المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء الثاني عشر


gogo
10-19-2019, 01:43 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
المطعومات
أما جنس المطعومات، فهناك أربعة أصناف نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: البر، والتمر، والشعير، والملح.
- فالبر والشعير جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً للحبوب.
- والتمر جعله أصلاً للحلويات؛ كالعسل والزبيب ونحوه.
- والملح جعله أصلاً لما يستصلح به الطعام؛ كما يقع في الأدقة ونحوها.
فهذه الأصناف تسمى بالأصناف المطعومة، فلو أخذنا البر، بأن يبيع البر بالبر، فينبغي أن يكون مثلاً بمثل، يداً بيد، سواءً كان كلا البرين جيداً، أو كان أحدهما جيداً والآخر رديئاً، أو كان أحدهما جيداً والآخر أجود منه، فلابد أن يبيع مثلاً بمثل.
ولو قيل: كيف أبيع الجيد بما هو أردأ منه مثلاً بمثل؟ فيقال: إذاً بعه بالنقد، ثم اشتر بذلك النقد بديله وما تريد مقامه.
فإذا قيل: هذا تعب وتكليف للناس، فيقال: هكذا جاءت السنة، ولا يسعك إلا أن تسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً)، فدل على أنه يعدل إلى الحيلة الشرعية التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكما قلنا في الذهب والفضة: يستوي الجيد والرديء، ولابد من التماثل والتقابض، فلو قال له: خذ البر الآن وأنا آخذ منك غداً، أو آتيك بعد ساعة، فإنه يعتبر ربا نسيئة، ولا يجوز إلا إذا كان يداً بيد مثلاً بمثل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مثلاً بمثل، يداً بيد).
وكذلك التمر: فإذا بادل التمر بالتمر فلابد أن يكون مثلاً بمثل بالكيل.
والفرق بين التمر والذهب والفضة: أن الذهب والفضة تتحقق المماثلة فيهما بالوزن، وأما بالنسبة للتمر والبر والشعير والملح، ففي الأعراف المشهورة في العهد القريب تتحقق المماثلة فيها بالكيل، فلابد إذا باع طعاماً من تمر أن يماثله بصاعٍ مثله، فلو باعه الصاع بالصاعين أو الصاع بالصاع والنصف، فهذا هو الربا الذي حرم الله، وهو ربا الفضل.
(161/7)
________________________________________
اشتراط التماثل والتقابض في بيع الربوي بمثله
إذا علمنا هذا، وهو أن الأصناف الستة إذا بيع الصنف بمثله اشترط التماثل في الكيل كيلاً كصاع بر بصاع بر، أو صاع تمر بصاع تمر، وفي الوزن وزناً، كأن تقول: مائة غرام من الذهب بمائة غرام من الذهب، ولا يفاضل بينهما، سواءً اتفقت الصنعة أو الجودة أو اختلفت، فالحكم في الجميع واحد، فنقول: إن هذه الأصناف يشترط فيها التماثل والتقابض، ودليل ذلك ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (مثلاً بمثل، يداً بيد)؛ لأنه قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح) أي: بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح.
فجعلها مقابلة لبعضها، فقال: (مثلاًَ بمثل) أي: بيعوها مثلاً بمثل، فدل على أنه لا يجوز بيعها عند فقد التماثل، كذلك أيضاً قال: (يداً بيد)، فلما قال صلى الله عليه وسلم: (مثلاً بمثل)، وقال: (يداً بيد)، أشار إلى نوعين من الربا: النوع الأول: ربا الفضل.
النوع الثاني: ربا النسيئة.
(161/8)
________________________________________
وقوع ربا الفضل والنسيئة في الأصناف الربوية
فأما ربا الفضل: فالفضل أصله الزيادة، وإذا قلت: فلان له فضل، أي: فيه زيادة من خير وطاعة وبر، فربا الفضل ربا زيادة، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: (مثلاً بمثل)، وقوله في معنى العكس: (ولا تشفوا بعضها على بعض)، أي: لا تزيدوا بعضها على بعض.
وعلى هذا يتحقق ربا الفضل إذا كان الصنف واحداً من الأصناف الستة، سواءً بودل بمثله، أو بيع بمثله مع الزيادة في وزن أو كيل؛ كصاع بصاعين، وصاع بصاع ونصف، ومُدان بمُد، ونحو ذلك، والوزن مثل: مائة غرام بخمسين غراماً، أو مائة غرام بخمسة وسبعين، أو مائة بتسع وتسعين غراماً، كل هذا يعتبر من الربا، فلو نقص غرام واحد فإنه ربا.
أما ربا النسيئة: فالنسيئة من النسأ، وأصله التأخير، ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة:37]؛ لأنهم كانوا ينسئون ويؤخرون الأشهر الحرم عن مواقيتها، وسمي هذا النوع من الربا بربا النسيئة؛ لأنه يقوم على التأخير، فانظر إلى حكمة الشريعة وما جاءت به من العدل بين المتعاملين، فإنك إذا بعت الذهب بالذهب، فمن العدل إذا أعطاك مائة غرام أن تعطيه مائة غرام في مقابلها، ولا تؤخره كما لم يؤخرك، فالعدل يقتضي أن تنجز له وينجز لك.
وبناءً على ذلك: لو بذل أحد الطرفين فقدم وأخر الثاني فإنه يقع ربا النسيئة، لكن بضوابط، فلو تأخر في الدفع فيقع ربا النسيئة بافتراق أحدهما عن الآخر قبل التقابض، فلو أنه قال له في مجلس العقد: عندي مائة غرام من السبائك، وأريدك أن تبادلني أو تبيعني بها مائة غرام من القلائد، فقال: قبلت، فهو لم يعطه شيئاً بعد، وتم الإيجاب والقبول، فمد له الحلي فتأخر الرجل يخرجها من بيته، أو يخرجها من شنطته، أو من كيسه، فلا يؤثر ما داما في مجلس العقد، على أصح قولي العلماء.
وهناك قول آخر: وهو أنه لابد أن يعطي بيده ويستلم بالأخرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عمر في الصحيح: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)، أي: عندما تعطيه تقول: هه، وهو أيضاً يقول لك: هه، فمعناه: أنك تعطيه ويعطيك منابذة وحالاً، قالوا: فلو تأخر حتى ليدخل يده في جيبه لإخراج السلعة فإنه لم يتحقق قوله: (هاء وهاء)، فلابد أن يمد بيد ويعطيه بأخرى، وهذه المسألة يسمونها: مسألة صندوق التاجر، حيث كانوا في القديم يأتي ويكلم التاجر ومعه الحلي، فينزل التاجر إلى الصندوق ويخرج منه، كما هو موجود الآن في (البترينة) أو نحوها حين يقفلها ويفتحها حتى يستخرج منها المبيع، فقالوا: لا يجوز له أن يتعاقد معه إلا إذا نجز، وهذا المذهب فيه تشدد، لكن فيه رحمة.
(161/9)
________________________________________
الحكمة من تحريم الربا
والناس قد ينظرون للحكم هكذا ويظنون أن فيه شدة وعسراً، لكن للشريعة حكم عظيمة؛ فإن هذا الاشتراط للتقابض يدفع عن الناس من الشر ما الله به عليم.
وكثير من المظالم تقع بسبب عدم التقابض، حتى إن أحد خبراء الاقتصاد من الكفار المعاصرين لما قرأ شرط الشريعة في التقابض، قال: لو أن العالم طبق شرط الشريعة الإسلامية في التقابض في النقدين، فإن ثلاثة أرباع مشاكل الاقتصاد سوف تنتهي؛ لأن التعامل كله بالكلام، والنكسات التي تقع حينما يحدث السحب بالسيولة غير موجودة، فتحدث بسبب ذلك الديونات والإحراجات، ويحصل بسبب ذلك الظلم.
ومن هنا اشترطت الشريعة التقابض؛ لأنه يدفع باب الاحتيال، فلو قال لك: أبيعك مائة دولار مثلاً من الذهب، وأعطيته النقد ولم يعطك إياها، فربما قال لك: أبيعها لك، وسجلها دون أن تكون موجودة في رصيده، بزعمه أنك إذا جئت تطلبها في أي وقت فإنه سوف ينجزها لك، فربما جئت تطلبها في أحرج الأوقات، فتصيبه النكسة، فيضر بنفسه.
