المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء الثالث عشر


gogo
10-19-2019, 01:45 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
شرح زاد المستقنع - باب الرهن [3]
من أحكام الرهن ومسائله: أن يد المرتهن يد أمانة، ما لم يتعد أو يفرط ويقصر في حفظ الرهن، أما إذا تعدى المرتهن أو قصر فإنه يضمن، ومنها: عدم انفكاك الرهن مع بقاء بعض الدين، ومنها: بيع الرهن عند انتهاء الأجل سواء من المرتهن أو من القاضي، ومنها: أنه إذا تلف بعض الرهن فباقية رهن، وغيرها من المسائل والأحكام المفصلة في هذه المادة.
(176/1)
________________________________________
يد المرتهن يد أمانة ما لم يتعد أو يفرط
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعدٍ منه فلا شيء عليه].
قوله: (وهو أمانة في يد المرتهن)، هذه الجملة قصد المصنف رحمه الله أن يبيِّن فيها حُكم الرهن: هل هو أمانة أو مضمون؟ وهل يد المرتهن تُعتبر يد أمانة فلا تَضمَن إلا إذا فرَّطت، أم أن يده يد ضمانٍ فتضمن مطلقاً؟ وتوضيح هذه المسألة: لو جئت إلى رجل وقلت له: بعني بيتك بمائة ألف أعطيكها بعد سنة، فقال: قبلت، ولكن أعطني رهناً لقاء هذا المال، فأعطيته سيارة، فهذه السيارة رهن، فلو أنها تلفت في يومٍ من الأيام، فإما أن تتلف بسبب تعدٍ منه وتقصير، كأن يحرِّكها ثم حدث لها حادث فتلفت، فحينئذٍ يده يد ضمان، هذا إذا حرّك الرهن دون إذنٍ من الراهن.
هذا بالنسبة للحالة الأولى، وهي التي يقول عنها العلماء: إذا تصرّف في الشيء المرهون دون إذن من صاحبه، فالتصرُّف بدون إذنٍ من صاحبه تصرُّف يوجب الهلاك أو فساد السلعة، أو فساد العين، فإنه في هذه الحالة يجب عليه الضمان، لكن لو أنه وضع الرهن عنده، فجاء شيءٌ وأتلفه بدون اختيارٍ منه، كأن يكون مزرعة فاجتاحها سيل، أو ثمرة فأصابتها جائحة، فهذا الفساد والتلف الذي تلف به الرهن بدون تقصيرٍ منك، وبدون تعدٍ، هل تضمنه أو لا تضمنه؟ للعلماء قولان في هذه المسألة: فبعض العلماء يقول: من وضع عندك رهناً، بيتاً، أو أرضاً، أو مزرعة، أو متاعاً، أو طعاماً، ثم تلف هذا الشيء أو سقط، فإنّك تضمن، وتكون يدك يد ضمان على هذا القول.
وبناءً على هذا القول: فإنه إذا كانت قيمة البيت عشرة آلاف ريال، والدين الذي دُفِع في مقابله الرهن خمسة آلاف ريال، فحينئذٍ تكون يده يد ضمان للخمسة آلاف التي هي أصل الدين، والخمسة آلاف الزائدة يده يد أمانة، فلا يضمن إلا إذا فرّط، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله.
القول الثاني: من وضع عندك رهناً ولم تتعدّ ولم تفرِّط، بل حافظت على الرهن، فجاء بلاء وأتلَف هذا الرهن، وفسد بسببه هذا الرهن، فإنك لا تضمن، ويدك يد أمانة، فلا تضمن إلا إذا فرّطت، وهذا القول هو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله، وهو الذي سار عليه المصنِّف رحمه الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الحديث الصحيح -وهو حديث أبي هريرة -: (لا يغْلق الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه).
فقوله: (لا يغْلق الرهن ممن رهنه) يعني: من الراهن، وقوله: (له غنمه) يعني: إذا زاد سعره فإنه يزيد على ملكه وضمانه، وقوله: (وعليه غرمه) يعني: لو تلف بآفة سماوية ودون تعدٍ، أو تلف بدون تفريط ممن ارتُهِن عنده، فإنه يتحمّل المسئولية، أعنِي: صاحب الرهن.
وهذا القول هو الذي اختاره المصنِّف، وهو الصحيح.
أما أصحاب القول الأول، فقد احتجوا بحديثين ضعيفين: الحديث الأول: فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الرهن بما فيه) أي: مرهون بما فيه.
وبناءً على هذا الحديث قالوا: (الرهن بما فيه) معناه: مَن وضَع عندك رهناً بعشرة آلاف، ودينُك عليه عشرة آلاف، وتلف هذا الرهن، فإنك حينئذٍ لا تطالبه بشيء، فالرهن تلف على ضمانك، ويدك يد ضمان على هذا القول.
الحديث الثاني: وهو حديث مرسلٌ ضعيف، وفيه: (أن رجلاً رهن عند رجلٍ فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نَفَق الفرس، فجاء الرجل يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ليس لك عليه من حق)، يعني: أن الفرس يُعتبر قيمةً لقاء الدين.
أما الحديث الأول -وهو من حديث أبي هريرة - فإنه يُروَى مرسلاً وموصولاً، وروايته موصولاً عند البيهقي بسندٍ ضعيف، وروايته مرسلة عند أبي داود في المراسيل بسند مرسلٍ صحيح، لكن المرسل لا يُحتج به ما لم يكن متصلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا فلا يقوى الاحتجاج به.
وأما الحديث الثاني -حديث الفرس- فإنه مرسلٌ ضعيف.
وعلى هذا: فالصحيح مذهب الجمهور: أن من وضع عندك رهناً، فإن هذا الرهن إذا لم تفرِّط ولم تتعدّ فيه فإنك لا تضمن، فلو قال لك: خذ هذا البيت واعتبره رهناً لقاء الأربعمائة ألف التي هي لك عليَّ، فأخذت البيت وسقط البيت وانهدم، فإنك لا تضمن إذا كان سقوطه بدون تفريط، لكن لو كان سقوط البيت وانهدامه بتفريط منك، كأن يعطيك البيت رهناً، فوضعت متاعاً في السطح أثقل السطح فانكسر وانهدم، فإنك تضمن؛ لأنك في هذه الحالة تعدَّيت، وحينئذٍ إذا تعدّت يد الأمانة ضمنت.
وخلاصة ما سبق: أن الرهن إذا وُضِع عند المرتهن ولم يتصرف فيه ولم يتعدّ ولم يفرِّط؛ فإنه لا يضمن إذا تلف ذلك الرهن، سواءً تلف كله أو تلف بعضه.
(176/2)
________________________________________
تلف الرهن مع بقاء المالية وعدم بقائها
والتلف على قسمين: تلف لا تبقى معه المالية، وتلفٌ تبقى معه المالية.
فالتلف الذي لا تبقى معه مالية: مثل أن يعطيك تمراً، ثم إن التمر فسد وخمج، فإنه تذهب قيمته وتذهب ماليته، ومثال الذي لا تذهب معه المالية: كأن يعطيك عسلاً يفسد بعضه ويبقى بعضه، فحينئذٍ لا تذهب المالية، ويبقى الصالح منه، أو يعطيك بيتاً رهناً، فينهدم البيت، فإن أرض البيت لا زالت لها قيمة، ولربما بقية الأنقاض لها قيمة، فحينئذٍ يكون هناك تلف مع بقاء المالية.
أما إذا كان موازياً للدين، مثل أن يعطيك بيتاً قيمته تقدر بمليون، ثم سقط ذلك البيت، وبقيت قيمة الأرض مع الأنقاض تقارب مثلاً نصف مليون، والدين الذي له عليك نصف مليون، فحينئذٍ لا إشكال، فتبقى المالية كما هي ويبقى الرهن كما هو.
وتارة يكون التلف لا يوازي كل الدين، ولكن يكون مُذهباً لبعضه، فيكون الدين مثلاً مائة ألف، فإذا تلفت العين صارت قيمتها تسعين أو ثمانين أو نحو ذلك.
(176/3)
________________________________________
أقسام الأيدي وحكمها
وقوله: [وهو أمانة].
(وهو) أي: الرهن، (أمانة).
واليد تنقسم إلى قسمين: فإما أن تكون يدك يد أمانة، أو يد ضمان.
ويد الأمانة: أن تأخذ الشيء فتحفظه وتقوم على رعايته، ولا تتعدى ولا تقصِّر.
مثال ذلك: رجل أعطاك عشرة آلاف ريال، وقال: يا فلان! ضع هذه العشرة آلاف وديعة عندك، فإن أخذت العشرة آلاف كما هي، سواءً كانت من فئة مائة، أو من فئة الخمسمائة، أو من فئة الخمسين أخذتها كما هي بغلافها، ونفس الأوراق التي أعطاك إياها، فوضعتها في صندوقٍ محفوظ، وقفلت عليها، وهذا الصندوق في مكان أمين، فإن يدك يد أمانة، ومتى جاءك يطلبها أعطيته إياها، فأنت لم تتعدّ؛ لأنك لم تأخذ منها شيئاً، ولم تقصِّر؛ لأنك وضعتها في نفس الصندوق الذي تحفظ في مثله.
أما لو أعطاك عشرة آلاف ريال، وقال: يا فلان! ضعها أمانة عندك، فلما أخذت منه العشرة آلاف قلت: سأصرفها، وعندما يطلب حقه أُعطيه حقه، فأخذت العشرة آلاف وأنفقتها على مصالحك، وأنت في نيتك وتعلم أنه متى ما جاء يطلبها في أي يوم من الأيام أن تعطيه، فحينئذٍ إذا صرفت العشرة آلاف في أي شيء، فإن لك غنمه وعليك غرمه، فتتحمل وتضمن العشرة آلاف، وتصبح يدك يد ضمان، وهذا التصرف منك يدخل في التعدِّي؛ لأنه كان ينبغي عليك أن تأخذ العشرة آلاف كما هي وتقفل عليها، فإذا أخذتها لتجارة أو مصلحة خاصة فقد تعديت، فإن استأذنته صار قرضاً، وانتقل من الوديعة إلى القرض، مثاله: لو قلت له: يا فلان! العشرة آلاف التي أودعتها عندي سأصرفها في مصالحي، ومتى ما طلبتها مني أعطيتك، فقال: لا بأس، ففي هذه الحالة يُصبح قرضاً، في الحالة الأولى وديعة، والوديعة تحفظ كما هي، وفي الحالة الثانية تكون قرضاً.
أما التفريط: فكما لو أعطاك عشرة آلاف، وقال: يا فلان! ضعها وديعةً عندك، فأخذتها ووضعتها على طاولتك أو مكتبك، وأنت في العمل أو الوظيفة، ودخلت تتوضأ فجاء شخص وأخذها، فحينئذٍ قصّرت؛ لأن هذا المبلغ بهذه القيمة لا يُوضع في هذا المكان.
(176/4)
________________________________________
تحول يد الأمانة إلى يد ضمان
إذاً: يد الأمانة تضمن في حالتين: التعدي أو التقصير.
فالتقصير في الحفظ: كأن يضع المبلغ في صندوق خشبي يُمكن كسرُه، فإن هذا يُعتبر تقصيراً.
وأما التعدِّي: فكأن يأخذ الأموال ويتصرّف فيها.
مثاله: جاءك رجل وقال: يا فلان! أنا سأُسافر، فضع سيارتي هذه عندك حتى آتيك، فأخذت السيارة ووضعتها في مكانٍ أمين، فلو أنه جاء بعد السفر وأراد أن يحرك السيارة وإذا بالسيارة تالفة لا تتحرك، فحينئذٍ لا تضمن شيئاً؛ لأنك لم تتعد ولم تقصِّر، فيدك يد أمانة.
لكن لو أعطاك السيارة وسافر، فجئت في يوم من الأيام وحركتها وخرجت بها إلى حاجة من حوائجك، فوقع -لا قدّر الله- حادث، أو تلف شيءٌ في السيارة، فإنك تضمَن؛ لأنك تعدّيت، وفي هذه الحالة تكون يدك يد ضمان.
إذاً: هناك يد تسمى: يد أمانة، وهناك يد تسمى: يد ضمان.
والأصل في الأشياء التي تكون ملكاً لك أنت أن تتحمل مسئوليتها، والأشياء التي تملكها مثل: أراضي، بيوت، أطعمة، أكسية، فالشيء الذي تملكه ربحه لك وخسارته عليك، هذا هو الأصل.
فلو أن رجلاً استدنت منه عشرة آلاف ريال وقلت له: خذ هذه السيارة وضعها عندك، فأنت في الأصل الضامن، فإن وضعت سيارتك رهناً عنده، فإن يده يد أمانة، فإن تصرّف في هذا الشيء فحينئذٍ ينتقل بتعدِّيه أو تفريطه إلى الضمان، وهذا هو معنى قوله رحمه الله: (ويده يد أمانة).
إذاً: يد المرتهن يد أمانة، لا تضمن إلا إذا قصّرت أو تعدّت، وهذا على أصح قولي العلماء؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد صححه الدارقطني، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، وغير واحد من العلماء يميلون إلى ثبوته، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يَغْلَق الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه) أي: ما لم يتعد أو يفرِّط.
وقوله: (إن تلف بغير تعدٍ منه فلا شيء عليه).
أي: إذا تلف الرهن من غير تعدٍ منه فلا شيء عليه.
فلو قال لك: أعطني مائة ريال، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: هذا التمر ضعه عندك رهناً إلى نهاية الشهر، أو نهاية الأسبوع وأسددك، فأخذت التمر فوضعته في مكان حار، أو في مخزن حار، وقفلت عليه، والتمر يفسد، إذا كان في مكان حار وخزِّن في مكان مُنْكَتم، الغالب أنه يحمض ويفسد، فإذا فسد التمر فإنك تضمن؛ لأنك في هذه الحالة قصَّرت في حفظ الأمانة، ولكن لو وضعته في مكان يُحفظ في مثله، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يأتي السوس ويتلفه، وهذا المكان ليس فيه السوس، وليس بمكان يوجد فيه السوس، ولكن تلف بإرادة الله عز وجل وقدره، فأنت لا تضمن؛ لأنك لم تقصِّر ولم تتعد.
(176/5)
________________________________________
عدم سقوط شيء من الدين إذا هلك الرهن دون تعد أو تقصير
قال رحمه الله: [ولا يسقط بهلاكه شيءٌ من دينه].
وهذه فائدة يد الأمانة: وهي أن الرهن إذا وضع عندك فهو أمانة، فإذا تلف فإنه يتلف على صاحبه، ولا يسقط من الدين شيء، فهذا الرهن إذا وضِع عندك ولم تتعدّ، وتلف بآفة سماوية، كثمرة بستان قيمتها ثلاثون ألفاً، والدين ثلاثون ألفاً، فلو أن هذه الثمرة التي في البستان جاءتها جائحة، وأتلفت هذه الثمرة، فإنك لا تضمن، ولا يسقط من دينك على صاحب البستان شيء، لكن لو أن قيمة الثمرة في البستان ثلاثون ألفاً، وتعاطيت أسباب التعدي، فمنعت العمال من السقي، أو قصَّرت في حفظه، فإن تعدّيت كأن تمنعهم من أن يسقوه، فأصبحت قيمة الثمرة عشرين ألفاً، فأنت تضمن ثلث القيمة، وتكون على دينك، فإذا كان دينك ثلاثين ألفاً فتسقط منه عشرة آلاف؛ لأنك تتحمل مسئولية التعدي حينما منعته من القيام بسقي البستان.
هذا بالنسبة للتعدي.
أما بالنسبة للتقصير فمثاله: أن يكون من عادة صاحب البستان أن يقفله، فأنت تركته مفتوحاً، فجاء السُرَّاق، وسرقوا من ثمرته بقدر خمسة آلاف ريال، فأنت تضمن هذه الخمسة آلاف؛ لأنك قصرت في الحفظ، ويدك يد أمانة، فينزل من الدين قدر خمسة آلاف.
إذاً: إذا كانت يدك يد أمانة، فإنه لا يسقط من الدين شيء، وإن كانت يدك يد ضمان، فإنه يسقط من دينك على قدر ما حصل من التفريط في الرهن، حتى لو استغرق الرهن كله فإنه يسقط كله.
فلو كان تقصير المرتهِن في حدود أربعين ألفاً، والدين أربعون ألفاً، فإنه يسقط ويصير رأساً برأس، ويخرج ولا شيء عليه هذا بالنسبة لمسألة يد الأمانة ويد الضمان.
فلما كان المصنف رحمه الله يميل إلى القول: بأن المرتهِن لا يضمن إلا إذا فرّط أو تعدى، فمعنى ذلك أن يده يد أمانة كما ذكرنا، فإذا تلف كله أو بعضه فإنه على صاحبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (له غنمه وعليه غرمه)، فإن كان التلف بتعدٍ من المرتهِن ضمِن على قدر ما وقع من التلف، وأُسقِط من الدين على قدر ذلك الضمان.
(176/6)
________________________________________
تلف بعض الرهن لا يخرجه عن كونه رهناً
قال رحمه الله: [وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدين] ذكرنا أن التلف ينقسم إلى قسمين: تلف يذهب المالية، وتلف لا يذهب المالية، فإن كان التلف يذهب المالية فحينئذٍ فسد الرهن، وفسد العقد؛ لأنه فات المقصود من الاستيثاق.
ويقول العلماء: إن كان الرهن قد فسد فساداً كلياً، بحيث لا تبقى له مالية، كما لو قال: أعطني خمسمائة ريال ديناً، فقال له: أعطني رهناً، فقال: هذه الشاة رهن، أو هذا البعير رهن، فمات البعير أو ماتت الشاة، فحينئذٍ يفسد الرهن؛ لأن الرهن إنما شرعه الله عز وجل لكي تتوصل به إلى حقك إن امتنع المديون من سداد الدين، فإذا مات وذهبت المالية فقد فسد عقد الرهن.
وفي هذه الحالة يكون لك الخيار.
ومسألة البيع: إذا بعته بيتاً بعشرة آلاف ريال، وأعطاك رهناً قيمته عشرة آلاف ريال، وقال لك: سأسدد العشرة آلاف ريال بعد سنتين، وأعطاك الرهن الذي قيمته عشرة آلاف، ففسد الرهن وذهبت ماليته، فإن من حقك أن تطالبه برهن جديد مكان الرهن القديم، ومن حقك أن تقول له: أنا لا أريد أن أبيعك، وترجِع عن بيعك؛ لأن حقك في هذه الحالة سيذهب، والحقوق إنما تضمن بالاستيثاق، ويكون لك الخيار في هذا، ولذلك يقول العلماء: ذهاب المالية موجبٌ للخيار.
فإن أقام مقامه رهناً يقوم بقدره وقيمته، فحينئذٍ لا إشكال، وإلا فله الخيار في الرجوع عن البيع.
وقوله: (فباقيه رهنٌ بجميع الدين) مثل أن يقول لك: بعني أرضاً، فقلت له: هذه الأرض بمليون، فقال: اشتريتها، ولكن سأعطيك المليون بعد سنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهنك بستاني، فأعطاك البستان رهناً لهذا المليون، فتلف النخل الموجود في البستان، وكانت قيمة البستان قبل تلف النخيل مليوناً، ثم لما تلفت صارت قيمته نصف مليون، إذاً صار نصف قيمة البستان رهناً، فإن الباقي من المالية يبقى رهناً، ومن حق صاحب الدين أن يعامله معاملة الرهن، فإذا لم يسدد باع ذلك القدر، وأخذ ما فيه من المال، قلّ أو كثُر.
إذاً: مراده رحمه الله: أنه إذا تلف بعضه وبقي بعضه فإنه يصير مرهوناً كله بالدين، أي: يبقى رهناً للدين.
(176/7)
________________________________________
عدم انفكاك الرهن مع بقاء بعض الدين
قال رحمه الله: [ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين].
قوله: (ولا ينفك بعضه) هذه مسألة يسمونها: آثار الرهن، ومثالها: رجلٌ اشترى أرضاً بمليون، ورهن مزرعة بمليون، فلما جاء وقت السداد، سدّد نصف مليون، وبقي عليه نصف مليون، فقلنا له: هات ما تبقى عليك، فقال: ليس عندي وأنا معسر.
فنقول: إن الرهن لا ينفك، ولو أنه سدّد نصف المليون قبل نهاية الأجل بشهر، وطالب بفك نصف الأرض فإنها لا تنفك، بل تبقى كل الأرض رهناً حتى تتم المدة، ويتم السداد على المتفق عليه، لا يظلم ولا يُظلم، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، وهذا دين وفي ذمتك وحق واجب عليك، فحينئذٍ تؤديه على الوجه المعروف.
فإن عجَزتَ عن السداد، فقد أخذت العهد على نفسك أن صاحب الدين يبيع الرهن ويأخذ حقه، فإذا سددت بعض الدين، لم يكن من حقك إخراج الوثيقة كاملة، ولا إخراج ما سُدِّد إلا في حالة واحدة، وهي: أن يكون الرهن متعدداً لديونٍ متعددة، فيقول -مثلاً-: عندي سيارتان، فأعطني عشرة آلاف ريال، خمسة آلاف آخذها اليوم، وخمسة آلاف آخذها غداً، والخمسة آلاف الأولى رهنها هذه السيارة، والخمسة الثانية رهنها هذه السيارة، فأصبحت الخمسة الأولى لها رهن مختص، والثانية لها رهن مختص، فإن سدد الخمسة آلاف كان من حقه أن يفك الرهن عن الأولى، لكن إذا كان المبلغ مع بعضه، والرهن مستوثَق للدين كله، فلا ينفك بسداد بعضه.
وعلى هذا يُفصّل في الديون: فإذا كان الرهن مجزأ عليه بتجزئته، كان الاستيثاق للحق كلٌّ بحسبه.
مثاله: أن يقول: أعطني مليوناً وأرهنك هذه الأرض على مائتين وخمسين ألفاً، وأرهنك المزرعة التي في المدينة على مائتين وخمسين ألفاً الثانية، والخمسمائة الباقية أرهن بها العمارة التي في جدة، فحينئذٍ هذه رهون متعددة لديون مفصَّلة، فإن سدد المائتين والخمسين الأولى؛ كان من حقه أن يفك الرهن عن الأرض الأولى، وإن سدّد المائتين والخمسين الثانية؛ كان من حقه أن يفك رهن المزرعة، وإن عجز عن الخمسمائة الباقية بقيت العمارة الأخيرة هي الرهن فقط.
إذاً: ينفك الرهن إذا كان مجزأً على الدين، أما إذا كان كلاً رأساً برأس، فلا ينفك إلا به كله، فلو بقي منه ولو ريال واحد، فلا يمكن أن يُفك إلا بسداد الدين كاملاً.
وهذا من عدل الله عز وجل بين عباده، فإن مقاطع الحقوق عند الشروط، وكأنه حينما وضع الرهن اشترط على نفسه أنه إذا لم يسدد فإنه يُباع الرهن ويسدد الحق، قليلاً كان الباقي أو كثيراً.
(176/8)
________________________________________
جواز الزيادة في الرهن مع عدم جوازها في الدين
قال رحمه الله: [وتجوز الزيادة فيه دون دينه].
قوله: (وتجوز الزيادة فيه) أي: تجوز الزيادة في الرهن.
وهنا مسألتان: المسألة الأولى: لو وضعت رهناً عند شخص لقاء دين، فهل يجوز أن تزيد رهناً ثانياً في نفس الدين؟ مثلاً: الدين، فأعطيته رهناً أرضاً، ثم جئت فقلت: يا فلان! أنا رهنتك أرضي، وأريد أن أعطيك رهناً مع الأرض هذه السيارة، أو أعطيك مع هذه الأرض أرضاً ثانية، فحينئذٍ تُسمَّى هذه المسألة: مسألة الزيادة على الرهن، ويكون الذي يزيد رهناً ثانياً هو المديون، وهذا غالباً ما يصنعه الإنسان الذي عنده ورع وخوف من الله سبحانه وتعالى، أو إنسان يقدِّر حقوق الناس؛ لأن المفروض على المديون أنه إذا رأى غيره تسامح معه ويسَّر له حاجته أن يحتاط لحقه، ومن كان عنده ورع وخوف من الله عز وجل، فإنه يخاف من الدين، فيخشى أنه لو بقيت عنده هذه الأرض فلربما باعها لمصلحة نفسه، ولربما ماطل، أو تأخر سداده، فيحتاط، أو يخشى أن يموت، فيتساهل أولاده وورثته في سداد الحقوق التي عليه، فيرهن بكامل الحق حتى يستوثق للناس بحقوقهم، فأضاف إلى الأرض أرضاً ثانية، أو أضاف إلى السيارة سيارة ثانية، وسواءً كانت الزيادة من جنس الرهن الأول ونوعه، كأرض مع أرض، أو كانت مختلفة، كأن تكون عقاراً ومنقولاً، كأن يقول له: أرهنك أرضي لقاء المليون، ثم جاء في اليوم الثاني وقال: أُضيف إلى ذلك الرهن سيارةً، فقد أضاف إلى العقار منقولاً.
إذاً: الرهن الأول من العقارات، والرهن الثاني من المنقولات، فكله جائز.
وشدد في هذا بعض العلماء وقالوا: الرهن لا يُزاد فيه، والحق مستوثق بالرهن الأول، وهذا قول زفر بن الهذيل، وهو إمام مجتهد رحمة الله عليه، وقد كان من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة المجتهدين، وكان يرى أنك إن أدخلت الرهن الثاني دخل الشيوع، والشيوع عند الفقهاء يُبطل العقد الأول.
مثاله: إذا تم العقد الأول على رهن مثلاً بثمانمائة ألف، فقد صار الرهن الأول مستوثقاً بثمانمائة ألف، فلو أَدخل الرهن الثاني أبطل الرهن الأول؛ لأنه دخل في الشيوع، قال: وحينئذٍ لا يصح أن يزيد على الرهن الأول؛ لأن الحق مستوثق به، وقد رضي صاحب الحق بهذا الرهن، فلا تجوز الزيادة.
والصحيح هو مذهب الجمهور؛ لأن الزيادة الطارئة كالزيادة المبتدئة؛ لأنه كما اتفق العلماء أنه يجوز أن ترهن بأكثر من الدين، كما لو أعطاك ديناً مليوناً، فيجوز أن ترهن أرضاً قيمتها أكثر من مليون؛ فإذا كان يجوز ابتداءً جاز؛ لأن هذا بالتراضي، وما دام أنه رضي أن يُدخِل الرهن الثاني على الرهن الأول، فهذا له ولا بأس بذلك.
وقوله: (دون دينه) أي: لا يجوز أن يزيد في الدين.
وتوضيح ذلك: لو باعك رجلٌ أرضاً بمليون على أن تدفع القيمة بعد سنة، فقال لك: أعطني رهناً، فقلت له: أعطيك عمارتي التي في المدينة الفلانية في الموضع الفلاني رهناً لقاء هذا المليون الذي اشتريتُ به الأرض، فلو أراد أن يستدين منه أو يشتري منه سلعة ثانية، وأراد أن يجعل العمارة التي رهنها أولاً رهناً لهذا الدين أو الشراء الثاني، كأن يقول: بعني أرضك الثانية، فقال البائع: الأرض الثانية قيمتها مائة ألف، فقال له: لقد رهنتك العمارة وقيمتها مليون ومائة ألف، فأدخل هذه الزيادة من المال على الدين الأول، ويصبح الدين الأول (المليون) مليوناً ومائة ألف، لقاء هذه العمارة التي قيمتها مليون ومائة ألف، أو قيمتها مليون ومائتا ألف مثلاً، فقالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه إذا تم العقد بالرهن وقُبِض، فمعنى ذلك: أن الرهن قد حُبِس على الدين الأول، وصار مستَحَقاً ومستَوثَقَاً به الدين الأول، ولا يقبل حينئذٍ أن يُصرف إلى الدين الثاني، بخلاف الصورة الأولى، وهي إدخال الرهنين، فإنها ليست كإدخال دين على الرهن، ولو فُتِح هذا لاستضر الناس، وصار هذا وسيلة إلى الأذية والإضرار.
ومن الأمور التي تقوِّي هذا القول: أنه لو رهنَه عمارةً قيمتها مليوناً، وجاء ليزيد في الدين، فربما نقصت قيمة العمارة، خاصة إذا كان الرهن من العقارات، وكل شيء له قيمة فلا بد أن تتفاوت قيمه، والغالب أنه مع مضي الزمن ينقص لا أن يزيد، فهذا النقصان الأولى أن لا نُدخله على الدين؛ لأن هذا يُدخِل الضرر على صاحب الدين.
وأياً ما كان الأصل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، أن هذا الرهن مستَحَق بالدَّين الأول.
وهذا كله إذا امتنع، أما لو رضي صاحب الدين، وقال: أُلغِي الرهن الأول وأعطيك إياه، ثم تُدخِله رهناً بالدينين؛ صحّ ذلك وجاز.
فقد فك الرهن الأول، وردّه إلى صاحبه ومالكه الأول الذي هو المدين، ثم عاد ثانية وقال: هذه العمارة لقاء الدينين، فإنه يجوز، وهذا ما يسمى: بالحيلة الشرعية.
وبهذا يمكن أن تدخل العمارة باليد الثانية، أي: بعقد ثانٍ غير العقد الأول، وتكون رهناً لقاء المليون والمائة ألفٍ، ولا بأس بذلك.
(176/9)
________________________________________
الرهن المشترك وصوره
قال رحمه الله: [وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفى أحدهما، أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما؛ انفك في نصيبه].
قوله: (وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفّى أحدهما).
هذا هو الرهن المشترك، مثاله: أخذتَ من رجل خمسمائة ريال، وأخذت من آخر خمسمائة ريال، وقلت لهما: الألف التي لكما لقاء هذه الدابة، أو رهنت أرضاً، أو رهنت سيارة، فالرهن لقاء دينين، فلو أن هذه السيارة قيمتها مثلاً ألف ريال، والدين ألف ريال، فجئت إلى عبد الله الذي هو صاحب الدين الأول.
فسددته قبل انتهاء الأجل، فإذا وقع السداد لحق عبد الله انفك الرهن في نصيبه، وبقي النصف الثاني في نصيب الآخر مرهوناً.
والرهن إذا كان للطرفين، فلا يجوز أن يكون عند أحدهما دون الآخر.
ومسألة الشيوع في الرهن: إذا أعطيت رهناً واحداً في دينين لشخصين، لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالرهن دون الآخر؛ لأنه مشترك للحقين، وحينئذٍ يحفظانه عند عدل، أو يرضى أحدهما أن يكون الرهن عند الآخر.
وقوله: (أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه).
مثاله: شخصان يملكان سيارة، واستدانا منك عشرة آلاف ريال، ووضعا السيارة التي قيمتها عشرة آلاف ريال عندك، فحينئذٍ إذا سدّد أحدهما خمسة آلاف ريال، فإنه ينفك الرهن في نصيبه، ويبقى الرهن في النصيب الباقي.
(176/10)
________________________________________
حكم بيع الرهن عند حلول الأجل حال الإذن والامتناع
قال رحمه الله: [ومتى حل الدين وامتنع من وفائه، فإن كان الراهن أذن للمرتهِن أو العدل في بيعه باعه ووفّى الدين، وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن].
قوله: (ومتى حل الدين وامتنع من وفائه).
أي: حل الأجل، بمعنى: أن يأتي الوقت الذي تعهّد المديون بسداد الدين فيه، أو تعهّد المشتري بدفع قيمة الشيء الذي اشتراه، فإذا حلّ الأجل، فنقول له: ادفع المال؛ لأنه التزم في ذمته بالعقد بينه وبين صاحب المبيع أن يدفع له القيمة عند حلول الأجل، فلنا الحق إذا انتهى الأجل أن نطالبه بالسداد، فإن قال: ما عندي، أو أنا معسر، فحينئذٍ يجوز للمرتَهَن أن يطالب الراهن ببيع الرهن.
وهذا مبني على العقد؛ لأن عندنا عقدين: العقد الأول: عقد البيع الذي فيه أساس الدين، أو عقد القرض الذي بينهما، فهذا اشترى منه أرضاً -كما ذكرنا- بمليون على أن يسدده في نهاية السنة القادمة، فإذا انتهت السنة القادمة، قلنا له: سدِّد، فإذا قال: لا أستطيع، أو قال: هذه نصف القيمة ولا أستطيع أن أسدِّد الباقي -وينبغي أن يُعلم إن كان صاحب الدين سمحاً رضيّاً، فقال له: رضيت أن أنتظر شهراً أو شهرين، وأعطاه مهلة، فهذا الأمر بالتراضي، ونحن لا نتكلّم فيه، إنما نتكلم عن الحقوق المطالب بها- فإذا تم الأجل ولم يؤد الدين كما وعد، فننتقل إلى عقد الرهن، في هذه الحالة يصير الرهن كأنه وثيقة، يقول العلماء: إنه استيثاق، أي: استوثق صاحب الدين لدينه بالعين، فالعمارة التي رهنها عندك وثيقة لقاء هذا الدين، بمعنى أنه إذا عجز عن السداد تبيعها وتتحصَّل مالك عليه، سواءً كل الدين أو بعض الدين.
أما إذا كان هناك عدل الذي هو الطرف الثالث، والعدل: شخص ينصِّبه صاحب الدين والمديون، كأن يقول مثلاً: أعطني مليوناً، فيقول: أعطيكها لكن بشرط أن تعطيني رهناً، فقال: أرهن عندك عمارتي، ولكن أريد أن تكون عند زيد، فقال صاحب الدين: وأنا أرضى زيداً.
إذاً: عندنا قرض: وهو المليون على الشخص المديون، وعندنا رهن: وهو العمارة عند زيد، فزيد هذا يُسمَّى: العدل، والعدل: هو الشخص المرضي، فيقولون: عدل؛ لأنه مَرضِي من الطرفين -حتى ولو لم يكن من العدول- من صاحب الدين ومن المديون، فلمّا رضيا زيداً ووُضِعت العمارة عند زيد، فجاء الأجل وهو نهاية السنة، فنقول: يا فلان! سدِّد، فقال: لا أستطيع، فهناك عدة أحوال: الحالة الأولى: أن يقول صاحب العمارة لزيد: خذ عمارتي رهناً في دين عبد الله الذي عليّ، فإن لم أُسدِّد في الوقت فبِعها وأعطه حقّه، فهذا يُسمى: إذن الراهن، فإن أذن الراهن للعدل أن يبيع فيقوم العدل مباشرةً عند ثبوت العجز ببيع العمارة، وسداد الدين كلِّه أو ما تبقّى من الدين، وهذا إذا كان العدل قد أذن له الراهن، لكن لو لم يأذن الراهن وامتنع من السداد، فبعض العلماء يقول: من حق صاحب الدين أن يرفعه إلى القاضي، ويطالبه إما بالسداد، وإما أن القاضي يأمر العدل أن يبيع.
وقال جمهور العلماء: لا يؤذيه ولا يضره، وإنما يستدعيه القاضي، ويقول له: أده حقّه، فإن قال: ما عندي، قال: إذاً تُباع العمارة عليك ويُسدَد الدين، فإن قال للقاضي: لا أرضى؛ فجمهور العلماء على أنه يُترك ويقضي القاضي بالبيع الجبري، والبيع الجبري: هو أن تباع العمارة بدون إذنه ورضاه؛ لأن الحق متعلِّق بها، والقضاة والحكام إنّما نُصِّبوا من أجل رد الحقوق للناس.
فإذا كان هذا يظلم هذا، فهم يقومون بردع الظالم عن ظلمه؛ لأنه من الظلم أن يقول: لا أسدد ولا تُباع العمارة، فحينئذٍ يفرض القاضي على العدل أن يبيع، هذا هو قول الجمهور.
القول الثاني: إذا طلبه القاضي وقال له: بِع، فقال: لن أبيع، فقال له: ائذن للمرتهِن أن يبيع الرهن، فقال: لا آذن، حينئذٍ يأخذه ويعزِّره، وله الحق أن يسجنه، وأن يمنع الناس عنه حتى يأذن بالبيع، أي: يفرض عليه ذلك بالقهر والقوة.
ومذهب الجمهور أقوى، أنه إذا لم يأذن فعلى القاضي مباشرة أن يُصدر حكماً بالبيع الذي يُسمَّى: البيع الجبري، وحينئذٍ تُباع السلعة؛ لأن هناك اتفاقاً مسبقاً، والحق متعلِّق بها، فتُباع كما تباع سلع المفلس، ومن حق القاضي أن يبيعها، وعلى هذا فكما ذكر المصنف رحمه الله يُباع الرهن ويُسدَّد به ما بقي من الدين، أو يسدد به كل الدين إن لم يكن دفع منه شيئاً.
وقوله: (فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفّى الدين)، أي: إذا قال الراهن: يا محمد! إذا جاء أول محرم ولم أسدِّدك فالعمارة بين يديك بعها وخذ حقّك، وإن بقي عليَّ شيء أكمِّله، وإن لم يبق شيء فالحمد لله حقُّك وصل إليك، وإن زاد شيء فردَّه إليَّ.
فهذا إذن مسبق، سواءً أَذِن عند عقد الرهن، أو أَذِن أثناء المدة، أو أذِن عند انتهاء الأجل، فإذا أَذِن فلا إشكال، سواءً أَذِن للمرتَهَن أو أذِنَ للعدل، فالحكم واحد.
وقوله: (وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن)، يعني: على القاضي أن يجبر المديون على وفائه، ويقول له: سدِّد، فإن لم يسدد، فحينئذٍ يقوم ببيعه بالبيع الجبري كما ذكرنا.
(176/11)
________________________________________
جواز بيع الحاكم للرهن عن امتناع الراهن عند التسديد والبيع
قال رحمه الله: [فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفَّى دينه].
أي: باعه الحاكم بيعاً جبرياً، وهذا النوع من البيع هو الذي يقول العلماء: يجوز مع فقد شرط التراضي؛ لأن الله يقول: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، والبيع لا يصح إلا بالرضا، لكن في هذه الحالة رضا المالك وعدمه على حدٍ سواء؛ لأنه متعلِّق به حقٌ للغير، فحينئذٍ يُستوفى هذا الحق؛ لأن هناك شرطاً وعقداً بينهما، ولا بد من إبراء ذمَّته على هذا الوجه.
(176/12)
________________________________________
الأسئلة
(176/13)
________________________________________
حكم الانتفاع بالرهن

السؤال
إذا انتفع المرتهِن بالرهن، ألا يشكل عليه بأنه قرضٌ جرّ نفعاً أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإنه ينقسم الحق إلى قسمين: فإما أن يكون الرهن لقاء حق بالقروض، فحينئذٍ يُعتبر قرضاً جر نفعاً، وعلى هذا كره الإمام أحمد رحمه الله رهن الدور، واعتبره من الربا المحض، خاصة إذا اشترط عليه أن ينتفع به فإنه يعتبر قرضاً جر نفعاً.
وإما أن ينتفع بالرهن لقاء القيام عليه، كما في الدواب التي تُحلب وتُركب، فهذا وردت السنة باستثنائه، قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (الرهن يُركب بنفقته، ولبن الدر يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً)، فهذا يدل دلالة واضحة على أنه يجوز، وذلك مثل الناقة تحتاج إلى علَف، فتعلِفها ثم تأخذ بقدر ما علفت، فلو كان العلف قيمته مثلاً ثلاثين، تأخذ من حليبها وتركب عليها بقيمة الثلاثين، ولا تزيد على هذا، وهذا عين العدل؛ لأنه قديماً حينما كانت الدواب تُركَب وتُحلب، من الصعب أنك إذا وضعتها رهناً أن تأتي من مكان بعيد من أجل أن تضع العلف لها وتحلبها، فيسَّر الله عز وجل وجعل الرهن هذا يُحلب ويُركب بالنفقة التي يدفعها المرتَهن عليه، أما ما عدا ذلك فلا يجوز.
ومن هنا أجمع العلماء رحمهم الله على أنه لا يجوز للمرتهِن أن ينتفع بالرهن بدون إذن من ارتهنه إلا إذا كان بعِوض، كأن يقول له: هذه الدار أجعلُها رهناً عندك، فقال له: أريد أن أسكنها، فبكم تؤجرني إياها؟ قال: بكذا وكذا، فأجّرها، فإن استأجرها انتقلت وخرجت عن يد الرهن إلى الإجارة، وهذا إن شاء الله سنفصل أحكامه في الفصل الثاني في مسألة منافع الرهن، سواءً كانت بعوض أو كانت بغير عوض، وسواءً كانت المرهون من جنس ما يُحلب ويركب، أو يركب ولا يُحلب، أو يحلب ولا يركب، أو لا يُركب ولا يُحلب كالدور ونحوها، هذا كله -إن شاء الله- سيكون الكلام عليه في المجلس القادم، نسأل الله التيسير.
والله تعالى أعلم.
(176/14)
________________________________________
حكم التصرف في الأمانات

السؤال
مَن وُضِعت عنده أمانة فتعدّى، هل يأثم بذلك مع العلم بأنه قادر على أن ينقد المبلغ إذا طالب به صاحبه أثابكم الله؟

الجواب
الأمانة أمرُها عظيم، وخطبها جسيم، يفر منها الصالحون، ولا يحفظها إلا الأخيار المتّقون، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين: (فإذا ضُرِب الصراط على متن جهنم قامت الأمانة والرحم على جنبتي الصراط).
فقد يمكن أن يُكردس العبد في نار جهنم بأمانة خانها، أو برحمٍ قطعها، ولذلك بعض العلماء لما قرأ هذا الحديث قال: أخاف على المسلم من خيانة الأمانات وقطع الأرحام، ويقول: ما أظنه ينجو من الصراط؛ لأنه قال: (قامت الأمانة والرحم على جنبتي الصراط، وإنها تتمثل لصاحبها يوم القيامة، فإذا جاء يأخذها هوت به في نار جهنم، فلا يزال يطلبها على قدر ما ضيّع من حقوقها)، فالأمانة أمرُها عظيم، فإذا اؤتُمِنت على شيءٍ فانظر رحمك الله! إن قدرت على أن تحفظه وتقوم عليه وتصونه فالحمد لله، وأنت مأجورٌ غير مأزور، خاصة إذا كان أخوك محتاجاً إلى حفظك ورعايتك، تفرِّج كربته، وتُحسن إليه، والله يثيبك على هذا، أما إذا علمت أن نفسك ضعيفة، فإياك إياك! خاصة في الأمانات التي تكون للضعفاء والفقراء، مثل: أموال الزكوات، والتبرعات، فإن هذه أمرها عظيم؛ لأنهم سيكونون خصومك بين يدي الله عز وجل، في توزيعها والقيام عليها، فلا تتقحّم هذا الشيء إلا وأنت متمكِّن من أداء الحق على وجهه، فكما أن في هذا العمل الثواب العظيم والأجر الكبير، ففي التفريط فيه الإثم الكبير.
والإنسان الذي يحتاط لدينه إذا جاء لأمانة في الزكوات فيكتب أسماء المستحقين، ويأتي إلى المزكي ويقول: عندي ثلاث أسر أربع أسر خمس أسر؛ لأنه سيتحمل بين يدي الله عز وجل في عدم صرفها، كأن يُبقيها عنده، فربما تأخر في صرفها وجاءت دواخل النفس، وليس هناك فتنة مثل المال والنساء، فهاتان الفتنتان من أعظم الفتن.
فإذا اؤتمِنت على المال، فليكن على قدر ما تستطيع، فالنفس أمارة بالسوء، فلا تتحمل أمانة أحد من الأموال؛ لأن النفس ضعيفة، وعلى هذا ينبغي للمسلم أن لا يدخل نفسه في مقام الأمانات إلا إذا وثِق من نفسه، فإذا وضع شخص عندك أمانة كالمال مثلاً، فعليك أن تقول له -إن كنت محتاجاً-: أنا أحتاج هذا المال، ولا أريد أن أخون، ولا أريد أن أضيِّع، ولا أريد أن أبدِّل أمانتي، إنما أريد أن أكون من أهل الجنة، وممن غفر الله لهم، فكانوا لأماناتهم حافظين، فإن قال: قد أذنت لك أن تتصرّف فيها، فلا بأس، أما إذا قال لك: لا آذن، فحينئذٍ تحفظها يرحمك الله! أو تردّها إليه.
وعلى هذا فلا يجوز التصرُّف في الأمانات إلا بإذن أهلها، والله تعالى أعلم.
(176/15)
________________________________________
جواز الإقالة في البيع للبائع والمشتري

السؤال
هل للبائع بعد بيع السلعة أن يتراجع ويطلب من المشتري أن يقيله، أم أن الإقالة خاصة بالمشتري أثابكم الله؟

الجواب
يجوز ذلك للبائع وللمشتري، إذا ندِم وطلَب الإقالة فإنه يجوز له أن يستقيل، ومن أقال نادماً فله من الله الثواب، وحسن العاقبة والمآب، فمن فرّج عن مسلمٍ كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وشتان بين كربة الدنيا وكربة الآخرة، فإذا جاءك أخوك وقال لك: قد بعتك، ولكني نادم على هذا البيع، فقد يستضر في أهله، وقد يستضر في عِرضه، فبدل أن يكون ساكناً في عمارته فيذهب ويستأجر، فيخاف على عِرضه، ويخاف على أهله، فهذه كربة عظيمة، خاصة وأن بعض البيوعات تتعلق بها مصالح عظيمة للناس، فإذا جاءك البائع نادماً، فإن أقلته فإن الله عز وجل يثيبك على هذا، وهو من تفريج الكربة، وقدِّم آخرتك على دنياك، فإن الشيطان حريص، فقد يقول لك: هذه العمارة وهذا الثمن والربح الكثير كيف تفرِّط فيها؟! وقد يأتيك من شياطين الإنس من يسوِّل لك، كأن يقول: إنه من الخطأ أن تغفر له أو تعفو عنه، وآخر يقول لك: هذا يتلاعب بك، وثالث يقول لك: أنت ضعيف، وآخر يقول لك: أنت تضيع حقك، أنت تضيع الربح أنت كذا أنت كذا، ومنهم من يقول لك: إن استمريت على هذا فلن تربح في تجارة وهكذا، ويخذلك شياطين الإنس والجن، ولكن قل: لا، واستعن بالله، فلعل في هذه العمارة بلاءً يصرفه الله عنك بتفريج كربة أخيك المسلم.
فلا أحد يعلم العواقب في الأمور، وقل أن يأتيك مسلم في كربة إلا وادّخر الله لك من وراء تفريجها خيراً كثيراً، وهذا ضعه أمامك كالأمر اليقيني، أنك لن ترحم مسلماً إلا رحمك الله، ولن تُقدِم على أمر فيه خيرٌ لإخوانك، وتضحِّي وتؤثره على نفسك إلا جعل الله لك العاقبة كأحسن ما تظن، وفوق ما تظن، وهذا أمر مجرّب، ونشهد لله أنه أوفى ما يكون لعهده، فإن الله قد وعد من رحِم أن يُرحم، فأنت عندما تأتي وترحمه في المال، قد تقع في مثل ما وقع فيه، وإذا لم تُقَل فيها ربما أُصِبْت بمرض في نفسك، وربما أُصِبت بنكبة في أهلك، ولكن الله سبحانه وتعالى يلطف بك ويرحمك كما رحمت أخاك المسلم.
فعلى المسلم أن يحسن إلى إخوانه، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
وبالمناسبة، في ذات مرة حدثني رجل كبير السن: أنه مرّ على غلام يُجر في السوق -وهذا قبل ثمانين سنة تقريباً، وقد توفي الرجل رحمه الله، وحدثني في آخر عمره وهو في الثمانينات- قال: فسألت الذي يجره: ما به؟ فقال: هذا رجل عليه دين يقدر بريال، والغلام قريب من البلوغ، قال: فأخرجت من جيبي ريالاً ودفعته إليه، واحتسبته عند الله، فصاح هذا الغلام: ما اسمك؟ قال: فقلت له: فلان، ولا أظن أني في يوم من الأيام سأحتاج إليه، قال: فمرت الأيام، وشاء الله أن خرج في تجارته عن طريق بلد، ثم اعتُدي على تجارته، وهو معها وفي ركبها، ثم أراد الله عز وجل أنه يهيم على وجهه في البر في ليلة شديدة البرد، -يحدثني بلسانه- يقول: فكنت في ليلة شديدة البرد، فأصبحت أخاف حتى على نفسي من شدة ما أجد من البرد، فإذا أنا بنار، قال: فلما قربت منها ولفحني الضوء، إذا بصائح يقول: عمي أحمد! فلما ذكرت له نكبتي، أحسن إليَّ، وقام معي وأكرمني، ورعى شئوني وتجارتي وحفظها، وردني إلى المدينة سالماً غانماً، ثم قال لي: هل تذكرني؟ فقلت: والله ما أذكرك، فقال: أنا الغلام الذي دفعت عني الريال يوم كذا وكذا.
إذاً: فأنت لن تفرج كربة أحد إلا سخر الله لك من يفرج كربتك، أو جعل لك عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فيحتسب المؤمن، فإذا جاءك البائع نادماً على بيعه، أو المشتري نادماً على شرائه، فقدِّم آخرتك، والله يبتلي أهل الأموال والتجارات بمثل هذه المواقف، والله تعالى ما خلقنا إلا للاختبار {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31].
فكيف يُعرَف الصادق من الكاذب؟! وكيف يُعرف الرحيم من غير الرحيم؟! إلا بمثل هذه المواقف، فإذا جاءك أخوك نادماً عن كلمة قالها فيك، أو تصرُّف أساء إليك، فقل: غفر الله لي ولك.
فمثل هذه المواقف الطيبة، ومثل هذه المعاملة الحسنة، وكما أحسنت إلى الناس، فإن الله عز وجل يحسن إليك، والله تعالى يقول: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(176/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الرهن [4]
يجوز للراهن والمرتهن أن يتفقا على أن يجعلا الرهن عند أحدهما، ولهما أن يتفقا على أن يجعلاه عند عدل يرضيانه، وهذا العدل عليه أن يحفظ الرهن إلى أن يحل أجل تسديد الدين، وله عند حلول الأجل وعجز الراهن عن تسديد الدين أن يبيع الرهن، بشرط أن يأذنا له، وعلى العدل أن يحتاط لنفسه وللراهن عند تسليم الدين، بأن يكتب أو يشهد، فإن فرط فإنه يتحمل المسئولية، وللراهن الحق في مطالبته بالثمن.
(177/1)
________________________________________
اتفاق الراهن والمرتهن على عدل يأخذ الرهن
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصلٌ: ويكون عند من اتفقا عليه].
قوله: (ويكون) أي: الرهن (عند مَن اتفقا عليه) أي: يجوز أن يكون الرهن عند المرتهن، ويجوز أن يكون عند شخص ثالث يتفقان عليه؛ لقوله: (عند مَن اتفقا عليه)، وعلى هذا لو قال المديون: نعطيه زيداً، فقال الدائن: لا؛ فإنه لا يلزم، ولو قال الآخر: نعطيه عمراً، فقال الطرف الثاني: لا؛ فإنه لا يلزم، فحينئذٍ لا بد أن يكون الشخص الثالث مرضياً عنه من الطرفين، وهذا الذي يُسمَّى: العدل.
فإذا ثبت أن الرهن يكون عند العدل الذي اتفقا عليه، وقام الراهن وأعطى زيداً العمارة رهناً، على أساس أن زيداً عدل من الطرفين، ثم قال الراهن أو المرتهن: عزلتُك.
وذلك قبل سداد الدين، فهل من حقه -أي: الراهن أو المرتهن- أن يعزل هذا الطرف الثالث قبل مضي المدة؟ للعلماء وجهان: فمن أهل العلم من قال: من حقه أن يعزله، ولا شيء في ذلك إذا عزله، لكن يكون الخيار لصاحب الدين، فله أن يُطالب بالرهن بديلاً عن العدل، وله أن يفسخ العقد؛ لأنه لو فُتِح هذا الباب لتلاعب الناس بحقوق الرهن، فإنه يرهن عند عدل، ثم يعزله ويسحب الرهن منه، فقالوا -استيثاقاً للحقوق-: يكون الخيار دفعاً لهذا، وهذا قول جمهور العلماء.
وقال بعض أصحاب الإمام مالك رحمه الله: إنه ليس من حقه العزل إلا برضا الطرف الثاني، وهذا المذهب -وهو مذهب المالكية رحمهم الله- أحوط، وقالوا: ما دام الطرفان تراضيا، فإنه ليس من حق أحدهما عزله دون الآخر؛ لأن إثباته جاء من الطرفين، فنقض هذا الإثبات لا بد أن يرضيا بعزله، وفي بعض الأحيان يتفقان على عزله، خاصة إذا بدرت منه أمور تدعو إلى الريبة، هذه حالة.
الحالة الثانية: أن يموت هذا الطرف الثالث وهو العدل، فلو مات قبل السداد، فما الحكم؟ قالوا: ينفسخ التوكيل ويقيمان من يرضيانه بدلاً عنه، فإذا رضيا شخصاً بدلاً عنه أقاماه مقام هذا العدل.
(177/2)
________________________________________
إذن الراهن والمرتهن للعدل بالبيع بنقد البلد
قال رحمه الله: [وإن أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد].
هذه هي أحكام العدل، فقوله: (وإن أذنا له بالبيع) أي: إذا أذن الطرفان للعدل ببيع الرهن عند مضي المدة، فليس له أن يبيع إلا بنقد البلد الذي هو فيه، فإذا كان رهنه أرضاً في مكة، فإذا باع يبيع بنقد البلد، ويبيع بالقيمة في نفس المكان، فلو كانت القيمة متفاوتة في بلدٍ آخر لم يكن له أن يتكلَّف ذلك، إنما يبيعها بنقد البلد، ويكون العدل المرضي بين الطرفين وكيلاً عنهما في البيع، فلو كان نقد البلد من الذهب باعها بالذهب، ولو كان نقد البلد من الفضة باعها بالفضة.
فلو باع بغير نقد البلد، فإنه ليس من حقه أن يبيع باختياره هكذا، إنما يبيع في حدود معيَّنة؛ لأنه وكيل، والوكيل لا يتصرف إلا في حدود ما أُذِن له، وإذا أُذِن له بالبيع، فإن العرف أن يبيع بنقد البلد الموجود؛ لأن البيع يكون بالنقد ويكون بغير النقد، والنقود والأثمان كالذهب والفضة، ويكون بغيرها الذي هو بيع المقايضة، فلو باع بشيء فيه ضرر فإنه لا يجوز، كأن يبيع العمارة بعمارة أخرى، أو يبيع العمارة بطعام، إنما عليه أن يبيع بالنقد، ويكون النقد نقد البلد؛ لأن نقد غير البلد يتكلَّف في صرفه، ويكون فيه مخاطرة، فربما نقصت القيمة، أو زادت بسبب الصرف.
وعلى هذا فلا يبيع إلا بنقد البلد.
(177/3)
________________________________________
حكم تلف ثمن الرهن في يد العدل
قال رحمه الله: [وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن] قوله: (وإن قبض الثمن)، لو أن هذا العدل باع العمارة (بمليون)، وبعد قبض هذا (المليون)، تلِف في يده قبل أن يعطيه صاحب الدين، فما الحكم؟ قالوا: التلف على ضمان الراهن؛ لأنه وكيلٌ عنه، ولا تبرأ ذمة المديون إلا بعد أن يؤدي الوكيل الأمانة إلى ما اؤتمِن له، فهو في هذه الحالة كأنه راهن.
وقد أثبتنا أن الرهن في ضمان الراهن؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثبت هذا فقال: (لا يغلق الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه)، ففي هذه الحالة إذا استدان مني (مليوناً) فلا تبرأ ذمّته من هذا المليون، حتى يأتي الوكيل العدل ويسلم لي المبلغ، لكن لو قلتُ له أنا: بِعها واقبض عني، فقد صار وكيلاً عن الطرفين، وكيلاً عن الراهن وعن المرتهن؛ لأنه في بعض الأحيان تكون اليدان يداً واحدة، مثل وليّ اليتيم، فلو كان عندك يتيم له بيت، ورأيت من المصلحة أن تبيع هذا البيت، وأنت ترغب في هذا البيت فاشتريته بقيمته لنفسك، فأنت بائعٌ من وجه ومشترٍ من وجه، وهنا يدان: يد بيع، ويد شراء، فيدك ببيعه يد بيع على ملك اليتيم، ويد شراء على ملكِك، فالوكيل يكون وكيلاً عن الأول ووكيلاً عن الثاني، هذا في قول بعض العلماء رحمهم الله.
(177/4)
________________________________________
آثار الرهن المترتبة عليه
من عادة العلماء رحمهم الله -وهذه ميزة من مميزات الفقه الإسلامي- أنّه لا يُعطي الحكم فقط، وإنما يعطي الحكم والآثار المترتبة عليه، ففي بعض الأحيان إذا نصَّبنا العدل من أجل أن يبيع ثم يسدد، قد يحصل جحود وإنكار، كأن يقول العدل: قد سددتُه، ويقول صاحب الدين: لم يسددني، أو يقول العدل: أعطيته المبلغ كاملاً، ويقول صاحب الدين: بل أعطاني ناقصاً.
فهذه تسمى: من مسائل آثار الرهن، وهذه هي مسألة المدَّعِي والمدَّعَى عليه، وهذه مسألة مهمة جداً؛ لأنها في القضاء والخصومات وفصل النزاعات.
من المدّعِي الذي يكون القول خلافه، ويُطالَب بالبينة؟ ومن المدّعَى عليه الذي يكون القول قوله ولا يُطالَب بالبينة، ولكن يطالب باليمين عند الإنكار؟ فعندنا مدعي وعندنا مدعَى عليه، والمدعَى عليه أقوى من المدعِي، فحينئذٍ لو أن شخصاً أعطى شخصاً عشرة آلاف ريال ديناً، ثم لما جاء الأجل قال المديون: لقد سدّدته وأعطيته العشرة آلاف، فمعناه أنه يدّعي، وقال الذي له الدين: ما أعطاني شيئاً، فهذا مدَّعَى عليه.
إذاً: الذي يقول: فعلت كذا هو مدعي، والذي يقول: لم يفعل كذا، هو مدعَى عليه.
فنقول: هذه العشرة آلاف، اليقين أنك مديون بها؛ لأن كليهما متفق على أن المديون أخذ العشرة آلاف، وهو معترف بذلك، فنحن متأكدون أنه قد أخذ العشرة آلاف، وأن ذمته مشغولة بعشرة آلاف.
فلا بد من أجل إسقاط هذا الحق أن نتأكد أيضاً أنه سدد، فيكون صاحب العشرة آلاف مدّعَى عليه، والذي عليه الدين مدعي، وقد اختلف العلماء كيف نعرف المدّعِي والمدّعَى عليه؟ لأنه عندنا قوي وضعيف: فالقوي: هو المدّعَى عليه، والأصل براءة المتهم من التهمة حتى تثبت إدانته، وبراءته من شغل ذمته بالحقوق حتى يثبت ما يدل على شغلها، والضعيف: هو المدعي.
فلو أن شخصاً جاء وقال: لي على فلان ألف ريال، فإننا لو صدّقناه لكان كل شخص يدّعي على الآخر، وهذا هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى أناسٌ أموال قومٍ ودماءهم)، أي: لأصبح الأمر فوضى، فكل شخص يقول: لي على فلان كذا.
إذاً: لا بد أن نعرف من المدّعِي والمدعَى عليه؟ قال بعض العلماء: المدعِي: هو الذي يقول: قد كان كذا وكذا، يعني يُثبِت، والمدّعَى عليه: هو الذي ينفي ما كان.
فالمدّعَى عليه الذي يقول: ما أعطيتني، والمدّعِي الذي يقول: بل أعطيتك.
وإذا قال شخص: أنت فعلت كذا، فأنت مسيءٌ وظالم، فقال: ما فعلت، فالمدعي هو الذي يقول: فعلت كذا.
ولو قال شخص: فلانٌ كاذب، فقال: ما كذبت، فالمدعي هو الذي يقول: فلان كاذب، والذي يقول: ما كذبت، هو مدعَى عليه.
إذاً: هذا أصل عند العلماء، قال الناظم: وقيل من يقول قد كان ادّعَى ولم يكن لمن عليه يُدَّعَى وهذا هو الضابط الأول من الضوابط التي يُضبط به المدّعِي والمدّعَى عليه: (كان ولم يكن) كما ذكر الناظم.
الضابط الثاني: يقولون: المدَّعي: هو الذي قوله يخالف العرف ويخالف الأصل، والمدّعَى عليه: هو الذي شهد العرف أو الأصل بتصديقه.
مثال الأعراف: كانوا قديماً يختصمون في الدواب كالإبل، فيقول أحدهم: هذه ناقتي، ويقول الثاني: لا، بل هي ناقتي، فإذا كان أحدهما يركب في المقدِّمة والثاني في المؤخرة، فالعرف يشهد أن الذي في المقدِّمة صاحبها مدّعى عليه، وأن الذي في المؤخرة مدّعي.
وكذلك البيت، فلو جاء شخص وقال: هذه العمارة ملكٌ لي، وقال الآخر: لا، بل هي ملكٌ لي، فحينئذٍ يكون الذي داخل العمارة مالكها، والذي يدّعِي من خارج، العرف يشهد أنه ليس بمالكٍ للعمارة.
فنقول: الذي بالداخل: مدّعَى عليه، والذي بالخارج مدعي، وهذا يسمونه: شهادة العرف.
الضابط الثالث: شهادة الأصل: فحينما يقذف -والعياذ بالله- رجلٌ رجلاً بأي شيء، فإن الأصل يقتضي سلامته، حتى يدل الدليل على إدانته.
ولذلك تقول القاعدة: المتهم بريء ما لم تثبت إدانته، وهذا هو الأصل، فنحن لا نستطيع أن نتهم الناس، ولا أن نطعن في الناس، لا في عقائدهم، ولا في أخلاقهم، ولا في سلوكهم، ولا في تصرُّفاتهم؛ لأن من عرفناه من أهل الإسلام، فله علينا حق أن يسلم من ألسنتنا، وأن لا نتهمه ما لم يثبت الدليل.
إذاً: الأصل أنه ليس فيه هذا الشيء، فلو جاء يتهمه بالزنا، أو يتهمه بشرب خمرٍ والعياذ بالله! أو يتهمه بكذب، أو يتهمه بأي سوء، فنقول لمن اتهم: أنت كاذب حتى تُثبت ما تقول؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ) [الحجرات:6]، فسمّاه فاسقاً {بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6] أي: تثبَّتوا.
إذاً: من يأتي بخلاف الأصل فيقول: فلان مجرم، الأصل أنه غير مجرم حتى يثبت أنه مجرم، وقوله: فلان يكذب، الأصل أنه ليس بكاذب حتى يثبت أنه كاذب.
فهذا الذي يخالف الأصل مدعي، والذي يتفق مع الأصل مُدَّعى عليه.
وهذه الضوابط الثلاثة جمعها بعض العلماء في قوله: تمييز حال المدّعِي والمدّعَى عليه جملة القضاء وقعا فالمدّعِي من قوله مجردْ من أصل أو عرف بصدق يشهد وقيل من يقول قد كان ادّعَى ولم يكن لمن عليه يُّدَّعى وهذه الضوابط الثلاثة معمول بها عند العلماء رحمهم الله.
فيذكرون في مسألة الرهن إذا تنازع الطرفان فقال أحدهما: سددتك، فقال الآخر: ما سددتني، أو قال: دفعت المال إليك، فقال: ما دفعت إليَّ شيئاً، فحينئذٍ لا بد أن نعرف من الذي يُقبل قوله، ومن الذي يُطالب بالدليل، ويكون المدعي من يشهد الأصل أو العرف بخلاف قوله، وهذا ما سنبينه في المجلس القادم بإذن الله تعالى.
(177/5)
________________________________________
تسليم الدين من العدل للمرتهن بدون بينة مع الإنكار
قال رحمه الله: [وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة].
قد سبق وأن ذكرنا أن الراهن والمرتهن إذا اتفقا على وضع الرهن عند عدلٍ أو شخصٍ معينٍ، فإن هذا الشخص يقوم بحفظ الرهن، وحينئذٍ إذا انتهى الأجل بيّنا أنه يقوم ببيعه إذا أذنا له بالبيع.
وفصّل المصنف رحمه الله في جملة من الأحكام التي تتعلق بالعدل.
وبعد هذا يرد

السؤال
لو أن هذا الرجل أُعطِي سيارةً مثلاً رهناً، وحضر الأجل، ولم يستطع من عليه الدين أن يُسدد الدين وهو الراهن، وقام العدل ببيع السيارة وقبض ثمنها، فلو فُرِض أنه باعها بعشرة آلاف، والدين عشرة آلاف ريال، فلمّا قبض هذا العدل العشرة آلاف ريال، ادّعَى أنه أعطاها لصاحب الدين وهو المرتهن، فإذا ادعَى أنه أعطاها للمرتهن، فلا يخلو الأمر من حالتين: الحالة الأولى: أن يقول المرتهن الذي له الدين: قبضتُ العشرة آلاف، وحينئذٍ فلا إشكال، فيصبح العدل كالوكيل إذا سدّد عن موكِّله، ويسقط الدين عن المدين، هذا إذا أقر صاحب الدين بأنه أخذ حقّه فلا إشكال.
الحالة الثانية: أن يُنكر من له الدين ويقول: لم يعطني شيئاً، فإذا أنكر فحينئذٍ نسأل العدل: هل عندك بيّنة تثبت صدق دعواك أنك أعطيت لفلان حقه؟ وحينئذٍ فلا يخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: إما أن يقول: عندي بيّنة، ويقيم بيّنته على صدق قوله، فلا إشكال، فيُقيم شاهدين عدلين، أو رجلاً وامرأتين، أو أربع نسوة على أنه دفع الحق؛ لأنها حقوق مالية يجوز فيها شهادة النساء منفردة ومجتمعة مع الرجال.
فإذا أثبت أنه قبض ثمن الرهن، وأنه أعطاه للمرتهن وأقبضه حقه، فلا إشكال، ويصبح العدل حينئذٍ قد برئت ذمته، والسبب في هذا: أنه قد احتاط لصاحب الحق في حقه، فأنت حينما كان عليك الدين وأعطيت الرهن لهذا الرجل لكي يقوم عليه، فإن الواجب عليه إذا سدد أن يحتاط عند السداد، فيأخذ مثلاً كتابة ويُشهد عليها، ويقول للمرتهن: هذه العشرة آلاف التي لك على فلان، اكتب لي بها سنداً أنك قبضتها، ويُقِيم شاهدين عدلين.
وبالمناسبة: فإن الناس قد يتساهلون في الحقوق، وما ضاعت حقوقهم إلا بسبب التساهل في السنة، وترك ما وصَّى الله عز وجل به من الكتابة والاستيثاق، فإن الإنسان لا يأمن الأجل، وقد يموت الطرفان، أي: الشخصان المتعاقدان، وحينئذٍ تضيع حقوق الورثة، فمن السنة أن تكتب ما لك وما عليك.
الحالة الثانية: المفروض على العدل أنه حينما يعطي صاحب الدين دينه، ويُسلِّمه المبلغ أن يحتاط؛ لأنه في هذه الحالة مؤتمن على حق مَنْ عليه الدين.
فإذا تساهل في ذلك كأن أعطى المرتهن المال بدون شهادة، أو بدون بينة، فإنه حينئذٍ يتحمّل المسئولية.
وصورة ذلك أو مثاله: اتفق الراهن والمُرتَهَن أن يكون الرهن عند محمد، وأنه إذا عجَز الراهن عن السداد فيقوم محمد ببيع الرهن وهو العمارة، والدين مثلاً مليون، فلما حضر الأجل ولم يسدد الراهن، وهو المديون، قام محمد ببيع العمارة وقبض قيمتها، والقيمة مثل الدين (مليون)، فجاء وأعطاها لصاحب الدين ولم يكتب ولم يُشهِد ولم يستوثق، ففي هذه الحالة سيقول: إني أعطيت صاحب الدين حقه، فلا يخلو من له الدين من حالتين: الحالة الأولى: أن يُقر، ويقول: نعم أعطاني، فإذا أقر من له الدين أنه قبض من محمد قيمة الرهن فلا إشكال، وثبت أن محمداً صادقٌ فيما يقول، وحينئذٍ تبرأ ذمته.
الحالة الثانية: أن ينكر ويقول: لم يعطني محمد شيئاً، أو يموت صاحب الدين، وينكر ورثته أن محمداً أعطى مورثهم الدين الذي كان لأبيهم على الطرف الثاني، فإن أنكروا فحينئذٍ نقول لمحمد: يا محمد! هل أشهدت؟ فإذا قال: ما أشهدت هل استوثقت بكتابة؟ فقال: ما فعلت شيئاً، بل أعطيته الدين وكفى، فنقول: إنك قد قصّرت، وتتحمل عاقبة التقصير ومسئولية التقصير؛ إذ كان ينبغي عليك أن تحتاط لحق أخيك، فتتحمل المسئولية، فإن أنكر فإنه يُلزم بدفع الدين كاملاً.
والسبب في هذا: أننا لو صدّقنا محمداً في ادعائه أنه سدّد صاحب الدين، لصار كل من نقيمه عدلاً يقول: بعت وأعطيت فلاناً، والأصل أن الدين ثابت، وأن ذمة المديون مشغولة بالدين، حتى نتأكد ونتحقق أن الحق وصل لصاحبه.
فكونه يدعي ويقول: لقد أعطيته، هذا لا يكفي ما دام أن الذي له الحق أنكر، فالبينة على المدَّعِي واليمين على من أنكر، وتصوَّر لو أن كل صاحب دين أنكر قبض المال والدين من العدل، لضاعت حقوق الناس، فنحن نقول لهذا العدل: أثبِت أنك أعطيته، فإن قال: ما عندي إثبات، فيحلف الذي له الدين أنه ما قَبَض، يحلِف يمين القضاء التي من حلفها فاجراً متعمداً لقي الله وهو عليه غضبان، نسأل الله السلامة والعافية! وهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، وهي من أشد أنواع اليمين، وتسمى: اليمين الفاجرة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍ لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان قضيباً من أراك)، فلو كان عوداً تافهاً حقيراً لا قيمة له عند الناس، فإنه بهذه اليمين يكون شيئاً عظيماً، ويلقى الله وهو عليه غضبان، ومن يحلل عليه غضب الله فقد هوى في نار جهنم وبئس المصير، نسأل الله السلامة والعافية! ويقولون: قَلّ أن يحلفها إنسان متعمداً ويحول عليه الحول بخير.
فالشاهد: أنه يحلف أنه ما قبض، فإن حلف أنه ما قبض، فعلى القاضي أن يحكم بأن الدين لا زال ثابتاً، وأنه يجب على العدل أن يدفع.
لكن أنت الذي عليك الدين مُطالَب بالدين، والعدل قائمٌ مقامك على أساس أن يبيع الرهن ويسلِّم لصاحب الدين، فإذا ادَّعَى العدل السداد، ولكن أنكر صاحب الحق أن العدل سدد الدين الذي عليك، فيرد السؤال: هل يُطالِب صاحب الحق الوكيل أو يطالب الأصيل؟
و
الجواب
أنه يطالبُ الأصيل؛ لأن ذمة الأصيل مشغولة بحقه، والأصيل الذي عليه الدين -وهو الراهن- له أن يُطالب هذا الوكيل.
وبناءً على ذلك يكون الترتيب كالتالي: لا نقبل دعوى هذا الوكيل والعدل أنه سدد ما لم يُقِم بيّنة، أو يعترف صاحب الدين، فإن لم يُقر صاحب الدين ولم يُقِم بيّنة، وأنكر صاحب الدين وحلف أنه ما قبض، فحينئذٍ يجب على القاضي أن يحكم بأن الدين لا زال ثابتاً.
وإذا ثبت الدين فتكون عندنا قضيّتان: القضية الأولى: أن صاحب الدين يطالبك مطالبة شرعية بأن تسدِّده.
القضية الثانية: أن الراهن له أن يطالب العدل بدعوى قضائية، أنه قام على المال بالبيع وفرّط، وأن يضمن الحق الذي عنده.
وهذا معنى قولهم: يكون وجه المرتَهِن على الراهن، ويكون وجه الراهن على العدل، فكلٌ منهما يطالب الآخر.
وكذلك صاحب الدين يطالب الراهن؛ لأن الأصل أن ذمة الراهن متعلقة بهذا الدين، فنقول: لا زال الحق ثابتاً ولم يرتفع؛ فنطالبه بسداد ما عليه من الدين، ثم يُقِيم الآخر دعوى قضائية على هذا العدل أنه لم يسدِّد كما أمره، وأنه وكّله في بيع داره، أو بيع أرضه، أو سيارته، ويسدد فلاناً دينه، ولكنه لم يقم بالسداد، فله أن يطالبه بقيمة المبيع، ثم بعد ذلك يأخذ كلٌ منهما حقّه من خصمه.
(177/6)
________________________________________
تسليم العدل الدين للمرتهن مع حضور الراهن وعدمه
قال رحمه الله: [ولم يكن بحضور الراهن ضمن كوكيل].
قوله: (ولم يكن بحضور الراهن) إن كان قد أعطاه حقه بدون بيِّنة، وأنكر صاحب الدين، فلا نحكم بالإلزام إذا كان الإعطاء في حال حضور الراهن، فيكون التقصير من الراهن؛ لأن الوكيل سدد بحضور الأصيل، وكان من المفروض أن يقول الأصيل للوكيل: أشهد على الإعطاء، فلمّا سكت من عليه الدين الذي هو الراهن، كأنه قد رضي أن يعطيه بدون بيِّنة، فرضي بالتقصير، ورضي بالتفريط، وحينئذٍ يكون ذلك الوكيل قد برِئت ذمّته.
فالتقصير له حالتان: الحالة الأولى: إذا وقع الإعطاء في حال غيبة صاحب الرهن وهو الراهن، فإن كان قد أشهد فلا إشكال، وإن لم يُشهِد ولا بيِّنة، فإنه يتحمّل المسئولية إن أنكر المرتَهَن.
الحالة الثانية: إذا كان قد أعطاه حقّه في حال حضور الراهن، فالراهن يرى ويسمع، ومعنى ذلك أنه قد رضي بما يراه؛ لأنه كان ينبغي عليه أن يقول له: اكتب وأَشهِد على الإعطاء، فلمّا سكت كأنه رضي، فانتقل التقصير من الوكيل إلى الأصيل، وأصبح الأصيل هو الذي يتحمل المسئولية، وهذا إذا لم توجد بيّنة وأنكر المرتَهَن.
(177/7)
________________________________________
حكم اشتراط عدم بيع الرهن إذا حل الدين
قال رحمه الله: [وإن شرط أن لا يبيعه إذا حلّ الدين] أي: أن لا يبيع الرهن، فهذا الشرط خلاف الشرع، وعلى هذا فإن من حقك إذا حلّ الأجل ولم يسدد أن تقوم بالبيع؛ لأن أصل الرهن وثيقة، وهذه الوثيقة قلنا: يستوثق بها صاحب الدين لقاء دَينه، فإذا قال له: إذا حل الأجل فلا تبع الرهن، فمعناه: أن وجود الرهن وعدمه على حد سواء، فما فائدة الرهن إذا كنت لا تستطيع أن تسدد به الحق الذي لك على خصمك؟! والله تعالى إنما شرع الرهن من أجل أن يتوصل صاحب الحق إلى حقه عند العجز، فإذا جاء يشترط شرطاً يخالف مقتضى العقل، فإنه حينئذٍ يبطل، ويلغى ذلك الشرط ولا يُعتد به ولا يُلزم به، فإذا حل الأجل جرى المعروف شرعاً وهو بيع الرهن.
إذاً هذا الشرط وجوده وعدمه على حدٍ سواء؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -وهذه قاعدة- ألغى الشروط المخالفة لكتاب الله، وصحح العقود، على تفصيل سبق أن بيّناه في باب الشروط في البيع.
وهذا الشرط يكون في عقد الرهن، كأن يشترط عليه أنه إذا حل الأجل لا يبيع، وهذا -كما ذكرنا- يخالف شرع الله ويخالف مقتضى العقل، فنقول: إن هذا الشرط باطل، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، وقال: (قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)، فجعل الشرط المستوثَق به والذي ينبني عليه الحكم إنما هو الشرط الموافق لشرع الله، لا الشرط المخالف لشرع الله، فأنت إذا تأملت الرهن حينما تأتي وتأخذ قرضاً عشرة آلاف، فقد شرع الله عز وجل لصاحب الدين أن يأخذ منك الرهن؛ حتى يستطيع سداد العشرة آلاف عند عجزك، فإن كان لا يستطيع أن يبيع ذلك الرهن، فمعناه: أنه قد فات المقصود من الرهن، فكأنه يشترط عليه شرطاً يخالف مقتضى العقد، وقد بيّنا في شروط البيع: أن الشروط التي تخالف مقتضى العقد تعتبر شروطاً فاسدة.
(177/8)
________________________________________
حكم اشتراط أن يكون المرهون للمرتهن عند انتهاء الأجل
قال رحمه الله: [أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له].
قوله: (أو إن جاءه بحقه) مثلاً: اشتريت عمارة قيمتها خمسمائة ألف، وقال لك البائع: ادفع الثمن، فقلت له: ما عندي نقد، وكل الذي أطلبه أن يكون هناك مهلة لمدة سنة، فقال لك: ليس عندي مانع، أعطيك مهلة لمدة سنة، ولكن بشرط أن تعطيني رهناً، فاشترط في البيع شرطاً يوافق مقتضى العقد، وهو الرهن، وهنا أمور: الأمر الأول: قلنا: إن الشرط الذي يوافق مقتضى العقد صحيح، فلما اشترط عليك الرهن وقلت له: عندي أرض أجعلها رهناً عندك، فقال المرتَهِن: أنا أقبل هذه الأرض، ولكن إن جاء الأجل ولم تسدد فهي لي، فحينئذٍ لا يصح؛ والسبب في هذا: أن المعاوضة وقعت بين الأرض، وبين القرض، وحينئذٍ كأنه أدخل عقدين في عقد، وبيعتين في بيعة، البيع الأول ومركبٌ عليه البيع الثاني بشرط العجز عن السداد، فقد قال له: إذا لم أُعطِك حقك في نهاية شهر ذي الحجة فخذ الأرض، فمعناه: أنه قد أعطاه الأرض لقاء ماله، فكأنه باعه الأرض بالدين، وحينئذٍ لم يبعه بيعاً مبتوتاً فيه، فنحن لم نتحقق؛ لأنه لا يقع هذا البيع إلا إذا عجز عن السداد، والعجز عن السداد متردد، فحصل تردد في العقد، ومن هنا قلنا: إن الإجارة التي تنتهي بالتمليك ترددٌ في العقد، والتردد في عقد البيع موجبٌ للغرر، فكأنه يقول: إن قضيتُ الدين فلستُ ببائع، وإن لم أقضِ فأنا بائع، فهذا ليس ببيع على سنَن المسلمين، فبيع المسلمين على البت.
الأمر الثاني: لو فرضنا أنه عجز عن السداد، وارتفعت قيمة الأرض، وحينما أعطاه القرض كانت قيمة الأرض مثلاً خمسمائة ألف، فأصبحت قيمتها مليوناً عند السداد، فمعنى ذلك: أنه باعه الشيء وهو لا يدري ما يئول إليه من نماءٍ ومن خسارة.
الأمر الثالث: قد يكون العكس أيضاً، كأن يقول له الراهن: إن لم أسددك الدين فالأرض لك، فقال: قبلت، وكانت الأرض في ذلك اليوم الذي وقع فيه الاتفاق والبيع الأول -الذي من أجله كان سبب الرهن- غالية، فلما حضر السداد إذا بالأرض رخيصة، إذاً ففيه نوعٌ من الغرر، فالشخص الذي له الدين يخاطِر بماله في حال عجز الراهن عن السداد، فيقبل أرضاً لا يدري إذا حلّ الأجل هل تعادل الدين أو لا تعادله؟ الأمر الرابع: من جهة تكييف العقد، حيث لم يجعله رهناً، وإنما جعله بيعاً ثانياً، والرهن لا يدخله التشريك، فلا يصح أن تقول: رهن وبيع.
بل إما رهناً على البتّ المعروف، أو يكون بيعاً على السنن المعروفة، أما أن تجعله رهناً من وجه، وبيعاً من وجه، وتردِّده، وتقول له: هو بيع إن عجزت، ورهنٌ إن لم أعجز، فهذا لا يستقيم.
فهذا النوع من التداخل والنوع من الإرباك في العقود لا تُقِرُّه الشريعة، ولذلك لا تعرف في بيوع المسلمين أو في إجارات المسلمين القديمة مثل هذا التردد؛ لأن الشريعة قفلت أبواب مثل هذه المعاملات؛ لأنها تُفضِي إلى الخصومات والنزاعات، فإذا مات أحد المتعاقدين قبل تمام العقد الأول وقع النزاع، وجاء ورثته يطالبون بما كان عليه مورثهم، أو يطالبون بإلغاء ما كان عليه مورثهم، فيقع بين الناس الخصومات والنزاعات، ثم ربما تعاقدوا والمعقود عليه على حال يرثى لها، ثم يئول إلى حالة أفضل، فيكون الغبن على البائع، أو يئول إلى حالة أردى فيكون الغبن على المشتري.
وعلى هذا فلا تجيز الشريعة مثل هذا؛ لأنها تريدك إذا أردت بيعاً أن تعرف قيمة ما تشتريه، إذا كنت مشترياً، وتعرف أيضاً أنك إن بعت تبيع على البت، دون أن تغرِّر بمن يشتري منك إن كنت بائعاً.
(177/9)
________________________________________
الشروط المشروعة والشروط الممنوعة في الرهن
بعد أن فرغ المصنف رحمه الله من مسألة العدل، دخل في قضايا الشروط، فهناك في الرهن شروط شرعية توافق مقتضى العقد، وهي الشروط المشروعة، وهناك شروط غير شرعية لا توافق مقتضى العقد، وهي الشروط الممنوعة.
عندنا شروطٌ مشروعة، وشروطٌ ممنوعة.
فالشروط المشروعة: أن يقول له الراهن: إن انتهى الأجل فقد أذِنتُ لك أن تبيع الرهن.
أو يقول من له الدين: أشترط عليك أنك إذا عجزت عن السداد بعت وقضيت دينك، فيقول: قبلت.
وكذلك إذا قال له: هذه العمارة قيمتها مليون، فأعطني رهناً، فقال: أرهنك أرضي الفلانية، فقال: قبلت، ولكن أشترط عليك أن تكون عند محمد، -وهو رجل عدل- فقال: قبلت، فمحمد العدل الصالح حينما يوضع عنده الرهن يُقصد منه المحافظة عليه، فكأن هذا الشرط قصد منه صاحب الدين أن لا يفوت الرهن، فهو يشترط شرطاً يوافق مقتضى الشريعة من بقاء الرهونات، فهذا يسمى: شرطاً شرعياً.
وهكذا لو قال له: أشترط أن يكون عند محمد، وأنه إذا تم الأجل ولم تسددني فيكون محمد مأذوناً له بالبيع، ولا يحتاج أن يستأذن مرة أخرى، فقال: قبلت، فكتب بينهم العقد على ذلك، فحينئذٍ احتاط من له الدين باحتياطين، واشترط عليه شرطين: الشرط الأول: أن يكون الرهن عند فلان من الناس المعروف بالأمانة والحفظ، فهذا شرط شرعي؛ لأنه يوافق الشرع، ويوافق مقتضى عقد الرهن من المحافظة عليه.
الشرط الثاني: أنه إذا تم الأجل ولم تسددني فيكون العدل مفوضاً ومأذوناً له بالبيع، فقبل الآخر.
إذاً: عندنا رهن، وعندنا شرطان، وكلا الشرطين إذا تأملتهما وجدتهما موافقين لمقصود الشرع من الرهن، فنقول: هذا شرط شرعي، ولو كان المرهون شيئاً يسيراً، ونحن نمثل دائماً بالأشياء الغالية؛ لأنها تلفت النظر، وتجذب الأنظار، لكن حتى في الأشياء اليسيرة فإنه يأخذ نفس الحكم، حتى لو رهنه ساعة، كأن يقول له مثلاً: يا فلان! أنا بحاجة إلى خمسمائة ريال إلى نهاية ذي الحجة من هذا العام، قال له: أُعطيك ولكن أعطني رهناً، فقال: هذه ساعتي رهنٌ عندك، فقال: أشترط عليك أن تكون عند محمد، أو عند زيد، وأنك إن لم تسددني عند تمام الأجل فإنه يبيعها.
إذاً: الفقه إذا سُئلت عن الشروط في الرهن فقُل: تنقسم إلى قسمين: إما أن توافق مقصود الشرع، وإما أن تُخالف مقصود الشرع، فنحن لا نُبطل الشروط في الرهن، ولا نُثبتها بإطلاق، وإنما العدل الذي أمرنا الله به أن ننظر فإن كانت هذه الشروط قَصَد بها العاقدان أو أحدهما الاستيثاق وإيصال الحق لأهله، فنقول: هذه شروطٌ شرعية؛ لأن الشريعة قامت على ذلك؛ بل إن الله سبحانه لم يشرع الرهن إلا لكي يصل كل ذي حق إلى حقه، فإذا ثبت هذا فنقول: هذا شرطٌ شرعي، أما لو كان الشرط يخالف مقتضى عقد الرهن، ويخالف شرع الله عز وجل، فإنه لا يكون شرطاً شرعياً.
وحينئذٍ نص المصنِّف رحمه الله بقوله: (لم يصح الشرط وحده).
يبقى

