المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء الرابع عشر


gogo
10-19-2019, 01:46 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
شرح زاد المستقنع - باب الحجر [4]
تكفلت الشريعة بحفظ مصالح الإنسان، وفي حال قصوره وعجزه عن حفظ مصالحه شرعت ما يحفظها له، ومن هذا الباب: الحجر على الصغير والسفيه والمجنون، حيث يحجر عليه حفاظاً لمصلحته حتى لا يضيع ماله، وفي نفس الوقت حفظت مصلحة من يتعامل مع هذه الأصناف على تفصيل في ذلك.
(191/1)
________________________________________
بيان من يحجر عليه لمصلحة نفسه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم].
هذا النوع الثاني من الحجر، فبعد أن فرغ -رحمه الله- من الحجر على الشخص لمصلحة غيره وهو المفلس الذي يحجر عليه لمصلحة الغرماء، شرع في الحجر على الشخص لمصلحة نفسه.
وبالنسبة للنوع الأول فإنه تختلف تسمية العلماء له، فبعضهم يقول: باب التفليس، ويذكر أحكام المفلس، وبعضهم يجعله في باب الحجر، ويقدم هذا النوع وهو الحجر لحظ نفسه على الحجر لحظ غيره، والمصنف -رحمه الله- درج على تقسيم المفلس وإدراجه تحت باب الحجر، والحجر على المفلس -كما ذكرنا- لحظ الغير.
وهناك أنواع من الحجر لحظ الغير غير الحجر على المفلس، فيدخل فيها الحجر على صاحب الرهن في الرهن، وقد تقدم في باب الرهن، ويدخل فيها الحجر على المريض مرض الموت أن يتبرع بأكثر من الثلث، وهذا سيذكره المصنف -رحمه الله- في باب عطية المريض.
فالمريض مرض الموت لا يجوز له أن يتبرع بما زاد عن الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم) وقال لـ سعد: (الثلث والثلث كثير) حتى كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (لو أن الناس غضوا عن الثلث فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الثلث والثلث كثير)) فهذا لحظ الغير.
ولذلك قال بعض المالكية في نظم هذا النوع: وزوجة في غير ثلث تعترض كذا مريض مات في ذاك المرض أما بالنسبة للحجر على الشخص في مصلحة نفسه فيشمل الأنواع التالية: النوع الأول: السفيه.
والنوع الثاني: المجنون.
والنوع الثالث: الصغير.
فهؤلاء ثلاثة أصناف يحجر عليهم لمصلحة أنفسهم.
والسبب في هذا: أن المقصود أن يمنعوا من التصرف في أموالهم حتى لا يتلفوها؛ لأنه ليست عندهم الأهلية للنظر في مصالح أنفسهم، فلو مكنوا من البيع والشراء خدعهم الناس وضاعت عليهم أموالهم وحصلت المفاسد كما قدمنا في المفلس.
(191/2)
________________________________________
الحجر على السفيه
قوله رحمه الله: (ويحجر على السفيه) أصل السفه: الخفة، والسفساف: الخفيف من الأشياء التي تسفه الريح، وقالوا: سمي السفيه سفيهاً لخفة عقله؛ لأن العاقل كامل العقل يحسن التصرف في أموره.
والسفيه يكون خفيف العقل بالتصرف في ماله من جهة الأخذ ومن جهة الإعطاء، ويحكم بكون الإنسان سفيهاً من جهتين: إما من جهة المال نفسه إذا باع واشترى، وإما من جهة الاستمتاع بالمال، فهناك جانبان يحكم بهما على كون الإنسان سفيهاً.
وقالوا: يكون سفيهاً إذا باع بأقل من الثمن الذي يباع به الشيء، أو إذا اشترى بأكثر من الثمن الذي يباع به الشيء.
وهذا النوع من السفهاء يعرفه العلماء بقولهم: هو الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء لغيره.
لا يحسن الأخذ لنفسه: أن يشتري بأكثر مما تستحقه السلعة، ولا يحسن الإعطاء لغيره: أن يبيع بأقل مما تستحق السلعة.
مثال ذلك: أن تكون عنده سيارة قيمتها عشرة آلاف ويعلم أن قيمتها عشرة آلاف، فإذا جاء يبيعها جاءه رجل وقال له: بعنيها بتسعة آلاف أو بثمانية آلاف، فيبيعها وهو غير مضطر، لكن لو كان عنده ضرورة أو مقصد كأن يأتيه شخص يرى عليه آثار الضعف أو المسكنة فينوي الصدقة عليه فيقول: أبيعها بثمانية آلاف، والله يعلم في قرارة قلبه أنه لا يرضى إلا بالتسعة أو تسعة آلاف وخمسمائة وهي التي يمكن أن تباع بها السيارة، وإنما قصد التصدق بما بين القيمتين، فإن الله يأجره، وهذا ليس بسفه، هذا رشد الدين وهو الذي تكون فيه الدنيا تبعاً وليست بمقصد، فإذا كان مثل هذا فإنه مأجور.
وكذا لو أنه جاء يشتري شيئاً فقال له البائع: الشيء بعشرة، ويرى عليه آثار الضعف أو يراه محتاجاً أو عاملاً عند الغير فيعطيه عشرة، ويزيده ريالاً أو ريالين من باب الإحسان والإكرام والرفق به، فهذا ليس بسفه؛ لأنه عامل بالدنيا وانفكت الجهة في الآخرة، فالريالان اللذان دفعهما لم يكن مقصوده منهما المعاوضة وإنما قصد منهما الآخرة، فهذا لا يدخل في السفه، إذ السفه شرطه ألا تكون هناك أسباب تقتضي الزيادة أو النقص، فإن وجدت الأسباب فلا، مثلاً: ابن عمي لو جاء يشتري مني سلعة قيمتها مائة، وبعتها بسبعين وأنا لا أقصد البيع حقيقة، وإنما قصدت أن أبيع بالسبعين والعشرون أو الخمسة والعشرون التي هي فضل القيمة قصدت بها الصدقة على ابن العم أو صلة الرحم، أو أحببت أن مالي يذهب إلى قريبي فهذا يؤجر عليه الإنسان.
فمثل هذه الأحوال لا يحكم فيها بسفه الإنسان إنما السفيه هو الشخص الذي عنده تلاعب بالأموال وتساهل فيها.
وكذلك النوع الثاني من السفه الذي يبذر لشهوة نفسه، كرجل يدمن السفر، ويكثر في هذه الأسفار من إنفاق المال في متع مباحة، أما إذا كانت محرمة فبالإجماع أنه سفيه ولا إشكال، لكن إذا كان في متع مباحة كأن يشتري الأشياء الفاضلة الزائدة عن حاجته، فيكون بإمكانه أن يشتري سيارة بخمسين ألفاً فيذهب ويشتري السيارة بمائة ألف، فالسيارة شهوة وفيها مصلحة، وصحيح أنها في بعض الأحيان تكون حاجة لكن الزيادة على الخمسين في قيمتها يعتبر سفهاً؛ لأنه تبذير للمال في الشهوة وهو يحب المظاهر، فتجده يشتري ثوباً قيمته مائة، وبإمكانه أن يشتري ثوباً يستره بخمسين، فيأخذ ضعف الشيء، فمثل هذا يعتبر سفيهاً، وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء -رحمهم الله- بقوله: والسفه التبذير للأموال في شهوة ولذة حلال فلما قال: في شهوة ولذة حلال.
دل على أنه من باب أولى إذا كانت شهوته ولذته في حرام.
وعلى كلٍ: هذا السفيه إذا ثبت سفهه؛ فإنه يحجر عليه القاضي، بعد ثبوت سفهه من خلال التعامل وشهادة شاهدين عدلين أنه اشترى سلعة قيمتها مائة ألف ومثلها يباع بخمسين.
فإذا ثبت ذلك عند القاضي بشهادة العدول أو بإقراره حكم بالحجر عليه للسفه.
والأصل في مشروعية الحجر على هؤلاء قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5].
(191/3)
________________________________________
الحجر على الصغير
قوله: (والصغير) والصغير هو الصبي، وهو الذي دون البلوغ، والصبي مأخوذ من الصبى وهو ضد الحلم والبلوغ، والأصل في الحجر عليه عموم قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] ولذلك قال طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمفسرين من التابعين وغيرهم: إنه يدخل فيهم الصغار، ولذلك أمر بالحجر على الأيتام.
واليتيم من توفي أبوه وهو دون البلوغ، فلو كان الصبي يستحق أخذ ماله لأخذه اليتيم، والله نهى عن إعطاء اليتيم ماله، وأمر باختباره عند البلوغ فقال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] فقال: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء:6] وجعل الابتلاء لما قبل البلوغ، واشترط لفك الحجر على اليتيم شرطين: الشرط الأول: أن يبلغ، فدل على أنه قبل البلوغ لا يزال تحت الحجر.
والشرط الثاني: أن يكون رشيداً بعد بلوغه، فإن بلغ غير رشيد فإنه يستمر الحجر عليه كما سيأتي.
قال المصنف: (الصغير) ولم يقل: اليتيم؛ لأن الصغير يشمل الصغير الذي أبوه موجود، واليتيم الذي فقد أباه، وهذا صحيح، ولذلك من الخطأ أن نقول: يحجر على السفيه واليتيم، ولذلك انظر إلى دقة العلماء قال: (والصغير) وبعضهم يقول: (والصبي) والصغير أفضل لأن المراد به جنس الصغير ذكراً كان أو أنثى.
(191/4)
________________________________________
الحجر على المجنون
قوله: (والمجنون لحظهم).
سواءً كان جنونه متقطعاً أو مستديماً، فهؤلاء يحجر عليهم، أما المجنون المتقطع فإنه إذا أفاق وكان رشيداً رد إليه ماله، وأما إذا كان جنونه مستديماً فإنه يستمر عليه الحجر.
الخلاصة: أن المجنون واليتيم بإجماع العلماء يحجر عليهما، والخلاف في السفيه فقط، فجمهور العلماء على أن السفيه يحجر عليه، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث -رحمة الله على الجميع- أن من كان بالغاً ولا يحسن التصرف في ماله فإنه يحجر عليه لقوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5].
وخالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة النعمان -عليه من الله الرحمة والرضوان- فقال: لا يحجر على من بلغ خمساً وعشرين، وقال: إن البالغ لا يحجر عليه.
واحتج بآيات الكفارة، وقال في بعض الروايات عنه: إذا بلغ إحدى وعشرين سنة فلا يحجر عليه، وفصل في اليتيم إذا بلغ سفيهاً فقال: يستمر الحجر عليه إلى خمس وعشرين.
وأما من بلغ إحدى وعشرين ثم حصل منه سفه بعد الواحد والعشرين فلا يحجر عليه، واستدل بآيات الكفارات، فقال: إن الله تعالى أوجب على من جامع أهله في نهار رمضان أن يكفر بعتق الرقبة، ففعل هذا الجماع وهو صائم في نهار رمضان سفه بل جمع بين سفه الدين والدنيا، ومع ذلك خاطبه الله بعتق الرقبة وبإطعام ستين مسكيناً، فدل على أنه يملك المال وأن من حقه أن يتصرف في المال وأنه لا يحجر عليه، وهذا ضعيف؛ فإن الآية صريحة في قوله: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] وهي نص في موضع النزاع.
وأما مسائل الكفارات فإنه لا تعارض بين عام وخاص، نقول: هذا عام وهذا خاص، ويستثنى من ذلك حقوق الكفارات كما استثناها الجمهور.
المسألة الثانية في قوله: إنه إذا بلغ إحدى وعشرين صار جداً، والجد لا يحجر عليه، يقول: لأن الرجل يمكن أن يصبح جداً وعمره واحد وعشرون سنة، فلا يتأتى ولا يليق أن الرجل جد -وهو والد لولد وولد الولد- ويحجر عليه، وهذا دليل النظر والعقل، وهذا ضعيف؛ لأنه عقل في مقابل نقل، وثانياً أن مسألة كونه جداً أو ليس بجد لا يؤثر فالعبرة بإحكام النظر في المال.
ولو سألناهم: لم توافقون على الحجر على اليتيم؟ قالوا: لأنه لا يحسن النظر لنفسه.
نقول: إن هذا الكبير مع اليتيم شاركه في عدم إحسان النظر في ماله، فحجر عليه كما حجر على اليتيم، وأياً ما كان فالصحيح مذهب الجمهور: أنه يحجر على السفيه سواءً كان بلغ إحدى وعشرين أو لم يبلغها، ويستمر الحجر عليه ولو بلغ خمساً وعشرين سنة.
(191/5)
________________________________________
معاملة وجناية المحجور عليهم
يبقى الأثر المترتب على الحكم بالحجر عليهم، وهو أنه إذا عاملهم الغير بتجارة أو إجارة أو غير ذلك أنه يتحمل مسئولية المعاملة معهم.
فلو أن رجلاً باعهم متاعاً كسيارة ثم علم أو تبيّن أن الذي تعامل معه مجنون، فإن كان يعلم بأنه مجنون؛ فإنه يجب رد عين السيارة، فلو أن هذه السيارة تَلِف فيها شيء؛ فإنه لا يضمنه المجنون إذا كان عالماً بجنونه.
والسبب في هذا: أن من عامل الصبي أو المجنون أو السفيه عالماً بكونه محجوراً عليه فإنه يتحمل المسئولية والأثر المترتب على هذه المعاملة، فيُرَد عين المبيع، ولا يلزمهم الضمان، وبناءً على ذلك فإن الشخص العالم بالحجر عليهم يتحمل مسئولية الضرر.
أما إذا كان غير عالم كأن يتعامل معهم من يظنهم أهلاً للمعاملة، ثم يتبيّن له أن الذي تعامل معه مجنون؛ فحينئذٍ يجب رد المال وضمانه.
(191/6)
________________________________________
حكم التعامل مع المحجور عليهم
قال رحمه الله: [ومن أعطاهم ماله بيعاً].
إذا باع على الصبي تحمل المسئولية، فلو أخذ الصبي هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، فنقول: الحكم حينئذٍ: يُلزم هذا الشخص الذي تعامل معه برد العشرة الآلاف وترد السيارة بعينها.
وفائدة ردها بعينها أنه لو تلف فيها شيء أو تضرر فيها شيء مع علمه بكونه محجوراً عليه؛ فإنه هو الذي يتحمل مسئولية ذلك الضرر.
فإذا أخذ الصبي السيارة وحصل له بها حادث فأصبحت لا تساوي إلا خمسة آلاف؛ فإنه يرد عين السيارة دون أن يضمن شيئاً؛ لأن الذي تعامل معه أدخل على نفسه الضرر، فمثل هذا لا يتعامل معه، فإذا باعه على هذا الوجه فالبيع فاسد، ويجب رد عين المبيع، وهذا معنى قوله: (ويرده بعينه) أي: يرد عين المبيع ولا يرد مثله.
قال رحمه الله: [أو قرضاً].
كأن يكون أعطى صبياً عشرة آلاف قرضاً، وكانت العشرة موجودة بعينها، فإنها ترد، وأما إذا أتلف منها الصبي والدائن عالم بكونه صبياً، فإنه لا يُرد له إلا الذي وُجد، لكن إذا كان غير عالم؛ فإنه يضمن حقه.
قال رحمه الله: [رجع بعينه] أي: طالب برد عين الذي باعه وعين الذي أخذه الصبي والسفيه والمجنون.
قوله: [وإن أتلفوه] أي: أخذ السيارة فأتلفها، أو اشترى منه عمارة فأفسد فيها وأتلف فيها، فإنه في هذه الحالة لا يضمن.
قال رحمه الله: [لم يضمنوا] لا يضمن الصبي ولا المجنون ولا السفيه إذا كان الذي عامله عالماً بسفهه وصباه، وبعدم أهليته للتصرف.
(191/7)
________________________________________
حكم جناية المحجور عليهم على غيرهم
قال رحمه الله: [ويلزمهم أرش الجناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم].
هذه مسألة ثانية: لو أن هؤلاء جنوا جناية أفسدوا بها مبيعاً؛ فإنه يلزمهم ضمان أرش هذه الجناية لمن لا يعلم؛ لأنه عمل على الظاهر، وظن أنه أهل، فمثل هذا لم يدخل الضرر، وليست هناك دلالة ظاهرة منه تدل على الرضا بالضرر، بخلاف من عاملهم وهو يعلم، فمن عاملهم وهو يعلم يتحمل الضرر، وأما من عاملهم وهو لا يعلم فإنه في هذه الحالة يُضمن له حقه.
مسألة ضمان الصبي والمجنون: لو أن صبياً أتلف سيارة رجل، أو مجنوناً أتلف بيت رجل أو متاعه، فإذا جئنا ننظر إلى أصول الشريعة فإن الصبي والمجنون غير مكلف، فالأصل يقتضي أننا لا نطالبهم بشيء؛ لأن الصبي والمجنون رفع عنهما القلم، لكن الشريعة فرقت بين أمرين؛ فرقت بين المؤاخذة كحق لله عز وجل بحصول الإثم وبين حق الغير.
ففي حقوق الناس والاعتداء على أموالهم، كالسيارة تتلف أو البيت يهدم أو تفسد فيه مصالحه، فإنه يجب ضمانها، والمجنون لو أتلف سيارة رجل؛ فإنه يجب ضمان التلف الموجود في هذه السيارة.
وهذا محل إشكال، كيف نؤاخذ المجنون؟
و
الجواب
أن هذا مبني على الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي، فهناك جانبان في الأحكام: حكم تكليفي، وحكم وضعي.
فالحكم التكليفي حكم من ناحية الوجوب والندب والاستحباب والكراهة والتحريم والإباحة، ويتعلق بمن هو مكلف وفيه أهلية التكليف، فيؤاخذ بتركه أو امتناعه عن فعل الواجب أو وقوعه في المحرم.
لكن بالنسبة للحكم الوضعي فمن الممكن أن يؤاخذ من باب وجود السبب، فالشريعة تقول: أي إتلاف وقع على مال إنسان بدون حق فإنه يجب على المتلف أن يضمن، بغض النظر عن كونه أهلاً أو غير ذلك، فلا تنظر الشريعة إلى هذا، بل تنظر إلى الحق في المال، وجعلت الضمان على المتلف سواءً كان أهلاً للتكليف أو غير أهل.
ولذلك إذا نظرنا إلى الحكم الوضعي نرى أن الإتلاف سبب للضمان بغض النظر عن المتلف، سواءً كان صغيراً أو كبيراً، إذ لو قلنا بعدم ضمان الصبيان لأمكن لكل مفسد أن يأخذ جملة من الصبيان ويوعز إليهم أو يأمرهم بالإتلاف والإفساد، فهذا يفتح باب شر عظيم، ثم أيضاً نفس الصبية يتمردون ويكون ذلك سبباً لأذية الناس.
فالصبي إذا أتلف يضمن، وإذا كان ليس عنده يتحمل والده ويضمن عنه؛ فحينئذٍ كأن الشريعة تنظر إلى من يعين الصبي على إفساده، فإن أولياءه متى علموا أنه إذا أتلف يؤاخذون؛ فإنهم سيأخذون على يديه ويحافظون عليه.
أما من حيث الحكم التكليفي من أنه يأثم: فلا يأثم؛ لأن الصبي لم تتوفر فيه أهلية المؤاخذة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي داود وأحمد في مسنده وهو حديث صحيح: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم الصبي والمجنون.
ومن هنا قالوا: إن الهازل إذا طلق يؤاخذ بطلاقه من باب الحكم الوضعي لا من باب الحكم التكليفي، كما أن الحكم الوضعي أن المتلفظ بالطلاق يؤاخذ بلفظه، بغض النظر عن كونه قصد إيقاع الطلاق أو كان هازلاً.
وبهذا أجاب الإمام الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات في كتابه النفيس: المقاصد، فإنه لما تعرّض للمقاصد والنيات ولقاعدة: (الأمور بمقاصدها) ذكر أن مؤاخذة الهازل بطلاقه من باب الحكم الوضعي لا من باب الحكم التكليفي.
فمسألة تضمين المجنون والصبي مبنية على الحكم الوضعي، وهذا فيه رحمة عظيمة بالناس، فإن الناس متى علموا أن الأموال تضمن وتحفظ؛ حافظ بعضهم على أموال بعض، وأصبحت للأموال حرمة.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم جعل حرمة المال مقرونة بالدم فقال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) فجعل حرمة المال مقرونة بحرمة الدم.
فإذا أتلف الصبي أو المجنون مال الغير ضمنه؛ فإن كان الغير الذي تعامل معه هو الذي مكنه من المال وأعطاه وجعله عنده وهو يعلم أنه صبي وأنه محجور عليه؛ فإنه حينئذٍ يتحمل الضرر المترتب على تمكينه.
والعكس بالعكس، فإن كان الذي تعامل معهم لا يعلم بكونهم محجوراً عليهم، فيضمن له حقه ولا يؤاخذ المحجور عليه.
فعندنا قاعدة وهي: أن أموال الناس تضمن، ولذلك جُعلت قاعدة الضمان في المتلفات صيانة لحقوق أموال المسلمين.
فإذا كان الأصل أن أموال المسلمين محرمة لا يجوز الاعتداء عليها، فمتى ما اعتدى الصبي أو المجنون أو غيرهم على مال الغير؛ وجب ضمانه.
فإن كان هذا هو الأصل نقول: إن كان الصبي قد أخذ المال من شخص مكنه منه فالذي مكنه يتحمل المسئولية، وأما إذا كان لا يعلم أنه دون البلوغ، ولا يعلم أنه محجور عليه، وظنه بالغاً رشيداً عاقلاً، فإذا به مجنون وسفيه وصبي فهذا له عذره، وحينئذٍ يبقى الأصل الموجب للضمان.
(191/8)
________________________________________
الأسئلة
(191/9)
________________________________________
المقصود بالرشد في قوله تعالى: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ)

السؤال
في قوله تعالى: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود:78] من أي الرشد هذا؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: الرشد معناه: الصلاح في الدنيا والصلاح في الدين، وصلاح الدنيا يشمل النظر في الأمور في أصلحها وأحسنها، ولوط عليه السلام استعطف قومه وردهم إلى ما فيه خيرهم ودعاهم إلى صلاح دينهم ودنياهم فأبوا عليه فقال: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود:78] استفهام إنكاري، أي: أليس فيكم من عنده رشد يمنعه ويردعه فيردع غيره وينصح غيره؟ لأن النصيحة إذا وجدت من يصغي لها فإنه سينصح غيره، ومن المعلوم عادة أن الشخص إذا نصح قد لا تقبل منه النصيحة؛ لكن حينما يكون فيمن يُنصح رجل رشيد يتقبل النصيحة، فإنه قد يدفع غيره إلى القبول فيتأثر.
فالوعظ لا يكفي فقط، بل لا بد مع الوعظ من أن يتقبل الغير ويتأثر فهو يقول: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود:78].
فهذا الاستفهام إنكاري والمراد به رشد الدين، أي: اقبلوا دعوتي، واقبلوا ما أذكركم وأعظكم به، أو يكون المراد به: رشد الدنيا، بمعنى: النظر في أصلح الأمور وترك ما تكون عواقبه وخيمة، ومن ذلك الإعراض عن الدين والإعراض عن الله.
والله تعالى أعلم.
(191/10)
________________________________________
حكم الصبي إن خرج منه المني لمرض

السؤال
لو خرج المني من الصبي بمرض أو غير ذلك هل يحكم ببلوغه؟

الجواب
هناك فرق بين افتراض الشيء ووجود الشيء، يعني كما لو قال قائل: إذا لم تغب الشمس هل نصلي المغرب، فكيف يخرج المني دون البلوغ؟ أصلاً المني لا يتكون إلا في بالغ، هذا المعروف عند الأطباء وهذا الذي ذكره الأطباء.
المهم أن المني لا يتكون ولا يخرج إلا من بالغ، ولا أذكر كلاماً لعالم أو لطبيب في القديم أو الحديث يذكر أن طفلاً خرج منه المني حتى ولو بعلة.
فلا يمكن ذلك أصلاً؛ لأن الله يقول: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2] … {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88] فجعل كل شيء في موضعه وفي مكانه، لا تستطيع أن تقدمه ولا تستطيع أن تؤخره، ولن تستطيع أن تجد أكمل ولا أبدع من صنع الله جل جلاله، وهو تعالى يقول: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة:117] ما هو بديع الخلق الذين هم الناس والضعفاء فقط، إنما أخرج لنا هذا الملك العظيم -السموات والأرض وما فيها من تقدير الأشياء- {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [الحجر:19] بدقة متكاملة لا يمكن أبداً أن يزيد شيء عن حده الذي جعله الله فيه: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:3]، وإذا جعل الله ذلك فلا يستطيع أحد أن يقدم شيئاً أخره الله.
فهذا الخلق للماء خلق تقديري موجود في أعضاء الإنسان التناسلية، ومقدر ومرتب ومرتبط ببلوغه، ولا يمكن أن توجد هذه الغدد أو تصدر أوامرها بإفراز هذه المادة المنوية في الصبي.
هذا أمر ينبغي وضعه في البال، وفرق بين فرض الشيء ووجود الشيء، فالشيء الذي ليس له حقيقة في الوجود كما قال الإمام الشافعي: إذاً نمد الرجلين.
فالشيء الذي ليس له أصل في التقدير ما يحكم به.
لكن مثلاً: لو أن صبياً عمره أربع عشرة سنة، ثلاث عشرة سنة، اثنتا عشرة سنة، هذه كلها سنوات محتملة لخروج المني، وفجأة صار له فاجعة -نسأل الله السلامة والعافية- ويقع هذا، ففي الفاجعة أنزل، يحكم ببلوغه؛ لأن الغدد هذه تفتقر إلى قوة إما بالبلوغ، وهي القوة الذاتية، وإما بقوة من خارج.
ولذلك البدن يستعان فيه بعد الله عز وجل بأشياء من داخله وأشياء من خارجة، يقولون: المريض إذا مرض تكون قد عجزت الأشياء الداخلية عن دفع هذا المرض فيعطى العلاج، وبعض الأحيان تكون حمية الإنسان وسخونة البدن ونشاط الإنسان يقوي ما فيه بقدرة الله عز وجل ويدفع المرض.
فتجد بعض الناس يصاب بأمراض لا تؤثر فيهم كتأثيرها في أشخاص آخرين، ويعلم الأطباء هذا، حتى إن بعض العظماء لما أصابه بعض الأمراض وأعيت فيه الحيلة، وجلب أطباء الأرض، فما وجد عندهم دواءً كتب إلى الرازي وجاءه.
فلما جاءه ورأى ما به قال: علاجك في أمرين: أولاً: أن تعطيني فرسين.
ثانياً: أن تأمر أحد رجالك أن يكون بجواري، وأدخل أنا وأنت في الحمام -الحمام الساخن- وتأمر هذا المولى أن يطيع ما أقوله له، ولا يعصيني فيه، ولا يطيعك إذا أمرته.
قال: وهو كذلك، فدخل معه الحمام، فلما أدخله صار يلكزه، فكلما أراد من شدة الحر يرتفع يمنعه حتى كاد أن يموت، قال له: إنما فعلت بك هذا لأقتلك، فلما قال هذه المقالة اشتد غضبه، فأوعز الرازي للمولى أنه متى ما ركبت الفرس اتركه يركب ورائي، ففر عنه، وركب وراءه الفرس يريد أن يدركه، فبعد ما ركب مع الحمية والغضب والشدة سخن بدنه وزالت عنه العلة، فلما أدركه وأصابه قال: إنما فعلت بك من أجل شفائك فهل تجد شيئاً من مرضك؟ قال: ما أجد له حساً، قال: إنه كانت بك فضلات، عجز البدن والدواء عن إخراجها، فما بقي إلا أن تقوى نفسك على نبذ هذا الشيء وهو وجود حمية أو غضب، لكنك كنت في نعيم وترف فلا بد وأن تخرج عما أنت فيه وليس ذاك إلا إذا سخن جسمك واشتد غضبك.
فالشاهد أن الإنسان قد يبلغ بسبب فاجعة تأتيه أو أمر شديد عليه أو أمر له ضرر فيفاجأ به، فمن شدة المفاجأة ينشط ما به فينزل، أو يقع منه الاحتلام، حتى إن المرأة ربما ينفجر معها الحيض عند فاجعة، ويقع هذا ويحدث فتنشط أعضاؤها.
فأياً ما كان نحن نقول: إن هذه العلامة يحكم بها إذا كان السن لمثلها وخرج، ولو خرج بفاجعة أو مرض، فإنه يحكم ببلوغه؛ لأن الإنزال قد وقع.
والله تعالى أعلم.
(191/11)
________________________________________
كيفية صيام من نذر أن يصوم شهراً

السؤال
امرأة نذرت صوم شهر، فهل تصومه متتابعاً أو متفرقاً مع أن التفرق أيسر لها لكبر سنها؟

الجواب
إذا قالت: لله عليّ أن أصوم شهراً فلها أحوال: الحالة الأولى: أن تسمي شهراً معيناً، فيجب عليها أن تصومه كاملاً، ويستوي في ذلك أن يكون تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين، فإن كان تسعة وعشرين أجزأها وإن كان ثلاثين فلا إشكال.
الحالة الثانية: أن تقول: لله عليّ أن أصوم شهراً دون أن تعين، فلا يخلو من ضربين: إما أن تشترط التتابع وتقول: لله عليّ أن أصوم شهراً متتابعاً فيلزمها أن تتابع.
وإما أن تطلق فيجزئها أن تصوم ثلاثين يوماً.
وعلى هذا: يجوز لها أن تصوم الثلاثين يوماً متفرقة أو تصومها مجتمعة، ما دام أنها لما حلفت ونذرت لم تحدد ذلك ولم تقيده بالتتابع، فيلزمها أن تصوم الثلاثين ويجزئها أن تكون مفرقة أو متتابعة.
والله تعالى أعلم.
(191/12)
________________________________________
حكم حرق أوراق القرآن إذا كان ممزقاً

السؤال
هل يجوز حرق المصاحف إذا تلف بعضها؟

الجواب
حرق المصاحف يجوز إذا تلفت وخشي عليها الضرر، وهذا استنبطه طائفة من العلماء من فعل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن عثمان رضي الله عنه لما نسخ المصحف الإمام أمر بإحراق بقية المصاحف.
فدل هذا على أنه إذا وجد ضرر على القرآن كأن يكون في موضع يمتهن فيه أو موضع يخشى أن يتطاير ورقه فيمتهن فيجوز حرقه.
أما أن يتوسع في هذا الأمر وكلما وجدنا مصاحف قديمة أخذناها وأحرقناها، فهذا والله من أعظم الإساءة ومن أعظم الإفساد، وربما في بعض الأحيان تجد المصحف منزوعاً منه ورقة واحدة فيأتي مباشرة ويأخذه من المسجد ثم يحرقه، وهذه المصاحف خاصة إذا كانت في المساجد أوقاف أهلها الذين أوقفوها ربما كانوا أمواتاً يفتقرون لكل حسنة.
فمن جاء إلى هذه المصاحف وأتلفها وأحرقها بدون حق فقد ظلم، وهم خصومه بين يدي الله عز وجل، فلا يجوز إخراج المصاحف من المساجد ولا إحراقها إذا كانت وقفاً ما لم تتعطل مصالحها بالكلية، ولا يمكن استبدالها.
في أحوال خاصة يحكم بجواز إحراقها، أما ما عدا ذلك فلا يجوز؛ لأن لكتاب الله حرمة، والله تعالى يقول: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف:56] وكما قال مجاهد بن جبر رحمه الله: (إن قلع الشجر إتلاف للمنافع والمصالح) وأعظم المصالح مصالح الدين، فإحراق كتب العلم وإحراق المصاحف من إتلاف تلك المصالح والمنافع.
ويدخل في ذلك كتب العلم أيضاً، فإن بعض الطلاب إذا قرءوا وكتبوا المذكرات وانتهى الاختبار أحرقوا هذه المذكرات وأتلفوها، ولربما يأتي إلى الكراس وفيه الورقة والورقتان، أو قل عشر أوراق مكتوب فيها، وثلاثون أو أربعون ورقة ليس مكتوباً فيها ويحرق الجميع، هذا كله من الإفساد ولا يجوز ذلك، ولقد أدركنا بعض علمائنا ومشايخنا -رحمة الله عليهم- يستشيط غضباً شديداً لما يرى هذا ويغضب، والورقة إذا كان بعضها تالفاً وبعضها صالحاً فإنه ينزع التالف ويستفاد من الصالح لأي غرض يحتاجه لكتابة فائدة أو يكتب عليه أو يجرب عليه القلم، المهم لا يرمى وهو صالح بل يكتب عليه.
ومن أعظم ما يكون أن يكون فيه علم نافع، فإن الله تعالى يأجر من كتب العلم ومن سمعه، ومن شهد مجالسه، كلهم لهم أجر وثواب من الله عز وجل.
فهذا المكتوب إذا كتبته يداك فإن الله عز وجل يكتب لك أجر الكتابة، فإن خلصت نيتك؛ بارك الله لك فيما كتبت، وربما بقي دهراً طويلاً ينسخ منه غيرك ولك في ذلك أجر، ولربما تأتي إلى درس علم وتنسخه وتفرغه فتنتشر منه مذكرات أو تطبع كتب فيعود عليك أجر ذلك كله.
هذا خير وفضل عظيم، وما الذي رفع الله به قدر السلف إلا الصبر على هذا العلم وكتابته والحرص على الانتفاع به، فلا ينبغي لطالب العلم أن يحرق مثل هذه الكتب والأشياء المفيدة.
كان السلف والأئمة والأولون إذا وجدوا الفائدة ولم يجدوا ما يكتبون عليه؛ نقشوها على الجدران، وربما نقشت على الحجارة، كل ذلك خشية أن يذهب العلم.
والله تعالى أنْعم علينا بهذه النعم والخيرات العظيمة، وكان الرجل لا يستطيع أن يكتب حرفاً واحداً، ما لم يجد الريشة التي تكتب وتكون صالحة، ولربما يعي في إصلاحها، أو يجد ما يصلح الكتابة، أو يجد ريشة إذا كتب بها تكون خفيفة الوضع حتى لا تشغل مكاناً كبيراً.
فالله أعطانا من الأقلام أدقها وأبراها وأجملها وأحسنها، بل لم يقف الحد عند هذا حتى إنها تساق لك من مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد ولك الشكر، وتضعها في جيبك، وما كنت تستطيع أن تضع ما كتبته بل لا بد تنقل معك محبرتك ودواتك، وتنقل معك آلات الكتابة كما تنقل الكتاب، ويجدون في ذلك من الجهد والعناء ما الله به عليم، والله تعالى جعله في جيبك طوع بنانك، وتكتب به ما تشاء، ولربما كلت يد الكاتب.
فالإنسان يحمد نعمة الله عز وجل والله تعالى يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم:28] فكل نعمة ينعمها الله عليك؛ ينبغي عليك أن تتأمل وأن تتدبر هذه الكتب وهذه المصاحف، نعمة عظيمة، ولو كانت صفحة من كتاب الله، فاحمد الله عز وجل أن الله أعطاك هذه الصفحة.
وكم من أناس كانوا يتمنون أن يروا هذا الصفحات، فلنحمد الله على نعمه ونشكره على فضله وكرمه، ولنحسن في هذه النعم، ونحاول قدر الاستطاعة المحافظة عليها وإحسان النظر فيها حتى يبارك الله فيها.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم بمنه وكرمه ذلك الرجل.
والله تعالى أعلم.
(191/13)
________________________________________
المقصود بالطفل في قوله تعالى: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ)

السؤال
ما المقصود بالطفل في قوله تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور:31] ما المقصود بالطفل؟

الجواب
فإن الأطفال ينقسمون إلى قسمين: - القسم الأول: من يبقى على سجيته وغفلته وفطرته، بعيداً عن الفتن، لا يتعرض للنساء، ولا يحرص على الاطلاع على عوراتهن، فمثل هذا يبقى على الأصل في العفو عنه ما دام أنه لم يبلغ الحلم.
والقسم الثاني: على العكس من ذلك، عنده استشراف وطلب وحرص على النظر إلى النساء، ولربما تحدث بأمورهن وظهرت منه الريب، فمثل هذا يُحجب ولو كان دون البلوغ، كما أن الكبير الذي تكون فيه غفلة -غير أولي الأربة- وهم الذين لا يشتغلون بأمور النساء وفيهم نوع من العته أمرهم مخفف فيه، فإن ظهرت منهم الريبة حجبوا.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أراد غزو الطائف قال الرجل: لئن فتح الله على نبيه غداً الطائف لأدلنك على ابنة غيلان تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخلن عليكم هذا بعد اليوم) وكان في الأول يتسامح فيه يظنه ليس من ذوي الإربة، فلما سمع منه هذه المقالة والتحرش بالنساء والدلالة على عوراتهن؛ حجبه عليه الصلاة والسلام عن النساء، وأمرهن أن لا يدخلنه.
ففي بعض الأطفال نوع من الذكاء ونوع من الجرأة، فمثل هؤلاء يمنعون ولو كانوا صغاراً.
وعلى هذا قال العلماء: أيضاً الطفلة الصغيرة ربما كان جسمها وطبيعتها تقارب الكبيرة فإذا نظر إليها فتنت، قالوا: تحجب وهي صغيرة؛ لأن الحكم يدور حول المصلحة والمفسدة، فمثل هذا يتقى وتطلب فيه تقوى الله عز وجل وتحصل المصالح التي يقصد الشرع تحصيلها، وتدرأ المفاسد التي يطلب الشرع درءها.
والله تعالى أعلم.
(191/14)
________________________________________
الجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام: (من قرأ آية الكرسي لم يقربه شيطان) وبين قوله: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على ناصيته)

السؤال
كيف يتم الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي لم يقربه شيطان) وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على ناصيته ثلاثاً)؟

الجواب
أما من حيث قراءة آية الكرسي فينبغي أن يعلم أنه ما من مسلم يقرأ شيئاً في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيه وعد بخير أو أمر إلا وجب عليه أن يسلم تسليماً، وأن يعتقد اعتقاداً جازماً أن ما ورد في هذا النص من الكتاب والسنة حق لا مرية فيه، وأن الله يعطيه ما وعده، فإن الله لا يخلف الميعاد.
إذا ثبت هذا فإن قراءة آية الكرسي إنما يكون تأثيرها الكامل وتأثيرها على أتم الوجوه وأكملها وحصول الموعود على أتم الوجوه وأكمله لمن قرأها بإيمان وخشوع وحضور قلب.
ومن هنا يتفاوت الناس في قوة التأثير على حسب قوة اليقين أثناء القراءة والاعتقاد، ولذلك تجد بعض القراء كما قال صلى الله عليه وسلم في الفاتحة: (وما يدريك أنها رقية) فرجل يقرؤها على مجنون فيشفى، ورجل يقرؤها على لديغ فيشفى، وقد يقرؤها قارئ مرات وكرات ولكنها لا تؤثر قراءته، أما المقروء فإنه مؤثر.
ولذلك يختلف الناس في قوة العقيدة وقوة الإيمان، وقد يأتي الرجل إلى الكرب العظيم والخطب الجسيم فيقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، ويدخل بيقين بالله ولا يمس بسوء لقوة يقينه.
(إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) هذا الذي كمل يقينه وكملت عقيدته وإيمانه وتوحيده، فإذا كمل الإخلاص والتوحيد وأصبح القلب متوجهاً إلى الله بصدق، وإذا تلا الآيات تلاها بإيمان وإذا تليت عليه استجمع معاني الإيمان واليقين، فإن الله يجعل له أكمل الحظ وأكمل النصيب، فما أتي الناس إلا من ضعف اليقين.
أما من حيث الحديث (يعقد الشيطان على قافية أحدكم) فليس فيه معارضة للحديث لأنه يجاب من وجوه: أولاً: إما أن يقال لا تعارض بين عام وخاص، فيكون قوله: (لا يقربه شيطان) بمطلق الحال، ولا يمنع هذا خصوص الابتلاء في الثلاث العقد التي لا يسلم منها النائم.
وحينئذٍ من قرأ آية الكرسي فإنه لا يقربه شيطان بأذيته في نومه أو أذيته في ضجعته، فإن من نام يؤذى، ولذلك شرعت قراءة الأذكار قبل النوم.
وعلى هذا إذا قرأها حفظ، فكان المراد به: لا يقربه شيطان بالنسبة لغير المستثنى بالنص.
ثانياً: أن العقد على القافية ليس له علاقة بالقربان، فإنه يعقد عليه بدون وجود القربان؛ لأن اقتراب الشيء من الشيء ملاصقته، وقد يكون الاقتراب على وجه المداخلة، فالشيطان قد يداخل الإنسان.
وبناءً على ذلك يكون المنفي (لم يقربه شيطان) غير المثبت بالعقد؛ لأن العقد قد يكون من بعيد وقد يكون العقد كما ذكر بعض العلماء: العقد المعنوي، وإن كان الصحيح أنه العقد الحسي.
ولذلك من نام يشعر بهذا، يشعر أن الليل طويل، وأن هناك من يمنيه، فيكون من الوسوسة وحديث النفس.
والذي يظهر والله أعلم: الجواب الأول، أنه لا تعارض بين عام وخاص.
ولذلك الشيطان مسلط على الإنسان بالوسوسة وبحديث النفس، فلو أخذ قوله: (لم يقربه شيطان) على العموم مطلقاً لشمل حتى من يوسوس، ولكن الله تعالى جعل الإنسان مبتلىً بحديث الشيطان، وهذا لا يمنع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى كل حال: من قرأ آية الكرسي فهو محفوظ محفوظ، والله عز وجل حافظٌ له لا محالة.
وأذكر من مشايخنا -رحمة الله عليه- قال: من أهل العلم من ذكر أنه كان نائماً وأحس باثنين يتكلمان بجواره، وقال: سمعته يقول لصاحبه: لن تستطيعه، إنه تلا آية الكرسي قبل أن ينام.
وذات مرة ذكر بعض العلماء قال: سمعت اثنين يتحدثان عند رأسي وأنا في البيت لوحدي، أو في الغرفة لوحدي فسمعته يقول: لن تستطيع أن تدخل فيه، إنه قرأ المعوذات.
وهذه قد ثبت فيها النص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ المعوذات وينفث ثلاثاً كما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا من نزغات الشياطين، وأن يرزقنا عفوه ومغفرته ولطفه وهو أرحم الراحمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(191/15)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحجر [5]
من حجر عليه لأجل مصلحة نفسه، فإنه لا يفك الحجر عنه إلا إذا تحقق أنه يستطيع أن يرعى مصلحة نفسه، ولهذا جعلت الشريعة علامات وأمارات تدل على أن المحجور عليه قد صار أهلاً لتحمل المسئولية، وبثبوت تحقق هذه العلامات يفك الحجر عنه وإلا فلا.
(192/1)
________________________________________
العلامات الموجبة لرفع الحجر عن الصغير والمجنون والسفيه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وإن تم لصغير خمس عشرة سنة] ذكرنا غير مرة أن الفقهاء يرتبون المسائل والأحكام، ويراعون الترتيب أو التسلسل المنطقي.
فأنت إذا حكمت بالحجر على السفيه والصبي والمجنون وبيّنت الأثر المترتب على الحجر يرد

السؤال
متى يفك الحجر عنهم؟ فشرع في هذه الجملة في بيان متى يفك الحجر؟ وهذا كمنهج القرآن في آية النساء فإن الله عز وجل قال: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5]، وهذه الآية تشمل الصبي بنوعيه: اليتيم وغير اليتيم، وتشمل كذلك المجنون والسفيه ثم قال: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] فذكر فك الحجر عنهم.
فعندنا ثلاثة جوانب ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لها: - إثبات الحجر.
- والأثر المترتب على الحجر.
- وفك الحجر.
فهذه هي الثلاث المراحل في باب الحجر: المرحلة الأولى: من الذي يحجر عليه، وما هي الأمور الموجبة للحجر؟ المرحلة الثانية: إذا حكمنا بالحجر لسبب السفه والصبا والجنون، فما الذي يترتب عليه؟ ذكرنا أن الذي يتعامل معهم إما أن يعلم وإما ألا يعلم، فإن علم فوجود العقد وعدمه على حد سواء فيجب رد عين المبيع، وإذا حصل فيه نقص فإنه يرد بحاله ولا يضمنه، وأما إذا كان لا يعلم فإنه يضمن على الأصل الشرعي.
المرحلة الثالثة: متى يُفك عنهم الحجر؟ فقال رحمه الله: (وإن تم لصغير) هناك أمران لا بد من توفرهما في الصغير: البلوغ والرشد.
فلا بد أن يبلغ وأن يكون رشيداً، فهاتان علامتان متى ما وجدتا حُكم بفك الحجر عن الصبي واليتيم، والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] فذكر علامتين: - العلامة الأولى: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء:6] أي: وصلوا سن النكاح، وهو قريب من طور الحلم.
- وأما العلامة الثانية: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء:6] فعلق الحكم {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ} [النساء:6] وجاء مرتباً على شرطين: البلوغ والرشد.
فقد يبلغ الصبي وهو سفيه أو وهو مجنون، فلابد من بلوغه ووجود الرشد فيه.
وبعض الأطفال وبعض الصغار من نعم الله عز وجل عليه أنه ربما أعطي من الذكاء والفطنة وحسن النظر ما يسبق بلوغه، فإذا أعطي المال وحصلت عنده خبرة ودربة على التعامل خاصة أبناء التجار، كما في القديم حيث كان أبناء التجار هم الذين يتولون بأنفسهم المعاملات، وكان آباؤهم يعودونهم على ذلك، فهذا التعوّد ربما يكسب الصبي من الفطنة ما يقارب البلوغ ويكون في حكم الفطين البالغ، فالله عز وجل اشترط شرطين قال: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء:6] فلو أنه كان رشيداً قبل البلوغ لم ينفعه.
ولو أنه بلغ غير رشيد لم ينفعه، فلا بد من وجود العلامتين: البلوغ والرشد.
(192/2)
________________________________________
علامات البلوغ
فأما البلوغ فللعلماء فيه وجهان: بعضهم يقول: ينبغي أن يختبر قبل البلوغ، أي: عند بلوغه ومقاربته له.
وبعضهم يقول: يختبر بعد البلوغ.
فيرد

السؤال
ما هو البلوغ؟ وما هي علامات البلوغ؟ هناك علامات تتعلق بالرجال، وهناك علامات تتعلق بالنساء، وهناك علامات تتعلق بالجميع، ولذلك العلماء -رحمهم الله- يقولون: إن علامات البلوغ منها الخاص ومنها المشترك.
فأما بالنسبة للخاص فهو أقوى ما يكون في النساء، فهناك الحيض والحمل بالنسبة للمرأة، فإذا حاضت المرأة أو حملت حُكم ببلوغها وبلوغ زوجها، إن كان الحمل من زوج هي تحت عصمته؛ لأن الله يقول: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق:7].
وعلى القول بأنه يخرج الطفل من بين صلب المرأة وتريبتها فإننا نستدل بآية: {مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان:2]، حيث جعل الخلق في آية الإنسان من الخليط بين ماء الرجل وماء المرأة؛ فأثبت أن الخلق منهما معاً، فدل على أنه كما يحكم بالبلوغ للرجل يحكم بالبلوغ للمرأة.
فإذا حملت المرأة حُكم ببلوغها، وكذلك إذا حاضت حُكم ببلوغها، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) فقوله: (لا يقبل الله صلاة حائض) أي: مكلفة بلغت سن المحيض وحاضت، وليس المراد (لا يقبل الله صلاة حائض) أي: أنها تكون حائضاً أثناء الصلاة؛ لأن الحائض لا تصلي.
فمراده بوصفها بكونها حائضاً أي: بالغة، وهذا كما درج عليه الأئمة، وفسروا به هذا الحديث.
فدل على أن الحيض والحمل -وهذا بإجماع العلماء- يعتبر من علامات البلوغ عند المرأة.
وأما العلامات الخاصة بالرجال فليس هناك إلا إنبات الشعر في اللحية والوجه على القول بأن الإنبات عام وليس بخاص بالعانة، وهذا فيه نظر.
(192/3)
________________________________________
أقوال العلماء في السن المعتبرة للبلوغ
قال المصنف رحمه الله: [وإن تم لصغير خمس عشرة سنة] علامات البلوغ منها علامة السن، واختلف العلماء رحمهم الله فيها على قولين: جمهور العلماء على أن السن علامة من علامات البلوغ، وأن للبلوغ سناً إذا وصل إليه الصبي حكم بكونه بالغاً إذا لم ير علامة البلوغ قبله، أما لو رؤيت علامة البلوغ قبل خمس عشرة سنة فلا إشكال، كصبي أنزل المني وعمره أربع عشرة سنة أو عمره ثلاث عشرة سنة، أو امرأة حاضت وعمرها عشر سنوات فإنها بالغة.
فإذا قلنا: إن خمس عشرة سنة هي علامة البلوغ لمن لم تظهر منه علامة البلوغ قبل هذا السن، فجمهور العلماء على أن هناك سناً معيناً إذا وصل إليه الصبي أو وصلت إليها الصبية حكم ببلوغ كل منهما، وإن لم تظهر علامات البلوغ قبل ذلك، وخالف الظاهرية في ذلك.
واستدل الجمهور، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر السِنّ علامة للبلوغ كما ثبت عنه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني -يعني للقتال- وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) هذه هي الرواية التي في صحيح مسلم: (عرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) لكن في رواية البيهقي يقول: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، ولم يرني قد بلغت، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني ورأى أني بلغت).
فدل هذا على أن الخمس عشرة سنة فاصل بين البالغ وغير البالغ.
وعلى هذا قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر السن علامة للبلوغ.
وقال الظاهرية: ليس السن بعلامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: (الصبي حتى يحتلم) فقالوا: ليس عندنا علامة إلا الاحتلام فقط، وهو إنزال المني كما سيأتي.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور أن السن علامة يُستدل بها على البلوغ.
و
السؤال
ما هي السن المعتبرة للبلوغ؟ فذهب الحنفية إلى التفريق بين الرجل وبين المرأة، فعند الحنفية أن المرأة إذا بلغت سبع عشرة سنة حكم ببلوغها، والرجل إذا بلغ ثماني عشرة سنة، ولا يحكم بالبلوغ قبل ذلك إذا لم تظهر العلامات؛ قالوا: لأن المرأة فيها من شدة الشهوة والطبيعة والغريزة ما يجعل بلوغها أبكر من الرجل، وهذا معلوم: أن النساء في البلوغ أعجل من الرجال.
فقالوا: نفرق بينهم بسنة وحول كامل، ووافقهم المالكية، فقالوا: ثماني عشرة سنة هي البلوغ، ودليلهم الإجماع؛ لأن أقصى سن اعتد به: ثماني عشرة سنة، إلا طائفة من الظاهرية يقولون: إحدى وعشرين سنة؛ لأنه يصير فيها جداً على مسألة الشافعي رحمه الله حيث يقول: أعجل من رأيت في الحيض نساء تهامة، رأيت ابنة إحدى وعشرين سنة وهي جدة.
تكون تزوجت وعمرها تسع سنوات، وأنجبت في العاشرة، ثم هذه التي أنجبتها مرت عليها تسع سنوات أخرى، فيصبح عمر الأم تسع عشرة سنة والبنت تسع سنوات، فزوجت كأمها وهي بنت تسع، فحملت وأنجبت على العشرين، فتدخل في الواحد والعشرين وهي جدة.
فقال: أعجل من رأيت في الحيض نساء تهامة، رأيت جدة ابنة إحدى وعشرين سنة.
فالإمام ابن حزم رحمه الله يقول: هذا أقصى شيء، فأنا آخذ باليقين، فيكون هو السن الذي يعتبر للبلوغ، لكن بالنسبة لجماهير العلماء يكاد يكون شبه إجماع على أنه ثماني عشرة سنة، والمالكية والحنفية يقولون: أقصى سن ثماني عشرة سنة وما وراءها متفق على أنه بلوغ، والخلاف فيما قبله، واليقين أنه صبي فنبقى على اليقين.
هذا بالنسبة لدليل من يقول: إنها ثماني عشرة سنة، ولذلك المالكية يقولون: وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل أو بمني أو بإنبات الشعر أو بثمانية عشر حولاً ظهر هذا بالنسبة للمالكية حيث لا يفرقون بين الرجال والنساء.
والصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد والشافعي وطائفة من أهل الحديث -رحمة الله على الجميع- من أن خمس عشرة سنة هي السن التي يفرق فيها ويحكم فيها بالبلوغ، وأنه إذا بلغ الصبي أو الصبية خمس عشرة سنة ولم ير علامة البلوغ قبل ذلك؛ فإنه يُحكم ببلوغهم بخمس عشرة سنة للحديث الذي ذكرناه، فإنه نص في موضع النزاع.
ولذلك لما بلغت هذه السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله برحمته الواسعة- كتب إلى الآفاق: انظروا فمن وجدتموه قد بلغ خمس عشرة سنة؛ فاضربوا عليه الجزية.
فعده بالغاً.
وعلى هذا نقول: سن البلوغ خمس عشرة سنة، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، فالجارية إذا بلغت خمس عشرة سنة ولم تحض ولم تحمل ولم تُنبت ولم تُنزل نحكم بكونها بالغة.
(192/4)
________________________________________
اختلاف العلماء في اعتبار الإنبات من علامات البلوغ
قال رحمه الله: [أو نبت حول قبله شعر خشن] العلامة الثانية: الإنبات، والإنبات المراد به نبات الشعر، فيعرف بلوغ الرجل وبلوغ المرأة إذا نبت الشعر حول العانة، ويكون حول القبل، والشعر ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الشعر الضعيف الذي يكون عند أول الخلق، وهذا الذي تسميه العرب بالزغب، فمثله لا يحكم فيه بالبلوغ، حتى أجاز العلماء رحمهم الله حلقه وجزه إن كان في الوجه؛ لأنه ليس بشعر لحية ولا يعد من اللحية.
وأما القسم الثاني من الشعر: فهو الشعر الشديد الخشن، ولذلك يعبر بعض العلماء فيقول: أن ينبت الشعر الخشن.
التفاتاً وتنبيهاً على المؤثر، فإذا نبت الشعر الخشن حول القبل وحول العانة -وهي أسفل السُرة فيما بينها وبين القبل- حكم ببلوغه وبلوغها.
وهذه العلامة اختلف فيها العلماء رحمهم الله، فالجمهور على أن الإنبات علامة، ودليلهم حديث محمد بن كعب القرظي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حَكَّم سعداً رضي الله عنه في بني قريظة حكم سعد فقال: (أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم).
فلما حكم فيهم بهذا الحكم قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لقد حكمت فيهم بحكم الجبار من فوق سبع سموات) فأصاب رضي الله عنه الحق والصواب.
فحكم أن تقتل مقاتلتهم، والمقاتل هو البالغ، وقوله: (وأن تسبى ذراريهم)، أي: الذين هم صغار ودون البلوغ، ويشمل ذلك أيضاً النساء، فلما حكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم؛ قال محمد بن كعب: (فكانوا من وجدوه أنبت قتلوه، ومن لم ينبت تركوه، فوجدوني لم أنبت، فجعلوني في الذرية).
وحديث محمد بن كعب القرظي حديث صحيح، وفيه دليل على قتل المقاتل البالغ، ففرقوا بين البالغ وغير البالغ بالإنبات.
فدل على أن إنبات الشعر في هذا الموضع يعد علامة على البلوغ، وأن من نبت شعره في هذا الموضع يؤاخذ وتسري عليه أحكام البالغ.
وهذا هو الصحيح، وخالف بعض العلماء فقال: إن الإنبات ليس بدليل، وهذا ضعيف، ولكن السنة قوية في دلالتها على أن الإنبات علامة من علامات البلوغ.
ثم اختلفوا: هل يختص بشعر العانة أو يشمل أيضاً شعر الإبطين وشعر اللحية والوجه، فقال بعضهم بالتعميم، وقال بعضهم بالتخصيص، لكن الأقوى أن يخصص ذلك بشعر القبل، فإذا نبت هذا النوع من الشعر حكم ببلوغه.
(192/5)
________________________________________
إنزال المني علامة من علامات بلوغ الصغير
قال رحمه الله: [أو أنزل] وهذا النوع من العلامات مجمع عليه، والإنزال علامة مشتركة إضافة إلى علامتي السن والإنبات، فإذا بلغت المرأة خمس عشرة سنة حكمنا ببلوغها، ولو بلغ الصبي خمس عشرة سنة حكمنا ببلوغه، فلا يختص ذلك بالرجال دون النساء ولا العكس.
كذلك أيضاً الإنبات يشمل الرجال والنساء، وكذلك أيضاً الاحتلام وهو خروج المني سواءً في اليقظة أو المنام، فإن خرج حكمنا ببلوغ الشخص، ويستوي في ذلك الرجال والنساء، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- الصبي حتى يحتلم) وهذا العلامة مُجمع عليها.
هذا بالنسبة للصبي، فإذا ظهرت أحد هذه العلامات حكمنا ببلوغه، ويضاف إليها ظهور الرشد متى ما بلغ الصبي.
(192/6)
________________________________________
الرشد والعقل من علامات فك الحجر عن المجنون
قال رحمه الله: [أو عقل مجنون ورشد].
هنا تنتبهون إلى دقة المصنف، فالمصنف رحمه الله ذكر علامة البلوغ، ثم أضاف إليها العقل للمجنون، وكأنه ينبه إلى أن البلوغ وحده لا يكفي بل لا بد أن يبلغ عاقلاً؛ لأنه ربما بلغ اليتيم مجنوناً -نسأل الله العافية والسلامة- أو يبلغ ما عنده عقل، فحينئذٍ لا يؤثر البلوغ، فقرن البلوغ بالعقل، ثم قرن كلاً منهما بالرشد، وهذا من دقته رحمة الله عليه، فلابد عندنا بالنسبة للصبي من أن يبلغ ويكون عنده عقل ورشد.
وبعض العلماء يقول: يبلغ ويرشد؛ لأن الرشد يستلزم العقل فيكتفي بالعلامتين، لكن المصنف أدخلهما في بعضهما حتى لا يكرر.
ف

السؤال
متى نفك الحجر عن الصبي؟ ومتى نفك الحجر عن المجنون؟ ومتى نفك الحجر عن السفيه؟ هذه هي الجمل الآن.
بينّا أن الصبي لا بد أن يبلغ، وذكرنا علامات البلوغ ويكون عند بلوغه عاقلاً راشداً.
ومعلوم أن الرشد يستعمل في الدلالة على معانٍ، فتارة يقصد منه رشد الدين وتارة يقصد منه رشد الدنيا.
فيقال: فلان رشيد، إذا كان على صلاح وخير، ومنه قوله تعالى: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} [البقرة:256] فالرشد وسبيل الرشد سبيل الحق والصواب والهدى، فهذا استعمال الرشد بمعنى الخير والسداد.
ويستعمل الرشد بمعنى: حسن النظر في أمور الدنيا، وقد أشار الله إليه بقوله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] فالرشد المراد به هنا أن يكون رشيداً يحسن التصرف في ماله.
وبناءً على ذلك: إذا بلغ الصبي فيجب على الولي أن يختبره لكي يكتشف العلامة الثانية وهي الرشد.
والرشد في الصبيان يختلف على حسب اختلاف المحجور عليهم من الصبيان، فهناك رشد يتعلق بالنساء، وهناك رشد يتعلق بالرجال، فولي اليتيم يعطي اليتيم مالاً معيناً عند البلوغ أو مقاربة البلوغ يختبره به في تصرفه.
فمثلاً: إذا كان هناك عيد أو كانت هناك مناسبة واحتاج الصبي أن يشتري ثوباً أو حذاءً أو نحو ذلك فإنه يعطيه مالاً، ويقول له: اذهب واشتر لنفسك؛ ولا يحدد له ما الذي يشتري، ويعطيه مالاً معيناً يكون بمثابة الاختبار.
مثلاً: يمكن أن يشتري الحذاء بعشرة، فيعطيه خمسة عشر ريالاً حتى ينظر كيف يتصرف؛ لأنه لو لم يعطه إلا عشرة فسيشتري الذي قيمته عشرة، فيعطيه بطريقة ليس فيها ضرر من كل وجه على ماله؛ لأن هذا محتاج إليه.
فيعطيه مثلاً -اثني عشر ريالاً- أو ثلاثة عشر ريالاً بحيث يكون هناك سلعة بهذه القيمة وأقل، فينظر كيف يشتري؟ وقال بعض العلماء: بل يعطيه نفس القيمة، والسبب في هذا: أنه إذا أعطي نفس القيمة فسينظر هل يستطيع أن يكاسر البائع ويرغم البائع ويدفع إغراء البائع به، فإذا اشتراها بعشرة علمنا بأنه رشيد، وإن ألح عليه البائع لكي يختله ويضر به، فجاء يشتكي ويقول: ما وجدت أحداً يبيعني بعشرة، أو لا أشتري بأكثر من عشرة، علم رشده، وإن جاء يقول: لا، سأشتريها بخمسة عشر، علم سفهه.
والصحيح والأقوى: الأول، أنه يعطيه ويستفضل قليلاً؛ لكي ينظر كيف يحافظ على ماله، هذا بالنسبة للرجل، فيُختبر في شراء الأشياء التي تتعلق بالرجال كالملابس ونحو ذلك، أما المرأة فقد كانوا في القديم يختبرون النساء بما يصلح شأنهن، أو بما يكون خاصاً بهن من أمور الغزل وشراء الملبوسات ونحو ذلك، فإذا جاءت مناسبة أعطاها مالاً، ثم وكل إليها أن تشتري بهذا المال، فإذا ذهبت تشتري ثيابها واشترت بسفه؛ استمر الحجر عليها، وإن اشترت برشد؛ رفع يده عنها.
ويكرر هذا مرتين أو ثلاثاً، وأقل شيء يضمن به أنه مصيب: ثلاث مرات، فقد يعطي مرة ويشاء الله أن تلك المرة يظهر له فيها أنها راشدة وربما تكون رمية من غير رامٍ، فيكرر مرتين وثلاثاً حتى يتأكد.
وقال بعض العلماء: أحب أن ينوِّع، فتارة يعطيه ليشتري حذاءً، وتارة يعطيه ليشتري طعاماً، وتارة يعطيه ليشتري كتاباً أو قلماً، أو نحو ذلك، فيختبره بأنواع متعددة حتى يستمرئ التعامل مع الناس ويُكشف على حقيقته.
وهذا لا شك أنه أبلغ في الاحتياط، وظاهر القرآن يدل عليه؛ لأن الله يقول: {وَابْتَلُوا} [النساء:6] والابتلاء: الاختبار كما قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود:7] أي: يختبركم.
وعلى هذا: لا بد وأن يختبر ويكرر عليه الاختبار حتى يثبت رشده في الشراء والبيع.
أيضاً مما يشمله الاختبار: أن تختبر الصبية والصبي بالبيع، فكما يختبر بالشراء يختبر بالبيع، فيعطى الصبي شيئاً يبيعه إذا كان أهلاً للبيع، فيقال له: خذ هذه السلعة وبعها في السوق، ويترك له الأمر ولا يحدد له قيمة، وإنما يقال له: بعها بالسوق، فيذهب، فإن أحسن بيعها وأحسن التصرف فيها فالحمد لله، ويكرر له مرتين أو ثلاثاً حتى يثبت أنه محسن للبذل؛ لأن الذي يأخذ المال لا يحكم بكونه رشيداً فيه إلا من جانبين: الجانب الأول: جانب الأخذ.
والجانب الثاني: جانب الإعطاء.
فقد يكون رشيداً في الأخذ سفيهاً في الإعطاء، وقد يكون سفيهاً في الإعطاء رشيداً في الأخذ، فبعض الناس إذا اشترى لا يمكن أن يغبن، لكن إذا باع يغبن، والعكس، فمن الناس من يغبن إذا اشترى ولا يغبن إذا باع، فإذاً لا بد وأن يكون رشيداً في بيعه وشرائه، وفي أخذه وإعطائه.
فإذا تم له ذلك وأعطيناه السلعة فباعها بقيمتها أو قريباً من قيمتها دون غبن ظاهر فيها؛ فإنه يحكم برشده ويعطى المال إليه؛ لأنه ثبت كونه مصلحاً للمال أخذاً وإعطاءً، بيعاً وشراء.
(192/7)
________________________________________
الرشد علامة لفك الحجر عن السفيه
قال رحمه الله: [أو رشد سفيه] سبق وأن ذكرنا أن السفيه هو الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء لغيره، فإذا حجرنا عليه ثم صار رشيداً في بيعه وشرائه وأخذه وعطائه نفك الحجر عنه؛ لأن ما شرع لعلة يزول بزوالها، فالأصل أنه يملك ماله، فالله يقول: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] فإذا زال وصف السفه وجب رد ماله إليه؛ لأنه مالك لماله، ولا يجوز أن يمنع من التصرف في مال يملكه.
(192/8)
________________________________________
حكم رفع الحجر من دون الحاجة إلى حكم القاضي
قال رحمه الله: [زال حجرهم بلا قضاء] مسألة فك الحجر عن المحجور عليهم فيها نوعان: - نوع منهم لا يفك الحجر إلا بحكم القاضي.
- ونوع منهم يفك الحجر عنهم بدون حكم القاضي.
فمثلاً: عندنا السفيه، مذهب طائفة من العلماء أنه لا يفك عنه الحجر إلا بحكم القاضي؛ للاختلاف في السفه والخروج من السفه واختلاف الأعراف في ذلك، فقالوا: يحتاط، فلا يحكم بفك الحجر عنه إلا بحكم القاضي، وقال بعض العلماء: هؤلاء الثلاثة: الصبي والمجنون والسفيه إذا رشدوا وزال عنهم وصف السفه والجنون والصبا حكمنا بأهليتهم للتصرف بدون حكم القاضي ويرفع الحجر عنهم.
ما فائدة الخلاف؟ فائدة الخلاف: لو أن صبياً حكمنا بالحجر عليه، وبلغ اليوم، وكان قد اختبره وليه عند البلوغ وإذا به رشيد، فلما بلغ اليوم اشترى عمارة بنصف مليون، ثم سئل فقيل: هل هذا رجل محجور عليه فلا نصحح البيع؟ فنقول: إن الحجر عليه زال بمجرد بلوغه إيناس الرشد منه.
فإن الله تعالى لم يشترط حكم القاضي وقال: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] هذا في الصبي.
كذلك لو أن مجنوناً حجرنا عليه وأفاق من جنونه، فقال له رجل: بعني مزرعتك بخمسمائة ألف؛ فباعها بخمسمائة ألف، وقيمتها تساوي خمسمائة ألف، فإننا نقول: إن هذا المجنون متى ما زال عنه السبب الموجب للحجر عليه رجع حراً في ماله يتصرف فيه كما يتصرف العاقل.
وهكذا بالنسبة للسفيه فإنه يُحكم بفك الحجر عنه بدون حاجة إلى حكم القاضي، أما لو اشترطنا حكم القاضي، وتصرف الصبي أو السفيه أو المجنون فباع أحدهم شيئاً اليوم وقد زال المانع من الحجر عليه فإنه ينتظر إلى فك الحجر، ويبقى البيع معلقاً ومردوداً إلى نظر الولي، فإن أجازه صح وإن لم يجزه لم يصح.
مسألة ثانية من فوائد الخلاف: لو أن الصبي بلغ رشيداً وتصدق في هذا اليوم بألف، وليس فيه غبن على ماله، فإن قيل بأن الحجر يزول بمجرد وجود علامة البلوغ والرشد، فحينئذٍ صدقته نافذة، وعطيته صحيحة، والعكس بالعكس.
ومثال آخر: لو أن هذا الصبي بلغ اليوم وتصدق أو تبرع بألف لأخيه، ثم توفي في حادث، ولم يكن مريضاً مرض الموت، فهذه الألف عطية، وإن قلنا: إن الحجر عليه لا يفك إلا بحكم القاضي فهي لاغية؛ لأن عطية المحجور عليه قبل فك الحجر عنه لا تصح، فترد الألف وتبطل العطية.
وإن قلنا: يفك عنه بمجرد بلوغه ورشده، فعطيته نافذة وتُملك بمجرد القبض.
إذاً: هذه المسألة -هل نفك الحجر عنه بمجرد وجود علامة الفك أم أنه لا بد من حكم القاضي؟ - لها فوائد ولها آثار: والصحيح: أنه لا يشترط حكم القاضي على ظاهر النص في التنزيل.
(192/9)
________________________________________
ما تخص به المرأة من علامات البلوغ
قال رحمه الله: [وتزيد الجارية في البلوغ بالحيض].
وتزيد الجارية الأنثى بعلامة في بلوغها وهي: الحيض؛ لأنه يكون بالنساء، فإذا حاضت المرأة حكم ببلوغها.
قال رحمه الله: [وإن حملت حكم ببلوغها] لأن الحمل يكون عن حيض.
(192/10)
________________________________________
حكم رفع الحجر قبل تحقق الشروط
قال رحمه الله: [ولا ينفك قبل شروطه] ولا ينفك الحجر قبل شروطه، يعني: قبل وجود الشروط المعتبرة لفك الحجر، وهي: - البلوغ للصبي مع الرشد.
- والرشد في السفيه.
- والعقل في المجنون مع الرشد.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الراشدين في الدين والدنيا.
(192/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحجر [6]
الذي يحجر عليه لمصلحة نفسه لا يدرك مصلحته، ولهذا أوجبت الشريعة أن يكون هناك من يتولى أمره ومصالحه حتى يستطيع أن يتولاها بنفسه، ولكن هذا الولي لا يتصرف بما شاء، وإنما يتصرف بحدود مصلحة موليه؛ لأن هذا هو المقصود من وضعه في هذا الملف، ولهذا جعل العلماء عدة ضوابط لتصرفات الولي.
(193/1)
________________________________________
وقت فك الحجر عن السفيه والصبي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد ذكر المصنف -رحمه الله- هذه الجملة لبيان فك الحجر عن السفيه والصبي، وذلك بثبوت الرشد في كل منهما، وقد بينّا أن الرشيد في ماله هو الذي يحسن الأخذ لنفسه والإعطاء لغيره.
ومعنى ذلك أنه إذا اشترى أو استأجر أو أخذ شيئاً فإنه لا يغبن كما ذكر المصنف رحمه الله، فلا يباع عليه الشيء بأكثر من قيمته؛ ولا يبيع الشيء بأقل من قيمته.
فإذا كان على هذه الحالة أكثر من مرة، واختبر فبان أنه يتصرف على هذا الوجه: يحسن الأخذ لنفسه ويعطي لغيره على وجه معروف؛ فإنه يفك الحجر عنه.
(193/2)
________________________________________
ضابط الرشد عند السفيه والصبي
قال رحمه الله: [والرشد] أي: حقيقة الرشد وضابط الرشد في الشرع ما ذكره [بأن يتصرف في ماله مراراً فلا يُغبن غالباً].
قوله: (مراراً) فلو أعطى ولي اليتيمة اليتيمة مالاً فباعته أو اشترت به مرة وأصابت فإنه لا يحكم برشدها، بل لا بد من أن يتكرر ذلك أكثر من مرة؛ لاحتمال أن تكون أصابتها في المرة الأولى بدون قصد، كأن تكون حصلت موافقةً.
وعلى هذا فلا بد وأن يختبر أكثر من مرة قبل بلوغه -كما ذكرنا- أو عند بلوغه، وإذا أراد أن يختبره أعطاه مالاً وقال له: خذ بع هذا أو اذهب واشتر بهذا المال لك ثياباً أو طعاماً أو نحو ذلك، فإذا كرر البيع وكرر الشراء وكان على المعروف والسنن حُكم برشده.
قال رحمه الله: [ولا يبذل ماله في حرام] الرشد يشترط فيه ألا يبذل صاحبه المال في غير طاعة الله عز وجل، أو يبالغ في إنفاق المال في الشهوات.
فالمصنف ذكر المعصية وهي الحرام، لكن أيضاً يضاف إليها أن ينفق ماله ويكثر من الإسراف في المباحات، كرجل يدفع المال الكثير لقاء النزهة أو الفسحة، ويكون ذلك المال الذي أنفقه في سفره للنزهة والفسحة كبيراً وكثيراً، فإنه يحكم بسفهه وبزوال الرشد عنه، وإذا ثبت عليه ذلك عند القاضي حكم بالحجر عليه.
فإذاً لابد وأن يكون تصرفه على الوجه المعروف، وذلك بإحسانه للأخذ لنفسه والإعطاء لغيره، وعدم إنفاقه للمال في الحرام أو إسرافه في المباحات كما قال بعض العلماء: والسفه التبذير للأموال في لذة وشهوة حلال وخرّج العلماء على الوصف الأخير الذي ذكرناه -وهو إنفاق المال في الشهوة الحلال- أن يكون شراؤه للأشياء بأكثر مما تستحقه أو بما لا تملك بمثله، كأن يكون مثلها يشترى بمائة فيبالغ ويشتريه بمائتين أو بثلاثمائة.
أو يكون يحتاج إلى سيارة ومركب، وتكفيه سيارة بمائة ألف -مثلاً- فيذهب ويشتري سيارة بمائتين أو بثلاثمائة، فمثل هذا إذا أنفق المال وزاد وبالغ في المباحات فأسرف فيها، فإنه يُحكم بكونه سفيهاً.
قال رحمه الله: [أو في غير فائدة] كذلك لو أنفق المال في غير فائدة، كأمور اللهو التي لا تعتبر محرمة ولا مندوبة، وذلك اللهو المندوب الإنسان مع فرسه من أجل أن يتعود الفروسية، أو لهوه بسلاحه من أجل أن يتعود ويعد نفسه للجهاد في سبيل الله ونحو ذلك من المقاصد الشرعية؛ فاللهو الذي يكون لا فائدة فيه ويدفع المال فيه فإنه يُحكم بسفهه.
فلو دخل لكي ينظر إلى مناظر طبيعية بالغ أصحابها في قيمتها كأن لا يدخل لرؤية هذه المناظر إلا بمائة ريال، فدخل ودفع المائة وذهب ينظر في هذه المناظر، فما الفائدة التي يعود بها! فحينئذٍ إذا أنفقها فيما لا فائدة فيه فإنه يحكم بكونه سفيهاً.
(193/3)
________________________________________
وجوب اختبار الصبي قبل دفع المال إليه
قال رحمه الله: [ولا يدفع إليه حتى يختبر قبل بلوغه بما يليق به] ولا يدفع المال إلى الصبي إذا كان محجوراً عليه حتى يختبر ويمتحن كما ذكرنا؛ لأن الله أمر بذلك فقال سبحانه: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] فأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نختبر اليتامى وذلك عند بلوغهم، فإذا حصل أو ثبت رشدهم فإنه يحكم بإعطاء الأموال إليهم.
وإنما حكم العلماء بلزوم الاختبار؛ لأننا لا نحكم برشده إلا بعد ثبوت ذلك الرشد بالاختبار.
(193/4)
________________________________________
الأحق بالولاية على السفيه والصبي أثناء الحجر عليهم
قال رحمه الله: [ووليهم حال الحجر الأب ثم وصيه ثم الحاكم] إذا كان الصبي محجوراً عليه فإن الذي يتولى أموره وحفظ ماله هو والده، وهو أحق الناس بذلك.
وهذا إنما يتأتى إذا كان للصغير مال، كأن تموت أمه وتترك له إرثاً، كصبي -مثلاً- ماتت أمه وتركت له مائة ألف، فالواجب على أبيه أن يأخذ هذا المال وأن يحفظه، حتى إذا بلغ الصبي دفع إليه ماله.
هذا بالنسبة للأشخاص الذي لهم حق الولاية، وبعبارة أخرى: من هو الولي الذي ينصب على اليتيم؟ فذكر رحمه الله أن أولى الناس بالولاية الأب، ثم وصي الأب إذا كتب الإنسان وصيته وخاف على أولاده، كأن يكون عنده ذرية ضعيفة -أطفال- ويخشى عليهم أنه لو مات عنهم أنهم يضيعون، فيجب عليه شرعاً أن يعهد ويوصي من يثق بدينه وأمانته أن يحفظهم.
فلا يجوز للمسلم إذا كان عنده أطفال أن يأمن الموت؛ لأن الموت يأتي الإنسان دون أن يشعره ويعلمه، وكم من ضاحك قد نسجت أكفانه.
فالواجب على المسلم إذا كان عنده أطفال وذرية أن يكتب وصيته، وأن يكتب في وصيته أن أولاده وأبناءه وبناته يليهم فلان، سواءً كان من القرابة أو من غير القرابة، إلا أن الوصية من القرابة أولى وأحق.
فإن كان هناك من أبناء العم أو العشيرة أو القبيلة من يُعرف فيه الدين والأمانة والحفظ والرعاية فإنه ينصبه على أولاده ليقوم عليهم ويرعى شئونهم ونحو ذلك.
فهذا الوصي الذي يوصي إليه الأب هو أحق بالولاية على أولاده إذا توفي، فيقوم هذا الوصي مقام الأب، وإنما قُدِّم الأب؛ لأن أكمل الناس شفقة على الإنسان هم الوالدان، ولا شك أن شفقة الأم أعظم من شفقة الأب، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما ضرب المثل لعظيم رحمة الله عز وجل، وأراد أن يبيّن للعباد عظيم حلمه جل جلاله ورحمته بعباده، ضرب لهم ذلك بالأم حينما لقيت ولدها وقد خافت أن يكون قتيلاً في الحرب، فلما لقته أخذته وضمته إلى صدرها، فقال صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا.
قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها).
فالوالدان أسكن الله في قلوبهما الرحمة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حينما دمعت عيناه على ابنه إبراهيم وبكى عليه الصلاة والسلام وعجب الصحابة وقالوا: ما هذا يا رسول الله؟ قال: (رحمة أسكنها الله في قلوب عباده).
فالوالد في قلبه رحمة لولده، والأم لا تستطيع أن تتولى أمور البيع والشراء والأخذ والعطاء على الأيتام، ولذلك الأب مقدم، وفي الأب من النصيحة لأولاده ما لا يخفى، فهو المقدم على غيره في ولاية أمور الصغار.
وكذلك أيضاً يليه الوصي؛ لأن شفقة الأب وحنانه تجعله لا يوصي بأبنائه بعد موته إلا لشخص يرى أنه يحل محله، وأنه يكون مثله أو أفضل منه.
فالواجب على الأب أن يفعل ذلك إذا علم أن هناك أيتاماً، وخاصة إذا وجد من القرابة -نسأل الله العافية والسلامة- من يعرف بالظلم واغتصاب الأموال وأذية الأيتام، ولا يبالي بالحقوق، فخاف عليهم من قرابتهم، فإنه يجب عليه أن ينصب الأصلح الذي يخاف الله عز وجل ويتقيه فيهم، كما قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء:9] فأمرنا الله إذا كان عندنا ذرية ضعيفة أن نتقيه فيهم، والذرية الضعيفة هم الأطفال، ومعنى ذلك أن كل إنسان عنده أطفال ينبغي أن ينظر هذا النظر، وألا يأمن الموت، وأن يكتب وصية لمن يقوم على أولاده في حالة موته.
هذا الوصي الذي توصي إليه أول شيء ما تنظر إليه فيه: دينه، فالدين هو عماد الخير كله، وينظر إلى تقواه لله سبحانه وتعالى؛ لأن المتقي أمين إذا استؤمن، وصادق إذا تكلم، وفيه من الحفظ والرعاية ما ليس في غيره.
ثم بعد ذلك تنظر إلى خلقه من ناحية أخلاقه ومعاملاته، بأن يكون رجلاً ديناً فيما بينه وبين الله يخافه ويتقيه ويحفظ حقوق الله، وذا خلق فيما بينه وبين الناس؛ لأنه ربما كان إنساناً ديناً لكنه عصبي وأخلاقه شرسة لا يستطيع أن يأمن نفسه؛ وتكون فيه حدة الطبع، فإذا جاء اليتيم يستعطفه في مال أو شيء ربما كهره، وربما أساء إليه وأغلظ عليه وربما قهره، وقد يكون ذلك بدون شعور منه، فينبغي أن ينظر إلى الخُلُق.
وثالثاً: ينظر إلى عقله، فقد يكون إنساناً فيه دين وصلاح، لكنه ناقص العقل، بمعنى: أنه أخرق لا يحسن التقدير للأمور، ولا يحسن النظر ولا الاجتهاد، فينبغي أن ينظر إلى عقله وبعد نظره وحسن تدبيره للأمور، حتى إذا طرأ شيء على أموال اليتامى أحسن التصرف، وكان عنده من الفطنة والذكاء والحذر والحزم ما يحفظ به أموال هؤلاء الضعفاء.
فإذا استجمع هذه الشروط فإنه يعهد إليه ويوصي إليه، وحبذا لو أنه يستدعيه ويذكره الله فيما بينه وبينه حتى يكون ذلك أبلغ في حفظه لماله ورعايته لأيتامه.
فالأب ومن اختاره الأب لأولاده يقدم على من سواه، وإن نصبه القاضي؛ لأن الأب أدرى بولده، وينصب الأب من يختار على أيتامه سواءً كانوا ذكوراً أو إناثاً، وله الحق أن يوصي بالذكور والإناث ويقول: فلان يلي أمور أيتامي، ويشمل ذلك ذكورهم وإناثهم.
قال رحمه الله: [ثم الحاكم] وذلك لأن الله جل وعلا جعل ولي الأمر كالوالد للناس، يعطف عليهم ويقوم على شئونهم ويرعى مصالحهم، فالولاة نصبوا على الناس حتى ينظروا الأصلح والأقوم والأهدى سبيلاً فيتبعوه ويأخذوا به.
وعلى هذا فلو مات إنسان وترك أيتاماً ولم يوص بهم لأحد، فإنه يرفع أمرهم إلى القاضي؛ لأنه يقوم مقام ولي الأمر، ولأن له ولاية النظر في المصالح، وهو منصب من ولي الأمر للنظر في مثل هذه الأمور.
فيقوم القاضي ويسأل عن قرابة الميت: هل فيهم رجل فيه من الدين والعقل والأمانة فيقدمه على غيره؛ فإذا لم يجد في قرابة الميت من هو أهل للقيام على أموال اليتامى، فإنه ينظر من سائر الناس من هو كذلك، فينصبه على هؤلاء الأيتام، ويوصيه بتقوى الله عز وجل، ويعظه ويذكره هذه الأمانة، ثم يفوض إليه الأمر بالنظر في مصالح هؤلاء الأيتام.
(193/5)
________________________________________
كيفية تصرف ولي أمر السفيه أو اليتيم أو المجنون لهم
قال رحمه الله: [ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ] بعد أن بيّن رحمه الله من الذي يولى على الأيتام، شرع في بيان تصرف الولي، فإذا كان الولي ينصب على اليتيم والمجنون والسفيه، فماذا ينبغي عليه؟ قال رحمه الله: (ولا يتصرف) أي: الولي، والتصرف يشمل البيع والشراء والأخذ والعطاء من سائر المعاملات، فلا يتصرف هذا الولي في مال اليتيم إلا بالأحظ، والأحظ أفعل تفضيل بمعنى: أن يتصرف التصرف الذي هو الأفضل لمصلحة مال المحجور عليه.
وبناءً على ذلك: نفهم من هذا أنه ليس من حق الولي أن يتصرف تصرفاً يضر بالمال كله أو ببعضه، إلا في مسائل مستثناة.
فمن هنا: لا يصح للولي أن يتصدق بالمال، فلو أنه تصدق بالمال ضَمِن، ويجب عليه أن يضمن المال كاملاً، ولا يصح منه أن يتبرع بهذا المال، فلو قال: أنا وليهم أتبرع بهذا المال لأمهم، لم يكن من حقه ذلك.
فليس له أن يتصرف بما فيه ضرر، فيتلف المال كله أو يتسبب في ذهاب منفعة المال، بل عليه أن ينظر الأحظ.
وإذا كان ملزماً بالنظر بالأحظ، فيشمل ذلك أن يتصرف بالبيع ويتصرف بالإجارة ويتصرف بغير ذلك من مسائل المعاملات.
فعلى هذا: لو كان اليتيم توفي عنه أبوه وترك له عمارة، وهذا اليتيم بقي له ثلاث سنوات ويبلغ، والعمارة لو بقيت ثلاث سنوات ستنزل قيمتها وتصبح قيمتها رخيصة، وسأل أهل الخبرة فقالوا: إن العمارة سعرها الآن أفضل، فرأى المصلحة والأحظ أن يبيعها، فيجوز له أن يبيع؛ لأنه يلتمس الأصلح والأحظ.
كذلك العكس: لو أنه توفي وترك لأيتامه أرضاً، وهذه الأرض في مكان بعيد، وليس لها قيمة الآن، وقيمتها -مثلاً- عشرة آلاف لو بيعت الآن، وعلم عن طريق أهل الخبرة أو عن خبرته ومعرفته، أنها لو بقيت سيصل إليها الناس وتصبح قيمتها أكثر فيمسكها ويمتنع من بيعها.
ولاحظ الفرق بين الحالة الأولى والحالة الثانية: فإنه في هذه الحالة إذا غلب على ظنه أن الأصلح بقاء الأرض أبقاها وأمسكها، ففي حال البذل بالبيع وفي حال الإمساك إنما يروم ويقصد الأصلح للأيتام، فإذا نظر وعلم الأصلح والأفضل فإنه يقدم عليه ويعمل به.
ومثال آخر: في الإجارة: لو كان عند الأيتام عمارة، إذا أجرت فإنها تدر عليهم أموالاً، وهذه الأموال أنفع وأصلح لهم، خاصة وأنهم قد يتوفى أبوهم ولا يترك لهم سيولةً، فيحتاج ولي الأيتام إلى شيء ينفق منه على الأيتام، لشراء طعامهم وشرابهم ونحو ذلك، فرأى من المصلحة ألا يبيع العمارة وإنما يؤجرها فأجرها، فإنه حينئذٍ تصرف بالأحظ والأصلح.
لكن لو كانت هذه العمارة تؤجر على قوم يدفعون -مثلاً- عشرة آلاف، وآخرون يدفعون ثمانية آلاف فإلى أيهم نؤجر؟

الجواب
ينظر إلى من سيدفع العشرة أهم أحفظ لمصالح العمارة أكثر ممن سيدفع الثمانية أم لا، فقد يؤجر إلى أناس يتلفون مصالحها ويضرون بها، ثم بعد خروجهم يحتاج إلى إنفاق أموال لإصلاح ما أفسدوه وضيعوه، مع أنه شرعاً يجب على الأجير إذا أتلف شيئاً في العمارة ألا يخرج إلا وقد أصلحه.
وهذه من الأخطاء التي يخطئ فيها أولياء الأيتام ونظار الأوقاف، أن الأجير يخرج وقد أتلف المصالح والأعيان، وهذا لا يجوز؛ لأن هذا من إضاعة المال، وفي الشرع لو أن ناظر الوقف تساهل وخرج المستأجرون وتركهم يخرجون دون أن يضمنوا ما أتلفوه، فإنه يدفع من ماله وجيبه ما يصلح به ما أفسدوه؛ لأنه هو الذي مكنهم من ذلك، وقصر ولم يطالبهم بإصلاح ما أفسدوه.
فالمقصود: أن الولي لليتيم والناظر للوقف ونحوهم كلهم ينظر الأصلح للمال، سواءً كان ذلك ببيعه أو استئجاره أو إجارته أو نحو ذلك.
كذلك أيضاً: لو كان للأيتام مائة ألف، وهذه المائة ألف لو بقيت في البنك أو عند الصبي فإنها تأكلها الزكاة؛ لأن عليها زكاة؛ فحينئذٍ ينقص المال ولا يبلغ إلا وقد نقص المال، فنظر إلى أن الأفضل والأحظ أن يتاجر بهذا المال فنقول له: تاجر بهذا المال.
إذاً: القاعدة عندنا: أن ينظر الأصلح والأحظ، وكيف يتوصل إلى الأصلح والأحظ؟ نقول له: سل الناس إذا كنت تجهل، أو اجتهد على قدر علمك ووسعك إذا كان عندك علم وخبرة تتمكن عن طريقها من معرفة الأصلح والأحظ للمال.
(193/6)
________________________________________
حكم اتجار ولي اليتيم بمال اليتيم لمصلحة اليتيم
قال رحمه الله: [ويتجر له مجاناً] أي: ويتجر في مال اليتيم مجاناً، فلا يأخذ أجرة مثله إلا في مسائل ستأتي عند الحاجة، أما إذا اتجر بمال اليتيم فإنه لا يتعامل مع اليتيم، فلا يشتري من مال اليتيم، ولا يستأجر مال اليتيم؛ لأنه محل التهمة.
وعند بعض العلماء لا يصلح أن يكون مؤجراً أو مستأجراً أو بائعاً لليتيم أو مشترياً منه في آن واحد، لكن هذه العلة الثانية ضعيفة؛ لأنه يمكن أن يتزوج اليتيمة إذا عدل وأقسط إليها كما هو مقصود التنزيل واختارته أم المؤمنين عائشة وقال به الجماهير، أن ولي اليتيمة إذا عدل بمهرها وأقسط فلا بأس عليه، فهو ولي وهو زوج.
وأياً ما كان فمسألة الاجتماع قد لا تخلو من نظر كما ذكرنا، لكن ولي اليتيم يتاجر بمال اليتيم، أما مشروعية التجارة له ففيها حديث ضعيف، والصحيح أنه موقوف على عمر رضي الله عنه، فقد قال رضي الله عنه في خطبته: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) فأمرهم أن يتاجروا بأموال اليتامى لئلا تأكلها الصدقة؛ لأن كل سنة عليها زكاة، فالمال ينقص، وحينئذٍ ينبغي على ولي اليتيم أن يحتاط لذلك، وبذلك أفتت وعملت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فكانت تلي أيتاماً لأخيها عبد الرحمن رضي الله عنهما، وكانت تتاجر لهم في أموالهم.
فإن تاجر الوصي فيتاجر مجاناً، ولا يأخذ أجرة عمله، وعلى هذا فإنه يكون قائماً على مال اليتيم وأجره على الله، فإن من أعظم الأعمال أجراً وثواباً: الإحسان إلى اليتامى، ومن الإحسان: استصلاح أموالهم والسعي فيما يعود عليهم بالخير، فإن هذا أجره عند الله أعظم، وثواب الآخرة أكبر.
وبناءً على ذلك فقد أجمع الصحابة على جواز التجارة بمال اليتيم؛ لأنه لا مخالف فيه، والعمل عليه عند أهل العلم رحمهم الله، وإذا ثبت ذلك فإنه يتجر بدون مقابل.
(193/7)
________________________________________
حكم المضاربة في مال اليتيم
قال رحمه الله: [وله دفع ماله مضاربة بجزء من الربح] قررنا أن ولي اليتيم يتصرف بالأحظ، وإذا كان يتصرف بالأحظ فله أن يتاجر في المال، لكن تبقى مسألة وهي: لو أنه تاجر في المال فاحتاج إلى عمال أو إلى أناس يقومون بالتجارة، فهل الذين يقومون بالتجارة لا يعطى لهم أجر؟

الجواب
لا، فقوله: (مجاناً) راجع إلى الولي وليس إلى العمال الذين يستأجرهم ويطالبهم للعمل، وإلا لما أمكن أن يتاجر بأموال اليتامى؛ لأنه إذا كان الولي لا يأخذ والعمال لا يأخذون فلن تقوم تجارة أصلاً، بل أين يوجد هذا؟! لكن يجوز أن يستأجر أناساً بالمعروف ويعطيهم أجرة بالمعروف، وبما جرى عليه العرف، لا يزيدهم ولا يظلمهم، ويعطيهم من مال اليتيم كما يعطى غيرهم من الأجراء، وذلك جائز ولا بأس به.
وإذا ثبت أن ولي اليتيم لا يجوز أن يضحي بشيء من مال اليتيم فيرد السؤال هنا: بعض العقود تبرم بين الشخص والآخر ويكون فيها نقص للمال، فأنت -مثلاً- إذا دفعت مال اليتيم إلى رجل ليتجر به وهو الذي يسمى بالمضاربة، -والمضاربة من الضرب في الأرض؛ لأن التجارة تحتاج فيها إلى السفر والضرب في الأرض- فلو أنك دفعت مائة ألف من مال اليتيم إلى رجل من أجل أن يتاجر فيها مضاربة، فإنه سيقول لك: أريد جزءاً من الربح؛ لأن المضاربة تدفع المائة ألف ويكون الربح بين صاحب المال وبين العامل، فلو أنه دفع مائة ألف إلى عامل، وقال له العامل: أنا آخذ نصف الربح، فحينئذٍ سينقص مال اليتيم، فبدل أن يكون الربح كله لليتيم سيكون نصف الربح له والنصف الآخر للعامل، فنقول: هذا جائز ولا مانع منه؛ لأنه جارٍ على سنن المضاربة.
ولذلك نص رحمه الله على هذه المسألة فقال: له أن يضارب في هذا المال على جزء من الربح.
يعني: يقول لشخص: خذ هذه المائة ألف واضرب بها وتاجر بها ونمَّ المال والربح بينك وبين اليتيم، أو ثلاثة أرباع الربح لليتيم وربعه لك، أو الثلثان لليتيم والثلث لك، أو العكس الثلث لليتيم والثلثان لك على حسب ما يرى فيه المصلحة.
والحقيقة أن إتلاف جزء من المال لاستبقاء الكل صحيح شرعاً، فولي اليتيم أو ناظر الوقف إذا أتلف جزءاً من المال من أجل بقاء المال فإن المصلحة تقتضي هذا.
ولذلك لما ركب موسى عليه السلام مع الخضر، وكسر الخضر لوح السفينة، أنكر عليه موسى عليه السلام، ولما بيّن له الخبر قال: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79] فهو قصد الإتلاف والإفساد حتى لا تفوت السفينة بكاملها؛ ولذلك أخذ العلماء من هذا القاعدة المشهورة: (يرتكب الضرر الأخف دفعاً للضرر الأعظم)، وفي معناها قولهم: (إذا تعارضت مفسدتان روعي ارتكاب أخفهما لدفع أعظمهما)، فحينئذٍ فوات السفينة أعظم، وذهاب اللوح من السفينة أخف، فلولي اليتيم أن يضحي بجزء من المال لاستبقاء الكل.
وله كذلك أن يجعل الربح بين اليتيم وبين غيره بما يرى فيه المصلحة للمال ولليتيم.
(193/8)
________________________________________
حكم أكل الولي الفقير من مال موليه
قال رحمه الله: [ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته] هذه المسألة مستثناة من الأصل الذي ذكرناه، وقد قلنا: إن العلماء رحمهم الله يقررون الأصل ثم يذكرون أفراد المسائل التي تستثنى، فهنا عرفنا أن الولي لا يأكل من مال اليتيم وبينّا هذا الأصل.
ويرد