وأيضاً أضر بغيره؛ لأنه ربما وقف العاجز الذي لا يستطيع أن يسدد ديونه لقاء السحوبات، كما يقع في بعض المصارف نكسات بسبب عدم وجود السيولة، فالشريعة لم تشترط هذا من فراغ، ولنمثل لذلك بمثال في مسألة دفع الضرر على هذا النطاق العام وهو ضرر أخف، فمثلاً: إذا جئت إلى رجل وأعطيته خمسمائة ريال وأنت تريد صرفها، أو اشتريت مثلاً بعشرة ريالات وأعطيته خمسمائة ريال، فإنه يأخذها مباشرة ويرميها في الصندوق ثم يقول: كم أعطيتني؟ فتقول: خمسمائة، فيقول: لا، بل أعطيتني مائة.
فتقول: أعطيتك مائة.
فيقول: لا، بل أعطيتني خمسين.
فتقول: خمسين.
فيقول: بل عشرة، هذا إذا لم يقل لك: لم تعطني شيئاً؛ لأنه ينسى.
فالشريعة تريد العدل، فإذا أخذ منك الذهب أعطاك مقابله باليد الأخرى؛ لأنك رضيت أن تبذل ذهبك لأجل العوض، فهذا كله مبني على حكمٍ عظيمة، فإن اشتراط التقابض وتحريم النسأ فيه دفع للضرر عن العامة والخاصة.
(161/10)
________________________________________
التفصيل في بيع الربويات بعضها ببعض
وبناءً على ذلك فالأصناف الستة يشترط فيها التماثل والتقابض، وهذا كله إذا وقع التبايع بالصنف بمثله، كذهب بذهب، وفضة بفضة، وبر ببر، وتمر بتمر، وشعير بشعير، وملح بملح، لكن لو وقع التعامل مع الاختلاف، فإن الحكم يختلف، فإذا حصل الاختلاف اليسير اختلف الحكم يسيراً، وإذا وقع الاختلاف الكلي اختلف الحكم كلياً، وحكم بجواز التفاضل وجواز النسأ والتأخير.
وتوضيح ذلك: أن الأصناف الستة إذا بعتها مختلفة، فإما أن تبيعها مع اتحاد الجنس واختلاف النوع، وإما مع اختلاف الجنسين، فنقسم الستة إلى أثمانٍ ومطعومات، فالأثمان الذهب والفضة، والمطعومات الأربعة الباقية، فالذهب والفضة إذا بيعا مختلفين فإن جنسهما واحد، أي: جنس أثمان، فإذا بعت مع اتحاد الجنس واختلاف الصنف فيشترط التقابض فقط، فيجوز أن تبيع الكيلو من الذهب بالكيلوين من الفضة، لكن بشرط أن يكون يداً بيد، ولا يجوز أن يؤخر أحد المتعاقدين، فإذا اتفق جنس الثمن واختلف الصنف، كذهب بفضة، قلنا: يجوز التفاضل ولا يشترط التماثل، ويجب التقابض، فلا يفترقان عن مجلس العقد إلا وقد أعطى كل منهما للآخر ما له عليه.
مثال ذلك: لو جئت تشتري بالريالات الموجودة -ورصيدها فضة- ذهباً، وقال لك: الجرام بأربعين ريالاً، فاشتريت عشرة جرامات بأربعمائة ريال، أو مائة جرام بأربعة آلاف ريال، فيجب عليك أن تعطيه الثمن ويعطي لك الجرامات يداً بيد، فلا تفترقا عن مجلس العقد إلا وقد قبض كل منكما سلعة الآخر، أو ما عند الآخر.
فلو أن أحدكما أخر وافترقتما، فقد وقع ربا النسيئة من وجه واحد، وعند الانسحاب من الوجهين يجري الربا من وجهين، وعند اتحادهما من وجه واحد يجري الربا من وجه واحد، فيجري النسأ فقط ويجوز التفاضل.
أما لو اختلف الجنسان؛ كذهب بواحد من الأصناف الأربعة المطعومة، أو فضة بواحد من الأصناف الأربعة المطعومة، فيجوز التفاضل ويجوز النسأ، فيجوز أن تبيع الكيلو من الذهب بألف كيلو من التمر؛ لأنه لا يشترط التماثل، كذلك أيضاً يجوز أن تعطيه النقد الآن وتستلم منه التمر بعد يوم، أو بعد شهر، أو بعد سنة، ولا بأس بذلك؛ لأنه لا يوجد الربا لا من جهة التفاضل ولا من جهة التقابض.
وعليه قال العلماء: إن الأصناف الستة يجري فيها الربا من وجهين بشرط اتحاد الجنس والصنف، كذهب بذهب، وفضة بفضة، وبقية الأصناف الأربعة على ذلك، ويجري الربا من وجه واحد وهو ربا النسيئة، إن باع مع اختلاف الصنف واتحاد الجنس، كأن يتحد جنسهما كالأثمان، فيبادل الذهب بالفضة، فيجوز التفاضل بأن يبيعه الكيلو بالكيلوين، ولا يجوز النسأ وهو التأخير.
وكذلك لو باع البر بالتمر، فيجوز الصاع بالصاعين وبالثلاثة، ولكن يجب أن يكون يداً بيد، أما لو اختلف الجنسان كذهب ببر، أو تمر أو شعير أو ملح أو فضة بتمر أو شعير أو ملح، فإنه يجوز التفاضل ويجوز النسأ، ولا ربا في هذا النوع من البيع.
(161/11)
________________________________________
الربا في غير الأصناف الستة المنصوص عليها
أما الأصناف التي سكت عنها الشرع، فجماهير السلف رحمة الله عليهم ومنهم الأئمة الأربعة على أنه يجري فيها الربا ولكن بشروط، وخالف في ذلك الظاهرية رحمهم الله، فقالوا: لا يجري الربا إلا في الأصناف الستة.
ومذهب الجمهور هو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذكر هذه الأشياء ذكرها أصولاً لغيرها، فذكر البر والشعير أصلاً للحبوب، فتقيس الأرز الموجود في زماننا والدخن والعدس والفاصوليا واللوبيا وغيرها من الحبوب ونحوها على البر والشعير.
كذلك أيضاً ذكر التمر لكي يقاس عليه الزبيب، والعسل، والحلوى، مما يباع كيلاً أو وزناً من جنس المطعومات، فجعلها أصلاً لغيرها.
وجعل ذكر الملح لكي يقاس عليه ما يستصلح به الطعام؛ كالأدقة ونحوها مما يوجد من البهارات الموجودة في زماننا.
إذاً: ليس من فراغ جاء قوله عليه الصلاة والسلام: البر والتمر والشعير والملح، إنما جاء تنبيهاً على المثل، ولذلك صح عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: (وكذلك ما يكال ويوزن)، وهو صحابي جليل فجعل ما يكال ملحقاً بالأصناف الأربعة المنصوص عليها كيلاً، وجعل ما يوزن ملحقاً بالمنصوص عليه من الذهب والفضة؛ لأنه كان يباع وزناً.
إذا علمنا أن الأصح أن الربا يجري في غير هذه الأصناف الستة، فلو سأل رجل عن الأرز الموجود في زماننا، أو سأل عن البرتقال أو التفاح أو الموز، وهذا من جنس المطعومات، أو سأل عن غير الطعام كالحديد أو النحاس أو الألمنيوم أو غيرها من المعادن، هل يجري فيها الربا أم لا؟ بمعنى: لو باع الرجل حديداً متفاضلاً؛ كطن من الحديد الصلب -وهو أجود أنواع الحديد- بنصف طن من الحديد الزهر، وهو رديء، فقال: أردت أن أبادل الحديد بالحديد متفاضلاً، فهل يجوز أم لا يجوز؟ كذلك يسأل الناس في زماننا هذا -ونحب أن نمثل بأمثلة موجودة الآن حتى يكون التطبيق واضحاً- فلو سأل عن ثلاجة بثلاجتين، أو سيارة بسيارتين، هل هذا من الربا؟ والسؤال عن الربا إنما يكون عند الزيادة؛ بل ربما يسأل: القلم بقلمين أو الدفتر بدفترين هل يجري فيه الربا أم لا؟ فكل واحد يسأل عما أشكل عليه أو وقع فيه، ومن هنا تسأل عن كل صغيرة وكبيرة موجودة في زمانك، فإن الموجود في زماننا أكثره غير منصوص عليه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي لم ينص عليه النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما كان من جنس المطعومات.
القسم الثاني: ما كان من غير جنس المطعومات.
مثال ذلك: لو أخذنا الحلوى الموجودة في زماننا وبعناها من جنس غير المطعومات، مثل الثلاجات أو الحديد أو النحاس، فهل يجوز بيع هذه الأشياء إذا اتحدت أصنافها متفاضلة؟ هذا يحتاج إلى تفصيل.
وتوضيح ذلك أن يقال: نأخذ أولاً غير المطعومات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بها، فقال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة)، فذكر لنا الأصل في غير المطعوم، وهو الذهب والفضة، فإن الله حرم بيع الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل؛ لمكان العدل، فإنه إذا باع الذهب بالذهب متفاضلاً، فهنا يوجد ظلم.