السؤال
هل يُلغى عقد الرهن؟ أو يُلغى الشرط ويصح عقد الرهن؟ نص المصنف على أن الشرط يبطل ويبقى عقد الرهن صحيحاً؛ لأن القاعدة تقول: الإعمال أولى من الإهمال، فإعمال وإبقاء عقد الرهن هو الأصل، حتى يدل الدليل على أنه مُهمل، وأنه منفسخ بمثل هذا الشرط، فحينئذٍ نحكم بانفساخه، والأصل بقاء ما كان على ما كان، فنقول: الرهن في الأصل إذا وقع بينهما واتفقا عليه أنه تام.
(177/10)
________________________________________
صحة الشروط أثناء العقد وبعده
والشروط الشرعية التي ذكرناها تكون أثناء عقد الرهن، وتكون بعد الرهن بيوم أو يومين، أو بمدة، فمثلاً: لو أنه رهن عنده وجاءه بعد الرهن بيوم، وقال: يا فلان! نحن اتفقنا على أن تكون السيارة عند محمد، ولكني أطلب منك شرطاً وهو أنه إذا حضر الأجل أن يتولى محمد البيع دون أن ينتظر إذناً منك؛ لأنك رجل كثير السفر، وأنا رجل أريد حقي؛ لأن هذا الدين والمال الذي أعطيتكه متعلِّق بأموال أُناس أو حقوق أناس، فما أريد أن أتعطّل، فأريد إذا حضر الأجل أن يُباع الرهن ويُعطَى حقي، فقال له: لك ذلك، فالشرط لم يقع أثناء العقد، وإنما وقع بعد العقد، فإن تراضيا عليه في حال العقد أو تراضيا عليه بعد العقد، فالحكم واحد، وهو شرطٌ شرعي معتبر.
(177/11)
________________________________________
أحوال الشرط والعقد من حيث الصحة والبطلان
وقوله: (لم يصح الشرط وحده)، أي: أننا نُبطِل الشرط، ولكن نصحِّح عقد الرهن، وفي بعض الأحيان تأتي شروط في العقود، وتكون الشروط فيها: على أحوال فتارةً يلغى الشرط مع العقد، وتارةً يلغى الشرط ويصح العقد، وتارة يصح العقد والشرط.
فإما أن تصحِّح العقد وتلغي الشرط، أو تصحِّح العقد والشرط، أو تُلغي العقد والشرط، فهذه ثلاثة أحوال.
ففي بعض الأحيان تصحِّح الشريعة الشرط مع العقد، وهذا إذا كان شرطاً موافقاً لشرع الله عز وجل، سواءً في البيع، أو في النكاح، كأن يشترط شرطاً يوافق الشريعة، وليس فيه غرر، وليس فيه أمر محرم، فنصحِّح العقد الذي هو عقد النكاح ونصحِّح الشرط.
وفي بعض الأحيان يكون الشرط موجباً لإلغاء العقد؛ كأن يشترط شرطاً يُوجِب دخول الغرر في العقد، وهذا الشرط يمنع من مضي العقد، والأصل مضيه، ويمنع من لزومه، والأصل لزومه، فيضاد الشرع، فمثل هذه الشروط إذا وقعت في العقد وتَركّب العقد منها، فإنه يُلغى الشرط ويُلغى العقد، ومن هذا: البيعتين في بيعة، فلو قال له مثلاً: أبيعك هذه الدار بشرط أن تبيعني دارك، فقالوا: هذا هو البيعتان في بيعة؛ لأن البيعتين في بيعة فيها ما يقرب من أربعة أقوال للعلماء رحمهم الله: ومنها قوله: أبيعك داري بشرط أن تبيعني دارك، فحينئذٍ كأنه عاوض بين الربحين، وكأنه يبيع ربح تلك بربح هذه، ويكون مقابلاً للمال بالمال على وجهٍ يُدخِل شبهة الربا.
والبيع يفسد بحرمة عين المبيع، أو بالغرر، أو بالربا، أو بالشروط التي تئول إلى الربا، أو إلى الغرر، أو مجموع الأمرين.
وقد تقدَّمت معنا أمثلة في كتاب البيوع على الشروط الفاسدة المنهي عنها شرعاً، والتي توجب فساد العقود، كأن يقول له: أبيعك هذه الدار على أن لا تبيعها لأحد، فإن هذا الشرط يخالف مقتضى عقد البيع، ويخالف شرع الله؛ لأن شرع الله أنك إذا ملكت الدار فإنه من حقك أن تبيعها، فيقول العلماء: إذا قال له: أبيعك الدار بشرط أن لا تبيعها لأحد، فحينئذٍ هذا البيع فاسد؛ لأن البيع تَركّب من شرطٍ يخالف مقتضى العقد، حيث تم العقد وتركب منه.
وبعض العلماء يصحَّح البيع ويُلغي الشرط، لكن الذي ذكرناه أقوى.
وفي بعض الأحيان يُلغى الشرط والعقد، وتارةً يُلغى الشرط ويبقى العقد صحيحاً، كما فعل صلى الله عليه وآله وسلم في حديث بريرة رضي الله عنها، فإن بريرة اشترط أهلها أن الولاء لهم، وهذا الشرط يخالف شرع الله عز وجل؛ لأن الولاء لمن أعتق، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)، فصحَّح البيع وألغى الشرط.
وعلى هذا يقول العلماء: إن الشروط تأتي على هذه الصور كلها: فإما أن توجب فساد العقد فيلتغي الشرط والعقد، وإما أن تكون موافقة للشرع، فيُصحَّح العقد ويلزم الشرط، وإما أن يصح العقد ويلتغي الشرط.
ومن القصص العجيبة التي وقعت لبعض السلف: أنه وقع له بيعٌ بشرط، فسأل بعض العلماء عن حكم هذا البيع؟ فقال: البيع فاسد بهذا الشرط الفاسد، ثم سأل ثانياً، فقال له: البيع صحيح والشرط فاسد، ثم سأل ثالثاً، فقال له: البيع صحيح والشرط معتبر؛ لأنه خفّف في ذلك الشرط واعتبره موجباً.
ثم لما رجع إليهم، فوجد الذي يقول بصحة العقد وفساد الشرط يحتج بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة بريرة، حينما اشترطوا شرطاً لا يوافق شرع الله، فألغى الشرط وصحَّح العقد.
والذي قال بصحة العقد والشرط احتج بحديث جابر رضي الله عنهما، لما باع جمله من النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشترط حملانه إلى المدينة، وهو في الصحيحين، فقال: الشرط صحيح والعقد صحيح.
والذي قال بفساد العقد وفساد الشرط، احتج بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الثنيا في البيع، وعن بيعٍ وشرط؛ لحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعٍ وشرط).
فكل منهم يحتج بسنة، والواقع أن هذه السنة لا تتعارض، وذلك كما ذكرنا: إن كان الشرط يخالف مقتضى العقد تماماً، وينبني العقد عليه مع فساده، فإن هذا يدخل على العقد ويوجب فساده فيلتغيان، وإن كان موافِقاً صُحِّح، وإن كان لا يدخل على العقد، ويُراد به منفعة أحد المتعاقدَين على وجه يوجب الفساد، فإننا نقول بفساد الشرط وصحَّة العقد، وهذا هو المعوّل عليه عند المحقّقين من العلماء رحمهم الله في التفصيل في الشروط.
فالخلاصة: أن الرهن فيه شروط مشروعة، وهي التي لا تخالف مقتضى العقد، ويشترطها صاحب الدين ليستوثق بها من دينه، ونحو ذلك، وهناك شروط ممنوعة، وهي التي تخالف شرع الله عز وجل، وكلٌ منهما فصّلنا حكمه، فإن كانت مشروعة شُرعت ولَزِمت، وإن كانت ممنوعة بطَل الشرط وبقي الرهن على ما هو عليه.
(177/12)
________________________________________
قبول قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده
قال رحمه الله: [ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده].
قوله: (ويُقبل قول الراهن في قدر الدين)، المسائل من الآن مسائل قضائية، والأصل أن مسائل القضاء تؤخَّر إلى باب القضاء، فهناك كتاب جعله العلماء رحمهم الله في الأخير يقال له: كتاب القضاء، وكتاب القضاء يُبيِّن العلماء رحمهم الله فيه آداب القاضي، وصفة الحكم بين الخصمين، والبيِّنات والأدلة والحجج، وتعارض البيِّنات والحجج، وأنواع البيِّنات.
إلى آخر ما يتبع كتاب القضاء.
لكن من عادة العلماء رحمهم الله أنهم ربما أدخلوا بعض المسائل في أفراد العقود وألحقوها بها، وإن كانت مندرجة تحت أصل سيقرِّرونه في القضاء، وإلا فالأصل أنها تقرر في باب القضاء، لكن قد يأتون في الرهن ويتكلمون على هذه المسائل؛ لأنها مسائل خاصة، وهي في الحقيقة مندرجة تحت أصول كتاب القضاء، وقد سبق أن بيّنا في المجلس الماضي أن مسألة المدَّعِي والمدّعَى عليه هي التي ينبني عليها طلب الدليل من المدّعِي، وطلب اليمين من المنكر، وهو المدّعَى عليه، وقلنا: إن العلماء رحمهم الله لمّا جاءوا إلى كتاب القضاء، ذكروا أن من أهم ما ينبغي على القاضي في كتاب القضاء: أن يعرِف من المدّعِي ومن المدّعَى عليه؟ فإذا ميّز بين المدعِي والمدّعَى عليه أمكنه أن يقضي؛ لأنك إذا عرفت من المدّعِي ومن المدّعَى عليه، قلت للمدّعِي: أحضر الدليل، هذا إذا أنكر المدّعَى عليه.
مثاله: جاء شخص وقال: لي على فلان ألف، فنقول: يا فلان! هل له عليك ألف؟ فإذا قال: لا.
فنقول للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: ما عندي بينة، فنقول له: ليس لك إلا يمينه؛ وذلك لما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (البيِّنة على المدَّعِي واليمين على من أنكر)، فإن حلَف اليمين، فقد دفع بها التهمة أو الدعوى عن نفسه.
إذاً: تمييز المدَّعِي عن المدّعَى عليه مهم، ولو أن قاضياً لم يعرف من المدَّعِي والمدّعَى عليه؛ لما استطاع أن يقضي؛ لأنه إذا لم يميِّز من الذي قوله يوافق الأصل، وقوله يوافق العرف، وقوله يوافق الظاهر؛ فإنه لا يستطيع أن يقول: ائتني ببينة؛ ولما عرف من الذي يُخاطَب بالبيِّنة، ومن الذي يُخاطَب باليمين، فلمّا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدَّعِي واليمين على من أنكر)؛ لزم على القاضي أن يعرف ويميِّز بين المدَّعِي والمدّعَى عليه، قال الناظم: تمييز حال المدعي والمدعى عليه جملة القضاء وقعا فالمدَّعِي من قوله مجرد من أصلٍ أو عرفٍ بصدق يشهد وقيل من يقول قد كان ادّعَى ولم يكن لمن عليه يُدَّعى وقد شرحنا هذا وبيّناه، وبناءً على ذلك نطبِّق هذه القواعد التي سبق شرحها: أن المدَّعَى عليه يُنكر، ويقول: لم يكن، والمدَّعِي يقول: قد كان.
أو يكون المدَّعى عليه قوله يوافق الأصل، والمدعي قوله يخالف الأصل.
وهنا في مسألة الدين: قول من عليه الدين -وهو الراهن- موافق للأصل.
وتوضيح ذلك: عندما نأتي عند سداد الدين -والمصنِّف رحمه الله من دقته أن أخّر هذه المسألة إلى آخر باب الرهن؛ والسبب في هذا: أنه عند بيع الرهن تقع الخصومات: هل الدين ألف، أو ألفان، أو ثلاثة؟ - فعندما نأتي عند سداد الدين فربما في بعض الأحوال يقع بينهما اختلاف في قدر الدين، فالسؤال الآن الذي يحتاج إلى إجابة: هل نقبل في قدر الدين قول الراهن أو نقبل قول خصمه؟ بمعنى: هل الذي يحدد قدر الدين هو الذي عليه الدين، أو الذي أعطى الدين؟ هذا سؤال لا بد له من إجابة.
و
الجواب
أن المدَّعِي هو المرتهن، صاحب الدين، والمدّعَى عليه هو الراهن.
مثل أن يقول صاحب الدين: عند محمد مليون، فقال محمد: بل دينك مائة ألف.
فهنا وقعت الخصومة؛ لأن صاحب الدين ادعى عليه أكثر، فقال له: بل ديني مليون، فإذا قال محمد المديون: إن الدين مائة ألف، وقال عبد الله: بل مليون، فإننا متحققون وعلى يقين أن الدين مائة ألف؛ لأن كلاً منهما -الذي قال: مائة ألف، والذي قال: مليون- متفقون على أن المائة ألف موجودة؛ فالذي قال: الدين مليون قد أثبت وجود مائة ألف، وكذلك الذي قال: إن الدين مائة ألف، إذاً اليقين أنها مائة ألف، وشككنا فيما زاد عليها، فهذا الزائد نقول لصاحب الدين: أثبت وجوده.
فدائماً نجد أن المديون مدّعَى عليه، وقوله موافق للأصل؛ لأننا قلنا: هناك أمارات للمدَّعَى عليه، منها: أن يوافق قوله الأصل، أو يوافق العرف، أو يوافق الظاهر، فهنا ثلاث حالات: يوافق الأصل كما في مسألتنا؛ لأن الأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها.
فالأصل أنه لما ثبت اليقين عندنا أنه مديون بمائة ألف، ثبت كونه مديوناً، لكن المبلغ الزائد، الأصل براءة ذمته منه، حتى يَثْبُت أنه مديون بها؛ ونعتبرها دعوى يُطالَب صاحبها بالدليل.
ولما قال له صاحب الدين: لي عليك مليون، فقال: لا، بل لك علي مائة ألف.
فإنه منكِر للزيادة، فيكون مدَّعَى عليه، فقوله حينئذ مُعتبَر.
فإذا قال العلماء: القول قول فلان، فمعناه: أنه مدَّعَى عليه.
ودائماً نجد في باب الرهن، وفي باب الخصومات، وفي الحوالة، وفي العارية: القول قول فلان، ومعناه: أنه مدّعَى عليه، وأن خصمه هو الذي يُطالَب بالدليل.
(177/13)
________________________________________
مسألة نفي الرهن وما يترتب عليها من أحكام
هذا في مسألة قدر الدين، وأن يكون المديون مقراً بأصل الدين، ولكن الخلاف فيما هو زائد، أما لو نفى كونه رهناً، وقال: إنما أعطيته عارية، ولم أعطه رهناً، وليس له عليَّ شيء، فحينئذٍ أنكر الدين أصلاً.
فإذا أنكر الدين، وقال له صاحب الدين: بل أعطيتني هذا الشيء رهناً، وأنت مدينٌ لي، فبعض العلماء يقول: إن الرهن وصفٌ زائدٌ على العارية، فيُطالَب من يدَّعِي الرهن ويدّعِي كونها محبوسة بالدليل؛ لأن الأصل ملكية الشخص لهذا الشيء، فإذا ادعاه رهناً، فمعناه: أنه يريد أن ينقل عنه الملكية في المآل.
فنقول لمن يدعي أن هذا الشيء رهن: أثبت أنه استدان منك، وعليه فهناك عدة مسائل: فتارةً ينفي الدين، فإذا نفى الدين فيُطالب صاحب الدين بإثبات كونه مديوناً؛ لأنه يمكن في بعض الأحيان أن يأتي شخص ويأخذ منك السيارة عارية، ويقول: سأذهب بها إلى قضاء حاجة وآتي، ثم بعد أن يعود تأتي فتقول له: أعطني سيارتي، فيقول: لا، هذه رهنٌ بعشرة آلاف لي عليك.
إذاً: الأصل عدم وجود الدين، والأصل عدم شغل ذمته بالدين، فليس كل شخص أخذ متاع أحدٍ، أو احتبس متاع أحدٍ، أو كان واضعاً يده على متاع أحدٍ يُقبَل منه ادعاء الرّهن، فإذا أنكر الدين بالكلية فالقول قول المنكِر، الذي هو صاحب السلعة، ومالكها، ويُطَالب من يدّعي كونها رهناً بالدليل، على نفس الأصل الذي قررناه؛ لأنه لو فُتح هذا -كما ذكرنا- لادعى أناس أموال أناس، فقد يأتيك شخص ويقول لك: أعطني سيارتك لأذهب بها إلى حاجة، ثم يقبضها ويذهب ويمتنع من إعطائها لك، ويقول: أعطيتنيها رهناً بعشرة آلاف أو ما إلى ذلك.
فحينئذٍ لن تستطيع أن تأخذ سيارتك؛ بل إنه يدَّعِي عليك شغل الذمة، فلو فُتِح هذا الباب لتسلّط الناس على أموال بعضهم، فالشريعة تقول في هذه الحالة: الأصل أنك غير مديون؛ لأن القاعدة: أن الأصل براءة الذمة، وهذه قاعدة منتزعة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى أقوامٌ أموال قومٍ ودماءهم)، فلو كل شخص يدَّعِي لذهبت أموال الناس وذهبت أعراضهم، وذهبت كذلك دماؤهم.
إذاً: لا نقبل ادعاءه بكونه مديوناً، هذا أولاً، وثانياً: إذا أقر أنه مديون واختلفا في قدر الدين، فإننا نرجع إلى قول المديون، ونقول: اليقين القدر الذي ذكره والزائد يحتاج إلى دليل.
ويقبل قول الراهن في قدر الدين قليلاً كان أو كثيراً.
(177/14)
________________________________________
إقرار المدين بالدين
ثم هنا مسألتان: أولاً: أنه إذا قال: لك عليّ ألف، وقال صاحب الدين: نعم هي ألف، فنقبل قوله؛ لأنه شهِد على نفسه، وهذا يسمى: إقرار، وأقوى الحجج في القضاء هو الإقرار؛ لأن الإقرار شهادة الإنسان على نفسه، فإذا شهد الإنسان على نفسه فإن الغالب أنه لا يشهد على نفسه بالضرر؛ لأن الله جعل للإنسان العقل، والعقل يعقِله عن أن يُدخِل الضرر على نفسه، وما دام أنه عاقل، وأنه أهل للتصرف في ماله، ليس إنساناً مجنوناً، ولا إنساناً عنده خفَّة وعته؛ فهذا الإقرار حجّة، ومن هنا يقول العلماء كلمة مشهورة: إن الإقرار سيد الأدلة، أي: أقوى الحجج؛ لأنك لن تجد أصدق من شهادة الإنسان على نفسه.
وعلى هذا نقول: إنه إذا أقر بكونه مديوناً لزمه، ويُقبل قول الراهن في قدر الدين؛ لأنه شهادة منه على نفسه.
ثانياً: يُقبل قوله معارضاً لقول خصمه؛ لأن قوله يقين، فإذا اختلفا في القدر وكان الأقل فهو يقين والزائد خلافه، فيُطالَب من زاد بالدليل، والأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها.
(177/15)
________________________________________
قبول قول الراهن في قدر الرهن
قوله: (والرهن).
أي: يقبل قول الراهن في قدر الرهن الذي أعطاه، وذلك عندما يعطي الراهن سيارته للمرتهن، ثم يقول المرتهن: ما أعطيتني السيارة كاملة، بل أعطيتنيها ناقصة، فحينئذٍ يقول بعض العلماء: إن الرهن يُقبل فيه قول الراهن، وقال بعض العلماء: يقبل فيه قول المرتَهِن، لأنه مدَّعَى عليه، فإذا ادعى الراهن أن قيمة الرهن أكثر، فمعناه أنه يدَّعِي الأكثر.
فبعض العلماء يرجِّح أنه يُقبل قول الراهن في قدر الدين، ويقبل قول المرتهِن في قدر الرهن، وفُرِّق بينهما؛ لأن اليد في الرهن غير اليد في قدر الدين، ومن هنا ففيه إقرارٌ ثابت بشغل الذمة في الديون، وهذا يستلزم أنه قد أثبت شغل ذمته، فيبقى الادعاء زائداً بالقدر، فيكون القول قول الراهن، بخلاف المسألة الثانية، ولهذا فرق بينهما، واختار المصنِّف أنه في قدر الرهن يُقبل قول الراهن.
وتوضيح ذلك أكثر: أنهم يجعلون الراهن مدَّعَى عليه، فهو يقول: إن الرهن كامل، وذلك إذا وقع اختلاف في النقص والزيادة في الرهن، فإذا قال الراهن: إن الرهن كامل، فقال المرتَهِن: ليس بكامل.
فحينئذٍ يقولون: إن الأصل كماله؛ لأنه لا يمكن أن يعطيه رهناً لقاء دين إلا وهو كامل في الغالب.
مثلاً: لو كان الدين مليوناً، ثم ادَّعى أنه رهنه مزرعة بقيمة المليون، فقال: بل أعطيتني مزرعةً بنصف مليون.
قالوا: فيُقبل قول الراهن؛ لأن الراهن يكون هو المدَّعَى عليه.
ويقول: إمام دار الهجرة، الإمام مالك رحمه الله -وأميل إليه في الحقيقة- يقول: يُنظَر إلى وجود الشبهة، فإن كان الرهن الذي أعطاه مقارباً؛ فإننا نقبل قول أقربهما إلى هذا -يعني في القدر- وإن كان الرهن الذي يدَّعِيه المرتَهِن أقل، فإننا نقبل قول الراهن، فيجعل التهمة معتبرة لترجيح أحد القولين، فإن كان الذي يزيد -وهو الراهن- معادلاً للدين قبلنا قوله، وإن كان الذي ينقص -وهو المرتهن- مقارباً للدين قبلنا قوله.
فهذا -مثلاً- يقول: رهنتك مزرعة قيمتها مليونان، والدين مليون، فيقبل هنا قول الذي له الدين في أنها بمليون؛ لأنه يدَّعي عليه أمراً زائداً في شبهة قامت، على أن الأصل والأقوى أنها بمليون؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يرهن الأكثر في الأقل.
فقالوا: إن هذه شبهة تقوِّي قول صاحب الدين، وهذا الذي سبق أن ذكرناه بالإجمال، وأما إذا كان العكس، بأن قال الراهن: رهنتك مزرعة قيمتها مليون، فقال المرتهن: بل رهنتني مزرعة قيمتها ربع مليون، والدين مليون، فحينئذٍ يكون القول قول الراهن، وأما المرتَهِن فقوله خلاف الظاهر.
فهذا ترجيح وإعمال للظاهر مع وجود الشبه.
وهذا التفصيل حقيقة فيه قوة خاصة عند فساد الزمان؛ لأن الغالب أن الناس كلٌ منهم يحتاط عند فساد الزمان، ويكون الرهن غالباً مقارباً، إلا أن القول الذي اختاره المصنِّف ينبني على احتمال أن الشخص يرهن شيئاً زائداً عن دينه، وهذا يقع في بعض الأحوال، لكن الحكم للغالب والنادر لا حكم له.
وعلى هذا يقولون: عند الاختلاف يرجع إلى الترجيح، وإن كان أحد الخصمين مظلوماً.
إذاً: لا بد أن ننظر إلى الأرجح، وإلى أكثر الصور رجحاناً ونحكم بها، وهذا منهج في التشريع معروف، ولذلك لما قال الشرع: (البينة على المدَّعِي) قد يكون المدَّعِي من أصلح خلق الله، ولا يكذب، ولو ضُرِبت عنقه ما كذب، فهل تكون البينة على المدَّعِي سواءً الصالح والفاجر؟ فنقول: نعم.
فالشريعة تنظر إلى أغلب الناس، ولذلك قال الناظم: والمدَّعِي مطَالَب بالبيِّنه وحالة العموم فيه بيِّنه قوله: (والمدعي مطالب بالبينة) أي: بالدليل، سواء كان فاجراً أو صالحاً، وقوله: (وحالة العموم فيه بيِّنة) يعني: واضحة ظاهرة، وهذا مما اتفقا لفظاً واختلفا معنى.
فنحن إذا نظرنا إلى أصل الشريعة العامة، فإنها تنظر إلى الغالب، فكون الرهن في الغالب قريباً من الدين، هو الذي نحكم به، ويترجّح قول الإمام مالك في هذه المسألة، وهو الذي أميل إليه، واختاره بعض العلماء رحمهم الله، وبعض أصحاب الإمام أحمد، أنه يُنظر إلى الشبهة، فإن قويت الشبهة رجحت قول أحدهما، فيكون حينئذٍ القول قوله، ومن كان قوله أضعف شبهة فإنه يكون مدَّعياً فيُطالَب بالبيّنة.
(177/16)
________________________________________
قبول قول الراهن في رد الرهن وعدمه
قوله: (ورده).
كذلك يقبل قول الراهن في رد الرهن.
فمثلاً شخص له على المديون مليون، فسدد الدين، والحكم شرعاً أنه إذا سُدِّد الدين، فيجب على من له الدين أن يرد الرهن، مثال ذلك: شخص اشترى من شخصٍ عمارة بخمسمائة ألف، وأعطاه أرضاً رهناً على أن يسدد في نهاية العام، فلما جاء الأجل أعطاه الخمسمائة ألف كاملة تامة، فيجب على المرتَهَن أن يرد الرهن، فإذا قال الراهن: أعطني رهني، فقال المرتهن: قد أعطيتك، فقال: ما أعطيتني، فاختلفا هل رد الرهن أو لم يرده؟ فنقول: أولاً: اليقين أن الرهن موجود عند المرتَهِن؛ لأنه أخذه لقاء دينه، واستوثق به لقاء دينه، فنحن على يقين أن ذمته مشغولة بهذا الرهن حتى نتحقق من رده لصاحبه.
فإذا قال القاضي للمرتهن: هل أعطاك فلان رهناً؟ فقال: نعم، قال له: هل رددت له رهنه؟ فقال: نعم، رددت له الرهن، وحينئذٍ سأل القاضي خصمه: هل ردّ لك الرهن؟ فقال: لا إذاً نحن على يقين أن ذمة فلان -الذي هو صاحب الدين- مشغولة؛ لأنه اعترف أنه أخذ رهناً، لكن لو أن الراهن قال: أعطيته رهناً في دين، فقال المرتهن: ما أعطاني رهناً، فنقبل قول المرتَهَن؛ لأن الأصل أنه لم يأخذ رهناً حتى يقوم الدليل على أنه أخذ رهناً.
إذاً: في إثبات الرهن القول قول صاحب الدين وهو المرتَهَن، وبعد أن يثبُت الرهن، ففي رد الرهن القول قول الراهن؛ لأننا تحققنا من شغل ذمة المرتَهِن، حتى يدل الدليل على أنها برئت ذمته، وأنه سدد أو رد الرهن إلى صاحبه.
فكما أنه رد له حقه كاملاً، فيجب عليه كذلك أن يرد الرهن كاملاً على ما اتفقا عليه.
(177/17)
________________________________________
الأسئلة
(177/18)
________________________________________
حكم شراء السلعة وجعلها رهناً لقاء قيمتها عند بائعها

السؤال
ما الحكم لو بعته سيارة بالتقسيط على أن يعطيني رهناً، فرهنني السيارة نفسها، وأذِنت له في التصرُّف على أن لا يبيعها حتى ينتهي السداد أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن هذا النوع من البيوع فيه شبهة، وعلى هذا يُقال: إن الرهن وقع على نفس المبيع، وحينئذٍ لم يكن على سنَن الرهن المعروف شرعاً؛ لأن الأصل في الرهن أن يكون بعينٍ يُستوثق بها لقاء الدين، وأن تكون هذه العين منفكة عن أصل التعاقد؛ لأن المقصود من الرهن إمضاء العقد الأصلي، وعلى هذا فإنه يقوم بإلغاء العقد الأصلي، فهو إذا باعه السيارة، وجعل السيارة نفسها رهناً، فإن معنى ذلك: أنه سيُبقي هذه السلعة معه، وإذا تم الأجل وعجز عن السداد ستُباع، وإذا بيعَت فلا شك أنها ستكون أنقص قيمة، ولم يستفد المشتري من السلعة، فيكون قد اشترى العاجل بالآجل مع التفاضل.
والشبهة في هذا ظاهرة.
فالمقصود من الرهن إمضاء العقد الأصلي، وأن يُعطى الرهن من أجل أن تتم الصفقة الأولى، فإذا صارت الصفقة نفسها هي الرهن، فحينئذٍ خالفت المقصود من الرهن، ولذلك فأصل الرهن إمضاء التجارات.
وأكثر توضيحاً نقول: إذا قال له: أبيعك هذا البيت بمليون مثلاً، على أن تدع البيت رهناً عندي، فإنه في هذه الحالة إذا قال له: على أن تسدِّد المليون في نهاية السنة، فإذا لم تسدد سأبيع البيت ثم أسدد وتدفع الناقص، فإذا تم البيع فلن يستطيع أخذ السلعة، ولن يستطيع إمضاء العقد الأصلي، والرهن أصلاً لإمضاء العقد الأصلي، فيبقى البيع نفسه الذي من أجله شُرع الرهن لإتمامه معطلاً بالرهن، أي: أُدخِل الرهن لنقضه خاصة عند العجز عن السداد؛ لأن الإشكال كله عند العجز عن السداد، فإذا حضر نهاية السنة فإنه سيُباع البيت بتسعمائة ألف، فيكون حينئذٍ أوجب عليه (المليون) السابقة، ثم أخذ لقاءها تسعمائة ألف، وخرج الرجل بلا شيء؛ لأنه لا يستطيع أن يؤجر البيت، ولا يستطيع أن ينتفع به طيلة المدة كلها، فصار كالعقوبة عليه لعدم السداد، ثم يلزم بدفع مائة ألف لأجلٍ، وغالباً أن السلعة إذا رُهِنت على هذا الوجه أنها تنقص قيمتها، ولا تبقى على نفس القيمة، فالشبهة في هذا واضحة.
وخلاصة الأمر: أن الله عز وجل إنما شرع الرهن من أجل أن يكون هذا إبقاءً وإنفاذاً للعقد الأصلي الذي هو البيع، فإذا اشترى منه سيارة ورهنه داراً، فإن معنى ذلك: أن الدار هذه جُعِلت من أجل إن عجز عن سداد قيمة السيارة، تُسدَّد القيمة من الدار فيتم البيع الأول، فكأن مقصود الشرع أن يتم البيع الأول.
فإذا أدخل صورة الرهن بشكل يخالف مقصود الشرع من مشروعيته، فإن هذا ليس على سنَن الرهن المعتبر.
وعلى هذا لا يصح أن يكون الشيء مبيعاً مرهوناً، وإنما يكون الرهن بشيءٍ يستوثق به لإتمام الصفقة الأولى، ويدخله شبهة ما ذكرناه من بيع الآجل بالعاجل، على وجهٍ فيه ظلمٌ للمشتري؛ لأنه يمنع من الانتفاع بالسلعة، والأصل أنه إذا اشترى السلعة فمن حقه أن يتصرف فيها.
فلو قال له: أبيعك هذه الأرض على أن لا تؤجرها لأحد، وعلى أن لا تبيعها لأحد، فكل هذا يخالف مقتضى الشرع، فالمؤقت بالممنوع كالمطلق به، فهو إذا أقّت الممنوع وقال: لا تبيعه مدة كذا، فإن هذا يخالف مقصود الشرع من كونه إذا اشترى الشيء كان حر التصرف فيه، وعلى هذا فالأظهر عدم صحة هذا النوع من الرهون، والله تعالى أعلم.
(177/19)
________________________________________
مطالبة الراهن للعدل إن فرط في الرهن

السؤال
ذكرتم أن للراهن أن يقيم دعوى قضائية على العدل إذا فرَّط، فمن المدَّعِي ومن المدّعَى عليه أثابكم الله؟

الجواب
إذا كان العدل قام على الرهن، وطُلِب منه بيع الرهن عند حلول الأجل، وقبضُ الثمن، وإعطاؤه للمرتَهِن، فباع عند حلول الأجل، ثم أقبض بدون إشهاد، فإن اليقين والثابت أن ذمَّته شُغِلت بقيمة الرهن، هذا ليس فيه إشكال؛ لأنه هو يُقِر ويعترف أنه باع الرهن، وأنه سدّد فلاناً؛ لأن القضاء يفصِّل كل كلمة بمعناها، فهو لما يقول: أعطيت فلاناً، فمعناه: أني بعت الرهن ثم أعطيت فلاناً، فحينئذٍ يُمسك ويؤاخذ على قوله: أعطيت فلاناً؛ لأنه لا يُعطي إلا بعد البيع، فكأنه أقر على نفسه أنه باع وقبض الثمن، وبعد قبضه للثمن أعطى فلاناً، سواءً فصَّل ذلك أو أجمله، فإن أجمله فالإجمال متضمِّن للمعنى البيِّن جملة وتفصيلاً، يؤاخذ به كما يؤاخذ به مفصَّلاً، كما لو قال: بِعتُ السيارة بعشرة آلاف، ثم ذهبت إلى فلان وأعطيته المبلغ، فقد أقر ببيعها بعشرة آلاف وإقباض فلان هذا المبلغ.
فنقول: ذمته مشغولة باليقين بعشرة آلاف لصاحب الرهن، هذا يقين وليس فيه إشكال، لكن هل أعطى أو لم يعط، أو أعطى وأخطأ في الإعطاء؟ فربما أعطى شخصاً آخر، وربما أنه أعطى فعلاً ولكن نسي من أعطاه، فيحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً، ونحن لم نطلع على الغيب، ولا نستطيع أن نستجلي حقيقة الأمر، فحينئذٍ نطالبه بالبينة على أنه أَعطَى، فنُحضِر صاحب الدين، ونقول: هل أعطاك فلان العشرة آلاف؟ فإن قال: ما أعطاني، فهناك يقين أن الذمة مشغولة بعشرة آلاف؛ لأنه لو فُتِح لكل عدل أن يقول: لقد أعطيته، ونقول: أعطاه، وانتهى الأمر، فحينئذٍ نكون قد ظلمنا أصحاب الديون، وامتنع أصحاب الديون من الرهن؛ لأنه لا تتحقق الحكمة والمقصود من الرهن، فنقول: إن القول قول صاحب الرهن؛ لأن العدل يعترف بأنه قبض عشرة آلاف ريال، ويدَّعِي، فهو معترف من جهة ومدعي من جهة، يدَّعِي أنه قد أعطاها لفلان، فصارت قضيتان: القضية الأولى: أنه أقر أن في ذمته عشرة آلاف لصاحب الدين، التي هي قيمة الرهن؛ لأنه في بعض الأحيان تكون قيمة الرهن أن يباع بتسعة آلاف أو يباع بثمانية آلاف، فإذا قال: بِعتُه بعشرة آلاف، فقد ثبت شرعاً في مجلس القضاء ويؤاخذ؛ لأن الإقرار في مجلس القضاء يؤاخذ به الإنسان.
فإذا قال: بِعتُه بعشرة آلاف، فقد أقر أن ذمته شُغِلت بعشرة آلاف التي هي قيمة الرهن، لصاحبه؛ لأن العشرة آلاف ملك لصاحب الرهن.
القضية الثانية: أنه ادعى أنه أعطى فلاناً العشرة آلاف، فنحضر خصمه، وتُقام بينهما الدعوى، فيقال: هل أعطاك؟ فإن قال: ما أعطاني، فنقول للعدل: ألك بينة؟ فإن قال: ما عندي بينة، فنقول: أتحلف بالله؟ فإذا حلَف بالله، انتهت القضية الأولى، فإذا طالب صاحب الدين بحقه، فنقول للمديون: سدد صاحب الدين العشرة آلاف، ثم أقم الدعوى على خصمك الذي هو العدل، وتصل إلى حقك؛ لأنه اعترف وأقر.
ففي مجلس القضاء الأول ثبت فيه الإقرار، ومن الممكن لو خاصمه عند قاضٍ ثانٍ فإنه يقول: قد اعترف عند القاضي فلان أنه قد باع بعشرة آلاف، فلو أنكر العدل بعد ذلك، وقال: ضاع وما بعته، أو تلِف، وما بِعته، أو فلان سحب الرهن من عندي، فنقول للراهن: هل هذا صحيح؟ فإن قال: ما هو صحيح، هذا باع وقد اعترف بالبيع عند القاضي فلان، فإذا ثبت أنه فعلاً أقر في مجلس القضاء؛ فإن الإقرار في مجلس القضاء حجة، ويؤاخذ بهذا الإقرار ويُحكم عليه به.
فالشاهد: أنهما قضيّتان منفكتان، ويؤاخذ بإقراره؛ لأنه حقٌ متعلِّق للغير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(177/20)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الرهن [5]
مسائل الاختلاف في الرهن من أهم مسائل باب الرهن، ومما يتفرع عليها: قبول قول الراهن في الدين والرهن ورده، وفي كون الرهن مالاً محترماً شرعاً، ومنها: إقرار الراهن بعدم ملكيته للرهن وما يترتب عليه، وإقراره بجناية الرهن على غيره، وأهم أمر ينبغي معرفته في ذلك: من هو المدعي والمدعى عليه.
(178/1)
________________________________________
مسائل الاختلاف في الرهن وأنواعها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنِّف رحمه الله تعالى: [ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده].
سبق أن ذكرنا أن هناك مسائل يختلف فيها قول الراهن والمرتَهَن، وبيّنا أنهما يتنازعان في بعض الأمور المتعلِّقة بالرهن، وأنه ينبغي على طالب العلم إذا قرأ باب الرهن وأحكامه ومسائله أن يُلِمَّ بالمسائل التي يُقال لها: مسائل الاختلاف في الرهن.
وذكرنا القاعدة عند العلماء: أنه إذا أردنا أن نبيِّن أحكام الاختلاف في الرهن، فالواجب علينا أن نعرف من هو المدَّعِي ومن هو المدّعَى عليه، وبيّنا أننا إذا قلنا: فلانٌ مدَّعَى عليه، فمعناه: أن القول قوله، وإذا قال العلماء رحمهم الله: القول قول الراهن، فمعناه: أن الراهن مدّعَى عليه، وأنه يُقبل قوله، حتى يقوم الدليل على صدق قول من خالفه.
وبناءً على هذا: إذا اختلفا في قدر الدين، فقال الراهن: لك علي عشرة آلاف، وقال صاحب الدين: بل لي عليك خمسة عشر ألفاً، فحينئذٍ اختلفا في القدر.
والخلاف يكون في الجنس، ويكون في النوع، ويكون في القدر، ويكون في الصفات.
فمثلاً: يكون الخلاف في الخمسة عشر ألفاً هل هي ريالات -أصلها فضة- أو (دولارات)؟ فيصبح الخلاف في النوع، فيتفقان على القدر؛ لأن كلّهم يقول: الدين عشرة آلاف، لكن اختلفا هل هي (دولارات) فهي أكثر؟ أو هي ريالات فهي أقل؟ فالمديون يقول: هي من الريالات، والدائن يقول: بل من (الدولارات)، أو من الجنيهات، أو نحو ذلك، فالذي يقول الأكثر لا شك أنه يدَّعِي، والغالب أن الأكثر يكون من المرتَهِن، والأقل يكون من الراهن الذي هو المديون، وعلى هذا يختلفان في قدر الدين، ويختلفان في نوعه، فقد يتفقان في القدر ويختلفان في النوع، فهما يتفقان على أن الدين مثلاً عشرة آلاف من حيث القدر، ويختلفان في النوع كما ذكرنا: هل هي من الذهب جنيهات، أو هي من الفضة ريالات؟ وقد يتفقان على النوع -كالفضة- ويختلفان في القدر، فيقول أحدهما: لي عليك عشرة آلاف، ويقول المديون -الذي هو الراهن-: بل لك علي خمسة آلاف.
فحينئذٍ اتفقا على النوع واختلفا في القدر.
وفي هذه المسائل يكون المدّعَى عليه هو الراهن، والمدعِي هو المرتَهِن، أي: صاحب الدين.
والغالب -كما ذكرنا- أن صاحب الدين يذكر الأكثر، والمديون يذكر الأقل، وحينئذٍ إذا قال الراهن مثلاً: لك علي عشرة آلاف، وقال صاحب الدين: بل لي عليك خمسة عشر، فنحن على يقين أنه أخذ عشرة آلاف، والخلاف فقط في الخمسة؛ لأن الذي يقول: لي عليك خمسة عشر، فإن معناه: أنه يُقر بأن العشرة آلاف ثابتة، وكذلك أيضاً من يقول: لك علي عشرة آلاف، فالقدر المتفق عليه عشرة آلاف، والمختلف فيه الخمسة، وقس على ذلك، فمحل النزاع إذا اختلفا في قدر الدين يكون في الزائد، فإن قال: عشرة آلاف، وقال الآخر: اثنا عشر ألفاً، فالاتفاق على العشرة والخلاف في الألفين.
وإن قال: لك علي عشرة آلاف، فقال: بل لي عليك أحد عشر.
فحينئذٍ الاتفاق على العشرة، والخلاف في ألف.
وهذا الألف الزائد نطالب صاحب الدين بإثباته، ونقول له: ألك بيِّنة؟ فإن قال: ليس عندي بينة، أي: ليس عنده كتابة ولا شهود يشهدون أن الدين أحد عشر، فحينئذٍ نقول: ليس لك إلا يمين المدّعَى عليه، والقول قول الراهن.
هذا بالنسبة لمسألة قدر الدين، فإننا نرجع في قدر الدين إلى الراهن؛ لأنه مدَّعَى عليه.
وقد سبق أن ذكرنا: أن المدَّعِي والمدَّعى عليه لهما ضابط، فقلنا: إما أن يكون بالنفي والإثبات، كقول الناظم: قيل من يقول قد كان ادَّعى ولم يكن لمن عليه يدَّعى فمن يثبت فهو مدعي، ومن ينفي فهو مدَّعَى عليه، فكيف نثبتها هنا؟ وكيف نطبق هذه القاعدة؟ نقول: إن الذي يقول: لي عليك خمسة عشر فهو مُثبِت ومدعي، وهو صاحب الدين، والذي ينفي هو الراهن الذي يقول: ليس لك علي إلا عشرة آلاف، فهو مدعى عليه.
وقيل: من يقول: قد كان، أي: الذي وقع وحصل خمسة عشر هو المدعي، ومعنى قوله: ولم يكن، أي: لم تكن خمسة عشر، إنما كانت عشرة آلاف، هو المدَّعَى عليه وهو الراهن.
وعلى هذا ينطبق الضابط الأول، وهو: ضابط النفي والإثبات.
وكيف نطبِّق الضابط الثاني وهو الأصل؟ وكيف انتزعنا من هذا الضابط أن الراهن مدَّعى عليه، وأن المرتَهِن وصاحب الدين مدعي؟ نقول: الأمر واضح؛ لأن الأصل براءة ذمة المديون الذي هو الراهن، فالأصل أن الخمسة ليست عليه، والمتفق عليه هو العشرة آلاف، فإذا أثبتنا وتيقنا أن ذمته خالية، فإن ذمته بريئة حتى يثبُت ما يدل على شغلها، ولذلك يقول العلماء والفقهاء في كتبهم: الأصل براءة الذمة، فالأصل أنك غير مديون بالخمسة، والأصل أن ذمتك لا تُشْغل بالخمسة إلا بدليل، فإذا كان يقول: لي عليك دين، فأنت تسلم أن له عليك ديناً، لكن تسلِّم بالعشرة وتُنازع فيما زاد، فحينئذٍ تكون الخمسة الزائدة الأصل براءة ذمتك منها، حتى يدل الدليل على شغلها، وعلى هذا تنطبق الضوابط التي ذكرناها على قول المصنف رحمه الله: (ويقبل قول الراهن) أي: أن قول الراهن هو المقبول، وهو المعمول به في قدر الدين، هذا إذا اختلفا، أما إذا اتفقا فلا إشكال.
يبقى

السؤال
إذا اتفق القدر واختلف النوع، فما الحكم لو اتفقا في القدر واختلفا في النوع؟ كأن يقول: لي عليك عشرة آلاف جنيهات، فقيمتها أغلى، فقال: بل لك علي عشرة آلاف ريالات، فحينئذٍ يتنازعان، فبعض العلماء يقول: الأصل أن نحتكم إلى العرف.
فالعرفُ إن شهِد بصدق أحدهما فالقول قوله، لأن العرف إذا كان بالريالات، فقد ذكرنا قول الناظم: تمييز حال المدعِي والمدّعَى عليه جملة القضاء وقعا فالمدعِي من قوله مجرد من أصلٍ أو عرفٍ بصدق يشهد فقوله: (أو عرف بصدق يشهد)، فالعرف يشهد بصدق إحدى الدعاوى، فإذا قال له: لي عليك عشرة آلاف من الجنيهات، وقال الآخر: بل من الريالات، والعرف يتعامل بالريالات، فنقول: القول قول من قال بالريالات؛ لأن العرف يشهد بأن الديون تجري بالريالات لا بالجنيهات، فإن كان العرف بالجنيهات أو (بالدولارات)، حُكِم بذلك العرف.
هذا مما يستثنى في مسألة قول الراهن، لكن بعض العلماء يقول -كما اختاره المصنف-: إنه يُقبل قول الراهن مطلقاً، لكن لو نُظِر إلى قواعد القضاء التي ذكرناها، فيكون هناك تفصيل، فنقبل قول الراهن إذا شهِد الأصل أو شهِد العرف بصدقه.
(178/2)
________________________________________
تابع قبول قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده
قوله: (ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده) كما إذا قال له: رهنتك سيارةً، فلم تردها.
إذا فرضنا أن الدين عشرة آلاف ريال، فدُفِع سيارة في مقابل الدين، فإذا سدد الراهن، فإنه يجب رد الرهن إليه، فصورة المسألة: أن الراهن إذا سدّد الدين الذي عليه؛ فإن له أن يطالِب بالرهن، ويقول: كما أنني وفَّيت لك بأداء دينك عليّ، وفِّ لي برد الرهن؛ لأن الرهن شُرِع من أجل الاستيثاق، فإذا كان الدين قد أُدِّي؛ وجب رد الحقوق إلى أهلها.
إذاً: صورة المسألة: إذا قام الراهن بسداد الدين الذي عليه، وإبراء ذمته، فإن له أن يطالب برد الرهن، مثاله: باع رجل عمارته بمليون، فقال له المشتري: أمهلني سنة، فقال البائع: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك أرضي الفلانية، أو عمارتي الفلانية، فقال: قبلت.
وقبل انتهاء الأجل سدد المديون والمشتري جميع المليون، فإنه يجب حينئذٍ على صاحب الدين أن يرد الرهن؛ لأن الرهن ملكٌ للراهن المديون، وإنما أُخِذ منه حيطة واستيثاقاً كالوثيقة، احتُفِظ بها حق صاحبها.
أما إذا اختلفا فقال الراهن: لم تعطني أرضي، وقال صاحب الدين: بل رددتها إليك، فهل نقبل قول الراهن، أو نقبل قول المرتهِن؟ أو من الذي يُطالب بالبيّنة والدليل على الرد؟ هل نطالب الراهن أو نطالِب المرتَهِن؟ في هذه المسألة ننظر إلى الأصول: فالأصل أن الرهن موجودٌ عند المرتَهِن، فتبين أن الرهن ليس في يد الراهن؛ لأن الكل متفق على أن الراهن قد دفع الأرض للمرتهن، وصاحب الدين -الذي هو المرتهن- يقول: رددت لك، ومعناه: أنه يُسَلِّم بأنه قد أخذ.
فإذا جاءك شخصان أحدهم يقول: لي على فلان ألف، فقال الآخر: قد رددتها عليه، فإذا قال: قد رددتها عليه، فمعناه: أنه أقر أن عليه لفلان ألفاً.
فهذا ينبغي أن يُلاحظ.
فإذا قال صاحب الدين: رددت الرهن إليك، فإننا نقول: اليقين أن الرهن في ذمتك، والأصل أنك مطالب برد الرهن إلى صاحبه؛ لأنك تسلم أن حقك رجع إليك، وهو الدين، وتسلم بأن الراهن قد وضع عندك الرهن.
إذاً: نحن على يقين بأن ذمته مشغولة، ونطالِبه بالدليل، كما أنه أقر، والإقرار كما يقولون: أقوى الحجج؛ لأنه شهادة من الإنسان على نفسه.
فالقاضي ليس عنده إشكال أن المرتَهِن يقر أن الراهن أعطاه الرهن الفلاني، فما على القاضي إلا أن يبحث أو يطالب المرتَهن -وهو صاحب الدين- بدليلٍ يدل على براءة ذمته، كما أنه على يقين من أنها مشغولة، وحينئذٍ تعكس القضية أو تصوِّرها بصورة ثانية، فتقول: القول قول الراهن.
إذاً معناه: أن الرهن في ذمة المرتَهِن، حتى يثبت أنه قد رد ذلك الرهن إلى صاحبه.
وعلى هذا قالوا: إذا قال له: قد رددت الرهن إليك، وقال: ما رددت الرهن إليَّ، فحينئذٍ نطبِّق القواعد: وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يُدَّعى (قد كان) أي: صاحب الدين يقول: رددتُ، (ولم يكن) أي: الراهن يقول: ما رددتَ.
فإن القول قول الراهن، فتخرَّج على القاعدة التي ذكرناها في الخلاف: أن من ينفي فالقول قوله، ومن يُثبِت يُطالَب بالدليل، وكذلك إذا نظرنا إلى الأصل، فإنه حينما قال له: قد رددت عليه أرضه، فإن الأصل أن ذمته مشغولة برهن الأرض حتى يدل الدليل على براءتها.
وعلى هذا تستقيم القاعدتان اللتان سبق ذكرهما، ويصبح الراهنُ مدَّعى عليه، والمرتَهنُ مدَّعياً، وهذا من عدل الله عز وجل بين عباده؛ لأنه لا يمكن أن نضيِّع الرُّهون، وقد تأكدنا وتحققنا أنّ ذِمم أصحاب الديون قد شُغِلت بها.
(178/3)
________________________________________
قبول قول الراهن في كون الرهن مالاً محترماً
قال رحمه الله: [وكونه عصيراً لا خمراً].
هذه المسألة تُعرَف: بإثبات القيمة ونفي القيمة.
فإنه يشترط في الرهن أن يكون له قيمة، أي: أن يكون مالاً محترماً شرعاً.
فإن قال قائل: ما الدليل على اشتراطك أن يكون الرهن مالاً محترماً؟ فنقول: إن الله عز وجل ما شرع الرهن إلا من أجل أن يُسدد الدين منه، فالحكمة من مشروعية الرهن أنه إذا عجز المديون عن سداد الدين، فإنه يُباع الرهن ويُسدد منه، فمعنى ذلك أنه ينبغي أن يكون الرهن له قيمة، فإذا لم تكن له قيمة فحينئذٍ تفوت الحكمة التي من أجلها شُرِع الرهن، وعلى هذا قال العلماء: يُشترط في الرهن أن يكون مالاً محترماً شرعاً، أي: له قيمة، وكل شيءٍ له قيمة معتبرة شرعاً، فإنه يوصف بكونه مالاً.
مسألة: إذا قال الراهن: أريد منك أن تعطيني ديناً خمسمائة ريال، فقال له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك هذا (الكرتون) من العصير مثلاً، والعصير له قيمة، فقال له: قبلت، فأخذ العصير ووضعه عنده رهناً، فلما تم حلول الدين وأخذ حقه، ادعى صاحب الدين أنه لم يرهنه عصيراً، وإنما رهنه -والعياذ بالله- خمراً، كأن يكون الراهن كافراً، فالكافر الذمي الذي يكون بين المسلمين، قد يستدين منك وتطالبه برهن، فعندهم الخمر لها قيمة، وفي دينهم وشريعتهم لها قيمة، وإن كان لا يصح من المسلم أن يقبله رهناً، لكن ادعى المسلم أن الراهن سواءً كان مسلماً أو كافراً إنما رهنه خمراً، فإذا ادعى المسلم أنه رهنه خمراً، فحينئذٍ يبقى الإشكال: هل نقبل قول الراهن أو نقبل قول المرتَهِن؟ فإن قبلنا قول الراهن أثبتنا المالية للرهن، وإن قبلنا قول المرتَهِن جعلنا الرهن ذا قيمة، مع أنه خمر لا قيمة له، فالمُرتَهِن يريد أن يفوت الرهن فهو يقول: إنما هو خمر، أو يقول: هو ميتة، أو يقول: هو خنزير، بمعنى أنه شيء لا قيمة له؛ لأن الخمر والميتة والخنزير ونحوها مما لا قيمة له لا يأذن الشرع ببيعه؛ ففي الصحيحين من حديث جابر: (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخنزير والأصنام)، فلو قال: إنه ميتة، فمعنى ذلك: أنه لا قيمة له.
ومثال ذلك في الميتات: لو قال له: رهنتك شاةً حية، فقال: لا، بل رهنتني شاة محنَّطة ميتة.
فحينئذ المحنط من الميتات -كما سبق بيانه في بيع الميتات- ليس له قيمة، ولا يجوز بيعه ولا شراؤه، إذا كان ميتة غير مذكاة، فلو قال له: محنّط، فمعناه: أنه لا قيمة له، ولو قال له: شاة حية، فإن لها قيمة، أما المحنّط فلا يجوز بيعه ولا شراؤه؛ لأنه ميتةٌ.
وبناءً على ذلك أصبح عندنا قولان: قول يقول: أعطيتك رهناً له قيمة، وهذا القول قول المديون، وهو الراهن، وقولٌ يقول: لم تعطني شيئاً له قيمة، إنما أعطيتني شيئاً لا قيمة له، سواءً كان خمراً أو ميتة أو خنزيراً، فما الحكم؟ هل نقبل قول المديون وهو الراهن، ونطالب الآخر الذي هو المُرتَهِن بالدليل والبيّنة، أو العكس؟ قال المصنِّف: يُقبل قول الراهن في كونه عصيراً لا خمراً؛ لأنك تجد أن الراهن يثبت المالية، وهو حق من حقوقه، والمرتَهِن ينفي المالية؛ لأنه يُسقط عن نفسه تبعة أو مسئولية ضمان الرهن، وعلى هذا يقبل قول الراهن؛ لأن العصير له قيمة، والخمر لا قيمة له، وعلى هذا نطبِّق الضوابط التي ذكرناها.
وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يُدَّعَى فكون الراهن قال: رهنتك شيئاً له قيمة، هذا هو معنى قوله: (كونه عصيراً)، والمرتَهِن يقول: بل رهنتني شيئاً لا قيمة له، فأصبح قول الراهن هو المقبول بالإثبات والنفي، فحينئذٍ الأصل إذا نظرت إلى النفي والإثبات قد تقول: إنه إذا قال له: إنه شيءٌ له قيمة، فالمدعي هو الراهن، وإذا قال: لا قيمة له، فالمدعي هو المرتَهِن، فيكون الجواب حينئذٍ: أن الأصل أن من ارتهن فإنه يرتهن شيئاً له قيمة، فتلغي ضابط النفي والإثبات، وتثبت ضابط الأصل؛ لأنه لا يعقل أن إنساناً يقبل رهناً إلا وله قيمة هذا وجه.
وبعض العلماء يقول: لا؛ بل الأصل الأول ثابت؛ لأنه في حالة كونه يقول: إنه خمر، أو كونه عصيراً فيه نفي من وجه وإثبات من وجه، والآخر له نفيٌ من وجه وإثبات من وجه، فتعارض النفي والإثبات ورُجِّح بالأصل؛ لأنه في هذه الحالة لو قال: إنه عصير، فهو يثبت المالية وينفي كونه لا قيمة له، وكذلك أيضاً العكس الآخر يثبت كونه لا قيمة له وينفي المالية.
وعلى هذا صار نفياً من وجه وإثباتاً من وجه، والآخر نفياً من وجه وإثباتاً من وجه، فرجَّح الأصل ما ذكرناه؛ لأن الأصل في الإنسان إذا جاء يرهن فإنه يرهن شيئاً له قيمة؛ لأن الرهن يقصد منه الضمان، وهل يكون الضمان بما فيه مالية أو لا مالية له؟ الضمان لا يكون إلا بما فيه مالية، وعلى هذا اعتضد قول الراهن، وأصبح القول قوله، وليس بقول المرتَهِن.
(178/4)
________________________________________
إقرار الراهن بعدم ملكيته للرهن
قال رحمه الله: [وإن أقر أنه ملك غيره أو أنه جنى قُبِل على نفسه وحُكم بإقراره بعد فكِّه، إلا أن يصدقه المرتَهِن].
قوله: (وإن أقر أنه ملك غيره).
هنا مسألة مهمة: لو أن الراهن أعطاك رهناً، فربما يحتال صاحب الرهن بأشياء ليدفع عن نفسه ضرر بيع الرهن، والتصرف فيه، كأن يأتي ويقول: هذا الرهن الذي عندك ملكٌ لفلان، فحينئذٍ أقر بأن هذا الرهن ليس ملكاً له، أو اختصم هو ورجل في الأرض التي وضعها رهناً، فلما حضر عند القاضي قال: الأرض أرض فلان، فحينئذٍ يصبح هناك شيء من الاختلاف: هل نقدِّم كونه رهناً، ونحكم على ما جرى من كونه قدمه رهناً، ونثبت الرهن، ثم نخلِّص صاحب الحق من حقه، ويضمن لصاحب الأرض قيمتها، ويصبح وجهه على صاحب الأرض، أم أننا نقول: إن الأرض ملكٌ للغير، فلا يجوز التصرُّف فيها، فيلغى الرهن وتعود السلعة إلى مالكها؟ هذا أمر محتمل.
والمصنف رحمه الله أدخل هذه المسألة هنا لأهميتها، واتصالها بأساس الرهن؛ لأنه حينما ذكر آخر مسألة بكونه عصيراً لا خمراً، فهذا نفي للمالية، فناسب أن يذكر الحيل التي يُقطع بها الطريق عن بيع الرهن وعن سداد الديون، إذ لو فُتح للناس هذا الباب لكان بالإمكان أن يرهن عمارته، ثم بعد ذلك يقول لابن عمه أو قريبه: ادَّعِ أنها ملك لك، ثم يُقِر عند القاضي أنها ملكٌ له، فيتخلّص من ضرر الرهن.
فهو عندما رهن ذلك الشيء، وصار الرهن محبوساً لذمة سابقة، وجاءت ذمة لاحقة، ولم يثبت ما يدل على صدقها، لكن لو ثبت ما يدل على صدقها، فهذا أمر آخر، فلو اختصم مع شخص في أرض، فأقام ذلك الشخص شهوداً، وثبت بالشهود أنها لمالكها الحقيقي، فليس هناك إشكال، إنما الإشكال عند حدوث التلاعب والتحايل، وذلك بكونه يُقر بأنها ليست ملكه؛ لأنه إذا أقر أصبح في هذه الحالة عندنا شبهة، فيحتمل أن هذا الإقرار قُصِد منه تفويت الحق على صاحب الدين، وهذا ما يقع كثيراً في الرهونات، فترى المديون -أي: الراهن- يحاول بشتى الوسائل أن لا يُباع الرهن، ويحاول بشتى الوسائل أن يماطل أهل الحقوق في حقوقهم؛ حتى لا يُباع الرهن، وهذا أمر لا تجيزه الشريعة.
والأصل أن الرهن ما شرعه الله عز وجل إلا قطعاً للتلاعب في حقوق الناس، وحينئذٍ لا بد من إعمال الأصل الشرعي، فهو إذا أقر، وقال: هذه الأرض التي رهنتها لك هي ملكٌ لفلان، فحينئذٍ عندنا مشكلتان: المشكلة الأولى: أن صاحب الرهن يُطَالَب ببيع هذه الأرض عند عجزه عن السداد؛ لأنها مرهونة، ومعنى ذلك: أنه ما دفع له الدين إلا من أجل أن حقه موثق، وهذه وثيقة بحكم الشرع، قال تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، فالراهن رهن، وقبض المرتَهِن الرهن، فحينئذٍ ثبت أن الرهن لصاحب الدين.
المشكلة الثانية: أنه لما أقر لشخصٍ آخر فإن الإقرار حجة، وقد اختصم معه عند القاضي، والقاعدة في الشريعة: أن المقر إذا أقر على نفسه لمدَّعٍ عليه أنه يؤاخذ بإقراره، مادامت شروط الأهلية للإقرار موجودة، فالأصل يقتضي ما دام أنه أقر لزيد من الناس، أن نحكم بأن الأرض ملكٌ لزيدٍ من الناس، فيقع الإشكال: هل نقدم صاحب الدين وقضية الرهن، أو نقدِّم المالك الحقيقي للأرض بإقراره؟ يقول العلماء: في هذه المسألة شبهة، والإقرار حجة، ونسلِّم بذلك، لكن قد صَحِبَتْهُ الشبهة، وإذا صحبته الشبهة وجب سد الذرائع، وعندنا حقان: حق الراهن، وحق من أُقِرّ له في الدعوى الثانية، وحق الراهن سابق، وهو يقيني فليس فيه شبهة، والظاهر والمتبادر والأصل أن المديون لا يرهن إلا ما يملكه، فكونه يسكت ويترك الأمر حتى يخشى بيع رهنه، ويأتي ويُقر لزيدٍ من الناس أو لعمرو من الناس؛ هذا فيه شبهة.
فقالوا: نقبل إقراره لكن على نفسه، ونُبقي الرهن على حاله؛ لأن الأصل بقاء يد الرهن، وهو عقدٌ لازم قد تم بين الطرفين، ثم ننظر: فإذا انتهت المدة وسدد الدين، عرفنا أنه رجل أقر بحق، فننزع الأرض منه ونعطيها لمن أقر له، فقُبِل إقراره على نفسه، واستوثقنا بالدين؛ لأن الدين أُدِّي إلى صاحبه، فإن مضت المدة ولم يُسدد، فحينئذٍ الأصل أنها رهن وأنها ملكٌ له، فتُباع، ثم يحكم القاضي بأن فلاناً فوّت على فلان أرضه بقيمته، فحينئذٍ يُلزم بضمان هذه الأرض، فإما أن يُطالَب بشرائها ممن انتقلت إليه، ويرد عين الأرض كما فوّتها على أهلها، وإما أن يضمن قيمتها لصاحبها، وعلى هذا يُقبل إقراره على نفسه، لكن لا يُقبل إقراره ملغياً للأصل الذي ذكرنا هذا في الإقرار.
لكن لو أن رجلاً استدان مائة ريال، فقال له صاحب الدين: أعطني رهناً، فقام وأخذ مسجلاً على جاره أو أخيه، ثم رهنه دون إذنٍ منه، فمعنى ذلك: أنه اغتصبه الرهن، فلما وضعه في الرهن، ادّعى الأخ أو صاحب المسجِّل عليه عند القاضي فأقر، فحينئذٍ يكون قد أقر بملكية المسجِّل لصاحبه، فيبقى المسجل على الأصل، أي: يبقى رهناً، هذا هو الظاهر، ويكون إقراره فيه شبهة، ثم بعد ذلك نحكم ببيع المسجِّل على الظاهر، مثلما فعلنا في الأرض، ونرد لصاحب الحق حقه، ثم نطالبه بأخذ هذا المسجِّل بقيمته بالغاً ما بلغ، أو يضمنه لصاحبه.
فمثلاً: لو بِيع هذا المسجِّل بخمسمائة ريال، والدين مائة ريال، فنأخذ منها مائة ونسدد صاحب الدين، ونرد الأربعمائة لهذا الشخص، ثم نقيم الدعوى الثانية، ونطالبه بشراء المسجِّل ممن أخذه؛ لأن الشراء صحيح، وعلى هذا فولاية القاضي ببيعه كرهن ولاية صحيحة، ثم بعد ذلك نطالبه بشراء المسجل ثانية غالياً أو رخيصاً ويرده إلى صاحبه، فتبقى يد الرهن على ما هي عليه، وضُمِن الحق لصاحبه، وقُبِل الإقرار، فأُعمِلت جميع الحقوق؛ رُد إلى هذا حقه، ورُد إلى هذا حقه، وقبلنا إقراره على نفسه.
ونضرب مثالاً آخر يكون فيه الحكم مختلفاً: لو قال له: أعطني مائةً ديناً، فقال له أعطني رهناً، فقال: هذا المسجِّل رهن عندك، فأخذ صاحب الدين المسجِّل، ثم تبيّن أنه ملكٌ لغيره، فادّعى زيد أن فلاناً أخذ مسجِّله ثم احتال عليه ورهنه، فطلبه القاضي، وقال له: هل أخذت من فلان مسجلاً؟ فقال: لا، ما أخذت.
فأنكر، فأقام زيدٌ -الذي هو صاحب المسجِّل- البيِّنة وشاهدين عدلين على أن المسجل مسجِّله، فحينئذٍ يحكم القاضي بنزع اليد ورجوع المسجِّل إلى صاحبه، ثم يُطالَب هذا الراهن ببديلٍ عنه يقوم مقامه.
إذاً: يفرَّق بين كونه مقراً؛ لوجود شبهة، وحتى لا يتخذ طريقة للتلاعب لبيع الرهن، والرهن يكون استيثاقاً لحقوق الناس التي ضمِنها الشرع بهذا النوع من العقود، وبين كونه منكراً وثبت أن المال ملكٌ للغير؛ وذلك لوجود البينة بعد الإنكار هذا بالنسبة لمسألة الإقرار، ومسألة الإنكار.
وعليه: فإننا نقبل إقراره على نفسه فقط، ولا يكون ملزِماً لزوال يد الرهن اللازمة.
(178/5)
________________________________________
إقرار الراهن بجناية الرهن على غيره
قوله: (أو أنه جنى).
قديماً كان الرقيق ربما يجني جناية، وإذا جنى جناية ففي بعض الأحيان تكون الجناية في قيمته، ولربما استوعبت الرقيق بكامله، فدُفِع إلى من جنى عليه، وكذلك الدابة، فلو أن الدابة حصلت منها جناية على وجهٍ يوجب الضمان، فنأخذ نفس الحكم، فإذا كان قد ارتهنها، فإنه في هذه الحالة إذا أقرّ بالجناية مثلما إذا أقر بالملكية، فكل القضية في كونه يُدخِل على الرهن يداً غير اليد الأولى، وهذا بالإقرار وليس بالبينة التي هي الشهود، أما لو كانت بالبينة فقد بيّنا الحكم، وهو أنه يصير فيها مُوجِب الضمان، لكن بالنسبة لمسألة إدخال اليد الثانية على اليد الأولى، في صورة ادعاء الملكية، كأن يُقر بأنه ملكٌ لغيره، أو يُقر بأنه جنى مثاله: لو رهن رقيقاً، وهذا الرقيق جنى جناية تستوعب قيمته، كأن تكون قيمة الجناية عشرة آلاف ريال، وهي قيمته، فحينئذٍ يقال للمجني عليه: أتريد المال أم الرقبة؟ فإن قال: قبلت الرقبة، فإذا قبل المجني عليه الرقبة، فهذا معناه أن الرهن سيفوت، فإن وقع بإقرارٍ حُكِم كقضية الملكية السابقة، وإن وقع ببيِّنة فلا إشكال.
(178/6)
________________________________________
وجوب رد الحق الذي أقرّ به الراهن إلى صاحبه بعد فك الرهن
قوله: (قبل على نفسه وحُكم بإقراره بعد فكِّه).
أي: فإن سدد الدين، وفُكّ عن العين الرهن، فحينئذٍ يطالَب برد الحق الذي أقر به إلى صاحبه.
مثاله: لو قلنا: استدان مائتين، ثم رهنه ساعة قيمتها خمسمائة، فادّعى رجل أن الساعة له، فأقر الراهن أنها له، فننتظر إلى أن ينتهي الأجل، فإذا سدّد الدين، فنقول: يُفك الرهن، وتُرد الساعة للراهن، ويحكم عليه بإقراره فتُنزع من الراهن وتُرد إلى صاحبها، هذا بالنسبة لقوله: (قُبل على نفسه)، وقوله: (وحُكم بإقراره بعد فكه) بعد رد الرهن وفكِّه.
(178/7)
________________________________________
حكم من رهن مال غيره إذا صدقه المرتهن
قوله: (إلا أن يصدقه المرتَهِن).
أي: أن بعض الناس تقبل منه ذلك، وتعلم أنه صادق ولو لم يقم بيِّنة، فالرجل الصالح التقي الورع الذي تعامله وتعرفه بالأمانة، ربما أخطأ ورهن مال غيره، وهذا قد يقع، فحينئذٍ إذا أقر لغيره، وقال: هذا المال ليس لي، فحينئذٍ يُحكم بكونه قد رهن ما ليس له، فإن رهن ما ليس له، فبعض العلماء يقول: ننظر إلى الشخص المالك، فإن قبله رهناً فحينئذٍ لا إشكال، كأن يقول له: ما دمت قد أقررت أنه مالٌ لي، فأنا أقبل أن يكون ضماناً لدينك، فكما أنه يجوز أن يضمنه بنفسه، يجوز أن يضمنه بماله، هذا إذا رضي، ويمضي الرهن على هذا، وأما إذا قال: بل أريد مالي، فحينئذٍ ينزع ويطالب ببديل عن ذلك الرهن.
(178/8)
________________________________________
الأسئلة
(178/9)
________________________________________
تعارض الأصل والظاهر

السؤال
عند الاختلاف متى يُحكم بالظاهر ويُترك الأصل أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذا سؤال جيد، وفي الحقيقة مسألة تعارض الأصل والظاهر مسألة دقيقة؛ بل تعتبر من أدق مسائل القواعد، وهذا من توفيق الله للسائل، ولا شك أن السائل أحسبه من طلاب العلم، فالسؤال قوي ومركَّز.
ومسألة الظاهر ومسألة الأصل نقول فيها: إن الظاهر دائماً يستدل بدلائل وعلامات وصفات معينة، فيُحكَم بكونه ظاهراً، فمثلاً: في قضية النجاسات، إذا دخل الشخص إلى دورة المياه، فإنه يجد الماء على البلاط، فإن كان في المكان المنفصل عن النجاسات، فالظاهر أنه طاهر، وليس هنا قضية أصل وعدمه؛ لأنه توجد صفات مؤثرة ومواضع تقوي شيئاً إما الطهارة وإما النجاسة، فالظاهر يقوم دائماً على الصفات، فإذا دخلنا إلى دورات المياه، فبالنسبة لأماكن الوضوء إذا كانت مفصولة وجرى الماء فيها، فإننا نحكم بكونه طاهراً؛ لأنه ليس ثم دليل على نجاسته.
ولكن إن كان الماء في داخل دورات المياه، أي: في مكان قضاء الحاجة، فإن هذه الأماكن الظاهر منها أنها نجسة، فلو طار على الإنسان رذاذ، فإن كان من المكان المحكوم بظاهر الطهارة فيه فهو طاهر، ولا يؤثر، فلو وطئ بقدمه ثم وجد على ثوبه أثر الماء الذي يكون بعد المشي أو المسير، فإنه يحكم بكونه طاهراً؛ لأن الظاهر طهارته، ولو وطئ في موضع النجاسة، أو مثلاً سقط حجر في مكان النجاسة فتطاير الرذاذ، فإن الظاهر إذا أصاب الثوب أنه نجس.
إذاً: عندنا في الظاهر الدلالة والعلامة التي يُستند إليها في ظاهر الحال، وليست في الأصل، فإن الأصل له جانب آخر، ويُحكم بالظاهر في مسائل العبادات والمعاملات أيضاً، فالعبادات كما ذكرنا.
والظاهر في المعاملات: مثاله: لو أن شخصين اختصما في سيارة، فأحدهم يقول: هي سيارتي، والثاني يقول: بل هي سيارتي، وأحدهما في مقعد القائد والثاني بجواره، فلمن تكون السيارة؟ تكون للذي في مقعد القائد؛ لأن الظاهر يشهد بأنها سيارته، وظاهر الحال يدل على صدق دعواه وكذب دعوى من خالفه، وكذلك أيضاً لو حُكِم بالظاهر في البيت، كرجلين يختصمان في بيت، أحدهما ساكنٌ فيه، والثاني خارج عنه، فنقول: الظاهر أنه بيت من هو ساكن فيه، حتى يقوم الدليل على اليد الخارجة هذه كلها تعتبر من مسائل الظاهر.
أما مسائل الأصل: فإنها تعرف بالمعاني، فالظاهر -كما ذكرنا- يعرف بالمحسوسات والصفات، ولكن الأصل يعرف بالمعاني، فمثلاً: إذا جئت إلى ماء، وشككت هل هو نجس أو طاهر؟ فتقول: الأصل أنه طاهر حتى يدل الدليل على نجاسته، ولو مشيت في طريق -مثلاً- فوجدت ماءً على الطريق، ثم أصابك منه شيء، فإننا نقول: الأصل طهارته حتى تتحقق أنه نجس؛ لأن الأصل طهارة الأشياء حتى يدل الدليل على نجاستها، ولو كنت مثلاً في البيت، وهناك أطفال وتخشى أن تخرج منهم نجاسة فتنجس فراش البيت، وأردت أن تصلي، فشككت هل أحد منهم دخل الغرفة وهو متنجس فنجسها أو لم يدخل؟ فتقول: اليقين أنها طاهرة، حتى تتحقق أنه دخل ونجسها، ليس دخل فقط، بل دخل وفيه نجاسة وتطايرت النجاسة منه، فبعد التحقق فعليك أن تعدل عن الأصل إلى أصلٍ آخر.
إذاً: مسألة الأصل غالباً تتعلق بالمعاني والتقديرات الموجودة في الأشياء، ولكن الظاهر يتعلق بالصفات.
وقد يتعارض الأصل والظاهر في مسائل: فبعض الأحيان يقدَّم الأصل على الظاهر، وبعض الأحيان يقدَّم الظاهر على الأصل، وهذه المسألة الكلام فيها طويل، وتحتاج إلى شيء من التحرير، ومن الصعوبة بمكان أن نتكلم عليها في هذه العجالة، ففي بعض الأحيان يُرجَّح الأصل، وفي بعض الأحيان يرجح الظاهر، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما حمل أمامة بنت أبي العاص، وهو يصلي بالناس، فإنه قدّم الأصل، وإن كان ظاهر أحوال الصبيان أنهم لا يسلمون من وجود أشياء في ثيابهم، ولذلك قدم عليه الصلاة والسلام الأصل وهي الطهارة، ونجد كذلك في بعض السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قدم الأصل وألغى الظاهر، مثال ذلك: السباع ترد على المياه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث)، فقدّم الأصل على الظاهر؛ لأن الظاهر من حال السباع في البراري أنها تأكل الجيفة والنتن وهي نجسة، والسباع في البوادي الظاهر أنها ترد المستنقعات وتشرب منها، فلما سئل عليه السلام عن الماء وما ينوبه من السباع؟ قال: (إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث)، فأبقى الأصل وهو طهوريته.
وكذلك عندما سُئِل عليه الصلاة والسلام عن بئر بُضاعة وما يُلقى فيه من الحيَّض والنتن، فإن الظاهر أنه لما ألقي فيه الحيض -أي: دم الحيض- وهو نجس، والنتن والقذر، والقذِر يزيل الطهورية إذا غيّر لوناً أو طعماً أو ريحاً، فرجع إلى الأصل، فهنا الظاهر أنه نجس؛ لأن الذي يظهر أنه إذا ألقيت النجاسة فإنها تؤثر، وهذا هو المعروف من الحال، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء)، فرد إلى الأصل.
فهذه المسألة في الحقيقة تحتاج إلى شيء من التفصيل والتوضيح، وفي بعض الأحيان تأتي النصوص مقوية لترجيح أحد القولين، وفي بعض الأحيان يُترك الترجيح لأفراد المسائل، ففي في بعض الأحيان الصحابة رضوان الله عليهم يقدِّمون الأصل ويلغون الظاهر، كما في حديث الأعرابي لما جاء إلى المسجد ورفع ثوبه ليبول، والأصل أنه لا يجوز البول في المسجد، فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر، بادروا بالإنكار، والظاهر أنه إذا سكت فإن هذا نوع من الإقرار، فلم يلتفتوا إلى سكوته، وأنكروا عليه حتى أسكتهم، فقال: (لا تزرموه)، فكان الظاهر على حقيقته من أنه لا يريد الإنكار عليه، ففي بعض الأحيان يقدَّم الظاهر، وبعض الأحيان يقدَّم الأصل، وهي مسألة في الحقيقة تحتاج إلى شيء من التحرير.
وكثيراً ما يكون الظاهر داخلاً على الأصل فأشبه الاستثناء، وإذا كان داخلاً على الأصل صار كالمخصِّص لذلك الأصل، وكأنه مستثنى، وتعطيه حكم الأصل الطارئ، فكأنه بمثابة الأصلين: الأصل القديم والأصل الطارئ، وحينئذٍ نقدم الأصل الطارئ على الأصل القديم، ففي بعض المسائل يقدم الأصل الطارئ على القديم، وفي بعض المسائل يقدم الأصل القديم على الأصل الطارئ فتصحب حكم الأصل.
فمثلاً: إذا رفعت رأسك من الركوع هل تقبض أو تسدل؟ تقول: الأصل الطارئ هو القبض؛ لأنه لما كبر عليه الصلاة والسلام قبض، والأصل القديم أنه في الصلاة لا أتكلَّف الحركة فأقبض، فيتعارض الأصل القديم مع الأصل الطارئ.
الشاهد: أن هذه المسائل تحتاج إلى دراسة، وإعطاء قاعدة فيها أمر من الصعوبة بمكان، إلا أن بعض العلماء ذكروا هذا، فقد ذكره الزركشي في المنثور في القواعد، فيرجع إليه في مسألة تعارض الأصل والظاهر، كذلك أيضاً أشار إليها السيوطي في الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الفقه، وكذلك ابن لجين رحمه الله في الأشباه والنظائر، فقد ذكر مسألة تعارض الأصل والظاهر، وهي مسألة جيدة وفيها نصوص، ومن تأمل شروحات الأحاديث المطوَّلة كشرح الحافظ ابن حجر، فسيجد أنه بعض الأحيان يقول: فيه دليل على تقديم الأصل على الظاهر، وبعض الأحيان يقول: وفيه دليل على تقديم الظاهر على الأصل.
ولو تُرِكت كل مسألة كي تُبحث على حدة، فإن ذلك يكون أمعن وأدق في بيان وجه الصواب، والله تعالى أعلم.
(178/10)
________________________________________
حكم بيع الراهن للرهن دون إذن المرتهن

السؤال
رجلٌ رهن مجموعة قطع من الأراضي لأحد التجار، ثم بعد مدة بدأ الراهن ببيع هذه الأراضي دون إذن المرتَهِن، علماً بأنه يخبر المشتري بحال هذه الأراضي وأنها مرهونة، وسوف يضمن له المال إذا لم يتم سداد الدين بعد سنتين، فما هي مشروعية هذا البيع، وهل يأثم المشتري أثابكم الله؟

الجواب
هذه المسألة تعرف بمسألة: التصرف في الرهن، والتصرف في الرهن في الأصل لا ينفذ، وبعض العلماء يرى أن التصرف في الرهن إذا كان من الراهن بالبيع يجعله موقوفاً، فإذا تم سداد الدين، وأراد إنفاذ البيع بعد سداده نفذ، كما لو باع مال غيره، كبيع الفضولي، فإنه يبقى موقوفاً على إجازة المالك الحقيقي، ومنهم من يلغيه ويقول: لا يصح، وهذا هو الأشبه، أن الرهن لا يدخله بيع إلا بإذن الطرف الثاني؛ لأن هذا هو الأصل، وهذا هو المقصود من حكمة مشروعية الرهن.
وقد سبق بيان هذه المسائل والإشارة إليها في مسائل التصرُّف في الرهن، ويد الرهن، ويد المرتَهِن على الرهن التي تمنع من تصرُّف الراهن فيه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(178/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الرهن [6]
ينقسم الرهن إلى قسمين: قسم يحتاج إلى مئونة وكلفة، فللمرتهن أن ينتفع به بقدر ما ينفق عليه، ويكون ذلك في المركوب والمحلوب، وقسم لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، وله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الرهن لقاء الدين، وله ثلاث صور: - الأولى: أن ينتفع بالرهن دون إذن الراهن، فهذا لا يجوز بالإجماع.
- الثانية: أن ينتفع بالرهن بدون عوض، أو بأقل من عوض المثل، فهذا أيضاً لا يجوز.
- الثالثة: أن ينتفع بالرهن بعوض المثل فهذا جائز.
الحالة الثانية: أن يكون الرهن لقاء ثمن المبيع، ففي هذه الحالة يجوز الانتفاع بالرهن بعوض المثل، أو بدون عوض المثل، أو بدون عوض.
(179/1)
________________________________________
أقسام الرهن من حيث الكلفة والمئونة وعدمها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصلٌ: وللمرتَهِن أن يركَب ما يُركب ويحلب ما يُحلب بقدر نفقته بلا إذن].
هذا الفصل فصلٌ مهم جداً في باب الرهن.
والرهون إذا أخذها أصحاب الديون فإنها تنقسم إلى أقسام: قسم يحتاج إلى مئونة وكلفة، وهذا الذي يحتاج إلى مئونة وكلفة قد يكون فيه فوائد، مثل الركوب، كالسيارات ونحوها، وبعض الأحيان تكون فيها منافع، كالأنعام التي تحلب كالإبل، والبقر والغنم، ويكون منها الصوف والوبر، فهناك منافع تكون في هذه الأعيان المرهونة.
(179/2)
________________________________________
الرهن الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة
فالأعيان المرهونة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون من الأعيان التي لا تحتاج إلى مئونة في حفظها، ولا تحتاج إلى كلفة.
القسم الثاني: أن تكون من الأعيان التي تحتاج إلى مئونة وكلفة في حفظها.
أما بالنسبة لتصوير القسمين ثم الدخول في أحكامهما، فالقسم الأول: هو الذي لا يحتاج إلى مئونة؛ كرجلٍ قال لك: بعني عمارتك، فقلتَ له: أبيع لك هذه العمارة بنصف مليون، فقال لك: قبلت، فقلت له: أعطني ثمنها، فقال: ما عندي الآن ولكن سأعطيك في نهاية السنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك أرضي التي في جدة، وهي الأرض الفلانية، وجعل الأرض بصكِّها رهناً عندك، فالأرض التي رهنها لا تحتاج إلى كلفة، فهذا مثال في العقارات التي لا تحتاج إلى كلفة.
ومثاله في المنقولات التي لا تحتاج إلى كلفة: كالسيارات، فإن السيارة لا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، فإذا قال لك: أعطني عشرة آلاف ديناً إلى نهاية السنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك سيارتي، ويأتي بسيارته ويدخلها في مكان آمن.
إذاً: هي من جنس المنقولات التي لا تحتاج إلى كلفة، وكذلك لو قال لك: أعطني مائة ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فقال لك: أرهن عندك هذا الكيس من الأرز، والكيس من الأرز لا يحتاج إلى كلفة في غالبه وأكثر أنواعه، وكذلك لو قلت له: أعطني ديناً مائة، فقال: أعطني رهناً، فقلت: أرهن عندك هذا (البشت) أو هذا الثوب، و (البشت) أو الثوب لا يحتاجان إلى طعام ولا إلى شراب.
إذاً: النوع الأول هو ما لا يحتاج إلى مئونة.
ولابد من فهم هذا فهماً جيداً؛ لأن التفصيلات التي ستأتي مهمة جداً في مسألة الرهن؛ ففيها مداخل للربا، ومداخل للقرض الذي جر نفعاً، فنحن نقرر الآن القسمين ونضبطهما بالأمثلة.
فالقسم الأول كما ذكرنا: أن يكون الرهن لا يحتاج إلى مئونة ولا كلفة، ومن أمثلته في العقارات: الأراضي، والدور، والعمائر ونحوها، فإنها تُقفل وتصك أبوابها ثم تترك، فهذه لا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وهذا في العقارات، أما في المنقولات مثل: الأطعمة، والأكسية، والثياب، والأغذية مثل: البر، والشعير، فهذه كلها لا تحتاج إلى طعام ولا تحتاج إلى مئونة.
(179/3)
________________________________________
الرهن الذي يحتاج الى مئونة وكلفة
القسم الثاني: ما يحتاج إلى مئونة وكلفة؛ كالإبل، والبقر، والغنم، فهذا فيه ما يُحلب ويُركب، وفيه ما يُركب ولا يحلب، وفيه ما يحلب ولا يركب، وفيه ما لا يركب ولا يحلب، فهو على أربعة أنواع: النوع الأول: أن يكون مركوباً محلوباً، فهو يحتاج إلى مئونة وكلفة، ولكن فيه منفعة الركوب، ومنفعة الحليب، ومن أمثلته: الناقة، فإن الناقة تحتاج إلى أن تطعمها وتعلفها، وهي تُركب، فله أن يركب عليها، وهي تُحلَب، فله أن يأخذ من حليبها ودرّها، هذا بالنسبة للنوع الأول من القسم الثاني.
النوع الثاني: أن يكون مما لا يحلب ولا يركب، مثل: الأرقاء قديماً، ومثل: التيس من الغنم والفحل من الشياه والغنم، فإنه لا يحلب، وأيضاً لا يركب، والفحل من البقر ليس فيه حليب ولا يمكن أيضاً ركوبه في الغالب، هذا بالنسبة للنوع الثاني، أن يكون مما لا يحلب ولا يركب.
النوع الثالث: أن يكون مما يحلب ولا يركب، مثل الشاة، فإذا كان فيها حليب فله أن يحلبها، لكن لا يمكن أن يركبها، وكذلك البقرة فيها حليب وله أن يحلبها، لكن لا يمكن أن يركبها في الغالب، فهذا مما يُحلب ولا يركب.
النوع الرابع: أن يكون مما يركب ولا يحلب، كالفحل من الإبل، فإنه يركب عليه ولكن لا يحلب.
(179/4)
________________________________________
حكم الانتفاع بالرهن الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة
إذاً: هذا هو القسم الثاني: أن يكون من جنس ما يحتاج إلى مئونة وكلفة من طعام وشراب وقيام عليه.
وبهذا نكون قد عرفنا أن الرهن فيه ما يحتاج إلى مئونة وكلفة، وفيه ما لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، فنبدأ بالذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، كالبيوت والدور والأرضين إذا وُضِعت رهناً، فإنه لا يجوز أن يأخذ صاحب الدين -الذي هو المرتَهِن- أي منفعة منها إلا بحقها، هذا من حيث الأصل، أو إذنِ صاحبها.
ويرد التفصيل في هذا النوع، وهو الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة: فقالوا: لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن إذا لم يأذن له صاحب الرهن، مثاله: رجل استدان خمسمائة ألف، ورهن في مقابلها عمارة، فلا يجوز لصاحب الدين أن يسكن العمارة، ولا يجوز له أن يؤجرها للغير، ولا أن ينتفع بأي منفعة موجودة في العمارة، هذا من حيث الأصل.
وما هو الدليل على أنه يحرم عليه أن يأخذ ذلك؟ نقول: إن الأصل في الرهن أنه ملكٌ لك أنت أيها المديون، والأملاك لا يجوز أن يؤخذ منها -أي: من منافعها- إلا بإذن أصحابها ورضاهم، فإذا كان صاحب الرهن -وهو الذي أعطاك العمارة- لم يأذن لك بتأجيرها، ولم يأذن لك بمنفعتها، فلا يجوز لك أن تأخذ منها، وهذا بإجماع العلماء.
أما لو أذن لك أن تتصرف في هذا المال، وأذن لك أن تنتفع به، فلا يخلو سبب الرهن من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يأذن بحقه، فيقول: أجِّر العمارة، ولكن الأجرة لي، وليست لك، فأذن لك بتأجيرها على أن تكون الأجرة له، فقلت له: أريد أن أستأجرها أنا، فقال لك: انتفع أنت بالعمارة على أن تدفع الأجرة، فالحكم حينئذٍ أنه انتفع بالرهن بإذن صاحبه، فإن أذِن له بعوض فلا إشكال في الجواز، وحينئذٍ تكون إجارة.
لكن

السؤال
هل الأصل في العمارة أنها رهن أو عين مؤجرة؟ الأصل أنها رهن، وقد ذكرنا في أول باب الرهن يكون لازماً بالقبض، فإذا قبض صاحب الدين الرهن وحازه عنده فإنه يكون لازماً.
وإذا لم يقبض الرهن، وأردت أن لا تعطيه الرهن، فإن هذا من حقك؛ لأن الرهن لا يصير لازماً إلا إذا قُبِض، فمثلاً لو قلتُ لك: أعطيك سيارتي، ولم تقبِضها، فمن حقي أن أرجع عن رهن سيارتي؛ لأن الرهن لا يصير لازماً عليّ إلا إذا قبضتَه، وفائدة ذلك: أنه إذا صار لازماً فلن يستطيع صاحبه أن يغيِّره أو يبدِّله، لكن إذا لم يكن لازماً جاز له أن يغير ويبدل.
فالعمارة إذا قُبِضت من صاحب الدين فجاء وقال للمديون: أريد أن أستأجر منك العمارة، بدلاً من أن تكون فارغة فأنا أريد أن أسكن فيها وأستأجرها، فقلنا: ذلك، وحينما قلنا بالجواز انتقلت من الرهن إلى الإجارة، فإذا انتقلت من الرهن إلى الإجارة فللعلماء وجهان: قال بعض العلماء: يزول اللزوم للرهن، وتصبح اليد يد إجارة وهي يد ضمان، بخلاف اليد الأولى فإنها يد أمان لا تضمن إلا إذا فرّطت، فإذا انتقلت إلى عين مؤجرة أُلغيت يد الرهن.
وفائدة ذلك: أنه إذا استأجرها شهراً، والرهن لسنة، أنه بعد شهر إذا انتهت الإجارة، وأراد صاحب العمارة أن يمتنع من تسليمها رهناً، كان له ذلك؛ لأنه قد زال لزوم الرهن، وعلى هذا يُحكم بزواله لوجود الانتقال في اليد.
الحالة الثانية: أن يأذن بغير عوض، فهذا لا يجوز؛ لأنه قرض جر نفعاً، وكذلك لو انتفع بالرهن بإذن الراهن، لكن بأجرة فيها شيء من المحاباة والمراعاة، فحينئذٍ لا يجوز؛ لأنه دخلت شبهة قرض جر نفعاً.
(179/5)
________________________________________
حكم انتفاع المرتهن بالرهن
قوله: (فصلٌ وللمرتَهِن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب).
شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان ما يتعلق بالانتفاع بالرهن، ومن المعلوم أن الرهن تكون فيه منافع، وقد يحتاج إلى مئونة يقوم بها الراهن أو المرتَهِن، ومن هنا يرد السؤال عن هذه المنافع التي تكون في الرهن: هل يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن أو لا يجوز؟ وقد سبق أن ذكرنا أن الرهن له أحوال: فتارةً يكون من الأشياء التي لا تحتاج إلى مئونة، وتارةً يكون من الأشياء التي تحتاج إلى مئونة، ثم فصّلنا في النوع الثاني، وهو الذي يحتاج إلى مئونة، فذكرنا أنه منه ما يكون محلوباً مركوباً، ومنه ما يكون مركوباً غير محلوب، ومنه ما يكون محلوباً غير مركوب، ومنه ما يكون غير محلوب وغير مركوب؛ كالأرقاء.
والسؤال في هذه المسألة يقوم على قضية انتفاع المرتَهِن بالرهن هل يجوز أو لا يجوز؟ فمثلاً: قد تضع سيارةً عند شخصٍ رهناً لقاء دين، فتقول: يا فلان! أعطني مائة ألف قرضاً إلى نهاية العام مثلاً، فقال لك: أعطني رهناً، فأعطيته السيارة، أو أعطيته أرضاً، أو أعطيته عمارةً رهناً، ف

السؤال
هل يجوز أن ينتفع صاحب الدين من رهنك الذي وضعته عنده أو لا؟ وكل الذي سنتكلم عليه الآن مسألة انتفاع المرتهن بالرهن، وهناك قاعدة عامة ثم فروعٌ تفصيلية.
أولاً: أجمع العلماء على أن منافع الرهن من سيارة، أو عمارة، أو أرضٍ، أو دابة، ملكٌ للراهن في الأصل، ولا يحل مال المسلم إلا بطبيب نفسٍ منه، فمن حيث القاعدة العامة، وأصول الشريعة، كلها تدل على أن منافع الرهن سواءً كان من العقارات أو المنقولات ليست من حق المرتهن، أي: لا يجوز للمرتهن أن يعتدي عليها، فينتفع بها بحجة أنها رهنٌ عنده؛ بل إن يده يد أمانة كما ذكرنا، وينبغي عليه أن يحفظ الرهن كما هو بمنافعه.
أما لو استأذنك فأذنت له، كأن قال لك: هذه العمارة أريد أن أستأجرها منك مدة الرهن، ومدة الرهن شهر، أو سنة، فقال: أريد أن أستأجرها سنة، فدفع العِوض عن المنفعة، فالسؤال: هل يجوز أن يأخذ المنافع إذا أذنت له أو لا يجوز؟ والإجابة على هذا السؤال تستلزم بيان أنواع الأشياء التي تُرهن، ثم نفصِّل متى يجوز أن ينتفع المرتهن إذا أذن الراهن، ومتى لا يجوز أن ينتفع إذا أذِن الراهن أيضاً.
والرهن ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما لا يحتاج إلى مئونة، وهذا القسم مثل: الأرضين، والدور، فالعمارة مثلاً إذا وضعتها رهناً لقاء دينٍ أخذته، فإنها تقفل، ثم هي لا تحتاج إلى مئونة، فلا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وإنما تغلق حتى إذا جاء وقت السداد فإن أعطاك الدين وإلا قمت ببيع العمارة، صحيح أنها تحتاج إلى كنسٍ ونحو ذلك إذا كان الإنسان يريد أن ينتفع بها، هذا النوع الذي لا يحتاج إلى مئونة.
مثال آخر للذي لا يحتاج إلى مئونة: كأن يقول المرتهن: أريد أن أسكن العمارة، وهو لا يريد أن يدفع العِوض، فهل يجوز؟ أو يقول: أريد أن أسكن العمارة، وهو يريد أن يدفع العِوض، فهل يجوز؟ لذلك حالتان:
(179/6)
________________________________________
حكم الانتفاع بالرهن بعوض وبدون عوض
الحالة الأولى: كأن يقول: يا فلان! هذه العمارة التي رهنتها عندي، أريد أن أسكنها مدة الرهن، أو شهراً مثلاً، فهل يجوز إذا استأذنك؟ إن لم تأذن له فلا يجوز بالإجماع، لكن لو أذنت له فهل يجوز ذلك أم لا؟

الجواب
إذا استأذنك وأذنت له أن يسكن بدون عوض، ففيه تفصيل: فإن كان الرهن لقاء دين فإنه لا يجوز أن ينتفع به، وإن كان الرهن لقاء قيمة مبيع فإنه يجوز الانتفاع به.
إذاً: الذي لا مئونة له إذا كانت له منفعة، وطلبها المرتهن، ولم يأذن صاحب الرهن، فلا يجوز بالإجماع.
وإن استأذنه وأذن له فعلى صورتين: إما أن يكون بدون عوض، وإما أن يكون بعوض.
فإن كان بدون عوض فلا يخلو سبب الرهن: إما أن يكون قرضاً، أو غير قرض، فالقرض: مثل أن تقول له: أعطني مائة ألف وعمارتي رهن عندك، وغير القرض: مثل أن تقول له: بعني أرضك هذه، فيقول: بمائة ألف، فتقول له: اشتريتها منك بمائة ألف إلى نهاية السنة، فيقول: قبلت، ولكن أعطني رهناً، فقلت: هذه عمارتي، أو سيارتي.
إلخ.
إذاً: الرهن إما أن يكون لقاء دين، أو غير دين، فإن كان لقاء دين، وأذِنت له أن يأخذ المنفعة بدون عوض، فإنه لا يجوز؛ لأنه قرضٌ جرّ نفعاً، وهو من الربا، ووجه ذلك: أن العمارة إذا سكنها شهراً وقيمة أجرتها ألف ريال، فكأنه ديّنك مائة ألف وألفاً، فيكون أخذ فائدة على ذلك القرض؛ لأنك إنما أعطيته لكونك مستديناً منه، فصار قرضاً جر نفعاً.
وعلى هذا فالصورة الأولى: إذا كان يريد منفعة الدار أو منفعة الشيء المرهون بدون عوض في لقاء قرضٍ فلا يجوز؛ لأنه يئول إلى قرضٍ جر نفعاً.
الصورة الثانية: أن يقول لك: أنا أريد أن آخذ هذه المنفعة وأسكن في الدار بأجرتها، فإذا قال لك: بعوض، أو قلت له: لا أعطيك إلا بعِوض، فأيضاً لا يخلو من ضربين: الضرب الأول: أن يكون بمثلها، بمعنى: أجرة المثل، لا وكس فيها ولا شطط، فيجوز.
الضرب الثاني: أن تكون الأجرة فيها شيء من المراعاة والمحاباة، فدخلت شبهة قرضٍ جر نفعاً.
إذاً: مسألة الانتفاع بالرهن -سواءً كان بعوض أو بدون عِوض- إذا كان الرهن لقاء دين، فإنه لا يجوز أن يأخذ المرتَهِن العين المرهونة فينتفع بها، أو بعوض دون مثلها، فإنه في هذه الحالة لا يجوز الانتفاع بها أيضاً.
أما لو أخذها في رهن الدين بعوضٍ مقابلٍ لمثلها لا ظلم فيه، فإنه يجوز.
فالخلاصة: أن الرهن إذا أُعطي لقاء الدين، وكانت فيه منفعة، وطلبها صاحب الدين، فأخذها بعوض مثلها جاز، ولكن إن طلبها بدون عوض، أو طلبها بعوض دون حقها، لم يجز؛ لأنه قرضٌ جر نفعاً.
هذا في الحالة الأولى وهي: أن يكون الرهن لقاء قرض.
(179/7)
________________________________________
حكم الانتفاع بالرهن لقاء ثمن المبيع
الحالة الثانية: أن يكون الرهن لقاء ثمن مبيع، مثل أن يبيعك قطعة من الأرض في مخطّط ويشترط رهناً، فتعطيه عمارةً رهناً، فهذه العمارة أعطيت رهناً لقاء قيمة مبيع، فإذا كانت لقاء قيمة مبيعٍ فالمشهور أنه يجوز أن يأخذ المنفعة بدون عوض، وأن يأخذها بعوض مثلها أو دونه؛ لأن شبهة الربا في هذا منتفية، ومن هنا قالوا: كأنه باعه بالثمن المؤجل، ودخول المنفعة لا يضر على أصل الاستحقاق.
هذا بالنسبة لحالة ما إذا كان للرهن منفعة وأراد المرتهن أن يأخذها.
إذاً: الخلاصة: أنه إذا طلب صاحب الدين منفعة الرهن، فإن طلبها بدون عوض أو بعوض دون حق مثلها في قرضٍ لم يجز، وإن طلبها بعوض مثلها في قرض جاز.
وأما في رهن غير القروض، فإن طلبها بعوض مثلها، أو بدون عوض مثلها، أو بدون عوضٍ أصلاً؛ فإنه يجوز.
(179/8)
________________________________________
انتقال العقد من الرهن إلى الإجارة
وإذا كنا نقول: إنه يجوز له أن ينتفع بالرهن بعوض بعوض مثله في حالة القرض، فمثال ذلك: رجل أعطاك مائة ألف ديناً فأعطيته عمارة، فطلب منك أن يأخذ منفعتها في الموسم، وأجرة هذه العمارة إذا أجِّرت في الموسم على من يريد استغلالها مثلاً خمسون ألفاً، فإذا أعطاك خمسين ألفاً فإنه يجوز؛ لأنه أخذ الرهن لقاء إجارة، وقد ذكرنا في أول باب الرهن أن يد المرتَهِن تكون يد أمانة، فهو الآن أراد أن يستأجر الرهن، فهل تنتقل يده من يد الأمانة إلى يد الضمان؟

الجواب
نعم؛ لأنه بالإجارة حينئذٍ يصبح ضامناً، فتخرج يده من يد أمانة إلى يد ضمان، فلو تلف شيءٌ في العمارة فإنه يضمنه.
هذا بالنسبة إذا قلنا: إنه تنتقل بالإجارة، ويجوز أن يستأجره، وهناك عقدان: العقد الأول: الرهن، والعقد الثاني: عقد الإجارة، سواءً استغرق عقد الإجارة مدة الدين، كأن يكون مدة الدين سنة، وعقد الإجارة سنة، فلا إشكال، أما دون السنة كشهرين، أو مدة الموسم، أو ثلاثة أشهر، ففي هذه الحالة، عندما أخذها إجارةً انتقلت اليد وزالت يد الرهن، وأصبحت عيناً مؤجرة، وإذا انتهت المدة فهل تعود رهناً؟ الجواب: لا، إذا انتهت المدة فإن صاحب العمارة بالخيار، فإن شاء ردها رهناً، وإن شاء رهن غيرها، وفائدة ذلك: أنه ربما ترهن العمارة وقيمتها مثلاً خمسمائة ألف، وخلال الشهرين تصبح قيمتها مثلاً مليوناً، ويكون من الضرر أن تجعلها رهناً، وقد ترهنها وأنت لا تحتاج إلى أن تستغلّها، ثم لما صار الشهر والشهران بانتفاعها بالإجارة طرأ استغلال لك عليها أو حاجة لك عليها، فحينئذٍ بعد انتهاء المدة أنت بالخيار، فإن شئت أن تعيد العمارة أعدتها، وإن شئت أن تدخل عيناً رهناً بدلاً عنها كان لك ذلك، فكأن صاحب الدين هو الذي ضيّع حقه بزوال اليد، وحينئذٍ يزول لزوم الرهن؛ لأننا اشترطنا أن اللزوم يستديم فيه ببقاء اليد.
فإذا كانت اليد دخلت عليها الإجارة، وانتقل الرهن من كونه رهناً إلى إجارة؛ فحينئذٍ يزول لزوم الرهن، هذا هو معنى لزوم الرهن.
لزوم الرهن: لو أنك رهنت العمارة وقيمتها مثلاً مائة ألف، والدين لثلاث سنوات، وبعد شهر أو شهرين أصبحت قيمتها مليوناً، فتبقى لازمة عليك، أي: تبقى رهناً، ولو أصبحت بالملايين، لكن إذا أدخلت الإجارة عليها ورضي صاحب الدين، فحينئذٍ انفك اللزوم؛ لأنه قد سبق أن ذكرنا أن المذهب -وهذا مذهب طائفة من العلماء- على أن الرهن يلزم إذا قُبِض واستديم القبض، لكن عندما دخلت الإجارة رفعت استدامة اليد، وحينئذٍ ينتقل من كونه لازماً على المديون، إلا أنه بعد انتهاء مدة الإجارة فهو بالخيار، إن شاء أدخله رهناً مرة ثانية، وإن شاء امتنع عن إدخاله، وأدخل عيناً أخرى مكانه، على ما يتفقان عليه.
هذا بالنسبة إذا كانت العين لا تحتاج إلى مئونة كالعمائر والأرضين، فخلاصة ما فيها: أن الأصل العام أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يأخذ منفعة من الرهن إلا بإذن صاحبه، فإذا اعتدى على ذلك ضَمِن، ويتفرع تفرّع على هذا لو أنه استأذنه بعوض وكان العوض لمثل العين جاز، سواءً كان في رهن القروض أو غيرها.
وإن استأذنه بعوض دونه، أو بدون عوض في عينٍ مرهونة لقاء دينٍ لم يجز؛ لأنه قرض جر نفعاً، وأما إذا كان في غير رهن القروض، فإنه يجوز؛ لزوال الشبهة الموجبة للتحريم، والقاعدة: أن الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً، فقد منعنا انتفاعه بدون عوض أو بدون عوض المثل إذا كان في القرض؛ لخوف الربا، وذلك منتفٍ في رهن غير القروض، فيصبح جائزاً على الأصل.
(179/9)
________________________________________
انتفاع المرتهن بالرهن المحتاج إلى مئونة إن أنفق عليه
القسم الثاني: أن يكون الرهن يحتاج إلى مئونة، فمثلاً: عندك من هذه الدواب: من الإبل، أو البقر، أو الغنم، فهذه تحتاج إلى مئونة، فهي تحتاج إلى طعام، وتحتاج إلى شراب، ففي هذه الحالة هل يجوز لصاحب الدين أن ينتفع بها؟ هذه المسألة فيها تفصيل: فإن كانت العين المرهونة تحتاج إلى نفقة، وقال صاحبها: أنا أنفق عليها، وقام بالنفقة على عينه، فلا إشكال، مثلاً جاء وقال لك: أعطني ألف ريال، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: هذه الناقة رهن حتى أسدد، فأخذت الناقة وأصبح كل يوم -كأن يكون جارك- يقوم على الناقة ويعلفها، أو تكون الناقة عنده ورضيت له بذلك على أن يعلفها ويقوم عليها، فهذا لا إشكال فيه، لكن المشكلة إذا كانت العين تحتاج إلى مئونة وصاحبها غير موجود، أو يتعذر على صاحبها أن يقوم بالنفقة عليها، فأنت تريد الرهن أن يكون عندك، وصاحبها في بلد غير بلدك، فغير معقول أنه كل يوم يأتي ويعلفها أو يقوم عليها، وقد يكون في البلد الواحد، ومن المشقة أن يأتي فيعلفها ويقوم عليها، فحينئذٍ إذا كانت العين المرهونة عندك تحتاج إلى نفقة من طعام أو شراب أو نحو ذلك، فلها أربع حالات: الحالة الأولى: أن تكون محلوبة مركوبة، مثل الناقة.
الحالة الثانية: أن تكون محلوبة غير مركوبة، كالشاة فإنها تحلب ولكن لا يمكن الانتفاع بالركوب عليها، وكذلك البقرة تحلب ولكن لا يركب عليها.
الحالة الثالثة: أن تكون مركوبة غير محلوبة؛ كفحل الإبل، فإنه يُركب ولا يحلب.
الحالة الرابعة: أن تكون غير محلوبة ولا مركوبة، مثل فحل الغنم، فإنه غير محلوب ولا مركوب، وكذلك الأرقاء.
فهذه أربعة أحوال وفيه هذه المنافع.
ويرد

