المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء العشرون


gogo
10-19-2019, 01:53 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [6]
من الشروط الواجب توافرها في عقود النكاح وجود الشاهدين، لما في وجودهما من حفظ للحقوق في الحياة وبعد الممات، ولما في ذلك من دفع للضرر عن الزوجين، وعن ذريتهما مستقبلاً.
ولا يكون الشاهد في النكاح معتبراً إلا إذا كان ذكراً عدلاً مكلفاً غير أصم ولا أبكم.
(274/1)
________________________________________
الشهادة شرط من شروط عقد النكاح
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: قال رحمه الله تعالى: [فصل: الرابع: الشهادة]: الرابع من شروط عقد النكاح: الشهادة، وتطلق بمعانٍ؛ يقال: شهد الشيء إذا حضره، قال تعالى: {وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [القصص:44] يعني: من الحاضرين، وقيل: سمي الشهيد شهيداً؛ لأنه تحضره الملائكة كما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما استشهد عبد الله بن حرام والد جابر رضي الله عنه وعن أبيه جعل جابر يكشف الثوب عن وجه أبيه ويبكي، وقيل للنبي: إن أخته تبكيه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ابكيه أو لا تبكيه فما زالت الملائكة تظله حتى رفعتموه) فقالوا: الشهادة الحضور، ويقال: شهد بالشيء إذا علمه، ومنه قولك: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أعلم علماً يقينياً، وتقول: أشهد أن محمداً صادق، وأشهد أن محمداً بر، ونحو ذلك، أي: أعلم هذا منه.
فالشهادة تطلق بمعنى العلم وتطلق بمعنى الحضور.
وقوله: (الشهادة): الشهادة شرط لصحة عقد النكاح، وذلك للتفريق بين النكاح والسفاح، ومن مميزات الشهادة على عقود النكاح أنها تدفع الضرر، فإن حقوق المرأة تضيع إذا لم يكن هناك شهود يثبتون أنها زوجة لفلان، ولربما جحد الرجل أنه زوج لفلانة، فوجود الشهود يحفظ الحقوق سواءً في الحياة أو بعد الموت، ثم الشهادة تحفظ حقوق الذرية، فلربما مات الزوجان أو ذهبا في حادثٍ أو نحوه، فيبقى النسل، ويشهد الشهود بأنه نكاح صحيح، وأن هذا الولد منهما من زواج صحيح، فالشهادة للاستيثاق والحقوق، وفرق بين النكاح والسفاح، والدليل على اشتراط الشهادة قوله عليه الصلاة والسلام: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) فلابد من وجود عقد النكاح في قول جمهور العلماء رحمهم الله.
(274/2)
________________________________________
الشروط التي يجب توافرها في الشهود
قال رحمه الله: [فلا يصح إلا بشاهدين عدلين]: لا يصح النكاح إلا بحضور شاهدين عدلين، والعدل تقدم ضابطه.
والدليل على ذلك: أن الله تعالى قال في الرجعة: (وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق:2] فقال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:2] هذا في الرجعة، والرجعة مبنية على النكاح، فإذا أمر الله بالشهادة في الرجعة فلَأَن تثبت الشهادة في الأصل من باب أولى وأحرى، ولذلك قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ} [الطلاق:2] وخص الشهادة بالعدول، ومما يدل على اشتراط العدالة في الشهادة على النكاح وغيره قوله تعالى في الشهود: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة:282] وإنما يُرْضَى من كان مستقيماً في دينه وشهادته.
قال: [ذكرين] فالنساء لا تقبل شهادتهن في غير الأموال.
والدليل على ذلك أن الله تعالى خص بدلية النساء عن الرجال في شهادة الأموال في قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة:282] وهذا على الوصية في المال في السفر فقال: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة:282]، ولما جاء في حد الزنا لم يقبل إلا شهادة الأربعة من الشهود الذكور، ولم يذكر البدل، ولذلك قال جماهير العلماء: لا يقبل النساء في غير شهادة الأموال.
والسبب في هذا: أن في النساء من الخصائص ما ليس في الرجال، وهذه الخصائص التي جعلها الله في النساء كمالاً لهن في أمورهن الخاصة لا تقوى معها المرأة على تحمل الشهادة؛ ومن ذلك أنها من قوة العاطفة فيها ضعف حفظها، وهذا ثابت حتى طبياً الآن، ولذلك قال تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:282].
فلا تقبل شهادة المرأة في الجنايات والجرائم، وهذا مشاهد مجرب؛ لأن المرأة كما ذكرنا في طبيعتها الضعف، وهذا الضعف هو الذي جعله الله رحمة بالرجل، فكملت نقص الرجل بالرحمة والضعف الذي فيها، لكن هذا الضعف لا يستطيع أن يقف في الحوادث، ولذلك تشاهد المرأة إذا جاءت أمام جريمة أو أمام حادث تضع يديها مباشرة على عينيها ولا تحب أن ترى، ولا تستطيع؛ لأنها لا تتحمل، ولو قلنا أنها تشهد، فقد حملناها ما لا تطيق، فعندما نقول: إن شهادة المرأة ترد، فإن هذا ليس طعناً في الإسلام كما يفهم السذج، بل هو كمال في الإسلام، لما فيه الرحمة والتيسير على المرأة وإعطائها حقها وقدرها؛ لأن الله عز وجل عدل فأعطى كل ذي حقٍ حقه، فلا يستطيع أحد أن يدخل في شرع الله عز وجل، ولذلك المرأة عندما تخرجها عن طبيعتها وفطرتها وتحملها ما لا تطيق تعذبها، وتجعلها في عنت لا يعلمه إلا الله عز وجل.
فالشاهد: أن الشهادة في غير الأموال لا تستطيعها المرأة، ومن هنا لا تتحمل حتى في الأموال، قال تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:282] وفي قراءة: {فَتُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:282] أي: تقويها حتى تصير بمرتبة الذكر من القوة التي في الذكر، فالشاهد: أن النساء في الحدود والجرائم وفي غير الأموال لا تقبل شهادتهن لحكمة من الله سبحانه وتعالى، {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد:41] قبل الله شهادتهن في الأموال فقبلنا، ولم يذكر شهادتهن في غير الأموال.
والأصل فيهن أن يقرن في بيوتهن، فليس هناك مجال لاستشهادهن وهن في أمور أتقن لها وأحفظ لها وأرعى لها من الرجال، وهذا من حكمة الله، فقد جعل لكل ذي حقٍ حقه؛ خلق الله الأسد وجعل فيه من القوة والشكيمة ما الله به عليم، وإذا رأيت الأسد في البطش عجبت منه وقلت: لا إله إلا الله، يعني: عن حكمة الله وقدرته في خلقه والقوة التي جعلها فيه، ثم إذا جئت لأي أمر يحتاج إلى رحمة ولين وعطف فوضعت الأسد أمامه فإذا به يفسده غاية الإفساد، فتجد تلك القوة لا تصلح في هذا المقام، فتجد الشديد في مقام العطف لا ينفع، وتجد الضعيف في مقام القوة لا ينفع.
فمن يكلف الأشياء ضد طباعها ليس عنده حكمة ولا عنده عقل، فعندما تأتي إلى جنس ضعيف لطيف، الله سبحانه وتعالى خلقه وقدره، حينما تجده يقوم على بيته وعلى ولده، ويعطف على أسرته بحنانه وعطفه وإحسانه تسبح الله وتذكره لعظيم تدبيره، وحينها تعرف كيف تقوم البيوت، وكيف تتربى الأسر والأجيال بهذا العطف والحنان، هذا العطف والحنان الذي جبلت عليه المرأة لا تستطيع أن تكلفه القوة وتحمله ما لا يطيق، وإنما تجعله على قدره وحقه وما يطيق.
تقبل شهادة الذكور دون الإناث كما ذكرنا، وسيأتي إن شاء الله بيان هذه المسألة في كتاب الشهادة، ونذكر أقوال العلماء وتفصيلاتهم في هذه المسائل، وما الذي يستثنى من هذا العموم.
قال: [مكلفين] فلا تقبل شهادة المجنون ولا الصبي، فالصبي لا تقبل شهادته، والسبب في هذا: أن الصبي يقبل التلقين، ولا تقبل شهادة الصبيان إلا في مسائل مفردة استثناها بعض السلف؛ منها: قضاء عبد الله بن الزبير، فقد كان يقبل شهادة الأحداث والصغار في الجرائم بشرط أن يؤخذوا من مسرح الجريمة -يعني: مكان الجريمة- مباشرة قبل أن يلقنهم الكبار وقبل أن يختلطوا، فكان يقبل شهادة الصبيان فقط في حال إذا وقع بينهم شيء وأخذوا مباشرة دون أن يوجد هناك أحد يلقنهم أو يتصلوا بأحد يلقنهم، هذا الذي استثناه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعن أبيه في هذا، وسنذكر هذه المسألة ونبينها، أما غير ذلك فلا تقبل شهادة الصبيان؛ لأن الصبي ضعيف الإدراك فيستعجل في الأمور، ضعيف التمييز فلا يحسن الإخبار عن الأمور، ولذلك يفرق بينه وبين غيره فليس كالكبير البالغ.
قال: [سميعين] لأن الشهادة تحتاج إلى سمع، فلا تقبل شهادة الأصم؛ لأنه سيشهد أن فلاناً زوج فلانة، فإذاً لابد أن يسمع الولي مزوجاً الزوج، فإذا كان أصمّ لا يسمع لا يمكن أن يشهد، فالأصم لا تقبل شهادته.
قال: [ناطقين] لأنه سيُحتاج إلى شهادته للاستيثاق، فلابد أن يكون قادراً على الكلام قادراً على الإفصاح عن مكنون نفسه، فإذا كان لا يتكلم لا تقبل شهادته.
(274/3)
________________________________________
بيان معنى الكفاءة وأنها ليست شرطاً في صحة النكاح
قال رحمه الله: [وليست الكفاءة: وهي دين، ومنصب: وهو النسب والحرية شرطاً في صحته] قوله: (وليست الكفاءة وهي دين) الدين من حيث الإسلام والكفر، فلا يمكن أن يزوج كافر بمسلمة، ونص القرآن في هذا واضح، لكن بالنسبة للدين من حيث الاستقامة والطاعة، فلو أن رجلاً مستقيماً صالحاً وامرأة ليس عندها تلك الاستقامة وذلك الصلاح؛ إنما هي تصلي، وتؤدي فقط الأمور الأساسية لكنها قد تقع في بعض المحرمات، وعندها بعض التقصير، ولا تصل إلى درجة الصلاح، فهل يجوز زواج غير الصالحة بالصالح؟

الجواب
نعم، فلربما أصلحها، وأيضاً: يجوز زواج غير الصالح بالصالحة فلربما أصلحته، وإن كان الأولى والأحرى أن يحتاط في هذه الأمور، لكن من حيث الأصل يجوز؛ لأن هناك شيئاً اسمه صحة النكاح، فالنكاح هنا يصح، فلو أن امرأة صالحة جاءها ابن عمها أو قريب لها وهو على غير صلاح، فقال لها والدها: فلان يريدكِ، فقالت: ما دام والدي اختاره لي، وهذا ابن عمي فأتقي الله عز وجل وأصل الرحم، وأقوم بحقوقه، ولعل الله أن يهديه على يدي، ونوت ذلك فيما بينها وبين الله، فهذه تؤجر وتثاب، ولها من الله معين وظهير، وزواجها تؤجر عليه؛ لأنها نوت الخير، فما دام أن في نيتها أن تصلحه فهذه هي الداعية بحق؛ لأنها نظرت أن أحق من يدعى أقرب الناس منها، ووقع من هذا شيء كثير، حتى إن من الرجال من أصلحهم الله بصلاح بنات العم وبنات الخال.
وفي بر الوالدين بركة وخير، فالمرأة إذا برت والديها جعل الله لها فيه خيراً كثيراً، كأن تكون المرأة بنت خمس عشرة سنة وهي في عز جمالها وشبابها ونظارتها، ويأتيها والدها بصديق له ماتت زوجته، وقد يكون ابن أربعين سنة، أو خمس وأربعين سنة، أو ابن خمسين سنة، ويقول لها: يا فلانة! فلان يريدكِ، وأريد أن أزوجكِ من فلان، فتقول له: ما دمت تريده أنا موافقة، وتتزوج ابن أربعين وهي بنت خمسة عشر عاماً، وتتزوج ابن خمسين وهي بنت خمسة عشر عاماً، بشرط أن يكون قادراً على حقها ويعطيها حقها في فراشها، فسيعطيها الله عز وجل من السعادة والرحمة والراحة ما الله به عليم؛ لأنه مع كبر سنه يحس أنها كالهدية، فيغدق عليها من الإحسان والخير ما الله به عليم.
لكن لما أصبحت المرأة لا تبالي بأبيها، وأصبحت تتأثر التأثر بآراء الذين ليس عندهم بر بآبائهم، فأصبحت المرأة يأتيها أبوها بزوج في سنها كابن عمها أو قريبها ويقول لها: يا فلانة! عمكِ جاءني يريدكِ لابنه، فتقول: لا.
هذا مستقبلي، لا تدمر حياتي، لا تنغص عيشتي، فلقنت، وكانت المرأة لا ترفع رأسها في وجه أبيها، ولا يمكن أن تحل شيئاً عقده والدها، من الإكرام والإجلال، وتجد من الخير ما الله به عليم، والله كم عرفنا من القرابة وغير القرابة ومن الأسر من بيوت بنيت بالبر وصلحت بالبر.
أصبحت بعض النساء -وهذا ملموس من الأسئلة والفتاوى- تحس دائماً أن والدها إذا تدخل في الزوج أنه يريد أن يهدم مستقبلها؛ لأن كل ما قرأته من القصص المعاصرة والواقع المعاصر ينصب في هذا؛ أن الوالد لا يتدخل في شيء، وهذا من أكبر الخطأ، ومما ينبغي على النساء أن يحفظنه ويحافظن على إحيائه في أخواتهن وفي النساء تقوى الله في بر الوالدين، فالمرأة إذا اتقت الله وبرت والديها جعل الله لها من السعادة والخير وعوضها خيراً كثيراً، وكم والله رأيت من قصص عجيبة، فتجد الرجل يحب امرأة معينة وتأتيه والدته وتصرفه إلى امرأة أخرى، فيتقي الله عز وجل ولا يقول: أنتِ تتدخلين في أمري، أنتِ كذا، أنتِ كذا، أبداً، بل يسلم لوالدته ويطيع فيجعل الله له من الخير ما لم يكن له في حسبان.
فإن أحدهم أصرت عليه أمه أن يتزوج ابنة خالته، وكانت ليست بدينة -هذا على مسألة إذا زوجت الصالحة من غير الصالح والصالح من غير الصالحة- فقالت له: يا بُني! هذه بنت خالتكِ، وأحب أن يكون بيني وبين أختي شيء من الصلة، فيا ليتك تدخل السرور عليَّ بزواجك من بنت خالتك.
فاتصل بي وقال: كيف تتدخل والدتي في أمري، وكيف وكيف مما هو سائد وموجود، فقلت له: يا أخي! هذا بر للوالدين إذا لم يكن فيها عيب ينفرك منها، قال: هي تصلي، وتقوم بحق الله لكن دينها ليس بذاك، ولكني أريد فلانة الصالحة، جارته أو من بنات جيرانه، فأصر على ما هو عليه، فمكث أكثر من شهر وهو يراجعني، حتى شاء الله عز وجل في آخر لحظة أن يلين قلبه، قال: أوافق على ما قالت الوالدة؛ لأني قلت له في الأخير: ما دمت مصراً على رأيك لا تستشرني، قد قلت لك رأيي، وقد قلت لك وجهة نظري؛ أنك إذا بررت والدتك وكانت نيتك صالحة فلن يخيبك الله.
فوالله فوجئت قبل سنة أو سنتين وأنا داخل إلى مدينة من المدن وإذا به يشير إليَّ فوقفت، فقال لي: تعرفني؟ قلت: لا أذكر، قال: أنا الذي اتصلت بك وكنتُ كذا وكذا وإذا به يذكرني بحادثته، قال لي: الآن الذي معي بنت خالتي التي أصرت والدتي على الزواج بها، أصبحت من أصلح خلق الله، وداعية إلى الخير، ولي منها الآن أطفال، وأنا الآن في سعادة لا يعلمها إلا الله، وبنت الجيران التي كنت أريد زواجها انتكست -والعياذ بالله- بعد زواجها، وسبحان الله قد يصرفك الله إلى خير لك ببر الوالدين، تشعر أو لا تشعر، إذا كان البر يضر فالعقوق أضر.
إذا كانت المرأة تقول: والدي يتدخل في مستقبلي.
لا والله، لا يوسد والدكِ في قبره إلا وقد خرج من هذه الدنيا وهو راضٍ عنكِ لأنكِ أشعرته بالأبوة.
إذا أصبح الوالد ليس له أمر في زواجكِ ولا يختار لكِ، فما هي حياتكِ معه؟ فينبغي أن تنزع المرأة من نفسها هذه المشاعر التي هي دخيلة على المسلمين، وينبغي على المرأة أن تنظر إلى الرجل، ولو أنها تزوجت غير الصالح، فإذا حدث مرة أنها تزوجت غير صالح وحصلت مشاكل وحصل الطلاق والفراق، وحدث أن بعضهن تقول: قد بررت والدي وحدث ما حدث، ورغم ذلك لم أنعم في حياتي الزوجية، فأقول لها: ثقي ثقة تامة أن هذا الزواج الأول الذي وقعت بسببه في الألم والاضطهاد والأذية من هذا الرجل غير الصالح سيكون درساً نافعاً لك، بحيث إذا تزوجت ثانية تكونين كأحسن ما يكون، فإن الذي يذوق المرارة ويذوق من بعدها الحلاوة يحس بلذة الحلاوة، وذق شيئاً مراً ثم ذق بعده حلواً، فإنك تجد للحلو لذة، وإن كنت تراه قبل المرارة حلواً فإنه بعد المرارة أحلى.
وكان من كلام العقلاء الحكماء ومما ذكره بعض أهل الحكم: أن عظيماً من العظماء أراد أن يتزوج، فقال لجلاسه: اختاروا لي امرأة، فقال أحدهم: عليك بالجميلة، وقال الآخر: عليك بالطويلة، وعليك! وعليك، فأخذوا بضروب النساء وأصنافهن، فقال كلمتين: ابغوا لي امرأة يطلب مثلها -يعني: فيها صفات المرأة من حيث هي ولو كان جمالاً نسبياً- لكن ماذا قال؟ أدبها الفقر فعرفت قيمة الغنى، أي: أدبها الفقر وأدبها الضعف والشدة حتى إذا جاءت إلى بيت الزوجية بعد هذا عرفت قدر الغنى.
فالمقصود: أنه إذا زوج الصالح من غير الصالحة والصالحة من غير الصالح وكان هذا الزواج مبنياً على بر الوالدين فسيجعل الله فيه خيراً، ويجعل فيه منفعة في مستقبل المرأة وفي حياتها، وإن كان الأولى والمنبغي دائماً أن يزوج الطيب من الطيبة كما قال تعالى: {الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور:26].
قال: [ومنصب: وهو النسب والحرية] يكون هذا بالنسبة للكفاءة، يعني: لو زوجت الغنية من الفقير، وزوجت الرفيعة من الوضيع، هذا الارتفاع والضعة هذا شيء نص الله عز وجل عليه بقوله: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف:32].
فالمرأة التي مثلاً لها بيت يكون بيتها بيتاً له.
هناك شيء يسمى: الحسب والنسب، النسب هو: الإضافة؛ فلان ابن فلان من قبيلة فلان من بني فلان من جماعة فلان، وهذا موجود في سائر الأجناس، والحسب موجود في سائر الأجناس، لكن كل جنس بحسبه، والحسب يخالف النسب؛ لأن الحسب يحتسب الإنسان به أجداده، يعني: مثلاً يقولون: هذه فلانة، والدها فلان الكريم، يعني: رجل مشهور بالكرم والإحسان إلى الناس والصدقات حتى أصبحت الناس تذكره بالخير وتثني عليه حياً أو ميتاً، فهذا يسمى: حسب أو يقال: جدها فلان الشجاع، له شجاعة وله مكانة، وأبلى بلاءً حسناً، فهذا من الحسب، أو يقال: جدها العالم فلان، هذا أيضاً من الحسب؛ لأن العلم أعظم الشرف، فتجمع بين شرف الدين والدنيا في هذا.
فإذاً: الحسب: أن يحسب الإنسان آباءه أو يعدهم، ولذلك قد: يتكاثر الناس، وتجد إذا حصل بينهم ذلك يعدون هذه المآثر والمفاخر، وإذا كان على سبيل الحق فلا بأس، كأن يقال: فلان له حق علينا، فإن والده فلان، أو هو من ذرية فلان، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح: (أنزلوا الناس منازلهم) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حينما مر على سفانة وهي أسيرة، وقالت لـ علي أن يشفع لها، فقال لها: إذا مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدونكِ تكلمي، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (يا محمد! إن أبي كان يقري الضيف ويحمل الكل، ويعين على نوائب الحق، فقال لها: من أبوكِ؟)، قالت: حاتم الطائي، قال: (خلوا عنها -يعني: أطلقوها من أسرها- فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، لو كان أبوكِ مسلماً لترحمنا عليه) فعدت هذه المفاخر والمآثر وهي في الجاهلية، فكيف إذا اقترنت بالإسلام وعرفت المرأة أنها بنت فلان، والسبب في هذا: أن البيوت المعروفة سواءً كانت بيوت فضل وكرم وشجاعة ينتقل السر إلى الأولاد، فالبيوت المعروفة بالبخل والشح -نسأل الله السلامة والعافية- وعدم الإنفاق والخوف على الدنيا ينتقل بلاؤها إلى الأولاد، وكذلك أيضاً بيوت الكرم والشجاعة يبقى فيهم السر، كما قال الشاعر: إن الأصول الطيبات لها فروع زاكية والإنسان دائماً إذا كان من بيت طيب يستحي وينكف وينزجر عما لا يليق به، فلو أن المرأة كانت من بيت حسيب فزوجت ممن هو دون، فليس هذا من الحق والعدل إذا وجد الكفء لها، يعني مثلاً: الآن نجد بعض النساء تقول: إنها تريد أن تتزوج، فيصر والدها على تزويجها من ابن عمها، نقول: نعم تتزوج ابن عمها إذا كان كفئاً كريماً فهو أولى وأحق،
(274/4)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب المحرمات في النكاح [1]
لقد أكرم الله عز وجل الإنسان وهذب أخلاقه، ورفعه عن الحياة البهيمية، حيث نظم حياته، ونظم علاقته مع المرأة: زوجة، وأماً، وأختاً، وبنتاً، وبين ما يحل له وما يحرم من هؤلاء النساء.
ولقد حرم الله على الإنسان أنواعاً من النساء تحريماً مؤبداً من جهات ثلاث.
من جهة النسب، ومن جهة الرضاع، ومن جهة المصاهرة، وألحق بالتحريم المؤبد الملاعنة، وكذلك بين حكم كل نوع من هؤلاء.
وهذا من فضل الله عز وجل على عباده ومن حكمته سبحانه.
(275/1)
________________________________________
مقدمة في المحرمات في النكاح
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فالمصنف رحمه الله تعالى يقول: [باب المحرمات في النكاح] قوله: (باب المحرمات في النكاح) هذه مقدمة عن المحرمات في النكاح.
والمحرمات في النكاح هن: النساء اللاتي حرم الله الزواج منهن، وينقسمن إلى نوعين: النوع الأول: المحرمات إلى الأبد.
والنوع الثاني: المحرمات إلى أمد.
المحرمات إلى أبد: هي كل امرأة لا تحل إلى أبد الآبدين.
والمحرمات إلى أمد: يعني: مؤقتاً، ويزول تحريمها بزوال السبب، وموانع النكاح.
والمحرمات من النكاح لها أسباب، وهذه الأسباب تنقسم إلى الأقسام التالية: - النسب.
- ثم الرضاع.
- ثم المصاهرة.
- ثم الكفر.
- ثم الرق.
- ثم العدد.
- ثم الجمع.
- ثم مانع التطليق ثلاثاً.
- ثم الزنا.
- ثم مانع اللعان.
- والأخير مانع الزوجية.
هذه أحد عشر مانعاً تمنع من النكاح؛ لكن بعضها يمنع إلى الأبد، وبعضها يمنع إلى أمد.
مثلاً: قلنا: النسب: وهن سبع جاء ذكرهن في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء:23] الآية، سبع من النسوة يحرمن من جهة النسب، والنسب أصله الإضافة؛ لأنك تقول: فلان بن فلان، فنسبته إليه يعني: أضفته إليه.
وهذا هو النسب.
ثم المصاهرة: المصاهرة مثل، زوجات الآباء وزوجات الأبناء، يعني: زوجات الأصول وزوجات الفروع، وبنت الزوجة وأم الزوجة، وهؤلاء أربع من جهة المصاهرة.
الرضاع: مثل النسب يعني: الذي يحرم من جهة النسب يحرم من جهة الرضاع.
هذه ثلاثة موانع: النسب، والمصاهرة، والرضاع.
ثم مانع الكفر: فالمشركة لا يجوز نكاحها، ولا إنكاح المشرك، فأصبح الشرك والوثنية مانعين من الزواج: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10]، وسنبين هذا.
ومانع الرق: بالنسبة للحر في زواجه من الأمة، وله شروط، وزواج العبد من الحرة، وسنبين هذا.
هذا مانع الرق.
ثم مانع العدد: رجل عنده أربع نسوة، لا يجوز له أن يتزوج حتى يطلق واحدة وتخرج من عدتها، فينكح بدلها واحدة، هذا مانع من جهة العدد، أنه استوفى العدد الذي له، وسنشرح هذا إن شاء الله ونبينه.
ثم مانع الجمع: وهو أن تجمع بين المرأة وأختها، والمرأة وعمتها أو خالتها، كما سيأتي تفصيله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:23] هذا مانع الجمع.
ثم مانع التطليق ثلاثاً: فلا تحل حتى تنكح زوجاً غيره، هذه امرأة طلقها رجل ثلاث تطليقات نقول: هذه محرمة عليك؛ لكن محرمة إلى أمد، وهو أن تنكح زوجاً غيرك ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته، فيحل لك إذا طلقها أن ترجع إليك.
ثم مانع الزنا: الزانية: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:3]، وسيأتي إن شاء الله تفصيله.
كذلك أيضاً عندنا مانع الزوجية: امرأة منكوحة للغير: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:24]، فالمرأة المحصنة التي هي في عصمة الغير لا يجوز للغير أن يتزوجها إلا ما استثنى الله، وهي أن تكون ذات زوج وأُسِرَت واستُرِقَّت: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24] فتُسْتَبرأ بعد سبيها كما جاء في حديث سبي أوطاس، وسيأتي إن شاء الله.
هذه كلها موانع النكاح، بعد ذلك كل مانع له تفصيلات.
فبالإجمال هؤلاء المحرمات: منهن محرمات إلى الأبد، ومنهن محرمات إلى أمد.
ثم المحرمات إلى الأبد منهن من تثبت لهن المحرمية، فبسبب حرمة نكاحها يجوز لك أن تصافحها، وأن تسافر معها، وأن تختلي معها، التي هي مثلاً: المحرمات من النسب، مثل: الأم والبنت والأخت والخالة والعمة، فهذه محرمة محرمية، وكذلك هناك محرمة ليست بذات محرم وهي المحرمة إلى أمد، والمحارم يشمل النسب والرضاع والمصاهرة والزوجة: - فهن سبع من جهة النسب: وهن السبع اللاتي ذكر الله.
- وأربع من جهة المصاهرة: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الأب، وزوجة الابن.
- وكان من جهة الرضاع: يعني: ما كان من الرضاع منهما: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
- والزوجة.
هؤلاء الأربع أي واحدة منهن تحريمها يوجب المحرمية؛ لكن البقية لا.
فمثل ما يقع بعض الناس في الخطأ يقول: أخت زوجتي حرام عليَّ، فهي محرم لي، نقول: لا.
هي حرام وليست بمحرم.
(275/2)
________________________________________
بيان المحرمات من النساء وجهات التحريم المؤبد
تقدم معنا أن الله عز وجل حرم على المسلم أن ينكح جملة من النساء، وأن هؤلاء المحرمات لا يجوز للمسلم أن ينكحهن إما على التأبيد وإما على التأقيت، فقسم من النساء حرم الله نكاحهن والزواج منهن إلى الأبد، وقسم من النساء حرم الله نكاحهن والزواج منهن إلى أمد، يزول الحكم بزوال السبب.
فأما المحرمات إلى الأبد فذكرنا: أن هذا يشمل المحرمات من جهة النسب، والمحرمات من جهة المصاهرة، والمحرمات من جهة الرضاع، ويتبع ذلك تحريم الملاعنة، فهؤلاء النسوة لا يحل نكاحهن إلى الأبد، فعندنا: النسب، والمصاهرة، والرضاع، والملاعنة.
أما بالنسبة للمحرمات من النسب فسبع من النساء حرم الله عز وجل نكاحهن.
أولهن: الأم ثم البنت ثم الأخت ثم بنت الأخ ثم بنت الأخت ثم العمة ثم الخالة، فهؤلاء سبع من النسوة، الأصل والفرع ومن شاركك في أصلك في فروعه من النساء، ومن شارك أصل أصلك في أصله، فنقول: الأم وأم الأم وأمها وإن علت كما سيأتي التفصيل.
والبنت فرع هي وفروعها أو كانت من فرع ذكر كبنت الابن، فعندنا الأصل الأمهات وعندنا الفرع البنات، وعندنا شيء شاركنا في الأصل الأخوات، ولما كان الأخ الذكر لا يدخل في النكاح أسقط فصارت بنته، فقيل: بنت الأخ، فأصبحت من المحرمات، ثم يتبع ذلك العمة والخالة، فالعمة شاركت الأب الذكر، والخالة شاركت الأم الأنثى.
وهؤلاء المحرمات السبع شملتهن آية النساء.
(275/3)
________________________________________
بيان المحرمات من النسب وحكم كل نوع منها
يقول المؤلف رحمه الله: [تحرم أبداً الأم] والأم: هي كل أنثى لها عليك ولادة، والدليل على تحريمها قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23]، والأم تشمل الأم المباشرة والأم بواسطة، فأمك وأم أمك وأم أبيك كلهن محارم، يحرم نكاحهن إلى الأبد، وهي محرم يجوز الجلوس معها والخلوة بها والسفر معها، فالأم الدليل على تحريمها -كما قلنا- قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23]، والآية لما قالت: (أمهاتكم)، عممت فشملت كل أم، ولذلك لو سئُلت عن أم الجد أو أم جد الجد أو أم الأب أو أم أب الأب فكلهن محارم ومحرمات، لو قال لك: ما الدليل؟ تقول: عموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23]، فالله عز وجل لم يفرق بين أم وأخرى.
ومن هنا قال العلماء: أمهات الأصول أمهات للفروع، وأجمع أهل العلم رحمهم الله على أن هذا النوع من النساء لا يحل نكاحه إلى الأبد، سواء كانت أماً مباشرة أو أماً بواسطة.
قال: [وكل جدة وإن علت].
الأم وأمها وإن علت، فقوله: (كل) من صيغ العموم، (كل جدة)، فلم يفرق بين الجدة من الوالد والجدة من الوالدة.
قال: [والبنت] قوله: (والبنت) هذا النوع الثاني من المحرمات، وضابط البنت عند أهل العلم: هي كل أنثى لك عليها ولادة، يعني: جاءت منك أو جاءت من نسلك، فسواء كانت بنتاً مباشرة أو بنتاً بواسطة، والبنت بواسطة سواء جاءت بواسطة الذكور: كبنت الابن أو بنت ابن الابن، أو بواسطة الإناث كبنت بنتك، فجميع هذا النوع من النسوة محرم إلى الأبد، ويجوز لك أن تصافح أي واحدة من هؤلاء، وأن تختلي بها، وأن تسافر معها، فهي محرم لك، ولو سئُلت عن الدليل؟ تقول: عموم قوله تعالى: {وَبَنَاتُكُمْ} [النساء:23]، ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لم يفرق بين بنت وأخرى، فقال سبحانه: (وبناتكم)، وبنت البنت بنت لجدها والد أمها وبنت الابن بنت لجدها والد أبيها، وعلى هذا فيحرم هذا النوع من المحرمات وهن البنات.
قال: [وبنت الابن] قوله: (وبنت الابن)، كما قلنا: البنت وبنتها وإن نزلن، سواء تمحضت بالذكور، أو تمحضت بالإناث، فمن تمحضت بالذكور: كبنت ابنك، ومن تمحضت بالإناث: كبنت بنتك، كل ذلك محرم بإجماع العلماء رحمهم الله.
قال: [وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلن] وبنتاهما من حلال بالإجماع، أما من حرام فهذه مسألة خلافية، نحن علمنا أن البنت من النكاح الصحيح ومن الحلال محرم ومحرمة، لكن لو أنه -والعياذ بالله- زنى بامرأة فولدت بنتاً، هل يحل له نكاحها؟ أو ولدت بنتاً ثم البنت تزوجت فولدت بنتاً، هل يحل له أن ينكح بنت بنته من الزنا، أو بنت ابنه من الزنا؟ جمهور العلماء: على أن الشريعة تحرم الزواج من بنته من الزنا كما تحرم الزواج من بنته من الحلال، ووجه ذلك: أنها بضعه منه ومخلوقة من مائه، وهي بنته من حيث الحقيقة، وإن كان الشرع قد أسقط هذه البنتية من حيث الحكم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش)، قالوا: إن الحرام يحرِّم، وهذا مذهب الجمهور، وفي هذه المسألة يقولون: العبرة بالمعاني لا بالألفاظ وحدها، فلما نظروا إلى المعنى في قوله تعالى: {وَبَنَاتُكُمْ} [النساء:23] قالوا: إنها فرع عنه، فإن بنت الزنا فرع من مائه، ومخلوقة من مائه فتنزل منزلة البنت من الحلال.
وذهب طائفة من العلماء كما هو قول الشافعية: أن البنت من الزنا يجوز نكاحها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، ووجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البنت منسوبة إلى الفراش، وأسقط ما بينها وبين الزاني، وقطع الصلة بالزاني كلية، فجاز له أن يطأها كالأجنبية.
وهذه المسألة تعتبر من مفردات المذهب الشافعي، ولذلك قال بعض من ينتقد المذاهب، في بعض اعتذاره عن اتباع مذهب الشافعية: وإن قلتُ: شافعياً، قالوا: بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وفي بعض ألفاظ البيت: أبيح نكاح الأخت والأخت تحرم فهم يبيحون نكاح الأخت من الزنا والبنت من الزنا، فنكاح الأخت من الزنا كرجل زنى بامرأة فاستولدها بنتاً، فجاء ابنه وتزوجها، فإنه يتزوج أخته من الزنا والعياذ بالله! لكن الصحيح والذي يظهر والعلم عند الله: أن هذا النوع من النساء مشتبه، لا يفتى بحله ولا يفتى بحرمته؛ لأن فيه شبهاً من الحلال وشبهاً من الحرام، فشبهه من الحلال: قوله عليه الصلاة والسلام: الولد للفراش)، فأسقط ما بينه وبين الوالد من الصلة، وأهدر ماء الزنا.
وشبهه من الحرام: أن الماء ماؤه، وأن التخلق من الماء موجودة فيه، وقد نص على ذلك عليه الصلاة والسلام في حديث سبي أوطاس، فإنه لما نهى عن وطء المسبية حتى تستبرأ، فرأى رجلاً كأنه يريد أن يدخل على أمة مسبية، فقال صلى الله عليه وسلم: (أيغذوه في سمعه وبصره، لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره)، فجعل وطأها أثناء حملها محرماً، فقال: (أيغذوه في سمعه وبصره)، مع أن الولد للأول، ويكون دخول الثاني لا تأثير له.
لكن الذي يظهر كما ذكرنا: أن هذا النوع من النساء ممتنع للشبه من الوجهين، فنقول: لا نحلله ولا نجزم بحله، ولا نحرمه ولا نجزم بتحريمه، وبطبيعية الحال لا يستطيع الواحد أن يتزوج هذا النوع الذي لا يجزم بحله ولا بحرمته.
هذه المسألة تسري في جميع المسائل، يعني مثلاً: أم بنته من الزنا، وهكذا بالنسبة للتحريم من جهة المصاهرة كالتحريم من جهة النسب في المسألة التي ذكرناها.
قال: [وكل أخت] أي: ومما حرم الله كل أخت، الأخت ضابطها عند أهل العلم: هي كل أنثى شاركتك في أحد أصليك أو فيهما معاً، فشمل ثلاثة أنواع من الأخوات: الأخت الشقيقة: وهي التي شاركتك في الأصلين الأب والأم.
والأخت لأب: وهي التي شاركتك في أحد الأصلين من جهة الأب.
والأخت لأم: كذلك هي التي شاركتك في أحد الأصلين من جهة الإناث.
هذا النوع من النساء يحرم إلى الأبد، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ} [النساء:23]، ولم يفرق بين أخت وأخت، وعمم سبحانه وتعالى فشمل الأخت الشقيقة ولأب ولأم، وأجمع العلماء على تحريم الأخوات سواءً كن شقيقات أو أخوات لأب أو لأم.
قال: [وبنتها] قوله: (وبنتها) بنت الأخت الشقيقة، وبنت الأخت لأب، وبنت الأخت لأم، بإجماع العلماء محرمة؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَبَنَاتُ الأُخْتِ} [النساء:23]، فقد نص سبحانه وتعالى على تحريم بنت الأخت ولم يفرق بين أخت وأخرى.
وبنت الأخت: هي كل أنثى لأختك عليها ولادة.
قال: [وبنت بنتها].
قوله: (وبنت بنتها)، أي: بنت بنت الأخت: وهي كل أنثى لأختك عليها ولادة بواسطة، فيشمل أن تكون بنت ابن الأخت وبنت بنت الأخت، يعني: مثل ما ذكرنا في الأصول أنه يستوي في فروعه ما تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث، كذلك في بنت الأخت وبنت الأخ؛ لأن بنت بنت الأخت وبنت ابن الأخت هي بنت للأخت، والله تعالى يقول: {وَبَنَاتُ الأُخْتِ} [النساء:23]، ولم يفرق بين بنت أخت وأخرى، فشمل الصلب وشمل الواسطة.
قال: [وبنت كل أخ وبنتها] قوله: (وبنت كل أخ وبنتها) بنت كل أخ لم يذكر الأخ؛ لأن الذكر -كما ذكرنا- لا يدخل في التحريم؛ لأنه ليس من جنس ما ينكح، فقال: بنت الأخ، وبنت الأخ ضابطها عند العلماء: هي كل أنثى لأخيك عليها ولادة، سواء كانت مباشرة كبنته بصلب، أو بواسطة كبنت بنت الأخ، وبنت ابن الأخ، يعني: سواء كانت البنت بواسطة ذكر أو أنثى، والدليل على تحريم هذا النوع من النساء قوله تعالى: {وَبَنَاتُ الأَخِ} [النساء:23]، ويشمل الأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لأم، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله.
قال: [وبنت ابنه] قوله: (وبنت ابنه) بنت ابن الأخ، فلو أن لأخيك ابناً وأنجب فإنك تصبح عماً لأبيها، وعم الأب عم للفرع كما ذكرنا، فبنت ابن الأخ وبنت بنت الأخ الحكم فيهما سواء.
قال: [وبنتها وإن سفلت] نعم هذا واضح.
قال: [وكل عمة وخالة وإن علتا] قوله: (وكل عمة) العمة: هي كل أنثى شاركت أباك في أحد أصليه أو فيهما معاً، كل أنثى شاركت أباك في أحد أصليه مثل العمة لأب والعمة لأم، أو فيهما معاً وهي العمة الشقيقة، فثلاثة أنوع من العمات: العمة لأب: هي التي والدها ووالد أبيك واحد ولكن الأم مختلفة.
والعمة لأم: هي التي والدتها ووالدة أبيك واحدة وهي جدتك، والعمة الشقيقة: هي التي شاركت والدك في الأصلين معاً في الوالد والوالدة.
هذا النوع من النساء أجمع العلماء على تحريمه مطلقاً؛ العمة الشقيقة، والعمة لأب، والعمة لأم، والدليل على ذلك نص الله عز وجل في التنزيل: {وَعَمَّاتُكُمْ} [النساء:23]، فنص على تحريم العمات ولم يفرق بين عمة وأخرى.
قال: [وخالة] قوله: (وخالة) الخالة: هي كل أنثى شاركت أمك في أحد أصليها أو فيهما معاً، كل أنثى شاركت أمك في أحد أصليها مثل الخالة لأب، والخالة لأم، أو فيهما معاً وهي الخالة الشقيقة، فلو أن الوالدة لها أخت من أب وأم تقول: هذه خالتي شقيقة، وإن كانت لها أخت من أب تقول: هذه خالتي لأب، لأنها شاركت والدتي في أبيها، وإن كانت لها أخت من أم تقول: هذه خالتي لأم، هذا بالنسبة للعمات والخالات.
إذاً: العمة والخالة محرمتان، وكذلك عمات الأصول يكنّ عمات للفروع، وخالات الأصول يكن خالات للفروع، فكما حرمنا عليك خالتك وعمتك نحرم عليك خالة الأم وخالة الأب، وعمة الأم وعمة الأب، فلو سألك سائل عن خالة وعمة جده: هل هي محرم؟ تقول: نعم، هما محرم لك يجوز لك أن تختلي بهما، وأن تجلس معهما، وأن تسافر بهما، وأنت محرم لهما؛ لأن خال أصلك خال لك، وخالة والدك وخالة والدتك كخالتك، وعلى هذا فإنه يسري التحريم في الخالات والعمات إذا كنّ للأصول، كما يكون تحريماً للشخص نفسه، والدليل على ذلك عموم قوله تعالى: {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ} [النساء:23]، وقد أجمع العلماء على أن عمات الأصول
(275/4)
________________________________________
التحريم بسبب اللعان وحكمه
قال رحمه الله: [والملاعنة على الملاعن].
هذا النوع نوع آخر من المحرمات الملاعنة، والملاعنة: مفاعلة من اللعن، والمفاعلة تستلزم وجود شخصين فأكثر، كالمقاتلة والمشاكلة، وتقع الملاعنة بين الزوج والزوجة، وسمي اللعان لعاناً لوجود اللعن فيه والعياذ بالله! ولذلك يبتدئ الرجل: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، شهد الرجل على نفسه باللعن، مع أن المرأة تشهد على نفسها بالغضب، والغضب أشد من اللعن؛ لأن الغضب -والعياذ بالله- أسوأ وأشد من لعنة الله عز وجل؛ وذلك لقوله تعالى: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه:81].
ولأن ملاعنة المرأة للرجل لا تكون إلا بعد تمام الأيمان من الرجل، وتمام الأيمان من الرجل لا يكون إلا بعد اليمين الخامسة: {أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:7] نسأل الله السلامة والعافية! الملاعنة هي أن يتهم الرجل امرأته بالزنا بعد أن يراها، أو يسمع بأذنه، ويعلم الشيء يقيناً، أو يأتي بشهادة عدول يثق فيهم على خلاف بين العلماء، أو ينفي ولداً أنه ولده، كأن يكون هذا الولد وقع في حالة غيبة يستحيل معها أن يكون منه، أو يكون وجود الشبهة، فالمهم سيأتي إن شاء الله ما يتعلق بأحكام اللعان.
لكن الذي يهمنا هنا مسألة وهي: أن الرجل إذا لاعن امرأته والعياذ بالله! ووقع اللعان بينهما، وتمت الأيمان، فرق بين الزوج والزوجة فراقاً إلى الأبد، فلا تحل له أبداً، حتى لو رجع عن لعانه وكذّب نفسه فهي حرام عليه إلى الأبد؛ ولذلك قال الراوي للحديث، أي: حديث عويمر العجلاني الذي في الصحيح: (مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً).
وعلى هذا فإن اللعان يوجب الفرقة الأبدية، لكن هناك فرق بين التحريم في النسب الذي ذكرناه، وهن السبع النسوة اللاتي ذكرن، وبين التحريم في اللعان، والفرق أن التحريم في اللعان فرقة، يعني: تكون المرأة محرمة وليست بذات محرم، وفي النسب محرمة ومحرم، يعني: يجوز للرجل أن يجلس مع أمه وأخته وعمته، لكن إذا لاعن المرأة يفرق بينهما ولا يجلس معها، ولا يعتبر بينهما أي صلة إلى الأبد.
وعلى هذا تجد العلماء يقولون -في المرأة التي يحل لك أن تسافر معها والتي تأخذ حكم المحرمية- يقولون: هي كل أنثى محرمة إلى الأبد إلا الملاعنة.
أي: أن الملاعنة لا تدخل مع أنها محرمة إلى الأبد.
والملاعن والملاعنة يفرق بينهما ولا يجوز للملاعن بعد ذلك أن يأتي ويقول: أريد أن أتزوجها من جديد، أو أريد أن أنكحها؛ قال: (يا رسول الله! مالي -بعد أن لاعنها وتم اللعان بينهما قال: مالي، يعني: المهر الذي أعطيتها- فقال: إن كنت صادقاً فهو بما استحللت من فرجها -فمهرك الذي دفعته لقاء استمتاعك قبل زناها-، وإن كنت كاذباً فهو أبعد لك منها)، فقوله في الصحيح: (هو أبعد لك منها) دل على أنها هي بعيدة عنه، كما بعد المهر، وأن بينهما مباعدة وبينهما حرمة فلا يجتمعان أبداً.
(275/5)
________________________________________
بيان المحرمات من الرضاع وحكم كل نوع منها
[ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، الرضاع: مص الثدي، وسيأتي إن شاء الله بيان مسائله وحقيقته؛ لأن العلماء أفردوا للرضاع باباً مستقلاً، إذ يحتاج الفقيه وطالب العلم أن يعلم حقيقة الرضاع، وكيفية الرضاع، ومتى يحكم بالرضاع، والآثار المترتبة على الحكم به، وهذا له باب مستقل، لكن الذي يهمنا هنا أن الرضاع يؤثر كالنسب، والحجة في ذلك صريح السنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فأم من رضاع وبنت وأخت وعمة وخالة وبنت أخ وبنت أخت، كل هؤلاء محرمات من الرضاع كما يحرمن من النسب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك، وألحق بذلك المحرمات من المصاهرة، كأم الزوجة من الرضاع، وكذلك بنتها من الرضاع كلهن محرمات، وزوجة أبيه من الرضاع، وكذلك بنت زوجته من الرضاع كلهن محرمات، ويلتحقن في قول جماهير السلف والخلف رحمهم الله، وحكى بعض العلماء الإجماع على ذلك.
قال: [إلا أم أخته].
قوله: (إلا أم أخته)، أي: أم أخته من الرضاع، لو أن خديجة ومحمداً ارتضعا من فاطمة، فإن محمداً تحرم عليه فاطمة، لكن لا تحرم عليه أم أخته خديجة؛ لأنها أجنبية، خديجة ومحمد ارتضعا من فاطمة، ففاطمة أمهما من الرضاع هذا ما فيه إشكال في كونها محرمة، لكن أم الأخت من الرضاع التي لم يرتضع منها، القيد هنا: (التي لم يرتضع منها) لكن أم أخته من الرضاع التي رضع منها بالإجماع محرمة؛ لأنها أمه، لكن أم أخته من الرضاع إذا اشتركا في امرأة وكان للأخت التي شاركته في الرضاع أم غير التي رضع منها فإنها أجنبية، ففي الأصل أنها أجنبية وليست بمحرم، في النسب تحرم أم الأخت، ولكن في الرضاع لا تحرم أم الأخت إذا كانت على هذا الوجه.
قال: [وأخت ابنه] قوله: (وأخت ابنه) أي: من الرضاع، مثلاً: زيد من الناس عنده زوجة، وأثناء ما هي عنده وولدت له وثاب اللبن من وطئه أرضعت محمداً، فمحمد ولد لك حيث رضع من لبن زوجتك، فهو ناشئ عن مائك الذي ثاب منه اللبن، فمحمد هذا لو كانت له أخت حلّ لك نكاحها؛ لأن الأخت بالنسبة لك أجنبية، والذي دخل للمحرمية هو محمد الذي ارتضع من زوجتك، فتبقى أخواته وإخوانه -على الأصل- أجانب يحل نكاحهم، سواء من الإناث أو الذكور، فيبقى التحريم للشخص الذي رضع، وهذا سنفصله إن شاء الله أكثر في كتاب الرضاع، وذكره المصنف هنا للاستثناء، وأن الأصل يقتضي أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، لكن استثنيت هاتان المسألتان لشهرتهما، وهذا على سبيل التنبيه، وإلا سيأتي إن شاء الله تفصيل مسائل الرضاع، وبيان مسألة لبن الفحل والآثار المترتبة على الرضاع.
(275/6)
________________________________________
بيان المحرمات بالمصاهرة وحكم كل نوع منها
قال رحمه الله: [ويحرم بالعقد زوجة أبيه وكل جد] قوله: (ويحرم بالعقد) هذا النوع الرابع من المحرمات، أولاً: المحرمات بالنسب، وهن السبع اللاتي تقدمن، ثم بعد ذلك المحرمات بالملاعنة التي ذكرنا، ثم بعد ذلك النوع الثالث الرضاع وانتهينا منه.
ثم بعد ذلك سيشرع الآن في النوع الرابع وهو المصاهرة.
والمصاهرة: مفاعلة من الصهر، ويأتي هذا في الأصول والفروع من حيث الزوجية، فتأخذ أصلك وتأخذ فرعك، وتنظر إلى زوجة الأصل وزوجة الفرع حتى تضبط المحرمات من المصاهرة وهي أربع، ولابد أن تحفظهم؛ لأن هؤلاء النسوة محارم لك، والمحرمات من المصاهرة يحرمن إلى الأبد، وهن محارم.
وقلنا: المحارم ثلاثة: النسب، والرضاع، والمصاهرة، والواجب على كل مسلم بالغ أن يعلم هؤلاء المحارم حتى يعرف من هي المرأة التي يجوز له أن يختلي بها، والتي يجوز أن يصافحها، والتي يجوز أن يسافر معها، فبيّنا حكم النسب، وبيّنا أن الرضاع يأخذ حكم النسب، بقي المصاهرة وهو النوع الثالث من المحارم، وهو الرابع مما ذكره المصنف.
المصاهرة إذا أردت أن تضبطها أربع من النساء، والأربع تأخذ اثنتين منهن لأصلك ولفرعك، واحدة لأصلك وواحدة لفرعك، زوجة أصلك وزوجة فرعك، ثم اثنتين منهن أصل لزوجتك، وفرع زوجتك، وهما أم الزوجة، وبنت الزوجة، حتى تحفظ المصاهرة تأخذ هذا الضابط، فعندك أصولك وفروعك فانظر إلى نسائهم، زوجات الآباء وزوجات الأبناء، هذان نوعان من النسوة من جهة الأصول والفروع، وعندنا نوعان من النسوة من جهة الزوجة: أصلها وفرعها، فتقول: أم الزوجة وبنت الزوجة، فأصبحن أربعاً.
نبدأ أولاً بزوجات الأصول: هي كل أنثى عقد عليها والدك وإن علا، سواء دخل بها أو لم يدخل، سواء طلقها أو بقيت في عصمته أو مات عنها، فإنها محرم لك إلى الأبد.
زوجات الأصول: وهي كل أنثى عقد عليها أبوك أو أبوه وإن علا، وسواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم كوالد الأم وأبيه، والدليل على هذا النوع الأول من أنواع المصاهرة قوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:22] معنى قوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) قيل: إن إلا بمعنى: ولا ما قد سلف، ومنه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء:92] أي: ولا خطأً كأن يتساهل ويتعاطى الأسباب.
ومنه قول الشاعر: وكل أخٍ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان أي: والفرقدان.
وحمل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (ثمن الكلب سحت إلا الكلب الضاري) أي: والكلب الضاري لا يحل شراؤه وبيعه.
الشاهد: أن قوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:22] أي: ولا ما قد سلف، فلا تستديموا نكاحهن وفارقوهن.
ما موضع الشاهد من هذه الآية؟ موضع الشاهد أن الله يقول: {وَلا تَنكِحُوا} [النساء:22] فحرم علينا أن ننكح ونتزوج ما نكح آباؤنا، وانظر إلى قوله: (ما نكح) والمرأة منكوحة للرجل بالعقد، فإنك تصف المرأة أنها منكوحة للإنسان بمجرد العقد عليها، ومن هنا قالوا: لا يشترط في تحريم زوجة الأب أن يدخل الأب بها، فلو أنه عقد عليها الساعة وطلقها مباشرة فهي محرم لك إلى الأبد، ومحرمة عليك إلى الأبد.
قوله: (ولا تنكحوا ما نكح) أي: ما عقد عليه آباؤكم سواءً بقين أو طلقن أو مات الآباء عنهن وهن في عصمة إلى آخره.
فلو سألك سائل: عن امرأة عقد عليها جده لأبيه ثم توفي عنها، أو طلقها، أو لم يدخل بها وطلقها قبل الدخول؟ تقول: هذه محرم لك إلى الأبد، وعلى هذا قالوا: يشمل هذا الأب من جهة الذكور ومن جهة الإناث، أي: الذي يدلي بذكور ويدلي بإناث، فإن زوجته محرمة إلى الأبد.
قال رحمه الله: [وزوجة ابنه وإن نزل] قوله: (وزوجة ابنه) النوع الثاني من المحرمات من المصاهرة: زوجات الأبناء، زوجات الأبناء يأخذن نفس الحكم، بمجرد أن يعقد ولدك على امرأة يحل لك أن تقابلها، وأن تصافحها، وأن تختلي بها، وأن تسافر معها، سواء دخل بها أو لم يدخل، ما الدليل على ذلك؟ قوله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء:23]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله حرم علينا حليلة الابن: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} [النساء:23]؛ لأن الآية الكريم صدرت بقوله جل ذكره وتقدست أسماؤه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} [النساء:23]، فالعقد يقول: وحرمت عليكم حلائل أبنائكم، فلما كان هذا أصل التقدير معناه: أنه إذا كانت المرأة حليلة لولدك فإنها بمجرد أن تصير حليلة فهي محرم لك.
حسناً! لو أن الابن طلقها بعد العقد مباشرة أو مات عنها بعد العقد مباشرة فهي محرمة عليك إلى الأبد، فالله تعالى يقول: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} [النساء:23]، قال العلماء: وصف الله هذا النوع من المحرمات بكونه حليلة، وبالإجماع: أن الولد لو عقد على امرأة صارت حليلة له ومحرماً لوالده، أي: أن المرأة حليلة للرجل بمجرد أن يعقد عليها، وهذا بحكم الشرع، والشرع وصف حليلة الابن بكونها محرمة، إذاً فالقاعدة: أن كل امرأة عقد عليها الابن فهي محرمة على والده إلى الأبد.
يشمل هذا ابنك المباشر وابن ابنك وابن بنتك وإن نزل، فلو سئُلت عن ابن بنت ونحو ذلك تزوج امرأة وعقد عليها جاز لك بعد العقد مباشرة أن تدخل وتسلم عليها؛ لأنها أصبحت محرماً لك بمجرد العقد عليها.
قوله: (وإن نزل) ابن ابن وابن بنت وإن نزل، تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث كما ذكرنا، والدليل عموم قوله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} [النساء:23]، ولم يفرق بين ابن وآخر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف الحسن بأنه ابن له، مع أنه بواسطة أنثى، فدل على أن من تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث أنه ابنك ما دام أنه فرع لك.
قال: [دون بناتهن وأمهاتهن] قوله: (دون بناتهن وأمهاتهن)، فمثلاً: زوجة الأب لها بنت الذي هي ربيبة الأب، الوالد تزوج خديجة فخديجة بنتها محرم لوالدك؛ لأنها ربيبته، يجوز لك أن تتزوج ربيبة والدك، فهي حرام على والدك وحلال لك أنت، فتحريم المصاهرة يختص بمن ذكرنا.
قوله: (وأمهاتهن)، مثل: أن يتزوج الابن خديجة بمجرد عقد الولد على خديجة تحرم عليه أمها؛ لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء:23]، لكن هذه الأم تحل لأبيه، فيجوز لأبيه أن يتزوجها، مثلما ذكرنا في الربيبة التي هي بنت زوجة الإنسان فهي محرم له ويحرم عليه نكاحها، ويجوز لابنه أن يتزوجها، وكذلك زوجة الابن أمها محرم للابن وحرام عليه أن يتزوجها، لكن يجوز لوالده أن ينكحها.
فالتحريم قيده الله عز وجل بضابطه، فأنت إذا قلت: بنت زوجتي حرام عليَّ وهي الربيبة، لكن ليست على الولد بحرام، فالابن يجوز له أن يتزوج الربيبة التي هي بنت زوجتك وهي حرام عليك، وكذلك أم زوجتك حرام عليك لكنها ليست بحرام على ابنك فيجوز له أن يتزوجها، والدليل على هذا قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء:24]، فإن التحريم قصر على الابن إذا تزوج امرأة أن ينكح أمها، لكن لم يحرم على أبيه ذلك، وقصر على الأب إذا كان قد تزوج امرأة لها بنت أن ينكح بنتها، لكن لم يحرم على ابنه ذلك، فيجوز له أن ينكحها؛ لأنها ليست بربيبة له وإنما هي ربيبة لأبيه، وكذلك أم زوجة أبيه ليست بأم زوجته وإنما هي أم لزوجة أبيه، فالحكم واضح في هذا، تقصر التحريم على موضعه الذي ورد به وتبقي ما عدا ذلك على الأصل من الجواز، وإذا راجعت المسألة فهي واضحة إن شاء الله.
قال: [وتحرم أم زوجته وجداتها بالعقد] قوله: (وتحرم أم زوجته وجداتها بالعقد)، هذا النوع الثالث أم الزوجة.
عندنا نوعان باقيان: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وانظر إلى حكمة الله سبحانه وتعالى، وكمال لطفه، ودقة هذه الشريعة الإسلامية العظيمة، حينما جاءت تحرم أم زوجة الإنسان، الغالب أنه إذا عقد الرجل على امرأة فالبنت أجمل من أمها، وقلّ أن تجد رجلاً يطلق بنتاً ويتزوج أمها، فجعل الله تحريم أم الزوجة بمجرد العقد على ابنتها، ولأن البنت يصيبها من الغيرة الشديدة والأمر العظيم من الحقد على أمها لو أباح الشرع أنه لا يحرم التزوج بأمها إلا بعد الدخول بها، لكن جعل تحريم الأم بمجرد العقد على البنت، أما العكس إذا تزوج أماً فإن البنت وهي الربيبة لا تحرم إلا بعد الدخول بأمها، وذلك لقوله تعالى: ((وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)) [النساء:23]؛ فانظر كيف التوسعة! وفي الغالب أن الرجل لا يطلق امرأة ويتزوج أمها؛ لأن الغالب أن البنت أجمل من أمها وأكمل وأحظى عند الزوج، وهذا شيء جبلي فطري، والشريعة لا تعارض الغرائز والأشياء الطبيعية، إنما تريد أن تهذّب وتقوّم وتضع كل شيء في نصابه: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف:52]، فحكم الله الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين سبحانه! سبحانه ما أحكمه! وينبغي على طالب العلم إذا تعلم هذه الأحكام أن يزداد من العقيدة والإيمان، ما فائدة أن يعرف الإنسان الحكم ويقول: هذا حلال أو حرام فقط، هذا لا يكفي، بل ينبغي أن يصحبه اليقين، وأنه ليس هناك أكمل ولا أبدع ولا أجمل ولا أتقن من حكم الله سبحانه وتعالى قال سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام:115] وقال سبحانه: {والله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [الرعد:41]، من هذا الذي يستطيع أن يستدرك على رب العزة والجلال، جل جلاله وتقدست أسماؤه؟!! لقد جعل الله تحريم الأم بمجرد العقد على البنت، لكن البنت التي هي أحظى وأجمل إنما جعل تحريمها بالدخول على أمها، فجعل الأمر على السعة.
(275/7)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب المحرمات في النكاح [2]
إن المحرمات إلى أمد يحرم نكاحهن حتى يزول المانع، فإذا زال المانع فإنه يجوز نكاحهن.
والمحرمات إلى أمد أنواع: منها أخت معتدته، وأخت زوجته، وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما وغيرهن ممن يحرمن على التأقيت.
والحكمة من التحريم هو الإبقاء على المحبة بين هؤلاء، وعدم التقاطع والتباغض، وهذه حكمة عظيمة.
(276/1)
________________________________________
بيان المحرمات من النساء على التأقيت
قال رحمه الله: [فصل: وتحرم إلى أمد].
قوله: (وتحرم إلى أمد) هذا النوع الثاني من المحرمات وهو التحريم إلى أمد.
فبعد أن بين رحمه الله المحرمات إلى الأبد شرع في بيان المحرمات إلى أمد، وهذا نوع من النسوة يحرمن مؤقتاً، مثلاً: عندنا المرأة المحرمة لا يجوز لك أن تتزوجها حتى تحل من إحرامها، وكذلك المرأة الزانية لا يجوز نكاحها حتى تتوب وتستبرئ من زناها، كذلك المرأة الكافرة لا يجوز نكاحها إلا ما استثناه الشرع من الكتابيات على التفصيل الذي سنذكره، لكن إذا أسلمت يجوز، إذاً معنى ذلك أن هؤلاء النسوة تحريمهن من جهة العوارض والأسباب، ويزول التحريم بزوال سببه.
(276/2)
________________________________________
من المحرمات إلى أمد أخت الزوجة
قال رحمه الله: [أخت معتدته].
قوله: (أخت معتدته)، أي: أخت الزوجة، وهي محرمة عليك سواء كانت الزوجة في عصمتك أو كانت في حال العدة، فهو قال: (أخت معتدته) حتى يُعْلَمَ أنها إذا كانت باقية في عصمته فهي محرمة من باب أولى وأحرى، وهذا النوع من النساء يدخل تحت مانع الجمع.
فالموانع عدة وهي: مانع النسب، ومانع المصاهرة، ومانع الرضاع، ومانع اللعان، هذه أربعة موانع تقدمت، ثم نشرع الآن في مانع الجمع، وهو الجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، هذا بالنسبة لمانع الجمع.
فابتدأ بالأخت وعادة العلماء يقولون: تحرم أخت الزوجة ما دامت الزوجة في العصمة أو كانت في عدتها، فإذا طلقت وخرجت من عدتها حلت أختها.
دليل هذا النوع من التحريم قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:23]، (إلا ما قد سلف) أي: ولا ما قد سلف -كما ذكرنا-، فينبغي فراقهن، فيكون على العطف تشبيك الحكم، ومن حكمة الله عز وجل أنه حرم على الرجل أن يتزوج أخت زوجته في حال بقاء أختها في عصمته؛ لما في ذلك من قطع الأرحام، وظهور الحقد بين الأخوات، وقد جاء في الحديث الآخر في الرواية: (إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)، فهذا يدل على أن العلة خوف قطيعة الرحم، ومن هنا يقول العلماء: إن التحريم هنا درء لمفسدة قطيعة الرحم، وأجمع العلماء على عدم جواز الجمع بين المرأة وأختها.
لكن هذا النوع من الموانع الذي هو مانع الجمع لا يوجب المحرمية كما ذكرنا، ويخطئ بعض الناس عندما يجلس مع أخت زوجته، فإذا قيل له: لماذا؟ يقول: هذه محرمة فهي كالأم والبنت، وهذا خطأ، فإنها محرمة إلى أمد، والمحرمة إلى أمد لا تأخذ حكم المحرمة إلى الأبد.
والأخت تشمل أخت الزوجة الشقيقة، وأخت الزوجة لأب، وأخت الزوجة لأم، فالحكم هنا عام، وألحقت بها الأخت من الرضاعة، فإنه لا يجمع بين المرأة وبين أختها من الرضاعة.
وعليه فلا يجمع بين المرأة وبين أختها من النسب، ولا أختها من الرضاعة.
قال: [وأخت زوجته] قوله: (وأخت زوجته) أخت معتدته، هي أخت زوجته، يعني: كأنه يقول: إن أخت الزوجة محرمة إلى أن تطلق وتخرج من عدة الطلاق، لكن ما دامت في عدة الطلاق لا، ومن هنا يلغزون ويقولون: رجل يعتد، وهو الذي يريد الزواج من أخت الزوجة، ومن كان عنده أربع نسوة وأراد أن يتزوج بامرأة خامسة لا يحل، فنقول له: فارق واحدة وتزوج الخامسة، فإذا طلق الواحدة لا يحل له أن يعقد على الخامسة حتى تخرج هذه من عدتها؛ لأنه لو أبحنا له أن ينكح الخامسة قبل أن تخرج الرابعة من عدته ومات، يكون قد مات وفي عصمته خمس من النسوة بحكم الشريعة؛ لأن المرأة في العدة آخذة حكم المرأة، ولذلك قالوا: إنه لابد من خروجه من العدة في قول جماهير السلف رحمة الله عليهم، وقضى به بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وعليه قالوا: لو ألغز يقال: رجل يعتد، بينما الأصل أن العدة تكون للمرأة، يقولون: هو الرجل الذي يريد الخامسة، فإنه إذا طلق الرابعة يعتد، يعني: لا يتزوج حتى تخرج الرابعة من عدتها، وهكذا لو طلق الزوجة وأراد أن ينكح أختها فإنه ينتظر إلى خروجها من العدة، لكن لو أن أختها ماتت، جاز له مباشرة أن ينكح أختها، في هذه الحالة ليست هناك عدة، فبمجرد موتها يحل له نكاح أختها.
(276/3)
________________________________________
حكم الجمع بين المرأة وبنت أختها أو عمتها أو خالتها
قال رحمه الله: [وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما].
قوله: (وبنتاهما) فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وبنت أختها؛ لأنه جمع بين المرأة وخالتها، ومعلوم أنه لا يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
قوله: (وعمتاهما وخالتاهما) لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: (نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها)، ومن هنا يعتبر العلماء: أن السنة تزيد على القرآن في الحكم، وهذا خلاف لبعض أصحاب الرأي الذين يقولون: إن السنة لا تزيد على القرآن، فهنا زاد التحريم الجمع بين المرأة وعمتها، فإن ظاهر القرآن يبيح؛ لأن الله يقول: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:23]، والله تعالى حرم المحرمات ثم قال بعد ذلك: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24]، فالأصل يقتضي أن التحريم يختص بالجمع بين الأختين، مفهوم ذلك: أن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها جائز بحكم القرآن؛ لكن جاء النص من السنة بالزيادة، وهذا مما يذكره العلماء: أن السنة تزيد على القرآن، بخلاف من يقول: إن السنة مفسرة مقيدة لمطلق القرآن، مخصصة للعموم إلى آخره، وهذا ليس على كل حال، بل السنة تزيد على القرآن، وتأتي بأحكام زائدة على القرآن، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا ألفين أحدكم جالساً على أريكته شبعان ريان يبلغه الحديث عني فيقول: ما وجدت هذا في كتاب الله، ولقد أوتيت القرآن ومثله معه)، ولقد صدق بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه، فكم من جالس على أريكته أشر بطر كفر نعمة الله عز وجل، ورد سنة النبي صلى الله عليه وسلم مدعياً أنه لا يجد ذلك في كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم غنية عنه وعن أمثاله.
(276/4)
________________________________________
جواز التزوج ببنت أخت المرأة وعمتها وخالتها بعد انتهاء عدتها
قال رحمه الله: [فإن طلقت وفرغت العدة أبحن].
قوله: (فإن طلقت وانتهت العدة) هذان شرطان.
إذاً: لابد من الأمرين: الطلاق، وانتهاء العدة، لكن لو ماتت فإنها تحل.
قال: [وإن تزوجهما في عقد أو عقدين معاً بطلا] يا إخوان! الحقيقة أن متون الفقه ومتون العلم ألَّفها علماء أجلاء، ومن الخطأ أن يظن الظان أن أهل العلم المعروفين بالورع والصلاح يأتون بشيء من عندهم، فالبعض يقول: هذه آراء واجتهادات، العلماء عندما يأتون بهذه المسائل الغريبة فهي منبنية على الأصول، ولو تأملت الآن المتون الفقهية وأمعنت النظر فيها، وركزت في الأدلة المستنبطة منها هذه الأحكام، لوجدت أنها لا تخرج عن أصل صحيح شرعي، لكن تختلف الأنظار هل هذا الأصل أولى أو ذاك؟ فهم الآن حينما يتكلمون على مانع الجمع، فإن القرآن فيه نهي عن الجمع، لكن قد يرد