ومن هنا قال طائفة من العلماء رحمهم الله، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذكر المرداوي رحمه الله صاحب الإنصاف أن المذهب عليها، وهو مذهب الحنفية أيضاً: أن العلة في الذهب والفضة الوزن، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن)، فكأن مقصود الشرع حصول التماثل بالوزن، فما كان يوزن من غير المطعومات فلابد فيه من التعادل والتكافؤ في الوزن.
ومن هنا إذا باع الموزون بالموزون مع اتحاد الصنف وقع الظلم، وقالوا: إن الموزونات من غير الذهب والفضة تقاس على الذهب والفضة، فلا يجوز بيعها متفاضلة مع اتحاد الصنف، فلو سأل رجل وقال: عندي عمارة وأريد أن أبنيها، فأخذ لها قطعة حديد من الرديء، وجاءه رجل وقال: هذا الطن الذي هو ألف كيلو عندك أريد أن أبادله بنصف طن من الصلب الذي هو أجود عندي، فهل يجوز أم لا يجوز؟ نقول: لا يجوز بيع هذا الحديد بمثله متفاضلاً؛ لأنه موزون، قياساً على الذهب والفضة.
كذلك لو سأل عن النحاس -وقد جرى العرف ببيعه وزناً- عن طن منه بنصف طن، أو طن بطن ونصف، فنقول: لا يجوز؛ لأنه موزون؛ كما لا يجوز بيع الذهب بالذهب متفاضلاً.
لكن لو أن غير المنصوص عليه -الذي قسناه على الذهب والفضة الذي هو الحديد والنحاس ونحوها من المعادن- لو دخلت فيه الصنعة فأخرجته عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً أو مذروعاً فما الحكم؟ من باب المناسبة حتى يكون الحكم واضحاً: الوزن مثل الغرامات، ومثل الكيلو والطن، ونحو ذلك، والكيل كالصاع واللتر، فإن اللترات تسمى كيلاً، فلا يفهم البعض أن الكيل هو الكيلو غرام؛ بل الكيل مثل الصاع والمد والرطل، ونحوها كاللترات الموجودة في زماننا.
فهناك ما يباع عدداً كالسيارة، فإن السيارة لا تباع وزناً ولا كيلاً ولا بالذرع، وإنما تباع بالعدد، فتقول: أريد سيارة بسيارتين، والإبل والبقر والغنم كلها تباع بالعدد، فعندنا أشياء تباع بالوزن، وأشياء تباع بالكيل، وأشياء تباع بالعدد، وأشياء تباع بالذرع.
والذرع مثل القماش فإنه يباع بالمتر، وكذلك المخططات في الأراضي تباع بالذرع، فالشيء الذي يباع بالوزن من غير المطعوم لابد أن يكون مثلاً بمثل، لكن لو دخلت فيه الصنعة فأخرجته عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً أو مزروعاً، مثال ذلك: لو أن رجلاً عنده طن من الحديد، ثم أخذ هذا الطن فقطعه قطعاً وأوصالاً بالأمتار، وأصبح يبيع مثلاً المتر بكذا، وحينئذٍ خرج عن كونه مباعاً بالوزن إلى كونه مباعاً بالذرع.
كذلك أيضاً قد يباع بالعدد، كأن يبيع بالواحدة أو بالاثنتين أو بالثلاث، وكما لو أخذ الحديد فصنعه سيارة، أو أخذ الحديد فصنعه ثلاجة أو غسالة أو نحو ذلك، فأخرجته الصنعة عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً أو مذروعاً، فما الحكم؟ قالوا: إذا أخرجته الصنعة عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً أو مذروعاً جاز التفاضل وحرم النسأ، فيجوز أن يبيع القطعة بالقطعتين، والسيارة بالسيارتين وبالثلاث وبالأربع؛ لأن المعدودات قد يحصل العدل فيها مع اختلاف العدد، فالبعير الواحد قد يعادل ثلاثة أبعرة، ومن هنا قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ البعير بالبعيرين والفرس بالأفراس إلى إبل الصدقة)، وهي معدودات، فأجاز في المعدود التفاضل، وبناءً على ذلك قالوا: إذا أخرجته الصنعة عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً فإنه يجوز فيه التفاضل.
ولو سأل سائل فقال: هل يجوز بيع السيارة بالسيارتين؟ فنقول: نعم؛ لأنها ليست من جنس الربويات فتأخذ حكم الربوي، أعني: أن التفاضل فيها مغتفر، كالغسالة بالغسالتين، أو الثلاجة بالثلاجتين، فأي شيء من غير المطعوم إذا كان غير موزون جاز فيه التفاضل.
كذلك في الخشب: وهذا يقع حينما يشتري الخشب مثلاً بالوزن وهو خام لم يقطع ولم يفصل، فأراد أن يبادله بمثله، فهذا لا يجوز إلا مثلاً بمثل، لكن لو أن هذا الخشب يباع بالعدد، مثل ألواح الأبلكاش فإنها تباع بالأذرعة: المتر والمتر والنصف، وتباع بالعدد فيقول: اللوح واللوحان والثلاثة، وكل عشرة بكذا.
فخرجت عن كونها موزونة، فعندما تأتي وتشتري ألواح الخشب فلا تسأل: كم وزنها؟ إنما تقول: أريد لوحاً أو لوحين من صنف كذا وكذا، فإنه صار من جنس المبيعات بالعدد، فإذا أخرجت الصنعة الموزون إلى كونه معدوداً أو مذروعاً، جاز التفاضل، وحينئذٍ فلا يكون من جنس الربوي المنصوص عليه من كل وجه.
وهناك قول ثانٍ في ثبوت العلة في الذهب والفضة وهو أن العلة هي الثمنية، أي: كونهما رءوساً للأثمان، وقيماً للأشياء، والثمنية يسميها علماء الأصول: علة قاصرة، ولا يقاس عليها غيرها؛ لأن الله جعل في الذهب والفضة خصيصة، كما نبه على ذلك الإمام المقدسي رحمه الله في مختصر منهاج القاصدين.
وهذه العلة يقول بها الجمهور من المالكية والشافعية، وهي رواية عن الإمام أحمد: أن الذهب والفضة جرى فيهما الربا لكونهما ثمناً للأشياء وقيماً لها، وهذه العلة القاصرة مختلف فيها عند علماء الأصول، فبعضهم لا يرى التعليل بها، ولذلك يقول صاحب المراقي: وعللوا بما خلت عن تعدية ليعلم امتناعه والتقوية ومذهب الجمهور على أنه يجوز التعليل بالعلة القاصرة، لكن إذا قلنا: العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، بناءً على القول الثاني، فإن الربا عندهم لا يجري في غير الطعام أياً كان ذلك، ولو كان موزوناً، إلا في الذهب والفضة.
فعلى مذهب الجمهور فبيع الطن بالطنين من الحديد يجوز، وبيع الطن بالطنين من النحاس يجوز؛ لأنهم لا يرون جريان الربا في غير المطعوم إلا في الذهب والفضة فقط.
وأما بالنسبة للمطعومات فقد اختلف العلماء رحمهم الله في علتها على أقوال: - فقيل: الكيل، كما هو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد.
- وقيل: الطعم، كما هو مذهب الشافعية، ورواية أيضاً عن الإمام أحمد.
- وقيل: القوت والادخار، كما هو مذهب المالكية.
- وقيل: الطعم مع الكيل أو الوزن، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال بها بعض السلف، كما هو قول سعيد بن المسيب وطائفة، وهو أرجح الأقوال.
أما الطُعم فلنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل، فهذا حديث معمر بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه يدل على قوة قول القائل: إن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن.
وبناءً على هذا القول -أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن- فكل طعام ينظر فيه: إن كان يباع كيلاً أو وزناً جرى فيه الربا من الوجهين عند اتحاد الصنف، وإن كان يباع عدداً لم يجر فيه الربا.
فمثلاً: الطعام مثل الأرز الموجود في زماننا، يباع وزناً وكيلاً بأن تضعه في الصاع، فتقول: صاع من الأرز أو صاعان، ونحو ذلك.
أيضاً يباع الطعام عدداً كالبطيخ، فتقول: أعطن
(161/12)
________________________________________
مسائل في الربا
ابتدأ المصنف رحمه الله بالقاعدة العامة، ثم ذكر تطبيقات لما يحرم فيه الربا من وجهين، ولما يحرم فيه الربا من وجه واحد، ثم بعد أن قرر أصول الربا انتقل إلى بيوع ذرائع الربا؛ لأن المحرمات الربوية تنقسم إلى: منصوص عليها، وملحقة بالمنصوص عليها، وهناك أشياء من البيوع في ظاهرها أو صورتها ليس فيها الربا، لكنها تئول إلى الربا، ويسمونها: بيوع الذرائع الربوية، كبيع ربوي مع الربوي وغير الربوي، وبيع العينة، ونحو ذلك مما سيبينه رحمه الله.