السؤال
إذا كان صاحب الدين يُنفق على هذه العين المرهونة وهي الناقة، فهل يجوز له أن ينتفع في حدود نفقته أو لا يجوز؟ ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن الرهن إذا كان يُركب أو يحلب، أو يجمع بين منفعة الركوب والحليب، فإن من حقك إذا أنفقت عليه أن تركبه وتحلب منه بقدر ما أنفقت عليه.
مثال ذلك: لو قال لك: هذه الناقة رهنٌ عندك مقابل الألف التي لك عليّ، فقمت على الناقة وعلفتها بما قيمته مثلاً خمسون ريالاً، فحينئذٍ يجوز لك أن تشرب من حليبها بقدر الخمسين، وأن تركب على ظهرها بقدر الخمسين، ويجوز أن تجمع بين الحليب وبين الركوب بقدر الخمسين، فتجعل -مثلاً- ثلاثين للحليب وعشرين للركوب، فتقدر أن ذهابك على ظهرها إلى داخل المدينة والرجوع بعشرين، عشرة ذاهباً وعشرة آيباً؛ وهذا يتقدَّر بالعُرف، ثم حليبها هذا الذي احتلبته في اليوم الذي أنفقت عليها، قيمته ثلاثون، فحينئذٍ تكون الثلاثين مع العشرين مساوية لنفقتك عليها.
فتُقدِّر ما أنفقته وتركب وتحلب على قدر ما أنفقت، فإن كان مركوباً تمحّض انتفاعك بالركوب، وإن كان محلوباً تمحّض انتفاعك بالحليب، وإن كان محلوباً مركوباً جمعت بين الأمرين، أو أخذت منفعة من المنفعتين بقدر حصتها من النفقة، هذا من حيث الأصل الذي ذكرناه.
والدليل عليه ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)، أي: عليه أن يعلف الدابة، ويقوم عليها في حدود ما أنفق، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، لا يُظلم صاحب الرهن، ولا يُظلم صاحب الدين، ولا تتلف العين؛ لأنها لو تُركت بدون طعام ولا شراب لتلفت.
وعلى هذا أخذ المصنف رحمه الله هذا الحكم، فبيّن أنه يجوز للمرتَهِن ومن له الدين أن يركب الرهن وأن يشرب منه بقدر ما أنفق عليه في طعامه وشرابه.
(179/10)
________________________________________
جواز الانتفاع بالرهن المحتاج إلى مئونة بدون إذن الراهن
وقوله: (بقدر نفقته بلا إذن).
الفائدة هنا أنه لا يحتاج إلى إذن؛ والسبب في ذلك: أن الإذن موجودٌ من الشرع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً)، فهذا إذنٌ شرعي، والله عز وجل يملك العباد وما ملكوا، فالله ملّكنا ذلك، وبيّن أنه إذا رهن أحدٌ عندك عيناً تُركب وتحلب، وأنفقت عليها، وركبت وحلبت بقدر ما أنفقت؛ فقد عدلت وأقسطت، والله يحب المقسطين، ولا تحتاج في ذلك إلى إذن المالك، هذا بالنسبة للشرب والركوب.
(179/11)
________________________________________
حكم انتفاع المرتهن بالرهن غير المحلوب
يبقى

السؤال
غير المركوب وغير المحلوب إذا احتاج إلى نفقة، فهل يُقاس على المركوب والمحلوب؟ جماهير العلماء على أنه لا يُقاس ولا يُلحق، وحتى الإمام أحمد رحمه الله لما قال بهذه السنة وعمل بها، سُئِل عن غيرها، فخصّص الحديث بما ورد؛ لأن الأصل يقتضي أنه لا يجوز لك أن تنتفع بمال غيرك إلا بإذنه، وبحقه، فلما جاءت السنة تستثني هذا الأصل فيما يُركب ويحلب، بقي ما عداه على الأصل الذي يوجب عدم ملكية المنافع إلا لأصحابها، ولا يجوز لمن له الدين أن ينتفع إلا بإذن المالك الحقيقي هذه خلاصة ما ذُكِر.
فالحاصل: أنه يجوز في القسم الثاني إذا كان الرهن يحتاج إلى مئونة وكان مركوباً محلوباً، جامعاً بينهما، أو فيه إحدى الخصلتين يجوز لمن له الدين أن ينتفع في حدود ما أنفق.
فإن كان غير محلوبٍ ولا مركوب، فإنه لا يجوز أن ينتفع به، وحينئذٍ يفصل فيه من ناحية إذا أنفق فإنه يحتسب قدر ما أنفق على ذلك المرهون، ثم يطالب المالك الحقيقي بنفقته، كما سيأتي إن شاء الله.
(179/12)
________________________________________
الإنفاق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكان الرجوع إليه
قال رحمه الله: [وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع].
قوله: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه) إذا استأذنه فلا إشكال، وقد ذكرنا المحلوب والمركوب، فالمحلوب والمركوب لا يحتاج إلى إذن، وغير المحلوب والمركوب -كما كان في الأرقاء في القديم ونحوهم- إذا احتاج إلى نفقة، فإنه إذا أنفق عليه بدون إذن صاحبه مع إمكان أن يستأذنه، فإنه لا يُعطى نفقته؛ والسبب في ذلك: أن المطالب في الأصل هو المالك، فكونه لم يستأذن ولم يأمره أحد أن يُعطي بل أعطى تلقائياً، دلّ على أن العطية محض تبرّع، وهذا يسمونه: الاستناد إلى الظاهر؛ لأن المالك الحقيقي موجود، فكونه موجوداً ويمكنه أن يتصل به أو يرسل إليه، أو يأتيه بنفسه ويقول له: إني سأنفق على الرهن فهل تأذن لي؟ فكونه لم يفعل ذلك، هذا يسمونه: دلالة الظاهر، وقد سبق أن ذكرنا الظاهر والأصل، فهذا من الظاهر فيُعمل به، ويقال: هذا محض تبرّع.
وقال بعض العلماء: يرجع إلى نيته، فإن كان نوى أنها تُحتسب احتسبت، وإن كان نوى أنها لا تحتسب فإنها لا تحتسب، وتكون محض التبرع.
والمراد بقوله: (لم يرجع)، أي: ليس من حقه أن يرجع على المالك الحقيقي فيطالبه، فيقولون: رجع، لم يرجع، وعليه أن يرجع، هذا هو المراد به، أنه إذا دفع مثلاً ما قيمته خمسمائة ريال نفقة، وكان بإمكانه أن يستأذن المالك الحقيقي ولم يستأذنه، فحينئذٍ ليس من حقه أن يرجع ويطالب المالك الحقيقي بالنفقة.
(179/13)
________________________________________
النفقة على الرهن عند تعذر الرجوع إلى الراهن
قال رحمه الله: [وإن تعذّر رجع ولو لم يستأذن الحاكم].
قوله: (وإن تعذر) أي: إن تعذر عليه أن يرجع إلى المالك الحقيقي، وإن لم ينفق صارت الدابة معرضة للموت، والوقت ضيق، فتعذّر عليه أن يرجع؛ وذلك لصعوبة الاتصال به، أو سافر الراهن، وتعذر أن يتصل به أو يجد وكيلاً عنه، فقام وأنفق، فإنه يرجع؛ لأن الشبهة هنا قائمة، والأصل أن نفقته محسوبة، وقد قلنا هنا: إنه يرجع؛ لأنه لما أنفق هذا المال، فالأصل أن يرجع في ضمانه، هذا هو الأصل، ولما تعذّر عليه الرجوع سقط تأثير الظاهر؛ لأن في الظاهر ما يدل على الشبهة لوجود العذر، وحينئذٍ لا نلزمه، ولا نقول له: يسقط حقك؛ بل نقول: إن من حقك أن ترجع عليه بقدر النفقة.
فلو أنفق عليه مثلاً في حدود خمسمائة ريال، وقيمة الرهن عشرة آلاف ريال، والدين تسعة آلاف ريال، فلما انتهى الوقت جاء وسدد تسعة آلاف ريال، وقال له: أعطني الرهن، فقال: بقي خمسمائة تكفّلتُها نفقة على الرهن، فإن قال: لا أعطيك، فحينئذٍ من حقه أن يطالبه، ويقول له: أعطني هذه الخمسمائة وهي تابعة للدين، فيُلزم بإعطائه، ويجب عليه أن يعطيه، سواءً استأذن الحاكم أو لم يستأذنه.
وبعضهم يقول: عليه أن يستأذن الحاكم والوالي، والمراد بالحاكم هنا القاضي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فالسلطان ولي من لا ولي له)، فجعل القضاة والحكام إنما يُرجع إليهم إذا تعذّر الرجوع إلى الأصل، فهم يقومون مقام الناس في القيام على مصالحهم، وعلى هذا قالوا: إنه يرجع إلى الحاكم فيستأذنه أولاً ثم ينفق، ولا شك أن الرجوع إلى القاضي متى أمكنه الرجوع إلى القاضي أحوط.
(179/14)
________________________________________
النفقة على الوديعة مع إمكان الاستئذان من المالك وعدمه
قال رحمه الله: [وكذا وديعة].
أي: إذا أنفق على وديعة، ومثاله: رجلٌ أعطاك وديعة، فإذا احتاجت هذه الوديعة إلى نفقة، وأمكنك الاتصال به، فإنه يجب عليك أن تتصل به وتستأذنه، وإن لم يمكنك الاتصال به على التفصيل الذي ذكرناه في الرهن، فمن حقك أن تطالبه بنفقتك على وديعته، سواءً قلنا باستئذان الحاكم أو بدونه، وأما إذا أمكنك أن تستأذنه ولم تستأذنه، فإن نفقتك على الوديعة تعتبر محض التبرّع، وليس من حقك أن تطالب بالنفقة.
(179/15)
________________________________________
النفقة على العارية مع إمكان الاستئذان من المالك وعدمه
قال رحمه الله: [وعارية].
أي: إذا استعار شخصٌ شيئاً، واحتاج هذا الشيء إلى نفقة، فإنه يرجع إلى مالكه الحقيقي ويستأذنه، فإذا لم يستأذنه مع إمكان الاستئذان، فإنه يتحمل مسئولية النفقة، وأما إذا لم يمكنه وتعذر عليه الاستئذان وقام بالنفقة، فإنها تضمن على التفصيل الذي ذكرناه في استئذان الوالي وعدم استئذانه.
(179/16)
________________________________________
النفقة على الدواب المستأجرة الهارب صاحبها
قال رحمه الله: [ودواب مستأجرة هرب ربها].
وذلك مثل الإبل في القديم، فإذا أستأجرها الإنسان من أجل الركوب، ثم هرب صاحبها، فهذه الدواب ستبقى عندك، وتكون يدك عليها قائمة، يد حفظ، فتحفظها لأخيك المسلم، وبعض العلماء يُلزمك بالحفظ هنا، ولا خيار لك، تُلزم بحفظها، وتقوم عليها حتى يأتي ربها وصاحبها، ثم تنفق عليها منها، فإذا أنفقت عليها منها فلا إشكال، وأما إذا لم تجد منها شيئاً وقمت أنت بنفسك وأنفقت من مالك، فحينئذٍ يكون من حقك الرجوع على مالكها الحقيقي إن جاء يطالبك يوماً من الأيام؛ لأنه تعذر عليك أن تتصل به وتطالبه، فيجوز لك حينئذٍ أن تؤاخذه بضمان؛ لأن هذه العين التي هي الإبل أو الدواب التي تُستأجر للركوب أو نحو ذلك مثل الثيران، فقد كانت في القديم تستأجر للحراثة، وفي زماننا لو كانت السيارة مستأجرة، ثم حصل ظرف لصاحبها وغاب فجأة، وأصبحت السيارة عندك واحتاجت إلى نفقة، أو إلى رعاية، فأنفقت عليها مع تعذر الاتصال بصاحبها، فإنه حينئذٍ إذا رجع طالبته بضمان ذلك الشيء الذي أنفقته على عينه؛ ووجه ذلك: أن هذه العين غُرمها وغنمها على مالكها الحقيقي؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (الخراج بالضمان)، فغرمها وغنمها لمن يضمن، أي: يأخذ الغنم وعليه الغرم، فلما كان ربحها له، كذلك أيضاً غرمها ونفقتها وخسارتها وأعباؤها وتكاليفها على مالكها الحقيقي، أما يدك فإنها يد حفظ.
ففي هذه الحالة -في العارية، وفي الرهن، وفي العين المستأجرة- إذا لم يتيسر الاتصال بمالكها الحقيقي وكنت معذوراً، جاز لك أن تقوم بالمعروف بالنفقة عليها، ثم تطالبه بضمان ما أنفقت.
(179/17)
________________________________________
تعمير المرتهن لخراب الدور والأراضي المرهونة ونحوها
قال رحمه الله: [ولو خرِب الرهن فعمّره بلا إذن رجع بآلته فقط].
الخراب: ضد العمار، فلو أن العين المرهونة -كالمزارع، والأرضين ونحوها- أصبحت خراباً، أو اخترب بعضها، فقام المرتهن باستصلاحه، فإنه في هذه الحالة العين والرقبة موجودة، ويمكن أن تبقى وتبقى ماليتها بحالها، بخلاف الإبل والبقر والدواب، فإنه إذا لم تنفق عليها فستموت وتتلف وتذهب ماليتها، فهناك فرق بين الاثنين، ثم في هذه الحالة يكون الدفع هنا دفع إجارة، وفيه مبايعة من جهة المئونة، فيلتزم به فقط بقيمة الآلة التي تم بها الاستصلاح، ولا يطالبه بالفضل، وليس له أن يقايضه على ذلك منفعة، وذلك بالعرف، فتكون مثلاً بناء هذه الدار واستصلاحها بخمسين ألفاً، وتكلفتها بالعرف أربعون ألفاً، وعشرة آلاف تكون ربحاً لمن يقوم باستصلاحها، فهنا ليس له أن يربح، وإنما يكون له فقط أجرة الآلة التي استصلح بها، فيملك فقط المئونة، وليس من حقه أن يقايض على ما فيه مصلحة ونماءٌ زائد.
وهذا بالنسبة لمنفعة الاستصلاح، بخلاف منفعة النفقة التي تبقى بها العين، فهنا محض تبرع فيه نوع من الفضل؛ فأرضي إذا انهدمت فإن من حقي أن أبنيها أو لا أبنيها، لكن الدابة إذا ماتت ففي الغالب أنني لا أرضى بموتها، فكونه في هذه الحالة عندما خربت الأرض أتى وعمرها، فأنا قد أرضى أن تسقط وتخرب وتبقى على حالها، لكن الإبل والبقر والغنم التي حياتها وماليتها موقوفة على النفقة لا أرضى بتلفها.
فهناك فرق بين الحالتين، فالنفقة في الأولى مستحقة ولازمة، وتبقى المالية عليها، وكأنه محض التصرف الرشيد، وفي موضعه، أن تنفق لبقاء الإبل والغنم والبقر ونحوها من الرقاب المرهونة أو المستعارة أو المؤجرة، لكن في حالة ما إذا كانت العين داراً فانهدمت، أو مزارع مثلاً فعطشت، فأصلح آبارها أو نحو ذلك، فإنه لا يأخذ إلا نفقة الآلات التي بها تحققت المنفعة، وليس من حقه أن يقايض أو يطلب الربح أو النماء الزائد.
أما لو استأذن فإنه يملك مطالبته بجميع ما أذن له به، وذلك في حدود الإذن، فلو قال له مثلاً: ابن هذا دورين، فبناهما دورين على نفس الصفة المتفق عليها، فله أن يطالبه بالنفقة كاملة.
(179/18)
________________________________________
الأسئلة
(179/19)
________________________________________
جواز إدخال الإجارة على الرهن ومباينته لعقد البيعتين في بيعة

السؤال
أشكل عليَّ انتقال يد الراهن من الأمانة إلى الضمان، وذلك إذا استأجر الرهن، فهنا ابتدأ بعقد الرهن وانتهى إلى الإجارة، فوسع هنا في هذه المسألة، وحرم في البيوع عن بيعتين في بيعة، وتردد العقد بين البيع والإجارة، فهل من حكمة في التوسيع هنا، والتضييق هناك؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأما بالنسبة لمسألة الرهن وانتقاله إلى الإجارة فليس هو على سبيل التشريك، فينبغي أن يُفرّق بين هذا وبين عقد البيعتين في بيعة، وعقد الإجارة الذي ينتهي بالتمليك عقدان في عقد.
أما الرهن مع الإجارة فعقدان منفصلان: الرهن عقد منفصل له شروطه وله ضوابطه، والإجارة عقد مستقل له شروطه وله ضوابطه، فإذا تعاقدا على رهن وأبقيا يد الرهن على ما هي عليه فرهن، وإن رفعا الرهن باختيارهما ورضاهما فهذا جائز، فمثلاً: لو أنني أخذت رهناً منك، ثم جئتني وقلت: يا فلان! أنا محتاج للرهن وأريد أن أنتفع به، فهلا سامحتني وأقلتني، فقلت لك: قد سامحتك، وأخذتَ الرهن، فإنه يجوز بالإجماع.
فانتقلت يد الرهن من الرهن إلى عقد آخر، دون أن يجتمعا.
لكن العقد في بيعتين في بيعة هنا اجتمع العقدان في عقد واحد، كأن يقول لك: أبيعك هذه الدار بعشرة آلاف حاضرة، أو بعشرين إلى نهاية السنة، وتفترقا قبل التحديد، أما لو حددتما فليس هناك إشكال، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما -كما روي عنه في مصنف ابن أبي شيبة وغيره-: أما إذا بت فلا إشكال.
فجمهور السلف رحمهم الله على أنه إذا قال له: بعني بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، وأخذ بإحدى البيعتين، فإنه خرج عن بيعتين في بيعة، وليس هناك خلاف إلا قول سماك ورواية عن طاووس رحمهما الله؛ وذلك لأن العقدين لا يدخلان في عقد واحد إلا إذا افترقا، فإن افترقا، وقد أعطاه البيعتين ولم يحدد، فقد أدخل العقدين في عقد، أما هنا -في عقد الرهن والإجارة- فإنه لم يدخل العقدين في عقد؛ لأن عقد الرهن على حدة، ثم اتفقا على انتقاله من الرهن إلى الإجارة، كما لو اتفقا على أن يعود على صاحبه.
إذاً: ليس هناك أي إشكال، فهذا شيء وهذا شيء، ولا يعتبر هذا من تداخل العقود.
وهكذا لو قال لك: استأجِر العمارة عشرين شهراً بعشرة آلاف كل شهر، ثم بعد سنة تملكها، فهو ليس بعقد إجارة، وليس بعقد بيعٍ محض، وإنما أدخل البيعتين في بيعة، أو أدخل العقدين في عقد، على القول بأن الإجارة بيع، ولا شك أنها نوع من البيع الذي هو بيع المنافع، فأدخل البيعتين في بيعة من جهة بيع منفعة، وبيع عين، أدخلهما في عقد واحد، وقد استأجرتَ العمارة وفي نيتك أن تملكها، والتزم لك أن يملكَك في نهاية العام، فأدخلتما عقدين في عقد واحد، فالغرر في هذا واضح.
وهكذا لو قال له: أبيعك بعشرة حاضرة وبعشرين إلى أجل، وافترقا قبل التحديد، فقد أدخلا الصفقتين في صفقة واحدة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في تتمة حديث البيعتين في بيعة: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)؛ وذلك لأنه إذا قال له: بعني بمائة حاضرة وبمائتين إلى أجل، وفارقك قبل أن يحدد، فإما أن يعطيك الوكس وأنت ترجو المائتين إلى أجل، فيقول لك: أريد أن أشتريها بمائة حاضرة، فضيّع عليك المائتين إلى أجل، وأنت تحب أن تكون إلى أجل، وهذا هو أوكسهما، أو أخذها وهو يريد أن يدفعها مائة، ثم قال: هلا خففت عليَّ فجعلتها إلى أجل، فوقع في الربا، فعاوض عن المائة التي في نيته أن يشتري بها إلى المائتين في أجل، فتحقق فيه ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، أما لو بتَّ، واشترى بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، كما هو موجود في بيع التقسيط، فليس هذا ببيعتين في بيعة؛ لأنه ليس له أوكسهما ولا الربا؛ ولأن العقد تم على سعرٍ معيّن، فالسلعة قيمتها حاضرة بمائة، وقيمتها إلى أجل بمائتين، ستشتريها بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، فهذا ليس من بيعتين في بيعة في شيء.
ولو قلنا: إن كونه يعرض عليه القيمتين في الصفقة يدل على أنه بيعتين في بيعة، لدخلت جميع البيوعات في المساومات؛ لأنه في المساومة يقول له: بعني بعشرين، فيقول: لا، بل بثلاثين، كما لو قال له: بعني بعشرة حاضرة أو بعشرين إلى أجل، فالمعنى في هذا واضح.
وعلى هذا لا يُعتبر إدخال الإجارة على الرهن كالبيعتين في بيعة، ولا يعتبر هذا موجباً للإشكال؛ لأن الرهن مستقل وعقدٌ قصد به الاستيثاق على وجه شرعي معتبر، وتم وبت على الصفة المشروعة، ثم اتفق الطرفان على إلغائه وإنشاء عقد الإجارة، وليس هذا من التداخل في شيء، وعليه فإنه يزول الإشكال، والله تعالى أعلم.
(179/20)
________________________________________
حكم تلف الرهن عند المرتهن

السؤال
إذا رهن عندي رجلٌ بعيراً، ثم مات هذا الرهن عندي قبل السداد، ثم طالبني به، فما الحكم أثابكم الله؟

الجواب
إذا مات البعير، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يموت بدون تفريط منك، فليس من حقه أن يطالبك، ويدك يد أمانة.
الحالة الثانية: أن يموت بتفريطٍ منك، فإنك تضمن، وعلى هذا يفصّل في مسألة ضمان الرهن.
مثاله: قال لك شخص: أعطني مائة ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فأعطاك ساعة أو مسجلاً أو كتاباً، فتلفت الساعة، أو تلف الكتاب، أو تلف المسجل، فإنه لا يضمن إلا إذا فرّط، فإن كان تلف هذه الأعيان بسبب تفريط منه فإنه يضمن، وأما إذا لم يفرِّط في ذلك فإنه لا ضمان عليه، وحينئذٍ تكون يده يد أمانة على التفصيل الذي سبق بيانه، والله تعالى أعلم.
(179/21)
________________________________________
حكم استصلاح الدور المؤجرة من قبل المستأجر

السؤال
من كان مستأجراً لدار، وأراد أن يصلح فيها ما خرب، فهل لا بد أن يستأذن من المالك عموماً، أم يصلح مرافقها ويحتسب ما أنفقه من قيمة الإيجار؟

الجواب
إذا استأجرت داراً فليس من حقك أن تتصرف في عين الدار، فتغير فيها أو تُحدث فيها إلا إذا استأذنت مالكها، أما ما يكون من جنس المنافع ومن حقك عرفاً أن تفعله، فإنك تفعله، فإذا كان هذا الذي تفعله فيه ضرر أو فيه زيادة أو نقصاً أو تغيير لصفة العين المؤجرة، فلابد أن تستأذن.
فلو استأجرت داراً مكونة من أربع غرف، وكان بالإمكان أن تفتح كل غرفتين على بعضها، فلابد أن تستأذن، ولا تنقل الجدار الحائل إلا بإذن، وكذلك أيضاً لو أردت أن تحدث أشياء، كوضع المسامير في الجدار أو نحوها، فلابد أن تستأذن، فإن لم يأذن لك وفعلت ذلك من عندك، فإنه يجب عليك شرعاً إذا فرّغت الدار أن تسلمها بالصفة التي استلمتها عليها.
وهذه مسألة من أعظم المسائل التي يعظم فيها الضرر، وأحبِّذ للخطباء وأئمة المساجد أن يذكِّروا الناس بالله عز وجل، فإن حقوق العيون المؤجرة -في هذا الزمن- ضائعة بين الناس إلا من رحمهم الله، فالمستأجر إذا انتهى وخرج من البيت، أو خرج من الدكان أو العين المؤجرة، فإنه يخرج منها بحالة قد تحتاج إلى استصلاح يقارب نصف قيمة الأجرة، ومما لا يخفى أنه قد تكون هذه العين أو هذه العمارة ملكاً لأيتام، وقد تكون ملكاً لأرامل وقفاً عليهم، ولذلك يعتبر هذا المال الذي أفسده المستأجر في ذمته ورقبته يوم القيامة، فلو أفسد العين المؤجرة، وأحدث وغيّر وتصرّف فيها، فإنه يجب عليه أن يعيدها على الصفة التي استلمها بها، حتى ذكر العلماء الكنيف الذي هو محل قضاء الحاجة، فقد كان في القديم ينزح وينظف، فقالوا: إذا استلمه نظيفاً، فلابد أن يخرج وهو نظيف، بمعنى أنه لا يبقيه بفضلته، وذلك كله من باب التشديد في الحقوق.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الناس في عرصات يوم القيامة تطيش عقولهم من الذنوب والمظالم؛ لأنه يؤتى بالمظالم مثل الخردلة وأدنى من ذلك: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]، والله عز وجل قد أمر العباد برد الحقوق إلى أهلها، فهذا حق، فإذا استأجرت العين كاملة فتردها كاملة، وإذا استأجرتها سليمة فتردها سليمة، أما لو أضر بأرضيتها، أو بسقفها، أو بجدارها، أو بأي شيء فيها، فإنه يضمن ذلك ويرده كاملاً إلى صاحبه.
فينبغي تنبيه الناس في هذا الأمر؛ لأنها من الحقوق التي تضيع بين الناس، ويُنبَّهون على الأمور التي ينبغي أن يراعيها المسلم مع أخيه المسلم في مثل هذه العقود؛ من ضمان الحقوق، وعدم الظلم، وعدم الأذية، وعدم الإضرار، فليتق الله المسلم في حقوق إخوانه، خاصة الأوقاف المؤجرة؛ لأنها تكون ملكاً لأناس مستحقين؛ كالضعفة والعجزة، وتصرف غلّتها عليهم، فإذا أُفسِدت هذه الأوقاف وضُيِّعت، فحينئذٍ تضيع حقوق من تصرف لهم.
والناظر هو المسئول أمام الله عز وجل؛ لأن تساهل الناظر وسكوته يمكِّن المفسد من إفساده، فإذا جاء الناظر ليستلم العين المؤجرة، فعليه أن يطالب المستأجر أن يسلمها كما استلمها، أما أن يتركه يفسد فيها ويغيّر فيها ويعبث على مرأى منه ومسمع، فإذا سلمها سلمها ناقصة، ثم صرف من غلة الوقف لاستصلاحها؛ فهذا ظلم لأصحاب الحقوق، وينبغي التنبه لمثل هذه الحقوق والتنبيه عليها؛ لما فيها من الأذية والإضرار الذي نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، نسأل الله العظيم أن يجنبنا الزلل، وأن يعصمنا في القول والعمل، والله تعالى أعلم.
(179/22)
________________________________________
جواز انتفاع المرتهن بصوف البهيمة إن أذن له الراهن

السؤال
هل يدخل في الانتفاع صوف الشاة، فله أن يجزّه ويبيعه أثابكم الله؟

الجواب
ظاهر النص الانتفاع بالحليب والركوب، هذا الذي ورد به النص، سواءً أذن أو لم يأذن، ويبقى فيه الحكم على التفصيل الذي ذكرناه، أما صوف البهيمة وشعرها، فليس من حقه أن ينتفع به بدون إذن إذا أنفق عليها؛ بل يبقى على الأصل من وجوب الاستئذان على التفصيل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
(179/23)
________________________________________
حكم القراءة في الكتب المرهونة بإذن وعدمه

السؤال
إذا كان الرهن كتباً للعلم، فهل القراءة فيها من باب الانتفاع، ويدخل في مسألة القرض الذي جر نفعاً أثابكم الله؟

الجواب
مسألة قراءة الكتب، بعض العلماء يرى أن العلم لا يُملك، فكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليس ملكاً لأحد، ولذلك قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الفرقان:57]، فقالوا -بناءً على هذا الأصل-: يجوز أن تقرأ في كتاب الغير ولو لم تستأذنه.
ومن ذلك: القصة المشهورة بين سحنون وهو عبد السلام الفقيه المالكي المشهور، وبين أسد بن الفرات، وأسد بن الفرات من الفقهاء الأجلاء الذين ارتحلوا إلى ابن القاسم في مصر، وكان أسد بن الفرات يريد أن يلقى الإمام مالكاً بنفسه ويسأله، فتوفي الإمام مالك وهو في مصر، فسأل عن أعلم أصحابه، فقيل: ابن القاسم، فجاء إلى ابن القاسم، وقال: إني سائلك، فما كان عندك من قول مالك فأخبرني عنه، وما لا قول لـ مالك فيه فأخبرني عن الأشبه بقوله، -ويسمَّى: التخريج على القواعد والأصول-، فأفتاه وبيّن ما يُسمى: بالمدونة، ثم رجع إلى المغرب، فجاء سحنون، وهو عبد السلام، ويقال: سُحنون وسَحنون، قال الناظم: وسين سَحنون بفتح قد ترام وقد تضم واسمه: عبد السلام الشاهد: أن سحنون جاء إليه وقال له: أعطني مدوّنتك أنقل ما فيها، فقال له: لا أعطيك، فقال: إنه لا يجوز لك أن تخفي هذا العلم عني، فقال له: كتابي، ولي الحق أن أعطيه من أشاء وأمنعه ممن أشاء، فقال: لكن العلم ليس ملكاً لك، فاختصما إلى القاضي، فقال أسد بن الفرات: الكتاب كتابي، والمداد مدادي، والقلم قلمي، يعني: أنا الذي كتبت، وهذا الشيء المكتوب ملكٌ لي، فأنا لا أدعي ملك العلم، ولكني أدعي ملكية الكتاب، والكتاب يُملك، الذي هو الصفحات والأوراق والجلد، والمداد ملكٌ لي، والقلم الذي خط ملك لي، وهذا هو الذي يفرِّعون عليه الآن حقوق الطبع.
فقال سحنون: إن العلم لا يُملك، فقال القاضي: إن الكتاب كتابه -ولكن هذا لحكمة من الله، وقل أن يبخل إنسان بالعلم إلا محق الله بركته-، فلما قضى القاضي لـ أسد بن الفرات، ارتحل سحنون إلى ابن القاسم في مصر، فأخبره القصة، فدوّن له مدوّنة أخرى، ورجع عن مسائل في مدوّنة أسد، وسأل الله أن ينزع البركة من مدوّنة أسد، فتلِفت وضاعت وما بقيت إلا مدوّنة سحنون إلى يومنا هذا.
إذاً: العلم ما يبخل به أحد إلا محقت بركته، نسأل الله السلامة والعافية.
فالشاهد: أن مسألة ملكية الكتاب بذاته، إذا قلنا: إن العلم لا يملك؛ كان من حقه أن يقرأ، ويقرأ باستحقاق شرعي خارج عن العين المرهونة، وإن قلنا: إن الكتاب يُملك، فحينئذٍ تكون العين مملوكة، وليس من حقه أن يفتحها ويقرأ إلا بإذن من المالك.
وفي الحقيقة: النفس تميل أكثر إلى أن العلم لا يُملك، وهذا هو الذي تقرِّره النصوص وتدل عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(179/24)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الضمان
لقد جاء الإسلام بحفظ الكليات الخمس: الدين والمال والنفس والعرض والعقل، ومما يحفظ به المال ما ذكره الفقهاء في كتب الفقه من الرهن والحوالة والضمان، فهذه كلها عقود يستفاد منها الرفق واستيفاء الحقوق، والضمان هو أحد هذه العقود، والذي يكون بإضافة ذمة إلى ذمة في دين أو عين، ولكي يثق الإنسان من رجوع حقوقه؛ فإنه لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف؛ لأنه لو ضمن غير جائز التصرف لضاع المال.
والضمان له أحكام ومسائل عدة بينها أهل العلم.
(180/1)
________________________________________
مشروعية عقود الاستيثاق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: قال رحمه الله: [باب الضمان] هنا ثلاثة أبواب مهمة، الباب الأول: الرهن، الباب الثاني: الضمان، الباب الثالث: الحوالة، وإذا تأملت الأبواب الثلاثة حيث جاءت وراء بعضها، ذكر المصنف الرهن، والرهن متصل بالقروض، فالمناسبة واضحة، وبعد أن فرغ من أحكام الرهن دخل في الضمان، وباب الضمان من أهم الأبواب، وتعم به البلوى، والناس دائماً يسألون عن أحكامه، وهو موجود إلى زماننا اليوم، وهو ما يسمى: بالكفالة: كفالة مال، وكفالة وجه، وكفالة حضور، كل هذه مما تعم بها البلوى حتى في زماننا.
فباب الرهن، وباب الضمان، وباب الحوالة، ثلاثة أبواب توصف في الفقه الإسلامي بأنها عقود استيثاق، يعني: يتوثق بها في الحقوق.
ففي الرهن يستوثق صاحب الحق -المال الذي دفعه، أو العين التي باعها- من حقه بالرهن، وفي الضمان يستوثق صاحب الحق أيضاً بالرجل الكافل، أو الضمين أو الضامن، أو الحميل أو الزعيم، أو الغارم، كلها بمعنىً، يستوثق من حقه، فيقول لك مثلاً: أنا أعطيك مائة ألف، ولكن أعطني كفيلاً، مثلما قال لك: أعطني رهناً، فهنا يقول: أعطني كفيلاً، فهناك استيثاق بالعين، وهنا استيثاق بالأشخاص والذمم، كذلك أيضاً الحوالة فيها نوع استيثاق؛ لأنه إذا عجز عن السداد، فإنه يحيلك على شخص له دين عليه، وقد يكون ليس له دين عليه، فيحيلك لكي تستوثق من حقك وتصل إليه، فهذه ثلاثة أبواب مرتّبة على ترتيب المصنف رحمه الله.
فالضمان والكفالة والزعامة والحمالة، كلها بمعنىً، والضمين والحميل والكفيل والزعيم كله بمعنىً، وإن كان في بعض الأحوال يقع تفصيل، فالضمين الغالب أن يكون ضميناً في الأموال، والكفالة تكون في الأموال وتكون في الوجه وفي الأبدان، فتتكفل بإحضار الشخص، وقد تكون في قصاصٍ أو نحو ذلك، هذا بالنسبة للكفيل، وأما بالنسبة للزعيم، فهو الذي يتحمل الأموال الباهضة، فلا يقال: زعيم إلا إذا كان في شيء باهضاً، مثل شيوخ القبائل، وشيوخ العشائر إذا أصلحوا بين الناس في الخصومات، يقول: أنا زعيم، يعني: أنا أضمن ما وقع من الخطأ من طرف على آخر، هذا بالنسبة للزعيم، ومنه قوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف:72]، يعني: أنا به ضمين، وأنا به كفيل، وأنا أتحمّله، هذا بالنسبة للكفالة.
أما فيما يتعلق بالحمالة، فالحميل في لغة العرب في القديم -ولا زال إلى عهد قريب- هو الذي يتحمل الديات، فالحمالة تكون في الديات، وهناك ألفاظ مثل: الصبير، والقبيل، فالصبير والقبيل يشمل هذا كله، يكون صبيراً في الأموال، يكون صبيراً في الأنفس، فيقول: أنا صبير، يعني: الصبير أصله من الشاة المصبورة المحبوسة، كأنها مصبّرة، فكأنه حبس نفسه ورهن نفسه لقاء هذا الحق.
والقبيل يكون نداً ويتحمل، وكان هذا موجوداً ولا يزال إلى زماننا هذا -وإن كان بصورة أقل في زماننا- فحينما كان الخير منتشراً بين الناس كانوا يتحملون، ولا يكون للحمالات ولا للضمانات إلا أهلها الذين عُرِفوا بالكرم وبقوة النفس، وهذا فضل من الله يعطيه من يشاء، ويعتبر مثل هذا من السؤدد.
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يعدم والإقدام قتال فالسيادة والزعامة في الناس لا تكون إلا ببذل الثمن والتضحية، فكان في الناس من يتحمل ويتكفّل، وتجد فيه شهامة وقوة نفس، وجلَداً من أجل أن يتحمل هذه الحقوق، ولا شك أنها مخاطرة، ولذلك يقولون: أولها ملامة: أي: الناس تلومك، وأوسطها ندامة: أي: إذا انتصفت المدة يبدأ الإنسان يندم، عندما يتكفّل على أحد، وآخرها غرامة: أي: أنه بتحمله وضمانه وكفالته سيغرم، ولذلك لا يقوى على هذا إلا من أعانه الله.
وهذه الأعمال من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وهي من الشيم المحمودة التي يرفع الله عز وجل أصحابها ويعلي شأنهم في الدنيا والآخرة، ولذلك كم مِن أناس ماتوا وما ماتت مكارمهم، وهم أحياء في مجالس الناس، مع أنهم قد قبروا وماتوا ربما من قرون، ولكن أبقى الله لهم جميل الذكر والثناء الحسن، وبقيت أخبارهم ومآثرهم في قلوب الناس وعلى ألسنتهم جزاءً وفاقاً، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
والعلماء رحمهم الله، ينصون على فضل الكفالات والضمان، لكن على تفصيل في الحقيقة، ففي بعض الأحيان تكون محمودة ومشكورة، ويكون صاحبها مأجوراً، خاصة إذا قصد بها وجه الله عز وجل، ففي بعض الأحيان يعطيك الله الدنيا ويبسط لك من الرزق فتنظر إلى من هو محتاج قد غرِم في دينٍ معقول ومقبول، كإنسانٍ مثلاً استدان من بقالة لطعام أولاده، ثم حضر وقت القضاء، فتحمل مثلاً خمسمائة ريال، وأنت قادر على السداد عنه، فتقول لصاحب البقالة: أنا ضمين لك بهذا المال، أو أنا كفيل، فإن فعلت ذلك فإن الله يأجرك، خاصة إذا كان على أيتام أو على أرامل أو على ضعفة أو نحو ذلك، فإن الأجر في ذلك عظيم، والدين الذي استدان به الغريم دينٌ شرعي، ومقبول من الناحية الشرعية ومن الناحية العرفية، وهذه الكفالة وهذه الحمالة من أحب القربات إلى الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم في نفس الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فمن كان في حوائج الناس في مثل هذه الأمور، وعلم أن فلاناً تحمل الحق فأدى ذلك فهو على خير عظيم، وثوابٍ من الله كريم، لكن إن كان هذا الدين على سفَهٍ وطيشٍ، أو كان على حرام، فإنه إذا تاب إلى الله وأناب إلى الله، وأردت أن تتحمل عنه لاستصلاحه واستقامته، وإرادة الخير له في آخرته، فإن الله يأجرك؛ لأنه إذا تاب وندم فقد عفا الله عما سلف، ومن تاب تاب الله عليه، وحينئذٍ إذا غرِم للناس ديوناً، وكان قد أنفقها في حرام ثم تاب ورجع، وأردت أن تتحمل عنه، فإن هذا فيه تفريج كربة يُقصد منها الخير والإحسان.
وتارةً لا يكون لك بها أجر، وصورتها أن تكون حميَّة وعصبية، وليست حمية دينية، وإنما من أجل أنه قريب لك، أو من أجل أنه أحرجك أو نحو ذلك، فإذا كان من أجل المحاباة والرياء والسمعة، فهذه لا أجر لك فيها ولا وزر، فإذا كان الإنسان يريد بها المفاخرة في الدنيا، أو نحو ذلك، فإن الله عز وجل يعطيه متاع الدنيا، وهذه ليست مما يدخل في التعبديات، ولذلك لا أجر له ولا وزر، ولذلك لا ينال فيها أجر الآخرة لعدم قصد الآخرة، بل ينال فيها عاجل الدنيا؛ لأنه أراد الدنيا.
أما لو كان إنفاقه على وجه أُحرِج به، فمثلاً لو أن قريباً لإنسان جاءه في دين، وأحرجه بأُناس، أو جاء المديون وأدخل عليك بعض القرابة، وأُحرِجت، فأعطيت وأنت مكره، فأنت مأجور وإن كنت مكرهاً، لكن أجرك وأنت راضٍ ليس كأجرك وأنت مكره، لكن تنوي الآخرة، ومن هنا تقاد إلى الجنة بالسلاسل، يعني: بالكره الذي تعرضت له.
وعلى هذا فإن الإنسان إذا أُحرج وهو يحب هذا الخير، لكنه في بعض الأحيان تميل النفوس إلى حب الأموال، فإذا أُحرِج من قبل قريب أو نحو ذلك فدفع فإنه في هذه الحالة يكون أجره أقل ممن يدفع بطيبة نفس، لكن إذا دفع في حال الإحراج من أجل تطييب خواطر من أحرجه، فإنه لا أجر له، فيُفرَّق بين كونه ينفق لله عز وجل، حتى قال الحسن البصري رحمه الله، لما سئل عن الرجل يخرج في جنازة رجل لا يحبه، وإنما خرج من أجل أهل حيه، ومن أجل أن يطيب خواطرهم لما أحرجوه، قال: له أجران، أجر الخروج، وأجر تطييب خواطر جيرانه، فأنت إذا أحرجك قريب، فما فعلت هذا إلا من أجله، وما فعلت هذا إلا من أجل صلة الرحم، ففي مثل هذه الصورة يحصل الخلط والغلط عند بعض الأخيار؛ لأنهم يظنون أن هذا من الرياء، والواقع إن كان السبب الحامل في الأصل المودة والقرابة، فهذه محاباة ولا أجر فيها، لكن كونك أنت تحب هذا العمل الصالح وتفعله وأنت ترجو الثواب من الله، ولكنك أُحرجت ودُفِعت إليه فعجّلت هذا الخير لوجود الإحراج، فإنك تؤجر من الوجهين، أجر العمل نفسه، وأجر تطييب خاطر ابن عمك الذي جاءك في وجهه، أو جاءك في شفاعته، فأحببت أن تكرمه وتصل الرحم، فإنك تؤجر على ذلك، وتكون كفالتك من هذا الوجه أجراً لك في الآخرة.
(180/2)
________________________________________
حقيقة الضمان والأحكام المترتبة عليه
وقوله رحمه الله: (باب الضمان)، الضمان يقوم على إضافة ذمّة إلى ذمة في دين أو عين، وهذا في المطالبة، والمراد بذلك أنه إذا تحمّل رجلٌ ديناً وقال صاحب الدين: ائتني بمن يكفلك، وأتيت وقلت: أنا كفيلٌ له، أو أنا ضمينٌ له، فمعناه أنك تضيف ذمَتك إلى ذمة المديون، وأنت تتحمل سداد الدين إذا لم يسدد المديون، ومن هنا أصبح باب الرهن وباب الضمان متقاربين من حيث المعنى، في كون كلٍ منهما تحفظ به الحقوق ويستوثق به في الديون، فكأن الكفيل يطمئن صاحب الدين، ويتحمل مع المديون وتنشغل ذمته مع ذمة المديون، ولذلك نجد العلماء يقولون: الكفالة ضم ذمةٍ إلى ذمة، فأنت تضيف ذمّتك إلى ذمة المديون، وتعطي صاحب الدين ثقة أنه إذا امتنع المديون من السداد؛ إما لعجزٍ أو لمماطلة أنك تقوم بالسداد عنه، هذا إذا كان الضمان في الدين.
وقد يكون الضمان في العين، فمثلاً: لو أن رجلاً قال لرجل: أعطني سيارتك، أريدها لمصلحةٍ معيّنة، أو أريد أن أذهب بها إلى موضع كذا، أو أريدها عارية إلى غد، أو بعد غد فقال صاحب السيارة: أعطني كفيلاً، فتقول: أنا أكفله بأن يرد لك السيارة، وأتحمل ذلك، هنا ضمنته في عين، فالكفالة تكون في ضمان الدين، وتكون في ضمان العين، وقد تتكفل بإحضار الشخص، كأن يقول صاحب الدين للشخص المديون: أعطني كفيلاً يكفل حضورك إذا حضر الأجل، فتقول: أنا أتكفّل بحضور فلان حال المطالبة، أو يوم المطالبة، وقد يكون الضمان بالحضور في الحقوق كالقصاص ونحو ذلك، كما كان يفعله وجهاء الناس، كأمراء القبائل، ومشايخ القبائل إذا وقع على أحد ضمان بحق، فيقول: أنا أتكفل بحضوره، فهذه كفالة.
فيقع الضمان في الأموال وغير الأموال، وتقع الكفالة في الأموال وغير الأموال، إلا أن فقهاء الحنابلة رحمهم الله جعلوا الضمان في الأموال خاصة، ولذلك لا يتكلم المصنف هنا إلا حول مسألة الضمان في الأموال، وتركوا باب الكفالة وجعلوها في ضمان الوجه، حينما تقول: في وجهي، أنا آتي به، أو أنا أتحمل إحضاره، ونحو ذلك، وجعلوها في باب الجنايات.
يقول رحمه الله [باب الضمان].
أي: في باب الضمان سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام، التي تتعلق في ضم الذمم بعضها إلى بعض، عند المطالبة بالديون، بناءً على هذا إذا تكفّل رجلٌ أو ضمِن الكفيل المكفول، فمعناه أنه إذا حضر الأجل فمن حقك أن تطالب المديون، ومن حقك أن تطالب الكفيل، فأصبحت هناك ذمتان، ذمة المديون، وذمة من كفله، فأنت بالخيار، إن شئت أن تطالب المديون، فحينئذٍ تطالبه ولك الحق؛ لأنه أصيل، وإن شئت أن تطالب الكفيل، أو الضمين، فأنت بالخيار بين الأمرين، أو طالبتهما معاً.
(180/3)
________________________________________
عدم صحة الضمان إلا من جائز التصرف
قال رحمه الله: [لا يصح إلا من جائز التصرف] لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف، ففي الضمانة هناك كفيل وهناك مكفول، والمكفول: وهو الشخص الذي ضممت ذمتك إلى ذمته، وهناك مكفولٌ به: وهو الشيء الذي تكفّلت به وهو سداد الدين، أو إحضار المديون، فهناك كفالة غرم، وهناك كفالة حضور، فإذا جيء وقيل لك: هذا مديون هل تكفله؟ تقول: نعم، يقولون لك: تكفله كفالة غرم، أو كفالة حضور، تقول: أكفله كفالة غرم، بمعنى: أنه إذا لم يسدد أسدد عنه، فهذا نوع من الكفالة، أو تقول: أكفل حضوره، فهذه كفالة حضور، أو تقول: أكفل التعريف به، يعني علي أن أعرِّفك من هذا الشخص الذي أعطيته الدين، أعرِّفك به وباسمه وبأهله، وكذلك موضعه إلى آخره، فإذا قلت ذلك، فمعناه: أنه لابد وأن تتوفر الأهلية في الشخص الضامن والشخص الكفيل، فلا يصح الضمان إلا من جائز التصرف.
(180/4)
________________________________________
معنى قول العلماء: جواز التصرف وصحة التصرف
ترد كلمتان عند العلماء وهما: جواز التصرف وصحة التصرف، فما معنى جواز التصرف وصحة التصرف؟ كثيراً ما ترد هذه الكلمة خاصة في باب المعاملات.
التصرف: بذل الشيء وإعطاء الشيء، وتصرّفك في الشيء يكون إما ببذل عين الشيء، أو يبذل منافعه.
أما بذل عين الشيء فهو على حالتين: إما أن تبذله بعوض، كأن تقول: أعطيك هذه السيارة بعشرة آلاف فهذا بيع.
وإما أن تبذلها بدون عوض على قصد مرضاة الله عز وجل فهذه صدقة، كأن تقول: هذا الطعام لك، فتكون قد بذلته بدون عوض.
وإما على سبيل المحبة، فهذه هدية.
أما بذل منفعة العين، فلا تخلو من حالتين: إما أن تبذلها بعوض، كأن تقول: أجرّتك داري، فهذه إجارة، أو تبذل المنفعة بدون عوض، كأن تقول: خذ سيارتي واقض بها غرضك، فهذه عارية.
فهذه كلها تصرفات: بعضها تصرفات في الأعيان، وبعضها تصرفات في المنافع، فإذا قال العلماء: لا يصح إلا من جائز التصرف، أي: لا تصح الكفالة إلا من شخص تجوز تصرّفاته المالية، فالناس على قسمين: منهم من أجاز الله تصرفاته المالية، فيبيع ويشتري ويتصدق، ولا أحد يعترض عليه، وهذا هو البالغ العاقل الرشيد غير المحجور عليه.
فالبالغ: يخرج الصبي، فالصبي لو جاء وأعطاك ألف ريال هبة منه لا تصح؛ لأنه محجورٌ عليه، والله تعالى يقول: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5]، وقال: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء:6]، فأمرنا بالحجر على الأيتام، واليتيم: هو الذي لم يبلغ، فدل على أنه لو تصرف اليتيم كأن تصدق بماله، أو وهبه وأعطاه للغير لم تصح هبته ولا صدقته ولا تبرعه.
العاقل: فيخرج بذلك المجنون، فلو جاء مجنون نقول: إن المجنون لا تصح تصرفاته كما لو باع أو اشترى.
الرشيد: فيخرج بذلك السفيه المحجور عليه، فإن السفيه المحجور عليه في حكم المجنون واليتيم؛ لأنه محجور عليه لحق نفسه، والمحجور عليه يشمل المفلس، على خلافٍ في المفلس هل يكفل أو لا يكفل.
توضيح هذه المسألة: فلو كنت قاضياً أو مفتياً وجاءك رجل وقال: فلانٌ يريد أن يكفل فلاناً، فعليك أن تسأل أهذا الكفيل بالغ؟ فإن قالوا: نعم، تقول: يصح، وإن قالوا: ليس ببالغ، بل هو صبي، تقول: الصبي لا يكفل؛ لأنه ليس له حق التصرف في ماله إلا بإذن وليه، وأنتم تعلمون أن الكفالة فيها شيء من التبرع، لأنك حينما تكفل رجلاً بعشرة آلاف ريال، فمعناه أنك ستدفع هذا المبلغ إذا عجز عن السداد، والصبيان والمحجور عليهم لا يصح تبرعهم، كما سيأتي إن شاء الله، فإذن لابد وأن يكون بالغاً، وأن يكون عاقلاً، فلو أن رجلاً مجنوناً سكران، أو خدره رجل، فجاء وكفل إنساناً، وثبت عند القاضي أنه كفل في حال جنونه أو سكره، أو حال كونه مخدراً، فكل ذلك لا يصح فيه الضمان؛ لأن من شرط صحة الضمان أن يكون الضمين وأن يكون الكفيل بالغاً عاقلاً رشيداً غير محجورٍ عليه.
هذا بالنسبة للشخص الذي يكفل، فإذا توفرت الشروط فكان رجلاً بالغاً عاقلاً رشيداً غير محجور عليه، فمعناه أنه يدخل على الكفالة بأهلية، وهذه الأهلية تجعله ينظر بها إلى المصالح والمفاسد، فإن علم من نفسه أنه يقدر على تحمل هذه الكفالة أقدم عليها، وإن علم من نفسه أنه لا يستطيع تحمّلها أحجم عنها، فإذن لابد وأن تكون عنده الأهلية التي لا يدخل بها الضرر على نفسه وأهله؛ لأنه لو تحمّل حمالة وكفالة لا يطيقها لربما أضر بأولاده، فلو رأيت رجلاً قليل المال تحمّل كفالة بعشرة آلاف، وهو ليس عنده دخل، ولا يستطيع أن يسدد المبلغ كاملاً، فمعنى ذلك أنه إذا تحمل العشرة آلاف فسيغرم، وحينئذٍ يتعرّض أولاده وأهله للضرر، وهذا لا شك أن فيه مفاسد، والشريعة جاءت بدفع المفاسد وجلب المصالح.
وعلى هذا قالوا: يشترط في جواز الكفالة أن تكون من شخصٍ صحيح التصرف، أو جائز التصرف والمعنى واحد.
(180/5)
________________________________________
الخيار لصاحب الحق في مطالبة المديون أو الضامن ولو بعد الموت
قال رحمه الله: [ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت] قوله: (ولرب الحق) أي: لصاحب الدين أن يطالب من شاء منهما في الحياة وبعد الموت.
إذا جاء رجل إلى مؤسسة واشترى منها سيارةً أو أرضاً، وقيمة السيارة أو الأرض عشرة آلاف ريال، وجئت وكفلت هذا المديون، وقلت: أنا كفيل لفلان أنه إذا لم يُسدد أسدد عنه، وثبتت الكفالة من جائز التصرف، فإنه إذا حضر الأجل إلى نهاية السنة -لو فرضنا أن المؤسسة أعطت فرصة للسداد إلى نهاية السنة- فلما انتهت السنة تُخيّر المؤسسة ويُخيّر صاحب الدين بين أمرين، إن شاءت خاطبت المديون وطالبته بالسداد، وإن شاءت خاطبت الكفيل، فلو خاطبت الكفيل فقال الكفيل: اطلبوا من المديون فإن هذا ليس من حقه، بمعنى أنه ليس من حق الكفيل أن يقول: طالبوا فلاناً.
بل إن المؤسسة بالخيار إن شاءت طالبت هذا أو طالبت هذا، فإنّ تحمل الكفيل والتزامه للكفالة معناه أنه إذا حضر الأجل فعليه أن يسدد، بشرط أن لا يكون المديون قد سدد وأبرأ عن نفسه.
قوله: (في الحياة والموت) أي: من حقهم أن يطالبوا ورثة الكفيل إذا حل؛ لأنه دينٌ مستحق عليه، وحينئذٍ من حقهم أن يطالبوا المديون والكفيل سواءً كانا حيين أو ميتين؛ فالحقوق لا تتغير ولا تتبدل بالحياة والموت؛ لأن ذمته مرهونة ومشغولة بهذا الحق، فلو اتجهت المؤسسة إلى ورثة الميت وطالبتهم بالكفالة التي تحمّلها مورثهم، فإنه من حقها ذلك، كما أن من حقها أن تطالب المديون في حال حياته.
(180/6)
________________________________________
براءة ذمة الضامن ببراءة ذمة المضمون عنه لا العكس
قال رحمه الله: [فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمت الضامن لا عكسه] (فإن برئت ذمة المضمون عنه) هنا مسألة: الكفالة مبنية على السداد، وحينئذٍ نقول: عندنا أصل وعندنا فرع، فالعلماء رحمهم الله يجعلون المديون -الذي تحمل الدين- أصلاً، وجعلوا الكفيل والضمين -الذي تحمّل أن يسدد- فرعاً مبنياً على الأصل، وبناءً على ذلك قالوا: إذا برئت ذمة المديون الذي هو الأصيل، برئت ذمة الكفيل، وإذا برئت ذمة الكفيل لم يستلزم ذلك براءة ذمة الأصيل.
توضيح ذلك: البراءة هنا لها حالتان: الأولى: أن تكون بسبب السداد، فمثلاً لو أن شخصاً استدان عشرة آلاف ريال، فقلت: أنا أكفل هذا في العشرة آلاف التي عليه إلى نهاية السنة، قبل نهاية السنة قام المديون بالسداد، فمعناه أن ذمته قد برئت، فإن برئت حكم الشرع ببراءة ذمتك أنت، لأن ذمتك مضمومة إلى ذمته، فإن كان الدين باقياً وذمته مشغولة به، فأنت ملزمٌ به، وإن برئت ذمته بسداد الدين سقط الالتزام منك، بمعنى أنك لست بملزم، وحينئذٍ تبرأ ذمتك ببراءة ذمة الأصيل.
الحالة الثانية، أن تكون بسبب العفو، فمثلاً: لو أن صاحب الدين قال للمديون: عفوت عنك، والمال الذي لي عليك قد أبرأتك منه.
فإنه عندما عفا عنه برئت ذمة المديون، فإذا برئت ذمة المديون برئت ذمة الكفيل؛ لأن الفرع مبنيٌ على أصله، وإذا برئت ذمة الأصل برئت ذمة الفرع، وعلى هذا نقول: ليس من حق صاحب الدين بعد ذلك أن يقول: أنا سامحت صاحب الدين وأطالب الكفيل؛ لأن الكفيل لا يُطالب إلا بعد ثبوت الدين واستقراره على الأصيل، فإن برئت ذمة الأصيل برئت ذمة الكفيل لا العكس.
قوله: (لا عكسه).
مثال ذلك: لو أن رجلاً جاء يستدين منك مالاً، أو يشتري منك أرضاً، فقلت له: أعطني كفيلاً فأحرجك، وجاءك بابن عمك، أو جاءك بقريبٍ لك، واضطررت أن تديّنه على أن قريبك هو الكفيل، وأنت لا تريد الإحراج مع قريبك، فلما تم الدين، قلت لقريبك: أنت في حل من كفالتك، إذا قلت هذا الكلام، فإن هذا لا يستلزم أن المديون تسقط وتبرأ ذمته، وبناءً على ذلك فلك أن تبقي الحق والمطالبة على المديون، ومن هنا قال: إذا برئت ذمة الأصيل برئت ذمة الكفيل لا العكس.
أي: إذا برئت ذمة الكفيل لا تبرأ ذمة الأصيل.
الخلاصة: أنه إذا برئت ذمة الفرع لا يستلزم هذا براءة ذمة الأصل، وإذا برئت ذمة الأصل استلزم ذلك براءة ذمة الفرع.
(180/7)
________________________________________
جواز الضمان مع عدم معرفة الضامن للمضمون عنه
أي: لا يشترط معرفة الكفيل للشخص الذي كفله، وبالإمكان أن يكفل شخصاً لا يعرفه ومثال ذلك: لو أنك دخلت على صاحب البقالة فوجدت رجلاً مسكيناً لا تعرفه، ولكن ترى من حاله وسمته ودله ما يدل على الفقر والحاجة، فوجدته يقول له: ادفع حقي، فقال: ما عندي شيء أدفعه، أنظرني إلى نهاية الأسبوع، فقلت له: يا فلان! أنظره، فقال لك: تكفله إلى نهاية الأسبوع وإذا لم يسدد تسدد.
قلت له: نعم، أنا أكفله إذا لم يسدد نهاية الأسبوع أسدد عنه.
فأنت في هذه الحالة تكفل شخصاً لا تعرفه، فهل يصح ذلك؟ وهل يشترط في الكفالة أن تعرف المكفول؟

الجواب
نعم يصح ذلك، ولا يشترط في الكفالة معرفتك للمكفول؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُتِي برجلٍ ليصلي عليه فقال: (أعليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة: يا رسول الله! هما عليَّ) يعني: أنا أتحمل هذين الدينارين أن أعطيهما لصاحب الدين، فانظر إلى أبي قتادة كفل من لا يعرفه، فقبل منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الكفالة، وحينئذٍ فرّع العلماء: أنه لا يشترط في الكفالة معرفتك للشخص الذي تكفل عنه، وأنه يجوز أن تكفل الشخص الذي لا تعرفه، وعلى هذا قالوا: إذا لم يسدد تُلزم بالسداد سواء كنت تعرفه أو لا تعرفه.
(180/8)
________________________________________
جواز الضمان مع عدم معرفة المضمون عنه للضامن
قال: [ولا له] أي: ولا يعتبر أيضاً معرفة المضمون لك، فهذا الشخص الذي تضمنه لا يشترط أن يكون يعرفك، فلا يشترط أن تعرفه، ولا يشترط أن يعرفك، فبينكما أخوة الإسلام، خاصة إذا قصدت من هذه الكفالة التيسير على المعسر، وتفريج عن كربة المكروب، فإن الله يأجرك، وهذا من أعظم ما يكون من الأجور في الكفالة، بشرط أن لا يدخل الإنسان على نفسه الخطر والضرر والغرر، أما إذا كان على سبيل الرفق بالناس والإحسان إلى الناس، فإن الله سبحانه وتعالى يلطف بصاحبه، ويكون من أعظم ما يكون في الكفالة؛ لأنك تكفل إنساناً دون قصد المحاباة، ولا يدخل عليك على سبيل الإحراج، فأنت لا تعرفه وهو لا يعرفك، ولكن تعلم أن هذا العمل الذي تفعله إنما هو من صالح الأعمال وأجلِّ القربات لذي العزة والجلال، فتقدم عليه رغبة فيما عند الله من الثواب، ورهبة مما عند الله من العقاب؛ لأنك تخشى أن الله يسألك عن هذا المكروب، لماذا لم تفرِّج كربته؟! وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى يقول: (يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب! كيف أُطعمك وأنت رب العالمين، فيقول الله تعالى: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه -يعني وأنت قادر على إطعامه- أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي).
فإذا وجد الإنسان إنساناً لا يعرفه، وهو يرى عليه أثر الضعف، وأثر الفاقة والفقر، وأقدم على ذلك فإنه يؤجر.
وهكذا لو جاء إلى صاحب بقالة، وقال له: أي شخص تراه محتاجاً أو ضعيفاً أو كبيراً في السن، أو من هذا الحي من جيراني لا داعي أن تذكر لي اسمه، أريد الأجر والثواب، إذا علمت أنه يستدين منك وفيه فاقة وحاجة، فديِّنه واجعل سداده علي، فأنا كفيلٌ له.
فأنت تكفل المجهول؛ لأنك قلت له: أي شخص، فهذه كفالة بالمجهول، فحينئذٍ لا يعرفك المدين؛ لأنك قلت له لا تخبر أحداً.
فتسدد عنه لله وفي الله، إذاً: كَفِلتَه وهو مجهول لا تعرفه ولا يعرفك، فلا يشترط معرفته لك، ولا معرفتك له، فيجوز لك أن تكفل من يجهلك ومن تجهله.
(180/9)
________________________________________
عدم صحة الضمان بدون رضا الضامن
قال رحمه الله: [بل رضا الضامن] أي: يشترط رضا الضامن، وعلى هذا لا تصح الكفالة بالإكراه، فلو أن شخصاً أُكره على كفالة شخص وثبت عند القاضي أنه مكره لا تصح الكفالة، بل يشترط الرضا؛ لأن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، فحرّم الله عز وجل أكل المال بالباطل، واشترط الرضا في حل مال المسلم، فأنت إذا كفلت يُشترط أن تكون راضياً بهذه الكفالة، وعلى هذا فإنك إذا كفلت بالرضا أُلزِمت بما تحمّلته والتزمته للناس.
(180/10)
________________________________________
صحة ضمان المجهول إذا آل إلى العلم
قال رحمه الله: [ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم] المجهول: ضد المعلوم، وضمان المجهول أن تقول: هذا الدين الذي يأخذه فلان منك أنا أتحمله، أو تقول: دَيِّن فلاناً، أو أعطِ فلاناً، أو بِع من فلان، وأنا متحمِّلٌ به، فهو مجهولٌ يئول إلى العلم، وقالوا: إن الدليل على ذلك قوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف:72]، فإن حمل البعير مجهول؛ لأن حمل البعير كما هو معلوم مجهول النوع ومجهول الصفة، ولكنه يئول إلى العلم؛ لأنه يتقدر بالعرف، ومن هنا قالوا: يجوز أن يضمن المجهول الذي يئول إلى العلم.
(180/11)
________________________________________
جواز ضمان العارية
قال: [والعواري] والعواري: جمع عارية، فالضمان كما يقع في الدين، يقع في العواري، كما لو جاء شخص يريد أن يستعير سيارة، أو يريد أن يستعير أمتعة، كما يقع في بعض الأحيان، يكون عند الشخص مثلاً أمتعة تصلح لقضاء الأغراض والحوائج، مثل: الأواني للطبخ، أو المفارش للجلوس عليها، فجاء شخص عنده زواج أو عنده مناسبة، وهذا الشخص لا يعرفك ولا تعرفه، لكنه يعرف أن عندك هذه الأشياء، فقال لك: يا فلان! أعطني هذه المفارش، أو أعطني هذه الأواني، فتقول له: لا أعرفك، ولكن ائتني بشخص يتكفّل بضمان حقي، أو برد هذه العارية إذا أعطيتها لك، فحينئذٍ إذا جاء بشخص يعرفه، فقد ضمن العارية.
والعارية: هي بذل المنفعة بدون عوض، وتقع أيضاً في المنائح، كما في الإبل والبقر والغنم، كأن يكون عند الشخص الفحل من الإبل والبقر والغنم، فيحتاجه جاره، أو يحتاجه أحد فيقول: أعطني الفحل للضِّراب، فيقول: أعطني كفيلاً، أو أعطني حميلاً، أو أعطني ضامناً، فيضمن المنيحة.
وبهذا تُضمن العواري، وكل ذلك جائزٌ ومشروع؛ لأنه كما ضُمنت العين تضمن المنافع.
(180/12)
________________________________________
جواز ضمان المغصوب
قال: [والمغصوب] أي: يجوز ضمان المغصوب.
مثاله: لو أن شخصاً غصب سيارة، فخاصمه صاحب السيارة إلى القاضي، فحكم القاضي بأن على فلان أن يرد الغصب، فقال الغاصب: سأحضِرُ المغصوب بعد يوم أو بعد أسبوع، فقال صاحب الحق: لا أرضى حتى يعطيني كفيلاً، هذا رجل كذاب، أو رجل مماطل، أُريد كفيلاً، فجاء بكفيل يضمن أنه يحضر المغصوب بعد يوم أو بعد أسبوع، فهذا جائز في المغصوبات.
(180/13)
________________________________________
حقيقة المقبوض بسوم وصحة الضمان فيه
قال: [والمقبوض بسوم] أي: تصح الكفالة في المقبوض بسوم، وهذا يقع في المزادات، كما لو رسا المزاد على عشرة آلاف ريال في شيء من الألبسة، أو الأغذية أو نحوه، مثال ذلك: لو كان من لباس النساء، والرجل ليس معه أهله، فقال: أنا أقبض هذا اللباس، وأريه لأسرتي -لزوجته أو أخواته- فإن أعجبهم أخذته، وإن لم يعجبهم رددته، فهذا قبضه بسوم؛ لأن قيمته حُدِّدت بسوم، وعلى هذا إذا التزم بهذه القيمة، ورضيت أسرته بالملابس فعليه أن يدفع القيمة، وإذا كان الشخص لا تعرفه، فقلت له: أعطيك هذا الفستان أو هذا اللباس، أو هذا الشيء الذي أنت رضيت أن تعرضه على أهلك، ولكن بشرط أن تعطيني كفيلاً، فالمقبوض بسوم ثبتت قيمته والدين فيه ثابت متى ما رضي، وحينئذٍ يصح ضمانه، لكن إذا كان غير معلوم القيمة، ولم يثبت على قيمة فإنه لا يصح ضمانه، إذاً لابد من ضمانه بعد ثبوت قيمته حتى تصح الكفالة بالمعلوم؛ لأنه لو لم يقبض بسوم لم يتحدد ولم تتبين قيمته، بل يكون من ضمان المجهول الذي لا يئول إلى العلم؛ لأنه يحدث فيه نوع من الغرر، وعلى هذا قالوا: لا يُضمَن إلا إذا ثبتت قيمته وعُرِف استحقاقه، فيقول الكفيل لصاحب السلعة: أعطِه هذا الثوب يريه أهله، فإن أعجبهم ورضوا به، فأنا أتحمّل لك أن يعطيك عشرة آلاف قيمته، فإن لم يحضرها لك غداً، أو إن لم يحضرها لك بعد غد، فأنا كفيله أحضِرها عنه، وبناءً على ذلك كفلت، وكانت الكفالة في مقبوضٍ بسوم، وتكفّلتَ على أن تدفع المبلغ الذي ثبت استحقاقه، لكن لو كان غير معلوم القيمة، تكفَل ماذا؟ وكيف سيطالبك؟ وبناءً على ذلك قالوا: لابد أن يكون مقبوضاً بسوم حتى تُعلم قيمته، يعني: يتحدد قيمته.
فالمقصود من كلمة: مقبوض بسوم، أن تتحدد القيمة، فخرج المقبوض الذي لم تثبُت قيمته بعد بأن يكون متردداً؛ لأنه يحدث فتنة، فلربما قال له: نعم، هذا قيمته عشرة آلاف، فيقول الكفيل: لا، بل قيمته ثمانية آلاف، فيحدث مثلما يحدث في بيع الغرر، فإذا لم تثبت قيمته وثمنه على شيءٍ معيّن، فإنه لا يصح ضمانه، إنما يصح ضمان المقبوض بسوم وهو الذي حُدِّدت قيمته.
(180/14)
________________________________________
حقيقة عهدة المبيع وجواز الضمان فيه
قال: [وعهدة مبيع] مسألة العهدة في القديم من صورها أنهم كانوا يبيعون الدواب ويبيعون الأرقاء، ويحتاج هذا المبيع إلى تجربة، فلربما ظهر العيب فيه، فكانوا يعطون العهدة ثلاثة أيام، تأخذ هذا المبيع وتجرِّبه، فإن ظهر به أي عيبٍ رددته عليه ويضمنه، وهذا معروف في زماننا بما يسمّى: بالضمان، فالسيارة إذا اشتريتها تتعهد المؤسسة أنها تضمنها سنة، أنه لو ظهر فيها عيب، مثلاً في محرِّكها، بحيث يكون العيب راجعاً إلى ذات السلعة المبيعة، وناشئاً من ذات الرقبة المبيعة، وليس من تصرُّفِك أنت.
فمثلاً يعطيك سيارة، ويقول لك: أنا أضمن لك هذه السيارة سنة كاملة، أنك تقضي عليها مصالحك، وتقودها بالصفة المعتبرة، فإن حدث فيها أي عيبٍ في محرِّكها، أو في هيكلها، راجعاً إلى سوء الصنعة لا إلى سوء الاستخدام، فإنه على هذا الوجه يضمن، وحينئذٍ يصح الضمان، ويتحمّل المسئولية بحيث أنه إذا ظهر بها عيب على هذا الوجه، يستحق أن يُرد المبيع، ويضمن الشخص الذي تحمّل بالضمان.
هذا بالنسبة لمسألة الضمان في عهدة المبيع.
فرَّع العلماء في زماننا الحاضر على مسألة عهدة المبيع، عهدة السيارات سنة، لكن بعض أهل العلم من المتأخرين ينازع، ويقول: إنما تُعرف العهدة بالمدة التي لا غرر فيها، فلا غرر في المدة الطويلة والأجل الطويل، كالسنوات ونحوها، ولكن الحقيقة هذا النوع من الضمان الموجود في السيارات في العصر الحاضر له وجهٌ من الصحة، وأنه إذا التزم بأن السيارة يستخدمها سنةً، فإن ظهر فيها عيبٌ من الصنعة لا من الاستخدام ضَمِنه، فإن هذا له وجه، ويُعتبر من الضمان الشرعي.
الخلاصة أنه لو قال له: أنا أضمن أن هذه السيارة إن ظهر بها عيب تردها لي، هذا إذا كانت مؤسسة أو شركة تتحمل هذا الضمان، وليس عندنا إشكال، لكن في بعض الأحيان يبيعك فرد أو شخص فيقول لك: خذ هذه السيارة وأضمنها لك شهراً، على أنه إذا ظهر فيها عيب من سوء الصنعة تردها لي، لكن أنت لا تثق به، فتقول له: أعطني كفيلاً يضمن أنه إذا ظهر بها عيب أردها عليك.
فحينئذٍ يعطيك الكفيل وتصح الكفالة على هذا الوجه.
(180/15)
________________________________________
حكم الضمان في الأمانات
قال رحمه الله: [لا ضمان الأمانات] يقول رحمه الله: (لا ضمان الأمانات) الأمانات: جمع أمانة، وقد قدّمنا أن اليد تنقسم إلى قسمين: يد ضمان، ويد أمانة، ويد الضمان: أن تأخذ الشيء وتتحمل المسئولية عنه غنماً وغرماً، وإذا حدث بذلك الشيء ضرر فأنت المسئول عن هذا الضرر، فهذا مفهوم يد الضمان، وأما يد الأمانة: فهي أنك لا تضمن إلا إذا فرّطت، وبناءً على ذلك ذكرنا: أنه إذا أخذ شيئاً وكان من جنس ما يُضمن صح الضمان، وإن كان من جنس ما لا يضمن لا يصح الضمان، فالعارية لو أتينا بصورتها في مثال: هي أن يأتي ويقول لك: أعطني سيارتك أذهب بها إلى مكان كذا، أو أستخدمها يومين أو شهراً أو أسبوعاً، هذه عارية، والعارية فيها قولان: الأول: أن اليد فيها يد أمانة، الثاني: أن اليد يد ضمان، والمصنِّف رحمه الله رجّح أنها يد ضمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ل صفوان بن أمية رضي الله عنه لما قال له: (أغصباً يا محمد! قال: بل عارية مؤداة) هذا عندما أخذ منه أدرعه ومتاعه لغزوة حنين، وقال في خطبة حجة الوداع: (العارية مؤداة، والمنيحة مردودة، والزعيم غارم، والدين مقضي)، فلما قال: (العارية مؤداة)، يعني: مضمونة، فلو أخذ شيئاً عارية فعليه أن يضمنه، أما الودائع فقلنا: إن الوديعة أمانة، فلو أن شخصاً جاء وأعطى شخصاً ساعة، وقال: هذه الساعة ضعها وديعة وأمانة عندك، قال له: لا بأس قبلتُها أمانة عندي.
فلما رضي الشخص الآخر أن يضعها أمانة عنده، فإنه ليس من حق صاحب الساعة أن يقول له: أعطني كفيلاً؛ لأن الكفيل لا يقع في الأمانات؛ لأن يد هذا الرجل يد أمانة وليست بيد ضمان، إلا إذا كان من جنس الأمانات التي تئول إلى الضمان، فهذا استثناه بعض العلماء رحمهم الله حيث قالوا: إن الأمانات التي تئول إلى الضمان يصح فيها الضمان، وذلك في حال ما إذا صارت إلى الضمان أو إذا آلت إلى الضمان.
(180/16)
________________________________________
التعدي في الأمانات يوجب الضمان
قال: [بل التعدي فيها] قوله: (بل التعدي فيها) فما معنى التعدي فيها؟ يعني: من حقك أن تقول له: هذه الساعة ضعها أمانة عندك، قال: قبلت.
فقل له: لكن أحتاج إلى كفيل يكفلك بأنك إذا تعدَّيت فإنك تضمن، فالأصل أن يده يد أمانة، لكن تنتقل إلى الضمان متى؟ إذا تعدَّى فيها، ومثال آخر: إذا أعطيته مائة ألف ريال وديعةً عنده، أو أعطيته كيلو من ذهب وديعة عنده، فقال لك: أنا قبلت أن نضع هذا الذهب وديعةً عندي.
فتقول له: أعطني كفيلاً أنك إذا تعدَّيت وتصرّفت فيها فإنك تضمنها، حينئذٍ صارت ضماناً وذلك بعد خروجها من يد الأمانة إلى يد الضمان؛ لأنه إذا تعدى في الأمانة ضمِن، ومن هنا قالوا: لو أعطاه صندوقاً مقفولاً فإنه أمانة، لكن لو فتش الصندوق المقفول انتقل من الأمانة إلى الضمان، فحينئذٍ أنت من حقك أن تقول: هي أمانة، والأمانة لا تضمن، لكني أريد كفيلاً بحيث لو تعدّيت أو فرّطت فيها فهو يكفلك أو يكون ضميناً عنك، فحينئذٍ يصح ويجوز الضمان.
(180/17)
________________________________________
الأسئلة
(180/18)
________________________________________
جواز ضمان المجهول الذي يئول إلى العلم

السؤال
أشكل علي اشتراط تحديد القيمة في المقبوض بسوم مع جواز ضمان المجهول أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن سؤالك جيد واستشكالك في محله، لكن ينبغي أن تتنبه لمسألة ضمان المجهول، حيث قلنا: يُضمن المجهول إذا آل إلى العلم، ولم نقل: المجهول المطلق، فالمجهول الذي يئول إلى العلم هو الذي يُضمن، صحيح أننا لو قلنا: يُضمن المجهول مطلقاً لما صح ذلك، أما كوننا نقول: المجهول الذي يئول إلى العلم، فهو مجهول ابتداءً لكنه يئول إلى العلم انتهاءً ومآلاً، وعلى هذا فالجهالة فيه مغتفرة؛ لأنها ليست بمستديمة، وإنما يتقيد الحكم بوجود الجهالة المستديمة، أما الجهالة التي تزول فإن وجودها وعدمها على حد سواء؛ لأنها تئول إلى العلم، وعلى هذا لا يستقيم الإشكال إلا إذا كان المجهول لا يئول إلى العلم، وتبقى الجهالة مستصحبة إلى أن تثبُت الكفالة ويُحكم بها، أما إذا آل إلى العلم فإن الجهالة مرتفعة، والله تعالى أعلم.
(180/19)
________________________________________
حكم تصرف المرأة في مالها ومتى يحجر عليها

السؤال
هل المرأة تعتبر من المحجور عليهم، وهل لها التصرف في مالها دون استئذان زوجها أثابكم الله؟