السؤال
لو أن رجلاً جمع بين أختين -والعياذ بالله- معاً، وهذا الرجل جاهل بحكم الشريعة، كأن يكون أسلم حديثاً، ثم جاء وتزوج أختين مع بعض، وقيل له: هذا لا يحل، فما الحكم: هل نلغي النكاحين؟ أم نبقي النكاحين؟ أم نلغي أحدهما ونبقي الآخر؟ هذا فيه تفصيل: إن كانت إحداهما سابقة للأخرى بطل نكاح الأخيرة، وبقي نكاح الأولى على ما هو عليه؛ لأن الإخلال جاء من إدخال عقد الثانية على الأولى، فالأصل في عقد الأولى أنه صحيح وأصله مستصحب، ونلغي الثاني فكان وجود العقد وعدمه سواء، فنقول له: فارق الأخت الثانية، ويلزمك مفارقتها ويبقى عقد الأولى على ما هو عليه.
لكن لو تزوجهما معاً، دخل بهما معاً وعقد بهما معاً، فما الحكم؟ نقول: بطل نكاحهما معاً؛ لأنه مبني على أصلٍ فاسد، لا يصح النكاح على هذا الوجه، إذا لم تسبق إحداهما الأخرى وعقد عليهما معاً، يقع صورة هذه المسألة: ككفار أسلموا وهم حديثو عهد بالإسلام فقال أحدهما للآخر: يا فلان! زوجتك أختين لي، قال: قبلت، فقد وقع العقد على الاثنتين، نعم تزوج أختين مع بعض، فحينئذٍ جمع بين الأختين في عقد واحد، فيلغى عقد الأولى والثانية.
قال: [فإن تأخر أحدهما أو وقع في عدة الأخرى وهي بائن أو رجعية بطل] قوله: (فإن تأخر أحدهما) ما رأيكم تأخرت إحداهما، أو تأخر أحدهما؟ تأخر أحدهما بالتذكير التفاتاً للعقد، أي: فإن تأخر عقد إحداهما عن عقد الأخرى بطل نكاح الثانية دون نكاح الأولى كما ذكرنا، وهكذا لو وقع في عدتها فإنه يبطل نكاح الثانية، يستوي أن يقع في عدتها أو يقع في حال العصمة كما ذكرنا.
(276/5)
________________________________________
من المحرمات إلى أمد المحصنة والمعتدة
قال رحمه الله: [وتحرم المعتدة والمحصنة].
قوله: (وتحرم المعتدة) قال تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة:235]، فالمرأة المعتدة من طلاق تنتظر حتى تتم عدتها، وبعد ذلك تحل للأزواج، فلا يجوز أن ينكحها في حال عدتها، وقد حرم الله عز وجل المرأة المحصنة والمعتدة، وهذا مانع جديد غير المانع السابق.
قوله: (والمحصنة) هذا مانع الزوجية.
وضابط الزوجية: أن تكون المرأة في عصمة الغير، والدليل على ذلك في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24] عطف المحصنات من النساء على قوله: (حرمت)، أي: حرمت عليكم المحصنات من النساء، والمحصنة: هي المرأة المزوجة؛ لأن الإحصان يطلق على الزواج، فيقال: أحصن الرجل إذا تزوج: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء:25]، فهنا الإحصان الأول بمعنى الزواج، ويطلق الإحصان بمعنى العفة: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ومنه قوله تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النساء:25] يعني: عفيفات غير زانيات، قوله: (مسافحات) يعني: زانيات، والسفاح هو الزنا، {وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان} [النساء:25] يعني: متخذات أصدقاء مثلما يقع عند أهل البغي والفجور.
فالمقصود: أن المرأة المحصنة في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ} [النساء:24] من المحرمات إلى أمد، وهي: كل امرأة في عصمة الغير، فلا يجوز للرجل أن يتزوج منكوحة غيره، وإذا تزوج منكوحة غيره فهو زانٍ، هذا إذا كان يعلم أنها منكوحة لغيره، ويعلم بالتحريم، فحكم هذا أن يرجم إن كان محصناً.
والمرأة التي هي الزوجة إن رضيت به، أو كذبت وقالت: ما لي زوج ولها زوج، وتزوجت بزوج ثان عالمة بالحكم فهي زانية وترجم بزناها، هذا إذا ثبت عند القاضي أنها فعلت ذلك توصلاً إلى وطئه، ويكون حينئذٍ طلباً للزنا؛ لأن العقد باطل، فكأنها تبيح له ما حرم الله عز وجل دون إذنٍ شرعي فهو زنا.
فالمقصود: أن المرأة المحصنة لا يحل نكاحها، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ} [النساء:24]، ويتبع ذلك المعتدة، فالشريعة حكمت بأن المعتدات في حكم الزوجات، وفائدة العدة أن يقوم الزوج بردها؛ وذلك لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا} [البقرة:228] فجعل المرأة المعتدة تابعة لبعلها، فقال: (وبعولتهن) وهذا يدل على أنها لا تنكح، ولا يجوز للغير أن يدخل على زوجة الأول إلا بعد خروجها من العدة.
(276/6)
________________________________________
عدم جواز وطء المسبية إلا بعد استبرائها
قال رحمه الله: [والمستبرأة من غيره].
قوله: (والمستبرأة من غيره) المستبرأة من البراءة، وهي: التي تطلب براءة الرحم، مستبرأة من غيره مثلما يقع في الإماء، يقول الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24] لا يحل للمسلم أن يطأ أو يتزوج امرأة مزوجة بغيره، إلا في حالة واحدة وهي: أن تكون كافرة، وتؤخذ أسيرة، وكانت زوجة لكافر قبل أن تسبى وتسترق، فإذا أخذت بالسبي يلغى نكاح الكفار، ويصير لها بحكم السبي حكم جديد، ولذلك قال الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24]، فالسبي والنساء المسترقات في السبي يجوز وطؤهن، ولو كن زوجات للكفار قبل القتال وقبل الجهاد، فبالجهاد نشأ حكم جديد، فألغي زواجهن الأول وأصبحن ملكاً؛ لأنه لو لم يكن هذا لما وقع شيء اسمه ملك يمين، فقال الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24] فاستثنى الله عز وجل الوطء بملك اليمين للمحصنة، لكنها تُسْتَبْرَأُ فلا يجوز وطؤها قبل الاستبراء؛ لأنه إذا وطأها ولم يستبرئها فإنه يدخل ماءه على ماء الكافر قبله، وهكذا لو كانت المرأة منكوحة لغيره ووقع الوطء شبهة، لا بد أن يستبرئها إذا كانت موطوءة من غيره، وسنتكلم إن شاء الله على العدد وأحكام الاستبراء في بابها إن شاء الله، والدليل على أن المستبرأة لا توطأ حديث سبي أوطاس، وذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يريد أن يلم بالمسبية، يعني: يطأها، هذه المرأة المسبية كانت فراشاً للذي قبل، وفيها حمل بيّن، والمفروض أنه ينتظر حتى تضع حملها، وحينئذٍ يستبرئ الرحم، ويصبح خلواً له، فيطأ بملك اليمين، لكن ما يجوز أن يأتي بمسبية حامل ويطأها؛ لأن هذا يدخل ماءه على ماء غيره، فقال صلى الله عليه وسلم -لما رآه على باب الخيمة وهو يلم بها-: (أيلم بها، أيغذوه في سمعه وبصره -يعني: لو وطأها وهي حامل لانتشى ولد غيره بمائه- لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره)، وفي هذا يقول بعض العلماء: إن هذا يدل على عظم أمر الزنا؛ لأنه إذا زنى وأدخل على أهله ولداً ليس منهم، وأغذاه في سمعه وبصره -والعياذ بالله- وأدخل من يطعم من طعام قوم لا يحل له أن يطعم، ويشرب من شراب قوم لا يحل له أن يشرب، وأن ينظر إلى نسائهم وهم ليسوا بمحارم، فكل هذا من الآثار المترتبة على اختلاط الماء، ولذلك قال: (أيغذوه في سمعه وبصره، لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره)، فهذا يدل على أنه لا يجوز الوطء للمرأة التي علق ماؤها من الغير، وكذلك لا يجوز وطء معتدة غيره وامرأة غيره بعد فراقهما إلا بعد استبرائهما.
(276/7)
________________________________________
من المحرمات إلى أمد الزانية
قال رحمه الله: [والزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها].
ولا يجوز نكاح الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، هذان شرطان: الشرط الأول: يتعلق بصلاحها واستقامتها وتوبتها من الزنا.
والشرط الثاني: يتعلق بطهارة فرجها ورحمها، فأما بالنسبة للدليل على تحريم نكاح الزانية فقوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:3] قيل: إن هذه الآية نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه وقد أراد أن ينكح عناقاً، ونكاح الرجل للمرأة الزانية يدخل الضرر على أولاده وذريته ونسله، وتختلط الأنساب، ولا يأمن منها أن تدنس فراشه، وتلوث نسبه والعياذ بالله! فتدخل عليه من الشر والبلاء، وتدخل على جماعته وجيرانه من السوء ما الله به عليم، فإن المرأة الزانية مشئومة وفيها من الشؤم والبلاء ما قد يكون سبباً في الضرر على غيرها، فكم أفسدت وأهلكت من بيوت وأسرٍ، ودمرت من أناسٍ بسبب ما يكون منها من الزنا نسأل الله السلامة والعافية! فالزانية شر عظيم، ولذلك حرم الله نكاح الزانيات، فقال تعالى: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور:3]، وعلى الصحيح من قولي العلماء: أن الزنا يمنع النكاح، فيحرم على المسلم أن ينكح الزانية، وهذا مانع آخر، فقد ذكرنا قبلاً مانع الجمع، ومانع الزوجية، ومانع العدة، والعدة في حكم الزوجية، وذكرنا بعد ذلك الاستبراء، ثم هانحن نذكر مانع الزنا، هذا المانع الرابع من موانع المحرمات إلى أمد، وتستطيع أن تجعل المستبرأة في حكم ذات الزوج؛ لأنها تابعة لماء الأول، وتجعل هذا مانعاً ثالثاً مؤقتاً، وهو مانع الزنا، والصحيح من أقوال العلماء: أن الزنا يمنع من النكاح ويحرم.
وعليه فلا يجوز أن ينكح المسلم الزانية إلا بشرطين: الشرط الأول: أن تتوب، وتوبتها تكون بما يظهر من صلاح حالها واستقامتها وبعدها عن الحرام.
وقال بعض العلماء: لا توبة لها إلا إذا اختبرت وظهرت براءتها، وقالوا: اختبارها أن تراود على الزنا فلا تعود، وهذا شرط صعب، فإن المرأة قد تتوب توبة نصوحاً، ولكنها إذا ذكرت بماضيها ربما ضعفت، ولذلك أمر التوبة في هذا من الصعوبة بمكان؛ لكن ظواهر الحال والقرائن الظاهرة إن شاء الله كافية.
بعض العلماء يعتبرون بصلاح الحال أغلب الحول، أي: أنه إذا مضى عليها أغلب الحول وهي مستقيمة طائعة نادمة على ما فات، وظهر من أحوالها التوبة صح منها ذلك، مثال ذلك: أنها كانت تخرج فصارت تقر في بيتها، وكانت تتصل بالناس فقطعت صلتها بالناس، فظهرت أمارات ودلائل وآثار تدل على صدق توبتها، حينها نحكم بتوبتها، فإذا حكمنا بتوبتها وظهر ما يدل على صلاحها واستقامتها، فإنه يستبرئ ما يكون منها، فلا يجوز له أن يطأها قبل أن تستبرئ من وطء الزنا؛ لأن هذا يوجب خلط الأنساب.
لكن لو كان الذي زنى -والعياذ بالله- يريد كما يقولون: أن يستر الزانية، فيتزوجها بعد أن خدع المرأة وأصابها فوجدها بكراً فيطمع فيها.
فمذهب طائفة من السلف: أنه يجوز له أن يتزوجها ويسترها.
وقال بعض الصحابة: أوله حرام وآخره حلال، وأوله سفاح وآخره نكاح، فخففوا في ذلك، وقال به بعض الأئمة.
وذهب طائفة من أهل العلم رحمهم الله، وهو الأقوى والصحيح: أنه لا يجوز له أن يعقد عليها حتى تتوب توبة نصوحاً، وتستبرئ من الحرام، حيث لا يجوز إدخال الحلال على الحرام، والسنة قاضية على أنه يجب التفريق بين الحلال والحرام، وذلك في حديث وطء المسبية فإنه يدل على أنه لا يجوز، وكما هو معلوم فإن عندنا نصاً يدل على أن ماء الزنا حرام، وليس للرجل فيه حق: (الولد للفراش)، فكيف نقول: يتزوجها من أجل أن يسترها، فحينئذٍ إن سترها ضيّع حق الولد فإنه يدخل ولداً على ذريته ليس منهم؛ ولذلك نص عليه الصلاة والسلام بقوله: (الولد للفراش)، فهذا يدل دلالة واضحة على أن هذا الولد ليس من حقه، فهو يتذرع بأن هذا الولد ولده، ويريد أن يبقيها في عصمته من أجل هذا الولد، والواقع أنه ليس بولده، وهذا الولد لابد وأن يأخذ حكمه الشرعي في كونه ولد سفاح، فإذا جاء يقول: أنا أسترها، إنما سترها بمحرم، وأدخل السفاح على النكاح، فأدخل ولداً ينسب إليه، ويقارن بأبنائه وبناته، يشاركهم ويزاحمهم في الإرث هو وذريته وذرية ذريته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إن بقي نسله، وكل ذلك مما ليس له أصل شرعي.
صحيح أن ستر المرأة مشروع، وأن الزاني يستر غيره ويستر نفسه فهذا لا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه ماعز قال له: (ويحك ارجع فاستغفر الله ثم تب إليه) لكن أن يدخل الحلال على الحرام فلا؛ لأنه سيضر بحقوق الورثة، وهذا الولد ليس له حق؛ لأن هذا الماء الذي وطِئَ وأُنجب منه، واغتذى به الفرج، وحصل منه الإنجاب، ماء لا حرمة له، فهو بهذا الستر يدخل الحرمة، وبالإجماع على أنه يشرع الستر ما لم يتضمن إضراراً بالغير، وفواتاً لحقه، لو أن الرجل توفي وليس له ولد إلا هذا الولد الذي من الزنا، وفرضنا أنه طلق أم هذا الولد وتزوج زوجة ثانية وليس له إلا هذا الولد الذي من الزنا والعياذ بالله! ففي هذه الحالة تنتقل المرأة من إرثها من الربع إلى إرثها من الثمن، بسبب ولد الزنا؛ لأن هذا الولد يحجبها، ثم إن العصبة الذين هم قرابته أحق بميراثه، فيأتي ابن الزنا -والعياذ بالله- ويأخذ الميراث منهم تعصيباً.
فالمسألة ليست مسألة عاطفة، المسألة مسألة أحكام، ولذلك فإن قول من قال: لا يدخل الحرام على الحلال ولا يدخل الحلال على الحرام أقوى، والأصول شاهدة له، والسنة دالة عليه.
والذي تطمئن إليه النفس أنه لا يصح هذا، وهو اختيار جمع من العلماء وطائفة من مشايخنا رحمة الله عليهم، وهو أولى بالصواب إن شاء الله تعالى؛ لدلالة النصوص والأصول الشرعية عليه.
(276/8)
________________________________________
من المحرمات إلى أمد المطلقة ثلاثاً
قال رحمه الله: [ومطلقته ثلاثاً حتى يطأها زوج غيره] قوله: (ومطلقته ثلاثاً) إذا احتسبنا المستبرأة داخلة تحت المعتدة، فالنوع الرابع مطلقته ثلاثاً لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا -أي: الطلقة الثالثة- فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230] فهذا نص على أن المرأة المطلقة ثلاثاً لا تحل حتى تنكح زوجاً غيره، وجاءت السنة بزيادة شرط فإن ظاهر القرآن: {حَتَّى تَنكِحَ} [البقرة:230] ظاهره العقد، وأنه إذا عقد عليها زوج حلت للأول الذي طلقها ثلاثاً إن طلقها الثاني أو بانت منه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن في حديث امرأة رفاعة بن رافع القرظي رضي الله عن الجميع حينما بانت من رفاعة وتزوجت عبد الرحمن بن الزبير رضي الله عنه وأرضاه، وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكت، وقالت حينما نكحت عبد الرحمن بن الزبير: (إنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال صلى الله عليه وسلم: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ فقال: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)، فهي لما طلقها رفاعة الطلقة الثالثة بانت منه، وبت طلاقها وتزوجت عبد الرحمن بن الزبير فأرادت أن ترجع إلى رفاعة، وقيل: أن ما اتهمت به عبد الرحمن بن الزبير ليس بصحيح؛ لأنها لما جاءت تشتكي ابن الزبير كان معه ولد، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: (أهذا ولدك؟ قال: نعم) فعلم كذبها، وأنها تريد أن ترجع إلى الأول، ففطن صلى الله عليه وسلم لذلك، وعلى هذا ينبغي على القاضي والمفتي أن يكون ذا فطنة وذا علم وبصيرة، وأن ينتبه إلى ما يدعيه المدعي، وأن تكون عنده من الفراسة ما يمكنه من معرفة الكلام الذي يقال، والدعوة التي تذكر من الخصمين.
الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يردها إلى رفاعة إلا بعد أن يذوق الثاني العسيلة، وهذا مكنىً به عن الجماع، ولذلك أجمع العلماء على أنها لا تحل للأول إلا بعد وطء الثاني لها، ويكون ذلك بإيلاج الحشفة أو قدرها إن كانت مقطوعة، وحصول الإيلاج في الفرج أمر شرعي معتبر، ثم إن أراد أن يطلقها بعد ذلك فإنه جائز؛ لكن بشرط ألا يكون نكاح محلل، فإذا وقع ذلك وطلقت ورجعت إلى الأول حلّت له، وسيأتي إن شاء الله بيانه في مسائل الطلاق، هل تحل له بثلاث طلقات جديدة، أو تحل له بطلقة واحدة على تفصيل عند العلماء رحمهم الله، هذا مانع التطليق ثلاثاً، وهو من الموانع المؤقتة، لأنها إذا نكحت زوجاً غيره مطلقها حلّت للذي قبل.
(276/9)
________________________________________
من المحرمات إلى أمد المحرِمة
قال رحمه الله: [والمحرمة حتى تحل].
مانع الإحرام مانع مؤقت، وقد بيّنا مانع الإحرام في كتاب المناسك، وبيّنا أن الصحيح من مذهب الجمهور: أن المحرم لا ينكح ولا يُنكح ولا يخطب، وبيّنا صريح السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدل على رجحان هذا القول، وأجبنا عن أجوبة المخالفين، وأنه لا يحل نكاح المرأة المحرمة حتى تتحلل من إحرامها، ولا يجوز للرجل المحرم أن ينكح، ولو كانت المنكوحة حلالاً فلا يجوز نكاح المحرمين، ولا نكاح محرمة من حلال، ولا نكاح حلال من امرأة محرمة، ولا محرم من امرأة حلال، لا يجوز هذا سواء كان الاثنان محرمين، أو كان أحدهما محرماً، والآخر حلالاً، فلا يجوز النكاح على هذا الوجه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا ينكح المحرم -إذا كان زوجاً رجلاً- ولا يُنكح -إذا كان امرأة-)، فجمع بين الاثنين، ودل على تحريم النكاح بالإحرام.
(276/10)
________________________________________
حكم تزويج الكافر بمسلمة
قال رحمه الله: [ولا ينكح كافر مسلمة].
هذا مانع الكفر (لا ينكح كافر مسلمة)؛ لقوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة:221]، فحرم الله عز وجل على الكافر أن ينكح المسلمة، وأباح للمسلم أن ينكح الكتابية مع أنها كافرة؛ وذلك لأن سلطان الرجل أقوى من سلطان المرأة، ولو أن الكافر تزوج المسلمة لأغواها، فإن المرأة أضعف من الرجل، وتسلط الرجل عليها أقوى، فجعل حق القوامة والعلو للإسلام لا للكفر، ولذلك لا يحل أن يكون الزوج كافراً، وقال تعالى: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة:10] إذا آمن الكافرات وهاجرن وثبت إيمانهن فلا يجوز أن نقوم بإرجاعهن إلى الكفار؛ لقوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10] فنص الله عز وجل على أنها حرام على الكافر في استدامة العقد، فمن باب أولى في إنشاء العقود، يعني: يستوي في ذلك أن تسلم فنمنعها من زوجها الكافر، أو يكون كافراً يريد أن يتزوج مسلمة، فلا يجوز للكافر أن يطأ المسلمة بالنكاح لا ابتداء بعقد نكاح ولا استدامة، فبمجرد إسلامها يفرق بينه وبينها.
(276/11)
________________________________________
حرمة تزوج المسلم بالكافرة باستثناء الكتابية
قال رحمه الله: [ولا مسلم ولو عبداً كافرة إلا حرة كتابية].
لا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة؛ وهذا من الولاء والبراء الذي يقوم عليه دين الإسلام، فلا يجوز للمسلم أن يوالي أعداء الله عز وجل، والنكاح بطبيعة الحال مداخلة، وفيه من الود والمحبة ما قد يؤثر على الدين، وفتنة الدنيا قد تعمي البصيرة والعياذ بالله، ولذلك قطع الله عز وجل الروابط بين المسلمين والكافرين، وقدم حق الإسلام وحق طهارة العقيدة وسلامتها من المؤثرات والدواخل على شهوات النفوس؛ لأن البديل موجود، وفي الإسلام غناء عن الكفر، فلا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة، فالكافرة شر وبلاء، وإن كان رجلاً قوياً قادراً على كفها ومنعها من التسلط عليه إذا أرادت أن تغويه، فإنه لا يستطيع أن يمنع سلطانها على أولاده، فإن الأم لها قوة ونفوذ على الأولاد، ولذلك أصبح لهذا الأمر خطران: خطر على الزوج، وخطر على الأولاد.
أضف إلى ذلك: أنه ما من رجل مسلم ينكح امرأة كافرة إلا وسيدخلها على قومه وجماعته وبيئته، فربما أغوت وأضلت كما ضلت، فكانت غاوية مغوية لغيرها فتفسد بيئة المسلمين، ولو أن كل مسلم ذهب وأتي بكافرة فُتن بجمالها، ثم أتى بها إلى بلاد المسلمين فإن هذا يدمر الإسلام، ويحدث فجوة عظيمة داخل البيوت وداخل الأسر، وأعظم ما تقوم عليه الأمم والمجتمعات الأسرة، وهو الكيان الذي منه ينطلق صلاح المجتمع، فلابد أن تكون قائمة على تقوى الله عز وجل، وتؤسس على تقوى من الله ورضوان، وتؤسس على صلاح الدين والإيمان بالله عز وجل.
فلا يجوز نكاح الكافرة: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10] فحرم الله عز وجل الإمساك بعصم الكوافر، وحرم نكاح المشركات: {وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة:221] فحرم نكاح الكافرات، لكن استثني الكتابية؛ لأن الكتابية لها دين سماوي، وأَلِفَتِ التعبد بذلك الدين السماوي، فهناك مدخل أن يؤثر عليها للإسلام، فيتزوجها وفي نيته أن يصلحها، ويقدم حق الله عز وجل على حق نفسه، ففي هذه الحالة الزواج من الكتابية على مطمع إسلامها مباح في أصل الشرع، وجماهير السلف رحمهم الله والخلف والأئمة والفتوى على جواز نكاح الكتابية؛ لأن الله يقول: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة:5]، فنصه سبحانه وتعالى على حلّ المحصنات من أهل الكتاب، ويستوي في ذلك اليهود والنصارى.
وعند العلماء تفصيل: بعض العلماء يقول: يشترط أن تكون كتابية الأبوين، يعني: والدها كتابي وكذلك أمها كتابية، فإن كانت من أحدهما لم يصح، وظاهر القرآن أن العبرة بها؛ وذلك لقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة:5]، فإن كانت هي تدين بدين أهل الكتاب حلّ نكاحها على نص القرآن وظاهره، وهذه التفصيلات فيها محل اجتهاد ولا تخلو من نظر.
لكن مسألة الزواج من الكتابيات أمر يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والعصور والدهور، فلا يفتح باب النكاح من الكتابيات، ففي زماننا من المجرب والمعروف أنه شر عظيم وبلاء عظيم، وقوة نفوذ أهل الكتاب خاصة في العصور المتأخرة، فإن المرأة الكتابية قد تتزوج المسلم ثم بعد ذلك تأخذ أولادها منه بالقوة وتنتزعهم منه شاء أو أبى، وتستطيع أن تستغل نفوذاً أوسع من نفوذها، ولذلك لابد من فقه الفتوى في الزمان، والنظر إلى ما يجر على المسلمين ومجتمعات المسلمين من فتح هذا الباب من الشر العظيم والبلاء الوخيم، إضافة إلى ما يعرف منهن من أن بعضهن لا يعرفن إلا التهتك، يعني: ليس عندهن إلا الاسم فقط من كونهن كتابيات، والتهتك والعهر والفساد -والعياذ بالله- منتشر بينهن، أضف إلى ما عرف منهن من الكيد للإسلام والخديعة للمسلمين، والتظاهر بمحبة الإسلام من أجل أذية المسلمين، ولذلك لابد من وضع هذه الأمور كلها في الحسبان، فلا نأتي ونقول مثلاً: الله أحل لنا نساء أهل الكتاب، بل أحل لك أن تنكح المرأة المسلمة؛ لكن إذا أردت أن تتزوج امرأة مسلمة ولكنها شريرة، وتؤذي جيرانها، وتؤذي أهلك، ولربما كانت نمامة تنقل الحديث، هل يحل لك أن تدخلها على بيئتك ومجتمعك، أم تقف أمام حدود الله ونصوص الشرع من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فتتقي الله في جيرانك وأهلك وأمتك ومجتمعك؟ كذلك أيضاً أهل الكتاب في زماننا، فإننا وإن وجدنا النص يحل نكاح النساء منهم، ونظرنا إلى الواقع والحقيقة وما يجر ذلك من تبعات وأضرار، فإننا نعطي كل زمان حقه وقدره، فنقول: من أراد أن يأخذ بهذا الحلال، ينبغي أن يضع في حسبانه جميع الآثار والسلبيات والنتائج المترتبة على مثل هذا، والله عز وجل بمنه ورحمته قد أغنى المسلمين عن أمثال هؤلاء، وإنما يقع هذا خاصة في القديم حينما كان أهل الكتاب أهل ذمة وتحت المسلمين، وكانوا يتأثرون بالمسلمين، فالمرأة كانت تحب الإسلام، وهذا كان يقع في المجتمعات التي كان فيها أهل ذمة، ولكن بحكم بيئتها لا تستطيع أن تسلم، فإذا انتزعها المسلم من تلك البيئة وجاء بها أسلمت، ووقع هذا في عصور حينما كانت العزة للإسلام وأهله، ولا زالت والحمد لله العزة للإسلام وأهله، ولكن هناك أمور لابد من وضعها في الحسبان، ولا ينبغي أن نفتح الباب هكذا.
هناك بعض الباحثين كتب في هذه المسألة ورغّب وبيّن أنه حق، وبعض المحاضرين أتى بمحاضرة في نكاح الكتابيات وأنه أمر جائز، دون التفات إلى السلبيات والآثار التي ينبغي وضعها في الحسبان، فالشيء يكون حلالاً، لكنه في زمان يحتاج إلى نظر وتأمل، لا نقول: إننا نحرمه، ولكن نقول: من أراد أن يقدم على هذا الشيء، فعليه أن ينظر إلى الآثار السيئة الموجودة المترتبة على هذا الشيء، ثم يقارن: هل يستطيع أن يلقى الله سبحانه وتعالى وقد دفع عن الأمة وعن نفسه وعن ذريته وأهله وولده هذه كلها، أم أنه مستعد لأن يلقى الله سبحانه وتعالى بتبعة ذلك وسيئاته وآثامه؟
(276/12)
________________________________________
حكم تزوج الحر المسلم بأمة مسلمة
قال رحمه الله: [ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة إلا أن يخاف عنت العزوبة لحاجة المتعة أو الخدمة ويعجز عن طول حرة أو ثمن أمة] قوله: (ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة) هذا المانع يسمى: بمانع الرق، تعرفون أن الرق في الإسلام لا يختص بجنس ولا بلون ولا بطائفة ولا بطبقة، إنما هو لمن كفر، فإذا كفر وحاد الله ورسوله وشاق الله ورسوله، ووقع الجهاد الشرعي بالصفة الشرعية، وأذن الإمام في الرق، حينئذٍ كانت منقصة من جهة الكفر، فالحر المسلم إذا تزوج مثل هذا النوع الذي في أصله على الكفر فإن هذا يضر بولده ويضر بذريته؛ لأن الولد يتبع أمه رقاً وحرية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش)، وهذا من حق الولد على والده.
فالحر المسلم لا ينكح الأمة إلا بشرطين، وهذان الشرطان لا بد من تحققهما للحكم بالجواز وقد جمعتهما آية النساء: الشرط الأول: أن لا يستطيع طول الحرة، يعني: ليس عنده مال ولا قدرة على الزواج من حرة، فلو كان أقل زواج الحرة يكلف مثلاً خمسة آلاف، وليس عنده خمسة آلاف، والنص على اشتراط العجز في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} [النساء:25].
الشرط الثاني: أن يخشى على نفسه الزنا، والنص على الشرط الثاني قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النساء:25]، ومع ذلك فضّل الصبر، رعاية لحق الولد.
فهنا شرطان: أولاً: أن يخاف على نفسه الزنا.
وثانياً: ألا يملك طولاً.
فإن كان قادراً على الصبر صبر؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (ومن يصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله).
وأما بالنسبة لما يلتحق بمسألة خوف العنت، ألحق بعض العلماء الخدمة، كأن يكون مثلاً رجلاً كبير السن ولم يجد حرة يتزوجها، قالوا: يجوز أن يتزوج أمة، وفي هذه الحالة يتزوجها لوجود الحاجة والضرورة كما ذكرنا.
فمانع الرق هو أن لا يجوز أن ينكح حر مسلم أمة، فجاز للعبد أن ينكح الأمة للمساواة، وهذا تفريق من الشرع لا أحد يتدخل فيه، ولا يحق لأحد أن يقول: الإسلام يفرق أو ما يفرق، والله لو فرق الإسلام بين أرواحنا وأجسادنا لنعمت عيوننا، ويخسأ أعداء الإسلام، ولا نجلس ونحاول تحليل بعض الشبهات ونهدر جانب العبودية.
فالمرأ إذا وجد حكماً من أحكام الله عز وجل، والمرأة إذا وجدت حكماً من أحكام الله عز وجل في أمر فرق الله عز جل فيه بين مجتمعين، أو ساوى فيه بين مختلفين أو متضادين في الحكم، ما يملك الواحد منا إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، ولا نتكلف الرد ونجلس نحلل وكأننا مهزومون أمام أعدائنا، نقول للعدو: رغم أنفك، وعلى رغم أنفك نقبل ذلك، نعم نحن نفرق، وهناك فرق بين الرجل والمرأة نعم، وتقول المرأة بملء فِيها: رضيت بما يحكم الله عز وجل به، نعم ترضى بذلك وتؤمن به وتسلم به؛ حتى يخسأ عدو الله، أما أن نجلس نلفق ونقول: إن الإسلام لا يقبل هذا إلا في حالات اضطرارية وفي حالات استثنائية، ولا يبيح الرق إلا في حالة كذا وكذا، هذه أحكام شرعية لا يتدخل فيها المكلف، ولا يقيد شيئاً أطلقه كتاب الله وأطلقته سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحاول أن يتكلف في الجواب عن شبهة هي من أصلها ساقطة؛ لأن أهل الشبهة يريدون من المسلم أن يقف موقف المهزوم، لكن لو أننا اعتدنا كلما جاءنا أعداء الإسلام بشبهة نقول: نعم، نرضى بذلك وإن رغم أنفك البعيد، نعم رضينا بذلك، وأبو بكر رضي الله عنه حينما جاءه كفار قريش وقالوا: قد زعم صاحبك أنه ذهب إلى بيت المقدس، قال: هو يقول ذلك؟ -وما زاد على هذا- قالوا: نعم، قال: صدق.
هو قادر أن يقول: إن الله على كل شيء قدير، وإن الله من قدرته قادر على أن يبين لهم، لكن أراد أن يخسئهم، قال: هو يقول ذلك؟ قالوا: نعم، قال: صدق.
ولو أن كل امرأة مسلمة من نساء المؤمنين كلما دخل عليها داخل بالشبهات تقول: نعم رضيت، الإسلام يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، نعم رضيت بملء قلبي وملء لساني، وما الذي يضرني؟ لا يضرني شيء؛ لأني أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله بحكمه حكيم عليم، فمثل هذه الأمور ينبغي وضعها في الحسبان.
فحينما يجعل الإسلام للرجل الحر أن يتزوج الأمة بشروط فهذا حكم الإسلام، ومن عايش الوضع، يعني حينما يكون الإسلام في زمان بينه وبين ملة تخالفه وتضاده وتعاديه، وهذا مشاهد فإن عدو الإسلام إذا تركته جاءك، فلابد للإسلام أن تكون له الكلمة، فلما امتنع هذا من قبول كلمة الإسلام، ووقف وأشهر السلاح في وجه الإسلام، والله عز وجل بحكمه من فوق سبع سماوات أمرنا بقتال هؤلاء، وأباح لنا استرقاقهم، ويصبح العبد مسلوب الحرية، ثم نأتي ونقول: لا ما يسلب الحرية، ما يضرب عليه الرق، ونجد من يقول: ما يضرب الرق إلا في حالات، والإسلام فتح أبواب الخروج من الرق، مع أن الكافر يسترق الحر أكثر من استرقاق الإسلام له، والإسلام لما استرق أعطى حقوقاً تعجز الأمم كلها عن الإنصاف فيها مثلما أنصف الإسلام.
فالمقصود أننا ننبه على أنه لا ينبغي العجز أمام أعداء الإسلام في مثل هذه الشبهات، في مسألة النكاح؛ لأن هذه من الشبهات التي أثيرت، يقولون: انظروا كيف يفرق الإسلام! مع أنهم هم يفرقون بين طبقات مجتمعاتهم وبيئاتهم تفريقاً أسوأ من التفريق الذي يفرقه الإسلام.
فالمقصود: أن حكم الإسلام أنه يجوز للحر أن ينكح الحرة، لكن لا يجوز له أن ينكح الأمة إلا بشروط، وهذا شيء قرره الله عز وجل وأثبته في كتابه، لا يملك المسلم إلا أن يقول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285]، فمانع الرق ثابت ومعتبر على التفصيل الذي بينَّاه ووضَّحناه.
(276/13)
________________________________________
عدم جواز نكاح العبد لسيدته والسيد لأمته إلا بعد العتق
قال رحمه الله: [ولا ينكح عبد سيدته ولا سيد أمته] قوله: (ولا ينكح عبد سيدته) أنتم تعلمون أن السيد يملك عبده بنص الشرع، وهذه الملكية يخالفها حق الزواج، فلا يمكن أن يكون عبداً ويكون زوجاً، آمراً ومأموراً، مملوكاً ومالكاً؛ لأنه إذا تزوج ملك منافع الوطء، وإذا بيع رقيقاً ملكه من اشتراه، فهذا نوع من التضاد، وهذا مسلك فقهي صحيح، وهو تضارب العقود، ولذلك أجمع العلماء على عدم صحة هذا النوع من العقود، ما يمكن أن نقول: إنه عبد وزوج، ما يمكن للعبد أن يتزوج سيدته، تريد أن يتزوجها تعتقه ثم يتزوجها، وهكذا بالنسبة للعكس، فالسيد لا يتزوج أمته؛ لأنه يحل له وطؤها بملك اليمين، فإذا أراد أن يطأها يطؤها بملك اليمين، أما إذا أراد أن يتزوجها نكاحاً بعقد، نقول في هذه الحالة: أعتقها ثم اعقد عليها عقداً شرعياً.
(276/14)
________________________________________
جواز نكاح أمة الأب دون نكاح أمة الابن
قال رحمه الله: [وللحر نكاح أمة أبيه دون أمة ابنه] قوله: (وللحر نكاح أمة أبيه) يعني: لو أن رجلاً لا يستطيع أن ينكح الحرة، ويخاف على نفسه الزنا، فأمة أبيه ليست ملكاً له وإنما هي ملك لأبيه، فصارت كالأجنبية، فجاز له أن ينكح أمة أبيه، أظن هذا واضحاً، نقول: يجوز لابن السيد أن يتزوج أمة والده إذا تحقق فيه شرط زواج الحر من الأمة؛ لأن الشرط موجود ولا يمتنع، لماذا حلّ له؟ لأن في هذه الصورة الولد لا يملك مال أبيه، ولا يوجد ملكية ونكاح، هنا فقط نكاح.
أما الوالد فإنه لا يجوز أن يعقد على أمة ابنه؛ لأن الولد وما ملك لأبيه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)، فجعل الفرع تابعاً لأصله، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما فاطمة بضعة مني)، فرد الفرع إلى أصله، فقالوا: لو كانت الأمة للرجل وأراد أن يعقد عليها فإنه بالإجماع لا يصح، ولو سئلت لماذا؟ تقول: لأنه يجمع بين النكاح وبين ملكية الأمة، وهذا لا يصح، إما أن يجعلها مملوكة ويطأها بملك اليمين يتسراها، وإما أن يجعلها منكوحة فيعتقها وينكحها، هذا في حكم من كان مالكاً، أما لو كانت أمة ابنه فأمة ابنه كأمته، فكما يحرم على ابنه أن يعقد عليها كذلك يحرم عليه؛ لأن الولد تابع لأبيه.
(276/15)
________________________________________
عدم جواز أن تنكح الحرة عبد ولدها
قال رحمه الله: [وليس للحرة نكاح عبد ولدها] قوله: (وليس للحرة نكاح عبد ولدها)، فالأم لا تتزوج عبد ولدها؛ لأن ولدها يملك هذا العبد ومال ولدها في حكم: (أنت ومالك لأبيك)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما فاطمة بضعة مني) فهذا للذكر والأنثى فالأم والأب سواء.
يا إخوان! حتى تتضح الصورة، ما هو ضابط هذه المسائل؟ إذا كان الذي يريد أن يعقد على أمة وهو مالك لها فإنه لا يصح أن يجمع بين نكاح وبين ملك، تقرر على هذا أنه يستوي أن يكون هو المالك أو في حكم المالك، كوالد مع ولده فتجعل الرقيق أنثى، أو أم مع ولدها وتجعل الرقيق ذكراً، فتقول: أم مع عبد ملك لولدها، وأب مع أمة ملك لولده لا يجوز نكاحهما، كما لا يصح لسيدة أن تنكح عبدها، ولا يصح لسيد أن ينكح أمته، هذا ضابط المسألة، وبهذا لا يشكل عليك الأمر.
يعني: بعض الإخوان يجد صعوبة في مسألة الأمة مع سيدها، ويجد نوعاً من التضارب، أهم شيء هي القواعد، وميزة المتون الفقهية وأهم ما فيها أنك تستطيع أن تتصور وتعرف الضابط، هذا قبل الدخول في المثال، والضابط يدور حول عدم الجمع بين الملكية والنكاح، فلا يصح أن يكون مالكاً وزوجاً في آن واحد، فهذا تضارب، ولا يصح أن تكون سيدة وزوجة في آن واحد، فإما هذا وإما هذا، إذا قررت هذا الأصل فيمكنك أن تأتي بالفروع؛ لأن الفقه أصول وفروع.
إذا كان هذا الأصل وهذا الذي أجمع عليه العلماء في حكمه، وفي ما يلتحق به أن تكون امرأة تطلب عبداً لولدها، أو رجل يطلب أمة لولده، لكن إذا كان العكس يصح، مثلاً: ولد يطلب أمة لوالده، فإن الولد لا يملك أمة والده فيصح أن ينكح بشرط؛ لأنه لا يجمع بين الملكية وبين النكاح، ولو أن بنتاً تطلب رقيقاً لوالدها وكانت مملوكة، كما يقع في الكفر، وكانت بنته كافرة يصح، ولا بأس في هذا.
(276/16)
________________________________________
من الأحوال التي ينفسخ فيها عقد النكاح
قال رحمه الله: [وليس للحرة نكاح عبد ولدها] قوله: (وليس للحرة نكاح عبد ولدها)، فالأم لا تتزوج عبد ولدها؛ لأن ولدها يملك هذا العبد ومال ولدها في حكم: (أنت ومالك لأبيك)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما فاطمة بضعة مني) فهذا للذكر والأنثى فالأم والأب سواء.
يا إخوان! حتى تتضح الصورة، ما هو ضابط هذه المسائل؟ إذا كان الذي يريد أن يعقد على أمة وهو مالك لها فإنه لا يصح أن يجمع بين نكاح وبين ملك، تقرر على هذا أنه يستوي أن يكون هو المالك أو في حكم المالك، كوالد مع ولده فتجعل الرقيق أنثى، أو أم مع ولدها وتجعل الرقيق ذكراً، فتقول: أم مع عبد ملك لولدها، وأب مع أمة ملك لولده لا يجوز نكاحهما، كما لا يصح لسيدة أن تنكح عبدها، ولا يصح لسيد أن ينكح أمته، هذا ضابط المسألة، وبهذا لا يشكل عليك الأمر.
يعني: بعض الإخوان يجد صعوبة في مسألة الأمة مع سيدها، ويجد نوعاً من التضارب، أهم شيء هي القواعد، وميزة المتون الفقهية وأهم ما فيها أنك تستطيع أن تتصور وتعرف الضابط، هذا قبل الدخول في المثال، والضابط يدور حول عدم الجمع بين الملكية والنكاح، فلا يصح أن يكون مالكاً وزوجاً في آن واحد، فهذا تضارب، ولا يصح أن تكون سيدة وزوجة في آن واحد، فإما هذا وإما هذا، إذا قررت هذا الأصل فيمكنك أن تأتي بالفروع؛ لأن الفقه أصول وفروع.
إذا كان هذا الأصل وهذا الذي أجمع عليه العلماء في حكمه، وفي ما يلتحق به أن تكون امرأة تطلب عبداً لولدها، أو رجل يطلب أمة لولده، لكن إذا كان العكس يصح، مثلاً: ولد يطلب أمة لوالده، فإن الولد لا يملك أمة والده فيصح أن ينكح بشرط؛ لأنه لا يجمع بين الملكية وبين النكاح، ولو أن بنتاً تطلب رقيقاً لوالدها وكانت مملوكة، كما يقع في الكفر، وكانت بنته كافرة يصح، ولا بأس في هذا.
(276/17)
________________________________________
انفساخ النكاح إن ملك أحد الزوجين الآخر حقيقة أو حكماً
قال رحمه الله: [وإن اشترى أحد الزوجين أو ولده الحر].
انظروا إلى دقة العلماء! بحيث لو قرأت المتن أولاً تحس بشيء غريب، لكن لما تمسك الضوابط تحس بمتعة هذه المتون الفقهية ودقة العلماء رحمهم الله، والفقه رياضة الذهن.
المصنف أعطانا الضابط الأصلي، وهو أنه لا يجمع بين الملكية والنكاح في الأصل، ويلزم أن تبني على ذلك ما كانت الملكية تبعاً كوالدٍ مع ولده أنثى أو ذكر، أم أو أب.
بعد هذا تأتي أشياء مفرعة على المسألة، أنت تقرر أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أمة إذا كان مالكاً لها.
إذاً افرض أنها زوجة له وطرأت الملكية، انتبه! هناك ابتداء وهناك استدامة، فهل الحكم الذي ثبت في الابتداء يؤثر أيضاً في الاستدامة؟ وهذا تقدم معنا في أكثر من مسألة، أنه لما يأتي بموانع النكاح ينبه عليها في الابتداء ثم ينبه عليها في الاستئناف، فهذه من مسائل الاستئناف، ومن هنا سيدخل في الاستئناف.
حسناً! لو طرأت الملكية كامرأة اشترت زوجها، كان زوجاً لها ثم اشترته، يقع في المملوكية إذا اشترته وأذن لها سيدها، في هذه الحالة صار ملكاً لها، ومثل هذا مثل ما يقع بين السيدة وعبدها ومملوكها، قلنا: لا يصح، فحينئذٍ كما يؤثر في الابتداء يؤثر في الاستدامة هذا ضابطه، والآن انظر إلى المسألة.
قوله: (وإن) لما يؤتى بهذا غالباً يفرع على ما قبله، فهو لما يقول: وإن حصل كذا وكذا، كأنه يبني هذه المسألة على ما قبلها.
قوله: (وإن اشترى أحد الزوجين) يعني: هو زوج لها فاشترته، أو هي زوجة له فاشتراها، مثلاً: مثلما ذكرنا الحر لا يستطيع طولاً، فينكح ماذا؟ ينكح الأمة، ثم أصبح هذا الحر غنياً ثرياً، فضايقه سيد زوجته، فاشتراها منه، فما الحكم؟ يصبح حينئذٍ سيداً من وجه وزوجاً من وجه آخر، فدخول الملكية يفسد النكاح، فأصبح مانعاً من الابتداء ومانعاً من الاستدامة؛ لأن هناك شيئاً يمنع من الابتداء والاستدامة، وهناك شيئاً يمنع من الابتداء ولا يمنع من الاستدامة، هناك موانع لا تمنع من الاستدامة.
الآن مثلاً: عندنا الإحرام مانع من الابتداء؛ لكن لو أن زوجين أحرما مع بعضهما هل نقول: يفرق بينهما؟ لا، ما يقال ذلك، فإذن مانع الإحرام يمنع الابتداء ولا يمنع الاستدامة، وعندنا مانع يمنع الابتداء والاستدامة، وهذا كله مبني على أصول شرعية، يعني: هذه المسائل مبنية على أصول شرعية، لكن يراد بها رياضة الذهن، وإذا قام طالب العلم بالتجربة وقرأ في المطولات واستمر في مسائل الفقه، فإنه يصبح عنده الفقه ملكة.
هذه المسائل التي ترى ما كانت موجودة في المتون المتقدمة قبلها، لكن المتون المتقدمة قبلها نصت على مسائل فتّحت الأذهان لهذه المسائل التي طرأت، وهذه القراءة الآن تفتح بها مسائل قد تطرأ عليك في عصرك الآن، لأنك إذا أخذت الضابط بالاستدامة والابتداء فإنك تستطيع أن تقرر مسائل أخر تأتي جديدة سواء في المعاملات المالية أو الشخصية أو الجنايات، كل هذا يراد به رياضة الذهن وتقويته، لكن ينبغي أن يكون مقيداً بالنصوص من الكتاب والسنة، ما يخرج إلى تكلف الآراء التي لا نص فيها ولا أصل لها، أو تعلل بعلل ضعيفة واهية.
قوله: (أو ولده الحر) يعني: عنده ولد حر، فرضنا أن زيداً تزوج خديجة وأنجب منها محمداً، وخديجة حرة وزيد حر، ثم بعد ذلك ماتت خديجة فأراد والد زيدٍ أن يتزوج وليس عنده مال ليتزوج حرة، ما الحكم؟ يجوز له نكاح الأمة، فلما تزوج الأمة بالشرط المعتبر شرعاً، أصبحت زوجته أمة وعنده ولد حر من غيرها، وبعد زمان اشترى الولد الحر زوجة أبيه الأمة، وقد قلنا في الضابط: إن الولد في حكم الوالد، فحينئذٍ كما أثر في الابتداء في مسألة الولد والوالد فإنه مؤثر في الاستدامة.
أظن هذا واضحاً، فبعد فهم الضابط ليس هناك إشكال في المسألة؛ لأن الأمر واضح سواء اشترى هو أو اشترى فرعه، ثم يأتون بمثال الأم مع ولدها.
(276/18)
________________________________________
انفساخ نكاح المكاتب أو المكاتبة إن ملك أحدهما الآخر
قال رحمه الله: [أو مكاتبة الزوج الآخر] بعض الأحيان يأتون بشيء أغرب من هذا: وهو الذي يكون في حكم ملكية الشخص كالمكاتبة، فلو قال: أو مكاتبهم، نفس الحكم؛ لأن المكاتب إذا كان يكاتبك ليس بحر، ما دام في حال الكتابة، إنما يصير حراً بعد أداء نجوم الكتابة، ففي حال كونه مكاتباً اشترى الأمة التي تزوجها، كولدك الذي اشترى الأمة التي تزوجها، فالمسألة كلها تدور حول الضابط.
(276/19)
________________________________________
انفساخ النكاح عندما يملك أحد الزوجين جزء الآخر
قال رحمه الله: [أو بعضه انفسخ نكاحهما].
أي: لو اشترى الكل أو اشترى البعض فالحكم واحد، نحن استفدنا فائدة: أنه سواء كانت الملكية للكل أو الملكية للبعض، فلو أن هذه الأمة التي تزوجها والده ملك لشخصين زيد وعمرو، فاشترى الولد نصف ملك زيد، فأصبح يملك نصف أمة هي زوجة أبيه، إذاً يصبح أبوه يملك نصف المرأة التي اشتراها ولده وزوج لكلها، حينئذٍ ينفسخ النكاح؛ لأنه كما أثر في الكل فإنه يؤثر في الجزء، فالحكم في ذلك سواء.
انظروا كيف يدخلون العبارات في بعض؛ لأنهم يريدون الاختصار، فيجيبون: أو مكاتبه أو كذا؛ لأنه لو أراد أن يشرح لك القواعد لاحتاج إلى صفحات؛ لكن هو يشرحها بهذه الأمثلة، أرأيت هذه الأمثلة التي قد يتهكم بها البعض، هذه هي التي تفتح ذهن الطالب إلى الأصل، فالعلماء ما مرادهم بهذا التمثيل كمثال، وهذه الأمثلة لما تراها ترى شيئاً غريباً وتقول: هذا من أين جاء؟ أو من أين أتى؟ أتى من نص الكتاب والسنة كقاعدة، فلو جاء الفقيه يريد أن يشرح هذه القواعد لاحتاج إلى مطولات واحتاج إلى وقت، فهم إنما جعلوا المتون الفقهية أمثلة، وجعلوا شرح هذه القواعد وأدلتها للفقهاء والعلماء الذين يشرحون، وكلاً على حسب قوته وطاقته، ثم أصبح الفقه مجموعاً في هذه المتون تحت أمثلة هي في الواقع أصول لغيرها.
وليس المراد الإحاطة بهذه الأمثلة ذاتها والعجز عن الإتيان بغيرها، بل لابد أن يلم بأصلها فيستطيع أن يلحق بها غيرها، فيصبح عند طالب العلم الفقه القديم والفقه الجديد، وهذه ملكة تعين على مسألة التخريج الفقهي، يعني: أنه إذا ضبط هذه الأمثلة وأعانه الله عز وجل على فهم ضوابطها، فإنه يستطيع بإذن الله أن يتكلم على المسائل والنوازل التي تجدّ وتطرأ على زمانه، ويمكنه أن يعرف حكم الله عز وجل فيها.
(276/20)
________________________________________
حكم وطء المحارم بملك اليمين
قال رحمه الله: [ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين إلا أمة كتابية] هذه مسألة فيمن ملك ذات محرم منه، لا يجوز أن يطأ أخته بملك اليمين، ولا يجوز أن يطأ عمته بملك اليمين، لو أنه أسلم ثم أسرت عمته واسترقت وبيعت فاشتراها، فالأصل يقتضي أن من ملك ذا محرم منه فقد عتق عليه على تفصيل سيأتي في باب العتق، لكن على القول أنها لا تعتق وأراد أن يطأها بملك اليمين فإنه لا يجوز، هذه مسائل ملحقة، ووجه إدخالها في باب النكاح هو إلحاقها بمسألة الجمع بين الأختين، فإن الجمع بين الأختين اختلف فيه: هل يجوز أن يجمع بين الأختين بملك اليمين؟ لو أن رجلاً اشترى أمتين أختين هل يجوز أن يطأهما معاً بملك اليمين؟ هذه المسألة اختلف فيها السلف رحمهم الله، فكان عثمان رضي الله عنه إذا سئل عن هذه المسألة يقول: أحلتهما آية وحرمتهما آية، أحلتهما آية وهي قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24]، وقوله في الاستثناء: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24] في المحرمات، وحرمتهما آية وهي قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [النساء:23] فأطلق، ومن جهة المعنى يقوى المنع كما ذكرنا في الزنا، ولذلك الشبهة موجودة فيه كالشبهة في الجمع بين الحلال والحرام، كما قدمناه في مانع الزنا.
(276/21)
________________________________________
حكم من جمع بين محللة ومحرمة في عقد واحد
قال رحمه الله: [ومن جمع بين محللة ومحرمة في عقد صح فيمن تحل] أي: من جمع بين محللة ومحرمة في عقد واحد صح فيمن تحل وحرم فيمن تحرم.
المصنف رحمه الله ذكر الموانع، وبين حكم العقد على المحرمة، وأنه يفسخ النكاح؛ لأن الحرام يمنع من الابتداء والاستدامة، فإذا عرفنا الحرام المحض وعرفنا الحلال المحض، فما الحكم لو جمع بين حرام وحلال؟ كأن يقول له رجل في عقد واحد: زوجتك فلانة وفلانة، وكان هذا الرجل ولياً لامرأتين: إحداهما يحل لك نكاحها، والثانية يحرم عليك نكاحها، فزوجكهما معاً، صح العقد فيمن حلت وحرم فيمن حرمت؛ وذلك للقاعدة التي تقول: تصحيح العقود ما أمكن.
فلما كان الأصل صحة العقد إلا ما دل الدليل الشرعي على تحريمه وبطلانه، حكمنا بالتحريم فيما حرم وحكمنا بالحل فيما حل.
وقال بعض العلماء: ينهدم العقد من أصله فيبطل في الاثنين.
(276/22)
________________________________________
حكم نكاح الخنثى المشكل
قال رحمه الله: [ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره] قوله: (ولا يصح نكاح خنثى) الخنثى من عنده آلة الذكر وآلة الأنثى، وينقسم إلى قسمين: خنثى تبين أمره وانكشف، بأن تبين أنه رجل فحكمه حكم الرجل، أو تبين أنه أنثى فحكمه حكم الإناث، لكن هناك نوع من الخنثى الذي هو المشكل الذي لا يتبين حاله، وهذا له أحكام شرعية، وتقدم معنا في العبادات.
وبعض العلماء يقول: الخنثى يعطى حكم الأنثى إلا في مسائل، ويعطى حكم الأضعف حتى يتبين أنه ذكر؛ وذلك لأننا على يقين بالأقل حتى نستيقن ما هو أعلى منه، وهذا أصل صحيح، وذكره العلماء في قاعدة: اليقين لا يزال بالشك، وفرعوا مسائل الخنثى عليها، لكن الخنثى المشكل لا يجوز نكاحه؛ لأنه ربما زوج على أنه امرأة فبان ذكراً، أو زوج على أنه ذكر فبان أنثى، فلذلك يتوقف في أمره حتى يستبين.
(276/23)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - الشروط في النكاح
الشروط بين المتعاقدين منها ما هو شرعي ومنها ما هو جعلي، وقد أجاز الشرع للمتعاقدين في عقد النكاح أن يشترطا شروطاً من عندهما، وهذه الشروط تسمى شروط في النكاح، إلا أن هذه الشروط منها الصحيح، ومنها الفاسد في نفسه، ومنها المفسد للعقد، وعليه فيثبت الخيار للزوجين عند انتفاء الشرط الصحيح.
(277/1)
________________________________________
الشروط في النكاح
قال رحمه الله تعالى: [باب الشروط والعيوب في النكاح] الشروط تنقسم إلى قسمين -كما تقدم معنا في البيوع-: شروط شرعية وشروط جعلية، وتقدم تعريف الشروط، والمراد من هذا أن هناك شروطاً نص عليها الشرع: كالولي، والشاهدين، ورضا الزوجين، وغير ذلك مما ذكرناه في شروط صحة النكاح، لكن الكلام هنا في الشروط التي يجعلها أحد الطرفين المتعاقدين، إما الزوج أو الزوجة أو الولي.
وفي الحقيقة عندنا سؤال مهم، يعتبر كمدخل فقط ندخل به في مسألة الشروط وهو: لو سألك سائل وقال لك: كيف يقول المصنف: باب الشروط والعيوب، ونحن إلى الآن ما دخلنا في تفصيلات كتاب النكاح؟ يعني: كان المفروض أن تكون مسائل الشروط في آخر كتاب النكاح.
والجواب عن ذلك: أن ترتيب المصنف ترتيب صحيح، وفي علم المناسبات فإنه على حسب الأصول التي ذكرها العلماء يقوى ترتيب المصنف، توضيح ذلك: أن المصنف ذكر مقدمات النكاح، فذكر الخطبة، وذكر من تخطب، وصفات المرأة المخطوبة، وأحكام الخطبة، وما يتعلق بها، ثم ذكر أركان عقد النكاح، والصيغة، والعاقدين، إلى آخره، ثم ذكر شروط صحة عقد النكاح، فبعدما توفرت هذه المقدمات تسأل: من المرأة التي تحل لي فأتزوجها، والمرأة التي لا تحل لي فلا أتزوجها؟ فإذا عرفت المرأة التي تحل والمرأة التي لا تحل، ماذا تفعل؟ مباشرة ستعقد، وقد تقدمت مقدمات العقد، وفي أثناء العقد ستذكر الشروط، فتذكر ما لك من شروط على المرأة، والمرأة تذكر ما لها من شروط على الزوج، فإذاً ناسب أن يذكر باب الشروط بعد المحرمات من النساء من أجل أن يبين ما الذي يمكن أن يوضع في عقد النكاح.
وأيضاً يرد إشكال آخر وهو: إذا كانت الشروط لها هذه المناسبة فأنا مسلّم وهذا صحيح، لكن العيوب، إما أن تكون في مقدمات النكاح: لا تتزوج كذا، ولا تتزوج كذا، وإما أن توضع في آثار النكاح.
والواقع أن ترتيب المصنف صحيح، فإن الشروط في الحقيقة من ناحية فقهية وتنظير فقهي تعتبر من الخيارات، يعني: إذا تم العقد بين الطرفين هناك شيء يسمى: الخيار وهو: أن يدخل أمراً أو يشترطا شرطاً يوجب الخيار لأحدهما أو كليهما -كما تقدم معنا في البيوع- وفي الواقع أن الشروط في الأصل توضع في العقود ويقصد منها الخيار، بحيث لو اشترط أن المرأة على صفات معينة وتبين أنها ليست على تلك الصفات كان له الخيار، فمعنى ذلك: أن الشروط متصلة بالعقد من حيث الأساس والتركيب، ومتصلة بالخيار من حيث الثمرة، فإذاً هي في التنظير في باب الخيارات، فالتصقت العيوب بها؛ لأن الشرط والعيب والغرر والعتق كلها من خيارات النكاح، إذ هناك أربعة أشياء مما يوجب الخيار في النكاح: الشرط، العيب، العتق، الغرر، أو وجود الغبن ونحو ذلك، هذه أربع من موجبات الخيار، فناسب أن يلحق العيوب بالشروط، وعلى هذا فتنظير المصنف رحمه الله تنظير صحيح.
سنذكر باختصار مسألة أنواع الشروط.
(277/2)
________________________________________
أقسام الشروط في النكاح
الشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين: شروط معتبرة شرعاً يجب الوفاء بها، وشروط غير معتبرة شرعاً وفيها تفصيل، فأما الشروط المعتبرة شرعاً فإنه يجب على الزوج أن يفي بها، ويجب على الزوجة أن تفي بها، وهي الشروط التي أحلها الله ورسوله على الصفة التي سنذكرها -إن شاء الله- وهي تتضمن مصلحة، ولا تضاد شرع الله، ولا تخالف شرع الله عز وجل، وليست مما حرم الله، فهذه الشروط جعلية معتبرة، اشترطت المرأة مثلاً: أن يكون مهرها من الذهب، أو اشترطت: أن يكون مهرها من الفضة، أو اشترطت: أن يكون متاعها من نوع معين، هذه كلها شروط معينة لا تعارض الشرع ولا تضاده.
لكن الشروط التي تخالف الشرع تنقسم إلى قسمين: شروط توجب فساد العقد فيفسد الشرط والعقد، وشروط يحكم ببطلانها ويبقى العقد صحيحاً فلا يجب الوفاء بها.
فأما الشروط التي يحكم ببطلانها وبطلان العقد كقوله: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وهذا نكاح الشغار، أو: زوجتك ابنتي سنة، أو زوجتك ابنتي شهرين، أو ثلاثة شهور، أو زوجتك ابنتي مدة إقامتك عندنا، وهذا نكاح المتعة، أو زوجتك ابنتي على أنك إذا وطئتها وحلت لزوجها الأول طلقتها، فهذا الشرط لاغٍ والنكاح فاسد، وهو شرط يوجب فساد العقد، وهناك شروط تصحح فيها العقود وتلغى هذه الشروط، فلو تزوجها على أن لا مهر لها فحينئذٍ نلغي هذا الشرط؛ لأنه خلاف كتاب الله حيث قال الله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء:24]، فالله عز وجل فرض على المسلم أن يعطي المرأة حقها، فإذاً لو أنه اشترط أن لا مهر لها نسقط هذا الشرط، ونقول: لها مهر مثلها، وأما بالنسبة لتفصيلات هذه الشروط وبيانها فسيفصلها المصنف رحمه الله فيما يأتي.
(277/3)
________________________________________
الشروط الصحيحة في النكاح
شرع المصنف رحمه الله في الشروط التي يرى صحتها؛ لأن الشروط اختلف العلماء رحمهم الله فيها، فتارة يحكم بصحة الشرط واعتباره ولزوم الوفاء به، وتارة يحكم بعدم اعتباره وعدم وجوب الوفاء به، فتختلف أقوال العلماء رحمهم الله في هذا النوع من الشروط ويتكلمون على مسائله في هذا الموضع.
(277/4)
________________________________________
اشتراط طلاق الزوجة الأولى
فقال المصنف رحمه الله: [إذا شرطت طلاق ضرتها] صورة المسألة: أن تقول المرأة: رضيت به زوجاً بشرط أن يطلق زوجته، فتارة يكون الزوج الذي يريد أن يتزوج عنده زوجة واحدة وتارة تكون عنده أكثر من زوجة، فإذا كان عنده زوجة واحدة تقول: أشترط أن يطلق زوجته فلانة، أو تقول: أشترط أن يطلق زوجته السابقة ولا تسمي فهذه صورة، ومن صورها أن تقول إذا كان عنده أكثر من زوجة: أشترط أن يطلق جميع نسائه، وتارة تقول: أشترط أن يطلق بعض نسائه أي: الأول، فسواءً اشترطت طلاق زوجة أو طلاق زوجتين أو أكثر فإن هذا الشرط للعلماء فيه قولان: فقال بعض العلماء بصحته كما درج عليه المصنف رحمه الله، واختاره أبو الخطاب من الأصحاب، وغيرهم رحمة الله عليهم، وعللوا ذلك بأن فيه مصلحة للزوجة، وأن الزوجة تخاف من الضرر بوجود الضرة، كأن تكون شديدة الغيرة، إلى آخر ما ذكروه، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) قالوا: فهذا الحديث يدل على أنه يجب الوفاء بالشرط؛ لأن شرط النكاح أحق ما يوفى به.
وذهب طائفة من العلماء إلى أنها لو شرطت عليه طلاق ضرتها فالشرط باطل ولا يلزمه الوفاء به، ولو حدث نكاح ورفع إلى القاضي فإنه يحكم ببطلان الشرط وبقاء النكاح على صحته، وهذا هو الصحيح وعليه المذهب كما أشار إلى ذلك صاحب الإنصاف، وصححه في المذهب، أنه ليس من حقها أن تشترط هذا الشرط؛ لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ولا تسأل المرأة طلاق ضرتها) وكذلك في اللفظ الآخر: (لا تسأل المرأة طلاق ضرتها لتنكح) وفي اللفظ الآخر: (نهى أن تسأل المرأة طلاق ضرتها لتكفأ ما في صحفتها) فدل هذا على أنه لا يجوز للمرأة أن تشترط طلاق المرأة قبلها.
وهذا هو الذي نميل إليه: أنه ليس بشرط شرعي، وأنه لا يلزم الوفاء به، فإن اعترض معترض وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) نقول: جوابه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) فكيف وقد نص على بطلان مثل هذا الشرط في قوله: (لا تسأل المرأة) ونهى عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فهذا أمر حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان محرماً فكيف نقول بمشروعيته؟ وكيف نقول بلزوم الوفاء به؟ فالصحيح أنه شرط غير معتبر.
وعلى هذا فإننا نقول: لا يصح للمرأة أن تسأل طلاق ضرتها؛ لكن يعتذر للعلماء الذي قالوا بأنه صحيح بأنه يحتمل أنهم لا يقصدون مطلق الشرط وإنما قصدوا شيئاً معيناً -والله أعلم- كما لو اشترطت المرأة طلاق امرأة شريرة قبلها أو طلاق امرأة فاجرة تخاف من فجورها وضررها، فصار هناك مسوغ وهو دفع الضرر، فتقول: أنا لا أتزوج منك وفلانة في عصمتك، طلقها ثم انكحني، ففي هذه الحالة ممكن أن يشترط هذا الشرط، أما أن يكون شرطاً معتبراً بإطلاقٍ فلا.
والضرة سميت ضرة لأنها تضار، وغالباً مع وجود الغيرة يحصل الضرر.
(277/5)
________________________________________
اشتراط عدم التسري على الزوجة
قال رحمه الله: [أو لا يتسرى عليها] السرية: هي الأمة التي تنكح بملك اليمين، فتقول له: أرضاك زوجاً بشرط ألا تطأ أو لا تتسرى عليَّ، أي: ما يطأ النساء اللاتي في ملك يمينه، وهذا الشرط للعلماء فيه وجهان: صححه طائفة كما ذكرنا، وأبطله طائفة، والصحيح أنه باطل، وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم:1] فالله أحل له أن يطأ سريته، والمرأة تحيض ويأتيها العذر ويأتيها المرض الذي يعيقه من إعفاف نفسه فيبقى معلقاً عن حلال أحله الله له، فهذا من تحريم ما أحل الله وليس من جنس الشروط التي يجب الوفاء بها.
(277/6)
________________________________________
اشتراط عدم الزواج على الزوجة
قال رحمه الله: [ولا يتزوج عليها] وهذا أشد وأعظم؛ لأن الرجل بهذا يمتنع مما أحل الله له، ومع ما فيه من مصلحة الأمة، ومصلحة الجماعة والأفراد، وصورة المسألة أن تقول له: أرضاك زوجاً بشرط ألا تتزوج عليَّ، فمثل هذا الشرط اختلف فيه العلماء رحمهم الله سلفاً وخلفاً: فأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص، وكذلك قال به طاووس بن كيسان تلميذ ابن عباس، وقال به الأوزاعي فقيه الشام وطائفة كـ إسحاق بن راهوية من أهل الحديث أن هذا الشرط صحيح ويجب عليه أن يفي للمرأة بما التزم به، فإن قالت: أشترط أن لا تكون لك سابقة ولا لاحقة ولا تتزوج عليَّ، فإنه يجب عليه الوفاء، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) وذهب طائفة من العلماء كما هو مذهب جمهور العلماء سلفاً وخلفاً إلى أن هذا الشرط باطل، وأنه ليس من حقها أن تحرم عليه ما أحل الله له، واحتجوا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم:1] وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، والذي في كتاب الله الندب والاستحباب لزواج الثانية والثالثة والرابعة: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] فندب الله الأمة إلى تكثير سوادها وحصول الإعفاف لنساء المؤمنين، وهذه المرأة تحرم ما أحل الله لمصلحتها الذاتية، وكونها ذات غيرة فإن هذه الغيرة ضرر خاص بها لا تستضر به جماعة المسلمين، وكم من مطلقة وأرملة تحتاج إلى من يعفها ويسترها وقد تكون ابنة عم وقد تكون ابنة خال وقريبة فلا يستطيع أن ينكحها لوجود هذا الشرط.
ومن تأمل الواقع وجد أن الشرع يؤكد أن هذا الشرط باطل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألغى الشرط الذي يعارض كتاب الله عز وجل، فهو يقول: (كل شرط ليس في كتاب الله) والذي في كتاب الله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] ولا يستطيع الشخص أن يدرك خطر هذا الشرط إلا إذا نظر إلى رجل عنده امرأة تزوجها ونكحها وأنجب منها أولاداً، فإذا قلنا بصحة الشرط وثبت أن للمرأة هذا الشرط فمعناه أنه متى نقض الشرط كان لها الخيار، فإذا نقض الشرط وقالت: لا أريده، تنفسخ مباشرة، ولا يستطيع إرجاعها إلا بعقد جديد، وهذا معروف عند من يعمل بهذا الشرط، فوجدنا هذا الضرر وهذه المفاسد العظيمة، فمن كان عنده أولاد لا يستطيع أن يتزوج الثانية لعلمه أن أولاده سيستضرون بطلاق هذه وانفساخ عقدها فهذا كله مما يعارض هذا الشرط.
والأصل حل نكاح الثانية والثالثة والرابعة، فالمرأة إن أرادت أن تتزوج اشترطت شروطاً لا ضرر فيها قبلنا، وإلا رددنا كل ما صادم كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب الحرج على المسلمين، فضيق ما وسع الله على عباده، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أحل أشياء فلا تحرموها، وحرم أشياء فلا تحلوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان) فلا يليق بالمسلم أن يحرم ما أحل الله له ابتغاء مرضات النساء والأزواج كما نص الله عز وجل على تحريم ذلك.
(277/7)
________________________________________
اشتراط عدم خروج الزوجة من دارها أو بلدها
قال رحمه الله: [أو لا يخرجها من دارها] إذا اشترطت عليه أن لا يخرجها من دارها أو من بلدها، فهذا الشرط اختلف فيه العلماء رحمهم الله أيضاً سلفاً وخلفاً: فعن عمر بن الخطاب رواية بكلا القولين: روي عنه أنه أقر هذا الشرط، وروي عنه أنه أبطل هذا الشرط، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أبطل هذا الشرط، ولما رفعت إليه قضية المرأة التي اشترطت على زوجها ألا يخرجها من بلدها قال رضي الله عنه: كتاب الله أسبق، أي: أن الله عز وجل أحل للرجل أن ينقل امرأته حيثما انتقل؛ لكي تعفه عن الحرام وتصونه عن الآثام بإذن الله عز وجل.
وقال طائفة من السلف: إنه يشرع هذا الشرط، وإذا اشترطت عليه المرأة ذلك فإنه لا يخرجها من دارها ويجب عليه الوفاء؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) وفي الحقيقة القول بجوازه أقوى؛ لأن هذه المسألة ليست كالمسألة السابقة، والضرر في هذه ليس كالضرر في سابقتها، وكثير من النساء يشترطن ألا يخرجن من دورهن خوفاً على الوالدين ولمصالح ذاتية، والغالب أن المرأة لا تشترط مثل هذا الشرط إلا وهناك ما يؤثر عليها ويضر بها إضراراً معتبراً خاصة في حق والديها وقرابتها، فنقول: هو أقوى، وفرق بين قولنا: أرجح وأقوى، وقد نبهنا على ذلك غير مرة.
قال: [أو بلدها] كذلك الحكم في البلد، وقد تكون هناك مبررات، فقد تكون المرأة صغيرة السن فيقول والدها: أشترط عليك ألا تخرجها من المدينة؛ لأنه يعلم أن ابنته في هذا السن يخشى عليها وأن بيئته أو جماعته أو مدينته فيها مفاسد، فمثل هذا أنا لا أشك في اعتباره، وأنها شروط شرعية؛ لأنه يقصد منها مقصود شرعي، أما إذا قصد التضييق على الرجل فهذا شيء آخر، لكن من حيث النظر في غالب الأحوال فهذا الشرط يقصد به تحقيق مصالح ودرء مفاسد، ومثل هذا لا يشك في اعتباره والعمل به.
(277/8)
________________________________________
اشتراط نقد معين في المهر أو اشتراط زيادته
قال رحمه الله: [أو شرطت نقداً معيناً] قالت: أشترط أن يكون صداقي مائة ألف ريال من الفضة القديمة، أو أشترط أن يكون صداقي -مثلاً- ثلاثين ألف ريال من الورق، أو أشترط أن يكون صداقي مائة جنيه من الذهب السعودي مثلاً أو غيره، فهذا كله اشتراط نقد معين، فهذا يجب الوفاء به، فإنه استحل فرجها بهذا الشرط، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج).
قال: [أو زيادة في مهرها صح] لأنه يجوز لها أن تشترط في المهر القليل والكثير، فليس هناك محظور شرعي.
قال: [فإن خالفه فلها الفسخ] (خالفه) الضمير عائد إلى الشرط (فلها الفسخ) لها أي: تملك الفسخ، وهذا كما ذكرنا أن الشروط في العقود من موجبات الخيار، وإذا قلنا: لها الفسخ، ففرق بين الفسخ والطلاق، فالمرأة إذا كان لها الفسخ فمعنى ذلك أنها إذا اختارت الفسخ فإنه لا يستطيع أن يعود لها إلا بعقد جديد، ولكن إذا قلنا: تطلق، فقد تطلق وتكون رجعية كما لو كانت الطلقة الأولى ويمتلك ارتجاعها بدون رضاها، وإنما قلنا: لها الفسخ؛ لأننا لو قلنا بدون الفسخ بأن قلنا مثلاً: إنها تكون في حكم المطلقة لأمكنه أن يطلقها ثم يعيدها بعد ذلك فيفوت المقصود من الشرط، ولذلك يقول: (لها الفسخ) أي أنها إذا قالت: لا أريد ولست براضية، يقال لها: أنتِ بالخيار إما أن ترضي بهذا الواقع الذي هو فيه وإما أن تفسخي نكاحكِ، فتفسخ نكاحها ولا يرجع عليها بمهر؛ لأن المهر يكون بما استحل من فرجها.
(277/9)
________________________________________
الشروط المبطلة للعقد
النوع الثاني من الشروط: هي الشروط الباطلة التي توجب بطلان العقد، فهي فاسدة ومفسدة للعقد.
والشروط على أقسام: النوع الأول: الشروط الصحيحة التي يجب الوفاء بها، وإن كنا قد استثنينا بعضها لمصادمته للكتاب والسنة، الشروط الممنوعة، وتنقسم إلى قسمين: شروط ممنوعة توجب فساد العقد وهو الذي شرع به الآن فانتقل من الأعلى إلى الأدنى.
(277/10)
________________________________________
نكاح الشغار
قال رحمه الله: [وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان] إن شرط أن يزوجه موليته أو ابنته، فقال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك فهذا نكاح الشغار، مأخوذ من قول العرب: شغر الكلب رجله إذا رفعها ليبول -أكرمكم الله-، فكأنه يقول: لا تستمتع بموليتي بشغر الرجل -وضع الجماع- حتى أستمتع بموليتك، فكأنه جعل البضع عوضاً عن البضع، وهذا النوع من النكاح كان نكاحاً جاهلياً، والشريعة لما جاءت لأنكحة الجاهلية أقرت وأبطلت وفصلت، فهناك أنواع أبطلتها بالكلية وهناك أنواع أقرتها، وهناك أنواع فصلت في أحكامها كما سيأتي -إن شاء الله- في أنكحة الكفار.
فالنكاح الذي ألغته نكاح الشغار، وكان من أنواع الأنكحة التي يظلم فيها النساء، والظلم في نكاح الشغار يقع بصورتين: الصورة الأولى: أن الرجل يقول: ابنتي بابنتك ولا مهر، فيجعل البنت مقابل البنت والبضع مقابل البضع، فلا يستمتع حتى يستمتع الآخر، وهذا من أبشع الظلم؛ فإنه قد يكون أحدهما غير مرضي، وقد يكون الاثنان غير مرضيين، فكل منهما يخون أمانته ويضيع حق موليته طلباً لربحه ومنفعته، فكأنه يطلب حظ نفسه في نكاح الثانية بالإضرار بابنته، والآخر يضر بابنته، فقد يكونان كبيرين في السن وقد تكون فيهما من العاهات والآفات ما لا يقبل معه مثلهما زوجاً، ولكن يضحي كل منهما بحق موليته لمصلحته في مولية الآخر، فهذا الظلم الأول.
النوع الثاني من الظلم: أن يكون لا مهر، فيضران بالمهر، فيخفف من مهر هذه لقاء مهر تلك أو يسقطان المهر كلية.
وأياً ما كان فنكاح الشغار بتلك الصورتين سواءً كان هناك مهر -على الصحيح من أقوال العلماء- أو لم يكن هناك مهر -بإجماع العلماء رحمهم الله في الصورة الثانية- لا يصح وهو نكاح فاسد، وإذا ثبت هذا فكل من زوج أخته أو ابنته أو موليته أياً كانت بمولية الآخر فالنكاح فاسد؛ لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه (نهى عن نكاح الشغار).
وأما قول الراوي: أن يزوجه موليته على أن يزوجه موليته ولا مهر بينهما كما اختاره المصنف فهذا على الصحيح أنه من قول نافع وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بتفسير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن أضرار الشغار: أنه إذا تزوج هذه بهذه فإنه متى ظلمت هذه ستظلم هذه ويصبح وسيلة للإضرار، فالمرأة ضحية في كل هذه الصور، ولذلك يعتبر من سماحة الإسلام ويسره ورحمته للمرأة تحريم هذا النوع من النكاح، فلا يجوز نكاح الشغار سواءً وجد المهر أو لم يوجد.
لكن لو أن رجلاً خطب ابنة رجل فزوجه وبعد أسبوع أو بعد شهر دون مواطأة ودون وعد وبدون ترتيب خطب الآخر ابنته فإنه يصح، فإذا لم يكن بمواطأة ولم يكن بمقابلة فإنه يجوز ولا بأس بذلك، خاصة إذا لم يكن فيه ظلم، كرجل تزوج أخت رجل فأراد الآخر أن يتزوج أخته، وهذا يقع كثيراً، فإن الرجل يأتي إلى البيت ويرغب في بنت من بناته، فإذا شوهدت البنت ورغب فيها وعقد النكاح تعارفت الأسرتان فنظرت أم هذه المنكوحة إلى بنت من بنات أرحامهم فأعجبتها ورضيتها لابنها الذي هو أخ للزوجة المنكوحة، فخطبتها دون اتفاق ودون ترتيب، فمثل هذا لا بأس به ولا حرج فيه، بل إنه لا يسلم منه كثير من المجتمعات، ويكون -غالباً- نوعاً من التواد والتواصل ويتحقق به شيء من الألفة.
وعلى هذا فنكاح الشغار نكاح محرم، وقد أجمع العلماء رحمهم الله أنه من الأنكحة المنهي عنها شرعاً.
قال: [فإن سمي لهما مهر صح] هذا على ما اختاره المصنف وطائفة من أصحاب الإمام أحمد، والصحيح ما ذكرناه من أنه سواء سمي المهر أو لم يُسَمَّ ما دام أنه قال له: ابنتي بابنتك، أو أختي بأختك، أو زوجني فلانة أزوجك فلانة؛ فهذا كله من نكاح الشغار، وجد المهر أو لم يوجد؛ لأنه بضع ببضع وامرأة بامرأة.
(277/11)
________________________________________
نكاح التحليل
قال رحمه الله: [وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها].
قوله: (وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها) هذا نكاح المحلل وهو التيس المستعار كما قال صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من التيس المستعار؟ هو الرجل ينكح المرأة حتى يحلها للأول) ولعن المحلل والمحلل له، وهذا يسميه العلماء نكاح المحلل، وصورته: أن تطلق المرأة ثلاثاً من زوج سابق فيتزوج اللاحق هذه الزوجة لأجل أن يحللها للأول، وهذه على صورتين: الصورة الأول: أن يكون ذلك بشرط واتفاق وتمالؤ، فهذا باتفاق جماهير العلماء أنه لا يجوز، والنكاح فاسد ويعتبر من الأنكحة المحرمة التي لا تصح.
والصورة الثانية: أن يكون في نيته أن يحللها للأول، فقد جاء عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً جاءه وقال: يا ابن عم رسول الله! إن عمي طلق امرأته ثلاثاً وإن نفسه قد تبعتها وإني أخشى عليه، أفأنكحها حتى أحلها له؟ قال: أي بني! إن الله لا يُخادع.
يعني: هذا من الخديعة، فأنت لا تريد نكاحها ولكنك في الحقيقة تريد أن تحللها لعمك، فالله لا يخادع فهو مطلع على السرائر والضمائر.
فقالوا: الباطن كالظاهر، يعني: سواءً أظهر أو أبطن فإنه لا يجوز ذلك، لكن لو أن المرأة حنت لبعلها الأول ورغبت في زوجها الأول لم تلم على ذلك، يعني: إذا رضيت بالزوج الثاني ووطئها ثم لم ترده فهذا من حقها؛ لأن امرأة رفاعة لما وطئها عبد الرحمن بن الزبير حنت لزوجها الأول وجاءت واشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟) وهذا في الصحيحين، فصرح لها بمكنون نيتها، ثم قال: (لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتكِ) فالمرأة غير الرجل؛ لأن المرأة أصل مشروعية دخول الزوج الثاني أن تعرف قيمة الأول وأن ترجع إلى صوابها ورشدها، وانظر إلى حكمة الشريعة، فالطلقة الأولى رجعية، والطلقة الثانية رجعية، فقد يغلط الإنسان المرة الأولى والمرة الثانية ويخطئ، لكن لا يعطى مهلة ثالثة، فالمرة الأولى يتأدب بها ثم يرجعها: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا} [البقرة:228] فإن طلقها الثانية كذلك أعطي مهلة، فقد تكون الطلقة الأولى غلطة منه وتكون الطلقة الثانية غلطة منها.
وقد يقول قائل: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فالطلقة الواحدة كافية، فنقول: نعم، الطلقة الواحدة كافية؛ لأنه ربما كانت الخطيئة منه والغلطة منه فاستعجل فطلق، لكن قد تكون هناك غلطة من المرأة فتأتي الطلقة الثانية لاحتمال أن تكون الطلقة بسبب المرأة، فإن كانت الطلقة الأولى والثانية بسبب الرجل نفسه تعنتاً منه وأذية فطلق الثالثة ندم أشد الندم وعرف مقدار هذا الطلاق، فأصبح إذا تزوج امرأة ثانية يتحاشى الطلاق، وإذا عادت له عادت له وقد عرف قيمة هذه المرأة، وحينما يتزوجها غيره ويطؤها ترغم نفسه ويناله من الألم والأسى والحزن ما الله به عليم، مما يعينه على إصلاح نفسه لو عادت له بعد طلاقها من الثاني.
فانظر كيف تهذب النفوس وتقوم، وكيف تتحقق المصالح وتدرأ المفاسد، فكأنه إذا تزوجت المرأة من زوج ثانٍ مقصود الشرع أن يتأدب كلا الزوجين، فالمرأة إذا تزوجها الثاني تنظر في هذا الثاني، فلو أن الثاني كان رجلاً كريماً محسناً فلا يمكن أن تفرط فيه؛ لأنها لما جربت الأول ووجدت الثاني أفضل منه لا يمكن أن ترجع للأول، هذا بالنسبة للمرأة، وأما إذا كان على خلاف ذلك في عشرته أو على خلاف ذلك في طبعه وأخلاقه فمن حقها أن تدفع الضر عن نفسها وتحن للأول؛ لأن القلوب لا تمنع.
فأياً ما كان إذا دخل الرجل بنية أن يحلل المرأة للأول فلا، سواءً صرح بذلك عن طريق العقد أو لم يصرح بأن خبأ تلك النية وكانت في مكنونه، وأثر عن بعض الصحابة والسلف رضوان الله عليهم كـ الحسن وغيره أنهم خففوا في ذلك، وخفف فيه بعض التابعين إذا غيب النية في قلبه، وأن نكاح المحلل المراد به أن يضع ذلك شرطاً أو يتمالأ عليه فيأتي ولي المرأة ويقول: يا فلان! تزوج ابنتي وحللها لفلان، أو يأتي الزوج لصديقه ويقول: حلل لي فلانة، فهذا ملعون -نسأل الله السلامة والعافية- وملعون من أمره بذلك ورغبه أو دعاه إلى ذلك سواءً كان ولياً أو كان زوجاً.
(277/12)
________________________________________
النكاح المعلق
قال رحمه الله: [أو قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر] هذا النكاح المضاف إلى المستقبل، واختلف فيه العلماء، فمنهم من أجازه ومنهم من أبطله، فبعض العلماء يقول: يجوز أن يقول له: زوجتك إذا جاء رأس الشهر وهو نكاح معلق كالطلاق المعلق، فكما أن العصمة تبين تعليقاً وتنفصل تعليقاً كذلك النكاح يثبت تعليقاً، وقالوا: أياً ما كان إذا قال له: إذا جاء رأس الشهر فقد زوجتك فإنه قد تم الإيجاب والقبول معلقاً فيبقى معلقاً حتى يأتي أول الشهر، ورد قوم -وهو اختيار المصنف وطائفة من أصحاب الإمام أحمد - بأن النكاح إنما هو على البت، وإذا قال: إلى غد أو بعد غد أو بعد وقت فإنه يغرر به فلا ندري هل يبقى الزوجان أو لا يبقيان وهل يحدث شيء كأن يتغير حال الزوج، أو يتغير حال الزوجة، فقالوا: إنه لا يصح من أجل هذا الوجه، وكلا القولين له وجهه.
قال: [أو إن رضيت أمها] كذلك إذا قال: (إن رضيت أمها) مجهول؛ لأننا لا ندري أترضى أو لا ترضى، فأثناء العقد ليس هناك بت، وعندهم أنه إذا أسند العقد أو أضيف إلى شيء مجهول صار من عقود النكاح المشتملة على الغرر، هذا وجهه، فيغرر به ويقول له: زوجتك إن رضيت أمها، وما ندري أمها ترضى أو لا ترضى، فهو زواج وليس بزواج، زواج إن رضيت وليس بزواج إن لم ترضَ فيقولون: هذه الإضافة تؤدي للتردد الموجب للغرر فلا يصح العقد إلا بالبت، فيرون أن النكاح على البت وليس فيه تعليق.
(277/13)
________________________________________
نكاح المتعة
قال رحمه الله: [أو إذا جاء غد فطلقها أو وقته بمدة بطل الكل] هذا نكاح المتعة، أن يقول له: أزوجك إلى غدٍ فإن جاء غد فطلقها، أو يقول: أزوجك إلى شهرٍ فإن جاءت نهاية الشهر فطلقها، أو يقول: أزوجك مدة إقامتك معنا فإن رجعت إلى بلدك فطلق ابنتي أو طلق أختي، كل ذلك من نكاح المتعة، فنكاح المتعة هو تحديد النكاح بأمد، وكان مباحاً في أول الإسلام وذلك لوجود الحاجة، فقد تمتع الصحابة رضوان الله عليهم متعة النساء؛ لأنهم كانوا يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستضرون بعدم وجود النساء معهم؛ لأنهم كانوا في القتال والجهاد يخافون السبي فإذا غزوا ومعهم النساء وخسروا فإن النساء يؤخذن وهذا معروف في عادة العرب أنهم يخشون من الغزو بالنساء خشية الاسترقاق؛ لأنهم إذا انكسروا وهزموا أُخذ النساء أسارى وحينئذٍ يكن من السبي وتسترق المرأة.
ففي بعض الأحيان -كهذه الحالة- تأتي ظروف لا يستطيع الإنسان أن يسافر بامرأته، كالمرأة الحامل أو نحو ذلك، فأجيز في أول الأمر نكاح المتعة، ثم حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نكاح المتعة، والتحريم ثابت في الأحاديث الصحيحة في عام خيبر، كذلك أيضاً ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع أنه خطب الناس وحرم نكاح المتعة، وقد كانت خطبة حجة الوداع قبل وفاته بزمن يسير، وهذا يدل على أن إباحته من الأمر الأول، ولذلك قال أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه كما في الصحيح: (متعتان لا تصلح لنا إلا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: متعة الحج، ومتعة النساء) ومراده بمتعة الحج وجوب فسخ الحج بعمرة، وقد بينا هذا في كتاب مناسك الحج، وأن متعة النساء كان مما اختص به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخت الإباحة.
(277/14)
________________________________________
حكم الزواج بنية الطلاق
لكن يبقى

السؤال
لو تزوج المرأة وفي نيته أن يطلقها، كرجل يسافر إلى بلد ومكث فيه الشهور لعمل أو وظيفة أو نحو ذلك، فمذهب طائفة من السلف والعلماء رحمهم الله جواز ذلك وأن الرجل يجوز له أن يتزوج المرأة وفي نيته ألا تستمر معه وذلك لخوف الضرر والوقوع في الزنا، والأصل في هذا أنهم قالوا: إن الرجل وإن نوى الطلاق فالعقد في ظاهره صحيح، ونيته في باطنه مترددة؛ وربما أعجبته المرأة فبقيت معه، وهذا موجود، ولذلك لو كان هذا محرماً أو من المتعة كان بمجرد مضي المدة وجب عليه التطليق، وبالإجماع أنه لا يجب عليه أن يطلقها، فلو تزوجها وفي نيته أن يطلقها بعد شهر فبالإجماع أنه لا يجب عليه تطليقها بعد شهر، ولو غير نيته جاز بالإجماع، وعلى هذا قالوا: إنه ليس من نكاح المتعة في شيء.
ونص طائفة من أهل العلم ومن أئمة المذاهب الأربعة على جواز ذلك ومشروعيته، وهو مشروع، خاصة في زماننا؛ فإن الرجل تكون زوجته مع الأطفال وترتبط بمدينتها أو بلدتها، والرجل يسافر إلى بلد محتم عليه السفر إليه، أو تقتضي ظروف عمله أن يسافر إلى هذا البلد، فإن قلنا له: لا تتزوج، فإنه سيقع في الحرام، وربما وقع في الزنا، خاصة إذا كان في أماكن فيها فتن ومغريات، فلو قيل له: لا تتزوج، لما استطاع ولربما وقع في الحرام، ولو قلنا له: تزوج، مطلقاً، فإنه بإمكانه أن يتزوج ويأتي بها، لكن إذا كانت المرأة لا يمكن أن تأتي معه وفي نيته أنه إذا انتهى منها تركها لأهلها وهي راضية بذلك فإنه لا بأس.
ومن تأمل أحوال السلف والأئمة والناس في عصور الإسلام السابقة يجد أن الرجل كان يسافر للتجارة وينزل في البلد الشهر والشهرين، ولا يمكث اليوم واليومين حتى يتزوج وينجب ثم يسافر ويترك امرأته ويطلقها ويسافر، وكان هذا معروفاً بين المسلمين؛ لأن الرجل -خاصة التاجر- تجده يوماً هنا ويوماً هناك، وإذا أراد السفر فغالباً أنه لا يستطيع أن ينقل امرأته معه، خاصة في القديم حيث كانت الأضرار والخوف، بل حتى المرأة لا ترضى أن تسافر معه.
فزواج المرأة بنية التطليق، أولاً: نصوص الشرع من حيث العموم دالة على جوازه، فإنه نكاح مستوفٍ للشروط مستوفٍ للأركان، وخذها قاعدة: أن أي مسألة من مسائل النكاح إذا اختلف فيها في صحة النكاح وفساده فانظر إلى أركانه وشروطه، فإن توفرت الأركان والشروط فقل: الأصل صحته وحله حتى يدل الدليل على فساده، فإن اعترض بأن هذا الزواج تم بنية الطلاق، فيجاب بأنه قد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس وأن أكل سرائرهم إلى الله) فإن قال قائل: إن المحلل في نيته أن يحلل، قلنا: إن هذه نية غير شرعية؛ لأنه نوى مضادة الشرع ولذلك قال ابن عباس: إن الله لا يخادع، ففرق بين شيء في أصله محظور وبين شيء في أصله مباح، فإن نكاح المرأة وتخليتها مباح، لكن أن ينكح المرأة من أجل أن تنكح لزيد ولا ينكحها من أجل أصل النكاح -وهو الاستمتاع- كما هو الحال في المحلل فلا، فافترقت تلك الصورة عن صورة المحلل، وقياسها على المحلل ضعيف، فإنه إذا تؤمل الأصل والفرع وجد الفارق بينهما جلياً، فنكاح المحلل واضح فيه أنه ما نكح للنكاح ولا نكح للعفة ولا نكح للاستمتاع لنفسه ولا نكح من أجل أن يعف المرأة، ونحوها من مقاصد الشرع المعروفة الشرعية، ولكنه نكح من أجل أن يحلل، والشريعة كأنها حرمت نكاح هذه المرأة حتى تنكح زوجاً غيره فتعيش معه، فترى مره وحلاوته فتحن للأول، فإذا جاء المحلل ينكحها اليوم واليومين ويطلقها فإنه لا يحصل مقصود الشرع، فكأنه يهدم مقصود الشرع بالتطليق المباشر، لكن من تزوج وفي نيته أن يطلق تزوج من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، بل إنه ما وقت النكاح لحاجته والوقت الذي هو فيه إلا من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، فهو يخاف على نفسه الزنا، فقال في نفسه: إنه في مدة إقامته يفعل ذلك، وهذه النية ليست بقطع، ويحتمل أن يلغي هذه النية ويغير نيته.
فإن قال قائل: إن المرأة تستضر، قلنا: إن المرأة إذا ضحت وبذلت وتحببت إلى زوجها وقامت كما ينبغي أن تقوم الزوجة لا يمكن أن يفرط فيها، بل إن الرجل يضحي بأهله وبلده من أجل المرأة -وهذا معروف- إذا ملكته المرأة بإحسانها وفضلها فأياً ما كان فالفرق بينهما واضح، وأصول الشريعة تقوي صحة ما ذكرناه، وعلى هذا فإنه يجوز أن يتزوجها مؤقتاً.
(277/15)
________________________________________
الشروط الفاسدة مع بقاء صحة العقد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وإن شرط أن لا مهر لها أو لا نفقة أو أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر أو شرط فيه خياراً أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما بطل الشرط وصح النكاح] هذا النوع الثالث من الشروط -وهو النوع الثاني من الحالة الثانية-: أن يصح العقد ويبطل الشرط، فتصحح العقد وتقول: هذا الشرط باطل.
(277/16)
________________________________________
اشتراط عدم المهر
قال رحمه الله: [وإن شرط أن لا مهر لها] فهذا شرط لاغٍ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] وأمر بإعطاء المهر إلى النساء فريضة، وعلى هذا فإنه إذا شرط أن لا مهر يكون قد خالف شرع الله، فألغي هذا الشرط وصحح العقد، ويصحح العقد بمهر المثل، وهذا مما يرجع فيه إلى القاعدة المعروفة: العادة محكمة، وهي إحدى القواعد الخمس المشهورة في الفقه الإسلامي وهي: الأمور بمقاصدها، والمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، واليقين لا يزال بالشك، والعادة محكمة، أي: العرف، فنحن إذا أبطلنا هذا الشرط وقلنا: إنه لابد في النكاح من المهر فيرد

السؤال
كم نعطيها من المهر؟ نقول: نرجع إلى مهر مثلها، فينظر إلى المرأة من حيث نسبها ووضعها في بيئتها، فلو كان مهر أرفع النساء الأبكار ثلاثين ألفاً، وكان مهر الوسطى عشرين ألفاً، وكان مهر عامة الناس ومن لا ميزة له عشرة آلاف، فإنها إن كانت من الأعلى فثلاثون، وإن كانت من الأسفل فعشرة، وإن كانت بينهما فعشرون، وهكذا يكون لها مهر المثل.
(277/17)
________________________________________
اشتراط عدم النفقة على الزوجة
قال رحمه الله: [أو لا نفقة] لو قال: أتزوجكِ بشرط أن لا أنفق عليكِ، قالت: قبلت، فإن تزوجها ودخل بها فإن الشرع يلزمه بالنفقة عليها، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وهذا يتضمن شرط الضرر والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار) فهذا شرط فيه مضرة ومخالفة لشرع الله عز وجل؛ فإن الرجال عليهم نفقة النساء والقيام بحقوقهن.
(277/18)
________________________________________
اشتراط عدم المساواة بين النساء في القسم
قال رحمه الله: [أو أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر] كذلك إذا شرط أن تكون لها ليلة من أربع ليالٍ وليس عنده إلا ضرة، فيجعل ثلاث ليالٍ لتلك وليلة لهذه، فهذا ليس في كتاب الله، والذي في كتاب الله العدل بين الزوجات في القسم والمبيت.
(277/19)
________________________________________
اشتراط الخيار في المهر والنفقة
قال رحمه الله: [أو شرط فيه خياراً] علق ما سبق على خيار، بأن قال لها مثلاً: أنا بالخيار إن شئت وطئتكِ وإن شئت لم أطأ، أو إن شئت أنفقت عليكِ وإن شئت لم أنفق عليكِ، فجعل الخيار له، كل ذلك ليس من حقه والشرط باطل؛ لأنه يهدم ما أمر الله به، ويناقض شرع الله فلا يعتد به.
(277/20)
________________________________________
اشتراط الولي على الزوج الإتيان بالمهر في وقت معين وإلا فسخ العقد
قال رحمه الله: [أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما] إذا قال له: زوجتك، وقال: قبلت فقد تم العقد، فإن قال له: إن جئت بالمهر قبل الشهر فالنكاح صحيح، وإن تم الشهر ولم تأتني به فلا نكاح بيننا، فإنه يلغى هذا الشرط ويترك الأمر بالمهر على سنن الشرع كما سيأتي في باب المهر، من أنه لا يدخل حتى يقدم شيئاً منه، ويكون ذلك موجباً لفساد الشرط دون العقد فالعقد باقٍ.
قال: [بطل الشرط وصح النكاح] قوله: (بطل الشرط) لأنه ليس في كتاب الله، والسنة دالة على بطلانه، وكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا تتفق نصوصهما مع هذه الشروط فتبطل، ويصح النكاح؛ لأن الأصل صحته، وقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] وهناك قاعدة قررها العلماء على هذه الآية تقول: تصحيح العقود ما أمكن، وفرع أيضاً عليها قاعدة تقول: الإعمال أولى من الإهمال، فإعمال العقود وإمضاؤها أولى من إلغائها وإهمالها وإبطالها، فمثلاً عندنا رجل قال لآخر: زوجتك ابنتي وتم النكاح بشروطه المعتبرة وأركانه المعتبرة، ثم قال الرجل: لا أنفق عليها، فنقول: العقد الذي وقع وهو قوله: زوجتك ابنتي، وقوله: قبلت، صحيح والشرع يلزم بالوفاء به، وهذا الشرط شيء ممنوع دخيل على شيء مشروع، فنلغي الممنوع ونبقي المشروع، وهذا معنى: تصحيح العقود ما أمكن والإعمال أولى من الإلغاء وأولى من الإهمال.
(277/21)
________________________________________
شروط الكمال في النكاح
(277/22)
________________________________________
اشتراط الإسلام في الزوجة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية] هنا يدخل في مسألة شروط الكمال، وهي شروط شرعية يشترطها غالباً الرجل على المرأة، كأن يشترط جمالاً، أو يشترط مالاً، أو يشترط حسباً، أو يشترط نسباً، أو يشترط ديناً، أو يشترط صفات من كتابة وتعلم أو وظيفة أو نحو ذلك فهذه تسمى شروط الكمال.
قال: [وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية].
هنا الخيار للرجل قال له: زوجتك ابنتي، قال: بشرط أن تكون مسلمة، فبانت كافرة فإنه لا يصح حينئذٍ أن يلزم بهذا، لكن لو بانت كتابية فإنه يجوز نكاح نساء الكتابيات، لكن هو اشترطها مسلمة ففي هذه الحالة نقول: لك الفسخ، يعني: أنت بالخيار إن شئت أمضيت العقد ورضيت بهذا النقص فلا إشكال، وإن شئت ألغيت العقد فمن حقك الفسخ.
(277/23)
________________________________________
اشتراط البكارة والجمال والنسب في المرأة
قال رحمه الله: [أو شرطها بكراً] أو شرطها بكراً فبانت ثيباً، قال: زوجتك ابنتي أو أختي قال: أشترط أن تكون بكراً قال: هي بكر، ثم تبين أنها ثيب، أو قال له: أشترط أن تكون لم تتزوج وتبين أنها قد سبق وأن تزوجت أو قال: أشترط أن تكون دون العشرين، فبان أن سنها عشرون فأكثر، فالمهم أن يشترط شرطاً معيناً لمصلحته يريده هو، ويسمونها شروط الكمال.
قال: [أو جميلة] فبانت غير جميلة، فإنه في هذه الحالة من حقه الفسخ.
قال: [أو نسيبة] أي: لها نسب فبانت غير نسيبة، فله الفسخ.
(277/24)
________________________________________
اشتراط نفي العيب الغير مؤثر في النكاح
قال رحمه الله: [أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ] لأن العيوب نوعان: نوع منها يفسخ النكاح، كالجنون والجذام والبرص -نسأل الله العافية- وهذه هي العيوب المؤثرة وسيأتي بيانها، والمرأة إذا كان بها عيب ولم يتبين للرجل إلا بعد الدخول بها وبعد العقد فله الفسخ، وهذا يسمونه خيار العيب.
وأما هنا فالخيار من جهة الشرط، لأن عندنا خيار عيب وخيار شرط، فخيار الشرط مثل أن يشترط شرطاً أو تشترط المرأة شرطاً، ويثبت الخيار إذا لم يتحقق الشرط، وأما خيار العيب فإذا وجد العيب فإننا ننظر فيه، فإذا كان مؤثراً ثبت الخيار فيفسخ النكاح إن شاء أو يبقيه إن شاء كما سيأتي.
فهناك فرق بين كونه له خيار العيب وبين كونه له خيار الشرط، فهنا من خيار الشرط أن يشترط سلامتها من عيب لا يوجب مثله الفسخ، مثلاً: الجهل، كأن تكون المرأة أمية لا تكتب ولا تقرأ فهذا عيب مثلاً في عرفه أو عرف جماعته فقال: أشترط أن لا تكون أمية، بمعنى: أن تكون متعلمة، ثم تبين أنها أمية فله الفسخ، وهذا معنى قوله: (عيب لا يوجب الفسخ)، أما لو كان عيباً يوجب الفسخ فسواء اشترط أو لم يشترط؛ لأنه لو قال: (عيب يوجب الفسخ) لفُهم أن العيوب التي توجب الفسخ ما توجب الفسخ إلا بالشرط، ومن هنا من دقة المصنف قال: (عيب لا ينفسخ به النكاح) (فله الفسخ) [فله أي: يملك خيار الفسخ.
(277/25)
________________________________________
ثبوت خيار الفسخ للمعتقة تحت عبد
قال رحمه الله: [وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها بل تحت عبد] هذه الكتب ما كانت تؤلف وهذه المتون أصلاً ما كان يعترف لأحد من أهل العلم أن يضعها إلا إذا كان له شخصيته الفقهية والعلمية، وحتى المتن لا يشتهر ولا يشرح إلا إذا كان مثله أهلاً، وكذلك كتابنا رحمة الله على مؤلفه.
الآن عندنا خيار الشرط وخيار العيب، والمصنف قال: باب الشروط والعيوب في النكاح، لكن مسألة عتق المرأة ليس لها علاقة لا بالشروط ولا بالعيوب، إلا أن بعض العلماء يقول: خيار العتق دخل في العيب من جهة أنه إذا كانت أمة عند عبد فعتقت الأمة فإنه من النقص لها والعيب أن تكون تحت عبد، هذا من حيث نظرتهم، لكن الواقع أن المصنف قصد إدخالها من جهة التبعية، مثلما يدخلون أحكام السواك في الوضوء من جهة أن الوضوء طهارة لأعضاء البدن والسواك مطهرة للفم، فناسب ذكر الطهارة الخاصة مع الطهارة العامة، وهنا نقول: ذكر الخيار الخاص مع الخيار العام.
ونقول: إن الخيار في النكاح يأتي من جهة العيب، ويأتي من جهة الشرط، ويأتي من جهة العتق، فعندنا ثلاثة أشياء: خيار الشرط إذا لم يتحقق الشرط، وخيار العيب: إذا وجد في الرجل عيب فمن حق المرأة أن تفسخ وكذلك العكس بالنسبة للمرأة مع الرجل، وخيار العتق: فإذا كانت مملوكة ثم عتقت تحت عبد فإنه يكون لها الخيار؛ لثبوت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإنه لما عتقت بريرة -وكانت تحت مغيث مولى بني مخزوم- طلبت الفسخ، وكان مغيث يحبها حباً جماً فتعلق بها وكان مشغفاً بها، وسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجع إليه فقالت: (يا رسول الله! أتأمرني أو تشفع؟) أي: هل تأمرني فأعود أو أنت شافع؟ قال: (إنما أنا شافع) فلم تعد إليه؛ لأنه ما دام شافعاً فلا تلزم طاعته، ولا شك أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أحرى أن تقبل، لكنه عليه الصلاة والسلام لا يلزم الناس ولا يكرههم.
الشاهد: دليلنا على إثبات الخيار بالعتق هذا الحديث الصحيح، فيكون للمرأة الخيار إذا عتقت بشرط أن يكون زوجها رقيقاً، فإن كان زوجها غير رقيق أي: كان حراً، وعتقت وهي تحته فلا خيار في هذه الحالة، وهذا النوع من الخيار فيه عدل، فالله سبحانه وتعالى جعل هذا الخيار للمرأة؛ لأنها وهي أمة ليست كحالها وهي حرة، فإن الرق سببه الكفر ولذلك فيه نقص؛ لأنه لا رق إلا بسبب الكفر، ونظراً لوجود هذا النقص، فإن عتقت أعطيت حقها، فإن شاءت بقيت وإن شاءت فسخت النكاح.
(277/26)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - العيوب في النكاح
من الأمور المقصودة للنكاح تحصيل الاستمتاع وإعفاف النفس، ووجود العيوب في أحد الزوجين مما يؤثر في هذا، فمتى كان العيب مؤثراً أوجب الخيار وإلا فلا، وهذه العيوب منها المشترك بين الرجل والمرأة ومنها الخاص بأحدهما.
(278/1)
________________________________________
العيوب في النكاح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن وجدت زوجها مجبوباً أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ] هذا فصل في بيان العيوب، وعيوب الزوجين في النكاح تنقسم إلى قسمين: عيوب عامة، وعيوب خاصة، فالعيوب العامة هي التي تكون في الرجل وتكون في المرأة، أي: ما تختص بالرجال ولا تختص بالنساء، ومن أشهرها مما يوجب الفسخ ثلاثة عيوب -أعاذنا الله وإياكم منها ومن غيرها مما فيه ضرر-: الجنون والجذام والبرص، هذه الثلاثة العيوب مؤثرة وتوجب الخيار، وهي تكون في الرجال وتكون في النساء، فالجنون لا يختص بالرجال دون النساء ولا العكس وكذلك الجذام وكذلك البرص، وسيأتي بيانها إن شاء الله.
وهناك عيوب خاصة بالرجال كالمجبوب -مقطوع الذكر- والعنين -الذي لا ينتشر عضوه- فهذه خاصة بالرجال، والخصي ونحو ذلك، والخاصة بالنساء القرن، والعتل، والرتق، والفتق فهذه كلها خاصة بالنساء، ثم ما يختص بالرجال وما يختص بالنساء ينقسم إلى قسمين: منها ما هو مؤثر ويوجب الخيار، ومنها ما ليس بمؤثر ولا يوجب الخيار، وسيأتي بيان كل هذا إن شاء الله.
(278/2)
________________________________________
تخيير المرأة في الرجل المجبوب
قال رحمه الله: [ومن وجدت زوجها مجبوباً] يعني: مقطوع الذكر، فإن هذا عيب لا يمكن معه حصول المقصود من النكاح من إعفاف المرأة وإحصانها، ولذلك أجمع العلماء رحمهم الله -كما نقل الأئمة- على أنه عيب يوجب الخيار للمرأة في أن تفسخ، وإذا رضيت المرأة بالبقاء فإنها تبقى، وإذا لم ترضَ فإن لها الفسخ؛ لأن هذا ضرر عظيم، وقد تتعرض للحرام، فيكون من حقها أن تفسخ، إذا كان الرجل مجبوباً مقطوع العضو بالكلية، أو لم يبقَ منه ما يمكنه به إعفافها، فإن كان في الحالة الثانية بقي منه ما يمكنه به إعفافها فلا خيار.
قال: [أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ] كما ذكرنا؛ لأن هذا يفوت مقصود الشرع من الإعفاف، لكن لو أن المرأة رضيت فلها ذلك، كما لو تزوجت كبير سن لا يجامع، والنساء تختلف رغباتهن في الزواج، فقد تتزوج المرأة وليس مرادها قضية الفراش وليست هي كل شيء عندها، وقد تتزوج لمعانٍ أسمى وأعلى من هذا كله، لكن حكم الشريعة اعتبر الجبلة والفطرة، واعتبر مقصود الشرع من حصول الإعفاف، خاصة وأن المرأة من حقها ذلك.
(278/3)
________________________________________
حكم العنين
قال رحمه الله: [وإن ثبتت عنته بإقراره أو بينة على إقراره أُجل سنة منذ تحاكمه] العيب الأول: الجب، والعيب الثاني: العنة، وكلاهما متعلق بالرجال، فالعنة أن لا ينتشر العضو، فما يستطيع الرجل أن يجامع المرأة، فإذا اشتكت المرأة وقالت: إن زوجها عنين، فسأله القاضي فقال: نعم إنه عنين ولا ينتشر عضوه، فحينئذٍ يؤجله القاضي سنة، وهذا قضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، ومذهب جماهير السلف رحمهم الله أنه يؤجل العنين سنة، وحكى بعض العلماء الإجماع ومضى قضاء المسلمين على أن العنين يؤجل سنة ويترك سنة؛ لأنه ربما كانت العنة في فصل دون فصل، وربما كانت بأسباب من خوف أو رهبة أو طروء النكاح عليه أو نحو ذلك من الأمور فيؤجل سنة؛ لأن السنة فيها اختلاف الفصول الأربعة، فإذا مرت عليه الفصول الأربعة وثبت أنه لا يستطيع الجماع كان من حقها الفسخ، ويكون ابتداء ذلك من حين إقراره، والإقرار أقوى الحجج.
قوله: (أو بينة على إقراره) البينة على إقراره كأن يجلس في مجلس وفيه شهود عدول فيسمعونه يقول: إنه عنين، فحينئذٍ لو اشتكته المرأة فأنكر وقال: لست بعنين، فجاءت بهذين الشاهدين على عنته ثبتت، وهذه شهادة على دليل وهي مقبولة؛ لأن العنة من الأمور الخفية التي لا يمكن أن تعرف إلا من الشخص نفسه أو من زوجه، ولو فتح الباب لكل زوجة أن تدعي أن زوجها عنين لادعت النساء وكذبن في ذلك؛ لأن النساء لسن على حد سواء، ففيهن من تكون جريئة على حدود الله فتكذب، وقد ترغب في الطلاق، وقد ترغب في إضرار زوجها، وقد تريد أن تنتقم من زوجها فتدعي أنه عنين، فإذا ادعت عليه فإننا لا نستطيع الحكم؛ لأن عندنا زوجاً يثبت أنه رجل وأنه ليس فيه هذا العيب، وعندنا امرأة تدعي هذا العيب، فهل نصدق الرجل أو نصدق المرأة؟ فحينئذٍ غالباً ما يثبت هذا بالإقرار، فإذا أقر الرجل أو شهد عدلان على أنه أقر أنه عنين فيؤاخذ بإقراره.
قوله: (أُجل سنة منذ تحاكمه) (أُجل) أي ضرب له أجل، وهو سنة هلالية كاملة (منذ تحاكمه) يعني: منذ أن حاكمته المرأة ورفعته إلى القاضي لا من ابتداء النكاح؛ لأنه في حينها لم تكن ثبتت عنته بعد، فالعبرة بمجلس القاضي، والتأجيل يتعلق بحكم الحاكم، فلما كان التأجيل متعلقاً بحكم الحاكم وبمجلس القضاء كانت العبرة بالترافع، فإذا تأخرت المرأة في رفع قضيتها فهي التي أدخلت الضرر على نفسها، فحينئذٍ يكون تأجيله سنة من حين أن رفعته إلى القاضي، وهذا معنى: (منذ تحاكمه) يعني: إذا حاكمته ورفعته إلى القاضي، وإذا تأخرت فإنها تتحمل مسئولية تأخيرها من قبل، كالرضا بالعيب.
قال رحمه الله: [فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ] يعني: وطئ خلال السنة فحينئذٍ تكذب المرأة في قولها: إنه عنين؛ لأنه ثبت أنه قادر، ويتبين بهذا أنه مرض عارض، أو أن هذا بسبب النفرة من الزوجة، وإذا وطئ خلال السنة فحينئذٍ يبطل الاعتداد بهذا العيب.
قال: [وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين] وإن اعترفت هذه المرأة أنه وطئها من قبل فليس بعنين، أو اعترفت بأنه وطئها خلال السنة فليس بعنين.
قال: [ولو قالت في وقت: رضيت به عنيناً سقط خيارها أبداً] من دقة المصنف رحمه الله أن ذكر لك العيب وهو العنة، ثم ذكر لك دليل إثبات العيب وهو الإقرار والشهادة على الإقرار، ثم ذكر لك الحكم وهو التأجيل سنة، ثم ذكر متى يبتدأ بالتأجيل ومتى يحسب وهو من حين الترافع، وشرع بعد ذلك رحمه الله في مسألة الرضا بالعيب؛ لأن الرضا يكون بعد وجود العيب، فإذا ثبت عند القاضي أنها رضيت بعد أن علمت بعنته سقط حقها، مثلاً: رجل أراد أن ينكح امرأة فجاء إلى وليها وقال: إنه عنين، فعلمت المرأة أنه عنين وعقد النكاح فلا خيار لها إجماعاً؛ لأنها رضيت بالعيب، وإذا رضيت بالعيب حال العقد، أو بعد العقد؛ فرضيت وسكتت فحينئذٍ سقط حقها، أما لو علمت بعد العقد ورفعت مباشرة فإنه لا يسقط حقها.
(278/4)
________________________________________
عيوب النساء التي يكون للرجل الخيار بسببها
قال رحمه الله تعالى: [فصل: والرتق والقرن والعفل والفتق واستطلاق بول ونجو وقروح سيالة في فرج وباسور وناسور وخصي وسل ووجاء وكون أحدهما خنثى واضحاً، وجنون ولو ساعة وبرص وجذام يثبت لكل واحد منهما الفسخ].
يقول رحمه الله: (والرتق) هنا شرع المصنف في ذكر العيوب التي تتعلق بالنساء، وإذا تأملت العيوب السابقة في الرجل تجدها عيوباً تمنع حصول الوطء، وكما أن هذا يقع في الرجل كذلك أيضاً يقع في المرأة، فتكون فيها عيوب خلقية تؤثر في الوطء مثل: الرتق وهو انسداد الفرج، والقرن: وهو العظم في موضع الجماع يعيق الجماع، والعفل: وهو الورم من اللحم يكون في موضع الجماع ويعيق الجماع ولا يمكن من المتعة، كذلك الفتق وهو اختلاط المسلكين عند المرأة كل ذلك مما يؤثر في المتعة وفي الجماع فيمنعه كلية أو يمنعه لحد مؤثر، فهذه العيوب كلها مختصة بالنساء لكنها تؤثر وتوجب الخيار للرجل، لكن بنفس الضابط السابق، فإن علم بالعيب أثناء العقد سقط خياره، وإن علم بعد العقد ورضي وسكت سقط كذلك، وإن علم به بعد العقد وطالب مباشرة فالحكم أن له الخيار، فنقول له إذا طالب: إن شئت رضيت هذا العيب في المرأة، وإلا إن شئت فافسخ النكاح.
(278/5)
________________________________________
عيوب الخيار المشتركة بين الرجال والنساء
قال رحمه الله: [واستطلاق بول] لأنه يؤذي في الجماع، فعندنا ما يمنع الجماع مثل: الرتق، وكذلك أيضاً القرن، وعندنا ما يؤذي ولكنه لا يمنع من الجماع كاستطلاق البول، وكذلك استطلاق النجو، وعندما يقرأ طالب العلم المتون الفقهية يجد أن العلماء رحمهم الله يقررون هذه المسائل للوصول للضوابط وهذه المسائل ما هي إلا أمثلة؛ لأن الضابط يدور حول المنع من الوطء، ومتى يكون للزوج الحق في فسخ النكاح؟ ومتى يكون هذا العيب مؤثراً؟ قال: [واستطلاق بول ونجو] استطلاق البول والغائط يكون مرضاً مزمناً، لكن إذا كان في حال دون حال فهذا لا يؤثر، إنما المراد أن يكون عيباً ثابتاً ويشهد أهل الخبرة أو قرينات المرأة أو أهلها بأن يقولوا: نعم، نعرف فلانة أن معها استطلاق البول، أو نعرف أن معها استطلاق الغائط الذي هو استطلاق النجو، فهذا كله من العيوب المؤثرة التي توجب الخيار للرجل والفسخ.
قال: [وقروح سيالة في فرج] القروح السيالة مثل السيلان وهي نوع من أنواع أمراض الزهري -أعاذنا الله وإياكم منها- ونحو ذلك من الأمراض المعدية الخطيرة، فإذا ثبت أن المرأة بها هذا المرض وموجود فيها فإنه حينئذٍ من حق الرجل أن يطالب بالفسخ؛ لأنه يستضر إذا جامعها، فهناك ضرر بجماعها أثناء الجماع وضرر إذا انتهى من جماعها؛ لأنه تنتقل إليه العدوى، وعلى هذا فإنه يعتبر من العيوب المؤثرة.
قال: [وباسور وناسور] الباسور: يكون في المقعدة، والباسور والناسور واستطلاق البول واستطلاق النجو والقروح السيالة تكون في الرجل والمرأة وليس خاصاً بالنساء، فمن الممكن أن يكون السيلان في الرجل وممكن أن يكون -أعاذنا الله وإياكم- في المرأة، وممكن أن يكون الباسور والناسور في الرجل وممكن أن يكون في المرأة، فهذه من العيوب المشتركة التي لا تختص لا بالرجال ولا بالنساء.
قال: [وخصي] فإن هذا يضر الرجل في حال جماعه وكذلك في ذريته.
قال: [وسل] قطع الخصية وسل الخصية: إخراجها مع وجود اللحم، ورض الخصية: الوجاء، وضرب العروق، هذا كله من العيوب المؤثرة؛ لأن هذا يؤثر في جماع الرجل ويؤثر في رغبته في المرأة، ولذلك تتضرر المرأة بهذا فإنها تكون منكوحة لبعض الرجل لا لكل الرجل وهذا يضرها، ويضر حتى ذريتها.
قال: [وكون أحدهما خنثى واضحاً] فإنه حينئذٍ لا يجوز؛ لأن الخنثى لا يجوز نكاحها، فلو أنه تزوج امرأة على أنها امرأة فتبين أنها خنثى فإنه حينئذٍ يكون من حقه الفسخ، فلو كانت امرأة أصلها خنثى، يعني: كانت خنثى ثم تبين أنها امرأة، بمثل: ظهور الثدي وظهور علامات النساء فيه، وظهر أنه امرأة وثبت كلياً أنه امرأة فلما جاء الرجل يتزوج تزوجه على أنه امرأة ثم تبين أنه خنثى، فحينئذٍ من حقه الفسخ؛ لأن هذا عيب ونقص في الخلقة ولو أنه كمال في الصورة، يعني: زيادة في الصورة لكنه نقص في الخلقة، وعيب مؤثر في الخلقة وعلى هذا يكون له حق الفسخ.
وهكذا لو تزوجت المرأة رجلاً على أنه رجل ثم ظهر أنه خنثى فإن هذا يعتبر موجباً للفسخ؛ لأن جماع الرجل الخنثى ليس كجماع الرجل المحض، وكذلك جماع المرأة الخنثى ليس كجماع المرأة المحض، وهذا من العيوب المؤثرة.
قال: [وجنون ولو ساعة] الجنون: من جن الشيء إذا استتر، وسمي البستان جنة؛ لأنه يستر من بداخله، والجنون استتار العقل وذهابه كلية إما لكل الوقت أو لبعضه، فإن كان لكله فهو جنون مطبق، وإن كان لبعضه فهو جنون متقطع، فالجنون -أعاذنا الله وإياكم- في الرجل أو المرأة إذا ثبت أنه مجنون سواءً كان جنونه متقطعاً أو كان جنونه مستديماً مطبقاً فإن من حق المرأة أن تطلب الفسخ، وكذلك الرجل من حقه أن يطلب الفسخ إذا تبين أن زوجته مجنونة، سواءً كان جنون أحدهما متقطعاً أو مستديماً فكله عيب.
قال: [وبرص] الله سبحانه وتعالى إذا ابتلى الإنسان بالبرص قد يكون في هذا علو درجة له، ولا شك أنه إذا كان مؤمناً فهو علو درجة له في الدنيا والآخرة، والله يعلي قدره بهذا البلاء ويعظم أجره، فلا شك أنه بلاء في ظاهره ولكنه رحمة في باطنه، وإذا نقصت خلقة الإنسان فكل نقصٍ في خِلقته يعوضه الله عز وجل عنه من الأجر والمثوبة، وقد تكون له درجة في الجنة لا ينالها بكثير صلاة ولا صيام فيجعل الله له هذا البلاء سبيلاً إليها، وأما كون البرص عيباً في النكاح فهو من وجهين: الوجه الأول: أن البرص في الجبلة والفطرة يؤثر على المرأة في جماعها وعلى الرجل في جماعه، فهو مؤثر في الجماع، فكما أن العيوب الحسية تؤثر في الجماع فكذلك العيوب المعنوية تؤثر في الجماع، فالبرص يؤثر من ناحية معنوية ويؤثر من ناحية النسل والذرية، فهو يؤثر من الوجهين، ولذلك فيه ضرر قاصر وضرر متعدٍ، وعلى هذا يعتبر مؤثراً، ويستوي أن يكون البرص مطبقاً عليه كله أو يكون في بعض أعضائه ولو كان في بعض الأعضاء الخفية، بخلاف البهق فإن البهاق ليس بعيبٍ موجبٍ للفسخ، لأنه لا يعتبر من البرص ولا يأخذ حكم البرص من حيث العيوب، ولكنه يعتبر عيباً إذا كان برصاً محضاً سواءً كان في كل الأعضاء أو بعض الأعضاء.
قال: [وجذام] كذلك الجذام نوع من الأمراض -نسأل الله العافية- تساقط فيه الأعضاء، فهذا من الأمراض المعدية وفيه ضرر معنوي وضرر حسي، ويتعدى ضرره إلى المرأة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فالمرأة تتأثر بهذا النوع من المرض وكذلك الرجل.
(278/6)
________________________________________
الفسخ بالعيب
قال رحمه الهل: [يثبت لكل واحد منهما الفسخ] أي للرجل وللمرأة.
قال: [ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله] قال: (ولو حدث بعد) ولو: إشارة إلى الخلاف، فلو فرضنا أن الجنون عيب، وأنه عيب إذا كان قبل العقد، فكذلك لو أن الجنون طرأ عليه بعد العقد، فإنه إذا جن الزوج ثبت للمرأة الخيار، ونقول لها: إن شئتِ بقيتِ وتحملتِ وصبرتِ والله يأجركِ على ذلك وأنتِ مثابة وهذا صنيع الصالحات، وإن شئتِ طالبتِ بالفسخ؛ لأن المرأة لا تحمل ما لا تطيق، والعكس بالنسبة للرجل، لو أن امرأته أصابها جنون، فإن أراد أن يصبر فكريم يؤجر وهو مثاب على ذلك والله سبحانه وتعالى سيعوض صبره ويعظم أجره ويحسن الذخر له، وإن قال: لا أستطيع أو لا أتحمل ذلك فمن حقه، فيفسخ النكاح.
قال: (أو كان بالآخر عيب مثله) تزوج المرأة وبها مرض، مثلاً: قروح سيالة، ورضي بها، ثم لما وطئها تبين أن فيه عيباً مثلها، وأن فيه قروحاً انفجرت وسالت، فلما عرفت قالت له: ما أريدك، فقال: بكِ مثل ما بي، يعني: الحال واحد هنا وليس هناك فرق وما ظلمتكِ، فقال طائفة من العلماء: إن كان به من العيب مثلها فلا خيار؛ لأنه ليس فيه ظلم واضح؛ لأن هذا عيب بعيب، كما قالوا: بئر بغطاه، فهم يقولون: هذا العيب لقاء هذا العيب، فإذا قالت: هذا نقص لي، فهو بها، فليس فيه نقص، ولو قالت: ضرر بي، فهو استضر على ضررها والعكس، وقال بعض العلماء: بل إنه يثبت فيه الخيار لمن لم يتنازل عن حقه منهما.
والأول أشبه بالمعنى والثاني أشبه بالنظر، ولذلك يقوى الثاني أكثر من الأول؛ لأنه لما علم بها وسكت عن عيبها سقط حقه، فيكون الحكم مستأنفاً بالنسبة لها، فكونه أعطي الحق أولاً ورضي لا يجعلنا نلزمها برضاه؛ لأن لكل واحد رضاً مستقلاً، فالعيب إذا طرأ عليه فإنه يثبت لها الخيار؛ لأنها إنما رضيت به كاملاً، فإذا تبين به العيب كان لها الخيار مستأنفاً، وهذا أفقه وأقوى أي: القول بأن له الخيار ولو كان بالثاني عيب كما قال المصنف: (ولو كان به مثله) فلو كان بالآخر مثله حق له الفسخ، وذلك لأن الأول قد رضي بإسقاط حقه ولكن الثاني لم يرض بإسقاط حقه، فمن حيث الفقه هذا القول أقوى وهو اختيار المصنف.
(278/7)
________________________________________
ما يسقط الفسخ بالعيب
قال رحمه الله: [ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له] بعد أن بين العيوب المؤثرة شرع في بيان ما يسقط الفسخ العيوب، (من رضي بالعيب) رضي به بعد أن علم أنه معيب فهذا: لا خيار له، أو وجدت منه دلالة الرضا، مثلاً: امرأة اطلعت على زوجها أنه معيب وبه عيب مؤثر فسكتت شهوراً، ثم بعد ذلك اختصمت معه فقالت: به عيب، فنقول: سكوتكِ هذه المدة دليل على الرضا، فتؤاخذ بهذا السكوت ويعتبر دليلاً؛ لأنها علمت ورضيت، وكونها تسكت هذه المدة ولا تتكلم إلا عند الغضب فهذا نوع من الانتقام؛ لأنها صارت تبحث عن أي عيب لتفسخ النكاح، فلابد أن يوجد عيب مؤثر، وأن يوجد من صريح قول صاحب الحق ما يدل على الفسخ، يعني: أنه لا يرضى بالعيب.
فإن وجد العيب ووجد الرضا سقط الفسخ، فليس من حقه أن يفسخ، وإذا وجد منه ما يدل على الرضا فنقول: إن ما يدل على الرضا ينزل منزلة الرضا الصريح، فحينئذٍ إذا رضي ووجد منه ما يدل على الرضا فإننا نحكم به ويحكم بإسقاط الخيار له.
(278/8)
________________________________________
لا يتم الفسخ إلا بحاكم
قال رحمه الله: [ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم] ولا يتم الفسخ إلا بحاكم، ولا يرتفع العقد إلا عن طريق الحاكم، فترفع أمرها إلى القاضي ويرفع أمره إلى القاضي ويحكم القاضي بما يتفق مع أصول الشريعة.
(278/9)
________________________________________
حكم المهر في حال الفسخ بالعيب
قال رحمه الله: [فإن كان قبل الدخول فلا مهر] مثلاً: رجل عقد على فاطمة وحدث العيب قبل الدخول فلا مهر؛ لأنه قبل الدخول؛ والمهر مركب على الاستمتاع، فإن حصل الفسخ قبل الدخول فإنهما يتفرقان ويغني الله كلاً من سعته، هذا بالنسبة للحكم الشرعي إذا وقع الفسخ، فينظر في العيب الذي هو موجب الفسخ ومتى يحكم بخيار الفسخ، وإذا ثبت أنه يحكم به فيرد