السؤال
الولي الغني ليس بحاجة، ويستقيم أن يقال: أجره على الله، والقاضي إذا نصب شخصاً للنظر في مصالح اليتيم وصار ولياً عليه، فإنه سيتعطل عن مصالحه، وقد لا يجد وقتاً من أجل أن يطلب الرزق، فلو كان فقيراً واحتاج إلى أن يأكل من مال اليتيم فهل يجوز له ذلك؟

الجواب
نعم، وهذا قول جماهير العلماء وأئمة السلف ودواوين العلم رحمة الله عليهم أجمعين، أن ولي اليتيم إذا كان فقيراً فإنه يجوز له أن يأكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:6] فأحل الله عز وجل له أن يأكل بالمعروف.
وعلى هذا قال العلماء: يأكل الأقل من أجرته وكفايته، أو يأخذ الأقل من أجرته وكفايته، والمراد بذلك: أنه إذا كان ولياً على يتيم وكان فقيراً واحتاج أن يأكل وهو قائم على مال اليتيم نقدر أجرة مثله، فلو كانت أجرة مثله في الشهر ألف ريال وكفايته في البيت ثمانمائة ريال فإنه يأخذ الثمانمائة ريال، ويأكل في حدود الثمانمائة.
فعندنا سببان: الأول: كونه قائماً على المال، وهذا يقدر فيه أجرة المثل.
والثاني: كونه محتاجاً وهذا يقدر فيه دفع الضرر عنه.
فعندنا أمران: كونه فقيراً ومحتاجاً، وكونه تولى هذا المال وقام على حفظه ورعايته.
فهذان سببان كلاهما يحل للشخص أن يأكل من مال اليتيم، لكن لا تخلو المسألة من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يتساويا، فتكون أجرة مثله تساوي قدر كفايته.
مثلاً: تولى المال وكان سيولة، ولم يتاجر به، فلو استأجرت شخصاً من أجل أن يحرس المال ويحفظه تقدر له -مثلاً- في الشهر خمسمائة ريال، فلو قدرت له خمسمائة ريال كأجرة، ونظرت إلى قدر كفايته في طعامه ونفقته في نفسه فوجدت أنه خمسمائة ريال، تقول: تساوت أجرة مثله مع حاجته؛ فحينئذٍ لا إشكال، فيعطى الخمسمائة وتتساوى الأجرة مع الحاجة.
الحالة الثانية: أن تكون الأجرة أغلى من حاجته، كرجل -مثلاً- ينمي مال اليتيم ويتاجر فيه، فمثله لو قدر أجرة عمله فإنه يعطى -مثلاً- ثلاثة آلاف في الشهر، وكفايته ألف، فنقول: يعطى الألف إذا كانت كفايته أقل من أجرته، والعكس لو كانت أجرته أقل من كفايته، كرجل عنده أولاد وأسرة كبيرة ينفق عليهم، وكفاية مثله في أهله وولده: ألفان، وأجرة مثله: ألف؛ فحينئذٍ قدر كفايته أكثر من أجرة مثله، فيعطى أجرة مثله.
ولذلك ينظر الأقل من السببين؛ لأنه يأكل بسبب الأجرة ويأكل بسبب الحاجة فيعطى الأقل منهما، وهذا نص عليه جمهور العلماء رحمهم الله؛ لأن الأصل حفظ مال اليتيم، وحل الأكل إنما هو لوجود الحاجة، وما أبيح للحاجة يقدر بقدره.
فيرد السؤال: إذا كانت أجرة مثله أكثر من كفايته، لماذا لا نعطيه أجرة مثله؟ الجواب: أن الشرع لم يجعل ولي اليتيم أجيراً، ولذلك لا نستطيع أن نضحي بمال اليتيم ونعطي من يقوم عليه الأجرة بدون نص وبدون أصل شرعي، وإنما قدرنا أجرته من أجل تعارضها مع كفايته، فمن حيث الأصل يحرم الأكل عليه، والأصل أنه يلي أمر اليتيم وأجره على الله، إذ لو فتح هذا الباب ربما أكلت أموال اليتامى وذهبت قبل أن يبلغ اليتامى.
وعلى هذا: ننظر إلى الأقل من أجرته وكفايته فنعطيه، سواءً كانت الأجرة أو كانت الكفاية.
قال رحمه الله: [أو أجرته مجاناً] هنا مسألة ثانية: لو أن شخصاً تولى على مال اليتيم وكان فقيراً، وأنفق على نفسه خلال ولايته على اليتيم سبعة آلاف ريال، ثم لما قارب اليتيم البلوغ أصبح الولي غنياً، فكان فقيراً فأكل ثم اغتنى بعد ذلك، سواءً عند البلوغ قبل أن يدفع المال أو بعد بلوغ اليتيم وقد دفع المال، فهل نقول له: رد لليتيم السبعة آلاف؟ أي: هل يضمن ما أكله؟ قال رحمه الله: [مجاناً].
للعلماء وجهان في هذه المسألة: بعض العلماء يرى أنه يدفع ويضمن ما أكله، وبهذا أفتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقولته المشهورة: (إني أنزلت نفسي من مال المسلمين كمنزلة ولي اليتيم، إذا اغتنيت تركته وإذا افتقرت أكلت، فإن أيسرت رددت ما أخذت).
فدل على أنه يقضي بعد اليسر، فإذا يسر الله عليه واغتنى ضمن المال.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يقضي، وبعض العلماء يجعل أكل الولي من مال اليتيم في حال الفقر بشرط وهو: أن يكون المال في تجارة ونماء، أما لو كان المال لا يجري وليس في التجارة ولا في النماء فلا يفتي بجواز أكله منه.
(193/9)
________________________________________
الأحوال التي يقبل فيها قول الولي والحاكم بعد فك الحجر
قال رحمه الله: [ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة] إذا ثبت أن الأصل عدم جواز التصرف في مال اليتيم، وبينّا المسائل التي يجوز للولي أن يأخذ فيها ويأكل فيها بالمعروف، يرد

السؤال
إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه وادعى اليتيم أن وليه أكل منه، أو أن وليه ظلمه في المال فأنفق فيما لا ينبغي أن ينفق فيه، أو دفع المال في شيء يشترى بالأقل فاشتراه بالأكثر، أو باع ما لا ينبغي بيعه، أو اشترى ما لا ينبغي شراؤه -لأن هذا كله وارد- فهل نقبل قول الولي أو نقبل قول اليتيم؟ هذه مسألة، كذلك أيضاً: إذا جاء وقت دفع المال إلى اليتيم عند البلوغ ووجدنا اليتيم رشيداً في تصرفه وحكم القاضي بدفع المال إليه، فسيحاسب الولي، ويقدم الولي بياناً لما دفعه على اليتيم من المصاريف في طعامه وشرابه وكسوته ومسكنه وملبسه إلى غير ذلك، فيقدمه ويقول: أنفقت عليه كذا وكذا، وكان ماله مائة ألف، فأنفقت عليه منها عشرة آلاف في طعامه ومسكنه وكسوته وغير ذلك، فيذكر الأمور التي أنفق فيها على اليتيم.
هذه العشرة آلاف التي يدعي الولي أنه أنفقها هل نقول: نقبل قوله هكذا أو نطالبه بالدليل؟ هذه مسألة ثانية، فالمسألة الأولى: إذا ادعى اليتيم، والمسألة الثانية: إذا حضر وقت الدفع ورد المال إلى اليتيم، ففي كلتا المسألتين يقبل قول الولي، والقاضي يقبل من ولي اليتيم ما يدعيه، فقال رحمه الله: (ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة).
فإذا كان الحاكم هو الذي يتولى أمر اليتامى، فإنه يقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر عن اليتيم في النفقة، وإذا قلت: يقبل قوله، فمعناه: أنه يكون مدعىً عليه، ومعنى هذا: أنه لو حصلت خصومة وقضاء فسيكون الولي مدعىً عليه والقول قوله، لأنه إذا قيل: القول قول فلان فخصمه مدعٍ، والذي يُطالَب بالبينة خصمه ولا يُطالَب هو، فإذا جاء وقال: أنفقت عليه بعشرة آلاف فلا نقول له: أحضر شهوداً وأدلة على أنك أنفقت العشرة، بل يقبل قول الولي والحاكم.
قوله: (في النفقة) أي: في طعامه وشرابه وكسوته ومصالحه التي احتيج إليها، وسميت نفقة من النفاق؛ لأنها تستنزف المال وتأخذه.
قال رحمه الله: [والضرورة] سبق وأن ذكرنا ضابط الضرورة، وتعريفات العلماء للضرورة، لكن الضرورة هنا لها معنىً خاص، فاليتيم ترك له أبوه عمارة قيمتها مليون، وترك له سيولة خمسة آلاف ريال، فأنفق وليه الخمسة آلاف، فاحتاج اليتيم أن يبحث عن دخل ومال من أجل أن ينفق عليه، فقام ولي اليتيم ببيع العمارة.
في هذه الحالة لو سأله القاضي: لِمَ بعت العمارة؟ سيقول: اضطررت إلى البيع وألجأتني الضرورة أن أبيع هذه العمارة، فادعاؤه أنه مضطر لبيع العمارة أو أي مملوك لليتيم، كل هذا يصدق فيه؛ لأننا لو فتحنا الباب في عدم قبول قوله لفر الناس من الولاية وأصبح فيها ضرر عليهم.
فالشاهد: أن اليتيم إذا قال: باع عمارة والدي وما كان ينبغي له أن يبيعها، فقال الولي: بل كان ينبغي بيعها.
فكلمة: بل كان ينبغي، يعني: أنا مضطر إلى بيعها، والضرورة إذا ادعاها الولي يقبل قوله، وهكذا إذا ادعاها الحاكم فبنى عليها بيع شيء أو إجارة شيء.
مثلاً: لو أن اليتيم ادعى على الولي أنه أنفق عشرة آلاف ريال عليه، فسأله القاضي: فيم أنفقتها؟ قال: أنفقتها في سكن.
قال اليتيم: ما كان ينبغي أن يستأجر لنا سكناً، فيقول له: أين أذهب بهم يسكنون؟ في العراء! إنهم مضطرون لدفع العشرة الآلاف لإسكانهم، لكن لو ثبت عند القاضي أنه غير مضطر، فحينئذٍ يضمن الولي على التفصيل عند العلماء رحمهم الله، ويؤاخذه ويحاسبه القاضي على هذا إذ فيه ضرر على المال.
فإذا باع الولي العمارة بحجة نفقتها على اليتيم، واليتيم ترك له والده عشرين ألفاً، ويكفي اليتيم منها في حدود عشرة آلاف، فإذاً وجود العشرين ألفاً يمنع من الضرورة لبيع العمارة، فحينئذٍ يكون الولي مخطئاً في بيعها، لكن لو ادعى ضرورة ثانية كأن يشتهر أنه -مثلاً- بعد سنة ستصبح هذه العمائر رخيصة فيقول: أنا مضطر إلى بيعها لمصلحتها لليتيم، فباعها فخالفت الظنون وأصبحت غالية، فادعى اليتيم على وليه أنه فرط في هذه العمارة يقول: أنا نظرت إلى الحال واجتهدت، وفي ذلك الزمان كنت مضطراً إلى البيع؛ لأنني وجدت أن هذا يضر بمصلحة مال اليتيم، وأقدمت على البيع من هذا الوجه، فحينئذٍ يقبل قوله.
وقد يضطر الولي إلى البيع لخوف الكساد وهذا -مثلاً- في الأطعمة؛ إذا كان اليتيم ترك له والده بضاعة وكانت من الطعام، ولا يمكن أن تبقى شهراً دون فساد، فعرضها في السوق ولكنها لم تأتِ بقيمتها وإذا تركت تفسد فلا تأتي بشيء، فباعها بنصف القيمة، فحينئذٍ يخاصمه اليتيم أو القاضي ويسأله: كيف تبيع بضاعة قيمتها مائة ألف بخمسين ألفاً؟ يقول: نعم هذا البضاعة لم يتيسر بيعها إلا بخمسين ألفاً، ولو لم أبعها فستتلف، وأنا مضطر إلى ذلك؛ فهذه ضرورة صحيحة.
كذلك أيضاً لو كان الميت ترك متاعاً، وهذا المتاع المراد به مثلما يحصل لبعض التجار يشترون بضاعة بمائة ألف -مثلاً- من أجل أن تباع في موسم الحج بمائتين، وشاء الله أن يموت في شعبان، فهذه البضاعة سيتولى أمرها الولي، فإذا تولى أمرها فمعناه أنه سيحفظ البضاعة إلى الحج، وحفظ البضاعة إلى الحج يحتاج إلى إجارة، فاستأجر لها مكاناً بثلاثين ألفاً ولم يجد إلا هذا المكان بثلاثين ألفاً، وإن بيعت البضاعة في وقتها بيعت بخسارة أو برأس مالها، وإن بقيت بيعت بالضعف فالأصلح لليتيم ألا تباع الآن، وتبقى حتى تباع بالضعف، ووجد أن استئجار مخزن لها بعشرة آلاف لا يمكن، فاستأجر مخزناً بثلاثين ألفاً وباعها بمائتين، فأصبح كاسباً سبعين ألفاً، فإذا سأله القاضي: أين أنفقت الثلاثين؟ قال: أنفقتها من أجل حفظ البضاعة.
قال له: وهل كان حفظها لازماً؟ يقول: نعم.
لأن السوق كان كاسداً ونحو ذلك من الأحوال، وهذا معنى قوله: (والضرورة).
فكل ما يدعيه الولي من أنه مضطر وملجأ إليه من بيع أو شراء فإنه يقبل قوله.
لكن إذا أنكر اليتيم وقاضاه، فبعض العلماء يقول: يقبل قوله مجرداً ولا يطالب باليمين، وقال بعض العلماء: يقبل قوله مع اليمين، وهذا ما يسمى بيمين التهمة، وهو أن يحلف من أجل التهمة الموجودة، فحينئذٍ قالوا: يقبل قوله مع اليمين.
قال رحمه الله: [والغبطة] الغبطة: الذي هو الأصلح، فمثلاً إذا قال اليتيم: أخر بيع البضاعة إلى السنة القادمة، فهذا أضر بي؛ لأني دفعت من مالي أجرة المخازن وأجرة نقل السلع وأنفق أموالاً على ذلك، فقال ولي اليتيم: إنما ذلك من أجل الأحق وهي الغبطة، فحينئذٍ يقبل قوله.
ومن الغبطة لو قيل له مثلاً: بعت العمارة بكم؟ قال: بعتها بمليون.
قيل له: لماذا؟ قال: لأن هذا أعلى سعر، وإذا بقيت فستباع بنصف مليون أو بثلاثة أرباع مليون، فإذاً الغبطة في بيعها بمليون، فيقبل قوله.
قال رحمه الله: [والتلف] إذا ادعى أن بعض المال تلف ولم يكن بتفريط منه فإنه يقبل قوله، مثلاً: لو أن يتيماً ترك له أبوه مائة رأس من الغنم، وجاء سيل واجتاح نصفها، فقال القاضي للولي: كم ترك والد اليتيم؟ قال الولي: المال الذي توليت اليتيم فيه مائة رأس، والآن يوجد خمسون رأساً منها، وخمسون أخذها السيل فيقبل قوله؛ لأنه -كما ذكرنا- يقبل قوله في الربح والغبطة، وفي الخسارة والتلف ونحو ذلك مما يدعيه.
قال رحمه الله: [ودفع المال] هذه مسألة ثانية: رجل تولى على يتيم وكان ماله -مثلاً- مائة ألف، واختبره عند البلوغ فوجده رشيداً فدفع له ماله، وبعد سنة جاء اليتيم وادعى أنه لم يقبض مال أبيه، وأن وليه لم يدفع المال إليه، فهل نصدق اليتيم أو نصدق الولي، الولي يقول: دفعت.
واليتيم يقول: ما أخذت.
ففي الحقيقة إذا جئت تنظر إلى الأصل، الأصل أن المال عند الولي حتى يثبت أنه دفعه لليتيم، وفي هذه المسألة ومسألة التلف يقوي بعض العلماء فيها اليمين، واليمين هنا قوية وأميل إلى هذا القول؛ لأنه خلاف الأصل، والتهمة فيه قوية، وفي ذلك احتياط لمال اليتيم، فإذا دفع المال إليه ولم يشهد فهو الذي فرط.
وحينئذٍ يقوى أن يقال: إنه يكون القول قول اليتيم أو لا يقبل قوله إلا باليمين.
(193/10)
________________________________________
حكم دين العبد وما أتلفه
قال رحمه الله: [وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له] العبد يتولى سيده أمر ماله، وهذا -كما ذكرنا غير مرة- مبني على حديث ابن عمر في الصحيحين: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)، لكن ذكر هذه المسألة هناك لأن فيها شيئاً من الارتباط بمسألة الولاية على المال.
قوله: (وما استدان العبد) إذا تعامل الرقيق مع الناس وأخذ منهم أموالاً ديناً، فسيده له حالتان: إما أن يكون أذن له في التجارة.
أو أنه لم ياذن له.
فإن أذن له فإن سيده يتحمل مسئوليته، وحينئذٍ يلزمه أن يدفع عنه، وإن لم يأذن له يكون في رقبة الرقيق.
وسيأتي -إن شاء الله- بسط هذه المسائل في باب الرق.
قال رحمه الله: [وإلا ففي رقبته] فلو أن العبد ذهب واستدان مائة ألف، ثم جاء صاحب المائة ألف يطالبه فإذا به ليس عنده مال، فالآن هل نقول: إن الرقيق لا يملك المال، ونقول لصاحب المال: ليس لك شيء، وتذهب أموال الناس بهذه الطريقة، أو نقول: خذ الرقيق، والرقيق ملك لسيده بملك الشرع؛ لأن الرق مضروب بحكم الشرع؟ فحينئذٍ حصل تعارض بين هذين الأصلين.
فإذا كان السيد علم بجناية عبده أو باستدانته للمال، فإنه يخير بين أمرين -إذا لم يأذن له- الأمر الأول: إما أن يدفع عنه ويبقى له عبده، وإما أن يكون المال في رقبته، فيباع ويؤخذ منه المال، ويرد الباقي إلى سيده؛ لأننا لو فتحنا هذا الباب لكل رقيق أن يجني على مال الغير ثم بعد ذلك لا يؤاخذ بالجناية ولا يمكن أن يطالب سيده بها، لفتح باب الضرر على الناس، ولذلك تكون جنايته في رقبته.
قال رحمه الله: [وأرش جنايته] وأرش جنايته كذلك.
قال رحمه الله: [وقيمة متلفه] أي: وقيمة الشيء الذي أتلفه، فنقول لسيده: إما أن تدفع عنه وإما أن يبيع القاضي هذا الرقيق ويسدد دينه من رقبته، ثم بعد ذلك يدفع الباقي من المال -إن كان ثَمَّ باقي- إلى سيده الذي يملكه.
والله تعالى أعلم.
(193/11)
________________________________________
الأسئلة
(193/12)
________________________________________
حكم تولية المرأة على مال اليتيم

السؤال
هل يجوز أن يجعل الأب امرأة تلي أبناءه بعد موته؟

الجواب
باسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فوصاية المرأة على مال الأيتام في حجره أجازها طائفة من العلماء رحمهم الله، ولذلك كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تلي أمر أيتام عبد الرحمن أخيها، وقالوا: أن المرأة لها حق النظر في المال، فيجوز لها أن تتولى النظر في أموال اليتامى، ولا شك أن الرجل أكثر مخالطة للرجال وأعلم بأحوالهم، ولذلك هو أقرب للولاية من المرأة.
والله تعالى أعلم.
(193/13)
________________________________________
حكم أخذ ولي اليتيم الفقير من زكاة مال اليتيم

السؤال
هل يجوز لولي اليتيم إن كان فقيراً أن يأخذ زكاة مال اليتيم الذي يتولاها؟

الجواب
يجوز لولي اليتيم أن يأخذ زكاة مال اليتيم إذا كان مستحقاً لها، وذلك لأن المال مال غيره -اليتيم- وقد مكن الله عز وجل من الزكاة الأصناف الثمانية وملكها لهم فقال سبحانه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة:60] الآية.
فاللام للملك.
ولذلك قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:24 - 25] فأثبت أنه حق فهو يستحقه بوصف الفقر، والله عز وجل أعطاه بهذا الوصف حقه في الزكاة، فيجوز له أن يأخذ زكاة مال اليتيم.
لكن بشرط ألا يقدم نفسه مع وجود الغير المستحق والذي هو أولى منه وإنما يكون ذلك بالمعروف، والله تعالى أعلم.
(193/14)
________________________________________
حكم أكل ولي اليتيم من مال اليتيم

السؤال
هل يجوز لهذا الولي الفقير أن يأكل من المال للحاجة؟

الجواب
هذه المسألة تقدمت معنا، فإذا كان ولي اليتيم فقيراً فإنه يأكل بالمعروف.
(193/15)
________________________________________
حكم تقديم مصلحة الأيتام على مصلحة الغرماء

السؤال
أيهما يقدم: مصلحة الغرماء أو مصلحة الأيتام إذا مات والدهم ولم يترك ما يزيد عن سداد حقوق الناس؟

الجواب
أما بالنسبة للمال فليس للأيتام فيه حق إلا بعد سداد ديون الميت؛ لأن الله تعالى جعل الإرث بعد سداد الدين، فقال سبحانه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن} [النساء:12] وفي الآية الثانية: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:12] وفي الآية الثالثة (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11].
فهذا يدل على أن الإرث واستحقاق الإرث لا يكون إلا بعد سداد الديون، وذمة الميت مقدمة على ورثته في هذا؛ لأن الله نص على أن الإرث يكون بعد سداد الدين، فلا يجوز أن تبقى ذمة الميت معلقة بل ينبغي أن يبادر بسداد ديونه.
لكن ينبغي على التجار والأغنياء أن يترفقوا بالأيتام، فإذا رأوهم أيتاماً محتاجين إلى المال لأمور ضرورية، فالأفضل لهم أن يوسعوا عليهم، وأن يحتسبوا ذلك عند الله عز وجل؛ لأن هذا من أفضل القربات وأحبها إلى الله سبحانه، فإن الإحسان إلى اليتامى أجره عظيم وثوابه كبير عند الله سبحانه؛ حتى قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) فكفالة اليتيم فيها إحسان، والصدقة على اليتيم إحسان، وكذلك أيضاً التوسعة على اليتامى إحسان، فالأفضل ألا يضيقوا على اليتامى، والله تعالى يبارك لهم في أموالهم ويوسع لهم من واسع فضله.
والله تعالى أعلم.
(193/16)
________________________________________
حكم تنصيب القريب لنفسه ولياً على الأيتام

السؤال
إذا توفي الوالد ولم يوص لأحد بالولاية على أيتامه، فهل للقريب أن يتصرف في أموالهم بالأحظ لهم؟

الجواب
من حيث الأصل: يكون النظر لليتامى للقاضي، فالقاضي ينظر من كان الأرشد والأتقى لله عز وجل من قرابته فينصبه عليهم.
وإن وجد من قرابته كأعمام اليتامى وبني أعمامهم ونحو ذلك ممن هو أتقى لله عز وجل وأحفظ للمال فإنه يقدمه على غيره؛ لأن القريب أكثر شفقة وأكثر رعاية للمال وحفظاً له من غيره، ولأن اليتيم مع عمه وابن عمه يحس بشيء من الراحة فلا يستحي أن يطلب حاجته، ولا يستحي أن يسأل، فإذا كان من الأقرباء فهو أفضل وأولى.
ولأن الولاية على اليتيم لا يخلو فيها الأمر من النظر إلى عورات، والاطلاع على بعض الأشياء الخاصة في اليتامى، فإذا كانت عوراتهم عند القريب فهو أولى أفضل، وينبغي على وليهم أن ينظر من هو الأولى من القرابة فيوصي إليه، وكذلك على القاضي أن ينظر إلى الأقرب فالأقرب لأنهم أولى من غيرهم.
ولذلك قدم الله عز وجل القريب على الغريب، وعلى هذا قالوا: إن وجود القرابة يدعو إلى الشفقة والرحمة، والقريب يضحي أكثر مما يضحي الغريب؛ فالقريب إذا وجد مشقة من أولاد أخيه صبر عليهم وتحمل، وإذا وجد العناء أو أوذي بسبب القيام على مالهم وضاقت عليه الأمور احتسب الأجر، فعدها من صلة الرحم، فهذا لا شك أنه يحقق مصالح أكثر مما لو كان غريباً.
والله تعالى أعلم.
(193/17)
________________________________________
حكم ضمان ولي اليتيم إذا تاجر بمال اليتيم وخسر دون تفريط منه

السؤال
إذا تاجر ولي اليتيم في ماله وخسر دون تفريط منه فهل يضمن؟

الجواب
إذا تاجر ولي اليتيم في ماله وخسر فإنه لا يضمن إذا كانت التجارة بالمعروف ولم تكن هناك مخاطرة، أما إذا خاطر بالمال وغرر به فإنه يضمن؛ لأنه تعاطى سبب الضرر، وأما إذا كان الحال كما ذكر في السؤال من أنه لم يفرط فحينئذٍ لا ضمان عليه.
والله تعالى أعلم.
(193/18)
________________________________________
حكم إقراض الناس من مال اليتيم

السؤال
هل يجوز للولي أن يعطي من مال اليتيم قرضاً لشخص آخر؟

الجواب
مسألة الإقراض من مال اليتيم فيها وجهان للعلماء: بعض العلماء يقول: يجوز أن يقرض.
وبعضهم يمنع وهو الأقوى، وهو الذي تطمئن إليه النفس من ولاية رب المال.
لكن الذين قالوا بجواز القرض اختلفوا أيضاً على قولين: فمنهم من يقول بجوازه ويطلق.
ومنهم من يقول: يجوز إذا أخذ الرهن واحتاط للمال، فإذا أخذ الرهن واحتاط للمال واستوثق جاز له أن يعطي القرض؛ لأنه قد حفظ مال اليتيم، والقرض فيه رفق بالناس وأجر لليتيم إذا بلغ.
فقالوا: إنه أفضل وأكمل خاصة لما فيه من التوسعة على الناس، وخوف الضرر على اليتيم يمكن أن يتلافى بالرهن، ولكن الأول أشبه وأقوى.
والله تعالى أعلم.
(193/19)
________________________________________
حكم إعطاء العمال جزءاً من ربح مال اليتيم

السؤال
إذا تاجر ولي اليتيم بماله فهل له أن يقول للعمال: لكم ربع الأرباح وهو المضاربة؟

الجواب
هذه مسألة ثانية وهي مسألة المضاربة، تقول لشخص: خذ مائة ألف وتاجر بها والربح بيني وبينك، القراظ والمضاربة خارجة عن الأصول، ومعنى كونها خارجة عن الأصل: أنها تجارة جاءت على غير الوجه المعروف.
وتوضيح ذلك أولاً: أن العمل مجهول والأجرة مجهولة وغير مضمونة، ففي القراض العمل مجهول؛ لأنك تعطيه مائة ألف وتقول له: اضرب بها في الأرض، فيمكن أن يشتغل بها شهرين ويمكن أن يشتغل بها سنة أو سنتين أو ثلاثاً فلا يعلم مقدار العمل ولا مدته، فالعمل مجهول والمدة مجهولة.
ثانياً: الربح نفسه لا ندري كم سيكون قليلاً أو كثيراً، وإذا ثبت هذا -وهو جهالة العمل وجهالة الربح- قالوا: إذاً المضاربة خارجة عن الأصول، ومعنى كونها خارجة عن الأصول: أنه لا يقاس عليها غيرها، وكأنها جاءت رخصة وتوسعة، فيختص الحكم بها ولا يقاس غيرها عليها.
وهذا مسلك طائفة من العلماء كما اختاره أئمة الحنفية والمالكية رحمهم الله وغيرهم، وهناك مسلك ثانٍ يقول: المضاربة إجارة ونوع من الشركة، فهو يستأجره ويشاركه في الربح، فيجوز على هذا القول أن تستأجر وتشارك وتجعل المضاربة نوعاً من الشركة.
بناءً على القول الأول: لو قال لعامل في بقالة مثلاً: أعطيك أجرة الشهر ألف ريال وربع الربح، حينئذٍ يصح عندهم أن يقاس على المضاربة، ولكن على الوجه الصحيح من أن المضاربة خارجة عن الأصل، فيعتبر إجارة بالمجهول لأننا لا ندري كم ربع الربح، ولا ندري هل يربح كثيراً أو قليلاً.
وبناءً على ذلك: لا يجوز الإجارة بالمجهول، والذي ذكرته في السؤال: إذا كان العمال الذين دفع المال إليهم على أساس أن يضاربوا بأنفسهم فلا إشكال أن لهم ربع الربح أو نصف الربح على ما اتفق عليه.
لكن أن يقال لعامل يشتغل في مال اليتيم لك أجرة ثمانمائة ريال في الشهر وأعطيك ربع الربح أو نصف الربح -كما هو موجود الآن في بعض الأعمال- فلا يجوز؛ لأن إدخال المجهول على المعلوم يصير المعلوم مجهولاً، فهو وإن استأجره بألف ريال شهرياً -وهي معلومة- لكن ربع الربح أو ربع الناتج مجهول.
وحينئذٍ يغرر بالعامل، فقد يظن العامل أن المحل سيربح كثيراً، فيدخل على أساس أنه سيأخذ ربحاً كثيراً، وإذا بالربع شيء يسير والمحل لا يربح كثيراً، فحينئذٍ يكون من الغرر.
ولذلك الأشبه بالقواعد الشرعية والأصول الشرعية عدم صحة أن يقول لهم: اشتغلوا ولكم ألف وربع الناتج أو نصف الناتج، أو خذ هذه السيارة واعمل بها اليوم ونصف ما تنتجه بيني وبينك، لا يصح لأن هذا تغرير به، فيتعب يومه كله، وقد لا يجد إلا راكباً واحداً، والشريعة لا تريد هذا، إنما تريده أن يعمل ويأخذ عرق جبينه بالشيء الواضح.
فإذا قلت له: خذ السيارة وأعطني مائة، هذا جائز؛ لأنها أجرة لك، ثم هو يملأ بنزينها ويعمل بها خلال ساعات اليوم، ويحدد له اثني عشر ساعة أو عشر ساعات، وتصبح إجارة للزمان ولا إشكال فيها وهي جائزة، لكن يقول له: خذها ويكون البنزين عليك ولك ربع الناتج أو نصف الناتج أو ثلث الناتج هذا يعتبر من المجهول ولا يصح؛ لأنه إجارة بالمجهول، وإجارة المجهول لا تجوز إجماعاً.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(193/20)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الوكالة [1]
شرع الله سبحانه وتعالى الوكالة رحمة بالعباد ورفقاً بهم، حتى يأخذ الناس حقوقهم، ويحافظوا على أموالهم، ولا تكون الوكالة في كل شيء، فهناك أشياء لا تصح فيها الوكالة مطلقاً، وهناك أشياء تصح فيها الوكالة عند العجز، وهناك أشياء تصح فيها الوكالة مطلقاً.
(194/1)
________________________________________
الوكالة تعريفها وحكمها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الوكالة].
هذا الباب يشمل على جملةٍ من الأحكام والمسائل المتعلقة بالنيابة، سواءً كانت في العبادات أو في المعاملات، فيقيم المسلم غيره مقامه، لاستيفاء حقٍ من حقوقه، أو يقيمه مقامه في عبادةٍ أذن الشرع فيها بالنيابة.
وباب الوكالة متصلٌ بباب الحجر بمناسبةٍ ظاهرة وهي: كون الحجر يتولى فيه ولي المحجور النظر في أمواله ومصالحه، وكأن الوكيل أصبح قائماً مقام من تولى النظر في مصالح موكله، فالمناسبة ظاهرة.
(194/2)
________________________________________
تعريف الوكالة لغةً
والوكالة في لغة العرب تطلق بمعنى: الحفظ والتفويض، وكذلك القيام على الشيء، قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران:122] أي: ليفوضوا أمورهم إلى الله {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل:9] أي: فوض أمورك إليه، واجعل جميع حوائجك إليه، وكِلْ أمورك إلى الله سبحانه وتعالى، وقال سبحانه عن نبيه: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} [هود:56] أي: فوضت أمري كله لله، وقال تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر:62] فهو سبحانه القائم على أمور عباده.
وعلى هذا دارت معاني الوكالة في الحفظ، وكذلك أيضاً التفويض، وكذلك القيام على الشيء والكفالة.
(194/3)
________________________________________
تعريف الوكالة اصطلاحاً
والوكالة في الاصطلاح: استنابة جائز التصرف لمثله فيما يدخله النيابة، وقيد بعض العلماء هذا التعريف بقوله: في حياته، كما هو مسلك الشافعية رحمهم الله.
فقولهم: (استنابة)، الاستنابة: مأخوذة من النيابة، والأشياء تقع على صورتين: إما أن تقع من الإنسان أصالةً، وإما أن تقع من الإنسان نيابةً، فإذا أسند الإنسان الشيء إلى غيره فقد أنابه وأقامه مقامه، فقالوا: الوكالة استنابة، فعندنا موكِل، وعندنا موكَل، وعندنا موكَلٌ فيه، وعندنا صيغةٌ تقع بها الوكالة، فالاستنابة تحصل من الموكِل، وتُطلَب من الوكيل، ولذلك يقولون: هي من الموكل -اسم الفاعل- إذْن، ومن الوكيل رفق، وتوضيح ذلك: أنك إذا قلت لشخص: بع البيت لي، فقد أذنت له أن يبيع، وهو يقوم بالبيع رفقاً بك.
وأما بالنسبة لقولهم: (استنابة جائز التصرف)، وبعض العلماء يقول: (استنابة من له حق التصرف)، فهذا من إضافة المصدر إلى فاعله، ومعناه: أن يكون شخصاً بالغاً عاقلاً حراً رشيداً، فهذه أمور أو صفات إذا توفرت في الشخص حكمنا بكونه أهلاً للتصرف، والتصرف يشمل: البيع، والشراء، والإجارة، وسائر العقود التي سبق أن ذكرنا ضوابط التصرف فيها في باب الحجر، وكذلك غيره من أبواب المعاملات، فحينما قال العلماء: الوكالة: استنابة من له حق التصرف، فمعنى ذلك: أن الذي يوكِّل لا بد وأن يكون أهلاً للتصرف فيما وكَّل فيه.
وعلى هذا: إذا كانت وكالةً ببيع فلا بد وأن يكون الموكِّل أهلاً لأن يبيع، وإذا كانت وكالةً بإجارة فلا بد وأن يكون الموكِّل أهلاً لأن يؤجر، وإذا كانت وكالةً بغير ذلك من العقود فلا بد وأن يكون الأصيل والموكِّل أهلاً للقيام بها، فلو كان الأصيل -وهو الموكِّل- ليس بأهل كأن يكون ليس ببالغٍ كالصبي ولا عاقلٍ كالمجنون وقال لغيره: بع داري أو أجر الدار لم تصح الوكالة؛ وذلك لأنه ممنوع من التصرف في حق نفسه فمن باب أولى أن يمنع من إنابة غيره؛ ولأن النيابة تفتقر إلى وجود أهلية في الأصل حتى يتحقق إذن الشرع بالنيابة على الوجه المرضي.
(استنابة من له حق التصرف مثلَه)، فقولهم: استنابة من له حق التصرف، هذا بالنسبة للموكل (مثله) هذا الوكيل، وقالوا: (مثله)؛ لأن القاعدة في الشرع تقول: (البدل يأخذ الحكم مبدله)، و (الفرع تابعٌ لأصله)، فالفرع يستمد قوته من الأصل، فإن كان عند الأصل قوة كان الفرع قائماً عليها، وأما إذا كان الأصل ليس له حق التصرف وليس بأهل فإنه حينئذٍ لا ينبني عليه غيره، وكذلك أيضاً من يقوم مقامه لا بد وأن يكون أهلاً للتصرف، وعلى هذا فلو وكلت شخصاً بالبيع فلابد وأن يكون الشخص الذي يقوم بالبيع عنك أهلاً لأن يبيع لنفسه؛ لأنه إذا كان لا يصح بيعه لنفسه فمن باب أولى أن لا يصح بيعه لغيره.
مثال ذلك: لو وكَّل عاقل أو من هو أهل للتصرف مجنوناً لم تصح الوكالة؛ لأنه ليس بمثله أي: ليس ممن هو جائز التصرف، ولو وكّل صبياً أو محجوراً عليه فإنه لا يحكم باعتبار الوكالة؛ لأنها لم تقع على الوجه المعتد به شرعاً، وهو أن يكون مثله فيما تدخله النيابة، هذا هو محل الوكالة، فأنت توكل شخصاً للقيام بأمر إثباتاً ونفياً في حقٍ مالي أو غير مالي، في حقٍ لله أو حق لعباده، فهذا كله يسمى محلاً للوكالة، فلو قلت له: وكلتك أن تبيع أرضي، فمحل الوكالة بيع الأرض، ولو قلت له: وكلتك أن تبيع داري فمحل الوكالة الدار، ولو قلت له: وكلتك أن تحج عني -وكانت الوكالة بالحج معتداً بها شرعاً، وممن يعجز أن يحج لنفسه- فإنه حينئذٍ يكون محل الوكالة هو الحج وهكذا (فيما تدخله النيابة) هذا قيد يخرج ما لا تدخله النيابة، فلو قال شخصٌ لآخر: وكلتك أن تصلي عني! لم يصح؛ لأن الشرع قصد أن يصلي المكلف بعينه؛ ولذلك يقولون: فروض الأعيان التي قصدها الشرع من عين المكلَّف -وإلا قد تكون فرض عين لا يقصد منها الشرع أن يقوم بها المكلف بعينه- لا تدخلها النيابة، كالصلاة حيث قصدها الشرع من المكلف بعينه، فلا يمكن لشخص أن يقول: أنا أصلي عنك.
كذلك أيضاً أن لا يكون محل الوكالة مما فيه إثم، ومن ذلك منع العلماء -رحمهم الله- أن يوكل غيره في ظهار امرأته؛ لأن الظهار منكرٌ من القول وزور، وقالوا: الأصل في ذلك قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]، فهو إذا أقام غيره مقامه في فعل إثمٍ أو طلبه أو تحصيله فقد خالف مقصود الشرع؛ لأن مقصود الشرع أن لا يفعل هذا الإثم وأن لا يتعاون عليه، فلو كانت الوكالة صحيحة فكأن الشرع يأذن لذلك فعل المحرم، هذا بالنسبة لقوله: (فيما تدخله النيابة)، فخرج الذي لا تدخله النيابة.
كذلك أيضاً: ينبغي أن تقع هذه الوكالة في الحياة، أما لو أسند إليه الفعل بعد الموت فهي وصية، وليست بوكالة، فلو عهد إليه أن يزوج أيتامه أو يزوج بناته فإنه في هذه الحالة وصيٌ وليس بوكيل، فالوكالة في الحياة والوصية من بعد الموت.
هذا حاصل ما ذُكِر في تعريف الوكالة، والوكالة شرعها الله عز وجل وأباحها لعباده لما فيها من الرفق والتيسير ومحض الإحسان، فإن الإنسان قد يتعذر عليه أن يقوم بتحصيل مصالحه بنفسه، وقد يتعذر عليه ذلك بسبب شغله، وقد يكون من الصعوبة أن يقوم بذلك بسبب مكانته كالعالم يتولى أمور البيع والشراء بنفسه، فيقع في حرج السوق، وربما يكون في أمرٍ فيه خصومة فيقع في تسلط السفهاء وأذيتهم ونحو ذلك، فشرع الله عز وجل الوكالة حتى يدفع الإنسان عن نفسه الضرر في مثل هذا، ثم أيضاً يحصل بهذه الوكالة المعونة على الحق والخير، فلربما كان الموكل محتاجاً إلى الوصول إلى حق من حقوقه كما يقع في القضاء؛ ولكنه لا يحسن الكلام ولا يحسن الاستدلال لنفسه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) فبعض الناس يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، ويستطيع بلسانه وحلو مقاله أن يؤذي الناس ويكون الشخص مصيباً فيواجه مثل هذا، فحينئذٍ لو واجهه غلب على ظنه أنه لا يستطيع أن يقوم بحجته، فيوكل من يرى أنه أهل لبيان حقه والدفاع عن حقوقه، ففي الوكالة رفقٌ بالناس من هذه الوجوه.
(194/4)
________________________________________
مشروعية الوكالة
وقد دل دليل الكتاب ودليل السنة ودليل الإجماع على جوازها وصحتها، أما دليل الكتاب: فإن الله سبحانه وتعالى قال عن أهل الكهف: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف:19] ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى حكى عمن قبلنا أنهم تعاطوا هذا النوع من المعاملة -وهو الوكالة- فوكل أصحاب الكهف أحدهم أن يشتري لهم ويتولى عقداً من العقود المالية: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)، فوكلوه أن يشتري لهم الطعام وجعلوا الوكالة مقيدة، (أَيُّهَا أَزْكَى) أيها أطيب (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) وعلى هذا قالوا: دلت الآية على مشروعية الوكالة، وكذلك أيضاً قال تعالى عن نبيه يوسف: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، قال بعض العلماء: إن هذه الآية تدل على مشروعية الوكالة؛ فإن يوسف عليه السلام سأل من ملك مصر أن يجعله قائماً على خزائن الأرض، وإذا كان قائماً فإنه يقوم بالوكالة؛ لأنه في هذه الحالة وكيلٌ عن الولي العام، وحينئذٍ دلت الآية على شرعية الوكالة في تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فالآية الأولى تدل على شرعية الوكالة في الأموال والعقود المالية، وآية سورة يوسف تدل على شرعية الوكالة فيما تدخله الوكالة في المصالح العامة.
وكذلك السنة: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكَّل، ومن ذلك ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث عروة بن أبي الجعد البارقي رضي الله عنه وأرضاه قال له النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام: (اشتر لنا من هذا الجلب شاةً، فذهب عروة وأعطاه ديناراً، فذهب عروة إلى السوق فاشترى شاتين بدينار، ثم باع إحدى الشاتين بدينار فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وشاة، وقال: يا رسول الله! هذه شاتكم وهذا ديناركم).
ولفظ صيغة الحديث عند الدارقطني وأحمد: عن عروة بن أبي الجعد قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني ديناراً وقال: (أي عروة! ائت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار، فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقهما أو قال: أقودهما، فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعت إحدى الشاتين بدينار، وجئت بالشاة وبدينار فقلت: يا رسول الله! هذه الشاة وهذا ديناركم فقال: صنعت كيف؟ فحدثته بالحديث فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه، فلقد رأيتني أقف في كناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي) أعطاه ديناراً فاشترى به شاتين بدلاً من شاة واحدة وقال له: اشتر لنا شاة واحدة، فذهب واشترى الشاتين بدينار، فلما اشترى الشاتين باع إحداهما بدينار، فرجع بالدينار رأس المال، ورجع أيضاً بالشاة، وهذا حديث عظيم فيه فوائد عظيمة منها: الوكالة، حيث وكله النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (اشترِ لنا من هذا الجلب شاةً).
ومنها: جواز أن يأخذ الربح (100%)، وما يقوله بعض العوام من أنه لا يجوز أن يربح أكثر من (10%) أي: عشر الثمن أو نصف الثمن كل ذلك معارض للشرع، فالشرع أطلق البيع وأذن للمسلم أن يأخذ ولو أضعاف أضعاف قيمة المبيع؛ لأنه اشترى بنصف دينار وباع بدينار وهذا ربح (100%)، وعلى هذا: فالحديث دلّ على مشروعية الوكالة بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها.
كذلك أيضاً حديث: حكيم بن حزام رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً، وأمره أن يشتري شاةً أضحية، فهذا توكيل.
كذلك أيضاً: حديث أبي رافع رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله في نكاح ميمونة، وبعثه سفيراً إليها رضي الله عنه وعنها، فكل هذه النصوص من الكتاب والسنة جعلت أمر الوكالة محل إجماعٍ عند أهل العلم، فقالوا بمشروعية الوكالة وجوازها.
ومن الحكم المستفادة من شرعيتها: الرفق بالموكل، وكذلك حصول الأجر للوكيل لما فيه من المعونة والإحسان، ويعتبر العلماء عقد الوكالة من عقود الرفق، بمعنى: أنه لو وكل شخص شخصاً فالمقصود من هذه الوكالة الرفق؛ لأنك إذا توكلت عنه بالبيع، وبعت عنه فقد رفقت به في مصلحة البيع، ولو توكلت عنه في إجارة أو نكاحٍ أو غيره فقد رفقت به في تحصيل تلك المصلحة.
يقول المصنف رحمه الله: (باب الوكالة) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بعقد الوكالة.
(194/5)
________________________________________
الصيغة التي تتم بها الوكالة
(194/6)
________________________________________
صيغة الإيجاب من الموكل
قال رحمه الله: [تصح بكل قولٍ يدل على الإذن].
يقول رحمه الله: (تصح) أي: الوكالة، (بكل قولٍ يدل على الإذن)، فالوكالة تكون بالقول، وتكون بالفعل، وبكل ما يدل على الإذن بأن يقوم الشخص مقام موكله، أما قوله: (تصح بكل قولٍ) فالقول ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: يسميه العلماء: القول الصريح.
القسم الثاني: القول غير الصريح، وهو الظني الذي يدل على أنه وكلك بصيغةٍ أو بلفظٍ غير صريح بل محتمل، لكنه يتضمن معنى الإذن، فأما إذنه لك بالوكالة فيقول: يا محمد أو يا عبد الله وكلتك أن تشتري لي سيارةً من نوع كذا وكذا بعشرة آلاف، فحينئذٍ وكلك بصريح القول، وقد يوكلك بالفعل، مثلاً: تجد العامل إذا كان يعمل مع شخص في دكانٍ فجاء إلى صاحب الدكان وقال: انتهى الماء عندنا، ومن عادته أن يشتري الماء بمائة ريال، فأخذ صاحب الدكان مائة من جيبه ورماها للعامل، ما معناه؟ معناه: قد وكلتك أن تذهب وتشتري لنا ماءً مثل ما كنت أو عهدت أو كان بيننا فيما تقدم، فهو لم يتكلم ولم يقل له: وكلتك أن تشتري، بل هذه دلالة الفهم، فعندنا دلالة القول وعندنا دلالة الفهم، ودلالة القول الصريح منها: وكلتك، والضمني كأن يقول له: خذ، ولا يوكله بصريح القول: وكلتك، أو يقول له: قم بالشيء، افعل الشيء، ولا يأتِ بصريح لفظ الوكالة، فعندنا اللفظ الصريح: وكلتك، واللفظ غير الصريح: قم بالأمر، تولَّ الأمر، انظر في الأمر، ونحو ذلك مما هو متضمنٌ للإذن وليس بصريح، وأما الفعل: كأن يلقي له المال دالاً على الإذن بالشراء أو نحو ذلك من التصرفات التي تتضمن معنى النيابة.
قال رحمه الله: [ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل دال عليه].
عندنا الوكالة فيها: صيغة، وموكل، ووكيل -وهما العاقدان- ومحل الوكالة، أما العاقدان: فوكيل وموكل، ولا تقع الوكالة إلا بطرفين: أحدهما موكِّل والثاني: موكَّل أو وكيل؛ أما الصيغة فالتي ذكرناها، وتشتمل على الإيجاب والقبول، والمحل يشتمل على المطلوب فعله من الوكيل، فأما بالنسبة للمصنف رحمه الله فابتدأ بأحكام الصيغة، وإذا قال العلماء: صيغة الوكالة، صيغة الصلح، صيغة البيع، صيغة الإجارة، فهناك جانبان لا بد وأن يضعهما طالب العلم أمامه: الإيجاب والقبول، فهناك إيجاب صادر من الأهل وهو قوله: وكلتك، وهناك قبول من الطرف المقابل يقول: قبلت، فالصيغة تقوم على جانبين: الإيجاب والقبول، فلما أراد المصنف أن يبين أحكام الصيغة ابتدأ بالإيجاب، وذلك بقوله: (تصح بكل قولٍ دالٍ على الإذن)، كما ذكرنا: الصريح وغير الصريح، وفي حكم القول: الفعل، وقد قرر شيخ الإسلام رحمه الله -وهذا أصل سبق وأن نبهنا عليه- مسألة تنزيل الأفعال منزلة الأقوال، وذلك في كتابه النفيس: القواعد النورانية، وهو من أنفس ما كتب في القواعد الفقهية التي قعدها ونظرها، وبين فيها أن أصول الشريعة الإسلامية لا تلزمنا في العقود بلفظٍ معين أو صيغةٍ معينة إلا إذا دلّ الدليل على الإلزام، وأن الناس يعتدون بما تعارفوا عليه من الصيغ إيجاباً وقبولاً، وبناءً على ذلك نأخذ صيغة الوكالة، فعندنا إيجاب وعندنا قبول، ونقول: القاعدة في ذلك: كل ما تعارف الناس عليه أنه يتضمن معنى الوكالة فهو وكالة، إن كان بالقول فقول، وإن كان بالفعل ففعل، ويعتبر صيغة للوكالة.
بقي أن نقول: القول في الوكالة وصيغة الوكالة يكون من الموكل والوكيل، فبعد أن فرغ -رحمه الله- من الموكل، وقوله: (وكلتك) فلا بد وأن يكون هناك ما يقابله وهو القبول.
(194/7)
________________________________________
صيغة القبول من الوكيل
فقال رحمه الله: [ويصح القبول على الفور والتراخي].
ويصح القبول من الوكيل على الفور وعلى التراخي، على الفور كأن يقول له: يا محمد! وكلتك أن تبيع سيارتي بعشرة آلاف عصر هذا اليوم في السوق، فيقول: قبلت، فهذا قبول على الفور، بمجرد ما انتهى من صيغة الوكالة قال: قبلت، فالصيغة إذا كان بها جانب الإيجاب والقبول فإما أن تكون على الفور أو على التراخي، فالفورية أن يكون القبول مباشراً، والتراخي أن يتأخر القبول إما عن المجلس فيختلف المكان، أو يتأخر بالزمان كأن يقول له: يا محمد! وكلتك أن تزوج ابنتي من فلان، فسكت، وفي بعض الأمور إذا طُلِب منك أن تقوم مقام غيرك فالحكمة تقتضي أن لا تعجل، وأن تنظر: هل تستطيع القيام بذلك الأمر وهل هناك مصالح يمكن تحقيقها، وما طلب منك هل تترتب عليه مفاسد أو لا تترتب؟ فتحتاج أن تنظر وتتراخى فيه في القبول، والشريعة وسعت في هذا الأمر، فلك أن تقول مباشرة: قبلت، ولك أن تتأخر حتى تنظر: هل الأصلح أن توافق أو لا توافق؟ ثم بعد ذلك تقول ما ترى فيه المصلحة.
أيضاً من التراخي أن يكتب له كتاباً: يا فلان! إني وكلتك أن تبيع داري بالمدينة، فيخرج الكتاب من بلد الموكل إلى بلد الوكيل الذي فيه الدار ويستغرق شهراً، أو يستغرق -مثلاً- سنةً، أو يأخذ وقتاً طويلاً ويتأخر الكتاب كما في القديم، فلم يأت إلا بعد شهور، فهل نقول: الصيغة باطلة؟ هذا مراد العلماء، فتصح الوكالة إذا وقع القبول فيها فورياً أو متراخياً، فلا يؤثر في هذا لو كتب له كتاب قبل شهور، فلا يأتي ويقول: هذه وكالةٌ غير صحيحة، لأنه قد وكلني قبل شهور، بل نقول: يصح القبول في الوكالة على الفور وعلى التراخي.
قوله: [بكل قول أو فعل دال عليه].
(بكل قول) تقول: قبلت، (بكل) من صيغ العموم، فكما أن القول في الإيجاب على قسمين: صريح وضمني، كذلك القبول صريح وضمني، فالقبول الصريح كأن يقول لك: يا محمد! وكلتك أن تبيع داري في المدينة بعشرة آلاف، فتقول: قبلت وكالتك، فهذا صريح وليس فيه إشكال، فإنك نظرت وقبلت وكالته بصريح اللفظ الذي لا يحتمل.
القول الضمني في القبول هو كالذي يعرف الآن في أعرافنا، يقول له: يا محمد! بع سيارتي مثلاً بما تراه، فيقول: ما يهمك، فهذه ليست بصريحة في قبول الوكالة، لكن درج العرف على أنها تدل على الرضا والقبول، فتنزل منزلة الصريح، فقوله: ما يهمك، أنا أتولى الأمر عنك، اترك الأمر لي، -هذه كلها عبارات ليست بصريحة في الوكالة، لكنها تتضمن معنى القيام أو القبول بالتفويض والوكالة، فالقول الصريح والقول الضمني والفعل الدال يدخل في ذلك، والفعل الدال كأن يقول: يا محمد! خذ هذا الكتاب وأعطه زيدا، فقام وأخذ الكتاب دون أن يقول: قبلت؛ فإن حمله للكتاب يدل على أنه قد رضي بالوكالة، فإذا حمل الكتاب وخرج من عنده وافترق عنه وحدث أي شيء للكتاب ترتبت عليه أحكام الوكالة، وهل يضمن الوكيل أو لا يضمن، كما سيأتي إن شاء الله.
فإذاً نقول: القول الصريح وغير الصريح والفعل في القبول سواء.
(194/8)
________________________________________
محل الوكالة وأقسامه
قال رحمه الله: [ومن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه].
هذه المسألة: محل الوكالة، ذكرها رحمه الله بعد أن فرغ من الصيغة، فالموكل والوكيل بينا ضوابطهما في الأصل، لكن نريد الآن أن نعرف ما هي الأشياء التي يمكن أن يوكل فيها، والأشياء التي لا يمكن أن تكون محلاً للوكالة، أو لا يصح أن تقع فيها وكالة، فتنقسم الأشياء من حيث الوكالة إلى أقسام: القسم الأول: أن يكون الشيء مما تجوز فيه النيابة مع العجز والقدرة.
القسم الثاني: أن يكون الشيء مما لا تجوز فيه النيابة لا مع العجز ولا مع القدرة.
القسم الثالث: أن يكون الشيء مما تجوز فيه النيابة مع العجز ولا تجوز مع القدرة.
(194/9)
________________________________________
ما تجوز فيه النيابة مع العجز والقدرة
القسم الأول: أن يكون الشيء الذي وقعت فيه الوكالة -سواءً كان البيع أو الإجارة أو الرهن أو المضاربة أو غير ذلك من العقود- مما تجوز فيه النيابة، سواءً كنت أنت الموكل عاجزاً أو قادراً، وهذا معنى قولنا: (تصح فيه النيابة مع العجز والقدرة)، العجز: أي: عن فعل ذلك الشيء، والقدرة: التمكن من القيام بذلك الشيء، وهذا غالباً ما يقع، فهذا هو القسم الأول من محل الوكالة: أن يكون الشيء تدخله الوكالة مع العجز والقدرة، وهذا غالباً ما يقع في الحقوق المالية، أو في المعاملات.
وهذا القسم ينقسم في الأموال إلى نوعين: النوع الأول: الحقوق المتعلقة بالله سبحانه، فإذا وقع أحد في الوكالة في حقٍ مالي وجاءك يسأل: هل هي وكالة شرعية أو غير شرعية؟ فتنظر إلى هذا الحق المالي وتصنفه، فلا يخلو: إما أن يكون حقاً لله، أو يكون حقاً للمخلوق، فهناك حقوقٌ مالية لله، وهناك حقوق مالية للمخلوق، فأما إذا وكله في حقٍ مالي لله مما تجوز فيه النيابة فإنه تصح الوكالة، ومن ذلك: الزكاة والكفارات الواجبة، فلو قال رجل لرجل: زكاتي عشرة آلافٍ وكلتك أن تتولى صرفها للمستحقين، فإنها وكالةٌ شرعية، فالزكاة عبادة والحق المالي الموجود فيها لله، لكنها تقبل النيابة والتفويض، فحينئذٍ يصح التوكيل سواء قال له: أن تدفع زكاتي للمستحق، فأبهم من حيث الشخص وعين في الصفة، أو يحدد نوعاً من المستحقين فيقول: أن تصرفها للفقراء فقط، أو للأيتام أو للمساكين، فهذا تفويض وتوكيل مخصص، وينبغي أن تكون الوكالة مختصة كما سيأتي، هذا بالنسبة لحق الزكاة.
ومن حقوق الله تعالى المالية التي تدخلها النيابة مع العجز والقدرة: الكفارات، فلو أن رجلاً وجبت عليه الكفارة ليمينه، فقال: يا محمد! كفر عني يميناً حنثت فيها فأطعم عني عشرة مساكين أو اكسهم، فحينئذٍ إذا قال له: وكلتك أن تُطعم عني عشرة مساكين أو تكسوهم صحت الوكالة، ولا يقول قائل: لا يجوز التوكيل في هذا الحق؛ لأنه من العبادات، بل هذه عبادة وحق مالي تدخله النيابة.
كذلك لو أنه ظاهر من امرأته، أو جامع في نهار رمضان وهو صائم، أو قتل خطأً فوجبت عليه الكفارة التي تقوم على عتق الرقبة، فإن عجز صام شهرين متتابعين في الظهار، فعتق الرقبة حق مالي متعلق لله سبحانه وتعالى، فقال له: كفر عني بعتق رقبة، فوكله في حقٍ مالي تدخله النيابة فتصح الوكالة، فأعتق عنه الرقبة لظهارٍ أو قتلٍ أو جماعٍ في نهار رمضان صح، فهي حقٌ مالي وتدخله النيابة، كذلك لو أنه أصاب محظوراً في الحج، فوكله في الفدية، أو ترك واجباً فوكله في دم الجبران، أو وكله أن يشتري هدي التمتع أو هدي القران ويذبحه ويتولاه صحت الوكالة، لكن ينتبه إلى أن هذه الوكالة لا يشترط فيها العجز، فلا نقول له: لا توكل إلا إذا كنت عاجزا، بل نقول: من حقك أن تخرج الزكاة بنفسك أو توكل، سواءً كنت قادراً في الوكالة أو عاجزا، فهذا معنى قولهم: (تدخله النيابة مع العجز والقدرة)، فهذا النوع الأول: حقوق الله تعالى بالنسبة للأموال.
النوع الثاني من الذي تدخله النيابة: حقوق العباد، وحقوق العباد المالية تدخلها النيابة سواء وكلته وأنبته في العقد، أو وكلته وأنبته في النقد، أو وكلته وأنبته في تحصيل رفقٍ.
إلخ.
فأما توكيلك له في العقد فالعقود المالية تشمل: البيع، الإجارة، المضاربة، الشركة.
إلخ، فأنت إذا وكلت شخصاً في حقٍ مالي لك -الذي هو العقد- من حقك أن تتولاه، فمثلاً: السيارة من حقك أن تبيعها، ومن حقك أن تشتريها، فلك الحق أن توكل ببيعها وتوكل بشرائها، هذا توكيلٌ بالبيع وبعقد البيع، فهذا يسمونه توكيل بالعقد ومن أمثلته: البيع الإجارة المضاربة إلى آخره، وهذا النوع من التوكيل في العقد على ضربين: الضرب الأول: أن توكله في الإنشاء، إنشاء العقود.
الضرب الثاني: أن توكله في هدم العقود وهو ما يسميه العلماء بالفسخ، فيصح لك أن توكل في حقٍ مالي في العقود المالية إنشاءً وفسخاً، فالحقوق المالية في العقود تقبل التوكيل إنشاءً وفسخاً، ما معنى الإنشاء؟ وما معنى الفسخ؟ يعني: من حقك أن تقيم غيرك مقامك في إبرام العقد، فتلتزم بما وكلته أن يلتزم به، وأيضاً من حقك أن توكله في فسخ العقد، مثاله: لو قال شخص لآخر: وكلتك أن تشتري لي سيارة من نوع كذا بعشرة آلاف، هذا توكيل بالإنشاء، فينشئ عقد البيع ويدخل إلى ذمة موكله هذا النوع من المبيعات، فالوكالة صحيحة ومعتبرة في هذا، أما الفسخ فالعكس، يقول له: وكلتك أن تفسخ هذا البيع لوجود خيار، كأن يطلع على عيب في السلعة فقال له: اذهب ورد لفلانٍ ثوبه هذا وخذ الثمن منه، فإنه معيب ولا أريد أن أتم هذا، والعيب يوجب خيار الفسخ، فحينئذٍ من حقه أن يفسخ، فيوكله أن يفسخ العقد، فلا نقول في حقوق الأموال: تصح إنشاءً ولا تصح فسخاً، بل نقول: تصح إنشاءً وفسخاً، هذا بالنسبة للتوكيل في العقد إذا كان حقاً ماليا.
التوكيل في النقد -في النقود والدراهم-: وهذا من أشهر ما يقع في عقد القرض والحوالة، فمن حقك أن توكل في القروض وتقول: أعط فلاناً مائة ألفٍ قرضاً، أو يقول التاجر للعامل الذي يكون في المحل: ديّن فلاناً أو ديّن الضعيف وأعطه شهراً أو شهرين، فأعطاه إذناً في أن يقرض الغير، فهذه وكالةٌ بالقرض، وقد يكون التوكيل في القرض -الذي هو النقد- من جهة الحوالة بالقرض، وهذا من جهة الإثبات، فيحيل ويقول له: وكلتك أن تحيل فلاناً على فلان، هذا توكيل للقرض بالحوالة، وكما أن القروض تقع فيها الوكالة إثباتاً كذلك تقع الوكالة فيها إبراءً ومسامحةً، ومن هذا ما ثبت في الحديث الصحيح كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه كان فيمن قبلنا رجلٌ يقرض الناس وكان يقول لغلمانه: إذا وجدتم معسراً فتجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، ففعلوا ذلك، فلقي الله عز وجل، فقال الله عز وجل: يا ملائكتي! نحن أحق بالعفو منه تجاوزوا عن عبدي)، فوجه الدلالة: أنه وكل عماله ومن تحت يده أن يسقطوا الديون وأن يؤخروا وأن يوسعوا على المعسرين، فهذا يدل على مشروعية التوكيل في القروض إسقاطاً ومسامحةً وتوسعةً، وعليه: فإن القروض تدخلها الوكالة.
كذلك أيضاً: تقع الوكالة في عقود الأموال أو الحقوق المالية المتعلقة بعقود الإرفاق ومن أشهرها: العارية والوديعة، العارية تقول: يا فلان اذهب لفلان واستعر لي منه كتابه، فقد وكلته عنك أن يستعير ذلك الكتاب، وكذلك تقول له: اذهب إليه وخذ منه سيارته وقل له: أريدها يوماً أو أريدها لحاجةٍ، فتكون وكلته أن يستعير عنك، والعكس، فتوكله أن يرد العارية، فتقول له: خذ كتاب فلانٍ وأعطه إياه، فهذه وكالة برد العارية، فتقع الوكالة أيضاً في عقود الإرفاق عاريةً ووديعة، هذا بالنسبة للحقوق المالية المتعلقة بالله سبحانه وتعالى والحقوق المالية المتعلقة بالعباد.
قد يتبع هذا القسم: الحقوق التي أذن الشرع فيها بالتوكيل مع العجز والقدرة من غير الأموال، وذلك كما هو في النكاح، فالنكاح يصح أن توكل فيه إنشاءً، ويصح أن توكل فيه فسخاً، وكذلك رفعاً، فتوكل في النكاح إنشاءً كأن تقول لرجلٍ: اقبل نكاحي من فلانٍ، وكلتك أن تقبل زواج فلانةٍ عني، فهو وكيل، فينشئ العقد بدلاً عنه، أو يقول رجل آخر: وكلتك أن تزوج ابنتي من فلان، فهذا توكيل بالإنشاء، ويقع التوكيل في النكاح رفعاً في الطلاق؛ لأن الطلاق يسمى رفع وتقول: وكلتك أن تطلق نسائي، أو يقول له: وكلتك أن تطلق فلانة طلقة، فهذا توكيل في رفع النكاح، ويقع التوكيل في فسخ النكاح وذلك بالخلع، فيقول له: وكلتك أن تخالع فلانة، أو المرأة تقول لأخيها: خالعني من زوجي وأعطه المال والمهر، فهذا توكيلٌ بالخلع، فلو أن المرأة وكلت أخاها أن يتولى خلعها من زوجها، وجاء الأخ إلى عند القاضي فلا يقول القاضي: لا بد وأن تحضر، بل إنه تجوز فيه الوكالة ولا تلزم بالحضور.
وعلى هذا: فالوكالة تسري في النكاح إنشاءً ورفعاً وفسخا، وكذلك تقع في النكاح استدامة، كما في الرجعة، فلو قال له: وكلتك أن ترجع لي زوجتي -هذا في الرجعة- يصح في ذلك وتقع الوكالة، هذا بالنسبة للحقوق التي تدخلها النيابة مع العجز والقدرة ولا يشترط عجزُ الإنسان.
(194/10)
________________________________________
ما لا تجوز فيه الوكالة لا مع العجز ولا مع القدرة
القسم الثاني: أن تكون الوكالة في الحقوق التي لا تقبل النيابة، لا في حال العجز ولا في حال القدرة، وذلك كالصلاة؛ فإن الصلاة لا تصح فيها الوكالة لا مع العجز ولا مع القدرة، فلا يصح لشخص قادر على الصلاة أن يقول لغيره: وكلتك أن تصليّ عني، ولا يصح لشخصٍ عاجزٍ عن الصلاة أن يقول لغيره: وكلتك أن تصلي عني، هذا بالنسبة للصلاة، وقد يقع ذلك على سبيل التبع لا الأصل، كما في صلاة الركعتين في الحج والعمرة عن الغير؛ فإنك تصلي عنه لكن وقعت تبعاً، ولم تقع أصلاً، ويجوز في التابع مما لا يجوز في الأصل، وذكرنا هذه القاعدة وأدلتها، ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين.
فهذا النوع الثاني وهو الذي لا تصح فيه النيابة لا في حال العجز ولا في حال القدرة، بالإجماع لا تدخل فيه الوكالة.
لكن هناك نوع من العبادة وهو الصيام عن الغير، هل يجوز الصيام عن الغير في حال العجز وهذا إذا كان ميتاً؟ فهل تدخل الوكالة في ذلك أو لا تدخل؟ هل تدخل النيابة فيه أو لا؟ هذا فيه تفصيل عند العلماء رحمهم الله.
يبقى السؤال عن مسألة الطهارة -أما الصلاة فلا تقبل وكالة فلو وكَل المصلي لم يصح- لو قال له: يا فلان تطهر عني، فالطهارة تنقسم إلى قسمين: طهارة الحدث، وطهارة الخبث، فأما طهارة الخبث، فإنه إذا قام بتطهير المحل دون أن ينوي الأصل طهارة الخبث صح؛ لأننا ذكرنا في باب الطهارة أن إزالة النجاسة لا تشترط لها النية، وبناءً عليه فالمريض الذي يغشى عليه فيطهر أثناء الغشيان، أو يكون مشلولاً ويأتي الغير وينظف له محل الأذى دون أن يستشعر أنه ينظف ذلك، ثم يفيق وهو طاهر نظيف الموضع فيجوز أن يتوضأ مباشرة ويصلي، أو يغتسل مباشرةً ويصلي؛ لأن الإزالة للخبث لا تشترط لها النية، ومحلها قابل للتوكيل وممكن لأي شخص أن يقوم بذلك؛ لأنه ليس بمحل تتعين فيه النية والخلوص الذي هو الإخلاص.
أما طهارة الحدث -الوضوء- فإنها لا تصح إلا بنيةٍ من الشخص المغسول، فلا يصح أن يوضئه الغير إلا إذا نوى، فلو كان الشخص جالساً فصب رجلٌ عليه ماءً على وجهه وغسل الوجه وصب على يديه وغسل له أعضاء وضوئه دون أن ينوي لم يصح وضوءه، فإن نوى صح وضوءه وأجزأه.
(194/11)
________________________________________
ما تجوز فيه النيابة مع العجز ولا تجوز مع القدرة
القسم الثالث: وهو الذي تصح فيه النيابة مع العجز دون القدرة، فهذا يكون في الحج والعمرة؛ فإنه في الحج والعمرة، يجوز أن يقوم الغير مقامه إذا كان عاجزاً، أما لو كان قادراً فإنه لا يصح أن يقوم الغير مقامه، بناءً على ذلك: لو وكله بالحج، أو وكله بالعمرة فقل: يشترط أن يكون الأصيل عاجزاً عن الحج والعمرة إلا في مسألة واحدة وهي: الحج عن الغير والعمرة عنه في حج النفل، فإن مذهب طائفة من العلماء: أن حج النفل لا يشترط فيه العجز، ويجوز أن تعطي رجلاً مالاً ليحج عنك حجة نافلة، وفي هذا نظر والأقوى والأصح الالتزام بالأصل من عدم وجود النيابة إلا فيما أذن الشرع فيه بالنيابة.
(194/12)
________________________________________
الأسئلة
(194/13)
________________________________________
الفرق بين الوكالة والتفويض

السؤال
ما الفرق بين الوكالة والتفويض وأيهما أقوى؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه.
الوكالة فيها معنى التفويض، ولا تكون الوكالة إلا بشيء من التفويض، إلا أن التفويض فيه عموم؛ لأن من فوض إلى الغير شيئاً وجعل له ذلك الشيء، فإن هذا يستلزم أن يقوم مقامه من كل وجه في تفويضه، ولكن الوكالة غالباً ما تكون مقيدة، وعلى هذا: فإن التفويض فيه شيء من العموم، أي: أعم من الوكالة، وإلا فالتداخل موجود بينهما، حتى إن العلماء رحمهم الله في تعريف الوكالة قالوا: هي التفويض، وبعضهم يقول: استنابة، فالتفويض والوكالة بينهما تداخل، ومن أوضح ما يقع الفرق بين التفويض والوكالة في مسألة الطلاق، فإنه إذا فوّض الطلاق للمرأة وجعل لها أمرها بيدها ليس كما لو وكل، فإنه إذا فوض إليه ذلك فليس كالتوكيل؛ لأن التوكيل محدد وفيه نوع من التقييد، ويفتقر إلى شيء من الانضباط أكثر من التفويض، والتفويض أبلغ في الإنابة وإقامة الغير مقامه والله تعالى أعلم.
بالنسبة للتفويض في مسألة الوكالة ذكر بعض العلماء رحمهم الله في مسائل غير مسألة الوكالة التي معنا، ربما في الحقوق يكون التفويض فيها أقوى من الوكالة، وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن التفويض أعم من الوكالة، ولذلك يستمد قوته من عموم المادة، وتفويض الأمر إلى الشخص يجعل له صلاحية أن ينظر، فإن شاء أتمه وإن شاء نقضه، وإن شاء أمضاه وإن شاء فسخه لكن للتوكيل فيه هذا المعنى من بعض الوجوه، ومن أظهر ما يقوي ذلك: ما لو قال له: وكلتك أن تفعل شيئاً ثم مات الموكل فتنفسخ الوكالة مباشرةً، لكن لو قال: فوضت إليك، فالتفويض يختلف عن هذا ويبقى مفوضاً، ولو مات من فوضه، فحينئذٍ التفويض يكون أقوى من الوكالة من هذا الوجه، والله تعالى أعلم.
(194/14)
________________________________________
التفصيل في تعارض الحقيقة الشرعية مع الحقيقة العرفية

السؤال
الألفاظ التي يختلف فيها العرف والمعنى الذي يدل عليه اللفظ فأيهما يقدم؟

الجواب
ورد في السؤال الألفاظ التي يتعامل الناس بها، ويكون لها معنىً عندهم، ويكون لها معنىً في الشرع، فأيهما يقدم؟ تعرف هذه المسألة بمسألة: تعارض الحقيقة الشرعية مع الحقيقة العرفية أو الوضعية، فإذا كان للناس عرفٌ يتعاملون به في الألفاظ فإنه يرجع إلى هذا العرف، ويحتكم إلى هذا العرف إلا في المصطلحات الشرعية المعينة، ولذلك يحكم في الأيمان والنذور بما جرى عليه العرف وتكون الحقيقة العرفية قوية في كثير من المسائل، وقد تُقدم في حال تعارض الأعراف للحقيقة الشرعية ترجيحاً لأحد العرفين على الآخر، وأما من حيث الأصل فالألفاظ التي حددها الشرع كالطلاق ونحوه لا تخلو من حالتين: إن كانت بصريح اللفظ الذي جعله الشرع دالاً على المقصود فهذه لا يؤثر فيها العرف الخاص، ويرجع فيها إلى حكم الشرع ولا يرجع فيها إلى عرف الناس، حتى قال العلماء رحمهم الله: إن هذا الباب أشبه بالحكم الوضعي، أي: أن الشرع جعل لفظ الطلاق موجباً للطلاق بغض النظر عن قصده وعدم قصده، فما دام أنهم تلفظوا بهذه الألفاظ وقصدوا اللفظ فإنهم يؤاخذون به، حتى ولو جرى العرف بعدم اعتبار هذا اللفظ طلاقاً، لكن لو أنه قال كلمةً بمثل لفظ الطلاق ولم يقصد الطلاق، وجرى العرف فيها بشيءٍ آخر، ووجدت قرائن، انصرف اللفظ إلى ما قصد، مثال ذلك: لو إذا خرجت من الحمام -أكرمكم الله- اصطلح أهل القرية على أن المرأة بمجرد خروجها من الحمام يقال لها: طالق، كأنها كانت داخل الحمام مقيدة بحاجاتها وبعذرها، ثم درس هذا العرف فقال لها: يا فلانة! أنت طالق، وهو قصده المدلول العرفي، يعني: خرجت من الحمام، فهي طالق في حكم الشرع سواء، قصد أو لم يقصد، لكن وجود القرينة أو ما يسمى عند العلماء ببساط المجلس قالوا: لا تطلق، وبعض العلماء قالوا: تطلق قضاءً ولا تطلق ديانة، فبينه وبين الله هي زوجته، ولكن لو ارتفع إلى القاضي تطلق عليه، وهذا ترجيحٌ للحقيقة الشرعية على الحقيقة العرفية ولو جرى العرف وأكد بساط المجلس.
فالمقصود: أن مسألة الألفاظ هذه ذكرها العلماء رحمهم الله، وهناك جوانب كثيرة منها: الأيمان، ومنها: النذور، لو قال: والله لا آكل اللحم، والعرف الموجود عندهم أن اللحم مختص بلحم الدجاج، فقال: والله لا آكل اللحم، فعرفه مختص بلحم الدجاج، لكن المعروف أن لفظ (اللحم) يشمل كل اللحم، ويحرم عليه جميع اللحم، فهل نقدم ما تعارفوا عليه من تخصيص العرف اللغوي أو نقدم الأصل الشرعي، هذا من تعارض العرف مع اللغة.
ويتعارض العرف مع الشرع في ألفاظ الظهار، وألفاظ الأيمان، وألفاظ العتاق، ونحوها، فالمقصود: أنه في بعض الأحيان قد تقدم الحقيقة العرفية، خاصةً عند الاحتمال مثل طلاق الكنايات، فلو قال لامرأته مثلاً: أنت خلية، أنت برية، أنت بتة، أنت بتلة، أنت الحرج، اخرجي، تقنعي، اغربي عن وجهي، لست لي بامرأة، هذه كلمات قد تجري في بعض الأعراف ويقصد منها الطلاق، وفي نيته أنه يطلق، وقد تجري في بعض الأعراف على أنها تأديبٌ للزوجة، كما لو قال لها: اذهبي إلى أهلك، واخرجي من بيتي، ودرج العرف المتعارف عليه أن المرأة يقول لها زوجها: اخرجي لبيتك، واليوم الثاني: لبيت أهلك، واليوم الثالث: يردها، إذا اصطلحوا على ذلك وهو لا ينوي الطلاق ولم يقصد بذلك طلاقاً لا يقع طلاقاً، لكن إن نواه طلاقاً وقع طلاقاً، فحينئذٍ احتكم للعرف مع وجود شبهة التطليق بالكناية.
المقصود أن الكنايات يقوى فيها الاحتكام إلى العرف، أما بالنسبة لمسائل الألفاظ التي حددها الشرع وعينها فهذه يقوى فيها تقديم الحقيقة الشرعية، وهذه المسألة راجعة إلى وضع اللغة، وقد ذكرها علماء الأصول، واللغة العربية قيل: إن الواضع لها هو الله عز وجل، فإذا كانت موضوعةً من الله سبحانه وتعالى -حتى ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع وغيره أنها لغة أهل الجنة، وهذا يقتضي أنها تعبدية- فلا يمكن لشخص أن يغير اسماً منها فلو قال: أنت طالق وقال: الطلاق له عندي معنىً خاص لا يمكن أن يصرف إلى حل العصمة، نقول له: أبداً هذا وضع وضعه الشرع ما تستطيع أن تحدث فيه.
فعلى هذا الوجه: لو اصطلح أهل البيئة في ألفاظٍ معينة على صرفها عن هذا لم يستقم، أما في أصل معاني الأشياء التي هي الأسماء المعينة والأسماء غير المعينة فإنه يمكن أن يحصل فيها اختلاف في العرف، ويمكن أن يحصل فيها اختلاف في الأشخاص، فقبيلة تتلفظ بهذا اللفظ وتنوي وتعتد به طلاقاً، وقبيلة أخرى تتلفظ بهذا اللفظ ولا تعتبره طلاقاً، هذا يختلف باختلاف الأعراف والبيئات والأشخاص والله تعالى أعلم.
(194/15)
________________________________________
ابن الزوج ليس محرماً لأم زوجة أبيه

السؤال
هل ابن الزوج محرمٌ لأم زوجة أبيه الثانية؟

الجواب
بالنسبة لابن الزوج لا يكون محرماً لأم زوجة أبيه، فهذه المحرمية تختص بالأب دون الابن؛ لأن المحرمات من جهة المصاهرة يختص التحريم فيهن بالأصل دون الفرع، وفي بعضها يختص بالفرع دون أصله، فتختلف بحسب الأربع التي بينها القرآن: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الأب، وزوجة الابن، فالآن زوجة الأب أمها محرمٌ للأب؛ لأنها من (أمهات نسائكم)، ولكن أمها ليست محرماً لابنه، وبنت زوجته محرمٌ له وهي الربيبة وليست بمحرمٍ لابنه، فهذا التحريم يختص بالأب؛ فأمّ زوجة أبيه ليست بمحرمٍ له، وعلى هذا: لا يجوز له أن يختلي بها، ولا أن يصافحها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(194/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الوكالة [2]
إن مقصود الشرع من الوكالة هو الإرفاق وتحقيق المصلحة، فلهذا جازت الوكالة فيما كان على هذه الصفة، لكن إذا تضمنت الوكالة محذوراً، كأن تكون وكالة على محرم، أو كان الفعل لا يصح التوكيل فيه، فعند ذلك يمنع الشرع من هذه الوكالة.
(195/1)
________________________________________
الأشياء التي يصح فيها التوكيل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد تقدم الحديث عن الأمور التي يجوز للمسلم أن يوكل غيره فيها، وذكرنا أن هناك جانبين: جانب فيما بين المسلم وبين الله، وجانب فيما بينه وبين العباد، وذكرنا الجانب الذي بينه وبين الله عز وجل، وفيه حقوق قصد الشارع أن يقوم المسلم بها بنفسه: كالصلوات الخمس، والصيام، فلا يجوز أن يوكل غيره فيها، ولا تصح الوكالة في هذا النوع.
وأما النوع الثاني من هذا الجانب الذي بينه وبين الله عز وجل: الحقوق التي قصد الشارع وصولها لأصحابها كالزكوات والكفارات، فيجوز للمسلم في الحقوق المالية أن يوكل غيره فيها، فيعطي عشرة آلاف لرجل ويقول: ادفع هذه العشرة الآلاف للفقراء أو المستحقين للزكاة، فيوكله في حقٍ فيما بينه وبين الله عز وجل، وذكرنا حكم ذلك، ثم حقوق الآدميين ذكرنا ما الذي تدخله النيابة وتصح، وما هو في ضد ذلك.
(195/2)
________________________________________
التوكيل في العقود
ثم شرع المصنف -رحمه الله- في بيان محل الوكالة فقال رحمه الله: [ويصح التوكيل في كل حق لآدمي].
أي: يجوز لك أن توكل غيرك، ويجوز لك أن تقبل وكالة غيرك، يعني: في كلا الجانبين يجوز لك أن تكون موكلاً، ويجوز أن تكون وكيلاً: (في كل حقٍ لآدمي).
يعني: كل أمرٍ من الأمور التي من حقك أن تقوم به، فيجوز أن توكل الغير فيه، فقال رحمه الله: (من العقود).
(من) بيانية، (العقود): جمع عقد، والعقد أصله التوثيق والإبرام، ومنه عقدة الحبل، وإذا قال العلماء: العقد، فهو الإيجاب والقبول، فيجوز لك أن توكل أي شخصٍ بشرط أن يكون أهلاً للعقد الذي توكله فيه، فيجوز لك أن تجعله نائباً عنك، مثاله: أن تقول له: يا محمد! اشتر لي سيارةً من نوع كذا، فهذا توكيلٌ بالشراء، يا محمد! بع أرضي الفلانية بعشرة آلاف، فهذا توكيلٌ بالبيع، فيجوز لك أن توكل في العقود كالبيع والإجارة، كأن تقول لصاحب مكتب العقار: وكلتك أن تؤجر عمارتي بعشرة آلاف، أو بعشرين ألفاً، أو بمائة إلى آخره، فهذا توكيلٌ بالإجارة، وكذلك أيضاً توكله في القيام بالعقود الأخرى كالشركات ونحوها فهو وكيلك.
فيقول رحمه الله: (ويصح التوكيل في كل حقٍ لآدمي)، أي: يملك أن يبرمه وينشئه، وعندما قال رحمه الله: (من العقود)، هناك جانبان: الجانب الأول: ما يسمى: إنشاء العقود، وهناك جانب عكسي وهو: فسخ العقود، فإذا قلت: يجوز أن توكل في الإنشاءات فيجوز أن توكل في الفسوخ، فمن حقك أن توكل غيرك في إثبات العقود وإنشائها، فينشئ عنك البيعة ويلزمك، وينشئ عنك الإجارة وتلزمك، وينشئ عنك الشركة وتلزمك إلخ، وتوكله في الفسخ، فتقول له: يا محمد! افسخ عقد البيع الذي بيني وبين فلان، أو افسخ عقد الإجارة الذي بيني وبين فلان.
قال رحمه الله: [من العقود والفسوخ].
العقود عامة، وعلى هذا فيجوز أن يتوكل عنك في عقد النكاح، فتقول له: يا فلان! اقبل زواجي من فلانة، فتوكله أن يكون قابلاً لزواجك، لكن ما يستطيع أن يتوكل في الفعل وهو فعل النكاح، فإنشاء النكاح شيء، وفعل النكاح شيءٌ آخر، فالشرع قصد من المكلف أن يفعل بنفسه ليعف نفسه عن الحرام، فلا يكون التوكيل عن زوجٍ ولا عن زوجة في الفعل، لكن في الإنشاء يجوز، ويجوز في الإنشاء ما لا يجوز في الأثر، فأثر النكاح الاستمتاع، فهناك فرق بين إنشاء عقد النكاح وبين أثره، فتوكله إنشاءً ولا يصح أن يوكل فيما بعد ذلك.
والعكس في المرأة كذلك، فيجوز أن يتوكل الغير عنها في قبولها، وهكذا بالنسبة لوليها يجوز أن يوكل الغير، فعقد النكاح يجوز إنشاؤه وكالةً، ويجوز إنشاؤه أصالةً.
(195/3)
________________________________________
التوكيل في الفسوخ
قوله: (والفسوخ) جمع فسخ، يقال: فسخ الثوب إذا أزاله، والفسخ: الرفع والإزالة، والمراد بالفسخ: فسخ العقود، فيجوز أن توكله، مثل ما يقع في أصحاب الشركات، وكل صاحب شركة أو مؤسسة كبيرة قد لا يكون عنده الوقت والفراغ ليبرم العقود، فيوكل شخصاً معيناً عن شركته، فيكون هذا الشخص يفوض إليه، ويقول له: لك حق إبرام العقود وفسخها يعني: أنت وكيلٌ عني في أن تبرم عقود البيع وعقود الإجارة، ولك الحق أيضاً، وكلتك في أن أي عقد بيع ترى من المصلحة أن يفسخ تفسخه، وكل عقد إجارة ترى من المصلحة فسخه تفسخه، ويستوي في ذلك أن يكون الفسخ من أحد الطرفين أو منهما معاً بالرضا من الطرف الثاني.
(195/4)
________________________________________
التوكيل في العتق
قال رحمه الله: (والعتق).
العتق كما هو معلوم في مقصود الشرع: فك رقبة إذا كانت مسلمة ومؤمنة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء فقال: أعتقها فإنها مؤمنة) وجملة (فإنها مؤمنة)، أي: لأنها مؤمنة، فدل على أن مقصود الشرع عتق الرقاب إذا كانت مؤمنة، فالتوكيل في عتق الرقبة، تقول: يا فلان! وكلتك في عتق إمائي أو عتق عبيدي، هذا عموم، أو عتق فلان من عبيدي أو فلانة من إمائي هذا كله جائز، فيجوز أن يتوكل عنك في العتق كما أنه يجوز أن يتوكل عنك في شراء الأمة والعبد ونحو ذلك.
(195/5)
________________________________________
التوكيل في الطلاق
قال رحمه الله: (والطلاق).
يجوز أن يوكل غيره في تطليق امرأته أو تطليق نسائه، سواءً جعل له الطلاق كله كأن يقول: وكلتك أن تطلق نسائي دون أن يقيده بطلقة أو بطلقتين، وإنما يقول له: وكلتك أن تطلق امرأتي، ويفوض له ذلك بأن يطلق طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً وقد يقيد ذلك فيقول: وكلتك أن تطلق زوجتي فلانة -فهذا تقييد في واحدة من نسائه- أو تطلقها طلقة أو طلقتين ويقيد عدد الطلاق، ففي هذه الحالة يجوز، لكن إن وكله في تطليقه لزوجته فلا تخلو الوكالة من حالتين: إما أن تكون مطلقة على السنة، فيطلق الوكيل على السنة، وإما أن يطلق الوكيل لغير السنة كما ذكرنا في درس النكاح، كأن يطلقها وهي حائض، فحينئذٍ يكون فيه الخلاف المشهور ويرد

السؤال
هل تطلق أو ما تطلق؟ فالقائلون بأن الطلاق في الحيض يقع -وهم جماهير السلف والخلف رحمةُ الله عليهم على ظاهر الروايات التي ذكرناها عن ابن عمر رضي الله عنهما- يقولون: إن وكله في التطليق فطلقها وهي حائض أثم الوكيل دون الأصيل، ويمضى الطلاق ويكون طلاقاً بدعياً، ويأثم الوكيل ولا يأثم الأصيل، ولكن الطلاق نافذ، ولو قال له: طلق زوجتي -وهي في الحيض- فقال: وكلتك أن تطلق زوجتي الآن، أو تطلقها اليوم، أو تطلقها وهي حائض وكانت في حيضها، فكأن الموكل قصد أن يوقع الطلاق حيضها فاختلف العلماء: قال بعض العلماء: لا يتوكل الوكيل عن الأصيل في الحرام، فكما لا يصح التوكيل في الظهار كذلك لا يصح التوكيل في الطلاق في الحيض، فلو وكله وقال له: طلقها في حيضها، فنص على بدعية ومحرم فلا يجوز التوكيل، ولا تصح الوكالة على هذا الوجه، قالوا: لأن الوكالة عقد شرعي أذن به للأمور المشروعة لا للأمور الممنوعة؛ لأن الله يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]، فهذا الطلاق في حال الحيض إثمٌ واعتداءٌ لحدود الله؛ لأن الله نهى في آية الطلاق فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة:229]، فنص على أنه من حدود الله عز وجل، وحدود الله أن تطلق المرأة في غير الحيض.
وبناءً على ذلك: لو قال له: طلقها في الحيض، بطلت الوكالة في قول طائفة من العلماء، والفرق بين من يقول: تبطل الوكالة وبين من يقول: لا تبطل، أنه لو قال له: وكلتك أن تطلق امرأتي حال الحيض فطلقها وقلنا: الوكالة باطلة فالطلاق لا يقع، وإن قلنا: الوكالة صحيحة فالطلاق يقع على الوجه الذي ذكرناه في قول الجمهور، وفي الحقيقة لا شك أنه يأثم الموكل والوكيل، وعند النظر في المقصود الشرعي من طلاق الحيض فإنه يقوى أن ينفذ عليه طلاقه؛ لأنه نفذ على الأصيل، فمن باب أولى أن ينفذ على الوكيل.
(195/6)
________________________________________
التوكيل في الرجعة
قال رحمه الله: (والرجعة).
أي: يجوز للمسلم إذا طلق امرأته طلاقاً رجعياً وهي الطلقة الأولى أو الطلقة الثانية وما زالت في عدتها أن يراجعها، وهذا فيما إذا كان بعد الدخول، وينبغي أن ينبه أن الطلاق الرجعي لا يكون إلا بعد الدخول بالمرأة؛ ولذلك نقول: الطلقة الأولى والطلقة الثانية بعد الدخول، فإذا وقعت الطلقة الأولى قبل الدخول فليس برجعي؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب:49] فدل على أنه لا رجعة في الطلاق قبل الدخول، لكن الرجعية تكون إذا كان قد دخل بها، فإذا عقد على المرأة ودخل بها وطلقها الطلقة الأولى أو طلقها الطلقة الثانية وما زالت في عدتها فإنه يمتلك رجعتها؛ لقوله سبحانه: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة:228]؛ لأنه قال في صدر الآية: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، فقد جاءت الآية مقيدة لقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا} [البقرة:228].
وعلى هذا قال العلماء: إنه ما دامت الطلقة رجعية فإنه يمكنك استرجاعها بدون إرضائها، فلو أنه ارتجعها بنفسه صحت الرجعة كأن يقول: راجعت فلانةً أو راجعت زوجتي أو يقول: يا فلان! وكلتك أن ترجع لي زوجتي، أو وكلتك في ارتجاع زوجتي، فإنه وكيل فتصح الوكالة، فكما صحت الوكالة في إنشاء عقد النكاح صحت الوكالة في استدامة عقد النكاح؛ لأن الرجعة استدامة وفيها وجهان: بعض العلماء يقول: الرجعة إنشاء، وبعضهم يقول: استدامة، والفرق بين القولين: أننا لو قلنا الرجعة استدامة وطلق المحرم حق له أن يراجع زوجته؛ لأنها استدامة للنكاح، ومحرم على المحرم أن ينكح، وإن قلنا: إنها إنشاء فإنه لا يمتلك أن يرتجع إلا بعد أن ينتهي أو يفك إحرامه.
(195/7)
________________________________________
التوكيل في المباحات المتملكة
قال رحمه الله: (وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه).
يقول رحمه الله: وتجوز الوكالة في تملك المباحات، والمباحات: جمع مباح، فهناك أشياء أحل الله عز وجل لعباده أن يأخذوها، والمباحات هي التي لا تكون ملكاً لواحدٍ من الناس مثل الأشجار في البراري، فإن الأشجار في البراري ملكٌ للناس ينتفعون بها، وليس لأحد أن يمتلك إلا إذا زرعها بنفسه، فإذا زرعها بنفسه كانت ملكاً له وإحياءً للموات، لكن من حيث الأصل: الماء والكلأ والنار المسلمون فيه شركاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)، فأثبت الشراكة في هذه الثلاثة الأشياء، فمعنى ذلك أن الكلأ والحطب مباح للجميع، إلا أن يكون من الحمى الذي حماه الله ورسوله، فهذا الكلأ -احتشاش الحشيش- مباح، وهكذا العيون الجارية من حقك أن تأتي في أي مكان من هذه العين وتغترف منه وتشرب، وليس لأحد أن يقول: هذه العين ملكٌ لي إلا إذا كانت في أرضه، على خلاف، إذا كان قد احتفرها أو انفجرت من تلقاء نفسها في أرضه، فالمعمول به في قضاء الصحابة رضوان الله عليهم استنباطاً من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الزبير: أن العيون ونحوها يسقى بها الأعلى فالأعلى، لكن لا تملك، قال: (اسق يا زبير)، فجعل له أن يسقي ثم يرسل الماء: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء) فالماء لا يملكه أحد إذا كان عيناً جارية، كالكلأ والنار، وهو الحطب.
وهذه الأشياء يرد

