يرون أن استخدام الإصبع أو الخرقة لا يحقق السنة.
= ما معنى أنه: لا يحقق السنة؟
- الجواب: أنه يعني: لو أن الإنسان استخدم إصبعه أو خرقة لا يؤجر الأجر المترتب على السواك لأنه لا يحقق السنة.
وقيل: بل يحقق السنة بحسب ما ينقي.
= وعلى هذا القول أيهما أفضل الأصبع أو الخرقة؟
- الجواب: الخرقة أفضل ولماذا؟: لأنها أنقى.
والقول الثالث: أنهما يحققان السنة عند عدم العود.
وهذا القول اختاره المرداوي في كتابه - الحافل المفيد لطالب العلم - الإنصاف.
(1/65)
________________________________________
= فكم قول في هذه المسألة؟ - ثلاثة أقوال.
وهذا يدل على عناية أهل العلم بمسائل السواك.
والصواب ما اختاره المرداوي - رحمه الله -: أنهما يحققان السنة بشرط عدم وجود العود لأن الأصل في السواك العود.
• ثم قال - رحمه الله -:
مسنون كل وقت.
يعني أنه يسن للمسلم في جميع الأوقات أن يستاك.
والدليل واضح جداً من الأحاديث السابقة - حديث أبي هريرة وحديث عائشة - رضي الله عنها - فهي تدل على أن السواك سنة في كل وقت.
• ثم قال - رحمه الله -:
لغير صائم بعد الزوال.
يعني أنه يسن أن يستاك الإنسان في جميع الأوقات:
o إلا في وقت واحد وهو: بعد الزوال.
o لشخص واحد وهو: الصائم.
فالصائم إذا زالت الشمس - أي دخل وقت الظهر - فيكره له أن يستاك.
فا نقلب الحكم من غاية ما يحبه الشارع إلى أن يكون مكروهاً - عند الحنابلة.
- الدليل:
- قالوا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).
فقالوا: إن والاستياك في هذا الوقت يذهب هذه الرائحة المحبوبة للشارع ولذا فهو مكروه.
والقول الثاني: أن الاستياك مستحب في جميع الأوقات لعموم الأدلة.
والجواب عن هذا الحديث من وجهين:
- الأول: أن هذه الرائحة تخرج من المعدة وليست تخرج من الفم.
- الثاني: أن مثل هذا الأمر والذي اعتنى به الشارع عناية خاصة لا يجوز أن نخصصه بدليل عام بل لابد من دليل خاص.
• ثم قال - رحمه الله -:
متأكد: عند: صلاة وانتباه وتغير فم
بين المؤلف - رحمه الله - بماذا نستاك؟ ثم بين متى نستاك؟ ثم بين متى يكره أن نستاك؟ ثم ختم بمسألة الأوقات المستحبة - بشكل خاص للشارع ليستاك المسلم فيها.
فقال: متأكد عند صلاة.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
فلا شك أن هذا تخصيص من الشارع بوقت الصلاة.
• ثم قال - رحمه الله -:
وانتباه: يعني من نوم.
فيستحب للإنسان إذا انتبه من النوم أن يستاك لحديث حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا استيقظ من النوم يشوص فاه بالسواك).
ومعنى قوله يشوص يعني يدلك ويغسل.
فإذاً يستحب للإنسان - بشكل خاص - إذا استيقظ من النوم أن يستاك.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتغير فم.
إذا تغيرت رائحة الفم فحينئذ يتأكد السواك.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (مطهرة للفم). وتطهير الفم يتأكد عند التغير.
(1/66)
________________________________________
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى موضوع جديد وهو كيفية الاستياك فقسم لنا - رحمه الله - أحكام السواك تقسيماً مبسطاً وجيداً.
• فقال - رحمه الله -:
ويستاك عرضاً مبتدئاً بجانب فمه الأيمن.
يستاك عرضاً: وذلك بأن يمرر السواك من ثناياه إلى أضراسه.
وإذا أردت أن تفهم العرض افهم الطول فالطول هو أن يبدأ من أصول - منابت - الأسنان إلى أسفلها.
إذاً العرض: من الثنايا إلى آخر الفم ذهاباً وعوداً.
فيقول - رحمه الله - أن هذا مستحب بأن يستاك عرضاً لا طولاً.
= ما الدليل؟
- قالوا أنه روي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا استكتم فا ستاكوا عرضاً) وهذا الحديث مرسل.
ومن المعلوم أن المرسل من أنواع الحديث الضعيف فالحديث ضعيف.
والتعليل: أن هذا أنقى وأبعد عن الأذى.
فالفقهاء يرون أننا نستخدم المسواك بعكس ما يقول الأطباء في استخدام الفرشاة.
وفي الحقيقة ينبغي أن يرجع في كيفية الاستياك إلى الأطباء إذا كان حقيقة أن استخدام العود عرضاً أنفع وأقل ضرراً على اللثة أخذنا به وإذا كان الإستخدام الذي يرشدون إليه في الفرشاة أنفع أخذنا به.
ويمكن أن يقال أنه يخنلف العود عن الفرشاة فيمكن أن يكون لكل واحد منهما طريقة تخصه.
• ثم قال - رحمه الله -:
مبتدأً بجانب فمه الأيمن.
هذا القول يبين مدى دقة الفقهاء رحمهم الله فإذا أردت أن تستاك وقبل أن تبدأ فأين تضع المسواك؟ فيرشدون - رحمهم الله - أنك تضعه في جانب الفم الأيمن.
= ما الدليل؟
- حديث عائشة كان يعجبة التيمن في شأنه كله - وهذا من شأنه.
ثم نحن أخذنا قاعدة: أنه إذا أراد الإنسان أن يُنَظِّفْ فَالمُنَظَّفْ يبدأ به من اليمين ويستخدم في التنظيف الشمال.
(((هنالك مسألتين سبق الكلام عليهما في باب المياه نريد أن ننبه عليهما:
المسألة الأولى:
إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة:
الحكم: أنه إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة ولم يعلم عدد النجسة فإنه يصلي بعدد الثياب بلا زيادة.
ولعلي ذكرت أنه بزيادة صلاة واحدة - أظن أني ذكرت هذا - وهذا ليس بصحيح إنما يصلي بعدد الثياب فقط.
يعني أنه إذا كان عنده عشرة ثياب فيها ثياب نجسة لا يعرف عددها فبكم يصلي؟
يصلي بعدد العشرة الثياب.
وإنما يصلي بعدد النجس ويزيد إذا كان عدد الثياب النجسة معلوماً.
(1/67)
________________________________________
المسألة الثانية:
في أقسام المياه ذكر المؤلف قسم الطهور المكروه وذكر أنه إذا اختلط بممازج وذكر قطع الكافور والدهن والملح المائي:
ففهم بعض الإخوة أن الملح المائي لا يمازج. ونقول الصواب أن الملح المائي يمازج ولكن لماذا يبقى طهور؟
لأن أصله الماء وقد ذكرت أن هذا هو العلة لكن عدداً من إخواننا اشتبه عليهم الأمر.
المسألة الثالثة:
أن المؤلف - رحمه الله - ذكر القسم الثالث فقال: والنجَس. بفتح الجيم. والذي في القاموس بالكسر النجِس.
(((انقطع التسجيل))).
((انتهى الدرس الخامس))
(1/68)
________________________________________
• يقول - رحمه الله -:
ويدهن غِبَّاً.
يعني أنه يسن للإنسان أن يدهن غِبَّاً يعني: يدهن يوماً ويترك يوماً.
والدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الترجل إلا غِبَّاً.
= فإذا قيل ما هي العلاقة بين الترجل والإدهان الذي ذكره المؤلف؟
- فالجواب: أن الترجل هو تسريح الشعر مع دهنه.
أما التمشيط بلا دهن فليس بترجل.
وهذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الترجل إلا غِبَّاً. حديث قابل للتحسين.
فمن السنن عند الحنابلة أن يدهن غِبَّاً. فجمعوا بين وجود الإدهان وأن لا يكثر، فلا إفراط ولا تفريط يدهن ولكن لا يكثر.
• قال - رحمه الله -:
ويكتحل وتراً.
من السنن عند الحنابلة أن يكتحل الإنسان وأن يكون هذا الاكتحال وتراً.
الدليل: - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من اكتحل فليوتر.
وهذا الحديث أيضاً قابل للتحسين بمجموع طرقه.
= وهنا مسألة: هل الإيتار يكون بالنسبة لمجموع العينين؟ أم يكون بالنسبة لكل عين على حدة؟.
- إذا كان لمجموع العينين: فهذا يعني أن يكتحل مثلاً: ثلاث مرات في اليمنى ومرتين في اليسرى فيكون المجموع خمساً. فهذا إيتار بالنسبة لمجموع العينين.
- والإيتار بالنسبة لكل عين أن يكتحل في كل عين ثلاث مرات.
الذي ذهب إليه الإمام أحمد - رحمه الله - ورجحه وعمل به القول الأول: أن الإيتار إنما هو لمجموع العينين
وما مال إليه الإمام أحمد هو الصحيح لأن في الباب أحاديث وآثار تدل عليه وإن كانت الأحاديث ضعيفه ولكن من طريقة الإمام أحمد أنه إذا لم يكن في الباب إلا حديثاً ضعيفاً أخذ به.
إذاً عرفنا حكم الاكتحال وتراً وكيفية هذا الإيتار.
(1/69)
________________________________________
الباب معقود لسنن الوضوء ومع ذلك يقول تجب التسمية ولا إشكال في هذا لأنه أراد أن يبين السنن جملة وينص على ما يراه هو واجباً وإن كان غيره يراه سنة.
• قال - رحمه الله -:
وتجب التسمية: في الوضوء مع الذكر.
فالحنابلة يرون أن التسمية في الوضوء واجبة فإن تركها عمداً بطل الوضوء ويستدلون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه).
هذا الحديث بالنسبة للمتأخرين محل بحث طويل فكُتِبَتْ فيه بحوث طويلة ورسائل مفردة وغرض الكاتبين إثبات صحة هذا الحديث.
فلا يخلوا أي طريق من طرق هذا الحديث من ضعف ولكنهم يصححونه بمجموع الطرق.
فإذاً عرفنا الآن:
- أن: مذهب المتأخرين من المحدثين تصحيح هذا الحديث بمجموع طرقه.
- وذهب الإمام أحمد وأبو حاتم إلا أنه لا يصح في هذا الباب حديث.
وما ذهب إليه الإمامان هو الصواب عندي بلا إشكال وبدون تردد لسببين:
• السبب الأول: أن طرق هذا الحديث ضعيفة وفي بعضها ضعف شديد.
• السبب الثاني: أن كل علم تحتاج إليه الأمة لا سيما في ركن من أركان الإسلام كالصلاة ولا سيما في أهم واجباتها وهو الضوء فلا بد أن يأتي بطرق قوية ثابتة لا يتردد فيها النقاد وهذا الأم غير متوفر في أحاديث البسملة.
ثم الذين نقلوا إلينا وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو عشرة من الصحابة أو أكثر ذكرهم ابن الأثير في جامع الأصول لم يذكر أحد منهم في الأحاديث الصحيحة البسملة مما يدل لم تكن موجودة أي أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يبسمل.
إذاً النتيجة أن هذا الحديث ضعيف وإذا كان ضعيفاً فالصواب في هذه المسألة هو القول الثاني:
وهو أن البسملة سنة.
بل من العلماء من قال إن البسملة غير مشروعة قالوا: لا يشترط لكل عبادة أن نبدأها ببسم الله فمثلاً:
الآذان من أعظم العبادات لا يبدأ فيه ببسم الله.
ولعل القول الوسط أن البسملة سنة - فيكون أقرب الأقوال - وإن كان القول بعدم مشروعية البسملة قول قوي.
• قوله - رحمه الله -:
ويجب الختان ما لم يخف على نفسه.
الختان:
• بالنسبة للذكر: هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة.
• وبالنسبة للأنثى: هو قطعالجلدة أعلى الفرج وذكر الفقهاء أنها تشبه عرف الديك.
(1/70)
________________________________________
فالحنابلة - كما ترون - يرون وجوب الختان للذكر وللأنثى ويستدلون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ألق عنك شعر الكفر واختتن).
فأمر من دخل بالإسلام أن يختتن وهذا الحديث حديث ضعيف.
والقول الثاني في مسألة الأختتان: أنه سنة.
وهذا مذهب الحسن البصري واشتهر بهذا القول واستدل بأن عدداً كبيراً من الناس أسلم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر أنهم أمروا بالإختتان.
والقول الثالث: أنه واجب بالنسبة للرجل سنة بالنسبة للأنثى.
- وجه هذا القول:
• أن الإختتان بالنسبة للذكر يتعلق بكمال الطهارة وتمامها لأنه إذا لم يقطع هذه الجلدة التي تغطي الحشفة تجمع تحتها بقايا البول فلم تحصل الطهارة على الوجه المطلوب.
• ووجه الوجوب هذا بالنسبة للذكر لا يوجد بالنسبة للأنثى فإن الختان بالنسبة إليها أمر كمالي تحسيني.
وهذا القول يشعر به كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه يقول في الاختيارات ويجب الختان إذا وجبت الصلاة - فربط الختان بالصلاة.
إذاً صارت الأقوال ثلاثة وهذه الثلاثة الأقوال هي أيضاً روايات عن الإمام أحمد فعنه في هذه المسألة ثلاث روايات.
والقول بالوجوب على الذكر دون الأنثى اختيار ابن قدامة - رحمه الله -.
إذا قيل لك متى تكثر الروايات عن الإمام أحمد فالجواب أن تقول تكثر الروايات عن الإمام أحمد في كل مسألة تعارضت فيها الأدلة الصحيحة أو لم يوجد فيها أدلة فإذا لم يجد الإمام أحمد نصوصاً واضحةً تجد أنه مع ورعه يكون له في المسألة أكثر من قول يعني أكثر من رواية.
فعرفنا بالتفصيل القول في مسألة الختان بالنسبة للحنابلة وغيرهم.
• قوله - رحمه الله -:
ويكره القزع.
يكره القزع عند الحنابلة لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن القزع).
وروى هذا الحديث عن ابن عمر نافع وذكر البخاري ومسلم في الصحيحين تفسير نافع للقزع حيث قال: أن القزع هو: حلق بعض الرأس وترك بعضه.
إذاً هذا التفسير المشهور هو تفسير لنافع وهو أيضاً في الصحيحين.
= فما حكم القزع؟
- مكروه عند الحنابلة.
= فإن قيل: أن الأصل في النهي التحريم فما وجه أن يكون مكروهاً؟
(1/71)
________________________________________
- فالجواب: أني لم أجد قائلاً من الفقهاء المتقدمين بالتحريم - حسب اطلاعي فإذا كان أحد وجد من السلف أو ممن جاء بعدهم قال بالتحريم فنقول إن التحريم متوافق مع النص لأن الأصل في النهي التحريم.
وقد يكون بعض العلماء الأجلاء المعاصرين قالوا بالتحريم ولكن حسب بحثي لم أجد قائلاً بالتحريم.
ومن سنن الوضوء: السواك، وغسل الكفين ثلاثاً ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء، والبداءَة بمضمضة ثم استنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم، وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع، والتيامن، وأخذ ماء جديد للأُذنين، والغسلة الثانية والثالثة.
لما انتهى المؤلف من السنن العامة: السواك وما يتعلق به والاكتحال والاختتان انتقل إلى سنن الوضوء لأن الباب معقود للسواك وسنن الوضوء.
• قال - رحمه الله -:
ومن سنن الوضوء: السواك
بدأ به لأنه من أهم سنن الوضوء والدليل على سنيته حديث أبي هريرة السابق - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) - بدل عند كل صلاة.
الحديث الذي في الصحيح فيه الصلاة وفي الرواية التي خارج الصحيح الوضوء.
= وعليه أيهما أصح وأثبت؟ رواية عند الصلاة أو رواية عند الوضوء؟
- الجواب: عند الصلاة. ومع ذلك فهو سنة عند الوضوء.
• ثم قال - رحمه الله -:
وغسل الكفين ثلاثاً.
يعني أنه يسن لمن أراد أن يتوضأ أن يغسل كفيه ثلاثاً قبل أن يبدأ بالوضوء.
وما أكثر الذين يتركون هذه السنة أما من جهة العوام فغالبهم يترك هذه السنة وأيضاً الخواص - وهم طلاب العلم وأهله - قد ينسى بعضهم هذه السنة.
والدليل على ثبوت هذه السنة:
1 - حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. ... 2 - وحديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -.
ففي كل منهما أنه - رحمه الله -: - بدأ بغسل يديه ثلاثاً قبل أن يشرع في الوضوء - فهي سنة ثابتة.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء.
هذه المسألة من مفردات الحنابلة.
وهو أنه يجب على الإنسان إذا قام من النوم قبل أن يدخل يديه في الإناء أن يغسلهما ثلاثاً.
والدليل تقدم معنا: وهو قو النبي - صلى الله عليه وسلم - (إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يغمس يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً).
- الجمهور يرون أن هذا الغسل: سنة.
- والحنابلة يرون أن هذا الغسل: واجب.
= فأي القولين أحظُّ بالدليل؟
(1/72)
________________________________________
- الجواب: قول الحنابلة. لأن الأصل في الأمر الوجوب.
المؤلف ’ يقول: ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء.
= فهل يجب عليه أن يغسل يديه إذا أراد أن يتوضأ أو إذا أراد أن يدخلهما في الإناء؟
- الجواب: إذا أراد أن يدخلهما في الإناء - يعني: ولو لم يرد الوضوء.
= إذاً إذا استيقظ الإنسان من النوم وأراد أن يتوضأ ولم يحتج أن يدخل يديه في الإناء فهل يجب عليه أن يغسل ثلاثاً؟ ... - لا. لا يجب.
إذاً لا يوجد ارتباط بين غسل الكفين ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء بعد النوم وبين غسل الكفين ثلاثاً في الوضوء.
الخلاصة: يجب على الإنسان إذا استيقظ من النوم وأراد أن يغمس يديه في الإناء أن يغسلهما ثلاثاً ولو لم يرد الضوء لا كما يتصور كثير من الناس أن هذا الوجوب إنما هو إذا أراد الوضوء.
• ثم قال ’:
والبداءَة بمضمضة ثم استنشاق.
البداءة بالمضمضة والاستنشاق سنة والدليل أيضاً حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد حيث بدأ النبي ‘ بالمضمضمة.
وفهم من كلام المؤلف ’: أنه يجوز للإنسان أن يبدأ بغسل الوجه قبل المضمضمة والاستنشاق أليس كذلك؟ بلى.
لأن البدأ بالمضمضة والاستنشاق سنة. إذاً يجوز للإنسان أن يغسل وجهه ثم يتمضمض ويستنشق فتقديم المضمضة والاستنشاق سنة فقط.
• ثم قال ’:
والمبالغة فيهما لغير صائم.
نحتاج في موضوع المبالغة إلى الكلام في عدة عناصر:
أولاً: ما هي المبالغة؟
ثانياً: وما هو الدليل؟
ثالثاً: ولماذا نستثني الصائم؟
نقول أولاً: المبالغة هي:
• في المضمضة هي إدارة الماء في جميع الفم.
• والمبالغة في الاستنشاق هي جذب الماء إلى أقصى الأنف.
• والمبالغة في ما عداهما - يعني في باقي أعضاء الوضوء - دلك ما ينبو عنه الماء.
= لو سألنا سؤالاً: بعد أن عرفنا ما هي المبالغة بالنسبة للمضمضة فما هي المضمضة التي لم تؤدى على وجه المبالغة؟
- الجواب: أن لا يدار الماء في جميع الفم - بأن يدير الماء في بعض الفم فهذه مضمضة ولكن ليست على سبيل المبالغة.
أما الدليل: فهو حديث لقيط بن صبرة - أن النبي ‘ قال أسبغ الوضوء وخلل الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما.
= فإن قيل: الحديث فيه المبالغة في الاستنشاق فما هو دليل المضمضة؟
(1/73)
________________________________________
- فالجواب: الدليل الأول: أن نقول أن المضمضة داخلة في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - (أسبغ الوضوء).
والدليل الثاني: القياس: نقيس الضمضة على الاستنشاق. وهو قياس صحيح.
وأما استثناء الصائم: فهو من النص فإنه قال: (إلا أن تكون صائماً).
وفي هذا الحديث أيضاً دليل على أنه ينبغي للمسلم أن يحتاط لأن الإنسان إذا بالغ في الاستنشاق فدخول الماء إلى الحلق أمر محتمل ومع ذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه احتياطاً.
= إذاً ما حكم المبالغة للصائم؟
- الجواب: مكروهة. وليست محرمة. والكراهة دليل الاحتياط كما تقدم.
• ثم قال - رحمه الله -.
وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع.
تخليل اللحية سنة. بدليل حديث عثمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لما توضأ خلل لحيته).
والكلام الذي قلناه في حديث البسملة في الوضوء ينطبق تماماً على التخليل لأنه لا يوجد حديث صحيح أبداً يدل على التخليل.
وممن ضعف جميع الأحديث التي فيها التخليل الإمام أحمد ولكن مع ذلك المعاصرون يصححون أحاديث التخليل بمجموع الطرق.
والبحث الذي ذكرناه في مسألة البسملة عند الوضوء ينطبق تماماً على مسألة التخليل لأن الأحاديث الصحيحة المتكاثرة ليس فيها ذكر التخليل بل حديث عثمان بل حديث عثمان في الصحيح ليس فيه التخليل لكن في رواية خارج الصحيح فيه التخليل لكن عرفنا الآن أن التخليل لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن مع ذلك الإمام أحمد يرى أنه سنة لأنه ثابت عن بعض الصحابة.
قال: وتخليل الأصابع:
يسن تخليل الأصابع أيضاً لحديث لقيط السابق.
وتخليل الأصابع سنة إذا ظن الإنسان أن الماء وصل إلى ما بين الأصابع. لكن إذا ظن أن الماء لم يصل إلى ما بين الأصابع فإن التخليل حينئذ يكون واجباً لا سنة.
فبعض الناس تكون أصابعه ملتصقة جداً - لأي سبب: فقد يكون لسبب طبيعة عمل الإنسان وصناعته أو بسبب طبيعة خلقته وغيره من الأسباب - فإنه إن ظن عدم وصول الماء فالتخليل في حقة في هذه الحالة واجب.
لكن الأصل في التخليل أنه سنة.
• ثم قال - رحمه الله -:
والتيامن.
التيامن أدلته كثيرة:
• أحاديث الضوء كلها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ باليمين.
• وفي حديث الاغتسال - في رواية صحيحة - أنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ بشقه الأيمن.
• وتقدم معنا أن قاعدة الشرع تقديم اليمين في التكريم.
• قال - رحمه الله -:
وأخذ ماء جديد للأُذنين.
(1/74)
________________________________________
وهذا أيضاً سنة عند الحنابلة والدليل:
أنه في حديث عبد الله بن زيد - في رواية خارج الصحيح أنه - رحمه الله - (أخذ ماء جديداً لأذنيه).
وهذه الرواية شاذة والشاذ من أقسام الحديث الضعيف ولذلك الرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يسن أن يأخذ الإنسان ماءً جديداً لأذنيه.
واختار هذه الرواية الشيخ وجده وتلميذه واختارها صاحب الفائق - وهو ابن قاضي الجبل.
فاختار هذه الرواية عدد من المحققين.
ونقصد بالشيخ: شيخ الاسلام ابن تيمية: وبجده: نقصد المجد صاحب المنتقى ونقصد بتلميذه: ابن قيم الجوزية.
فكل هؤلاء اختاروا أن هذا لا يسن لأن الأحاديث الصحيحة ليس فيها أخذ ماء جديد للأذنين.
• ثم قال - رحمه الله -:
والغسلة الثانية والثالثة.
يسن للمتوضيء أن يغسل ثانية وثالثة في وضوئه.
وظاهر كلام المؤلف أن الغسلة الثانية والثالثة سنة دائماً - أي يسن للإنسان في كل وضوء أن يغسل ثانية أو ثالثة.
والصواب الذي رجحه ابن القيم - رحمه الله - تعالى أن السنة أن يتوضأ الإنسان أحياناً مرةً مرة وأحياناً مرتين مرتين وأحياناً ثلاثاً وأحياناً ثلاثاًَ ومرتين وواحدة.
فصارت الصفات أربعة.
إذاً فليست السنة المداومة على الغسلة الثانية والثالثة ولكن السنة هي هذا التفاوت كما جاءت الأحاديث بذلك.
ويسن إذا أراد الإنسان أن يفاوت - بأن يغسل بعض الأعضاء مرة وبعضها أكثر - يسن له أن يجعل للوجه ثلاثاً ولليدين مرتين وللرجلين مرة لأن هذا الذي جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولكن لو أراد أن يجعل للوجه مرتين ولليدين ثلاثاً وللرجلين مرتين - فيوفاوت بأي طريقة فإن هذا أيضاً سنة لأن السنة هي المفاوتة بحد ذاتها.
وبهذا انتهى الكلام عن سنن الوضوء وسنن الفطرة ((لعلها السواك)) ثم انتقل - رحمه الله - إلى فرائض الوضوء وصفته.

باب فروض الوضوء وصفته
في هذا الباب سيذكر المؤلف الفروض ولن يتطرق للتفصيلات الأخرى ككيفية الوضوء الكامل وحدود أعضاء الوضوء وأشياء أخرى إنما سيبين فقط الفروض ثم بعد ذلك ينتقل إلى التفصيلات الأخرى.
• قال - رحمه الله -:
باب فروض.
الفرض في لغة العرب هو: التأثير في الشيء سواء كان بقطع أو بحز أو بأي شيء آخر.
الأصل أن الفرض في اللغة هو التأثير في الشيء لا كما يقول البعض بأن الفرض هو القطع فهذا من معانيه في اللغة.
(1/75)
________________________________________
إنما المعنى الأصلي له هو التأثير في الشيء.
هذا الفرض في لغة العرب وهو تفسير ابن فارس وهو من أكبر أئمة اللغة.
أما في الشرع: فالفرض ما أثيب فاعله وعوقب تاركه.
وهو أيضاً - وهذا مهم كقاعدة -: ما لا يسقط سهواً ولا جهلاً. - في هذا الباب هذا التعريف مهم حتى نفرق بين الفروض والشروط والمستحبات والسنن.
• قوله - رحمه الله -:
الوضوء.
الوضوء في اللغة: مأخوذ من الوضاءة وهي الجمال والنظافة.
وفي الشرع: استعمال الماء الطهور في غسل أعضاء مخصوصة بطريقة مخصوصة.
لأن غسل هذه الأعضاء يجب أن يكون بطريقة معينة.
• قال رحمه الله:
فروضه ستة.
حصر لنا - رحمه الله - الفروض وهذا من مميزات التأليف وهو الحصر.
• قال - رحمه الله -:
غسل الوجه.
غسل الوجه لا إشكال في فرضيته فهو واجب بالنص والإجماع.
أما النص: ففي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ) المائدة/6.
وأما الإجماع: فلم يخالف أحد من أهل العلم مطلقاً - ولله الحمد.
• ثم قال - رحمه الله -:
والفم والأنف منه.
يعني أن الفم والأنف من الوجه ويقصد بهذه العبارة وجوب المضمضة والاستنشاق.
الحنابلة يرون أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء والغسل - سيأتينا في باب الغسل.
ويستدلون بأحاديث صحيحة وبعضها حسن.
- فالدليل على الاستنشاق حديث أبي هريرة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر)
- وفي هذا الحديث بالإضافة إلى وجوب الاستنشاق وجوب الانتثار وهو: إخراج الماء بعد جذبه من الأنف.
- والدليل على المضمضة قالوا: أنه في حديث لقيط بن صبرة - السابق - في رواية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا توضأت فمضمض).وهذا اللفظ صححه الحافظ ابن حجر في الفتح.
ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحفظ عنه في حديث صحيح مطلقاً أنه ترك المضمضة أو الاستنشاق، ومع هذه الأدلة فإن القول بالوجوب من مفردات المذهب فقد ذهب الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك والشافعي - إلى أن المضمضة والاستنشاق سنة.
وفي حكم المضمضة والاستنشاق عن الإمام أحمد سبع روايات.
= لماذا تكثر الروايات عن الإمام أحمد؟
- الجواب:
1. إما لتعارض الأدلة الصحيحة.
2. أو لعدم ورود دليل.
(1/76)
________________________________________
3. وأحياناً: لاختلاف الصحابة è - مثلاً: تارة يأخذ ’ بفتوى ابن عباس وتارة يأخذ بفتوى ابن مسعود.
وهذه المسائل مهمة ومن مهام الإسلام فإن الوضوء أمر اعتنى به الشارع غاية الاعتناء.
الأقرب والله أعلم الوجوب: لأن الأحاديث فيها الأمر ثم لم يحفظ عنه ‘ أبداً أنه ترك المضمضة والاستنشاق.
• ثم قال ’:
وغسل اليدين.
غسل اليدين من فرائض الوضوء وأيضاً غسل اليدين ثابت بالنص والإجماع. فلا إشكال فيه.
لكن الإشكال في مسألة أخرى وهي:
أن الله تعالى قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) <المائدة - 6>. وغسل اليدين عند الفقهاء يريدون مع المرفقين والإشكال أن إلى في لغة العرب تدل على: انتهاء الغاية.
ومعنى انتهاء الغاية: عدم دخول ما بعدها فيما قبلها.
والله تعالى يقول وأيديكم إلى المرافق فإذا أخذنا بهذه القاعدة اللغوية فهل تدخل المرافق أو لا تدخل؟
الجواب: الإشكال أنها داخلة عند الفقهاء فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟
أجابوا بعدة أجوبة - ونحن سنترك الأجوبة الضعيفة - كقولهم أن إلى بمعنى مع. وكقولهم: أنه يختلف باختلاف الجنس الذي بعد إلى - ولا نريد الاستطراد في هذا الجانب نشير فقط إلى أن هذه الأجوبة ضعيفة.
إذاً ما هو الجواب الصحيح؟
الجواب الصحيح أن الذي دلَّ على دخول ما بعد إلى في ما قبلها في الآية السنة فقط فلولا السنة لم تدخل.
ما هي السنة؟
السنة: أنه ثبت في صحيح مسلم أن الصحابي الجليل أبا هريرة توضأ فأشرع في العضد ثم قال: (رأيت رسول الله ‘ يفعله).
والدليل الثاني: الإجماع. فإنه لا يحفظ عن أحد من أهل العلة أنه قال بعدم وجوب غسل المرفقين.
إذاً الآن اتضحت مسألة إلى المرافق - فيجب أن تفهم هذه المسألة لأن ما قيل فيها سيتكرر معنا عند الحديث على قوله إلى الكعبين.
• ثم قال ’:
ومسح الرأس ومنه الأُذنان.
مسح الرأس أيضاً فريضة بإجماع أهل العلم لكن الخلاف وقع في القدر المجزئ في المسح.
فذهب الحنابلة والمالكية: إلى أنه يجب تعميم الرأس في المسح. بدليل أن الآية فيها ... (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) المائدة - 6. والباء هنا: للإلصاق. ومعنى الإلصاق: استيعاب الرأس مسحاً.
(1/77)
________________________________________
قالوا: ومن قال أن الباء للتبعيض فقد وهم وليس في اللغة العربية أن الباء تجيء للتبعيض.
وأيضاً من السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح على جميع رأسه فلم يحفظ عنه في حديث واحد المسح على بعض الرأس.
القول الثاني: أنه يجزئ مسح بعض الرأس وهذا مذهب الشافعية والحنفية.
واختلف أصحاب القول الثاني اختلافاً طويلاً في القدر الواجب أن يمسح:
• فبعضهم قال الربع.
• وبعضهم قال الثلث.
• وبعضهم قال شعرتين .... الخ ..
ونحن أخذنا قاعدة: أن اضطراب القول دليل على ضعفه.
وأضف أيضاً قاعدة: وجود تفاصيل كثيرة في القول بلا أدلة فإنه دليل على ضعفه.
الصواب هو مذهب الحنابلة وهو أن نمسح جميع الرأس.
• ثم قال - رحمه الله -:
ومنه الأذنان.
يعني أنه يجب أن نمسح الأذنين إذا مسحنا الرأس وأن مسح الأذنين فرض - لأنه يقول: منه.
وهذه المسألة أيضاً من مفردات مذهب الحنابلة.
استدلوا على الوجوب بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (الأذنان من الرأس) والمتأخرون من المحدثين يصححون هذا الحديث بطرقه والصواب أنه موقوف.
واستدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - داوم على المسح على الأذنين.
والرواية الثانية: في هذه المسألة أن مسح الأذنين سنة.
والإمام أحمد - رحمه الله - كأنه استقر قوله على السنية.
وهذا أيضاً اختيار الخلال - رحمه الله - - وهو من أصحاب الإمام أحمد وهو عالم كبير وأيضاً اختيار شيخ الاسلام.
أيضاً الإمام أحمد أكثر ما روي عنه أن مسح الأذنين سنة وهو اختيار الخلال ومن بعده شيخ الاسلام.
قالوا: أن الدليل هو: عدم وجود ما يدل على الوجوب وأن الأصل براءة الذمة.
والراجح في مسألة هل مسح الأذنين سنة أم واجب؟: - - في الحقيقة أنا متوقف في الترجيح في هذه المسألة لأنه لا يوجد أحاديث لكن صح عن الصحابة لكن لا شك أن الأحوط أن لايدع الإنسان مسح الأذنين.
• ثم قال - رحمه الله -:
وغسل الرجلين.
غسل الرجلين ثابت بالنص والإجماع. لأن الله يقول: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ. فعلى قراءة النصب فلا إشكال وهي قراءة سبعية.
ولكن الإشكال في قوله إلى والبحث السابق يأتي معنا هنا: أن إلى لها معنى في لغة العرب والجواب عن هذا المعنى وكيف دخل الكعبان في القدر الذي يجب أن يغسل كما تقدم معنا.

• ثم قال - رحمه الله -:
والترتيب.
يعني أن الترتيب واجب في الوضوء.
(1/78)
________________________________________
الدليل: قالوا: أن الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة أدخل ممسموحاً بين مغسولات - الممسوح هو: الرأس.
ومن المعلوم أن القرآن معجز وأنه في قمة البلاغة والفصاحة والبيان فلا يمكن أن يدخل - والله أعلم فهذا فيما يظهر للإنسان - ممسوحاً بين مغسولات إلا لفائدة ولا يعلم فائدة لهذا الإدخال إلا الترتيب.
هكذا يقرر الحنابلة هذا الدليل وهو دليل صحيح.
ثم كذلك نقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخل بالترتيب أبداً.
والقول الثاني: أنه مستحب لأن الواو في لغة العرب لا تقتضي الترتيب ولا يوجد دليل على الوجوب.
والراجح وجوب الترتيب. إلا أنه يسقط جهلاً وسهواً. فلو أن إنساناً قدم أو أخر في الوضوء نسياناً ثم صلى وتذكر بعد ذلك فصلاته صحيحة ولا يؤمر بإعادة الوضوء والصلاة عدم وجود دليل صريح على الترتيب ثم يوجد آثار عن ابن مسعود وعن وعلي - رضي الله عنهما - يدلان على هذا الحكم.
وسقوط الترتيب جهلاً اختيار شيخ الاسلام.
• قال - رحمه الله -.
والموالاة وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
يعني أن الموالاة واجبة. ونحتاج في الكلام على الموالاة إلى أمرين:
1. ما هي؟
2. وما الدليل على وجوبها؟
- أما ما يتعلق بحقيقة الموالاة فقد ذكره المؤلف فقال - رحمه الله -: وهي أن يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله. فهذه هي المولاة في الشرع.
فإن أخره إلى أن نشف الذي قبله فقد أخل بفرض المولاة وبطل وضوئه. لكن أضاف صاحب الروض عبارة مهمة جداً وهي قوله: بزمن معتدل أو قدره من غيره.
إذاً صار ضابط الموالاة: أن يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله بزمن معتدل أو بقدره من غيره.
ما معنى هذا الكلام؟
إذا توضأ الإنسان في جو طبيعي فإنا نقول يجب أن لاتؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
وإذا توضأ الإنسان في جو حار فيه ريح فهذه الحرارة والرياح تسبب سرعة نشوق العضو فنقول إذا توضأت في ريح أو في حرارة شديدة وأثناء الوضوء نشف عضو قبل أن تغسل الذي بعده فالوضوء صحيح لأن المدة تقدر في الزمن المعتدل.
كذلك العكس - إذا توضأ في جو رطب أو بارد فإنه قد يبقى الإنسان فترة طويلة بين غسل اليدين والرجلين ولا تنشف اليدين فنقول إذا مضى وقت يمكن أن تنشف فيه اليدين لو كان الجو معتدلاً فقد بطل الوضوء
ما الدليل؟
(1/79)
________________________________________
الدليل حديث خالد بن معدان أن النبي ‘ رأى رجلاً يصلي وعلى قدمه لمعة بقدر الدرهم لم يصبها الماء فأمر أن يعيد الوضوء.
وهذا الحديث قال عنه الإمام أحمد إسناده جيد وهو نص.
وجه الاستدلال: أنه لو كانت الموالاة ليست واجبة لما أمره بإعادة الوضوء وأنما يأمره بغسل هذه البقعة التي لم يصلبها الماء.
وهذا الاستدلال صحيح.
إذاً الآن تبينت معنا الفروض الستة وما فيها من خلاف وتبين من خلال سياق الخلاف والأدلة والقول الراجح أن جميع الفروض التي ذكرها المؤلف أن الصواب معه فيها ما عدا الأذنين فأنا متوقف في الترجيح في مسألتها.
والقول بعدم الوجوب والذي هو اختيار شيخ الاسلام واختيار غيره من المحققين قوي لكن وجود الآثار يجعل الإنسان يتوقف.
انتهى المؤلف ’ من تعداد الفروض وانتقل إلى مباحث النية.
• فقال ’:
والنية شرط لطهارة الحدث كلها، فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلاّ بها.
في الهامش <هامش نسخة الزاد بتحقيق الهبدان - دار ابن الجوزي - ص 53> أنه في نسخة بدل قوله الحدث: الأحداث. وهذه النسخة أصح وأحسن.
قال: والنية شرط: النية لغة: القصد. فإذا نوى الإنسان شيئأ فقد قصده سواء كان المنوي حسياً أو معنوياً.
فإذا نوى الإنسان مدينة فقد قصد أمراً حسياً. لأن ذهابه إلى المدينة حسيٌ.
قال: شرط: الشرط فب لغة العرب العلامة وفي الاصلاح ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم وجوده وجود ولا عدم لذاته.
ما معنى هذا التعريف؟
معناه: نقول: أن من شروط الوضوء النية: هو يقول أن الشرط يلزم من عدمه العدم: فلو توضألاالإنسان بلا نية صار الوضوء باطلاً فيلزم من عدم النية عدم الوضوء - وهذا معنى قوله يلزم من عدمه العدم.
ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته: لو أن الإنسان نوى أن يتوضأ فهل يلزم أن يتوضأ؟ أو قد يتوضأ أو لا يتوضأ؟ مع أن النية موجودة الآن. إذاً لا يلزم من وجود النية وجود الوضوء إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود ولا عدمة لذاته.
والنية شرط لطهارة الأحداث كلها:
(1/80)
________________________________________
إذاً بلا نية لا تصح الطهارة بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى) فإذا عمل الإنسان أي عمل شرعي بلا نية فعمله باطل. فإذا قيل: ماهو الضابط في الأعمال التي تشترط لها النية؟
فالجواب: أن الأعمال التي تشترط لها النية هي العبادات. لكن هناك ضابط ذكره شيخ الاسلام - وهو ضابط مفيد لطالب العلم - وهو أنه يقول: كل عمل لم يعرف إلا من الشارع فلا يصح إلا بنية.
قبل الاسلام هل كنا نعرف الوضوء؟ لا.
الصلاة الزكاة الحج جميع العبادات ... إذاً إذا طلب من الانسان عمل لم يعلم إلا من الشارع فلا بد فيه من النية وإلا كان باطلاً.
• قال - رحمه الله -:
فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلاّ بها.
يريد المؤلف أن يبين بهذه العبارات كيفية النية فذكر صورتين:
الأولى: أن ينوي رفع الحدث.
الثانية: أن ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها.
مثل لما لا يباح إلا بالطهارة: الصلاة قراءة القرآن الطواف - على خلاف في مسائل - لكن المراد الآن التمثيل.
الثالث: أو نوى ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن.
إذاً إذا نوى رفع الحدث أو نوى الطهارة لما لا يباح إلا بها أو لما تسن له الطهارة فإن طهارته صحيحة.
ثم ذكر - رحمه الله - مسائل فيها خلاف وهي مسألة تجديد مسنون ناسياً حدثه أو نوى غسلاً مسنوناً عن واجب - نترك هاتين المسألتين - إذاً نأخذ الثلاث التي لا إشكال فيها وهي أن ينوي رفع الحدث أو ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها أو ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن. إذاً في هذه الثلاث صفات إذا نوى هذه النوايا فإن نيته صحيحة وعمله صحيح شرعاً.
في قوله: ص 53. في تنبيه من جهة صف العبارة يقول: ماتسن له الطهارة كقراءة ماذا بعدها؟ أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه - في الحقيقة أو تجديداً مسنوناً متعلقة بناسياً حدثه.
فكان حق الصف أن يختم عند قوله كقراءة ثم يبدأ مع أول السطر فيقول: أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه.
إذاً إذا توضأ الإنسان ونوى رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها أو ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن فإن طهارته صحيحة.

انتهى الدرس،،،
(1/81)
________________________________________
• في قوله - رحمه الله -:
ويجب الختان مالم يخف على نفسه:
أي أنه إذا كبر ولم يختتن أو لم يختنه أهله ثم أراد أن يختتن لكنه خشي على نفسه إذا اختتن أن يتأذى أذاً شديداً أو أن ينزف نزفاً شديداً فإنه والحالة هذه لا يجب عليه - حتى عند الحنابلة - أن يختتن. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا ضرر ولا ضرار).
نرجع إلى النية فما زلنا في باب فروض الوضوء وصفته وبين المؤلف - رحمه الله - الفروض الستة وتكلمنا على كل فرض منها ثم انتقل إلى شرط النية وأخذ في تفصيل هذا الشرط فذكر أنه لا تصح الطهارة إلا به ثم انتقل إلى مسألة الصور التي تتأتى بها النية.
فذكرنا - في الدرس السابق - ما ذكر المؤلف وهما صورتان:
الأولى: أن ينوي رفع الحدث. فيصح الوضوء.
الصورة الثانية: أن ينوي الطهارة لما لا يباح إلا بها - الصلاة أو قراءة القرآن أو الطواف على خلاف في بعضها.
أو ينوي ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن باعتبار أن القرآن لها سنة.
إذاً إذا نوى ما تجب الطهارة له أو ما تسن له الطهارة فإن نيته ووضوئه صحيح. وهذا كله تقدم.
نأتي إلى درس اليوم يقول - رحمه الله -:
أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه: ارتفع.
يعني إذا نوى الإنسان بالوضوء تجديداً مسنوناً وقد نسي أن أحدث فإن طهارته صحيحة.
صورة المسألة:
رجل توضأ لصلاة الظهر وصلى الظهر ثم أحدث ثم نسي أنه أحدث فلما جاء وقت صلاة العصر توضأ ناوياً التجديد لأنه نسي حدثه فعند الحنابلة وضوئه صحيح.
وإن كان قد توضأ على أساس أنه على طهارة والواقع أنه محدث. هذا مذهب الحنابلة.
وهذا القول اختاره عدد من المحققين في مذهب الحنابلة كابن قدامة وكالمجد ابن تيمية.
والقول الثاني: أنه لا يرتفع. وهذا القول اختاره القاضي من كبار أصحاب الإمام أحمد. لأن نيته لا توافق الواقع.
والقول الثاني هو القول الصواب لأنه الآن ينوي التجديد والواقع أنه يحتاج أن ينوي الرفع وفرق بين نية التجديد وبين نية الرفع.
بقينا في مسألة مهمة جداً: يقول - رحمه الله - -: تجديداً مسنوناً - فيفهم من عبارته أن هناك تجديداً مسنوناً وتجديداً لا يسن فنحتاج أنت نعرف:
ما هو التجديد المسنون عند الحنابلة بل عند الفقهاء جميعاً؟
التجديد المسنون هو: أن يجدد وضوءاً قد صلى به.
(1/82)
________________________________________
مثال ذلك: إذا توضأ الإنسان ثم صلى الظهر ثم لما أراد أن يصلي العصر جدد الوضوء وإن كان على طهارة. فهذا تجديد مسنون مشروع.
الصورة الثانية: إنسان توضأ قبل صلاة الظهر بساعة فلما أذن الظهر توضأ مرة أخرى تجديداً فهذا أيضاً مسنون.
إذاً الضابط: أن يصلي بالوضوء الأول صلاة قبل أن يجدد.
ويجب أن لا يغيب عن ذهنك أن هذا نادراً ما يؤثر على صلاة الإنسان لأننا نفترض أنه ناسياً حدثه فمتى يؤثر؟
إذا تذكر بعد الصلاة أنه توضأ وقد أحدث ناوياً التجديد فإن الأصل أنه إذا كان ناسياً حدثه سيستمر على هذا النسيان.
بعد أن عرفنا حكم المسألة.
إذا قال لنا قائل:
أنا أحدثت ونسيت أني أحدثت وتوضأت ناوياً التجديد ثم صليت الظهر وبعد الصلاة تذكرت أني كنت محدثاً لنا توضأت ناوياً التجديد.
فما نقول له؟
نقول له: أعد الوضوء والصلاة.
• ثم قال ’:
وإن نوى غسلاً مسنوناً: أجزأ عن واجب وكذا عكسه.
يعني وإن نوى من يجب عليه الغسل نوى غسلاًَ مسنوناً: يعني رجل عليه غسل جنابة ونوى أثناء الاغتسال غسل جمعة فإن هذا الغسل المستحب يجزئه عن الغسل الواجب.
ولذلك كان مما ينبغي للمؤلف ’ أن يضيف قيدين فإن تركهما لا يناسب فهو - من وجهة نظري - نقص في المتن:
كان ينبغي أن يقول: وإن نوى من عليه غسل واجب غسلاً مسنوناً فكان يجب أن يضيف - ناسياً - لأن هذا في الحقيقة يؤثر جداً ولا يناسب أن يختصر.
إذاً إذا قيل لك: ماذا يريد المؤلف بقوله: وإن نوى غسلاً - هل أراد غسلاً مسنوناً أو واجباً؟
أراد غسلاً مسنوناً. لكن عليه غسلاً واجباً.
وهل هو حال نسيانه أو حال تذكره؟
الجواب: حال نسيانه.
هذه المسألة تشبه المسألة السابقة - مثلاً - إنسان استيقظ بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة وعليه جنابة ونسي أن عليه جنابة فاغتسل بنية غسل الجمعة وغسل الجمعة سنة عند الحنابلة فإن هذا الغسل يجزأه عن غسل الجنابة عند الحنابلة.
التعليل: لماذا؟
قالوا: لأنه نوى طهارة شرعية فترفع حدثه.
والقول الثاني: أنه لا يجزأه وهذا القول اختاره عالمان محققان الأول: المجد - جد شيخ الاسلام - والثاني: الحافظ ابن عبد البر.
(1/83)
________________________________________
والمجد ’ اختلف ترجيحه في هذه المسألة عن المسألة السابقة والواقع أنهما مسألتان متشابهتان.
• ثم قال ’:
وكذا عكسه:
أي وكذا يجزئ المسلم أذا نوى غسلاً واجباً عن مسنونٍ.
مثاله: عكس المثال السابق: رجل استيقظ بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة وعليه جنابة فاغتسل للجنابة فإن هذا الغسل يكفيه عن غسل الجمعة سواء قيل أن غسل الجمعة سنة أو أنه واجب.
ولكن هذا المثال مفروض فيما إذا كان غسل الجمعة مسنون لأن يقول وكذا عكسه.
والراجح أنه لا يجزأه. لأن غسل الجنابة غسل معين مقصود للشارع وغسل الجمعة غسل معين مقصود للشارع فلا يتداخلان ولذلك أفتى عدد من اليلف فيمن كان عليه جنابة صبح يوم الجمعة أن يغتسل أولاً عن الجنابة ثم يغتسل ثانياً عن الجمعة وهذا هو الصواب.
إذاً: ماذا يصنع؟
يغتسل عن الجنابة ثم يغتسل للجمعة.
وهل يعني هذا أنه يجب أن يخرج من مكان الاغتسال ويبدأ من جديد وإنما الفارق سيكون بالنية فينوى أثناء تعميم الماء أنه غسل جنابة ثم ينوي بعد ذلك بتعميم الماء الآخر أنه جمعة.
أخذنا الآن ثلاث مسائل: المذهب في جميع المسائل حكمه أنه يجزيء والقول الثاني في جميع المسائل أنه لا يجزيء والراجح هو القول الثاني.
• ثم قال ’.
وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غسلاً فنوى بطهارته أحدها: ارتفع سائرها.
يعني إذا اجتمعت على الإنسان أكثر من حدث. مثاله: كأن ينام ثم بعد النوم يتبول فهنا كم اجتمع من حدث؟
- اجتمع حدثان.
• يقول ’
: ارتفع سائرها.
التعليل: تعليل جيد قوي من الحنابلة - وهو قولهم أن الحدث وصف واحد إذا نوى رفعه ارتفع مهما تعددت الأسباب.
إذاً هذه المسألة وما ذهب المؤلف ’ فيها هو حكم صحيح.
• ثم قال ’:
ويجب الإتيان بها: عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية.
ما زال المؤلف ’: في مباحث النية فبعد أن بين صور النية انتقل إلى وقتها.
وقوله عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية. هذا بالنسبة لما قاله الحنابلة وعلى القول الصحيح أن أول واجبات الطهارة المضمضة والاستنشاق.
وعلى القول الثالث: الذي عليه الجمهور أن أول واجبات الطهارة غسل الوجه.
إذاً المقصود أن يأتي بها في أول واجبات الطهارة حسب اختلاف أهل العلم في ما هو أول واجبات الوضوء؟
(1/84)
________________________________________
= فإذا قيل لك: على القول الراجح متى يجب أنوي؟
- عند المضمضة والاستنشاق لأنا قد رجحنا أنهما واجبان.
• ثم قال - رحمه الله - - مستكملاً البحث في وقت النية:
وتسن عند أول مسنوناتها: إن وجد قبل واجب.
ما هو أول مسنونات الوضوء؟
غسل اليدين إذاً فتسن عند غيل اليدين. ويقول: إن وجد قبل واجب لأنه قد لا يغسل يديه يشرع مباشرة في أحد الواجبات.
فإن أتى بالمسنونات استحب أن يأتي بالنية.
= فإذا قيل لك: رجل أراد أن يتوضأ وغسل يديه ثلاثاً قبل الوضوء ولم ينو وضوءاً ثم أكمل وضوئه فما حكم الوضوء؟
- حكمه صحيح. لأن الإتيان بالنية عند أول مسنونات الوضوء حكمه سنة وتركه لا يبطل الوضوء.
ثم انتقل - رحمه الله - إلى مسألة الاستصحاب.
• فقال - رحمه الله -:
واستصحاب ذكرها في جميعها.
ويجب استصحاب حكمها.
قوله: واستصحاب ذكرها في جميعها. يعني أنه سنة. ويجب استصحاب حكمها.
استصحاب النية على قسمين:
1. حقيقي.
2. وحكمي.
الحقيقي: هو أن يظل متذكراً للنية طيلة الوضوء فهذا هو الاستصحاب الحقيقي وهو أكمل أنواع النية.
الحكمي: هو أن لا يأتي بما يقطع النية وإن عزبت عن ذهنه. كثير من الناس إذا أراد أن يتوضأ قد يغيب عن ذهنه أثناء الوضوء نية الوضوء كأن يفكر بأمر ما أو ينسى أو يذهل أو يعزب عن ذهنه.
فهل بقيت نية الوضوء أو انقطعت؟
الجواب: بقيت بقاء حكمياً. لأنه لم ينو أن يقطعها أو لم يأت بما يقطعها.
فالإنسان كما قلت لكم قد يتوضأ ويفكر بعمله أو يفكر بكتابه أثناء الوضوء لكنه لم يقطع نية الوضوء وإن غابت قليلاً عن ذهنه.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله -:إلى صفة الوضوء.
• فقال - رحمه الله -:
وصفة الوضوء:
المقصود بصفة الوضوء كيفيته. ودائماً إذا وجدت أهل العلم يقولون صفة كذا يعني كيفيته.
والمقصود أيضاً بهذه الكيفية: أي الصفة الكاملة التي تشمل الواجبات والمندوبات.
والمؤلف - رحمه الله - من طريقته أن يذكر الواجبات والشروط والسنن ثم يجمل الصفة. وسيصنع ذلك في الصلاة أيضاً وسيصنع مثل ذلك في الحج أيضاً وهذا من باب التقسيم ثم الإجمال وهي طريقة مفيدة لطالب العلم من جهتين:
• أنه يكرر على المعلومات فترسخ.
• والفائدة الثانية: أن يستطيع طالب العلم التفريق بين الواجبات والسنن والشروط.
• قال - رحمه الله -:
أن ينوي، ثم يسمي.
(1/85)
________________________________________
تقدم معنا بحث النية مفصلاً موضحاً.
وتقدم معنا بحث البسملة وقلنا بأن الراجح أن البسملة سنة وعند الحنابلة واجبة وقلنا أن الصواب في حديث البسملة أنه ضعيف.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويغسل كفيه ثلاثاً.
غسل اليدين ثلاثاً ثابت في حديث عثمان ابن عفان - وفي حديث عبد الله بن زيد - وغسل الكفين ثلاثاً قبل الوضوء من سنن الوضوء كما تقدم معنا.
لكن هنا بحث ذكره الفقهاء: وهو: هل إذا قام الإنسان من النوم وأراد أن يدخل يديه في الإناء هل يجب عليه أن يغسل يديه ثلاثاً أولاً ليدخلهما في الإناء ثم يغسل يديه ثلاثاً بنية سنة الوضوء.
يعني يكرر غسل اليدين مرتين أو يكتفي بغسلهما مرة واحدة.
الحنابلة يرون أنه يجب أن يكرر فيصبح مجموع الغسل كم؟
الثلاث الأولى: بسبب القيام من النوم.
والثلاث الثانية هي: سنة الوضوء.
والقول الثاني: أنه يكتفي بواحدة. يغسل يديه ثلاثاً مرة واحدة وتتداخل النيتين والراجح القول الثاني: أنه يكتفي بثلاث لماذا؟
سبب الترجيح: أن الشارع - والله أعلم - يريد من المسلم أن لا يدخل في الإناء إلا إذا غسلهما ثلاثاً بغض النظر عن هذا الغسل هل هو خاص بالاستيقاظ؟ أو يتعلق بسنة الوضوء.
نظير ذلك: الشارع الحكيم يريد من الإنسان إذا دخل المسجد أن لايجلس حتى يصلي ركعتين لكن لو دخل وقد أقيمت الصلاة وصلى الفجر ركعتين فهل يجوز أن يجلس بعد صلاة الفجر؟
نعم يجوز. لأن الشارع يريد أن لا نجلس حتى نصلي الركعتين أياً كانت الركعتين فليست شيئاً خاصاً.
كذلك هنا - فيما يظهر والله أعلم أن الشارع يريد أن لا يدخل الإنسان يديه في الإناء إلا بعد أن يغسلهما ثلاثاً سواء كانت غسلاً خاصاً للاستيقاظ أو لسنة الوضوء.
• ثم قال - رحمه الله -:
ثم يتمضمض ويستنشق.
المتبادر للذهن أن يقول المؤلف: ثلاثاً. كما أنه قال يغسل كفيه ثلاثاً كان ينتظر منه وهو يسوق الصفة الكاملة أن يقول ثلاثاً.
والمضمضة والاستنشاق واجبان على الصواب.
ونحتاج إلى أن نعرف كلاً من المضمضة والاستنشاق:
المضمضة: هي تحريك الماء في الفم. فإذا حرك الإنسان الماء في فمه فإنه يعتبر قد تمضمض.
(1/86)
________________________________________
والاستنشاق: هو أن يسحب الماء إلى داخل الأنف. فإن وصل إلى أقصى الأنف فهو المبالغة. وإن جذبه أدنى جذب فهو المجزئ.
فتبين معنا من تعريف المضمضة أنه ينبغي أن يعرف الإنسان حكم المج: أليس الإنسان إذا تمضمض يمج الماء؟
فما حكم المج؟
إذا لم يمج فماذا سيصنع؟ ... يبلعه.
الواقع أن المج من كمال المضمضة لكن لا يوجد دليل على الوجوب لأن الشارع إنما أوجب المضمضة والمج لا يدخل في تعريفها ولكن لاشك - كما أسلفنا - أن المج من كمال المضمضة لأن بعد المضمضة يصبح الماء مليئاً بما تخلف في الفم.
ومقصود الشارع من المضمضة تنظيف الفم.
وباقي مسألة واحدة - في مسألة المضمضة والاستنشاق - وهي مسألة: الوصل والفصل: هل السنة أن يصل المضمضة والاستنشاق؟ أو السنة أن يفصل؟
ما هو الوصل؟ وما هو الفصل؟
المقصود بالوصل: أن يتمضمض ويستنشق من كف واحدة.
والمقصود بالفصل: أن يتمضمض من كف ويستنشق من كف أخرى.
الثابت في السنة الصحيحة الذي لا يحفظ عن النبي ‘ غيره هو: الوصل. أي: بكف واحدة.
فيرفع الماء باليمنى ويستنثر باليسرى.
ولكن إت تمضمض واستنشق بكفين فلا حرج. ولا يوجد ما يدل على بطلان مضمضته أو استنشاقه لكن السنة أن لا يفصل وإنما يصل.
وعليه عمل كثير من الناس - على إني أرى بعض الناس يفصلون وهذا أدنى أحواله أن نقول أنه خلاف السنة وينبغي أن يصل الإنسان تأسياً بالنبي ‘.
• ثم قال ’:
ويغسل وجهه
أيضاً ينبغي أن يقول المؤلف: ثلاثاً.
وبالنسبة للوجه تولى المؤلف بيان حدود الوجه فقال:
من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً ومن الأُذن إلى الأُذن عرضاً.
حد الرأس الذي ذكره المؤلف يشمل الجهات الأربع من الأعلى والأسفل واليمين والشمال.
فمن الأعلى يقول: من منابت شعر الرأس.
فالجزء الذي ينبت فيه شعر الرأس هو بداية الوجه لكن اشترط أهل العلم أن يكون من المنابت المعتادة فلا ينظر للأفرع وهو من نبت شعره على جبهته.
(1/87)
________________________________________
ولا ينظر للأصلع وهو من انحسر شعره عن جبهته. وإنما ينظر إلى المعتاد فيكون هو الحد الذي يبتدئ منه الوجه. فلو أن إنساناً غسل وجهه ولكن لم يستوعب الجزء الذي فيه منابت الشعر المعتاد وإنما نزا عنه قليلاً فإن الوضوء يعتبر باطلاً لأنه لم يستوعب الوجه غسلاً وأخذنا في أول الباب أن غسل الوجه فرض بالنص والإجماع. هذا بالنسبة لحد الوجه من الأعلى.
ثم قال: إلى ما انحدر من اللحيين والذقن:
اللحيان هما: العظمان أسفل الوجه. وهما: العظمان اللذان تنبت عليهما اللحية.
والذقن: هو مجتمع هذين العظمين.
إذاً هذا تحديد الوجه من الأعلى - اليمين والشمال - ومن الأسفل وهو الذقن.
بناءً على هذا هل يجب على الإنسان أن يغسل أعلى حلقه الملاصق للوجه؟
الجواب: لا. لأن حد الوجه ينتهي بالذقن والذقن شيء والحلق شيء آخر.
ثم قال: ومن الأذن إلى الأذن عرضاً: تقدم معنا أن إلى ما بعدها خارج الغاية:
طيب: من الأذن إلى الأذن هل ما قبل من داخل أو خارج؟
فيه خلاف: في كتب اللغة. لكن الراجح أنه خارج كما قيل في إلى تماماً وهذا القول ممن رجحه العلامة الصنعاني وإن كان بعض المعاصرين يرى أن من داخل لكن الصواب أن من خارج.
إذاً فقوله من الأذن إلى الأذن نقول أن الأذنين خارجان. وعليه فمنتهى الوجه الأذن.
ويفهم من عبارة المؤلف أن ما بيت الخد والأذن داخل في الوجه. أليس كذلك؟ فهو يقول من الأذن إلى الأذن:
إذاً فما بين الخد والأذن داخل - وهو الصواب. وهو البياض المحاذي لصماخ الأذن. فيجب غسله عند جماهير أهل العلم - الأئمة الثلاثة أحمد والشافعي وأبو حنيفة - وخالف مالك في هذه المسألة. فنبقى مع قول الجمهور ولا نحتاج إلى الخلاف في هذه المسألة.
ثم لما بين المؤلف - ’ - الحدود انتقل إلى الكلام عن ما في الوجه:
• فقال ’:
وما فيه من شعر خفيف والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه.
بين حكم ثلاثة أنواع من الشعر:
الأول: الشعر الخفيف.
والثاني: الشعر الكثيف.
والثالث: الشعر المسترسل.
ولم يبين المؤلف ’: هل غسل هذه الأنواع من الشعر واجب أو مستحب أو سنة؟ والواقع أن فيها تفصيلاً.
(1/88)
________________________________________
وقبل أن نذكر حكم كل واحد منها يجب أن نعرف الفرق بين الشعر الخفيف والشعر الكثيف: فما هو الفرق بينهما؟ نقول:
• أن ضابط الشعر الخفيف هو أن يرى الخد من تحته. وسيأتينا حكمه.
• وضابط الشعر الكثيف هو: أن لا يرى الخد من تحته.
إذاً انتهينا من معرفة الشعر الخفيف والشعر الكثيف فباقي الشعر المسترسل: ونقول: ضابط المسترسل هو: ما خرج من اللحية عن حد الوجه طولاً أو عرضاً. فهذا يسمى عند الفقهاء: شعر مسترسل. فلا يشترط أن يكون طويلاً بل مجرد ما يخرج عن هذا الحد يعتبر مسترسلاً.
بعد أن تصورنا ما هو الشعر الخفيف وما هو الشعر الكثيف وما هو الشعر المسترسل؟ فنبين أحكام هذه الأنواع الثلاثة من الشعر:
بالنسبة للشعر الخفيف: فيجب أن يغسل وما تحته: الدليل: قالوا أن هذا الشعر وما تحته من جلد يرى في حكم الظاهر وتحصل به المواجهة فيجب أن يغسل.
وبالنسبة للشعر الكثيف: نص الإمام أحمد أنه ليس من السنة غسل داخل الشعر الكثيف - الكثير - ولكن يجب أن يغسل ظاهره لأن ظاهره تحصل به المواجهة.
ما هو الدليل على أن باطنه لا يغسل؟
الدليل: أن النبي ‘ ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه كان كث اللحية ولم ينقل أنه كان يغسل باطن اللحية.

وبالنسبة للشعر المسترسل: ففي حكمه إشكال فقد اختلف فيه أهل العلم:
المذهب - مذهب الحنابلة: الوجوب , ومن هنا نعلم أن قول المؤلف ’: مع ما استرسل منه يعني بذلك: الوجوب.
وممن اختار وجوب غسل ما استرسل من اللحية من المحققين المجد وشيخ الاسلام وابن مفلح - وكل واحد من هؤلاء إمام من الأئمة.
الدليل: قالوا: أن الشعر المسترسل من اللحية تحصل به المواجهة وما تحصل به المواجهة فهو داخل في حد الوجه فيجب أن يغسل.
والقول الثاني: في هذه المسألة أن غسل الشعر المسترسل من اللحية سنة وليس بواجب وممن اختار هذا القول من المحققين الحافظ ابن رجب - وهو أيضاً من كبار أهل العلم.
(1/89)
________________________________________
وقد كان عندي تردد كثير في هذه المسألة منذ زمن والآن تبين لي بوضوح أن غسل المسترسل ليس بواجب الدليل: الذي ساعد على الترجيح: أخرج البخاري في صحيحة عن ابن عباس - وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان في قوله - أن قال ثم أخذ كفاً من ماء وغسل وجهه وتقدم معنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كث اللحية حتى أنه بعض المأمومين يرى لحيته - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ القرآن من خلفه وإذا كانت لحيته كثه - صلى الله عليه وسلم - ولم يأخذ لها إلا كفاً واحدة للوجه فإن هذه الكف لا تستوعب غسل جميع ما استرسل هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أن ما استرسل من اللحية خارج محل الفرض فإن الله أمرنا أن نغسل الوجه وتقدم معنا تحديد الوجه كما جاء في كتب أهل اللغة ومن المعلوم أن الخارج عن اللحين خارج عن محل الفرض.
فلهذا أرى أنه لا يجب على الإنسان أن يغسل ما استرسل من اللحية ولكن لا شك أن الإحتياط أن يغسل الإنسان ما استرسل من لحيته احتياطاً وتطبيقاً للسنة.
• ثم قال:
ثم يديه مع المرفقين.
تقدم معنا البحث في مسألة يديه مع المرفقين وكيف دخل المرفقان في حد اليد مع أن إلى في لغة العرب لا يدخل ما بعدها فيما قبلها.
• ثم قال - رحمه الله -:
ثم يمسح كل رأسه مع الأُذنين مرة واحدة.
بين في مسألة مسح الرأس ثلاث قضايا:
الأولى: استيعاب الرأس. وهذا يؤخذ من قوله: كله.
الثانية: أنه يمسح مرة واحدة. فقد نص على أنها مرة واحدة في قوله: مرة واحدة.
الثالثة: أنه يمسح مع الرأس الأذنين.
ففي هذه الجملة - الخمس كلمات - بين حكم ثلاثة مسائل.
أولاً: السنة أن يمسح الإنسان على رأسه مرة واحدة لأنه لم يحفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على رأسه أكثر من مرة وأي حديث يمر بك في أي كتاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أكثر من مرة فاعلم أنه شاذ أو ضعيف.
شاذ: يعني أن يكون رواية لحديث صحيح.
أو ضعيف: أي أن يكون برأسه حديث مستقل ولكنه ضعيف. فلا يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقاً أنه مسح أكثر من مرة.
ثانياً: أن يستوعب الرأس. تقدم معنا الخلاف في حكم استيعاب الرأس وأن الصواب هو مذهب الحنابلة وهو وجوب استيعاب جميع الرأس بالمسح لأن الباء في الآية للإلصاق والإلصاق يعني استيعاب الرأس مسحاً. - فهذا تقدم معنا -.
(1/90)
________________________________________
بقي معنا الأذنين فلم يبين المؤلف كيفية مسح الأذنين ولا كيفية مسح الرأس.
أما كيفية مسح الر أس: فقد بينه الصحابي الجليل عبد الله بن زيد - في الحديث المتفق عليه فأخبر أن النبي ‘ بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب إلى قفاه ثم عاد إلى مقدم رأسه.
هذه هي السنة في كيفية المسح.
وهذه الكيفية صحيحة وروي في حديث عبد الله بن زيد العكس - في رواية للحديث - أنه بدأ بمؤخر رأسه ثم أقبل إلى مقدمه ثم رجع.
والأصح من الروايتين الأولى. - أن يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب إلى قفاه.
والثانية: يجاب عنها بأحد جوابين:
• إما أن نقول إنها ضعيفة.
• أو نقول أن الواو فيها لا تفيد الترتيب. بينما رواية عبد الله بن زيد - في الصحيحين فيها استخدام كلمة ثم وهي نص في الترتيب.
إذاً تبيت معنا أن السنة أن يبدأ بمقدم رأسه. لكن هل هذه الكيفية واجبة؟ أو سنة؟
صرح الحنابلة أنه كيفما مسح أجزأه لكن لا ينبغي الإخلال بهذه الكيفية المنصوصة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
باقي المسألة الأخيرة: وهي: كيفية مسح الأذنين:
جاء في حديث ابن - في سنن النسائي أن النبي ‘ (مسح بأن وضع السبابتين في الصماخ ومسح يإبهامه على ظاهر الأذنين).
هذا الحديث أصله في البخاري لكن هذه الكيفية في النسائي وسنن النسائي صرح اثنان أو ثلاثة من الحفاظ أن جميع ما فيه مما لم يعله النسائي لا في السنن المجتبى ولا في السنن الكبرى أنه صحيح وبغض النظر عن صحة هذه الرواية إلا أنها تفيد قوة الأحاديث الموجودة في سنن النسائي.
إذاً عرفنا الآن - ما يتعلق بمسح الأذنين وتقدم معنا أن الخلاف في مسح الأذنين خلاف قوي وأن الإنسان في الحقيقة يتردد في الوجوب وعدمه إلا أنه من الغرائب أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على عدم الوجوب.
وهذا الإجماع ليس بصحيح لأن مذهب الحنابلة الوجوب. لكن حكاية هذا الإجماع يجعل الإنسان يميل إلى القول بعدم الوجوب.
• ثم قال ’:
ثم يغسل رجليه مع الكعبين -
((هذه لم تشرح))
• ثم قال ’:
ويغسل الأقطع بقية المفروض.
(1/91)
________________________________________
لم يبين المؤلف ما هو مقصوده بالأقطع؟ في أي عضو من الأعضاء وهو أراد أن لا يعين حتى يعم إذاً أي عضو من أعضاء الوضوء إذا قطع غسل البقية والدليل قوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم [الأنفال/60]
وقول النبي ‘ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهذا في الصحيحين.
إذاً إذا انقطع العضو من الإنسان سواء كان سبب القطع عقوبة أو كان سببه قضاء مقدر فإنه يغسل الباقي.
• ثم قال ’:
فإن قطع من المفصل: غسل رأس العضد منه.
يعني: إن شمل القطع كل اليد من المفصل فإنه يجب أن يغسل رأس العظم لأنه كان من اليد - داخل في اليد.
لم يبين المؤلف حكم العضو المقطوع جملة فلو أن إنساناً قطعت يده من الكتف أو من منتصف العضد فماذا يجب عليه؟
سقط. فلم يبينه المؤلف لأنه معلوم من كلام المؤلف: لأنه قال: يغسل بقية المفروض فإذا لم يكن للمفروض بقية فلا يجب أن يغسل شيئاً.
فهذه المسألة عرف حكمها من مفهوم كلام المؤلف.
• ثم قال ’: بعد أن بين كل ما يتعلق بالوضوء -:
ثم يرفع نظره إلى السماء.
روي أن النبي ‘ قال من توضأ ثم رفع بصره إلى السماء ثم قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) وهذا الحديث بزيادة رفع البصر حديث ضعيف.
بناء على هذا فلا يسن للإنسان أن يرفع بصره إذا انتهى من الوضوء بل أكثر من أنه لا يسن لا يشرع فهو بدعة لأنه من صميم العبادة ولا يوجد له دليل يدل عليه.
لكن من عادة أهل العلم رحمهم الله أنهم لا يطلقون البدعة على مسألة فيها خلاف بالنسبة للآخر وإن كانت المسألة ينطبق عليها تعريف البدعة لكن جرى عمل العلماء أنهم ما يطلقون بدعة إذا كانت المسألة محل خلاف فربما الحديث الذي تضعفه أنت يصححه غيرك إذاً نكتفي بقولنا غير مشروع.
• قال ’:
ويقول ما ورد.
في الروض يقول: ومنه (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) هذا الحديث صحيح في البخاري ومسلم.
لكن أخرج الترمذي زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).
وسبق معنا قاعدة أن الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم بألفاظ زاد عليها غيرهم زيادات لم تذكر في الصحيح فالغالب عليها الضعف بل لو قال الإنسان: كلها ضعيفة إلا شيء يسير لصدق.
(1/92)
________________________________________
ومن ذلك هذا اللفظ فإن هذا الفظ ضعيف - هذه الزيادة ضعيفة لأن الحفاظ الأثبات الذين رووا هذا الحديث في الصحيحين لم يذكروها.
• قال - رحمه الله -:
وتباح معونته
يباح للإنسان أن يعان. ليس سنة ولا محرم لكنه مباح بدليل أن المغيرة بن شعبة - أعان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يتوضأ فويؤخذ من هذا أنه لا غضاضة على الإنسان أن يقبل إعانة الآخرين له مالم يكن في منة وتنقص عليه وجرت العادة أن إعانة الصغير للكبير أو المفضول للفاضل ليس فيها منة فقبول هذه الإعانة لا بأس به ولا حرج.
وهذا سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - وإمام المتوكلين يقبل الإعانة والإعانة شيء والسؤال شيء آخر فإن بعض الناس يخلط بين الإعانة والسؤال.
إذا عرض أحد عليك إعانة فلا حرج في القبول لكن الحرج في السؤال أن تسأل الإعانة من الناس هذا هو المذموم.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتنشيف أعضائه.
ما هو حكم التنشيف؟ مباح. لأنه يقول: وتباح. ثم قال وتنشيف. إذاً الحنابلة يرون أن تنشيف الأعضاء مباح.
ولكن مع ذلك الأئمة الأربعة كلهم بلا خلاف يرون استحباب ترك التنشيف وفي رواية عن أحمد كراهية التنشيف.
فصارت الأقوال ثلاثة:
• إما أن نقول: مباح.
• أو أن نقول: يستحب تركه.
• أو أن نقول: مكروه.
والراجح مذهب الحنابلة: أنه مباح.
واستدل الأئمة الأربعة على استحباب ترك التنشيف بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل فجاءته ميمونة بمناديل فردها - رضي الله عنها - ولم يرد أن ينشف. هذا الحديث يقوي مذهب الأئمة الأربعة.
لكن يجاب عن هذا الحديث بأن هذه قضية عين وربما كان رده - صلى الله عليه وسلم - لسبب لا نعلمه. فتكون الرواية المشهورة عن الإمام أحمد وهي إباحة التنشيف هي الأقرب.
أما الحكم بأنته يستحب تركه - يعني أن يتعبد الإنسان ربه بترك التنشيف هذا فيه بعد.
ولو كان من مستحبات الوضوء ترك التنشيف لجاء في الأحاديث الصحيحة ولم يأت عرضاً في مثل حديث ميمونة.
بهذا انتهى المؤلف - رحمه الله - من باب فروض الوضوء وصفته وانتقل إلى باب مسح الخفين ...
(((انتهى الدرس وانتهى الباب)))).
(1/93)
________________________________________
باب مسح الخفين
• قال المؤلف - رحمه الله -:
باب مسح الخفين.
لما ذكر - رحمه الله - الغسل أعقبه بالكلام على المسح لأن المسح يقوم مقام الغسل.
والمسح هو: إمرار اليد على الشيء. في لغة العرب.
وفي الإصطلاح: إصابة البلة حائل مخصوص بكيفية مخصوصة.
والخف: اسم لما يلبس على الرجل من الجلد.
ولما عرفنا الخف فمن المناسب أن نعرف الألفاظ التي تقرب الخف ومنها:
- الجرموق: هو ما يلبس على الرجل من جلد فوق الخف ويكون قصيراً.
- والموق: هو الجرموق. فالصحيح أنه لا فرق بينهما.
- الجوربان: هما ما يلبس على الرجل من غير الجلد كالصوف والقماش.