السؤال
إن حُكِم به قبل الدخول فهل يثبت المهر؟ وإن حُكِم به بعد الدخول وثبت المهر فما الحكم؟ فالمصنف رتب الأفكار بعضها على بعض فقال رحمه الله: (فإن كان قبل الدخول) أي: إن كان حكم القاضي بالفسخ واعتداده به قبل الدخول فلا مهر؛ لأن المهر مركب على الاستمتاع: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فترد المرأة المهر كاملاً للرجل.
قال: [وبعده لها المسمى ويرجع به على الغار إن وجد] (وبعده) أي: بعد الدخول (لها) أي: للمرأة (المسمى) الذي هو المهر الذي سماه لها، فإذا جعل لها عشرين ألفاً فإنه يكون حقاً لها بما استحل من فرجها بعد أن يدخل بها، قال صلى الله عليه وسلم: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) وقال لـ عويمر العجلاني رضي الله عنه لما سأله المهر بعد أن وقع اللعان بينه وبين زوجته: (إن كنت صادقاً فبما استحللت من فرجها) فجعل المهر لقاء الاستمتاع والاستحلال، لكن يبقى السؤال: هذا الرجل غرر به ودفع المهر على امرأة كاملة وتبين أنها ناقصة فهذا فيه ظلم للرجل؟ قالوا: المرأة تأخذ حقها وهو المهر كاملاً، لكن الرجل حقه ممن يأخذه؟ يأخذه ممن غره وممن غشه وخدعه حتى نكح المرأة وقال له: إنها ليست بمعيبة، فإن كان وليها يأخذه من وليها وحينئذٍ يضمنه له، فيقيم دعوى ثانية: أن فلاناً زوجه موليته المعيبة بعشرين ألفاً أو بثلاثين ألفاً، وفوت هذا المهر بغشه، فإذا ثبت عند القاضي هذا وحكم به فحينئذٍ يوجب له الرد بموجب ما ثبت من ظلمه له بالتغرير.
(278/10)
________________________________________
حكم تزويج القاصرة مع العلم بالعيب
قال رحمه الله: [والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب] هنا انتهت أحكام العيب، لكن هنا مسألة وهي مسألة التزويج مع العلم بالعيب، فإذا كان عندنا امرأة صغيرة أو مجنونة أو أمة أراد وليها أن يزوجها من مجنون أو من معيب فليس من حقه ذلك، فقال رحمه الله: (والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب) لا تزوج واحدة منهن بمعيب، وذلك لأن الصغيرة ينتظر إلى أن تبلغ وتنظر ما فيه مصلحتها، أما أن يؤتى بها وهي صغيرة ويزج بها إلى مجنون أو يزج بها إلى إنسان به عيب حتى ولو قالت: أرضاه، فمذهب طائفة من العلماء أنها ليست بكاملة العقل وليست بكاملة الإدراك فهي تخاطر بنفسها، فربما ندمت بعد بلوغها وربما تحدث أمراً لا تحمد عقباه، ونص المصنف على هؤلاء لأن الصغيرة والمجنونة والأمة تحت ملك غيرهم، فالصغيرة لوالدها أن يمنعها حتى ولو رضيت، والمجنونة كذلك لوليها، والأمة لسيدها.
(278/11)
________________________________________
تزويج الكبيرة مع العلم بالعيب
قال رحمه الله: [فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع بل من مجنون ومجذوم وأبرص] قوله: [فإن رضيت الكبيرة مجبوباً] لأنه ليس النكاح فقط للجماع، كما ذكرنا أن من النساء من تنظر في النكاح إلى شيء غير الجماع، فإذا رضيت مجبوباً فإن لها ذلك، ويزوجها وليها مادام أنها رضيت به، كما لو تزوجت كبير سن لا يجامع فإن هذا يرجع إليها، فإنها قد تريد خدمته، وقد تريد الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، وقد تريد رجلاً يحميها من الاعتداء عليها، فهناك مقاصد كثيرة، فليس النكاح فقط موقوفاً على الجماع، ومن عموم الشريعة أنها ليست مقصورة على جوانب معينة، فميزة الحكم الشرعي أنه تنزيل من حكيم عليم، والتشريع عندما يكون من عليم يحيط بالأمور كلها ما كان وما يكون وما لم يكن فإن حكمه سيكون لما كان ولما يكون ولما لم يكن، فيأتي الحكم شمولياً، بينما القوانين الوضعية إنما وضعت لأحوال، ثم إذا جدت أحوال صار هذا الحكم لا يصلح لهذه الحالة، فتحتاج أن تجدد شيئاً جديداً فتضطرب مع الأزمنة وتختلف مع الأزمنة والأمكنة، لكن الشريعة لا.
ولما كان فقه العلماء مبنياً على فقه الكتاب والسنة صار عندهم شيء من الشمول في النظرة والشمول في الاستيعاب، ومثل ما ذكرنا أنه ما ينظر فقط إلا أن المرأة تريد نكاحاً وجماعاً وأن الرجل يريد فقط جماعاً ونكاحاً، فنقف عند العيوب فقط ونقول: إذا كان ليس هناك جماع فليس هناك مصلحة وعليه فليس هناك نكاح، لا.
بل هناك مقاصد عظيمة وهناك مقاصد شرعية، وهناك مقاصد تتبع النكاح، فالمرأة قد تتزوج الرجل وهي في بيئة لا تجد أحداً يخطبها لكن تريد رجلاً يحميها من الذئاب، ويحميها ممن يعتدي عليها فتقول: أنا أرضى فلاناً وإن كان مجبوباً؛ لأنه شجاع.
وقد تكون المرأة مثلاً بها عيب، فقد يكون الرجل مجبوباً وتكون هي رتقاء فترضى بهذا، فأياً ما كان ليس هناك إلزام للمرأة أنها لا تتزوج من كان معيباً، بل كل منهما يتزوج ولا بأس بذلك ولا حرج إذا حصل الرضا.
قال: [أو عنيناً] إذا كان عنيناً وقالت: أرضى به، فإنها إذا كانت كبيرة عاقلة تنظر مصلحتها وهي أعلم بحالها، فلا يجوز لوليها أن يمنعها.
قال: [بل من مجنونٍ] لخوف الضرر عليها؛ لأن المجنون يضرها.
قال: [ومجذومٍ] لأن هذا سينقل إليها العدوى.
قال: [وأبرص] لأن الحق لذريتها وأولادها، فإذا امتنع أولياؤها من تزويجها كان من حقهم، لكن لو أنها هي برصاء وجاء أبرص ينكحها وخاف وليها أنه ما أحد يتزوجها ورضيت فإنه لا بأس ولا حرج.
(278/12)
________________________________________
استدامة نكاح الكبيرة بعد العلم بالعيب
قال رحمه الله: [ومتى علمت العيب أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ] الفقهاء يذكرون الابتداء والاستدامة حتى تحفظ الصور فتقدم أنها لا تجبر ابتداء على النكاح من شخص معيب، فلو علمت بالعيب من زوجها بعد الدخول فما حكم الاستدامة؟ وهذا الفقهاء يضعونه في المتون رياضة للذهن حتى يصبح عند الفقيه والقاضي والمفتي والمعلم شيء من الشمولية في الفتوى والتعليم والقضاء فيتنبه لما يترتب على المسائل من أحكام وآثار، فهنا لو قال لك قائل: هي لا تجبر ابتداء، فلو أنها علمت بالعيب بعد دخول الرجل عليها فهل يجبرها وليها على الفسخ؟ ف

الجواب
أن وليها يكون له حق المنع ابتداء، لكن لو أنه طرأ العيب بعد ذلك قال: لا يجبرها لو رضيت بالاستدامة، ولا تجبر على الفسخ، وليس من حق أحد أن يجبرها على الفسخ.
(278/13)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب نكاح الكفار
للكفار الذين يعيشون بين ظهراني المسلمين أحكام فيما يتعلق بأحوالهم الدينية والدنيوية، ومن هذه الأحكام ما تكون مشابهة لما عند المسلمين، ومنها ما يستقلون عن أحكام شريعتنا في تناوله وتطبيقه، ونكاح الكفار هو من الأحكام المستقلة التي يقرهم عليها الإسلام ولا يتدخل فيها إلا إذا طرأ طارئ الإسلام على الزوجين أو أحدهما فعندها يكون التفصيل.
(279/1)
________________________________________
نكاح الكفار
يقول المصنف رحمه الله: [باب نكاح الكفار] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام المتعلقة بنكاح الكفار، وهذا الباب من الأبواب المهمة المتعلقة بكتاب النكاح وهو الزواج من الكافرات، وحكم طريان الكفر على الزوج -والعياذ بالله إذا ارتد-، وحكم الكفار باختلاف أديانهم ومللهم، وقد اعتنى الفقهاء رحمهم الله بهذا النوع من الأبواب وذكروه في مسائل النكاح.
(279/2)
________________________________________
حكم نكاح الكفار
قال المصنف رحمه الله: [حكمه كنكاح المسلمين] حكم نكاح الكفار كحكم نكاح المسلمين فهو يُقر ويثبت، لكن على تفصيل في هذه الأنكحة؛ فلو أن شخصاً كافراً جاء يريد حكم الشريعة في النكاح فإنه يلزم بنكاح المسلمين، ويكون نكاحهم كنكاح المسلمين، لكن من حيث التفصيل والأحكام هناك أحكام ومستثنيات ينبغي تفصيلها فقال رحمه الله: (حكمه كنكاح المسلمين) فنقرهم، وينبني على هذه القاعدة أننا نقرهم على أنكحتهم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما تدخل في أنكحة الكفار ممن كان تحته من أهل الذمة ومن المعاهدين كبني قريظة ونحوهم وما قال لهم: انكحوا بهذه الطريقة وافعلوا هذه الطريقة، إنما تركهم على نكاحهم.
فكل أهل ملة ودين يفعلون النكاح على ملتهم ودينهم، والكفار على قسمين: أهل الملل الذين لهم أديان سماوية كالكتابيين من اليهود والنصارى، فهؤلاء يفعلون الأنكحة على وفق دينهم ويُقرون على دينهم، أما بالنسبة للذي لا دين له كالحربي الوثني، أو المجوسي الذي ليس له دين سماوي على القول بأن المجوس ليسوا في حكم الكتابيين، وكذلك أيضاً الذي لا دين له كالشيوعي والملحد فما حكم نكاحه وهو ليس له دين؟ ف

الجواب
أن نكاحه كنكاح المسلم، فلو أن من لا دين له كملحدٍ تزوج ملحدة، مع أنهم في بعض الأحيان ما عندهم ولي وشاهدان ومهر، بل يلقى الرجل المرأة -والعياذ بالله- في الطريق ويطؤها على أنه زوج لها ويتعارفون على هذا، وهم ما عندهم دين، فإننا نقرهم على هذا إذا أسلما الاثنان؛ لأن أهل الجاهلية في جاهليتهم كانوا لا دين لهم، فلما أسلموا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابياً أن يجدد نكاحه، مع أنهم في الجاهلية كانوا يوقعون الأنكحة على غير السنن الشرعية، ولذلك قالوا: يفرق بين الابتداء والاستدامة، وأنكحة الكفار يختلف فيها الحكم الابتدائي والاستدامي الذي يستدام به العقد، وسيبين المصنف رحمه الله جمل المسائل وأحكامها كما سيأتي.
فقال: (حكمه كنكاح المسلمين) من حيث الأصل، فإذا أسلم الكافران الزوج والزوجة ما نأتي نبحث عنه، وهذه فائدة حكمه كحكم نكاح المسلم، ولذلك أبقى النبي صلى الله عليه وسلم هذا النكاح.
النكاح يعتبر من العقود التي أبقتها الشريعة على حالها من الجاهلية، وهذه العقود منها قسمة المواريث وقسم الحقوق، فإذا قسم الكفار حقوقهم في حال الكفر ثم أسلموا فإنه يبقى قسم الجاهلية على ما هو عليه لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما كان من قسم الجاهلية فهو على ما هو عليه) ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وهل أبقى لنا عقيل من رباع) لأن عقيل بن أبي طالب بقي على الكفر إلى قرب الفتح فورث جميع بني هاشم الذين كانوا كفاراً، ولم يتوارث بنو هاشم الذين أسلموا فأصبح الإرث كله لـ عقيل، ثم لما أسلم عقيل ما قال له: تعال نقسم، فجعل هذه العقود: النكاح والقسم والمواريث تبقى على حكم الجاهلية، فإن أسلموا فإنه يستأنف الحكم فيما لم يمضِ ولم يتم، أما ما تم وبت فيه فيبقى على ما هو عليه، فلو أنه عاشرها لحظة على أنها زوجة له وعرفهم جارٍ بهذا -والعياذ بالله- ودخلوا في الإسلام مباشرة فهما زوجان، وهذا أصل عند العلماء، ويكاد أن يكون إجماعاً بين أهل العلم؛ لأن فيه نصوصاً واضحة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، فلم يسأل صحابياً أن يجدد نكاحه على زوجته.
(279/3)
________________________________________
متى يقر الكفار على النكاح الفاسد؟
قال رحمه الله: [ويقرون على فاسده إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا] قال: [ويقرون على فاسده] بشرطين: إذا اعتقدوا صحته في دينهم، مثلاً: يهودي تزوج يهودية بخمر أو خنزير، فديننا لا يصحح هذا؛ لأن الخمر والخنزير ليس بمهر، بينما الخمر والخنزير يعد مالاً في دينهم ومذهبهم، لكنه في حكم الإسلام لا، لكن نقرهم عليه ما دام أن دينهم يقرهم على ذلك، وبشرط: أن لا يترافعوا إلينا، فإن جاءونا حكمنا بحكم الإسلام، وهذا يقع في أهل الذمة عندما يكونون تحت حكم المسلمين، فإذا فتحت بلادهم فقالوا: ندفع الجزية ونبقى على ديننا، فدفع الجزية يبقيهم على دينهم، فإذا تناكحوا بطريقتهم وبدينهم، فليس للمسلمين أن يتدخلوا في ذلك؛ لأن هذا أصل عقد الجزية الذي أبرمه عمر بن الخطاب وأبو بكر رضي الله عنهم، فـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مصالحتهم أبقاهم على ما هم عليه من دينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان مع يهود بني قريظة ويهود خيبر ويهود بني النضير كلهم على هذا الحكم، وهو أنه يتركهم على دينهم وعلى شرعهم، فأما إذا ترافعوا إلينا وجاءوا إلينا وسألونا أن نحكم بينهم فإننا نحكم بحكم الإسلام.
فإذاً الشرط: أن يكون دينهم يقرهم على ذلك -إذا كان لهم دين سماوي- وأن لا يترافعوا إلينا، فإن ترافعوا إلينا أو فعلوا أمراً لا يقرهم عليه دينهم ألغي هذا العقد، فمثلاً: يهودي تزوج أخته وهو ذمي تحت المسلمين، وبلغ المسلمين ذلك فإنهم يلغون هذا النكاح؛ لأنه تحت حكمهم، ومثل هذا النكاح لا يقره دينه ولا يقره ديننا، فلا يبقون على مثل هذه الأنكحة كنكاح المحارم، لكن لو كان دينهم وشرعهم يقرهم على ذلك أقررناهم على ما أقرهم عليه دينهم بشرط ألا يترافعوا إلينا.
فلو أن يهودياً ويهودية جاءا إلينا وقالا: نريد أن تعقدوا لنا عقد النكاح بدينكم {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ} [المائدة:42] فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بحكم الإسلام، وأنزل القرآن مهيمناً على الكتب السماوية من قبل، فحينئذٍ يحكم ويبت بينهم، ولذلك رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين الزانيين المحصنين بحكم الإسلام، وإن كانت التوراة كذلك فيها الرجم كما وضع أحدهم يده على آية الرجم لكن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم لقوله: (فدعا بالشهود) فأجرى القضية على أنها قضية قضائية إسلامية، فإذا ترافعوا إلينا حكمنا بينهم بشرعنا.
قال: [فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا] وإن أتونا بعد عقده أبقيناه على حكمهم.
قال: [وإن أتونا بعده أو أسلم الزوجان والمرأة تباح إذاً أقرا] قوله: (أو أسلم الزوجان والمرأة تباح إذاً) يعني: أسلم اليهودي واليهودية فصارا مسلمين والمرأة مباحة صح، لكن لو أنه تزوج أم زوجته فليست تباح إذاً، فإذاً الشرط: أن يسلما والمرأة مباحة، يعني: ممن يحل نكاحها، فإذا تزوج أجنبية منه وبعد ذلك أسلم الزوج والزوجة أبقيناهما على عقدهما في حال الكفر، لكن لو كانت المرأة لا يقر نكاح جنسها فحينئذٍ يفسخ النكاح، كأن يكون قد تزوج أم زوجته أو ربيبته فإنه لا يحكم بصحته؛ لأن الشريعة لا تقر هذا، (والمرأة تباح إذاً أقرا) أي: تباح بحكم الشرع فإنه حينئذٍ يُقر.
(279/4)
________________________________________
متى يفرق بين الكفار في النكاح الفاسد؟
قال رحمه الله: [وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها فرق بينهما] مثلما ذكرنا كأم زوجته وربيبته.
أو أسلم كافر مثلاً وعنده ست نسوة فلا يباح له الست إنما يباح منهن أربع، كما قال عليه الصلاة والسلام لـ غيلان رضي الله عنه وأرضاه: (انكح أربعاً وفارق سائرهن) يعني: سائر من سوى الأربع، وهذا الحديث يدل على أنه لابد أن يستأنف الحكم إذا كان هناك ما يعارض الشرع، كما لو أسلم بنكاح فيه نظر للشرع من جهة المرأة التي تحل، أما من جهة الصداق وكيفية العقد فهذا لا يتدخل فيه الشرع، فلو أنه أسلم وعنده ست نسوة أو ثمان نسوة فنقول: انكح أربعاً وفارق الباقي.
قال: [وإن وطئ حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحاً أقرا وإلا فسخ] الحربي: هو الكافر الذي بينه وبين المسلمين حرب، وطبعاً إذا كان من الوثنيين الذين لا دين لهم فأسلم وعنده زوجة تزوجها مثلما يقع من الكفار، يعاشر المرأة ويتفقان فيما بينهما على أنهما زوجان بدون عقد ولا صفات معينة معتبرة، فإنهما إذا أسلما يقران على حالهما بشرط أن تكون المرأة من جنس ما أذن الشرع بنكاحها.
قال: [وإلا فسخ] (وإلا فسخ) لو أنه عاشرها كعشيقة -والعياذ بالله- أو كما يسمونها صديقة قال تعالى: {وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء:25] والخدن الصديق، فكانوا في الجاهلية المرأة يكون لها زوج ويكون لها صديق، فالصديق يستمتع بالقبلة أو نحو ذلك مما دون الفرج، والزوج يستمتع بالفرج، فحرم الله هذا، فلو أنه عاشرها كصديقة ثم أسلما فلم يسلما كزوجين وإنما أسلما كعشيقين، وهذا ليس من جنس ما يحكم فيه بالنكاح، فإذاً لابد أن يعتقداه نكاحاً، وهذا هو الذي جعل المصنف يقول: (وقد اعتقداه نكاحاً) فلابد أن يكون في اعتقادهما أنه نكاح، فحينئذٍ نصححه ونبقيه نكاحاً.
(279/5)
________________________________________
حكم المهر المقبوض والمؤجل
قال رحمه الله: [ومتى كان المهر صحيحاً أخذته] إذا تزوجها في الجاهلية وأخذت مهرها ما عندنا إشكال، ولا نحتاج أن نبحث فيما مضى، لكن المشكلة إذا تزوجها وأخر مهرها، فالزواج سنبقيه صحيحاً على ما هو عليه لكن يبقى النظر في المهر حيث إنه لم يقبض، فيستأنف فيه حكم الإسلام، بخلاف لو أنه تزوجها في الجاهلية وأعطاها مهراً لا يصح مثل الخمر والخنزير والأصنام ونحو ذلك من المحرمات وقبلته فإنه يصح، لكن لو أنه أخر المهر فكان المهر خمراً ثم بقيت هذه المرأة في عصمته ودخلا في الإسلام، فحينئذٍ يرد

السؤال
هل الحكم مبتدأ أو مستدام؟ الحكم مستأنف ومبتدأ، فننظر في هذا المهر فإن كان شرعياً ألزمناه به؛ لأن الشرع يلزم به، وإن كان غير شرعي فإنه لا يحكم به ويكون لها مهر المثل.
قال: [وإن كان فاسداً وقبضته استقر] تأخذه كما ذكرنا؛ لأن المهر يملك بالقبض.
قال: [وإن لم تقبضه ولم يسم فرض لها مهر المثل] حينئذٍ يكون لها مهر مثلها.
(279/6)
________________________________________
حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين
قال رحمه الله تعالى: [فصل: وإن أسلم الزوجان معاً أو زوج كتابية فعلى نكاحهما] عرفنا الأنكحة التي تبقى والأنكحة التي لا تبقى، والسؤال الآن: مسألة تجديد النكاح إذا أسلم الزوجان، وإذا أسلم أحدهما دون الآخر، فقال رحمه الله: (إذا أسلم الزوجان) إذا أسلما معاً فنبقي النكاح على ما هو عليه، وهذا بالإجماع وليس عندنا فيه إشكال، لكن إذا أسلم أحدهما دون الآخر فإما أن يكون زوجاً وإما أن يكون زوجة، فإن أسلم الزوج قبل الزوجة وكانت الزوجة وثنية فلا إشكال؛ لأن المسلم لا ينكح الوثنية ولا يستدام نكاحه لها إذا بقيت هي على الكفر.
لكن إذا كانت كتابية فيجوز نكاح المسلم للكتابية، ففرق المصنف في إسلام الزوج بين أن تكون زوجته كتابية أو تكون غير كتابية وهذا مرده إلى النص الشرعي، ومن هنا تلاحظ أن المتون الفقهية تتركب من الأحكام المنصوص عليها، فهي تأتي بصورة الأمثلة لكنها تحكي الأحكام الشرعية، فهو يقول: (إذا أسلم الزوجان) لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهما في حال كفرهما فمن باب أولى أن يقرا بعد إسلامهما ما عندنا إشكال، لكن لو أسلم أحدهما ففيه تفصيل: إن كان الزوج هو الذي أسلم فحينئذٍ ننظر في زوجته، فإن كانت من جنس ما تحل زوجة للمسلم -وحينئذٍ تكون كتابية؛ لأن غير الكتابية وهي الوثنية ما يحل نكاحها {وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة:221] أما الكتابية فيجوز- فإنه يبقى على نكاحه ولا يفسخ النكاح، فهنا لو سئُلت: متى يبقى نكاح الكافر على ما هو عليه؟ فتقول: إذا أسلما أو أسلم زوج كتابية، فإن أسلم زوج وثنية فإنه في هذه الحالة ينفسخ النكاح؛ لأنه لا نكاح بينهما على التفصيل الذي نذكره من الاستبقاء والإمهال للعدة.
قال: [فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين] انتهى المصنف الآن من الرجل، وعرفنا أنهما إذا أسلما أقرا، وإن أسلم الرجل فصل فيه، فإن كانت زوجته وثنية فلا إشكال وإن كانت كتابية بقي الحكم وأقرا، فإن أسلمت هي فحينئذٍ يرد الإشكال؛ لأنه لا يحل للكافر أن ينكح المسلمة سواءً كان كتابياً أو غير كتابي: {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10] فالكافر ليس له على المسلمة سبيل، فإسلام المرأة غير إسلام الرجل.
قال: [فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل] فإذا أسلمت المرأة فالنكاح منفسخ، لكن ينبغي أن ننتبه لقضية وهي: أن المرأة المدخول بها إذا فسخنا نكاحها فهناك مهلة وهي العدة، فاختلف حكم النساء إذا أسلمن بين أن يكون قبل الدخول أو يكون بعد الدخول؛ لأن الفسخ قبل الدخول لا عدة فيه، والفسخ بعد الدخول فيه عدة، وإذا كان الفسخ بعد الدخول فيه عدة فالعدة مهلة، يعني: نعطيه مهلة أن يسلم إلى أن تخرج من عدتها، فإن أسلم قبل خروجها من العدة عادت إليه، وإن أسلم بعد خروجها من العدة لم تعد إليه، هذا إذا كان بعد الدخول، أما لو كان قبل الدخول فإنه ينفسخ النكاح مباشرة لأن فسخه يتم بدون عدة.
(279/7)
________________________________________
حكم المهر في حال الفسخ
قال رحمه الله: [فإن سبقته فلا مهر وإن سبقها فلها نصفه] عرفنا إذا وقع إسلامها قبل الدخول وبعد الدخول، وأنه قبل الدخول يوجب الفسخ وبعد الدخول يوجب الفسخ، لكن تبقى له مهلة إلى نهاية مدة العدة أن يرجع إليها، فإن أسلم رجع إليها مثلما وقع لـ صفوان رضي الله عنه وأرضاه في قصته المشهورة، فـ صفوان بقي بعد فتح مكة على الكفر، وشهد حنيناً وهو على الكفر ثم أسلم رضي الله عنه فرد النبي صلى الله عليه وسلم له زوجته، وهذا باستمهال العدة، وهو حديث مشهور كما قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: شهرته أغنت عن إسناده، وحسنه طائفة من العلماء.
الشاهد: أن المرأة إذا كانت مدخولاً بها أعطي زوجها الكافر مهلة إلى نهاية مدة العدة، لكن يبقى النظر في المهر، فإن كان الذي أسلم الزوج فله حكم، وإن كان الذي أسلم الزوجة فله حكم؛ لأنه إذا أسلم الزوج كان الطلاق والفسخ من ناحيته، وإن أسلمت المرأة كان الطلاق والفسخ من ناحيتها وهي التي تسببت فيه، فقال رحمه الله: (فإن سبقته فلا مهر) (فإن سبقته) في حال تطليقها قبل الدخول (فلا مهر) ليس لها مهر؛ لأن هذا حكم الشرع، أنه إذا فسخ النكاح قبل الدخول فلا مهر.
(وإن سبقها فلها نصفه) وإن سبقها للإسلام ثم أسلمت فحينئذٍ لها نصف المهر إذا كان قد فرض لها فريضة؛ لأنه طلاق قبل الدخول، مثل الحكم في الإسلام.
(279/8)
________________________________________
التفريق بين الزوجين بعد إسلام أحدهما
قال رحمه الله: [وإن أسلم أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة] يعني: نحكم بالفسخ، لكن ما يثبت الفسخ ويفرق بينهما إلا إذا مضت العدة ولم يسلم الآخر.
قال: [فإن أسلم الآخر فيها دام النكاح وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول] إذا لم يسلم الآخر قبل انتهاء العدة حكمنا بفسخه منذ إسلام الأول، يعني: من حين الإسلام تبين لنا الفسخ.
قال: [وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة وقبله بطل] هذه الردة -والعياذ بالله- (إن كفرا أو أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة) يفرق بينهما، ثم يعطى مهلة إلى انقضاء العدة، فإن تاب ورجع قبل انتهاء العدة فلا إشكال، وإن كان بعد انقضاء العدة فرق بينهما.
(279/9)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الصداق [1]
من الأمور المشروعة في النكاح فرض الصداق، وهو حق للمرأة يدلها على صدق الرجل في نكاحها، ويسن عدم المغالاة فيه، فإن كان الصداق مما لا يصح وجب لها مهر مثلها، وهكذا إذا لم تأذن لغير أبيها، وقد يعجل الصداق أو يؤجل بحسب ما يتفقون عليه، لكنه يدخل في ضمان المرأة وملكها من حين العقد.
(280/1)
________________________________________
أحكام الصداق
قال رحمه الله تعالى: [باب الصداق] الصداق: قيل: هو المهر، وسمي بذلك؛ لأن الرجل يظهر به صدق الرغبة في المرأة، ويسمى: الصداق والمهر والفريضة والحباء والمتعة، وهذه كلها من أسماء الصداق، وهذا الباب من الأبواب المهمة المتعلقة بالنكاح؛ لأن الله سبحانه وتعالى فرض على الأزواج أن يعطوا الزوجات حقوقهن في المهر، والعلماء من المحدثين والفقهاء رحمهم الله يعتنون بهذا الباب، ويذكرون النصوص الشرعية وما اشتملت عليه من الأحكام في بابه: باب الصداق والمهر.
يقول رحمه الله: (باب الصداق) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بمهور النساء وصداقهن، والأصل في مشروعيته قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء:4]، وثبتت السنة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، فقال عليه الصلاة والسلام: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) وكذلك أصدق عليه الصلاة والسلام نساءه، وجعل عتق صفية صداقاً لها ومهراً، وكذلك سأل عبد الرحمن بن عوف (ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب) كل هذا ثابت، السنة القولية كقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) والفعلية: أنه أعتق صفية، والتقريرية: في حديث عبد الرحمن بن عوف، فهذه ثلاثة أنواع من السنة: القولية، والفعلية، والتقريرية، وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية الصداق وأنه مما يشرع في النكاح.
(280/2)
________________________________________
مشروعية تخفيف الصداق
[يسن تخفيفه] يسن تخفيف الصداق وعدم المغالاة فيه؛ لما فيها من الأضرار والمفاسد العظيمة؛ فالمغالاة في المهور تؤخر الزواج وتعطله، وتكثر من العوانس بين الناس الأمر الذي يفضي للفتنة والشر المستطير، فالسنة تخفيفه تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك خفف في مهور نسائه، فدل هذا على أن المهر ليس بمحل للمزايدة والمغالاة، وأجمع العلماء رحمهم الله على كراهية المغالاة في المهور، ونص بعض العلماء على أنه يوجب الإثم إذا وصل إلى حد الإضرار بحيث يقول: لا أزوج ابنتي إلا بمائة ألف، وهو يعلم أن هذه المائة ألف قد تكون سبباً في عدم زواج ابنته، ولربما عنست وكبرت ولم تتزوج فإنه يبوء بإثمها والعياذ بالله.
فالمغالاة في المهور مجمع على كراهتها، وقال المصنف: [يسن تخفيفه] لأن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التخفيف؛ ولأن الحكمة تقتضي هذا، فإن الرجل إذا دفع مهراً كثيراً في المرأة، فإن هذا سيضر بالمرأة أثناء عشرتها، فهو يظن كأنه اشتراها، فإذا رأى منها أقل خطأ، عظم هذا الخطأ، ورأى أنه كبيرة لا تغتفر، وحينئذٍ تحدث المشاكل، وينتقم منها ويضر بها، وربما أجحف بها حتى تخالعه وترد له المال الذي دفعه، إضافة إلى أنه إذا غالى الناس في المهور، فإنه سيتحمل الزوج أعباء هذه المهور المبالغ فيها، فلربما وقع في وطأة الدين، فيدخل إلى بيت الزوجية مهموماً مغموماً، فتنعكس الآثار على نفسيته وعلى زوجته حتى لربما عاش عيشة منغصة مليئة بالمشاكل والأضرار بسبب المغالاة في المهور.
فلا خير في المغالاة في المهور، والسنة التخفيف تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جاء حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (خير النساء -وفي رواية: أبرك النساء- أيسرهن مئونة) فالتيسير في مئونة النكاح والتخفيف هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الصالح والتابعين لهم بإحسان رحمة الله على الجميع.
(280/3)
________________________________________
تسمية المهر في العقد ومقداره
[وتسميته في العقد] ويسمى المهر في العقد فيقول مثلاً: زوجتك موليتي فلانة بعشرة آلاف فيسمى ويذكر؛ لأن هذا أولى وأحرى في قطع النزاع وقطع الخصومة، وكذلك يرجع إليه عند الاختلاف، ولربما مات الزوج وماتت الزوجة ومات الولي والشهود، والزوج والزوجة والولي ممن يعلم بقدر المهر، فيضيع حق المرأة، فالتسمية تدفع كثيراً من المشاكل التي تقع في المستقبل، ولذلك قال العلماء: شرع الله الكتابة للديون والحقوق؛ لأجل أن لا يظلم الناس بعضهم بعضاً، ولأجل أن تصل الحقوق إلى أصحابها.
[من أربعمائة درهم إلى خمسمائة] لأن هذا الحد -من أربعمائة درهم إلى خمسمائة- هو الحد الذي جاء في رواية السير في صداق أم حبيبة بنت أبي سفيان حينما أصدقها النجاشي لزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمر مطلق، أي: الأمر في هذا واسع لا يقيد بقيد معين ولا يحدد بحد، ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والضابط فيه أن يكون فيه يسر لا عسر، واليسر والعسر يختلفان، فمثلاً: قبل أربعين سنة ربما لو تزوج بريالين أو ثلاثة ريالات لكانت شيئاً كثيراً، والآن لو تزوج بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف لكان شيئاً يسيراً، فهذا أمر يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
والذهب والفضة هما من الأثمان التي جعلها الله سبحانه وتعالى قيماً تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فيصعب وضع حد معين، ولذلك ليس لليسر في المهر حد لا في الكثرة ولا في القلة وإنما يرجع فيه إلى العرف.
(280/4)
________________________________________
ما يصح مهراً وما لا يصح
قال رحمه الله: [وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً وإن قل] قوله: (وكل ما صح ثمناً) أي: في البيع مثل الذهب والفضة، فلو قال لها: أصدقتكِ ألف ريال من فضة أو قال: أصدقتكِ مائة جنيه من ذهب، أو أي شيء يمكن أن يكون ثمناً وقيمة للأشياء، حتى ولو كان من المثمونات مثل أن يقول: صداقي لكِ هذه السيارة، صداقي لكِ مزرعتي هذه، ولو حتى ثوبه إذا كان عنده غيره مما يستره، فيقول: هذا الثوب صداق لكِ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ذاك الرجل: (ليس معي إلا إزاري) لم يعتب عليه الإزار، وإنما عتب عليه أنه لا يجد غيره وأنه عرضة للانكشاف.
فالمقصود: أنه يجوز أن يكون الصداق كل ما يجوز ثمناً، ومعنى هذا أن ما لا يجوز أن يكون ثمناً وعوضاً في البيع لا يجوز أن يكون عوضاً في النكاح ولا مهراً، فلا يجوز أن يجعل مهرها كلباً ولا خنزيراً ولا خمراً ولا شيئاً مما يحرم بيعه.
قوله رحمه الله: (أو أجرة) كما في قصة موسى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} [القصص:27] فجعل الإجارة لقاء النكاح مهراً وعوضاً، قالوا: وفي هذه الحالة تكون أُجرة الإجارة قائمة مقام المهر نفسه، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.
[وإن أصدقها تعليم قرآن لم يصح بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم] هذا على القول بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا -كما ذكرنا- أنه مذهب الحنابلة والحنفية رحمة الله عليهم، وسنفصل هذه المسألة إن شاء الله في كتاب الإجارة من شرح الزاد.
أما من حيث تعليم القرآن فعلى القول بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن يجوز أن يكون صداقاً، والدليل على ذلك حديث الواهبة نفسها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم سورة كذا وكذا، قال: أنكحتك هذه بما معك من القرآن) قالوا: فدل هذا على جواز جعل تعليم القرآن صداقاً كما يقول المالكية والشافعية رحمة الله عليهم والظاهرية وطائفة من أهل الحديث، من أنه يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقاً للمرأة، وإذا جعل تعليم القرآن صداقاً، فلابد أن يحدد السور التي تكون مهراً، ويحدد كذلك الطريقة التي يمكن أن ينضبط بها التعليم؛ لأن الإجارة على الشيء تستلزم أن تكون إجارة شرعية ولا تكون بمجهول، فلابد أن يحدد ويبين الشيء الذي يعلم وقدره ومدة التعليم حتى تخرج الإجارة عن الإجارة بالمجهول المحرمة، وقال الحنابلة معتذرين عن هذا الحديث: بأن قضايا الأعيان لا تصلح دليلاً للعموم، فرأوا أن حديث الواهبة خاص ولا يصلح دليلاً للعموم.
[بل فقه] فإذا علمها الفقه حدد الأبواب، فإذا علمها مثلاً جزءاً من كتاب الطهارة حدده، فإذا قال: أعلمها شيئاً من كتاب الطهارة، لم يصح حتى يبين قدره، فيقول مثلاً: أعلمها باب الوضوء، أعلمها باب الحيض، أعلمها باب الغسل، أعلمها باب الوضوء ومسح الخفين، أعلمها باب التيمم، فيحدد الأبواب التي سيعلمها، فلابد أن تكون الإجارة على شيء معلوم لا على شيء مجهول.
[وأدب] كان الناس يتعلمون الأدب، وفي الأدب عدة فوائد: أولاً: الأدب الإسلامي أدب رفيع ويشتمل على مغازٍ ومقاصد عظيمة، فهو يشتمل على جملة من الشعر والنثر الذي تكون فيه مكارم الأخلاق ويتحدث عن محاسن العادات وكرائم الخلال وحميد الخصال، كل ذلك يعتبر من الأدب، فكانوا يحفظونهم الأشعار التي فيها الشجاعة وفيها الكرم وفيها الحمية والغيرة وفيها النخوة وفيها المعاني السامية، هذا هو الأدب، وما سمي أدباً إلا لاشتماله على تأديب النفوس، وليس كل شيء يقال له: أدب، وإنما الأدب ما حمل النفوس على مكارم الأخلاق، أما المجون الساقط والدعوة إلى العنف والفساد، فهذا شر ورذيلة وليس هو بالأدب.
فالغاية من الأدب أن يحمل على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وله باب مستقل عند المتقدمين والعلماء الأوائل، وفيه كتب مشهورة تعتني بذكر القصص، وهناك كتب في الأدب مثل: عيون الأخبار لـ ابن قتيبة، فهذا الكتاب النفيس فيه جملة من الأدب، يتحدث مثلاً: عن الأدب مع الخاصة، إذا جالست العظماء والكبراء فكيف تجالسهم؟ وكيف تحادثهم؟ وكيف تخاطبهم؟ وما هي صفاتهم؟ وكيف تأمن شرهم وتطلب خيرهم؟ وكيف تعاملهم في حالة غضبهم وفي حالة رضاهم؟ كذلك أيضاً أدب الإخوان، فهناك كتاب خاص يسمى: كتاب الإخوان، في الأدب، كيف تعاشر الناس؟ من هو الصديق الذي تختاره؟ وما هي صفاته التي ينبغي أن تتوفر فيه؟ وكيف تعامله إذا أساء؟ وكيف تعامله إذا أحسن؟.
كل هذا يأتيك عن طريق القصص، فيكون إيحاءً غير مباشر، فهو: يأتيك بقصص، وعندما تقرأ القصة تلو القصة تتأثر، مثلما أن القرآن ذكر الحكم والفضائل في القصص: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120]، فالقصص تثبت في النفوس المعاني، فإن كانت ساقطة أسقطت النفوس وإن كانت كاملة رفيعة حملت النفوس على مكارم الأخلاق، وسمت بها من حضيض الرذيلة إلى عُلا الفضيلة، وجعلت الإنسان يحدث نفسه أن يكون مثل فلان أو يكون له مثل ما لفلان، فالنفوس الطيبة حين تقرأ الشيء وتحبه تتأثر به، وتحب أن يكون لها مثل ما له، فهذا هو الأدب.
فالأدب جملة من المنثورات والأشعار تدور حول مغازٍ، وفيها ما هو كتاب يتعلق بالعشرة حتى العشرة الخاصة عشرة النساء، فتقرأ في الأدب صفات المرأة محاسنها ومساوئها، وكيف كانوا يتعاملون مع المرأة السيئة؟ وكيف كانوا يتعاملون مع المرأة الطيبة؟ تجد فيها كل شيء مما يتصل بك مع الناس، وأيضاً فيها كتاب خاص لمعاملة الناس في حال الغضب وفي حال الإساءة، حال الإساءة باللسان، وحال الإساءة بالسنان، فهذا هو الأدب.
الأدب الإسلامي كان يشتمل على جملة من الكتب والأبواب، فهناك مثلاً كتاب السؤدد، فيقول الرجل عند عقد النكاح: أعلمها -مثلاً- كتاب السؤدد، وهذا الكتاب يدور حول المعاني التي تسموا بالإنسان إلى السؤدد والشرف، ويمكن أن يعلمها كتاباً معيناً من كتب الأدب، حتى لو يرويها الشعر كأن يرويها المعلقات، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر بتعليم الشعر الجاهلي حتى يُعْلَم الكتاب، وكان يمدح قصيدة زهير بن أبي سلمى ولما سُئل عن أشعر العرب وأحكم العرب قال: الذي يقول: ومن ومن، يعني: معلقة زهير بن أبي سلمى؛ لأنها اشتملت على الحكم.
ومن محاسن العلماء الأولين من الأدباء أنهم لما أرادوا نفع المتأخرين صنفوا هذه الكتب، فاختاروا أحسن ما يقال، ولذلك ليس الأدب كما ذكرنا لكل ما هب ودب، ولما سُئل بعض الحكماء العقلاء العلماء: من هو الأديب؟ قال رحمه الله كلمة بديعة جميلة قال: (الأديب هو الذي يقرأ أحسن ما يوجد)، فلا يقرأ كل شيء بل يقرأ أحسن ما يوجد (ويكتب أحسن ما يقرأ)، فلا يكتب كل ما هب ودب وإنما يختار، ويسمونها المختارات، ولذلك تجد مختارات فلان يعني: اختار عيون الشعر وعيون الحكم، فيقرأ أحسن ما يجد ويكتب أحسن ما يقرأ (ويحفظ أحسن ما يكتب)، فالذي يحفظه ويدخله إلى ذاكرته هو أفضل وأحسن ما يكتب من الحكم والمنثورات أو الأشعار التي ينبغي أن يعتنى بمثلها، ثم قال رحمه الله: (ويحدث بأحسن ما يحفظ)، أي أنه عندما يحدث الناس يحدثهم بأحسن محفوظاته؛ فهذا هو الأديب الرفيع المستوى الذي هو في أعلى مكان، وهذا هو الأدب الحقيقي، أما الأدب الأجوف الذي هو دعوى بدون حقيقة؛ فلا يمكن أن يكون الأدب أدباً إلا إذا كان رفيع المستوى، بأن يقرأ أحسن ما يوجد؛ لأن فكره ووقته وانشغال هذه الطاقة الفكرية لا يكون إلا لشيء يستحق أن ينشغل به، ثانياً: أن يكتب من هذا الذي قرأه أحسنه، كأنه في جنة وبستان فينتقي أطايبها، فإذا انتقى أطايب ما يقرأ كتبه، وإذا كتبه نظر فيه فأحسن الاختيار لحفظه، فحفظ أحسن ما كتب، ثم إذا جالس الناس وحدثهم انتقى لهم أحسن ما يحفظ، فهناك كلام يقال في الخاصة، وهناك كلام يقال في العامة.
فعلم الأدب علم مستقل، وإذا قيل: يعلمها الأدب، فليس المراد المحرم، فينتبه لهذا، وهذا الذي دعانا أن نتطرق لهذه القضية؛ لأنها حاصلة معنا، فلو أنه قصد من تعليمها الأدب: المجون والحرام؛ فهذا عقد على حرام مثل: أشعار الغزل التي فيها حرمة، أما أشعار الغزل التي لا تقصد للإغراء بالفاحشة، وإنما تقصد لمعانٍ أخر مما جرت به عادة أهل الجاهلية، فهذا شيء أقره النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال كعب: بانت سعاد، الأبيات المشهورة، فالمقصود من هذا: علوم الأدب التي لا تضر بالدين ولا تسيء إلى الدين، ولا تحمل على مساوئ الأخلاق.
وكتب الأدب كثيرة، وفيها كتب نفيسة؛ مثل عيون الأخبار لـ ابن قتيبة، وهناك أيضاً كتاب الحصري أدب الكاتب، وكتب الأدب منها ما هو متقدم ومنها ما يكون متأخراً، فمما يعتني بالنقل عن المتقدمين مثل: كتاب عيون الأخبار، وهناك كتاب مثل: العقد الفريد، لكن فيه تشيع، وفيه نقول جيدة، وفيه كلام نفيس لكن صاحبه فيه تشيع.
وأما الأدب بالنسبة لعصور بني العباس فما بعدهم فهو الذي يسمونه: الأدب الرفيع، الذي يحكي قصص الخاصة وما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في معاملة الناس الخاصين، فهذا من أنفس ما كتب فيه: مشوار المحاضرة للتنوخي، وأما كتب الأدب الموسعة فنهاية الأرب وصبح الأعشى للقلقشندي ونحوها من الكتب المطولة، فهذه يمكن لطلاب العلم أن يستفيدوا منها ويأخذوا منها ما صفا ويدعوا ما كدر، وإلا فهي كثيرة سواء للمتقدمين أو للمتأخرين، لكن يمكن أن يستفيد طالب العلم منها مثل: أن يقرأ المعلقات وما كتب من أشعار في دواوين خاصة، مثل: ديوان الحماسة لـ أبي تمام، ومختارات الحماسة، والفروسية، والشجاعة التي تعتني بذكر الأشعار في الشجاعة والكرم والتضحية والجود والسخاء ونحوها من المعاني الطيبة، وهناك كتب نفيسة كثيرة في الأدب، وأياً ما كان فهو علم يقصد منه تهذيب النفوس وتعويدها على
(280/5)
________________________________________
استحقاق المرأة لمهر مثلها إذا بطل ما سماه لها مهراً
[وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح ولها مهر مثلها] قوله: (وإن أصدقها طلاق ضرتها) هذا لا يجوز؛ لأنه محرم، فإذا قال لها: أتزوجك على أن أطلق فلانة، فقالت: إذا طلقت فلانة فهو مهري، فهذا لا شك أنه ضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
قوله: (لم يصح ولها مهر مثلها) أي: لم يصح المسمى لأن يكون مهراً، ويبقي زوجته ثم يعطيها مهر مثلها إن دخل بها.
[ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل] قوله: (ومتى بطل المسمى) يعني: كان باطلاً لا يقره الشرع والنكاح صحيح (وجب مهر المثل) لأن مهر المثل لا وكس ولا شطط، ولذلك قضى به ابن مسعود رضي الله عنه في قصته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة المفوضة التي توفي عنها زوجها قال: (أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط وعليها العدة -يعني عليها الحداد- فقال رجل: والله لقد قضيت فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا، فقال: الحمد لله)، فحمد الله أن وافق قضاؤه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(280/6)
________________________________________
حكم التردد في قيمة الصداق
قال رحمه الله تعالى: [فصل: وإن أصدقها ألفاً إن كان أبوها حياً وألفين إن كان ميتاً وجب مهر المثل] إذا قال: إن كان أبوها حياً فلها ألف وإن كان ميتاً فلها ألفان أو العكس فهذا صداق مجهول؛ لأنه يغرر بها، فقد تطمع به؛ لأنها تظن أن لها الألفين على أن أباها ميت فيتبين أنه حي، ففي هذه الحالة لا يصح؛ لأنه غرر، وقد ذكرنا هذا في البيوع: التغرير بالقيمة المترددة، وذكرنا أنه من الغرر المنهي عنه شرعاً.
[وعلى إن كانت لي زوجة بألفين أو لم تكن بألفٍ يصح بالمسمى] إن كان لي زوجة فألفان؛ لأن الضرر أعظم، وإن كان لا زوجة لي فألف؛ لأن الضرر أخف، فخففوا في هذا فقالوا: إن هذا ليس بالمتردد وإنما هو لخوف الضرر، فالضرر مصحوب بالحقيقة؛ فإن كان له زوجة دفعت ضررها بالألف الثانية، وإن كان ليس له زوجة ففي هذه الحالة تبقى على الأصل الذي هو الألف، وليس في هذا تردد يوجب الغرر والإضرار، بخلاف ما إذا قال لها: إذا كان حياً أو ميتاً، فهذا ليس بمرتبط بمصلحة أو درء مفسدة، ففرق بين المسألتين من هذا الوجه.
(280/7)
________________________________________
تأجيل الصداق
[وإذا أُجل الصداق كله أو بعضه صح] يؤجلانه ولا يدخل بها حتى يعجل لها بعضاً من الصداق.
[فإن عين أجلاً وإلا فمحله الفرقة] إن عين أجلاً، قال لها: أصدقكِ عشرة آلاف إلى نهاية هذه السنة، أعطيكِ إياها نهاية السنة، فهذا مؤجل، فإذا قال لها: صداقكِ عشرة آلاف فأجله إلى الفرقة، ويلزم بدفعه عند الفرقة، ويبقى ذلك موسعاً فيه إلى أن يفارقها.
[وإن أصدقها مالاً مغصوباً أو خنزيراً ونحوه وجب مهر المثل] (وإن أصدقها مالاً مغصوباً) لأنه لا يملكه (أو خنزيراً) لأنه محرم أو خمراً فإنه محرم (وجب مهر المثل) يبطل المسمى ولها مهر المثل؛ لأن الخنزير والخمر كلها ليست من جنس ما يباح أن يكون صداقاً.
(280/8)
________________________________________
حكم العيب في الصداق
[وإن وجدت المباح معيباً خُيرت بين أرشه وقيمته] هذه مسألة جديدة، فبعد أن ذكر أحكام الصداق السابقة، شرع في مسألة العيب في الصداق، وتقدم العيب الكلي: المغصوب، والخمر، والخنزير، أن المسمى يلغى ويكون لها مهر المثل، لكن لو كان العيب في البعض، كأن يكون قسم منه معيب وقسم منه صالح، مثلاً قال لها: مزرعتي لكِ، ثم بان أن المزرعة فيها عيب ينقص قيمتها وهي كانت تظنها أنها كاملة، أو قال: سيارتي هذه صداق لكِ، قالت: قبلت، وتم النكاح ثم تبين أن في السيارة عيباً، فنقول لها: أنتِ بالخيار بين أمرين: أن يبقى ويدفع لها أرش العيب.
قوله: (خيرت بين الأرش ومهر المثل) يعني: إن شاءت أخذت الأرش وإن شاءت أخذت مهر المثل.
(280/9)
________________________________________
حكم الحباء للأب
[وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صحت التسمية] وإن تزوجها على أن لها ألفاً وألفاً لأبيها صحت، وحينئذٍ تكون الألف للأب؛ لأن البنت بضعة منه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما فاطمة بضعة مني) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) فهذا يسمى حباءً إذا كان هناك حباء للأب.
[فلو طلق قبل الدخول وبعد القبض رجع بالألف ولا شيء على الأب لهما] (رجع بالألف ولا شيء على الأب لهما) إذا طلقها يصير له نصف المهر، فهل يأخذ الألف الذي هو نصف الألفين وتكون خمسمائة للمرأة وخمسمائة لأبيها، فيأخذ نصف المهر ونصف الحباء أم أن الذي يتنصف المهر وحده؟

الجواب
الذي يتنصف المهر وحده، ولذلك لا يملك إلا المهر، والحباء كان محض هبة وتبرع للأب، والأب يملك عن ابنته، فمن حقه أن يأخذ حباءً في زواج ابنته وجرى على ذلك عمل السلف رحمهم الله، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على وجه الإضرار، لكن لو حصل خلع فإنه لا يطالب برد الحباء.
ومن أكبر الخطأ أن النساء إذا خالعن بلغ ببعضهم أن يلزمهن برد قيمة الزواج، وهذا ليس في دين الله عز وجل وليس من دين الله في شيء كما سيأتي إن شاء الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ما قال لها: ردي عليه كلفة الزواج، ولا قال لها: قولي لأبيكِ يرد الحباء، ولا سأله هل حبوت أباها شيئاً؟ فهذا كله نص صريح واضح جداً على أن المرأة إذا خالعت ترد نفس المهر، وفي الطلاق قبل الدخول لا ترد إلا نصف المهر.
وحينئذٍ يشطر المهر فقط، أما أن يأتي الرجل وينكح المرأة ويدفع في وليمة النكاح قرابة خمسين ألفاً، ثم يقال: هذا ضرر، وما دام أنها ما تريده فإنها ترد عليه الخمسين ألفاً فهذا خطأ كبير؛ لأنه من المعروف والمعهود والمشاهد أنه يفعل الوليمة بخمسين ألفاً فيأتيه من الناس في بعض الأحيان مائة ألف بسبب هذه الوليمة، فيأخذ من الناس مائته ويأخذ من الزوجة الخمسين ويرهق كاهلها، وتمنع مما أباح الله لها من الخلع، فهذا كله مما يخالف شرع الله عز وجل، ولا نحفظ هذا لا في نص الكتاب ولا في نص السنة، إنما ترد له نفس المال في هذه المسألة ولا تطالب برد الحباء الذي يكون للأب، ومن باب أولى كلفة الزواج.
[ولو شرط ذلك لغير الأب فكل المسمى لها] لأنه ليس هناك وجه للغير أن يأخذ، فالأولياء الباقون ليس من حقهم هذا فكله لها، وفي الرد يكون حكمه حكم المهر.
(280/10)
________________________________________
حكم تزويج البنت بأقل من مهر المثل
[ومن زوج ابنته ولو ثيباً بدون مهر مثلها صح] لأن الأب قد يفعل هذا لمصالح، فقد يخشى على ابنته، وقد يخشى أنها لا يأتيها أحد، وقد يريد أن يستعجل في زواجها لمقاصد، وقد يعوضها بالزوج الكريم، فالأب فيه من الشفقة ما يمنع أن يؤذي ابنته، فلا يفعل مثل هذا الإضرار إلا وله مقصد ومصلحة أعظم، ولذلك يقبل من الأب ما لا يقبل من غيره، فقد زوج أبو بكر رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها قبل بلوغها، وهذا يدل على قوة سلطة الأب أكثر من غيره من الأولياء.
[وإن زوجها به ولي غيره بإذنها صح وإن لم تأذن فمهر المثل] إذا زوج غير الأب المرأة بأقل من مهر المثل رجع الأمر إلى المرأة، إن رضيت وأذنت أو أقرت فلا إشكال، أما إن قالت: لا، فإن هذا الولي يصير قد تعدى وقصر في ولايته فلا يصح ذلك؛ لأن هذا يعتبر من الظلم أن يكون مهر مثلها عشرين ألفاً، وفيأتي ويمهرها خمسة آلاف ريال، وهذا مما وقع فيه بعض الصالحين بحسن نية، فيكون أبوه متوفى فيأتي إلى صديق له فيزوجه أخته ويقول: ادفع ألفاً أو ألفين أو ثلاثة آلاف، فلا يجوز ذلك إلا برضا الأخت، فإذا رضيت الأخت وتنازلت عن حقوقها صح، ولا شك أنها مأجورة وهو مأجور، ويفعل هذا من فيه صلاح من باب الخير، لكن ينبغي رد الحقوق إلى أهلها.
فالمهر حق من حقوق المرأة لا يجوز لأحد أن يتدخل في هذا المهر، إلا الأب فله سلطة وولاية، أما غيره فلا، والمرأة هي التي لها الحق في المهر، تقدره بما تراه بشرط أن لا يكون ذلك على طريقة فيها نوع من الأذية للأولياء، كأن تماطل في زواجها وتتخذ من المهر ذريعة للمماطلة، فإذا زوجها وليها بمهر مثلها فحينئذٍ زواجها صحيح ومعتبر.
(280/11)
________________________________________
تزويج الأب لابنه بأكثر من مهر المثل
[وإن زوج ابنه الصغير بمهر المثل أو أكثر صح في ذمة الزوج] الأب عنده من العاطفة والشفقة ما لا يتهم معه، فإذا زوج ابنه بمهر المثل أو أكثر صح ذلك، كأن تكون الزوجة مثلها تأخذ ثلاثين ألفاً فزوجه بأربعين، فلما بلغ الابن قال: لا أرضى بذلك، فنقول: صح العقد وتضمن المهر؛ لأن ولاية الأب تلزمه في هذه الحالة، ويكون الحكم على حسب العقد الذي أبرمه، فلا يأتي بعد بلوغه ويقول: لا؛ لأن فائدة ولاية الأب عليه في حالة صباه أنه يبت بما فيه مصلحته، فلما اجتهد في مصلحته وبت ذلك ألزم الابن بعد بلوغه بالدفع.
[وإن كان معسراً لم يضمنه الأب] مثلاً إذا زوجه بأربعين ألفاً فالابن يضمن، فإذا كان الابن معسراً هل نرجع على الأب ونقول: أنت السبب فتدفع؟

الجواب
لا، {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280] ولا يرجع إلى الأب، وإنما يبقى في ذمة الابن الصغير حتى يفتح الله عليه وهو خير الفاتحين.
(280/12)
________________________________________
تملك المرأة للصداق وأحكامه
شرع المصنف رحمه الله في هذا الفصل في بيان جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بصداق المرأة، وكما تقدم معنا أن العلماء رحمهم الله يعتنون عادةً ببيان الأصول، ثم يذكرون المسائل المتفرعة في الفصول، وهذا الفصل ينبني على ما تقدم.
فنحن ذكرنا أن الشرع جعل للمرأة حق الصداق، وإذا أثبتنا أن الصداق حق من حقوق المرأة فإنه يرد