الجواب
اختلف أهل العلم في حكم تصرف المرأة بمالها إذا كانت بالغة، فجمهور العلماء وجمهور السلف والخلف على أن من حق المرأة أن تتصرف في مالها، والنصوص دالة على هذا، ولكن خالف في هذه المسألة بعض السلف، كما روي عن شريح وهو قاضي أمير المؤمنين عمر، وكان قاضياً لثلاثة من الخلفاء، ل عمر وعثمان وعلي.
أبو أمية شريح الكندي رحمه الله برحمته الواسعة، من أجلاء القضاة وأهل العلم، وهو الذي قضى على علي بن أبي طالب، فآمن اليهودي لما رآه قضى على أمير المؤمنين، وكان ممن لا تأخذهم في الله لومة لائم.
هذا الفقيه يقول: عهِد إليّ عمر أن لا أُجيز لامرأة عطيّتها حتى تحول حولاً أو تلد ولداً، فأخذ منه بعض الفقهاء كما هو مذهب المالكية قالوا: المرأة يجوز لها أن تتصرف في حدود الثلث، والزائد عن الثلث ينظر فيه زوجها، إن كان مصلحة أجازه، وإن لم يكن ثم مصلحة لم يُجِزه، ولذلك يقول بعض فقهائهم في هذه المسألة: وزوجةٌ في غير ثلث تُعترض كذا مريض مات في ذاك المرض حينما بين أصناف المحجور عليهم.
فذكر المحجور عليهم في حدود الثلث، فقسموه إلى قسمين: المريض مرض الموت يُحجر عليه فيما زاد عن الثلث، إذا تصرّف فيه بالهبة، والمرأة فيما زاد عن الثلث إذا تصرّفت بالهبة، والسبب في هذا -وقد يستغرب البعض هذا القول، وقد يكون مدخلاً لبعض أمراض النفوس، والواقع أن من نظر في حال السلف يعرف مدخل هذا القول وسببه- أن المرأة في القديم كانت لازمة لبيتها، لا تعرف الخروج ولا تخالط الناس، حتى قالت أم عطية: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نُخرِج العواتق وذوات الخدور).
فالمرأة التي لم تتزوج كانت لا تعرف شيئاً، ماكثة في بيتها، بل منهن من لا تخرج من بيتها إلا إلى بيت زوجها، لا تعرف كيف تبيع، ولا تعرف كيف تشتري، ولا تأخذ ولا تعطي، إنما جاهلة بدنياها عالمة بدينها، إذا ربّت ربّت رجالاً على الصلاح والدين والاستقامة، حتى أُثِر عن بعضهن أنها خرجت ذات يومٍ لحاجة فبكت أنها رأت رجلاً؛ وذلك دليل لما كن عليه من العفة والصلاح والديانة، فكانت المرأة في بيتها ربة بيت تملأ العين، تقوم على حقوق بعلها، وبيتها على أتم الوجوه وأكملها، لا تعرف الرجال، ولا تخالطهم، ولا تخاطبهم، ولا تعرف لا بيعاً ولا شراءً، فمن هنا كانت المرأة غالباً لا تُحسن التصرُّف، ولذلك كانوا يجدون الحرج في اختبار اليتيمات، لقد كانوا يختبرونهن بالغزل وبيع ما يغزلن، فإذا باعت غزلها نُظِر كيف تتصرف في البيع، هل تبيع بمثل القيمة أو بأقل، ثم يُحكم برشدها؛ لأن الله يقول: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} [النساء:6]، فشمل الذكور والإناث.
الشاهد أن المرأة كانت على هذه الصفة من الجهل في التعامل، ولذلك تجد بعض من لا يعرف أحكام الشريعة يتمسك بهذا الحكم والقول، ولا يعرف مغزاه، ولا يعرف البيئة التي نشأ فيها هذا القول، فالنساء كنّ لا يعرفن هذه الأمور ولا يخالطن الرجال، ولا يتعاملن بالأخذ والعطاء إلا النزر القليل، وكانت المرأة إذا جاءها المال يُصبح عندها ويمسي وقد جعلته في آخرتها، تتصدق به، وتصل به الرحم، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه أتاها عطاؤها من أمير المؤمنين معاوية ستين ألف درهم وهي صائمة، فوزّعتها من ساعتها، ثم أرادت أن تفطر فلم تجد شيئاً تفطر به، فتقول لها إحدى إمائها: هلا أمسكتِ شيئاً مما جاءك فقالت رضي الله عنها: لقد نسيت هلا ذكرتني.
الله أكبر، الله أكبر، كنّ جاهلات بالدنيا، ولكنهن عالمات بالدين، وكانت المرأة عن أُمّة، رضي الله عنهن وأرضاهن، من الذي ثبّت قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الله عز وجل، إنها خديجة بنت خويلد، تلك المرأة العاقلة الحكيمة، فكانت المرأة عن أمة من الناس.
وسفيان الثوري رحمه الله برحمته الواسعة لما توفي والده وهو صغير نشأ يتيماً، فقالت له أمه: يا بني اطلب العلم.
فقال: إني أريد أن أسعى لطلب الرزق.
يعني أكفيك الرزق، قالت: لا، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي.
فكانت تغزل وتسهر وتكدح، كل هذا من أجل أن يتعلم ابنها العلم، فصار الإمام سفيان الثوري من أئمة السلف ومن دواوين العلم، فهو الحجة الثبت الذي كان آية في العلم والعمل والصلاح أن المعرفة، هذا الإمام العظيم حسناته في ميزان حسنات أمه الصالحة، فكانت المرأة عن أُمَّة.
فالمرأة إذا تصرفت في مالها بالرشد فإن المال مالها والحق حقها، وليس من حق الرجل والزوج أن يتدخل في راتب زوجته، وليس من حقه أن يحجر عليها، ولا يجوز له ذلك؛ لأن المال مالها ولا يجوز أن يضيق عليها ولا أن يظلمها، وبالمناسبة، أنبِّه على أن بعض الأزواج يجرؤ على مال زوجته، حتى إن بعض النساء تعمل في تدريسها وتعليمها، ويطالبها زوجها بمالها كاملاً، وهذا من أكل المال بالباطل، فلا يجوز ذلك إلا إذا كان كما قال الله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء:4]، أما ما لم تطِب به النفس، أو جاء عن إكراه، أو جاء عن إحراج، فإنه الحرام الذي حرّم الله ورسوله، ولا يجوز الاعتداء على أموالهن، والأذية والإضرار بهن، وينبغي على المرأة أيضاً أن تتقي الله في إنفاقها، وأن تكون رشيدة في تصرُّفها في المال، وبالمقابل فإنه من حق الزوج إذا نظر من زوجته أنها لا تحسن التصرف في المال أن يأخذ على يدها، مثلاً عندما يكون راتب المرأة خمسة آلاف ريال، ولا يأتي نصف الشهر إلا وهي تستلف وتقترض، وتتحمل الديون، ويجد أن هذه الخمسة الآلاف تصرف في المظاهر والملابس، وكل يوم لها ملبس، وكل يوم لها شيء تتجمل به، فهذا فيه سرَف ومن حقه أن يحجر عليها، أما إذا تصرفت تصرفاً رشيداً، فهذا مالها ولا يجوز أكله بالباطل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.
(180/20)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - فصل في الكفالة
الكفالة لها تعلق بمسألة إحضار الغريم، وتسمى: كفالة الأبدان، وإحضار الغريم إما لتسليم ما عليه من حقوق، وإما لمثوله أمام مجلس القضاء.
وتكون الكفالة فيما يتعلق بالحدود والقصاص ممن لديه القدرة على إحضار من عليه الحق، كرؤساء العشائر وأشباههم، والكفالة مشروعة كالضمان؛ لما فيها من حفظ الحقوق للناس، وفي مشروعية الكفالة حكم عظيمة وفوائد جليلة، وبها تجلب المصالح وتدفع المفاسد.
وتصح الكفالة في العواري والمغصوبات كما تصح في الأبدان، ولها أحكام عدة تتوقف عليها صحتها كرضا الكفيل وغيرها من الأحكام.
(181/1)
________________________________________
الكفالة معناها ومشروعيتها وما يتعلق بها من أحكام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن المصنف رحمه الله تعالى يقول: [فصلٌ: وتصح الكفالة بكل عين مضمونة وببدن من عليه دين] شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان الأحكام المتعلقة بالكفالة، والعلماء رحمهم الله كما تقدم، منهم من جعل الضمان والكفالة والقبالة والزعامة والحمالة بمعنى واحدة، فيقولون: الكفيل والضمين والحميل والصبير والقبيل كلها بمعنى واحد.
وعلى هذا قالوا: لا فرق بين الكفالة والضمان، لكن فقهاء الحنابلة والشافعية رحمهم الله يفرِّقون بين الكفالة والضمان، فيجعلون الضمان للأموال.
ومن كان عليه دين أو لآخر عليه حق فإنه يمكنك أن تضمن عنه وذلك بأن تضيف ذمتك إلى ذمته.
وأما الكفالة، فإنهم في الغالب يجعلونها للحضور، أي: تكون متعلقة بالأبدان والأعيان، وإن كان في بعض الأحوال يُلزَم فيها بالضمان، ولكنهم في الأصل يجعلونها متعلقة بالعين وبالبدن.
والكفالة في لغة العرب تطلق بمعانٍ، يقال: كفل الشيء وتكفَّل بالشيء إذا قام به وضمّه إليه، قال تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران:37]، أي: ضمّها زكريا إليه فقام عليها، وقال تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} [القصص:12]، أي يقومون عليه برضاعه وما يتعلق من شأنه.
فالكفالة تطلق بهذا المعنى، كما أنها بالتحريك يقال: كَفَل، الكَفَل هو العَجُز من الإنسان، ويطلق الكِفْل بالكسر على الحظ والأجر والثواب، كما قال تعالى: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الحديد:28]، أي: حظاً وأجراً، قيل: مضاعفاً.
وأما بالنسبة للاصطلاح، فالكفالة: هي التزام رشيدٍ بإحضار من عليه الدين لربه، وكذلك بعض العلماء يضيف إليها: التزام رشيد ببدن من عليه الحق لربه بماله أو ببدنه.
ويتعلق بهذا الخلاف المشهور، هل الكفالة تكون فقط في الأموال، أو تشمل الأموال والأبدان، حيث يمكن أن يُضمن أو يتكفَّل بإحضاره للحدود والقصاص؟ كان هذا يقع في القديم، فإذا كان الشخص معتدياً على الغير بحق في عرضه أو في نفسه، فحينئذٍ يجب القصاص، أو يُطالب بحدٍ فيطلب من صاحب الحق أن يذهب إلى أهله أو إلى عشيرته، فيقال: ائتنا بمن يكفل حضورك، فهذا النوع اختلف فيه العلماء والأئمة من السلف رحمهم الله، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه.
والمصنِّف رحمه الله ذكر أحكام الكفالة بعد الضمان، ويتعلق بها مسألة إحضار الغريم، فإذا كان هناك شخصان لأحدهما على الآخر دين، وقال المدين لصاحب الدين: أمهلني أُسبوعاً أُحضر لك حقك.
وغالباً ما تقع الكفالة فيما لو إذا حصل أو حضر وقت السداد، فيقول صاحب الدين: لا أمهلك فيقول له: آتيك بكفيل يتكفل بإحضاري إن غبت، خاصة إذا كان يريد أن يقاضيه، فإنه يحتاج إلى من يكفله للحضور.
فيقول: ائتني بمن يكفل حضورك، فحينئذٍ يقول الشخص: أنا متكفِّل ببدنه، أي: متكفِّل بإحضاره.
هذه صورة من صور الكفالة، والإحضار إما أن تحضره لصاحب الدين، ويكون عند صاحب الدين قوة يستطيع أن يتوصل بها إلى حقه إذا حضر المدين، وإما أن يطالبك بإحضاره إلى القضاء، فتقول له: أنا متكفِّل إذا لم يسددك الجمعة أن أُحضره يوم السبت إلى مجلس القضاء، فهذه كفالة حضور، فالكفالة كفالة ضمان بالحق، وكفالة حضور، وهذا النوع قال به جماهير السلف رحمهم الله والأئمة والخلف، فيقولون: يشرع أن يتكفل لك الشخص بإحضار من عليه الدين، قالوا: والحاجة داعية إلى ذلك، فإنه ربما احتاج المدين إلى مهلة وإلى وقت، ولا يثق صاحب الدين فيه، ووجود الكفالة فيه يسر على الناس ورحمة وتوسعة، ثم إن المدين قد لا يثق فيه صاحب الدين، وقد تكون الحقوق بين أشخاص ليست بينهم معرفة، فيعطيه كفيلاً أو يحضر له كفيلاً يعرفه، ففي هذا من التوسعة على الناس ما لا يخفى.
وقالوا: إن الكفالة لها أصل من السنة في حديث الرجل الذي استدان المال، فقال له صاحب الدين: ائتني بشهيد، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: ائتني بكفيل يكفلك، قال: كفى بالله كفيلاً، فدفع إليه المال -وهذا يظهر لنا صدق الإيمان! وقوة اليقين بالله عز وجل! وصلاح الناس! - فبعض الناس إذا تعامل بالدنيا رماها وراء ظهره، وجعل الآخرة نصب عينيه، فإن قال صدق، وإن وعد وفَّى، فلا يكذب ولا يغش، وإذا أعطى كلمة لا يمكن أن يتراجع فيها، فلما استشهد الله وكفى بالله شهيداً، وجعل الله كفيله، وكفى بالله كفيلاً ووكيلاً سبحانه وتعالى، فمضى ذاك الرجل إلى بلده، ثم لما حضر أو قرب وقت السداد والمطالبة التمس سفينة يركبها فلم يتيسر له ذلك، فلما أعياه الأمر أخذ جذعاً من النخل، ثم احتفره ووضع فيه المال، وكتب فيه اسم صاحبه، ثم وضعها بين ذلك اللوح، ثم ألقاه في البحر، وقال: اللهم! إني قد جعلتك شهيداً وكفيلاً.
ثم رمى به في البحر وسأل الله أن يوصله لصاحبه.
ثم إن صاحب الدين لما استبطأ الرجل خرج يلتمس حضوره، فكان ينتظر أن يأتيه فإذا به يجد ذلك اللوح، فقال: لو أخذته حتى يكون حطباً لأهلي، فلما جاء به إلى بيته وشطره إذا به يجد الكتاب والمال، فقرأ الكتاب وعد المال فإذا هو حقه كاملاً.
ولا شك أن من صدق مع الله صدق الله معه، فما ضر الناس إلا ضعف الإيمان بالله عز وجل، وإلا لو أن القلوب صلحت لله عز وجل، لرأت من تيسيره ومنِّه ووفائه وبره وكرمه سبحانه وتعالى ما لم يخطر لها على بال، ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:111]، مَن: بمعنى لا، أي: ولا أوفى بعهده من الله.
فأخذ الرجل حقه، ثم لما حضرت السفينة على المدين، وهو يشك في كون المال وصل إلى صاحبه، بناءً على أن ذمته مشغولة، فجاء إلى صاحب الدين، وقال له: اعذرني فإني لم أجد مركباً، وجلس يعتذر إليه، فقال له: قد جاءني حقي، ثم ذكر له الخبر، وذكر له القصة.
فالشاهد في قوله: ائتني بكفيل.
فقال: كفى بالله كفيلاً.
فقوله: ائتني بكفيل، هذا أصل من السنة على مشروعية الكفالة، وأخذ به طائفة من العلماء، وترجم له الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وهو أصل عند أهل العلم، ولذلك قال جماهير السلف والخلف رحمة الله عليهم بمشروعية الكفالة، وإن كان هناك اختلاف في قول عن الإمام الشافعي رحمه الله في مسألة الكفالة أنها لا تصح، وصحح طائفة من أصحابه قوله بجوازها ومشروعيتها.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
وعلى هذا فإن الكفالة مشروعة كالضمان؛ لأن المقصود من الكفالة ومن الضمان حفظ حقوق الناس، ووجود الكفلاء ووجود من يضمن يعتبر شيئاً من الاستيثاق، وعلى هذا تطمئن لحقك، فإنك قد تثق بزيد الكفيل أكثر من ثقتك بغيره، وفي مشروعية هذا النوع من المعاملات لا شك أن فيه حكماً عظيمة وفوائد جليلة كريمة، فبهذا النوع من المعاملات تتحصل المصالح وتدفع المفاسد.
والمصنف رحمه الله من دقّته ذكر المسائل التالية: المسألة الأولى ذكر فيها ضمان الديون الواجبة، ومثّلنا لذلك وبيّنا دليل مشروعيته والأصل فيه، ثم بعد أن فرغ من بيان الديون الواجبة والمستقرة شرَع في ضمان الديون التي تئول إلى الوجوب، كما ذكرنا في العارية والأمانات إذا تعدى فيها المتعدي، ثم كذلك أشرنا إلى النوع الثالث من الضمان، وهو ضمان الديون المضافة إلى المستقبل، كقولك: أعط فلاناً ما يحتاجه وأنا ضامنٌ لك.
كأن تقول: لصاحب بقالة: إذا أتاك صاحب عائلة، فأعطه ما يحتاج، وأنا أضمن لك نهاية الشهر إن لم يسددك أسددك، فهذا ضمان بما يئول في المستقبل إلى الدين.
فعندنا ثلاثة أنواع من الديون: الديون المستقرة الثابتة، كرجل له على آخر مائة ألف، فتقول: أنا أضمنه أن يسددها، في دين ثابت مستقر، والديون التي تئول إلى الوجوب، وذلك كما في العارية إذا تعدى عليها، وكذلك أيضاً في الأمانات إذا تعدى فيها.
كذلك النوع الثالث: وهو الضمان فيما يئول إلى الدين مستقبلاً، كما مثلنا بصاحب البقالة، فهذا ضمانٌ بدينٍ في المستقبل فليس بحال ولا ثابت.
وعلى هذا بعد أن فرغ من الثلاثة الأنواع شرع في النوع الرابع، وهو مضاف إلى ما قبله، وحقيقته أن تتكفل بضمان الشخص نفسه، أي: تتكفل بإحضار الشخص نفسه لأخذ الحق منه، فإن تكفّلت بإحضاره، فحينئذٍ تكون ملزماً شرعاً بإحضار هذا الخصم أو إحضار هذا المدين لصاحب الحق، على حسب ما وقع الاتفاق بينكما، ومن هنا تكون الكفالة أشبه بالعقد، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، فأنت إذا قلت: أنا كفيل بأن أحضِر لك فلاناً في نهاية الشهر إلى مجلس القضاء أو نحو ذلك، فقد ألزمت نفسك، وحينئذٍ يكون عقد الكفالة عقداً إلزامياً، فلا تملك الخروج من الكفالة إلا بصفة شرعية، أو بإذنٍ شرعي يبيح لك أن تخرج من هذا الالتزام.
والله تعالى أوجب علينا أن نفي بالعقود، فأنت إذا قلت: أنا كفيله أو أنا متكفِّل به، فأنت ملزم به، ثم تقوم الكفالة على كافل، وهو الشخص الذي يتحمّل، وهي اسم فاعل، فالكافل هو الذي يفعل الكفالة ويقوم بها، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) يعني الذي يقوم بكفالة اليتيم، فالكافل هو الشخص نفسه، والمكفول هو الذي عليه الدين وعليه الحق، أو الذي يجب حضوره إلى مجلس القضاء.
وقد يكون المكفول عيناً كما يكون شخصاً، كما تقول: أنا متكفل بإحضار فلان، فقد تتكفل بالعين، والكفالة بالعين مثلما يقع في العواري، كرجلٍ جاء إلى آخر وقال له: أعطني سيارتك أريد أن أذهب بها إلى مكان كذا، فيقول له: أعطيكها ولكن بشرط أن تحضرها لي غداً، فقال له: قبلت، يقول له: أعطني كفيلاً بإحضارك لها غداً، فيأتي الشخص بكفيل ويقول: أنا متكفلٌ بإحضار السيارة لك غداً، فهذه كفالة بعين، فهناك كفالة للشخص وكفالة للعين.
إذا قلت: أنا متكفلٌ بإحضاره، أو متكفلٌ ببدنه، أو متكفلٌ بذاته لا إشكال، لكن الإشكال إذا أضفت الكفالة إلى الجزء، فقلت: أنا كفيل برأسه، أو كفيل بيده، أو ك
(181/2)
________________________________________
حكم الكفالة في الحد والقصاص
كفالة البدن في الحقوق كالقصاص، وهذه كانت تقع في القديم، ويحتاج إليها كثيراً، كرجلٍ اعتدى على رجل، وحكم القاضي بالقصاص، فالتمس من الأولياء الذين لهم الحق أن يذهب إلى أهله، ويبرئ ذمته من الحقوق التي عليه، فقال لهم: أريد مهلة أسبوعاً قبل القصاص، أن أذهب إلى أهلي وأستوفي ما عليَّ من الحقوق، وأفعل وأفعل، فأولياء المقتول، أو صاحب الحق الذي له القصاص، قال: أعطني كفيلاً يقوم ويتكفل بإحضارك، فيقول شخص: أنا كفيله، وأنا متكفل بإحضاره.
وكثيراً ما كانت تقع هذه الكفالات من الوجهاء، كمشايخ العشائر ونحوهم ممن لهم قوة على الإحضار.
هذا النوع اختلف فيه العلماء على وجهين مشهورين: بعض العلماء يقولون: يصح هذا النوع من الكفالة، ومذهب الحنابلة على عدم صحته، فهم يرون أن الكفالة لا تقع إلا في البدن الذي عليه دين، دون الذي عليه حد أو قصاص، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا كان كفيلاً ببدن من عليه الدين فإنه يتحمل عنه كالضمان، لكن إذا كان في قصاص فإنه لا يمكننا أن نقتص من هذا الكفيل.
وقد أجاب عنهم من قال بجوازه، وهم طائفة من السلف منهم المالكية، قالوا: إنه لا يكفل إلا من كان قادراً على إحضاره، وفي بعض الأحيان يعجز غيره عن الإحضار، فالناس بحاجة إلى هذا النوع من الكفالة، كما يفعله وجهاء العشائر ونحوهم؛ وذلك لاستطاعتهم، فأنت تريد أن تمهل هذا الخصم، ولكن تريد ما تستوثق به، فإذا وُجِد من يتكفل بإحضاره فلا شك أنه تتحصل بذلك المصالح العظيمة، ثم إننا لا نقتص من الكافل، وإنما نقتص من المكفول، إلا أن فائدة هذا النوع من الكفالة المعونة على إحضاره، والمعونة على الرفق، فإذا رضي أولياء الحق في الحد والقصاص بذلك فلا وجه للمنع.
في هذه الحالة تكون الكفالة في بعض الأحيان بإحضار من عليه قصاص إلى مجلس القضاء.
كأن تقول: أنا كفيل بإحضاره إلى مجلس القضاء، أو إلى موضع القصاص في يوم كذا، ففي هذه الحالة تكون متكفلاً بالإحضار.
هذا بالنسبة لمسألة الكفالة في الحدود والقصاص.
نرجع إلى الكفالة التي اختارها المصنف، وهي الكفالة بالبدن في مالٍ مضمون كالدَّين ونحوه، إذا تكفّل بالبدن فإنه يقول: أنا كفيلٌ بحضور فلان، فإذا أحضره إلى مجلس القضاء برئت ذمته، فتكون متعلِّقة بالبدن.
قال: [لا حد ولا قصاص] قوله: (لا حد ولا قصاص) أي: لا تقع الكفالة في الحد، ولا تقع الكفالة في القصاص؛ لأنه إذا تعذّر في هذه الحالة إحضار المكفول، فإنه لا يمكننا أن نقتص من الكافل، وعلى هذا قالوا: إنه لا تقع الكفالة لا في الحدود ولا في القصاص، ولكن الفائدة عند من قال بمشروعيتها أنه يلزم بحضور المكفول، وفي هذه الحالة يضغط عليه القاضي، وعند المالكية وجه أنه إذا ثبت عند القاضي أنه قادرٌ على إحضاره ولم يحضره، أو تساهل في إحضاره عزَّره، ولربما اضطر إلى الضغط عليه حتى يحضره، وهذا النوع من الكفالة لا شك أن القول بمشروعيته وجوازه فيه قوة.
قوله: لا حد، الحد: هو العقوبة المقدَّرة شرعاً، ويشمل هذا الزنا والعياذ بالله! ففي الزنا عقوبة محددة.
والعقوبات في الشريعة تنقسم إلى: عقوبة محددة، وعقوبة غير محددة، فالعقوبات المحددة يصطلح العلماء على تسميتها بالحدود، وسميت بذلك والمناسبة فيها واضحة، وأما بالنسبة للعقوبات غير المحددة، فهذه هي التعزيرات، وهي ترجع إلى نظر القاضي، إذ ينظر فيها إلى حال الجريمة وحال المجرم، والزمان والمكان والمعتدى عليه.
القصاص أصله من قص الأثر إذا تتبعه، والقصاص يقع في الأنفس ويقع في الأطراف، ومذهب طائفة من العلماء كما ذكرنا: أنه تجوز الكفالة في الحد وتجوز الكفالة في القصاص.
فإذا ضمِن أو تكفّل بإحضاره من أجل أن يقام عليه الحد، أو من أجل أن يقام عليه القصاص فإنه كفيله، وحينئذٍ يحبس مكانه إذا عُلِم أو ثبت عند القاضي تفريطه، أو ثبت عند القاضي تمالؤه مع الخصم على الفرار ونحو ذلك.
وفائدتها أنها تعين على الوصول إلى الحقوق وتساعد على ذلك.
(181/3)
________________________________________
عدم صحة الكفالة دون رضا الكفيل لا المكفول
قال رحمه الله: [ويعتبر رضا الكفيل لا مكفولٍ به] قوله رحمه الله: (ويعتبر رضا الكفيل)؛ لأنه يتحمل المسئولية ويدخل على نفسه الضرر، فلابد وأن يكون راضياً بذلك، وعلى هذا فلا تصح الكفالة بالإكراه، فلو هدده وأكرهه على أن يكفله، فإن الكفالة لا تثبت إذا ثبت ذلك عند القاضي، كرجلٍ مثلاً له على رجل مائة ألف، فقال له: أعطني كفيلاً، أو إذا أحضرت فلاناً من الناس يكفلك فأنا أعطيك هذا الدين، فذهب إلى رجل وهدده، وقال له: إذا لم تكفلني فإنني سأقتلك، فكفله مكرهاً.
وإذا ادعى هذا الكفيل عند القاضي أنه أُكرِه على الكفالة، وثبت ذلك عند القاضي فإن الكفالة لا تصح، فالكفالة لا تقع إلا إذا كان الكفيل راضياً بالكفالة؛ لأنه يدخل على نفسه الضرر، فلابد وأن يكون على بينة من أمره.
قوله: (لا مكفول به) الشخص الذي يُكْفَلُ أيضاً لا يشترط رضاه، كالوالد يكفل ابنه، سواءً رضي الابن أو لم يرض، ففي بعض الأحيان لا يرضى الابن بكفالة أبيه؛ لأنه يخشى على أبيه الضرر فيمتنع، فرضاه وعدم رضاه غير معتبر، يقولون: إن الرضا غير معتبر في الكفالة بالنسبة للشخص المكفول، سواءً رضي أو لم يرض، إلا أن بعض العلماء استثنى الكفالة من الأب لابنه، فقالوا: إنه في هذه الحالة يدخل الضرر على والده، ومن حقه أن يمتنع؛ لأن الله يقول: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة:83]، فلا يكون المكفول سبباً في أذية والده والإضرار به.
(181/4)
________________________________________
الحكم إذا مات المكفول أو تلفت العين بآفة سماوية
قال رحمه الله: [فإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى] قوله: (فإن مات) إذا كنت كفيلاً بإحضار شخصٍ ومات الشخص، فهذا عجز حقيقي، ويستحيل أن تحضره، وحينئذٍ لست مطالباً بهذا الإحضار؛ لأنه يتعذر إحضاره، فتسقط الكفالة وتصبح في هذه الحالة غير مطالبٍ بضمان الدين، وهذا وجه عند بعض العلماء، واختاره المصنف، والمذهب على ذلك، وقال بعض العلماء: بل تتحمل الدين كما لو كان حياً، فموته لا يبرئ ذمّتك، وإنما تبقى الكفالة على السنن المعتبرة حتى يحضر الأجل، ويقام ورثته مقامه وحينئذٍ تتحمّل، ويكون رجوعك إلى ورثته.
فإذا حضر الأجل وضمِنت ودفعت الدين، يكون لك وجه المطالبة على ورثته.
قوله: (أو تلفت العين بفعل الله تعالى) كأن تكون مثلاً السيارة التي ضمنت رجوعها تلفت بآفة سماوية، وليس بفعل آدمي، كأن يأتي سيل ويجتاحها، ويكون الذي أخذها واستعارها غير مفرط، أما لو فرّط كأن أوقفها في مكان السيل، فإنك تضمن؛ لأنك تضمن تعديه، فإذا أوقفها في أماكن هي عرضة فيه للتلف وللآفات فإنه يتحمّل، وحينئذٍ تكون متحملاً معه؛ لأن ذمتك انضافت إلى ذمته في الكفالة.
أما لو أنها تلفت بآفة سماوية، وبشيءٍ لا دخل للآدمي فيه، ولم يكن ثم تفريط، فإنك لا تضمن، وترتفع الكفالة بتعذر إحضار العين.
(181/5)
________________________________________
براءة الكفيل بتسليم المكفول عنه نفسه إلى القضاء
قال رحمه الله: [أو سلم نفسه برئ الكفيل] فمثلاً: لو قلت: إذا جاء أول محرم، فإني ألتزم بإحضار المذكور إلى مجلس القضاء، أو ألتزِم بتسليم المذكور إلى صاحب الدين.
فلما حضر الأجل جاء المكفول، وسلّم نفسه، فإنه إذا سلّم نفسه سقطت الكفالة، وعليه فلو سلّم نفسه وفر بعد استلامه لم تكن متحمّلاً لشيء؛ لأنه بتسليمه لنفسه تكون قد سقطت الكفالة، وبرئت أنت من هذه الكفالة؛ لأنه إن فرّ بعد تمكِّن صاحب الحق منه، أو فر بعد حضوره إلى مجلس القضاء، فالتفريط ليس منك، ولست بمتحمل مسئوليته، إنما يتحمل ذلك من فرّط فيه حتى فر.
وعلى هذا فإنه إذا سلم المكفول نفسه برئ الكافل.
(181/6)
________________________________________
حكم تسليم المكفول عنه نفسه قبل الأجل
لكن هنا مسألة ذكرها بعض العلماء: وهي فيما لو سلم نفسه، أو قمت بتسليمه قبل الأجل، لو قال: أنا ألتزم بإحضار محمد في أول محرم، فأحضره في شهر ذي القعدة، فبعض العلماء يقول: لا يبرأ الكفيل إلا إذا حل الأجل، وقال بعض العلماء فيه تفصيل: إن كان قد قدمه على الأجل على وجه فيه ضرر على صاحب الدين، فإنه لا وجه لهذا التقديم، وأما إذا لم يكن هناك ضرر على صاحب الدين وأحضره قبل الأجل، فإنه يتحمل المسئولية حينئذٍ، وهذا القول الثاني أوجه وأصح، ويختاره غير واحد من العلماء رحمهم الله.
لقد ذكرنا أن باب الضمان وباب الرهن يجتمعان في مسألة الاستيثاق، والحوالة أيضاً تعين على الوصول إلى الحق، ونظراً لتجانس هذه الأبواب، باب الرهن، وباب الكفالة، وباب الضمان، وباب الحوالة، ذكرها المصنف رحمه الله تباعاً.
(181/7)
________________________________________
نصيحة لطلاب العلم بتعلم المسائل المعاصرة
لكن هذه المسائل كثيراً منها ما يقع في القديم وبيّناها وتكلمنا عليها، سواءً مسائل الضمان أو الكفالة، لكن في عصرنا الحاضر، بعض المسائل الموجودة التي خُرِّجت على الكفالة القديمة، وكثيراً ما تقع هذه المسائل في الديونات، وتشتهر في المعاملات الموجودة في المصارف، من ذلك ما يسمى: بالضمان البنكي، وخطاب الضمان، والاعتماد المستندي، و (الكمبيالة)، ونحو ذلك من البطاقات التي تُصدَر للاستيثاق بالديون، ونظراً لوجود الحاجة، وتعلقها بالأبواب التي بحثناها، والمسائل التي تعرضنا لها، فإننا نحتاج لبيان هذه المعاملات المعاصرة؛ لأن هذا أمر متصل بالمسائل التي معنا، ولا يمكن لطالب العلم أن يدرس المسائل القديمة، فيقرأ مثلاً عن البر والشعير والقمح، ثم لما يأتي يعايش الناس، وإذا به يجدهم يتعاملون بأشياء وبمسميات غريبة، وقد يقف حائراً، حتى إنه لربما وقف حائراً في معاملة تتعلق به نفسه، فلا يدري ما حقيقة هذا التعامل الموجود، وما موقف الشريعة الإسلامية منه، ولذلك كان لزاماً على طالب العلم أن يدرس هذه المسائل، وأن يعرف حكم الله عز وجل فيها، حتى يكون على بيِّنة من أمرها فيما يتعلق بنفسه، وفيما يتعلق بالناس إذا سألوه ونحن إن شاء الله سنذكر في الدروس القادمة خطاب الضمان، ونبيِّن حقيقته، وتعريفه، وكذلك أيضاً الاعتماد المستندي، والبطاقات، نبين حقيقتها، ثم بعد ذلك نبيِّن هل هي مخرَّجة على الكفالة؟ وإذا تخرّجت على الكفالة، ما الذي يجوز من صورها؟ وما الذي لا يجوز؟ ونفصل إن شاء الله في تلك المسائل سائلين الله عز وجل أن يلهمنا وإياكم السداد والرشاد! وأن يجعل ما نتعلمه ونعلمه خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم.
(181/8)
________________________________________
ما يجب على أهل مكة تجاه حجاج بيت الله الحرام
أحب أن أنبه على أمر مهم جداً، وهو أنكم تعلمون أن هذه الأيام يعيش الناس فيها موسم الحج، ونظراً لما أكرمكم الله عز وجل به من جوار هذا البيت الذي شرّفه الله وكرّمه، وفضّله على سائر البقاع، وجعله مثابة للناس وأمناً، فالناس ينظرون إليكم نظرة إجلالٍ وإكبار، ومن جاور هذا البيت خليقٌ به أن يحفظ حرمته، وأن يحفظ كذلك لعماره وحجاجه حقوقهم، وأن يكون كأحسن ما يكون عليه المجاور لبيت الله الحرام، خاصة طلاب العلم، فإنهم قدوة للناس، والناس تهتدي بالأخيار، وتهتدي بالصالحين، وكم من سنن أُحْيِيَتْ، وكم من بدعٍ أُمِيْتَتْ حينما حرص الأخيار على بث الخير، والتخلق بآداب الأخيار في الأقوال والأفعال، فظهرت منهم الأقوال الحميدة، والخصال الكريمة، التي تدل على أن وراء هذه الأقوال وهذه الأفعال قلوباً تخاف الله جل جلاله، وترجو رحمته، وإن خير ما ينتظره منكم الحاج والمعتمر في بيت الله الحرام، القدوة الصالحة، وخير ما ينتظره منكم الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن المسلم مطالب بأن يهتدي ويقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف إذا كان بهذا الحال الذي يستوجب عليه الأمر أكثر.
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، والحرص على السنة، والاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن اهتدى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الله يرحمه، ويهديه ويوفقه، ولذلك قال تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158]، فمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه من المهتدين.
وهذا الفعل منا يستوجب أموراً: أولها وأعظمها وأكرمها عند الله: الإخلاص، فعلى الإنسان المسلم أن يعامل إخوانه وهو يريد ما عند الله عز وجل، فالحجاج والمعتمرون يحتاجون إلى المعاملة الحسنة، التي يبتغي صاحبها الأجر والمثوبة من الله، فالشخص الذي يتعامل معهم وهو يستشعر أنهم ضيوفٌ على الله، وأنهم أتوا طالبين لرحمة الله، راجين لعفوه ومنِّه وكرمه.
فخليقٌ بالمسلم أن يعامل الله سبحانه وتعالى حتى يعظم أجره في ذلك، ولا يزال الرجل بخير إذا أخلص العمل لله، وأراد ما عند الله سبحانه وتعالى، وكم من عملٍ قليل عظَّمْته النية، وبارك الله فيه بإخلاص صاحبه، والكلمة التي تخرج من القلب المخلص تقع في القلوب، وتؤتي ثمارها، ويعظم أجرها، ويرضى عنها ربها.
فالكلمة التي تخرج لله وفي الله هي التي تكون في ميزان العبد، {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} [العاديات:9 - 11].
الأمر الثاني: الحرص على الخلق الحسن: (فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وسلموا من زلات جوارحه وأركانه، ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يراقب تصرفاته وأفعاله، والله إنهم ينظرون إليكم نظرة قد لا يشعر الإنسان بقدرها، ولكنه لو تتبع مشاعر الحجاج والعمار، لوجدهم يراقبونه في كل تصرفاته، فكم من أمور يراها الحجاج ويراها المعتمرون تثبت من الخير والطاعة والبر، حببت إلى قلوبهم حينما رأوها من جيران بيت الله الحرام، وهذا شيء نعرفه من كلام الناس، ومن كثرة ما تناقلوه، فهم إذا قدموا على الحرمين ورأوا الخير من أهل الحرمين أحبوا الخير واقتدوا بهم، واهتدوا بهم، والعكس بالعكس، والأخلاق هي شيمة المسلم، إذا أراد الله أن يثقل ميزان العبد رزقه الخلق الحسن، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من شيءٍ أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من تقوى الله وحسن الخلق).
ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: (تقوى الله وحسن الخلق).
وثبت في الحديث الصحيح أنه قال: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، فالعبد إذا حسنت أخلاقه، وطابت شمائله، وكان أليفاً موطأ الكنف، فإن الله عز وجل يثقل موازين حسناته بذلك، ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم مبيّنا فضل هذه الخصلة الكريمة، والخلة الجليلة العظيمة: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)، هؤلاء إخوانكم في الله، وإخوانكم في الإسلام، وإذا لم يتراحم المسلمون فيما بينهم، ولم يحصل بينهم الألفة والمحبة والمودة والأخوة الإسلامية، والأخوة الإيمانية، فأين تظهر؟! وإذا لم يكن جيران بيت الله الحرام يفعلون ذلك فمن الذي يفعله؟! هم ينتظرون منكم أن تفتحوا لهم صدوركم وقلوبكم بالمحبة والمودة، لا تنظروا إلى الناس بألوانهم، ولا تنظروا إلى الناس بغناهم وثرائهم، ولا تنظروا إلى الناس بمناصبهم ولا بجنسياتهم، ولكن انظروا إلى أخوة الإسلام التي بينكم وبينهم، وتنظر إلى كبيرهم كوالدٍ لك، وتحبهم وتجلهم لله وفي الله، والابتسامة التي تبتسم بها في وجه أخيك المسلم صدقة، فكيف وهم في غربة وبعدٍ عن الأوطان، مع مشقة السفر وعنائه، فإذا جاء ولقي منك الابتسامة، وهو يراك شيئاً كبيراً، كيف تقع هذه الابتسامة في قلبه، الله أعلم كم من مهموم مغموم حينما يرى أخاه المسلم مبتسماً في وجهه، تتبدد عنه أحزانه وأشجانه، الابتسامة التي تراها يسيرة، ولكنها عند الله كبيرة، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق)، فإذا لقيهم المسلم يلقاهم بالابتسامة، ولا يبتسم من أجل الغنى واللون والحسن والنسب، لا، ولكن لله وفي الله، ومن أكمل الناس خلقاً الذي لا تفارق الابتسامة وجهه لأصغر الناس وأكبرهم، وطالب العلم الكامل هو الذي يبتسم للناس جميعاً بالإسلام، لا بأحوالهم، ولا بصفاتهم، ولا بمراتبهم، والله يعلم منه أنه يحب الكبير كما يحب الصغير، فإذا بلغ المسلم هذه المرتبة فهذه نعمة من الله، كذلك الكلمة الطيبة؛ فقد تجد منه ما يجرحك فتقابله بالكلمة الطيبة؛ لأنك تقدر مشاعره في غربته وتعبه ونصبه وعناء السفر، كذلك أيضاً ينتظرون منك الأخلاق الحميدة في تفريج الكربات وستر العورات، ولعل الله عز وجل أن يكف عن وجهك النار بصدقة تتصدق بها على ضيفه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أن امرأة دخلت على عائشة ومعها صبيتان، فاستطعمتها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة تمرة، ثم أخذت التمرة الثالثة تريد أكلها، فلما أدنتها إلى فمها استطعمتها إحدى البنتين، فأعطتها التمرة، فعجِبت عائشة من صنيعها! فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها أخبرته بخبرها، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا عائشة أتعجبين مما صنعت! إن الله حرمها على النار بتمرتها تلك).
بتمرة واحدة حجبها الله بها عن النار، فكيف إذا جئت ووجدت أحدهم ضامئاً فسقيته الماء، فأطفأت حر ضمئه، فدعا لك دعوة تسعد بها في دينك ودنياك وآخرتك، كيف إذا رأيت من كان منهم كبير السن فتجده ضائعاً هائماً على وجهه، فتساعده كأنه والدك، وكأنه إنسان قريبٌ منك بأخوة الإسلام، فتضحي لأجله فيُكبِر هذا الشيء منك، فيدعو لك دعوة تكون سبباً في سعادتك في الدنيا والآخرة، ولربما ترى منهم المديون، وترى منهم المعسر، فتفرج كربته، وتعينه على عبادته، فهذا خير كبير وباب عظيم فتحه الله لك، وما عليك إلا أن تحتسب الأجر عند الله عز وجل، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم السداد والرشاد.
كذلك أيضاً مما ينبغي الحرص عليه تعليم الحجاج، فإنهم يحتاجون إلى التعليم والتوجيه، خاصة من طلاب العلم، وأهم ما ينبغي الاعتناء به: الإيمان، والتوحيد، والإخلاص؛ لأنه أساس الدين، فلابد من تعليمهم حق الله عز وجل، وأنه لا يجوز صرف حق الله لغيره كالدعاء، والاستغاثة، والاستجارة، فما الفائدة من أن يأتي يحج وهو يدعو غير الله! وما الفائدة من أن يأتي يحج وهو يستغيث بغير الله! وما الفائدة من أن يأتي ويحج وهو يذبح لغير الله! ويعتقد بغير الله، هذا أمرٌ عظيم ينبغي لطالب العلم أن ينتبه له، فالعقيدة هي أساس الدين الذي لا يمكن أن يقبل الله قول القائل، ولا عمل العامل إلا بتحقيقها، والقيام بحقوقها، وتذكيرهم بحق الله عز وجل.
كذلك أيضاً عليك أن تبين لهم صفة حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا رأيت الجاهل علّمته، وإذا رأيت المخطئ قوّمته وصوّبته، نسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، وأن يتقبل منا ومنكم صالح القول والعمل، والله تعالى أعلم.
(181/9)
________________________________________
الأسئلة
(181/10)
________________________________________
المبادرة بسداد الدين عن الميت وإن لم يحل أجلها

السؤال
إذا ضمن الأبناء دين أبيهم المتوفّى فهل تبرأ ذمته بمجرد ضمانهم، أم بعد سداد الدين، خصوصاً إذا كان الدين على شكل أقساطٍ شهرية تستمر لسنوات، أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالدين أمره عظيم، وخطبه جسيم، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (نفس المؤمن مرهونة بدينة) وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه أُتِي برجل من الأنصار فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله! -يعني: الدينارين اللذين كانا على الرجل- فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه، قال: فلما لقيني من الغد، قال: ما فعل الديناران؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته)، فلو قال أولياء الميت: نحن نتكفّل بدين ميتنا، فإنه لا تزال نفسه مرهونة حتى يسدد الدين عنه، ولذلك يقول العلماء: من مات حلّت ديونه، حتى ولو كانت أقساطاً فإنها تحل، وتسدد مباشرة، ما دام أنه ترك سداداً يباع ذلك الشيء ويسدد حتى تبرأ ذمته، ويستريح في قبره، قال بعض العلماء: إنه يرهن، والرهين المحبوس، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر:38]، أي: مرهونة ومحبوسة، فقوله عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن مرهونة بدينه)، قالوا: معناه أنه لا ينعم، ويحبس عن النعيم حتى يسدد دينه، وهذا أمر عظيم جداً، فعلى المسلم أن يبادر بسداد الدين، خاصة إذا توفِّي الميت وترك أشياء يمكن سداد دينه منها، كأن تكون هناك سيولة من نقد، بل حتى ولو ترك مزارع أو بيوتاً فتباع، ويسدد دينه، وتبرأ ذمته؛ لأنه بحاجة إلى ذلك، خاصة إذا كان من الوالدين، فعلى الأولاد أن يبادروا بسداد دينهم، وكان بعض العلماء يقول: إن هذا من أعظم البر بعد وفاة الوالد والوالدة، وهو المبادرة بسداد الديون، وهذا أمرٌ عظيم، وينبغي أن يعتنى به، ونسأل الله العظيم أن يسلمنا، ويسلِّم منا، والله تعالى أعلم.
(181/11)
________________________________________
التشابه بين النذر والضمان من حيث القياس

السؤال
هل من الممكن القول بأن النذر في العبادات مشابهٌ للضمان في المعاملات بجامع كون كلٍ منهما التزاماً في الذمة، بيد أن النذر لا تراجع فيه، والضمان من الممكن أن يتراجع عنه أثابكم الله؟

الجواب
النذر لا شك أنه إلزام للمكلّف ما لم يلزمه، والضمان يلتزم فيه ما لا يلزمه في الأصل، وأما مسألة النذر فيلزمه الوفاء به؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لـ عمر: (أوف بنذرك)، فالوفاء بالنذر واجب، ما دام أنه قد استوفى الشروط المعتبرة لانعقاده وصحته.
وأما بالنسبة لمسألة الضمان، فالضمان لا يستطيع أن ينفك عنه، فالتشابه بينهما قوي من حيث القياس، لكن الإشكال ليس هنا، الإشكال في جهة نوعية الحق، فإن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق المخلوقين مبنية على المقاصة، فمن ناحية جنس الحقين هناك تفاوت، ولذلك قد يُعترض بأنه قياس مع الفارق في بعض الصور، إذا كان حق الآدمي آكد، والله تعالى أعلم.
(181/12)
________________________________________
عدم جواز ضمان العين المستأجرة بالمال

السؤال
هل من حق المؤجر أخذ ضمانٍ على العين المستأجرة، بحيث يتم الخصم من الضمان إذا أخل المستأجر بالعين المستأجرة أثابكم الله؟

الجواب
بالنسبة للعين المؤجرة يضمن الشخص، لكن لا يقول: أعطني مالاً أخصم منه، أو نحو ذلك، إنما يقول: أنا ضمين، أو يأتي بشخص يقول: أنا أكفل أن ترجع لك العمارة كما هي، أو أكفل لك أن فلاناً يرد لك الدكان أو البقالة كما أخذها، فحينئذٍ تكون الكفالة من الشخص، لكن أن يعطيه مالاً وسيولة فلا، وعلى هذا فإنه لا تصح الكفالة إلا على الصفة الشرعية التي ذكرناها، والله تعالى أعلم.
(181/13)
________________________________________
لزوم عقد الإجارة بمجرد العقد

السؤال
هل عقد الإجارة يُلزم به الطرفان لمجرد العقد، أم بالشروع فيما وقعت عليه الإجارة أثابكم الله؟

الجواب
عقد الإجارة يعتبر لازماً في قول جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم، لعموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، وبناءً على ذلك لو قال لك شخص: أجِّرني هذه العمارة بمائة ألفٍ شهرين، قلت له: قبلت، وافترقتما عن المجلس، فإنه يلزمك أن تمكِّنه من العمارة، ويلزمه أن يدفع المائة ألف، هذا بالنسبة لمعنى قولنا: إنه لازم، فلو عقدتما العقد وخرج من عندك، ثم قال: لا أريد أن أستأجرها، يلزمه القاضي بالاستئجار، ولو خرجتما وافترقتما، فقلت: لا أريد أن أؤجرك؛ تُلزَم بإجارتها.
وهكذا لو استأجرت من شخص شقة بستة آلاف في السنة، وكتبتما العقد، أو قلت له: أجِّرني شقتك بستة آلاف هذه السنة، فقال: قبلت، وتم العقد، فلكما خيار المجلس ما دمتما في المجلس؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
والإجارة بيع منافع، فإن افترقتما فحينئذٍ تُلزم بدفع الستة آلاف أجرةً للشقة، ويلزمه أن يمكِّنك من الشقة لأجل أن تسكنها، فلو قال لك: لا أريد تأجيرها وقد رجعت عن كلامي، وكان رجوعه بعد الافتراق، فإنه يُلزم شرعاً بالعقد، هذا معنى قولنا: إن الإجارة عقد لازم، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله ومنهم الأئمة الأربعة، ومن خالف فقال: إنها عقدٌ غير لازم فخلافه شاذ كما أشار إلى ذلك بعض العلماء، والله تعالى أعلم.
(181/14)
________________________________________
الأقوال في قاعدة: النسيان لا يسقط الضمان

السؤال
القاعدة التي تقول: النسيان لا يسقط الضمان.
هل تشمل من فعل محظوراً من المحظورات ناسياً أثابكم الله؟

الجواب
هذا فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله، منهم من قال: يسقط الضمان مطلقاً، ومنهم من قال: لا يسقط الضمان مطلقاً، ومنهم من فصّل.
أما الذين قالوا: إن النسيان يُسقط الضمان، فاستدلوا بما ثبت في الصحيح قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! لم أشعر فحلقت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج)، فما سُئِل عن شيء قدِّم ولا أُخِّر مما ينسى الإنسان -كما في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في السنن- إلا قال: (افعل ولا حرج)، فلم يوجب عليهم الضمان بالترتيب؛ مع أن الأصل في فعلها أن تكون مرتبة وهي واجبة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم).
فأسقط الضمان لهذا الواجب بسبب النسيان، هذا على القول بوجوب الترتيب، كما يختاره طائفة من العلماء رحمهم الله خلافاً للشافعية والحنابلة.
القول الثاني: إن النسيان لا يسقط الضمان، فمن نسي وجب عليه أن يضمن، وأكدوا هذا بأن النسيان والخطأ جاريان من باب واحد، ولذلك لو قتل خطأً لأُلزم بالضمان، وهكذا لو نسي فحصل منه حلق للشعر، أو تقليم للأظفار، فإنه يُلزم بالضمان.
القول الثالث: التفصيل، فبعض العلماء يفصِّل بين ما يمكن تداركه وما لا يمكن تداركه، فالذي يمكن تداركه مثل الطيب وتغطية الرأس، ولبس المخيط، فهذه الأشياء إذا نسيها ولبس عمامة على رأسه وهو محرم، أو نسي ولبس ثوباً وهو محرم، فإنه إذا تذكّر ونزعها أمكنه التدارك، قالوا: في هذه الحالة لا شيء عليه، واحتجوا بحديث صفوان بن يعلى بن أمية -الثابت في الصحيح- عن أبيه: (أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالجعرّانة وعليه جبّة عليها أثر الطيب، فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجلٍ أحرم بالعمرة وعليه ما ترى؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: انزع عنك جبتك واغسل أثر الطيب الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجك)، فهذا الرجل أحرم بالعمرة وأخطأ عندما تطيب ولبس الجبة، ومع ذلك لم يُلزم بالضمان.
قالوا: هذا محظور يمكن تداركه، فقال له: (انزع عنك جبتك)، فلما نزعها مباشرة أمكنه التدارك، أما لو كان من جنس ما لا يمكن تداركه، كتقليم الأظفار، فلا يمكنه أن يعيد الظفر مرة ثانية، وهكذا بالنسبة لحلق الشعر، لا يمكن أن يرده، فإنه يُلزم بالضمان، وهذا القول يختاره جمعٌ من العلماء رحمهم الله، وهو الأشبه والأقوى، والله تعالى أعلم.
(181/15)
________________________________________
استقبال الحجر الأسود مع التقبيل وإن تعذر أشار

السؤال
هل يلزم المحرم أن يستقبل الحجر الأسود بكله عند كل شوط، أم في بداية الشوط الأول أثابكم الله؟

الجواب
الثابت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وغيره، أنه ابتدأ طوافه فاستلم الحجر، ومن هنا وقع منه عليه الصلاة والسلام استقبالٌ للحجر عند ابتدائه، فاستلم الحجر وقبّله، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام عند تعذُّر الاستلام الإشارة، ومن هنا قالوا: يكون استقباله بالتقبيل، أي: يستقبل الحجر ويقبِّل ويكون في حكم المقبِّل، وإذا تعذّّر عليه أن يقبل، فإنه يكتفي بالإشارة، والله تعالى أعلم.
(181/16)
________________________________________
صحة حج من عليه دين مقسط مع الاستئذان من الدائن وعدمه

السؤال
إنسان عليه دينٌ مقسّط، فهو يسدد كل قسط في موعده، فهل يصح منه الحج تطوعاً أو فرضاً أثابكم الله؟

الجواب
إذا كان عليه دين، واستأذن من صاحب الدين فلا بأس، إلا أن بعض العلماء رحمهم الله يقولون: الديون المقسطة إن دفع آخر قسطٍ منها وكان عنده سداد بحيث لا يفرِّط، أو لا يعرِّض صاحب الدين لضياع ماله، فإنه يصح منه أن يحج ولو لم يستأذن، وهذا القول له قوة، إلا أن الأول أحوط، والله تعالى أعلم.
(181/17)
________________________________________
حكم الاستئجار للحج

السؤال
من حج عن غيره، فهل له أن يأخذ ما زاد من المال الذي حج به أثابكم الله؟

الجواب
هذه داخلة في مسألة الإجارة على الحج، وهي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: يسمونها: إجارة البلاغ، وإجارة البلاغ أن تتكفل بدفع النفقة ذهاباً وإياباً، وتدفع ثمن الهدي ونحو ذلك مما يكون من مصاريف الإنسان في العرف، فإذا قال الشخص: أنا أحج عن ميِّتك فلان، وأنت تتحمّل مصاريف الزاد، ومصاريف الراحلة والركوب، صحّ هذا النوع من الإجارة، لقول جمهور العلماء رحمهم الله، ولا بأس به.
في هذه الحالة، يقوم هذا الشخص بفعل الحج، ويستأجر ويركب ويأكل، وينتفع في حدود المعروف، فإن بذخ وتجاوز وزاد على المعروف فإنه يتحمل مسئولية ذلك الشيء الزائد، مثال ذلك: لو أمكنه أن يركب بخمسمائة ركوب مثله، فركب بسبعمائة، فالواجب عليك دفع خمسمائة، فأنت تتكفل بنفقة الركوب ونفقة الطعام والشراب، وما يحتاج إليه مثله فقط.
هذا بالنسبة لمسألة إجارة البلاغ، إلا أن هذا النوع من الإجارة له أحكام خاصة، فيما لو فسد الحج، أو طرأت أمور في داخل الحج توجب فساده أو توفِّي إلى غير ذلك من الأمور التي قد تطرأ، وقد بحث العلماء رحمهم الله جميع هذه المسائل.
الحالة الثانية: ما يسمى: بإجارة المقاطعة، وإجارة المقاطعة أشبه بالبيع والشراء كأن يقول لك: أنا أحج عنه بخمسة آلاف، إن زادت فلي ما زاد، وإن نقصت فعلي تكميل ما نقص، وهذا النوع ضعيف، والأشبه عدم جوازه، والصحيح عند العلماء النوع الأول، وهو أن تكون الإجارة على الكلفة.
ففي النوع الأول، إذا أعطيته ثلاثة آلاف وذهب وحجّ، وزاد في تكلفة حجه خمسمائة ريال، وكان ذلك بالمعروف، فإنك تُلزَم بدفع الخمسمائة، وتكمِّل له ما نقص، ولو أخذ منك ثلاثة آلاف، فاستكفى بألفين وخمسمائة، لزمه أن يرد الخمسمائة، وإن سامحته وقلت له: خذها، فهذا أمرٌ لا بأس به؛ لأنه مالٌ بطيبة نفسٍ ورضا، والله تعالى أعلم.
(181/18)
________________________________________
جواز الفدية بأنثى الماعز بدلاً عن الشاة

السؤال
هل تصح الفدية بأنثى الماعز بدلاً عن الشاة أثابكم الله؟

الجواب
بالنسبة للشاة فيجزئ فيها الذكر والأنثى من الشياه والماعز، إلا أنها في جزاء قتل الصيد فيها تفصيل عند العلماء رحمهم الله، فإن كان الذي قتله من الصيد ذكراً، وجب أن يكون مثله ذكراً، فمثلاً لو قتل ذكر نعامة أو بقر الوحش للزِم ضمانه بالذكر، وهو الثور، وإن قتل الأنثى لزِم الضمان بالأنثى، إلا أن هناك خلافاً إذا كانت الأنثى حاملاً، وكان قتله لحامل، فهل يضمن بقتل الحامل؟ قالوا: إذا كان المقتول حاملاً، فإننا إذا أوجبنا عليه بقرة حاملة، وقلنا له: إنه يذبحها لأن الله يقول: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة:95]، هذا الجزاء المثلي يُذبح بمكة ويُتصدق به على فقراء الحرم، فهل إذا قلنا: تكون من الأنثى الحامل، فهل ينحرها إذا كانت بدنة حاملاً، أو بقرةً حاملاً، أم أن الحكم فيه تفصيل؟ من العلماء من قال: إن كانت حملاً وأراد الذبح، فإنه لا يذبحها حاملاً، وأما إذا كان يريدها قيمة تكون عليه مقدَّرة حاملاً، ويدفع قيمتها كما سبقت الإشارة إليه في كتاب المناسك، والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
(181/19)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحوالة
عقد الحوالة من العقود التي أباحها الله لعباده، وهو من المعاملات المالية التي يقصد منها نقل الحق الثابت في ذمة الإنسان إلى شخص آخر، وعلى هذا فالحوالة عقد رفق واستيفاء.
ومناسبة ذكر المصنف لباب الحوالة بعد القرض والرهن والضمان والكفالة: لاشتماله على براءة الذمة واستيفاء الحقوق، وباب الحوالة يشتمل على العديد من المسائل والأحكام الهامة التي لابد من فهمها والإجابة بها.
(182/1)
________________________________________
تعريف الحوالة لغةً واصطلاحاً
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الحوالة] الحوالة: مأخوذة من التحول، وأصل مادة التحول في لغة العرب تطلق بمعنى الانتقال يقال: تحول إلى الشيء إذا انتقل إليه.
والحوالة تطلق بهذا المعنى في غالب الاستعمال، ولذلك قال بعض العلماء: سمي الحول حولاً؛ لأنه يتحول الإنسان فيه وينتقل، فإذا مر العام ومرت السنة على الإنسان تغيرت أخلاقه وأموره وأحواله، فقد يتغير من الخير إلى الشر وقد يتغير من الشر إلى الخير، ولذلك سمي الحول حولاً من التحول بمعنى الانتقال.
وهذا الباب -وهو باب الحوالة- يقصد العلماء رحمهم الله منه: نوع من المعاملات التي أباحها الله عز وجل لعباده، وهي من المعاملات المالية التي يقصد منها نقل الحق الثابت في ذمة الإنسان إلى شخص آخر.
ولذلك عرف العلماء رحمهم الله الحوالة اصطلاحاً بقولهم: الحوالة انتقال الحق من ذمة إلى ذمة.
انتقال الحق: والمراد بالحق هنا الدين المستقر في الذمة، انتقال الحق من ذمة إلى ذمة: إذا كان لإنسان عليك دين عشرة آلاف -مثلاً- فإما أن تقوم بسداده بنفسك وإما أن تحوله إلى شخص آخر لك عليه نفس المبلغ، وحينئذٍ إذا حولت هذا الدين من ذمتك إلى ذمة الآخر الذي لك عليه عشرة آلاف وصف هذا النوع من المعاملات بكونه حوالة، فهي حوالة شرعية ولها أحكام خاصة في الشريعة الإسلامية.
وهذا النوع من العقود يصفه العلماء رحمهم الله: بكونه عقد رفق واستيفاء، أي عقد قصد الشرع منه أن يرفق بالعباد، وذلك من جهة كون الإنسان بدل أن يتكلف بمطالبة من له عليه الدين أحال الشخص الذي له عليه دين إلى شخص آخر.
وهذا لا شك أن فيه رفقاً بالعباد، وفيه تيسير عليك وإبراء لذمتك، ووفاء وفكاك من الحقوق.
وبناءً على ذلك فهناك مناسبة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي، فالحوالة: معناها خاص في الاصطلاح وأما في اللغة فإن معناها عام؛ لأنها في الحقيقة اللغوية صادقة على كل انتقال، فكل انتقال يوصف بكونه حوالة ويوصف بكونه تحولاً، إلا أن الحوالة في الاصطلاح انتقال مخصوص على وجه مخصوص بكيفية مخصوصة.
(182/2)
________________________________________
أدلة مشروعية الحوالة
وعلى هذا يرد

السؤال
ما هو الدليل على مشروعية الحوالة؟ ثبتت مشروعية الحوالة بدليل السنة وإجماع الأمة: أما دليل السنة: فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فَلْيَتْبَعْ) وفي رواية: (فأتْبِعْهُ).
هذا الحديث يدل دلالة واضحة على مشروعية الحوالة وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا أحيل أحدكم على مليء).
وقوله عليه الصلاة والسلام (إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) دل على مسائل: المسألة الأولى: وهي مشروعية الحوالة، وأن الإنسان إذا كان له دين على غيره وأحال صاحب الدين على ذلك الغريم الذي له عليه حظ فإن ذلك مشروع وجائز.
وأما المسألة الثانية: فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألزم المحال أن يقبل الحوالة في قوله: (فليتبع) فلو طالبك رجل بخمسة آلاف ريال، وقال لك: لي على فلان خمسة آلاف اذهب وخذها، فإنه حينئذٍ -على ظاهر هذا الحديث- يلزمك أن تتبع غريمك.
واختلف العلماء في هذا اللفظ وهو قوله: (فَلْيَتْبَعْ) وفي رواية لـ ابن ماجة: (فأتْبِعْهُ) هل هو على الوجوب أو على الجواز؟ جمهور العلماء: على أنه للجواز؛ لأنه أمر بعد حظر، ومذهب الظاهرية والحنابلة وطائفة من أصحاب الإمام الشافعي على أنه للوجوب.
وهذا هو الصحيح والأقوى أنك إذا أحلت على رجل مليء قادر ولك على إنسان دين فأحالك على ذلك المليء القادر فإنه يجب عليك أن تتبع المليء القادر.
كذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (على مليء) صفة ومفهوم المخالفة في الصفة: أنك إذا أحلت على معسر أو أحلت على مماطل ومؤذٍ فإن من حقك أن تمتنع.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم) فالمماطلة تكون غير مشروعة إذا كان الإنسان قادراً على السداد؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني) أي: القادر أن يسددك.
وعلى هذا فلا يجوز للمسلم إذا كان عليه دين أن يماطل في السداد إذا حل الأجل، ولهذا قال بعض العلماء: إنه إذا ماطل في السداد ولو مرة واحدة وهو قادر فإنه يعتبر فاسقاً؛ لأنها كبيرة، ويوصف بكونه فاسقاً وتسقط عدالته وترد شهادته.
وقال بعض الجمهور رحمهم الله: إنه يشترط في الحكم بسقوط العدالة أن يتكرر مطله، فلا يكون مرتكباً للكبيرة في المرة الواحدة، بل لابد وأن يتكرر منه الامتناع والمماطلة.
فهذا الحديث دل على مشروعية الحوالة كما ذكرنا، ودل إجماع العلماء على مشروعية الحوالة أيضاً، فقد أجمع أهل العلم رحمهم الله على أن الحوالة مشروعة، وأنه إذا كان عليك دين ولك على شخص دين وأحببت أن تحيل من له عليك الدين على الشخص الآخر الذي تسأله حقك وهو حق متماثل -مستوفٍ للشروط التي سنذكرها في الحوالة- فإن ذلك جائز ومشروع.
وفي مشروعية الحوالة كما ذكرنا تيسير على العباد؛ لأن الحوالة تتضمن جلب المصلحة ودرء المفسدة، فجلبت المصلحة لك من جهة إبراء ذمتك، ودرأت المفسدة عنك من جهة أذية مطالبة الغير لك.
(182/3)
________________________________________
مناسبة ذكر باب الحوالة بعد الأبواب السابقة
ذكر المصنف رحمه الله خمسة عقود أولها القرض ثم يليه الرهن ثم يليه الضمان والكفالة ثم بعد ذلك باب الحوالة، وجميع هذه العقود تسمى عقود الرفق، وبعضها يختلف عن بعض لكنها تشترك من جهة إبراء الذمم واستيفاء الحقوق، فأنت إذا نظرت إلى القرض فهو منشأ هذه الأبواب التي ذكرنا فغالباً ما يقع الضمان والكفالة -سواءً كانت كفالة حضور أو كفالة غرم- في الديون، والرهن يتركب على الدين، ثم الحوالة تكون في الديون، وهذه الأبواب كلها جاءت وراء بعضها لوجود المناسبة بينها.
ولما كان عقد الحوالة يقصد منه الرفق شابه الأصل وهو القرض، ويقصد منه استيفاء الحقوق أيضاً؛ لأنك لما تحيل على المديون الذي لك عليه دين قصدت أن يستوفي صاحبك حقه من ذلك الدين، فهي من عقود الاستيفاء كالرهن، فإنك إذا وضعت السيارة رهناً أو الأرض رهناً إنما قصدت إذا عجزت عن السداد أن يسدد حقه من تلك العين المرهونة.
فهذه الأبواب كلها المناسبة بينها واضحة، وآخرها باب الحوالة لاشتماله على الإبراء.
إلا أن باب الحوالة يختلف عن الكفالة -التي كنا فيها في آخر دروسنا- من جهة كون الحوالة ينتقل الحق منك إلى الشخص الذي أحلت عليه، وبناءً على ذلك لا يستحق أن يطالبك بعد الحوالة، لكن في الضمان والكفالة من حقه أن يطالبك أو يطالب من كفلك، ولذلك قلنا: وله مطالبة أيهما شاء.
ففي الكفالة إما أن يطالبك أو يطالب من كفلك، وأما في الحوالة، فلا يستطيع، إنما يتوجه مباشرة إلى الشخص الذي لك عليه الحق.
وعلى هذا يختلف باب الكفالة عن باب الحوالة من هذا الوجه، وهو أن الحوالة توجب براءة الذمة، ولكن في الكفالة لا يبرأ المكفول إلا إذا أبرأه صاحب الدين على التفصيل الذي سبق بيانه والإشارة إليه.
يقول المصنف رحمه الله: [لا تصح إلا على دين مستقر].
(182/4)
________________________________________
أركان الحوالة
الحوالة تتركب من أربعة أركان: - الركن الأول: المحيل.
- والركن الثاني: المحال.
- والركن الثالث: المحال عليه.
- والركن الرابع: المحال به.
أربعة أشياء: أولاً: المحيل، ثم المحال، ثم المحال عليه، ثم الرابع المحال به.
فالحوالة تستلزم الأركان السابقة، فلو فرضنا أن لي عليك عشرة آلاف ريال، ولك على زيد عشر آلاف ريال، ففي الأصل أطالبك بالعشرة والدين الثاني مطالبتك لزيد بنفس العشرة.
فإذاً هناك ثلاثة رءوس: من كان له الدين، ثم من عليه الدين، ثم هناك دين ثالث يتعلق به الرأس الثالث الذي قلنا هو زيد.
ففي الحوالة تحيلني بالدين الذي عليك -وهو العشرة آلاف- على زيد.
فإذاً أركان الحوالة أربعة هي: - محيل وهو أنت.
- ومحال وهو أنا.
- ومحال عليه وهو زيد.
- ومحال به وهو العشرة آلاف.
(182/5)
________________________________________
شروط صحة الحوالة
هناك شروط لابد من توفرها للحكم بصحة هذه الحوالة:
(182/6)
________________________________________
أن تكون الحوالة على دين مستقر
ذكر المصنف رحمه الله الشرط الأول بقوله: [لا تصح] أي: الحوالة [إلا على دين مستقر].
الديون تنقسم إلى ثلاثة أقسام: - دين لازم ومستقر.
- وعكسه دين غير لازم وغير مستقر.
- ودين لازم غير مستقر.
النوع الأول من الديون: وهو الدين اللازم المستقر: مثلوا له بأروش الجنايات، وقيم المتلفات، وثمن المعاوضات في المبيع المقبوض، هذه ثلاثة أمثلة.
المثال الأول: أروش الجنايات: يكون الدين فيها مستقراً؛ رجل اعتدى على رجل ولو كان خطأً، كأن يكون صدمه بسيارته أنه فتلفت رجله أو يده فانشلت، فثبت حكم القاضي بأن عليه نصف الدية، فإذاً يثبت للمجني عليه خمسون ألف ريال التي هي نصف الدية، فإذا حكم القاضي بذلك فمعناه أن المجني عليه يطالب الجاني بدين لازم مستقر.
لازم لأن الجناية ثابتة عليه، وهذا الأرش قد جعله الشرع مقابل الجناية.
فبوجود السبب ينشأ المسبب، فلا إشكال في ثبوت الجناية، وعليه لا إشكال في ثبوت الحق وهو نصف الدية، فإذاً أصبح لازماً؛ لأنه ليس من حق الجاني أن يقول: لا أعطيك، بل يلزمه ويطالب بها رغماً عن أنفه؛ لأن هذا من جناية يديه ومن كسبه وسعيه.
فإذاً أولاً: هو لازم ولا يملك أن يتصالح في الامتناع منه، وثانياً: مستقر لأنه لا يئول إلى السقوط، وليس بمتردد يحتمل أن يبقى ولا يبقى، فإذاً أروش الجنايات يكون الدين فيها لازماً ومستقراً.
المثال الثاني: قيم المتلفات: لو أن رجلاً صدم سيارة رجل فأتلفها أو كسر بها شيئاً، فقدر أهل الخبرة ذلك الإتلاف بعشرة آلاف ريال.
فإذاً يُلزم بضمان هذا التلف الذي قدر أهل الخبرة أن قيمته عشرة آلاف ريال، فنقول: هذا الدين الذي تعلق بالذمة إذا قضى به القاضي لازم مستقر؛ لأنه ليس بالمتردد الذي يحتمل أن يبقى ويحتمل أن يلغى، فهو ثابت بثبوت الإتلاف، كما ذكرنا في الجنايات.
المثال الثالث: كذلك أيضاً ثمن المعاوضات في المبيع المقبوض مثلاً: لو أن رجلاً اشترى منك سيارة بعشرين ألف ريال، قال لك: اشتريت سيارتك هذه بعشرين ألفاً، وقدمنا في البيع أن الإيجاب والقبول هو الصيغة للبيع، فإذا قال: قبلت لزمه البيع، فيبقى خيار المجلس إذا افترقتما وقبض السيارة لزمه أن يدفع ثمنها.
فإذاً صار عقداً لازماً لأن البيع لازم، وقد بينا أنه من العقود اللازمة، والعشرون ألفاً التي هي قيمة السيارة مستحقة بالقبض.
- أروش الجنايات.
- قيم المتلفات.
- ثمن المعاوضات في المبيع المقبوض.
النوع الثاني: الدين غير اللازم غير المستقر مثاله: كما ذكرنا في المكاتبة رجل قال لعبده: كاتبتك باثني عشر ألفاً تدفع كل شهر ألفاً، لكن الكتابة من حيث هي يحتمل أن يعجز العبد فيعود رقيقاً ويحتمل أن يقوى وتمضي الكتابة، فهي دين غير مستقر.
ولذلك يقولون: يشترط في صحة الحوالة أن تكون في الديون المستقرة، فالكتابة من حيث هي تعتبر من الديون غير المستقرة؛ وغير لازمة لأنه في هذه الحالة لو أن الرقيق قال: لا أريد، فإنه من حقه ولا يلزم بالكتابة.
كذلك الجعالة لو قال: من عثر على سيارتي فله عشرة آلاف، فقبل العثور على السيارة فإن هذه العشرة آلاف غير مستحقه، ويحتمل أن يعثر عليها فيثبت الدين ويحتمل ألا يعثر عليها فلا يثبت الدين، فهو دين غير مستقر.
وغير لازم لأن من حقه أن يفسخ الجعالة قبل، لو أنه قال: من وجد سيارة ضائعة أعطيه عشرة آلاف ثم قال: رجعت، فإن من حقه أن يرجع؛ لأنه عقد غير لازم، فإذاً غير لازم والدين أيضاً غير مستقر، فهذا النوع الثاني من الديون.
النوع الثالث: الديون غير اللازمة غير المستقرة، وذلك كما لو قال له: بعتك عمارتي بعشرة آلف على أن لكل واحد منا الخيار ثلاثة أيام، ففي مدة الخيار نقول: البيع لازم من حيث هو، والأصل أنه عقد شرعي صحيح وثابت لا إشكال فيه، ولكن بالنسبة لهذا الدين وهو قيمة العمارة يحتمل أن يرجع أحدهما في مدة الخيار ويحتمل أن لا يرجع، فهو دين غير مستقر.
وعلى هذا لما أجازت الشريعة هذه الأنواع الثلاثة من الديون فصّل العلماء رحمهم الله في الحوالة فقالوا: إنها لا تصح إلا في الديون المستقرة.
فلا تصح إلا على دين مستقر، فلا تصح بالمكاتبة، ولا تصح -مثلاً- بمؤخر مهر المرأة أو إذا كان قبل الدخول، فلو أن امرأة عقد عليها رجل بعشرة آلاف، فلها عليه عشرة آلاف، لكن إذا لم يدخل بها فهي لا تستحق العشرة آلاف، ولا تستحق المبلغ إلا إذا دخل بها.
فيحتمل أن يدخل بها وتستحق العشرة آلاف، ويحتمل أن لا يدخل بها، فلو أرادت أن تحيل على زوجها بهذا الدين لم يصح؛ لأنه في هذه الحالة لم يترك لها استحقاق العشرة آلاف أو استحقاق المبلغ الذي ذكرناه.
فإذاً الشرط الأول في صحة الحوالة: أن تكون بدين مستقر، وهذا الشرط راجع إلى الركن الثالث وهو المحال به، فإنه لا تقع الحوالة إلا في ديون مستقرة، فإن كان الدين غير مستقر لم تصح الحوالة.
قال رحمه الله: [ولا يعتبر استقرار المحال به] (المحال به): وهو الدين الذي لك على الشخص وتريد أن تحيله على الغير، فمن حقك في هذه الحالة أن تحيل على دين غير ثابت؛ لأن المحال به في الأصل غير ثابت، ويجوز في هذه الحالة أن يعاوض بالمثل.
وبناءً على ذلك فرقوا بين الزوج والزوجة، فإن الزوجة إذا أحالت على الدين الذي ليس لها حق المطالبة به إلا بعد الدخول لم تصح حوالتها؛ لأن الدين لم يستقر ولم يثبت، لكن لو أن هذا الدين وهو العشرة آلاف ريال أحال به الزوج فإنه يصح ويعتبر في هذه الحالة صحيحاً.
بمعنى: المرأة إذا طالبت الرجل بعشرة آلاف ولم يدخل بها فأحالها على رجل آخر صح؛ لأنه في هذه الحالة لا يشترط استقرار المحال به -يعني نفس الدين الذي للزوجة على الزوج- وإنما من حقه أن يمتنع من الإحالة، فيجوز له عندها أن يحيلها على طرف ثانٍ.
زيادة في التوضيح نقول: المحال به وهو الدين الذي تحيل عليه يشترط أن يكون مستقراً حتى لا تغرر بصاحب الحق، لكن عكسه الأمر فيه خفيف، فإن الشخص نفسه إذا كانت المرأة تطالبه بعشرة آلاف، ولم يثبت بعدُ مطالبتها فأحال به ذلك الدين صح؛ لأنه في هذه الحالة حتى لو رجع فإنه يصح له الرجوع، فالأمر فيه أوسع من غيره.
(182/7)
________________________________________
اتفاق الدينين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً
قال رحمه الله: [ويشترط اتفاق الدينين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً].
هذا الشرط الثاني من شروط صحة الحوالة: اتفاق الدينين جنساً ووصفاً وقدراً.
الجنس: أن يتفق الدينان -الدين الأول الذي تحيل به والدين الثاني الذي تحيل عليه- جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة ودنانير بدنانير ودراهم بدراهم وريالات بريالات ودولارات بدولارات.
فلا يصح أن يحيل بذهب على فضة، ولا يصح أن يحيل بريالات على دولارات؛ لأن رصيد الريالات من الفضة ورصيد الدولارات من الذهب، ولا يصح أن يحيل الريالات بالجنيهات ولا العكس؛ لأن رصيد الريالات من الفضة ورصيد الجنيهات من الذهب.
فلو أن شخصاً له على آخر ثلاثة آلاف ريال، والمديون له على شخص ثانٍ مبلغ ألف دولار، فالثلاثة آلاف ريال تعادل الألف دولار، فأراد أن يحيل، نقول: لا يصح؛ لأنه في هذه الحالة تدخله شبهة الربا.
ولذلك قال العلماء: لا يصح أن يحيل إلا مع اتحاد الدينين جنساً، وهذا راجع إلى مسألة أن الحوالة فيها شبهة بيع الدين بالدين.
ولذلك العلماء اختلفوا في الحوالة على وجهين، وبعضهم يقسمه إلى ثلاثة أوجه: قال بعض العلماء: الحوالة من بيع الدين بالدين.
فأنت لك عليّ عشرة آلاف دين، وأنا أُحيلك على شخص آخر لي عليه عشرة آلاف، فأصبح من باب بيع الدين بالدين، وهذا الوجه يقول به طائفة من العلماء رحمهم الله.
وفائدة هذا الوجه: أنك إذا قلت: إن الحوالة من باب بيع الدين بالدين يثبت فيها خيار المجلس، وتسري عليها أحكام البيوع، ويعتبر عقد الحوالة بناءً على هذا القول مستثنىً من الأصل وخارجاً عن الأصل، وهذا في الحقيقة من أقوى الأقوال في المسألة وهو أنه من بيع الدين بالدين، فإن الذين قالوا: بأنها عقد إرفاق أو عقد استيفاء لم يستطيعوا أن يطبقوا أوصاف الاستيفاء في الأثر.
ولذلك إذا أحال على مليء فاحتال فإنه لا يستطيع أن يرجع إليه، فدل على أن الذمة قد انتقلت، وهذا لا يمكن أن يقع في مسألة الاستيفاء كما ذكرنا في الرهونات، وإنما يقع في مسألة البيع.
ولذلك القول: بأنها من بيع الدين بالدين من القوة بمكان،
و
السؤال
إذا كان الشرع قد حرم بيع الدين بالدين فكيف جازت الحوالة؟ قالوا: إن هذا مستثنى من الأصل.
ولذلك يجوز إخراج الخاص من العام، فالأصل العام يقتضي عدم جواز بيع الدين بالدين، ولكن جاز في الحوالة لورود إذن الشرع بها ولهذا نظائر؛ فإن الشرع يضع الشيء فتبقى قاعدة ثم يستثني فروعاً منها، وقد يأتي الحكم في الشرع على سبيل العموم ثم يخصص الشرع منه ما شاء.
وبناءً على ذلك تكون الحوالة فيها صورة البيع، وعلى هذا فإنهم يقولون: لابد وأن يكون الدينان متفقين جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة، فلا يصح أن يحيل ذهباً على فضة ولا فضة على ذهب، كذلك أيضاً: لابد أن يتفق الدينان صفة؛ لأن الدين يكون معجلاً ويكون مؤجلاً؛ فإذا كان لك على شخص دين إلى نهاية محرم وأحالك على شخص عليه دين مؤجل إلى نهاية محرم صحت الحوالة، فلو قال لك: يا محمد! لي على زيد عشرة آلاف في نهاية محرم، فالعشرة آلاف التي لك عليّ في نهاية محرم أحيلك على الدين الذي لي على زيد؛ صح ذلك لاتفاق الدينين تأجيلاً.
وكذلك تعجيلاً فلو أنه أعطاك خمسة عشر ألفاً وحل الأجل في يوم خمسة عشر من ذي الحجة، فجاءك وقال لك: يا فلان! لي عليك خمسة عشر ألفاً أعطنيها، فتقول: أنا لي على زيد من الناس خمسة عشر ألفاً، وقد حلت مثلما حل دينك، اذهب وخذها من فلان فحينئذٍ يصح؛ لأن الدينين اتفقا صفة فالعاجل بالعاجل والآجل بالآجل، لكن لو كان أحدهما مُعجلاً والآخر مؤجلاً لم يصح، فلابد من اتفاقهما تعجيلاً وتأجيلاً.
الوصف: معلوم أن الدنانير من الذهب تختلف، فهناك الدنانير المصرية والدنانير الأميرية والدراهم البغلية فيقولون: جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة، ووصفاً وعليه فدراهم مصرية بأميرية لا يصح؛ لأن هذه لها صفة غير صفة هذه، أو دنانير مكسرة بدنانير صحيحة، أو دراهم مكسرة بدراهم صحيحة لا يصح، لكن دراهم صحيحة، بدراهم صحيحة ودنانير صحيحة بدنانير صحيحة يصح.
ويدخل في الوصف التعجيل والتأجيل، وبعض العلماء يفرق التعجيل والتأجيل في الوقت كما صنع المصنف فقال: (جنساً ووصفاً ووقتاً).
الوقت: هو التعجيل والتأجيل، ولابد في المؤجل أن يتفقا قرباً وبعداً، فلا يصح أن يكون الدينان أحدهما أجله قريب والثاني أجله بعيد، بل لابد وأن يتفق الأجلان حتى تصح الحوالة.
قدراً: كعشرة آلاف بعشرة آلاف وخمسة عشر، بخمسة عشر، لكن يجوز أن يحيله بعشرة آلاف على شخص له عليه عشرون، فيقول له: أعطه منها عشرة يصح، ولا يؤثر وجود الفضل والزيادة، وتكون الحوالة في الحق الثابت بالدين الأول، فيقول له: لك عليّ عشرة آلاف ولي على زيد عشرون، اذهب وخذ منها عشرة سداداً لدينك ووفاءً لحقك.
قال: [ولا يؤثر الفاضل].
كما ذكرنا كأن يحيله بعشرة آلاف على من له عليه عشرون.
(182/8)
________________________________________
أن تكون الحوالة بمعلوم
الشرط الثالث من شروط صحة الحوالة: أن تكون بالمعلوم فلا تصح بالمجهول؛ لأنها إبراء للذمم، فلا يصح أن تكون بالمجهولات، لابد وأن يتحقق فيها العلم، خاصة وأننا قلنا: إن فيها شبهة البيع، فعلى القول بأن فيها شبهة البيع؛ فالبيع لا يصح بالمجهول، وقد بينّا اشتراط العلم بالمبيع.
(182/9)
________________________________________
أن تكون الحوالة برضا المحيل
الشرط الرابع: رضا المحيل، فإذا أراد أن يحيلك اشترط أن يحيلك برضاه واختياره، ولا يصح دون رضا المحيل مثلاً، لو كان لك على زيد عشرة آلاف وأنت تعلم أن زيداً له على عمرو عشرة آلاف ليس من حقك أن تذهب إلى عمرو مباشرة دون أن يحيلك زيد، فإذاً: يتشرط فيها رضا المحيل، ولا يشترط رضا المحال كما سيأتي.
هذه أربعة شروط هي التي تصح بها الحوالة، وقد عبر المصنف بقوله: (ولا تصح) وهذا يدل على أن الشروط شروط صحة؛ لأننا قدمنا أن هناك شروط صحة، وهناك شروط إجزاء، وهناك شروط نفاذ، وهنا قصد المصنف أن يبيّن أن هذا الشرط إذا لم يوجد ولم يتحقق لا نحكم بصحة عقد الحوالة.
فإذاً هذه الأربعة شروط لا تصح الحوالة بدونها وهي: - الشرط الأول: أن يكون بدين ثابت مستقر.
- الشرط الثاني: أن يكون الدينان متفقين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً.
- الشرط الثالث: أن تكون بمعلوم لا بمجهول.
- الشرط الرابع: أن تكون برضا المحيل.
هذه أربعة شروط لابد من توفرها، أما رضا المحيل: فقد حكى العلماء رحمهم الله الإجماع بهذه الصيغة بلا خلاف، فليس هناك أحد يخالف ويقول: إنها تقع حتى ولو لم يرض، إلا خلافاً شاذاً حكي عن الحسن البصري أحد أئمة التابعين رحمه الله برحمته الواسعة، ولكن جماهير السلف والخلف على هذا القول أنها لا تصح إلا برضا المحيل.
(182/10)
________________________________________
الأثر المترتب على صحة الحوالة
قال رحمه الله: [وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل].
(وإذا صحت): الضمير عائد إلى الحوالة.
فإذا صحت نقلت الدين والحق إلى ذمة المحال عليه.
فإذا كان لك عليّ عشرة آلاف وأحلتك وصحت حوالتي انتقل حقك عليّ إلى ذمة زيد الذي ليّ عليه عشرة آلاف.
وبناءً على ذلك يلاحظ أنها إلى البيع أقرب، ولذلك لو أحاله للاستيفاء لم يضر ولا نحكم باللزوم بمجرد الحكم كما ذكرنا في الرهن، وعلى هذا بمجرد وجود الشروط المعتبرة بصحة الحوالة لزمته، وليس من حقه أن يرجع لا المحيل ولا المحال.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) وفي رواية لـ ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما: (فأَتْبِعْهُ) وهذا يدل على أنها إذا صحت حينئذٍ نحكم بانتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
وأنبه ما على مسألة مهمة ستأتي إن شاء الله، فنحن أخرنا مسائل من العقود المعاصرة التي إن شاء الله سنتكلم عليها بعد باب الحوالة؛ والمشكلة أنه تؤخذ أسماء العقود الشرعية وتوضع على الأشياء ويدعى أنها شرعية، ولذلك أحببنا أن لا نتعرض للمسائل المعاصرة إلا بعد انتهائنا من العقود الشرعية كي نتصورها ونفهمها، حتى إذا جئنا نقول: منهم من يقول: إنها حوالة نقول: أنتم تعرفون أن الحوالة ضابطها كذا وكذا فهل ينطبق الضابط هنا أو لا؟ بمعنى حينما يأتي رجل إلى المصرف ويعطيه عشرة آلاف ريال على أن يحيلها إلى بلد في الخارج بقيمة غير قيمة الريالات -إلى دولارات أو إلى جنيهات- فهذه لا تعتبر حوالة لعدم الاتفاق في الجنس، ثم ليس فيها دين مستقر أيضاً.
فما سبق يطلق عليه عامة الناس حوالة ولو جئت تقول: هذا لا يجوز؛ لأنه يشترط فيه التقابض فهو بيع وصرف، قال: لا هذا حوالة والحوالة جائزة شرعاً، فالعقود الشرعية لابد وأن تضبط بما ضبطها به أهل العلم مما استنبط من الكتاب والسنة.
إذاً المسألة السابقة ليست من باب الحوالة، وإنما تكون في هذه الحالة وكالة وصرفاً، صرف لأنه صرف العشرة آلاف ريال إلى دولارات أو جنيهات أو إلى أي عملة أخرى، ثم وكل أن يعطى فلان في ذلك البلد، فهي إلى الوكالة أشبه منها بالحوالة؛ لأنه ليس له على الطرف الثاني بالبلد الثاني دين، إذاً ليس هناك دينان فلا يمكن أن ينطبق عليها ضابط الحوالة، فالحوالة التي ذكرها العلماء سبق ذكرها وذكر ضوابطهما، فانظروا كيف يكون الاسم والمسمى في الظاهر شيء، ولكن في الحقيقة والجوهر واللب شيء آخر.
ومن هنا ننبه على مسألة مهمة -وإن شاء الله سننبه عليها أكثر- وهي قضية المسائل في المعاملات المعاصرة، لا تتحدث عن أي معاملة معاصرة تريد تخريجها على القديم إلا بعد ضبط القديم، فإذا قالوا: وديعة انظر ما هو ضابط الوديعة عند المتقدمين، وبعد أن تفهم ما هي الوديعة، وما هي حقيقتها عند المتقدمين، انظر في صورة المسألة المعاصر هل استوفت الأوصاف المعتبرة أم لا؟ إذا قال قائل: لو أردت أن أحيل عشرة آلاف من جدة إلى المدينة، فالدين واحد وهو عشرة آلاف بعشرة آلاف فحينئذٍ نقول: هذه المسألة ليست من باب الحوالة؛ لأنه ما مِن دين ثانٍ، يعني أنت الآن تتعامل مع شخص هو نفسه الذي سيفوض شخصاً آخر.
وبناءً على ذلك يقولون: إنها إلى الوكالة أشبه منها من الحوالة، وهناك وجه عند اتفاق المبلغ المحال جنيهات أو ريالات أن يعطى حكم الحوالة، وسنبين ذلك عند حديثنا عن أحكام الحوالات بعد الانتهاء من باب الحوالة إن شاء الله تعالى.
قال: [نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل] إذا أحلت شخصاً واستوفيت الشروط المعتبرة للحوالة، تكون عندها نقلت الحق وهو العشرة آلاف من ذمتك إلى ذمة من أحلت إليه، وبهذا تكون قد برئت ذمتك؛ لكن بالشروط التي ذكرناها في صحة الحوالة، وأن تكون الحوالة قد استوفي فيها شرط الإلزام، كأن تحيل على مليء، فلو أحلت على مفلس أو أحلت على غير مليء، فإنه لا تبرأ ذمتك ولا يلزم بالاتباع، لكن لو قبل برئت ذمتك.
فإذاً من حيث الأصل نقول: إذا استوفت الحوالة شروطها وكانت على مليء واحتال المحال فإنها تبرأ ذمة المحيل.
(182/11)
________________________________________
حكم من أحال على مليء افتقر
لكن هنا مسألة: نحن ذكرنا أن زيداً لو أحال عمراً على خالد بعشرة آلاف ريال، وخالد غني مقتدر وتمت الحوالة مستوفية للشروط، وبعد يومين أو ثلاثة أيام افتقر خالد أو أصبح معسراً فهل يرجع إلى المحيل؟

الجواب
لا.
لأنه إذا تمت الحوالة وكانت في وقتها مستوفية للشروط وحكمنا بصحتها وبلزومها برئت ذمة المحيل مباشرة، وإذا برئت ذمته انقطعت الصلة بينه وبين من يطالبه، فحينئذٍ يكون وجهه على الطرف الثاني وهو المحال عليه.
(182/12)
________________________________________
المعتبر في الحوالة رضا المحيل لا المحال عليه
قال رحمه الله: [ويعتبر رضاه لا رضا المحال عليه].
أي ويعتبر رضا المحيل؛ لأنه في الحقيقة إذا كان لك عليّ دين وأردت أن أحيلك على شخص آخر فإن الشخص الآخر -الذي هو خالد- الذي لي عليه الدين من حقي أن أحيلك عليه ومن حقي أن أسدد دينك من مالي، فكونك تذهب مباشرة إلى خالد ليس من حقك ولا تثبت لك به الحوالة، فلو أنك ذهبت مباشرة إلى خالد وقلت: يا خالد لي على محمد عشرة آلاف ريال أريد أن آخذ منك العشرة آلاف التي لمحمد عليك، وأعطاك خالد المبلغ، فإن خالد! يُلزم شرعاً في هذه الحالة بدفع العشرة آلاف إليّ ويضمن؛ لأنني لم أوكله ولم آذن له بصرفها إلى ذلك الشخص الذي له عليّ الدين.
إذاً لا تصح الحوالة إلا برضا المحيل، واعتبرناه شرطاً كما ذكرنا وهذا بلا خلاف، وقد نقل هذه الصيغة الإمام ابن قدامة والشوكاني وغيرهما من الأئمة رحمهم الله بلا خلاف أن رضا المحيل معتبر.
قال: [لا رضا المحال عليه] في أصح قولي العلماء: أنه ليس من حق المحال عليه أن يمتنع وهو الطرف الثاني -خالد- الذي لي عليه عشرة آلاف، فلو أحلتك على خالد فليس من حق خالد أن يقول: لا، إنما يلزم؛ لأن ذمته مشغولة لي، ولي حق أن أصرفها إلى الغير، فهذا حق مستحق عليه سواءً دفعه لي أو دفعه لغيري، وليس من اللازم أن يرضى.
إلا أن بعض العلماء يقول: يشترط رضا المحال عليه.
والسبب في هذا: أن للناس كرامة ولهم حقوق، فقد أرضى أن آخذ الدين منك وتكون غريماً لي ولا أرضى بشخص آخر، فقالوا: إذا كان فيه ضرر كعدو يشمت به أو إنسان منّان يتحدث أو يؤذيه أو يضره فمن حقه أن يمتنع من الإحالة.
وهذا القول في الحقيقة من جهة مقاصد الشريعة العامة له وجهه، لكن من جهة المعاملات وضوابط المعاملات وأصول المعاملات والقواعد المقررة في شريعتنا في المعاملة ليس من حقه أن يرضى، يعني رضاه أو عدم رضاه ليس بمشترط، بمعنى أننا إذا جئنا إلى وجود الضرر -والقاعدة أن الضرر يزال- وأن الحوالة هنا تضمنت الضرر وقد شرعت للرفق ممكن أن تقول: ويشترط رضا المحال عليه.
وإذا جئت تنظر من جهة استيفاء الحقوق أن الرجل ما ظُلم، وأن الحق الذي على خالد سيدفعه لمحمد أو سيدفعه لي على حد سواء، وغاية هذا الأمر أنه نقل الحق من ذمة إلى ذمة وليس في هذا ضرر، فكما أنه مطالب بحق محمد فهو مطالب بحقي هذا يقتضي الجواز، أي: يقتضي أنه يجوز أن يحيله بدون رضاه وكلا القولين له وجهه.
(182/13)
________________________________________
لا عبرة في الحوالة برضا المحال
قال: [ولا المحتال على مليء]: أي لا يشترط رضاك إذا أُحلت على مليء، وهذا لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) مفهوم قوله: (على مليء) أنك إذا أُحلت على غير مليء فإن من حقك أن تمتنع، فلو قال لك رجل: العشرة آلاف التي لك عليّ أحيلك على زيد وأنت تعرف أن زيداً مفلس، أو أن زيداً مماطل، وأنه مؤذٍ ولا تستطيع أن تستوفي حقك منه فمن حقك أن تمتنع، وهذا صحيح أنه لا تلزمك الحوالة إلا إذا كانت على مليء لا ضرر عليك من الحوالة عليه.
(182/14)
________________________________________
عدم نفاذ الإحالة على مفلس إلا برضا المحال
قال: [وإن كان مفلساً ولم يكن رضي رجع به].
(وإن كان مفلساً) يعني المحال عليه، (ولم يكن رضي) يعني المحال (رجع عليه) بمعنى أنه إذا رضي ليس من حقه أن يرجع.
فإذاً إذا أحلت على مفلس فهناك صورتان: الصورة الأولى: أن لا ترضى، فلو أُحلت على مفلس ولم ترض، ثم ذهبت إلى المفلس فامتنع وأبى، فمن حقك أن ترجع إلى المحيل.
والصورة الثانية: أن تحال على مفلس وترضى، فلما رضيت وذهبت إلى المفلس وجدته سيتعبك فرجعت إلى المحيل، فليس من حقك أن ترجع.
إذاً الرضا يسقط الحق في الرجوع، فالمحال إذا رضي بالمفلس فإنه ليس من حقه أن يرجع.
(182/15)
________________________________________
الحكم فيمن أحيل بثمن مبيع ثم ظهر بطلان البيع
قال رحمه الله: [ومن أحيل بثمن مبيع أو أحيل به عليه فبان البيع باطلاً فلا حوالة].
فلو بعت عمارة بخمسمائة ألف ريال، ولما بعتها بهذا المبلغ قبض المشتري العمارة على أن يسدد لك المبلغ في نهاية السنة فالدين ثابت ومستقر، وأردت أن تحيل شخصاً له عليك نصف مليون فقلت له: النصف مليون التي لك عليّ أحيلك على فلان الذي اشترى مني العمارة، فهذه الحوالة صحيحة.
فهنا الدينان متفقان جنساً ووصفاً وقدراً ووقتاً وقد رضي المحال على أنه في نهاية السنة سيذهب ويأخذ المبلغ، يصح أن تحيل على ثمن العمارة إذا كنت أنت البائع، ويصح للمشتري منك الذي تطالبه بنصف المليون أن يحيلك على آخر، يعني بثمن العمارة الذي تطالبه به وهو نصف مليون، فيصح لكلا الطرفين البائع والمشتري.
البائع يُحيل بدين عليه يؤخذ من قيمة العمارة، هذا بالنسبة للبائع، والمشتري يحيل البائع بدين العمارة وهي نصف مليون على شخص آخر له عليه نصف مليون، هذا بالنسبة لأصل الحوالة، فالمبيع صحيح ولا إشكال فيه، ففي نهاية السنة ذهب صاحب العمارة إلى ذلك الشخص الذي أحلته عليه فأعطاه نصف مليون، فلا إشكال؛ لأن الحوالة تمت وبرئت الذمة.
العكس لو أن صاحب العمارة طالبه طرف ثانٍ بنصف مليون فأحال على المشتري، أي: أحال عليك رجل له عليه نصف مليون، فجاء في نهاية السنة وطالبك بنصف مليون وأعطيته إياها، فإذاً صحت من البائع وصحت من المشتري، هذا بالنسبة إذا كان المبيع مستوفياً للشروط.
لكن لو وقعت الحوالة في مبيع باطل من أصله كمن باع خمراً أو باع ميتة أو باع خنزيراً فالثمن غير مستحق في الأصل، فإذا كان الثمن غير مستحق في الأصل فالدين غير ثابت؛ لأننا بينّا أن من شروط صحة الحوالة أن تكون بدين مستقر، والدين إذا كان أصله باطلاً لم تثبت المطالبة.
فلو أنه باعه محرم العين بألف ريال، فإن هذه الألف لا تثبت والذمة لا تنشغل بها، فالبيع باطل من أصله وليس هناك دين أصلاً، فلو أحال عليه أو به لم تصح الحوالة.
إذاً يُشترط في صحة الحوالة كما ذكرنا أن يكون الدين من حيث الأصل ثابتاً، وإذا كان البيع من أصله باطلاً لم يثبت الدين، وإذا لم يثبت الدين لم تصح الحوالة ويُحكم ببطلانها.
هذا بالنسبة إذا بان أن البيع باطل، أو أن المبيع مستحق للغير؛ كرجل باعك عمارة بنصف مليون، وتبين أنه اغتصب العمارة أو أنها ملك لغيره، فالدين غير ثابت، فالحوالة باطلة فلو أحال عليه أو به لم تصح.
(182/16)
________________________________________
الحكم فيمن أحيل بثمن مبيع ثم انفسخ البيع
قال رحمه الله: [وإذا فسخ البيع لم تبطل ولهما أن يحيلا].
فرق العلماء بين بطلان البيع وفسخ البيع، وفقه المسألة راجع إلى مسألة استقرار الدين، وهي أشبه بالمسألة المتقدمة معنا حينما قلنا ليس من حق الزوجة أن تحيل على زوجها في صداق قبل أن يدخل بها؛ لأن الدين لم يستقر، ومن حق الزوج أن يحيل الزوجة بذلك الدين على شخص آخر؛ لأن من حقه أن يعجل المهر.
كذلك هنا فرقنا بين كون البيع باطلاً من أصله بحيث لا يثبت دين، وبين كونه ثابتاً ثم يطرأ الفسخ من المتعاقدين، أو يوجد سبب يوجب الخيار كخيار العيب ونحوه كما سنبينه.
لما قلنا للزوج في الحوالة أنه إذا كان الدين مستقراً صحت الحوالة عليه وبه كما ذكرنا، وإذا كان غير مستقر فإنه يصح أن يحيل على طرف ثانٍ في دين غير مستقر فالمرأة -مثلاً- إذا كان مهرها عشرة آلاف ريال فمن حقك أن تعطيها عشرة آلاف ريال قبل الدخول فتعجل لها ذلك، فكما أن من حقك أن تعطيها العشرة آلاف قبل الدخول فمن حقك أن تقول لها: هذه العشرة التي لك عليّ أو أعطيتك إياها مهراً أحيلك على زيد أو على عمرو الذي لي عليه عشرة آلاف؛ فأحلتها وهي تطالبك بدين غير مستقر.
فإذاً فقه المسألة كلها في الدين المستقر، وهنا في البيع إذا جاء وقال لها: بعتك عمارتي بعشرة آلاف ريال والعمارة صحيحة وقبضت وثبت الدين صحت الحوالة من البائع ومن المشتري بالتفصيل الذي ذكرناه، فلو أن هذا البيع الذي وقع بين الطرفين تبيّن أنه باطل من أصله، فإذاً لم يثبت استقرار الدين في الذمة فتبطل الحوالة؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل، كما لو قال لك: العشرة آلاف التي لك عليّ خذها من زيد وهو ليس له على زيد عشرة آلاف وادعى أن له على زيد عشرة آلاف، فإذاً هي باطلة من أصلها.
فهنا إذا بان بطلان البيع فكأنه أحالك على شخص ليس له عليه شيء، لكن لو أن البيع صح ثم إن الطرفين اتفقا على الإقالة؛ فحينئذٍ يفرّق بينهما؛ لأن البيع أثبت الحق وإذا ثبت الحق فكونهما بعد ذلك يريان فسخه المهم أنها تثبت الحوالة كما قلنا: إذا كان مليئاً أثناء الحوالة ثبتت الحوالة، ثم بعد ملئه صار مفلساً، فيكون قد طرأ شيء وهذا لا يؤثر.
فإذاً إذا كان البيع بأصله صحيحاً ثم ظهر في المبيع عيب يقع به خيار العيب واستحق الفسخ، فإن الذمة قد شغلت في الأول إن صح البيع، فصح أن يحيل عليه وبه.
فكونه بعد ذلك يطرأ ما يوجب الخيار ويختار أحدهما الفسخ هذا أمر لا يلغي العقد؛ فحينئذٍ يصح أن يحيل به وأن يحيل عليه، ففرّق بين كونه باطلاً في أصله وبين كون الطرفين قد اتفقا على فسخه أو على الإقالة فانفسخ البيع بسببهما.
إن شاء الله بالنسبة للدرس القادم وما بعده سيكون الحديث عن المسائل المعاصرة، نتحدث فيها على جملة من المسائل المتعلقة بالحوالة والضمان، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا المعونة، وأن يجعل العلم خالصاً لوجه الكريم موجباً لرضوانه العظيم.
وسنبين فيها بعض الفروع والمسائل؛ لأن هذا متصل بموضوعنا، فالفقه قديمه جديد وجديده قديم، فالشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وكوننا ندرس الفقه القديم دون أن يكون هناك إلمام بالمسائل التي سميت بأسماء العقود القديمة حتى نعرف صوابها من خطئها وحقها من باطلها هذا لا شك أنه يكون بمعزل.
ولا يخفى أن الإنسان إذا قرأ الفقه وكانت الأمثلة قديمة لم يستطع أن يستوعب، ولن يستطيع أن يستفيد أو يفيد، فلذلك لابد من التعرض لهذه المسائل ومعرفة موقف الشريعة منها.
وهذا إن شاء الله وبإذن الله عز وجل سنسير فيه على منهج التصور، فإن كان عندنا عقد قديم نتصوره، وإذا كان عندنا عقد جديد نتصوره؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبعد أن نتصوره بحقيقته وبطريقه المعروفة بعد ذلك يكون التخريج أو ما يسمى بالتكييف الفقهي، وهو معرفة كيفية العقد وصورته الفقهية هل هو مخرج على عقد شرعي؟ يعني إما أن يكون مخرجاً على عقد شرعي قديم أو غير مخرج، فإن كان مخرجاً على عقد شرعي قديم تنتقل إلى مسألة ثانية وهي ما هي شروط هذا العقد القديم؟ وهل استوفى هذا الجديد الشروط القديمة؟ أم حصل تغيير في شروطه وتغيير فيما ذكره العلماء من لوازمه؟ كل ذلك إن شاء الله سنبينه، ونسأل الله تعالى أن يعيننا بحوله وقوته، وأن يلهمنا الرشد والصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(182/17)
________________________________________
الأسئلة
(182/18)
________________________________________
الحكم فيما لو أحال المستأجر المؤجر بأجرته قبل استيفاء المنفعة

السؤال
علمنا أنه يجوز أن يحيل الزوج زوجته بصداقها قبل الدخول، فهل يماثلها لو أحال المستأجر المؤجر من أجرته قبل استيفاء المنفعة؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: اختلف العلماء رحمهم الله في عقد الإجارة هل الأجرة لازمة بالعقد أو لازمة بالاستيفاء؟ هذان وجهان للعلماء: بعض العلماء يقول: الأجرة لازمة بالعقد، وبناءً على هذا القول تستحق الأجرة بمجرد العقد، ويشمل هذا إجارة المنافع والدور.
مثلاً لو استأجرت شقة سنة باثني عشر ألفاً، فإن كل شهر له ألف ريال، قالوا: إن الأجرة تستحق بمجرد العقد، فأشكل على هذا القول كيف تقولون: إن صاحب الشقة يستحق الاثني عشر ألفاً مع أن المستأجر لم يستنفع بعد والمنافع غير موجودة؟ قالوا: تمكين المؤجر للمستأجر من السلعة ينزل فيه المعدوم منزلة الموجود، يعني ما دام خلى بينه وبين الشقة ومكنه منها فمعنى ذلك أنه سيستوفي فينزل المعدوم منزلة الموجود.
والوجه الثاني: أن الأجرة تستحق بالاستيفاء، وعلى هذا تستحق شيئاً فشيئاً، فإذا تمت السنة استحق الاثني عشر ألفاً.
فائدة الخلاف: لو أعطاك الأجرة مقدماً فحينئذٍ أنت تستحقها شيئاً فشيئاً شهراً فشهراً، وعلى هذا لا تلزمك زكاتها إلا بعد الاستحقاق.
وأما إذا قلنا: إنها تستحق بالعقد فينشأ حولها من القبض، فإن قبضت الأجرة تصبح في هذه الحالة تستقبل الحول بالاثني عشر كاملاً، لكن إذا قلنا: إنها تستحق بالمنافع فلكل شهر أجرته ولكل شهر حوله.
والله تعالى أعلم.
(182/19)
________________________________________
صيغة انعقاد الحوالة

السؤال
هل للحوالة صيغة معينة أم تنعقد بكل ما دل عليها؟

الجواب
الحوالة تنعقد بالصيغة الصريحة، أحلت على فلان، وهذا من صريح الألفاظ، وبعض العلماء أجاز أن تكون بلفظ الوكالة وبالألفاظ التي جرى العرف بها كقولك: خذ حقك من فلان أو خذ مالك عليّ من فلان فلا ذكر هنا للحوالة، لكن هذا يعتبر من الكنايات ورجح شيخ الإسلام رحمه الله وطائفة: أن صيغ العقود لا تتقيد بالألفاظ المخصوصة، وإنما يرد فيها إلى كل عرف بحسبه، فإن فهم الطرفان معنى الحوالة، أخذت حكم الحوالة وإن لم يكن ذلك فلا.
والله تعالى أعلم.
(182/20)
________________________________________
حكم إحالة المحال عليه إلى آخر