• قال - رحمه الله -:
يجوز: يوماً وليلة.
عرفنا من هذه العبارة أن حكم المسح على الخفين جائز.
وجواز المسح على الخفين مذهب الجماهير من أهل العلم بلا خلاف بينهم.

ويدل على المشروعية أمران:
- الأمر الأول: أحاديث صحيحة:
ـ كحديث علي - في صحيح مسلم: (يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن).
ـ وحديث صفوان -: (أمرنا أن لا ننزع الخفاف إذا كنا سفراً ثلاثة أيام).
ـ وحديث عوف بن مالك -: نحو هما.
إذاً السنة الصحيحة الصريحة الواضحة تدل على مشروعية المسح على الخفين.

- الأمر الثاني: إجماع الصحابة. حكم هذا الاجماع الحافظ ابن المبارك فقال - رحمه الله -: (لم يختلف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسح على الخفين)
عرفنا الآن مشروعية المسح والأدلة وأنه مشروع بالنص من السنة والإجماع.
• يقول - رحمه الله -:
يجوز يوماً وليلة ولمسافر ثلاثة بلياليها.
هذا هو وقت المسح.
فوقت المسح هو: يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر.
وعرفنا الأدلة: - حديث علي -: (يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن والمقيم يوم وليلة).
- وحديث صفوان السابق.
- وحديث عوف بن مالك.
فكلها تدل على هذا التوقيت.
ومقصود الفقهاء بيوم وليلة: أي أربعة وعشرين ساعة. وليس كما يظن بعض الناس أن المقصود به خمس صلوات. فهناك فرق بين هذين التوقيتين.
• ثم قال - رحمه الله -: - في مسألة مهمة من أهم مسائل الباب.
من حدث بعد لبس.
يريد المؤلف بهذه العبارة أن يبين متى يبدأ حساب المدة؟.
= فعند الحنابلة: يبدأ احتساب المدة من الحدث. لذا يقول: من حدث بعد لبس.
وهذا التوقيت هو مذهب جمهور الأئمة.
استدل الجماهير: بحديث صفوان - السابق: (أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا ننزع خفافنا إذا كنا سفراً ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة لكن بول وغائط ونوم).
(1/94)
________________________________________
فقوله: (لكن من بول وغائط ونوم) قالوا: أنه يفهم من هذه العبارة أنه بعد مضي يوم وليلة من الغائط ينتهي المسح. أو ثلاثة أيام للمسافر.
والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد وهي من المفردات: أن ابتداء المدة من أول مسحة.
الدليل: قالوا أن النبي ‘ يقول في الحديث الصحيح (يمسح المسافر ثلاثة أيام) ولو اعتبرنا أن المدة تبدأ من الحدث لم يصدق عليه أنه مسح ثلاثة أيام.
سيتبين الدليل بالمثال: إذا فرضنا أن إنساناً توضأ ولبس الخف في الساعة الرابعة - بعد صلاة العصر - وفي الساعة الخامسة أحدث ثم في الساعة السابعة مسح.
• عند الحنابلة: متى يبدأ؟ ... ـ يبدأ: من الخامسة - من ساعة الحدث.
• وعلى الرواية الثانية: متى يبدأ المدة؟ ... ـ يبدأ من: الساعة السابعة.
• الفرق بين الخامسة والسابعة: ... ـ ساعتان.
وهاتان الساعتان ذهبتا على الماسح عند الحنابلة لأنه لم يتمكن من المسح إلا لمدة ثلاث وعشرين ساعة فالساعتين لم يتمكن فيهما من المسح.
إذاً لم يصدق عليه أن الشارع أباحه المسح لمدة يوم وليلة.
وهذا القول يعتبر من مفردات مذهب الحنابلة بالنسبة للمذاهب الأربعة وممن اختاره أيضاً أبو ثور والأوزاعي وشيخ الإسلام رحمهم الله الجميع.
وهذا القول هو الصحيح: وهو أن حساب المدة يكون من أول مسحة بعد الحدث لا من الحدث نفسه.
ثم لما بين المؤلف مدة المسح والوقت الذي يبتدئ الحساب منه انتقل إلى شروط الممسوح فقال ’:
على طاهر مباح ساتر للمفروض يثبت بنفسه من خف وجورب صفيق ونحوهما.
الشرط الأول: من شروط جواز المسح:
- أن يكون الخف أو الجورب طاهراً.
ما هو الدليل على أنه يشترط أن يكون الممسوح طاهراً؟
الجواب: أن الدليل هو الإجماع. فقد أجمع الفقهاء على هذا الحكم.
لكن بقيت مسألة في قضية طهارة الممسوح وهي:
أن مراد الفقهاء بقولهم طاهر هو الطهارة العينية لا النجاسة الطارئة.
بعبارة أخرى: يجوز المسح على المتنجس لا على النجس.
بمعنى: أنه لو كان الخف مصنوع من جلد نجس فهل يجوز أن نمسح عليه؟
الجواب: لا. لا يجوز.
إذا كان الخف مصنوع من صوف وأصابه البول فهل يجوز أن نمسح عليه؟
نعم. يجوز.
(1/95)
________________________________________
فإذا مسحنا على خف متنجس فيجب عند إرادة الصلاة أن نطهر الخف ولكن لو أردنا أن نقرأ القرآن فهل يجوز أن نمسح ونقرأ؟
نعم. يجوز.
لماذا؟
لأن المسح على الخفين مسح صحيح ولو كانا متنجسين ولكن يجب أن نغسل الخفين المتنجسين إذا أردنا الصلاة.
وبهذا نكون قد عرفنا مقصود الفقهاء رحمهم الله.
فإذا قيل لك: ماذا يقصد المؤلف بقوله على طاهر؟
فتقول: يقصد على طاهر العين ولا يقصد نفي الطهارة أو النجاسة الطارئة.
• قال - رحمه الله -:.
مباح
يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يمسح على الخف المحرم. وهذا التحريم يأتي من سببين:
1. إما بسبب الكسب.
2. أو بسبب الذات.
يعني محرم لذاته ومحرم لكسبه.
• المحرم لكسبه: كالخف المغصوب أو المسروق أو المشري بمال حرام أو بمال ربا أو بمال الرشوة.
• المحرم لذاته: أو لعينه: كالخف المصنوع من حرير أو من جلد نجس.
ما الدليل؟
دليل هذه المسألة قاعدة عامة عند الجمهور "" أن الرخص لا تناط بالمعاصي""، والمسح رخصة فلا يناسب تجويزه لمن اقتنى خفاً محرماً لكسبه أو لعينه.
والقول الثاني: أنه يجوز المسح على الخف المحرم لكسبه لأنه لا علاقة بين التحريم والمسح بدليل أنه لو لم يمسح فهو آثم - مسح أم لم يمسح ولأن الإثم يتعلق بالغصب.
والقول الثاني: أقرب. وإن كان الاحتياط أن يعيد صلاته. لكن من حيث الدليل الأقرب صحة الصلاة.
• ثم قال - رحمه الله -: - في الشرط الثالث من شروط الممسوح:
ساتر للمفروض.
يعني أنه يشترط لجواز المسح على الخف أن يكون ساتراً لجميع الفرض. وهو القدم إلى الكعبين.
ما الدليل على هذا الحكم؟
الدليل: أن الخف إذا ظهر بعضه وستر بعضه فإن حكم المستور المسح وحكم الظاهر الغسل والمسح والغسل لا يجتمعان فتعين الغسل لأنه الأصل.
فيقولون أن هذه الرجل اجتمع فيها ظاهر ومغطى فالظاهر يجب أن يغسل لأنه منكشف والمغطى يجب أن يمسح ولا يمكن أن تجتمع طهارة المسح والغسل فننتقل إلى الغسل لأنه الأصل.

والقول الثاني في هذه المسألة: أن هذا الشرط غير ثابت بدليل:
1. أن خفاف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت ممزقة بسبب الفقر وكانوا مع ذلك يمسحون عليها.
2. ولأن الأدلة عامة - الأدلة التي سبقت معنا - كحديث علي وصفوان وهذا مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام.
(1/96)
________________________________________
وهو الصواب بل العمل بمذهب الحنابلة شاق أو متعذر لا سيما في أوقات الفقر والعوز.
• ثم قال ’: - مبيناً الشرط الرابع:
يثبت بنفسه.
يشترط في الممسوح أن يكون ثابتاً بنفسه فإن لم يثبت إلا بالربط أو بالشد أو بلبس النعل فإنه لا يجوز والحالة هذه أن نمسح عليه.
فإذا كان الجورب واسع لأي سبب من الأسباب بحيث لا يثبت بنفسه فإنه لا يجوز أن نمسح عليه ولو تم ربطه وشده.
لأنه يقول: ويثبت بنفسه يعني أنه يشترط فيه أن يثبت بنفسه.
ما الدليل؟ الدليل: قالوا أن الأدلة الدالة على جواز المسح - الرخصة - وردت في المعتاد وما لا يثبت بنفسه فليس معتاداً فلا يدخل في النصوص.
ولا بد أن تنتبهوا لهذين الشرطين: -
1. أن يكون ساتراً لمحل الفرض.
2. وأن يثبت بنفسه.
لماذا؟ الجواب: لأن عليهما تفاريع كثيرة في المذهب كما سيأتينا فلا بد من فهم هذين الشرطين والخلاف فيهما.
القول الثاني: أنه لا يشترط أن يكون ثابتاً بنفسه. فلو ثبت بمثبت أياً كان بربط أو شد أو بلبس النعل فإنه يجوز أن نمسح عليهما. وهذا مروي عن الإمام أحمد وأيضاً هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ’.
والراجح هو عدم اشتراط هذا الشرط بل هو شرط ضعيف جداً.
• ثم قال ’ في الشرط الخامس:
من خف وجورب صفيق ونحوهما.
(مِنْ) في قوله: (مِنْ خف) متعلقة بقوله: (على طاهر) يعني أن العبارة هكذا: على طاهر من خف وجورب صفيق ونحوهما.
يعني أنه يجوز المسح على جنس هذا الأشياء - الخف والجورب والموق والجرموق أما ما عدا هذه الأشياء كالنعل فإنه لا يمسح عليهما بلا خلاف وحكى الإجماع أكثر من واحد.
إذاً بالإجماع لا يجوز المسح على النعل ونحوه إنما جنس الجوارب أو الخفاف وهي مايكون منها من جلد أو من صوف هي التي جاءت السنة بجواز المسح عليها.
وعرفنا من قول المؤلف أن الجورب حكمه حكم الخف.
فإن قيل النصوص فيها ذكر الخف وليس فيها ذكر للجوارب فالجواب من وجهين:
• الأول: أنه روي عن تسعة من أصحاب النبي ‘ أنه يجوز المسح على الجوارب ولا يعلم لهم مخالف فاعتبره عدد من الفقهاء إجماع وهو كذلك.
• الثاني: أن الجوارب تقاس على الخفاف.
فإذاً لا إشكال في المسح على الجورب.
• ثم قال ’:
وعلى عمامة. لرجل محنكة.
(1/97)
________________________________________
يعني أنه يجوز المسح على عمامة الرجل. والدليل على جواز المسح على العمامة:
• أولاً: أنه ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على عمامته.
• وثانياً: أن العمامة تقاس على الخف بجامع مشقة النزع في كل منهما.
والقول بجواز المسح على العمامة من الأقوال التي تميز بها مذهب الحنابلة لأن الجمهور يرون عدم جواز المسح على العمامة وهو القول الثاني: ويأخذون بعموم الآية فإن الله أمرنا بأن نمسح على رؤوسنا فقال (وامسحوا برؤوسكم) قالوا: فلا يجوز أن نمسح على غير الرأس.
لكن الحنابلة أخذوا بحديث صحيح مروي في صحيح مسلم فهم أحظ بالدليل.
وكما قلت هذا القول من مميزات مذهب الحنابلة ومن الأدلة على ما يتميز به مذهب الحنابلة فقد أخذنا في أول درس مميزات مذهب الحنابلة فالأول منها أخذهم بالأدلة والنصوص.
• لكن شرط المؤلف شروطاً فقال - رحمه الله -:
لرجل - وأن تكون محنكة أو ذات ذؤابة.
يشترط للمسح على العمامة:
1. أن يكون اللابس لها رجل.
2. وأن تكون محنكة أو ذات ذؤابة. ومعنى التحنيك أن تدار من تحت الحنك.
• الدليل على أنه يشترط أن يكون اللابس لها رجل: أن المرأة يحرم عليها لبس العمامة لما فيه من التشبه بالرجال ولذا فإنه لا يجوز لها إذا لبست وخالفت: أن تمسح.
• الدليل على اشتراط التحنيك: قالوا أن النص جاء بالمسح على العمامة والعمامة إذا أطلقت في عرف المسلمين في العهد النبوي هي العمامة المحنكة فبها تناط الرخصة دون العمائم التي لم تحنك.
القول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون محنكة لأن النصوص الصحيحة التي جاء فيها جواز المسح لم تشترط التحنيك.
= مالجواب على دليل الحنابلة؟
- أجاب شيخ الاسلام عن هذا الدليل بقوله: أن السلف إنما كرهوا لبس العمامة الغير محنكة لأنه يحتاج إلى التحنيك في الجهاد ونحوه. لأن الفارس إذا ركب بدون أن يحنك عمامته فإنها تسقط هكذا قال شيخ الاسلام وهو جواب سديد.
= إذاً قيل لك هل كره السلف لبس العمامة غير المحنكة؟
- فالجواب: نعم كرهوا لبس العمامة التي لم تحنك.
= فإذا قيل لك لماذا؟
- فالجواب: لأنه يحتاج إليها في الجهاد ونحوه لا لمسألة المسح.
• قال - رحمه الله -:
أو ذات ذؤابة:
الكلام في الذؤابة كالكلام في التحنيك: يعني:
(1/98)
________________________________________
إما أن تكون محنكة أو تكون ذات ذؤابة لكن من المفيد أن تعرف أن عدداً من العلماء الذين رأوا جواز المسح على المحنكة يرون عدم جواز المسح على العمامة ذات الذؤابة فلابد من التحنيك.
والصواب أنه لا يشترط لا التحنيك ولا الذؤابة.
• ثم قال - رحمه الله -:
وعلى خمر نساء مدارة تحت حلوقهن.
يجوز عند أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله أن تمسح المرأة على الخمار بشرط ذكره وهو: - أن تكون مدارة تحت الحلق.
الدليل:
• أولاً: قالوا: صح عن أم سلمة - رضي الله عنها - وهي من فقيهات الصحابة أنها مسحت على الخمار.
• ثانياً: القياس على الخف بجامع مشقة النزع.
القول الثاني: للجماهير: أنه لا يجوز المسح على خمر النساء لأنه لا يوجد دليل صحيح يدل على الجواز وما فعلته أم سلمة - رضي الله عنها - أثر وليس بنص.
القول الثالث: أنه يجوز عند الحاجة كوجود البرد أو أن تكون لفة الرأس عليها لنحو وضع حناء أو لأي صورة من صور الحاجة.
وهذا القول - الثالث - يشعر به كلام شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله -.
وهو الصواب فهو وسط بين المانعين والمجيزين. وإلا في الحقيقة فإن القول بالمنع أقرب لأنه لم يأت نص صحيح على الجواز والأصل المسح وفعل صحابية واحدة وإن كانت من الفقيهات لا يقوى في الحقيقة على التنازل عن فرض من فروض الوضوء وهو مسح الرأس. لكن مع وجود هذا الأثر ووجود الحاجة يكون الجواز متوجهاً.
ويدل على الجواز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبد رأسه في الحج والظاهر أنه مسح ملبداً يعني مسح حال كونه ملبداً. فهذا أيضاً يقوي مسألة المسح على خمار المرأة.
• ثم قال - رحمه الله -:
في حدث أصغر.
هذا الشرط السادس وهو: أنه إنما يجوز المسح في الحدث الأصغر دون الأكبر والدليل على هذا حديث صفوان وفيه - كما تقدم - قوله إلا من جنابة.
ثم أيضاً هذا الحكم محل إجماع.
• ثم قال - رحمه الله -:
وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة - ولو في أكبر - إلى حَلِّهَا:
هنا تبين أن عندنا أنواعاً من الممسوح:
الأول: الخف.
والثاني: الجوارب.
والثالث: العمامة.
والرابع: الخمار.
والخامس: الجبيرة.
لكن هم يجعلون العمامة والخمار شيء واحد. وعلى كل نستطيع أن نقول هي خمس.
الجبيرة: يجوز عند الحنابلة أن يمسح على الإنسان وخالفوا بهذا مذهب الظاهرية فإنهم يرون عدم الجواز.
(1/99)
________________________________________
الدليل:
• أولاً: صح عن ابن عمر - أنه مسح على عصابة ربط بها يده.
• ثانياً: روي عن عدد من التابعين أنهم مسحوا على الجبائر.

فإن قيل: هل معنى الاستدلال بالآثار أنه لا يوجد في الباب نصوص؟
فالجواب: نعم بدليل قول البيهقي ’: لا يصح في هذا الباب أي حديث.
فعرفنا من قول البيهقي: أن أي حديث فيه المسح على عصابة أو لفافة على الجرح فهو حديث ضعيف.
ومن أشهر هذه الأحاديث حديث صاحب الشجة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروى - أرشده إلى المسح على الجرح الملفوف.
ولكن هذا الحديث وإن صححه بعض المعاصرين فإنه حديث ضعيف كما قال – النووي –.
هذه المسألة مهمة فيجب أن تفهم أنه في باب الجبائر لا يوجد حديث صحيح وإنما العمدة على أمرين:
• الأول: ما صح عن ابن عمر: فلو كان يوجد آثار عن الصحابة لكانت المسألة أقوى إنما صح فقط عن ابن عمر.
• والثاني: أنه روي عن عدد من التابعين.
ثم لما بين مشروعية المسح على الجبيرة ذكر الشروط: فقال ’:
لم تتجاوز قد الحاجة.
يعني أنه يشترط لجواز المسح على الجبيرة: أن يقتصر في شدها على موضع الحاجة.
الدليل:
قالوا الدليل: قاعدة مشهورة متفق عليها: "" أن الضرورة والحاجة تقدر بقدرها بلا زيادة ولا نقصان "".
فإذا شد الإنسان الجبيرة أكثر من الحاجة – صورة هذه المسألة:
كأن تنكسر يد الإنسان من الوسط ويكفي لبرئها أن يشد عليها جبيرة بمقدار شبر فالمعالج شد الجبيرة بمقدار شبر ونصف.
فكم الزيادة؟
زاد عن حاجة المريض نصف شبر. فحينئذ نقول هذا الشد لا يجوز.
وماذا يصنع؟
يقول الحنابلة:
• إن أمكن أن تفك الجبيرة بلا ضرر وجب أن تفك.
• وإن لم يمكن فإنه يمسح ويتيمم عن الباقي.
ما هو دليل هذا الحكم؟
الدليل: القاعدة ""أن الضرورة أو الحاجة تقدر بقدرها"".
والقول الثاني: في هذه المسألة: ويفهم من كلام الإمام أحمد أنه يجوز أن تشد كيفما تيسر حال وقوع الحادث لأن مراعاة ذلك فيه مشقة.
(1/100)
________________________________________
وهذا القول هو الصواب. لأنه من الصعوبة بمكان إذا أراد الطبيب في وقتنا هذا أن يجبص اليد أن نقول له: أن لا يزيد التجبير عن الحاجة، فهذا فيه صعوبة بالغة ومشقة والمشقة في الشرع تجلب التيسير والمريض في حال المرض والانكسار يصعب عليه أن يراعي مثل هذه الأشياء الدقيقة.
• ثم أكمل المؤلف - رحمه الله - بقوله:
ولو في أكبر إلى حلها.
لماذا اضطر المؤلف أن يقول (ولو في أكبر)؟
الجواب: لأنه قال فيما تقدم في حدث أصغر فاحتاج أن ينبه إلى أن الجبيرة ليست كالخف وإنما يجوز أن يمسح عليها حتى في الحدث الأكبر وهو غسل الجنابة أو غسل الحيض.
• قال - رحمه الله -:
إلى حلها:
يعني أنها لا تتوقت كما يتوقت الخف.
ما هو الدليل على أنه يمسح في الحدث الأكبر وأنه لا وقت للجبيرة؟
الدليل:
• أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول (لا ضرر ولا ضرار).
• والقاعدة المتفق عليها: ""الضرورات تبيح المحرمات"".
وفهمنا من قول المؤلف: وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة أنه يجب أن نمسح على جميع الجبيرة من جميع الجهات.
من أين فهمناه؟
من قوله: (وجبيرة) يعني: ويمسح على جميع الجبيرة لأنه لم يخصص شيئاً من الجبيرة.
وسيزيد المؤلف هذا الحكم بياناً في آخر الباب حيث قال: وعلى جميع الجبيرة.
وفهمنا من هذه العبارة عدة فروق بين الجبيرة والخف:
الأول: الوقت.
الثاني: مسح كل الجبيرة.
الثالث: في الحدث الأكبر.
الرابع: عد قوله على قدر الحاجة بينما الخف لا يشترط أن يكون على قدر الحاجة.
• ثم قال - رحمه الله -:
إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة.
هذا هو الشرط الأخير من شروط المسح على الخفين والعمامة والخمار والجبيرة عند الحنابلة وهو: أن يكون أدخلها بعد كمال الطهارة.
الدليل على هذا الشرط ما ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أنه لما هم بنزع خف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له - صلى الله عليه وسلم - (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).
فهذا دليل على اشتراط لبس الخفين على طهارة.
وعموم كلام المؤلف يتناول الخف والجورب والعمامة والخمار والجبيرة.
وكلام المؤلف صحيح في كل هذه الأشياء إلا في أمرين:
1. العمامة.
2. والجبيرة.
(1/101)
________________________________________
فالمؤلف: اشترط للمسح على هذه الأشياء الخمسة أن يكون اللبس تم على طهارة - وكلامه صحيح في الجميع لحديث المغيرة - إلا في مسألة العمامة وفي مسألة الجبيرة ففيهما خلاف:
فمسألة العمامة: القول الثاني: فيها أنه يجوز المسح ولولم يلبس على طهارة.
الدليل: يقول شيخ الإسلام ’ أنه من المعتاد عند لبس العمامة والوضوء أن الإنسان إذا مسح رأسه يعيد العمامة إلى اللبس ثم يغسل رجليه.
وعليه هل لبس العمامة قبل أو بعد غسل الرجلين؟
الجواب: قبل.
قبل أو بعد كمال الطهارة؟
الجواب: قبل.
فيقول ’ هذا معتاد بين الصحابة وليس من المعتاد عندهم أنهم إذا مسحوا الرأس جعلوا العمامة على الأرض ثم بعد غسل الرجلين لبسوا العمامة.
فيقول: الرسول - صلى الله عليه وسلم - روي عنه جواز المسح على العمامة وهم اعتادوا لبس العمامة على هذه الكيفية أثناء الوضوء إذاً لا يشترط أن تلبس العمامة على طهارة.
وأحب أن أنبه إلى مسألة مهمة جداً وهي: أن مقصود الذين قالوا لا يشترط الطهارة يعني لا يشترط كمال الطهارة فلو لبس الإنسان العمامة على حدث ثم مسح عليها فإنه لا تصح الطهارة لكن لو لبس العمامة قبل تمام الطهارة كما في المثال فإنها تصح.
بينما عند الحنابلة – أن الصورة التي ذكرت يجعلون المسح عليها لا يجوز لأنه لبس العمامة قبل كمال الطهارة حيث بقي عليه غسل القدمين.
وهذا القول هو الصواب.
بقينا في الجبيرة: القول الثاني فيها: أنه لا يشترط أن تلبس على طهارة لا كاملة ولا ناقصة حتى لو شد الجبيرة على حدث فإنه يجوز له أن يمسح.
وهذا القول اختاره المرداوي ’. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
الدليل: قالوا: أنه يشق على الإنسان ويعسر عليه أن يراعي الطهارة عن حدوث الحادث فإذا انكسرت اليد – مثلاً – وأرادوا تجبيرها يصعب على المريض أن يراعي قضية الحدث.
وكما تقدم القول أن القاعدة المتفق عليها: المشقة تجلب التيسير. والآثار التي رويت عن ابن عمر والتابعين ليس فيها اشتراط هذا الشرط فصار المجموع أن هذا ليس شرطاً صحيحاً والصواب عدم اشتراط لبس الجبيرة على طهارة.
ثم لما أنهى المؤلف ’ الكلام على الشروط تفصيلاً انتقل إلى بعض التفاصيل في المدة.
• فقال ’:
(1/102)
________________________________________
ومن مسح في سفر ثم أقام أو عكس، أو شك في ابتدائه: فمسح مقيم.
ثلاث مسائل:
1. إذا مسح الإنسان في السفر ثم أقام فإنه يمسح مسح مقيم من حيث المدة.
2. وإذا مسح الإنسان مقيماً ثم سافر وهذا معنى قوله أو عكس فإنه أيضاً يمسح مسح مقيم.
3. وإذا شك هل ابتدأ المسح مسافراً أو مقيماً فإنه يمسح مسح مقيم.
وجميع هذه المسائل حكمها عند الحنابلة أنه يمسح مسح مقيم.
وهذه المسائل عامة الناس بحاجة إليها ولا يكاد يخلو منها مسلم لا سيما مع كثرة السفر في عصرنا هذا.
نبين المسائل الثلاث:
المسألة الأولى: إذا مسح في سفر ثم أقام فإنه يمسح مسح مقيم بلا خلاف. فإذا مسح في السفر لمدة يوم ثم أقام فكم بقي له؟
بقي له ليلة.
وإذا مسح في السفر لمدة يوم وليلة ثم أقام فكم بقي له؟
لم يبق شيء. فيجب أن يخلع مباشرة.

المسألة الثانية: إذا مسح مسح مقيم ثم سافر فعند الحنابلة كم يمسح؟ يوم وليلة.
فإذا مسح في بيته لمدة يوم ثم سافر فكم باقي له؟ ليلة.
لماذا مع أنه مسافر؟ يقول الحنابلة تغليباً لجانب الحظر.
والقول الثاني: في هذه المسألة أنه يمسح مسح مسافر.
الدليل: قالوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن فعلق المسح على وصف وهو: السفر فإذا وجد الوصف وجد الحكم.
فإذاً إذا مسح الإنسان يوم وسافر فعلى القول الثاني: كم بقي له؟
يومان وليلة.
والراجح هو القول الثاني. بلا تردد لوضوح النص.
• مسألة: إذا مسح الإنسان مقيماً ثم سافر فإنه يمسح مسح مسافر مالم تكن المدة انتهت أثناء إقامته.
وهذه مسألة يحصل فيها خلط عند كثير من الناس.
• فإذا إذا مسح الإنسان لمدة: ثلاث وعشرين ساعة ثم سافر فكم بقي له؟
ساعة ويومين.
• إذا مسح لمدة أربع وعشرين ساعة ثم سافر فكم يبقى له؟
لا يبقى له شيء فيخلع ويغسل.
• قال ’:
أو شك في ابتداءه.
الشك إنما يتصور بالنسبة للمسافر.
فمثلاً: مسافر شك هل ابتدأ المسح مقيماً أو مسافراً؟
فإنه يتم مسح مقيم على المذهب.
مسألة: إذا شك الإنسان هل مسحه مسح مقيم أو مسافر؟
فعند الحنابلة: مقيم.
وعلى القول الصواب ... ....... ((انقطع التسجيل للآذان)).
• قال الشيخ حفظه الله: -
الآن يا إخواني نختم بهذه المسألة:
(1/103)
________________________________________
أسألكم سؤال: نريد الجواب على مقتضى مذهب الحنابلة.
- رجل مسح مقيماً ثم سافر فماذا يمسح؟
يمسح مسح مقيم.
- رجل مسح مسافراً فعند الحنابلة: يمسح مسافراً وهذا بالإجماع.
- رجل شك هل مسح مسح مقيم أو مسح مسافر؟
= عند الحنابلة: يمسح مسح مقيم.
= وعلى القول الراجح ماذا نقول؟
يمسح مسح مسافر. لماذا؟
لأنه الآن في الاسفر وعلى القول الراجح أن المسافر يمسح مسح سفر. فهذه المسألة أصلاً متصورة على مذهب الحنابلة فقط لأنهم يجعلون المسافر إذا مسح مقيماً ثم سافر فإنه يمسح مسح مقيم.
- الخلاصة التي يحتاج إلى فهمها: أن المقيم إذا مسح ثم سافر يمسح مسح مسافر. والمسافر إذا سافر فبلا خلاف.
• ثم قال ’: - في آخر مسائل المسح.
وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه: فمسح مسافر.
إذا توضأ الإنسان ولبس الجورب ثم أحدث ثم سافر قبل أن يمسح ثم مسح مسافراً: = فعند الحنابلة أنه يمسح مسح مسافر بل بلا خلاف في هذه المسألة.
لماذا؟ التعليل: لأنه ابتدأ المسح مسافراً.
وفي هذه المسألة دليل على ضعف قول الحنابلة: أن مدة المسح تبدأ من الحدث لا من المسح. فإنهم ناقضوا أنفسهم في هذه المسألة. ففي هذه المسألة: جعلوا ابتداء المدة من المسح لا من الحدث.
• ثم قال ’:
ولا يمسح: قلانس.
هذه المسائل كلها مكررة.
فقوله: ولا يلبس قلانس. لأنه سبق اشتراط التحنيك. والقلانس غير محنكة. وأخذنا أن الصواب أنه لا يشترط للعمائم أن تكون محنكة.
فالصواب: إذاً جواز المسح على القلانس.
• قال ’:
ولفافة.
لأن من شروط المسح على الخف أن يثبت بنفسه. واللفافة لا تثبت بنفسها.
والصواب: وهو رواية عن الإمام أحمد جواز المسح على اللفافة قياساً على الخف بل هي أولى منه بالجواز.
ماهي اللفافة؟
اللفافة هي ما يلف على القدم حتى يستر محل الفرض سواء كان لبرد أو لغيره فإنهم في القديم كانوا لفقرهم قد لا يجدون جوارب ولا خفاف فيستخدمون لفائف يلفون على الرجل ليحصل الدفئ بها.
فالحنابلة يرون أنه لا يجوز المسح على اللفافة. لماذا؟
لأنها لا تثبت بنفسها. وتقدم معنا أن هذا الشرط غير صحيح.
ولذلك نقول الرواية الثانية عن الإمام أحمد جواز المسح على اللفافة وهو الصواب.
• ثم قال ’:
(1/104)
________________________________________
ولا ما يسقط من القدم أو يرى منه بعضه.
لماذا لا يجوز أن نمسح على ما يسقط من القدم؟
لأنه لا يثبت بنفسه. وقد تقدمت مناقشة هذه المسألة.
لماذا لا يجوز المسح على ما يرى منه بعضه؟
لأنه غير ساتر لمحل الفرض. وتقدم مناقشة هذه المسألة.
إذاً الصواب على ما تقدم أن نقول: أنه يجوز المسح على ما يسقط من القدم أو يرى منه بعضه.
وبهذا نكون توقفنا على مسألة لبس خف فوق خف. وهي مسألة مهمة جداً نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله.
والله أعلم ... وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(1/105)
________________________________________
(((نبدأ مباشرة بالشرح باعتبار أنه تأخر قليلاً وقت البداية وتوقفنا عند قول الماتن في باب المسح على الخفين وإن لبس خفاً على خف))).
شرع المؤلف - رحمه الله - في بيان حكم لبس خفين فوق بعضهما وهي مسألة تمس الحاجة إليها في زمن البرد الشديد لا سيما في الأماكن الباردة فمن المناسب جداً أن يتقن طالب العلم أحكام لبس الفوقاني والتحتاني من الخفاف.
• فقال - رحمه الله -:
فإن لبس خفاً على خف قبل الحدث: فالحكم للفوقاني.
قاعدة المذهب - قبل أن ندخل في الصور - أن الخف إذا مسح تعلق به الحكم سواء كان الفوقاني أو التحتاني فإذا خلع الممسوح فإنه لا يجوز أن يمسح بعد ذلك على الباقي من الخفين.
ثم نأتي إلى التفصيل: إذا تطهر الإنسان بأن غسل رجليه ثم لبس التحتاني ثم لبس الفوقاني قبل أن يمسح التحتاني ثم مسح الفوقاني فحينئذ هل تعلق المسح بالتحتاني أو بالفوقاني؟ - بالفوقاني.
فإذا خلع الفوقاني فعلى المذهب لا يجوز له أن يمسح على التحتاني.
هذه هي الصورة الأولى. لماذا؟ - لأن المذهب يعلقون الحكم بالممسوح.
القول الثاني: - في هذه المسألة -: أن له أن يتم المسح على التحتاني لأنه لبسه على طهارة غسل فيتم المسح على التحتاني.
مثال يوضح هذ المسألة:
إذا توضأ وغسل رجليه ولبس خف تحتاني ثم لبس خفاً فوقاني ومسح على الفوقاني فلما ذهب من اليوم والليلة يوم خلع الفوقاني. فهل يجوز على المذهب أن يمسح على التحتاني؟ ... - لا.
وهل يجوز أن يمسح عليه على القول الثاني؟ ... - نعم.
وكم باقي له؟ - ليلة.
(1/106)
________________________________________
إذاً يجوز على القول الصحيح أن يمسح على التحتاني بعد أن خلع الفوقاني وإن بدأ المسح على الفوقاني ولكن يتم المسح الباقي من اليوم والليلة بالنسبة للمقيم.

ننتقل إلى الصورة الثانية:
إذا لبس الإنسان الخف التحتاني على طهارة كاملة - ومقصودي بقولي الطهارة الكاملة: هي طهارة الغسل - ومسح على هذا الخف ثم لبس الفوقاني بعد أن مسح التحتاني فعلى المذهب هل يجوز أن يمسح على الفوقاني؟
لا. لا يجوز. والسبب أن الحكم يتعلق بالممسوح والممسوح الآن هو التحتاني. إذاً الفوقاني لا يجوز له أن يمسحه على المذهب.
والقول الثاني: أنه يجوز له أن يمسح الفوقاني إذا لبسه بعد أن مسح على التحتاني.
لماذا؟ لأنه لبسه على طهارة.
والقول الراجح القول الأول - مذهب الحنابلة - لماذا؟
التعليل: لأنه الفوقاني وقد لبس على طهارة مسح والخف لا يمسح عليه إلا إذا لبس على طهارة غسل.
إذاً إذا لبس خفاً بعد أن مسح على التحتاني وأراد أن يتوضأ ماذا يفعل يخلع الفوقاني ويمسح وهذا هو المذهب وهو الصواب.
• ثم قال ’:
ويمسح: أكثر العمامة،
يجب على من أراد أن يتوضأ وقد لبس العمامة أن يمسح على أكثر العمامة ولا يجب عليه أن يمسح على كل العمامة.
التعليل: قالوا:
• قياساً على الخف.
• ولأنه إنما مسح بدلاً عن الغسل فدخله التخفيف.
بناء على هذا لا يجب على من لبس العمامة أن يمسح على داخل الأكوار - اللفائف -.
مسألة: إذا ظهر من الرأس شيء فعند الحنابلة يسن أيضاً أن يمسح عليه فيمسح على الرأس أو على ما ظهر من الرأس والباقي من العمامة.
إذاً إذا قيل لك هل يجب أن يستوعب الإنسان العمامة مسحاً كما يستوعب الرأس مسحاً؟ فالجواب: لا. وإنما يجب عليه أن يمسح أكثر العمامة. قياساً على الخف.
• ثم قال ’:
وظاهر قدم الخف من أصابعه إلى ساقه
يريد المؤلف ’ تعالى أن يبين كيفية المسح على الخف.
فبين أن كيفية المسح تكون بأن يمسح من أطراف الأصابع إلى بداية الساق وكيفما مسح أجزأ.
- فإذا فرضنا أنه مسح طولاً بأن مرر يده من الأصابع إلى الساق أجزأه.
- وإذا فرضنا أنه مسح عرضاً بأن عرض كفه على الخف ومسح مابين الأصابع إلى الساق أجزأ.
(1/107)
________________________________________
قال الإمام أحمد: كيفما مسح الإنسان أجزأه لأنه ليس في السنة ما يدل على كيفية المسح.
• ثم قال ’
دون أسفله وعقبه:
لم يصح عن النبي ‘ في حديث أنه مسح على أسفل الخف ولا على العقب وإنما يسمح كما قال المؤلف على ظاهر القدم فقط.
فلا يجب على المتوضئ أن يمسح على أسفل الخف ولا على العقب بل إنه لا يشرع لأنه لم يأت في الشرع ما يدل على مشروعية المسح على أسفل الخف ومن المعلوم أن المسح عبادة توقيفية.
وإذا كان النبي ‘ مسح كما في حديث المغيرة وكما في حديث علي بن أبي طالب على ظاهر القدم فقط فنحن نتأسى به ‘ ونمسح على ظاهر القدم فقط دون العقب ودون أسفل الخف.
• ثم قال ’:
وعلى جميع الجبيرة.
بين المؤلف ’ كيفية المسح على البدائل الأربع التي ذكرها فيما سبق: الخف والعمامة والجبيرة.
وبين في كلام الشيخ هنا – الماتن - الفرق بين العمامة والخف والجبيرة.
فالفرق بينهما:
• أن العمامة والخف يمسح أكثرهما.
• والجبيرة يجب أن تمسح من جميع الجهات.
التعليل: قال شيخ الإسلام ’: الجبيرة بدل الجلد والجلد يجب تعميمه بالغسل فيجب تعميم الجبيرة بالمسح.
فالجبيرة ليست كالخف فقد شرعت تخفيفاً على المكلف وإنما هي بدل عن الجلد فيجب أن تعمم من جميع الجهات فإذا جبر الإنسان يده يجب أن يمسح على الجبيرة من فوق وأسفل ومن الجهتين اليمين والشمال.
وهذا الحكم مما يفوت على كثير من الناس فيظن أن مسح الجبيرة كمسح الخف. فتجد بعض الناس - كما نلاحظهم في أماكن التطهر العامة - إذا جبر رجله مسح على ظاهر القدم وترك أسفل الجبيرة وهذا خطأ ويعتبر وضوئه باطل بل يجب أن يمسح على جميع الجبيرة.

ثم ذكر المؤلف ’ مسألتين حكمهما وتعليلهما واحد:
• فقال ’:
ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث، أو تمت مدته: استأنف الطهارة.
أفادنا المؤلف أنه في صورتين تبطل طهارة المسح على الخفين:
الصورة الأولى: إذا انتهت مدة المسح على الخفين ولو كان على طهارة فإنها تبطل طهارته عند المذهب بمجرد انتهاء مدة المسح.
الصورة الثانية: إذا خلع الخف. وهذا معنى قوله: ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث.
(1/108)
________________________________________
فإذا خلع الخف أو ظهر بعض محل الفرض بسبب خلع جزئي للخف أو انتهت مدة المسح فعند الحنابلة تبطل الطهارة.
التعليل: قالوا أن المسح على الخفين أقيما مقام الغسل فإذا خلع الخف بطلت الطهارة في القدم وإذا بطلت الطهارة في بعض الأجزاء بطلت في جميع الأجزاء.
بناء على ما قرره الحنابلة إذا مسح الإنسان قبل نهاية مدة المسح بساعة واستمر طاهراًَ وانتهت مدة المسح بانتهاء هذه الساعة واكتمال يوم وليلة فإن الطهارة تكون قد انتقضت بمجرد انتهاء وقت المسح ولو لم يحدث أي حدث آخر.
كذلك لو أن الإنسان في أثناء اليوم والليلة - في وسط اليوم والليلة - مسح على الخفين وتطهر ثم بدا له أن يخلع الخفين لأي عارض فإنه بمجرد خلع الخفين تبطل طهارته.
والقول الثاني في هذه المسألة:
أن الطهارة في المسألتين تبقى وتستمر لأن تطهره ثبت بدليل شرعي فلا ينتقض إلا بدليل شرعي يدل على الانتقاض وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن مجرد خلع الخف أو أن انتهاء مدة المسح ناقض للطهارة فالأصل بقائها.
إذاً على القول الثاني تبقى الطهارة ولا يعتبر من نواقض الوضوء.
فإن قيل: لماذا لم يذكر خلع الخف وانتهاء المدة في باب النواقض؟
فالجواب لأن ذكر هاتين المسألتين في باب المسح على الخفين أنسب من ذكرهما في باب النواقض لأن هذا الباب مخصص لجميع أحكام الخفين.
وبهذا يكون انتهى باب المسح على الخفين.
وكما ذكرت لكم في كل باب مسائل مهمة وأساسية ومسائل أخرى أهمية.
فمسائل المسح على الخفين في وقتنا هذا قليلة الأهمية بينما مسائل لبس الخفين في وقتنا هذا شديدة الأهمية. وهكذا فالمقصود أن يركز طالب العلم على المسائل المهمة ويعتني بها.

ثم قال باب نواقض الوضوء .....
تابع
باب نواقض الوضوء.
• قال - رحمه الله -:
باب نواقض الوضوء.
المقصود بالنواقض أي المفسدات. أي هذا باب مخصص لبيان ما يفسد الوضوء.
والأصل في النقض أن يكون في البناء فهو حقيقة في لغة العرب في البناء.
لكن استعمل مجازاً في نقض المعاني. كما نقول هنا باب نواقض الوضوء لأن هذا نقضاً معنوياً وكما يقولون في أصول الفقه نقض العلة فإن هذا نقضاً معنوياً.
(1/109)
________________________________________
والعلاقة بين المعنيين - الحسي والمعنوي - أن في كلاً منهما إبطال. لأنه لا يمكن أن نستعمل اللفظ في غير حقيقته مجازاً إلا بوجود علاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي.
وهذا الباب غاية في الأهمية ويحتاج إليه المسلم في اليوم عدداً كبيراً من المرات تنقص وتزيد فضبطه لطالب العلم لنفسه ولغيره من المسلمين من العلم المتحتم بل إن هذا الباب بدون تفاصيل يجب حتى على العوام أن يعرفوه أما بتفاصيل وخلافاته وأدلته فيجب على أهل العلم وطلابه فقط.
بدأ مؤلف بسرد نواقض الوضوء فقال:
ينقض (1) ما خرج من سبيل.
لاحظ عبارة المؤلف حيث قال: ما خرج من سبيل: فأي شيء يخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء.
قاعدة المذهب واضحة وسهلة.
وحتى يتبين لك فائدة هذه القاعدة وقول المؤلف: ما خرج من سبيل أنه قاعدة مهمة مفيدة لو قيل لك الآن قبل أن ندخل في تفاصيل أحكام النقض ما حكم رطوبة فرج المرأة؟
البول والغائط معروف حتى العوام يعرفون أنها ناقضة للطهارة.
لكن لو قيل لك أن المرأة يخرج من فرجها رطوبة - تبتلى بها النساء - فهل تنقض أو لا تنقض؟
فكيف عرفت أنها تنقض من القاعدة لأن المؤلف يقول كل ماخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء. وأنا الآن لا أقرر أن رطوبة فرج المرأة تنقض أو لاتنقض فسيذكرها المؤلف وسنتكلم عليها بتفصيل لأهميتها.
لكن أردت أن أمثل بأحد المسائل التي تعتبر صعبة مما يمكن لطالب العلم أن يعرف حكمها من خلال قاعدة المؤلف.
إذاً كل ماخرج من السبيل فهو ناقض للوضوء.
الدليل: حديث صفوان السابق: وهو قوله ولكن من بول أو غائط أو نوم.
والخارج من السبيلين: على قسمين:
1. إما أن يكون معتاداً. كالبول والغائط أو أن يكون غير معتاد كأن يخرج حصى أو شعر أو أي خارج من السبيلين منغير المعتاد.
فالمعتاد - البول والغائط. فبإجماع الأمة أنه ناقض ولا إشكال فيه لصراحة الآيات والأحاديث فيه.
2. أما غير المعتاد فالجماهير من أهل العلم يرون أنه ناقض فإذا خرج من دبر الإنسان مثلاً - حصاة ابتلعها وخرجت مع دبره - فإنها تنتقض طهارته بخروج هذا الخارج وإن كان غير معتاد.
(1/110)
________________________________________
واستدل الجماهير: بحديث المستحاضة فإنه في حديث المستحاضة أمر النبي ‘ المستخاضة أن تتوضأ لكل صلاة مع أن هذا الخارج يعتبر غير معتاد.
المعتاد الحيض أما الاستحاضة فليس من المعتاد وإنما هو أمر طارئ على المرأة.
وعند المالكية أن غير المعتاد لا ينقض.
والصواب مع الجماهير.
• ثم قال ’:
(2) وخارج من بقية البدن، إن كان بولاً أو غائطاً أو كثيراً نجساً غيرهما.
الخارج من غير السبيلين: يعني من بقية البدن عى قسمين:
1. إما أن يكون بول وغائط.
2. أو أن يكون من غير البول والغائط.
فإن كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض الطهارة ولو كان قليلاً وهذا الحكم عند الجماهير ولم يخالف - فيما أعلم - في هذا الحكم أحد من أهل العلم إلا الشافعية قالوا: إذا كان البول والغائط خرج من مخرج أعلى من المعدة فإنه لا ينقض وإن كان من مخرج أسفل من المعدة فإنه ينقض.
وأما الحنابلة فلا يفرقون سواء كان خروجه من مخرج أعلى من المعدة أو أسفل منها والصواب مع الحنابلة.
الدليل: أن الشارع الحكيم علق نقض الطهارة بخروج البول والغائط من أي مكان كان كما في الحديث (ولكن من بول أو غائط أو نوم) وقبله في الآية (أو جاء أحد منكم من الغائط).

ننتقل إلى القسم الثاني: من الخارج من بقية البدن: وهو غير البول والغائط فهذا يشترط الحنابلة للنقض به شرطين:
الأول: أن يكون كثيراً.
والثاني: أن يكون نجساً.
مثال للخارج من بقية البدن ن غير البول والغائط كالرعاف والحجامة والقيء هذه أبرز ثلاثة أمثلة تخرج من بقية البدن من غيرالبول والغائط.,
فالحنابلة يرون أن هذا الخارج ينقض بشرطين الأول أن يكون كثيراً والثاني أن يكون نجساً.
وتعريف الكثير عند الحنابلة هو ما فحش في النفس أي إذا استعظمه الإنسان فهذا هو الكثير والنجس معروف.
دليل الحنابلة على أن الخارج من بقية البدن من غير البول والغائط إذا كان فاحشاً نجساً نقض الطهارة:
ما ثبت في الحديث أن النبي ‘ قاء فتوضأ.
إذاً الآن عرفنا مذهب الحنابلة تماماً. تفاصيل الخارج من بقية البدن ودليل الحنابلة. وشروط الحنابلة. فعرفنا كل ما يتعلق بمذهب الحنابلة في الناقض الثاني وهو الخارج من بقية البدن.
(1/111)
________________________________________
نرجع إلى الخلاف في الخارج من بقية البدن من غير البول والغائط كالرعاف والحجامة والقيء.
القول الثاني: في هذه المسألة أنه لا ينقض شيء من ذلك. للقاعدة التي ذكرناها في أول هذا الدرس وسنحتاج إليها مراراً وتكراراً.
أن نقض الطهارة حكم شرعي يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة. وليس في الكتاب ولا السنة ما يدل لى أن خروج الرعاف أو الحجامة أو القيء ينقض الطهارة.
إذاً لا دليل لا من كتاب ولا سنة على أن هذه الأمور تنقض الطهارة.
يبقى علينا أن نجيب على حديث قاء فتوضأ. ماهو الجواب؟
الجواب أن لفظ الحديث الصحيح: قاء فأفطر. وسبب وقوفنا عند هذا المثال لأبين لكم فائدة مهمة وهي أنه كثيراً ما يترتب على تحرير لفظ الحديث الحكم الشرعي. فالذين لم يحرروا لفظ هذا الحديث أو رجحوا صحة لفظ قاء فتوضأ استنتجوا من هذا وجوب الوضوء من القيء.
ولكن الصواب أن لفظ الحديث الصحيح قاء فأفطر. فإذا كان هذا هو لفظه فإنه لا دليل على النقض أصلاً بالقيء.
فإذاً الراجح أنه أي خارج من باقي البدن من غير البول والغائط فإنه لا ينقض الطهارة سواء كان حجامة أو قيء أو غيرهما.
• ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى الناقض الثالث فقال - رحمه الله -.
(3) وزوال العقل، إلاّ يسير نوم من قاعد أو قائم.
زوال العقل أيضاً هنا نقول أن عبارة المؤلف - رحمه الله - زوال العقل هنا جيدة حيث لم يعبر بالنوم وإنما قال زوال العقل فإي زوال للعقل بأي سبب فيعتبر ناقضاً للوضوء.
فإذا ضبطت هذه القاعدة - هي عبارة من عبارات المؤلف - لكنها في الحقيقة قاعدة.
فإذا قيل لك: رجل أغمي عليه ثم أفاق هل يجب أن يتوضأ؟
الجواب: يجب.
وكيف عرفت هذا الحكم؟
من قول المؤلف: زوال العقل.
نرجع إلى تفصيل الكلام:
زوال العقل ينقسم إلى قسمين:
1. إما أن يكون بغير النوم.
2. أو أن يكون بالنوم.
فزوال العقل بغير النوم: كالسكر. والإغماء. والجنون. فهذا ينقض بإجماع العلماء.
وزوال العقل بالنوم: فهذا محل خلاف شديد بين أهل العلم وكثرت الأقوال والأدلة والردود. ونحن نلخص إن شاء الله هذا كله في ثلاثة أقوال:
القول الأول: مذهب الحنابلة: - لاحظ عبارة المؤلف - يقول - رحمه الله -: ينقض مطلقاً إلا اليسير منه (بشرط أن يكون) من قاعد أو القائم.
(1/112)
________________________________________
- فإذا كان النوم كثيراً من قاعد أو قائم: فينقض.
- وإذا كان النوم يسيراً من مضطجع: فينقض.
فالآن تصورنا مذهل الحنابلة: أن النوم ينقض مطلقاً إلا اليسير بشرط أن يكون من قاعد أو قائم.
الأدلة: أما كونه ينقض مطلقاً فاحديث صفوان السابق (ولكن من بول أو غائط أو نوم) فهذا صريح بأن النوم من نواقض الوضوء.
أما استثناء اليسير من قاعد أو قائم فقالوا: لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس - أن أصحاب النبي ‘ كانوا يغفون في المسجد ويخفقون الخفقة والخفقتين ومن كان ينتظر الصلاة هل هو عادة مضطجع أو قاعد أو قائم؟
قاعد أو قائم.
فيستدلون بدليلين مركبين لأن قولهم مركب: النوم ينقض مطلقاً إلا يسير النوم من القاعد أو القائم.
إذا نظرت تجد أن أدلة الحنابلة قوية فقد أخذوا بالنصوص التي تدل على النقض وبالأحاديث التي تدل على عدم النقض.
القول الثاني: للأوزاعي: أن النوم لا ينقض مطلقاً: قال لأنه ثبت أن النبي ‘ كان ينام ويصلي بلا وضوء والصحابة ينامون ويصلون بلا وضوء.
ودليل الأوزاعي دليل واضح.
القول الثالث: أن النوم ليس حدثاً بنفسه ولكنه مظنة الحدث فإذا بقي مع النائم شعوره وإحساسه فإن طهارته لا تنتقض.
دليلهم: قالوا: جمعاً بين الأخبار.
وجه الجمع: قالوا حديث صفوان دل على أن النوم ناقض مطلقاً وأحاديث نومه ‘ وإغفاء الصحابة تدل على أنه لا ينقض فنجمع بينهما ونقول نوم الصحابة والنبي ‘ لم يكن نوماً مستغرقاً وإنما بقي معه إحساس وشعور وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو قول قوي كما نرى.
مسألة: إذا قال الإنسان لا أدري هل بقي معي إحساسي أو لم يبق إنما غفوت قليلاً؟ فهل انتقضت طهارتي؟ - هذا السؤال كثيراً ما يسأل عنه لا سيما من يحصل منهم ذلك وهم في انتظار صلاة الجمعة.
فالجواب: نعم انتقضت لأمرين:
نقول الأصل أن طهارتك انتقضت لسببين:
الأول: الأصل في النوم أنه ناقض ولكن من بول أو غائط أو نوم.
الثاني: أن عدم معرفتك أنه بقي شعورك أو لا دليل على أن الشعور ذهب.
إذاً تبين أن القول الثالث هو أرجح الأقوال إن شاء الله وإنه عند أدنى تردد فإن الإنسان يعتبر النوم ناقض لأن هذا هو الأصل في النوم.

ثم انتقل إلى الناقض الرابع:
(1/113)
________________________________________
(4) ومس ذكر متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه، ولمسهما من خنثى مشكل، ولمس ذكر ذكره أو أُنثى قبله لشهوة فيهما، ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها، ومس حلقة دبر وأمرد، ولا مع حائل ولا ملموس بدنُه، ولو وجد منه شهوة.
• فيقول ’:
ومس ذكر:
يعني أن مس الذكر ناقض للوضوء. هذه المسألة أيضاً من المسائل التي كثر فيها الخلاف فمذهب الحنابلة والشافعية والمالكية - الأئمة الثلاثة - وهو منسوب إلى أكثر الصحابة على أن مس الذكر ينقض الوضوء.
واستدلوا: بحديث بسرة بن صفوان أن النبي ‘ قال من مس ذكره فليتوضأ وهذا الحديث صححه الأئمة ومنهم الإمام أحمد رحمه الله.
إذاً لا إشكال في معرفة وجه الاستدلال بهذا الحديث.
القول الثاني: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء وهو مذهب الأحناف. واختيار شيخ الاسلام ابن تيمية. بل نصره كما أن القول الأول هو اختيار تلميذه ابن القيم ونصره.
فهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها شيخ الاسلام وتلميذه ابن القيم.
واستدلوا بحديث طلق أنه سأل النبي ‘ أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره في الصلاة. فقال النبي ‘ إنما هو بضعة منك.
فقالوا هذا الحديث يدل على عدم النقض وهو معلل بعلة لا تنسخ وهي قوله: إنما هو بضعة منك.
الراجح في هذه المسألة أن مس الذكر ينقض الوضوء بالنسبة لي بلا إشكال مطلقاً.
أولاً: حديث بسرة هذا حديث صحيح بل قال البخاري هو أصح حديث في الباب.
ثانياً: ثبت في الشرع التفريق بين الذكر وغيره من الأعضاء. كقول النبي ‘ لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه ولم يأت في الأحاديث أن شيئاً من أجزاء الجسم نهي عن مسها باليمين فإذاً عرفنا من هذا الحديث أن هناك فرقاًَ بين الذكر وغيره من الأعضاء
ثالثاً: حديث طلق حديث ضعيف وهذا مالم يتفطن له كثير من الذين رجحوا القول الأول. فمن ضعفه؟
ضعفه أئمة الحفاظ الذين لم يسمح التاريخ بمثلهم: فضعفه الإمام أحمد وأبو حاتم وأبوزرعة والدارقطني والبيهقي والشافعي. فهولاء ستة فمن القوم بعد هؤلاء.
فإذا ضعف هؤلاء حديث لم يبق بعده فائدة.
إذاً حديث طلق الذي يعارض به حديث بسرة حديث ضعيف.
ثم أيضاً تبين الفرق بين الذكر وغيره من الأجزاء.
فإذاً مس الذكر الصواب أنه ينقض الطهارة.
(1/114)
________________________________________
المؤلف ’ سيذكر عدة مسائل تتعلق بأصل هذه المسألة - مسألة مس الذكر.
قال: متصل:
يشترط الحنابلة أن يكون الذكر أصلياً متصلاً. التعليل: لأنه هو الذي له الحرمة. أما إن كان ذكراً مقطوعاً فإنه لا ينقض الطهارة.
- إذا مس الإنسان ذكر الميت فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟
تنتقض. لماذا؟ لأنه متصل.
ثم قال: أو قبل.
يعني أو مست المرأة قبلها. الجزء الذي ينقض هو الفرج الذي بين مسكتيها هذا هو الجزء الذي إذا لمس انتقضت الطهارة. أما ما عدا هذا فإنه لا تنتقض الطهارة به.
فإذا مس الإنسان ذكره أو مست المرأة فرجها فقد انتقضت طهارة كل منهما.
وعرفنا من قول المؤلف: أو قبل: أن مس المرأة لفرجها يساوي في الحكم مس الذكر لذكره. فالحكم يستوي فيه الرجل والمرأة.
والقول الثاني: أن المرأة لا تستوي مع الرجل في هذا الحكم لأن الحديث فيه من مس ذكره. فخص الذكر ولأن الذكر مظنة خروج المذي. بخلاف المرأة.
والصواب مع الحنابلة أن مس المرأة فرجها ينقض كمس الذكر لذكره. لأن الأصل في الأحكام تساوي الذكر والأنثى.
والنص في الذكر في الحديث خرج مخرج الغالب.
ثم قال: بظهر كفه أو بطنه.
أفادنا المؤلف بهذه العبارة فائدتين:
الأولى: أنته يشترط أن يكون المس بلا حائل.
والثانية: أنه يشترط أن يكون المس بالكف سواء كان ظاهر الكف أو باطنه. فإذا مسه من وراء ثوب. فهل تنتقض أو لا؟
لا تنتقض: لأننا نقول يشترط أن يكون بلا حائل.
وإذا مس الإنسان ذكره بذراعه فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟
لا تنتقض. لأنه يشترط أن يكون بماذا؟ بالكف.
وإذا مسه بظاههر كفه فعل تنتقض أو لا تنتقض؟
تنتقض. سواء كان بظاهر أو باطن الكف.

الدليل على هذه التفاصيل:
حديث أبي هريرة أن النبي ‘ قال من أفضى بيده إلى ذكره فقد وجب الوضوء وفي لفظ ومسه.
هذا الحديث الصواب أنه موقوف لكن هو حديث لا يقال من قبل الرأي. فله حكم الرفع.
والقول الثاني: أن المس بظاهر الكف لا ينقض. قالوا لأن الإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف. ولا يسمى إفضاءً إذا كان بظاهر الكف.
والجواب: أن ابن سيده وهو من أئمة اللغة أثبت في كتابه المحكم أن الإفضاء يكون بباطن وظاهر الكف لغة.
فإذاً الراجح في هذه المسألة: هو مذهب الحنابلة.
(1/115)
________________________________________
فعرفنا الآن معنا قول المؤلف بظاهر كفه أو بطنه. أنه أراد أن ينص على الظاهر والباطن لمراعاة الخلاف.
ثم قال: ولمسهما من خنثى مشكل.
تقدم معنا أنه يشترط في مس الذكر لكي تنتقض الطهارة أن يكون الذكر أصلياً ومتصلاً.
الخنثى: من المعلوم أن له آلة أنثى وآلة ذكر.
فأحد الآلتين زائد. ولا يعرف أيهما الزائد فإذا مس الخنثى ذكره فهل تنتقض الطهارة أو لا تنتقض؟
الجواب: لا تنتقض لماذا؟ لأنه يحتمل أن يكون هو العضو الزائد في هذا الخنثى ونحن نشترط في الممسوس أن يكون أصلياً.
وإذا مس الخنثى قبله فهل تنتقض الطهارة؟
نعم لأنه يحتمل أن يكون هو الزائد.
وإذا مس الخنثى الدبر والقبل انتقضت لأن أحدهما أصلي قطعاً.
فإذاً لمس القبل والدبر بالنسبة للخنثى فيه هذا التفصيل وهو أن نقول إن مس الخنثى أحدهما لم تنتقض الطهارة والتعليل لاحتمال أن يكون هذا هو العضو الزائد.
وإن مس الدبر والقبل انتقضت الطهارة لأن أحدهما أصلي قطعاً.
وهذا معنى قول المؤلف ولمسهما من خنثى مشكل.

ثم قال: ولمس ذكر ذكره أو أُنثى قبله لشهوة فيهما.
إذا مس ذَكَرٌ ذَكَرَ الخنثى أو مست أنثى قُبُلَ الخنثى لشهوة في المسألتين انتقضت الطهارة.
نأخذ المسألتين كل واحدة على حدة:
الأولى: إذا مس ذَكَرٌ ذَكَرَ الخنثى بشهوة انتقضت الطهارة. التعليل: يقولون: إما أن يكون هذا العضو أصليٌ فيكون قد مس الأصلي وإذا مس الذكر الأصلي انتقضت الطهارة.
أو أن يكون ليس أصلياً فتنتقض لأنه مسه بشهوة ومس الإنثى بشهوة ينقض الطهارة.
الأنثى كذلك: إذا مست أنثى قبل الخنثى لكن بشهوة فنقول أنها تنتقض الطهارة بكل حال لماذا؟ لأنه إما أن يكون هذا هو فرج الخنثى الأصلي .............................. ((انقطع التسجيل للآذان ثم أكمل الشرح بعده)
: ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها. ثم قال بعد ذلك: ومس حلقة دبر.
كما تلاحظ فصل المؤلف: بين مس الدبر ومس الذكر.
وأهل العلم يعتبرون هاتين المسألتين مسألة واحدة فالمؤلف لم يحسن في ترتيب المسائل فكان يجب أن يجعل ذكره لمسألة مس الدبر بعد ذكر مسألة مس الذكر ثم يذكر بعد ذلك مس المرأة.
(1/116)
________________________________________
أما تعليل المحشي: بأن المؤلف - رحمه الله - لا حتاج لذكر هذا النقض لدخوله في عموم مس الفرج فهذا فيما يظهر لي ليس بصحيح لماذا؟
لأن المؤلف لم يذكر كلمة الفرج مطلقاً. فلو قرأت كلام المؤلف ستجد أنه لم يذكر كلمة الفرج حتى نقول يكتفى بها بل التنصيص على مس الدبر أمر مطلوب وجيد لكن الخطأ وقع في الترتيب فقط وليس في أصل الذكر.
نأتي إلى مس الدبر. هل تنتقض به الطهارة أو لا؟
الحنابلة يرون: أن مس حلقة الدبر ناقض للطهارة. ماهو الدليل؟ الدليل: قالوا: أنه في حديث بسرة من مس ذكره وفي لفظ صحيح صححه أحمد وأبو زرعة من مس فرجه قالوا والفرج يعم القبل والدبر فمن مس الدبر فقد انتقضت طهارته.
والقول الثاني: أن مس الدبر لاينقض الطهارة. قالوا: لأن الحديث من مس ذكره: هذا أولاً وثانياً أن مس الذكر مظنة خروج المذي بخلاف مس حلقة الدبر.
وهذا القول اختيار المجد ابن تيمية. وابن مفلح.
والصواب مع (((الحنابلة))) المؤلف: أن مس الدبر ينقض الطهارة لأن معنا حديث صحيح نص في المسألة.