السؤال
متى يدخل في ملكية المرأة؟ ومتى يُحكم بأن الصداق انتقل من يد الزوج إلى يد الزوجة؟ وهذه مسألة مهمة، فهناك صداق يُعجل، وهناك صداق يُؤجل، وهناك صداق يُعجل بعضه ويُؤجل بعضه.
فلا بد من بيان هذه المسائل والأحكام، وكثير من هذه المسائل تتفرع على مسائل البيوع، خاصةً في مسألة الضمان وانتقال الملكية، ولربما تصرفت المرأة في الصداق قبل قبضه، كأن تبيعه أو تتصدق به أو تهبه قبل أن تأخذه من الزوج، فيرد السؤال عن هذه المسائل وعن أحكامها، فلا بد من بيانها وتفصيلها.
(280/13)
________________________________________
أحوال الصداق من جهة قبض المرأة له
الصداق له حالتان: الحالة الأولى: أن يعطيه الزوج للزوجة، فإذا أخذته الزوجة وقبضته فحينئذٍ نحكم بكونه انتقل إلى يد الزوجة وملكيتها.
مثال ذلك: لو قال لولي المرأة: أدفع لك هذه المزرعة صداقاً لابنتك، قال: قبلت، فأعطاه المزرعة ومكَّنه منها، فقبضها، فللمرأة غنم المزرعة وعليها غرمها.
فلو أخذت هذه المزرعة وقبضتها وتم الاستلام، فأصبحت غالية، أو أتت آفة سماوية فأحرقتها وأتلفتها، فالربح لها والخسارة عليها.
فإذا أعطيت المرأة مهرَها وقبضته فلا إشكال.
لكن الإشكال إذا سُمِّي الصداق ولم يُقْبَض، كأن يقول الولي: زوجتُكَ ابنتي بسيارتك هذه، أو زوجتك ابنتي بعمارتك الفلانية، أو بأرضك الفلانية، أو قال: زوجني ابنتك بهذه المائة ألف، ولم يعطه إياها، لكن قال: بهذه المائة ألف، فإذا سمى صداقاً للمرأة ولم تقبضه فعلى حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الصداق معيناً.
والحالة الثانية: أن يكون مستقراً في الذمة وموصوفاً في الذمة.
ونحن سبق وأن ذكرنا في كتاب البيوع تفصيلات العلماء في ضابط العين والذمة، وبيَّنَّا بيع العين وبيع الذمة.
فإذا قال لوليها: صداقها هذه المزرعة، أو صداقها هذا البيت، أو صداقها هذه العمارة، أو صداقها هذه السيارة، فقد تعين الصداق، وأصبح صداقها هذا الشيء المعين.
فحينئذٍ عندنا التعيين وعندنا القبض، ففي العقد ثبت أن هذه العمارة أو أن هذه السيارة أو أن هذه العين لفلانة، فقال وليها: رضيت وقبلت، فقد تعين الصداق، ويرد السؤال حينئذٍ: هل المعين يكون في ملك الزوجة، أو يكون في ملك الزوج، أو يتوقف الأمر على القبض؟ هذا خلاف بين العلماء رحمهم الله؛ لكن التعيين يؤثر في الملكية في الصداق، فإذا قال: صداقها هذه السيارة، فحينئذٍ تكون السيارة في ملكية المرأة.
(280/14)
________________________________________
وقت دخول الصداق في ملكية المرأة
فقال رحمه الله: [وتملك المرأة صداقها بالعقد ولها نماء المعين قبل القبض وضده بضده].
(ولها نماء المعين): ومعنى هذا: أنها تملك بالعقد.
إذاً: عندنا جملتان: الجملة الأولى: قضية (تَمْلِكُ المرأةُ صداقَها بالعقد).
الدليل على ذلك: قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق، فإنه حينما توفي عنها زوجها قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بمهر المثل وهو لم يدخل بها بعد، فدل على أنه بمجرد العقد تصبح المرأة مالكةً للمهر، والأصل الشرعي يقتضي صحة هذا.
وكما ورد الدليل الخاص في بيان انتقال الملكية إلى المرأة في حديث بروع، وصححه غير واحد من العلماء والأئمة رحمة الله عليهم، كذلك فإنه قد شهدت الأصول بصحة ذلك؛ لأن الشريعة أمرت بالوفاء بالعقود، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].
والعقد إيجاب وقبول، فإذا بذل الولي المرأة وبذل الزوج الصداقَ وتم الاتفاق بينهما فقد التزم كل منهما للآخر بما التزم به، فتُصبح المرأة مالكةً لصداقها بالعقد، ويُصبح الرجل مالكاً للانتفاع بالمرأة تدخل في عصمته بمجرد العقد، وسبق أن بيَّنَّا أن عقد النكاح فيه مكارمة وفيه معاوضة.
المكارمة: بيناها.
والمعاوضة: ذكرناها في أكثر من مرة، خاصةً حينما شرحنا عقود البيوع؛ فالمعاوضة في النكاح أن الرجل يستمتع بالمرأة، فيملك منافع البضع، والمرأة تملك المهر.
والله جعل المهر عوضاً عن الاستمتاع فقال: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فإذا أثبتنا أن عقد النكاح يقوم على هذه المعاوضة، ووقع الإيجاب والقبول بين الزوج وبين ولي المرأة على هذه المعاوضة، وكان مستوفياً للشروط، فيجب على الرجل أن يفي بالتزامه ويجب على الولي أن يفي بالتزامه، والتزام الرجل أن يعطيها هذا الصداق.
فإذاً: تملك المرأة صداقها بالعقد، وهذا نص عليه جمهور العلماء رحمهم الله، ويتفرع على هذا المسائل التي سيذكرها المصنف.
فالمرأة تملك الصداق؛ بمعنى أن لها حق المطالبة بالصداق من حيث الأصل ما لم يكن مؤجلاً، على اختلاف صور الصداق واتفاق المتعاقدين على الصداق، فمنه معجل، ومؤجل قبل الدخول، ومؤجل بعد الدخول.
الشاهد أنها من حيث الأصل تملك، بمعنى: أن الصداق ثابت لها، فإن رضيت بتأخيره لم تملك مطالبته مقدماً، وإن لم ترضَ بتأخيره وبتت فلا يدخل بها حتى يعطيها مهرها.
وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة صداقها بعد موت زوجها، وألزم بإعطائها صداقها من زوجها المتوفى ولم يدخل بها، فلو كان الصداق موقوفاً على قضية الاستمتاع لسقط في حال موت زوج بروع بنت واشق رضي الله عنها، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب على ورثة زوج بروع أن يدفعوا لـ بروع حقها من الصداق، فدل على أنه مبني على العقد، وليس بمتوقف على الدخول إذا تم الإيجاب والقبول عليه.
والباء في قول المصنف (وتملك المرأة صداقها بالعقد): سببية، أي: تملك المرأة صداقها بسبب العقد، فإذا تم العقد فإن هذا العقد يثبت لها ملكية الصداق.
(280/15)
________________________________________
حكم نماء المهر المعين غير المقبوض
قال رحمه الله: (ولها نماء المعين قبل القبض) نحن ذكرنا أنه إذا اتفق الطرفان على الصداق فأعطى الزوج صداق المرأة لوليها وقبضته، فلا إشكال، لكن الإشكال إذا لم يعطها الصداق، فحينئذٍ عندنا حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الصداق معيناً، والمعين أن يقول: هذه السيارة، أو هذه العمارة، أو هذه الشقة، هذا معين، حتى لو قال: هذه العشرة آلاف، فإنها معينة، فإذا عين سيارة أو عين أرضاً أو عين عمارة أو عين داراً، واتفقا على ذلك، فإن هذا المعين ملك للمرأة.
فإذا ثبت أن المرأة تملك الصداق بالعقد، فحينئذٍ يكون الغُرم على المرأة والغنم للمرأة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الضامن يملك الربح وكذلك يضمن الخسارة، فقال صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) فدل على أن من يضمن الخسارة يأخذ الربح.
فالمرأة إذا أثبتنا لها النماء والربح، فعليها الخسارة، فإذا قلت: إن المعين يصير إلى ملكية المرأة بالعقد، تقول: لها غنمه وعليها غرمه، بحيث إنه لو أصدقها عمارة، فسقطت وانهدمت، فإن خسارتها على المرأة، ولو أن العمارة زادت وربحت، فزيادتها للمرأة، لأنها دخلت في ملكيتها بسبب التعيين؛ لأن العقد إذا وقع على معين لا ينصرف إلى غيره ما دام هذا المعين موجوداً.
والشرع ألزم المتعاقدين إذا تعاقدا على شيء أن يفي كل منهما بالتزامه، فلما التزم لها أن يعطيها هذه العمارة وجب عليه أن يعطيها هذه العمارة وثبتت لها، فإذا غلت كان نماء، وإذا رخصت كان غرماً، ففي كلتا الحالتين تأخذ الغنيمة وتتحمل الغرم.
(280/16)
________________________________________
حكم تلف المهر المعين
قال رحمه الله: [وإن تلف فمن ضمانها إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه] وإن تلفت العين المعينة فإن الضمان على المرأة؛ مثلاً: لو قال لها: هذه المائة شاة صداق لك، أو هذه المائة ناقة صداق لك، فقال وليها: قبلت، فحينئذٍ هذه المائة صداق معين، فإن نمت وتكاثرت فالفرع تابع لأصله، وإن تلفت من غير تعدٍ فإنها تتحمل التلف، كما لو مات بعضها أو جاءت آفة سماوية، فأهلكت نصف المائة، فإنها تأخذ الخمسين ولا تستحق الرجوع.
فالمهر المعين يكون في ضمان الزوجة ولا يكون في ضمان الزوج، وعلى هذا فإنها تأخذ الربح وعليها الخسارة، فتتحمل كلا الأمرين؛ لأن الشريعة شريعة عدل، فلا يعقل أن الإنسان يأخذ الربح ولا يضمن الخسارة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عائشة رضي الله عنها في السنن: (الخراج بالضمان)، وهذا الحديث -كما ذكر الأئمة- أجمع العلماء على معناه، وقد حكى الإمام أحمد رحمة الله عليه أنهم مجمعون ومتفقون على أن الخراج لمن يضمن الخسارة.
قوله: (إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه).
(قبضه) يعني: قبض الصداق المعين.
(فيضمنه) أي: عليه ضمانه.
إذا أثبتنا أن هذه المائة شاة أو مائة ناقة تصبح ملكاً للزوجة وتصبح في ضمان الزوجة، بحيث إنها لو نمت يكون النماء لها، ولو تلفت يكون التلف عليها، فلو أنها سألت الزوج أن يعطيها هذه الغنم فامتنع، فإنه حينئذٍ يكون قد غصبها حقها، ما لم يكن بينهم اتفاق بالتأجيل، لكن إذا استحقت المطالبة وطالبت بمعين، فمنعها وظلمها، فإنه يكون كالغاصب للمال، والغاصب يضمن، والمغصوب يكون نماؤه للمالك وخسارته على الغاصب، وفي هذه الحالة لطالب العلم أن لا ينظر لمسألة المهر، بل ينظر إلى القاعدة في الضمانات، وهكذا أي مسألة تأتي ولها أصل ينبغي أن ينتبه لأصل المسألة، فالمسألة عندنا في مهر المرأة: إن كان الزوج مكنها من الأخذ وقالت: اتركه عندك، كأن يكون مثلاً: مائة رأس من الغنم، فلا تستطيع أن تأخذها وتقوم عليها، فقالت الزوجة: دعها عندك حتى أطالبك بها، فرضي بذلك، فإذا بقيت عند الزوج فإنها تبقى على ضمان الزوجة، إن حصل خير فلها وإن حصل شر فعليها، وهي التي تضمن في الوجهين، فتأخذ الربح وعليها الخسارة.
لكن لو منعها الزوج فطالبته الزوجة وقالت له: أعطني مهري، فقال لها: لا أعطيك الآن، وماطلها وتأخر في إعطائها، مع أن المهر مهرها والواجب شرعاً أن يعطيها، فإذا قال: لا أعطيكِ، انتقلت يده إلى يد الضمان، وتصبح المسألة مفرعة على قاعدة الضمان، حيث خرجت المسألة إلى مسألة الغصب، فإذا قال: لا أعطيكِ، فإنه غاصب، والغاصب القاعدة فيه: أنه يضمن الخسارة وتلف المغصوب، ويكون الربح والنماء للمالك الحقيقي، وحينئذٍ لو سئلت عن المستثنى من قاعدة: الغنم بالغرم أو (الخراج بالضمان) كما ورد في الحديث تقول: مما يستثنى من ذلك: مسألة الغاصب، فإنه يضمن المغصوب ويكون الربح للمالك الحقيقي.
(280/17)
________________________________________
حكم تصرف المرأة في المهر المعين
قال رحمه الله: [ولها التصرف فيه وعليها زكاته].
(ولها) أي: من حقها أن تتصرف في مهرها المعين قبل قبضه، كأن تتصدق به، قالت: هذه المائة رأس أجعلها صدقة، أو هذه المائة ناقة أنحرها للفقراء والمساكين، فهذا تصرف بالصدقة، أو قالت: هذه المائة ناقة وهبتها لأخي فلان، أو وهبتها لابن عمي فلان، أو أعطيها فلاناً، فأعطته هبة أو صدقة، أو باعت المائة شاة إلى زيد من الناس، فإننا نصحح البيع.
وفي هذه الحالة قال رحمه الله: (ولها التصرف فيه) يعني: من حقها أن تتصرف في هذا المعين قبل قبضه.
(وعليها زكاته) وهذا من الغرم، فالمال مالها، والزكاة -كما تقدم معنا في كتاب الزكاة- متعلقة بالمالك الحقيقي، فهي مالكة لمالها، فعليها زكاته.
(280/18)
________________________________________
حكم النماء المنفصل في الصداق إذا طلق قبل الدخول
قال رحمه الله: [وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكماً دون نمائه المنفصل].
هذا محل إجماع: أن الصَدَاق يتشطر إذا طلق الزوج زوجته قبل الدخول لقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237] فأثبت الله سبحانه وتعالى للزوج نصف المهر وللزوجة نصف المهر، وهذا ما يسميه العلماء بالتشطير.
أما إذا دخل بها فإن المهر يكون لها كاملاً؛ لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها).
فإذاً المهر له حالتان: - أن يتشطر ويكون للمرأة نصف المهر، إن وقع الطلاق قبل الدخول.
- أن يكون لها المهر كاملاً، إن وقع الطلاق بعد الدخول.
فإذا ثبت أن المرأة لها نصف المهر إن وقع الطلاق قبل الدخول، فحينئذٍ هذا المهر المعين لو كان له نماء فإن نصف المهر بنمائه يكون ملكاً لها مادام أنه قد فرضه وسماه، وذلك لقوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237] فنص سبحانه وتعالى على نصف المفروض، والمفروض تملك المرأة أصله ونماءه المتصل.
والنماء المتصل مثل السِّمَن، والزيادة بالصفات، والزيادة بالأجزاء، وسبق وأن ذكرنا في كتاب البيوع تفصيلات النماء المتصل والمنفصل في خيار العيب وفصلنا في ذلك.
قوله: (أو الخلوة) إذا خلا الرجل بالمرأة الخلوة التي يمكن فيها الزوج من وطء الزوجة ولم يطأ، فإنه يثبت لها المهر كاملاً بتلك الخلوة، كما لو قال: أريد زوجتي، فجاء وليها ومكنه من الدخول بها، فدخل واختلى بها لكنه لم يصبها، فإنها لما مكنته من نفسها كان التقصير منه.
وحينئذٍ يكون حقها كاملاً، كالأجير: إذا استأجرت شخصاً ومكنك من نفسه أن يعمل عندك يوماً كاملاً ولم تطالبه بعمل، فإنه عند نهاية اليوم يستحق أجرته كاملة؛ لأن التفريط منك أنت، وأنت الذي تتحمل مسئولية عدم مطالبته بالعمل.
فالرجل هو الذي يتحمل مسئولية عدم الدخول بها، فهناك دخول حقيقي ودخول حكمي: الدخول الحقيقي: أن يدخل ويطأ ويصيبها ويستمتع بها.
والدخول الحكمي: أن يُمكن من الدخول، ولا يكون هناك أي عائق من جهة المرأة يمنعه من إصابتها ولا يصيبها.
لكن لو أن وليها مكنه من الدخول واختلى بها، فأراد أن يصيبها، فدفعته ومنعته فإنها لا تستحق المهر كاملاً؛ لأنه في هذه الحالة وإن دخل في الظاهر لكنه لم يدخل في الحقيقة؛ لأنها لم تمكنه من نفسها.
فإذاً الدخول الحكمي شرطه أن لا يكون هناك مانع من المرأة يمنع من إصابته لها.
(فله نصفه حكماً) أي: قهراً، وهذا من جهة انتفاء الخيار، كالحضانة ونحوها يحكم بها ولا خيار، وكذلك الوصايا من الميت تكون للموصى له حكماً ولا يملك الخيار في إسقاطها.
(فله نصفه حكماً) لأن الله سبحانه وتعالى نص على ذلك: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237] فيثبت هذا النصف له، والله عز وجل حكم بذلك من فوق سبع سماوات.
وله بعد ذلك أن يتنازل عن هذا النصف، وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237] فقوله سبحانه: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237] يعتبره علماء التفسير وعلماء الأصول من المشترك، وهو المتردد بين معنيين، لأن الاسم الموصول وصلته في قوله: {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237] هو من الاشتراك بالأسماء الموصولة، وهو متردد بين شخصين إما أن يكون الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وإما أن يكون الزوج، فالولي بيده عقدة النكاح؛ لأنه هو الذي يوجب عن موليته وينشئ العقد عن موليته، والزوج أيضاً بيده عقدة النكاح؛ لأنه يملك تطليق المرأة ويملك أيضاً العقد على المرأة، فاختلف العلماء في ذلك، وإن كان الأقوى من جهة المقابلة: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، فيعفو الزوج عن النصف ويسامحها ويترك لها المهر كاملاً، وذلك أقرب إلى التقوى وأعظم أجراً له.
(280/19)
________________________________________
حكم النماء المتصل بالصداق في حالة تشطير الصداق
قال رحمه الله: [وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه].
إذا أثبتنا أن النماء المتصل يكون تبعاً للمرأة لأنها ملكت الأصل، فحينئذٍ يكون له نصف قيمة المهر دون النظر إلى نمائه المتصل.
فلو أنه جعل صداقها -مثلاً- من الغنم مائة رأس، ونما هذا الغنم، فهذا النماء في المعين -وهو المائة شاة- ملك للمرأة؛ لأنه نماء حدث في ملكيتها، فهي التي قامت عليها وأعلفتها، فهذا النماء في ملكيتها.
في هذه الحالة إذا ثبتت الزيادة في ملكيتها فإن الزوج لا يملك إلا نصف المهر الذي أعطى، وليس نصف المهر الموجود حالياً الذي قيمته غالية؛ لأن المهر الموجود حالياً في ملكية المرأة، ونماؤه وزيادته حدثت في ملكية المرأة.
فمن العدل أن يرد له نصف ماله الحقيقي، فينظر إلى أصل المهر حينما أعطاها إياه وأوجبه لها دون نظر إلى وجود الزيادة، فلو كانت الرأس حينما أصدقها هذا المهر قيمتها خمسمائة ريال وبالزيادة صارت القيمة سبعمائة، فإننا نعطيه نصف المهر من قيمة الخمسمائة وليس من قيمة السبعمائة بالزيادة.
وهذه مسألة ذكرنا أن العلماء يذكرون فيها الأصل وما تفرع منه، فأنت إذا أثبت أن النماء المتصل في المعين يكون تابعاً للمرأة فينبني على ذلك أنه إذا جاء يطالب بحقه فإنك ترده إلى الأصل، ولا ترده إلى عين فيها نماء.
(280/20)
________________________________________
اختلاف الزوجين في الصداق
قال رحمه الله: [وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق أو عينه أو فيما يستقر به فقوله وفي قبضه فقولها].
غالباً إذا اختلف الزوج والزوجة فبطبيعة الحال أن الزوجة تدعي الأكثر والزوج يدعي الأقل، فلا يختلفون غالباً إلا على هذا.
فالمرأة تقول: أصدقتني خمسين ألفاً، والزوج يقول: بل أصدقتكِ أربعين ألفاً، فدائماً المرأة تطالب بالأكثر والرجل يطالب بالأقل؛ لأنه لو كان الأمر بالعكس فإنه سيعطيها وينتهي الإشكال, فإذا كانت المرأة تقول: أصدقتني خمسين، وهو يقول: لا، بل أصدقتك أربعين، فمن المدعي؟ ومن المدعى عليه؟
(280/21)
________________________________________
بيان المدعي والمدعى عليه في اختلاف الزوجين في قدر الصداق
سبق وأن ذكرنا أن المدعي من يوافق قوله الأصل أو العرف، فبعض العلماء يقول: القول قول الزوج -كما ذكر المصنف- لأن المرأة تطالبه بزيادة، فهي تدعي عليه؛ لأنه إذا قال الزوج: أصدقتكِ أربعين، والمرأة قالت: بل أصدقتني خمسين، فنحن متأكدون وعلى يقين أن المهر أربعون، واختلفنا في العشرة الآلاف الزائدة، فنحن نقول: الأصل واليقين أنها ليست على الزوج؛ لأن الأربعين متأكدون منها، وأما الزائد فتدعيه المرأة، فأصبحت المرأة مدعية والزوج مدعىً عليه، وقلنا بأن المدعى عليه القول قوله، والمدعي يطالب بالبينة، فيقال للمرأة: أنتِ تستحقين أربعين، فأثبتي الزيادة؛ لأنا على يقين من الأربعين، والعشرة الزائدة نشك فيها.
فالمدعي من قوله مجرد من أصل أو عرف بصدق يشهد وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يُدَّعى فالمرأة تقول: قد كان المهر خمسين، والزوج يقول: ما كان ولم يكن، فهو مدعًى عليه، فالقول قول الزوج، وهذا وجهه.
(280/22)
________________________________________
اختلاف ورثة الزوجين في قدر الصداق
(أو ورثتهما) أي: يختلف ورثة الزوجين، وفي الحقيقة أن الشريعة وضعت للناس البينات والمعالم، وأمرتهم في الحقوق أن يكتبوا وأن يستشهدوا وأن يحتاطوا، وأن لا يضيعوا حقوقهم بالمجاملات.
فإذا كان عقد نكاح فلا ينبغي أن تترك الحقوق سائبة، بل ينبغي أن يستوثق بالشهادة ويستوثق بالكتابة وتحفظ حقوق الناس، فغالباً ما تقع المشاكل بين أولياء المرأة والرجل، أو ورثة المرأة وورثة الرجل، والسبب: التساهل بكتابة الحقوق، لأنه لو كان هناك كتابة وكان هناك استيثاق فلن يقع اختلاف؛ لأنهم إذا اختلفوا رجعوا إلى المكتوب ورجعوا إلى البينات التي عندهم فقطعت النزاع الذي بينهم.
فصورة المسألة: لو أن الزوجين وقع بينهما النكاح ثم توفي الزوج وتوفيت الزوجة، أو توفيت الزوجة والزوج والولي، فإلى من نرجع؟ والقول قول من؟ فأولياء المرأة يطالبون أولياء الرجل بخمسين ألفاً، وأولياء الرجل يدعون أن المهر أربعون، فالقول قول من؟ نفس الحكم في الخلاف بين الزوجين، فإذا قلت: القول قول الزوج، فالقول قول أوليائه وورثته، فالفرع قائم مقام أصله، فإذا كان الزوجان حيين فالقول قول الزوج، وإذا كانا ميتين فالقول قول ورثة الزوج، ويصبح ورثة الزوجة مدعين لما هو أكثر، فلا يقبل منهم الأكثر إلا ببينات.
(280/23)
________________________________________
اختلاف الزوجين في تعيين الصداق
(أو عينه) أي: تعيين الصداق، فإنها إذا قالت: أصدقتني هذه السيارة، فقال: بل أصدقتكِ هذه السيارة، فالغالب أنه لا ينقلها إلا إلى ما هو أقل، وهي تدعي ما هو أكثر، فتكون نفس القضية السابقة، فالقول قوله.
(280/24)
________________________________________
اختلاف الزوجين فيما يستقر به الصداق
(أو فيما يستقر به) أي: هل يكون معجلاً أو مؤجلاً، ودائماً إذا طولب الزوج بما هو زائد أو بما هو خلاف الأصل فالقول قوله؛ لأنه مدعىً عليه.
بعض العلماء يقول في هذه المسألة: إذا اختلف الزوج والزوجة في قدر الصداق فإنه ينظر إلى الأشبه، أي أنه: يحتكم إلى العرف فيقول: إن وجدنا العرف يشهد بقول الزوجة فالقول قولها، وإن وجدنا العرف يشهد بقول الزوج فالقول قوله.
مثال ذلك: قالت: صداقي ثلاثون ألفاً، قال: بل صداقكِ عشرون ألفاً، وهي بكر، والعرف أن مثلها من الأبكار يزوجن بثلاثين، فالقول قولها؛ لأن العرف قد شهد بصدقه، فحينئذٍ يكون القول قولها.
لكن ضعف هذا القول ورجح قول المصنف ومن وافقه؛ لأنه ربما تراضى الزوجان على ما هو أقل.
(280/25)
________________________________________
اختلاف الزوجين في قبض الصداق وعدمه
(وفي قبضه) قال: أعطيتك المهر وقبضته، فقالت: ما أعطيتني، ولم أستلم المهر ولم آخذه، فاليقين أنها لم تأخذ، وقد تقدم في البيوع أنه حينما يقول البائع للمشتري: سلمتك البضاعة، يقول المشتري: ما استلمتها، فالقول قول المشتري؛ لأن البائع يدعي عليه، والأصل عندنا أن المشتري ما استلم حتى يثبت استلامه باليقين؛ لأن البائع إذا اعترف بأنه باع وأنه قبض الثمن فقد اعترف بأنه أصبح مديناً، فلا بد أن يثبت أنه أبرأ ذمته من دينه.
فإذا قالت الزوجة: لم تعطني مهري، فقال: بل أعطيتك، فالقول قول الزوجة حتى يثبت أن الزوج قد أعطاها؛ لأن القاعدة: أن اليقين لا يزال بالشك، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
فالأصل أن الزوج مدين لزوجته بالمهر حتى يثبت أنه أبرأ ذمته من هذا الدين وأعطاها.
(280/26)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الصداق [2]
جعل الشرع للمرأة أن تفوض أمرها في الصداق لوليها أو لغيره، ويثبت لها مهر مثلها إذا دخل بها زوجها أو مات عنها قبل الدخول، وذلك إذا لم يسم المهر، ولها أن تمتنع من زوجها حتى تقبض مهرها الحال.
(281/1)
________________________________________
التفويض في النكاح
قال رحمه الله تعالى: [فصل: يصح تفويض البضع بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة].
التفويض من مسائل الصداق والمهر، واعتنى به العلماء والأئمة رحمهم الله، وهو ينقسم إلى تفويض المهر، وتفويض البضع.
وتفويض المهر: أن تفوض المرأة إلى وليها أن يزوجها بأي مهر، أو أن يزوجها بدون مهر، أو تفوض للزوج أو يفوض وليها للزوج المهر فيقول له: المهر ما شئت، والمهر ما تريد، أو ما تدفع، فهذا تفويض، كذلك أيضاً أن يفوض لأجنبي، كأن تفوض المرأة لأجنبي فتقول: مهري ما يقوله فلان، لعمها أو خالها أو قريب لها، فتفوض إلى أجنبي.
فهذه كلها من مسائل التفويض في المهر، والتفويض في البضع سيأتي إن شاء الله، وسيذكره المصنف رحمه الله، وكلا النوعين من التفويض يُعنى به الأئمة رحمهم الله.
أما مناسبته للصداق فظاهرة؛ لأن المرأة تترك الصداق وتقديره إلى طرف أجنبي، أو إلى الطرف المقابل لوليها وهو الزوج، أو إلى وليها.
(281/2)
________________________________________
التفويض في البضع
(يصح تفويض البضع بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة) فإنه بدون أن يأخذ رضاها وبدون أن يستأذنها يزوجها، وقد تقدم هذا معنا في مسائل الاستئذان، فإن الأب ذكرنا أن فيه من العاطفة والحنان والرحمة ما لا يشك معه، أو ما يغلب معه على الظن أنه يطلب الأصلح في الأمور لابنته، وأنه ليس هناك أب يسعى في جلب الضرر على ابنته، أو يتسبب في الإضرار بابنته، هذا هو الأصل؛ فالغالب أن الأب فيه من الحنان والرحمة ما يمنعه من أذية ابنته، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنما فاطمة بضعة مني) والإنسان لا يضر نفسه، فالأب يزوج ابنته المجبرة، وإذا زوجها كان الأمر كله بيده، من جهة الإيجاب عنها بدون التفات إلى رضاها وإذنها، وكذلك أيضاً في المهر، وبطبيعة الحال أنها إذا كانت مجبرة، فالغالب أنها لا تتكلم حتى في المهر.
وعلى هذا فيكون تفويضاً من كل وجه، فيزوج الأب ابنته المجبرة، فيقع العقد في هذه الحالة على هذه الصورة، ويكون وليها الذي أجبرها تولى أمرها كلية؛ من جهة تزويجها ومن جهة تحديد الصداق الذي يكون لها، أو يجعلها بدون مهر، فيفوض الأمر للزوج، كأن يزوج ابنته الصغيرة ويقول للزوج: المهر ما تعطي، وبطبيعة الحال ما استشارها ولا رجع إليها، ففي هذا تفويض من كل وجه ففوض إلى الزوج وزوجها.
(281/3)
________________________________________
التفويض في المهر
قال رحمه الله: [أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر].
لأن المهر ملك لها، والله عز وجل نص على أنه حق من حقوقها، فإذا طابت نفسها وقالت: أنا راضية أن تزوجني بلا مهر، فمن حيث الأصل يصح العقد دون تسمية المهر.
المصنف هنا يفرع المسائل على ما تقدم، وكل المسائل في وجود المهر، ولو وقع العقد بدون مهر فإنه يصح، ثم ستأتي الأحكام المترتبة على هذا المهر من نكاح صححناه.
والدليل على أن النكاح يصح بدون تسمية المهر ما ثبت في حديث بروع بنت واشق رضي الله عنها، فإن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه سُئل عن امرأة نكحت بدون أن يسمى لها الصداق ثم توفي عنها زوجها، فقال رضي الله عنه: (أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، للمرأة صداق مثلها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث).
فحكم بثلاثة أحكام: (مهر المِثل لا وكس ولا شطط) يعني: تأخذ مهر مثلها من النساء كما سيأتي، دون زيادة ودون نقص (لا وكس ولا شطط) العدل الذي أمر الله به.
(وعليها العدة) التي هي الحداد، أي: عليها أن تحد، فاعتبرها زوجة.
(ولها الميراث) أي ترثه مع أنه لم يدخل بها؛ لأن العقد يوجب أن تكون من نسائه.
فلما فرغ من قضائه قال له معقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنه وأرضاه: (والله لقد قضيت فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا).
فأصبح قضاؤه رضي الله عنه موافقاً لقضاء النبي صلى الله عليه وسلم، فهو سنة، وعلى هذا جرى العمل.
الشاهد من الحديث: أنه إذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة التي لم يفرض لها صداق أن لها مهر المثل بوفاة زوجها فقد أثبت النكاح وصححه، مع خلو العقد عن ذكر المهر، فما سمي المهر ولا حدد، فدل على أن تحديد المهر وتسمية المهر في العقد ليس بشرط في صحته، وهذا موضع الشاهد.
ولذلك جعل الله تعالى هذا الحكم من كونها يكون لها مهر المثل، وهذا عدل، فالعقد من حيث الأصل صحح؛ إذ لا يمكن أن نحكم بمهر المثل إلا في نكاح صحيح، فلو كان النكاح فاسداً لما أثبت لها مهر المثل.
وأيضاً فقد اشترط الله عز وجل في ثبوت التشطير في الطلاق قبل الدخول أن يكون هناك فريضة مسماة، ومفهوم النص أنه لو طلقها من دون أن يسمي لها فإن النكاح موجود، ولذلك أثبت لها المتعة فقال: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:236] فإذا وقع الطلاق قبل المس وقبل التسمية فإنه يكون لها المتعة، والعلماء يقولون: نفي الجناح من الصيغ التي تدل على الإباحة، قال: {إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة:236]، فدل هذا على أنه اعتبرها من نسائه، واعتبر الطلاق طلاقاً صحيحاً، والواقع أنه لم يسمِّ لها مهرها، فدل هذا على صحة النكاح بدون تسمية المهر.
في بعض الأحيان يقولون في العقد: بما اتفق عليه، وهذا غالباً يكون في مسمى متفق عليه بين الطرفين، لكن بعض الناس -أصلحهم الله- يقول: بما اتفق عليه، فيوهم الكاتب أن هناك شيئاً متفقاً عليه، والواقع أنهم لم يتفقوا، وهذا خطأ؛ لأنهم إذا اختصموا إلى القضاء غداً فسيُظن أن هناك شيئاً متفقاً عليه، وأن العقد وقع بعد الاتفاق على شيء، فالمنبغي أن لا يقال: بما اتفق عليه، إلا وقد حددوا واتفقوا على شيء، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له وأن يوضع في الحسبان، أنه لا يقال: بما اتفق عليه، إلا إذا كان هناك اتفاق، أما إذا لم يكن هناك اتفاق، فينبغي أن يصرح بأنها مفوضة، وأنه لم يُسَمَّ لها مهر معين.
قال رحمه الله: [وتفويض المهر بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي].
(بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما) قال العلماء: صورة ذلك أن تقول مخاطبة وليها: قبلت نكاحه على أن لي من المهر ما شِئتُ؛ أي: أطالب بالمهر الذي أشاؤه، أو تفوض له وتقول: رضيت نكاحه على أن المهر ما شاء، أي: على أن المهر الذي يأتي به، مثلما يقول: الذي تأتي به، أو الذي تقوله، أو الذي تستطيعه.
هذا كله تفويض للزوج أو للولي، تقول المرأة: رضيت نكاح فلان والمهر ما شِئتَ، تخاطب أباها أو تخاطب أخاها على أنه يتولى المهر بما يراه.
قال رحمه الله: [ولها مهر المثل بالعقد].
ثلاثة أمور: - عندنا عقد.
- وعندنا دخول يعتبر بمثابة الإمضاء والإتمام للعقد.
- وعندنا طلاق أو فسخ أو فرقة قبل الدخول.
هذه ثلاثة أمور ينبغي أن يتنبه لها طالب العلم في مسائل المهور، فالعقد يثبت للمرأة المهر.
وفائدة كونك تقول: لها مهر المثل بالعقد: أنه ممكن أن يتم العقد -والمرأة مفوضة- في زمان، ثم يحصل الدخول في زمان آخر ويحكم لها بمهر المثل، فقد يكون قد عقد عليها العام الماضي ومهر مثلها خمسمائة، وفي هذه السنة يصبح مهر مثلها ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، فلا بد أن يحدد، فإذا قيل: مهر المثل، يحدد، هل هو بالعقد أو بالدخول؟ فقال رحمه الله: (ولها مهر المثل بالعقد) المثل: الشبيه، يقال: هذا مثل هذا إذا شابهه، وبعض العلماء يقول: هناك فرق بين المثل والشبيه من جهة الصفات.
قال بعض العلماء: ضابط مهر المثل أن يُنْظَر إلى قرابة المرأة وقيل: أن ينظر إلى من هو من أترابها، أي: من لداتها، وأترابها هن النساء اللاتي في سنها بنفس الأوصاف؛ لكن كما يقول العلماء وصرح به غير واحد من الأئمة كالإمام النووي وغيره: أن الركن الأعظم في مهر المثل: النسب، فيُنْظَر إلى نسبها، ففي بعض الأحيان يكون مهر المثل للبكر التي من بيت علم أو من بيت شرف وسؤدد يكون مثلاً: أربعين ألفاً، ويمكن أن يكون مهر المثل لمن هي دونها في النسب: عشرين، وللوسطى: ثلاثين، فإذاً: يُنْظَر إلى مثلها في النسب، ومثلها في الصفات كذلك، فيقال: نسيبةٌ جميلةٌ بكرٌ، بعض العلماء يقول: يُبْتَدأ بقراباتها، فيُنْظَر إلى من تزوجت، فعندما تزوجت أختُها أو تزوجت بنتُ عمتها أو بنتُ عمها أو بنتُ خالها، أي: في نفس نسبها وقراباتها كم كان المهر؟ وجدنا أن قريباتها الجميلة منهن زُوِّجت بأربعين، والوسطى بثلاثين، وقليلة الجمال بعشرين أو بخمسة عشر، فيُنْظَر إلى جمالها، وهذا كله عن طريق النساء.
وعندما يذكر العلماء هذه الضوابط فإنه يُقْصَد منها العدل، ولذلك قال ابن مسعود: (لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط) ولا تستطيع أن تصل إلى الذي لا وكس فيه ولا شطط في مهر المثل إلا بالسؤال والرجوع إلى أهل الخبرة.
وكان هذا معروفاً في عصور المسلمين الأولى، وجود النساء من ذوات الخبرة، ودائماً القضاة في كل بيئة يرجعون إلى أهل الخبرة ويختارون -على حسب الأمور- من النساء ومن الرجال مِن أهل الخبرة مَن يوثق في دينه وأمانته وبصيرته وعلمه ويُثنى عليه، فإذا حدثت قضايا مثل هذه يُرْجَع إليهم.
ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ربما سأل ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها عن النساء، ولما نزلت به نازلة غياب الناس عن أزواجهم سأل أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها: كم تصبر المرأة؟ فالرجوع يكون إلى أهل الخبرة وإلى من له علم ومعرفة في مثل هذا.
فيُحكم في مثل هذا بالرجوع إلى أهل الخبرة في السن وفي الأوصاف وفي اللِّدَات والأتراب من أمثالها، ويُنْظَر إلى زمان العقد؛ لأنها استحقت المهر في زمان العقد.
قال رحمه الله: [ويفرضه الحاكم بقدره] فالقاضي يحكم بمهر المثل بقدره، أي: على قدر ما يتفق عليه أهل الخبرة.
(281/4)
________________________________________
الحكم فيما لو مات أحد الزوجين قبل الدخول وتسمية المهر
قال رحمه الله: [ومن مات منهما قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر ولها مهر نسائها] (ومن مات منهما قبل الإصابة) أي: قبل أن يدخل بها ويصيبها توفي، فإننا ننظر إلى مهر المثل كما ذكرنا في حديث معقل بن سنان الأشجعي في قصته مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فحديث بروع بنت واشق حديث ثابت ويدل دلالةً واضحة على أنه: يحتكم إلى مهر المثل.
هذا الحكم الأول.
وثانياً: أنه يكون عليها الحداد والعدة.
وثالثاً: أنه يكون لها الميراث؛ لأنها من نسائه.
(قبل الإصابة والفرض) أي: وقبل أن يفرض لها، فالحكم مثلما ذكرنا في الحديث، لكن لو فرض لها فريضة، مثلاً: لو أن زوجاً فرض لامرأته عشرة آلاف صداقاً، وتم النكاح، أي: تم العقد، ثم توفي هذا الزوج، فنقول: يجب على ورثته أن يخرجوا من ميراثه عشرة آلاف فقط؛ لأنها المسمى، فهذه المسائل هي إذا لم يُسَمَّ الصداق، وقد ذكرنا أن التفويض لا تسمية فيه.
[ورثه الآخر ولها مهر نسائها].
(ورثه الآخر) لأن العقد من أسباب الميراث الثلاثة، وهي: النكاح والولاء والنسب.
أسباب ميراث الورى ثلاثة كل يفيد ربه الوراثة وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب هذه ثلاثة أسباب، فالنكاح من أسباب الميراث، وهذا بإجماع العلماء، فكل امرأة عقد عليها رجل، ثم توفي قبل أن يدخل بها، فإنها من نسائه وترثه، ولو توفيت هي ورثها، فهو يرثها وترثه.
(281/5)
________________________________________
حكم المطلقة قبل الدخول إذا لم يسم المهر
قال رحمه الله: [وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره] أي: وإن طلقها المفوض، وهم يقولون: مفوِّضة ومفوَّضة، يقولون: امرأة مفوِّضة إذا فوضت لوليها أو للزوج أو لأجنبي، ومفوَّضة أي: فُوِّض أمرها إلى الغير.
إذا طلقت هذه المفوَّضة قبل الدخول، ففي هذه الحالة ليس عندنا فريضة وليس هناك مهر مسمى، فالشريعة جاءت بأنه إذا وقع فراق وطلاق قبل الدخول وليس هناك مسمىً فإن للمرأة المتعة؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:236].
وفي الآية الثانية قال في المطلقة عموماً: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:241] وذكروا عن شريح أبي أمية القاضي الكندي رحمه الله -وكان ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء الراشدين، فنعم المولي ونعم المولى، ولي لـ عمر وعثمان وعلي رضي الله عنه وكان إماماً في القضاء- أن رجلاً طلق امرأة فأمره أن يمتعها فأبى، فتلا عليه الآية الأولى، فامتنع، ثم تلا عليه الآية الثانية، فامتنع، الآية الأولى: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:236] والآية الثانية: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:241] فأصر الرجل وقال: ما دامت متعة وليست بواجب فلا أريد أن أمتعها، من غضبه من زوجته -نسأل الله السلامة والعافية- صم وعمي عن أمر الله عز وجل وندبه، فشاء الله عز وجل أن تمر الأيام فاحتاج قوم إلى شهادة هذا الرجل، فجاءوا به إلى شريح فقال: والله لا أقبل شهادته، إنك أبيت أن تكون من المحسنين، وأبيت أن تكون من المتقين، فاصرف وجهك عني، فطرده ولم يقبل شهادته؛ لأن المؤمن لا يرد هذه الأوامر الشرعية ولا يستخف بها، والله يقول: {وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237]، ولذلك لا ينبغي إذا وقع الطلاق والفراق أن ينسى كل من الزوجين الآخر، بل ينبغي أن يكون هناك نوع من الحفظ للعهد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (حفظ العهد من الإيمان).
فلو سُئلت عن المطلقة قبل الدخول، تقول: لها حالتان: إن كانت قد سمي لها المهر فنصف ما سمي.
وإن لم يُسَمَّ المهر فلها المتعة حقٌ واجبٌ على المحسنين، والدليل قوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:236] أي بما جرى عليه العرف، أو بالمعروف، والمعنى: أنه يمتعها مصاحباً للمعروف، بدون منة، فلا يعطيها المتعة يمتن بها، أو يؤذيها أو يصيبها بنوع من الإضرار، إنما يكون هذا بالمعروف على سبيل المكارمة على الوجه الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم: {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:236].
فهذه الآية تدل دلالة واضحة على إثبات المتعة، والمتعة تكون بالمعروف، أي: على حسب حال الزوج، فإن كان الزوج غنياً نظر في مثله، فمثلاً: لو جرى العرف أن مثله يمتع بهدية بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، فيشتري لها ذهباً بثلاثة آلاف ويبعثه إليها.
والسبب في أن الله جعل على الموسع قدره وعلى المقتدر قدره: أنه إذا كان من بيئة غنية فالله يريد أن يربط بين الزوج والزوجة بحفظ العهد، فحينما يعطيها شيئاً يليق بغناه ويسره تكون فعلاً هدية، ويكون لها معنى الهدية، لكن حينما يكون غنياً ثرياً بسط الله عليه من رزقه ويأتيها بشيء تافه يصبح بدل أن يتضمن معنى المكارمة يصبح متضمناً لمعنى الإهانة، فيخرج عن مقصود الشرع.
فإذاً لابد أن ينظر إلى حال الزوج، وأن يتقي الله عز وجل فيما أمره الله به وندبه إليه.
قال رحمه الله: [ويستقر مهر المثل بالدخول].
إذا دخل الزوج على زوجته وهي مفوضة فيستقر مهر المثل بالدخول، ويثبت في هذه الحالة، ويكون حقاً كاملاً لها.
قال رحمه الله: [وإن طلقها بعده فلا متعة].
أي: طلقها بعد الدخول فلها المهر كاملاً، وليست من الممتعات، يريد أن يقول: إنه يثبت لها المهر.
وقوله: (فلا متعة) ليس المراد أنه ما لها شيء، إنما مراده أنها لا تصبح من ذوات المتعة، وإنما تصبح من ذوات الصداق، أي: اللاتي لهن المهر والصداق كاملاً.
(281/6)
________________________________________
حكم المهر في العقد الفاسد
قال رحمه الله: [وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر].
رحمة الله عليهم، مثلما ذكرنا دائماً يحرصون على ترتيب الأفكار، ذكر أولاً: حكم الصداق وصفات الصداق.
ثم: متى تملك المرأة صداقها؟ ثم بعد ذلك: إذا تغير الصداق بالزيادة والنقص، ثم بعد ذلك: إذا نكحت المرأة بدون صداق، ثم تدرج معنا في مسائل المفوضات إذا نكحها بدون صداق فطلقها قبل الدخول، وإذا نكحها بدون صداق فمات عنها، وإذا نكحها بدون صداق فطلقها بعد الدخول.
فهذه كلها أفكار مرتبة، وبعد أن انتهى من هذا كله شرع رحمه الله في فرع جديد.
(281/7)
________________________________________
الحكم فيما لو حصل التفريق في نكاح فاسد قبل الدخول
قال رحمه الله: [وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر].
العلماء رحمة الله عليهم، مثلما ذكرنا دائماً يحرصون على ترتيب الأفكار، ذكر أولاً: حكم الصداق وصفات الصداق.
ثم: متى تملك المرأة صداقها؟ ثم بعد ذلك: إذا تغير الصداق بالزيادة والنقص، ثم بعد ذلك: إذا نكحت المرأة بدون صداق، ثم تدرج معنا في مسائل المفوضات إذا نكحها بدون صداق فطلقها قبل الدخول، وإذا نكحها بدون صداق فمات عنها، وإذا نكحها بدون صداق فطلقها بعد الدخول.
فهذه كلها أفكار مرتبة، وبعد أن انتهى من هذا كله شرع رحمه الله في فرع جديد، فقال: (وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول) شرع في مسألة تتعلق بالنكاح الفاسد، إذ أن ما سبق كله في النكاح الصحيح الشرعي، لكن لو أن رجلاً تزوج امرأة بنكاح الشغار، أو لو أن رجلاً تزوج امرأة بنكاح التحليل، أو لو أن رجلاً تزوج امرأة بنكاح المتعة والعياذ بالله، فهذه الأنكحة كلها باطلة وحكم الشرع بفسادها، وما بني على باطل فهو باطل، والفرع تابع لأصله، ففروع الأنكحة وما يترتب على الأنكحة إنما يترتب على أنكحة صحيحة ينهدم بانهدامها، أي: إذا حكم بفساد النكاح فإنه يحكم بفساد آثار النكاح.
وعلى هذا: ففي نكاح المتعة مثلاً، إن تزوج رجل امرأة وحدد مدة الزواج فقال لها: أتزوجك شهراً أو شهرين، أو سنة أو سنتين، فاتفقا على هذا النوع من النكاح، وجعل المهر خمسة آلاف، وكان رجلاً جاهلاً ثم تبيّن له أن هذا حرام، أو كانوا في بيئة ليس بها علماء ثم ارتفعوا للعلماء وسألوا فقالوا لهم: إن هذا حرام، فحينئذٍ سيفرق بينهما ويلغى النكاح ولم يدخل بها بعد، فيفرق بينهما ولا يترتب أي أثر على هذا، ويصبح وجود هذا النكاح الفاسد وعدمه على حد سواء، فالله تدارك باللطف أنه لم يقع دخول.
فأي نكاح فاسد قبل الدخول لا يلتفت إليه إذا فسخ وألغي؛ لأنه لاغ من أصله وليس له أثر، فهذا هو الذي يقصده المصنف: أن الأنكحة الفاسدة لا يترتب عليها صداق إذا وقعت الفرقة قبل الدخول.
(281/8)
________________________________________
الحكم فيما لو حصل التفريق في نكاح فاسد بعد الدخول
قال المصنف: [وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر وبعد أحدهما يجب المسمى].
(وبعد أحدهما) لو أن رجلاً نكح امرأة بمهر ثم تبين فساد هذا النكاح، كأن ينكحها بدون ولي، وفرض لها مهراً خمسة آلاف ودخل عليها، فلها المهر بما استحل من فرجها، قال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) فحكم ببطلان النكاح، وأثبت لها المهر بالدخول (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها).
ثم ننظر، فإن وقع الاتفاق على مهر معين فقد رضيت لنفسها أن يصيبها، وتنازلت عن حقها بهذا المسمى، فيكون لها المسمى، فيفرض لها المسمى الذي اتفق عليه.
(281/9)
________________________________________
حكم المهر لمن وطئت بشبهة أو إكراه
قال رحمه الله: [ويجب مهر المثل لمن وطئت بشبهة أو زناً كرهاً].
(ويجب مهر المثل لمن وطئت) الموطوءة بالزنا كرهاً أو الموطوءة بالشبهة الأصل أن وطأها لا يجوز، ولكن وجود العذر من الإكراه على الزنا أوجب لها مهر البكر كاملاً إن كانت بكراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها)، فهي مغلوبة على أمرها، وحينئذٍ يكون لها مهر مثلها؛ لأنه فوت عليها هذا الحق، ويدرأ عنها الحد لوجود الإكراه على الصحيح من أقوال العلماء، وسيأتينا -إن شاء الله- في باب الجنايات أنه يدرأ عنها الحد ولا يقام عليها إذا أكرهت؛ لأن الله أسقط بالإكراه الردة، فمن باب أولى الزنا الذي هو دون الردة، ويكون لها مهر المثل يفرضه عليه الحاكم.
وكذلك نكاح الشبهة، شبهة عقد، أو شبهة اعتقاد، أو شبهة ملك، هذه ثلاثة أنواع من الشبهة تؤثر في النكاح، شبهة عقد بأن يعقد على امرأة يظن أنها تحل له بهذا العقد، مثلما يقع في عقد نكاح الشغار، مثلاً: لو أن رجلاً زوج ابنته لآخر على أن يزوجه الآخر ابنته بنكاح الشغار، ولم يعلما حكم الشغار، وحصل الوطء، هذا وطئ ابنة هذا وهذا وطئ ابنة هذا، فحينئذٍ يصبح هذا وطء شبهة، أي: عنده شبهة، وهي شبهة العقد، حيث يظن أن هذا العقد عقد نكاح صحيح، وتكون كذلك شبهة العقد فيما لو أن رجلاً عقد على امرأة وهو لا يعلم أنها متزوجة ويظن أنها خلو، وعقد بها عقداً شرعياً، ودخل بها، ثم تبين أنها خدعته وأن أولياءها خدعوه.
وكذلك يدخل في شبهة العقد ما إذا غاب رجل غيبة، وانقطع عن زوجته، فحكم الحاكم بانتقالها عن زوجها فطلقها، فتزوجت بزوج ثانٍ، فإن هذا العقد يبيحها له ويحلها له، فلو رجع الغائب، فمن يقول: إنها على عقد الأول، يرى أن وطء الثاني وطء شبهة عقد؛ لأنها في الأصل تابعة للأول، وعلى هذا يكون من شبهة العقد.
شبهة الملك، مثل: شبهة أنها مملوكة له، مثلما يقع في ملك اليمين، كما لو اشترى أمة ووطئها بملك اليمين، ثم تبين أنها حرة وبيعت مغصوبة، فإنه كان يطؤها على أنها ملك يمين له، ثم تبين أن هذه الشبهة غير صحيحة.
فمثل هذه المسائل يكون فيها المهر للمرأة، فيجب عليه المهر على التفصيل الذي ذكرناه، ويرجع على من غشه ويطالبه بالضمان، وحينئذٍ يضمن الذي غشه، والحاكم (القاضي) يعزر هذا الذي اقتات وظلم المرأة ببيعها وهي حرة.
فالشاهد أنها إذا وطئت بشبهة أو بزناً لكن بشرط الإكراه فلها المهر، فلو كان الزنا -والعياذ بالله- برضا من المرأة لم يكن لها حق، فلا مهر لبغي، ولذلك (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم وحلوان الكاهن ومهر البغي) فالبغي لا مهر لها؛ لأنها رضيت -والعياذ بالله- بإسقاط حقها، وأتت ما حرم الله عز وجل بطيبة نفس منها، فيضيع حقها وليس لها المهر بسبب ذلك.
قال رحمه الله: [ولا يجب معه أرش بكارة].
(ولا يجب معه) أي: مع مهر المثل (أرش البكارة) وبعض العلماء يسمونه: العقر، ويحكم بالعقر في بعض المسائل في الشبهات، ولكن اختار المصنف هنا ما ذكرناه من أن لها مهر المثل.
(281/10)
________________________________________
ضوابط تسليم المرأة نفسها في الصداق المعجل والمؤجل
(281/11)
________________________________________
امتناع المرأة من التسليم حتى تقبض صداقها المعجل
قال رحمه الله: [وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال] إذا اتفقا على كون الصداق معجلاً وحالاً فإن من حقها أن تقول: أنا لا أمكنك من نفسي ولا تدخل عليّ حتى تدفع لي مهري، هذا من حقها؛ لأن الله يقول: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فأثبت المهر لها.
فإن اتفق معها على أنه يعقد عليها بصداق معجل يدفعه قبل الدخول، فإن من حقها أن تمتنع من تمكينه من الدخول؛ لأنه يستند في التمكين من الدخول إلى العقد، والعقد معلق على شرط، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج).
(281/12)
________________________________________
حكم امتناع المرأة إذا كان الصداق مؤجلاً
قال رحمه الله: [فإن كان مؤجلاً أو حل قبل التسليم أو سلمت نفسها تبرعاً فليس لها منعها].
قال رحمه الله: (فإن كان مؤجلاً) إن كان الصداق مؤجلاً، بأن يكونا قد اتفقا على أنه يعطيها الصداق بعد خمس سنوات وأنه يدخل بها متى شاء، فجاءها وقال: أريد أن أدخل بك، فقالت: لا تدخل حتى تعجل لي الصداق، فإنه يفرض عليها الحاكم أن تمكنه من الدخول بها؛ لأنها رضيت بتأخير الصداق، فليس من حقها أن تمنع نفسها منه إن رضيت بتأجيله؛ لأنها أسقطت حقها في التعجيل.
(281/13)
________________________________________
حكم امتناع المرأة إذا كان الصداق مؤجلاً وقد حل وقت أدائه
قوله رحمه الله: (أو حل قبل التسليم).
أي أنها اتفقت معه على أن الصداق مؤجل، فحل أجله قبل التسليم، فمن حقه أن يدخل بها قبل أن يعطيها.
توضيح ذلك: مثلاً لو أنها اتفقت معه على دفعه لها بعد سنتين أو ثلاث سنوات، فقد رضيت بتأجيله، فحينئذٍ لا يتوقف الدخول على دفع المهر، فلو حل هذا الصداق وجاء أجله والزوج ماطل وتأخر فمن حقه أن يدخل بالزوجة، ثم هي تقيم دعوى على مطالبته بحقوقها، فإن كان غنياً أعطاها حقها، لكن لا تمنعه من حق وطئها كزوج، وهذا من انفصال الجهة، إذ هو له حق الوطء والاستمتاع، وهي لها حق المطالبة بالمهر، ثم المهر يتعجل ويتأجل على ما يتفقان عليه، فإن هي رضيت به مؤجلاً لم يكن من حقها أن تمنع الدخول بتأجيله؛ لأنها رضيت به مؤجلاً، والعكس كذلك.
فالشاهد: أنها إذا أوجبته عليه معجلاً كان من حقها أن تمنعه من الدخول حتى يعطيها حقها، فكلا الطرفين له حقه، فإن قالت المرأة: رضيت بمهري مؤجلاً بعد خمس سنوات أو ست سوات فقد رضيت بتأجيله، فحق الزوج أن يدخل عليها حتى قبل أن يعطيها؛ لأنها رضيت بالتأجيل، فيدخل بها، وإذا امتنعت فإنه يوجب عليها الحاكم الطاعة لزوجها.
هذه فائدة الخلاف: أنها إذا امتنعت يفرض عليها الحاكم وعلى أوليائها أن يسلموها لزوجها؛ لأنه من حق الزوج أن يستمتع بزوجته، فإذا ماطلت وامتنعت فرض عليها ذلك بحكم العقد، ولو أن الزوج وافق أن يعطيها صداقها قبل الدخول فقال لها: ما عندي الآن وأريدكِ كزوجة لا تمنعيني من نفسكِ، فقالت: لا تدخل عليّ حتى تدفع المهر، واختصموا، فالقاضي يقضي على أنه لا يدخل بها حتى يعطيها مهرها.
فإذاً: عندنا حق للزوج في الدخول، وحق للزوجة من جهة المهر، فإن اتفقا على التأجيل جاز الدخول قبل حصول الأجل، وإن اتفقا على التعجيل فمن حقها أن تمتنع حتى يعطيها حقها، وإذا تنازلت عن حقها فالأمر إليها.
(281/14)
________________________________________
حكم إعسار الزوج بالمهر الحال
[فإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ ولو بعد الدخول ولا يفسخه إلا حاكم].
(فإن أعسر) أي: الزوج، مثلاً: رجل عقد على امرأة بعشرة آلاف ريال، ثم أصبح فقيراً معسراً والمهر حال عليه، فالمرأة لما رأته معسراً قبل الدخول رفعت أمرها إلى القاضي، وقالت: أريد أن تفسخ نكاحي من فلان ما دام معسراً، فأنا لا أريد أن أعرض نفسي لضرر الفقر، وأخشى على نفسي إن كنت عند رجل فقير أن أتعرض للحرام، أو أتعرض لأذية أقاربي.
إلخ المهم أنها لم ترضَ هذا الزوج بإعساره، فحينئذٍ من حقها ذلك ويفسخ النكاح؛ لأن النكاح مبني على المقابلة والمعاوضة، فإذا ماطل الزوج في حقها واشتكت إلى القاضي، فللقاضي أن يفسخ النكاح، وحينئذٍ يفرق بينهما.
(ولو بعد الدخول) كذلك بعد أن يدخل بها إن أعسر بمهرها فلها ذلك، لأن النكاح مبني على المعاوضة، وحينئذٍ من حقها أن تفسخ النكاح، وهذا يسمى خيار الإعسار، ويكون تارة إعساراً من جهة الزوج في نفقته على زوجته، ويكون تارة من جهة الزوج في مهر زوجته، هاتان صورتان ذكرهما العلماء رحمهم الله في الإعسار.
(281/15)
________________________________________
الرجوع في قضايا الفسخ بالإعسار إلى الحاكم
[ولا يفسخه إلا حاكم].
ولا يفسخ هذا النوع من الأنكحة إلا حاكم، وهو القاضي الذي له حق النظر في هذه الخصومات، فلا يأتي طالب علم فيفتي في هذه المسائل، لأن مسائل الخلاف بين الناس تحتاج إلى القضاة، والقاضي ينصف الخصمين بأصول الشريعة، والضوابط الشرعية في القضاء أنصفت كلا الخصمين.
فالمفتي في هذه المسائل لا يتدخل، وطالب العلم لا يفتي في هذه المسائل، إنما يحيلهم على القاضي؛ لأنها مسائل يحصل فيها الخلاف، فالإعسار يحتاج إلى إثبات، والإثبات يحتاج إلى نظر ورجوع إلى أهل الخبرة، فليس كل من هب ودب يفتي في هذه المسائل أو يتكلم، فيها وإنما ترد إلى القضاة.
ومن هنا في هذه الأزمنة جرت العادة في مسائل الطلاق أن لا يفتي فيها كل أحد، من كثرة مشاكل الناس والكذب.
فالمسائل التي فيها خلاف ويحدث فيها تلاعب ترد إلى القضاة وترد إلى ولاة الأمر؛ لأن الناس بغير ذلك يصبحون في فوضى.
ففي زماننا مثلاً يأتيك الرجل -وهذا قد حدث وسمعناه ورأيناه- ويقول لك: قلت كذا وكذا، فتأتي المرأة تقول: لا، بل قال: كذا وكذا، ويأتي الرجل ويقول لك: قلت كذا وكذا، ويترك كلمة أو لفظه أو حالة للمرأة، والمرأة أيضاً تقول شيئاً غير الذي يقوله الرجل، فعندما تربط هذه المسائل بالقضاء وتربط بكبار العلماء يعرف الناس خطر الطلاق، ويعرف الناس خطورة هذا الباب، فما كل واحد يطلق، فإنه حينما يتعنى ويتعب، ويظل يتصل بأشخاص معينين وبعلماء معينين، ويجد نوعاً من التعب والعنت، فيهاب هذا الباب، ويصبح من مصالح الناس وعامة الناس أن يربطوا بكبار العلماء أو يربطوا بالقضاة، حتى يشعروا بخطر الطلاق، ولا يتلاعب بالطلاق.
وهذا يقع، خاصة عند فساد الأزمنة، تجد الرجل -نسأل الله السلامة والعافية- في بعض الأحيان لا يخاف الله ولا يتقيه، فربما يأتي ويقول لك: قلت: أنتِ طالق، وهو قد يكون قال لها: أنتِ طالق بالثلاث، وقد يقول: قلت لها: أنتِ طالق طالق طالق، فيسمع أنه إذا قال: أنتِ طالق طالق طالق، تحتمل المرة، فيصرف في الألفاظ ويحرف في الألفاظ على ضوء ما يسمع من الفتاوى، ويأتي إلى شيخ جليل معروف موثوق به، أو يقول لأولياء المرأة: نذهب إلى فلان نقبل فتواه، فيأتيه بالعبارة التي سمع أنها لا تؤثر، وهذا من أبلغ ما يكون في انتهاك حدود الله -نسأل الله السلامة والعافية- فإنه لو غير لفظة أو كلمة يريد أن يحتال بها على الله وعلى دين الله فلن ينفعه؛ لأن فتوى المفتي وقضاء القاضي لا يحل الحرام، ويصبح هو وامرأته على الزنا -والعياذ بالله- لو كانت حراماً عليه.
فالأمر في هذا جد خطير، ولذلك العلماء قالوا: الفسخ عند الحاكم [ولا يفسخه إلا حاكم] أي: في مسائل الخلاف، وفي عصورنا الآن جرت العادة أن ترد مسائل الطلاق لكبار العلماء؛ لوجود الخلاف بين الناس ووجود التلاعب بين الناس.
واقتضت الحكمة أن مثل هذه المسائل لا يفتح فيها الباب لكل من هب ودب أن يفتي، حتى لا يصبح الناس فوضى، هذا يقول: حلال، وهذا يقول: حرام، وهذا يقول بالتفصيل، فيضيع الناس، ولا يدرون أين يذهبون.
فالفتاوى في مثل هذه المسائل، والبت والحكم في هذه المسائل يرجع فيه إلى من له حق النظر فيها، حتى يكون أبلغ في إقامة الناس على السنن.
(281/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب وليمة العرس
من مظاهر الائتلاف بين المسلمين اجتماعهم في وليمة العرس، وهذه الوليمة مشروعة من غير إسراف، ومن حقوق المسلم إجابة دعوته لهذه الوليمة إلا إذا كانت مشتملة على منكر، وهي من إعلان النكاح المأمور به، وهذه الأحكام وغيرها تجدها في هذه المادة.
(282/1)
________________________________________
مشروعية وليمة العرس
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [باب وليمة العرس] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الآداب والسنن والأحكام المتعلقة بالوليمة لعقد النكاح.
والوليمة لعقد النكاح سنة وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظت من هديه، بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لـ عبد الرحمن بن عوف حينما رأى عليه تغيراً في حاله وهيئته (مهيم؟) أي: ما هو الشأن والحال؟ وهي كلمة استفهام بلغة أهل اليمن، فقال: تزوجت، فقال: (بارك الله عليك! ما أصدقتها؟) قال: وزن نواة من ذهب، فقال صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (أولم) أمر، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام الأمر بالوليمة، فدل على مشروعية الوليمة للعرس والنكاح، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أولم لنسائه، وما تزوج امرأة إلا وأولم لزواجها، فدل على مشروعية وليمة النكاح.
(282/2)
________________________________________
المصالح في وليمة العرس
ومن المقاصد والمصالح العظيمة المترتبة على هذه الوليمة: أنها فرق بين النكاح والسفاح، فهي من إعلان النكاح، والنكاح يعلن، والسفاح يُسَرّ، فإذا أولم عرف الناس أن هناك زواجاً.
ومن مصالحها: ثبوت النسب، فإذا جاءه الولد من هذه المرأة عرفوا أنه من زوجته، وثبت النسب للولد، وما يستطيع أحد أن ينكره، فلو مات هذا الزوج وقال أولياؤه: هذا ليس بولدنا، شهد الناس أنه ولده، فتثبت الحقوق للناس.
ومن مصالحها: حصول الألفة والمحبة والمودة بين الناس، فهي سبب لترابط الناس وتواصلهم، لا من جهة القرابة فحسب بل حتى الأباعد، فإنهم يتواصلون، والمسلم يحب في حال فرحه أن يرى الناس بفرحه يفرحون، وبذلك يحس بأخوة الإسلام، ويشعر بالمودة والمحبة، فتقوى أواصر الأخوة بين المسلمين، ويتكاتفون ويتعاطفون.
إضافة إلى ما جرت به العادة في مثل هذه الولائم من بعض الأمور الطيبة، كمساعدة الناس بعضهم لبعض، سواءً وقعت المساعدة والمعونة مادياً أو معنوياً فكل ذلك مما يدخل السرور، ومما يكون فيه دلائل وشواهد على المحبة والأخوة، ففيها مصالح عظيمة، وقد جاء الشرع بتحقيق المصالح ودرء المفاسد.
(282/3)
________________________________________
مقدار وليمة العرس
قال رحمه الله: [تسن بشاة فأقل].
تسن وليمة النكاح بشاة، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (فأقل) أي: ممكن أن يكون أقل من الشاة، كأن يصنع طعاماً بدون لحم، وهذا أيضاً من السنة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بالسويق والتمر، وهذا ليس فيه لحم.
لكن الأفضل والأكمل أن يذبح؛ لما في ذلك من الإكرام، شريطة ألا يصل ذلك إلى الإسراف والخيلاء والرياء والسمعة، فمن راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به، والمبالغة في ولائم النكاح لا تُقرب البعيد، ولا تُبعد القريب، وإنما تأتي بالشر والوبال على صاحبها، فقد يمحق بها بركة زواجه.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن خير النساء أيسرهن مئونة، وهذا مشاهد ومجرب، فإن المرأة إذا نكحت وغالى أولياؤها في المهر، وغالوا في كلفة الزواج؛ قل أن يبقى الزوج مع زوجته، وإذا بقي معها لم يبارك له فيها، والعكس بالعكس، فكم وجدنا من أنكحة بقيت وبورك فيها بسبب يسرها، وعدم وجود الكلفة فيها.
فالسنة ألا يتكلف، لكن لو أن إنساناً له قرابة كثيرون، فدعا أقرباءه، ودعا جيرانه، ودعا أصدقاءه؛ لأنه إنسان معروف، وأحبته ومن يعاشره كثيرون، فجمعهم وقصد وجه الله في جمعهم وهو قادر على أن يخصها ببعض القرابة، لكن جمع هؤلاء وذبح وهو لا يريد الرياء ولا يريد السمعة؛ فهو على خير وبركة، خاصة إذا قصد معاني الأخوة الطيبة فإن الله يأجره.
ولذلك يقولون: العادة تنتقل عبادة بالنية، فإذا نوى أجر، أما لو فعل ذلك على أصل مباح فلا أجر ولا وزر.
(282/4)
________________________________________
حكم وليمة العرس
قال رحمه الله: (تسن)، وقال بعض العلماء: تجب، والوجوب من حيث النص أقوى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة)، وهذا أمر، والأمر للوجوب على الأصل، ولا صارف.
لكن صرف بعض الفقهاء هذا الأمر عن ظاهره بأن النكاح نفسه ليس بواجب فمن باب أولى ما بني عليه، ورد بأن ابتداء السلام ليس بواجب فإذا وقع فإنه يجب رده، فلا يمتنع أن يكون الشيء ليس بواجب ويكون ما ينبني عليه واجباً، فقد تكون الصلاة نافلة لكن إذا دخل فيها وشرع فيها صارت لها أركانها وشرائطها وواجباتها، فالنكاح في الأصل ليس بواجب عليه لكن إذا دخل فيه لزمه أركانه وشروطه، وقالوا: إنه يكون حينئذٍ مترتباً على الدخول في النكاح، وليس مبنياً على النكاح.
(282/5)
________________________________________
وقت وليمة العرس
مسألة: بعض العلماء يقول: تفعل الوليمة قبل الدخول، مثلما يقع الآن حيث تكون الوليمة في ليلة الدخول كعشاء للناس أو غداء، ثم يدخل على المرأة بعد حصول العشاء أو الغداء.
وقال البعض: لا تكون الوليمة إلا بعد الدخول؛ لأن عبد الرحمن رضي الله أولم بعد دخوله، والنبي صلى الله عليه وسلم أولم بعد أن بنى بـ صفية، والأصل والأقوى أن تكون الوليمة بعد الدخول؛ لأنه يتحقق فعلاً وقوع الزواج.
لكن سامح العلماء في ذلك وقالوا: إذا جرى العرف بشيء فإن الإنسان يساير العرف ولا بأس في ذلك، يعني: إذا جرى العرف بهذا فإن الإنسان يفعل ما تعارف الناس عليه، ومن الصعوبة بمكان أن الإنسان يخالف المعروف المألوف فيما هو من جنس المباحات؛ لأن هذا من جنس المباحات وليس من جنس الإلزام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل الوليمة بعد الدخول إلزاماً، وهناك فرق بين الواقع قصداً والواقع اتفاقاً، وأياً ما كان فإنه لو بنى بالمرأة ثم صنع الطعام بعد ذلك فلا بأس، ولو حصل العكس فلا بأس، وكل ذلك -إن شاء الله- واسع.
(282/6)
________________________________________
حكم إجابة الدعوة لوليمة العرس
قال رحمه الله: [وتجب في أول مرة إجابة مسلم يحرم هجره إليها].
يجب على المسلم أن يجيب دعوة أخيه المسلم إذا دعاه إلى وليمة النكاح، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حق المسلم على أخيه المسلم إذا دعاه أن يجيب.
قال العلماء: شدد في وليمة النكاح؛ لأنه إذا لم يجب كسر خاطر أخيه المسلم، ولربما قابله بنفس الفعل فتتقطع أواصر الأخوة بين المسلمين، وفي ذلك من المفاسد والأضرار ما لا يخفى.
ولذلك شُدِّد في وليمة النكاح أكثر من غيرها؛ لأن مقصود الشرع: الإشهار، والإشهار لا يقع إلا بالحضور، فإذا حضروا وعلموا اشتهر، فيجب عليه أن يجيب.
قال: (أول مرة) الذي هو أول يوم، وكانوا في القديم ربما استمرت الولائم ثلاثة أيام، وكانت هذه عادة موجودة في بعض المناطق، ولا تزال في بعض البيئات، وكانت في القديم لمشقة السفر، فيجعلون أول يوم في بعض الأحيان للقرابة، حيث كانت أحوال الناس ضيقة، وكان من الصعوبة أن تجمع لك الألف والألفين على طعام واحد، فكانوا يجعلون الإكرام أولاً للقرابة، ثم اليوم الثاني يقوم القرابة بإكرام الجيران ونحوهم، وربما جعلوها ثلاثة أيام، فقالوا: إذا كانت ثلاثة أيام فاليوم الأول هو الذي تجب فيه الإجابة، فإذا دعيت للمرة الثانية في اليوم الثاني فإن هذا موسع عليك فيه، إن شئت أجبت وإن شئت تركت، وأما اليوم الثالث -كما جاء في حديث أبي داود - فإنه رياء وسمعه؛ لأنهم إذا فعلوا الطعام في اليوم الأول وفي اليوم الثاني فلا حاجة لليوم الثالث، فما هو إلا مبالغة.
وأخذ بعض العلماء من هذا: أن التوسّع في الولائم يسقط الحق، فإذا فعل وليمة فيها نوع من الإفراط والمبالغة فمن حقك أن تتخلف عن هذه الوليمة.
وأيَّاً ما كان فقالوا: إن اليوم الأول حقه؛ لأنه هو الأصل في إجابة الدعوة، فلو كرر اليوم الثاني ودعاك مرة ثانية أن تحضر فأنت بالخيار إن شئت حضرت وإن شئت لم تحضر، وأما اليوم الثالث فإنه يوم رياء وسمعة فلا يُحضر، ولذلك كره العلماء رحمهم الله الحضور في هذا اليوم الثالث، وهذا الذي جعل المصنف يقول: (أول مرة) ومراده: إذا وقعت أكثر من يوم، وفي حكم أكثر من يوم: ما يفعله بعض الناس في أعرافهم الآن بأن يصنع غداءً وعشاءً وغداءً في اليوم الثاني، فيجعلون الغداء قبل الدخول بالمرأة، والعشاء ليلة الدخول، والغداء في اليوم الثاني بعد الدخول.
ولا شك أن في هذه الأمور كلها إضراراً بأهل الزوجة والزوج، وكلها مبنية على شيء من العادات التي كثير منها أشبه بإضاعة الأموال أكثر من تحقيق المصالح الشرعية، فإنه إذا جاء الناس مرة واحدة فما الداعي أن يدعوا مرة ثانية؟! إذا كان المقصود الإشهار فقد حصل في المرة الأولى، صحيحٌ -كما ذكرنا- في القرى والمناطق الضيقة قد يوجد الضرر بدعوة الناس جميعاً مرة واحدة، فهذا وسع فيه بعض العلماء، لكن لا تكرر الدعوة للشخص الواحد، فإن كررت جرى الحكم على التفصيل الذي ذكرناه، فيكون أهل الزوجة والزوج معذورين في دعوة الناس مرتين أو ثلاثاً لضيق المكان وضيق الحال وعدم القدرة على احتواء الناس؛ لكن بمخالفة أنواع الناس، كأن يدعوا القرابة يوماً ويدعوا الناس الآخرين يوماً ثانياً.
فلو وقعت الوليمة بدعوة القرابة في النهار، ودعوة غير القرابة مع القرابة في الليل فلا بأس، فأحضر وأتجمل مع قرابتي وأقوم بحقوقهم، وأحرص في يوم القرابة أن أكون موجوداً لما فيه من صلة الرحم، يقول العلماء: وتكون إجابة الدعوة مغلظة بالقرابة، فإجابة القريب أعظم من إجابة الغريب، وإجابة الجار أعظم من إجابة غير الجار، فتتفاوت مراتبها، وتكون الإساءة بتركها أعظم على حسب حق الداعي.
(282/7)
________________________________________
حكم إجابة دعوة المبتدع
ومحل الإجابة ألَّا يكون الداعي من جنس من أمر الشرع بهجره كالمبتدع، فإن أهل البدع يُهْجَرون، والمراد بذلك: البدع التي تكون في أصل الدين مما يوجب الخروج من الملة، وهي البدعة الكفرية، وهذا لا إشكال فيه، والبدعة الاعتقادية أشد ما يكون من البدع.
أما البدعة المختلف فيها في الأمور الفرعية مثل: شخص يقبض بعد الركوع في الصلاة، والشخص الآخر يقول: لا أقبض وأرى أن القبض بعد الركوع بدعة، فما يأتي ويقول: هذا مبتدع! إنما هو في حق نفسه إذا صنع هذا فهو سنة، وإذا تركه وهو لا يعتقد أنها سنة فلا يبدِّع من يقبض، ولا يأتي لشخص يقبض ويقول له: أنت تفعل بدعة! لا، وليس من حقه هذا بإجماع العلماء، فلو ترجح عندك دليل القبض بعد الركوع فتقبض وتعتقده سنةً وأنت مثاب على قبضك وعلى السنة؛ لأن عندك الدليل وعندك الحجة، وغيرك ممن لا يرى القبض بعد الركوع ليس من حقه أن يقول: أنت مبتدع، ويهجرك؛ لأن هذا لاعتقاده هو.
وكذلك جلسة الاستراحة، فلو كان يرى أن جلسة الاستراحة بدعة للشاب والقادر والجلد، ويراها سنة للعاجز المحتاج كما في حديث مالك بن الحويرث، والآخر يراها سنة مطلقة فجلس وهو قادر على القيام مباشرة، فليس من حق من لا يراها أن يبدع من يراها، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له.
وعلى هذا نقول: إن المبتدع الذي يرتكب البدعة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، يحكم بتبديعه ويهجر، وحكى غير واحد من العلماء الإجماع على هجر المبتدع، وأخذوا أصل ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر الثلاثة الذين خلفوا أن يعتزلوا الناس، ألا يكلمهم الناس.
فمثل هذا إذا كنت مأموراً بهجره فإن إجابة دعوته تخالف الأمر بالهجر، فلذلك نص المصنف رحمه الله على أن المأمور بهجره من أهل البدع كالرافضي ونحوه لا تجاب دعوتهم؛ لأن فيه نوع إقرار لهم على ما هم عليه من البدع ومخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا إذا كان هناك منكر كما سيأتي إن شاء الله، على التفصيل الذي سنذكره من حيث قدرته على تغيير المنكر وعدم قدرته.
(282/8)
________________________________________
حكم إجابة الدعوة عند التعيين
قال رحمه الله: [إن عينه ولم يكن ثم منكر].
(إن عينه) هذا هو الشرط، قال لك: يا فلان! تحضر، وهناك صيغ: الصيغة الأولى: أن يأمرك بالحضور.
الصيغة الثانية: أن يخيرك.
الصيغة الثالثة: أن يجعله معلقاً على محبتك.
الصيغة الأولى: أن يقول لك: احضر زواجي، أريد أن تحضر زواجي، أدعوك إلى زواجي، فهذا عينك وطلب منك أن تحضر، فيجب عليك أن تجيب.
صيغة التخيير أن يقول لك: أريدك أن تحضر زواجي إن شئت، فهذا ترك لك الخيار، فقال بعض العلماء: تصبح مخيراً، وكان بعض الأئمة كالإمام الشافعي يقول: إن علقه على التخيير والمحبة لا يجيبه؛ لأنه لم يبت له؛ لأنه لو أراد أن يدعوه لقال له: تحضر، لكن لما قال له: إن شئت، فمعناه أنه لم يدعُ دعوة الجزم، وليس هو من الأشخاص الذين يريد حضورهم فعلاً مؤكداً لحضوره، فإذا قال: إن شئت، إن أحببت، فقد جعل الأمر إليه.
وقال بعض العلماء: إن شئت وإن أحببت، تختلف باختلاف الأشخاص الذين قيل لهم ذلك، فإن كان عند الشخص ظروف وعلقه الداعي على المشيئة لعلمه بوضعه، مثلاً: حدث حادث له، أو زوجته مريضة، أو ابنته مريضة، فجاء من باب الملاطفة حتى لا يحرجه ولا يجحف به فقال له: إن استطعت، إن أحببت، إن شئت، فهذا لوجود الموجب الذي يوجب هذا التخيير.
وأما إذا لم يكن ثم موجب وحدث عنده زواج ويأتي يقول لك: تحضر إلى الزواج إن شئت، أريد أن تحضر إن أحببت، فهذا لو كانت المودة قائمة فإنه يحرجك ويجحف بك؛ لبالغ محبته لك ورجائه لحضورك، وهذا أمر يعلمه الجميع.
(282/9)
________________________________________
حكم إجابة الدعوة المشتملة على منكر
وقوله: (ولم يكن ثم منكر) لأنه إذا كان هناك منكر فالحق لله عز وجل، فإن كنت تستطيع إنكاره وتغييره بحيث إنك إذا قلت يسمع قولك، وإن نهيت ينتهى بقولك؛ فإنه يجب عليك الحضور؛ لأنك إذا حضرت أقمت حق الله عز وجل.
وهكذا إذا استطعت أن تحرج أهل الزواج كأن يكونوا أقرباء، فتقول لهم: إن كان هذا المنكر موجوداً فلن أحضر، وتشدد عليهم، وتعلم أنك إذا قلت هذا القول فإنهم يتركون المنكر فيجب عليك؛ لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(282/10)
________________________________________
حكم إجابة الدعوة العامة
قال رحمه الله: [فإن دعا الجفلى أو في اليوم الثالث أو دعاه ذمي كرهت الإجابة].
الجفلى: الدعوة العامة، كأن يقول: أيها الناس! أنتم مدعوون إلى زواجي، أو يأتي -مثلاً- في مجمع فيقول: حيا الله الجميع على عشائي أو غدائي، لكن في بعض الأحيان قد يحدث هذا في القرى التي يكونون قرابة وأبناء عم ونحو ذلك، فيفعلون هذا لأنه متعارف بينهم، فهي أشبه بالتعيين.
لكن حينما يأتي إلى أناس متعددين، فيهم من يعرفه وفيهم من لا يعرفه، ويدعو دعوة عامة، فكان بعض العلماء يكره الإجابة في مثل هذا؛ لأنك لم تعين، والشخص إذا لم يعين فكأنه يذهب من أجل الطعام، وكأنهم كرهوا الإجابة من هذا الوجه، كرهه بعض أئمة السلف، ونص عليه المصنف هنا.
دعوة الجفلى لا يكون فيها الانتقار، وهناك دعوة الانتقار التي هي التخصيص، إلا أن دعوة الجفلى من الناس الكرام المعروفين محمودة؛ لأنهم أهل كرم، ولذلك يقول: نحن في المشتاة ندعوا الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر يفتخرون بأن الرجل منهم إذا أراد أن يدعو الناس دعاهم كلهم، ولا يأتي ويقول: يا فلان تحضر، ويحدد الأشخاص الذين يحضرون؛ لأن الذي يخاف على طعامه ويخاف على حاله يحدد المدعوين؛ لأنه لا يريد أن يتحمل أكثر من هؤلاء الأشخاص، لكن إذا كان كريماً، ولا يبالي بما أنفق ولا يبالي بما ذبح ولا يبالي بما أطعم، ويحب إطعام الناس ويحب إكرام الناس يفتح بيته ويدعو الناس، ويرى كل الناس معارفاً له، فإذا جاءه من يعرفه ومن لا يعرفه هش في وجهه كأنه يعرفه، وهذا من الكرم والجود، وهو صنيع أهل الفضل، وكان هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهدي الصالحين كذلك.
فالخلاصة هنا: إذا حددك فله حكم، وإذا عمم فلا يجب عليك؛ لأنه إذا عمم يصبح فرضاً كفائياً، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وقاعدة المسألة أن إجابة الدعوة في المعين لازمة، وهذا هو الأصل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إذا دعاك فأجبه).
وإجابة الوليمة نص النبي صلى الله عليه وسلم على لزومها وأنها من حق المسلم على المسلم، وكما في حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإجابة الداعي، فهذا كله يدل على ثبوت الحق بالتعيين، وأما إذا عمم فالأمر كما ذكرنا.
وقوله: (أو في اليوم الثالث كره) أي: دعاه في اليوم الثالث (كره) لأنها دعوة رياء وسمعة.
(282/11)
________________________________________
حكم إجابة دعوة الذمي
وقوله: (أو دعاه ذمي)، العلماء يكرهون إجابة دعوة الذمي، وقد بينا ضابط أهل الذمة من أهل الكتاب، وبينا معاملة المسلمين لهم وحقوقهم على المسلمين وحقوق المسلمين عليهم، بينا هذا كله في كتاب الجهاد، ولكن إذا دعا الذمي مسلماً فبعض العلماء يقول: فيه تفصيل: إن كانت إجابتك للدعوة من أجل أن تدعوه للإسلام، وبشرط ألا يكون طعامه طعاماً محرماً كالميتة والخنزير والشراب المحرم كالخمر ونحوها؛ فإنه يجوز لك ذلك ويشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استضافه يهودي على خبز وإهالة سنخة، وكذلك أيضاً استضافته اليهودية -عليها لعائن الله تترى- لما وضعت السم في الشاة، فما وضعته إلا بعد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم واستضافتها للنبي عليه الصلاة والسلام.
قالوا: هذا يدل على أنه إذا رجا أن يدعوهم أو يتألفهم للإسلام فلا بأس، كالعالم والقاضي والإمام ونحوهم، وأما إذا كان من عامة الناس المسلمين فتكره؛ لأنه يخشى أن يؤثر عليه.
وهكذا إذا علمت أن له غرضاً كمصلحة دنيوية، خاصة إذا كان موظفاً تحتك أو نحو ذلك فلا تجب الدعوة؛ لأنها أشبه بالرشوة؛ لأنه يريد أن يتوصل بها إلى مصلحته، والحكم لا يختص بالذمي، بل حتى لو دعاك من هو دونك في المرتبة لمصلحة في العمل والوظيفة من أجل محاباته فإنه لا يجوز لك إجابته، وكالطالب يدعو شيخه إذا كان تلميذاً عنده، كما هو موجود في المدارس أو نحوها فإنه لا يجيبه إلا إذا كانت دعوته عامة كدعوة الزواج فإنه يحضر زواجه، لكن إذا قال له: أريد أن تتغدى عندي أو تتعشى، بدعوة خاصة فإنه لا يجيب، وكالقاضي لا يجيب الناس إلى الدعوات الخاصة إلا ممن كان يدعوه قبل القضاء، أما بعد القضاء إذا دعاه فمن المعلوم أنه ما دعاه إلا لأجل أنه قاضٍ.
وعلى هذا يفرق في دعوة الذمي بين أن يكون فيها مصلحة شرعية يقصد منها مقصود شرعي وبين غيرها.
قالوا: إذا دعاك الذمي ولم يكن هناك غلبة ظن أنك تؤثر عليه فإنك إذا أكلت طعامه ستكون منة له عليك، واحتقارهم مطلوب شرعاً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه)، فشعورهم بعزة الإسلام وعلو الإسلام مقصود شرعاً، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
وقد قالوا في الحكمة والمثل: (من أكل طعام قوم ذل لهم) يعني: تنكسر عينه، ويصبح كأنه ملك بذلك المعروف، فإذا أكل المسلم طعام الذمي كأنه صارت منة للذمي على المسلم، وأصبح الفضل للذمي على المسلم، وهذا سبيل لا ينبغي أن يمكن الذمي منه.
(282/12)
________________________________________
حكم إجابة الصائم للدعوة
قال رحمه الله: [ومن صومه واجب دعا وانصرف].
ومن كان صائماً صوماً واجباً فإنه يدعو لأهل الوليمة كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرف ولا يجب عليه أن يطعم.
فعندنا أمران: - إجابة الدعوة والحضور.
- والأكل من الوليمة.
فإجابة الدعوة تتحقق بالحضور، والأكل من الوليمة، فإذا امتنع من الأكل لمكان الصيام فإن الحضور واجب عليه، إلا إذا وجد عذر يتعلق به أو وجد عذر شرعي كالمنكر ونحوه فهذا مما يستثنى.
قال رحمه الله: [والمتنفل يُفطر إن أجبر ولا يجب الأكل].
قيل له: كل، أو أحرج فإنه يفطر، وهو متطوع أمير نفسه، وأما إذا امتنع المتطوع ولم يجبر وبقي على صيامه فلا بأس فـ ابن عمر رضي الله عنهما أثر عنه أنه حضر ودعا وصلى ثم انصرف وقال: (إني صائم).
(282/13)
________________________________________
متى يباح طعام الوليمة
قال رحمه الله: [وإباحته متوقفة على صريح إذن أو قرينة].
عندنا لفظان: إجابته وإباحته، فقد تكون في بعض المسائل إجابته وفي بعضها إباحته.
فإجابة الدعوة متوقفة على صريح إذن بالحضور، فما يأتي الإنسان بدون إذن، ولا يحضر الدعوة بدون إذن.
وعندنا (إباحته) وهي في غالب النسخ، وهي الأظهر هنا، أي: إباحة طعام الوليمة، فيكون المصنف شرع في مسألة إباحة طعام الوليمة.
يباح طعام الوليمة بصريح إذن أو قرينة، صريح الإذن مثل أن يرسل لك البطاقة ويقول: أدعوك لتناول طعام العشاء أو لحضور العشاء، هذا كله صريح في الإذن، فقد أذن لك أن تحضر وتتعشى، فحينئذٍ لا إشكال.
أما القرينة الدالة عليه فمثل: مد الموائد وبسطها، فإذا مد المائدة وبسطها وأشار بيده، ولم يتكلم؛ فإن هذه قرينة دالة لإباحته؛ لوجود الطعام بيننا وتقريبه إلينا، أو جاء والجماعة جالسون فوضع السفرة عندهم ثم وضع الطعام، فهذا معناه أنني أتيت بهذا الطعام لكم وقد أذنت لكم أن تأكلوا منه.
واختلف العلماء، فقال بعض العلماء: وضع الطعام لا يدل على الإذن ما لم يأذن صاحبه، وقال بعضهم: الدعوة إذن وإباحة بالأكل.
فائدة المسألة: ما يقع الآن في بعض الأحيان، حيث تمد السفر ثم يوضع الطعام عليها، ولا يتكامل الطعام ولا ينتهي، فيأتي بعض الناس ويأكل قبل تمام السفر، فإن قلنا: الدعوة إذن بالطعام، حل له ذلك، وإن قلنا: لابد من إذن أو قرينة فلا الإذن موجود ولا القرينة؛ لأن القرينة ما تكون ظاهرة إلا بعد اكتمال السفر وتمامها، فإذا تمت السفر واكتملت سنأكل، ولذلك يقبح أن يأكل قبل الآخرين، خاصة العلماء وطلاب العلم وأهل الفضل، فإن وجد هذا في طالب علم أو إنسان له مكانة أو إمام مسجد يأتي بمجرد ما توضع السفرة ويمد يده إليها ويأكل، فهذا من خوارم المروءة.
ما أبيح وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان فينتظر حتى يؤذن لهم، ولذلك قالوا: يستحب لطالب العلم دائماً أن يأخذ بالكمالات، فعندنا قول يقول: مجرد الدعوة إذن، وعندنا قول يقول: الإذن يكون بعد وضع الطعام، وقوله تعالى: {إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب:53] قيل: إن هذا يعني أن مجرد الدعوة يكفي، وقال بعض العلماء: لا، بل لابد أن يأذن صاحبه، فتأخذ بالأكمل وهو أن يأذن لك صاحب الطعام، فيصبح هذا إكراماً لعلمك، وإكراماً لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي في صدرك، فلا تنظر للشيء بنفسك، وإنما تنظر بحق العلم عليك، وما فعلت ذلك إلا كنت بخير المنازل، فإنه من المجرب أن طالب العلم إذا كان دائماً يأخذ بالكمالات يرفع الله قدره، ويقذف الله في قلوب الناس حبه وإكرامه وإجلاله كما صان العلم وصان كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أحسن بحق العلم عليه؛ فإن الله عز وجل يقذف في نفوس الناس الشعور بحقه ومكانته، والعكس بالعكس.
ولذلك تجد بعض الناس إذا جالس الناس له هيبة ومحبة وكرامة، وقد تجده من عامة الناس، لكن تجد عنده من الصفات الحميدة، ومن كمالات المروءة ما جعل الله له به هذا الحال الحسن عند الناس، والعكس: فقد تجد الرجل ولو كان في منزلة عالية، ما أن يصبح متهتكاً ويرتكب خوارم المروءة إلا وجدت الناس لا تشعر له بإجلال ولا تشعر له بهيبة، نسأل الله السلامة والعافية.
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء فلا يزال المسلم بخير ما استحيا وأخذ بكمالات الأمور، فالذي يظهر أنه ينتظر إلى الإذن أو القرينة الدالة على الإذن.
ولذلك جرت العادة في بعض الأحيان أنه إذا وضع الطعام للضيوف أنهم ينتظرون إذن صاحب الطعام، وهذا لا شك أنه أفضل وأكمل؛ لأن صاحب الطعام في بعض الأحيان يحب أن يتكامل طعامه حتى يراه الضيف ويشعر بمكانته عنده، ويحب أن تُرى سفرته وهي على أتم وجوهها وأكملها، فلا شك أن هذا أفضل وأكمل.
(282/14)
________________________________________
حضور الوليمة التي فيها منكر لتغييره
قال رحمه الله: [وإن علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره حضر وغيره وإلا أبى] لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والله أوجب عليه التغيير، والتغيير متوقف على حضوره، فيجب عليه الحضور وينكر ما أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم برده وإنكاره.
وإلا أبى عن الإجابة؛ لأن حضوره إقرار بذلك، وقال بعض العلماء: يحضر ويهنئ ذا الرحم -كأن يكون ابن عمه أو قريبه- يحضر ويهنئه ويأخذ بخاطره، ثم ينصحه في المنكر، فإن استجاب فالحمد لله وإن لم يستجب ينصرف، فعندنا حضور، وعندنا جلوس، فالحضور واجب عليه على الأصل، أما مسألة الجلوس والمكث فوجود هذا العارض يمنع من الجلوس، فيصبح المنع بخصوص الجلوس، ولا يسقطون عنه الحضور، بل يقولون: يحضر؛ لأن إجابة الدعوة تشمل الأمرين، وإذا سقط أحدهما وهو الجلوس في مكان المنكر فلا يسقط الآخر، ولا شك أن الثاني فيه احتياط، وقد يكون في زماننا أبلغ في التأثير على الناس، لكن إذا كان الشخص تأول القول الآخر بأنه لا يحضر بالكلية فله وجهه.
(282/15)
________________________________________
إذا علم بالمنكر بعد حضوره الدعوة
قال رحمه الله: [وإن حضر ثم علم به أزاله].
(وإن حضر) على أنه ليس هناك منكر، ثم أخبر أن هناك منكراً، وأزاله أتم جلوسه، فإن لم يُستجب له انصرف، هذا بالنسبة إذا حضر وليس بذهنه أن هناك منكراً.
والمنكر لابد أن يكون منكراً؛ لأن في بعض الأحيان قد ينكر الإنسان شيئاً أقرته الشريعة، فتجد بعض طلاب العلم إذا سمع ضرب الدفوف ينصرف، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف)، والشرع مقصوده أن يضرب بالدف ويسمع حتى يعلم الناس أن هناك زواجاً، فمن حضر يعلم أنه زواج، ومن لم يحضر يعلم أن فلاناً تزوج فلانة، فإذا أردت أن تخفي هذا الدف خالفت مقصود الشرع، فالبعض ربما يجعل ما هو سنة منكراً بسبب الجهل، فلابد من سؤال العلماء والتبيّن والاستبيان، فإن بان أن هذا منكراً لا يجوز، وأن الله ورسوله لم يأذن به، وأنه مما حرم؛ فحينئذٍ يعامله معاملة المنكر من وجوب تغييره، فيغير باليد، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
فإذا لم يقبل منه ذلك انصرف، فيكون أدى للمتزوج حقه، وقام بحق الله عز وجل من الخروج من مكان المنكر، ويشمل هذا شرب المحرمات، فشرب المحرمات على نوعين: الأول: نوع يحضره أهل الزواج للشخص ليشربه، فيكون المجلس عاماً، مثل القاعات الواسعة، فتدخل الآلات المحرمة التي يشرب الحرام بواسطتها، على مرأى ومسمع من الناس، ومعنى ذلك أنه أخبر صاحب القاعة أن يحضر هذا الشيء لمعازمه وضيوفه، وأنه مقر لذلك.
فإذا حضرت فمن حقك أن تقوم؛ لأنه لا يمكن أن تقول لمن يشربها: ما يجوز هذا، وتذهب إلى كل من يشربها فتنصحه، بل تذهب إلى أهل الزواج وتقول لهم: اتقوا الله عز وجل فهذا لا يجوز، والله يبارك لكم في زواجكم ويباركم لك في هذا الزواج إذا اتقيتموه، وإذا اتقيتم الله عز وجل وضع لكم الخير في هذا الزواج، أما أن تسايروا الناس فيما حرم الله فهذا لا خير لكم فيه، وقد يمحق الله بركة الزواج بحصول هذه المحرمات فيه، فتذكرهم بالله.
ومن التذكير بالله أن ترغبهم فيما عند الله من حصول البركة بزواجهم وحصول الرضا عنهم إن أطاعوه، وترهبهم مما عند الله من العقوبة، بأسلوب مؤثر ومقنع ومقبول وحسن، مدعم بالدليل من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بينت لهم الحجة واستبان لهم السبيل واستبانت لهم المحجة بعد ذلك إن رضوا وأجابوا فالحمد لله، وإن أبوا وأصروا فإنك تنصرف إحياءً لحق الله عز وجل.
الثاني: إذا كان المنكر يفعله الشخص المدعو في نفسه، فإن هذا تنكره على الشخص نفسه، فإذا كان يشرب المحرم من نفسه، وأهل الزواج لم يعطوه المحرم ليشرب، وإنما هو من نفسه أخرج المحرم وشربه، فإنا لا نحمل أهل الزواج، وإنما نقول لأهل الزواج: أنكروا على هذا؛ لأنه لا يجوز لهذا أن تأتوا بها في مجامع الناس من أجل أن يشرب قالوا: والله! هذا ضيف! فلك الحق أن تخرج؛ لأنهم أقروه على منكره.
فإن جاءوه ونصحوه ومنعوه أن يشربه، ولم يمتنع من شربه في وجه الناس؛ فحينئذٍ جلست وإلا انصرفت، هذا بالنسبة للمنكر الخاص، وفي بعض الأحيان يكون المنكر الخاص في معزل، مثلاً: يكون من يشرب الحرام يأتي به في جيبه ويشربه في غرفة لست أنت فيها، فيسع الجلوس في هذه الحالة، كما لو اغتاب أو قال النميمة في مجلس غير مجلسه، فالأمر في هذا أوسع.
قال رحمه الله: [فإن دام لعجزه عنه انصرف].
فإن دام وبقي المنكر وهو عاجز عن إنكاره انصرف.
قال رحمه الله: [وإن علم به ولم يره ولم يسمعه خير].
مثلاً: قيل له: في الغرفة الفلانية كذا أو جيء بكذا، فقال بعض العلماء: إنه يخير: فإن شاء جلس، وإن شاء انصرف، لكن يجب عليه إنكاره -إن وسعه ذلك- بيده أو بلسانه إذا لم يستطع باليد على الترتيب المعروف في إنكار المنكر.
(282/16)
________________________________________
حكم النثار والتقاطه
قال رحمه الله: [وكره النثار والتقاطه].
كانوا في الأعراس ينثرون الحلوى وينثرون الدراهم، فيرمونها والناس تلتقطها، وكان هذا موجوداً إلى عهد قريب، والحمد لله أن هذه الأمور اندثرت وذهبت، ونسأل الله ألا يعيدها، فهي من الأمور التي لا خير فيها؛ لأنهم كانوا ينثرون الطعام وينثرون الحلوى فيتساقط الناس عليها، ويتسابقون في أخذها، فتحدث الشحناء والبغضاء والتنافس على أمور الدنيا، وتجعل بعضهم يحقد على بعض.
وكانوا ينثرون الدراهم والأموال على المدعوين الذين حضروا من باب المكافأة لهم على الحضور، فيكره هذا النثار؛ ويجوز له أن يعطي، وقيل: إنه يكره؛ لما فيه من الآثار السيئة، ويكره للإنسان أن يأخذه؛ لأنه من خوارم المروءة، فالتقاط النثار من خوارم المروءة.
وفي حكم هذا الصدقات عندما ترمى على الناس، فكره بعض أهل العلم هذا الأسلوب، ومثل أن يكون عنده ماء يريد أن يتصدق به على الناس فيرميه على الناس، أو تكون عنده أطعمة يرميها على الناس وتسقط على الأرض، ولربما تلفت إذا سقطت، ولربما ضربت الناس في رءوسهم وفي أجسادهم، وقد ترمى رمياً فيه أذية، ورميها يغري الناس بضرب بعضهم لبعض، وأذية بعضهم لبعض، فإذا جئت تنظر إلى الحسنات التي يأخذها فقد تكون السيئات وسب الناس بعضهم لبعض وشتم الناس بعضهم لبعض أعظم، كل هذا من المفاسد التي هي أعظم من المصلحة التي ترجى من وراء اليسير الذي يريد أن يسقيه الناس أو يعطيهم.
ولذلك كره العلماء مثل هذا الأسلوب، وهو في حكم النثار، إنما المنبغي أن يرتب الناس، ويعطى الأسبق فالأسبق، بطريقة تحفظ ماء وجوه الناس، وتحفظ كرامتهم، وأيضاً تدفع الضرر عنهم، ولا تكون سبباً في حصول الضرر عليهم، ولا تكون سبباً في امتهان نعمة الله عز وجل والإضرار بها.
قال رحمه الله: [ومن أخذه أو وقع في حجره فله].
ومن أخذ النثار فإنه له؛ لأنه يملك بالقبض، والهبة والعطية إذا قبضها أخذها وملكها، وهذا بإجماع العلماء كما حكاه الوزير بن هبيرة رحمه الله في كتابه الإفصاح، فالهبة تملك بالقبض.
قال أبو بكر رضي الله عنه: (يا عائشة! أي بنتاه! إني كنت قد نحلتك من مالي بالغابة، ولو أنك قبضتيه لكان ملكاً لك، أما وإنكِ لم تقبضيه فأنت اليوم وإخوتك فيه سواء)، فهذا يدل على أنه إذا لم يقبض الموهوب لا يملك.
(282/17)
________________________________________
مشروعية إعلان النكاح
قال رحمه الله: [ويسن إعلان النكاح والدف فيه للنساء].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف)، فيضرب النساء بالدفوف؛ لأن في ذلك إحياءً للسنة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، وفيه فرق بين السفاح والنكاح؛ لأن السفاح يسر، والنكاح يشهر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(282/18)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب عشرة النساء [1]
الحياة الزوجية قائمة على أساس الشراكة بين الرجل والمرأة في تكوين الأسرة، وقد أعطى الإسلام كلا الزوجين حقوقاً في هذا المجتمع الصغير، كما أوجب على كلٍ منهما القيام بحق صاحبه، وسن بعض الآداب التي ينبغي مراعاتها في العشرة الزوجية حفاظاً على سعادة البيت والأسرة، وحرصاً على الوفاق بين الزوجين، إذ بدون أن تتميز الحقوق والواجبات لن يجد الفرد سعادته، وفيما يلي بيان لهذه المسائل في العشرة بين الزوجين.
(283/1)
________________________________________
الحقوق الزوجية
(283/2)
________________________________________
أقسام الحقوق الزوجية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب عشرة النساء] لما بيّن المسائل المتعلقة بالنكاح شرع فيما يترتب عليه من آثار، من وجوب عشرة كل من الزوجين للآخر، والأصل في هذا الباب قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] وقوله سبحانه وتعالى في الحقوق: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228].
وقد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم السنن والأحاديث في بيان ما يجب على الزوج لزوجته، وفيما يجب على الزوجة لزوجها، فكل من الزوجين مطالب بحق للآخر، وهذا ما يسمى بالحقوق الزوجية، فمن العلماء من يقول: باب الحقوق الزوجية.
ومنهم من يقول: باب عشرة النساء، وكلا البابين يذكر فيه الأحكام المتعلقة بالمعاشرة.
وعشرة النساء الهدي فيها هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكمل ما تكون المعاشرة بالمعروف بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته القولية والفعلية والتقريرية في معاشرة أهله وزوجه صلوات الله وسلامه عليه.
قال رحمه الله: [يلزم الزوجين العشرة بالمعروف] الحقوق الزوجية تنقسم إلى ثلاثة أنواع: - حق للزوج على زوجته.
- وعكسه حق الزوجة على زوجها.
- والحقوق المشتركة.
وبعض العلماء يقسمها إلى اثنين مقسمة إلى ثلاثة فيقول: - الحقوق المشتركة - والحقوق الخاصة.
ثم الحقوق الخاصة إما للزوج على زوجته أو العكس.
فأما الحقوق المشتركة فابتدأ المصنف رحمه الله بها في قوله: [يجب على كل من الزوجين أن يعاشر الآخر بالمعروف] والمعروف ضد المنكر، أي: بما أقره الشرع لا بما أنكره، وبما أذن به الشرع لا بما حرمه، ويشمل هذا: المعاشرة بالمعروف بالكلام الطيب، والمعاشرة بالمعروف بالفعل الطيب.
والمعاشرة بالمعروف تكون في الأمور المادية والمعنوية، وتكون المعاشرة بالمعروف في القلوب وفي الأمور الخفية المغيبة، فيغيب في قلبه حسن النية لزوجته، وتغيب الزوجة في قلبها الخير ونية الخير لزوجها، فيشمل هذا الظاهر والباطن والقول والفعل.
كل ذلك ينبغي أن يقوم على المعروف الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يقوم على المنكر، أي: على المحرم الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والمعروف أيضاً ما تعارف عليه أهل العقول السوية والفطر السليمة، فالأمور التي تعارف عليه العُقلاء والفُضلاء يعاشر كل من الزوجين الآخر بها، فهذا معنى قوله: [العشرة بالمعروف].
والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] وقال تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة:231].
وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاشر أهله بالمعروف، وأحسن إلى أزواجه صلوات الله وسلامه عليه وأكرمهن.
(283/3)
________________________________________
حرمة عدم القيام بالحقوق الزوجية من كلا الزوجين
قال رحمه الله: [ويحرم مطل كل واحد بما يلزمه للآخر والتكرّه لبذله] ويحرم المطل، المطل: التأخير، ومنه: مطل الغني في السداد، وهو القادر على السداد.
(يحرم مطل) وهو تأخير الحق، فإذا طلب الزوج زوجته إلى الفراش وهي قادرة ويمكنها ذلك فلا يجوز أن تؤخره، بل تبادر مباشرة بطاعته، كذلك إذا طلبت الزوجة من زوجها نفقة البيت ونفقتها، وعنده مال، ويمكنه أن يعطيها مباشرة، فلا يجوز أن يقول: أعطيك غداً أو بعد غد، ويؤخر عنها حقها، فكل لحظة وكل ساعة يتأخر فيها يحمل وزرها وإثمها والعياذ بالله.
ولذلك الملائكة تلعن المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشها وهي قادرة وامتنعت، فتبيت والملائكة تلعنها والعياذ بالله.
وكما يحرم المطل يحرم أن يؤدي الحق الواجب عليه وهو كاره، بطريقة تشعر أنه مكره، فإن العشير إذا عاشر عشيره، ووجد أنه يعطيه حقه بكره، وكأنه مغصوب على ذلك، كره عشرته ونفر منه ومل العيش معه، وهذا هو الذي تنهدم به البيوت وتتشتت به الأسر، ويدخل به الشيطان بين الزوجين.
فلذلك لا ينبغي أن يؤدي الحق بكره، والكره يشمل التصريح بالقول، كأن تتكلم المرأة كلاماً يدل على أنها غير راضية، أو يتكلم الرجل كلاماً يدل على أنه غير راض، كأن يعطيها نفقتها ويقول كلمة نابية قاسية جارحة، كأن يقول: خذي نفقتك لا بارك الله لك فيها -والعياذ بالله- أو: خذي نفقتك مغصوبة، أي أني أعطيكِ إياها وأنا كاره لذلك، وخذيها بلا طيبة نفس مني، أو: خذيها ولا أريد أن تأخذيها، ونحو ذلك الكلام.
ويكون بالفعل كتذمره بالتأفف؛ وكذلك أيضاً لون الوجه وظهور أمارات الكراهية كل ذلك من الكره، سواء وقع من الزوج أو الزوجة، فكل ذلك مما لا يجوز؛ لأنه خلاف المعروف الذي أمر الله به في كتابه المبين ووصى به عباده المؤمنين.
(283/4)
________________________________________
موجبات عقد النكاح
قال رحمه الله: [وإذا تم العقد لزم تسليم الحرة التي يوطأ مثلها في بيت الزوج إن طلبه ولم تشترط دارها أو بلدها].
(إذا تم العقد لزم تسليم الحرة) في بيت الزوجية، فيلزم أولياءها أن يسلموها لزوجها، ما لم يكن هناك أمور جرى العرف أو اتفق الطرفان على التأخير من أجلها كتجهيزها، أو حدد يوم معين للإتيان بها، فيجوز التأخير إلى الأجل، أما غير ذلك فالأصل يقتضي أن الرجل من حقه أن يدخل على زوجته وأن تسلم زوجته إليه في بيت الزوجية.
(إن طلبه) طلب التسليم، فعندنا مسألة العقد ثم مسألة الدخول، فإذا ثبت أن هناك حقاً للزوج على زوجته، فإنه يبدأ من العقد، فابتدأ المصنف بالعشرة الزوجية والحقوق من العقد، وهذا من دقته رحمه الله، أنه يسلسل الأفكار ويتابع بعضها بعضاً، فابتدأ أول ما ابتدأ بما يترتب على العقد فقال: [إذا تم العقد وجب التسليم].
فعلى هذا حق الزوج على زوجته أن تسلمه وتمكنه من نفسها بمجرد العقد، هذا من حيث الأصل العام، وتبقى الأمور التي جرى عليها العرف والتراضي بين الطرفين، فهذه مختلفة بحسب اختلاف الأحوال.
لكن لو قال: أريد أن أدخل على زوجتي، فقال أبوها: لا، حتى تنتهي من دراستها، وقد عقد عليها وتم العقد، فليس من حق أبيها أن يحول بينها وبين زوجها، ولو رفع أمره إلى القاضي لألزمه القاضي أن يُسلم الزوجة إلى زوجها في بيته بيت الزوجية.
[ولم تشترط دارها أو بلدها] (ولم تشترط دارها) لو قالت: ما تدخل عليّ إلا في بيت أبي، فلا يجوز أن يخرجها، فلو طالب أهلها أن يأتوا بها إليه في بيت الزوجية لم يكن له ذلك؛ لأنهم اشترطوا عليه أن تكون عندهم، وقد تكلمنا على هذا الشرط: أن تشترط دارها أو بلدها.
فلو كان بلده بلداً غير بلدها كأن يكون في جدة وهي في المدينة فقال: تأتوني بها إلى جدة، وقد اتفقوا معه في الشرط أن تكون ساكنةً في المدينة عند أهلها، فعلى ما اختاره المصنف رحمه الله أنه شرط يجب الوفاء به، فليس من حقه أن يطالبهم بنقلها إلى جدة، بل تبقى؛ لأن المصنف يميل -كما هو قول بعض الصحابة رضوان الله عليهم- إلى أن الزوجة تلزمه بهذا الشرط وتبقى عند أهلها وفي دارها.
قال رحمه الله: [وإذا استمهل أحدُهما أمهل العادةَ وجوباً لا لعمل جهاز] وإن استمهلَ الرجلُ أولياءَ المرأةِ، أو أولياءُ المرأة استمهلوا الرجلَ وقالوا: أمهلنا، البنت مثلاً عندها ظرف، كما لو كانت مريضة وخافوا عليها أنها لو ذهبت إلى بيت الزوجية يشتد مرضها، قالوا: تمهلنا، فاستمهل عادةً؛ لأن العادة جارية أن مثل هذا النوع من النساء يُمْهَل، فيُمْهِلهم ويعطيهم المهلة بالمعروف، يعني: بما جرت به العادة والعرف.
(لا لجهاز) لو فُتِح الإمهال للجهاز لاختلفت أنظار الناس في الجهاز، وبالغ النساء في هذا، والجهاز يُقْصَد منه حظوة المرأة عند زوجها، فإذا هو استعجل وقال: أريدها، فأسقط حقه في الجهاز، فحينئذٍ لا يكون الجهاز عذراً يمنع من إجابة حقه، هذا وجهه، أن الجهاز في الأصل يراد به حظوة المرأة عند زوجها، فلو الزوج استعجل وقال: يريدها بدون جهاز، وهذه امرأته، وربما خاف على نفسه الحرام أو عنده ظرف، مثلاً: أخذ إجازة ثلاثة أيام فقالوا: نريد أن نجهزها يومين أو يوم، فقال: ما أريدها مجهزة، أريد امرأتي الآن، فهذا من حقه، ويجب عليهم أن يعطوها إليه عند طلبه، فهذا معنى قوله: (لا لجهاز).
قال رحمه الله: [ويجب تسليم الأمة ليلاً فقط].
(ويجب تسليم الأمة ليلاً) لأنها نهاراً ملك لسيدها، تخدم سيدها وتقوم بحقه، وإذا زوجها سيدها فقد أسقط حقه في المبيت، فلا يملك الزوج إلا المبيت، فإذا تزوج أمةً فلا يملك طلبها إلا في الليل للفراش.
قال رحمه الله: [ويباشرها ما لم يضر بها أو يشغلها عن فرض] فيجوز له أن يباشرها ما لم يضرها أو يشغلها عن فرض، فإذا استحق المرأة بنكاح حُقَّ له أن يباشرها وأن يجامعها وأن يدخل بها ويبني بها، فإذا خلا بها يباشرها؛ لأنها امرأته قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة:187].
{طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النور:58] والله أحل المرأة لزوجها والزوج أحله لزوجته، فليس هناك مانع من المباشرة وغيرها من أمور الاستمتاع، وذلك يكون حلالاً بمجرد العقد.
لكن إذا عقد الرجل على المرأة وجرت العادة أنه ما يدخل بها إلا بعلم من أهلها، فمن القبيح أن يأتي إلى بيت أهلها زائراً ويطؤها ويدخل بها دون علم من أهلها؛ لأن هذا تترتب عليه مفاسد عظيمة، فلو أنه جاء إلى بيت الزوجية والمرأة بكر ودخل بها ووطئها، ثم خرج وحدث له حادث بمجرد خروجه، وصارت المرأة حاملاً، لقالوا: إنها زانية والعياذ بالله، واتُّهِمَت، ولا يمكن أن ينسب هذا الولد إليه؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على أنه دخل بها، والمعروف والمتعارف به أنه يختلي بها من أجل الحديث، فإذا ادعت المرأة تكون حينئذٍ محلاً للتهمة، فمثل هذا تترتب عليه مفاسد عظيمة.
فالرجل يتوقف، ويكون من حق ولي المرأة -أبوها وأمها- أي: الأولياء بالعرف وليس بالحكم الشرعي؛ لأن الولاية للعصبة كما ذكرنا؛ لكن مَن يلي أمرها مِن حقه إذا استراب أن هذا الزوج متهتك، أو أنه يتساهل في بعض الأمور أن لا يُمَكِّنه، وحتى لو يجتمع بها يجتمع بها على طريقة يأمن منها أن يقع شيء؛ لأن بعض الناس قد يكون نسأل الله السلامة والعافية رجلاً شريراً وعنده نية سوء، فقد يصيب المرأة ويستمتع بها، ثم بعد ذلك ينكر، ويطالبها بالحقوق ويدعي عليها ما لم يكن، وقد يتأخر في الدخول عليها ويظهر بها حمل، فيضغط على أهلها ويدعي والعياذ بالله زوراً وبهتاناً أنه لم يطأها ولم يصبها، فيتلاعب بهم وهو لا يريد ابنتهم إنما يريد الإضرار بهم.
ونفوس الناس مختلفة -نسأل الله السلامة والعافية- ووقعت حوادث بسبب هذا، والأسر والجماعات التي تتساهل في مثل هذا تبوء بعواقب وخيمة، وسببها التساهل في مثل هذه الأمور.
فلا ينبغي في مثل هذا أن يُمَكَّن إذا عُرِف منه التهتك والتساهل في مثل هذا.
(283/5)
________________________________________
حقوق الزوج على زوجته
شرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة ببيان بعض المسائل والأحكام المتعلقة بالعشرة الزوجية، ومنها: أن الزوج إذا أراد أن يسافر فله الحق أن يصحب زوجته معه، والسبب في ذلك: أنه يخاف على نفسه الفتنة، كما أن المرأة تقوم على شأن زوجها في سفره، ولربما كان تركه لامرأته فيه ضررٌ على المرأة وفتنة لها، فيكون الأمر آكد.
قال رحمه الله: [وله]: أي: للزوج.
[أن يسافر] بها: أي: بالمرأة، ويسافر بها شريطة أن لا يكون ذلك معرضاً لها إلى الخطر، أو الوقوع في الضرر، فإن كان في السفر تعريض لها إلى مثل ذلك، فحينئذٍ يجوز لها أن تمتنع.
قال رحمه الله: [ويحرم وطؤها في الحيض والدبر]: أي: ويحرم وطء المرأة في الحيض، والمراد به أن يطأها وهي حائض، وقد دل دليل الكتاب، ودليل السنة على تحريم وطء المرأة الحائض، فقال الله سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، فقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} أمر بالاجتناب والاتقاء والابتعاد، وهذا الأمر محدود بالمكان في قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222]، والمحيض اسم مكان، كالمَقِيل، أي: مكان الحيض، وبناءً على ذلك لا يجوز له أن يطأها ويجامعها وهي حائض؛ ولكن يجوز له أن يستمتع بما دون الفرج، فله أن يباشرها، وأن يفاخذها، وأن يستمتع بجميع ما يكون منها، إلا الوطء في الفرج، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح).
وقد قدمنا في كتاب الحيض تفصيلات العلماء، وكلام العلماء عما يحل وما يحرم من المرأة الحائض، وبينا أن أصح قولي العلماء أنه يجوز له أن يستمتع فيما بين السرة والركبة من المرأة الحائض، إذا غلب على ظنه الأمن من الوقوع في المحظور، أما إذا غلب على ظنه أنه سيجامعها فيحرُم؛ لأن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها، والنهي عن الشيء نهي عن وسائله المفضية إليه، كما أن الأمر بالشيء أمر بلازمه وبما يعين عليه ويُتَوَسَّل بطريقه إلى ذلك الشيء.
فبيَّن رحمه الله أنه لا يجوز وطء المرأة الحائض، وهذا بإجماع، كما بين أنه لا يجوز الوطء في الدبر، وهذا أيضاً بإجماع العلماء -رحمهم الله- فلا يحل إلا في الأقوال الشاذة المحكية عن بعض المتقدمين، وهي تُحْكَى ولا يُعَوَّل عليها ولا يُعْمَل بها، فإن مكان الوطء هو موضع الحرث؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة:223]، فالحرث هو مكان الوطء، وهو القُبُل من المرأة، وأما الدبر فإنه ليس بحرث ولا بمكانٍ للوطء، ولا بمحل له.
والطب يؤكد أن الوطء في الدبر ضرر على الرجل وضرر على المرأة، فلذلك لا يجوز وطء الدبر، ولا يُعْتَدُّ بمن خالف.
قال رحمه الله: [وله إجبارها على غسل حيض ونجاسة]: [وله]: أي: للزوج إجبار زوجته على غسل حيض؛ لأنه في أصح قولي العلماء أن المرأة الحائض لا يجوز وطؤها إلا بشرطين: أولاً: أن تطهر من حيضها.
والثاني: أن تغتسل من ذلك الحيض.
وبناءً على ذلك فإنها لو طهرت ولم تغتسل، فالخلاف بين الجمهور والحنفية، وذكرنا هذه المسألة في الطهارة، والصحيح: أنه لا يجوز وطؤها إلا بعد أن تغتسل من الحيض؛ لقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يقول: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، فنهى عن وطئهن إلى الطهر، ثم قال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}، فجاء الطهر على مرحلتين: المرحلة الأولى: وصف الله عز وجل به المرأة فقال: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} فوصفها بشيء ليس بيدها.
المرحلة الثانية: وصفها بطهر في يدها، فقال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ}، فدل على أن انقطاع الدم وحده لا يكفي، وأنه لا بد من انقطاع الدم واغتسالها بعد انقطاع الدم عنها، فحينئذٍ يحل له وطؤها.
فإذا ثبت أن المرأة الحائض لا يجوز وطؤها، إلا إذا انقطع عنها الدم، ثم اغتسلت، فإنها قد ينقطع عنها الدم، وتتأخر في الغسل، فإن انقطع عنها الدم، فإن الزوج لن يطأها في طيلة مدة أيام الحيض، وحينئذٍ يتضرر بانحباسه عن المرأة، فإذا تضرر بالانحباس وطهرت المرأة فله أن يجبرها ويلزمها أن تغتسل؛ لأن مصلحته متعلقة بذلك، وحينئذٍ يجبرها أن تغتسل، وتبادر بالغسل مباشرة، ما لم يكن في ذلك ضررٌ عليها.
قوله رحمه الله: (على غسل حيض ونجاسة) أي: وله أن يجبر زوجته على غسل النجاسة، وذلك لأن النفوس تتأفف وتتألم بالنجاسة والقذر، والمرأة مطلوب منها أن تهيئ جميع الأسباب؛ لتحبيب زوجها؛ لكي تكون حظية عند زوجها، وذلك بالاغتسال والنظافة والنقاء، ولا يجوز لها أن تتعاطى الأسباب المنفرة بحيث ينفر منها زوجها، ولذلك ينبغي عليها أن تتعاطى أسباب إزالة النجاسة، وله الحق أن يجبرها على غسل النجاسة من دم أو بول أو نحو ذلك، فيقول لها: اغسلي هذا الدم، واغسلي هذه النجاسة، ويجبرها على ذلك.
قوله رحمه الله: [وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره] إذا كان الواجب على المرأة أن تتعاطى الأسباب -كما ذكرنا- للقيام بحق الزوج؛ لتحبيبه بالمحبة والألفة، فإن هذا يستلزم منها أن تكون على أحسن الأحوال وأتمها، فتأخذ من الشعر ما تعافه النفوس، كشعر الإبطين، وكذلك شعر العانة، فإنه يلزمها إزالة هذا الشعر ونحوه، وله الحق أن يوبخها إذا قصرت في شيء من ذلك، ولا شك أن المرأة إذا قصرت في مثل هذه الأمور، فإنه نوع من الاستخفاف بحق الزوج، ونوع من التبذل الذي قد يصل إلى حد المكروه، إذا كان فيه نوع من النسيان لحق العشير، وإذا قصدت به الإضرار وصل إلى التحريم؛ لأنه لا يجوز للمرأة أن تضر زوجها، ولا أن تتعاطى الأسباب التي تنفره، فله الحق أن يأمرها بحلق شعر العانة، وهكذا بالنسبة لشعر الإبطين، وله الحق أن يأمرها بإزالة شعر اللحية، وهكذا الشارب، وكذلك لو ابتليت بشعر في وجها، على أصح قولي العلماء؛ لأن هذا تنفر منه النفوس وتعافه، فله الحق أن يطالبها بإزالته، والقاعدة الشرعية تقول: (الضرر يزال) وهي قاعدة مجمع عليها، فالزوج يتضرر بذلك، فحينئذٍ يجب على المرأة أن تزيل هذا الضرر، الذي يمنعه من كمال الاستمتاع بها.
قوله رحمه الله: [ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة] وذلك لأنها ليست مكلفة به، فالذمية ليست مكلفة بغسل الجنابة، على القول بأن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة.
(283/6)
________________________________________
حقوق الزوجة على زوجها
قال رحمه الله تعالى: [فصل: ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع، وينفرد إن أراد في الباقي] حقوق الزوجية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حق الزوج على زوجته.
القسم الثاني: حق الزوجة على زوجها.
القسم الثالث: الحقوق المشتركة التي لا تختص بواحد منهما.
فأما حقوق الزوج على زوجته فمنها: حق القوامة، وطاعتها لزوجها وبعلها، وأن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وأن تطيعه في ذلك، وأن لا تأذن لأحد أن يدخل إلى بيته إلا بإذنه، وإذا دعاها إلى فراشه أن تجيب وأن تلبي، ومن حقه عليها أن لا تصوم نفلاً وهو شاهد إلا بإذنه، وأمّا قضاء رمضان فيفصل فيه بين الموسع والمضيق، فإن ضاق جاز لها أن تصوم بغير إذنه، وإن كان موسعاً فإن له الحق أن يؤخرها، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، هذا بالنسبة لحق الزوج على زوجته.
وأما حق الزوجة على زوجها: فإن للمرأة على زوجها حقوقاً، وهذه الحقوق التي للمرأة على الزوج فرضها الله سبحانه وتعالى وبيَّنها، فمنها ما يكون مصاحباً للعقد كحق المهر والصداق، وقد سبق وتقدم الكلام عليه، ومنها: حق النفقة بالمعروف، وهذا سيأتي إن شاء الله بيانه في كتاب النفقات، وكذلك حق المبيت والقسم، وهذا ما سيبينه المصنف رحمه الله في هذه الجمل الآتية.
وأمَّا الحقوق المشتركة، فهي التي تجب على الزوج، وتجب على الزوجة، فلا تختص بزوج ولا بزوجة، ومن هذه الحقوق المشتركة: حق العشرة بالمعروف، فإنه يعتبر من الحقوق المشتركة، فيجب على الرجل أن يعاشر امرأته بالمعروف، ويجب على المرأة أن تعاشر زوجها بالمعروف.
قوله رحمه الله: (ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع) أي: يلزم الرجل أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع ليال؛ لأن الله أحل له نكاح الأربع، فدل على أن نصيب الواحدة ليلة من أربع ليال، هذا بالنسبة للحرة في مبيته معها، وسيأتي أن المبيت يكون بالليل، ويكون بالنهار، على اختلاف أحوال الناس، ويقصد من المبيت الجماع، إلا أنه في بعض الأحيان إذا كان به عذر، أو بها عذر، قصد من المبيت الأنس، والمباسطة، وكونه معها، كما سيأتي إن شاء الله التنبيه عليه.
فيلزمه أن يبيت معها ليلة من كل أربع ليالٍ، ولذلك قال كعب بن سور للرجل الذي جاءت زوجته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تشكوه تعريضاً: إن لها عليك حقاً يا رجل تصيبها في أربع لمن عقل فألزمه بليلة من بين أربع ليال.
قال رحمه الله تعالى: (وينفرد إن أراد في الباقي) هذا بالنسبة لإصابة الرجل المرأة، فقد قالوا: يصيبها في كل أربع ليالٍ مرة، وأما بالنسبة للرجل، فإن تضررت بوطئه، فقد أُثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن امرأة اشتكت من بعلها أنه أضر بها، فأجاز له أن يصيبها ثلاث مرات، فجعلهن كالحد إذا تضررت المرأة بالزيادة، وذلك من قبل صلاة الفجر، وحين توضع الثياب من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، فهذه ثلاثة أوقات، قيل: إنها تنبيه من الشرع على الحد الذي يتفق لغالب الناس، هذا بالنسبة للرجل.
وبالنسبة للمرأة فعلى الرجل في كل ليلة من أربع أن يصيب المرأة إن أمكنه ذلك، ولم يكن ثَمَّ عذر، وعلى المرأة أن تكون له منها ثلاث عورات، إذا كان شديد الشهوة، وتضررت المرأة بكثرة وطئه.
قال رحمه الله تعالى: [ويلزمه الوطء -إن قدر- كل ثلث سنة مرة] ويلزمه -أي: يجب عليه- الوطء إن قدر عليه، بخلاف الذي لا يقدر ككبير السن والزمن، فالشخص الذي لا يقدر لا يكلف؛ لأن الله تعالى يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فدلت هذه الآية الكريمة على أن تكاليف الشريعة كقولنا: (يجب عليه ويلزم به) لا تكون إلا حيث تكون الاستطاعة والقدرة، فإن كان رجل لا يقدر على الوطء، ولا يمكنه الوطء فهذا معذور ويعذر، لكن قال رحمه الله: (إن قدر عليه) أي: إن أمكنته القدرة فيلزمه أن يطأ في كل ثلث سنة مرة؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حفصة بنت عمر رضي الله عنها: كم تصبر المرأة عن بعلها؟ فقالت رضي الله عنها: ثلاثة أشهر والرابع على مضض، تعني: يخشى عليها الحرام، فأرسل إلى الأجناد ألا يمكنوا الرجل أن يغيب عن امرأته أكثر من ثلث السنة، وهو أربعة أشهر، وهي المدَّة التي جعلها الله عز وجل مدة للإيلاء، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، فلا ينقطع عن امرأته هذه المدة؛ لأنه يخشى أن تقع المرأة في الحرام، وكذلك هو لا يؤمن عليه أن يقع في الحرام، فإن رضيت المرأة، وتنازلت عن حقوقها، وطاب خاطرها، وكانت واثقة من نفسها بمعونة الله عز وجل لها، فتساهلت مع زوجها، وأذنت له، وسمح خاطرها، وطاب خاطره أن يغيب عنها أكثر من هذه المدة، فهذا شيء بينهما لا بأس بذلك، ولا حرج، كأن يغيب عنها السنة والسنتين والثلاث لطلب علم، أو لتجارة، أو كسب رزق، أو نحو ذلك، مادامت أنها راضية وواثقة من نفسها.
قال رحمه الله تعالى: [وإن سافر فوق نصفها وطلبت قدومه وقدر لزمه، فإن أبى أحدهما فرق بينهما بطلبها] أي: إن سافر فوق نصف السنة، وهو معنى قوله: [إن سافر فوق نصفها]، وطلبته وقدر، أي: قالت له: أريدك أن تأتي وقدر أن يأتي فيجب عليه أن يرجع من سفره؛ لأن الضرر يزال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، وهو حديث أجمع العلماء على صحة متنه؛ لأن النصوص في الكتاب والسنة كلها تدل دلالة واضحة على صحته، فهذا أصل في أنه لا يجوز للرجل أن يضر بالمرأة، ولا أن يتسبب في الإضرار بها، فسفره مضر بها، والنهي عن الشيء نهي عن أسبابه، فالله نهى عن الضرر، وسفره هذا فيه ضرر، فيجب عليه أن يعود إلى زوجته، وأن يقوم بحقوقها.
وقوله رحمه الله تعالى: [فإن أبى احدهما فرق بينهما بطلبها] فإن سافرت وطلبها أن تعود، أو سافر وطلبت منه أن يعود، فحينئذٍ إن رجع فلا إشكال، وإن لم يرجع واشتكى صاحب الحق إلى القاضي أو إلى الحاكم، فإن الحاكم يفرق بينهما؛ لأن هذا حد جاوز الضرر مثل فرقة الإيلاء.
(283/7)
________________________________________
آداب الجماع
يقول رحمه الله: [وتسن التسمية عند الوطء وقول الوارد] وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قدر بينهما ولد فلن يضره الشيطان)، فهذا من الذكر الوارد المحفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، فيقول: باسم الله؛ لأن اسم الله بركة، كما قال تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:78]، فالله جعل في اسمه البركة، والبركة زيادة الخير، فإذا سُمى الله تعالى على شيء وضع الله فيه البركة، فإن سَمَّى على جماعه اعتزل الشيطان لمكان ذكر الله عز وجل فيقول هذا الدعاء الوارد.
يقول رحمه الله: [ويكره كثرة الكلام، والنزع قبل فراغها] هذه كلها آداب يذكرها العلماء في آداب الجماع، والشريعة الإسلامية شريعة كاملة، كما قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3] فهذا الدين الذي رضيه الله عز وجل تنزيل من حكيم حميد، أتمه وأكمله فأحسن إتمامه وإكماله، فالمسلم في ليله وفي نهاره، حتى في فراشه مع زوجته، يذكر الله سبحانه وتعالى ويتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدي به، ويتأسى به فيما يقال من الوارد وفيما يُحفظ من الهدي.
فكره العلماء كثرة الكلام أثناء الجماع، ولا يحفظ في ذلك نص، وإنما هو قياس بعض العلماء إذ قالوا: إن الجماع مثل قضاء الحاجة، ومن آداب قضاء الحاجة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يذهب الرجلان يقضيان الغائط أو يقضيان الحاجة يكلم احدهما الآخر فإن الله يمقت ذلك)، فجعل المقت على الكلام عند قضاء الحاجة، قالوا: والجماع حاجة، فلا يستحب الكلام أثناء الجماع فالكلام أثناء الجماع ليس في النهي عنه نص صريح، لكن فيه قياس واجتهاد، وهذا القياس له وجهه عند من يصححه ويعتبره.
إلا أن بعض العلماء رحمهم الله ضعف هذا، وقال: فرق بين كلام وكلام.
فإن الكلام أثناء الجماع قد يكون من المعاشرة بالمعروف، وقد يكون من التحبب والتلطف مما يعين على مقصود الشرع من حصول الألفة بين الزوج والزوجة، فقالوا: إن في هذا سعة، والأمر واسع في هذا، وليس هناك نص كما ذكرنا؛ فمن يصحح القياس ويعمله يقول بما ذكرناه، وإلا فالأصل الجواز خاصة إذا انبنى عليه ما ذكرناه من المصالح الشرعية.
قوله رحمه الله تعالى: [والنزع قبل فراغها] أي: يكره النزع قبل فراغ المرأة؛ لأن الرجل ربما أنزل قبل أن تنزل المرأة، فيكون قد أصاب شهوته ولم تصب المرأة شهوتها، ونبه العلماء على ذلك لما فيه من المفاسد، والعواقب الوخيمة، فإن المرأة تكره زوجها حينئذٍ، وتحس أنه يريد قضاء حاجته فقط، وأنه لا يلتفت إليها، ولا يريد أن يحسن إليها، ويكرمها في عشرته لها، فلربما حقدت عليه، ودخل الشيطان بينهما فأفسدها عليه، فيشرع بناءً على مقاصد الشرع العامة من حصول السكن والألفة، فعليه أن يعطي المرأة حقها، وأن يمكنها من الإنزال فلا ينزع قبل أن تنزل المرأة؛ لأن ذلك أبلغ في الحظوة، وأبلغ في المحبة، وأبلغ في المودة، ومقصود الشرع تحصيل ذلك، وتحصيل الأسباب المعينة عليه.
قال رحمه الله: [والوطء بمرأى أحد] أي: ليتجنب والوطء بمرأى أحد؛ لأن الله أمر بستر العورات، فقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف:31]، فأمر بستر العورة، وامتن على عباده باللباس والستر الذي يواري السوءات ويحفظها، وفي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين في قصة المعذبين في قبورهما، قال صلى الله عليه وسلم: (أما احدهما فكان لا يستتر من بوله)، قال بعض العلماء: (لا يستتر) أي: أنه يبول فتنكشف عورته، فيبول أمام الناس ولا يستر عورته، فجُعل الوعيد في القبر على كشف العورة -والعياذ بالله- والتساهل فيها، وهذا قول عند بعض العلماء، وإن كان الصحيح القول المشهور أنه عدم الاستنزاه وقطع البول، فقد كان يستعجل في ذلك ولا يستبرئ كما جاء صريحاً في الروايات الآخر.
إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز للرجل أن يجامع زوجته، أو يقع الجماع في موضع لا يؤمن فيه نظر الغير، وكذلك لا يجوز للزوجين أن يتساهلا في كشف العورة، أو وقوع الجماع على مرأى، أو مسمع من الأبناء أو البنات، فإن ذلك من أعظم ما يضر بالأولاد ولربما أفسدهم، خاصة إذا كانوا في سن صغيرة، فإن له عواقب وخيمة، وأضراراً نفسية تضر بالولد ذكراً كان أم أنثى، فلا ينبغي أن يجامع المرأة بجوار أولادها، أو جوار أبنائها، وعليه أن يتعاطى أسباب حفظها، وحفظ عورته وعورتها.
فأصول الشريعة وأدلة الشريعة كلها تدل من حيث العمومات على أنه لا يجوز للمسلم أن يتساهل في عورته، بل عليه أن يحفظ عورته، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) فأجاز له كشف العورة للزوجة أو الأمة، ومفهوم ذلك أنها لا تحل لغيرهما.
فلا يجوز أن يجامع ويواقع في مكان لا يأمن فيه النظر، كأماكن الطرقات، والسابلة، أو يكون في موضع لا يأمن فيه من دخول الغير، وهجوم الغير عليه، خاصة إذا كان مكاناً مختلطاً، أو لا يأمن من دخول الأبناء والبنات، ونحو ذلك، كل ذلك ينبغي تعاطي الأسباب فيه.
قال رحمه الله: [والتحدث به] أي: وليتجنب التحدث بالجماع، كأن يتحدث الرجل بما يكون بينه وبين المرأة، أو تتحدث المرأة بما يكون بينها وبين زوجها، وهذا لا شك يدل دلالة واضحة على ذهاب المروءة وقلة الحياء وصفاقة الوجه -نسأل الله العافية- فإن من لا يستحيي لا يستغرب منه ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فالذي لا حياء عنده -بل ولا عقل عنده- هو الذي يقول هذا، فإن أمور الزوجية أسرار، ولا يجوز أن تباح، والأسرار أمانة، فينبغي للزوج أن يحفظ أسرار زوجته، وللزوجة أن تحفظ أسرار زوجها، وكم من امرأة صالحة دينة اطلعت على خلل من زوجها في الفراش، وصبرت وصابرت واحتسبت، ولم تُطلع على ذلك أحداً حتى في حال أذية الزوج لها، تكتم ذلك ولا تفشي له سره، ترجو رحمة الله عز وجل، وتحس أن هذه أمانات، فتخاف من الله عز وجل إذا أفشتها، أو لمحت بها، أو اطلع الغير عليها، وكذلك بالنسبة للرجل مع المرأة لا يجوز له أن يفشي هذه الأسرار، ولا يتحدث بكيفية إتيانه لأهله، أو بالأمور الخاصة التي بينه وبين زوجه، كل ذلك من الأمانات التي ينبغي على الزوج أن يحفظها، وعلى الزوجة أن تحفظها.
(283/8)
________________________________________
وجوب تخصيص مسكن مستقل لكل زوجة
قال رحمه الله: [ويحرم جمع زوجتيه في مسكن واحد بغير رضاهما] أي: ويحرم جمع زوجتين في مسكن واحد؛ والسبب في هذا أن الزوجة مع ضرتها تغار، وإذا كان المسكن قريباً أو مشتركاً بينهما، فإن الغيرة تكون أشد، ولربما وصلت إلى الحقد، وإلى الأذية، وإلى الإضرار.
فمثل هذه الأشياء تحدث الأذية بين الزوجات والإضرار، والنهي عن الشيء نهي عن وسائله، والقاعدة: أن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها، فجمعهما في مسكن واحد وسيلة إلى شر، ووسيلة إلى فتنة، وإلى ضرر، فينهى عنه، ويمنع منه.
وأجاز بعض العلماء أن يجمع بينهما في سكن واحد في حالات الضرورة، أو إذا رضيت الزوجتان وأمن الضرر بينهما، وإذا كان الرجل لا مال له، ولا يستطيع أن يجد سكناً، وقد يقع هذا في بعض الأحوال الخاصة، كالنزول في الأماكن التي لا بناء فيها، كأن لا يكون عنده إلا خباءين.
فالشاهد: أنه إذا وجدت الحاجة والضرورة فإن العلماء يرخصون في هذا على قدر الحاجة والضرورة.
(283/9)
________________________________________
عدم خروج المرأة إلا بإذن زوجها
قال رحمه الله تعالى: [وله منعها من الخروج من منزله] هذا حق من حقوق الرجل على امرأته أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وقال كما في الصحيح: (إذا استأذنت أحدكم امرأتُه المسجد فليأذن لها) فقوله: (إذا استأذنت أحدكم امرأتُه المسجد) يدل على أنها لا تخرج إلا بإذن زوجها، فإذا كان الإذن للصلاة فمن بابٍ أولى غير الصلاة، فلا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا إذا استأذنت بعلها وزوجها، فإن إذن لها خرجت، وإن لم يأذن لها فإنه يجب عليها أن تلزم بيتها بيت الزوجية، وأن لا تخرج منه، ونص على هذا جماهير العلماء رحمهم الله أنه لا يجوز خروج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها، وأما إذا خرجت بدون إذنه فقد عصت، ويعتبر خروجها من بيتها بدون إذن زوجها استرجالاً وخروجاً عن حق الطاعة، فهي بهذا مسترجلة على زوجها، خاصة إذا قالت له: لا سمع ولا طاعة، أو قالت: أنا حرة أفعل في نفسي ما أشاء، فإن قالت هذا، فإنها مسترجلة عليها لعنة الله ورسوله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله المسترجلات).
فمن الأخطاء التي يقع فيها بعض النسوة أصلحهن الله ما يقع منهن من مشابهة الكفار، ونساء الكفار، واسترجال النساء، ومحاولة المرأة أن تكون كالرجل سواءً بسواء، دون أن تشعر بحق قوامته عليها، فإن هذا كله مما يوجب سخط الله وغضبه، فينبغي على المرأة أن تخاف من الله عز وجل وأن تتقي الله عز وجل، وأن تعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن تصلح الأمور إلا بفطرة الله التي فطر الناس عليها وجبلهم عليها، فالمرأة لا تستقيم حياتها إلا مع بعلها، إذا كانت تحته سامعة له ومطيعة، ولا يستقيم أمر المرأة مع الرجل إلا إذا اتقى أيضاً الرجل ربه، وأحس أنها أمانة في عنقه، ومسئولية يسأل عنها بين يدي الله ربه فليتقِ الله فيها، فإذا علم كل منهما حق الآخر وأداه استقامت الأمور.
أما أن تخرج المرأة عن طورها، وتحاول أن تشابه الرجال، ولا تعترف لزوجها بحق، أو تقول: ليس لك عليَّ أمر، فأنا أفعل بنفسي ما أشاء، وأنا حرة في نفسي، وهكذا تفعل مع إخوانها وأوليائها إذا كان لها أخ أكبر منها، أو كان لها أب، فكل ذلك من العصيان والتمرد، ومن الاسترجال نسأل الله السلامة والعافية.
فعلى المؤمنة أن تتقي الله عز وجل، وأن تحذر من مشابهة الكافرات والعاهرات والساقطات اللاتي لا حياء عندهن، وألا تجاريهن في الأخلاق الرديئة، فإن من أحب قوماً وصنع صنيعهم حشر معهم والعياذ بالله.
فأمور النساء لا تستقيم إلا بالقوامة، فإذا أحست المرأة بحق بعلها حفظت هذا الحق، فلا تخرج من البيت إلا بإذنه، وإذا شعر الرجل أن امرأته تحته، وأحس بهذا الحق الذي له عليها، فإنه سرعان ما يستجيب لكثير من الأمور، ويحصل شيء من الود والمحبة والألفة بين الزوجين، والعكس بالعكس، فإن الرجل متى ما شعر من المرأة أنها مستعلية عليه، فإنه سيتخذ أموراً قد تكون سبباً في هدم بيت الزوجية، فالواجب على المرأة أن تطيع زوجها، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، ويجب عليه أن يتقي الله في هذا الحق، فكما أن النساء مطالبات بحفظ حق القوامة وعدم الخروج من البيت إلا بإذن الرجل، كذلك ينبغي على الرجل أن لا يستغل ذلك، وأن يتقي الله في امرأته وزوجه، فلا يأمرها بعقوق الوالدين، فيمنعها عن والديها إذا كان هناك مناسبة، أو أمر موجب لزيارة الوالد أو الوالدة لمرض، أو حاجة، أو تحتاج أمها أن تراها، أو يحتاج أبوها أن يراها، وهو مريض، أو نزل به شيء، أو كانت هناك مناسبة جرى العرف أن تكون شاهدة فيها، فعليه أن يساعدها على ذلك، وأن يعينها على ذلك، وأن يهيئ لها من الأسباب ما تصل به الرحم وتبلها ببلالها.
فالمقصود: أنه لابد من التعاون من الطرفين، فالإسلام لم يعط الرجل حق القوامة بدون قيد، وإنما له حق القوامة مع تقوى الله عز وجل، ولذلك بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: (إذا استأذنت أحدَكم امرأتُه إلى المسجدَ فليأذن لها)، فنهى عن استغلال حق القوامة.
فلا ينبغي استغلال مثل هذه الحقوق، بل ينبغي العدل الذي أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، وينبغي وضع الأمور في نصابها، وأن يعلم كلٌّ منهما أن الله سائله عن حق الآخر ضيَّع أو حفظ.
(283/10)
________________________________________
أحوال يستحب للرجل فيها الإذن لزوجته بالخروج
قال رحمه الله تعالى: [ويستحب إذنه أن تمرض محرمها وتشهد جنازته] ويستحب له أن يأذن لزوجته أن تمرض قريبها المحرم، تكون معه في مرضه كمرض الموت، أو الأمراض الشديدة، كأن يمرض والدها وليس له مرافق في مرضه، فيأذن لها أن تكون مع والدها، ويذهب بها إليه، فالرجل الكامل الفاضل هو الذي زينه الله عز وجل بمكارم الأخلاق ليكون من خيار المؤمنين؛ كما شهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحسن المؤمنين وأكملهم خلقاً بذلك حين قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً).
فينبغي على الرجل إذا علم بمرض والد زوجته، أو علم أن والدتها تحتاج إليها، فإن من مكارم الأخلاق، ومَحاسن العادات، بل ومما يُحْمَد ويكون له أطيب الأثر أن يبادر المرأة بنفسه وألَّا ينتظر من المرأة أن تقول له: أريد أن أذهب؛ فهذا هو صنيع الأخيار والصفوة الأبرار، الذين هم موفقون ومسددون في أمورهم، لا ينتظر منها ذلك القول؛ بل هو الذي يقوم بأخذها والذهاب بها إلى والدها، فإن أخبرت أهلها أنه هو الذي جاء بها أو أنه هو الذي أمر، فكم سيكون له من صالح الدعوات! وكم سيكون له من المحبة والقبول عند أهلها! وهذه كلها أمور محمودة وعواقبها طيبة.
فينبغي للمسلم أن يكون على أكمل الأحوال ولذلك قالوا: لا يكون المؤمن على أكمل الإيمان إلا إذا كان في صفاته وأحواله على أكمل الأحوال.
فإذا كان صهراً لقوم كان خير صهر لصهره، وإذا كان زوجاً لامرأة كان خير زوج من خيار الأزواج لزوجاتهم، فهذه دائماً مراتب معالي الأمور.
فإذا علم أن هناك قريباً لها يحتاج إليها، وتأمن الفتنة في وجودها معه، فحينئذٍ يذهب بها إليه، إلا أنه قد توجد بعض المعوقات كوجود بعض الفتن في بيت القريب، فإن أمكن الزوج أن يسيطر على ذلك، ووثق من زوجته، فليذهب بها، وليوصها بتقوى الله عز وجل، وإذا كانت لا تستطيع أن تأمن الفتنة، ولا يستطيع هو، وأمكن أن يذهب معها، فليساعدها على صلة الرحم، وليكن حافظاً لحق الله عز وجل في تلك الصلة.
فهذه أمور يحتاج كلا الزوجين أن يتفاهما فيها، ولا يستطيع الإنسان أن يضع لها حداً معيناً، إنما المقصود وجماع الخير كله أن يتقي الله كلٌّ منهما في حق الآخر.
قال رحمه الله تعالى: [وتشهد جنازته] أي: أن تراه بعد تكفينه، ففي بعض الأحوال إذا توفي الرجل، فإن البنت تحب أن ترى والدها بعد تكفينه وتغسيله فتشهد جنازته، بمعنى: تلقي عليه النظرة، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين كشف وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقبَّله، وقال: (طبت حياً وميتاً)، فإذا أرادت أن تسلم على والدها بمعنى أن تقبله وهو ميت، أو قريبها المحرم، فأخذها من أجل أن تلقي عليه النظرة، أو نحو ذلك فلا بأس، أما أن تخرج معه في الجنازة، فالمرأة لا تشيع الجنازات، ولا تشهد الجنازة.
(283/11)
________________________________________
مدى سلطة الرجل على زوجته
قال رحمه الله تعالى: [وله منعها من إجارة نفسها ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورته] قوله: (وله منعها من إجارة نفسها) أي: أن للزوج أن يمنع الزوجة من إجارتها لنفسها؛ أي: من عملها، فيأمرها أن تجلس في البيت ويقوم بالنفقة عليها، فإذا أمر الزوج زوجته أن تجلس في البيت وجب عليها أن تجلس، ولا يجوز لها أن تمتنع وتعصيه، فإن عصته فقد عصت الله ورسوله.
ثم إذا أمرها أن تجلس في بيته وقام بحقوق النفقة، فلا يجوز لها أن تؤذيه، فتجلس في البيت وتظهر له التسخط والتمرد والتبرم والتأثر من منعه لها، فلا ينبغي لها أن تفعل هذا؛ لأن المرأة سكن للرجل، وجعل الله عز وجل خيرها في بيتها، فإذا لزمت بيتها وقرت في قرارها، وقامت على بيت الزوجية، وأصلحت أبناءها وبناتها، فهذه هي رسالتها الأولى، وهذا هو حقها الأوجب الآكد.
فإذا لم يكن للمسلم أن يبر خالته ويعق أمه، فكيف تذهب للغرباء وتترك الأقارب وتترك أبناءها وفلذات كبدها لمرأة أجنبية تربي أولادها؟! فإذا أمرها زوجها أن تجلس في البيت وتربي الأولاد، فعليها السمع والطاعة بنفسٍ مطمئنة، وترضى بما أمرها به زوجها، فلعل الله أن يجعل لها في ذلك خيراً كثيراً.
فكم من امرأة خرجت فرأت من الفتن ما تمنت أنها لم تخرج، وكم من امرأة مكثت في بيتها فبارك الله لها في مجلسها وبقائها في بيتها، وهذه الأمة يوم أن كانت في أوج عزها وكرامتها كانت المرأة ماكثة في بيتها، وكلنا يعلم أن خروج المرأة ليس بشرط في سعادة الأمة ولا في كمالها، بل إن سعادة الأمة في بعد المرأة عن الفتن وسلامتها عن فتنتها وفتن غيرها، فقد قالت فاطمة رضي الله عنها: (خير للمرأة أن لا ترى الرجال، ولا يراها الرجال) فإذا أخذت الرجل الغيرة وقال لها: يا أمة الله! اجلسي في بيتكِ، فقالت: سمعاً وطاعة، أثابها الله على سمعها وطاعتها، وبارك لها في مجلسها؛ لأن هذا من تقوى الله، ومن اتقى الله جعل له فرجاً ومخرجاً، فحينئذٍ قد يضع الله البركة لها في القليل الذي يكون من زوجها، فيكون خيراً لها من كثير لا تحمد عاقبته.
ولا يعني هذا أنه لا يجوز لها أن تخرج، وإنما الكلام هنا عن الأصل الشرعي، فالأصل الشرعي قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33]، والأصل الشرعي أن تحفظ أبناءها وبناتها وتقوم على تعليمهم وتربيتهم وتوجيههم، وهم أمانة في عنقها، ولا تستطيع المرأة أن تتصور عظيم الخسارة التي يُمنى بها أولادها وبناتها حينما تترك البيت وتذهب خارجة لغير رسالة البيت وتفرط في حق البيت.
فلتتصور لو كانت أمها تتركها في البيت فكيف سيكون حالها؟ ولو أنها نشأت في بيت لا ترى أمها إلا حين رجوعها من العمل، وهي في حالة منهكة مجهدة لا تستطيع أن تتبسم لها، ولا أن تعطيها حناناً، ولا أن تقوم عليها بشأن، وقد تركتها إلى أجنبية فكيف يكون حالها؟ فإذا طلب الزوج المرأة أن تبقى في بيتها فعليها أن تتقي الله، وأن لا تعارض وأن لا تمانع، وأن لا تقول لزوجها: دمرت مستقبلي، فإن مستقبل المرأة في تقوى الله عز وجل، وفي خوفها من الله ومراقبتها لله سبحانه وتعالى، وقيامها بحقوق بيتها وحقوق زوجها، وليس مستقبلها موقوفاً على خروجها من البيت، وإلا ما قال الله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33].
فالأصول كلها دالة على أن من حق الزوج أن يحفظ زوجته في بيته، فإذا خرجت المرأة وأصرت، فقد عصت زوجها، وإذا عصته على هذا الوجه، وقد أمرها أن تقر في بيتها، فإنها آثمة في ذلك الخروج، وآثمة في تلك الإجارة، ولا يجوز للغير أن يعينها على إجارتها المحرمة على هذا الوجه، وعليها أن تسمع وأن تطيع، وكذلك توصي المؤمنة أختها إذا علمت أن زوجها لم يأذن لها بالعمل، ولم يأذن لها بالوظيفة، فإن عليها أن توصيها وتذكرها بالله عز وجل أن تبقى في بيتها، وأن لا تصر على معارضته، وتنهاها عن النشوز عنه بمعصيته في هذا الأمر.
فإن الزوج إذا دعا امرأته أن تمكث في البيت، فلربما دعاها خوفاً عليها من الفتنة، وهذه غيرة شرعية، ومن حقه أن يغار، والرجل الكامل هو الذي يغار، وقد يأمرها بالبقاء في بيتها لمصلحة أولادها، فأولادها بدونها يضيعون، ولا يمكن لأي امرأة أن تحسن بحنان الأمومة ما لم تكن مع أولادها، ولا يمكن لأي ولد أن يجد حنان الأمومة من غير الأم، فضياع هذا الحق يضر بالأولاد وينشئون وقد تقطعت الأواصر بينهم وبين الوالدين، ولهذا كله نتائج عكسية لا تحمد عقباها، فإن نظر إلى أن خروج زوجته فيه نفع لبنات المسلمين، وعلم أنها حافظة لدينها، حافظة لمروءتها، بعيدة عن الفتن، وقام على ذلك على أتم الوجوه وأكملها، وأرادها أن تبقى في ذلك فلا بأس، وهو مأجور على ذلك إذا كان قصده أن تعلم بنات المسلمين الخير، فإن الله يأجره على هذه النية الصالحة، ويعتبر من الأعمال الطيبة، ولا بأس بذلك إنما المقصود حين يرى الزوج أن المصلحة بقاؤها فينهى الزوجة أو يمنعها، فما على الزوجة إلا أن تسمع وتطيع.
قال رحمه الله: [ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورته] أي: لو أمرها أن ترضع ولده، ونهاها أن ترضعه من غيرها، فإنه يجب عليها أن تسمع له وتطيع، إلا من ضرورة وحاجة، فإذا كان عندها ضرورة وحاجة توجب لها أن تصرف الولد إلى غيرها فحينئذٍ لا بأس.
(283/12)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب عشرة النساء [2]
يجب على الزوج أن يعدل بين نسائه في المبيت دون الوطء، فيعطي كل واحدة، سواء كانت حائضاً أو مريضة أو مجنونة أو نحو ذلك، ولا يجوز له أن يفضل واحدة على غيرها أو ينقص واحدة من حقها أبداً، إلا إذا وجد سبب شرعي، كسفر ونحوه، أو وهبت قسمها لغيرها من نسائه.
وإن نشزت عليه زوجته وعظها، فإن لم ينفع هجرها في المضجع، فإن لم ينفع ضربها ضرباً غير مبرح.
(284/1)
________________________________________
أحكام المبيت والقسم بين الزوجات
(284/2)
________________________________________
وجوب المساواة في القسم دون الوطء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم لا في الوطء] أي: على الرجل أن يساوي بين الزوجات في القسم -وهو المبيت- فيبيت عند كل واحدة مثل الثانية، فيقسم بينهن إن كنَّ أربعاً فلكل واحدة ليلة، ولا يفضل إحداهن على الأخرى فيبيت عند إحداهن ليلتين فيزيدها في المبيت، فلا يجوز له ذلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من كانت له زوجتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)، واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقال بعض العلماء: شقه مائل، أي: يأتي مشلولاً -والعياذ بالله- فيبعث ونصفه مشلول، وقال بعض العلماء: (جاء يوم القيامة وشقه مائل) أي: أن كفة السيئات تزيد على الحسنات، بمعنى أنه سيصيب من ذلك الإثم شيئاً كثيراً؛ لأن المرأة ظلمها عظيم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (إني أحرج حق الضعيفين المرأة واليتيم)، والسبب في هذا أن المرأة فيها من المشاعر والضعف والرحمة والحنان ما ليس في الرجل، فالغلطة من الرجل والأذية والإضرار -خاصة بينها وبين ضرتها كأن يعطي ضرتها أكثر مما يعطيها- يحدث عندها نوعاً من الألم والأذية أكثر من غيرها؛ لأنها تحس بنقصها في أنوثتها وعدم حظوتها عند زوجها، وتحس أن زوجها يكرهها، فتتولد عندها أمور كثيرة، ولربما أضرت بالزوجة الثانية بسبب هذا الظلم، فأصبحت أذيتها للزوجة الثانية ناشئة بسبب تفضيل الزوج لهذه الزوجة الثانية، وحينئذٍ ينال إثم إضرارها، وإثمها إذا ضرت الغير بسبب إضراره لها.
فبسبب هذا تكون الذنوب عظيمة عليه، فكأنه ينال إثماً عظيماً حتى ترجح كفة سيئاته على حسناته، والله أعلم بالمراد، وغاية ما فيه أنه أمر عظيم، فينبغي على المسلم أن يتقي الله، فالعدل الذي يجب على الرجل العدل في القسم، وفي الحقوق كالنفقات ونحوها، فيقسم بينهن بالسوية.
ولقد كان السلف رحمهم الله يبالغون في هذا العدل أيما مبالغة، وأثر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه إذا كانت الليلة لإحداهن لا يدخل بيت الثانية في ليلة الأخرى، خشية أن يحدث عندها شيئاً لا يحدثه عند الأخرى فيكون تفضيلاً عليها، فالأمر عظيم في قضية العدل بين الزوجات، ولا يستطيع الإنسان أن يعدل إلا إذا وفقه الله عز وجل، فعليه أن يعدل بين نسائه في القسم في المبيت، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم وعدل ولنا فيه أسوة حسنة.
قوله رحمه الله تعالى: [في القسم لا في الوطء] وذلك لأن الوطء يتبع المحبة والقلب، فربما كانت إحداهن أجمل، فكان وطؤه لها أكثر من غيرها، فالعماد هو القسم في المبيت، وهذا أمر قرره العلماء، والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء:129] فقالوا في قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} [النساء:129] قالوا: إنما هو قسم القلوب، فإن المحبة التي في القلوب، والتي ينشأ عنها حظوة الجماع، وحظوة الإتيان، تختلف من امرأة إلى أخرى، وتختلف بحسب أساليب النساء، فالمرأة التي أخلاقها كريمة ومؤدبة مع زوجها، وحظية مع زوجها ليست كالمرأة الشديدة والقوية، فهذا يختلف من امرأة إلى أخرى، فإذا جامع إحداهن أبلغ من جماعه للأخرى فإنه لا ملامة عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) وهو القلب.
قال رحمه الله تعالى: [وعماده الليل لمن معاشه النهار، والعكس بالعكس].
أي: وعماد القسم في الليل، فيبيت عندها ويصيبها لمن معاشه النهار، وهذا هو الأصل، فإن الله جعل الليل لباساً وجعل النهار معاشاً، فإن اختلف الحال فصار نهاره راحة وصار ليله عملاً فحينئذٍ يكون قسمه بالنهار؛ لأنه لا يستطيع أن يعطي حقوق النساء في المبيت، فيكون قسمه بالنهار، فيكون العماد على النهار، وهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص وأحوالهم.
(284/3)
________________________________________
من تستحق القسم من الزوجات
قال رحمه الله تعالى: [ويقسم لحائض ونفساء ومريضة ومعيبة ومجنونة مأمونة وغيرها].
أي: إذا حاضت إحدى نسائه فعليه أن يقسم لها، فيبيت معها ويباشرها ولا يجامعها، فلها حق أن يبيت معها، فلا يقل قائل: إن الحائض لا يجوز جماعها فيسقط حقها في المبيت، إذ لو سقط حقها في المبيت، فمعنى ذلك أنه لا يبيت عندها، وله الحق أن يعطي ليلتها للأخريات، فلو كان عنده أربع نسوة فإنه سيقسم على ثلاث منهن ويسقط حق الحائض، والواقع أنه لا يسقط حق الحائض، ونص على ذلك جماهير العلماء رحمهم الله، فالمرأة الحائض يبيت معها ويكون هذا المبيت مبيت المباسطة والأنس، وهو حق من حقوقها.
قوله: (ونفساء) أي: يقسم كذلك للنفساء.
قوله: (ومريضة)؛ فالمريضة يبيت معها، وهي أحوج إلى وجوده الذي يحقق معاني كثيرة من وجود الأنس وتخفيف الألم بمواساتها ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [ومعيبة] والمعيبة لو كان بها عيب يمنع الوطء كذلك لها حق المبيت.
قال رحمه الله تعالى: [ومجنونة مأمونة] وللمجنونة حق المبيت بشرط أن لا يكون جنونها مضراً، كأن تضره وتؤذيه، أما لو كانت تضره ولا يستطيع أن يبيت معها، فحينئذٍ يكون من حقه أن يعتزلها خوفاً من الضرر.
قال رحمه الله: [ومجنونة مأمونة وغيرها] [وغيرها] يعني: ممن هي في حكم هؤلاء، فالقسم لازم في هذه الأحوال، وكذا مستحاضة من باب أولى وأحرى، خاصة على القول بأن المستحاضة توطأ، فهؤلاء النسوة وجود هذا العيب فيهن لا يمنع من القيام بحق القسم.
(284/4)
________________________________________
أسباب سقوط القسم والنفقة عن الزوج
قال رحمه الله: [وإن سافرت بلا إذنه، أو بإذنه في حاجتها، أو أبت السفر معه، أو المبيت عنده في فراشه، فلا قسم لها ولا نفقة] بعد أن بين الواجب على الرجل تجاه نسائه من القسم والعدل، شرع في المسائل المستثناة، وكنا ننبه غير مرة أن من عادة الفقهاء أن يذكروا الأصول، ثم يذكروا بعد ذلك ما يستثنى من الأصول، فهنا نوع من النسوة يسقط حقهن في القسم.
فبعد ذكر النوع الذي لا يسقط حقه في القسم، شرع رحمه الله تعالى في النوع الذي يسقط حقه في القسم.
فمن ذلك أنها إن سافرت بغير إذنه، فحينئذٍ يسقط حقها في القسم، فلو كان عنده زوجتان فسافرت إحداهما من دون إذنه وبدون رضاه، فإنه يبيت عند الثانية في الليالي كلها، ويسقط حق المسافرة في القسم، فلا يحق لها أن تطالب بالعوض، إذا رجعت من السفر، فلا تقل: اقسم لي ما فاتني! فقد سقط حقها بسفرها، لأنه سفر غير مأذون، فإذا لم يأذن لها سقط حقها.
قوله رحمه الله تعالى: [أو بإذنه في حاجتها] إن كان السفر بإذنه فإنه لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يكون السفر بإذنه لحاجتها هي، كأن تسافر لأم مريضة، أو والد مريض، أو غيرهما من محارمها؛ لتصل رحمها وتقوم على حوائجهم، أو سافرت لتعالج نفسها، فهذا السفر لحاجتها، فحينئذٍ إذا سافرت مع مريض، أو لحاجتها، أو حاجة قريبها، فإنه يسقط حقها، ولا يحق لها أن تقول لزوجها بعد رجوعها: اقسم لي، ردّ لي حقي! فحقها في القسم ساقط إذا سافرت بغير إذنه، أو سافرت بإذنه لحاجتها.
الحالة الثانية: أن يكون سفرها بإذنه لحاجته هو، فحينئذٍ لا يسقط حقها؛ لأنه يمكن أن يرسلها ويبقى مع الثانية.
فإن كان حقها يسقط بسفرها في حاجته، فقد يحتال عليها، فكلما استقرت أرسلها ليسقط حقها.
فما دام هو السبب في إبعادها، فإذن لابد أن يقسم لها، ففي هذه الحالة يلزمه أن يرد لها من قسمها ما فات بسببه؛ لأنه هو السبب في ذلك، فلو سافرت في حاجته يومين، أو ثلاثة أيام، فإن الثانية أخذت اليوم الزائد، فإن رجعت أخذت ما فاتها من الأيام، بمعنى أنه يقضي لها ما فاتها من الأيام، فإن سافرت في ليلتها ورجعت في ليلة الثانية، فحينئذٍ تنتظر، فيبيت مع الثانية ليلتين، ثم يبيت مع الثانية ليلتين، ليلة يقضي لها بها ما فاتها في السفر، وليلة يعطيها بها حق القسمة.
قوله رحمه الله تعالى: [أو أبت السفر معه] من السنة إذا أراد الرجل أن يسافر وعنده امرأتان، فإن أمكنه أن يصحبهما معاً، وأن يخرجا معه فلا إشكال، والقسم حينئذٍ في السفر كالقسم في الحضر، فيقسم لهن في سفرهن كما يقسم لهن في حضرهن، فإن سافر بالاثنتين وقسم بينهما فقد عدل، وإن سافر سفراً لا يستطيع معه أن يصحب واحدة منهن، وترك الاثنتين، فإنه إذا رجع قسم بينهما بالعدل، ولا إشكال في ذلك أيضاً، لكن الإشكال إذا سافر بإحداهما دون الأخرى.
فإن سافر بإحداهما دون الأخرى، فإن كانت الأخرى هي التي امتنعت، وقالت: لا أريد أن أسافر، سقط حقها، كرجل أراد أن يعتمر، فقال لزوجتيه: أريدكما أن تذهبا معي إلى العمرة، فقالت إحداهما: أذهبُ، وقالت الأخرى: لا أريد أن أذهب، فإن امتنعت سقط حقها، فإذا رجع فليس عليه أن يقضي لها الأيام التي سافر فيها؛ لأنها أسقطت حقها بالامتناع من الخروج.
وإن كان لا يمكن أن يسافر إلا بواحدة، وكلتاهما تريد الخروج فلذلك حالتان: الحالة الأولى: يكون سفره مرتباً، بحيث يمكن العدل معه، فيأخذ هذه لسفرة والثانية لسفرة، وذلك إن كان سفره مرتباً أياماً معينة ويمكن معها القسم، وانتظام القسم، فحينئذٍ لا إشكال أن يسافر بهذه تارة، وبهذه تارة، ويحقق العدل.
الحالة الثانية: أن لا يمكن الترتيب وذلك في السفر العارض، فإذا لم يمكنه الخروج بهما أقرع بينهما، فمن خرجت لها القرعة، فحينئذٍ تخرج ويسافر بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر بنسائه أقرع، فإذا عاد لم يقسم للتي لم تخرج، فهذا هو هديه عليه الصلاة والسلام.
ومن هنا أخذ العلماء مشروعية القرعة عند تساوي الحقوق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما تساوت حقوق زوجاته فرق بينهن بالقرعة، فدل ذلك على مشروعية القرعة لتمييز الحقوق حين تستوي ولا يمكن التمييز بينها.
قوله رحمه الله تعالى: [أو المبيت عنده في فراشه، فلا قسم لها ولا نفقة] أي: إذا أبت أن تبيت عنده في فراشه فلا قسم لها، ويسقط حقها في القسم.
أما النفقة فإن المرأة إذا نشزت عن زوجها، وامتنعت من فراشه، فإنه يسقط حقها في النفقة؛ لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24]، وإيجاب النفقة من شروطه وجود الاستمتاع، فالمرأة التي تمكن زوجها من الاستمتاع بها تستحق النفقة، والمرأة التي تنشز وتمتنع من حقوق زوجها، ولا تمكنه من نفسها وتأبى عليه، يسقط حقها في النفقة.
(284/5)
________________________________________
التبرع بحق القسم
قال رحمه الله: [ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه، أو له، فجعله لأخرى جاز] قوله: (ومن وهبت قسمها) يعني: ليلتها، وقد يقسم على ليلة، وقد يقسم على ليلتين، وقد يقسم على ثلاث، على حسب ما يتفق عليه النساء، بحسب ظروفهن، فالقسم على حسب ما يصطلحن ويتفقن عليه.
بعد أن بين رحمه الله من التي لها حق القسم، ومن التي يسقط حقها في القسم، وبين حقوق القسم وضوابط القسم، شرع في مسألة التنازل عن هذا الحق.
فللمرأة أن تتنازل عن حقها في المبيت إلى أخرى، بشرط أن يأذن الزوج، فإن تنازلت عن قسمها لضرتها، وقالت: ليلتي لفلانة، فإنه يجوز ذلك، وهذا من الصلح بين الزوجين، خاصة إذا خافت من زوجها لقوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128] وهذا من الصلح ومن الخير.
فإذا اتفقت المرأة مع زوجها أن تكون ليلتها لضرتها، كما فعلت سودة رضي الله عنها، فقد كانت كبيرة، وخافت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوهبت ليلتها لـ عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فدل هذا على مشروعية تنازل المرأة عن حقها، لكن قيد رحمه الله هذا التنازل بقوله: (بإذنه)، فلو أن امرأة شابة تنازلت عن قسمها لعجوز، فإن في هذا التنازل ضرراً عليه، ولا يمكن أن يرضى به، فليست مسألة التنازل عن القسم لحظوة المرأة وحق المرأة، وإنما هو مقرون بإذن الزوج؛ لأن له حقاً في إعفاف نفسه، وتحصينها عن الحرام.
قوله رحمه الله تعالى: [أو له] أي: إذا قالت له: أتنازل عن هذه الليلة فضعها لمن شئت، وأمكن أن يضعها لأي واحدة من نسائه فله أن يختار من نسائه من يأتيها.
قال رحمه الله: [فإن رجعت قسم لها مستقبلاً] أي: إن رجعت عن إذنها، وقالت: ما أذنت لك به قد رجعت عنه وأريد حقي، فهذا الإذن لا يسقط الحق إلى الأبد، ولها حق الرجوع عن هذا التنازل، فلو جاءت -مثلاً- بعد شهر، أو بعد سنة، وقالت: أريدك أن تقسم لي كما كنت، فليس له أن يقول لها: أنتِ تنازلت، ولا رجوع لكِ، بل يلزمه أن يقسم لها، ولكن يستأنف الحكم، ولا يلزمه أن يقضى ما سبق؛ لأنها تنازلت عنه، فسقط ما كان لها بالتنازل، وحينئذٍ ليس من حقها أن تطالبه بالقضاء.
(284/6)
________________________________________
لا قسم للإماء
قال رحمه الله تعالى: [ولا قسم لإمائه وأمهات أولاده، بل يطأ من شاء متى شاء] الأمة ليست كالحرة، فإن ملك اليمين يوطأ بالتسري، فلو أن له عشرين أمة ويريد أن يتسرى بهن فلا يلزمه أن يقسم بينهن في الليالي؛ لأن الإماء ليس لهن حق القسم، فحكم الزوجات لا ينطبق على الإماء من كل وجه، فالقسم إنما يختص بالزوجة، والأمة ملك اليمين، إن شاء أخرها وإن شاء قدمها، وإن شاء وطئها، وإن شاء تركها، فالأمر إليه، فلا تأخذ الأمة حكم الزوجة، فالزوجة لها حكم والأمة لها حكم.
(284/7)
________________________________________
الإقامة عند العروس بعد الزفاف
قال رحمه الله تعالى: [وإن تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار] هذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، فمن السنة إذا تزوج البكر أن يقيم عندها سبعاً لمكان الوحشة، ولأنها حديثة العهد بالعرس، فيطيب خاطرها بالسبع.
قال رحمه الله تعالى: [وثيباً ثلاثاً وإن أحبت سبعاً فعل وقضى مثلهن للبواقي] وأما إذا تزوج الثيب فإنه يقيم عندها ثلاثاً، وعند انتهاء الثلاث يخير الثيب فيقول لها: إن شئت سبعت لكِ، على أن يكمل لنسائه، فإذا سبع لها فزادها أربعاً على الثلاث التي لها، فإنه يكمل للباقيات الزيادة التي زادها للثيب وهي الأربعة أيام، فيجعل القسم دائراً بينهن، أي: بقية الزوجات في الأربعة الأيام الزائدة، فيعدل بين الجميع ثم يعود إلى القسم لكل واحدة ليلة.
ولذلك لما جاء في حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها حين تزوجها: (ليس بكِ هوان على أهلكِ، إن شئت سبعت لكِ وسبعت لغيركِ)، أي: أنني أكمل العدد الذي سبعته لكِ لغيرك، وقوله: (سبعت لغيركِ) من باب التجوز، لا أنه يكون عند الغير سبعاً.
(284/8)
________________________________________
النشوز وأحكامه
(284/9)
________________________________________
تعريف النشوز
قال رحمه الله تعالى: [فصل: النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها].
بعد أن بين رحمه الله حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها، شرع فيما يعترض أداء هذه الحقوق، وفيما يخالف القيام بالحقوق، وهو ما يسمى بالنشوز، والنشوز يكون من الزوج لزوجته، ويكون من الزوجة لزوجها، ويكون من الطرفين معاً، فإما أن تكون المرأة هي الناشز على زوجها، أو يكون الرجل هو الناشز على زوجته، أو يكون الطرفان ناشزين، فهذه كلها أحوال للنشوز.
وأصل النشوز من نشز الشيء إذا كان مرتفعاً، والمراد به: أحوال تكون من الرجل، وتكون من المرأة مخالفة لشرع الله، يستعلي بها أحد الزوجين على الآخر، فالرجل يستعلي بها على المرأة لمنعها من حقوقها، والمرأة تستعلي بها على الرجل بإضراره في حقوقه، وهو من أسوأ ما يكون في العشرة الزوجية، وبه تفسد الحياة الزوجية.
ولذلك بين الله عز وجل نشوز الرجل على المرأة، فقال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء:128]، وبين نشوز المرأة على زوجها، فقال سبحانه: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء:34]، وبين الحكم في حال وجود الشقاق بسبب نشوز الطرفين، فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء:35]، فما ترك كتاب الله شيئاً، ولقد كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: ما من شيء في هذه الحياة إلا وهو في كتاب الله، بين الله حكمه، وبين الله ما يجب على المسلم تجاهه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، حتى الحقوق، فقد بين القرآن الأثر المترتب على أدائها والأثر المترتب على الإخلال بها.
فقوله رحمه الله تعالى: [النشوز معصيتها إياه] يعني معصية الزوجة لزوجها.
[فيما يجب عليها] هذا بيان لمحل المعصية، أي: ما يجب له عليها من الحقوق، وعلى هذا لا يمكن أن نصف المرأة بأنها ناشز في المستحبات والفضائل، كرجل احتاج إلى مال قرضاً، وعند زوجته مال، فقال لها: أقرضيني، فقالت: لا أقرضك! فلا يقال: إنها ناشز؛ لأنها إن أقرضته ففضل منها، وإن لم تقرضه فعدل، فهذا حقها، وهي ما ظلمته، ولا ظلمت نفسها، فلا يقال: إنها ناشز إن منعت فضلاً، إنما تكون ناشزاً إذا منعت فرضاً واجباً له عليها كما ذكر رحمه الله تعالى.
(284/10)
________________________________________
مراحل النشوز وطرق علاجه
جعل بعض العلماء للنشوز مرحلتين: الأولى: مرحلة المقدمات للنشوز، ودلائل النشوز التي لا يظهر بها، ولا تُظهر المرأة معها الإعراض عن الزوج علانية، وإنما فيها أمارات ودلائل تدل على أن هناك أمراً تخفيه المرأة، وعندها يتوجس الرجل من المرأة خيفة كما أشار الله تعالى إليه في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء:34].
الثانية: أن يقع النشوز فعلاً، فتعصي المرأة زوجها علانية كأن تقول له: لا تطأ لي فراشاً، أو لا يمكن أن تطأني، ولا تقربني ونحو هذا، فحينئذٍ تنشز تماماً، فأصبحت هناك مرحلتان: مرحلة مقدمة للنشوز، ومرحلة يقع بها النشوز حقيقة، ومرحلة المقدمة للنشوز تكون أيضاً على حالتين: الحالة الأولى: أن تبدو العلامات دون إصرار، والحالة الثانية: أن تبدو العلامات مع شيء من الإصرار، مع كونها مطيعة إذا دعاها إلى فراشه.
فهاتان الحالتان في المقدمات، وبناءً على ذلك قسم بعض الفقهاء -كما درج عليه الشافعية ومن وافقهم- المسألة إلى ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: الأمارة والعلامة على النشوز.
والمرتبة الثانية: العلامة والأمارة مع الإصرار، دون امتناع عن الفراش.
والمرحلة الثالثة: النشوز الكلي.
أما المرتبة الأولى: فظهور الأمارات، فتكون أول أمرها مطيعة له إذا أمرها، وسامعة له إذا دعاها، ومجيبة بكل ما يطلبه، ثم تنقلب على العكس، فإذا أمرها لم تأتمر، وإذا دعاها أتت متأخرة، وإذا طلب شيئاً منها فإذا بها تلوي وجهها، وتحدث نوعاً من الظواهر والأمارات على ظاهرها، مما يدل على أنها متبرمة ساخطة لهذا، فهذه هي مرحلة بداية النشوز التي قال الله تعالى عنها: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء:34]، فهذه مرحلة الخوف.
أما المرحلة الثانية فهي إصرارها على المعصية، فيعظها ويذكرها بالله تعالى، ويقول لها: اتقي الله فإنه لا يجوز لكِ هذا، وإني أرى منكِ كذا وكذا، فإن كان الذي رآه من العلامة مرة أو مرتين فقد تكون مريضة، أو قد يكون لها عذر، كأن ترى منه شيئاً لا تستطيع أن تجابهه به، فإذا جاء يعظها ويذكرها بالله فانكسر الذي في قلبها فاطمأنت، ورجعت إلى حالها الأول فلا إشكال، وحينئذٍ يتلافى هذا؛ لأن الوعظ كان تأديباً لها، فإن أصرت فذلك يدل على أن هناك شيئاً تخفيه، فإذا طلب منها أن تناوله الشيء جاءت به إما متوانية متكاسلة وعادتها السرعة، أو جاءت به فوضعته بقوة وعادتها أن تضعه بين يديه، وكررت ذلك المرة تلو المرة وهو يذكرها وهي تصر فتصبح في مرحلة الإصرار.
وأما المرحلة الثالثة فهي عصيانها الفعلي، كأن يقول لها: لا تفعلي هذا، أو: هذا لا يجوز، فتقول له: ليس لك من شأن، وتعترض عليه.
ففي الحالة الثانية تكون مجيبة له إلى الفراش، فإذا جابهته وجابهها، وانكشف الأمر بينهما وامتنعت عن فراشه، فقد انتقلت للمرحلة الثالثة، وهي غاية النشوز.
هذا تقسيم لطائفة من أهل العلم، وفائدة هذا التقسيم عندهم أن الأحكام تترتب على حسب هذه المراحل الثلاث.
فالله تعالى يقول: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء:34]، فإن بدت المرحلة الأولى، أو العلامة الأولى شرع الوعظ، وإن بدت العلامة الثانية وهي الإصرار بعد الوعظ هجرها في المضجع، وإن بدت العلامة الثالثة، فأصرت على إعراضها، وعلى أذيتها، فإن دعاها إلى فراشه فلم تأتِ ولم تجب، انتقلت إلى حكم الثالثة فضربت، فيجعلون العقوبات مرتبة على المراحل الثلاث، ويجعلون الآية مجزأة على أحوال النشوز، كما جزءوا آية الحرابة على أحوال المحاربين في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة:33]، فجعلوا هذه العقوبات مختلفة بحسب اختلاف قطع الطريق والحرابة، وهذا مذهب الشافعية ومن وافقهم.
وكذلك هنا، فالمرأة يبتدئ نشوزها بعلامة يحتمل أنها نشوز، ويحتمل أنها عفوية، أو لسبب من خطأ منه تذكره به، فيصلح خطأه، فتصلح هي خطأها، فهذا بالنسبة لوعظهن.
فالمرحلة الأولى: أن تظهر منها العلامة دون إصرار في المرة الأولى، والمرة الثانية، وفي المرة الثالثة ينبهها.
وليس المراد أنه بمجرد ما يرى من المرأة شيئاً ينبهها مباشرة ويذكرها، فعلى الرجل أن يكون حكيماً وأن يجعل الموعظة عند الموجب، وأن لا يضخم بعض الأشياء؛ فإن الناس تنتابهم بعض العوارض، وأنت بشر، فكما ترى في غيرك الخطأ، فغيرك يرى فيك الخطأ.
فليس كل فعل من المرأة، وكل قول يفسر بأنه نشوز، أو أنه مقدامات النشوز، وليس من اللائق أن يجلس الرجل يراقب كل صغيرة وكبيرة من المرأة، فإن الناس إذا كانوا على غفلتهم، فقد يكونون في مأمن من هذه الأمور.
فالمقصود: أن الإنسان بعد هذا لا يراقب مراقبة دقيقة، حتى ينظر أمارات النشوز، وإنما يكون الأمر محتفاً بقرائن ودلائل من المكان، والزمان، والملابسات بالقول والفعل، الذي يصدر من المرأة، فيغلب على ظن الإنسان أنه بداية النشوز فيعظها.
والوعظ هو التذكير بالله تعالى، ومثل العلماء له بقوله لها: اتقي الله، وخافي الله عز وجل، ويا فلانة إن الله سائلكِ عن حقي عليكِ، فلا يجوز لكِ أن تتبرمي، ولا أن تتسخطي، يا فلانة إنكِ تفعلين كذا وكذا، وإن هذا لا يعجبني فاتقي الله فيّ، أو نحو ذلك من الكلمات التي يُذكِّرها فيها بالله عز وجل.
وهذا من حكمة الله عز وجل، وقد نبه عليه الذين لهم عناية ببحوث التربية، كما نبه عليه القدماء، وذكرته كتب الأدب، فقالوا: إن العقوبة أبلغ ما تكون، وأكمل ما تكون، وأوقع ما تكون في النفوس، وأثرها محمود إذا سبقت بإعذار، وهو أن تنبه المخطئ، وتعذُر إليه، وتقول له: إياك أن تفعل، أو هذا الفعل خطأ، وقالوا: إن الصبي إذا نبهه والده في المرة الأولى، فقال له: إياك أن تفعل، فلا يقل له إذا كان في الأمر سعة: إن فعلت فسأضربك، بل يقول له في المرة الأولى: إياك أن تفعل، فإن رآه المرة الثانية يفعل ما نهاه عنه قال له: إن فعلت فسأضربك؛ لأنه إذا قال له: إياك أن تفعل، فأخطأ فسامحه شعر بحنان الأبوة ورحمة الأبوة، فإذا كررها مرة ثانية، فقال له: إن فعلت فسأضربك، فقد وعده، قالوا: فإن فعل فلا يتركه بل يضربه؛ فإنه إذا ضربه في الثالثة كان من أنجع ما يكون؛ لأنه لو تركه في الثالثة استمرأ الصبي، واستخف بوعيده، فأصبح إذا هدده لا يبالي بتهديده؛ لأنه ألف منه المسامحة، لكن إذا توعده، ووفى بوعيده، زجره ذلك.
ولذلك قال تعالى: {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء:34] فجعل العقوبة بعد الإعذار، وجعل الهجر للمضاجع -وهي العقوبة المتوسطة بين عقوبة الوعظ وعقوبة الضرب- جعلها كمجال للإصلاح، ومن هنا قال بعض العلماء: إن المرأة المحبة لزوجها إذا أعرض عنها زوجها تأثرت بذلك، وشعرت بخطئها، فأصلحته، وغيرت من حالها، واستقامت الأمور، فإن كانت غير محبة، فإنها تحتاج إلى من يشعرها بهذا الزوج، وتحتاج أن تنبه من غفلتها، وأن توقظ من سباتها بالقوة؛ لأن من لا تزجره الكلمة تزجره اللكمة، كما يقولون.
فإذا جاءها بالتي هي أحسن، وأعذر إليها، وأصرت، فحينئذٍ يضربها؛ لأنها لو تركت بدون عقاب لضاعت البيوت، وأصبحت البيوت هملاً، والرجال قوامون على النساء.
وهذا -كحق من الحقوق- إنما هو في شواذ النساء، وإلا فالأصل في المؤمنة أنها لا تُحيل زوجها إلى هذا، ولا تلجئه إلى هذا؛ لأن عندها من العقل، ومن خوف الله عز وجل ومراقبته ما يعقلها ويمنعها عن هذه الأمور، فإذا وعظها، وذكرها بالله، انتقل إلى الهجر.
والهجر للعلماء فيه وجهان: فمن أهل العلم من قال: إنه الوثاق، وهذا مأثور عن ابن جرير الطبري، ورجحه، من أجل الضرب، فجمع بين الهجر والضرب، حتى يكون أبلغ في التأديب، واختاره الإمام ابن جرير لحديث أسماء مع الزبير، أن الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه ضرب أسماء مع ضرتها حين وقع منهما ما وقع من أذيته رضي الله عنه وأرضاه، فالشاهد: أنه أخذ من هذا الأثر تفسير الآية الكريمة؛ لأن الهجار هو وثاق البعير، فقال هو ومن معه من العلماء في قوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ} [النساء:34] أنه من الربط أثناء الضرب فقرن بين الهجر والضرب، فليس هناك إلا مرحلتان: الوعظ والعقوبة على هذا القول.
وأما على القول الثاني وهو قول الجمهور الذين قسموا المراحل إلى ثلاث -كما ذكرناها- فالعقوبات ثلاث: يبتدئ بالوعظ ثم الهجر، والهجر عند من يقول: إنه هجر الفراش فيه وجهان: فقال بعض أئمة السلف وأئمة التفسير، والفقهاء: يوليها ظهره في الفراش فيهجر جماعها، فهذا هجر بالفعل، ويهجر كلامها بالقول، فيمكنه أن يستخدم الفعل إذا نفع، ويمكنه أن يجمع بين الفعل والقول، والقول يتأقت، والفعل لا يتأقت، ففي الفعل يجوز أن يهجرها في المضجع شهراً لا يجامعها، وشهرين وثلاثة، ما لم يصل إلى حد الإيلاء، وأما بالنسبة للهجر هجر القول، وهجر الكلام، فلا يجوز أن يهجر فوق ثلاث ليال لورود النص.
وقال آخرون في الهجر: إن الهجر هجر الفراش بالكلية، ولا ينام معها في فراش واحد، وينام في غرفة غير غرفتها التي تنام معه فيها، ولربما هجر البيت فنام عند جاره، أو نام عند أخيه، أو عند أهله، فهذا من الهجر، وكله تحتمله الآية؛ لأن الهجر مطلق في القرآن، والنساء يختلفن، فمنهن من يهجرها بالقرب ويؤثر فيها، ومنهن من لا تهجر إلا بالبعد، فما وجده ناجعاً نافعاً لصلاحها وإصلاحها، ووفقه الله عز وجل في ذلك، فإنه لا بأس به.
(284/11)
________________________________________
ضرب الزوجة في النشوز
وأما الضرب في قوله تعالى: {وَاضْرِبُوهُنَّ} فإن ضرب النساء يشترط فيه ما يلي: أولاً: ألَّا يكون ضرب قتل.
ثانياً: ألَّا يكون ضرب إدماء.
ثالثاً: ألَّا يكون ضرباً مزمناً.
رابعاً: ألَّا يكون ضرباً مشيناً.
فهذه أربعة أنواع من الضرب ينبغي اتقاؤها.
أولاً: أن لا يكون الضرب قاتلاً، وضرب القتل: هو أن يضربها في مقتل، أو يضربها بآلة قاتلة، فلا يأتي أحد ويأخذ آلة قاتلة، مستدلاً بقوله تعالى: (وَاضْرِبُوهُنَّ)، بل هذا قتل، ويضمن بهذا بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، ولا يضرب في مقتل وهي الأماكن التي لو ضرب فيها أدت إلى القتل، كأن يضربها على كبدها، أو يضربها على أماكن قاتلة، فهذا يوجب الضمان، أي: يوجب العقوبة، فهذا ضرب القتل.
ثانياً: ألًَّا يكون ضرباً مدمياً، وهو الضرب الذي يجرح، كأن يضربها بشيء كالسلك أو نحوه، مما يجرح الجسم ويدميه، والآلات الحادة، كأن يجرحها بسكين، أو يجرحها بشيء له نفوذ في البدن، فهذا لا يجوز بإجماع العلماء رحمة الله عليهم.
ثالثاً: ألَّا يكون الضرب مزمناً، والضرب المزمن هو الذي يعيق بعض الأعضاء، كأن يضربها على يدها فتصاب يدها بالشلل، أو تجلس فترة لا تستطيع أن ترفع يدها، فهذا ضرب يزمن اليد، أي: يبقى أثره زمناً؛ لأنه ضرب مبرح، فهذا بالنسبة للمزمن.
فإذاً: يشترط ألا يكون قاتلاً، وألَّا يكون جارحاً، وألَّا يكون مزمناً.
رابعاً: ألَّا يكون مشيناً، والضرب المشين هو الذي يبقى أثره في البدن، ولا يقتل ولا يجرح؛ لكن يضربها -مثلاً- بقوة على بدنها حتى يحمر البدن، فإذا احمرَّ فهو الضرب المشين، وحينئذٍ لا يجوز له هذا النوع من الضرب، وإنما يضرب الضرب من لكز ونحوه، الذي لا يكون فيه قتل، ولا جرح، ولا زمانة، ولا يشين، وهكذا لَطْم الوجه، فإنه لا يجوز لطم الوجه، فقد نُهِي عن لطم الوجه، وهكذا لو كان الضرب شديداً، فإذا ضربها بقوة بحيث بقيت آثار ضربه على وجهها، فهو ضرب مزمن.
(284/12)
________________________________________
خير الناس من يحتمل زوجته ويصبر عليها
فالضرب إذا وقع من الزوج لزوجته، وظهرت آثاره على جلدها، فإن هذا خارج عَمَّا أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالضرب على هذا الوجه، إنما المقصود ضرب الأدب، والمرأة تعي هذا الأمر، فليس المراد من هذا استعلاء الرجال على النساء، وإنما المراد حملها على الخير؛ خيرِ دينها ودنياها، بإصلاح أمرها بالقوة، ولا شك أن هذا الضرب إذا كان ضرباً شرعياً يكون له أثره، والصحابة رضوان الله عليهم ضربوا، ووقع الضرب منهم لنسائهم، ولكن إذا كَمُل الرجل وفَضُل، ورزقه الله عز وجل الألفة والمحبة والعقل والبصيرة، فإنه لن يصل إلى مثل هذه الأمور، ويعيش مع زوجته دون أن يرفع يده يوماً عليها، وهذا صنيع الكرام وهم خيار الأمة، فخيارنا من وُفِّق لحسن الخلق حتى أصبح يملك زوجته بالمشاعر، ولذلك لما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على الأخلاق، وأتى في الأخلاق بباب عام تحتاجه الأمة، قدم الأخلاق مع الأهل أولاً، فقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
فالرجل الذي يوفق للإحسان إلى زوجته مع التعقل في ذلك الإحسان، بحيث لا يكون سبباً في إفراطها في الدلال والضياع، ويكون إحساناً متعقلاً، فإن الله سبحانه وتعالى يرزقه المحبة التي معها الهيبة، وشتان بين هيبة بالقوة وبين هيبة بالمحبة.
كما قال القائل: أهابك إجلالاً وما بك قدرةٌ عليَّ ولكن ملء عينٍ حبيبها فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يضرب الناس، ولا ضرب إلا في الجهاد في سبيل الله عز وجل؛ ولكن كان إذا سخط الشيء عُرِف في وجه، فلم يكن صخاباً، ولا سباباً، ولا لعاناً، صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يعامل الناس بالمشاعر.
فالرجل الكريم الإلف المحبوب الذي يعاشر زوجته بالمعاشرة الطيبة الحميدة الكريمة إذا لوى وجهه عنها أحست بمرارة الحياة، حتى إن بعض النساء تقول لزوجها: اقتلني ولا تعرض عني، من كمال محبتها له؛ لأنه ملَكَ مشاعرها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن بأخلاقكم) فالخلق يملك القلوب.
فإذا كان الرجل يريد أن يقيم بيته فليعلم أن البيوت ليست ميادين القوة والشدة والعنف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)، فالرفق خير للأمور، وصلاح لها، إذا كان موضوعاً في موضعه، وعلى الإنسان أن يجتهد.
والعلماء يقولون: إن أكثر ما يحفظ الله به الإنسان عن أذية الأهل، وأذية الأهل له: كثرةُ الطاعة، فإن العبد الصالح المتقي لله عز وجل يُحْفَظ من أذية أهله، ولو آذاه أهلُه يعصمُه الله عز وجل من الزلة والأذية والإضرار، فيبقى صابراًَ حتى يأتيه الفرج، ولذلك ذكروا عن زكريا عليه السلام أنه كانت امرأته تسبه وتشتمه وتؤذيه وتضره، وهو نبي من أنبياء الله، كما قال تعالى عنه: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء:90]، فأصلح الله له زوجه في آخر عمره، وحين تقرأ في تراجم العلماء والفضلاء تجد من أخلاقهم مع أهلهم وصبرهم عليهم شيئاً كثيراً، حتى قالوا: ليس من حكيم إلا ووراءه امرأة تؤذيه؛ من كثرة ما رأوا؛ لأنه إذا أوذي واضطهد من امرأته أصبح حكيماً، وهذا من المبالغة، وليس بحقيقة، ولكن مما جرب وشوهد وعلم أنك تجد العلماء والفضلاء والكرماء والعظماء تغلبهم النساء، فما للمسلم إلا الصبر واحتساب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، فإذا استرجع وفوض الأمر إلى الله، فإن الله يتولى أمره.
من نزلت به فاقة، وألمت به حاجة، وضاقت عليه الأمور، فتوكل على الله، وفوضها إلى الله، وتضرع إلى الله، فلن يمضي عليه فترة إلا وقد أراه الله بهجة سرور في أهله وزوجه، ومن يصبر يصبره الله، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا ألذ عيشنا بالصبر.
فالمرأة من ينظر إلى حالها في بيتها وشؤونها، وتشتت فكرها في هذه الأمور، وفي أولادها، وفي شؤونها، يتنازل عن كثير، ويصبر على كثير، وهذا هو الذي عناه عمر رضي الله عنه حينما جاءه عقيل يشتكي من زوجه، فلما وقف على الباب سمع امرأة عمر تسب عمر، وهو إنما جاء ليشكو أهله إلى عمر، فوقف في الباب فوجد أن أمير المؤمنين يُسب من زوجه فرجع؛ لأنه رأى عظة له وسلوة عن الشكوى، فرآه عمر رضي الله عنه فدعاه، فلما جاء قال: ما حاجتك؟ قال: خيراً يا أمير المؤمنين، قال: عزمت عليك إلا أخبرتني، فقال له: يا أمير المؤمنين! إن أم فلان آذتني، فلما وقفت في الباب سمعت زوجتك تسبك! فقال عمر رضي الله عنه: يا عقيل! إنها أم أطفالي، تغسل ثوبي، وترضع صغيري، فأنا أمسكها لأجل ذلك، أي: كن حكيماً عاقلاً بعيد النظر، فإن الدنيا ليس فيها شيء كامل من سرورها إلا ما كان من ذكر الله عز وجل.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه) فليس هناك شيء كامل في هذه الدنيا، فما يرى الإنسان من بهجة الدنيا شيئاً أو سروراً إلا جعل الله فيه نغصاً.
فانظر إلى أحوال الدنيا كلها، فإنك تكون -مثلاً- في البر، فتجد طيب الهواء، وأجمل ما تكون المناظر في طبيعتها، وتلتذ بأنسك وانبساطك، فتخرج لك حية من الأرض، أو تخرج لك العقرب، فتعاف البر بما فيه، وترى أن المدن أحسن، فإذا ذهبت إلى المدن، وتنعمت براحتها وسرورها جاءك نكدها ونغصها، وذلك حتى لا يركن المؤمن إلى الدنيا.
مسرة الدنيا إلى تنغيص وربما أعيت يد الحريص لأنها لو كانت كلها سروراً فلربما -والعياذ بالله- اطمأن إليها العبد فهلك، لكن الله لطف بعباده فجعل مسراتها إلى تنغيص، ومهما وجد من زوجته وأولاده سروراً فلابد أن يرى يوماً يبكي فيه بمرارة؛ حتى يبقى سروره بالله وحده لا شريك له، فيجد أن المحبة الكاملة ينبغي أن تكون لله، وأن السرور الكامل كله لا يكون إلا لله.
وهكذا الزوجة، فإن المرأة تسر بزوجها وتفرح، حتى إذا جاءها يوم من الأيام تغير ذلك السرور، وذهبت تلك البهجة، وقد يكون سرور الزوج لحاجة ومتعة، لكن المؤمنة إذا تسلت بالله، وقامت بذلك الزوج، وحملته ودبرت -بتوفيق الله ومعونته- شؤونه وأحواله وأموره وأولاده وأطفاله، وحملت الهموم والغموم، وهي لا تنتظر منه شكراً، ولا تنتظر منه ثناءً، إنما تنتظر من الله جل جلاله، فاليوم الذي ينقلب لها فيه ظهر المجن لا يتغير عندها شيء، فتجدها راضية مطمئنة فرحة حتى بالبلاء؛ لأن الإنسان إذا سر بسرور الدنيا أبكاه الله، فلا ينبغي للإنسان أن يكون سروره سرور المطمئن الغافل، وإنما إذا رأى بهجة الدنيا قال: الحمد لله، فذكرته بهجتها بما عند الله عز وجل.
ولذلك يقولون: إن يعقوب عليه السلام أحب ابنه يوسف عليه السلام، فعذبه الله بحبه، وفارقه حتى فقد بصره من البكاء عليه، فالإنسان إذا أحب شيئاً من هذه الدنيا، وركن إليها، بمعنى أنها عظمت محبتها في قلبه، فإنه لابد أن يرى يوماً يبكي فيه من تلك المحبة، فنسأل الله العظيم أن يجعل قلوبنا مملوءة بمحبته، وأن يجعل لنا من حبه وبره وشكره والرضا به أعظم حظٍ ونصيب.
(284/13)
________________________________________
حالات المعالجة بالوعظ والهجر
قال رحمه الله تعالى: [فإذا ظهر منها من أماراته، بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة أو متكرهة، وعظها، فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء، وفي الكلام ثلاثة أيام، فإن أصرت ضربها غير مبرح] قوله رحمه الله تعالى: [فإن ظهر منها] أي: من الزوجة.
[من أماراته] جمع أمارة، وهي العلامة، والضمير في (أماراته) عائد إلى النشوز.
[بأن لا تجيبه] أي: إذا دعاها إلى فراشه، أو كانت تجيبه من أول نداء، فأصبحت تجيبه من الثاني، أو الثالث، وربما تأخرت إلى الرابع، وإن شاءت إلى الخامس، فهذه كلها أمارات على النشوز؛ لأنها كانت تجيبه من أول نداء فأصبحت لا تجيبه إلا بعد رأي يدل بوضوح على أنها تنوي نية النشوز، وأنها تسترسل من هذا إلى ما وراءه، فينطبق عليها قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} [النساء:34] فيشرع الوعظ.
وقوله: [أو تجيبه متبرمة] أي: تفعل ما يدل على عدم الطاعة ويظهر ذلك من وجهها وفعلها، كأن يقول لها: ائتيني بالكتاب أو ائتيني بالصحن، أو ائتيني بالطعام، فتأتي وتضع الطعام بقوة بين يديه، أو تضع الشيء بين يديه بقوة، فهذا واضح -جداً- على أنها لا تريد طاعة.
وقوله: [أو متكرهة] بمعنى: أن تظهر عليها أمارت الكره، مثل ما ذكرنا من عبوس الوجه، وكذلك أيضاً التأفف، والتأوه، والتضجر.
ويذكر العلماء هذه الأمثلة، لأنك تحتاج إلى ذلك في الفتوى، وتحتاجه في القضاء، فالشخص إذا جاءك وقال: إنه يحصل كذا وكذا، فإنك تبحث عن الأمارات، وتسأل عما يكون من المرأة، حتى تستطيع أن تعطي كل حالة حكمها، وهذا -كما ذكرنا- لأن المتون الفقهية يعتني فيها العلماء رحمهم الله بهذه المسائل إعانة على الفتوى وإعانة على القضاء.
وقوله: [وعظها] من الموعظة، وهي الكلمات المؤثرة، والموعظة تكون بالقرآن، كأن يتلو عليها آيات من كتاب الله عز وجل، أو أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك فرق في مقاصد الوعظ، فإذا وعظت لله فإنها موعظة ومؤثرة، وإذا وعظت لحظ نفسك فإنها موعظة لكنها لا تؤثر؛ لأنها موعظة الظاهر، وأنت في الباطن لا تريد إلا حظ نفسك، ولذلك تجد الرجل يرى أخاه، أو قريبه على المنكر فيقول له: يا أخي! اتقِ الله، إني أخاف عليك النار، ويتذكر أنه أخوه، ويخشى أن يُفرَّق بينهما في الآخرة، وكأنه يراه في عرصات يوم القيامة وقد افترقا، فيخاف عليه خوفاً شديداً، فتجده يدعوه إلى الله تعالى بصدق فتقع الكلمات في قلبه فيهتدي.
وتجد آخر يأتي ويقول له: يا أخي فضحتنا، وشهرت بنا، وفعلت وفعلت، فقد فضحت بيتنا وفضحت أسرتنا فانتقل من الوعظ إلى حظ نفسه وأهله وبيته، فلا يبارك الله في قوله، فنصحه لأخيه ليس من باب الهداية، وإنما من باب أنه فُضح وأنه اشتهر، فتكون عاطفة الدنيا أكثر من عاطفة الدين، فالذي يعظ المرأة لا ينبغي له أن يعظها لحظ نفسه، إنما يعظها خوفاً عليها من النار؛ لأن الله أمره أن يقي نفسه وأهله وزوجه من النار، فيقول لها: اتقي الله، فإني أخاف عليكِ من النار، وأخاف عليكِ من عقوبة الله، وأخاف أن ينزل الله بكِ بلاءً، وهذا لا يجوز، أما حقي فأنا أصبر عليه، فإذا شعرت أنه يذكرها بالله، أو علم الله من قرارة قلبه الإخلاص فإن وعظه يؤثر بإذن الله تبارك وتعالى.
قوله: [فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء] أي: بما فيه المصلحة.
وقوله: [وفي الكلام ثلاثة أيام] أي: إذا هجرها في الكلام فلا يزد على ثلاثة أيام، ففرق بين القول والفعل، فلا يجوز في هجر القول أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)، فلا يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام.
وقوله: [فإن أصرت ضربها غير مبرح] فإن أصرت على النشوز ضربها غير مبرح، أي: ضرباً غسير مبرح كما ذكرنا.
(284/14)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الخلع [1]
من رحمة الشريعة ومراعاتها لحقوق المرأة أن جعلت للمرأة الحق أن تنفصل عن زوجها إذا لم تستطع الحياة معه، فترد له ما دفعه لها وتخالعه، فلم يقع الظلم لا على الرجل ولا على المرأة، لأن الطلب جاء من المرأة، وأما إذا كان هناك إضرار بالمرأة فهنا يلزم الزوج بالطلاق لأن التعدي جاء منه، وهذا كله من كمال التشريع.
(285/1)
________________________________________
القول في الخلع وما يتعلق به
(285/2)
________________________________________
تعريفه ومناسبته لباب الطلاق تقديماً وتأخيراً
قال رحمه الله تعالى: [باب الخلع] هذا الباب سمي بالخلع أخذاً من خلع الثوب، فالمرأة لباس الرجل، والرجل لباس المرأة، وإذا وقع الخلع والفراق خلع هذا اللباس، وفرق بينهما، فحُلَّت العصمة، ووقع الفراق.
وباب الخلع يذكره بعض العلماء بعد الطلاق، فيؤخر الخلع إلى ما بعد الطلاق، فيذكر مسائل الطلاق والعدد، والإيلاء، والخلع، وبعضهم يذكر الطلاق والإيلاء، ثم الخلع، ثم العدد، وعلى العموم فمنهم من يقدمه على الطلاق، ومنهم من يؤخره، والمصنف -رحمه الله تعالى- قدمه على الطلاق.
ومناسبة تقديمه: أن الخلع رابط بين هذا الباب وبين باب الطلاق، وذلك لأن الخلع إنما ينبني من جهة الحقوق، فالمرأة في الأصل مطالبة بالقيام بحق زوجها، والزوج مطالب بحق زوجته، فإذا وقع بينهما النشوز والنفرة -كما ذكرنا- فإن هذا النشوز قد يكون سبباً في الخلع، فإذا نشز الرجل فأضر بالمرأة أو كان منه أمر يضيق عليها فيه، فإنها تخالعه، وتفتك من أذيته وإضراره بالخلع؛ لأنه لن يطلقها، فأصبح الخلع وسيلة لدفع الضرر؛ لأن الخلع شرع من أجل دفع الضرر والضرر يكون بالنشوز، والنشوز قد يكون بحق وقد يكون بغير حق، وأياً ما كان فالخلع مناسبته للنشوز من جهة وجود الضرر، فإذا كان الخلع مشروعاً لدفع الضرر فالرابط بينهما واضح.
وأما مناسبة تأخيره بعد الطلاق، فلكون الخلع مرتبطاً بالطلاق، والحنابلة لا يرون الخلع مرتبطاً بالطلاق، ولذلك لا يرونه طلاقاً إلا إذا نواه، والجمهور يرونه طلاقاً، فاختلف المنهجان، ولذلك نقول: علم مناسبة الأبواب في المتون الفقهية مهم؛ لأنه ينبني على النظر إلى الباب نفسه، فلما رأى الجمهور أن الخلع نوع من أنواع الطلاق جعلوه بعد الطلاق، والحنابلة لما رأوه باباً مستقلاً، ويوجب الفرقة، ويوجب الفسخ، أعطوه حكماً مستقلاً، وأدخلوه بين الطلاق وبين العشرة الزوجية؛ لأن الخلع يأتي من جهة سوء العشرة الزوجية، فالمرأة تمل زوجها من جهة العشرة، إما لدمامة خُلُقٍ، أو خِلْقِةٍ، ثم تطلب الخلع دفعاً لهذا الضرر الموجود من نشوز، أو من سوء خلقة، أو خلق، فهذا كله يعتبر بمثابة الرابط والوسط بين البابين.
(285/3)
________________________________________
أدلة مشروعية الخلع
قال رحمه الله: [من صح تبرعه من زوجة وأجنبي صح بذله لعوضه] الخلع مشروع بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب: فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، فأحل للمرأة أن تدفع الفدية، وهي فدية الخلع، فترد للرجل مهره وتخالعه، ونفى الحرج فقال: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة:229]، وقد تقرر في علم الأصول أن صيغة (لا جناح) و (لا بأس) و (لا حرج) من صيغ الإباحة، فلما قال تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، دل على أنه لا حرج في ذلك وأنه من المباحات.
وأما دليل السنة: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اشتكت إليه امرأة ثابت بن قيس بن شماس، وقالت له عن ثابت: (والله ما أعيبه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر بعد الإسلام)، قال عليه الصلاة والسلام: (أتردين عليه حديقته؟ -أي: مهره الذي أمهركِ إياه- قالت: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم لـ ثابت: اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة)، فدل على مشروعية الخلع، وأنه لا بأس به إذا اشتكت المرأة وأرادت أن تخرج من عصمة الرجل، وأجمع المسلمون من حيث الجملة على مشروعيته.
(285/4)
________________________________________
بذل العوض في الخلع ومن الذي يصح منه بذله
قال رحمه الله تعالى: (من صح تبرعه من زوجة) مما ينبغي أن يعلم أن ميزة الفقه وميزة المتون الفقهية أنها تربط المادة الفقهية بعضها ببعض، فإذا جئت إلى باب الخلع تجد أن الخلع صورته: أن المرأة تدفع المال في مقابل فراق الزوج لها، فإن قلت: الخلع فسخ، فمعناه أنها تطلب أن ينفسخ النكاح بينهما، فيذهب هذا لسبيله وهذه لسبيلها وتتزوج من تشاء، وإن قلت: الخلع طلاق، فمعناه أنها تعطيه المال ليطلقها مقابل هذا المال، والمال الذي تعطيه هو مهرها الذي أمهرها إياه على تفصيل سنذكره -إن شاء الله- من جهة ما تخالع به، فإذا كانت الصورة قائمة على أن المرأة تفتدي، والله تعالى يقول: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، فكأنها تدفع المال من أجل أن تنفك من عصمة الزوجية، وهنا تجد الترابط بين الكتاب والسنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول في النساء: (إنما هن عوان عندكم)، والعواني: الأسيرات، فكأنها بالزواج أسيرة، والله تعالى يقول: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، والفدية تدفع لفك الأسير.
فانظر إلى تعبير النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأدب مع الكتاب فتتأدب مع الوحي حتى في الكلمات التي تقولها، وتحاول أن يكون هناك محبة لكتاب الله عز وجل حتى في عباراتك إذا كنت فقيهاً أو عالماً.
وتجد هذا جلياً في كتاب الإمام البخاري رحمه الله، وأئمة الحديث رحمة الله عليهم في تراجم الأبواب، فكتبهم في غاية الأدب مع الوحي، فتجد أئمة الصحاح والسنن إذا ترجم الواحد منهم للباب يذكر لفظ الحديث، وهذا والله عين الأدب مع الكتاب والسنة، فالفقه والعلم إذا كان مربوطاً بالوحي فهو الفقه الصافي، الفقه الذي انبنى على أصل، وعلى حق، وعلى نور من الوحي، ومن الكتاب والسنة، وهذا ما ينبغي على العالم.
فالخلع فيه فدية وفيه مال، فإذا وصفت الخلع بكونه افتداءً، فمعنى ذلك أن هناك مالاً يُدفع، فهو يقوم على كون المرأة تدفع المال، فإذا كانت تدفع المال فإنه ينبغي أن ننظر في هذه المرأة، فإن كانت من جنس من يصح تعامله وتبرعه بالمال صح خلعها، وإن كانت ممن لا يصح بذله للمال فإنه لا يصح خلعها.
فانظر كيفية الارتباط في الأبواب الفقهية، ففي الخلع ارتباط مع باب التبرعات، وباب المعاوضات المالية، وباب الحجر.
فلو كانت محجوراً عليها لسفه فلا يصح خلعها؛ لأنها ممنوعة من التصرف المالي، والخلع يقوم على التصرف المالي، فكما لا يصح بيعها معاوضة لا يصح خلعها معاوضة، فإذاً هذا وجه قول المصنف.
ففقه المسألة: أن الخلع في الأصل قائم على دفع المال من أجل أن تفتدي المرأة من زوجها، ففقهه يقوم على أهلية دفع المال.
وقوله رحمه الله تعالى: (من صح تبرعه من زوجة) (مِنْ) في قوله: (من زوجة) بيانية والأصل أن الخلع يكون من الزوجة لزوجها.
وقوله: (وأجنبي) أي: إذا كان الأجنبي مخالعاً عنها، كولي المجنونة وولي السفيهة.
وقوله: (صح بذله لعوضه) الضمير في (بذله) عائد للشخص المفتدي، والضمير في (لعوضه) عائد إلى الخلع، أي: صح بذله لعوض الخلع، وإذا صح بذله صح خلعه، وإذا لم يصح بذله لم يصح خلعه، فاللفظ له منطوق ومفهوم، فمنطوق العبارة دال على أنه إذا كان الشخص أهلاً للمعاوضة ومثله تصح معاوضته فإنه يصح خلعه، ومفهوم العبارة: أنه إن كان شخصاً لا يصح بذله، ولا يصح تعامله بالمال، كالسفيه والمحجور فإنه لا يصح خلعه.
(285/5)
________________________________________
أسباب الخلع
(285/6)
________________________________________
الأسباب التي تباح للمرأة بها الخلع
قال رحمه الله تعالى: [فإذا كرهت خُلق زوجها، أو خَلْقه، أو نقص دينه، أو خافت إثماً بترك حقه أبيح الخلع] قوله: (فإذا كرهت خلق زوجها) المرأة لها حق في زوجها كما ذكرنا، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (البكر تستأذن وأذنها صماتها، والثيب تستأمر -وفي رواية: أحق بنفسها من وليها-)، فالمرأة لا تستطيع أن تعاشر زوجاً لا تريده، أو زوجاً لا ترغبه، أو زوجاً تنفر منه، فإذا تزوجت الزوج، ودخلت عليه، فالشريعة جعلت للزوج الطلاق، ولو كان بيد الزوجة الطلاق لاستعجلت، وأنت ترى هذا واضحاً، فإن الزوجة تأتي تشتكي من زوجها، فإذا نصحت بكلمة تصبر بها فإنها ترجع مرة ثانية محبة لزوجها، وتأتي في أول النهار ساخطة على زوجها، فإذا جاء ولاطفها، وقال لها الكلمة والكلمتين رجعت عن رأيها، فهذه طبيعتها، والضعف الذي في المرأة نعمة من الله عز وجل عليها وعلى غيرها، ولا يعتبر منقصة ولا مذمة لها؛ لأنَّ هذه خلقة الله سبحانه وتعالى، فالله يخلق وله الحكمة التامة في خلقه سبحانه وتعالى.
فهذا الضعف الموجود في المرأة لا تستطيع أن تملك به الطلاق فأعطي الرجل الطلاق؛ لأن فيه من القوة والصبر ما ليس في المرأة.
وأما المرأة فقد تتسرع في الطلاق، فأصبح إعطاء الطلاق للزوج رحمة بالمرأة، فمن إكرام المرأة أن وضع الطلاق بيد الرجل؛ لأن الإنسان حين يكون عنده شيء يخافه، أو شيء يخشى منه الضرر، فإنه يعطيه من هو أقدر على حفظه كسكين تخشى منها الضرر، وهناك من هو أقدر على حفظها، فبطبيعة الحال لا تتركها عندك، وإنما تذهب بها إلى من يحفظها؛ لأنك تخشى ضرراً منها على نفسك، أو على من معك، فالحكمة والعقل يقتضيان أن تصرفها إلى من هو أقدر.
وبعض المجتمعات لما خرجت عن فطرة الله عز وجل وجعلت الطلاق بيد المرأة دمرت، فالمرأة بمجرد أن يأتي خب لئيم، فيفسدها على زوجها تنجر وراءه، ويخدعها بالكلمة والكلمتين، فتنهدم البيوت، وتتشتت الأسر، ثم المرأة في خلقتها العاطفة، فإذا استغلت بعاطفتها طلقت زوجها وتسرعت في الطلاق.
(285/7)
________________________________________
جواز الخلع بسبب ليس فيه إضرار بالمرأة
لأجل ما سبق قلنا: جعل الطلاق عند الرجل رحمة بالمرأة هذا أول شيء، فلو اعترض معترض وقال: ألا تظلم المرأة؟ ألا ترى شيئاً في زوجها تكرهه؟ قلنا: بلى، فهذا الشيء الذي تكرهه كعيب خَلْقي في زوجها، أو خُلُقي، فإن كان عيباً خلقياً مؤثراً فلها حق الفسخ كما تقدم معنا في الماضي، فالشريعة عدلت وأعطت كل ذي حقٍ حقه، فإن كان عيباً في خلقته لا تستطيع معه جماعه لها كعيب جنونٍ، أو برصٍ، أو جذامٍ، أو غيرها من الأمراض المعدية، فمن حقها أن تطلب الفسخ كما ذكرنا في خيار العيب الذي يوجب الفسخ، فحين يقال لنا: هي لا تحب هذا الزوج، بعد أن عاشرته، ورأت عشرته، وطريقة عشرته، وقلبها أعرض عنه فلا تستطيع أن تتحمل هذا الرجل، فهل نكرهها ونبقيها بالقوة والغصب عند هذا الرجل؟ ف