السؤال
هل للمُحال عليه أن يحيل على آخر؟

الجواب
إذا ثبت الدين واستقر فإنه في هذه الحالة يكون الحق للأول ولا يجوز صرفه إلى الثاني؛ لأن الحوالة خارجة عن الأصل، ولذلك تشرع بالحوالة الأولى ولا تنتقل إلى حوالة ثانية لشُبهة البيع كما ذكرنا، وقالوا: خاصة إذا كان من جنس ما يشترط فيه القبض؛ لأن ما يشترط فيه القبض -كما قال العلماء- لا يصح بيعه قبل قبضه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(182/21)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - بعض المعاملات المالية المعاصرة وبطاقة الائتمان [1]
الفقه الإسلامي كل ما يتعلق بالمسائل المالية، ومن هذه المسائل ما يتعلق بالقرض والرهن والضمان وغيرها من الأبواب الأخرى.
ونظراً لما في الشريعة من المرونة والشمول لكل ما يستجد في حياة الناس، فقد أدرجت تحت هذه الأبواب بعض المعاملات المالية المعاصرة والتي منها بطاقة الائتمان، فبينت ما يتعلق بها من أحكام، وفرقت بين ما يجوز فيها من معاملات وما لا يجوز.
(183/1)
________________________________________
توطئة في المعاملات المالية المعاصرة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد تقدمت معنا جملة من الأبواب التي تتعلق بالمسائل الفقهية المالية، وكان آخرها باب القرض والرهن والضمان والكفالة والحوالة، وهذه الأبواب ترتب بعضها على بعض.
وذكرنا أن العلماء رحمهم الله من المحدثين والفقهاء ذكروا القرض؛ لأن الرهن ينبني عليه فأتبعوه بالرهن، وكذلك الكفالة والضمان كلٌ منهما متعلق بالذمم، ومن هنا أتبعوا باب الرهن بباب الضمان.
ثم ذكرنا باب الحوالة؛ لأنه يتعلق بالديون وشغل الذمم، فهو طريق لإبراء الذمة بإحالة صاحب الدين على مدينٍ آخر، وذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأبواب.
ونظراً إلى أن بعض المعاملات المالية المعاصرة تندرج تحت بعض هذه الأبواب، كان من الأهمية بمكان أن يعتنى ببيان حكمها الشرعي، وما يتعلق بها من مسائل؛ لأن قديم الإسلام جديد وجديده قديم، وحكم الله سبحانه وتعالى في المسائل المالية كحكمه في المسائل المتعلقة بالعبادات، فالإسلام دين كامل، ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا بيّن حكمها وأصلها، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]، فمن كمال هذه الشريعة أنها وفّت للناس لبيان حكم الله عز وجل في كل صغير وكبير، وجليل وحقير.
وقد اعتنت الشريعة الإسلامية واعتنى العلماء من المحدثين والفقهاء ببيان الأحكام لكل ما جدّ وطرأ، ولم تقف الشريعة يوماً من الأيام عاجزة أمام مسألة أياً كانت المسألة، وإن قصرت أفهام بعض العلماء عن فهم بعض المسائل، فهذا لا يعني أن الشريعة عاجزة عن بيان الحكم: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:115] فكلمات الله تامة، والقواعد التي جاءت بها آيات الكتاب وأحاديث السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد عامة جامعة شاملة، اندرجت تحتها المسائل وأيضاً تبعتها النوازل؛ ولذلك لما شعّ ضياء الإسلام على مشارق الأرض ومغاربها، وكانت الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط ما وقفت يوماً من الأيام عاجزة عن بيان حكم من أحكام الله عز وجل في مسألة أياً كانت المسألة.
وعلى هذا كان من الأهمية بمكان لطالب العلم أن يربط بين المسائل المعاصرة والمسائل القديمة، وأن يعرف حكم الله عز وجل في هذه المسائل، وإذا كانت المسألة قد طرأت وجدّت في أي عصر من العصور، خاصة إذا كانت مسألة متعلقة بالمعاملات المالية، فإن على طالب العلم أولاً أن يعرف حقيقة المعاملة أو صورة المسألة، فأول ما ينبغي على طالب العلم في المسائل العصرية مرحلة التصور، ومرحلة التصور تحتاج من طالب العلم أن يسأل أهل الخبرة وأهل المعرفة عن هذه المسائل، فإن كانت المسألة التي طرأت عليك في الفقه متعلقة بالأموال، رجعت إلى من عنده خبرة بمسائل الاقتصاد والمال وسألته، وإن كانت المسألة متعلقة بالطب رجعت إلى الأطباء وسألتهم، وخلال ذلك ينبغي على السائل عند سؤال للمختصين أن يكون سؤاله لأوثق الناس وأعرف الناس وأعلم الناس في كل فن، وقد قرر هذا شيخ الإسلام رحمه الله وأئمة الإسلام الأعلام، أنه يرجع في كل فن إلى أهل العلم به، فإذا سألتهم وبينوا لك حقيقة المعاملة حينئذٍ تصورت، وبعد أن تتصور تكون قد درست الباب الذي تندرج تحته المسألة، فإن كانت المسألة مالية متعلقة مثلاً بباب الشركات تتصور ما هي حقيقة الشركة المعاصرة، وقد بين الفقهاء رحمهم الله في كتبهم كنوزاً عظيمة ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها أيما عناية، فتجدهم يذكرون في كل باب أركانه وشروطه وواجباته، وهذه الأمور التي ذكروها إذا أتقنها طالب العلم يستطيع في أي مسألة أن يلمّ بشتاتها؛ لأنه إذا كانت المسألة متعلقة بالشركات -وهي مسألة معاصرة- سألت فاستبانت حقيقة الشركة، وعرفت أطراف الأفراد المشتركين فيها، والمقصودة منها، ومجال التعامل فيها، ثم بعد ذلك رجعت إلى ما قرره العلماء: ما هي أركان هذه الشركة، وما هي الشروط المعتبرة للحكم بصحة الشركة، وما هي الأمور التي ينبغي توفرها للحكم بسلامة عقود الشركات، ثم بعد ذلك تبيّن هل هي جائزة أو غير جائزة.
فإذاً: عندنا أمران: الأمر الأول: يتعلق بالتصور.
والأمر الثاني: يتعلق بما يسمى بالتخريج الفقهي.
فأنت إذا تصورت الذي أمامك مما جدّ ونزل من المسائل، بعد ذلك تكون عندك الخلفية القديمة للمسائل القديمة التي قعّدها العلماء فتنظر، قالوا: هذا عقد حوالة، وسموه حوالة مثلاً، ترجع إلى باب الحوالة في الفقه، وتسأل: ما هي حقيقة الحوالة أولاً؟ ثم ما هي أركانها؟ وما هي شروطها المعتبرة للحكم بصحتها؟ ثم تنظر في الذي أمامك هل ينطبق عليه تعريف الحوالة الذي ذكره العلماء؟ وما هي الأركان في هذا العقد المعاصر للحوالة المعاصرة؟ فإن وجدته تنطبق عليه الصفات حينئذٍ تفرّع عليه ما ذكره العلماء، وتكون حوالة إلا أنها اختلفت باختلاف الأزمنة والأمكنة، إلا أن الحقيقة والجوهر شيء واحد.
هذا بالنسبة لمسألة التخريج.
في بعض الأحيان قد تجد أن الاسم شيء والحقيقة شيء آخر، فيقال: هذه وديعة، فترجع إلى أساس الوديعة وضابط الوديعة عند الفقهاء فتجده لا ينطبق على ما يسمونه مثلاً وديعة، فتقول: هذا العقد يسمى في زماننا بالوديعة، ولكنه في الحقيقة قرض وآخذ حكم القروض.
فإذاً مسألة الخلط في الفتوى في المسائل المعاصرة، تأتي بقصور في التصور، وهنا أنبّه على أنه إذا كان طالب العلم يريد أن يتكلم في مسألة ينبغي ألا يستعجل، وعلى العالم ألا يستعجل الفتوى في المسألة حتى يرجع لأهل الخبرة؛ لأن عرض الناس وسؤال الناس يؤثر في الفتوى أحياناً؛ فلربما دخل في السؤال عاطفة، أو دخل نوع من التحيل لإقناع العالم بالتحريم، ونحو ذلك من الأخطاء التي قد يقع فيها من يستعجل في فتواه دون الرجوع إلى أهل الخبرة؛ لأنه ليس الهدف أن نتكلم في زيد أو عمرو، إنما الهدف أن نعرف حكم الله عز وجل، وليس الهدف أن ينجرّ الإنسان وراء عاطفته بتحليل أمر أو تحريم أمر يتحمل مسئوليته أمام الله عز وجل، وإنما المهم أن ينصح لله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا الدين وللأمة ببيان حقيقة الحكم الشرعي في المسائل.
فإذاً لابد من العناية بهذه الأمور التي حصل فيها الاختلاف وتباينت فيها وجهات النظر بسبب دخول العواطف، وينبغي إذا اخترت أحداً من أهل الخبرة أن يكون معروفاً بالورع والعدالة، وقد قرر شيخ الإسلام رحمه الله وكذلك الإمام ابن فرحون في تبصرة الحكّام: أن الرجوع لأهل الخبرة على حسب الأوثق منهم، ولو كانوا من غير ديننا، كأن يكون من أهل الكتاب وعنده خبرة ولكن يعرف بالأمانة والنصيحة، وقد ذكر هذه المسألة شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية، وبيّن رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستطب الحارث بن كلدة ويأمر الصحابة باستطبابه، وكذلك استأجر عبد الله بن أريقط وهو رجل من بني الديل هادياً خريتاً وذلك لمعرفة الطرق، فإذا أعجز الإنسان أن يجد العدل المأمون فلا بأس أن يرجع إلى أمثل أهل الخبرة في كل فنٍ ممن عرف بالإتقان والضبط.
وإذا علم هذا فإن المسائل المالية المعاصرة كبطاقة الائتمان أو خطاب الضمان أو الاعتماد المستندي أو الكمبيالات أو الأوراق التجارية أو الحوالات المصرفية، ينبغي أن نفرق في تصورها بين أمرين: الأمر الأول: فهم وتصور ماهية المعاملة وحقيقتها وأركانها وما يتبع ذلك من شروط التعاقد فيها.
الأمر الثاني: عدم الخوض في مسألة كيفية العقود بطريقة مفصلة والتي هي من شأن أهل الاختصاص، وليست من شأن طالب الفقه أو طالب العلم.
وبناءً على ذلك: سنتكلم إن شاء الله على بطاقة الائتمان.
وقد اخترنا جملة من المسائل لتطبيق الأبواب التي ذكرناها سابقاً، فعندنا باب القرض والرهن والضمان والكفالة والحوالة، سنختار لباب القرض والرهن بطاقة الائتمان، وكذلك أيضاً نختار للكفالة والضمان خطاب الضمان، وبعد ذلك نتكلم على جملة من المسائل المتعلقة بالتحويلات أو الحوالات، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا السداد وأن يلهمنا الرشاد، وأن يجعل ما نتعلمه ونُعلِّمه خالصاً لوجهه الكريم موجباً لرضوانه العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا وهو نعم الوكيل.
(183/2)
________________________________________
بطاقة الائتمان
(183/3)
________________________________________
نبذة تاريخية عن نشأة بطائق الائتمان
بطاقة الائتمان نوع من المعاملات المعاصرة، جدّت وطرأت في هذا القرن المعاصر الذي نحن في آخره، فيقال: إنها أول ما نشأت في عام (1918م)، وكان التعامل بها على مستوى الشركات، فكانوا يعطونها لأفرادهم، ويقوم الفرد بالتعامل مع المحلات التجارية بواسطتها على أن تلتزم الشركات بالدفع عنه، وكانت أشبه ما تكون بعقد الوفاء.
ثم بعد ذلك تطورت هذه البطاقة في ما يقرب من عام (1950م) إلى عام (1958م)؛ والسبب في هذا أن الكتب التي تكلمت على تاريخها تتكلم بالتاريخ الميلادي، لكن المهم التصور عن نشأتها، في هذه الفترة صدرت بطاقات من هيئات مالية، وكانت هذه الهيئات قد وجدت الجدوى والفائدة في إصدار هذا النوع من البطاقات؛ لأنها تدر أرباحاً وفوائد وعوائد مالية، فدخلت البطاقة إلى البنوك والمصارف في هذه السنوات تقريباً، وصدرت بطاقات مشهورة في هذه الفترة، ثم انتشرت من بلاد الغرب حتى عمّت أكثر أرجاء المعمورة كما هو موجود في زماننا.
(183/4)
________________________________________
تعريف بطاقة الائتمان
هذه البطاقات وهي بطاقات الائتمان لم يوضع لها تعريف محدد، إلا أن بعض المجامع العلمية وضعت تعريفاً يعتبر من أنسب التعاريف لهذا النوع من البطاقات، وتعريف بطاقات الائتمان أمر من الأهمية بمكان؛ لأننا ذكرنا أنك إذا عرفت حقيقة المعاملة والعقد المعاصر، أمكنك تخريجه على ما تقدّم من أبواب الفقه، وأيضاً معرفة أركانه وشروطه على التفصيل الذي سنبينه إن شاء الله.
فبطاقة الائتمان حقيقتها: مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري، بناءً على عقد بينهما يمكِّنه من شراء السلع والخدمات مِن مَن يعتمد المستند، دون أن يدفع الثمن حالاً، لتضمنه التزام المصدِر الدفع عنه.
إلى هذا الحد يتمّ تعريف البطاقة، إلا أنهم ألحقوا بهذا التعريف جملة وهي: ومن أنواع هذا المستند ما يمكِّن صاحبه من صرف النقود أو سحبها من المصارف.
وهذا التعريف نريد أن نقف معه وقفة نتصور بها حقيقة ما يسمى ببطاقة الائتمان، وهذا التصور وهو في الحقيقة تعريف مجمع الفقه الإسلامي لبطائق الائتمان، وهو من أنسب التعاريف وأجمعها وأفضلها ويعطي تصوراً شبه كامل لما يسمى ببطاقة الائتمان.
فقالوا: (بطاقة الائتمان مستند) والمستند: هو عمدة الشيء، والمراد بالمستند هنا هو البطاقة، وعُبّر عنه بكونه مستنداً؛ لأن صاحبه يستند إليه في التعامل، وبطبيعة الحال هذه البطاقة تتميز من باب التصور بشعار معين ومعلومات معينة يمكن من خلالها معرفة حساب العميل أو رقم العميل.
قالوا: (مستند يعطيه مُصدِرُه) بطاقة الائتمان فيها مصطلحات معروفة عند من يتعامل بها، فهناك شيء يسمى المصدِر، والمصدِر: هو الجهة التي تقوم بإصدار هذا النوع من البطاقات، وتشمل في الغالب البنوك والشركات والمصارف، فقولهم: (مستند يعطيه مُصدِرُه) يعني الجهة التي تلتزم بما في هذه البطاقة مما ذكرنا.
قالوا: (لشخص طبيعي أو اعتباري) يعني هذه البطاقة تعطى لطرف ثانٍ، فعندنا في هذه الحالة طرفان: الطرف الأول: المصدِر وهو البنك أو الشركة أو المصنع، وعندنا الطرف الثاني: وهو الذي يستفيد من هذه البطاقة، ويسمى في الاصطلاح حامل البطاقة، ودائماً ما يعبّر عنه بالحامل، يقال: الحامل ويلتزم الحامل وعلى الحامل، والمراد بالحامل العميل، إلا أن هذا العميل جاء في التعريف أنه يشمل نوعين من العملاء الذين يتعاملون بهذا النوع من البطاقات، فقالوا: (لشخص طبيعي أو اعتباري)، الشخص الطبيعي هو أنت أو أنا أو أي شخص زيد أو عمرو من الناس، لكن الذي يهمنا قولهم: (أو اعتباري)، فمن هو الشخص الاعتباري؟ الشخصية الاعتبارية: مصطلح حادث، جدّ وطرأ في العصور المتأخرة، وتعاملوا به في الالتزامات وفي العقود لوجود الحاجة، والشخصية الاعتبارية في الحقيقة ليست شخصية طبيعية -يعني ذاتية وحقيقية- إنما هي شخصية مقدّرة، وتنطبق على الشركات والمجموعات، فلو أن عشرة منّا اجتمعوا واشتركوا في مؤسسة أو شركة، وهؤلاء العشرة تعاقدوا مع عامل مثلاً، فلا تستطيع أن تأتي تقول: اتفق محمد وعبد الله وصالح وزيد وبكر وتعدد أسماء المشتركين الذين قد يقاربون المائة في بعض الأحيان، أو أكثر من ذلك، فحينئذٍ يحتاجون إلى مصطلح يجمع هؤلاء كلهم: شركة النور شركة الإصلاح شركة السماحة شركة كذا، فاسم الشركة يعتبر شخصية اعتبارية، بمعنى: أنك لو جئت تقول: اتفقت شركة السماحة مع زيد، فقدرت شركة السماحة كشخص، هذا ما يسمى بالشخصية الاعتبارية، وهي في الحقيقة ليست بشخص معين وليس لها ذات أو حقيقة، وإنما نزلت في الاعتبار على أنها منزلة الشخص الواحد، ولذلك يقول: التزمت شركة السماحة، ففي الحقيقة هذا الاسم لا يلتزم ولا يُلزم، لكنه قدر تقديراً كأنه شخص حقيقي، وهذا ما يسمى بمصطلح الشخصية الاعتبارية.
فإذاً: الذي يحمل هذه البطاقة إما شخص بعينه أو شركة أو مجموعة أو نحوها، وهذا ما عبّر عنه بالشخصية الاعتبارية.
قالوا: (بناء على عقد بينهما) العقد الذي بين العميل -الذي هو حامل البطاقة- وبين المصدر -وهو البنك الملتزم- يتم على الصورة التالية: يتقدم العميل أو طالب البطاقة إلى البنك أو الشركة أو المؤسسة بطلب هذه البطاقة، وجرت العادة أن يعطى الأنموذج المشتمل على جملة من البيانات والشروط التي فيها التزامات من جهة البنك والتزامات من جهة العميل، وهذه الالتزامات والشروط يتفق عليها الطرفان، فتعطى للعميل ويقرأها، فإذا وافق عليها تقدم بالطلب، وتشتمل على معلومات كاملة، ويدرس هذا الطلب فإما أن يوافق على منحه وإلا فلا.
والذي يهمنا أن هناك اتفاقاً، ولابد لطالب العلم أن ينتبه لهذه الأمور كلها؛ لأن طبيعة البطاقة وحقيقتها فيها شيء من الالتزامات، ومعنى ذلك أنه لا يدخل العميل ولا يدخل حامل البطاقة للتعامل بهذا النوع من البطاقات إلا بعد أن يكون على بينة بجملة من الشروط وطبيعة التعامل بهذا النوع من البطاقات.
(183/5)
________________________________________
الالتزامات المناطة بحامل بطاقة الائتمان
الالتزام الأول: بأن يقوم بالسحب في حدود مبلغ معين متفق عليه بين الطرفين.
الالتزام الثاني: يلتزم هذا العميل أو هذا الحامل للبطاقة بدفع الرسوم التي تتضمن: أولاً: رسوم الاشتراك في البطاقة، وهذا أمر مهم جداً؛ لأنه إذا ثبت أن البطاقة نوع من القرض كانت الرسوم المعجلة أشبه بالفائدة الربوية المعجلة، فلذلك يلزم بالاشتراك، فإذا كنتُ أُريد أن أتعامل معك لماذا تلزمني بدفع قيمة وفائدة من أجل أن أتعامل معك، فأنا في الحقيقة أتعامل معك وتتعامل معي على أساس عقد معين، وعلى أساس منفعة لها قيمة شرعية معينة، فإذا كان العقد الذي بيني وبينك قرض، فالشريعة لا تجيز أن تأخذ على الاقتراض منفعة لا مقدمة ولا مؤخرة.
ثانياً: يلتزم بدفع الرسوم التي تسمى برسوم التجديد، وهذه الرسوم ليست بالهينة، مثلاً: إذا كانت البطاقة من النوع الذهبي أو الممتاز، يكون اشتراكها ربما يقارب الألف، وإذا كانت من النوع العادي يقارب خمسمائة، وهذا ليس بالسهل، فهذه البطاقة أدفع عليها رسماً سنوياً لماذا؟! وبأي حق؟! لأن الشريعة عندها قاعدة: لا تجوز للمسلم أن يأخذ مال أخيه المسلم إلا بحق، فأنا حينما آخذ البطاقة وتمضي عليّ سنة فما معنى أن أدفع الرسم السنوي؟! هذا أمر لابد من النظر فيه، لماذا نحن تعرضنا لمسألة العقد، فالعقد يلتزم فيه العميل -حامل البطاقة- بدفع هذه النسبة المعينة الذي يضعها البنك أو يحددها المصدر الذي يقوم بإصدار البطاقة.
إذاً: يلتزم أيضاً بدفع الرسوم المتعلقة بتجديد البطاقة على الفترات التي يحددها المصرف أو المصدر لها، فيدفع رسوماً على البطاقة -خمسمائة -مثلاً- على البطاقة الذهبية وثلاثمائة أو مائتين على البطاقة العادية- والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك فبم تستحل أكل ماله؟!!)، هذه البطاقة تجديدها على أي أساس؟! ما الذي يكون فيها حتى تجدد؟!! هل فعلاً يقوم المصدِر بتجديد شيء فيها له قيمة محسوسة؟!! فإذا كان تجديد التعهّد بلا اقتراض كان أقبل للفائدة المعجلة.
ثالثاً: يلتزم بدفع جميع الفواتير والمستحقات على سحبه بناءً على هذه البطاقة؛ لأنه سيقوم بالسحب بناءً عليها، وإذا قام بالسحب بناء على هذه البطاقة فسيلتزم بكل ما ينشأ عن هذا السحب من قيمة السلع التي اشتراها أو الخدمات التي انتفع بها، فهذه أيضاً رسوم أخرى، وهي رسوم في الأصل وقد تكون مستحقة للمصدر على التفصيل الذي سنذكره.
فمثلاً: إذا جاء إلى فندق ونزل فيه، وكلفت إقامته خمسة آلاف، وسجلت في البطاقة، فيلتزم بدفع الخمسة آلاف بطريقة معينة، وليست كما هي فعلاً في الدين، بل يدفع عليها أيضاً رسوم خدمة، فتدفع نسبة إضافية على المبلغ نفسه.
رابعاً: يلتزم العميل بدفع قيمة الفواتير المستحقة للاتصالات أو نحوها كما لو كانت هناك تكاليف بريدية أو نحوها.
فكل هذه الالتزامات على كاهل العميل، ونحن نأخذ الأغلب أو الأكثر من الشروط؛ لأن الشروط الموجودة في البيانات وحسب الاطلاع على أنواع البطاقات المختلفة، منها ما هو شرط خاص ومنها ما هو شرط عام، فنحن نأخذ أغلب الشروط العامة التي في الغالب تكون موجودة، مثل رسوم التجديد رسوم تكاليف البطاقة وسحب البطاقة، فهذه شروط موجودة في البطاقات كلها، لكن هناك أيضاً شروط خاصة، قد يكون المصرف عنده نوع من التعامل أو طريقة للتعامل أو نوع من الرسوم يفرضه على العميل.
سادساً: أنه يلزم بتفويض المصدر بصرف العمولة بأي قدر يراه دون اعتراض أو امتناع، فلو فرضنا مثلاً أنه تعامل بالدولارات، فنزل في فندق أو استأجر سيارة أو حافلة أو قطاراً بالدولارات، وهو قد اتفق مع المصرف أو جهة المصدِر بالتعامل بالريالات، فمعناه: أن هناك عملية صرف ما بين المصدِر وما بين الجهة التي قامت ببذل هذه المنفعة أو دفع هذه السلعة المعينة، فلو كانت هذه المنفعة التي قدمت لحامل البطاقة تكلّف -مثلاً- ثلاثة آلاف دولار، ففي طبيعة الحال ستحوّل القيمة إلى الريالات، فيفوّض المصرف أو المصدِر سواء كان بنكاً أو مصرفاً أو شركة للتحويل بالصرف بأي قيمة يراها، أي لو كان الدولار يصرف بأربعة ريالات إلا ربعاً أو بثلاثة ريالات ونصف أو بثلاثة ريالات وربع، فعندنا قيم مختلفة، ويمكن للمصدر أن يصرف بأعلى قيمة؛ لأنه أربح له وأكثر فائدة وعائدة من جهة الخدمات، وهذا دون أي اعتراض، فمثل هذا البند يفرض على العميل، ولا يمكن أبداً أن يراجع في هذا.
فإذاً يفوض تفويضاً كاملاً في أن يصرف العملة أو العملات أياً كانت بأي قيمة يراها، سواءً كانت غالية أو رخيصة.
هذا أيضاً من الالتزامات، وهو لا شك التزام فيه مخاطرة، وفيه غرر وضرر.
كذلك أيضاً هناك التزامات أخرى قد تختلف كما ذكرنا من مصدر إلى آخر، لكن هذه من أهم الالتزامات، وفي بعض العقود يصل البيان إلى ما يقرب من عشرين بنداً.
ومما يجدر ذكره أنه من حق المصدِر أن يلغي هذه البطاقة في أي وقت شاء، سواء أشعر العميل أم لم يشعر، لكن لا يحق للعميل أن يلغي هذه البطاقة إلا بعد أن يتصل على المصدِر ويشعره، ويمزّق البطاقة أو يرسلها إلى مكتبها، فلاحظوا الفرق بين الطرفين، فمن جانب المصدِر يمكنه في أي وقت أن يلغيها ولا يحاسبه أحد، أما من جانب العميل فإذا أراد إلغاءها فلابد من إشعار المصدِر، ثم لو أنه ألغاها فإنه يتحمل التبعات والمسئولية الكاملة عن هذا الإلغاء.
(183/6)
________________________________________
الالتزامات المتعلقة بالمصْدِر لبطاقة الائتمان
أما الالتزامات من جهة المصدِر، فالمصدِر يلتزم للعميل بالتالي: أولاً: يلتزم له أن يقوم بالدفع عنه، فيقوم عقد البطاقة على التزام البنك بالدفع عن العميل، ومن هنا جاءت شبهة الكفالة وجاءت شبهة الضمان، وأنها بطاقة تأخذ حكم الضمان، لكن هذا أمر يحتاج إلى نظر سنبينه إن شاء الله في التخريج الفقهي، فلو أن العميل قام بشراء سلعة قيمتها خمسة آلاف ريال يلتزم المصرف أو المصدر أياً كان بدفع الخمسة آلاف ريال، لكن المشكلة ليست هنا، فالمصدر الذي يصدر البطاقة له اتفاق مع جهات معينة، فلا يمكن أن تستفيد من هذه البطاقة إلا من خلال متاجر معينة ومحلات معينة، بينها وبين المصدر اتفاق معين، هذا الاتفاق تقوم فيه هذه المحلات التجارية بإبرام عقد آخر مع البنك أو المصرف أو مصدر البطاقة، على أن تمكن من يحمل البطاقة من شراء ما شاء من السلع في الحدود التي اتفق عليها، ثم يفتح هذا المحل حساباً في البنك، وإذا حسبت القيمة لا تحسب كاملة، فلو كانت العملية التي تمت من العميل مع المتجر تكلف خمسة آلاف ريال، وهناك اتفاق على أخذ عمولة للبنك، فالبنك مثلاً يأخذ نسبة معينة -على فرض أنه يأخذ مائتي ريال- فهو لا يعطي الخمسة آلاف كاملة -وهذا أمر مهم جداً- وإنما يعطي أربعة آلاف وثمانمائة ريال تدخل لحساب المحل الذي اتفق معه، أيضاً فلو قلت: إن البطاقة نخرجها على أنه تكفل بدين على أن يقوم العميل بدفع هذا الدين، فإن هذا الدين يؤخذ بصورة ويدفع بصورة أخرى، ومن يتحمل هذه الكفالة أو يلتزم هذا الالتزام يأخذ عمولة، حتى على الطرف الثاني، ولا يمكن أبداً أن نمكِّن المصدِر أو البنك أو المصرف أو أي جهة من التعامل مع هذه البطاقة إلا إذا وضع شعاراً معيناً في التعامل معه، ولا تستطيع أن تقدم هذه البطاقة إلا لمن يعتمد هذه البطاقة، بمعنى: أنه يجب أن يكون بينه وبين المصدِر اتفاق ثانٍ، فالمصدر يلتزم للعميل بأن يمكنه من شراء السلع والخدمات كما سيأتي، ويقوم بالدفع عنه بالطريقة التي يتم الاتفاق بها بين المصدر وبين الطرف الثاني.
وفي التعريف قلنا: (مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري بناء على عقد بينهما يمكِّنه) أي: يمكِّن الحامل للبطاقة.
(183/7)
________________________________________
جوانب الانتفاع من بطاقة الائتمان
قالوا: (يمكِّنه من شراء السلع والخدمات) هذه العبارة تبيّن محل العقد، فالعقد منصبّ على بطاقة لها فائدتان: الفائدة الأولى: في شراء السلع، والفائدة الثانية: في شراء الخدمات.
وهناك فرق بين شراء السلع وبين شراء الخدمات، وكل منهما له مصطلح فقهي خاص، فشراء السلع بيع، وشراء الخدمات إجارة، شراء السلع كأن يدخل بالبطاقة إلى محل يريد أن يشتري ما شاء من الأطعمة أو الأدوية أو الأكسية أو ما شاء من القطع أو الأشياء التي يريدها، فالبطاقة تدخل في عقود البيوعات، وتدخل أيضاً في عقود الإجارات وهذا هو المعبر عنه بشراء الخدمات، إما في سكن أو ركوب أو غير ذلك من المصالح التي تكون من الخدمات في الإجارات، ومن ذلك خدمة السكن في الفندق، فإن نزول العميل في الفندق وبقاءه الليلة والليلتين والثلاث والأربع هذا يسمى إجارة، ودفع العميل المائة أو المائتين أو الألف مقابل السكن ليلة أو ليلتين أو ثلاث، هذا يسمى شراء خدمة سكن، وهناك خدمة تنقل كأن يبرز البطاقة للركوب في قطار أو طائرة أو سفينة أو عبّارة أو سيارة فهذا كله شراء منفعة تمكنه من الانتقال من موضع إلى موضع بقيمة معينة.
إذاً البطاقة تقع في البيوعات والإجارات، ويلتزم المصدِر السداد بدفع الثمن في المعاوضات المتعلقة بالبيوعات ودفع الثمن في المعاوضات المتعلقة بالإجارات.
قالوا: (مِن من يعتمد المستند) يعني: لا يتعامل بالبطاقة إلا مع من يعتمد المستند، فلو قدّم البطاقة إلى محل لا يعتمدها لا يمكن أن يقبلها، وبطبيعة الحال إذا قُدّمت البطاقة إلى محل تجاري أو شركة نقل أو نحوها فهناك آلة تقوم بفحص البطاقة وأخذ معلومات معينة عنها، كمعرفة مدة صلاحيتها وعدمها وأخذ المعلومات المتعلقة بها، ثم تسجل في الفاتورة، فإذاً (مِن من يعتمد المستند) وفي الاصطلاح من يقوم بالخدمة مثل المحل التجاري أو السوبر ماركت أو نحوه هذا يسمى بالمستفيد.
(183/8)
________________________________________
عقد بطاقة الائتمان عقد مؤجل
قالوا: (دون أن يدفع الثمن حالاً) أي أن الفائدة التي يريدها العميل أو العملاء أو حامل البطاقة في الغالب هو الأمن من حمل النقود، خاصة إذا كان في مواضع يخشى فيها من حمل النقود، وكذلك أيضاً سهولة الانتفاع بها دون وجود كلفة أو عبء حمل الأموال أو صرفها، كما لو كان في موضع تختلف فيه العملة عن عملة بلده أو نحو ذلك، فيستفيد العميل من هذه الفائدة دون أن يدفع الثمن حالاً وهو ثمن النقد، إذاً معنى ذلك أن عقد البطاقة عقد مؤجل، وأصبح عقد البطاقة فيه جانبان لابد من التنبه لهما: الجانب الأول: تعاقد حامل البطاقة مع المتجر، وفعلاً قد تعاقد معه؛ لأنه يحدد معه السعر ويحدد معه السلعة التي يريد شراءها وأخذها، أو يحدد نوعية الخدمة التي يريدها، ونوعية السكن الذي يريد أن ينزل فيه، معناه: أن الطرف الأول في العقد هو الحامل، والطرف الثاني هو الجهة التي تتكفل أو تقوم بتمكين العميل من هذه المنافع، وهذا عقد مبرم، ويصبح هذا العقد الذي بين العميل وبين المستفيد الذي هو التاجر أو نحوه، إما عقد بيع إذا كان على السلع، وإما عقد إجارة إذا كان على الخدمات.
الجانب الثاني: وهو التزام البنك بالدفع.
فإذاً: قالوا: (يمكِّنه من شراء السلع والخدمات مِن مَن يعتمد المستَند دون أن يدفع الثمن حالاً لتضمن المصدر الدفع عنه) اللام للتعليل، أي: امتنع دفع العميل للثمن نقداً وحالاً لوجود التزام من المصدر بالدفع عنه، وبناءً على ذلك فهناك عقد ما بين البنك أو المصرف أو الشركة التي تقوم بإصدار البطاقة وبين المحل التجاري كما ذكرنا لتضمنه التزام المصدِر الدفع عنه، فيلتزم بدفع المال قليلاً كان أو كثيراً وسواء كان بالعملة نفسها أو بغيرها.
وبهذا ينتهي التعريف، وتتضح الصورة للبطاقة وطبيعة التعامل بها.
(183/9)
________________________________________
بطاقة ائتمان لسحب النقود فقط
لكن قولهم: (ومن هذه المستندات ما يمكِّن العميل من سحب النقود) هناك نوع ثانٍ، هذا النوع الثاني من البطاقات لسحب النقود، أي مع وجود ما ذكر آنفاً هناك منفعة ثانية وهي منفعة سحب النقود، فيمكِّنه من سحب النقود وبنفس الالتزام، فإذا سحب من المصرف يلتزم طبعاً بالسحب في حدود الإطار المحدد المتفق عليه بين الطرفين، سواء كان مع اتحاد العملة أو اختلاف العملة، ويكون في كلتا الحالتين إذا قام بالسحب أو قام بشراء السلعة أو شراء الخدمات هناك أمر مهم جداً وهو أن المصرف أو المصدِر يعطي العميل فترة ما بين خمسة وعشرين يوماً إلى خمسة وخمسين يوماً في الغالب التي هي أعلى حد لتسديد الثمن المقدم، وبعد ذلك إذا لم يتم السداد تحسب الفائدة (1%) أو (2%) عن كل يوم يتأخر فيه عن السداد.
فإذاً: عندنا ثلاثة جوانب: بداية التعاقد بالبطاقة، وعندنا طبيعة الاستفادة من البطاقة، وعندنا الأثر المترتب على التعامل بالبطاقة.
وطبيعة التعاقد سبق أن بيّناها وبيّنا أصلها، وأنها تشتمل على نوعين من العقود، والعقد الذي يكون بين العميل وبين المصرف مع المستفيد، والعقد الذي يكون ما بين المستفيد وبين المصرف.
ثم بيّنا طبيعة الاستفادة التي يستفيدها العميل سواء كان في عقود البيع أو الإجارات، وإن كانت البطاقة من النوع الثاني الذي هو دفع النقود فحينئذ تكون مشتملة على بيع الصرف في بعض الصور، وهو يشتمل على إبدال العملة بالعملة مع وجود القرض، وأما بالنسبة للأثر فالأثر وجود الفوائد الربوية التي تتركب على التأخير عن السداد والدفع.
(183/10)
________________________________________
التخريج الفقهي لبطائق الائتمان
أما بالنسبة للجزئية الأخيرة وهي جزئية التخريج الفقهي: هذا النوع من المعاملات هل هو قرض، أم هو حوالة، أم هو كفالة؟ هذا أمر يحتاج إلى نظر، فالبطاقة إذا تأملناها وجدنا فيها الآتي: بالنسبة للعميل: تعاقد مع المحل التجاري أو الشركة التي تقوم بالخدمة، (بعقد بيع أو إجارة) عقد البيع والإجارة من حيث الأصل كونه يشتري السلع أو كونه يشتري الخدمات كأن ينزل في الفندق أو نحوه هذا أمر لا إشكال في جوازه، كونه مثلاً يستفيد في شراء السلع أو كونه يشتري الخدمات هذه أمور إذا كانت من جنس ما أحلّ الله لا كلام لنا فيه، إنما الكلام في مسألة الالتزام؛ لأن المصرف التزم بالدفع عن العميل الحامل، والعميل الحامل التزم بالدفع للمصرف.
فعلى هذا عندنا قرض وهو شراء السلعة من المحل بالأجل، وهذا الأجل لا يدفع، بدليل أن الحامل حينما اشترى البضاعة أو اشترى الخدمة؛ كما لو نزل في الفندق أو ركب السيارة أو القطار أو طائرة أو نحو ذلك لم يدفع الثمن حالاً، وإنما أنسأ الثمن وأخّره، وبتأخير الثمن صار بالبيع إلى أجل أو بالبيع المؤجل، وهذا البيع المؤجل لم يلتزم فيه العميل نفسه بدفع المال وإنما أحيل صاحب المتجر أو صاحب المحل على المصرف أو المصدِر.
فهنا حصل خلط في بعض الفتاوى المعاصرة قالوا: نعتبر هذا النوع من الضمان ووجه الضمان فيه قالوا: إن البنك أو المصرف تضمن والتزم في ذمته أن يدفع عن العميل، ونحن ذكرنا فعلاً في باب الضمان أنه يجوز أن يضمن الديون المجهولة التي تئول في المستقبل إلى العلم، وهذا يتخرّج على المسألة التي ذكرناها: أن يأتي إلى صاحب البقالة ويقول له: أعط محمداً ما شاء من البضائع، وأنا ألتزم بالدفع عنه إذا لم يسدد، فكأن صاحب البطاقة المصدر الذي هو البنك يقول للمتجر: أعط حامل البطاقة ما شاء في الحدود التي اتفق عليها في البطاقة، وأنا ألتزم بالدفع عنه.
إذاً فعلاً هناك نوع من المشابهة من كونها تدخل تحت الضمان؛ لأن المصرف فعلاً تضمن والتزم، وقالوا: بناءً على ذلك هذا أشبه ما يكون بعقد الضمان، وتسري عليه أحكام الضمان أو أحكام الكفالة عند من لا يفرق بين الضمان وبين الكفالة، فإن شئت سميتها كفالة وإن شئت سميتها ضماناً، على نفس التفصيل الذي ذكرناه.
إذاً: نريد أن نحدد طبيعة عقد الكفالة هنا، أصبح الكفيل الذي يغرم هو البنك، والمكفول هو حامل البطاقة، والذي تكفل به البنك قيمة التعامل الموجود أو المعاملة التي تمت بين الطرفين، وعلى هذا قالوا: تدخل تحت الكفالة، ومن حيث الأصل الشرعي يبقى

السؤال
أنتم تعلمون أن هناك نوعاً من البطاقات يكون فيه للعميل رصيد، والذي هو غطاء للتعامل، فرضاً خمسة آلاف، هذا الغطاء في الحقيقة مثل الرهن، فهذه مسألة ثانية تحتاج إلى بحث، فقالوا: هذا يأخذ حكم الضمان، قالوا: ونعتبر الثمن المدفوع مقدماً الذي هو الغطاء الموجود في الحساب الجاري أو غيره آخذ حكم الرهن، كأن العميل أعطى البنك خمسة آلاف رهناً لسداد الحقوق المستحقة على تعامله.
فإذن عندنا جانبان: الجانب الأول: أن البنك لما التزم بالدفع عن العميل صار في حكم الضمان، وتخرّج على مسائل الكفالة.
ثانياً: وجود الغطاء البنكي أو المبلغ المدفوع أو الرصيد الموجود للعميل يعتبر بمثابة الرهن.
ومن المعلوم أنه يشرع في الديون وجود الرهن، لكن عند العلماء خلاف في مسألة: هل يجوز الرهن أن يكون من الذهب والفضة؟ صحح غير واحد من العلماء أنه يجوز رهن الذهب والفضة والنقود لقاء السداد؛ لأن الله تعالى يقول: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283] وهذا نكرة عامة شاملة لأي شيء كان مرتهناً، ولم يفرق بين النقود وغيرها.
ولأن المقصود من الرهن هو الوصول إلى الحق، فإذا كان يجوز في السلع التي تباع من أجل السداد، فلأن يجوز بالنقود التي تسدد فوراً من باب أولى وأحرى؛ قالوا: لأن العلة في الرهن السداد، فأنت إذا استدنت عشرة آلاف وقيل لك: أعط رهناً، إنما قصد من قوله: أعط رهناً حتى يتمكن من بيعه إذا عجزت عن السداد، فقالوا: فبدلاً من أن يبيع إذا عجز عن السداد ويكون الرهن نقوداً لا تحتاج إلى بيع، فيأخذ منها حقه وينتهي.
النقطة الثانية: لو قلنا بطبيعة الحال: إنه ضمان واشتمل على الرهن، فهل يجوز الضمان بالرهن؟ هذه مسألة ثانية: هل يجوز أخذ الرهن على الكفالة؟ أي: لو أن شخصاً قال لك: اكفلني في عشرة آلاف ريال، فقلت له: أعطني رهناً، هل من حقك أن تقول ذلك؟ قال طائفة من العلماء: يجوز أخذ الرهن على الكفالة، ومن حقك أن تطالبه برهن تصل به إلى حقك إذا غرر بك في كفالة، كما أن الأصيل يجوز له أن يأخذ الكفالة.
وأنا أميل إلى هذا القول، وإنما ذكرت هذه الأقوال لأنها فعلاً صحيحة؛ أولاً: لما ذكرناه من وجود الأدلة التي تدل على جواز صحة الرهن بالذهب والفضة، وثانياً: جواز أخذ الرهن للكفالة.
وإذا ثبت هذا أصبح عندنا تخريجان: التخريج الأول: قالوا: التزام البنك والمصرف بالدفع عن العميل يعتبر في حكم الضمان أو الكفالة على التفصيل الذي ذكرناه: هل هما عقد واحد، أو عقدان؟ التخريج الثاني: يعتبر وضع الغطاء البنكي أو الدفع أو وجود الرصيد بمثابة الرهن المعجل، الذي دفعه العميل ضماناً لحق البنك عند عجزه عن السداد، ويتخرج هذا على مسألتين: المسألة الأولى: جواز أخذ الذهب والفضة رهناً.
والمسألة الثانية: جواز أخذ الرهن عن الكفالة.
لكن يبقى الإشكال إذا قلنا: إنها كفالة، وقلنا: إنها آخذة حكم الضمان، وفعلاً يسري عليها حكم القرض، ففي هذه الحال عندنا قرض، وعندنا ضمان للقرض، وعندنا رهن يتوصل به إلى هذا الضمان، لكن يبقى الإشكال في أخذ الفائدة على الكفالة، هل يجوز أخذ الفائدة على الكفالة؟ هناك فوائد التزم بها العميل لابد من النظر فيها.
الفائدة الأولى: دفع الرسم للاشتراك.
الفائدة الثانية: دفع الرسم للسند.
الفائدة الثالثة: التجديدات.
وهناك فوائد مركبة على الدين عند العجز عن السداد.
والواقع بالنسبة لهذه الفوائد: الرسم الذي للدخول، وفائدة التجديد السنوي، وفائدة الرسوم السندية، كل هذا يعتبر من أخذ الفائدة على الدين، ومخرّج على ما ذكرناه من أنه قرض جر منفعة، وقد ذكرنا إجماع العلماء على تحريم القرض الذي جر منفعة، (وأيما قرض جر منفعة فهو رباً) إما رباً صريحاً أو في حكم الربا الصريح فهذه الرسوم في الحقيقة هي عبارة عن فوائد معجلة باسم الرسم أو نحوه، وبدل أن تكون مؤخرة صارت مقدمة أو معجلة، ولأن هذه الرسوم ليس فيها استحقاق شرعي؛ فالعميل لا يأخذ لقاءها شيئاً له قيمة معتبرة شرعاً، وإذا قال قائل: يأخذ لقاءها الدين، نقول: هذا الدين ليس له قيمة؛ لأن الديون لا يجوز أخذ الفوائد عليها، فقد يكون المصدِر أو البنك أو نحوه يرى أن من حقه أن يأخذ على الدين فائدة؛ لأنه يرى أن الفوائد الربوية تعتبر استحقاقاً له على العميل إذا تعامل معه.
بعد أن ذكرنا التخريجات كلها، وذكرنا أولاً كونه ضماناً محملاً أو كون هذا الضمان مبني على رهن، ترد هنا مسألة مهمة وهي: أننا صححنا أصول المسائل، فقلنا: إن الضمان مشروع، وقلنا: إن الرهن مشروع، وقلنا: يجوز الرهن بالمال الذي هو الذهب والفضة، قررنا جواز الرهن المتقدم أو الضمان المتقدم، كل هذا قررنا جوازه، لكن لا يعني هذا صحة التخريج، وتوضيح ذلك: أن المبلغ الذي هو غطاء للسداد في الحقيقة المصرف لا يقوم بسحب استحقاقه مباشرة منه، هذا أمر مهم جداً؛ لأن المصرف من فائدته ألا يسدد المبلغ مباشرة؛ لترتب الفوائد على التأخير، والعميل يعتبر بتأخره ملزماً بدفع الفائدة المقررة والعائد المقرر الربوي على الدين بعد فوات الأجل المحدد للسداد، فإذاً مسألة كونه رهناً ليست من كل وجه صحيح؛ لأننا لا نجد المصرف يقول: بمجرد أن تمر خمسة وعشرون يوماً أو خمسة وخمسون يوماً ولم تسدد سنسحب من رصيدك المبلغ وانتهى الإشكال، لا، بل إن لم تسدد بعد الفترة المسموح بها سنحسب عليك فائدة (1%)، ومعنى ذلك أنه لا يعتبر رهناً بصورة الرهن الشرعي، فهو في الظاهر تراه رهناً، لكنه في الحقيقة والتعامل ليس برهن.
المسألة الأخيرة وهي المهمة: أن هذا الدين تركّب بعقد فيه التزام أنه إذا لم يسدد فعليه الفائدة، وهذا الالتزام محرم -بغض النظر عن كونه بادر بالتسديد، أو ترتب عليه فائدة أو لم تترتب ولا يجوز للمسلم أن يلتزم ذلك الأمر المحرم؛ لأنه يكون راضياً بالمحرم، وهذا من الربا الذي نص صريح الكتاب والسنة على تحريمه، وبناءً على ذلك لا يجوز الالتزام.
وهنا بعض الناس يقول: آخذ العشرة آلاف -والعياذ بالله- ديناً وأسدد في الأمد المحدد.
نقول: رضاك بالعقد يعتبر في حكم الفعل للعقد؛ لأن العقد فيه شرط والتزام بمحرم، وبناءً على ذلك يدخل في كتابة الربا المحرم الذي لعن فاعله -نسأل الله العافية-.
وعلى هذا خلاصة ما نقول: أولاً: إن بطاقة الائتمان تخريجها الفقهي دين.
ثانياً: الضمان فيها ليس بصحيح من كل وجه من جهة الالتزام، ووجه بطلان هذا الضمان أن نقول: إن المصرف التزم بدين كامل بدفع دين ناقص؛ لأنه يدفع إلى المستفيد أقل مما يأخذ من الحامل، وهذا أمر يبطل التخريج بكونه حوالة أو ضماناً؛ لأنه لم يتوفر فيه الشرط الشرعي.
ثالثاً: أنه لو كان ضماناً وديناً على الصفة المعتبرة، فوجود شرط الفائدة المركبة أو الرسم المقدم على الدين يدخله في قرض جر نفعاً، وهو محرم بالإجماع.
وبهذا يكون الحكم فيه عدم الجواز على التفصيل الذي تقدم بيانه، والله تعالى أعلم وأحكم، وهو المستعان وعليه التكلان.
(183/11)
________________________________________
الأسئلة
(183/12)
________________________________________
مدى صحة قياس دفع رسوم اشتراك بطاقة الائتمان بعقود الإجارة

السؤال
هل يصح قياس دفع رسوم تجهيز اشتراك البطاقة سنوياً بعقود الإجارة في كون الكل منصباً على المنفعة؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: دفع الرسم تخريجه على أنه إجارة.
فما هي حقيقة الإجارة؟ الإجارة: عقد على المنافع بعوض، والمنفعة الموجودة في البطاقة دين، والعوض لقاء الدين لا يصح، فمسألة أن تخرج على أنها إجارة ليست بصحيحة؛ لأنه لم يستأجر البنك من أجل منفعة السكن أو الركوب أو ما في حكمها، وإنما أخذ هذه البطاقة لقاء اقتراض والتزام بالدفع عنه، وهذا ما يدعونا إلى أن نقول: لابد من التصور ومعرفة حقيقة العقد حتى نعرف بعد ذلك هل تخرّج على هذا العقد أو غيره.
إذاً: لا يصح ولا يستقيم تخريجها على عقد الإجارة بحال، فأصل الإجارة معلوم ومحل الإجارة معلوم، ولا يعتبر هذا النوع من التعامل من الإجارات، وإنما هو من الديونات وآخذ حكم الدين بالتفصيل الذي ذكرناه.
والله تعالى أعلم.
(183/13)
________________________________________
حكم أخذ الأجرة مقابل تحويل الأموال من مكان إلى مكان

السؤال
في تحويل العملة من بلد إلى آخر، هل يجوز أخذ الأجرة في مقابل خدمة التحويل؟

الجواب
مسألة التحويل سنفصل فيها، لأن التحويل له صور: بعض الأحيان يحول من مصرف إلى نفس المصرف لفرع آخر، فيكون المصرف له فرع في نفس المكان الذي تحول إليه، وهذا أشبه ما يكون بالوكالة، وحينئذ يكون الوكيل الذي هو الفرع الثاني منزلاً منزلة الأصيل الذي هو الفرع الذي تعامل معك في البلد الآخر.
وهناك نوع من الحوالات يحيل فيها البنك أو المصرف أو الشركة إلى مصرف آخر غير المصرف الذي يدفع له، وهذا النوع من الحوالة أيضاً يكون في بعض الأحيان على دين، وتارة يكون على غير دين.
كل هذا يحتاج إلى تفصيل وهو مذكور في باب الحوالة.
والله تعالى أعلم.
(183/14)
________________________________________
الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية

السؤال
ما الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية؟ وما هو القدر الذي يحتاجه طالب العلم منهما أثناء دراسة الفقه؟

الجواب
القواعد الفقهية تخالف القواعد الأصولية، القواعد الأصولية: هي جملة من القضايا الكلية التي يمكن من خلالها فهم النصوص، فلا تتعلق بالمسائل، مثال ذلك لو قلت: الأمر للوجوب، فهذه قاعدة، فإذا وجدت أمراً في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم: (أقيموا الصلاة) (آتوا الزكاة) تقول: هذا أمر، والقاعدة: أن الأمر للوجوب، هذه قاعدة أصولية، ودائماً أصول الفقه تتعلق بفهم الأدلة، وكيفية الاستدلال منها، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدل الذي هو المستفيد، وهذا يقتضي أن تكون هناك قواعد يستخدمها الأصولي فتأتي مثلاً للنص وتقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) [البقرة:21] (يا أيها الناس) عام، والقاعدة في الأصول: أن العام يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه، تقول: هذا عام، وتقول: هذا مطلق، والقاعدة: أن المطلق يبقى على إطلاقه، هذا منطوق وهذا مفهوم، إلى غير ذلك من القواعد التي تتعامل بها مع النص لا مع المسائل الفقهية، لاحظ حينما تأتي وتقول: الأمر للوجوب، فلم تأتِ في مسألة وضوء أو تيمم، إنما تتكلم على النص نفسه أن النص يدل على الوجوب، ويستفاد من قولك: إنه للوجوب، أن يأثم التارك ويثاب الفاعل، وأنه ملزم شرعاً بالقيام بما أمر الله عز وجل به، كذلك تقول: هذا نهي، والقاعدة: أن النهي للتحريم حتى يدل الدليل على صرفه عن ذلك الظاهر، فهذه تسمى قاعدة أصولية.
وأما بالنسبة للقاعدة الفقهية فهي لا تدرس إلا بعد دراسة الفقه كاملاً؛ لأن القواعد الفقهية مثل الخلاصة التي يستطيع أن يجمع الإنسان بها شتات الفقه، فبعد أن يقرأ الفقه بكامله عبادات ومعاملات، وبعد انتهائه من الفقه بكامله يدرس القواعد، فيأتي ويقول: القاعدة في الشريعة: أن الأعمال بالنيات، وهي نفسها: الأمور بمقاصدها، لاحظ: الأمور بمقاصدها لا تختص بالوضوء ولا بالصلاة ولا بالزكاة ولا بالحج ولا بالصوم بل تشمل جميع العبادات، فتقول: هذا الوضوء عبادة، والعبادة تجب لها النية، وتقول: الوضوء عمل، والقاعدة: لا عمل إلا بنية، فهنا لاحظ: الوضوء عمل ولا عمل إلا بنية، فأنت تتحدث عن المسألة الفقهية نفسها بخلاف القاعدة الأصولية، القاعدة الأصولية تقول: الأمر للوجوب، إلا أن القاعدة الفقهية قد تكون قاعدة جامعة لأبواب العبادات، وقد تكون قاعدة جامعة لأبواب المعاملات، وقد تكون ضابطاً، وهناك فرق بين القاعدة وبين الضابط، فالضابط يختص بالباب تقول -مثلاً-: الضابط في تأثير النسيان في المحظورات أن يكون مما يمكن تداركه وتلافيه، مثلاً: إذا تطيب المحرم وهو ناسٍ يغسل الطيب، وإذا غطى رأسه وهو ناسٍ يزيله، وإذا لبس الثوب وهو ناسٍ يزيله؛ لأنه لا يبقى أثر، لكن إذا قلم الأظفار أو حلق الشعر أو جامع استوى النسيان والعمد، فإذاً الضابط ما يمكن تداركه وما لا يمكن تداركه، فكأنك جعلت هذا الضابط يفرق لك في المسائل العديدة.
فالذي لم يقرأ الفقه بكامله لا يستطيع أن يستفيد من هذه القواعد الفقهية، إلا أنه في بعض الأحيان أثناء دراسة الفقه قد تمر بك قواعد فقهية تعينك على فهم الباب أو تعينك على فهم المسألة، ولا بأس أن يستفاد منها وأن يسأل على القاعدة، لكن لا يغرق طالب العلم فيها، إنما يتركها إلى الدراسة المركزة الدقيقة.
وقد كنا أيام الطلب نأخذ القواعد الأصولية والفقهية بقدر المسألة، ولا نتوسع فيها؛ لأنك في بداية الطلب تكون متقيداً بالدرس الموجود وتركز عليه وتكرره المرة والمرتين والثلاث والأربع والخمس إلى العشر ولا تملّ، وتقوم وأنت تذكره ويصبح منسوخاً في عقلك، بعد ذلك إذا شئت أن تتوسع في أي شيء تتوسع، والأصل عندك ثابت بإذن الله عز وجل، لكن إذا جئت بمجرد ما تحضر الدرس تذهب إلى المغني أو إلى المجموع وتحضر وتدخل في الخلافات وفي أقوال العلماء وفي فروعهم فلن تستطيع أن تنتج شيئاً، فلا يثبت عندك ما قرأته في الدرس ولا ما قرأته في مطالعتك، فالعلم بالأصول تثبيتها وتكريرها ومراجعتها، والتركيز أثناء الدرس ثم المذاكرة مع طلاب العلم مما يجب أولاً، حتى إذا جمع الله لطالب العلم بين قراءة سابقة مرتين أو ثلاث للدرس، ثم التركيز أثناء الدرس ثم مراجعة بعد الدرس، خاصة المراجعة المنفردة بعد الدرس مباشرة ما أمكن، أو استماع الشريط المرة والمرتين والثلاث ثم مذاكرة مع طالب العلم؛ بإذن الله عز وجل لن ينسى مثل هذا إلا بمشقة وعناء، ويصبح له في كل شهر مراجعة ما استفاده من الشهر، وكل ثلاثة أشهر يرتب له مراجعة دورية متقنة، وبهذا يضبط الفقه، وإذا ضبطت الفقه وجدت حلاوته، والفقه إذا استولى على قلبك ووجدانك فتح الله عز وجل عليك فتوح العارفين، وتصبح تفكر فيه قائماً قاعداً فتجد لذته وحلاوته؛ لأنه مما يزيد الإيمان بالله عز وجل، هذه الأحكام الشريعة النظيفة النزيهة التي جاءت كاملة تامة: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} [الأنعام:115] وفي قراءة: (وتمت كلمات ربك) {صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:115]، وقال سبحانه: {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام:57]، فإذا أخذت حكم الله عز وجل من الكتاب والسنة -حكم خير الفاصلين وأحكم الحاكمين- وجدت العجب في كمال حكمة الله عز وجل، وكمال علمه وكمال هذه الشريعة واستيعابها للمسائل، وعندها يصبح الفقه شغلك الشاغل، وإذا نظر الله إليك وقد تعبت في هذا الفقه وتعبت في تحصيله فبإذن الله سيبارك الله في علمك، ويبارك الله عز وجل في فقهك بفضله على قدر تعبك، ومن تعب اليوم فإن الله يبارك له في نشره للعلم غداً، ويرزقه الله آذاناً تصغي إليه، ويرزقه قلوباً تطمئن لفتواه، ولربما يأتيك الرجل الذي لا يعرفك إلا بالثناء ولربما لم يسمعك، ويأتي ويجلس معك ويستمع منك الفتوى، فيقذف الله في قلبه من الطمأنينة والرضا بقولك ما لا يستطيع أحد أن يشتريه بملايين الأموال؛ لأن هذا الشيء بيد الله؛ ولأن (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وهذا كله مبني على التعب والجد في التحصيل، ولذلك لن تجد أحداً من أئمة الإسلام ودواوين العلم الأعلام وضع له القبول إلا بعد التعب والعناء والمشقة والتضحية في سبيل هذا العلم، فالفقه يحتاج إلى تعب وعناء.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الفقه في الدين، واتباع سنة سيد المرسلين، وأن يحيينا على ذلك وأن يميتنا على ذلك، وأن يحشرنا في زمرة أهله والعاملين به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وإن شاء الله في المجلس القادم سيكون حديثنا عن خطاب الضمان وبعض المسائل المعاصرة، ونسأل الله العظيم التيسير والسداد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(183/15)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - بعض المعاملات المالية المعاصرة وبطاقة الائتمان [2]
لقد اعتنت الشريعة الإسلامية ببيان الأحكام لكل ما جدّ وطرأ من المعاملات المالية المعاصرة، وما ذاك إلا لأن قديم الإسلام جديد وجديده قديم، وحكم الله سبحانه وتعالى في المسائل المالية كحكمه في المسائل المتعلقة بالعبادات، فالإسلام دين كامل ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا بيَّن حكمها وأصلها، ومن المعاملات الطارئة التي تناولتها الشريعة ببيان أحكامها ما يسمى ببطاقة الائتمان وخطاب الضمان.
(184/1)
________________________________________
تفصيلات في التخريج الفقهي لأحكام بطاقة الائتمان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد كان حديثنا في المجلس الماضي عن نوع من المعاملات التي تعتبر مندرجةً تحت مسائل القرض وأحكامه، وقد بينا مسألة بطاقة الائتمان، وذكرنا حقيقة هذه البطاقة وتعريفها، ثم بينا أركان عقدها، وكذلك تعرضنا للحديث عن تخريج عقد بطاقة الائتمان، وكان حديثنا منصباً على جزئيات من التصور أكثر منها في الأحكام.
ونظراً لذلك سنتم الحديث على جوانب مهمة يمكن بها تلخيص التخريج الفقهي والحكم الشرعي لبطاقة الائتمان.
(184/2)
________________________________________
أركان البطاقة وأحوال حاملها
سبق وأن ذكرنا أن عقد البطاقة يقوم على مُصدِر وهو البنك أو المؤسسة أو الشركة التي تقوم بإصدار البطاقة، كما يقوم عقدها على طرفٍ ثانٍ وهو العميل الذي يوصف بكونه حاملاً للبطاقة، وتقوم بطاقة الائتمان على عقد واتفاقات والتزامات بين هذين الطرفين -المصدر والحامل- إلا أن هناك طرفاً ثالثاً يعتبر وسيطاً بين المصدر وبين العميل -حامل البطاقة- وهذا الطرف الثالث هو المستفيد الذي يكون تاجراً إذا كان حامل البطاقة قد استفاد من البطاقة في شراء السلع، ويكون غير تاجر إذا كان العميل أو حامل البطاقة قد استفاد منها في الخدمات.
وعقد بطاقة الائتمان تم تصويره وبيان جزئياته، إلا أن هنا أمراً لابد من بيانه لتصور الحكم الشرعي الذي سبق إيجازه وتلخيصه فيما سبق.
ومَن طلب البطاقة أو حمل البطاقة لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون له رصيد لدى المصدر.
والحالة الثانية: ألَّا يكون له رصيد.
فإن كان له رصيد، فإن المصدر أو البنك أثناء قيامه بتأمين وضمان هذا الحامل في التزاماته، لا يخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: إما أن يقوم بالسحب من رصيد الحامل للبطاقة للوفاء بالالتزامات والحقوق المترتبة عليه.
الحالة الثانية: وإما أن يقوم بتسديد هذه الالتزامات والفواتير والاستحقاقات من عنده، ثم يطالب العميل بالسداد.
فحينئذ عندنا الحالة الأولى: أن يكون لحامل البطاقة رصيد في البنك أو المصرف أو الشركة، فإن كان له رصيد إما أن يقوم البنك أو الشركة بالسحب من رصيده لسداد الحقوق التي عليه، وإما أن يقوم بالسداد من عنده ثم تكون هناك مخالصة بين البنك وبين حامل البطاقة.
(184/3)
________________________________________
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات من رصيد الحامل
فأما في الصورة الأولى وهي أن يقوم البنك بالسحب من رصيد العميل، فإنه في هذه الحالة تكون طبيعة العقد والتعاقد وكالة: أي كأن البنك وكيلٌ عن صاحب البطاقة في سداد الحقوق والالتزامات التي عليه، مثال ذلك: لو أن حامل البطاقة ذهب ونزل في فندق وكلفه ذلك خمسة آلاف ريال، ثم اشترى جملة من السلع فكلفه ذلك ثلاثة آلاف ريال، فأصبح المجموع ثمانية آلاف ريال، هذه الثمانية آلاف ريال: كنا قد سبق وأن ذكرنا أن التاجر أو صاحب الفندق أو من يتعامل معه الحامل للبطاقة يقوم بإثباتها في فاتورة، ومن ثم تُدخل إلى حسابه، فإذا قام البنك بالسحب من الرصيد، يكون بمثابة الوكيل عن الحامل في سحب ذلك المبلغ المعين للوفاء بالالتزامات التي عليه، وأشبه بالشيك الذي يكتبه صاحب الرصيد للبنك الذي يدفع لفلان كذا وكذا، فهو بمثابة الوكيل، لكن الإشكال ليس هنا، الإشكال أننا لو اعتبرنا البنك أو المصرف وكيلاً عن صاحب الرصيد في الدفع فالأصل يقتضي أن يكون للموكل وهو العميل أو حامل البطاقة الحق كاملاً في التعامل مع هذا الطرف الثاني، وطبيعة العقد ما بين البنك وبين حامل البطاقة تخلي صاحب البطاقة من كثير من الحقوق، منها ما سبقت الإشارة إليه: أنه لو كان العميل قد اشترى بعملة غير العملة المعروفة؛ فإن هناك عقداً -عقد الصرف- يخول ويفوض البنك أن يصرف الريالات بالدولارات بأي سعرٍ كان، وهذا خلاف الوكالة؛ لأن الوكالة تجعل النظر في الأحظ للعميل عند التحويل إلى عملةٍ أخرى لا النظر في الأحظ للبنك أو المصرف، بيد أن التعاقد والأنموذج الذي تم الاتفاق عليه بين الحامل للبطاقة وبين المصدر -البنك- يلزم حامل البطاقة بالرضا بكل صرف قام به المصدر -أعني البنك- وهذا خلاف الوكالة؛ لأن الوكالة في الأصل، يكون الموكل هو الذي له الحق الكامل، هذا أول شيء.
الشيء الثاني: لو صورنا هذا العقد على أنه عقد وكالة، لابد أن يوضع في الحسبان الرسم والمبلغ الذي دفعه الموكل للمصدر، فالرسوم التي دُفِعت للبطاقة كرسوم الاشتراك المقدمة ورسوم الخدمة المؤجلة، فهنا رسمان طالب بهما البنك -المصدر- حامل البطاقة، فيمكن أن نعتبر هذا المبلغ الذي طولب به من قبيل أجرة، ومن المعلوم في الفقه أنه يجوز أن يوكل بأجرة، يعني يجوز للشخص أن يوكل غيره على أن يقوم بمهمة ويعطيه أجرةً عليها، مثال ذلك: لو قلت لرجل: اشتر لي بضاعةً من نوع كذا وكذا بخمسة آلاف، وأعطيته خمسة آلاف وقلت له: وهذه مائة أجرة لك على تعبك، حينئذ تكون تفويضاً ووكالة مقيدة بأجرة وهي جائزة ولا إشكال، لكن أين الإشكال فيما نحن فيه؟ أن هذه الرسوم -وهي الأجرة- إذا اعتبرنا العقد الذي بين حامل البطاقة وبين البنك وكالة بأجرة فينبغي أن تسري أحكام الإجارة الشرعية على هذا النوع من الوكالة، فلابد من النظر في شروط صحة الإيجار الشرعي، والتي منها باتفاق العلماء: العلم بالأجرة وبالمنفعة.
توضيح هذا الشرط حتى يمكن تطبيقه: أنك لو استأجرت شخصاً لكي يعمل أو يقوم بمنفعة لك فقلت له: اعمل عندي يوماً وأعطيك ما يرضيك لم يجز بالإجماع؛ لأن الذي يرضيه لا ندري كم هو، فقد يكون في ظنك أن المائة ترضيه وفي ظنه أنه لا تعطيه إلا مائة وخمسين فيحدث التشاحن، وبالإجماع لا يجوز أن تكون الأجرة مجهولة، هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: لا يجوز أن تكون المنفعة التي تستأجره لفعلها مجهولة، كأن تقول له: ابن لي جداراً وأعطيك مائةً، فلا تصح الإجارة حتى تحدد طول الجدار وعرض الجدار حتى يصبح كلٌ على بينة، ويعرف ما لهذا الأجير من حق، وما لصاحب العمل من حق، فيعطى كل ذي حقٍ حقه، فهذا منهج الشريعة وهذه قواعد الشريعة الواضحة في التعامل والتي قامت على العدل وإعطاء الحقوق كاملة: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام:115]، المهم أنك تدفع المال لقاء شيء معلوم، وإذا ثبت هذا فلا يصح أن تكون الإجارة بقيمة مجهولة، ولا يصح أن تكون على عمل مجهول، وفي البطاقة إذا اعتبرنا أن البنك يقوم بالسحب من الرصيد وكيلاً عن صاحب الرصيد فإنه قد أخذ أجرةً على هذا السحب لقاء سحب مجهول، فلا ندري كم قدر تلك السحوبات، ولا ندري هل تكون مثلا في بلدٍ قريب، أو بلد بعيد فالعمل الذي دُفِع الرسم لقاءه مجهول، وقد لا يستخدم البطاقة إلا مرة واحدة، وقد يستخدمها عشرين أو ثلاثين أو أربعين مرة والأجرة واحدة، فهذا مجهول من جهة العمل.
ثانياً: مجهول من جهة الأجرة، وتوضيح ذلك أن الأجرة عن البطاقة اشتملت على نوعين من الرسوم: الرسم الأول: وهو الرسم المقدم الذي يكون في حال الاشتراك وهذا قد يعفى منه صاحب الرصيد، فعلاً في بعض الأحوال تعطى البطاقة لمن له رصيد بدون رسم الدخول، لكن بقي الإشكال في الرسم الثاني: وهو رسم الخدمة؛ وقد ذكرناها عند استعراضنا لبعض البنود التي تكون في العقد ويتفق عليها كل من العميل والمصرف عند صرف هذه البطاقة، فذكرنا أن العميل يلتزم بدفع رسم الخدمة على كل عملية، فلو أنه نزل في فندق وكلف نزوله ثلاثة آلاف ريال، فهناك رسم الخدمة، ولو فرضنا أنه (5%)، فثلاثة آلاف ريال سيكون نصيبها ما يقارب من مائة وخمسين، فنحن في هذه الحالة لا ندري بالنسبة في وقتها، فأصبحت الأجرة التي تستحق لعمل البنك مجهولة، فهي وإن كانت معلومة النسبة لكنها مجهولة القدر، وهذا نوع من الجهالة يبطل الإجارة.
إذاً فأصبحت الجهالة من وجهين: إذا كان للعميل رصيد وفوّض البنك في السحب من رصيده وفاءً للالتزامات والحقوق التي عليه، هو عقد وكالة بأجرة، إلا أنه شابه جهالة الثمن التي هي الأجرة، وجهالة العمل والمنفعة المستحقة لقاءه.
بناءً على ذلك في الحالة الأولى: وهي كون البنك يقوم بالسحب من الرصيد لتغطية الالتزامات تخرج على أنها وكالة بأجرة وفيها ما ذكرنا.
(184/4)
________________________________________
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات من غير رصيد الحامل
الصورة الثانية من الحالة الأولى: وهي أن يقوم البنك بالوفاء بالالتزامات من عنده ثم يقسط الحقوق على العميل دفعات على ما يراه أو يتفق مع العميل عليه، ففي هذه الحالة: لا يسحب من الرصيد، ويكون رصيد العميل أشبه بالرهن والغطاء، فلو فرضنا أن العميل له عشرة آلاف ريال أو عشرين ألف ريالٍ والبطاقة يسحب بها في حدود خمسة آلاف ريال، فالخمسة آلاف الموجودة في الرصيد هي في الحقيقة غطاء لعمليات البطاقة التي هي في حدود خمسة آلاف ريال.
فيمكن لنا أن نقيّم الصورة الثانية وهي التي لا يتدخل فيها البنك في الرصيد إلا بأمر وإيعاز من العميل، ويكون الرصيد فيها عبارة عن غطاء، وهذا ما سبق وأن سميناه بالرهن؛ لأن الرهن يكون للاستيثاق من أجل أن يوفي منه صاحب الحق إذا لم يسدد وقد سبق شرطه وبيان ضوابطه، وفي هذه الحالة البنك يقوم بالتالي: إذا اشترى العميل بمبلغ ثلاثة آلاف ريال، فالبنك له طرف من التعاقد مع التاجر كما بيناه سابقاً، فهو يدخل لحساب التاجر مبلغ ثلاثة آلاف ريال، دون رسم الخدمة التي طالبه بها البنك، في هذه الحالة: إذا قام البنك بالسداد عن العميل وتوجه للعميل لأخذ ما يستحقه عليه من دفعات، كان طبيعة التعاقد أن البنك التزم بالدفع عن العميل وجعل رصيد العميل غطاءً لوفاء العميل، فلو تأخر العميل أو امتنع من السداد فالأمر يسير حيث يسحب من رصيده، والبنك في مأمن من الإخلالات بهذه الالتزامات التي سبق ذكرها.
الآن عرفنا طبيعة العقد، فيبقى السؤال من الناحية الفقهية، لو أن اعتبرنا الرصيد رهناً وغطاءً للعمليات التي يقوم بها العميل بالبطاقة، فالسؤال الأول: ما هو نوع هذا الرهن؟
و
الجواب
أن الرهن من النقود: أعني الذهب أو الفضة، فهل يجوز أن تُرهن النقود أم أن الرهن يكون في المثمونات دون الأثمان؟ جمهور العلماء يجيزون رهن النقود، ونص على ذلك فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية، وهو مفهوم عبارات الحنابلة: كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وبناءً على ذلك: مذهب الجمهور على جواز رهن النقود، والدليل على ذلك: أننا لو رهنا العقار كالبيت إنما قصدنا ضمان حق صاحب الدين، وسنبيع البيت عند عجز المدين عن السداد ثم نسدد، قال العلماء: فلأن يجوز رهن النقد المباشر من باب أولى وأحرى؛ لأنه إذا جاز رهن البيت والعمارة والدابة والأرض لكي تباع عند عدم الوفاء، فمن باب أولى أن يرهن النقد نفسه، وهذا واضح.
إذا ثبت هذا فإن النقود تعتبر رهناً لعملية البطاقة، لكن الإشكال ليس هنا، إنما الإشكال في المسألة الثانية: وهي هب أن الرصيد اعتبر رهنا، فقد تقدم معنا في باب الرهن: أن الرهن الشرعي لا يجوز لصاحب الدين أن يغيره، أو يبدله، أو يتصرف فيه، وهنا عند النظر في المبلغ المدفوع نجد أن البنك قد ضمن مثل الرهن لا عين الرهن.
توضيح ذلك: أجمع العلماء من حيث الأصل على أنك لو استدنت من رجل عشرة آلاف ريال، وقال لك الرجل: أعطني رهناً، فأعطيته سيارة عندك، تقدم معنا أن هذه السيارة إذا وضعت عند صاحب الدين فلا يحق له أن يتصرف فيها ولا أن ينتفع بها، وذكرنا الأحكام المتعلقة بالمحافظة على الرهن، كل ذلك لأجل الخوف من (كل قرض جر نفعاً فهو ربا).
إذا ثبت هذا وقلنا: إن الرهن لا يتصرف فيه، فطبيعة الرهن الشرعي أنك تأخذ العين وتردها بعينها، فإذا أعطاك سيارة لا يجوز أن تبدل السيارة بمثلها، ثم تقول له إذا سدد: خذ هذه سيارة مثل سيارتك، بل الواجب أن تضمن له عين سيارته، وهذا ذكرنا فيه الأصول والضوابط وقررنا: أن الرهن يضمن بعينه، فإذا ثبت أن الرهن يضمن بعينه، ف

السؤال
الخمسة آلاف التي في رصيد زيد أو عمرو -وهو حامل البطاقة- إذا وضعت في الرصيد: هل الذي يضمن عين النقد الذي دُفِع أم يضمن مثله في القدر؟ الجواب: أنه يضمن مثله في القدر، فليست عين الخمسة آلاف المدفوعة؛ لأن الرهن يتعين وينبغي حفظه بعينه كما ذكرنا، وهنا لا يقصد بعينه إنما يحفظ بقدره ومثله.
بناء على ذلك في الصورة الثانية من الحالة الأولى: إذا كان له رصيد، ولا يسحب البنك من الرصيد يعتبر رصيده بمثابة الرهن والغطاء لعمليات البطاقة وإذا كان بمثابة الرهن ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الرهن بالنقود جائزٌ في أصح قولي العلماء وهو قول الجماهير.
والمسألة الثانية: أنه يُشكل على هذا أن رهن النقود -الرصيد- لا يضمن ولا يحفظ بعينه، وإنما يضمن بمثله، فخرج عن ثمن الرهن في الشرع، لكن عندنا في هذه الحالة أيضاً إشكال، وهذا الإشكال يقوم على قاعدة: كل قرض جر منفعة فهو ربا، وتوضيحه: أننا سبق وأن ذكرنا في باب القرض أن العلماء مُجمعون على أنه إذا دفع رجل لآخر قرضاً فلا يجوز له أن ينتفع منه منفعة؛ لأن ذلك ذريعة إلى الربا، وقد بينا ذلك وذكرنا ما ورد عن السلف رحمهم الله من تحريم المنافع لقاء القروض، إذا ثبت أن صاحب القرض لا يجوز له أن ينتفع لقاء قرضه، فلو فرضنا أن صاحب البطاقة له رصيد -كما في الصورة التي معنا- وقام البنك بالسداد عنه، فإن صاحب البطاقة يعتبر في هذه الحالة قرض ما بين البنك وما بين العميل، فكأن البنك أقرض العميل قيمة الاستحقاقات التي في بطاقته، والتي فرضنا أنها خمسة آلاف، لكن البنك لم يقبل على دفع خمسة آلاف بدلاً عن رصيد العميل إلا لوجود المنفعة التي سيجنيها من الطرفين: من العميل -وهذا ما سنبينه في الرسوم المؤجلة- ومن التاجر.
والسؤال: أين المنفعة التي يستفيدها البنك من التاجر؟ سبق وأن ذكرنا في عقد البطاقة: أن المصدر الذي يصدر البطاقة يلزم العميل ألا يتعامل إلا مع محلات معينة، وتجد شعارات البطاقة التي يريد أن يتعامل بها موجودة، إما في الخدمات وإما في أماكن السلع.
إذا ثبت هذا فكأن البنك يقول له: أدينك بشرط أن تشتري من فلان وفلان -المحل الذي سيشتري منه- والبنك مستفيد؛ لأن بينه وبين هذا التاجر أو المستفيد عقداً، مفاده أن كل عملية يقوم العميل بفعلها كأن يشتري بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف فإنه يجب على التاجر أن يدفع للبنك رسم الخدمة، ورسم الخدمة لو فرضناه مثلاً (5%) فمعنى ذلك: أن العملية إذا تمت بخمسة آلاف ريال، وعليها (5%) فمعنى ذلك أن البنك سيستفيد ما مقداره مائتين وخمسين ريالاً، وعلى هذا فتكون حقيقة الأمر: أن البنك ديّن صاحب البطاقة الأربعة آلاف وسبعمائة وخمسين واستفاد المائتين والخمسين التي سيجنيها من التاجر، وأطبقها على العميل خمسة آلاف؛ لأن المسجل عند البنك أنها خمسة آلاف، والذي يسجل في الفاتورة عند التاجر خمسة آلاف، فأصبحت للبنك منفعتان: منفعة من العميل وهذا ما سنذكره إن شاء الله من جهة الربا، ومنفعة من جهة التاجر والمستفيد.
فإذاً: الحال في هذه الصورة الثانية: أن يكون البنك بمثابة المقرض للعميل؛ لأنك إذا جئت تكيف المسألة من الناحية العقلية فكون البنك يلتزم بالدفع عن العميل معناه: أنه سيقرض العميل؛ لأن الخمسة آلاف مستحقة على العميل لا على البنك، وفي هذه الحالة تعجل البنك بدفع الخمسة آلاف، والواقع أنه دفع أربعة آلاف وسبعمائة وخمسين واستفاد منها مائتين وخمسين، فهو يستفيد من التاجر، وقد يقال: هذا راجع إلى النظرة التي ينظرها البنك بأنه إذا أعطى العميل البطاقة وعين له المحل الذي يشتري منه يصبح عندها للبنك حق على هذا المحل، ومن حقه أن يستفيد من هذا المحل، طبعاً هذه وجهة نظر، لكن من الناحية الشرعية تعتبر قرضاً جر نفعاً، هذا بالنسبة للتخريج الأول المتعلق ببطاقة الائتمان التي لها رصيد.
والخلاصة: إن كان العميل له رصيد في البنك فلا يخلو البنك في تأمينه للحقوق والالتزامات المترتبة على التعامل بالبطاقة من حالتين أو صورتين: إما أن يقوم بالسحب من مال العميل وحينئذٍ هو وكيل مستأجر، والوكالة بأجرة اختل فيها هنا: شرط العلم بالأجرة، والعلم بالمنفعة، فالأجرة مبنية على النسبة وهي معلومة من جهة القدر، لكنها مجهولة من جهة القيمة.
كذلك أيضاً شابتها الجهالة: أعني إجارة الوكالة، من جهة جهالة المنفعة التي سيقدمها البنك للعميل، حيث لا يدرى عدد العمليات ولا يدرى هل هي في الداخل أو الخارج وهل هي في المحلات القريبة أو البعيدة، وهذا حاصل ما يقال في مسألة إذا كان للعميل رصيد عند تحرير البطاقة.
(184/5)
________________________________________
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات دون أن يكون للعميل رصيد في الأصل
الحالة الثانية: ألا يكون للعميل رصيد، فإذا لم يكن للعميل رصيد، فحينئذٍ يكون البنك قد أعطى العميل البطاقة وألزمه بدفع الحقوق المترتبة عليه في أمد معين، وقام البنك بالتسديد عن العميل، فأنت بالخيار بين أمرين: الأمر الأول: إما أن تعتبر البنك مقرضاً للعميل، فالبنك أقرض العميل وسدد عنه ثم أخذ بعد ذلك حقه بالأقساط كما هو متبع في بعض الأحوال.
الأمر الثاني: أن تعتبره كافلاً للعميل، فكفل العميل ثم بعد كفالته للعميل غرم؛ لأن صاحب المحل التجاري لما رأى البطاقة لم يلتفت إلى العميل، وإنما التفت إلى مصدر البطاقة -البنك مثلاً- أنه سيؤمن له حقه، فيكون تخريجها بالكفالة أقوى، وقد سبق وأن شرحنا الكفالة، وبينا أنها ضم ذمة رشيد إلى ذمة آخر في الوفاء والسداد.
بناءً على ذلك فتصوير هذا العقد كالآتي عندنا كافل وعندنا مكفول وعندنا شيء تكفل به ذلك الكافل، وإذا جئت تطبق ذلك على واقع الحالة تقول: الكافل: البنك، والمكفول: العميل، والمكفول له: التاجر، والمتكفل به: سداد المبلغ الذي تم الشراء به أو أخذ الخدمات في مقابله.
بناءً على ذلك دعونا نطبق مسألة الكفالة: فالبنك تكفل للفندق أو تكفل للتجّار أياً كانوا أن من حمل هذه البطاقة أعطوه في حدود خمسة آلاف، فكيف نخرجها على ما تقدم معنا في مبحث الكفالة؟ سبق وأن بينا أن الكفالة لها صورتان: الصورة الأولى: وهي صورة مشهورة: أن يكون الشخص الذي عليه الدين قد طالبه صاحب الدين، فتأتي أنت وتقول: أنا أكفله أن يسددك في نهاية السنة، في هذه الحالة تكون قد كفلت ديناً ثابتاً مستقراً ولا إشكال.
الصورة الثانية: وقد سبق معنا دراستها في آخر باب الكفالة والضمان، وهي الديون التي تئول إلى الضمان في المستقبل.
وذكرنا أنه يجوز أن تتكفل بدين مجهول يئول إلى العلم ومسألة الكفالة بالبطاقة على دين مجهول آيلٌ إلى العلم تتخرج عليها، فأنت في مسألة الدين المجهول الذي يئول إلى العلم يجوز أن تأتي لصاحب البقالة وتقول له: ديّن فلاناً، وأعط فلاناً ما يريده وأنا أتكفل بسداد حقه أو أن حقك يعطى لك أو أنه يسددك في نهاية الشهر، فذكرنا هذا وبيناه وضربنا أمثلة على ذلك كأن تأتي وتتكفل نفقة أيتام أو نحو ذلك قلنا: هذا ضمان لدين في المستقبل، وكفالة لدين في المستقبل، فموضوع البطاقة في الصورة التي ذكرناها تتخرج على هذه الصورة؛ لأن الدين حال إحضار البطاقة غير معلوم، ولكنه آل إلى العلم، لكن يجب أن نتنبه إلى أن الكفالة غير الإجارة ففي الإجارة لا يصح أن تقول: المجهول يئول إلى العلم، بينما في الكفالة يصح؛ لأن الإجارة من عقود الغرر، أما الكفالة فمن عقود الرفق، وقد سبق عند كلامنا في بداية أبواب المعاملات المالية: أن هناك فرقاً بين عقود المعاوضات المبنية على الغرر والغبن وبين عقود المعاوضات المبنية على الرفق، وبينا هذا وذكرنا وجه منهج الشرع في كل منهما، ففي الكفالة: كفالة بمجهول يئول إلى العلم، والآن أثبتنا أن البطاقة إذا أُعطيت بدون رصيد لصاحبها، وتكفل البنك بالدفع عنه، وخرجنا على أنها كفالة، فلابد أن نعرف طبيعة هذه الكفالة، هل هي بأجرة أو بدون أجرة؟ هل البنك حينما التزم أن يسدد عن صاحب البطاقة، التزم أن يسدد تطوعاً على سنن الكفالة المعروفة أم أنه التزم أن يسدد لقاء أجرة؟
و
الجواب
أن البنك لم يسدد إلا لقاء أجرة ورسم مقدم.
وتوضيح ذلك: أن البطاقة بدون رصيد جرى العرف على أنها لا تعطى إلا بعمولة، وهذ العمولة هي عبارة عن رسم الاشتراك، ثم عمولة الخدمة بعد ذلك، فأصبح عندنا نوعان من الأجرة تدفع على هذه الكفالة.
النوع الأول: الرسم الذي يدفع قبل الدخول وأخذ البطاقة، والنوع الثاني: الرسم الذي يؤخذ على عمليات البطاقة، وهو الذي يسمى في العرف التجاري برسم الخدمة، فإذا ثبت كل هذا فمعنى ذلك: أن عندنا كفالة بأجرة، فيرد السؤال في الحكم الشرعي.
إذاً: انتهينا الآن من تكييف عقدها فقهاً وتبين أنها كفالة بأجرة، فهل يجوز أخذ الأجرة على الكفالات؟ هل يجوز لشخص يأتيك ويقول لك: فلانٌ له عليَّ مائة ألف ويحتاج إلى كفيل، فاكفلني سنة أو سنتين وأعطيك ثلاثة آلاف أو أعطيك على كل سنة ألفاً؟ لا يجوز بإجماع العلماء أخذ الأجرة على الكفالة.
والسبب في ذلك يتضح ببيان الآتي: أنه لو كفل شخص شخصاً في مال أو دين، وأخذ أجرة على الكفالة فإنه في حال عجز المدين عن السداد يلزم شرعاً أن يسدد عنه، فلو سدد عنه المائة ألف أصبح المكفول مديناً للكافل بمائة ألف بالإضافة إلى المبلغ الذي اتفق عليه كأجرة، فتصبح المسألة: أن الكافل دفع مائة ألف وأخذ مائة ألف وزيادة، والزيادة هي الأجرة، ولذلك أجمع العلماء والسلف والخلف على تحريم أخذ الأجرة على الكفالات؛ لأنها من باب عقود الذرائع الربوية، وليست بالربوية الأصل؛ لأن الربا إما أن يكون أصلاً وإما أن يكون ذريعةً، فهي من عقود الذرائع الربوية، ويتذرع بها ويتوصل إلى الربا، فصارت الكفالةُ بعوض كفالةً لقاءَ الدين، وكأنه أعطاه الدين بالدين مع الفضل، وهو مبلغ الأجرة.
إذاً: لو خرجناها كفالةً لا تصح ولا تجوز؛ لأنها كفالة بأجرة، وحُكي الإجماع على عدم جواز الكفالة بأجرة.
قال بعض المتأخرين والمعاصرين ومنهم من توفي رحمة الله عليهم: يجوز أخذ الأجرة على الكفالة، وهذا قول شاذ وباطل، يُحكى ولا يعوّل عليه؛ لأن المعوَّل على مذاهب العلماء والأئمة، والاجتهاد بعد هذا الجمع العظيم من سلفنا الصالح وأئمة العلم ودواوين العلم بأن يأتي شخص ويحدث قولاً جديداً مخالفاً لقول الجماهير، فهذا لا يعد ولا يلتفت إليه، ونحن علينا بما درج عليه السلف.
قال الإمام مالك: حق على كل طالب علم أن تكون فيه سكينة ووقار واتباع لأثر من مضى قبله، والله تعالى يقول: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء:115]، فلا يجوز للمسلم أن ينحرف عن سبيل المؤمنين وسبيل هذه الأمة الصالحة التي مضت على قول، ولا شك أن الحق في قولها؛ لأن الله لا يجمع الأمة على ضلالة.
الخلاصة: أنه إذا ثبت هذا فإذاً: إذا قلنا: إن البطاقة لها رصيد تخرج فيها مسألة الرهن والوكالة، وإذا قلنا: إنها بدون رصيد تخرج فيها مسألة الكفالة بأجرة.
هذا كل الذي بحثناه الآن في العقد في مبتداه؛ لكن تبقى البطاقة في مآلها ونهايتها، فإن البطاقة في مآلها ونهايتها عليها رسم مترتب على الديونات المستحقة، فإذا نظرنا إلى طبيعة التعاقد فإن البنك والمصْدِر يعطي حامل البطاقة مهلة ما بين خمسة وعشرين إلى خمسة وخمسين يوماً، ليقوم بتسديد الجزء المستحق ثم بعد ذلك تتركب الفوائد الربوية على كل يوم يتأخر فيه عن السداد، وهذا بالإجماع يجعل البطاقة عقداً ربوياً بدون شك.
إذاً: عندنا هذه المسائل الأولى التي ذكرناها في أحوال الرصيد وغير الرصيد بحثناها إذا خلت عن الفائدة، يعني لو جاء شخص يقول: نسقط الفائدة الربوية ونجري البطاقة على هذا الوجه لشابه ما ذكرنا، ويبقى الإشكال إذا انضاف إليها علةٌ ثانية مما ذكرناه من وجود الفائدة المترتبة على التأخير، هناك جملة في تعريف بطاقة الائتمان وهي الجملة الأخيرة التي سنتعرض لها وهي السحب بالبطاقة، أو ببطاقة الصرف الموجودة الآن في ظاهر حالها، وبطاقة الصرف هذه إذا لم تؤخذ عليها عمولة مقدمة ولم تؤخذ عليها عمولة مؤجلة فهي جائزة إلا أن هناك إشكالاً قد يرد في مسألة قرض جر منفعة، وتوضيحه أنه لو كان لبطاقة الصرف رصيد، فرضنا عشرة آلاف ريال، والشخص أخذ البطاقة، فقد قررنا أن الوديعة المصرفية تعتبر قرضاً ولا تعتبر وديعة في الأصل، حتى إن المواد التجارية المتعارف عليها في العرف التجاري والنظام الاقتصادي تنص: على أن الودائع المصرفية تعتبر قرضاً ولا تعتبر وديعة، فهي قرض فإذا ثبت أن الوديعة ورصيد الإنسان في البنك يعتبر قرضاً على البنك؛ يرد الإشكال في أنه أقرض ووضع هذا الرصيد لينتفع بنقله وسحبه من موضع غير الموضع الذي وضعه فيه، فهو في الأصل ما أخذ البطاقة -خاصة إذا كان في السفر وغيره- إلا لأنه يريد منفعة ومصلحة في مكان غير المكان الذي صدرت منه فهذه تدخل تحت مسألة كل قرض جرّ منفعة فهو ربا، لكن في الحقيقة فيها وجه للجواز، وأرجو من الله تعالى أن يكون مغتفراً، خاصة وأنه في بعض الأحوال يأتي عرضاً ولا يأتي قصدًا.
والباقي من كون الإنسان يسحب في حدود رصيده من كونه لا ضريبة له على ذلك الرصيد إن شاء الله يؤذن بالجواز، إذا كان الإنسان يدفع ويأخذ، سواء سحب رصيده أو سحب عملة من غير الرصيد الأصلي، كأن يكون رصيده من الريالات فيسحب دولارات، فإن سحب من رصيده فلا إشكال، وإن سحب بعملة غير عملة الرصيد فالصرف سيكون في الحال؛ لأنه أعطى الجهاز طلباً لصرف ما قيمته عشرة آلاف أو خمسة آلاف -مثلاً- فالصرف سيكون فورياً، هذا إذا قلنا: إن مجلس العقد الذي هو المجلس الذي يكون فيه الإيجاب والقبول، وذكرنا صحة بيع المعاطاة، فإذا صح التعامل مع الآلة ونزلت منزلة الشخص الذي وضعها أو منزلة المصدر يتخرج على هذا أنه من باب الصرف في مجلس العقد، وحينئذٍ يقوى القول بجواز أن تصرف بالعملة نفسها وبعملة أخرى غير العملة التي أودعت.
(184/6)
________________________________________
خطاب الضمان
بعد انتهائنا من مسألة بطاقة الائتمان هناك خطاب الضمان، وباختصارٍ فخطاب الضمان هو في الأصل تعهد والتزام من مصدره لجهة وطرف بينه وبين طالب الخطاب التزامات على أن يقوم البنك بضمان ذلك الشخص للوفاء بهذه الالتزامات.
(184/7)
________________________________________
أركان خطاب الضمان
أركان خطاب الضمان كما يلي: أولاً: طالب الخطاب وهو الشخص الذي يطلب من البنك أن يكفله بخطاب الضمان.
والطرف الثاني: المصدر وهو البنك أو الجهة التي تصدر خطاب الضمان فتلتزم بما فيه من التزامات لبنك أو لشركة إلخ.
الجهة الثالثة: وهي الجهة المخاطِبة -المكفول له- وهي الجهة التي تطالب صاحب خطاب الضمان بحقوق والتزامات، وهناك ركن رابع في العقد وهو طبيعة الاتفاق الذي يبرم بين هذه الأطراف.
فأما طالب خطاب الضمان فغالباً ما يكون مؤسسة أو شركة أو مقاولاً أو نحو ذلك، ويكون على مستوى الأفراد أو المجموعات، والمطلوب منه خطاب الضمان هو المصدِر الذي هو البنك أو الشركة أو المؤسسة أو المصرف.
ينقسم هذا الطلب إلى نوعين: النوع الأول: إذا دخل الشخص في مناقصة ورست عليه عملية المناقصة يطالب بخطاب الضمان، لكي يُضمن إمضاؤه للعملية؛ لأنه فَوّت الأطراف الأخر والشركات الأخرى التي تقدمت بالمناقصات، فإذا رست عليه يطالب بضمان ويكون هذا الضمان في حدود مبلغ معين، يضمنه به البنك على أنه سيمضي في العملية وسيتم ما يلزم تجاه العقد المبرم في المناقصة، فإذا رست عليه العملية ووافق وتم هذا، هناك التزامات مبنية على رسوّ المناقصة عليه فيضمنه البنك ليفي بالعقد، فإن أخل قام البنك بالسداد والضمان والدفع عنه على أن تكون هناك مقايضه بينه وبين هذا الطالب.
فلو اعترض صاحب المقاولة أو صاحب الشركة وقال للبنك: لا تدفع، لن يلتفت إلى اعتراضه؛ لأن خطاب الضمان ألزم البنك بالدفع للطرف الثالث، فأصبح هناك طرف ثالث صاحب حق، حتى لو اعترض المكفول -طالب خطاب الضمان- وقال: لا، ألغ الكفالة وألغ خطاب الضمان، لم يلتفت إلى معارضته، ودفع الاستحقاق الذي اتفق عليه، وهذا يسمى بخطاب الضمان الابتدائي أو خطاب الضمان المؤقت.
النوع الثاني من خطابات الضمان: وهو الخطاب النهائي، وصفته: لو أن مقاولاً دخل في بناء مشروع وهذا المشروع من جهة ما خاصة أو عامة قد يفي به وقد لا يفي، إذ يكون هناك بنود للمقاول ينبغي أن ينفذها لإنجاز المقاولة التي تم الاتفاق عليها، وقد يأتي البناء ناقصاً، فيخل عند ذلك بالتزامات اتفق عليها بين الطرفين، وهذا النقص الذي يقع في الوفاء بالعقود وإمضاء العقود يلزم به من أصدر خطاب الضمان، فيلتزم البنك الذي ضمن المقاول، فإذا ثبت أنه أخل في هذه العملية بحدود مليون أو بحدود نصف مليون كان من حق الطرف الثالث وهو الجهة التي طالبت بالمشروع أن تسحب هذا المبلغ من البنك لقاء خطاب الضمان.
(184/8)
________________________________________
التخريج الفقهي لبطاقة الضمان
إذاً: عندنا كفالة في الابتداء وكفالة في الانتهاء، وخطاب الضمان إذا جئنا ننظر إليه مبدئياً كان في حكم الكفالة وإذا جئنا نخرجه تخريجاً فقهياً وجدناه كفالة بأجرة فكأن البنك تكفل أن يضمن فلاناً -المقاول- وأعطاه الخطاب لقاء الأجرة التي دفعها رسماً لخطاب الضمان، وهذه الأجرة في الحقيقة تتخرج على مسألة الكفالة بأجرة، وقد ذكرنا أن جماهير السلف والخلف الذين يبلغون حد الإجماع لا يجيزون الكفالة بأجرة.
إذاً: أخذ المبلغ على خطاب الضمان لا يجوز.
كذلك أيضاً هناك إشكال ثانٍ في خطاب الضمان، وهو أن البنك إذا دفع ما قيمته مليون ريال لقاء التزاماته بخطاب الضمان فإن العميل مطالب بسداد مليون وفائدة، فهناك أيضاً الفوائد المترتبة على خطاب الضمان فأصبح عندنا أمران: الأمر الأول: الكفالة بأجرة وهذه محرمة.
الأمر الثاني: الفوائد المترتبة على أصل الديْن، وهذه أيضاً محرمة؛ لأنها ربا.
فهذان الأمران حاصلان في خطاب الضمان.
وقد جرت بعض المصارف الإسلامية على أنها لا تأخذ أجرة بناءً على فتوى بعض العلماء التي ذكرناها، وكذلك أيضاً على عدم أخذ الفائدة مؤجلة، وهذا لا شك أنه محمود تؤجر عليه إن شاء الله، وهو إحياء للكفالة الشرعية، إلا أنه بطبيعة الحال أجيز أو أجازت بعض الفتاوى المعاصرة للمصارف الإسلامية أن تأخذ لقاء الاتصالات والكلَفة التي تقوم بها عمولة، فحينئذٍ أصبحت العمولة ليست بكفالة وإنما لقاء الاتصالات ونحوه، وهنا يرد إشكال: إذا كفل أحدٌ ما فلاناً أو فلانة وتحمل لقاء كفالته أموراً هل يجب على المكفول ضمانها؟ هذا أمر لم أجد من العلماء من نص عليه، وأساغه وأجازه إنما المحفوظ أن حق الكافل على المكفول في حدود الالتزام، أما ما زاد على ذلك فلا أحفظ فيه نصاً عن أهل العلم؛ ولذلك أخشى أن يدخل ذلك في الكفالة بأجرة والسبب في هذا واضح؛ لأن طبيعة عقد الكفالة من عقود الإرفاق، ففيه أجر الآخرة أكثر من أجر الدنيا، ولذلك يلتفت فيه إلى الإحسان، لما كان من أبي قتادة في ضمانه لدين الميت عندما امتنع عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه وقال: (كم دينه؟ قالوا: ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة رضي الله عنه: هما عليّ يا رسول الله! فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم).
ففي الكفالة نوع من الإرفاق ونوع من التضحية، فإن دخلت إلى المقاصة والمطالبة فهذا أمر يحتاج إلى إثبات أو تقرير أنها سائغة شرعاً، وهذا الأمر لا أحفظ فيه نصاً أو كلاماً لأهل العلم كما ذكرنا.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهه الكريم موجباً لرضوانه العظيم والله تعالى أعلم.
(184/9)
________________________________________
الأسئلة
(184/10)
________________________________________
حكم الاقتراض بعملة والسداد بعملة أخرى