السؤال
هل من حقي أن أوكل فيها أو ليس من حقي؟ للعلماء وجهان: قال بعض العلماء: الوكالة الأصل فيها أن لا تقع إلا في شيء أملكه، فلا يستقيم أن تقول لشخص: حُش لي كذا وكذا، أنت وكيلي في الحشيش، ولا يستقيم أن تقول له: أنت وكيلي في أخذ الماء من العين؛ لأن هذا الشيء يملكه من أخذه، والوكالة يشترط فيها: أن يكون الأصيل مالكاً للشيء حتى يوكل فيه، وهذا سيملكه بعد قبضه، فمنع طائفةٌ من العلماء في هذه المسألة، وفقهاً ونظراً مذهبهم صحيح؛ لأنه لا يستقيم أن تقول هذا ملك لي، قد ذكرنا: أن الوكالة تكون فيما يملك، فقالوا من حيث النظر: إن هذا الحشيش أو هذا الماء أو هذا النار لا يملك إلا بعد الحيازة، فإذا كانت لا تملك إلا بعد الحيازة فلا تصح الوكالة بها إلا بعد أن يكون له حق التصرف فيها، فإنه سيوكل في سبب الملكية، والوكالة مفتقرة إلى حق التصرف في الذي فيه الملكية، فصار فيه شيء من الدوران، فمنعوا الوكالة في هذا النوع.
وقال طائفة من العلماء كما درج عليه المصنف: يصح التوكيل، وقالوا: إنه -أي: الماء والكلأ والنار- في الأصل ملكٌ مشاع، ولكنه يتعين لمن أخذه، فصار التوكيل في الأخذ وأصل الاستحقاق وحق التصرف ينتزع من الشرع.
والقول الأول في الحقيقة له قوة، أي: القول بأن التوكيل فيه لا يقع إلا في حالة واحدة، وهي: حالة التوكيل بأجرة أو بُجعل، والجعل أن تقول له: يا فلان! احتش لي من حشيش هذا الوادي ولك مائة أو لك ألفٌ، فحينئذٍ هي إجارة وتدخلها وكالةٌ في الملكية فيستقيم، وأما بالنسبة لغير الجعل والإجارة فإن القول لا يخلو من نظر كما ذكرنا.
(195/8)
________________________________________
الأشياء التي لا يصح فيها التوكيل
(195/9)
________________________________________
التوكيل في الظهار
قال رحمه الله: [لا الظهار واللعان والأيمان].
أي: لا يصح التوكيل في الظهار؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة:2]، والظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وكان معروفاً في الجاهلية، وأنكر الإسلام هذا القول وعده منكراً من القول وزورا؛ وذلك لأنه يفسد ما بين الزوج وزوجته.
ثانياً: أنه يجعل الحلال حراماً، فهو تحريم لما أحل الله، حيث يجعل منكوحته التي أحل الله له نكاحها في منزلة المحرمة عليه؛ ولذلك وصفه الله بوصفين: أنه مُنْكَر مِنَ الْقَوْلِ وأنه زور.
وقد أجمع العلماء على تحريمه، وأن من ظاهر من امرأته فهو آثمٌ شرعا؛ ولذلك عاقبه الله بالعقوبة المغلظة وهي: أن يعتق رقبةً من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فإنه يطعم ستين مسكيناً.
وعلى هذا قالوا: لا يجوز التوكيل في الظهار؛ لأن الوكالة عقدٌ قائمٌ على المشروع لا على الممنوع، قالوا: فلو وكله أن يظاهر من امرأته وصححنا الوكالة لصححناها في السرقات والمحرمات، فلو قال رجل لرجل: اسرق لي عشرة آلاف، فلو قلنا إن الوكالة هنا صحيحة لصحت وقطعت يد الوكيل والموكل، فهذا لا يستقيم في أصل الشرع، ولذلك قالوا: الوكالة في المشروع لا في الممنوع، ولذلك إذا صححت الوكالة في المحرم ترتبت عليها أمورٌ أخرى لا يحكم بها شرعاً، مثل ما ذكرنا في الجنايات وفي المحرمات من شرب خمرٍ أو زناً أو قتل ونحوه، فإن هذا كله مما لا تدخله الوكالة، ويتفرع على القول الذي نص عليه المصنف -رحمه الله- أن الظهار لا تصح فيه الوكالة، فلو قال له: وكلتك أن تظاهر لي من امرأتي فقال: امرأتك عليك كظهر أمك؛ فإنه يكون قولاً لفظاً لا تأثيراً له، ولا تلزمه الكفارة ولا تسري عليه أحكام الظهار؛ لأن الوكالة لاغية، ففائدة إلغاء الوكالة أنه لو تلفظ بالظهار لم يحكم به.
(195/10)
________________________________________
التوكيل في اللعان
قال رحمه الله: (واللعان).
أي: الملاعنة وهي مفاعلة من اللعن، والمفاعلة في لغة العرب تستلزم وجود شخصين فأكثر، كالمخاصمة والمشاتمة فإن الرجل لا يخاصم نفسه ولا يشاتم نفسه، وعلى هذا قالوا: الملاعنة سميت بذلك لأن الرجل -والعياذ بالله- يلعن نفسه إن كان كاذباً: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:7] وهي محققة: أنه إذا كان كاذباً -والعياذ بالله- فقد حلت عليه لعنة الله، ومن حلت عليه لعنة الله فإنه تلعنه الملائكة ويلعنه اللاعنون نسأل الله السلامة والعافية.
واللعان: أيمانٌ مغلظة إذا اتهم الرجل امرأته بالحرام أو نفى الرجل ولده؛ لأن الرجل في بعض الأحيان يتهم المرأة أنها زنت والعياذ بالله، وقد يقول: هذا الولد ليس بولده دون أن يتهم المرأة بالزنا، وتارةً يجمع بين الأمرين فيقول: هي زانية وهذا الولد ليس بولدي، وتارةً يثبت زناها فيقول: هي زانية، ويثبت أن الولد ولده، فمثلاً: لو أنه جامع امرأته وحملت المرأة من مائه وقبل الولادة بفترة وقد تبين أن الحمل حمله زنت، فإنه يلاعن على زناها ولا ينفي الولد، وتارةً يلاعنها -والعياذ بالله- على الأمرين، فيغيب عنها مدة ثم يأتي فيجدها ويطلع على زناها، ويعلم بنفسه زناها فيكون اللعان على الاثنين، وتارةً يلاعن على الولد دون الزنا كأن يكون غائباً عن امرأته مدةً وغلب على ظنه بإخبار رجلٍ يثق به أنها زنت، فلا يستطيع أن يتهمها بالحرام وهو لم ير ولم يسمع، والوارد في حديث اللعان أنه قال: (والله يا رسول الله! لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني)، ولذلك شدد بعضهم -ستأتينا في مسائل اللعان- في أنه لا يقع اللعان إلا إذا رأى أو سمع، ففي هذه الحالة لو غاب عنها سنةً أو سنتين، فهل يعد الحمل بينة تحمله على اللعان، أم أن هناك احتمالات أخرى؟! بعض العلماء يقول: قد يحصل في بعض الأحيان أن تحمل المرأة ويعلق الولد، ثم يعتريه شيء من الضعف، فيعلق الولد ولا يظهر إلا بعد سنة!! هذا ذكره بعض العلماء وحصلت فيه قضية لـ عمر رضي الله عنه وأرضاه، لكن المقصود: أنه لو غاب عنها سنةً أو سنتين أو غاب عنها أكثر مدة، وهي في قول بعض العلماء أربع سنوات، ثم بعد الأربع سنوات جاءها فوجدها حاملاً، فإنه لا يستطيع أن يحلف بالله العظيم -نسأل الله السلامة والعافية- على أنها زنت، لكن هذا الولد لا ينسبه إليه ويحلف على أن هذا الولد ليس بولده، لكن أن يحلف على أنها زنت فلم تر عينه ولم تسمع أذنه، قالوا: في هذه الحالة يلاعن على الولد دون الزنا.
نحن ذكرنا هذه الأحوال لماذا؟ لأن مقصود الشرع أن يبين صدقه أو كذبه، فأحد الأمرين إن كان الرجل كاذباً -والعياذ بالله- فعليه لعنة الله، وإن كانت المرأة كاذبة وهي زانية فعليها غضب الله، نسأل الله السلامة والعافية، وبعد أن حلف الطرفان عويمر وزوجته وهلال بن أمية وزوجته -لأن اللعان وقع في حادثتين- قال صلى الله عليه وسلم: (الله أعلم، أحدكما كاذب، حسابكما على الله)، فإذاً مقصود الشرع أن يُعلم من الصادق ومن الكاذب.
فإذا جاء يوكل غيره أن يحلف فإنه يدفع رهبة الشرع في حلفه باليمين؛ ولو ساغ ذلك لأمكن للشخص أن يفر من تبعة اليمين بتوكيل غيره، لكن الأيمان لا تدخلها الوكالة، ولهذا أيمان اللعان لا تدخلها الوكالة، وكذلك قالوا: أيمان الخصومة لا تدخلها الوكالة، وليس لأحدٍ أن يحلف عن أحدٍ إلا في مسائل مستثناة وستأتينا -إن شاء الله- في كتاب القضاء والأيمان، مثل: أن يحلف الوارث عن مورثه، فتقع مسائل مستثناة سنبينها -إن شاء الله- متى يحلف الإنسان عن غيره؟
(195/11)
________________________________________
التوكيل في الأيمان
قال رحمه الله: (والأيمان).
وكذلك الأيمان لا تدخلها الوكالة، لا الإيمان ولا الأيمان، فليس لأحدٍ أن يقول لشخص: وكلتك أن تؤمن عني؛ لأن مقصود الشرع أن يكون الإيمان من المكلف بعينه، فإذا وكل الغير فوت مقصود الشرع كما ذكرنا في اللعان؛ لأن مقصود الشرع أن يرهب فيظهر صدق الصادق وكذب الكاذب، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في يمين اللعان أنه لما شهد عويمر أربعة أيمان، أوقفه عند الخامسة وذكره النبي صلى الله عليه وسلم بربه، وقال له: (اتق الله! فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) فحلف اليمين الخامسة، فلما انتقل إلى المرأة وانتهت من اليمين الرابعة أوقفها وقال عليه الصلاة والسلام: (فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)، فكادت أن تعترف، فلما استزلها الشيطان قالت: (لا أفضح قومي سائر اليوم) فحلفت الخامسة والعياذ بالله.
فالمقصود: أن هذه الأيمان رهبة، فكما أن أيمان اللعان رهبة كذلك أيمان الخصومات، والمراد بالأيمان هنا: أيمان الخصومة، فلو أن رجلاً ادعى على رجل وقال: لي عند فلان مائة، فسأله القاضي: هل لفلانٍ عندك مائة؟ قال: لا.
يقول للمدعي: ألك بينة؟ قال: ما عندي بينة، إذاً إلى ماذا يتجه؟ يتجه إلى اليمين، يقول له: إذاً يحلف خصمك اليمين، لكن لو له بينة حُكِمَ بها، سواءً كانت البينة صادقة أو كاذبة، ما دام أنها وثّقت وعُدّلت عند القاضي، فالشاهد أن زيداً ادعى أن له مائةً عند عمرو فقيل لزيدٍ: ألك بينة وحجة وشهود؟ قال: لا.
فحينئذٍ يُطالب عمرو باليمين، وهذه اليمين تسمى: اليمين الغموس؛ لأنها تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله، ومن حلف هذه اليمين يُقال -من السنن التي عُرِفت وشاعت وذاعت- لا تمر عليه السنة بخير، يعني: لا يحول عليه الحول ولا تمضي عليه السنة إلا وتأتيه مصيبة، وهذا معروف، حتى ولو حلف فاجراً بهذه اليمين على شيء تافهٍ يسير، فلا يحلف هذه اليمين وهو يعلم أنه كاذب إلا إنسان -والعياذ بالله- قد تقحم النار.
وهذه خصومة وقعت بين صحابيين في بئر فقال أحدهما: (يا رسول الله! هي بئري وأنا حفرتها، فقال صلى الله عليه وسلم: ألك بينة؟ قال: لا، قال: إذاً ليس لك إلا يمينه، قال: يا رسول الله! الرجل فاجر ويحلف اليمين ولا يبالي، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس لك إلا يمينه، فقال: يا رسول الله! الرجل فاجر ويحلف اليمين ولا يبالي، فقال صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين وهو فيها كاذب ليقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ لقي الله وهو عليه غضبان)، تصور من لقي الله وهو عليه غضبان نسأل الله السلامة والعافية! وقد قال الله عز وجل: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه:81] و (هوى) من الله ليست بهينة، فقالوا عقب هذا الوعيد الشديد: (يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً؟ -وإن كانت اليمين على شيء يسير- قال: وإن كان قضيباً من أراك) عود السواك، وكان هذا يضرب به المثل على الشيء الحقير، فدلت هذه النصوص على أن مقصود الشرع ترهيب الخصم من الدعوى الكاذبة، وترهيب الخصوم من أكل بعضهم أموال بعض، واعتدائهم على حقوق بعض، فكأن اليمين قصد منها الشخص بنفسه، فإذا جاء يوكل آخر مكانه فوت مقصود الشرع إلا فيما يستثنى من أيمان القضاء كما سيأتي.
(195/12)
________________________________________
حقوق الله التي يصح فيها التوكيل
قال رحمه الله: (وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات).
أي: وتصح الوكالةُ في كل حقٍ لله، بشرط: أن تدخله النيابة، ويشمل هذا -كما ذكرنا- الحقوق المالية، فأما الحقوق البدنية المحضة فلا تدخلها النيابة.
وعلى هذا: الحقوق المالية التي تدخلها النيابة تنقسم إلى قسمين: الزكوات الواجبة، والكفارات ونحوها.
فأما الزكوات الواجبة فيجوز أن توكل الغير كما ذكرنا.
وأما الكفارات فيجوز أيضاً أن توكل فيها، كرجلٍ حلق شعر رأسه في الحج أو في العمرة لعذر من حجامةٍ ونحوها فأعطى رجلاً مائة، وقال له: يا فلان! أخرج الكفارة عني أو أخرج الفدية عني، فقد وكله في حق لله تدخله النيابة فيصح التوكيل، وهكذا لو أنه ظاهر من امرأته أو جامعها في نهار رمضان وهو صائم فوجبت عليه الكفارة فأعطى رجلاً ألف ريال وقال: يا فلان! اشتر رقبةً وكفر عني، فتصح الوكالة، فيشتري رقبة وينويها عنه كفارةً لظهاره أو جماعه في نهار رمضان، فبالإجماع يصح، هذا بالنسبة لحق الله الذي تدخله النيابة.
ومفهوم ذلك: أن حق الله الذي لا تدخله النيابة وهي فروض الأعيان من غير الأموال، لا يصح التوكيل فيها، فلو قال: يا فلان! صم عني شهر رمضان لا يصح؛ لأن مقصود الشرع أن يصوم المكلف بنفسه، ولو قال: يا فلان! صلّ عني الصلوات الخمس لم يصح؛ لأن مقصود الشرع أن يؤديها بعينه وعلى هذا: لا يصح صومه عن الغير ولا أيضاً صلاته عن الغير، وفي الحج تدخله النيابة لكنها نيابةٌ مشروطة، ويختص الحج بأنه يصح التوكيل فيه في حال العجز، وأما في حال القدرة فلا إلا في حج النافلة، فاختلف: هل يجوز أن يوكل الغير في حج النافلة أو لا؟ على وجهين مشهورين عند العلماء رحمهم الله، والفرق بين الزكوات الواجبة والكفارات وبين الحج: أن الحج تدخله النيابة بشرط العجز، وفي الزكوات والكفارات: يستوي أن يكون المكلف عاجزاً أو قادراً.
فتقسم حقوق الله إلى قسمين: حقوق لا تدخلها النيابة ولا تصح الوكالة فيها مثل الصلوات والصيام.
وحقوقٌ تدخلها النيابة وتنقسم إلى قسمين: حقوق تدخلها النيابة بشرط العجز كالحج إذا كان فرضاً.
وحقوقٌ تدخلها النيابة مع العجز والقدرة مثل الزكوات والكفارات.
(195/13)
________________________________________
التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها
قال رحمه الله: [والحدود في إثباتها واستيفائها].
الحدود: جمع حد، فحد الزنا وحد شرب الخمر، وحد القذف هذه كلها حدود، وحد الشرع فيها عقوبة معينة، فهذه الحدود فيها جانبان: الجانب الأول: قضائي، والجانب الثاني: أثرٌ لحكم القضاء، والتوكيل إما في الجانب الأول أو في الجانب الثاني، فالجانب الأول القضائي: هو إثبات الحدود، والجانب الثاني: أثر للحكم القضائي وهو تنفيذ الحدود واستيفاؤها، فالعلماء يقولون: التوكيل يكون في إثبات الحد واستيفائه، ففي إثبات الحد: لو أن رجلاً أراد أن يقيم دعوى على شخصٍ لكي يحد حد الخمر فيجوز أن يوكل غيره في إثبات ذلك عنه، فيقوم من يدعي بدلاً عنه ويأتي بالشهود.
وقال طائفةٌ من العلماء: لا يجوز التوكيل في إثبات الحدود، فعلى الوجه الأول يكون الحق لله عز وجل وتدخله النيابة في إثبات الحدود واستيفائها كذلك، فالقاضي إذا حكم بأن زيداً يجلد ثمانين جلدة حد القذف فله أن يأمر وكيلاً أن يقف حتى ينفذ هذا الحكم، وهذا يسمى توكيل في الاستيفاء، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اختصم إليه رجلان، فقال أحدهما: (يا رسول الله! أناشدك الله إلا قضيت بيننا بالحق -وكان فيه جهل- وقال الثاني -وهو أعلم منه وأعقل منه-: نعم يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا -يعني: أجيراً- وقد زنا بامرأته فأخبرت أنه يجب عليّ أن أفتدي منه، فافتدى منه بالمال، فقال صلى الله عليه وسلم: الغنم والوليدة ردٌ عليك وعلى ابنك الجلد، واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، -فاعترفت فرجمها-)، فوكل النبي صلى الله عليه وسلم أنيساً في الجانبين: أولاً: إثبات الحد فقال: (إن اعترفت)؛ لأنه جعله مكانه يحل محل النبي صلى الله عليه وسلم في البت في هذه القضية، فقال له عليه الصلاة والسلام: (واغد يا أنيس -امضِ واذهب- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) هذا شرط: إن اعترفت فوكله في إثبات الاعتراف.
ثم وكله بالرجم: (فإن اعترفت فارجمها) فصار التوكيل في جانبين في إثبات الحدود، وفي استيفائها، هذا بالنسبة لما اختاره المصنف رحمه الله، ونازع الحنفية -رحمهم الله- في بعض الحدود، وفرق بين حد الحسبة وبين حد العباد كالقذف، فإن القذف فيه شبهة حق للمخلوق.
ولذلك لا تكون الدعوى فيه -في قول جمهور العلماء- إلا من الشخص المقذوف ولا تقبل حسبةً على القول بأنه حقٌ للمخلوق.
(195/14)
________________________________________
الأسئلة
(195/15)
________________________________________
التفصيل في التوكيل في صدقة الفطر

السؤال
رجلٌ وكلني أن أدفع زكاة الفطر للفقراء، فلما أخرجتها في وقتها المعتبر طلب مني بعض الفقراء أن أضعها عندي إلى أن يأتي لأخذها في يوم العيد، فهل العبرة بنية دفعها وإخراجها، أم بقبض الفقير لها؟ نرجو التوضيح.


الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإخراج زكاة الفطر ينبغي أن ينظر فيه إلى الأداء، وتوضيح هذه المسألة يستلزم بيان مسألة الظاهر والباطن، فمن نوى إخراج زكاة الفطر فقد تحقق فيه الباطن، ومن أخرجها بالفعل فقد تحقق فيه الظاهر والباطن، فاجتمعت نيته مع فعله، والشرع قصد الأمرين، ولذلك قال: (وأمر أن تؤدى قبل الصلاة) كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان طُعمةً للمساكين، وطُهرة للصائم من اللغو والرفث، وأمر أن تؤدى قبل الصلاة، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات) فدل هذا الحديث على أن العبرة بالأداء.
وبناءً على ذلك: إذا أردت أن تُخرج زكاة الفطر فإن كان الفقير جاء وأخذها منك فلا إشكال، أو وكل من يأخذها منك فلا إشكال، فلو قال للفقير: يا فلان! خُذ عني زكاة الفطر من فلان، فإنه إذا قبضها منك وكيله صح ذلك إذا كان القبض قبل صلاة عيد الفطر.
وعلى هذا: فلو وكل الفقير شخصاً فدفعتها إليه صح ذلك الأداء وهي زكاة، لكن لو أنك نويت إعطاءها له وأخرجتها وفرزتها عن مالك، بل حتى لو أعطيتها لشخص وقلت له: اذهب وأعطها للفقير، فالعبرة بالقبض وليس العبرة بمجرد النية وصورة الأداء؛ لأن المراد وصولها إلى الفقير، فإذا وصلت إلى الفقير فإنه حينئذ يحكم بحسب ذلك: إن كان قبل الصلاة أجزأت وإن كان بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات، فإذا وكل الفقير شخصا وقبضها عنه فإنه بمثابة قبض الفقير نفسه للقاعدة: إن الوكيل ينزل منزلة الأصيل.
وعلى هذا فلو قبض الوكيل زكاة الفطر قبل صلاة عيد الفطر، فلا يخلو من صور: إما أن يقبضها قبل صلاة عيد الفطر ويذهب ويعطيها للمسكين قبل صلاة عيد الفطر فلا إشكال، حيث أُعطيت ووصلت إلى الفقير في الوقت، وإما أن يقبضها ويؤخرها إلى ما بعد الصلاة أو يعطيها أثناء الصلاة ففي كلتا الصورتين لا تأثير لتأخيره في الإعطاء، بل حتى ولو أعطاها للفقير بعد شهر، ما دام أن الفقير قد وكله فإنه ينزل منزلة الفقير وهي صدقةٌ من الصدقات والله تعالى أعلم.
(195/16)
________________________________________
حكم الوكالة العامة في الأموال والتجارة

السؤال
هل يصح توكيل شخصٍ لشخص في وكالةٍ عامة دون تخصيص بأمرٍ معين، كأن يقول له: وكلتك على القيام بجميع شئوني ومتطلباتي من بيع وشراءٍ وتجارةٍ وغيرها دون تخصيص بأمرٍ معين؟

الجواب
لا، هو إذا قال: من بيع وإجارةٍ ما، (من) هذه بيانية وفيها شبهة التقييد، لكن إذا قال: وكلتك في كل شيء تدخله الوكالة، فهذا فيه وجهان مشهوران للعلماء: شدد بعض العلماء في الوكالة المطلقة أو العامة وقالوا: لا يصح حتى يبين عمومها، وهذا موجود في مذهب الشافعية والحنابلة أيضاً، والسبب في هذا: قالوا: الغرر؛ لأنه يدخل على نفسه الخطر، فقد يدخل الرجل عليه أموراً لا تحمد عقباها، فقالوا: مثل هذا فيه غرر، ولا يصح التوكيل في مثل هذا، وقال بعض العلماء: يجوز أن يوكله وكالةً مطلقة، ويفوض إليه التصرف في الأمور، وهذا قوي من حيث الأصل، وكلا القولين له وجهه، لكن الاحتياط يرجع إلى قول القائل بأن الوكالة إذا كانت مفوضة ومطلقة من كل وجه فالغرر فيها قوي، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر، وحديث ابن عمر في الصحيح في ذلك واضح، فكل الإشكال: خوف الضرر، وأياً ما كان فالاحتياط والأولى والأفضل أن يحدد له العموم، يقول له: وكلتك في البيع والشراء عن المرفقات تبيع وتشتري، أو وكلتك في الإجارات، ويحدد له ما وكله فيه، فهذا هو الأشبه وخاصةً في هذه الأزمنة؛ فإن الأزمنة المتأخرة ضعفت فيها أمانة الناس، وأصبح الغرر أكثر، والضرر أكثر، وكم وقعت من الحوادث والمصائب في الوكالة الخاصة فضلاً عن الوكالة العامة.
فكم من أخت وثقت في أخيها الذي هو من لحمها ودمها ومن أقرب الناس إليها، ومع ذلك أكل أموالها وابتز حقوقها، بل وصل الأمر إلى ابن مع أمه أن يبيع عنها ويشتري، ويؤجر عنها ويوقعها في الغرر العظيم الذي لا تعلم به، وإذا بها تفاجأ في يومٍ من الأيام أنه ليس لها من مالها شيئاً، بل لربما فوجئت في يومٍ من الأيام بأنها مطالبة بحقوق، وقد ضاع عليها ما ضاع، وهذا وقع، فتجد المرأة يموت عنها قريبها أو زوجها ويترك لها مئات الألوف، وتثق في ابنٍ من أبنائها وتعطيه وكالة على بيع، بل في بعض الأحيان على عقار مخصوص ويبيعه دون علمها، ويتصرف فيه ويأكل المال، ويفعل فيه ما يشاء والأم جاهلة لا تعلم بشيء، حتى تفاجأ يوماً من الأيام وقد توجهت إليها دعوى في قضاء أو نحوه أنها مطالبة؛ وقد أنها مطالبة بحقٍ ما، فتسأل وإذا بوكيلها قد خانها في أمانتها -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا من علامات الساعة: أنه -والعياذ بالله- تنزع الأمانة من الناس حتى لا يبقى إلا الأثر كجمر، يقول صلى الله عليه وسلم: (كجمر دحرجته على قدمك) أي: لما تنزل الجمرة تدحرج على القدم ما يبقى إلا الأثر الذي تحدثه الجمرة، لكن لو استقرت أحرقت، فهذا فيه إشارة إلى ضعف الأمانة وقلتها في الناس حتى قال صلى الله عليه وسلم: (حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً) أي: القبيلة بكاملها لا يجدون إلا رجلاً واحداً يتميز بينهم بالأمانة، نسأل الله السلامة والعافية، فيرفع من الناس الأمانة والخشوع، وعلى هذا فالقول الذي يقول بعدم فتح باب الوكالات المطلقة خاصة في هذه الأزمنة من القوة بمكان، فيحدد له محل الوكالة، وهذا أفضل وأحوط وهو مقصود الشرع من فتح باب الوكالة، والله تعالى أعلم.
(195/17)
________________________________________
حكم الشهادة على شهادة الشهود

السؤال
هل تجوز الشهادة على شهادة الشهود كأن يقول: أشهد أن فلاناً يشهد بكذا وكذا؟

الجواب
هذه مسألة تعرف بالشهادة على الشهادة، والشهادة على الشهادة في الأصل لا تصح، في الأصل: لا يشهد إلا الشاهد نفسه، ولا يتوكل الغير عنه إلا في مسائل مستثناة، سيأتي -إن شاء الله- بيانها في باب الشهادات، ومن هذه المسائل: أن يموت الأصيل.
مثال ذلك: عندنا وقف عمره ثلاثمائة سنة، وهذا الوقف فيه حقوق شهد بها أناس وعمروا حتى بلغوها لطبقةٍ بعد طبقتهم، فشهدت الطبقة الثانية في المائة الثانية على الطبقة الأولى أن هذا الوقف يختص بآل فلان من بني فلان، ثم بقي الوقف يقسم على هذا النوع من الناس، ثم توفيت الطبقة الثانية فنقلت إلى الطبقة الثالثة التي بعدها أن هذا المال وقفٌ على آل فلانٍ من بني فلان، ففوجئوا في يوم من الأيام وإذا آل فلان الذي هو الفخذ العام يدعي أن له حقاً في هذا الوقف، فلما رُفع إلى القاضي أقيم الشهود على الشهود، فحينئذ لا يمكن أن نأتي بالشهود الأصليين الذين شهدوا على الواقع، فتثبت الشهادة على الشهادة في إثبات الأموال إذا تعذر هذا الشرط، وهو: وجود الشاهد الأصل، والشهادة على الشهادة، قيل: تتركب من حجةٍ على حجة، فيصبح كل شاهدين يشهدان على شاهد، فيكونون أربعة مقام الاثنين، فاثنان يشهدان على واحد، واثنان يشهدان على واحد، وعلى هذا يكون الشهود في الحقوق المالية أربعةً، وعليه يستقيم الحكم لوجود الحاجة، وهذه يسمونها: الشهادة على الشهادة، وقد حكم بها جماهير العلماء رحمهم الله، لكن لا تقبل الشهادة على شهادة الحدود؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولا تقبل الشهادة إلا على رؤية كالزنا ونحوه، فلو شهد ثمانية على أربعة من الشهود بزنا فلانٍ أو فلانة لم يحكم بهذه الشهادة، وأيضاً: لو شهد ثمانية على شهادة أربعة أو على شهادة شاهدين مركبةً بعضها على بعض في قتلٍ لم يحكم به؛ لأن الدماء والأعراض والحدود هذه كلها تتوقف على شهادة الأصل، ولا بد فيها من شهادة الأصل لثبوت الحد، والله تعالى أعلم.
(195/18)
________________________________________
ضابط الغبن الذي يثبت به الخيار في البيع

السؤال
ذكرتم أن في حديث عروة البارقي دليلاً على جواز أن يربح الإنسان بأضعاف ما اشترى به، فأشكل عليّ ذلك مع خيار الغبن، والذي يتضمن منع البائع من الزيادة الفاحشة، فما هو التوضيح في ذلك؟

الجواب
إشكالٌ جيد، ولكنه وفق السائل، أولاً: لكي يتضح الإشكال: خيار الغبن: أن تأتي إلى السوق وتسأل عن كتاب، بكم قيمة هذا الكتاب؟ قال: هذا الكتاب قيمته مائتان، فدفعت له المائتين وأخذته، فلما فارقت الرجل وتم البيع سألت عن الكتاب فإذا قيمته خمسون، هذا غبنٌ فاحش، أي: أن الرجل ظلمك بالاسترسال، والاسترسال: أنك قبلت كلامه واسترسلت معه في البيع دون أن تكاسره، فلما باعه لك غبنك غبناً فاحشاً، فبعض العلماء يقول: البيع صحيح ولا خيار لك؛ لأنك قد رضيت أن تدفع المائتين مقابل الكتاب، والبيع وقع عن تراض، وقال بعض العلماء: لك الخيار؛ لأنك حينما سكتّ كأنك قلت له: قبلت هذا الكتاب بالعرف، وقد ائتمنتك على العرف في بيع هذا الكتاب، فصار غشاً وتدليساً؛ لأنك سكت بناءً على أن العرف أن يباع بمائتين، فإذا تبين أنه يباع بخمسين فقد ظلمك، وهذا الوجه الثاني رجحه غير واحدٍ من العلماء، وقد بينا هذا في الخيارات، وإذا ثبت هذا فنحن قلنا: يجوز الربح أضعاف القيمة، وقد اشترى عروة شاتين بدينار، معنى ذلك أن قيمة الشاة نصف دينار، وباع إحدى الشاتين بدينار، فمعناه أنه ربح (100%) يعني: ربح الضعف، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فكيف نقول بخيار الغبن مع أن عروة البارقي اشترى الشاة بنصف دينار وباعها بدينار؟! والجواب في هذا: أن الشاة تباع بدينار وتباع بدينارين على حسب العرف، أي: أن الغبن في الدينار ليس بفاحش، ومحل خيار الغبن في الغبن الفاحش، فعلى هذا: يستقيم أن يجاب بأن الدينار والدينارين قد يكون غبناً غير فاحش، فمثلاً في السوق يباع الكتاب بخمسين ويباع بستين ويباع بسبعين ويباع بثمانين ويباع بمائة، على حسب قوة المشتري في المكاسرة، فأنت إذا جئت واشتريت بستين فقد اشتريت بعرف، ولو اشتريت بمائة فقد اشتريت بعرف، فـ عروة البارقي اشترى الشاة من الجلب، والجلب أرخص من السوق، ثم باعها في السوق، وعلى هذا: لا يمنع أن تكون قيمة الشاة جلباً خمسين، وقيمتها في السوق مائة أو تكون قيمتها في الجلب نصف دينار وقيمتها في السوق ديناراً، وعلى هذا لا يستقيم الاعتراض، ويكون من باب بيعه بالعرف، فيجوز أخذ الأرباح الكثيرة إذا لم يكن في ذلك الغبن الفاحش، كذلك يمكن أن تقول: إنه يجوز أن يقول له: يا فلان! السيارة قيمتها في السوق عشرة آلاف، وأنا لا أبيعها إلا بثلاثين ألفاً، وهذا من حقه، فإنه لو كشف له الأمر وقال: قيمتها بالسوق عشرة وأريد أن أبيعها بثلاثين فحينئذٍ يستقم لنا أن نحتج بحديث عروة البارقي؛ لأن الشرع لم يحد ربحاً معيناً، فإذا قال له: رضيت أن أشتريها منك بثلاثين ألفاً فإن الله تعالى يقول: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] وهذا قد رضي دفع الثلاثين فصح البيع ولا يحكم بالفساد، والله تعالى أعلم.
(195/19)
________________________________________
أحكام الجاهلية مردودة بحكم الشرع

السؤال
ورد أثناء الدرس قوله صلى الله عليه وسلم: (الوليدة والمال ردٌ عليك) فما المراد بقوله: (الوليدة)؟

الجواب
هذا من حكم الجاهلية، حيث كان في الجاهلية إذا زنى الرجل بامرأة الرجل يعطيه وليدة وهي الجارية، يعطيه وليدة أو يعطيه غلاماً، فقال له: (الوليدة والغنم رد عليك)؛ لأنه افتدى، فيصير كأنه حق للزوج الذي أفسد عليه فراشه، فيدفع له مالاً كالغنم، ويدفع له الوليدة الأمة الحامل أو بدون حمل على حسب ما يتفقان، فهذا من حكم الجاهلية، وهي الأعراف التي كانت في الجاهلية مثل ما يقولون: الحقوق والسلوم، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم الحكم ورده وقال: (على ابنك جلد مائة، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها -فاعترفت فرجمها-)، فرد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المال، وفيه دليل على أنه: إذا أُلزم الشخص في خصومة وقيل: عليك الحق وتذبح شاة أو عليك الحق وتدفع مالاً، أنه من حكم الجاهلية، ويكون من أكل المال بالباطل؛ لأن الله لا يحكم بذلك، وأموال الناس لا تستحق إلا بحكم الله سبحانه وتعالى، فهذا الحديث أصل من الأصول في رد هذه الأحكام والأعراف ونحوها، والله تعالى أعلم.
(195/20)
________________________________________
بطلان الوكالة في الرضاع

السؤال
ذكر العلماء -رحمهم الله- عدم جواز الوكالة في الرضاع فما صورة ذلك؟

الجواب
معناه: لو أن امرأةً قالت لامرأةٍ: أرضعي عني فلاناً، فالابن رضيعٌ لمن ارتضع منه، فلو قلنا: إن الوكالة صحيحة فمعنى ذلك: أنه يكون ابنأ للأصيلة، وهي المرأة التي أمرت بالرضاع، وعليه فيقال: الوكالة باطلة، ويثبت أنه ابنٌ للمرأة الموكَلة لا المرأة الموكِلة، وعلى هذا لا تصح الوكالة كحكم، أي: لا يترتب عليها أثر الرضاع، وإنما يكون الولد ولداً للمرأة التي أرضعت لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء:23] فخص الحكم بالأم التي أرضعت، فكما لا يصح في النسب أن يثبت وكالةً، كذلك لا يصح في الرضاع أن يثبت وكالةً، والله تعالى أعلم.
(195/21)
________________________________________
حكم من أدرك الإمام في الركعة الرابعة ثم قام الإمام للخامسة

السؤال
رجل أدرك الإمام في الرابعة ثم قام الإمام للخامسة فسبح المأمومون فلم يعد، وقام معهم، فهل يعتد بهذه الركعة بالنسبة للرجل فتكون ثانية له؟

الجواب
إذا زاد الإمام ركعةً في الصلاة كالثالثة في الفجر، والخامسة في الظهر والعصر والعشاء، والرابعة في المغرب فتسبح له، فإن كان فقيهاً وطالب علم يعلم الأحكام وأشار إليك: أن قم، وخاصةً إذا كانت سرية فتقوم؛ لأن الغالب أنه نسي ركناً كالفاتحة فيريد أن يخبرك لتقوم معه وتتابع؛ لأن فيه شبهة الأمر بالمتابعة، أما إذا لم يشر، ولم يكن من طلاب العلم، فسبحت له فإن كنت على يقين أنه مخطئ فلا تتابعه ولا تستمر معه في هذه الركعة، فمن تابع الإمام في ثالثة في الفجر أو خامسةٍ في الظهر والعصر والعشاء فإنه تبطل صلاته، ويلزم بالإعادة؛ لأنه زاد في صلاته عالماً متعمداً، وأما إذا كان مسبوقاً كما ورد في السؤال أو جئت في الركعة الثانية من الظهر فقام الإمام واستحدث بعدها ركعة فإنه يجوز لك أن تتابع الإمام؛ لأن الإمام معذور في هذه الزيادة لحكم الشرع له أن يعمل بظنه، وأن يترك ظن غيره إذا استيقن، فحينئذٍ إذا كنت قد أتممت صلاتك فإنك تجلس في التشهد، ولا تسلم حتى ينتهي الإمام من الخامسة ويتشهد ويسلم بك؛ لأنه يجوز أن تفارقه لعذر فتتقيد بوجود العذر، وهو الزيادة، وأما التشهد فتشاركه فيه وتطول في الدعاء وتنتظر حتى ينتهي من خامسته، ثم يدعو ويتشهد، ويدعو ويسلم بك إلحاقاً بصلاة الخوف كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، حيث تشهد بالطائفتين وسلم، وانتظرته الطائفة الأولى وسلمت بسلامه فدل على أنه لا ينقطع الاقتداء.
وأما بالنسبة لك أنت كمسبوق، فإنك تصلي معه الخامسة، وتصبح صلاتك صحيحة على قول من قال: يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، فهو في الخامسة متنفل، وأنت فيها مفترض، ويجوز اقتداء المفترض بالمتنفل في هذه المسألة ونحوها، وعلى هذا فصلاتك صحيحة، وصلاة الإمام على هذا الوجه صحيحة، والله تعالى أعلم.
(195/22)
________________________________________
دخول ربا النسيئة في الصرف عند عدم التقابض

السؤال
لو اشتريت وبقي لي مبلغ عند البائع، ولم يوجد عنده الباقي ونويت أنه دين، ثم أتيت وأخذت بهذا الدين شيئاً، فهل هذا صحيح؟

الجواب
إذا اشتريت شيئاً بثمنٍ ودفعت أكثر منه، فحينئذٍ يكون العقد مشتملاً على عقدين، مثاله: اشتريت بعشرة ودفعت خمسين، فحينئذٍ إذا اشتريت الكتاب بعشرة، فالعشرة مقابل الكتاب بيع، والأربعون الباقية من الخمسين صرف، فأصبح عقد بيعٍ وعقد صرف، وعقد الصرف: مبادلة المال بالمال في أحد النقدين الذهب أو الفضة، والأوراق النقدية مُنزلة منزلة أصولها، ولذلك وجبت فيها الزكاة، فهي إما ذهب وإما فضة على حسب رصيدها، فإذا جئت تدفع العشرة مقابل الكتاب فهذا بيعٌ لا إشكال فيه، لكن الأربعين الباقية يجري عليها حكم الصرف الشرعي، فيجب عليك كما لو صرفت الخمسين بخمسين: أن يكون يداً بيد، فتعطيه الخمسين وتستلم، قال صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة رباً إلا هاء وهاء)، فدل على لزوم التقابض، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فإذا اختلفت -أي في الصرف- هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، وعلى هذا فلا يجوز أن تبقي الباقي عنده، فإن أبقيت الباقي عنده فإنه صرفٌ بنسيئة، ومتى افترق المتصارفان دون أن يحصل القبض للثمنين أو لأحدهما فهو ربا النسيئة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لك أن تفارقه وبينكما شيء)، وعلى هذا فأنت بالخيار بين أمور: الأمر الأول: إذا كان عندك خمسين وليس عنده صرفها فإنك تقول له: اذهب واصرف، فيذهب وكيلاً عنك بالصرف فيصرف الخمسين ويعطيك صرفها، فتعطيه حقه وتستلم حقك، هذا توكيل بالصرف ولا إشكال فيه.
الحالة الثانية: أن تقول له: إني لا مال عندي أعطيك الآن إلا هذه الخمسين فإن شئت فاصرفها وإن شئت فاجعل مالك ديناً عندي أي: قيمة الكتاب وهي العشرة، فتفارقه ثم تجعل العشرة ديناً عليك فتذهب وتعطيه إياها متى ما صرفت، على حسب ما تتفقان عليه من الوقت، أو تقول له: انتظر حتى أصرف الخمسين وتذهب بنفسك وتصرف الخمسين ثم تأتي وتعطيه ماله، أما إذا بقي عنده شيء فيسمى: بيع وصرف، والصرف هنا ليس فيه تقابض، وهو عين النسيئة التي أجمع العلماء -رحمهم الله- على تحريمها، وهي أشد أنواع الربا الذي: (لعن الله آخذه وآكله وموكله وكاتبه وشاهديه) فأمرها عظيم، ولذلك يقول العلماء: إنه قد يشيب عارض الرجل في الإسلام وهو يُعلن الربا صباحاً ومساءً، يعني: يتعامل بالربا وهو لا يعلم، حيث يقصر في السؤال والاستبيان، فلا بد وأن تأخذ يداً بيد، فإذا صرفتما ووقع التقابض فلا نسيئة وإلا فهو النسيئة التي حرم الله، والله تعالى أعلم.
(195/23)
________________________________________
الطريقة المثلى لضبط مسائل العلم

السؤال
إذا كان لطالب العلم أكثر من درسٍ يواظب عليه فعند الضبط والمراجعة تتداخلُ عليه الدروس، وتكثر عليه المسائل، فما الطريقة المثلى لضبط مسائل العلم؟

الجواب
أما بالنسبة لتعدد العلوم، واختلاف المشايخ في الطلب فهذا يؤثر كثيراً على طالب العلم، ولا يضبط العلم مثل الانحصار والتقيد وكثرة المراجعة، وهذا معروف حتى في زمان السلف، فإنك لم تجد صحابياً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وله طلاب يأخذون عنه؛ لأن الخلاف وقع في الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأما في حياته عليه الصلاة والسلام فالصحابة كانوا آخذين عنه العلم، لكن بالنسبة للصحابة تجد لكل صحابي أصحاباً، فتجد لـ ابن عمر أصحاباً كـ نافع وسالم ابنه ونحوهم من تلامذة ابن عمر، وتجد أصحاب ابن عباس كـ مجاهد وعطاء وعكرمة ونحوهم من تلامذته، وتجد لـ ابن مسعود علقمة وغيره من أصحابه رضي الله عنه.
فهذا التنوع الذي كان عند الصحابة رضوان الله عليهم لما بذلوا علمهم انحصر التابعون، فأخذوا عن كل واحد؛ ولذلك ابن عباس رضي الله عنهما لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم زيد بن ثابت وأخذ عنه ونبغ في علم التفسير؛ لأن زيد بن ثابت كان من أعلم الصحابة بالقرآن؛ لأنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي زيد رضي الله عنه بكى أبو هريرة بكاءً شديداً، وقال: (لقد دفن الناس اليوم علماً كثيراً ولعل الله أن يجعل لنا ابن عباس خلفاً عنه) فكان ابن عباس منحصراً في زيد؛ لأنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ابن عباس حدثاً صغير السن مقارباً للبلوغ، فأراد أن يطلب العلم فانحصر في زيد وأخذ عنه، فقال أبو هريرة: (لعل الله أن يجعل لنا ابن عباس خلفاً عنه) يعني: عن زيد فالانحصار ليس المراد به التعصب، إنما المراد أن تبحث عن من تثق بدينه وعلمه وأمانته ممن أخذ العلم -هذا الشرط- عن أهله واتصل سنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس ممن أخذ العلم عن الكتب فأخذ علماً لا يوثق به؛ لأنه إذا أخذ عن كتب تشتت وتعددت أصوله، وتفرقت إشكالاته واختلفت، فالذي أخذ العلم وطلبه عن أهله ممكن أن ينحصر فيه طالب العلم.
فإذا نظرت أنك تستطيع أن تجمع بين درسين في الأسبوع أو ثلاثة بالأكثر، وتضبطها فحيّ هلا! أما إذا كان العلم الذي تأخذه في الدرس يحتاج إلى ضبط وتكرار فلا تضبط العلم إلا بالانحصار، فإذا انحصرت في العالم وأخذت عنه وارتويت من علمه وضبطت ما عنده انتقلت إلى غيره، وهذا هو الذي كان عليه العلماء رحمهم الله والأجلاء؛ ولذلك انظروا إلى أصحاب ابن عباس فإنك إذا جئت إلى المسائل الخلافية -بالاستقراء والتتبع- تجد القول عن عبد الله بن عمر وعن عبد الله بن عباس، تجدهم يقولون: وبه قال نافع وسالم بن عبد الله ومجاهد بن جبر وسعيد بن جبير، فيعدد أصحاب الصحابيين؛ لأنهم أخذوا الفقه وضبطوه عنهم، المهم أن تأخذ بالدليل، والمهم أن لا تتعصب لشيخك إذا خالف الدليل، ولكن إذا أخذت عن شيخٍ يوثق بعلمه بدليل وحجة فاستمسك بالحجة والدليل، فإن خالفه أحد وعارضه أحد يقول لك: هذا معارضٌ للسنة؛ فلربما جاءك الغير بدليل يتوهم أنه حجة وأنه سنة، والواقع أنه دليل مطعون في سنده، أو مجاب بدليل عنه أقوى منه، وعلى هذا تقول بقول العالم، وتنحصر في علمه وتأخذ عنه وتضبط، حتى تصل إلى ما وصل إليه، كمثل مشايخنا الكبار -حفظهم الله وأدام الله عليهم العفو والعافية، وأبقاهم للإسلام والمسلمين- هؤلاء العلماء الأجلاء الأتقياء الذين عُرِفوا بالخير والصلاح وزكتهم الأمة، حينما يأخذ طالب علم عن عالم منهم، ويأخذ هذا العلم بدليله وحجته يلقى الله عز وجل يوم القيامة وقد أخذ العلم بالاتباع، وما جاء بعلم من عنده فشذ، وجاء بالآراء الغريبة، فمثل هؤلاء العلماء الذين عُرِفوا بالأمانة لا يأتون بالأهواء ولا يخبطون خبط عشواء، وإنما يأخذون العلم بحجة، ويسلكون السبيل والمحجة، لهم قدمٌ راسخة من سلفٍ صالح، وأئمة يهتدى ويقتدى بهم، فمثل هؤلاء يعض على علمهم بالنواجذ، فإن وجد قولٌ يخالف قولهم بدليل، وظهرت قوته، وأثرت أنواره وحجته، فإننا نعدل عن هذا القول بحجة هي أقوى وسبيل أبلغ في الرضا، ونعتذر لعلمائنا ومشايخنا بما يليق به الاعتبار، وهذا هو مسلك العلماء والأئمة، أما تعدد الدروس واختلافها فإنه يحدث عند طالب العلم ربكة، ويحدث عند طالب العلم الاضطراب، خاصةً فيما يشترط فيه اتحاد في الأصول، فالفقه إذا قرأته على شيخ ينبغي أن لا تقرأ أصول الفقه إلا بهذا الضابط؛ لأنه لا يستقيم أن تقرأ الفقه على عامل يرجح أن المفهوم حجة، وتقرأ أصول الفقه على يد عالم لا يرى أن المفهوم حجة، فأنت في الأصول تصحح قولاً تخالفه في الفروع والتطبيق وهذا هو الذي جعل العلماء في المذاهب الأربعة يهتمون بتقعيدها وبيان أصولها، حتى يكون استنباطك للنصوص وعملك بالأدلة على قاعدة صحيحة، وعلى هذا درج سواد الأمة الأعظم، فلن تجد عالماً إلا وقد أخذ الفقه من أصل ومذهب بالدليل ولم يتعصب ألا للدليل، فنحن نريد علماً صحيحاً موروثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مأخوذاً عن الأئمة، لكن بدون شتات وفرقة حتى يستطيع طالب العلم أن يصل إلى الحق بأقرب سبيل، وأوضح معنى.
نسأل الله العظيم الجليل أن يرزقنا الصواب والرشاد، وأن يجعلنا من أهل الصبر، وأن يثبتنا عليه إلى أن نلقاه، وأن يحشرنا في زمرة نبيه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(195/24)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الوكالة [3]
الأصل في الوكالة أن يقوم الوكيل بأداء ما وكِّل بالقيام به، لكن قد يحدث أن الوكيل يوكل غيره للقيام بهذا العمل، وهذا له حالات وتفاصيل.
وأما الوكالة من حيث هي فهي عقد جائز ليس بلازم؛ لأن المقصود بها الإرفاق، ولها مبطلات كشأن سائر العقود.
(196/1)
________________________________________
حكم توكيل الوكيل لغيره
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فكان حديثنا عن باب الوكالة، ولا زال المصنف رحمه الله يبين المسائل والأحكام المتعلقة بهذا الباب الذي تعم به البلوى، ويحتاجه الناس في كل زمانٍ ومكان، وشرع بهذه الجملة في بيان مسألة توكيل الوكيل لغيره، فقد تطلب من شخصٍ ما أن يقوم نيابةً عنك بأمرٍ ما، وأنت تقصد أن يقوم به بنفسه، فيفوض ذلك الأمر ويكله إلى غيره، وحينئذٍ يرد

السؤال
هل يجوز له أن يقيم ذلك الغير مقامه، أو لا يجوز؟ ثانياً: حينما أقام ذلك الغير مقامه فلربما تصرف تصرفاً فيه ضرر، فهل يضمنه الموكل الأصلي، أو يضمنه الوكيل؟ بعبارةٍ أخرى: هل هو وكيلٌ عن الأول، أو الثاني؟ وهذا كله يحتاج الناس إلى بيان حكمه.
ومن هنا بين رحمه الله القاعدة فقال: [ليس للوكيل أن يوكِل فيما وُكِّل فيه].
أمثلة هذه المسألة: قد تأتي إلى صديق لك أو أخ لك وتقول له مثلاً: بعْ لي هذه العمارة، فهذا الأخ أو هذا الصديق قد يتولى أمرها بنفسه، أو يذهب إلى مكتب عقارٍ فيوكل صاحب المكتب بالبيع، هذا مثال، وبناءً على ذلك يرد السؤال: هل لك إذا وُكِّلت من الغير أن توكل فيما وُكِّلت فيه، أو لا؟ هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل.
أولاً: إذا وكِّل الشخص في عمل أو وُكِّل للقيام بمهمةٍ من بيعٍ أو شراءٍ أو إجارةٍ أو غير ذلك، فلا يخلو هذا الشخص الذي يوَكَّل وهو الوكيل من حالات: الحالة الأولى: أن يوكل في شيء لا يقوم به مثله عُرفاً، وسنذكر مثال ذلك وحكمه.
الحالة الثانية: أن يوكل في شيء يمكنه أن يقوم به لكن بمعونة الغير.
الحالة الثالثة: أن يوكل في شيءٍ يمكنه أن يقوم به وحده.
فهذه ثلاثة أحوال: إما أن يوكل في شيء جرى العرف أن مثله لا يقوم به، وإما أن يوكل في شيء يمكنه أن يقوم به بنفسه ولكن بشرط أن يوجد من يعينه على ذلك الشيء، وإما أن يوكل بشيء يمكنه أن يقوم به بنفسه دون أن يحتاج إلى غيره، فهذه ثلاثة أحوال سنفصل أحكامها.
(196/2)
________________________________________
ان يوكل في شيء لا يقوم به مثله عرفاً
الحالة الأولى: أن يوكل في شيء لا يمكنه أن يقوم به بنفسه عُرفاً، مثال: لو قال شخصٌ لآخر: اكنس لي أو نظف لي هذه العمارة، أو نظف لي -أكرمكم الله- دورات العمارة، فالعلماء رحمهم الله ذكروا هذه الحالة؛ لأنها توجد بين الناس، ومن الناس من يطلب من أخيه أو صديقه أو رفيقه أن يقوم بعملٍ ليس مثله يقوم به، ففي هذه الحالة إذا قلت لشخص: نظف لي العمارة، أو اكنس لي العمارة فهمنا أنك تقصد أن يأتي بشخصٍ يقوم بذلك، فهي في الأصل وكالة للشخص، لكن المقصود منها أن يقيم غيره مقامه، في هذه الحالة إذا طلبت من شخصٍ ليس مثله يقوم بالعمل أن يقوم بذلك العمل، نقول: الوكالة باللفظ له، ولكنها بالعُرف متضمنةً للإذن بالغير، فعلى هذا: يجوز أن يوكل غيره مقامه، وفي هذه الحالة شبه إجماع، أن الشخص لو قال لآخر: نظف لي العمارة، أو اكنس لي العمارة، أو اكنس لي البيت أو الدار، أو اكنس لي البركة، أو نظف لي دورة المياه -أكرمكم الله-، أو أي شيء ليس مثله يقوم به فإنها وكالةٌ منصرفةٌ في الظاهر إلى المخاطب، وفي الباطن إذنٌ أن يقيم غيره مقامه.
فنستثني من قول المصنف: (ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه)، ما إذا كان وكل بشيءٍ ليس مثله يقوم به، لكن الإشكال ليس هنا، وإنما حينما قال له: اكنس لي العمارة، أو نظف لي العمارة، فيرد

السؤال
هل إذا قال له هذه الكلمة وذهب وجاء بشخصٍ آخر يقوم بالكنس، هل هذا الشخص الآخر الذي يقوم بهذا العمل وكيلٌ عن الأصل، أو وكيل عن الوكيل؟ وهذا أمرٌ مهم جداً، فعندما تقول للشخص: أصلح لي الباب، ومثله ليس بنجار، أو أصلح لي السقف، وليس مثله بنّاء ليصلح السقوف، أو أصلح لي السيارة وليس مثله يصلح، فهل أنت بهذه الجملة قصدت له: اطلب من يصلحها، فيصبح لك وكيلاً، الوكيل الأول الذي خاطبته، والوكيل الثاني الذي يقيمه مقامه.
فائدة هذا السؤال أنك لو قلت: إن الموكل حينما تلفظ وكّل الاثنين، فلو أنك طلبت منه أن يصلح سقف البيت فأبرم عقداً لمدة شهر لإصلاح السقف، وأثناء الشهر توفي ذلك الوكيل، فإن كان الثاني -الذي هو العامل- وكيلاً عنك، يعني: وكلت الاثنين، فلا تنفسخ الوكالة، ويبقى العقد كما هو، وإن كان وكيلاً عن وكيلك فحينئذٍ يحتاج إلى تجديد؛ لأن الوكالة قد انفسخت.
وقال بعض العلماء: أُبرِم العقد وتم فلا يحتاج إلى تجديد؛ لأنه من العقود اللازمة؛ لأنه من عقود الإجارة، وبناءً على هذا: في حالة ما إذا كان موكلاً للغير وهذا الغير لا يقوم بذلك كإصلاح السيارات وإصلاح البيوت وتنظيفها أو نحو ذلك وليس مثله ممن يقوم به فإنه يصح له أن يوكل غيره ويقيمه مقامه.
(196/3)
________________________________________
أن يوكَّل في شيء يحتاج فيه إلى معونة الغير
الحالة الثانية: أن يكون الأمر المطلوب يمكنه أن يقوم به ولكن يحتاج إلى معونة الغير فيه، ومن أمثلة ذلك: العامل في المزرعة، أو الحارس في العمارة مثلاً، تقول له: يا فلان! نظّف لي العمارة، فإنه بطبيعة الحال سينظفها ولكن يحتاج إلى من يعينه إلى تنظيفها، فمثلاً قلت له: أريد تنظيف هذه العمارة هذا اليوم، فيفهم بداهة إذا كانت عمارة كبيرة أن للمقصود: التمس معك من يعينك على تنظيفها، بناءً على ذلك يصبح لك وكيلاً، الوكيل الأول الذي خاطبته، والوكيل الثاني الذي يقيمه معه، وذهب جماهير العلماء في هذه الحالة إلى أنك لو قلت للعامل أو قلت لشخص تعلم أنه يحتاج إلى معونة الغير: افعل لي كذا فأنت موكلٌ للاثنين، موكلٌ للوكيل الأصلي وموكل لمن يوكله معه.
لكن هنا مسألةٌ مهمة وهي: إذا كنا نقول في الحالة الأولى والحالة الثانية أن من حق الوكيل أن يوكل غيره، فلا بد من بيان شرط مهم وهو: أنه لا يصح لهذا الوكيل أن يقيم معه الغير أو يوكل الغير إلا إذا كان أهلاً للقيام بالعمل، فأنت لا تتحمل المسئولية، لو قلت له: يا فلان! نظف لي العمارة أو ابن لي السقف أو ابن لي الجدار أو الغرفة أو ازرع لي الزرع، فذهب وجاء معه بشخصٍ آخر إذا كان مشاركاً، أو طلب شخصاً آخر يقوم بهذا العمل فإنك لا تتحمل مسئوليته إلا إذا كان على صفتين: الصفة الأولى: أن تكون عنده أهلية القيام بهذا العمل.
الصفة الثانية: مسألة العدالة فيما يحصل فيه الضرر بفواتها.
فمسألة العلم بالعمل مهمة، فلو أنك قلت لرجلٍ: ابن لي الدار أو نظّف لي الدار وليس مثله يقوم بذلك، واستأجر أجيراً لا يحسن تنظيف العمارة ولا الدار، ثم لما جاء يقوم بعمله أخل بذلك العمل، فلما أخل به قال لك: أنت وكلتني ولا بد أن تدفع أجرته.
ففي هذه الحالة: لا تكون ملزماً إلا أن يقدر مقدار عمله الطيب الذي يستحق عليه أجرة، والباقي لا تتحمل مسئوليته، مثال ذلك: ذهب واستأجر عاملاً باليومية -بمائة ريال- أو أخذه مقاولة واتفق معه على خمسمائة، فلما قام بتنظيفها نظفها بمقدار نصف العمل أي: لم ينظف تنظيفاً متقناً، وإنما نظف تنظيفاً مخلاً، بحيث أنك ترى الغرفة عليها آثار الغبار وغيره، لأنه لا يحسن العمل، فحينئذٍ بعد إن انتهى من التنظيف قال لك: ادفع لي خمسمائة ريال أجرة العامل، فذهبت تنظر في عمل العامل وإذا بعمله ليس بمتقن، وليس بأهل أن يأخذ عليه هذه الأجرة، فسألت أهل الخبرة فقالوا: هذا نصف التنظيف، أو اجتهدت وأنت تعرف أنك ما ظلمته فقدرت عمله على أنه نصف عمل تقول له: خذ مائتين وخمسين، فتعطي وكيلك المائتين والخمسين ريالاً، ثم الباقي يتفاهم فيه مع العامل، أما من حيث إلزامك أنت فلا تلزم إلا بما يستحقه الأجير؛ لأنه في هذه الحالة لما أذنت له أن يقيم الغير مقامه بالعرف لا بد وأن يكون هذا العامل أهلاً بالعرف، فلما قصر الوكيل في التحري في صفة العامل وقصر في جلب من هو أهل لذلك يتحمل مسئولية الضرر.
إذاً نقول في هذه الحالة: لو أقام غيره مقامه أو أقامه معه، فلا تتحمل مسئولية ذلك الغير إلا إذا كان أهلاً، هذا الشرط الأول.
فلو أنه -مثلاً- جاء بعاملٍ وهذا العامل لا يحسن العمل في الكهرباء، وقلت له: أصلح لي الكهرباء في العمارة أو البيت، بمعنى: اذهب وانظر لي من هو أهل للقيام بذلك، فذهب إلى السوق وجاء بمن لا يحسن العمل بهذا الشيء، فلما جاء ليقوم بهذا العمل أضر بنفسه -أصابه مثلاً (شورت كهرباء) ومات- في هذه الحالة لا تتحمل المسئولية؛ لأنك لم تطلب منه أن يقيم كل شخص، فأنت حينما قلت له: وكلتك أن تصلح الكهرباء أو الماء فيها أو جدارها أو أرضها أو سقفها كأنك تقول: وكلتك أن توكل من هو أهل بالعرف، فكما أن العرف يصرف الوكالة عن الشخص نفسه إلى شخصٍ آخر، كذلك العرف يقيدها بمن هو أهله.
إذاً: الخلاصة حينما قلنا في الحالتين: أن من حق الوكيل أن يوكل غيره فإننا نشترط أن يكون أهلاً، وإذا لم يكن أهلاً فلا يتحمل الوكيل الأصيل مسئوليته.
ثانياً: أن يكون ممن توفرت فيه الأمانة والعدالة حتى لا يحصل الضرر بالإخلال، فلو أنه أقام شخصاً خائناً فجاء ووضعه وائتمنه على المال فسرق المال، فحينئذٍ هذه السرقة وقعت من الوكيل الثاني، وأنت حينما وكّلته وكلته بالعرف، فيتحمل الوكيل المسئولية عن السرقة ولا تتحملها أنت؛ لأنه وإن قلنا في هذه الحالة أنه من حقه أن يأتي بوكيل، لكن بشرط أن يتحمل، والدليل على أننا نلزمه بالضمان أنه في هذه الحالة قصر، والشرع يلزم من قصر بالضمان، ولذلك: قواعد الشريعة وأصولها دالة على أن من تحمل مسئولية شيء ونزل مكان الأصيل فإنه يتحمل الضرر الناشئ عن الإخلال بذلك الشيء، وتوضيح ذلك أكثر بعبارة مختصرة: أن الوكيل الثاني كان الأصل يوجب عليه أن يسأل في السوق، وأن يتحرى حتى يجد الأهل لذلك فيقيمه مقامه، فلما قصر في السؤال والتحري تحمل مسئولية الإخلال، ولذلك أي شخص يطلب منك أمراً أو يوكلك في أمر وأنت لا تحسنه، وأردت أن تقيم مقامك غيرك، أو دل العرف على أنه أراد أن تقيم غيرك مقامك، فينبغي أن تتحرى وأن تجتهد وأن تحب له ما تحب لنفسك، وأن تكره له ما تكره لنفسك ولا تذهب لكل أحد، فإنه لو كان العمل لك هل تقبل كل عامل؟ وهل ترضى بكل عامل؟ فكما أن الإنسان لا يرضى بالضرر على نفسه فإنه إذا كان وكيلاً عن غيره فعليه أن يتقي الله، وأن يعلم أنه مؤتمن وأن الغير ائتمنه فعليه أن يؤدي هذه الأمانة بالتحري والسؤال، فإذا جاء -مثلاً- يشتري أدوات الكهرباء يسأل صاحب المحل عن أحسن من يوثق فيه، أو يسأل: من الذي يستطيع أن يبحث لي عن عامل لي أمين؟ ويتحرى ويجتهد، فإذا بذل ما عنده فحينئذٍ لا يتحمل المسئولية.
(196/4)
________________________________________
أن يوكَّل في شيء يقوم به بنفسه دون حاجة إلى غيره
الحالة الثالثة: أن يوكل فيما يقوم فيه بنفسه، فلو قلت لرجلٍ: بع لي السيارة أو بع لي الأرض، أو مثلاً: مكاتب العقارات الآن، فتأتي إلى صاحب مكتب عقار وتقول له: يا فلان! وكلتك أن تبيع لي عمارتي الفلانية، قال: إذاً سأقوم بذلك، فإذا قلت له: وكلتك أن تقوم ببيع عمارتي الفلانية، فذهب إلى مكتب عقارٍ آخر واتفق معه، وبيعت العمارة، وجاء يسألك الأجرة وأنت قد قلت له: وكلتك أن تبحث لي عن من يشتري عمارتي أو وكلتك أن تشتري لي عمارة وأعطيك خمسة آلاف أعطيك ثلاثة آلاف أو أعطيك ألفين -لأنه ما يجوز أن أقول لك: آخذ منك اثنين ونصف في المائة، وهذا سيأتينا إن شاء الله في الإجارة؛ لأنه إذا كانت قيمة الأرض مجهولة فهي إجارة بالمجهول كأن تقول: أريد (2.
5%) من القيمة ما ندري، قد تكون قيمة الأرض مليون ريال وأخذ اثنين ونصف في المائة من المليون ليس سهلاً، وقد تكون خمسمائة ألف، فالجهالة في الأجرة موجبة للبطلان كما قررناه في مسائل البطاقات، وإن شاء الله بإذن الله سنفصل هذه المسألة في باب الإجارة-.
الشاهد: أنك لو قلت لصاحب المكتب: التمس لي أرضاً بصفة كذا وكذا أو في موقع كذا وكذا وأعطيك ألفين أو ثلاثة آلاف، فذهب صاحب المكتب وتقاول مع مكتبٍ آخر ثم جاءك وقال: إني قد وجدت لك أرضاً بنصف مليون، ولكن فلان صاحب المكتب يطالبني بخمسة آلاف؛ فتعطيني مع الألفين التي اتفقنا عليها ألفين ثانية أو خمسة آلاف أو ثلاثة آلاف، فتقول له: أنا وكلتك والوكالة بيني وبينك، وهذا الوكيل الثاني لم أوكلك به؛ لأن العمل يختص بك أنت، وتستطيع أن تقوم به لوحدك، فحينئذٍ أنت الذي تتحمل مسئولية من أقمته معك، وأنا لا أتحمل من حيث الأصل ما دام هذا عملك وقد وكلتك، فمعنى قولي: التمس لي من يستأجر عمارتي أو يشتري أرضي أو التمس لي أرضاً أو عمارةً فإنني في هذه الحالة وكلتك ولم أوكل غيرك، فهذا الغير الذي أقمته معك أنت الذي تدفع أجرته، وأنت الذي تتحمل مسئوليته وليس لي من دخلٍ في ذلك، هذا إذا كان وكله على أن يقوم بعملٍ يمكنه أن يقوم به لوحده؛ لأن مكتب العقار في الأصل يقوم بالعمل لوحده، ولكن كونه يستعين بالغير هذا في حالات استثنائية أو في حالات شاذة، لكن في الأصل أن مكتب العقار هو الذي يقوم بهذا العمل، وهو الذي يتحمل شراء الأشياء وبيعها وإجارتها ونحو ذلك، وبناءً على ذلك لا تتحمل أجرة هذا الوكيل الثاني.
قال المصنف رحمه الله: [وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه].
اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة في الحالة الثالثة بالخصوص، أما من حيث الأصل إذا قال الوكيل لموكله: وكلتك، فلا يخلو من صورتين: الصورة الأولى: أن يقول له: وكلتك ولا أسمح لك أن توكل غيرك، فإن قال له: وكلتك ولا أسمح لك أن توكل غيرك فبالإجماع ليس للوكيل أن يوكل فيما وُكّل فيه، هذا إذا قال له: وكلتك ولا آذن لك أن توكل غيرك ففي هذه الحالة بالإجماع لا يصح أن يوكل غيره معه، ولا يصح أن يوكل غيره بدلاً منه.
الصورة الثانية: صورة المسألة التي معنا، أن يقول له: وكلتك في بيع الأرض، مثل ما ذكرنا في مكتب العقار، ومكتب العقار يمكنه أن يتوكل لوحده، فهل لمكتب العقار أن يوكل غيره من أفراد الناس أو جماعتهم أو من مكاتب العقار أو غيرها؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة -رحمةُ الله عليهم- أنه لا يجوز للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه من حيث الجملة، وقالوا: إن الوكالة منصبة على شيء، إما بذلاً وإما أخذاً كمنفعة عين إلخ على حسب العقود، وهذا الشيء ملكٌ للأصيل، فإذا أذن للوكيل فإن غير الوكيل أجنبي وليس للوكيل أن يقيمه مقامه؛ لأنه أذن للوكيل وحده، فلا يجوز التصرف في أموال الناس وأملاكهم إلا بإذنٍ منهم، والإذن هنا خاصٌ بالوكيل وليس له أن يوكل غيره، هذا مذهب الجمهور وهو يستند إلى الأصل.
القول الثاني: يجوز للوكيل أن يُوكِّلَ فيما وُكِّل فيه، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله ورواية عن الإمام أحمد، وقال به بعض أصحاب الإمام الشافعي، لكن مذهب الحنابلة والشافعية على القول الأول.
فعلى القول الثاني قول الذين يقولون: يجوز للوكيل أن يوكِّل فيما وُكّلَ فيه، لو قلت لشخصٍ مثلاً: بعْ لي هذه العمارة، يجوز أن يبيعها بنفسه وأن يوكل من يرضاه ليقوم مقامه، ولو قلت له: أجّر لي داري أو مزرعتي، وقام بتأجيرها أو أقام غيره ممن هو أهل صح توكيله وقالوا: لأنه حينما وكل الوكيل فكأنه فوّض له أن يجلب المصلحة وأن يدفع الضرر، فكما أن المصلحة مجلوبة في الأصل بالوكيل فهي مجلوبةٌ بغيره، وكما أن المفسدة تندرئ بالوكيل تندرئ بغيره، أي: لا فرق بينه وبين غيره؛ لأن الهدف حصول المصلحة ودفع الضرر، قالوا: فهو وغيره في ذلك على حدٍ سواء، والصحيح مذهب الجمهور رحمهم الله لما ذكرنا.
(196/5)
________________________________________
حكم الوكالة وأحوال بطلانها
يقول رحمه الله: [والوكالة عقد جائز وتبطل بفسخ أحدهما وموته وعزل الوكيل وحجر السفيه].
(196/6)
________________________________________
الوكالة من العقود الجائزة
يقول المصنف رحمه الله: (الوكالة عقدٌ جائز).
حينما تقول لشخص: وكلتك أن تشتري لي سيارة، وأعطيته عشرة آلاف ريال، وذهب ليشتري السيارة ثم بدا لك قبل أن يشتريها أن تفسخ، وقلت: لا أريد سيارة، فهل من حقك الفسخ؟ كذلك أيضاً: لو قلت لشخص: يا فلان! هذه مائة ألف اذهب واشترِ لي أرضاً في الموقع الفلاني أو المكان الفلاني أو في المخطط الفلاني، فقال: قبلت، فلما خرج من البيت ضاق عليه الوقت وقال: لا أستطيع أن أفعل ذلك، فهل في هذه الحالة أنت ملزم بإتمام الوكالة حتى يحصل المقصود أو لا؟ وهل هذا الطرف الذي توكله إذا قبل الوكالة نلزمه أن يمضيها؟ حينما تقول لشخص: بعْ لي سيارتي قال: قبلت، وذهب يريد بيعها ثم رجع لك بعد ساعة وقال: يا فلان! لا أستطيع أن أبيعها، قلت له: عندك عذر؟ قال: لا.
ليس عندي عذر، قلت: ما أسامحك خذ السيارة وبعها، وألزمته وفرضت عليه، فهل من حقك أن تفرض عليه؟ يعني: إذا حصل الإيجاب والقبول فقلت: وكلتك قال: قبلت، هل أنت ملزم بإتمام الوكالة، وليس من حقك أن تفسخها؟ وهل هو ملزم بإتمامها وليس من حقه فسخها؟ فقال رحمه الله: (والوكالة عقدٌ جائز).
العقود -قلنا-: تنقسم إلى قسمين: إما عقود جائزة وإما عقود لازمة، وبينا هذا في أول باب البيوع، وضربنا الأمثلة وبينا أنواع العقود، وهنا يقول المصنف: (الوكالة عقدٌ جائز) إذا قلنا: عقدٌ لازم فضابطه: أنه لا يملكُ أحد الطرفين فسخه إلا برضا الآخر، فلو قلت له: بعتك سيارتي بعشرة آلاف قال: قبلت، ثم افترقتما ثم جاء وقال: لا أستطيع فإنه يلزم شرعاً؛ لأن العقد لازمٌ للطرفين، فليس من حقه أن يرجع، وليس من حقك أن ترجع إلا برضا الطرف الثاني، لكن الوكالة على العكس، هي عقدٌ جائز، أي: يملك أحد الطرفين فسخه دون رضا الآخر، فمن حقك أن تفسخ الوكالة في أي وقتٍ شئت، ومن حق من توكله للقيام بالأمر أن يفسخ الوكالةِ في أي وقتٍ شاء.
وعلى هذا: سواءً وُجد العذر أو لم يوجد، كرجل عَلم أنه لو أخذ الوكالة سيضر، وأنه لا يمكنه القيام بها، فهذا عذر، أو جاءه شيءٌ يشغله فهذا عذر، أو لم يوجد العذر كأن يريد أن يتخلى عن الوكالة هكذا.
قال رحمه الله: (والوكالة عقدٌ جائز) أي: يملك أحد الطرفين فسخه دون رِضا الآخر، يقول العلماء في تقرير كون الوكالة عقداً جائزاً: إن الوكالة ننظر إليها من جانبين: الجانب الأول: الشخص الذي يوكل، والجانب الثاني: الشخص الذي يقبل والذي هو الوكيل، الأول: الموكل، والثاني: الوكيل، فقالوا: بالنسبة للشخص الذي يريد العمل ووكله الموكِّل قالوا: الوكالة منه إذْن، فإذا قال لك: بع عمارتي فهذا إذن بالبيع، والإذن ليس بلازم، أي: ليس هناك أحد ملزم أن يأذن للغير، وهل الإذن للغير لازم؟

الجواب
بالإجماع: لا.
قالوا: فإذا كان التوكيل من صاحب الحق إِذْناً للغير فالإذن من حقك في أي وقت أن ترجع عنه، وليس بإلزام، وبناءً على ذلك قالوا: الوكالة من صاحبها إذنٌ -الذي هو الموكل- ومن الوكيل الذي يقبلها فسخ؛ لأنه حينما يقول لك: خذ العشرة الآلاف واشترِ لي سيارة، فأنت تعينه على تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فحينئذٍ كأنك تتفضل عليه، فالوكيل متفضل على الأصيل؛ ولذلك قالوا: من حقك أن تفسخ، وقد قال الله في كتابه: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة:91] فالوكيل محسن، وهذا إذا كانت الوكالة بدون أجرة، أما إذا كانت الوكالة بأجرة فشيء آخر؛ لأن الوكالة بأجرة فيها إلزام، فمثلاً: المحاماة، لو وكل محامياً في خصومة وقال له: اذهب وخاصم عني، فوكله بالخصومة وقال له: إذا جئتني بحقي مليون ريال في هذه الأرض التي ظلمت فيها وأثبت لي الحق أعطيك عشرة آلاف ريال، فيصبح العقد هنا عقد جُعل، فلا يستحق المحامي العشرة الآلاف إلا إذا جاء بالمليون كاملاً، فإذا تم العقد بينهما فإنه يكون عقد وكالة في الابتداء، فيكون جائزاً من حقك أن تفسخ في أي وقت، وفي الانتهاء: إذا استطاع أن يكسب القضية أو يكسب الحق يكون لازماً، فيلزمك أن تدفع له العشرة الآلاف، فهو جائزٌ في أول حال لازمٌ في ثاني حال، وبناءً على ذلك: يستثنى حالة اللزوم في ثاني حال إذا وكله أو كان عقد إجارةً، كأن يوكله على عمل إجارة، فإنه حينئذٍ يكون وكيلاً من وجه وأجيراً من وجهٍ آخر.
(196/7)
________________________________________
بطلان الوكالة بفسخ أحد الطرفين لها
قال رحمه الله: [وتبطل بفسخ أحدهما].
والفسخ: الإزالة، يقال: فسخ الثوب إذا أزاله، وفسخ العقد أن يزيل تأثيره، يرفع ثبوت الوكالة، فيقول له: أقلتك، أو رجعت عن وكالتي لا تبع، أو لا تشترِ، أو لا تؤجر، هذا كله فسخ، فالوكالة إذا فسخت انفسخت، فإذا قال له: لا تبع، ولا تؤجر فإنها تنفسخ في هذه الحالة، أو يبعث له رجلاً ويقول: فسخت وكالتي، فتنفسخ في أي وقتٍ يشاؤها ربها، وتنفسخ بفسخ أحدهما سواءً كان الأصيل أو الوكيل.
(196/8)
________________________________________
بطلان الوكالة بموت أحد الطرفين أو جنونه
قال رحمه الله: [وموته] إذا مات أحد الطرفين انفسخت الوكالة، فلو قلت لشخص: وكلتك أن تشتري لي سيارةً بعشرة آلاف فمات الموكل -الذي هو نفس الشخص الذي يريد السيارة- انفسخت الوكالة، لكن لو وقع البيع قبل الموت لزم البيع، مثلاً: قال رجلٌ لآخر: اشتر لي سيارة بعشرة آلاف، فذهب واشتراها، وبعد أن اشتراها بنصف ساعة بلغه خبر موت من وكله بعد ثبوت البيع، فالبيع لازم ويلزم الورثة، ويمضي لوجهه؛ لأنه وقع حال حياة الموكل.
وتبطل الوكالة بعزل الوكيل، وموته وجنونه، فلو جنّ أحد الطرفين جنوناً مطلقاً فإنه تنفسخ الوكالة؛ لأنه فاتت الأهلية، وإذا كان الموكل قد زال عنه العقل فإنه حينئذٍ يكون غير أهلٍ للتصرف في ماله، فتنفسخ وكالته.
وهنا مسألة: بعض العلماء يقول: تقولون إن الجنون يوجب فسخ الوكالة، فيرد الإشكال، فإن الجنون زوال للعقل، والمجنون لا يصح منه التصرف، فما رأيكم في النائم، فلو أنه وكل شخصاً وقال له: وكلتك أن تبيع بيتي بعشرة آلاف، وباع وقت منام الموكل، أليست زالت عنه الأهلية بالإجماع؟ فالنائم لو تلفظ ما يؤخذ بلفظه: (رفع القلم عن ثلاثة)، فما هو الفرق بين النائم والمجنون؟ فأجابوا عن ذلك بعدة أجوبة منها: أن النائم إذا أيقظه أحد استيقظ، والمجنون لا يستطيع أحد أن يرد إليه عقله إلا الله وحده، وبناءً على ذلك هناك فرق بين الاثنين في ضابط الأهلية، فالمجنون سلبها ولا يستطيع أحد أن يردها، لكن في النوم تستطيع أن توقظه.
فقالوا: نحن نورد اعتراضنا إذا وكل حال نومه، أي: وهو نائم، وأنتم تقولون عند الإيقاظ، وما عندنا مشكلة في هذا، لكن لو أنه وكله الساعة الثانية ظهراً، ثم وضع رأسه ونام، وخرج الرجل وابتاع الساعة الثانية والنصف والموكل مستغرق في النوم، أي: بحيث يكون ما عنده أهلية، فكيف يصح هنا العقد؟ هذا يرجع إلى قاعدة تقول: (التقدير تنزيل المعدوم منزلة الموجود، وتنزيل الموجود منزلة المعدوم)، وهذه القاعدة تكلم عليها الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه المفيد: قواعد الأحكام، كيف ينزل المعدوم منزلة الموجود؟ قالوا: النائم إذا نام، نسألكم: كان مؤمناً ثم نام، وجاء رجل وقتله ألا نقول: قتل مؤمناً؟ نقول: بلى، فهل أثناء النوم الإيمان موجود بمعنى: عنده تصرف وعنده أفعال؟ قالوا: لا، إنما نزلنا المعدوم في الظاهر منزلة الموجود، فالأهلية الظاهرة وإن كانت معدومة لكنها في حكم الموجود، وهذا ما يسمى بالتقدير، فقالوا: أثناء نومه صحيحٌ أنه ليس من أهل الأهلية، ولكننا نزلنا الإذن قبل النوم واستصحبناه حال النوم، فصار من التقدير.
ولذلك قالوا: لهذه القواعد عدة فروع منها: أطفال المؤمنين، يأخذون حكم آبائهم مع أن الإيمان غير موجود، فأنت عندما تأتي إلى بلد وتجد فيه طفلاً لقيطاً لا يعرف أبواه، إن كان في بلدٍ مسلم فتقول: هذا ابن للمسلمين، وعليه فتعطيه حكم أبناء المسلمين، ولا تقل: هل هو مسلم؟ لأنه لم يكن عليه التكليف، وقد رُفِع عنه القلم كالنائم، قالوا: فننزل المعدوم منزلة الموجود، وبناءً على ذلك قال العلماء: إنه في الوكالة ونحوها من العقود يسري الحكم في حال النوم، كما لو كان مستيقظاً التفاتاً إلى الأصل من أن التقدير تنزيل المعدوم منزلة الموجود.
(196/9)
________________________________________
بطلان الوكالة بعزل الوكيل
قال رحمه الله: [وعزل الوكيل].
إذا كان وكّل شخصاً أن يبيع أو يشتري أو يؤجر ثم عزله، فإذا عزله انفسخت الوكالة.
(196/10)
________________________________________
بطلان الوكالة بالحجر
قال رحمه الله: [وحجر السفيه].
أنتم تعلمون أن الوكالة تكون في الأموال وغير الأموال، فإذا كان الرجل الذي وكّل غيره -وهو الأصيل- من أهل التصرف في المال -وهو الرشيد- فإننا حينئذٍ نصحح الوكالة، لكن لو كان غير رشيد ومحجوراً عليه، فلا يصح أن يوكل غيره، ما الدليل؟ نقول: لأن المحجور عليه لا يصح تصرفه لنفسه، فمن باب أولى لا يصح أن يقيم غيره مقامه؛ لأنا قلنا: شرط الوكالة أن يكون الأصيل أهلاً للتصرف، فلا يستطيع أحد أن يوكل غيره وهو نفسه لا يجوز له أن يتصرف في الشيء، إذ يصير كما لو وكل في مال أجنبي، لو أن شخصاً قال لآخر: بع عمارة فلان، لم يصح؛ لأن عمارة فلان لفلان، وليس لأحد أن يتصرف فيها؛ لأنها ليست ملكاً إلا لصاحبها، قالوا: فإذا كان محجوراً عليه فليس بأهلٍ للتصرف، لا أصالةً ولا وكالةً.
(196/11)
________________________________________
الأسئلة
(196/12)
________________________________________
حكم بيع اللحم معجلاً في صورة التأجيل

السؤال
إذا دخلتُ على صاحب اللحم وقلت له: زِنْ لي كيلو من اللحم وسأعود بعد ساعةٍ وآخذ اللحم وأعطيك المال، فهل هذا البيع صحيح، أم هو من جنس بيع النسيئة بالنسيئة؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإنه إذا دخل على صاحب المحل واتفق معه على البيع وأوجب البيع وتمت الصفقة فالبيع صحيح إذا توفرت فيه الشروط، وهذا البيع المذكور يعتبر صحيحاً من حيث الظاهر، إلا أن بعض العلماء يقول: يعتبر نسيئةً من الطرفين، إلا أنه من باب بيع العين بالذمة، العين وهو اللحم؛ لأنك قلت له: زِن لي من هذا اللحم نصف كيلو، فهذا بيع عين، بعشرةٍ، بخمسين، بمائة، هذا بيع ذمة، فأصبح ذمةً -وهو النقد- في مقابل عين -وهو اللحم- وهو بيع صحيح، أي: يجوز بيع العين بالذمة، إلا أن الإشكال فيه كما ورد في السؤال كونه يقول: بعد ساعة، فتعطيني بعد ساعة وأعطيك بعد ساعة، فهو لم يلتفت إلى كونه منجزاً من الطرفين؛ لأنه ليس بمؤجل الأجل المقصود، وإنما المراد به التنجيز، إلا أن التنجيز كان على العدة فأشبه بيع النسيئة، لكنه في الواقع ناجز من الطرفين، ويعتبر في حكم المنجز من الطرفين، وعلى هذا فالأشبه صحته، والله تعالى أعلم.
(196/13)
________________________________________
حكم أداء العمرة عن النفس وعن المتوفى في سفرة واحدة

السؤال
خرجت من سفرٍ إلى مكة لأداء عمرةٍ عن نفسي، فهل يمكن لي أن أؤدي عمرةً أخرى عن والدتي المتوفاة ولم تحج؟

الجواب
هذا فيه تفصيل: إذا كنت خرجت من المدينة أو من مكانٍ خارج المواقيت وفي نيتك أن تعتمر عن نفسك وعن غيرك فيلزمك بعد فراغك من عمرتك عن نفسك أن ترجع إلى الميقات؛ لأنك مررت بالميقات وعندك نيتان، فيلزمك أن تحرم للنية الثانية كما يلزمك أن تحرم للنية الأولى من الميقات الأبعد.
الحالة الثانية: أن تدخل معتمراً عن نفسك، فلما وصلت إلى مكة تذكرت والدتك أو والدك وأحببت أن تعتمر عن أحدهما أو عنهما، فيجوز لك أن تخرج إلى التنعيم وتحرم من التنعيم؛ لأنك أنشأت العمرة عن الغير بمكة، ومن أنشأ عمرته بمكة كان من أهلها لحديث عائشة رضي الله عنها، وظاهر حديث ابن عباس، وحتى إن أهل مكة يهلون من مكة، والله تعالى أعلم.
بالنسبة للوالدة يجوز أن يعتمر عنها سواء حجت أو لم تحج؛ لأنه لا يشترط في صحة العمرة عن الوالدة أو عن الوالد إذا كانت الوالدة متوفاة، أو كانت حية لا تستطيع أن تأتي بنفسها، فإذا كانت الوالدة أو الوالد أو من تريد أن تحج عنه وتعتمر لا يستطيع أن يأتي بالعمرة والحج بنفسه فيجوز حينئذٍ أن تعتمر عنه، سواءً تقدمت العمرة على الحج أو تأخرت العمرة عن الحج، يعني: لا يضر أن تعتمر عن الوالدة وهي لم تحج بعد، لكن لو كانت الوالدة قادرة على أن تأتي بنفسها فلا تحج عنها ولا تعتمر وإنما يحج ويعتمر عن العاجز، إلا ما وقع فيه الخلاف في المسألة في الحج عن الغير إذا كان نافلةً، والله تعالى أعلم.
(196/14)
________________________________________
بطلان وكالة المحجور عليه لفلس

السؤال
المحجور عليه لفلسٍ، هل له أن يوكل؟

الجواب
المحجور عليه لفلس لا يصح أن يوكل في الأموال، وإنما ينتظر إلى زوال الحجر عنه.
وقال بعض العلماء: يجوز ويصح للمفلس أن يوكل غيره للتصرف.
والأشبه الأول لقوة الأصول الدالة على نزع التصرف في المال؛ لأنه لو أقام غيره مقامه فإن هذه الإقامة لا معنى لها؛ لأن هذا الغير لا يستطيع أن يتصرف، فأصبحت الوكالة لغواً، فإن صُححت ظاهراً أو شكلياً فهذا لا تأثير له في العقل؛ لأنه لا يستطيع أن يبيع ولا يستطيع أن يشتري، فيوكله بدون وكالة، فهو إذا قال له: وكلتك أن تبيع داري، فهو بنفسه لا يستطيع أن يبيع داره؛ لأنه محجور عليه للفلس، فهل هذا الوكيل سيبيع؟ بالإجماع لا يبيع، وإذا كان لا يبيع عنه فالوكالة وجودها وعدمها على حدٍ سواء، فالخلاف اللفظي لا تأثير له، والله تعالى أعلم.
(196/15)
________________________________________
النهي عن السفر يوم الجمعة

السؤال
هل النهي عن السفر في يوم الجمعة لأجل الصلاة أم هو عامٌ لليوم كله؟

الجواب
هذه مسألة خلافية بين العلماء رحمهم الله: فبعض العلماء يقول: نُهي عن السفر يوم الجمعة حتى لا تضيع صلاة الجمعة، وبناءً على هذا القول: من كان مسافراً في الأصل كرجل سافر إلى مكة واعتمر، وأراد أن يرجع يجوز له أن يرجع في يوم الجمعة؛ لأن الجمعة ليست بواجبةٍ عليه أصلاً، وهكذا لو كانت امرأةً وأرادت أن تسافر فإنها تسافر؛ لأنها ليست من أهل الجمعة، فإذا قلنا: إن العلة هي صلاة الجمعة وخوف فواتها، فمن لا تلزمه الجمعة تتخلف فيه العلة، فيجوز له السفر بناءً على هذا القول، وبناءً على هذا القول يجوز له أن يسافر بعد صلاة الجمعة، فإذا صلى الجمعة جاز له السفر، وبعض أصحاب هذا القول قالوا: لو سافر يوم الجمعة وصلى الجمعة في حال سفره فإنه يجوز له ذلك ولا يشمله النهي.
وأما القول الثاني فإنه يقول: النهي يشتمل على عدة علل منها: خاصية هذا اليوم وفضله، فيكون النهي أشبه بالعبادة، كأن يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين وبناءً على ذلك فيه شعيرة فلا يخرج ولا يسافر وينتظر هذا اليوم حتى لا يُشغَل عن ذكر الله ولا يُشغل عن الطاعة، فإن المسافر تمحق بركة أيامه بالسفر: إياك والإكثار من أسفار فإنها تمحق بركة الأعمار فكثرة السفر تُذهب بركة الأيام وبركة الأعمار، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب)، وأمر صلى الله عليه وسلم من سافر أن يعجل بالأوبة إذا قضى حاجته، ولذلك قال: (فإنه يمنع أحدكم نومه وشرابه)، فعلى هذا قالوا: إنه إذا سافر يوم الجمعة شُغِل عن ذكر الله، فالمسافر يكون مرهق البدن مُتعباً، فلا يستطيع أن يذكر الله عز وجل في هذا اليوم الذي سُن فيه الذكر خاصةً كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الفضائل التي تكون للحاضر، وعلى هذا القول فيشمل السفر في أول النهار وآخر النهار، والحقيقة ظاهر الحديث العموم، فلا يسافر يوم الجمعة سواءً كان من أهل الجمعة أو لم يكن، إعمالاً أن هذا أحوط وأبرأ للذمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فما نهيتكم عنه فانتهوا) فالنهي ظاهره العموم، والأولى والأشبه بالمسلم ألا يسافر يوم الجمعة إلا من ضرورة ملحة، وحاجة قصوى ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.
(196/16)
________________________________________
جواز الجمع بين المرأة وبنات عمتها وخالها وخالتها

السؤال
هل يجوز الجمع بين المرأة وبنت عمتها، وكذلك بنت الخال والخالة أم أن الحكم يختص في الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها؟

الجواب
هذه المسألة فيها نص وفيها اجتهاد، أما ظاهر القرآن فإن الله حرم الجمع بين المرأة وأختها، فقال تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:23]، وكذلك حرمت السنة الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، ولم يزد النص الوارد في الكتاب والسنة على هذه المحرمات، ثم جاء نص القرآن بقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24]، فلما حرم لنا الجمع بين الأختين ثم جاءت السنة بزيادة المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وقال الله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24]، أخذ من هذا جمهور العلماء جواز نكاح المرأة وبنت عمتها وبنت خالها وخالتها؛ لأن العمة والخالة ليست كبنت العمة وبنت الخالة، فالأمر أخف، وقطيعة الخالة ليست كقطيعة بنت الخالة، وقطيعة العمة ليست كقطيعة بنت العمة، ففرق بينهما من هذا الوجه، وهذا أقوى، وظاهر النص يدل عليه.
وقال بعض العلماء: العلة خوف قطيعة الأرحام، فلا يجوز أن يجمع على وجهٍ يخشى منه وجود قطيعة الرحم، وهذا مذهبٌ مرجوح، والصحيح: أنه يجوز وقد قال الله عز وجل: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ) إلى أن قال: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ} [الأحزاب:50]، فهذا نص: (وبنات عمك) ولم يفرق على سبيل الجمع وعلى سبيل التفريق خاصةً وأن آية التحريم جاء فيها: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24]، فالأصل الحل حتى يدل الدليل على التحريم، لكن ينبغي للمسلم أن ينظر بعيداً، فإذا كان بين بنتي العم شدة حزازية، أو أن هذا سيصبح له حزازة في النفوس وأثرٌ سيء في المستقبل على أعمامه وعماته وأخواله وخالاته فليتق الله، فإن هذا في بعض الأحيان قد يغلب على الظن حصول المفسدة، وحينئذٍ لا نحرم من أصل الجمع ولكن نحرم لعارض، ألا ترى المرأة الآن حلالٌ لك أن تنكحها وهي أجنبية ولكن إذا علمت أن في نكاحها مفسدة أو أنها تفسد الرجل على أمه، أو أنها تحدث الفتن بين الأخوات أو بين النساء، وأنها امرأة نمامة أو تنقل الحديث حرمنا نكاحها لأنه سيضر بالرحم، لا لذاتها وإنما للعارض، فنحن نقول: الجمع بين بنت العمة مع بنت العم لا بأس، وبنت العمة، مع بنت العمة وبنت العم مع بنت العم لا بأس، لكن بشرط أن لا يغلب على الظن حصول الضرر في القرابة، من أمثلة ذلك: أن تعلم أن أم بنت العم هذه وأم بنت العم الثانية كلتاهما شريرة -مثلاً- فإذا دخلت بنت هذه مع بنت هذه فهذا سيحدث ضرراً بين أم هذه وأم هذه، فهذه لا يمكن أن ترتاح حتى تحدث مفسدة، وهذه أيضاً لا يمكن أن ترتاح حتى تحدث مفسدة، فالناس يقدرون الأضرار والمفاسد والشرور المترتبة على مثل هذا النكاح، فيكون التحريم لعارض لا لذات الحكم، والله تعالى أعلم.
(196/17)
________________________________________
مضاعفة الصلاة في الثلاثة المساجد عام في الفرض والنفل

السؤال
على القول بأن الفضيلة في الصلاة في المسجد الحرام مختصة بمسجد الكعبة فأيهما أفضل: صلاة النافلة في المسجد الحرام أم في البيت؟

الجواب
هذه المسألة اختلف فيها العلماء لورود حديثين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاةٌ في مسجدي هذا بألف صلاة إلا المسجد الحرام)، الحديث، فهذا الحديث يدل على أن الصلاة في المساجد الثلاثة مفضلة ومضاعفة، فجاء حديث آخر يعارضه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في قيام رمضان حينما صلى فأحيا الليلة الأولى والثانية، ثم امتنع من الخروج عليه الصلاة والسلام لما اجتمع الناس بعد ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: (إنه لم يخفَ عليّ مكانكم بالأمس، ولكني خشيت أن تفرض عليكم، صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فبعض العلماء يقول: الصلاة في المنزل نافلة أفضل من الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم من المساجد المفضلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (إن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، نخص المضاعفة في المساجد الثلاثة بالمكتوبة، فلا تشمل النوافل، فالنوافل الأفضل أن تكون في البيوت، هذا قول.
القول الثاني يقول: إن الحديث قال: (صلاةٌ في مسجدي هذا)، وهذه نكرة، لم يقل: (صلاة فريضة)، ولم يقل: (صلاة مكتوبة)، فكل صلاةٍ شرعية يصدق عليها هذا الوصف بالعموم فتشمل النافلة والفريضة، قالوا: وإذا ثبت العموم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، قالوا: إن هذه فضيلةٌ من وجهٍ آخر، وهذا هو الصحيح، أن المضاعفة تشمل الفرائض والنوافل، وأن أفضلية البيت جاءت بلفظ؛ (فإن خير)، و (خير) بمعنى: أخير؛ لأن العرب تقول: خير وشر، بمعنى أفعل التفضيل، أخير وأشر، فتقول: محمد خيرٌ من علي، أي: محمد أخير من علي، ومنه قول أبي طالب: ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً نبياً كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة ولا خير ممن خصه الله بالحب أصل التقدير: ولا أخير ممن خصه الله بالحب، فإذا أثبت أن: (خير) في لسان العرب بمعنى: أخير، فكأنها خيرية راجعةٌ إلى الإخلاص، فإن الرجل إذا صلى في بيته وجدناه يخلص أكثر، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (فإن خير)؛ لأن النافلة ليست بفريضة، فلو جلس يتركع في المسجد فإن هذا يحدث عند الناس شعوراً بصلاحه وتقواه وفضله، بخلاف ما إذا صلى الفريضة، فالكل يصلي الفريضة، فقال صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، أي: إنها من جهة الإخلاص وهذا راجعٌ إلى الباطن: (وصلاةٌ في مسجدي بألف صلاةٍ فيما سواه)، راجعٌ إلى ظاهر العدد، وشرط التعارض بين النصين عند الأصوليين: أن يتحد المورد، فالذي يترجح أنه ليس هناك تعارض بين الحديثين، وأن حديث: (إن خير صلاة المرء في بيته) راجعٌ إلى الإخلاص والنية، ويقول بعض العلماء: هناك خيرٌ ثانٍ وهو فضل الصلاة في البيوت؛ لأن البيوت إذا كثرت فيها الصلاة نزلت عليها البركة والخير، ويشهد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل من صلاته في بيته، فإن الله جاعلٌ له من صلاته في بيته خيرا)؛ ولذلك كان بعض العلماء يوصي من كثرت عنده المشاكل الزوجية أن يكثر من الصلاة في بيته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن الله جاعلٌ له من صلاته في بيته خيراً)، وكان بعض العلماء إذا اشتكى إليه الرجل بالفتنة بينه وبين زوجه يقول له: إنك لا تصلي في بيتك كثيراً، أنت تقتصر على الفرائض في المسجد والبيت أشبه بالبيت الخرب؛ لأنه لا يتلى فيه كتاب الله، ولا يصلى فيه، فتسلط عليه الشياطين وتكون الفتن فيه أكثر.
فالذي يظهر: أن المضاعفة في المسجد الحرام ومسجد الكعبة والمسجد الأقصى أنها كما هي شاملةٌ للفرض والنفل، وأما البيت فهو أفضل من جهة الإخلاص والله تعالى أعلم.
(196/18)
________________________________________
الحكمة من النهي عن التحلق يوم الجمعة

السؤال
حديث النهي عن التحلّق يوم الجمعة، هل هو خاصٌ بالمسجد أم هو عامٌ في كل مكان حتى المنزل؟

الجواب
هذا فيه تفصيل: بعض العلماء يقول: نُهي عن الحِلَق يوم الجمعة؛ لأنه يوم مخصوصٌ للخطبة، فالناس إذا جاءوا يوم الجمعة ولم يشهدوا إلا موعِظةً واحدة وتذكيراً واحداً وأتى الناس الذّكْر، وأقبلت على هذا الذّكْر، إذا لم تكن له من أول النهار إلى آخره إلا موعظة واحدة وعى وتأثر وهيأ نفسه للعمل، لكن إذا كان في أول النهار جالساً في حلقة وفي موعظة، ثم في المسجد من يعظ ثم بعده من يعظ؛ فإنه في هذه الحالة تشتت أذهان الناس، والنفوس قد يصيبها الملل والسآمة ولذلك قال الصحابي: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة)، فإذا كان هذا في الصحابة فمن باب أولى غيرهم.
ومن هنا كره بعض العلماء أن يقوم الرجل بعد صلاة الجمعة ويلقي كلمة أو يعظ؛ لأن موعظة الإمام كافية في الأصل، وينبغي أن تترك الموعظة للإمام، لكن رخص بعض أهل العلم إذا كان الإمام ليس بذاك في العلم، وجاء رجل زائر أو ضيف وأحب أن يذكر الناس أو يعظهم فقالوا: لا بأس في هذا، لكن أن يكون بمجرد ما ينتهي الخطيب يقوم شخص موجود في الحي ويأتي بموعظة ثانية غير موعظة الخطيب، وقد يكرر ذلك المرة بعد المرة فهذا أشبه بالبدع والحدث، فيترك هذا اليوم لما شرعه الله عز وجل؛ لأن الإمام له حق، وإذا قام بعد الجمعة فكأنه يستدرك على الإمام، ولا بد أن تحفظ حرمة الأئمة، وأن يحفظ حقهم، خاصةً إذا كان الإمام من أهل العلم والفضل، فمثل هؤلاء حقهم على الناس عظيم، وعلى طلاب العلم وغيرهم، وعلى من دونهم في العلم والمرتبة، فالمقصود: أن الحِلق من هذا الوجه تكون مخصوصةً بحلق الذكر.
الوجه الثاني: أنها عامة وتشمل حِلَق الذكْر وغيرها، وبناءً على هذا الوجه قالوا: كانوا في القديم يجلسون أبناء العم أو القبيلة أو الجماعة في ناحية وكانت هذه العادات موجودة في الجاهلية، كانوا إذا جلسوا يجلس كل جماعة إلى من يألفون وإلى من يجالسوه، فيكثر اللغط والحديث، فشرع في يوم الجمعة خاصة أن تقطع هذه الحِلق سواءً كانت في ذِكر أو كانت في الدنيا، وعلى هذا يكون النهي عاماً شاملاً لما قبل الصلاة وما بعدها، شاملاً للذكْر وغير الذكر على هذا الوجه الثاني، وظاهر الحديث يدل عليه، والله تعالى أعلم.
(196/19)
________________________________________
وصية في لزوم الصبر على طلب العلم

السؤال
هل من وصيةٍ حول الصبر على طلب العلم؟ وجزاكم الله خيرا.