الجواب
لا؛ لأنه لا يكره عشير على عشيره، وإذا أكره عليه مله، وازداد كراهية له، وعندها تحصل أمور لا تحمد عقباها، حتى تقع أذية الرجل لها؛ لأنه يراها معرضة فيستغل هذا الإعراض لإضرارها، وإذا ثبت هذا فما هو المخرج؟ إن الشريعة جاءت بمخرجٍ عدل، فالرجل إذا كرهت المرأة نكاحه، ولم ترده، فمعنى ذلك أنه سيتضرر الرجل، وإن بقيت المرأة عند زوجها ستتضرر، فقيل لها: الذي أعطاكِ إياه تردينه عليه، فإن قالت: قد استمتع بي! يقال لها: وقد استمتعتِ به كما استمتع بكِ، والأمر من هنا منكِ، فأنت التي ترغبين في الفراق، وهو الذي دفع المهر، وهو الذي تحمل، فحينئذٍ تردين عليه الذي أمهرك إياه، كما قال صلى قال الله عليه وسلم لامرأة ثابت: (تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، لأنها خافت على نفسها الكفر بعد الإيمان؛ لأن المرأة تخشى على نفسها الفتنة، وإذا كان الزوج لا ترتاح له في عشرتها فإنها قد تقع في الحرام، نسأل الله السلامة والعافية.
وعلى هذا جعل الله الخلع عدلاً بين الطرفين، فيجوز لها إذا كرهت خُلُقه، وكان هذا الخلق مثله يضر، كأن يضربها، ويظلمها فترفع أمرها إلى القاضي، فإذا استمر بهذه الطريقة فيمكن أن القاضي في بعض الأحيان يطلقها عليه، هذا إذا كان خلقاً فيه أذيه وإضرار، لكن إذا كان خلقاً تكرهه كرجل ليست فيه صفات الرجولة الكاملة، أو ترى فيه البخل وهي لا تحب البخيل، أو ترى فيه الفضول فيخوض في فضول الكلام وهي لا تحب أن تعاشر رجلاً بهذه الصفة، فهذه أمور كمالية، وفي هذه الأمور الكمالية تأثير على عاطفة المرأة، فمن حقها أن تخالعه.
فإذاً: عيب الخلق إن كان من جنس ما يوجب تدخل القاضي وتطليقها عليه طلقها، مثل الرجل الذي يضربها ويؤذيها ويضر بها فهذا لا تخالعه؛ لأنه لو خالعته لكان لكل زوج يريد أذية امرأته أن يضربها ويضرها ثم يعود المال إليه، ولكن إذا اشتكت المرأة من خلقه فقلنا: ما الذي فيه؟ قالت: عيب الخلق، فما دام العيب خلق فإنه يوجب الخلع.
وإذا كان عيب الخلق فيه أذية وإضرار، فيضربها ويؤذيها، وأمكن رفع هذا الظلم عنها فليرفع، ولها أن تشتكي أمرها إلى القاضي أو إلى أوليائها ليكفوه، ولا يجوز للأولياء أن يسكتوا عن زوج يضرب أختهم أو لبنتهم.
ومن الأمور التي ينبغي التنبه لها وأيضاً تنبيه الناس عليها: أن الأخ عليه حقوق، والوالد عليه حقوق فلا يرضى لابنته، ولا يرضى الأخ لأخته أن تكون عند زوج ظالم، فإذا رآه ظالماً لها فليأت وليقف على بابه، ويقف في وجهه ويقول له: اتقِ الله في أختي واتقِ الله في ابنتي، وليس له أن يقول: لن أتدخل بين زوج وزوجته، فليس من حقك أن تقول هذا، وإذا سكت الوالد وهو قادر على زجره في هذه الحالة يكون شريكاً له في الإثم؛ لأنه أعانه، وهكذا الأخ وهكذا الابن، وكل قادر على كف الظالم عن ظلمه وهو مستطيع ذلك، ويمتنع من ذلك فإنه يأثم كإثمه؛ لأنه معين.
ففي هذه الحالة إذا كان عيب الخُلُق مضراً بالمرأة، ويوجب تدخل القاضي تَدَخَلَ القاضي، أو طلبت حكماً من أهله وحكماً من أهلها -كما هو معروف في باب النشوز- وإن كان عيب الخُلُق ليس من جنس ما يوجب تدخل القاضي فحينئذٍ يجوز لها أن تطلب الفسخ، فتقدم المهر الذي دفعه وتفتدي وتخالع البعل.
(285/8)
________________________________________
المخالعة بسبب خلقة الزوجة
قوله: (أو خَلْقه) أي: خِلْقَتُه؛ لأن الإنسان مجبول على محبة الخِلقَه بصورة معينة، والنساء يختلفن في هذا، ولذلك جاءت امرأة ثابت بن قيس تشتكي من ثابت رضي الله عنه لعيب في خلقته، وذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأجازها.
(285/9)
________________________________________
المخالفة بسبب ضعف تدين الزوج
قوله: (أو نقص دينه): وذلك كرجل مستخف بالمحرمات، فعنده محرمات يفعلها، وهي تكره هذه المحرمات، وتكره من يفعل هذه المحرمات، فسألته الطلاق فلم يطلقها فقالت له: أخالعك، فتخالعه.
(285/10)
________________________________________
المخالعة بسبب خوف المرأة من التقصير في حق الزوج
قوله: (أو خافت إثماً بترك حقه) كأن ترى أنه رجل شديد الشهوة، وهي لا تستطيع أن تصبر معه على هذه العشرة، وتخشى أنها إن قصرت معه أنه يقع في الحرام، وأنها هي أيضاً تأثم بالتقصير، فقالت: لا أريد أن أستمر في هذه الحياة أو أن أبقى مع هذا الزوج فأخالعه، فلها ذلك.
قوله: (أبيح الخلع) (أبيح) يعني: استوى في الطرفين، إن شاءت تخالع وإن شاءت لا تخالع، وليس من حق أحد أن يحرم عليها ما أحل، الله، وعلى القاضي إذا رفعت أمرها بهذه الصورة أن يجيبها إلى ذلك ما دام عندها عذر، فإذا ذكرت عذراً فليجبها إلى ذلك وعليه أن يبادر، وأما تأخيرها ومضي الشهور، بل لربما في بعض القضايا تصل إلى سنة والمرأة تتذمر وتتأذى، والقاضي يردها المرة بعد المرة، فهذا من الظلم ولا يجوز هذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -والسنة واضحة لا إشكال فيها- جاءته المرأة، واشتكت من زوجها، وقالت: إنها تعيب عليه في خلقته، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، فما أخرها، وما قال لها: شاوري نفسكِ، ارجعي إلى أهلكِ لا تستعجلي، فالقاضي بجب أن يكون موقفه حيادياً، وإذا مال إلى أحد الخصمين دون الآخر فقد ظلم الخصم الآخر.
فالمرأة لم تأت من فراغ، ولم تأت من عبث، لكي تشهر بنفسها، فلم تتقدم إلى القاضي وتطلب الخلع إلا وقد بلغ الأمر مبلغه، فينصفها ويعطيها حقها الذي في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخرها، وإنما ينظر، فإذا كان الذي ذكرته صحيحاً، وبينت أنها لا تستطيع الصبر على هذا الشيء، وكانت المرأة معروفة بالعقل والدين، فإنه يبادر ويخلعها، حتى لا تقع فيما حرم الله عليها.
قال رحمه الله تعالى: [وإلا كُرِه وَوَقَع] أي: إذا لم يكن هناك سبب كُرِه للمرأة أن تخالع، لما فيه من هدم البيت وخاصة إذا كان لها عيال فإنهم يتضررون بهذا الفراق ووقعه، ومع أنه مكروه لكنه يقع، يعني: فيتم الخلع ويحكم به وينفذ.
(285/11)
________________________________________
حكم تضييق الزوج على زوجته لتخالعه
قال رحمه الله تعالى: [فإن عضلها ظلماً للافتداء، ولم يكن لزناها، أو نشوزها، أو تركها فرضاً ففعلت، أو خالعت الصغيرة والمجنونة، أو الأمة بغير إذن سيدها لم يصح الخلع] قوله: (فإن عضلها ظلماً للافتداء): عَضْلُها ظلماً استغلال للخلع، فالرجل يضيق على المرأة حتى تدفع له المهر ويتزوج بثانية، وهذا من أسوأ ما يكون من اللئام -أعاذنا الله وإياكم منهم- فإنهم أقوام يتذوقون النساء، فيصيبون شهوتهم -نسأل الله السلامة والعافية- كما ذكر بعض العلماء، وهذا موجود عند بعض الناس ممن لا يخاف الله ولا يتقيه، فيصيب المرأة، وبعد أن يعاشرها السنة والسنتين، أو يذهب ما يجد عندها من الحظوة والجمال، يضيق عليها لتفتدي، فإذا افتدت طالبها بالمال، وأخذ المال وتزوج ثانية، وصنع بها كصنيعه بالأولى، ومثل هذا إذا اطلع عليه القاضي يعزره، ويبطل خلعه إن كان ظالماً.
وتضييقه عليها أن يقتر عليها في الرزق، ويضيق عليها في خروجها، وفي أمورها وفي شؤونها، ويقطعها عن أهلها وقرابتها، ويصل الأمر إلى درجة أنهم لو جاءوا يزورونها -نسأل الله السلامة والعافية- منعها من ذلك، حتى تكره عشرته، فإذا كرهت عشرته وضاق بها الحال طلبت الخلع.
وهذا من أعظم ما يكون من الظلم والإضرار، قال تعالى: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة:231]، فالله حذر من هذا الفعل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إني أحرج في حق الضعيفين المرأة واليتيم)، فجعل المرأة في حقها كاليتيم، واليتيم ظلمه من أسوأ ما يكون، ولذلك يقولون: عقوبته معجلة غالباً، فظلم اليتيم عقوبته قريبة من ظالمه، والمرأة كذلك لا تبعد عنه، وهذا المشاهد والمجرب؛ لأنها ضعيفة وغالباً ما تسكت عن كثير من المظالم، فإذا أضرّ بها على هذا الوجه فإن الله سبحانه وتعالى ينتقم منه إن عاجلاً أو آجلاً.
فمثل هذه الأفعال التي تفعل من الأزواج لاستغلال الخلع حكم بعض العلماء -كما اختاره المصنف- أن الخلع في هذه الحالة لا يصح، وفي هذه الحالة إذا اطلع القاضي على أنه ظالم، وضيق عليها وأضر بها، والأمور التي فعلها أمور مضرة يوجب مثلها أن من المصلحة أن يفرق بينهما حكم بالفرقة، ورد المهر للمرأة؛ لأن مثله أهل أن يفرق بينه وبين زوجته، فيتحمل هو مسؤولية الفراق، ويرد المال إلى المرأة؛ لأن أخذ مال الخلع على هذا الوجه ظلم، فأبطل العلماء رحمهم الله هذا، ويلزم منه إبطال أخذ المال، فعلى هذا لا يجوز الخلع على هذا الوجه وهو من الإضرار.
والأمر مركب على مذهب الحنابلة؛ لأن الخلع عندهم فرقة، لكن من يحكم بكونه طلاقاً تطلق عليه امرأته، ويرد المال إلى المرأة، إذا ثبت عند القاضي.
قوله: (ولم يكن لزناها): لأن الله تعالى قال: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء:19]، فإذا كانت المرأة -والعياذ بالله- زانية فإنه يجوز لزوجها أن يضيق عليها حتى ترد عليه مهره، فترد عليه جميع ما أخذت، وتطالب برد المهر فقط، ولا تطالب بكلفة الزواج، ولا بمئونة الزواج، فمطالبتها بكلفة الزواج ومئونته لا يشك أنه من الظلم، وهذا لا نعرفه لا في كتاب الله، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن امرأة ثابت لما جاءت تخالع لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لـ ثابت كم هي كلفة زواجك؟ ومن المعلوم والمشاهد والمجرب أن الرجل يعقد على المرأة، وينشئ وليمة النكاح، فيأتيه الناس ويساعدونه بمال أضعاف ما دفع في الوليمة، فيأخذ من الناس المال، ثم يأتي ويأخذ من المرأة مئونة النكاح!! فهذا من أغرب ما يكون من الأقضية.
إن بعض هؤلاء يقضي بأن المرأة تطالب برد قيمة النكاح ومئونة النكاح، ويصرخ الرجل ويقول: خسرت في نكاحي مائة ألف، أو مائتين! ومن الذي قال لك: اخسر؟ فإن الشرع أمرك أن تولم بشاة، وأن تولم على قدر ما يتحقق به الإعلان، وكونك توسعت لجاهك ولمكانتك، فلا تتحمل المرأة ما كان من وليمة أخذت سمعتها، وأخذت حظها من الدنيا؛ لأن هذا شيء الزيادة فيه لأمر الدنيا، وإن كان للآخرة ثبت لك أجره، فبأي حق يستحق المعاوضة على هذا؟ فالشاهد: أن مطالبة النساء بمئونة النكاح لا شك أنه مخالف لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يشك أنه من ظلم النساء، وهو يعيق عن الخلع، فإن المرأة إذا قيل لها: ادفعي مائة ألف، أو ادفعي أربعين ألفاً، أو خمسين ألفاً، فقد تكون امرأة لا دخل لها، وقد تكون بحالة في فقر، وزوجها ليس بذاك، فلا هي بلغت مقصود الشرع من دفع الضرر عنها، ولا تستطيع أن تدفع هذا المال، فهذا كله مما لا يحفظ له دليل في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى من اعتبر الخلع أن يتقي الله عز وجل، وألَّا يحكم بالخلع إلا على وفق ما ثبت في الكتاب والسنة، فالقاعدة عند العلماء: (ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال).
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لـ ثابت بن قيس: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ما استفصل منه: هل تكلفت في زواجك أو لم تتكلف؟ هل دعوت الناس؟ هل تحملت أو لم تتحمل؟ فهذا كله مما ليس في الكتاب، ولا في السنة أن تُلْزَم المرأة بمئونة النكاح.
قوله: (أو نشوزها): أي: إذا نشزت يجوز له أن يطالبها بالخلع.
قوله: (أو تركها فرضاً): أي: تركها فرضاً فرضه الله عليها، أن تترك الأمور الواجبة عليها في الشرع، وتتساهل في الواجبات، فيجوز له أن يضيِّق عليها فتخالعه.
(ففعلت) أي: خالعته.
فالتضييق إذا لم يكن لزناها، ولم يكن لنشوزها، ولم يكن لتركها فرضاً، فحينئذٍ يكون الزوج ظالماً، أما لو كان لزناها، أو لنشوزها، أو لتركها فرضاً، فإن التضييق من الزوج واقعٌ في موقعه، فيكون مشروعاً.
فالشاهد: أن المصنف فرَّق في التضييق إن صَدَر من الزوج من أجل الخُلْع، فإن ضيَّق على زوجته لأنها زانية أو أنها ناشزة أو أنها تترك فرائض الله جاز له ذلك التضييق، والعكس بالعكس.
(285/12)
________________________________________
خلع الصغيرة والمجنونة والأمة
قوله: (أو خالعت الصغيرة والمجنونة) إذا خالعت الصغيرة لم يصح خلعها؛ لأن الصغيرة لا تملك مالها، قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] فأمرنا الله أن ندفع المال لليتيم إذا بلغ رشيداً؛ لأن من أنواع مفاهيم المخالفة: الشرط، فمفهوم الشرط في قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً} [النساء:6] يدل على أنه إذا لم تأنسوا منهم رشداً فلا تدفعوا إليهم أموالهم، ومفهومه في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء:6] يدل على أنهم قبل بلوغ النكاح لا يُدْفع إليهم المال.
فلا يُدْفع المال إلى الصغير، وقد قال تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] قالوا: والصغير من السفهاء، فإذا كان لا يملك المال، أو لا يملك التصرف، أو ليس له حق التصرف في المال فإنه لا يصح خلعه، وكذلك المرأة الصغيرة فإنه لا يصح خلعها.
قوله: (والمجنونة): أي: والمجنونة كذلك لا يصح خلعها؛ لأنه لا حق لها في التصرف في مالها.
قوله: (أو الأمة بغير إذن سيدها لم يصح الخلع (: أي: إذا خالعت الأمة بدون إذن سيدها لم يصح الخلع؛ لأن الأمة وما ملكت ملكٌ لسيدها؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فأخلى يد العبد عن الملكية.
(285/13)
________________________________________
هل الخلع طلاق أم فسخ، ومتى يكون طلاقاً عند القائل بأنه فسخ؟
قال رحمه الله تعالى: [ووقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته]: أي: إن أخذ الخلع، وقال لها: طلقتكِ، صار خلعاً بطلاق، ويكون طلاقاً رجعياً؛ لأنهم يرون أن الخلع ليس بطلاق، هذا مذهب الحنابلة، فأصبح الخلع عندهم على حالات: الحالة الأولى: أن يكون بدون طلاق: فلا ينوي الطلاق، ولا يتلفظ به، قالوا: فيفرق بينهما، ولا يحتسب من الطلاق، فلو أنه بعد سنوات رجع إليها يرجع بثلاث تطليقات على قول الحنابلة.
وأما على قول غيرهم وهم الجمهور فإنهم يقولون: الخلع طلاق، فيخالعها ويطلق، لقوله عليه الصلاة والسلام: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، واستدل الحنابلة بأثر ابن عباس رضي الله عنهما في آية البقرة، فإن الله ذكر الخلع بين الطلقة الثانية والثالثة، فقال تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.
} [البقرة:229] إلى أن قال تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، ثم قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [البقرة:230].
فلو كان الخلع طلاقاً لكان ذكر الخلع هي الطلقة الثالثة! وأجيب بضَعف الاستدلال بهذا؛ لأنه حكاية تصوير، وليس بحكاية ترتيب؛ لأنه لو كان حكاية ترتيب لدل على أن الطلقة الثالثة لا تكون إلا خلعاً، ولفُهِم من الآية أن طلاق الثلاث الذي أعطيه المسلم في كل زواج، الثالثةُ منه خلع، لكنه حكاية تصوير الحكم بذكر صورة من صور الفراق بين الرجل وامرأته، وجاءت السنة تقول: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، فلو لم يكن طلاقاً لما ألزمه النبي صلى الله عليه وسلم به، ولا يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يلزم الصحابي بالتطليق الذي يُحْتَسَب عليه ويستضر به لو لم يكن ذلك في أصل الخلع، وهذا هو الصحيح وهو مذهب الجمهور.
قوله: (أو نيته): أي: إن نوى الطلاق، وهذا -طبعاً- عند الحنابلة، فإذا كان الخلع ليس بطلاق فمعناه: إما أن يقع الخلع خلعاً مجرداً عن الطلاق، أو يخالعها وفي نيته أنه طلقها فيقع طلاقاً، أو يخالعها ويتلفظ بالطلاق، فيكون طلاقاً.
فهذه ثلاثة أحوال: إما أن يخالعها فيكون فراقاً لا يُحْتَسب في الطلاق.
وإما أن يخالعها ناوياً الطلاق فهو طلاق.
أو يخالعها مصرِّحاً بالطلاق متلفظاً به، فهو طلاق على حسب ما تلفظ به.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه وعلَّمناه خالصاً لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.
(285/14)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الخلع [2]
الخلع صورة من صور الفراق بين الزوجين، وهو عند الأكثر طلاق، ولهذا فإنه تترتب عليه أحكام يجتمع ويفترق فيها عن الطلاق، وهذه الأحكام يبحثها العلماء عند الكلام عن الخلع.
(286/1)
________________________________________
حكم الخلع إذا كان بلفظ صريح الطلاق أو كنايته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فمن عادة العلماء رحمهم الله أنهم إذا بيَّنوا مسائل الخُلع يتعرضون لما يتعلق بلفظ الخُلع.
وقد تقدم معنا أن الزوج إذا خالع زوجته لم يخل من حالتين: الحالة الأولى: أن يُخالعها بلفظ الخلع دون أن ينص على الطلاق.
والحالة الثانية: أن يخالعها ويطلق؛ فأما في الحالة الأولى وهي أن يخالعها بلفظ الخلع دون أن يذكر طلاقاً، فقد اختلف السلف رحمهم الله في هذه المسألة وتبعهم في ذلك الخلاف الأئمة الأربعة، فقال طائفةٌ من أهل العلم، وهو مذهب الجمهور: إنه إذا خالعها وقع طلاقاً، فلو قال لها: خالعتك أو فارقتك، وكان على سبيل الخلع دون أن ينص على لفظ الطلاق، فإنه يُعتبر طلاقاً، وذكرنا دليل هذا القول، ووجهه وسبب رجحانه، وقلنا: إن الذين قالوا بأنه لا يقع طلاقاً استندوا على ما أُثِر عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك عن طائفةٍ من التابعين ك عكرمة وطاووس رحمةُ الله عليهما أنهم قالوا: إن الخلع ليس بطلاق، واحتجوا بآية البقرة، وذكرنا وجه دلالتها والجواب عن هذا الدليل.
أما بالنسبة لقوله: [والخلع بلفظ صريح الطلاق] فإن كان الخلع بلفظ الخلع، فقلنا: إنه يقع، ويكون طلاقاً على الصحيح، إلا أن لفظ الخلع عند من يقول بأن الطلاق لا يقع بالخلع، ينقسم إلى صريح وغير صريح، فالصريح: خالَعْتُكِ وفاديتكِ وفاسختكِ، قالوا: هذه الثلاث كلها تعتبر لفظاً صريحاً في الخلع.
أما لفظ الْخُلع فقالوا: لأنه عُرْفٌ شرعي، وقد جرى العرف أن الرجل يُخالِع امرأته، فإذا قال لها: خالَعتُكِ بألفٍ، فهو خُلع، وبناءً عليه لا يقع الطلاق عندهم، كما هو المذهب، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمةُ الله عليه.
وكذلك إذا قال: فاسَخْتُك، أو فَسَخْتُ نكاحك؛ فإنه مثل قوله: خالعتك، فلا طلاق، ويعتبر من صريح ألفاظ الخلع.
أما لفظ الفدية فإنه يعتبر من ألفاظ الخلع؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، وهناك من العلماء من يقول: هناك فرقٌ بين الخلع والفدية.
فالخُلع يكون ببذل المرأة للمهر وأكثر، يقال: خَالَعَت المرأة زوجها إذا بَذَلَت المهر أو أكثر من المهر، والفدية قالوا: إذا بَذَلَت بعض المهر، وبعض ما دفع الزوج لها، فيجعلون الفدية للبعض، ويجعلون الخلع للكل أو أكثر من المهر.
وقوله رحمه الله: (والخلع بلفظ صريح الطلاق) هذا النوع الثاني من الخلع عند الحنابلة، وهو أن يتلفظ بلفظ الطلاق، فقال رحمه الله: (والخلع بلفظ صريح الطلاق) ولفظ الطلاق فيه الصريح وفيه الكناية.
واللفظ الصريح: هو الذي لا يحتمل معنىً غيره؛ فالرجل إذا قال لامرأته: أنتِ طالقٌ؛ فإن هذه الكلمة صريحة في الطلاق، ولا تحتمل معنىً غيره إلا في أحوال نادرة، سنذكرها إن شاء الله عند بيان ألفاظ الطلاق؛ فإذا قال لامرأته: خالعيني، قالت: أدفع لك ألفاً وتخالعني وتطلقني، فأخذ الألف فقال: أنت طالقٍ؛ فحينئذٍ يكون خُلعاً؛ لأنه بِعوض، وإن كان طلاقاً، لكنه بعوض، فيكون من النوع الثاني من الخلع، وهو الخلع بعوض مع لفظ الطلاق.
وصريح لفظ الطلاق اختلف العلماء رحمهم الله فيه، وسيأتي إن شاء الله بيانه في مسألة الطلاق؛ لكن من باب الاختصار والإجمال، هناك من يقول: صريح الطلاق هو لفظ الطلاق، وما تَصَرَّف منه، غير المضارع وغير الأمر كما سيأتي إن شاء الله، فيجعلون لفظ الطلاق الصريح خاصاً بمادة (طَلَقَ) أنتِ طالِقٌ، طَلَّقْتُكِ، أنتِ مُطَلَّقَةٌ ونحو ذلك، هذا صريح الطلاق.
أما غير هذا اللفظ فقالوا: لا يقع طلاقاً إلا إذا نوى، فيعتبرونه من غير الصريح، وقال طائفة من العلماء: صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ عندهم: الطلاق والسراح والفِراق.
فإذا قال: طلَّقتكِ، فارقتكِ، سرَّحْتُكِ، فإنه صريحٌ في الطلاق، وفائدةُ معرفة الصريح من غير الصريح: أن الرجل إذا خاطب امرأته بالصريح طلُقَت عليه إلا إن يقيم دليلاً على أنه لا يريد الطلاق، فلو أن رجلاً كان جالساً مع امرأته، فقال لها: سرَّحْتُك؛ فعند من يقول: إنه من صريح الطلاق يُطَلِّقُها عليه، ولكن عند من يقول: إنها كناية وليست من الصريح؛ فإنه حينئذٍ يسأله عن قوله: (سرَّحْتُكِ) ماذا نوى به، وعلى هذا، فقوله: من صريح الطلاق، يعني: من الألفاظ الصريحة، وهي عند الحنابلة تختص بلفظ الطلاق، وما اشتُقَّ منه، وعند غيرهم الثلاثة الألفاظ التي وردت في القرآن: الطلاق والفِراق والسَّراح بلفظ صريح الطلاق.
قوله: (أو كنايته وقصده طلاق بائن) الكناية: من كَنَّ الشيء إذا استتر، فاللفظ المحتمل للطلاق وغير الطلاق يعتبر من الكنايات، وسيأتي إن شاء الله الكلام على كنايات الطلاق، وقد كَنَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل الكناية طلاقاً، كما في قصة ابنة الجون من حديث أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه، فإنه لما نكحها عليه الصلاة والسلام ودخل بها في حائط الشوط وأراد أن يُلِمّ بها، فقال: (هبي نفسك لي، فامتنعت، فمد يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: لقد عُذتِ بعظيم، الحقي بأهلكِ)، فقال: (الحقي بأهلك)، واعتد به طلاقاً.
ومن هنا قال العلماء: الطلاق يقع بالصريح وبالكناية، فإذا قال الزوج لزوجته -بعد قولها له: خالعني وطلقني- فارقتك -إذا قلنا: إن الفراق من ألفاظ الكناية- فإنه يُعتبر طلاقاً بِنِيَّتِه، ومن كنايات الطلاق: أنت بتَّةٌ، أنت بتلةٌ، أنت برية، أنت الحرج، أنت حرّة، الحقي بأهلك، اعتدي، استبرئي، ونحوها من ألفاظ الكنايات.
(286/2)
________________________________________
حكم الخلع إذا كان بألفاظ الخلع الصريحة ولم ينو الطلاق
قال رحمه الله: [وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينوه طلاقاً] هذه الثلاث هي صريح ألفاظ الخلع عند الحنابلة رحمهم الله كما نص على ذلك الإمام ابن قدامة وغيره.
وهذه الثلاثة الألفاظ إن وقع الخلع بها كان النوع الثاني من الخلع، وهو الذي يُوجِب الفِراق وفسخ النكاح؛ لكنه لا يُعتَد به طلاقاً ولا يُحتسب من الطلاق، فلو كان طلقها قبل الخلع طلقتين، ثم خَالَعَتْه بدون أن يَتَلفَّظ بالطلاق؛ فإنه لا يُعَد هذا الخلع طلاقاً، وتبقى له منها طلقة، فلو أنه أراد أن يَنْكِحها بعقدٍ جديدٍ قبل أن تنكح زوجاً غيره، حَلَّ له ذلك؛ لأنه بقيت له طلقة.
أما على مذهب الجمهور، فإنه إذا خالعها وكان قد طلقها طلقتين؛ فإنها حينئذٍ تُعتبر حراماً عليه، لا تَحِل له حتى تَنْكِح زوجاً غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الخلع طلاقاً، وقال لـ ثابت رضي الله عنه، لما خَالَعَتْه امرأته جميلة بنت أُبي بن سلول: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة)، فألزمه بالطلاق وأمره به، فلو كان الخلع لا يقع طلاقاً لم يُلزِم به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعله مطلقاً بحيث يفوت عليه ثلث طلاقه، ومن هنا أخذ الجمهور أن الخلع طلاق.
لكن ذهب ابن عباس ويحكى عن عبد الله بن الزبير، وجملة من التابعين - طاووس وعكرمة - والحنابلة رحمهم الله أنه ليس بطلاق.
ولذلك فإن الخلع والفسخ والفدية، هذه الثلاثة الألفاظ تُعتبر في المذهب من صريح ألفاظ الخُلْع كما اختاره الإمام ابن قدامة وغيره.
قال المصنف رحمه الله: [كان فسخاً لا ينقص عدد الطلاق] فقوله: (كان فسخاً) هذا الحكم.
قوله: (لا ينقص عدد الطلاق) هذا الأثر.
فمن فوائد الخلاف في مسألة الفسخ ومسألة الطلاق: أن مَن قال: إن الخُلْع يُعتبر طلاقاً فإنه يَحتسبه طَلْقَة، فإن كانت الأخيرة حَرُمت عليه، وإن كانت الأُولَى اعتُد بها، فتُحسب في الطلاق في المستقبل إذا نكحها؛ وأما إذا قلنا: إنه مجرد فِراق، فحينئذٍ لا يُحتسب طلاقاً، ولكن يُفرَّق بينهما.
وفي الترمذي ورد عنه عليه الصلاة والسلام في حديث الربيِّع أنه -عليه الصلاة والسلام- جعل عِدَّة المُخْتَلِعَة حيضة، وهذا حديث مضطربٌ ومُتكلَّم في إسناده، وسيأتي -إن شاء الله- الإشارة إليه، وهذا الحديث يُحتج به على أن الخُلع فِراق، والصحيح: أن الخلع طلاق كما ذكرنا؛ لأن آية البقرة والحديث لا يَقْوَيَان على معارضة الصحيح الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالطلاق في الخلع.
وهنا مسألة: إذا قلنا: إن الخلع طلاق، فلو كانت المرأة حائضاً؛ هل يجوز له أن يُخالِعها وهي حائض؟ اختار بعض العلماء كالإمام ابن قدامة رحمةُ الله عليه وغيره من العلماء أن الخُلع يجوز حال الحيض، فيجوز حتى على القول بأنه طلاق؛ والسبب في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ل ثابت: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة) لم يستفسر، أهي حائضٌ أو غير حائض.
قالوا: (وتَرْك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال).
أي: طَلِّقْها تطليقة سواءً كانت حائضاً أو غير حائض.
وعلى هذا -حتى عند الحنابلة رحمةُ الله عليهم الذين يقولون: إن الخلع يكون طلاقاً إذا تَلَفَّظ بالطلاق- قالوا: يجوز أن يُتَلَفَّظ بالطلاق وهي حائضٌ في حال الخُلع؛ لأن الطلاق وقع تَبَعاً ولم يقع قَصْداً، وفرقٌ بين التابع وبين القَصْد، وقد بيّنَّا دليل هذه القاعدة من السنة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين.
فقالوا: يجوز أن يُخالِعها بلفظ الطلاق، ولو كانت حائضاً، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من المرأة المختَلِعَة، وقالوا: إن الخلع وقع الطلاق فيه تَبَعاً ولم يقع أصلاً.
(286/3)
________________________________________
الطلاق أثناء عدة المرأة من الخلع
قال رحمه الله: [ولا يقع بمعتدةٍ من خلع طلاق ولو واجهها به] المرأة إذا خالَعها زوجها، واعتَدَّت من هذا الخلع -لأنه فراق على مذهب الحنابلة- فهل يلحقها بها الطلاق أو لا؟ ذكرنا أن الخلع فَسْخ، وإذا كان فَسْخَاً للنكاح؛ فإنه لا يَلتَحِق الطلاق به، فلو كان طلَّقَها طلقتين قبل الخلع، ثم خالعها، وأثناء عدتها في الخلع طلَّقها فإنه لا يعتد بهذه الطلقة، ولا تحرُم عليه، وتبقى الطلقة الثالثةُ كما هي؛ لأن هذا الطلاق وقع في غير موقعه؛ لأن المرأة مفسوخٌ نكاحها ومُفَرَّقٌ بينه وبينها، وحينئذٍ لا يتبعها طلاقه، وعلى هذا فلا يُحتسب الطلاق ولا يعتد به.
(286/4)
________________________________________
حكم اشتراط الرجعة في الخلع
قال المصنف رحمه الله: [ولا يصح شرط الرجعة فيه] فإذا قال: أُخَالِعُك بشرط أن لي الرجعة، فأُرْجِعُك متى شِئتُ أو إن شِئتُ، يعني: في مدة العدة، فهذا لا يصح، والسبب في هذا: أن الخُلع شُرِع لدفع الضرر عن المرأة، فإذا أجزنا للرجل أن يُراجِع المرأة، فمعنى ذلك أنه سيخالعها ثم يقول: راجُعْتُكِ؛ فيَفُوْت المقصود.
ولذلك أجمع العلماء رحمهم الله إلا من شذ على أن الرجل لا يمتلك ارتجاع امرأته في الخلع، وأن المقصود من الخلع خروج المرأة من الأذية والإضرار، وأنه إذا أضرّ بها وسأَلَتْه أن يُخَالِعَها؛ فإنه في هذه الحالة قصد الشرع أن يدفع ضرره عنها، فإذا كان من حقه أن يُراجِع فإنه يَفُوْت مقصود الشرع بهذه المراجعة، فلا يمتلك الرجل رَجْعَة امرأته إذا طلَّقها أو فارقها بخلع.
(286/5)
________________________________________
حكم المخالعة بغير عوض أو بمحرم
قال رحمه الله: [وإن خالعها بغير عوض أو بمحرَّم لم يصح] قوله: (بغير عوض) كأن يقول: خالَعْتُكِ، ولا يأخذ منها شيئاً من مهرها أو فديةً لذلك الخُلع فإنه لا يصح؛ لأن الخلع مبنيٌ على المعاوضة، وقالوا: إنه خارجٌ عن الأصل، فيتقيد جوازه بصورة الأصل؛ لأن الأصل بقاء العقد واستدامته، ولا يرفع إلا بالطلاق، وإذا كان هذا الأصل فقد جاء بالخُلع على صورةٍ معينة وهي: وجود الفدية والعوض؛ فإن خالَعها بدون عوض فقد خرج عن المشروع، وأصبح الخُلع غير صحيح من هذا الوجه، فلا بد من وجود العوض.
قوله: (أو بمحرم) قلنا: إن العلماء من عادتهم في المتون أنَّهم يذكرون الشبيه والنظير بعد نظيره وشبيهه؛ فإن خالعها بغير عوضٍ لا يقع الخلع، كذلك إن خالعها بشيءٍ محرم؛ فإن الشيء المحرَّم وجوده وعدمه في حكم الشرع سواء، فلو خالَعها بخمرٍ أو ميتةٍ أو خنزيرٍ أو أصنامٍ؛ فإنه لا يصح الخلع إلا بعوضٍ مباح.
والحنابلة عندهم أن الخلع يكون بلفظ الخلع، ويكون بلفظ الطلاق، فلو قالت له: خالِعني بدون عوضٍ، وقبل ذلك وطلَّقها وقع طلاقاً ولم يقع خُلعاً؛ لأنه طلَّق ومضى عليه طلاقه، وقد رضي فراق امرأته بدون عِوض، فانتقل الحكم من الخلع إلى الطلاق وأخذ حكم الطلاق.
قال رحمه الله: [ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته] أي: إن كان الخلع بلفظ الطلاق، أو خالعها وهو ينوي طلاقها؛ كما لو قال لها: خالَعْتُك، ناوياً الطلاق، فحينئذٍ ينتقل لفظ (خَالعْتُك) إلى كناية الطلاق؛ لأن الطلاق له صريحٌ وله كناية، ولفظ الخلع يُعتبر من كناية الطلاق؛ لأنه يدل على حل العصمة ورفع قيد النكاح؛ لأن أصل قيد النكاح وعُقدة النكاح وعِصمة النكاح تُوجِب أن يكون الرجل لباساً للمرأة والمرأة لباساً للرجل، فإذا قال: خالعْتُك، كأنه يقول: فسخت نكاحكِ، وكأنه يقول: خَلَعْتُ لباس الزوجية، فحينئذٍ يكون فيه وجهٌ لدخوله في كناية الطلاق، فهو إذا قال لها: خالعتُك، ناوياً الطلاق ولم يأخذ العوض؛ لم يَصح خلعاً، لأن الخلع لا يَصِح إلا بِعوض، لكن يقع طلاقاً؛ لأنه كنايةٌ يقع بها الطلاق بالنية.
(286/6)
________________________________________
ما يصح به الخلع
قال المصنف رحمه الله: [وما صح مهراً صح الخلع به] بعد أن بيَّن رحمه الله ألفاظ الخلع وأحكامها، شرع فيما يكون به الخلع وهو المُخَالَع به من مالٍ أو فدية، وفدية الخلع تُعتَبر متصلة بماهية الخلع، فلا بد من بيان أحكامها، فأنت إذا قلت: لا يصح الخلع إلا بعوض؛ يرد