فتبين معنا الآن:
أن مس الذكر ومس القبل ومس حلقة الدبر - هذه الثلاث - جميعها ناقضة للطهارة.
وتبين معنا:
أن من أقوى أدلة الجماهير مسألة من مس ذكره فليتوضأ.
أضف إلى هذا الدليل دليل آخر. وهو أنه روي النقض بمس الذكر عن بضعة عشر صحابياً. وهذا الحكم مما لا يقال بالرأي مطلقاً.
فسبيله التوقيف. ونحن نجزم أن هذا العدد من الصحابة لم يقولوا بنقض الطهارة إلا عن توقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
انتهى الدرس
(1/117)
________________________________________
ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها. ومس حلقة دبر.
الناقض الخامس:
هو مس المرأة بشهوة.
هذا يعتبر من نواقض الوضوء واعتبار مس المرأة بشهوة ناقض هو مذهب الحنابلة والمالكية وهو مذهب الفقهاء السبعة وكما ترى أن القول مركب من جزئين:
1. أن مس المرأة ينقض.
2. وأنه يشترط لذلك أن يكون هذا المس بمشهوة.
الدليل: كما أن القول مركب فالدليل أيضاً مركب من نصين:
النص الأول: قوله تعالى {أو لا مستم النساء} فقالوا هذا دليل على أن مس المرأة ينقض الطهارة.
والدليل على أنه لابد أن يكون لشهوة. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل عائشة وخرج للصلاة بغير وضوء.
فهنا مس المرأة ولم يتوضأ.
فجمعاً بين الأحاديث قالوا لا بد أن يكون المس بشهوة.
والقول الثاني في هذه المسألة: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً. لا بشهوة ولا بغيرها.
واستدلوا بحديث عائشة السابق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل وخرج إلى الصلاة ومن المعلوم أن تقبيل الزوج لزوجته غالباً ما يصحب برغبة.
واستدلوا بدليل آخر قوي وإن كان من التعليل: وهو: أن المسلمين ما زالوا يمسون نسائهم ولم يأت في الشرع دليل صريح على وجوب الوضوء من مس المرأة.
وفي رأيي أن هذا الدليل قويٌ.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب.
بقينا في الجواب على استدلالهم بالآية لأن الاستدلال بها دليل شرعي هو نص في المسألة.
الجواب عليه: أنه صح عن ابن عباس - أنه فسر الآية بالجماع.
وإذا سقط الاستدلال بالآية بقي دليل القائلين بعدم الوجوب قوي وواضح.
ثم لما قرر المؤلف - رحمه الله -:هذه المسألة انتقل إلى نظيرتها فقال: أو تمسه بها: يعني أو تمس المرأة الرجل بها: يعني بشهوة.
فهو أيضاً ناقض. الدليل قالوا: لأنها ملامسة تنقض الوضوء في حق الرجل فتثبت في حق المرأة كذلك.
ولما سبق أن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام مالم يرد دليل صحيح يفرق بينهما والخلاف في تمسه بها كالخلاف في مس الرجل للمرأة بها.
(1/118)
________________________________________
إذاً الخلاصة:
الحنابلة يرون أن الرجل إذا مس المرأة بشهوة أو المرأة إذا مست الرجل بشهوة انتقضت الطهارة. والخلاف في هاتين المسألتين خلاف واحد استدلالاً ونيجة وترجيحاً.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله -: إلى التنفصي في حكم هذه المسألة: - وهذه التفاصيل التي سيذكرها المؤلف - رحمه الله - مبنية على القول بنقض الطهارة بمس المرأة.
• قال - رحمه الله -:
لا مس شعر وسن وظفر وأمرد.
إذاً استثنى أربع صور. هذه الصور حتى عند الحنابلة الذين يرون أن مس المرأة ينقض الوضوء لا تنقض.
المسألة الأولى: مس الشعر والسن:
يعني لو أن إنساناً مس شعر زوجته أو مس سنها أو ظفرها فإنها لا تنتقض الطهارة بهذا المس. حتى عند الحنابلة.
قالوا: لأن هذه الأشياء في حكم المنفصل كما لو مس ثوبها ولذلك لو كلق الإنسان شعر زوجته أو طلق سنها فإن الطلاق لايقع.
بينما لو طلق يد زوجته فإن الطلاق يقع على الخلاف في اليد لكن السن الأمر فيه أظهر.
(1/119)
________________________________________
وقيل: أن مس الشعر ينقض الوضوء إذا كان بشهوة.
وهذا القول هو الراجح. نحن الآن نتكلم على فرض أن مس المرأة ينقض الوضوء.
إذا افترضنا أن مس المرأة ينقض الوضوء فإن الحنابلة يقولون أن مس الشعر لا ينقض والصواب أنه ينقض لأن مس الرجل شعر زوجته بشهوة قد يكون أبلغ من مس بعض الأخرى.
إذاً عرفنا أن مس الشعر والسن والظفر عند الحنابلة لا ينقض.
وعرفنا تعليلهم: وهو أن هذه الأجزاء في حكم المنفصل.
ثم قال: وأمرد:
يعني ولا مس أمرد فإن مس الأمرد لا ينقض الطهارة.
قالوا: لأنه ليس محلاً للشهوة. شرعاً. فمسه لا ينقض وأيضاً لقوله تعالى: أو لا مستم النساء. فنص على النساء.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا مع حائل
يعني أن مس المرأة مع وجود الحائل لا ينقض الطهارة لأن الأصل في إطلاق كلمة المس هوأن يكون بلا حائل كما تقدم في مس الذكر.
إذا فهذه خمس مسائل: مس الشعر والسن والظفر والأمرد والمس مع حائل كلها لا تنقض الطهارة حتى على مذهب الحنابلة.
وعرفنا تعليل ذلك عندهم.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا ملموس بدنُه، ولو وجد منه شهوة.
الكلام السابق كله في حكم الماس أما الممسوس فإنه لم يتحدث عنه المؤلف إلا هنا فقال: ولا ممسوس. فالممسوس طهارته باقية.
فإذا مس الزوج زوجته: نقول للزوج توضأ وللزوجة لا يلزمك الوضوء.
لماذا: قال الحنابلة لأن شهوة الماس أشد والقصد إنما تأتى منه. يعني: أن من تعمد مس زوجته فإن الشهوة عنده أشد وهو الذي قصد المس. وربما المسوس لم يخطر بباله شهوة مطلقاً.
القول الثاني: الذي مال إليه ابن عقيل من الحنابلة أن الممسوس تنتقض طهارته إذا وجدت منه الشهوة. فعند ابن عقيل تفصيل: يقول: الممسوس:
إن شعر بشهوة انتقضت الطهارة وإن لم يشعر بقية طهارته صحيحة.
ويظهر لي أن هذا القول - الثاني - هو الصواب.
انتهى المؤلف - رحمه الله - من التفصيل في الناقض الخامس وعرفنا أصل الخلاف في رأس المسألة وهو مس المرأة وعرفنا في تفاصيل هذا الحكم عند الحنابلة.
• ثم قال - رحمه الله -: - في الناقض السابع:
(7) وينقض: غسل ميت.
غسل الميت ناقض من نواقض الوضوء عند الحنابلة فقط - يعني تفرد الحنابلة باعتباره ناقضاً.
وأما الجماهير فإنهم لم يروه من النواقض.
(1/120)
________________________________________
استدل الإمام أحمد على هذا الحكم بالآثار التي رويت عن الصحابة فقد جاء عن عدد من أصحاب النبي ‘ أنهم رأو أن غسل الميت يوجب انتقاض الطهارة.
ونحن أخذنا في أول درس أن من أصول الإمام أحمد الأخذ بما جاء عن الصحابة. فهذا يبين لنا أهمية معرفة أصول الإمام أحمد ولذلك تفرد من بين الأئمة باعتبار غسل الميت ناقض من نواقض الوضوء.
والقول الثاني: مذهب الجماهير أن غسل الميت لا ينقض الوضوء.
قالوا: لا يوجد دليل شرعي على نقض الطهارة بتغسيل الميت.
ومذهب الجمهور هو الصواب إن شاء الله - أن تغسيل الميت لا يعتبر من نواقض الوضوء لعدم وجود دليل شرعي صحيح وإن كانت آثار الصحابة في الحقيقة قوية لمعنى خاص وهو أن مثل هذا الحكم - نقض الوضوء - مما لا يقال بالرأي ففي الغالب أن أصحاب النبي ‘ أخذوه توقيفاً عنه ‘ لكن مع ذلك نقول مادام لا يوجد نص مرفوع إلى النبي ‘ في مثل هذه المسألة المهمة نبقى على الأصل هو الطهارة ونقول الراجح أن من غسل ميتاً فإنه لا تنتقض طهارته. إلا إذا مس ذكر الميت بلا حائل فهنا ترجع إلى مسألة مس الذكر.
- مس ذكر الآخر من المسائل التي لم يتطرق إليها المؤلف مع أنه اعتنى بالتفاصيل.
فإذا مس الإنسان ذكر غيره فهل تنتقض الطهارة أو لا؟
هذا فيه خلاف: يظهر لي والله أعلم أن مس ذكر الغير لا ينقض الطهارة ومال إلى هذا القول ابن عبد البر.
لأن الحديث يقول من مس ذكره فنص على ذكر نفسه. على كل هذه فقط استطراداً بمناسبة تغسيل الميت.
• قال ’:
(8) وأكل اللحم خاصة من الجزور.
هذه المسألة أيضاً من المفردات. أن أكل لحم الجزور ينقض الطهارة.
وإذا أردنا أن نحرر مذهب الحنابلة نقول:
الحنابلة يقولون: أن لحم الجزور ينقض وأنه لا ينقض شيء من أجزاء الجزور إلا اللحم خاصة وهذا معنى قول الشيخ هنا وأكل اللحم خاصة يعني دون باقي أجزاء الجزور كالكبد والطحال .. ألخ.
إذاً الحنابلة يرون أن اللحم فقط هو الذي ينقض من الجزور وهو من المفردات.
(1/121)
________________________________________
واستدلوا بحديث البراء وحديث جابر بن سمرة في مسلم وهي أحاديث صحيحة لم ينازع أحد في صحتها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم قيل أنتوضأ من لحوم الغنم قال: لا. وفي الحديث الآخر إن شئت في حديث قال لا وفي حديث الآخر قال إن شئت. الحديث صريح ونص في المسألة لا يقبل التأويل ولا يقبل التضعيف.

القول الثاني: للجماهير أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء لا ينقض الطهارة.
واستدلوا بحديث صحيح عن جابر - قال كان آخر الأمرين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار قالوا هذا الحديث ناسخ للأحاديث السابقة.
لقوله كان آخر الأمرين.
ولذا ذهب الجماهير إلى القول بأن أكل لحكم الجزور لا ينقض الطهارة.
الجواب على استدلال الجمهور.: نقول الجواب من أوجه:
1. الوجه الأول: أن القاعدة المتفق عليها عند العلماء - لم يخالف فيما أعلم فيها أحد - أن الخاص مقدم على العام.
وترك الوضوء مما مست النار عام لأنه يشمل جميع اللحوم - لحم الغنم والبقر والإبل والدجاج وكل أنواع اللحوم - بينما الوضوء من لحم الإبل حديث خاص.
والخاص دائماً مقدم على العام.
2. الوجه الثاني: أن حديث جابر ترك الوضوء مما مست النار لم يفرق فيه بين لحكم الغنم والإبل بينما حديث البراء فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بين لحم الإبل والغنم فدل على أنهما حديثان منفصلان لكل حكمه.
3. الوجه الثالث: أورد عليهم شيخ الإسلام فقال: ما ترون بأكل النيء من لحم الإبل إن كان ينقض فصار حديث البراء لم ينسخ وتناقضوا وإن لم ينقض لم يدخل في حديث من ما مست النار.
إذاً أجاب الحنابلة عن أدلة الجمهور بهذه الثلاثة أجوبة.
والقول بأن لحم الإبل ينقض هو القول الصواب لما جاء فيه من أحاديث صحيحة صريحة لا معارض لها.
تنبيه: مهم جداً: وهو أن بعض الكتاب قال أنه روي عن الخلفاء الأربعة أنهم لايرون الوضوء من لحم الإبل - وهذه لو صحت لصار المصير إلى أن لحم الجزور لا ينقض - ولكن الصواب أن ماروي عن الخلفاء الأربعة è لا يثبت عنهم.
وإلا فإن الإنسان إذا رأى هذه الآثار توقف حقيقة لكن بعد البحث وجدنا أنها لا تثبت عن الخلفاء.
قال: وأكل اللحم خاصة: الحنابلة يرون أن أكل الكبد والطحال من الجزور لا ينقض الطهارة.
(1/122)
________________________________________
قالوا: لأن اللحم لا يطلق على هذه الأجزاء وفي الحديث أنتوضأ من لحوم: واللحوم لا تطلق على باقي الأجزاء.

والقول الثاني: أن الوضوء من باقي الأجزاء واجب. لأن كلمة لحم الجزور يطلق على جملة الجزور كما أننا نقول لحم الخنزير يطلق على جملة الخنزير.
فإذاً اللحم وباقي الأجزاء تنقض الوضوء لأن اللحم يطلق في العرف على كل أجزاء الحيوان.
بقينا في مسألتين:
حليب الإبل: ومرق لحم الإبل:
أما الحليب: فلا إشكال أنه لا ينقض لأنه لايدخل في مسمى اللحم مطلقاً.
أما المرق ففيه خلاف بين أهل العلم على قولين:
1. منهم من رأى أنه ينقض لأن المرق خلاصة اللحم.
2. ومنهم من رأى أنه لا ينقض لأنه لا يسمى لحماً وإن كان خلاصة اللحم.
وفي الحقيقة المسألة عندي فيها تردد. مسألة مرق اللحم. وأميل إلى أنه لا ينقض لأن الأصل السلامة وإلا في الحقيقة فيها تردد.
ومحل الإشكال إذا لم يكن في المرق قطع ولو صغيرة أما إذا كان فيها قطع صغيرة فلا إشكال أنها تنقض.
انتهينا من الناقض الثامن ثم انتقل إلى الناقض التاسع
•:فقال - رحمه الله -:
(9) وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلاّ الموت.
قاعدة المذهب أن كل حدث أوجب غسلاً فيوجب أيضاً الوضوء فيجب على الإنسان إذا حصل له حدث يوجب الغسل أن يغتسل وأن يتوضأ فإذا اغتسل ولم يتوضأ ترتب على هذا جواز استباحة ما يشترط له الاغتسال دون ما يشترط له الاغتسال والوضوء.
فمثلاً الصلاة يشترط لها الاغتسال والوضوء فإذا اغتسل بلا وضوء فإنه لا يجوز له أن يصلي لماذا؟ لأن كل ما أوجب غسلاً أكبر أوجب الوضوء.
والقول الثاني: أن نية الاغتسال تكفي عن الوضوء والدليل أن الله سبحانه وتعالى لم يأمرنا في حال الجنابة إلا بالاغتسال (وإن كنتم جنباً فاطهروا) والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي أفرغ عليك هذا الماء ولم يأمره بالوضوء وهذا القول هو اختيار شيخ الاسلام - رحمه الله -.
وهو القول الصواب.
إذاً هذه القاعدة وهي أن كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً قاعدة مرجوحة.
فعلى المذهب إذا صار على الإنسان جنابة واغتسل ولم يتوضأ فهل يجوز له أن يصلي وهل يجوز له أن يقرأ القرآن؟
........... لأن قراءة القرآن يشترط لها ارتفاع الحدث الأكبر دون الحدث الأصغر.
كم صار عدد النواقض؟
تسعة.
(1/123)
________________________________________
والصواب أنها ثمانية. لماذا؟ لأن مس الدبر ذكرنا أنه هو مسألة مس الذكر.
فالنواقض في الحقيقة ثمانية.
حتى الترقيم هذا من المحقق ربما أراد المصنف أن النواقض ثمانية وليست تسعة.
إذاًَ لو أن المحقق لم يجعل الرقم 6 على مسألة مس حلقة الدبر لكان هو الصواب.
• قال - رحمه الله -:
" ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس: بنى على اليقين.
هذه قاعدة مفيدة لطالب العلم أن الإنسان إذا تيقن الطهارة ثم شك في الحدث ولو كان هذا الشك وصل إلى مرحلة غلبة الظن فإنه يبقى الأصل فيه الطهارة وإذا تيقن الإنسان الحدث وشك في الطهارة ولو وصل هذا الشك إلى مرحلة غلبة الظن فإن الأصل بقاء الحدث.
الدليل: حديث عبد الله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شكي إليه الرجل يجد الشيء في الصلاة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لاينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً.
فهذا نص في أنه لا ينتقل عن اليقين الأول إلا بيقين أما الشك وغلبة الظن فإنها لا تنقله.
وهذه قاعدة مريحة للإنسان.
إذاً إذا شك الإنسان فإنه يبقى على طهارته ولو غلب على ظنه خلافاً لما يظنه بعض العوام أنه إذا غلب على ظنه فإنه ينتقل إليه.
قال (إلا الموت):
الحنابلة يرون أن كل ما أوجب طهارة كبرى أوجب طهارة صغرى قالوا: إلا الموت فالموت هل يوجب الاغتسال؟ نعم يجب أن نغسل الميت.
فالموت يوجب الاغتسال لكن عند الحنابلة لا يوجب الوضوء لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بتغسيل الميت دون الوضوء ولم يأمر بالوضوء.
ونحن نقول للحنابلة كذلك أمر بغسل الجنابة دون أن يأمر بالوضوء - نفس الدليل.
فمذهب الحنابلة في الميت يضعف مذهبهم في باقي موجبات الغسل.
• قال - رحمه الله -:
فإن تيقنهما وجهل السابق: فهو بضد حاله قبلهما.
إذا تيقن الإنسان الطهارة والحدث لكن لا يدري أيهما السابق منهما فحكمه عند الحنابلة أن يرجع إلى حاله قبلهما.
مثال: يوضح هذه المسألة:
إنسان بعد الزوال تيقن الطهارة والحدث ولكن لا يدري أيهما السابق فنقول له ماذا كانت حالتك قبل الزوال؟ فقال كنت محدثاً: فنقول إذاً أنت الآن طاهر وإن قال كنت قبل الزوال متطهراً فنقول أنت الآن محدث.
هذا الجزء الأول من المسألة وهو أن نتصور المسألة.
باقي التعليل: لماذا الحنابلة يذهبون إلى مثل هذا المذهب؟
(1/124)
________________________________________
التعليل: نقول إذا كان الإنسان تيقن الطهارة والحدث بعد الزوال وكان قبل الزوال محدثاً فنقول أن هذا الحدث ارتفع قطعاً بالطهارة التي بعد الزوال.
وأما الحدث الذي بعد الزوال فيحتمل أنه هو الحدث الذي كان قبل الزوال واستمر ويحتمل أنه حدث مستجد فدخل الاحتمال على الحدث واليقين على الطهارة.
والقول الثاني: أنه يجب عليه بكل حال أن يتطهر.
وهذا القول - الثاني - هو الراجح احتياطاً.
ختم المؤلف ’ الباب بأحكام المحدث من حيث الأشياء التي لا يجوز له أن يفعلها.
• فقال ’:
ويحرم على المحدث: مس المصحف
مس المصحف محرم على المحدث عند الحنابلة بل عند الأئمة الأربعة بل عند جمهور السلف والخلف بل حكي إجماعاً.
واستدلوا: بدليلين:
الدليل الأول: قوله تعالى {لايمسه إلا المطهرون} وقد استدل شيخ الاسلام بهذه الآية وقرر الاستدلال كما يلي:
- بعبارة مبسطة - قال نحن نقر أن هذه الآية في اللوح المحفوظ والمقصود بهم الملائكة لكن نقول أن في الآية إشارة إلى أن القرآن الذي نزل أيضاً لا يمسه إلا لمطهرون كما أن اللوح المحفوظ في السماء لا يمسه إلا المطهرون.
فالاستدلال من باب الإشارة التنبيه لا من باب النص.
هكذا قرر شيخ الاسلام الاستدلال بهذه الآية.
وبهذا نتجاوز الخلاف في أنه هل الآية يقصد بها اللوح المحفوظ أو المصحف.
الدليل الثاني: في الكتاب الذي كتبه النبي ‘ لعمرو بن حزم ((وإن لا يمس القرآن إلا طاهر))
وهذا الحديث تلقته الأمة بالقبول واستدلوا به.
القول الثاني: ذهب إليه الظاهرية وهو أنه يجوز للإنسان أن يمس المصحف.
قالوا: لا يوجد دليل لا من الكتاب ولا من السنة الصحيحة يدل على المنع.
والصواب مع الجماهير. لأن في الأدلة التي ذكروها كفاية ومستند.
• ثم قال ’:
والصلاة.
يعني يحرم على المحدث الصلاة. وتحريم الصلاة على المحدث وبطلانها منه محل إجماع من الفقهاء ويدل عليه الحديث الصحيح عن ابن عمر أن النبي ‘ قال لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
فمن السنة والإجماع.
• ثم قال ’:
والطواف
(1/125)
________________________________________
ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أنه يشترط لصحة الطواف ارتفاع الحدث الأصغر واستدلوا بحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن الطواف مثل الصلاة إلا أنه الله أباح فيه الكلام.
والقول الثاني للأحناف أن الطواف لا يشترط له الطهارة من الحدث.
قالوا والصواب في حديث ابن عباس أنه موقوف عليه.
وهذا القول اختيار شيخ الاسلام.
وهو القول الأقرب للصواب. لكن من فوائد العلم أن الإنسان يعلم الآن أن اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف مذهب جمهور الأئمة وهذا يوجب له الاحتياط بأن لا يطوف إلا متطهراً ويوجب له أن يوصي غيره بالاحتياط.
فمن فوائد العلم أن يعرف الإنسان قوة الخلاف وضعفه. خلافاً لمن نرى من بعض إخواننا أنه إذا عرف الراجح صار كأن القول الثاني لا قيمة له فهذا خطأ من حيث العلم بل يجب أن الإنسان إذا رأى قوة الخلاف أن يحتاط في العبادة.

وبهذا نكون انتهينا من باب نواقض الوضوء ونبدأ مستعيناً بالله بباب الغسل.
باب الغسل
• قال - رحمه الله -:
باب الغسل.
الغسل: هو استعمال الماء في جميع البدن على وجه مخصوص. هكذا عرفه الفقهاء وقول الإنسان الغسل أسها من هذا التعريف. فما يتبادر إلى ذهن المسلم منى معنى الغسل أسهل من هذا التعريف الذي يذكره الفقهاء.
• قال - رحمه الله -:
وموجبه: خروج المني.
يخرج من الإنسان أربع سوائل:
المني والمذي والودي والرابع من المرأة وهو ماء المرأة.
فيحتاج طالب العلم أن يعرف الفرق بينها.
فالمني: ماء أبيض ثخين أو غليظ. فهو ماء ولونه أبيض وثخين ورائحته وهو رطب كرائحة العجين. ورائحته وهو يابس كرائحة البيض إذا جف.
المذي: ماء أبيض لكنه رقيق.
فيتوافق مع المني في أن كلاً منهما ماء وأبيض إلا أنه رقيق بخلاف المني فهو ثخين. ومن علاماته الخروج بعد الملاعبة أو التفكير.
الودي: ماء أبيض ثخين. ومن علاماته الخروج بعد البول.
فإن قلت كل من المني والودي يشتركان بنفس التعريف: ماء أبيض ثخين لكن لا يمكن أن يقع الخلط بين المني والودي لأن المني كما سيأتينا لا يخرج إلا دفقاً ولأن الودي يخرج بعد البول.
ماء المرأة: الذي يقابل المني بالنسبة للرجل. قال الفقهاء ماء أصفر رقيق.
(1/126)
________________________________________
فحصل بهذا التفريق بين هذه المياه التي تخرج وكل منها يوجب ما لا يوجبه الآخر - حسب التفصيل الذي سيأتينا في هذا الباب.
• قال - رحمه الله -:
خروج المني دفقاً بلذة.
إذاً أول موجب من موجبات الغسل خروج المني دفقاً بلذة.
والدليل على أن هذا من موجبات الغسل مارواه أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الماء من الماء.
الماء الأول ماء الاغتسال. والماء الثاني: يقصد به المني.
وهذا الحديث في صحيح مسلم.
إذاً حديث الماء من الماء. دليل على أصل المسألة وهو وجوب الاغتسال من خروج المني.
ثم قال: دفقاً بلذة.
إذاً يشترط الحنابلة لوجوب الاغتسال بخروج المني أن يخرج دفقاً بلذة.
وهذا مذهب الحنابلة بل هو مذهب الجمهور. - الحنابلة والمالكية والأحناف.
واستدلوا بحديث علي بن أبي طالب - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا فضخت الماء فاغتسل.
قال أهل اللغة: والفضخ هو خروج الماء على وجه الغلبة والسرعة.
فالحديث نص في أنه إذا لم يخرج فضخاً فإنه لا يوجب الاغتسال فإذا خرج من الإنسان مني بسبب المرض فإنه عند الجمهور لا يوجب الاغتسال وإنما يوجب أن يغسل الإنسان الموضع ويتوضأ فقط.
إذا يشترط لكي يوجب الاغتسال أن يخرج دفقاً بلذة.
وذهب الشافعية: إلى أن خروج المني بحد ذاته ولو لم يكن دفقاً ولا لذة يوجب الاغتسال.
واستدلوا: بحديث أبي سعيد السابق الماء من الماء. والنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث لم يشترط إلا خروج الماء.
أجاب الجمهور عن هذا الحديث بجوابين:
الأول: قالوا هو منسوخ بحديث علي.
والجواب الثاني: - وهو أقوى - أن الماء في حديث أبي سعيد يقصد به الخروج الغالب وهو أن يكون دفقاً بلذة. لأن الأصل في خروج المني من الرجل أن يخرج دفقاً بلذة.
أما خروجه بسبب مرض فهو أمر عارض لا يتحدث عنه النص.
إذاً نحمله على الغالب نحمل حديث الماء من الماء على الغالب.
وبهذا يكون ما قرره الجمهور وهو اشتراط أن يكون دفقاً بلذة يوجب الاغتسال هو الصواب الذي تدل عليه النصوص.
(1/127)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
• يقول المؤلف - رحمه الله -:
لا بدونهما من غير نائم.
معنى قوله لا بدونهما: أي أن المني إذا خرج بلا دفق ولا لذة فإنه لا يوجب الاغتسال وهذا تقدم معنا.
لكن المؤلف أكد على هذا المعنى ليعطف عليه قوله من غير نائم.
المراد أن النائم ونحو النائم كالسكران والمغمى عليه والمجنون هؤلاء لا يشترط في وجوب الغسل أن يكون خروج المني دفقاً بلذة بل مجرد خروج المني من هؤلاء يوجب الاغتسال.
والأصل فيهم النائم: وقيس عليه المجنون والسكران والمغمى عليه.
الدليل: قالوا أن هذا الوصف - الوصف بدفقاً بلذة - لا يشعر به أمثال هؤلاء فعلق الحكم على مجرد الخروج فإذاً النائم لا يشترط أن يكون دفقاً بلذة.
ولو وجدنا سكراناً على ثيابه آثار المني فنقول يجب أن تغتسل وكذا المغمى عليه ولا يشترط أن يذكر هذا المعنى.
مسألة - مهمة يذكرها أهل العلم عند الحديث في أحكام النائم:
إذا استيقظ الإنسان من النوم ووجد بللاً فما الحكم؟
نريد أن نذكر هذا المعنى بصورة مبسطة فنقول:
إذا استيقظ النائم ووجد بللاً فإن المسألة لا تخرج عن ثلاث صور.
الأولى: أن يتحقق أنه مني: فنقول يجب عليك أن تغتسل ولو لم تذكر احتلاماً.
الثانية: أن يتحقق أنه ليس منياً. فلا جب عليه أن يغتسل وإما عليه الوضوء وغسل ما أصابه هذا البلل من ثيابه وجسده.
الثالثة: إذا قال لا أدري: - وهذه الصورة محل الإشكال - فنقول في هذه الصورة لا يخلو الأمر من ثلاث صور:
1. إما أن يسبق النوم تفكر أو ملاعبة فنقول هذا البلل مذي لأن المذي يخرج بعد الملاعبة أو التفكر.
2. أو أن يذكر احتلاماً فنقول هذا البلل مني ويجب عليك أن تغتسل
3. أن يتردد ولا توجد قرائن أخرى فهنا اختلف الفقهاء رحمهم الله:
القول الأول: من الفقهاء من قال يجب أن يغتسل وهو مذهب الحنابلة واختيار ابن القيم لأن الأصل في الخارج من النائم أن يكون منياً.
والقول الثاني: قالوا: أنه لا يجب بهذا البلل شيء لأن الأصل السلامة وعدم الوجوب.
وهذا القول هو الراجح.
فلو قيل لك: متى يجب على النائم إذا استيقظ ووجد بللاً أن يغتسل؟
فتقول: في صورتين: - أن يتيقن أنه مني
- أن يتذكر احتلاماً وإن لم يتحقق أنه مني.
(1/128)
________________________________________
في ما عدا هاتين الصورتين على القول الراجح لا يجب على من وجد بللاً أن يغتسل وهذا في الحقيقة ضابط يريح كثيراً من الناس وهذه كما تعلمون مسألة تمس الحاجة إليها ويقع فيها كثير من الناس.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له.
هذه المسألة من مفردات الحنابلة وهي:
أن الاغتسال يجب بمجرد انتقال المني. دليلهم: قالوا: إذاً انتقل من مكانه فقد صدق عليه اسم الجنابة لأن الجنابة مشتق من البعد وهذا باعد مكانه.
وإذا كانت الجنابة شتقة من البعد صدق على هذا الشخص الذي انتقل منيه من مكانه أنه أصابته جنابة.
والقول الثاني: أن انتقال المني بمجرده بلا خروج لا يوجب الاغتسال.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الماء من الماء ولحديث أم سلمة أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - نعم إذا هي رأت الماء.
ففي الحديثين تعليق وجوب الغسل بخروج المني لا بمجرد الانتقال.
وفي الحقيقة هذه من أضعف مفردات الحنابلة.
والراجح قول الجمهور وهو عدم الوجوب.
• ثم قال - رحمه الله -:
فإن خرج بعده لم يعده.
يعني إذا انتقل المني من مكانه ثم اغتسل ثم خرج بعد ذلك مني يعني بعد الاغتسال فإنه لا يجب عليه أن يعيد الاغتسال لسببين:
الأول: أنه موجب واحد فلا يوجب غسلين.
والثاني: أن خروج المني عادة سيكون بدون دفق ولا لذة - وتقدم معنا أن خروجه بهذه الصفة لا يوجب الاغتسال.
إذاً انتهينا من تحرير مذهب الحنابلة في مسألة انتقال المني وعرفنا تفصيل القول عندهم رحمهم الله. والقول الثاني وأيهما أقرب إلى الدليل.
• قال - رحمه الله -:
وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قبلاً كان أو دبراً، ولو من بهيمة أو ميت.
الموجب الثاني من موجبات الغسل: تغييب الحشفة فإذا غيب الإنسان الحشفة في فرج أصلي فقد وجب عليه الغسل.
- وضابط التغييب أن يتحاذى محل القطع منه ومنها فإذا تحاذى المحلان فقد وجب الاغتسال ولا يمكن أن يكون محل القطع من الذكر محاذياً لمحل القطع من فرج الأنثى إلا بتغييب قدر الحشفة.
والدليل على الوجوب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة الصحيح إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل.
وفي رواية في صحيح مسلم وإن لم ينزل.
(1/129)
________________________________________
فإذاً عرفنا من كلام المؤلف أن تغييب الحشفة بمجرده يوجب الاغتسال وإن لم ينزل المجامع وقد كان عدد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يرون أنه لا يجب الاغتسال إلا بالإنزال وإن أولج بلا إنزال فلا غسل ثم لما بلغهم أن هذا الحكم منسوخ رجعوا إلى الحكم الناسخ وهو ما في حديث أبي هريرة من وجوب الغسل وإن لم ينزل.
وعلى هذا استقر الأمر بين العلماء أن مجرد الإيلاج يوجب الاغتسال وإن لم ينزل.

قوله: حشفة أصلية في فرج أصلي: إذاً يجب أن تكون الحشفة أصلية والفرج
أيضاً أصلي احترازاً من الخنثى لأن آلة الخنثى زائدة ولا حكم للزائد ولا حرمة له لأنه عضو زائد لا تتعلق به الأحكام.
إذاً عرفنا أن هذا القيد قيد معتبر.
• ثم قال - رحمه الله -:
قبلاً كان أو دبراً.
سواء أولج الرجل في القبل أو أولج في الدبر فإن الغسل واجب أما القبل فأمره واضح وأما الدبر فقال الفقهاء الدبر فرج أصلي فيصدق عليه أنه إذا أولج فيه وجب الغسل.
وهنا نتنبه إلى قاعدة أشار إليها عدد كبير من الفقهاء المعاصرين والمتقدمين:
أن الفقهاء أحياناً يذكرون المثال ويبينون حكم المثال بغض النظر عن الحكم التكليفي للفعل.
فجماع الزوج لزوجته من الدبر محرم بل اعتبره عدد من العلماء من الكبائر ومنهم الذهبي ولكن المؤلف لا يريد بيان حكم الجماع مع الدبر وإنما يريد بيان أحكام الغسل فلا يؤخذ من هذا الموضع حكم الجماع في الدبر.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولو من بهيمة أو ميتة.
يعني أنه يجب الإغتسال حتى لو جامع بهيمة أو حتى لو جامع امرأة ميتة.
الدليل: قالوا: الدليل أن النصوص عامة لم تفرق بين الحي والميت. فالماء من الماء عام.
والقول الثاني: أن جماع الميتة لا يوجب غسلاً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ثم جهدها والميتة لا تجهد لأنها ميتة والصحيح مذهب الحنابلة. أن هذا يوجب الغسل لأن قوله - صلى الله عليه وسلم - ثم جهدها خرج مخرج الغالب لا للتقيد.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإسلام كافر.
الموجب الثالث: إسلام كافر. د
ذهب الحنابلة واختاره ابن القيم إلى أن إسلام الكافر يوجب الاغتسال واستدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أسلم قيس بن عاصم أمره بأن يغتسل والأمر دليل الوجوب.
وذهب الجمهور إلى أن اغتسال الكافر إذا أسلم لا يجب.
(1/130)
________________________________________
واستدلوا: بأن عدداً كبيراً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن الوفود التي وفدت عليه أسلموا ولم ينقل أنه أمرهم بأن يغتسلوا. ولو أمرهم لنقل.
ودليل الجمهور في الحقيقة دليل قوي.
أي القولين أرجح؟
في الحقيقة المسألة الخلاف فيها قوي والاحتياط أن يغتسل لأن الأدلة فيها نوع تعارض وقوة في الاستدلال والثبوت.
• ثم قال - رحمه الله -:
وموت.
الموت يوجب الغسل: فيجب على أولياء الميت أن يغسلوه.
والدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات الحاج الذي وقصته الناقة قال اغسلوه بماء وسدر فأمر بغسله لما مات وأيضاً في حديث أم عطية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للنسوة اللاتي غسلن ابنته اغسلنها ... الحديث.
وهذا أمر وهو يدل على الوجوب.
ولا أعلم أن في المسألة خلافاً.
فصار الدليل من الإجماع والسنة.
• ثم قال - رحمه الله -:
وحيض.
من موجبات الغسل الحيض لقوله تعالى {حتى يطهرن فإذا تطهرن} قال المفسرون معنى قوله فإذا تطهرن أي اغتسلن والأولى حتى يطهرن: أي حتى يتوقف الحيض والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمستحاضة فإذا ذهبت عنك - يعني الحيضة - فاغتسلي.
فصار الدليل مركب من الآية والحديث. وأيضاً هو محل إجماع.
• ثم قال - رحمه الله -:
ونفاس.
وهو الموجب السادس. النفاس موجب من موجبات الاغتسال والدليل عليه الاجماع فلم يختلف العلماء في وجوب الاغتسال وأيضاً القياس على الحيض.
• ثم ذكر مسألة من مسائل النفاس فقال - رحمه الله -:
لا ولادة عاريَة عن دم.
يعني أن المرأة إذا ولدت ولم يخرج مع الولد دم مطلقاً - فهي طاهرة مباشرة ولا يجب عليها اغتسال أصلاً. وهل يتصور أن تلد المرأة بلا دم؟
قال الأطباء والفقهاء: أنه يتصور وقد وقع.
الأمر الثاني: مالدليل على أن المرأة إذا ولدت بلا دم لا غسل عليها.
الدليل أن الشارع الحكيم: إنما أمر النفساء بالاغتسال لخروج الدم بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى الحيض نفاساً فقال لعائشة في الحج أنفست. فعلمنا من هذا الحديث أن موجب الاغتسال هو خروج الدم لا مجرد الولادة وهذه المسألة قليلة الوقوع لكن لا بد من معرفة حكمها الشرعي.
لما انتهى من تعداد موجبات الغسل انتقل إلى ما يترتب على هذا الحدث الأكبر.
• فقال - رحمه الله -:
ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءَة القرآن، ويعبر المسجد لحاجة، ولا يلبث فيه بغير وضوء.
ومن لزمه الغسل: من هو الذي يلزمه الغسل؟
(1/131)
________________________________________
الحائض والجنب والنفساء.
الحائض والنفساء حكمهما واحد.
والجنب حكمه مستقل.

بعد أن عرفنا من الذي يلزمه الغسل فنبدأ بأحكام كل من واحد من المشمولين بهذه العبارة:
أولاً: الجنب: ذهب جماهير الأئمة - منهم الائمة الاربعة وغيرهم من الفقهاء إلى أن الجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن واستدلوا بحديث علي أنه قال لا يحجب النبي ‘ عن القرآن شيء ليس الجنابة.
وهو نص في أن النبي ‘ إذا كان جنباً أنه لايقرأ القرآن.
وهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد ومال الإمام الدارقطني إلى أنه موقوف على علي.
الدليل الثاني: أنه صح عن أمير المؤمنين عمر أنه كره للجنب أن يقرأ القرآن.
وفي الباب أدلة كثيرة ومنازعات لكن لا يصح في هذا الباب أي حديث مرفوع إلى النبي ‘.
القول الثاني: وذهب إليه: قلة من أهل العلم منهم ابن عباس فقد صح عنه في صحيح البخاري أنه يرى جواز قراءة الجنب للقرآن.
وذهب إلى هذا القول سعيد بن المسيب وداود الظاهري ونصره بقوة ابن حزم.
واستدلوا بحديث عائشة أنها قالت كان النبي ‘ يذكر الله على كل أحيانه.
والقرآن ذكر.
واستدلوا بأنه لا يوجد دليل على المنع والخلاف في هذه المسألة قوي والاحتياط فيها متعين ومن حيث الأدلة فإن الراجح الجواز.
مالجواب عن أثر عمر -؟ - فإنه يجب أن يعتاد طالب العلم أن يقف مع آثار الصحابة ويقف أكثر مع أقوال الخلفاء الأربعة.
وأن لا تمر عليه الآثار عن أبي أو عمر أو عثمان أو علي هكذا.
الجواب: أن قاعدة الإمام أحمد أن الصحابة إذا اختلفوا اجتهدنا نحن في النظر في الأدلة. وهنا اختلفوا فقد صح عن ابن عباس قول يختلف عما صح عن علي وعمر فننظر في الأدلة وإذا نظرنا فيها فإنه لا يوجد ما يدل على التحريم مع كثرة اتصاف المسلمين في العهد النبوي بالجنابة. وإن كان كما قلت أن الاحتياط في هذه المسألة متعين لأن الجماهير والائمة الاربعة والفقهاء السبعة إلا سعيد بن المسيب كلهم يرون التحريم.
ثانياً: الحائض: أيضاً ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للحائض أن تقرأ القرآن واستدلوا بحديث ابن عمر لا أحل القرآن لحائض ولا جنب والجواب عليه أنه حديث ضعيف.
(1/132)
________________________________________
والقول الثاني: الجواز - جواز قراءة الحائض للقرآن - وهو رواية عن الامام أحمد ومذهب مالك واختيار شيخ الاسلام ابن تيمية وأيضاً نصره ابن حزم.
- إذا قيل لك - قبل ذكر الأدلة أيهما أقوى - أي أيهما الاحتياط فيه أهون في قراءة الجنب أو في قراءة الحائض؟
الجواب: الحائض. إذاً الخلاف في الحائض أقوى لأن كثيراً من أهل العلم يرى أن الاختلاف في قراءة الجنب ضعيف وأن الأصل أنه لا يقرأ.
وقالوا - أصحاب القول الثاني: أنه لا يوجد دليل صريح صحيح يدل على منع الحائض من قراءة القرآن.
والدليل الثاني: أن النبي ‘ قال لعائشة لما حاضت في الحج افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي فلم يستن إلا الطواف ومعلوم أن الحاج كثير العبادة وأن من أعظم العبادات في عشر ذي الحجة للحاج وغيره قراءة القرآن ومع ذلك لم يمنعها إلا من الطواف.
وإذا كان الراجح في الجنب جواز قراءة القرآن فمن باب أولى في الحائض.
لا حظنا أن مجموعة من أهل العلم فرقوا بين الحائض والجنب في هذه المسألة وهذا التفريق شن عليه ابن حزم حملة قوية جداً وقال أن هذا التفريق ليس له أي معنى. كيف تفرقون بين الحائض والجنب؟
فإن قلتم أن مدة الحيض أطول من مدة الجنابة: قال هذا دليل عليل وضعيف لماذا؟ لأن القراءة إذا كانت محرمة لا يؤثر فيها طول وقصر المدة.
وبحث ابن حزم في هذه المسألة بحث جيد من حيث الاستدلال وإن كان لا يوافق أبدا على الالفاظ التي يستخدمها في حق الائمة لأنه ’ يستخدم أساليب وألفاظ قوية لاتنبغي مع الائمة وهذا يجب ان يحذر منه طالب العلم إذا قرأ في المحلى فإنه ليس من أخلاق أهل العلم أن يستخدموا ألفاظاً غير مهذبة مع أقوال الأئمة وإن كان الإنسان يرى أنها مرجوحة.
• ثم قال ’:
ويعبر المسجد لحاجة.
أفادنا المؤلف حكمين:
أولاً أنه يجوز للجنب أن يعبر.
ثانياً: أنه يجوز بشرط الحاجة.

هذا مذهب الحنابلة الدليل: استدلوا: بقوله سبحانه وتعالى: ولا جنبا إلا عابري سبيل.
فالآية نصت على جواز عبور المسجد بالنسبة للجنب.
(1/133)
________________________________________
يحتاج الحنابلة الآن على دليل: اشتراط الحاجة والواقع ليس لهم دليل ولذلك القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة جواز المرور ولو لغير حاجة والدليل عموم الآية لأن الآية لم تفرق بين وجود الحاجة وعدمها.
وهذه المسألة من المسائل التي خالف فيها الماتن المذهب الاصطلاحي للحنابلة.
فإذا قيل لك: ماهو مذهب الحنابلة فماذا تقول؟
جواز المرور مطلقاً.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا يلبث فيه بغير وضوء.
أفاد المؤلف - رحمه الله - أيضاً حكمين:
الأول: أنه لايجوز للجنب أن يلبث في المسجد.
الثاني: أنه يجوز إذا توضأ.
فنحتاج دليلاً: للأمرين:
الدليل على أنه لا يجوز للجنب أن يلبث في المسجد. قوله تعالى: ولا جنباً إلا عابري سبيل.
فغير العابر ممن يريد اللبث لا يجوز له أن يبقى في المسجد بصريح الآية.
بقينا في الدليل على أنه يجوز اللبث إذا كان بوضوء:
الدليل أثر عن عطاء بن يسار وهو من كبار التابعين. قال رأيت عدداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يبيتون ويمكثون في المسجد وهم جنب إذا توضؤوا وضوء الصلاة.
وهذا الأثر اسناده إلى عطاء جيد وممن صححه ابن مفلح في المبدع وإن كان ليس من أهل الصنعة لكن على كل حال قال إسناده صحيح.
فهذا الأثر يدل على أن الصحابة كانوا إذا توضأوا بقوا في المسجد وإذا لم يتوضؤوا لم يمكثوا في المسجد.
وبهذا انتهى المؤلف - رحمه الله - من بيان الأحكام المترتبة على اتصاف الإنسان بالجنابة وهي:
تحريم قراءة القرآن. وتحريم اللبث في المسجد وجوازه مع الوضوء.
ثم لما انتهى المؤلف من بيان الموجبات وما يتعلق بها انتقل إلى المسنونات قبل الصفة.
• قال - رحمه الله -:
ومن غسل ميتاً، أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم: سن له الغسل.
يسن الغسل في مسألتين:
من غسل ميتاً ومن أفاق من جنون أو إغماء.
- ومن غسل ميتاً سن له الغسل: لحديث أبي هريرة من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ.
فقوله من غسل ميتاً فليغتسل نص صريح وهو يدل على الوجوب فلماذا يقول الحنابلة أنه مندوب؟
قالوا: حملناه على الندب لدليل آخر وهو أن أسماء بنت عميس لما غسلت أبي بكر الصديق - سألت أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت هل ترون علي من غسل قالوا: لا.
فهذا شبه إجماع من الصحابة. فإذا جمعت بين النصين عرفت أن حكم الاغتسال من تغسيل الميت أنه سنة.
(1/134)
________________________________________
القول الثاني: أن الاغتسال من تغسيل الميت ليس بسنة.
الدليل: قالوا: حديث أبي هريرة صوب الامام أحمد أنه موقوف فهو فتوى من أبي هريرة - قول صحابي وحديث أسماء دليل على عدم الوجوب ولا الندب.
وفي الحقيقة الاقوال في المسالة ثلاثة.
1. الاستحباب
2. الوجوب أخذاً بحديث أبي هريرة.
3. أنه لا يستحب ولا يجب.
لم أقف على قول رابع فلو كان قيل بهذا القول الرابع لكان هو الصواب: أن الأمر في هذا واسع إن اعتسل فهو مباح وإن ترك فهو مباح.
لأنه صح عن ابن عمر - أنه قال كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل.
فهذه العبارة تفيد أن الأمر مباح وأن فيه سعة. لكن حسب اطلاعي لم أقف على قول رابع يفيد أن الاغتسال من تغسيل الميت مباح لا سنة ولا واجب.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو أفاق من جنون أو أغماء سن له الغسل.
بالإجماع - بلا خلاف واستدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان مريضاً مرضه الذي مات فيه أغمي عليه فلما أفاق اغتسل. فعل ذلك مراراً فهذا دليل على أن من أغمي عليه يسن ويشرع له بلا وجوب أن يغتسل لكن ما هو الشيء الواجب على من أغمي عليه.؟
الوضوء. أما الاغتسال فهو مسنون بالاجماع.
• ثم بدء المؤلف - رحمه الله - بصفة الغسل فقال:
والغسل الكامل:
شرع المؤلف بمبحث مهم جداً وهو صفة الاغتسال فقال والغسل الكامل: أفادنا المؤلف أن الغسل ينقسم إلى قسمين كامل ومجزئ.
- فالكامل: ما يشتمل على الواجبات والمسنونات.
- والمجزيء: ما يشتمل على الواجبات فقط.
وبدء بالكامل لأنه أشرف ولأنه عمل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والغسل الكامل: في جميع مباحثه ومسائله ينبني على حديثين.
1. حديث عائشة وهو متفق عليه.
2. وحديث ميمونة وهو أيضاً متفق عليه.
فحديثيهما - رضي الله عنهما - نقلا للأئمة صفة اغتسال النبي - صلى الله عليه وسلم - الكاملة.
• قال - رحمه الله -:
أن ينوي:
يجب وجوباً على من أراد أن يغتسل أن ينوي.
لكن ماذا ينوي؟
الجواب: ينوي رفع الجنابة. أو ينوي ينوي رفع الحدث أو ينوي أنه سيغتسل ليصلي.
إذاً ينوي أنها عبادة مشروعة. أياً كانت النية فإن نوى بالاغتسال التنظف لم ترتفع الجنابة. وإن نوى بالاغتسال التبرد لم ترتفع الجنابة.
فمن شروط صحة الاغتسال أن ينوي.
• قال - رحمه الله -:
ثم يسمي.
(1/135)
________________________________________
التسمية في الغسل حكمها حكم التسمية في الوضوء والخلاف في الوضوء كالخلاف في الغسل وقد تقدم معنا أن الصواب أن التسمية في الوضوء سنة وأن القول بأنه غير مشروع أصلاً وجيه جداً وهو مذهب المالكية.
• قال - رحمه الله -:
ويغسل يديه ثلاثاً وما لوثه.
أفادنا أيضاً حكمين ما هما:
1. غسل اليدين وأن يكون ثلاثاً.
2. فنحتاج دليلاًَ لكل منهما:

أما أن من أراد أن يغتسل يسن له أن يغسل يديه قبل أن يبدأ فالدليل عليه:
أولاً: الإجماع.
ثانياً: ثبت في حديث عائشة وفي حديث ميمونة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل يديه.
بقفينا في حكم غسل اليدين ثلاثاً: الدليل على ذلك: فقط حديث ميمونة دون حديث عائشة.
لأنه في حديث ميمونة قالت: ثم غسل يديه مرتين أو ثلاثاً. ففيه شك من ميمونة أما عائشة - رضي الله عنها - فإنها لم تذكر التثليث.
• قال - رحمه الله -:
وما لوثه.
يعني أنه يندب للإنسان بعد أن يغسل يديه ثلاثاً أن يغسل ما تلوث من جسمه لقول عائشة - رضي الله عنها - ثم أفرغ بيمينه على شماله وغسل فرجه قال الفقهاء قول عائشة - رضي الله عنها - وغسل فرجه لا يعني تقييد الأمر بالفرج بل يغسل الفرج ويغسل ما تلوث من باقي البدن. لحديث عائشة هذا ويجب أن تلاحظ معي أن الترتيب مقصود للمؤلف أن هذا التدرج مقصود وهو موافق للأحاديث الصحيحة.
وأنه يجب أن لا يقدم إذا أراد أن يغتسل الغسل الكامل أحد هذه الأشياء على بعض وإنما يتسلسل كما ذكره المؤلف.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويتوضأ.
يسن للإنسان بعد أن يغسل ما تلوث من بدنه أن يتوضأ وضوئه للصلاة لدليلين:
- الأول أنه ثابت في الحديثين الوضوء.
- الثاني أن ابن جرير وابن بطال حكوا الاجماع. على مشروعيته.
إنما الخلاف: في هل يجب أو لا يجب؟ وهذا سيتطرق له المؤلف فيما بعد ونذكر الخلاف في هذه المسألة لكن المقصود الآن تقرير أن الوضوء مشروع ومندوب بالاجماع وهو موجود في الحديثين - حديث عائشة وميمونة.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه.
يسن للإنسان بعد أن يتوضأ كما هو صريح عبارة المؤلف وكما هو نص في الحديثين أن يبدأ بغسل الرأس قبل الجسد لأن عائشة - رضي الله عنها - تقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حثى الماء على رأسه حتى إذا ظن أنه قد أروى غسل رأسه ثلاثاً.
(1/136)
________________________________________
وستلاحظ إذا ركزت أن بين كلام المؤلف ونص الحديث فرق فكلام المؤلف: يدل على أن التروية تكون بالثلاث والحديث يدل على أن التروية تكون قبل الثلاث لكن هكذا الفقهاء قالوا أنه بعد أن يتوضأ يغسل رأسه ويرويه ثلاثاً ولعل الأمر سهل وقريب وبعض الفقهاء قالوا أن الحديث فيه تقديم وتأخير كأنها قالت غسله ثلاثاً حتى أرواه لكن من وجهة نظري أن العمب بمتن الحديث هو الأولى فإذا تقرر هذا نقول تروي الشعر وتكيف الماء عليه فإذا ظننت أنه قد تروى فتغسله ثلاثاً وتكون هذه هي السنة خلافاً لما يصنعه بعض الناس حيث يبدأ بغسل الجسد قبل أن يروي الشعر.
- في حديث عائشة في البخاري في لفظ آخر أنها أشارت إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بشقه الأيمن ثم بدأ بشقه الايسر عندما أراد أن يغسل رأسه. (وقت الآذان)
في صحيح البخاري عن عائشة - أنها قالت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يغتسل بدأ بشق رأسه الأيمن ثم بشقه الأيسر.
فإذاً التثليث الذي في حديث عائشة وميمونة يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر ثم الوسط ...... انقطع التسجيل
انتهى الدرس،،،
(1/137)
________________________________________
بالأمس نسينا الحديث عن قول المؤلف - رحمه الله - أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم.
والمقصود بهذه العبارة كما هو ظاهر أن من أفاق من جنون أو إغماء فإنه يسن فقط له أن يغتسل أن يغتسل إلا إن احتلم حال الاغماء أو الجنون فإنه والحالة هذه يجب عليه أن يغتسل لأن خروج المني كما تقدم معنا من النائم يوجب الاغتسال.
وتقدم معنا أن خروج المني من النائم أيضاً لا يشترط أن يكون دفقاً بلذة وتعليل الحنابلة لاستثناء النائم.
ثم ذكر المؤلف الكلام عن الغسل الكامل وتحدثنا عن ترتيب الغسل الكامل إلى أن وصلنا إلى قوله ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه: وأخذنا المباحث وهو أنه يغسل وأنه يروي وأخذنا لفظ حديث عائشة وأنه يفيد أن الترويه تسبق التثليث وظاهر كلام الفقهاء أن التثليث تحصل به التروية وذكرت لكم أن الأخذ بظاهر الحديث أولى.
ثم وقفت على كلام الحافظ ابن رجب. قال أن هذه سنة غفل عنها أكثر الفقهاء ذكره في كتابه فتح الباري - كتاب حافل عظيم مفيد لطالب العلم ولا ينبغي أن تخلو مكتبة طالب علم منه.
• ثم قال ’:
ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً.
- في حديث عائشة وفي حديث ميمونة ذكر لتعميم البدن.
- ففي حديث عائشة قالت: ثم أفاض على بدنه.
- وفي حديث ميمونة قالت: ثم أفرغ على بدنه.
وهذه نصوص صحيحة صريحة في أن الإنسان بعد أن يغسل رأسه ثلاثاً على التفصيل السابق فيشرع له أن يعمم البدن بالغسل.
وفي هذه المناسبة أحب أن أنبه أن حديث عائشة أهم من حديث ميمونة والسبب أن حديث عائشة أخبرت به عن عادة النبي ‘ فقالت كان إذا أراد أن يغتسل فكأن هذا هو فعل النبي ‘ الدائم.
بينما في حديث ميمونة روت اغتسالاً واحداً معيناً فذكرت أنها قربت الاناء للنبي ‘ لما راد أن يغتسل فاغتسل ... الخ.
فتحدثت عن اغتسال معين بينما في حديث عائشة تحدثت عن اغتسال معتاد.

قال: ثلاثاً:
تثليث البدن سنة عند الحنابلة. ودليلهم القياس على الوضوء فإذا كان التثليث سنة في الوضوء ففي الغسل أيضاً يكون بالتثليث. لأن كلاً منهما طهارة لرفع هذا الحدث الأكبر وهذا الحدث الأصغر.
والقول الثاني: أن التثليث في غسل البدن لا يستحب ولا يشرع.
واستدلوا على ذلك بأن الأحاديث الصريحة الصحيحة ليس فيها التثليث في غسل البدن وتقدم معنا أن عائشة قالت ثم أفاض وأن ميمونة قالت ثم أفرغ على بدنه ولم تذكرا تثليثاً.
والصواب القول الثاني أن تثليث البدن في الغسل لا يشرع. تمشياً مع الاحاديث الصحيحة.
فصار في الغسل الذي ذكره الحنابلة ثلاث مواضع يكون فيها التثليث:
- الأول في اليدين.
- والثاني في الرأس.
- والثالث في البدن وهذا صحيح إلا في البدن فإن الصواب فيه عدم التثليث.
• ثم قال ’:
ويدلكه.
يعني يدلك بدنه والجمهور يرون أن الدلك في الاغتسال سنة.
وذهب الامام مالك إلى أن الدلك في الاغتسال واجب.
والصواب مع الجمهور وهو المذهب بدليل أن النبي ‘ كان يفرغ على جسمه والافراغ إسالة الماء بلا دلك وإذا كان النبي ‘ يفرغ والافراغ في اللغة لا يقتضي الدلك صار هذا دليلاً على أنه لا يجب الدلك وإنما يسن.
• ثم قال ’:
ويتيامن.
(1/138)
________________________________________
التيامن في الغسل سنة لدليلين:
الأول: حديث عائشة المشهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره. وهذا من الطهور.
الثاني: ما تقدم معنا من أنه في رواية في صحيح البخاري لحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يغسل رأسه بدأ بشقه الايمن.
والتيامن بالنسبة للغسل يكون بغسل الشق الايمن قبل الشق الايسر.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويغسل قدميه مكاناً آخر.
غسل القدمين في مكان آخر سنة عند الحنابلة والجمهور بدليل أن ميمونة أخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر غسل القدمين إلى أن انتهى من الاغتسال.
فتأخير القدمين ثابت في حديث ميمونة.
أما حديث عائشة - رضي الله عنها - فليس فيه تأخير القدمين في البخاري: وفيه تأخير غسلهما في صحيح مسلم والصواب أن تأخير غسل القدمين لا يثبت في حديث عائشة لأن هذه الرواية ضعفها الامام أحمد وضعفها أكثر من حافظ من الحفاظ.
والتضعيف هو الصواب. فهي رواية شاذة - لكن بما أن التأخير ثابت في حديث ميمونة فقال الحنابلة هو سنة.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يسن لأنه لم يذكر في حديث عائشة.
وذهب بعضهم إلى أنه يسن إذا كان المكان غير نظيف وهو مذهب المالكية. حمعاً بين النصوص قالوا: لم يؤخر النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل قدميه في حديث عائشة لنظافة المكان وأخر في حديث ميمونة لا حتياجه إلى ذلك لطبيعة المكان - جمعاً بين الأدلة.
وهذا القول - الاخير هو الصواب.
فليس بسنة مطلقاً ولا يلغى مطلقاً.
• ثم قال - رحمه الله -:
والمجزئُ:
لما أنهى الكلام على الغسل الكامل المشتمل على المسنونات والواجبات انتقل إلى الكلام عن المجزئ وهو الذي يشتمل على الواجبات ويفهم من هذا أن أي شيء ذكره في الكامل ولم يذكره في المجزئ فهو سنة.
• ثم قال - رحمه الله -:
أن ينوي، ويسمي.
تقدم معنا الكلام عن النية والكلام عن التسمية في الغسل الكامل فلا حاجة إلى إعادة الكلام عليهما.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويعم بدنه بالغسل مرة.
تعميم البدن بالغسل من الواجبات في غسل الجنابة لما ثبت في حديث عمران أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً لم يصل فقال مالك لا تصلي فقال إني جنب ولا ماء ثم أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتيمم ويصلي ثم لما حضر الماء قال النبي - صلى الله عليه وسلم - خذه فأفرغه على نفسك ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأي شيء أكثر من ذلك.
(1/139)
________________________________________
وقال النبي ‘ في حديث أم سلمة إنما يكفيك أن تحثي الماء ثلاث حثيات على رأسك ثم تفرغي الماء فتطهرين فقال العلماء إنما يكفيك دليل على أن ما عدا المذكور في الحديث ليس بواجب والمذكور هو تعميم البدن بالماء.
أخذوه من قوله ‘ لها إنما يكفيك.
وعليه يكون تعميم البدن بالماء واجب وهو من أهم الواجبات.

يتعلق بهذه المسألة مسائل مهمة:
المسألة الأولى:
حكم المضمضة والاستنشاق: اختلف الفقهاء فيها:
فالقول الأول: أن المضمضة والاستنشاق من واجبات اغتسال الجنابة. فإذا عمم بدنه بالغسل ولم يتمضمض ويستنشق فاغتساله باطل.
الدليل: قالوا: إذا كانت المضمضة والاستنشاق واجبة في الوضوء ففي الغسل من باب أولى.
الدليل الثاني: أن النبي ‘ في حديث ميمونة قالت ثم تمضمض واستنشق فنصت على المضمضة والاستنشاق.
القول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق في الغسل سنة وليس بواجب.
الدليل: حديث عمران بن حصين السابق أنه أمر الأعرابي أن يفرغ الماء على نفسه وحديث أم سلمة السابق إنما يكفيك أن تحثي الماء ثلاث حثيات.
ولم يذكر النبي ‘ في الحديثين المضمضة ولا الاستنشاق.
وهذا هو الراجح أن المضمضةوالاستنشاق سنة.
فلا يعتبر من واجبات الغسل.

المسألة الثانية: هل يجب على المرأة أن تنقض شعرها إذا أرادت أن تغتسل؟
الجواب: فيه تفصيل:
أولاً: في الجنابة: فلا إشكال أنه لا يلزمها أن تحل شعرها لحديث أم سلمة السابق أنها قالت للنبي ‘ إني امرأة اشد ظفر شعري أفأنقضه للجنابة فقال النبي ‘ لا إنما يكفيكي أن تحثي ثلاث حثيات.
فهذه فتوى من النبي ‘ صريحة بعدم وجوب نقض شعر الرأس المشدود في غسل الجنابة.
ثانياً: غسل الحيض:
ذهب الجمهور إلى وجوب نقض الرأس واستدلوا بحديث عائشة أن النبي ‘ قال لها في الحج لما كانت حائض انقضي شعرك واغتسلي وهذا دليل عل وجوب النقض.
الجواب على هذا الحديث من وجهين:
الأول: أن لفظه في البخاري انقضي شعرك وامتشطي ولم يذكر الاغتسال وإنما الاغتسال ورد في سنن ابن ماجه.
الثاني: - وهذا هو الجواب المهم - أن هذ الاغتسال ليس لنهاية الحيض وإنما هو اغتسال للإحرام. بدليل أن عائشة - رضي الله عنها - أفتاها النبي ‘ هذه الفتوى يوم عرفة.
وقد ثبت أنها لم تطهر إلا يوم العيد.
(1/140)
________________________________________
إذاً لما سألت هذا السؤال كانت حائضاًَ. فهذا الاغتسال والنقض ليس اغتسال للحيض وإنما هو اغتسال للإحرام.
إذاً فلا دليل لهذا الدليل.
القول الثاني: أن نقض الشعر في الحيض سنة وليس بواجب.
استدلوا على هذا بأن أسماء - رضي الله عنها - سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غسل الحيض فأرشدها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كيفيته ثم قال لها ثم صبي على رأسك الماء وادلكيه دلكاً شديداً ولم يذكر نقض الشعر.
الدليل الثاني: أن ابن عمر وهو من فقهاء الصحابة كان نساؤه وجواريه يغتسلن للحيض والجنابة بلا نقض للشعر مع تحري ابن عمر للسنة وتحريه لمثل هذه الامور فيما يتعلق بالطهارة والاغتسال مع ذلك لم يأمر نسائه - بنقض الشعر لا للجنابة ولا للحيض.
وهذا هو الراجح أنه لا يجب وإن كان كثير من الفقهاء يفرقون بين غسل الجنابة وغسل الحيض. ولكن الراجح عدم الفرق والخلاف يقتضي للمرأة أن تحتاط وأن تنقض شعرها أثناء غسل الحيض لأنه لا يتكرر في الشهر إلا مرة.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويتوضأ بمد.
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ بالمد والمد بالجرامات 510جرام وهو كمية بسيطة وإذا أردت أن تعرف المد بغير الجرامات فالمد هو ملء كفي الرجل المعتدل وهو يقارب في وقتنا هذا الكأس المعتدل.
• قال - رحمه الله -:
ويغتسل بصاع.
الصاع أربعة أمداد فيكون 2040 جرام وهو ما يقارب لترين ونصف تقريباً.
فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد وهو لا شك أنه قليل جداً وفي هذا إشارة نبوية إلى النهي عن الاسراف في طهارة الوضوء وفي طهارة الغسل.
• ثم قال - رحمه الله -:
فإن أسبغ بأقل ... أجزأ.
يعني لو أن إنساناً استطاع أن يتوضأ بأقل من المد أو أن يغتسل بأقل من الصاع فإنه يجزئه.
فإن قيل: كيف يجزئ والنبي - صلى الله عليه وسلم - سيد الخلق ما كان ينقص عن المد ولا ينقص عن الصاع في الضوء والغسل؟
فما هو الجواب؟
الجواب: من وجهين:
الوجه الأول: أن أكثر العلماء ذكروا أن هذا التحديد تحديد تقريبي من الصحابة فقد ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
وهذا التحديد منه - تحديد تقريبي.
الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر بالاغتسال فقال وإن كنتم جنباً فاطهروا ومن تطهر بأقل من الصاع فإنه يصدق عليه أنه تطهر.
ولذلك نقول أنه مجزئ.
(1/141)
________________________________________
تنبيه: في الغالب لا يستطيع الإنسان أن يطبق السنة بأن يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلا إذا كان يتناول الماء تناولاً أما السكب فما يكفي لطهوره.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو نوى بغسله الحدثين: أجزأ.
ظاهر كلام المؤلف أنه إذا نوى بغسله أحد الحدثين ارتفع ما نواه فقط فإن نوى الغسل وهو الغالب لم يرتفع الحدث الأصغر وهذا هو مذهب الحنابلة - أنه إذا نوى أحد الحدثين لم يرتفع إلا من نواه وهو في الغالب في الغسل سينوي الحدث الأكبر فيبقى الحدث الأصغر وقد تقدم معنا أن القول الثاني أن نية الاغتسال تكفي عن نية الوضوء وأن هذا اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله - وأنه هو الصواب.
فإذا نوى الانسان رفع الجنابة ارتفع الحدث الاصغر وإن لم ينوه خلافاً لمذهب الحنابلة.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويسن لجنب: غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء
قبل الدخول في المسنونات نتحدث عن أمرين اختلف فيهما:
وهما الموالاة والترتيب:
- أما الترتيب فلا إشكال أنه لا يجب في الغسل لماذا؟ لأن الغسل تعميم لعضو واحد وهو الجسد ولا يوجد ترتيب إلا بين متعددات.
مثال للإخلال بالترتيب: لو بدأ بغسل الجزء الاسفل من جسده. فإنه يجزأه ولو لم يبدأ بغسل الجزء الاعلى وإن كان صريح السنة أن يبدأ الإنسان بالجزء الأعلى.
- الموالاة: أيضاً الجمهور وهو الثابت عن الامام أحمد أن الموالاة سنة وليس بواجب استدل الامام أحمد بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل ولما انتهى من الغسل وجد لمعة لم يصبها الماء فعصر - صلى الله عليه وسلم - عليها شعره.
هذا الحديث مرسل لكن قيل للإمام أحمد أتأخذ به قال نعم آخذ به وهذا في الغالب لثبوته عنده - رحمه الله - ..
وجه الاستدلال أن غسل هذه اللمعة تم بعد الغسل بعد أن جفت الاعضاء وتقدم معنا في الوضوء أن الموالاة هي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
ففي الحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر غسل هذه البقعة التي لم يصبها الماء من جسده إلى ما بعد الاغتسال الكامل وبعد أن جفت الاعضاء واكتفى بغسلها مفردة.
فلو كانت الموالاة واجبة للزمه أن يعيد الغسل.
هذا الدليل الأول.

الدليل الثاني:
(1/142)
________________________________________
قال الامام أحمد فرق بين الوضوء والغسل فإن الوضوء ذكر الله فيه اعضاء مترتبة متوالية فلزم فيه الترتيب والموالاة بينما ذكر في الاغتسال أن يتطهر فكيفما تطهر أجزأه.
وهذا الاستنباط من الإمام أحمد دقيق وهو من الشواهد التي يرد بها على من قال أن الإمام أحمد اشتغل بالتحديث أكثر من الفقه.
وقد ساق هذا الاستدلال عدد من أهل العلم وأعجبوا به من المتقدمين.
فهو استدلال جيد من الامام أحمد.
وخلاصته أن الإمام أحمد يقول: الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نتطهر وأن نغسل البدن فكيفما غسلنا البدن أجزأ سواء كان متوالياً أو متفرقاً.
بخلاف الوضوء فإن الله أمر فيه بغسل مرتب متوالي.
والراجح عدم الوجوب. ويميل إليه البخاري أما الإمام أحمد فهو مذهبه وقرره.
إذاً الجمهور لا يرون الموالاة من الواجبات وهو الراجح وإليه يميل البخاري.
والقول الثاني: لعدد قليل من أهل العلم أن الموالاة واجبة وهو مرجوح.
• ثم قال - رحمه الله -: - بعد أن أنهى الكلام على الغسل المجزئ.
ويسن لجنب.
هذه المسنونات خارجة عن الاغتسال وإنما هي سنن إضافية لا علاقة لها بالاغتسال:
يسن لجنب غسل فرجه: يسن للجنب قبل أن ينام أن يغسل فرجه بدليل حديث عائشة في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن ينام غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة.
فهذا سنة ثابتة صحيحة بلا إشكال وهذه أيضاً من السنن التي يغفل عنها كثير من الناس.
• ثم قال - رحمه الله -:
والوضوء:
الدليل على الوضوء لمن أراد أن ينام هذا الحديث أيضاً - حديث عائشة السابق.
والدليل الثاني: حديث عائشة الآخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوئه للصلاة.
إذاً سنن ثابته وأحاديثها في الصحيحين لا إشكال فيها.
• ثم قال - رحمه الله -:
ومعاودة وطء.
يسن للإنسان إذا أراد أن يعاود الوطء أن يغتسل وأيضاً حديثه في الصحيحين وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إذا أراد أحدكم أن يعاود الوطء فليتوضأ.
وفي رواية خارج الصحيحين فإنه أنشط للعود.
(1/143)
________________________________________
إذاً كل واحد من هذه السنن الثلاث ثابتة في الصحيح لكن ظاهر كلام الحنابلة أن الجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أو يعاود الوطء يستحب له في الجميعأن يغسل فرجه وأن يتوضأ بينما تقدم معنا أن الحديث الذي فيه غسل الفرج - حديث عائشة في الصحيحين - إنما نص على غسل الفرج في حال واحدة وهي إذا أراد أن ينام فقط.
ولذلك نقول أن غسل الفرج سنة عند النوم دون الاكل ومعاودة الوطء.
لأن الحديث إنما هو فقط في مسألة النوم. وكما مر معنا أن السنن تحتاج إلى دليل لإثباتها ولا دليل على مسألة غسل الفرج لإعادة الوطء أو الأكل خلافاً للحنابلة.
هذه مسألة.
المسألة الثانية:
صرح الحنابلة أن الجنب إذا أراد أن ينام فإنه يستحب له أن يتوضأ فإن ترك الوضوء كره له ترك الوضوء.
- وأريد أن أبين شيئاً: أن الأمور المستحبة لا يقال لتركها مكروه - فإذا لم يجب الإنسان المؤذن فهل نقول أنك فعلت مكروه أو نقول أنك تركت سنة. بدون فعل مكروه.
في هذه المسألة بالذات الحنابلة يقولون: الوضوء للنوم سنة لكن ان تركه فقد فعل مكروهاً.
وإن تركه في الأكل والمعاودة قالوا: إن تركه في ذلك فإنه قد ترك سنة ولا يكره.
إذاً الكراهة تختص بالنوم.
إذاً مذهب الحنابلة في النوم أنه إذا أن ينام الجنب فيستحب له أن يتوضأ.
وهذه المسألة مهمة وحاجة الناس إليها كثيرة ولذلك نذكر الخلاف في حكم النوم بلا وضوء.
القول الأول: وهو مذهب الحنابلة أن النوم بلا وضوء مكروه - مايقال مباح - جائز لكن مكروه.
الدليل: قالوا نحمل الأحاديث الواردة على الندب - حديث عائشة في الصحيحين أنه كان إذا أن ينام توضأ - فيحمل على الندب.
وحديثها الآخر إذا أراد أن ينام أو يأكل توضأ - يحمل الندب.
وهذا القول هو مذهب الجماهير.
القول الثاني أن الوضوء للنوم واجب فإذا نام جنباً بلا وضوء فهو آثم.
وهذا القول منسوب إلى الامام مالك في رواية أما مذهبه فهو سنة واختار هذه الرواية من المالكية ابن حبيب - وهو من كبار علماء المالكية.
واستدلوا بحديث عمر ابن الخطاب أنه سأل النبي ‘ أينام أحدنا وهو جنب فقال النبي ‘ نعم إذا توضأ.
وإذا أداة شرط وهي تعني أنه إذا لم يتحقق المشروط لم يجز الفعل.
(1/144)
________________________________________
وذكر ابن عبد البر أن هذا القول شاذ لقلة القائلين به - وإن كان يعد - رحمه الله - من علماء المالكية مع ذلك يرى أن هذا القول شاذاً.
والمسألة فيها إشكال وهي من المسائل التي الخلاف فيها قوي والذي يظهر والله أعلم أن الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام سنة وليس بواجب.
الدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إذا أراد أحدكم أن يأكل أو ينام فليتوضأ وضوئه للصلاة فجمع بين الأكل والنوم والفقهاء أجمعوا بلا خلاف أن الوضوء للأكل سنة وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى في هذا الحديث بين الأكل والنوم والأكل بالإجماع لا يجب فكذلك النوم.
هذا أقوى دليل في الباب - عندي - لحمل الأحاديث على الندب وإلا في الحقيقة فإن حديث عمر أشبه ما يكون نصاً في الوجوب ومع ذلك ذهب الجماهير كما ترون إلى الندب ويقوي الندب أمر آخر وهو أن من رواة حديث عمر ابنه ابن عمر وقد كان ابن عمر - إذا أن ينام توضأ ولم يغسل رجليه - يتوضأ وضوءا غير كامل.
وهذا فيه إشاره إلى أنه لا يرى وجوب الوضوء.
وإذا عرف الانسان الخلاف وقوته عرف أنه يجب أن يحتاط ولا ينام إلا متوضأً لكن نحن نتحدث في الواجب الذي من تركه فقد أثم.
والوضوء للجن يحتاج إلى بيان الحكمة منه وبيان الحكمة يترتب عليه حكم آخر مهم.