(161/13)
________________________________________
تحريم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه] إذا باع براً ببر، فيحرم ربا الفضل، وإذا حرم ربا الفضل فاعلم أن ربا النسيئة حرام، وإذا قلت: يحرم النسأ فقد يجوز التفاضل وقد يحرم، إذاً: تحريم النسأ لا يستلزم وجود ربا الفضل، وتحريم الفضل يستلزم وجود ربا النسيئة، وهذا هو الذي جعل ربا النسيئة أقوى من ربا الفضل.
وعليه حمل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: (لا ربا إلا في النسيئة)؛ وذلك لأنه أغلب وأكثر نوعي الربا انتشاراً، فيكون قوله: (لا ربا إلا في النسيئة) ليس المراد به الحصر، وإنما المراد به التعظيم، كقوله: (الحج عرفة)، فلما كانت أكثر مقاصد الحج في عرفة جعل الحج كأنه الوقوف بعرفة، وكذلك لما كان أكثر الربا في النسيئة، كان هذا خارجاً مخرج التعظيم، وليس المراد به حصر الربا في النسيئة.
وقوله: (وموزون) الموزون سواءً كان مطعوماً أو غير مطعوم، إذا بيع بجنسه فلابد أولاً أن يكون من الأصناف الربوية، فإن كان من جنس المطعومات، قلنا: العلة الطعم مع الكيل أو الوزن، وإن كان من غير المطعومات فإن العلة فقط هي الوزن.
فجاء بالأصل العام الذي هو الكيل والوزن؛ لأن المصنف رحمه الله رجح أن المطعومات العلة فيها الكيل فقط، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وقد بينّا أن الأقوى والأرجح أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن.
وقوله: (بيع بجنسه) بناءً على ذلك فإن البر مع البر والتمر مع التمر والملح بالملح كله يجري فيه الربا من الوجهين، لكن لو خرجت عن المنصوص عليه فسُئلت عن الأرز أو الحلوى، أو غير ذلك من المكسرات الموجودة في زماننا؟ فتقول: فيها تفصيل: فإن كانت مكيلة أو موزونة فلا يجوز بيع الجنس الواحد بمثله إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، وإن كانت تباع بالعدد جاز التفاضل، ولكن يجب أن يكون يداً بيد.
(161/14)
________________________________________
اشتراط الحلول والتقابض عند بيع الربوي بالربوي
قال رحمه الله: [ويجب فيه الحلول والقبض]: أي: أن يكون البيع حالاً، وأن يتقابضا في المجلس، وعلى هذا فلا يجوز بيع الربوي بالربوي مؤجلاً، كأن يقول له: تعطيني غداً، وأعطيك غداً، أو أعطيك بعد شهر، أو تعطيني بعد شهر، فإن هذا بيع الدين بالدين، والربا فيه من الوجهين ولا إشكال.
وكذلك أيضاً: لو أخر أحدهما، فقبض أحدهما ولم يقبض الآخر، فإنه لا يجوز، بل لابد من التقابض بأن يكون ذلك حالاً، فيعطي هذا ويعطي ذاك.
أما الدليل على هذا فقوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة رباً إلا هاء وهاء)، فنبه على لزوم التقابض في قوله: (هاء وهاء)، وهذا يستلزم أن يكون البيع على البت فيه دون أن يكون مؤجلاً من الطرفين أو أحدهما.
(161/15)
________________________________________
بيع المكيل والموزون بجنسه كيلاً أو وزناً
قال رحمه الله: [ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلاً].
هنا مسألة التماثل، وقد ذكرنا أنه لابد من التماثل في بيع الأصناف الأربعة المطعومة إذا كانت مكيلة، فإذا قلنا: إن العلة في المطعوم هي الكيل، فلا يجوز بيع المكيل من المطعومات كلها بمثله إلا أن يتساويا في الكيل، ولا يعدل إلى الميزان.
مثلاً: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يباع التمر مثلاً كيلاً، فتبيع الصاع بالصاع، لكن لو قال لك قائل: أريد أن أبادلك مائة كيلو من التمر، فنقول: هذا ليس كيلاً إنما هو وزن، ولا يجوز في المكيل أن يباع بالوزن لمثله؛ لأن التماثل في الكيل يختلف عن التماثل في الوزن، ولذلك قالوا: لا يجوز بيع الربوي إذا كان مكيلاً بمثله إلا كيلاً.
وهذا كله من باب تحقيق التماثل الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فالتمر من حيث هو فيه الأقماع، والقمع الموجود في التمر يزيد من وزنه، وإن كان شيئاً يسيراً، لكنه في الغرامات تظهر زيادته، فلوكان هناك صاع من التمر بأقماع، فإنه يزيد في الوزن، ولو كان التمر مجرداً مفصلاً من القمع، فمعنى ذلك أن الغرامات تستوي ولا يتحقق التماثل.
والتمر فيه الطويل وفيه القصير، ففي الكيل يكون التماثل بالجنس، ولكن في الوزن يكون التماثل بالثقل، والتماثل في الشريعة عندما جاء بالكيل يتحقق في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً.
وقوله: [ولا موزون بجنسه إلا وزناً]: كما ذكرنا على أنه في الكيل لا ينضبط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب وزناً بوزن)، وعلى هذا فلا يجوز بيع المكيل بالوزن ولا الموزون بالكيل، تحقيقاً للتماثل، وخوفاً من وقوع التفاضل في الوزن، وحينئذٍ لا يتحقق مقصود الشرع من التكافؤ بين المدفوعين من الطرفين: البائع والمشتري.
(161/16)
________________________________________
بيع الجزاف
قال رحمه الله: [ولا بعضه ببعض جزافاً].
وهذا التطبيق الذي ذكره المصنف رحمه الله هو في الحقيقة تطبيق لقاعدة: (بالكيل كيلاً وبالوزن وزناً)، وما دام أن الشريعة أمرت بالتماثل في المكيلات وفي الموزونات، فمعنى ذلك: أن يتحقق التماثل في الكيل كيلاً وفي الوزن وزناً؛ لأننا ذكرنا أن المكيلات قد تختلف في الوزن.
وبناءً على هذا يختلف مقصود الشرع ببيع المكيل وزناً والموزون كيلاً، وكذلك ببيع بعضها ببعض جزافاً، فالمخالفة تتحقق بإحدى: - إما أن تجعل هناك وحدة تخالف الكيل، إن كان يباع بالكيل، أو تخالف الوزن إن كان يباع بالوزن.
- وإما أن يقع الجهل بالتماثل، ولذلك يذكرون قاعدة: (الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل)، وهذه القاعدة تنطبق على مسألة بيع بعضه ببعض جزافاً.
والجزاف: كأن يأخذ منه كوماً، أو يقول: هذا الكوم بهذا الكوم، فقد يكون أحدهما أكثر من الآخر كيلاً إن كان من جنس المكيلات، أو وزناً إن كان من جنس الموزونات، كما يقع في خامات بعض المعادن، فلو أنه خالف في الموزون أو المكيل فخرج عن ضبطه بالكيل والوزن -سواءً مع المخالفة بالمقادير المعروفة أو بالجزاف- فإن بيع المكيل بالوزن فات التماثل وخشي أن يكون ذريعة لفوات التماثل، وكذلك أيضاً إذا لم يوجد العيار الذي هو الكيل والوزن فباع جزافاً، ككوم من الطعام بكوم من الطعام، بل حتى لو قال: أبيعك هذا الكوم من الذهب بهذا الكوم، ولا نعرف كم مقدار هذا الكوم وزناً ولا هذا الكوم وزناً؛ فإن هذا يوجب الوقوع في المحرم.
ولذلك قالوا في القاعدة: (الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل) أي: إذا باعه جزافاً فقد جهلنا التماثل وما تحققنا أن الوزن واحد، قالوا: فإذا جهل التماثل في بيع الربوي بالربوي فكأنه تُحقق من بيعه متفاضلاً.
(161/17)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الربا والصرف [2]
مسائل الربا كثيرة ومتشعبة، وقد تخفى على الكثير من الناس، ومن تلك المسائل: بيع الربوي مع اتحاد الجنس أو اختلافه، وبيع لحم الحيوان بجنسه وبغير جنسه، وبيع الحب بدقيقه أو سويقه، وبيع الأصل بعصيره، وبيع الحب الخالص بالمشوب، وبيع الرطب باليابس، وبيع الربوي بجنسه إذا استويا وغيرها من المسائل المتعلقة بالربا.