السؤال
ما هو العوض الذي يجوز، والعوض الذي لا يجوز، والعوض الذي يُعتَد به في الخلع والعوض الذي لا يعتد به؟ وقد تقدم في المسائل الماضية أنه إذا خَالَعَها بدون عوض لم يصح، وإذا خالعها بعوضٍ فإن هذا العوض فيه تفصيل، فالقاعدة فيه عندهم أنّ كل ما صَحّ مهراً صَحّ أن يكون عوضاً في الخلع؛ لأن الخلع في الأصل يكون عوضاً عن المهر، وعما دفعه الرجل إليها.
وللعلماء في هذا الخلع وجهان: الوجه الأول: أن المُخَالَع به لا بد وأن يكون مرتبطاً بما دفعه إليها، فلا يجوز أن يُخَالِعَهَا بشيءٍ غير الذي دفعه إليها، وهو الأكثر والأزيد على حقه الذي دفعه في النكاح، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر هذه المسألة.
الوجه الثاني: يجوز الخُلع بكل ما يصح أن يكون عوضاً ومهراً في النكاح، وعليه درج المصنف رحمه الله، فلو أنه قال: خالَعْتُكِ بذهبٍ وذكر ذلك الذهب، كمائة غرامٍ، أو خالعْتُكِ بهذا العقد من الذهب أو بهذا العقد من الفضة، فقالت: قبلت.
صَحّ ولَزِمَه.
(286/7)
________________________________________
حكم مخالعة الرجل لزوجته بأكثر من المهر
قال رحمه الله: [ويكره بأكثر مما أعطاها] أي: ويكره أن يُخالِع الرجل امرأته بأكثر مما أعطاها.
وقد اختلف علماء السلف رحمهم الله فيمن خالع امرأته بأكثر، وصورة المسألة: أن يدفع للمرأة صَدَاقاً عشرة آلاف، فيسألها عند الخلع أن تدفع له خمسة عشر ألفاً، أو يُخالعها بعشرين ألفاً، وكان قد دفع أقل منها، فهل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ فذهب طائفةٌ من العلماء رحمهم الله إلى أنه لا يجوز أن يُخالع بأكثر مما دفع إليها، وهذا هو مذهب الجمهور رحمهم الله، واحتجوا بما ثبت في حديث جميلة رضي الله عنها أنها اشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها لا تحب ثابتاً، وأنها أبغضته حينما رأت فيه دمامة الخِلقَة، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُخرِجها من عصمته، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم وزيادة، قال: أما الزيادة فلا)، ولهذا الحديث شواهد منها المرسل الصحيح، وكذلك أيضاً جاء ما يعضده عند ابن ماجة رحمه الله في السنن، وفيه عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يزداد أي: نهاه أن يأخذ الزيادة على الفِدية.
قالوا: فهذا يدل على أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطى في مهر المرأة؛ ولأن الخلع عوضٌ عن حق الزوج الذي دفعه، فتكون الفدية بقدر ذلك لا زيادة عليه.
وقال طائفةٌ من العلماء رحمهم الله: تجوز الزيادة ويجوز أن يُخالع بأكثر، واحتجوا بأن الأصل جواز المعاوضة، وقد قال الله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، قالوا: فهذا يدل على أنها إذا افتدت بالقليل أو بالكثير فالأمر في ذلك سواء، ولا حرج عليها أن تفتدي بأكثر مما أعطاها.
والذين قالوا بالجواز -كما ذكرنا- مع قولهم بالجواز نَصُّوا على الكراهة.
ولذلك قال بعض أئمة السلف رحمهم الله: (هذا صنيع اللئام وليس بصنيع الكرام)، أي: اللئيم هو الذي يأخذ أكثر مما أعطى في مهر المرأة؛ لأنه نسِي المعروف ونسِي الفضل بينه وبين المرأة فيأخذ أكثر مما أعطاها، وليس بصنيع أهل الفضل ولا أهل الكرم، فليس هذا من شيمة الفضلاء.
والذي يظهر -والله أعلم- النهي عن الزيادة؛ لأن قوله: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، هو من جهة جواز الخُلع وإن كان مطلقاً لكن قيَّدته السنة بقوله عليه الصلاة والسلام: (أما الزيادة فلا).
وبناءً على ذلك فالذي تطمئن إليه النفس عدم جواز الزيادة على المدفوع، وأنه يتقيد الجواز بالقدر الذي دفعه ولا يزيد عليه، لأن في ذلك ظلماً للمرأة وتضييقاً عليها؛ فإنه لو فُتِح هذا الباب لتشارط الرجل ولربما سأل أكثر، مما يعجز المرأة وحينئذٍ يفوت مقصود الشرع من دفع الضرر عن المرأة، إذ لو أبحنا أن يأخذ الزيادة لقال لها: لا أُخالعك إلا على مائة ألف أو مائتين، ويكون قد دفع القليل، وتكون المرأة ضيقة الحال، ويعلم أنها لا تستطيع ذلك، وحينئذٍ يَفُوْت مقصود الشرع من جعل الخُلع على قدر المدفوع في مهر المرأة.
(286/8)
________________________________________
حكم خلع الحامل بنفقة حملها
قال رحمه الله: [وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح] أي: وإن خالعت الحامل بنفقة عدتها، يعني: حال حملها؛ صَحَّ ذلك، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله؛ لأن الحامل لها نفقة على الزوج، فلو أنها قالت: أُخالِعك بنفقة حَمْلي قال: قبلت.
وعند الحنابلة أنه يجوز الخلع بكل ما يجوز أن يكون مهراً، ونفقة الحامل مال، فلو فرضنا أن نفقتها ثلاثة آلاف ريال، فكأنها خالعته بثلاثة آلاف ريال؛ لأنها لو مكثت وهي حامل ستة أشهر أو سبعة أشهر استحقت ثلاثة آلاف ريال أو أربعة آلاف ريال، ففي الحقيقة كأنها خالعته على الثلاثة أو الأربعة آلاف.
(286/9)
________________________________________
حكم المخالعة على مجهول
قال رحمه الله: [ويصح بالمجهول] ويصح الخُلع بالمجهول، ولكنه يتعين بما ذكرناه، فيكون مجهولاً في العقد ثم بعد ذلك تُعَيِّنُه، حتى ولو قالت له: أخالِعُكَ على دراهم، قال: قبلت؛ فإنه يَلزَمُها أن تدفع له ثلاثة دراهم؛ لأن أَقلَّ الجمع ثلاثة، ولو قالت: أخَالِعُك على دنانير؛ لَزِمَها أن تدفع له ثلاثة دنانير؛ لأنها أَقل الجمع، ولو قالت: أُخَالِعُك على ريالات، فهي مجهولة القدر؛ فإنه حينئذٍ يُنظَر إلى أقل الجمع، وهكذا لو قالت: أُخَالِعُك على مالٍ وسكتت، فإنه يَصِحُّ وتُلزَم بأقل ما يصدق عليه أنه مال؛ فهذا كله يُعتبر في حكم المجهول، سواءً مجهول القدر أو مجهول الوصف.
قال المصنف رحمه الله: [فإن خالعته على حمل شجرتها أو أمتها أو ما في يدها أو بيتها من درهمٍ أو متاع أو على عبدٍ صح، وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه، ومع عدم الدراهم ثلاثة] قوله: (فإن خالعته على حمل شجرتها) امرأة عندها بستان وأرادت أن تُخالِع زوجها وقالت له: أُعطيك ثمرة بستاني هذا العام أو السنة القادمة، فقال: قبلت.
فحينئذٍ يَصح؛ لأنهم يصحِّحُون الخلع على المجهول.
قوله: (أو أَمَتها) قالت له: أخالعك على ما في بطن أَمَتِي، قال: قبلت.
وهذا بطبيعة الحال يكون أقل من المهر غالباً، فولدت أَمَتُها جارية أو صبية، فحينئذٍ تكون ملكاً له؛ لأنها عاوضته بهذه الأمة، كأنها باعت عليه هذه الأمة الأنثى، أو يكون حملها ذكراً؛ فحينئذٍ كأنها عاوضته بعبدٍ ذكر.
قال رحمه الله: [أو ما في يدها] قالت له: خالِعني على ما في يدي، فقال: قبلت.
ففتحت يدها، فلم يجد شيئاً، في لو قالت: خالعني بما في يدي.
فبطبيعة الحال الذي في اليد مجهول لا يُعرف، ولما كان الحنابلة رحمهم الله ذكروا جواز الخُلع بالمجهول، يرد

السؤال
إذا كان المجهول لا قيمة له، أو ظن أنه له قيمة وبان له كذلك، فلو قالت له: خالعني بما في يدي، فمعناه: أنه خالَعَها بعوض، وإذا قالت: بما في يدي، معناه: أن يدها فيها شيء، وعلى هذا يقع بأقل ما يصدق عليه أنه مال، ويلزمها أن تدفعه له؛ لأنه معلوم بدلالة الحال، فلمّا قالت له: بما في يدي، معناه: أن في يدها شيئاً له قيمة وثمن، وأما لو قالت له: على دراهم أو دنانير، فحينئذٍ أقل الجمع ثلاثة، فتعطيه ثلاثة دراهم أو ثلاثة دنانير، وهكذا لو قالت على ريالات.
قال رحمه الله: (أو بيتها من دراهم أو متاع) (أو بيتها) أُخَالِعُك على ما في بيتي من متاع، فالذي في البيت من المتاع يأخذه؛ لأن له قيمة، فيكون عوضاً عن خلعها.
قوله: (أو على عبد صح) فإن أعطته عبداً أو دراهم أو متاعاً على أنه يُخالِعها صَحَّ؛ لأنها أشياء لها قيمة، فإن عُدِمَت ولم يوجد شيء يُنظر إلى أقل ما يصدق عليه المسمى كما ذكر.
قوله: (وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه) يأخذ أقل المسمى في الحمل والمتاع، فيُنْظَر إلى أقل شيء يمكن أن يصدق عليه أنه متاع، فمثلاً: لو قالت له: أُخالِعك على ما في بطن أمتي، فطبعاً سيظن أن في بطنها حملاً، ولكن تبين أن ما في بطنها هو ورم، وانتفاخ، ولم يكن شيئاً؛ حينئذٍ يكون على أقل ما يصدق عليه وصف الحمل، فيُعَاوَض ويُنْقَل إلى المثل، وكذلك أيضاً لو قالت له: أخالعك على ما في بيتي من متاع، وجاء إلى البيت ولم يجد متاعاً، فنقول: أقل ما يُسمَّى متاعاً ما هو؟ فقالوا -مثلاً-: فراش من نوع كذا، سواء كان من فرش الأرض أو فرش الأسرة، نقول له: هذا الذي لك، ويُرجَع في هذا إلى أهل الخبرة ويقدِّرونه.
كل هذه الأمثلة -كما ذكرنا- العلماء يقصدون منها إذا وقعت الحِيلة من الزوجة على زوجها، أو خالعت على شيء تظنه مالاً وبان أنه غير مال، سواء كان متاعاً أو غيره كما ذكرنا، المهم هو القاعدة فإذا خالعته على شيءٍ ظن أنه موجود وتبيَّن أنه غير موجود نُلزِمُها بلفظها، فلفظها متاع، نقول: يلزمها أقل ما يصدق عليه أنه متاع، وإن قالت: الحمل؛ فأقل ما يصدق عليه الحمل، وإن قالت: ثمرة بستاني؛ نفس الحُكم.
فإذاً نؤاخذها باللفظ الذي اتفق عليه الطرفان، وهما اتفقا على خُلعٍ بِعوض، فإن لم يكن العوض موجوداً نُظِر إلى أقل المسمى، أي أقل ما يصدق عليه أنه متاعٌ وأنه حَمْلٌ إلى آخر ما ذكروه.
قوله: (ومع عدم الدراهم) لو قالت: أخالِعك على دراهم، أو على الدراهم التي في يدي ففتحت يدها ولم يوجد شيء؛ لأنه بطبيعة الحال، إذا قالت: على دراهم، فقد ذكرت في اللفظ الجَمْع، فمعناه أن الرجل لما قال: خَالَعْتُك، كأنه يقول: رضيت بالدراهم، وأقل شيء يصدق عليه أنه دراهم معناه أنه راضٍ به، فالعرب تسمي الثلاثة فأكثر جَمعاً، وتقول: دراهم، فإذا قال: رضيت، وخَالَع، فمعنى ذلك أنه رضي بثلاثة دراهم فأكثر، فإن لم يوجد الأكثر، قلنا: ليس لك إلا أقل ما يصدق عليه هذا الجَمْع الذي رضيت به بالخطاب، فيأخذ الثلاثة الدراهم ولا يزداد.
(286/10)
________________________________________
أحكام الخلع المعلق
قال رحمه الله تعالى: [فصلٌ: وإذا قال: متى أو إذا أو إن أعطيتِني ألفاً فأنت طالق؛ طلُقت بعطيته وإن تراخى] في الحقيقة قبل أن ندخل في التفصيلات -وستأتينا أكثر في الطلاق، وستأتي الجُمل المعلَّقة وألفاظ التعليق وألفاظ الشرط-.
قد يَمَل طالب العلم أحياناً، لكن ثقوا يا إخوان أنه حينما تأتي مشاكل الناس وأسئلتهم ستبحث في هذه المسائل بدقة، وتحتاج إلى دراستها بدقة أكثر، وكنا نقرؤها على مشايخنا رحمةُ الله عليهم، قد يحدث شيء من الطول والتعب، لكن لن تجد قيمة هذه المسائل وحلاوتها إلا بأسئلة الناس.
فسيأتيك الشخص الذي يتلفظ بهذه الألفاظ فلا تحس أنك في شيءٍ غريب، خاصة إذا كنت طالب علم تدرس مادة علمية ستُسْأل عنها، فالسائل لا مذهب له، ولا يأتيك بكتاب معين ولا بسؤال محدود، بل يأتيك بما وقع له وبما قال.
فهنا بعد أن فرغ رحمه الله من الخُلع المنجَّز؛ شَرَع في الخلع المعلَّق، والخُلع المعلَّق: أن يأتي بشرط، فيقول: إن فعلت، أو إذا، أو متى، فيكون مُعلَّقاً على شيء، فنحتاج إلى دراسة المعلَّق كما درسنا المنجَّز.
وهناك ألفاظ يقع بها الخلع بصيغة الشرط، فيحتاج طالب العلم أن يعرف ما هو الحكم لو قال لها هذا القول.
وأول مشكلة في الخلع المعلَّق من حيث اللفظ، فما هي الألفاظ التي يكون بها التعليق؟ وثانياً: أنه قد يُعَلِّق ويفعل، أو يقع الشيء الذي اشتُرِط بعد فترة فهل يُشْتَرَط في المعلَّق أن يكون مُنَجَّزَاً أو يمكن أن يقع على التراخي؟ فلو قال لها: متى أعطيتيني ألفاً أو متى فعلت كذا وكذا -من الشرط المطلق الذي لا قيد فيه- وبعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات أو سبع سنوات جاءت بهذا الشيء الذي علَّق الخلع عليه، فهل التعليق مقيد أو مطلق؟ كذلك أيضاً لو أنه قال: متى، أو إذا، أو إن، ثم طلَّق المرأة ولم تفعل شيئاً مما اشترط، وبعد أن طلقها وبانَت منه فعلت الشيء الذي قاله وعلَّق الخلع عليه؛ ثم تزوجها بعد ذلك، فهل يقع الخلع أو لا؟ ولو أنه قال لها ذلك، ثم طلَّقها، ولم تفعله أثناء البينونة، ولكن خرجت من عدتها، ونكَحَها بعقدٍ جديد، ثم فعلته في العقد الثاني! فكلها مسائل تحتاج إلى بحث.
وحتى في الطلاق أيضاً ربما يقول لها -على القول بالتعليق في الطلاق-: إن دخلتِ الدار فأنت طالق.
فما دخلت اليوم، وإنما دخَلَت بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات إن زُرْتِ فلانة فأنت طالق، وزَارَتها بعد سنة أو سنتين.
أو أنه قال لها: إن زرت فلانةً فأنتِ طالق، ثم طلقها غير الطلاق الذي عَلَّق عليه، ثم لما طلَّقها وبانَت منه زَارَت هذه المرأة، ثم رجعت له بعقدٍ بعد ذلك؛ فهل يَبْقَى التعليق كما هو أم أن فعلها للمُعَلَّق أثناء خروجها عن عِصمته يُؤَثِّر ويُسقِط ذلك المعلَّق بفعله ولو مرة؟ ثم بعد ذلك لما رجعت له بالعقد الجديد ذهَبَت وزارَتها؛ فهل يقع الطلاق ويبقى التعليق الأول كما هو أم ماذا؟ هذه أمور لا بد من بحثها، ولذلك نقول: قراءة الفقه منفصلاً عن ثمرته وحال الناس في سؤالهم، لا يستطيع طالب العلم أن يتَّصل بمسائله بالشكل المطلوب، فقد يَمَل طالب العلم: متى وإذا وإن، فيدخل في تفصيلات الشروط وألفاظ الشروط ويَمَل، لكن أقولها لما وقع لنا: في البداية قد تجد مللاً، لكن سيأتي اليوم الذي تجد من يقول هذا القول لامرأته، ويسألك عن حكمه.
أو تجد مسألةً مُفَرَّعةً على هذا الأصل، وهل النكاح يهدم أو لا يهدم؟ وكلها مسائل ذكرها العلماء واعتنوا بها.
وإنما أراد المصنف رحمه الله بذكرها هنا اكتمال مادة الخلع.
(286/11)
________________________________________
لزوم الوفاء بشرط الخلع عند حصول المخالفة
قوله رحمه الله: [وإذا قال: متى أو إذا أو إن أعطيتِني ألفاً فأنت طالق] إذا قال: متى أعطيتني ألفاً، أو إذا أعطيتني ألفاً، أو إن أعطيتني ألفاً، فقد اشترط، وبينه وبين الله عز وجل أنها إن فعلت هذا الشرط أنها تطلُق، والله عز وجل أعطاه الطلاق منَجَّزَاً ومعلقاً، فقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [البقرة:231] {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [البقرة:237]، ولم يفرق بين المعلَّق وبين المنجَّز، فهو كما أنه يُطلِّق ويقع طلاقه منجَّزاً، فإنه إن علَّقه على شيء يقع عليه الطلاق إذا وقع ذلك الشيء؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكِ على ربك ما اشترطت).
فكما أن الإنسان يستحق بالشرط، وله أخذ ما شرط، كذلك أيضاً يُلزَم بالشرط ويؤاخذ به.
فقال رحمه الله: (إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق) فهنا عِوض، وهذه المعاوضة عن تطليق.
وعلى هذا؛ فإنها لو أعطته الألف في نفس اليوم، أي: بعد حديثه مباشرةً أو فصل بينه وبين حديثه فاصل، تَركتْه ساعة أو ساعتين أو ذهبت وأحضرت الألف وجاءت فقال: لا، أنا قُلتُ: إن أعطيتني ألفاً وأَقصِد في المجلس، نقول: ما قلت في المجلس ولم تَشْتَرِط المجلس، فحينئذٍ إن أعطتك الألف في المجلس أو خارج المجلس أو بعد المجلس فهذا شرطٌ ليس فيه قيد، فلو أنها جاءت بالألف في اليوم الثاني، أو جاءت بالألف بعد سنةً، متى أعطته الألف فإنه حينئذٍ كأنها خالعته بهذه الألف، فأدخلوا هذه المسألة تبعاً للخلع؛ لوجود المعاوضة.
قوله: (طلقت المرأة بعطيته) إن أعطته الألف، وقوله: (وإن تراخى) تراخت العطية وتأخرت؛ لأن العبرة أنه متى ما وَقَع الشَّرط وَقَعَ المشروط، فهو اشتَرَط فيما بينه وبين الله عز وجل أن عصمة امرأته تنحل وتُرفَع بهذا الشرط إن وقع، وقد وقع الشرط فيؤاخذ به.
قال المصنف رحمه الله: [وإن قالت: اخلعني على ألف أو بألف أو لك ألف ففعل؛ بانت واستحقها].
قوله: (اخلعني على ألفٍ) ففعل، فحينئذٍ تُخْلَع منه، وتَطْلُق على قول الجمهور.
فهي اشترطت عليه، قالت: اخلعني بألف، فقال: خالعتكِ، فلما قال: خالعتكِ، معناه: خالعتُكِ بألف، وهكذا لو قالت: اخلعني بألفين، قال: خالعتكِ، فحينئذٍ إذا فعل ذلك فإنه يستحق ذلك المبلغ عليها ويلزمها دفعُه.
كما أنها تستحق عليه المخالعة والطلاق، كذلك هو يستحق العوض إن اشترطَتْ عِوضاً على الطلاق والخلع، فالحق بينهما متقابل، كما أنك تُلزِم الرجل كذلك تُلزِم أيضاً المرأة.
قوله: [أو بألفٍ أو لك ألف] كل هذه حروف: على ألفٍ أو بألف.
قوله: (ففعل بانت واستحقها) استحق الألف، فحينئذٍ لا تَبِيْن هكذا، لأنها رُتِّبَت على اشتراط والتزام، فهي إذا قالت له: خالعني بألفٍ، -لا بد أن تعرف مضمون اللفظ حتى تؤاخذ به- أي: لك عليّ ألفٌ وفي ذمتي لك ألفٌ إن وقع منك الخُلع، وهذا عقد واتفاق بين الطرفين، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، فهو إذا تَلفَّظ بالخُلع استحَقّ الألف، وإذا تلفظ بالخلع ألزمناها الألف، فهي التي التزمت واشترطت على نفسها أنه إذا خالعها وأنه إذا وقع هذا الشرط الذي ذَكَرَتْه من كونه مخالِعاً أعطته ألفاً، فإذا قال: خالعتُك؛ وكان منه لفظ الخلع، فقال: خالعتُكِ؛ فحينئذٍ عليها ما التزمَت به.
(286/12)
________________________________________
حكم الزيادة على ما اشترط في الخلع
قال رحمه الله: [وطلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثا استحقها] القاعدة في مسألة الاشتراط: أن الإنسان إذا التزم شيئاً بالشرط يُوفِّي بذلك، والحقوق بين المسلمين تُضْمَن بالشروط، كما قال عمر رضي الله عنه: (مقاطع الحقوق عند الشروط)، وهي مأخوذة من النصوص الصحيحة في قوله عليه الصلاة والسلام: (المسلمون على شروطهم)، فقوله: (مقاطع الحقوق عند الشروط)، يعني: لما تأتي تقطع القطع التي يُعرف فيها حق كل ذي حق، ويُفصَل فيها في الحقوق، فإنك تفصل الخصومة والنزاع، وتُعطِي كلَّ ذي حقٍ حقه بالشرط.
فهو إذا اشترط وهي إذا اشترطت ألزمناه بشرطها، وألزمناها بشرطه، فهو يقول: خالعتُكِ، وهي قد قالت: إن وقع منك هذا القول؛ أُعطِيك ألفاً.
بعد أن قرَّرنا هذه القاعدة -وهي تأثير الشرط- يبقى

السؤال
ذكر المصنف متى أو إذا أو إن، وعلى ألفٍ أو بألفٍ.
هذه كلها يستوي فيها المطلوب فِعله، ويُرتَّب المال أو المدفوع على وجود هذا المطلوب، فإذا قالت له: إن طلقتني فلك ألفٌ، خالِعني ولك ألفٌ، فليس في هذا إشكال، لكن الإشكال إن طلبت منه شيئاً ففعل أكثر منه، أو طلبت منه شيئاً ففعل أقل منه.
فالقسمة العقلية تقتضي ثلاث حالات ينبغي أن يَنتبه لها طالب العلم، الحالة الأولى: أن يكون الفعل الصادر أو القول الصادر على حسب المطلوب، قالت: خالعني وأعطيك ألفاً، قال: خالعتُكِ، بطبيعة الحال إذا قَضَيت في هذا تقول: الشرط الذي التزمَت به المرأة أن تعطيه الألف إن تَلَفَّظ بالْخُلع، وقد تَلَفَّظ بنفس الشيء الذي طُلِب منه، وهنا المساواة واضحة، لم يقل شيئاً زائداً عما طُلِب منه ولا أقلّ مما طُلِب منه، فمن ناحية فقهية بعد أن تُبَيِّن المساواة تنتقل إلى الزيادة أو إلى النقص، لكي تعرف الأصول وتحفظ وتُلِم بطريقة الفقهاء رحمهم الله.
فبعد أن بين حَال المساواة شرَع في الحالة التي يزيد فيها الرجل عن الشرط، والحالة التي يُنقص فيها عن الشرط.
الحالة الثانية: إذا قالت له: إن طلقتني واحدةً أعطيك ألفاً، فقال: أنت طالقٌ بالثلاث، فليست واحدة بل ثلاثاً، والشرط طلقة واحدة، وأعطاها ثلاثاً، فإنه قد زاد على الذي وقع الشرط عليه، فهل نقول: إنه أساء إليها بالثلاث وهي طلبت الواحدة، والثلاث غير الواحدة، وحينئذٍ لا يستحق؟ وهذا مذهبٌ ضعيف، أو نقول: إن الشرط بينه وبينها إن وَقَع طلاقٌ بواحدةٍ أنها تُلزَم بدفع ما اشترطت على نفسها، والزيادة -وهي الطلقتان- كانت من نفسه، كما لو طلقها واحدةً ثم أردفها طلقتين بعد؟ وهذا هو الصحيح على ما اختاره المصنف، فحينئذٍ إن زاد فإنه يستحق الألف.
امرأةٌ قالت لزوجها: إن طلقتني واحدةً أُعطيك ألفاً، فقال لها: أنت طالق بالثلاث، قالت: لا أُعطِيك شيئاً؛ لأنني أريد أن أَرجع إليك، فامتنعت من الإعطاء، فاختصما إلى القاضي، فالقاضي يعلم أنه شرطٌ زاد فيه الزوج، فنقول: إنه إذا وقع الشرط وزيادة فإنه يستحق؛ لأن الطلقة التي وقع الشرط عليها قد وقعت.
قال رحمه الله: [وعكسه بعكسه إلا في واحدةٍ بقيت]، وهذه هي الحالة الثالثة، إذا قالت له: طلقني ثلاثاً، فطلقها واحدةً فإنه لا يستحق الألف؛ لأنها اشترطت الثلاث، والواحدة جزءٌ من الثلاث، والجزءُ ليس كالكل، ولا يأخذ حُكْم الكل، كما لو قلت لرجلٍ: إن جِئتني بخمسة رجال أعطيك كذا، فجاءك برجل فلا يستحق، إنما يستحق إذا جاءك بالخمسة، فهم يرون هذا من باب الجُعل، ومندرج تحت أحكام الجعل.
وباب الجعل -كما سيأتينا إن شاء الله- أنك إذا رتَّبْت ثمناً أو مبلغاً أو مالاً أو شيئاً على شيءٍ معين، وجاء ببعضه فإنه لا يستحق الجعل حتى يأتي بذلك الشيء كاملاً، فلو قلت: من جاءني بسيارتَيَّ الضائعتين أُعطِيه عشرة آلاف ريال، فجاء بسيارةٍ منهما لم يستحقه، حتى يأتي بكلا السيارتين، فلا يتجزأ المقابل والعوض بتجزّؤ العمل.
كذلك هنا لا يتجزأ الاستحقاق الذي هو الألف بتجزّؤ الطلقات، إنما يستحق الألف إذا وقعت الثلاث، فإن وقعت واحدةً لم يستحق، لكن لو أنه طلَّقها قبل ذلك طلقتين ولم يُخبِرها بالطلقتين، فقالت له: طلقني ثلاثاً أُعطِك ألفاً، فقال لها: أنت طالق، فهذه الطلقة مكملةٌ للثلاث، فحينئذٍ وقع الشرط، فإن هذه الواحدة وإن كانت واحدةً لكنها في الحقيقة متممة للثلاث ومحققةٌ لمقصود المرأة من البينونة فحينئذٍ يستحق؛ لأن المقصود حَصَل.
(286/13)
________________________________________
حكم مخالعة الأب لابنه الصغير أو ابنته بشيء من مالها
قال المصنف رحمه الله: [وليس للأب خُلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها ولا خُلع ابنته بشيء من مالها] قوله رحمه الله: (وليس للأب خُلع زوجة ابنه الصغير) فيقول: خالعتُكِ، يُخاطب زوجة ابنه؛ فإن زوجة ابنه إذا سأل وليها الخُلع وقال: أُعطِيك ألفاً وتُخالِعها، ليس له ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، فجعل الفراق وحل العصمة في النكاح لِمَن ملك، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا طلاق فيما لا يملك، فإذا ثبت أن حَلَّ العِصمة والفِراق يكون لمَن بيده تلك العِصمة وذلك الفِراق وهو الزوج؛ فإنه يَسْرِي ذلك على الخلع، ويلتحق الخلع بالطلاق، ومن هنا قالوا: لا يُطَلِّق، وعلى هذا لا يُخالِع، فليس له أن يُخَالِع، لا خلع طلاق ولا خلعاً مجرداً.
قوله: (ولا طلاقها) كذلك.
قوله: (ولا خلع ابنته بشيء من مالها) كذلك أيضاً، لو أنه خالع ابنته بشيءٍ من مالها، ففرقوا بين البنت وبين الابن، فقالوا في البنت: له أن يُخَالِع لأنه يرى الضرر، ومِن حقه أن يُخالع عن ابنته إذا كان من ماله، لا من مالها، وجعلوا المنع هنا من جهة أن الأب يكون قائماً على مال ابنته الصغيرة، وهذا معلوم في باب الحَجْر: أن الصغير والصغيرة لا يملكان التصرف في ماليهما، فإذا جاء الأب يُخالِع من مالها فإنها محجورٌ عليها فلا تستطيع، وقد بينا في أول الخلع أن الخلع لا يصح من صغيرة ولا من مجنونة ولا من محجورٍ عليها؛ لوجود المعاوضة فيه، ومثلها ممنوعٌ من التصرف، وفي هذه الحالة قالوا: ليس له الحق أن يُخالِع من مالها؛ لكن له الحق أن يُخالِع من ماله، وهذا مفهوم قوله: (من مالها).
(286/14)
________________________________________
إسقاط الخلع لغيره من الحقوق
قال رحمه الله: (ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق)، كالنفقات.
هنا بيان أثر الخُلع، فلو أن رجلاً خالع امرأته وله منها أولاد، فإنه إذا خالعها وتم الخلع يُلزَم بنفقة الأولاد، ولا يقول: إن الخلع مسقط للنفقة، فالخلع لا يُسقط الحقوق، فيبقى حق النفقة ونحوه من الحقوق التي تترتب على عقد النكاح باقيةً ويُلزَم بها.
(286/15)
________________________________________
الطلاق المعلق على صفة إذا وجدت بعد إبانة المرأة ثم مراجعتها
قال المصنف رحمه الله: [وإن علَّق طلاقها بصفة ثم أبانها فوُجِدت ثم نكحها فوجدت بعده طلقت كعتق وإلا فلا] هذه المسألة تكلَّم عليها أئمة السلف رحمهم الله، وهي مسألة قديمة، وقول جماهير العلماء رحمهم الله حتى حُكي الإجماع: أن الرجل إذا علق الْخُلع أو الطلاق على صفة، وقال: إذا دخلتِ الدار أو إن فعلتِ كذا وكذا، وذكر شيئاً معيناً إن وُجِد فالطلاق حاصل، أو الخُلع واقع.
فهذا التعليق على وجود الصفة إن كان النكاح باقياً ذكرناه في حكم الشرط، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه وبيان كلام العلماء عليه -إن شاء الله- في تعليق الطلاق بالشرط.
لكن هنا مسألتنا أنه يعلق ثم يطلقها وتخرج من عدتها فتَبِيْن منه، وتفعل هذا الشيء أو تُوجَد هذه الصفة حال بينونتها، أي: لمّا بَانَت وانحلَّت من العصمة وفُرِّقَ بينهما وفارقته وقع هذا الشيء الذي علَّق الطلاق عليه، وطبعاً هي أجنبية، فلا يقع حال كونها أجنبية، فبعد أن وَقَع أو وُجِدت الصفة نَكَحَها مرةً ثانيةً؛ فهل يَبْقَى المعلَّق في النكاح الأول كما هو أو يلغى؟ هذه مسألة واقعة في الطلاق، وفي العتاق (في عتق العبيد) يقول لعبده: إن جاء أبي من السفر فأنت حرٌ، فعلق العتق على مجيء أبيه، فقبل مجيء أبيه باع العبد، واشتراه زيد من الناس؛ ثم جلس عند زيد -مثلاً- نصف سنة، ثم اشتراه من زيد، فإن رجع الأب وهو عند زيد أو رجع بعد رجوعه إلى صاحبه الأول؛ فهل يسري الحكم في كلتا الصورتين؟ ففي الحالة الأولى يقول: إن جاء أبي فأنت حرٌ، ثم باعه قبل مجيء أبيه فاشتراه زيدٌ فجاء أبوه وهو ملكٌ لزيد، ثم اشتراه بعد ذلك من زيد فهل يعتق؟ قال جماهير العلماء: إنه يَعتِق؛ لأنه فيما بينه وبين الله عز وجل جَعَل عِتْق عبده إذا كان مملوكاً له بمجيء والده، فإذا جاء والده، سواءً كان مجيئه والعبد في ملكه أو قبل أن يملكه فإنه يقول: متى جاء والدي فسأعتقك، فلما امتنع لوجود الملكية المخالفة وهي ملكية زيد حينئذٍ يُمنَع ما دام ملكاً لزيد، فإن رجع إليه رجع بشرطه فيما بينه وبين الله، فيلزَمُه عتقه ويعتق عليه، هذا في العتاق.
ويوجد تداخل بين كل من العتاق والطلاق والنذور، خاصة في مسائل الشروط والتعليق والحقائق.
هذه نص عليها جماهير العلماء رحمهم الله، وحكى ابن المنذر أن الكافة يقولون: إنه يَعْتِق عليه.
ففي الطلاق نفس الحُكْم، فإن علق طلاقها على صفة ووُجِدت الصفة حال كونها في عصمة غيره أو بعد مجيئها في عقدٍ ثانٍ أخذ نفس الحكم.
مثلاً: قال لها: إن جاء والدي من السفر فأنت طالق، فطلقها قبل أن يجيء والده، وبَانَت منه قبل أن يجيء والده، أو خالعَتْه قبل أن يجيء والده، فأصبحت بائناً منه، ثم جاء والده وهي بائن، سواء كانت مزوجة بغيره أو في حال كونها أَيِّماً لا زوج لها، ثم نكحها مرةً ثانية بعد مجيء والده؛ فحينئذٍ تأخذ نفس الحكم، فهذا الذي قصده المصنف رحمه الله، وتدخل هذه المسألة في مسائل الشروط تبعاً.
قوله: [فوجدت ثم نكحها فوجدت بعده طلقت كعتق وإلا فلا] قوله: (فوُجِدت بعده) بعضهم يقول: تَطْلُق ويَعتِق العبد برجوعه إلى الملكية؛ لوجود الصفة كما ذكرنا، وبعضهم يقول: لا تَطْلُق إلا إذا كانت الصفة موجودة أثناء الرجوع، فلو أن والده سافر مرةً ثانية وتُوفِّي في هذا السفر ولم يعد، فلا تطلق عليه، فيجعلونه باقياً بالسريان الذي ذكرناه، بحيث إنها عندما ترجع إلى عصمته يكون الوالد قد جاء من السفر، أما إذا بَقِي على سفره وعلى وصف السفر، فإنه لا يصدق عليه أنه رجع.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(286/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الطلاق [1]
شرع الله سبحانه وتعالى الطلاق وجعل فيه حكماً عظيمة، وجعله وسيلة لدفع الضرر اللاحق بالزوج أو الزوجة أو عليهما معاً، ومشروعيته ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
والتلفظ به هزلاً أو مزاحاً موجب لوقوعه، ولقد اعتنى أهل العلم بكتاب الطلاق لعموم البلوى به، فحرروا مسائله وأحكامه، وأنزلوا فيه الأحكام التكليفية الخمسة، وبينوا الأحكام المتعلقة بمن يصدر منهم لفظ الطلاق، فإنه قد يصدر من الصبي والمجنون والسكران والمكره.
(287/1)
________________________________________
تعريف الطلاق والأدلة على مشروعيته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الطلاق] كتاب الطلاق من الكتب المهمة في الفقه، وهو مما تعم به البلوى، وقد جعل الله الطلاق مُوجباً لحل قيد النكاح ورفع عِصمته، وبَيَّن أحكام الطلاق في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل من حِكمته وكمال عِلمه سبحانه وتعالى، جَعَل الطلاق حلاً للمشاكل، وقطعاً للنزاعات ودفعاً لمفاسد الخصومات.
وفي هذا الطلاق مصالح عظيمة مع كونه يَشتمل على الضرر والفُرقة بين الزوجين؛ لكنه يشتمل على مصالح إذا وقع في موقعه، وراعى فيه الزوج ما ينبغي عليه مراعاته في مثله من مثله.
وكتاب الطلاق يجعله العلماء -رحمهم الله- بعد مسائل النكاح؛ لأن الطلاق يوجب رفع العصمة، والمناسبة بين كتاب الطلاق وباب الخلع الذي انتهى منه المصنف واضحةٌ ظاهرة، وقد سبق وأن ذكرنا أن الحنابلة رحمهم الله يُقدِّمون باب الخلع على باب الطلاق، وبعض العلماء يُؤَخِّر الخلع عن الطلاق ويجعل الخلع بعد الطلاق.
وقوله رحمه الله: (كتاب الطلاق) الطلاق: أصله التَّخْلِيَة، ومنه قولهم: طَلَقَت الناقة إذا خُلِّيَتْ وحُلَّ وِثَاقُها، فأصل الطلاق التّخْلِية والإرسال.
وأما في الاصطلاح: فهو حل قيد النكاح بلفظٍ مخصوص، وقيل: رفع قيد النكاح بلفظٍ مخصوص، وهذا اللفظ المخصوص سيأتي أنه صريح لفظ الطلاق أو كنايته بالنية المعتبرة.
وقد شرع الطلاق بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما دليل الكتاب: فآياتٌ منها قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب:49]، وقوله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]، إلى غير ذلك من الآيات التي دلَّت على مشروعية الطلاق.
وكذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطلاق كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما حينما طلَّق امرأته وهي حائض، فقال صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق).
وكذلك أجمعت الأمة على مشروعية الطلاق، وأنه مباحٌ وجائز على تفصيلٍ بين العلماء رحمهم الله.
(287/2)
________________________________________
الحكم والمقاصد الشرعية في الطلاق
قال أهل العلم: إن في الطلاق حِكَماً عظيمة، فالله سبحانه وتعالى شرع للزوج إذا وصَلَت الحياة الزوجية إلى مقام لا يُحتَمَل، وحصل الضرر على الزوج أو الزوجة أو عليهما معاً من البقاء في النكاح أن يُطَلِّق، وجعل هذا الطلاق ثلاثاً، فجاءت الشريعة بالوسطية، فكان أهل الجاهلية في القديم يتخذون من الطلاق وسيلة لأذية النساء، فكان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى تُقَارِب الخروج من العدة فيراجعها، ثم يطلقها طلقة ثانية، ويتركُها حتى تكاد تخرج من عدَّتها فيراجعها ولا يقربها ولا يعاشرها، إنما يفعل بها ذلك إضراراً: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة:231]، {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء:129]، فكانوا يجعلونها كالمعلقة، لا زوجةً ولا مطلقة، فكانوا يُضَارُّون بالطلاق، فجعله الله ثلاثاً.
وانظر إلى حكمته سبحانه وتعالى وكمال علمه جل جلاله، حينما جعل الطلاق على هذا الوجه، قالوا: لأن الحياة الزوجية إذا وَصَلَت إلى ضرر يَوجِب الطلاق فإما أن يكون من الرجل أو المرأة، فالرجل يُقْدِم على الطلاق فيُطَلِّق الطلقة الأولى، ففي الطلقة الأولى إما أن يكون الخطأ من الرجل أو يكون من المرأة، أما إذا كان منهما فلا إشكال، وفي الحالة الثانية: فإن الغالب أن الرجل إذا طلق الطلقة الأولى أن يتعقَّل ويذوق مرارة الطلاق، ويعرف هذه المرارة فيحِن إلى زوجته إذا كان ظالماً ومسيئاً، فيشعُر بقيمة الزوجة عند الفراق لها، فيحِن لها فيراجعها، فأَعْطَاه الله الرَّجْعَة، فإن رجع إليها رجع لها بعقلٍ غير عقله الذي كان معه، ويرجع إليها ببصيرة أكمل من بصيرته في حالِه الأولى، فإذا رجعت إليه ربما أخطأت هي، فإذا أخطأت عليه في هذه الحالة فإنه سيطلقها الطلقة الثانية، فأُعْطُوا أيضاً مهلة ثالثة، فإذا زادت عن الثالثة فلا وجه، فتصبح الحياة فيها نوع من الإضرار، وربما استغل الرجال الطلاق للإضرار بالمرأة، لذلك حدده الله عز وجل بثلاث تطليقات.
فالطلقة الأولى لأن الخطأ إما أن يكون منه أو منها؛ فإن تكرر الخطأ منه في الثانية والثالثة، فلن تعود إليه حتى تكون عند زوجٍ غيره، فإذا عاشَرَت زوجاً غيره وطلقها الطلقة الثالثة أدَّبَه الشرع بأن تكون فراشاً لغيره، فيكتوي بنار الغيرة ويتألَّم ويتأوَّه، فإن كانت هذه المرأة عاقلةً حكيمة ووجدت زوجاً أصلح من الزوج الأول وبقيت معه وحمدت الله على السلامة من الأول، فعندها يكتوي الأول وينال عاقبة ظلمه وإضراره.
فإن تزوج امرأةً ثانية؛ فإنه يتأَدَّب ولا يُقدِم على الطلاق ولا يهجم عليه؛ لأنه يخاف أن يحصل له مثل ما حصل مع الأولى، وإن نكحت هذه الزوجة زوجاً أضر منه وطلقها ثلاثاً فتحل للأول؛ فإن عادت للأول عادت وهي تحمد ضرره وقالت: هذا أرحم من سابقه، فصبرَت عليه، ثم هو يعود لها بنفس غير النفس التي كان عليها.
فإذاً: تقييد الطلاق بالثلاث فيه حكم عظيمة؛ ثم إن الله سبحانه وتعالى من حكمته أن جعل الطلاق مخرجاً من المشاكل، فإن الحياة الزوجية لا تخلو من وجود المشاكل، إما بسبب اختلاف طبائع الناس، طبيعة الرجل وطبيعة المرأة، أو تكون باختلاف الطبائع ممن يحيط بالزوج والزوجة كأهله وقرابته وأهلها وقرابتها، وحينئذٍ تنشأ المشاكل بسبب هذا الاختلاف والتضاد، فيكون الطلاق حلاً لهذه المشاكل؛ لأن كلاً منهما يمضي لسبيله، ويلتَمِس عشيراً يُحسِن إليه ولا يسيء، ويكرمه ولا يهينه، ويكون منه ما يُقصد من النكاح.
أما لو بقيت المرأة عند زوجها، ولم يكن للزوج مخرج بطلاقها فلا شك أنه أمرٌ عظيم، فلربما اطَّلع الرجل من امرأته -والعياذ بالله- على خيانة، أو على وقوعٍ في حرام، أو يكون يَطَّلع منها على أخلاق رديئة، تنتقل إلى أولاده وذرِّيته، فلو أن الشرع أَلزَمَه ببقائها، فإن هذا غاية الضرر على الرجال، ولتَرَك الكثير الزواج خوفاً من هذا؛ لأن المنهج التشريعي في شرع النكاح أن نقول: يبقى إلى الأبد، أو نقول: يبقى مؤقتاً، فأما بقاؤه مؤقتاً ففيه إضرار بالرجل والمرأة كما في نكاح المتعة، وقد ذكر العلماء الضرر فيه، وأما كونه يبقى إلى الأبد، فإنه في حال وجود المشاكل والأضرار يبقى النكاح مفسدةً بَدَلَ أنه مصلحة، فينقلب من المصالح إلى المفاسد والشرور.
فالوسط أن يبقى النكاح إلى الأبد، ولكن يرتفع إذا وُجِد مُوجب ارتفاعه وذلك بالطلاق.
ثم هذا اللفظ -لفظ الطلاق- عَظَّم الشرع أمره، وألزم المكلف أن يحذر منه، فحتى لو تلفظ به هازلاً أو مازحاً؛ فإنه يُؤاخَذ بهذا اللفظ، ويُعَاقب بمضي الطلاق عليه، فلو أن رجلاً قال لرجلٍ يمزح معه: امرأتي طالق، فإنها طالق ولو قصد الهَزَل، وكذلك لو جلس مع امرأته فأحب أن يمزح معها وقال هازلاً: أَنتِ طالق أو طلَّقتُكِ أو أنت مطلقةٌ فإنه يمضي عليه الطلاق، قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق)، قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: (أربعٌ جائزاتٌ إذا تُكُلِّم بهن: النكاح والطلاق والعتاق والنذر)، فهذا يدل على عظم شأن الطلاق، ولذلك ينبغي للمسلم ألا يستعجل في الطلاق وأن يتريث فيه.
وقد نص العلماء رحمهم الله على كراهية الطلاق إذا لم يكن من حاجة، وأنه كالمخرج عند إعياء الحِيل، وإذا تعب الزوج ولم يستطع علاج مشاكله، فإن الطلاق يكون مخرجاً من هذه المشاكل، وعلاجاً لهذه الأضرار، أما إذا كان من دون حاجة فقد نصوا على كراهيته وبُغضه في هذه الحالة.
وقوله رحمه الله: (كتاب الطلاق) من عادة العلماء في كتاب الطلاق أن يبينوا أركانه، فيبينوا أولاً من الشخص الذي يملك الطلاق وله حق الطلاق؛ لأن الطلاق قد يصدُر من الأهل وقد يصدر من غير الأهل، كأن يصدر من صبي صغيرٍ، أو مجنون أو سكران أو مُكْرَه، فيبحثون مسائل الشخص الذي هو أهلٌ للطلاق.
كذلك أيضاً يبحثون الركن الثاني، وهو لفظ الطلاق وصيغته، فيبينون ألفاظ الطلاق الصريحة، وألفاظ الطلاق الكناية، وألفاظ الطلاق التي تُعتَبَر من السنة، وألفاظه البدعية، ثم كذلك يبينون الألفاظ المعَلَّقة والمنجَّزَة إلى غير ذلك من مباحث الصيغ.
وكذلك أيضاً يُبيِّن العلماء محَلَّ الطلاق وهي المرأة التي وقع عليها الطلاق؛ فإن الطلاق قد تُواجَه به المرأة التي هي زوجة المطَلِّق، وقد تواجه به أجنبية كأن يقول: إن تَزوجْتُك فأنت طالق، وأيما امرأةٍ تزوجتها فهي طالق، وأيما امرأةٍ أَعقِد عليها فهي طالق، وقد يُعمِّم وقد يُخصِّص هذا المحل.
وقد اعتنى العلماء رحمهم الله ببيان المَحَل الذي يرد عليه الطلاق ويُحْكَم بصحة الطلاق إن ورد عليه، كذلك أيضاً اعتنى العلماء رحمهم الله في باب الطلاق ببيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته من حيث السنة والبدعة، فيقولون: هذا طلاقٌ سُنِّي لما وافق السنة، كأن يطلق المرأة المدخول بها في طُهرٍ لم يمسّها فيه طلقة واحدة فإنه يكون طلاقاً سُنِّياً، وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه، وأُثِر عن علي أيضاً: (لا يطلق أحدٌ للسنة فيندم).
فيبينون الطلاق المشروع الذي شرعه الله وبيَّنه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والذي ينبغي للمسلم أن يلتزمه، وكذلك يبينون الطلاق البدعي والآثار المترتبة عليه كطلاق المرأة الحائض حال حيضها، وطلاق الثلاث بلفظٍ واحد، وهل يقع أو لا يقع، كل هذا يعتني به العلماء رحمهم الله في كتاب الطلاق، وبعد أن يبينوا الطلاق يشرعون في بيان آثار الطلاق، وهو باب العِدَّة وباب الرجعة، فيعتنون ببيان مسائل العِدَدْ ومسائل الرَّجْعَة، وكل ذلك اعتنى به المصنف -رحمه الله برحمته الواسعة- وكذلك إخوانه من العلماء، رحمهم الله أجمعين.
(287/3)
________________________________________
ثبوت الأحكام التكليفية الخمسة في الطلاق
قال رحمه الله: [يباح للحاجة ويكره لعدمها] في بداية الطلاق يرد