السؤال
هل يجوز للمقترض أن يرد القرض بما يعادله بعملة غير التي كان منها القرض؟ وهل هي مماثلة لمن صرف من الجهاز عملةً أخرى غير التي أودعها؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد من اقترض من شخصٍ مالاً بعملة، وأراد أن يسدد بعملة أخرى فإنه إذا كان هذا الانصراف من العملة القديمة إلى العملة الجديدة طرأ أثناء السداد واتفق عليه حينما جاء يسدده، هذا الشرط الأول أن يكون ذلك عند السداد.
والشرط الثاني: ألا يفترقا إلا وقد أعطى لكل ذي حقٍ حقه، فإن فعل صح ذلك وجاز، والدليل عليه ما ثبت في الحديث الصحيح، من حديث ابن عمر، أنه قال: كنت أبيع الإبل في البقيع، أبيع بالدراهم وأقتضي بالدنانير، وأبيع بالدنانير وأقتضي بالدراهم يعني: أبيعها ديناً بدنانير، فإذا جاء السداد أقتضيها دراهم، وأبيعها بدراهم فإذا جاء السداد أقتضيها دنانير، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا يحل لك أن تفارقه وبينكما شيء)؛ يعني أجاز له، لكن بشرط ألا يتفرقا وبينهما شيء فلو قال له: العشرة آلاف التي عندك أريدك أن تسددها لي بالدولارات قال: إذاً أعطيك الدولار بثلاثة ريالات ونصف، قال: قبلت واتفقا، وفي نفس المجلس أعطاه حقه كاملاً وافترقا وليس بينهما شيء، فهذا في قول جمهور العلماء: جائزٌ ومشروع للحديث الذي ذكرناه، وهو حديث ثابتٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه إشكال في رواية سماك، لكن المحفوظ عند أهل العلم على القول الصحيح أنه صحيح وثابت، وعليه فإنه يجوز أن يقع ذلك ولا بأس به، والله تعالى أعلم.
بالنسبة لآلة الصرف إذا كنت -على ما ذكرنا- أودعت بالريالات وسحبت بالدولارات أو العكس فإن هذا جائز لكن بشرط أن يكون في نفس الموضع وهو مخرج على مسألة الصرف الفوري، لكن هل الآلة تنزل منزلة الشخص، في بعض الأحيان ممكن أن تنزل لغالب السلامة، ولذلك لما كان الغالب سلامتها، والغالب أنها توفي الحقوق كاملة جاز، مثلاً الآن حينما تشتري المبردات من مكائنها الخاصة، فتشتري بريال شيئاً مبرداً الغالب سلامته، لكن في بعض الأحيان تأخذ الآلة الريال ولا تعطي شيئاً مقابله، والسؤال: لو أنها أخذت ولم تعط فما الحكم؟ يعني لو أنك دفعت ريالاً وامتنعت أن تخرج لك حقك وأنت ترى أمامك الزجاجة هل يجوز كسرها؟ الجواب: نعم، يجوز لك أن تكسر الزجاجة وتأخذ حقك، لكن تضمن قيمة الزجاج الذي كسرت، وعلى ذلك فتنظر الأحظ؛ فإن كانت قيمة المشروب أهون من قيمة الزجاج تقدم على هذا، أما من ناحية شرعية فالغالب في الحقيقة سلامتها، مثال ذلك السيارات التي يخشى أن يحدث فيها ضرر، كالسيارة التي تستعمل للسفر، ربما تنفجر إحدى العجلات أثناء ذلك ويهلك الإنسان، ففيها خوف الضرر، فتقول: هل يجوز الركوب؟ نعم؛ لأن الغالب سلامتها، فالحكم في الشريعة للغالب وللإمام العز بن عبد السلام كلام نفيس وهو: أن الشريعة أناطت الأحكام بالغالب ونوادر الظنون لا يلتفت إليها ولا يعوّل عليها في تقرير الأحكام الشرعية وقد أقر ذلك في كتابه النفيس: قواعد الأحكام ومصالح الأنام والله تعالى أعلم.
(184/11)
________________________________________
حكم إعطاء المكفول للكافل هبة أو عطية مقابل الكفالة

السؤال
علمنا عدم جواز الأجرة على الكفالة فهل تجوز الهبة والعطية؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد فيجوز للمكفول أن يكافئ من كفله بعد انتهاء الكفالة دون أن يكون بالشرط والمواضعة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه)، كفله وسدد عنه ثم جاءه بعد انتهاء الكفالة وأعطاه الحق الذي سدده عنه ثم قال له: جزاك الله خيراً، وهذه ألف مني لك هدية أو هذه ساعة مني لك هدية أحسنت بارك الله فيك ودعا له بخير فهذا من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خير الناس أحسنهم قضاء)، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه استسلف بكراً فأراد أن يقضيه فقال الخازن: يا رسول الله! لا أجد إلا خيار الرباعية فقال صلى الله عليه وسلم: أعطه فإن خير الناس أحسنهم قضاءً)، فكان هديه عليه الصلاة والسلام أن يكافئ على المعروف ويرد الحسن بأحسن، ويرد الخير بأخير منه، وهذا هو هدي أهل الخير، قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى)، فإذا قضى الإنسان حقوق الناس بالسماحة واليسر ورد للجميل جميله فهذا هو خلق القرآن وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
(184/12)
________________________________________
حكم انتفاع البنك برصيد بطاقة الصرف في أغراض غير شرعية

السؤال
بناءً على القول بجواز بطاقة الصرف ألا يشكل فيه أن المصدر انتفع من الرصيد أثناء بقائه؟

الجواب
نحن نتكلم من حيث الأصل العام، وقد نقرر أصلاً عاماً في البطاقة من حيث هي، أما إذا دخل الإيداع في مسألة الاستعانة به والتقوية به على المحرم فقد سبق وأن ذكرنا حكم ذلك في باب الربا والصرف، وبينا أنه لا يجوز من حيث الأصل الشرعي أن يضع المسلم ماله ليستعان به على الحرام؛ لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]، وهنا في مسألة بطاقة الصرف لو أنك تعاملت مع بنك مأمون ومع بنك يتعامل بالربا، فإنه قد يكون هناك اتفاق بين الطرفين بطبيعة التعامل، فلو جئت تصرف من الطرف الثاني، فإنه في هذه الحالة مما جرى به في غالب الأحوال: أنهم يقاضون بالفائدة ويأخذون مقدار ما سحبت من البنك الثاني يأخذه من البنك الأول مع رسم الخدمة فيصبح في هذه الحالة يتعين عليك الصرف من المصدر، هناك أحكام كثيرة مترتبة على مسائل الصرف فنحن نقرب من حيث الأصل العام مسألة التفصيلات؛ لأن الهدف من هذه الدراسة، إنما هي دراسة لطلاب العلم لكيفية تخريج المسائل النازلة على المسائلة القديمة، أما التفصيل والبحث فهناك فتاوى للمجامع العلمية ومجمع الفقه وهيئة كبار العلماء واضحة جداً في المسائل التفصيلية، ولربما يكون لبطاقة الائتمان الآن فتوى تفصيلية تصدر من هيئة كبار العلماء قريباً إن شاء الله؛ لأنها درست جميع أنواع البطاقات وفصلت في أحكامها؛ لكن نحن نتكلم في مسألة التخريج الفقهي، والذي يهم طالب العلم هنا الدراسة الفقهية، كيف يخرج المسائل النازلة وكيف يبين حكمها، وكيف يطبق القديم على الجديد، وذكرنا هذه الأحكام بالنسبة لبطاقة الصرف إجمالاً.
أما من حيث التفصيل فلا يمكنني أن أعطي فتوى في مسألة حتى استفصل تفصيلاً بيناً عن طبيعة التعامل بها، وهذا أمر يحتاج إلى وقت طويل، والله تعالى أعلم.
(184/13)
________________________________________
شرح قاعدة: (ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس)

السؤال
نرجو منكم شرح القاعدة التي تقول: ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس؟

الجواب
هذه مسألة من مسائل الأصول، وباختصار الأصل الذي تريد أن تقيس عليه، ينبغي أن يكون معدولاً به عن سنن القياس وهو الشيء المستثنى، فمثلاً الآن عندنا القذف -أعاذنا الله وإياكم- لو أن رجلاً قذف رجلاً بالحرام، فبالإجماع على أنه يطالب بأحد أمرين، إما البينة التي تثبت صدقه أو يجلد حد القذف لما ثبت في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته بـ شريك بن سحماء فقال صلى الله عليه وسلم لـ هلال: (البينة أو حدٌ في ظهرك).
إذاً: خذ القاعدة: إن الأصل في القذف أنه إما أن يثبت القاذف قذفه، وإلا يُجلد الحد، جاءت الشريعة وأخرجت طرفين من هذا الأصل، أخرجت الزوج والزوجة، فإذا قذف الزوج زوجته فإنه يلاعِن، إما أن يأتي ببينة تثبت ما قذفها به أو يلاعنها، هذا اللعان جاء به دليل مخصوص كما في الصحيحين من حديث عويمر العجلاني رضي الله عنه وأرضاه أنه جاء إلى عاصم بن عدي ابن عمٍ له فقال: يا عاصم! الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلوه، أم يتركه؟ فقال: سل لي يا عاصم! رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فانطلق عاصم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء فقال: يا عاصم! ماذا قال لك؟ قال: ما جئتني بخير، كره رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألتك، إلى الآن ما نزلت آيات اللعان، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره السؤال عن شيء لم يقع، فلما قال هذه المقالة جمع عويمر ثيابه وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (يا رسول الله! الرجل يجد مع امرأته الرجل، أيقتله فتقتلوه، أم ماذا يفعل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنه قد نزل فيك وفي امرأتك قرآن، فانطلق فأتِ بها، فجاء بها، فتلاعنا).
الشاهد: أن الأصل يقتضي إما بينة أو حد القذف؛ لكن اللعان خرج عن سنن القياس، فلو جاء -مثلاً- فقيه أو عالم يقول: إذا قذف الأخ أخاه أو أخته، فإنه يجب اللعان قياساً على الزوج والزوجة بجامع القرابة أي: يجري اللعان بين الأخ وأخيه والقريب وقريبه كما يجري بين الزوج والزوجة بجامع القرابة بين الاثنين، العلة واضحة، والقياس في الظاهر صحيح؛ لكن نقول هنا: الأصل خرج عن القياس، الأقيس دائماً هو الموافق للأصول، فالأقيس الذي مشى على الطريق العام، فاللعان خرج عن القياس، فما خرج عن القياس، فغيره عليه لا ينقاس، هذا معنى القاعدة: أن المعدول به عن سنن القياس لا يقاس عليه غيره، ما خرج عن سنن القياس فغيره عليه لا ينقاس.
نسأل الله العظيم أن يجيرنا وإياكم يوم البأس، وأن يحسن لنا ولكم الختام.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(184/14)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الصلح [1]
الصلح معاقدة توجب رفع الخلاف ودفعه، وقد شرعه الله سبحانه وتعالى في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع العلماء على مشروعيته.
وإذا كان الأمر كذلك فإن على من يريد الإصلاح بين الناس أن يراعي حسن القصد، والعمل على تحري العدل وعدم المحاباة، وأن يتجنب وسائل الإحراج والميل ونحو ذلك.
(185/1)
________________________________________
تعريف الصلح
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الصلح] الصلح في لغة العرب: قطع النزاع ورفع الخلاف.
يُقال: صالح الرجل الرجل، يُصالحه مصالحة، إذا وقع بينهم الاتفاق على رفع الخصومة، ولذلك لا يختلف تعريفه الاصطلاحي عند الفقهاء والعلماء عن المعنى اللغوي.
ومن هنا قال بعض العلماء في تعريفه: الصلح: معاقدة توجب رفع النزاع.
وقولهم: (معاقدة)؛ لأنها تكون بالاتفاق بين الطرفين، وهما المدّعِي والمدَّعَى عليه، وتكون بين مالك الشيء والأجنبي.
وقولهم: (توجب رفع الخلاف): الخلاف: النزاع والخصومات، فيختصم الرجلان في المال، يقول أحدهما: هذا لي، فيقول الآخر: بل هو لي، أو يختلفان في جزئه، كأن يكون شطر أرضٍ، فيقول أحدهم: الأرض كاملة لي، فيقول الآخر بل نصفها لي، ونحو ذلك من الخصومات، فإذا وقع الصلح بين الطرفين، وتراضى الطرفان؛ فإن معنى ذلك أن يرتفع الخلاف والنزاع، وتنقطع الخصومة، ومن هنا قال العلماء رحمهم الله في هذا التعريف: (معاقدة توجب رفع الخلاف).
وبعض العلماء يقول: معاقدة توجب رفع الخلاف ودفعه، وهناك فرق بين الرفع والدفع، كما نبه عليه السيوطي في قواعد الفقه، وكذلك ابن نجيم في الأشباه والنظائر، وهو أن الرفع يكون لما وقع، والدفع يكون لشيءٍ لم يقع.
فإن الصلح تارةً يُقصد منه رفع الخلاف بين الطرفين، كرجلٍ خاصم رجلاً ووقع النزاع بينهما، فجاء رجلٌ ثالث وأصلح بينهما، فإن الخصومة قد وقعت، ولكنها بالصلح ارتفعت، فيقال: رفع خلاف.
وتارةً يكون الصلح قبل النزاع، فإذا جاء رجل إلى رجل، وقال له: هذه الأرض لي، فقال الآخر: بل لي، وقبل أن يقع بينهما الشجار توسّط ثالثٌ فقسمها بينهما، فحينئذٍ يكون دفعاً للخلاف، أي أن الصلح وقع في مرحلة سابقة للخصومة والنزاع.
وأياً ما كان فالصلح يقع قبل الخصومة، أي: قبل وقوع النزاع والخلاف والشجار والآثار المترتبة، وقد يقع بعد ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى يدفع بهذا الصلح النزاع، ويدفع أيضاً عن عباده أثر وضرر العداوات والشحناء، وما يكون مترتباً على النزاع بينهم.
(185/2)
________________________________________
الأدلة على مشروعية الصلح
وقد شرع الله عز وجل الصلح بكتابه، وبسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية الصلح بين المتخاصمين.
(185/3)
________________________________________
الأدلة من الكتاب
أما دليل الكتاب فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1]، فأمر الله عز وجل أن نصلح ذات بين المسلمين، لما في ذلك من خير الدنيا والدين، فندب عباده وحثّهم على ذلك، وقال سبحانه وتعالى مبيِّناً فضل هذا الأمر وعاقبته الحميدة: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128]، فشهد من فوق سبع سماوات أن جمع القلوب وائتلاف الأرواح بالصلح فيه خير، ثم لما قال سبحانه: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128]، جاءت كلمة (خير) نكرة.
فمن هنا قال بعض أئمة التفسير: إنه لعظم الخير المترتب على الصلح، جاءت بهذه الصيغة؛ لأن النكرة تفيد العموم والكثرة، أي: فيه خير الدين والدنيا والآخرة.
وكذلك ندب الله عز وجل إلى الصلح بين الزوجين فقال: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء:35]، فأخبر سبحانه وتعالى أنه معينٌ وظهير لمن سلك هذا المسلك المحمود، وهو الصلح بين الناس، فإن الله يعينه ويوفِّقه ويسدِّده، فيعينه على عناء الخصومة، فتجده ينتقل من هذا إلى هذا، فيسهر ليله ويتعب في نهاره، ويكثر الخصوم بين يديه اللغط واللجاج والصياح، وهو مع ذلك صابر مصطبر لعلمه بعظيم الثواب عند الله، فيعينه الله، ثم إذا جاء يتكلم بين المتخاصمين سدّد الله قوله، وقوّم لسانه، لأن المصلح يدعو إلى ما دعا الله إليه من ائتلاف القلوب، فهو محصِّلٌ لمقصود الشرع، وهو داعي الله.
وأما من كان مفسداً والعياذ بالله فإنه يدعو بدعوة الشيطان ولذلك يبوء بالخيبة والخذلان، فإذا نظرت إلى أهل الصلح وجدت عندهم من الصبر والتحمل، وبعد النظر، وسداد القول، والرشد، وحسن العاقبة، ما لا تجده عند غيرهم، ولا يزال الناس بخير ما بقي فيهم أمثال هؤلاء.
وقد شهد الله من فوق سبع سماوات أن من فضل المجالس أن تُعمر بالصلح بين المتخاصمين، فقال سبحانه وتعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114]، فأخبر سبحانه وتعالى أن المجالس إذا عُمرت بالصلح بين الناس، وبالدعوة إلى جمع القلوب، وائتلاف الأرواح؛ فإنها مجالس خير وبر، وأخبر سبحانه وتعالى أنه متكفِّلٌ بثواب أهل الصلح، فقال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [النساء:114]، ولكن بشرط: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [النساء:114]، أي: طلباً لرضوان الله عز وجل، قال بعض العلماء: فيه دليل على أن الصلح طريقٌ لرضوان الله عن العبد، وهذا أمر لا يُشك فيه، فإنك إن وجدت الرجل معروفاً بجمع القلوب، ويُحبِّب الناس بعضهم إلى بعض، ووجدته يسعى في جمع المفترقين، ولم شمل المتخاصمين، وجدته على خير الأحوال وأفضلها وأصلحها، فالله عز وجل يقول: {مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114]، وعظيماً من الله ليست بالهينة، فالله إذا قال للشيء إنه عظيم فهو عظيم، فلا أعظم من شيءٍ وصفه الله عز وجل بالعظمة، والكبير من الله ليس بالهين، أي: سوف نؤتيه أجراً موصوفاً بالعظم.
ولذلك تجد أهل الصلح في القديم، وكذا من يعاصرك من إخوانك ممن عُرف بالصلح ومحبّة جمع القلوب، تجده في عاجل خير الله له من هذا الأجر العظيم.
فتجده محبوباً بين الناس، مقبول الشفاعة، مرفوع المكانة، حتى إن أقواماً ماتوا من عشرات السنين، بل من مئات السنين ولا يزال الناس في ذكرهم الحميد بما خلَّفوا من المآثر الكريمة من الصلح بين الناس.
فهذه آيات الكتاب كلها تدل على فضل الصلح بين الناس، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات:10]، فجعلهم كالجسد الواحد، لا يرضى المسلم لإخوانه أن يتفرّقوا، وأن يتقطعوا، وأن يتمزَّقوا، فيتكلَّم هذا في هذا، ويعادي هذا هذا، إلى غير ذلك من المفاسد المترتبة على الخصومة والنزاع.
(185/4)
________________________________________
الأدلة من السنة
ودل دليل السنة أيضاً على مشروعية الصلح، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يندب إلى الصلح، ويفعل الصلح، بل قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في حديث عوف بن مالك رضي الله عنه: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً)، وهذا الحديث رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وحسّنه غير واحد من العلماء، وإن كان الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي قد جزم بصحّته، وأُخذ عليه ذلك، لكن العمل عند المحققين أنه حسن لغيره؛ لتعدد الطرق، وكثرة الشواهد، وهو حديث ثابت.
فهذه سنة قولية تدل على مشروعية الصلح وقطع الخصومات والنزاعات بالصلح بين الناس، وتقريب قلوب بعضهم إلى بعض.
وجاءت السنة الفعلية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمشروعية الصلح، ففي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه تأخر عن الصلاة بقباء ليصلِح بين حيين من بني عوف) وكان بنو عوف من الأنصار قبلي المدينة، جهة قباء، وكان بينهم شيءٌ من الشحناء والخصومات، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يسمع بخصومة بينهم إلا سعى للجمع والصلح، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان معتكفاً في المسجد، وأُري ليلة القدر، فتلاحى رجلان، فكشف عليه الصلاة والسلام الستار عن قبته، ثم أشار لصاحب الدين أن يضع شطر الدين، فأصلح بينهما وهو في معتكفه عليه الصلاة والسلام.
فالسنة القولية والفعلية دالة على مشروعية الصلح.
(185/5)
________________________________________
دليل الإجماع على مشروعية الصلح
وأجمع العلماء وأئمة الإسلام عليهم رحمة الله عز وجل على مشروعية الصلح وفضله، وأن من أعظم وأجل الطاعات وأحبها إلى الله سبحان وتعالى إصلاح ذات البين، وأن فعلها مندوب إليه ومرغَّبٌ فيه، وقد يجب على المسلم في بعض الأحيان أن يُصلِح إذا كان مقبول القول ومأمون الفتنة بالدخول في الصلح، وإذا لم يُصلِح ترتب على عدم صلحه قطيعة الأرحام، أو حصول ضررٍ عظيم كسفك الدماء وانتهاك الأعراض، واغتصاب الأموال، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فإذا غلب على ظنه أنه لو دخل في هذه الخصومة أن الله يصلح ذات بين المسلمين، وأن الله يدفع هذه الشرور وهذه الفتن، وليس ثم ضرر عليه بالدخول؛ فإنه يتعين عليه أن يسعى، ويتعين عليه أن يصلح بين المسلمين.
(185/6)
________________________________________
أنواع الصلح وصوره
والصلح أنواع، ويقع على صور، فهناك صلح بين المسلمين والكفار، وهناك صلحٌ بين الفئة العادلة والفئة الباغية، وهو صلحٌ بين المسلمين، وهناك صلحٌ بين الزوجين، وهناك صلحٌ على القصاص والدماء والاعتداءات على الأجساد والأرواح، وهناك صلحٌ بين المسلمين في أمور الأموال، فهذه خمسة أنواع للصلح.
فأما الصلح الذي يقع بين المسلمين وبين الكفار؛ فهذا يتكلم العلماء عليه في باب الهدنة، وقد تقدّم في باب الجهاد في سبيل الله وبيّنا فيه أحكامه وما يترتب عليه من مسائل.
وأما الصلح بين الفئة العادلة والفئة الباغية، وهم البغاة الذين يخرجون على والي المسلمين وجماعتهم، فيُصلح بينهم وبينه، فهذا يتكلم العلماء عليه وعلى مسائله في باب أحكام البغاة.
وأما الصلح في الشقاق والخلاف الذي يقع بين الزوجين، فغالباً ما يُنبّه على جُمَلٍ من أحكامه في مسائل العشرة الزوجية، ومسائل النشوز، ويعتني المفسرون ببيانه في تفسير آية النساء السابق ذكرها.
وكذلك أيضاً بالنسبة للصلح الذي يقع على الحقوق المالية، وهذا هو الذي يعتني العلماء بذكره في هذا الموضع، فإذا قال الفقهاء: باب الصلح، أو قال المحدثون: باب الصلح، فغالباً ما يركزون على الصلح في الحقوق المالية كالنزاع في الأراضي والبيوت والدور والمساكن، والنزاع في الحقوق العامة التي تقع في الأموال، فهذا غالباً ما يُعتنى به في باب الصلح، أو كتاب الصلح، فيذكرون فيه مسائله وأحكامه.
وأما الصلح عن الدم والقصاص ومسائله والديات؛ فهذه يُنبَّه على جملة من أحكامها غالباً في باب القصاص وباب الديات.
(185/7)
________________________________________
مناسبة ذكر باب الصلح بعد باب الحوالة
وقول المصنف رحمه الله: (باب الصلح) بعد باب الحوالة يورد سؤالاً: لماذا ذكر المصنف باب الحوالة، ثم أتبعه بباب الصلح؟ وما هي مناسبة باب الصلح لباب الحوالة؟

الجواب
أن باب الصلح فيه شبه من الحوالة؛ لأن الحوالة أن تحيل صاحب الدين على شخص آخر لك عليه حق، كما تقدم بيانه في باب الحوالة، فكأنك صالحت صاحب الحق عن حقه عندك، فحينئذٍ تكون الحوالة فيها شيءٌ من الصلح، ومن عادة العلماء أن يُلحقوا الشبيه بشبيهه، والنظير بنظيره، والمسائل المتقاربة، والأبواب المتجانسة والمتفقة في بعض المعاني، بعضها ببعض، فألحقوا باب الصلح بباب الحوالة، وإن كان بعض أئمة الشافعية رحمة الله عليهم يسلكون مسلكاً آخر، لكن للمصنف رحمه الله عذره من هذا الوجه.
(185/8)
________________________________________
الحث على الصلح
والصلح إذا وقع فإنه يقوم على طرفين متنازعين، وطرفٍ ثالث يصلح بين الطرفين، وهذا الطرف الثالث تارةً يكون من القضاة والحكام الذين يفصلون في القضايا، وتارةً يكون من غيرهم من عامة الناس.
فأما بالنسبة للقاضي، فالقاضي موقفة في الأصل حيادي، ولا ينبغي للقاضي أن يميل لأحد الخصمين دون الآخر، والصلح غالباً يكون فيه شيء من الإضرار بأحد الطرفين، ولذلك كان على القاضي ألا يتدخل إلا بالحكم والفصل في الخصومة، فيعطي كل ذي حق حقه على وفق حكم الشرع؛ لأنه لو كان القاضي يُغرق ويبالغ في مسائل الصلح؛ فإن هذا يُذهب هيبة القضاء، ويُنزِع الثقة من القاضي؛ لأن الناس لا يصلون إلى القاضي غالباً إلا وقد تقرَّح قلب المظلوم من الظلم، فهو يحتاج إلى من ينصره ويعينه، فإذا جاء إلى القاضي فوجد القاضي يهوِّن من دعواه، أو يحاول أن يحط من حقه الذي عند خصمه؛ فإن هذا يُحدث عند الناس شيئاً من ردة الفعل الذي لا تحمد عقباها.
ومن هنا فالأصل أن القاضي لا يتدخل بين الطرفين إلا في الفصل، فمثلاً: لو ارتفع الخصمان إلى القاضي فردّهما، أي: ردّ الخصمين، وقال: اذهبا فاصطلحا وامتنع من القضاء، وجاء المظلوم في شدة وفي حال، فإن هذا كما ذكرنا قد يُحدث ضرراً فيجعل المظلوم إذا وصل إلى القاضي ولم ينصف أن يتجه إلى وسائل أخرى للوصول إلى حقه، ومن هنا قال العلماء: الصلح من القضاء يُضَيَّق قدره في حدود.
ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كتاب القضاء المشهور، والذي شرحه الإمام المبارك ابن القيم شرحاً مسهباً يعد من أنفس ما كتب في شرح هذا الكتاب الذي اعتنى العلماء بذكره، وهو كتاب القضاء، وهو كتاب بيّن فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه منهج القضاء، كتبه لـ أبي موسى؛ لأن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان قاضيه على الكوفة، ولاه القضاء بالكوفة وناحية الشرق، فكتب له هذا الكتاب الذي يسمى بكتاب القضاء، رواه البيهقي وغيره في السنن.
وفيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أبا موسى برد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن الفصل بينهم يورث الضغينة والشحناء، فأمره أن يرد الخصوم إلى الصلح، ولكن كما ذكر العلماء يُرد بقدر، يعني أن القاضي إذا نظر أن الخصوم عندهم سعة، وبالإمكان أن يصلح بينهم؛ دعا إلى الصلح، وردَّهم إلى الصلح، وإن وجد الأمر يحتاج إلى بتٍّ وفصل؛ فإنه يبت ويفصل.
لكن رخصوا للقاضي أن يُصلح بين الخصمين في مواضع: الموضع الأول: أن تستشكل عليه القضية فتصبح غامضة، وأدلتها متشعبة، ولا يستطيع أن يلم هذا الشتات، فحينئذٍ يلتجئ إلى الصلح.
فإذا أشكل عليه الحكم ولم يتبين له وجه الحق، والتبست عليه القضية لكثرة الأقوال فيها وكثرة الأدلة، وحصول شيء من التعارض والتضارب الذي لا يستطيع فيه أن يتبين؛ فإنه يرجع إلى الصلح وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أنا بشرٌ مثلكم وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض).
فالقاضي بشر، ومهما أُوتي الإنسان من الذكاء والفهم، فإنه قد يوقفه الله عز وجل في بعض القضايا مكتوف اليدين حتى يعلم فضل الله عليه، وأنه تحت رحمة الله، ومهما أوتي القاضي من علم وفطنة؛ فلا بد وأن يقف في بعض المواقف حائراً بقدرة الله عز وجل حتى يستكين ويذل لله عز وجل، وهذا معروف ومشهور في أخبار القضاة وأقضيتهم، ففي هذه الحالة إذا طغت الخصومة وتشعّبت الأدلة، ورأى القاضي من المصلحة أن يجمع بين الخصمين بالصلح، فحينئذٍ يُصلِح.
وأما إذا تبين الحق.
بمعنى: عرفنا أن زيداً له على عمرو ألف ريال، وأصبح الأمر لا لبس فيه، فيجب عليه أن يبت الحكم، إلا إذا خاف أن إمضاء الحق يُحدث فتنة أعظم، كما يقع بين ذوي الأرحام.
فمثلاً: لو أن طرفين اختصما عند القاضي، وتبيّن للقاضي وجه الحق، كأن اختصموا في دم، أو عرض، وتبين للقاضي أن هذه الفئة ظالمة لهذه الفئة ولكن لو أصدر الحكم وبيّن الحق، فستحدث آثار أسوأ وأعظم من المصلحة المترتبة على قضائه، فإن خاف حصول فتنة عظيمة، أو حصول شحناء فحينئذٍ يصلح، وقد أشار بعض العلماء رحمهم الله إلى هذه الاستثناءات بقوله: والصلح يستدعي له إن أشكل حكم وإن تعين الحق فلا ما لم يخف بنافذ الأحكام فتنة أو شحناء للأرحام (والصلح يستدعي له): يعني: أن القاضي يصير إلى هذا الصلح.
فيستدعي له الطرفين.
(إن أشكل): يعني: غمَض عليه الحكم، (وإن تعين الحق فلا): لأنه إذا تعيّن له الحق، وعُرِف أن فلاناً ظلم فلاناً وتبيّن الحق، فإنه بدخوله في الصلح يوجب الريبة، فكأنه يشفع للظالم، وموقف القضاء دائماً ينبغي أن يكون حيادياً لا يميل فيه القاضي لأحد الخصمين دون الآخر.
وقوله: ما لم يخف بنافذ الأحكام فتنة أو شحناء للأرحام.
ففي بعض الأحوال يكون القضاء بين أقوام جُهَّال، أو بين أقوام بينهم فتنة عظيمة، وقلوبهم مليئة بالشحناء والبغضاء، ولكن رأى القاضي أن الأفضل أن يقرِّب بين الطرفين، وأن يُصلِح بينهم فيعدل عن الحكم بالقضاء إلى الجمع بين الطرفين بذلك، هذا بالنسبة لمسألة الصلح من القاضي ومن في حكمه.
أما الصلح من عامة الناس، فالصلح يسعى له العلماء، ففي بعض الأحيان يتدخّل العالم بين طرفين، بين زوج وزوجته، بين عامل ومستأجره، وهكذا يدخل العالم ويدخل طالب العلم، ويدخل الرفيع الذي له شأن كشيخ العشيرة، وأمير القبيلة ونحو ذلك ممن لهم فضل ومكانة، وعندهم عقل وحكمة، وقد يدخل أُناس من عامة الناس عندهم شيء من العاطفة ومحبة الخير للناس، فيختلف أنواع الشفعاء.
(185/9)
________________________________________
أمور يجب مراعاتها في الصلح بين الناس
فننبه على مسائل: ينبغي لمن يريد أن يُصلح بين الناس أن يراعيها:
(185/10)
________________________________________
الإخلاص لله
منها: أن يعلم أولاً أنه يتردد بين نيتين إذا دُعي للصلح بين طرفين، فإما أن تكون نيته لله والدار الآخرة، وإما أن تكون للدنيا، فالشخص ينبعث للصلح بين الناس لعلمه بعظيم الثواب عند الله، وهو يستشعر قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114]، ويستشعر قول الله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة:207].
فهو يبيع نفسه لمرضاة الله سبحانه وتعالى.
فإذا انبعث بهذه النية الصالحة، فإن الله عز وجل يُعظِم له الأجر، ويجعل جميع ما يقع من العناء والتعب والنصب في ميزان حسناته، وهذا بخير المنازل عند الله عز وجل.
وكذلك -أيضاً- بحسن النية يُوفَّق إلى السداد، وقل أن يُصلح نيته إلا ألهمه الله عز وجل أصلح الأمور، ومن هنا قال بعض العلماء رحمهم الله: (من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس)، فمن أصلح ما بينه وبين الله بالنية الصالحة في الأمور، أصلح الله ما بينه وبين الناس من الشئون والأحوال.
فمن أمثلة ذلك: إذا دخل في الصلح فأصلح ما بينه وبين الله بحسن النية؛ أصلح الله ما بينه وبين الناس، فعصَم لسانه عن الزلل، وعصم فعله عن الخلل، ووجهه وسدده، وكان له المعين والظهير معيناً على الخير، وظهيراً له على الطاعة والبر، وفي ذلك وردت قصة: اختصمت عائلتان لزوج وزوجة، ثم دخل بينهما مصلحان فلم يوفقا للصلح بينهما، وكانت القضية عند أحد قضاة السلف رحمة الله عليهم، وكان يعلم هذا القاضي أن هناك مجالاً للصلح، ولكن الله لم يوفق الحكمين، فلما رجع الحكمان إليه وأخبراه أنهما لم يوفقا، قال رحمه الله: والله لو حسنت نيتكما لوفّقكما الله؛ لأن الله يقول: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء:35].
أولاً: فالنية هي الأساس والمنبعث الذي ينبعث به الإنسان للصلح.
ثانياً: هذه النية لها عوارض، فمنها حب الشرف، وحب الجاه، فإن الذي يدخل في الصلح ينتزعه الشيطان إلى نية الدنيا؛ لأن الناس يقولون: فلان أصلح بين فلان وفلان، وفلان وجه الخير، وفلان كذا، ينتظر من الخصمين أن لا يجلسا في مجلس فيطرأ ذكر الخصومة إلا قالوا: فلان هو الذي أصلح.
فهذا يطلب الرياء والسمعة، ويطلب المدح والثناء، فحظه من تعبه ونصبه ما أراد من الدنيا، وينادي منادي الله يوم القيامة: من كان عمله لغير الله فليذهب وليأخذ أجره ممن عمل له، فإن يوم القيامة لا ينفع فيه الإنسان إلا صدقه: {هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة:119]، فالصدق هو الإخلاص.
فمن صدق مع الله صدق الله معه، فالصلح إذا دخل الإنسان فيه بنية السمعة هلك، وصرفه الله عز وجل، ولذلك تجده يتأثر في حدود السمعة، فلو كان أحد الطرفين قوياً أو له مكانة، مال إليه والعياذ بالله أكثر من الضعيف، وإذا دخل بنية الرياء والسمعة انحرف عن صراط الله، فإذا كان أحد الخصمين ممن ليس له مكانة في قلبه ضغط عليه وأحرجه، وألجأه إلى أمور لا تُحمد عقباها؛ فهذا لا يأمن أن يكون بصلحه مفسداً، فهو يظن أنه مصلح والواقع أنه -والعياذ بالله- مفسد، وسنبين وجه ذلك، وهو الظلم في الصلح.
(185/11)
________________________________________
الحذر من الحمية والعصبية
وكذلك أيضاً: ينبغي لمن يريد أن يصلح بين الناس أن ينتبه للحمية والعصبية، فإنه في غالب الأحوال إذا دخل في الصلح بين القرابة، تنتزعه نوازع الحمية والعصبية، فينبغي أن يحذر منها، وأن لا يجعل العادات والأمور التي هي من شأن الجاهلية محكمة له في صلحه، بل عليه أن يجعل نصب عينيه مرضاة الله، وهذا يستلزم عليه أن يرجع للعلماء، فإذا طرأت قضية بين زوجين، أو طرأت قضية بين متخاصمين، وليس عنده خلفية عن بعض المسائل الشرعية فعليه أن يتصل بالعالم، ويسأل العلماء، ولذلك يقولون: غالباً ما يُوفَّق المصلح إذا سأل العلماء، لأنك إذا سألت العالم -وهذه قاعدة عامة- في الأمور كلها التي تتصل بالعبادات والطاعات والقربات، وما تريده من أمور دينك؛ وفقت، وأنك ما استشرت ولا سألت ولا استفتيت أحداً من أهل العلم وأنت ترجو ما عند الله عز وجل بالرجوع إليه، وعملت بما قال لك إلا بارك الله فيما أتيت، حتى ولو كانت هناك أضرار، فإن الله يدفع عنك أضراراً أكبر منها.
وهذه فائدة الرجوع إلى العلماء، ولذلك قالوا: قل أن يشاور ويستفتي أحدٌ العلماء ويخيب في أمره؛ لأن الله يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، ولم يأمر الله بسؤالهم والرجوع إليهم إلا لخير يعلمه سبحانه وتعالى في ذلك الرجوع وذلك السؤال، ولذلك شهد الله أنه لو رُد الأمر إلى أهله لكان خيراً، وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا وقع بينهم شيء رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسار السلف الصالح على ذلك، وكانت الأمة بخير حينما كان الناس إذا طرأت عليهم أمور لا يستبدون بالآراء والأهواء، وإنما يرجعون لأهل العلم، ويقدرون أهل العلم، وعندما كان الناس يحمدون مشورة العلماء ويحبونها كانت البركة، وكان الخير في ذلك.
(185/12)
________________________________________
العلم بالقضية علماً تاماً
ومنها العلم بالقضية علماً تاماً كاملاً، فلا تدخل للصلح بين طرفين حتى تكون على إلمام تام بالقضية، وهذا يستلزم منك أن تسمع القضية كاملة.
فلا تدخل للصلح بين المتخاصمين، وقد علمت بأطراف من القضية دون أطراف، لأنك أشبه بالحكم بين الخصمين فلا ينبغي أن تسمع من أحدهما دون الآخر، أو تنظر إلى قضايا لأحدهما دون قضايا الآخر.
وإذا جاءك خصم وقد فُقئت عينه فلا تعجلن، فلعل خصمه قد فُقِئت عيناه، فلذلك ينبغي أن تسمع القضية كاملة، وحينئذٍ يتحتم عليك قواعد وأصول تنتبه لها، أولاً: تسمع القضية كاملة من الأصل، وهو الشخص المتّهم صاحب الحق المدَّعِي، فتجلس مع الشخص وتسمع منه سماعاً كاملاً، وتعطيه حرِّيته في أن يقول جميع ما عنده، ثم تنتقل إلى الطرف الثاني بكل أمانة ونزاهة، فتسمع جميع ما عنده، ولا تقاطعه إلا إذا حصل استفهام أو سؤال، ولا تحاول أن تشككه فيما يقول، أو تميل للطرف الثاني ضده.
فإن كثيراً ما تقع الإِحن في الخصومة والصلح، ولا يوفَّق المصلحان متى ما نظر أحد الطرفين أن المصلح يميل للطرف الآخر دونه، فإذا جاء الطرف الأول وجلس معك وأعطيته حريته، وكنت أثناء جلوسك معه رجلاً عدلاً ترجو مرضاة الله، وتعلم أن الله حمَّلك أمانة ومسئولية أن تسمع سماعاً كاملاً فتعطيه حرِّيته حتى يقول ما عنده، وإذا كان كلامه كثيراً لخّصتَ النقاط التي قالها وراجعته حتى تعرف وتضبط الأمر ضبطاً تاماً.
ولذلك إذا جئت للصلح -في هذا الزمان- فلا تُجلس الخصمين مع بعضهما، ولا تسمع منهما وجهاً لوجه، واسمع من كل طرف على حدة، وقل: أريد فلاناً يقول لي جميع ما عنده، فتجلس معه على حدة، ثم تجلس مع الآخر على حدة، وتلخِّص النقاط، فإن أمكنك أن تصلح بينهما دون أن يتواجها فهذا أفضل، وإذا أمكن الصلح وتقليب وجهات النظر فيما قاله هذا وهذا فهو أفضل، خاصة في مسائل الزواج؛ لأن الزوجين إذا جلسا فقالت المرأة سراً من الأسرار، أو قالت عورة من العورات، أو سوءة من السوءات حمَل الزوج عليها في قلبه، فلو حصل صلحٌ في المستقبل ربما انعكست الآثار على هذه الكلمة التي قالتها، ولربما حمل في قلبه أن يعيدها حتى يُضّر بها وينتقم.
فينبغي للمصلح أن يكون حكيماً خاصة مع كثرة الجهل في الناس، وعدم وجود شيء من الأدب أثناء الجلوس، فكل يريد أن يكون هو صاحب الكلمة، وكل يريد أن يكون هو المتكلم، وكل يدعي أنه هو المظلوم.
فلذلك ينتبه لهذه القضية؛ صحيح أنك تحتاج إلى استفهام لبعض القضايا، وبعض القضايا تحتم عليك أن تجمعهما وجهاً لوجه حتى تعرف الصادق من الكاذب، لكن إذا رُزِقت بصيرة العلم؛ فإنك تستطيع أن تعرف صدق هذا من كذبه، وتعلم أيضاً صدق الطرف الثاني من كذبه من خلال الجلوس لسماع الخصم سماعاً كاملاً، ولا تحاول أثناء كلامه أن تكون مع الطرف الثاني ضده، وإنما يكون كلامك استفهاماً، واستبياناً، فلا يكون تكذيباً ولا تخطئة إلا إذا كان فيه جور وظلم، وأردت أن تذكره بالله عز وجل، فتقول له: يا فلان اتق الله! الدنيا فانية، وهذا الذي تقوله ستحاسب عليه بين يدي الله، فإن الله يقول: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف:19]، إن كنت صادقاً فإني أصدِّقك، وإن كنت كاذباً وصدّقتك، فإنك لا تحمل وزر من ظلمت فحسب، بل حتى وزري أنا، لأني أصدقك فيما تقول، وتذكِّره وتخوِّفه بالله.
فالسماع من الطرفين سماعاً كاملاً يساعد على تصور القضية.
وإذا تصوَّرت القضية فلا تخلو من حالتين: إما أن تكون محضة وإما أن تكون مشوبة، والقضية المحضة تكون دينية محضة أو دنيوية محضة، فإذا كانت المسألة دينية محضة رجعت للعلماء، وإذا كانت دنيوية محضة رجعت للعقلاء وأهل البصيرة، ولا مانع أن تستشير بعض أهل العلم إن كان لهم علم وبصيرة بمثل هذه الأمور، وإن كانت جامعة بين الدين والدنيا، فحينئذٍ تجمع بين مشورة العلماء ومشورة أهل الخبرة.
فمثلاً إذا وقعت قضية بين شخصين في أمر دنيوي في مسألة تجارة، فتحتاج إلى إنسان عنده خبرة في التجارة، أو بين عامل وصاحب العمل فإنها تحتاج إلى إنسان له خبرة في ذلك العمل، فترجع إلى ديِّن أمين صالح وتسأله حتى تستطيع أن تعرف من المخطئ فتذكِّره بالله ثم تصلح.
المقصود هو تصور القضية تصوراً كاملاً ثم حلها عن طريق العلماء إن كانت دينية، أو عن طريق العقلاء إذا كانت دنيوية، أو تجمع بين الأمرين إذا جمعت بين الطرفين.
(185/13)
________________________________________
العدل بين الخصمين
كذلك أيضاً مما ينبغي أن يُتنبَّه له في الصلح: أن يُبنى على تقوى الله عز وجل بالعدل بين الطرفين، فإذا دخلت في القضية وأنت ترجو ما عند الله، وتصوَّرتَها تصوراً كاملاً ثم استشرت العلماء وقالوا لك: فلان المخطئ، وفلان المصيب، وفلان أخطأ في كذا وأصاب في كذا، والآخر أخطأ في كذا وأصاب في كذا، وأخذت نتيجة الأمر؛ فحينئذٍ إما أن تحل القضية حلاً وسطاً؛ بالجمع بين الطرفين بالحل الوسط، وهذا ما يكون به الصلح.
وأما إذا بينت لكل ذي حق حقه، وأردت أن تفصل بينهم بذلك، فالذي يفعل هذا يسمى حَكَمَاً، وهو الذي يعرف حق كل واحد من الطرفين، ثم يعطي كل ذي حقٍ حقه.
لكن المصلح دائماً يُحدِث قولاً وسطاً بين الطرفين، وهذا يستلزم تنازل صاحب الحق عن شيءٍ من حقه، كأن تعرف أن المرأة مظلومة وأن الزوج ظالم، فتذهب إلى الزوج وتبيِّن له ظلمه، وتذهب إلى الزوجة، وتقول لها: نعم أنتِ مظلومة وأنت صاحبة حق؛ لأن الله يقول، ورسوله عليه الصلاة والسلام يقول، لكن يا فلانة هذا زوجك وبعلك، إن صبرت عليه واحتسبتِ فلك الأجر عند الله؛ يا فلانة! الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، فإن صبرتِ صبَّركِ الله، وإن احتسبتِ الأجر عند الله أثابكِ الله، ونحو ذلك من الكلام الطيب؛ فتلين قلبها للعفو، وتجعل قلبها ليناً للإصلاح وفي هذه الكلمات مثوبة الله، والأجر من الله، وإذا خرجت من قلب صادق فإنها تقع في الأذن وتقع في القلب، فالكلمة التي تخرج من القلب تلامس شغاف القلب، وينبغي للمصلح أن يتخير الألفاظ المناسبة والعبارات المهذَّبة التي لا تسيء إلى مشاعر الناس، ولا تُجحِف في حقهم.
(185/14)
________________________________________
اختيار الألفاظ المناسبة وعدم الإحراج
فإذا عرفتَ الحق وأردت أن يتنازل صاحب الحق عن جزءٍ من حقه حتى يقع الصلح؛ فينبغي أن يكون بطريقة مناسبة، وهذا ما أحببت أن أنبه عليه، فلا ينبغي إحراج الناس، وظلم الضعفاء والإضرار بمصالحهم.
في بعض الأحيان يدخل الرجل في صلح بين طرفين، وأحد الطرفين قوي ظالم، والطرف الثاني ضعيف مظلوم، وقد يكون الخصم الضعيف أيتاماً أو أرامل، فيأتي المصلح إلى الضعيف فيستغل نقاط ضعفه، ويضغط عليه من جهة هذه النقاط حتى يتنازل عن بعض حقه، قال بعض العلماء: لا يأمن من يفعل ذلك من الإثم في صلحه.
وهذا ليس بصلح، بل ظلم وجور، وإذا أُصلح بينهم على هذا الوجه فإن هذا يعين الظالم على الظلم، ويجعله يتمادى في ظلمه، واليوم ينتهي من هؤلاء الضعفاء ليقع فيمن هو أضعف منهم، أو في غيرهم، ولذلك كان هذا النوع من الإحراج والإلحاح لا يجوز.
كذلك أيضاً: إذا فرضنا أن عاملاً اشتغل وكد فأصبح له حق عند صاحب العمل، وصاحب العمل رجل غني وثري، وثبت أن هذا العامل له خمسون ألفاًً عند هذا الرجل الثري الغني الذي لا تضره الخمسون الألف شيئاً، وهذا الرجل جلس السنة والسنتين في عمله وكدِّه وتعبه ونصبه، ولربما كان عليه ديون وحقوق للناس، فنأتي إلى العامل ونضغط عليه حتى يتنازل عن جزء من المبلغ، أو عن جملة من حقوقه، ولربما أُخذت أطراف من قرابته وجماعته ممن يستحي منهم، فأُخذت الأموال بسيف الحياء، فمثل هذا لا يبعد أن يبوء صاحبه بالإثم، وهذا ليس بصلح، بل إفساد ومعونة على الإفساد.
فينبغي النظر في أحوال الناس، والنظر في حدود إمكاناتهم وطاقاتهم والأشياء التي يمكن أن يضحوا بها، فما كان في وسعهم سألناهم أن يعفوا، ويكون السؤال بطريقة طيبة مهذبة، لا بطريقة الإلحاح والإزعاج والإحراج، ففي بعض الأحيان يبلغ بالصلح أن الشخص يأخذ أطرافاً أقوياء، لا يمكن أن يرد الشخص شفاعتهم، وفي بعض الأحيان يكون المصلح رجلاً له مكانة وجاه، فإذا جاء إلى ابن عمه وقريبه؛ قال له: طلبتك، وإذا طلبتك فلا تردَّني وهذا الكلام لا يصلح! كيف تطلبني شيئاً فيه إجحاف وإضرار بي، ولربما فيه إجحاف بأهلي وعرضي وزوجي وقرابتي، فهذا لا يصلح وينبغي أن يكون هناك شيء من التعقل والبصيرة، فنعرف ماذا نجني إذا أصلحنا، ولو حصلت غلطة أو هفوة أو زلة من رجل معروف في الصلاح والاستقامة، وأقلناه فمن باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)، أو علمنا أن الرجل غلط ثم ندم، وممكن أن يُصلح، أو كانت الغلطة في إمكان الشخص أن يعفو عنها، فهذا ممكن، لكن أن ندخل بالإجحاف والإحراج فلا.
وأيضاً قد يُختار أشخاص لا يمكن أن يتكلم الإنسان معهم، فقد يأتيه بعمه أو بخاله، فيأتي العم أو الخال ويدخل بكلمات يُحرج بها قريبه، وهذا لا يجوز، وإذا رفض يقول له: أهنتني أمام الناس، ليس لي عندك قدر ولا وجه، فهذا لا ينبغي، ومثل هذه العبارات ينبغي أن تُصرف عن الصلح، وينبغي أن يكون الصلح بشيء من الرضا، فالأخذ بالإحراج لا يجوز، أو أن يستعمِل القوة كأن يكون موظفاً عند مديره، فيأخذ مديره من أجل أن يعفو، فهذا لا يجوز، بل لا يجوز للمدير أن يدخل إذا علم أن في مثل هذا ظلماً؛ لأن هذا إساءة في استخدام مكانة الإنسان، ونعمة الله التي أنعم عليه، فينبغي أن يكون دخول الإنسان بالتي هي أحسن.
ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قصة بريرة عندما أُعتِقت فأصبح لها الخيار في البقاء تحت زوجها أو تركه إذا كان عبداً فاختارت بريرة الفسخ، فلقيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألها أن تعود لزوجها، فقالت: (يا رسول الله! أتأمرني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أنا شافع) أي: لا أملك إلا الشفاعة، فما قال لها: من حقي عليك أو أحرجها، بل قال لها: (إنما أنا شافع)، أي: لا أُكرهك على عِشرة لا تريدينها، ولا أُكرهك على شيءٍ لا ترغبين فيه.
وهذا هو الإنصاف والعدل والقسط الذي أمر الله به، ولذلك يقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1].
(185/15)
________________________________________
سماحة النفس إذا لم يقبل صلحه
ينبغي أن يكون الصلح بتقوى الله، وأن يكون في حدود طاقة الناس، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعلى المصلح إذا لم تقبل شفاعته أن لا يحقد، وأن لا يحمل في نفسه على من رد شفاعته، فإن الإمام مالكاً رحمه الله يقول قولته المشهورة: (ليس كل الناس يستطيع أن يُبدي عذراً) فلربما كان هذا الرجل يحبك ويكرمك.
بل إن واحداً من مشايخنا رحمة الله عليهم دخل في قضية فشفع فلم يُشفَّع، وكان الرجل صريحاً معه، فلما رجع قال له بعض طلابه: إن فلاناً أساء برد شفاعتك، فقال له: لا تغتب، والله إني أحببته لصدقه.
وهذا شأن العقلاء: إن فلاناً له ظرف كذا وكذا وذكر ظرفه فالإنسان العاقل الحكيم يقدِّر ظروف الناس، والعالم علِم بعذر هذا الرجل دون أن يحدِّثه الرجل فقدَّر ظرفه، فينبغي لمن رُدَّت شفاعته في الصلح أن لا يحقد وأن لا يحمل في نفسه على من سأله أن يعفو فلم يفعل.
وفي الصلح مسائل وأحكام سنتكلم عليها إن شاء الله في الدرس القادم، وأحببت أن يكون هذا المجلس عن مقدمات الصلح؛ لأن أحكام الصلح مرتبط بعضها ببعض، فنظراً لأن هذا الدرس سيكون إن شاء الله آخر الدروس حتى ننقطع للاختبارات، رأيت من المناسب إن شاء الله أن تكون أحكام الصلح مترتبة بعضها على بعض ومتصلة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.
(185/16)
________________________________________
الأسئلة
(185/17)
________________________________________
حكم الكذب والحلف كذباً من أجل الإصلاح بين الناس

السؤال
هل يجوز الكذب أو الحلِف كذبا من أجل الإصلاح بين الناس؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: يجوز الكذب للإصلاح بين الناس، لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ليس الكاذب الذي ينمي خيراً أو يقول خيراً)، قال جمهرة الشُّرّاح: المراد بالحديث: (أن ينمي خيراً): أي: يكذب بين المتخاصمين، فيقول لأحدهما: فلان يحبك، فلان يذكرك بخير، فلان يثني عليك، فلان يذكر معروفك، ونحو ذلك من الكلمات، أو يقول للمرأة: زوجك يحبك، وزوجك يريدك، وزوجك يثني عليك، وزوجك يحمد ما كان منك، ونحو ذلك من الكلمات، ولو كانت كذباً فهذا مما يستثنى من المحرم.
أما الحلِف بالله فلا يجوز أن يحلِف بالله كاذباً للصلح بين المتخاصمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الحديث الصحيح: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك)، فالتورية في الأيمان والكذب فيها لا تجوز، فلا يجوز أن يحلف بالله كاذباً، والحلف بالله كاذباً خاصة في الحقوق يمينٌ غموس، تغمس صاحبها في النار -والعياذ بالله- وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن يحلف بالله كاذباً، وإنما يقول الكلام المعروف الذي يقرِّب من القلوب بالصفة التي ذكرنا، والله تعالى أعلم.
(185/18)
________________________________________
حكم إسقاط بعض الدين على سبيل الصلح

السؤال
هل يجوز أن يصطلح صاحب الدين مع المدين أنه إذا سدّد نصف المبلغ أسقط عنه الباقي؟

الجواب
هذه مسألة: إسقاط بعض الديون على سبيل الصلح، ويكون الإسقاط لمعجّل بمعجّل، كأن يحل الدين ويُطالب به، ومؤجّل بمؤجّل، ومعجّل بمؤجّل، ومؤجّل بمعجّل، وكل ذلك إن شاء الله سنتكلم عليه بالتفصيل في المجلس القادم؛ لأن المسألة فيها تشعُّب وكلام كثير.
وعن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه أجاز لصاحب الدين أن يقول لمدينه قبل حلول الأجل إذا كان له مائة أن يقول له أعطني الآن تسعين وأُسقط عنك العشرة، فهذا إبراء وإسقاط، وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه المسألة والكلام عليها، والله تعالى أعلم.
(185/19)
________________________________________
أهمية اختيار الحكم الأمثل للإصلاح بين الزوجين

السؤال
قول الله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء:35]، هل يشترط أن يكون الحكمان من أهل الزوجين دون الأجنبي حفاظاً على أسرار الزوجين؟

الجواب
إِذا وجِد من قرابة الزوج وقرابة الزوجة من هو أهل لأن يكون حكماً، فيُقدّم على غيره، كأن يكون عم المرأة، أو خال المرأة، وعم الزوج، وخال الزوج، أو أخو الزوج، أو أخو الزوجة، ونحو ذلك من القرابات، ويكون الأقرب فالأقرب، ولا شك أن هذا أستر وأحفظ لأسرار الزوجية، وأيضاً في القريب شفقة تحمله غالباً على أن ينظر الأصلح، فإن الأجنبي قد لا يدرك أحوال البنت أو الأخت، ولذلك إذا كان من القرابة؛ فإنه أعلم بمصالح قريبه، وكذلك أيضاً بالمفاسد المترتبة على الخصومة، فلا شك أن القريب مقدَّم على الغريب، وأنه إذا وُجد من أقرباء الزوج أو الزوجة من هو أهلٌ لذلك قُدِّم، لكن لو رُشِّح شخصٌ لعلمه ودينه وصلاحه، وتقواه لله سبحانه وتعالى، وكان يتحقق فيه المقصود، لأن الدَيّن الصالح يحفظ الأسرار، وينصح كما ينصح القريب وأشد، لأنه يخاف الله عز وجل، وقد يكون من صلاحه وخيره واستقامته ما يكون سبباً بإذن الله عز وجل لجمع القلوب وائتلاف الأرواح، وهذا جائز وسائغ، والله تعالى أعلم.
(185/20)
________________________________________
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

السؤال
هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يندرج تحت باب الصلح، أم أن الفقهاء جعلوه مستقلاً عن الصلح؟

الجواب
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس من باب الصلح، وإنما هو من باب الإصلاح، والدعوة إلى الخير، وله مبحث مستقل يسمى بمبحث الحسبة، ويتكلم العلماء عليه في باب الحسبة، وليس له علاقة بمسألة الصلح، لكن إذا وقع أثناء الصلح ما يستدعي أن ينصح أحد الطرفين، أو يرغِّب أحد الطرفين في فعل خيرٍ وبر، وترك ضر وشر؛ فإنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فقد يأتي في باب الصلح ويقوم الصلح عليه، لكن من حيث الأصل، فإن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له قواعده وأصوله في باب الحسبة، ويتكلم العلماء رحمهم الله عليه في الأحكام السلطانية، ويفردونه بمباحث مستقلة، كالإمام الماوردي في كتابه النفيس: الأحكام السلطانية، وكذلك كتاب: معالم القربة في أحكام الحسبة، وكذلك كتاب شيخ الإسلام النفيس: السياسة الشرعية، وكتاب الإمام ابن القيم: الطرق الحكمية.
فيشيرون إلى مسائل ومباحث الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي مباحث ومسائل مستقلة، ولا يُدخلونها في باب الصلح لاختصاص الصلح بالحقوق.
فالحقوق تنقسم إلى حقوق لله وحقوق للعباد، والصلح في حقوق العباد، ولذلك لا يدخل الصلح في حقوق الله عز وجل.
فمثلاً لو أنه وقع شرب للخمر، فشهد شخصان على فلان أنه شرب الخمر، فقيل للشاهدين: نصطلح معكم على إعطاء عشرة آلاف ولا تشهدوا، فهذا ضياع لحق الله عز وجل، ولا يقع به الصلح بإجماع العلماء.
وهكذا لو أن شاهداً شهد في قضية، فقالوا له: نعطيك عشرة آلاف على أن لا تشهد، لأن الشهادة فيها حق لله، فحقوق الله لا يدخلها الصلح، وسنبين هذا إن شاء الله في مجال الصلح عند الكلام على ركن: ما يُصالح عنه، والله تعالى أعلم.
(185/21)
________________________________________
وصايا لطلاب العلم

السؤال
ما توجيهكم لطلبة العلم وهم على مقربة من الاختبارات أثابكم الله؟

الجواب
أوصي الجميع ونفسي بتقوى الله عز وجل، ومن يتق الله يجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن اتقى الله جعل له من أمره يسراً، فخير ما يُوصَى به المسلم تقوى الله عز وجل التي ما كانت في قليل إلا كثرته، ولا كانت في يسير إلا باركته، والمسلم يحتاج في كل لحظة وفي كل ثانية من عمره أن يُوصَى بتقوى الله عز وجل، لأنه ما خرج من الدنيا بزادٍ أحب إلى الله عز وجل من هذا الزاد الذي قال الله عنه: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197].
وأيام الاختبار ينشغل فيها طلاب العلم ويكثُر الهم والغم بالاختبارات.
فأول ما ينبغي على طالب العلم: أن يتوكل على الله عز وجل، وأن يفوِّض الأمور إلى الله، وما نزلت بالعبد نازلة، ولا ألمّت به حاجة أو مصيبة، أو كربة أو نكبة، أو هم أو غم، فأَنزله بالله إلا جعل له من ذلك الهم والغم فرجاً ومخرجاً، ويوشك أن يأذن الله لعبده بالفرج من حيث لا يحتسب.
الأمر الثاني بعد تقوى الله: التوكل على الله، وتفويض الأمور إليه، ولا يبالغ الإنسان، بل يجعل أموره دائماً مفوضة إلى الله: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر:44]، قال بعض العلماء: إن الله يبتلي العباد بالهموم والغموم والمسئوليات، حتى تتجه القلوب إلى الله، حتى وأنت بعيد عن أهلك حينما تهتم وتغتم بهم ثم تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله، فهذا أمرٌ يحبه الله ويرضاه، وهذا من توحيد الله، ومن أعمال القلوب التي تقرِّب العبد إلى الله، إنك ما كنت في جميع أحوالك وشئونك مفوض الأمور إلى الله إلا أحبّك الله عز وجل، وأراك قرّة العين وسرور النفس، وبهجة القلب فيما فوّضت الأمر فيه لله عز وجل، فينبغي للمسلم أن يفوِّض الأمر كله لله.
ثالثاً: أن لا يعتمد على حوله، ولا قوته، ولا ذكائه، ولا فهمه، ولا تحصيله، فكم من مصيب أخطأ، وكم من جواد كبا، وكم من رامٍ زل في رميته، وكم من متكلِّم هلك بكلامه، فينبغي للإنسان أن يعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولذلك كان من كنوز الجنة هذه الكلمة العظيمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ لأنها تعني البراءة إلى الله من الحول والقوة، والله يحب من عبده أن يضعُف بين يديه، وحق للعبد ذلك، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (أطّت السماء، وحق لها أن تئط)، وقال تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق:2]، أذِنَت وذلّت، فالسماوات التي هي من أعظم خلق الله أذنت لله، وانتظرت أمر الله عز وجل: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق:2]: أي: حُق لها أن تذِل لله، فأنت تبرأ من حولِك وقوتك وذكائك، وحفظك وتحصيلك، وتتجه لله، وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).
والله قادر أن يعطي الإنسان الذكاء والحفظ، فإذا اغتر بعلمه وبذكائه خذله الله في آخر لحظة من لحظاته، ولربما جاء إلى الاختبار فسلّط الله عليه مرضاً في رأسه، أو سلّط عليه مرضاً في جسده فلا يستطيع أن يكتب كلمة واحدة، فيتبرأ إلى الله من الحول والقوة، مهما كنت مجداً محصِّلاً مثابراً.
كذلك أيضاً ينبغي لطالب العلم أن يرفق بالنفس خلال أيام الاختبارات، ولا يحملها ما لا تطيق من السهر والتعب والنصب، فيعطي النفس حقوقها من الراحة، وطعامها وشرابها، ثم يأخذ ما يريد، فإن الله حمّل المسلم أمانة النفس، فقال عليه الصلاة والسلام لمّا قال سلمان رضي الله عنه لـ أبي الدرداء رضي الله عنه: (ولنفسك عليك حق) قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين: (صدق سلمان)، أي: إن لنفسك عليك حقاً.
فالسهر إلى ساعات متأخرة، وإرهاق النفس، وعدم إعطائها حقوقها في المطعم والمشرب والنوم، لا يجوز، فلا تحمل نفسك ما لا تطيق، ولربما سهر إلى ساعات متأخرة، وأدمن السهر وحمّل نفسه ما لا تطيق، فمرض مرضاً نفسياً، أو مرض مرضاً في جسده، فلا هو أدرك الاختبار، ولا هو أدرك صحة بدنه، وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك في الحكمة المشهورة بقوله: (إن المنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع).
كذلك أيضاً أوصي طالب العلم إذا دخل إلى صالة الاختبار والامتحان أن يتذكر امتحان الآخرة، فهذا مخلوق ضعيف يمتحنك، ولربما سألك سؤالاً قرأته قبل الاختبار بلحظات، ولكن لا إله إلا الله الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم أين نقاط ضعفك، ويعلم بماذا تجيب، وماذا تقول، وينشر كل ذلك أمام عينيك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فعلى الإنسان وهو داخل على صالة الاختبار في الدعة والسرور والأمور كلها مهيأة من أجل أن يجيب في اختباره براحة وطمأنينة، أن يتذكر الآخرة، وشتان ما بين الحالين: فإنه في الآخرة يأتي وهو فزع خائف وجِل، {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} [غافر:18 - 20].
الإنسان لو قيل له قف أمام الناس وقل كلمتين، ارتعدت فرائصه، ورجفت أقدامه وأصابه الخوف والعي فلا يستطيع في بعض الأحيان أن يتكلم، فكيف إذا دُعي على رءوس الأولين والآخرين، حتى يقول حجّته ويبيِّن طريقه ومحجته؟! اللهم إنا نسألك رحمتك الواسعة، ونسألك بعزتك وجلالك وأسمائك الحسنى وصفاتك، نسألك اللهم بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، أن ترحم في موقف العرض عليك ذل مقامنا.
اللهم ارحم في موقف العرض عليك ذل مقامنا.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن قال الله له: صدقت، وقالت الملائكة: صدقت، اذهبوا به إلى الجنة.
اللهم إنا نعوذ بك من الفضيحة على رءوس الأشهاد، ربنا لا حول لنا ولا قوة.
اللهم إنا نسألك العفو، اللهم إنا نسألك العفو، اللهم إنا نسألك العفو، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
(185/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الصلح [2]
لقد حث الشرع الحنيف على الإصلاح بين الناس، ورتب عليه الأجر العظيم، والصلح إما أن يكون عن دين أو عين، وإما أن يكون مع إقرار أو إنكار، وإما بمعاوضة أو إسقاط، والمعاوضة إما بعين أو منفعة، والإسقاط إما لجزء أو للكل، ولكل مما ذكر أحكام وتفريعات ضبطتها الشريعة وجعلت لها قوانين محكمة تحقق للمكلف ما ينشده من صيانة حقه.
(186/1)
________________________________________
أقسام الصلح
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: فقد تقدم معنا في المجلس الماضي بيان المقدمات المتعلقة بباب الصلح، وذكرنا حقيقة الصلح في لغة العرب، وحقيقته عند العلماء رحمهم الله، وكذلك بيّنا دليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على مشروعية الصلح، وأنه من أحب الأعمال إلى الله عز وجل خاصة إذا كان بين الأقرباء، واشتمل على صلة الرحم ونحو ذلك من المصالح العظيمة التي قصد الشرع تحقيقها.
وبيّنا في المجلس الماضي ما ينبغي على من أراد أن يدخل في الصلح من مراعاة حال الخصمين وإنصافهما، وحث صاحب الحق على التنازل عن حقه شريطة أن لا يوجد شيء من الإحراج والإضرار به.
وبعد هذا ينبغي بيان جملة من المسائل والأحكام المتعلقة بهذا الباب الذي يحتاجه الناس في كثيرٍ من أحوالهم وشئونهم، والفقهاء رحمهم الله اعتنوا ببيان المسائل المتعلقة بالصلح؛ لأن الكتاب والسنة اعتنى كل منهما ببيان الأصول العامة، وفرّع الفقهاء والعلماء على هذه الأصول المسائل والأحكام.
وعند النظر في الصلح ينبغي أن ينتبه إلى أن الصلح في الأصل إنما يقوم على الخصومة، وبناءً على ذلك فلا بد من وجود طرفين، أحدهما: مدعٍ، والثاني: مدعى عليه، وتقع الخصومة في شيء من الحقوق، وقد تكون من الحقوق الحسية المادية، كالحقوق المتعلقة بالأموال، وقد تكون الخصومة في أمور اعتبارية كحقوق الأعراض ونحوها.
وإذا ثبت هذا فمعناه أنه لا بد من وجود دعوى بين الطرفين، وهذا ما يقع في حال الخصومة، فقسّم العلماء رحمهم الله باب الصلح إلى جزئيتين تعتبران بمثابة نوعين للصلح: الجزئية الأولى تتعلق بالإقرار، والصلح في حال الإقرار، والجزئية الثانية تتعلق بالصلح في حال الإنكار.
وبعض العلماء إذا قسم الصلح إلى هذين القسمين يُلحق بالقسم الثاني الصلح مع السكوت حيث لا إقرار ولا إنكار.
فإذا أراد طالب العلم أن ينظر إلى هذه المسائل يمكن أن يقسِّمها إلى هذين القسمين أو إلى ثلاثة أقسام، فإن قسّمها إلى قسمين، فالقسم الأول: الصلح مع الإقرار، والقسم الثاني: الصلح مع الإنكار أو السكوت.
أما إذا أراد أن يقسمها إلى ثلاثة أقسام فالأمر واضح.
صلحٌ مع الإقرار.
وصلحٌ مع الإنكار.
وصلحٌ مع السكوت.
ولمّا كانت أحكام السكوت تتفرّع على أحكام الإنكار؛ ألحق العلماء الذين يقولون بالنوعين النوع الثالث بالنوع الثاني كما ذكرنا.
فما معنى صلح إقرار؟ وما معنى صلح إنكار؟ وما معنى صلح السكوت؟
(186/2)
________________________________________
صلح الإقرار
صلح الإقرار: أن يختصم الرجلان عند القاضي، فيقول أحدهما: لي على محمد ألف ريال، فيتوجه القاضي بالسؤال للخصم الحاضر وهو محمد: ماذا تقول؟ أو: هل لفلان عليك ألف؟ فيقول: نعم.
إذاً: معناه أن الخصم يُقر لخصمه بالحق.
ففي حال إقرار الخصم بالحق وثبوت الدعوى عليه، تأتي مسائل الصلح وتنبني على هذه الحال، هذا معنى قولهم: صلح مع الإقرار، وله فروع سنذكرها إن شاء الله.
(186/3)
________________________________________
الصلح مع الإنكار
والصلح مع الإنكار: قال زيد: لي على محمد ألف ريال ديناً عليه، فسأل القاضي محمداً: يا محمد! هل لزيد عليك ألف؟ قال: لا.
فأنكر.
فيُطالب القاضي المدَّعِي بالبينة، فإن قال: ليس عندي بينة، وجه اليمين على من أنكر، فقبل توجيه اليمين، ثم يتلافى الخصم توجيه اليمين، يكون عنده ورع وخوف من الله عز وجل، وهو يعلم أنه مقِر، لكن لا يحب أن يحلف اليمين، وهذا يقع فيه بعض الناس، وقد تحاشى ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فيحدُث الصلح بينهما في هذه المرحلة.
ولذلك بعض العلماء يرى أن الصلح في هذه الحالة -أي في حالة الإنكار- يدفع اليمين عن الخصم، وقد وقع هذا لبعض الصحابة رضي الله عنه، وأُثر عن عثمان رضي الله عنه أنه اندفعت عنه اليمين بالصلح في حال المخاصمة، وسيأتي إن شاء الله بيان أحكام هذا النوع.
(186/4)
________________________________________
الصلح مع السكوت
النوع الثالث: أن يقول الخصم: لي على محمد ألف، فسأل القاضي محمداً: هل لزيد عليك ألف؟ فسكت ولم يقل (نعم) فيُقر، ولم يقل (لا) فيُنكر، فلا ندري أهو منكر أو مقر، وهل يُعتبر مَن سكت مُقِراً أو لا؟ والقاعدة عند العلماء: (لا يُنسب لساكت قول) إلا أن هناك مسائل ذكرها العلماء رحمهم الله ونصّت الشريعة على اعتبار السكوت فيها بمثابة الرضا، مثل سكوت الأبكار ونحو ذلك.
لكن في هذه الحالة الرجل لم يُقر ولم يُنكر، فإن حصل الصلح قبل حدوث الإقرار أو الإنكار اصطلح الخصمان في هذه الحالة.
إذاً: للصلح ثلاثة أحوال: الصلح حال الإقرار، والصلح حال الإنكار، والصلح حال السكوت حيث لا إنكار ولا إقرار.
(186/5)
________________________________________
صور الصلح مع الإقرار
الحالة الأولى: الصلح مع الإقرار.
الإقرار: أصله من قَرَّ الشيء إذا ثبت، والإقرار في عرف العلماء: الاعتراف، ويعتبر هذا النوع من أقوى الحجج القضائية والتي يسميها العلماء (حجة الإقرار)، والسبب في ذلك أنه شهادة من الإنسان على نفسه، والإنسان بحكم ما أودع الله فيه من نور العقل لا يشهد على نفسه بالضرر.
وليس هناك إنسان أعطاه الله عقلاً، وهو في عقله وإدراكه على ما يظهر لنا من حاله يشهد بالضرر على نفسه، فإذا شهد على نفسه بحق فقيل له: هل لفلان عليك ألف؟ فقال: نعم، له علي ألف؛ فالأصل أنه صادق، وكما يقول بعض المعاصرين: (الإقرار سيد الأدلة).
فإذا وقع الإقرار والاعتراف من الخصم لخصمه، فقال: لزيدٍ علي ألف، ففي هذه الحالة نحكم بثبوت الألف، والألف كما هو معلوم حقٌ مالي لشخص معيّن وهو المدَّعِي زيد.
لكن السؤال الآن: إذا وقع الإقرار وثبت أن لزيد على عمرو ألفاً؛ فماذا يقع؟ لا يخلو الأمر من صور:
(186/6)
________________________________________
الصورة الأولى: أن يتنازل المدعي عن حقه
الصورة الأولى: أن يتنازل زيد عن حقه، وهي صورة الإسقاط، فيقول ما دمت قد أقررت بحقِّي فأنا مسامحك، أو أنا متنازل عن حقي، أو نحو ذلك من ألفاظ الهبة أو الصدقة.
(186/7)
________________________________________
الصورة الثانية: مطالبة المدعي بحقه كاملاً
الصورة الثانية: إذا سأل القاضي محمداً: هل لزيد عندك ألف، فقال: نعم؛ فحينئذ يُطالب القاضي الخصم أن يطالب خصمه بدفعها، فيقول: مادام أن محمداً قد اعترف بألفِي فأرجو من القاضي أن يُطالبه بدفعها، فيطالِب وهذه الحالة عكس الحالة الأولى فإنه في هذه الحالة -الثانية- يقول: أريد حقي كاملاً وهو الألف الذي على محمد.
ففي الحالة الأولى إذا قال: نعم.
لزيد علي ألف، فقال زيد: أبرأته وسامحته، أو: هي صدقة مني عليه، أو: هي هبة مني له، فلا إشكال بإجماع العلماء، وقد تقدّم معنا في باب القرض وغيره أن صاحب الحق إذا تنازل عن حقه فلا إشكال فيه.
أي أنه من حقك إذا كان لك دين على أحد أن تُسقط كل المال، كما أن من حقك أن تأخذ هذا المال وتتصدق به، سواءً أسقطته بطريق الصدقة كقولك له: هو صدقة مني عليك، أو أسقطته عن طريق الهبة فقلت: هو هبة مني لك، لكن إن أسقطته على سبيل الصدقة فحكمه حكم الصدقات، كما سيأتي إن شاء الله، وإن أسقطته على سبيل الهبة فقلت: وهبتك هذا المال، فحكمه حكم الهبة، وتسري عليه جميع أحكام الهبات.
لكن أنبه أن باب الصلح في ظاهره صلح، لكن أهم ما فيه من المسائل أنك تنتقل من باب الصلح إلى أبواب أُخر، فقد تنتقل إلى باب البيع، وقد تنتقل إلى باب الإجارة، وقد تنتقل إلى باب الصدقة أو باب الهبة.
فإذا كان الشخص قد أسقط حقه الذي على خصمه بطيب نفس منه ناوياً الصدقة فصدقة، وإن كان بقصد الهبة فهو هبة.
إلخ.
فهذه الحالة لا إشكال فيها أن يتنازل عن جميع حقه فتُسمى حالة: الإسقاط أو الإبراء.
والحالة الثانية: أن يطالب بجميع حقه، ولا إشكال فيها أيضاً؛ لأنه إذا ثبت في مجلس القاضي وحكم القاضي بإقرار الخصم أن عليه للمدعي هذا المال؛ فالواجب شرعاً أن يطالب المدين بسداد دينه الذي عليه، ويُطالب من حمل الحق بأدائه والوفاء به لصاحبه، هذا في حالة ما إذا طالبت بحقك كاملاً.
(186/8)
________________________________________
الصورة الثالثة: أن يصطلح الخصمان على المعاوضة بعين أو منفعة
مسألة الصلح أن يقع بين الطرفين صلح يتفقان عن طريقه بإسقاط الخصومة ورفع المطالبة، فيقع بينهما هذا الصلح على صور: الصورة الأولى: أن يكون بالمعاوضة عن الدين والحق.
الصورة الثانية: أن يكون جامعاً بين المقابلة والمسامحة.
فالصورة الأولى: صلح المعاوضة: إذا كان على سبيل المقابلة، فإنهما يصطلحان على مقابلة المال بشيءٍ آخر، إما أن يكون عيناً أو منفعة، ففي هذه الصورة يتفق الطرفان على أن هذه الألف -مثلاً- سيُدفع في مقابلها شيء تنتهي بسببه الخصومة، وهذا الشيء الذي يُدفع في مقابل الألف، إما أن يكون من الأعيان، وإما أن يكون من المنافع.
فيكون من الأعيان كأن يقول الشخص الذي لك عليه ألف: أُعطيك في مقابل الألف سيارة، أو أعطيك في مقابل الألف أرضاً، أو أعطيك في مقابلها كتباً، أو غيرها، فيعطيك عيناً من الأعيان، والمعاوضة على الأعيان تكون بيعاً، فإذا قال لك: أُعطيك في مقابل الألف سيارةً أو أرضاً أو عمارةً أو مزرعة، فينتقل الأمر إلى حُكم البيع، وفي هذه الحالة يصبح الصلح صلح معاوضة على عين تسري عليها أحكام البيع.
الصورة الثانية: أن يُعطيه في مقابل الحق منفعة، أي: يعاوضه ويقابله بمنفعة، فيقول له: هذه الألف التي لك علي، ما رأيك لو أنك سكنت في شقتي شهراً، أو سنة، أو نصف سنة، فأعطاه منفعة السكنى في شقته أو عمارته أوبيته سنة أو شهراً أو يوماً أو ما اتفقا عليه.
ففي حالة الصلح بالمعاوضة، إن أعطاه عيناً عِوضاً عن حقه فحكمه حكم البيع؛ لأن فائدة ذكر العلماء لمسألة بذل العين لقاء الحق في الصلح هو التنبيه على انتقال الحكم إلى مسألة البيع، وعلى هذا فلو قال له: أُعطيك في مقابل الألف سيارة وسكت؛ لم يصح حتى يُبين ما نوع السيارة وما صفاتها على الشروط المعتبرة في البيع.
ولو قال له: هذه الألف سأعطيك بدلاً عنها مائة دولار، فحينئذٍ يصبح الحكم حكم صرف (صرف الريالات بالدولارات) فتنتقل إلى باب الصرف، فتقول يَصِح إذا كان في مجلس العقد، وأعطاه إياها في مجلس العقد، فإن أخّر كان نسيئة.
فلو قال له: هذه الألف أعطيك بدلاً عنها طعاماً، ولم يبيِّن نوع الطعام لم يصح؛ لأنها بيع لمجهول، وبيع المجهول لا يصح؛ لأنه قد يتفقان على الطعام وهو يظنه جيداً فيظهر رديئاً، أو يظنه من نوع يحبه فإذا به من نوعٍ لا يحبه، فننتقل من باب الصلح في النوع الأول الذي يحصل فيه الإقرار بحال المعاوضة إلى باب البيع، ونطبق جميع مسائل البيع.
فلو أنه قال له: أعطيك في مقابل هذه الألف مائة دولار، فقال: قبلت، وسأحضرها لك غدا، أو قال: بعد ساعة، وافترقا قبل التقابض، فإن ذلك يلغى وتبطل المعاوضة، ولا نحكم بصحة المعاوضة؛ لأن الشرع لا يجيز النسيئة في مثل هذه المعاوضة، بل لا بد أن يكون يداً بيد، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح حديث ابن عمر: (كنت أبيع بالدراهم، وأقتضي بالدنانير، قال: لا يحل لك أن تفارقه وبينكما شيء).
إذاً: لا بد وأن يكون يداً بيد حالاً في مجلس العقد، فلو قال له: أعطيك بدل هذه الألف خمسمائة ريال، وأعطيك بدل الخمسمائة الثانية -مثلاً- طعاماً، لم يصح لمسألة مد عجوة ودرهم بدرهمين، وهي مسألة الذرائع التي سبق بيانها معنا في باب الصلح.
إذاً: فائدة ذكر العلماء لهذا أن باب الصلح ينتقل به العقد من مسألة التراضي إلى مسألة ما انبنى عليه التراضي، فإن كان معاوضة على الأعيان وقع بيعاً وحكمه حكم البيع، فلو أنه باعه أو تعاقد معه على المعاوضة بشيءٍ محرّم، كما تقدم معنا كالميتة، أو الخمر، أو الخنزير فلا يصح البيع لحديث جابر بن عبد الله في الصحيحين: (إن الله ورسوله حرما بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام).
فلو قال له: أُعطيك بدل الألف ميتةً أو خمراً أو خنزيراً أو أصناماً أو نحو ذلك من محرمات البيع لم يصح.
الصورة الثانية في حال المعاوضة: أن تكون المعاوضة بالمنافع، كأن يقول له: هذه الألف التي لك عليّ سأعطيك بدلها سكنى داري شهراً أو سنةً، فيقول: قبلت.
أو قال له: هذه ألف ثبتت لي عليك، أجِّرني بها دارك، أو أجِّرني بها عمارتك، فيقول: قبلت، فإنه يصح ذلك؛ لأنها إجارة على منفعة مباحة.
وأجمع العلماء على جواز المعاوضة على المنافع المباحة، لكنه في هذه الحالة وهي الحالة الثانية ينتقل إلى باب الإجارة، وتكون الإجارة على المنافع والمنافع مثل: السكنى، الركوب، الزراعة، الحدادة، النجارة ونحوها.
وإن قال له: هذه الألف التي لي عليك أريد في مقابلها أن توصلني إلى مكة، أو أحُج معك في سيارتك هذا العام، فإن قال: قبلت، تمّت إجارة على النقل أو يقول له: هذه الألف تنقل لي بها بضاعتي من المدينة إلى جدة، صحَّت؛ لأنها إجارة، ويجوز للمسلم أن يتعاقد على نقل بضاعته من بلد إلى آخر، وهذا بإجماع العلماء.
إذاً: تسري عليها أحكام الإجارات، وتأخذ حكم باب الإجارة.
والصورتان اللتان وقعت فيها المقابلة بالأعيان والمنافع، يسميها العلماء: صلح المعاوضة.
فإذا سُئِلت عن صلح المعاوضة تقول: أن يدفع العِوض لقاء الحق، ويكون هذا العوض على صورتين، إما أن يكون من الأعيان، وإما أن يكون من المنافع، فإن كان من الأعيان فحكمه حكم البيع، ويشترط في صحته ما يُشترط في صحة البيع، وإن كان على المنافع فحكمه حكم الإجارة، ويشترط فيه ما يُشترط في الإجارة الشرعية.
(186/9)
________________________________________
الصورة الرابعة: صلح الحطيطة
إذا كان الصلح على مقابلة مشتملة على معاوضة ومسامحة، فهذا النوع يسميه العلماء رحمهم الله بصلح الحطيطة.
والحطيطة مأخوذة من حَطَّ الشيء، والمراد بحط الشيء: أن يُسقِطَ الدائن شيئاً من الدين.
وقد تقدَّم معنا أنه لو قال الخصم لخصمه: سامحتك عن جميع المال، فهذه حطيطة بكل المال ولا إشكال فيها، فإما أن تكون هبة فحكمها حكم الهبات، وإما أن تكون صدقة فحكمها حكم الصدقات.
لكن صلح الحطيطة الذي ذكره العلماء هو أن يحُط بعض المبلغ ويُبقي بعضه، كأن يكون الحق ألف ريال، فيتنازل عن خمسمائة -أي النصف- أو يتنازل عن مائتين وخمسين -أي: الربع- أو يتنازل عن سبعمائة وخمسين -أي: ثلاثة أرباع- فيتنازل عمّا بعض الدين قليلاً كان أو كثيراً، يقول: سامحتك في النصف والنصف الباقي أعاوضك عليه، فيعاوضه عليه بنفس الصور المتقدمة معنا، فإما أن يعاوضه على عين فبيع، وإما أن يعاوضه على منفعة فإجارة.
هذا بالنسبة للصلح الذي جمع بين المعاوضة والمسامحة، وهو الذي يسميه العلماء رحمهم الله بصلح الحطيطة، في جميع هذه الأحوال وجماهير العلماء والفقهاء رحمهم الله على جواز هذه الصور، والدليل على ذلك ما ثبت من الأدلة الشرعية التي سبق بيانها: فمن الكتاب كقوله: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128]، ومن السنة قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً)، وفي هذا الحديث دليل على أن ما اصطلح عليه الطرفان وتراضيا عليه دون أن يكون فيه تحليل لما حرّم الله، أو تحريم لما أحلّ الله؛ فإنه جائز ومشروع.
ومن النظر: أن هذا النوع من الصلح الذي ذكرناه إذا كان بمعاوضة وكان في حكم البيع فالبيع جائز، وإن كان في حكم الإجارة فالإجارة جائزة، وإن كان جمعاً بين المسامحة وبين المعاوضة بإجارة أو بيع، فكل ذلك مما أذن الله به، وأذن به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس على المسلم حرج في جميع هذا.
هذا بالنسبة للصلح مع الإقرار، وقد استفتح المصنف رحمه الله باب الصلح بهذا النوع، فبيَّن النوع الأول بقوله رحمه الله: [إذا أقر له بدينٍ أو عينٍ فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي، صحّ إن لم يكن شرطاه] بدين: مثلما ذكرنا، يقول للقاضي: لي على محمد ألف ريالٍ أعطيته إياها قرضاً، لأنه لا بد أن تكون الدعوى مستوفية للشروط، وسنبين هذا إن شاء الله في باب القضاء، فإذا كانت الدعوى مستوفية للشروط قال القاضي لخصمه: هل له عليك ألف؟ فإذا أقرّ أقر بدين، وفي هذا الحالة يكون الخصم قد أقر بدين.
(186/10)
________________________________________
الصلح على المعاوضة عن عين
والإقرار بعين: كأن يرفعه إلى القاضي، ويقول: إن محمداً قد أخذ سيارتي من نوع كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، ولم يردها، فأنا أطالب القاضي أن يرد لي حقي، فالقاضي يسأل الخصم: هل أخذت يا محمد سيارته؟ فإن قال: نعم.
فقد أقر بعين، فهناك أقر بدين وهنا أقر بعين.
وفي حال الإقرار بالدين والعين، يثبت الحق؛ لأنه إذا ثبت في العين وجب ردُّها، وإذا ثبت في الدين وجب رده.
فإذا كان عيناً مثلما: إذا قال زيد: لي على محمدٍ كتابٌ بداية المجتهد، أو صحيح البخاري صحيح مسلم، من طبعة كذا، ومن نوع كذا، ويذكر الصفات.
فسأل القاضي محمداً، فقال: نعم.
وأقر به.
بعد أن ثبت أن لزيدٍ على محمد كتاباً بهذه الصفات التي وردت في الدعوى، قال محمد: أُعطيك بدلاً عنه نسخة من صحيح البخاري، أو نسخة من صحيح مسلم، فإذا قال زيد: قبلت، فحينئذٍ تكون معاوضة لقاء عين (عين بعين).
أو قال له: كتابك الذي لك علي أُعطيك بدله منفعة: كأن يقضي له حاجة، أو أن يحمل متاعه وبضاعته أو غير ذلك من المنافع التي لها قيمة، فيتراضيا على ذلك.
أو يقول: أجِّرني دارك شهراً في مقابلة الكتاب الذي عندك، فإن قال: قبلت، فإنه يجوز؛ لأن الكتاب له قيمة، وكأنه دفع قيمة الكتاب لقاء المنفعة، فيكون صلحاً ومعاوضة على منفعة.
وأما من ناحية الإسقاط: إسقاط البعض والرضا بالبعض، كأن يقول له: لي على محمد نسختان من بداية المجتهد، أو ثلاث نسخ، أو مائة نسخة من بداية المجتهد -كما يقع بين أصحاب المكتبات- فإن ثبت أن له عليه مائة نسخة من بداية المجتهد فقال: أعطيك بدلاً عنها مائة من صحيح البخاري، فإن قال: قبلت جاز، وإن قال له: أعطيك مائة من كتب منوعة، وقال: قبلت.
فلا يصح حتى يبيِّن أنواع هذه الكتب.
فإذا قال: بعد أن بيّن أنواع الكتب أنا أتنازل لك عن نصفها، وأعطني نصفها، فهذا صلح الحطيطة، في حال المعاوضة على الأعيان.
والشاهد أنه أقر بعينٍ فأسقط البعض، ومن حقك أنه لو كان لك على شخص ألف ريال وأردت أن تسامحه عن الألف كلها جاز لك ذلك، فمن باب أولى أن يجوز إذا أسقطت بعض الدين.
(186/11)
________________________________________
حكم الاشتراط في الإسقاط والمعاوضة
قوله: (فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح إن لم يكن شرطاه): أي إذا قال له: لا أُقر لك حتى تتنازل لي عن نصف المبلغ، أو لا أُقر لك حتى تستأجر بهذا المبلغ مني عمارتي، ولا أُقر لك حتى تفعل كذا وكذا؛ لم يجز، لأنه صالحه ببعض ماله عن البعض، وهذا الشرط يُتوصّل به إلى أكل أموال الناس بدون رضاً منهم، لأنه ليس من حقه إذا كان مقراً لي بالألف أن يُلزمني باستئجار داره، وليس من حقه أن يُلزمني باستئجار سيارته أو مركبه أو عمارته، وليس من حقه أن يلزمني بشراء كتبه أو شراء العين التي عنده.
فإذا ألزمه بها لم يكن ذلك جائزاً ولا مشروعاً.
والمسلمون عند شروطهم، إلا إذا كانت الشروط تخالف شرع الله، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل)، فأبطل صلى الله عليه وآله وسلم الشروط التي يُتوصَّل بها إلى أكل أموال الناس بالباطل، أو إلزامهم بشيءٍ إكراهاً وبدون رضاً منهم.
فقوله: (صح إن لم يكن شرطاه) إذا وقع الصلح على سبيل المشارطة لم يصح؛ لأن الشرط مُصَادِم للشرع ولا يُقر عليه، ولا يُعمل به.
(186/12)
________________________________________
حكم صلح وإسقاط من لا يصح تبرعه
قال رحمه الله: [وممن لا يصح تبرعه] هذا أمرٌ ثانٍ في حال الإسقاط: إذا قلنا إنه يجوز للمسلم أن يُسقط حقّه كله، ويجوز أن يُسقط بعضه، فينبغي إذا قلت بجواز التبرُّع والإبراء من الدين أن يكون هذا التبرُّع من شخصٍ هو أهلٌ للإسقاط والإبراء، كما أنك في حال البيع والمعاوضة قلتَ: يُشترط شروط البيع، وتشترط شروط الإجارة؛ فينبغي أيضاً في الهبات إذا أسقط ماله كله أن يكون أهلاً لذلك.
مثلاً: قال: لي على محمد ألف، فقال محمد: نعم، له عليَّ ألف، فقال: ما دمت قد أقررت لي بالألف فأنا مسامحك بالألف كلها.
وكان الذي سامح ممن لا يصح تبرُّعه، فحينئذٍ لم يصح ذلك التبرع، وذلك كالمفلس لا يصح تبرعه إذا كان محجوراً عليه للفلس.
وسيأتينا في باب الحجر الذي يلي باب الصلح أن هناك أشخاصاً حجر الشرع عليهم.
أي: منعهم من التصرف بأموالهم ببذلها وهبتها، وهم ينقسمون إلى قسمين: منهم من حجر عليه الشرع ومنعه من الهِبة والتبرُّع بماله كله أو بعضه خوفاً على نفسه، أي: حجر الشرع عليه لمصلحته هو، ومنهم من حجر الشرع عليه لمصلحة غيره.
فالذين حجر الشرع عليهم لمصلحة أنفسهم: كالصغير اليتيم، إذا توفي والده وترك له مليون ريال إرثاً، ولوالده حق على الغير، وأصبح هو مكان والده، فاعترف ذلك الغير بالحق، فقال الصغير سامحتك؛ لم يصح ذلك التبرع، ولم يصح ذلك الإسقاط، بل يُنتظر إلى بلوغه، فإذا بلغ راشداً كان له حق الإسقاط أو حق المطالبة، أما وهو صغير فإنه يُخدع وتأخذه العاطفة ويتنازل عن حقه.
ولذلك قال الله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5]، فالصغير لا يُحسن النظر لنفسه، والشرع لا يجيز تبرع مثل هذا.
وكذلك إذا كان صغيراً لمصلحة نفسه كالأيتام، أو كان مجنوناً، لأن المجنون لا يحسن التصرف في ماله، وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده، فلو أن المجنون يُعطى ماله، لأضاع ماله في طرفة عين، ولربما حرق ماله، ولربما قطّعه؛ لأنه لا يعي ولا يُدرك، فلو قال مجنون لآخر: سامحتك فيما لي عليك؛ لم يصح.
كذلك يُحجر على الإنسان لحق الغير ولحق نفسه؛ كالسفيه، وهو الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء لغيره، فهؤلاء الثلاثة: (الصغير، والمجنون، والسفيه)، هؤلاء الثلاثة يُحجر عليهم لمصلحة أنفسهم.
وهناك من يُحجر عليه لمصلحة غيره، مثل المريض مرض الموت، فإنه إذا تبرّع في مرض الموت، لم يصح تبرُّعه إلا في حدود الثلث -ثلث المال فقط- فإن تبرّع بأكثر من الثلث فهو حق للورثة، إن شاءوا أمضوا تبرعه، وإن شاءوا ردوه.
فلو أن رجلاً كان في مرض الموت وترك مليون ريال إرثاً، وقال: تصدقوا بالمليون كلها، فإنه لا ينفذ تبرعه إلا في الثلث، لحديث سعد في الصحيحين: (يا رسول الله! إن لي مال وليس لي ورثة إلا ابنة، أفأتصدق بمالي كله؟ قال: لا.
قال: افبثلثيه؟ قال: لا.
فبنصفه؟ قال: لا.
قال: افبثلثه؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).
فلو فُتح الباب للناس أن يتصدقوا لصار كل إنسان ثري يقول عند موته: آخذ مالي وأتصدق به أفضل من أن أتركه لأولادي فيكون في ذلك إضرار بالورثة، والشرع جاء بالوسطية، فأعطاه الثلث يتصدق به.
فلو أنه في مرض الموت، وجاء شخص وأقرّ له مليون ريال، فقال له: سامحتك بالمليون التي لي عليك، ثم توفي، وطالب الورثة بعد وفاته، وقالوا: فلان جاء لمورِّثنا في فراش الموت، وأقر له بحقه، فأسقط عنه وأبرأه من جميع الدين، والإبراء مستغرق للثلث وزيادة، فسألوا القاضي أن يصحح الإبراء في الثلث، وأن يرد لهم ما زاد، فإن القاضي يصححه في الثلث ويرد ما زاد.
وهذه تبين أهمية باب الصلح، فأنت تنتقل من باب إلى باب، ومن هنا ترى أن الشريعة يرتبط بعضها ببعض، كالبناء المحكم، وتجد كل كلمة وكل عبارة يتكلم بها المكلف لها حكمها، ولا يُظلم الناس، وإنما يُؤخذون بحقوقهم دون زيادة أو نقص.
فإن أبرأ وأسقط دينه والحق لغيره والمال لغيره، صحّ فيما يملك، ولم يصح فيما زاد عنه، فهذا معنى قوله: (أو ممن لا يصح تبرعه) فإن كان الإسقاط والتنازل عن الدين من شخص لا يصح منه الإسقاط ولا التنازل عن الديون كلية؛ أسقطنا ذلك الصلح على -هذا الوجه- كلية، وإن كان الإسقاط والإبراء من شخصٍ يصح تبرعه بالبعض دون البعض، صح فيما أذن الشرع به ولم يصح فيما عداه.
(186/13)
________________________________________
حكم الصلح على تأجيل معجل أو تعجيل مؤجل أو على بعض المال عوضاً عن بعض
(186/14)
________________________________________
الصلح على الإسقاط والتأجيل
قال رحمه الله: قال رحمه الله: [وإن وضع بعض الحالّ وأجّل باقيه صح الإسقاط فقط] تقدَّم معنا مسألة الدين الحال والدين المؤجل، وبيّنا ذلك وذكرناه في باب القرض، وذكرنا الأحكام المترتبة على حلول الديون وتأجيلها.
فلو كان الدين حالاً وأجله.
أي: أقر به وصالحه، فأسقط عنه نصفه وجعل النصف الباقي مؤجلاً، صح الإسقاط ولم يصح التأجيل؛ لأنه لا يصح تأجيل الحال، وقد تقدّمت معنا هذه المسألة في مسألة القرض، أنه لا يصح تأجيل الديون الحالة لتعلُّق الذمم بها، وقد بينا وجه ذلك في موضعه في باب القرض.
ومراد المصنف هنا: أننا في تارةً نكون في باب البيع، وتارةً نكون في باب الإجارة، وتارةً نكون في باب الهبة، وتارةً نكون في باب القرض على نفس التفصيل الذي تقدَّم معنا، المهم أن المصنِّف يريد أن يعطيك مسألة بحيث تخرِّجها على أصلها وتعطي الحكم على الأصل الذي قرره الشرع في ذلك.
فأنت إذا عرفت أن الحالّ لا يتأجل، فإن كان الصلح قام على تأجيل الحالّ أو مؤجلٍ ومعجل، فإنه لا يصح، وكل ما سيذكره المصنف لا يخرج غالباً عن هذا الذي ذكرناه.
(186/15)
________________________________________
الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً
قال رحمه الله: [وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاً أو بالعكس، أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه سنة، أو يبني له فوقه غرفة، أو صالح مكلفاً ليقر له بالعبودية أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوضٍ؛ لم يصح] قوله: (وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاًّ) هذه المسألة مثل المسألة المتقدمة.
ففي هذه الحالة يقول العلماء: لا يصح الصلح على أن يجعل بعض ماله عِوضاً عن بعض، ولا يمكن أن نسميه صلحاً، لأنه لا يمكن أن تجعل مالك في لقاء مالك، وإنما يكون الصلح بشيءٍ من خصمك لقاء شيءٍ منك، لكن أن يكون الكل منك أنت، وتجعل هذا مركباً على هذا، فليس هذا على الصلح الجاري على السَنَد المعتبر شرعاً (الصلح بالمقابلة).
فإنه إذا قال له: هذه الألف لقاء سيارتك، فيقول: قبلت، فالسيارة ملك للخصم، والألف ملكٌ لخصمه، وحصلت المقابلة، فهي معاوضة وبيعٌ تام، لكن إذا جعل بعض الألف لقاء بعض، والكل لرجل واحد، فإنه لا يصح أن يجعله بيعاً؛ لأن المال كله لشخصٍ واحد، ولا أن يجعله إجارة.
فليس من حقه أن يقول: أنا أعترف لك بالبيت على أن أسكنه شهراً، وليس من حقه أن يقول: أنا أعترف لك بالبيت على أن أسكنه سنة، ولا يصح أن يقول أيضاً: أعترف لك بالسيارة وأُقر لك بالسيارة على أن أركبها يوماً أو شهراً أو أسبوعاً أو سنة؛ لأن هذا كله مقابلة بحقي لقاء حقي، وهذا لا يمكن أن تتحقق به المقابلة المعتبرة شرعاً، فالمسألة مسألة تنظير.
وسواء جعله بالأعيان مثل أن يقول له: معجّل بمؤجل، أو مؤجل بمعجل، فالذي تعجل أسقطه في لقاء المؤجل، فالذي أسقطه والذي أخذه كلاهما حق من حقوقه، فأين المقابلة؟ فلا يصح معجل بمؤجل، ولا يصح مؤجل بمعجل، لأن فقه المسألة يدور حول معاوضة بملكية لشخص واحد ولطرف واحد وهو الخصم، ولا يصح ذلك ولا يتأتى بالمقابلة بأن صالحه بالمعجل على المؤجل أو العكس، أو على أن يعطِي له معجلاً لقاء مؤجل.
(186/16)
________________________________________
قاعدة ضع وتعجل
إذا قال الرجل للرجل: هذه مائة ألف قرض لي عليك -فأعطاه المائة ألف، وفجأة طرأ عليه ظرف، فقال له: يا فلان، أعطني تسعين ألفاً الآن، وأسامحك في عشرة آلاف، فأعطاه التسعين فهذا يجوز، وهذا ليس داخل في مسألتنا، لأن هذه المسألة فيها نص وحديث فلا تدخل في باب الصلح، إنما دخلت في باب القروض والإرفاق.
وفيها حديث بني النضير حينما أجلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني النضير من المدينة، جاءوا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم-: يا محمد! أموالنا عند أصحابك، يعني: نحن الآن سنرتحل، ولنا ديون على أصحابك، وأنت نبي ولا تظلم الناس حقوقهم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ضعوا وتعجّلوا).
أي: ضعوا بعض الدين وتعجّلوا، فهذا جُعل عند العلماء أصل في الإرفاق في الديون.
فلو أنه أسقط بعض الدين وأعطاه البعض، صح ذلك.
وبهذا أفتى حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، واختار هذا القول الإمام ابن قدامة رحمه الله وطائفة من المحققين فقالوا: إنه يجوز لصاحب الدين أن يأخذ من المديون بعض الدين ويسامحه في البعض، بأن يكون الدين مثلاً إلى شهر رمضان، فيقول له: أعطني الآن في رجب وأنا أسامحك عن باقي ديني، فإنه يجوز ذلك ولا بأس به، إلا إذا كان في التقسيط المركّب على الأجل، لأنه إذا كان في التقسيط المركب على الأجل تمحَّض أن الإسقاط لقاء الأجل، وهذا عين المحظور الربوي الذي ذكرناه في مسألة ربا الجاهلية.
و (ضع وتعجَّل) فيها المشروع وفيها الممنوع، وقد بيّنا هذا في باب القرض، وأياً ما كان فإنه إذا قال له ذلك على سبيل المصالحة والمعاوضة لم يصح، وإذا كان على سبيل الإرفاق إسقاطاً صح؛ لأن له أن يُسقِط الكل، فيجوز له أن يسقط البعض.
(186/17)
________________________________________
الصلح عن عين على الانتفاع بها
قوله: (أو أقر له ببيت)، في الحالة الأولى كانت المقابلة والمصالحة بمعاوضة، فجَعَل بعض الدين لقاء بعض، ولكن هنا يُطالبك بجزءٍ من منفعة العين المختلف فيها، والتي أقرّ لك بها، فأنت خاصمته في عمارة، وقلت: العمارة لي، فقال: بل لي، ولما ترافعتما إلى القاضي؛ أقر عند القاضي أن العمارة لك، فقال لك: أصالحك على أن أسكن هذه العمارة شهراً ثم أخليها لك أو على أن أسكن هذه العمارة سنة ثم أعطيها لك، أو على أن أركب هذه السيارة شهراً، أو أن أصل بها إلى مكة ثم أعطيكها، فكل هذا لا يجوز، لأنه لو فتح الباب في مثل هذا لاغتصب كثير من الناس أموال الآخرين، فإذا ارتفعوا إلى القاضي قال المغتصب: اركب السيارة إلى مكة وأعطه حقه، ونحو ذلك، وهذا معروف، فيصير ذلك معونة على أكل أموال الناس بالباطل، فالشريعة أغلقت هذا الباب، وحينئذٍ يقول العلماء: إنه لا يصح؛ لأنه في هذه الحالة عاوضه عن جزءٍ من ماله لكن بجزء من ماله، وفيه فتح ذريعة أكل المال بالباطل.
ولذلك لا يحكم الشرع بصحة هذا النوع من المصالحة المبنية على المشارطة باستحقاق المنافع التي هي جزء الأعيان المستحقة، وكأنه صالحه بالبعض عن البعض، أو صالحه ببعض ماله عن كله.
إلا أن بعض العلماء يقول: يجوز في حال ما إذا كان ناظراً لوقفٍ أو كان ولياً لأيتام، ورأى أنه إذا خاصم هذا الخصم سيضيع المال كله، فاحتاج أن يصالحه ليقع الضرر على بعض المال دون كله، فقالوا: إن هذا يجوز للضرورة، واستدلوا على هذا بقوله تعالى في قصة الخضر مع موسى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79]، فقالوا: إن الخضر كسر جزء السفينة وهو اللوح، وأفسد جزء السفينة لاستصلاح الكل، فقالوا: يجوز إذا كان ناظراً للوقف أو ولياً لأيتام أن يضحي بجزء المال لقاء كسب المال كله، فيجوز بالنسبة لولي الأيتام، ويكون المال مال الأيتام، ولكن لا يجوز ولا يحل لمن اغتصبه وأخذه بدون حق.
فهو في الظاهر يجوز أن ترضى بهذا دفعاً للضرر الأعظم، وذلك من باب ارتكاب أخف الضررين، لكن لا يحل للخصم أن يأخذ ذلك إذا كان يعلم أنه ليس له.
فقوله: [أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه سنة أو يبني له فوقه غرفة] أي: فكل هذا لا يجوز، وقد تقدمت الأمثلة ونحن دائماً نقول: المهم في كتب الفقه أن نفهم القاعدة؛ لأن الأمثلة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ممكن الآن أن يقول: (عمارة)، بدل (بيت)، ممكن أن يقول له: أنا أصالحك على هذه العمارة على أن أسكنها سنة، أو أسكنها شهراً، أو بالسيارة، لأن المسألة مسألة المنافع، والقاعدة عندنا قاعدة المنافع، والمهم لطالب العلم أن يكون عنده نوع من الفهم للضوابط والأصول العامة، حتى يستطيع أن يخرج المسائل النازلة عليها، أما لو حفظ أنها غرفة، وحفظ أنها دار، وأنه بر أو شعير أو ملح، وانحصر في الأمثلة القديمة؛ فلن يستطيع أن يطبقها على الأمثلة المعاصرة، فأياً ما كان فالعبرة أن يصالحه بالبعض عن الكل إما عيناً وإما منفعة.
(186/18)
________________________________________
الصلح على عبودية أو زوجية
قال رحمه الله: [أو صالح مكلفاً ليقر له بالعبودية] (أو صالح مكلفاً) أي: حراً، (ليقر له بالعبودية) أي: لم يصح، لأن الحر لا يُسترق إلا بحكم الشرع.
والصلح على هذا الوجه يُحِل حراماً، ودليل هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إلا صلحاً أحل حراماً)، فقالوا: إن الحرام استرقاق الحر على هذا الوجه الذي لا يأذن به الشرع، فيعتبر لاغياً وفاسداً.
قال رحمه الله: [أو امرأة لتُقر له بالزوجية بعوض لم يصح] أي: كذلك لو أنه صالح امرأة لتقر له بالزوجية لم يصح، لأن هذا ليس بنكاح شرعي، فهو يتوصل به إلى محرّم؛ لأن المرأة أجنبية عنه، فلو قال: أصالحك على أن تعترفي بأنك زوجة لي وهي ليست بامرأة له، وخاصمها عند القاضي على أنها زوجة له، وليس هناك دليل على هذا، فأوعز إليها أن تُقِر أنها زوجة له من أجل أن يُسقط حقها، فإنه لا يجوز هذا، حتى لو اصطلح مع المرأة عن مخاصمته لها على أساس أن تقر له بالزوجية؛ لأنها أقرت بحرام، لأنها ليست بزوجة له، ولم يحكم شرع الله عز وجل بكونها زوجة له، فلا وجه لتحليل ما حرم الله.
وعلى هذا فالمسألة مندرجة تحت قوله: (إلا صلحاً أحل حراماً)، فهنا الصلح يحل الحرام، لأنه يتوصل إلى رق الحر بدون وجه شرعي، ويتوصل إلى الزوجية بدون وجه حق، وذلك لم يحكم به الشرع، فيُعتبر من تحليل ما حرّم الله.
ونسأل الله العظيم أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، ويجعل ما تعلمناه وعلمناه موجباً لرضوانه والفوز بعظيم رحمته وجنانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(186/19)
________________________________________
الأسئلة
(186/20)
________________________________________
حكم الرجوع عن الإقرار