(162/1)
________________________________________
تابع مسائل في الربا
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
(162/2)
________________________________________
حكم بيع الربوي مع اتحاد الجنس أو اختلافه
قال رحمه الله: [فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة] هناك ثلاث صور: - الصورة الأولى: أن يكون البيع مع اتحاد الجنس والصنف، فيجري فيه الربا من وجهين.
- الصورة الثانية: أن يتحد الجنس ويختلف النوع، فيجري فيه الربا من وجه واحد.
- الصورة الثالثة: أن يختلف الجنسان، فلا يجري فيه ربا التفاضل ولا النسيئة.
فإذا اتفق الجنسان والصنفان حرم التفاضل والنسأ، وإذا اختلف الجنسان جاز أن يباع كيلاً، ووزناً، وجزافاً، فلا بأس بذلك ولا حرج فيه؛ لأنه لا يشترط فيه التماثل.
وقوله: [والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً]: هذا الجنس الأخص.
وقوله: [كبر ونحوه]: البر منه الشامي والحجازي، وغيرهما من الأنواع الأخرى، فهو جنس واحد ولكنه يشمل أنواعاً، وهناك بعض المطعومات يكون جنسها واحداً، وهناك الأجود والجيد والأوسط والرديء، فهو يشمل أنواعاً متعددة.
فعندما نقول: البر يشمل عدة أنواع، والذهب يشمل جيده ورديئه، فيشمل: السبائك والخام والحلي والمضروب؛ فالجميع لابد فيه من التماثل والتقابض إذا اتحد صنفه وجنسه.
وقوله: [وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان].
الدقيق يكون من البر ومن الشعير، فدقيق الشعير لا يباع بدقيق الشعير ولا يباع بشعير، ولو اختلف الدقيق؛ كدقيق من شعير مشرقي مثلاً بدقيق من شعير مغربي، فنقول: إن اختلاف نوعيهما لا يمنع من الحكم الأصلي من وجوب التماثل فيهما، فلابد من بيعها متماثلة، ويكون ذلك يداً بيد.
وهكذا الأرز، فإن الأرز عدة أنواع، فلو أراد رجل أن يبادل كيساً من الأرز بكيس من نوع آخر، فنقول: فروع هذه الأجناس كل فرع منها إذا كان له اسم خاص وبيع بمثله فإنه يجب أن يباع يداً بيد، مثلاً بمثل، فالأرز أياً كان نوعه لابد فيه من التماثل، وهو جنس ويشمل أنواعاً عديدة، لكن يجب فيها التماثل جميعاً جيدها ورديئها وأوسطها.
وقوله: [واللحم أجناس باختلاف أصوله].
فهناك لحم إبل، ولحم بقر، ولحم غنم، ثم هذه الأنواع تحتها أنواع، فالإبل مثلاً هناك لحم لصغار الإبل، ولحم لكبار الإبل، أو لحم من إبل عرابية ولحم من إبل بختية، فالجميع يجب فيه التماثل، لكن لو بيع لحم إبل بلحم غنم، فنقول: إن فروع الأجناس أجناس، فلحم الإبل جنس ولحم الغنم جنس، فيجوز أن تبيع لحم الإبل بلحم الغنم متفاضلاً في الوزن، ولكن يداً بيد؛ لأنه مطعوم موزون.
فإذا سأل سائل عن بيع اللحم باللحم؟ فنقول: فيه تفصيل: فإن اتفقا فكانا من نوع واحد: كلحم إبل بلحم إبل، فيجب التماثل والتقابض، فهو صنف واحد، وأما إذا اختلف كلحم إبل بلحم بقر، أو لحم إبل بلحم غنم، فإن هذا جنس وهذا جنس، فيجوز التفاضل ويجب التقابض.
وقوله: [وكذا اللبن].
فهناك لبن البقر، ولبن الغنم، ولبن الإبل، فمثلاً: اللبن الذي يباع يوجد منه في السوق بالألتار، ويكتب على العلبة: نصف لتر، أو لتر، وهذا اللتر يكون من جنس المكيلات، فلو سأل سائل عن مبادلة كرتون من هذا النوع من الحليب بكرتونين من نوع آخر من نفس الحليب، لكن هذا حليب مراعٍ والآخر نوع آخر فنقول: ما دام أنه لبن بقر فيجب فيه التماثل والتقابض، الكرتون بالكرتون مع التماثل في الكيل، كمائة لتر بمائة لتر، ويكون يداً بيد.
لكن لو كان أحد الكرتونين من لبن البقر، والكرتون الآخر من لبن الإبل، فنقول: يجوز بيع الكرتون بالكرتونين والثلاثة؛ لأن الجنس واحد، ولكن النوع مختلف، فلا يشترط التماثل.
وقوله: [والشحم].
الشحم المأخوذ من بهيمة الأنعام يختلف، فهناك الشحم الذي يؤخذ من الإبل أو البقر أو الغنم، فإذا باع شحوم الإبل فيجب التماثل والتقابض، إذا كان بعضها ببعض، وكذلك البقر والغنم.
لكن لو أراد أن يبادل شحم الإبل بشحم الغنم، جاز التفاضل ووجب التقابض، إذاً: إذا ضبطت القاعدة فهذه كلها أمثلة تطبيقية على ما يشترط فيه التماثل والتقابض.
وقوله: [والكبد أجناس].
فالكُبود التي تكون من الإبل لها حكم، والكُبود التي تكون من البقر لها حكم، والكُبود التي تكون من الغنم لها حكم، فإذا باع كبود الإبل فتقول: إذا كان بعضها ببعض وجب التقابض والتماثل، وإن كانت كبود إبل بكبود بقر جاز التفاضل ولم يجز النسأ.
(162/3)
________________________________________
حكم بيع لحم بحيوان من جنسه وبغير جنسه
قال رحمه الله: [ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه].
فلو ذبح الجزار شاة، وأتى رجل وعنده شاة حية، فرغب في هذه الشاة المذبوحة، وأراد أن يعطيه الشاة الحية ويأخذ المذبوحة، ومعلوم أن الشاة وهي حية من المعدودات، واللحم بعد ذبحه موزون.
وبالمناسبة: فإن بيع الحيوانات بالوزن لا يجوز، وهذا نص عليه العلماء؛ وذلك لأنه من بيع الغرر؛ لأن الشاة قد تشرب الماء فيثقل وزنها، وقد يعطيها طعاماً فتثقل في الميزان، وهذا من الغرر، ومن ثم حرم العلماء بيع الحيوانات موزونة، لكن لو ذبحت فإنه يجوز بيعها موزونة.
والشاة والبقرة والناقة لهن أحوال، فهناك ما تسمى بالشاة الحلوب، والناقة الحلوب، وهناك الناقة الركوب، وهناك شاة يراد منها الحليب، وهناك ناقة يراد منها الحليب، ويقال لها: ناقة حلوب، وهناك ناقة تراد للركوب، ويقال لها: ناقة ركوب، وهناك ناقة أكولة فيها لحم طيب، وهذا يرجع إلى أهل الخبرة، فإنهم يرون فيها أوصافاً معينة ويبنون عليها أنها صالحة للأكل.
فهناك ما يطلب للأكل، وهناك ما يطلب للركوب، وهناك ما يطلب للحليب، ولذلك قال: (من جنسه).
وبعض العلماء يقول: الأصل في تحريم بيع الحيوان باللحم نسيئة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الحيوان باللحم نسيئة)، وهو مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله، وقد أجاز بعض العلماء بيع الحيوان باللحم، وقالوا: يجوز أن يبيعه متفاضلاً لا نسيئة؛ لأنه من جنس المطعوم، أما إذا باع الشاة المذبوحة بشاة أكولة، فإن المراد من الشاتين واحد، فحينئذٍ يمتنع، وأما إذا باع الشاة الأكولة بالشاة الحلوبة فإنه يجوز؛ لأن المقصود مختلف، وهذا وجه خرجه بعض العلماء، خاصة وأنهم يرون ضعف الحديث المرسل عن سعيد بن المسيب رحمه الله.
وقوله: [ويصح بغير جنسه]: أي: إذا باع الحيوان بغير جنسه، فلو أن جزاراً قال لك: أعطني مائة رأس مذبوحة من الغنم وأعطيك بدلاً عنها خمسين رأساً من البقر، فنقول: يجوز؛ لأن جنس البقر غير جنس الغنم، فيجوز التفاضل، ولكن يجب أن يكون ذلك يداً بيد؛ لأن كلاً منهما من جنس المطعوم.