فما هي الحكمة من اغتسال الجنب؟
اختلفوا على قولين:
القول الأول: أن الحكمة من وضوء الجنب قبل النوم رفع الحدث الأصغر.
والقول الثاني: أن الحكمة من وضوء الجنب تخفيف الجنابة لا رفع الحدث الأصغر. وهو اختيار شيخ الاسلام - رحمه الله -.
والراجح هو القول الثاني بل ربما يقال أن القول الأول خطأ.
أما المسألة التي تترتب على هذه المسألة وهي:
إذا توضأ - وهذه السؤال عنها كثير - الجنب للنوم أو للأكل أو للشرب أو لمعاودة الوطء ثم أحدث فهل يشرع له أن يعيد الوضوء؟
اختلف الفقهاء رحمهم الله لأن الحكمة التخفيف وقد حصل.
الحنابلة نصوا على أنه لا يشرع فضلاً عن أن يقال يندب.
ومن الفقهاء من قال بل إذا توضأ ثم أحدث قبل أن ينام يشرع ويتأكد في حقه أن يتوضأ مرة أخرى لينام على أحد الطهارتين.
ولكن القول الأول هو المنسجم مع الحكمة الصحيحة من الوضوء للجنب ومن أراد أن يأكل أو يشرب أو يتوضأ.
وبهذا انتهينا من باب الغسل ....
انتهى الدرس،،،
(1/145)
________________________________________
باب التيمم
لما أنهى المؤلف - رحمه الله - الكلام على الطهارة المائية انتقل إلى الكلام على طهارة البدل عن الماء وهي طهارة التراب.
والتيمم في لغة العرب: القصد.
وفي اصطلاح الفقهاء: مسح الوجه واليدين بالصعيد على وجه مخصوص.
والتيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
• قال - رحمه الله -:
وهو بدل طهارة الماء:
أفادنا المؤلف - رحمه الله - أن التيمم بدل عن طهارة الماء فاستفدنا من هذا قاعدة أن البدل لا يشترط فيه أن يكون مماثلاً للمبدل منه في جميع الصفات.
وهذه قاعدة قررها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -. وهي قاعدة صحيحة.
فبين الماء والتراب فرق كبير ومع ذلك فهو بدل عنه في باب الطهارة.
ويتعلق بقوله: وهو بدل طهارة الماء مسألة مهمة وتقدم مراراً أنه في كل باب مسائل تعتبر أصولاً في الباب ومسائل أخرى أقل أهمية.
فمن أصول مسائل باب التيمم: هي مسألة: هل التيمم مبيح أو رافع؟ - وهذه المسألة يترتب عليها فروع كثيرة
ذهب الحنابلة - وهو مذهب الجمهور إلى أن التيمم مبيح وليس رافعاًَ للحدث.
واستدلوا بأحاديث كثيرة أقواها حديثان:
الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمرو ابن العاص لما صلى بأصحابه وهو جنب بعد التيمم قال له - صلى الله عليه وسلم - أصليت بأصحابك وأنت جنب.
وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه جنباً وإن كان تيمم ومع ذلك لم يأمرة بإعادة الصلاة.
وهذا استدلال قوي وواضح.
الدليل الثاني: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته.
وجه الاستدلال: أن التيمم لو كان رافعاً للحدث لما احتجنا إلى الماء ولا أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد.
وهذا أيضاً استدلال صحيح.

القول الثاني: مذهب الاحناف وهو اختيار شيخ الاسلام - رحمه الله - أن التيمم رافع ولكنه رفع مؤقت إلى أن يأتي الماء.
وهذا القول مركب من أمرين:
الأول: أن التيمم رافع. ولكن هذا الرفع يعتبر مؤقتاً إلى وجود الماء.
(1/146)
________________________________________
الدليل على أنه رافع أن الله سبحانه وتعالى يقول: فتيمموا صعيداً طيباً إلى أن قال ولكن يريد ليطهركم. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال الصعيد الطيب طهور المسلم وجه الاستدلال أن الله سبحانه وتعالى والنبي - صلى الله عليه وسلم - سميا التراب طهور كما سميا الماء طهوراً فدل على أنه يأخذ أحكام الماء.
وأما الدليل أن هذا الرفع مؤقت فالحديث السابق في قوله فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يتوضأ أو يغتسل الإنسان بمجرد وجود الماء فكأن طهارة التيمم تنتهي عند وجود الماء.
وهذا القول هو القول الصواب لوجهين:
الوجه الأول: قوة الاستدلال فإن الله سمى التيمم طهوراً ولو كان مبيحاً فقط وليس رافعاً لم يسمه طهوراً.
الوجه الثاني: أن في القول أن التيمم رافع وليس مبيح عنت ظاهر ومشقة عظيمة لا يأتي بمثلها الشرع كما سيأتينا في أحكام التيمم المبنية على القول أن التيمم مبيح.
فالراجح أن التيمم رافع.
وسبق معنى مراراً أن ترجيح أحد الأقوال لا يعني إلغاء القول الآخر لا سيما إذا كان القائلون بالقول الآخر هم الجمهور - كما في هذه المسألة.
فمالك والشافعي وأحمد أئمة أهل العلم يرون أنه رافع فمراعاة هذا الخلاف شيء والترجيح في الأدلة وبين القول الذي تنصره النصوص شيء آخر حيث نرى أن بعض إخواننا يهملون جداً ويتنكبون الأقوال الأخرى كأنها ليست بشيء.
فصحيح أن هذا القول هو الراجح لكن القول الآخر دليله قوي وهو مذهب الجماهير.
إذاً عرفنا هذه المسألة المهمة وعرفنا الراجح وعرفنا أنها من أهم مسائل هذا الباب وعرفنا لماذا تعتبر من أهم مسائل هذا الباب وذلك لكثرة ما ينبني عليها من الفروع.

• ثم قال - رحمه الله -:
إذا دخل وقت فريضة أو أُبيحت نافلة.
بدء - رحمه الله - بذكر شروط التيمم:
والحنابلة يرون أن للتيمم شرطان:
بخلاف ما يذكره بعض المتأخرين حيث أنهم يسردون شروطاً كثيرة - في الكشاف وهو من الكتب المعتمدة وهنا وفي الروض ذكر شرطين فقط.
فإن قلت ماهي الشروط الأخرى؟ التي يذكرها بعض المعاصرين:
(1/147)
________________________________________
فالجواب أن الشروط الأخرى في الحقيقة هي صفات للتراب الذي يجوز أن نتيمم به وليست من شروط التيمم العامة. إنما التيمم له شرطان فقط: كما سيأتينا الآن وكما قلت لكم أن هذا هو الموجود في كتب الحنابلة وهو أسهل في ضبط المسائل:
الشرط الأول: دخول وقت الفريضة. أو إباحة النافلة. يشترط للتيمم أن لا يتيمم إلا بعد دخول وقت الفريضة أو إذا أراد التيمم للنافلة أن يتيمم إذا أبيحت بأن لا يكون وقت نهي.
الدليل: قالوا: لأن التيمم مبيح وليس رافع. وإذا كان مبيح وليس رافعاً فإنه لايتيمم الإنسان إلا بعد دخول الوقت فهذه أول مسألة تنبني على مسألة هل التيمم مبيح أو رافع؟
وإذا كان الراجح أن التيمم رافع فالراجح في هذه المسألة عدم الاشتراط فلو تيمم قبل دخول الوقت أو بعد دخول الوقت في أي وقت شاء يتيمم إذا كان لا يجد الماء وتيممه صحيح.
الشرط الثاني: قال وعدم الماء: المؤلف عبر بهذه الجملة - عدم الماء - وغيره عبر بجملة أدق وأشمل وأضبط وهي أن نقول تعذر استعمال الماء إما لعدم وجوده أو لخوف الضرر من استعماله أو لأي سبب من الأسباب.
إذاً ما هو الضابط العام لجواز التيمم؟
نقول: تعذر استعمال الماء لأي سبب من الأسباب.
الدليل: الدليل على هذا الشرط وهو تعذر استعمال الماء أو عدم وجوده قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا فاشترط للتيمم عدم وجود الماء.
الثاني: قوله ‘ وإن لم يجد الماء عشر سنين فنص على أن التيمم إنما يجوز إذا لم يجد الماء.

وأيضاً في حديث عائشة حين فقد العقد ونزلت آية التيمم قبل أن يتيمموا قال في الحديث فالتمسوا الماء فلم يجدوه.
فهذا هو الشرط - عدم الماء أو تعذر استعمال الماء - وما سيذكره المؤلف بعد ذلك إنما هو تفصيل لهذا الشرط.
• فقوله ’:
وعُدِم الماء أو زاد على ثمنه كثيراً.
المقصود بثمنه ثمن مثله في مكانه: أي مثمن مثل هذا الماء فإن المياه النقية قد تكون أغلى ثمناً من المياه التي هي أقل نقاء وأيضاً في مكانه: فمثلاً المياه في الطرق العامة وفي أماكن السفر قد تكون أغلى ثمناً منها في داخل البلد.
(1/148)
________________________________________
فإذاً يجب أن يكون أغلى من ثمنه في مكانه إذا كان أغلى من ثمن مثله في مكانه جاز التيمم. لكن اشترط المؤلف شرطاً وهو قوله: كثيراً: فإن كان أغلى يسيراً فإنه لا يجوز التيمم ويجب أن تشتري.
بناء على هذا إذا كان لتر الماء يباع في هذه المنطقة بريال ثم وجد من أراد الصلاة أن الماء يباع بخمسين ريال. هل يعتبر هنا قد زاد على ثمنه؟
الجواب نعم.
وهل زاد كثيراً؟
الجواب نعم.
فإذا كان هذا الشخص يملك خمسين ريالاً فهل يجوز له أن يتيمم أو يجب أن يشتري الماء ويغتسل أو يتوضأ به؟
فالجواب: نقول يجوز له لأن الحنابلة يقولون إذا كان الماء أكثر من ثمنه في مكانه كثيراً فيجوز التيمم ولا يلزم بالشراء. وإن كان المال معه لكن لما كان أكثر من ثمنه كأنه غير موجود.
والقول الثاني: في هذه المسألة أن من أراد الصلاة إذا كان ذا مال وهذه الزيادة لا تجحف بماله وإن كانت كثيرة فيجب عليه أن يشتري لأن هذا الشراء لا يضره ولأن القاعدة المتفق عليها أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وهذا القول هو الصواب فما دام أنه يملك مالاً كثيراً والزيادة لا تجحف بماله فإنه يجب عليه أن يشتري الماء.
بناء على هذا: إذا كان في المثال السابق من أراد أن يصلي وهو يملك خمسون ريالاً لكن هي قوته فسيشتري بها طعاماً لأولاده فهل يجب عليه - على القول الراجح أن يشتري؟
الجواب. لا لا يجب.
وإذا أراد أن يصلي من يملك خمسين ريال زائدة ويملك غيرها أموالاً كثيرة فهل يجب عليه أن يشتري؟
فالجواب: نعم.
وقد لا نحتاج إلى هذه المسألة في وقتنا هذا ولكن في القديم كانت الحاجة إلى مثل هذه المسألة كثيرة لا سيما في السفر.
ثم استمر المؤلف في بيان صور العجز عن الماء فقال ’:
أو بثمن يعجزه.
إذا كان الماء بثمن وهذا الثمن قليل ولا يعتبر كثير لكن يعجزه فالماء مثلاً بعشر ريالات ولكنه لا يملك هذا المبلغ فهل يجب عليه أن يشتري؟
الجواب: لا. لأنه لا يستطيع فيصدق عليه أنه لا غير واجد للماء.
• ثم قال ’:
أو خاف باستعماله أو طلبه: ضرر في بدنه.
إذا خاف الانسان على نفسه من استعمال الماء بأن يقع عليه ضرر جاز له حينئذ مع وجود الماء: أن يتيمم.
الدليل: الأدلة كثيرة: التي تعضد هذا القول:
(1/149)
________________________________________
أولاً: قوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر .... إلى أن قال: فتيمموا.
فقوله وإن كنتم مرضى نص على أن المرض يبيح للإنسان أن يتيمم.
ثانياً: حديث عمرو بن العاص السابق فإن النبي ‘ أقره على الاغتسال وعمرو بن العاص كان في غزوة ذات السلاسل وكان البرد شديد جداً واحتلم في الليل. قال فلما أصبحت خشيت إن اغتسلت أن أهلك فتيمم فقص على النبي ‘ ما عمل فأقره ‘ وتبسم ولم يأمره بإعادة الصلاة.
إذاً عمرو بن العاص تيمم لوقوع الضرر أو لخشية الضرر؟
الجواب: لخشية الضرر.
ثالثاً: القواعد العامة. ما يريد الله أن يجعل عليكم في من حرج. لا ضرر ولا ضرار. وأدلة رفع الحرج وهي من القواعد الخمس الكبرى كثيرة جداً.
وذكر الفقهاء أنه لا يشترط في خوف المرض أن يخاف مرضاً عظيماً أو أن يخاف أن يموت بل يكفي أن يخاف مرضاً عادياً لا يعتبر من الأمراض الكبيرة.
بل ذكر بعض الحنابلة أنه لو خاف أن اغتسل أن يزكم فإنه يجوز له أن يتيمم لأن الزكام نوع من أنواع المرض.
فإذاً يجوز للإنسان أن يتيمم.
إذا كان مريضاً ويخشى من زيادة المرض إذا كان صحيحاً ويخشى من وجود المرض ففي هاتين الصورتين يجوز للإنسان أن يتيمم. سوار كان المرض من الأمراض الخطيرة أو من الأمراض اليسيرة.
• قال ’:
أو رفيقه أو حرمته أو ماله.
كثير من الشراح والمحشين انتقد المؤلف في هذه العبارة وهي قوله في بدنه أو رفيقه أو حرمته. وجه الانتقاد: أن هذه العبارة تشعر أن الحكم خاص بما إذا خاف على بدنه أو رفيقه أو حرمته فقط.
أما إذا خاف على أجنبي فإنه لا يجوز له أن يتيمم ويجب أن يتوضأ.
فمثلاً: لو كان معه أجنبي يخشى عليه من الهلاك عطشاً فمقتضى عبارة المؤلف أنه يجب أن يتوضأ بهذا الماء ولا يتيمم لماذا؟
لأنه حصر الخشية في هؤلاء الثلاثه البدن والرفيق والحرمة.
ولذلك فإن العبارة الصحيحة أن يقال أو خشي على كل محترم من آدمي أو حيوان.
فكل محترم من آدمي أو حيوان إذا خشي عليه جاز له التيمم. بداية من نفسه ونهاية إلى أبعد الناس عنه.
• قال ’:
أوماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه: شرع التيمم.
قوله شرع التيمم هذا جوابُ قوله في أول الباب: إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة.
(1/150)
________________________________________
والمؤلف ’ قال شرع: لأن التيمم قد يكون سنة إذا أراد أن يتسنن وقد يكون واجباً إذا أراد أن يصلي الواجبات.
فعبر بعبارة شرع ليشمل الأمرين.
• ثم قال ’:
ومن وجد ماء يكفي بعض طهره: تيمم بعد استعماله.
إذا وجد الإنسان ماء يكفي لغسل بعض أعضاء الوضوء فعند الحنابلة يجب عليه أن يستعمل هذا الماء في هذه الأعضاء ثم إذا نفد الماء تيمم عن الباقي.
ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقوله ‘ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولأنه بهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء بينما لو تيمم ومعه ماء يكفي ابعض أعضائه فقد تيمم مع وجود الماء.

القول الثاني: في هذه المسألة: أنه لا يلزمه أن يستخدم هذا الماء بل يجوز له أن يتيمم مباشرة ويترك هذا الماء.
الدليل: قالوا: أن استعمال هذا الماء لا يفيد التطهير فلا معنى لاستعماله وممن نصر هذا القول من المتأخرين: الشوكاني. وممن نصر القول الأول: وهو مذهب الحنابلة. ابن القيم ’.
والصواب القول الأول: فيجب عليه أولاً أنت يستخدم هذا الماء فيما يكفي من أعضائه ثم يتيمم بعد ذلك.
لقوة أدلة الحنابلة ولأنا وجدنا الشارع يأمر الجنب أن يتوضأ فدل على أن غسل بعض الاعضاء في الطهارة الكبرى ينفع فكذلك في الطهارة الصغرى.
إذاً في هذه الصورة إذا وجد الإنسان ماء يكفي فقط غسل الوجه فإن كثيراً من الناس يترك هذا الماء ويقول لا فائدة من غسل الوجه فقط ويتيمم مباشرة.
فنقول له يجب عليك أن تعيد التيمم والصلاة. لماذا؟ لأنه يجب قبل أن تتيمم أن تستعمل هذا الماء فيما يكفي من الأعضاء ولو كان عضواً واحداً.
فمذهب الحنابلة في هذه المسألة قوي.
• ثم قال ’:
ومن جرح تيمم له وغسل الباقي.
مازال المؤلف في تفاصيل الشرط الثاني: وهو عدم القدرة على استعمال الماء. فكل هذه المسائل تفصيل للشرط الثاني.
إذا جرح الإنسان فإنه يغسل عند الفقهاء على الترتيب التالي:
أولاً: إما أن يستطيع غسل الجرح بلا ضرر فيجب عليه أن يغسل الجرح فإن كان لا يستطيع غسل الجرح فينتقل إلى المسح على الجرح مباشرة بلا حائل فإن كان لا يستنطيع المسح على الجرح انتقل إلى طهارة التيمم.
(1/151)
________________________________________
فكم صارت المراتب؟ الأول: الغسل. والثاني: المسح. والثالث: التيمم.
ولا ينتقل من مرتبة إلى أخرى إلا عند العجز عن المرتبة الأولى.
ما الدليل؟ الدليل: الآية السابقة: (فاتقوا الله ما استطعتم).
والدليل الثاني: حديث صاحب الشجة فإن أصحاب النبي ‘ خرجوا في غزوة وكان أحد الصحابة قد أصابة رأسه شجة - يعني جرح - فاحتلم فلما قام سأل أصحابه فقال: هل ترون لي من رخصة فقالوا: لا والله ما نجد لك رخصة وأنت واجد للماء فاغتسل فمات فلما رجعوا إلى النبي ‘ سألوه فلما عرف قال النبي ‘ قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العي السؤال. إنما يكفيه أن يتيمم ثم يعصب على جرحه ثم يمسح ويغسل سائر بدنه.

فهذا الحديث نص في طهارة المسح لكن هذا الحديث الصواب فيه أنه ضعيف:
أولاً: لأن إسناده ضعيف.
وثانياً: أنا نجل أصحاب النبي ‘ أن يفتوا هذه الفتوى وإن كان بعض المعاصرين يصحح هذا الحديث لكن الصواب أنه ضعيف.
الدليل الثاني: أن المسح على الجرح أولى من المسح على الجبيرة كما قال شيخ الاسلام بن تيمية.
مسألة: هل يجوز أن يمسح على العصابة التي يلف بها الجرح؟
الجواب: نعم إذا كان لا يستطيع مسح الجرح مباشرة. فمثلاً: لو ربط على جرحه لفافة ثم قال: هل يجوز أن أمسح؟
فالجواب: أن يقال: إن كنت تستطيع رفع هذه اللفافة والمسح على الجرح فيجب. وهذه أفتى بها الإمام أحمد: قال: إن كان يستطيع فيجب أن يرفع ويمسح.
وإن كان لا يستطيع أن يمسح لخشية تضرر الجرح فإنه يمسح على اللفافة.
وبهذا كمل تصور أحكام مسح الجروح.
نقول: أولاً: يجب أن تغسل إن استطعت.
وثانياً: إن لم يستطع الغسل فيمسح. وثالثاً: إن لم يستطع المسح فيتيمم.
وإن كان الجرح مربوطاً يجب أن يرفع الرباط إذا كان الجرح لا يتأثر وإن كان يتأثر فإنه يمسح على اللفافة.
إذا كان الجرح مكشوفاً ولا يستطيع أن يمسح عليه فهل يلزمه أن يلف الجرح ويمسح على اللفافة؟
الجواب: فيه تفصيل:
• إن كان تغطية الجرح يؤدي إلى تأخر برئه فإنه لا يلزمه.
• وإن كان يستطيع لف الجرح بلا ضرر فنقول يجب أن يلف الجرح ويمسح. التعليل: أن طهارة المسح مقدمة على طهارة التيمم.
(1/152)
________________________________________
إذاً إذا كان الإنسان أصابه جرح وأمره الطبيب بأن يبقيه مكشوفاً لينشف مع الهواء فهل يلزمه أن يلف الجرح؟
الجواب: إن كان اللف يضر الجرح أو يؤخر برء الجرح فلا يلزمه.
وإن كان اللف وعدمه سواء فإنه يلزمه أن يلف الجرح ويمسح عليه.
وكما تعلمون هذه المسائل الحاجة إليها كثيرة.
وعرفنا من التفصيل السابق أن المؤلف نقض مسألة المسح ولو كان - رحمه الله - ذكره لكان أولى لأنه طهارة أساسية في مثل هذه المسألة ولذلك عوض هذا النقص صاحب الروض وذكر طهارة السمح ونص عليها.
• قال - رحمه الله -:
ويجب طلب الماء في رَحله وقربه وبدلالة.
ما زال المؤلف في تفاصيل شرط عدم القدرة على الماء فقال:
ويجب طلب الماء في رحله: القاعدة العامة: أنه يجب طلب الماء قبل أن تتيمم. الدليل قوله تعالى: فلم تجدوا ماء. ولا يسمى الإنسان غير واجد للماء إلا بعد الطلب.
أما بلا طلب فلا يسمى غير واجد للماء.
وهذا القول خلافاً لمن قال من الفقهاء أنه يجب أن يطلب الماء إن كان الماء موجوداً وإلا لا يطلبه. فإنه قول ضعيف جداً ومخالف لظاهر النصوص.
الخلاصة: نحن لا نحتاج لهذا الخلاف لشدة ضعفه.
فنقول: أن الأصل والقاعدة أنه يجب على الإنسان أن يبحث ويطلب الماء قبل أن يتيمم لدلالة هذه الآية الصريحة لكن طلب الماء فيه تفصيل وقد ذكره - رحمه الله -.
• فقال - رحمه الله -:
في رحله وقربه:
فيجب أن يطلب الإنسان الماء في رحله - يعني في ما معه من أغراض فيفتش فيها تفتيشاً يبرئ الذمة.
ثم إذا لم يجد في رحله انتقل إلى المرحلة الثانية وهي ما ذكره المؤلف بقوله: وقربه.
والمؤلف - رحمه الله - لم يذكر حد القرب وحده: العرف. فإذا كان في العرف قريب وجب عليه أن يبحث وإن كان في العرف بعيد فلا يجب عليه أن يبحث ولا أن يطلب ولما سأل الإمام أحمد عن هذه المسألة قال: في ميل أو ميلين أو ثلاثة.
وهذا على سبيل التقريب بمعنى: ما يقرب من هذه المسافة. والأعراف تختلف من بلد لبلد ومن زمن لزمن.
فإذا كان في العرف قريب وجب عليه أن يطلبه وإذا كان في العرف بعيد فلا يجب عليه أن يطلبه وجاز له التيمم فوراً وقد ثبت في الأثر الذي علقه الإمام البخاري أن ابن عمر تيمم وهو يرى منازل المدينة.
(1/153)
________________________________________
لكن ربما كانت بعيدة وإنما يراها عن بعد لأنه في القديم لا توجد حواجز بين المسافر والمدينة فاليوم نقول إذا كان الإنسان في بر ويحتاج لتحصيل الماء والدخول إلى داخل المدينة يقطع فيه عشرة أو خمسة كيلوات فإنه لا يلزمه وله أن يتيمم لكن إذا كان بجواره مزرعة قريبة يستطيع أن يذهب إليها بكل يسر وسهولة وتعتبر في العرف قريبة وجب عليه أن يذهب إليها بالسيارة أو برجله.
قال: وبدلاله: يعني يجب عليه أن يطلب الماء بدلاله فإذا قال له شخص ثقة الماء في المكان الفلاني فيجب عليه أن يطلب هذا الماء بشرط أن يكون الدال ثقة.
ولا يجوز أن يقول طلبت الماء فلم أجده بل يجب أن يذهب إلى المكان الذي أرشده إليه هذا الثقة بشرط أن يكون قريباً عرفاً.
• قال ’:
فإن نسي قدرته عليه وتيمم: أعاد.
في الحقيقة هذه المسألة مشكلة ولذلك فيها عن الإمام أحمد ثلاث روايات ومن شدة إشكال المسألة احدى الروايات عن الإمام أحمد التوقف.
فإذا روي عن الإمام أحمد ثلاث روايات إحداها توقف دل ذلك على أن المسألة فيها إشكال.
إذاً نقول مذهب الحنابلة أن من نسي الماء وصلى ثم ذكره فإنه يعيد وهذا نص الماتن.
أولاً: لأن النسيان لا يرفع عنه أنه واجد.
ثانياً: لأن الواجبات لا تسقط بالنسيان.
الرواية الثانية: أنه لا يلزمه الإاعادة
1. لقوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
2. وقوله ‘ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.
3. ولدليل ثالث قوي وهو أنه صلى صلاة مأموراً بها في وقتها فلا يعيد فما كان يلزمه شي حين كان لا يذكر غير أن يتيمم ويصلي
فلما صلى فقد صلى صلاة مشروعة مطلوبة منه والشرع لا يلزم الإنسان أن يصلي مرتين.
والرواية الثالثة: التوقف: ما هو دليل هذه الرواية؟
هناك قاعدة موجودة في جميع التوقفات: تعارض الأدلة - تكافؤ الأدلة هو الذي يجعل المجتهد يتوقف.
وكما ترون لكل واحد من الروايات حظ ونصيب ولا شك أن الأحوط الإعادة بلا إشكال لكن أي الأقوال أرجح الأول لأن الواجب لا يسقط بالنسيان.
الثاني: لماذا؟
(1/154)
________________________________________
في الحقيقة كما ترون فيها إشكال ومن وجهة نظري لا أقول الراجح لكن الأقرب عدم الإعادة. لأن هذا الإنسان فعل ما أمر به والشارع لا يأمر بالصلاة مرتين وليس منه تفريط وإن كان بعض الفقهاء يقول بلى منه تفريط لأنه نسي لكن في الحقيقة النسيان لا ينسب إلى صاحبه التفريط لأنه يعرض للذهن من غير إرادة صاحبه. فهذا ترك العبادة أصلاً لكن هنا فعل ما عليه.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإن نوى بتيممه أحداثاً.
• إن نوى بالتيمم أحداثاً أجزأه. فمثلاً لو فرضنا أن إنساناً أكل لحم الجزور وبال ونام. كم حصل منه حدث؟ ثلاثة أحداث. فإذا نوى هذه الأحداث أجزأة.
• وإن نوى أحد هذه الأحداث أيضاً أجزأه.
• وإن نوى أحد الحدثين لم يجزأه = مالمقصود بالحدثين؟ الأكبر والأصغر.
• فإن نوى الأكبر لم يرتفع الأصغر.
• وإن نوى الأصغر لم يرتفع الأكبر.
إذاً فرق بين أن ينوي حدثاً واحداً من بين عدة أحداث من جنس واحد وبين أن ينوي حدثاً أصغر دون الأكبر أو الأكبر دون الأصغر.
تقدم معنا في الغسل أن نية الغسل تكفي عن نية الوضوء فكذلك هنا نية التيمم عن الجنابة تكفي عن نية التيمم عن الوضوء.
كما قلنا في تلك المسألة تماماً.
إذاً الصواب أنه إذا نوى الحدث الأكبر ارتفع فإن نوى الحدث الأصغر لم يرتفع لأن الحدث الأصغر يدخل في الحدث الأكبر ولكن الأكبر لا يدخل في الحدث الأصغر.
• قال - رحمه الله -:
أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها.
إذا نوى نجاسة أجزأه أيضاً فهم من هذه العبارة أنه يشرع للإنسان أن يتيمم عن النجاسة وهذا من مفردات مذهب الحنابلة.
فإذا كان - مثلاً - على بدنه نجاسة ولا يملك ماء يزيل به هذه النجاسة شرع له عند الحنابلة أن يتيمم عن هذه النجاسة.
والقول الثاني: أن التيمم مشروع لرفع الحدث فقط دون رفع النجاسة بدليل أنه لم يأت في الشرع رفع للنجاسة وإنما النصوص جاءت في رفع الحدث فقط وهذا القول - الثاني: هو الصواب. أنه لا يشرع للإنسان أن يتيمم للنجاسة إذا لم يستطع أن يزيلها بالماء.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو خاف برداً أو حُبس في مصر فتيمم.
يعني إذا حبس في مدينة من المدن ولم يستطع داخل الحبس أن يتوضأ أو يغتسل بالماء شرع له التيمم.
(1/155)
________________________________________
أو عدم ما يزيلها: كما قلت هي نفس مسألة أو عدم ما يزيلها نفس مسألة إذا كانت النجاسة على بدنه وتضره إزالتها.
لكن لم نذكر في الحقيقة مثالاً على نجاسة تضر إزالتها كالنجاسة التي على الجروح لو قشعت لتضرر الجرح فهذه تبقى أما إذا عدم ما يزيلها فالأمر واضح.
أو خاف برداً: فيس الحقيقة هذه المسألة داخلة في قول المؤلف أو ضرر في بدنه. قال بعطش أو مرض فهذا تكرار. فيكتفي بما قيل في الموع الأول عند قوله أو خاف برداً.
أو حبس في مصر فتيمم.
في هذه العبارة دليل على أن التيمم يشرع في السفر والحضر وأنه لا يختص بالسفر خلافاً للظاهرية الذين يرون أن التيمم خاص بالسفر لقوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر فنص في الآية على السفر والجواب أن الآية خرجت مخرج الغالب إذ أن الغالب أن المسافر هو الذي يحتاج إلى التيمم دون من كان في داخل المدينة والقيد إذا خرج مخرج الغالب لا يعني التقييد إذاً هل يجوز أن يتيمم الإنسان في داخل بلد؟
الجواب: نعم. يجوز وهو مذهب الجمهور خلافاً للظاهرية الذين يقصرون التيمم على السفر.
أو عدم الماء والتراب: صلى ولم يعد.
إذا عدم الماء والتراب هذه تسمى - إذا عدم الطهارتين - طهارة الماء والتراب. وهذه الصورة - إذا عدم الطهارتين - لها أحكام خاصة عند الحنابلة
تتلخص في أن من عدم الطهارتين لا يجوز له إلا أن يصلي الفريضة ولا يزيد فيها عن الواجب في القراءة والتسبيح والتشهد وكل الصلاة.
فمثلاً: لا يقرأ أكثر من الفاتحة لأن قراءة سورة أخرى سنة ولا يزيد على تسبيحة واحدة لأن الزيادة سنة.
الدليل: قالوا: إنما أجزنا له الصلاة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها. وهي الأشياء الواجبة.
القول الثاني في هذه المسألة: أنه له أن يصلي ما شاء ويزيد في داخل الصلاة على الواجب ويأتي بالسنن وبما شاء مما هو مشروع لأن هذه الطهارة بالنسبة له طهارة كاملة في حقه لأنه لم يتمكن من الطهارتين لا التراب ولا الماء.
وهذا القول اختاره شيخ الاسلام وغيره من المحققين كالسعدي وغيره من أهل العلم.
إذاً فالقول الصواب إن شاء الله أن له أن يصلي ما شاء ويزيد في داخل الصلاة ماشاء.
نقف عند هذا ونكون قد وقفنا على صفات التراب ............
(1/156)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحنابلة يرون أنه إذا احتاج إلى أن يتيمم عن عضو من الأعضاء لوجود جرح أو نحوه فإنه يلزمه في هذه الصورة الترتيب والموالاة فإذا كان الجرح في اليد فيجب بعد غسل الوجه أن يتيمم ثم ينتقل إلى مسح الرأس فيرتب ويلزمه أيضاً الموالاة بحيث لا يؤخر التيمم عن العضو المجروح إلى أن ينشف العضو الذي غسل قبله.
والقول الثاني في هذه المسألة أنه لا يلزمه لا الترتيب ولا الموالاة. بل يؤخر التيمم إلى نهاية الوضوء بل ذهب شيخ الاسلام إلى أن التيمم في وسط الوضوء بدعة لا أصل له.
وهذا القول هو الراجح لأن في القول الأول شدة وحرج على المسلم المجروح الذي يريد أن يتيمم ولأنه لم ينقل عن السلف أنهم كانوا يتيممون في وسط الوضوء مع وجود الجراح في أجسامهم.
إذاً هذه مسألة تحلق بهذا الموضع.
ثم ننتقل إلى الموضع الذي توقفنا عنده.
• قال - رحمه الله -:
ويجب التيمم: بتراب طهور غير محترق له غُبار.
بدء المؤلف - رحمه الله - تعالى بالكلام عن شروط ما يتيمم به وهو التراب فقال:
ويجب التيمم: بتراب.
يرى الحنابلة أنه لا يصح التيمم إلا بالتراب دون غيره من بقية أجزاء الأرض فلا يصح التيمم على الرمل ولا على الحصى مثلاً إنما يصح التيمم فقط بالتراب ويستدل الحنابلة على هذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلت لي الأرض مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً. فخص التراب بالتطهير.
القول الثاني أنه يجوز أن يتيمم المسلم بكل ما على سطح الأرض مما هو من جنسها.
واستدلوا بأدلة كثيرة:
أولاً: قوله تعالى: فتيمموا صعيداً طيباً. قال الخليل والزجاج وهما من أئمة اللغة الصعيد كل ما على وجه الأرض. لا يختص بالتراب.
والدليل الثاني: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أيما مسلم أدركته الصلاة فليصل فإن عنده مسجده وطهوره وهذا الحديث عام في كل أجزاء الأرض.
الدليل الثالث: من المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتيمم بالتراب فقط ففي أسفاره كان يمر بالرمال وفي الغالب سيتيمم منها ولم ينقل أنه يحمل معه التراب.
وأما الحديث الذي استدل به الحنابلة فإنه صحيح ولكن لا دليل فيه لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يعني تخصيصه إذا ذكر بحكم يوافق حكم العام.
(1/157)
________________________________________
فالأحاديث دلت على أن الأرض كلها طهور ثم هذا الحديث الذي ذكره الحنابلة خص التراب بأنه طهور وتخصيص بعض أفراد الحكم العام بحكم يوافق الحكم العام لا يعني تخصيصه.
وهذا القول - الثاني: هو الصواب. وعليه عمل المسلمين.
• قال ’:
طهور:
الحنابلة يرون أن التراب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طاهر وطهور ونجس.
كتقسيمهم المياه.
فإذا وجدنا تراباً قد تيمم به فإنه يعتبر تراب طاهر لأنه استعمل في رفع حدث وتقدم الكلام عن هذه المسألة وبيان أن الراجح أن المياه طاهر ونجس فقط كذلك التراب طاهر ونجس فقط.
وما قيل من أدلة ومناقشات في تلك المسألة هو نفسه هنا.
فإذاً هذا الشرط وهو أن يكون طهوراً محل نظر لأن التراب لا يكون إلا طاهراً أو نجساً فقط ولا يصح تقسيمه إلى ثلاثة أقسام.
• قال ’: له غبار:
أيضاً من شروط المتيمم به أن يكون تراباً وأن يكون هذا التراب له غبار.
هل اشتراط التراب يغني عن اشتراط أن يكون له غبار؟ أو كب منهما شرط مستقل.
الجواب: أنه يغني.
وإذا جاءنا تراب مبتل ليس له غبار. فهل يكون شرط مستقل أو يغني عنه الشرط الأول؟
يكون شرط مستقل.
إذاً الشرط الآن أن يكون له غبار.
الدليل: قوله تعالى: في آية المائدة فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه.
قالوا من: في قوله منه للتبعيض ولا يكون له أبعاض إلا إذا كان له غبار.
والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يكون له غبار لأن النصوص عامة لم يشترط فيها وجود الغبار.

يبقى الجواب عن الآية: الجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن من في الآية ليست للتبعيض وإنما هي لابتداء الغاية ولكن هذا الجواب ضعفه الزمخشري ’ وكلامه صحيح.
فهذا الجواب ليس وجيهاً.
الوجه الثاني: أن السنة بينت جواز التيمم بما ليس له غبار وهذ القول هو الراجح - أنه لا يشترط أن يكون له غبار.
إذاً صارت شروط ما يتيمم به ثلاثة:
1. أن يكون تراباً.
2. أن يكون طهوراً.
3. أن يكون له غبار.
إذا تخلف أحد الشروط الثلاثة لم يصح التيمم عند الحنابلة وقد عرفت وسمعت الخلاف في كل شرط من هذه الشروط وأن الشروط جميعاً ليست صحيحة وأن التيمم طهارة للتخفيف ولا يناسب فيها هذا التشديد في شروط التراب.
• ثم قال ’:
وفروضه:
(1/158)
________________________________________
انتقل المؤلف ’ إلى بيان الفروض وهي إجمالاً أربعة:
1 - مسح الوجه واليدين وهذا أعظم الفروض.
2 - الترتيب.
3 - الموالاة.
4 - تعيين النية. وسيأتي معنى تعيين النية.
وقد ذكر المؤلف هذه الفروض مرتبة.
• قال ’:
مسح وجهه.
مسح الوجه فرض باتفاق الأئمة. للآية فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.
ولحديث عمار ابن ياسر أن النبي ‘ أرشده إلى كيفية التيمم فقال إنما يكفيك أن تضرب بيديك ضربة واحدة ثم تقول هكذا فمسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه.
هذا اللفظ أحد ألفاظ البخاري واللفظ الآخر المتفق عليه فضرب ضربة ومسح وجهه ويديه بدون تفصيل.
إذاً مسح الوجه لا إشكال فيه فهو فرض باتفاق الائمة والدليل عليه من الكتاب والسنة.
أما كيفية مسح الوجه فستأتينا في آخر الباب والمقصود الآن أن نعرف أنه فرض.
• ثم قال ’:
ويديه إلى كوعيه.
الكوع هو العظم الذي يلي الإبهام ومسح اليدين أيضاً فرض بالاتفاق من حيث الجملة بدليل الآية والحديثين السابقين.
وكونه كما يقول المؤلف إلى كوعيه هذا مذهب الحنابلة بدليل:
1. أن اليد عند الاطلاق تنصرف إلى الكف فقط دون الذراعين.
2. والدليل الثاني: وهو أصرح وأقوى أنه في حديث عمار لم يمسح إلا الكفين: ومسح كفيه:.
القول الثاني: أن المسح إلى المرفقين واستدلوا بأنه روي في التيمم أن النبي ‘ مسح إلى المرفقين.
والراجح مذهب الحنابلة.
والجواب عن استدلال القول الثاني: بقاعدة: وهي: أن كل حديث فيه المسح إلى ما بعد الكف إلى المرفقين فهو ضعيف.
وكل حديث فيه أكثر من ضربه فهو ضعيف.
وهذه قاعدة تريح طالب العلم.
فالمشروع إذاً مسح الكفين فقط.
• ثم قال ’
والترتيب، والموالاة في حدث أصغر.
الترتيب واجب في التيمم بدليل الآية فإن الله تعالى بدء بالوجه ثم عقب باليدين وبدليل حديث عمار - ففي لفظه المتفق عليه البدء بالوجه قبل اليدين: فمسح وجهه ويديه.
فإذا ضرب الإنسان ضربة ومسح يديه ثم مسح وجهه فإن التيمم يكون ....... (غير مجزئ) وعليه أن يمسح يديه. ليتم الترتيب.
وهذا يبين أن الترتيب مسألة مهمة جداً لأن كثيرا من الناس اليوم يضرب ضربه ويبدأ باليدين قبل الوجه فعند الحنابلة الترتيب في التيمم حكمه فرض.
(1/159)
________________________________________
والقول الثاني أن الترتيب سنة لأنه في بعض ألفاظ البخاري البدء باليدين قبل الوجه.
واختار هذا القول شيخ الاسلام.
والأقرب الأول أنه فرض. وأما الرواية فالرد عليها أن هذا اللفظ لا يثبت والحديث المشهور في البخاري ومسلم - فيما عدا هذه الرواية - البدء بالوجه كما أنه هذه الرواية التي فيها البدء بالوجه مع أنها متفق عليها توافق ظاهر القرآن.
فإن صحت هذه الرواية فالقول بأنه سنة هو الراجح. لكن الأقرب أنها لا تصح.
• ثم قال - رحمه الله -:
والموالاة في حدث أصغر.
الموالاة: أن لا يؤخر مسح اليدين بزمن يقدر فيه جفاف الوجه لو غسل بالماء.
والموالاة صحيح أنها فرض ولو فصل الإنسان هذا الفاصل لا يدق عليه أنه تيمم تيمماً مكتملاً لكن خص المؤلف هذا الفرض - الترتيب والموالاة - بالحدث الأصغر فيفهم منه أن الإنسان إذا تيمم عن جنابة فإنه لا يشترط الترتيب ولا الموالاة.
والصواب أنه يشترط الترتيب والموالاة حتى في التيمم عن الحدث الأكبر لأن التيمم يختلف عن الاغتسال فا لاغتسال يكون الغسل فيه لعضو واحد وهو البدن بينما التيمم للجنابة يكون في عضوين ولذلك لابد فيهما من الترتيب والموالاة.
وفي هذه النقطة فقط من بين سائر مسائل الوضوء والتيمم - التيمم أضيق من الاغتسال لأن الاغتسال لا تشترط فيه الموالاة ولا الترتيب.
بينما يشترط في الحدث الأكبر - أي الجنابة - إذا كان سيتيمم.
الخلاصة: أن الترتيب والموالاة عند الحنابلة فرض في الحدث الأصغر وهو الصواب.
وهما سنة في الحدث الأكبر عند الحنابلة والصواب أنهما فرض حتى في الحدث الأكبر. وذكرنا وجه التفريق بين الجنابة عند رفعها بالماء ورفعها بالتيمم.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره. فإن نوى أحدها: لم يجزئه عن الآخر. وإن نوى نفلاً أو أطلق: لم يصل به فرضاً. وإن نواه: صلى كل وقته فروضاً ونوافل.
هذا هو الفرض الرابع ويسمى تعيين النية:
قال: وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره: في التيمم لابد من تعيين النية.
ومعنى تعيين النية: أن يعين ما يتيمم له وما يتيمم عنه.
مثال ذلك: إذا أراد أن يتيمم ليصلي فيجب أن ينوي أنه يتيمم لصلاة الظهر عن حدث النوم إذا كان حدثه بالنوم.
(1/160)
________________________________________
فينوي ما يتيمم له وهو في المثال صلاة الظهر وما يتيمم عنه وهو في المثال النوم.
فإن نوى رفع حدث النوم دون الصلاة. فهو سيصلي ولكن لم يخطر بباله أثناء التيمم أن هذا التيمم ليصلي الظهر مثلاً وإنما خطر بباله رفع الحدث وهو النوم. فإن تيممه غير صحيح لأنه فقد شرط تعيين النية.
وإن نوى بتيممه صلاة الظهر ولم ينو رفع الحدث المعين فإن التيمم يصبح غير صحيح لأنه لم يعين الحدث المرفوع.
ما دليل الحنابلة؟ قالوا: أن التيمم شرع ضرورة فهو ضعيف يحتاج إلى التقوية بالتعيين أي أننا إذا عينا فقد قوينا من أمر التيمم بتخصيص النية.
والقول الثاني: أنه لا يشترط تعيين النية بل لو نوى الصلاة أو رفع الحدث أحدهما أو كلاهما فإن تيممه صحيح لأن التيمم رافع وليس مبيحاً.
وإذا كان التيمم رافع فإنه إذا تيمم ارتفع الحدث بأي نية نواها.
هذا معنى قوله: وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره.
والنية التي يتيمم عنها لا تخرج عن ثلاثة أشياء:
1. إما أن ينوي حدثاً أصغر.
2. أو حدثاً أكبر.
3. أو عن إزالة النجاسة في البدن - كما سبق معنا أن الحنابلة يرون مشروعية التيمم عن النجاسة التي لم يتمكن من إزالتها.
إذاً التيمم عن الاحداث ينحصر في ثلاثة حدث أصغر وحدث أكبر وإزالة النجاسة.
أما ما يتيمم له فهو كثير فقد يتيمم لفريضة وقد يتيمم لطواف وقد يتيمم لقراءة القرآن وقد يتيمم لأداء نذر وقد يتيمم لصلاة فرض كفاية.
فإذاً المنوي من العبادات كثير ومتنوع وهذه المسألة من أضيق ما يكون في فقه التيمم عند الحنابلة وكثير من الناس لا يخطر على باله عند التيمم أن ينوي بدقة عن ماذا ولماذا؟
ثم قال: فإن نوى أحدها: لم يجزئه عن الآخر.
لو فرضنا أن إنساناً عليه حدث أصغر وأكبر ونوى الحدث الأكبر فقط لم يرتفع الاصغر.
وإن نوى الأصغر فقط لم يرتفع الأكبر.
لأنه يجب إذا أراد أن يتيمم أن يعين وينوي الحدث الذي يريد أن يرفعه.
وتقدم معنا الصواب في هذه المسألة وهو أن نية الحدث الأكبر ترفع الأصغر أما نية الحدث الأصغر فإنها لا ترفع الأكبر.
قال: وإن نوى نفلاً أو أطلق: لم يصل به فرضاً. وإن نواه: صلى كل وقته فروضاً ونوافل.
(1/161)
________________________________________
القاعدة التي تجمع هذه المسائل عند قوله وإن نوى نفلاً أو أطلق: لم يصل به فرضاً: أنه إذا نوى الادنى فإنه لا يستبيح به الأعلى.
وإن نوى الأعلى استباح به الادنى.
مثال ذلك: إذا نوى بالتيمم صلاة فريضة فهل يجوز أن يصلي صلاة الضحى بهذا التيمم؟
نعم لأنه نوى الأعلى.
وإن نوى التيمم ليقرأ القرآن فهل يجوز أن يلبث في المسجد؟
ينبني على أيهما أعلى هل قراءة القرآن أعلى أم اللبث في المسجد؟
الجواب: قراءة القرآن.
فإذا تيمم لقراءة القرآن جاز له اللبث. وإذا تيمم للبث في المسجد فلا يفعل أي شيء من العبادات إلا اللبث في المسجد لأن اللبث أدنى مراتب النية.
ثم بدء المؤلف ’ بعد نهاية الفروض بالكلام عن مبطلات التيمم.
• فقال ’:
ويبطل التيمم: بخروج الوقت.
يبطل التيمم بخروج الوقت فإذا تيمم الإنسان لصلاة الظهر فبمجرد خروج وقت صلاة الظهر بطلت طهارة التيمم ووجب عليه أن يتيمم مرة أخرى لصلاة العصر.
دليل الحنابلة: قالوا: أن التيمم شرع ضرورة فتقيد بالوقت كالاستحاضة.
واستدلوا بدليل آخر قوي إن ثبت ذكروا آثاراً عن عدد من الصحابة أن الإنسان لا يصلي فرضين بتيمم واحد.
ولم يتسن لي النظر في أسانيد هذه الآثار. هل هي صحيحة أو ليست كذلك؟ إن صحت فهذا القول يكون متوجهاً جداً لكثرة الآثار وإن لم تصح فإن هذا القول ليس بمتوجه.
والقول الثاني: أن خروج الوقت لا يبطل التيمم لأن مجرد خروج الوقت لا يعتبر من نواقض الطهارة ولأن طهارة التيمم طهارة كاملة إلى أن يوجد الماء.
وهذا القول هو القول الراجح. فإذا تيمم الإنسان فإنه يظل على طهارة إلى أن يوجد منه إحدى نواقض الوضوء.
• ثم قال ’:
وبمبطلات الوضوء.
مبطلات الوضوء بالإجماع تبطل التيمم لأنها إذا كانت تبطل الطهارة الأعلى وهي طهارة الماء فمن باب أولى أن تبطل طهارة التيمم.
وكذلك موجبات الغسل فإنها تبطل التيمم.
فإذا تيمم الجنب ليقرأ القرآن ثم أحدث حدثاً أصغر فهل يجب عليه أن يتيمم مرة أخرى ليقرأ القرآن؟
لا يلزمه إلا إذا أراد أن يمس المصحف. الآن هل يجوز للمحدث أن يقرأ القرآن؟
بالإجماع جائز - فنحن لا نتكلم عن مس المصحف - فهذا إنسان جنب والجنب هل يجوز له أن يقرأ القرآن؟
(1/162)
________________________________________
فيه خلاف ولكن المشهور عند الفقهاء أنه لا يجوز له وهذا الجنب تيمم فارتفع الحدث الأكبر ثم أحدث حدثاً أصغر فلا يلزمه أن يعيد التيمم لقراءة القرآن لأن الحدث الأكبر ارتفع ولا يشترط أن يرتفع الحدث الأصغر.
إذاً فيه فائدة من قول الفقهاء: نواقض الوضوء وموجبات الغسل فلكل منهما حكم.
• ثم قال ’:
وبوجود الماء ولو في الصلاة لا بعدها.
وجود الماء مبطل من مبطلات التيمم بالإجماع للآية فلم تجدوا ماء فتيمموا ولحديث أبي ذر فليتق الله وليمسه بشرته فإذا وجد الماء بطل التيمم تلقائياً. ووجب عليه أن: يتوضأ للحدث الأصغر. ويغتسل للحدث الأكبر.
وهذا بالإجماع.
قال: ولو في الصلاة: هذه المسألة محل إشكال. فإذا تيمم الإنسان ودخل في الصلاة ثم حضر الماء في أثناء الصلاة فعند الحنابلة تبطل صلاته ويجب أن ينصرف ويتوضأ ويعيد الصلاة:
الدليل: قالوا الدليل الأحاديث الكثيرة الدالة على أن وجود الماء من مبطلات التيمم وإذا كان مبطلاً للتيمم قبل الصلاة فهو مبطل للتيمم أثناء الصلاة.
وهذا القول استقر عليه رأي الإمام أحمد رحمه فقد كان يقول لا يلزمه ثم رجع إلى هذا القول.
القول الثاني: أنه إذا حضر الماء أثناء الصلاة بالنسبة لمن تيمم فإن صلات صحيحة ويستمر فيها ولا يلزمه أن يخرج منها ويتوضأ بالماء.
قالوا: لأنه تطهر طهارة شرعية مأذون فيها ودخل في الصلاة دخولاً صحيحاً فلا يجوز له بعد ذلك أن يقطع الصلاة لقوله تعالى: ولا تبطلوا أعمالكم.
ممن رجح القول الأول: وهو مذهب الحنابلة: ابن القيم ’.
وهو القول الصواب. أنه إذا حضر الماء أثناء الصلاة فإن الصلاة تبطل وينصرف ويتوضأ ويعيد الصلاة.
أما الجواب عن الآية {ولا تبطلوا أعمالكم} فهو أن هذا المكلف لم يبطل عمله إنما بطل عمله شرعاً بوجود هذا الناقض من نواقض التيمم.
وبهذا تبين أن الإنسان إذا تيمم ودخل في الصلاة وشعر بحضور الماء أو سمعهم يتحدثون عن وجود الماء أو حضوره فإنه ينفتل عن صلاته ويعيد من جديد.
قال: لا بعدها: إذا تيمم الإنسان وصلى ثم بعد أن انتهى من الصلاة حضر الماء.
فهو على قسمين:
القسم الأول: أن يكون ذلك قبل خروج الوقت والقسم الثاني: أن يكون بعد خروج الوقت:
(1/163)
________________________________________
فإن كان بعد خروج الوقت فبإجماع العلماء لا يلزمه إعادة الصلاة.
وإذا حضر الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت ففيه خلاف والراجح أنه لا يلزمه أيضاً أن يعيد الصلاة لأن اثنين من الصحابة كما في حديث أبي سعيد الخدري تيمموا وصلوا ثم حضر الماء قبل خروج الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أعاد لك الأجر مرتين وقال لمن لم يعد أصبت السنة.
هذا الحديث الصواب أنه مرسل فهو من رواية التابعي ولا يصح ذكر أبي سعيد فيه. لكنه يصلح للإستدلال لأن قاعدة الإمام أحمد أن المراسيل خير من أقوال الرجال. فالأخذ بالمراسيل إذا لم تكن شديدة الضعف خير من الأخذ بأقوال وآراء الرجال.
فصارت النتيجة أنه إذا حضر الماء بعد الصلاة فلا يجب عليه أن يعيد على القول الراجح سواء كان قبل خروج الوقت أو بعده.
• ثم قال - رحمه الله -:
والتيمم آخر الوقت لراجي الماء: أولى.
أي أن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لمن كان يرجو وجود الماء أولى من الصلاة بالتيمم أول الوقت.
الدليل: أن الصلاة بالماء فرض والصلاة أول الوقت فضيلة والفرائض مقدمة على الفضائل وهذا القول اختاره شيخ الاسلام.
وإذا كان التأخير مندوبا ومستحباً لمن كان يرجو فمن باب أولى أن يستحب لمن كان يعلم أنه سيجد الماء.
وفي الصورتين لايجب التأخير ويجوز له أن يصلي بالتيمم خلافاً لما يظنه بعض العوام أنه إذا كان سيجد الماء قطعاً بعد ساعة أنه يجب أن ينتظر فهذا ليس بصحيح بل يجوز له أن يتيمم وإن علم أنه سيجد الماء بعد وقت قصير أو طويل.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى الصفة فقال:
وصفته:
صفة الشيء كيفيته في كل العلوم.
• قال:
أن ينوي، ثم يسمي.
النية والتسمية تقدم الكلام عليهما وتقدم معنا أن النية بالذات بالنسبة للتيمم فيها تفصيل فيجب أن يراعى التفصيل الذي ذكره الحنابلة عند من يرجح مذهبهم.
وعلى القول الآخر النية في التيمم والغسل والوضوء واحدة ولا خلاف وهذا كما سبق هو الراجح.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويضرب التراب بيديه.
(1/164)
________________________________________
ظاهره أنه يضرب ضربه واحدة وهذا هومذهب الحنابلة بدليل مافي حديث عمار السابق أنه قال ثم ضرب الأرض بيده ضربة واحدة لكن كلمة واحدة هذه تفرد بها مسلم. وإلا الحديث المتفق عليه ليس فيه هذه الكلمة وإنما في مسلم فقط.
مع ذلك إذا كانت هذه اللفظة ثابتة في مسلم فهي صحيحة ويستدل بها.
ثم لو فرضنا أن لفظ الحديث ثم ضرب الأرض بيده ضربه بدون كلمة واحدة فيفهم منه أنها واحدة.
والقول الثاني: أنه يضرب ضربتين واحدة للوجه والأخرى لليدين. والراجح مذهب الجمهور.
والجواب على القول الثاني أن كل حديث فيه ضربتين كحديث جابر وحديث ابن عمر فهي أحاديث ضعيفة.
وإن كان القول بوجوب الضربتين نسب إلى الجمهور لكن في الحقيقة هو قول ضعيف والراجح بوضوح الذي يتوافق مع ظواهر النصوص من الكتاب ومن السنة أن الضربة تكون واحدة فقط للوجه واليدين.
• ثم قال ’:
مفرجتي الأصابع.
هذه كيفية الضربة وهي أن يقصد الإنسان إلى تفريج أصابعه قبل أن يضرب الضربة الأولى.
التعليل: ليصل التراب إلى ما بين أصابعه والصواب أن تفريج الأصابع لا يسن ولا يشرع لأنه لم يذكر في النصوص الصحيحة.
واعلم أنه لم يثبت في كيفية التيمم إلا حديثان حديث عمار السابق وحديث تيمم النبي ‘ لما أراد أن يرد السلام.
وفيه فضرب بيده ومسح وجهه ويديه.
قال ابن حجر ولا يصح في الباب أي في كيفية التيمم إلا هذان الحديثان.
• ثم قال ’
يمسح وجهه بباطنهما.
هذه صفة مسح الوجه بعد الضربة الأولى.
الحنابلة يرون أنه إذا ضرب الإنسان الأرض فإنه يمسح وجهه بباطن الأصابع فقط دون باطن راحة اليد.
لماذا؟ قالوا: لأنه لو مسح بجميع اليد على جميع الوجه صار التراب مستعملاً كله ومن شروط ما يتيمم به عند الحنابلة أن يكون طهوراً وإذا استعمل كله في الطهارة لم يبق طهورٌ يستعمل للكفين.
فهذا معنى عبارة المؤلف أنه يمسح بباطن الأصابع: لكي لا يصبح جميع التراب العالق باليد مستعملاً فلا يبقى شيء لليدين.
وتقدم معنا أن تقسيم التراب إلى طاهر وطهور ونجس مرجوح وأن الصواب أن التراب وإن استعمل في رفع حدث فإنه يبقى طهوراً.
• ثم قال ’ - تكملة لهذا المعنى:
وكفيه براحتيه.
(1/165)
________________________________________
يعني أنه إذا مسح الوجه بباطن الأصابع بقي باطن الكف لراحتيه فيمسح بهما اليدين.
وما قيل في مناقشة مسح الوجه بباطن الأصابع يقال في مسح اليدين بباطن الكف.
إذاً ما هي الصفة الصحيحة؟
الصفة الصحيحة: أن يضرب الإنسان بيديه الأرض ولا يقصد لا تفريج الأصابع ولا ضمها وإنما يتركهما كما هما ثم إذا ضرب مسح وجهه مسحاً عادياً لا يراعي فيه أن يمسح بباطن الأصابع أو بباطن الكف ثم كما في حديث عمار يمسح الشمال باليمين ثم يمسح بباطنهما ظاهر كفيه فيكون المسح شمل الكفين باطناً وظاهراً والوجه بضربة واحدة.
وهذه هي الكيفية المسنونة للتيمم بكل بساطة.
وما ذكره الحنابلة من التفاصيل في كيفية مسح الوجه وكيفية تعني الأصابع وباطن راحة اليد فهو أمر مرجوح.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويخلل أصابعه.
يعني أنه يشرع عن الحنابلة إذا أراد الإنسان أن يتيمم ومسح وجهه وكفيه أن يخلل أصابعه والتعليل عندهم: ليصل التراب إلى ما بين الأصابع.
والقول الثاني أن تخليل الأصابع في التيمم لا يسن ولا يشرع. والتعليل: لعدم وروده في الأحاديث الصحيحة.
والراجح هو القول الثاني.
وبهذا نكون انتهينا من باب التيمم ووقفنا على باب إزالة النجاسة.
انتهى الدرس،،،
(1/166)
________________________________________
باب إزالة النجاسة
• قال - رحمه الله -:
باب إزالة النجاسة.
لما أنهى المؤلف الكلام عن التطهر بالماء وبدله وهو التيمم انتقل إلى الطهارة القسيمة لطهارة الحدث وهي الطهارة من النجاسة.
فقال: باب إزالة النجاسة:
المقصود بالنجاسة في هذا الباب النجاسة الحكمية والمقصود بالنجاسة الحكمية: هي النجاسة الطارئة على عين طاهرة.
فخرج بذلك النجاسة العينية فإنها لا يمكن أن تطهر مثاله: البول والغائط والكلب والخنزير والحمار على المذهب فكل هذه أعيان نجسة نجاسة عينية لا يمكن أن تطهر بحال من الأحوال إلا بطريقة واحدة فقط وهي الاستحالة وسيأتي ذكر الخلاف فيها.
فعرفنا ماذا يريد الفقهاء بالنجاسة في هذا الباب خاصة.
• قال - رحمه الله -:
يجزئ في غسل النجاسات كلها: إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة. وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير.
(1/167)
________________________________________
الحنابلة يقسمون النجاسات إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون على الأرض.
والقسم الثاني أن يكون على غير الأرض.
بدء المؤلف بما كان على الأرض:
• فقال:
إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة:
إذا كانت النجاسة على الأرض فإنه يكفي فيها عند الحنابلة غسلة واحدة ولكن يشترط في هذه الغسلة أن تذهب بعين النجاسة وعلامة ذهاب عين النجاسة أن لا يبقى منها لون ولا رائحة.
والدليل على هذا الحكم: الحديث الصحيح أن أعرابياً دخل المسجد فبال في ناحية المسجد فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يراق على بوله ذنوباً من ماء ففي الحديث غسل هذه النجاسة وهي بول الأعرابي مرة واحدة بإراقة الماء على بوله.
وهذا الحكم يختص بالنجاسة التي ليس لها أجزاء.
فإن كانت النجاسة لها أجزاء فإنه لا يكتفي بغسلها مرة واحدة بل يجب إزالة أجزاء النجاسة ثم يغسل أثرها مرة واحدة.
إذاً النجاسة على الأرض: إما أن تكون مائعة أو أن يكون لها جرم.
فإن كانت مائعة اكتفي بغسلها مرة واحدة تذهب بعينها بدليل حديث الأعرابي.
وإن كانت النجاسة ذات أجزاء فإنه يجب أن تزال هذه الأجزاء ثم يغسل أثر هذه النجاسة مرة واحدة.
ثم انتقل المؤلف إلى الكلام على النجاسة إذا لم تكن على الأرض فقال: وعلى غيرها سبع إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير.
وعلى غيرها: يعني على غير الأرض إذا كانت النجاسة على غير الأرض فتنقسم عند الحنابلة إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون نجاسة كلب أو خنزير.
القسم الثاني: أن تكون نجاسة غيرهما.
نبدء بالقسم الأول:
ونقول: إذا كانت النجاسة على غير الأرض كما لو كانت في الأواني وكانت من الكلب أو الخنزير فإنه يجب أن تغسل سبع غسلات إحداها بالتراب.
الدليل على هذا: حديث أبي هريرة - في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب.
هذه رواية مسلم وفي رواية غيره إحداهن.
فهذا الحديث دليل على التسبيع.
وبقي أن ننظر: هل التراب يكون في الغسلة الأولى أو الأخيرة أو في أي واحدة منها بلا تعيين أو في الثامنة؟
كم صارت الأقوال؟
أربعة.
الراجح منها أنها في الأولى.
والاحتمالات التي ذكرناها هي أقوال للفقهاء.
سبب الترجيح:
أن رواية أولاهن هي أصح الروايات التي حددت موضع غسلة التتريب.
(1/168)
________________________________________
ثانياً: أن التراب إذا كان في الغسلة الأولى جاء بعده الماء فطهر الإناء بخلاف إذا كانت في الغسلة الأخيرة فإنه يحتاج إلى غسلة زائدة.
إذاً هذا القول هو الراجح ويليه في القوة أن يكون التتريب غسلة ثامنة منفصلة عن السبع لما ثبت في حديث عبد الله بن مغفل - أن النبي ‘ قال وعفروه الثامنة بالتراب.
فإثبت ثمان غسلات وحديث بن مغفل هذا فيه زيادة علم يجب المصير إليه فهو قوي والسنة صريحة فيه.
• ثم قال:
وخنزير:
أي أن الخنزير يماثل الكلب في التسبيع والتتريب وهذا مذهب الحنابلة قيل للإمام أحمد أرأيت الخنزير فقال الإمام أحمد هو شر من الكلب فعبارة الإمام أحمد حملت الدليل على قياس الخنزير على الكلب وهو أن الخنزير شر من الكلب.
والقول الثاني: لجماهير العلماء أن الخنزير يغسل كغيره من الحيوانات ولا يترب ولا يسبع لأن النص جاء في الكلب والخنزير موجود في عهد التشريع ومذكور في القرآن ومع ذلك نص النبي ‘ على الكلب ثم في وجه آخر أن غسل سؤر الكلب سبع مرات أمر تعبدي وكل حكم تعبدي لا يمكن أن يقاس عليه.
وهذا القول هو الراجح.
بقينا في مسألة: نذكر فيها القول الراجح فقط. هل الكلب والخنزير نجس أو طاهر أو فيه تفصيل؟
القول الصواب - إن شاء الله - أن الكلب والخنزير نجسة إلا الشعر منها فإنه طاهر وهو اختيار شيخ الاسلام وفيه توسعة على المسلمين.
بناء على هذا: إذا ابتل الكلب ثم مس شعره ثوب الإنسان فعند الجمهور يجب أن يغسله لأن شعر الكلب نجس. وعلى القول الصواب لا يجب عليه أن يغسل ما أصاب الثوب من شعر الكلب أو الخنزير لأنه طاهر.
• ثم قال ’:
ويجزئ عن التراب: أُشنان ونحوه.
المقصود بنحوه كالصابون أو أي مادة تستخدم للتنظيف فمذهب الحنابلة أنه يجزئ عن الإشنان أي مادة فيها تنظيف واختار هذا القول أيضاً ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
والقول الثاني: أن غير التراب لا يقوم مقامه فيشترط أن يغسل بالتراب وهذا القول هو الراجح.
ومذهب الحنابلة الذي اختاره الشيخ وتلميذه ضعيف.
(1/169)
________________________________________
والسبب أن في التراب خاصية لا توجد في غيره ولذا نص عليه الشارع وهي أنه يقتل ما يوجد في سؤر الكلب مما يؤذي الإنسان بخلاف غيره من أدوات التنظيف فإنها لا تفعل هذا الفعل. وأثبت هذه الحقيقة الطب الحديث بل واعتبر هذا من معجزات النبي ‘.
وكما سبق الإشنان موجود في العهد النبوي ومع ذلك لم يذكره النبي ‘.
ثم انتقل إلى النوع الثاني من النجاسات التي توجد على غير الأرض:
• فقال:
وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب.
في نجاسة غير الكلب والخنزير يشترط للتطهير أن يغسل الإنسان سبع مرات ولو طهر المحل في الغسلة الأولى أو الثانية أو الثالثة فإنه يشترط أن يكمل الغسل إلى أن يصل إلى سبع غسلات.
استدل الحنابلة: بأثر ابن عمر أنه قال أمرنا بغسل الانجاس سبعاً وإذا قال الصحابي أمرنا فإنه ينصرف إلى المشرع وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
والقول الثاني: أن النجاسات غير الكلب والخنزير أو على القول الراجح على غير الكلب فإنها تغسل بلا عدد معين بل إلى ذهاب النجاسة فإن ذهبت في الغسلة الأولى اكتفي بها. أو في الثانية اكتفي بها وهكذا.
الدليل على هذا القول: أن النبي ‘ لما سأل عن دم الحيض يصيب الثوب قال حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء. ولم يذكر النبي ‘ عدداً.
وكذلك في حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد أمر النبي ‘ بصب ذنوب من ماء ولم يذكر عدداً.
وهذا القول هو الصواب الذي تدل عليه النصوص الشرعية.
وحديث ابن عمر السابق ضعيف.
انتهينا الآن من الأنواع التي تتنجس وأنها تنقسم إلى ما يكون على الأرض وما يكون على غيرها.
وأن ما يكون على غير الأرض ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون نجاسة كلب وخنزير أو يكون نجاسة غيرهما.
فصارت الأقسام أربعة.
• ثم انتقل المؤلف ’ إلى كيفية التطهير فقال:
ولا يطهر متنجس: بشمس ولا ريح ولا دلك.
يرى الحنابلة أنه لا يمكن تطهير النجاسات إلا بالماء فقط ولا تطهر بالشمس ولا بالدلك ولا بغيرهما.
الدليل: استدلوا بحديث الأعرابي وحديث أسماء السابقين. حيث ذكر النبي ‘ الماء للتطهير.
والقول الثاني: أن النجاسة إذا ذهبت بأي مزيل كان فقد ذهب حكمها وطهر المحل لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
(1/170)
________________________________________
واستدلوا بدليل من السنة وهو صحيح ثابت وهو حديث ابن عمر أن الكلاب كانت تدبر وتقبل في المسجد في عهد النبي ‘ ولم يكونوا يغسلون شيئاً من ذلك فعلم أن هذه الكلاب التي تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولا يغسل أثر هذا البول أن المطهر له هو الشمس والريح.
وفي الباب أدلة كثيرة لهذه المسألة.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب الذي تدل عليه النصوص الصحيحة.
• قال ’:
ولا استحالة غير الخمرة.
الحنابلة يرون أن الاستحالة لاتطهر لأنهم في الأصل يرون أن النجاسة لا يمكن أن تطهر إلا بالماء لكن بخصوص مسألة الاستحالة لهم دليل آخر وهو أن النبي ‘ نهى عن لحوم الجلالة وألبانها.
والجلالة هي الحيوان التي غالب أكله من النجاسات. وسيأتينا - بإذن الله في كتاب الأطعمة تفصيل كثير حول أحكام الجلالة لكن يعنينا هنا أن نعرف ماهي فقط؟
وجه الاستدلال: قالوا: أن الجلالة إذا أكلت النجاسة استحالت في بدنها إلى الدم واللحم ومع كون النجاسة استحالت فقد نهى اللنبي ‘ عن أكلها.
وهذا دليل قوي.
والقول الثاني: أن الاستحالة تطهر النجاسات واختاره ابن تيمية وتلميذه رحمهما الله. وانصروا لهذا القول بأدلة كثيرة من أهم هذه الأدلة أن النجاسة في الاستحالة ذهب لونها وريحها وطعمها فلم يبق للنجاسة أثر.
الدليل الثاني: أن أحكام الأعيان - وهذه قاعدة جيدة ومفيدة لطالب العلم - تتبع حقيقة الأعيان وصفاتها.
أي أننا نحكم على العين بحسب حقيقتها وصفاتها. والعين النجسة إذا استحالت فقد تغيرت جميع الصفات والحقائق لها.
فمثلاً: في المثال الشمهور الذي يذكره الفقهاء إذا وقع الكلب في مملحة وبقي فيها وقتاً طويلاً انقلب إلى ملح وحقيقة وصفات الملح تختلف عن حقيقة وصفات الكلب.
مثال آخر: وهو وإن كان أسهل فهو لا يرد على الحنابلة لأنهم يبرون أنها تطهر - الخمر.
فالخمر قبل أن تستحيل لها صفات وحقائق معروفة. إذا تخللت الخمر أصبحت خلاً وبين الخمر والخل فرق كبير من حيث الحقيقة والصفة.
فقالوا هذا الخمر لم يعد خمراً وإنما أصبح خلاً كما أن ذاك الكلب الذي وقع في المملحة لم يعد كلباً وإنما أصبح ملحاً وهكذا.
إذاً هذا المثال يبين القاعدة التي ذكرها شيخ الاسلام ابن تيمية ’.
(1/171)
________________________________________
وهذا القول الثاني هو الصواب: أن الاستحالة تفيد التطهير.
• قال ’:
غير الخمرة. فإن خللت أو تنجس دهن مائع: لم يطهرا.
قوله غير الخمرة: هذا استثاء من الاستحالة: يعني: أن الأعيان النجسة لا تطهر بالاستحالة ما عدا الخمر فإنه يطهر بالاستحالة.
ففرقوا بين جميع النجاسات وبين الخمر فجميع النجاسات لا تطهر بالاستحالة والخمر فقط يطهر بالاستحالة.
دليل الحنابلة: قالوا: الخمر أصله طاهر ولذا إذا استحال فقد رجع إلى أصله. فالخمر أصله طاهر لأنه من الفواكه: من العنب أو من التمر أو من غيرهما.
لكن يشترط عند الحنابلة أن يكون تخلل الخمر بنفسه - من الله بدون فعل أحد - تتخلل بلى تخليل من الآدمي فإن سعى الإنسان في تخليلها بنقلها أو تعريضها إلى حرارة أو بأي طريقة من الطرق فإنها تبقى نجسة لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ‘ سأل عن الخمر تتخذ خلاً قال: لا.
ولأن النبي ‘ لما جاءه الرجل ومعه إناء فيه خمر لم يأمره بتخليله وإنما تركه يريقه ولو كان التخليل ينفع في الخمر لما أضاع المال ولأمره بتخليل هذا الخمر.
إذاً الخلاصة بالنسبة للخمر عند الحنابلة - خاصة من بين سائر النجاسات - أنه إذا تخلل فإنه يطهر بشرط أن يتخلل بنفسه فإن خلل بفعل الآدمي فإنه يبقى نجس وإن تخلل وعرفنا أدلة الحنابلة من السنة وهي أدلة صحيحة.
تبين من هذا التقرير أن الحنابلة يرون أن الخمر نجس وهذه المسألة محل خلاف طويل بين أهل العلم: فالجماهير وحكي إجماعاً أن الخمر نجس واستدلوا بأدلة كثيرة منها:
قوله تعالى {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام/145]
قال ابن القيم قوله فإنه يعود على الجميع ولا يختص بالخنزير فأطلق الله على الخمر أنه رجس.