السؤال
ما حكم الطلاق؟ إذ هو مشروع، لكن هل هو مباح أو مشروع مع الكراهة أو هو مستحب أو واجب؟ هذه المسألة فيها تفصيل.
ولذلك قال بعض العلماء: الطلاق تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة، فيكون مباحاً لوجود الحاجة، كرجل لم يرتح لامرأته ونَفِر منها ومن أخلاقها وطباعها فاحتاج إلى الطلاق؛ فإنه يكون مباحاً له أن يُطَلِّق، وإن صبر وتحمل فهو أفضل: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19]، وقد تكون المرأة بذيئة اللسان، أو عَصَبِيَّة المزاج، فيتضرر بهذه العصبية ويَحْدُث عنده نوعٌ من الضيق، ويكون محتاجاً للطلاق لكي يتخلَّص من هذا الضيق ومن هذا الضغط الذي يجده من عشرته لامرأته، فهو مُحتاج، فمثل هذا يباح له الطلاق، والمباح مستوي الطرفين، لا ثواب ولا عقاب، فلا أجر له إن طلق، ولا إثم عليه إن طلق.
قوله: (ويُكره لعدمها) كأن تكون عنده امرأة مستقيمة وهو مرتاحٌ معها وأراد أن يطلق، فيقال له: الطلاق في حقك مكروه، وقال بعض العلماء: إنه يَحرُم إذا كان فيه ضررٌ على المرأة في هذه الحالة إذا لم يكن له حاجة، وكما أن المرأة لا يجوز لها أن تسأل الطلاق من زوجها من دون بأس؛ كذلك لا يجوز للرجل أن يطلق من دون بأس.
وقد تكون الحاجة التي تبيح الطلاق ماسة، كأن يكون الرجل عنده أربع نسوة وهو شديد الشهوة، وأكثر نسائه كبيرات في السن، فأراد أن يُطَلِّق واحدةً لكي يتزوج فيحصِّن نفسه عن الحرام، فهذا مُحتاج وعنده حاجة فيُبَاح له، ونحو ذلك من المسائل.
قال رحمه الله: [ويستحب للضرر] كالمرأة التي تُضِر بزوجها، فتؤذيه بلسانها وكلامها، فتضرَّر الرجل منها من ناحية أذيَّتها له، أو أذيتها لقرابته كأخواته أو بناته من المرأة السابقة أو نحو ذلك، فهذا كله مما يوجَد فيه الضرر عليه وتوجد بسببه الحاجة، فيُشْرع له أن يطلِّق، ويكون الطلاق مستحباً، أي: مندوباً إليه، والسبب في ذلك: أن الشّرع قَصَد رفع الضرر، فإذا كان بقاؤها فيه ضرر، وتطليقها يدفع هذا الضرر، فإن دفع الضرر مستحبٌ شرعاً، فالوسائل تأخذ حكم مقاصدها.
كذلك يكون الطلاق مستحباً ومندوباً إليه، وذلك فيما إذا كان الرجل ضعيفاً والمرأة شابة، ولم يعطها حقها الذي يحفظها به من العفة، ويشعر أنه مضيقٌ عليها ومقتِّرٌ لها، وأنها إذا عاشرت غيره فإن ذلك أرحم بها وأَرْفَق، فيكون مستحباً له أن يدفع الضرر عنها، وهكذا إذا كانت عندها بعض المعاصي التي لا توجب الحكم بوجوب طلاقها؛ فإنه يكون مستحباً؛ لأنه ربما نقلت هذه المعاصي إلى ذرِّيتها وولده.
قال رحمه الله: [ويجب للإيلاء] ويجب الطلاق إذا كان طلاقاً مبنياً على الإيلاء، فالرجل الذي حلف أنه لا يطأ أهله أو لا يطأ زوجته ومضى على حلفه أربعة أشهر وهو لم يقربها، وحَلَفَ على أربعة أشهر فأكثر، فإنه يُوقِفه القاضي عند تمام المدة، ويقول له: أنت بالخيار بين أمرين، إما أن تُكَفِّر عن يمينك وتطأ زوجتك؛ فحينئذٍ لا إشكال، وإما أن تطلق الزوجة، وتَبْقَى على يمينك من أنك لا تطؤها، أما أن تمتنع من فراشها أكثر من أربعة أشهر فلا: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:226 - 227].
فيخيِّره بين الأمرين.
فهذا النوع من الطلاق يسميه العلماء: طلاق الإيلاء، وسيأتينا في باب الإيلاء، والإيلاء من آلى الرجل إذا حلف، فهو طلاقٌ منبنٍ على حلفه اليمين أنه لا يطأ زوجته، فحينئذٍ يكون الطلاق واجباً.
كذلك يكون الطلاق واجباً إذا كانت المرأة فيها سوء وضرر، أو فيها فساد، وأمره أبوه أو أمرته أمُّه بتطليقها فوجب عليه البر؛ لأنه ليس في المرأة مانعٌ يمنع من طلاقها وهناك أمرٌ من الوالد، والأصل بر الوالدين، خاصة إذا كانت المرأة سيئة أو تقع في الحرام وتؤذي الوالدين، وبقاؤها فيه أذيةٌ للوالدين، فقال الوالد: يا بني طَلِّق امرأتك؛ فإنه يجب عليه طلاقُها بِراً لوالده ولوالدته، كما أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه أن يُطَلِّق زوجته، وكما أمر إبراهيم عليه السلام إسماعيل أن يطلق زوجته، وكل ذلك ثابتٌ وصحيح.
قال رحمه الله: [ويحرم للبدعة] يكون الطلاق حراماً إذا كان طلاقاً مخالفاً للشرع، كطلاق المرأة الحائض، فإن طلاق المرأة الحائض مُجمَعٌ على تحريمه، وأنه طلاق بدعة يأْثَم إن فعله، فلو قال رجلٌ لامرأته وهي حائض: أنت طالق؛ فقد ارتكب الحرام، وأثم لتلفظه بالطلاق في هذه الحال، فهو طلاقٌ مُحرَّم، أو كأن يُطلِّق في طُهْرٍ قد مَسَّ المرأة فيه، فإن طلق المرأة في طهرٍ جامعها ومسها فيه، فإنه يُعتبر طلاقاً للبدعة؛ لأن الله يقول: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [الطلاق:1]، فقوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أي: طلقوهن لقُبُل عِدَّتهن، وقُبُل العدة، أي: استقبال العِدَّة، وهذا إنما يكون في طهرٍ لم يجامعها فيه، فإن طلقها في طهرٍ جامعها فيه فإنه طلاقٌ محرَّم.
(287/4)
________________________________________
الأحكام المتعلقة بأنواع المطلقِين
قال رحمه الله: [ويصح من زوجٍ] هنا مسألة: إذا كان الذي طلَّق قد عقد على المرأة فهي زوجته، ويتعلق بها الطلاق، ومفهوم ذلك أن غير الزوج لا يُطلِّق.
أما كون الطلاق من الزوج؛ فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب:49]، فبينت هذه الآية أن الطلاق لمن نَكَح، فدل على أنه إذا كان زوجاً للمرأة فإنه يتعلق بها الطلاق، ويمضي عليها طلاقه.
كذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، والمراد بذلك لمن نكح، إذ من أخذ بساق المرأة فله حق جماعها والاستمتاع بها، فقالوا: إن هذا يدل على أن الزوج هو الذي يملك الطلاق.
(287/5)
________________________________________
حكم طلاق الرجل للمرأة الأجنبية
طلاق الأجنبية يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن يطلق الأجنبية طلاقاً مُنَجَّزاً، كأن يقول لها: أنتِ طالق، أو كرجل أعزب يقول: زوجتي طالِق؛ فإنه لا ينفُذ طلاقه بإجماع العلماء.
ولكن من خاطب امرأةً أجنبية وهو يعلم أنها أجنبية وليست بزوجةٍ له وقال لها: أنت طالق، واشتكت إلى القاضي فإن القاضي يُعزِّرُه ويؤدبه، ويعتبر هذا من أذية الناس والإضرار بهم، وتُعتَبر نوعاً من الإساءة، فيُعَزِّره بحسب حال المرأة التي خاطبها، وبحسبه هو.
واختلف العلماء في صورةٍ يُلحقها بعض العلماء بهذه الصورة، وهي: أن يشير لامرأةٍ فيقول: هي طالق، ويُظنها زوجةً له، وتَبيَّن أنها ليست زوجته، أو خاطب أجنبيةً يظنها زوجته فقال: أنتِ طالق مني؛ فقال بعض العلماء: حُكْم هذا كحكم طلاق الأجنبية؛ وذلك لأنه علَّق الطلاق بالمعيَّن، وتبيَّن أن المعين خطأ ولا عبرة بالظن البيِّن خطؤه، وعلى هذا فلا يُعتد بهذا الطلاق؛ لأنه تعلق بأجنبية.
الصورة الثانية: أن يُطلِّق طلاقاً معلَّقاً، ويُعلِّق الطلاق على نكاحه، فيقول: إن تزوجتُ فلانةً فهي طالق، فهي أثناء تَلَفُّظه بالطلاق أجنبية، وستصير زوجةً له، فعلَّق الطلاق بحالة إن صارت زوجةً له؛ فإن وقع معلقاً على مثل هذه الصورة وأشباهها، فلا يخلو تعليقه من حالتين: الحالة الأولى: أن يُعَلِّق الطلاق على النكاح بالتعميم، فيقول: كل امرأةٍ أتزوجها فهي طالق، وكل امرأةٍ أَعقد عليها فهي طالق، فالطلاق أثناء صدوره صدر من أجنبي، ولكنه معلقٌ على الزواج، فهل تطلق المرأة أو لا؟ سيأتي بيانه.
الحالة الثانية: أن يَخُص، وإذا خصَّص فإما أن يَخُصَّ بالزمان أو بالمكان أو بالأشخاص أو بالأجناس.
مثال التخصيص بالزمان: كل امرأةٍ أتزوجها هذه السنة، أو كل امرأةٍ أعقد عليها هذا الشهر أو هذا الأسبوع فهي طالق.
مثال التخصيص بالمكان: كل امرأةٍ أعقد عليها في المدينة فهي طالق.
مثال التخصيص بالأشخاص: كل امرأةٍ من فلانٍ إذا نكحتها فهي طالق، أو إذا تزوجتها فهي طالق.
مثال التخصيص بالقبائل: أن يقول: إذا نكحت امرأة من قبيلة كذا فهي طالق؛ فإذاً إما أن يُعمم وإما أن يُخصِّص، وإما أن يُقيِّد وإما أن يُطلق، ففي جميع هذه الصور، اختلف علماء السلف رحمهم الله في هذه المسألة.
فالقول الأول: أنّ من طلَّق الأجنبيةَ معلَّقاً لا يقع طلاقه ألبتة مطلقاً، سواءً كان طلاقاً معلقاً بزمان أو بمكان أو بأشخاص أو بقبائل، أو قُيِّدَ بهذا كله أو لم يُقَيَّد، وهذا القول احتج أصحابه بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب:49]، وإلى ذلك أشار الإمام البخاري في صحيحه أن الطلاق مرتَّبٌ على النكاح، فإن قال: كل امرأةٍ أتزوجها، فالعبرة به حال القول، فقد طلَّق وهو أجنبي فلا يقع طلاقه، كما لو قال لامرأةٍ أجنبية: أنتِ طالق، وكما قال الأعزب: امرأتي طالق، وزوجتي طالق.
كذلك أيضاً استدلوا بالسنة من حديث عائشة رضي الله عنها: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، وقد حسن هذا الحديث غير واحدٍ من الأئمة والحفاظ رحمةُ الله عليهم، وهو حديث ثابت ويُحتَج به: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، فإن أسلوب الحصر والقصر، يدل على أن الطلاق يملكه من نكح، ومفهومه أنه لا يملكه من لا ينكح، ومفهوم الحصر مُعتبر، وكذلك أيضاً استدلوا بصريحٍ المنطوق في قوله عليه الصلاة والسلام -في الحديث الحسن في السنن- وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا طلاق فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك)، فنص عليه الصلاة والسلام على أن الطلاق لا يقع إذا كان المطلِّق طلَّق شيئاً لا يملكه وليس في عصمته.
وعليه فإنه لا يقع طلاقه مطلقاً؛ ولأننا لو قلنا بوقوع طلاقه لحرَّمنا ما أحل الله، وتوضيح ذلك: أن الرجل إذا قال: أيما امرأةٍ أتزوجها فهي طالق، فمعنى ذلك أنه سيبقى بدون امرأةٍ ويحرُم عليه الزواج، فما من امرأةٍ يعقد عليها إلا حَرُمت عليه بمجرد العقد، فلا يستطيع أن يتزوج أبداً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فهذا يؤدي إلى محظور ومخالفة الشرع.
ولذلك لما استأذن الصحابة -رضوان الله عليهم- رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبتل نهاهم عن ذلك، وهذا يفضي إلى التبتل، بل هو أسوأ من التبتُّل، وعلى هذا قالوا: إنه لا يقع النكاح على هذا.
فلو قال قائل: لماذا تفسدون قوله لو قيّد النكاح؟ نقول: إذا صححت الصيغة لصحَّت مقيَّدةً ومطلقة، والكتاب والسنة صريحان بأن الطلاق لا يتبع ولا يقع إلا بامرأة، أما الذين قالوا بوقوعه فقد استدلوا بصيغة الشرط وأنه اشترط فيما بينه وبين الله، وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال: (إن عمَّم فلا، وإن خصَّص فنعم) يعني: إذا عَمَّم في قوله: أيما امرأةٍ أنكحها وأتزوجها أو نحو ذلك؛ فلا يؤاخذ بذلك، وإن خصص فيقع ويؤاخذ بذلك احتجاجاً بالأثر، ولا قول لأحدٍ مع نص الكتاب والسنة.
ولذلك الذي يترجح هو القول بعدم وقوع الطلاق على الأجنبية مُعلَّقاً أو منَجَّزاً، عمَّم أو خصَّص، فلا بد في الطلاق من وجود المحل المعتبر، وهي المرأة التي ثبت أنها في عِصمة المطلق.
(287/6)
________________________________________
حكم طلاق الصبي والمجنون
قال المصنف رحمه الله: [ويصح من زوج مكلفٍ، ومميز يعقله] قوله: (مكلف) يكون بالبلوغ والعقل، فالصبي غير مكلف، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: الصبي، والمجنون كذلك، فقد أجمع العلماء على أن المجنون لا يصح طلاقه إذا وقع طلاقه حال الجنون، يَستوي في ذلك أن يكون جنونه متقطعاً أو مستديماً؛ فإن كان جنونه مستديماً فلا إشكال، وإن كان متقطعاً، وثبت أنه طلق في حال وجود الجنون فالجماهير على عدم وقوعه، وخالف بعض أئمة الحنفية فقالوا: يقع لاشتباه أن يكون أفاق عند الطلاق، وقالوا: إنه إذا كان يجن تارة ويفيق تارة وخاطب المرأة، فإن معنى ذلك أنه عَقَل أنها امرأته وزوجته، قالوا: فينفُذُ الطلاق لهذا، والصحيح ما ذكرناه، والإجماع على أن الأصل في المجنون أنه لا ينفُذُ طلاقه.
وأما بالنسبة للصبي، فالصبي ينقسم إلى قسمين: صبيٌ غير مميز وصبيٌ مميز، والصبي مأخوذٌ من الصِّبا، والصبا ضدّ البلوغ والحلم والرجولة، فكمال الرجولة بالحلم والبلوغ.
والصبا له حالتان، الحالة الأولى: أن يكون مع التمييز، والحالة الثانية: يكون بدون تمييز، واختلف العلماء في ضابط المميِّز وغير المميِّز، فبعضهم يقول: الصبي المميِّز يُحَد بالسنوات، وحَدُّوه في مسألة الطلاق -كما هو قول عطاء، وطائفة من السلف ورواية عن الإمام أحمد - بعشر سنين، وهناك أيضاً قولٌ لبعض السلف أنه اثنتا عشرة سنة، وقولٌ بتسع سنين، هذه ضوابط المميز في الطلاق، وهناك تمييز في الصلاة الذي هو سبع سنوات، وهذا له حكم خاص، وبناءً على ذلك يُنتبه إلى أن كلامهم في الذي لم يبلغ، يعني لم يحتلم ولم يُنزِل المني، أما لو بلغ وأنزل واحتلم فهو رجل، لا يُقال: صَبي.
فإذا كان في طور الصبا قبل أن يحتلم ويُمني، وقبل أن يصير رجلاً مكتمل الرجولة؛ فإنه إن كان دون سن التمييز فبالإجماع أنه لا يقع طلاقه.
صورة المسألة: رجلٌ عنده ولد عمره ست سنوات وآخر عنده بنت عمرها خمس سنوات، فقال: يا فلان! زوِّج بنتك لابني، فاتفقا على تزويج البنت من الابن وتم العقد، فهذا زوجٌ لهذه الزوجة، فقال هذا الصبي: زوجتي طالق فلانة طالق أغضَبَته فطلقها، فما الحكم؟ إذا أغضبته فطلقها، فطلاقه وعدمه على حدٍ سواء؛ لأنه دون سن التمييز، لكن إذا بلغ اثنتي عشرة سنة وميَّز الأمور؛ فللعلماء فيه وجهان: جمهور السلف والأئمة والعلماء على أنه لا يقع طلاقه حتى يبلغ، وقال بعض السلف ك عطاء، وأيضاً رواية عن أحمد رحمةُ الله عليه وقول بعض أصحاب الحديث أنه ينفُذ طلاقه، والصحيح أنه لا ينفذ طلاقه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة)؛ فبيَّن أنه غير مُؤاخذ، وبناءً عليه فإن نقصان العقل فيه يجعله لا يدرك ما يقول؛ ولذلك قال الله في السكران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]، والصبي لا يعلم عواقب الطلاق كما ينبغي، ولا يعلم عواقب الكلمة كما ينبغي، ولو كان مُمَيِّزاً فإنه ليس عنده عقل يحجُره ويمنعه عن قول ما فيه ضررٌ عليه، وإذا كان الصبي منعه الله من التصرُّف في ماله خشية الضرر؛ فإنه إذا طلَّق فوَّت مالَه وهو المهر، وهذا يُقَوِّي أنه لا ينفذ طلاقه.
فقول الجماهير بأن طلاق الصبي لا ينفذ هو الأصح والأشبه والأقوى إن شاء الله تعالى.
إذاً: لا يصح الطلاق إلا من زوج، فلا يصح من أجنبي، فلو أنه -مثلاً- طلَّق المرأة وخرجت من عِدَّتها فطلقها، فإنها إذا خرجت من عِدَّتِها أجنبية ولا ينفذ طلاقه.
ولا بد أن يكون هذا الزوج مكلفاً، وهو الشرط الثاني، والتكليف: البلوغ والعقل، فلو طلق الصبي لم ينفذ طلاقه، مميِّزاً كان أو غير مميز، ولو طلَّق المجنون لم ينفذ طلاقه، سواءً كان جنونه متقطعاً أو مُطبِقاً بشرط أن يكون الطلاق حال الجنون.
(287/7)
________________________________________
حكم طلاق السكران
قال المصنف رحمه الله: [ومن زال عقله معذوراً لم يقع طلاقه] قوله: (ومن زال عقله) هذا مُفَرَّع على قوله: (مكلَّف).
فالتكليف يستلزم وصفين: البلوغ والعقل.
فمفهوم الشرط في قوله: (مكلف)، أنه إذا كان غير مكلفٍ لا يقع كما ذكرنا، قلنا: يزول العقل بالجنون أو بالسكر، والمسْكِر والمخَدِّر حكمهما واحد من حيث تفصيل العلماء.
أما إذا كان سكراناً زائل العقل فله صورتان: الصورة الأولى: أن يكون سُكْرُه وزوال عقله على وجهٍ مأذونٍ أو معذورٍ به شرعاً، مثل أن يشرب عصيراً فيَتبين أنه خمر، فمثل هذا يسمى بالسكران المعذور في سكره، فهذا يُعذر، ويُنَزَّل منزلة المجنون ولا يؤاخذ، وحُكِي الإجماع على هذا كما حكاه الإمام ابن قدامة رحمه الله على أن السكران المعذور تسقط عنه المؤاخذة في جملة المسائل.
كذلك أيضاً في حكم المعذور ما يقع في التخدير، فلو أنه وُضِع المخدر في شرابٍ وهو لا يدري؛ فإنه إذا شربه وتكلم بالطلاق وتلفظ به لم ينفذ الطلاق.
كذلك أيضاً المخدِّر الجراحي، مثل ما يقع في العمليات الجراحية، حيث يُوضع المخدِّر في العملية الجراحية فإذا جاء قبل الإفاقة يتكلم ويتلفظ فتلفظ بتطليق نسائه، أو بطلاق زوجته فإنه لا ينفُذ؛ لأن تخديره كان على وجهٍ معذورٍ فيه شرعاً.
وهذا نص عليه جماهير العلماء، كالإمام ابن قدامة والإمام النووي وغيرهم رحمةُ الله عليهم: أن السكران زائل العقل إذا كان زوال عقله بسبب يُعذر فيه شرعاً أنه لا ينفذ طلاقه.
الصورة الثانية: أن يكون سُكره وزوال عقله على وجهٍ لا يُعذر فيه شرعاً، وهذا مثل -والعياذ بالله- من يشرب الخمر عالماً بها معتدياً لحدود الله عز وجل.
فللعلماء في السكران إذا طلق حال سكره قولان: القول الأول: لا ينفُذ طلاقه ولو كان متعمداً للسكر، وهو مذهب الظاهرية وطائفةٍ من أهل الحديث ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
والقول الثاني: وهو مذهب الجمهور أن السكران المتعمِّد للسكر ينفذ عليه طلاقه.
واحتج أصحاب القول الأول -أن السكران الذي لا يُعذَر في سُكره لا ينفذ طلاقه- بدليل الكتاب والسنة.
أما دليل الكتاب: فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] فدلَّت هذه الآية الكريمة على أن السكران لا يعلم ما يقول، وإذا كان لا يعلم ما يقول كان كمن يهذي بما لا يعلم، فهو غير مطَلِّق حقيقة، وعليه قالوا: لا ينفُذ طلاقه.
واستدلوا بالسنة: ومن ذلك ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه أسقط المؤاخذة في قول السكران، وذلك ما جاء في الصحيحين من حديث حمزة رضي الله عنه وأرضاه، أنه لما كانت الخمر حلالاً شربها في أول مقدمهم إلى المدينة، وكان علي رضي الله عنه قد أعد مهر فاطمة لكي يدخل بها، وكان له بعير شارِف، فأناخه بباب حمزة رضي الله عنه ثم ذهب، فشرب حمزة فثمِلَ في شربه، فغنته الجارية، فانتشى رضي الله عنه، فجَبّ سنام البعير، فجاء علي رضي الله عنه ورأى ما هاله، فذهب يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء عليه الصلاة والسلام ووقف على عمّه حمزة فوبخه وقرعه، فرفع حمزة رأسه إليه وقال مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنتم إلا عبيدٌ لآبائي) ولما قال هذه الكلمة تنبه عليه الصلاة والسلام أنه سكران، ولم يكن يعلم أنه سكران، فلما قال هذه الكلمة -كما في الرواية- رجع عليه الصلاة والسلام القهقرى، ولم يؤاخذ حمزة بهذه الكلمة؛ لأن هذه الكلمة لو قالها رجلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم لكفر؛ لأن المقصود بها السخرية والحط من القدر، فلما قالها وهو في حال سكره لم يؤاخذه النبي عليه الصلاة والسلام بها.
ونص العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط المؤاخذة بالرِّدّة في حال السكر، والردة قول، ولم يؤاخذه مع أنه سكران، لكن ردوا على ذلك بأن حمزة كان معذوراً في سكره، حيث كان الخمر مُبَاحاً، ورُدّ على ذلك بأن المؤاخذة مرتبطة بالعقل والإدراك، وليست القضية قضية كونه مباحاً أو محرماً.
كذلك قالوا: إن الأصل يقتضي أن التكاليف منوطة بالعقل، والتكاليف من حيث المؤاخذة وعدمها تكون مرتبطة بالعقل، والسكران لا عقل له.
والظاهر أن السكران يمر في سكره بثلاث حالات، ينبغي فيها التفريق في الحكم على ما يبدر منه في كل حالة على حده، وهذه الحالات هي: الحالة الأولى: أن يكون في بداية الهزة والنشاط والنشوة.
والحالة الثانية: أن يكون في غاية السكر، وهي التي يسقط فيها كالمجنون، لا يعرف السماء من الأرض، ولا يفرق الأشياء ولا يميزها تماماً كالمجنون.
والحالة الثالثة: أن يكون بينَ بين، يصحو ويلغو، ويكون عنده تمييز وعنده تضييع.
فأما الحالة الأولى: وهي بداية الهزة والنشاط، فمن شرب الخمر وكان في بداية الهزة والنشاط والفرح وطلَّق، فبالإجماع ينفُذ عليه الطلاق؛ لأنه في هذه الحالة لا يزول عنه الشعور، بل يكون مالكاً لنفسه، وهذا الحكم سارٍ على جميع الأحكام القولية والفعلية، فلو قتل أو زنى أو فعل أي شيء وهو في بداية الهزة والنشاط مالكاً لنفسه؛ فإنه يُؤاخذ.
الحالة الثانية: إن كان في غاية السكر وهي نهايته المطبقة التي يسقط كالمجنون، لا يفرق تماماً بين الأمور، ولا يعرف السماء من الأرض، فقالوا: إن هذا لا يؤاخذ، وجهاً واحداً عند العلماء، وعند أصحاب القولين أنه يكون كالمجنون.
الحالة الثالثة: هي الحالة الوسط وهي ما إذا كان السكران أحياناً يقول شيئاً صحيحاً وأحياناً وشيئاً خاطئاً، ويكون عنده تمييز وتضييع.
وفي هذه الحالة اختلف العلماء في وقوع الطلاق، فمنهم من يقول: يقع طلاقه؛ لأن الأصل فيه أنه مُفِيق؛ فإذا كان في حالة لم يصل فيها إلى الجنون يقولون: نستصحب حكم الأصل -أنه مفيق- فينفذ عليه الطلاق.
وأما الذين قالوا: إنه لا ينفذ عليه الطلاق، قالوا: إنه بدخوله الحالة الوسط هذه دخل في حالة الخلط، واختلط علينا أمره ولم نميز حاله، ولما كانت حالة غياب العقل والتأثير فيه والشبهة قائمة وموجودة؛ فإننا نعمل الأصل أنها زوجته، ولا نطلِّقها إلا بيقين، وإذا شككنا في هذا الطلاق، هل هو صادر عن قصد أو غير صادر عن قصد، وهو إذا عَقَل ورجع إلى صوابه إن أراد أن يطلِّق طلَّق، قالوا: ففي هذه الحالة وهو مختلِط فالأصل أنها زوجته، ونَشُك في تأثير هذا الطلاق فنسقِط هذا التاثير ونبقى على الأصل، هذا وجه التردد في الحالتين.
أما الذين قالوا: إنه ينفذ، فإنهم استدلوا بدليلين: الدليل الأول: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب:49]، فاستدلوا بعموم الآيات في الطلاق، قالوا: إن الله عز وجل جعل الحكم مرتباً على وجود اللفظ، ولم يفرق بين من يعيه وهو الصاحي وبين من لا يعيه وهو السكران.
الدليل الثاني: قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق).
فجعل الهازل الذي لم يقصد الطلاق مؤَاخذاً بقوله، فالسكران قَصَد أو لم يقصد نؤاخذه بقوله كالهازل.
والذي يترجح -والعلم عند الله- هو القول بعدم وقوع طلاق السكران؛ وذلك إذا كان سكره مغيِّباً لعقله، لصحة ما ذكروه من أدلة الكتاب والسنة، والأصل كونها زوجةً له، وفي عصمته، فلا تبين من عصمته إلا بدليلٍ قوي.
ومن أقوى ما يرجح قولهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الحسن: (لا طلاق في إغلاق) وهو يشمل السكران والغضبان الذي أطبق عليه الغضب فاستغلقت عليه الأمور، والسكران تستغلق عليه الأمور؛ لأنه بوجود الخلط فيه لا شك أنه يتلفظ بما لا يحب أن يتلفظ به، وشُبهة السكر فيه قوية، وقد أسقط النبي صلى الله عليه وسلم المؤاخذة بقول السكران، ودلّ دليل الكتاب على أن السكران لا يعي ما يقول.
وبناءً عليه، فإنه يقوى قول من قال: إن السكران لا ينفذ طلاقه.
قوله: (من زال عقله معذوراً لم يقع طلاقه)، مثل المخدر في العملية الجراحية، ومثل من وضع له مخدر وهو لا يعلم، مثل من سكر بشرابٍ يظنه عصيراً فبان خمراً فهذا معذور.
قوله: (وعكسه الآثم) أي: أن من شرب الخمر آثماً متعمداً عالماً فإنه ينفذ طلاقه.
(287/8)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الطلاق [2]
الأصل أن الطلاق لا يكون إلا من الزوج في الحال العادية، وقد تطرأ طوارئ على الزوج فيطلق، فبحث العلماء رحمهم الله حكم الطلاق في هذه الأحوال الطارئة، لأهمية هذا الباب وخطورته.
(288/1)
________________________________________
أحكام طلاق المكره
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومن أُكرِه عليه ظلماً بإيلام له] قوله: (ومن أكره عليه) الإكراه يَفسُد به الاختيار، فالشخص المُكْرَه يُصْرَف إلى الشيء بدون اختياره ورضاه؛ ولذلك قالوا: الإكراه يفسد الاختيار.
وقوله: (ومن أكره عليه) أي: من أكره على الطلاق ظلماً فلا يقع، لأن الشريعة أسقطت تأثير الإكراه في أعظم الأشياء -الردة- وحد الردة حق لله عز وجل، قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106]، فلما أكره عمار -رضي الله عنه وعن أبيه- وقال كلمة الكفر وتلفَّظ بها وقلبه مطمئنٌ بالإيمان؛ أَسقط الشرع تأثير هذا اللفظ بوجود الإكراه.
فدل على أن الإكراه يُفْسِد ويمنع المؤاخذة، وهذا أصل عند العلماء.
ولذلك قال الإمام ابن العربي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: إنها أصلٌ عند أهل العلم في إسقاط المؤاخذة عن المكره؛ لأنه إذا لم يؤاخذ بالردة وهي أعظم ما يكون فمن باب أولى ألا يؤاخذ على غيرها.
لكن الإكراه له ضوابط وله شروطٌ لا بد من توفرها لكي نحكم بكون الإنسان مكرهاً، وقد جعل العلماء مسألة طلاق المكره مسألة مميزة في كتب العلم وكتب المطولات في الفقه، يذكرون فيها شروط الإكراه وأحواله ومتى يُحكم بكون الإنسان مكرهاً، ومتى يحكم بكونه غير مكره، فمسائل الإكراه في أبواب الفقه كلها مربوطة بشروط الإكراه؛ ولذلك لا نحكم في مسألة طلاق المكره حتى نعرف ما هي شروط الإكراه التي ينبغي توفرها للحكم بكون الإنسان مكرهاً.
(288/2)
________________________________________
حكم الإكراه بحق على الطلاق
فقال رحمه الله: (ومن أكره عليه) أي: على الطلاق، (ظلماً) فالإكراه ينقسم إلى قسمين: إكراهٌ بحق، وإكراه بغير حق، فالإكراه بالحق: أن يُهَدَّد ويُضغط عليه حتى يطلق المرأة وقد وجب عليه طلاقها، هذا إكراه بحق، مثل القاضي في حال الإيلاء، حينما يقول للزوج: إما أن تكفر عن يمينك وترجع إلى زوجتك وإما أن تطلقها؛ فإنه إذا طلَّقها في مجلس القضاء بالضغط عليه؛ فإنه مُكرَه، لكنه مكرَه بأمر الله ورسوله، فهو إكراه بحق.
وهكذا لو ثبت عند القاضي أن هذا الزوج أضر بالزوجة وظلمها ظلماً بيِّناً بحيث يستحق مثلها أن تطلَّق عليه، كما لو أقر أنه أتاها في دبرها أو فعل بها فعلاً تستحق به أن تُطَلَّق فسألت طلاقها، فجاءت إلى القاضي، فقال: لا أُطَلِّق، يُلزِمه القاضي بالطلاق، فأكرَهَه على الطلاق وألزَمَه به بحق.
أما بالنسبة لمن أكره عليه ظلماً، كرجل لا تستحق امرأته أن تطلق عليه، وهُدِّد إضراراً به أو إضراراً بالزوجة لكي يطلقها، كرجلٍ يريد أن ينكح امرأةً وهي مزوجة، فجاء لزوجها وهدَّده أن يطلقها، وطلقها تحت تهديده وضغطه، فأكرهه على الطلاق فهذا مكرِه وظالم، فعندنا مُكْرَه ومُكْرِه، وشيءٌ يتحقق به الإكراه، فالمكرِه -وهو اسم الفاعل- ينبغي أن يكون ظالماً حتى نُسقِط الطلاق.
أما إذا كان بحق، فلا نسقِط، فلو أن أخا المرأة جاء إلى زوج أخته التي أضر بها وظلمها ظلماً تستحق معه أن تُطَلَّق وهدده قال: الآن تطلقها، وطلقها نفذ عليه الطلاق؛ لأنه مكرَه بحق، هذا بالنسبة لقضية الإكراه بحق؛ لكن بعض العلماء يقولون: الإكراه بحق لا يقع إلا في حكم القضاء.
قوله: (ظلماً بإيلامٍ له) الشرط الأول: أن يكون الإكراه بغير حق، والشرط الثاني: أن يكون ما هُدِّد به مؤلماً، بحيث لا بد أن يكون هذا الشخص الذي هو الزوج وصل إلى درجة الإكراه، وهذا يقتضي تعذيبه في نفسه أو ولده أو من يتعذب به، كمالِه يُتلف ويُحرق أو نحو ذلك، فيُهَدد بشيء فيه ضرر، لكن لو هُدِّد بشيء ليس فيه ألم ولا ضرر عليه، كأن يقال له: طلِّق امرأتك وإلا أخذت هذا الريال منك، فأين الريال من طلاق المرأة؟ فقال: أنا مكرَه، نقول: هذا ليس بإكراه؛ لأن الريال ليس بضرر بالنسبة له؛ لكن لو كان الريال له قيمة عظيمة في بعض الأزمان وله شأن فهذا شيءٌ آخر، لكن إذا كان أمراً لا يصل إلى حد الإيلام فلا يتحقق الإكراه، فلا بد وأن يكون مؤلماً.
(288/3)
________________________________________
أحوال الإكراه من جهة الوقوع وعدمه
الإكراه في الحقيقة له حالتان: الحالة الأولى: أن يجعل الشخص تحت الألم ويحس بالألم، فهذه الحالة لا يُشك أنه صار فيها مكرهاً.
الحالة الثانية: أن يُهَدد بشيء، فهناك صورتان: الصورة الأولى: يُهدد، ويكون تحت نار العذاب مثل أن يُخنق، وخُنق ووجد ألم الخنق، وغلب على ظنه أنه إذا استمر الخنق مات، وهلك، فهذا مكرَه، ولا نقول: انتظر حتى تصير في الغرغرة أو تقارب الموت؛ لأنه إذا صار في الغرغرة قد لا يستطيع أن يتكلم؛ ولذلك قالوا: لا يشترط في الضرورة والإلجاء أن يصير إلى حد الهلاك، بل يكفي غلبة الظن كما قرره ابن جزي في قوانين الأحكام وبعض أئمة التفسير في آيات الميتة.
فأنت إذا غلب على ظنك حصول ما هددت به فهذه حالة، أما إذا كنت تحت الوضع الذي فيه الألم، مثل أن يسخن الحديد في النار ويوضع على جسده فيتألم فحينئذٍ أصابه الألم فإذا قيل له: طلق فطلَّق، فهذا هو الذي وقع لـ عمار فمُسّ بعذاب، فإن وصل المكرَه إلى حالة الإكراه بمس العذاب فهو مكرَه، وجهاً واحداً عند العلماء، على تفصيل في العذاب الذي يعذب به أو يكره بسببه.
الصورة الثانية: أما لو هُدِّد ولم يُفعل به شيء ففيه خلاف، جاء عن أحمد ما يدل على أنه ليس بمكره؛ ولذلك لما وقعت فتنة خلق القرآن، امتنع -رحمه الله برحمته الواسعة- وأصرّ على قول الحق، وذاق ما ذاق من الصبر على السنة والحق، وكان الإمام أحمد قبل ذلك ليست له تلك الشهرة، وإن كان إماماً عظيماً معروفاً -رحمه الله برحمته الواسعة- بإمامته وجلالة قدره، لكن لما حدثت الفتنة، وسُئِل الناس والعلماء وفتنوا بها، أخذ بعض العلماء بالرخصة، فمنهم من كان يُوَرِّي، ومنهم من كان يظن أنه مكره فيتلفظ باللفظ وهو منكِرٌ بقلبه، ومنهم من يقول: الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن هذه مخلوقة ويشير إلى أصابعه الأربعة، ويقصد أنها مخلوقة ولا يقصد القرآن، وهذه تَورِيَة فيمضي لحاله ويسلم؛ لأنهم يأخذون منه بظاهره.
ومنهم من كان يعتبر أنه مُكرَه فيقولون: القرآن مخلوق؟ يقول: القرآن مخلوق.
فأخذ على أنه مُكرَه وأنه إذا لم يقل بذلك سيُضَر، وأصر الإمام أحمد رحمةُ الله عليه، وأُوذِي وذاق من العذاب ما ذاق، فجعل الله عز وجل الناس كلها تنتظر ماذا يقول الإمام أحمد، يعني نُسِي غيره وبقي الإمام أحمد، حتى أنه لما أتاه بعض أصحابه يراجعه في ضيقه رحمه الله ويقول له: خذ بالتوسعة والرخصة، فقال له: قُم، فقام فأراه الناس وهم في السكك قد يقاربون المائة ألف ينتظرون فتوى الإمام أحمد، وما أوذي أحدٌ في طاعة الله عز وجل إلا أقامه الله مقام أعز من ذلك المقام كما قال عروة: (والله ما أوذي أحدٌ في حق الله عز وجل إلا أقامه الله عز وجل مقاماً خيراً منه).
فالشاهد أنه رحمه الله أصر على قوله، فلما دخلوا عليه في الفتنة، وجاء ابن معين فسلَّم عليه، فرد عليه السلام وأعرض عنه وأشاح بوجهه، فصار يقول: حديث عمار حديث عمار، أي: إننا مكرهون، فلما لم يجبه الإمام أحمد بشيء، قام ابن معين من عنده وصار عند الباب، فسمع الإمام أحمد يقول: يقولون: حديث عمار، إن عمار مُسَّ بعذاب ولم يُمسُّوا به، فقال ابن معين: ما تحت أديم السماء أفقه منه -يعني: من الإمام أحمد - رحمةُ الله على الجميع.
وقد ضبط العلماء الإكراه بقولهم: أنه ما ينعدم به الرضا ويفسد به الاختيار، فالإكراه حالةٌ ينعدم معها رضا الإنسان بالشيء ويفسد اختياره له، فالذي يُكره على الطلاق ليس براضٍ به؛ وكذلك يفسد اختياره وهو لا يطلب ذلك الشيء ولا يحبه ولا يرغب فيه، وقد ذكر العلماء -رحمهم الله- جملةً من الشروط لا بد من توفرها لكي نحكم بكون الإنسان مكرهاً، وطلاقه آخذاً حكم طلاق المكره، وهذه الشروط منها ما يرجع إلى الشخص المُكْرَه، ومنها ما يرجع إلى الشخص الْمُكْرِه، وهو الذي يهدد ويطلب الطلاق، ومنها ما يرجع إلى اللفظ الذي يتلفظ به الْمُكْرَه.
(288/4)
________________________________________
أحوال الإكراه من جهة الإلجاء وعدمه
إذا وصفت الإنسان بكونه مكرهاً فهناك حالتان: الحالة الأولى: أن يكون مكرهاً على وجهٍ لا يمكن بحالٍ أن ينصرف عنه إلى غير المطلوب منه، وهذا يسميه العلماء: الإكراه التام، والإكراه الملجئ، بمعنى: أن يوقع الشيء الذي يُطلب منه ولا يستطيع أن ينفك عنه بحال، وذكروا لذلك مثالاً: لو أن شخصاً رُبطت يداه وكتف ولم يستطع الحركة، ثم رُمي على غيره فمات، فإنه قد قتل غيره بدون اختيار، والإكراه في هذه الحالة ملجئ وتام؛ لأنه ليس للشخص أي حيلة في دفع ما طُلِب منه وما أكره عليه.
الحالة الثانية: الإكراه الناقص، فيكون عنده نوع اختيار ويطلب منه شيء ويهدد بشيء، ولا يكون فيه إكراه إلا إذا كان الشيء الذي يُهدد به ويقهر به مؤلماً ومضراً، أو متلفاً لجزء من أجزاء بدنه، متلفاً لماله، متلفاً لولده، متلفاً لمصلحة من مصالحه، بشرط أن تكون هذه المصلحة فواتها أعظم من الطلاق، فهي مؤلمة أو مضرة؛ لكنه يستطيع أن يصبر عليها، فهو بين الأمرين بين أن يطلق وبين أن يرضى بالضرر، فهو ليس بإكراه ملجئ، يعني: ليس كالشخص الذي ينصرف انصرافاً تاماً إلى ما هدد به، وإنما عنده نوع من الخيار، فهو خيارٌ في الظاهر لكن وجود الألم والقهر يفسد الاختيار الطبيعي؛ ولذلك قال رحمه الله: (بإيلامٍ).
إذاً لا يكون الإكراه إلا إذا كان هناك شيءٌ مهددٌ به، وهذا الشيء يشترط فيه أن يكون له وقع ضرر؛ ثم فصل العلماء وقالوا: الضرر يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فلربما هُدد شخصٌ بضرر في زمان يكون يسيراً وفي زمان يكون عظيماً.
فلو أن شخصاً في مجاعة قيل له: إذا لم تفعل هذا الشيء؛ فإننا نأخذ طعامك، فإنه لا شك أنه ضررٌ عظيم، ولكن إذا كان هناك بديل وأمكنه أن يصبر وهو في شبعه وريه، فيكون الإكراه أخف.
فإذاً: لا تستطيع أن تحدد شيئاً معيناً إلا بالضابط، فتقول: الضابط في ذلك وجود الضرر؛ وهذا الضرر يشترط فيه أن يكون أكبر وأكثر من الطلاق، يعني: أضراره ومفاسده وشروره أعظم من الطلاق.
قوله رحمه الله: (بإيلامٍ) كأن يجرح بسلاح ونحوه؛ لأن السلاح له ألم، فالألم إما أن يكون حالاً أو يكون متوقع الوقوع، كأن يخير بين أن يطلق أو يضرب ضرباً، ويحصل له الضرب، فهذا هدد بإيلامٍ وطلب منه الطلاق، وتألم فعلاً ودخل في حكم الْمُكْرَه، وتارةً يهدد بالضرر يقال له: إذا لم تطلقها نضربك، ففي حالة إذا كان مهدداً بشيء يوقع عليه، فينبغي ويشترط أن يغلب على ظنه أنه يقع به ذلك الشيء، فلو علم أنه يمكنه الفكاك أو أن الشخص الذي هدده لا يفعل إنما يتكلم فقط؛ فإنه لا يكون في هذه الحالة مكرهاً، وقد سبق التنبيه على ذلك.
قوله: (ولولده) هناك شيءٌ يستضر به الإنسان ليس في نفسه، وإنما قد يكون في أهله وولده كزوجته وأبنائه وبناته؛ بل إن من الناس من يتألم لولده أكثر من تألمه لنفسه، ومن الناس من إذا أوذي واستضر في بدنه صبر واصطبر وتحمل المشاق العظيمة؛ لكن ما إن يُمس بشعرة في ولده إلا وضعف أمام ذلك، فإذاً لا يقتصر الحكم على أن يكون الضرر في نفسه، بل يشمل أن يكون في أهله وولده.
قوله: (أو أخذ مالٍ يضره) أن يُؤخذ منه المال، وحينئذٍ يقع عليه ضرر، وتصيبه مصيبة فادحة، يقال له: إن لم تطلق زوجتك؛ نحرق مالك أو نفسده، أو لا نعطيك مالك، وهم قادرون على ذلك فإنه يكون مهدداً بالمال، فإن كان المال يسيراً، وله عنه غناء، لكونه غنياً مليئاً لم يقع الإكراه، يقال له: إن لم تطلق زوجتك نأخذ منك عشرة آلاف وهذا لا يؤلمه؛ لأن العشرة الآلاف عنده كالشيء اليسير، فمثل هذا لا يكون مكرهاً بهذا الشيء، وفوات هذا الشيء ليس بذاك، فإذاً لا بد وأن يكون الضرر له وقعٌ في النفس، فكما أن الألم الحسي ينبغي أن يكون له وقعٌ في النفس، كذلك الألم المعنوي.
قوله: (أو هدده بأحدها قادرٌ يظن إيقاعه به).
يشترط هذا الشرط الذي يتعلق بالمهدد، فعندنا: مُكْرَه وهو المطلوب منه الطلاق، وعندنا مُكْرِه وهو الذي يطلب الطلاق ويهدد، وعندنا شيءٌ يتحقق به الإكراه وهو الضرر، هذه ثلاثة أمور ينبغي التنبه لها.
وفي الأخير يأتي اللفظ الذي يتلفظ به ويقوله من الطلاق، فأما بالنسبة للشيء الذي يُهدَد به أو الشيء الذي يكون به الإنسان مكرهاً مما يهدد به فقلنا: ضابطه الضرر، وأما بالنسبة للشخص الذي يهدِد وهو اسم الفاعل الْمُكْرِه، فهذا يشترط فيه: إما أن يفعل بداية الإكراه، كأن يمس بعذاب، فإن فعل ذلك لا إشكال، وإن لم يفعل فبعض العلماء يقول: ليس بمكره حتى يبدأ بالفعل وهذا مذهبٌ ضعيف، وإذا لم يفعل فالصحيح: أنه إذا غلب على ظن الإنسان أنه سيفعل؛ فإنه يكون في حكم من فعل، فالشخص إذا كان -مثلاً- شريراً، أو شخصاً معروفاً بالضرر والأذية، وأنه إذا قال فعل، فمثل هذا بمجرد أن يهدد فإن تهديده كافٍ للحكم بكون الْمُكْرَه مكرَهاً، وعلى هذا فلا يشترط أن يُمس بعذاب.
قوله: (قادرٌ) فلو أن امرأةً قالت لزوجها: طلقني، وأمسكت بسلاحٍ يعلم أنها لا تحسن القتل به، فقالت: إن لم تطلقني قتلتك، وهي لا تحسن الرمي به، ولا تعرف كيف تستعمله، ولربما فزعت لو أنها استعملته، فمثل هذا يعد تهديداً من غير قادرٍ، فالمهدِد والْمُكْرِه ينبغي أن يكون قادراً على فعل ما هدد به.
فإذا كان غير قادرٍ في نفسه أو غير قادرٍ لقدرتك عليه، كأن يكون هذا الشخص الْمُكْرِه في وضع يمكنك أن تدفع ضرره، أو في وضعٍ يمكنك أن تنجو منه بإذن الله عز وجل، فلا تكون مكرَهاً، فلو أن شخصاً هدد شخصاً أن يطلق زوجته، وهدده بقتله وأمكنه أن يفرَّ عنه، أو يستغيث بالغير فيغيثه بإذن الله عز وجل فإنه ليس بمكرَه.
إذاً لا بد أن يكون قادراً على الفعل، ولا يمكنك الفكاك ودفع الضرر الذي يهدد به.
(288/5)
________________________________________
حكم طلاق المكره والدليل عليه
قال رحمه الله: [فطلق تبعاً لقوله].
أي: وقع الْمُكْرَهْ في الطلاق، (تبعاً).
بمعنى: وقعت هذه الأمور واستوفيت هذه الشروط فطلق (تبعاً لقوله)، يعني: لا يزيد ولا ينقص، وبناءً على ذلك لو قال له: طلق زوجتك تطليقة، فطلقها طلقتين أو طلقها ثلاثاً؛ فإنه يقع عليه الطلاق الزائد، وقيل: يقع جميع الطلاق؛ لأنه لما زاد؛ دل على أنه راغبٌ في الطلاق، وصارت قرينة صارفةً للإكراه.
أيضاً نستفيد من قوله: (تبعاً) أن يكون في طلاقه الظاهر تابعاً للطالب وهو الْمُكْرِه، ولكنه في قرارةِ قلبه غير راضٍ، فإذا طلق وقلبه مطمئنٌ بالطلاق راضٍ به وقع عليه الطلاق.
إذاً يشترط أن يكون تبعاً، وألا يكون منه قصداً، فلو أن رجلاً يكره زوجته -والعياذ بالله- لا يحبها، ولا يرغب فيها، وينتظر الساعة التي ينجيه الله منها، فجاءه رجل وهدده وقال: طلق زوجتك، فقال: الحمد لله على الفرج، ثم طلقها، فهل هذا مكره؟ نقول: لا يكون طلاقه واقعاً بإجماع العلماء؛ لأن الله يقول: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106]، إذاً معنى ذلك أن ننظر إلى الإكراه في الظاهر لا في الباطن، فيكون طلاقه تبعاً للمكره، وليس مستقلاً بذاته.
قوله: (لم يقع) هذا قول أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين من الأئمة المهديين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال به من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير رضي الله عن الجميع، وبه أفتى مجاهد وطاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث رحمةُ الله عليهم: أن من أكره وتحققت فيه شروط الإكراه أنه لا يحكم بطلاقه، ولا يحتسب بتلك الطلقة، واستدلوا بدليل الكتاب والسنة والعقل؛ أما دليلهم من الكتاب: فإنه سبحانه وتعالى قال: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106] ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أسقط عن المكره الردة بالقول، وهي لفظٌ من الألفاظ، وأعظم ما يتلفظ به الردة، قال الإمام ابن العربي وغيره من أئمة التفسير: إن هذه الآية الكريمة أصلٌ في إسقاط مؤاخذة المكره في كل ما يقول ويفعل، فإذا كانت الردة لا تقع وقلبه مطمئنٌ بالإيمان، فمن باب أولى غيرها من الألفاظ، وعلى هذا فالآية الكريمة واضحة الدلالة على أن المكره لا يؤاخذ بقوله، وجاءت السنة تؤكد ما دل عليه القرآن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن ماجة والحاكم وصححه غير واحدٍ من العلماء: (إن الله وضع لأمتي)، وفي روايةٍ: (رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وفي هذا دليل على أن الله وضع ورفع عن المكره المؤاخذة، فدل على أنه إذا طلق لا ينفذ طلاقه، وأكدوا هذا بما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا طلاق في إغلاق)، رواه الإمام أحمد وأبو داود بسندٍ حسن.
المغلق: هو الشخص الذي استغلق عليه الأمر، فأصبح ليس عنده أي مجال لأن ينصرف عن الشيء الذي هو فيه، فقال بعض أئمة اللغة كالإمام أبي عبيد القاسم بن سلام وغيره من أئمة اللغة رحمةُ الله عليهم: إن هذا يشمل المكره، والإغلاق يحتمل ويشمل من كان مكرهاً؛ لأنه استغلق عليه الأمر، فأصبح لا مجال له إلا أن يطلق فحينئذٍ: (لا طلاق في إغلاق)، وقد استغلق على المكره، وأصبح متلفظاً بلفظ الطلاق بدون اختيارٍ وبدون رضا، ووجود هذا الطلاق وعدمه على حدٍ سواء، ولا يوجب الحكم بالطلاق.
أما دليل العقل: فقد قال العلماء رحمهم الله: لا يقع طلاق المكره، كما لا يقع طلاق المجنون، بجامع عدم وجود القصد والاختيار في كليهما، فالمجنون كما أنه إن طلق لا ينفذ طلاقه، كذلك المكره لا ينفذ طلاقه؛ فإن المكرَه في حكم المجنون، فالمجنون يتلفظ بدون اختيار وبدون شعور وبدون رضا، والمكره يتلفظ بما أكره عليه بدون رضا واختيار، وكلٌ منهما فاسد الاختيار ومنعدم الرضا، فكما لا ينفذ طلاق المجنون فكذلك لا ينفذ طلاق المكره.
وأصول الشريعة تدل دلالة واضحة على رجحان هذا القول.
وقد خالف في هذه المسألة طائفةٌ من السلف منهم سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، والإمام أبو حنيفة النعمان -على الجميع شآبيب الرحمة والغفران- فقالوا: إن طلاق المكره يمضي عليه، واعتدوا به، واستدلوا بالأصول، وأن الأصل أن من طلق ينفذ عليه طلاقه، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والعتاق)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أربع جائزات إذا تُكُلّم بهن: النكاح والطلاق والعتاق والنذر)، قالوا: فهذه الأدلة تدل على أن من تلفظ بالطلاق مضى عليه ولو لم يكن قاصداً.
فهم يجعلون الهازل الذي هزل بالطلاق، مؤاخذاً به، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد - وذكر منها-: الطلاق)، فالهازل إذا طلق يمضي عليه الطلاق، مع أنه غير راض وغير مختار للطلاق، فيمضي عليه الطلاق.
قالوا: فدل على أن الشريعة لا تلتفت إلى كونه قاصداً أو غير قاصد، مختاراً أو غير مختار، إنما تلتفت إلى وجود اللفظ، فلفظ الطلاق لفظٌ خطير إذا تلفظ به أُخِذ به.
وهذا القول مرجوح وضعيف؛ لأن هناك فرقاً بين الهازل وبين المكره، فإن الهازل مختارٌ للفظ وطالبٌ له، وراضٍ به؛ لكنه غير راضٍ بالإيقاع، وفرقٌ بين من تلفظ بهذا الشيء راضياً به ولم يرد إيقاعه، وبين من لم يرض ولم يختر وألجئ إليه بدون اختياره، فالفرق بينهما واضح، وعلى هذا فإن طلاق المكره لا يقع، وهو الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله.
(288/6)
________________________________________
حكم الطلاق في النكاح المختلف فيه
قال رحمه الله: [ويقع الطلاق في نكاح مختلف فيه].
فلو أن رجلاً تزوج امرأةً بدون ولي، على قول الإمام أبي حنيفة رحمهُ الله وقول طائفة من السلف، ورفع هذا النكاح إلى شخصٍ وقد وقع فيه طلاق، وهو لا يرى صحة هذا النكاح؛ فإنه يمضي الطلاق وينفذه، وهكذا بالنسبة لنكاح الشغار، إذا قيل بأنه يصحح بالمهر، وقد بينا أن الصحيح: أن نكاح الشغار لا يصح ولو كان بمهر ما دام أنه وجد الشرط بين المتعاقدين.
(288/7)
________________________________________
حكم طلاق الغضبان
قال رحمه الله: [ومن الغضبان].
الغضب: حالةٌ يكون فيها الإنسان منزعجاً، وقد يفقد السيطرة على نفسه، فلا يستطيع أن يتحكم في لفظه، فلربما -والعياذ بالله- يسب ويشتم، ولربما وصل به الأمر إلى التلفظ بالردة -والعياذ بالله- ولا يستطيع أن يتحكم في فعله، فلربما قام وقعد وضرب من أمامه، حتى لربما كان والده أمامه فيضربه؛ لأنه يفقد السيطرة على نفسه.
(288/8)
________________________________________
مراتب الغضب
والغضب له ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: بداية الغضب التي يملك الإنسان فيها نفسه، ويسيطر فيها على مشاعره وأقواله وأفعاله.
المرتبة الثانية: غاية الغضب، بأن يكون كالمجنون، لا يعي ما يقول، بحيث لو تلفظ بالشيء ثم قيل له بعد انتهاء غضبه وانكسار ثورته: إنك قلت: كذا وكذا، لا يتذكر أنه قال هذا الشيء، ولربما ينكر ويقول: ما وقع هذا مني، فهذه غاية الغضب، ففي الحالة الأولى يكون بداية الغضب، والحالة الثانية عكسها: نهاية الغضب.
وهناك مرتبةٌ ثالثة مترددة بين المرتبتين وهي: أن يفقد السيطرة تارة، ويتمالك نفسه تارة، فهو متردد بين التمالك وعدمه؛ فإن كان في الحالة الأولى وهي أن يكون في بداية الغضب فإن طلاقه يقع بإجماع العلماء؛ لأن الإنسان في الأصل لا يطلق امرأته إلا وهو غاضبٌ عليها، فلا يوجد أحدٌ يكون جالساً مع امرأته يضحك معها ويقول لها: أنت طالق.
فالأصل: أن الطلاق لا يكون إلا بسبب، إما لاستثارةٍ من الزوجة، أو أمر يكون بينه وبين زوجته، فالغضب غالباً يكون مصاحباً للطلاق، فإذاً: بإجماع العلماء أن بداية الغضب يقع فيها الطلاق.
الحالة الثانية: وهي نهاية الغضب، والتي يصل فيها إلى درجة لا يفرق فيها بين السماء والأرض، بل حتى إن بعضهم -نسأل الله السلامة والعافية- ربما لا يعرف أن التي أمامه زوجته، ويقول: امرأتي طالق، امرأتي طالق، نسائي طوالق ونحو ذلك من شدة ما هو فيه، فهذا النوع الذي وصل إلى غاية الغضب الذي يفقد به عقله -والعياذ بالله- وإدراكه، ولا يستطيع أن يتحكم في تصرفاته، لا ينفذ طلاقهُ وجهاً واحداً عند العلماء رحمهم الله، وينازع في ذلك بعض أصحاب المذاهب ويقول: إنه ينفذ مطلقاً على الأصل الذي يقرر، فهل تدخل هذه الحالة عندهم أو لا؟ الظاهر من أصول الشريعة: أنها لا تدخل؛ لأن الغضبان في هذه الحالة ينبغي أن يقال: إنه مجنون، ويأخذ حكم الجنون المتقطع؛ لأنه إذا وصل به غضبه إلى درجةٍ لا يعي بها ما الذي أمامه، ولا يستشعر أن التي أمامه زوجه، فهو كالمجنون، ويعرف هذا بقرائن وأدلة، فبعض الناس الذين عُرِفوا بالعصبية، لا يتوقف أمره على الطلاق، بل يعرف أنه في أي قضية إذا استفزه أحد واستثاره فإنه يصل إلى غاية الغضب؛ ويتكلم ولا يعي ماذا يقول، ولربما يتكلم بالكفر -والعياذ بالله- والردة، فهذا في حكم المجنون؛ ولذلك قال بعض العلماء: إنه إجماع؛ لأنه في الحقيقة ينبغي أن يكون مندرجاً تحت مسألة المجنون، وعلى هذا: إذا وصل به الغضب إلى هذه الحالة، وهو يعلم أنه فيما بينه وبين الله لا يتذكر امرأته ولا يعرف ما الذي أمامه، ولا يعي ما الذي قاله؛ فإنه لا ينفذ عليه طلاقه.
الحالة الثانية: وهي المترددة، وتقع مثل ما ذكرنا في السكران، فمنهم من يقول: الأصل فيه أنه مؤاخذ فنستصحب حكم الأصل ونمضي عليه الطلاق، ونقول هنا: هل غضبه أوصله للجنون أو لا؟ فلما خاطب امرأته أمامه وقال: امرأتي فلانة طالق، فمعنى ذلك أن عنده تمييزاً وإدراكاً، ويعلم أن التي أمامه هي امرأته، ولذلك قالوا: نؤاخذه بطلاقه، وقال بعض العلماء: إذا كان في هذه الحالة المترددة فلا ينفذ عليه طلاقه، واستدلوا بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (لا طلاق في إغلاق)، والصحيح: أنه إذا استشعر أنه طلق، واستشعر أنها امرأته، فإنه ينفذ عليه طلاقه في هذه الحالة وهذا هو الأصل، والإغلاق هنا ليس بتام، وإنما يكون الإغلاق مؤثراً إذا تم وفقد معه السيطرة على ألفاظه وكلامه.
وهناك بعض القرائن التي تدل على أن طلاقه يقع، كرجلٍ يكون مع امرأته ويطلقها ويقول: أنا غضبان، فإذا جاء يدعي الغضب تسأله عن حالته فإن قال لك: كنت مع زوجتي فاستثارتني وقلت لها: إن أغضبتيني سأطلقك، أو سيكون طلاقك، فأغضبته ثم طلق، فتعلم أنه في هذه الحالة مدركٌ لوعيه؛ لأنه أنفذ ما وعد، ففي حالة الغضب: يقع كثيرٌ من التلاعب من الناس، وينبغي على العالم أن يكون حذراً فطناً من تلاعب الناس؛ لأن الطلاق أمره عظيم، ومن طلق وتلاعب بطلاقه وادعى أنه لا يعلم، وأنه فاقدٌ لشعوره وأنه وأنه فينبغي الحيطة في أمره؛ فإن الناس فتنة، والرجل إذا طُلّقت عليه امرأته -خاصةً إذا كانت الطلقة الأخيرة- فإنه يصبح كالمجنون -والعياذ بالله- فيحرف في الألفاظ ويغير فيها ويبدل، ويدعي أموراً قد لا تكون حقيقة، ولذلك ينبغي الاحتياط في مثل هذه المسائل.
ولا ينبغي فتح الباب لكل من هبّ ودبّ إذا ادعى أنه غضبان أن يقبل قوله، إنما يقبل لو شهد ثقاتٌ وأُناس من أهله أنه رجل عصبي المزاج، وأنه إذا استثير يصل إلى درجة لا يعي فيها ما يقوله ويفعله، أو شهد زملاؤه في عمله على ذلك أو نحو ذلك من الأدلة التي تثبت أن غضبه مؤثر، فمثل هذا إذا وصل إلى حالةٍ يفقد فيها السيطرة على نفسه واستغلق عليه الأمر فالأشبه أن طلاقه لا يقع.
(288/9)
________________________________________
حكم الوكالة في الطلاق
قال رحمه الله: [ووكيله كهو].
المطلق لا يخلو إما أن يكون الشخص نفسه، أو وكيله الذي وكله بتطليق زوجته، أو القاضي، أو ولي الصبي، أو يكون الحكمان، فهذه خمسة أحوال للشخص المطلق.
فعادة العلماء رحمهم الله في بيان الطلاق ومسائله: أن يعتنوا ببيان هذا الركن وهو الشخص المطلِّق، فقال رحمه الله: (ووكيله) فبعد أن بين حكم الأصيل (الزوج)، شرع في بيان حكم الوكيل.
(288/10)
________________________________________
أحوال الوكيل
والوكيل له حالتان: الحالة الأولى: أن يوكل وكالةً مطلقة، والحالة الثانية: أن يوكل وكالةً مقيدة، وهو أي: الوكيل، ينزل منزلة الموكل، فبإجماع العلماء أن من وَكَّلَ شخصاً في تطليق زوجته فإنه ينفذ طلاقه كطلاق الزوج، ويكون نفوذ الطلاق في حدود الوكالة، وزمان الوكالة ومكانها إذا قيدت بالزمان أو المكان، وعددها إن قيدت بالعدد؛ فإذاً (وكيله كهو)، أي: وكيل الزوج كالزوج في الطلاق، ينفذ طلاقه إذا وكله وكالةً صحيحة.
وهناك: المفوض، الشخص الذي يُفوض بالطلاق، فالوكيل يتقيد، والمفوض لا يتقيد، ولذلك ربما أنه لو مات الموكِل انفسخت الوكالة؛ لكن في التفويض لا تنفسخ؛ ولذلك المفوض أقوى من الموكل، فمن فُوّض إليه الأمر ليس كالوكيل، أما الوكيل كهو، أي: كالزوج.
فالتوكيل إما أن يكون مطلقاً، وإما أن يكون مقيداً، يقول له: وكلتك في تطليق زوجتي فلانة، هذا توكيل بالطلاق لزوجةٍ معينة، وهذا إن كان عنده أكثر من زوجة، وربما يُطلِقُ له ويقول: وكلتك في تطليق نسائي بما شئت ومتى شئت، فهذا توكيل عام، ويكون الوكيل فيه له حق الطلاق عموماً.
أما التوكيل المقيد: فإنه يتقيد بالزمان ويتقيد بالمكان ويتقيد بالعدد ونحو ذلك.
يتقيد بالزمان كأن يقول له: وكلتك في تطليق زوجتي اليوم، فإذا انتهى اليوم وغابت شمسه، انفسخت الوكالة؛ فإن لم يطلق قبل غروب الشمس فلا طلاق، وإن طلق قبل الغروب؛ فإنه ينفذ طلاقه ما لم يفسخ الزوج تلك الوكالة.
إذاً: إذا قيد بالزمان فلا يقع الطلاق إلا في حدود الزمان، فإن وقع الطلاق بعد الزمان الذي قُيد به لم ينفذ، وإن وقع في أثنائه نفذ إلا أن يكون الموكل قد فسخ الوكالة.
ويتقيد بالمكان، يقول له: وكلتك أن تطلق زوجتي في هذا المجلس، فيتقيد بالمكان وما دام أنه في المجلس ينفذ عليه الطلاق، فإن فارق المجلس لم ينفذ عليه الطلاق، وهو موكل بالطلاق ما لم يفسخ الزوج توكيله؛ فإن فسخ الزوج توكيله فإنه ينفسخ، ويكون وجود طلاقه وعدمه على حدٍ سواء.
ويتقيد بالعدد بالنسبة للفظ الطلاق؛ كقوله: وكلتك في تطليق زوجتي طلقةً واحدة، ويتقيد بالعدد بالنسبة للنساء، فيقول: وكلتك في تطليق زوجتين من نسائي، أو امرأتين من نسائي، فلانة وفلانة، فيحدد له، فيتقيد بطلاق هاتين، ولا يقع طلاقه إذا كان لغير هاتين المرأتين؛ فالتقييد والإطلاق معتبر، فالوكالة للطلاق تصح مطلقةً وتصح مقيدةً.
وعلى الوكيل أن يتقي الله عز وجل، فالوكالة ليست بمحل للتلاعب والإضرار والإساءة والأذية، فإنه إذا وُكل إليه الطلاق فعليه أن ينصح وأن يتقي الله عز وجل، وهذا كثيراً ما يقع بين الولد مع والده، فيقول له: وكلتك أن تطلق امرأتي، فعلى الوالد أن يتقي الله في ولده، ولربما يقع بين الأخ وأخيه مشاكل بسبب الزوجات فيقول أحدهما لأبيه: وكلتك؛ فعلى الأب أن يتقي الله؛ لأن الله عز وجل جعل الطلاق من حدوده، وحذر عباده أن يستخفوا بهذه الحدود وأن يتعدوا محارم الله فيها.
فعلى المسلم أن يتقي الله سواءً كان أصيلاً -زوجاً- أو وكيلاً، فالطلاق أمره عظيم، ومن النصيحة أن يحس أن هذه المرأة كأنها ابنته وكأنها أخته، فهل يرضى طلاقها؟ فعليه أن ينظر في الأصلح وأن يتقي الله عز وجل وأن ينصح لمن وكله.
قوله: (ويطلق واحدة) ويطلق واحدةً إن قال له: واحدة، والأصل يقتضي أن له أن يطلق الطلاق كله ثلاث تطليقات، ويملك الثلاث كما يملكها الأصيل (الزوج)؛ لأن القاعدة: أن الوكيل منزلٌ منزلة الأصيل (الزوج).
فإذا قال له: وكلتك في تطليق نسائي وأطلق، فلو طلق ثلاثاً مضت ثلاثاً، ولو طلق طلقتين مضت طلقتين، وأما لو قيد له ذلك وقال: وكلتك أن تطلق نسائي طلقةً واحدة فلا إشكال، ويتقيد بهذه الواحدة.
وقوله: (ومتى شاء).
أي: إن أطلق له، أما لو قيد وقال له: وكلتك مدة جلوسك في المجلس، وكلتك أن تطلق امرأتي في هذا المجلس فليس متى شاء؛ إنما يكون مقيداً بتقييد الأصيل -الزوج- له.
قال رحمه الله: [إلا أن يعين له وقتاً وعدداً].
كما ذكرنا.
(288/11)
________________________________________
حكم توكيل المرأة في طلاق نفسها
قال رحمه الله: [وامرأته كوكيله في طلاق نفسها].
كذلك لو وكل امرأته، وقضى بذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأثر عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم: أنه إذا وكل المرأة أن تطلق نفسها وجعل الطلاق إليها وكالةً؛ فإنه يمضي طلاقها وينفذ ما لم يفسخ توكيله لها.
(288/12)
________________________________________
الأسئلة
(288/13)
________________________________________
الوقت المعتبر في حصول الأثر المترتب على الطلاق

السؤال
هل المعتبر في وقوع الطلاق إصداره من الزوج أم وقت وصول الخبر للزوجة؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإذا طلق الرجل امرأته مضى الطلاق ونفذ من حينه، وأما مسألة بلوغ الخبر إليها فإنه لا يؤثر في الإيقاع، فهو واقعٌ من حين أن يتلفظ به، فلو تلفظ به الساعة ثم توفي وبلغها خبر الطلاق بعد شهرين فهي مطلقة من حين تلفظه به، أما لو كان مريضاً مرض الموت وطلق فهذا يسمى طلاق الفار، وهو الذي يريد أن يمنع ويحرم امرأته من الميراث، وهذه المسألة قضى الصحابة رضوان الله عليهم فيها بتوريث المرأة.
لكن الكلام هنا لو طلق المرأة الساعة الثانية ظهراً ثم خرج، فوقع له حادث وتوفي، وبلغها الخبر بعد شهر أو شهرين فهي طالق، ويعتبر طلاقاً نافذاً من حينه لكن مسألة الحداد، يعني: المرأة يتوفى زوجها في شهر شوال ولا يبلغها الخبر إلا بعد أربعة أشهر وعشرا، فهل ما يتعتبر في الحداد غير ما يعتبر في الطلاق، أي: هل العبرة فيه ببلوغ الخبر أم العبرة بالوفاة؟ مثال ذلك: رجلٌُ توفي اليوم، وهو في الخارج أو في بلدٍ بعيد، والمرأة لم تعلم بوفاته إلا بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، فلما بلغها الخبر وقد مضت مدة الحداد، فهل نقول: الحداد العبرة فيه بالوفاة، فحينئذٍ انتهى حدادها؛ لأن المدة التي بين بلوغ الخبر وبين الوفاة استغرقت مدة الحداد فلا إشكال؟ هذا وجه في المسألة.
وبناءً على ذلك: لو توفي في أول شوال وبلغها الخبر في آخر ذي القعدة؛ فإنه يبقى عليها شهران وعشرة أيام لأنه قد مضى عليها نصف المدة؛ لأن العبرة بالوفاة لا ببلوغ الخبر، والصحيح: أن العبرة في الحداد ببلوغ الخبر، فلو بلغها الخبر بعد سنة لزمها الحداد؛ لأن الحداد عبادة ولا يصح إلا بنية، وهي لم تحتد ولم يقع منها حداد ولم تقصد الحداد فلم يقع المأمور به شرعاً، والذي أمرت به المرأة هو عبادةً لله عز وجل وتقرب، فعلى هذا: العبرة ببلوغ الخبر وليس بالوفاة، فهناك فرقٌ بين الحداد وبين الطلاق من هذا الوجه، والله تعالى أعلم.
(288/14)
________________________________________
الفرق بين قول الزوج لزوجته: (أمرك بيدك) وتوكيلها في طلاق نفسها

السؤال
ما الفرق بين قول الرجل لامرأته: أمرك بيدك، وبين توكيل الزوج امرأته في طلاق نفسها؟