الجواب
الصبر خصلة جليلة كريمة لا يعطيها الله إلا لأحبابه، فالله يحب الصابرين ولا يعطيها إلا أولياءه: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153] ومن كان الله معه ثبته، وأعانه ووفقه وسدده، ولا يزال له من الله معينٌ وظهير، قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبّره الله)، قال صلى الله عليه وسلم: (وما أُعطي عبدٌ عطاءً أفضل من الصبر)، وما يصبر الإنسان إلا بوازع من الرحمن وشعوره أن الله معه، وأن الله يثبته، وأن الله يوفقه ويسدده؛ ولذلك من قرأ كتاب الله وتدبر سيرة أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجد الصبر سبيلهم، والصبر طريقهم، والصبر نوراً لهم، فالصبر ضياء، ضياءٌ في كل ظلمة؛ ولذلك تجد عزائم المؤمنين قوية، وشكيمتهم قوية في الشدائد والمحن بفضل الله ثم بالصبر، فتضيق عليهم الأرض بما رحبت، وتضيق عليهم بما فيها، ولكن الله يوسعها بالصبر، فتجد الرجل الواحد في وحشته كأنه أبلغ ما يكون في أنسه، وتجده في شدته وفي كربته وحزنه وكأنه في قمة سعادته وفرحه كل ذلك بتصبير الله.
ومن هنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: (وجدنا ألذ عيشنا بالصبر)؛ لأن الصابر إذا صبر في تحصيل طاعة أو دفع كربة فإنه إنما يجعل الله نصب عينيه، فالله له عوضٌ عن كل فائت، والله سُلوةٌ له في كل حزن، وثبات له في كل قلق وكل أذية وبلية، فالصبر على طلب العلم صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ على مرضاة الله، والله أمرنا أن نصبر على طاعته، وخاصة نبي الأمة، وخير خلق الله، أحبهم إليه صلى الله عليه وسلم، وقال له: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35]، أمره أن يصبر ولا يأمر الله إلا بما فيه خير الدين والدنيا والآخرة، فطالب العلم أنعم الله عليه بشيءٍ هو أعز ما يطلب، وأشرف وأكرم وأفضل ما يرغب فيه ألا وهو العلم والحكمة، والنور والرحمة، والهدى والصراط المستقيم، وهل وجدت على هذه البسيطة وعلى هذه الأرض طالباً أشرف وأكرم على الله من طالب علم؟! فلن تجد مقاماً أفضل من مقام العلم طلباً وتعلماً وتعليماً وبذلاً وإعطاءً للغير، فالعلم رحمة، وإذا وفق الله طالب العلم وشعر بالذي يطلبه، وشعر بقيمة الشيء الذي يريده وأنه يخوض في رحمة الله، وأنه يسلك طريقاً إلى جنة الله، قال صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، صدق وبر صلى الله عليه وسلم، وعد من الله، ما طلب طالب علمٍ مخلصٍ لوجه الله علماً مما يُبتغى به وجه الله إلا سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما وجدنا أفضل من عطاء الله للعلماء بعد الأنبياء، فهم بخير المنازل بعد الأنبياء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء)، فخليقٌ بمن أحس بقيمة العلم أن يصبر عليه، فقد صبر أهل المال على التجارة فتغربوا عن أوطانهم، وذاقوا شظف العيش وشدته ونكبته، ومذلة الحياة ومهانتها من أجل المال والدينار والدرهم، حتى إن الرجل إذا نظرت إليه كأنه يعبد ديناره ودرهمه -نسأل الله السلامة والعافية- فيحب من أجله، ويبغض من أجله، ويوالي فيه ويعادي فيه، ويكرم من أجله ويهين من أجله، حتى إن ابن عمه وقرابته الذي بينه وبينه لحمة النسب لربما دخل عليه وهو كبير في السن فلا يحترمه ولا يقدره لفقره، وإذا دخل عليه رجل -ولربما يكون من الكافرين- قام له وقبله وأجلسه وأكرمه؛ لأنه يعبد الدينار والدرهم، فيصل البعيد، ويقطع القريب من أجل الدنيا، والله عز وجل جعل الدين أعظم من هذا كله، فإذا كان أهل الباطل في هذه المودة والمحبة الصادقة للدنيا فو الله إن محبة أهل الدين أعظم، ومن عرف الله وأحبه صدق المحبة فليجعل العلم نصب عينيه، فمن تعب اليوم فإنه يرتاح غداً، ولذلك قال بعض السلف: (من كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهايةٌ مشرقة)، فأهل العلم لما تحملوا المشاق والمتاعب والمصائب، وعزفوا عن هذه الدنيا وأقبلوا على الآخرة إقبالاً صادقاً فتح الله لهم أبواب رحمته، وجعلهم يخوضون في هذه الرحمات بالعلوم النافعة والشافعة، وهي علوم الكتاب والسنة، وعلى هدي السلف الصالح وسلف الأمة، فأصبحوا يعيشون مع أقوام أموات وهم أحياءٌ بين الناس، وأصبحوا يعيشون مع: قال الله، قال رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا إله إلا الله! لا يعلم مقدار ما لهم من الحسنات والدرجات في مضيهم إلى مجالس العلم، وحضورهم لمجالس العلم، وسماعهم للعلم، وتدوينهم للعلم، وحبهم للعلم وحرصهم على العلم إلا الله، وإذلالهم لأنفسهم من أجل هذا العلم، وكان حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه عبد الله بن عباس ينام على عتبة البيت، فيذلل نفسه للعلم حتى قال كلمته المشهورة: (ذللت طالباً وعززت مطلوباً)، ذللت طالباً وأنا أطلب العلم حينما صبرت، ولا يمكن أن ينال هذه المرتبة الشريفة إلا من صبر للعلم، وأدى لهذا العلم حقه وحقوقه، وحفظ للعلماء الأحياء والأموات حقوقهم، وأحبهم من كل قلبه لله وفي الله، وأحس بكرامتهم التي أكرمهم الله بها حينما جعلهم يحملون رسالته، ويبلغون أمانته إلى العباد؛ فإن العلماء بمنزلة هي أعظم وأفضل وأشرف وأكرم منزلة على الله عز وجل، ولذلك قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} [النساء:69]، وهذه أعلى منزلة في الجنة، فليس فوق النبي منزلة لولي ولا لغيره، فأعلى منزلة مَنزلة الأنبياء، فقال الله: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} ثم بعدهم: {وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء:69]، والصديقون: هم العلماء العاملون الذين علموا وعلّموا وعملوا بما علموا، فنفعهم الله ونفع بهم أولئك الذين شهد الله أنهم لا يخسرون، شهد الله من فوق سبع سماوات أن خلقه في خسارة إلا قومٌ استثناهم فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [العصر:3]، فهؤلاء الذين أصلحهم الله في أنفسهم وعملوا الصالحات، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3]، فهذا هو الإصلاح وتبليغ رسالة الله والدلالة على الخير والفلاح، هؤلاء هم صفوة الله، قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، قال: هذا حبيب الله! هذا ولي الله! هذا صفوة الله من عباده، الذي علم وعمل ودعا إلى ما علم وعمل به.
فإذا أراد الله عز وجل بطالب علم خيراً رزقه الأسباب التي تعينه على الصبر على هذا العلم، فالغاية الشريفة تحتاج من صاحبها أن يقدرها حق قدرها، وأن يتعب من أجل تحصيلها، فاصبر يصبرك الله، واسأل الله أن يعينك على هذا العلم، واعلموا -أيها الأحبة- أننا لو تأملنا حال السلف الصالح لاحتقرنا أنفسنا اليوم، فالرجل ما كان يحضر مجالس الذكر فقط، إنما كانوا يقرءون العلم قبل المجالس، فلا يمكن يشهد مجلساً حتى يقرأ ما فيه، إذا كان مما يُقرأ منه العلوم والأحاديث والأحكام يقرؤها المرة والمرتين والثلاث والأربع، وأعرف من طلاب العلم من لا يجلس مجلس علم حتى يقرأ ما يريد أن يسمعه من الشيخ ثلاث مرات، يقرأ قراءة متأنية متدبراً فيها، يحاول أن يعي هذا الكلام بشعوره بالمسئولية، وأن كل حرف سيسأل عنه وسيحاسب بين يدي الله، وأن هذا المجلس لا يتكرر.
ثم يصبر مرةً ثانية على مجلس العلم فلربما جاءت أحكام غريبة، ولربما جاءت تفريعات كثيرة، فيصبر ويتحمل ففي اليوم الأول تحس أن بينك وبين العلم فجوة، وفي المجلس تحس بالفجوة، ثم اليوم الثاني يقربك ويقربك حتى يصبح أنساً لك من الوحشة ولذةً لك تنسيك كل لذة، فسلا أهل العلم عن لذة الدنيا بلذة العلم، والله إنهم في نزهة، وفي رحمة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، هذا العلم نعمة عظيمة، فإذا صبرت وأنت في مجلس العلم صبرك الله وبلغت، ثم بعد مجلس العلم كانوا يكتبون ويدونون ويراجعون، ولربما يجلس في ليلته تلك يراجع ما سمعه إلى قرابة منتصف الليل، ولربما سهر الليل كله، رحمةُ الله عليهم أولئك القوم! أبو عبيد القاسم بن سلاّم رحمه الله قام مع أحد علمائه ومشايخه على باب المسجد وأراد أن يذاكره مسألة، فقام في ليلةٍ شاتية فسأله المسألة، ففتح له فروعها فأصبح من فرعٍ إلى فرع ومن مسألةٍ إلى مسألة حتى أذن الفجر ولا يشعر الشيخ ولا تلميذه! أناس كانوا يعطون العلم كليتهم وقالوا: (أعط العلم كلك يعطك بعضه)، فكيف بمن أعطى العلم بعضه؟! ومن صبر للعلم صبره الله وثبته، فوالله لن يموت حتى يقر الله عينه بالعاقبة الحميدة لما بذل، فالله الله لطالب العلم أن يصبر! وعليه أن يعلم أنه يعامل الله جل جلاله، وأن يحمد الله.
ومما ينبغي التنبيه عليه: شكر الله على النعمة، فإن المجلس الذي تجلسه لن يعود أبداً، وهذا العلم الذي تعلمه في الجزئية تشرح من كتاب قد لا تشرح بعد اليوم،، وقد يكون هذا المجلس الذي تجلسه هو آخر عهدك إما بالشيخ وإما بالناس، فلا يدري الإنسان ربما يموت هو أو ربما يشغل عن العلم، فكم من إنسان كان يتمنى العلم حيل بينه وبين العلم! فجاءه من شواغل الدنيا وفتنها ما يصرفه -نسأل الله العافية- عن العلم وطلبه، فاحمد الله عز وجل على نعمته، واسع في تحصيل هذا العلم، وابذل كل ما تستطيع من حبه والصدق في روضته ولكن لله، لا تفعل ذلك رياءً ولا سمعةً ولا طلباً للدنيا، وإنما ابتغاءً لمرضاة الله، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ذلك الرجل، ودائماً الإنسان يرجو من الله أفضل الأشياء، حتى لو كنت في مجلس العلم وأردت أن يصبرك الله على العلم فاجعل من نفسك أن تكون خير طالب في مجلس العلم وخير طالب إذا سمعت، وخير طا
(196/20)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الوكالة [4]
من تعاليم وضوابط شرعنا الحنيف: أن الله سبحانه سخر أناساً للقيام بخدمة الآخرين على وفق معايير وتصرفات معينة، مثل الوكيل إذا وكله موكله فإنه يتردد بين الوكالة العامة المطلقة، والوكالة الخاصة المحددة، ولذلك بين الشرع ما يجوز للوكيل فعله وما يمنع الوكيل من التصرف فيه.
(197/1)
________________________________________
ما يجوز للوكيل فعله وما يمنع منه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده] شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان مسألة الإطلاق والتقييد في الوكالة.
(197/2)
________________________________________
حكم بيع الوكيل وشراؤه من نفسه
إذا وكل الإنسان غيره أن يبيع أو يشتري فهل هذا على الإطلاق وهل يشمل الوكيل أو لا يشمله؟ فلو قلت لرجل: بع داري أو عمارتي أو أرضي أو مزرعتي أو سيارتي، فذهب وعرف أن قيمتها عشرة آلاف -مثلاً- فباعها واشتراها لنفسه، فهل يجوز للوكيل أن يشتري من موكله بالوكالة، أو لا يجوز؟ والعكس أيضاً: فلو قلت له: اشتر لي بعشرة آلاف سيارة من نوع كذا، وعنده سيارة بنفس الصفات ونفس القيمة، فباعك هذه السيارة من نفسه فهل يصح ذلك، أو لا يصح؟ وقبل بيان الحكم حتى تتضح صورة التوكيل نقول: إذا وكل الإنسان غيره فلا يخلو توكيله من حالتين: الحالة الأولى: أن يقيد في الوكالة.
الحالة الثانية: أن يطلق في وكالته.
فأما الحالة الأولى وهي أن يقيد في الوكالة: فيقول لك: بع سيارتي هذه بعشرة آلاف إلى فلان، فإذا حدد لك الشخص الذي تبيع السيارة عليه، أو حدد لك الشخص الذي تشتري منه السيارة، فلا يجوز للوكيل أن ينصرف إلى غيره لا في البيع ولا في الشراء، فإذا انصرف إلى غيره فقد خرج عن الوكالة، وصار التصرف تصرفاً فضولياً، حكمه حكم بيع الفضول وشرائه، وقد تقدم معنا حكم بيع الفضولي وشرائه، بناءً على ذلك: إذا كانت الوكالة مقيدةً بشخصٍ فلا يجوز صرفها إلى شخصٍ آخر سواءً في البيع أو في الشراء، فمثال البيع: أن تقول له مثلاً: بع سيارتي على فلانٍ بعشرة آلاف، أو بع أرضي على فلان بعشرة آلاف، فحينئذٍ يجب على الوكيل أن يتقيد بهذه الوكالة، وأن لا يصرف البيع إلى الغير، ولا إلى نفسه.
أما بالنسبة للشراء: فكأن يقول له: اشتر لي سيارةَ فلانٍ أو اشتر لي عمارة فلانٍ، فلا يجوز أن يشتري عمارة غيره، ولا يجوز أن يشتري عمارة نفسه وجهاً واحداً.
الحالة الثانية: أن يقول الوكيل: يا فلان! اشتر لي سيارةً من نوع كذا وكذا بعشرة آلاف، ولم يحدد لك المعرض الذي تشتري منه، ولا الشخص الذي تأخذ منه، فحينئذٍ يرد سؤالٌ فقهي عن الوكالة مطلقة، فالوكالة المطلقة لا تتقيد إلا بأحد أمرين: إما اللفظ، وإما العرف بالنسبة للمعاملات، وقد يدخل التقييد الشرعي، فإذا قال لك: اشتر لي سيارةً بعشرة آلاف، فهل هذا الإطلاق مقيد أو هو على الأصل من أنه مطلق؟ وللعلماء وجهان: بعض العلماء يقول: إذا قال لك: بع لي عمارتي بعشرة آلاف، أو بعها بقيمة السوق، فإنه قد أطلق، حتى لو أردت أن تشتري لنفسك فلا بأس؛ لأنه قال: بع، ومقصوده أن يحصل على الثمن، بغض النظر أن تكون أنت المشتري أو يكون غيرك، هذا مذهب طائفة من العلماء رحمهم الله.
المذهب الثاني يقول: إن الإطلاق من صاحب السيارة مقيدٌ بالعرف، وكأنه حينما قال لك: بع سيارتي بعشرة آلاف، كأنه يقول لك: بعها إلى غيرك، ولم يقصد أن يبيعها لك أنت، قالوا: فإذا اشتريتها أنت لنفسك خرجت عن الوكالة.
فعندنا وجهان للعلماء: الوجه الأول يقول: من قال لك: وكلتك في أمرٍ أخذاً أو إعطاء فإنه يبقى على إطلاقه، حتى لو أردت أن تبيع وتشتري من نفسك فلا بأس، ويدخل في هذا التوكيل في الإجارات، فمثلاً: لو أن شخصاً أراد أن يصور مذكرةً أو كتاباً، فقال لك: يا فلان! صور لي هذا الكتاب بمائة ريال، أو صوره بسعر السوق، وعندك آلة تصوير، فذهبت وصورت الكتاب كاملاً وقيمة التصوير في السوق مائة ريال، وجئت وقلت له: التصوير يكلف مائة، فأخذت منه المائة، فهذه إجارة أيضاً، وكذلك لو وكلك على شيء قمت به بنفسك، كما لو قال: يا فلان! رتب لي هذه المكتبة بمائة أو بخمسين، فبدل أن يقوم ويأتي بشخصٍ أجنبي قام هو بنفسه ورتبها دون علم الموكل ودون إذنه.
فالمسألة لا تختص بالبيع والشراء، بل حتى في الإجارة حينما يوكلك شخص على إجارة معينة فتقوم أنت بنفسك وتستأجر المحل، ولو قال لك: هذه شقتي أجرها بعشرة آلاف في السنة، فنظرت فإذا هي طيبة وتستحق أن تسكنها، فأخذتها لنفسك أو استأجرتها لولدك أو لزوجك أو لأحد قرابتك، لكنك أنت الذي توليت العقد، ففي هذه الصور كلها يأتي الوجهان للعلماء: من أهل العلم من يقول: الوكالة المطلقة تستلزم حصول الغرض، بغض النظر عن الشخص الذي يريد أن يبيع أو يشتري معه سواءً كان الوكيل أو غيره.
الوجه الثاني يقول: إن الوكالة المطلقة مقيدة بالغير، فلا يصح للوكيل أن يدخل بين الموكل وبين الأجنبي.
والذين يقولون: الوكالة المطلقة مقيدة، فلو قال لك شخص: بع السيارة، فلا يجوز أن تشتريها لنفسك، استدلوا بدليلين: الدليل الأول: قالوا: إن الإطلاق في اللفظ مقيدٌ بالعرف كما ذكرنا؛ لأنه قال لك: بع سيارتي بعشرة آلاف يقولون: ولو كان المراد أن تشتريها أنت لقال لك: يا فلان! اشتر سيارتي بعشرة آلاف، فكونه يخاطبك على وجه الإطلاق، فهذا الإطلاق المراد به الأجنبي عنك ولست داخلاً فيه.
الوجه الثاني: أن التهمة تحصل للوكيل، فإن الوكيل ربما حابى لنفسه، فالنفوس مجبولة على جلب الخير لها ودفع الضرر عنها، وعقود البيع والشراء فيها غبن وغرر، والغالب أن الإنسان لا يدخل الضرر على نفسه لأجل موكله، بعبارةٍ أخرى: لو كانت السيارة قيمتها عشرة آلاف فستشترها بتسعة آلاف ونصف أو تشتريها بتسعة آلاف إلا ربع، أو يشتريها بتسعة، فقالوا: لو فتحنا للوكلاء أن يبيعوا ويشتروا لأنفسهم لأضر ذلك بأموال الناس، والشريعة جاءت بدفع الضرر، وليس كل وكيلٍ يكون أميناً في مثل هذا، هذا حاصل ما استدل به من منع.
ومن أجاز وقال: يجوز لك أن تبيع وتشتري لنفسك، ويجوز لك أن تؤجر لنفسك، وأن تتولى الطرف الثاني للعقد، قالوا: إنه أطلق الوكالة، والقاعدة تقول: (المطلق يبقى على إطلاقه)، وهذا الإطلاق يشمل الوكيل؛ لأنه قال له: بع سيارتي ولم يقل: من غيرك، إنما قال له: بع سيارتي، فكما أن غيره يدخل في هذا الإطلاق، كذلك هو داخلٌ فيه.
الوجه الثاني: أن المقصود من الوكالة هو بيع العمارة أو بيع السيارة أو حصول المنفعة، وليس هناك في الشريعة نظر للشخص الذي سيقوم بتلك المنفعة، فعندما قال لك: بع العمارة، لو كان له غرض في الشخص الذي يشتريها لكان قال: بع العمارة إلى فلان، بع العمارة إلى الضعفاء، أجر العمارة بخمسمائة للفقراء مثلاً، فلما كان مالك السلعة لا غرض له في الطرف الثاني وليس له مقصود في الطرف الثاني، وقال لك: بع العمارة، أو صوّر الكتاب، فالمقصود أن يحصل التصوير وأن يحصل البيع وأن يحصل الشراء بغض النظر عن الطرف الثاني، وهذا الوجه الثاني هو الصحيح: أنه يجوز للوكيل أن يتولى الشراء بنفسه والبيع لنفسه ولا حرج عليه، فإذا أعطاك رجلٌ مالاً على أن تشتري عمارةً أو سيارةً أو أرضاً فلا حرج أن تكون الطرف الثاني الذي يبيع، ولا حرج عليك إذا أعطاك أرضاً لكي تبيعها أو شقةً من أجل أن تؤجرها أن تكون الطرف الثاني المشتري أو المستأجر، والدليل على ذلك: أولاً: إطلاق اللفظ، والألفاظ معتبرة في العقود.
ثانياً: قولهم: إن التهمة تلحقه؛ لأنه ربما حابى نفسه، نقول: نحن نشترط أن لا يكون الوكيل قد حابى نفسه، فنحن نصحح البيع ولكن نقول: بشرط أن لا يحابي نفسه، وأما قولهم: إن التهمة موجودة، فهذا لا يستلزم البطلان؛ لأنه ربما باع الوكيل إلى أحد قرابته، فلو أن الوكيل باع لأحد أقربائه فإن التهمة موجودة، لكن كونه يبيع بثمنٍ المثل هذا لا تهمة فيه، وبناءً على ذلك نقول: إذا اشتريت العمارة بثمنها، والسيارة بحقها، والأرض بقيمتها، فبيعك صحيح، وشراؤك صحيح، وعلى هذا يكون فيك طرفان من العقد: بائع من وجه ومشتر من وجه، بائع وكيلاً، ومشترٍ أصيلاً، بائع عن غيرك ومشترٍ لنفسك، أو بائع لنفسك ومشترٍ لغيرك، إذا عُرِفت هذه المسألة فهناك مسألة ثانية: إذا قلنا: يجوز للشخص أن يكون وكيلاً في البيع والشراء، فهل يشمل ذلك الحقوق المالية؟ فمثلاً: الحقوق المتعلقة بالعبادات، لو أن رجلا أعطاك مائة ألف، أو أعطى رجلاً مائة ألف وقال: أعطها للفقراء، أو للمستحقين زكاةً، وكان الشخص الذي هو وكيل فقيراً أو مديوناً أو مجاهداً فله سهم الفقر، أو سهم الغُرم إذا كان مديوناً، أو سهم الجهاد في سبيل الله إن كان من المجاهدين، فهل يجوز له أن يأخذ من هذا المال إذا وكّل بالزكاة؟ للعلماء أيضاً وجهان: الوجه الأول: لا يجوز له أن يأخذ من هذه الزكاة بل يدفعها إلى الغير حتى ولو كانت فيه صفة الغير.
الوجه الثاني: يجوز، وهو الأقوى، إلا أن الأورع والأشبه أن لا يأخذ، والأفضل أن لا يأخذ؛ لأن المشكلة في الزكاة شبهة العبادة بخلاف مسألة البيع والشراء؛ لأن مسألة البيع والشراء المقصود: حصول الثمن، لكن الزكاة فيها شيء من التعبد، فالذي دفع الزكاة دفعها لغيرك بنية الغير ولم يدفعها بنية أن تكون لك، ولذلك هذه الشبهة تجعل الأفضل والأورع للإنسان أن يتقي ذلك وإن كان أصل المسألة في الوكالة صحيحاً؛ لأن المعنى الذي أجزنا به البيع والشراء ضعيفٌ في مسألة الزكاة، لذلك من حيث الورع الأولى أن لا يأخذ.
الخلاصة: يجوز للشخص إذا وكل ببيع الشيء وشرائه أن يشتري لنفسه، ولكن بشرط أن لا يحابي، فلو قال رجل لرجل: بع سيارتي في السوق فذهب إلى السوق وحرج على السيارة أو أقام عليها مزاداً ووصلت إلى عشرة آلاف، فقال: أنا أشتريها، ودفع العشرة الآلاف صح ذلك، لكن الإشكال ليس هنا، فلو أنه أقامها في المزاد، وقيمتها عشرة آلاف، والذي زاد بالعشرة شخص معين، فقال: أنا أشريها بعشرة آلاف، فحينئذٍ يرد

السؤال
هل من حق الوكيل أن يأخذها لنفسه بعشرة آلاف؟ نقول: لا، حتى يزيد عليه؛ لأن هذا الرجل الذي زاد بعشرة آلاف يستحق السيارة، فإذا جاء الوكيل يزاحمه فقد استغل وكالته، وأخذ لحظ نفسه، فيدخل معه في المزاد كسائر الناس دفعاً للتهمة والريبة، وهكذا لو كان المبيع عمارةً أو أرضاً أو مزرعةً وكانت بالمزاد فإن الوكيل لا يأخذ بآخر المزاد إذا كان هناك من يرغب ووقف عليه المزاد إلا إذا نافسه، فإذا نافسه صح له ذلك.
يبقى السؤال: لماذا نصحح للوكيل أن يكون بائعاً من وجه ومشترٍ من وجه أليس هذا تضاداً؟ فالإنسان إما بائعٌ وإما مشتر، فكيف نقول: يبيع السيارة لنفسه ويبيع الأرض لنفسه ويشتري لنفسه؟ قالوا: هذا لا إشكال فيه؛ لأنه يجوز أن يتولى الشخص الواحد طرفي العقد كما في ابن العم يتزوج اليتيمة تحت ولايته؛ فإنه زوج من وجه وم
(197/3)
________________________________________
حكم بيع الوكيل وشراؤه من ولده
قال رحمه الله: [من نفسه وولده].
الإمام أحمد رحمةُ الله عليه روي عنه أكثر من رواية في هذه المسألة؛ فتارة المنع: فلا يجيز للوكيل أن يتولى طرفي العقد، وفي مسألة الزكاة منع من أن يأخذ من سهم الزكاة إذا كان الذي أعطى الزكاة عمم، وهذه الرواية التي فيها المنع اختارها المصنف رحمه الله واختارها القاضي، واختارها جمهرة من أصحاب الإمام أحمد، أنه لا يجوز للوكيل أن يكون بائعاً أو مشترياً، وكذلك لا يكون مستأجراً كما ذكرنا التفصيل في المسألة.
لكن هناك رواية ثانية: أنه يجوز بشرط: أن لا يحابي نفسه، ويتولى الزيادة على السلعة غيره.
وهناك رواية ثالثة ذكرها الزركشي رحمه الله، والذي اختاره المصنف وصاحب المختصر الخرقي -أنه لا يجوز، والصحيح ما ذكرناه من أنه يجوز، وإذا مشينا على ما قاله المصنف: لا يجوز للوكيل أن يشتري لنفسه ولا أن يبيع لنفسه، فهل أولاده مثله؟ فمثلاً: لو قال رجل لرجل: أجّر هذه الشقة أو هذه العمارة بعشرة آلاف في السنة، فجاء أحد أبناء الوكيل وقال: أنا آخذها بعشرة آلاف فهل له ذلك أو لا؟ عند من يمنع يقول: كذلك الولد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في فاطمة: (إنما فاطمة بضعةٌ مني) فدل على أن الولد جزءٌ من والده، فإذا منعت الوالد من شيء تمنع أيضاً ولده منه، قالوا: فلا يبيع لنفسه ولا لولده، ولا يشتري لنفسه ولا لولده، وهكذا قضية المكاتب، وكل الذي ذكره هنا مبني على أن فرع الشيء كالشيء.
(197/4)
________________________________________
حكم بيع الوكيل بالعرض
قال رحمه الله: [ولا يبيع بعرضٍ ولا نسأ ولا بغير نقد البلد].
هذه المسألة في الوكالة مثالها: أن يقول لك شخص: بع عمارتي أو بع سيارتي أو بع مزرعتي، فوكلك في البيع، فإذا وكلك في البيع فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يحدد لك القيمة والثمن المدفوع مقابل المبيع، فيقول لك مثلاً: بع عمارتي بمليون ريال، فحينئذٍ حدد لك المال، وحدد لك نوعية المدفوع وهو الثمن الذي هو من الفضة، فلا يجوز أن ينصرف الوكيل إلى الذهب، ولا يجوز أن ينصرف إلى نقدٍ ثانٍ من حيث الأصل، لكن إذا كان أفضل، فستأتي مسألة إذا كان الذهب أغلى، فبدل أن يبيعه بمليون ريال باعه مثلاً بأربعمائة ألف دولار، وهذا أكثر من المليون ريال، فهل يصح أو لا يصح؟ سيأتي إن شاء الله، لكن من حيث الأصل أنه إذا حدد لك الذهب أو الفضة أو قال لك: بع بذهب أو فضة، فإنه لا يجوز أن تنصرف إلى غيرهما وهو الذي يسمى بالعروض، فعندنا ثلاثة أشياء من المقابلات الأول: الثمن، وهذا يشمل الذهب والفضة.
الثاني: العرض المنقول من غير العقارات، كالأطعمة والأكسية والأقمشة ونحوها.
النوع الثالث: أن يكون من العقارات، فإذا وكل شخصٌ شخصاً أن يبيع شيئاً أو يشتري شيئاً بشيء آخر فهذا الشيء الآخر إما ثمن وإما مثمن، فإن كان حدد له الثمن وقال له: بع هذه الثلاجة -ونحن نضرب أمثلة لأشياء موجودة حتى تكون الصورة أوضح؛ لأن هذا هو الذي تعم به بلوى الناس، وهذا الذي يسأل الناس عنه، لكن لو مثلنا بأمثلة قديمة قد يخفى على الكثير- فمثلاً لو قال له: بع هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، فليس من حقه أن يذهب ويبيع السيارة بسيارة أخرى؛ إذ يمكن أن يبيع السيارة بسيارة أخرى على سبيل المبادلة، والسيارة الأخرى عرض، فلا يجوز إذا حدد له الذهب والفضة أن ينصرف إلى العروض.
ولو قال له: بالعروض، فما مثاله؟ مثاله ما هو موجود في محلات الاستبدال، كاستبدال السيارات، واستبدال الأجهزة الكهربائية، فلو قال للعامل في المحل: بع هذه الثلاجات الجديدة بثلاجات قديمة مضاعفة، يعني: الثلاجة الجديدة بثلاجتين من نوع كذا وحدد له، فلا يجوز أن يبيع بالنقد من حيث الأصل؛ لأنه أمره أن يبيع بالعرض، فإذاً: إذا وكله بالعرض يشمل مثلاً: الثلاجة بالثلاجة ويشمل العقارات، كأن تأتي إلى مكتب العقار، وتقول له: وكلتك أن تبيع أرضي في المدينة ببدل عنها في مكة، وتكون هذه القطعة (30×30) فيقول مثلاً: أريد قطعة (30×30) بدلاً عنها.
فإذاً البدل هنا: عقار، فلا يجوز لمكتب العقار أن يبيع ويتصرف فيبيع بالنقد؛ لأنك عينت له المقابل من العقارات، فالمقابل إما أن يكون من النقد ذهباً كان أو فضة، أو من العقارات كالبيوت والعمائر والفلل والمزارع، تقول: بع مزرعتي هذه بمزرعةٍ في المدينة، بع عمارتي هذه بعمارة في جدة، فهذا عقار بعقار، وعرض بعرض كما ذكرنا، بع سيارة بسيارة من نوع كذا وكذا، فهذه ثلاثة أحوال.
نرجع إلى الحالة الأولى وهي: أن يحدد له النقد من الذهب والفضة، إذا قال له: بع مثلاً بالذهب، والذهب من أمثلته الآن الأرصدة، فمثلاً: الدولارات رصيدها ذهب، الجنيهات: رصيدها ذهب، الريالات: رصيدها فضة، فإذا قال له: بع هذه السيارة بألف ريالٍ فقد عين الفضة، ولو قال له: بعها بألف جنيهٍ فقد عين الذهب، وإذا عين الذهب أو عين الفضة فإنه ينصرف إلى الذهب والفضة، لكن لو أطلق وقال له: يا محمد! بع سيارتي وسكت، فهذا إطلاق، فهل نقول: يجوز له أن يبيعها بالنقد، أو يبيعها بالعرض، أو يبيعها بالعقار أم أن هذا المطلق يتقيد بالعرف؟

الجواب
يتقيد هذا المطلق بالعرف، فلو أتيت إلى مكتب العقار فقلت: بع أرضي وسكت، فنعلم جميعاً أنها تباع بالريالات، وبناءً على ذلك يتولى بيعها بالنقد الذي هو الثمن من الفضة.
لكن لو كان هناك عملتان فمثلاً: عندنا ريالات ودولارات، والناس يتعاملون في بلدٍ ما بعملتين على حدٍ سواء، فإذا كانوا يتعاملون بعملتين كالريالات والدولارات فإننا ننظر إلى الأكثر رواجاً، فإذا قلت له: بع سيارتي بعشرة آلاف فهمنا أنها ريالات؛ لأنها أكثر رواجاً، لكن لو أن النقدين استويا مثل ما يقع الآن في الأسواق الحرة بين الدول، تكون هناك أسواق حرة يتعامل فيها بنقد البلدين، مثلاً: دولتان جارتان تتعاملان مع بعضهما، وتكون هناك سوق مفتوح بينهما، فما تستطيع أن تقول: إن الغالب عملة هذا البلد أو هذا البلد، فلو أن شخصاً بعث شخصاً إلى هذا السوق، وقال له: اشتر لي بعشرة آلاف سيارة، فهل ينصرف إلى الريالات أو إلى الدولارات؟ يتقيد بعرفه إن كان خاطبه بعرفه، فلو قال له ذلك في بلدٍ يتعامل بالريالات فإنه يتقيد بالريالات، وإن خاطبه في بلدٍ فيه الدولارات فإنه يتقيد بالدولارات، أما لو أنه خاطبه في نفس السوق أو في الموضع الذي يتردد فيه الثمنان فحينئذ يخير الوكيل بين الريالات والدولارات بأيهما باع.
وعلى هذا: يصح بيعه وينفذ إذا كان بالريالات، ويصح بيعه وينفذ إذا كان بغيرها.
فيقول رحمه الله: (ولا يبيع بعرض).
بناءً على ذلك: لو أن رجلاً اشتكى رجلاً وقال: أعطيته سيارتي يبيعها في السوق، وقلت له: بع سيارتي، فذهب وباعها بعشرة آلاف ريال، وأنا قصدت أن يبيعها بسيارة مثلها، فهل تقبل دعواه؟ الجواب: لا تقبل؛ لأن الإطلاق منصرف إلى الغالب، والغالب أنها تباع بالريالات، فالذي يريد عرضاً يُقيد النادر بقيده فيقول: بع هذه السيارة بمثلها، لكن لما قال له: بعها وسكت، فالجاري في العرف أن تباع بريالات، لكن لو أن هذا السوق معروف أنه لا يتبايع إلا بالبدل، مثل ما يقع في الأسواق التي تختص بالمبادلات أو كان -مثلاً- في بيئة يعز فيها وجود الذهب والفضة، وتجدهم غالباً يتبايعون بالبدل، فحينئذٍ إذا باع بالبدل صح بيعه؛ لأن العرف يقيد هذا الإطلاق، وكما يقيده بالذهب والفضة فإنه يقيده بالعروض.
(197/5)
________________________________________
حكم بيع الوكيل إلى أجل
قوله: (ولا نسأ).
النسأ: التأخير، يقال: أنسأ إذا أخر، والنسيئة التأخير، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة:37]؛ لأن كفار قريش كانوا يؤخرون الأشهر الحرم عن وقتها، والمراد بالنسيئة: بيع التقسيط وبيع الأجل، وبيع التقسيط فيه شبه إجماع عند العلماء على جوازه، يعني: شبه الإجماع على جواز بيع التقسيط، وليس من بيعتين في بيعة، فهذا شيء، وبيع التقسيط شيءٌ آخر، ولا يكون بيع التقسيط من بيعتين في بيعة إلا إذا افترق المتعاقدان دون أن يحددا إحدى الصفقتين، أما إذا حددا هل هو بالنقد أو التقسيط فحينئذٍ لا إشكال، وهذا أفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حينما سُئِل عن بيع الرجل بتسعة حاضرة وعشرة إلى أجل، فقال: (لا بأس إذا عين)، كما رواه عبد الرزاق في المصنف وغيره، كما حكى ابن سيرين عمل السلف رحمهم الله، وما جاء عن سماك، فـ سماك من أتباع التابعين، وليس مثله معارضاً لمن هو أعلم منه كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، وعلى ذلك الأئمة الأربعة كلهم، وكذلك الظاهرية، أنه إذا حدد إحدى البيعتين فليس من بيعتين في بيعة، إنما بيعتان في بيعة إذا قال له: بيعة بالنقد وبالتقسيط، وافترقا دون أن يحددا، فأصبح عقدان في عقدٍ واحد، أما إذا حددا فلا إشكال، فنحن نقول: بيع النسيئة كبيع التقسيط وبيع الأجل، يقول المصنف: (ولا نسأ)، يعني: الشخص الذي تقيمه في المحل أو في المتجر يبيع لك البضاعة أو يبيع لك السلع إذا وكلته بالبيع فلا يجوز أن يبيع بالدين إلا إذا أذنت له، فإذا أذنت له أن يبيع بالدين جاز، أما إذا لم تأذن له فلا يجوز.
ولو قلت له: بع، وسكتَّ، فهل هذا الإطلاق يبقى على ما هو عليه فيصح أن يبيع بالدين وبالنقد أو لا؟ قالوا -وهذا هو الأصح عند العلماء، ومذهب الجمهور-: إن الإطلاق ينصرف إلى الحلول، هذه قاعدة عندهم في هذه الإطلاقات، أن إطلاق النسيئة والنقد ينصرف إلى النقد، فإذا قال شخص لآخر: بع سيارتي، فهذا الإطلاق منصرفٌ إلى النقد، وبناءً على ذلك لا تخلو المسألة من صورتين: الصورة الأولى: أن تقول له: بع سيارتي هذه بعشرة آلاف نقدا، أو بع بضائع هذا المحل بالنقد ولا تبع بالدين، فلا يجوز له أن يبيع بالدين، فإذا باع بالدين وقد نهيته عنه لزمه أن يدفع الثمن حالاً، ويكون وجهه على من باعه بالدين، مثال ذلك: لو قلت له: بع هذه السيارة بعشرة آلاف نقداً فباعها نسيئة، فقال طائفة من العلماء: يصحح العقد، على القول بأن الضرر لا ينفي الصحة، ثم يلزم الوكيل بدفع العشرة آلاف، ويبقى وجهه لمن أعطاه إياه نسيئة، قالوا: لأنه تصرف خارج عن الوكالة.
وقال طائفةٌ من العلماء: إذا أقمته في المحل وقلت له: بع نقداً ولا تبع نسيئةً، فباع نسيئةً بطل البيع، وهذا أقوى، أنه يبطل البيع ويفسخ، ويرد المتاع إلى صاحبه، ولا يصحح العقد على هذا الوجه، هذا بالنسبة لمسألة النسيئة والنقد، وعلى هذا فليس من حق الوكيل أن يبيع نسيئةً إلا إذا أذن له موكله.
(197/6)
________________________________________
حكم بيع الوكيل بغير نقد البلد
قوله: (ولا بغير نقد البلد).
إذا قال له: بع بعشرة آلافٍ، فإنها تنصرف إلى نقد البلد، ولذلك يقولون: (المعروف عُرفاً كالمشروط شرطاً)، فإذا قال له: بعها بعشرة آلاف، في بيئة تتعامل بالريالات، انصرف إلى الريالات وأصبح الإطلاق مقيداً بالعرف.
(197/7)
________________________________________
حكم الوكيل إذا باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له الموكل
قال رحمه الله: [وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له صح وضمن النقص والزيادة].
(وإن باع بدون ثمن المثل).
هذه المسائل يخرج فيها الوكيل إلى الضرر، فتارةً يدخل الضرر عليك بزيادة الثمن الذي يشتري به، وتارةً يدخل الضرر عليك بالنقص في الثمن الذي يبيع به، فالوكيل له حالتان: الحالة الأولى: أن توكله بالبيع أو بالتأجير، فتقول له: بع السيارة بعشرة آلاف أو أجر هذه العمارة بعشرة آلاف، هذا كله توكيل بالبذل، وتارة توكله بالأخذ فتقول له: اشتر لي سيارة بعشرة آلاف أو استأجر لي عمارة بعشرة آلاف، ففي كلتا الصورتين إذا التزم قولك فلا إشكال.
وقد يخرج عن قولك بضرر أو بمنفعة، كأن تقول له: اشتر لي سيارة بعشرة آلاف، فيذهب ويشتريها بتسعة آلاف، هذا خروج بمنفعة، أو تقول له: اشتر لي سيارة بعشرة آلاف، فيشتريها لك بأحد عشر ألفاً هذا أخذ بضرر، تقول له: أجر لي هذه العمارة بعشرة آلاف، فيؤجرها بإحدى عشر ألفاً، فهذا أخذٌ بمنفعة، فإن أجرها بتسعة آلاف فهذا أخذٌ بضرر، فإذا خرج الوكيل عن الوكالة التي وكلته إياها بالتقييد باللفظ أو بالعرف الذي عليه ثمن المثل، كأن تقول له: أنت في المحل أو في البقالة وكلتك أن تشتري بضائع الوكالة وتبيعها للناس، فأنت إذا قلت له: وكلتك أن تجلس في المحل تبيع وتشتري فقد أطلقت له أن يتصرف في حدود المصلحة، فليس من حقه أن يشتري شيئاً بأكثر من قيمته، وليس من حقه أن يبيع شيئاً في البقالة بثمنٍ أقل من قيمته، فمثال الأول: لو أقمته في معرض سيارات، ووكلته أن يشتري هذه السيارات وقيمتها في السوق -مثلاً- بنصف مليون، فأقمته يشتريها، فذهب واشترى عدداً من السيارات بستمائة ألف، فأدخل عليك الضرر في حدود مائة ألف في الشراء، أو يبيعها وتكون السيارات تباع بمليون فيبيعها بتسعمائة ألف فيدخل عليك الضرر بمائة ألف.
في هذه الحالات يرد

السؤال
في باب الوكالة -ومن عادة العلماء أن يبحثوا في هذه المسائل-: الوكيل إذا تجاوز الحدود المعتبرة في الوكالة فأدخل الضرر آخذاً أو معطياً، فهل الذي يتحمل الضرر هو أنت -صاحب المحل والأصيل الموكل- أم أن الذي يتحمل الضرر هو الوكيل؟ لأنك أذنت له فيما لا ضرر فيه، فتصرف بما فيه ضرر فهل يتحمل مسئولية تصرفه، هذه هي المسألة.
وعلى هذا: يحتاج الأمر إلى التفصيل من حيث المنفعة والمضرة، فابتدأ المصنف رحمه الله بالضرر، وهو أن يتصرف الوكيل بالبيع والشراء ويدخل الضرر عليك في البيع والشراء، فتقول له: بع سيارة بعشرة آلاف فيبيعها بتسعة آلاف، أو تقول له: بع سيارة، وتسكت، والسيارة تباع بعشرة آلاف فباعها بتسعة، فهل يضمن أو لا يضمن؟ قال رحمه الله: (وإن باع بدون ثمن المثل).
وثمن المثل: هو المعروف في السوق أنه لمثل هذه السيارة، فالأصل يقتضي أن يبيع بثمن المثل، والإطلاق بقولك: بعت، يقتضي التقيد بالعرف، وهذا كله مندرج تحت القاعدة التي سبق التنبيه عليها والتي تقول: (العادة محكمة)، وهي إحدى القواعد الخمس التي انبنى عليها الفقه الإسلامي، (العادة محكمة)، أي: أننا نحتكم إلى عرف المسلمين وعوائدهم في متاجرهم وأسواقهم، ونحتكم إلى أهل الخبرة فيما يقولونه في البيوعات، وكذلك في الشراء في ثمن المثل، فنسألهم: هذه العمارة لو بيعت كم قيمة مثلها؟ قالوا: مليون، فباعها بتسعمائة ألف، يتحمل ذلك الوكيل الضرر الذي هو المائة الألف.
(أو دون ما قدره له).
عندنا صورتان: إما أن تحدد له القيمة فيبيع بأقل، أو تطلق فيبيع بأقل من ثمن المثل، لكن في الحقيقة كونك تقدر له الثمن أكثر من قضية ثمن المثل؛ لأن ثمن المثل في بعض الأحيان تكون قيمة العمارة مليوناً، وهناك شيء يسمى الغبن، فتكون العمارة تستحق هذه القيمة التي هي المليون، لكن قد يتسامح بعض الناس ويبيع بتسعمائة وخمسين ألفاً، فمعناه: أن هناك شبهة في الخمسين الألف، فعندنا شيء يسمى: ثمن المثل، وعندنا شيء يسمى: الغبن بالمثل، أي: فيما يتغابن بمثله الناس، فلا ننظر فقط إلى قضية المليون، بل الأمر يرجع إلى أهل الخبرة، ونسأل أهل العقارات إن كان المبيع عقاراً، وأهل الأطعمة إن كان المبيع طعاماً، وأهل السيارات إن كان المبيع سيارةً، وهذا الذي يقول عنه العلماء: يسأل عنه أهل الخبرة، فإذا كان المبيع قيمته -مثلاً- في حدود خمسمائة ألف، وممكن لشخص أن يبيعه بأربعمائة وخمسين ألفاً، لكن ما يبيع بأقل من أربعمائة وخمسين إلا رجل لا يحسن البيع، فإذا باع بأقل من أربعمائة وخمسين ألفاً كانت عليه المؤاخذة، وإذا كان في حدود ما بين أربعمائة وخمسين إلى نصف مليون فالأمر أخف، وهذا هو الذي يفرق فيه بين ثمن المثل وبين التخفيف.
(197/8)
________________________________________
حكم الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له الموكل
قال رحمه الله: (أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح وضمن النقص والزيادة).
هنا إشكال: قلت لرجل: اشتر لي قطعة أرض في المخطط الفلاني بمائتي ألف، فذهب واشترى لك أرضاً في مخطط بمائتين وخمسين ألفاً، ثم جاء وقال لك: اشتريت لك قطعة أرض بمائتين وخمسين ألفاً، فقلت له: يا أخي! وكلتك أن تشتري لي بمائتين، فالسؤال الآن: إن جئنا ننظر إلى الوكالة فهي بمائتي ألف، فالأصل يقتضي أن البيع غير لازم وغير صحيح بالنسبة للموكل، لكن بالنسبة للوكيل الذي هو مكتب العقار الذي اشترى الأرض بمائتين وخمسين ألفاً، فيه وجهان: الوجه الأول: نقول: في الواقع أن هذا المكتب كأنه اشترى لنفسه، فحينئذٍ نقول: صح البيع وتصبح الأرض في الحقيقة مشتراة لصاحب المكتب؛ لأن الوكالة لأرض بمائتي ألف، فإذا ذهب يشتري أرضاً بمائتين وخمسين، بل لو كان ريالاً واحداً زائداً عن الوكالة فقد خرج عن الوكالة، كما لو اشترى شيئاً أجنبياً.
فنقول: بناءً على ذلك: يكون الوكيل هو المتحمل لهذه الأرض، ويصح البيع على ذمته هو، فتصبح الأرض ملكاً لمكتب العقار.
الوجه الثاني: نصحح البيع؛ لأن الوكيل اشترى لفلان، والخمسون الألف يغرمها صاحب مكتب العقار، ويكون البيع صحيحاً ويضمن صاحب مكتب العقار الخمسين؛ لأنه أدخل الضرر على نفسه على بصيرة، فهو اشترى ونيته لفلان، فعلى هذا كأنه تنازل عن الخمسين لفلان، فإن شاء فلان أن يعطيه الخمسين أعطاه، وإن شاء أن لا يعطيه فلا يعطيه، فالعقد لما أبرم والصيغة لما وقعت بين الطرفين وقعت ملكاً لفلان، وهذا من حيث الأصل في الحقيقة قوي جداً، أن العقد تم على أن السلعة مباعة لفلان، والبائع باعها لفلان، والوكيل قبل عن فلان، فأوجب الصفقة وتمت بمائتين وخمسين ألفاً، وقد رضي على نفسه؛ لأنه علم أن فلاناً أعطاه مائتين في الأرض، فإذا ذهب يأخذها بمائتين وخمسين ألفاً فقد أدخل على نفسه الضرر، وبناءً على ذلك يضمن الزيادة ولا يضمنها الموكل، وهذا هو الذي اختاره الأئمة رحمهم الله ودرجوا عليه، والقاعدة تقول: (الإعمال أولى من الإهمال)، وتفرع عليها قولهم: (تصحيح العقود ما أمكن).
فصاحب مكتب العقار عندما يذهب يشتري لك الأرض سيقول: بعني يا فلان! هذه الأرض لفلان، قال له: بكم؟ قال: بمائتين وخمسين ألفاً، قال: قبلت، تم البيع بمائتين وخمسين ألفاً لفلان، فمعناه: أن الإيجاب والقبول عقد، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] فهذا الإيجاب والقبول لا يسقط، وهذا معنى قولهم: (الإعمال أولى من الإهمال)؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] فيصح العقد ويتحمل صاحب المكتب غرامة الخمسين، فإن شاء صاحب الأرض أن يعطيه إياها عطاه، وإلا فليس بملزم بإدخال الضرر على نفسه، وهكذا في البيع.
قال رحمه الله: [وإن باع بأزيد أو قال: بع بكذا مؤجلاً، فباع به حالاً، أو اشترى بكذا حالاً، فاشترى به مؤجلاً ولا ضرر فيهما، صح وإلا فلا].
قال رحمه الله: (وإن باع بأزيد).
هنا المسألة على خلاف المسألة السابقة، الأولى غرم، والثانية غنم، والأولى خسارة، والثانية ربح، أنت وكلت -وبعض الوكلاء فيه عقل وحسن نصيحة- فقلت له: بعها بعشرة آلاف، فباعها بعشرين ألفاً، وقلت له: بع نسيئةً فباع حالاً، فهذا لا شك أن ثمن الحال أفضل من المؤجل؛ لأن المؤجل ربما أفلس المديون، ولربما ماطلك، ولربما تأخر في سداد حقك بسبب غياب أو سفر أو ظروف تلم به، فمن مصلحتك أن يكون الثمن حالاً، قلت له: يا فلان! بع هذه السيارة بعشرين ألفاً إلى نهاية السنة، فذهب وباعها بعشرين ألفاً نقداً، من مصلحتك أن تأخذها نقداً، فهنا المسألة على خلاف المسائل المتقدمة وهي مسائل الربح، وهي تحتاج إلى شيء من التفصيل يأتي الكلام عنه إن شاء الله.
(197/9)
________________________________________
الأسئلة
(197/10)
________________________________________
التفصيل في خيار المجلس متى يثبت

السؤال
هل خيار المجلس يثبت في سلعةٍ تحتاج إلى تجهيز ومئونة وكلفة من قبل البائع أم ليس من حق المشتري ذلك؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فخيار المجلس ثابتٌ للطرفين ما دام في مجلس البيع والشراء والعقد، فإذا كانت السلعة تحتاج إلى نقل فلا يخلو من حالتين: إذا تم الإيجاب والقبول في مجلس العقد، وافترقا من أجل أن تنقل السلع، وذهب البائع والمشتري، وفارق أحدهما الآخر فراقاً مؤثراً فقد تم البيع ووجب، وانقطع خيار المجلس.
لكن لو قال له: بع لي سيارتك بعشرة آلاف أو قال له: عندي سيارة بعشرة آلاف قال له: ما نوعها قال له: نوعها كذا وكذا، وصفاتها كذا وكذا، فلما أعطاه صفات السيارة قال: قبلت، فقاما سوياً مع بعضهما، ونظرا إلى السيارة وقلب السيارة وتأمل فيها ولم يفترقا، وبعد أن نظر فيها قال: لا أريد، مع أن الوصف لم يختلف؛ لأنه في هذه الحالة يكون فيها خياران: خيار المجلس من وجه، وخيار الصفة؛ لأن بيع الغائب فيه خيار الصفة كما بينا، لكن عند من لا يقول بخيار الصفة نقول: يبقى خيار المجلس كما هو مذهب الشافعي رحمه الله، فإذا كانا في مكانٍ واحد ولم يفترقا ولو ساعات طويلة لتقليب السلعة ونحوها فإن البيع لا يلزم إلا بالافتراق على ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) والله تعالى أعلم.
(197/11)
________________________________________
حكم من وكل شخصاً في طلقة واحدة فطلق عنه ثلاث تطليقات

السؤال
إذا وكل شخصٌ آخر بتطليق امرأته ولم يقيد عدد الطلاق ولكن في نيته أنها تكون طلقةً واحدة، ولكن الموكل طلق ثلاثاً، فما الحكم ديانةً وحكما؟

الجواب
في الحقيقة مسائل الطلاق توكل إلى القضاء، خاصةً إذا كانت مسائل خلافية، فمثل هذه المسائل يقع فيها إشكال بين الناس، خاصة في الأزمنة المتأخرة بسبب وقوع الفتن في الطلاق، وتتبع الناس الرخص، فيأتي فيسأل هذا فيقول له: لا يقع الطلاق، ويسأل هذا فيقول: يقع الطلاق، فيصبح الناس في حيرة من أمرهم، فأهل الزوجة استفتوا من يقول: هي حلال، وأهل الزوج استفتوا من يقول: هي حرام، فحينئذٍ يحدث شيء من التضارب في الفتاوى، والإزعاج للناس، إضافةً إلى قلة الأمانة إلا عند قليل من الناس في هذه الأزمنة بالنظر إلى السواد الأعظم من الناس، فإنك تجد الرجل إذا أراد أن يسأل غيّر في السؤال، وقدم في الألفاظ، ومسائل الطلاق ربما حرف واحد يغير فتوى بكلها فقول: أنت طالقٌ طالقٌ طالق، ليس كأنت طالق وطالق وطالق وهو حرفٌ واحد، وأيضاً لو قال: أنت طالق، ثم سكت ثم قال: طالق، ثم سكت، ثم قال: طالق، ليس كقوله: أنت طالق طالق طالق، فمسائل الطلاق مسائل مهمة، وتحتاج إلى شيء من الروية، ولذلك طلاب العلم عليهم أن يكونوا على بصيرة، وأذكر أن الوالد -رحمة الله عليه- كان يمتنع من الفتوى في الطلاق، ويرد ذلك إلى القضاء؛ لأن ذلك أبلغ في زجر الناس، فلابد أن تعرف حقيقة السؤال، وغالباً في القضاء يحضر الرجل وتحضر المرأة، ويعرف ما الذي قاله الرجل، وما الذي تلفظ به.
كذلك أيضاً إذا كانت الفتوى عن طريق المفتي أو نحوه فيمكن معرفة حقيقة الأمر على وجه تندفع به المفسدة، ويؤمن به تلاعب الناس بدين الله عز وجل، فإن الناس ربما أخذتهم الحمية والعاطفة فأصبح الرجل يغير في سؤاله وفتواه حتى ولو علم أنها محرمةٌ عليه والعياذ بالله، ولقد جاءني من ذكر لي مسألة في الطلاق يكاد يكون الإجماع فيها على تحريم المرأة، فسألني إياها بطريقة عجيبة لا تشك أنها طلقةٌ واحدة، وأنها لا تحرم عليه، ولكن تلاعب في اللفظ وتلاعب في الصيغة ولم أفته، لكن لما استقصيت حتى أعرف حقيقة الأمر إذا باللفظ الذي قاله أولاً ليس كاللفظ الذي قاله في أوسط الكلام، وليس كاللفظ الذي قاله في آخر الكلام، هذا واقع وهذا موجود، ومن تعاطى هذه المسائل يعرف ذلك، ولذلك تأدباً مع مشايخنا والعلماء الأجلاء يترك الأمر لكبار العلماء في مثل هذه المسائل، وهذا الذي درج عليه العرف أن تترك الفتوى للعلماء الكبار في مثل هذه المسائل.
ومن فائدة هذا أيضاً: تعريف الناس بقدرهم، فرجوع الناس إلى العلماء الكبار وسؤالهم في المسائل التي تتصل بها بيوتهم يشعرهم بحق العلماء ومكانتهم، فهناك عدة أمور تدعو إلى مثل هذا؛ ومثل مسألتنا هذه بعض العلماء يقول: إذا وكله فإنها تطلق، فإذا طلق طلقةً واحدة انقطعت وفسخت الوكالة؛ لأنه وكله أن يطلق، وأقل ما يصدق عليه الطلاق طلقةٌ واحدة، ومنهم من يقول: ينظر إلى الأكثر، وهذا مبني على: هل العبرة بالألفاظ والإطلاقات بأكمل ما يصدق عليه الوصف أو بأقل ما يصدق عليه الوصف؟ فإن قلنا بالأقل فالعبرة بالطلقة الواحدة، وإن قلنا بالأكثر فالعبرة بالأكثر إلا أن يقيدهُ بواحدة، والله تعالى أعلم.
(197/12)
________________________________________
بيان أن العقود لا تجري على صيغ معينة

السؤال
ذكرتم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بيّن أن أصول الشريعة لا تلزمنا في العقود بلفظٍ معين أو صيغة معينة إلا إذا دلّ الدليل على ذلك، نريد من فضيلتكم بياناً عن ما دل عليه الدليل بالإلزام في العقود؟

الجواب
هذه المسألة تكلم عليها شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه النفيس: القواعد النورانية، وذكر فيه القواعد الفقهية وأصول أهل الحديث، وأصول أهل الرأي، وبيّن رجحان مذهب أهل الحديث في مسائل العبادات والمعاملات في كتابه هذا الذي يسمى بالقواعد النورانية، وهو مطبوعٌ موجود، فبالنسبة لمسألة التقيد بالألفاظ في العقود فالرجل حينما يوكل غيره ويقول له: وكلتك في شراء أو بيعٍ يقول: إن الأمر يرجع إلى ما تعارف عليه الناس، ولا يحتاج الأمر إلى لفظ معين يتقيد به، وضرب لذلك أمثلة، فمثلاً: قال رحمه الله: إن السلف يكاد يكون كالإجماع بينهم أنهم ينزلون الأفعال منزلة الألفاظ الصريحة، فقد كان الرجل يبني المسجد ويفتح أبوابه للناس ولا يصيح ويقول: أيها الناس! قد أذنت لكم أن تصلوا فيه، فإن فتحه للباب وإشراعه للناس دال على أنه قد أوقف المسجد لله، فليس هناك لفظٌ معين، كذلك من سبّل السبيل من الماء، وأخرج الماء من بيته وأخرج الكيزان للشاربين فإنه لا يحتاج كل من أراد أن يشرب أن يقول: أين صاحب الماء حتى يأذن لي؟! فهذا الإذن المطلق جاء بالفعل، ونزّل الفعل منزلة القول، فليست هناك ألفاظ تعبدية يتقيدبها إلا فيما دل الشرع على التقيّد فيه باللفظ، وهذا معنى بالنسبة للنظر إلى الأفعال الدالة على الأقوال، وحتى الألفاظ نفسها، فالرجل في بعض الأحيان يقول للرجل كلمةً جرى العرف فيها على الإطلاق، مثلاً: تقول للعامل عندك في المحل: يا فلان! إني أريد سيارة من نوع كذا وكذا (أريد)، ما قلت له: اذهب واشتر، ولا قلت له: تولَّ وأنت وكيلي، فهذا العامل الذي يكون في العمل أو في محلك قال لك: اترك الأمر لي، فسكت؛ لأنه لما قال: اترك الأمر لي عُلِم أنه يريد منك تفويضاً وتوكيلاً للقيام بالأمر، فلا يحتاج إلى صيغة: وكلتك أن تقوم بكذا وكذا؛ لأن كلمة اترك الأمر لي، لا يهمك، درج العرف وجرى على أنها دالةٌ على التفويض، فإذاً نقول: إن الألفاظ والصيغ لا يلزم فيها الناس بصيغٍ معينة متى ما قام العرف بالدلالة على المقصود والمراد، والله تعالى أعلم.
(197/13)
________________________________________
ضابط الحنث في اليمين

السؤال
إذا حلف الإنسان على أمرٍ من الأمور أن لا يفعله، ففعله تبعاً وموافقةً لا قصداً ولا حيلة فهل يكون قد حنث في يمينه؟

الجواب
ليس عليه إلا الكفارة، وهو يقول: والله لا أفعل، ففعله تبعاً للناس أو فعله مجاراةً للناس، أو فعله بإكراه أو إرضاء لأهله، عاطفةً لزوجه، فليس عليه إلا الكفارة؛ لأنه حنث في يمينه؛ والحنث غالباً ما يكون إلا بشيء لا يختاره الإنسان، فلا إشكال في لزوم الكفارة عليه، إلا إذا أكره، فالإكراه فيه وجهان مبنيان على: هل الأيمان تجري مجرى الأحكام الوضعية التي لا يلتفت فيها إلى القصد والنية أم تجري مجرى الأحكام التكليفية فتؤثر فيها النية؟ والله تعالى أعلم.
(197/14)
________________________________________
حكم بيع ما لا يملك

السؤال
إذا طلب المشتري سلعةً فقال له البائع: انتهت الآن، ولكن تعال غداً ونحضرها لك، فهل يعتبر ذلك بيع نسيئةٍ من الطرفين؟

الجواب
إذا قال المشتري: أريد سلعةً، وليست عند البائع، فلا يخلو البائع من حالتين: الحالة الأولى: أن يتفق معه على ثمن السلعة وقيمتها، ويحدد له أجلاً لأخذها، فهذا لا يجوز إلا إذا كان البائع له فرعٌ آخر فيه السلعة، فحينئذٍ يصح البيع وإلا فلا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى له حكيم بن حزام رضي الله عنه وقال له: إن الرجل يأتيني ويسألني السلعة وليست عندي، فأبتاع معه ثم أذهب فأشتريها وأبيعها عليه وأعطيه إياها، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تبع ما ليس عندك) فنهاه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما لا يملك.
وبناءً عليه: إذا اتفق الطرفان وكان يريد -مثلاً- قطعة غيار ليست موجودة وانتهت، وقلت له: أريد القطعة الفلانية، فقال هذه القطعة قيمتها مائتين، ادفع مائتين وغداً أحضرها لك، فلا يجوز؛ لأنه باعك ما لا يملك، لكن لو اتصل على محلٍ ثانٍ هو يملكه أو مثلاً له بضائع في المستودع وقال: موجودة عندكم القطعة الفلانية؟ قالوا: نعم، فباعها منك، صح البيع لأنه باع ما يملك.
الصورة الثانية: أن يقول لك: هذه السلعة أحضرها لك غداً، ولا يبين لك ثمنها فحينئذٍ هذا وعدٌ بالبيع ويجوز ذلك، ولست بملزمٍ بهذا البيع؛ لأن البيع ما تم، فيقول لك مثلاً: غداً تأتينا وتكون عندنا السلعة موجودة، أو هناك نوع من السيارات يحضر بعد شهر، وإذا حضرت يكون خيراً، أو إن شاء الله نتفق، أو نحو ذلك فلا بأس، لكن هناك حل: وهو إذا كان التاجر السلعة ليست موجودةً عنده فإنه يقول للمشتري: أنا أحضر لك هذه السلعة وقيمتها وكلفتها عليك، ولكن آخذ منك عمولة عشرة ريالات على القطعة أو آخذ منك عمولة مائة ريال أو ألف ريال إلخ يصح.
مثاله: لو جاء يطلبك سيارةً ليست عندك فتقول له: هذه السيارة جديدة قيمتها -مثلاً- ثمانون ألفاً، وأنا أحضرها لك من جدة بعشرة آلاف، صار بيعاً وإجارة، فهو وكل لك أن تشتري بثمانين ألفاً، وأنت أجيرٌ تحمل هذه السيارة وتتفق مع من يحملها له من جدة إلى المدينة بعشرة آلاف، فيصح ذلك ولا بأس، وتترتب عليه مسائل يطول الكلام فيها، أي: في هذه الصورة الثانية، وهي مسألة التوكيل بالإجارة قد نتعرض لها إن شاء الله في باب الإجارات، والله تعالى أعلم.
(197/15)
________________________________________
معنى الآيات: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... ) في سورة الإسراء

السؤال
لم أفهم معنى قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء:73 - 75]، فما تفسير ذلك وهل له قصةٌ معينة؟

الجواب
صيغة الشرط لا تقتضي الوقوع والحدوث من كل وجه كقوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} [يونس:94]، فهذا لا يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً كان في شك، وإنما هو أسلوبٌ من أساليب العرب؛ ولذلك قرر العلماء أن صيغة الشرط لا تقتضي تحقق الوقوع كقولك للرجل: إن كنت لا تعرفني فاسأل فلاناً، فإن هذا لا يستلزم أنه لا يعرفك، فقد يكون عارفاً بك، كما قال صلى الله عليه وسلم لـ عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين في حادثة الإفك: (إن كنت أذنبت ذنباً فاستغفري الله ثم توبي إليه) يعني: إن كان وقع منك الزنا -حاشا- فاستغفري الله ثم توبي إليه، فليس معنى ذلك أنها فعلاً قد وقعت في الحرام، بل هذا معروفٌ في لغة العرب، ثم إن كاد، من أفعال المقاربة والشروع فقوله: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء:73] لا يستلزم أنهم فتنوه فعلاً، ولذلك تقول: ما كدت أفعل كذا حتى كان أن يقع كذا، وقال تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور:40]، فالتعبير بهذه الصيغة: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء:73]، يكون من حكاية الحال في شدة ما عاناه عليه الصلاة والسلام من أذية الكفار له، وهو أسوةٌ لكل داعيةٍ إلى الله، ولكل متبعٍ له عليه الصلاة والسلام أنه سيبتلى ويفتن (ليفتنونك): الفتنة تطلق على عدة معانٍ في القرآن: تطلق الفتنة بمعنى العذاب، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} [البروج:10]، على أحد الأوجه في تفسير آية البروج، أي: الذين عذبوا أصحاب الأخدود.
وتطلق الفتنة بمعنى: الشرك كقوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191].
وتطلق الفتنة بمعنى: الكذب، ويقال: (فلانٌ فتان) أي: كذاب.
وتطلق الفتنة بمعنى: الصّد، أو فعل ما يكون سبباً في الصد عن دين الله عز وجل، وهذا المعنى يقول بعض العلماء: إنه هو العام، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (أفتانٌ أنت يا معاذ؟! أفتانٌ أنت يا معاذ؟!) أي: هل تفعل هذا الفعل حتى يكون فتنة وسبباً في صدّ الناس عن الخير؟! لأن الرجل اشتكى أنه لم يصل من كثرة تطويل معاذ رضي الله عنه وأرضاه.
وقوله: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء:73]، كان كفار قريشٍ لا يألون جهداً في أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتضييق عليه، وكان عليه الصلاة والسلام مع كمال رحمته وشفقته وحبه لهدايتهم أنهم إذا سألوه الأمر أن يفعله، ربما أحب وقوع ذلك الأمر من أجل أن تحصل الهداية لهم؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام قد جبل الله قلبه على الرحمة كما شهد بذلك من فوق سبع سماوات، فالله سبحانه وتعالى جبله على حب أمته وعلى حب الخير لها في الدنيا والآخرة كما في الحديث: (فيسجد تحت العرش ويقال: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، فيقول: يا رب! أمتي أمتي) وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (لما أرسل الله إليه جبريل وقد بكى من آيتي إبراهيم والمائدة، قال: يا جبريل! اذهب واسأل محمداً -وربك أعلم- ما الذي يبكيه؟ فلما جاء جبريل وقال: يا محمد! إن الله يقرأ عليك السلام ويسألك -وهو أعلم- ما الذي يبكيك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أمتي أمتي فأوحى الله إليه -كما في الصحيح- يا جبريل! قل لمحمد: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك أبداً)، صلى الله عليه وسلم تسليماً، وزاده تشريفاً وتكريماً وتعظيماً، وجزاه خير ما جزى نبياً عن أمته وصاحب رسالة عن رسالته، فهذه الآية تحكي ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من حب هداية قومه، وليس المراد به أن يصدوه، وإنما كانوا يطلبون منه التنازل عن بعض الأشياء حتى يكون قاسماً مشتركاً بينه وبين المشركين؛ لكنه عليه الصلاة والسلام ما كان لينطق عن الهوى، وما كان عليه الصلاة والسلام ليميل شيء من قلبه إلى كفار قريش، وإن كان هناك بعض المفسرين قد مال إلى بعض الأقوال، لكن الذي يظهر -والعلم عند الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من كمال شفقته وحبه للخير حريصاً على هدايتهم، ولذلك يقول الله تعالى: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} [الأنعام:35 - 36] فالمقصود: أنه كان عليه الصلاة والسلام يحب هدايتهم ويحب الخير لهم، وهذه الشفقة الجبرية الفطرية التي جبل عليها عليه الصلاة والسلام مع ما أعطاه عز وجل من زيادة الرحمة وحب الخير لأمته مما يدعوه لمحبة أن تأتي الآيات من أجل أن يصدقوه؛ ولذلك جاءت آيات الأنعام في أكثر من موطن تبين للنبي عليه الصلاة والسلام أن الأمر عندهم أمر جدال وعناد وليس بأمر تحرٍ وتقص للحق، ولذلك بين الله تعالى أنه لو حشر لهم كل شيء، ولو أنه بعث لهم الموتى وأخرجهم من قبورهم وحشروا أمام وجوههم: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} [الأنعام:111] وفي قراءة: (قِبلا)، أي: قبل وجوههم يرونهم أمامهم {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام:111] فكانوا -والعياذ بالله- مصرين على كفرهم وعنادهم، فتبين له عليه الصلاة والسلام جلية أمرهم -والقرآن دائماً يكشف لنبيه عليه الصلاة والسلام أخبار الناس، ويكشف له حقائق الدعوة، وكان الله عز وجل مع نبيه في كل أمرٍ من أموره، والله عز وجل لا تخفى عليه خافية، وهو أعلم بعباده وبخلقه، وأعلم بطبيعة الإنسان وبسجيته من الكفر والإعراض عن الله عز وجل، والتكذيب بحججه وآياته، وهو أعلم بطبيعة البشر- وقد كان يحاول هدايتهم لما جبله الله عليه من محبة الخير لهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إني لأرجو أن أكون يوم القيامة أكثرهم تابعاً) فكان يحب كثرة الأتباع وكثرة المؤمنين، ويأتي جبريل ويقول له: (هذا ملك الجبال يقرأ عليك السلام، ولو شئت أن تأمره فمره فقال: لو شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين لأطبقت عليهم، فقال: لا.
ولكن أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) صلى الله عليه وسلم وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، والله تعالى أعلم.
(197/16)
________________________________________
حكم زواج الأب وابنه من أختين

السؤال
هل يجوز للأب أن يتزوج أخت زوجة ابنه؟

الجواب
يجوز للأب أن يتزوج أخت زوجة ابنه، وأخت زوجة الابن حرامٌ على الابن حرمة مؤقتة، وليست بحرمةٍ دائمة؛ لأن تحريم نكاح أخت الزوجة مبني على مانع الجمع، ومانع الجمع مؤقت وليس بمؤبد، وهذه المسألة من المسائل التي يجوز للأب فيها نكاح ما لا يجوز للابن أن ينكحه، وقد يجوز للابن أن ينكح ما لا يجوز للأب أن ينكحه كالربيبة، فيجوز للابن أن يتزوجها ولا يجوز للأب أن يتزوجها، والله تعالى أعلم.
(197/17)
________________________________________
التفصيل في القيء متى يبطل الوضوء

السؤال
هل القيء يبطل الوضوء وماذا لو كان يسيراً وابتلعه؟ القيء له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الطعام لم يتغير ويكون من أعلى المعدة، وهو القيء الذي يكون قريباً من الأكل، فهذا لا يبطل الوضوء؛ لأنه ليس بنجس، والنجس ما وصل إلى المعدة، فإذا وصل إلى المعدة، وهضم كان نجسا كالبراز، ولذلك فرق الأئمة رحمهم الله بين القيء الناشئ من المعدة، وبين القيء الذي يكون من الأمعاء قبل المعدة، فما كان متغيراً أفسد الوضوء؛ لأنه يستوي أن يخرج من الأعلى أو من الأسفل، كما لو فتحت له فتحة في بطنه فخرج منها الطعام، فكما أن خروج الطعام من الأسفل بعد هضمه يوجب انتقاض الوضوء كذلك خروجه من الأعلى يوجب الانتقاض في قول جماهير الأئمة، وفيه حديث ثوبان رضي الله عنه في قيئه عليه الصلاة والسلام ووضوئه بعد القيء، وفيه كلام.
وأما إذا كان القيء لم يتغير كأن يكون قريب العهد بالطعام فهذا لا يضر كالقلس، فإنه طاهرٌ ولا يوجب انتقاض الوضوء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(197/18)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الوكالة [5]
قد يطرأ على الوكيل شيء من الغفلة أو التساهل فيشتري لموكله شيئاً معيباً سواء كان يعلمه أو يجهله، وربما يتساهل في دفع الثمن فيتلف، فهذا له حقوق وعليه حقوق في شرعنا الحنيف حسبما فصله أهل العلم، وأحياناً قد يطغى حب الموكل لوكيله فيفوضه في شراء كل قليل وكثير، أو شراء ما شاء وبأي ثمن شاء، فهذا منعه الشارع تجنباً للضرر الحاصل من وراء ذلك، وحفظاً على علاقة المحبة والمودة.
(198/1)
________________________________________
التفصيل في مسألة إذا اشترى الوكيل سلعة معيبة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد تقدم أن الوكيل ينبغي عليه أن يتقيد في تصرفاته بما أذن له وكيله، ولا يجوز له أن يفعل شيئاً لم يأمره به وكيله، ولم يجر العرف به إذا أطلق له الوكيل، وبينا أن هذا هو الأصل الذي تقتضيه النصيحة للمسلم، وأنه إذا وُكّل الإنسان في الشيء فعليه أن ينظر إلى العرف وما يقتضيه من المصالح فيسعى في تحصيلها، وما يقتضيه من درء المفاسد فيسعى باجتنابها وتركها.
السؤال هنا: إذا وكل شخصاً أن يشتري له أو يبيع عنه، فإنك إذا أمرت شخصاً أن يشتري لك أو يبيع عنك فإنك تقصد أن يبيع بيعاً صحيحاً، وأن يشتري بالوجه الصحيح المعتبر شرعاً، وكذلك أيضاً حينما وكلته بالشراء فإنك إنما عنيت أن يشتري شيئاً سليماً خالياً من العيوب، فلو أن رجلاً قال لرجل: اشتر لي أرضاً بالمدينة، وأعطاه أوصافها من طولها وعرضها إلخ، فالواجب على المشتري والوكيل أن يتحرى في هذه الأرض، وأن يتقي العيب المؤثر، كذلك لو قال له: اشتر لي عمارةً، فإن الأصل يقتضي أن يشتري عمارةً سالمةً من العيوب، وأن لا يتساهل في عقده بحيث يقبل كل مبيع دون أن يتحرى سلامته من العيوب.
وبناءً على ذلك: لو قلت للوكيل اشتر لي أرضاً أو سيارةً أو مزرعةً إلى آخر ما يشترى، فإنه لا يخلو من أحوال:
(198/2)
________________________________________
الحكم إذا اشترى الوكيل شيئاً سالماً من العيوب
الحالة الأولى: أن يشتري شيئاً سالماً من العيوب متفقاً مع الشروط التي اشترطتها، فالبيع لازم والشراء لازم، وحينئذٍ يلزمك أن تتم الصفقة، ولا وجه لأن تمتنع منها، مثال ذلك: لو قلت له: اشتر لي سيارةً من نوع كذا وكذا بعشرة آلاف، فذهب واشترى السيارة بهذه الصفات سالمةً من العيوب، فإنك تلزم بها.
(198/3)
________________________________________
الحكم إذا اشترى الوكيل شيئاً معيباً لا يعلم بعيبه
الحالة الثانية: أن يشتري السيارة التي أمرته بها ويكون فيها عيب، فالعيب إما أن يكون مؤثراً، وإما أن يكون غير مؤثر، وبينا فيما تقدم من مسائل البيوع العيب المؤثر والعيب غير المؤثر، لكن محل الكلام هنا أن يشتري شيئاً معيباً عيباً مؤثراً، يعني: عيباً يوجب الرد، فلو قلت له: اشتر لي سيارةً، فاشترى سيارةً فيها عيبٌ في محركها مثلاً، وهذا العيب مؤثر، فحينئذٍ إذا اشترى على هذا الوجه فله صورتان: الصورة الأولى: أن يشتري هذه السيارة المعيبة وهو لا يعلم بالعيب الموجود فيها.
الصورة الثانية: أن يشتري هذه السيارة المعيبة وهو يعلم بوجود العيب فيها.
إذاً: في الحالة الثانية إذا وكلته أن يشتري شيئاً واشتراه وبه عيب فلا يخلو هذا الوكيل من صورتين: إما أن يشتري هذا الشيء المعيب وليس عنده علمٌ بالعيب، حيث خدعه البائع وباعه سلعةً معيبة، وإما أن يكون العكس، فيعلم بوجود العيب، ويشتري لك السلعة وبها العيب، ثم يأتي ويقول: هذه السيارة التي طلبت مني شراءها، ثم يتبين أن بها عيباً، ما الحكم في الصورة الأولى والصورة الثانية؟ إذا اشترى لك سيارة لا يعلم بعيبها فإن الأصل الشرعي يقتضي أن المشتري إذا اشترى شيئاً معيباً فله حق الرد، وقد ذكرنا دليل ذلك من الكتاب والسنة والإجماع لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188]، وبيع المعيب من أكل المال بالباطل، فإنه إذا دفع عشرة آلاف في شيء يستحق ثمانية آلاف فقد أُكلت الألفان بدون وجه حق وبالباطل، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تصرّوا الإبل ولا الغنم، فمن اشتراها فهو بخير النظرين: إن شاء أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر)، وذكرنا الإجماع على هذين النصين من حيث المعنى والجملة، لكن إذا ثبت أن العيب يوجب الرد فاشترى لك أرضاً وتبين أن هذه الأرض بها عيب تستحق به الرد قضاءً، ولم يعلم وكيلك بهذا العيب فحينئذٍ تطالب الوكيل أن يرد هذه الأرض، ويجري في المسألة ما سبق بيانه في باب البيوع في المبيعات.
الصورة الثانية: وهي التي تهمنا هنا: أن يشتري لك سلعةً وهو يعلم بعيبها، فالوكيل خان الأمانة وتجاوز الحدود التي ينبغي أن يتقيد بها، فلو أنه علم أن السيارة بها عيب، أو أن الكتاب معيب، أو أن المسجل معيب، أو أن أي شيء طلبت منه أن يشتري به عيب، واشترى مع علمه بالعيب، وقد قال له البائع: يا فلان! إن هذه السيارة بها عيب كذا وكذا، قال: قبلت، فالسؤال الآن إذا قبل وكيلك بالشراء واشترى المعيب، أولاً: هل البيع صحيح؟ ثانياً: إذا صححنا البيع هل يكون البيع لازماً لك أم لازماً للوكيل؟ فمن حيث الأصل أن الوكيل حينما اشترى السيارة بعشرة آلاف وهو يعلم أن بها هذا العيب، فقد وقع الإيجاب والقبول مع بائع ومشترٍ والثمن والمثمن، كلٌ منهما مباح من حيث الأصل الشرعي، فأركان البيع وشروط صحته متوفرة، فالبيع صحيح، فالبائع الذي باع السيارة باعها لشخص يعلم بعيبها، وباعها لشخص مستوفٍ لشروط صحة البيع، فالبيع من حيث الأصل صحيح، والقاعدة الشرعية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، لكنه صحيح للوكيل وليس لمن وكله؛ لأن الوكيل حينما اشترى هذا الشيء اشتراه معيباً، وإن قال في نفسه: هذا لموكله، فموكله لم يوكله بشراء هذا الشيء، فيكون اشتراه لنفسه؛ لأنه رضي بالبيع وقبل البيع فيصبح على ملكه ومسئوليته.
وبناءً على ذلك تأتي عندنا القاعدة: أن من اشترى المعيبات وقد وكّل بالشراء دون أن يأذن له موكله بشراء المعيب فإنه يصح البيع على ذمته لا على ذمة من وكله، لكن يصح البيع على ذمته دون ذمة الموكل إذا لم يرض الموكل.
تبقى مسألة ثانية وهي: أنه في نيته وعقيدته اشترى لموكله، وقد يصرح بذلك في عقده، فحينئذٍ من حيث الأصل لما وكله موكله أن يشتري أرضاً بمائة ألف أو بنصف مليون أذن له أن يشتري فاشتراها معيبة، فمعنى ذلك أن العقد تام، نقول للموكل: انظر في هذه الأرض وانظر في هذه السيارة وهذا الكتاب، فإن أعجبك ورضيته مع وجود العيب كان البيع صحيحاً على ذمتك؛ لأنه يكون من باب بيع الفضول، وقد ذكرنا أن أصح أقوال العلماء رحمهم الله في بيع الفضول: أنه يصح إذا أذن المالك الحقيقي، وذكرنا دليل ذلك من حديث عروة بن أبي الجعد البارقي رضي الله عنه وأرضاه.
الخلاصة: إذا وكل الموكل وكيله أن يشتري السلعة واشتراها دون أن يوجد بها عيب فالبيع صحيح والوكالة تامة ولا إشكال.
وإذا وكله فاشترى شيئاً معيباً فإما أن يكون الوكيل عالماً بالعيب أو غير عالم، فإن كان غير عالم بالعيب استحق أن يرد السلعة واستحق أن يأخذ أرش العيب وحينئذٍ لا إشكال، وإن كان عالماً بالعيب فحينئذٍ نقول للموكل: هل ترضى هذا الشيء؟ فإن قال: لا أرضى، نصحح البيع على ذمة الوكيل ونوجب رد المال إلى الموكل أو شراء أرض أخرى أو سيارةٍ أخرى، وتصحيح الوكالة يكون على الوجه المعتبر شرعاً.
(198/4)
________________________________________
الحكم إذا اشترى الوكيل شيئاً معيباً يعلم بعيبه
قال رحمه الله: [وإن اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرض موكله فإن جهل ردّه].
إذاً: عندنا الصورة الأخيرة هي التي ذكرها المصنف: (من اشترى ما يعلم عيبه)، لكن ينبغي أن نعلم أن الحكم لا يختص بالشراء، ولا يختص بالبيع؛ فإنه يشمل الإجارات ويشمل بقية المعاملات التي ذكرنا فيها الوكالة، فمن وكّل وكيلاً لكي يقوم بمهمة أو عقدٍ فينبغي على الوكيل أن يلتزم بالعرف، وهذا مراد المصنف من هذا المثال أن يقول لك: إن العقود إذا أطلقت فإنها تنصرف إلى الصحيح، ولا تنصرف إلى الفاسد، وتنصرف إلى السليم ولا تنصرف إلى المعيب، مثال ذلك: لو قلت لوكيلٍ: استأجر لي شقةً بمكة، وتكون هذه الشقة بجوار الحرم أو على شارع كذا، وحددت له الوكالة، استأجر لي شقة بمكة، استأجرها لي مدة العشر الأواخر، استأجرها لي شهراً، استأجرها لي سنةً، فذهب واستأجر لك شقةً، ولكن في سقفها عيب يخر منه الماء، أو أن الماء الموجود فيها ملوث، فهذه عيوب كلها تؤثر في الإجارة، وتعيق المنفعة التي من أجلها استأجرت، أو استأجر لك في موضعٍ لا يمكن أن ترتاح فيه، كجوار شيء مزعجٍ أو نحو ذلك مما لا تستطيع أن تنام فيه، وأنت أخذت هذه الشقة للراحة أو نحو ذلك، المهم وجد العيب، فنقول: إذا استأجرها عالماً بالعيب لزمه أن يدفع المال لك ويبقى وجهه لمن أجره، ولا تلزم بالوكالة بدفع الأجرة، وإن استأجر وهو لا يعلم بالعيب فإنك ترد هذه الإجارة وتفسخها وتأخذ حقك كاملاً.
إذاً: الأمر لا يتوقف على البيع ولا على الشراء، بل يشمل العقود التي تتعلق بالمعاملات مما هو محلٌ للوكالة.
(فإن جهل ردّه).
أي: الوكيل، فإن جهل رد المبيع، وذلك للقاعدة والأصل الذي ذكرنا: أن العيب يوجب الرد.
تذكرون في آخر الفصل الماضي أنه ذكر المصنف مسائل قال فيها: (ومن وكله أن يبيع حالاً فباع مؤجلاً، أو وكله أن يبيع مؤجلاً فباع حالاً، أو يبيع بنقد البلد، فباع بغيره)، ذكرنا هذه المسائل، وهذه المسائل كلها تدور حول مخالفة الوكيل للوكالة، ومخالفة الوكيل للوكالة: إما أن يخالف لفظ موكله، وإما أن يخالف عرفاً جرى بالوكالة، ومن هنا تأخذ هذا المثال في قوله رحمه الله: (ومن اشترى معيباً) وتخرج منه قاعدة وهي: (أن إطلاقات الوكالة في العقود مصروفةٌ إلى الصحيح، وأن إطلاق الوكالة في المحل مصروف إلى السليم).
(إطلاقات الوكالة في العقود) يعني: إذا وكلته ليشتري فينبغي أن يشتري شراءً صحيحاً خالياً من موجبات الفساد، فإطلاقات الوكالة في المحل والثمن والمثمن والصيغة في العقد ينبغي أن يكون سليماً.
فممكن أن يأتي شخص ويقول: قال لي شخصٍ خذ هذه العشرة واشتر لي نسخةً من صحيح البخاري، فذهب واشترى نسخةً معيبة وجاء بها لصاحبه، فقال له الوكيل: لا أريد هذه النسخة، فإن الوكيل سيقول له: أنت وكلتني أن أشتري وقد اشتريت لك -لاحظ: أنت وكلتني أن أشتري وقد اشتريت- ما قلت سليمة أو غير سليمة، فتقول: هذا الإطلاق وإن كان باللفظ، لكنه مقيدٌ بالعرف أي: أن يكون سليما؛ لأن العرف أن هذا لا يكون إلا بشراء السليم السالم من العيوب، والصحيح الذي لا عيب فيه، وعلى هذا تعتبر هذه المسألة مفرعة على القاعدة التي سبق التنبيه عليها والتي تقول: (المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً)، وبعض الفقهاء يقول: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)، وبناءً على ذلك: (المعروف عرفاً) حينما أقول له: اشتر لي نسخةً من صحيح البخاري، فإن هذا الإطلاق يقتضي أن يكون سليماً، والعرف ينصرف إلى بيع السليم لا بيع الفاسد، وعلى هذا: فإنه لا وجه له أن يستدل بمطلق الوكالة على شراء المعيبات ونحوها.
(198/5)
________________________________________
الإذن للوكيل بالبيع لا يلزم منه الإذن بقبض الثمن
قال رحمه الله: [ووكيل البيع يسلمه ولا يقبض الثمن بغير قرينة].
هنا مسألة من مسائل التصرفات: إذا وكلت شخصاً أن يبيع أو وكلت شخصاً أن يشتري، فعندنا في البيع سبق التنبيه على أن هناك مراحل: المرحلة الأولى: صفقة البيع، وهي التي تثمر الإيجاب والقبول، وما يسميه العلماء بالعقد، وإتمام الصفقة بصيغتها.
المرحلة الثانية: تسليم المبيع ثمناً ومثمناً، فمثلاً: اشتريت أرضاً بنصف مليون فعندنا أول شيء أن يقول لك: بعتك هذه الأرض بنصف مليون، تقول: قبلت شراءها، فإذا وقع الإيجاب والقبول وقع الأصل الأول وهو: عقد البيع بعد الإيجاب والقبول، ثم هناك مرحلة التسليم والاستلام، فلأجل أن تتم صفقة البيع وهي الإيجاب والقبول يفرغ لك الأرض، وتعطيه الثمن بعد ذلك، فالصفقة -وهي الإيجاب والقبول والرضا بالعقد وإتمام العقد- مرحلة وقد تقع بغير مجلس القضاء، وقد تقع قبل الإفراغ، ثم بعد ذلك تنتقل إلى مرحلة التسليم والاستلام.
فعندنا في البيع تسليم، وعندنا استلام فتسلمه الأرض بمعنى: أن تفرغها له، وتمكنه منها، وتوقفه عليها وتقول له: هذه الأرض وهذا الجار الشرقي وهذا الغربي، فيقع الاستلام على وجه خالٍ من الشبهة لا إشكال فيه، فاستلم الأرض، هذه المرحلة الثانية وهي: مرحلة التسليم.
فالسؤال الآن: لو أن شخصاً قال لآخر: بع أرضي التي بمكة في حي كذا أو مخطط كذا بمائتي ألف، فهل إذا أذن له بالبيع يقبض الثمن؟ فإن البيع إذن بالعقد، لكن مسألة استلام الثمن هذه مسألة أخرى، فقد تأذن لشخصٍ أن يتم صفقة البيع ولا تأمنه على مالك، وتوكل شخصاً آخر أن يستلم المال فهل الوكالة أو التوكيل بالبيع توكيلٌ بقبض الثمن؟ هذا بالنسبة للبائع، وهل التوكيل بالشراء توكيل بالاستلام؟ مثلاً: شخص قلت له: هناك أرض بجدة سافر أبرم صفقتها مع زيد من الناس الذي يملكها، فهل معنى ذلك أن هذا التوكيل يبيح للوكيل أن يستلم الأرض، أو يكون إفراغ الأرض أو تسليمها لشخصٍ آخر؟ هذه هي المسألة، فبعد أن فرغ رحمه الله من الأصل الذي ذكرناه في إطلاقات الوكالات وتقييدها شرع رحمه الله في بيان تصرفات الوكيل، فإذا كان هناك وكالة فما هي الحدود التي ينبغي أن يتصرف فيها الوكيل ولا يجاوزها؟ وإذا وكّل بالبيع هل هو توكيل بتسليم المبيع، وإذا وكل بالشراء هل هو توكيل باستلام المبيع؟ ونحو ذلك من المسائل.
فقال رحمه الله: (ووكيل البيع يسلمه ولا يقبض الثمن بغير قرينة).
فلو أن رجلاً قال لآخر: بع لي أرضي بمكة، فانطلق الوكيل وباع الأرض بمائة ألف كما طلب موكله، وأفرغها، فإذا حصل البيع والإفراغ وهو التسليم بقي استلام الثمن، هل من حقه أن يطالب بالثمن؟ وبعبارة أخرى: هل الذي اشترى منه الأرض يدفع المال لهذا الوكيل أو يدفع المال للأصيل؟ هذه هي المسألة، فقال رحمه الله: الوكيل بالبيع يتم الصفقة، وهذا بالإجماع، ويسلم المبيع، وهذا قول الجماهير، لكن الثمن لا يستلمه، فهذه ثلاثة أشياء: يتم الصفقة، يعني: القاضي يقبله إذا جلس في مجلس القضاء، ويتم صفقة البيع بالإيجاب والقبول، وأيضاً: يمكن شرعاً من تسليم الأرض للمشتري، فأصبحت المرحلة الأولى وهي العقد من حقه؛ لأنه قال: وكلتك أن تبيع، والتوكيل بالبيع يقتضي التوكيل بصيغة البيع، لكن