الدليل الثاني: أن الصحابة لما نزل تحريم الخمر أراقوها فدل هذا على أنه لا يمكن الانتفاع منها بشيء لأنها نجسة.
الدليل الثالث: قوله تعالى فسقاهم ربهم شراباً طهوراً وهذا استدل به الشافعي مفهوم هذه الآية أن خمر الدنيا لا يعتبر طهوراً وإنما هو نجس.
القول الثاني: أن الخمر طاهرة وهذا ينسب لبعض السلف واختاره الصنعاني وكثير من المعاصرين.
(1/172)
________________________________________
واستدلوا: أولاً بأن الأصل في الأعيان الطهارة ولا دليل على نجاسة الخمر.
وثانياً: أنه لما نزل تحريم الخمر أراق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الخمور في طرق المدينة ولو كان الخمر نجساً لم ينجسوا به طرقات المسلمين لا سيما وأن طرق المدينة لم تكن على الأقل كلها واسعة. بل فيها الواسع والضيق.
وأجاب أصحاب هذا القول على أدلة الجماهير:
عن الاستدلال بقوله تعالى فسقاهم ربهم شرابا طهوراً أن الله سبحانه وتعالى حكم على أشربة الجنة اللبن والماء والخمر بأنها طهورة فهل يعني هذا أن لبن وماء الدنيا نجسة الجواب: لا. فكذلك الخمر.
وهذا القول بالنسبة لنجاسة الخمر في الحقيقة قول قوي ووجيه وتمس الحاجة إليه في وقتنا هذا بالذات بسبب كثرة دخول الخمر في مركبات الأدوية ونحن لا نرجح طهارة الخمر بسبب أنهم يستخدمونه في الأدوية.
لكن من أسباب الترجيح أن في القول بطهارة الخمر توسعة من هذا الجانب.
الخلاصة أنه والله أعلم القول بالطهارة هو الأقرب لأنه لا يوجد دليل صريح على النجاسة.
وإن كان يضع الإنسان في ذهنه أن القول بالنجاسة مذهب الجماهير الأئمة الأربعة وجملة أئمة المسلمين إلا ثلاثة أو أربعة من السلف.
أما المتأخرون من بعد الصنعاني - فهو - رحمه الله - الذي نشر هذا القول وانتصر له - فهم كثر لكن الكلام عن أئمة المسلمين المتقدمين.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو تنجس دهن مائع لم يطهرا.
الدهن عند الحنابلة ينقسم إلى قسمين:
إما أن يكون مائع أو جامد فإن كان مائعاً ووقعت فيه نجاسة وجب أن يلقى برمته - أن يراق جميع الدهن.
لحديث ابن عباس فإن كان مائعاً فلا تقربوه.
ولأنه لا يمكن أن يغسل بالماء مع كون الدهن مائعاً.
وإن كان جامداً فإنه تلقى النجاسة وما حولها والباقي حلال طاهر.
انتهى مذهب الحنابلة.
القول الثاني: أن الدهن الجامد والمائع حكمهما واحد وهو أن يراق ما حول النجاسة مع النجاسة والباقي طاهر. وينتفع به بدليل حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن فأرة وقعت في سمن فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوها وما حولها وأن ينتفعوا بالباقي.
وهذا الحديث صحيح وفيه لم يفرق بين المائع والجامد وإنما حكم على الجميع بحكم واحد.
(1/173)
________________________________________
فدل الحديث على أن جميع المائعات حكمها حكم الماء وهو أنه لا تنجس إلا بالتغير كما تقررمعنا في أول باب المياه.
فجميع المائعات الدهن والسمن وأي مائع كان فحكمه حكم الماء في أنه لا ينجس إلا بالتغير.
مسألة: إذا وقعت فأرة في سمن فأزلنا الفأرة وما حولها فهل يطهر المحل أو لم يطهر؟
................................ ((يطهر))
فإن وجدنا بعد الإزالة للفأرة وما حولها أن السمن تغير بالنجاسة مع إزالة الفأرة وما حولها فيعتبر نجساً.
إذاً طالب العلم لا يتخذ القضايا العلمية مسلمة وإنما يفهم تنوع الأحكام.
فنحن نقول إذا وقعت الفأرة في السمن فإنها تزال وما حولها والباقي طاهر ولكن يجب عليك أن تربط بين هذا وبين الأحكام الأخرى وهي أن المائعات إذا تغيرت بالنجاسة فتعتبر نجسة.
فبالربط بين الحكمين تعرف حكم الصورة أو المسألة التي ذكرت لك الآن.
مالجواب عن حديث ابن عباس الذي استدل به الحنابلة؟
الجواب: أنه حديث منكر. وأشار البخاري إلى ضعفه.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإن خفي موضع نجاسة: غُسل حتى يجزم بزواله.
غسل: أي الموضع.
النجاسة إما أن تكون في الثوب أو في البدن أو في البقعة.
فإذا وقعت النجاسة في أحد هذه الثلاثة أشياء فإما أن يعلم مكانها أو يجهل.
فإن علم فالأمر ظاهر أنه يغسل.
وإن جهل فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة.
ويستثنى من هذا الحكم إذا وقعت النجاسة في بقعة كبيرة كما إذا وقعت في فضاء واسع فإنها إذا كانت وقعت في فضاء واسع فإنه لا يشترط أن يغسل ولا أن يتحرى للمشقة.
والقول الثاني في هذه المسألة أن النجاسة إذا وقعت في البدن أو الثوب أو البقعة المحدودة وأمكن التحري - وهذا شرط مهم - فإنه يتحرى لأنه إذا جاء الشرع بالتحري في عدد الركعات فمن باب أولى أن يتحرى في تحديد البقعة النجسة.
والأحوط في الحقيقة مذهب الحنابلة أنه إذا اشتبهت النجاسة في البقعة أو البدن أو الثوب المحدود فإنه يغسل حتى يجزم بزوال النجاسة لأن النجاسة وجدت قطعاً فإذا كانت النجاسة موجودة يقيناً فإنه يسعى إلى إزالتها باليقين أيضاً وذلك بأن يغسل إلى أن يجزم بزوال النجاسة.
وهذا القول كما قلت أحوط وأقرب إلى القواعد الشرعية.
انتهى الدرس،،،
(1/174)
________________________________________
• قال - رحمه الله -:
ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام: بنضحه.
بدء المؤلف ببيان بعض النجاسات التي يدخلها التخفيف فبدء ببول الغلام:
فإذا بال الغلام على ثوب أو بدن أو بقعة الإنسان فإنه يكفي في تطهيره أن ينضح.
والنضح هو: إراقة الماء على ...... (انقطع التسجيل) ....... وعرف من قول المؤلف بول غلام لم يأكل الطعام: أن الغلام الذي بدء بأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم.
وأن غائط الغلام الذي لم يأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم.
وأن بول الجارية وإن كانت لم تأكل الطعام لا ينطبق عليه الحكم وإنما يختص ببول الغلام الذي لم يأكل الطعام فهذا البول ينضح نضحاً ولا يجب فيه الغسل.
دليل ذلك حديث أم قيس أنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام لها فأخذه - صلى الله عليه وسلم - ووضعه في حجره فبال عليه فدعا - صلى الله عليه وسلم - بماء ونضحه على ثوبه ولم يغسل) هكذا في الحديث نص على عدم الغسل.
وهذا من فقه الصحابي راوي الحديث وهذا الحديث في الصحيحين.
فهذا نص في أن بول الغلام نجاسته نجاسة مخففة يكفي فيها النضح كنجاسة المذي - على ما سيأتينا إن شاء الله.
بقينا في العلة التي من أجلها خصص بول الغلام بهذا الحكم:
في الحقيقة لم أقف على أي علة مقنعة ولذلك فالأقرب أن الأمر تعبدي.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويعفى في غير مائع ومطعوم: عن يسير دم نجس من حيوان طاهر، وعن أثر استجمار.
جملة مذهب الحنابلة في هذه المسألة أنهم يرون أنه لا يعفى عن يسير شيء من النجاسات إلا في أمرين:
- يسير الدم من حيوان طاهر حال الحياة.
- وأثر الاستجمار.
في غير المائعات فقط هذا الذي يعفى عن يسيره وأما ما عداه من باقي النجاسات كالبول والغائط والقيء - لأنه نجس عند الحنابلة فلا يعفى عن يسيرها عند الحنابلة.
القول الثاني:
أنه يعفى عن يسير جميع النجاسات بلا استثناء والدليل على هذا أن الشارع عفا عن يسير أثر الاستجمار.
ويسير أثر الاستجمار يقصد به: ما يبقى من النجاسة اليسيرة بعد الاستجمار.
فهذه النجاسة قد عفا عنها الشارع فيقاس عليها جميع النجاسات.
وهذا القول - الثاني - هو اختيار شيخ الاسلام وهو الذي تدل عليه النصوص إن شاء الله.
نرجع نأخذ مذهب الحنابلة عبارة عبارة.
(1/175)
________________________________________
يقول ’ ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم من حيوان طاهر.
هذا الأمر الأول: لماذا استثنى الحنابلة الدم والاستجمار فقط؟
الجواب: استثنوا ذلك للإجماع فقالوا إن هذا محل إجماع.
وبالنسبة للإستجمار بالإضافة إلى الإجماع النصوص الدالة على جواز الاستجمار تدل على العفو عن يسيرة لأنه لا بد أن يبقى بعد الاستجمار يسير من الخارج من السبيل لأن الحجارة ونحوها لا يمكن أن تزيل جميع الخارج.
وقول المؤلف: يسير دم نجس من حيوان طاهر: يفيد أن الدماء ليست على حد واحد عند الحنابلة. وهو كذلك فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: دم نجس يعفى عن يسيره. مثاله: الآدمي والحيوانات الطاهرة.
القسم الثاني: دم نجس لا يعفى عن يسيره. وهو: الدم الخارج من السبيلين.
القسم الثالث: دم طاهر. كدم السمك ودم الشهيد وما يبقى في عروق الذبيحة التي ذبحت على مقتضى الشرع وكذلك دم الحيوانات التي ليس لها نفس سائلة. وسيأتينا ذكر عدد من الأمثلة في ثنايا كلام المؤلف.
وقد ذكر هذا التقسيم أكثر من عالم من فقهاءالحنابلة وهو تقسيم جيد يسهل ويجمع أطراف المسألة.
وعلم من قول المؤلف: يسير دم نجس. أنه يرى أن الدم نجس وهذا القول حكي فيه الاجماع من عدد من العلماء وحكى الإجماع عالم هو من أشد الناس في الإجماعات وهو الإمام أحمد فقال: الدم لا يختلفون فيه.
وتقدم معنا أن حكاية الإجماع تختلف قوتها من عالم لعالم وإذا كان حكى الإجماع مثل الإمام أحمد فهذا إجماع قوي لأنه يتشدد في الإجماع لا يكاد يثبت إجماع إلا عن الصحابة.
فإذا أثبت الإجماع فهو إجماع قوي.
الأدلة: أولاً: العمومات: كقوله تعالى {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام/145]
وهذا نص.
ثانياً: أن أسماء لما سألت عن دم الحيض يصيب الثوب أمر النبي ‘ بغسله غسلاً كاملاً فقال حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء.
ولا يوجد دليل على أن هناك فرق بين دم الحيض وغيره من الدماء.
القول الثاني في هذه المسألة المهمة: أن الدم طاهر استدلوا بأدلة:
(1/176)
________________________________________
الدليل الأول: قصة الصحابي الذي صلى ثم رمي بسهم وآخر وثالث وظل يصلي فدل ذلك على أن الدم طاهر وإلا كيف صلى والدم يخرج منه؟
الجواب على هذا الدليل: أن هذا أثر لا يثبت.
الدليل الثاني: وهو من أقوى أدلتهم أن الحسن البصري صح عنه أنه يقول مازال المسلمون يصلون بجراحاتهم.
والجواب على أثر الحسن: أنه يقصد رحمه الله - أن الدم لا ينقض الوضوء ولا يقصد أنه طاهر بدليل أنه صح عنه ’ - أن الدم نجس.
الدليل الثالث - الأخير: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - صلى وجرحه يثعب دماً.
والجواب عليه: أن هذا للضرورة.
ولذلك الإمام أحمد ’ وهو ممن يرى نجاسة الدم بل يحكي الإجماع على هذا الحكم لما ضرب في الحبس ’ وخرجت منه الدماء بكثرة صلى في السجن والدماء تملأ جسده وثوبه فقال له صاحبه يا أبا عبد الله أتصلي والدم فيك هكذا فقال الإمام ’: صلى عمر وجرحه يثعب دماً.
فاستدل بقصة عمر وإن كان ’ ممن يرى نجاسة الدم لأن هذا موضع ضرورة وموضع الضرورة لا يقاس عليه حال الاختيار.
لذلك فالأقرب عندي بوضوح أن الدم نجس لاسيما وأنه حكي فيه الإجماع وعلى هذا النحو ولا يكاد يعرف مخالف.
ثم انتقل المؤلف ’ إلى الأعيان التي لا تعتبر نجسة.
• فقال ’:
ولا ينجس الآدمي بالموت.
يعني أن الآدمي طاهر حال الحياة والممات والدليل على هذا الحكم:
أولاً: قول النبي ‘ إن المؤمن لا ينجس.
وثانياً: أن النبي ‘ أمر بتغسيل الميت. ما هو وجه الاستدلال هنا؟ الجواب: أن الميت لو كان نجس العين فلا ينفع فيه التغسيل لأنا أخذنا أن النجس نجاسة عينية لا يمكن أن يطهر إلا بالإستحالة على الخلاف فيها.
والقول الثاني: أن الكافر طاهر حال الحياة نجس بعد الموت.
وهذا القول قوي جداً لأن النصوص التي ذكرنا كلها يختص بالمؤمن.
أما طهارة الكافر في حال الحياة فلا إشكال فيها.
لكن الخلاف في طهارته بعد الموت.
ولذلك فالأحوط أن لايمس الإنسان جسد الكافر بعد الموت أو يغسل يده إذا أصيبت بشيء رطب من جسد الكافر بعد الموت مراعاة لهذا الخلاف القوي.
أما الحنابلة فهم يرون أن الآدمي مسلماً أو كافراً صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى جسده طاهر.
• ثم قال ’:
وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر.
(1/177)
________________________________________
قاعدة المذهب أن كل حشرة لانفس لها سائلة ومتولدة من طاهر فتعتبر طاهرة في الحياة وفي الممات.
إذاً كم شرط؟ ذكروا شرطين.
الأول: أن لا يكون لها نفس سائلة.
والثاني: أن تكونة متولدة من طاهر.
ومعنى أن لا يكون لها نفس: النفس هنا يعني الدم. وقوله سائلة: أي لا تجري.
وإلا فمن المعلوم أن أحشرة فيها دم لكن الشرط أن لا يكون هذا الدم سائلاً.
وأن تكون متولدة من طاهر.
بناء على هذا فالبعوض والعقرب والخنفساء وما شابه هذه الحشرات كلها طاهرة في الحياة وفي الممات ولو وقعت في ماء بعد الموت فيبقى طهورٌ حتى عند الحنابلة.
وأما إن كانت حشرة لها نفس سائلة فهي نجسة بعد الموت وقبل الموت هناك تفصيل لكن بعد الموت تعتبر نجسة.
ومثل الإمام أحمد على هذا بالوزغ. فقد اعتبر أن الوزغ له نفس سائله فإذا مات وسقط في الماء فإنه ينجس به.
الدليل على أصل هذه المسألة أن النبي ‘ قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليلقه.
وإذا غمس الإنسان الذباب في الإناء الذي يحمل سائلاً حاراً فسيموت ومع ذلك أمر النبي ‘ بالانتفاع بالسائل فهذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت.
قوله متولد من طاهر: أي أنه إذا تولد من نجس فإنه ينجس ولو لم يكن له نفس سائلة ومثلوا لهذا بصراصير الكنف. فإنها متولدة على حد قولهم من نجاسة.
وإذا كانت متولدة من نجاسة فإنها تصبح نجسة إذا ماتت.
وعلى القول الثاني: تصبح طاهرة لأنا أخذنا أن الاستحالة تطهر بها الأعيان النجسة وهذه الحشرات استحالت من النجاسات إلى هذه الحشرة المعروفة.
فالأقرب أنها طاهرة.
تنبيه: نبه بعض الفقهاء إلى شيء مهم وهو أنه يشترط في هذه الحشرات التي نقول أنها لا تُنَجِّسْ ما تقع فيها من المياه أن لا تكون هي متلوثة بنجاسات فإن غالب هذه الحشرات قد تتلوث بعض أجزائها بالنجاسة فإذا لم تكن متلوثة بالنجاسة فإن الماء الذي وقعت فيه يبقى طهور.
• ثم قال ’:
وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ..... طاهر.
بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه عند الحنابلة طاهر.
والدليل على ذلك.
الأول: حديث العرنيين حيث أمرهم النبي ‘ أن يلحقوا بإبل الصدقة وأن يشربوا من ألبانها وأبوالها.
(1/178)
________________________________________
فدل هذا على أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر.
والدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل أنصلي في مرابض الغنم فقال نعم.
ولو كانت أبوالها وأرواثها نجسة لم يأذن - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في مرابضها.
وأما المني: فقياساً على البول فهو أطهر منه من باب أولى. بدليل - هذا دليل الأولوية - أن بول الانسان نجس ومنيه طاهر.
• ثم قال - رحمه الله -:
ومني الآدمي.
مني الآدمي طاهر عند الحنابلة والدليل ما ثبت عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تفرك ثوب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المني ثم يخرج فيصلي في ثوبه.
وجه الاستدلال: أن الفرك عادة لا يزيل جميع الأجزاء فدل على أن المني طاهر.
والقول الثاني: أن المني نجس لما ثبت أيضاً في الحديث أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تغسل ثوب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيخرج إلى الصلاة وهي ترى بقع الماء بعد الغسل.
وجه الاستدلال: أن الغسل يكون للنجاسات.
والجواب عليه: أن غسلها - رضي الله عنها - كان تكميلاً للنظافة جمعاً بين الغسل والفرك وقد بين الحديث الآخر أن الفرك لليابس والغسل للرطب.
وغسلها - رضي الله عنها - أيضاً هو من باب إماطة الأذى كما يغسل المخاط وإن كان طاهراً.
والراجح أن المني طاهر.
• ثم قال - رحمه الله -:
ورطوبة فرج المرأة.
رطوبة فرج المرأة نحتاج إلى معرفة عدد من الأشياء عنه:
الأول: تعريفه. الثاني: مكانه. الثالث: حكمه.
تعريفه: هو ماء أبيض بين المذي والعرق ولو سألنا هل رقيق أو ثخين؟
فالجواب: رقيق. لأنه سبق معنا أن المذي ماء أبيض رقيق وهذا الماء قلنا أنه بين المذي والعرق وكل منهما رقيق فهو أيضاً رقيق.
فإذا أردت أن تزيد في إيضاح التعرف فتقول ماء أبيض رقيق بين المذي والعرق والفقهاء لم يذكروا كلمة رقيق لأنه معلوم فما دام أنه بين العرق والمذي فهو رقيق.
مكانه (مكان خروجه): يخرج هذا السائل من مخرج الولد وهو فتحة في أدنى فرج المرأة كما أن البول يخرج من فتحه في أعلى فرج المرأة.
فنحن نتحدث عن السائل الذي يخرج من مخرج الولد الذي يتصل بالرحم ولسنا نتحدث عن أي سائل يخرج من مخرج البول.
حكمه: مذهب الحنابلة فهو طاهر عندهم. واستدلوا بدليلين:
الأول: أن الأصل في الأعيان الطهارة.
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر المجامع بغسل الذكر.
(1/179)
________________________________________
وجه الاستدلال: أن في الجماع غالباً سيلتصق شيء من هذا السائل بذكر الرجل ولو كان نجساً لأمر - صلى الله عليه وسلم - بغسل الذكر بعد الجماع.
- كأن هناك انقطاع
واستدلوا بأن القاعدة عند العلماء والأصل العام أن كل خارج من السبيلين فهو نجس.
الجواب: يجاب عن هذا الاستدلال بأن مقصود الفقهاء بالسبيلين ما يخرج من مخرج البول والغائط.
والراجح أن هذه الرطوبة طاهرة. بل القول بنجاستها يدخل على المرأة حرج ومشقة. لا سيما إن صح ما ذكره بعض الأطباء أنه لا يوجد امرأة من بنات حواء إلا ويخرج منها هذا السائل. أي أنه لا يختص ببعض النساء دون بعض.
فهذا مما يؤكد طهارة هذا السائل.
• ثم قال - رحمه الله -:
وسؤر الهرة، وما دونها في الخلقة: طاهر وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه: نجسة.
السؤر: يقصد به هنا بقية الطعام والشراب.
فسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر.
الدليل: حديث أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عن الهرة إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
قال الحنابلة ويقاس على الهرة كل ما كان أصغر منها حجماً. وسيأتينا الخلاف في هذه المسألة في المسألة التي تليها لأن المؤلف - رحمه الله - يقول هنا: وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة.
قاعدة المذهب أن كل ما لايؤكل لحمه مما هو أكبر من الهرة فهو نجس سؤره وأجزائه.
فإذا ضبطت هذه القاعدة: فإذا سألت عن أي حيوان فستعرف هل هو طاهر أو نجس.
فالبقر مثلاً: طاهر. لأنه يؤكل لحمه.
الحمار: نجس. لأنه لا يؤكل لحمه.
الدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل عن بئر بضاعة وما ينوبه من السباع فقال - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.
فمفهوم هذا الحديث أن الماء إذا كان أقل من القلتين ونابته السباع فإنه ينجس. فالاستدلال بالمفهوم.
وأيضاً استدلوا بحديث أبي قتادة السابق. فجعلوا مناط الحكمة على الحجم. فما كان أكبر من الهرة فهو نجس إذا لم يكن مأكول اللحم.
وما كان أصغر فهو طاهر.
القول الثاني: أن مناط الطهارة هو التطواف أو الطواف. فالحيوان الذي يكثر طوافه بين الناس ومساسه بهم فإنه طاهر. وما لا فلا.
والكلام الآن فيما لا يؤكل لحمه أما مأكول اللحم فطاهر.
(1/180)
________________________________________
الدليل على هذا المناط أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على ذلك فقال إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام ما زالوا يركبون الحمار والبغل وقد يصيب ملابسهم شيء من سؤرها وقد تصيب ملا بسهم رطوبة شعر الحمار مع كثرة الملابسة والاستخدام ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بغسل شيء من ذلك.
فدل على أن الحمار شعره وريقه طاهر بسبب كثرة الطواف ومساسه للناس.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب.
بقينا في إشكال كبير وهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر لما ذبح الناس الحمار وطبخوا لحمه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أريقوا اللحم فإنه رجس.
فسمى لحم الحمار رجساً فدل على أن الحمار نجس.
الجواب: على هذا الحديث: أن لحم الحمار نجس وهذا صحيح وفيه نص ولكن الحديث لم يتعرض لشعره ولا عرقه ولا ريقه.
فلا يصح الاستدلال على نجاسة غير اللحم لوجود أدلة أخرى تدل على ((((نجاسة)))) الأجزاء المذكورة وهي الشعر والريق والعرق.
بهذا انتهى الكلام على الأعيان النجسة والتفاصيل التي فيها وننتقل إلى باب الحيض.
(1/181)
________________________________________
باب الحيض
تابع الدرس
ختم المؤلف - رحمه الله - كتاب الطهارة بباب الحيض والسبب في تأخير هذا الباب إلى آخر كتاب الطهارة أنه يتعلق بالنساء فقط ولا يشمل جميع بني آدم.
وباب الحيض نص عدد من المحققين على أنه أشكل أبواب الطهارة بل هو من أشكل أبواب الفقه ولذا كان عدد من أهل العلم لا يفتون في مسائل الحيض.
وإذا كانت مسائل الحيض مشكلة وتعتبر من أدق مسائل الفقه فهي في عصرنا هذا أدق وتضاعف فيها الإشكال.
فقد وجدت إشكالات في مسائل الحيض في عصرنا هذا لم توجد في أي عصر من الأعصار بسبب كثرة الأدوية الموجهة إلى الحيض بالنسبة للنساء.
فصارت هذه الأدوية والعقاقير تسبب إرباكاً وتذبذب للنساء وتُوجِدُ مسائلَ غامضة كل الغموض.
ولهذا يحتاج طالب العلم أنه يضبط الأصول على الأقل حتى يستطيع أن ينطلق منها للفروع المشكلة.
• قال - رحمه الله -:
باب الحيض
الحيض في لغة العرب: هو السيلان. ومنه حاض الوادي يعني: سال.
وقيل: بل هو من الجمع يعني: من الاجتماع ومنه حوض الماء: سمي حوضاً لاجتماع الماء فيه.
فهو مشتق من أحد هذين المعنيين.
أما الحنابلة فيذكرون فقط معنى السيلان.
(1/182)
________________________________________
والحيض في الشرع: هو دم طبيعة يخرج من عرق في أقصى الرحم.
فيتبين من التعريف أمران:
الأول: أنه يجب أن يكون دم طبيعي لا بسبب المرض.
والثاني: أنه يجب أن يخرج من أقصى قعر الرحم فإن خرج من أدناه فليس بحيض. وسيأتينا ماذا يكون؟
• قال - رحمه الله -:
لا حيض: قبل تسع سنين.
الحنابلة يرون أنه لا يمكن أن تحيض المرأة قبل أن تصل سن تسع سنين. وكل دم رأته قبل ذلك فليس بحيض.
استدلوا على هذا بأثر عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة).
أي أنها قبل ذلك لا تكون امرأة يعني من حيث الحيض.
والقول الثاني: أن الحيض متى جاء للمرأة في أي سن بصفاته المعروفة فهو حيض.
استدلوا على هذا بقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة/222] فسماه الله تعالى أذى فعلقه على الوصف متى وجد هذا الوصف - الأذى بصفاته فإنه يأخذ أحكامه من المنع من الصلاة والصيام والوطء ... إلخ مما سيأتينا.
وهذه الاستدلال سنحتاج إليه مراراً وتكراراً فيحتاج طالب العلم إلى فهمه جيداً.
وهذا القول الثاني: هو القول الصواب.
إذاً إذا جاء الحيض حتى لو كان قبل التسع سنوات فإنه يعتبر حيضاً وتمسك المرأة عن الصلاة والصيام ........

انتهى الدرس،،،
(1/183)
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف - رحمه الله - تعالى: باب الحيض لا حيض قبل تسع سنين ولا بعد خمسين.
قوله: باب الحيض لا حيض قبل تسع سنين: تقدم الكلام عليه.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا بعد خمسين.
أي أن المرأة إذا بغلت خمسين سنة فإن الدم الذي يخرج منها لا يعتبر دم حيض وإنما يعتبر دم فساد أو استحاضة.
هذا هو مذهب الحنابلة.
واستدلوا على هذا: بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت (إذا بلغت المرأة خمسين سنة فقد خرجت عن حد الحيض.)
والقول الثاني أنه لا حد للسن الذي تحيض فيه المرأة. أي لا حد لأكثره وأن المرأة إذا رأت الدم - الحيض المعروف - بصفاته المعروفة فهو حيض.
والدليل على هذا القول ما تقدم معنا من أن الله سبحانه وتعالى سمى الحيض أذى فمتى وجد هذا الأذى وجدت أحكامه من غير نظر إلى سن كما أنه ليس في النصوص الصحيحة المرفوعة الثابتة ما يحدد بداية ولا نهاية سن الحيض.
(1/184)
________________________________________
وتقدم معنا أن هذا الاستدلال سيتكرر معنا في باب الحيض مراراً ولذا ينبغي على طالب العلم أن يفهمه.
• ثم قال ’:
ولا مع حمل.
ذهب الحنابلة وهو اختيار ابن حزم أن الحامل لا تحيض وأن ما تراه من دم لا يعتبر حيضاً وإنما يعتبر دم استحاضة أو دم فساد.
واستدل الحنابلة وابن حزم على هذا القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى أن توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض).
وجه الاستدلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الحيض علامة على براءة الرحم. أي إذا وجد الحيض فالرحم بريء. فلا يمكن أن يوجد الحيض إلا والرحم خال ليس مشغولاً بالحمل.
الدليل الثاني: أن الطب الحديث أثبت أن الدم الذي يخرج من الحامل لا يمكن أن يكون دم حيض.
والقول الثاني: أن الدم الذي تراه المرأة حيض. وهو اختيار شيخ الاسلام وتلميذه رحمهما الله لأن الأصل في الدم الذي يخرج من المرأة أنه حيض.
فإذا وجد هذا الحيض وجدت أحكامه.
والراجح القول الأول وما ذهب إليه شيخ الاسلام ’ في هذه المسألة ليس بالقوي.
ومن أكبر ما يعتمد عليه الإنسان في ترجيح القول الأول هو ما توصل إليه الطب الحديث حيث أثبت بوضوح أن الدم الخارج من الحامل لا يمكن أن يكون حيضاً وليست له دم الحيض المعتاد.
• ثم قال ’:
وأقله يوم وليلة.
أقل الحيض عند الحنابلة: يوم وليلة.
فإذا رأت المرأة دماً لأقل من يوم وليلة فلا يعتبر حيضاً وإنما كما تقدم يعتبر دم فساد أو استحاضة.
استدل الحنابلة على هذا القول بالأثر المشهور المروي عن علي بن أبي طالب - أن امرأة جاءت إليه وزعمت أن عدتها من الطلاق انتهت في شهر واحد وهذا يعني أنها حاضت في شهر واحد ثلاث مرات فقال علي - لشريح اقض فيها فقال شريح إن أتت بشاهد ثقة من أهلها قبل وإلا فهي كاذبة.
وجه الاستدلال: أن هذه المرأة لا يمكن أن تكون صادقة إلا إذا كانت حاضت يوم وليلة ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت يوماً وليلة ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت يوماً وليلة فمجموع هذه الأيام تسعة وعشرين يوماً فصار أقل الحيض الذي يمكن أن تحيضه المرأة حسب هذا الأثر يوم وليلة إذا لا يمكن للمرأة أن تخرج من العدة بأن تحيض ثلاث مرات في شهر واحد إلا بهذه الكيفية.
(1/185)
________________________________________
القول الثاني: أنه لاحد لأقله.
وهو اختيار شيخ الاسلام - رحمه الله - فلو خرج الدم لأقل من يوم وليلة. كأن يخرج يوم فهو حيض.
والدليل: ماسبق معنا أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدما فإذا وجد الأذى وجدت أحكامه.
ثم ليس في الأدلة المرفوعة الصحيحة تحديد لأقل الحيض من حيث الزمن لا بيوم وليلة ولا أكثر ولا أقل.
وهذا القول الثاني: هو الصواب.
والجواب عن أثر علي بن أبي طالب - أن الأثر لم يحدد الأقل بمعنى أنه لم يعين أن ما أقل من يوم وليلة أنه لا يعتبر حيضاً.
• ثم قال - رحمه الله -:
وأكثره خمسة عشر يوماً.
أكثر الحيض عند الحنابلة خمسة عشر يوماً.
فإذا زاد لم يعتبر الزائد حيضاً وإنما يعتبر استحاضة.
فإذا أتمت المرأة خمسة عشر يوماً وبدأت باليوم السادس عشر فإن الدم الذي في اليوم السادس عشر دم استحاضة.
تعليل الحنابلة: قالوا: أن ما زاد عن الخمسة عشر يوماً فهو أكثر الشهر.
والقاعدة تقول: الأكثر له حكم الكل. فكأنها حاضت في كل الشهر. وهذه هي المستحاضة.
وهذه المسألة مهمة ولذلك سنذكر فيها ثلاثة أقوال:
القول الثاني أن أكثره سبعة عشر يوماً. وهذا اختيار ابن حزم ورواية عن الإمام أحمد دليله.
قال أنه لا يوجد أحد من العلماء قال بأكثر من ذلك.
القول الثالث: أنه لاحد لأكثره فإذا حاضت خمسة عشر ستة عشر عشرين فما دام أن هذا الدم له صفات الحيض فيأخذ أحكام الحيض. وهذا القول مروي عن بعض المالكية. وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية.
وهذا القول - الثالث - من حيث الأدلة هو الأقوى.
والقول الأول من حيث العمل أضبط إذا يكاد الإنسان أن يضطر أحياناً إلى ما ذهب إليه الحنابلة وهو أن أكثره خمسة عشر فإنه لا ينضبط الأمر تماماً إلا بهذا القول.
إذاً من حيث الأدلة والأصول فإن القول الثالث هو الأقرب. ولكن من حيث العمل والإنضباط فإن ما ذهب إليه الحنابلة هو الأقرب.
فإذا حاضت امرأة كل شهر سبعة عشر يوماً فما الحكم؟
نقول: الحكم:
- عند شيخ الاسلام أن الجميع حيض.
- عند الحنابلة: أنها تغتسل في اليوم الخامس عشر واليومان الزائدان هما استحاضة.
- وعند ابن حزم فإن الجميع حيض.
(1/186)
________________________________________
فإذاً يستطيع الإنسان أن يطبق الواقع من حيث الدم الخارج من المرأة على الأقوال التي قيلت له في حكم المسألة.
• قال - رحمه الله -:
وغالبه ست أو سبع.
أي أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام.
الدليل على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمستحاضة تحيضي في علم الله ستة أيام أوسبعة أيام كما تحيض النساء وتطهر.
فهذا نص ولا إشكال فيه - في أن غالبه ستة أيام أو سبعة أيام لا إشكال فيه لا من حيث النصوص ولا من حيث الواقع.
• ثم قال - رحمه الله -:
وأقل طهر بين حيضتين: ثلاثة عشر يوماً ولا حد لأكثره.
أقل طهر بين حيضتين: ثلاثة عشر.
فمعنى هذا أن المرأة إذا حاضت ثم طهرت ثم اغتسلت ثم جاءها الدم بعد عشرة أيام فإن هذا الدم لا يعتبر حيضاً. لماذا؟ لأن أقل مدة بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً. وهذه مسألة كبيرة.
وعليه لو اغتسلت امرأة فنقول لها أنه لا يمكن أن يأتيها الحيض على أقل تقدير - إلا بعد ثلاثة عشر يوماً وكل دم يأتيها قبل ثلاثة عشر يوماً فإنه يعتبر دم فساد أو استحاضة.
الدليل: الدليل أثر علي - السابق مع شريح فإنها طهرت لمدة ثلاثة عشر يوماً.
والقول الثاني: أنه لا حد لأقل الطهر بين حيضتين مهما تطاول عليها أو قصر فإن ما يأتيها من دم فهو حيض فإن جاءها بعد الاغتسال بيوم أو بيومين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر فإنه يعتبر حيضاً.
والدليل: ما تقدم أن الله ربط الحيض وأحكامه بوجوده فإذا وجد وجدت الأحكام.
ولذلك فإن هذه الآية تعتبر من أعظم الشواهد على إعجاز القرآن لما تحمله من أحكام كثيرة. فإنه يستدل بها على عشرات المسائل.
وهذا القول الأخير هو القول الأقرب للصواب.
• قال - رحمه الله -:
ولا حد لأكثره:
يعني لاحد لأكثر الطهر بين حيضتين فإذا حاضت واغتسلت ولم يأتها الحيض إلا بعد ستة أشهر فهو حيض صحيح.
الدليل: الدليل: إجماع العلماء. فإنه لم يخالف أحد في أنه لا حد لأكثره ثم الواقع يشهد لهذا فإن من النساء من لا تحيض في السنة إلا مرة.
ومن النساء من لا تحيض في السنة إلا مرتين فإنه سيكون بين كل حيضة وحيضة ستة أشهر.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتقضي الحائض: الصوم لا الصلاة، ولا يصحان منها بل يحرمان.
تقضي الحائض الصوم إذا صادف الصوم الواجب أيام حيضها ولا تقضي الصلاة التي مرت عليها في أيام الحيض.
(1/187)
________________________________________
الدليل على هذا من وجهين:
الوجه الأول: حديث عائشة أنها قالت: - رضي الله عنها - أمرنا بقضاء الصوم دون الصلاة. وهذا حديث صحيح.
الوجه الثاني: الإجماع. لم يخالف أحد من العلماء في أن الحائض لا تقضي إلا الصوم دون الصلاة.
ثم الحكمة من ذلك: أن الصلاة تتكرر وتتعدد في اليوم الواحد فالأمر بقضائها فيه مشقة على المؤمنات بخلاف الصوم فإنه شهر واحد في السنة.
• قال - رحمه الله -:
ولا يصحان منها بل يحرمان:
الصوم والصلاة لا يصحان من الحائض وأيضاً يحرم عليها أن تأتي بهما، فإن صلت أو صامت عامدة عالمة فهي آثمة. وتكون قد ارتكبت محرماً.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة. فأمر أمراً بأن تترك الصلاة إذا أقبلت حيضتها.
ولما تواتر واشتهر ونقل عن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - نساء العهد التشريعي - أنهن كن لا يصمن ولا يصلين في أيام الحيض.
فهذا حكم محكم لا إشكال في ثبوته.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويحرم وطؤها: في الفرج، فإن فعل: فعليه دينار أو نصفه كفارة، ويستمتع منها بما دونه.
- يحرم وطؤها في الفرج: يحرم على المسلم أن يطأ الحائض في فرجها لقوله تعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة/222]
فأمر باعتزال النساء في المحيض. ثم إن هذا الحكم محل إجماع أيضاً.
والمحيض اسم للمكان الذي يخرج منه الحيض وهو: الفرج. فيكون معنى قوله (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي فاعتزلوا الفروج.

قال: فإن فعل فعليه دينار أو نصفه كفاره.
يحرم على الإنسان أن يطأ الحائض في فرجها فإن فعل فيترتب على هذا الفعل أمران:
الأول: الإثم. فعليه التوبة من ذلك.
الثاني: الكفارة. وهي دينار أو نصف دينار.
والدليل على الكفارة: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - فيمن أتى الحائض أن عليه دينار أو نصف دينار. وقد بينت روايات الحديث أن الدينار يكون وقت مجامعتها في فورة الدم وشدته.
أما نصف الدينار فيكون وقت مجامعتها في خفة الدم أو توقفه توقفاً مؤقتاً.
وهذا الحديث فيه اختلاف كثير ومتشعب جداً والأقرب للصواب أنه موقوف على ابن عباس ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1/188)
________________________________________
لذلك: القول الثاني في هذه المسألة وهو مذهب الجمهور أنه لا يجب عليه لا دينار ولا نصف دينار لضعف الحديث ولعدم وجود دليل يدل على وجوب هذه الكفارة.
والأحوط بلا إشكال المذهب أن يُكَفِّرَ الإنسان لماذا؟
أولاً: لأن هذا ثابت عن ابن عباس - رضي الله عنه -. ومثل هذا الحكم غالباً لا يقال من جهة الرأي فله حكم الرفع. فلهذا السبب فإن الأحوط أن يُكَفِّر.
وقيمة هذه الكفارة في وقتنا المعاصر قيمة أربع جرامات وربع من الذهب فينظر في قيمتها ثم يخرجها صدقة وكفارة عن ذنبه ومع التوبلة كما تقدم.
فعرفنا الآن حكم الوطء وما يترتب عليه.
قال: ويستمتع منها بما دونه.
يعني ويستمتع الزوج من زوجته الحائض بما دون الفرج.
والدليل على هذا:
حديث أنس في مسلم أن النبي ‘ قال اصنعوا كل شيء إلا النكاح.
ولأن النبي ‘ كان يأمر بعض أزواجه في الحيض أن تتزر ثم يباشرها.
وذكر بعض الفقهاء أن مباشرة الحائض أحياناً تكون من حسن العشرة. لماذا؟
لأن الحائض في الغالب تكون قلقة نفسياً بسبب هذا التغير الجسدي الذي تمر به ولبعدها عن ذكر الله وعن الصلاة فمن المناسب مباشرة الزوج لها ليحصل لها الطمأنينة والسكينة.
وما ذكره الفقهاء في هذا الباب فإنه كلام صحيح ولا نقول أنه سنة لأنه قد تقدم معنا أن الإنسان لا يقول لأي عمل من الأعمال أنه سنة إلا إذا كان فيه نص صحيح مرفوع إلى النبي ‘ ولكن نقول هو من مكملات حسن المعاشرة - وسيأتي الكلام على هذا في باب عشرة النساء.
• ثم قال ’:
وإذا انقطع الدم ولم تغتسل: لم يبح غير الصيام والطلاق.
إذا انقطع الدم عن الحائض ولم تغتسل فإنه يبقى كل شيء كان محرماً في وقت الحيض على تحريمه مالم تغتسل إلا في مسألتين:
1 - الصيام.
2 - والطلاق.
وذكر ابن القيم ’ قاعدة تضبط لطالب العلم فقه هذه المسألة فقال:
الحائض إذا طهرت ولم تغتسل فحكمها حكم الجنب - تماماً في ما يحل ويحرم -. إلا في مسألة واحدة هي: الوطء.
فيجوز للجنب أن يعاود الوطء بلا اغتسال بينما لا يجوز للحائض أن توطأ إلا بعد الاغتسال.
الخلاصة: أن حكم الحائض إذا طهرت ولم تغتسل حكم الجنب تماماً في كل شيء إلا في مسألة واحدة وهي مسألة الوطء فيجوز للجنب ويحرم على الحائض.
(1/189)
________________________________________
نرجع إلى كلام المؤلف:
• يقول ’:
وإذا انقطع الدم ولم تغتسل: لم يبح غير الصيام والطلاق.
أما الصيام: فيباح بالنسبة للحائض إذا طهرت ولم تغتسل قياساً على الجنب فقد ثبت أن النبي ‘ كان يصبح جنباً من غير احتلام ويصوم ثم يغتسل بعد الفجر فكذلك الحائض.
وأما الطلاق: فلحديث ابن عمر الثابت أن النبي ‘ قال لعمر - مره - ابن عمر - أن يطلقها طاهراً. ومن توقف عنها الحيض فإنها تعتبر طاهرة.
إذاً إذا طهرت المرأة ولم تغتسل فإن الطلاق يقع عليها وهو صحيح بلا تحريم.
• ثم قال ’:
والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي، فإن انقطع لأكثره فما دون: اغتسلت عند انقطاعه، فإن تكرر ثلاثاً: فحيض وتقضي ما وجب فيه.
هذه المسائل التي ذكرها المؤلف تعتبر من أشكل مسائل باب الحيض.
سيذكر المؤلف ’ ثلاثة أصول هي أصول المسائل:
المسالة الأولى: سيذكر حكم المبتدأة.
والمسألة الثانية: سيذكر حكم المستحاضة المبتدأة.
والمسألة الثالثة: سيذكر حكم المستحاضة المعتادة.
وسيذكر تفاصيلاً لكل مسألة من هذه المسائل.
ونبدأ في الكلام على المبتدأة:
• يقول ’:
والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي:
المبتدأة هي التي رأت الدم أول مرة وإن كانت كبيرة فإذا فرضنا أن امرأة لم يأتها الدم إلا وسنها ثلاثون - مثلاً - فهل تعتبر مبتدأة؟ الجواب: نعم.
إذاً نقول سواء كانت صغيرة أو كبيرة فإنها تعتبر مبتدأة مادام أن الدم يأتيها أول مرة. لكن يشترط في الصغيرة شرط وهو أن تكون بلغت تسع سنين عند الحنابلة. لأنه قال ’: لا حيض قبل تسع سنين.
والحنابلة عندهم تفصيل في مسألة المبتدأة فيقولون: إن المبتدأة إذا جاءها الدم فتجلس يوماً وليلة ثم بعد اليوم والليلة تغتسل وتصوم وتصلي ثم إذا توقف الدم لأكثره فما دون - أي لأكثر الحيض فما دون - فتغتسل مرة أخرى وتفعل هذا ثلاث مرات في ثلاثة أشهر. ثم بعد الثلاثة أشهر تقضي ما كانت صلته في ما بين اليوم والليلة وانقطاع الدم لأكثره فما دون.
ولننتبه لكلام المؤلف:
• يقول ’:
المبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي:
(1/190)
________________________________________
أي أن المبتدأة إذا جاءها الدم لأول مرة فنقول اجلسي: أي دعي الصلاة والصيام وما يحرم على الحائض - اجلسي يوم وليله. ثم بعد نهاية اليوم والليلة نقول لها: اغتسلي وصومي وصلي وإن استمر الدم.
لماذا يأمرونها أن تغتسل لأقله؟
يقولون: لأن مازاد لأقله مشكوك فيه فقد يكون حيضاً وقد يكون استحاضة. وأن وجوب العبادة يقيني واليقيني مقدم على المشكوك فيه أو نقول اليقين لا يزول بالشك.
• ثم قال - رحمه الله -:
فإن انقطع لأكثره فما دون: اغتسلت عند انقطاعه.
اغتسلت إذا انقطع: أي تغتسل مرة ثانية.
فمثلاً: إذا ابتدأ الدم مع هذه المرأة ثم مضى يوم وليلة ماذا نقول لها؟
اغتسلي وصلي.
ثم بعد مضي سبعة أيام انقطع الدم فماذا نقول لها؟
اغتسلي مرة أخرى.
• ثم يقول - رحمه الله -:
فإن تكرر ثلاثاً:
يعني هذا الشهر جلست يوم وليلة واغتسلت ثم أكملت سبعة أيام واغتسلت ثم الشهر الثاني جلست يوم وليلة واغتسلت ثم أكملت سبعة أيام واغتسلت والشهر الثالث كذلك فتبين حينئذ أن هذه السبعة أيام حيض فنقول لها إذا كنت صمت في الأشهر الثلاثة السابقة في هذه السبعة أيام: اقضي هذا الصوم لأنه تبين أن ما سبق حيض. وأيضاً تقضي كل ما لا يجوز من الحائض كالطواف مثلاً فلو كانت قد طافت في هذه المدة فإنها تقضي الطواف مرة أخرى. أما الصلاة فإنها لا تقضي الصلاة وإن كانت صلت لأنه تبين أنها كانت تصلي وهي حائض والصلاة لاتجب على الحائض أصلاً ولا يجب عليها أن تقضيها.
وهذا القول - هذا التفصيل - ثابت عن الإمام أحمد. وهذا القول من أغرب مامر علي في ثبوته عن الإمام - رحمه الله - لأنه قول غاية في البعد وغاية في الضعف.
إذاً عند الحنابلة لا يثبت الحيض إلا إذا تكرر ثلاثة مرات ولا تترك الصوم والصلاة لمدة سبعة أيام إلا في الشهر الرابع.
ودليل الحنابلة: قالوا: الدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك. فسماها أقراء وهي جمع والجمع لا يصدق إلا على الثلاث مرات.
الدليل الثاني: وهو تعليل - أن الحيض يسمى عادة والعادة لا ثبت بمرة وإنما تحتاج إلى أن تكرر ثلاث مرات لتصبح عادة.
القول الثاني: أنها تجلس من أول مرة كل الوقت مالم يتجاوز أكثره.
الدليل:
(1/191)
________________________________________
الأول: أن الله سبحانه وتعالى سمى الحيض أذى فإذا وجد وجدت أحكامه.
الثاني: - وهو دليل قوي - أنه يوجد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عدد كبير من النساء يعتبرن مبتدآت ولم ينقل أنهن كن يغتسلن بعد يوم وليلة وهذا دليل قوي جداً.
وهذا القول - الثاني - هو قول الجمهور وهو القول الأقرب للصواب إن شاء الله.
وإلى هنا انتهى الكلام عن المبتدأة. وبدأ الكلام عن المبتدأة المستحاضة.
• قال - رحمه الله -:
وإن عبر أكثره: فمستحاضة.
الاستحاضة: هو سيلان الدم في غير وقته من عرق في أدنى الرحم. أما الحيض فقد تقدم معنا أنه يكون من عرق في أقصى الرحم.
واختلف الفقهاء اختلاف كثير في تحديد ماهية الاستحاضة.
وهي عند الحنابلة: ما تجاوز أكثر الحيض فإذا تجاوز الدم أكثر الحيض فهو استحاضة.
والقول الثاني: أن الاستحاضة هي كل دم لا يصلح أن يكون دم حيض ولا نفاس ولا فساد. وهذا على القول بأن دم الفساد يختلف عن دم الاستحاضة.
والأقرب أن دم الفساد هو دم الاستحاضة.
• يقول - رحمه الله -:
وإن عبر أكثره فمستحاضة:
المستحاضة الكلام عن المستحاضة المبتدأة والمستحاضة المبتدأة لن يكون لها إلا تمييز ولن يكون لها عادة لأنه لم يسبق لها أن حاضت حتى يكون لها عادة مستقرة.
• فيقول المؤلف - رحمه الله -:
فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود، ولم يعبر أكثره ولم ينقص عن أقله: فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني.
ذكر الفقهاء علامات يفرق بها الإنسان بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
ونحن نحتاج هذه العلامات لأن المرأة المستحاضة يفترض فيها أن الدم يجري معها دائماً ولذلك لا نستطيع أن نفرق بين الدم الذي هو استحاضة وبين الدم الذي هو حيض إلا بهذه العلامات والعلامات أربع هي باختصار:
1 - اللون.
2 - الرائحة.
3 - والثخونة.
4 - والتجمد.
1 - فلون الحيض: أسود. ولون الاستحاضة: أحمر.
2 - رائحة الحيض: منتنة وسيئة. ورائحة الاستحاضة: كرائحة الدم العادي.
3 - دم الحيض: ثخين - غليظ جداً. ودم الاستحاضة: يسيل سيلان الدم العادي.
4 - دم الحيض: لا يتجمد. ودم الاستحاضة: يتجمد كدم الجروح.
• قال - رحمه الله -:
فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود، ولم يعبر أكثره ولم ينقص عن أقله: فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني.
إذا اكتملت هذه الشروط:
(1/192)
________________________________________
الشرط الأول: أن يكون مميزاً.
وذكر المؤلف هنا علامة واحدة وهي اللون ونحن ذكرنا أربع علامات فإذا كان مميزاً أي يمكن تمييزه بأحد العلامات الأربع وأيضاً لم يقل عن أقله ولم يكثر عن أكثره ولذلك يقول لم ينقص عن أقله ولم يعبر أكثره فإذا تحقق الشرطان فهذا الدم يعتبر حيضاً تجلسه في الشهر الثاني.
ويفهم من كلام المؤلف أنها تجلسه بلا تكرار أي أنه لا يحتاج الأمر إلى أن يتكرر معها الدم المتميز ثلاث مرات في ثلاثة أشهر وهذا هو مذهب الحنابلة أنها تجلسه بلا تكرار.
والقاعدة عندهم أنه مع التمييز لا نحتاج إلى التكرار. لدليلين:
الدليل الأول: أن التمييز يعين دم الحيض من الاستحاضة. فلا نحتاج إلى التكرار لأنا قد علمنا أي الدمين يعتبر حيضاً وأيهما يعتبر استحاضة.
الدليل الثاني: قول النبي ‘ للمستحاضة (فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة ثم إذا أدبرت فاغتسلي وصلي) وفي رواية فإن دم الحيض دم أسود يعرف.
إذاً المبتدأة المستحاضة المميزة هل تحتاج إلى تكرار؟
الجواب: لا. لا تحتاج إلى التكرار وإنما تجلس من أول مرة. وقد أخذنا الأدلة.
انتهى المؤلف الآن عن المبتدأة المستحاضة المميزة. سيبدأ الكلام عن المستحاضة المبتدأة غير المميزة.
لو رجعنا إلى قوله: والأحمر استحاضة أي أن الأسود حيض وتجلسه من ثاني شهر والأحمر استحاضة فيأخذ أحكام الاستحاضة التي ستأتي عند قول المؤلف: والمستحاضة ونحوها تغسل فرجها ... إلخ. في آخر الباب.
• فقال ’:
وإن لم يكن دمها متميزاً: جلست غالب الحيض من كل شهر.
إذا كانت المستحاضة ليس لها تمييز بأن كان الدم الذي يأتيها كله على صفة واحدة فإنها تجلس غالب الحيض. وتقدم معنا أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام. من كل شهر.
ولكن متى تبدأ الجلوس - في أي يوم فنحن علمنا أنه ستة أيام أو سبعة أيام ولكن من أي يوم؟
قالوا: تجلس من أول يوم بدأ معها الدم إن كانت تعرفه فإن جهلت أول يوم فإنها تجلس من أول الشهر الهلالي.
(1/193)
________________________________________
ويفهم من كلام المؤلف أنها تجلس بلا تكرار لأنه لم يذكر قضية التكرار وماذكره المؤلف هنا ليس هو المذهب فعبارة المؤلف هنا قاصرة إذ كان يجب عليه أن يذكر التكرار لماذا؟ لأن مذهب الحنابلة أن المستحاضة المبتدأة غير المميزة تجلس ثلاثة أشهر في كل شهر يوم وليلة فقط ثم بعد ثلاثة أشهر إذا تكررت الاستحاضة فتجلس في الشهر الرابع ستة أيام أو سبعة أيام.
إذاً هل تكرر أولا تكرر؟
الجواب: تكرر. بينما يفهم من كلام المؤلف أنها تجلس من أول الأمر.
وماذكره المؤلف هنا خلاف المذهب ففي عبارته قصور ولذلك لا حظ عبارة المؤلف حيث يقول: وإن لم يكن دمها متميزاً جلست غالب الحيض من كل شهر. يعني بلا تكرار. والصواب أنها تجلس بعد التكرار.
إذا قيل لك: المستحاضة المبتدأة غير المميزة كيف تكرر؟
فتقول: تجلس في الشهر الأول يوماً وليلة ثم في الشهر الثاني يوم وليلة ثم في الشهر الثالث يوم وليلة ثم في الرابع فتجلس ستة أيام أو سبعة أيام إما من أول يوم بدأ معها الدم أو إذا جهلت ذلك من أول الشهر الهلالي.
فتبين معنا الآن حكم المستحاضة المبتدأة غير المميزة عند الحنابلة.
والقول الثاني: أنها تجلس من أول الأمر ستة أيام أو سبعة أيام ولا تحتاج إلى تكرار.
واختار هذا القول عدد من المحققين وهو الصحيح إن شاء الله.
إذاً ما هي المسائل التي أخذناها الآن:
المسألة الأولى: حكم المبتدأة عموماً.
الثانية: حكم المبتدأة المستحاضة المميزة.
الثالثة: حكم المستحاضة المبتدأة غير المميزة.

ثم الآن سيذكر المؤلف حكم المستحاضة المعتادة على تفصي المميزة وغير المميزة.
• لذلك يقول ’:
والمستحاضة المعتادة ولو مميزة: تجلس عادتها وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح، فإن لم يكن لها تمييز: فغالب الحيض.
يقول ’: والمستحاضة المعتادة ولو مميزة: تجلس عادتها: انتهى الكلام عن المبتدأة وبدأ الكلام عن المستحاضة المعتادة.
والمعتادة هي المرأة التي لها حيض وطهر صحيحان فهذه المعتادة إذا استحيضت فماذا تصنع؟
يقول ’: المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها.
الأحوال التي تتعرض لها المستحاضة ثلاثة:
1. إما أن تكون معتادة.
2. أو مميزة.
3. أوتجلس غالب عادة النساء.
(1/194)
________________________________________
فعند الحنابلة: إذا كانت معتادة ومميزة يقدمون العادة على التمييز: المثال الموضح: إذا كانت امرأة عادتها أن تحيض ستة أيام من أول كل شهر ثم استحيضت فصارت ترى الدم الاسود من بداية اليوم الخامس عشر لمدة ستة أيام فاجتمع في حق هذه المرأة العادة والتمييز.
فهل حيض هذه المرأة يكون من أول الشهر أو من منتصف الشهر؟
عند الحنابلة: يكون من أول الشهر لأنهم يقدمون العادة على التمييز. وهذا أيضاً مذهب الأحناف واختيار شيخ الاسلام ابن تيمية.
الدليل: أن النبي ‘ قال للمستحاضة اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك وفي الحديث الآخر اجلسي أيام أقراءك.
وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ‘ رد هذه المستحاضة إلى عادتها ولم يسأل هل هي مميزة أو ليست مميزة.
والقول الثاني: أن التمييز مقدم على العادة. لأن التمييز أمر يختص بذات الدم بخلاف العادة فهو يختص بوقته.
ولقول النبي ‘ فإنه دم أسود يعرف.
والراجح مذهب الحنابلة وحديث فإنه دم أسود يعرف هذا لفظ شاذ.
إذاً إذا اجتمع في حق المستحاضة المعتادة تمييز وعادة فنقدم على الصحيح العادة. وهو مذهب الحنابلة.
• قال ’:
وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح.
وإن نسيت العادة رجعنا إلى التمييز لكن يشترط في هذا التمييز أن يكون صالحاً. والتمييز الصالح هو: أن لا ينقص الدم عن أقله ولا يزيد عن أكثره.
مثال يوضح: إذا كانت المرأة المستحاضة يأتيها دم أسود منتن ثخين لا يتجمد لكنه لا يستمر معها إلا يوماً واحداً فهل يعتبر حيضاً عند الحنابة؟
لا. لأنه غير صالح. باعتبار أنه نقص عن أقله.
وإذا كان هذا الدم بهذه الصفات يأتيها أكثر من خمسة عشر يوماً فلا يعتبر أيضاً حيضاً.
إذاً إذا قيل لك ما هو التمييز الصالح؟
فتقول: هو الذي لا ينقص عن أقله ولا يزيد عن أكثره.
وأما الدليل على الرجوع إلى التمييز إذا لم يكن لها عادة أو كان لها ولكن نسيتها فهو: الأدلة السابقة.
(فإذا أقبلت الحيضة) وإقبالها يعرف بصفاتها.
وحديث (فإنه دم أسود يعرف) وإن كان ضعيفاً لكنه دليل استدل به الحنابلة.
وهذا لا إشكال فيه: أنه إذا لم يكن لها عادة فترجع إلى التمييز.
انتهى المؤلف الآن من الكلام عن المستحاضة المعتادة المميزة أول المعتادة.
(1/195)
________________________________________
انتقل إلى القسم الآخر وهي المستحاضة المعتادة التي ليس لها عادة ولا تمييز أي نسيت العادة وليس لها تمييز.
• فقال ’:
فإن لم يكن لها تمييز: فغالب الحيض. كالعالمة بموضعه الناسية لعدده.
بدأ المؤلف الكلام عن المستحاضة التي تسمى المتحيرة وهي المستحاضة التي نسيت عادتها وليس لها تمييز. فتسمى متحيرة لأنه لا عادة لها ولا تمييز.
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الناسية لموضعه وعدده.
يعني إذا كانت المرأة المعتادة تحيض لمدة ستة أيام من أول الشهر ثم استحيضت ونسيت الموضع والعدد فهذا القسم الأول.
حكمها: أنها تجلس غالب الحيض من أول الشهر. والموضع يقصد به: الأيام التي كانت تحيضها في الشهر في أوله أو وسطه أو آخره.
القسم الثاني: الناسية للعدد الذاكرة للموضع.
مثاله: امرأة تقول أن الحيض كان يأتيها في أول الشهر لكنها نسيت كم يوماً كان يأتيها.
فهذه المرأة نسيت الأيام وذكرت الموضع فتجلس من موضعها غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام.
القسم الثالث: قسمة عقلية: الذاكرة للعدد الناسية للموضع.
فهذه المرأة تقول كان الحيض يأتيها لمدة ستة أيام لكن لا أذكر هل كان يأتي في أول الشهر أو في وسط الشهر أو في آخر الشهر فنقول: تجلس العدد من أول الشهر.
إذاً إذا أردت أن تفهم المتحيرة مع الأقسام فعندنا الموضع والعدد.
فنخرج من الموضع والعدد ثلاثة أقسام:
1. إما أن تنسى الموضع والعدد.
2. أو تنسى العدد وتذكر الموضع.
3. أو تنسى الموضع وتذكر العدد.
ثلاثة أقسام وقد عرفنا حكم كل قسم منها.
الدليل على هذا كله قول النبي ‘ تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام كما تحيض النساء وتطهر.
المؤلف ’ ذكر الأقسام:
فقوله: فإن لم يكن لها تمييز: فغالب الحيض: فهذه التي قد نسيت العدد والوقت. القسم الأول.
وقوله: كالعالمة بموضعه الناسية لعدده: هذه التي نسيت العدد وذكرت الموضع. القسم الثاني.
وقوله: وإن علمت عدده ونسيت موضعه. هذا القسم الثالث.
فهذه الأقسام ذكرها الماتن ’ ونحن لخصناها تسهيلاً.
هنا مسألة: يقول المؤلف ’:
وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه: جلستها من أوله
(1/196)
________________________________________
هذه امرأة تقول أنها تذكر أن الحيض كان يأتيها في منتصف الشهر لكن لا تذكر هل كان يأتي في اليوم الخامس عشر؟ أو في اليوم العشرين؟ أو في اليوم الخامس والعشرين؟
فهي تذكر أنها في منتصف الشهر لكن لاتدري في أي يوم منه.
فعند الحنابلة ترجع إلى أول الشهر فنقول اجلسي من أول الشهر الهلالي ولذلك المؤلف يقول هنا: ولو في نصفه جلستها من أوله.
والقول الثاني: أنها تجلس من أول منتصف الشهر فتبدأ من اليوم الخامس عشر. لأن هذا أقرب لعادتها.
• يقول - رحمه الله -:
كمن لا عادة لها ولا تمييز.
كمن: يعني: كالمبتدأة. التي لا تمييز لها فذكرنا في المبتدأة التي لا تمييز لها أنها تجلس غالبه من أول الشهر على ما تقدم من تفصيل في مسألة المبتدأة المستحاضة.
انتهى الآن الكلام على هذه المسائل. المبتدأة ثم المستحاضة المبتدأة المميزة ثم المستحاضة المبتدأة غير المميزة ثم المستحاضة المعتادة المميزة ثم أخيراً المستحاضة المعتادة المتحيرة.
فهذه الأقسام هي التي أراد المؤلف أن يوضحها وتقدم الكلام عليها.
انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى.
• قال - رحمه الله -:
ومن زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت: فما تكرر ثلاثاً فحيض.
• من زادت عادتها: مثاله: امرأة كانت تحيض أربعة أيام ثم في هذا الشهر زادت فصارت تحيض ستة أيام.
• أو تقدمت: مثاله: من كانت تحيض في آخر الشهر ثم في هذا الشهر حاضت في أوله.
• أو تأخرت: مثاله: من كانت تحيض في أول الشهر ثم صارت تحيض في آخره.
فالمسائل ثلاث: زيادة وتقدم وتأخر.
الحكم: الحكم عند الحنابلة: أن الحيض لا يثبت حكمه إلا إذا تكرر ذلك ثلاث مرات ثم تجلس في الرابعة مثاله: امرأة كانت تحيض أربعة أيام ثم في هذا الشهر حاضت ستة أيام: نقول لها: إذا انتهت الأربعة أيام اغتسلي وصلي وصومي. ثم إذا انتهت ستة أيام. اغتسلي مرة أخرى وافعلي هذا ثلاث مرات ثم في الشهر الرابع ثبتت العادة واقضي ما كنت صمتيه فيما بين اليوم الرابع والسادس.
وهذا كالتفصيل الذي ذكرناه تماماً في مسألة المبتدأة.
• قال - رحمه الله -:
وما نقص عن العادة طهر.
(1/197)
________________________________________
إذا كانت تحيض أربعة أيام ثم في هذا الشهر طهرت في اليوم الثالث فتغتسل وتصلي بلا إشكال لقول ابن عباس -: (ثم مارأت الطهر فإنه تغتسل) وهذا لا إشكال فيه.
• ثم قال ’:
وما عاد فيها جلسته.
وما عاد فيها جلسته يعني: في العادة.
جلسته يعني: تركت فيه الصلاة.
مثاله: إذا كانت امرأة عادة يستمر معها احيض لمدة ستة أيام ثم في هذا الشهر لما جاء اليوم الثالث طهرت فماذا نقول لها؟
اغتسلي وصلي.
ثم في اليوم الرابع رجع الدم. فهل رجع الدم في العادة أو بعد العادة؟
في العادة. فنقول: اجلسي: أي لا تصلي ولا تصومي. وتأخذ أحكام الحائض.
هذا معنى قوله: وما عاد فيها يعني: إذا عاد الدم في الحيض فإنها تجلس.
• ثم قال ’: - - وهذه مسألة مهمة - -.
والصفرة والكدرة في زمن العادة: حيض.
الحنابلة والأحناف وهو مذهب الإمام البخاري أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض.
فإذا جاءت المرأة صفرة أو كدرة في زمن العادة في الأيام التي هي عادة تحيضها فيعتبر حيضاً.
الدليل:
الدليل الأول على هذه المسألة: حديث أم عطية. (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً).
مفهومه أن الصفرة والكدرة قبل الطهر يعتبر حيضاًَ.
الدليل الثاني: أن عائشة ثبت عنها في صحيح البخاري أن النساء كن يرسلن لها بالقطن فيه شيء من صفرة أو كدرة فتقول لا تعجل حتى ترين القصة البيضاء.
معنى الحديث: أن النساء في زمن عائشة إذا أصابهن صفرة وكدرة في آخر الحيض يرسلن إلى عائشة بالقطن الذي فيه الصفرة والكدرة ليسألنها هل طهرن فيغتسلن ويصلين أو لا؟
فتفتيهن عائشة بأن ينتظرن إلى نزول القصة البيضاء. وهذا دليل على أن زمن الصفر والكدرة يعتبر حيضاً.
والقول الثاني: أن الصفرة والكدرة لا يعتبر شيئاً مطلقاً.
والقول الثالث: أن الصفرة والكدرة يعتبر حيضاً مطلقاً ولو في خارج أيام العادة.
ولا نريد أن نطيل في النقاش والخلاف في أدلة القول الثاني والثالث. لأن الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة واختيار البخاري كما تقدم. وهو أنه في زمن العادة يعتبر حيضاً. وفيما عداه لا يعتبر شيئاً.
• ثم قال ’:
ومن رأت يوماً دماً ويوماً نقاءً: فالدم حيض والنقاء طهر ما لم يعبر أكثره.
(1/198)
________________________________________
إذا رأت المرأة يوماً دماً ويوماً نقاءً فالدم حيض والنقاء طهر. لماذا؟
لأن الله سبحانه وتعالى علق أحكام الحيض على وجوده فينتفي إذا انتفى ويثبت إذا وجد. فإذا جاء الدم فهي حائض وإذا ارتفع فهي طاهر.
ولأن ابن عباس - يقول: وأما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل.
والقول الثاني: أن النقاء إذا كان أقل من يوم فلا ينظر إليه لأمرين:
الأول: أن في الإلزام بالاغتسال للتوقف لمجرد يوم مشقة.
الثاني: أن من عادة الدم أنه يجري تارة ويتوقف تارة فهذا أمر معتاد.
والأقرب والله أعلم القول الثاني وإليه ميل ابن قدامة ’. أن التوقف لأقل من يوم فلا ينظر إليه.
تنبيه مهم جداً ذكره الفقهاء:
المقصود بالنقاء هنا: أن تحتشي المرأة قطناً في فرجها ويخرج بلا تلويث وليس النقاء هو عدم جريان الدم إذ أن جريان الدم قد يتوقف لكن لو احتشت بالقطن لخرج مليئاً.
فالفقهاء يريدون المعنى الأول وهو أن تحتشي فيخرج بلا دم.
• قال ’:
والمستحاضة ونحوها: تغسل فرجها وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة.
يريد المؤلف أن يبين أحكام المستحاضة.
المستحاضة يقصد بها كما تقدم: المرأة التي يستمر معها الدم أكثر الشهر.
ومقصوده بقوله ونحوها: من به سلس بول مثلاً أو به جرح مستمر خروج الدم منه. وبصفة عامة من حدثه دائم. فكل شخص يكون حدثه دائم فحكمه حكم المستحاضة.