الجواب
إذا جعل الأمر بيدها أو جعل الخيار لها وقال لها: اختاري نفسك، فهذا يسمى تفويضاً، وأما إذا وكلها فهو وكالة، والوكالة لها حكمها، والتفويض له حكمه، وعلى هذا: إن فُوّض إليها الأمر فالطلاق طلاق تفويض، وإن كان بالوكالة فطلاقُ وكالةٍ، والله أعلم.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجه الكريم وموجباً لرضوانه العظيم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(288/15)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الطلاق [3]
جعل الله سبحانه الطلاق حقاً للزوج يستخدمه عند الحاجة، ولكن لم يجعل له الحرية في التطليق على أي صفة شاء، وإنما قيد هذا الحق بضوابط وقيود حتى لا يكون وسيلة للإضرار بالمرأة.
(289/1)
________________________________________
أنواع الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد ففي هذا الفصل سيتكلم المصنف -رحمه الله- على أنواع الطلاق، فالطلاق له أنواع ذكرها العلماء رحمهم الله، وهي تختلف بحسب اختلاف الاعتبارات المقصودة من التقسيم، فهناك أنواع للطلاق من حيث حكم الشرع، وهناك أنواع من حيث اللفظ، وهناك أنواع من حيث الصيغة، وهناك أنواع من حيث ثبوت الرجعة وعدم ثبوتها.
- فأما أنواع الطلاق من حيث حكم الشرع فينقسم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: الطلاق السني.
والثاني: الطلاق البدعي.
والثالث: الذي هو ليس بسني وليس ببدعي.
فأنواعه من حيث حكم الشرع إما سني وإما بدعي، وإما لا سني ولا بدعي، وسنبين هذا إن شاء الله تعالى أما أنواع الطلاق من حيث اللفظ فينقسم إلى نوعين: النوع الأول: الطلاق الصريح، والنوع الثاني: طلاق الكناية.
كذلك له أنواع من حيث صيغة الطلاق إذا تلفظ بها الزوج، فإما أن تكون منجزة، وإما أن تكون معلقة، أو تكون مضافة، فهذه ثلاثة أنواع: الطلاق المنجز: كأن يقول: أنت طالق.
فينجز عليه الطلاق ويمضي.
الطلاق المضاف: إما للماضي وإما إلى المستقبل: كأن يقول: أنت طالق في آخر الشهر، أنت طالقٌ بالأمس.
الطلاق المضاف إلى الشرط، أو المعلق على الشرط كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، إن جاء زيدٌ فأنت طالق، إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، فهذه ثلاثة أنواع: طلاقٌ منجز، وطلاقٌ مضاف، وطلاقٌ معلق.
كذلك هناك أنواعٌ للطلاق من حيث الأثر، هل تثبت معه للزوج الرجعة، أو لا تثبت؟ فينقسم إلى نوعين: النوع الأول: طلاقٌ رجعي، وهو الذي يملك فيه الزوج ارتجاع زوجته في عدتها كأن يطلقها طلقةً واحدة بغير عوض ولا خُلع وتكون مدخولاً بها.
النوع الثاني: وهو الطلاق البائن، وينقسم إلى نوعين: إما بائن بينونةً كبرى وإما بائن بينونةً صغرى، فالبائن بينونةً كبرى: هي التي لا تحل للزوج حتى تنكح زوجاً غيره، وهي التي أبانها بالطلقة الثالثة الأخيرة.
وأما بالنسبة للبينونة الصغرى: فهي المطلقة التي لا يملك الزوج معها ارتجاع زوجته إلا بعقدٍ جديد، مثل أن يطلقها قبل الدخول أو يكون طلاق خُلعٍ؛ فهذا النوع من الطلاق يسمى بالطلاق البائن بينونةً صغرى.
هذه كلها أنواع للطلاق؛ فتارةً تجد العلماء يقولون: وهي طلقةٌ بائنة، وتارةً يقولون: وهي طلقةٌ رجعية، فهذا تقسيم باعتبار، وتارةً يقولون: هذا طلاق السنة، وتارةً يقولون: هذا طلاق بدعة.
هذه الأنواع كلها أثبتت نصوص الشريعة التقسيم في أغلبها كما هو الحال في الطلاق السني، والطلاق البدعي كما سيأتي، وكذلك الطلاق البائن والطلاق الرجعي.
أما بالنسبة للتعليق والتنجيز فالأصول تصححه إذا كان منجزاً وهو الأصل في الطلاق وهو ماضٍ إعمالاً لهذه الأصول، وإن كان معلقاً فهذا بينه وبين الله، على ما يفصله العلماء رحمهم الله.
وإذا كان الطلاق ينقسم إلى هذه الأنواع، ويختلف حكمه بحسب اختلافها فلابد للفقيه وطالب العلم من أن يكون على بينةٍ من أنواع الطلاق عند دراسته لأحكامه ومسائله.
(289/2)
________________________________________
أنواع الطلاق من جهة الحكم
فشرع المصنف -رحمه الله- في تقسيم الطلاق من حيث السنة والبدعة، وهذا ما يسمى بالتقسيم من جهة الحكم، أي: من جهة حكم الشرع عليه، والطلاق السني مصيبٌ لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن طلق طلاق السنة فإنه لا يندم، قال علي رضي الله عنه: (لا يطلق أحدٌ للسنة فيندم).
وتوضيح ذلك: أن الله سبحانه وتعالى بيّن لعباده الطلاق الذي ينبغي أن تطلق به المرأة على ضوابط سنذكرها -إن شاء الله تعالى- كما في صدر سورة الطلاق، وخاطب بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وبين كذلك أن هذا من حدود الله عز وجل التي ينبغي للمسلم أن يراعيها؛ فلما شدد سبحانه في نوعٍ خاص من المطلقات -وهي المرأة المدخول بها- بقوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1] أي: المرأة التي لها عدة، لما شدد في هذا النوع من الطلاق كان له حكمٌ خاص؛ ولذلك لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم طلاق ابن عمر لزوجته تماضر رضي الله عنها أنه طلقها في الحيض، وذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليه الصلاة والسلام، وأمره أن يراجعها ورده إلى ظاهر التنزيل، فدل هذا على أن المرأة المدخول بها من ذوات الحيض -أي: ليست بصغيرة ولا كبيرة آيسة- والحائض التي لم تحمل، لها حكمٌ خاصٌ في الطلاق، فينبغي للمسلم أن يطلق بهذه الصفة الشرعية الواردة، فإن أصاب طلاقه هذه الصفة الشرعية كان طلاقاً سُنياً، أي: مصيباً للسنة وعلى وفق الشرع، وإن خالف فطلق وهي حائض أو طلقها في طُهرٍ جامعها فيه فإنه طلاق بدعة، وإذا قيل: إنه طلاق بدعة فهو طلاق الإثم، أي: أن صاحبه آثم لمعصيته لله عز وجل ومعتدٍ لحدود الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء).
إذا ثبت هذا فأولاً: ينبغي بيان الطلاق السني، وثانياً: الطلاق البدعي.
(289/3)
________________________________________
شروط الطلاق السني
فأما الطلاق السني: فلابد فيه من أمور لكي نحكم بكون المرأة محلاً لطلاق السنة، وهذه الأمور تعتبر بمثابة الشروط المستنبطة من دليل الكتاب والسنة: الشرط الأول: أن تكون المرأة مدخولاً بها.
والشرط الثاني: أن تكون من ذوات الحيض، فليست بصغيرة لم تحض بعد، ولا كبيرة انقطع حيضها لليأس.
وثالثاً: أن يقع الطلاق حال طهرها.
ورابعاً: ألا يكون قد جامعها في ذلك الطهر.
وخامساً: ألا تكون حاملاً.
سادساً: أن تكون الطلقة واحدة.
فهذه ستة شروط لا بد من وجودها لكي نحكم بكون الطلاق طلاق سنة: أن تكون المرأة مدخولاً بها، وأن تكون من ذوات الحيض: أي بلغت سن المحيض ولم ينقطع حيضها ليأس أو مرضٍ أو نحو ذلك، وثالثاً: أن تكون طاهرة، ورابعاً: ألا يجامعها في ذلك الطهر الذي يريد أن يطلقها فيه، وخامساً: ألا تكون حاملاً، بأن تكون حائلاً غير حامل، وسادساً: أن يطلق طلقةً واحدةً ولا يزيد.
نبدأ بالشرط الأول: أن تكون المرأة مدخولاً بها، بمعنى أن يكون الزوج قد دخل على الزوجة؛ فإن كانت الزوجة لم يدخل بها زوجها وطلقها قبل أن يدخل فطلاقه ليس بمحل لقضية السنة والبدعة، ولذلك يجوز تطليق المرأة قبل الدخول ولو كانت حائضاً، والدليل على اشتراط كونها مدخولاً بها أن الله سبحانه وتعالى قال: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، والمرأة غير المدخول بها لا عدة لها، ومعنى الآية: أي: طلقوهن لقبل العدة كما فسره بذلك الصحابة -رضوان الله عليهم- وكما هو ظاهر السنة في حديث ابن عمر، فأصبح طلاق السنة الملزم به والمأمور به: ينبغي أن يكون في امرأةٍ مدخولٍ بها.
من العلل المستفادة في أن الشريعة منعت من تطليق المرأة وهي حائض: أن هذا يطول عليها العدة، ففيه ضرر على المرأة، وكذلك إذا كانت مدخولاً بها في طُهر جامعها فيه، ربما طلقها فبانت حاملاً منه فيندم ويتألم أنه طلقها وهي أمٌ لولده؛ لكن إذا كانت غير مدخولٍ بها فليس هناك تطويل للعدة، وليس هناك خوف من كونها حاملاً، فهو يُقدم على الطلاق في بينةٍ من أمره كما لو طلقها وهي طاهر ولم يجامعها.
فإذاً: المرأة غير المدخول بها يجوز تطليقها ولو كانت حائضاً، فلا يقال: إن المرأة التي لم يدخل بها يجب على من طلقها أن يلتزم السنة في تطليقها؛ فإن أمرها واسع.
إذاً الشرط الأول: أن تكون المرأة مدخولاً بها، وهذا محل إجماعٍ بين العلماء، أن المرأة التي لم يدخل بها ليست بمحلٍ لطلاق السنة ولا يوصف تطليقها بالبدعة، وهي من النوع الثالث الذي لا سنة ولا بدعة.
الشرط الثاني: أن تكون المرأة من ذوات الحيض، فخرج بهذا الشرط الصغيرة التي لم تحض، والكبيرة التي انقطع حيضها ليأسٍ، أو المريضة التي انقطع حيضها بسبب المرض، فالمرأة التي لا تحيض لصغر لا يوصف طلاقها بسنةٍ ولا بدعة مثل غير المدخول بها؛ ولذلك تكون عدتها بالأشهر؛ لأنها لم تحض بعد، والتي يئست كالتي لم تحض فتكون عدتها ثلاثة أشهر، إذا ثبت هذا فإنه لا يوصف الطلاق بكونه سُنياً إلا إذا كان في المرأة من ذوات الحيض، وكما ذكرنا أن المرأة الحائض تطول عدتها إن طُلّقت، وكذلك إذا طهُرت من حيضها وجامعها ربما حملت، فإن كانت قد انقطع حيضُها أو كانت صغيرةً لم تحض؛ فإنه يطلق وهو على بينةٍ من أمره ولا ضرر عليه ولا على الزوجة، فهذا هو الشرط الثاني: أن تكون من ذوات الحيض، فخرج بهذا الشرط: الصغيرة التي لا تحيض، والآيسة التي انقطع حيضها.
الشرط الثالث: أن يطلقها وهي طاهرة، فلا يوصف الطلاق بكونه طلاق سنةٍ، إلا إذا وقع حال الطهر، فلو كانت المرأة حائضاً فبالإجماع يعتبر طلاقها طلاق بدعةٍ؛ وذلك لصريح حديث ابن عمر، وظاهر التنزيل في قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]: أي مستقبلات أو في قبل العدة، والمرأة الحائض لا يستقيم فيها ذلك، فإذاً الشرط الثالث: أن تكون المرأة طاهرة غير حائض.
الشرط الرابع: ألا يجامعها في ذلك الطهر، فلو أنها طهرت ثم جامعها في ذلك الطُهر فإنه يكون طلاقه طلاق بدعةٍ إن وقع بعد ذلك الجماع، فإذا أردنا أن نحكم بكونه طلاق سنةٍ فإنه ينتظر حتى تحيض بعد جماعها، ثم إذا حاضت بعد جماعها وطهُرت من حيضها إن شاء طلق وإن شاء أمسك، والدليل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن سالم بن عبد الله بن عمر في قصة تطليقه لامرأته وهي حائض، قال صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها ثم يمهلها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمسها)، يعني: قبل أن يجامعها، فدل على أن الطهر الذي جامعها فيه لا يطلقها فيه حتى تطهر منه؛ لأنه ربما جامع فيه فبان حملها فيندم على تطليقها.
فإذاً: هنا يخشى أن تحمل المرأة، وغالباً أن الرجل إذا علم أن المرأة حاملٌ منه فإنه يندم على طلاقها ويكون في ذلك ضررٌ عليه وضرر على ولده، هذا بالنسبة للشرط الرابع.
الشرط الخامس: ألا تكون حاملاً: فإذا كانت حاملاً؛ فإنه لا يوصف طلاقها ببدعة ولا سنة، فإذا طلقها وهي حامل فإنه حينئذٍ قد استبان الأمر ويقدم على الطلاق وهو على بينة من أمره وهو مختار لفراقها، والدليل على أن طلاق السنة يكون لغير الحامل قوله عليه الصلاة والسلام: (وليطلقها حائلاً أو حاملاً).
قال: (حائلاً) أي: في طهر لم يجامعها فيه على التفصيل الذي ذكرناه (أو حاملاً) وأجمع العلماء -رحمهم الله- على أن الحمل لا يمنع من الطلاق، وأن من حق الرجل أن يطلق زوجته بعد أن علم بحملها؛ فإن طلاقه معتبرٌ وصحيح.
الشرط السادس والأخير: أن يطلق طلقةً واحدة ولا يزيد على هذه الطلقة، وهذه الطلقة هي السنة، ومذهب جمهور العلماء على أن من زاد على طلقةً واحدة فطلق طلقتين فقال لامرأته: أنت طالق طلقتين أو طالق ثلاثاً، أو أنت طالقٌ بالثلاث؛ فإنها بدعة، وقد ارتكب المعصية، فمن يطلق أكثر من طلقة فقد عصى الله ورسوله.
ولذلك ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما وكذلك عن ابن عباس لما جاءه الرجل وقال: (إني طلقت امرأتي مائةً فقال له: ثلاث حرمت بهن عليك، وسبعٌ وتسعون اتخذت بها كتاب الله هزوا)، وفي روايةٍ: (لعبا)؛ لأن مثل هذا خلاف الشرع، فالزيادة على الطلقة بدعة ومعصية، وصاحبها آثمٌ شرعاً، ومذهب طائفةٌ من العلماء: أن من طلق امرأته أكثر من طلقة، أو طلق امرأته طلاق البدعة فطلقها وهي حائض عالماً بحيضها وعلم به القاضي؛ فإن الواجب على القاضي أن يعزره؛ لأنه عصى الله وكذلك اعتدى حدوده، فإذا علم بذلك بإقرارٍ منه وثبت عنده أنه طلق للبدعة فإنه يعزره؛ لمخالفته للسنة.
إذا ثبت هذا فإنه يطلق طلقةً واحدة، ولذلك ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل: أنه طلق امرأته ثلاث تطليقات وهي حائض، فقال له: (أما عبد الله بن عمر فقد طلق طلقةً واحدة وأما أنت فقد عصيت ربك وبانت منك امرأتك).
أما أنت فقد عصيت ربك بالبدعة، وبانت منك امرأتك؛ لأن قضاء الصحابة رضوان الله عليهم وجماهيرهم، على أن الثلاث ثلاث.
وبناءً على ذلك: فإن الزائد على الطلقة يوصف بالبدعة، ويعتبر طلاق إثمٍ وحرج، ولا يجوز للمسلم أن يتلفظ به، خلافاً للشافعية -رحمهم الله- حيث قالوا: إن طلاق الثلاث سنة.
واستدلوا بحديث عويمر العجلاني وهو حديث صحيح: (فإنه لما لاعن امرأته فحلف أيمان اللعان وحلفت امرأته أيمان اللعان فقال: يا رسول الله! إن كذبت عليها فهي طالقٌ بالثلاث).
فبين له النبي صلى الله عليه وسلم: أنها لا تحل له، قالوا: فطلق ثلاثاً بحضور النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه، وهذا ضعيف، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، أن السنة طلقةٌ واحدة وأن الثلاث بدعة، وهل تقع أو لا تقع؟ سيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسألة وذكر أقوال العلماء فيها.
الشاهد: أن طلاق السنة يستجمع هذه الشروط، ومن هنا تستطيع أن تحصر الشروط في ضابطين فتقول: يشترط لطلاق السنة الموضع ويشترط العدد، فلابد من أمرين، أمر يتعلق بالموضع وأمر يتعلق بالعدد، فلا يوصف طلاق بكونه طلاق سنةٍ إلا إذا استجمع هذه.
فأما الموضع: فأن تكون المرأة مدخولاً بها طاهراً لم يجامعها في ذلك الطهر، وألا تكون المرأة حاملاً، والشرط الذي يتعلق بالعدد أن يطلقها طلقةً واحدة، هذا بالنسبة لما ينبغي تحققه للحكم بكون الطلاق طلاق سنةٍ.
قال رحمه الله: [إذا طلقها مرةً في طُهر لم يجامع فيه].
إذا طلقها مرةً فهذه طلقة واحدة (في طُهرٍ لم يجامع فيه) معنى ذلك أنها من ذوات الأطهار، وليست بصغيرة لا تحيض ولا بكبيرة آيسةٍ، فتعد المرأة في هذه الحالة من ذوات الأشهر.
إذاً: إذا طلق مرةً، أي: طلقةً واحدة، (في طُهرٍ) فخرج الطلاق في الحيض، وقوله: (لم يجامع فيه) خرج ما إذا جامع في نفس الطهر، وقوله: (في طهر) يستلزم أن تكون المرأة من ذوات الحيض، فاستجمع -رحمه الله- الشروط بهذا، وقال: (إذا طلق مرةً) هذا شرط العدد (في طُهرٍ) يجمع شرطين: الشرط الأول: أن تكون المرأة من ذوات الحيض فليست صغيرة ولا كبيرة آيسة؛ وكذلك أن تكون أثناء الطلاق طاهرة، فهنا شرطان: أن تكون من ذوات الحيض؛ لأنه قال: (في طُهر)، ولا تطهر من الحيض إلا الحائض، وأيضاً: استلزم شرطاً ثانياً مع كونها من ذوات الحيض: أن تكون حال طهرها من الحيض، ولم يجامع فيه؛ وهذا الشرط الرابع، فخرج ما لو جامع المرأة.
(289/4)
________________________________________
أقوال العلماء في حكم الطلاق المجزأ
قال رحمه الله: [وتركها حتى تنقضي عدتها].
هذه في الحقيقة مسألة تتعلق بتجزئة الطلاق ثلاثاً على الأطهار، وتوضيح ذلك: أن بين الجمهور وبين الحنفية -رحمهم الله- خلافاً في هذه المسألة، نحن قلنا: إن المرأة يكون طلاقها للسنة بالشروط التي ذكرها المصنف، فقال رحمه الله: (إذا طلق مرةً في طهر لم يجامع فيه)، فنبه على المدخول بها في قوله: (لم يجامع فيه) أي: أنها محل للجماع، ونبه على بقية الشروط على الصورة التي ذكرنا، إذا ثبت هذا فإن الرجل نصفه بكونه مطلقاً للسنة إذا وقعت منه طلقة واحدة في الطهر، فلو قال لك قائل: هب أن المرأة حاضت، فلما طهرت من حيضِها طلقها طلقةً واحدة، فبعد الطلقة ستعتد، وستحيض الحيضة الثانية ثم تطهر بعد حيضتها الثانية فإذا طهرت أردفها طلقةً ثانية؛ ثم انتظرت إلى طهرها من الحيضة التي تلي الطلقة الثانية، فلما طهرت منها أردفها الطلقة الثالثة، فجزأ الطلاق ثلاثاً، وكل طلقة أوقعها في طهر لم يجامع فيه، فهل يوصف طلاقه بكونه طلاق سنة أو لا يوصف؟ للعلماء قولان في هذه المسألة: فالجمهور: على أنه طلاق بدعة، وأنه ينبغي عليه إذا أراد طلاق السنة أن ينتظر حتى تستتم عدتها أو يراجعها ثم يطلقها في طهرٍ لم يجامعها فيه، أما أن يردف الطلاق مجزأً على الأقراء فإنه ليس بسنة وإنما هو من طلاق البدعة، وخالف في هذا الحنفية -رحمهم الله- فقالوا: إن طلق مجزئاً الطلاق على الأطهار فسنة، فقسموا طلاق السنة عندهم إلى طلاق حسن وأحسن، فعندهم طلاق السنة ينقسم إلى قسمين: طلاقٌ حسن وطلاقٌ أحسن، فالطلاق الأحسن عندهم: أن يطلق طلقةً واحدة ولا يردفها بغيرها في الأطهار على الصفة التي ذكرناها عن الجمهور.
والطلاق الحسن: الذي هو دونه في المرتبة والذي اختلفوا فيه، فقالوا: هو أن يجزئ ثلاث تطليقات على ثلاثة أطهار، ما فائدة الخلاف؟ فائدة الخلاف: لو قال لها: أنت طالقٌ حسن الطلاق، فعند الحنفية: تطلق الطلقة الأولى في طهرها الأول، ثم تطلق الطلقة الثانية في طهرها الثاني؛ ثم تطلق الطلقة الثالثة في طهرها الثالث.
وعند الجمهور: أن الحسن والأحسن شيءٌ واحد، وحينئذٍ يكون بحسب نيته فإن قصد بالأحسن أنه الثلاث، على أنه الأكمل في نظره حتى ينتهي شرها إن كانت تؤذيه؛ فحينئذٍ لا إشكال؛ وإلا فالأصل: أن أحسن الطلاق هو طلاق السنة، فينصب على طلقةٍ واحدة، فالحنفية قسموا الطلاق إلى هذين القسمين، وقالوا: من أردف الطلاق في الأطهار، مضى طلاقه وكان طلاق سنة، لكن عند الجمهور يعتبر من طلاق البدعة.
قوله: (حتى تنقضي عدتُها فهو سنة).
(فهو سنة) وذلك لثبوت الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث ابن عمر في الصحيحين وفيه: (أنه طلق امرأته تماضر رضي الله عنها طلقةً وهي حائض، فرفع ذلك عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره أن ابنه طلق امرأته وهي حائض، غضب صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام: (مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر -أي من هذه الحيضة التي طلقها فيها- ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)، ثم تلا عليه الصلاة والسلام: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1] الآية.
فأصبح عندنا في هذا دليل على أن السنة أن يقع الطلاق في الطهر على الصفات التي ذكرناها، وأن هذا هو الطلاق السني الذي أصاب صاحبه الوجه المعتبر في الطلاق، ومفهوم ذلك: أنه إذا لم تقع هذه الشروط فإنه لا يوصف بكونه طلاق سنةٍ، فلو طلقها وهي حائض فبالإجماع أنه يعتبر طلاق بدعة، ولو طلقها في طهرٍ جامعها فيه فإنه بالإجماع يعتبر طلاق بدعة، فطلاق البدعة بالإجماع أن يطلق في الحيض أو أن يطلق في طُهرٍ جامع فيه.
(289/5)
________________________________________
حكم الطلاق بعد انقضاء الحيضة وقبل الغسل
لكن إذا قلنا إن طلاق الحيض يعتبر طلاق بدعة، فعندنا مسألة: لو أن امرأةً حاضت وأراد زوجها أن يطلقها، فهل إذا طهرت من الحيض وانقطع الدم يكون طلاقه طلاقاً سنياً بمجرد انقطاع الدم أو لا بد أن تغتسل ثم يطلقها.
قال جمهور العلماء: إنه إذا انقطع الدم ورأت علامة الطهر حل طلاقها؛ ولذلك قالوا في موانع الحيض: منها ما يرجع إلى العبادة مثل كون الحيض يمنع الصلاة والصوم والطواف بالبيت ومس المصحف ودخول المسجد إلى آخر هذه العبادات، ومنها ما يرجع إلى المعاملات مثل: كونه يمنع الطلاق ويوجب الاعتداد به، وحينما ذكروا موانع الحيض قالوا: وما تحل هذه الموانع إلا بعد طهرها واغتسالها إلا ما كان من الصوم والطلاق.
فالصوم لا يشترط له أن تغتسل، والطلاق لا يشترط له أن تغتسل، فلو طلقها قبل أن تغتسل وهي طاهر ورأت علامة الطهر؛ فإنه طلاق سنة، وكذلك الحال لو انقطع عنها الدم، ورأت علامة الطهر فصامت قبل أن تغتسل، كأن يكون انقطع عنها الدم قبل بزوغ الفجر مباشرةً؛ ثم بزغ الفجر ونوت الصيام فإنه يصح صومها ويجزئها، ولو اغتسلت بعد طلوع الفجر.
فالطلاق والصوم لا يشترط لهما الاغتسال، لكن مس المصحف، والدخول إلى المسجد، والطواف بالبيت، والصلاة، كل هذا يشترط لجوازه ممن طهرت من الحيضة أن تغتسل، فلا يكفي انقطاع الدم عندها؛ إذا ثبت هذا فإنها تكون مطلقة للسنة إذا انقطع دمها، ولا يشترط أن تنتظر إلى اغتسالها من ذلك الحيض.
(289/6)
________________________________________
حكم الطلاق بالثلاث
قال رحمه الله: [فتحرم الثلاث إذاً].
فلو قال لها: أنت طالقٌ بالثلاث اختل الشرط، ونحن ذكرنا في الشرط السادس أن يطلق طلقةً واحدة، فلو طلق ثلاثاً مجموعة أو منفردةً مُجزّأة فالكل بدعة، فقوله: فتحرم الثلاث إذاً، قوله: (إذاً) التنوين هنا: تنوين عوض، أي: إذا كانت المرأة على هذه الصفة فيحرم أن تطلق ثلاثاً دفعةً واحدة أو مجزأةً على الأطهار على الصفة التي ذكرناها.
(289/7)
________________________________________
أقوال العلماء في طلاق الحائض
قال رحمه الله: [وإن طلق من دخل بها في حيض أو طهر وطئ فيه فبدعة يقع وتسن رجعتها].
(وإن طلق من دخل بها في حيض) فلا يكفي أن تكون دخل بها، بل لا بد أن تكون حائضاً وفي الحيض، فإذاً: إذا طلق من دخل بها حال الحيض في حيض، أي: وقع طلاقه لها وهي في ظرف ووقت وزمان الحيض فإنه بدعة، فإذا وقع الطلاق حال الحيض فبإجماع العلماء أن الطلاق بدعة، ولكن هل يحكم بوقوعه أو لا يحكم بوقوعه؟ وجهان مشهوران لأهل العلم: جماهير العلماء وجماهير السلف والأئمة -رحمهم الله- من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة والظاهرية على أنه يقع الطلاق ويحتسب، واستدلوا بالأدلة الصريحة الصحيحة من الكتاب والسنة وبظواهر التنزيل التي دلت أولاً على أن الأصل فيمن طلق أن يمضي عليه طلاقه، فكل من تلفظ بالطلاق ظاهر القرآن أن زوجته تطلق منه، هذا من حيث الأصل، قالوا: والعمومات نصت على هذا، وقوله: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، هذا من حيث الإثم وعدمه، وليس له علاقة من حيث الوقوع وعدم الوقوع، لورود الأدلة الأخرى التي تثبت الأصل بالإيقاع، الدليل الثاني: قضية ابن عمر، ففي قضية ابن عمر عدة أدلة تثبت أن الطلاق وقع، أولها: ما يكون مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم إما صريحاً كما جاء في رواية سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (احتسبها له واحدة)، وهذا الحديث ذكره ابن وهب في مسنده وأشار إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله وهو حديثٌ ثابت، ويرويه عن حنظلة بن أبي سفيان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر.
ثانياً: أنه جاء من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (مره فليراجعها)، فكلمة (ليراجعها): جاءت من كلامه، ومنطوق لفظه عليه الصلاة والسلام، والرجعة عرفٌ شرعي مبني على الطلاق، خاصةً وأن المسألة في الطلاق إذ قد يستخدم لفظ الرجعة في غير الطلاق إذا كان في غير الطلاق؛ أما في داخل الطلاق وفي مسائل الطلاق لا يقال رجعة إلا من طلاق (مره فليراجعها).
ثالثاً: أن ابن عمر رضي الله عنهما وهو صاحب القصة أدرى وأعلم بمضي الطلاق وعدمه؛ فإن ابن عمر نص على وقوع الطلاق وأفتى بذلك، فكان إذا جاءه السائل -كما في الصحيحين- يسأله عن امرأةٍ طلقها في الحيض أمضى عليه الطلاق واحتسبه، والراوي أدرى بما روى، خاصةً وأنه صاحب القصة، ناهيك عن ابن عمر الذي عرف بالتزام السنة وعدم خروجه عنها، وقد أُدِّب في طلاقه، فهو أعلم وأدرى بوقوع الطلاق وعدمه؛ ولذلك جاءت الألفاظ عنه عديدة تشير إلى الوقوع، منها ما هو صريح كما في قصة الرجل الذي طلق ثلاثاً في رواية الصحيحين، وجاء أيضاً عنه رضي الله عنه أنه لما سُئِل هل احتُسِبت الطلقة أو لم تحتسب كان يستغرب من السائل، ويقول: (فَمَهْ؟) أي: ماذا تظن، وفي روايةٍ: (ما لي إن عجزتُ واستحمقت؟) وهذا من فقه ابن عمر، يعني: هل تتصور شخصاً يقع في البدعة والمعصية ويطلق طلاقاً يخالف شرع الله أن لا يمضى عليه الطلاق؟ فمثله أليق بأن يزجر؛ ولذلك يقول له: فَمَهْ، يعني: ماذا تظن مع أني أقع في البدعة وأقع في المحظور ولا يمضي عليّ طلاقي؟! ففي الصحيحين أنه قال له: هل احتسبت؟ قال: فمه؟ وفي روايةٍ أخرى: (ما لي إن عجزت واستحمقت؟) أي: ما لي وما شأني وما المانع أن تنفذ عليّ طلقتي مع أني قد عجزت واستحمقت.
كذلك أيضاً جاء في الرواية الأخرى عن نافع وعن سعيد بن جبير وأنس بن سيرين ومحمد بن سيرين كلها تعضد هذا، وللشيخ ناصر الدين رحمه الله مبحث نفيس، من أنفس ما كتب في هذه المسألة في جمع الأحاديث ورواياتها وألفاظها وبيان صحيحها من ضعيفها في الجزء السابع من (إرواء الغليل)، وهو بحث في الحقيقة من أنفس ما جُمع في المرويات، في مسألة طلاق الحائض، وهل طلق ابن عمر أو لم يطلق، وقد خلص -رحمه الله- إلى أن السنة وقوعه، من حيث المرجحات التي تقوي الوقوع واحتساب الطلقة.
الأمر الأخير الذي يدل على وقوع الطلقة ما ذكرناه: أن الشخص إذا عصى الله ورسوله، وابتدع في شرع الله عز وجل وأحدث في دين الله عز وجل، وخالف ما أُمر به وتمرد على الله وعلى كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فخالفه، فإن الأليق به أن يزجر، وأن يعاقب، والأصل يقتضي أن مثله يؤاخذ بتطليقه.
وقال بعض العلماء -وينسب هذا القول إلى بعض العلماء- وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم رحمةُ الله على الجميع: إن طلاق الحائض لا يقع ولا يمضي، واحتجوا برواية أبي الزبير محمد بن تدرس المكي عن ابن عمر أنه حضره وقد سأله السائل، فقال رضي الله عنه -أي: ابن عمر -: (فردها عليّ ولم يرها شيئاً)، أي لم ير الطلقة شيئاً، وهذه الرواية هي التي تُمسّك بها على أن طلاق الحائض لا يقع، وهذه الرواية قد أجاب عنها أئمة السلف كالإمام الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة، ولأننا أمام روايات عديدة فيها ما يثبت مضي الطلاق، وفيها ما ينفي، فلا بد من معرفة الضوابط في ترجيح هذا على هذا، هل يرجح القول الذي يقول بنفوذ الطلاق، أو يرجح القول الذي يقول بعدم وقوع الطلاق، فعند النظر إلى المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: نجد أن المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها)، هذا المرفوع الذي استدل به من قال بالإيقاع يصنف في المرجحات؛ لأن قول ابن عمر: (فردها عليّ ولم يرها)؛ دليل الأصحاب القول الثاني الذي لا يوقع الطلاق، وهذا ليس بشيءٍ مرفوعٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبناءً على ذلك فإن المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قول من قال بالوقوع أقوى ممن يقول بعدم الوقوع.
ثانياً: أن لفظة: (ردها عليّ، ولم يرها شيئاً) هذه تحتمل معنيين، كما يقول الإمام الشافعي،) لم يرها شيئاً)، أي: لم يرها شيئاً مصيباً للسنة، لا أنه لم يرها طلقة، والسبب في هذا: أن ابن عمر نفسه الذي قال كلمة: (ولم يرها شيئاً) يصف حال النبي صلى الله عليه وسلم في فتواه، ولا يتأتى منه أن يقصد أنه لم يطلقها، إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرها طلقة لما طلق ابن عمر رضي الله عنه وأفتى بالطلاق، فإذاً قوله: (لم يرها شيئاً)، تردد بين معنيين، وفي الأصول: أنه إذا تعارضت روايات صريحة لا تحتمل مع غيرها قدمت الصريحة، كما في قوله في بعض الروايات المرفوعة: (هي طلقة) وفي رواية الدارقطني: (احتسبت طلقةً واحدة).
فالرواية الصريحة بالاحتساب جاءت عن ابن عمر نفسه أنه يحتسبها ولا تحتمل، فقوله: (هي طلقة) و (احتسبت طلقة) و (اعتد بها) كما في الرواية عن سالم وأنس بن سيرين ومحمد بن سيرين روايات صريحة في الوقوع والاعتداد.
وقوله: (لم يرها شيئاً) متردد بين أن يقصد به عدم الوقوع وبين أن يقصد به عدم موافقة السنة، فلما ترددت بين المعنيين لم تقوَ على معارضة الصريح الذي لا يحتمل إلا معنىً واحداً، وبناءً على ذلك من حيث اللفظ رواية الوقوع أقوى من التي تنفي الوقوع.
ثالثاً: من ناحية أصولية؛ فإن ابن عمر رضي الله عنه الروايات عنه بالوقوع أكثر من الروايات عنه بعدم الوقوع، ولم يخالف إلا أبو الزبير مع أن هناك شاهداً له في رواية سعيد بن جبير رحمه الله؛ لكن كما يقول الإمام ابن القيم رحمةُ الله عليه في حديث القلتين حيث كان يرجح ويقوي بأصحاب ابن عمر فكان يرجح برواية نافع وسالم بن عبد الله؛ لأنهما أدرى وأعلم فـ سالم بن عبد الله بن عمر ونافع تلميذ ابن عمر مثل هذين لا يخفى عليهما، وهما من أوثق أصحاب ابن عمر وأعلم بفقه ابن عمر، حتى كانوا يقولون: فقه ابن عمر عند نافع والسلسلة الذهبية مالك عن نافع عن ابن عمر، فـ نافع له الشأن البعيد واليد الطولى لعلمه بقول صاحبه وهو ابن عمر، فيقدم إذا تعارض مع أبي الزبير مع أن أبا الزبير في الرواية إذا عنعن لا تقبل روايته، إذ هو مدلس، ونافع في مرتبة الرواية عن ابن عمر مقدم حتى ولو عنعن، فإنه الثقة الثبت، فمن حيث الإسناد إذا جئت تنظر إلى الروايات تجد أن من أثبت أقوى سنداً من الذي لم يثبت.
وكذلك أيضاً من حيث المتن؛ فإن الذي نص على احتساب الطلقة أثبت، والذي لم يرها شيئاً لم يثبت، والقاعدة: أن المثبت مقدمٌ على النافي، ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ؛ ولذلك من حيث السنة ومن حيث الدليل يقوى القول الذي قال به جماهير السلف رحمةُ الله عليهم والأئمة الأربعة: أن طلاق الحائض واقع، وأن هذا المبتدع ينبغي أن يؤاخذ ببدعته، وأن يلزم بقوله وأن يشدد عليه ولا يخفف عليه، إضافةً إلى أن الأصل في الشرع إمضاء الطلاق واحتسابه عليه؛ لأن الدليل لم يقو على نفي ذلك الأصل.
قوله: (أو طهر وطئ فيه).
فإذا وطئها في الطهر وطلقها فطلاقه يكون للبدعة، ويستوي في ذلك أن يكون وطئاً مباحاً أو وطئاً محرماً
(289/8)
________________________________________
أقوال العلماء في حكم مراجعة من طُلقت حائضاً
قوله: [وتسن رجعتها].
وتسن رجعتها، بل تجب، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مره فليراجعها)، وهذه مسألة أصولية، فأمر الغير أن يأمر غيره هل هو أمرٌ للمأمور الأول أو للثاني أو لهما معاً؟ إن قلنا: إنه أمرٌ للمأمور الثاني فحينئذٍ يكون دالاً على الوجوب، وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام حينما نفست أسماء بنت عميس بـ محمد بن أبي بكر الصديق في البيداء واستُفتي لها، فقال صلى الله عليه وسلم: (مرها فلتغتسل ثم لتهل).
فإن قلت: إن الأمر للمأمور أن يأمر غيره أمرٌ للثاني كان حينئذٍ دالاً على الوجوب، ويكون الاغتسال للإحرام للحائض والنفساء واجباً، (مرها فلتغسل)، وأشكل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (مروا أولادكم للصلاة لسبع)، فإنه أمرٌ لمأمور أن يأمر غير المأمور، فإن الصبي لا يتعلق به الوجوب، فلو كان الأمر للشخص أن يأمر غيره أمراً لهذا الغير لما استقام هذا مع حديثنا؛ لأن الصبي غير مكلف، فدل على أن أمر المأمور أن يأمر غيره أمرٌ للمأمور لا لغير المأمور، هذا عند من يقول: إنه ليس أمراً له إلا إذا دلّ الدليل على الوجوب.
والأولون يقولون: هو أمرٌ للمأمور وأمرٌ لغير المأمور، أمرٌ للمأمور أن يأمر وأمر للمأمور الثاني أن يمتثل، فإن ظهرت القرينة وجاء الدليل على استثنائه -كما في الصبي- حينئذٍ ينتزع الحكم بعدم الوجوب إلى الثاني، وهذه المسألة معروفة في الأصول عند علماء الأصول؛ ولذلك يقولون: إذا كان أمراً للأول فإنه يأثم بتركه، ومن هنا قالوا: يكلف المكلف بغير المكلف ويأثم به، كأن تمر على نائم فهو غير مكلف؛ فإن كنت مأموراً به؛ فإنك تأثم إن تركته نائماً، فلو فاتته الصلاة تأثم؛ لأنه غير مكلف، لكن كونك مأموراً بإيقاظه هذا أمر للمكلف أن يأمر غير المكلف، فهذا وجه وتخريج، والمسألة مشهورة عند علماء الأصول رحمهم الله، والصحيح في هذه المسألة: أنه تجب عليه رجعتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر).
وهذا أمرٌ والأصل في الأمر أن يكون للوجوب حتى يدل الدليل على صرفه عن ذلك الظاهر، فهذا الذي تطمئن إليه النفس، وقد أخذ الإمام أحمد رحمه الله بظاهر هذه السنة كعادته، فإنه كان من أعلم الأئمة الأربعة بالسنة، وهذا أمرٌ معلوم عنه رحمه الله؛ فإنه اطلع من السنن والآثار على ما لم يطلع عليه بقية إخوانه من الأئمة، وكان له -رحمه الله- اليد الطولى في علم الحديث وروايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أورع الأئمة وألزمهم لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولما جاءته هذه السنة قال بالوجوب لظاهر الأمر في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمراجعة ولا صارف لهذا الأمر؛ إذا لو كان الأمر تخييرياً وابن عمر ليس بملزم وقد علم صلى الله عليه وسلم أن ابن عمر ما طلق امرأته إلا بسبب، فكيف يلزمه بإرجاع من طلقها؟ فلو كانت الرجعة ليست بواجبة ولا لازمة لما أمر صلى الله عليه وسلم ولا ألزم بها على هذا الوجه، فلا شك أن الحق معه رحمه الله، وقد وافقه على هذا القول طائفة من العلماء من الظاهرية وأهل الحديث رحمةُ الله على الجميع.
(289/9)
________________________________________
صور الطلاق الذي لا يوصف بكونه سنياً ولا بدعيا
ذكرنا أن الطلاق من حيث حكم الشرع إما أن يكون طلاقاً سُنياً أو طلاقاً بِدعياً أو طلاقاً لا سنياً ولا بدعياً، هذه ثلاثة أقسام، فمن طلق زوجته إما أن يطلقها وهو مصيبٌ لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وإما أن يطلقها وقد وقعت البدعة، وإما أن يطلقها طلاقاً لا يوصف صاحبه بسنةٍ ولا ببدعة، وقد بينا الطلاق السني والطلاق البدعي وضابط البدعة والسنة.
وبقي السؤال في القسم الثالث، وهو نوع من النساء -كما ذكر المصنف رحمه الله- لا يوصف طلاقهن بالسنة ولا يوصف بالبدعة.
(289/10)
________________________________________
طلاق الصغيرة
قال رحمه الله: (ولا سنة ولا بدعة لصغيرة) أي: إذا طلق الصغيرة التي لم تحض بعد؛ فإن طلاقه لها لا يوصف بكونه سنياً ولا يوصف بكونه بدعياً؛ لأن الصغيرة لا تحيض، وطلاق السنة متعلقٌ بالحيض، بحيث يطلقها في طُهرٍ لم يجامعها في ذلك الطهر، فالمفسدة والضرر المترتب على التطليق في الحيض أو المفسدة والضرر المترتب على التطليق في حال طُهرٍ جامعها فيه غير موجودة في حال التطليق للصغيرة، فالصغيرة لا تحيض، فلا تطول عليها العدة، ولا يخشى أن تكون حاملاً، فهو إذا طَلق طلق على بينةٍ من أمره؛ ولذلك تقول: الصغيرة ليس فيها المحابيل.
مثال ذلك: رجلٌ تزوج بنت سبعٍ أو بنت ثمان أو بنت تسع سنين أو بنت عشر سنين ولم تحض بعد، فهذه التي لم تحض بعد إذا كانت في سن العاشرة -مثلاً- ولم تحض بعد، فإنه يطلقها ولن تطول عليها العدة؛ لأن عدتها بالأشهر، فبعد طلاقه لها ستحسب الأشهر وينتهي الإشكال وهي ليست بحامل، فلا يخشى أن تكون ليست بطاهر؛ لأن الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه كان بدعة لخشية أن تصبح حاملاً فيندم على طلاقها؛ ولذلك قال الصحابة -رضوان الله عليهم- كما هو مأثورٌ عن علي وابن مسعود رضي الله عن الجميع: (لا يطلق أحدٌ للسنة فيندم)، أي: لا يطلق أحد طلاق السنة ويكون نادماً؛ لكن لو طلق طلاقاً بِدعِياً في طهرٍ جامعها فيه لاحتمل أن تكون المرأة حاملاً منه فيندم؛ لأنه كيف يطلقها وهي ستصير أماً لولده، لأنها ستنجب، فكيف يحصل الفراق بينه وبين أمٍ لولده؟ فقد يقدم الرجل على طلاق امرأةٍ لم تنجب بعد، ولكنه لا يقدم لو علم أنها حامل أو أن ولده سيكون منها.
وعلى هذا فإن هناك ثلاثة أنواع من النساء: الصغيرة، والكبيرة الآيسة التي لم تحض بعد، وغير المدخول بها، وفقه المسألة يدور حول طول العدة وخشية أن تكون المرأة حاملاً كما ذكرناه في علة المنع من تطليق المرأة الحائض.
قال رحمه الله: (ولا سنة ولا بدعة لصغيرة).
هذا القسم الثالث: (لصغيرة) أي: في تطليق صغيرة لم تحض بعد.
والدليل على أن طلاق الصغيرة لا سنة ولا بدعة فيه: قول الله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، والصغيرة ليس لها حيض حتى يقال: (لقبل عدتهن) على التقدير في الآية؛ لأن آية الطلاق فسرتها السنة، وقد ذكر أئمة وعلماء التفسير والتأويل رحمةُ الله عليهم من السلف وغيرهم أن هذا من تفسير السنة للكتاب؛ فإن الله تعالى لما قال: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، جاءت السنة مفسرةً مبينة لهذا الطلاق الشرعي وأن المراد بقوله سبحانه: (لِعِدَّتِهِنَّ) أي: لقبل عدتهن، أي: مستقبلات عدتهن وذلك بطهرٍ لم يجامعها فيه، ولا يطلقها في حال الحيض.
(289/11)
________________________________________
طلاق الآيسة
قال رحمه الله: قوله: (وآيسة).
أي: ولا سنة ولا بدعة في آيسة، والمرأة الآيسة من المحيض قد سبق وأن تكلمنا عليها في باب الحيض، فمن العلماء من جعل سناً محدداً إذا وصلت المرأة إليه حُكم بكونها في حكم الآيسة، ومن العلماء من قال: لا حد لذلك، ويختلف باختلاف النساء، وقد تبلغ المرأة خمسين أو أكثر والحيض معها، فهذا شيء يختلف باختلاف النساء، فلما لم يذكر الشرع حداً أو سناً معيناً لليأس؛ فإننا لا نحد سناً معيناً، وقد بينا أن هذا هو أرجح الأقوال كما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله وطائفة من أهل العلم أنه لا حد لليأس، وإذا كان لا حد لليأس؛ فالمرأة إذا طلقها زوجها وهي كبيرة فلا تخلو من حالتين: إما أن تكون في المحيض، فحكمها حكم الحائض، فيطلقها في طهرٍ لم يمسها فيه، وتسري عليها أحكام طلاق السنة أو طلاق البدعة؛ لأنها من ذوات الحيض، أما لو طلقها وقد انقطع عنها حيضها على وجهٍ يغلب على الظن أنها آيسة أو تحقق معه أنها آيسة؛ فتسري عليها أحكام الآيسة.
فمثلاً: امرأة عمرها خمسون سنة، ومكثت ثلاث سنوات أو أربع سنوات أو خمس سنوات وانقطع عنها الحيض، فما رأت الحيض خلال السنة أو السنتين أو الثلاث أو الأربع الأخيرة، ففي الغالب أنه قد انقطع حيضها وتعتبر آيسة في هذه الحال، وحينئذٍ نقول لزوجها: إذا أردت طلاقها فطلقها في أي وقتٍ شئت؛ لأنه ليس هناك حيض يلزمك بأن تطلق في طهرٍ لم تجامع فيه.
وفائدة المسألة حينما قال: (ولا سنة ولا بدعة لصغيرة) قالوا: لو قال لامرأته الصغيرة: أنت طالق للسنة، فهل تطلق عليه أو لا تطلق؟ وإن كانت تطلق عليه فمتى تطلق؟ قالوا: إذا قال لها: أنتِ طالق للسنة، فقال طائفة من العلماء: لغو؛ لأن طلاق مثلها لا سنة فيه ولا بدعة، قالوا: فيلغو هذا، كأنه جاء بلفظ لا حقيقة له؛ لأن مثلها لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وقال طائفةٌ من العلماء: بل تنتظر فتبقى امرأته إلى أن يأتيها الحيض؛ فإذا حاضت ثم طهرت الطهر الأول بعد الحيض فبمجرد أن تطهر تطلق عليه؛ لأنه علق طلاقها طلاقاً سنياً، كأنه يقول: طلقتك طلقةً سنية، فبقيت معلقة إلى أن يأتيها الحيض.
أما قوله: (والآيسة)، فالآيسة النوع الثاني، فإذا أردت أن تضبط المسألة تنظر إلى قاسم مشترك بين الصغيرة والكبيرة ما هو؟ عدم الحيض، فيكون إما بأصله غير موجود كالحال في الصغيرة، وإما كان موجوداً ثم زال كما هو الحال في الكبيرة والآيسة، فهذا الطلاق تقول: لا سنة فيه ولا بدعة.
فهذا القسم الثالث، وضابطه: أن تكون المرأة من غير ذوات الحيض، ويشمل ذلك الصغيرة التي لم تحض، والكبيرة التي انقطع حيضها.
(289/12)
________________________________________
طلاق الزوجة غير المدخول بها
قال المصنف رحمه الله: [وغير مدخول بها].
هناك نوعٌ ثالث يوصف بكون طلاقه لا سنة فيه ولا بدعة، وهي الزوجة التي لم يدخل بها، مثلاً: تزوج زيد خديجة وعقد عليها، وقبل الدخول طلقها، فإذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول فإنه لا عدة له عليها لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب:49]، وآية الطلاق قالت في طلاق السنة: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1]، فإذا كانت السنة مرتبطة بالعدة، وهذه المنكوحة لم يدخل بها فلا عدة لها في حكم الشرع، أي: فلا سنة في طلاقها ولا بدعة؛ لأن السنة تثبت في حال وجود العدة بالحيض، حتى لا يندم إذا طلقها في حال طهرها الذي جامعها فيه، وأيضاً لا تطول عليها عدتها بالحيض، فإذا كانت بحكم الشرع لا عدة لها؛ فحينئذٍ نحكم بكونها لا سنة في طلاقها ولا بدعة، فقال الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب:49].
وعلى هذا: بعض طلاب العلم يخطئ في بعض فتاويه، فإذا كان يرى أن طلاق الحائض لا يقع، يأتيه السائل ويقول: طلقت امرأتي وهي حائض، فالمنبغي إذا كان يرى أن طلاق الحائض لا يقع أن يسأله: دخلت بها أو لم تدخل؟ فإن كانت المرأة لم يدخل بها؛ فإن الطلاق نافذٌ بالإجماع؛ لأنها ليست بمحل لقضية السنة والبدعة.
وعلى هذا فالنوع الثالث من النسوة اللاتي يعتبر طلاقهن لا سنة فيه ولا بدعة: المطلقة قبل الدخول عليها، فالخلاصة: عندنا الصغيرة، وضدها الكبيرة الآيسة، والمرأة غير المدخول بها.
(289/13)
________________________________________
طلاق من بان حملها
قال رحمه الله: [ومن بان حملها].
من بان حملها للعلماء فيها وجهان: فإذا بان الحمل واستبان أنها حامل فمذهب طائفة من العلماء أنه لا سنة ولا بدعة في الحامل، سواء كانت في أول أو أوسط أو آخر الحمل، فلا يوصف الطلاق بسنة ولا ببدعة، وقال بعض العلماء: طلاق الحامل طلاق سنة؛ لما ثبت من حديث ابن عمر عند مسلم: (وليطلقها وهي طاهر حائلاً أو حاملاً) وهذا يعني أنه يطلقها حال طهرها الذي لم يجامعها فيه سواء كانت طاهراً أو كانت حاملاً استبان حملها، فقالوا: نظراً لقوله: (أو حاملاً)، وهي رواية صحيحة في رواية سالم بن عبد الله بن عمر في قصة تطليق أبيه رضي الله عنه الثابتة في الصحيحين، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (أو حاملاً)، دل على أن من طلق الحامل، فقد طلقها بإباحة وإذن الشرع، أما أصحاب القول الأول فقالوا: إن طلاق الحامل قُصِد به الإذن لأنه قال: (أو حاملاً)، وكلا القولين له وجهه، لكن النظر يقوي الوجه الأول كما ذكرنا.
(289/14)
________________________________________
الأسئلة
(289/15)
________________________________________
الحكمة في إلزام النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر بتطليق امرأته في الطهر الثاني بعد الحيضة

السؤال
أشكل عليّ في قصة تطليق ابن عمر لزوجته قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر)، وموضع الإشكال هو: لماذا لم يكتف بالطهر الذي يلي الحيض الذي وقع فيه الطلاق حتى تحيض ثانيةً ثم تطهر؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فقد قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يؤكد طهر المرأة، وذلك أن المراجعة وقعت منه عليه الصلاة والسلام على سبيل الإلزام، فقال له: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر)، أي: تطهر من هذه الحيضة التي طلق فيها، وأكد ذلك بقوله: (ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)، فيكون الطلاق في طهر لم يقع في حيضه طلاق أيضاً، وهذا من باب التأكيد على أنه لا يقع الطلاق إلا في طهر، والله تعالى أعلم.
(289/16)
________________________________________
الرد على حديث عويمر العجلاني وحديث فاطمة في جواز الثلاث تطليقات

السؤال
بعد أن قررنا أن طلاق السنة هو الواحدة، فما هو الجواب عن حديث عويمر العجلاني وكذلك حديث فاطمة أن زوجها طلقها البتة؟

الجواب
أما بالنسبة لحديث عويمر العجلاني؛ فإن طلاقه لم يصادف المحل، وتوضيح ذلك: أن المرأة إذا لاعنت زوجها فإنه يفرق بينهما فراقاً أبدياً، قال الزهري رحمه الله في روايته عن سهل رضي الله عنه في قصة المتلاعنين: مضت السّنة أن يفرق بين المتلاعنين فلا يجتمعان أبداً، وعلى هذا فبمجرد ما تنتهي من الأيمان -والعياذ بالله- فإنه تقع الفرقة بينهما، وقال بعض العلماء: تفتقر إلى حكم القاضي؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الله أعلم أن أحدكما كاذب، حسابكما على الله)؛ لأنه حلف الأيمان وهي حلفت الأيمان، فحينئذٍ أحدهما كاذب، إما الرجل وإما المرأة، فتنتقل الحكومة والحكم والخصومة إلى خصومة الآخرة نسأل الله السلامة والعافية، فخصومة الدنيا لا نملك فيها شيئاً لأن ما عندنا شيء ثبت، والأصل البراءة، فترك الأمر إلى الآخرة؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يوقفها ويوقفه عند الموجبة وهي الخامسة ومضت السنة على ذلك، فقال له: (اتق الله، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)، وقال للمرأة: (اتق الله فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)، فكادت تعترف ثم قالت -والعياذ بالله-: لا أفضح قومي، فحلفت الموجبة، وكان يقول: إنها الموجبة، يعني: إذا حلف الرجل الخامسة: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:7]؛ فإنه تصيبه اللعنة والعياذ بالله.
والمرأة إذا حلفت وقالت في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فإنه -والعياذ بالله- يحل عليها غضب الله عز وجل، ومن حل عليه غضب الله فقد هوى؛ فإذا ثبت هذا فإنه يفرق بينهما بمجرد انتهاء اللعان؛ فعندما فرق بينهما، قال عويمر من شدة الألم: (والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سمعت بأذني ورأيت بعيني) فلما رآها تحلف هذه الأيمان، قال: (يا رسول الله! كذبت عليها إن أمسكتها هي طالقٌ بالثلاث)، فلما وقع طلاقه وقع بعد الفرقة، فهي أجنبية منه محرمةٌ عليه؛ ولذلك المرأة الملاعنة لا تحل إلى الأبد، وقد أثبتنا هذا في المحرمات، أنها لا تحل إلى الأبد، فالتطليق ثلاثاً وقع بعد زوال المحل، فلا يستقيم الاستدلال به؛ ولذلك يكون إقرار النبي صلى الله عليه وسلم أو عدم إقراره ليس بواردٍ أصلاً؛ لأن الطلاق وقع في غير موقعه، ومن هنا لا يمكن أن يوصف التطليق ثلاثاً بكونه طلاق سنة من هذا الوجه، والله تعالى أعلم.
أما بالنسبة لحديث سهيمة في قصة امرأة رفاعة بن رافع القرظي أنه طلقها ثلاثاً فبت طلاقها، فهذا أجاب عنه العلماء وأشار الحافظ ابن حجر والحافظ ابن الملقن وغيرهما -رحمةُ الله على الجميع- إلى أنه ليس بدليل على أن طلاق الثلاث وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بلفظةٍ واحدة؛ والسبب في ذلك: أن سهيمة أو سهلة -اختُلِف في اسمها رضي الله عنها وأرضاها- طلقها زوجها الطلقة الثالثة، يعني: كان قد طلقها قبل ذلك طلقتين، فوقعت الطلقة الثالثة التي بها البينونة، فلذلك قال الراوي: (إنه طلقها فبت طلاقها) ولذلك جاءت الرواية الأخرى: (طلقها آخر تطليقة) يعني: آخر طلقةٍ من طلاقه، وعلى هذا فلم تكن الثلاث مجموعة وإنما كانت مفرقة، فلا يستقيم الاستدلال به على إثبات الطلاق ثلاثاً وأنه سنة، والله تعالى أعلم.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
(289/17)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الطلاق [4]
الطلاق حكم شرعي، ولهذا كانت له ألفاظ مخصوصة اعتنى العلماء ببيانها، وفصلوا فيما يترتب على التلفظ بها من جهة النية وعدمها، ومن الذي يلزمه الطلاق بتلفظه به ومن الذي لا يلزمه.
(290/1)
________________________________________
أحكام الطلاق من حيث لفظ المطلق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد فيقول المصنف رحمه الله: [وصريحه].
ذكرنا أن الطلاق له أقسام من حيث حكم الشرع: طلاق سنة وطلاق بدعة، ومن حيث لفظ المطلق: لفظ صريح ولفظ غير صريح، فالآن يشرع المصنف رحمه الله في الجملة الثانية وهي: بيان أحكام الطلاق من حيث لفظ المطلق، ولتوضيح المسائل المتعلقة بهذه الجملة ينبغي أن ننبه على مسألةٍ مهمة، وهي: أن ما يصدر من المكلف يقسمه العلماء إلى قسمين: ظاهر وباطن، فعندنا ظاهر الإنسان وعندنا باطنه، والظاهر يشمل شيئين: القول والفعل، فالفعل كاليد تأخذ أو تضرب، سلباً وإيجاباً، أو الرجل تمشي وتُرفع وتُوضع، هذه أفعال، فعندنا في الظاهر القول والفعل، وفي الباطن النية فقط، فالذي يطلِّق لا بد أن يبحث العلماء فيه اللفظ؛ لأن الطلاق راجع إلى الألفاظ، فكأن باب الطلاق من حيث الأصل مركب على ظاهر المكلف، ومن حيث الاعتداد وعدمه فإن هناك مسائل أجمع عليها العلماء يعتد فيها بالنية، ففي الطلاق ظاهر وباطن، ولذلك يقسم العلماء الطلاق إلى ثلاثة أنواع: طلاق الديانة وطلاق الحكم، وطلاق جامع بين الديانة والحكم.
طلاق الديانة: كرجل تلفظ بكلمة تحتمل الطلاق وغير الطلاق، فسُئِل فقال للناس: ما قصدت الطلاق، وهو في باطنه قد قصد الطلاق، فبينه وبين الله المرأة عليه حرام، ولو كانت الطلقة الأخيرة فإنه يعيش معها بالزنا -والعياذ بالله- وهذا ديانة فيما بينه وبين الله، وكرجل قال لامرأته: هي طالق، وكانت الطلقة الأخيرة، ولم يخبر أحداً حتى امرأته، فالمرأة فيما بينه وبين الله طالق، فلو عاشرها وهي لا تعلم بتطليقه؛ فإنها طالقة ديانة فيما بينه وبين الله، وإن لم يصدر حكمٌ بطلاقها في الظاهر.
أما بالنسبة للفظ المكلف: فتارةً يقول لها: أنت طالق أو طلقتك أو سرحتك أو فارقتك أو أنت خلية، برية، بتة، بتلة، الحرج، أو الحقي بأهلك، أو اغربي عن وجهي، أو اخرجي من بيتي، أو لست لي بامرأة، أو لستِ بامرأتي، كل هذه ألفاظ فيها احتمال أن يقصد الطلاق واحتمال أن لا يقصد الطلاق، وأيضاً هذه الألفاظ إذا تلفظ بها وثبت عند القاضي أنه تلفظ بها؛ فإن القاضي قد يحكم بظاهر بعضها، ويقول: حكمت بأن زوجتك طالق.
أما إن كان في الحقيقة لم يقصد الطلاق كرجل أراد أن يقول لامرأته: طلبتك، فقال: طلقتك، والله يعلم أنه لم ينو الطلاق وأنه قصد طلبتك، وكرجل اشتدت الخصومة بينه وبين امرأته فغضبت المرأة وغضب الرجل، فجرت العادة أن الرجل يطلب من خصمه ومن أساء إليه أن يسامحه، فأراد أن يقول لها: طلبتك أن تعفي عنها، فقال: طلقتك.
ففي هذه الصورة: بساط المجلس بساط غضب، وصعبٌ أن يقول عند القاضي: لم أقصد الطلاق؛ لأن الخصومة قرينة تدل على أنه يريد الطلاق، فجاء بصريح الطلاق، في موقفٍ لا يحتمل غير الخصومة، فصعب أن يقول: ما نويت، فبينه وبين الله لا تزال امرأته زوجة له، مع حكم القضاء أنها طلقة، لكن القضاء لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً؛ لكن في الظاهر يحكم، مثل الشاهد إذا شهد أنه رأى الزاني -والعياذ بالله- وليس هناك معه شاهدٌ آخر، فشهد شهادة الحق أنه رأى فلاناً يزني ولم يكتمل النصاب، فإنه يجلد حد القذف، والله يقول: {فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور:13]، أي: في حكمه سبحانه أنهم كاذبون، لكن من ناحية الديانة ومن ناحية الحكم فهو صادق، والرجل مقذوف، لكن يجب عليه الحد.
الشاهد: أن هناك في الطلاق ما هو ديانة وهناك ما هو حكم، والعلماء في كتاب الطلاق تجدهم يقولون: تطلق ديانةً وتطلق حكماً، وتارةً يقولون: ينفعه ديانةً ولا ينفعه قضاءً، فإذا قالوا: قضاءً وحكماً، فالمراد الظاهر، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع).
فأخذ العلماء من هذا أصلاً: أن الحكم في القضاء على ما يسمع، أما الحقيقة فأمرها إلى الله، فإن خالف الحكم الحقيقة تنتقل الخصومة من خصومة الدنيا إلى خصومة الآخرة.
(290/2)
________________________________________
أحوال الطلاق من جهة اجتماع اللفظ والنية واختلافهما
من طلق فلا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تجتمع نيته ولفظه على الطلاق.
الحالة الثانية: أن يطلق بالنية ولا يتلفظ.
الحالة الثالثة: أن يطلق باللفظ دون النية.
والقسمة العقلية في الأصل تكون أربعاً، لكن في العمل ثلاثاً، فإن يطلق في النية وحدها، أي: أن ينوي في قلبه ويعزم على أنه يريد أن يطلق زوجته؛ فهذا طلاقٌ بالنية، وإما أن يتلفظ بلفظ الطلاق وليس في النية أن يطلق، فهذا طلاق اللفظ، وإما أن يجمع بين ظاهره وباطنه، فيطلق بنيته وقوله، والرابع الذي ألغيناه: ألا يطلق لا باللفظ ولا بالنية، فهذا ليس بطلاق؛ فإنه وإن كان التقسيم العقلي يحتمله، لكنه ليس له تأثير في الحكم.
فأما إن طلق بنيته فمثاله: رجلٌ آذته زوجته أو سمع منها أمراً أزعجه، فنوى في قرارة قلبه، وأقدم بكل ارتياث وبكل طمأنينة على أن يطلق، ولم يبق إلا أن يتلفظ، ولكن ما حدث منه اللفظ، فوصل إلى درجة عزم فيها تماماً على الطلاق، وقد تقع هذه الصورة في حال الخصومة بين الزوجين، فتقول الزوجة لزوجها: انتظر حتى يأتي والدي ويتفاهم معك، فعزم في قرارة قلبه على طلاقها عند مجيء والدها، فلما حضر والدها وواجهه؛ استحيا أو ذكره بالله، أو جاء مع والدها رجل فذكره بالله، فانصرفت نيته من الطلاق إلى عدم الطلاق، فهذا عزم في نيته ولم يتلفظ بلسانه، فوجد فيه طلاق الباطن دون طلاق الظاهر.
ومن أمثلة ذلك: أن تعزم المرأة أن تشتكي بزوجها في القضاء، فعزم على طلاقها إذا حضرا عند القاضي، فلما حضرا عند القاضي صرف الله قلبه، والله يقلب القلوب ويحول بين المرء وقلبه، فرأى أن المصلحة تقتضي ألا يطلق، ورأى أنه قد أعطى الأمر أكثر مما يستحق، وأن جلوسه بين يدي القاضي من أجل الإنصاف، أو وجد كلاماً صرفه، أو وجد قاضياً موفقاً، ذكره بالله ووعظه، فجمع الشمل وألف بين القلوب، فانصرفت نيته عن الطلاق، ف

السؤال
إذا نوى الرجل أن يطلق زوجته ولم يتلفظ فهل نؤاخذه بهذه النية أو لا؟
(290/3)
________________________________________
حكم نية الطلاق دون التلفظ به
القول الأول: أن نية الطلاق ليست بطلاق، وأن الرجل لو عقد في نيته وعزم عزيمةً صادقة على الطلاق ولم يتلفظ؛ فلا طلاق، وهذا مذهب جمهور العلماء رحمهم الله ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث، وطائفة من أصحاب الإمام مالك رحمةُ الله عليه.
القول الثاني يقول: من عزم الطلاق وقويت عزيمته واطمأن قلبه على أن يطلق امرأته، فهي طالق بتلك العزيمة، وهذا القول قال به أئمة من السلف كالإمام محمد بن سيرين رحمه الله، ولما سُئِل عن فتواه في ذلك قال: قد علم الله أنه يريد طلاق زوجته، فجعل الإرادة والقصد كاللفظ، وقال: أليس الله قد علم واطلع، وما دام أنه عزم فيستوي أن يظهره أو أن يكنه، فالله عز وجل علم منه أنه يطلق فهو مطلق، وكونه يتلفظ أو لا يتلفظ هذا لا يؤثر، وهذا رواية عن الإمام مالك رحمه الله، وبعض العلماء يقول: مذهب مالك في المشهور عدم التطليق بالنية، وهذا أقوى الأقوال، وبعضهم يقول: مشهور مذهب مالك اعتبار النية، وإن كان الأقوى الأول، إذا ثبت هذا ف

السؤال
ما هو الدليل على عدم وقوع الطلاق بالنية أو على وقوعه؟ الجمهور الذين يقولون: من نوى لا نطلق زوجته، استدلوا بدليلين: أولهما: أن الله سبحانه وتعالى نص على التطليق فقال سبحانه: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة:230]، ونحن لا نطلع على النيات، وحكم الشرع في الأصل قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس، وأن أَكِلَ سرائرهم إلى الله)، فأصبح الأمر في مرده من حيث الأصل إلى الظاهر لا إلى الباطن في حكم الله عز وجل، وعليه قالوا: إن الله تعالى قال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [البقرة:231]، وهذا لا يكون إلا بأمرٍ بيّن وهو لفظ المكلف، فمن حيث الأصل الطلاق يحتاج إلى إظهار، والنية ليس فيها ما يظهر بل ما تستكن، وهذا الدليل من أضعف الأدلة التي استدلوا بها.
ثانيهما: أقوى دليل لهم حديث أبي هريرة الثابت الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل)، ولذلك أئمة الحديث رحمةُ الله عليهم ذكروا هذا الحديث في باب الاستشهاد على أن من طلق بنيته لا يقع طلاقه، فقوله: (إن الله تجاوز لأمتي)، فالمجاوزة تدل على عدم المؤاخذة، وقوله: (ما لم تتكلم أو تعمل)، دل على أنه لا يؤاخذ على النية ما دام أنه لم يتلفظ، وهذا الحديث هو حجة الباب وفيصل المسألة، والعمل على هذا الحديث.
دليل القول الثاني: حديث عمر بن الخطاب في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات)، قالوا: دل الحديث على أن العبرة بالنية، وهذا قد نوى وعزم فتطلق عليه امرأته، وقاسوا هذا على أمور الاعتقاد، وقالوا: إنه لو كان معتقداً للكفر لكفر، فيحكم بالطلاق بالنية كما يحكم بالردة بتغير القلب، أي وجود عمل القلب، قالوا: لجامع كون كل منهما مؤاخذاً به، فالطلاق مؤاخذ به، والردة مؤاخذ بها.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لقوة حجة السنة على مذهبهم: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل)، وأما استدلالهم بحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، فالرد عليه من عدة وجوه، وأنسب هذه الوجوه وأقواها: أن حديث: (إنما الأعمال بالنيات) عام، وحديث: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها) خاص.
ثم أيضاً هناك وجهٌ ثانٍ: أن تقول: (إنما الأعمال بالنيات)، من حيث الأصل يعني: هو في السلب والإيجاب، الإحسان والإساءة، فمن نوى الخير اعتبرت نيته للخير، ومن نوى الشر اعتبرت نيته للشر، وأما في الطلاق وفي المؤاخذة فيأتي حديث: (إن الله تجاوز لأمتي)، فاستثنيت المؤاخذات وحدها؛ لأنه لا يؤاخذ إلا إذا وجد اللفظ، فدل على أنه لا يدخل في عموم حديث أبي هريرة رضي الله عنه لوجود ما يخصصه.
وبعبارة مختصرة تقول: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به نفسها)، دال دلالة واضحة على أن من حدّث نفسه بشيء لا يؤاخذ به كما لو حدّث نفسه أن يقتل أو يسرق أو يفعل أمراً حراماً؛ فإن الله لا يؤاخذه ما لم يتكلم أو يعمل، وعلى هذا فالصحيح: أن من عقد نيته في قلبه على أن يطلق زوجته أنها لا تطلق ما لم يتلفظ.
(290/4)
________________________________________
أقسام اللفظ المعتبر في الطلاق
عرفنا أن الطلاق يحتاج إلى لفظ وأن العمل في الطلاق على اللفظ، فحينئذٍ يرد الإشكال: هل كل لفظٍ نحكم بكونه طلاقاً أم أن هناك ألفاظاً إذا وجدت حكمنا فيها بالطلاق وهناك ألفاظاً بعكس ذلك؟ أصل اللفظ: الطرح، ولَفَظَ الطعام إذا طرحه، ولا تصف الشخص بكونه متلفظاً إلا إذا خرجت الحروف سواءً سراً أو جهراً، أي: تحرك بها اللسان ونطقت بها الشفة سراً أو جهراً، وفي مسألة طلاق الموسوس يأتي الموسوس ويقول: طلقت زوجتي ويقول: في قلبي أحس أني طلقتها وأحس أن اللسان تحرك بذلك، فينبغي أن يتنبه إذا كان الرجل مطمئناً لزوجته؛ لأن الوسواس فيه شيء قهري -نسأل الله السلامة والعافية- فالشيطان إذا أراد أن يستخف بإنسان في أمر؛ حدثه به؛ لأنه عدو ويريد أن يحزن المؤمن، ومن هذا أن الموسوس يريد زوجته ويأتيه الشيطان يحدثه بالطلاق، فمثل هذا إذا تحرك لسانه ونبتت شفته في الوسواس القهري فإنه لا يؤثر ما لم توجد دلائل قوية على أنه فعلاً يريد الطلاق، فالمقصود: أن اللفظ لا بد فيه من صوت مشتمل على بعض الحروف الهجائية.
واللفظ تعريفه عند العلماء: هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية كالقول، سواءً أفاد أو لم يفد، إذاً لا بد أن تكون هذه الحروف قد ظهرت من لسانه ونبتت بها شفتاه، فإذا حصل ذلك فقد وقع اللفظ إذا تلفظ، وبالطلاق فلفظ الطلاق ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: اللفظ الصريح.
والقسم الثاني: اللفظ غير الصريح، وبعضهم يسميه: الكناية.
فعندنا صريح الطلاق وعندنا كناية الطلاق؛ فأما صريح الطلاق فهو الذي لا يحتمل معنىً غير الطلاق، واللفظ الصريح حكمه: أننا نطلِّق به على الظاهر بينه وبين الله عز وجل، كرجل أراد أن يقول لزوجته: طلبتك فقال: طلقتك، ففي الظاهر لا يملك الفقيه إلا أن يفتي بالطلاق سواءً كان مفتياً أو قاضياً.
(290/5)
________________________________________
أقوال العلماء في ألفاظ الطلاق الصريح
بعد أن عرفنا حكم الصريح من حيث الأصل، يأتي

السؤال
ما هي ألفاظ الطلاق الصريحة؟ للعلماء قولان: القول الأول: قال بعض العلماء: صريح الطلاق هو مادة طلق وما اشتق منها على التفصيل الذي سنذكره إن شاء الله، فصريح الطلاق ثلاثة: الطلاق، الفراق، السراح، فإن قال لزوجته: طلقتك أو فارقتك أو سرحتك؛ فهذه كلها ألفاظ صريحة، نطلِّق بها المرأة على الظاهر، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة في المشهور، ومذهب طائفة من أهل الظاهر، ويقولون: ليس هناك طلاق إلا بهذه الثلاثة الألفاظ وغيرها ليس بطلاق، واستشكل على قولهم حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دلّ على اعتبار الكناية في قوله لابنة الجون: (إلحقي بأهلك)، فهل اعتده طلاقٌ أو لم يعتده طلاق؟! فالظاهرية عندهم ألفاظ الطلاق ثلاثة ألفاظ: الطلاق، السراح، الفراق؛ لكن الفرق بين الظاهرية وبين الحنابلة والشافعية: الظاهرية قالوا: لا طلاق بغير هذه الألفاظ، فلو قال لرجل لامرأته: أنت بتلة، أو أنت الحرج أو أنت خلية أو أنت برية أو الحقي بأهلك أو لست لي بامرأة، أو اعتدي، أو استبرئي رحمك إلى غير ذلك فليس بطلاق.
وأما القول الثاني في المسألة فقالوا: صريح الطلاق لفظٌ واحد، وهو الطلاق وما اشتق من مادة طلَّق على تفصيلٍ سيأتي، وهذا مذهب الحنفية والمالكية من حيث الجملة -رحمةُ الله على الجميع- وقال به بعض أصحاب الإمام أحمد رحمةُ الله على الجميع.
ودليل الذين قالوا: إن حيث لفظ الطلاق ثلاثٌ: (الطلاق والفراق والسراح) أن القرآن نص عليها، فقال تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ.
} [البقرة:229]، {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة:230]، {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [البقرة:231]، هذه كلها صريحة على أن لفظ الطلاق هو الذي يحصل به الفراق، فمادة طَلَّقَ محل إجماع، ومحل الخلاف في لفظي السراح والفراق: هل هما من صريح الطلاق أو من الكنايات المحتملة؟ فقالوا: إن الله تعالى عبر بالسراح عن الطلاق، فقال: {فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229] وأيضاً في الفراق: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ} [النساء:130]، وقال سبحانه وتعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق:2]، وقال: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب:28]، أي: أطلقكن، فلفظ السراح من ألفاظ الطلاق الصريحة بلفظ القرآن، ولفظ الفراق ولفظ الطلاق أيضاً بدلالة القرآن، قالوا: فجاء في القرآن ثلاثة ألفاظ: الطلاق والفراق والسراح، فكل من تلفظ بهذه الثلاث نؤاخذه، قصد أو ما قصد، ونعتبرها من الصريح، وهذا المذهب هو أولى المذاهب بالصواب إن شاء الله تعالى؛ فإن الأدلة دالة على أن هذه الثلاثة الألفاظ تستعمل، ويستدل بها على حل العصمة ورفع قيد النكاح.
وأما بالنسبة لقول من قال: يحصر لفظ الطلاق في (طلق) وما اشتق منها، فدليله واضح: أنه يحتج بالآيات التي وردت في الطلاق، ولكن نقول: كما أن ألفاظ آيات الطلاق دلّت على الطلاق؛ ينبغي أن تكون ألفاظ السراح والفراق والطلاق دالةً على الطلاق أيضاً.
قال رحمه الله: [وصريحه لفظ الطلاق].
كما ذكرنا: طلقتك، أنتِ مطلقتي، أنت طالق، وما اشتق منه، فهذا كله باسم الفاعل أو باسم المفعول، أنت طالقٌ، أنت مطلقةٌ مني، أو طلقتك، هذا كله يدل على الفراق صراحةً، ويؤاخذ به بإجماع العلماء رحمهم الله، لكن لو جاء بالصريح في مكانٍ محتمل أو سبق لسان كما سيأتي إن شاء الله، فإن هذا له حكم خاص، لكن من حيث الأصل فإن القاعدة أن باب الطلاق يقوم على لفظٍ صريح، وهذا اللفظ الصريح مادة (طلق) وما اشتق منها بإجماع العلماء.
قال رحمه الله: [وما تصرف منه غير أمر ومضارع] قوله: (غير أمرٍ) كقوله: طلقي نفسك، فإن أمرها أن تطلق نفسها، فلا يقع الطلاق بتوكيله لها أو بتفويض الطلاق لها إلا إذا طلقت نفسها؛ لأنه وجه الطلاق بصيغة الأمر (طلقي نفسك) فهذا أشبه بأنه فوض إليها أن تطلق نفسها، أو جعل الطلاق إليها، كما لو قال: أمرك بيدك، فلا يقع الطلاق بمجرد قوله: طلقي، أما تعليق الطلاق بالمستقبل كما في الأفعال المضارعة سواء أدخل عليها الأدوات أو الحروف التي تدل على المستقبل أَوْلاً، فإنه لا يقع الطلاق في وقته، إلا إذا كان معلقاً على المستقبل، ويقع بوقوع ما علق عليه، لكن من حيث الأصل: لو قال لها: سوف أطلقك أو تطلقين، فهذا وعد بالطلاق، وهذا كله لا يقع به الطلاق، فالمضارع والمضاف إلى المستقبل لا يقع به الطلاق إلا إذا كان مقيداً بشرط، وستأتي مسألة تعليق الطلاق وإضافة الطلاق إلى المستقبل، لكنه من حيث الأصل لا يوجب وقوع الطلاق في حينه.
قال رحمه الله: [ومطلقة اسم فاعل] هذا تابع للذي قبله من المستثنيات، كما لو قال بلفظ الأمر: طلقي، والمضارع: سوف أطلقك، فهذا وعد وله أن يخلفه، فلو جاء رجل وسألك: قلت لامرأتي: سأطلقك أو سوف أطلقك، فهذا وعد، إن أراد أن يمضي وعده أمضاه، وإذا رأى أن المصلحة ألا يطلقها فلم يطلقها فلا طلاق، هذا في المضارع، أما أنت مطلقة، فإنها مشتقة من مادة الطلاق، لكن لا توجب الطلاق، لكن لو قال لها: أنت مطلقةٌ مني، وقع الطلاق، وفرقٌ بين قوله: أنت مطلقة، اسم فاعل، وبين قوله: أنت مطلقةٌ مني، فحينئذٍ قد أوقع الطلاق.
قوله: [فيقع به].
أي: بالصريح، ففائدة الصريح أنه يحكم قضاءً بوقوعه وإن لم ينوه، فالفرق بين الصريح والكناية: أن الصريح لا يحتاج إلى نية، يعني: يطلق القاضي على الظاهر، ما لم يكن هناك بساط المجلس وأمور مستثناة -سنشير إليها- تدل على أنه لم يرد الطلاق.
وهناك فرق بين الكناية الظاهرة والكناية الخفية، لكن باب الكناية من حيث الأصل يقوم على النية، ولكن الكناية الظاهرة كقوله: أنت بتة، أنت بتلة، أنت خلية، أنت الحرج، فهذه استثنيت في مذهب طائفة من العلماء، لوجود قضاء من الصحابة رضوان الله عليهم فيها، فاعتبروها من الكنايات الظاهرة، وسنتكلم عليها في الكنايات الظاهرة والخفية، لكن الكناية من حيث الأصل يرجع فيها إلى النية، وأما الصريح فإننا نطلق به على ظاهر النص.
وقوله: (ومطلقة اسم فاعل فيقع به).
أي: يقع الطلاق بما تقدم من مادة (طلق) غير ما استثني من المضارع، ومن الأمر، ومن اسم الفاعل، ولفظ الطلاق الصريح سواءً نواه أو لم ينوه فإن الطلاق يقع به، أي: في حكم القضاء، لكن في حكم الديانة يكون ذلك بينه وبين الله، فإن قال: أنت طالق، وقصد: من حبله، أو من وثاقه، فإنه يقع قضاءً ولا يقع ديانةً.
(290/6)
________________________________________
أقوال العلماء في الفرق ما بين طلاق الهازل وطلاق من سبقه لسانه
قال رحمه الله: [وإن لم ينوه جاد أو هازل].
قال المصنف رحمه الله: من تلفظ بلفظ الطلاق، فإنه ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: من تلفظ بالطلاق مع النية، فهذا جاد، يعني: يريد أن يطلق المرأة فعلاً، وجمع بين الظاهر والباطن، فهذا طلق جاداً.
القسم الثاني: من طلق باللفظ دون النية، وهذا له صور: الصورة الأولى: أن يقصد اللفظ دون نية الطلاق، فهذا يسمى بالهازل، يعني: تلفظ بلفظ الطلاق قاصداً له، مستشعراً أنه لفظ الطلاق، لكن نيته لا تريد الطلاق، فمن تلفظ بالطلاق قاصداً اللفظ غير ناوٍ له، يسمى بالهازل، فتجده يمزح مع امرأته ويظن أن هذا ينفعه، فيقول لها: أنت طالق، فيكون جاء بمادة (طلق) عالماً أنها تفيد الطلاق من حيث الأصل، لكنه لا يريد أثرها ولا يريد أنها طالق، فيقولون: قصد اللفظ ولم ينوه.
ومن هنا: يفرق بين الهازل ومسبوق اللسان بالطلاق: أن الهازل قصد اللفظ، ومسبوق اللسان لم يقصد اللفظ، فمسبوق اللسان أرحم ممن يهزل؛ لأن مسبوق اللسان لم ينو بقلبه ولم يقصد أن يتلفظ بلسانه، فالفرق بين الهازل وبين مسبوق اللسان من جهة قصد اللفظ، فلو أراد رجلٌ أن يقول لامرأته: طلبتك، فقال: طلقتك، فهو لم ينو بقلبه ولم يقصد بلفظه، لكن إذا مزح معها وظن أن أمور الطلاق فيها مزاح، فقال لها: طلقتك، فكلمة الطلاق مقصودة، ومادة (طلق) مقصودة، فاللفظ مقصود، فالشريعة والعلماء يفرقون بين من يقصد اللفظ وبين من لم يقصد.
وبعض العلماء يرى بالنسبة لمسبوق اللسان أنه إن وجدت قرائن قوية على أنه لا يريد الطلاق أن طلاقه لا يقع، كرجل جلس مع امرأته وهو في غاية الانبساط والسرور، وهناك اثنان يشهدان على أنه كان مع زوجته على أحسن ما يكون، ثم طلعت على السلم، فأراد أن يقول لها: أنت طالعة، فسبق لسانه وقال: أنت طالقة، فبساط المجلس يدل على أنه لا يريد الطلاق، ومثل هذا ينفعه، فلو قال للقاضي وثبت بشهادة البينة أو بحلف اليمين على أنه ما قصد؛ فلا تطلق عليه امرأته لا قضاءً ولا ديانةً.
فلما قال بعض العلماء بهذا القول استشكل عليهم الهازل، فالهازل لم يقصد الطلاق، ومسبوق اللسان لم يقصد الطلاق، والشرع يقول: ما دام وجدت كلمة الطلاق فيؤاخذ بها، فردوا عليهم بأن الهازل قصد اللفظ، ومسبوق اللسان لم يقصد اللفظ، فالفرق بينهما واضح.
وبناءً على ذلك: قال رحمه الله: (جاداً)، يعني: تطلق المرأة إن تلفظ بالطلاق وهو جادٌ، أو تلفظ به هازلاً، والهزل: المزح والمرح، فالطلاق جده جد وهزله جد، والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق والعتاق)، وفي رواية: (والنذر)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يعظ الناس ويبين لهم الأحكام: (أربع جائزات إذا تكلم بهن: النكاح والطلاق، والعتاق والنذر).
فإذا جاء رجل وقال لك: زوجتك ابنتي، وهو يمزح معك، فقلت: قبلت، فحينئذٍ يلزم، وأيضاً لو قال رجل لزوجته: طلقتك، وهو يمزح معها فإنه يلزم بذلك، ولو قال لعبده: أنت حر، على سبيل المزاح، فإنه يعتق عليه، ولو لم يقصد عتقه، وهكذا لو نذرت، والأصل في السنة الثلاث التي سبق التنبيه إليها.
وعلى هذا قال العلماء: إن الهازل تطلق عليه امرأته، وهذا بإجماع العلماء؛ لثبوت السنة بذلك.
وقال بعض العلماء: هنا إشكال، كيف نطلق عليه والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، فهو لم ينوِ الطلاق، فكيف نؤاخذه بالطلاق، قالوا: هذا من باب حكم الوضع وليس من باب حكم التكليف، وحكم الوضع: ما جعله ونصبه الشرع من أسباب وعلامات وموانع تدل على الصحة وتدل على الفساد، فكأن الشرع يقول: من تلفظ بلفظ الطلاق، فإننا نؤاخذه به قصد أو لم يقصد، نوى أو لم ينو، فكأنه إذا وجد لفظ الطلاق وجد الطلاق، بغض النظر عن القصد والنية وجدت أو لم توجد.
(290/7)
________________________________________
صور من صريح الطلاق لا يقع بها الطلاق
ذكرنا مسألة صريح الطلاق، وهو اللفظ الذي لا يحتمل معنىً غيره، وذكرنا خلاف العلماء رحمهم الله في اللفظ الصريح، ورجحنا أن هناك ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح، وأنه إذا تلفظ بها حكم بالطلاق، سواءً نوى أو لم ينوِ؛ ولكن هنا مسألة وهي: أن يأتي اللفظ الصريح ويتكلم به الزوج، ويُصرف عن الطلاق ولا نحكم به، وهذا أشبه ما يكون بالاستثناء، فالعلماء رحمهم الله وضعوا لنا قاعدة في ألفاظ الطلاق: أن أقواها الصريح، وأن من تلفظ باللفظ الصريح، فإنه تَطْلُقُ عليه زوجته.
يبقى

السؤال
هل لهذه القاعدة مستثنيات؟
(290/8)
________________________________________
حكم من قال لزوجته: طالق، وقصد من وثاق أو نحو ذلك
قال رحمه الله: [فإن نوى بطالق من وثاق].
وهذا على صورتين: الصورة الأولى: أن يقول للمرأة ذلك، وتصدقه.
فيقول: قلت لك: طالق، وقصدتُ مِن وثاق؛ كأن تكون كفيفة البصر، وكان قد قيدها، فقالت له: هل أطلقتني أو لا؟ فقال لها: أنت طالق، وقصد من وثاق، فإن صدقته أو قامت القرائن على صدقه، فحينئذ لا إشكال، بحيث إنه لا يرتفع الأمر لا إلى القاضي ولا إلى أي مسلم.
فهذا بينه وبين امرأته إذا قال لها: أنت طالق، وقصد من وثاق، وصدقت، فلا تطلق عليه ولا يقع الطلاق؛ لأنه لم يقع لفظ الطلاق الذي هو طلاق.
يعني: هو لم يقصد لفظ طلاق، وليس كالهازل الذي يقصد لفظ الطلاق وإن لم ينوِ الطلاق.
فهذا الشخص جاء بمادة طلق لا لحل العصمة، وإنما جاء بها لأمر آخر، ومادة (طلق) تستعمل في حل العصمة، وتستعمل في غير حل العصمة.
الحالة الثانية: أن تقوم القرائن على أنه أراد حل العصمة، مثل أن يقول لها في حال الخصومة: أنت طالق، أو يقول لها في حال الغضب: أنت طالق، وحينئذ إذا وقع شجار بينه وبين زوجته.
فقال لها: أنت طالق، ثم ادعى أنه أراد: طالق من وثاق، فالتلاعب موجود، أو يكون الشخص معروفاً بالكذب والخداع واللعب، فإذا غضب من امرأته، أو حصل بينه وبين امرأته شيء، فقال لامرأته: أنت طالق، فقالت له: أنا طالق؟! قال: قصدت من وثاق، فحينئذ ينظر إلى هدي الشرع.
وهدي الشرع أن هذا اللفظ -لفظ الطلاق- لفظ خطير لا يحتمل اللعب، ولا يمكن أن يفتح الباب لمن يتلاعب به، بدليل أن الهازل لما مزح مع زوجته أُلزم بطلاقها مع أنه لم يقصد الطلاق، فمقصود الشرع أن هذا اللفظ لفظ خطير موجب لحكمه، فإذا كان الشخص معروفاً بالكذب والخداع واللعب، وقال: قصدت من وثاق، ولم نلزمه الطلاق فمعنى ذلك أننا نفتح الباب للمتلاعبين، فتطلق عليه زوجته حكماً، أي: في الظاهر، وإذا رفع إلى القضاء في هذه الحال، وقال له القاضي: قلت: طالق؟ قال: قلت: طالق، وقصدت من وثاق، فالقاضي يأخذ بظاهر كلامه؛ لأنه إنما أمر أن يأخذ بظواهر الناس وأن يكل سرائرهم إلى الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الحكم في القضاء للظاهر، ولذلك قال: (إنما أقضي على نحو مما أسمع) فهدي الشرع يدل على أن الحكم للظاهر، وقد سبق وأن ذكرنا هذه المسألة في الألفاظ: أنه يلتفت إلى الظاهر، والباطن علمه عند الله، خاصة إذا كان صريحاً، والباطن له تأثير في مسائل الكنايات كما سيأتي في الألفاظ المحتملة.
(290/9)
________________________________________
حكم من طلق ونوى به نكاحاً سابقاً منه أو من غيره
قال رحمه الله: [أو في نكاح سابق منه أو من غيره].
رجل طلق امرأته الطلقة الأولى، ثم ارتجعها، ثم قال لها يوماً من الأيام: أنت طالق، أي: أنك وقع عليك الطلاق مني سابقاً.
فقصد بكلمة (أنت طالق) أنه قد وقع منه طلاق سابق، أو كأنه كان يريد أن يقول: أنت كنت يوماً من الأيام محلاً للطلاق، فطلقتك أو طلقك غيري.
فهو يصفها بهذا، أو يكون معها أثناء الكلام، فيقول لها: أنت مطلقة، أي: سبق وأن طُلِقت، فحينئذ الشبهة قائمة، لكن حكم القضاء ينفذ الطلاق.
(290/10)
________________________________________
حكم من سبقه لسانه في الطلاق
قال رحمه الله: [أو أراد طاهراً فغلط].
هذا يسمى: مسبوق اللسان، وهو أن يتلفظ بلفظ الطلاق وقَصْده غير لفظ الطلاق.
فالفرق بين مسبوق اللسان والهازل: أن الهازل يقصد لفظ الطلاق، ويعلم أثر لفظ الطلاق، فيقول لامرأته: أنت طالق، ولكنه لا يريد الطلاق، ولا يريد إيقاعه حقيقة.
فحينئذ قصد اللفظ، ولم يقصد الإيقاع، هذا بالنسبة للهازل.
ومسبوق اللسان لم يقصد اللفظ ولم يقصد الوقوع، فيختلف فيه الأمران، كرجل أراد أن يقول لامرأته: أنت طاهر، فقال لها: أنت طالق، كأن تسأله المرأة: هل أنا نجسة أو طاهرة؟ فقال لها: أنت طالق، يريد أن يقول: أنت طاهر.
فسبق لسانه فتكلم بالطلاق وهو لا يقصده ولم ينوه به، فحينئذ يحكم بكونه مسبوق اللسان.
ومثلاً سألته: أنا طالعة أو نازلة؟ فأراد أن يقول: أنت طالعة، فقال: أنت طالقة، أو أراد أن يقول: طلبتك، فقال: طلقتك.
فهذه كلمات متقاربة من بعضها.
فإذا المرأة صدقته أو صدقه أولياؤها، وقامت البينة على صدقه، وانتهى الموضوع فيما بينهم، واقتنع بعضهم بكلام بعض فلا بأس، وهذا بينه وبين الله ينفعه، ولكن في القضاء والفتوى إذا استفتى فإنه ينظر إلى الظاهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس).
قال رحمه الله: (لم يقبل حكماً) ومعنى هذا: أنه يقبل ديانة، وعندنا -كما ذكرنا- الطلاق الحكمي والطلاق ديانةً.
فديانةً: بينه وبين الله، وحكماً: في القضاء وعلى ظاهر حاله.
(290/11)
________________________________________
صور من صريح الطلاق غير المباشر
ذكرنا مسألة صريح الطلاق، وهو اللفظ الذي لا يحتمل معنىً غيره، وذكرنا خلاف العلماء رحمهم الله في اللفظ الصريح، ورجحنا أن هناك ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح، وأنه إذا تلفظ بها حكم بالطلاق، سواءً نوى أو لم ينوِ؛ ولكن هنا مسألة وهي: أن يأتي اللفظ الصريح ويتكلم به الزوج، ويُصرف عن الطلاق ولا نحكم به، وهذا أشبه ما يكون بالاستثناء، فالعلماء رحمهم الله وضعوا لنا قاعدة في ألفاظ الطلاق: أن أقواها الصريح، وأن من تلفظ باللفظ الصريح، فإنه تَطْلُقُ عليه زوجته.
يبقى

السؤال
هل لهذه القاعدة مستثنيات؟
(290/12)
________________________________________
إذا سئل الرجل: هل طلقت زوجتك؟
قال رحمه الله: [ولو سئل: أطلقت امرأتك؟ فقال: (نعم) وقع].
هذا من ترتيب العلماء رحمهم الله، فاللفظ الصريح يأتي مباشرة: أنت طالق، أو طلقتك أو مطلقة.
إلخ.
ويأتي في بعض الأحيان سبق لسان، فصار عندنا الصريح الذي قصد به ونوى ووقع واعتد به، وعندنا الصريح الذي يكون فيه سبق اللسان، وعندنا حالة ثالثة، وهي: أن يأتي غيره بالصريح فيجيبه موافقاً له، وهذا من ترتيب الأفكار كما ذكرنا.
وصورة المسألة، أن يكون سأله رجل، قال: أطلقت امرأتك؟ (أطلقت) الهمزة: للاستفهام، قال: نعم.
أو سأله: هل طلقت امرأتك؟ قال: نعم، فإنه لو لم يكن طلقها من قبل، تطلق عليه.
وهذا الجواب قوله: نعم، أي: هي طالق، أو طلقتها.
والقاعدة عند العلماء تقول: (جواب الصريح صريح) ويقولون: هي فرع من القاعدة: (السؤال معاد في الجواب).
فالقاعدة الأولى التي هي الأم، تقول: (السؤال معاد في الجواب) ثم تبني عليها قاعدة: (جواب الصريح صريح)، فعندنا قاعدتان، فقاعدة: (السؤال معاد في الجواب)، هي التي بني عليها التطليق، وينظر في هذا الجواب، إن كان عن سؤال صريح فهو طلاق صريح، وإن كان عن سؤال كناية فهو لفظ كناية، فلما سأله قال له: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، قلنا: السؤال معاد في الجواب، وأصل التقدير: نعم طلقت امرأتي، أو نعم امرأتي طالق.
هذا أصل التقدير.
فهذا معنى قولهم: (السؤال معاد في الجواب) ويدل على ذلك السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قالت له أم سليم: (يا رسول الله! هل على المرأة من غسل؟ قال: نعم، إذا رأت الماء) أي: نعم تغتسل إذا رأت الماء، هذا أصل التقدير، فمن سأله: أطلقت امرأتك؟ وقال: نعم، فقد أجاب (والسؤال معاد في الجواب)، فكأنه قال: نعم طلقت امرأتي.
هذه القاعدة الأولى.
والقاعدة الثانية: لما سأله: أطلقت؟ لفظ (أطلقت) صريح، والجواب وقع بنعم، فجواب الصريح صريح، إذاً نعده من الطلاق الصريح، ويكون من اللفظ الصريح، فاستوى في الصريح أن يكون ابتداء من المكلف نفسه، أو يكون جواباً على سؤال، وعلى هذه القاعدة (السؤال يكون معاداً في الجواب) فرعوا مسائل كثيرة، منها: لو أن القاضي سأل الخصم وقال له: هل لفلان عندك عشرة آلاف؟ قال: نعم، حكم عليه بإقراره، ويجب عليه أو تثبت في ذمته العشرة آلاف.
فقولنا: (السؤال معاد في الجواب) يستلزم أن نحكم بكونه قد طلق امرأته إذا أجاب بنعم، ولو سأله: أطلقت امرأتك؟ فقال: لا، لم يقع الطلاق؛ لأنه لم يجبه.
فحينئذ كأنه قال: لا، لم أطلقها.
وهنا ينبغي أن يتنبه إلى أن هناك حالتين، والمصنف هنا أطلق، وقال: تطلق عليه، لكن في الحقيقة حتى يكون الأمر أوضح: إذا سأل سائل، وقال: أطلقت امرأتك؟ وقال: نعم، لم يخل من حالتين: إما أن يقول: نعم، جاداً في الطلاق، فلا إشكال.
وإما أن يقول مازحاً هازلاً، فالطلاق الأول من باب الجد، والطلاق الثاني من باب الهزل، فإن الهازل يمضي عليه الطلاق في السؤال، وفي صريح اللفظ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل طلاق الهازل كطلاق الجاد، ولم يفرق بين كونه معاداً في جوابه، أو كونه ملفوظاً ابتداءً.
(290/13)
________________________________________
إذا سئل الرجل: ألك امرأة؟ فأجاب بالنفي
قال رحمه الله: [أو: ألك امرأة؟ فقال: لا، وأراد الكذب، فلا].
يعني: إذا قال له شخص: ألك امرأة؟ فجوابه: إن قال: نعم، لا يوجد إشكال، وله امرأة، وانتهى الإشكال، لكن المشكلة، إذا قال: لا.
وعنده امرأة.
فإنه إذا قال: لا في جوابه كأنه يقول: لم تعد لي امرأة، وهذا أصل الإشكال.
فكأنه حل عصمة المرأة، وكأنه أخرج المرأة من عصمته.
فهذا الاحتمال الأول.
وحينئذ على هذا الاحتمال يكون طلاقاً.
لأن معنى ذلك: لا لم تعد لي امرأة، فكأنه حل عصمة امرأته.
الاحتمال الثاني: أنه لما قال له: هل لك امرأة؟ أو ألك امرأة؟ أو ألك زوجة؟ أو هل لك زوجة؟ قال: لا.
يقصد زوجة كاملة، وزوجة فاضلة، وزوجة لها الصفات التي تستحق هذا الوصف الذي يراه كاملاً أو الذي يراه عظيماً، فقال: لا، أي: ليس عندي امرأة بتلك الصفات، أو تستحق أن توصف أنها امرأة.
يقول هذا الكلام لكون بينه وبينها شيء، أو يكون فيها صفات تقتضي نقصها عن درجة الكمال.
فإذاً: تردد اللفظ بين احتمالين، أو ترددت الكلمة بين احتمالين: فجملة يكون المراد بها الطلاق، فيما لو قيل له: هل لك امرأة؟ قال: لا.
وقصد حل العصمة، وجملة يكون فيها المراد أنها ليست كاملة.
فالأولى تقتضي التطليق، والثانية لا تقتضي التطليق.
فتردد الجواب، وهذا الجواب ليس بصريح.
بخلاف الأول فهو صريح: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم.
لكن هنا السؤال صريح أو الجواب صريح؟!! ألك امرأة؟ يعني: ألك امرأة من حيث هي أو ألك امرأة كاملة.
فلما تردد بين الطلاق وغيره صار كناية.
فانتقل حكم قوله: (ألك امرأة) إلى الكنايات، وتردد بين الطلاق وغيره، فنرجع إلى النية كالحال في طلاق الكناية، فنقول: إن نوى الطلاق بقوله: لا، طلقت، وإن لم ينوِ الطلاق، لم تطلق عليه امرأته.
ويكون قوله: لا، أي: ليس لي امرأة كاملة الأوصاف.
(290/14)
________________________________________
حكم التصحيف في لفظة (طالق) أو الطلاق بغير اللغة العربية
هناك مسائل يمكن أن تلحق بهذا الفصل، المسألة الأولى: أن يتلفظ باللفظ الصريح لكن مع التصحيف أو العجمة فيحرف لفظ الصريح، أو يصحف منه حرفاً أو حرفين، مثال ذلك: أن يصحف الحرف الأول من طالق، فينطق الطاء تاء، ويقول: (تالق)، أو يصحف الحرف الأخير، ويبدله غيناً ويقول: (طالغ)، أو كاف ويقول: (طالك).
وبعض الناس يكون لسانه قد درج على هذا، فإذا قال: أنت طالق، يصحف فيقول: تالق أو طالغ أو طالك.
وكل ذلك يوجب الطلاق، فيستوي أن يقع الصريح مصحفاً أو يقع على الأصل، ما لم يكن المصحف له معنى آخر، وقصد ذلك المعنى الآخر فلا إشكال؛ لأنه يخرج عن الصريح بالتصحيف.
المسألة الثانية: بالنسبة للفظ الطلاق بغير العربية، كأن يكون لفظاً أعجمياً، فالألفاظ بحسب كل لسان، وكل قوم على حسب اللفظ الذي تدل عليه لغتهم بحل العصمة، فقالوا في الفارسية: (بهشم)، أو في التركية: (ستامبوس)، كل ذلك ذكر العلماء أنه يستوي فيه اللفظ العربي وغير العربي، ما دام أنه يفيد حل العصمة.
فإذاً لا يختص اللفظ الصريح بالنسبة للفظ الطلاق باللغة العربية فقط، بل ممكن أن ينتقل إلى لغة غير العربية ما دام أنهم قد تعارفوا على ذلك، وأصبح من لغتهم.
(290/15)
________________________________________
الأسئلة
(290/16)
________________________________________
الفرق بين الحائض والنفساء في العدة

السؤال
هل حكم الحائض كالنفساء؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فالمرأة النفساء ليست كالحائض من كل وجه، أما من حيث العلة في إطالة العدة عليها، فإن النفساء تختلف عن المرأة الحائض من جهة أن أمرها قد استبان، فليس هناك حمل، وليست بمحل يشك أن تكون حاملاً، إلا أن بعض العلماء قال: إن النفساء تأخذ حكم الحائض فتطول عليها العدة، فتنتظر إلى طهرها من نفاسها، وبعد طهرها من نفاسها تستقبل عدةً جديدة، وعلى هذا يقولون: تكون في حكم المرأة الحائض من جهة إطالة العدة، وكلا القولين له وجهه، والله تعالى أعلم.
(290/17)
________________________________________
الجمع بين قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ... ) الآية وبين ما جاء تحريمه بالسنة

السؤال
ما معنى قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام:145]، وهل هي دليل على إخراج غير الأصناف المذكورة في الآية؟

الجواب
قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام:145]، هذه الآية الكريمة أصل عند العلماء رحمهم الله في إباحة ما لم يرد النص بتحريمه، ولكن قد تأتي نصوص أخر وتزيد على هذه الآية؛ لأن الله تعالى يقول: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [الأنعام:145]، فإذا نظرت وجدت أن الميتة أو لحم الخنزير أو المذبوح لغير الله ثلاثة أصناف، مع أن السنة زادت محرمات أخر، فمثلاً: لحم الحمر الأهلية، فإنها ليست مذكورة في الآية الكريمة، وقد دلت السنة على أنها رجس، ولا يجوز أكل لحوم الحمر الأهلية، وكذلك أيضاً: كل ذي نابٍ من السباع، فإن السنة قد دلت على حرمة أكله، فهو ليس بميتة من حيث الأصل وليس بلحم خنزير، وليس داخلاً في الفسق الذي أهل به لغير الله، ولو أخذت بظاهر هذه الآية لأحللت أكل لحم الأسد والنمر، لكن لما جاءت السنة بتحريم كل ذي ناب من السباع، فإنك تقول بتحريمه، فالمقصود: أن الحصر في بعض الآيات، قد يراد به أصول المحرمات كأن تقول مثلاً: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} نبه على أصول المحرم من جهة التذكية، وهو الذي حل أكله في الأصل ولكن حرم لعارضٍ وهو عدم وجود الذكاة، مثلاً إذا جئت تنظر إلى بهيمة الأنعام وقد ماتت حتف نفسها بدون ذكاة تقول: إن هذه الآية أصل في تحريم هذا النوع، فكل ما لم يذكَ ذكاةً شرعية فهو مندرجٌ تحت: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً}، إلا ما استثناه الشرع من ميتة البحر لقوله عليه الصلاة والسلام: (الطهور ماؤه، الحل ميتته).
كذلك أيضاً {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} تستطيع أن تقول: لحم الخنزير أصل في تحريم كل مستخبث، فهو جاء بلحم الخنزير نصاً ونبه على مثله معنىً، وهذا من دقة القرآن؛ أن نصوص الكتاب في بعض الآيات تأتي بأصول المحرمات، فعندما تلتفت إلى لفظ الآية تظن أن السنة زادت أشياء، لكن لو التفت إلى المعنى لاستبعدت ذلك الأمر، وهذا الذي جعل جماهير العلماء يعتبرون القياس فيقولون: لحم الحمر الأهلية كلحم الخنزير، بدليل قوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145]، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحمر الأهلية: (إنها رجس)، وكأن الأصل لم يختلف، فتجعل الآية أصلاً من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، فتقول: أصول المحرمات لا تخرج عن كون الشيء مستخبثاً لذاته مثل الخنزير، أو يكون طيباً في أصله ولكن فقدت فيه الذكاة كالميتة، أو يكون مستخبثاً للمعنى؛ أي: فيه شرك؛ لأن الشرك مستخبث من جهة المعاني والاعتقاد، فيحرم الذي فيه شرك أو كان فسقاً أهل لغير الله به، فجاءت الآية بمجموع المحرمات، فقل أن تجد طعاماً محرماً يخرج عن هذه الثلاث، ولذلك حرمنا ذبائح المجوس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المجوس: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم)، أين تضع ذبائح المجوس؟ تضعها تحت قوله: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام:145]؛ لأن الأصل فيهم أنهم يهلون لغير الله عز وجل، وتحرم ذبائح الوثنيين والمشركين لنفس الآية: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام:145]، وتحرم ما كان أصله حلالاً ولكنه لم يذك بالذكاة الشرعية؛ لأن حله موقوف على التذكية، فتقول: هو داخل تحت الميتة، فكل ما لزمت فيه الذكاة ولم تعمل فيه الذكاة فهو ميتة إلا ما خصه الدليل كصيد البحر.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل - وقال بعد- فإن أكل فلا تأكل -أي: إذا أكل الكلب من الفريسة فلا تأكل- فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه).
فالكلب يذكي، وذكاته أن يمسك الفريسة لك، فلو نهش الفريسة وقتلها بنهشه، حل أكلها؛ لأن هذا النهش مثل السلاح الذي يطلق ويقتل الفريسة، فكما أنك ترسل السلاح الجامد ترسل الحيوان، لكن لو فرضنا أنه أرسله على الفريسة وسمى، فاستوفى الشروط فالله يقول: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة:4]، أي لكم، فإذا أمسك وأكل؛ جاءت الشبهة: هل أمسك لنا، فيكون تحت آية الحل، أو أمسك لنفسه؛ فهو قد صاد لنفسه ولم يصد لنا، فحينئذٍ تقول: حرم أكله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن أكل -يعني الكلب- فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه).
هفل هذا محرم زائد عما في القرآن؟ تقول: أدرجه تحت الميتة؛ لأن الأصل أن هذا الممسوك ميتة، والذكاة تعمل في الحيوان إذا كانت على الوجه المعتبر، فلما كانت ذكاة الكلب على غير الوجه المعتبر؛ ألحقت بالميتات، وأصبحت مندرجة تحت هذا الأصل، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(290/18)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الطلاق [5]
من المسائل التي بحثها العلماء رحمهم الله في الطلاق ما يكون من الألفاظ الغير صريحة في الطلاق، وما يترتب على هذه الألفاظ مع النية ومع عدم النية.
(291/1)
________________________________________
ألفاظ كناية الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: وكنايته].
قوله: (وكنايته) جمع كناية، والكناية: من كن الشيء، قال تعالى: {مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل:81].
فالكن: الشيء المستتر؛ لأن الجبال فيها كهوف يستكن بها من المطر والريح والشمس، وكذلك الجبال أكنان؛ لأنها تحفظ من الرياح العاتية، والمقصود أن (الكن) أصله الاستتار، وقالوا: إنه لفظ خفي، فهو يتردد بين الطلاق وبين غيره، فأصبحت الألفاظ التي يُطلَّق بها تنقسم إلى قسمين: ألفاظ صريحة لا تحتمل معنى آخر كالطلاق، وألفاظ ليست صريحة في الطلاق الذي تعارف الشرع بأنه يكون صريحاً، وحينئذ تتردد بين الطلاق وغيره.
(291/2)
________________________________________
حكم الطلاق بالكناية
مسألة: هل الطلاق ينحصر فقط في ألفاظه الصريحة، أم أن الطلاق يقع بالكناية كما يقع بالصريح؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: فذهب جمهور العلماء وجمهور الأئمة من السلف من الصحابة والتابعين، ومنهم الأئمة الأربعة، وهو قضاء عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أن الطلاق يقع بالكناية كما يقع بالصريح، واستدلوا له بالسنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي وأبي أسيد الساعدي -رضي الله عن الجميع-: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج ابنة الجون) -وهي امرأة عقد عليها رسول صلى الله عليه وسلم، فلما أراد أن يدخل بها وكانت جميلة، (قال أبو أسيد: أنزلتها عند حائط بني ساعدة) والأشبه أن تكون سقيفة بني ساعدة، وكان هذا الحائط في الجهة الغربية إلى الشمالية من المدينة، ولا يزال إلى الآن معروفاً، وما زالت له بقية- قال: (فألم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لها لما دخل عليها: هبي لي نفسك) وهذا من باب كريم معاشرته عليه الصلاة والسلام لزوجاته، فالزوج ربما يتحدث بشيء يحدث عندها نوعاً من السكينة ونوعاً من الرغبة.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هبي لي نفسك) ومرادنا بشرح هذه الكلمات، الجواب على الظاهرية؛ لأن الظاهرية يرون أن هذه المرأة ليست بمنكوحة وإنما هي مخطوبة، وأن الذي وقع أنها وهبت نفسها بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (هبي لي نفسك) وهذا ضعيف؛ لأن هبة النفس تكون قبل الدخول، حتى يحصل الدخول بعد ذلك فتحل له، قال تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب:50]، وقال تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} [الأحزاب:50]، فكأنه يقول: أحللتها إن وهبت.
فالظاهرية ينفون أن هذا الحديث يدل على هذه المسألة، فهم يضعفونه من جهة أنهم يقولون: إنها وهبت نفسها، ولم يقع بعد النكاح، حتى يكون لفظ النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (الحقي بأهلك) ليس من باب الطلاق، فهذا المراد.
ونحن نقول: هبي لي نفسك، من باب الاستئناس والمباسطة من كريم عشرته عليه الصلاة والسلام لأهله.
فقال لها: (هبي لي نفسك) فيقال: إن هذا شيء يقع بين النساء من باب العجب والغرور.
فقالت مغترة بنفسها من باب الإغراء: (وهل تهب العالية) وفي الرواية الصريحة: (هل تهب الملكة نفسها للسوقة)، هل تهب المرأة العزيزة والشريفة العالية نفسها، وليس المراد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سوقة، وإنما مرادها أنها شيء كبير جداً، وأنها أرادت أن تتعزز، والنساء بهن شيء من التعزز من باب الإغراء.
فأرادت أن تغري رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات.
فقالت: (وهل تهب الملكة نفسها للسوقة) أي: العزيزة الكريمة هل تهب نفسها لمن دونها؟

الجواب
لا، فكأنها تقول: لا أهب.
وما جاءت بلا، لأنها لو قالت: لا أهب، لحصلت النفرة، فتأتي المرأة دائماً بالإغراء بكلمة تتضمن المعنى، وتريد شيئاً آخر.
فلما قالت ذلك: (مد يده إليها) إذا لو كان مرادها الإهانة لما مد يده إليها صلى الله عليه وسلم، فإنه أكرم من أن يقبل أن يهان، ولكن علم منها أنها تريد الإغراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض روايات السير وقد تكلم العلماء على هذه الرواية: (أن أمهات المؤمنين قلن لها: إن أردت أن تكوني حظية، فقولي: أعوذ بالله منك -وكانت جميلة وكأنهن غرن منها- فلما مد يده إليها، قالت: أعوذ بالله منك، قال: لقد استعذت بعظيم، الحقي بأهلك) وكانت الحقيقة أنها حرمت من هذا الفضل العظيم.
فوجه الدلالة لما قال: (الحقي بأهلك) فجماهير العلماء والسلف، قالوا: جعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (الحقي بأهلك) الذي هو ليس بصريح الطلاق، فليس بلفظ (طلاق) ولا (سراح) ولا (فراق) جعله طلاقاً.
فقال لها: (الحقي بأهلك) ونواه طلاقاً، فوقع طلاقاً.
فنازع الظاهرية في هذا، وقالوا: (الحقي بأهلك)؛ صَرْفٌ من النبي صلى الله عليه وسلم ورد لها إلى أهلها، وهذا ضعيف؛ لأن الرواية في الصحيح تقول: (أمرني رسول الله أن أردها إلى أهلها) وفي الرواية الأخرى: (وألحقها بأهلها) والقائل هو أبو أسيد، فقد خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من عندها، فقال: (ألحقها بأهلها، واكسها زارقتين) والتي هي متعة الطلاق، وهذه متعة، والمتعة لا تقع على امرأة ليست بزوجة، وهذا يؤكد مذهب الجمهور، أنه وقع الطلاق ووقعت متعة الطلاق، فقول الجمهور له قوة من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه لا يمكن أن يدخل بها لو كانت واهبة لنفسها قبل أن تقع الهبة صريحة منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم مد يده إليها، ولا تمتد يده إلى أجنبية، قال: (إني لا أصافح النساء) ولا يمكن أن تمتد يده لامرأة لم تحل له بعد، خاصة وأنه قال لها: (هبي لي نفسك) فلو سلمنا للظاهرية أنها هبة، ولم تقع بعد، فلا يمد يده إلا وقد حصل النكاح، ولا يقع هذا إلا وقد كانت المرأة زوجة.
الوجه الثالث: مما يؤيد مذهب الجمهور، قوله صلى الله عليه وسلم لـ أبي أسيد: (اكسها زارقتين) والزارقتين: ملحفتين -نوع من الثياب- فجعلهما متعة لها، والمتعة لا تكون إلا بالطلاق.
ولذلك قال تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب:49]، وهذا يؤكد مذهب الجمهور، وإذا ثبت هذا فإننا نخلص إلى حكم، وهو أن غير الصريح كالصريح، لكن بشرط وجود النية.
(291/3)
________________________________________