السؤال
من أقر بأمر فهل يُلزم بإقراره ولا يمكنه التراجع، أم يُستثنى من ذلك كمن أقر بالسرقة ونحوها؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمن أقر بحق لخصم فإنه يُطالب ويؤاخذ بهذا الإقرار، وهذه المسألة التي وردت في السؤال تُعرف عند العلماء بمسألة الرجوع عن الإقرار.
والرجوع عن الإقرار لا يصح إلا في أحوال مستثناة، ومنها: حالة الإقرار بالحقوق الخاصة لله عز وجل، كأن يقر بالزنا -والعياذ بالله- فلو أنه أقر أنه زنا ثم رجع عن إقراره، فإنه يصح هذا الرجوع، سواء رجع قبل تنفيذ الحكم، أو رجع أثناء تنفيذ الحكم، مثلاً لو أن رجلاً بكراً أقر بالزنا، وثبت عند القاضي، ودوِّن عليه بإقراره أنه زنا، وقبل أن يُنفَّذ عليه حد الزنا رجع عن إقراره، فإن الرجوع ينفعه ويُحكم بذلك، ففي الصحيح من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه وأرضاه: (أن ماعز بن مالك رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فطهرني، قال: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه، فرجع غير بعيد، ثم عاد وقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فطهرني، فقال: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه! فكرر أربع مرات، والنبي صلى الله عليه وسلم يُعرض عنه ويدفعه، فلما كانت الرابعة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: أشربت خمراً؟ فقام رجل فاستنكهه) يعني: شم رائحة فمه؛ لأنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم شك هل هو عاقل أو ليس بعاقل.
فمن شروط صحة الإقرار أن يكون المقر عاقلاً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أشربت خمراً؟ فقام رجل فاستنكهه، فأُخبِر أنه غير سكران، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أبه جنون؟ فأُخبر أنه ليس بمجنون، فأمر به فرُجم)، فلما أُقيم عليه الحد رضي الله عنه وأرضاه، ورُمي بالحجارة؛ لأنه كان ثيباً، فلما أدركه حر الحجارة فرّ وهرب إلى الحرة، وهي الحرة الشرقية التي تسمى حرّة واقم، شرقي المدينة، فلما فرّ إليها أدركه رجل فضربه وقتله، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه فر، قال: (هلا تركتموه يرجع، فلعله يتوب فيتوب الله عليه)، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم لم يتركوه؛ لأنه رجع، فاعتبر فراره بمثابة الرجوع عن إقراره.
فقالوا: إنه إذا أقر بحدٍ كالزنا أو نحوه من حقوق الله الخالصة، فإنه إذا رجع عنه قُبل رجوعه، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من ابتلي بشيءٍ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله).
فالزنا والجرائم المتعلقة به كاللواط -أعاذنا الله من ذلك- ونحوها من الجرائم الخاصة التي يكون الحق فيها لله عز وجل، وكشرب الخمر ونحوه؛ فإن الأفضل فيها أن يستر الإنسان نفسه بستر الله، وأن يتوب فيما بينه وبين الله، وليس بملزم أن يأتي ويقر ويعترف؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من ابتلي بشيءٍ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من أبدى لنا صفحة وجهه أقمنا عليه حق الله).
لكن إذا كان هناك حق للغير كجرائم السرقة مثلاً، فالسرقة فيها حق المسروق منه، فالتوبة منه أن يتوب فيما بينه وبين الله، وأن يرد المال الذي سرقه إلى صاحبه، فليست التوبة بينه وبين الله فقط، بل هناك حق لآخر.
ففي السرقة لو أقر ثم رجع عن إقراره لم ينفعه الرجوع، فتقطع يده ويؤاخذ بإقراره، ويضمن المبلغ الذي سرقه، فالسرقة ليست من جنس الحقوق التي تقبل الرجوع، وهكذا بالنسبة لحقوق القتل ونحوها من الحقوق التي فيها اتصال بالمخلوقين، فإنه لا يُقبل فيها الرجوع.
وأما بالنسبة لحقوق الله عز وجل الخالصة كما يسميها العلماء رحمهم الله، فإنه ينفع فيها الرجوع عن الإقرار ويفيد، وهكذا لو حصل له خطأ في الإقرار، فرجع إلى القاضي وبين خطأه، وكانت هناك قرائن تدل على صدقه، فإنه يُقبل رجوعه على تفصيل قد يأتي إن شاء الله بيانه في باب الإقرار.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا السداد والرشاد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(186/21)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الصلح [3]
الصلح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صلح مع الإقرار، وصلح مع الإنكار، وصلح مع السكوت، وقد تكلم العلماء رحمهم الله على الصلح ومسائله وصوره وأحكامه وبعض المسائل المتفرعة عليه في باب الصلح.
ومما يدخل في الصلح: الحقوق المشتركة للمساكن والمزارع والدكاكين، وما يتعلق بذلك من التصرفات الجائز إحداثها في الطرق العامة أو الخاصة من بلكونة ودكة وميزاب ونحوها.
وهذه المسائل تهم كل مسلم، أي أن معرفتها مهمة لكل مسلم.
(187/1)
________________________________________
الصلح مع الإنكار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول الإمام المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله ثم صالح بمال، صح]: لا زال المصنف رحمه الله في معرض حديثه عن أحكام الصلح، وكنا في المجلس الماضي قد ذكرنا أن الصلح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: - صلح مع الإقرار.
- وصلح مع الإنكار.
- وصلح مع السكوت.
وذكرنا مقدمات كتاب الصلح وما يتعلق بالأدلة الشرعية التي دلت عليه، وبعد ذلك بينَّا النوع الأول وهو الصلح مع الإقرار.
ثم شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان النوع الثاني: وهو الصلح مع الإنكار.
فالصلح مع الإنكار: أن يدعي شخص على آخر حقاً ثم يرتفعان إلى القضاء.
وحتى تكون صورة الصلح مع الإنكار واضحة لابد من معرفة منهج الشريعة في القضاء: إذا ادعى شخص على آخر حقاً فقال مثلاً: لي على فلان ألف ريالٍ ديناً، فإن القاضي يسأل المدعى عليه: هل لفلان عليك ألف ريال؟ فإن قال: نعم.
فحينئذٍ ننتقل إلى صورة الصلح مع الإقرار، وإن قال: ليس له عليَّ شيء ولم أستدن منه ألفاً، فهذا يسمى إنكاراً، فإذا أنكر الخصم طولب المدعي بالبينة ويقال له: ائت ببينة تدل على صدق دعواك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل البينة في الدعاوى.
ففي قصة الكندي رضي الله عنه وأرضاه لما اختصما في البئر قال عليه الصلاة والسلام للمدعي عندما أنكر خصمه: (ألك بينة؟).
والمدعي مطالب بالبينة، فإن قال: ليس عندي بينة، طولب خصمُه المدعى عليه باليمين، فإذا وجهت اليمين إلى المدعى عليه فقد يفتدي عن هذه اليمين ويدفع عن نفسه بالصلح، فيصطلح مع خصمه قبل حلف اليمين؛ لأنه إذا حلف اليمين انقطعت الخصومة، وإنما الصلح قبل حلف اليمين، فيصالح صاحبه وتسقط عنه اليمين وتدفع.
قال صاحب التحفة في بيان هذه المسألة في القضاء: والمدعي مطالب بالبينه وحالة العموم فيه بينه والمدعى عليه باليمين في عجز مدعٍ عن التبيين فقوله: والمدعي مطالب بالبينه ..
..
يعني: من ادعى شيئاً طولب بالبينة عليه، قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111]، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس عند البيهقي وغيره: (البينة على المدعي) فقال الناظم رحمه الله: والمدعي مطالب بالبينه ..
..
أي: مطالب بالدليل الذي يدل ويبيِّن صدق دعواه.
…….
مطالب بالبينه وحالة العموم فيه بينه يعني: سواء كان رجلاً صالحاً أو كاذباً، فلو كان أصدق الناس، ومعروفاً بالصدق ولا يكذب، فجاء إلى القاضي وقال: لي على فلان ألف ريالٍ، فلا تقبل دعواه إلَّا ببينة، وهذا معنى قول الناظم: ..
.
وحالة العموم فيه بينة أي: يستوي فيه الفاجر والبر.
والمدعى عليه باليمين في عجز مدعٍ عن التبيين أي: نطالب المدعى عليه أن يحلف اليمين، ويقول: (والله ليس لفلان عليّ كذا) وهذه اليمين إذا حلفها صاحبها كاذباً غمسته في النار والعياذ بالله، وهي اليمين الغموس التي تكون في مقطع الحقوق، وهي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من حلف على يمين ليقتطع بها حق امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان) نسأل الله السلامة والعافية، ومن حلفها فإنه من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، نسأل الله العافية والسلامة.
فهذه اليمين أمرها صعب، فالشخص إذا ادعى عليه آخر قد يتورع ويقول: لا أحلف اليمين، فإذا لم يحلف اليمين وأراد أن يخرج من مشكلة حلف اليمين خرج بالصلح، وهذا يسمى الصلح مع الإنكار، وهو النوع الثاني.
(187/2)
________________________________________
الصلح مع السكوت
النوع الثالث: الصلح مع السكوت، فقال رحمه الله: [ومن ادعي عليه بحق فسكت] فذكر النوعين.
[سكت]: هذه صورة تخالف الصورتين السابقتين، وحاصلها كما يقول المصنف: [ومن ادعي عليه بعين أو دين].
(بعين): كما إذا قال رجل: هذا البيت الذي يسكنه فلان ملك لي، وأعطيته إياه عارية أو أعطيته إياها إجارة وانتهت الإجارة فأطالبه بالخروج.
فقال الذي في البيت: البيت بيتي وهو ملك لي؛ فأصبح الذي بداخل البيت مدعىً عليه، والذي خارج البيت مدعياً، فلما جيء إلى القضاء قيل: (هذه دعوى في عين)؛ فالبيت عين، والسيارة عين، والمزرعة عين، والأرض عين.
(أو دين): كقوله: لي على فلان ألف ريال أخذها قرضاً مني.
فهذه دعوى بدين، والمدعى عليه له ثلاثة أحوال: - أن يقر، وقد تقدمت أحكام الصلح في حال الإقرار.
- أن ينكر، كما بينا صورتها.
- أن يسكت، والسكوت كأن يقول له القاضي: يا فلان! فلان يدعي عليك بألف ريال ديناً، فهل له عندك ألف؟ فإن سكت ولم يجب بنعم أو لا، فليس بالمقرر ولا بالمنكر، وبعض العلماء يرى أنه إذا سكت أجبره القاضي بقوة وفرض عليه أن يتكلم بإقرار أو إنكار وإما منكراً؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يشرع القضاء إلا للفصل في الخصومات وقطع النزاعات، فلو كان كل شخص يدعى عليه يسكت لتهرب الناس من القضاء، فقالوا: يكلف بالإجبار أن يتكلم، إما مقراً أو منكراً، وقال صاحب التحفة رحمه الله: والمدعي مطالب بالبينه وحالة العموم فيه بينه والمدعى عليه باليمين في عجز مدعٍ عن التبيين ومن أبى إقراراً او إنكارا لخصمه كُلفه إجبارا فإن تمادى فلطالب قضي بلا يمين أو بها وذا ارتضي (ومن أبى إقراراً او إنكارا): أي: لم يقر ولم ينكر.
(لخصمه كلفه إجبارا).
أي: يضغط عليه القاضي ويجبره أن يثبت أو أن ينفي.
وفي بعض الأحيان يخشى الشخص النسيان فيقول: أن أخشى النسيان فلا أستطيع أن أثبت له ولا أستطيع أن أنكر، فالذي سكت ولم يتكلم بإثبات ولا بإنكار، فهذا قد أبى الإقرار وأبى الإنكار.
ومن أبى إقراراً أو إنكارا لخصمه كلفه إجبارا فإن تمادى فلطالب قضي بلا يمين أو بها وذا ارتضي فإن تمادى وأصر على الامتناع، فتسمى هذه بحالة (النكول) وستأتينا في القضاء إن شاء الله، ويسمى ناكلاً عن اليمين، ويعطى حكم الناكل إذا امتنع عن اليمين ونكل عنها، فقال بعض العلماء: يعطى حكم الناكل وحينئذٍ نحكم عليه.
وقال بعض العلماء: نعتبر سكوته بمثابة الإقرار، ونحكم عليه.
وقال بعض العلماء: بل نعتبر سكوته وامتناعه عن الإجابة والإنكار قرينة، ونوجب على المدعي يميناً بالله مع دعواه فتعتضد اليمين مع إنكاره وتنزل منزلة الدليلين.
يعني: الشاهدين، ونحكم بذلك.
فإن تمادى فلطالب قضي بلا يمين أو بها وذا ارتضى (أو بها) هو القول الثاني.
(وذا ارتضي): أي: رجح القول الثاني، ويسمونها يمين التهم، وسيأتي إن شاء الله بيانها في كتاب القضاء.
فالشاهد في هذه الحالة أنه إذا امتنع عن الإقرار أو الإنكار يسمى عند العلماء: (الصلح على السكوت).
(187/3)
________________________________________
حكم الصلح مع الإنكار
الصلح مع الإنكار: اختلف فيه العلماء على قولين: قال بعض العلماء: لا يجوز الصلح إلا على الإقرار، وأما على الإنكار فإنه من أكل أموال الناس بالباطل ولا يجوز، وقالوا: وتوضيح ذلك: أنه إذا ادعي على شخص شيء قال فلان: لي عليك ألف ريالٍ.
فقال: ليس لك عليّ ألف ريالٍ، فأنكر، فإننا لو أجزنا له أن يصالح وهو يعلم أن لفلان عنده ألف ريالٍ، فيسقط الحق الأكثر بالأقل الذي صولح عليه، فأصبح الصلح في هذه الحالة وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل.
وقد يكون أحدهما كاذباً: إما المدعي أو المدعى عليه، فإذا كان المدعي كاذباً والمنكر صادقاً، فقد ادعي عليه زوراً وظلماً، وإما أن يكون العكس فيكون المدعي صادقاً والمنكر كاذباً، وفي كلتا الحالتين يؤكل المال بالباطل.
فإن كان المدعي يدعي والمدعى عليه ينكر ثم اصطلحا والمدعي كاذب فمعناه أن المدعي سيأكل ما اصطلح عليه بالباطل، وإن كان المدعى عليه كاذباً فمعناه أنه سيأخذ جزءاً من مال المدعي زوراً وظلماً ويعاوض بالأقل، لأن الصلح دائماً يكون بأقل من الشيء الذي فيه الخصومة.
قالوا: فهذا يقتضي التحريم، وهذا هو قول الشافعية، وقال به من السلف: ابن أبي ليلى الفقيه المشهور رحمة الله على الجميع.
وذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة وطائفة من أهل الحديث رحمة الله على الجميع إلى القول بمشروعية الصلح مع الإنكار، واستدلوا بعموم الأدلة في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على مشروعية الصلح دون فرق بين إنكار وإقرار، ولأن الإنسان قد يكون ناسياً لحق الغير فيريد أن يدفع عن نفسه الضرر فيصالحه عن حقه.
وأما قولهم: إن أحدهما كاذب، فجوابه أن الصلح مع الإنكار له حالتان: إما أن ينكر ويكون عالماً أنه مبطل فهذا لا يجوز له الصلح، والجمهور لما أجازوا صلح الإنكار أجازوه بشرط أن لا يكون عالماً بالحق، كشخص لا يدري.
فيحتمل أنه صادق ويحتمل أنه كاذب، ويريد أن يخرج من تبعة هذه اليمين بالصلح.
فالإنسان بشر وقد ينسى، كالتجار يعامل بعضهم بعضاً ثم ينسون مع كثرة الحقوق وكثرة المعاملات، والأقرباء يعامل بعضهم بعضاً، وأصحاب الصنعة الواحدة يعامل بعضهم بعضاً، فنحن نقول: إذا كان أحد الخصمين عالماً بالحقيقة لم يجز الصلح، حتى أن الجمهور الذين أجازوا الصلح اشترطوا -كما سيأتي عند المصنف- أن لا يكون عالماً بالحق، فإذا أصبح غير عالم بالحق انتفى الذي ذكره أصحاب القول الأول.
وبناءً على ذلك يجوز للإنسان على غالب ظنه أن يدعي وينكر، ويجوز له أن يصالح عما ادعى وعما أنكر إذا كان يعتقد أنه على صواب وحق، وذلك لعموم السنة في قوله عليه الصلاة والسلام: (الصلح جائز بين المسلمين) فإن هذا النص الذي رواه الترمذي وابن ماجة وأبو داود وابن حبان وصححه غير واحد -وإن كان الأقوى أنه حسن بالطرق والشواهد- يدل دلالة واضحة على أن الصلح جائز على العموم، سواء كان على إقرار أو على إنكار.
والقاعدة: (أن العام يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه) وليس هناك دليل يخصص صلح الإنكار عن صلح الإقرار، فترجح بهذا مذهب الجمهور أنه يصح الصلح على الإنكار كما يصح على الإقرار، ودليل النظر يدل على ذلك، فإن صلح الإنكار كصلح الإقرار بجامع كون كل منهما يقطع الخصومة ويوجب دفع النزاع والضرر المترتب على الخصومة بين الطرفين، وعلى هذا فيشرع صلح الإنكار، كما يشرع صلح الإقرار.
(187/4)
________________________________________
حكم الصلح مع السكوت
أما بالنسبة لحالة السكوت فالشافعية أيضاً يقولون: لا يجوز.
والجمهور يقولون بالجواز، وينزلونه منزلة صلح الإنكار؛ لأن الساكت في حكم المنكر، وقد قالوا: (لا ينسب لساكت قول) فيجوز له أن يصالحه مع السكوت، وابن أبي ليلى مع أنه وافق الشافعية في عدم صحة صلح الإنكار إلا أنه وافق الجمهور في جواز وصحة صلح السكوت.
إذاً: أصبح عندنا مسألتان: - مسألة صلح الإنكار وفيها قولان: للجمهور الجواز.
وللشافعية وابن أبي ليلى المنع.
والصحيح قول الجمهور لعموم الأدلة وقوتها.
ومسألة: صلح السكوت، وفيه القولان أيضاً، إلا أن ابن أبي ليلى رحمه الله وافق الجمهور فقال بالجواز وقوى ذلك؛ لأنه ليس بمنكر، وإنما هو ساكت فيكون في حكم المقر.
وعلى هذا فمذهب الجمهور جواز صحة الصلح مع الإنكار والسكوت وهو الصحيح.
قول المصنف: [ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله]: قوله: (وهو يجهله) هذا شرط، أي: ولو كان يعلمه لم يجز.
إذاً: كلمة (وهو يجهله) شرط، أي والحال أنه يجهله، فتصير شرطاً في جواز صلح الإنكار وصلح السكوت، فلو سألك سائل: أين محل الخلاف بين الجمهور والشافعية في صلح الإنكار وصلح السكوت؟ تقول: محل ذلك إذا كان الخصم يجهل، أما إذا كان يعلم فإنه لا يجوز له أن يصالح بالإجماع، بل الواجب عليه شرعاً أن يرد الحقوق إلى أهلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلله منها) فأمر برد المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها.
قال المصنف رحمه الله: [ثم صالح بمال صح]: مثال ذلك: قال عمرو: هذه الدار التي يسكنها زيد ملك لي، فقال زيد: بل ملك لي، فأنكر فاختصما إلى القاضي، فقيل لعمرو المدعي: ألك بينة؟ قال: ليس عندي بينة.
قيل لزيد: احلف.
فقال: أصطلح مع خصمي، فصالحه الخصم على أن يعطيه عشرة آلاف ريال بدلاً عن هذه الدار التي يدعيها، فحينئذٍ يصبح كأنه باع حقه في الدار بعشرة آلاف فتنتقل المسألة من باب الصلح إلى باب البيع، وتنطبق عليها أحكام البيع.
إذا قلنا: تنطبق أحكام البيع فلا بد وأن يكون الشيء الذي يعاوض عليه معلوماً بين الطرفين، وأن يكون من جنس ما يجوز بيعه، ويكون مملوكاً، ولا يجوز أن يصالحه بشيء لا يملكه، إلى غير ذلك من شروط صحة البيع.
فلو أنه صالحه على شيء مجهول لم يصح، ولو قال له: هذه الدار التي تدعيها عليّ أصالحك على شيء أرضيك به لم يصح، لأنه شيء مجهول، ولا تصح المعاوضة بالمجهول.
ولو صالحه على وجه يقع به الربا، كأن يقول: لي على زيد ألف ريال.
فإن قال زيد: ليس لك عليّ ألف ريال.
وقال: أعطيك بدلاً منها تسعمائة، لم يصح؛ لأن الألف والتسعمائة ربا فضل فلا يصح أن يعاوضه بها، ولو قال له: أعطيك بدلاً عنها ثمانمائة صار ربا فضل، ولو قال: أعطيك عنها ما يعادلها من الدولارات -مثلاً- لو أن الألف تصرف بثلاثمائة وخمسين دولاراً وقال له: أعطيك بدل الألف ثلاثمائة وخمسين دولاراً.
فإن قال: قبلت.
وجب أن تكون يداً بيد؛ لأنه صرف، تسري عليه أحكام البيع والصرف على التصوير الذي ذكرناه في صلح الإقرار.
(187/5)
________________________________________
مآل الصلح إلى البيع في حق المدعي وترتب أحكامه عليه
قال رحمه الله: [وهو للمدعي بيع يرد معيبه ويفسخ الصلح]:
(187/6)
________________________________________
الرد بالعيب وفسخ الصلح
(وهو للمدعي): ادعيت أن هذه الدار التي يسكنها زيد ملك لي، فأنكر زيد وقال: أُعطيك بدل هذه الدار التي تدعيها سيارة.
فقلت: قبلت.
فلما قلت: قبلت.
صار بيعاً في حقه، فلو أخذت السيارة سرت عليها أحكام البيع، ولو وجدت السيارة معيبة وظهر بها عيب فإني أملك ردها.
فيفسخ العقد الذي بينهما على أنه عقد بيع، وينفسخ الصلح وترجع القضية من جديد، إما أن يصالحه بعوض آخر يرضيه، وإما أن تستمر القضية ويطالب بحلف اليمين على الأصل المعروف في القضاء.
إذاً: إذا جرى بين الطرفين صلح مع الإنكار ومعاوضة ونقله من حقه إلى حق آخر برضا الطرفين، فإنه تسري عليه أحكام البيع إذا كان في صورة البيع، وتسري عليها أحكام الصرف إن كان في صورة الصرف، وتسري عليها أحكام الإجارة إن كان في حكم الإجارة أو في صورة الإجارة.
(187/7)
________________________________________
الأخذ بالشفعة في الصلح
[ويُؤخذ منه بشفعة]: يأخذ هذا الحق بشفعة تسري عليه أحكام البيع، مثال ذلك: إذا قلت: هذه الدار التي يسكنها زيد ملك لي.
فقال زيد: بل ملك لي.
واختصمنا، فإن الدار دار زيد حتى أثبت أنها داري، فأنكر زيد، واصطلحنا وقال لي زيد: أعطيك بدلاً عن هذه الدار نصف أرضي التي بيني وبين محمد.
فحينئذٍ عاوضني عن الدار بنصف الأرض، وإذا عاوضني بنصف الأرض فكأنه باعني نصف الأرض فيسري عليه الشفعة لشريكه، وسيأتينا إن شاء الله في باب الشفعة.
وقبل أن نبين صورة المسألة هنا نريد أن نعرف ما هي الشفعة؟ الشفعة: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن اشتراها منه بالثمن المتفق عليه، دون أن يزيد.
مثلاً: إذا كنت أنا وأنت في أرض، قد اشترينا هذه الأرض بمائة ألف فدفعت أنت خمسين ألفاً ودفعت أنا خمسين ألفاً، فمعناه: نصفها لك ونصفها لي، فلو أنك بعت نصيبك لطرف آخر كان من حقي أن آخذ منه ذلك بنفس المبلغ الذي اتفقت معه، سواء رضي أو لم يرض.
فقولهم: (استحقاق) أي: من حقي أن أنتزع حصة شريكي ممن اشتراها بنفس الثمن، فلو باعها بعشرين ألف إلى صاحبه فإني آتي وأقول للقاضي: أنا شافع، وأعطيه عشرين ألفاً وأملك الأرض بكاملها.
وهذا فيه حِكمة من الشرع؛ لأنك قد ترضى بزيد شريكاً ولا ترضى بغيره، فدخول الشركاء على غير الشراكة فيه ضرر وأذية، لأنك قد ترضى بشخص ولا ترضى بآخر، فإذا باع شريكك كان من حقك أن تشفع، لكن بشرط أن تشفع مباشرة، فلو علمت وسكت سقط حقك، وسيأتي إن شاء الله تفصيل أحكام الشفعاء.
فالمصنف يأتي بالأمثلة، والمسألة ليست مسألة شفعة أو غيرها فالمصنف يريد التقعيد -كما ذكرنا ذلك غير مرة- وبينا أن الأمثلة التي تذكر في كتب الفقه المراد بها التقعيد، ومعرفة أصل المسألة، فأصل المسألة أنه إذا نقلك وحكمت بكونه بيعاً فإن البيع إذا كان فيه صورة الشفعة جرت عليه أحكام الشفعة، فلو أعطاك عوضاً عنه أرضاً مشتركة بينه وبين غيره، فإن ذلك الغير يملك انتزاعه وتسري عليه أحكام الشفعة.
(187/8)
________________________________________
الصلح في حق المدعى عليه إبراء
قال رحمه الله: [وللآخر إبراء فلا رد ولا شفعة]: الآخر هو المدعى عليه، فهي للمدعي بيع، وللآخر الذي هو المدعى عليه إبراء، فإذا كان الدار داره والأرض أرضه وأنا دخلت عليه، فإنه إذا أعطاني بدلاً عنها ما أرضى فقد أبرأ ذمته.
(187/9)
________________________________________
الصلح لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً
قال رحمه الله: [وإن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام]: أي: إن كان أحدهما كاذباً والعياذ بالله، لم يصح في حقه أخذه؛ لأن أموال الناس لا تنتزع بالحيل، والأصل أن هذا المال ملك لصاحبه حتى يدل الدليل على جواز ملكيته لمن أخذه؛ لقوله تعالى: {َلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188].
مثلاً: شخص عنده سيارة، فجاء آخر وادعى أن السيارة له، وهو يعلم أن السيارة ليست له، وصاحب السيارة يريد أن ينتفع بالسيارة، لكنه إذا دخل في الخصومات والنزاعات سيطول عليه الأمر، فلما جاءه قال قال له: يا أخي! ما دمت تدعي أن هذه السيارة لك وهي سيارتي، أنا أعطيك شيئاً في مقابلها، -مثلاً: خمسة آلاف- فإن قال: قبلت.
فإن الخمسة آلاف إذا أخذها وهو يعلم أنه كاذب فهي سحت وحرام، ولو قضى بها القاضي؛ فإنه لا يُستحَل الحرام بحكمه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقضي له بقطعة من نار فليستقل أو ليستكثر) أي: أن حكم القاضي لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال، فهو حكم في الظاهر، لكن في الحقيقة والباطن لا يتغير الحكم.
إذاً: لو أنهما اصطلحا وهو يعلم أنه كاذب في دعواه فالمال عليه حرام.
والعكس لو أن الذي في الدار يعلم أن الدار دار زيد، وأنكر أنها لزيد وأنه أخذها إجارة ثم ادعاها وقال: هي داري، أو أخذ السيارة ثم ادعاها له، فإنه في هذه الحالة لو صالحه عنها بشيء فإنه يصالح عن مال سحت وحرام، ولا يحل له بالصلح شيء.
وكأن المصنف يقول: (الصلح لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال)، وهذا تقدم معنا، وفي نص الحديث (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراما).
(187/10)
________________________________________
حكم الصلح في الحدود
قال رحمه الله تعالى: [ولا يصح بعوض عن حد سرقة]: ولا يصح الصلح بعوض عن حد سرقة، وزناً، وخمر ونحو ذلك؛ لأن الحدود فيها حقان: حق للخصم.
وحق لله، فإذا كانت حدوداً فيها حقوق مشتركة يكون فيها حقان.
وإذا كانت حدوداً خالصة فليس فيها إلا حق واحد.
والحدود ستأتي إن شاء الله.
مثلاً: شرب الخمر الحق فيه لله، وفائدة قوله: (إن الحق لله): أن شارب الخمر إذا تاب فإنه يتوب فيما بينه وبين الله، ولا يذهب إلى أحد ويستسمح منه، لكن القاذف إذا قذف امرأة واتهمها بالزنا والعياذ بالله وهو يعلم أنه كاذب فهنا حقان: - حق لله بانتهاك الحد الذي حرمه.
- وحق للمخلوق؛ لأنه دنس عرض هذه المرأة وآذاها في عرضها، فلا توبة له إلا إذا حللته من مظلمتها.
إذاً: حد القذف فيه حقان، وكذا حد السرقة فيه نفس الحكم، فالسارق منتهك لحقين: - حق الله عز وجل بمعصيته وانتهاك حدوده؛ لأن الله حرم عليه أن يسرق مال أخيه المسلم.
- وحق لأخيه المسلم وهو المال الذي أخذه.
فيجب عليه رد المال الذي أخذه، ويجب عليه التوبة فيما بينه وبين الله، هذا من حيث الأصل العام قبل أن ترفع إلى القاضي أما إذا رفعت إلى القاضي وبلغت الحدود السلطان فلعنة الله على الشافع والمشفع، ولو تنازل صاحب المال المسروق لم يسقط الحد؛ لأن صفوان رضي الله عنه وأرضاه كان نائماً بالمسجد وتحته رداؤه، فجاء السارق وسرق رداءه من تحت رأسه، -وكون الرداء تحت الرأس فهذا حرز كما سيأتينا إن شاء الله في باب السرقة، فلما سرقه استيقظ صفوان وأدركه، وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يد السارق، فلما علم صفوان أن فيها قطع يد، قال: أسامحه، وقال: هو له يا رسول الله -أي: أشفق على الرجل أن تقطع يده بهذا الرداء- فقال صلى الله عليه وسلم: هلا كان هذا قبل أن تأتيني به؟! فمسألة الصلح عن الحدود والاعتداءات تكون قبل أن تصل إلى السلطان، كالزنا والسرقة والقذف؛ لأنها مشتركة بين حق الله وحق المخلوق، لكن في الحقوق الخالصة كشخص سب شخصاً ولم يصل إلى القذف، كأن قال له: أنت كالبهيمة، أو سبه سباً لا يصل إلى الحد والقذف، فرفعه إلى القاضي يشتكيه، ففيه التعزير، والتعزير فيه الحق للمخلوق، فإن قال للقاضي: سامحته فحينئذٍ يسقط حقه، وقال بعض العلماء: بل يعزره القاضي لانتهاكه حد الله من وجه آخر، وهو أن الله حرم عليه أذية المسلم.
والشاهد: مسألة حق الله وحق المخلوق، ففي السرقة لو سرق مال أخيه المسلم وجاء يريد أن يرفعه إلى القاضي فقال: يا فلان! لا ترفعني إلى القاضي.
فإن قال: بل أرفعك.
فقال له: خذ عشرة آلاف ولا ترفعني إلى القاضي.
فإن أخذ العشرة آلاف، فالعشرة آلاف سحت وحرام لا تحل له؛ لأن الذي يستحقه بالسرقة هو المال المسروق، والزائد عن ذلك ليس ملكاً له، فيأخذ المال المسروق ويستر أخاه المسلم، وليس من حقه أن يأخذ عوضاً على ستره؛ لأن الستر ليس من جنس ما تدخله المعاوضات.
كذلك أيضاً حد القذف: فلو قذف امرأة أو قذف رجلاً فقال: سأرفعك إلى القاضي وكان عنده شهود وبينة، فقال له: أعطيك عشرة آلاف وتتنازل عن قضيتك، فليس من حقه هذا، فإما أن يسامحه وأجره على الله وإما أن يرفعه إلى القاضي، أما أن يأخذ عوضاً بالمال على شيء ليس بمحل للمعاوضة فلا؛ لأن هذه الحقوق ليست بمحل للمعاوضة، وليست بمحل للمقابلة المالية، فحينئذٍ لا يصح أكل المال لقاء هذه.
فقال رحمه الله: [عن سرقة وقذف]: كذلك، وزناً، وشرب خمر.
وإنما ذكر السرقة؛ لأن الحق فيها مشترك، فإذا كان هذا في السرقة الذي فيها الحق المشترك فمن باب أولى في الزنا وشرب الخمر الذي فيه الحق خالصٌ لله عز وجل، وهذا من دقة المصنف رحمه الله أنه نبه على السرقة؛ لأن الحق فيها مشترك بين المخلوق والخالق.
(187/11)
________________________________________
حكم الصلح على إسقاط حق الشفعة
[ولا حق شفعة]: مثلما ذكرنا في الشفعة: لي أرض وشريكي فيها زيد، فبعت نصيبي إلى عمرو بخمسمائة ألف مثلاً، فلما اشتراها عمرو أراد زيد أن يشفع؛ لأن زيداً شريك لي، وقلنا: إن الشريك من حقه أن يشفع فينتزع حصة شريكه ممن اشتراها بالثمن المتفق عليه الذي هو خمسمائة ألف.
فلما أراد زيد الذي هو شريك لي أن يشفع قال له عمرو: أنا أرغب في هذه الأرض وأرغب في هذا النصف، فأريد أن تسكت عن دعواك بالشفعة وأعطيك عشرة آلاف ريال، أو تسكت عن دعواك بالشفعة وأعطيك أرضي الفلانية، مراضاة على ذلك، لم يصح.
والسبب في هذا أن الشفعة شرعها الله دفعاً للضرر عن الشريك، فإذا أخذ العوض دل على أنه لا ضرر عليه بدخول هذا الشريك، فإذا تم بينهما صلح وأعطاه الخمسة آلاف على أن يسكت عن الشفعة وارتفعا إلى القاضي أمره القاضي برد الخمسة آلاف وأسقط حقه بالشفعة؛ أي: يصبح خاسراً من الوجهين، لا هو رجع إلى الشفعة، ولا هو أخذ المال الذي اتفقا عليه.
في هذه الحالة نقول: كيف أسقطنا الصلح؟ قالوا: لأن استحقاق الانتزاع مبني على خوف الضرر، فلما قَبل به شريكاً دل على أنه لا ضرر، وأن من مثله يُقبل كشريك، فكونه أسقط ورضي بإسقاط الحق واعترف أنه لا شفعة ورضي بذلك فإنا نسقط حقه؛ لأن كل شريك سكت عن حقه أو بان منه ما يدل على الرضا بالشريك يسقط حقه في الشفعة، ثم بعد ذلك تسقط الخمسة آلاف لأنها عوض عما لا معاوضة فيه، فاستحقاق الانتزاع ليس من جنس ما يباع ويشترى، فلا يملك أن يعاوضه عنه.
(187/12)
________________________________________
حكم الصلح على ترك الشهادة
[بترك شهادة]: الشهادة نعمة من الله سبحانه وتعالى على الناس وعلى القضاء، وهي توصل الحق لصاحبه.
ولذلك يقول القاضي أبو أمية شريح الكندي رحمه الله، وكان قاضياً لثلاثة من الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، عمر وعثمان وعلي وهو إمام من أئمة القضاء، وكانت له حكم عجيبة، يقول رحمه الله: (إن القضاء بلاء) وفي رواية: (إن القضاء جمرة) يعني: ناراً وعذاباً (فنحه عنك بعودين) فالجمرة تدفعها بعودين، والعودان هما الشاهدان العدلان.
فإذا جاء الشاهدان العدلان عرفت صدق المدعي في دعواه فأوصلت الحق لصاحبه، فالشهادة تعين على الحق، وتعين على الوصول إلى الحق.
فإذا استُخدم التزوير والكذب أو كُتمت الشهادة ضاعت الحقوق، فالذي يكتم الشهادة يظلم المظلوم ويكون معيناً للظالم على ظلمه؛ لأنه لو نطق بالحق لعرف القاضي الحق وأوصله إلى صاحبه، فهو ظالم للمظلوم، وظالم للقاضي، لأن القاضي سيحكم أن المدعى عليه بريء، مع أنه فعلاً متهم ومطالب، فلما سكت الشهود حكم بالباطل.
فيصبح الساكت عن الشهادة مضراً بصاحب الحق، حيث إنه لم يتوصل إلى حقه، ومضراً بالقضاء، وخائناً للأمانة؛ لأن الشهادة أمانة، والله تعالى بيّن ذلك بقوله: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة:283] فشهد الله عز وجل بأنها مظلمة وأنها إثم، وقال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] فهي معونة على الإثم والعدوان إذا كتمت.
وعلى هذا فلو أن رجلاً شهد بالحق وهو يعلم أن فلاناً صادق في دعواه، فقال المشهود عليه للشاهدين: نعطيكما عشرة آلاف ريال، وتسكتا؛ فإنها رشوة، فكما أن القاضي يأخذ المال رشوة للحكم بالباطل؛ فإن الشاهد أخذ المال لسكوته عن الشهادة فيتوصل بها إلى ظلم المظلوم وإعانة الظالم، فلا يجوز أخذ العوض على كتمان الشهادة.
لكن لو كانت الشهادة في حق يسع السكوت عنه.
مثلاً: من رأى رجلاً يزني بامرأة فإن من حقه أن يسكت، وإذا سكت وسترهما فإن الله يستره، ويجوز ذلك ويشرع؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (من ستر مسلماً ستره الله) وأجمع العلماء على مشروعية الستر، فلو قال له قائل: اسكت ولا تشهد وأعطيك.
فهل يجوز أن يأخذ؟ نقول كما قال الأئمة رحمهم الله: إنه إذا سكت في هذه الحالة فإن الشهادة في الأصل حسبة لله، فإذا سكت عنها لله قبل السكوت، لكن إذا سكت عنها من أجل المال، فقد أخذ المال بدون حق؛ لأنها ليست من جنس ما يعاوض عنه؛ ولأن السكوت عبادة لله، والعبادات لا تجوز المعاوضة عليها، هذا بالنسبة لكتمان الشهادة.
[وتسقط الشفعة والحد]: يعني: إذا أعطاه المال من أجل أن يسكت عن الحد وسكت سقط الحد، ويبوء بإثمه والعياذ بالله إن كان فيه ظلم، وكذلك بالنسبة للشفعة فإنه إذا رضي أن يناقل عنها وينتقل؛ فإنه لا تصح المعاوضة وتسقط الشفعة، فلا هو أخذ المال ولا هو أدرك حقه بالشفعة.
(187/13)
________________________________________
مسائل الازدحام في الحقوق
قال رحمه الله: [وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره أزاله]: من هذه الجملة فما بعد سندخل في مسائل جديدة، وهي التي تسمى مسائل الازدحام في الحقوق، ومن دقة الفقهاء رحمهم الله أنهم يذكرونها بعد الصلح، حتى ذكر ذلك الإمام الشافعي رحمه الله وهو من القرون الأول من أئمة السلف، كما في مختصر المزني حيث ذكر عنه مسائل الازدحام بعد الصلح، والمناسبة واضحة؛ لأن الازدحام دائماً في الحقوق يقع فيه الصلح.
فهم يذكرون الصلح كقاعدة عامة في الإقرار والإنكار، ثم بعد ذلك يدخلون مسائل الازدحام، وهذا منهج ورد عليه الأئمة من الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة وأتباعهم رحمة الله عليهم.
فلما فرغ رحمه الله من مسائل الحقوق الخاصة شرع في الحقوق العامة.
الحقوق العامة فيها مسألة الازدحام في الحق الخاص والحق العام، خاصة في الجيران، فلو كان لشخص شجرة ولهذه الشجرة غصن، فأطل الغصن على أرض جاره، فالجار سيتضرر من هذا الغصن بتساقط الورق، أو بشغله إذا أراد أن يرفع شيئاً أو يضع شيئاً فلا يستطيع؛ لأن الهواء قد شغل بالغصن.
هناك قاعدة نذكرها قبل أن ندخل في مسائل الازدحام: من ملك أرضاً ملك سماءها، الذي هو الهواء، وملك قرارها الذي هو الجوف.
فلو أنك ملكت (عشرة أمتار × عشرة أمتار) واشتريتها بمالك، فصارت ملكاً شرعياً ثابتاً، فأنت تملك الهواء وتملك الأرض، فليس من حق أحد أن يزاحمك في هوائها، وليس من حق أحد أن يزاحمك في قرارها هذا أصل.
دليل هذا الأصل قوله عليه الصلاة والسلام: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أراضين يوم القيامة) فجعله معذباً بأسفل الأرض كعذابه بأعلاه؛ لأنه باغتصابه للأعلى كان مغتصباً للأسفل، فدل على أن أسفل الأرض وأعلاها حكمه سواء، وتفرعت على هذا أحكام شرعية في المعاملات والعبادات.
ومن الأحكام في العبادات: أن من صلى في سقف المسجد الحرام نال أجر المائة ألف كما لو صلى في أسفله، وأن المعتكف لو صعد إلى سطح المسجد فإنه يصح اعتكافه ولا يبطل؛ لأنه لم يخرج عن المسجد، شريطة أن يكون خروجه للسطح من داخل المسجد لا من خارجه، وتفرع عليه مسألة الطواف في الدور الثاني؛ لأن الطواف كالصلاة، والصلاة تجوز في أعلاه كما تجوز لمن أسفله.
وتفرع عليه السعي في الدور الثاني إلا أن السعي أضعف من الطواف، ولذلك اختلف العلماء المعاصرين فيه؛ لأن هناك فرقاً بينهما من جهة قوله: {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158] وهذه البينية (بِهِمَا) أي: بينهما؛ لأن الباء للظرفية ومن معاني الباء.
تعدَّ لصوقاً واستعن بتسبب وبدل صحاباً قابلوك بالاستعلاء وزد بعضهم ظرفاً يميناً تحز معانيها كلها هذه كلها معانٍ للباء، فلما قال: {يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158] أي: بينهما، بخلاف الطواف بالبيت فإنه صلاة، وجاء الأصل الشرعي أنه يجوز أن يصلي على أبي قبيس، وقعيقعان مع أن المصلي عليهما يسامت الهواء ولا يسامت الكعبة.
فدل على مشروعية الطواف مع مسامتة الهواء دون مسامتة الجذر، لكن بالنسبة للسعي فلا يشرع بمسامتة الهواء عند من يرى أن الأرض مستحقة للسعي بدليل الهرولة في هذا الموضع المخصوص -وإن كان يعترض عليه بالهرولة في الرمل- هذا القول مردود؛ لأن الهرولة ليست للموضع وإنما هي للسنة المتبعة بالرؤية.
فالشاهد أن المسألة عند من يقول: بأنه يجوز السعي -هو قول له وجهه ودليله- لأنه ينظر إلى أن الأسفل كالأعلى وأن الأعلى كالأسفل، فمن ملك أرضاً ملك هواها، وملك علوها وسفلها، ويتفرع عليها بطلان بيع الشقق؛ لأن الشقة إذا كانت في الأرض وبيعت فسطحها ملك لمن ملك الشقة، وإن استحدث شقة ثانية فقد استحدثها على ملك الغير، وصار على هذا من ملك الأسفل من الشقة ملك أعلاها وإن علا، فلو أنه قيل له إنما يملك الشقة السفلى ولا يملك العليا ناقض الأصل.
ولذلك ما يعمل به اليوم من قيام البعض بشراء أرض ثم يبني عليها عمارة، ويقسم العمارة على أربعة، وكل يأخذ دوراً، فأصبحت العمارة منقسمة على أربعة ويصبح السطح للمالك الحقيقي، ثم يبني المالك الحقيقي شقة أخرى ويبيعها ويقول: أنا ما بعت له إلا الشقة، فأصبح الملك في هذه الحالة متردداً، ويصبح الملك قابلاً للزيادة، وقابلاً للغرر، وهذا يخالف مسألة أن من ملك أرضاً ملك سماءها.
فلو نازع وقال: الشقة العليا لا تملك بالسفلى نوزع بالأصول التي ذكرناها، وقلنا: كيف تصحح الاعتكاف لمن يعتكف بسطح المسجد مع أنه ليس في قراره؟ ومعنى ذلك أنك أعطيت الأعلى حكم الأسفل، وتقول له أيضاً: كيف تصحح الطواف بالدور الثاني، فمعناه أنك تقول: إن من ملك الأرض ملك سماها، وأن علوي الأرض كأسفلها وإلا انتقض قولك في البيع، إذا قلت: بجواز بيع الشقة.
فالشاهد في مسألة سقوط الغصن في ملك الغير، أن الغصن يكون قد جاء على ملك الغير فالهواء ملك لصاحب الأرض، فإن قال صاحب الأرض: الهواء ملك لي، فارفع هذا الغصن عني، فقال: لن أزيله.
حينئذٍ من حقه أن يلوي هذا الغصن، سواء لحقه منه ضرر أو لم يلحقه، فمن حقه أن يقول: لا أريد هذا الغصن أن يطل على أرضي، فهذه أرضه، ومن حقه أن يأذن لمن يشاء ويمنع من يشاء، فإن أصر حل له أن يقطع هذا الزائد من الغصن؛ لأنه اعتداء عليه واعتداء على ملكه، لكن بعد أن يستوفي ما ذكرناه.
قال رحمه الله: [فإن أبى لواه إن أمكن] أي: يحرفه ويصرفه عن أرضه.
[وإلا فله قطعه]: أي: من حقه أن يقطعه ولا يطالبه صاحبه بالضمان.
(187/14)
________________________________________
حكم الاستطراق في الدرب النافذ
قال رحمه الله تعالى: [ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق]: الحقيقة أن من يقرأ كتب العلماء والأئمة خاصة في الفقه يحس أنهم تركوا ثروة عظيمة لنا فرحمة الله عليهم، وفي بعض الأحيان تنظر إلى الفقهاء فإذا بهم أئمة في كل شيء.
إذا جئت إلى باب الطيب مثلاً في محذورات الإحرام تقرأ فروع الطيب، وما هو الطيب المؤثر في الإحرام؟ ما كان أصله طيباً، وما كان الطيب فيه تبع، وما يؤثر في الطعام، وما يؤثر في البدن، وغير ذلك من الفروع حتى تكاد تقول: إن الفقهاء عطارون.
وإذا أخذت مسائل النفاس وأحكام النفاس والولادة، فإذا أسقط المولود قبل تمام خلقته أو بعد تمام خلقته، تكاد تقول إنهم أطباء، ثم تأتي وتدخل في مسائل ازدحام الحقوق فتظنهم مهندسين، وهذا من التقعيد والتأصيل وضبط المسائل، فرحمة الله عليهم، ولكن هذه الثروة تحتاج من يعتني بها ويتأملها، ويتمعن فيها ويقررها على أصول الشريعة؛ لأنهم أئمة ما كانوا يأتون بشيء من عندهم، وإنما كانوا يستنيرون بنور الشرع، وهدي الكتاب والسنة في إعطاء الأحكام، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.
ومسألة الغصن ليست منحصرة في الغصن بل هي أصل لغيره، فكل جار أطل على جاره بشيء فيه ضرر وأذية فمن حقه أن يمنعه، وحتى لو لم يكن فيه ضرر عليه، فمن حقه أن يقول: ارفع هذا عني.
وتقول: هو كغصن الشجرة، وهذا ما يسمونه بالتخريج، والتخريج أن تقرر المسألة القديمة بكلام العلماء بدليلها ثم تأتي للمسألة المعاصرة وتقول: هذه المسألة كمسألة الغصن، فتعطي المسألة المعاصرة حكم المسألة القديمة، وهذا من تخريج النازلة على المسألة القديمة.
مثلاً: الطريق النافذ: كان في القديم نظام البيوت أن يكون الحي والمجموعة من البيوت -عشرة بيوت مثلاً- تطل على حوش واحد -مثلاً- والأبواب كلها تطل على هذا الحوش، ويوجد طريق ينفذ من هذا الحي الذي فيه الأحواش إلى خارج المنطقة التي فيها البيوت، ويسمونه طريقاً غير نافذ، إذا كان بحي مغلق، وقد يكون الطريق نافذاً لحي غير مغلق، مثل أن يأتي الطريق في وسط الأحياء، مثل الشارع الذي يكون اليوم بين الفلل أو بين العمائر والبيوت، فهذا يسمونه الطريق النافذ، ففي هذه الحالة إذا كان الطريق نافذاً فإنه يشترك فيه عموم المسلمين.
إلا أنه في حالة كونه على حي أو على حوش أو حارة يسمى في القديم خاصاً، فحينئذٍ يكون حكمه أضيق مما لو كان طريقاً سابلاً للجميع، فإذا كان على حي وحارة خاصة فإنه يشرع ويجوز أن يستثنى برضا أهل الحي، ولكن إذا كان طريقاً عاماً لم يكن الإذن لأهل الحي؛ لأن الحق فيه ليس لحي مخصوص وإنما هو لعموم الناس، فهذا هو الفرق بين الصورتين.
و (الاستطراق): استفعال من الطرق.
أي: يجوز أن تفتح باباً من أجل أن يكون مخرجاً لك على هذا الطريق.
لو أن عمارة لها منفذ على طريق فيجوز لأي إنسان أن يفتح عليها باب؛ لأن الطريق للجميع، فليس من حق أحد أن يمنعني أن أفتح باباً في عمارتي أو بنايتي أو بيتي على هذا الطريق.
هذا من حيث الأصل العام.
(187/15)
________________________________________
حكم إخراج الرواشن والبلكونات
[لا إخراج روشن]: الرواشن موجودة في البيوت القديمة وتكون من الخشب عادة، وإن كان أصلها وقرارها مثبت في نفس الجدار بخشب أو حديد أو نحوه، فملكيتك للبيت هو الأصل المسامت للقرار لا ما خرج عن ذلك، وإنما قال: (لا إخراج روشن)؛ لأن الروشن إذا خرج زحف على الطريق؛ ولأن فضاء الطريق للطريق؛ ولأن الفضاء تابع للأصل، فإذا أبرز الروشن فإنه في هذه الحالة دخل على ملك عموم المسلمين، وليس هناك إذن له بهذا؛ لأنه ينبغي أن يستأذن جميع المسلمين، وهذا يتعذر، فقالوا: لا روشن.
إلا أن بعض العلماء أجاز له أن يخرج الروشن إذا أذن له ولي الأمر، مثل ما يسمى بالبلكونات، فنظام البلكونات الآن في بعض الأحيان يكون على نفس الأرض، ويخرج بلكونته على أرضه فليس فيها إشكال، لكن لو أنه أخرجها زائدة عن حد أرضه وملكيته فلا بأس إذا كان بإذن، وإذا كانت بدون إذن فهذه لعموم المسلمين؛ لأنه إذا أبرز الروشن وكان الطريق مثلاً عرضه خمسة أمتار وأجزنا إبراز الروشن؛ امتنع مرور ما كان بهذا العرض؛ لأنه سيبرز الروشن مثلاً بمتر أو بنصف متر، فمعناه أنه في الهواء ضيق الطريق من خمسة أمتار إلى أربعة ونصف، فلو أن أهل الحي في يوم من الأيام احتاجوا أن يدخلوا شيئاً بعرض خمسة أمتار تعذر عليهم الإدخال.
(187/16)
________________________________________
حكم الساباط
[وساباط]: الساباط يوجد في الأحياء القديمة، وهو أن يخرج من البيت بروز، فقد يكون الرجل مالكاً للبيتين وبينهما طريق، فيصل البيتين بالساباط، كالكبري الذي يكون في الطريق، ولا يستطيع أحد أن يمر إلا إذا كان دون هذا الساباط، فضيق على الناس في مرورهم إلى هذا الحد.
والفقهاء لا يقصدون ساباطاً أو روشناً أو غيره، فهذه أمثلة لقواعد كما ذكرنا، أرادوا من ذكر هذه الأمثلة أن تصبح نفسك مطمئنة لشيء واحد، وهو أن ملك الغير لا يحق لك أن تستحدث فيه شيئاً على وجه يضر به، أي: حتى يستبين لك ويتقرر عندك أن لك أن تحدث في حدود ملكك، أما ملك الغير وما كان ملكاً لعامة المسلمين فلا.
(187/17)
________________________________________
حكم بناء الدكة في الدرب العام
[ودكة]: الدكة معروفة إلى زماننا هذا، تكون أمام البيت متصلة به من حجارة أو غيرها، يجلس عليها، وتكون بمثابة مكان يستقبل فيه الناس أو يجلس فيه في بعض الأوقات، لكن إذا كان الدكة في نفس الملك فلا إشكال.
(187/18)
________________________________________
حكم إخراج الميزاب إلى الدرب العام
[وميزاب]: الميزاب هو الذي يسمى بـ (المرزاب) وتخرج منه الفضلات من سطوح البيوت والمنازل والغرف على الطرقات، وهذا فيه ضرر على الناس؛ لأنه إذا صب فإنه يصب على الناس، ولو قال قائل: إن صاحبه لا يصب منه إلا بحذر، قلنا له: إذا نزل المطر لا يستطيع أن يتحكم فيه، ففيه ضرر، ومثل هذه الميازيب لا يشرع فتحها على الطرقات العامة.
وخاصة بعد أن نظمت الطرق اليوم، وهذا يؤكد مشروعية المنع من إشراع الميازيب على طرق الناس لما فيها من الضرر والأذية، فقد يكون فيها نجاسة، فيخرج الناس إلى الصلاة وتسيل النجاسة في طرقاتهم، وإن كان والحمد لله الآن قد نظمت هذه الأشياء، وإلا فقد كان الناس يعانون من هذا عناءً لا يعلمه إلا الله، خاصة إذا كان صاحب الميزاب لا يتقي الله.
ولكن قد لطف الله بعباده وتغيرت الأحوال، فمن عاش القديم وعرف الأحياء القديمة ونظر إلى أحوالها يجد فيها عظيم الأذية والضرر بهذه الميازيب، من جهة صبها على الناس وما فيها من النجاسات، أو ما فيها حتى من الطاهرات المنتنة والمؤذية، فالرجل ليس في همه إلا أن يخرج عنه الضرر بغض النظر عن أن يكون في طريق الناس أو يكون مؤذياً للناس، فهذا لا يهمه فالذي يعنيه أن يدفع الضرر عن نفسه، فكان هذا من أعظم ما يستضر الناس به، ولكن الله عز وجل وسع عن الناس والحمد لله.
قال رحمه الله: [ولا يفعل ذلك في ملك جار]: فلو سلط المرزاب على جاره حق له أن يمنعه، ولو سلط الروشن أو الساباط على ملك جاره حق لجاره منعه.
قال رحمه الله: [ودرب مشترك بلا إذن مستحق] (ودرب مشترك): لا يجوز في الدرب المشترك أن يشرع عليه المرزاب، ولا يجوز في الدرب المشترك أن يضع الدكة كمداخل الأحياء، إلا بإذن مستحق.
قالوا: وإذا أذن أهل الحي أو أهل الحارة أو الذين يستفيدون من هذا الدرب فلا بأس، وإن كان بعض العلماء منع وقال: حتى لو أذنوا؛ لأنهم قد يأتيهم الضيف من خارج.
فهم إذا رضوا بالضرر فإن الضيف لا يرضى؛ ولأن الضيف سيطرق الطريق، والطريق حق عام للمسلمين، والعلماء رحمهم الله ما جاءوا بشيء من عند أنفسهم، إنما يبحثون عن صاحب الحق ومن له حق التنازل، حتى إن الإمام الشافعي وطائفة من العلماء لما ذكروا مسألة سد الطريق النافذ إلى الحي، قالوا: لو كان الطريق نافذاً إلى حي وله طريق بديل فاتفق أهل هذا الحي أن يسدوا هذا الطريق ويبقوا هذا الطريق قال: فمن حقهم سدها.
فاعترض بعض العلماء وقالوا: لو سد هذا الطريق وهو مشرع إلى طريق عام لاستضر من يحتاج إلى هذا الطريق؛ فإنه قد يحتاجه غير أهل الحي.
وقالوا: لو حدثت زحمة وفر الناس إلى هذا الطريق، خفف الزحام عنهم، فإذا سد الطريق استضروا.
كل هذا التقعيد المراد به: (من صاحب الحق).
ولتدرك أن هذه الأمثلة ما جاءت من فراغ، فهي تبحث عن مسألة: (من صاحب الحق، ومن يملك الإسقاط في هذا الحق)، فإذا عرفت من صاحب الحق عرفت وجه الاستحقاق، فمثلاً: لو اتفق أهل الحي على سد طريق وسدوه، ثم تراجع البعض فقالوا: نريد أن نفتحه، فلا يحق لهم أن يفتحوه إلا إذا اتفقوا كلهم على الفتح؛ لأنهم اتفقوا كلهم على السد، فينبغي أن يتفق جميعهم على فتحة.
وكل هذا تأصيل وتقعيد لمسألة الاستحقاق، وهذه المسائل ما جاءت عارضة، وليس المراد منها ذات المثال إنما المراد منها بيان صاحب الحق، ووجه الاستحقاق.
(187/19)
________________________________________
حكم وضع خشبة على جدار الجار
قال رحمه الله: [وليس له وضع خشبه على حائط جاره إلا عند الضرورة إذا لم يمكنه التسقيف إلا به]: أي: لأن الأصل أن الجار يملك جداره، وليس من حق أحد أن يضع خشبه على جداره إلا بإذنه، ويجوز إذا احتاج.
فالجار له حالتان: الحالة الأولى: أن لا يكون محتاجاً لوضع الخشب على جداره، فليس من حقه أن يحرجه وأن يضع الخشب على جداره، وكانوا في القديم ربما بنى الجار الدور الأول بجدار، وفي الدور الثاني احتاج أن يضع خشبة على جدارك؛ لأن جدارك مهيأ لهذا، فهل من حقه أم لا؟ يجوز له ذلك، ولا يجوز لك منعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنعن جاراً جاره أن يغرز خشبه في جداره) وفي رواية: (خشبة في جداره) وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: (ما لي أراكم عنها معرضين! والله لأرمين بها بين أكنافكم) يعني: إنني أبِّرئ ذمتي وأبلغكم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تتحملون المسئولية إن خالفتم السنة: فمنعتم الجار من غرز خشبه في الجدار.
وقيل في رواية: (مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم) أي: لأجعلن الخشب حتى ولو على أكتافكم.
يعني: تحقيقاً لهذه السنة، وكلاهما وجه في الرواية، وهذا يدل على مشروعية غرز الخشب في جدار الجار.
قال رحمه الله: [وكذلك المسجد وغيره]: أي: إذا احتاج المسجد أن يوضع سقفه على جدار الجار فيوضع، أو العكس: لو أن الجار احتاج أن يضع خشبه على جدار المسجد فإنه يجوز؛ لأن السنة ماضية، فجار المسجد جار، فيستوي في ذلك الأوقاف وغيرها.
قال رحمه الله: [وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أجبر عليه] هذه المسألة يقع تطبيقها في الأملاك القديمة، حيث يوجد جدار بين مزرعتي ومزرعتك بناه الأجداد، ولا تدري هل جدك الذي بناه أو جدي، لكن المعروف أن هذا الجدار فاصل بيني وبينك، فانهدم هذا الجدار بالسيل أو الريح فسقط، فجئتك لأجل أن نبنيه فقلت لك: يا فلان! أريد أن أبني الجدار.
فقلت لي: ابنه أما أنا فلا أدفع شيئاً، فمن ناحية شرعية تلزم بالدفع؛ لأن الجدار بيني وبينك، والحق مشترك بيننا، ولا تتعطل مصالحي بتقاعسك عنه.
أي أنه لابد من وجود الفاصل بين الحدين، فيبنى الجدار وتكون القيمة بين الطرفين، وهكذا في الحقوق المشتركة، إذا امتنع أحدهما واستضر الآخر بامتناعه ألزم وأكره على ذلك.
قال رحمه الله: [وكذا النهر]: مثلاً: نهر يسقي المزارع -مثل العيون- لأنها تسقي الجميع، فلو احتاجوا أن ينظفوها ويوسعوها وامتنع البعض من المساهمة فإنهم يلزمون بذلك، وهذا من باب الحقوق المشتركة؛ لأن امتناعه عن المساهمة يضر بالجماعة وفقه المسألة: أنه إذا امتنع تعطل الماء عن المزارع فتضرر الجماعة، فرضنا عليه أن يدفع.
فالقاعدة: (أن الضرر الخاص يحتمل للضرر العام) فنقدم ضرر الجماعة على ضرر الفرد، مع أنه إذا دفع حصلت المصلحة، فكأنه بامتناعه عن الدفع يتجاهل مصلحته، فيلزم وكأنه سفيه بما فيه رشده.
وكذا في الطرقات فلو أنه احتيج إلى طريق يكون مشتركاً واستهموا كلهم إلا واحداً، أجبر على أن يساهم إلا أن يكون عاجزاً فيكون بمثابة الدين عليه، يجب أن يقضيه متى تيسر له، فيعطي إخوانه حقهم فيما توجب عليه في المشاركة.
قال رحمه الله: [والدولاب]: كذلك دواليب السقي في المزارع ومنها: العيون والخيوف.
قال رحمه الله: [والقناة]: القناة التي تجري فيها المياه، كأن تبنى وتنظف ويجري فيها الماء، فإذا امتنع البعض اجبروا على المساهمة معهم.
(187/20)
________________________________________
الأسئلة
(187/21)
________________________________________
حكم تأجير النفس للعمل

السؤال
هل من صور المعاوضة بالمنافع: أن يؤجر نفسه للعمل عنده شهراً لاستيفاء حقه؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فعلى القول بمشروعية الصلح بالإجارة يستقيم أن يؤجر نفسه أو يؤجر شيئاً يملكه كسيارته أو داره أو نحو ذلك، ولا فرق بين إجارة الأشخاص والذوات وبين إجارة المنافع، فالحكم فيها سواء، فيصح أن يقول له: على أن أعمل عندك شهراً أو أسبوعاً أو سنةً، وهذا ما يسميه العلماء بإجارة المسانهة والمشاهرة والمياومة، وكل ذلك جائز ومشروع.
والله تعالى أعلم.
(187/22)
________________________________________
حكم الصلح على وجه يقع به الضرر

السؤال
ما حكم الصلح إذا كان فيه تمادٍ واستمرارٌ لصاحب الخطأ؟

الجواب
الصلح كما ذكرنا لا يكون على سبيل الظلم، فالظالم لا يصالح على ظلمه، إنما نتكلم على شيء محتمل أن يكون فيه مصيباً ومحتمل أن يكون خاطئاً، فيصالحه عليه، على التفصيل الذي ذكره الفقهاء فيما قد بيناه.
أما لو صالحه على وجه يكون فيه ضرر فلا؛ مثلاً: إذا وقعت خصومة بين اثنين وأحدهما معروف بالأذية والإضرار، فقد سبق وأن بينّا أنه ينبغي أن يُنصَف المظلوم من ظالمه وأن يقال للظالم: اتقِ الله، ولا تظلم فلاناً، ويبين الحق، فهذا واجب عليه؛ لأنه من باب النصيحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: تكفه عن ظلمه، فذلك نصر له).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(187/23)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحجر [1]
من أبواب الفقه المشهورة: باب الحجر، وهذا الباب متضمن لأسرار وحكم عظيمة، وهو من محاسن الشريعة التي تحفظ مصالح الأفراد والجماعات، وتحفظ الحقوق لأهلها، حتى ولو تطلب الأمر منع شخص من التصرف في ماله على تفصيل في أحكام المفلس.
(188/1)
________________________________________
تعريف الحجر ومشروعيته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الحجر] الحجر في لغة العرب: المنع، يقال: حجره عن الشيء، إذا منعه وحال بينه وبين الوصول إليه، ولذلك سمي الحِجرُ حِجراً؛ لأنه يمنع الطائف بالبيت من الدخول إلى هذا الموضع الذي فيه جزء من البيت لا يصح الطواف إلا باستيعابه، وسمي العقل حجراً؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي الأمور التي لا تليق به كما قال تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [الفجر:5] أي: لذي عقل يمنعه ويحجره ويحول بينه وبين ما لا يليق به.
وأما في الاصطلاح: فهو منع نفوذ التصرف في الأموال؛ فالحجر في الشرع إذا أطلق فالمراد به الحجر في التصرفات المالية، بمعنى: أن من يُحكم عليه بالحجر لا ينفذ تصرفه في أمواله لا ببيع ولا بشراء ولا بهبة ولا بنحو ذلك من التصرفات، بل يكون عليه ولي ينظر الأصلح والأحظ في هذه المعاملات.
(188/2)
________________________________________
الدليل على مشروعية الحجر والحكمة منه
الأصل في مشروعية الحجر أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] فحرم الله عز وجل علينا تمكين السفهاء من الأموال؛ لأنهم لا يحسنون التصرف فيها، وإذا تصرف السفهاء في أموالهم بذَّروا وأسرفوا، وعندها تضيع الأموال وتحصل الخصومات والنزاعات بسبب البيوع التي لا تكون على السنن، ومن هنا حكمت الشريعة بالحجر.
والناس في التصرف في المال على قسمين: - قسم منهم رزقه الله حسن النظر وحسن التصرف، فإذا أعطاه الله المال اتقى الله في المال، فأحسن التصرف فيه من جانبين: الجانب الأول: من ناحية الدين: فيحفظ المال عن حرمات الله أن ينفقه في معاصي الله، وكذلك ينفق المال في طاعة الله، فهذا رشيد في دينه، فالرشد في المال من ناحية الدين أن يحفظه عن محارم الله عز وجل، وأن ينفقه في وجوه الخير التي ترضي الله عز وجل.
وأما رشد الدنيا: فإنه يكون رشيداً في ماله من ناحية دنيوية إذا أحسن النظر، فأحسن الأخذ لنفسه والإعطاء لغيره، فيشتري الأشياء بقيمتها التي تستحقها، ويبيع الأشياء بقيمتها التي تستحقها ولا يغبن.
وكذلك أيضاً من الإحسان في التصرف في الدنيا ألا يسرف في المباحات، وإنما يسعى في مصلحة ماله بحفظه وتنميته ورعايته وصيانته، ويكون بذلك على السنن.
هذا بالنسبة لرشد الدين والدنيا، فهذا النوع من الناس أموالهم محفوظة ولهم الحق في النظر في أموالهم؛ لأن من ملك مالاً ملكاً شرعياً فهو أحق بالتصرف فيه، ولا يحال بينه وبين التصرف فيه بالأصلح.
أما القسم الثاني من الناس: فهم الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم، وهؤلاء يكون سبب عجزهم عن حسن التصرف إما الصغر أو ضعف العقل كالمجنون أو السفيه الذي لا يحسن التصرف في ماله، فهؤلاء شرع الله عز وجل أن يحجر عليهم، بمعنى: ألا نمكنهم من التصرف في أموالهم.
وإذا حُجر عليهم يقام عليهم شخص ينظر في مصالحهم، فالأيتام إذا توفي والدهم وترك لهم أموالاً؛ فإن هذه الأموال لو مكنا الأيتام منها لأضاعوها، فصغير السن ربما جاءه شخص وبكى عنده واستعطفه فأعطاه جميع ماله، ولربما جاءه شخص وأثنى على سلعة ما ورغبه في شرائها فأعطاه ما لا يعطى في تلك السلعة، فليس عنده من العقل والإدراك وحسن النظر ما يمكنه من وضع المال في موضعه.
فشرع الله أن يمنع هؤلاء من التصرف، والتصرف يكون بالقول كقوله: بعت واشتريت ووهبت وتصدقت ونحو ذلك، وهذا كله لا ينفذ، من ناحية القول ومن ناحية الفعل، كأن يعطي بيده لأحد، فدلالة الفعل هذه تنزل منزلة دلالة القول كما بينّا في البيوع في بيع المعاطاة.
وأياً ما كان فالذي يهمنا أن الناس على قسمين: - قسم منهم يحسن النظر في أمواله.
- وقسم منهم لا يحسن النظر في أمواله.
والشريعة الإسلامية أعطت كل ذي حق حقه، فمن رزقه الله حسن النظر في ماله يقوم على ماله، وهو أحق به كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) فجعل حرمة مال الإنسان كحرمة دمه.
وأما القسم الذي لا يحسن النظر فيه فالمصلحة تقتضي الحجر عليه.
وقد يسأل سائل أو ترد شبهة عليك ويقول: إن الشريعة شريعة يسر ورحمة، وفي الحجر على الناس تضييق وحرج، فإما أن تكون شريعتكم شريعة عسر وليست بشريعة رحمة -حاشاها- وإما أن يكون الحجر غير مشروع، فهو يلزمك بهذه الشبهة، ويقول: أنتم تقولون: إن شريعتكم شريعة يسر ورحمة -وهذا صحيح- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] لكن الحجر فيه تضييق وعسر، ومنع لليد أن تطلق وأن تتصرف في مالها.
والجواب أن يقال: إن الشريعة كما ذكرتم شريعة يسر ورحمة، ومن اليسر والرحمة الحجر على الناس؛ لأن الصغير إذا مكن من ماله وهو صغير؛ أتلف المال وندم عند كبره، فيتعذب بفوات ماله وضياع إرث أبيه عليه، فرحمةً به يحفظ ماله.
والمجنون لو مكن من البيع والشراء والأخذ والعطاء في ماله لأتلف المال وأفسده، فمن الرحمة أن يحجر عليه.
إذاً أولاً نقول: لا نسلم أن الحجر تضييق بل إنه رحمة؛ لأنه يحفظ الأموال، فهو رحمة من جهة حفظ المال.
الوجه الثاني: لو سلمنا -فرضاً- أن الحجر فيه تضييق وحرج، فإن الحرج بإطلاق أيدي السفهاء ومن لا يحسن النظر في ماله أعظم من الحجر عليه، والشريعة ترتكب أخف الضررين.
فنسلم لهم ونقول: نعم، إن الحجر فيه تضييق وفيه مشقة على الناس، وأشق من ذلك أن يمكن من لا يحسن النظر في ماله أن يتصرف في المال فمفسدة ذلك أكثر.
وتوضيح ذلك: أنه لو أطلقت يد من لا يحسن التصرف في ماله لحدثت النزاعات بين الناس؛ فالصبي يذهب ويشتري ويبيع، فيأتي وليه وينازع من اشترى أو ابتاع منه، وعندها تحدث بين الناس الخصومات والنزاعات، فالحرج بإطلاق أيدي هؤلاء أعظم من الحرج بالحجر عليهم، والشريعة ترتكب أخف الضررين، هذا بالنسبة لمشروعية الحجر.
(188/3)
________________________________________
أسباب ودواعي الحجر
الحجر له سببان: السبب الأول: أن تحجر على الإنسان لمصلحة نفسه.
والسبب الثاني: أن تحجر عليه لمصلحة غيره.
فالحجر على الإنسان لمصلحة نفسه: يشمل اليتيم والمجنون والسفيه، فإن كلاً من اليتيم والمجنون والسفيه إذا منعته من التصرف في ماله فصار لا يبيع ولا يشتري إلا عن طريق وليه الذي ينظر فيه، فإنما قصدت حفظ ماله عليه، فالمصلحة عائدة إليه.
وهناك نوع ثانٍ من المحجور عليهم: وهم الذين يحجر عليهم لمصلحة غيرهم، وهذا يشمل أنواعاً منهم: المفلس: وهو الشخص الذي تكون ديونه أكثر من رأس ماله، كرجل عليه دين مليونان، ورأس ماله في تجارته نصف مليون أو مليون أو مليون ونصف، فمثل هذا إذا طلب غرماؤه أن يحُجر عليه -وكان الدين حالاً- حجر عليه، فيحجر عليه في التصرف في ماله، ويبيعه الحاكم في دينه، فمثل هذا المفلس حجرنا عليه ومنعناه من التصرف في ماله لمصلحة الغرماء أصحاب الديون وهم أصحاب الحقوق.
النوع الثاني ممن يحجر عليه لمصلحة غيره: مثل المريض مرض الموت، فإن الإنسان إذا مرض مرض الموت أحل الله له أن يتبرع في حدود الثلث من ماله، والزائد عن الثلث يستأذن فيه الورثة، فلا يحق له أن يتصرف في الثلثين الباقيين بالصدقة والهبة والعطية إلا بإذن ورثته؛ لأن سعداً -رضي الله عنه وأرضاه- قال: (يا رسول الله! إني كما ترى -يعني: أرى أن المرض قد اشتد بي- وليس لي وارث إلا ابنة -يعني: بنتاً- أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا.
قال: أفأوصي بنصفه؟ قال: لا.
قال: أفبثلثه؟ قال: الثلث والثلث كثير)، فأحل له أن يتصدق ويوصي بثلث المال، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم) أي: إن المسلم عند حضور الأجل وفي مرض الموت يتصرف في ماله في حدوث الثلث.
والسبب في هذا: أن الرجل لو حضرته المنية وأطلق له التصرف في المال لربما انتقم من ورثته، وربما تصدق بجميع ماله؛ فترك الورثة فقراء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).
لأنك إذا تركت المال لهم وقصدت بذلك حفظهم عن الحرام، وقصدت بذلك القيام بحقوقهم عليك؛ فإن الله يأجرك على ذلك، وتكون صدقة منك على ولدك، وإعطاء الصدقة للقريب أفضل من إعطائها للغريب.
وعلى هذا: يحجر على المريض مرض الموت أن يتصرف في ماله، وإنما يسمح له في حدود الثلث، والحجر يكون في الثلثين الزائدين، قال الناظم: وزوجة في غير ثلث تعترض كذا مريض مات في ذاك المرض وهذا على مذهب المالكية من أن الزوجة تعترض في الزائد من تصرفه عن الثلث.
وأما بالنسبة للنوع الثالث ممن يحجر عليه لمصلحة الغير: العبد المملوك، فإنه بحكم الرق المضروب عليه بناءً على الكفر حُجر عليه التصرف في ماله وأصبح المال ملكاً لسيده؛ لأن حديث ابن عمر الذي تقدمت الإشارة إليه غير مرة أخلى يده عن الملكية.
فهذا يُحجر عليه لمصلحة سيده، والخلاصة: أنه إما أن يحجر على الشخص لمصلحة نفسه أو يحجر عليه لمصلحة غيره.
ولا شك أن منع السفهاء من التصرف في مالهم له عواقب حميدة على المجتمع، فإن الأموال إذا حفظت عن الإهدار والإسراف؛ فإن ذلك يعود بالخير على الناس أفراداً وجماعات.
(188/4)
________________________________________
أحكام المفلس
(188/5)
________________________________________
حكم الرجل المعسر إذا لم يقدر على وفاء دينه
قال رحمه الله تعالى: [ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه لم يطالب به].
الرجل المعسر الذي ليس عنده مال يسدد به ديونه لا نطالبه أن يسدد؛ لأننا لو حكمنا بمطالبته وبوجوب أن يسدد كلفناه ما لا يطيق وليس عنده مال، كرجل صاحب عائلة أخذ مالاً من صاحب بقالة في إطعام أولاده، وافتقر وأصبح مديوناً لصاحب البقالة بألفٍ -مثلاً- فجاء صاحب البقالة وقال: أعطني مالي.
فقال: ما عندي.
فرفعه إلى القاضي، فنظر القاضي، فإذا به معسر وليس عنده ما يسدد به صاحب الدين، إذا ثبت هذا؛ فإن القاضي يقول لصاحب الدين: أنظر أخاك إلى يسر {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280] فأمرنا الله عز وجل أن ننظر المعسر.
ومن أحب القربات وأعظمها عند الله ثواباً وأحسنها عاقبة ومآلاً، وصاحبه في صلاح حال في دينه ودنياه وآخرته: أن ييسر على المعسر، ويغفر له، فيتجاوز عن دينه أو يخفف عنه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم فضّل هذا العمل وأخبر أن الله عز وجل ييسر على صاحبه فقال: (ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) وقال: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فمثل هذا لا يضغط عليه ولا يطالب بما ليس في يده.
قوله: (وحرم حبسه) لأنه شيء ليس بيده، وهو ليس برجل مماطل عنده قدرة، أما لو كان رجلاً عنده قدرة؛ فإن القاضي يحبسه، ويقول له: سدد الناس، فإن امتنع من السداد باع من ماله ما يسدد به دينه.
(188/6)
________________________________________
حكم المفلس إذا كان ماله قدر دينه أو أكثر
قال رحمه الله: [ومن ماله قدر دينه أو أكثر لم يحجر عليه] هناك صور للمديونين: الصورة الأولى: أن يكون دينه أقل من ماله.
الصورة الثانية: أن يكون دينه مساوياً لماله.
الصورة الثالثة: أن يكون دينه أكثر من ماله.
هذه ثلاث صور.
أن يكون دينه أكثر من ماله: كرجل عليه دين مائة ألف، والأموال التي عنده من بيت وسيارة وأمور أخرى زائدة عن حاجته الأصلية تقدر بخمسين ألفاً، فهذا دينه أكثر من ماله.
وأما من كان عليه دين مائة ألف، وعنده مال بمائتين أو ثلاثمائة ألف، فماله أكثر من دينه.
ومن ساوى دينه ماله، كرجل عليه دين مائة ألف، وماله الذي عنده يساوي مائة ألف، هذه ثلاث صور.
فأما الذي دينه أقل من ماله؛ فهذا لا يحجر عليه، بل يطالبه القاضي بالسداد بشرطين: الشرط الأول: مماطلته وامتناعه.
والشرط الثاني: شكوى الغرماء.
فالشخص الذي عليه دين أقل من ماله، بمعنى: أنه قادر على السداد، وامتنع عن السداد، واشتكي إلى القاضي، فإن القاضي يطالبه بالسداد ويفرضه عليه إذا كان الدين حالاً وطالب الغرماء.
كرجل أمهل رجلاً إلى نهاية شهر صفر وكان له عليه عشرة آلاف، فلما انتهى شهر صفر كان عنده عشرون ألفاً، فقال: يا فلان! سددني، قال: ما أسددك، انتظر ليس عندي شيء، فهو إما أن يكذب -والعياذ بالله- فيقول: ليس عندي شيء وهو عنده، أو يقول: انتظر وهو قادر على السداد، فلما ماطل رفعه إلى القاضي، فلما اشتكاه إلى القاضي استدعاه القاضي، وتبين أن أجل الدين قد حل -لأنه لو لم يحل أجل الدين كأن يكون إلى نهاية السنة فليس من حقه أن يطالبه، وليس من حق القاضي أن يلزمه بالسداد قبل الأجل- فإذا حل الأجل واشتكى صاحب الدين؛ خيره القاضي بين أمرين: إما أن يسدد، وإما أن يبيع من ماله ما يسدد به أصحاب الدين.
وبعض العلماء يقول: يحبسه ويسجنه حتى يسدد للناس حقوقهم.
قوله: (لم يحجر عليه وأمر بوفائه) هذا إذا كان دينه أقل من ماله (لم يحجر عليه)، يعني: لم يمنع من التصرف في أمواله، ويترك في تجارته وبيعه وشرائه كما هو، ولكن يأمره القاضي بالسداد بالتي هي أحسن، فإن سدد فالحمد لله، وإذا لم يسدد؛ وعظه وزجره وذكره بالله، فإذا طالب الغرماء حبسه حتى يسدد للناس حقوقهم، والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم يبيح لومه) فدل على أن من منع الناس حقوقهم وهو قادر على السداد، وسأله الناس حقوقهم ولم يعطهم إياها؛ فإنه يعتبر ظالماً، والمظلوم ينصر من ظالمه، والقضاء جعل لنصرة المظلوم من ظالمه.
قال رحمه الله: [فإن أبى حبس بطلب ربه].
إذاً الشرط الأول: أن يكون الدين قد حل.
والشرط الثاني: أن يكون عنده السداد.
والشرط الثالث: أن يطلب أو يشتكي أصحاب الدين.
قال رحمه الله: [فإن أصر ولم يبع ماله؛ باعه الحاكم وقضاه] قلنا: إن سدد فلا إشكال، وإن امتنع من السداد دعاه القاضي وسأله أن يسدد، وذكره بالله، فإن امتنع سجنه، فإن سجنه يوماً ويومين وثلاثة فتضرر أصحاب الحقوق، فإنه يقول له: إذا لم تبادر بسدادهم، سأبيع من مالك ما أسدد به دينك، فلم يبق إلا هذا يلزم به ويكره عليه، ويؤخذ من ماله قهراً، وهذا بيع بالإكراه، لكنه بيع بإكراه بحق، وقد بينّا أن الإكراه إذا كان بحق سرت عليه الأحكام الشرعية ولا يعتبر إكراهاً موجباً لرفع الحكم.
وعلى هذا: فإنه إذا امتنع وأصر بعد سجنه ومنعه، فما على الحاكم إلا أن يقوم ببيع ماله على قدر السداد، فمثلاً: لو كان عنده سيارة قيمتها عشرة آلاف ريال، وعنده عمارة قيمتها -مثلاً- مليون، ودينه عشرة آلاف ريال، فلا ينصرف إلى العمارة ويبيعها عليه، وإنما يبيع سيارته التي تفي بسداد دينه.
وينبغي للقاضي عند حكمه بالبيع ألا يضر بالمدين، بل يؤدي لصاحب الدين دينه، ولا يضر بالمدين كما قال تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] وما شرع لحاجة فإنه يقدر بقدرها، فإذا كان الدين بعشرة آلاف ريال فإننا لا نبيع من ماله إلا بحدود عشرة آلاف ريال، والقاعدة الشرعية تقول: (ما جاز لضرورة وحاجة يقدر بقدرها) فلا يباع إلا بقدر الدين.
قال رحمه الله: [ولا يطالب بمؤجل] هذا من الشروط التي ذكرناها، بمعنى: أنه لو رفعه إلى القاضي واشتكاه، فأول ما ينظر إليه القاضي هل له عليه ديناً فعلاً، فإذا ثبت وأقر أن له عليه ديناً؛ يسأله: هل حل أجل الدين أو لا؟ فإن قال: حل أجل الدين، جرت الأحكام التي ذكرناها، وإن قال: الدين إلى نهاية السنة؛ فإنه يقول لصاحب الدين: اذهب ولا تطالبه إلا في نهاية السنة؛ لأن الذي بينك وبينه من العقد والشرط أن تؤجله، ولا يجوز لك أن تعاجله وتأمره بالتعجيل وقد رضيت بالتأجيل.
فلا يطالب المدين بتعجيل الدين ما دام أن الدين مؤجل إلا إذا رضي بطيبة نفس منه.
(188/7)
________________________________________
حكم المفلس الذي لا يفي ماله بما عليه حالاً
قال رحمه الله: [ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً؛ وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم].
قوله: (ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً) هذا النوع من الناس -كما ذكرنا- يدخل في الصورة الثالثة، حيث يكون ماله أقل من دينه، وقوله: (لا يفي بما عليه حالاً) أخرج ما لو إذا كان مآلاً.
وإذا كان الدين أكثر من المال ففيه تفصيل: - إما أن يكون الدين حالاً.
- وإما أن يكون مؤجلاً.
إن كان حالاً فهذا الذي نبحثه، وإن كان مؤجلاً فلا نحجر عليه، ونتركه حتى يأتي الأجل.
إذاً الصورة الثالثة: أن يكون الدين أكثر من المال، ومثاله: رجل عليه دين مليونان، وماله الذي عنده يساوي مليوناً؛ فحينئذٍ نقول: هل الدين الذي عليه حال أو مؤجل؟ إن قالوا: كله مؤجل، نقول: انتظروا إلى الأجل، وإن قالوا: بعضه معجل وبعضه مؤجل؛ نظرنا في المعجل، فإن كان أقل -مثلاً- لو قلنا: عليه مليونان والذي عنده مليون؛ فقالوا: بعض المليونين معجل وبعضها مؤجل، فما الحكم؟ ننظر في المعجل، إن كان المعجل أكثر من المليون حينئذٍ يأتي الحكم بالحجر، وإن كان المعجل أقل من المليون لم يحجر عليه وإنما يطالب بالسداد في حدود المعجل، ويكون حكمه حكم الأول؛ لأن المعجل دخل تحت القسم الأول.
وتوضيح ذلك أكثر: أن في الصورة الثالثة يكون الدين أكثر من المال، ومثاله: شخص عليه ألفان وعنده مائة، أو عليه عشرة آلاف وعنده خمسة آلاف ونحو ذلك، فنقول: إذا كان الدين أكثر من رأس ماله، نظرنا: إما أن يكون الدين معجلاً، فقد حل الدين وطولب به، وإما أن يكون مؤجلاً لم يحل، فإن كان الدين كله لم يحل فلا إشكال، وإن كان الدين كله قد حل حُجر عليه، وإن كان بعضه قد حل وبعضه لم يحل؛ فحينئذٍ ننظر في الذي حل، فإن كان أقل من المال؛ اندرج تحت الصورة الأولى، ونقول له: سدد هؤلاء الذين وجب عليك وفاؤهم الآن.
ملاحظة: بعض الإخوان يقول: لا تمثل بمئات الألف والمليون، وإنما مثل بالقليل حتى نفهم، لكن الواقع أن المليون والكثير يجذب الانتباه أكثر، ويكون الضبط به أكثر، حتى كان بعض مشايخنا يمثل به ويقول: لو أن سارقاً سمعنا؛ لهجم علينا ولم يجد إلا أوراقاً وكتباً.
فالمقصود أننا لو قلنا: إن عليه ديناً مقداره مائتان وعنده مائة ريال، أي: أن الدين أكثر من رأس المال، فنقول: هذه المائتان إذا كانت مؤجلة إلى نهاية السنة فليس من حقهم أن يطالبوه؛ لأن القاعدة أنه ليس من حق صاحب الدين أن يطالب المديون قبل الأجل؛ لأنهما اتفقا، والمسلمون على شروطهم.
وإن كان الدين كله قد حل، مثلاً: رجل جاء يشتكي في القضاء ويقول: فلان لي عليه مائتان، وقد اتفقنا على أن يعطيني إياها في نهاية صفر، وإلى الآن لم يعطني، فهنا قد حل الدين وهو أكثر من المال وقد طالب الغريم به، فإن هذا يحجر عليه؛ لأنه استوفى الشروط، لكن إن كان البعض قد حل والبعض لم يحل، كرجل عليه مائتان، مائة منها قد حلت في صفر، ومائة منها تحل في نهاية العام، فتصبح المائة الحالة هي الدين في المال.
فإن كان الدين قابل المال أو كان أقل من المال طولب بالسداد، فيسري عليه حكم الحالة الأولى ونقول له: سدد، فإذا قال: ما أسدد.
صار مطل غني، فيحبسه القاضي، فإن أصر يبيع عليه.
وهذا نفس الترتيب الأول في المائة المعجلة والتي قد حلت.
أما المائة التي لم تحل بعد فإنه يمكن في نهاية السنة أن يصيبه غنى، ونحن لا نبحث إلا في الحاضر الذي فيه حق المطالبة، فإذا حل الأجل وكان الدين أكثر من المال، وطالب أولياؤه الحجر عليه حُجر عليه، وهذا هو النوع الأول ممن يحجر عليه وهم المفلسون، والمصنف -رحمه الله- لما جاء في باب الحجر قدم الذين يحجر عليهم لحق غيرهم على الذين يحجر عليهم لحق أنفسهم، وحينئذٍ يرد