ماذا تصنع المستحاضة؟
• يقول المؤلف ’:
تغسل فرجها:
غسل الفرج واجب عند الحنابلة لقول النبي ‘ في حديث المستحاضة فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي.
فقوله فاغسلي عنك الدم صريح بأن المستحاضة إذا أرادت أن تصلي فتغسل الدم الذي في فرجها.
• قال ’:
وتعصبه
والعصب هو: ربط الفرج بقطنه ونحوها لأن لا يخرج ما يلوث البدن أو الثوب أو البقعة.
الدليل عليه: أيضاً أن النبي ‘ قال للمستحاضة فتلجمي.
تنبيه: لا يلزم المستحاضة أن تفعل هذا الأمر وهو غسل الفرج وتعصيبه في كل مرة وإنما يكتفى بفعله مرة واحدة.
وهذا هو اختيار الحافظ ابن رجب أنها تفعله مرة واحدة ولا يجب عليها أن تكرر كل ما أرادت أن تصلي.
ثم قال ’:
وتتوضأ لوقت كل صلاة.
(1/199)
________________________________________
يجب على المستحاضة عند الحنابلة بل والجمهور أن تتوضأ إذا دخل وقت الصلاة. هذا إذا كان خرج شيء من الحدث الدائم فإنه إذا خرج شيء فيجب عليها إذا دخل وقت الفريضة الثانية أن تتوضأ.
الدليل: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة (ثم توضأي لكل صلاة) قال الفقهاء المراد بقوله لكل صلاة أي لوقت كل صلاة.
هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أن هذا مروي عن الصحابة.
القول الثاني: أن من حدثه دائم لا يلزمه أن يتوضأ من هذا الحدث الدائم. فوجوده كعدمه وهذا مذهب المالكية واختيار شيخ الاسلام - رحمه الله -.
قالوا: لأنه لا دليل على وجوب الوضوء.
وحديث توضأي لكل صلاة ضعيف.
ثم استدلوا بأمر آخر وهو أنه لا فائدة من الوضوء لحدث يستمر خروجه.
وهذه مسألة مهمة جداً وحاجة الناس إليها كثيرة وهي هل يلزم من حدثه دائم كمن به سلس بول أو سلس ريح أو المستحاضة بالنسبة للنساء هل يلزمهم أن يتوضأوا عند دخول وقت كل صلاة؟
فكما رأينا الخلاف فيه.
والراجح القول الثاني لأنه أقرب للنصوص وفيه توسعة للناس إلا إذا ثبت ما ذكره بعض الفقهاء أن وجوب الوضوء محل إجماع من الصحابة فإذا ثبت هذا فلا شك أن مذهب الحنابلة هو الراجح.
لكن إذا لم يثبت هذا فقول المالكية الذي اختاره شيخ الاسلام وهو عدم الوجوب. هو الراجح.
إذاً يلزم المستحاضة إذا أرادت أن تصلي ثلاثة أشياء:
1 - أن تغسل الفرج.
2 - وتعصبه.
3 - وأن تتوضأ لوقت كل صلاة.
- تعريف الصفرة والكدرة:
الصفرة: ماء أصفر يشبه ماء الجروح.
والكدرة: سائل فيه أمشاج (يعني: خيوط من الدم) من الدم بني اللون في الجملة.
وفي تعريفهما خلاف كثير وهذا التعريف هو أقربها.
انتهى الدرس،،،
(1/200)
________________________________________
• قال - رحمه الله -:
وتصلي فروضاً ونوافل.
مقصود الحنابلة أنها إذا فعلت الطريقة السالفة من غسل الفرج وعصبه والوضوء فتستطيع أن تصلي بهذا الوضوء فروضاً ونوافل عديدة مالم تحدث حدثاً غير الحدث الدائم.
خلافاً للشافعية الذين يرون أنها يجب أن تتوضأ لكل فريضة وتمسك الشافعي بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوضأي لكل صلاة فهذا نص في أن الوضوء يكون لكل صلاة.
وتقدم معنا أن هذا اللفظ شاذ وأن الصواب عدم ثبوته في حديث المستحاضة.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا توطأ إلاّ مع خوف العنت.
يرى الحنابلة أنه لا يجوز أن توطأ المستحاضة إلا في صورة واحدة إذا خشيت من العنت أو خشي هو من العنت.
والعنت يعني المشقة الحاصلة بسبب ترك الوطء فإذا حصلت مشقة بسبب ترك الوطء لها أو له جاز حينئذ أن تجامع المستحاضة.
واستدلوا على هذا: بأن الله سبحانه وتعالى منع من وطء الحائض لوجود الأذى وهو الدم قالوا فكذلك دم المستحاضة يعتبر أذى.
والقول الثاني للجماهير وهو جواز وطء المستحاضة.
واستدلوا على هذا: بأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على التحريم.
ثانياً: أنه قد استحيضت عدد من النساء - ثلاث أو أكثر - في العهد النبوي ولم يأمرهن - صلى الله عليه وسلم - بترك الجماع.
ثالثاً: جاء في أحاديث مجموع أسانيدها يرقى إلى درجة الحسن أن أزواج بعض المستحاضات كانوا يطأون المستحاضة.
وهذا القول - جواز وطء المستحاضة - هو القول الصواب إن شاء الله. وليس مع المانعين دليل صحيح.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويستحب غسلها لكل صلاة.
عند الحنابلة يستحب للمستحاضة أن تغتسل إذا أرادت ن تصلي ولا يجب عليها ذلك.
(1/201)
________________________________________
دليل الاستحباب ما ثبت في الصحيحين عن أم حبيبة - رضي الله عنها - أنها لما استحيضت سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة.
والقول الثاني: وجوب الاغتسال لكل صلاة استدلالاً بحديث أم حبيبة - وهو في الصحيحين -.
والجواب عليه: أن الأئمة كالليث ابن سعد والشافعي وغيرهما من الأئمة حملوا اغتسال أم حبيبة على أنه شيء كانت تفعله من عند نفسها تورعاً واحتياطاً وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرها إلا بالاغتسال عند انتهاء الحيض فقط وأما الاغتسال لكل صلاة فشيء كانت تفعله هي بدون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا هو الصواب. أي أن الاغتسال مستحب وأن الحديث لايدل على الوجوب.
فقول عائشة في الحديث - الراوية عن أم حبيبة في الصحيحين - فكانت تغتسل لكل صلاة دليل على أن هذا الاغتسال إنما هو من قبلها هي - رضي الله عنها - ولم يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
انتهى المؤلف من الكلام عن المستحاضة وانتهى بذلك من الكلام على نوعين من أنواع الدماء وهما الحيض والاستحاضة وشرع في النوع الثالث وهو النفاس.
• فقال - رحمه الله -:
وأكثر مدة النفاس: أربعون يوماً.
النفاس: مشتق في لغة العرب من التنفيس وهو تفريج الكربة.
(1/202)
________________________________________
أو مشتق من التنفس وهو الخروج من الجوف سواء كان خروج النفس أو غيره.
فهو مشتق من أحد هذين الأمرين.
والاشتقاق اللغوي مهم جداً في تصور الحكم الشرعي ومهم كما سيأتينا بالذات في هذه المسألة أحياناً في الترجيح فإنه يساعد أحياناً على الترجيح.
وأما في الشرع: فالنفاس هو: الدم الذي يرخيه الرحم بسبب الولادة.
• قال ’:
وأكثر مدة النفاس: أربعون يوماً.
هذا هو المذهب وهو قول الجماهير وحكي إجماعاً أن أكثر مدة النفاس أربعون يوما.
وللجماهير أدلة: - وهذه المسألة غاية في الأهمية وتكثر حاجة النساء إليها -
الدليل الأول: ما روي عن أم سلمة (أن النفساء في عهد النبي ‘ كانت تجلس أربعين يوماً).
وهذا الحديث له طرق كثيرة لا تخلو من ضعف لكنه بمجموع الطرق يصل إلى التحسين لا سيما وأن البخاري ’ أثنى على هذا الحديث. وعليه هو حديث صالح للاستدلال.
الدليل الثاني: ماصح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النفساء تجلس نحواً من أربعين.
الدليل الثالث: أن هذا مروي عن عدد من أصحاب النبي ‘ ورضي عنهم.

القول الثاني: أنه لاحد لأكثر النفاس فما دام الدم باقياً بصفاته المعروفة فهو نفاس وإن طالت المدة حتى قال شيخ الاسلام خمسين أو ستين أو سبعين يوماً. وهو الذي اختاره شيخ الاسلام ’.
والقول الثالث: أن أكثر مدة النفاس ستين يوماً وهو مذهب لبعض الفقهاء المتقدمين والمتأخرين.
ودليلهم أن هذا أكثر ما قيل.
وأرجح هذه الأقوال وأوقواها وأحراها بالدليل وأقربها لفقه الصحابة القول الأول.
وأضعف هذه الأقوال عند عدد من الفقهاء القول بستين.
بناء على هذا القول الراجح إذا بلغت المرأة أربعين يوماً في النفاس فإنها تغتسل ولو كان الدم يجري على صفته وهيئته تماماً فتغتسل وتصلي وتصوم وتعمل عمل الطاهرات وإن كان الدم باقياً على صفته المعروفة باعتبار أن أصحاب النبي ‘ كانوا يرون أن الأربعين هي نهاية النفاس.
• ثم قال ’:
ومتى طهرت قبله: تطهّرت وصلّت.
لما بين المؤلف أكثر النفاس بين أقله.
(1/203)
________________________________________
فهذه العبارة تعني: أنه لاحد لأقله وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. فمتى طهرت دون الأربعين اغتسلت وصلت لأنه كما تقدم معنا أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فإذا توقف الدم توقفت أحكامه.
• ثم قال ’:
ويكره: وطؤها قبل الأربعين بعد التطهير.
إذا توقف الدم قبل نهاية الأربعين واغتسلت وصلت فيكره في هذه الحالة عند الحنابلة ولا يحرم أن يطأ الرجل زوجته إلى تمام الأربعين.
واستدلوا على هذا: بالأثر المروي عن عثمان بن أبي العاص أنه كان يقول لزوجته لا تقربيني ما دامت الأربعين.
وهذا الأثر فيه راو مجهور.
والقول الثاني: الجواز بلا كراهة.
وهذا القول هو الصواب لأنه مادام أنا قد حكمنا عليها أنها طاهرة وتصلي فمن باب أولى جماع الزوج.
والقول الثالث: توسط شيخ الاسلام ’ فقال: لا ينبغي أن توطأ. فلم يقل أنه يكره أو أنه يجوز بلا كراهة ولكن توسط فقال لا ينبغي.
وقوله ’ وجيه فما دام أن في الباب أثر وإن كان في إسناده ضعف فإنه يصلح أن نقول أنه لا ينبغي ولا نطلق الكراهة لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل ثابت ولا دليل في هذا الباب.
• ثم قال ’:
فإن عاودها الدم: فمشكوك فيه، تصوم وتصلي وتقضي الصوم الواجب.
إذا عاودها الدم فيها: الضمير يعود على الأربعين.
فإذا رجع الدم في مدة الأربعين فحكمه أنه مشكوك فيه.
ومعنى أنه مشكوك فيه: أي أن هذا الدم يتردد الإنسان هل هو دم نفاس أو دم فساد؟.
وبناء على أن هذا الدم مشكوك فيه قال:
تصوم وتصلي وتقضي الصوم الواجب.
فذكر حكمين:
الأول: أنها تصوم وتصلي.
والثاني: أنها تقضي الصوم.
دليل أنها تصوم وتصلي أن العبادة واجبة بيقين وهذا الدم مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك.
ولماذا تقضي؟ قالوا: تقضي احتايطاً لاحتمال أن يكون هذا الدم نفاس فيكون الصوم باطل.
وفي الحقيقة قول الحنابلة هنا مركب فيأمرونها أن تصوم وتصلي وفي نفس الوقت يأمرونها بعد انتهاء الأربعين وتوقف الدم أن الصيام.
والقول الثاني: أن الدم إذا رجع فإنه يعتبر نفاس فلا تصوم ولا تصلي. اختار هذا القول المجد وابن قدامة.
لأنه دم صادف وقت النفاس فيكون نفاساًَ.
(1/204)
________________________________________
وهذا القول هو الصواب ومذهب الحنابلة ضعيف أو ضعيف جداً باعتبار أنهم يلزمونها بالعبادة ويلزمونها بالقضاء.؟
• ثم قال ’:
وهو كالحيض فيما: يحل ويحرم ويجب، ويسقط.
أما أن النفاس كالحيض في الأحكام فيما يحل ويحرم ويجب .. الخ. فهذا محل إجماع إلا ما استثنى المؤلف التي سيأتي ذكرها.
لكن الأصل والقاعدة أن النفاس له نفس أحكام الحيض تماماً.
والدليل: الإجماع.
• يقول فيما يحل: كالاستمتاع فيما دون الفرج. فكما أنه يحل في الحيض فإنه يحل في النفاس.
• قال ويحرم: كالوطء في الفرج وكالصيام والصلاة.
• قال ويجب: كالغسل وكفارة الوطء أثناء النفاس وما قيل في تفاصيل كفارة الوطء في الحيض هو نفسه يقال في كفارة الوطء أثناء النفاس.
• قال ويسقط: كوجوب الصلاة.
الخلاصة: أن الحيض كالنفاس. والدليل الإجماع.
• ثم ذكر ’ ما يستثنى فقال:
غير العدة والبلوغ.
المسألة الأولى: العدة:
العدة تنتهي بالحيض ولا تنتهي بالنفاس.
فمثلاً: معلوم أن عدة المطلقة ثلاث حيض فتخرج المرأة من العدة بالحيض.
أما النفاس فلا تنتهي به العدة لماذا؟
لأن الطلاق:
- إن كان أثناء الحمل فالعدة تنتهي بوضع الحمل.
- وإن كان الطلاق بعد الولادة فإن العدة ستكون بالحيض فلا دخل للنفاس في العدة مطلقاً.
وهذا أمر متفق عليه.
فإذا طلق الإنسان امرأته أثناء النفاس فتعتد بثلاث حيض وهذا الدم الموجود أثناء الطلاق في النفاس ليس له أي علاقة بمسألة عدة الطلاق.
وسيأتينا حكم الطلاق أثناء النفاس.
المسألة الثانية: البلوغ.
البلوغ لا يحصل بالنفاس. لماذا؟
لأنه حصل بالإنزال السابق.
ما معنى هذا؟
معناه أن المرأة لا يمكن أن تحمل إلا إذا أنزلت ماءً وهو مني المرأة فسيكون البلوغ بهذا الإنزال لا بالنفاس.
إذاً إذا قيل لك: هل يحصل البلوغ للمرأة بالنفاس؟
فتقول: لا. لا يحصل. لأن البلوغ حصل بالإنزال السابق الذي حصل منه حمل حصل منه النفاس.
انتهت الآن المسائل المستثناة.

يضاف أنه يستثنى مسألة الإيلاء -
فهناك فرق بين الحيض والنفاس في مسألة الإيلاء.
أو بعبارة أدق: مدة الإيلاء.
فإن الحيض يحسب من مدة الإيلاء دون النفاس.
(1/205)
________________________________________
والإيلاء هو أن يحلف الرجل على ترك وطء زوجته أربعة أشهر فأكثر. أو على الراجح: أكثر من أربعة أشهر.
فإذا آلى الرجل من زوجته - يعني حلف أنه لا يطأها فنقول: ننظرك مدة أربعة أشهر إذا انتهت فإما أن تطأ أو تطلق إذا طلبت الزوجة.
فهذا الأربعة أشهرفيحسب منها مدة الحيض ولا يحسب منها مدة النفاس.
فإذا ولدت زوجة الرجل في تاريخ 1/ 1 وحلف أن لا يطأها بعد الولادة فنحتاج لمدة أربعة أشهر شهر 1 و 2 و 3 و 4 فإذا انتهت الأربعة أشهر فماذا يبقى عليه؟
يبقى عليه أربعون يوماً لأن مدة النفاس لا تحسب.
المسألة الرابعة: الطلاق.
فالطلاق عند الحنابلة لا يوجد فرق فيه بين الحيض والنفاس فكما يحرم في الحيض فإنه يحرم في النفاس. وهذا مذهب الحنابلة وهو اختيار ابن القيم - رحمه الله -.
والقول الثاني: أن هناك فرقاً بين الحيض والنفاس فيحرم الطلاق في الحيض ويجوز في النفاس.
لماذا قالوا بالجواز؟
قالوا: لأن الشارع حرم الطلاق في الحيض لأن العدة تطول على المرأة فمن المعلوم أن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب من العدة. فتطول العدة على المرأة.
بينما في النفاس إذا طلق الرجل زوجته في أثناء النفاس أو بعده فالأمر واحد لأن العدة تحسب بالحيض الذي يأتي بعد النفاس. إذاً لم تطل العدة عليها.
والأقرب المذهب لأن هذا مذهب أكثر أهل العلم فكثير من أهل العلم لم يذكروا فرقاً بين الحيض والنفاس في أي مسألة وإنما التفريق هو مذهب الأحناف فقط فهم الذين يفرقون في مسألة الطلاق بين الحيض والنفاس.
إذاً إذا قيل لك هل يوجد فرق بين الحيض والنفاس في مسألة الطلاق فماذا تقول؟
الجواب: عند الحنابلة: وهو الراجح أنه لا يوجد فرق.
والقول الثاني: أنه يوجد فرق وهذا مرجوح.
• ثم قال - رحمه الله -:
وإن ولدت توأمين، فأول النفاس وآخره: من أولهما
الاعتبار في النفاس لمن ولدت توأمين من الأول منهما.
فبناء على هذا إذا ولدت المرأة توأمها الأول ثم بعد ثلاثة أيام ولدت التوأم الثاني فإنها ستطهر بعد أربعين يوماً من الولادة الأولى. وهذا عند الحنابلة.
فالحنابلة يلغون الدم الخارج مع الولادة الثانية يقولون: لأن الثاني تبع للأول والتابع لا يفرد بحكم لأن القاعدة تقول التابع تابع.
(1/206)
________________________________________
أي أن التابع في الصفة أو في الوجود فإنه تابع في الحكم.
والقول الثاني: أن أول النفاس من أولهما وآخر النفاس من ثانيهما وتدخل مدة الأول في الثاني.
ففي المثال إذا ولدت الأول ثم بعده بثلاثة أيام ولدت الثاني فستخرج من النفاس بعد ثلاثة وأربعين يوماً باعتبار الأول.
فزادت النفاس بالنسبة للأول ثلاثة أيام لماذا؟
التعليل: أنا نعتبر أن آخر النفاس بالثاني أن هذا الثاني ولادة صحيحة ودم لا يمكن إلغاؤه وهذا هو الصواب أن مدة النفاس تعتبر أولها من الأول وآخرها من الثاني.
وهذه المسألة قد تكون الحاجة إليها قليلة لأنه في الغالب أن الولادة تكون في وقت واحد لا سيما في عصرنا هذا مع التقدم الطبي فيندر أن يكون هناك فارق كبير بين الأول والثاني وإن وجد فهو ساعات.
في القديم فنعم فقد يكون بين الأول والثاني يوم أو نحو يوم.
إذاً الخلاصة أنه باعتبار الأول نبدأ وباعتبار الثاني ننتهي في مدة النفاس على القول الراجح.
نختم هذا الباب بمسألة مهمة جداً وهي:
ما حكم الدم الذي يأتي المرأة قبل الولادة بيوم أو يومين مع وجود علامات الولادة من الدم الطلق.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الحنابلة إلى أنه إذا كان هذا الدم وجد قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة كحد أقصى مع علامات الولادة فإنه يعتبر نفاساًَ.
الدليل: قالوا: الدليل أن هذا الدم بسبب الولادة فهو ملحق بأحكام النفاس.
ثم إذا أمسكت المرأة قبل الولادة عن الصلاة لوجود هذا الدم ثم بقي أربعة أيام وهم يقولون الحد الأقصى كم يوم؟
ثلاثة أيام؟ فماذا تصنع؟

قال الحنابلة نأمرها بقضاء اليوم الزائد.
وهل اليوم الزائد هو الرابع أو الأول؟
هو الأول. لأن المقصود بالثلاثة أيام التي قبل الولاة.
فإذاً أيضاً يأمرونها بالصلاة وربما تحتاج إلى قضاء هذه الصلاة.
القول الثاني: للأئمة الثلاثة. مالك والشافعي وأبي حنيفة.
أن النفاس لا يبدأ إلا بعد الولادة. ولو مع وجود الدم وعلاماته.
الدليل: لهم أدلة قوية:
الأول: أن المرأة قبل الولادة تعتبر حاملاً والحامل الدم الخارج منها كما قررنا سابقاً يعتبر دم فساد وهذا صحيح فمادام أنها لم تلد فتسمى حامل.
(1/207)
________________________________________
الثاني: أن اشتقاق النفاس إنما هو من تفريج الكربة أو من خروج شيء من الجوف وكلاهما لم يحصل قبل الولادة.
بل إنها في هذه الأيام تعتبر في أشد الكرب والتفريج يكون بعد الولادة. كذلك على المعنى الثاني في الاشتقاق وهو خروج شيء من الجوف فإنه لم يخرج شيء من الجوف إلى الآن - أي لم يخرج الولد.
فعلى الاشتقاقين لم يحصل النفاس.
ودليل ثالث قوي أيضاً: أن الأطباء يقولون أن دم النفاس لا يخرج بعد الولادة هذا أقوى الأدلة الثلاثة.
والراجح مذهب الجمهور وهو أضبط للمرأة بكثير وكم وقع النساء في إشكال هل تمسك أو لا تمسك؟ هل هذه علامات الولادة؟ باقي يوم أو يومين أو أكثر أو أقل .. الخ.
ثم من علامات ضعف مذهب الحنابلة أنهم حددوه بثلاثة أيام وعندنا قاعدة مهمة ومفيدة لطالب العلم أن أي تحديد بالأيام أو بالوقت يحتاج إلى دليل قوي.
وليس مع الحنابلة دليل قوي على هذا التحديد.
وبهذا القدر انتهى الكلام على باب الحيض وبه انتهى الكلام على
... انقطع التسجيل ...
((نهاية شرح كتاب الطهارة))

والحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات وله الحمد في الأولى والآخرة
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أخوكم
أبو أسامة
محمد بن مقبل الحربي
(1/208)
________________________________________
كتاب الصلاة
قال شيخنا حفظه الله: -
بسم الله الرحمن الرحيم
(كتاب الصلاة)
بدأ المؤلف رحمه الله بعد الطهارة بالصلاة، لأن الطهارة إنما ذكرت لأنها مفتاح للصلاة وتقديم لها.
والصلاة آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وفرضت في ليلة الإسراء. وفرضها بهذه الطريقة دون الوحي المعتاد تعظيماً لشأنها.
ومما يدل على تعظيمها إنها فرضت في وقت مبكر من الإسلام، فقد فرضت بعد نحو خمس سنوات من البعثة وهذا وقت متقدم جداً.
والصلاة بهذه الهيئة والشروط والكيفية يختص بها المسلمون، والا فتوجد الصلاة في الملل الأخرى ولكن بهذه الكيفية تختص بالمسلمين وهذا فضل آتاه الله المسلمين.
والصلاة في لغة العرب " الدعاء،.
وقال بعضهم وهو تقييد جيد: الدعاء بخير وهذا تقييد قوي.
وهي مشتقة من قولهم: صَليتُ العود أي: لينته. لأن الصلاة سبب في خشوع العبد وخضوعه بين يدي الرب وفي هذا معنى اللين.
وهي في الاصطلاح الفقهي: أقوال وأعمال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
• قال رحمه الله:
(تجب على كل مسلم)
أما أدلة وجوب الصلاة فأكثر من ان تحصر كقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}.
وقوله تعالى في عدد كبير من الآيات {وأقيموا الصلاة ... }.
وقول النبي صلى الله علية وسلم " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة "
وسيأتينا عدد كبير من النصوص المتعلقة بالصلاة أثناء دراسة هذا الكتاب، الذي هو أهم كتب الزاد على الإطلاق.

قال رحمه الله:
(تجب على كل مسلم)
مفهوم هذه العبارة أنها لا تجب على الكافر.
ويجب أن يتنبه طالب العلم لأمر مهم وهو أن معنى كون الصلاة لا تجب على الكافر (أي انه لا يأمر بها، ولا يأمر بقضائها اذا اسلم)
وليس معنى عدم الوجوب انه لا يحاسب على تركها، لكن معنى عدم الوجوب: أنه لا يؤمر بها ولا بقضائها إذا أسلم.
(1/209)
________________________________________
والدليل على انها لاتجب على الكافر حديث معاذ المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " انك ستأتي قوم اهل كتاب فليكن او ما تدعوهم إليه شهادة ان لا إله إلا الله وإن محمد رسول الله، فإن هم أجابوك لذا، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ".
فرتب وجوب الصلاة على الدخول في الإسلام.
إذاً معنى قوله: (تجب على كل مسلم): أنها لا تجب على الكافر وعرفنا معنى عدم وجوبها عليه ودليله.
• ثم قال رحمه الله:
(مكلف)
المكلف: هو البالغ العاقل.
فغير البالغ والعاقل لا تجب عليه الصلاة، وأما هل هو يؤمر أو لا يؤمر؟ فسيأتينا في المتن.
الدليل على أنه لا تجب الصلاة على غير المكلف قول النبي صلى الله علية وسلم " رفع القلم عن ثلاث: المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ "
فهذا الدليل ظاهر ونص في انه لاتجب الصلاة على الصبي اذ لم يبلغ وهذا الحديث إسناده حسن.
• ثم قال رحمه الله:
(إلا حائضاً ونفساء)
فالصلاة لا تجب على الحائض ولا النفساء.
- وتقدم معنا أدلة هذا القول في باب الحيض.
- وتقدم معنا انها: لا تجب ولا تصح ولا تجوز.
بخلاف بعض الأحكام الاخرى، قد يكون لايجب لكنه يجوز ان ياتي به المسلم بينما الحائض والنفساء كما سمعت أحكامهما.

ثم قال رحمه الله:
(ويقضي من زال عقله)
في الحقيقة هذا تفصيل لقوله (مكلف).
لما ذكر ان التكليف شرط للوجوب، ذكر تفصيل هذا القول فقال: (ويقضي من زال عقله بنوم): إذا نام الإنسان وفاتته الصلاة فإنه يجب عليه أن يقضي والدليل بالنص والإجماع.
- أما النص: فقوله صلى الله علية وسلم " من نام عن صلاة او نسيها فليصليها اذا ذكرها " فهذا نص أن النائم يجب عليه أن يقضي الصلاة.
- وأما الإجماع: فقد اجمع الفقهاء كلهم على وجوب القضاء على من نام وترك الصلاة.
• ثم قال رحمه الله:
(بنوم او اغماء)
إذا أغمي على الإنسان فإنه اذا استيقظ فيجب عليه = عند الحنابلة ان يصلي ما فاته ولو كانت مدة الإغماء طويلة.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأول: القياس على النوم.
- والثاني: أن عمار بن ياسر رضي الله عنه أغمي علية ثلاثاً فلما أفاق قضى.
(1/210)
________________________________________
= والقول الثاني: أن من اغمي عليه لا يجب عليه ان يقضي الصلاة.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: ماصح عن ابن عمر بإسناد - كالشمس - أنه رضي الله عنه غمي عليه فلما افاق لم يقض.
- الدليل الثاني: قياساً على المجنون. يعني يقيسون المغمى عليه على المجنون.
= والصواب ومذهب الجمهور هو عدم الوجوب.
التعليل:
- اولاً ان اثر عمار بن ياسر ضعيف.
وممن ضعفه من الأئمة الذين يقتدى بتصحيحهم وتضعيفهم الإمام الشافعي والبيهقي فكلاهما ضعف ما روي عن عمار بن ياسر.
- ثانياً: أن قياس المغمى عليه على النائم قياس مع الفارق، لأن النائم اذا اوقض استيقظ. واما المغمى عليه ليس كذلك.
إذاً الراجح مذهب الجمهور وهو: عدم وجوب القضاء على المغمى عليه.
فإذا استيقظ يستأنف الصلاة بلا قضاء.
• ثم قال رحمه الله:
(أو سكرٍ)
من ترك الصلاة بسبب السكر فإنه يجب عليه اذا استيقظ أن يقضي هذه الصلاة.
- الدليل:
- الإجماع فإنه لم يخالف في هذا أحد من الفقهاء أن السكران يجب أن يقضي ولأنه ليس أهلاً للتخفيف.
• ثم قال رحمه الله:
(ونحوه)
نحو السكر: مثاله المشهور: شرب الدواء المباح.
= فعند الحنابلة: اذا شرب الإنسان دواءً مباحاً أدى إلى فقده عقله بإغماء او بغيره فإنه يجب ان يقضي.
قال الحنابلة: الا إن طال الأمر.
- فإن طال الأمر فحكمه: حكم المجنون.
يعني: إذا أدى شرب الدواء المباح إلى إغماء أو إلى فقد العقل لمدة طويلة فإنه لا يجب أن يقضي لأن حكمه حكم المجنون.
= والقول الثاني: ان الإغماء بسبب الدواء المباح:
- ان كان باختياره وجب ان يقضي.
- وان كان بغير اختياره لم يقض.
فجعل المناط يعود على الاختيار.
= والقول الثالث: وهو: مذهب مالك والشافعي: - وهذه المسألة تحتاج لشيء من التفصيل لكثرة الدواء المباح فإن البنج يدخب في هذه المسألة وما أكثر ما يستخدم في الوقت الحاضر -.
فالقول الثالث: أن مناط المسألة يرجع إلى أن كون الدواء مباح أو محرم. فالشافعي ومالك يربطون الأمر بكونه مباحاً أون محرماً.
- فإن كان مبحاً لم يقض.
- وان كان محرماً قضى.
والقول الأقرب للصواب الثالث: أن العبرة بكونه مباح او محرم.
الآن عرفنا ثلاثة أقوال في مسألة شرب الدواء.
(1/211)
________________________________________
= نحتاج إلى أمثلة: كيف يكون البنج بغير اختياره؟
الجواب: مثل ان يحصل عليه حادث فيعملون له عملية بعد التبنيج وهو لايشعر.

= فهل هذا باختياره أو بغير اختياره؟
- بغير اختياره.
فهذا مثال للقول الثاني.
= كيف يكون البنج للعملية محرم أو مباح؟ فالعمليات دائماً مباحة.
مثاله: أن يبنج ليعمل عملية محرمة. هذا هو المثال.
أما العمليات المحرمة فكثيرة: مثل: كالتجميل الذي لا حاجة له.
- ومثاله المشهور: كالإجهاض المحرم. فإذا كان البنج لإجهاض محرم فإنها تقضي الصلاة.
فالمهم أن أي عملية محرمة فإن الصلاة تقضى.
(وطول التأثير من البنج او الإغماء ترجع إلى العرف)

انتهى الدرس،،،
(1/212)
________________________________________
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال - رحمه الله -
ولا تصح من مجنون
الصلاة لا تصح من المجنون وكذلك لا تصح من الطفل الذي لا يميز
لأن المجنون غير المميزليس لهم نية صحيحة والنية شرط لصحة الصلاة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - انما الأعمال بالنيات
فإذاً الشرط الذي اختل في المجنون وغير المميز شرط النية وهو شرط لاتصح الصلاة إلا به
• ثم قال - رحمه الله -
ولا كافر
يعني أنها لا تصح أيضاً من الكافر
فالكافر لا تصح منه الصلاة لأن النية وإن كانت تقع منه إلا أنها غير صحيحة هذا شيء
والشيء الآخر أن الإسلام شرط لصحة الصلاة
لقوله - صلى الله عليه وسلم - فليكن أول تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله في حديث معاذ فإن هم أجابوك فأخبرهم أن الله افترض عليهم الصلاة
فإذاً لا تصح الصلاة من الكافر لسببين
لعدم صحة النية منه
ولأن الإسلام شرط لصحة الصلاة
• ثم قال - رحمه الله -
فإن صلى فمسلم حكماً
إذا صلى الكافر وإن لم ينطق بالشهادتين فمبجرد الصلاة نحكم بإسلامه
ما معنى قوله فمسلم حكما؟
يعني أننا نحكم عليه بالإسلام وما يترتب عليه من آثار
فمثلا
نحكم له بالإرث فلو مات قريبه أو لو مات فإن المسلم يرث منه
(1/213)
________________________________________
ويغسل
ويكفن
ويقبر في مقابر المسلمين
إذاً تتنزل عليه جميع آثار الإسلام وهذا معنى أنه يحكم عليه بأنه مسلم
استدل الحنابلة على هذا الحكم بـ
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أنس رضي الله عنه من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذاك المسلم
القول الثاني لمالك والشافعي
أنه لا يحكم بإسلامه بمجرد الصلاة بل لابد من الشهادتين قبل ذلك
قالوا لأن الصلاة فرع الإسلام ولا نثبت الأصل بالفرع
الدليل الثاني في هذه المسألة المهمة وسأذكر لكم لماذا هي مهمة؟
حديث معاذ السابق ليكن أول ماتدعوهم إليه فرتب الصلاة على الشهادتين وجعل وجوب الصلاة بعد الشهادتين
والدليل الثالث أن في حديث أنس رضي الله عنه من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا له لفظ صحيح آخر وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلو ذبيحتنا فذاك المسلم
ففي الرواية الثانية الصحيحة تقييد للإتيان بالشهادتين قبل الصلاة
كم صارت الأدلة على قول مالك والشافعي؟
ثلاثة حديث معاذ وأن الأصل لا يثبت بالفرع وأن لحديث أنس من صلى صلاتنا لفظ آخر صحيح فيه فإذا صلوا صلاتنا الخ
وهذا القول الثاني هو الصواب أنا لا نحكم بإسلامه بمجرد الصلاة
وجه أهمية هذه المسألة
يكثر الآن في بعض الذين يدعون إلى الإسلام ويرغبون فيه يقع أن يدخلوا ويصلوا مع المسلمين وإن لم يسلموا يدخل ويرى صفوف المسلمين وهيبة الصلاة فيدخل معهم في الصلاة ويركع ويسجد أحياناً وإذا سأل تجد أنه لم ينو الدخول في الإسلام
فمثل هذا
عند الحنابلة نحكم بإسلامه فلو مات بعد هذه الصلاة يرث ويورث ويغسل ويكفن يكفن الخ
عند مالك والشافعي ما دام لم يدخل في الإسلام بذكر الشهادتين لا نعتبره من المسلمين
إذاً الحنابلة يرون أن من صلى فهو مسلم حكماً ومالك والشافعي يرون أن مجرد الصلاة لا لايدخل به الإنسان الإسلام بل لا بد من النطق بالشهادتين
• ثم قال - رحمه الله -
ويؤمر بها صغير لسبع ويضرب عليها لعشر
(1/214)
________________________________________
يرى الحنابلة أنه يجب على ولي الأمر إذا بلغ طفله سبع سنين فيجب عليه عدة أمور
الأمر الأول أن يعلمه كيفية الوضوء والصلاة
والأمر الثاني أن يأمره بالصلاة
والأمر الثالث إذا بلغ عشر أن يضربه على تركها
ويستدلوا على ذلك
بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - مروا أبنائكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع
قالوا وأمر لولي الأمر لطفله بالصلاة بدون تعليم لا فائدة منه ولذا قالوا يجب مع أمره بالصلاة أن يعلمه الوضوء وكيفية الصلاة
فإذاً من الخطأ الذي يفعله بعض العوام أن يجلبوا أبنائهم إلى المساجد بلا تعليم ولا وضوء فهذا خطأ وهو مخالف لما قرره الفقهاء بل عليه أن يأمره في البيت بالوضوء ويعلمه كيفيته إذا كان الطفل لا يعرف ذلك ثم أيضاً يعلمه كيفية الصلاة ولا يكتفي بمجرد الإتيان بالطفل إلى المسجد
• ثم قال - رحمه الله -
فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد
هاتان مسألتان
الأولى إذا بلغ الطفل في أثناء الصلاة أو بلغ بعد الصلاة لكن في الوقت فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاة عند الحنابلة
دليلهم
قالوا أن الصلاة التي صلاها تعتبر في حقه نافلة والنافلة لا تغني عن الفريضة فيجب أن ياتي بالفريضة مرة أخرى
والقول الثاني أنه لا يجب أن يعيد الصلاة وإن بلغ في أثنائها أو بعدها في الوقت بل يكتفي بما صلى
والدليل
الأول قوله - صلى الله عليه وسلم - لا صلاة مرتين في يوم
والثاني أنه يغلب على الظن أن عدداً من الأطفال في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغوا بعد أن أدوا الفريضة في وقتها ولم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بإعادة الصلاة
الثالث أن هذا الطفل صلى صلاة صحيحة حسب ما أمر به فلا يلزمه أخرى
ومن الظاهر أن القول الثاني أقوى وأقرب إلى النصوص مما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله
• ثم قال - رحمه الله -
ويحرم تأخيرها عن وقتها
يحرم على المسلم أن يؤخر الصلاة عن وقتها
لقوله تعإلى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا يعني مؤقتة بوقت محدود
(1/215)
________________________________________
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس في النوم تفريط إنما التفريط أن يدع الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى
وتأخير الصلاة عن وقتها محرم بل هو من الكبائر
ثم استثنى المؤلف - رحمه الله - مسألتين
• فقال - رحمه الله -
إلا لناوي الجمع ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً
المسألة الأولى التي استنيت ناوي الجمع
فيجوز لمن نوى الجمع أن يؤخر الصلاة الأولى عن وقتها ويصليها مع الثانية
والدليل على ذلك
الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخر الأولى ويصليها مع الثانية كما فعل ليلة مزدلفة وفي غيرها
والدليل الثاني أنه مع نية الجمع يصبح وقت الثانية والأولى وقتاً واحداً للصلاتين فهو في الحقيقة لم يخرج الصلاة عن وقتها لأن وقت الثانيه أصبح وقتاً للثانية والأولى
ولذلك أشار الشيخ البهوتي كشاف القناع أن قول الحنابلة من نوى الجمع جاز له التأخير كلام غير دقيق لأنه في الحقيقة لا يعتبر أخر فهو لم يؤخر لأنه صلاها في وقتها لكن أراد التنبيه حتى لا يظن أن من أخر بنية الجمع يعتبر مرتكباً لمحرم
الصورة الثانية ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً
يجوز عن الحنابلة للمسلم أن يؤخر الصلاة عن وقتها إذا كان يشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً
مثال ذلك إذا كان يشتغل بالاغتسال رجل أصابته جنابة قبيل خروج الوقت وقال لو اشتغلت بالاغتسال لخرج الوقت يقول الحنابلة اشتغل بالاغتسال يعني اغتسل وإن خرج الوقت لأنك الآن تشتغل بتحصيل شرطها لأن الطهارة من شروط الصلاة
مثال آخر رجل تمزق ثوبه الذي يستره في الصلاة واشتغل بخياطة هذا الثوب وقال لو اشتغلت بخياطته فسؤأخر الصلاة عن وقتها فيقول له الحنابلة اشتغل به وحصل هذا الشرط وإن أخرجت الصلاة عن وقتها لأنك تشتغل بشرطها
لكن يشترط أن يكون تحصيل هذا الشرط في زمن قريب فإن كان يحتاج إلى زمن طويل فإنه لا يجوز حتى عند الحنابلة أن يشتغل به
والفرق بين الوقت الطويل والقصير هو العرف
(1/216)
________________________________________
هذا هون مذهب الحنابلة وقد علق شيخ الإسلام بن تيمية على هذا القول بتعليق مفيد لطالب العلم في معرفة بعض أقوال الحنابلة فيقول شيخ الاسلام - رحمه الله - هذا القول ليس مذهباً لأحمد ولا لأصحابه وإنما قاله أحد المتأخرين من أصحاب الأمام أحمد
إذاً القول الثاني الذي يشير إاليه شيخ الإسلام والذي ينسبه إلى الإمام أحمد أنه لا يؤخر الصلاة عن وقتها ولو اشتغل بشرطها وإنما يتيمم ويصلي حسب حاله في الوقت لأن شرط الوقت هو أهم الشروط على الاطلاق
القول الثاني أن الإنسان لا يؤخر الصلاة عن وقتها ولو فاته بعض شروط الصلاة وإنما يصلي الصلاة في وقتها على حسب حاله وإن فاته بعض شروط الصلاة
الدليل على هذا القوول
أن الله سبحانه وتعالى شرع التيمم إذا لم يجد الإنسان الماء ولو كان يشرع للإنسان أن يؤخر الصلاة إلى يجد الشرط لقلنا له أخر الصلاة إلى أن تجد الماء ولكن نجد أن الشارع أباح وشرع التيمم ليصلي الإنسان في الوقت على حسب حاله
لذلك فإن أدلة التيمم كلها تدل على أن شرط الوقت هو أهم شروط الصلاة ولا يقدم على شرط الوقت أي شرط آخر
ونحن نتحدث عن المستيقظ سيأتينا بالنسبة للنائم تفصيل آخر في باب الوقوت في مسائل وقت الصلاة
إذاً إذا قيل لك ما هو أهم شروط الصلاة؟ الوقت
وكون الوقت هو أهم الشروط فيعني هذا أنا نقدمه على جميع الشروط فإذا تخلف بعضها نقدم الوقت ونصلي على حسب الحال
وعليه لو قال لك رجل أنه على جنابه ويحتاج للإغتسال عشر دقائق وباقي على خروج الوقت خمس دقائق فماذا تقول له؟
نقول له تيمم وصل
لو قال لك لا أملك إلا ثوباً يستر بعض العورة التي يجب أن تستر في الصلاة ولتحصيله يحتاج إلى عشر دقائق وياقي على الوقت خمس دقائق؟
فنقول صل على حسب حالك وإن كانت بعض العورة التي يجب أن تستر في الصلاة مكشوفة
الخلاصة أنا نقدم شرط الوقت على جميع الشروط
• ثم قال - رحمه الله -
ومن جحد وجوبها كفر
من جحد وجوب الصلاة كفر وإن صلاها
وهذا الحكم مجمع عليه بين العلماء ليس فيه خلاف بينهم
الدليل
(1/217)
________________________________________
أن من جحد وجوبها فهو مكذب لله ومكذب لرسوله ومكذب لجملة علماء الأمة ومن كذب الله ورسوله والمؤمنين فهو كافر
إذاً هذه مسألة الجحود وأمرها ظاهر
والظن إن شاء الله أنها جحد وجوبها لا تقع من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر لأن القرآن مليء بالأمر بها وكذلك السنة وهي تفعل بمساجد المسلمين من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وقتنا هذا
• ثم قال - رحمه الله -
وكذا تاركها تهاوناً ودعاه إمام أو نائبه
الحنابلة يرون أن من ترك الصلاة تهاوناً أو كسلاً فإنه يكفر بشروط ذكرها المؤلف - رحمه الله - وسنرجع إليها
لكن نبقى في المسألة الأم وهي أن من ترك الصلاة تهاوناً أو كسلاً فإنه يكفر
ومعنى أنه يكفر أي يخرج عن الملة ويترتب على كفره جميع آثار الخروج عن الملة من أنه لا يغسل ولا يكفن وتحرم عليه زوجته ولا يدفن في مقابر المسلمين ويقتل وكل مايترتب على أحكام الردة فإنه يترتب على تارك الصلاة
وهذه المسألة فيها خلاف قوي جداً وعميق من حيث الأدلة
فالقول الأول هو مذهب الحنابلة وهو الذي سمعتم الكفر وهو مروي عن الصحابة واختاره إسحاق بن راهويه - رحمه الله - من علماء الحديث وأيضاً شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم وعدد من العلماء المحققين
واستدلوا بعدة أدلة
الدليل الأول قوله تعالى وأقيموا الصلاة ولاتكونوا من المشركين فيفهم من الآية أن من لم يقم الصلاة فهو من المشركين
الدليل الثاني قول النبي - صلى الله عليه وسلم - العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر
الدليل الثالث قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة
هذه ثلاثة أدلة
الدليل الرابع إجماع الصحابة
ودائماً طالب العلم يعتني إذا ذكر الإجماع بمن حكاه
فحكى هذا الإجماع إسحاق بن راهويه وهو كما تعلمون قرين للامام أحمد وكان بينهما مكاتبات وأخوة وهو إمام أهل ناحيته إمام أهل خراسان فهو في الإمامة كالإمام أحمد
(1/218)
________________________________________
وحكى الإجماع أيضاً من التابعين عبد الله بن شقيق العقيلي فقال كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة
وهذا الأثر اختلف فيه صحة وضعفاً والأقرب أنه أثر ثابت صحيح إلى ابن شقيق
إذاً حكى الإجماع اثنان الأول تابعي والثاني من كبار أهل العلم وهو بن راهويه
هذه أدله الذين يرون أن تارك الصلاة كافر
وقبل أن ننتقل لقول الثاني يجب أن تلاحظ أن أدلة أصحاب هذا القول نص في المسألة تعنى بذات المسألة وليست نصوصاً عامة وإنما نصوص تتكلم عن تارك الصلاة وهذا أمر مهم جداً عند إرادة الترجيح في هذه المسالة وفي غيرها أن النص الخاص الذي تناول القضية بعينها مقدم على النص العام
القول الثاني للأئمة الثلاث أوبو حنيفة ومالك والشافعي أن تارك الصلاة لا يكفر وأن المقصود بالكفر بالنصوص كفر دون كفر
واختار هذا القول ابن حزم الظاهري - رحمه الله -
واستدلوا بأدلة
منها الدليل الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - خمس صلوات فرضهن الله على العباد فمن أتى بهن فهو في ذمة الله يدخله الجنة ومن تركهن فليس في ذمة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له
قالوا ولا يقال للكافر إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهذا في الحقيقة من أقوى أدلتهم لأنه نص في الصلاة خمس صلوات ولأنه نص على أن من ترك الصلاة فهو إلى رحمة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له والكافر لا يقال فيه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له بل هو معذب
الجواب على هذا الدليل
أن الروايات الصحيحة لهذا الحديث تبين أن المراد بالترك عدم الإتيان بهن على الكمال فالرواية الصحيحة تقول فمن جاء بهن ونقصهن فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له
فالرواية الصحيحة تبين أن المراد النقص والاتيان بهن على غير الكمال وليس المراد الترك بالكلية
ولا يمكن الجواب في الحقيقة على هذا الحديث جواباً سديداً إلا من خلال هذه الروايات الصحيحة والروايات التي بينت الحديث أصح من الروايات التي فيها الترك مطلقاً
(1/219)
________________________________________
الدليل الثاني لهم حديث حذيفة رضي الله عنه الذي أخبر فيه أن الإسلام ينسى ويترك وتترك الصلاة والزكاة ولايعرف إلا لا إله الا الله قال الرواي لحذيفة وما تنفعهم لا إله إلا الله وهم لا يصلون ولا يزكون فقال حذيفة وهذا هو الشاهد تنجيهم من النار يعني لا إله إلا الله تنجيهم من النار
فالحديث صرح أن قوماً سيأتون لا يعرفون من الإسلام إلا لا إله الا الله ولا يصلون ولا يزكون ومع ذلك تنجيهم لا إله إلا الله من النار
الجواب على هذا الحديث القوي أيضاً
أن هؤلاء الناس لا تجب عليهم الصلاة أصلاً لجهلهم
والقاعدة الشرعية المتقررة تقول لا وجوب مع الجهل
فهذا الحديث صرح فيه الراوي أنهم جهال لا يعرفون شيئاً من الإسلام
لكل قول أدلة كثيرة للقول الأول وللقول الثاني لكن هذه الأدلة التي ذكرت لك هي أقوى الأدلة ما بعد هذه الأدلة أمره سهل جداً فبالإمكان الإجابة عليه لكن هذه الأدلة للقول الأول وللقول الثاني هي أقوى الأدلة وهي النصوص التي يرج الإنسان بناء على النظر فيها
والأقرب والله أعلم القول بالكفر
وهذه مسالة عظيمة ليس سهلة كما يتصور بعض إخوانا أن من ترك الصلاة كفر وهي مسألة عظيمة جداً ووجه صعوبة هذه المسألة من جهتين
الأول أن جمهور الأئمة لا يكفرون كما ترى الأئمة الثلاثة
الثاني شدة تعارض الأدلة
الثالث ما يترتب على هذا القول من آثار كبيرة جداً وعظيمة التفريق من الرجل وزوجته وعدم الأرث وعدم التغسيل وعدم الصلاة وعدم الدفن في مقابر المسلمين فكل واحدة من هذه الأمور عظيمة وكبيرة جداً
أما القتل أنه يقتل فهذا أمر آخر لأن الذين يرون أنه لا يكفر أيضاً يحكم عليه بالقتل فالقتل ليس من آثار هذه المسألة
إذاً الآن
عرفنا الخلاف في هذه المسألة وعرفنا أن شدة الخلاف توجب للإنسان التأني وعدم الاستعجال
وعرفنا أن الأقرب والله أعلم القول الاول
وباقي أن نعرف أن من أعظم أسباب الترجيح مانقل عن الصحابة فهو في الحقيقه الذي يجعل الإنسان يرجح القول الأول
وقد ذكر الإمام أحمد دليلاً آخر ليس في القوة كالأدلة السابقة لكنه يضاف إليها
(1/220)
________________________________________
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أول ماتفقدون الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة قال الإامام أحمد - رحمه الله - وإذا فقد الإنسان آخر الشيء لم يبق منه شيء
وهذا أيضاً نص قوي وجيد لكن النصوص الثلاثة التي ذكرت لك هي التي يعتمد عليها إن شاء في ترجيح هذا القول
نرجع إلى شروط كفر تارك الصلاة تهاوناً عند الحنابلة وذكروا شرطين
الشرط الأول أن يدعوه الإمام أو نائبه وأن يصر على ترك الصلاة
فقالوا لا بد قبل أن نحكم عليه بالكفر أن يدعوه الإمام
التعليل
لأنه قد يكون ترك الصلاة لعذر صحيح أو لما يظهن هو عذر فيدعوه الإمام ويبين له الحق فإذا أصر حكمنا بكفره وقتلناه
إذاً الشرط الأول من شروط كفر تارك الصلاة أن يدعوه الإمام ويبين له فإذا أصر حكمنا عليه بالكفر
وعرت الآن الدليل على هذا الشرط عنتد الحنابلة
القول الثاني أنه لا يشترط أن يدعوه الإمام بل نحكم بمجرد تركه للصلاة بالكفر
الدليل
قالوا الدليل أن النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة لم تقيد بدعوة الإمام فهو من المكفرات كباقي المكفرات التي لا يتشرط فيها دعوة الإمام
وهذا القول الثاني هو الصواب أنه لا يشترط أن يدعوه الإمام
الشرط الثاني ضاق وقت الثانية عنها
يشترط أن يضيق وقت الثانية عن الصلاة حتى نحكم بكفره
قالوا لأن وقت الصلاة المجموعة وقت الثانية بالنسبة للأولى وقت واحد عند الجمع وهذا يورث شبهة تدفع التكفير
والقول الثاني وهو منصوص عن الأمام اأحمد أنه يقتل بمجرد أن يتضايق وقت الأولى ويصر على الترك فإذا شارف على انتهاء وقت الأولى وهو مصر على الترك يقتل ولا ننتظر وقت الصلاة الثانية
القول الثالث أنه لا يعتبر تاركاً للصلاة لا بترك الصلاة الأولى ولا الثانية ولا بترك خمس أو ست صلوات وإنما يعتبر تاركاً للصلاة إذا ترك الصلاة جملهة فإن هذا هو الذي يسمى تارك للصلاة
وهذا القول هو الأقرب لأن من ترك صلاة أو صلاتين لا يسمى في الحقيقة تارك للصلاة وإنما تارك لصلاة معينة لكن لا يعتبر تاركاً للصلاة
• ثم قال - رحمه الله -
ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما
(1/221)
________________________________________
عرفنا من الخلاف السابق قبل أن نتجاوزه أن من العلماء من يرى أن من ترك صلاة واحدة متعمداً بلا عذر تكاسلاً فإنه يخرج عن الملة ويجب أن يقتل فلمجرد انتهاء وقت الأولى فإنه يكقر ويقتل
وهذا يعني شدة خطورة ترك فريضة واحدة فإنه يعتبر عند الإمام أحمد في رواية وهو من هو - رحمه الله - أنه كافر ويقتل وهذا أمر عظيم جداً ولذا على طالب العلم أن يحذر الناس أشد التحذير من ترك فريضة واحدة تهاوناً وكسلاً ولو فريضة واحدة لأنه يعرض نفسه لأمر عظيم وهو الكفر

قال - رحمه الله -
ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما
قوله - رحمه الله - فيهما يرجع الضمير إلى ترك الجحود وترك التهاون والكسل
في الأمرين لا يقتل حتى يستتاب
الدليل
قالوا قياساً على المرتد فالمرتد لا يمكن أن يقتل حتى يستتاب قالوا كذلك من ترك الصلاة لا يقتل حتى يستتاب
ما هي العلة التي قاسوا بها؟
الجواب أن العلة الجامعة بينهما قالوا لأن في كل منهما تركاً لواجب
القول الثاني أنه يقتل مباشرة بلا استتابة فيؤخذ ويقتل نسأل الله العافية والسلامة
والقول الثالث أن هذا راجع إلى رأي الإمام فإن رأى أن يستتيبه ويستعتبه فعل وإن رأى أن يقتله مباشرة فعل فيرجع إلى رأي الإمام والإمام يرجع إلى المصلحة
وهذا القول الثالث هو الصواب أنه يرجع في ذلك إلى رأي الإمام حسب المصلحة فقد يرى الأمام أن ترك الصلاة نحن الآن نتحدث عن القتل ولسنا نتحدث عن الكفر فإن القتل لا إشكال فيه فقد يرى الإمام ردعاً للناس وتأديباً لهم أن يقتل مباشرة حتى ينزجر الناس وقد يرى الإمام أن هذا الشخص المعين قريب للتوبة وحصل منه التساهل لغلبة الهوى فيستتيبه قبل أن يقتله فيرجع إلى رأي الإمام وهذا هو الصحيح إن شاء الله

وبهذا انتهى الباب الأول من كتاب الصلاة وبدأ بباب الأذان والإقامة
باب الأذان والإقامة
• قال - رحمه الله -
باب الأذان والإقامة
لما ذكر المؤلف - رحمه الله - وجوب الصلاة بدأ بوسيلة الدعوة إليها
والأذان
في لغة العرب هو الإعلام
وفي الإصطلاح الإعلام بدخول وقت الصلاة أو قربه للفجر بألفاظ مخصوصة
(1/222)
________________________________________
معنى التعريف الإعلام بدخول الوقت أو بقرب دخول الوقت خاصة بالنسبة للفجر
أما الإقامة
فهي مصدر من أقام وأصلها إقامة القاعد
وفي الإصطلاح الأعلام بالدخول في الصلاة بألفاظ مخصوصة
وتقدم معنا مراراً وتكراراً أن هذه التعريفات درج عليها الفقهاء وأن ذكر لفظ الصلاة والأذان والإقامة يغني عند المسلمين عن التعريف بل قد يكون التعريف أحياناً يزيد اللفظ غموضاً فكل مسلم إذا قيل له أذان، إقامة عرف المقصود بلا تعريف لكن درج الفقهاء على التعريف فذكرناه
وذكر كثير من الفقهاء في هذا الموضع مسألة المفاضلة بين والأذان والإمامة
ولا نريد الدخول في تفاصيل هذه المسألة لكن الراجح
أن الأذان أفضل من الإمامة
وسبب الترجيح كثرة النصوص في فضائل الأذان دون الامامة أي أن النصوص التي وردت في فضل الأذان أكثر من النصوص التي وردت في فضل الإمامة
وهذه قاعدة في الشرع إذا أردت أن تفاضل في الشرع بين عملين أو شخصين أو أي معنى شرعي فالمفاضلة تكون بعدد النصوص التي ذكرت فضل هذا العمل أو الشخص
فإن قيل لك لماذا يعتبر أبو بكر أفضل من بقية الصحابة لماذا؟
لكثرة نصوص فضائل أبي بكر الصديق
لماذا تعتبر خديجة أفضل من عائشة عند من يفضلها؟
لنفس السبب لكثرة النصوص
فإذاً هذه هي القاعدة في التفضيل

قال - رحمه الله -
هما فرضا كفاية
الأذان والإقامة
عند الحنابلة فرضا كفاية على المسلمين
والمقصود بفرض الكفاية هو الفعل الذي ينظر الشارع فيه إلى حصوله دون من قام به فلا عبرة بالقائم به وإنما مقصود الشارع تحصيل وإيجاد هذا العمل
استدلوا على ذلك بعدة أدلة نأخذ منها اثنين
الدليل الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمالك ابن الحويرث لما أراد أن يسافر ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم فقوله ليؤذن اللام فيه للأمر والمقصود أنه فرض كفاية لأنه لا يطلب الأذان من كل شخص
الدليل الثاني أن الأذان والإقامة من شعائر الإسلام الظاهرة
القول الثاني للمالكية والشافعية أنهما سنة
الدليل
(1/223)
________________________________________
قالوا أنهما ذكر للدعوة للصلاة فيقاس على قولهم في الكسوف الصلاة جامعة لأن كلاً من اللفظين المقصود منه الدعوة للصلاة
فإذا قيل لك ماذا تلاحظ على أدلة الفريقين؟
فيجب أن تقول ألاحظ أن أدلة الحنابلة نصوص شرعية صريحة صحيحة بينما نصوص المالكية والشافعية في هذه المسألة تعليلات ضعيفة
لذلك فالراجح مذهب الحنابلة أنهما فرض كفاية إذا قام بهما من يكفي سقطا عن الباقين
فلما قرر المؤلف أنهما فرضا كفاية بدأ في تفصيل هذا الفرض على من يكون؟
• فقال - رحمه الله -
على الرجال
كلمة الرجال تخرج فئتين الفئة الأولى من يصلي منفرداً والفئة الثانية النساء
فأما المنفرد فإن الأذان والإقامة في حقه سنة وليس واجباً
ودليل السنية للمنفرد
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد إذا كنت في غنمك أو في باديتك فأذنت فارفع صوتك بالآذان فإنه لا يسمع الآذان جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد يوم القيامة فهذا دليل أنه سنة حتى للمنفرد
ذو القعدة وأما النساء فقد اتفق أهل العلم بلا خلاف أن الأذان ليس واجباً على النساء
أذان العشاء
بعد أذان العشاء قال الشارح حفظه الله
قلنا أن الفقهاء اتفقوا على عدم الوجوب لكن اختلفوا في المشروعية على أقوال كثيرة
فالقول الأول وهو مذهب الحنابلة أنهما يكرهان للنساء فمكروه أن تؤذن المرأة أو تقيم
والقول الثاني أنهما يستحبان
والقول الثالث أن المستحب الإقامة فقط دون الأذان
والقول الرابع أنهما يباحان ولا يستحبان ولا يكرهان بشرط عدم رفع الصوت
إذاً يباحان بشرط عدم رفع الصوت بلا كراهة ولا استحباب
وتقدم معنا قاعدة أنه إذا كثرت الأقوال وتشعبت ففي الغالب سبب ذلك أن المسألة ليس فيها نصوص وهذه المسألة كذلك
لكن الأقرب والله أعلم الأخير لأن فيه آثار عن الصحابة وإن كان في أسانيدها ضعف لكن لا يوجد في الباب مايدفعها فالتمسك بها خير من التمسك بالآراء
إذاً صارت الأقوال أربعة الأقرب منها الأخير ويليه في القوة الذي قبله القول الثالث
(1/224)
________________________________________
والذي يظهر أن عمل النساء اليوم على القول الثالث وهو الإقامة دون الأذان
لكن نقول إذا اجتمعت النساء فيباح لهن الأذان والإقامة بشرط عدم رفع الصوت
• قال - رحمه الله -
المقيمين للصلوات المكتوبة
وقوله المقيمين يخرج المسافرين
والقول الثاني أنه يجب يعني فرض كفاية حتى على المسافر
والدليل
أن حديث مالك رضي الله عنه الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذان كانوا على أهبة السفر
أي أنه أمرهم حين أرادوا أن يسافروا فدل ذلك على أن الأذان والاقامة فرض كفاية للمقيم وللمسافر خلافاً لمذهب الحنابلة

ثم قال - رحمه الله -
للصلوات المكتوبة
أي أن هذا الفرض فرض الكفاية يختص بالفرائض المكتوبة دون النوافل فلا يشرع فيها أذان ولا إقامة
قال في الشرح الروض المكتوبة المؤداة
وهذا مذهب الحنابلة أنهما فرض كفاية للصلوات المكتوبة المؤداة
أما المقضية فهما مستحبان ولا يعتبران فرض كفاية
إذاً يختص الوجوب عند الحنابلة بالمكتوبات المؤداة أما المقضية فالأذان والإقامة عندهم مستحبان
نحتاج دليلاً للاستحباب ولعدم الوجوب
دليل الاستحباب
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نام في سفره واستيقظ بعد خروج الوقت أمر بلال بالأذان والإقامة
ودليل عدم الوجوب
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فاتته العصر في غزوة الخندق صلى بإقامة بلا أذان
فهذا دليل على عدم الوجوب والأول دليل على السنية
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
انتهى الدرس،،،
(1/225)
________________________________________
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال - رحمه الله -:
يقاتل اهل بلد تركوهما.
إذا ترك أهل بلد الأذان والاقامة فإنه يجب على ولي الأمر أن يقاتل أهل هذا البلد.
والدليل على وجوب المقاتلة من وجهين:
- الأول: أن الأذان والإقامة من الشعائر الظاهرة التي لا يجب أن تترك.
(1/226)
________________________________________
- والثاني: أن هذا القتال محل إجماع من الفقهاء. فقد أجمعوا رحمهم الله على وجوب مقاتلة الذين يتركون الأذان والإقامة.
ومقاتلة الذين يتركون الأذان والإقامة من أدلة وجوب الأذان والإقامة من الأدلة الدالة على صحة قول من ذهب أنهما فرض كفاية.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتحرم أجرتهما.
يحرم على الإنسان أن يؤذن بعقد إجارة فإن فعل فهو آثم وفي صحة أذانه خلاف.
والدليل على تحريم استئجار من يؤذن:
- الدليل الأول: قول النبي صلى الله علية وسلم (واتخذ مؤذناً لا يأكل على آذنه أجراً).
- والدليل الثاني: أن الأذان قربة وكل قربة لا يصلح فيها العوض. لأن أخذ العوض عن القرب من استعمال الدين لنيل غرض من الدنيا.
= وذهب بعض الفقهاء إلى جواز الإستئجار للأذان وأن العقد صحيح لا يحرم.
وهو قول ضعيف مصادم للنصوص.
• ثم قال - رحمه الله -:
لا رزق من بيت المال لعدم متطوع.
لما بين حكم الاستئجار - رحمه الله - أراد ان يبين حكم أخذ الرزق من بيت المال على الأذان.
فبين أنه يجوز وأنه لا يستوي الإستئجار وأخذ الرزق من بيت المال.
واشترط لهذا الحكم شرط وهو:
أن لا يوجد متطوع للأذان.
فإن وجد متطوع للأذان فإنه لا يجوز للإمام أن يستأجر أو أن يعطي شخصاً آخر رزق ليؤذن.
التعليل:
- لعدم الحاجة إليه وعدم الحاجة إلى الإنفاق عليه.
بقينا في الدليل على جواز أخذ الرزق من بيت المال:
الدليل:
- الإجماع فإن العلماء أجمعوا على جواز أخذ المؤذن والإمام والقاضي ونحوهم رزقاً من بيت المال ليتفرغوا لمصالح المسلمين.
فالدليل: هو الإجماع ولله الحمد.
بدأ المؤلف - رحمه الله - بذكر الصفات المستحبة في المؤذن - الصفات التي ينبغي أن يتصف بها المؤذن:
• فقال - رحمه الله -:
ويكون المؤذن صيتاً.
وفي الشرح: حسن الصوت. وهذا صحيح.
أي: أن السنة أن يكون صيت وفي نفس الوقت حسن الصوت فكلاهما يستحب.
أما الدليل على استحباب أن يكون صيتاً:
(1/227)
________________________________________
- فالحديث الصحيح الثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أذن مؤذنه حين رجوعه من حنين وسمع أبو محذورة أذان مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صار يؤذن كما يؤذن مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - استهزاءا وتهكماً فلما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوته وصوت من معه من الرجال قال: أيكم صاحب الصوت - يعني الأعلى - فقال: أصحابه هذا وأشاروا إلى أبي محذورة فطلبه النبي - صلى الله عليه وسلم - وصرف أصحابه وألقى عليه الأذان.
ففي الحديث أنه إنما - صلى الله عليه وسلم - ألقى عليه الأذان وأمره به لكونه صيتاً أي: رفيع الصوت فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ميز صوته لارتفاعه - رضي الله عنه -.
وأما الدليل على أنه يستحب أن يكون حسن الصوت:
- فالحديث الصحيح الذي سيتكرر معنا وهو حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - أنه لما رأى في المنام صفة الأذان وذكره للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال له - صلى الله عليه وسلم - إذهب فألقه على بلال فإنه أندى صوتاً منك.
وهذا هو وجه الشاهد.
فهذان دليلان: - الأول: يدل على أن يكون صيتاً.
- والثاني يدل على أنه يكون حسن الصوت.
وبالنسبة لوقتنا هذا فإنه ينبغي الاعتناء بحسن الصوت أكثر من الاعتناء لكونه صيتا لكون مكبر الصوت صار يغني عن ارتفاع صوت المؤذن وإذا خفت الحاجة لارتفاع صوت المؤذن صارت الحاجة إلى حسن الصوت أولى بالعناية والطلب بالنسبة لوقتنا هذا أما في القديم لما كان صوت المؤذن هو الذي يحدد مدى وصوله للناس فكان ارتفاع الصوت مثل أو أهم من حسن الصوت لأن المقصود من الأذان الإعلام.
ولعله لهذ السبب اكتفى الماتن - رحمه الله - بأن يكون صيتاً ولم يتطرق لحسن الصوت.
• ثم قال - رحمه الله -:
أميناً.
يستحب أن يكون المؤذن أميناً.
ومعنى أن يكون أميناً: أن يكون عدلاً ثقة.
والدليل على استحباب هذه الصفة من وجهين:
- الأول: أنه مؤتمن على صلوات الناس وسحورهم وإفطارهم.
- الثاني: أنه مؤتمن على عورات الناس إذا صعد المنارة فإنه يؤتمن على عورات الناس فنحتاج إلى مؤذن أمين حتى لا يتعدى على عورات الساء والناس بالنظر إليهم من مكان مرتفع.
(1/228)
________________________________________
وهذا كما هو واضح كان في القديم قبل وجود مكبرات الصوت حين كان المؤذن يحتاج إلى أن يصعد إلى مكان مرتفع ليؤذن.
أما اليوم فمعلوم أن المؤذن يؤذن في المسجد ولا يحتاج إلى الصعود إلى مكان مرتفع.

ثم قال - رحمه الله -:
عالماً بالوقت.
يستحب أن ىيكون المؤذن هو بنفسه عالماً بالوقت يستطيع أن يحدد دخول الوقت بالعلامات الشرعية.
والتعليل:
- ليتمكن من تحري أول الوقت فيؤذن بدقة.
ولكن هذه الصفة ليست شرطاً في صحة الأذان ولا في تعيين المؤذن.
- لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ مؤذناً أعمى فقد اتخذ ابن أم مكتوم ليؤذن وهو أعمى ومعلوم أن الأعمى لا يمكن أن يكون عالماً بأوقات الصلوات.
فدل ذلك على كون المؤذن بنفسه يعلم دخول الوقت بالعلامات الشرعية ليس شرطاً في صحة الأذان ولا في تعيين المؤذن لكنه يستحب
• ثم قال - رحمه الله -:
فإن تشاح فيه اثنان قدم افضلهما فيه.
انتهى من بيان الصفات فصارت الصفات:
صيتاً.
حسن الصوت.
أميناً.
عالماً بالوقت.
هذه أهم صفات المؤذن التي ينبغي أن يتحلى بها.
فلما بين الصفات بين الترجيح بين المؤذنين:
• فقال - رحمه الله -:
فإن تشاح فيه اثنان قدم أفضلهما فيه.
يعمي: قُدِّم أفضل الإثنين في هذه الصفات المذكوره.
- فمن كان أفضل مكن غيره وهذه الصفات متحققة فيه أكثر من غير فهو المقدم.
وظاهر هذه العبارة أنه يقدم الأفضل في هذه الصفات بغض النظر عن أي أمر آخر سواء في ذلك رغبة جماعة المسجد أو غيره من المرجحات التي قد يرجح بها ننظر أولاً إلى تحقق هذه الصفات.
وهذا الظاهر بدليل:
- أن المؤلف ذكر بعد ذلك الأفضل في الدين ثم من يختاره الجيران ... الخ فمعنى هذا: أن أفضل المؤَذِّنَيْنِ في هذه الصفات يقدم مطلقاً.
• ثم قال - رحمه الله -:
ثم أفضلهما في دينه وعقله.
الدليل على هذا:
- قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليؤذن لكم خياركم).
- ويستدل أيضاً بأنه يستحب للمؤذن أن يكون أميناً وكل ما كان أكثر ديناً كان أكثر أمانة.
فإذا تساووا ننظر في أيهما أكثر تديناً وعقلاً.
ويعرف تدين الرجل: بالظاهر فليس لنا إلا الظاهر والله يتولى السرائر.
(1/229)
________________________________________
فإذا كان الإنسان مجتنباً للمحرمات محافظاً على الواجبات قائماً بما عليه من أمور دينه كان أكثر ديناً.
وأما الإخلاص وتعلق القلب بالله هذا مما لا ينظر إليه ولا يمكن أن يعرفه الإنسان.
وأما الأفضل في العقل فلأنه يحتاج إلى عقل المؤذن في مهمة الأذان في أشياء كثيرة لا سيما في مراعاة المأمومين.
وهذا ظاهر جداً في وقتنا هذا فكلما كان الإنسان أكثر عقلاً وتؤده صارت المشاكل في المسجد أقل وكلما كان سريعاً مستعجلاً لا يتأنى في الأمور كلما كانت المشاكل في المساجد أكثر.
ثم المرحلة الثالثة:
• قال - رحمه الله -:
ومن يختاره الجيران.
المقصود بمن يختاره الجيران: أو يختاره أكثر الجيران.
- لأنه من العادة يصعب أن يجتمع جميع جيران المسجد على شخص واحد لكن إذا وقع اختيار جميع الجيران أو أكثرهم على شخص قدم على غيره.
والمقصود إذا استووا في جميع ماسبق.
التعليل: تعليل الترجيح باختيار الجماعة:
- أن الأذان إنما هو لندائهم هم فلما كان موجهاً لهم صار اختيارهم له أثر.
• ثم قال - رحمه الله -: - في المرحلة الرابعة -:
ثم قرعة.
الدليل على أن القرعة هي المرجح الرابع والأخير:
- قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لو يعلم الناس مافي النداء والصف الأول ثم لا يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه). وهو حديث متفق عليه.
ففي الحديث دليل على الترجيح بالقرعة عند استواء جميع الصفات والمرجحات السابقة.
ثم بدأ المؤلف - رحمه الله - بأحكام الأذان:
بعد أن أنهى المؤلف - رحمه الله - الكلام عن المؤذن وصفاته وما يشترط فيه انتقل إلى نفس الأذان وألفاظه وأحكامه وهذا ترتيب يعين طالب العلم على إدراك مقصوده من الأحكام.
• فقال - رحمه الله -:
وهو خمسة عشر جملة.
أي أن الأذان يتكون من خمس عشرة جملة.
= هذا هو مذهب الحنابلة وهو أيضاً مذهب الأحناف: أن الأذان خمس عشرة جملة. وهو الأذان المعروف عند الناس اليوم. فإنك إذا عددت الأذان اليوم فستجد أنه يتكون من خمس عشرة جملة.
والدليل على هذا العدد في الأذان:
(1/230)
________________________________________
- حديث عبد الله ابن زيد السابق فإنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى في المنام كيفية دعوة الناس للصلاة وأنه بأن ينادى بهذه الجمل التي تتكون من خمس عشرة جملة وهو حديث صحيح متفق عليه.
= والقول الثاني في هذه المسألة: للمالكية وهو: أن جمل الأذان سبع عشرة جملة بزيادة جملتين.
واستدلوا:
- أيضاً بالحديث الصحيح حديث أبي محذورة وفيه زيادة الترجيع.
والترجيع هو: أن يذكر المؤذن الشهادتين بصوت منخفض ثم يرجع فيذكرهما بصوت مرتفع.
وإذا ذكر المؤذن الشهادتين بصوت منخفض صارت الزيادة على أذان عبد الله بن زيد أربع جمل فكان ينبغي أن تكون عدد الجمل تسعة عشر لكن المالكية اعتبروها سبع عشرة جملة:
- لأن في حديث أبي محذورة في صحيح مسلم أنه جعل التكبير في أول الأذن مرتين وليس أربعاً فإذا حذفت تكبيرتين من أوله وأضفت أربعاً بالترجيع صار المجموع سبع عشرة جملة.
= وذهب الشافعية إلى أنه تسع عشرة جملة أخذاً بحديث أبي محذورة لأن رواية حديث أبي محذورة التي في السنن فيها التكبير في أوله أربع مع زيادة الترجيع صار المجموع تسع عشرة جملة.
الآن عرفنا عدد الجمل في المذاهب الاربعة.
فعند الحنابلة والأحناف: خمس عشرة.
وعند المالكية: سبع عشر.
وعند الشافعية: تسع عشر.
وعرفت من أين أتو بهذه الاعداد.
وعرفت شيئاً آخر مهم وهو أن مدار الأحكام على حديثين:
- حديث عبد الله ابن زيد.
- وحديث وابي محذورة.
والراجح من هذه الأقوال الثلاث أن ينوع الإنسان أحياناً يقول هذا وأحياناً يقول هذا لثبوت الجميع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه طريقة الإمام أحمد وطريقة شيخ الاسلام بن تيمية. وهو أنه إذا جاءت العبادة بصفات متعددة صحيحة ثابتة في السنة أنه ينبغي على الإنسان أن يذكر هذه تارة وهذه تارة.
واشترط بعض الفقهاء في تنويع العبادات أن يكون المنوع حكيماً لئلا يثير الناس عند ذكر شيء لا يعرفونه فمن المعلوم لم أذن الإنسان الآن ونقص من الأذان لا ستنكر الناس كونه يكبر مرتين في أول الأذان.
وهذا الشرط في الحقيقة له حظ من النظر وهو شرط مقبول: أن يتوخى الإنسان المصلحة والحكمة إذا أراد نشر سنة من السنن.
• ثم قال - رحمه الله -:
يرتلها.
(1/231)
________________________________________
لما انهى الجمل بدا بالكيفية.
معنى الترتيل هو ان يتمهل بحيث يقف على كل جملة.
والدليل على هذا:
- قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اذنت فترسل، واذا اقمت فاحدر) وهذا الحديث إسناده ضعيف.
الدليل الآخر:
- ان الأذان شرع لإعلام الغائبين فناسب فيه التمهل بخلاف الاقامه فإنها لإعلام الحاضرين فناسب فيها الحدر والاسراع.
وهذا الحكم وهو التمهل في الاذان صحيح وان كان الحديث ضعيف لكن تشهد لمعناه النصوص العامة والحكمة من الأذان.