السؤال
كيف دخلت مسألة التسليم والإفراغ؟ دخلت؛ لأن البيع يتوقف على التسليم، وتمام البيع ولزومه يتوقف على التسليم، وبناءً على ذلك فتسليم المثمن يتم صفقة البيع، فكأنه حينما أذن له بالبيع أذن له بأن يسلم المبيع، وهذا يتفرع على القاعدة الشرعية التي تقول: (الإذن بالشيء إذنٌ بلازمه)، فالإذن بالوكالة لعقد ما هو في الحقيقة إذن لكل شيء يصحح هذا العقد ويتمه ويجعله نافذا، فلما كان تسليم المبيع يمضي صفقة البيع التي من أجلها كانت الوكالة كان التسليم معتبراً من هذا الوجه، وهذه قاعدة عمل بها جماهير أهل العلم رحمهم الله: (أن الإذن بالشيء إذن بلازمه) فليس من حق المشتري أن يمتنع، وليس من حق القاضي أن يقول: لا أقبله أن يسلم المبيع، وإنما يقول له: أتم الصفقة وسلم له المثمن، ولو امتنع الوكيل من التسليم كان من حق القاضي أن يجبره؛ لأن العقد قد تم، فإذا قلت: إن الوكيل يتم الصفقة ويسلم؛ فإن من حق القاضي أن يجبر الوكيل؛ لأنه أمر بالإفراغ وتسليم المثمَن، فوجب عليه أن يتم الصفقة والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، والوفاء بالعقد يفتقر إلى هذا الأمر فوجب عليه أن يتم.
(198/6)
________________________________________
مسألة: إذا أخر الوكيل تسليم الثمن ثم تلف عليه
قال رحمه الله: [ويسلم وكيل المشتري الثمن فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه].
مثال المسألة: أردت أن تشتري بنصف مليون أرضاً في جدة أو المدينة فقلت: يا فلان! اذهب إلى فلانٍ واشتر أرضه بنصف مليون، وهذا نصف المبلغ أعطه إياه، فإنه إذا وكلته بالشراء ففيه إذنٌ أيضاً بدفع الثمن سواءٌ صرحت أو لم تصرح؛ ولذلك الفعل منك منزلٌ منزلة القول، فإعطاء الثمن دالٌ على أنك راغبٌ في إتمام الصفقة، فإذا انطلق وأتم الصفقة يبقى

السؤال
إذا قال له أعطه نصف المليون هل يعطيه بمجرد العقد أم بمجرد الاستلام أو بعد الاستلام؟ هذا كله محتمل، عندما يوكلك شخص أن تبرم صفقة شراء بسيارة أو كتاب أو أرض أو عمارة أو مزرعة، وأخذت المال وانطلقت من أجل أن تتم الصفقة فأولاً: يجب عليك أن تحتاط لحق موكلك، فلا تعطه المال إلا بعد إتمام الصفقة حتى تضمن حق الموكل، فلو أن الوكيل ذهب وأعطاه المال قبل أن تتم الصفقة ودون أن يشهد فإنه يتحمل مسئولية التفريغ، فإذاً: ينبغي للوكيل أن يدفع المال على الوجه الذي لا غرر فيه، ولا غبن ولا ضرر.
فإذا انطلق وقال له: هذه الأرض بكم تبيعها؟ قال: بنصف مليون، قال: أنا أشتريها منك على أن نذهب عند القاضي ونفرغ، فإذا أفرغت لي أعطيتك المال، فقوله: إذا أفرغت لي أعطيتك المال، لا شك أن هذا بالغ في الحيطة لحق موكله، وفي بعض الأحيان يكون الأحوط أن تعطيه المال قبل الإفراغ، وذلك من أجل تأكيد صفقة البيع حتى لا يتلاعب، فتشهد الشهود، وتبرم عقداً مبدئياً بينك وبينه حتى تفرغ عند القاضي، فإذا رأيت المصلحة في هذا فعلت، وإذا رأيت المصلحة في ذاك فعلت، فتنتظر حتى تدفع له عند القاضي، فإذا انتظرت حتى تدفع له عند القاضي وجاء اليوم وحضر عند القاضي ودفعت له المال فحينئذٍ لا إشكال في أنه قد تمت الوكالة على الوجه المعتبر، حيث أفرغ الأرض لموكله، فدفعت الحق له وأخذت الحق منه، لكن المشكلة إذا قال له: خذ هذا النصف مليون واذهب به إلى فلانٍ واشترِ منه الأرض، فإذا أفرغ لك الأرض فأعطه حقه، قال: موافق، فخرج من عندك وذهب وأتم الصفقة وأفرغ الأرض باسمك، ثم ماطل صاحب الحق، وأخر دفع المال إلى أسبوع، وسرق المال خلال الأسبوع، من الذي يضمن؟ يضمن هذا الوكيل؛ وفي الأصل هو لا يضمن حينما وكلته، مثلاً: لو أنك وكلته على أنه يفرغ الأرض، فإذا أفرغ الأرض باسمك فإنه يعطي البائع ماله مباشرة، فذهب مع من ذهب ومعه المال، ثم سُرق المال منه بدون تفريغ، وكان النصف مليون موضوع في خزانة وفي مكانٍ أمين، وجاء السارق بقوة وغلبه وأخذه قبل الإفراغ فإنه لا يضمن؛ لأن يده يد أمانة، ويد الأمانة لا تضمن إلا إذا فرّط، وهكذا لو قلت لأخيك: خذ هذه العشرة واشتر لي كتاباً من المكتبة الفلانية، فذهب ودخل المكتبة، واشترى الكتاب وأخر الدفع، وقال لصاحب المكتبة: سأعطيك مالك غداً، وخرج والعشرة في جيبه فسُرقت، فإنه يضمن العشرة ويلزم بدفعها؛ لأنه ماطل وفرّط، وكان ينبغي أن يحتاط لحقه وحق المشتري والبائع فيعطيه حقه بعد تمام الصفقة.
فقال رحمه الله: (ويسلم وكيل المشتري الثمن فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه).
يبقى السؤال: إذا أخره بعذر، هل يضمن؟

الجواب
لا.
إلا إذا فرّط، مثلاً: إذا قلت له: خذ هذه المائة ريال واشتر لي كتاب كذا وكذا من المكتبة، فذهب إلى المكتبة ووجد الكتاب وسأل عن قيمته، قالوا: قيمته مائة ريال، فكان المنبغي أن يدفع المائة مباشرة ويستلم الكتاب، فترك الشراء وانتظر إلى الغد أو بعد الغد فسرقت المائة خلال هذه الفترة، قلنا: يضمن؛ لأنه فرط وتأخر بإتمام الصفقة حتى حصل الضرر فيضمن، كذلك لو قلت له: خذ هذه الأطعمة وبعها واقبض ثمنها، وذهب وتأخر في بيعها فإنه يضمن أيضاً، فكما يضمن في البيع يضمن في الشراء، وكما يضمن في الشراء يضمن في البيع بالتفريط والتأخير، لكن لو أنه أخذ المال ولم يفرط مثلاً: قلت له: إذا أفرغ لك الأرض بعد الصفقة فأعطه ماله، فماطل البائع في إفراغ الأرض؛ صار هذا عذراً له أن يؤخر الثمن، فتأخر في دفع الثمن له شهراً، وخلال الشهر سُرِق المال أو احترق بيته بدون تعدٍ، واحترقت معه النقود، فحينئذٍ يعتبر خالي المسئولية ويده يد أمانة؛ لأنه أخر لعذر، حيث كان التأخير لإفراغ الأرض، وخشي من البائع أن يكون مماطلاً أو متلاعباً فاحتاط لحقك فهذا تأخير لعذر.
(198/7)
________________________________________
مسائل تتعلق بالوكالة
قال رحمه الله: [وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحاً، أو وكله في كل قليل وكثير، أو شراء ما شاء أو عيناً بما شاء ولم يعين لم يصح].
(198/8)
________________________________________
إذا وكل الوكيل في بيع فاسد فباع بيعاً صحيحاً
فقوله: (وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحاً).
إن وكله في بيع فاسد كبيع نسيئةٍ في ما لا يصح بيعه نسيئة، وبيع الربا ونحو ذلك من البيوع المحرمة، فباع بيعاً صحيحاً، فإذا باع بيعاً صحيحاً، ف

السؤال
هل يصحح البيع أم لا؟

الجواب
لا يصحح البيع؛ لأنه حينما وكّله أن يبيع بيعاً محرماً كانت الوكالة باطلةً من أصلها، فأصبح المال أجنبياً، فإذا تصرف فيه -ولو تصرف تصرفاً صحيحاً- فهو غير لازم وغير صحيح، لكن يكون من بيع الفضول.
مثال ذلك: لو قال له: بع هذا الطعام بطعام من نوعه متفاضلاً، أو قال له: بع هذه المائة الكيلو من التمر بمائتين، هذا ربا فضل، فذهب وباع التمر، مائةً بمائة، هذا بيع صحيح، حيث تم يداً بيد مثل بمثل، كما هو الأصل الذي دلّ عليه حديث عبادة رضي الله عنه، وقد تقدم معنا في باب الربا، فباع بيعاً صحيحاً، والذي وكله وكّله في بيع مائة بمائتين، فلما قال له: بع هذا التمر مائةً بمائتين كان بيعاً محرماً، والله تعالى يقول: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] والوكالةُ إذا كانت على محرم وباطلٍ فهي باطلة، فإذا كانت الوكالة باطلة فكأن الوكيل يتصرف في مال أجنبي عنه غير مأذون له بالتصرف فيه، وقد ذكرنا أن تصرف الإنسان فيما لا يملكه وفيما لا حق له للتصرف فيه أن هذا التصرف يعتبر من التصرف الفضولي، فإذا امتنع صاحبه فإنه لا يصح، وقد بينا هذه المسألة في مسألة بيع الفضول.
الخلاصة: أن من وكّل وكيله أن يبيع بيعاً فاسداً، فباع بيعاً صحيحاً فالوكالة في الأصل تبطل، وإذا بطلت الوكالة صار المال أجنبياً، وصار التصرف فيه في غير محل فلا يصح.
(198/9)
________________________________________
إذا فوض للوكيل بالوكالة في كل قليل وكثير
قال رحمه الله: [أو وكله في كل قليل وكثير].
فقال له: أنت وكيلي في جميع أموري، لم يصح، وقد بينا هذا وتعرضنا لمسألة التوكيل بالوكالة المطلقة، والسبب في هذا: أن الوكالة المطلقة بأن يفوض له جميع الأمور أو يفوض له بأمرٍ خطير يعظم الغرر بالتفويض فيه وكالةٌ فاسدة؛ لأنها من الغرر وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن الغرر)، وخاصةً في هذا الزمان، فلهذا تكلم بعض الفقهاء في صحة التوكيل المطلق، ولكن الصحيح والأشبه عدم صحتة لحديث ابن عمر في النهي عن الغرر؛ ولأن هذا يدخل على الإنسان غرراً عظيماً وضرراً كبيراً، فيقول له: أنت وكيلي في كل شيء، حتى إن بعضهم يقول له: أنت وكيلي حتى في تطليق نسائه، فهذا لا شك أنه يدخل الغرر والضرر على الموكل، والشريعة جاءت بدفع الضرر، فلو قال قائل: إنه رضي بإدخال الضرر على نفسه، نقول: إن الرضا إذا لم يكن في موضعه كان وجوده وعدمه على حدٍ سواء، وخاصةً في هذا الزمان؛ ولذلك نجد بعض الناس قد يأمن البعض ويوكله وكالةً، ثم لا يشعر إلا وقد أدخل عليه من البلاء ما الله به عليم، بل وصل ذلك خاصة في هذا الزمان إلى خيانة الولد لأمه نسأل الله السلامة والعافية، فقد مرت بي إحدى القضايا أن أماً وكلت ابنها وكالة مفوضة، وجعلت له أن يتصرف في أمورها كيف شاء، فكان كلما أراد شيئاً أخذ منها وكالةً مطلقة في نفس العقود التي تتصل بهذا الشيء فباع أملاكها، وكانت بخير ونعمة وتملك الملايين، فباع أموالها، وتصرف فيها، ومضت السنوات تلو السنوات وهو يماطلها في بعض حقوقها حتى جاءت الساعة التي فوجئت بدخول الضرر عليها، وأن موكلها قد أركبها الديون فضلاً عن حقوقها التي أضاعها، فذهب مالها، ولم يقف الأمر عند قضية هذا المال -وهو مصيبة عظيمة- بل ذهب واشترى باسمها، وعقد العقود -نسأل الله السلامة والعافية- باسمها، حتى فوجئت بسفره وغيابه فجأة، فأصبحت تسأل عنه ثم لم تشعر إلا بأصحاب الحقوق يطالبون بحقوقهم، وهذا أمر عظيم، وهذا لا شك أن فتح الباب في مثل هذه الوكالات والتفويضات المطلقة، يفتح باب شر عظيم على الموكل، والشريعة جاءت بدرء المفاسد وجلب المصالح، ولذلك أمرت بالحجر على السفيه؛ لأنها علمت أن مثله لا يحسن النظر لنفسه، فأقامت عليه من يحفظ ماله، فلا يجوز للمسلم أن يدخل على نفسه الضرر على هذا الوجه، بل تقوم على مالك، وإذا أردت أن توكل فوكل في الوقت المناسب والشخص المناسب في الشيء المناسب؛ لأن الله عز وجل أمرك أن تتقيه حتى في مالك الذي أعطاك إياه واستخلفك، لكي تقوم عليه بما ينبغي أن يقوم به المسلم في ماله من حسن النظر، وحسن الولاية عليه، فعلى هذا لا يجوز إدخال الضرر بمثل هذه الوكالات بأن يقول له: أنت وكيلي في كل قليلٍ وكثير، وأنت وكيلي في كل شيء حتى ولو كان بشيء فيه ضرر عليه ونحو ذلك مما فيه الغرر.
(198/10)
________________________________________
إذا فوض للوكيل شراء ما شاء بما شاء ولم يعين
قال رحمه الله: [أو شراء ما شاء].
أن يقول له: أنت وكيلي أن تشتري ما شئت، فإن الشيء الذي يشاؤه قد لا تشاؤه ولا ترضاه ولا ترغبه، فتختلف أهواء الناس ورغباتهم، فلا يصح التوكيل على هذا.
قال رحمه الله: [أو عيناً بما شاء].
أن تشتري بهذه المائة ما شئت، فهذا فيه ضرر، فربما اشترى شيئاً لا يريده، فأنت تقول له: اشتر بهذه المائة، وهذه المائة عين وهذه الألف وهذه العشرة آلاف هذا عين، تقول: اشتر بها ما شئت.
قال رحمه الله: [ولم يعين لم يصح].
(ولم يعين) يعني: الوكالة المبهمة، لكن لو قال له: أنت وكيلي أن تشتري لي عمارةً فبعض العلماء يقول: يحدد الأوصاف بما يصح سلماً، فيقول له: بما يرتفع به الضرر وبما يصح فيه السلم فيقول له مثلاً: اشتر لي طعاماً من نوع كذا وكذا مائة صاعٍ، أو يقول له: اشتر لي أرضاً (20×20) أو (30×30) في المدينة أو في جدة أو في مكة، ويحدد له الوكالة على وجهٍ لا ضرر فيه ولا غرر.
(198/11)
________________________________________
الأسئلة
(198/12)
________________________________________
الإذن بالسكنى في البيت لا يستلزم الإذن بالبيع

السؤال
قال رجلٌ لأخيه: اشتر العقار الفلاني واتخذه سكناً لك، فلما اشتراه الأخ باعه، فأنكر عليه ذلك البيع وقال: أنا لم آذن لك بالبيع فهل من حقه ذلك؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالوكالة جاءت مقيدة: اشترِ العقار الفلاني واتخذه سكناً لك، فأصبحت وكالة بالشراء، فالشراء صحيح، ووكالة أن يسكن، فإذا تصرف بغير هذين فتصرفه باطل، وبيعه باطل إذا لم يأذن له الموكل ولم يرض، وعلى هذا ينفسخ هذا البيع، ويرد العقار للموكل، ولا يصح هذا البيع لأن تصرفه فضولي لم يأذن به موكله، ومن أذن بالسكن لا يأذن بالبيع، ولذلك قد آذن لأخي أن يسكن في داري، ولا أرغب في بيعه، وقد آذن له أن يبيت في مزرعتي أو يتخذها سكناً أو يتخذها مكاناً يرتاح فيه، ولكن لا أذن له أن يبيعها ويفوت مصالحي فيها ومُلكيتي لها، وعلى هذا: فبيعه باطل مُنفسخ إذا لم يرض به المالك الحقيقي، والله تعالى أعلم.
(198/13)
________________________________________
تصرفات وكيل البيع في حال توكيله بالبيع

السؤال
ذكرتم -حفظكم الله- أن وكيل البيع له ثلاثة أمور: أولاً: يتم الصفقة، وثانياً: يمكن شرعاً من تسليم المبيع، فما هو الثالث منها؟

الجواب
قبض الثمن، فعندنا العقد -وهو صفقة البيع- ثم التسليم، ثم الاستلام، وهو استلام الثمن، والتسليم للمثمن وهو المبيع، الاستلام للثمن والعكس للمشتري، فالمشتري عنده الصفقة، وهي الإيجاب والقبول، ثم بعد ذلك تسليم الثمن، واستلام المثمن فهي عكسيةٌ بالنسبة للتسليم والاستلام، فالبائع يسلم المبيع ويستلم الثمن، والمشتري يسلم الثمن ويستلم المبيع، والله تعالى أعلم.
(198/14)
________________________________________
عدم لزوم استلام الثمن للتوكيل في البيع

السؤال
إذا قلنا: إن من لازم التوكيل للبيع تسليم المبيع، أفلا يكون استلام الثمن مندرجا تحت قاعدة: (الإذن بالشيء إذنٌ بلازمه) فيستلم الثمن دون القرينة؟

الجواب
يصح البيع بتسليم المثمَن ولو لم يسلم الثمن، ويلزم البيع بتسليم المثمن ولو لم يسلم الثمن؛ ولذلك تسليم المثمن أقوى من تسليم الثمن، وعلى هذا: لا يصح، إنما يصح أن لو كان معتقراً لمجموع الأمرين معاً، بحيث تقول: لا يلزم البيع إلا بتسليم الثمن والمثمن، والواقع أن تسليم المثمن يوجب صحة البيع ولزومه، وقد تقدم معنا شرح هذا في كتاب البيوع، والله تعالى أعلم.
(198/15)
________________________________________
حكم تراجع من نذر أن يطلق امرأته

السؤال
لو نذر رجلٌ أن يطلق امرأته فهل يمكنه أن يتراجع عنه؟

الجواب
من نذر أن يطلق زوجه وأهله ورأى أن المصلحة أن لا يطلقها فإنه يكفر عن نذره ويأتي الذي هو خير، قال صلى الله عليه وسلم: (إني والله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) وعلى هذا: النذر واليمين بابهما واحد، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسألة وتقريرها؛ لأن كلاً منهما قد عقد فيما بينه وبين الله عقداً ينفك وينحل بالكفارة؛ ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كفارة النذر كفارة اليمين، وعلى هذا: فإنه لو قال: لله عليّ أن أطلق زوجتي غداً أو أطلقها بعد غد، أو لله عليّ أن أطلق زوجتي في نهاية الشهر أو نحو ذلك، فنظر لمصلحته فأمضى وأبقى العقد كما هو، ففي هذه الحالة إذا حنث في نذره وامتنع من الوفاء به كفر كفارة اليمين، ولا شيء عليه، والله تعالى أعلم.
(198/16)
________________________________________
حكم نكاح بنت خالة الأم

السؤال
هل يجوز للرجل أن يتزوج بنت شقيقة جدته لأمه؟

الجواب
بنت شقيقة جدته لأمه هي بنت خالة بالنسبة للأم، وبنت خالة الأم يحل نكاحها؛ لأنها داخلةٌ في عموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24]، فإن الله لم يذكر من المحرمات بنت خالة الوالدة، ولا بنت خال الوالد، ولا بنت عم الوالدة، ولا بنت عمة الوالد، ولا بنت عمه، فكل هؤلاء من النساء اللاتي دخلن في عموم الحِل، ولسن من المحارم بإجماع العلماء رحمهم الله، والله تعالى أعلم.
(198/17)
________________________________________
حجر إسماعيل عليه السلام من البيت

السؤال
هل يعتبر حجر إسماعيل كله داخلٌ في الكعبة؟

الجواب
حجر إسماعيل فيه وجهان للعلماء رحمهم الله في الطواف: جمهور أهل العلم على أن الطواف لا يصح إلا إذا استوعب البيت كاملاً، ولم يدخل بين البيت والحجر، وقال الحنفية: يصح الطواف إذا دخل بين الحجر وبين البيت، واستدل الجمهور بقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]، فوصف الله جل جلاله البيت بكونه عتيقاً، والعتيق فيه أقوال؛ فقيل: لأن الله عتقه من الجبابرة، فما قصده جبارٌ إلا قصمه الله وأخذه أخذ عزيز مقتدر؛ ولذلك سميت مكة (بكة)؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة كما فعل الله بـ أبرهة، وقال بعض العلماء -وهو الصحيح-: إن البيت العتيق المراد به القديم؛ لأنه هو الذي بناه إبراهيم على القواعد التي بينها الله سبحانه وتعالى له، وبنى البيت عليها، ثم تقاصرت النفقة عن قريش -كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها- فتركت من البيت أذرعاً وهي الحجر، وهل جزءٌ من الحجر في البيت أو لا؟ وجهان مشهوران عند العلماء رحمهم الله، لكن من حيث الصحة لا يصح الطواف إلا إذا طاف من وراء الحجر؛ لأن الذراعين والثلاثة وقيل: إلى ذراع من البيت، فإذا دخل بين الحجر وبين البيت وقيل: ذراع، فيمكن أن يستوعب، لكن الأشبه: ذراعان إلى ثلاثة، والقول في ذلك مشهور وفيه رواية في صحيح مسلم.
وعلى هذا لا بد وأن يستوعب البيت بالطواف، ومن دخل في طواف ركن كطواف الإفاضة وطاف فيما بين البيت والحِجر، ولم يكن يتأول قول من قال من السلف رحمهم الله بصحة الطواف على هذا الوجه؛ فإنه يلزمه أن يعيد طواف الركن، وعليه أن يعيد طواف العمرة أيضاً، ولا يزال متلبساً بعمرته لطواف الركن إذا لم يؤده كما تقدم في كتاب المناسك، والله تعالى أعلم.
(198/18)
________________________________________
الحكم إذا اجتمع سهو نقص وزيادة في الصلاة

السؤال
إذا اجتمع سهو نقص وزيادة فلمن سيكون السجود؟

الجواب
إذا تعارض المتصل والمنفصل فيقدم المتصل على المنفصل، فالسجود قبل السلام فيه تدارك أكثر من السجود البعدي، ولذلك دخل السجود البعدي في القبلي كما في الصحيحين من حديث ابن عباس، وكذلك حديث السنن عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم فلم يدر واحدةً صلى أو اثنتين فليبن على واحد، فإن لم يدر اثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على اثنتين، فإن لم يدر أثلاثاً صلى أو أربعاً، فليبن على ثلاث)، موضع الشاهد قوله: (ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان الذي صلاه أربعاً -يعني: صلاةً تامة- فالسجدتان ترغيماً للشيطان، وإن كان ما صلاه خمساً فالسجدتان تشفعانه)، فعند الشك جعل النبي صلى الله عليه وسلم سجدتي الزيادة قبل السلام موجبة للجبر، ونظراً لعدم التحقق من الزيادة والنقص جُعلت قبل السلام، فدل على أن اشتراك الزيادة والنقص الأشبه فيه والأصح ما اختاره جمعٌ من العلماء من أن السجود يكون قبلياً، وهذا كله على مذهب من يقول: إن السجود يكون بعدياً إذا كان عن زيادة، وقبلياً إذا كان عن نقص، وعلى مذهب من يقول: السجود على التفصيل، لا على مذهب من يقول: السجود كله بعد السلام أو السجود كله قبل السلام، والله تعالى أعلم.
(198/19)
________________________________________
حكم الدم الخارج من فرج المرأة في حالة الطهر

السؤال
الدم الذي يخرج في حالة الطهر، هل هو دم نفاسٍ أو دم فساد؟

الجواب
إذا كانت المرأة حاملاً وأسقطت وخرج مع هذا الجنين دم نُظِر: فإن كان الجنين الذي أسقطته فيه صورة الخِلقة أو بعد تخلقه أو أصبح جنيناً مكتملاً فالدم في حكم دم النفاس على أصح قولي العلماء.
وأما إذا أسقطت ما لا صورة فيه ولا خِلقة فإنه دم فسادٍ وعلة، فالأول: يوجب المنع من الصلاة والصيام، وحكمه حكم دم النفاس سواء بسواء، والثاني: دم فسادٌ وعلة، لا يوجب المنع من الصوم ولا من الصلاة، وحكمه حكم دم الاستحاضة، والله تعالى أعلم.
(198/20)
________________________________________
التفصيل فيمن يطوف نافلة وحضرته صلاة الجنازة

السؤال
من كان في طواف نافلة، وأراد الصلاة على جنازة، هل يجوز له أن يصلي عليها ثم يستأنف الطواف؟

الجواب
بالنسبة للطواف بالبيت فالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعله في حكم الصلاة على أصح أقوال العلماء في حديث ابن عباس الذي اختُلِف في رفعه ووقفه: (الطواف بالبيت صلاة).
وإذا ثبت أنه آخذٌ حكم الصلاة فإنه لا يقطع من أجل الجنازة على أحوط الوجهين عند العلماء رحمهم الله.
وقال بعض أهل العلم: تعارضت العبادة التي يمكن تداركها والعبادة التي لا يمكن تداركها، فالصلاة على الجنازة لا يمكن أن يدركها إذا فاتت، والطواف بالبيت يمكن أن يدركه إذا قطعه وبنى، فقالوا: يقطع للصلاة على الجنازة كما يقطع للصلاة المفروضة، ثم يبني بعد فراغه من الصلاة على الجنازة، ونحن حينما قلنا: إن هذا أحوط، أي: أنه لا يُفعل في طواف ركن كطواف الإفاضة وطواف العمرة حتى لا يعرض طوافه للشبهة، لكن إذا كان طواف نافلة ونحوه وأراد أن يختار القطع ويبني ويستأنف إذا انتهى من صلاة الجنازة، فيقطع من أجل الفضيلة، ويصبح القطع في هذه الحالة ليس من باب البناء، يعني: عندما يقطع من أجل أن يصلي على الجنازة في النافلة لا يقطع لكي يعود ويبني، وإنما يقطع من أجل أن يستأنف من جديد، فإنه إذا قطع واستأنف من جديد حصل على الفضيلتين، حصل فضيلة الطواف على أتم وجوهها دون شبهة الحكم بالبطلان بوجود العبادة المخالفة، وفي الفرض يجوز ما لا يجوز من أجل النفل؛ لأن الفريضة متعينة بخلاف النافلة؛ ولذلك لا يمكن أن نقول: يقطع كالصلاة المفروضة؛ لأن القطع للصلاة المفروضة متعين، والقطع للنافلة متعين، لكن يقطع من أجل الفضائل، فيجوز أن يقطع من باب الفضيلة فيدرك العبادة التي لا يمكن تداركها ثم بعد ذلك يستأنف الطواف، وهذا لا شك أنه أبلغ في حصول الفضائل على أتم وجوهها وأكملها، وكذلك وقوع العبادة على وجهها الصحيح، والله تعالى أعلم.
(198/21)
________________________________________
معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يحاز

السؤال
نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المبيع حتى يحوزه إلى رحله، هل المراد القبض أم نقله من مكانه؟

الجواب
هذه المسألة مسألة كيل الطعام، وجريان صاع البائع وصاع المشتري، قد تقدم بيان هذه المسألة في كتاب البيوع في مسألة القبض، وبيناه خلاف العلماء وتفصيلهم في شرح البلوغ، وبالنسبة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبضه) اختلف العلماء فيه، ففي القديم كان الطعام كالبر والشعير والتمر يباع بالصاع فيشتري -مثلاً- صاع تمرٍ ثم يبيعه لغيره، قال ابن عباس رضي الله عنهما في علة هذا: (إنه يخشى الربا) وتوضيح ذلك: أنه إذا اشترى صاع الطعام بدينار ولم يكله ولم يقبضه ثم باعه بدينارين، فكأنه باع الدينار الأول بالدينارين، فصارت حقيقة الأمر: الصفقة في ظاهرها بيع للتمر، وفي حقيقتها بيعٌ للدنانير، ولم يكن يداً بيد ولا مثلاً بمثل، فرأى رضي الله عنهما في هذا شبهة الربا.
وقال بعض العلماء رحمهم الله: نهي عن بيع الطعام قبل قبضه لخوف الغش، وذلك أنك ربما اشتريت الطعام على أنه عشرة آصع والناس تأمنك، فإذا جئت تبيع إلى رجل وهو يأمنك وقلت له: عشرة آصع، على قول البائع الأول، ولم تكتل ولم تستوفه بوجهٍ تضمن به القول الصحيح، واشترى منك الغير، وكان ذلك طعناً في أمانتك، هذا من جهة التجارة.
كذلك أيضاً ربما كان سبباً للفتنة؛ لأنه ربما بعته على شخصين أو ثلاثة فوثق الثاني بك ووثق الثالث بالثاني، ثم باع الثالث وأصبح كلٌ منهم يتهم أن النقص حصل عنده ولم يحصل عند غيره، وهذا يحدث نوعاً من الفتن والضرر، والبيع يحرمه الشرع إذا أدى إلى المفاسد، كما نهى عن بيع الرجل على بيع أخيه، ونهى عن بيع الغش ونحو ذلك، أياً ما كان: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبض)؛ والقبض سمةٌ شرعيةٌ لانتقال الحكم بالضمان، وإذا قلت: إنه سمة شرعية لانتقال الحكم بالضمان، فإنه تتفرع مسألة وعلة ثالثة وهي: أنه إذا بنى على الطعام قبل قبضه وربح فيه، كان رابحاً لما لم يضمن، ووجه ذلك أنه لو اشترى منك مائة صاع -وهذا يحدث الآن في الأسواق- إذا اشترى منك صفقة، والصفقة تحتاج منك إلى حفظ ورعاية، ربما تركها عندك، فجعل حفظها ورعايتها عليك، وذهب وباعها بربح، فأصبح يأخذ ربح شيء لا يضمنه؛ لأنه لو تلفت الصفقة لقال لك: أعطني مالي؛ لأنني لم أقبض، فيلعب على الطرفين، فالشريعة لا تجيز ذلك، وليس من العدل أن يضمن ويغرم أحد الطرفين والآخر يأخذ المنفعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود وهو مجمع على متنه: (الخراج بالضمان) أي: الغرم بالغنم والغنم بالغرم، فمن يغرم الخسارة هو الذي يأخذ الربح، وهذا عدل من الشريعة، فإذا كان المبيع عند البائع ولم يقتضه المشتري وذهب المشتري يساوم فيه؛ فإن هذا يضرك أنت البائع في حفظه، ويضرك في ضمانه، ومع ذلك لا يتم البيع إلا بقبضه، فكأنه يستفيد منك فائدةً يأخذها دون دفع ثمنها وحقها، وهذا ظلمٌ على الناس؛ ولذلك لم يجز البيع إلا بعد القبض الموجود لانتقال يد المشتري.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(198/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الوكالة [6]
الوكالة عقد ينبغي الالتزام بما يرد فيه من تقييدات، ولا ينبغي تعديها، فمتى قيَّد الموكل وكالته بشيء لم يجز للوكيل أن يتعدى هذا القيد، وهذا من كمال حفظ الشريعة لحقوق الناس ومصالحهم.
(199/1)
________________________________________
التوكيل في الخصومة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والوكيل في الخصومة لا يقبض والعكس بالعكس].
شرع المصنف رحمه الله في بيان جملةٍ من المسائل والأحكام المتعلقة بلوازم الوكالة، فإذا وكل شخصٌ آخر بشيء فما الذي يحق للوكيل أن يتصرف به؟! وما الذي تقتضيه الوكالة لفظاً وما الذي تقتضيه عرفاً؟!
(199/2)
________________________________________
حكم التوكيل في الخصومة
فقال رحمه الله: (والوكيل في الخصومة).
الوكيل في الخصومة: هو الشخص الذي تنفذه وكيلاً عنك للدفاع عن حقٍ من حقوقك سواءً كان من الحقوق المالية أو غيرها على تفصيل عند العلماء رحمهم الله في محل الوكالة في الخصومة، فيجوز للمسلم أن يوكل غيره في الخصومة عنه، فدل قوله رحمه الله: (والوكيل في الخصومة أنه لا يقبض) على جملةٍ من المسائل منها: المسألة الأولى: أنه يجوز للمسلم أن يوكل غيره في الخصومة، والخصومة تقع في القضاء، فإذا وقعت بين شخصٍ وآخر خصومة ونزاع في أرض -مثلاً- أو في عمارة أو في سيارة أو في مال فأراد أحدهما أن يوكل شخصاً آخر عنه لكي يقوم بالمخاصمة أمام القاضي عن هذا الحق، فإن جماهير السلف والخلف رحمهم الله على جوازه، وحُكي إجماع الصحابة على مشروعية هذه الوكالة، فيجوز لك أن توكل غيرك أن يخاصم، وقد جاء عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه وكّل عقيل بن أبي طالب أخاه في خصومة كانت عند أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، ولما كان زمان عثمان بن عفان وقعت خصومةٌ أخرى فوكل علي رضي الله عنه عبد الله بن جعفر أن يخاصم عنه، وقال رضي الله عنه قولته المشهورة: (إن في الخصومة إقحاماً وإن الشيطان يحضرها، وإني أكره أن أحضرها).
فقوله رضي الله عنه: (إن في الخصومة إقحاماً)، الإقحام: هو الهلاك، والمقحمة هي: المهلكة، وكأنه يقول: إن في الخصومات والنزاعات قد يستزل الشيطان أحد الخصمين فيقول كلاماً يوجب غضب الله عليه وسخطه، خاصةً وأن الحقوق أمرها عظيم، فقال رضي الله عنه: (إن في الخصومة إقحاماً)، فلربما كان الإنسان صاحب حق، فحينما يرى الظالم يتمادى في ظلمه ويكذب ويدعي أشياء مكذوبة ملفقة ربما سبه وشتمه واستزله الشيطان في أمور قد تكون أعظم من قضيته، وكذلك أيضاً لو كان ظالماً فالأمر أشد، فإن الشيطان ربما منعه من الاعتراف بالحق واستزله حتى لا يقول الحق على نفسه، ونحو ذلك مما يقع في الخصومات، فامتنع رضي الله عنه من شهود مجلس القضاء ووكل من يقوم عنه، ولما وكّل عقيل بن أبي طالب أخاه قال: (ما كان له فلي، وما كان عليه فعلي).
يعني: وكلته فجميع ما يتمكن منه بالخصومة من حقي فهو لي؛ لأن الفرع تابع للأصل، وجميع ما يقر به أو يكون عليّ بسبب خصومته عني فإني ألتزم به، وهذا هو الأصل الذي تقتضيه الوكالة، والوكالة لها حالتان: الحالة الأولى: أن يكون بإمكانك أن تأتي إلى مجلس القاضي.
والحالة الثانية: أن لا يكون بإمكانك إما لمرض أو سفرٍ أو نحو ذلك، فهل يجوز لك أن توكل في كلتا الحالتين، سواءً وجد العذر أم لم يوجد؟ أما من حيث حالة وجود العذر كالمرض والسفر ونحوه مما يتعذر ويصعب معه الحضور فيجوز عند العلماء أن توكل قولاً واحداً، ولكن لو كان الإنسان قادراً على الحضور وهو في المدينة، فهل يجوز أن يوكل غيره أن يدافع عنه؟ فقال جمهور العلماء: يجوز أن يوكل حتى ولو كان قادراً على الحضور؛ والسبب في هذا: أنه ربما لن تستطع أن تتفرغ لشهود مجلس القضاء، ولربما كان الخصم سفيهاً أو إنساناً فيه جرأة على الفضلاء والأخيار، ولذلك يمتنع الإنسان عن مخاصمة مثله، ولربما كان إنساناً له مكانته يستحي الإنسان من أن يخاصمه، فحينئذٍ يضطر إلى توكيل غيره، وكذلك أيضاً لربما كانت الموانع هذه كلها غير موجودة، ولكنك لا تحب أن تجلس هذه المجالس، ولا تحب أن تشهد هذه المواطن لوجود حق العلم ونحو ذلك من الفضل، وإلا فيجوز للمسلم أن يشهد مجلس القضاء ولا إشكال في ذلك، وقد جلس الصحابة والفضلاء والعلماء رحمهم الله في مجالس القضاء، وهذا لا ينقص قدر الإنسان؛ لأن شهود مجالس القضاء والإذعان للحق واجب على كل مسلم أن يلتزمه، وأن يرضى به إذا دُعي إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن المراد أن هناك حسناً وهناك أحسن، فإذا أمكن للإنسان أن يوكل جاز له أن يوكل سواءً كان حاضراً أو كان غائباً.
كذلك ذكر العلماء علةً أخرى وهي: أنه ربما كان الإنسان عاجزاً عن التعبير ولا يحسن إقامة الحجة لنفسه، وكان خصمه ذكياً فطناً ربما تصيد العبارات أو الكلمات أو تصرف تصرفاً يوجب ضياع الحق من صاحبه، فلذلك قالوا: يشرع للإنسان أن يوكل سواءً وجد العذر أو لم يوجد، وهذا هو الصحيح: أنه يجوز أن يوكل عنه من يشهد القضية سواءٌ كان عنده عذر أو لم يكن عنده عذر.
(199/3)
________________________________________
حكم التوكيل في المحاماة
وإذا ثبت أنه يجوز التوكيل في الخصومة يتفرع عليه مسألة المحاماة، فإذا أراد أن يوكل محامياً للدفاع عنه فإن هذا مشروع من حيث الأصل، ويجوز للمحامي أن يدافع عن موكله ويقوم مقامه على تفصيل في هذه الضوابط وفي هذا النوع من التوكيل، فإذا وكل المحامي فلا يخلو وكيله من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون محض تبرع، كأن يكون المحامي يريد أن يدخل في هذه القضية إحقاقاً للحق، وإبطالاً للباطل، وإنصافاً للخصمين دون أن يأخذ أجرةً، ودون أن يأخذ عمولة فهذا لا شك أنه من نصرة المظلوم، وهو مأجور من الله سبحانه وتعالى، ومن آثر ثواب الآخرة على ثواب الدنيا أعظم الله أجره، وبارك له في علمه، وبارك له فيما يكون منه، وهذه سنةٌ من الله ماضية: أنه ما من إنسان يعطيه الله علماً ويعطيه الله عز وجل عطاءً من فضل هذه الدنيا أو فضل الآخرة من علوم الدين فيرفق بالناس ويعاملهم بالآخرة ويرجو ثواب الله عز وجل ويقدمه على ما عندهم إلا آجره الله وأعظم أجره، وجمع له بين خير الدين والدنيا والآخرة،.
النوع الثاني من المحاماة: أن يكون بأجرة، وينقسم إلى قسمين: قسمٌ منه يكون بجُعل، وقسم منه يكون بإجارة، أما الذي يكون بالجعل فصيغته: أن يقول المظلوم أو صاحب القضية للمحامي: أثبت حقي أو إذا توصلت إلى حقي عند فلان أعطيك مائة ألف أو أعطيك خمسين ألفاً، فهذا جُعل، والأصل في الجعل قوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف:72] فقوله تعالى عن يوسف عليه السلام: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ): يعني: جعلاً وعطية على إحضار هذا الصواع (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)، فهذا بالإجماع عند العلماء يعتبر جُعالة، وأجمعوا على مشروعية الجعالة، والجعالة تختلف عن الإجارة، فالإجارة تتجزأ، فإذا عمل العامل نصف العمل تعطيه نصف الأجرة، لكن في الْجُعل لو عمل تسعة أعشار العمل ولم يتمه لا يستحق شيئاً؛ فهناك فرق بين الجعل وبين الإجارة، ولذلك حديث الرقية عندما قالوا: (اجعلوا لنا جعلاً)، ورقي بالقرآن وشُفي اللديغ، وكذلك قصة المجنون لما شفي، هذا كله في الجعل، ومن هنا قال بعض العلماء: لا يجوز أخذ الأجرة على الرقية من باب الإجارة للشبهة، والمقصود: ما لم يشف المريض، فإذا كان الاتفاق بين الطرفين -بين صاحب القضية والمحامي- على أن يتوصل إلى حقه لم يكن له شيءٌ إلا إذا كان الحكم، وثبت أن الحق لصاحب القضية، فإذا دافع المحامي عن هذه القضية ومكث سنوات ولم يستطع أن يتوصل إلى حق الرجل فلا يستحق شيئاً، هذا إذا كان التوكيل في الخصومة بأجرة الجعل، أما إذا كان بإجارة فهذا فيه تفصيل، وإن شاء الله سنبين ضوابط الإجارة، ويسري عليه ما يسري على الإجارة من الشروط والأحكام التي ينبغي توفرها لاعتبار الإجارة على هذا الوجه الصحيح، إذا ثبت هذا فإن الخلاصة: أنه يجوز التوكيل في الخصومات.
سواءً كان الموكل وصاحب القضية حاضراً أو غائباً عنده عذر أو لم يكن عنده عذر في شهود مجلس القضاء.
ثانياً: يجوز التوكيل بأجرة وبدون أجرة على تفصيل من حيث الْجُعل والإجارة.
ثالثاً: مسألة التوكيل في الخصومة: من وكل في الخصومة، هل من حقه أن يقبض أو ليس من حقه ذلك؟ هناك تنبيه ينبغي أن ينبه عليه حينما قلنا بمشروعية المحاماة وأخذ الأجرة عليها: الشرط الذي ينبغي أن ينبه عليه أن محل الجواب والحكم بجواز هذا النوع أن يكون المحامي مقتنعاً أن موكله صاحب حق، أما إذا كان موكله -والعياذ بالله- ظالماً، وعلم ظلمه وأراد أن يقلب الحق باطلاً، فإنه -والعياذ بالله- يعتبر ماله سُحتاً وإجارته محرمة؛ لأن الله حرم التعاون على الإثم والعدوان، وهو شريكٌ له في جميع ما يترتب على هذه المحاماة من إضرار بالخصم.
فإذاً: قولنا بالجواز ينبغي أن ينبه على أنه ينبغي أن يكون المحامي مقتنعاً بأن موكله صاحب حق، فإذا اقتنع بأنه صاحب حق شُرِعَ له أن يدافع في حدود الحق الذي له، لا يزيد ولا يظلم.
(199/4)
________________________________________
قبض الوكيل في حال التوكيل بالخصومة
إذا ثبت أن الوكالة بالخصومة مشروعة ف

السؤال
إذا وكلت شخصاً في خصومة هل من حقه أن يقبض عنك أو ليس من حقه؟ توضيح ذلك: لو وكلت شخصاً أن يدافع عنك في مائة ألفٍ تستحقها على شخص، فلما أقام القضية وأثبت أن لك عند فلان مائة ألف، وحكم القاضي بهذه المائة، هل يجب على الخصم أن يدفع الألف إلى وكيلك أو لا يجوز أن يدفعها إليه بل يدفعها لك؟ وبعبارة أخرى: هل توكيلك في الخصومة يعتبر إذناً بالقبض -أي: قبض الحق- أو ليس إذناً بذلك؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة فقال بعض العلماء: التوكيل في الخصومة لا يستلزم القبض، وهو مذهب الجمهور: حتى إن صاحبي الإمام أبي حنيفة رحمةُ الله على الجميع: القاضي أبو يوسف القاضي، والإمام محمد بن الحسن يقولان رحمهم الله: إنه إذا وكله في الخصومة فليس من حق المحامي والوكيل أن يقبض المال، وإنما من حقه فقط أن يثبت الحق، أما استلام الحق فهذا مرده إلى الموكل، وحينئذٍ يحكم القاضي بأن لك مائة ألف، ثم ننتظر: إن شئت أن توكل شخصاً آخر بالقبض، وإن شئت أن توكل المحامي بالقبض تقول: وكلته في الخصومة وهو أن يقبض الحق الفلاني في هذه الخصومة، إذا ثبت هذا، فالجمهور يقولون: إنه إذا وكله الخصومة، لا تستلزم وكالة الخصومة القبض.
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله وطائفة من العلماء: التوكيل في الخصومة توكيل في القبض، والمحامي من حقه أن يستلم هذا المال، ومن حقه أن يستلم ما حكم به القاضي من حقوق، والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور؛ ولذلك إذا وكلت أحداً في الخصومة فقد ترضاه مخاصماً ولا تأمنه على مالك، ويكون رجلاً يحسن الجواب والخطاب ولكن لا تأمنه على مالك، وحينئذٍ يفرق بين الإذن بالخصومة والإذن بالقبض، حتى قال بعض العلماء: من وكل بالخصومة فإنه غير موكل بالقبض لا لفظاً ولا عرفاً، يعني: لا لفظ الوكالة يستلزم أن يقبض، ولا عرف الناس يستلزم أن الخصومة تستلزم القبض، ولذلك ليس من حقه أن يقبض المال وليس من حقه أيضاً أن يقبض ما حكم به القاضي لموكله.
(199/5)
________________________________________
التوكيل بالقبض توكيل بالخصومة
قال رحمه الله: [والوكيل في الخصومة لا يقبض والعكس بالعكس].
(العكس بالعكس)، يعني: الوكيل بالقبض من حقه أن يخاصم، والوكالة بالقبض تستلزم الخصومة، والوكالة بالخصومة لا تستلزم القبض، فيقال هكذا: الوكالة بالخصومة لا تستلزم القبض والوكالة بالقبض تستلزم الخصومة، كيف جاءت مسألة الوكالة بالقبض تستلزم الخصومة؟ يعني: عندما يقول لك شخص: اذهب إلى فلانٍ واقبض حقي منه، فذهبت إلى هذا الرجل فقال لك: ليس لفلانٍ عندي شيء، فجئت بشهود وخاصمت ثم قبضت الحق، ففي هذه الحالة حينما وُكلت بالقبض، وُكلت بأخذ أو فعل جميع الأسباب للوصول للقبض، فأصبح هذا مندرجاً تحت قاعدة شرعية يعبر عنها العلماء بقولهم: (الإذن بالشيء إذن بلازمه)، فإذا وَكلت شخصاً في شيء ما ولهذا الشيء لوازم، فمعنى ذلك أنك حينما أذنت بهذا الشيء فقد أذنت بلوازمه.
وعلى هذا قال العلماء: إنه إذا أذن له أن يقبض حقه فإن من لازم قبض الحق إذا امتنع الخصم من إعطائه الحق أن يخاصمه وأن يثبت ذلك الحق حتى يتوصل إلى ما وكل فيه وهو القبض، وعلى هذا ثبت ما ذكرناه: أن الإذن بالخصومة لا يستلزم القبض؛ لأنه زائد على معنى الخصومة، والإذن بالقبض يستلزم الخصومة؛ لأن الإذن بالشيء إذنٌ بلازمه وإذنٌ بما يقتضيه، ولما قلنا: (الإذن بالشيء) الوكالة أصلها إذن، وقد بينا هذا في تعريف الوكالة أنها إذنٌ بالتصرف، فإذا أذن له أن يقبض المائة الألف التي عند المستأجر الفلاني، فمعناه: ابذل جميع الأسباب لأخذ المائة الألف، فلما جاء إلى المستأجر قال له: ليس لفلان عندي مائة ألف، فأحضر شاهدين يعلمان أنه استأجر بمائة ألفٍ ولم يدفع، فأقامهما، فلما جاء عند القاضي قال له القاضي: من الذي وكلك أن تخاصمه؟ فأثبت أن فلاناً وكله في قبض المال، ويقول: الإذن بقبض المال إذنٌ بلازمه وهو الخصومة إن احتيج إليها، وعلى هذا: يكون وكيلاً بالخصومة كما أنه وكيلٌ بالقبض.
(199/6)
________________________________________
من المسائل المتعلقة بتصرفات الوكيل تصرفه في القبض من الشخص ومن ورثته
قال رحمه الله: [و (اقبض حقي من زيد) لا يقبض من ورثته إلا أن يقول (الذي قبله)].
هذا كله -مثل ما ذكرنا- مسائل تتعلق بالتصرفات: (اقبض حقي من زيدٍ لا يقبض من ورثته إلا أن يقول الذي قبله)، عندنا لفظان: اللفظ الأول: (اقبض حقي من زيد).
اللفظ الثاني: (اقبض حقي الذي قِبل زيدٍ).
بالنسبة لقوله: (اقبض حقي من زيد)، هذا اللفظ إذنٌ بالقبض من زيدٍ بعينه؛ لأنه سمى وحدد، فلو أن زيداً مات فإنه ليس من حقه أن يطالب الورثة؛ لأنه أُمِرَ بالقبض من عين زيدٍ، وإذا أمر بالقبض من عين زيد فإن هذا لا يستلزم القبض من الورثة وإنما يحتاج إلى إذنٍ آخر أو إذن عام يدل على أن المراد قبض الحق بغض النظر عن كونه من الميت أو من ورثته.
فقال رحمه الله: (واقبض حقي من زيد): نحن نبهنا غير مرة أن العلماء رحمهم الله يذكرون أمثلةً وألفاظاً لا يقصدون المثال واللفظ، إنما يقصدون الأصل، فهو حينما قال لك: (اقبض حقي من زيد)، فهذا تعيين، فالأصل أن الوكالة إذا عُيّن فيها التصرف وتعلق بشخصٍ معين أو بصفةٍ معينة أو بحالة معينة أو بزمانٍ معين وجب أن تتقيد الوكالة بذلك، وعلى هذا: لو قال له: اقبض حقي من زيدٍ، فمعناه: أنه يقبض من زيد ولا يقبض من غيره، فلو مات زيدٌ لا يستحق أن يطالب ورثته.
وإذا قال: (اقبض حقي الذي قبله) يعني: عنده، والحق الذي عند زيد، فلم يعين القبض من زيد، إنما قال: اقبض حقي الذي قبله، والحق الذي عنده ولم يقل: من زيدٍ، وإنما قال: اقبض حقي الذي قِبل زيد، فلم يكن القبض معيناً فيه زيد، وبناءً على ذلك قُصد منه قبض الحق.
الصورة الثانية: في قوله: (الذي قبله)، وقبل الشيء ناحيته وجهته، فالمراد من هذا: أنه قال له في اللفظ الثاني: (اقبض حقي الذي قبل زيد) أي: قصد إبراء ذمة زيد، فيستوي في ذلك أن يقبض من زيد أو يقبض من ورثة زيد بعد موته.
(199/7)
________________________________________
حكم تضمين وكيل الوديعة
قال رحمه الله: [ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشهد].
يعني: من وُكّل في وديعة، فإنه إذا دفعها وقال له: خذ هذه المائة الألف اذهب وأعطها صالحاً يجعلها عنده وديعة، فنحن ذكرنا أن هذه كلها تصرفات الوكيل، فإذا قال له: خذ هذا المال وأعطه صالحاً وديعةً عنده، فإنه من حيث الظاهر أن تصرفات الوكيل يحتاط فيها، والوكيل إذا لم يحتط فيما ينبغي فيه الاحتياط يضمن، وبناءً على ذلك يرد

السؤال
هل يضمن في كل وكالة أو يضمن في وكالات أخرى؟ قال العلماء: هذا يختلف بحسب اختلاف الموكل فيه، كالوكالة في الوديعة، والوديعة مأخوذة من الودع، وأصل الودع الترك، يقال: ودعه، إذا تركه، ومنه قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3] يعني: ما تركك وما هجرك، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات -يعني تركهم للجمعات- أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) نسأل الله السلامة والعافية.
فالمقصود: أن الودع هو الترك، وسميت الوديعة وديعة؛ لأنك إذا أعطيت شيئاً إلى شخصٍ وديعة عنده فينبغي أن يترك المال بعينه ولا يتصرف في ذلك المال، وإذا طلبته في أي وقتٍ مكنك منه، فيترك المال دون أن يتصرف فيه ودون أن تمتد يده إليه، حتى قال بعض العلماء: لو كان المال في كيس فلا يجوز أن يفك رباطه، وإذا فك رباطه خرجت الوديعة إلى الضمان، وهذا لو فك الرباط فقط، فضلاً عن كونه يتصرف فإنه يضمن، فقالوا: لو جاء شخص مثلاً وأعطاك مائة ألف وقال لك: يا فلان! هذه مائة ألف وديعة عندك، فالواجب والمطالب به شرعاً أن تأخذ هذه الألف بعينها خمسمائة، مئات، خمسينات، عشرات، ريالات، تأخذها، وتحفظها بعينها دون أن تتصرف فيها، ودون أن تغير أو تبدل في ذلك المال بعينه، هذا أصل الوديعة؛ ولذلك بينا هذا وقررناه في مسائل الودائع المصرفية، وبينا ضوابط الوديعة، وكيف خرجت الوديعة من يد الأمانة إلى يد الضمان لفوات هذا الأصل، فالأصل في الوديعة الحفظ، لكن هذه الوديعة الضمان فيها ضيق، ويد المودع -وهو الشخص الذي تضع عنده المال- يد أمانة ولا يضمن، وسيأتي تقرير هذه المسألة وفيها خلاف بين العلماء رحمهم الله، فإذا كانت يده يد أمانة فمعنى ذلك: أنه سواء أشهدت أو لم تشهد فليس هناك كبير فائدة؛ ولذلك قالوا: إنه إذا أعطى الوكيل المال لكي يضعه عند شخصٍ ما وديعةً، فإن المودَع لو أنكر الوديعة لم يستطع أحد أن يطالبه، فليس هناك شيء يدل على الوديعة؛ ولذلك يقولون: إن إذن الموكل بدفع المال وديعةً عند شخصٍ آخر يستلزم أن تكون يده يد أمانة، فقد رضيه أميناً، وإذا رضيه أميناً فيد الوكيل خرجت.
بعبارةٍ أخرى: الآن عندنا صالح، وعندنا وكيل وموكل، الوكيل عنده خمسون ألف ريال مثلاً، فقال الموكل لوكيله: خذ هذه الخمسين ألفاً وأعطها صالحاً وديعةً عنده، فصار عندنا موكِّل، وعندنا موكَّل، وعندنا مودَع، فالموكِّل صاحب المال، والوكيل هو الشخص الذي ينقل الخمسين إلى صالح، والمودَع هو صالح، فحينما اختار الموكِّل صالحاً من أجل أن يودع عنده المال فقد رضي أمانته، وحينما اختار الوكيل لحملٍ المال فالوكيل أمين، ولا يضمن، فحينئذٍ كأنه رضي الطرفين.
وبناءً على ذلك: انتقال المال من الوكيل إلى المودع لم يحدث شيئاً جديداً، بحيث إنه انتقل من يد إلى يد، لم ينتقل من يد ضمان، ولا من يد ضمان إلى يد أمان، فاليد هي واحدة، فهو ينقل بين شخصين رضي أمانتهما، وبناءً على ذلك: لو لم يشهد هذا الوكيل فنقول: إنه لم يفرط؛ فالتفريط وقع ممن وكله؛ فالذي وكله رضي هذا الشخص من أجل أن يحفظ المال، ورضيه أيضاً لأمانته فحينئذٍ لنا الظاهر؛ لأنه مقر بأنه أمين بدليل أنه دفع المال إليه، فالأصل أنه سيقوم بالأمانة ويؤديها على الوجه المطلوب، فإذا قال: دفعت إليه ولم يشهد، فأنكر صالح الخمسين ألفاً، وقد علم الموكِّل أن الوكيل أوصلها، فأنكر صالح، فيرد السؤال، كان المفروض أن يحتاط الوكيل ويشهد على الأصل الذي قررناه أن الوكالة تستلزم الاحتياط، قالوا: لا يضمن الوكيل في هذه الحالة؛ لأن إذن الموكِّل بطرح المال أو دفعه إلى المودع وهو صالح يدل على رضاه بالأمانة؛ ولذلك لا يضمن، وسيأتي -إن شاء الله- بيان كون الوديعة يدها يد أمانة في باب الوديعة.
(199/8)
________________________________________
الأسئلة
(199/9)
________________________________________
مسألة (ضع وتعجل) في الديون والتقسيط

السؤال
إذا قال صاحب الدين للمدين: إن عجلت في دفع الدين نقصت عنك كذا، فما الحكم إذا كان هذا الاتفاق في مجلس العقد أو بعده؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: إذا قال صاحب الدين للشخص المديون: عجل بالمال أسقط عنك نصفه، أو أعطاه مائة ألف وقال له: إن دفعت لي تسعين ألفاً سامحتك في عشرة آلاف، وكان هذا قبل حلول الأجل، فذهب طائفة من أهل العلم رحمهم الله إلى جواز ذلك في الأصول، وبه أفتى حَبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، واختار هذا القول جمعٌ من المحققين كالإمام ابن قدامة كما نص عليه في المغني وغيره، أنه يجوز أن يُسقط رب المال جزءاً من الدين ويتعجل الدين، وقد ثبت ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حينما أجلى بني قريظة فإنهم قالوا: يا محمد! أموالنا عند أصحابك فقال عليه الصلاة والسلام: (ضعوا وتعجلوا) فدل هذا على مشروعية (ضَع وتعجل) في هذه الصفة أنها مستثناة.
الحالة الثانية: وهي أن يكون البيع بالتقسيط، وتتركب الزيادة بالأجل، فيقول له: هذه السيارة على سنتين ثم يأخذها، وتكون هناك زيادة بقدر خمسة آلاف ريال مقابل السنتين، فيأتي عند نهاية السنة الأولى ويقول له: عجل وأسقط عنك ربح السنة الثانية هذا لا يجوز؛ لأنه من (ضع وتعجل) على الأصل الذي ورد به دين الجاهلية، وكانت الديون المستفادة مركبة بالآجال، ولذلك لا يجوز في بيع التقسيط؛ لأن المسامحة هنا مقابل الأجل، ولكن هناك في الأصل يجوز له أن يخلي يده من أصل المال فجاز له أن يسامحه عن كله أو بعضه، وتوضيح ذلك أكثر: أنه حينما يكون أصل المال الذي لك على المديون مائة ألف ريال، فإن من حقك أن تسامحه في المائة كلها، ويجوز لك أن تسامحه عن بعضها، فأنت إذا قلت له: عجّل التسعين ألفاً وأسامحك بالعشرة، فقد أسقطت شيئاً من مالك؛ لأن الديون تستحق بالأصل، وقد بينا هذا في باب القرض، وفي هذه الحالة حينما تكون المائة ألف كلها ملكاً لك، لم يكن شيء من المائة مركباً على أجل، بخلاف بيع التقسيط، فبيع التقسيط حينما قسط على سنة زاد زيادة متعلقة بالسنة وقسط على سنتين فزاد زيادةً تناسب السنتين، فحينما يأتيه في أثناء دفع الأقساط ويقول له: عجّل وأسقط على الشرطية، أو يأتي من اشترى السيارة ويقول لصاحب المعرض: ضع عني وأعطيك الآن كذا، فإنه لا يجوز؛ لأنه مركب على ديون الجاهلية، فصار الإسقاط تمحض مقابل الأجل، فأصبحت الشبه هنا أنه مقابل الأجل في شبهة الدين المعروف في دين الجاهلية، (ضع وتعجل وزد وتأجل).
على العموم: إذا كان أصل المال كله مستحقاً لك جاز لك الإسقاط، وأما في مسائل الديون التي تتركب فيه الزيادة مقابل الأجل فيحظر فيها الإسقاط، والله تعالى أعلم.
(199/10)
________________________________________
إذا تلفت السلعة قبل القبض أو بعده في حال اشتراط النقل

السؤال
إذا اشترط البائع حملان الدابة إلى موضع كذا، أو اشترط حملان السلعة فتلفت هل يضمنها البائع؟

الجواب
المسألة الأولى: وهي مسألة النقص مقابل التعجيل، قلنا: إنه في حال التقسيط وفي حال الأجل لا يجوز، ويجوز إذا كان بعد القبض، فمثلاً: كنت تعطي صاحب المعرض أقساطاً، وبقي لصاحب المعرض من الأقساط ما يقارب خمسين ألفاً، إذا مكنته من الخمسين دون شرط ودون وعد وقبض الخمسين ثم قال لك: أنا متنازل عن خمسة فلا بأس بعد قبضه؛ لأنه يجوز بالعطاء ومحض الفضل ما لا يجوز بالشرط كما ذكرنا في الزيادة على الديون، إذا لم تكن على سبيل الشرط عند القضاء، والأصل في ذلك حديث أنس في الصحيحين: (إن خير الناس أحسنهم قضاءً) وقد قال عليه الصلاة والسلام: (رحم الله امرأ سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) فسمحاً إذا اقتضى يعني: إذا أخذ، فإذا سامحه بدون شرطية وبعد القبض جاز، لكن أن يشترط في قبض المال أن يسامحه لا يجوز.
أما المسألة الثانية وهي: إذا اشترى دابة، واشترط حملانها إلى موضعٍ معين، هذا فيه تفصيل: إذا اشتريت سلعةً واشترطت من صاحب المحل أن يحملها إلى موضع معين، فهذه مسألة البيع والشرط، وقد بينا هذه المسألة: مسألة البيع والشرط، والبيع والشرطين، وذكرنا خلاف العلماء في مسألة الشرط والشرطين، فعلى القول بجواز هذه الصورة وهي أن تشتري وتشترط -مثل ما يسمى الآن: التوصيل للمنزل- فلو أن هذه السلعة التي اشتريتها كالطعام وضعت في السيارة، ثم لما وصلت إلى بيتك وصلت تالفة كزجاج انكسر أو طعام فسد أو نحو ذلك، هذا فيه تفصيل: إن كانت قيادة السيارة والوسيلة التي تحمل هذا الشيء فيها تخريب فيضمن السائق، مثلاً: لو أن قائد السيارة يقودها بسرعة حتى تكسر الزجاج، هذا واضح أنه فرط فيضمن في هذه الحالة.
الحالة الثانية: أن يكون قائد السيارة لم يفرط، وهذا الأمر جاء بآفة سماوية ليست بيده، وهذا يشمل جميع ما يمكن أن يقال في الإجارات، حتى لو أنك أرسلت سيارة من مكة إلى المدينة تحمل لك -مثلاً- إسمنت، فمشت السيارة ثم أصابتها السماء والمطر، وفسد الإسمنت بهذا الماء الذي أصابه، فما الحكم؟ إذا كان النقل جرى العرف فيه بأمور يتحفظ فيها السائق والناقل، فالمسئولية مسئولية الناقل إذا فرط، فإذا جرى العرف أن هذه السلعة تغطى بالغطاء ولم يغطه فحينئذٍ يضمن، ويكون الضمان على السائق، لكن لو أن هذه الآفة والتلف حصل بدون تفريط، يعني: لم يفرط واحتاط السائق، ووقعت آفة سماوية أتلفت هذا الشيء، مثال ذلك: لو اشتريت بهائم، ووضعت في سيارة ماء، فلما وصلت إليك إذا نصفها ميت، وأثبت الطبيب البيطري: أنه ما في تعد، إنما ماتت قضاءً وقدراً، فهل البهائم يضمنها البائع؛ لأنها لم تصل إلى المشتري، أو يضمنها المشتري لأنه أمر بحملها؟ هذا فيه تفصيل: إن قبضت البهائم -وهذا ذكرناه في البيوع- وخلا البائع المشتري بينه وبين البهائم، فجاء المشتري بالسيارة وتعاقد معه، وحملت على ضمانه، فحينئذٍ قد خليت مسئولية البائع بخروجها من الزريبة أو من المستودع إذا كانت مبيعات متعلقة بالمستودعات ونحوها، فتبرأ ذمة البائع بإخراجها من المستودع لما قبضها المشتري، لكن إذا لم يحصل القبض وقال البائع للمشتري: نحن نوصل هذا الشيء إلى بيتك، أو لا يهمك إلا والشيء قد وصل إلى بيتك، أو نحن نتكفل بتوصيله، فيد المشتري لم تنتقل السلعة إليها، وحينئذٍ يضمن البائع ولا يضمن المشتري؛ لأن السلعة المباعة لا تضمن في هذه الصورة إلا إذا قبض المشتري، ومن أمثلة ذلك: لو أنك دخلت إلى بقالة فوجدت فيها -مثلاً- علبة من الزجاج قلت: بكم هذه العلبة؟ قال بخمسة ريالات، قلت له أنزل لي واحدةً منها أو أنزل لي هذه، فأخذها البائع لينزلها فانكسرت، من الذي يضمن؟ البائع؛ لأنك لم تقبض السلعة بعد، والضمان في المبيعات قلنا: شرطه القبض، أو ما في حكم القبض من التخلية على حسب ما يجري به العرف في المبيعات، وقد قررنا هذه المسائل.
وعلى العموم: يفرق في حكم هذه المسألة بين كون المشتري قد قبض المبيع أو لم يقبض، فإن كان قد قبض المبيع انتقل الضمان إليه، وإن لم يقبضه فإن الضمان باق على البائع، والله تعالى أعلم.
(199/11)
________________________________________
ضبط العلم مطلوب قبل الدعوة إلى الله

السؤال
كيف يكون السير في أمور الدعوة إلى الله لطالب العلم؟

الجواب
هناك جانبان ينبغي التنبيه عليهما: الجانب الأول: يتعلق بشخصية طالب العلم، والداعية إلى الله عز وجل، والجانب الثاني: يتعلق بالقيام بمسئولية الدعوة، والجانب الثاني -وهو الدعوة إلى الله- مفتقر بإجماع العلماء إلى الجانب الأول، ولا يمكن أن يؤمر بالدعوة إلى الله إن كان جاهلاً، وقد أشار الله إلى هذا الأصل في قوله سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108]، فأثبت سبحانه أن الدعوة تكون بعد العلم والبصيرة، وكذلك قال تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} [الأنعام:57]، والبينة من البيان والوضوح أي: ما يتبين به الشيء ويتضح به الأمر، وعلى هذا: فلا بد لمن يدعو إلى الله أن يكون على بصيرة وعلم ونورٍ يفرق به بين الحق والباطل والصواب والخطأ، حتى يخرج إلى الناس وأرضيته ثابتة ويكون هادياً مهدياً؛ فإن استعجل وخرج للناس قبل العلم والبصيرة والنور من الله ضل وأضل، وكان -والعياذ بالله- ممن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا، وكم من أمم ضلت وشقيت وبليت بسبب تقدم الجهّال وادعاء العلم من الأدعياء الذين لا بصيرة عندهم! فعلى طالب العلم أن يعلم أن الله لم يكلفه الدعوة إلا بعد العلم: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة:122] هذا النفير من أجل العلم والدعوة إلى العلم فقال تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122] فجعل النذارة والقيام برسالة الرسل مفتقراً إلى التفقه والتعلم، فلا يمكن لنا أن نقوم بالدعوة إلا بعد العلم.
فيبدأ أولاً: بطلب العلم والتأصيل لهذا الطلب، والتأصيل من جهة من يأخذ عنه العلم والتأصيل للعلم الذي يأخذه، والتأصيل للطريقة والكيفية التي يضبط بها هذا العلم، فإذا بنى علمه على أصل صحيح وكان هذا العلم موروثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخذه من العلماء العاملين الأئمة المهديين، الذين جمع الله لهم بين العلم والعمل، وبين الهداية والاهتداء، والصلاح والإصلاح؛ فإن الله سبحانه وتعالى سيبارك له كما بارك لهم، ويكون علمه علم حق وبصيرة، وسينفعه الله في نفسه، وسينفع به عاجلاً وآجلاً.
ولذلك أول ما ينبغي أن نبحث في مسألة: هل الدعوة أولاً أو العلم؟ أن نقول: إن العلم هو الأساس والأصل، ونصوص الكتاب والسنة دالةٌ على ذلك، ولا يمكن أن يؤمر إنسانٌ بالدعوة إلى الله عز وجل حتى يكون على علم، لكن هناك ما يسمى بالأحوال المستثناة التي يقوم فيها الإنسان بالدعوة في حدود العلم الذي يتعلمه، وهذه المسألة أظنها هي المقصودة بالسؤال، وهي مسألة: هل لطالب العلم أن يشتغل أثناء طلب العلم بشيء من الدعوة؟ فالحقيقة من حيث الأصل والأفضل والأكمل والذي كان عليه العلماء رحمهم الله: أن طالب العلم ينبغي أن يركز كل تركيزه واهتمامه لطلب العلم، ولا يمنع هذا أنه إذا كان عليه فريضة أو وقف في موقف يحتاج إلى بيان الحق أو إحقاق الحق أو إبطال الباطل أن يتكلم، إنما المراد أن يجعل شغله ضبط العلم؛ لأنه سيخرج للأمة بخيرٍ أكثر مما لو استعجل، ولذلك وجدنا من طلاب العلم من فرغ نفسه لطلب العلم إبان طلبه للعلم، فلما خرج للأمة وضع الله له من القبول ما تدارك به أزمنة كان قد احتبسها وادخرها لطلب العلم، فقد تجد طالب العلم ينحصر ثلاث سنوات في علمٍ يتقنه ويقوم بحقوقه على أتم الوجوه فينفعه الله عشرات السنين بهذا العلم، ويبقى إماما مهديا، ويضع الله له القبول؛ لأن كل من أنصت إليه وكل من نظر إلى علمه وجد فيه الأمانة، ووجد فيه الضبط والإتقان فأحب هذا العلم، ونجد من ثمرات هذه المحبة ما يعود بالخير على الأفراد والمجتمعات، فإذا نُظر إلى مسألة انحصار طالب العلم وعدم استعجاله بالخروج نجد أن ذلك يفضل بكثير ما لو استعجل.
ثانياً: أنه إذا استعجل ربما استزله الشيطان، ولربما وقف في مواقف لا يستطيع فيها أن يقف عما لا علم له -نسأل الله السلامة والعافية- فلربما أفتى بغير علم، ولذلك يهلك بالاستعجال، ولذلك قال العلماء: إن الغالب في طالب العلم إذا استعجل أن يصاب بفتنة الظهور، كما قال الإمام الشافعي إذا تصدر الحدث افتتن، وقالوا في حكمتهم المشهورة: (حب الظهور قَصَم الظهور)، فإذا استعجل وظهر للناس كلما تكلم أو تعلم كلمتين أحب أن يقف فيها أمام الناس، أو كلما تعلم شيئاً قليلاً في علم أخذ يرد على الأئمة والكبار، وأخذ يقوم في المساجد والمجالس، ويتعقب هذا، ويرد على هذا، ويخطئ هذا، حتى -نسأل الله السلامة والعافية- يبتليه الله بفتنة قد تكون سبباً في هلاكه وحرمانه من الخير في دينه ودنياه وآخرته، وسنة الله معلومة في مثل هذا، فطالب العلم عليه أن يتحفظ، ولذلك الذي أوصي به ضبط العلم ما أمكن، ليس معنى قولنا: إنه لا ينشغل بالدعوة أن هذا منع أو تحريم للدعوة، لا.
إنما المراد الأفضل، إلا أن بعض مشايخنا رحمةُ الله عليهم وبعض العلماء المعاصرين يرى أن هذا الزمان اختلف عن أزمنة السلف، وأن الناس بحاجة إلى كل طالب علم، وأن الحاجة ماسةٌ جداً فقال: صحيح أن هدي السلف ضبط العلم أولاً ثم الدعوة، ولكن هذه الأزمنة تستلزم أن يوجد طلاب العلم وأن يوجد الدعاة أكثر، والمسألة فيها اجتهاد، لكن من حيث الأصل لا شك أن الناظر إلى حال السلف والناظر إلى حال الأئمة يجد أنهم ما خرجوا للناس إلا على بصيرة، ولا خرجوا إلا على علم وحقيقة تامة، وإذا كان بينك وبين الله إخلاص وكان بينك وبين الله ورع أن تقف قبل الدعوة وتضبط العلم خوفاً من أن يستزلك الشيطان، فاحتبست لطلب العلم، وصبرت على مجالس العلم وصابرت، فوالله لن تموت حتى يقر الله عينك بفتح منه عاجلٍ أو آجل بهذا العلم، وهذا أمر كان مشايخنا رحمة الله عليهم يوصون به أننا لا نستعجل، ويعلم الله كم رأينا من الأقران ممن يحب أن يتكلم ويلقي الكلمات ويتقدم في المجالس حتى جاء الزمان الذي رأيناهم فيه دون ذلك بكثير، ورأينا من صبر فوقهم بكثير، وهذا لا شك كثيراً ما يكون مبنياً على الورع والخوف من الله عز وجل، وحينئذٍ ننبه على مسألة وهي: أننا إذا رأينا طالب علم تخصص في طلب العلم فينبغي أن لا نشوش عليه، فبعض طلاب العلم خاصة في مثل هذه القضايا الفكرية يضيقون فيها، ويكثر فيها الأخذ والرد، وأيضاً يكثر فيها الجدال والنقاش، فهذا يخطئ هذا، وهذا يصوب نفسه ويخطئ غيره، ينبغي أن نعلم أن مثل هذه المسائل اجتهادية، وأن طلاب العلم لم يبلغوا درجات الاجتهاد في مثل هذه المسائل، فعليهم أن يسمعوا من العلماء، فمن اقتنع بقول عالم يقدم الدعوة هو مأجور -إن شاء الله- غير مأزور، ومن اقتنع بقول عالم يقول: اضبط العلم، وأعطه حقه، والله يتولى أمرك في دعوتك بعد أن تضبط، ويشهد لك العلماء أنك أهل للفتوى والتعليم، فإذا ترجح عنده هذا القول فهو على خير مأجور غير مأزور، ولا ينبغي أن يثرب أحدٌ من الطائفتين، ولكن نسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا، وأن يرزقنا الإخلاص، فوالله ما كان الإخلاص في قليلٍ إلا كثره، ولا كان في أمر إلا باركه، وليس هذا مانعاً أن يكون لطالب العلم نوع من النفع لعباد الله، فمثلاً: لو أنه كانت له كلمة أسبوعية أو جهد منحصر بسيط جداً في الدعوة يعني: بحيث يكون فيه نفع كثير فهذا لا بأس به، لا بأس أن يكون ذلك، شريطة أن يكون الأصل هو طلب العلم، وأن يجعل هذا بمثابة التنويع الذي يقويه ويقوي عزيمته على طلب العلم، ولعله -إن شاء الله- أن يجد من صالح الدعوات من المؤمنين والمؤمنات ما يكون سبباً في رفعة الدرجات له في الحياة وبعد الممات، فإن تذكير الناس بالله ووعظهم ودلالتهم على الخير من أحب الطاعات، وأفضل القربات، وفيه خير كثير للإنسان، وكم ينتفع الإنسان بدعوات المسلمين له بظاهر الغيب، والحب له في الله، والذكرٍ له بالجميل، إلى غير ذلك مما جعله الله من عاجل البشرى في هذا العلم، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا فيما نتعلم ونعلّم، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يعفو عنا فيما كان من الزلل والخلل إنه المرجو والأمل، والله تعالى أعلم.
(199/12)
________________________________________
المراد بقوله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)

السؤال
ما هو المراد بقوله تعالى في كفارة اليمين في قوله: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة:89]؟

الجواب
{ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة:89] اختلف فيه: من العلماء من يقول: الأمر راجع إلى المكفّر وهو الذي حلف اليمين فينظر إلى أوسط طعامه، فإن كان من الأغنياء نظر إلى أوسط طعامه في غناه، وإن كان من الفقراء نظر إلى أوسط طعامه في فقره، فيخرج على قدر وسعه.
ومنهم من قال: المراد به العرف، أي: من أوسط الطعام في أعرافكم؛ ولذلك جاء بصيغة الجمع: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) والفرق بين القولين: أنه على القول الأول يمكن للغني أن ينظر أوسط ما يكون له في الغنى ويكون الوسط هذا للغني أرفع ما يكون في بيئته، مثال ذلك: لو أن غنياً حلف اليمين فحنث في بيئةٍ فقيرة، أوسط طعام فيها بخمسين ريالاً، لكن بالنسبة له هو أوسط الطعام بمائتين، فحينئذٍ يكفر بالمائتين ويطعم طعام المائتين؛ لأنه هو المخاطب على القول الأول، والعبرة به من أوسط طعامه، ويكسو الفقراء والمساكين من أوسط كسوته لا من أوسط كسوة العرف، وعلى هذا القول: يعتبر التحديد للشخص نفسه، والعكس بالعكس، فلو كانت العبرة بالعرف وكان العرف أوسط الكسوة فيه بمائة ريال وهو غني، وأوسط كسوته ربما بخمسمائة ريال، فإن قلنا: العبرة به أخرج كسوة بخمسمائة، وإن قلنا العبرة بالعرف أخرج كسوة بمائة، والعرف من أقوى ما يكون في هذه المسألة؛ لأن المراد به: من أوسط ما يطعم في عرف الحالف فيخرج من أوسط الطعام، وهذا يختلف من مدينة إلى مدينة ومن قريةٍ إلى أخرى فيكفر على حسب حال عرفه في الوسط سواءً كان طعاماً أو كسوةً، والله تعالى أعلم.
(199/13)
________________________________________
شبهة الرضاع المجهول عدده

السؤال
امرأة رضعت من أمي ولكن لا أعلم عدد الرضعات وأنا أجلس معها على كونها أختاً لي فما الحكم في ذلك؟

الجواب
إذا علمت الرضاعة وجُهل عددها -عند من يعتد بالعدد- فإن اليقين لا يزال بالشك، فعندنا قاعدة تقول: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، فإذا رضعت صبية من امرأة فإن الأصل أنها أجنبية عن أولادها حتى تثبت الرضاعة التي توجب المحرمية، فإذا كان عدد الرضعات لم يتحقق أنها خمس رضعات معلومات مشبعات فإنه حينئذٍ يحكم بكونها أجنبية، وعلى هذا: لا يحكم بالرضاعة ولا تثبت، هذا هو الأصل، وهو المعتبر والمعتمد في قول من قال بالتحديد في مذاهب الشافعية والحنابلة رحمهم الله ومن وافقهم؛ لكن هناك من أهل العلم من يقول: في الرضاعة جانبان: الجانب الأول: كونك تجلس معها كأختٍ لك.
الجانب الثاني: حل زواجها وأنها أجنبية، فقالوا: إذا جئنا ننظر إلى المحرمية نأخذ بالأحوط أنها أجنبية، وإذا جئنا ننظر إلى الزواج منها نأخذ بالأحوط أنها حرامٌ عليه، وهذا مبني على حديث: (كيف وقد قيل؟)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (كيف وقد قيل؟) صيغة تمريض اقتضت الاحتياط في المحرمية ولذلك قالوا: إنه يتقي نكاحها لخوف أن تكون أختاً من الرضاعة، وتغليظاً لشبهة المحرمية، يتقي محرميتها لعدم ثبوت المحرمية والأصل أنها أجنبية، وهذا مما يتنازع في الشبهات، شبهة الحل وشبهة التحريم، ولذلك يقول بعض العلماء بهذا المذهب الوسط احتياطاً فيقول: لا يتزوجها لخوف أن تكون أختاً له، ولا يجلس معها؛ لأنه لم يثبت الرضاع المحرم.
أما على القول الأول: فهي ليست بأخته ويجوز له أن يتزوجها إذا قلنا: أن الرضاع لم يثبت؛ لكن في الحقيقة القول بالاحتياط طيب، وظاهر السنة في قوله عليه الصلاة والسلام: (كيف وقد قيل؟) يقوي مثل هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كيف وقد قيل؟)، و (قيل): صيغة تمريض، ولذلك يقوى في مثل هذا الاحتياط، والله تعالى أعلم.
(199/14)
________________________________________
متابعة المسبوق للإمام في سجدتي السهو

السؤال
ما الحكم إذا أدرك المأموم بعض الركعات فلما كبر الإمام للسهو أخطأ في فهم التكبير فقام ليتم صلاته؟

الجواب
إذا صلى المأموم وراء الإمام وأخطأ في فهم تكبير الإمام، فكبر الإمام لسجود السهو فظن أنه قد سلم فوقف، فالواجب عليه أن يرجع من وقوفه إلى السجود؛ لأن هذا الوقوف واقعٌ في غير موقعه؛ لأن الشرع لا يطالبه بالقيام إلا بعد سلام الإمام، وقد قام قبل سلام الإمام، فيجب عليه الرجوع؛ لأن القيام هذا غير مشروع وغير مأذون به شرعاً، فيلزم بالرجوع، ويتابع الإمام في سجدتي السهو، فإن ترك سجدتي السهو عمداً بعد علمه بأنه أخطأ في قيامه وتعمد ذلك فبعض العلماء يقول: إن كون سجدتي السهو واجباً من واجبات الصلاة يوجب بطلان صلاته؛ لأنه ترك الواجب وراء الإمام، أو أن انفراده في صلاته عمداً يوجب بطلان صلاته، فعلى هذا: إذا لم يرجع فإنه تكون صلاته باطلة.
وأما لو سها فقام ووقف واستمر يقرأ ساهياً عن سجود الإمام، كما لو كان خارج المسجد وظن أن الإمام يكبر على جنازة أو يكبر لسجود سهو بعدي، وأتم صلاته على هذا الوجه، فللعلماء وجهان: منهم من يقول: يقضي سجود السهو بعد المفارقة، ومنهم من يقول: لا يشرع قضاؤه وقد فات بفوات المتابعة، وإن قضاه فإنه أحوط وأقوى والله تعالى أعلم.
(199/15)
________________________________________
توضيح حديث الذي دخل الجنة في شوك أزاحه عن طريق المسلمين