(162/4)
________________________________________
حكم بيع الحب بدقيقه أو سويقه
قال رحمه الله: [ولا يجوز بيع حب بدقيقه].
عرفنا الضابط وهو اشتراط التماثل، وهنا صور يقع فيها التفاضل لعدم القدرة على التماثل والتكافؤ بين الصنفين في الصنف الواحد إذا بيع بعضه ببعض، فمثلاً: الحب بالدقيق، فإن الحب ليس كالدقيق، فالدقيق يقع بعضه على بعض فيكون مسدوداً بأجرام الدقيق أكثر من الذي يسد بالحبوب، ومن هنا لا يحصل التكافؤ بين الحب والدقيق.
ولو سأل سائل وقال: أنتم تقولون: يشترط التماثل، والصاع بالصاع يجوز، فلو أنني أخذت حباً وطحنته، وأردت أن أبادله بحب غير مطحون صاع بصاع، فهل يجوز؟ فنقول: لا يجوز؛ لأنه لما طحن اختلف عن غير المطحون، وموقعهما في الصاع وفي الكيل ليس بمتكافئ.
ومن هنا لا تتحقق المماثلة المشروطة شرعاً، فإنه إذا قال: صاع بصاع، أو مد بمد، فهذا لا يكفي وحده؛ بل لابد من التماثل على الصفة التي ذكرناها، فلو سأل عن بيع الدقيق بالحب؟ فنقول: لا يجوز، ولو اتفقا كيلاً؛ كصاع بصاع ومد بمد؛ بل لابد من التماثل بينهما.
وقوله: [ولا سويقه، ولا نيئه بمطبوخه].
إذا لت السويق بالنار وحبس عليها فسوف يذهب جزء من الدقيق، حتى لو أخذ السويق وبودل بالدقيق فليس بينهما تكافئ، ومن هنا قالوا: لا يجوز بيعه بالحب، ولا بيعه أيضاً بالدقيق؛ لأنه يختلف؛ فإنه المحموس ليس كغير المحموس؛ لأن النار تستنفذ وتستهلك منه، وهذا وهو الذي جعله يقول: (ولا نيئه بمطبوخه)، فلو سأل سائل عن بيع اللحم وقال: هل نبيع اللحم المطبوخ باللحم الني؟ فنقول: لا يجوز؛ لأنهما وإن تماثلا في الوزن فإن اللحم المطبوخ قد استنفذ وأهلكته النار، فلا يصل إلى قدر الني إلا بأضعافه في بعض الأحيان، كالحب مع المطحون.
(162/5)
________________________________________
حكم بيع الأصل بعصيره
قال رحمه الله: [وأصله بعصيره].
فلو قال قائل: أريد أن أبادل عصير البرتقال بحبوبه، فنقول: لا يجوز؛ لأن العصير خالص البرتقال، والحبوب فيها الخالص وفيها غير الخالص، فحينئذٍ الألياف الموجودة في البرتقال زائدة على العصير، فلا يقع التكافؤ في الوزن، حتى لو وزن العصير مع البرتقال موزوناً، وقال: نأخذ القشر ونضاعف البرتقال في الوزن، فنقول: لايجوز.
وكذلك الجزر إذا كان يباع وزناً فهو مطعوم موزون يجري فيه الربا، فلو أراد أن يأخذ الجزر ويعصره ثم يبادله بغير المعصور، فإنه لا يجوز؛ لأن التماثل لا يتحقق.
(162/6)
________________________________________
حكم بيع الحب الخالص بالمشوب
قال رحمه الله: [وخالصه بمشوبه].
فلا يجوز بيع الحب الخالص بالحب المشوب، وهكذا إذا لم يدس حصاد الحب، فإن الحب إذا حصد يجعل في (البيدر) وبعد ذلك يداس وينقح، فمثلاً: قبل أن يخلص من الشوائب جاء رجل وقال: أنا أشتري منك هذا الحب الموجود المدوس الذي لم يصف بعد بهذا الحب الموجود، نكيل هذا ونكيل هذا، ألستم تقولون: إن الشرط (الكيل والتماثل)؟ فنعطي مائة كيلة بمائة كيلة، فنقول: لا.
إنهما وإن اتفقا كيلاً لكن وجود الشوب يمنع من التماثل.
إذاً: وجود الشوب، ووجود النار كما في المطبوخ، وعدم التصفية، والعصر، كل ذلك لا يتحقق به التماثل، فقالوا: لا يباع إلا بمثله.
لكن لو قال أنه يريد أن يبيع عصير البرتقال بعصيره، فهل يجوز أم لا؟ نقول: يجوز إذا تماثلا، فإذا كان العصير يباع مثلاً بالكاسات، والكاسات أشبه باللتر، وتحقق التماثل في الكاسات، فلا بأس.
والبرتقال أنواع، فهذا حلو، وهذا وسط بين الحلو والحامض، فإذا بادل به فيجوز إذا كان يداً بيد؛ لأنه تحقق بيع هذا العصير بهذا العصير، لكن إذا كان بأليافه مع عصيره فإنه لا يتحقق التماثل.
(162/7)
________________________________________
حكم بيع الرطب باليابس
قال رحمه الله: [ورطبه بيابسه].
وهكذا الرطب واليابس؛ لأن الضابط هو عدم وجود التكافؤ؛ لأن اليابس تستهلكه الشمس، فالتمر إذا كان في بداية الاستواء قبل أن ينشف يكون رطباً، أو يكون على نصف استواء الرطب، لم يكتمل استواؤه بعد، فإذا أراد أن يبادل الرطب باليابس فلا يجوز؛ لأن اليابس تستنفذ الحرارة منه وتستخلصه، بخلاف الرطب، فإن الماء الموجود فيه أكثر من اليابس.
والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بيع الرطب بالتمر؟ قال عليه الصلاة والسلام: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم.
قال: فلا إذاً) وهذا الحديث هو قاعدة هذه المسألة؛ فهكذا مسألة الني والمطبوخ، فإن المطبوخ إذا طبخ نقص، وفي بعض الأحيان يزداد المطبوخ إذا كان مخلوطاً بغيره، وإذا استنفد ذلك الغير فإنه يثقل، والعدل أن يكون على صفة يؤمن فيها التفاضل، فإذا كان نياً بني معاً مطبوخ بمطبوخ معاً، وهكذا بالنسبة لبقية الأشياء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (أينقص الرطب إذا يبس؟) نبه على العلة التي من أجلها حرم بيع الرطب بالتمر، وهو عدم وجود التماثل المطلوب.
(162/8)
________________________________________
حكم بيع الربوي بجنسه إذا استويا
قال رحمه الله: [ويجوز بيع دقيقه بدقيقه] أي: دقيق الحب بدقيق الحب [إذا استويا في النعومة]، إذاً: مدار المسألة كلها في التماثل فقط، فإذا طحن الدقيق فإنه يطحن الطحنة الأولى والطحنة الثانية، فإذا طحن الطحنة الثانية فإنه يكون أخف بكثير، وأكثر نعومة من الطحنة الأولى، وربما طحن بآلات يكون الطحن فيها أكثر نعومة من غيرها، فالآلات القديمة ليست كالآلات الحديثة.
إذاً: الدقيق بالدقيق يجوز بيع بعضه ببعض إذا كان مثلاً بمثل، يداً بيد، أما إذا اختلفا في النعومة، وكان أحد الدقيقين أكثر نعومة من الآخر، فإنه يقع فيه ما يقع في بيع الحب بالدقيق، فمثلاً: الجريش يطحن بعض الطحن وليس كل الطحن، وتبقى أجرام الحبوب فيه، فهذا الجريش لا يجوز بيعه بالدقيق، ولا يجوز بيعه بالحب، لكن إذا بيع بجريش طحن طحنة في مستواه جاز، وهكذا بالنسبة للدقيق الذي هو أكثر نعومة إذا طحن طحنة كاملة يفصل فيه: فإن طحن مرتين أو ثلاثاً وكانت نعومته أكثر، فلا يباع إلا بما هو ناعم أكثر؛ حتى يتحقق التماثل المطلوب شرعاً والمأمور به كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: [ومطبوخه بمطبوخه] أي: إذا تساويا في الطبخ [وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف] وذلك حتى يتحقق العدل، أما إذا اختلفا في الطبخ واختلفا في النشاف فإنه لا يجوز؛ لأنه يفضي إلى التفاضل المنهي عنه شرعاً.
وقوله: [وعصيره بعصيره ورطبه برطبه]، أي: يجوز بيع العصير بالعصير إذا استويا في العصر، ويجوز بيع الرطب بالرطب إذا استويا رطوبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه في حديث المزابنة على تحريم المزابنة لعدم وجود التماثل، ومفهوم ذلك: أنه إذا وجد التماثل جاز، والعلة التي من أجلها حرم بيع المطبوخ بالني، وبيع العصير بغيره، وبيع الدقيق بالحب، إنما هي خوف التفاضل، لكن إذا زالت هذه العلة لاستوائهما نعومة أو طبخاً أو عصراً؛ جاز البيع وصح.