ثم قال - رحمه الله -:
قوله (على علو)
يسن للإنسان اذا اراد ان يؤذن ان يؤذن من فوق مكان عال.
الدليل:
- أن بلال رضي الله عنه كان يؤذن على بيت امرأة من الأنصار لارتفاعه وهذا حديث حسنه ابن دقيق العيد.
- الدليل الثاني: أن بلال وابن ام مكتوم رضي الله عنهما كانوا يؤذنون للنبي صلى الله عليه وسلم ... وفي الحديث أنه ليس بينهما الا أن ينزل هذا ويرقى هذا.
وجه الاستدلال: يرقى وينزل.
إذاً قضية الارتفاع في الاذان ثابتة فالنصوص الصحيحة تدل عليها.
ولذلك في وقتنا هذا لما لم يكن هناك حاجة للارتفاع صار الناس يؤذنون من مكبرات الصوت. لكن ينبغي لمن أراد أن يؤذن بمكان خارج المساجد ينبغي ان يتحرى هذه السنة على الأقل من احياء السنن فيصعد مكاناً رفيعاً ويؤذن ولا يؤذن في مكان يستوي فيه هو ومن معه في هذا المكان.
إذاً يرتفع عن باقي الموجودين في المكان الذي هو فيه تحقيقاً للسنة.
• ثم قال - رحمه الله -:
متطهراً.
يسن لمن اراد ان يؤذن ان يكون متطهراً.
- لحديث ابي هريرة رضي الله عنه " (لايؤذن الا متوضئ) وهذا الحديث حكم الامام الترمذي بأنه موقوف.
- الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه الرجل وهو يبول لم يجب ولم يرد السلام الا بعد أن تيمم) وعلل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم كرهت ان اذكر الله إلا على طهارة.
فهذا التعليل يدل على أن من اراد ان يذكر الله يستحب له ان يكون على طهارة والأذان من اعظم الأذكار فثبتت هذه السنة في هذه الأحاديث إن شاء الله.
• ثم قال - رحمه الله -:
مستقبل القبلة.
يسن لمن اراد ان يؤذن ان يستقبل القبلة.
والدليل على ذلك:
(1/232)
________________________________________
- إجماع أهل العلم لم يخالف في هذه المسألة احد من الفقهاء وحكى الاجماع ابن المنذر وابن قدامه رحمهما الله.
ولااعلم - الآن ولا أذكر - حديثاً صحيحاً يدل على الاستقبال لكن هذا الإجماع يقوي هذه السنة
• ثم قال - رحمه الله -:
جاعلاً أصبعيه في أذنيه.
يسن لمن اراد ان يؤذن:
= عند الحنابلة ان يجعل اصبعيه في أذنيه.
الدليل على هذه السنة:
- حديث ابي جحيفة وهذا الحديث حديث طويل فيه أن أبا جحيفه رأى بلال يؤذن فوصف لنا كيفية الأذان وهو ايضاً من الاحاديث المهمة في باب الاذان يضم إلى حديث عبد الله ابن زيد وحديث ابي محذوره لكن هذا الحديث له لفظ في الصحيحين وله ألفاظ في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه.
ألفاظه خارج الصحيحين فيها زيادات ليست موجودة في الصحيحين ففي النفس من هذه الزيادات في ثبوتها - شيء فأحياناً يكون لهذه الزيادة شواهد تقوي هذه الزيادة فتقبل وأحياناً لا يكون لها شواهد فتبقى ضعيفة. هذا بشكل عام في الكلام على حديث أبي جحيفة.
- نأتي إلى مسألتنا -.
حديث أبي جحيفة الذي في الصحيحين ليس فيه ان بلالاً وضع اصبعيه في اذنيه لكن في السنن قال ثم وضع اصبعيه في اذنيه.
وذكر الفقهاء ومنهم الحنابلة علة اخرى لوضع الاصبعين في الاذنين وهي ان هذا مما يؤدي إلى رفع الصوت في الاذان.
• ثم قال - رحمه الله -:
غير مستدير.
لا يسن لمن اراد ان يؤذن من على المنارة او في أي مكان ان يستدير بجسمه.
بمعنى: ينهبغي أن يقف ولا يحرك قدميه أثناء الأذان.
- أيضاً: لحديث ابي جحيفه.
لكن جاء في رواية خارج الصحيحين ذكرها ابو داود ان بلالاً اذن ولم يستدر. هكذا قال.
فإذا اراد الإنسان ان يلتفت يميناً وشمالاً فإنه ينبغي يلتفت برأسه لا بجسده وتبقى القدمان في مكانهما ثابتتان فهذا مراد الفقهاء بعدم الاستداره فيجب أن تبقى القدم ثابتة وإذا أراد أن يستدير كما سيأتينا الآن فيستدير برأسه فقط.

ثم قال - رحمه الله -:
ملتفتاً في الحيعلة يميناً وشمالاً.
الحيعلة هي: حي على الصلاة حي على الفلاح.
يسن للمؤذن اذا وصل إلى حي على الصلاة حي على الفلاح ان يستدير يميناً وشمالاً.
الدليل:
(1/233)
________________________________________
- حديث ابي جحيفه بلفظه الذي في الصحيحين وفيه انه قال رضي الله عنه فجعلت اتتبع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح.
فهذه سنة ثابته في الصحيحين وذكر الراوي بالتفصيل كيفية هذه السنة فهذه السنه أهم من السنن المتقدمة من حيث الثبوت.
== أما في زماننا فهل يلتفت يميناً أوشمالاً أو لا يلتفت؟
فيه تردد.
وجه التردد: ان الالتفات سنة ولو التفت لأجر على الأقل تعبداً لكونه يلتفت فهذا يؤيد ان يلتفت.
ومعنىً آخر يؤيده ان لا يلتفت وهو ان الحكمة من الالتفات بلا شك هو توصيل المؤذن صوته لكل الجهات وهذا بالنسبة لمكبرات الصوت متحقق ولو لم يلتفت بل ان التفاته اليوم قد يؤدي إلى ضعف الصوت لانه إذا التفت سيذهب الصوت عن مكبر الصوت.
فالانسان يتردد بين الأمرين.
ولكني أقول:
- اذا كان يستطيع أن يلتفت تعبداً بلا اضرار بالصوت فانه يلتفت لانه لن يُعدم اجراً.
- اما اذا كان إذا التفت فسيؤدي التفاته إلى ضعف الصوت وبعده عن مكبره فإنه لا يلتفت.
وهذا قول يكون وسطاً بين القولين.
فإذا كان اللاقط قوي سيلتقط صوته وان التفت فإنه يلتفت والا فلا.
• ثم قال - رحمه الله -:
قائلاً بعدهما في أذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين.
يستحب لمن اراد ان يؤذن في صلاة الصبح خاصة ان يقول هذه العبارة وهي: (الصلاة خير من النوم) بعد الحيعلة.
وهذا الفعل يسمى التثويب.
وهذه سنة ثابتة:
- فجاءت في حديث انس رضي الله عنه.
- وجاءت في حديث ابي محذورة رضي الله عنه.
فلا إشكال في ثبوتها.
لكن الاشكال الذي وقع عند الفقهاء هو في مكان هذا التثويب هل هو في الأذان الاول او في الأذان الثاني؟ لان الفجر له اذان أول وأذان ثاني. هذا محل خلاف.
= فمن الفقهاء من قال يثوب في الاذان الأول يعني في الأذان الذي يكون قبل طلوع الفجر الصادق.
واستدلوا على هذا:
- بأن حديث ابي محذوره فيه انه فعل ذلك في اذان الفجر الأول هكذا قال: ثم فعل ذلك في أذان الفجر الأول.
- ونحوه في حديث انس قال ثم فعل ذلك في اذان الفجر الاول.
ففي الحديثين أن التثويب كان في اذان الفجر الاول. نص على هذا الحكم.
= القول الثاني: أنه في الأذان الثاني بعد طلوع الفجر الصادق.
(1/234)
________________________________________
قالوا:
- قوله في حديث ابي محذوره وانس في الاذان الأول يقصد به الأذان الاول باعتبارأن الأقامة هي الاذان الثاني فإن الشرع جاء فيه تسمية الأقامة اذاناً ثان. كقوله - صلى الله عليه وسلم - (بين كل أذانين صلاة).فسمى الإقامة أذاناً.
- والدليل الثاني: ان المراد من التثويب اقامة الناس وحثهم على الصلاة بينما الحكمة من الاذان الاول ان يقوم النائم ليتهجد وان ينام القائم ليرتاح ولذلك جاء في مشروعية الأذان الاول: (ليقوم نائمكم وينام قائمكم).وهذا التعليل صحيح في احاديث صحيحة.
واذا كانت الحكمة من الأذان الأول ان يرقد من قام طول الليل ليرتاح كيف نقول له الصلاة خير من النوم.
وهذا القول الثاني في الحقيقة اوجه واقوى من حيث التعليل - قوي جداً -.
فإذاً التثويب يكون كعمل الناس اليوم في النداء الثاني للفجر الذي يكون بعد طلوع الفجر الصادق.
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى الإقامة:

فقال - رحمه الله -:
وهي احدى عشر.
يعني ان عدد جمل الأقامة احدى عشرة جملة.
= وهذا مذهب الحنابلة.
واستدلوا على ذلك:
- أن بلال امر ان يشفع الأذان ويوتر الاقامة الا قد قامت.
هذا الحديث في الصحيحين الا قوله: (إلا قد قامت) هذا لم يذكره البخاري وذكره مسلم لكن المعنى يبقى واحد.
- وايضاً في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه لماذا ذكر الاقامة ذكر انها فرادى الا قد قامت ثم افرد الإقامة الا قد قامت.
= القول الثاني: انها عشر جمل فقط.
والسبب في أنها عشر جمل عند هؤلاء: - عدم تثنية الأقامة.
إذاً الحنابلة إحدى عشر فإذا لم تثن الإقامة صارت عشر وهو القول الثاني.
= والقول الثالث: للاحناف أنها سبعة عشر جملة.
واستدلوا:
- بلفظ لحديث ابي محذوره فيه: (ان الأقامة كالأذان سبع عشرة جمله).لكن هذا اللفظ ضعفه العلماء وممن نص على تضعيفه الامام البيهقي.
وأنا لا أدري - لم أسمع: هل الأحناف الآن يقيمون الصلاة بهذا العدد من الجمل أو لا؟ في البلدان التي تأخذ بمذهب الأحناف فلم أسمع أن أحداً من المسلمين اليوم يقيم في هذا العدد من الجمل في أنه يجعل الإقامة كالآذان.
(1/235)
________________________________________
ربما يكون موجوداً لكن أقول: لا أدري هل يعمل بذه المذهب الآن أو أن الأمر استقر عند المسلمين على إحدى عشرة جملة فلا أدري عن واقع المسلمين الآن.
• ثم قال - رحمه الله -:
يحدرها.
تقدم معنا ان المؤذن يترسل في الأذان ويحدر في الإقامة.
ووأن التعليل في حدر الإقامة - تعليل هذا الحكم:
- انها اعلام للموجودين فلا حاجة للتأني فيها. لان الفقهاء يعتبرون الإقامة اعلام بالدخول في الصلاة للناس الموجودين بخلاف عمل المسلمين اليوم - نسأل الله العافية والسلامة - حيث يعتبرون الإقامة هي التي يأتون اليها للمسجد فكأن الإقامة هي التي للإعلام بدخول وقت الصلاة بينما الفقهاء: إنما اعتبروا الإقامة فقط لإعلام الحاضرين.
وهذا التعليل للحنابلة وغيرهم من الفقهاء يؤيد أن تكون الإقامة بدون مكبر.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويقيم من اذن استحباباً.
أي أنه يجوز ان يقيم غير من اذن فيؤذن شخص ويقيم اخر لكنه خلاف السنة فالسنة والمستحب ان يقيم من اذن.
الدليل على هذا:
- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اذن فهو يقيم) وهذا الحديث ضعيف.
- والدليل الثاني: - على استحباب أن يتولى الإقامة من تولى الأذان: الاجماع فقد أجمع الفقهاء على أنه يستحب أن يتولى الإقامة من تولى الأذان.
اذاً تبين أنه إذا أقام شخص آخر فإن الصلاة صحيحة والاقامة صحيحة وقد أُدِّيَ فرض الكفاية بأذان شخص وإقامة شخص آخر.
• ثم قال - رحمه الله -:
في مكانه ان سهل.
يستحب ان يقيم من المكان الذي اذن فيه ولا يقيم من داخل المسجد. الفقهاء يتكلمون كما قلت عن مؤذن يؤذن من مكان مرتفع.
الدليل:
- أن بلال - رضي الله عنه - كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم لا تسبقني بآمين.
هذا الحديث مرسل وأنتم أخذتم أن المرسل من اقسام الحديث الضعيف.
لكن الحديث المرسل إذا كان مرسله من كبار التابعين صار قوياً ولا أقول حجة لكن صار قويا يصلح للاستدلال.
هذا المرسل مرسله من كبار التابعين وهو مرسل يصلح للإعتضاد والإحتجاج إن شاء الله.
(1/236)
________________________________________
وجه الاستدلال بهذا الأثر: ان بلال - رضي الله عنه - لو كان يقيم من داخل المسجد لم يحتج ان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم لا تسبقي بآمين ولكن الظاهر انه يذهب يقيم من المكان الذي اذن منه ويخشى ان يكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقرأ الفاتحة ويصل إلى آمين قبل ان يأتي المؤذن - أي بلال - رضي الله عنه - وهذه السنة معدومة في وقتنا هذا لأنه سيقيم من حيث أذن ولكن في داخل المسجد.
== هل يؤخذ من هذا أنه ينبغي أيضاً إعلان الإقامة؟
هذا صحيح ودليل على أنه ينبغي إعلان الإقامة إذا صح هذا الأثر فهو دليل على إعلان الإقامة كما ينبغي إعلان الأذان.
وهذا الأثر إذا أردنا أن نرجح بينه وبين تعليل الفقهاء المتقدم الذي يقتضي عدم الإقامة بالمكبر فلا شك أن الآثار مقدمة على آراء الرجال.

ثم قال - رحمه الله -:
ولا يصح الا مرتباً متوالياً من عدل.
الدليل على أنه يجبل أن يكون مرتباً متوالياً من وجهين:
- الأول: انه لم يرد في الشرع الا هكذا.
- الثاني: أنه لا يحصل المقصود من الآذان ولا من الإقامة الا اذا كان مرتباً متوالياً.
ومعنى متوالياً: أن لا يفصل بين الجمل بفاصل من الزمن.
ومعنى مرتباً: ان لايقدم جملة على جملة في الأذان.
فلو قال المؤذن الله اكبر ثم بعد ربع ساعه الله اكبر فان الاذان باطل لأنه اخل: بركنية الموالاة.
ولو قال المؤذن في بداية اشهد ان لا الله الا الله ثم قال بعد ذلك الله اكبر فالأذان باطل لانه اخل: بالترتيب.
• ثم قال - رحمه الله -:
من عدل.
كلمة من عدل: يستنبط ويؤخذ من هذه الكلمة ثلاثة أحكام. وهي:
- الأول: أنه يجب ان يكون المؤذن ذكر - رجل.
- الثاني: أن يكون واحد: هو يتولى جميع الأذان.
- الثالث: أن يكون عدل.
فإن اذنت انثى لم يصح.
وان تقاسم الأذان اثنان لم يصح.
وان اذن فاسق لم يصح.
- اما اشتراط ان يكون ذكر فكما تقدم معنا ان الأذان لا يشرع للمرأة برفع الصوت فإذا أذنت ورفعت صوتها صارت أتت بمنكر وعمل الذنب والمنكرات يتنافى مع العبادة.
- واما انه من رجل واحد فلأنه لم يرد في الشرع الا من واحد فقط.
- واما انه لايحل اذان الفاسق فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤذن مؤتمن والامام ضامن).
(1/237)
________________________________________
ولما سبق معنا من تعليلات اشتراط ان يكون اميناً وان يكون عدلاً.
= وعدم صحة اذان الفاسق هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -.
= القول الثاني: انه أذان الفاسق يصح.
الصواب القول الأول ان أذان الفاسق لا يصح: - لما في الباب من نصوص تدل على اشتراط ان يكون اميناً ثقة.
== والخنثى أيضاً لا يجوز لأنا لم نتحقق من وجود الشرط والشرط ان يكون ذكر والخنثى نحن نتردد هل هو ذكر او انثى؟
واذا لم نتحقق وجود الشرط لم تصح العبادة.
والعدل: أن لا يكون فاسق والفاسق عند الفقهاء هو: من أتى كبيرة أو داوم على صغيرة.
انتهى الدرس،،،
(1/238)
________________________________________
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال - رحمه الله -
ولو ملحناً او ملحوناً
يعني ويجوز الأذان ولو كان المؤذن يُلَحِّنُ الأذان أو يَلْحَنُ فيه
والتلحين وهو القسم الأول هو تطريب الأذان وهو أن يؤذن بما يشبه الطرب
والأذان بهذه الصفة عند الحنابلة يصح لكن فات المؤلف أو لم يذكر المؤلف أنه مكروه
وقال الحنابلة يصح لان المقصود يحصل به ولو ملحناً والمقصود هو الاعلام كما تقدم معنا
والوجه الثاني أن تأذين المؤذن ملحناً لا يجزيء ويجب الإعادة يعني لو أذن المؤذن تأذيناً ملحنا فإن هذا الآذان لا يجزيء ويجب الإعادة
والأقرب والله سبحانه وتعالى أعلم المذهب أنه يصح مع الكراهة لما ذكروه من أنه يحصل به الغرض
لكن اذا سمعت هذا الخلاف في حكم الأذان المُلَحَّنُ علمت خطورة ما يقوم به بعض المؤذنين من تطريب وتلحين الاذان بشكل زائد لان الآذان بهذه الصفة كما سمعت محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من يبطله
ومن الغبن ان يعرض الانسان عمله الصالح للبطلان
• ثم قال - رحمه الله -
أو مَلْحُونَاً
اللحن هو الخطأ في اللغة العربية
وقد يكون خطأ في النحو بضبط آخر الكلمة وقد يكون خطأ في لغة الكلمة وضبطها من حيث هي:
واللحن ينقسم إلى قسمين
(1/239)
________________________________________
القسم الأول محيل للمعنى يعني مغير للمعنى
والقسم الثاني غير محيل للمعنى
فالمحيل للمعنى كقول المؤذن آلله أكبر؟ بمد الهمزة في لفظ الجلالة لأن المعنى ينتقل إلى الاستفهام وبهذا اختلف وانقلب المعنى تماما
وأيضاً من أمثلة اللحن المحيل للمعنى أن يقول الله أكبار بمد الحرف بعد الباء لانه ينقلب المعنى إلى أن يكون اسماً للطبل
هذا اللحن المحيل للمعنى وأمثلته وهو مفسد للأذان
أما اللحن الغير محيل للمعنى فكقول المؤذن الله أكبر بكسر آخر الكلمة أي بكسر الراء لأن هذا لحن ولكن المعنى باقي كما هو
وهذا النوع لا يبطل الأذان
• ثم قال - رحمه الله -
ويجزئ من مميز
يجزئ الأذان من مميز
لان صلاته صحيحة فأذانه كذلك
ولأن احد ابناء الصحابة وكان مميزاً ولم يبلغ اذن بحضرة انس ابن مالك ولم ينكر على اهله
لكن يشترط في صحة اذان المؤذن المميز ان لا يكون هو المؤذن الوحيد في البلد إذ الأذان الواجب لا يكتفي فيه بأذان المميز
فإذا كان في البلد اكثر من مؤذن فحينئذ يجوز أن يكون أحدهم طفلاً ولو لم يبلغ إذا كان مميزاً
واختار هذا القول وهو اشتراط ان يوجد في البلد بالغ يؤدي الأذان الفريضة الواجب شيخ الإسلام ابن تيمية
وقال رحمه الله لا ينبغي ان يوضع صبي يؤذن مميزاً منفرداً
وبالنسبة للوقتنا هذا لا يكاد يوجد في البلد مسجد واحد بل تتعدد المساجد حتى في القرى فعلى هذا لا اشكال ان يؤذن مميز في احد المساجد
لكن لو افترضنا ان في قرية صغيرة لا يوجد الا مسجد واحد فإنه لا يجوز ان يكون يؤذن في هذا المسجد المنفرد طفل مميز

ثم قال - رحمه الله -
ويبطلهما فصل كثير ويسير محرم
في الحقيقه هذه الجملة تعتبر كالتفصيل لقول المؤلف رحمه الله متوالياً مرتباً
أي ان هذا مما يحقق التوالي في الأذان أن لا يكون هناك فصلٌ
وقد قسم المؤلف الفصل إلى قسمين
القسم الأول فصل كثير
والقسم الثاني يسير محرم
الفصل الكثير يقصد به المؤلف ان يفصل المؤذن بين جمل الاذان بفصل كثير بأحد أمرين
إما كلام مباح
أو سكوت
فحينئذ يبطل الأذان للإخلال بالموالاة
(1/240)
________________________________________
وتقدم معنا انها من شروط صحة الأذان
فإن فصل بفصل قصير بكلام مباح او سكوت فالأذان صحيح لأن الموالاة لم تبطل حينئذ لقصر الفاصل
وبهذا انتهينا من القسم الأول
القسم الثاني اليسير المحرم
اليسير المحرم لا يكون الا بالكلام أي ان يفصل بيسير كلام محرم فهذا يُبْطِلُ ولو كان يسيراً
التعليل لأن الكلام المحرم ينافي العبادة
إذاً صور بطلان الاذان من جهة الموالاة ثلاث
بفاصل طويل بسكوت
بفاصل طويل بكلام مباح
بفاصل قصير بكلام محرم
هذه الثلاثة أنواع يبطل بها الأذان
• ثم قال - رحمه الله -
ولايجزئ قبل الوقت
ولايجزئ أي الأذان قبل دخول الوقت فلا يجوز ويحرم أن يؤذن المؤذن
الدليل على هذا النص والإجماع
أما النص فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - اذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم فقيد جواز الأذان بحضور الصلاة
وأما الإجماع فلم يخالف احد من الفقهاء في انه يحرم ان يؤذن قبل دخول الوقت
وهذه مسألة لا إشكال فيها
• ثم قال - رحمه الله - استثناء لما سبق
الا لفجر بعد نصف الليل
لا يجوز في شيء من الفروض الخمسة الأذان قبل دخول الوقت الا في الفجر خاصة
هذا على مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور مالك والشافعي مع الحنابلة ولو لم يوجد مؤذن آخر
إذاً الحنابلة بل الجمهور ذهبوا إلى جواز أن يؤذن المؤذن لصلاة الفجر خاصة قبل دخول الوقت ولو لم يوجد مؤذن آخر هذا من تتميمة القول لأن القول لا يتضح تماماً إلا بهذا القيد
الدليل
قالوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم
فقوله ان بلالا يؤذن بليل أي قبل الفجر لانه بعد طلوع الفجر لايسمى الوقت ليلاً
الدليل الثاني انه في حديث الصدائي انه اذن قبل طلوع الفجر ولم يذكر معه مؤذن آخر
انتهينا الآن من تقرير مذهب الحنابلة وعرفنا ما هون مذهب الحنابلة؟ وما هو دليلهم على جواز أن يؤذن المؤذن قبل الفجر؟ وعلى عدم اشتراط وجود مؤذن آخر
القول الثاني انه لا يجوز ولا في صلاة الفجر ان يؤذن المؤذن قبل طلوع الفجر أي قبل الوقت
واستدلوا
(1/241)
________________________________________
بالعمومات التي تدل على انه لا يجوز الأذان قبل الوقت
والقول الثالث انه يجوز ان يؤذن المؤذن قبل طلوع الفجر بشرط وجود مؤذن آخر يؤذن بعد طلوع الفجر وهذا رواية عن الإمام احمد واختارها ابن قاضي الجبل
الدليل
قالوا هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذ مؤذناً قبل الفجر وآخر بعد الفجر فبلال قبل الفجر وابن ام مكتوم بعد الفجر
الدليل الثاني انه بوجود المؤذن الثاني يزول اللبس لاحتمال ظن بعض الناس بدخول الوقت
وهذا القول الثالث هو القول الذي تجتمع به الادلة وهو القول الصواب

ثم قال - رحمه الله -
بعد نصف الليل
يجوز ان يؤذن المؤذن للأذان الأول قبل صلاة الفجر من بعد منتصف الليل
هكذا يرى الحنابلة
والقول الثاني لا يجوز ان يؤذن للأذان الأول الا قرب الفجر واختار هذا القول الثاني الحافظان ابن رجب والبيهقي
ودليلهم
أنه في حديث بلال انه لم يكن بينهما إلا ان ينزل هذا ويرقى هذا
والتعليل
أن هذا الأذان المبكر لا يحصل به المقصود أي من الأذان الأول
وهذا القول الثاني ظاهر القوة وهو أرجح القولين
• ثم قال - رحمه الله -
ويسن جلوسه بعد اذان المغرب يسيراً
يسن عند الحنابلة ان لا يبادر بعد اذان المغرب بالاقامة بل ينتظر قدر مايتمكن الناس فعل الوضوء والاتيان بالسنة
الدليل
قالوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب في الثالثه قال لمن شاء ولو اقام المؤذن بعد الأذان مباشره لم يتمكن الناس من تطبيق هذه السنة فدل ذلك على انه ينبغي للمؤذن ان يتأخر ريثما ياتي الناس بهذه السنة
وانما ذكر المؤلف هذه العبارة ليبين مذهب الحنابلة بخلاف مذهب الشافعية الذين يرون وجوب المبادرة والاقامة بعد الاذان
ومذهب الحنابلة هو الصواب
وسيأتينا في مباحث الاوقات ضعف مذهب الشافعية في هذه المسألة لان المؤلف سينص على انتهاء وقت المغرب
إذاً الذي ينبغي أن نعرفه في هذا الموضع أن عدم المبادرة بالإقامة بعد أذان المغرب هو مذهب الحنابلة وهو الصواب وأخذتم دليلهم من السنة الصريحة الصحيحة
(1/242)
________________________________________
لكن مع ذلك يقول المؤلف مع أنه يسن ان يجلس بعد اذان المغرب الا ان هذا الجلوس ينبغي أن يكون يسيراً لذلك يقول يسيراً
الدليل على أنه ينبغي أن يكون يسيراً
الاحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة المغرب وستاتينا أيضاً في الاوقات
فهذه الأدلة دليل على سنية المبادرة
اذاً من يجعل بين اذان المغرب والاقامة وقتا طويلا فقد خالف السنة مخالفة ظاهرة وواضحة فالسنة مليئة بإرشاد المسلمين إلى المبادرة في الاقامة
لكن الفرق بين الشافعيه والحنابلة في مقدار المبادرة الاقامة فالشافعية يبالغون في المبادرة والحنابلة يتوسطون اخذا بالنصوص جميعا
إذاً مذهب الحنابلة مركب من الانتظار وأن يكون هذا الانتظار يسيراً وسمعت الأدلة
• ثم قال - رحمه الله -
ومن جمع او قضى فوائت أذن للاولى ثم أقام لكل فريضة
اذا جمع الإنسان صلاتين جمعا جائزاً فإنه لايشرع له ان يكرر الاذان بل يؤذن اذاناً واحداً ويقيم إقامتين
الدليل
ان النبي صلى الله عليه وسلم جمع في عرفه ومزدلفة وهكذا صنع أي أذان أذاناً واحداًَ وأقام إقامتين وهذا أمر واضح ولا أظن فيه خلاف
• ثم قال - رحمه الله -
أو قضى فوائت
اذا فاتت الإنسان صلوات لاي سبب من الاسباب نسيانا او انشغالاً بما لا يمكنه معه الصلاة فإنه اذا أراد ان يقضي هذه الفوائت يؤذن اذان واحد ويقيم لكل فريضه
الدليل
قالوا النبي صلى الله عليه وسلم فاتته اربع صلوات يوم الخندق الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلى هذه الاربع في وقت واحد في اذان واحد واقامات فدل ذلك على ان الفوائت يؤذن لها اذاناً واحداً ويقام لكل صلاة
وهذا الحديث حديث ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم فاتته الصلوات يوم الخندق إسناده صحيح

ثم قال - رحمه الله -
ويسن لسامعه متابعته سراً
يسن لمن يسمع المؤذن ان يتابعه سراً
الدليل على هذا من وجهين
الأول الإجماع
(1/243)
________________________________________
والثاني قول النبي صلى الله عليه وسلم اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول فإن كان السامع مشغولا بالصلاة أو مشغولاً بالتخلي بقضاء الحاجة فإنه يؤخر اجابة المؤذن إلى بعد انتهائه مما هو مشغول فيه
هذا عند الحنابلة أنه يؤخر الإجابة إلى انتهائم مما هو مشغول فيه
والقول الثاني ان المصلي يجيب المؤذن ولو كان في صلاة
لانه ذكر مشروع لا يتنافا مع الصلاة وهذا القول اختاره من المحققين شيخ الإسلام بن تيمية
وهذا في نظري أن هذا القول ضعيف جدا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ان في الصلاة لشغلاً فالإنسان اذا كان يصلي فهو مشغول بالصلاة في واجباتها ومسنوناتها واذكارها والخشوع فيها والإقبال على الله أثنائها فليس من المناسب أن يجيب المؤذن
ومادام الامر فيه سعة بحيث يستطيع ان يجيب المؤذن بعد انتهاء الصلاة فناخذ بهذه السعة ونبقى مشغولين داخل الصلاة بالصلاة
الخلاصة أن الراجح في هذه المسألة مذهب الحنابلة
ومن باب أولى اذا كان في الخلاء
والسنة في متابعة المؤذن ألأن تكون سراً بان لا يجهر فيها وسماع الانسان صوت نفسه لا يخرج عن ان يكون سراً لا كما يفهم بعض إخواننا ان السر الذكر السري يشترط فيه ان لاينطق بصوت مسموع بل إذا سمع نفسه بدون جهر فهو سنة
يستثنى من هذا من أن اجابة المؤذن سراً هي السنة اذا رفع الانسان صوته بقصد التعليم فلا بأس في ذلك ونقول هو جائز أومستحب وليس سنة لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن تدل عليه النصوص العامة

ثم قال - رحمه الله -
وحقولته في الحيعلة
يسن لسامع الاذان اذا سمع المؤذن يقول حي على الصلاة حي على الفلاح أن يقول لا حول ولا قوة الا بالله
والمناسبة في ذلك أن يستشعر الانسان انه لا حول له ولا قوة في اجابة المؤذن الا بإعانة الله له هذا من حيث التعليل
ومن حيث الدليل ثبت في صحيح مسلم عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه انه لما ذكر اجابة المؤذن ذكر انه لما قال حي على الصلاة حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة الا بالله
وبهذا انتهت اجابة جميع الجمل ماعدا التثويب وهو قول المؤذن الصلاة خير من النوم
(1/244)
________________________________________
فعند الحنابلة ولم يذكرها المؤلف يقول صدقت وبررت فإذا سمع المؤذن يقول الصلاة خير من النوم قال له صدقت وبررت
والقول الثاني انه يقول كما يقول المؤذن يعتي يقول الصلاة خير من النوم
لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ولا يخرج من شيء هذا العموم شيء من الفاظ الاذان الا الحيعلتين
وهذا القول الثاني هو القول الصحيح لأنه ليس في النصوص مايدل على سنية قول القائل صدقت وبررت مع العلم ان الاذان يقال يومياً ومشتهر بين الصحابة وجمهور الصحابة ممن يقومون الليل ويسمعون اذان الفجر فكونه لم ينقل لنا انهم يجيبون المؤذن فبهذا ولم يأت حديث صحيح ففي كل هذا دليل على عدم مشروعية الذكر
• ثم قال - رحمه الله -
وقوله بعد فراغه اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته
ثبت في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من سمع المؤذن فليقل اللهم رب هذه الدعوة إلى آخر الدعاء الذي ذكره المؤلف - رحمه الله -
فهذه السنة ثابتة في الصحيحين
وعلمنا من اقتصار المؤلف على هذا اللفظ وعدم إتيانه بقول انك لا تخلف الميعاد
أن مذهب الحنابله يقتصر على هذا اللفظ الذي في الصحيحين دون زيادة انك لا تخلف الميعاد
وهذا هو الصواب لان هذه الزيادة التي وقعت خارج الصحيحين زيادة شاذه
والمحفوظ هو ما ذكره البخاري ومسلم بدون هذه الزيادة
فإذا أراد الإنسان أن يجيب المؤذن فيجيب بدون هذه الزيادة
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء الأذانت سنة ثابته
ومن فاتته الإجابة لعذر فانه يقضي سواء كان لا نشغاله بما ذكرت بالصلاة أو الخلاء أو بغيره
(1/245)
________________________________________
ومن الفقهاء من قال أنها سنة فات محلها ولا يمكن أن تستدرك لكن الأقرب من قال أنها تقضى بشرط أنه تركها لعذر لأنا وجدنا أن الشارع الحكيم حكم في كثير من العبادات إذا فاتت الإنسان بعذر فإنه يقضي وهي عبادات أعظم من إجابة المؤذن كالسنن الرواتب لما تركها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعذر قضاها فإن هذه أعظم من الأذان فيجيب المؤذن قضاء
إلا أنه قد يكون الفرق بينهما أن إجابة المؤذن سنة حال السماع ففات محلها لكن هذا في الحقيقة ليس بفارق لأن السنتن الرواتب أيضاً لها وقت مشروع محدد وهو إما أن تكون قبل الصلاة أو بعد الصلاة داخل الوقت كما سيأتينا في كلام المؤلف - رحمه الله - ففي كل منهما ذهاب الوقت فلا فرق فيما أرى
كذلك قول رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا سنة صحيحة ثابته
ولكن اختلفوا متى تقال؟ هل هي بعد الشهادتين أو في آخر الأذان؟
والاقرب أنها بعد الشهادتين لكن هذا الامر فيه سعة فالنصوص لم تحدد بدقة لكن ظواهرها أنه بعد الشهادتين
وقول وأنا أشهد هذا سنة لكنها من السنن التي تقال أحياناً وليست كباقي السنن التي تقال دائماً فأحياناً يقول الإنسان بعد قول المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله
فهذا من السنة التي فيها تنويع

انتهى بهذ الكلام على باب الأذان والإقامة ننتقل بعده إلى باب شروط الصلاة وهو باب مهم مع باب صفة الصلاة
باب شروط الصلاة
• قال - رحمه الله -
باب شروط الصلاة
الشرط في اللغة هو العلامة ومنه قوله الله تعالى فقد جاء اشراطها يعني الساعة يعني فقد جاءت علاماتها وهذا دليل على القرب
وفي الاصطلاحا هو مايلزم من انتفائه انتفاء الحكم ولا يلزم من وجوده وجود الحكم
وله عدة تعريفات تدور على هذا المعنى لكني اخترت هذا اللفظ لأنه في الحقيقة من الألفاظ التي تقرب من الفقه في معناه السهل وتبتعد عن اصول الفقه في بعض ألفاظه الصعبة
مثاله الطهارة من شروط الصلاة يلزم من انتفاء الطهارة انتفاء صحة الصلاة ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة
(1/246)
________________________________________
الإحصان من شروط الرجم فيلزم من انتفاء الإحصان انتفاء الرجم فلو زنى وهو ليس محصناً فإنه لا يرجب ولا يلزم بطبيعة الحال من ثبوت الإحصان ثبوت الرجم
إذاً عرفنا الآن الشرط في الاصطلاح
ماهي شروط الصلاة؟
هي الأمور التي تجب قبل الصلاة وتستمر فيها
وهذه تعريف أرجو أن يكون سهلاً يجعل الإنسان يستوعب المعنى العام للشروط
واذا تأملت التعريف استطعت ان تعرف متن خلاله الفرق بين الشرط والركن
فالفرق بينهما من وجهين
الأول أن الشرط يجب قبل الصلاة بينما الركن يجب في أثناء الصلاة
الثاني أن الشرط يستمر في الصلاة بينما في الركن يتنقل المصلي بين الاركان فلا يثبت على ركن واحد ولا يمكن أن يكون المصلي مستمراً على ركن واحد ولو فعل لبطلت صلاته
إذاً داخل الصلاة تستمر الشروط وتتنقل الاركان
فمثلاً
من شروط الصلاة الطهارة هل يجوز ان يتخلف هذا الشرط في أي جزء من اجزاء الصلاة؟
الجواب لا
من أركان الصلاة القيام ومعلوم أن المصلي سينتقل من القيام إلى الركوع وهكذا

ثم قال - رحمه الله -
شروطها قبلها منها الوقت
الوقت شرط من شروط صحة الصلاة بالإجماع
لقوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا
والمؤلف بدأ بالوقت
لأنه أهم الشروط
وبدء به لمعنى آخر وهو
أن شرط الوقت ينفرد بكونه من شروط الصحة والوجوب بخلاف باقي شروط الصلاة فهي شروط صحة فقط دون الوجوب
لهذين المعنين بدء المؤلف بالوقت
عرفنا إذاً لماذا بدأ بالوقت؟ وما هو دليل كون الوقت من شروط الصلاة؟
وهذا الشرط سيستغرق من المؤلف - رحمه الله - كلاماً طويلاً جداً وتفصيلات
• ثم قال - رحمه الله -
والطهارة من الحدث والنجس
الطهارة من الحدث شرط من شروط صحة الصلاة اذا تخلف هذا الشرط بطلت الصلاة
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل الله صلاة احدكم اذا احدث حتى يتوضأ
وكما قلت لكم هذا الشرط مجمع عليه بين اهل العلم فإن صلى بلا طهارة حدث بطلت الصلاة
الشرط الثاني الطهارة من النجاسات
والطهارة من النجاسات تتعلق بثلاثة مواضع
الأول البدن
والثاني البقعة
(1/247)
________________________________________
والثالث الثوب
ولا نريد ان ندخل في تفاصيل هذا الشرط لان المؤلف جعل الشرط السابع اجتناب النجاسات وسيذكر تفصيلا طويلا يتعلق بهذا الشرط

ثم قال - رحمه الله -
فوقت الظهر
بدأ المؤلف رحمه الله بوقت الظهر من بين الفروض الخمسة
وبدأ غيره من العلماء بالفجر قالوا الذين بدأوا بالفجر
أنا اذا بدأنا بالفجر صارت الصلاة الوسطى هي العصر ولا تكون هي الوسطى إلا باعتبار ان الأولى الفجر فإذا ثبت أن الوسطى هي العصر ثبت أن الاولى هي الفجر
وهذا القول وهو ان الصلاة الاولى هي الفجر هو الصواب وهو اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله -
هذا الاختلاف لا ينبني عليه حكم فقهي تكليفي عملي لكن ينبني عليه ان يعرف الإنسان ماهي الأولى؟ وما هي الوسطى؟
• قال - رحمه الله -
فوقت الظهر من الزوال
وقت الظهر يبدأ من الزوال والزوال هو ميل الشمس عن وسط السماء بعد انتهاء الظل قِصَرَاً
معنى هذا الكلام الشمس اذا أشرقت ارتفع لكل شاخص ظل طويل من جهة المغرب ثم لا يزال هذا الظل في نقص مادامت الشمس ترتفع إلى ان تصل الشمس إلى كبد السماء يعني إلى وسط السماء
فإذا وصلت إلى وسط السماء توقف النقصان
واذا توقف النقصان إذا زاد الظل أدنى زيادة فهذا الذي يسمى الزوال
إذاً الزوال هو الظل الذي يكون بعد انتهاء القصر ووصول الشمس إلى كبد السماء
فإذا وجد هذا الظل فنعرف أنه زالت الشمس ودخل وقت الظهر
الدليل
الدليل حديث جبريل عليه السلام فإن جبريل عليه السلام نزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبين له أوقات الصلوات فصلى له في يومين بحيث يصلي في اليوم الاول في اول الوقت ويصلي في اليوم الثاني في آخر الوقت ثم قال له أن الوقت بين هذين
وجبريل نزل ليبين الاوقات في مكة أو في المدينة؟
في مكة وهذا يهمنا عند الترجيح لانا عرفنا أن حديث جبريل حديث متقدم
ففي حديث جبريل ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر حين زالت الشمس
في الباب الاوقات في باب الأوقات أحاديث عدة منها أحاديث مهمة جداً ومنها أحاديث اقل أهمية
فمن الأحاديث المهمة اربعة احاديث
حديث جبريل هذا
(1/248)
________________________________________
وحديث أبي موسى الأشعري
وحديث بريدة
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص
هذه الأحاديث مهمة جداً في معرفة أحكام الأوقات
فحديث جبريل عرفت ماهو
حديث أبي موسى وبريدة فيه أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أوقات الصلوات فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي معهم فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الأول في أوائل الأوقات وصلى في اليوم الثاني في أواخر الأوقات وأخبر السائل أن الوقت بين هذين الوقتين
أما الحديث الأخير وهو الرابع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فهو ان النبي صلى الله عليه وسلم بين الأوقات نطقاً
بينما في حديث جبريل وحديث أبي موسى وبريدة بيان الأوقات فعلاً أو عملاً
ولهذا اعتبر الفقهاء حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أهم من الأحاديث الأخرى
هذه فكرة موجزة عن أحاديث الأوقات
إذاً الدليل على وقت الظهر يبدأ من الزوال هو حديث جبريل وحديث أبي موسى وحديث بريدة هذه الثلاثة أحاديث كلها دلت على ذلك
اضف إلى هذا اجماع أهل العلم انه اذا زالت الشمس دخل وقت الظهر
فبداية وقت صلاة الظهر لم يختلف في أهل العلم
• ثم قال - رحمه الله -
فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال
ينتهي وقت الظهر بمساواة الشيء لظله
والفيء هو الظل
لكن لا يجوز ان نسمي الظل فيئاً الا اذا كان بعد الزوال
ففي الحقيقة الفيء اسم خاص للظل وهو الظل الذي يكون بعد الزوال
فلو سمى شخص ظلاً فيئاً قبل الزوال فتسميته خطأ في لغة العرب
إذاً متى ينتهي ينتهي وقت الظهر؟
إذا ساوا الشيء ظله بعد فيء الزوال بعد خصم فيء الزوال
ما معنى هذا؟
تقدم معنا كيف يكون الزوال وأنه يتم بظهور أدنى ظل بعد انتهاء قصر الظل فبعد وجود هذا الظل أي بعد وجود الزوال نحسم منه فصاعداً طول الشاخص
فمثلاً إذا وضعنا في الأرض عود طوله سم وحسبنا فيء الزوال فوجدناه سم متى يخرج وقت الظهر؟
فالفيء الآن سم والعود أصلاً سم
فالظل يجب ان يكون ستة سم حتى يخرج وقت صلاة الظهر
ولاحظ معي عبارة المؤلف ودقق فيها يقول - رحمه الله -
(1/249)
________________________________________
من الزوال وهذا واضح
إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال فنترك فيء الزوال ونحسب من بعده الظل يشترط فيه ان يكون مساويا لظل الشاخص حتى يخرج وقت الظهر
هذا الحكم هو مذهب الجمهور جماهير أهل العلم المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن وقت صلاة الظهر يخرج إذا كان ظل الشيء يساويه بعد فيء الزوال
واستدلوا على هذا الحكم
بحديث جبريل عليه السلام فإنه ذكر فيه ان وقت الظهر خرج لما كان ظل الشيء مساويا له بعد فيء الزوال
وكذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نص على ان وقت صلاة الظهر ينتهي اذا كان ظل كل شيء مساوياً له بعد فيء الزوال
وقبل أن ننتقل لمذهب الأحناف متى يدخل وقت صلاة الظهر؟
إذا زالت الشمس
متى ينتهي؟
إذا كان ظل كل شيء مساوياً له بعد فيء الزوال
نأتي الآن إلى
مذهب الاحناف
الأحناف يقولون لا يخرج وقت الظهر الا اذا كان ظل الشيء مساوياً لمثليه
ففي المثال المتقدم ذكرت ان وقت الظهر يخرج عند الجمهور إذا كان مقدار الظل ست سم متر فكم سيكون عند الاحناف؟
سم متر بحيث تضيف إلى الـ سم المساوي لظل الشاخص وظل الشاخص طوله سم
الدليل
دليل الأحناف على هذه المخالفة للجماهير قالوا
ثبت في صحيح البخاري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال انما مثلكم ومثل الامم قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً فقال من يعمل لي من غدوة إلى منتصف النهار بقيراط فعمل اليهود
الأذان
(1/250)
________________________________________
الفصل الأول

قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس ذكرت لكم أن:
= مذهب الجمهور أن وقت الظهر ينتهي بمصير ظل كل شيء مثله.
وهذا معنى قول المؤلف - رحمه الله -: (إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال) يعني: إلى مساواة الشيء ظله بعد ظل الزوال.
وذكرنا أن الدليل:
- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
- وحديث جبريل عليه السلام.
= والقول الثاني: لأحناف وهو أن وقت الظهر يمتد إلى مصير ظل الشيء مثليه.
وذكرنا دليلهم وهو:
(1/251)
________________________________________
- ما أخرجه البخاري - رحمه الله - في صحيحه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما مثلكم ومثل أهل الكتابين قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً فقال من يعمل لي من غدوة إلى منتصف النهار بقيراط فقال: فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي من منتصف النهار إلى صلاة العصر بقيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغيب الشمس فهم أنتم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغضبت اليهود والنصارى وقالوا مالنا اكثر عملاً واقل اجراً فقال الله عز وجل هل نقصتكم شيئاً قالوا: لا. فقال الله عز وجل فذلك فضلي أوتيه من اشاء).
هذا هو الحديث.
وجه الاستدلال لأبي حنيفة من الحديث:
أن الحديث دل على ان الوقت من الظهر إلى العصر اطول منه من العصر إلى المغرب. لأنهم قالوا مالنا اكثر عملاً واقل اجراً فدل على ان عمل النصارى من الظهر إلى العصر اطول من عمل المسلمين من العصر إلى مغيب الشمس.
هكذا استدل أبو حنيفة - رحمه الله -.

الجواب على ما استدل به ابو حنيفه رحمه الله ظاهر وتقدم معنا نظيره وهو:
ان القاعدة الفقهية المفيدة لطالب تقول: " أن الدليل الخاص بالمسألة مقدم على الدليل العام القياسي " وادلة الجمهور خاصة بالاوقات بينما هذا الدليل المقصود منه ضرب المثال فقط وليس المقصود بيان الاوقات.
ولا شك ان هذا جواب فقهي قوي وان مذهب الاحناف في هذه المسألة ضعيف.
والخطورة في هذا القول انه يخرج صلاة الظهر عن وقتها لانه اذا صار ظل كل شيء مثله خرج الوقت عند الجمهور بينما يستمر عند الاحناف إلى ان يصير ظل كل شيئ مثليه.
فمن صلى على مذهب الاحناف بعد نهاية الوقت عند الجمهور يعتبر عند جماهير العلماء صلى الظهر خارج وقتها ولذلك هذه المسألة حريه بأن يعرف الإنسان فيها الراجح.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتعجيلها أفضل.
تعجيل الظهر أفضل الا ما يستثنى مما سينص عليه المؤلف.
وتعجيل الظهر مسنون:
- بالنص.
- والإجماع.
اما النص:
- فحديث جابر رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر اذا دحظت الشمس يعني: إذا زالت.
وأما الاجماع:
- فقد اجمع اهل العلم: أنه يستحب تعجيل صلاة الظهر.
(1/252)
________________________________________
وذكر الفقهاء ان التعجيل يحصل بالاستعداد والتهيء للصلاة فإذا كان الانسان يستعد للتطهر والحضور للمسجد وما شابه هذا من مقدمات الصلاة فقد حَصَّلَ سُنِّيَّةَ تعجيل الفريضة.
أي: ولو أقام المسجد الذي يصلي فيه متأخراً بعض الشيء ما دام هو قد بكر في الاستعداد فقد حصل على فضيلة الصلاة أول الوقت.
إذاً عرفنا الآن: استحباب التعجيل فيها محل إجماع.
ومما ينبغي أن يتنبه إليه طالب العلم ان التعجيل هذا لا يقصد منه تفويت السنن الرواتب على الناس فتعجيل كل شيء بحسبه فالتعجيل هنا بحيث لا يفوت على الناس أداء السنن القبلية.
• ثم قال - رحمه الله -:
إلا في شدة حر ولو صلى وحده.
إذا اشتد الحر فإنه يستحب:
= عند الحنابلة وعند الجمهور أن يؤخر الإنسان الصلاة إلى ان يبرد الجو.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح " اذا اشتد الحر فأبردو فان شدة الحر من فيح جهنم ".
وهذا نص في استحباب التأجيل إذا اشتد الحر. وهو كما قلت لكم مذهب الجمهور.
= والقول الثاني: أنه يستحب أن نعجل بصلاة الظهر في الحر وفي غيره.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
- الأول: العمومات.
- والثاني: أن الصحابة قالوا شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وفي أكفنا فلم يشكنا.
ومعنى لم يشكنا: أي لم يُزِلْ شكوانا.
فهذا دليل على ان - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في شدة الحر ولا يؤخر إلى الإبراد.
والجواب على هذا الدليل أيضاً من وجهين:
- الوجه الأول: أن هذا الحديث منسوخ لما ثبت في الحديث الصحيح أن آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإبراد وقول الصحاب: (آخر الأمرين) دليل على النسخ.
- الوجه الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم طلبوا تأخيراً زائداً عن الوقت ولذا لم يستجب لهم - صلى الله عليه وسلم -.
والراجح مذهب الجمهور: أن الإبراد سنة لأن الأحاديث الصريحة الصحيحة لا تُعَارَضُ بمثل هذه الاعتراضات.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولو صلى وحده.
يعني: أنه يسن للإنسان أن يبرد بالصلاة ولو صلى وحده في بيته أو صلى وحده في مسجد لم يوجد فيه جماعة.
والدليل على سنية الإبراد حتى للمنفرد:
(1/253)
________________________________________
- عموم النصوص: فإن النص الذي فيه الأمر بالإبراد لم يخصص الجماعة بهذا الحكم فبقي الحكم على عمومه.
فالراجح أنه يبرد - كما قال الحنابلة - ولو صلى وحده لأن النص عام.
• ثم قال - رحمه الله -:
أو مع غيم لمن يصلي جماعة.

يعني: ويستحب التأخير اذا كان الجو غيم وأراد الإنسان ان يصلي بالجماعة.
فالتأخير في هذه المسألة مشروط بشرطين:
- الأول: أن يكون الجو غيم.
والثاني: أن يريد أن يصلي مع الجماعة.
فإذاً إذا كان الجو غيم هل يشرع للمرأة أن تؤخر الصلاة؟
الجواب: لا. لأنها لا تصلي جماعة.
إذاً إذا كان الجو غيم وإذا أراد أن يصلي مع الجماعة.
التعليل:
- قالوا أنه يغلب على الظن في مثل هذا الجو أن تمطر السماء وإذا أمطرت وقعت المشقة على المصلين فتسهيلاً عليهم يؤخرون الصلاة ليصلوا الظهر والعصر في وقت واحد يؤخرون وقت الظهر إلى قريب وقت العصر فيصلوا الظهر ثم ينتظروا إلى دخول وقت العصر ثم يصلوا العصر تسهيلاً على الناس.
= والقول الثاني: أنه لا يستحب التأخير في حال الغيم ولو ظُنَّ نزول المطر. وهذا القول هو مذهب الشافعي.
- للعمومات: لأن النصوص عامة ولم تستثن إلا شدة الحر في التأخير فقط.
وهذا القول هو الصواب أن التأخير يكون فقط في شدة الحر.

لما أنهى المؤلف - رحمه الله - الكلام على وقت الظهر انتقل إلى العصر:
• فقال - رحمه الله -:
ويليه وقت العصر.

معنى: (ويليه وقت العصر): أنه لا يوجد فاصل بين الوقتين فبمجرد خروج وقت الظهر يدخل وقت العصر.
فإذا قيل لك متى يبدأ وقت العصر؟
الجواب: اذا صار ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال.
ولذلك لم يذكر هذا لأنه يقول: (ويليه) فعرفنا أنه يبدأ بعد انتهاء وقت الظهر.

قال - رحمه الله -:
إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال.
الدليل على هذا:
- أن جبريل عليه السلام صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الثاني صلاة العصر لما صار ظل كل شيء مثليه.
فدل هذا على أن وقت صلاة العصر ينتهي إذا كان ظل كل شيء مثليه لكن بعد فئ الزوال.
وبالأمس ضربت لكم مثلاً واضحاً في الشاخص ومتى يدخل وقت العصر وينتهي وقت الظهر ومتى ينتهي وقت العصر.
(1/254)
________________________________________
= والقول الثاني: أن وقت العصر ينتهي باصفرار الشمس لا بمصير كل شيء مثليه.
- لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ووقت العصر ما لم تصفر الشمس "
والراجح القول الثاني.
وأما سبب الترجيح: فتقدم معنا ذكره وهو: أن هذا قول - ولذلك في درس الأمس ذكرت لكم فكرة عامة عن أحاديث الأوقات - وقلت مما يميز حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه نص لفظي وليس حكاية عمل للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
فهذا هو الراجح. لكن ذكر الشيخ الموفق - رحمه الله - فائدة مهمة وهي: أن الفرق بين القولين لا يكاد يذكر لأن مصير ظل كل شيء مثليه قريب من اصفرار الشمس.
بينهما فرق لكنه يسير.
ولو استطاع طالب نبيه أن يضبط لنا الفرق لكان هذا جيد.
وطريقة ذلك: أن يضع الشاخص فإذا وصل ظل الشاخص مثليه بعد فيء الزوال صار هذا هو خروج الوقت بالنسبة للحنابلة ثم ينظر متى تصفر الشمس فالفرق بين الوقتين هو الفرق بين القولين.
فإذا كان طالب يستطيع أن يفعل هذا في يوم مشمس فهذا طيب ودليل على أنه مستوعب لهذه القضية.

ثم قال - رحمه الله -:
والضرورة إلى غروبها.
يتميز وقت العصر بأن له وقت للضرورة ووقت للاختيار.
ـ فوقت الاختيار ينتهي:
- إما بمصير كل شيء مثليه.
- أو إلى اصفرار الشمس.
على حسب الخلاف السابق
ـ ووقت الضرورة:
- ينتهي بغروب الشمس.
والفرق بين وقت الاختيار ووقت الضرورة: أنه لا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة إلى وقت الضرورة فإن أخَّر بلا عذر فهو آثم لكن مع ذلك تعتبر صلاته أداء لا قضاء.
إذاص عرفنا ما يترتب على القول بوجود وقت للضرورة وهو: أنه لا يجوز أن نؤخر الصلاة إلى هذا الوقت الذي يعتبر ضرورة ومع ذلك إذا صلى فيه الإهنسان بلا عذر فهو آثم لكن صلاته تعتبر أداء لا قضاء مع الإثم.
الآن تبين أن:
= مذهب الحنابلة أن وقت الضرورة يمتد إلى غروب الشمس.
وهذا يتركب من أمرين:
- الأول: إثبات أن ما بعد اصفرار الشمس الى غروب الشمس وقت للعصر.
- والثاني: إثبات أن هذا الوقت وقت ضرورة.
أما دليل أنه وقت:
- فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (من أدرك من ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)
(1/255)
________________________________________
فهذا دليل أن الوقت يمتد إلى غروب الشمس.
وأما الدليل على أنه وقت ضرورة ولا يجوز التأخير إليه إلا بعذر:
- فقوله - صلى الله عليه وسلم - " تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً ".
فهذا الحديث في سياق الذم وتشبيه من أخر الصلاة إلى هذا الوقت بالمنافقين وهذا كله يدل على أن تأخير الصلاة إلى ما بعد مصير ظل كل شيء مثليه محرم إلا لعذر.
وتبين الآن لنا كل ما يتعلق بصلاة العصر:
- من حيث وقت الاختيار: متى يبدأ؟ ومتى ينتهي؟
- ومن حيث وقت الضرورة: متى يبدأ؟ ومتى ينتهي؟
- وما هي ثمرة إثبات وقتاً للضرورة؟ وأدلة إثبات وقت الضرورة للعصر.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويسن تعجيلها.
يعني ان تعجيل صلاة العصر: سنة.
والدليل على هذا:
- حديث أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - أنه قال " كنا نصلي مع - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر ثم ننطلق إلى رحالنا في أقصى المدينة والشمس حية ".
فهذا دليل على انه - صلى الله عليه وسلم - كان يبادر بصلاة العصر.
وقبل أن ننتهي من صلاة العصر نبين أن ك
= صلاة العصر على القول الصحيح هي الصلاة الوسطى.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الثابت " شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر " هذا نص لا يقبل التأويل.
فصلاة العصر هي الصلاة الوسطى بهذا النص.
ولذلك: نحن لا نحتاج إلى ذكر الخلاف بهذه المسألة لوضوح النص فيها.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويليه وقت المغرب.
أي: أن وقت المغرب يبدأ بغروب الشمس.
وهذا ثابت في:
- حديث جبريل.
- وأيضا هو مما أجمع عليه الفقهاء.
ولذلك لا إشكال فيه.
• ثم قال - رحمه الله -:
إلى مغيب الحمرة.
الحمرة: تفسير للشفق.
وتفسير الشفق بالحمرة: محل إجماع.
أي أن الشفق هو: هذه الحمرة - هذا محل إجماع.
لكن محل الخلاف هو:
أن صلاة المغرب يمتد وقتها إلى هذا الشفق فهذا هو الذي محل خلاف.
= فالحنابلة - كما ترون - يقول المؤلف - رحمه الله -: أنه إلى مغيب الحمرة.
(1/256)
________________________________________
وهذا القول هو مذهب الأحناف وهو أيضا اختيار الشيخ المحقق ابن المنذر وأيضاً اختيار الشيخ الحافظ ابن القيم: أن وقت المغرب يمتد إلى غياب الشفق والشفق هو الحمرة.
- لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ".
= والقول الثاني: أن المغرب ليس لها إلا وقت واحد فقط وهو مذهب مالك والشافعي.
ـ ووقتها عند الشافعي: بعد الأذان أن يتطهر ويستر العورة ويقيم فقط. فبعد هذا الوقت يجب أن يصلي وإلا يخرج وقت المغرب.
فوقت المغرب عند المالكية والشافعية ضيق جداً.
الدليل على هذا التحديد العسر:
قالوا الدليل الدليل على ذلك:
- أن جبريل عليه السلام صلى المغرب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الأول وفي اليوم الثاني لوقت واحد ولو كان للمغرب وقتان لصلى جبريل كما في الفروض الباقية في اليوم الأول في أوله وفي اليوم الثاني في آخره.
هذا دليل قوي بل هو نص.
الجواب عليه:
- أن حديث جبريل وقع في مكة وحديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي موسى وحديث بريدة وحديث أنس وحديث أبي برزو الأسلمي وسائر أحاديث الأوقات وقعت في المدينة.
والمتأخر حاكم على المتقدم وزيادة العلم من الثقة مقبولة - في الأصل وإلا هذه القاعدة فيها نظر لكن في الأصل أن زيادة الثقة مقبولة ما لم تعارض بأقوى منها.
المهم أنه في حديث عبد الله بن عمرو زيادة على ما في حديث جبريل.
إذاً الراجح مذهب الأحناف والحنابلة: أن وقت المغرب يستمر إلى وقت الشفق الأحمر.
وفي هذا الخلاف مايعلل استعجال بعض إخوانا الشافعية وبعض إخوانا المالكية في الإقامة لصلاة المغرب.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويسن تعجيلها.

ويسن تعجيل المغرب أيضاً.
- لانه ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب حين غابت الشمس.
- وثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تأخير المغرب الى غياب النجوم.
- وفي هذا الباب - أي باب تعجيل المغرب - أحاديث كثيرة.
فهذه سنة ظاهرة واضحة ثابتة لا ينبغي الإخلال بها - وهو التعجيل في صلاة المغرب - والتأخير في الحقيقة مخالفة ظاهره للنصوص.

• ثم قال - رحمه الله -: - استثناء من المغرب.
إلا ليلة جمع لمن قصدها محرماً
(1/257)
________________________________________
تقرر معنا الآن أن تعجيل المغرب سنة ويستثنى من ذلك ليلة جمع.
ففي ليلة مزدلفة - والجمع يقصد بها مزدلفة - يسن تأخير المغرب ليصليها مع العشاء.
الدليل على هذا:
- أن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حين انتقاله من عرفة الى مزدلفة في وسط الطريق قال له: الصلاة يا رسول الله.
فقال: - صلى الله عليه وسلم -: (الصلاة أمامك).
فإذاً يسن للحاج الذي قصد مزدلفة محرماً أن يؤخر صلاة المغرب ليصليها مع العشاء.
وتقدم معنا انتقاد عبارة المؤلف. وجه الانتقاد: أن هذا لا يسمى تأخيراً لأنه لم يؤخر الصلاة لأن الوقتين صارا وقتاً واحد.
إذاً: الآن للتأخير شرطان:
- الأول: أن يكون هذا ليلة جمع.
- والثاني: أن يكون محرماً.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويليه وقت العشاء.
يعني ان وقت العشاء يدخل بمغيب الشفق. لأنه يقول يليه. والمغرب ينتهي بمغيب الشفق فيدخل بعد ذلك وقت العشاء بمغيبه.
وكون وقت العشاء يبدأ من مغيب الشفق - أيضاً - ثابت بالنص والإجماع.
ـ أما النص:
- فحديث بريدة في قصة الرجل الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - الاوقات فإنه صلى به العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق الأحمر.
فدل هذا على أن وقت العشاء يبدأ من مغيب الشفق الأحمر وهو كما قلت لك محل إجماع - ثابت بالنص والإجماع.


ثم قال - رحمه الله -:
إلى الفجر الثاني.
أي أن وقت صلاة العشاء يمتد الى طلوع الفجر.
فوقت الضرورة يصل الى وفت طلوع الفجر.
الدليل على ذلك:
- قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " ليس في النوم تفريط إنما التفريط فيمن يدع الصلاة الى ان ياتي وقت الصلاة الأخرى ".
فدل الحديث على انه اذا انتهى وقت الصلاة الأولى دخل وقت الصلاة التي تليها فبعد كل وقت صلاة وقت صلاة أخرى بلا فاصل ونستثني الفجر بالاجماع - هكذا قالوا - فإنه معلوم انه ينتهي وقت الفجر ولا يدخل وقت الظهر.
= القول الثاني: ان الوقت ينتهي اما إلى النصف او الى الثلث. - وسيأتي بيان أيهما أرجح. لكن الآن نحن في صدد مناقشة القائلين: بأنه يمتد إلى الفجر.
الدليل على أنه ينتهي بالثلث أو بالنصف:
(1/258)
________________________________________
- الأحاديث الصحيحة - التي ذكرت لك - حديث جبريل وحديث عبدا لله بن عمرو وغيرها حدت صلاة العشاء بثلث الليل او بنصف الليل.
وهذا القول هو الراجح لان احاديثه صريحة صحيحة خاصة بالمسألة بخلاىف حديث ليس في النوم تفريط فهو حديث عام.
• ثم قال - رحمه الله -:
وهو البياض المعترض.
يريد المؤلف - رحمه الله - أن يبين ان الفجر فجران: أول وثان.
وبعبارة أخرى صادق وكاذب.
ويريد ان يبين علامة كلاً منهما.
فيقول:
ـ أن الفجر الثاني الصادق علامته:
- انه معترض.
وله علامة أخرى وهي: انه لا يعقبه ظلمه.
هاتان هما علامتا الفجر الصداق وعكسهما علامتا الفجر الكاذب:
ـ فالفجر الكاذب:
- مستطيل.
- وأيضاً تعقبه ظلمه.
فإذا ضبط الإنسان علامتا الفجر الصادق عرف علامتا الفجر الكاذب.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل.
في قول المؤلف - رحمه الله - وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إشارة إلى ان بعض العلماء يرون ان وقت العشاء ينتهي الى ثلث الليل.
= وهو مذهب المالكية.
واستدلوا:
- بحديث جبريل حيث صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الثاني في ثلث الليل.
= والقول الثاني: ان وقت العشاء يمتد إلى منتصف الليل.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص فإن فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " ووقت العشاء ما لم ينتصف الليل ".
والراجح القول الثاني: وهو أن وقت العشاء يمتد إلى منتصف الليل وأظن أن وجه الترجيح ظاهر وهو رجحان حديث عبد الله بن عمرو من جهة.
ومن جهة أخرى ان فيه زيادة علم ومن عنده زيادة علم تقبل منه ما دام ثقة لم يعارض.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل ان سهل.
التأخير:
= عند الحنابلة بل عند جمهور الصحابة رضي الله عنهم - تأخير العشاء - أفضل بهذا الشرط إن سهل.
- لحديث ابي برزة - رضي الله عنه - قال"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب ان يؤخر صلاة العشاء التي تدعونها العتمة ويكره النوم قبلها والحديث بعدها "
= القول الثاني: أن الأفضل مراعاة حال المسلمين. فما نقول الأفضل التأخير إن سهل بل نقول الأفضل من الأصل مراعاة حال المأمومين.
(1/259)
________________________________________
= والقول الثالث: - يجمع بين القولين - فيقول: التأخير سنة إلا إن شق على المأمومين.
- لقوله " والعشاء أحيانا وأحيانا إن رآهم إجتمعوا صلى وان رآهم أبطأوا أخر ".
فهذا دليل على أنوه - صلى الله عليه وسلم - كان يراعي حال المسلمين.
وهذا القول الثالث تجتمع به النصوص وهو القول الصحيح إن شاء الله أن السنة التأخير إلا إذا شق على المأمومين.
فإذا كانت الجماعة مستقلة ولا يوجد معهم من يشق عليه التأخير أو كانوا في خارج البلد أو مسافرين فإن السنة لهم التأخير.

ثم قال - رحمه الله -:
ويليه وقت الفجر: إلى طلوع الشمس.
يقول المؤلف - رحمه الله -: (ويليه) تقدم معنا ان الحنابلة يرون ان وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر.
إذاً: يليه. يعني من طلوف الفجر وليس من المنتصف وهو ثلث الليل وإنما من طلوع الفجر لأنه تقدم معنا أن الحنابلة يرون أن صلاة العشاء يمتد وقت الضرورة فيها إلى طلوع الفجر الثاني.
وكون طلوع الفجر الثاني هو أول وقت الفجر محل إجماع فلم يختلف فيه الفقهاء: أنه إذا طلع الفجر الثاني الصادق بدأ وقت صلاة الفجر.
وهذا معنى قول المؤلف - رحمه الله - هنا: (ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس).
وينتهي الوقت - حسب ما أفاد المؤلف - بطلوع الشمس.
وهذا أيضاً محل إجماع.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص " ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس "
إذا بالنسبة للفجر ولله الحمد دخول الوقت وخروجه محل إجماع لا إشكال فيه لأن النصوص فيه واضحة. - حديث جبريل وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص بينا الدخول والخروج.
• ثم قال - رحمه الله -:
وتعجيلها أفضل.
= ذهب الجمهور - أحمد ومالك والشافعي - وحكي عن الخلفاء الأربعة - رضي الله عنهم - ان تعجيل الفجر هو السنة.
واستدلوا على هذا بأدلة صحيحة:
- منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت " كان النساء يصلين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ينقلبن إلى بيوتهن لا يعرفهن احد من الغلس ". والغلس ظلمة آخر الليل.
فهذا دليل أنه - صلى الله عليه وسلم - يصلي ويخرج من الصلاة وظلمة الليل ما زالت باقية.
(1/260)
________________________________________
- الدليل الثاني: أن الصحابة قالوا كنا نتسحر مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم نقوم إلى لصلاة قيل لهم: فكم كان بينهما قال: قدر خمسين آية.
واذا أذن المؤذن وقرأ القاريء معتدلة خمسين آية ثم أقام فسيقيم في أول الوقت في الغلس.
هذان دليلان صريحان صحيحان في استحباب التعجيل.
= القول الثاني: للأحناف ان السنة الأسفار لا التعجيل.
استدلوا على ذلك:
- بقول النبي صلى الله عليه وسلم " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ".
هذا الحديث صححه شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله -.
والراجح مذهب الجمهور:
- أولاً: لأنه مروي عن الخلفاء الأربعة. وكفى بهم علماً وهدياً واتباعاً.
- ثانياً: أن المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم أسفروا بالفجر: التأكد من دخول وقت صلاة الفجر لا التأخير إلى الإسفار.
ويمكن أن يحمل على محمل آخرذكره ابن القي - رحمه الله - وهو: أن المراد الدخول في صلاة الفجر تعجيلاً والخروج منها بعد الإسفار وذلك بطول القراءة.
لكن هذا المحمل من ابن القيم يشكل عليه حديث عائشة لأنها أخبرت أنهن يخرجن بغلس والخروج معلوم أنه بعد الصلاة ولم تذكر هي مسألة الدخول في الصلاة حتى نقول هذا جمع جيد.
فنقول مادام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ويطيل القراءة ومع ذلك يخرج بغلس فهذا كله دليل على التعجيل.
فثبت بذلك رجحان قول الجماهير الذين معهم الخلفاء الأربعة وهو: أن السنة في الفجر التعجيل.
وتبين من هذا أن التعجيل سنة في جميع الصلوات إلا في صلاتين: الظهر في شدة الحر وعند الحنابلة في الغيم. والمغرب عند الحنابلة إذا أتى جمع لمن هو محرماً. فيما عدا هاتين الصورتين أو الثلاث عند الحنابلة فالتعجيل في جميع الصلوات أفضل.
وأيضاً (استدراك من الشارح) فيما عدا العشاء فقد نص المؤلف - رحمه الله - على أن السنة فيها التأخير وهذا صحيح وذكرنا الخلاف وأن الراجح في مسألة تأخير صلاة العشاء أن أرجح الأقوال أنه سنة إلا إن شق على المأمومين. والقول بأن السنة مراعاة المأمومين أصلاً هو قول قوي تؤيده النصوص لكن ما دام أن حديث أبي برزة نص في استحباب التأخير فنجمع بين النصوص بهذا الجمع.