السؤال
حديث (إن الله يرحم من عباده الرحماء) هل يدل على أن من رحم الناس فقد استوجب رحمة الله ودخول الجنة كما في حديث الذي أزال الشوك من طريق المسلمين لا يؤذيهم فدخل الجنة؟ رحمة الله واسعة، وفضل الله عظيم، ومن ظن بالله خيراً فإن الله عز وجل يعطيه ما ظن به كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يقول: أنا عند حسن ظن عبدي بي، فمن ظن بي خيراً كان له)، وعلى هذا فحسن الظن بالله سببٌ في رحمة الرب لعبده وإحسانه إليه في الدنيا والآخرة؛ ولذلك قال الله تعالى: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} [الأنفال:70]، أما من حيث الاجتهاد وكون بعض الأعمال الصالحة توجب العظيم من رحمة الله فأولاً: الله يحكم ولا يعقب حكمه، الله يفعل ولا يسأل عما يفعل، {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [الرعد:41]، ولا يسأل عما يفعل ونحن المسئولون والمحاسبون، الله جل جلاله وتقدست أسماؤه يفعل ما يريد: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج:14]، فالواجب على المسلم دائماً أن لا يسأل عما يكون منه سبحانه وتعالى، لكن أجاب بعض العلماء في قضية غصن الشوك، أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ذكر عن الرجل أنه مرّ على غصن الشوك، فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم)، في الحديث أمر ينبغي أن ينتبه له -وبعض النصوص قد يقرؤها بعض طلاب العلم، أو يقرؤها من ليس عنده إلمامٌ بأصول الشريعة فيفهمها على ظاهرها، والواقع أنه ينبغي رد هذه النصوص إلى العلماء، وأن لا نجتهد في تفسيرها إلا بالرجوع إلى الأئمة الذين أعطوا أهلية النظر في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصف الله أمثال هؤلاء بالرسوخ، فأخبر أن من هناك من رسخ في العلم- فالحديث فيه: (والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم)، قال بعض العلماء: معناه: أن قلبه غيب الخير لعموم المسلمين، يعني: هناك أمر عقدي يرجع إلى القلب، وهناك أمر ظاهر وهو زحزحة الغصن من الطريق، فالذي زحزح الغصن لم يزحزحه خوفاً على رجل أو على رجلين، ولكن خوفاً على المسلمين، فأعطي أجراً عظيماً بالنية؛ لأن عنده الشعور بحب الخير للمسلمين، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الرجل لو بات وليس في قلبه غلٌ على مسلم دخل الجنة)، فكيف بمن قد انطوى قلبه وسريرته على دفع الضرر عن المسلمين؟! فهذا الشعور الإيماني نابع عن حب الخير للمسلمين، ولذلك كان العلماء يوصون بكثرة الدعاء للمسلمين، والترحم على أمواتهم، وحسن النية لعباد الله المسلمين، والشعور بأخوة الإسلام والترابط الذي أمرنا الله عز وجل أن نكون عليه بالألفة والمحبة والتناصر والتآزر، هذا هو الذي ترفع به الدرجات، وتعظم به الأجور، وتضاعف به الحسنات، فهذا الشعور الذي دعا العامل لهذا العمل اليسير جعله عظيما، وهذا معنى قول بعض السلف: (كم من عملٍ يسير عظمته النية) وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً كان يقرض الناس، فقال لأعوانه: إذا رأيتم معسراً فتجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله، فقال الله عز وجل: نحن أحق وأولى بالعفو منه، تجاوزوا عن عبدي)، قالوا: لأنه من الممكن أن الشخص يسامح المديون من باب الشفقة والرحمة فهذا له منزلة، وممكن أن يسامح المديون من باب الشكر للنعمة؛ لأنه حينما أحس أن الله أغناه وأفقر غيره ونظر إلى نعمة الله عليه تذكر أيضاً قدرة الله عليه مع الغنى، فأصبح كأنه ليس بيده شيء فقال: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فأصبحت نيته صالحة موجبة لهذه العاقبة الحميدة، ولذلك ينبغي أن ينظر إلى النص بجميعه بما فيه من نية الباطن ودلالة الظاهر، وأما الفعل المجرد فإن الأفعال قد يفضل الله بعضها على بعض، وقد قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68]، فأفضل الأعمال وأحبها إلى الله أعمال القلوب التي تتصل بالعقيدة من التوحيد والإيمان ولوازم هذا الإيمان، فإن أعمال الجوارح لا تبلغ ما تبلغه هذه الأعمال كحب الله سبحانه، والإخلاص لله بالعبادة، وإفراده بالعبادة، وصدق اللجوء إليه بالرغبة والرهبة والخشية والخوف، فالإنسان إذا كان كثير الخوف من الله عز وجل والخشية له ربما أنه تمر عليه لحظة وهو يستشعر عظمة الله عليه فتفيض عيناه من الدمع، فيغفر الله بهذه الدمعة ذنوبه كلها، فالإنسان إذا أعانه الله سبحانه وتعالى ينبغي أن ينظر إلى فضائل الأعمال، وأن يختار منها أجمعها وأعظمها على الخير، وأما الرحمة التي سألت عنها (فإن الله يرحم من عباده الرحماء) رحمةُ الله ليس لها منتهى، ومن رحمته سبحانه: إذا أراد المسلم أن ينظر إلى عظيم رحمته فلينظر إلى ما في هذا الكون من رحمة الخلق بعضهم ببعض، فهو جزءٌ من مائة جزء من رحمة الله عز وجل، فإن الله عز وجل قسم الرحمة إلى مائة جزء، وأرسل للعباد جزءاً واحداً، وهذا الجزء هو الذي يراه الإنسان من رحمة الوالدة لولدها، ورحمة الوالد بولده، ورحمة الناس بعضهم ببعض، فإذا كان يوم القيامة جمع ذلك الجزء إلى ما عنده فرحم به خلقه سبحانه وتعالى، وأعظم ما يرحم الله به عبده العفو والمغفرة، فإنه من أعظم نعم الله عز وجل على العبد، أن يتلقاه بعفوه ومغفرته، خاصةً إذا تاب العبد إليه وأناب إليه سبحانه: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرتها لك ولا أبالي) فالإنسان حينما يتذكر أنه يسيء ويظلم ويخطئ، ومن رحمته سبحانه وتعالى أنه ستر خطيئته وعيبه وفضيحته، وأعطاه الحول والقوة ومكنه، ومع ذلك: لو أذن للأرض أن تخسف به لانخسفت، ولو أذن للسماء لأرسلت قاصفاً من الريح فأهلكه، ولو شاء الله عز وجل أن يمسخه على مكانته فلا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا، لقدر الله على ذلك ولا يعجزه شيء، ولكن من رحمته سبحانه لم يفعل به ذلك كله، ثم إذا تاب وأناب ورجع إلى الله تلقاه الله بعفوه ومغفرته، فما أكرمه وما أحلمه وأرحمه! فيفرح بتوبته، والعبد أفقر ما يكون إليه، وهو سبحانه أغنى ما يكون عنه، سبحانه ما أرحمه، سبحانه ما أرحمه! فنسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرحمنا برحمته الواسعة، اللهم إنا نسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلوبنا وتجمع بها شملنا، وتؤلف بها بين أرواحنا، اللهم إنا نسألك رحمةً تهدينا بها فلا نضل أبداً، وتصلح بها أحوالنا فلا تفسد أبدا، وتثبتنا بها على صراطك المستقيم، وسبيلك القويم يا أرحم الراحمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(199/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الوكالة [7]
المقصود من عقد الوكالة هو الإرفاق، ولهذا كانت يد الوكيل يد أمانة لا يد ضمان، فلا يضمن إلا في حال التفريط أو التعدي، ثم إن وكالته لا تقبل إلا ببينة، وهذا حفاظاً على الحقوق من الضياع وحتى لا يحصل النزاع بين الناس.
(200/1)
________________________________________
بعض الأحكام المترتبة على الوكالة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
(200/2)
________________________________________
يد الوكيل يد أمانة لا يد ضمان
فهذا الفصل عقده المصنف رحمه الله لبيان بعض الأحكام والآثار المترتبة على الوكالة، فقد توكل شخصاً لكي يدفع مالاً أو يحفظ طعاماً أو أي شيءٍ آخر يقوم به، ثم يأخذ ذلك الشيء منك ويتلف عنده قبل أن يقوم بأدائه إلى شخصٍ آخر.
فمثلاً: إذا أعطيته مالاً على أن يدفعه إلى زيد، فأخذ المال منك بالليل على أن يدفعه صباحاً، فسرق منه في الليل، أو جاءت آفة سماوية وأتلفت هذا المال، فالسؤال حينئذٍ: هل نقول: إن هذا الوكيل أخذ شيئاً ويجب عليه ضمانه حتى يؤديه؟ أو نقول: إنه رجلٌ متبرع، وصاحب فضلٍ وإحسان: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة:91] وعقد الوكالة لا يستلزم تضمينه فنسقط الضمان عنه؟ أو نفصل ونقول: إذا كان قد فرط وتساهل أو تعدى على المال فإننا نضمنه، وإذا حفظ المال وقام بحقوق رعايته على الوجه المطلوب فإننا لا نضمنه؟ ومن أمثلة ذلك في عصرنا: لو أن رجلاً أعطى لآخر سيارةً يبيعها أو أعطاه سيارةً لكي يوصلها إلى شخصٍ آخر، وقال له: وكلتك أن تأخذ هذه السيارة وتعطيها إلى زيد أو إلى فلان، قال: قبلت: فأخذ مفاتيحها، ثم ركب هذه السيارة وأوصلها إلى منزله، فجاءت آفةٌ فأتلفتها أو أتلفت شيئاً فيها، أو أخذ السيارة وركبها وصار يقضي بها مصالحه إلى أن تعرض لحادثٍ أتلف السيارة أو أتلف جزءاً منها، أو أخذ السيارة من عندك وفي طريقه إلى بيته أصابها ضررٌ وعطل، ففي جميع هذه الصور كلها تسأل الناس: ما حكم هذا الوكيل؟ هل يجب عليه ضمان هذه الأعيان أو لا يجب عليه؟ هذا هو الذي يبحثه العلماء تحت مسألة: يد الوكيل هل هي يد أمانة أو يد ضمان؟ فعند العلماء: يدٌ تسمى يد الأمانة، ويدٌ تسمى يد الضمان، فإذا قلت: اليد يد أمانة، فإما أن يحصل منها تعدٍ أو يحصل منها تفريط، فإذا حصل منها التعدي أو حصل التفريط تقول: يجب عليها أن تضمن السلعة وأن تضمن المتاع والطعام والسيارة والأرض، ويجب عليها أن ترد ما أخذته على الوجه المطلوب، وإذا قلت: إن اليد يد ضمان فإنه يضمن سواءً فرط وتعدى أو لم يفرط.
وعلى هذا يرد السؤال في الوكيل: هل يده يد أمانة، أو يد ضمانة؟ قال بعض العلماء: يد الوكيل يد أمانة إلا إذا تعدت أو فرطت، وبناءً على هذا: فإننا لا نضمن الوكيل إلا في حالة التعدي أو في حالة التفريط، فعند أصحاب هذا القول: اليد يد أمانة من الوكيل مطلقاً، سواءً كانت الوكالة بعوض أو بدون عوض، والوكالة بعوض سبق وأن ذكرناها، مثل أن تقول لشخص: خذ سيارتي وأعطها فلاناً، أو وكلتك سيارتي هذه أن تبيعها بعشرة آلاف ولك ألف أو مائة أو خمسمائة، فهذه وكالة بجعل، وحينئذٍ يكون الوكيل وكيلاً في مقابل مالٍ أو منفعةٍ يأخذها.
فبعض العلماء يقول: الوكيل أمين مطلقاً، سواءً كانت الوكالة بعوض أو بدون عوض.
وبعض العلماء يقول: الوكيل يعتبر أميناً إلا إذا كانت الوكالة بجعل، فإذا كان يأخذ أجرة على وكالته كالمحامي أو نحو ذلك فهذا يده يد ضمان وليست بيد أمانة، فيد الضمان توجب أن يضمن الشيء، بغض النظر عن كونه فرط أو لم يفرط، فالشيء الذي يأخذه يرده حتى ولو غصبه الغاصب، كما لو ذهب بالسيارة ونزلت عليها آفة سماوية أو اجترفها السيل أو نهر بدون تعد وبدون تفريط منه نضمنه؛ لأنه حينما اعتدى وأخذها تحمل المسئولية، فيصبح ملزماً بردها بعينها، فإن تعذر العين وجب عليه رد المثل، وإن تعذر عليه رد المثل وجب عليه رد القيمة، فإذاً: يد الوكيل عند المصنف رحمه الله وطائفة من العلماء -وهو الصحيح- يد أمانة، لكن يضمن الوكيل إذا تعدى أو فرط.
فقال رحمه الله: [والوكيل أمين]، هذه الجملة تستلزم على الوكيل أموراً وعلى الموكل أيضاً أموراً، أما بالنسبة للأمور التي تتعلق بالوكيل إذا قلنا: إن الوكيل أمين: فالواجب عليه أن يحفظ الأمانة، ونحكم بكونه أميناً متى ما أدى وكالته على الصفة التي اتفق عليها، فإذا قيل له: خذ هذا المال وأده إلى فلان في العصر أو الظهر؛ فإنه أمين متى ما أخذه وحفظه بحفظه وحرزه، وأداه في الوقت المطلوب، فإن خرج عن هذه الحدود بتفريط أو بتعدٍ خرج عن الأمانة، ويعتبر في هذه الحالة متحملاً للمسئولية كما سنبين -إن شاء الله- مثال التعدي ومثال التفريط.
قال رحمه الله: (الوكيل أمين) بناءً على مسألة: (إن الوكيل أمين)، فإن الوكيل ينزل منزلة الموكل، والسبب أننا جعلنا الوكيل أميناً: أن الشخص إذا قال لآخر: خذ هذه السيارة أو خذ هذا الطعام وبعه أو أعطه لفلان فقد نزل الشخص منزلته وحينئذٍ إذا نزله منزلته، فإن الإنسان لا يضمن نفسه؛ لأنه من الناحية الفقهية أصبح الوكيل منزلاً منزلة الأصيل فلا يضمن، فلو أعطاه السيارة وقال له: اذهب بها إلى المعرض وبعها بعشرة آلاف، فكأنه نزل هذا الوكيل منزلة نفسه في بيع هذه السيارة بعشرة آلاف، فلو حصل تلف بآفة سماوية ليس في مقدور الوكيل أن يحفظ السيارة عنها، نقول: لا يضمن الوكيل؛ لأن الوكيل كالأصيل وكأنهما كالشيء الواحد، والإنسان لا يضمن نفسه، لكن حينما يتعدى الوكيل على السيارة فيأخذ فيها أولاده ويذهب يقضي بها حوائجه، أو يأخذ السيارة ويستخدمها استخداماً سيئاً، فالسيارة -مثلاً-: تحمل بطاقة معينة وحدود معينة، فحملها فوق طاقتها فتعدى، أو -مثلاً- أخذ السيارة وأوقفها في مكان معرض للحوادث فقد فرط، ففي هذه الحالة تقول: خرج الوكيل عن الأمانة وعن المعروف، فيتحمل المسئولية؛ لأنك حينما وكلته وكلتَه أن يقوم بهذا الأمر على المعروف، فإذا خرج عن المعروف فهو غير أمينٍ في خروجه عن المعروف المألوف، وعلى هذا قالوا: الوكيل أمين؛ لأنه مع موكله كالشيء الواحد، وضامنٌ إن خرج عن حدود الوكالة والمعروف.
(200/3)
________________________________________
الحالة التي يضمن فيها الوكيل ما تلف بيده
قال رحمه الله: [لا يضمنُ ما تلف بيده بلا تفريط].
قوله: (لا يضمن) حينما قال: (الوكيل أمين) فتفسرها وتقول: الوكيل يده يد أمانة، لا يضمن ما بيده إلا إذا فرط أي: فينتقل من يد الأمانة إلى يد الضمان إذا فرط، وقلنا: الفرق بين يد الأمانة ويد الضمان يحدث في حالة حدوث شيء سماوي، أي: آفة سماوية مثل المطر، والسيل الجارف، والصواعق، فمثل هذه الكوارث إذا نزلت فليس في مقدور المكلف أن يدفعها، فإن قلت: اليد يد أمانة فلا تضمن في هذا الشيء، وإن قلت: اليد يد ضمان يضمن، فمثلاً: لو قال له: وكلتك أن تقوم على مزرعتي أو تقوم على هذا الحد فتحصده ثم تبيعه، فجاء إعصار فأحرق الحبوب، فيده يد أمانة لا يضمن شيئاً، إذ هذا قدرٌ من الله سبحانه وتعالى، وحينئذٍ لا يضمن؛ لأنه منزل منزلة من وكله، لكن لو كانت الحبوب قد آن حصدها فتأخر في حصادها أسبوعين، كان المفروض أن تُحصد وتوضع داخل المخازن وتحفظ، فجاءت الريح أو جاءت الآفة خلال الأسبوع أو الأسبوعين الذين تأخر فيهما؛ فحينئذٍ نقول: قد فرط بمجرد زيادته عن المدة المعروفة والحد المعروف فدخل في الضمان، وخرجت يده من يد الأمانة إلى يد الضمان، وعلى هذا نقول: إنه يضمن بهذا التفريط، فقرر رحمه الله: أن الوكيل أمين، ولا يضمن ما بيده إلا إذا فرط، والتفريط في الشيء هو: التساهل، والله عز وجل جعل الأشياء حقوقاً وجعل لها أقداراً، وإذا وضع المكلف الأشياء في حدودها وفي أقدارها دون أن يجاوز تلك الحدود ودون أن يقصر فإنه قد أولاها ما تستحقه، فإن قصر بها وأنزلها عن حقها فقد ضيع هذه الحقوق مثل ما ذكرنا: إذا أعطاه -مثلاً- طعاماً وقال له: أنت وكيلي، مثل العامل في المزرعة تقول له: وكلتك أن تأخذ هذا التمر وتبيعه في السوق، وهذا التمر من العادة يحفظ في المخازن بطريقة معينة، فهذا العامل إذا أخذ التمر وكان صاحب المزرعة عنده تلك المخازن وأمكنه أن يضعها في المخازن ولم يضعها فقد فرط، ومثلاً: لو أعطاه طعاماً في فصل شتاء ينبغي حفظه وتبريده، فقصر ولم يحفظه ولم يبرده حتى تلف الطعام فإنه قد فرط، ويلزم بعاقبة تفريطه.
أيضاً مثلاً: لو أعطاه سيارةً وقال له: هذه السيارة تأخذها وتبيعها، فأخذ السيارة وكان المفروض أن يدخلها أو يوقفها أمام بيته، فأخذها وأوقفها في مكان عُرضة للسرقة، فسرق من السيارة شيءٌ أو حتى سرقت السيارة كلها فإنه قد فرط، وهذه الأحوال كلها فيها تفريط.
وفي الشريعة أصل وقاعدة: أن المفرط يلزم بعاقبة تفريطه؛ لأن تساهله في الأمور وتعاطيها على غير الوجه المعروف يعتبر إخلالاً بالأمانة وإضاعةً للمسئولية، وكأنه قد تقحم ذلك الضرر على بصيرةٍ وبينة، ومن تقحم الضرر على بصيرة وبينة فقد رضي بكل ما ينجم عنه من ضرر، فيتحمل المسئولية، قال رحمه الله: (لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط).
المفروض أن يضاف إليها: (وتعدى)، يعني: إما أن يفرط وإما أن يتعدى، والتعدي: هو أشبه بالجناية على الشيء، أو مجاوزة الحدود التي ينبغي أن يتقيد بها الوكيل، فالآن -مثلاً- حينما يقول له: خذ السيارة وبعها غداً في المعرض، فأخذ السيارة وأخرها يومين فإنه في هذه الحالة قد تعدى بتأخيره عن الوقت المعتبر.
كذلك من التعدي أن يقول له: خذ السيارة وأوقفها في المعرض، فأخذها وقضى بها حوائجه فقد تعدى باستعمالها لحوائجه الخاصة.
فنحن الآن نمثل بأمثلة واقعية؛ لأننا وجدنا أن الأمثلة القديمة بمعزِل عن حياتنا، ولربما لا يستطيع السائل أن يفهم ما يلزمه في المسألة، فالآن -مثلاً- بعض العمال الشركة توكله بقيادة سيارة معينة لحمل المتاع بين بلدة وأخرى، وهذه السيارة طاقتها حمل ألف كيلو، فالعرف يقتضي أن يكون تحميله لها في حدود طن مثلاً، فحملها زيادةً على الطن، هذا تعدٍ.
لو كانت السيارة بطبيعتها، وقلت له: خذ السيارة واذهب بها إلى المدينة، وهذا مما جرى به العرف، ويعرف الإنسان: أن السيارة في منتصف الطريق إذا كان طويلاً، ينبغي أن يرفق بها، وأن يريحها، وإذا به قد سار بها مرةً واحدة حتى تلفت السيارة، كل هذه الصور وأمثالها تعتبر تعديات، كذلك البيت حينما تقول له: اسكن هذا البيت أو وكلتك هذا البيت أن تحفظ فيه المتاع أو هذا المخزن تضع فيه المتاع، والمخزن لو فرضنا أنه مكون من دورين، والدور الثاني يتحمل في حدود ألف كيلو الذي هو طن، فحمله ألفاً وزيادة، فهذا تعد، كل هذه الصور وأمثلتها سواءً كانت في السيارات أو العقارات أو المنقولات الأخر فإنها تعتبر من التعدي.
كذلك أيضاً: التفريط، كأن يكون الواجب على الإنسان أن يحفظ الشيء في حد، فينزله عن ذلك الحد، فمثلاً: لو قلت له: خذ هذا الكتاب واحفظه عندك وأعطني إياه غداً، أو وكلتك في حفظ هذه النقود على أن تأتيني بها غداً، فأخذ الكتاب ووضعه في غرفة فيها أطفال، فقام الأطفال بتمزيق الكتاب، فإن وضع الكتاب أمام الأطفال يعتبر تفريطاً؛ ولذلك قال العلماء: إن من وضع السلاح كالسكاكين ونحوها والآلات الحادة أمام أطفال فقتل الطفل نفسه، فإنه في هذه الحالة يعتبر مسئولاً عن هذا؛ لأنها سببية، وتعتبر هذه الصور من الصور السببية في القتل، وسيأتي -إن شاء الله بيانها- في باب الجنايات.
ومن التفريط أيضاً: أن تأتي المرأة وتضع طفلها، فتقول لجارتها: خذي هذا الطفل واحفظيه أو أرضعيه، وغداً أحضريه لي، فأخذت طفلها وتركته في مكان فيه خزان أو فيه حُفرة دون أن تستر، هذا تفريط؛ لأن الواجب أن تضع الطفل في مكانٍ يؤمن فيه الضرر، أو وضعته في جوار نار فاحترق، وهو طفل جاهل لا يستطيع أن يعرف مصالحه، هذه كلها صور عند العلماء من صور التفريط التي توجب الضمان، وتوجب تحمل المسئولية سواءً كان ذلك في الجنايات أو في الأعيان أو نحو ذلك من المسائل.
فقرر رحمه الله أن الوكيل لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.
يقول بعض العلماء: ومن التعدي: التأخر في الأزمنة -كما ذكرنا- كأن يقول له: أحضر لي المال غداً، فيتأخر إلى بعد الغد، ففي الغد يكون أميناً، وبعد الغد صار ضامناً، فلو أن المال سرق في الغد يعني: قبل انتهاء الغد فإنه لا يضمن، ولو سرق بعد ذلك فإنه يضمن.
(200/4)
________________________________________
أحوال اختلاف الموكل والوكيل في تلف ما وُكِّل فيه
قال رحمه الله تعالى: [ويقبل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه].
ذكرنا أنه يضمن إذا تعدى وإذا فرط، لكن المشكلة: لو أن الوكيل والموكّل اختصما، مثلاً: السيارة تلفت، فقال صاحب السيارة: إن الوكيل فرط أو تعدى، وقال الوكيل: لم أفرط ولم أتعدَّ، فهل القاضي يقضي بأن الوكيل ضامن بناءً على قول موكله أم أنه غير ضامن بناءً على ما يدعيه من أنه لم يفرط، ولم يتعد؟ هذه المسألة تأتي على صور، فمثلاً: فرضنا أنك أعطيت سيارةً لرجل وأخذ هذه السيارة وتلفت في يده، وحينما تلفت السيارة قلت على حسب خبرتك ونظرك: السيارة لا تتلف هكذا، قال: بل إنها تلفت بآفةٍ سماوية قلت: لا، أو تلفت قدراً مثل أن تتعطل السيارة وقلت له: أبداً، أنت استعملت السيارة، ونظراً لأن استعمالك كان مخلاً تلفت، فأصبح قولك أنه ضامن وقوله: أنه أمين، فهل نصدقك أو نصدقه؟ هذا فيه تفصيل: من حيث الأصل حتى تتضح هذه الصورة يذكر العلماء رحمهم الله أن الوكيل إذا تلفت السلعة بيده، وادعى أنه لم يفرط ولم يتعد فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يقيم الشهود والدليل على أنه لم يتعد ولم يفرط، مثاله: لو أنك أعطيته سيارة وأخذ السيارة وأوقفها أمام منزله أو ذهب بها إلى المعرض مباشرةً، ثم جاءك صاحب المعرض من الغد وقال: السيارة التي أرسلتها معطلة، فاحضرت الوكيل وقلت له: يا فلان! السيارة معطلة، ما الذي عطل السيارة؟ قال لك: لا أعرف، السيارة أخذتها من عندك وأوقفتها في المعرض، قل له: أعطني شهوداً، قال: كان معي فلانٌ وفلان، وإذا باثنين كانا معه فقالوا: نعم، ساق السيارة سياقةً لا ضرر فيها، وأيضاً: حفظ السيارة إلى أن أوصلها للمعرض، فلم يتعد ولم يفرط، فحينئذٍ يصدق الوكيل ويده يد أمانة والضمان على صاحب السيارة.
إذاً: إذا قامت البينة التي تشهد بصدق الوكيل فلا إشكال.
الحالة الثانية: العكس، لو أن الوكيل قلت له: اذهب بالسيارة إلى المعرض قال: سمعاً وطاعة، فأخذ السيارة وذهب بها إلى منزله وأوقفها عند المنزل، وحصل الضرر في إيقافها عند المنزل، ثم من الغد ذهب بها إلى المعرض وهي مستضرة أو تالفة وأوقفها في المعرض، فجاء الشهود وأخبروك أنه فعل كذا وكذا، وتعدى بالسيارة؛ لأنه كان من المفروض أن يخرج من عندك إلى المعرض، فأخرجها إلى بيته فتعدى، وكان المفروض أن يوقفها في مكان أمين فأوقفها في مكان غير صالح، فاستضرت ففرط، فشهد الشهود من جيرانه أو شهد الشهود الذين رأوه أنه ذهب بها إلى منزله، وشهد رجلٌ أنه رآه أو شهد شهود أنهم رأوه في الموضع الفلاني في الليل مثلاً، فثبت عندك أنه قد تعدى أو فرط، فإذا قال: إنني لم أتعد ولم أفرط فهو كاذب، فتقيم الشهود عليه، ويجب الضمان في هذه الحالة، فالقاضي إذا قال له: هل تعديت؟ هل فرطت؟ قال: ما تعديت ولا فرطت، فأقام الموكل شهوده على أنه تعدى وفرط، فإنه يلزم بذلك ويجب عليه ضمان ما تلف من السيارة.
إذاً: عندنا صورتان في البينة: بينة تشهد بصدق الوكيل أنه لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه، وبينةٌ تشهد بصدق الموكل أن الوكيل تعدى أو فرط فحينئذٍ يجب الضمان.
وإذا لم توجد بينة وليس هناك دليل في حكم البينة فيضمن الوكيل إذا أقر على نفسه أنه تعدى أو فرط، يسأله الموكل: هل تعديت في السيارة؟ قال: نعم حملتها فوق طاقتها، أخذت السيارة إلى خارج المدينة في زمان الحر أو في الظهر فاستضرت، أو نحو ذلك من التعديات، فحينئذٍ يحكم بكونه ضامناً، إذاً: إذا قامت البينة أو الاعتراف فإنه يضمن، والإقرار من البينات ويعتبر دليلاً؛ لكن ذكرناه كصورة.
الحالة الثانية: أن لا توجد بينة، امرأة قالت لرجل: خذ هذا الذهب وبعه لي بعشرة آلاف أو بعه بسعر السوق، فأخذ الذهب في الليل على أن يغدو من الصباح ويبيعه، فسرق هذا الذهب من منزله، لما سرق قالت له المرأة أو قال له موكله: هات الذهب الذي أخذته، قال: سرق مني، نقول: هل حفظته في مكان أمين؟ قال: نعم، وضعته في خزنتي أو في مكانٍ أمين، وجاء السارق وكسر الخزنة قهراً وأنا نائم، فهذا فيه شيء من الغلبة وهو لم يفرط؛ لأنه وضعها في خزنة، فإذا قال هذا، وادعى أنه لم يفرط ولم يتعد، فإن استوفت القرائن أو كنت تثق به وصدقه فلا إشكال، بأن يكون رجلاً أميناً وتعرفه في الأمانة، وأنه يقول الحق ولو كان على نفسه، فقال لك: يا فلان! أخذت الذهب منك ووضعته في صندوقي أو الخزنة وجاء السارق وكسر الخزنة والغرفة مقفلة فكسر بابها، المهم أن الوكيل لم يفرط، فصورة الحال تدل على أنه لم يفرط ولم يتعد، فإن صدقته فلا إشكال، وإن كذبته وقلت له: لا.
ما أصدقك، بل فرطت أو تعديت وأنت ضامنٌ لهذا الذهب والمال، فرّط كأن يكون وضع الذهب في مكان ليس بأمين، أو تعدى على الذهب فسرقه -والعياذ بالله- أو نحو ذلك، فإذا لم تصدقه فإن بعض العلماء يقول: يقبل قول الوكيل مطلقاً، يعني: إذا قلت له: إنه تعدى أو فرط فإنهما إذا اختصما عند القاضي وقال الموكل: إنني أعطيته الذهب لكي يبيعه في السوق ففرط فيه حتى سرق منه، فسأل القاضي الوكيل وقال له: هذا الذهب الذي أخذته من فلان حفظته أو ضيعته أو تعديتَ فيه أو فرطت؟ قال: حفظته حفظاً تاماً، ولم أتعد ولم أفرط، فالسؤال حينئذٍ: هل القاضي يحكم بقول الموكل أو يحكم بقول الوكيل؟ قال العلماء: يطالب القاضي الموكل بالبينة والشهود على أن الوكيل قد فرط أو تعدى، فإن لم يقم البينة وقال: ما عندي شهود يشهدون على أنه تعدى أو فرط نقول: القول قول الوكيل، ولذلك طالبنا الموكل بالبينة؛ لأننا نطالب بالبينة من قوله خلاف الأصل، وبناءً على ذلك: لا نطالب الوكيل بالضمان، والقول قول الوكيل.
فإذا كان القول قول الوكيل وقال الموكل: لا أصدقه، فحينئذٍ نقول للموكل: أحضرْ البينة، فإن عجز عن إحضار البينة قلنا للوكيل: احلف اليمين على أنك لم تتعد ولم تفرط؛ ولذلك يقول العلماء: القول قول الوكيل مع يمينه إن كذبه موكله.
فيقبل الوكيل في نفي التفريط والتعدي، فنحن نحكم بأنه لم يتعد ولم يفرط حتى يقوم الدليل على أنه تعدى أو فرط، وهذا مفرع على قاعدة في باب القضاء وستأتينا: (أن الأصل براءة المتهم حتى يقوم الدليل على إدانته)، وهذا ما يعبر عنه العلماء بالقاعدة المشهورة: (الأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها)، فأنت إذا وكلت شخصاً ليقوم بأمرٍ، وحكمنا بكون الوكيل أميناً فلا نوجب على الوكيل الضمان، ولا نوجب على الوكيل تحمل المسئولية إلا إذا ثبت أنه فرط أو تعدى، فذمته خالية حتى يدل الدليل على أنها مشغولةٌ بالضمان.
(والهلاك مع يمينه).
يقبل قوله في نفي التعدي والتفريط ونفي الهلاك مع يمينه؛ لأن الأصل -كما ذكرنا- براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها.
(200/5)
________________________________________
دعوى الوكالة في قبض الحقوق وأحوالها
قال رحمه الله تعالى: [ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه ولا اليمين إن كذبه].
هذه المسألة من مسائل الوكالة: لك على رجل عشرة آلاف ريال أخذها منك ديناً، ولنفرض أن اسمه: زيد، فزيدٌ مديون لك بعشرة آلاف، فوجئ زيد برجل اسمه خالد وقف عليه وقال له: أريد العشرة الآلاف التي لعمرو عليك، وكلَني أن آخذها منك، (ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو).
إذا ادعى شخص أنه وكيل لشخص في قبض مال أو قبض أي حق من الحقوق ف

السؤال
هل من حق هذا المديون أن يدفع المال إلى هذا الرجل الذي ادعى أنه وكيل؟ فرغ المصنف من أحكام الوكالة وآثارها، وشرع في مسألة دعوى الوكالة، فإذا ادعى شخصٌ أنه وكيلٌ عن شخص فلا يخلو من حالتين:
(200/6)
________________________________________
دعوى الوكيل الوكالة مع وجود بينة الشهود
الحالة الأولى: أن يقيم الشهود، جاءك رجل وقال لك: العشرة الآلاف التي لزيد عليك وكلني أن أقبضها منك، قلت له: يا أخي! لا أعرفك وأحتاج إلى دليل، أو أثبت لي أن زيداً قد وكلك، فقال: فلانٌ وفلان يشهدان أن زيداً وكلني أن أقبض منك العشرة الآلاف فجيء بالشهود وشهدوا أن زيداً وكله، فالحكم حينئذٍ أنه يجب على المديون أن يدفع المبلغ للوكيل، وقد ثبتت الوكالة، ويحكم بها في مسألتين: في تقاضي الأفراد مع بعضهم، ويحكم بها في مجلس القضاء، فالقاضي إذا ثبت عنده بالشهود أن محمداً وكل زيداً في قبض حقه عند عمرو، فإنه يلزم عمراً بدفع ذلك المال والحق إلى الوكيل.
لكن لو ظهر في المستقبل أن هؤلاء الشهود كذبوا، وأنه غير صادقٍ، واغتر القاضي بظاهرهم وكانوا يعرفون بالعدالة والزهد على الظاهر، ثم تبين أنهم كذبوه، فإذا تبين كذبهم فإنهم يتحملون المسئولية عن الضرر الناتج عن هذه الوكالة المكذوبة.
فعندنا الحالة الأولى: أن يثبت عند القاضي أو يثبت عند المديون أن صاحب الحق قد وكّل، فالحكم أنه يجب دفع المال إلى الوكيل، ويجب العمل بهذه الوكالة؛ لأن صاحب الحق قد رضي بهذا الوكيل وأقامه مقامه، فاستحق أن يطالبه وأن يدفع المال إليه.
(200/7)
________________________________________
دعوى الوكيل الوكالة دون بينة ولا دليل
الحالة الثانية: أن يدعي أن زيداً وكله في قبض حقه منك وليس عنده شهود ولا دليل، فإذا لم يكن عنده شهود ولا دليل فأنت على صور: الصورة الأولى: إما أن تثق في الرجل وتعرف أن الرجل صادق، أو تعرف أن زيداً دائماً يوكله وأنه وكيل عنده، مثلاً: حينما يأتيك العامل الذي يعمل عنده دائماً في محله ويوكله دائماً، وجرت العادة أنه يتولى أموره الخاصة، فعندك غلبة ظن أنه صادق، أو تعرف هذا الرجل الذي جاءك بالأمانة والصدق والعدالة وأنه لا يكذب، هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يقوم ذلك الشخص بدعوى الوكالة ولا تعرفه لا بصدقٍ ولا بكذب، فلا إشكال.
الصورة الثالثة: أن يكون ذلك الشخص معروفاً بالكذب عندك.
هذه ثلاث صور: إما أن تثق في الرجل وتعرف صدقه، وإما أن يكون العكس فتعرف الرجل بالكذب والخيانة وأنه دائماً يأكل أموال الناس ويكذب عليهم، وإما أن لا تعرف صدقه ولا كذبه.
فإن عرفته بالصدق فأنت لست بملزم بدفع المال إليه، حتى ولو عرفته بالصدق، ما دام أنه لم يقم بينة على أنه وكله فمن حقك أن تمتنع؛ لأن صاحب الدين ربما أنكر الوكالة في أي يوم من الأيام، فكأنك إذا دفعت المال تخاطر بنفسك، وليس عندك دليل ولا مستند تستند إليه، فليس هناك ما يدل على ثبوت الوكالة شرعاً، والأصل عدم الوكالة حتى يدل الدليل على ثبوتها من كونه صادقاً، هذا أمر يرجع إليك، فإن شئت دفعت إليه، وإن شئت لم تدفع تدفع إليه.
وأما إن ظهر كذبه أو أنت تعلم كذبه، أو لا تعرفه لا بصدق ولا كذب -وهما الصورتان الباقيتان- فلا إشكال أنه لا تدفع المال إليه، ومن حقك الامتناع، ولا يجب على القاضي أن يلزمك بالدفع.
قال رحمه الله: (ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه).
(لم يلزمه) يعني: لم يلزم الذي عليه الدين والذي عليه الحق أن يدفعه، أي: لهذا الذي يدعي الوكالة، لم يلزمه يعني: لا يجب عليه، فهو بالخيار إن شاء دفع وإن شاء امتنع.
(لم يلزمه دفعه إن صدقه).
الضمير عائد إلى الحق الذي هو العشرة الآلاف، (لم يلزمه دفعه)، أي: دفع الحق، (إن صدقه)، فمن باب أولى إن كذبه أو لم يصدقه ولم يكذبه، فأصبح عندنا ثلاث صور: لم يلزمه إن صدقه، ومن باب أولى إن كذبه، أو إن شك في صدقه وكذبه.
ومفهوم قوله: (لم يلزمه) يعني: هو بالخيار، ونبني على قوله: (لم يلزمه)، أنه: ليس من حق القاضي أن يلزمه بدفع ذلك المال أو إعطائه الوكيل؛ لأنه سيتحمل المسئولية؛ والسبب في هذا: أنك إن أعطيت رجلاً ديناً عشرة آلاف ريال، فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن يضمن، وتعرفون يد المديون يد ضمان، له غُنم المال وعليه غُرمه، فإذا كان ضامناً للمال فإنه في الأصل يبرئ ذمته بإعطاء المال لصاحبه، فإذا كان هناك طرف آخر يدعي أنه وكيل فينبغي أن تكون هناك بينة حتى أدفع المال وأنا مطمئنٌ من وصوله إلى صاحبه، فإذا لم تقم البينة على الوكيل فإنني لا أستطيع أن أتحمل المسئولية فأدفع المال ولو كنت أعرف أنه صادق، لأن معرفتي الشخصية لا تسقط عني الحق؛ لأنه ربما كان صادقاً في حقيقة الأمر فيكذبه صاحب الحق، فأنت تعرض نفسك للخطر.
وافرض أن الشخص صادق وأمين ونزيه، وليس عليه أي غبار، ولكن صاحب الدين رجلٌ مماطل أو كذاب أو متلاعب بحقوق الناس، فيرسل لك أميناً تثق به وتدفع المال إليه على أنه صادق، فإذا أخذ المال والعشرة الآلاف أنكر الوكالة من أصلها وقال: لم أوكله فإذاً لم تسئ لو وثقت به، فإن هذه الثقة لا تستلزم أن تخاطر بالمال ولا تستلزم أن تخاطر بالحق؛ ولذلك قال رحمه الله: (لم يلزمه دفعه إليه، وإن صدقه).
(ولا اليمين إن كذبه).
افرض -مثلاً- لو أنك في مكة، ولك على محمد الذي في المدينة عشرة آلاف ريال، فوجئ محمد الذي في المدينة بخالد يقول له: ادفع لي العشرة الآلاف التي لفلانٍ عليك، قال له: ما أدفع، إما أن تأتي ببينة وأدفع لك وإما لا أدفع لك المال، بل أدفعه إلى صاحبه، فجاء هذا الرجل الذي هو خالد واشتكاه عند القاضي، فلما حضر الطرفان عند القاضي قال القاضي للمديون: تصدق خالداً؟ قال: نعم أصدقه وأعرفه بالصدق، فهل القاضي يلزمه؟ قلنا: لا يلزمه، فيرد

السؤال
الدعوى من خالد أنه وكيل، وأنكره المديون، فهل نقول: البينة على المدعي واليمين على من أنكر؟ هل نطالب المديون أن يحلف اليمين؟ القاضي قال للوكيل: أحضر البينة قال: ما عندي بينة، ولكن أطالب هذا المديون أن يحلف اليمين، فهل من حقي أن أطالبه باليمين؟ قال: ليس من حقه أن يطالبه باليمين؛ لأنه في الأصل ذمته متعلقة بصاحب الدين، وليست ذمته متعلقة بشخص آخر، وليس هناك قضاء بالنكول؛ ولذلك قالوا: إنه لو امتنع عن اليمين لم يكن من حقه أن يلزم بدفع المال؛ لأن النكول هنا -كما سيأتينا في كتاب القضاء- لا يعتبر حجةً بهذه الصورة؛ لأن ذمته مستحقة لصاحب المال الأصلي وليست متعلقة بهذا التوكيل.
وعلى هذا قالوا: لا يلزمه أن يدفعه إليك (ولا اليمين) أي: لا يلزمه اليمين إن كذبه، فلا يحلف اليمين في مجلس القضاء على نفي هذه الوكالة، ولو كلفناه أن يحلف اليمين لكان في ذلك ضرر عليه؛ ولذلك يدفع الضرر ويبقى الأمر على الأصل من أنه ملزم بدفع الدين إلى صاحب الدين، وهذا هو الأصل، حيث لم يقم الدليل على إثبات الوكالة، فإنه مطالبٌ بالبقاء على الأصل وأنه لا يدفع إلى هذا الوكيل المدعي للوكالة.
(200/8)
________________________________________
مسألة إذا أنكر الموكل الوكالة لمن أخذ الدين
قال رحمه الله: [فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حلف وضمنه عمرو].
هنا مشكلة: لو كان شخص مديوناً لشخص، وجاء من يدعي الوكالة، قلنا: إذا وجدت البينة فلا إشكال؛ لكن الإشكال إذا لم توجد بينة، فالأصل أنك لا تدفع هذا المال إلا لصاحبه الأصلي، فلو أنك خاطرت ودفعت المال، ثم حضر صاحب المال، وقال: يا فلان! أعطني العشرة الآلاف التي لي عليك، قال له: أعطيتها لوكيلك فلان، قال: ما وكلت فلاناً، فأنكر صاحب الحق الوكالة فما الحكم؟ هل نقول: ذمة المديون برئت، ويجب على صاحب المال أن يكون وجهه على من ادعى الوكالة؟ أم نقول إن وجهه على المديون؟ قالوا: الحكم كالتالي: أولاً: المديون حينما دفع المال لمن ادعى الوكالة بدون بينة قد فرط، وخاطر بالمال وبنفسه، فعرض نفسه لتحمل المسئولية؛ لكن يبقى شيءٌ مهم وهو: أن المديون ادعى أن زيداً -وهو صاحب الحق- قد وكل عمراً، فإن كان زيد ينكر الوكالة فشرعاً نطالبه أن يحلف اليمين أنه لم يوكل عمراً، فإذا حلف اليمين وأثبت بيمينه اعتضدت اليمين مع الأصل؛ لأن الأصل عدم الوكالة، وقلنا: إن اليمين دائماً تعضد الأصل، فيصبح الأصل مع اليمين بمثابة شاهدين، الأصل شاهد، واليمين شاهد، وقد جعل الله الأيمان بمثابة الشهود، ولذلك في اللعان يحلف الرجل أربعة أيمان وشهادات بالله عز وجل حتى يجب الحد على المرأة.
فإذاً: اليمين تقوم مقام الشاهد والأصل مقام شاهد ثانٍ، وإذا ثبت حلفه وحلف اليمين فإننا نلزم ذلك الرجل بدفع الدين مرةً ثانية، ثم يقيم دعوى عند القاضي أن فلاناً كذب عليه وادعى الوكالة وأخذ منه عشرة آلاف بدون حق، فيحضر هذا الظالم إذا كان كاذباً في أمره، ويؤخذ منه الحق لكن لو أن الكذب كان من الموكِّل والعياذ بالله، فالموكل فعلاً وكل فأخذ العشرة آلاف، ثم أخذ عشرة آلاف ثانية فحينئذٍ نحكم بوجوب دفع العشرة الآلاف الثانية كما ذكرنا؛ لأن المديون فرط، ثم يقوم الوكيل بدعوى ضد هذا الذي كذب وأنكر الوكالة فيطالبه؛ لأن المديون سيطالب الوكيل، والوكيل سيطالب الموكِّل فتجري على هذا الوجه.
باختصار: نحكم أولاً بوجوب اليمين على الموكِّل أنه ما وكل، فإن حلف اليمين أوجبنا على المديون دفع العشرة آلاف، فأصبح الموكل الكاذب قد حاز عشرين ألفاً، فيكون المديون دفع عشرين ألفاً، والواجب عليه عشرة آلاف فكيف يكون القصاص؟ قالوا: المديون يقتص من الوكيل الذي ادعى الوكالة؛ لأنه في الظاهر كاذب، فيقيم عليه الدعوى أنه كذب في وكالته ويأخذ منه العشرة الآلاف، ثم الوكيل هذا الذي كُذّب في وكالته، يقيم دعوى أخرى أن فلاناً قد أخذ منه العشرة آلاف، ثم بعد ذلك يقاصصه بها ويطالب باليمين، وعلى هذا يكون قد وصل كل ذي حقٍ إلى حقه.
(فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حلف).
أي: حلف زيد بالله أنه ما وكله.
(وضمنه عمرو).
وضمن الدين والحق عمرو وهو المديون.
(200/9)
________________________________________
مسألة إذا وجد الموكل وديعته أخذها ومسألة الظفر
قال رحمه الله: [وإن كان المدفوع وديعة أخذها].
إذا أودعت شخصاً وديعة، فالوديعة تستحق بعينها، بخلاف العشرة آلاف والأموال التي تكون مضمونة بالرمة، فإن كان الشيء الذي حُفظَ عند الشخص وديعة من سيارةٍ أو طعام فإن الحق متعلق بعين السيارة والطعام، فصاحب السيارة الذي يملكها في الأصل يأخذها ممن شاء، سواءً وجدها عند الطرف الأصلي الذي هو المودَع، أو وجدها عند مدعي الوكالة؛ لأن الحق مطالب بعينه، فيأخذ الوديعة من أيهما شاء، سواءً وجدها عند هذا أو وجدها عند هذا، وهذا يرجع إلى مسألة الظفر، وهي مسألة تتعلق بالحقوق، بأن يكون لك حقٌ على شخص، يعني: افرض أن شخصاً سرق منك سيارة، فإن ظفرت بالسيارة تأخذها أنى وجدتها؛ لأن حقك متعلقٌ بعين السيارة، فتأخذ هذه السيارة كيفما وجدتها قالوا: حتى ولو بالسرقة، فمن سرق مالك جاز لك أن تسرق منه المال نفسه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] فإذا جاء وأخذها خفيةً منك كأن أخذ منك ثوباً وعلمت أن فلاناً قد دخل البيت وأخذه بالسرقة وذهب، فدخلت عليه خفية وأخذت الثوب وما ظلمته فيكون رأساً برأس، والبادئ هو الأظلم، وهذه الحالة يسميها العلماء: حالة الظفر أي: من ظفر بحقه أخذه.
بعض العلماء يقول: ليس من حقك أن تستخدم الحيل المحرمة للوصول إلى حقك؛ لأن الشرع قد أعطاك القضاء ومكنك من القضاء، فلا يجوز أن ترتكب ما حرم الله، فلا تسرق ولا تأخذه على غرضه، وإنما تأخذه بالوجه المعروف.
وقال بعض العلماء: من حقك أن تأخذ حقك بأي وسيلة ما دام أنك ستصل إلى حقك ولا تظلم الرجل وقالوا: لو أن عاملاً يشتغل عند رجل فظلمه ومنعه من حقوقه، وله عليه عشرة آلاف، فصار يأخذ من ماله في حدود عشرة آلاف فهذه مسألة من ظفر بحقه أو تمكن من حقه دون أن يعلم من ظلمهم، فهل ذلك جائزٌ أو لا؟ قال بعض العلماء: من حقك أن تأخذه، واستدلوا بأدلة منها: ما ثبت في الصحيحين من حديث هند رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح مسيك، ولا ينفق عليّ -أي: لا يعطيني مالي- فقال صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فأجاز لها أن تأخذ من ماله حقها فقال: (ما يكفيك وولدك بالمعروف) فقربوا المسألة كالآتي: قالوا: هند وأولادها لها حق على أبي سفيان، وهذا الحق لم تستطع أن تصل إليه إلا بحيلة، فأجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله، وهذا أشبه بالسرقة؛ لأنها في الأصل أخذت من المال دون علم صاحبه، قالوا: لكنها ستصل إلى حقها ولا تظلمه، فقال بعض العلماء: دل هذا الحديث على جواز أخذ الحق إن وجده صاحبه بأي وسيلة.
وقال بعض العلماء: لا يجوز، واستدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) فقال: (لا تخن من خانك) فمع أنه خانني لم يجز لي الشرع أن أستخدم الخيانة، قالوا: وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] لا يقتضي فعل السيئة، وإنما سميت سيئة؛ لأنه لا يأمن الحيف، مثال ذلك قالوا: إذا ضربه وأضر به فلا يأمن أن يحيف؛ لأنه عند الانتقام غالباً ما يكون هناك نوع من القوة في الغضب، فلربما زاده في القصاص؛ ولذلك قالوا: سمى الله القصاص سيئة مع أنه ليس بسيئة؛ لأن صاحب القصاص لا يأمن من الحيف، فإذا ضربه -مثلاً- وصفعه على وجهه، وأراد أن يصفعه، فالغالب أنه يصفعه، وعنده حمية فسيزيد؛ فسماها الله سيئةً وقيل: من باب المشاكلة، وأياً ما كان فالمقصود: أن الأقوى أنه لا يأخذه؛ لأن الشرع قد مكنه من حقه بالقضاء، وأما مسألة حديث هند فنقبله ولا نرده، ونعمل به ولا ننكره، لكنه خاص والقاعدة تقول: (لا تعارض بين عام وخاص)؛ ولأنه لا يأمن العامل ولا يأمن غيره أن يثبت عليه صاحب الحق أنه، اختلس فيقع في ضرر أعظم، ولذلك لا يخاطب الناس على هذا الوجه، والأشبه أنه يطالب بحقه على الوجه المعروف.
(200/10)
________________________________________
تضمين المودع أو الوكيل إذا تلفت الوديعة
(وإن كان المدفوع وديعة أخذها فإن تلفت ضمن أيهما شاء).
فإن تلفت الوديعة إن شاء ضمن الدافع، وإن شاء ضمن المدفوع إليه؛ لأن الدافع للوديعة إذ اانتقلت الوديعة إلى الشخص الآخر فإنه لا يضمن، ويكون ضمان الوديعة على من ادعى الوكالة، فحينئذٍ إن شاء طالب من دفعت إليه الوديعة، وإن شاء طالب الدافع؛ لأن يد المودع يد أمانة كما بيناه.
(200/11)
________________________________________
الأسئلة
(200/12)
________________________________________
مسائل الوصايا والحضانة وغيرها متفرعة عن مسألة الوكالة

السؤال
هل الحكم في قبول دعوى الوكالة مثله في دعوى الحضانة والوصية؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالوكالة والوصايا وكذلك ما يشابهها من المسائل التي فيها محض التبرع تأخذ حكم الوكالة، فمسائل الوصايا والحضانة كلها تتفرع على مسألة الوكالة؛ لوجود محض التبرع والإحسان من الموكل أو الموصى إليه ونحوهم، ولا يدعي هذه الأشياء ولا تقبل الدعوى إلا بدليل وبينة؛ لأن الأصل عدمها حتى يقوم الدليل على ثبوتها، ويتحمل الوصي المدعي للوصايا الموصى إليه، وكذلك غيره ومن في حكمه يتحمل المسئولية إن ظهر كذبه على التفصيل الذي ذكرناه في الوكالة، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسائل خاصةً في باب القضاء، فنبين أحكام الدعاوى سواءً كان في الحقوق العامة أو في الحقوق الخاصة، والله تعالى أعلم.
(200/13)
________________________________________
الخطابات المختومة من القرائن التي تدل على الوكالة

السؤال
إذا حمل الوكيل خطاباً بخط الموكل وختمه فهل يقوم مقام الشهود، فيدفع إليه ما للموكل؟

الجواب
أدلة إثبات الدعاوى تنقسم إلى قسمين: قسمٌ منها بينات شرعية حدد الشرع هذه البينات، وحكم باعتبارها، ونصت نصوص الكتاب والسنة على وجوب العمل بها، ويشمل ذلك الإقرار والشهادة والكتابة الموثقة بالشهود، فأما الإقرار فهو كما يقال: سيد الأدلة وأقواها؛ لأنه ليس هناك أقوى من شهادة الإنسان على نفسه، وليس هناك إنسان يشهد على نفسه بالضرر إلا وهو صادق.
أما النوع الثاني من الأدلة فهو: الشهود، كما جعل الله في شهادة الزنا أربعةً، وفي شهادة الأموال وما في حكمها شاهدين من الرجال، أو أربعةً من النسوة، أو شاهداً من الرجال وامرأتين، أو شاهداً ويميناً، وكلها ثبتت بها الأدلة، فالشهادة حجة بالنسبة للأموال، وما يئول إلى الأموال.
النوع الثالث من الأدلة المعتبرة هو: الكتابة الموثقة بالشهود، كما دلت عليه آية البقرة فيكتب الدين -مثلاً- ويستشهد عليه شاهدين من الرجال أو رجلاً وامرأتين ممن يرضى أو أربع نسوة، وهذا كله نص عليه القرآن ولا إشكال فيه، وأما بالنسبة للشاهد مع اليمين فقد قضى عليه الصلاة والسلام بالشاهد مع يمينه، فجعل اليمين بمثابة شاهد لكن في الأموال وما يئول إليها؛ لأن الصحابي قال: (قضى بالشاهد مع يمينه)، فدل على أن الزنا والحدود والجرائم لا تثبت بالأيمان إلا فيما استثنى الشرع من لعان الرجل مع امرأته، وهذه قضية خاصة، أما من حيث الأصل فالأيمان لا دخل لها في الحدود فهي قرائن ضعيفة، فالقرائن القوية تكون بعض الأحيان في الجنايات، وتكون في غير الجنايات، فمثلاً: المرأة إذا تزوجها الرجل ومكث معها شهرين، وتبين أن حملها لأربعة أشهر أو ستة أشهر، فهذه تعتبر قرينة على أنها قد زنت؛ لأن الزواج لا يمكن في مثله أن يكون الحمل على هذا الوجه.
بعض الأحيان يدخل بها وبمجرد ما يدخل بها يجد عليها آثار الحمل، فهذه قرينة على أنه ليس من حلال وإنما هو من حرام، لكنها ليست ببينة على خلاف في الحمل: هل يقتضي ثبوت الزنا أو لا؟ وفيه خطبة عمر المشهورة وسيأتي -إن شاء الله- بيانه في باب الزنا والحدود، الشاهد: القرائن قد تكون قرائن في الدماء، قالوا: لو أن رجلاً وجدناه متشحطاً في دمه -أي: مقتولاً- وعند رأسه رجل يحمل السكين ملطخةً بالدماء، وثيابه ملطخة بالدماء، وعليه آثار العنف أو ما يدل على أنه متعاطٍ للجريمة، فهذه ليست ببينة شهود أو إقرار، ولكنها قرينة واضحة، ومثل هذه القرائن يعمل بها في القضاء في حدود؛ لأن الله أوجب علينا الرجوع للبينات، والقرائن لا تثبت الحكم من كل وجه، ومن أقوى الأدلة على أن القرائن لا تثبت في الحكم من كل وجه؛ أننا لو فتحنا باب القرائن لاسترسل الناس في ذلك، وأقوى الأدلة على عدم اعتبار القرينة ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما قذف هلال بن أمية امرأته بـ شريك بن سحماء وقذف عويمر العجلاني امرأته بالزنا، وقام اللعان بينهما فحلف عويمر وحلفت زوجته، فلما وقعت بينهما أيمان اللعان قال صلى الله عليه وسلم: (حسابكما على الله، الله أعلم، أحدكما كاذب) إما الرجل كاذب وإما المرأة، فأصبحت القضية من حكومة الدنيا إلى حكومة الآخرة، فانتقل حكمها إلى الله عز وجل، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (انظروا إليه -انظروا إلى الولد الذي ستأتي به- فإن جاءت به خدلج الساقين ... )، إلى آخر الحديث، فذكر الصفات (فهو له) يعني: الزوج وهو كاذب (وإن جاءت به على صفة كذا وكذا فهو للذي ذكر)، فجاءت به على صفة الرجل الزاني والعياذ بالله، فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (لو كنت راجماً أحداً من غير بينة لرجمت هذه)، مع أن القرينة واضحة على أنها زانية، ولكن لم يحكم بها ولم يستبح دمها ولم يحكم بالجناية؛ لأن الشرع أمرنا أن نقف عند حدود معينة.
وبناءً على ذلك فالقرائن لو فتح بابها لاسترسل القضاة في العمل بهذه القرائن، لكن قد تكون القرائن في بعض الأحيان مدخلاً للقاضي أن يحلف المتهم، وأن يشدد عليه في الاعتراف إذا تعلق به حقٌ للغير، فالكتابات التي ذكرت والتي عليها الختم في بعض الأحيان يعمل بها كما في كتاب القاضي إلى القاضي، ويعمل بها في سجلات الحقوق، ويعمل بها في سجلات التجار في إثبات الدين على التاجر إذا مات ووجد بخطه أن لفلانٍ عليه ونحو ذلك، لكن لا تكون بينة من كل وجه يعني: لا تأخذ حكم البينات من كل وجه، وإنما يجب الاقتصار على الأدلة التي ثبتت النصوص بها، وباعتبارها، والزائد على هذا يرجع إلى حكمة القاضي، فيتعامل معه في حدود معينة، ونطاق معين يليق بالقرآن والحكم بها واعتبارها، والله تعالى أعلم.
(200/14)
________________________________________
حكم تحويل المبالغ المالية من بلد إلى آخر

السؤال
أردت إرسال مبلغٍ من المال إلى أهلي فقال لي أحدهم: أنا آخذ منك هذا المبلغ وأحيلك في بلدك على شخصٍ يعطيك بدلاً منه بعملة بلدك، فهل هذه المعاملة جائزةٌ شرعاً؟

الجواب
هذه المعاملة فيها ربا النسيئة، عندما تقول له مثلاً: خذ مائة ألف ريال وحولها، على شريطة أن تعطي أهلي عشرة آلاف دولار أو عشرة آلاف جنيه، فأصبح العقد يشتمل على عقدين: العقد الأول: عقد الصرف وهو تحويل العملة من الريالات إلى الدولارات أو إلى جنيهات أو غيرها.
العقد الثاني: عقد التحويل، فالواجب شرعاً أولاً أن تصرف العملة ثم تقبضها؛ لأنه إذا اختلف الذهب بفضة أو فضة بذهب فإنه يجب أن يكون يداً بيد، فتصرفها ولا تحول إلا بعد الصرف.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(200/15)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الشركة [1]
عقود الشراكة من تنظيمات الإسلام الحكيمة وتعاليمه السامية، وذلك لما يحصل بين المسلمين بسبب هذه العقود من التكاتف والترابط، ودفع البطالة، والحرص على مصلحة الشريك، والشراكة لها أنواع وأقسام، ومسائل وأحكام، فصلها العلماء في كتب الفقه المعتبرة.
ومن أنواع الشركة: شركة العنان، وهي أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم ليعملا فيه ببدنيهما، ولها شروط وأحكام ومسائل ينبغي على كل من أراد الشراكة أن يعلمها.
(201/1)
________________________________________
مناسبة ذكر باب الشركة بعد باب الوكالة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب الشركة]: الشركة: نوع من أنواع العقود التي تقع بين المسلمين، وهذا النوع من العقود يشتمل على التوكيل بين الطرفين، فكل واحد من الشريكين، أو كل واحد من الشركاء قد وكل صاحبه ونظيره أن يتصرف في ماله، فأصبح وكيلاً عنه من وجه، وهو وكيل عنه في التصرف في ماله الذي اشتركا فيه.
ونظراً لاشتمال الشركة على هذا النوع من العقود، أعني: كونها من عقود الوكالات أو فيها وصف الوكالة ناسب أن يعتني المصنف بذكر أحكامها ومسائلها عقب باب الوكالة، فبعد فراغه من بيان المسائل والأحكام المتعلقة بالوكالة شرع في نوع خاص من التوكيل الضمني وذلك ببيان مسائل وأحكام الشركة.
(201/2)
________________________________________
تعريف الشركة وأنواعها
الشَّرِكَة والشِّرْكَة أصلها في لغة العرب: الجمع والخلط، فإذا جمع بين الشيئين فقد شرَّك بينهما، وإذا اجتمع الجماعة حساً أو معنىً فقد اشتركوا، تقول العرب في الأشياء المحسوسة: اشترك الرعاة، إذا جمعوا الدواب بعضها مع بعض، وتسمى بالخُلْطَة.
وكذلك تقول العرب: اشترك القوم في الرأي -وهذا تابع للاشتراك المعنوي- إذا اجتمعوا على رأي واحد.
وأما في اصطلاح العلماء فالشركة هي: اجتماع في استحقاق أو تصرف.
فإذا اجتمع طرفان أو أكثر في استحقاق أو تصرف فإن ذلك يوصف بكونه شركة.
فالشركة نوعان: النوع الأول: الاشتراك في الاستحقاق.
والنوع الثاني: الاشتراك في التصرف.
(201/3)
________________________________________
الاشتراك في الاستحقاق (الأملاك)
أما الاشتراك في الاستحقاق: فمن أمثلته: الورثة، إذا مات والدهم أو مورثهم وترك لهم -لو فرضنا- عقارات، كالبيوت والمزارع، فإن الورثة يشتركون في هذه البيوت ويشتركون في هذه المزارع كل على حسب نصيبه، فهم شركاء، كما قال تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء:12]، وقال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:11]، فشرَّك سبحانه بين الورثة، وأعطى كل ذي حق حقه بقسمته سبحانه من المواريث من فوق سبع سماوات.
فهذا النوع من الشركات يسميه العلماء بـ (شركة الأملاك)، وشركة الأملاك هي: الاجتماع في الاستحقاق، وتنقسم إلى ضربين: الضرب الأول: أن يكون الاشتراك في هذا النوع اختيارياً.
والضرب الثاني: أن يكون اضطرارياً قسرياً جبرياً.
(201/4)
________________________________________
الاشتراك الاختياري
فأما الاشتراك الاختياري: كرجلين دفع كل منهما خمسين ألفاً واشتريا منزلاً، فقد استحقا هذا المنزل واستحقا هذه الأرض وهما شركاء في ملكيتها، وبناءً على ذلك فهذه الشركة: شركة استحقاق؛ لكنها جاءت بطيبة نفس وبرضاً من الطرفين، وباختيار منهما، بمعنى أن اجتماعهما في هذه الدار أو اجتماعهما في هذه الأرض أو المزرعة لم يكن قهراً، وهذا النوع من أمثلته: اجتماع الطرفين -كما ذكرنا - في شراء أرض أو شراء سيارة تكون مناصفة بينهما، فقد اشتركا في ملكيتها، وقد يشترك الطرفان في المنافع، كرجلين استأجرا شقة، فإن هذه الشقة إذا دُفِع المبلغ بينهما مناصفة، كل منهما له حق الانتفاع بنصف هذه المنفعة، فإن شاءا أن يحددا زماناً يكون لأحدهما نصف السنة الأول، وللثاني النصف الثاني، أو يقسما الشقة قسمة مهيأة كل منهما يأخذ نصفها.
هذا يسمى بـ (شركة الأملاك)، وهذا النوع من الشركات لا نتكلم عنه هنا، وليس مراد العلماء -رحمهم الله- بباب الشركة أو كتاب الشركة أن يبحثوا مسائل هذا النوع، أعني: (شركة الأملاك).
(201/5)
________________________________________
الاشتراك الإجباري
والنوع الثاني من شركة الأملاك، وهي الشركة القسرية الجبرية: فتجمع بين اثنين، أو تُشَرِّك بين جماعة في حق، ويكون هذا التشريك ليس باختيارهما، مثل: الإرث، قالوا: تقع شركة الأملاك قسراً في المواريث، فإن الإرث قسمه الله عزَّ وجلَّ من فوق سبع سماوات، فحينما نعطي الزوج النصف أو نعطيه الربع يكون إذا أخذ النصف شريكاً للورثة بهذا النصف حتى يقسم المال ويكون قد جاءه هذا النصف قسراً، ولم يأته باختيار منه.
إذاً: شركة الأملاك تنقسم إلى قسمين: - إما أن تكون اختيارية: كقوم اجتمعوا في دار شراءً أو إجارةً، أو لو كان هناك شخص عنده أرض فوهبها لشخصين، فإن هذه شركة أملاك اختيارية.
- والنوع الثاني: أن تكون قسرية وبدون اختيار، كما في الإرث، والوقف، فالوقف: إذا أوقَفْتَ داراً على عشرة من المساكين، أو أوْقِفَتِ الدارُ على المساكين، فإنهم ينتفعون بالسكنى فيها، أو ينتفعون بغلة الوقف، وهذا الانتفاع وهذا التشريك في المنفعة والملكية للمنفعة جاءت قسراً بدون اختيار الشركاء.
(201/6)
________________________________________
الاشتراك في التصرف (شركة العقود)
النوع الثاني من الشركات -وهو الذي يبحثه العلماء هنا-: ما يسمى بـ (شركة العقود).
وشركة العقود: يجتمع فيها طرفان فأكثر: - ويكونون شركاء في المال والعمل.
- أو يشتركا فيكون المال من أحدهما والعمل من الآخر.
- أو يشتركا في جاهيهما، فتكون لهما وجاهة عند التجار، فيستدين أحدهما، ثم يعملان بالمال على حسب خبرتهما.
- وقد تكون شركةً بالبدن، كما لو اشتركا في ما ينتجان من صنعتهما، كما لو اشترك النجارون أو الحدادون أو نحوهم من أصحاب الحِرَف.
فهذا النوع من الشركات وهو شركة العقود تم باتفاق الطرفين، وتعاقد الطرفان على أن يجتمعا، ويدفع كل منهما مالاً، أو يدفع أحدهما المال والثاني يقوم بالعمل، أو على حسب ما يتفقان من أنواع الشركة التي سنذكرها، فإذا اجتمعا وتعاقدا على ذلك فإنها شركة عقود.
(201/7)
________________________________________
أقسام شركة العقود
هذا النوع من الشركات ينقسم إلى خمسة أقسام عند فقهاء الحنابلة -رحمهم الله-: القسم الأول: شركة العنان.
والقسم الثاني: شركة المفاوضة.
والقسم الثالث: شركة الأبدان.
والقسم الرابع: شركة الوجوه.
والقسم الخامس: شركة المضاربة.
ومباحث الشركات عند فقهاء الحنابلة رحمهم الله تُذْكَر فيها هذه الخمسة الأنواع: - العنان.
- والمفاوضة.
- والوجوه.
- والأبدان.
- والمضاربة.
ونازع غير الحنابلة في أنواعٍ كشركة الوجوه، وشركة الأبدان.
ونازع بعضهم في اعتبار شركة المضاربة نوعاً من الشركات؛ لأن المضاربة في الحقيقة ليست بشركة من كل وجه، وسيأتي بيان هذه المسألة إن شاء الله.
فقد قال طائفة من العلماء: إن المضاربة أو القراض هو من الإجارة المجهولة التي جازت على خلاف الأصل، وسنبين وجه ذلك ونقرره.
أما بالنسبة لهذه الخمسة الأنواع: فجملتها: الحالة الأولى: أن يشترك الطرفان بالبدن والمال: أن يشتركا ببدنيهما وماليهما: ببدنيهما.
يعني: يعملان ويشتغلان في ذلك المال تنميةً له وحرصاً على مصالحه.
وبماليهما: كأن يدفع أحدهما خمسين ألفاً والثاني يدفع خمسين ألفاً؛ فقد اجتمعا بالمال وبالبدن؛ وإذا اجتمعا بالمال وبالبدن، فهذا يشمل نوعين: - شركة العنان.
- وشركة المفاوضة.
وشركة المفاوضة أقوى من شركة العنان من جهة الشيوع وكثرة العمل وأيضاً كثرة المال؛ لأن نطاقها ومحل العقد فيها أوسع من شركة العنان.
وشركة العنان أقوى من المفاوضة؛ لأنه أُجْمِع على جوازها، بخلاف شركة المفاوضة.
هذان نوعان من الشركة يرجعان إلى الاشتراك بالبدن والمال.
الحالة الثانية: أن يكون الاشتراك ببدن أحدهما، والمال من الآخر: وهذه هي شركة المضاربة، أو ما يسمى بالقراض، فأحد الطرفين -وهو الغني- يدفع المال كمائة ألف، والطرف الثاني وهو العامل أو من عنده خبرة يقوم بالعمل -فقط- على تنمية هذا المال، ولا يدفع شيئاً، وإن ربح هذا المال كان الربح بينهما على ما شرطا، وإن خسر العامل في تجارته وعمله بدون تفريط وبدون سبب يوجب الضمانة؛ فإن الخسارة تكون على رب المال.
الحالة الثالثة: أن يشتركا ببدنيهما: وهذا كما يقع في شركة الأبدان، فيتفق اثنان يكون أحدهما صاحب صنعة، والآخر صاحب صنعة.
هل يشترط اتفاق الصنعتين أو اختلافهما؟ سيأتي.
يشترك -مثلاً- اثنان في صنعة النجارة، فيتقبلان من الناس ما يريدون من أعمال النجارة، ويشتغلان سوياً في المحل، ويقومان بأداء تلك الأمور التي طُلِبت، والربح والمال بينهما على ما شرطا.
فهذا يسمى بشركة الأبدان، وقد تقع في الغزو والجهاد في سبيل الله، كأن يشترك اثنان أو ثلاثة في الغنيمة، كما وقع لـ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر رضي الله عن الجميع في يوم بدر، حيث اشتركوا في الغنيمة.
الحالة الأخيرة: أن يكون الاشتراك في الجاه: يكون اشتراكهما وجاهةً، فيطلب أحدهما المال من التجار أو من السوق، وذلك راجع إلى ثقة الناس به ومعرفتهم له، ثم يقومان باستثمار هذا المال وتنميته والربح بينهما على ما شرطا، ويضمنان المال سوياً، وكذلك أيضاً يأخذان الربح على ما اتفقا عليه.
هذا حاصل أنواع شركة العقود.
(201/8)
________________________________________
الأدلة على مشروعية شركة العقود
وقد اعتنى المصنف -رحمه الله- بذكر هذه الأنواع كلها، وفصل في أحكامها، وبين المهم من تلك الأحكام، ويبقى

السؤال
ما هو الدليل على مشروعية هذا النوع من العقود؟ شرع الله عزَّ وجلَّ الشركة بين المسلمين بدليل كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإجماع أهل العلم.
فأما دليل الكتاب: فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص:24].
فقوله: {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ} [ص:24]: الخلطاء: أي: الشركاء.
{لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [ص:24]: ذَكَرَ شركةً قائمةً على الجَور مذمومةً، وشركةً قائمةً على العدل محمودةً، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [ص:24] فاستثنى من الجَور والظلم، والخطأ والخلل، فدل على شرعية الشركة إذا قامت على العدل دون أن يبغي أحد الشريكين على الآخر.
وجاءت آيات المواريث بالتشريك؛ لكن هذا النوع من الشركات في آيات المواريث إنما هو في شركة الأملاك كما ذكرنا، وهو راجع إلى الاستحقاقات.
وأما بالنسبة للسنة: فقد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث؛ لكنها لم تخلُ من كلام في أسانيدها، فمن أهل العلم من جعل الأحاديث للاستئناس، وجعل دليل السنة من جهة التقرير، أي: أن الناس كانوا في الجاهلية يتعاطون هذا النوع من العقود، وهو الشركة، ومع ذلك أقرهم الإسلام، وترك هذا النوع ولم يحرمه، فيجعل دليل السنة تقريرياً، ولا يجعله تفصيلياً بالقول والعمل؛ لأن الأحاديث بالقول والأحاديث بالفعل لم تخل من كلام في أسانيدها، وإن كان بعضها يقبل التحسين.
فهناك حديث عن السائب بن أبي السائب رضي الله عنه أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال له -وقد كان شريكاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، وكان نِعْم الشريك، وكان كثير الصدقة والإحسان- قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نِعْم الشريك، كنتَ لا تداري ولا تماري) فأثنى عليه وعلى شركته.
وكذلك أيضاً استدلوا بالحديث القدسي، وهذا الحديث سكت عنه أبو داود في سننه، وصححه الحاكم، وتعقَّبَه ابن القطان، بأن فيه سعيد بن حبان، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وسكوت أبي داود قد يقوي، حتى أن بعض العلماء يحكم فيه بالتحسين، ولذلك بعض العلماء يميل إلى تحسين هذا الحديث، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخُن أحدُهما صاحبَه، فإن خان أحدهما صاحبه خرجتُ من بينهما)، وهذا الحديث من جهة قوله: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخُن أحدُهما صاحبَه) دل على مشروعية الشركة، وأنها تقوم على العدل والأمانة.
وكذلك أيضاً قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تاجر بمال خديجة في الجاهلية، وفعل المضاربة في الجاهلية، وجاء الإسلام ولم ينكر هذا النوع من المعاملات، فكانت سنةً تقريرية.
وقالوا أيضاً: جاء في حديث أبي داود وابن ماجة والنسائي وحسَّنه غيرُ واحد أيضاً أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر اشتركوا يوم بدر فيما غنموا، فجاء سعد بأسيرين؛ لأنه قتل قتيلين فكان له سلبهما، ولم يَجِئْ عبد الله بن مسعود ولا عمار بن ياسر بشيء فشرَّك النبي صلى الله عليه وسلم بينهم.
فدل هذا على مشروعية شركة الأبدان، وهي التي ترجع إلى العمل.
وأيَّاً مَّا كان فإن السنة من حيث الجملة دالة على مشروعية الشركة، خاصة إذا نظرنا أن هذا العقد كان معروفاً عند العرب، ولا يشك أحد في وجوده، ومع ذلك لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت الشريعة قد هذبت وبينت الأحكام والحقوق والواجبات والأمانات والمسئوليات التي ينبغي على كلا الطرفين أن يراعيها في عقد الشركة.
أما من حيث الإجماع: فالإجماع من حيث الجملة على أن عقد الشركة جائز، وأنه عقد مشروع.
ولكن هناك خلاف: ما هي أنواع الشركات التي أحلها الله؟ وما أنواع الشركات التي حرمها؟ ثم هذا الحلال: ما هي شروط حله وجوازه والحكم باعتباره؟ كل ذلك مما فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله.
(201/9)
________________________________________
الغاية من إباحة الشركة ومشروعيتها
فإذا ثبت أن الشركة مشروعة من حيث الجملة، فإن الله سبحانه وتعالى حينما شرع هذا النوع من العقود تضمن المصالح العظيمة والغايات الكريمة، فعقد الشركة فيه مقاصد نبيلة، وغايات وأهداف طيبة، منها ما يرجع إلى الدين، ومنها ما يرجع إلى الدنيا.
وباختصار: من فوائدها التي ترجع إلى الدين: أنها تقوي أواصر الأخوة والمحبة؛ لأن الشريك يشعر أنه مع شريكه كالجسد الواحد، وأن ماله مع مال أخيه كالمال الواحد، وهذا يحدث نوعاً من الترابط والتكاتف والتعاطف والتآلف، وإذا وقعت الخسارة شعر كل منهما أنه يتضرر كأخيه، ومقصود الإسلام ومقصود الشريعة -من مثل هذا الشعور- أن يشعر المسلم أنه مع أخيه المسلم كالجسد الواحد، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وأما بالنسبة للمصالح الدنيوية: فإن عقد الشركة يقوي التجارة، ويحدث نوعاً من التكافل، ووجه ذلك أن التجارات أو الأسواق إذا قامت على الشركة قويت؛ لأن مجال التجارة يكون أفسح وأكثر شيوعاً مما لو كان العامل بماله مستقلاً، فأنت ترى أن مال الشركة يكون رأس المال كثيراً بخلاف ما لو انفرد كل واحد منهم بماله؛ فإنه لا يستطيع أن يخاطر، ولا يستطيع أن يتجاسر على ما يتجاسر عليه الشركاء، فإذا اجتمع الثلاثة والأربعة حصلت المصالح في السوق، ونشطت الأسواق التجارية، ولذلك قالوا: إنه إذا انتشرت الشركات في بيئة ومجتمع فإن التجارة تقوى في ذلك المجتمع، ويكون الناس أقوى على استثمار أموالهم؛ لأنه لو كان المال عند صاحبه إذا مرض فإن ذلك يعطل ماله، وإذا كانت مصالحه مرتبطة بالموضع الذي هو فيه لم يستطع جلب المال من مكان بعيد، ولم يستطع أن يسافر ولا أن يتغرب؛ لكن إذا كان معه شركاء أو كان معه آخرون -أو كانوا أكثر من رجل- فإن هذا يعين ويشجع على الانتقال، ويشجع على سعة التجارة وتنوُّعها وتعدد مجالها، كذلك من ناحية التجارة؛ فإن الأفكار والأفهام تتلاقح والأذهان يُكَمِّل بعضُها بعضاً، فهذا يكمل نقص هذا بما يعود لمصلحة التجارة ومنفعة السوق، كما لا يخفى، فقال العلماء: إن هذا يحقق من حكم مشروعية هذا النوع من العقود، أنه يعين على صلاح السوق، وانتشار التجارة فيه، وقوة التجارة، ثم إن فيه نوعاً من التكافل، فإن الرجل إذا دخل في التجارة وشاء الله -في ذلك الزمان الذي دخل فيه- أن تحصل خسارة أو تنكسر السوق؛ فإنه إذا كانوا شركاء انكسر على الجميع، فخفت المصيبة، وحصل نوع من التكافل، وحصل نوع من الجبر للضرر بخلاف ما إذا تاجر بنفسه كان الضرر متعلقاً به، وكانت المفاسد به أكثر من غيره، إلى غير ذلك من المصالح، ولا شك أنه ما من شيء يشرعه الله عزَّ وجلَّ ويبيحه لعباده إلا وفيه الخير في الدين والدنيا والآخرة، ولا يستطيع المخلوق أن يدرك حكم الخالق، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، وقال سبحانه: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء:85]، فلا شك أن هذا النوع من العقود الذي دلت الأدلة على شرعيته، وأجمع العلماء رحمهم الله على جوازه فيه الخير الكثير في أمور الدين والدنيا.
(201/10)
________________________________________
حكم عقد الشركة
بالنسبة لعقد الشركة من حيث تكييفه في الفقه يعتبر من العقود الجائزة، وقد قدمنا أن: - هناك عقوداً لازمة.
- وهناك عقوداً جائزة.
- وهناك عقوداً تجمع بين الجواز واللزوم، فتكون جائزةً في أول الحال، لازمةً في آخر الحال.
وبينا هذا، وفصلناه في مقدمات البيوع.
فعقد الشركة من العقود الجائزة، والمراد بكونه جائزاً كما قدمنا: أي من حق الطرفين أو كل واحد من أطراف الشركة أن يفسخ الشركة في أي وقت شاء، فهو ليس بعقد لازم.
لو أن طرفين دفع كل منهما مائة ألف واتفقا على الشركة اليوم، وبعد ساعة من افتراقهما قال أحدهم: لا أريد.
فلا نلزمه، ولا يكون ملزَماً بإتمام الشركة، كالبيع، وغيره من العقود اللازمة، وكالإجارة ونحوها، فهي عقد رفق، ويعتبر هذا النوع من العقود الجامعة بين المعاوضة والرفق، فالشركة فيها معاوضة، مثلاً: إذا دفعت أنت خمسين ألفاً ودفع الطرف الثاني خمسين ألفاً، فإن كلاً منكما قد جعل الخمسين في مقابل الخمسين الأخرى، فصار عقد معاوضة، ثم إن كلاً منكما يعمل في تنمية المائة ألف، فهو في هذه الحالة يعاوض صاحبه، كما أن صاحبه يعمل فهو أيضاً يعمل، فصار عقد معاوضة من جهة المال ومن جهة العمل، إلا في القراض، فالقراض عقد معاوضة بالتكافؤ، فرب المال يدفع المال، والعامل يقوم بالعمل؛ لكن شركة العنان، وشركة المفاوضة يكون فيها نوع من المعاوضة، ونوع من المقابلة للمال والعمل، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فهذا النوع من العقود فيه معاوضة، وفيه رفق، وقد ذكرنا أن عقود المعاوضات إجمالاً: - إما أن تكون قائمة على الغبن المحض، مثل: البيع، والإجارة، وبيَّنَّا ذلك في مقدمة البيع.
- وإما أن تكون قائمة على الرفق المحض، كهبة الثواب، يعطيك هدية، فتعطيه هدية، فحصلت المعاوضة؛ لكنك لم تقصد غبنه، وإنما قصدتَ أن ترفق به، وقَصَد أن يرفق بك.
- وإما أن تكون -وهذا النوع الثالث من عقود المعاوضات- جامعة بين الغبن والرفق، وهذا مثل: أن يقول أحدهما: لي نصف الربح، ويقول الثاني: بل لك ربع الربح، فهذا غبن يريد أن يجعل الربح الأقل في حظ صاحبه، والربح الأكثر في حظه، كالبيع، وفيها رفق؛ لأن مالك مع مال شريكك تقويا وعملُك مع عمل شريكك أصبح قوياً وصارا كالشيء الواحد، وبناءً على ذلك رفق كل منكما بصاحبه.
ذكرنا في مقدمة البيوع أن عقود المعاوضات التي تقوم على الغبن تشدد الشريعة في شروطها، مثلاً: كالبيع، يعتبر من عقد المعاوضة القائم على الغبن؛ لأنك إذا أردت بيع الشيء تقول: أبيعه بمائة ألف، فيقول المشتري: أشتريه بثمانين ألفاً، فتقول: لا.
بل مائة، فيقول: بثمانين.
فمعناه أن هناك عشرين ألفاً إما أن تضعها غبناً على صاحبك، أو يضعها غبناً عليك.
فالبيع عقد غبن، فهذا النوع من العقود كعقد البيع وعقد الإجارة تجد الشروط الشرعية فيه أكثر؛ لأنه يقوم على الغبن والخطر؛ لكن عقود الرفق، مثل الهبات والعطايا التي تكون بالمقابل وبالمعاوضة لا يشترط فيها ما يشترط في البيع؛ لأنها قائمة على المكارمة والإحسان، فتخفف الشريعة في شروطها.
أما العقود التي تجمع بين الغبن والرفق كالشركات ففيه نوع من التشديد، وفيه نوع من التيسير، وسنبين هذا -إن شاء الله- في شروط عقود الشركات على حسب أنواعها، فتارةً تكون الشروط لتحقيق مصلحة للطرفين، وتارةً تكون لدفع الضرر عنهما أو عن أحدهما إذا أراد الآخر أن يضر بمصالحه.
(201/11)
________________________________________
شركة العنان
يقول رحمه الله: [باب الشركة]: أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بالشركات.
قال رحمه الله تعالى: [وهي: اجتماع في استحقاق أو تصرف]: (وهي): الضمير عائد إلى الشركة.
وقوله: (اجتماع في استحقاق أو تصرف): قد بيَّنَّا هذا الاستحقاق (شركة أملاك) مثل: شركة الورثة، وكذلك التصرف، (شركة العقود).
قال رحمه الله تعالى: [وهي أنواع: فشركة عنان: أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم ولو متفاوتاً، ليعملا فيه ببدنيهما، فينفذ تصرف كل منهما فيهما، بحكم الملك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب شريكه]: فقول المصنف: (وهي): أي: الشركات أو الشركة أنواع: [فشركة عنان]: شركة العنان تعتبر من أهم أنواع الشركات، وقد أجمع العلماء على جواز هذا النوع من الشركة.
(201/12)
________________________________________
سبب تسميتها بشركة العنان
اختلف العلماء: في سبب تسمية هذا النوع من الشركة بشركة العنان، فقال بعض العلماء: إن شركة العنان سميت بذلك من عنان الفرس، فالعنان الذي يُحكم به الفرس يقول العلماء: هما الشريكان، وعنان الفرس إذا أطلقه الفارس للفرس سبحت الفرس وأسرعت، ولا يستطيع أحد أن يطلق العنان للفرس إلا إذا كان فارساً، ولذلك بعض الأفراس إذا كانت قوية العَدْو وقوية السرعة لا يستطيع أن يركبها إلا نوع خاص من الخيَّالة وممن يحسن التصرف معها؛ لأنها ربما سبحت به وربما قتلته أثناء السبح من شدة خوضها، ولربما سقط عنها.
فإطلاق العنان للفرس يجعلها تسبح أكثر.
وبناءً على ذلك: فهذا العنان يتحكم في الفرس فقالوا: إنك إذا دفعت مائة ألف، ودفع الآخر مائة ألف، فقد أطلقت العنان لصاحبك وهو الشريك أن يتصرف في مالك، فأنت بموجب الشركة تجعل المائة ألف تحت تصرف شريكك، وبموجب الشركة أيضاً يجعل الشريكُ المائةَ ألف التي دفعها تحت تصرفك، فأنت تتصرف في المائة ألف التي لك بالملكية، وتتصرف في المائة ألف التي لصاحبك بالوكالة، فأطلقت لصاحبك العنان، وأطلق لك العنان، وهذا في محل الشركة ومحل العقد.
هذا الوجه الأول عند أهل العلم رحمهم الله في تسميتها بشركة العنان؛ أنها مأخوذة من عنان الفرس.
وقال بعض العلماء وهو قول الفراء رحمه الله من أئمة اللغة: إن شركة العنان مأخوذة من عَنَّ الشيءُ إذا ظهر، فقد عَنَّ، تقول: عَنَّ لي.
بمعنى: ظهر وبدا لي، وكأن كلا الشريكين أو كل واحد من الشريكين قد عَنَّ له وظهر له أن المصلحة تقتضي بأن يمكن شريكه من النظر في ماله والتصرف في ماله.
وقال بعضهم: إنها من قول العرب حين تقول: هذا عنان إذا عارَضَهُ وكان معه، فقالوا على الوجه الثالث: يكون كلا الشريكين قد عارض الآخر، هذا يعارض هذا، وهذا يعارض هذا، وليس المراد بالمعارضة المقابلة، فالمقابلة بمعنى الدفع، وإنما المقابلة في التصرف، فأنت تتصرف في المائة ألف التي لصاحبك والمائة ألف التي لك، كما هو يتصرف في المائة ألف التي له والمائة ألف التي لك، فمثلاً: لو أنك دخلت في مكان الشركة، وجاءك رجل يريد أن يشتري شيئاً من الشركة بألف ريال، فإنك تبيعه هذا الشيء بحكم الشركة، تبيعه نصف الشيء بالملكية، ونصفه بالوكالة، وصاحبك إذا حضر في حال غيابك يبيع كبيعك، فأصبح كل منكما معارضاً للآخر، كأنكما تسيران في عرض واحد وخط واحد، فأنت تباريه وهو يباريك، وتعارضه وهو يعارضك، فهو يفعل شيئاً كما تفعله، ويفعل الشيء الذي تفعله.
وبناءً على ذلك: قالوا: إنها من المعارضة بمعنى: المقابلة، وكل منهما يقابل الآخر بتصرفه، فكما يفعل الآخر في ماله يفعل هو في ماله على وفق عقد الشركة.
وابتدأ المصنف رحمه الله بهذا النوع -وهو شركة العنان- لأهميته، خاصةً وأن العلماء قد أجمعوا على جوازه وإباحته.
(201/13)
________________________________________
حقيقة شركة العنان
قال رحمه الله: [وشركة عنان: أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم]: [أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم]: فعندنا قوله: [أن يشترك بدنان]: اشتراك البدنين المراد به: اشتراك الطرفين، ولذلك يقوم عقد شركة العنان على طرفين، وكل منهما شريك للآخر؛ لكن هذين الطرفين لابد من أن تتوافر فيهما أهلية الشركة، فكلا الطرفين لابد أن يكون كل منهما قد حصَّل أهلية الشراكة.
وإذا جئت تقول: ما هي أهلية الشركة؟ فينبغي أن تنظر إلى أصل عقد الشركة، فأصل عقد الشركة يفتقر إلى ملكية المال الذي يُشارَك به، فلا يصح أن يشاركك بمال ليس ملكاً له، كذلك أيضاً ينبغي أن يكون الذي يشاركك أهلاً للتوكيل، فلا يصح أن تشارك شخصاً لا تصح منه الوكالة؛ لأنه سيوكلك عن المائة ألف التي له، وأنت أيضاً لابد وأن تكون أهلاً للتوكيل.
إذاً: قالوا: يشترط فيها ما يشترط في التوكيل.
فلا يصح أن يشارك مجنوناً؛ لأن المجنون ليس بأهل للوكالة، ولا يصح أن يشارك يتيماً وصبياً صغيراً؛ فإنه ليس له حق التصرف في ماله، وليس له حق التوكيل في ذلك العقد؛ لكن لو أنك شاركت وكيل اليتيم ووكيل المجنون أو ولي المجنون أو ولي اليتيم صحت الشركة.
يعني: يجوز أن تشارك أصالةً ووكالةً على جهة الولاية، فلو كان الذي تشاركه ولياً لأيتام، فقال: أشاركك بمال اليتيم، عندي مائة ألف لأيتام، أو -مثلاً- إخواني أيتام ولهم مائة ألف أريد أن أشاركك في هذه المائة ألف التي هي للأيتام، فإنه في هذه الحالة يكون شريكاً لك، وفي الحقيقة أنت شريك للأيتام؛ لكن ليس لليتيم أن يتصرف في هذه الشركة إلا عن طريق الولي.
قوله: [أن يشترك بدنان]: يشترط فيهما ما يشترط من أهلية الشركة، ومن ذلك: ملكية المال، وكذلك أيضاً: أهليتهما للتوكيل؛ لأن كل واحد من الشريكين قد وكَّل صاحبه للنظر في ماله والتصرف فيه.
قال رحمه الله: [أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم]: [بماليهما]: قد تكون (الباء) بمعنى: (في)؛ لأن (الباء) لها أكثر من عشرة معانٍ، في لغة العرب، وهي من أوسع الحروف معاني.
تَعَدٍّ لُصوْقاً واسْتَعِنْ بِتَسَبُّبٍ وبَدِّلْ صِحاباً قابَلُوكَ بالاسْتِعْلا وزِدْ بعضَهمْ يميناً تَحُزْ معانِيَها كُلًَّا فهنا يحتمل أن يكون قوله: [بماليهما] أي: في ماليهما، فتكون (الباء) للظرفية، تقول: محمد بالبيت، أي: في البيت.
فالمراد هنا: أن تكون الشركة في المالين.
وبناءً على ذلك: لما قال: [أن يشترك بدنان] أي: يجتمع بدنان في ماليهما: - خرجت شركة الأبدان، فإنهما يشتركان في عمل البدن.
- وخرجت الشركة بالمال من أحدهما والعمل من الآخر، وهي: شركة المضاربة.
- وخرجت الشركة بوجهيهما، وهي: شركة الوجوه.
فقوله رحمه الله: [بدنان بماليهما] أي: في ماليهما.
وهذا المال له شروط، سيذكر المصنف هذه الشروط، فيكون هذا المال من النقدين، وهل يجوز أن يكون من العروض؟ الصحيح: عدم جوازه، وسنبين علة ذلك.
واشترط شرطاً في قوله: [بماليهما المعلوم]: فخرجت الشركة بمالين مجهولين، فلا يصح أن نشارك بمال مجهول، كأن يقول له: ادفع مائة ألف، وأدفع أنا ما في خزنتي، فإن الذي في الخزنة لا ندري كم هو! هذا المجهول من الطرف الواحد.
والمجهول من الطرفين كأن يقول له: تشاركني بما في خزنتك، وأشاركك بما في خزنتي، على أنها شركة عنان، والذي في خزنة هذا لا يُعلَم، والذي في خزنة هذا لا يُعلَم! فحينئذ تكون بمالين مجهولين.
أو يقول: نشترك بمالين، ولا يحددان قدر المالين، ونحو ذلك من الصور المبنية على الجهالة.
يقول العلماء: إن الشريكين إذا اشتركا في مالين مجهولين حصلت الخصومة، وحصل البغي من بعضهم على بعض، ولربما ختل أحدهما الآخر، فظن شريكُه أنه سيدفع مالاً كثيراً، فإذا به يدفع المال القليل، ولذلك لا يجوز أن يشاركه على هذا الوجه المجهول.
(201/14)
________________________________________
حكم تفاوت رأس المال في شركة العنان
قال رحمه الله: [بماليهما المعلوم ولو متفاوتاً]: [ولو متفاوتاً]: وهذه مسألة خلافية: هل يجوز أن يشتركا في شركة العنان برأس مال متفاوت؟ فقوله: [ولو] إشارة إلى خلاف مذهبي، وهناك خلاف خارج المذهب.
فالجمهور على أنه يجب في شركة العنان أن يستوي رأس المال مع الربح، وحينئذ يكون رأس المال مناصفة بينهما، ويكون الربح بينهما مناصفة؛ ولا يختلف رأس المال عن الربح.
وبناءً على ذلك: يكون عند الجمهور كالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على أحد الوجهين أنهم يقولون: لابد أن تكون شركة العنان مستوية، فلا يجوز أن يكون رأس المال متفاوتاً إذا كان الربح مستوياً، بل لابد أن يتطابق الربح مع رأس المال.
وسنفصل هذه المسألة عند ذكر الشروط المتعلقة بالمال.
[ليعملا فيه ببدنيهما]: [ليعملا فيه] يعني: في المال.
[ببدنيهما]: وهذا يدل على أن شركة العنان فيها اشتراك من وجهين: الوجه الأول: الأموال.
والوجه الثاني: العمل.
فيعمل كل منهما في الشركة، فخرجت شركة المضاربة؛ لأن العمل فقط من العامل.
وبناءً على ذلك: لابد أن يعمل الطرفان، فإذا دفعتَ خمسين ألفاً ودفعتُ أنا خمسين ألفاً يكون العمل بيننا مناصفة، فتعمل مثل ما أعمل، وأعمل أيضاً مثل ما تعمل، ولذلك يكون الربح بيننا مناصفة، فلا يظلم أحدُ الشريكين صاحبَه.
وصلى الله على سيدنا محمد.
(201/15)
________________________________________
الأسئلة
(201/16)
________________________________________
الإيجاب والقبول في الشركة توكيل

السؤال
هل تندرج الوكالة تحت الشركة تلقائياً، بمعنى أن كل شريك وكيل؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: لا يخفى أن الشركة يقوم عقدها على الصيغة، وهذه الصيغة قولك: شاركتُك، وقول الآخر: قبلتُ، ونحو ذلك مما يدل على الاجتماع، فهذه الصيغة وهي قولُك: (شاركتُك) هي إذن بالتصرف، وهو توكيل.
وبناءً على ذلك: فموجب قولك: شاركتُك يدل على أنه قد صار وكيلاً عنك، وصرتَ أيضاً وكيلاً عنه حينما قال: قبلتُ، أو رضيتُ، أو أصبحنا شركاء، أو أنت شريكي، أو نحو ذلك مما يدل على القبول، وهذا يرجع إلى العرف، فكل عرف بحسبه، فما دل على القبول يدل على الإذن بالتوكيل، فكما أن اللفظ وهو الإيجاب يدل على الإذن بالتوكيل، كذلك أيضاً القبول من الطرف الثاني يعتبر قبولاً للوكالة وإذناً أيضاً وتوكيلاً بالنسبة لما يتعلق بالشريك القابل.
والله تعالى أعلم.
(201/17)
________________________________________
حكم الشراكة بين الأب وابنه

السؤال
هل تقع الشركة بين الأب وابنه، علماً بأن الأب مالك لمال ابنه؟

الجواب
الأب مع ابنه له أحوال، فمن حيث الأصل فقد دلت النصوص على أن الأب والابن كالشيء الواحد، ويشهد لذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فاطمة رضي الله عنها أنها لما أراد علي رضي الله عنه أن يتزوج عليها، وهذا الحديث سببه أنه فُهِم منه الأذية والإضرار، ولذلك أرادوا أن يزوجوا علياً بابنة أبي جهل، فما الذي دعاهم يسكتون ويختارون ابنة عدو الله؟! دل على أن الأمر فيه نوع أذية وإضرار، فخرج عن كونه تعدد من حيث الأصل، وقد أحببنا أن ننبه عليه؛ لأن البعض يحتج بهذا الحديث في غير موضعه، فللحديث أمر مهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (والله لا يجتمع دخان بنت عدو الله مع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت واحد) فهذا يدل على أن الأمر كان فيه نوع من الأذية والإضرار.
فالمقصود أن هذه الحادثة لما وقعت، دخلت فاطمة رضي الله عنها على أبيها وقالت له: (إن الناس يتحدثون أنك لا تغار.
فخرج عليه الصلاة والسلام وقال على المنبر: والله! لا آذَنُ، والله! لا آذَنُ، إنما فاطمة بضعة مني) فقوله: (بضعة مني) هذه الكلمة تفرع عنها ما لا يقل عن ستين مسألة فقهية، وهذا يدل على عظمة هذا الدين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (وأوتيتُ جوامع الكلم) فهذه الكلمة (بضعة مني) تفرعت منها مسائل الآباء، والأبناء، والبنات مع آبائهم ومع أمهاتهم، وتنزيل الابن مع أبيه، والبنت مع أمها وأبيها كالشيء الواحد.
وعلى هذا قالوا: إن هذا الحديث يدل على أنه بمثابة الشيء الواحد، فقالوا: يكون من الملكيات، فالشخص لا يشارك نفسه، فبناءً على ذلك يكون فيها شبهة الملكية للمال، وأكد هذا حديث السنن عنه عليه الصلاة والسلام وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما أكلتم: من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) فجعل الولد مع والده كالشيء الواحد، وصوَّر كسبه كسباً له، فقال: (إن أحق ما أكلتم: من كسبكم)، وهذا دال على أن الابن من كسب أبيه.
وفيه دليل على عظيم حق الوالد على ولده.
ورُدَّ ذلك؛ لأن الشرع أكَّد هذا، حتى إن الرجل لو اشترى والده في الرق عَتَقَ عليه، ولذلك قالوا: إنه يعتق عليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من ملك ذا رحم منه فقد عَتَقَ عليه)، فقالوا: إن هذا يؤكد على أن مال الابن في حكم الملكية لوالده.
وقال بعض العلماء: إنها ملكية نسبية، فعلى هذا الوجه يتخرج أن يشارك الابن أباه، وأن يكون مع أبيه في الشركة، ويكون حكمهما حكم الشريكين المختلفين.
والله تعالى أعلم.
(201/18)
________________________________________
السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة

السؤال
السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها بدون حيلة، هل يُحْكَم بصحة البيع أم فيه شبهة؟

الجواب
هذه مسألة قعد بعض العلماء فيها القاعدة المشهورة: (السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها مُلغاة)، هذه القاعدة تقع كثيراً في مسائل بيوع الذرائع، ومنها ذرائع الربا، ومن أشهر ما يقع ذلك في مسألة (بيع العينة)، فإن الرجل إذا باع السلعة وأخرجها من يده (فالسلعة الخارجة من اليد العائدة إليها -قبل تمام الصفقة الأولى- مُلغاة)، فهو إذا باعه السيارة بمائة ألف إلى نهاية السنة، ثم اشتراها منه نقداً حاضرةً بثمانين ألف، قالوا: تُلغى صورة العقد -عقد البيع- في الأول والثاني، فقد خرجت السلعة ثم عادت، وذلك مع اتحاد اليد، فقالوا: كأنه أعطاه ثمانين ألفاً حاضرة بمائة ألف إلى أجل، والسلعة الخارجة من اليد العائدة إليها مُلغاة عند عدم وجود المخالفة، يعني: عند عدم وجود يد خارجة، أما لو أنه باعها على شخص، ثم الشخص الآخر باعها على صاحب المعرض الذي قسَّط، فالأورع في مثل هذا أن ينتظر إلى سداد المبلغ حتى ينتهي التقسيط ثم يشتريها.
وإن كان القول بجوازها إذا بيعت إلى أجنبي دون مواطأة أنه يجوز؛ لأن اليد مختلفة، وقد قرر صلى الله عليه وسلم الحكم بالجواز عند اختلاف اليد، ولذلك بريرة لما أخذت الصدقة وغلا بها القدر، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأكل منها قالت له أم المؤمنين: (يا رسول الله! إنها صدقة، أو إنها لـ بريرة، فقال صلى الله عليه وسلم: هو لها صدقة، ولنا هدية) فأوجب اختلاف اليد.
فقال العلماء: إذا اختلفت اليد انتقل الحكم، فإذا دخل الأجنبي بدون مواطأة فإنه في هذه الحالة يُحكَم بكون الصفقة حلالاً للمعرض أو للبائع الأول، أما لو كانت من البائع الأول فإنها ينطبق عليها قولهم: (السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها مُلغاة)، ومعنى (مُلغاة): أي: يُلغى العقد في كلتا الصورتين.
ومن أمثلة ذلك: ما يكون بالتواطؤ، فأشبه ما تتحقق به هذه القاعدة: بيوع الذرائع التي يكون فيها التحايل على ما حرم الله عزَّ وجلَّ.
والله تعالى أعلم.
(201/19)
________________________________________
السماحة في البيع والشراء

السؤال
هل الغبن والمماكسة التي تكون في السعر معهودة دائماً في البيع، أم ينبغي للمشتري والبائع تجنبها؟ وما توجيهكم في السماحة لكلا المتبايعين؟