السؤال
المعروف أن الكلام عن الحجر على السفيه واليتيم ألصق بباب الحجر، وبعض الفقهاء يقدم الكلام في الحجر على الأيتام والصغار على الحجر على المفلسين، ولكن لماذا قدم الحجر على المفلس على الحجر على الأيتام والسفهاء والصبيان ونحوهم؟
و
الجواب
أن الباب الذي تقدم هو باب الصلح، وهو يقع في المنازعات، والحجر في المنازعات، وإذا وقع فإنه يقع بين الغرماء وأصحاب الدين، ولذلك ناسب بعد نهاية باب الصلح أن يذكر مسائل اختلاف الغرماء مع أصحاب الديون، وعلى هذا يقدم الكلام عن المفلس من هذا الوجه.
وقوله رحمه الله: (ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً) هذا واضح بسؤال الغرماء، وقد ذكرنا التفصيل فيما إذا كان الدين أكثر من المال، وإذا كان المال أكثر من الدين، والسؤال: إذا كان المال مثل الدين، فهل نعطيه حكم الحالة الأولى أو الحالة الثانية؟ الخلاف بين العلماء -رحمهم الله- حاصل هنا، فبعض العلماء يقول: من كانت ديونه تساوي رأس ماله؛ فإنه يطالب بالسداد ويأمره القاضي بالسداد وتسري عليه أحكام الحالة الأولى ولا يحجر عليه، وبعض العلماء يقول: إذا ساوى الدين رأس المال فإنه يحجر عليه، وهذا ما درج عليه المصنف.
لكن ما فائدة الخلاف؟ فائدة الخلاف: لو أن صاحب شركة -مثلاً- رأس ماله فيها مليون ريال، وعليه ديون تساوي مليون ريال، فإذا قلنا: نحجر عليه، فحينئذٍ في هذه الحالة تجمد الشركة وتعطل مصالحه من أجل سداد الدين، وتباع الشركة سداداً لدينه، وإن قلنا: لا يحجر عليه، فإن بإمكانه أن يتسلف المليون ويسدده، وتبقى الشركة كما هي.
فالحجر فيه ضرر، وليس بهذه السهولة، فإن التصرف حتى في الصدقات والهبات والبيع والشراء -كما سيأتي- كل تصرفاته المالية تجمد، وهذا يدل على قوة الشريعة الإسلامية وأنها لا تتساهل في الحقوق، ويدل على أهمية رد الحقوق لأهلها، وأنه لا يمكن أن يترك الحبل على الغارب للمتلاعبين بحقوق الناس، فهو مهما كان في شركته وماله متى ما خاطر بأموال وحقوقهم فلا بد أن يوقف عند حده.
فإذاً: إذا كان دينه يساوي ماله، فالأوجه والأقوى من حيث الأصل ألا يحجر عليه، فإذا كان بإمكان القاضي أن يبيع ماله ويسدد غرماءه، فهذا هو الأشبه، ولذلك قال بعض العلماء: لا يحجر عليه، وإنما يعامل معاملة الصورة الأولى من أنه يطالبه بالسداد، فإن أصر حبسه، وإن أصر باع ماله سداداً لدينه.
(188/8)
________________________________________
حكم الحجر مع اتفاق الغرماء على المطالبة به أو اختلافهم
وقوله: (وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم).
هنا مسألة: عندنا شخص عليه مائتي ريال، وقد حلت واستوفت الشروط، والغرماء هم: شخص له مائة وشخص له مائة ثانية، أو كان الغرماء أربعة أشخاص، كل واحد له الربع من المائتين، فإذا أثبتنا أن من كان دينه أكثر من ماله يحجر عليه واشترطنا سؤال الغرماء، ففي سؤال الغرماء لا يخلو الأمر من صور: الصورة الأولى: أن يتفقوا كلهم على سؤال الحجر عليه، فكلهم يأتي ويشتكي عند القاضي ويقول: نريد أن تحجر على فلان في ماله حتى يسدد حقوقنا، فإن اتفقوا فلا إشكال أننا نحجر عليه.
الصورة الثانية: أن يطالب البعض، ويسكت البعض فلا يطالبون ولا يمتنعون.
فهذه صورتان: الصورة الأولى: أن يتفقوا على المطالبة.
والصورة الثانية: أن يختلفوا، فبعضهم يطالب وبعضهم لا يطالب، وقد يكون الذي سكت ولم يطالب لا يريد الحجر؛ لأنه في بعض الأحيان لا تطالب بالحجر؛ لأنك تعلم أن هذا الرجل حكيم في بيعه وشرائه، وأنت تنتظره إلى الموسم حتى يبيع ويشتري وينمي ماله ويسدد، فترى أن من المصلحة ألا يحجر عليه، فلا توافق على الحجر؛ لأنك تعلم أنه سيأتي بضرر أكثر؛ لأنه إذا جمدت أمواله، فسيباع الحاضر الموجود، وقد يكون ربع الدين أو نصفه، بيد أنه لو نمى ماله واستثمره ربما يصل به إلى سداد دينه وربما زاد، فيكون من المصلحة السكوت، وقد يسكت؛ لأن ما عنده لا يضره حجر عليه أم لا.
فأياً ما كان سكوت البعض سواءً كان معارضة أو كان لعدم مطالبة، ففي كلتا الحالتين: يسكت البعض عن السؤال، فهل يحجر عليه أو لا يحجر؟ القول الأول: قال بعض العلماء: إذا طالب بعض الغرماء فإنا نعتبره بالغرماء كلهم، فنحجر عليه بمطالبة البعض دون الكل كما درج عليه المصنف.
فلو أن غريماً له خمسون ريالاً من بين دين قدره ثلاثمائة أو أربعمائة أو ألف ريال، وطلب الحجر، وثبت عند القاضي أن هذا الذي أمامه دينه أكثر من ماله؛ حجر عليه.
وفقه المسألة عند هؤلاء: أن الشخص إذا أصبح دينه أكثر من ماله دل على أنه لا يحسن التجارة، بغض النظر عن كون الكل يشتكي أو البعض، ففقه المسألة راجع إلى أنه حينما أصبح دينه أكثر من ماله دل على فساد تصرفه، ودل على أنه لا يحسن التجارة، فيقولون: يحجر عليه بمطالبة البعض، ولا يشترط الكل.
القول الثاني قال: لا نحجر عليه بقول البعض، حتى يكون دينهم مقابلاً لأكثر من المال أو مساوياً لماله، قالوا: وإذا طالب حينئذٍ نقبل منه، وإما إذا لم يتحقق الشرط فلا نحجر عليه.
مثال: لو كان صاحب الخمسين يطالب، وصاحب أكثر الدين لا يطالب، والمال الذي عنده أكثر من الخمسين فإنه لا يحجر عليه؛ لأن الأصل عدم الحجر، وإذا كان الشخص له خمسون فغاية ما في الأمر أنه إذا طالب بحقه فإنه تصرف له الخمسون وينصرف، كما لو حل بعض الدين دون البعض.
فهذا القول من حيث الأصول أشبه، والقول الأول من حيث النظر أقوى، وكلا القولين له وجهه، وإن كان القول الثاني أقرب للأصول كما ذكرنا.
لكن لو أن البعض طالب وسكت البعض، فقال بعض العلماء: إذا طالب البعض وسكت البعض؛ فإنه في هذه الحالة يُحْجر عليه في حدود دين البعض كما ذكرنا، وأما على القول الثاني فيحجر عليه بحق الجميع.
(188/9)
________________________________________
حكم الإعلان والإشهار عن حجر المفلس
قال رحمه الله: [ويستحب إظهاره]: ويستحب إظهار الحجر، فالمفلس الذي ثبت عند القاضي أنه مفلس يطاف به في الأسواق ويعلن ويشهَّر به حتى يحذر الناس التعامل معه، وهذا لمصلحة الجماعة فقال: (يستحب إظهاره).
وجرى على ذلك العمل عند أهل العلم رحمهم الله، ومن غرائب ما ذكروا عن القضاة رحمة الله عليهم: أنه حجر على رجل في ماله، وكان تاجراً، فحجر عليه وأمر أن يطاف به في الأسواق، ويقال: إن فلاناً ثبت عند القاضي فلسه، وإن القاضي يعذر إليكم -لأن القاضي إذا أعلن للناس، ثم جاء رجل بعد ذلك يشتكي ويقول: بعت أو اشتريت فإنه لا يتحمل إلا مسئولية نفسه.
والسبب في الإظهار والإعلان: أنه إذا جاء بعد الحكم عليه والحجر عليه أحد يطالب بشيء فإنه يتحمل مسئولية نفسه لحصول الإعذار- فطيف به كل اليوم يُعلَن عنه أن هذا سفيه لا تعاملوه، وأن هذا لا يحسن النظر في ماله، وعندما رجع إلى بيته قال له صاحب الدابة: أعطني حقي، قال: وما الذي كنا فيه من صباح اليوم؟! فصاحب الدابة يطالب بقيمة الركوب عليها؛ لأنه طيف به على الدابة -وبعض العلماء يقول: إنه في هذه الحالة يستحق المال من المحجور- فقال له: أعطني مالي.
يعني: أنت كنتَ راكباً على دابتي، وهذه إجارة يوم لا بد أن تعطيني إياها، فقال له: ما الذي كنا نقوله من صباح اليوم؟! يعني: طيلة اليوم والقاضي يقول: لا أحد يعامله، وأن من عامله يتحمل مسئولية المعاملة، فأغفله وأعرض عنه.
فالشاهد: أنهم كانوا يطوفون به، وهذا فيه مصلحة للناس، وفي القديم كان يطاف به في الأسواق؛ لأن السوق هو الذي فيه التجار، فينتشر بين التجار أن فلاناً محجور عليه، فيتقي الناس التعامل معه، لكن الآن يمكن أن يعلن عنه ويمكن أن يشهر به عن طريق وسائل الإعلان حتى يعذر إلى الناس، فإذا تعامل معه أحد؛ فإنه حينئذٍ يتحمل مسئولية المعاملة معه.
(188/10)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحجر [2]
الدين حق للدائن لا يسقط إلا بسداده أو العفو، فإذا عجز المدين عن السداد فإن الشريعة حفظت حتى الدائن بمنع المدين من التصرف في ماله، وأبطلت جميع تصرفاته المالية التي تضر بحق الدائن، حتى يباع ما عنده، ويؤدي لأصحاب الحقوق ما يمكن أداؤه.
(189/1)
________________________________________
الآثار المترتبة على الحجر في المحجور عليه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
(189/2)
________________________________________
حكم تصرف المحجور عليه في ماله بعد الحجر
فيقول المصنف رحمه الله: [ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر].
بهذه الجملة شرع المصنف في بيان الآثار المترتبة على الحجر، فإذا قلت: إنه يحجر على المفلس، فما هي ثمرة وفائدة وأثر الحجر على المفلس؟ فقال رحمه الله: (ولا ينفذ تصرفه في ماله) فقوله: (لا ينفذ) أي: لا يمضي ولا يُحكم به ولا يعتد.
ولذلك هناك شيء يسمونه: شرط نفاذ، فتجدهم في البيوع يقولون: من شرط نفاذ البيع ألا يكون محجوراً عليه، فيكون من شروط النفاذ، بمعنى: لو أن شخصاً حجرنا عليه لفلس، ثم بعد ذلك باع عمارة يملكها، أو اشترى من شخص سيارة، لا ينفذ شيء من ذلك كله، ولو أنه جاء وتصدق بمال أو وهب مالاً أو أعطى ماله؛ فإن هذه الهبة توقف، ويمنع من التصرف بالهبة والعطية والصدقة.
(189/3)
________________________________________
حكم إقرار المحجور عليه بمال لشخص بعد الحجر
قال رحمه الله: [ولا إقراره عليه] من دقة العلماء أنهم يذكرون الأصل وما يتبع الأصل، فالإقرار بالمال ليس بتصرف مباشر في المال، ولكن يئول إلى التصرف في المال؛ كما إذا حجرنا على شخص عليه دين مائتا ريال، فلما حجرنا عليه وثبت عند القاضي فلسه جاء رجل بعد أسبوع وقال: فلان أقر لي بمائة، فننظر في الإقرار: فإذا كان الإقرار قبل حجره عليه مضى ونفذ، وإن كان بعد الحجر عليه؛ فإنه لا يصح ولا ينفذ لوجود الشبهة والتهمة، ولأن التصرف أصلاً لا ينفذ، فإقراره بالمال يصح من حيث الأصل، ولكن لا يطالب بالسداد ولا يؤخذ من ماله سداد لهذا الحق إلا بعد انتهاء الغرماء الأولين.
فالإقرار نؤاخذ به؛ لأن شروط الإقرار متوفرة، لكن أن ينفذ لا، بل نوقفه ويبقى موقوفاً عن النفاذ حتى يسدد الغرماء الذين حجر من أجلهم أولاً ثم بعد ذلك يسدد هذا الدخيل.
والسبب في هذا: أنه لو كان ينفذ إقراره وكان عندنا -مثلاً- صاحب شركة عليه مليون ديناً، وشركته -مثلاً- دون المليون وحجرنا عليه، فبإمكانه أن يأتي لشخص ويقول له: أقر لك بمال ودين زوراً وكذباً وتدخل تزاحم الغرماء، وحينئذٍ لا تباع كل الشركة للغريم، وإنما يكون لي حصة بدخولك معهم، وممكن أن يدعي أن فلاناً له عليه مليون بدل ما هي مائة ألف، فيدخل على الغرماء ويضر بهم.
ولذلك قطع هذا الباب وأقفل مع أن الأصل أن إقراره نوع تصرف، والتصرف في ماله موقوف حتى انتهاء الحجر عليه إذا أقر به للغير.
(189/4)
________________________________________
حكم رجوع من تعامل مع المحجور عليه ببيع أو قرض في معاملته
قال رحمه الله: [ومن باعه أو أقرضه شيئاً بعده، رجع فيه إن جهل حجره وإلا فلا].
قوله: (ومن باعه) أي: من باعه سيارة أو باعه داراً، فإنه في هذه الحالة إذا علم بحجره وتبايع معه؛ يتحمل مسئوليته، وليس من حقه أن يرجع في البيع ويمضى على ظاهره، ويتحمل هو مسئولية هذا البيع، أما لو كان لا يَعلم بالحجر فإنه يفسخ هذا البيع ويرد المال إلى صاحبه.
فائدة هذا: أننا لو قلنا: إنه يرجع في هذه الحالة، لا تدخل السيارة ضمن المال ولا تباع، لكن إذا قلنا: لا يرجع، دخل مال جديد على ماله ويباع مع ماله، وحينئذٍ يكون للغرماء، ثم يتحمل بعد انتهاء الحجر سداد هذا الذي عامله بعد الحجر.
قوله: [أو أقرضه شيئاً بعده] لو أن شخصاً حجرنا عليه لمائة ألف، وحكم القاضي وشهر به، فلما حكم القاضي بذلك اشترى أرضاً من شخص، فإننا ننظر في هذا الشخص ونقول له: يا فلان هل تعلم أن فلاناً محجور عليه؟ فإن قال: أعلم أنه محجور عليه وقد بعته الأرض.
فحينئذٍ تكون الأرض قد دخلت في ملكية المحجور عليه، وهذه الأرض تباع مع المال ويسدد، ثم ينتظر هذا الذي هو صاحب الأرض إلى ما بعد الحجر، وما يعطى حقه؛ لأنه تحمل مسئولية التغرير بنفسه.
فما دام أنه راضٍ بالتعامل معه، فيبقى في هذه الحالة المال للغرماء الأولين، ويباع ويقسم بينهم، وبعد فك الحجر عليه يطالبه بحقه.
هذا إذا كان عالماً، وأما إذا كان غير عالم؛ فإن البيع ينفسخ ويرد لصاحب الحق عين ماله، وإن قال: لا، اتركوا الأرض عنده، وأنا لا أرجع عن بيعي، وإن شاء الله هو يسددني، ورضيت بذلك، فهذا أمر آخر، وتدخل على ملكه، وتعامل معاملة أملاكه.
قوله: (رجع فيه إن جهل حجره) لأنه في هذه الحال يكون خيار عيب، وخيار العيب في الثمن مؤثر؛ لأن هذا يضر بثمن الأرض، ويدخل الضرر على البائع للأرض؛ لأنه سيدخل أسوة للغرماء، وأياً ما كان في هذه الحالة له حق الرجوع.
قوله: (وإلا فلا) إن كان عالماً.
(189/5)
________________________________________
حكم تصرف المحجور عليه في ذمته أو إقراره بدين أو جناية
قال رحمه الله: [وإن تصرف في ذمته أو أقر بدين أو جناية توجب قوداً أو مالا ًصح، ويطالب به بعد فك الحجر عنه].
قوله: (وإن تصرف في ذمته) كأن يشتري بالدين وتعامل مع شخص ديناً.
قوله: (أو أقر بدين) يعني قال: فلان له عليّ مائة ألف، وانظروا إلى دقة المصنف رحمه الله، فنحن نتكلم عن آثار الحجر، وفيه جانبان: الجانب الأول: ما كان من التصرفات المالية المباشرة كالبيع والشراء، فالحكم فيها بالتفصيل ما بين أن يكون عالماً أو غير عالم، هذا بالنسبة للتصرفات المباشرة.
الجانب الثاني: هناك تصرفات غير مباشرة، مثل أن يشتري منه ديناً، أو يشتري على ذمته -بالدين- أو يقر لشخص بماله، فحينئذٍ ليس بالتصرف المباشر وإنما يدخل على الغرماء غريماً جديداً.
قوله: (أو جناية توجب قوداً أو مالاً) كأن يقر بجناية توجب قوداً، فهذه كلها خارجة عن الإضرار بالمال، ويلزم في ذمته للشخص، وهذا شيء خارج عن المال وليس له تأثير في ماله الذي حجر؛ لأن الحجر يختص بالتصرفات المالية وما يلتحق بها، فلو أقر أنه كسر سن رجل؛ فإن هذا الإقرار في ظاهره جناية، لكنها تئول إلى المال، فهذا الإقرار فيه شبهة.
فأي إقرار فيه مال وتصرف مالي بحيث يدخل على ماله غريماً جديداً، أو يدخل على ماله مستحقاً جديداً، فهذا لا ينقض من التصرف في ماله، فإقراره كبيعه وشرائه إذا تضمن الاعتراف بحقه في المال وإدخال غريم جديد، فإذا تضمن المال أو ما يئول إلى المال كما في مسألة الجنايات المالية؛ فهذا كله لا يؤثر، أي: لا يلتفت إليه حال الحجر، فيصح الإقرار به ثم بعد فك الحجر يطالب بما اعترف وأقر به.
وقوله: (أو جناية توجب قوداً أو مالاً صح).
إذا كانت الجناية توجب القود، كما إذا أقر أنه قطع يداً أو رجلاً لإنسان؛ فإنه سيقتص منه ويقاد منه، وهذا ليس له علاقة بالأموال، فالإقرار صحيح.
وإن أقر بجناية توجب مالاً، فللعلماء فيها وجهان: من العلماء من يقول: إن الإقرار بالمال كالتصرف المالي، فنقبل إقراره، ولكن لا يكون إلا بعد فك الحجر لوجود الشبهة بل الاستحقاق، وهذا ما درج عليه المصنف رحمه الله.
قوله: (ويطالب به بعد فك الحجر عنه) لأنه لو فتحنا باب الإقرارات المالية فقد تحدث المغالطات التي تضر بالغرماء، وإقرار المال أصل عام سواء كان إقراراً بالمال مباشرة كأن يقول: فلان له عليّ مائة ألف، أو إقراراً بالمال بالتبع، كأن يقول: أنا قطعت يده، فيستحق نصف ديته، وهي خمسون ألفاً، أو أنا فعلت كذا ويستحق أربعين ألفاً، فهذا وإن كان في ظاهره جناية لكنه يئول إلى المال حقيقة.
فكل إقرار يتضمن التزاماً بمال؛ فإنه يؤخر إلى ما بعد فك الحجر، فنصحح الإقرار؛ لأن شروط الإقرار موجودة، فنحكم بصحة الإقرار، ولكن لا يطالب به إلا بعد فك الحجر عنه.
(189/6)
________________________________________
أثر الحجر في مال المحجور
قال رحمه الله: [ويبيع الحاكم ماله] شرع المصنف -رحمه الله- في الأثر الثاني، فعندنا أثر يتعلق بالمحجور عليه، وعندنا أثر بالشيء الذي حجر عن التصرف فيه وهو المال، فقال المصنف رحمه الله: (ويبيع الحاكم ماله).
من حجر عليه لحقوق أشخاص -وهو حجر الفلس- واستوفى الشروط؛ فإنه يباع ماله بطلب الغرماء، فينظر أولاً في السلع المعروفة بأعيانها، فمن وجد سلعة بعينها فلا تباع، وبالنسبة للغرماء الذين يطالبون بالحجر ولهم على المفلس الدين؛ فلا يخلو مال المفلس من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون المفلس قد تصرف في أموالهم التي أخذها منهم، ولم يبق منها شيء، كأن يكون -مثلاً- استبدل بها ولم تبق أعيانها، بل بقي أشياء مثلها، كرجل استدان مائة سيارة، وباع السيارات واشترى غيرها وباع، فأصبح يتاجر في السيارات، فوجدت عنده سيارات، لكنها ليست عين السيارات التي أخذها، فإذا كان المفلس لم يبق عنده عين المال الذي استدانه فيباع ولا إشكال.
وإذا بيع يكون الترتيب كالآتي: أولاً: ينظر القاضي إلى قدر حاجته ونفقته ونفقة عياله ومن تلزمه مئونته كزوجته وأولاده، فالذي يختص بنفقته ونفقة عياله وزوجه وأولاده هذا يخرج من البيع.
ثانياً: ينظر إلى المتاع الذي لا بد له ولأولاده ومن يلزمه القيام عليه، ففراش بيته الذي لا بد منه وحوائجه الأصلية هذه لا تباع ولا تعرض للبيع، لكن الكمالات والأمور الزائدة هذه تباع؛ لكن يبقى سؤال يقتضي التفصيل: إذا كان الرجل المديون عنده بيت أو (فلة) ومؤثثة بأثاث غالٍ جداً، لكن وضعه الذي كان فيه كصاحب شركة أو كذا يقتضي هذا الأثاث، ومثله يكون في هذا الأثاث، فهل ينظر لوضعه من حيث هو فلا يمس أثاث بيته الفاره الغالي، أم ينظر إلى حق المديونين، وأنه نزل من رتبة الأغنياء إلى رتبة الفقراء؟ الثاني الأصح، فهو قد نزل إلى رتبة الفقراء ويعامل بحقوق الناس؛ لأنه لا يعقل أن نجعله يعيش عيشة الأغنياء وقد تشبع بما لم يعط؛ لأنه في هذه الحالة ليس بغني.
مثلاً: لو كان عنده سيارة قيمتها مائة ألف، ومثله في وضعه وحالته الاجتماعية يستحق هذه السيارة، إن قيل: يعامل معاملة من هو في وضعه لا تباع وتترك له، واختاره بعض أصحاب الشافعي رحمه الله، وإن قيل: يعامل معاملة المديون، ينظر إلى سيارة تكفي للحاجة قيمتها عشرة آلاف ريال -مثلاً- فهذا قدر حاجته، والتسعون ألفاً تدفع لسداد حقوق الناس، وهذا هو الأصح.
فإذاً: إذا كان متاعه غالياً صرف من متاعه الغالي، وأبقي على قدر الحاجة والكفاية، كذلك أيضاً يترك على قدر الحاجة في طعامه وقدر الحاجة في فراشه وقدر الحاجة في ركوبه ونحو ذلك.
هذا من ناحية ما الذي يباع.
إذاً: إذا باع الحاكم أو القاضي وكان ماله لم يوجد فيه عين مال الغرماء؛ فإنه يبيع الزائد عن الحاجة ويترك ما تدعو إليه الحاجة، فلا يبيع ثيابه التي تستره وإنما تترك عليه، لكن لو عنده فضل ثياب بيع، ولا يبيع فراشه الذي ينام عليه، ولكن إذا كان عنده فضل فراش بيع.
ومثلاً: هو يسكن في شقة من عشر غرف، ومثله في ضعف الحال من الفقر يكفيه ثلاث غرف، فإنه يرد إلى شقة بثلاث غرف، ويباع أثاث الغرف الزائد، وقس على هذا، فالضابط عندهم: أنه ينظر إلى قدر حاجته، ويباع ما استفضل أو زاد عن هذه الحاجة.
الحالة الثانية: إذا كان أصحاب الدين وجدوا عين متاعهم، كأن يكون باعه سيارة؛ فوجد عين السيارة، أو باعه أرضاً وعين الأرض موجودة، فالأراضي والعقارات والمنقولات الموجودة بأعيانها ترد إلى أصحابها، لقوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (من وجد متاعه بعينه عند رجل أفلس؛ فهو أحق به) فدل على أنه يستحق أخذ المتاع بعينه ولا يباع المتاع في سداد الدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(189/7)
________________________________________
الأسئلة
(189/8)
________________________________________
الحكمة في نسبة المال للأولياء في قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)

السؤال
كيف يكون الخطاب في الآية للولي على أن المال ماله وهو مال المحجور عليه في قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5]؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: أولاً: قضية لماذا تأتي الآية على صورة كذا؟ أو يأتي لفظ القرآن بكذا ولم يأتِ بكذا؟ كان بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم- يشددون في هذا، الله تعالى يقول: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] ولا يَشك المؤمن ولا يمتري، ولا يمكن أن يخالجه أي شك بأن كتاب الله أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم عليم سبحانه وتعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1].
الله سبحانه وتعالى أحكم الأمور ووضعها في نصابها، فقوله: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] يقول العلماء وبعض أئمة التفسير: إن إسناد المال إلى المخاطبين وإن كانوا في الحقيقة ليسوا بمالكين له؛ لأن أموال المسلمين إذا تركت بأيدي السفهاء أضرت الجميع.
فالمال وإن كان في ظاهره ملكاً لليتيم وللسفيه لكنه بسوء تصرفه وصرفه للمال في المواضع التي لا ينبغي صرفه فيها؛ سيضر بالجماعة، وهذا سيؤثر على المجتمع، فكأن أموال المجتمع تذهب.
ولتوضيح المسألة وحتى يتضح مقصود بعض المفسرين يقول بعض العلماء: إذا انتشر في أي مجتمع السفهاء؛ فإنهم يؤثرون على العقلاء، وهذا واضح جلي، فالآن -مثلاً- إذا جئت إلى بيئة يكثر فيها النساء، لو جاءت المرأة وسفهت في تصرفها في المال، فأصبحت تشتري بخمسين ألفاً أو بعشرين ألفاً أو بثلاثين ألفاً، وغارت منها جارتها فاشترت كما تشتري، ثم الجارة الثانية ثم الثالثة حتى يصبح وضعاً في المجتمع سائداً، بحيث إن العاقل لو جاء يمتنع من هذا الذي لا يشك أنه سفه لا يقدر أن يمتنع؛ لأنه يقول: نعم، أنا أعرف أنه خطأ، لكن ما الذي يصبرني على هذا السيل الجارف من الزوجة والأم والبنت والأخت.
فمثلاً: لو أنه في كل عيد يشتري فراشاً بعشرين أو ثلاثين ألفاً، لو أنه جاء في عيد من الأعياد ولم يغير فراش بيته، وهو في كل عيد يغير ويجدد بهذا المبلغ الباهظ، ونحن لا نمنع أن يجدد لكن المشكلة في الغلو والإسراف، فإذا جاء يقول: لا أريد التجويد، تأتي الزوجة تلومه، وتأتي الأخت، وتأتي القريبة، وتأتي الجارة ثم تأتي قرابة المرأة، وهذا كذا، وهذا لا يحترمك، وهذا لا يقدرك، وهذا وهذا.
فإذا بك تجد أنك ستقع في شيء من الإحراج أعظم مما لو أنفقت هذا المال، فستضطر مجاراة لهم ودفعاً لذلك إلى عمل أنت تراه سفهاً.
والذي أحدث هذا كثرة السفه، فالسفه يضيع أموالنا نحن {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:5] قالوا: جعل الله المال قياماً؛ لأنه تقوم به مصالح الناس، فكثرة السفه تعني التبذير للمال في غير موضعه.
وإذا كان الشخص عاقلاً حكيماً يشتري الأشياء بقيمتها، فإنه لا يضر غيره ولا تذهب أموال الناس، فالمال وإن كان لليتيم لكنه سيئول بتصرفه، وإن كان للناس فسيئول بتصرفهم إلينا ويؤثر فينا.
كذلك الابن لو أراد أن يشتري سيارة فقد تكفيه سيارة بعشرة آلاف، لكن لو رأى ابن الجار اشترى سيارة بثمانين ألفاً، فسيطالب بسيارة بثمانين ألفاً، ثم ابن الجار الثاني والثالث والرابع، وإذا بابنك الذي لم يبلغ بعد يقف أمامك ويقول: أريد سيارة.
تقول له: تريد تقضي بها مصالحك وتقوم على شأنك؟ يقول: نعم.
تقول: إذن هذه سيارة بعشرة آلاف، سيارة مستعملة تقضي بها مصالحك.
فيقول: لا ما أريد، ويحس أنه إذا لم تشتر له بثمانين ألفاً أن الأبوة قد زالت وأن معاني الحنان ذهبت وأن وأن.
فتأتي تفكر أنك لو جئت تعامله بالعقل وبما ينبغي أن يعامل به فاتك الابن، ولربما انقطعت الأواصر بينك وبينه، وربما حقد وربما وربما، فتضطر وأنت كاره إلى مجاراة الوضع وهكذا.
فهذا وجه عند بعض المفسرين في تفسير الآية.
وهناك وجه ثانٍ: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5] أسند الأموال إليهم لما أصبح مالكها سفيهاً فأخلى يده منها، والمال مال الله، والله هو الذي يحكم في الأموال {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7] فنحن مستخلفون على الأموال، ومأمورون بصرفها في مواضعها.
فكل رجل وكل امرأة أنصف في ماله، فصرفه في موضعه، فقد قام بحق الاستخلاف، فإن جاء ينفق المال في غير موضعه فليس هذا الذي استخلف من أجله وليس هذا الذي أُعطي المال من أجله، وحينئذٍ تنتقل ولاية المال إلى الغير، فتصير أموال معاشر الأولياء، كأنها تنتقل بالسفه إلى الأولياء ولم تعد إلى السفهاء.
ويتخرج على هذا الوجه الثاني في الآية، أن التعبير بالشيء يكون بما يئول إليه؛ لأن العرب تعبر بالشيء عما كان، وتعبر بالشيء عما سيكون.
كما كان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يتيم أبي طالب؛ لأنه نشأ في حجر عمه أبي طالب، وسموه يتيماً وهو بالغ وفي عقله عليه الصلاة والسلام باعتبار ما كان، فكانوا يقولون له: اليتيم، باعتبار ما كان، ولذلك قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء:6] فيُسمى الشيء بما كان ويُسمى ويوصف بما سيكون.
فلما كانت الأموال ستئول إلى الأولياء وهم الذين يتصرفون فيها صارت من عداد أموالهم، وكأنه نوع من الاستعطاف والاسترحام والتوجيه للأولياء، أي: أنكم إذا توليتم أموال الضعفاء فعدوها كأموالكم واتقوا الله فيها فأحسنوا فيها ولا تسيئوا، واستثمروها ولا تضيعوها ونحو ذلك مما فيه مصالح الحجر.
والله تعالى أعلم.
(189/9)
________________________________________
كيفية الإحرام لمن أراد العمرة بعد المكث في جدة لفترة

السؤال
من سافر من بلده إلى جدة، وكان ناوياً أن يعتمر بعد انتهائه من عمله في جدة، فمن أين يحرم؟

الجواب
من سافر من المدينة -مثلاً- وعنده حاجة في جدة سافر من أجلها، وفي نيته أن يعتمر، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يتأكد أن الوقت سيسعه، بحيث إذا انتهى من حاجته سيذهب إلى العمرة قطعاً، فهو متأكد أنه سيفعل العمرة، فهذا يجب عليه أن يعتمر من المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذي الحليفة والمواقيت الأخر: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة) فألزم كل من مر بالميقات يريد الحج والعمرة أن يحرم منه، فدل على وجوب الإحرام من الميقات.
فنقول: يجب عليك أن تحرم من ميقات ذي الحليفة، وأنت بالخيار بين أمرين: - إما أن تحرم وتذهب للعمرة وتأتي بها، ثم ترجع إلى جدة وتقضي حوائجك.
- وإما أن تذهب بعمرتك وتلبس إحرامك وتذهب إلى جدة، وتقضي حوائجك، ثم بعد فراغك من حاجتك تمضي إلى العمرة.
فإن قال: لا أستطيع أن أذهب بإحرامي، فنقول: يذهب ويقضي حاجته، ثم إذا أراد أن يعتمر يرجع إلى ميقات المدينة ويحرم منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألزمه بالإحرام منه.
الحالة الثانية: أن يذهب إلى جدة متردداً، يقول: لا أدري هل يسعني الوقت أو لا يسعني، فمثل هذا يجوز له ألا يحرم من ميقات الميدنة مثلاً: شخص عنده معاملة في جدة، ولا يدري هل يسعه الوقت فيعتمر أو لا يسعه؟ فمن يشك في الوقت يجوز له أن يذهب إلى جدة وهو غير محرم ويقضي حاجته في جدة، ثم يحرم من جدة إذا أنشأ العمرة منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن كان دون ذلك؛ فإحرامه من حيث أنشأ).
فهذا الذي لم تتمحض نيته بالعمرة من المدينة وأصبح شاكاً متردداً يعطى حكم الأصل من أنه لا يلزمه الإحرام حتى يتحقق من كونه معتمراً.
وأحب أن أنبه على مسألة حتى لا يضيق الوقت: بعض الإخوة -جزاهم الله خيراً- من حرصه على الدروس والفائدة العلمية يفرغ الدروس في مذكرات، وهذا لا شك أنه خير كثير، فإن من يسمع ويقرأ ويكتب يضبط العلم، والله عز وجل يأجره على حروفه إذا قصد بها وجه الله عز وجل وابتغى ما عند الله.
لكن اطلعت على ما كتبه بعض الإخوان فوجدته يعلق على الأحاديث ويعلق على المسائل، وهذه طريقة عقيمة، ولا أسمح لأحد في أي درس أو محاضرة أن يعلق على دروسي أو محاضراتي إلا بإذني؛ لأنه ربما ذكر دليلاً بإمكاني أن أجيب عنه فيشوش على طالب العلم الذي يقرأ مذكرة بهذا الشكل، فلا يدري هل هو في الحاشية أو في الصلب.
وليس من حق أحد أن يأتي على درس أحد من أجل أن يعقب أو يتكلم، إذا كان عنده شيء يذهب ويحدث درساً فيه علم وفيه فائدة ويبينه، خاصة أن مسائلنا خلافية، وفيها أقوال العلماء، والحمد لله ما شذذنا -ولا نزكي أنفسنا على الله- وقد التزمنا ألا نقول بقول شاذ، ولا نعرف على أنفسنا -ولله الحمد- أننا قلنا قولاً إلا ولنا سلف ولنا حجة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وبإجماع العلماء أنه من اعتقد رأياً عليه دليل فليس لأحد أن ينازعه ذلك إلا إذا كان طالب العلم عنده نظر وعنده اجتهاد، بحيث يستطيع أن يميز بين قول فلان وفلان بالحجة والدليل.
أما أن يأتي شخص ويأخذ مذكرة الدرس الفلاني ويعلق عليها، فإن كان ضعف حديثاً صححه، أقول: افرض أن هذا التصحيح لا أقتنع به، فما دام الذي شرح الدرس له إلمام بعلم الحديث وعلم الرواية، وله إلمام بالأدلة وله منهج وهو أهل لذلك، وعنده من أهل العلم من رضي له أن يعلِّم، فليس من حق طويلب علم أن يأتي يتعقب؛ لأنه ربما ظن أن هذا الحديث صحيح في اعتقاده وهو ضعيف.
ولذلك لا أسمح بهذا ولا أرضى، وهو خصمي بين يدي الله إذا كان يأتي إلى مذكرة ويعلق فيها برأيه وما يراه.
وإذا كان يريد التعقب يفتح درساً يقرأ فيها ما أقرأناه، ويذكر الحجة والدليل، يسعه ما وسع السلف، وما وجدنا في كتب السلف أحداً جاء وأخذ كتاب شخص لأجل أن يعقب عليه فيصحح ضعيفه ويضعف صحيحه، ويأتي بأقوال لمشايخ آخرين في الهوامش تخالف قول المصنف.
فمثل هذا يحدث البلبلة والتشويش لطلاب العلم، نحن نريد طلب العلم بالطريقة الحكيمة التي سار عليها سلف الأمة، ولا نعتقد أننا معصومون، ونبرأ إلى الله أن نعتقد بأنفسنا عصمة، لكن والله ما نرضى أن أحداً يرد قولنا الذي اعتمدنا عليه بالدليل من الكتاب والسنة بمحض رأيه، أو يأتي يعتقد صواب شيء نعتقد خطأه ويلزمنا خطأه؛ لأنه أجمع العلماء على أنه ليس من حق مجتهد أن يلزم مجتهداً آخر باجتهاده.
ولذلك أجمع العلماء: على أن الرجلين إذا كانا في سفر، وقال أحدهما: القبلة هكذا، وقال الآخر: القبلة هكذا، أنه لا يصلي أحدهما وراء الآخر إلا إذا اعتقد صحة قوله.
فلا يجوز أن يأتي طالب علم نال شيئاً من العلم وحفظ كلمة أو كلمتين -نسأل الله السلامة والعافية- ويأخذ مذكرات ويعقب فيها من وراء حجاب، دون أن يأتي ويقارع بالحجة، ويسأل ويستبين، هذا لا نعرفه من طرق العلم ولا نعرفه من منهج العلم.
وهذا شيء من التعالم، وتكون مذكرة مجهولة لا يعرف من الذي كتبها أصلاً، وبعض العلماء يمنع من قراءة كتاب شخص لا يُعرف لأنه لا تعرف قيمته ولا يعرف هل شهد له أنه أهل، لذلك هذا يشوش فكر طالب العلم.
وليس هذا خاصاً بدروسنا بل مع أي أحد، فأي شيخ له درسه وله علمه وله وزنه وله قدره ينبغي ألا يغير في كلامه ويزاد أو ينقص عليه شيء، وأن ينزل الناس منازلهم، وأن نتقي الله في هذا العلم.
فإذا كان الشخص يرى رجحان قوله بدليل، فليعلم أن الذي خالفه عنده دليل، وأنه إذا كان يرى لنفسه أن يلزم الغير بدليله، فللغير أن يلزمه بدليله، فكما أنك تعتقد هذا القول بالدليل فغيرك كذلك، وقد قرر الإمام الحافظ ابن عبد البر وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والأئمة -رحمة الله عليهم- ودرج عليه حال السلف: أن كل من كانت عنده أهلية وعُرِف عنه أنه يلتزم دليل الكتاب والسنة في رأيه في الفقه ومسائل الفروع فهو لقوله، حتى يستبين له الحق خلاف قوله.
فالأصل أنه لا يقول قولاً إلا بدليل وحجة، فإن خالفه أحد فلا يخالفه إلا بالحجة، فيأتي ويقارع ويأخذ معه ويعطي، فإما رجع عن قوله، وإما بقي على قوله.
ما عهدنا من السلف أن إماماً جاء من أجل أن يهدم فقه الذي قبله أبداً، إنما وجدنا أن كلاً يعتقد قوله بدليله وحجته، وهذه مسألة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد) فالحمد لله على هذا الفضل.
فليس من الحق ولا من العدل أن تأتي وتقول بقول وتعتقد ضَعف حديث خالفه، فيأتي إنسان ويشوش على طالب علم عندك ويقول: لا.
بل هناك حديث صحيح وهو كذا وكذا، وهو صحيح عندك وليس بصحيح عندي وأنت ملزم به ولست ملزماً به، فهذا أصل عام.
وأنا لا أسمح بالمناسبة بأي مذكرة أن تخرج إلا بالطريقة المعتبرة وبطريقة رسمية معتبرة، أما بهذه الفوضى وأن كل طالب علم يأتي ويعقب، ويكتب مجاهيل لا نعرف من هم وعمن أخذوا ومَن هم رجالهم وما هي أفكارهم، فهذا لا يُسمح به ولا أرضى به.
والله ما تعلمنا العلم ليهان العلم، ولا تعلمنا العلم ليُرقى على أكتاف العلم، والله لا نقولها غيرةً لأنفسنا؛ لأننا نعلم ونوقن -ولا نزكي أنفسنا على الله- أن عندنا منزلة عند الله، فلا الناس يرفعنا إليها إن رضوا عنها، ولا ينزلوننا عنها إن سخطوا علينا؛ ولكن نريد تقوى الله عز وجل، نريد الكتاب والسنة، وما فهمناه من الكتاب والسنة ألَّا يأتي إنسان بسيط العلم قليل البضاعة يستعجل في شيء يكون هلكةً عليه وعلى غيره، فيَضِل ويُضَل.
فالله! الله! لا تسلم فكرك ولا زمام رأيك في مسألة أياً كانت شرعية إلا ولك حجة ترضاها بينك وبين الله، ولا يسمح لأحد أن يسلك هذا الطريق سواءً في المحاضرات أو في غيرها.
وأي طالب علم جاءته مذكرة ليس عليها توقيعي أو إقراري بالنسبة لي فأنا لا اعترف بهذا، ولذلك أوصي بالإعراض عن مثل هذا.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل، إنه المرجو والأمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(189/10)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحجر [3]
إذا كان الشخص مديناً وثبت إفلاسه فإنه يحجر عليه، حفظاً لحقوق الدائنين، ثم يقسم ما بقي عنده من المال بينهم بالعدل، على تفصيل فيه، لكن بدون أن يُظلم المفلس، فلا يطالب بما لا يلزمه ولا بما يحل أجله حتى يأتي وقته.
(190/1)
________________________________________
حكم الأمتعة والأموال الموجودة بأعيانها عند المفلس
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد تقدم أن الحجر على المفلس إنما شرع من أجل مصلحة الغرماء، وذلك أنه إذا أفلس صار حق الغرماء في ماله.
ومن هنا حكمت الشريعة بالحجر عليه بالتصرف في ماله، والكلام على هذا الحجر يستلزم أولاً بيان مشروعيته وسبب وجوبه، ثم بعد ذلك الحكم بالحجر، ثم الآثار المترتبة على الحكم.
وقد ذكرنا جملة من هذه المسائل فيما تقدم، ووقفنا عند بيع الحاكم أو القاضي لمال المفلس الذي هو ثمرة للحجر، فإنه إذا حجر على الشخص وتوفرت فيه شروط الحجر على المفلس وحكمنا بالحجر، فهناك آثار مترتبة على هذا الحكم منها: أن القاضي يحكم ببيع ماله وقلنا: إنه إذا حكم القاضي ببيع مال المفلس فإن هذا الحكم يفتقر إلى بيان الأموال التي يحكم ببيعها.
فأول ما يقوم به الحاكم أو من يوليه لبيع مال المفلس: فرز أموال المفلس وتصنيف هذه الأموال، فهناك أموال من الحيوانات وهناك أموال من العقارات وهناك أموال من المنقولات، فتجمع هذه الأموال وتصنف، ويُبْدأ بأخذ الأمور الضرورية التي يحتاجها المفلس فتخرج من هذه الأموال، ثم بعد ذلك يخرج منها الأمتعة والأموال التي وجدت بأعيانها وتدفع إلى أصحابها من الغرماء.
فكل غريم باع إلى هذا المفلس مالاً ووجده بعينه؛ فإنه من حقه أن يأخذ عين المال، وتوضيح هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: (من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره) وهذا الحديث فيه: أن أموال المفلسين يخرج منها ما كان باقياً بعينه من أموال الغرماء، فإذا طالب الغريم بهذا العيني فإن من حقه أن يخرج هذا المال ويرد إليه، وإذا رددنا هذا المال فهنا صور:
(190/2)
________________________________________
حكم من وجد متاعه عند المفلس بعينه من غير زيادة أو نقصان
الصورة الأولى: مثال هذه المسألة: رجل باع سيارة لرجل ثم أفلس، فإذا كانت السيارة بعينها ولم يتصرف بها، أي: لم يتغير فيها شيء بالزيادة أو بالنقص ولم يدفع شيئاً من ثمنها، كما هي الشروط المعتبرة في هذا المال فإن من حق صاحب السيارة أن يقول: هذه السيارة سيارتي، ويثبت ذلك، ثم يأخذ السيارة بعينها لقاء دينه، فيسقط كامل دينه الذي له من قيمة هذه السيارة.
فلو أن هذه السيارة اشتراها المفلس بعشرين ألفاً فإننا نقول: خذ السيارة، والعشرين ألفاً قد انتهت؛ لأن ذلك إلغاء للبيع الذي وقع بين المفلس والغريم.
وعلى هذا يشترط أولاً: أن يجد عين المتاع، فلا يجد -مثلاً- مثله، فلو وجد مثله فليس من حقه أن يطالب به.
وثانياً: ألا يكون قد أخذ شيئاً من قيمته، فلو دفع المفلس بعض القيمة فإنه لا يستحق أن يطالب بعين المتاع، والدليل على ذلك ظاهر الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به) ولم يقل: وليرد ما أخذ.
فدل على أنه قد عاوضه وساومه على ذلك البيع دون أن يدفع له مقدماً أو شيئاً من ثمنه، فإن دفع شيئاً من ثمنه فجماهير العلماء على أنه لا يستحق الرد.
وأما بالنسبة لهذا المتاع كالسيارة أو الأرض أو العمارة إذا وجدت بعينها، فإما أن تكون قيمتها مساوية لقيمة بيعها، مثال ذلك: لو أن رجلاً اشترى سيارة بمائة ألف ثم أفلس بعد شهرين من البيع، أو اشتراها بمائتي ألف وأفلس بعد سنة والسيارة قيمتها مائة ألف لم تختلف؛ فحينئذٍ لا إشكال وسيطالب بسيارته؛ ولو لم يطالب بالسيارة فسيدخل ضمن الدين ويكون له بعض قيمتها وليس الكل، أي: سيدخل مع الغرماء مشاركاً لهم، والأفضل له أن يأخذ السيارة ويبيعها بدل أن يتركها حتى تكون أسوة للغرماء.
فالحالة الأولى: أن تكون القيمة لم تختلف، فالحكم أنه إذا رضي صاحب المتاع وطلب صاحب المتاع أن ترد له ردت.
الحالة الثانية: أن تكون القيمة أكثر، فلو أن هذه السيارة باعها الرجل أو الغريم بمائة ألف، ثم اشتراها المفلس ديناً إلى نهاية السنة وقبل نهاية السنة حجر عليه، فلما تمت سنة لهذه السيارة أصبحت قيمتها مائة وخمسين ألفاً، أي أنها زادت بمقدار الثلث، فمن حقه أن يطالب بعين السيارة ولو أصبحت بأغلى مما بيعت به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به) ولم يفصل بين كونه أغلى أو أرخص أو مساوياً، فأخذ جمهور العلماء من هذا دليلاً على أنه يستحق رد السيارة غالية أو رخيصة وكأنه إلغاء للبيع الأول.
الحالة الثالثة: أن تكون قيمة السيارة أنقص، كأن يبيعه إياها بمائة ألف وتصبح قيمتها ثمانين ألفاً أو تسعين ألفاً أو سبعين ألفاً، فنقول له: أنت بالخيار بين أن تدخل أسوة للغرماء في أمواله على قدر دينك، وبين أن تأخذ السيارة لقاء دينك الذي هو قيمة السيارة، ولا شيء لك من قيمة السيارة، وهذا على ظاهر السنة في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم.
(190/3)
________________________________________
حكم من وجد متاعه بنقص عند مفلس
الصورة الثانية: لو أن هذه السيارة نقص منها شيء أو تغير فيها شيء بالنقص، أو تغير فيها الحال بالزيادة، فلا يخلو النقص إما أن يكون النقص بآفة سماوية أو بسبب من المشتري الذي هو المفلس، أو يكون النقص بسبب من أجنبي، أي: ليس من البائع ولا من المفلس المشتري.
الحالة الأولى: أن يكون النقص بآفة سماوية، كرجل اشترى منه رجل دابة ثم أصابها الشلل، فشلت يمينها أو شلت رجل منها، فهذا النقص حصل بآفة سماوية وليس بتفريط من المشتري -المفلس- وليس من أجنبي.
أو كرجل اشترى منه رجل أرضاً، فجاء السيل واجتاح ثلثها أو نصفها فهذه آفة سماوية.
أو كرجل اشترى منه رجل مزرعة، فجاء إعصار فأحرق ربعها، هذه كلها آفات سماوية، فالسؤال الآن: لو وجد متاعه على هذه الصفة بالنقص فهل يطالب بالرد، ويطالب المشتري بالضمان، أم أنه يأخذ عين المتاع؟
و
الجواب
أن يقال له: إن كان النقص بآفة سماوية، فإنك تستحق عين المتاع، ولا ضمان في الآفات السماوية على المشتري، لتقريرنا هذا في باب البيع حينما تكلمنا على مسائل العيوب في المبيعات، وأن من حقه أن يستردها دون أن يضمن المشتري.
وبناءً على ذلك فإننا نقول له: أنت بالخيار بين أمرين: أن تقبل هذه السيارة وهذه الدابة وهذه الأرض معيبة بحالها ما دام أنها بآفة سماوية ولا ضمان في هذه الآفات ويسقط دينك كاملاً، فإذا كانت قيمة السيارة مائة ألف، فإنه يأخذها بعد الخسارة التي فيها بالمائة ألف على أنه رد لعين المتاع، فيصبح كأنه إلغاء للبيع الماضي أو البيع السابق على أن لا تكون هناك مطالبة بالمال الذي بيعت به السلعة.
الحالة الثانية: أن يكون النقص بسبب المشتري -المفلس- ففي هذه الحالة إذا كان النقص بسبب المفلس فمذهب طائفة من العلماء -رحمهم الله- أنه إذا حصل النقص بإتلاف للجزء ففيه تفصيل: إما أن يمكن فصل المبيع، كأن يكون اشترى منه سيارتين كل سيارة بخمسين ألفاً فأتلف المشتري -المفلس- إحداهما وبقيت الثانية؛ فحينئذٍ نقول له: خذ الثانية بقيمتها من أصل البيع، أي: أنت بالخيار، إن أردت أن تأخذ متاعك فتأخذ الباقية وهي السيارة، فلو كانت قيمة السيارتين مائة ألف، إحداهما بخمسين والثانية بخمسين وأتلف إحداهما قالوا: من حقه أن يأخذ الثانية بخمسين ألفاً وتسقط الخمسين، وهذا مبني على مسألة تفريق الصفقة.
فالسيارتان في صفقة واحدة، لكن يفرق بينهما بوجود العيب في الثانية، فيبقى ضمان الثانية على ملك المفلس، فيأخذ خمسين ألفاً ويأخذ السيارة لقاء خمسين ألفاً، وتبقى ذمة المفلس مشغولة بالخمسين الباقية، وقد يكون الأحظ له والأفضل أن يفعل هذا؛ لأنه لو كان هناك رجلان كل منهما له مائة ألف على المفلس، فهو في هذه الحالة إذا كانت له مائة ألف مقسومة بين السيارات كل سيارة بخمسين ألفاً فمعناه أنه لو أخذ السيارة السليمة فإنه سيستعيد نصف دينه، لكن إذا لم يأخذها ودخل مع الآخر فإنه سيتحصل على ما يقرب من ربع الدين وهو خمسة وعشرون ألفاً؛ لأن السيارة ستباع ويكون له نصف المبيع وهو الشيء ونصفه، وهو القيمة التي ذكرناها، وهي ربع الصفقة خمسة وعشرون ألفاً.
فالأفضل له أن يأخذ السيارة ويبقى له نصف الدين أسوة مع الغريم الآخر.
وعلى هذا: إذا كان النقص على هذا الوجه فإنه يضمنه المشتري.
الحالة الثالثة: أن يكون النقص بسبب أجنبي، فمذهب طائفة من أهل العلم -رحمهم الله- أنه إذا أتلف جزءاً من السيارة، فإن الضمان حينئذٍ يكون على الأجنبي، ثم يخير مالك السيارة بين الرجوع على المشتري أو على الأجنبي الذي أتلف.
(190/4)
________________________________________
حكم من وجد متاعه بزيادة عند المفلس
إذا تغير المبيع بالزيادة كجارية حملت أو سمنت، أو اشترى منه بقرة أو ناقة أو شاة وحسن حالها وصلح، فإنه إذا كانت الزيادة متصلة لا يمكن فصلها عن المبيع؛ فإنه يردها، ولا يطالب بقدر تلك الزيادة؛ لأنها كانت على ضمانه.
وأما إذا كانت الزيادة منفصلة فاختلف العلماء رحمهم الله، وقد قدمنا هذا في مسألة خيار العيوب هل تكون تابعة للمبيع أم لا، والأشبه والأقوى أن تكون غير تابعة للمبيع وذلك على حديث المصراة الذي ذكرناه.
(190/5)
________________________________________
حكم المطالبة بعين المتاع إذا وجد بعد موت المفلس
يبقى معنا من مسائل الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: (من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس) لو أن هذا الرجل وهو المفلس مات، فقال طائفة من العلماء: إنه إذا مات فحينئذٍ يصبح مالك المتاع مع الغرماء سواءً بسواء، أي: يشترط شرط آخر لاسترداد المتاع وهو ألا يموت المفلس، فإن طالب بمتاعه بعد موت المفلس فإن المال ينتقل للورثة وحينئذٍ يكون أسوة مع الغرماء، وهذا ما اختاره المصنف -رحمه الله- وطائفة من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليهم.
والصحيح ما ذهب إليه جمع من أهل العلم: أنه إذا مات فإنه يستحق الرد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس).
فأثبت بظاهر الحديث للمالك الحقيقي -الغريم- أن له اليد على متاعه إن وجده بعينه، ثم الموت لا يوجب النقل؛ لأن الله تعالى قال في كتابه في الميراث: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11] فجعل ملكية المال للورثة بعد الوصية والدين.
وعلى هذا فالدين يمنع انتقال المال للورثة، وعلى هذا تتعلق ذمة الميت بسبب هذا الدين، وسنبين -ذلك إن شاء الله تعالى- في مسألة: هل يحل الدين بالموت أو لا يحل، وهي الجملة التي تلي هذه الجمل.
والذين قالوا: إنه إذا مات تسقط المطالبة؛ استدلوا بمرسل أبي داود رحمه الله، وفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن مات فهو أسوة الغرماء) ولكنها رواية ضعيفة، والأصل بقاء الحديث على ظاهره، ولم تصح رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ.
(190/6)
________________________________________
كيفية بيع مال المفلس
قال رحمه الله: [ويبيع الحاكم ماله].
قوله: (يبيع الحاكم) الحاكم: القاضي، وقوله: (يبيع) يعني: يأمر ببيع متاعه، وإذا أراد أن يبيع أو يأمر بالبيع فالجاري عند قضاة الإسلام عادة أنهم يرجعون إلى أهل الخبرة، فالقاضي بنفسه لا يتولى البيع، وإنما يبحث عن أناس من التجار معروفين بالأمانة والصدق والحفظ، فيقول لهم: هذا مال فلان قوموا عليه.
فيقومون عليه ويتولون أمره.
وقال بعض العلماء: يشرع للقاضي أن يجعل لمن يتولى بيع المال حظاً من بيت المال.
أي: هؤلاء الذين يتولون النظر في أموال المفلسين لبيعها يكونون تابعين للقضاء ويفرض لهم شيء من بيت مال المسلمين.
فإذا قام هؤلاء الذين ينظرون في هذا المال، فالأولى أن يكون المفلس حاضراً، وذلك لكي ينظر الأحظ لماله، ويقام هذا المال بأفضل الأسواق، حتى لا يكون هناك ظلم للمالك الحقيقي، فيلتمس أفضل الأسواق؛ لأن هذا فيه مصلحة للمالك الحقيقي ومصلحة للغرماء حتى تسدد ديونهم.
ثم بعد ذلك يعرض المال للبيع، ولا تقبل الزيادة ممن جاء يساوم ويزيد إلا ممن لا تهمة فيه.
(190/7)
________________________________________
كيفية قسمة مال المفلس بين الغرماء
يقول رحمه الله: [ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه] هذه المسألة أجمع عليها الصحابة -رضوان الله عليهم- كما في قصة العول، فإن امرأة توفيت وتركت زوجاً وأختين، فنصيب الأختين الثلثان، ونصيب الزوج النصف، ولا يمكن أن ينقسم المال عليهم.
فاستشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة رضوان الله عليهم، فأمروه أن يرد المسألة إلى سبع، فقال الزبير رضي الله عنه وأرضاه: (يا أمير المؤمنين ما أرى هذه المسألة إلا كرجل مات وعليه دين عشرة وقد ترك سبعة، فإننا نقسم المال على قدر حصص أصحاب الديون).
توضيح ذلك: مثلاً: عندنا مفلس بعنا متاعه بمليون، والديون التي عليه مليونان، والمليونان كل رجل له نصف مليون، فالمليون التي تحصلنا عليها من البيع ننظر حصة كل غريم من أصل الدين، فالذي له نصف الدين يأخذ نصف المليون التي بيع بها، ثم الذي له النصف الآخر يأخذها.
مثال آخر: لو أن ثلاثة أشخاص لهم دين على رجل تسعين ألفاً، كل رجل له ثلاثون ألفاً، فأصبح كل واحد منهم سهمه ثلث المال فيستحق ثلث الدين، الأول له الثلث، والبقية كل منهما له الثلث.
فلو أن هذا المفلس بيع متاعه بستين ألفاً، فالدين تسعون ألفاً، والستون لا يمكن قسمتها على تسعين، فحينئذٍ ما العمل؟ نقسم الستين ثلاثة أثلاث، ويعطى كل واحد منهم ثلثاً -عشرين ألفاً- فيأخذ كل واحد منهم الثلث من مال المفلس؛ لأن هذا هو حقه في أصل الدين أنه يستحق الثلث.
ولو كان هناك ثلاثة أشخاص أحدهم له نصف الدين، والثاني له الربع، والثالث له الربع، فحينئذٍ تقسم المال الذي نتج عن البيع على أربعة، تعطي من له النصف اثنين من أربعة الذي هو النصف، وتعطي من له الربع كل واحد منهما واحداً من أربعة، وهذا معنى يقسم على قدر دينهم.
(190/8)
________________________________________
حكم الدين المؤجل عند الحكم بفلس المدين
قال رحمه الله: [ولا يحل مؤجل بفلس] في هذه المسألة قصد المصنف أن يبين أن الحكم بفلس المديون لا يستلزم حلول الدين المؤجل، فلو أن رجلاً مفلساً عليه مائة ألف، خمسون منها قد حلت ويثبت بها الحجر، وخمسون منها تحل بعد السنة، وكان عنده بيت قيمته ثلاثون ألفاً، فحينئذٍ طالب أصحاب الدين بأن يحجر عليه، فنحجر عليه لقاء أصحاب الخمسين الحالة.
لكن لو جاء صاحب الدين الذي لم يحل بعد، فهل من حقه أن يزاحم أصحاب الديون الحالة، أم ينتظر حتى حلول أجل دينه؛ لأن الضرر قائم عليه؛ لأنه لو بيع البيت صار غريمه مفلساً؟
و
الجواب
قول المصنف: (ولا يحل مؤجل بفلس) أي: أنه إذا حكم بفلس إنسان فإنه لا تحل الديون المؤجلة عليه، هذا بالنسبة لمسألة حلول الدين.
والسبب في هذا: أن صاحب الدين قد رضي بتأجيله فلا يحكم له قبل وقته، ونحن ذكرنا في الحجر على المفلس أنه يشترط في الحجر عليه أن يكون الدين قد حل، فإذا كان دينه لم يحل فليس من حقه المطالبة.
(190/9)
________________________________________
حكم الدين المؤجل إذا مات المفلس
قال المصنف رحمه الله: [ولا بموت إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء].
قوله: (ولا بموت) يعني: ولا يحل إن مات المفلس.
كرجل عليه دين مؤجل، ثم توفي وترك لورثته مائة ألف، والذي عليه خمسون ألفاً، ولكن هذه الخمسين إلى نهاية السنة، فهل تحل ديونه؟ للعلماء قولان في هذه المسألة: - فمن أهل العلم من يرى أن الميت تحل ديونه بالموت ولو كانت مؤجلة، ولذلك قالوا: من مات حلت ديونه ويجب على ورثته المبادرة بالسداد.
- وقال طائفة من العلماء: الموت لا يخالف الحكم، فيبقى الحكم مستصحباً وسارياً، فالدين المؤجل مؤجل.
والصحيح: أن الدين يحل بالموت؛ لأن الميت ترهن نفسه به، وهذا عذاب للميت، ودل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه).
فالميت معلقة نفسه بالدين، ولذلك قال بعض العلماء: هذا الحديث مشكلة عند أهل العلم في قوله: (نفس المؤمن معلقة بدينه) وفي رواية (مرهونة بدينه).
فقال طائفة من العلماء: يحبس عن النعيم ويحال بينه وبين النعيم حتى يقضى دينه، فنفسه لا تتنعم إلا بعد قضاء دينه؛ لأنه قال: (نفس المؤمن مرهونة) وأصل الرهن: الحبس، كما في قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر:38] أي: محبوسة.
فلما قال عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن مرهونة) دل على أنها محبوسة وهي إما تحبس عن النعيم أو عن الفضل.
ولذلك كره العلماء -رحمهم الله- الدين وشددوا فيه لهذا الحديث، فقالوا: إنه إذا كانت نفسه مرهونة، وماله موجوداً، والورثة لا يستحقون المال إلا بعد الدين، فالذي تطمئن إليه النفس أنه يجب عليهم أن يبادروا بسداد دينه ولو كان دينه مؤجلاً.
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء -وفي رواية- أنه يغفر للشهيد عند أول قطرة من دمه، فجاءه جبريل ونزل عليه بالوحي فقال عليه الصلاة والسلام: إلا الدين، أخبرني به جبريل آنفاً) يعني: يغفر له كل شيء إلا حقوق العباد، فالذي عليه من حقوق العباد نفسه مرهونة به.
فإذا كان هذا في الشهيد وهو من أعظم الناس منزلة عند الله سبحانه وتعالى، يغفر له عند أول قطرة من دمه، ويبعث وجرحه يثعب دماً وروحه في حواصل طير خضر في الجنة تسرح فيها، تشرب من أنهارها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، ومع ذلك يغفر له كل شيء إلا الدين.
فهذا يدل على عظم أمر الدين، فإذا كان أمره بهذا العظم، فليس من الحق ولا من العدل أن يبقى الميت مرهونة نفسه قد ترك السداد، وننتظر إلى حلول الأجل حتى يسدد عنه.
فلذلك الذي يظهر أن الميت تحل ديونه بالموت، وأنه يجب على ورثته أن يبادروا بسداد ديونه، خاصة مع قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:12] وفي الآية الأخرى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11] وفي الأخرى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:12].
فهذه الآيات كلها صريحة بأن الدين مقدم على حقوق الورثة، فإذا نظرنا إلى هذا فمعناه: أنه يجب علينا أن نبادر بسداد دين الميت؛ لأن هذا ماله وقد حلت ديونه، فينبغي أن يبادر بالأصلح والأوفر له؛ لأنه ليس ثم مانع شرعي يمنع من هذا.
ونحن نقول: إن الدين المؤجل ليس من حق صاحب الدين أن يطالب المديون به؛ لأن الدين إذا كان صاحبه قد أخره عليك إلى نهاية السنة، فإن الرفق بك أن ننتظر إلى نهاية السنة، فمن مات الرفق به أن يعجل، فأصبحت المسألة بالموت عكسية.
ولذلك جعل شرعاً الحق أن تطالب بتأخيره بناءً على الأجل، وإذا ثبت أن الحق أن تطالب بتأخيره بناءً على الأجل لمصلحة المديون فالعكس بالعكس في حال الوفاة.
ومن هنا فإنه يجب على الورثة أن يبادروا بالسداد، وقد ذكرنا هذا غير مرة، وهذا من أعظم ما يقع من المظالم، فإن الورثة يموت مورثهم ويترك لهم عمارة أو أرضاً ولها قيمة ويمكن بيعها وسداد ديونه، ولكن الورثة يمتنعون، ثم تبقى الديون، ولربما حلت الديون وتبقى إلى سنوات ولربما تبقى دهراً طويلاً، وهذا إن كان في الوالد والوالدة فهو من عقوق الوالدين نسأل الله السلامة والعافية، وإن كان في القريب فهو من وقطيعة الرحم، فكيف يبقى هذا الميت مرهوناً في قبره بدينه ولا يسدد عنه وماله موجود، فلا حق لهم أن يستمتعوا بهذا المال حتى يسدد دينه؛ لأن الله تعالى يقول: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:12] فجعل الفرائض وقسمة المواريث على أصحابها، وجعل حق الوارث بعد الوصية والدين، فدل على أنه ينبغي المبادرة بسداد هذا الدين وإبراء هذه الذمة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم) وهؤلاء الورثة أغنياء قادرون على سداد ديون مورثهم، فيجب عليهم أن يبادروا بذلك.
قال رحمه الله: (إن وثق ورثته برهن أو كفيل) جعل فقهاء الحنابلة -رحمهم الله- ومن وافقهم شرطاً في هذه المسألة وهي: توثيق الدين برهن أو توثيقه بكفيل غارم.
فإذا جاءوا برهن وقالوا له: أمهلنا إلى نهاية السنة كما اتفقت مع مورثنا ونحن نعطيك دينك؛ لأن دينك مؤجل.
فقال: لا أريد ديني معجلاً، فاختصموا إلى القاضي، يقول القاضي للورثة: ائتوا برهن أو ائتوا بكفيل أؤجلكم بالأجل، هذا على ما ذكره المصنف رحمه الله.
فإن جاءوا برهن أو جاءوا بكفيل غارم مليء؛ فإنه حينئذٍ يؤجل ويبقى الدين على حاله مؤجلاً.
(190/10)
________________________________________
الحكم فيما لو ظهر غريم بعد قسمة مال المفلس
قال رحمه الله: [وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه] صورة المسألة: أن يكون هناك غريمان كل واحد منهما له خمسون ألفاً وطالبوا بالحكم بفلس زيد من الناس، ولما حكم عليه بفلسه وبيع متاعه بثلاثين ألفاً، فمعناه أنه ستنقسم الثلاثين عليهما، فيكون لكل واحد منهما خمسة عشر ألفاً.
فإن ظهر غريم ثالث له خمسون، فحينئذٍ أصبح له الثلث فيدخل معهم، ويطالب كل واحد منهما بثلث ما أخذ، فالذي له خمسة عشر يعطي خمسة وتبقى له عشرة، والآخر يعطي خمسة من خمسة عشر ويبقى له عشرة، وحينئذٍ يكون للغريم الجديد عشرة، ويكون للباقين كل واحد منهما له عشرة آلاف، فيدخل بقدر حصته، هذا إذا ظهر بعد القسمة وهو مذهب طائفة من العلماء.
وقال بعض العلماء: إنه لا يستحق الدخول، وهو مذهب الشافعية والحنابلة كما ذكر المصنف أنه إن ظهر غريم بعد القسمة دخل؛ لأن المال محبوس بالدين عموماً ومتعلق بذمة المديون، فيستوي فيه من عجل ومن تأخر في المطالبة.
وقال بعض العلماء: لا يقاسم وينشأ له حجر جديد، ولا يستحق أن يطالب؛ لأنه هو الذي فرط ويتحمل عاقبة تفريطه، وهذا يقول به الإمام مالك رحمه الله.
(190/11)
________________________________________
كيفية فك حجر المفلس
قال المصنف رحمه الله: [ولا يفك حجره إلا حاكم].
ولا يفك حجر المفلس إلا حاكم وهو القاضي، والسبب في هذا أنه كما كان الإثبات مفتقراً إلى حكم وقضاء، كذلك الإلغاء ورفع الحكم يحتاج إلى حكم لرفع الحجر وفكه، فمذهب جمهور العلماء أن المفلس إذا حكم عليه بالحجر لا يخرج من الحجر فإنه إلا بحكم ثانٍ.
إذاً: ما فائدة المسألة؟ فائدتها لو أن صاحب شركة أفلس، وديونه -مثلاً- مليون، فأخذت أمواله وبيعت وسدد منها دينه، ثم لما بيع متاعه وبيع ما يملكه اشترى من رجل قبل فك الحجر عنه، فإن قيل: إنه يفك الحجر عنه بمجرد سداد ديونه فحينئذٍ البيع صحيح.
وإن قيل: إنه يفتقد الحجر إلى فك، فلا يصح هذا البيع إلا بعد أن يفك الحجر عنه، هذه فائدة المسألة: أنك إذا حكمت بكونه محجوراً عليه ولا يفك حجره إلا بحكم القاضي، فكل صدقة تصدق بها أو تبرع بذله أو بيع عقده لا يحكم به إلا بعد فك الحجر عنه.
(190/12)
________________________________________
الأسئلة
(190/13)
________________________________________
الجمع بين قول المصنف: (ولا يحل مؤجل بفلس) وبين قوله: (إن القرض يثبت بدله في ذمته حالاً ولو أجله)

السؤال
أشكل عليّ قول المصنف: (ولا يحل مؤجل بفلس ولا بموت) مع ما تقدم في باب القرض من قوله: (إن القرض يثبت بدله في ذمته حالاً ولو أجله)؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فمسألة ثبوت الدين في الذمة حالاً بالقرض نفسه بيناها، بمعنى: أنه بمجرد ما يأخذ المال يثبت في ذمته البدل، ولا يؤجل ولا ننتظر إلى الأجل، فشغل الذمة بالدين يكون بمجرد الأخذ والقطع.
وهذا هو الذي نفرع عليه مسألة أن من مات حلت ديونه؛ لأن الميت ما ألزمناه بسداد دينه إلا لأن ذمته شغلت، فهناك فرق بين مسألة المطالبة بحلول الأجل، فلا يطالب إلا بعد تمام الأجل وحلوله، وبين مسألة ذمة الشخص الذي يأخذ الدين، فالشخص الذي أخذ الدين يثبت المال في ذمته حالاً بمجرد قبضه للمال، ويصبح بدل هذا المال وعوضه ثابتاً في ذمته، كرجل استدان مائة ألف، فإنه قبل قبض المائة ألف ذمته بريئة، وبمجرد قبضه للمائة ألف ثبتت في ذمته، والذمة قلنا: وصف اعتباري قابل للإلزام والالتزام، فتصبح ذمته مشغولة بهذا الدين بمجرد القبض، فهذه مسألة قبض الدين وقد تم بيانها.
أما مسألة حلول الأجل وعدم حلوله، وهذا الذي في الذمة متى يستحق المطالبة به ومتى لا يستحق، فهذا مرتب على الأجل، ثم بعد ذلك يفصل فيه أنه إذا مات أصبحت ذمته مرهونة وحقه موجود، فكان من العدل والإنصاف أن يبادر بإبراء ذمته.
والله تعالى أعلم.
(190/14)
________________________________________
التزام ابن الميت بدين أبيه هل يبرئ ذمته؟

السؤال
إذا التزم ابن الميت لصاحب الدين بسداد دين والده، بأن يصبح الابن هو المدين، فهل من الممكن أن تقع الحوالة في هذه الحالة؟

الجواب
إذا التزم الابن أو القريب أو الغريب بدين رجل، فإنه في هذه الحالة لا تبرأ ذمة الميت إلا بالسداد، والدليل على ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل ليصلي عليه فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، فقال صلى الله عليه وسلم: هل ترك وفاءً؟ قالوا: لا.
قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما عليّ يا رسول الله، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم).
قال أبو قتادة رضي الله عنه: (فلم يزل يلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألني: هل أديت عنه -سددت-؟ فأقول: لا بعد، هل أديت؟ فأقول: لا بعد، حتى لقيني ذات يوم فقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم قال: الآن بردت جلدته)، والحديث في الصحيحين.
وهذا يدل على أمر عظيم فقوله: (بردت جلدته) يقوي قول بعض العلماء: أن معنى (مرهونة) أي: أنه يحبس عن النعيم لقوله: (بردت جلدته)، وهذا يدل على أنه لو قال شخص عن ميت: عليّ دينه فإنه لا يبرأ إلا بالسداد حتى يصل الحق لصاحبه، فإذا أعطي الحق لصاحبه برأت ذمته، وأما إذا لم يعط -سواءً بحوالة أو بكفالة- كما في حديث أبي قتادة - فإنه لا تبرأ ذمته.
والله تعالى أعلم.
(190/15)
________________________________________
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (أدى الله عنه)

السؤال
من استدان ديناً يريد أداءه وفي الحديث: (أدى الله عنه) نرجو من فضيلتكم شرح هذا الحديث؟

الجواب
قوله عليه الصلاة والسلام: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها؛ أتلفه الله) هذا حديث عظيم يدل على أن النيات والمقاصد تؤثر في أمور العبد، وأن الله يفتح له من أبواب التوفيق، وييسر له من سبل التوفيق على قدر نيته وصلاحه.
والمراد بهذا الحديث: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها) كرجل يأتي ويستدين مائة ألف، والله يعلم في قرارة قلبه أنه يريد أن يسدد، فإن الله يؤدي عنه.
وقد اختلف العلماء في قوله: (أدى الله عنه) فقيل: يوفقه للسداد إذا كان حياً، فإذا مات قالوا: إنه يتحمل الله سبحانه وتعالى عنه فيرضي صاحب الدين عن دينه؛ لأنه علم من نية عبده أنه يريد أن يسدد، والله عز وجل اطلع على ضميره وقلبه ونيته، فعلم أنه يريد الخير، فأعطاه خيراً كما قال تعالى: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} [الأنفال:70].
وأما قوله: (ومن أخذها يريد إتلافها) كما يحصل من المتلاعبين أنهم يأخذون الأموال ولا يريدون أن يسددوا، ولا يفكرون في السداد، وتظهر هذه النية إذا حدد الدين فقال: أسددك في نهاية السنة، فإن كان في نيته فعلاً أنه في نهاية السنة سيأتيه بالمال ويسدد فهذا رجل أخذ أموال الناس يريد أداءها، وأما إذا علم أنه في نهاية السنة لا يكون عنده مال أو خدع صاحب المال فقال له: إن شاء الله ستأتيني أموال بعد شهر، إن شاء الله سيأتيني إيجار، سيأتيني شيء، ومناه وعبث بحقه فقال له: أبشر إن شاء الله في نهاية السنة ستنفرج، سيأتي عوض، سيأتيني تعويض، سيأتيني كذا، فمناه بالباطل، فهذا أخذ أموال الناس يريد إتلافها، فالله يتلفه فيمحق بركة أمواله.
ولذلك من المشاهد والمجرب في الناس الذين يأخذون أموال الناس -مع أن بعضهم يكون غنياً قادراً على السداد وهو لا يريد أن يسدد- أن الله يمحق له البركة من ماله ويلبسه ثوب الفقر وهو في الغنى.
ولذلك تجده في أضيق حال -نسأل الله السلامة والعافية- وإن سلمت أمواله من النكبات والضيق سلط الله عليه هماً يلازمه وغماً يتابعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه) حتى كان بعض العلماء مما يوصي به بعض طلاب العلم يقول له: لا تستدن قدر ما تستطيع.
وفي بعض الأحيان إذا كان صاحب الدين نفسه غير طيبة وغير راضية وحل الأجل فإن هذا يؤثر على الإنسان ويؤثر على حاله لأن نفسه مرهونة ومحبوسة.
حتى إن بعض الأخيار تراه يحب قيام الليل وصيام النهار فربما رهنت نفسه وحبست، كما أنها تحبس عن نعيم الآخرة فلا يمتنع أن تحبس عن نعيم الدنيا، وذلك بما يكون بسبب تأجيل حقوق الناس، والأفضل أن الإنسان يتقي هذا الشيء.
وإذا اضطر إلى الدين بحاجة وبأمر فإنه يستعين على ذلك بحسن النية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله امرأ سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى) فالمسلم إذا كان فيه السماحة وفيه حسن النية؛ فإن الله يوفقه ويرحمه وييسر له من أبواب الفرج ما لم يخطر له على بال.
والله تعالى أعلم.
(190/16)
________________________________________
حكم تحميل الإمام ما ينساه المأموم من أركان الصلاة

السؤال
هل الإمام يحمل الأركان عن المأموم إن ترك المأموم ركناً ناسياً؟

الجواب
الأصل في هذه المسألة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند أحمد وأبي داود في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم اغفر للمؤذنين، وأرشد الأئمة) هذا الحديث الشاهد فيه قوله: (الإمام ضامن)، الضمين: هو الحميل، فكأنه يتحمل عن المأمومين، ولذلك قالوا: يحمل عن المأموم الواجبات ولا يحمل الأركان، فإذا كان المأموم قد نسي واجباً، كأن يرفع الإمام ويقول: سمع الله لمن حمده، فيرفع المأموم وينسى أن يقول: ربنا ولك الحمد، أو يكبر الإمام للسجود، فيسجد المأموم دون أن يكبر ناسياً، فيحمل الإمام عنه سهوه، ولا يلزمه أن يسجد سجود السهو، وهكذا إذا نسي التسبيح في الركوع أو السجود فإن الإمام يحمل عنه ذلك.
وأما بالنسبة للأركان فإن الإمام لا يحمل الأركان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن في هذا الحديث أن الإمام ضامن، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة أن المأموم يلزمه قضاء ما سبق كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) وفي رواية: (فاقضوا).
فدل على أن الأركان تقضى.
والله تعالى أعلم.
(190/17)
________________________________________
ضابط اللغو في الأيمان

السؤال
ما ضابط اللغو في الأيمان؟

الجواب
لغو اليمين الذي أسقط الشرع المؤاخذة فيه ينقسم إلى صور، منها: أن ترى الشيء تظنه على حال، فيتبين بخلافه، فتحلف بالله عند رؤيته لأول وهلة أنه كذا، ثم يتبين أنه ليس كما ظننت، كرجل رأى رجلاً فقال: هذا والله محمد؛ لأن أوصاف محمد كلها موجودة فيه، ثم لما اقترب الرجل إذا به زيد، فهذا من لغو اليمين؛ لأنه حلف على غلبة الظن ثم تبيّن كذبها، لكنه لم يكن في ذلك كاذباً في الحقيقة وإنما على ما ظهر له.
ومن هنا فرع العلماء مسألة حلف اليمين في القضاء على غلبة الظن، فيجوز للمدعى عليه أن يحلف اليمين منكراً إذا كان غالب ظنه أنه ليس لفلان عليه شيء.
وكذلك من لغو اليمين أن يجري ذلك مجرى الكلام الذي لا يقصد منه الحلف، كقوله للضيف: والله تقعد والله تقوم والله ما تذهب والله تتغدى والله تتعشى والله قم والله تقعد، وهذا الكلام أثناء اللجاج دون قصد لليمين، فتقول للرجل: والله تقعد والله تقوم بسرعة، بدون أن تستحضر اليمين أو تقصدها، فهذا كله من لغو اليمين، وفي ذلك آثار عن ابن عباس رضي الله عنهما من الصحابة، وغيره من أئمة التابعين.
والله تعالى أعلم.
(190/18)
________________________________________
حكم البيع حياءً لا رغبةً في البيع

السؤال
إنسان له فضل عليّ بعد الله سبحانه وتعالى، وأراد أن يشتري مني سلعة، فبعته حياءً منه لا رغبة بالبيع، فهل يجوز هذا البيع؟

الجواب
الحكم في الشرع على الظاهر، والبيع إذا استوفى أركانه وشروطه فهو صحيح، وكونك غلبك الحياء فهذا لا يؤثر في ظاهرك؛ لأنه ليس ثم أحد فرض عليك ذلك، وليس ثم أحد أكرهك عليه، وكونك تجامل أو تتنازل عن حقك هذا بالنسبة لك أنت، فأنت الذي تتحمل المسئولية؛ لأنك بين نارين: بين أن تباشره وتقول: لا أرغب في البيع، وبين أن تصبر على البيع، وحينئذٍ يكون فضله منفكاً عن مسألة الحقوق، وبين أن ترضى بالبلاء فتبيع وتأخذ الثمن والله سبحانه وتعالى يعوضك، لكن ينبغي على أهل الفضل كالعلماء وطلاب العلم ألا يحرجوا الناس، وألا يتخذوا من علمهم وسيلة للدنيا.
هذا أمر محتم، ينبغي على طالب العلم أن يتنبه له، خاصة في هذا الزمان الذي أصبح فيه طالب العلم يأكل ويشرب بعلمه، ويتعالى على الناس بعلمه، ويحرج الناس بعلمه وفضله، وأعرف من مشايخنا -رحمة الله عليهم- أنه كان يتجنب إذا دخل السوق أن يشتري من شخص يعرفه، كل ذلك خوفاً من أن يكون قد أخذ بعلمه شيئاً من الناس.
وهذا هو الورع حيث ينبغي أن يبتغى العلم للآخرة: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الفرقان:57] فالإنسان إذا تعلم العلم ينبغي أن يجعله لله والدار الآخرة.
ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما: (إذا كنت في السفر صائماً فلا يشعر بك من معك، إنهم إن شعروا بك قالوا: أنزلوا الصائم، افرشوا للصائم، ارفعوا رحل الصائم حتى يذهب أجرك في الصيام) أي ساعدوه، فتصبح كلاً عليهم بعبادتك فكأن العبادة أصبحت وسيلة للدنيا.
فينبغي للإنسان ولطالب العلم وللفاضل وللورع أن يتقي مثل هذا، خاصة الشيخ مع طلابه أو ممن له فضل، فلا يطلب من الناس أجراً، إنما يكون أجره على الله، والعلم إذا قصد به وجه الله وابتغي به ما عند الله باركه الله لصاحبه، وبارك الله في ثمرته وعاقبته، وأصبح الإنسان محفوظاً في علمه، وأصبح العالم محفوظاً في علمه، وطالب العلم محفوظاً في طلبه ما اتقى الله عز وجل في هذا العلم وأراد به الله والدار الآخرة.
فينبغي للمسلم أن يضع هذا نصب عينيه، وأن يخاف شدة الخوف، والله إني لأعرف من بعض المشايخ -رحمة الله عليهم- إذا اشترى شيئاً من شخص يعرفه -خاصة في الصفقات الكبيرة- يذهب ويرسل من يسأل في السوق كم قيمتها، كل ذلك خوف المجاملة.
ولقد حضرت بعض مجالسه أنه يستحلفه بالله أن قيمتها كذا، كل ذلك من أجل ألا يدخل إلى ذمته شيئاً من حقوق الناس ويصبح كلاً عليهم، وإذا نظر الناس لأهل العلم وطلاب العلم والفضلاء فوجدوهم لا يبالون بالدنيا، وأن الدنيا تحت أقدامهم وأنهم علموا لله وابتغوا ما عند الله ورجوا الدار الآخرة؛ أحبهم الله ووضع لهم القبول، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) فإذا رُئي العالم وطالب العلم عفيفاً عن أموال الناس، وعن حقوقهم، وعن مظالمهم، فإن الله يحبه ويبارك له، ووالله ما تركت شيئاً من الدنيا لله إلا عوضك الله أطيب منه وأزكى لدينك ودنياك وآخرتك.
وهنيئاً لمن وفقه الله فصان الله به وجه العلم، وصان به كرامة العلم، وعرف أنه لا يتبلبل بعلمه وأنه لا يبيع ويشتري بعلمه، فيذهب إلى السوق والتجارات فيمتهن.
ولذلك تجد من يفعل هذا الفعل يركبه أهل الدنيا، ويجد من تسلط السفهاء والرعاع عليه ما يكون ثمناً لهذا التنازل عن دينه وعلمه.
فالواجب على المسلم أن يتقي الله وألا يحرج الناس في حقوقهم، وألا يستغل منصبه أو مكانته من كونه معلماً أو مدرساً فيأتي لطالبه أو لمن هو دونه من أجل أن ينال عرضاً من الدنيا.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل الآخرة أكبر همنا ومبلغ علمنا، وألا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا غاية رغبتنا وسؤلنا، ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا علماً نافعاً، وأن يكفينا بحلاله عن حرامه، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، إنه واسع الفضل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(190/19)
________________________________________