ثم قال - رحمه الله -:
(1/261)
________________________________________
وتدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها.
المقصود بإدراك الصلاة - هنا - عند الفقهاء: أي أداءً.
تدرك يعني: أداءً.
بتكبيرة الإحرام: فإذا كَبَّرَ الإنسان تكبيرة الإحرام قبل خروج الوقت بدقيقه فيعنبر مدركاً للصلاة وصلاته أداء لا قضاء.
الدليل:
- قالوا: أنه أدرك جزاًء من الصلاة: فأدرك الصلاة.
= والقول الثاني: أن إدراك الصلاة لا يكون إلا بإدراك ركعة.
- لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " وفي اللفظ الآخر " من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجر ومن أدرك من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر ".
وهذا القول هو القول الصواب لأن النص صريح فيه والحنابلة ليس معهم إلا التعليل.
ولكن هنا تنبيه مهم: وهو: أن مقصود الفقهاء بإدراك ركعة: إدارك ركعة كاملة بسجدتيها.
وممن نص على هذا المعنى الخطابي والحافظ ابن حجر كلاهما نص على أن المقصود بإدراك الركعة: إدراك ركعة كاملة بسجدتيها.
فإذا ركع ثم رفع من الركوع ثم غابت الشمس فهو لم يدرك صلاة العصر بينما إذا ركع ورفع وهبط وسجد سجدتين وبانتهاء السجدتان غربت الشمس فيعتبر أدرك صلاة العصر.
• ثم قال - رحمه الله -:
ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهادٍ، أو خبر متيقن.
- هذه مسألة مكتملة -.
إذا أراد الإنسان أن يصلي فله حالان:
- الحال الأولى ... (((الأذان))).
انتهى الدرس ...
(1/262)
________________________________________
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
لما أنهى المؤلف - رحمه الله - الكلام عن فروع أحكام الأوقات انتقل إلى مسائل تتعلق بجميع الأوقات وهذا كما تقدم من حسن ترتيب المؤلف - رحمه الله -
• فقال - رحمه الله -
ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهاد أو خبر متيقن
تقرر معنا الآن وفي الدروس السابقة أن دخول الوقت شرط من شروط صحة ووجوب الصلاة
فإن صلى قبل دخول الوقت فإن الفريضة لا تصح وسيأتينا ماذا تصبح
(1/263)
________________________________________
لكن الآن إذا صلى الإنسان قبل دخول الوقت فإن الفريضة بالنسبة له لا تصح
والإنسان اذا أراد ان يعلم هل دخل الوقت؟ أو لم يدخل؟ فهو على أقسام
القسم الأول أن يتمكن من اليقين
فهنا يجب أن يصلي بعد دخول الوقت يقيناً ولا يكفي غلبة الظن
فإن صلى مع غلبة الظن مع تمكنه من اليقين فالصلاة لا تصح وإن صلى في الوقت وسيأتينا مسألة وإن صلى هل إذا وقعت مصادفة في الوقت؟
القسم الثاني إذا لم يتمكن من اليقين
فيجوز عند الإمام احمد ان يصلي بغلبة الظن وان لم يتيقن مادام لم يتمكن من اليقين
والقول الثاني أنه لا يجوز الصلاة بغلبة الظن بل لابد من اليقين أن الوقت دخل
والصواب مع الحنابلة
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفطر يوماً في جو غائم ثم تبين له أن الشمس لم تغرب
وجه الاستدلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفطر بغلبة الظن
ـ ثم إن صلى بالشك بدون غلبة ظن فصلاته لا تصح لأنه يشترط في الصلاة في اقل الأحوال غلبة الظن إن لم يتمكن من اليقين
ـ مسألة مهمة هل يجب على من يستطيع أن يعلم دخول الوقت يقيناً أن يبحث عن دخول الوقت مع وجود المؤذن؟ أو يجوز الاكتفاء بأذان المؤذن مع قدرته على معرفة الدخول يقيناً؟
الجواب أنه يجوز له أن يكتفي بأذان المؤذن وإن كان يستطيع أن يعلم هو بنفسه دخول الوقت يقيناً
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله - وعليه عمل المسلمين من عصور فإنك تجد الرجل يحسن علامات دخول الوقت ومع ذلك يكتفي بأذان المؤذن
والقول بإلزامه بأن يجتهد مع وجود المؤذن قول ضعيف جداً وعلى خلاف عمل المسلمين
• نأتي إلى كلام المؤلف - رحمه الله -
يقول - رحمه الله -
ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهاد أو خبر متيقن
يفهم من كلام المؤلف ان غلبة الظن تحصل بأمرين
الأول الاجتهاد
والثاني خبر متيقن يعني خبر الثقة المتيقن أو خبر متيقن
وهذا صحيح بالنسبة للاجتهاد ولكنه مرجوح بالنسبة لخبر الثقة المتيقن
مرجوح من جهتين
أولاً المؤلف في مسألة خبر المتيقن خالف المذهب
(1/264)
________________________________________
فالمذهب يعتبرن خبر الثقة المتيقن من اليقين وليس من غلبة الظن كما نص على ذلك الفقهاء الحنابلة كابن النجار والبهوتي وغيرهم من الذين يرجع إليهم في تحرير أقوال المذهب في الكشاف والمنتهى وشروحهما
فإذاً المؤلف هنا خالف المذهب باعتبار خبر الثقة المتيقن من باب غلبة الظن لا من باب اليقين والصواب أنه من باب اليقين
ملاحظة لم تُذْكَرِ جهة الترجيح الثانية

ثم قال - رحمه الله -
فإن أحرم باجتهاد فبان قبله فنقل وإلا فرض
يعني إذا صلى المصلي باجتهاد
فإما أن يظهر له أن اجتهاده خطأ فهنا تنقلب الصلاة من فريضة إلى نفل وتبقى الفريضة في ذمته لأن الصلاة لا تجب ولا تصح إلا بدخول الوقت وهو قد صلى قبله فتبقى في ذمته
أو أنه إذا اجتهد وصلى لم يظهر له ما يخالف اجتهاده فالأصل صحة هذه الصلاة لأن القاعدة المستقرة أن الأصل براءة الذمة بعد أداء العبادة
ولا يمكن أن يخرج أي مصلي صلى باجتهاد عن هذا التقسيم لأنه إما أن يتبين له أن اجتهاده خطأ أو أن اجتهاده صحيح
وعرفنا حكم كل صورة من صورتين
وهذا معنى قوله وإلا ففرض يعني وإلا يتبين له خطأه فصلاته صحيحة تبرأ بها الذمة
انتهى الكلام عن الصلاة باجتهاد من حيث دخول الوقت وتبين أنه يجوز للإنسان أن يصلي باجتهاد بشرط أن لا يتمكن من اليقين
ولا يجوز له بحال أن يصلي مع الشك بل يجب أن يسعى إلى درجة غلبة الظن ولا يعذر أبداً في الصلاة مع الشك فإن صلى مع الشك فإن صلاته لا تعتبر صحيحة
وأما إن صلى مع اليقين فصلاته صحيحه بإجماع
وأخذنا الآن خلاف الفقهاء المهم في مسألة الصلاة مع غلبة الظن بلا يقين وأن مذهب الحنابلة هو الصواب
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى مسألة مهمة جداً لا سيما فيما يتعلق بالنساء لكثرة الحاجة إليها وتكرر وقوع النساء فيها بسبب الحيض

فقال - رحمه الله -
وإن أدرك مكلف من وقتها قدر التحريمة، ثم زال تكليفه أو حاضت، ثم كلف وطهرت قضوها ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته
تأملوا معنا الآن نحتاج إلى ترتيب الكلام على عبارات المؤلف - رحمه الله -
(1/265)
________________________________________
فإنه - رحمه الله - يقول وإن أدرك مكلف من وقتها قدر التحريمة ثم زال تكليفه ثم كلف قضى
هذا ترتيب كلامه - رحمه الله -
فبين مسألتين
المسألة الأولى الضابط في إدراك الوقت لأنه يقول وإن أدرك مكلف من وقتها قدر التحريمة
المسألة الثانية وجوب القضاء لأنه يقول قضوها
نبدأ بالمسألة الأولى
القائلون بوجوب القضاء اختلفوا في القدر الذي يجب معه القضاء
فالحنابلة كما ترون الآن علقوه بإدراك تكبيره فإذا أدرك من الوقت قدر تكبيره فقط ثم زال تكليفه بجنون أو غيره ثم عاد إليه التكليف فإنه يقضي الصلاة
ودليلهم ما تقدم معنا
أنه أدرك جزءاً من الوقت بإدرام جزء من الصلاة
بناء على هذا إذا زالت الشمس ثم بعد مضي ثلاث دقائق حاضت المرأة فإنه يجب عليها أن تقضي صلاة الظهر إذا طهرت لأنها أدركت من الوقت قدر تكبيره
القول الثاني لابد أن يدرك ركعة فإذا أدرك ركعة ثم زال تكليفه فإنه يجب أن يقضي الصلاة إذا زال المانع
ودليلهم
من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة
القول الثالث أنه لايدرك وقت الصلاة إلا بادراك وقتٍ يتسع للوضوء وأداء الصلاة
والراجح القول الثاني لأن في المسألة نص لا يسعنا المسلم الخروج عنه فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بإدراك ركعة يدرك الصلاة فنحن نقف كع هذا النص النبوي ونمتثل
هذا الخلاف قلت لكم أنه خلاف عند القائلين بوجوب القضاء فالذين قالوا يجب أن تقضي اختلفوا هذا الخلاف
ونرجع إلى كلام المؤلف
• يقول - رحمه الله -
ثم زال تكليفه أو حاضت ثم كلف وطهرت قضوها
هذه هي المسألة الثانية وهي وجوب القضاء
اختلف الفقهاء هل يجب على من أدرك الصلاة ثم زال تكليفه هل يجب عليه أن يقضي؟ أو لا يجب؟
الحنابلة يرون أنه يجب أن يقضي
الدليل
قالوا أن هذه الصلاة بدخول الوقت وجبت في ذمته فتبقى ذمته مشغولة بهذا الواجب إلى أن يؤديه
والقول الثاني أنه لا يجب على من أدرك الوقت وزال عنه التكليف لا يجب عليه أن يقضي إلا اذا أَخَّرَ الى تَضَايُقِ الوقت بحيث لا يبقى من الوقت إلا ما يتسع لأداء الفريضة
(1/266)
________________________________________
وهذا القول قول المالكية والأحناف واختاره شيخ الإسلام
دليلهم
قالوا أن من دخل عليه الوقت وأَخَّرَ الصلاة ثم زال تكليفه فقد أَخَّرَ تأخيراً مأذوناً له فيه شرعاً فلا يجب عليه بناء على هذا التأخير المأذون فيه قضاء الصلاة
ـ فإن قيل النائم أَخَّرَ الصلاة تأخيراً مأذوناً له فيه ومع ذلك ألزمه الشارع بقضاء الصلاة
فالجواب أن النائم نعم أَخَّرَ تأخيراً مأذوناً فيه شرعاً لكن صلاة النائم لا تمسى قضاءً وإنما أداءً لأن وقت الصلاة بالنسبة للنائم حين يستيقظ وبالنسبة للناسي حين يذكر فهو وقتها الحقيقي فهي أداء وليست قضاء ومن هنا اختلف حكم كل منهما من الذي أَخَّرَ فزال تكليفه ومن النائم والناسي
بناء على هذا فما يحصل الآن عند كثير من النساء أن يدخل الوقت ثم بعد مضي مدة من دخول الوقت تحيض المرأة فإنه لا يجب عليها بمقتضى هذا القول الثاني إذا طهرت واغتسلت أن تقضي هذه الصلاة
والراجح من حيث الدليل القول الثاني
والأحوط المتأكد مع القول الأول مذهب الإمام أحمد لأن دليلهم أيضاً قوي وهو مسألة بقاء الصلاة في ذمته
والمسألة الخلاف فيها قوي والاحتياط فيها متعين بالنسبة للمرأة ولا يضير المرأة مثلاً أن تقضي صلاةً واحدة وهي الصلاة التي حاضت في أثنائها قبل أن تؤديها
لما ذكر المؤلف - رحمه الله - من كان مكلفاً ثم زال تكليفه ذكر عكس هذه المسألة

فقال - رحمه الله -
ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها
هذه المسألة عكس المسألة السابقة
دخل الوقت على هذا الشخص وهو لم يكلف لوجود مانع من حيض أو جنون أو غيره ثم كلف بزوال المانع بأن طهرت وذهب الجنون أو بلغ الصبي
ـ فإذا زال المانع بعد دخول الوقت فيجب على من زال مانع التكليف له يجب عليه أن يصلي فرض الوقت بالإجماع فهذا ليس فيه خلاف
لأنه مخاطب بالنصوص التي تأمر بهذه الصلاة
لكن الإشكال الكبير في قول المؤلف - رحمه الله -
وما يجمع إليها قبلها
فإذا طهرت المرأة بعد دخول وقت صلاة العصر فإنه يجب عليها
عند الحنابلة أن تصلي العصر والظهر فهذا مذهب الحنابلة
ولهم أدلة
(1/267)
________________________________________
الدليل الأول أن هذا مروي عن عدد من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عباس وعبد الرحمن من عوف وغيرهم رضي الله عنهم
والأسانيد إلى هؤلاء الصحابة فيها ضعف ولكن ضعفها يسير لأن سبب الضعف أحد أمرين
إما وجود رجل ضعيف وليس متروكاً ولا مختلط ولا صاحب منكرات إنما ضعيف يعني ضعيف الضبط
أو وجود رجل مجهول
هذا الدليل الأول
الدليل الثاني ما ذكره الإمام أحمد أن هذا هو قول عامة التابعين إلا الحسن البصري - رحمه الله - فكأنه إجماع بين طبقة التابعين إلا الحسن البصري - رحمه الله -
ونسبة هذا القول إلى عامكة التابعين جاءت من رجل متثبت حافظ وهو الإمام أحمد
الدليل الأخير في هذه المسألة وهي أيضاً مهمة أن وقت الصلاة للصلاتين المجموعة وقت لهما حال العذر يعني أن وقت الصلاتين المجموعتين وقت لهما حال العذر وهي الآن في حال العذر فصار الوقتين للصلاتين وقت واحد بالنسبة لهذه المرأه
ما معنى هذا الدليل؟ هذا دليل الحنابلة وهو جيد
الجواب وقت صلاة الظهر والعصر مثلاً يصبح وقتاً واحداً حال العذر فبالإجماع بالنسبة للمسافر وبالنسبة للمريض
إذا كان وقت صلاة الظهر والعصر يعتبر وقتاً واحداً حال العذر فهذه المرأة التي طهرت في أثناء صلاة العصر هي الآن في حال العذر وإنما جاز لها ترك صلاة الظهر لأنها حال عذر فاستمر حكم العذر لها فصار الوقتين بالنسبة لها وقت واحد
إذاً صار للحنابلة ثلاثة أدلة
القول الثاني أنه لا يلزمها إلا الصلاة التي زال العذر فيها بدون ما يجمع إليها
دليلهم
ظاهر قالوا أن الأصل براءة الذمة والصلاة الأولى خرجت وهي غير مكلفة
الراجح في الحقيقة هذه المسألة كان عندي فيها نوع تردد لأنها قد تعارضت الأدلة فيها ثم تبين لي أن أن مذهب الحنابلة هو الصواب
ومذهب الحنابلة هو اختيار شيخ الإسلام
بل قال شيخ الإسلام لم ينقل عن صحابي خلافه أي خلاف هذا القول
فلما
ذكر شيخ الاسلام
ولمجموع أدلتهم
ولدليل مهم جداً وهو فتاوى التابعين
(1/268)
________________________________________
ولأن ضعف الآثار عن الصحابة يسير ينجبر بفتاوى تلاميذهم الذين هم في الغالب أنهم قد أخذوا العلم عنهم فكون التابعين كلهم يفتون لهذه الفتوى فهذا يوحي أنهم تلقوه عن الصحابة وهذا يشد من أزر الآثار التي فيها شيء من الضعف
لذلك كله بمجموع هذه القرائن والأدلة والاعتبارات يظهر لي أن المرأة إذا طهرت يجب عليها أن تصلي الصلاة وما يجمع إليها
فإذا
طهرت في العشاء صلت صلاة العشاء والمغرب
وإذا طهرت آخر العصر صلت صلاة الظهر وصلاة العصر مجموعتين
وأنها لاتبرأ الذمة إلا بذلك بالصلاتين معاً

ثم قال - رحمه الله -
ويجب فوراً قضاء الفوائت مرتبة، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة
ما زال المؤلف - رحمه الله - في المسائل المتعلقة بالوقت والتي لا تختص بوقت من الأوقات الخمسة بل تعم جميع الأوقات فقال - رحمه الله -
ويجب فوراً قضاء الفوائت
القضاء هو فعل العبادة بعد وقتها المحدد شرعاً
الفوائت بناء على هذا التعريف هي: الفرائض التي تصلى بعد خروج الوقت
ولا تسمى فائته الا بذلك أي بأن يصليها بعد خروج الوقت
• يقول - رحمه الله -
ويجب فوراً قضاء الفوائت
بعد أن عرفنا ما هي الفوائت ومتى تسمى صلاتها قضاء نأتي إلى أنه
يجب القضاء فوراً
الدليل على هذا
قول النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها
واللام في قوله لم لام الأمر والأصل في الأمر أنه للوجوب والأصل في أمر الوجوب أن يكون على الفور وهذا ستأخذونه في أصول الفقه مسألتان أن الأمر للوجوب وأن الوجوب للفور وأن هذا مذهب الجمهور وهو الصواب
إذاً الدليل هذا الحديث فليصلها إذا ذكرها
يستثنى من الفورية مسألة واحدة وهي أنه يجوز أن يؤخر تأخيراً يسيراً لمصلحه بهذه الضوابط
الدليل على هذا الاستثناء
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان في السفر ونام هو وأصحابه عن صلاة الفجر أمرهم بعد الاستيقاظ أن ينتقلوا إلى مكان آخر وقال هو مكان حضرنا فيه الشيطان فانتقلوا عنه إلى مكان آخر
(1/269)
________________________________________
فهذا التأخير الذي هو بسبب الانتقال تأخير يسير اقتضته المصلحة والمصلحة في الحديث وجود المكان الذي حضرهم فيه الشيطان فالتأخير لهذه المصلحة أو لغيرها من المصالح المعتبرة جائز بشرط أن يكون يسيراً

ثم قال - رحمه الله -
مرتباً
الترتيب هو أن يأتي بالفروض الخمسة مرتبة حسب تسلسلها
ووجوب الترتيب مذهب الحنابلة والمالكية والأحناف يعني مذهب الجمهور
إلا أن المالكية والأحناف يقولون يجب الترتيب إذا كانت خمس صلوات فأقل
والحنابلة يرون وجوب الترتيب مطلقاً
لكن وجوب الترتيب من حيث الجملة هو مذهب الجمهور
الأدلة
الدليل الأول قالوا ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق فاتته صلاة العصر وصلاها بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب فقدمها على الحاضرة فدل هذا على وجوب الترتيب
الدليل الثاني قوله - صلى الله عليه وسلم - صلوا كما رأيتموني أصلي وقد قضى الصلوات الأربع يوم الخندق التي فاتته مرتبتاً
القول الثاني في هذه المسألة للشافعية ونصلاه النووي ومال إليه ابن رجب ورجحه الشوكاني كل هؤلاء يرون أن الترتيب سنة وليس بواجب
الدليل
قالوا لا دليل على وجوب الترتيب ومن صلى الصلاة كما أمر فقد أتى بالواجب
القول الثالث مال إليه الشيخ الفقيه ابن مفلح في كتابه المحرر المفيد لطالب العلم الفروع أن الترتيب واجب ولكنه ليس شرطاً للصحة
فالأفوال ثلاثة فالمذهب يرون أنه واجب وهو شرط لصحة الصلاة والقول الثاني أنه سنة والأخير كما سمعتم أنه واجب ولكنه ليس شرطاً
فأي الأقوال أرجح؟
الجواب في الحقيقة هذه المسألة أيضاً فيها إشكال فإن الخلاف فيها قوي
لكن الأظهر اختيار ابن مفلح
لماذا؟
لأن اختياره تجتمع فيه الأدلة
يليه في القوة مذهب الشافعية لأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب
والله أعلم أي هذه الأقوال أقرب إلى الحق

ثم قال - رحمه الله -
ويسقط الترتيب بنسيانه
تقدم معنا مراراً أن طريقة الماتن - رحمه الله - عندما يقرر حكماً من الأحكام يذكر بعده الأحكام المستثناة من هذا الحكم العام
(1/270)
________________________________________
فيستثنى من وجوب الترتيب النسيان
لقوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا
ولقوله الرسول - صلى الله عليه وسلم - رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
فإذا صلى الإنسان فوائت وأخل بالترتيب فيها نسياناً فالصلاة صحيحة
وعلم من قول المؤلف أنه يسقط بالنسيان أنه لا يسقط بالجهل
وهذا هو مذهب الحنابلة أنه يسقط بالنسيان دون الجهل وهذا يفهم من كونه نص على النسيان دون الجهل
فالجهل لا يسقط عندهم به الترتيب
التعليل
أن الجاهل مقصر في التعلم فلا يعذر بترك الترتيب
والقول الثاني أن الجهل كالنسيان يعذر بهما المكلف لأن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - يسويان بين الجهل والنسيان
فالآية والحديث المذكوران فيهما الجهل والنسيان جميعاً لأن الخطأ من الجهل
وهذا القول الثاني اختاره شيخ الإسلام ولاشك في قوته
• ثم قال - رحمه الله -
وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة
إذا تذكر الإنسان فائته في آخر وقت الحاضرة وخشي أنه إن صلى الفائتة خرج وقت الحاضرة وجب عليه أن يخل بالترتيب وأن يبدأ بالحاضرة
لماذا؟
لدليلين
الأول أن تأخير الصلاة عن وقتها لا يجوز
الثاني أنه لو صلى الفائتة ثم خرج الوقت صارت الحاضرة أيضاً فائته
وكأن الشارع الحكيم والله أعلم يريد أن يعلم المسلم بمثل هذه الأحكام كيفية ترتيب الأولويات لأن كثيراً من الناس عنده خلط في ترتيب الأولويات
هنا قدم الشارع الحاضرة لأولويتها على الفائتة وإن كانت الفائتة أسبق زمناً ووجوداً
• ثم قال - رحمه الله -
ستر العورة
أي ومن الشروط ستر العورة
هكذا يعبر الفقهاء بقولهم ستر العورة وقد انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية انتقاداً شديدا هذا التعبير من الفقهاء وقال هذا التعبير ليس من ألفاظ الكتاب ولا من السنة كما أنه تعبير ليس مناسب ولا دقيق ولا صحيح
السبب
قال - رحمه الله - أن الستر الواجب في الصلاة يختلف عن الستر الواجب في باب النظر العورة طرداً وعكساً
ما معنى هذا؟
قال من أعضاء الجسد ما يجب ستره في الصلاة ولا يجب ستلاه خارج الصلاة
(1/271)
________________________________________
ومثل لهذا بالمنكب فالمنكب يجب أن يستر الصلاة ولا يجب أن يستر خارج الصلاة
الأذان
قال وأيضاً من الأعضاء ما يجب ستره خارج الصلاة ولا يجب أن يستر داخل الصلاة ومثل على هذا بوجه المرأة
فإن المرأة تكشف وجهها في الصلاة ويجب أن تستر وجهها عن الرجال الأجانب خارج الصلاة
فإذاٍ ليس هناك تناسب ولا اضطراد بين أحكام ستر العورة بباب النظر في الصلاة وبينها في باب النظر
ثم قال والله سبحانه وتعالى أمر في الصلاة بقدر زائد عن ستر العورة فقال {خذوا زينتكم عند كل مسجد}
فإذاً في الحقيقة هذا اللفظ ستر العورة منتقد كما قال شيخ الاسلام - رحمه الله - انتقاداً قوياً من أكثر من جهة
فهو غير دقيق
ولا يفي المقصود في باب الصلاة لأن الواجب أكثر من مسألة ستر العورة
• قال - رحمه الله -
ومنها ستر العورة
العورة في لغة العرب النقصان
وفي الاصطلاح تغطية ما يقبح إظهاره
إذاً الآن عرفنا ما معنى كلمة ستر العورة وما هي العورة وعرفنا أن هذا اللفظ الذي يذكره الفقهاء لفظ لا يعتبر دقيق ولا مستوفي لمقصود الصلاة
انتهى الدرس
(1/272)
________________________________________
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال - رحمه الله -:
ومنها ستر العورة.
أخذنا بالأمس عدة مباحث حول هذا اللفظ: - تعريفه. - وما انتقد فيه الفقهاء بإطلاقهم هذا اللفظ على هذا الشرط.
نأتي الآن إلى:
• قوله - رحمه الله -:
فيجب.
يجب على الإنسان أن يستر عروته إذا أراد أن يصلي.
والدليل على هذا الشرط من وجوه:
- الأول: قوله تعالى " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد " وأخذ الزينة يشمل ستر العورة وزيادة.
- والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه في صحيح البخاري " النهي عن الطواف عرياناً " والصلاة أولى من الطواف.
- والثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " وهذا فيه خلاف كثير:
= فمن أهل العلم من يصححه مرفوعاً.
= ومنهم من يعله بالإرسال.
والصواب أنه مرسل.
(1/273)
________________________________________
- الدليل الأخير: الإجماع. فقد حكي الإجماع على وجوب ستر العورة وأن من صلى كاشفاً العورة مع القدرة والاستطاعة فصلاته باطلة.
هذه أربعة أدلة تثبت وجوب ستر العورة.

ثم قال - رحمه الله -:
فيجب بما لا يصف بشرتها.
يجب أن يستر الإنسان جسده بساتر لا يصف البشرة.
ومعنى يصف البشرة: أن يظهر اللون من بياض أو سواد من تحت هذا الساتر.
التعليل:
- أن الستر بما يصف البشرة لايعتبر ستراً حقيقياً.
ـ وعلى مقتضى كلام الفقهاء إذا لبس الإنسان ثوباً يستطيع الإنسان أن يعرف لون البشرة منه فالصلاة غير صحيحة.
لكن بعض الناس يخلط: فيظن أنه يستطيع أن يعرف لون البشرة من تحت الثوب بسبب أنه يشاهد لون بشرة اليد والوجه من الرجل ولو سترتا ربما لا يستطيع أن يتبين هل لون البشرة أسود أو أبيض أو غير ذلك.
لكن إن كان يستطيع أن يتبين اللون من خلف الثوب فالستر لم يحصل وهذا الشرط تخلف.
ـ مسألة / هل يجب أن يكون الساتر غير مبين للحجم؟
الجواب: لا يلزم من الساتر أن يكون غير مبين للحجم.
- لأن هذا مما يتعذر فإن الإنسان في حال السجود والركوع يتبين الحجم منه.
وهذا نص عليه الحنابلة: أنه لا يلزم من الساتر أن لا يبين الحجم.
إذاً عرفنا الآن صفة الساتر. وهو الذي يريد المؤلف أن يبينه.
ثم بدأ المؤلف - رحمه الله - بالعورات مفصلة:
• فقال - رحمه الله -:
وعورة رجل من السرة إلى الركبة.
عورة الرجل من السره الى الركبة. وليسا منها على:
= المذهب: يعني: أن السرة والركبة ليسا من العورة.
الدليل على هذا التحديد:
- حديث جرهد الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " غطي فخذك فإن الفخذ عورة ".
هذا الحديث إسناده ضعيف لكن له شواهد كثيرة تقويه - في الحقيقة - وصححه البيهقي. وإن كان البخاري ضعفه.
- الدليل الثاني: حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مابين السرة والركبة عورة ".
والدليل على أن الركبة ليست من العورة:
- ما صح عن عثمان رضي الله عنه أنه دخل على - صلى الله عليه وسلم - وهو كاشف عن ركبته.
والدليل على التحديد أيضاً:
- الحديث السابق " مابين السرة والركبة عورة ". فما بينهما هو العورة وهما ليسا من العورة.
(1/274)
________________________________________
= القول الثاني: للظاهرية. ان العورة الفرجان فقط.
والدليل:
- حديث أنس الصحيح - في صحيح البخاري ومسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " حسر عن فخذه يوم خيبر " وفي لفظ انحسر - في اللفظ الأول أن الذي حسره هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي اللفظ الثاني أنه انحسر من غير أن أي يحسره هو - صلى الله عليه وسلم -.
- الدليل الثاني: حديث عائشة أن - صلى الله عليه وسلم - " جلس مع أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وهو كاشف عن فخذيه ". وفي رواية: وهو كاشف عن فخذيه أو ساقيه. كأنها شكت. هي أو أحد الرواة.
الراجح - والله أعلم - ما نصره النووي وهو المذهب أن الفخذ عورة:
- أولاً: لأن أحاديث الباب وإن كان فيها ضعف لكنها تتقوى بشواهدها.
- ثانياً: أن حديث أنس - رضي الله عنه - وحديث عائشة الذي استدل بهما أصحاب القول الثاني يدخلهما الاحتمال.
فالاحتمال يدخل على حديث أنس من حيث قوله انحسر أو حسره وإذا كان انحسر من حاله فلا دليل فيه لأن الإنسان حال الحرب وركوب الفرس قد ينحسر عن الثوب من غير إرادته فلا دليل فيه.
وأما الاحتمل في حديث عائشة ففي لفظ: عن فخذيه أو ساقيه.
ومع الا حتمال لا يصح الاستدلال.
وقد لخص البخاري - رحمه الله - هذه المسألة تلخيصاً حسناً جداً فقال - رحمه الله -: حديث جرهد أحوط وحديث أنس أسند خروجاً من خلافهم - هكذا قال. وهذه في الحقيقة عبارة تلم شعث المسألة.
- بناء على هذا: لا يجوز للإنسان أن يكشف فخذه فهو عورة لا يجوز له هو أن يكشفه ولا يجوز للآخرين أن ينظروا إليه منه فهو يعتبر عورة.
ولا شك أن العورة تنقسم إلى:
- مخففة.
- ومغلظه.
فهذا مما لا يشك فيه عادة.
فسواء كان مغلظة: وأسفل الفخذ وما قرب من الركبة مخففة لكن التفاوت بين العورة لا يعني أن لا نعتبر كل الفخذ عورة وإن تفاوت الإثم في كشف بعضه.
وبهذا تبين معنا حد عورة الرجل.
• ثم قال - رحمه الله -:
وأمةٍ.
الأمة:
= عند الحنابلة عورتها كعورة الرجل من السرة إلى الركبة.
استدلوا على هذا:
- بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إذا زوج أحدكم أمته فلا ينظر إلى مابين السرة والركبة منها ".
(1/275)
________________________________________
= القول الثاني: إنها كالحرة. وهذا اختاره ابن حزم - رحمه الله - وشيخ الاسلام - رحمه الله - في باب النظر.
= والقول الثالث: أن عورة الأمة بالنسبة للرجال الأجانب كعورة المحارم بالنسبة إلى محارمهن ينظر اليها إلى ما يظهر غالباً: كالوجه واليدين ونحوهما وأسفل الساقين. يعني يجوز أن ننظر من الأمة ما يجوز للرجل أن ينظر إلى محارمه.
كم صار في المسألة من قول؟
ثلاثة أقوال. أضعفها المذهب.
وفيه تردد بين القولين في الحقيقة لكن اختيار ابن حزم وجيه جداً وهو أنه في باب النظر الأمة كالحرة تماماً لا يجوز لها أن تظهر إلى الشارع إلا سترت ما تستر الحرة. وسيأتيا الخلاف في الحرة.
• ثم قال - رحمه الله -:
وأم ولدٍ ومعتقٍ بعضها.
- أم الولد هي: الأمة التي ولدت لسيدها. فإذا ولدت لسيدها فتعتبر أم ولد.
وحكمها: أنها أمة ما دام السيد حياً فإذا مات صارت حرة.
- والمعتق بعضها: هي الأمة المملوكة لأكثر من شخص إذا أعتق بعضهم نصيبه. فإذا كانت مملوكة لشخصين وأعتق أحدهما نصيبه صارت الأمة مبعضه نصفها حر ونصفها رقيق. هذه هي المبعضة.
دليل الحنابلة:
- أنهما - أي أم الولد والمبعضة - تعتبران أمة فإلى الآن لهما حكم الرق.
= والقول الثاني: أنهما كالحرة.
وإذا كنا نقول في الأمة الخالصة أن الأقرب أنها كالحرة فكيف بأم الولد والمبعضة فلا شك أن الراجح هو: القول الثاني وأنها كالحرة.
• قال - رحمه الله -:
من السرة إلى الركبة.
هذا بيان لعورة الرجل والأمة وأم الولد والمعتق بعضها.
• ثم قال - رحمه الله -:
وكل الحرة عورة إلا وجهها.
تقدم معنا أن ستر العورة يبحث في بابين:
- في باب النظر.
- وفي باب الصلاة.
نحن الآن سنتحدث عن عورة المرأة في الصلاة. وأما عورة المرأة في النظر مسألة طويلة وليس هذا مكان الكلام عنها وإن كان الراجح بلا إشكال ولا تردد وهو اختيار شيخ الاسلام - رحمه الله - وغيره من المحققين وجوب ستر الوجه لعدة أدلة من الكتاب والسنة وهي نصوص صريحة واضحة في وجوب تغطية المرأة لوجهها عند الرجال الأجانب مع وجود الشواهد من الواقع الدالة على صحة مذهب القائلين بوجوب ستر الوجه.
(1/276)
________________________________________
لكن نحن لا نريد الدخول في التفصيل في هذه المسألة وإنما نتكلم الآن عن الصلاة.
فنقول: عورة المرأة في الصلاة:
- بالنسبة للوجه أجمع الفقهاء على أن الوجه ليس عورة في الصلاة فيجوز أن يُكشف وهذا لا إشكال فيه.
- إذا الإشكال في اليدين والقدمين.
فلو أردنا نفصل في المرأة فنقول:
- القسم الأول من المرأة: الوجه.
- والقسم الثاني: اليدين والقدمين.
- والقسم الثالث: باقي الجسد.
فالوجه وباقي الجسد بالإجماع يجب أن يسترا في الصلاة.
إذا ً الإشكال في اليدين والقدمين. ففيهما خلاف:
= فعلى مذهب الحنابلة: يجب أن يسترا في الصلاة.
واستدلوا بدليلين:
- الدليل الأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " المرأة عورة ".
واختلف في هذا الحديث تصحيحاً وتضعيفاً. والصواب أنه منقطع لا يثبت مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- الدليل الثاني: حديث أم سلمة أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أتصلي أحدنا بدرع وخمار بلا إزار فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها ".
فنص على تغطية القدمين واختلف اختلاف كثير في هذا الحديث: فمنهم من يصححه مرفوعاً ومنهم من يعله بالوقف أي أنه فتوى من أم سلمة والصواب: أنه موقوف وأعله بهذا عدد من الأئمة.
عرفنا الآن مذهب الحنابلة في اليدين والقدمين وعرفنا أدلتهم.
= القول الثاني: أن اليدين والقدمين ليسا عورة في الصلاة.
الدليل:
- قالوا: لا يجب بالإجماع على المرأة الجلباب داخل البيت. وإذا لم يجب عليها أن تلبس الجلباب فستصلي بثوبها وبهذا تنكشف غالباً اليدين والقدمين. ولا يعلم في عهد الصحابة إلزام النساء داخل البيوت بلبس الجلباب.
والأقرب - والله أعلم - القول الثاني: أنه لا يجب على المرأة حال الصلاة أن تغطي يديها ورجليها.
(1/277)
________________________________________
وهذا في باب المدارسة العلمية وإلا فلا شك أنه ما ينبغي للمرأة أنها إذا أرادت أن تصلي وهي تستطيع أن تستر يديها وقدميها إلا أن تصلي وهما مستوران احتياطاً لهذه العبادة العظيمة وهي الصلاة لكن من حيث البحث العلمي والأدلة فالراجح أنه لا يجب على المرأة أن تستر اليدين والقدمين أثناء الصلاة فإذا سجدت أن ركعت وانكشف من القدمين شيء أو من اليدين فالصلاة صحيحة.
بل إن صلت بقميصها وخمارها فقط في البيت بأن غطت الشعر وسائر الجسد ولم يخرج منها إلا الوجه واليدين والقدمين فالصلاة صحيحة إن شاء الله بلا توقف ولله الحمد.
لكن إذا أردات أن تحتاط فيجب أن تغطي القدمين واليدين.
إذاً انتهينا من قوله: (وكل الحرة عورة إلا وجهها).
- وإذا صلت بحضرة الرجال فترجع إلى أصل المسألة وهو وجوب ستر الوجه عند الأجانب.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويستحب صلاته في ثوبين.
استفدنا من هذه العبارة حكمين:
- الأول: أنه يستحب أن يصلي في ثوبين.
- الثاني: أنه لا يجب على الإنسان أن يصلي في ثوبين ويجوز أن يصلي في ثوب واحد.
أما دليل استحباب الصلاة في ثوبين - رداء وإزار أو قميص وإزار - أي ثوبين -:
الدليل:
- أولاً: الإجماع.
- ثانياً: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا كان يصلي فقد كان يصلي بثوبين - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الدليل على عدم الوجوب:
- ما صح عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه أصلي أحدنا في الثوب الواحد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم أولكلكم ثوبان ".
- وأيضاً صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى أحياناً بثوب واحد.
فإذاً يسن ولا يجب أن يصلي في ثوبين.
• ثم قال - رحمه الله -:
ويجزئ ستر عورته في النفل ومع أحد عاتقيه في الفرض.
استفدنا من هذه العبارة عدة أمور:
- أولاً:
= أن المذهب يفرقون بين النفل والفرض.
فيجب في الفرض مع ستر العورة التي بينها المؤلف - رحمه الله - أن يستر أيضاً أحد العاتقين.
ويجزئ في النفل خاصة أن يصلي ساتراً لعورته وأن لم يستر أحد العاتقين.
إذاً الفرق بين النفل والفريضة - بين النافلة والفريضة عند الحنابلة هو في ستر العاتق فيجب في الفرضيضة ولا يجب في النفل.
الدليل على هذا التفريق:
(1/278)
________________________________________
- قالوا: أن الشارع الحكيم رخص وسهل في النافلة ما لم يسهل في الفريضة ومن ذلك أنه أجاز في النافلة في السفر الصلاة إلى غير القبلة وأجاز في النافلة أن يصلي الإنسان قاعداً من غير عذر ولا يجوز في الفريضة.
فتبين أن الشارع رخص وسهل في النافلة ما لم يرخص ويسهل في الفريضة.
= القول الثاني - في هذه المسألة -: أن الفريضة والنافلة حكمهما واحد فما ثبت في النافلة ثبت في الفريضة إلا ما دل الدليل على التفريق بينهما.
وهذا القول هو الصواب أنه لا فرق بين النافلة والفريضة إلا بدليل خاص يفرق بينهما.
نحن قلنا أنه يستفاد من عبارة المؤلف - رحمه الله - مسألتين فتقدمت الأولى والثانية هي وجوب ستر أحد العاتقين.
- فالمسألة الثانية:
وجوب ستر أحد العاتقين في الفريضة.
الدليل:
- قالوا صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقة منه شيء وفي لفظ ليس على عاتقيه منه شيء ".
فدل الحديث على أنه منهي عن الصلاة مع كشف العاتقين (فقط) (فما نقول أو أحدهما) وإذا ستر أحد العتقين جاز.
الدليل هو هذا الحديث الذي سمعتم لأنه في اللفظ المشهور على: (على عاتقه). وفي اللفظ الآخر: (على عاتقيه). فأخذوا بلفظ: (على عاتقه).
= وهذا من مفردات الحنابلة. فالإمام أحمد - رحمه الله - أخذ بهذا الحديث.
= والقول الثاني: للجمهور من السلف والخلف: أنه لا يجب ستر أحد العاتقين. وإنما يسن.
- لحديث جابر الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: " إذا أراد أن يصلي في ثوب واحد إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به ".
وجه الاستدلال: أنه إذا كان ضيقاً واتزر به لم يبق منه شيء على عاتقه.
والقول الثاني - مذهب الجماهير - هو الصواب لصحة حديث جابر - رضي الله عنه -.
والجمع بين الأحاديث أن ستر العاتق سنه لكنه سنة متأكدة جداً لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أن يصلي الرجل وقد كشف عاتقه.
تبين الآن معنا أنه:
= عند الحنابلة يجب أن يستر الإنسان إذا أراد أن يصلي جزأين:
- الأول: العورة.
- والثاني: أحد العاتقين.
= والجمهور: يجب على الإنسان أن يصلي أن يستر شيئاً واحداً وهو:
- العورة.
(1/279)
________________________________________
ماهي العورة؟ هذا محل خلاف - كما سمعتم.
• ثم قال - رحمه الله -:
وصلاتها في درع وخمار وملحفة ويجزئ ستر عورتها.
يعني يستحب للمرأة أن تصلي في هذه الأثواب الثلاثة.
الدليل:
- أنه صح عن عمر - رضي الله عنه - أنه أفتى بهذا - أنه يستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب.
- وكذلك روي عن أم سلمه وعائشة وهما من فقيهات الصحابيات.
إذاً يسن للمرأة أن تصلي في هذه الأثواب الثلاثة.
• قال - رحمه الله -:
في درع.
- فالدرع: هو: القميص - هو الذي نسميه القميص. لكن يقول الإمام أحمد: القميص لا يسمى درعاً إلا إذا كان سابغاً.
إذاً الدرع إذا أردنا أن نعرفه تعريفاً دقيقاً نقول: هو القميص السابغ.
فالقميص القصير لا يسمى درعاً.
• ثم قال - رحمه الله -:
وخمار.
- الخمار: هو ما تضعه المرأة على رأسها وتديره من عند حنكها مغطية به شعرها. - والخمار واضح ما هو.
• ثم قال - رحمه الله -:
وملحفة.
- الملحفة: هو الثوب الذي يلبس فوق القميص. يعني: فوق الدرع بحيث يلف على الجسد فوق الدرع وهو يشبه إلى حد كبير ما نسميه العباءة.
ونلاحظ أن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - لم يذكر الإزار. فإذا صلت المرأة بخمار وملحفة ودرع دون إزار فقد أتت بما يستحب ولها الأجر كامل إن شاء الله.

ثم قال - رحمه الله -:
ويجزئ ستر عورتها.
يعني أنه يجوز أن تصلي بثوب واحد إذا كان هذا الثوب يستر جميع العورة.
= وهي على المذهب: كل البدن إلا الوجه.
لذلك نقول إذا أرادت المرأة أن تصلي بثوب واحد كما يقول المؤلف - رحمه الله -: (ويجزئ بثوب واحد). فيجب أن يكون هذا الثوب سابغاً ليغطي اليدين والقدمين.
فإن صلت بثوب واحد وإن كان يجوز عند الفقهاء لكن إن صلت بثوب واحد لا يغطي كل الجسد فالصلاة غير صحيحة فيجب أن تراعي إذا أرادت أن تصلي بثوب واحد أن يكون هذا الثوب سابغاً يغطي كل الجسد بما في ذلك اليدين والقدمين.
وهذا مقصود المؤلف - رحمه الله - هنا بقوله: (ويجزئ ستر عورتها).
الدليل: - الحديث السابق - حديث أم سلمة أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أتصلي إحدانا بدرع وخمار بلا إزار قال: نعم. إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها.
(1/280)
________________________________________
وإذا صلت بدرع وخمار فتعتبر صلت بثوب واحد بالنسبة للبدن. يعني: بدون ملحفة تلحف به سائر الجسد.
- بناء على هذا التقرير: إذا صلت المرأة - كما قلت لكم - بقميصها المنزلي مع تغطية الشعر فصلاتها صحيحة إذا كان يغطي كل الجسد فيما عدا القدمين واليدين.
• ثم قال - رحمه الله - مفصلاً لما ينكشف وما لا ينكشف:
ومن انكشف بعض عورته وفحش: أعاد.
انكشاف العورة - أثناء الصلاة ينقسم إلى أقسام:
- القسم الأول:
أن يكون انكشافاً يسيراً في زمن طويل بلا قصد. فهنا تصح الصلاة.
- لحديث عمرو ابن سلمة قال " كنت أؤم قومي وعلي بردة مشقوقة فإذا سجدت انكشفت " وفي رواية: فقال وقالت امرأة من النساء غطوا عنا سوءة قارئكم.
وهذه القصة حدثت في عهد التشريع ولم تنكر. فدلت على صحة صلاة من انكشفت عورته بلا قصد انكشافاً يسيراً في زمن طويل.
- القسم الثاني:
أن تنكشف انكشافاً كثيراً لكن في زمن قصير - عكس الأولى - وأيضاً من غير قصد: فهذا صلاته صحيحة.
- للحديث السابق.
- القسم الثالث:
أن تنكشف العورة بقصد سواء كان يسيراً بزمن طويل أو بأي كثيراً بزمن قصير أو بأي تفصيل فأي انكشاف للعورة بقصد فيبطل الصلاة.
التعليل: - لأن هذا مما يمكن التحرز عنه.
- ولأن هذا المصلي متلاعب.
فصلاته باطلة. وهذا إن شاء الله لا يقع من مسلم.
- القسم الأخير:
أن تنكشف العورة انكشافاً كثيراً في زمن طويل. فهذه أيضاً تبطل الصلاة ولو كان بغير قصد.
لماذا؟ - لأن الرخصة جاءت في الانكشاف اليسير وما عداها يبقى على الأصل وهو أن انكشاف العورة يبطل الصلاة بتخلف هذا الشرط.
إذاً: إذا تأملت في هذه الأقسام الأربعة فستجد أنه لا يخرج شيء من انكشاف العورة عن هذه الأقسام الأربعة.
ففي الصورة المشهورة:
لو هبت الريح ورفعت ثوب الإنسان إلى أن خرج أحد الفخذين أو خرج الفخذان فحكم صلاته: جائزة. - لان هذا من غير قصد. - ثم هو بزمن يسير.
وكذلك: لو كان زمن طويل لكن الانكشاف يسير.
إذاً: ومن انكشف بعض عورته وفحش: أعاد. عرفنا التفصيل في الانكشاف.
• قوله - رحمه الله -:
وفحش.
ماهو ضابط الانكشاف الفاحش وغيره؟
الجواب: أنه يرجع فيه إلى أمرين:
- الأول: العرف.
(1/281)
________________________________________
- والثاني: موضع الانكشاف. فانكشاف السوءة ليس كانكشاف ماقرب من الفخذ. فالأول فاحش ولو قل. والثاني يسير.
إذاً نعتبر الفحش وعدمه: بأمرين: العرف وموضع الانكشاف.

ثم قال - رحمه الله -:
أو صلى في ثوب محرم عليه.
إذا صلى الإنسان في الثوب المحرم بطلت الصلاة: = عند الحنابلة.
مثاله:
1 - أن يصلي في ثوب من حرير.
2 - أو يصلي في ثوب مغصوب.
3 - أو يصلي في ثوب وقد أسبل فيه.
فهؤلاء صلاتهم عند الحنابلة باطلة.
والقول ببطلان الصلاة بهذه الصور من مفردات المذهب لكن اختاره شيخ الإسلام.
الدليل:
(((الأذان))).
انتهى الدرس
(1/282)
________________________________________
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال - رحمه الله -
أو صلى في ثوب محرم عليه يعني أعاد
ذهب الحنابلة رحمهم الله إلى أنه إذا صلى المصلي بثوب محرم فإن الصلاة لا تصح ويجب عليه أن يعيد
وهذا القول من مفردات مذهب الإمام أحمد - رحمه الله -
ومن أمثلة الثوب المحرم
الثوب المنسوج بذهب
أوالمغصوب
أو ثوب الحرير
أو المسبل
هذه أبرز الأمثلة على الثياب المحرمة
استدل الحنابلة على هذا الحكم
بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد وصلاته بهذا الثوب ليس عليها أمرالله ولا رسوله
واستدلوا
بأن قيام المصلي وقعوده قربة وكونه في هذا الثوب معصية ولا تجتمع في فعل واحد قربة ومعصية
واستدلوا أيضا بأحاديث
منها قوله - صلى الله عليه وسلم - لا يقبل الله صلاة مسبل نسأل الله العافية والسلامة هذا الحديث الأقرب أنه ضعيف ولكن ضعفه ليس شديداً
واستدلوا
بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من اشترى ثوباً بعشرة دراهم فيها درهم واحد محرم لم تصح الصلاة في الثوب وهذا الحديث ضعيف هو أشد ضعفاً من الحديث السابق
واختار هذا القول من المحققين شيخ الاسلام بن تيمية - رحمه الله -
(1/283)
________________________________________
والقول الثاني وإليه ذهب الجمهور أن الصلاة الثوب المحرم محرمة وصاحبها آثم ولكن الصلاة صحيحة
لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة وإنما يعود إلى أمر خارج عن الصلاة فإن لبس الثوب المحرم لا يجوز في الصلاة وفي خارج الصلاة
إذاً عرفنا الآن حكم الصلاة في ثوب محرم وهي مسألة مهمة ويتلبس بها كثير من الناس
والخلاف السابق المذكور في الصلاة في الثوب المحرم يتنزل على من صلى ذاكراً عامداً فإن صلى ناسياً أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة بالإجماع
• ثم قال - رحمه الله -
أو نجس أعاد
لا يجوز أن يصلي الإنسان بثوب نجس مع قدرته على غيره
لأنه بذلك أخل بشرط من شروط الصلاة وهو اجتناب النجاسة ولا يتصور أن مسلماً يفعل هذا بأن يصلي بثوب نجس مع وجود ثوب طاهر
ولكن هناك مسالة هي التي تحتاج إلى إيضاح وهي:
حكم الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره؟
ذهب الحنابلة والمالكية إلى أنه يصلي بهذا الثوب
لأن شرط ستر العورة أهم من شرط اجتناب النجاسة
ولأن هذا غاية قدرته
إلا أن الحنابلة قالوا يصلي ويعيد
والقول الثاني أنه لا يعيد الخلاف الآن داخل مذهب الحنابلة واختاره جمع من المحققين الحنابلة منهم المجد - رحمه الله - جد شيخ الإسلام ابن تيمية
القول الثاني وهو مذهب الشافعية أنه يصلي عريانا
لأنه غير قادر على شرط ستر العورة شرعاً لا حساً لأن الثوب المتنجس شرعاً لا يستتر به لا حساً لأن الثوب موجود حساً لكنه متنجس
القول الثالث أنه مخير
لأنه لا بد أن يترك واجباً في الصورتين وهو مذهب الأحناف
والراجح مذهب المالكية بل لا إشكال في رجحانه فيصلي في الثوب النجس الذي لا يجد غيره ولا يصلي عرياناً ولا يعيد
عرفناً الآن بما سبق حكم الصلاة في الثوب المحرم وحكم الصلاة في الثوب النجس إذا وجد غيره وإذا لم يجد غيره

ثم قال - رحمه الله -
لا من حبس في محل نجس
هذا استثناء من الصلاة في الثوب النجس أو في البقعة النجسة
فإذا حبس الإنسان في بقعة نجسة فإنه يجوز له أن يصلي
لقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} التغابن
(1/284)
________________________________________
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم
هذا إذا لم يكن في المحل المحبوس فيه مكان طاهر يصلي فيه
فإن كان وجب أن يصلي في هذا المكان الطاهر
• ثم قال - رحمه الله -
ومن وجد كفاية عورته سترها
أي وترك غيرها
والمقصود بالمتروك هنا المنكبين فيستر العورة ويترك المنكبين
وتقدم معنا ما هي عورة الرجل عند الحنابلة؟
وهي ما بين السرة والركبة بنص المؤلف - رحمه الله -
فإذا لم يجد الإنسان إلا سترة تكفي ما بين السرة والركبة ولا تكفي المنكبين فإنه يستر ما بين السرة والركبة ويترك المنكبين
التعليل
لأن ستر هذا الجزء آكد
ولأنه يجب أن يستر في الصلاة وخارج الصلاة بخلاف المنكبين فانه يجب أن يستر داخل الصلاة فقط
• ثم قال - رحمه الله -
وإلا فالفرجين
يعني وإلا يجد سترة تكفي لستر العورة فيستر الفرجين يبدأ بهما ويترك ما عداهما مما بين السرة والركبة
الدليل
لأنهما أفحش
ولأنه لا خلاف في وجوب الستر لهما كما تقدم معنا لم يختلف الفقهاء بجوب ستر العورتين الفرجين

ثم قال - رحمه الله -
فإن لم يكفهما فالدبر
يعني إذا وجد ثوباً لا يكفي لستر الفرجين فيستر الدبر مقدماً له على القبل
والتعليل
قالوا أن المصلي إذا سجد انفرج عن الدبر فظهرت العورة فوجب أن يقدم الدبر بالستر
والقول الثاني أنه يجب أن يقدم القبل لأمرين
الأول أنه يستقبل القبلة بالقبل لا بالدبر
والثاني أن الدبر مستور بالأليتين
ومال إلى هذا القول الشيخ المحقق المرداوي - رحمه الله -
القول الثالث أنه مخير فإن شاء ستر القبل أو الدبر
والأقرب في هذه الصورة نسأل الله العافية والسلامة وأنه لا تحصل لمسلم القول الثاني
وهذا في القديم كان يحصل كثيراً بسبب كثرة قطاع الطرق كانوا يأخذون من المساقر كل شيء حتى لباسه فتقع هذه المسالة بالنسبة للمسافرين الذين يهجمون عليهم قطاع الطريق بكثرة في القديم أما في وقتنا هذا مع الأمن والرخاء فالحمدلله تكاد لا توجد هذه المسألة في بلادنا
• ثم قال - رحمه الله -
وإن أعير سترة لزمه قبولها
(1/285)
________________________________________
مقصود المؤلف إذا أعير من غير طلبه فإنه يجب والحالة هذه أن يقبل وجوباً السترة
أي يجب على المصلي الذي لا يجد ما يستر به عورته إذا أعير من غير طلب منه أن يقبل هذه الإعارة ويستر عورته
وفهم من كلام المؤلف أنه لا يلزمه ستر العورة في صورتين
الأولى إذا أهدي أو أعطي هبة فإنه لا يلزمه أن يقبل ولو بقي مكشوف العورة لما في الهبة من المنة التي تثقل بخلاف العارية من غير طلب فإنه ليس فيها منه عادة يعني في عرف الناس
الثانية لا يلزمه أن يطلب عارية ولو ظن قبول المطلوب
إذاً متى يلزمه؟
في صورة واحدة هي إذا أعير من غير طلب منه فقط
والقول الثاني أنه يجب عليه وجوباً أن يسعى في تحصيل السترة سواء بطلب العارية أو بأن يعطى هدية أو هبة ويحرم عليه أن يرد هذه الهبة أو الهدية ويجب عليه أن يطلب العارية
التعليل
أن العار والضرر في بقائه مكشوف العورة أشد من العار في الهبة والعطية وطلب العارية
هذا القول الثاني هو الراجح بلا إشكال ومن ترك طلب العارية فهو آثم ومن رد الهبة فهو آثم في هذه الصورة على القول الثاني
ثم قال - رحمه الله - استكمالاً لأحكام العراة في الصلاة
ويصلي العاري قاعدا بالإيماء استحباباً فيهما
يصلي قاعداً أي مع الانضمام وعدم التربع ليحصل بهذا الجلوس ستر العورة
• ثم قال - رحمه الله -
ويصلي استحبابا فيهما
الضمير يعود على الركوع والسجود
قاعداً فيهما أي في الركوع والسجود
والدليل على أنه يستحب له أن يصلي قاعداً
الأثر المروي عن عبدا لله بن عمر رضي الله عنهما أن العراة يصلون قعوداً
ثانياً أن ستر العورة آكد من القيام بدليل سقوط القيام في النافلة وعدم سقوط الستر فيها فهذا دليل على أن ستر العورة آكد من القيام
انتهينا الآن من مذهب الحنابلة
القول الثاني للمالكية والشافعية أنه يجب أن يصلي قائماً ولو صلى عرياناً
الدليل
قالوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً
وهذا المصلي يستطيع أن يصلي قائماً وإن كان عرياناً
(1/286)
________________________________________
والجواب أنه ليس صحيحا أن العريان يستطيع أن يصلي قائماً لأنه يلحقه مشقة وحرج وعار بصلاته قائماً وهو عريان
فقولهم يستطيع غير صحيح
القول الثالث أنه يجب وجوبا أن يصلي قاعداً
الحنابلة ماذا يقولون؟
يستحب وأخذنا أدلتهم
الثالث يجب وجوباً أن يصلي قاعداً
لأن صلاته قائماً تؤدي إلى انكشاف العورة
ملخص الأقوال
القول الأول يستحب أن يصلي قاعداً
القول الثاني يجب أن يصلي قائماً
القول الثالث يجب أن يصلي قاعداً
أي هذه الأقوال أرجح؟
وعلى كل حال كما ترون هي: المسالة فيها تردد
شيخ الإسلام في شرح العمدة رجح الأول أنه يستحب
والذي يظهر والله أعلم رجحان القول الثالث
السبب
أن من صلى قائماً مع انكشاف عورته فإنه غالباً لن يخشع ولن يطمئن في هذه الصلاة لانشغاله بانكشاف عورته وما دام الرخصة جاءت من الشارع فنأخذ بها
• ثم قال - رحمه الله -
ويكون إمامهم في وسطهم
ما زال المؤلف - رحمه الله - في سياق صلاة العراة
يقول - رحمه الله - يكون إمامهم وسطهم يؤخذ من هذه العبارة
وجوب صلاة الجماعة على العراة
وهو مذهب الحنابلة
لأنه إذا أوجب الشارع صلاة الجماعة في حال الحرب في صلاة الخوف فمن باب أولى هنا
ولأنه لا عذر لهم في ترك الجماعة
والقول الثاني أنهم يصلون فرادى إلا في الظلمة فيصلون جماعة
والأقرب مذهب الحنابلة لأنه مادام سيصلون جلوساً فلا حرج في صلاتهم جماعة
ويكون إمامهم وسطهم على سبيل الوجوب
فإن صلى أمامهم بطلت صلاته
لان صلاته أمامهم تؤدي إلى انكشاف عورته
القول الثاني يجوز أن يصلي أمامهم
والأقرب المذهب

ثم قال - رحمه الله -
ويصلي كل نوع وحده
أي يصلي الرجال وحدهم والنساء وحدهن ولا يصلون جماعة كالمعهود في المساجد
التعليل
أن النساء إذا صلين خلف الرجال أدى إلى رؤية عوراتهن وإن صلين مع الرجال يعني في صف واحد خالفن في السنة في موقف المرأة لأن صفوف النساء يجب أن يكن خلف صفوف الرجال
هذا التعليل الأول لمسألة أنه يصلي كل نوع على حده
(1/287)
________________________________________
التعليل الثاني دراءً للفتنة الحاصلة بذلك بين الرجال والنساء
إذاً إذا اجتمع العراة رجالاً ونساءًكيف يصلون؟
الجواب يصلي الرجال أولاً على حده
ثم يصلي النساء على حدة إما في وقتين أو في وقت واحد الأمر سيان يجوز أن يصلين في نفس الوقت الذي يصلي فيه الرجال أو بعدهم الأمر واحد
ما لم يترتب على تأخير صلاة النساء جماعة مفسدة أخرى حينئذ يجب أن يصلوا جماعة الرجال وجماعة النساء في وقت واحد
• ثم قال - رحمه الله -
فإن شق صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا
فإن شق يعني أن يصلوا هؤلاء وحدهم وهؤلاء وحدهم بسبب ضيق المكان بحيث لا يتسع أن يصلي مجموعة الرجال على حدة ومجموعة النساء على حدة في وقت واحد فيصلون كما ذكر المؤلف - رحمه الله -
يصلون أولاً الرجال في حال استدبار النساء لهم
ثم إذا انتهى الرجال من الصلاة استدبروا النساء وصلين وحدهن هذا في حيال ضيق المكان
إذاً عرفنا الآن كيف يصلي العراة وكيف يصلي العراة إذا كان فيهم نساء وكيف يصلي العراة إذا كان فيهم نساء والمكان ضيق وبهذا اكتمل حكم مجموعة صلاة العراة وأيضاً حكم المصلي عارياً لوحده نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يوقع هذا على مسلم

ثم قال - رحمه الله -
فإن وجد سترة قريبة في أثناء الصلاة ستر وبنى
إذا وجد المصلي عرياناً سترة قريبة منه إما بأن يتذكر سترة كان نسيها أو بأن يحضر له شخص سترة جديدة فالمهم في أي صورة من الصور إذا وجد سترة قريبة عرفاً وجب عليه أن يستر نفسه ويبني على صلاته
ومعنى يبني أنه لا يجب عليه أن يستأنف بل يتناول السترة ويستر نفسه ويتم صلاته
التعليل
أن هذا عمل يسير للحاجة لا يضر في استمرار الصلاة
القول الثاني أنه يجب عليه أن يستأنف بحيث ينصرف عن الصلاة ويستر نفسه ويبدأ الصلاة من جديد
التعليل
أنه استطاع أن يحصل شرط الصلاة وهو ستر العورة فوجب عليه أن يستأنف به الصلاة كما إذا حضر الماء والمتيمم في الصلاة
إذاً الأحناف يقولون إذا حضرت السترة فإنه يجب عليه أن ينصرف من الصلاة فيستر نفسه ويبدأ الصلاة من جديد
(1/288)
________________________________________
لأنه شرط استطاع أن يحصله فوجب أن يصلي به مستأنفاً قياساً على المتيمم إذا حضر الماء في أثناء الصلاة
والأقرب والله اعلم القول الأول وهو مذهب الحنابلة
• ثم قال - رحمه الله -
وإلا ابتداء
أي وإن كانت السترة بعيدة عرفاً وتحصيلها يستلزم حركة كثيرة فإنه يجب عليه أن ينصرف من الصلاة ويستر عورته ويستأنف الصلاة من جديد يبدأها من جديد
إذاً فرق المؤلف - رحمه الله - بين كون السترة قريبة وبين كون الستر بعيدة وهذا التفريق صحيح فما ذكره المؤلف - رحمه الله - في الصورتين يتوافق إن شاء مع الأصول الشرعية ظو
ثم انتقل المؤلف - رحمه الله - إلى مبحث آخر وهو ما يكره وما يحرم في الصلاة

فقال - رحمه الله -
ويكره في الصلاة السدل
عرفنا الآن
أن السدل مكروه
وأن الكراهة تختص بالصلاة
بقي أن نعرف
ما هو السدل؟
وما هو الدليل على الكراهة؟
السدل هو
أن يطر ح الرداء على كتفيه من غير أن يرد طرفيه على منكبيه
وقيل أن السدل هو نفس الإسبال واختاره من الحنابلة ابن عقيل لكن ضعفه شيخ الاسلام - رحمه الله -
وقيل أن يلقي بالثوب على رأسه ويجعل طرفي الرداء يميناً وشمالاً منسدلان من غير أن يردهما على عاتقيه أو على منكبيه
كم صار من قول في تفسير السدل؟
ثلاثة
الدليل
حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السدل في الصلاة
وهذا الحديث ضعفه الإمام أحمد بل قال ابن المنذر - رحمه الله - لا نعلم في النهي عن السدل حديثاً ثابتاً
والقول الثاني أن السدل لا يكره
لأنه لا يوجد دليل صحيح على الكراهة
واختار هذا القول ابن المنذر - رحمه الله -
وهذا القول هو الصواب
لكن مع ذلك ينبغي للإنسان أن يتجنب السدل لأنه صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه النهي عنه فينبغي للإنسان أن يتجنب السدل احتياطاً لكن كما قلت من حيث الأدلة لا يوجد دليل من السنة على كراهية السدل

ثم قال - رحمه الله -
واشتمال الصماء
أي ويكره في الصلاة اشتمال الصماء
حكم اشتمال الصماء
(1/289)
________________________________________
عند الحنابلة مكروه ولكن بشرط أن لا يكون عليه إلا ثوب واحد فإن كان عليه ثوبان جاز ت هذه اللبسة بلا كراهة
إذاً ما هو شرط الكراهة عند الحنابلة أن يكون لا بساً ثوباً واحداً
عرفنا الآن حكم اشتمال الصماء عند الحنابلة
تعريف اشتمال الصماء
هو أن يضع وسط الرداء تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر كالاضطباع في الإحرام تماماً
وإنما جاز في الإحرام لأن المحرم يكون عليه ثوبان
وهذا التفسير تفسير عامة العلماء وجمهور السلف بل روي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
والقول الثاني في التفسير أن اشتمال الصماء هو أن يشتمل بثوبه على جسده بحيث يلف جسده كله ولا يجعل ليديه مخرجاً
وهذا تفسير أهل اللغة
إذاً عندنا تفسيران لاشتمال الصماء
الأول لجمهور الفقهاء
والثاني لأهل اللغة
والراجح التفسير الأول وممن رجح هذا التفسير ونصره ابن قدامة - رحمه الله - فإنه قال الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة
وصدق فهم أعلم بمعاني الحديث من أهل اللغة الذين يفسرون تفسيراً لغوياً صرفاً
والدليل
ثبت في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اشتمال الصماء
الحكمة من النهي: خشية انكشاف العورة
والحكمة من النهي على تفسير أهل اللغة هي أن من اشتمل الصماء لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الضرر في ما لو طرأ عليه طارئ بسبب أنه لا يستطيع أن يخرج يديه
عرفنا الآن معنى اشتمال الصماء والدليل على المنع منها وترجيح أي المعنيين فيها
- مسألة هل يختص النهي عن اشتمال الصماء في الصلاة أو هو ممنوع منه في الصلاة وخارج الصلاة؟
الجواب قال ابن رجب - رحمه الله - ليس في الحديث تخصيص النهي حال الصلاة
فالصواب أنه ينهى عن هذه اللبسة داخل الصلاة وخارج الصلاة خلافاً لتقييد المؤلف لأنه يقول يكره في الصلاة
• ثم قال - رحمه الله -
وتغطية وجهه واللثام على فمه وأنفه
يكره للإنسان أن يصلي وهو مغطي لفمه أو لوجهه
الدليل
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يغطي المصلي فاه وإسناد هذا الحديث ضعيف
(1/290)
________________________________________
الدليل الثاني أن لا يتشبه بالمجوس والتشبه بغير المسلمين محرم
الدليل الثالث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المصلي أن يسجد على سبعة أعظم ومنها الأنف فإذا غطاه فلن يسجد عليه
- يستثنى من هذا الحكم
إذا غطى الإنسان أنفه أو فمه لسبب صحيح
كما إذا تثاءب
أو وجد ريح شديدة تضره
أو لأي سبب صحيح
فإذا وجد هذا السبب ارتفعت الكراهة
• ثم قال - رحمه الله -
وكف كمه ولفه
يكره للمصلي أن يكف الثوب أو أن يلفه
وهذا يتناول
الكم
والطرف الأسفل من الثوب
الدليل على النهي:
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أكف شعراً ولا ثوباً وهذا في الصحيحين
إذاً يكره للإنسان أن يكف ثوبه سواء فيما يتعلق بطرف الثوب الأسفل أو الكم
- مسألة: فإن كف ثوبه أو شعره فإنه فعل مكروهاً والصلاة صحيحة بالإجماع
وهذا النهي بالنسبة للثياب يختص بالثياب التي من شأنها ألا تُكَفْ
أما الثياب التي اعتاد الناس على أن تكف أحيانا وتبقى مسدولة أحياناً فلا تدخل في النهي كالشماغ في المعاصرين فإنه أحياناً يبقى مسدول وأحياناً يكف وهذا مما جرت به العادة
فيجوز للإنسان أن يكف أو أن يسدل ولا يدخل في النهي:
بينما الثياب فمن المعلوم أن الناس جرت عادتهم على إبقائها بلا كف ولا طي بالنسبة للكم أو بالنسبة لأسفل الثياب
• ثم قال - رحمه الله -
وشد وسطه كزنار
أي يكره للمصلي أن يشد وسطه بما يشبه الزنار وهو ما يشد به أهل الذمة أوساطهم
والزنار رابط مخصوص يربط به الوسط عند أهل الكتاب وله صفة مخصوصة
فمن شد وسطه بهذا الرابط الذي يشبه الزنار فهو
مكروه عند الحنابلة
الدليل
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من تشبه بقوم فهو منهم وهذا الحديث إسناده جيد
والقول الثاني أن شد الوسط بما يشبه الزنار محرم
لأن التشبه محرم
وقد ذكر شيخ الاسلام - رحمه الله - أن أقل درجات هذا الحديث أن يدل على التحريم فهذه أقل درجاته
وإذا كان النهي سببه التشبه فلا يختص بالصلاة بل يحرم في الصلاة وخارج الصلاة
(1/291)
________________________________________