الجواب
إن السماحة في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، فيها فضل عظيم، ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبها بالرحمة، وقال بعض العلماء: بل هو خبر، فقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (رحم الله امرأً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) والسماحة من اليُسر، والله عزَّ وجلَّ يحب اليُسر، ومن يسَّر على الناس يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة.
والمراد بالسماحة في البيع: - في بعض الأحيان تكون عامة في تعامل الإنسان.
- وتارةً تكون خاصة.
فالسماحة الخاصة: تكون عند الموجب، كأن يكون الإنسان تاجراً يبيع السلع، فإذا رأى فقيراً ساعده ويسَّر له، ولو جاءه بربح قليل قَبِل منه ذلك القليل وتسامح معه، فهذه سماحة خاصة، ولا شك أن صاحبها مرحوم من الله عزَّ وجلَّ على قدر ما يكون منه من إحسان.
وقد تكون السماحة عامة: لا يفرق فيها صاحبها بين غني ولا فقير، فبمجرد أن يقف عليه أخوه المسلم تذكر ما بينه وبينه من أخوة الإسلام، وأحب لذلك الأخ مثل ما يحب لنفسه، وأصبح طلق الوجه، ومُيَسِّراً في بيعه وشرائه، يبيع بطيبة نفس، فيكتب الله له بالبركة في ربحه، فيرضى بأقل القليل من الربح، فإذا جاء يعرض السلعة عرضها، ولم يبالغ في ربحها، واكتفى بالقليل.
ولذلك قال العلماء: ليست العبرة بكثرة الأرباح، وإنما العبرة بوضع الله للبركة، فكم من أرباح قليلة بارك الله لأهلها فأصبحت كثيرة، وأنت ترى بعض التجار وضع الله لهم البركة فيما يجنون من أموال، وتجد أرباحهم معقولة، وتصرفاتهم في السوق مقبولة من الناس، وقد وضع الله لهم القبول، فهم يرضون بالقليل، فمثل هؤلاء توضع لهم البركة بسبب اليُسر والسماحة، وإذا أصبح الإنسان مُيَسِّراً سهلاً، فإذا جئت تشتري الشيء انظر فيه، فإذا وجدت الشيء يستحق القيمة، كما ذكر لك البائع، فإياك أن تستغل ضعفه، وإياك أن تستغل حاجته، فبعضٌ من الناس يعلم أن الرجل مديون، وأنه سيبيع عمارته، أو يبيع سيارته، أو يبيع أرضه، فيغتنم فرصة الحاجة، فمثل هذا إذا ضيَّق على أخيه حَرِيٌّ أن يضيق الله عليه، وحَرِيٌّ أن ينزع الله البركة من السلعة التي يأخذها، ولذلك على المسلم أن يعلم أن الله ليس بغافل عما يعمل وأنه مطلع على ما يكون منه، وأن الله ابتلاه بكثرة المال لكي يظهر صدق إيمانه، وكمال يقينه، وشكره لنعمة ربه وفضله عليه، فإذا قابل هذه النعمة بالشكر، وأخذ يسامح الناس، فمن وجده مديوناً يبيع ماله، فإن استطاع أن يعطيه المال أعطاه، وإذا لم يستطع اشترى منه الشيء بحقه وقدره، فهذا من السماحة، ومما يثيب الله عليه أهله.
فالسماحة في البيع أن تقتصر على أقل الربح.
قيل لـ عبد الرحمن بن عوف: (كيف أصبحت ثرياً غنياً في تجارتك؟ قال: كنتُ أرضى بأقل الربح)، وهذا نوع من سياسة التجارة، ومن أعظم الأسباب التي يصبح الإنسان بها حائزاً على ثقة الناس، وأيضاً حائزاً على أكثر الربح؛ لأنه إذا رضي بأقل الربح نفقت السلعة عنده، وأصبحت أرباحه أكثر من غيره، وأصبح الذين يشترون منه أكثر ممن يشترون من غيره، فيكسب الوقت، ويكسب كثرة من يشتري منه، ويكسب الثقة بكثرة من يشتري منه، وحينئذ يكون له أضعاف ما يكون لمن يبالغ في الربح، فالذي يبالغ في الربح يجعل على السلعة ربحاً مضاعَفاً، فيتأخر بيع السلعة، وقلَّ مَن يشتري منه إلا الغني أو المحتاج الذي يضطر لشراء السلعة؛ لكن الأول يشتري منه الكلُّ؛ لأن ربحَه معقول.
فالمقصود: أن السماحة في البيع الرضا بالقليل من الربح، وإذا علمتَ أن أخاك أعطاك ربحاً معقولاً، فبادر وبِعْ.
وأما السماحة في الأخذ والشراء: ألَّا تسوم الشيء بأقل مما يستحق، فإياك أن تظلم أخاك فتعطيه أقل مما يستحق! وقد جاء في حديث ابن ماجة واخْتُلِفَ في إسناده وإن كان ضعَّفَه بعضُ العلماء رحمهم الله: أن أم ورقة اشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: (يا رسول الله! إني أدخل إلى السوق، فأرى السلعة، وأعلم أنها تستحق مالاً، فأعطي أقل مما تستحق، فإذا ساومني الرجل حتى يصل إلى ما تستحقه اشتريت -بمعنى: أنها تسوم بالأقل حتى تصل إلى القدر الذي تريده وتعلم أن السلعة تستحقه- وإن كنتُ أريد أن أبيع السلعة سُمتها بأكثر، فلا يزال يراجعني حتى يصل إلى القدر الذي يعطيه، أفيحل لي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ادفعي مالك؛ فإن شاء أن يأخذ، وإن شاء أن يبيع)، يعني: لا تساوميه بهذا الوجه، فتظلمي السلعة حقها؛ ولكن أعطي السوم الذي تريدين، وهذا لا شك أنه يريح الإنسان، ويختصر له الوقت.
إذا أنت جئت إلى رجل، وقلت له: هذه سلعتك -مثلاً- قيمتها عشرة آلاف، فبدل أن تقول: ثمانية آلاف، ثمانية آلاف ونصف، تسعة آلاف، ويضيع عليك الوقت، اختصر الوقت وقل له: هذه تسعة آلاف، إذا كنت تريد أن تبيع فالحمد لله، وإذا كنت لا تريد أن تبيع فيفتح الله، وييسر الله لي ما هو خير منها، فإذا أراد أن يبيع أخذت وحمدت الله، وإذا أراد ألَّا يبيع انصرفتَ مباشرةً وبمجرد أن تتجاوز يقول: يا فلان! تعال خُذْ.
فاختصرتَ الوقت، وارتحتَ.
ولربما أثناء السَّوْم وقَعَتْ خصومةٌ، فإن المشتري ربما لا يأمن الضرر، ففي بعض الأحيان ربما أنه لو سامَ بأقل مما تستحق السلعة لسفَّهَه الرجلُ كما هو شأن بعض الناس أنه يكون فيه حِدَّة، فربما سفَّهَه، وربما ظن أنه يريد أن يخذُلَه ونحو ذلك.
فالمقصود: أن الإنسان الأفضل له والأكمل أن يتعاطى السماحة، وأن يكون سهلاً ميسراً في بيعه وشرائه، وأخذه وعطائه، والله ما رأينا أحداً يعامل الناس بالسماحة إلا وجدنا الله يلطف به من حيث لا يحتسب، وانظر في التجار، وانظر في إخوانك بل حتى في أقرب الناس منك، انظر إليه في تعامله مع الناس، فإذا وجدته سمحاً ميسراً وجدت أموره ميسرة كما يسر على الناس، وإن وجدته يدقق ويشدد ويضيق على الناس ويأخذهم بالشدة والعنت ضيق الله عليه، حتى إنك تنظر في أحوال مرضه وأحوال عافيته تجد الأمور معه في غاية العسر، سبحان الله! مثلما يفعل مع الناس.
فتجد الرجل السمح إذا كان في مرض أو شدة وجدت من تيسير الله في شفائه ودوائه وطبيبه وعلاجه ما يوافق ما يفعله مع الناس.
وتجد الآخر الذي ينكد على الناس ويضيق على الناس تجد أموره منكدة، (لا يظلم اللهُ الناسَ شيئاً أبداً)، ما إن يطرق باباً إلا أقفله الله في وجهه، وأخَّره كما أخَّر الناس، وتأذَّى كما أذى الناس؛ لأن التضييق على الناس ربما -والعياذ بالله- ابتُلي الإنسان بسببه بدعوةِ مَن لا تُرَدُّ دعوتُه، ولربما نكَّد على الغير وضيَّق عليهم وترك السماحة معهم، فدُعي عليه، فنُزعت البركة من ماله، أو نزعت البركة من علمه أو عمله، نسأل الله السلامة والعافية.
فينبغي للمسلم أن يكون سمحاً في أموره، وأن يأخذ من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعامله ما يعينه على ذلك، فمن تذكر سنة النبي صلى الله عليه وسلم وجعل هديه نبراساً له في أموره وشئونه؛ فإنه يجد نفسه -لا شعورياً- تنساب وراء ذلك الخير الكثير من البساطة واليُسر والسماحة وحسن المعاملة مع الناس حتى يعيش حميداً ويموت بالذكر الحميد، وهذا عاجل ما يكون له في الدنيا، ولَمَا ينتظره عند الله أجل وأسمى.
والله تعالى أعلم.
(201/20)
________________________________________
حكم أخذ المرأة من مال زوجها بغير إذنه

السؤال
هل في شكاية هند للنبي صلى الله عليه وسلم تقتير زوجها في النفقة عليها، وإذْنِ النبي صلى الله عليه وسلم لها بالأخذ من ماله بالمعروف، هل هو خاص بها أم عام لمثلها، علماً بأنه قد تكثُر طلبات الزوجة ولا يستطيع الزوج تلبيتها دائماً؟

الجواب
حديث هند رضي الله عنها قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شَحِيْح مِسِّيْك، أفآخذ من ماله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف).
يقول أهل العلم: إن أبا سفيان كان يقتِّر عليها -على ضوء الشكوى-.
وقيل: لا.
بل إنها ادعت ذلك، والله أعلم! هل أصابتْ أو أخطأتْ؟ قالوا: ربما كانت -وهذا لا يبعُد؛ لأن هنداً كانت من أشراف قريش وعِلْية قريش، وأمثال هؤلاء من النسوة كان عندهن نوع من البذخ، والإسراف في التعامل، فإذا صدمها الزوج بوضع الأمور في نصابها وصفته بأنه شَحِيْح وأنه مِسِّيْك، والله أعلم بما بين أبي سفيان وهند! ونحن لا ندخل بينهما، فالله أعلم؛ لكن الذي ذكره بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما فطن لذلك، ولذلك قال لها: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فدل على أن الأمر راجع للكفاية، وأنه لا يجوز لها أن تتجاوز المعروف.
وبناءً على ذلك: فحديث هند في قول جماهير العلماء رحمهم الله على أنه قاعدة عامة، وأن كل امرأة ظلمها زوجها وحرمها نفقتها يجوز لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف، والمراد بـ (ما يكفيها وولدها): حقوق النفقة، فمثلاً: إذا كان الزوج مقتِّراً في الطعام، وتحتاج لأطفالها إلى طعام، أو جاء بنوع من الطعام الردئ، وهو قد فتح الله عليه، فالنفقة مقدرة بحال الزوج؛ لأن الله أمر كلَّ ذي سعة أن ينفق من سعته: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق:7] قُدِرَ بمعنى: ضُيِّق، {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق:7]، فدل على أن النفقة راجعة إلى حال الزوج.
وبناءً على ذلك: إذا كان الزوج غنياً وضيَّق على زوجته، وأصبحت الزوجة لا تجد طعاماً، أو تجد طعاماً لكنه مضيِّق ومقتِّر فيه أخذت ما يكفيها، فلو فُرِض أن كلفتها الشهرية في الطعام: ألف وخمسمائة، وأعطاها ألفاً، فإنها وأولادها قد ثبت استحقاقهم منه خمسمائة، فتأخذ من ماله بقدر الخمسمائة ولا تزيد، وهكذا بالنسبة للكسوة، فإذا كان لم ينفق عليها في كسوتها وأعطاها -مثلاً- مائتين، والكسوة تستحق لمثلها بالمعروف -من مثله في ماله ووسعه- خمسمائة، فضيَّق عليها وأعطاها أربعمائة أو أعطاها ثلاثمائة، فتأخذ إلى تمام الخمسمائة، وهذا شيء بينها وبين الله عزَّ وجلَّ، تتقي الله عزَّ وجلَّ في مال زوجها، وعلى الزوج أن يتقي الله في رعيته.
والواقع أن سائر النفقات بين الأزواج والزوجات تحتاج إلى شيء من العدل والإنصاف، والأفضل للزوج أن يكون سمحاً وعلى الزوج خاصةً إذا كانت المرأة صالحة وفيها خير أن يتقي الله عزَّ وجلَّ فيها، وأن يعينها على أمور دينها بإصلاح دنياها، ولذلك كان السلف رحمهم الله يتسامحون مع الأهل والزوجات في مثل هذا، فإذا كانت المرأة -مثلاً- صالحة ديِّنة واحتاجت إلى شهود بعض المناسبات وكانت من بيت أو من أسرة تحتاج إلى كثرة شهود المناسبات، وهو يعلم فيها الدين والصلاح، ويحس أن ثَمَّ إحراجاً لها أن تلبس نوعاً معيناً، وأنها تحتاج إلى نوع من اللباس وإن كان غالباً لكنه يعيش طويلاً، والمرأة محافظَةٌ وفيها صيانةٌ، فلا مانع أن يجبر خاطرها، وأن يظهرها بالمظهر الحسن، فكم تتجمل الزوجة مع زوجها في المناسبات! وكم تحمل همه عند إكرام ضيوفه وقرابته ومن ينزل به، وكم حرصت على أن تُظْهِره على أحسن الأحوال! فمثل هذه المشاعر ينبغي وأن تقابَل بالمثل، ولذلك إذا عامل الإنسان زوجه بنفس الأحاسيس والمشاعر ضحت المرأة، وشعرت أنها عند بعل كريم وعند زوج كريم، فكم من مواقف احتاج الرجل أن تسهر زوجتُه معه فسَهِرَتْ! وكم من مواقف احتاج فيها أن تضحي الزوجة بالخدمة فضحَّتْ! وكم من مواقف احتاج الزوج فيها إلى أن تصبر الزوجة على أبنائه وأذيتهم وإضرارهم فصبرتْ وتحملتْ! وربما يمر عليك في العام ثلاثة أو أربعة مواقف في مناسبات خاصة، فربما تكون هذه المناسبة زواج أختها أو زواج أخيها ولا تتكرر، فجبر خاطرها بمثل هذه السماحة والتضحية والتيسير بشرط ألَّا يصل إلى التبذير والإسراف -طيب وتحتسب عند الله أن يخلف عليك ما أنفقت، ويبارك لك في زوجتك، وتحتسب عند الله أن تكون ديِّنة تثبت على دينها، فإن المرأة الصالحة إذا كانت ديِّنة في نفسها ربما انهزمت أمام المجتمع، فلربما وقفت في المناسبات بحالة رثَّة، ورمقتها الأبصار ونظرت إليها، وحصل لها من الضيق والحرج ما لا تتحمله، وقد لا تستطيع أنت الرجل أن تتحمل ذلك، ولو تصورت نفسك وأنت تلبس جميل الثياب ومحاسن الثياب وتتكلف بهيئتك وبزَّتك وثوبك بما لا تستطيعه وأنت رجل، فكيف بالمرأة التي تُفْتَن بالمظاهر! وكيف بالمرأة التي لا تستطيع أن تتحمل إهانة الغير لها أو لمزها أو الحط من قَدْرها! هذه الأمور ينبغي -وخاصةً على الأخيار- التنبه لها، وأن يُعامِل الغيرَ مثل ما يحب أن يُعامَل مِن غيره، ولا شك أن عماد الأمور كلها على تقوى الله عزَّ وجلَّ.
ولا أزال أوصي وأكرر الوصية بالصبر، خاصةً على الصالحات والتجمُّل معهن، واحتساب الأجر عند الله عزَّ وجلَّ في ذلك.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يلهمنا السداد والرشاد، وأن يلطف بنا في الآخرة والمعاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه وهو رب العباد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(201/21)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الشركة [2]
من الأمور المترتبة على عقد شركة العنان: تصرف الشريك في مال شريكه بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، ويترتب على هذا أحكام الوكالة من الأمانة والنصح لمن يعامله ويشاركه، والضمان عند التعدي والإفراط، سواء في النقد أو في الشرط.
(202/1)
________________________________________
تصرف الشريك في مال شريكه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فينفذ تصرف كل منهما فيهما]: يعني: في المالين.
تقدم معنا في المجلس الماضي بيان حقيقة شركة العنان في اللغة والاصطلاح.
ثم شرع المصنف رحمه الله في بيان ما يترتب على وجود عقد هذه الشركة، و (الفاء) هنا للتفريع والتفصيل، فإذا ثبت أنه يجوز للطرفين أن يشتركا بماليهما ويكون ذلك على سبيل شركة العنان، فإنه يترتب على ذلك أن ينفذ تصرف كل منهما في المالين، فلو دفع زيد عشرة آلاف ريال ودفع رجل آخر عشرة آلاف ريال واشتركا، فإنه حينئذٍ يحق لكل واحد منهما أن يتصرف في ماله؛ لأنه يملكه في الأصل، ويحق له أن يتصرف في مال أخيه وصاحبه؛ لأنه وكيل عنه.
وإذا أُثبت في قوله: [فينفذ تصرف]: فالعقود: - فيها ما هو نافذ.
- وفيها ما هو موقوف.
- وفيها ما هو صحيح.
- وفيها ما هو فاسد.
- وفيها ما هو باطل.
فإذا قيل: عقد نافذ ترتبت عليه الأحكام الشرعية.
مثلاً: البيع، إذا قلنا: هذا بيع نافذ فإننا حينئذٍ نحكم بملكية الثمن والمثمن على سبيل المعاوضة بين الطرفين، ونحكم بالآثار المترتبة على البيع، فإذا قلنا: ينفذ تصرف كل منهما، فهذه العشرون ألفاً التي اتفقا عليها واشتركا فيها لو باع أحد الشريكين واشترى بهذا المبلغ فإنه ينفذ تصرفه، فلو أخذ العشرين ألفاً وأخذ منها خمسة آلاف، وصرفها دولارات، وتاجر في العملة، وأصبح يربح من خلال متاجرته وصرفه، قلنا: إن تصرفه صحيح؛ لأنه يتصرف في مال إما أصالةً وهي العشرة آلاف التي يملكها، وإما وكالةً بالنسبة لنصيب صاحبه، فأي مبلغ يسحبه من الشركة التي هي رأس مالها عشرون ألفاً، إذا سحب عشرة آلاف من العشرين ألفاً فخمسة آلاف يتصرف فيها بالأصالة، وخمسة آلاف يتصرف فيها بالوكالة.
كذلك أيضاً لو أنهما دفعا في شركة العنان خمسة ملايين، واتفقا على أنهما يتاجران بهذا المبلغ، فاشترى أحدهما عمارة لكي يستثمرها، فإن هذا الشراء والعقد الذي تم بمال الشركة عقد صحيح وينفذ وتترتب عليه الأحكام الشرعية، فيصح شراؤه، ثم بعد مدة لو رأى أن هذه العمارة من المصلحة أنه اشتراها بمليون على حساب الشركة وسيبيعها بثلاثة ملايين أو بأربعة ملايين فباعها، فإن البيع صحيح كما لو باع ماله هو؛ لأنه بمقتضى عقد الشركة صار إما أصيلاً يتصرف في المال أصالةً، وإما أن يتصرف فيه وكالةً، هذا معنى قوله: [فينفذ تصرف].
كذلك أيضاً لو أنهما اشتريا عمارةً بمليون، فهذه العمارة تكون ملكاً للطرفين، فلو أن أحدهما أجَّر هذه العمارة في الموسم بخمسمائة ألف أو بمليون أو بأي مبلغ ما دام أنه في حدود التصرف المعقول والمقبول وفق عرف أهل التجارة، نقول: إن التأجير الذي تم تأجير صحيح، وعقده صحيح، فليس للآخر أن يقول: أن أملك من العمارة نصفها فلا تؤجرها، أو يقول: العمارة أملك نصفها فلا تبعها، ولا يقول أيضاً: الخمسة ملايين أملك نصفها فلا تشترِ أية عمارة، ولا تشترِ العمائر، ليس من حقه، كل منهما يتصرف في هذا المال وفق المصلحة، ووفق ما فيه خير الشركة، وما يعود عليهما بالنفع.
(202/2)
________________________________________
تصرف الشريك في مال الشركة بحكم الملك في نصيبه
قوله: [بحكم المُلك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب شريكه]: (المُلك أو المِلك أو المَلك) هو مثلث من المثلثات، بحكم المُلك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب صاحبه، إذا اشترك الاثنان في مال الشركة فإن كلاهما أصيل في ماله وكيل في مال الآخر.
وقول المصنف: [بحكم]: يعني: أن القاضي والفقيه والمفتي يفتي ويحكم بصحة هذا التصرف بناءً على أن عقد الشركة يقتضي أنه مالك لنصيبه؛ لأنه ماله وخرج من ماله، ويقتضي أيضاً أنه وكيل عن صاحبه.
(202/3)
________________________________________
تصرف الشريك في مال الشركة بالوكالة في نصيب شريكه
قوله: [وبالوكالة في نصيب شريكه]: يعني: بحكم الوكالة.
وإذا قلتَ: إن الشريك مع شريكه وكيلٌ، تترتب عليه أحكام الوكالة.
(202/4)
________________________________________
أحكام الوكالة المترتبة على تصرف الشريك في مال الشركة بالوكالة
وبناءً عليه: فأول مسألة أن يده على مال صاحبه يدُ أمانة، وقد قدَّمنا في باب الوكالة أن الوكالة تقتضي أن يكون أميناً على مال موكله، فإذا قلتَ: إن يده يدُ أمانة، تتفرع جميع الأحكام المتعلقة على يد الأمانة.
فتقول:
(202/5)
________________________________________
الأمانة
- أولاً: مقتضى كونِها يد أمانةٍ: أن يتصرف بكل نزاهة بعيداً عن الخيانة والإضرار، فكل من الشريكين يجب عليه أن يكون ناصحاً لشريكه، وأن يكون قلبُه وقالَبُه على وَفْق المصلحة، فلا يُظْهِرُ أنه شريكُه في الظاهر ويريد أن يضر به في الباطن.
- ثانياً: لا يتعامل في الظاهر بما يخالف مقتضى الأمانة.
إذاً: عندنا جانبان: - ما يتعلق بقلبه إذا غش أخاه.
- إذا كان في ظاهره أنه لا يريد تنمية مال التجارة، ولا يريد تنمية مال الشركة.
فإنه يأثم شرعاً؛ لأنه دخل مع أخيه على النصيحة للمسلم، وأنه يريد أن يستثمر ماله، فيجب عليه أن يتعاطى جميع الأسباب.
قال بعض العلماء: ومقتضى ذلك أنه لو كان هناك عمل معين من التجارات يحسن القيام به والظروف مهيأة للقيام به، وعلم أن مصلحة مال الشركة أن يدخل في هذا المال فتأخر؛ فإنه يعتبر خلاف الأمانة، ولا يخلو من تبعةٍ ومسئوليةٍِ أمام الله عزَّ وجلَّ، لماذا؟ لأنهما حينما تعاقدا -والله مطلع على هذا العقد وآمرٌ لكل منهما أن يفي بمقتضى العقد- قد تعاقدا أن ينصح كل منهما للآخر، وتعاقدا على أن يبذل كل منهما ما في وسعه لتنمية المال كأنه ماله.
وعلى هذا: أولاً: ينبغي عليه النصيحة لمن يعامله ويشاركه.
(202/6)
________________________________________
الضمان عند التعدي أو التقصير في النقد والبيع والشراء
ثانياً: لا يجوز له أن يتسبب في إدخال أي ضرر من خلال تصرفه في مال الشركة، فكل تصرف من الشريكين يُضْمَن بضابط الوكالة، فإن كان التصرف الذي قام به معتبراً عند أهل الخبرة، وليس فيه تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، وإن تعدى أو فرط من خلال تصرفه فإنه يضمن المال، ولا يكون -في هذه الحالة- الشريكُ متحملاً المسئولية.
أ- بيع النسيئة: ومثال ذلك لو أن اثنين اشتركا بمليون لاستثماره في التجارات، ثم شاء الله عزَّ وجلَّ أن أحدهما أخذ من المليون نصفها -مثلاً- واشترى نوعاً من السلع، وأصبح يبيعها بالنسيئة والأجل ولا يبيعها نقداً، أو يبيع بعضها نسيئةً وبعضها حاضراً ونقداً، فنقول: إن الوكيل لا يجوز له أن يبيع نسيئة إلا إذا أذن له موكله.
وعلى هذا: فلو أنه اشترى -مثلاً- بمليون ريال سلعاً، فباع نصفها نقداً ونصفها نسيئةً، نقول لشريكه: ما رأيك في هذه المسألة؟ هل استأذنك؟ فإن قال: لم يستأذني فإن مقتضى الوكالة ألا يبيع نسيئةً حتى يستأذن صاحبه، فإن عَدَلَ عن هذا الأصل فقد تعدَّى وفرَّط.
فنقول: بالنسبة لما بعتَه نقداً فهو بينك وبين أخيك، وما بعتَه نسيئةً فإنك تتحمل المسئولية عن جميع المبلغ، والمقدار الذي يتعلق بشريكك تدفعه له ولا يتحمل قيمة ذلك نسيئةً، هذا بيع، وأنت تصرفت فيه من عند نفسك، وتتحمل مسئوليته.
هذا إذا كان بيع النقد وبيع النسيئة.
ب- البيع عن طريق فيه مخاطرة: ولو أن اثنين دفع كل منهما عشرة آلاف ريال، فأصبح رأس مال الشركة عشرين ألف ريال، واشتريا به محلاً تجارياً، كأن يكون محل طعام، أو محل أدوية، أو محل أكسية أو نحو ذلك، فقام أحدهما وباع وأصبح يصرف البضاعة عن طريقٍ فيه مخاطرة.
ومن المعلوم أن البيع: - يكون نقداً.
- ويكون -مثلاً- عن طريق الشيكات.
والذي عن طريق الشيكات ليس كالذي هو نقد، فالنقد مضمون الحق؛ ولكن الذي عن طريق الشيك لا يأمن أن يكون الشيك بدون رصيد، وأيضاً لا يأمن ضياع الشيك، أو تحمل المسئولية في هذا الشيك، ففيه نوع من المخاطرة.
فإذا باع وأخذ وقبض المبلغ فلا إشكال، ولا ضرر على الشريك الآخر.
لكن لو أنه باع بالشيك، ثم تبين أن الشيك بدون رصيد، فقد تكون هناك مسئولية، ولا شك أنه سيتحمل المسئولية، فهذا الشيك -الذي هو بدون رصيد- سيضطر إلى انتظار تسديد المبلغ من هذا الشخص، فلو كان هذا الشخص قد تحمل عشر عمليات أو ثلاث عمليات أو أربع أو خمس، بهذه الطريقة، فسيصبح مديوناً لخمسة أو ستة، فلو دخلت الشركة في هذا الدين ربما جلست سنوات، وهذا مفلس، لو فرضنا أنه مفلس، وأعطى الشيك بدون رصيد، فستتضرر الشركة بتأخر سداده.
فحينئذٍ نقول: ما دمت قد أعطيت على هذه الوجه الذي فيه وجه النسأ فإنك تتحمل المسئولية لوحدك، وإذا رضي الشريك أن يدخل معه، وقال: أتحمل معك المسئولية فلا إشكال، أما إذا قال الشريك: لم أسمح لك أن تبيع بهذه الطريقة، وقد بعت بها؛ فإنك تتحمل المسئولية، وحينئذٍ تغرم للشريك حصته، فلو كانت الصفقة التي أتممتها -فرضاً- بخمسة آلاف ريال، فإن للشريك فيها ألفين وخمسمائة ريال تعطيه إياها نقداً قيمة المبيع حاضراً، ثم وجهه على هذا الذي ماطل.
إذاً: حينما قلنا: إنه بحكم الوكالة في مال صاحبه يستلزم هذا أن تترتب مسائل الوكالة على هذا النوع من المعاملة، وهذه فائدة: أن العلماء قدموا باب الوكالة على باب الشركة؛ لأن هناك مسائل في الشركة تترتب على الوكالة، ولأن الشركة تعتبر نوعاً من أنواع الوكالة؛ ولأن كلاً من الشريكين ينظر إلى المصلحة في ماله أو في الجزء الذي يتعلق به من مال الشركة.
ج- البيع بغير نقد البلد: وقول المصنف: [وبالوكالة في نصيب شريكه]: يطَّرِد في جميع المسائل، فلو أن الوكيل باع بغير نقد البلد، مثلاً: المعروف عندنا أننا نتعامل بالريالات، فباع بالدولارات، والبيع بالدولارات مشكلتها أنه إذا باع بغير نقد البلد لم يأمن أن تكون القيمة ناقصة، فاليوم -مثلاً- قيمة الدولار ثلاثة ريالات، وقد تكون في الغد ريالين، فحينئذٍ تكون -مثلاً- السلعة بثلاثة آلاف ريال، فإذا باعها فسيبيعها بألف دولار اليوم؛ ولكن المبلغ إذا صُرِف في الغد فسيصرف بألفين.
إذاً: البيع بغير نقد البلد فيه مخاطرة، فربما ترتفع قيمة النقد فيكون أربح للشركة، وربما نزلت قيمة النقد فأضر بالشركة.
وبناءً على ذلك: إذا باع الوكيل بغير نقد البلد ضمن.
ففي جميع هذه المسائل: أن يبيع نسيئة، وأن يبيع بغير نقد البلد، وأن يخاطر، كل هذه المسائل يتحمل الشريك فيها المسئولية إذا لم يجرِ العُرْف بذلك، ولم يكن هناك شرط -أي: استئذان- فلو أنه استأذن صاحبه وشريكه وقال له: يا فلان! نحن لو أننا لم نبِع إلا نقداً لأضررنا بمصلحة الشركة، فأرى من مصلحة الشركة ومن كثرة من يتعامل معنا أن الأفضل والأصلح أن نقبل هذه الشيكات أو أن الأفضل والأصلح أن نبيع بالنسيئة والأجل إلى سنة أو إلى سنتين، فإن قال له: قبلت فيتحملان المسئولية معاً.
ولو أن هذا المماطل والمفلس جلس سنوات فإنهما يتحملان المسئولية معاً.
هذا بالنسبة لو استأذنه.
كذلك لو قال له: يا فلان! أريد أن أبيع بالدولارات، أو ثمة أناس سيأتونني بجنيهات فهل أبيع فقط بالريالات؟ أو أبيع بالعملة الأخرى؟ فإن له: بِعْ بأية عملة، فهذا تفويض.
ولو باع بأية عملة، فغلت العملة أو رخصت فإنها تكون على مال الشركة ربحاً وخسارة.
وهذا معنى قوله رحمه الله: [وبالوكالة في نصيب شريكه].
(202/7)
________________________________________
الضمان عند التعدي أو التفريط في الشرط
قال العلماء: كما أن النقود وصفة البيع والشراء يتحمل فيها الوكيل المسئولية، كذلك يتحمل المسئولية عن شرط الشركة.
أ- مخالفة المكان المشروط لعمل الشركة فيه: فمثلاً: لو أن اثنين دفع كل منهما خمسة آلاف ريال، فأصبح رأس مال الشركة عشرة آلاف ريال.
وقال: يا فلان! نشترك -يعني: هذه شركة بيننا-؛ ولكن أشترط أن تكون شركتنا في المدينة، أو أشترط أن يكون عملنا في مكة، أو أشترط أن يكون عملنا -مثلاً- في هذه القرية، ولا نخرج عنها، فأنا أرى أنه من الخطر أن نخاطر ونخرج بشركتنا إلى مكان آخر، فإن قال: قبلتُ وقع الاتفاق بينهما على أن عمل الشركة يكون في المدينة، أو في مكة، أو في أي موضع، ويجب على الشريك الآخر ألَّا يجاوز هذا الاتفاق، فلو أنه خرج بالمال من مكة التي اتُّفِق على البيع فيها فبمجرد خروجه من مكة يُصبح المال في ذمته، ويخرج المال من الوكالة إلى باب الضمان.
وعلى هذا لا يتاجر إلا في حدود ما اتُّفِق عليه.
ب- مخالفة السلع المشروطة: كذلك لو قال له: يا فلان! هذه عشرة آلاف ريال؛ ولكني لا أستطيع أن أعمل بهذه العشرة آلاف إلا في تجارة العود أو في تجارة الطيب عموماً، فإن قال له -مثلاً-: في تجارة الطيب فقال: لا أريد إلا العود، ولا أريد إلا الخشب من العود، أو أريد الدهن من العود، أو أريد الدهن من الأطياب، أو أريد ثلاثة أنواع من الطيب، فبمجرد خروجه عن هذا المتَّفَق عليه خرج عن الشركة، وأصبح متحملاً المسئولية بذلك التصرف وضامناً للمال.
ج- مخالفة نوع التعامل المشروط: وهكذا بالنسبة للتعامل، فإذا قال له: نتعامل مع التجار، ويكون بيعنا بالجملة.
فباع بالمفرَّق، فإنه في هذه الحالة يضمن.
وكل ما اتُّفِق عليه من بنود الشركة وصار بينهما شرطاً -بشرط ألَّا يتضمن الغرر، وألَّا يتضمن الضرر- فإنه يصبح لازماً للطرفين.
د- مخالفة العرف فيما يوجب الضرر: - أيضاً: بالعرف: قد يكون العرف دالاً على تضمين الشريك.
الآن -مثلاً- لو أن شخصاً اتفق مع آخر، فدفع أحدُهما عشرة آلاف، والآخر عشرة آلاف، فأصبح رأس المال عشرين ألفاً، فاحتِيْج أن يتاجَرَ في القماش، فقال أحد الشريكين للآخر: سأسافر وأحضر القماش الذي نريد أن نتاجر فيه.
فقال له: سافِرْ، فسافَرَ واشترى صفقة من القماش بعشرة آلاف، فأراد أن يأتي بها، ويجلبها إلى المكان المتفق عليه بين الطرفين، فإذا به متردد بين ثلاث وسائل: وسيلة أكثر خطراً وضرراً، ووسيلة أقل خطراً وضرراً، ووسيلة بينهما، ولا يُقْدِم أحدٌ على النقل بالوسيلة التي هي أكثر مخطارة إلا ويتحمل المسئولية، فإنه لو كان -مثلاً- نقل البضاعة عن طريق البحر غير مأمون، فحينئذٍ يعدل إلى البر، فإن أصر على نقلها بالبحر نقول: يستأذن شريكه، فإن أذِنَ فالحمد لله، فلو غرقت السفينة غرقت عليهما، فإن لم يستأذنه فالعرف قاضٍ أنه إذا سلك هذا الطريق فقد خاطر وغرر بمال الشركة، فيتحمل المسئولية.
إذاً: كوننا نقول: يُعطى حكم الوكالة، فهذا يوجب الدخول في جميع التصرفات.
فكل ما يتصرف به الشريك في مال الشركة يتصرف به وَفق ما هو معروف وبمجرد خروجه عن المعروف المألوف يتحمل المسئولية، وبمجرد خروجه عن الشرط المتفق عليه بين الطرفين يتحمل المسئولية.
وقس على هذا ما يكون من مسائل التجارة بمال الشركة.
(202/8)
________________________________________
شروط شركة العنان
[ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين، ولو مغشوشين يسيراً]: الشركة تأتي على أقسام: القسم الأول: ما يسمى بشركة الأموال.
والقسم الثاني: يسمى بشركة الأعمال.
والقسم الثالث: يسمى بشركة الوجوه.
فشركة الأموال تشمل نوعين: - العنان.
- والمفاوضة.
ورأس المال -في كل من العنان والمفاوضة-: من النقود، على تفصيل سيأتي -إن شاء الله- في شركة المفاوضة؛ لأن الأمر أوسع منه في شركة العنان، وأما بالنسبة لشركة الأموال فلابد من أن يجتمع الطرفان أو الشريكان أو الثلاثة الشركاء أو الأربعة في المال، بخلاف شركة الأعمال، فقد يكون العمل من أحدهما والمال من الآخر، أو يكون العمل من الاثنين، فالأول: مضاربة، والثاني: شركة أبدان.
(202/9)
________________________________________
شروط متعلقة بالشريكين
بالنسبة لمسألة الشروط المتعلقة بشركة العنان: فبعضها يتعلق بالشريكين، وبعضها يتعلق بمحل الشركة الذي هو المال المتفق عليه، وما ينتج عنه من الربح.
فأما بالنسبة للشريكين فقد ذكرنا أنه يُشترط فيهما أهليتهما للشركة، وذكرنا هذه الأهلية وضوابطها.
(202/10)
________________________________________
الشروط المعتبرة في محل الشركة
يبقى

السؤال
ما هو الشرط المعتبر في محل الشركة؟ محل الشركة: مكان التعاقد، فإذا تعاقدا على شركة العنان، فينبغي أن يكون لها ضوابط وشروط: أ- رأس المال المعلوم: الشرط الأول: رأس مال، وأن يكون معلوماً: وبناءً على ذلك: فلو قال له: أشاركك بمالٍ، ولم يبين نوع المال ولا جنسه ولا قدره ولا صفته، فإن الشركة لا تصح؛ لأنها شركة بمجهول.
وأجمع العلماء -رحمهم الله- على أن شركة العنان إذا وقعت بمال معلوم -والمال المعلوم: كقولك: أشاركك بعشرة آلاف مني وعشرة آلاف منك، فالعشرة آلاف ريال معلومة- فحينئذٍ تصح.
وأما بالنسبة للجهالة فيستوي أن يكون جهالةَ جنس، أو جهالةَ نوع، أو جهالةَ قَدْر، وقد فصلنا في أنواع الجهالات في باب البيوع.
لكن من أمثلتها: النقدان: فإن قال له: أشاركك بذهب، أو أشاركك بفضة فقد حدد الجنس، وحدد النوع بقوله: ذهب، أو قوله: فضة؛ ولكنه لم يحدد قَدْر الذهب وقَدْر الفضة، ولا نوع الذهب والفضة، هل هو تِبْر أم مصوغ أم مضروب، فحينئذٍ تكون جهالة، فهذا النوع من الجهالة يقتضي عدم صحة الشركة.
فلابد أن يعين تعييناً يوجب ارتفاع الجهالة، وقد ذكرنا ضوابط التعيين وما ينبغي أن يلتزم به المتعاقدان إذا اشترطنا العلم بالثمن والمُثمن.
يقول العلماء: إن محل الشركة الذي اتفق عليه الطرفان -وهو رأس المال- يُنَزَّل منزلة الثمن والمُثْمَن في البيع، لأن المراد من الثمن والمُثْمَن في المعاوضة بينهما: الربح، وكذلك في الشركة حينما دفعتَ أنتَ خمسة آلاف، ودفعتُ أنا خمسة آلاف، فمقتضى ذلك والمقصود من ذلك: أن تربح هذه العشرة، فتربح في نصيبك، ويربح أيضاً من يشاركك في نصيبه.
إذاً: الخلاصة: يشترط في صحة عقد الشركة أن يكون رأس المال معلوماً، فلا يصح أن يكون بالمجهول، ورأس المال إما أن يكون من النقدين؛ الذهب والفضة، أو يكون من غير النقدين، وسنبين حكم شركة العنان بغير النقدين، كالعُروض، فمثلاًَ: لو جاء يُمَثِّل بالنقدين عرفنا المثال؛ لكن من غير النقدين، مثل أن يقول له: أشاركك بهذا الكيس من الأرز -على القول بصحة شركة العنان بالعُروض، وسنبين ما هو الصحيح في هذه المسألة-، فلو دفع أحدهما كيس أرز، والثاني كيس سكر، على أن يباع وبقيمتهما تكون الشركة، فقالوا: إذا كان مجهول الكمية لا يصح؛ لأنه ربما ظن صاحبه أن هذا الكيس سعته مائة كيلو، ولربما ظن أنه مائة وخمسين، وإذا به أقل من ذلك، فإذا كان الطعام جزافاً وكان غير معين وزناً ولا كيلاً فإنه حينئذٍ لا يصح أن يُشارك عليه؛ لكن لو عُرِف أن هذا النوع من الأكياس فيه مائة كيلو فالمعروف عرفاً كأنه تلفظ به؛ لكن نتكلم إذا كان مجهول القدر، فهذا مثال الجهالة في رأس المال إذا كان من العُروض.
أو يقول له: أشاركك بسيارة من عندي بقيمة سيارة من عندك.
فالسيارة التي عنده أو قيمة هذه السيارة مجهولة، لا ندري هل هي غالية فتكون كما يرجو الشريك، أو تكون دون ذلك؟! الخلاصة: أنه يشترط أول شيء: العلم برأس المال، ولا يصح أن يكون رأس مال شركة العنان مجهولاً.
نعم.
ب- أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين: [ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين]: هذا هو الشرط الثاني: النقدان هما: الذهب والفضة، وسبب تسميتهما بالنقدين كما قال بعض العلماء: أنهم كانوا في القديم إذا دفعت الدراهم وهي من الفضة، أو دفعت الدنانير وهي من الذهب، فإنها تُنْقَد وتُخْتَبر؛ لأنها ربما كانت زائفة، وربما كانت مغشوشة، فقد يكون ظاهرها ذهباً؛ ولكنها مغشوشة في داخلها، ويعرف ذلك بإنكسارها عند محاولة كسرها، كذلك تختبر بالضرب على الأرض، والصيارفة لهم ذوق وحس في ذلك.
فإذا اتفق اثنان على شركة عنان برأس مال من ذهب أو رأس مال من فضة من النقدين، الدراهم أو الدنانير، وفي زماننا الريالات أصلها فضة، والدولارات والجنيهات والليرات والدنانير أصلها ذهب، فهذه العُملة إذا اتُّفِق على أي نوع منها ننظر إلى رصيده وأصله، ننظر إلى الأصل، فإذا اتُّفِق في الريالات فشركة العنان هذه بفضة، وإذا اتفق على الجنيهات فهي شركة عنان بذهب، فإذا اتفق الطرفان على شركة عنان بذهب بقدر معلوم، فإن الشركة تصح بإجماع العلماء، وكل العلماء متفقون على أن الشريكين إذا دفعا من النقدين من الذهب أو الفضة واتفق النوع أنه ذهب من الطرفين أو فضة من الطرفين فإن شركة العنان صحيحة، وليس هناك خلاف بين أهل العلم، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من العلماء رحمهم الله وأشار إلى ذلك الإمام ابن قدامة، والإمام ابن المنذر وغيرهما رحمة الله عليهم: أنه إذا اتفق الطرفان على ذهب مضروب أو فضة مضروبة -وفي زماننا العُملة على حسبها- أن الإجماع قائم؛ هذا إذا اتحد يعني: كان ذهباً من الطرفين، أو فضةً من الطرفين، أو أية عملة أخرى متحدة من الطرفين.
أما لو أن أحدهما دفع ذهباً والآخر دفع فضة فحينئذٍ شدّد طائفة من العلماء ونُسب هذا القول إلى الجمهور، فقالوا: لا يصح أن يدفع أحدهما بالذهب والثاني بالفضة؛ لأنه إذا وقع العقد على هذه الصورة فإنه يتضمن عقدين في عقد واحد، وأيضاً ربما تضمن الغرر.
وتوضيح ذلك: قالوا: لأنه إذا دفع أحدهما الذهب ودفع الآخر الفضة؛ فمعناه أننا سنضطر: إما إلى صرف الذهب، أو إلى صرف الفضة؛ لأنه لا يمكن أن تكون الشركة مُقَدَّرة حتى نعلم قدر رأس المال، فنحتاج -مثلاً- لو كان الرواج للذهب إلى أن نصرف الفضة بالذهب، فإذا كانت الدراهم في يوم الشركة نقول -مثلاً- الثلاثة دراهم أو الخمسة دراهم بدينار، فلو صُرِفت الثلاثة بدينار فإنها قد تأتي في الغد بأقل، وقد تأتي في الغد بأكثر، وقيل: إذا اتَّفَقَ اليوم فإن الصرف غداً يختلف، وحينئذٍ يتفقان على رأس مال بقيمة، وفي الغد تختلف القيمة، فلا يؤمَن الغرر، وحينئذٍ يدفع رأس مال معلوم أم مجهول؟ قيل: مجهول، صحيح أنه في الظاهر معلوم؛ لكنه سيئول إلى جهالة، إذْ لا نضمن أن يكون الصرف غالياً، ولا نضمن أن يكون الصرف رخيصاً، وكذلك في زماننا، لو دفع أحدهم بالريالات، ودفع الآخر بالدولارات فمعنى ذلك أنه يحتاج إلى صرف الدولارات بالريالات إذا كان الرواج للريالات، أو يحتاج إلى صرف الريالات بالدولارات إذا كان التعامل بالدولارات، وهذا الصرف لا يُضمن؛ لأنه إذا قال له: ادفع ثلاثين ألف ريال، وأدفع أنا عشرة آلاف دولار؛ لأن الصرف اليوم للدولار بثلاثة ريالات، فحينئذٍ يكون قد اتفق معه على شيء لا تُضْمَن نتيجته، فاليوم كما ذكرنا ربما تكون بثلاثة ريالات، وآخر النهار ربما يرتفع وربما ينخفض، وربما بقي على حاله.
فرأس المال متردد ومتذبذب ولا يمكن أن يُضمن بقاؤه على حال واحدة.
فلذلك شدد فيه طائفة من العلماء رحمهم الله؛ لكن على القول بأنه يجوز أن يدخل في الشركة بذهب مقابل فضة، وبفضة مقابل ذهب.
فالسؤال: كيف تطبق الأحكام؟ قالوا: يكون احتساب الصرف بيوم العقد، وهذا المبلغ يُنَزَّل على يوم العقد، وعند التقاضي يُرجع إلى القيمة يوم الاتفاق ويوم التعاقد.
وهذا لا شك أنه يوجِد شبهةً.
والذي ذكره أصحاب القول المانع، حتى نُسب إلى الجمهور، وشبهتهم قوية؛ لأنه لو أرادا أن يتخذا رأس ماليهما خاصةً عند حصول ضرر أو حصول مفسدة أو حصول أمر يوجِب انفساخ الشركة فجأة، فإننا قد نصرف الأربعة ريالات بدولار، وحينئذٍ يكون رُبُعُ المال مستهلَكلاً للطرف الثاني، مثلاً: لو أن الشركة دخلت بمائة ألف ريال، وهذه المائة ألف في الأصل مقسومة: خمسون ألفاً من هذا، وخمسون ألفاً من هذا، فالخمسون ألفاً من أحدهما كانت دولارات فصُرِفت ريالات في يوم التعاقد، وفي اليوم الذي حصل فيه ما يوجب فسخ الشركة ورجوع كل منهما برأس ماله على صاحبه أو على مال الشركة يوجب أن نعرف كم لهذا من الدولارات، فحينئذٍ سنضطر لو أنه صفيت الشركة على المائة ألف نفسها؛ لكنها نفس المائة ألف في ذلك اليوم كانت الدولارات غالية، فسيدخل قدر من صاحب الدولارات على صاحب الريالات؛ لأنه لا يستطيع أن يعاوضه إلا بحصول نقص في رأس المال، وكذلك أيضاً العكس، فلو أنها صرفت في النقص؛ فحينئذٍ سيأخذ صاحب الريالات ربحاً؛ لأنه سيحصل هناك نوع من الفضل، فلو فرضنا أنه في يوم التصافي بينهما، وعندنا الخسارة وعندنا الربح، فأنت إذا جئت تنظر إلى مائة ألف ريال، فإن خمسين ألف ريال منها لكل واحد منهما، فلا تستطيع أن تؤمِّن رأس مال هذا إلا بأكثر من خمسين ألفاً، في حالة ما إذا جئت تصرف دولارات حتى ترد له رأس ماله، وحينئذٍ يحصل الضرر فيدخل أحدهما على الآخر في حال الزيادة، وفي حال النقص لو أن الدولارات صُرفت بنصف قيمتها، يعني: كانت بأربعة ريالات حينما اتفقا على الشركة، وحينما فسخا الشركة كانت قيمة الدولار ريالين، فإذا كانت قيمة الدولار ريالين فمعناه أن هذا نصف القيمة، وستصبح المائة ألف فيها ما هو ربح، فيُقسم رأس المال ويُعطى هذا الدولارات التي له، ويُعطى هذا الريالات التي له، ويبقى نصف قيمة الدولارات الذي يعادل الثمن؛ لأنه يدخل بتشطير المبلغين، هذا الثمن سيأخذ (1 على 16) الطرف المقابل، وهذا القدر الذي هو (1 من 16) في الأصل من قيمة الدولارات.
إذاً: دخول العملتين المختلفتين في شركة بهذا الوجه يوجد نوعاً من التداخل ونوعاً من الإضرار لأحد الشريكين في مال الآخر، وفي حال الغلاء قد يتضرر الطرف الذي بالعملة الثابتة، وفي حال الرخص يتضرر الطرف الذي شارك بالعملة غير الثابتة، والتي صُرِف مال الشركة بها.
وعلى هذا فإنه يقوي مذهب من قال: إنه لابد من اتحادهما في النوع.
أي: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة.
وقوله رحمه الله: [من النقدين]: فيه مسألتان: المسألة الأولى: صحة شركة العنان إذا كانت من الذهب أو الفضة: على التفصيل الذي ذكرناه.
وهذا -كما ذكرنا- إجماع؛ أنك لو اتفقت مع أخيك على ريالات أو دولارات فإنه لا إشكال في صحة شركة العنان.
ج- النقد المضروب: المسألة الثانية في (النقدين): يشترط أن يكونا مضروبين: فلو أنه اتَّفَق معه بذهب أو فضة من غير النقد المضروب لم تصح الشركة، مثلاً: لو قال أحدهما: أدفع حلياً وأساور، مثل: البناجر، عندي مائة بنجرة من الذهب،
(202/11)
________________________________________
حكم الشراكة بالعروض
يتفرع على قوله رحمه الله: [من النقدين]: المفهوم، وقد ذكرنا أن العلماء -رحمهم الله- في كتب الفقه يعتبرون المفهوم.
فلما قال رحمه الله: [من النقدين] يَرِدُ

السؤال
هل يجوز أن تكون شركة العنان من غير النقدين؟ أولاً: ما صورة المسألة، وما مثالها؟ صورة المسألة: أن يقول له: ما دام أن شركة العنان جائزة فلنشترك في شركة العنان بسياراتنا، تدفع أنت سيارتك، وأدفع أنا سيارتي، ثم بعد ذلك نشترك ونساهم ونتاجر ونستثمر هذا المال الذي دفعناه، هذا مثاله في المعدودات، أو يقول له: عندي طن من الحديد، والآخر يقول: عندي طن آخر من الحديد، فنجمعهما.
إذاً: سيارة مقابل سيارة، وطن حديد في مقابله طن حديد، حديد بحديد، نحاس بنحاس، طعام بطعام، هذه كلها من العُروض.
هناك صورة ثانية للعُروض: أن تكون مختلفة، مثل ما ذكرت في الذهب والفضة أن يتحدا ويختلفا كذلك في العُروض، يتحدا ويختلفا.
يتحدا: كسيارة بسيارة، وطعام بطعام، وثياب بثياب، ونحو ذلك.
ويختلفا: يقول أحدهما: عندي طن من الحديد، فيقول الآخر: عندي طن من النحاس، أو من الخشب.
أو يقول أحدهما: عندي سيارة، ويقول الآخر: عندي ثياب أو أقمشة، فأرادا أن يجمعا العَرَضين ويستثمرا هذين العَرَضين في تجارة شركة العنان.
(202/12)
________________________________________
أقوال العلماء في الشراكة بالعروض
للعلماء في هذه المسألة قولان: أ- القول الأول: قال جمهور العلماء: لا يجوز أن يكون رأس المال من غير النقدين: الذهب، والفضة، وهذا القول قال به طائفة من السلف رحمهم الله من أئمة التابعين، كالإمام محمد بن سيرين، وقال به أيضاً سفيان الثوري وهو مذهب أهل الرأي، والشافعية، والحنفية، والحنابلة على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله ورحم الجميع -وقد اختار هذه الرواية غير واحد من أصحابه- هذا القول يقول: لا يجوز أن تكون شركة العنان إلا بذهب أو فضة، ويُشترط في الذهب والفضة أن تكون مضروبة، يعني: من النقود كالدراهم والدنانير.
ب- القول الثاني: يجوز أن يكون رأس المال من العُروض.
وهذا القول قال به بعض المالكية رحمهم الله، وبعض العلماء ينسبه لمذهبهم، ولا تخلو النسبة من بعض النظر؛ لأن فيه وجهاً، فبعض المالكية رحمهم الله نصَّ وأطلق على جوازها بالعُروض.
فالمالكية يوافقون الإمام أحمد في رواية، وهو قول بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة، يعني: أنه مذهب المالكية وبعض الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع.
فقالوا: يجوز أن يتفق الاثنان بالعُروض من الأطعمة والأكسية وغيرها؛ لكن عند المالكية لا يجيزون إلا في حدود معينة، فقالوا: إذا كان رأس المال من الطعام لا يجوز، قالوا: لأنه إذا شاركه بطعام يكون من بيع الطعام قبل قبضه.
كيف؟ قالوا: لأنه إذا دفع في العُروض طعاماً في مقابل شيء آخر من العُروض الأخرى، أو دفع طعاماً في مقابل طعام، قالوا في صورة مقابلة الطعام بالعُروض: كأن أحد الشريكين قابَلَ الآخر معاوضةً، وكأن رأس المال هذا في مقابل رأس المال الآخر، فحينئذٍ تكون المعاوضة قبل القبض؛ لأن الشريك الآخر لم يقبض حصة شريكه، وحينئذٍ يكون عند المالكية شرط في شركة العنان: أنه لابد من إطلاق اليد على المالين، يعني: لا يصح أن تقع الشركة إلا بعد أن يكون المالان قد أطلقت يدا الشريكين عليهما، كأن يُوْضَعا في دكان واحد، أو يُوْضَعا في متجر واحد، فيوضع الطعام في متجر واحد، فحينئذٍ إذا وضعت اليد عليهما كان ذلك موجباً للاعتبار أو الحكم بالصحة؛ لكن قبل أن توضع اليد عليهما لا يصح.
وحينئذٍ قالوا: إن الطعام لا يمكن أن توضع اليد عليه؛ لأن الشركة لم تكن على الطعام، إنما وقعت على قيمة الطعام، فهما يشتركان في الطعام بقيمته، وهذا منصوص عليه، فإذا كانت الشركة بقيمة الطعام كما ذكرنا في مسألة قيمة الدولارت والريالات، إذا كانت الشركة بقيمة الطعام، فأنت تنظر إلى أن الطعام سيُباع قبل الدخول في الشركة، وقبل تنفيذ الشركة واستثمار الأموال.
فحينئذٍ يكون البيعُ وبيعُ عِوَضِه بطعام ولم يقبض الطرف الثاني الطعام، فيصبح حينئذٍ من بيع الطعام قبل قبضه، وبيع الطعام قبل قبضه منهي عنه كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
الخلاصة: هناك قول يقول: لا يصح ولا يجوز أن يكون رأس المال من العروض، وهو مذهب جمهور العلماء.
وهناك قول يقول: يجوز ويصح أن يكون رأس مال شركة العنان من العُروض.
(202/13)
________________________________________
حجج القول بالجواز والمنع في الشراكة بالعروض
الذين أجازوا والذين منعوا، ما هي حججهم؟ القول الأول -وهو قول الجمهور- يقول: إننا إذا بعنا العروض سنبيعها بقيمة، وإذا جئنا عند التفاسخ -يعني: فسخ الشركة- أو طرأ الفسخ فجأة، فإننا سنبيعها بقيمة قد تختلف عن القيمة التي كانت في حال الاتفاق، أو إذا جئنا نقيم بقيمة موافقة للقيمة التي كانت في حال الاتفاق فإننا سنظلم أحد الطرفين: مثال ذلك: لو أن السيارة بيعت أثناء الاتفاق -السيارة التي شارك بها- بخمسين ألف ريال، ثم بعد سنتين حصل التفاسخ، فحينئذٍ كم قيمة السيارة بعد سنتين؟ هل ستبقى قيمة السيارة خمسين ألفاً؟

الجواب
لا.
وبطبيعة الحال ستنزل قيمة السيارة، لو بيعت أثناء التفاسح لوجدنا قيمتها عشرين ألفاً أو خمساً وعشرين ألفاً، فكأنه يظلمه في نصف القيمة، فسيرجع الشريك بخمسين ألفاً، ويُطالب بالخمسين ألفاً التي هي قيمة السيارة أثناء الاتفاق على الشركة، مع أنه أثناء التفاسخ لو جئنا نقدر قيمةً مِثْلِيَّة لما دفعه في الشركة لوجدناها بنصف القيمة، فيدخل على شريكه بخمس وعشرين ألفاً، والأصل أن هذه الخمسة والعشرين ألفاً ينبغي أن تكون من أرباح الشركة.
وعلى هذا لو كان رأسُ مالِه مائةَ ألف، وعند التفاسخ كان مائةً وخمسة وعشرين ألفاً، فكانت مائة ألف، وعند التفاسخ حصل التراد، فإننا نرد لأحد الشريكين وهو صاحب السيارة أو صاحب العَرَض جزءاً من الربح؛ لأن قيمة العَرَض نزلت إلى النصف؛ لأن العروض تقدر بمثلها.
يعني: لو أن شخصاً جاءك بسيارة وقال لك: أنا شريكك بهذه السيارة، فإنك حينئذ تنظر إلى مثل السيارة بأوصافها وذاتها، وتقدرها، فإذا قدرتَها بخمسين ألفاً ودخل معك الشركة أصبحت الخمسون ألفاً هي رأسُ ماله.
وفي الحقيقة أن المسألة قد يعترض فيها معترض على الجمهور ويقول: إن صاحب السيارة دخل الشركة بخمسين ألفاً حقيقةً، ولم يدخل بسيارته.
والجواب: إن من دقة الجمهور أنهم نظروا إلى الاتفاق؛ لأن الصيغة والاتفاق تَمَّا والعين موجودة، يعني: حينما اتفقنا كطرفين، هل الذي قدَّمه حين قدَّمه خمسين ألفاً أو أنه قدَّم سيارة؟ الجواب: قدَّم سيارة.
فأنت إذا نظرتَ -وهذا من دقة الشريعة- لن تجد على وجه الأرض حكماً أتمَّ ولا أكملَ من هذه الشريعة، ينظر العلماء إلى كلِّ شيء، الوقت، والزمان وغير ذلك، وكلُّ كلمة لها قيمتُها ودلالتهُا، لن تجد تشريعاً ولن تجد منهجاً يعطي العقود حقها وقدرها بكل تفصيل، ويقف مع كلمة المتعاقدين ومقصودهم يقف مع أعراف الناس، مثل الشريعة الإسلامية.
فهم يقولون: إن الأصل في الشريعة أنه إذا حصل التعاقد يكون بالصيغة: (الإيجاب، والقبول).
ونحن لا ننظر إلى أن السيارة قد بيعت؛ لأن بيعها وقع بعد الاتفاق على الشركة؛ لكن رأس مال الشركة أثناء التعاقد وقع على ماذا؟ على عَرَض، وتم الاتفاق على عين وهي السيارة، ولم يتم الاتفاق على النقد وهي (الخمسون ألفاً)، وإنما حصلت الخمسون ألفاً واستُغلت الشركة؛ لأنه يقال: ستُباع العُروض وتُستثمر أموالُها، فتستغل الشركة؛ لكنها في الأصل وقع عليها العقد.
فلابد أن نقف مع العقد؛ لأن الشريعة لو أجازت الانصراف عن العقد لدخلت كثير من الاعتراضات على بقية العقود التي أعملت فيها الشريعة اتفاق الطرفين في العقد.
ولذلك وقف الجمهور عند هذا الأصل، فقالوا: اتفق الطرفان على هذه العروض، فلو أنها بيعت أثناء التعاقد أو بعد التعاقد ولو بساعة -بيعت بخمسين ألفاً- فإنه عند التراد وعند فسخ الشركة ستُباع بأقل أو أكثر، وقل أن نجد عَرَضاً بعد سنتين أو ثلاث سنوات بنفس الثمن، ولربما فُسخت الشركة بعد عشرين سنة، وبعد عشرين سنة ربما كانت القيمة أضعافاً كما في الأشياء النادرة، ولربما كانت القيمة أقل وأرخص.
إذاً: الضرر موجود.
ثانياً: قالوا: إنه إذا اتفق الطرفان على هذه الشركة، وأعطى أحدهما سيارة بخمسين، وأعطى الآخر سيارة بخمسة وعشرين، على أن الشركة متفاوتة في الرءوس، أو أعطى أحدهما سيارة بخمسين والآخر أعطى سيارة بخمسين فربما أن سيارة أحدهما اليوم تباع بخمسين؛ ولكنها في الغد ستباع بعشرين، أو بخمسة وعشرين، أو بثلاثين، فلا نضمن قيمة العروض، ولربما دخل أحدهما الشركة بطعام، ودخل الآخر بعطور، والعطور قيمها ثابتة، والأطعمة قيمها غير ثابتة.
فالمقصود: أنهم قالوا: إننا لا نمنع إلا من موجب، وهو خوف الضرر، وهذه الجهالة التي قد توجب الإضرار بأحد الطرفين في حال الغلاء أو في حال الرخص، وحينئذ لا تصح الشركة على هذا الوجه.
وهذا لا شك أنه أقوى وأرجح.
وأما الذين أجازوا فلهم تعليل، قالوا: إن الاتفاق على القيم، ثم إنه إذا رضي بهذه القيمة فقد رضي عما ينشأ من خسارة وربح، وهذا لا يخلو من نظر.
والذي تطمئن إليه النفس أن الاتفاق على العروض فيه شبهة.
يعني: القول بجواز شركة العنان بالعروض لا يخلو من نظر، والشبهة فيه قوية، وسيأتي مزيدُ تفصيلٍ -إن شاء الله- في المضاربة، وهي القِراض، إذا كانت القِراض أو المضاربة، وهي من الضرب في الأرض -التجارة- إذا كانت على العروض فإن جماهير العلماء رحمهم الله اختلفوا على منعها، وسنذكر هذا ونبين وجه ذلك وأن العلة فيه أشبه بالعلة التي ذكرناها في شركة العنان.
(202/14)
________________________________________
حكم الشراكة بالمال المغشوش
[ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين، ولو مغشوشين يسيراً]: لأن الذهب مادة ضعيفة، وتحتاج إلى شيء يعين على تماسكها، فتُخلط بالنحاس، فيكون مخلوطاً بالنحاس، ولربما خُلط بمعادن أخرى، فالدراهم والدنانير فيها الصحاح وهي ضد المكسَّرة، وفيها السليمة وهي ضد المغشوشة.
ثم إن المغشوش على مراتب: - هناك المغشوش غشاً يسيراً.
- وهناك المغشوش غشاً متفاحشاً.
فالمغشوش غشاً يسيراً يتسامح فيه العلماء، وهذا التسامح مبني على باب ذكره العلماء، وهو باب الاستحسان، فتسامَحوا في هذا اليسير من الغش، وقالوا: يجوز أن يتعاملا أو يتعاقدا على شركة عنان بذهب أو فضة مغشوش كل منهما غشاً يسيراً.
أما لو كان الغش فادحاً فإننا لا ندري كم نسبة الذهب في الدينار، ولا ندري كم نسبة الفضة في الدرهم، فأحدهما يعطي ذهباً مغشوشاً، وقد يكون غشه كثيراً بحيث لا يتعادل مع الآخر، فعند التقاضي يحصل الظلم مثل ما ذكرنا في شركة العروض؛ لأنه إذا كان الغش قوياً دخل أحدهما على مال الآخر.
أي: لو أن هذا الذهب مغشوشٌ غشاً يصل إلى الثلث، أو إلى الربع، فهذا الغش ليس بيسير، فحينئذ يكون ثلاثة أرباعه ذهباً، والربع مغشوشاً، فربع القيمة لهذا الدينار دخلت على الشركة، فعند التقاضي والتراد، وعند التفاسخ سيكون هناك ضرر على قيمة الدنانير والدراهم التي ستؤخذ في تصفية الحقوق، فيُعطى ديناراً سليماً، فإذا أعطي ديناراً سليماً فمعناه أنه سيأخذ من الربح جزءاً.
يعني: إذا كانت نسبةُ الغِشِّ الرُّبُعَ فمعنى ذلك أنه إذا جئنا لنفسخ الشركة أو ننظر إلى ربح الشركة فهناك نسبة الربع ستدخل على الربح، ويأخذ صاحب الدراهم المغشوشة والدنانير المغشوشة نسبة غشه من الذهب والفضة، مع أنه لم يدفعها ذهباً ولم يدفعها فضةً، فيدخل على ربح الشركة، ويظلم الطرفَ الآخَرَ باستحقاق شيء ليس من حقه.
(202/15)
________________________________________
ضوابط الاشتراك في الربح
قال رحمه الله تعالى: [وأن يشترطا -لكل منهما- جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً، فإن لم يُذْكر الربح، أو شرطا لأحدهما جزءاً معلوماً، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين لم تصح، وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة]: - فقوله رحمه الله: (وأن يشترطا لكل منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً): الشركة تقوم على ثلاثة أشياء مهمة: رأسُ المالِ الذي سيستثمر، ثم العمل والربح الذي يُنتجُ ويُثمرُ.
فأما بالنسبة لرأس المال فقد ذكرنا شروطه.
وبالنسبة للعمل فستأتي بعض الأحكام التي سنذكرها وننبه فيها على اختلاف بعض الشركات؛ لكن من حيث شركة العنان فإن العمل يكون من الطرفين، ويجوز أن يعمل أحدهما ويسامح الآخر، ولا بأس بذلك، فمثلاً: لو أننا اشتركنا بعشرين ألفاً دفع كل واحد منا عشرة، ثم اشترينا بهذه العشرين محلاً تجارياً، فكان أحد الشريكين يأتي إلى المحل بما يقارب من العشر ساعات، ويأتي الآخر في حدود ساعة، فهذا لا يضر، ما دام أنهما متفقان وبينهما تراضٍ فلا إشكال؛ لكن في أصل الشركة العمل يكون بينهما.
فبالنسبة لشركة العنان فيها اشتراك في المال وهو رأس المال، واشتراك في العمل الذي يُستثمَر به رأس المال؛ لكن من ناحية الربح فالربح بين الطرفين، وبناءً على ذلك لا يصح في شركة العنان أن ينفرد أحدهما بالربح فيقول: أشاركك بعشرة آلاف منك وعشرة آلاف مني على أن الربح لي وحدي، فهذا لا يجوز، أو يقول له: أشاركك بعشرة آلاف منك وعشرة آلاف مني والربح كله لك، لا يصح، فلابد أن يكونا شريكين في الربح؛ لأن مقتضى الشراكة يقتضي هذا، وأجمع العلماء رحمهم الله على صحة شركة العنان إذا وقع الاتفاق على الاشتراك في الربح.
لكن يرد

السؤال
ما هي ضوابط الاشتراك في الربح؟ اشترطنا في الربح الاشتراك؛ لأن الربح في الأصل ناتج عن رأس المال، وإذا كان الربح ناتجاً عن رأس المال فمعناه أنني أستحق كما تستحق، فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد به كما ذكرنا.
وكذلك أيضاً ينبغي أن يكون هذا الربح الذي يتفق عليه الطرفان ربحاً مشاعاً، فيقول له: تدفع عشرة آلاف وأدفع أنا عشرة آلاف، على أن الربح بيننا، فلك نصف الربح ولي نصف الربح.
هذا النوع من شركة العنان، إذا كان رأس المال متساوياً، والعمل متساوياً، والربح متساوياً، فبإجماع العلماء على أنها شركة شرعية، ولا إشكال فيها، إذا اتفقا على رأس مال متساوٍ، والعمل كان بينهما، وكان نسبة الربح بينهما متساوية، فبالإجماع على أنها شركة جائزة، ولا حرج في هذا النوع من التعامل.
لكن لو أن أحدهما اشترط الربح دون الآخر فذلك لا يجوز.
وقد قال بعض العلماء: لا خلاف.
وقال بعض العلماء: أجمع كل من نحفظ عنهم العلم أنه لا يجوز لأحدهما أن يستأثر بالربح.
وبعضهم يحكي الإجماع بصيغة (الإجماع)، وبعضهم يحكي الإجماع بصيغة: (لا خلاف)، فليس هناك أحد من العلماء يقول: من حقه أن يستأثر بجزء من الربح.
وبناءً على هذا: فإننا نقول: إنه إذا قال له: الربح كله لي، فلا يجوز.
وإذا قال له: الربح بيني وبينك، فإنه يجوز ويُشرَع.
وهذا الجزء من الربح ينبغي أن يكون مشاعاً، والمشاع هو المشترك على الشيوع، يقول له: لي النصف ولك النصف، أو لي ثلاثة أرباع الربح، ولك الربع، أو لي الثلثان ولك الثلث، فإن الثلث والربع والنصف كل منها جزء مشاع، وعلى هذا لا يجوز أن يُدخِل نسبة مبهمة، كأن يقول له: لك جزء من الربح ولا يحدد.
إذاً: إذا قال له: لك جزء من الربح، أو أعطيك من الربح شيئاً، فلا يجوز.
أو قال له: أرضيك من الربح، فإن هذا يعتبر جهالةً موجبةً لعدم صحة الشركة، وعدم صحة التعاقد على هذا الوجه الموجب للغرر، بل لابد أن يعلم نسبته من الربح، وكم له من ذلك النتاج الذي يكون من استثمار الشركة.
(202/16)
________________________________________
الأسئلة
(202/17)
________________________________________
حكم اشتراط الزيادة في الربح بسبب الحذاقة والخبرة في الشركة

السؤال
إذا عمل شريكان بأبدانهما في عمل واحد، وكان عملهما متشابهاً وفي وقت واحد، إلا أن أحدهما أحذق من الآخر، وأكثر حرفة منه، فهل له أن يشترط زيادةً على شريكه؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فلا يجوز أن يُنظَر في الشركة إلى مثل هذا من حيث الجملة، والسبب في هذا أن الشركة إذا دخل الاثنان على ربح فيها أو على اشتراك في النتاج الذي يكون منها، فإن الحذق من أحدهما والضعف من الآخر بمثابة الشيء الواحد، يعني: حذق هذا يجبر ضعف هذا، ولا نأتي ونقول: نميز بينكما بالحذق؛ لأنه أثناء الشركة يريد الله سبحانه وتعالى أن هذا الذي تقل زبائنه ويقل حذقه، يكون عمله أكثر من الحاذق، فالمسألة ليست بمضمونها، ولذلك يقولون: يدخل غالباً في الربح والنَّتاج: أن الشخص يتحمل مسئولية المخاطرة، مثلاً: إذا اشترك الاثنان في العمل، مثل الصيادين، والنجارين، والحدادين، ربما تجد الرجل من أمهر خلق الله؛ لكن لا يأتيه أحد أثناء مدة الشركة إلا الرجل والرجلان، وتجد الآخر أضعف حالاً منه؛ لكن يريد الله أنه في زمان الشركة جاءه أناس أكثر من الآخر، فلا نأتي نقيس ونقول: هذا بهذا، فالحذق وكثرة الزبائن وكثرة العملاء لا يلُتْفَت إليها؛ لأنها مدخولة على الخطر، وكل منهما قد حمل الآخر، وأصبح الضمان في العمل كالشيء الواحد، إذ لو جئنا ننظر إلى حذقهما لم تكن شركة؛ لأننا أعطينا كل واحد منهما حقه، فالشراكة تقتضي أن كلاً منهما يتحمل عن الآخر، ولذلك لو أن أحدهما دخل وهو أقل خبرة وشاء الله أنه لم يربح، وانكسرت التجارة، ثم دخل الثاني بعده، وشاء الله أن يكون أكثر خبرة، ونمت التجارة واستُثمرت، فلا يقل: أنا الذي نميت المال، ويكون الربح لي.
هذا ضابط عام من حيث الجملة في الشركة لا يُلْتَفَت إليه؛ لأنه لو جئنا نلتفت إليه خرجنا عن مقصود الشركة؛ لأنك ما شاركت إلا وأنت تريد أنك مع شريكك كالشيء الواحد، وأن موجب الشركة يحتم عليك أن تتحمل من شريكك ما يتحمله منك، وأن تضمن من شريكك ما يضمنه منك، وكل منكما يجبر كسر الآخر، وكل منكما يحسن إلى الآخر بما كان له من نتاج.
فأياً ما كان هذا النوع لا يُلتفت إليه، ولو جئنا ننظر في الشركات إلى القوة والخبرة فمعنى ذلك أننا سندخل في تفصيلات كثيرة، وسنخرج عن أصل الشركة، وهذا أمر من حيث الأصل العام في الشركة غير مقبول، ولذلك حينما ذكروا شركة الأبدان والعمل ذكروا حديث الاشتراك في غزوة بدر، فإن فيه أن عبد الله بن مسعود وعمار وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم اشتركوا، فجاء سعد بأسيرين، ولم يأتِ صاحباه بشيء، وسعد له بلاء في الجهاد أكثر من غيره، فما جاء يقول: أنا الذي أبليت وأنا الذي حصَّلت، ولو قال هذه الكلمة فإنه قد خرج عن كونه شريكاً؛ لأنه في هذه الحالة أصبح منفرداً عن الآخرَين بما كان من عمل، ومقتضى الشركة أن تدخل على الخطر، فإن كان فتح الله عزَّ وجلَّ لأخيك وشريكك فهذا خير لكما بمقتضى الاتفاق، وإن فتح الله عزَّ وجلَّ عليك ولم يفتح على شريكك فهو شريك معك؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قد جعلكما كالشيء الواحد بموجب هذا العقد والاتفاق.
فلا يُلتَفت إلى مسألة الحذق وعدمه.
والله تعالى أعلم.
(202/18)
________________________________________
معنى كلمة (لو) في مصطلحات المتون

السؤال
مر معنا أن كلمة (لو) معناها في هذا اللفظ المبارك إشارة إلى الخلاف، فهل هذا مُطَّرِد في جميع المتون؟

الجواب
( لو) يُشار إليها بالخلاف المذهبي؛ لكن تختلف؛ لأن المتون تختلف مصطلحاتها، وبعض العلماء المصطلحات في متونهم الفقهية فيها على قسمين: القسم الأول: المصطلحات المشهورة والغالبة، كقوله: ويجوز ذلك على المشهور، فالمشهور مصطلح في جميع المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وكلهم يستخدمون هذا المصطلح، والقول المشهور هو الذي عليه العمل والفتوى، قيل: الذي عمل به الأكثر في المذهب، وقيل: إنه الأقرب للدليل أو لأصول الإمام، على حسب الضوابط عند العلماء رحمهم الله.
كذلك ربما يكون المصطلح مصطلحاً شائعاً عند الجميع، وفي متون المذاهب كلها ربما يكون المصطلح خاصاً، فقد يأتي عالم ويضع مصطلحاً خاصاً لمتنه، يخرج فيه عن المصطلحات المشهورة، فإذا قرأت المتن تتقيد بهذا بمصطلحه الذي ذكره، على سبيل المثال: يقول صاحب المختصر خليل بن إسحاق: مشيراً بـ (فيها) للمدونة، وبـ (أُوِّلَ) إلى اختلاف شارحيها في فهمها، وبـ (الظهور) لـ ابن رشد، وبـ (القول) للمانذلي، وبـ (الترجيح) لـ ابن يونس، وبـ (الاختيار) للخمي.
مثلاً إذا قال: وفيها لا يجوز.
أي: المدوَّنة، أو يقول: لا يجوز وهذا قول في المذهب؛ لكن في الفنون الأخرى، قد تكون (فيها) ولا تعني قولاً أصلاً.
إذاً: هذا مصطلح خاص لصاحب المتن.
وبـ (أُوِّل) إلى اختلاف شارحيها في فهما: وقد تجد بعض العلماء يقول: وهل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ فيه تأويلان، (تأويلان) مثل قوله: قولان أو وجهان؛ لكن قد يُصْطَلَح على التأويل بمعنىً خاص مثل ما ذكرنا، فيكون قوله: تأويلان أو ثلاثة، إشارة إلى أنه اختُلِف في فهم عبارة المدوَّنة، فمنهم مَن أوَّلها على الجواز، ومنهم مَن أوَّلها على التحريم، أو تكون عبارة (المدوَّنة) التي نُقِل فيها القول عن الإمام، تكون محتملة للتحريم وللكراهة، فمنهم مَن أَخَذ بظاهرها فحرَّم، ومنهم مَن أَخَذ بالمعنى وبالأصول العامة وفَهِمَها على ضوء الأصول العامة فقال: يُكره كراهة تنزيه.
هذه كلها ضوابط يُرْجع إليها، ولذلك يقولون: لا يمكن لأحد أن يستفيد من كتاب الفقه حتى يقرأ مقدمته، فإن العلماء -رحمهم الله- اعتنوا ببيان المصطلحات في المقدمات، ولا يمكن لأحد أن يضبط هذه الكتب إلا بالرجوع إلى المقدمات، وينبغي أن يُنْتَبَه لهذا الأمر، خاصةً وأن بعض طلاب العلم في هذا الزمان يرجع إلى كتب العلماء مباشرة، دون سبق قراءة لمقدمة هذه الكتب ومعرفة الضوابط والقيود، والمصطلحات.
يعني: ربما يأتي إلى كتاب وينقل منه إجماعاً وليس بإجماع، مثلاً: الإمام النووي يقول: اختلف أصحابنا، هل يجب هذا التكرار أو لا يجب في هذه المسألة على قولين: قيل بالوجوب.
وقيل بعدمه.
ومحل الخلاف إن وجد الشرط، فإن لم يوجد فلا يجب إجماعاً.
فيأتي ويقول: لا تجب المسألة إجماعاً، وينقل عن الإمام هذا.
فإجماعاً يعني: إجماع أصحاب القولين، وهذا إجماع داخل المذهب، والإجماع المذهبي لا علاقة له بالإجماع العام الذي هو حجة، فينقل إجماعات بدون إجماع، فتجد مثل هذه العبارة، وقد يُعَبَّر بالاتفاق، فيقول: وهل يجوز أو لا يجوز؟ قال قولٌ بالجواز، وينسب القول إلى صاحبه، وقال قول بعدم الجواز، ومحل الخلاف بين القولين إن ظهر -مثلاً: إن ظهر الشيء- فإن كان مخفياً أو غير ظاهر فاتفقوا على عدم الجواز، واتفقوا صيغة إجماع؛ لكنها في هذا الموضع تعني اتفاق أصحاب القولين.
وفي بعض الأحيان نجد بعض العلماء يُعَبِّر بالإجماع كإجماع، ويُعَبِّر بالاتفاق لاتفاق الأئمة الأربعة، يعني: إذا قال: واتفق العلماء، المراد: الأئمة الأربعة، وهذا ليس بإجماع؛ لأن الأئمة الأربعة إذا اتفقوا فليس بإجماع، فقد يتفقون على أمر مجمع عليه، وقد يتفقون على أمر يخالفهم غيرهم، كالإمام داود الظاهري رحمه الله.
إذاً: لابد من معرفة المصطلحات، ومعرفة عبارات العلماء، وطريقة تناول هذه العبارات، مثل كلمةٍ أو وصفٍ ففي بعض الأحيان تجد عبارة: واختار الشيخ عدم الجواز، في كتب الحنابلة رحمهم الله إذا قالوا: واختار الشيخ عدم الجواز، فهو شيخ الإسلام رحمه الله، فقد أصبح مصطلحاً خاصاً به، وهذه المصطلحات الخاصة تكون للأئمة لجلالة قدرهم، وعلو شأنهم، ولأنهم أبلوا بلاءً عظيماً في العلم، ومثلاً: تجد مصطلح (القاضي) وقال القاضي: لا يجوز، فعند الحنابلة إذا قيل: قال القاضي فهو القاضي أبو يعلى رحمه الله، وقد يقال: قال القاضي عند المالكية ويراد به القاضي عياض، وقد يطلق عند المالكية ويراد به القاضي ابن رشد، الجد أو الحفيد على حسب النقل.
فهذه عبارات لابد من معرفتها، ولابد من الرجوع إلى مصطلحات العلماء رحمهم الله.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يتقبل ذلك منا، إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(202/19)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الشركة [3]
أصل عقد الشركة يقتضي المشاركة في الربح والنتاج، ولهذه المسألة شروط وضوابط وأحكام فصلها العلماء في معرض بيانهم للشروط التي ينبغي توافرها للحكم بصحة الشركة.
(203/1)
________________________________________
من شروط صحة شركة العنان: أن يكون الربح مشاعاً معلوماً
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زال المصنف رحمه الله في معرض بيانه للشروط التي ينبغي توافرها للحكم بصحة شركة العنان، ومن ذلك: مسألة الربح، فإن الشريكين إذا دفع كل واحد منهما مالاً واتفقا على المتاجرة بالمال الذي اشتركا فيه، فإنه ينبغي أن يحددا نسبة ربح لكل منهما، وذلك لأن أصل عقد الشركة يقتضي المشاركة في الربح.
وبناءً على هذا: لا يجوز أن يكون الربح كله لواحد منهما، فلو دفع كل واحد منهما عشرة آلاف -مثلاً- واتفقا على أن الربح لأحدهما لم يصح؛ لأن مقتضى الشراكة أن يكون لكل منهما نصيب من هذا الربح.
وقد بيَّن المصنف رحمه الله أن لكل واحد من الشريكين حظاً من الربح، ثم هذا الحظ من الربح، لابد أن يكون مشاعاً معلوماً، فلما قال: [مشاعاً] دل على أنه لا يجوز أن يستبد به أحدهما دون الآخر، كما يقول رجل لآخر: أعطني عشرة آلاف وأدفع أنا عشرة آلاف وتكون الشركة بيننا، والربح كله لي أو الربح كله لك، فإنه غير مشاع، ولا يجوز.
كذلك ينبغي أن يكون هذا المشاع معلوماً، فلو قال له: ادفع عشرة آلاف، وأنا أدفع عشرة آلاف، ونشترك في تجارة العود -مثلاً-، على أن لي جزءاً من الربح، ويسكت، ولا يحدده، ولا يبين كم قدر ذلك الجزء من الربح، فإنه لا يجوز؛ لأنه مشاع غير معلوم.
فلابد أن يكون الربح مشاعاً ومعلوماً.
ومشاعاً: أي: لا يستبد به أحدهما دون الآخر.
ومعلوماً: أي: غير مجهول، والجهالة في الربح تكون بالنصيب نفسه، كقوله: نشترك بعشرين ألفاً، تدفع عشرة آلاف، وأدفع عشرة آلاف، ولك جزء من الربح نتفق عليه لاحقاً، أو سوف نتراضى على الربح، أو نقتسم الربح بيننا بعد ذلك بما يُرضي كل منا الآخر، كل هذا من الجهالة، وقد قال جماهير السلف والخلف بعدم جواز هذا النوع من الشركة، وهو أن يكون نصيب كل واحد منهما مجهولاً في الشركة.
إذاً: تكون الجهالة بعدم تحديد النسبة -نسبة كل واحد منهما من الربح- وتزول هذه الجهالة بالتحديد، كقوله: لي نصف الربح ولك نصفه، أو لي ثلثا الربح ولك ثلث، أو لي ثلاثة أرباع الربح ولك الربع، وهكذا.
فقوله: النصف، أو الثلثان، أو الثلاثة أرباع والربع، كله مشاع معلوم؛ لأن نسبة النصف معلومة، ونسبة الثلث والربع معلومة، على خلاف بين العلماء: هل ينبغي أن يكون الربح متعلقاً برأس المال؟ فمثلاً: إذا دفعنا رأس مال مشترك بيننا بالسوية، فهل ينبغي أن يكون الربح بالسوية؟ فمن دفع النصف من رأس المال يكون له النصف من الربح، ومن دفع الثلثين، يكون له الثلثان من الربح؟ هذا لا شك أنه أحوط الأقوال وأولاها -إن شاء الله- بالصواب، وهو أن الربح يتعلق برأس المال، وذلك لأن شركة العنان لا تشبه شركة المضاربة كما يقول بعض الفقهاء، فيجيز تفاضل النسبة في الربح بتفاضل العمل.
والأقوى والأشبه بالأصول: أنه لابد أن تكون نسبة الربح على نسبة رأس المال، فإذا اشتركا بعشرين ألفاً ودفع كل واحد منهما عشرة آلاف، فالربح ينبغي أن يكون مناصفةً بينهما، وإذا كان المبلغ أربعين ألفاً دفع أحدُهما ثلاثين ألفاً، ودفع الآخر عشرة آلاف، فالربح يكون بينهما أرباعاً، ثلاثة أرباع لِمَن دفع ثلاثين، والربع يكون للآخر.
وإن كان بعض العلماء يجيز التساوي في رأس المال مع التفاضل في الربح، كأن تدفع خمسين ألف ريال، ويدفع الآخر خمسين ألف ريال، ويكون لأحدكما ثلثا الربح، فقد تفاضل الربح مع تساوي رأس المال، وإن كان الأوجه والأقرب -إن شاء الله- للصواب التساوي؛ لأن القياس هنا مُعْتَرَضٌ عليه، وسنبين -إن شاء الله- في باب المضاربة أنه قياس على الخارج من الأصل، ولا يستقيم على هذا الوجه.
(203/2)
________________________________________
صور عدم كون الربح مشاعاً معلوماً
قال رحمه الله تعالى: [فإن لم يذكرا الربحَ، أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين، لم تصح]:
(203/3)
________________________________________
عدم تسمية الربح
(فإن لم يذكرا الربحَ): إذا لم يذكر الطرفان الربح وقالا: نشترك بأربعين ألفاً ودخلا في الشركة ولم يحددا نسبة ربح كل منهما من المال، فإنه لا يجوز، ولا تصح الشركة.
والسبب في هذا أن العلماء رحمهم الله يقولون: إن الربح محل العقد في الشركة، ومعنى قولهم: (محل العقد) أي: أن العقد ورد عن الربح، فمثلاً: حينما تتفق مع شخص على التجارة في السيارات، وتقول: نشترك في شركة بخمسين ألفاً، تدفع نصفها، وأدفع أنا نصفها، ونتاجر في السيارات، نشتري السيارات ونبيعها ونستثمر، فإنكما إذا اتفقتما على الخمسين ألفاً أن تتاجرا فيها، فإن محل العقد ومورد الصيغة (نشترك) على الخمسين ألفاً وعلى ربحها ونتاجها.
إذاً: محل العقد منصب على الربح، ومنصب على رأس المال، قالوا: وإذا كان العقد منصباً على محله، وهو الربح، فلا يجوز أن يكون الربح مجهولاً، كما لا يجوز في البيع أن يكون الثمن والمُثْمَن مجهولاً، وقد بينا في البيع أنه لا يصح أن يتعاقد الطرفان في المعاوضة على شيء مجهول، كذلك هنا لا يصح أن يتعاقد الشريكان بدفع كل منهما لمال، وهو لا يدري كم ربحه من ذلك المال، ثم إن وجود الجهالة في الربح تفضي إلى الخصومة والنزاع، وتفضي إلى الأذية والإضرار؛ لأن كلاً منهما سيحاول بعد ذلك أن يكون له الأحظ من الربح، وحينئذٍ يظلم أحدهما الآخر، ولربما وقعت في ذلك الشحناء، وقد بينا أن الشريعة لا تجيز الوسائل المفضية إلى المفاسد المحرمة، كالشحناء ونحوها من الخصومات والنزاعات التي تترتب على الجهالة، وقد فصلنا هذه المسألة، وبيناها وبينا مقاصد الشريعة حينما تكلمنا على بيع المجهول.
(203/4)
________________________________________
أن يشترط أحدهما جزءاً مجهولاً
قوله: [أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً]: مثل أن يقول: لي شيء من الربح، فالشيء من الربح مجهول، ما يُدرَى أهو كثير أو قليل، فهذا لا يجوز.
(203/5)
________________________________________
أن يشترط أحدهما دراهم معلومة
قوله: [أو دراهم معلومة]: كقوله: نشترك ولي ألف، أو لي عشرة آلاف من الربح، فلا يجوز.
وقوله: [أو ربح أحد الثوبين، لم تصح]: إذا حدد أحد الشريكين شيئاً من الشركة على أن يأخذ ربحه، فإنه محرم ولا يجوز؛ لأنه قد لا يربح إلا هذا الثوب، ولذلك نص العلماء رحمهم الله على تحريم هذا النوع من الاشتراط.
فقوله: [فإن لم يذكرا الربحَ، أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين، لم تصح]: والدراهم المعلومة في زماننا كقوله: نشترك بعشرين ألفاً، ويكون لي كل شهر -مثلاً- ألف ريال، أو يكون لي في نهاية الشركة عشرة آلاف؛ لاحتمال ألَّا تربح الشركة إلا هذه، فإنه لو قال لي: أشاركك بعشرين ألفاً، منك نصفها، ومني نصفها، على أن آخُذَ عشرةَ آلافٍ من الربح، أو آخُذَ عشرين ألفاً، أو آخُذَ خمسةَ آلافٍ، أو آخُذَ ألفاً، فإنه إذا حدد شيئاً معيناً من المال فإنه غرر، وقد نص جماهير العلماء حتى إن ابن المنذر رحمه الله يحكي الإجماع على أنه إذا اشترط مالاً معيناً كألف ريال أو عشرة آلاف درهم أو نحو ذلك أن الشركة باطلة، ولا يجوز أن يحدد مالاً معيناً أو جزءاً معيناً؛ لأنه يحتمل أن الشركة لا تربح إلا هذا الشيء.
ومن أمثلة هذا النوع في زماننا: أن يشتركا -مثلاً- في تجارة العود، فيقول له: نشترك في تجارة العود خشباً ودهناً، ويكون رأس المال خمسين ألف ريال، اتفقا ودفعا الخمسين ألفاً، هذا خمسة وعشرون، وهذا خمسة وعشرون، فلما أرادا التعاقد على إتمام الشركة قال أحدهما: أشترط أن يكون لي ربح عود الخشب، ويكون لك ربح عود الدهن.
فهذا لا يجوز؛ لاحتمال ألَّا يربحا إلا عود الدهن، فيُظلم أحدهما بنصيبه، ويستفيد الآخر من نصيب صاحبه دون أن يعاوضه بحق الشركة، والعكس: فلو قال له: لي ربح الخشب، فإنه يحتمل ألَّا يربح إلا الخشب، فحينئذٍ يُظلم الطرف الثاني الذي يكون له ربح الدهن.
وعلى هذا قال العلماء: يدخلان في الشركة ويكون الربح مشاعاً بينهما، فلا يحددان نسبةً معينةً، ولا ربحاً من جزء معين، ولا من نتاجٍ معينٍ من الشركة، بل يكون على أصل الشيوع الذي ذكرناه.
وقد حكى ابن المنذر رحمه الله الإجماع على أنه لو ذكر مع النسبة شيئاً معيناً كقوله: لي ألف ريال كل شهر، أو لي خمسمائة كل شهر، كأن يقول له: أدخل معك، ونشترك في تجارة العود، أو تجارة السيارات؛ ولكن أشترط أنني آخذ كل شهر ألف ريال، أو آخذ كل شهر خمسمائة ريال، فإنه لا يجوز؛ لأن فيه غرراً، ولذلك خرج عن مقتضى الشركة بالتميز عن صاحبه بهذا القدر.
(203/6)
________________________________________
اشتراط ما يوجب الضرر والغرر
[أو ربح أحد الثوبين]: قوله: لي ربح أحد الثوبين: هذا إذا اشتركا في شراء ثوبين، فقال أحدهما: تأخذُ أنت ربح الثوب القطن، وآخذُ أنا ربح الثوب الصوف، فهذا لا يجوز؛ لأنه يفصل ربح الشركة عن الطرفين.
وهذه أمثلة -كما ذكرنا غير مرة- أن العلماء والفقهاء رحمهم الله يذكرون أمثلة يقصدون منها التقعيد.
والمسألة ليست في الثياب، إنما المسألة أنه لا يجوز أن يعطيه ربحاً مجهولاً.
وفي حكم الجهالة: التغريرُ، كأن يدخلا في الشركة في تجارة الأقمشة -مثلاً-، فيشتريا بنصف المال أقمشة من القطن، وبالنصف الآخر أقمشة من الصوف، فيقول أحدهما للآخر: الآن اشترينا القماش، فتأخذُ أنت ربح الصوف، وآخذُ أنا ربح القطن، فلا يجوز، فكما أن الجهالة تكون في الأول، كذلك تكون أيضاً في الأخير، وتكون في الأثناء.
فإذا قال له: تأخذُ ربح كذا، وآخذُ ربح كذا، فلا يجوز.
وفي زماننا: لو أنهما اشتركا بمائة ألف ريال ودخلا في الشركة، وكان من عادتهما أن يسافر أحدهما إلى الخارج ليجلب التجارة، فالشركة بينهما تستلزم بضائعَ تستورَد ثم تُباع، فقال أحدهما: السفرة الأولى لي ربحُها، والسفرة الثانية لك ربحُها، تسافر أنت وتأخذ الربح، أو أسافر أنا وآخذ الربح، أو لي ربح السفر إلى المشرق، ولك ربح السفر إلى المغرب.
إذاً: ليس مراد العلماء في مسألة (لي ربح أحد الثوبين) القصر على الثياب أو على مسألة البضائع إذا كانت من الثياب، لا.
إنما هي قاعدة: أن الشركة تستلزم دخول الشريكين مستويين، من بداية العقد إلى نهاية العقد.
وبناءً على ذلك: فلو اشترط أحدهما على الآخر نصيباً معيناً، مثل: لي ربحُ أحدِ الثوبين، أو لي ألفُ ريالٍ كل شهر، أو لي عشرةُ آلافٍ كل سنة، أو لي من الربح صافياً خمسةُ آلافٍِ، ثم نقسم الربح بيننا، كل ذلك مما يوجب الجهالة، ومما يغرر بالطرف الآخر الذي فرض عليه الشرط.
وعلى هذا لا يجوز أن يحدد ربحاً من أحد المبيعات، ولا يجوز -كما في زماننا- أن يحدد ربح سَفْرة من السَّفْرات، أو يقول له: إذا كانت السَّفْرة إلى جهة كذا كان لي ربحها، وأنت إلى جهة أخرى يكون لك ربحها، أو تكون التجارةُ صيفيةً شتويةً، فيقول: لي ربح الصيف، ولك ربح الشتاء، كتجارة الرطب والتمر -مثلاً-، فيقول له: ندفع مائة ألف ونشتري التمر ونبيعه، ونشتري الرطب ونبيعه، فما كان من نتاج الرطب فلك ربحه، وما كان من نتاج التمر فلي ربحه.
وهكذا لو أن الشريكين دخلا في الشركة، على أن يتاجرا -مثلاً- في العطورات عموماً، وكان أحدهما أعرف بالعود، والآخر يعرف بقية الأصناف، فشاء الله أن الذي يعرف العود قال: أسافر وأجلب العود وأبيعه ولي ربحه، وأنت تسافر للأنواع الأخرى ولك ربحها.
هذا كله لا يجوز.
لماذا؟ أولاً: لأن مقتضى عقد الشركة يستلزم دخولهما سوياً في الربح، وأن يكون أحدهما حاملاً لكسر الآخر.
ثانياً: لأننا لو أجزنا هذا النوع لغرر أحدهما بالآخر؛ لاحتمال ألَّا يربح إلا الوجه الذي حدده، واحتمال ألَّا يربح إلا الصفقة أو العَرَض الذي خصه، وفي ذلك ضرر على الطرف الثاني.
(203/7)
________________________________________
جهل الربح في المساقاة وأحكامه
[وكذا مُساقاةٌ، ومُزارَعةٌ، ومُضارَبةٌ]: المساقاة: من السقي.
والمزارعة: من الزرع.
والمساقاة: أن يدفع رب الأرض التي عليها النخل وما في حكمه -وسيأتي إن شاء الله بيان ما الذي يلتحق بالنخل- أن يدفع النخل إلى العامل على أن يقوم بسقيه وإصلاحه ورعايته، والثمرة بينهما على ما اشترطا.
ومثال ذلك: عندك بستان ووقتك لا يسمح لك بالعمل فيه، أو ليست عندك خبرة بإدارة هذا البستان، فتأتي إلى عامل وتقول له: اشتغل في هذا البستان، واسقِ زرعه -يعني: النخل الموجود فيه- وأصلح النخل، ثم الثمرة الموجودة في النخل بيني وبينك مناصَفَةً، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيهود خيبر، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها)، فكانوا -أي: اليهود- يعملون في النخل، ويصلحونه، ويرعونه بالسقي، ويقومون على رعايته حتى تخرج الثمرة، فتُقسم بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمر ذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر، وفي عهد عمر رضي الله عنه، أخرجهم وأجلاهم، كما هو مشهور.
الشاهد: أن المساقاة أن يدفع رب الأرض للعامل الأرضَ على أن يعمل فيها، ويقول له: خذ جزءاً من الثمرة.
كيف نقدر المساقاة على مسألتنا؟ مثال ذلك أن يقول رب المال أو رب الأرض للعامل: اسقِ الأرض وأُرْضِيكَ.
فيقول: كم لي؟ فيقول له: لا يهمك، نتفق.
إذاً: يدخل المساقاة على جهالة، وهذا لا يجوز.
وإذا بطُلت ينقلب العامل إلى أجرة المثل، فيقدر تعبه، ويأخذ أجرة المثل، وسوف نبين ذلك إن شاء الله.
هذه هي جهالة النسبة.
ومن جهالة النسبة: إدخال المجهول على المعلوم، كقوله: اسقِ الأرض، ولك نصف ما يخرج، وهدية من عندي، أو رَضْوَة من عندي، فالرَّضْوَة مجهولة، وصحيحٌ أن نصف الثمرة معلوم.
وإذا قال: أعطيك نصف الثمرة، فهذا معلوم؛ لكن إذا قال: أعطيك هديةً أو رَضْوَةً، صيَّرت المعلوم مجهولاً، والقاعدة تقول: (دخول المجهول على المعلوم يُصَيِّر المعلومَ مجهولاً)، فصحيحٌ أنه حدد النصف أو الربع؛ لكنه حينما أدخل الهديةَ والرَّضْوَةَ المجهولة أصبح المعلوم مجهولاً، ولذلك لا يجوز هذا النوع.
فنحن ذكرنا أن يجهل النسبة، أو يُدخل مجهولاً على النسبة المعلومة، أو يُدخل معلوماً مفروضاً أو معيناً من الأرض: معلوماً مفروضاً: يقول له: اسقِ الأرض ولك نصف الثمرة، وأعطيك كل شهر مائة، أو أعطيك خمسين، أو نحو ذلك.
أو يقول له: اسقِ نخلي وزرعي وأعطيك الثمرة التي في النوع الفلاني، فقد يكون نخله -مثلاً- سكرياً أو برحياً، فيقول للعامل: إن سقيت المزرعة فلك ثمرة البرحي، ولي ثمرة السكري.
فهذا لا يجوز؛ لاحتمال ألَّا تخرج إلا ثمرة السكري، فيُظلم رب الأرض؛ لأن هذا ماله، وله الحق أن يأخذ منه، واحتمال ألَّا يخرج إلا البرحي، فيُظلم العامل، فيكدح طيلة عامه بدون ثمرة وبدون نتيجة، فهذا مما فيه غرر وفيه ضرر، وكما ذكرنا في الشركة أنه إذا حدد جزءاً معلوماً فلا.
وقد قيل في حديث رافع بن خديج رضي الله عنه والذي وقعت فيه الخصومة بين الصحابة رضوان الله عليهم والخلاف في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن شراء المزارع، وعن إجارة الأراضي، حتى إن زيد بن ثابت رضي الله عنه استغفر لـ رافع وقال: (أنا أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه)، وكذلك جاء عن رافع ما يدل فعلاً على أن النهي المراد به أن يقول: اسقِ الأرض وآخذُ الذي هو قريب من الماء، وتأخذ البعيد من الماء.
وهذا فسره رافع كما في الصحيحين؛ يقول: (إنما كانوا يؤاجرون على الماذِيانات، وأقبال الجداول) فمن المعلوم أن القناطر كانت من التراب، وكانوا يزرعون، وبطبيعة الحال كان الثمر الذي يُزرع أو البذر الذي يُزرع بجوار القنطرة أجود وأفضل، وغالباً ما يسلم، فيقول رب الأرض: أنا آخذ الذي يلي الجدول، وأنت أيها العامل تأخذ الذي هو بعد الجدول، قال رضي الله عنه: (كانوا يؤاجرون على الماذِيانات -في القناطر- وأقبال الجداول -يعني: التي تجري فيها المياه- فيسلم هذا -أي: الذي عند الماء-، ويهلك هذا -البعيد عن الماء للعطش أو يخرج ضعيفاً-، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: وأما ما كان بشيء معلوم فلا بأس) يعني: ما كان لا غرر فيه ولا ضرر ويدخل الطرفان فيه فلا بأس، مثلاً: حينما يقول له: ولك نصف الثمرة، دخل الاثنان، الصالح منها وغير الصالح، ودخل الاثنان في غُنْمها وغُرْمهما.
وعلى هذا ذكر المصنف رحمه الله أنه لا يجوز للشريكين أن يغرر أحدهما بالآخر؛ لأن مقتضى عقد الشركة قائم على نصيحة كل منهما للآخر، ولا يمكن أن تصلح الشركة وأحدهما يستفضل نفسه على الآخر، ولا يمكن لشريك أن يعامل شريكه بأمانة ونزاهة ونصيحة وحرص على المصلحة للشركة إذا كان يعلم أن شريكه قد غبنه؛ لأنه يحس أنه مظلوم، ولربما تأثُّره بظلم شريكه يضر بمصالح الشركة، ولذلك لابد أن يدخلا وهما مستويان في الغُنْم والغُرْم.
وهذا على الأصل الذي ذكرناه، فلا يغرر رب المال، ولا يغرر الشريك بشريكه بتعيين ربح شيء معين، ولا نسبة مجهولة على الصفة التي بيناها وقررناها.
(203/8)
________________________________________
جهل الربح في المزارعة وأحكامه
قوله: [ومُزارَعةٌ]: كذلك المزارعة، كأن يكون عندك أرض زراعية ولا تحسن زراعتها، فتسلمها لرجل عنده خبرة، وهذا من سماحة الإسلام، وإن تبجح المعاصرون الذين لا يدينون بدين الإسلام أنهم نظموا أمورهم، فكم في الإسلام من تنظيمات وشرائع حكيمة عالية سامية؛ ولكن من الذي يفقهها؟! ومن الذي ينظر إلى هذه الشريعة نظرة تأمل، فيدرك فيها العدل والإنصاف، وإقامة الأمور على أتم الوجوه وأكملها؟! فانظر إلى العامل العاطل الذي ليس عنده عمل، إذا بالشريعة تؤمِّن له ذلك عن طريق هذه العقود الشرعية، فالعامل الذي تكون عنده خبرة في الزراعة، قد يبقى هكذا بدون عمل؛ لأنه لا يملك أرضاً يزرعها، فإذا بالشريعة تجيز للرجل الذي عنده أرض؛ وربما كانت الأرض لأيتام لا يحسنون زراعتها، ولربما كانت لمعتوه أو نحو ذلك، أو كانت لإنسان كثير الشغل، أو لطالب علم، أو لعالم لا يتفرغ لزراعتها، ولا يحسن زراعتها، فإذا بهذه الأعمال تؤمَّن، وتقول الشريعةُ لرب الأرض: ادفع أرضك لهذا العامل، ليستثمرها، فاستَغَلَّت طاقات الناس، وأمَّنت المجتمع من البطالة، فدعت إلى أن يدخل مع رب المال في هذه الأرض، فيزرعها وله جزء مما يخرج منها.
وهل البذر على رب الأرض أو على العامل؟ هذا على تفصيل سيأتي -إن شاء الله- في باب المزارعة.
فالشاهد: أن الأرض أصبحت شراكة بين الطرفين في ما يخرج منها، وليس في الرقبة ذاتها، إنما يشتركان في ما يخرج منها، فيقول له: خذ الأرض وازرعها، وما كان من نتاجٍ فبيني وبينك -الذي هو المناصفة- فإذا قال له: خذها وازرعها، ولي الزراعة التي بجوار الماء، أو لي الزراعة أو الثمرة التي تخرج من شرقيِّ الأرض ولك غربيُّها، أو لي قِبْلِيُّها ولك جنوبيُّها، أو نحو ذلك، لم يصح ولم يجُز، على التفصيل الذي ذكرناه في الشركة.
(203/9)
________________________________________
جهل الربح في المضاربة وأحكامه
قوله: [ومُضارَبةٌ]: وكذلك المضاربة، مُفاعَلةٌ من الضرب في الأرض للتجارة، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على عقد المضاربة وحقيقته ومشروعيته وأحكامه ومسائله إن شاء الله تعالى.
لكن مراد المصنف بقوله: [ومُضارَبةٌ] أي: مثل الذي مضى من الحكم بالتحريم في حال إعطاء نسبة من الربح مجهولة ينطبق على عقد المضاربة كما ينطبق على عقد الشركة، فلو قال له: خذ مائة ألف واضرب بها في الأرض للتجارة، وما كان من ربح فسأرضيك منه، أو سأعطيك ما يسرك، فهذا مجهول؛ فإنه لا يدري ما الذي يسره، فقد يكون الذي يسر العامل ثلاثة أرباع الربح، والذي يسره عند رب المال ربع الربح، وقد يسره النصف بالكثير، فهذا يُدخل المفاسد والشرور؛ وقد ذكرنا هذا في مقدمة البيوع حينما بيَّنَّا أن بيوع الجهالة تفضي إلى النزاع والخصومة، كذلك أيضاً لو قال له: اضرب بمالي في الأرض، فاشترى عشرين سيارة -مثلاً-، وأراد أن يتاجر بها، فقال له: هذه العشرون، لي منها فقط ربح سيارتين، والباقي لك ربحه، فهذا لا يجوز؛ لأنه يحتمل ألَّا تربح إلا هاتان السيارتان، واحتمال ألَّا تربح السيارتان وتربح بقية السيارات، ولذلك يدخل على غرر، فلابد أن يشتركا في الغُنْم والغُرْم، وعلى هذا فلابد أن يحددا نسبةً مشاعةً معلومة، كما قلنا في الشركة.
ولو قال له: اضرب بمالي في الأرض، والربح بيني وبينك -يعني: مناصفةً- وأعطيك مع الربح إكرامية، أو هدية، أو أرضيك بزيادة، لم يجز.
(203/10)
________________________________________
الخسارة في الشركة على قدر رأس المال
قوله: [والوضيعة على قدر المال]: [والوضيعة] أي: الخسارة.
[على قدر المال] أي: على قدر ما دفعه الطرفان، فمن دفع النصف فعليه الخسارة بالنصف.
وهذه المسألة تتعلق بالنكسة والمصيبة التي تحدث للشركة، فالطرفان دفعا مائة ألف، ودخلا في تجارة قماش أو طعام أو سيارات أو غير ذلك، ولما دخلا في التجارة اشتريا وخسرا في البيع، ووقعت الخسارة (بخمسين ألفاً)، سلمت خمسون وبقيت خمسون، فالسؤال الآن: هذه الخمسون ألفاً التي وقعت فيها الخسارة، وحصلت فيها النكسة للشركة، هل نجعلها على أحد الشريكين، أو نجعلها على الشريكين؟ وإذا جعلناها على الشريكين هل نجعلها بنسبة الربح أو بنسبة رأس المال؟