(162/9)
________________________________________
الأصناف التي يجري فيها الربا
الأصناف الستة المنصوص عليها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: يتعلق بالأثمان، وهي الذهب والفضة.
القسم الثاني: يتعلق بالمطعومات، وهي: البر والتمر والشعير والملح.
أما حكم التعامل بهذه الستة عند اتحاد الجنس والصنف، كأن يبادل الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، أو واحداً من الأربعة بمثله، فقد قلنا: لا بد من التماثل والتقابض، وإذا قلت بوجوب التماثل فمعناه: أنه يجري ربا الفضل، وإن قلت بوجوب التقابض فمعناه أنه يجري ربا النسيئة.
(162/10)
________________________________________
العلة في الأصناف الربوية
أما العلة في الأصناف التي يمكن إلحاقها بهذه الستة فهناك علتان: العلة الأولى: تتعلق بالذهب والفضة.
العلة الثانية: تتعلق بالمطعومات.
أما علة الذهب والفضة فعلى أصح قولي العلماء أنها الوزن، فكل شيء من غير المطعومات إذا كان موزوناً فإنه يجري فيه الربا؛ كالحديد والنحاس والرصاص ونحو ذلك، وكل شيء من غير المطعومات إذا كان يباع عدداً أو جزافاً، فإنه لا يجري فيه الربا.
وأما بالنسبة للمطعومات فأصح أقوال العلماء رحمهم الله أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن، على ظاهر حديث معمر بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل).
أما كيفية القياس والإلحاق، فإن كل مطعوم يباع بالكيل أو يباع بالوزن فإنه يقاس على الأربعة، فإذا بيع بمثله وجب التماثل والتقابض، وهذا يجري في سائر المطعومات بهذا الضابط، فإن اختل الضابط لم يجر ربا الفضل.
(162/11)
________________________________________
أحكام اتفاق الأجناس الربوية واختلافها
أما مسألة الأجناس فما كان جنساً واحداً متفق النوع؛ كالذهب -واتفاق نوعه كأن يكون عيار أربعة وعشرين بعيار أربعة وعشرين، واختلافه كعيار أربعة وعشرين بعيار واحد وعشرين- فهذا يجري فيه الربا على العموم، سواءً اتفق نوع الذهب أو اختلف.
فهذا الضابط يكون فيه الجنس واحداً والنوع مختلفاً، فإذا كان من الأثمان، كالذهب والفضة، فقد يكون الذهب من عيارات مختلفة، وقد يكون حلياً بجنيهات، أو يكون هذا نقداً وهذا حلياً، فالنوعية لا تؤثر، بل ما دام أنه من جنس الذهب فإنه يجري فيه الربا عموماً.
والدليل على أنه إذا كان من جنس الذهب فإنه يجري فيه الربا: عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب)، ولذلك نجد العلماء رحمهم الله يقولون: (تبرها ومصوغها)، أي: أن الذهب يجري فيه الربا سواءً كان تبراً بتبر، أو مصوغاً بمصوغ، أو كان تبراً بمصوغ.
والفضة كذلك، ويدخل في حكمها ريال الورق؛ لأنه سند عن أصل من الفضة، فإذا بودلت الفضة بفضة وجب التماثل والتقابض، سواءً كانت ريالات أو حلياً، فتخات أو خواتيم أو أسورة من فضة، فإنه يجب التماثل والتقابض.
إذاً: هنا جنس واحد مشتمل على أنواع يجري فيها الربا، وهي من المنصوص عليها، وهذا بالنسبة للذهب والفضة.
أما بالنسبة للطعام فنفس الحكم، فمثلاً: التمر، منه العجوة والسكري والحلوى الربيعة والند، وأنواع كثيرة، فهل نقول: الحلوى الربيعة بالربيعة يجري فيها الربا، وإن اختلف النوع لا يجري؟ نقول: لا.
بل جميع التمر يجري فيه الربا، سواءً اتفق النوع كبرحي ببرحي، أو سكري بسكري، أو ربيعة بربيعة، أو عجوة بعجوة، أو صفاوي بصفاوي، أو صيحاني بصيحاني فكله يجري فيه الربا سواءً اتحد النوع أو اختلف.
وبناءً على ذلك: لو باع تمر السكري بالند وجب أن يكونا متماثلين؛ كصاع بصاع ومد بمد، ولم يجز التفاضل، بأن يكون أحدهما أكثر من الآخر، وهذا بالنسبة لما اتحد جنسه واختلف نوعه.
أما إذا كان الجنس واحداً ولكن الأصل مختلف، فمثلاً: في النوع الأول الجنس تمر، والاختلاف في النوع، فعاد إلى أصل واحد، فإن التمور تعود إلى أصل واحد، فيجري فيها الربا؛ سواءً اتفقت أنواعها أو اختلفت، لكن لو كانت الأصول مختلفة والجنس واحد، مثل الأدقة والأجبان، فإن الدقيق عندنا مستخلص من البر، يقال: دقيق البر، دقيق الشعير، دقيق الدخن، فهو جنس دقيق، أي: يقال له: دقيق؛ لكنه في الأصل مختلف، بخلاف الأول، فإن التمر في الأصل واحد، ولكنه لما عاد إلى أصل واحد أخذ حكم العين الواحدة، لكن هنا إذا كان دقيق بر بدقيق شعير، فالجنس مختلف، فيجوز فيه التفاضل، لكن يجب أن يكون يداً بيد.
ومن هنا بين المصنف قاعدة وهي: (وفروع الأجناس أجناس)، فبعد أن بيّن مسألة اتحاد الجنس واختلاف النوع، واتحاد الجنس والنوع؛ شرع في اتحاد الجنس واختلاف الأصل، وعلى هذا فلو صنع خبزاً من شعير، وخبزاً من بر، فتقول: الجنس واحد وهو الخبز، ولكن الأصل مختلف، فأصل البر ليس كالشعير على أصح قولي العلماء وهم الجمهور، خلافاً للمالكية، فيجوز أن يبيعها متفاضلة، ولكن يداً بيد، لكن لو أن الخبز كان أصله واحداً كخبز الشعير، فحينئذٍ لابد من التماثل والتقابض.
إذاً.
الجنس متحد النوع يجري فيه الربا إذا كان من الأعيان المنصوص عليها أو المقيس عليها، أما ما كان جنساً واحداً ومختلف النوع كالتمر بأنواعه، فإننا نقول: يجري فيه الربا ويعتبر كالأصل الواحد، فلا يجوز بيع بعضه ببعض، حتى قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في هذا، أي: فيما إذا بادلت تمراً من نوع بتمر من نوع أنه يجري فيه الربا؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب)، فإن قال قائل: أثبت لي أن هذا الدليل عام؟ فنقول: نثبت ذلك من أوجه: الوجه الأول: اللفظ؛ لأنه قال: (الذهب بالذهب)، ولم يفرق بين الذهب النقدي الذي هو جنيهات ودنانير في القديم، ولا بين الذهب الذي لم يضرب كالتبر أو الخام، ولم يفرق بين الحليّ، إنما قال: (الذهب) فشمل الذهب بالذهب مطلقاً، سواءً كان متماثلاً كحلي بحلي، أو كان مختلفاً كدنانير بحلي، بل لابد من التماثل.
وهنا مسألة تتفرع على هذا الأصل وهي: لو أن تاجراً يتعامل في الذهب جاء وقال: إني أبيع الذهب المصوغ، والذهب إذا صنع حلياً فإنه يكلف ويحتاج إلى إجارة وعمالة، وهذا يستلزم أن يكون أغلى وأكثر مئونة وعناءً من الخام الذي لم يصنع.
ومن باب الفائدة: فإن الذهب يحتاج إلى شيء يقويه؛ لأن مادته ضعيفة ومعدنه ضعيف، ولذلك فإن السبيكة إذا قيل: إنها ألف غرام، فمعناه: أن تسعمائة وتسعة وتسعين وكسراً من الذهب، لكنّ فيها شوباً يقويها وهو النحاس، ولذلك اغتفر وجود النحاس، وقد حكى ابن رشد في بداية المجتهد الإجماع على اغتفاره.
لكن لو أن رجلاً عنده ذهب من السبائك، وأراد أن يبادلها بذهب مصوغ كالحلي والقلائد، فقال التاجر: أعطيك هذا الذهب الذي صنعته وتعبت عليه بهذا الذهب غير المصنوع، وأقدّر التعب الذي تعبته، فإن كان الذهب المصوغ مائة غرام، فإن تعبي يكلف عشرة غرامات، فأشتري منك مائة وعشرة من السبائك بمائة مصوغة، وأستفضل بقدر التعب.