الجواب
أن الوضيعة تكون على نسبة رأس المال، في قول جماهير العلماء رحمهم الله، فمن دفع نصف مال الشركة يتحمل نصف الخسارة، ومن دفع ثلاثة أرباع مال الشركة يتحمل ثلاثة أرباع الخسارة، فلو أن الشركة بأربعين ألفاً، وهم أربعةُ أشخاص فقط، وكلُّ شخص دفع عشرة آلاف، وخسرت الشركة أربعة آلاف ريال من الأربعين، فإن ما بقي من رأس مال الشركة -وهو ستة وثلاثون- يقسم بينهم -أي: الأربعة-، وبعد ذلك تُجَزَّأُ الخسارة، وكلُّ واحد منهم يغرم ألف ريال؛ لأنه دَفَعَ رُبُعَ رأسِ المال، فيتحمل رُبُعَ الخسارة، فالأربعةُ آلاف ريال رُبُعُها ألف، فكل واحد منهم يتحمل ألف ريال، فتصبح حينئذٍ الخسارة مقسمة على الرءوس بحسب النسبة التي دخل بها الشركاء في شركتهم.
(203/11)
________________________________________
حكم خلط المال في الشركة
قال رحمه الله تعالى: [ولا يشترط خلط المالين، ولا كونهما من جنس واحد]: (فلا يشترط خلط المالين): في شركة العنان إذا دفع أحدهما مالاً والآخر دفع مثله، كأن يكون خمسين بخمسين، فللعماء قولان: - القول الأول: يجب أن يخلط الشريكان ماليهما حتى يصيرا كالمال الواحد، وأكَّدوا هذه الخلطة بأن يختلط المالان على وجه لا يمكن تمييز مال أحدهما من الآخر.
إذاً: لا بد عندهم من شرطين: - الخُلطة، وهو أن يجتمع المالان في مكان واحد، ويُخلَطان مع بعضهما.
- ثانياً: ألَّا يكون أحد المالين متميزاً عن الآخر.
فمثلاً: لو اشترك الاثنان فدفع أحدهما ريالات، والآخر دفع دولارات، فإن الدولارات متميزة عن الريالات، فعند هؤلاء لا يصح، بل لا بد أن يدخلا بالريالات فقط أو الدولارات فقط.
ولو دخلا بالدراهم القديمة، مثل: الدرهم الإسلامي والدرهم البغلي، فالدراهم البغلية نوع، والدراهم الإسلامية نوع، فلو خلطت عُرف أن الدراهم البغلية لفلان، والدراهم الإسلامية لفلان، فالواجب أن تكون بدراهم معينة.
فيشترطون الخُلطة على أتَمِّ الوجوه وأكملِها، وهذا هو أشد المذاهب، وهو مذهب الشافعية.
وأكدوا هذا بأن: - لفظ الشركة وصورة الشركة وحقيقتها في الأصل تقتضي المشاركة، بحيث لا نستطيع أن نميز مال هذا من مال هذا، فإذا كان أحد المالين مميزاً لم تقع الشركة (هذا الوجه الأول).
- قالوا: لو أن المالين دخلا مع بعضهما فإن ذلك أدعى لنصيحة كل من الطرفين للآخر، فإن الذي دفع ماله خمسين ألفاً حينما يراها مع خمسين ألفاً أخرى لا يستطيع أن يميزها ويحس أن ماله مع مال أخيه كالشيء الواحد، وهذا أدعى للحفظ، وأدعى لقوة النصيحة للمال؛ لكن لو أن المال تميَّز وعرفت الدولارات من الريالات، والدراهم من الدنانير، والدراهم بعضُها من بعض، والدنانير المشرقية من الدنانير المغربية -كما في القديم-، فإنه حينئذٍ لا يبعُد أن يضر أحدهما بمصلحة الآخر.
(هذا الوجه الثاني).
- القول الثاني: الجمهور: على أنه لا تشترط الخُلطة، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
إلا أن المالكية رحمهم الله يشترطون وجود نوع من الخلطة تكون فيه إطلاق اليد، كما لو كان المالان في صندوق واحد أو حانوت واحد، وكلا الشريكين يعملان في المتاجرة به واستثماره.
وهذا المذهب توسط بين المذهبين.
والمذهب الثالث يختلف في هذا.
ولعل مسألة الشركة بالعروض لها تأثير في هذه المسألة.
قال رحمه الله: [ولا يشترط خلط المالين] قلنا: الأصل: الخلط؛ ولا شك أن الشريكين إذا أرادا أن يخرجا من الشبهة فليخلطا ماليهما خلطاً لا يتميز.
هذا هو الأفضل والأكمل.
(203/12)
________________________________________
مسألة: اشتراط أن يكون المال في الشركة من جنس واحد
قوله: [ولا كونهما من جنس واحد]: أي: لا يشترط كون المالين من جنس واحد، فيمكن أن يكون أحدهما من الدراهم، والثاني من الدنانير.
وقد فصلنا في هذه المسألة حينما تكلمنا عن الشروط، وبينا أن الصحيح أن يكونا إما ذهباً وإما فضة، وأنه ينبغي إذا كانا من الذهب أن لا يكون مما يدخله الصرف، وبينا الشبهة في كون أحدهما من الدراهم، والثاني من الدنانير؛ لاحتمال اختلاف الصرف، وبينا أن من الأسباب التي تدعو إلى خوف الضرر: أنه -مثلاً- لو كان مال أحدهما من الدولارات -كما في زماننا-، والثاني من الريالات، وكان العرف الموجود -مثلاً- عندنا هنا بالريالات، فلربما دخلا في الشركة والدولار قيمته ثلاثة ريالات، وإذا تفاصلا وفسخا الشركة صارت قيمة الدولار أربعة ريالات، فيدخل الشريك على الربح بنسبة زائدة في قيمة الدولار؛ لأنه سيُرد له رأسُ ماله، ورأس ماله من الدولارات، وهذا يضر بمصلحة أحد الشريكين، إن كان الدولار غالياً أضر بالربح، وإن كان الدولار رخيصاً أضر بالشريك، فإذا كانت قيمة الدولار ريالين فإنه في هذه الحالة سيخسر ريالاً؛ لأنه دخل وقيمة الدولار ثلاثة ريالات، ويخرج من الشركة وقيمة الدولار ريالان، وحينئذٍ يتضرر.
وعلى هذا قلنا أنه لا بد من اتحاد العملة، واتحاد النقدين على وجه يؤمَن فيه الضرر والغرر.
(203/13)
________________________________________
الأسئلة
(203/14)
________________________________________
حكم الخسارة بسبب تفريط أحد الشريكين

السؤال
لو كانت الخسارة بسبب تفريط أحد الشريكين، فما الحكم؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: فإذا كانت الخسارة بسبب تفريط من أحد الشريكين، فإنه يتحمل مسئولية ذلك التفريط، وبينا ذلك بالأمثلة، منها: أن يقول الشريكان: نتفق على أن البيع لا يكون إلا بالنقد، فباع بالأجل، وباع بالنسيئة والتقسيط، ثم شاء الله أن الذي بِيْعَ له مفلس، وهذا فيه ضرر على الشركة؛ لأن الدفع يتأخر وتدخل الشركة أسوة للغرماء في مال المفلس، وهذا فيه مماطلة وفيه تأخير وإجحاف بمال الشريكين، فحينئذ هذا الضرر أدخله أحد الشريكين دون رضا الآخر.
فنقول للشريك الآخر: هل ترضى بما فعل؟ فإن قال: أرضى، فحينئذٍ يثيبه الله على صبره، وهذا من الإحسان.
أما لو قال: لا أرضى، فحينئذٍ يتحمل الشريك عاقبة هذه الخسارة، ويصبح الدين في مال الشريك، ويغرم لشريكه قيمة المال وربحه، واختلف العلماء: فقال بعضهم: يغرم قيمة المال والربح نقداً، فمثلاً: باع سيارة بعشرة آلاف ريال نسيئةً الذي هو التأخير بالتقسيط، والسيارة لو بيعت نقداً فستباع بخمسة آلاف، ورأس مال الشركة في السيارة أربعة آلاف ريال، فمعنى ذلك أن الربح للشركة سيكون ألف ريال.
فبعض العلماء يقول: يغرم الأربعة آلاف فقط، بمعنى أنه يرد لشريكه ألفين، دون الربح؛ لأن الصفقة ألغيت من أصلها ولأن البيع لم يكن بيع ربح، فقالوا: يرد الأصل فقط.
وبعض العلماء يقول: لا.
البيع تمت فيه صفقةُ ربح رضي فيها الشريك، وكان بالإمكان أن تكون بربح معجل، ففرَّط الشريك، فأدخل الربح المؤجل بالضرر، فيضمن الخمسمائة التي هي نصيب شريكه، فيدفع لشريكه ألفين وخمسمائة، التي هي قيمة البيع بخمسة آلاف نقداً، وهذا هو الأصح والأوجه، أنه يضمن لشريكه -في مثل هذه الصورة- الألفين التي هي جزء الشريك من رأس مال الشركة في الصفقة، ويضمن له الربح من نفس العين المباعة نقداً، وأما بالنسبة للشريك فيكون وجهه على المشتري ويتحمل مماطلته وتأخيره.
والله تعالى أعلم.
(203/15)
________________________________________
حكم زكاة الأموال المضارب بها

السؤال
اشتركت مع آخر في شركة (مضاربة)، وبعد عامين فسخت الشركة، فهل علي زكاة المال الذي اشتركتُ به مدة السنتين التي مكث المال فيها عند الشريك؟

الجواب
مال المضاربة تجب فيه الزكاة، والمال المعد للتجارة الأصل وجوب الزكاة فيه، حتى يدل الدليل على إسقاطها، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة:267] وهذه الآية احتج بها أئمة السلف رحمهم الله، كـ مجاهد ومن تبعه من الأئمة الأربعة، وفقهاء المدينة السبعة كـ سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيرهم على أن عروض التجارة تجب فيها الزكاة؛ لأن الله عمم وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة:267]، والكسب كان بالتجارة.
فالأصل في هذه الآية أن تكون في التجارة؛ لأن الغالب عندما يقال: إن الشخص اكتسب، إنما هو في الشيء الذي يكون فيه الكسب والربح، فهذه الآية من أقوى الحجج على إثبات الزكاة في عروض التجارة.
وعلى ذلك: الفتوى عند أئمة السلف وجماهير السلف والخلف رحمة الله عليهم على أن عروض التجارة تجب فيها الزكاة، وضُعِّف خلاف مَن خالف في هذه المسألة؛ لأن الأدلة فيها قوية، والأصل أنه مال، فكيف لا نوجب في عروض التجارة الزكاة وقد أوجبنا الزكاة على من حدث ماله بدون تجارة؟! فمن تاجر بماله فإنه من باب أولى وأحرى أن يزكي، وأقل ما نقول: إنه يجب عليه زكاة رأس المال؛ لأن رأس المال في حكم المال المدخر.
وعلى هذا تجب الزكاة في المضاربة تفريعاً على مسألة عروض التجارة؛ لأن مال المضارب مال قد دخل فيه صاحبه من أجل أن ينميه، ويقصد منه الربح والنتاج، كعروض التجارة سواءً بسواء، وعلى هذا تجب عليه الزكاة.
وللعلماء تفصيل في هذا: - بعض العلماء يرى أنه من الدَّين الذي إذا أراد أن يفسخه فسخه، فيقوّم ما عنده على رأس الحول ويزكيه، ويقومه كتقويم عروض التجارة.
- ومنهم من يرى أن الربح غير مضمون، فيزكي رأس المال، ولا يزكي الربح.
على تفصيل عند العلماء، سيأتي -إن شاء الله- عند بيان مسائل المضاربة.
(203/16)
________________________________________
حكم البيع في المسجد

السؤال
هل الاتفاق على سعر السلعة في المسجد يدخل تحت النهي عن البيع في المسجد؟!

الجواب
سبحان الله! إذا اتفقوا على قيمة السلعة، فماذا بقي في البيع؟! يعني: إذا اتفقوا على أن السلعة بخمسمائة فهذا أتم ما يكون به البيع، وإذا لم يكن هذا بيعاً فأي شيء يكون البيع؟! فلا شك أنه يدخل في البيع، وهذه من الغفلة عن الله؛ لأن المساجد بنيت لذكر الله عزَّ وجلَّ، ولا شك أن النهي عن البيع وحديث الدنيا -أعني: كراهية حديث الدنيا في المساجد- خاصةً إذا غلب مقصود الشرع، وقد قرر الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات أنه ينبغي أن يكون المكلف في أموره وشئونه على وفق قصد الشرع.
فماذا قصد الشرع من المساجد؟ قصد الله عزَّ وجلَّ من بناء المساجد وعمارتها ما بينه في كتابه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36]، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (مَن سمعتموه ينشد ضالته في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك) الله أكبر! مكروب، مفجوع في ماله، حلت به المصيبة، والشريعة شريعة رحمة وتيسير، يقوم يناشد الناس: مَن رأى ضالتي، كما في الحديث: (مَن رأى البعير الأحمر)، (فقولوا: لا ردها الله عليك) يعني: لا يقال له فقط: اسكت، بل يقال له: لا ردها الله عليك، وهذا يدل على عِظَم خطر الحديث في أمور الدنيا في المساجد، وإخراج المساجد عن مقصودها، بل ينبغي أن تعظم وتجل، والله إذا أحب عبداً من عباده قذف في قلبه حب المسجد وإجلاله وتعظيمه؛ لأنه لا يُعَظِّم المسجد إلا من يخاف الله جلَّ جلالُه، ولا يعظم المسجد إلا من يتقي الله سبحانه، كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32].
وإذا أردت أن تنظر إلى الرجل الذي يحب الله عزَّ وجلَّ صدق المحبة، ويعَظِّمه كمال التعظيم فانظر إليه -ليس عند دخول مسجده- ولكن منذ أن يخرج من بيته، وهو خاشع متخشع، متذلل متضرع، ذاكر لربه، مقبل على الله عزَّ وجلَّ، لا تلهيه تجارة، ولا تلهيه شئون الدنيا، قد أقبل على الله ورمى بالدنيا وراء ظهره، فإذا دخل بيت الله عزَّ وجلَّ دخله بصدر منشرح، وقلب مطمئن، مقبل على الله عزَّ وجلَّ بكليته، وكأنه أسعد الناس في المسجد، وهذه نعم ينعم الله بها على من يشاء، والمحروم من حرم، فما جعل الله السنن الرواتب، والتبكير إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة إلا من أجل عمارة هذه المساجد.
ومن تعلق قلبه بها، فأحبها وأكثر من غشيانها، وأصبح قلبُه معلقاً بها صدق التعلق فقد تأذَّن الله أن يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
فالمساجد ما بنيت للقيل والقال، وهذه وصية خاصة لطلاب العلم: إذا أردت أن تعْظُم منزلتك عند الله سبحانه وتعالى فأعطِ كل عبادة حقها وقدرها، سواءً في الزمان أو في المكان، فمثلاً: إذا كان الزمان زمان عبادة، كعشرٍ من ذي الحجة، والعشر الأواخر، وقيام الأسحار، ونحو ذلك من الأوقات المفضلة، فإن استطعت أن تري الله منك الجد والاجتهاد فافعل، فإن الله يُعلي قدرك، ويُعْظِم أجرك، ويفتح عليك من واسع فضله.
وإذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، ومكانتك عند الله، فانظر إلى مقدار حرصك على هذا الخير، فإن كنتَ كلما دخلت المسجد وجدت في قلبك تعظيماً لبيوت الله، ووجدت أنك تطمئن، وأنك تنشرح، وأن هموم الدنيا كلها وراء ظهرك، وأنك في أنس وسعادة وغبطة، وتحس إذا خرجت من باب المسجد أنك في عذاب وشجى.
فإذا بلغت هذه المنزلة فاحمد الله، فإن الله قد أعطاك من فضله شيئاً عظيماً، وإن الله لا يعطي الدين إلا لمن أحب، وأما الدنيا فيعطيها لمن أحب وكره.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل لنا ولكم من ذلك أوفر حظ ونصيب.
ومما كان يوصي به بعض المشايخ رحمة الله عليهم أنه إذا دخل الإنسان المسجد فمن الأمور التي تعين على تعظيم هذه المساجد: - أن يتذكر المحروم من هذه المساجد.
- أن يتذكر المريض الذي حُبس عن بيت الله في مرضه، فهو يتأوَّه ويتألَّم ويتمنى أنه في بيت الله جلَّ جلالُه.
- وأن يتذكر مَن حُرِم من الطاعة كليةً، زاغ قلبه فأزاغ الله فؤاده.
فيحمد الله أن الله شرح صدره للإسلام، وأن حببه للطاعة والقيام، فيدخل هذه المساجد وهو يحس أن الفضل كله لله وحده لا شريك له.
كذلك مما يعين على تعظيمها: أن يحس الإنسان أنه ربما تكون هذه هي آخر صلواته وطاعاته، فيدخل إلى المسجد وهو منكسر القلب لله جلَّ جلالُه لعل الله سبحانه وتعالى أن يجبر كسره، وأن يُعْظِم أجره، فيحسن في عبادته وذكره وشكره، وهذا في معنى قولهم: (صلِّ صلاة مودِّع)، فإن الإنسان إذا أحس كأنها آخر صلاة يصليها، ولربما تكون آخر صلاة يصليها في المسجد، فكم من صحيح سوي قوي خرج من المسجد فأصابه الشلل فلم يعد إليه أبداً، وكم من صحيح سوي صلى عشاءه وأصبح وهو في لحده وقبره، فالمسلم الصالح الموفق يجعل مثل هذه الأمور والعبر والعظات أمام عينيه.
ثم إذا عَظَّمْتَ شعائر الله -وهذا من الأمور التي يبارَك فيها للعبد- لوجدتَ الانشراح في المسجد، في حلق الذكر، في بيوت الله، ولأحسست أن هذه هي الدنيا، وأن هذه هي السعادة، ولا تحس أن غيرك أفضل منك، فمن عَظَّم نعمة الله تأذن الله له بالبركة فيها.
فكم من طالب علم في مجلس علم لا يشعر بنعمة الله عليه، حتى يتأذن الله -والعياذ بالله- بزوال نعمته عنه.
فالشعور بمكانة المساجد، وما فيها من الخير مطلوب.
فهنيئاً ثم هنيئاً لمن عفَّر جبينه بالسجود بين يدي الله.
وهنيئاً لمن رزقه الله عزَّ وجلَّ حب الآخرة والشوق إليها، فأقبل إلى بيوت الله يعمرها بذكره وشكره، وهو يحس أنه أسعد الناس بربه جلَّ جلالُه.
ما الذي يجعل المصلي بمجرد انتهائه من الصلاة مع الجماعة ينطلق كالسهم وكأنه مسجون في مسجده؟! لأنه ما عرف قيمة هذه النعمة التي هو فيها، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (لَغَدْوَةٌ أو رَوْحَةٌ في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) في الطاعات يستشعر الإنسان أنه لربما هذه اللحظة من رضوان الله عزَّ وجلَّ تكون سبباً في سعادة لا يشقى بعدها أبداً.
والله يا أيها الأحبة! ما قَدَرْنا اللهَ حق قدره، ولو شعر الإنسان بعظيم ما يعده الله لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته من رحمته وبركاته ومنِّه وكرمه لأصبح العبد معلقاً بالله جلَّ جلالُه لا يفتر عن ذكر الله طرفة عين، لكنا ما شعرنا بقيمة الطاعة، والمسلم لو تأمل حاله وهو موسد في قبره، وحيد فريد، لا مال ولا بنون، لا ينفعه جاه ولا سلطان، ولا أحد يغني عنه من الله شيئاً، وإذا بهذه الصلاة في ذلك الضيق، وفي تلك الظلمة تتفتح بها أركان القبر فتصبح نوراً له في قبره.
في ظلمة القبر لا أمٌّ هناك ولا أبٌ ولا صديقٌ ثَمَّ يؤنسني فامنن علي بفضل منك يا أملي ما لي سواك إلهي من يخلصني من شعر أن هذه العبادة في هذا البيت من بيوت الله تكون نوراً له في الدنيا والآخرة، ونوراً له في قبره، حَسَّنها وأتمها، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43].
فلنقدر نعمة الله، ولنشعر أننا أسعد الناس بالله جلَّ جلالُه، وليشعر كل من دخل المسجد أنه ليس بحاجة إلى أن يضيع وقته في البيع والشراء والأخذ والعطاء، وإنه لمن العار على طالب علم وفقه الله فعلم الحلال والحرام وشرائع الإسلام، وأصبح قدوة أمام الناس والأنام أن يُنظر إليه وهو جالس في المسجد يضحك مع هذا ويلهو مع هذا، ولربما وقع ذلك في المواسم المفضلة، كالعشر الأواخر ونحوها.
وقد كان السلف الصالح إذا دخلوا المساجد دخلوها بقلوب مطمئنة، خاشعة متخشعة، كما روي عن عبد الله بن عمر.
فقد كان ابن عمر من أخشع الناس في طوافه، وكان رضي الله عنه وأرضاه ربما بقي في الشوط الواحد قدر خمسمائة آية، وهذا من طول ما كان؛ لأنه كان لا يجاوز الحجر حتى يقبِّله رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الصحابي الجليل روى عنه أبو نعيم أن عروة بن الزبير دخل عليه وهو يطوف فسأله عن بنته رمانة، وكانت بنت عبد الله بن عمر، ويُثني عليها بالخير، فأراد عروة أن ينكحها، والنكاح للنفس جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكح الواهبة نفسها من الرجل، وقال له إنه يخطب رمانة إليه، فلم يلتفت إليه ابن عمر ولم يرد عليه شيئاً، وإنما أعرض وانصرف في ذكره وعبادته، فظن عروة أنه لا يأبه به، وأنه لا يريد إنكاحه وتزويجه، ثم مضى ابن عمر وسافر إلى المدينة؛ لأن ابن عمر كان في المدينة، وكان قد أتى إلى مكة إما في حج أو عمرة، فلما مرض ابن عمر إبان قدومه من المدينة، جاء عروة يعوده، فلما دخل عليه قال له ابن عمر رضي الله عنه: لقد ذكرت لي أنك تريد رمانة أكما أنت؟ أي: هل أنت على رغبتك وطلبك؟ قال: نعم، فقام فزوجه إياها، وقال له يعتذر: إنك قد سألتنيها في مقامٍ يتراءى للعبد ربُّه.
والمراد بذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث عمر: (أن تعبد الله كأنك تراه) وهو مقام الإحسان.
لا يحب أن يراه اللهُ وهو يلتفت إلى القيل والقال، ولا يحب أن يرى اللهُ منه ما لا يرضيه، وطلاب العلم وأهل الفضل خاصة، يتوجب عليهم أن يدخلونها -المساجد- بقلوب مطمئنة شاكرة ذاكرة تثني على الله بما هو أهله، فإذا بالناس ينظرون إليهم قدوةً، وكم من طالب علم سوي تقي نقي ذكي هدى الله به مَن نظر إليه في بكائه وخشوعه، فدله على ربه.
وهذا كله من توفيق الله.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن ل
(203/17)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الشركة [4]
عقد المضاربة من عقود الشركة التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام وهذب أحكامها، فانتقل بها من المخاطرة إلى العدل والإنصاف، وقد دلت السنة والإجماع على مشروعية المضاربة، لما في هذا العقد من الحكم العظيمة والمقاصد الجليلة، فهو يعد من عقود الرفق؛ لما فيه من تكثير لمال المضارب من جهة، وتوفير عمل للمضارب من جهة أخرى، وقد فصل العلماء في هذه الأحكام وأعطوا كل ذي حق حقه.
(204/1)
________________________________________
النوع الثاني من الشركة: المضاربة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [الثاني: المضاربة]: أي: النوع الثاني من أنواع الشركات هو: المضاربة.
(204/2)
________________________________________
تعريف المضاربة
والمضاربة: مفاعلة، من الضرب في الأرض، وأصل المفاعلة في لغة العرب يستلزم وجود طرفين فأكثر، والمراد بهما في هذا النوع من العقود: المضارِب، وهو رب المال، والمضارَب، وهو العامل، ويسمى هذا النوع من عقود الشركات عند من يقول: إنه نوع شراكة يسمى: (بالمضاربة)، ويسمى (بالقراض).
فأما تسميته بالمضاربة: فللعلماء فيها وجهان: قال بعض العلماء: المضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، ويقال: ضرب في الأرض إذا سافر من أجل التجارة، كما في قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20].
فالمراد من قوله: (يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ) بمعنى: يسافرون فيها من أجل التجارة، وقوله: (يَبْتَغُونَ) أي: يطلبون (مِنْ فَضْلِ اللهِ) أي: من الرزق، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] أي: اطلبوا الرزق.
وقال بعض العلماء: المضاربة مأخوذة من الضرب، بمعنى: أن كلاً من العامل ورب المال قد ضرب له بسهم من الربح، ولذلك يقال: اضرب لي بسهم، أي: اجعل لي قدراً في الربح، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الرُّقية والجُعْل فيها: (كلوا -وفي رواية-: خذوا، واضربوا لي معكم بسهم) فالضرب هنا المراد به: أن يقتطع جزءاً من المال لحسابه، والمراد من المال: الربح.
فالمضاربة: - إما أن تكون مأخوذة من الضرب بمعنى السفر، فيقال: ضرب في الأرض إذا سافر.
- وإما أن تكون مأخوذة من الضرب، بمعنى أن يضرب كل منهما للآخر جزءاً من الربح.
وقال بعض العلماء: إن المضاربة تسمى بـ (القِراض) وهي لغة أهل المشرق.
والقراض: قيل مأخوذ من القرض، كما يقال: قرض الفأر من الثوب إذا اقتطع من ذلك الثوب.
قالوا: كأن رب المال والعامل اقتطع كل منهما جزءاً من الربح.
وأياً ما كان فهذا النوع من العقود سواءً سمي بعقد المضاربة، أو عقد القراض فحقيقته واحدة، وهذا العقد كان موجوداً في الجاهلية، ثم جاء الإسلام فأقره؛ ولكن هذب أحكامه، وقد فصل العلماء رحمهم الله في هذه الأحكام، فأعطوا كل ذي حق حقه، فانتقل عقد القراض والمضاربة من المخاطرات إلى الإنصاف والعدل، ومعرفة كل من المتعاقدين لحقه، وهذا النوع من العقود كان موجوداً فأقر الإسلام التعامل به، وقد نص شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى أن بعض الفقهاء يقولون: إن القراض شُرع بالإجماع، وضعَّف هذا القول؛ فقال: إن الأصل في مشروعية القراض السنة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بُعث كان أهل الجاهلية يتعاملون بهذا النوع، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضارب بمال خديجة، وكانت لقريش رحلة في الشتاء للجنوب ورحلة في الصيف للشمال فكانت هذه الرحلات على هذا النوع من التجارة، وكان أهل مكة يجمعون ما عندهم من الأرزاق التي يرغب فيها أهل الشام إذا سافرت إليهم العير، ويأخذون ما عندهم من المصالح والأُدم ونحوها، فيبعثون بها في تجارة.
فهذا النوع من المعاملات كان موجوداً في الجاهلية، وأقر الإسلام التعامل به من حيث الجملة، وإن كان هناك خلاف بين المضاربة في الجاهلية والمضاربة في الإسلام.
(204/3)
________________________________________
الأدلة على مشروعية المضاربة
وأما من حيث المشروعية فقد دلت السنة ودل الإجماع على مشروعية القراض.
أما السنة فما قدمنا من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث بعث عليه الصلاة والسلام والناس يتعاملون بالمضاربة والقراض، فأقر ذلك ولم ينكره، وكان جده عبد المطلب يتعامل مع الناس بهذا النوع، كما روى عبد الله بن عباس عن العباس أنه كان يفعل ذلك كما كان يفعله والده عبد المطلب فكان يعطي المال لمن يتاجر به مضاربة.
وكذلك قالوا: إن الإجماع دل على مشروعية القراض والمضاربة، وهذا الإجماع ينقسم إلى قسمين: - أولاً: إجماع الصحابة.
- ثانياً: إجماع مَن بعدَهم.
فأما إجماع الصحابة فقد وقع في قصة حدثت في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وحاصل هذه القصة أن عبد الله بن عمر وعبيد الله وهو أخوه كانا عند أبي موسى بالكوفة، وأرادا أن يسافرا إلى المدينة، فقال أبو موسى وكان أميراً على الكوفة لـ عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع قال لهما: (ليس عندي شيء أعطيكما إياه؛ ولكن هذه إبل أو مال تاجرا فيها في الطريق ثم أديا رأس المال إلى أمير المؤمنين، وخذا الربح)، فأعطاهما مجموعة من الإبل وهي من إبل بيت المال، وأمرهما أن يتعاملا ويتاجرا بهذه الإبل في الطريق، فيكسبا ويربحا، فيؤديان رأس المال ويأخذان الربح، وهذا نوع من الإحسان من أبي موسى لابنَي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع.
فمضى عبد الله وعبيد الله، وتاجرا في المال، وربحا، وغنما، فلما أتيا إلى المدينة أعطيا عمر رأس المال، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أكل المسلمين أعطاهم مثلما أعطاكما؟ قالا: لا.
قال: أم كنتما ابنَي أمير المؤمنين، أدِّيا المال كله إلى بيت المال فلما قال ذلك، كان عبد الله حيياً فسكت، وأما عبيد الله فإنه كان جريئاً وقال: يا أبتاه! لو أن هذا المال الذي تاجرنا به خسرناه ألست تغرِّمنا إياه؟ قال: بلى).
وهذا يستلزم أن الربح يكون لمن يضمن الخسارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخراج بالضمان) فاستدل عبيد الله بأصل صحيح ومتفق عليه، ودلت السنة على اعتباره، وهو أن الربح لمن يضمن الخسارة، فكأنه يقول له: كيف نضمن الخسارة، وتأخذ الربح كاملاً؟ فلما قال ذلك رد عليه عمر وقال: (أديا المال إلى بيت المال).
فرد عبيد الله بنفس الكلام، وكأنه يقول: أنصفنا فإن هذا المال نغرمه ولا نغنمه، وليس في الشريعة غُرْم بدون غُنْم، ولا غُنْم بدون غُرْم، والقاعدة (أن الغُنْم لمن يغرم)، ولذلك قرر العلماء الأصل المشهور: (الخراج بالضمان).
فلما قال ذلك وأصر عليه، قال الصحابة رضوان الله عليهم: (يا أمير المؤمنين! اجعله قراضاً)، يعني: اجعل المسألة مسألة قراض، وهذا هو الصحيح، ووُفِّق الصحابة في ذلك، فجعلوه قراضاً، فلما جعلوه قراضاً قسموا الربح بين عبيد الله وعبد الله من وجه، وبين بيت مال المسلمين من وجه آخر.
فلما قالوا: (اجعله قراضاً)، وأقره الخليفة الراشد عمر، ولم ينكره أحد من الصحابة، دل على إجماع الصحابة واتفاقهم على مشروعية هذا النوع من التعامل بالأموال.
وأجمع العلماء من بعد ذلك بإجماع الصحابة، وليس هناك خلاف في مشروعية القراض.
المضاربة والقراض عقد شرعي جائز؛ لكن هذا العقد شرع في الإسلام لحكم عظيمة، ومقاصد جليلة كريمة، وإذا نظرت إلى حقيقة القراض والمضاربة فإنه يكون عندك مال، كمائة ألف وليس عندك الوقت لكي تستثمر هذا المال، أو ليس عندك خبرة في المتاجرة، ويكون هناك رجل عنده خبرة في التجارة، فبدل أن يجلس المال مجمداً ويؤخذ منه للزكاة ونحوها من المصارف والنفقات شرع الله لك أن تبحث عن رجل عنده خبرة، وتأمنه على مالك، وتفوض إليه أن ينمي هذا المال بخبرته ومعرفته دون أن تضيق عليه تضييقاً يعرض تجارته للخطر.
وعلى هذا أصبحت الشريعة فيها رفق في هذا النوع من العقود من وجوه: - الوجه الأول: أنها حققت مصلحة أرباب الأموال، فأصبحوا يجدون الربح في أموال قد تذهب عليهم بكثرة زكواتها وتبعاتها.
- الوجه الثاني: أن هذا العامل وهو الذي سيأخذ المال منك وينميه، لو لم يجد هذا المال لتعطلت خبرته، وتعطلت معرفته، فعززت الشريعة من إنماء هذه الخبرة، وهذا يدل على سمو منهج الشريعة حتى في أمور الاقتصاد، وتعامل الناس بالمال، وأنها شريعة كاملة، جاءت لمصالح العباد في دينهم ودنياهم وآخرتهم، فأمرت مَن عنده السيولة والمال أن يدفعها لمن هو أهل لتنميتها واستثمارها.
فرفقت برب المال من جهة، ورفقت بالعامل من جهة، ورفقت بالمجتمع؛ لأن المجتمع ينتفع من خبرة الخبير في إدارة التجارة، وينتفع المجتمع بتنمية هذه الأموال، ولو أن رءوس الأموال جُمدت لأضر ذلك بمصالح الناس.
فأصبح في هذا النوع من العقود رفقٌ بكلا الطرفين: برب المال، وبالعامل، وبالناس جميعاً.
(204/4)
________________________________________
صور المضاربة
والمضاربة حقيقتها: أن يدفع ربُّ المالِ للعاملِ المالَ على أن يتَّجر به، والربح بينهما على ما شرطا.
ومعنى هذا: أن عندنا في عقد المضاربة رجلين: الرجل الأول: هو ربُّ المال.
والثاني: العاملُ الذي يريد أن يقوم على المال فينميه ويستثمره حتى يحصل الربح والخير للطرفين.
فأما بالنسبة لرب المال، فالمثال أن يكون عندك عشرة آلاف ريال، وأما العامل فهو شخص تأتمنه على مالك، وتثق بخبرته ومعرفته فتعطيه العشرة آلاف، وتقول: يا محمد! هذه عشرة آلاف اضرب بها في الأرض، أي: سافر فيها للتجارة، أو ابحث عن أي مجال بخبرتك ومعرفتك يكون الأصلح لتنمية هذه العشرة آلاف، فيأخذها منك فيذهب ويضعها في أي تجارة يرى أن من المصلحة وضع المال فيها، فلو كانت عنده خبرة في الطعام، فذهب واشترى طعاماً من بلد، وجلب الطعام للبلد الذي هو فيه، أو اشترى طعاماً من بلد فيه كثرة في الطعام والسعر رخيص، وجلبه إلى بلد يقل فيه الطعام، وباع بسعر أعلى، فربح وغَنِم، أو يتاجر في الأراضي، كأن تعطيه -مثلاً- نصف مليون، وتقول له: هذه النصف مليون تاجر بها، فهو عنده خبرة في الأراضي، فلو أخذ النصف مليون واشترى بها أرضاً بوراً أو أرضاً بيضاءَ لعلمه أن هذه الأرض بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة لها سوق، وأنها تغنم، فاشتراها وباعها بأكثر، أو بدل أن يشتري العقار اشترى منافع العقار كأن تقول له: هذه خمسمائة ألف تاجر بها، فنظر أن المصلحة أن يستأجر بها عمائر لإسكان الحجاج -مثلاً- أو المعتمرين أو الزوار، فأخذ الخمسمائة ألف واستأجر بها عشر عمائر أو خمس عمائر واستغلها في إجارتها لمن يستأجرها، فهذا يعود عليه بالنفع، فبعد انتهائه من الإجارة أصبحت مليوناً.
(204/5)
________________________________________
أركان عقد المضاربة
حقيقة المضاربة أن تعطيه المال وتطلق يده بالتصرف؛ لكن من حقك أن تشترط عليه شروطاً ترى أنها من مصلحة القراض، وقد تكون هذه الشروط من مقتضيات عقد القراض، أو تقصد من هذه الشروط دفع الضرر عن مال القراض، وبناءً على ذلك: قال العلماء: حقيقة القراض أن يدفع ربُّ المال للعامل المالَ، فأصبح عندنا أركان العقد كالتالي: الركن الأول: العاقدان: وهما: - رب المال.
- والعامل.
والركن الثاني: محل العقد: ومحل العقد هو: المال المدفوع، عشرة آلاف أو مائة ألف، أو خمسمائة ألف إلخ، وهذا المال يكون طبعاً من رب المال للعامل، ويكون محل العقد في تنمية المال واستثماره.
وأما بالنسبة لما ينشأ عن المال من الربح فعلى ما تتفقان؛ سواء اتفقتما على أن يكون مناصفة لك النصف وله النصف الآخر، أو لك ثلثا الربح وله الثلث، أو العكس للعامل الثلثان ولك الثلث، على حسب ما يتفق عليه الطرفان.
وأما بالنسبة للصيغة: فهي اللفظ: أن تقول له: خذ هذا المال واضرب به في الأرض، أو: تاجر به، أو هذا المال قراض بيني وبينك ربحه بالنصف، أو نحو ذلك.
إذاً: أركان عقد المضاربة هي: العاقدان، ومحل العقد، والصيغة.
(204/6)
________________________________________
شروط في صحة عقد شركة المضاربة
(204/7)
________________________________________
شروط الشريكين
ويُشْتَرَط في رب المال أهليته للتصرف، فلا يصح أن يكون القراض من صبي، فلو أن صبياً أعطى عشرة آلاف لرجل وقال له: خذها وتاجر لي فيها، لم يصح؛ لأن الصبي ليس من حقه أن يتصرف في المال إلا إذا أُذِن له، وهذا أمر آخر، ولو كان الذي يملك المال مجنوناً فقال لرجل: خذ عشرة آلاف واضرب بها في الأرض، فإنه لا يصح ذلك، ولا يثبت القراض لعدم أهلية رب المال، ولو كان رب المال لا يملك المال، وليس له حق التصرف فيه، فأعطاه مالاً بعينه، وقال: هذه المائة ألف خذها واضرب بها، وهي ليست ملكاً له، فإنه لا يصح على هذا الوجه، وإنما يقارض بمال يملكه لا بمال غيره من مغصوبٍِ أو سرقةٍ.
كذلك العامل يشترط فيه أن يكون أهلاً للوكالة؛ لأن العامل في حقيقة الأمر وكيل عن رب المال، فأنت إذا أعطيته مائة ألف وقلت له: اضرب بها، كأنك تقول له: وكلتك في هذه المائة ألف تستثمرها بالأصلح.
إذاً: لا بد أن يكون أهلاً للوكالة، فلو كان مثله لا يوكل كالصبي والمجنون والمحجور عليه، وكذلك إذا مثله لا يوكل لوجود مانع يمنع من قيامه بالأمور المالية؛ فإنه لا يصح.
هذا بالنسبة للعامل ورب المال.
(204/8)
________________________________________
شروط المحل
وبالنسبة للمحل فينبغي أن يكون المال الذي يُتاجر به من النقدين.
فإذا دفع إليه المال يكون من الذهب أو من الفضة المضروبة، دراهم أو دنانير، أو ما يقوم مقام الدراهم والدنانير، كالفلوس على خلاف بين العلماء في النحاس، وفي زماننا الأوراق النقدية تُنَزَّل منزلة الذهب والفضة على التفصيل الذي بيناه في كتاب الزكاة، والصرف، وقررنا فيه أن كل عملة يلتفت فيها إلى رصيدها، إن كانت ذهباً فحكمها حكم الذهب، وإن كانت فضة فحكمها حكم الفضة.
إذاً: لابد أن يكون المال من النقدين، فلو أنه دفع له عروضاً كأن يقول له: ضاربتك بسيارتي، على أن تذهب وتبيعها وتأخذ فلوسها وقيمتها وتضرب بها، ثم بعد ذلك تشتريها لي، أو تشتري لي مثلها، ثم نقتسم الربح، لا يجوز.
والسبب في عدم جواز أن يقول له: خذ سيارتي، أو خذ هذه الأرض وبعها، وضارب، ثم بعد ذلك رد لي الأرض، ونقسم الربح بيننا؛ لأنه في هذه الحالة لو أعطاه الأرض وقيمتها مائة ألف، وذهب بالمائة ألف واستثمرها سنة، فبعد سنة لربما أصبحت قيمة الأرض مائة وخمسين، فإذا أراد أن يرد الأرض يردها بالمائة والخمسين، مع أنه ربح -مثلاً- مائتي ألف، وأصبح المال مائتي ألف، فحينئذ من ناحية شرعية دخل بمائة ألف، والمنبغي أن تقسم المائة الثانية على الطرفين: خمسين للعامل، وخمسين لرب المال، فلما أراد أن يرد الأرض، وإذا بالأرض قيمتها مائة وخمسون، فحينئذ دخل رب المال بخمسين ألفاً ظلماً على العامل؛ لأنها جزء من الربح، والمفروض أن تكون مقسومة على ثمن الربح المتفق عليه، والعكس، فلو أخذ الأرض وباعها بمائة ألف، ثم استثمر المائة ألف وأصبحت مائتين، ثم إذا بالأرض قد نزلت قيمتها فأصبحت قيمتها خمسين، فحينئذ سيكون هناك خمسون، هي فضل زائد في الأصل قيمة لعين الأرض التي دفعت، فيدخل العامل شريكاً بخمسة من خمسين ليس من حقه أن يشارك فيها، وإنما هي ملك لرب المال، ولذلك جماهير السلف والخلف -من حيث الأصل- على أنه لا يجوز أن يكون القراض في العروض، حتى ولو قال له: خذ دكاني هذا الذي فيه العطور واشتغل فيه، والربح بيني وبينك على أنه قراض لم يجز؛ لأن القراض ينبغي أن يُعلم؛ فإنك إذا دفعت مائة ألف للعامل لكي يتاجر بها، فإنه يتاجر ما شاء الله، ولو جلست المائة ألف عنده عشر سنين، وأنت ساكت وهو ساكت، والتجارة ماشية حتى بلغت الملايين، ثم بعد عشر سنين فجأة قلتَ له: أريد أن أفسخ القراض، فهذا حقك في أي وقت تشاء، فلو جئت تفسخ القراض ينبغي أن يرد رأس المال أولاً، وبعد رد رأس المال يُنظر في النفقات والحقوق التي تتعلق بالمال، فتُسدَّد، ثم يُنظر في الفضل والزائد وهو الربح ويُقسم على حسب الشرط والاتفاق.
إذاً: إذا أثبت أن العامل يأخذ منك المائة ألف أولاً ويضرب بها في الأرض، وبعد أن يضرب بها في الأرض أردتَ أن توقف المضاربة، أو العامل نفسه جاء وقال لك: أريد أن تفسخ القراض الذي بيني وبينك، ونصفي حقوقنا، فليس من حقك أن تعترض في أي وقت إلا في حال وقوع الضرر، فلو أنك أعطيت رجلاً المائة ألف في رمضان وقلت: اذهب وتاجر بها، فذهب واشترى تموراً، أو اشترى غنماً، أو بقراً، أو سيارات، والسيارات في رمضان رخيصة السعر -مثلاً-؛ لكن إذا اقترب الموسم في شوال، أو في ذي القعدة يكون سعرها أغلى، والرغبة إليها أكثر، فلو أنك أعطيته المائة ألف في رمضان، ولما اشترى بها السيارات واشترى بها الغنم، أو اشترى بها التجارة التي يريد أن يدخل بها أصبح سعر التجارة رخيصاً، فالغنم سعره رخيص، أو السيارات التي اشتراها رخص سعرها في شوال، وهو ينتظر أن يأتي شهر ذي القعدة من أجل أن يبيع، فجئته في شوال، وقلت له: بِع الآن، فلو باع الآن فربما لا يبيع إلا برأس المال، أو بأقل من رأس المال، وهذا فيه ضرر، ومذهب طائفة من العلماء أنه ليس من حقك أن تلزمه بالإسراع في البيع إذا وجد الضرر، وكان الانتظار لا ضرر فيه عليك، وعلى ذلك تكون ملزماً بالانتظار، وهي الحالة التي تستثنى من جواز عقد القراض والمضاربة وعدم لزومه.
إذا ثبت هذا فإنه لا يمكننا أن نقسم الربح بين الطرفين إلا بعد رد رأس المال، وإذا كان الربح لا يُرد إلا بعد رأس المال، فإن رأس المال إذا كان ذهباً وفضة فلا إشكال، وإنما الإشكال إذا كان من العروض، كالأقمشة والأطعمة والسيارات والعقارات، فإن أسعارها ترتفع وتنخفض، فلربما أعطاه العقار وقيمته غالية، ولما حضر وقت التقاضي وفصل شركة القراض أصبحت القيمة رخيصة، فيتضرر صاحب العقار، وبالعكس يتضرر العامل.
وبناءً على ذلك: قال جماهير السلف والخلف، حتى حُكي الإجماع على ذلك: أنه لا يجوز أن يقارضه بتعيين العروض.
هذا من جهة المحل، ومن جهة ما يُتاجر به أو يُدفع للعامل.
(204/9)
________________________________________
شروط الصيغة
أما الصيغة: يقول له: ضاربتك، أو خذ هذه المائة ألف قراضاً والربح بيني وبينك، أو يقول له: خذ هذه المائة ألف واتَّجر بها، وما ربحتَ فبيني وبينك، هذا بالنسبة للربح.
لكن لو أن هذا العامل أخذ منك مائة ألف، وخرج يتاجر، فانكسر في التجارة وخسر ولم يرد لك إلا خمسين، فهل يضمن الخمسين الباقية؟

الجواب
فيه تفصيل: فأصل المضاربة أن العامل يأخذ منك المال ويتاجر فيه بالمعروف، فإذا قام بالتجارة على الوجه المعروف عند أهل الخبرة ولم يفرط ولم يغرر؛ فلا ضمان عليه، وإنما يكون ضمان المال على رب المال.
ومن هنا تنظر إلى عدل الشريعة الإسلامية، وكونها عدلت بين العامل ورب المال.
فأنت حينما تعطي مائة ألف إلى العامل وتقول له: اضرب بها في الأرض، فإنك لا تقوم بأي عمل، بل العمل كله على العامل، فهو الذي يتحمل مشقة العمل، وبالمقابل فأنت تتحمل الخسارة، فخطورة العمل والخطر الذي ينتج عن العمل بحصول كساد في السوق أو انخفاض في الأموال أنت الذي تتحمله، والعامل يقوم بتنمية المال بالمعروف، فإن حصلت الخسارة كانت على رب المال، وإن حصل الربح كان للعامل حظه من الربح، فأعطت الشريعة كلا الطرفين حقه.
وبناءً على ذلك: فإن رب المال يتحمل مسئولية المال إذا خسر، والعامل يتحمل تنمية المال والقيام على رعاية هذا المال وتنميته.
والأصل في المضاربة: أن تكون على الثمن المعروف، فينبغي لكلا المتعاقدين أن يراعي المضاربة الشرعية، فلا يشترط على الآخر شروطاً تغرر به، فلو قال رب المال للعامل: هذه مائة ألف وأشترط عليك ألَّا تشتري إلا من فلان، وألَّا تبيع إلا إلى فلان، وألَّا تشتري إلا في شهر محرم، وألَّا تبيع إلا في صَفَر، فأخذ يقيده ويضيق عليه، لم يصح؛ لأن هذه الشروط تضر بمصلحة التجارة، وتكبل العامل، وتضيق عليه حدود العمل، وإن كان قد تسامح فيها بعض الفقهاء، وقالوا: من حقه، والصحيح مذهب من قال: ليس من حق رب المال أن يحجِّر على العامل ويضيِّق عليه في تجارته إلا إذا خاف الضرر، كأن يقول له: أنا أسمح لك أن تتاجر بالمال في مكة، ولا أسمح لك أن تنتقل إلى المدينة، أو إلى بلد آخر، لعلمه أن السوق في مكة أضمن وأربح، ولكن في غيره فيه مخاطرة، كذلك من حقه أن يقول له: أسمح لك أن تتاجر في ثلاثة أنواع أو أربعة أنواع أو خمسة أنواع، ويحددها؛ لعلمه أن كل نوع يجبر الآخر، لكن لو قال: لا أسمح إلا بتجارة الطيب، أو يقول له: لا أسمح لك بالمائة ألف إلا أن تتاجر في العود فقط، فإنه يحتمل أنه يدخل في تجارة العود وتنكسر؛ لكن حينما تقول له: هذه المائة ألف اضرب بها في الأرض، دخل في تجارة العود، فلم يكسب، فخرج منها إلى تجارة الورد، وكانت أربح -مثلاً-، أو خرج من تجارة الطيب كلية إلى تجارة الأرض، فجَبَرَ كَسْرَ تلك بنماء هذه، وجَبَرَ فسادَ تلك بصلاح هذه.
ولذلك قال العلماء: ليس من حق رب المال أن يحجِّر على العامل، فالأصل في القراض أن يكون على السُّنن الشرعية.
كذلك الأصل في القراض أن يكون الربح مشاعاً بين الطرفين، فلا يقول للعامل: أعطيك هذه المائة ألف، اذهب وتاجر بها، وسأعطيك ما يرضيك، فهذا مجهول، ولو قال له: الربح بيني وبينك، فللعلماء فيه وجهان: - بعض العلماء يقول: (بيني وبينك) هذا مجهول؛ لأن من أخذ ثلاثة أرباع وترك الربع، فهو (بيني وبينك)، ومن أخذ أي جزء من الربح فهو بينه وبين من اتفق معه.
- وقال بعض العلماء: بيني وبينك أي: نصفين، فيجوز.
والشبهة موجودة.
وكذلك أيضاً: لو قال له: خذ المال واضرب به، وأعطيك كل شهر ألفاً، فهذا ليس بقراض، وإنما هو إجارة، وحينئذ يستحق العامل الألف، وليس له دخل في الربح، فهناك شروط ربما لو أنه أدخلها لأخرجت القراض عن طبيعته إلى عقد آخر، كعقد الإجارة، أو ربما صار فيها وكيلاً بالبيع أو نحو ذلك.
(204/10)
________________________________________
حكم التحايل والتلاعب بعقد المضاربة
وأيا ما كان فهذا العقد ينبغي أن يتقيد فيه بما اتفق عليه العلماء، أو جرى العمل به عند السلف، ولا يجوز تلفيق القراض والتلاعب بشروطه، والتحايل على المعاملات المحرمة تحت اسم القراض، حتى يُحَل للناس ما حرم الله، باسم أنها مضاربة شرعية.
(204/11)
________________________________________
أمثلة على التلاعب بعقد المضاربة
ومن أمثلة ذلك: أن البعض من المتأخرين -وهذا من أغرب ما يكون- يقولون: اذهب واختر ما شئت من السلع، وأنا أشتريها لك، أو اذهب واستثمر فيما شئتَ من العمائر أو نحوها، وأنا أدخل معك بمليون أو نصف مليون، أو كذا من المال، على أن آخذ نسبة من ربحك، مثال ذلك - وهذا يقع-: لو أن شخصاً أراد أن يبني فندقاً للاستثمار، فيدخل معه المصرف ويقول له: نحن نشاركك في هذا الاستثمار باسم المضاربة الإسلامية، فيقول: ما صفة هذه المضاربة، يقول المصرف: نعطيك عشرين مليوناً -مثلاً- تكمل بها بناء هذا الفندق، ونستثمر هذا الفندق عشر سنوات، ثم بعد ذلك نرد لك الفندق، فأصبحوا في هذه الحالة يقولون: إن هذه المضاربة إسلامية؛ لأنهم أعطوه المال فاستثمره في بناء هذا العقار، كما لو أعطى العامل المال فاستثمره في أي عمل تجاري، وأصبح الربح والنماء منقسماً بين الطرفين، من جهة أن المصرف أخذ النماء ثلاث سنوات أو أربع سنوات، وسكت عن الملكية، أو عفا عن الملكية، فأصبحت أشبه بالهبة وبمحض التبرع، ولفقوا العقود على هذا الوجه.
ولا شك أن حقيقة هذا العقد مبنية على اقتراض عشرين مليوناً بأرباح؛ لأن المصرف يقول: نأخذ رأس المال الذي دخلنا به، ولأن المضاربة يأخذ فيها رب المال رأس المال، فقال: نأخذ العشرين مليوناً أولاً، ثم بعد العشرين مليوناً نأخذ الأرباح سنتين أو ثلاث سنوات أو أربع، ونترك لك ملكية العقار، فهم يتذرعون بأن هذا نوع من المضاربة الشرعية، ولما سئلوا: كيف تحققت المضاربة؟ قالوا: تحققت بأن المصرف دفع العشرين مليوناً، فنعتبرها رأس مال، فدخل صاحب الفندق بمثابة العامل، فاستثمر العشرين مليوناً في بناء الفندق، بعد ذلك نعتبر رد العشرين مليوناً كرد رأس مال المضاربة، ونعتبر فضل السنوات إذا كانت أربع سنوات أو خمس سنوات بمثابة الربح لرب المال.
ولا يشك أحد -إذا تأمل هذا النوع من التعامل- أنه قرض مبني على المنافع والفوائد، فحقيقة الأمر أن العشرين مليوناً كانت بصورة القرض، وليست بمضاربة؛ لأن المضاربة يعطى للعامل مطلق التصرف فيها، أما هذه فمحدودة.
والأغرب من هذا: أنه يُلزم برد العشرين مليوناً ويضمنها، فخرج عن ثمن المضاربة؛ لأن المضاربة لا يلتزم العامل فيها برد رأس المال إذا خسر، فهم يلزمونه برد العشرين مليوناً، ثم بعد ذلك يلزمونه بأخذ إيجار أو منافع أو مصلحة هذا العقار لمدة ثلاث سنوات أو أربع سنوات.
ثم تعجب حينما تقول لبعض المعاصرين الذين يجتهدون في تحليل بعض المسائل التي لا يُشَك أنها من الحرام، تقول له: يا أخي! هذا عقد شرعي أجمع العلماء على أنه لابد أن يكون على الصفة المذكورة المعينة، وهي كذا وكذا.
فيقول لك: أبداً! القراض عقد اجتهادي، والاجتهاد يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وهذه الشروط اجتهادية، فكما اجتهد الأوائل نجتهد من بعدهم.
فالمقصود: أن هذا من التحايل على ما حرم الله، وقواعد الاجتهاد ليست محلاً في هذا؛ لأن الاجتهاد معروفةٌ ضوابطُه وشروطُه، ومعروفٌ محلُّه، فحينما تدفع أي جهة مبلغاً لشخص على أن يلتزم برده، فإذا التزم برده كان قرضاً، وليس من المضاربة في شيء؛ لأن المضاربة لا يلتزم فيها العامل لرب المال، فالعامل يعمل وإن خسر فعلى رب المال، وإن ربح فحينئذ على ما اتفقا في تقسيم الربح.
فالمقصود: أن عقد المضاربة عقد شرعي، وينبغي أن تجري المضاربة الشرعية على وفق ما قرره العلماء وأجمع السلف عليه.
(204/12)
________________________________________
مسألة: هل القراض والمضاربة عقد أصلي أو فرعي؟
ومن هنا ترد المسألة المشهورة: هل القراض والمضاربة عقد أصلي أو عقد فرعي مستثنىً على سبيل الرخصة؟ هذه المسألة خلافية، ولها فوائد: فأنت إذا قلت: القراض عقد شرعي أصلي، فتقيس عليه غيره.
وإن قلت: القراض عقد شرعي مستثنىً وهو فرع عن الإجارة، أي: أنه نوع من أنواع الإجارة بالمجهول؛ فهو مستثنىً ولا يجوز القياس عليه.
توضيح ذلك: في القراض من يقول: هذا عقد شرعي مستقل، كفقهاء الحنابلة -رحمهم الله- ومن وافقهم، ويقولون كالتالي: إن رب المال دفع للعامل عشرة آلاف، والعامل قام بتنمية العشرة آلاف على ما جرى عليه العرف، فأصبح رب المال يُشارك العامل في الربح، والعامل يشارك رب المال في الربح أيضاً؛ لكن كل منهما شارك بشيء، فالعامل شارك بالعمل، ورب المال شارك بالمال، فأصبحت نوعاً من الشركات، وقالوا: الشركة إما أن يكون المال من الطرفين، ويشمل نوعين من الشركات: - العنان.
- والمفاوضة.
فالمال هنا من الطرفين، والعمل من الطرفين، وهو نوع من الشركات.
ونوع آخر من الشركات: المال من الغير، والعمل من الطرفين، كشركة الوجوه، فإنه يكون العمل فيها من الطرفين، والمال من طرف آخر، فيضمنان بجاهيهما ما يأخذان من المال، والعمل من الطرفين، وإما أن يكون المال من طرف، والعمل من طرف آخر، مثل: المضاربة، فالمال من رب المال، والعمل من العامل، فأصبحت الشراكةُ مالاً لقاءَ عمل، فإذا قلت: إنها شراكة، فقِس عليها غيرَها، مثال ذلك: الشركة في المنافع، ففي زماننا الآن لو أن رجلاً عنده سيارة أجرة، وقال لرجل: خذ هذه السيارة واشتغل بها، وما ينتج من عملك بيني وبينك مناصفة، فحينئذ يقولون: السيارة مُنَزَّلة منزلة المال، والعمل بالسيارة لقاء اليوم أو الأسبوع أو الشهر مثل عمل العامل بالمال النقدي، والربح بينهما وهو نتاج السيارة وأجرتها، وهذا نوع من القياس، وهو مرجوح وضعيف؛ لأن الصحيح في القراض أنه إجارة بالمجهول، خرجت عن سنن الإجارة كالمساقاة والمزارعة فلا يُقاس غيرُها عليها، فإذا أراد أن يؤجر السيارة يقول له كالآتي: خذ السيارة واشتغل فيها شهراً، وأعطيك ألفاً، وتعطيني جميع ما ينتج، وربحها وخسارتها عليَّ، كما لو استأجرته في مزرعة ليقوم على مصالحها، فربحها وخسارتها عليك، وأما بالنسبة لأجرته فمضمونة.
إذاً: لو أردت أن تؤجر على هذا الوجه فتقول له: خذ السيارة واشتغل فيها بالأسبوع، أو بالشهر، أو تقول له: أعطيك سيارتي بمائتين أسبوعاً، يعني: تشتغل فيها بالأسبوع، فتأخذ ما يحصل لك، على أن يكون لي مائتان -لكن لا تقولك من الأجرة- فيكون كما لو أخذ السيارة منك لمصلحته التي يقضيها، فحينئذ يكون استأجر السيارة منك.
فالبديل عن هذا النوع من القياس المرجوح: أن يعطيه السيارة بأجرتها، أو العامل نفسه يشتغل فيها بأجرة من رب السيارة ومالكها.
فهناك صورتان: - الصورة الأولى: تقول له: خذها، واشتغل فيها بالشهر، كل شهر لك ألف، وحينئذٍِ الذي تأخذه قليلاً كان أو كثيراً ملك لي.
فحينئذ يلزمك نفقة السيارة، فالوقود عليك، وزيتها عليك، وإصلاحها عليك، ولا تلتزم إلا بأجرته، كما لو وضعت عاملاً في المزرعة، فوقودها وتكاليفها كلها عليك؛ ولكن أجرة المصالح والقيام عليها تعطيها للعامل، هذا نوع من إجارة السيارات، إذا أردنا البديل المباشر.
- أو يقول لك العامل نفسه: أنا آخذ السيارة منك وأعطيك كل يوم مائةً، أو أعطيك كل أسبوع مائتين، أو أعطيك كل شهر خمسمائة، فيكون قد استأجر السيارة منك مُياوَمَةً، أو مُسانَهَةً -مُياوَمَةً: يعني باليومية، مُسانَهَةً: بالسنة، أو مُشاهَرَةً: بالشهر- فيستأجرها على أي نوع من الإجارة، وسيأتي -إن شاء الله- في باب الإجارة.
أما أن يقاس على هذا العقد الذي خرج عن سنن القياس فلا؛ لأن الرخص والمستثنيات من الأصول لا يُقاس عليها، ولذلك يقولون: ما خرج عن سَنن القياس فغيره عليه لا يقاس.
(204/13)
________________________________________
مسألة: هل القراض عقد جائز أم لازم؟!
عقد القراض فيه مسألة مهمة، وهي مسألة اللزوم والجواز، لو سألك سائل وقال: قرأتَ باب القراض أو المضاربة، فهل لو اتفقتُ مع رجل على أن أضارب له في ماله، واتفقنا على أن يدفع لي مائة ألف لا تجز فيها، والربح مناصفة بيننا، وأخذتها منه، فإذا فارقته وتم العقد فهل يصبح لزاماً عليَّ أن أمضي في العقد وأن أتمه وأن أتاجر بالمال أو ليس بلازم، كأن يعطيك رجل مائة ألف، لتضرب بها في الأرض، وتتاجر بها، والربح بينك وبينه، فقام من عندك ورجع بعد ساعة، وقال: العقد الذي بيننا انفسخ، أو لا أستطيع، أو عندي ظرف، أو أراد فسخه بدون سبب، وقال لك: لا أريد، فهل يُلْزَم بإتمام العقد أو لا يُلْزَم؟ الإجماع منعقد على أن عقد القراض عقد جائز، والعقد الجائز -كما قدمنا في مقدمات البيوع- هو: الذي يملك كل واحد من الطرفين فسخه بدون رضا الآخر.
إذاً: عقد القراض ليس بعقد لازم، ومن حقك أن تأتي في أي وقت وتقول له: بِعْ التجارة ورُدَّ لي رأس المال وانظر لي الربح.
ومن حق العامل في أي وقت أن يفسخ عقد المضاربة والقراض ولا يُلزم بإتمامه، وهذا محل إجماع بين العلماء رحمهم الله.
(204/14)
________________________________________
الربح بين الشريكين على ما شرطا
قال رحمه الله: [المضاربة لمتَّجر به ببعض ربحه]: (لمتَّجر (: أي مستثمر، (يتاجر به) الضمير عائد إلى المال، لمتَّجر بالمال.
(ببعض ربحه): أي ببعض ربح المال المدفوع، فأصبح عندنا رأس مال، وعندنا متاجرة تثمر وتنتج الربح، فرأس المال يدفعه ربه، ومَن يتاجر هو العامل، والربح بينهما على ما شرطا.
قال: [فإن قالا: والربح بيننا: فنصفان] إن قالا: الربح بيننا، فوجهان للعلماء: قال بعض العلماء: جهالة، لأن (الربح بيننا) يشمل المناصَفة والمرابَعة والمثالَثة، وغيرها، فأي قسط وأي حظ من المال فهو بينهما.
وقال بعض العلماء: بل إن قوله: (بيننا) معروف أنها بالمناصفة، يعني: بيننا، أي: نقسم بالعدل، لك مثل ما لي، وهذا هو الذي مال إليه المصنف رحمه الله ورجَّحه.
قال: [وإن قالا: لي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه، صح والباقي للآخر]: هنا مشلكة: إذا قال رب المال للعامل: خذ هذه المائة ألف واتَّجر بها، ولي من الربح نصفه.
لما قال: (لي النصف)، اختلف العلماء: قال بعض العلماء: إذا قال للعامل: (لي النصف)، نفهم مباشرة أن العامل له النصف الآخر.
وقال بعض العلماء: لا.
بل إنه حينما قال: (لي النصف)، سكت عن حكم النصف الثاني، فيحتمل أن يكون يعطيه نصف النصف الذي هو الربع، والنصف الآخر الذي هو الربع الثاني يضعه في صدقة أو هبة.
المهم أنه لما قال: (لي النصف) بيَّن نصيبه ولم يبيِّن نصيب الطرف الثاني، فلم يجز.
وهذا يختاره بعض أصحاب الشافعي رحمه الله وفيه وجه عند الحنابلة، أنه لو قال له: (لي النصف) أو قال له: (لك النصف)، وسكت، لا بد أن يبين حق الطرف الثاني، ولا يصح إلا إذا بيَّن كم للعامل وكم لرب العمل، فيقول: (لك النصف، ولي النصف)، (لك الربع، ولي ثلاثة أرباع)، (لك الثلثان ولي الثلث)، فيحسم الأمر، ويدفع الشك، ويقطع الريب.
وحينئذٍ قالوا: لابد أن يبيِّن.
وهذا المذهب أحوط وأسلم، وإن كان المذهب الثاني له وجه من القوة أنه إذا قال: (لي النصف)، نفهم أن النصف الثاني للعامل، أو قال له: (لك الربع)، نفهم أن الثلاثة أرباع لرب المال.
(204/15)
________________________________________
صور الشروط في عقد المضاربة
قال رحمه الله: [وإن اختلفا لمن الشروط: فلِعاملٍ، وكذا مساقاةٌ ومزارعةٌ]: الشروط تقع في عقد المضاربة على صور:
(204/16)
________________________________________
الشروط المشروعة
تارةً تكون من الشروط المشروعة: بِمعنى: أن الشرع يأذن بِها، ولا مانع من اعتبارها، كالشروط التي تواكِب وتحقق مقصود الشرع من المضاربة.
فلو قال له: أشترط أن يكون الربح بيننا على شرط شرعي؛ لأن القراض يقوم على قسم الربح بين الطرفين.
كذلك أيضاً لو قال له: أشترط أن تبيع نقداً ولا تبِع نسيئةً، فهذا يحقق المقصود من دفع الضرر؛ لأن الديون ربما يماطل أهلها في أدائها، وقال بعض العلماء: إن هذا شرطٌ شرعي عند من يجيز اشتراط النقد على العامل، كذلك لو قال له: أشترط عليك أن تعمل في بلد كذا وكذا، وخاف من بقية البلدان؛ لأنها منكسرة والتجارة فيها تشتمل على مخاطرة، فهذا شرط شرعي، ولو قال له: أشترط عليك أنك إذا سافرت بمالي لا تركب البحر؛ لأن البحر غير مأمون؛ لأنه ربما تغرق السفينة، ويستضر، أو قال: أشترط عليك أنك إذا أردت أن تسافر تتعامل مع فلان، والتعامل مع غيره غالباً مظنة الخسارة أو الانكسار أو الضرر.
فمثل هذه الشروط التي يقصد منها رب المال مصلحة القراض أو تتفق مع مقصود القراض فلا إشكال فيها.
وكذا العامل لو اشترط شروطاً تحقق مقصود الشرع في العقد كأن يقول: أشترط أن تحدد نسبتي من الربح، هذا في الأصل قائم عليه القراض، فقال له: نسبتك النصف، أو نسبتك الثلثان، فهذا ليس فيه إشكال بل من مقتضى العقد.
كذلك لو قال له: أشترط أن أكون مطلق التصرف بالبيع وبالإجارة وبالاستثمار والرهن والقضاء، ونحو ذلك من أنواع الاستثمارات، كان من حقه ذلك؛ لأن من مصلحة القراض أن يكون مطلق اليد بالتصرف، حتى إذا انكسر في شيء يجبره بشيء آخر.
فقالوا: مثل هذه الشروط شروطٌ شرعية، سواءً وقعت من المضارِب الذي هو رب المال، أو المضارَب وهو العامل.
هذا بالنسبة للشروط الشرعية.
(204/17)
________________________________________
الشروط الممنوعة
وتارةً تكون الشروط ممنوعة وهي التي تضر بالقراض، أو تضر بالطرفين، وتخالف مقتضى العقد.
يقول له: خذ المال، واضرب به في الأرض بشرط ألَّا يكون لك شيء من الربح، فهذا يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضى العقد الاشتراك في الربح، وفيه ظلم للعامل، فلو قال له: خذ المال واضرب به في الأرض وأنت المسئول عن خسارته، فهذا ظلم؛ لأن العامل يتحمل العمل، ويتحمل أيضاً الخسارة، ورب المال لا يتحمل شيئاً فحينئذ خرج عن سنن القراض، ويعتبر شرطاً غير شرعي، ونص طائفة من العلماء على أنه يوجب فساد الشرط وفساد العقد؛ وأن هذا النوع من الشروط فاسد لنفسه ومفسد لغيره.
ونحو ذلك من الشروط.
فلو قال له: أشترط عليك ألَّا تتعامل بهذه المائة ألف إلا بنوع خاص من الطيب؛ ولا تشترِ إلا من فلان، ولا تبِع إلا من فلان، ولا تشترِ إلا في شهر كذا، ولا تبِع إلا في كذا، لم يجز؛ لأن هذا يغرر به، فلربما كان فلان الذي يتعامل معه المعاملة معه كاسدة، أو موجبة للخسارة، فهذا كله مما يخالف مقتضى عقد القراض، فلا يصح هذا النوع من الشروط.
وهل يوجب الفساد أو لا يوجب؟ فيه تفصيل: إن أوجب نقض أصل من أصول القراض كما في الجهالة في الربح، كأن يقول له: خذ هذه المائة ألف واضرب بها في الأرض، والربح بيني وبينك، قال: قبلت؛ ولكن أشترط أن آخذ ألف ريال شهرياً، فنقول: لا يجوز هذا الشرط، ولا يصح أن يشترط هذا النوع من الشروط.
فالمقصود: أن الشروط منها ما يوافق مقتضى العقد: كاشتراط البيع والاستئجار ونحو ذلك من مطلقات التصرف.
ومنها ما يخالف مقتضى العقد: كأن يشترط عليه أن لا ربح له، أو يشترط عليه ربحاً مجهولاً، فالسنة في القراض أن يكون الربح معلوماً، وأجمع العلماء على أنه لو اشترط ربحاً مجهولاً، أو أدخل على الربح جهالةً لم يصح.
ولذلك قالوا: هذا النوع من الشروط قد يوجب فساد عقد القراض كليةً.
(204/18)
________________________________________
مسألة: هل الشرط يوجب فساد القراض أو يفسد الشرط وحده
ما الفائدة حينما نقول: الشرط يوجب فساد القراض، أو يفسد الشرط وحده؟ مثال: لو أن شخصاً أعطاه مائة ألف، وقال له: اضرب بها في الأرض، فاشترى عشر سيارات بمائة ألف، وأصبحت قيمة السيارات مائتي ألف، فمعناه: أنها ربحت الضعف، فإذا كان قد اشترط في الربح شرطاً يوجب الجهالة، كأن يقول له: خذ المائة ألف واضرب بها في الأرض، والربح بيني وبينك على ما نتفق عليه فيما بعد، فحينئذ يصير الربح مجهولاً، فإذا صار الربح مجهولاً فسد القراض؛ لكن المشكلة أن الرجل اشترى العشر سيارات، وأتم الصفقة وأصبحت قيمة السيارات مائتي ألف، وبعد بيعها وأخْذِ المائتي ألف جاءوا يتصافون فاختلفوا، فلما اختلفوا ارتفعوا إلى القاضي، فالقاضي يحكم بفساد الشرط وفساد العقد، وحينئذ ننظر أجرة العامل، فنقول لأهل الخبرة: من اشترى عشر سيارات وباعها كم تعطونه؟ فإذا قالوا: نعطيه عن كل سيارة ألفين، فحينئذ يكون استحقاق العامل عشرين ألف ريال، فيأخذ من المائتي ألف عشرين ألف ريال، وتكون مائةٌ وثمانون ألفاً ملكاً لرب المال؛ لأن عقد القراض يبطل، فترجع إلى الإجارة، ومن عدل الشريعة إذا بطل عقد القراض ينظر إلى تعب العامل ويقدر، ففي بعض الأحيان -مثلاً- يشتري عشر سيارات، وإذا بالعشر سيارات كسدت وأصبحت قيمتها خمسين ألفاً، فخسر النصف.
فلما جاء العامل يريد أن يرد المال لرب المال قال رب المال: أبداً لا أرغب، فارتفعوا إلى القاضي، فقضى القاضي بفساد القراض، وإذا فسد القراض يقول لرب المال: ادفع أيضاً عشرين ألفاً أجرة للعامل، فيخرج رب المال بثلاثين ألفاً؛ لأنه غرر بنفسه، فلا يستحق إلا ثلاثين ألفاً، والعامل يأخذ عشرين ألفاً لقاء تعبه؛ لأنه استُخْدِم بعقد غير شرعي، فلا يستحق رب المال تعبه على هذا الوجه.
وبناءً على هذا إذا قلنا: إن العقد يفسد؛ فيعطى العامل أجرة المثل.
وإذا قلنا: العقد يبقى صحيحاً فيُقسم الربح بينهما على ما شرطا، ويُلغى الشرط الفاسد فقط.
هذا الفرق بين قولهم: أنه إذا اشترط على وجه يوجب فساد العقد رجعنا إلى الإجارة.
وإن اشترط على وجه يفسد فيه الشرط، ويبقى فيه العقد صحيحاً، قلنا: تبقى القسمة على ما اتفقا عليه من الربح ويلغى الشرط وحده فقط.
(204/19)
________________________________________
إذا اختلف الشريكان في المضاربة قدم قول العامل
قال: [وإن اختلفا لمن الشروط: فلِعاملٍ، وكذا مساقاةٌ ومزارعةٌ]: قوله: (وإن اختلفا: لمن الشروط؟ فلِعاملٍ): يعني: القول قول العامل؛ لأنه مدعىً عليه، وقد قررنا هذه المسألة وقلنا: إنها من مسائل القضاء في الدعاوى: هل القولُ قولُ ربِّ المال؟ أو قولُ العامل؟ يكون القول قول العامل، وفي بعض الأحيان يكون القول قول رب المال، وإن كان القول للعامل على الأغلب؛ لأنه يكون مدعىً عليه غالباً، فلو قال له: اشترطت عليك كذا، فقال: لم تشترط، فالأصل عدم الاشتراط.
وبناءً على ذلك: يكون العاملُ المدعى عليه فيُطالَب رب المال بالبينة، فنقول له: أحضر شهوداً على أنك اشترطت.
فإذا أحضر الشهود حكمنا بقول رب المال.
وإذا لم يكن عنده شهود، قلنا للعامل: احلف اليمين، (ليس لك إلا يمينه) وهذا الأصل في القضاء -كما ذكرنا- أن المدعى عليه مطالب باليمين.
والمدعى عليه باليمينِ في عجز مُدَّعٍ عن التبيين فإذا عجز المدعي عن إقامة البينة، فإن المدعى عليه يُطالب باليمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح: (ليس لك إلا يمينه.
قال: يا رسول الله! الرجل فاجر يحلف ولا يبالي! قال عليه الصلاة والسلام: ليس لك إلا يمينه).
قال: [وكذا مساقاةٌ ومزارعةٌ]: وكذا الحكم في المساقاة وستأتي، وكذا الحكم في المزارعة، أنه إذا اختلف رب الأرض مع عامل المُساقاة، واختلف مع من أخذ الأرض مُزارَعةً، فالقول قول العامل، وليس بقول رب المال، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسائل في المساقاة والمزارعة.
(204/20)
________________________________________
الأسئلة
(204/21)
________________________________________
الضمان في المضاربة

السؤال
أَشْكلَ عليَّ في قصة عبد الله وعبيد الله ابني عمر رضي الله عنهم أجمعين، قولُ عبيد الله لـ عمر؛ أنهم لو خسروا لضمنوا، مع أن المضاربة إذا خسر فيها العامل ولم يفرط لم يضمن! نرجو التوضيح.


الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: فلله درك من سائل! ولا شك أنه إشكال في محله، ولذلك إذا نظرت أن عبيد الله وعبد الله كانا ضامنين للمال، والأصل يقتضي أن المضارب لا يضمن؛ لكن الصحابة قالوا: (اجعله يا أمير المؤمنين! قراضاً) من جهة الربح؛ لأن العقد في الأصل لم يقع على أنه عقد قراض.
والمشكلة في هذه القضية: أن عمر رضي الله عنه رأى الشبهة في تخصيصهم بالمصلحة، فقال: (أنْ كنتما ابنَي أمير المؤمنين؟ أديا المال).
إذاً: من حيث اعتراض عمر في الأصل له وجهه؛ لكن الإشكال في يد الضمان التي اعترض بها عبيد الله.
والحل في المناصفة في الربح تأتي على وجهين، يعني: تنصيف عمر للربح على وجهين: إما أن تقول: إنه صلح، شُبِّه بالقراض من جهة دخول رب المال مع العامل بالمشاركة، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، وبعض مشايخنا رحمة الله عليهم اختاروا هذا الجواب، لقول الصحابة: (اجعله قراضاً)؛ لأن الخلاف في الربح، هل كله يكون لبيت المال، أو كله يكون لـ عبد الله وعبيد الله؟ فالأصل يقتضي أن كله يكون لـ عبد الله وعبيد الله من جهة تحمل الخسارة؛ لكن من جهة تميزهم واختصاصهم بهذا الفضل يقتضي أن يكون لبيت مال المسلمين.
وبناءً على ذلك: يكون عمل عبد الله وعبيد الله في مالٍ لا يُملك، يعني: أن أبا موسى ليس له الحق أن يمكلهما ويخولهما، فأصبحت يد عبيد الله وعبد الله على المال يد شبهة، وهي التي أدخلت عمر في الاعتراض، فحينئذ كأن قسم الربح بينهما أشبه بالصلح، والصلح يقع بغبن أحد الطرفين، ولذلك كأنهم لما قالوا: (اجعله قراضاً)، أي: اجعله على سَنن القراض فيما أُشْكِل، وهو الربح، لا تجعله قراضاً من حيث الأصل، وهذا فيه فرق، فكونك تجعله قراضاً من حيث الأصل وتجعله قراضاً من حيث الربح، فالخلاف في الربح.
ولذلك فهذا هو الذي تطمئن إليه النفس.
فهذا إشكال من أبدع ما يكون وما يفقه له إلا القليل، وأذكر مَن كان مِن بعض مشايخنا رحمة الله عليهم لما اعترض عليه بعض طلابه بهذا قال له: لله درك! وأعجب؛ لأن هذا نوع من الدقة.
فالأصل يقتضي أن الربح يكون بين الطرفين بشرط أن يكون رب المال ضامناً للمال؛ لكن عبيد الله اعترض هنا.
هذا وجه.
ووجه آخر: أن عبيد الله ضخم الأمر، فقال: (يا أمير المؤمنين! أرأيت لو خسرنا المال، أكنتَ تضمِّنَّا إياه؟)، من جهة تضخيم الأمر، يعني: أننا إذا فرطنا أو تساهلنا في المال فإنك تضمِّنَّا.
وبناءً على ذلك: كأن عبيد الله يريد أن يقول له: ليس من حقك أن يكون الربح كله لك، ولنا نوع من المسئولية أو تحمل مسئولية الضمان، لا أنه ضامن لكل المال.
وهذا الوجه الثاني -في الحقيقة- مرجوح، والوجه الأول أقوى؛ أنه صلح، والصلح دائماً يُظلم فيه أحد الطرفين -كما هو معلوم- كما لو اختصم رجلان في عين، فالغالب إذا حدث الصلح أن يكون صاحب المال الأصلي مستضراً بالصلح؛ لأن الصلح يكون فيه نوع من التنازل عن بعض الحق، وعلى هذا قالوا: جرى صلحاً، وأجري على سَنن القراض، لا أنه قراض من كل وجه.
والله تعالى أعلم.
اللهم لك الحمد، ما دام أن في طلاب العلم كهذا؛ لأن مسائل الفقه -في الحقيقة- لابد أن يوجد من طلاب العلم وأهل العلم مَن عنده نوع من الدقة فيها، فالفقه فلا يمكن لطالب العلم أن يتقن باب المعاملات إلا إذا ربط الفقه بعضه ببعض، ولن تستطيع أن تجد أهمية فقه المعاملات إلا حينما تنظر لأبواب المعاملات مرتبطةً بعضُها ببعض {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف:52]، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الأنعام:115]، من التمام أن الشريعة كالبناء المُحكم.
فتجد أصول الشريعة وأصول العلماء في مسائل البيوع أصولاً مترابطة متناسقة تامة، وهذا الفرق بين فقه السلف وفقه الخلف، فقد تجد بعض المتأخرين يأتي وينظر لمسألة القراض، لا يبحث إلا في مسألة القراض؛ لكن هل قرأ الفقه على عالِم بحيث يعرف كيف تُرْبَط الأبواب بعضها ببعض؟ هل قرأ الفقه على سبيل التأصيل المعروف عند الأولين حتى يعرف وجهة نظر العالم إذا قال بالحُرمة رعايةً لأصل عام في الشركات، أو رعايةً لأصل عام في شركة الأموال؟ هل قرأ هذه الأصول أو لم يقرأها؟ فإذا لم يقرأها وجاءه قول يربط هذه الأصول بعضها ببعض ربما استخف بهذا القول، وظن أن هذا القول مرجوح، دون أن يفقه علته، ويعلم أصله، فإذا ضُبِطَت الأصول في الأبواب أصبح طالب العلم دقيقاً.
الآن -مثلاً- نحن مرت علينا القصة، قالوا: يا أمير المؤمنين! اجعله قراضاً، فتجد طالب العلم يسأل: طيب! القراض ما حقيقته؟ وهذا هو الذي نفتقر إليه اليوم، إذا جاءك أي شخص وقال لك: هذه المضاربة شرعية، أو مرابحة، أو مواضعة، أو تولية، تسأل: ما هي حقيقة المرابحة في الشرع؟ والذي ضرنا اليوم: أننا نريد فقط اسم الإسلام لنعلق عليه كل معاملة؛ مضاربة شرعية، مرابحة إسلامية.
اذهب واقرأ في كتب سلفك: ما هي حقيقة المرابحة الشرعية التي اتفق العلماء عليها؟ وانظر في هذا الجديد الذي أُلحِق بذلك القديم، هل فعلاً تنطبق الصفات والأركان والشروط الموجودة في العقد القديم على هذا الجديد، أم أنه حُمِّل كلام العلماء ما لم يحتمل؟ ويأتي الشخص يفهم الشيء على حسب فهمه، ويفهم الباب على حسب ذوقه هو، بل وجدتُ مِن المتأخرين مَن يقول: لو تعارض عندي أصل يحرم وأصل يبيح في البيوع والمعاملات فإنني أتبع من يحلل، وهذا أصله بالاجتهاد أنه يبحث عمن يحلل، ولا يختلف عالم أن هذا النوع من الاجتهاد هو عين تتبع الرخص، الذي قال عنه العلماء: (من تتبع الرخص فقد تزندق).
الشريعة فيها أصول محكمة، وسلفنا الصالح رحمة الله عليهم ما جاءوا بهذه المسائل مهدرة هكذا، إنما جاءت موزونة وبأصول صحيحة، فحَتْمٌ على كل طالب علم إذا أراد أن يتكلم في باب أو مسألة أن يردها إلى أصلها، وأن يعرف الأصول، وكان الوالد رحمة الله عليه يقول لي: (لن تستطيع أن تعرف فقه العالم إلا في باب المعاملات؛ لأن العبادات الأدلة فيها كثيرة، لكن الإشكال في المعاملات، قال لي: وإشكالُها في ربط الأصول بعضها ببعض، ولذلك تجد العالم -مثلاً- يقول: أغلِّب هنا شبهة الربح، ويقول: إعمال العقد أولى من إهماله، وأبقي العقد صحيحاً، وأقسم الربح) مع أنه يأتي في موضع ثانٍ من المعاملات ويغلِّب شبهة التحريم، ويلغي العقد، ويوجب فساده، فيتناقض في أصله، ولذلك لابد من التأصيل، ولابد لطالب العلم إذا قيل له: هذا قراض أن يسأل: ما هي حقيقة القراض؟ وإذا قيل له: هذا مرابحة أن يسأل: ما هي حقيقة المرابحة؟ حتى يكون على بصيرة وبينة من أمره.
ونسأل الله العظيم أن يرزقنا ذلك.
والله تعالى أعلم.
(204/22)
________________________________________