هذا من ناحية عقلية نجد له مبرراً، وذلك مثل التمر الجيد بالتمر الرديء، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ألغى ذلك؛ لعموم قوله: (الذهب بالذهب).
الوجه الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهموا نفس هذا الفهم، فقد روى الإمام مالك رحمه الله في الموطأ عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه كان في المسجد وجاءه رجل صائغ، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني أصنع الذهب وأشتري به ذهباً وأستفضل قدر الصنعة -يعني: قدر تعبي- فهل يحل لي؟ قال: لا.
إلا مثلاً بمثل.
فأعاد عليه الرجل مرة ثانية؛ لأنه من ناحية عقلية قد لا يتصور ذلك، فقال: لا.
فما زال مع عبد الله بن عمر حتى خرج من المسجد، وأخذ ابن عمر بخطام دابته وركب عليها، فأعاد له الرجل مرة ثالثة، فقال له: (عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا الذهب بالذهب، مثلاً بمثل)، فاستدل ابن عمر بالعموم.
ولما كان معاوية رضي الله عنه في غزوة فغنم غنيمة، فأجاز للناس أن يبيعوا الأواني المتفاضلة لقاء الصنعة، فقام له أبو أسيد، وقال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الذهب بالذهب) وذكر الحديث، وقام أبو الدرداء وأنكر عليه، ولما بلغ عمر فعله كتب إلى معاوية ينهاه ويأمره بالرجوع إلى قول أبي أسيد وأبي الدرداء رضي الله عنهما.
إذاً: فهم الصحابة على أن الذهب بالذهب عموماً لا يكون إلا مثلاً بمثل، فما هي الحيلة لو قال لك التاجر: أنا لا يمكن أن أبيع الذهب بالذهب مثلاً بمثل؛ لأنني أتعب على هذا المصوغ؟ فقل له: بعه بالريالات التي هي الفضة، وبعد ذلك ساوم معه بما شئت من الفضة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (بع الجمع بالدراهم ثم اشتر به جنيباً).
إذاً: من حيث الأصل بينّا مسألة اتحاد الجنس مع اتحاد النوع، وأيضاً اتحاد الجنس مع اختلاف النوع، وأيضاً اتحاد الجنس مع اختلاف الأصل، ومن أمثلتها: الأدقة والأجبان.
فإن الجبن إذا كان هناك جبن يتخذ من حليب الغنم، وجبن يتخذ من حليب البقر، فإن الجنس واحد وهي أجبان، لكن نقول: أصل الجبن الذي من الغنم غير أصل الجبن الذي من البقر، وكذلك اللحم، فلحم الغنم ليس كلحم الإبل وليس كلحم البقر، فيجوز أن تبيع لحم الإبل بلحم الغنم متفاضلاً على أصح قولي العلماء، كما درج عليه المصنف.
أما المالكية فيقولون: تنقسم اللحوم إلى ثلاثة أقسام: لحوم بهيمة الأنعام، ولحوم الطير، ولحوم الأسماك، فيجعلون بهيمة الأنعام -الإبل والبقر والغنم- كلها واحدة، فلا يجوز أن تبيع لحم الإبل بلحم الغنم إلا مثلاً بمثل، يداً بيد.
ولكن الصحيح أنها متفاوتة، وأنه يجوز أن تبيع لحم الغنم بلحم الإبل متفاضلاً، ولحم الغنم بلحم البقر متفاضلاً، لكن بشرط أن يكون يداً بيد.
ومن يتأمل كلام العلماء يعجب من إعانة الله لهم وتوفيقه لهم على الفهم، فإنك إذا نظرت كلام المصنف وترتيبه للمسائل تجد أولاً أنه قرر القاعدة المستفادة من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وهي: النهي عن بيع الربوي بالربوي متفاضلاً إذا اتحد الصنف، ثم بعد ذلك قرر العلة في مسألة التمر بالتمر مع اختلاف النوع لما بيّن مسألة الجنس وقال: (الجنس ما له اسم خاص)، فقررها من الحديث وانتزعها من عموم الحديث، ثم بعد ذلك شرع في مسألة متفرعة على مسألتين.
ولو قال قائل: إن الحديث أمرنا أن نعطي الصاع بالصاع من البر، وأن نعطي الصاع بالصاع من التمر، فسأعطي صاعاً بصاع من البر، ولكن أحدهما دقيق والثاني حب، فانظروا كيف أن العلماء رحمهم الله يضعون الأفكار مرتبة بعضها على بعض؛ لأن الحديث أمر بالصاع تجاه الصاع.
فعندنا منصوص، وعندنا مفهوم من النص، فلما كان منطوق النص التماثل، وهو بيع الصاع بالصاع، فينبغي أن يكون المعنى موجوداً، فلا يكفي أن تقف عند كلمة الصاع بالصاع، فإذا أعطاه حباً بدقيق فهو صاع بصاع، لكن في الحقيقة الدقيق أكثر من الحب، وإذا جئت تنظر إلى أجرام الحب مع أجرامها تحدث الفراغ في الصاع، لكن الدقيق مع الدقيق يملأ الفراغ.
ومن هنا فرّع العلماء رحمهم الله هذه المسألة على معنى الحديث، وجعلوا هذا تابعاً للأصل، وهو أن الصاع بالصاع يأتي باللفظ ويأتي بالمعنى، فاللفظ أن يتماثلا كصاع بصاع، لكن تكون الحقيقة والمعنى موجوداً، وهو مقصود الشرع أن يكون هناك عدل.
فإذا كان أحدهما مطحوناً والآخر غير مطحون، أو كان أحدهما مطبوخاً والآخر غير مطبوخ لم يجر التماثل المقصود وإن قال لك: هذا صاع بصاع.
وهكذا لو باع التمر بلا نوى بتمر فيه نوى، أو التمر الذي فيه لوز بتمر لا لوز فيه، فهذا كله في الظاهر أن الصاع بصاع، لكن ف
(162/12)
________________________________________
الأسئلة
(162/13)
________________________________________
حكم بيع الذهب المرصع بغير المرصع

السؤال
هل يجوز بيع الذهب المرصع بفص أو بيع الماس بمثله متفاضلاً؟ وجزاكم الله خيراً.


الجواب
أما بالنسبة للمسألة المذكورة وهي بيع الذهب المرصع بغير المرصع، أو بيع الذهب المرصع بالمرصع، فإذا كان الذهب أو الفضة مع جواهر أو ماس أو أشياء أخرى من الحلي فإنه لا يجوز بيعه إلا مفصلاً؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه وأرضاه أنه: (نهى عن بيع القلادة حتى تفصل)، وهذا يدل على أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب إذا كان فيه حلي من غيره إلا بعد تفصيله.
وأصل هذه المسألة أن فضالة رضي الله عنه وأرضاه اشترى قلادة بعشرين ديناراً في يوم خيبر، ثم لما فصلها وجدها أكثر من عشرين ديناراً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى عن بيع القلادة حتى تفصل، وهذا من بيوع الذرائع الربوية؛ لأن دخول غير الربوي مع الربوي يفاوت في التماثل.
وبناءً على ذلك: فلابد إذا بادل الذهب بالذهب أن يفصل الحلي، أو يعرف كم وزن الغريب الذي مع الذهب، فمثلاً: لو قال لك: هذا الذهب وزنه مائة جرام، والحلي الذي معه عشرة جرامات، فحينئذٍ يجوز أن يبادله بذهب مثله في نفس الوزن ونفس الحلي.
أما لو جهل مقدار الحلي الموجود مع الذهب سواءً في الاثنين أو في واحد منهما، فالقاعدة: (أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل)، وهي مستنبطة من هذا الحديث كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن الملقن رحمه الله.
فأنت إذا بعت القلادة مرصعة بالحلي وجهلت كم نسبة هذا الحلي الموجود، بمثلها مرصعة بحلي مجهولة أو بمثلها معلومة، فإن الجهل في أحدهما أو فيهما معاً كالعلم بالتفاضل، وهذا يوجب المنع والتحريم.
لكن لو أنه عرض عليك قلادة من ذهب وهي مرصعة بالحلي والجواهر، وقال لك: تشتريها بالنقد الذي هو الريالات، فيجوز ولا بأس أن تشتريها بالنقد، إنما المحرم إذا بادلت الفضة بالفضة أو الذهب بالذهب مع وجود حليّ آخر، أما لو كنت تريد أن تشتري ذهباً بفضة، كالريالات تشتري بها قلائد الذهب أو تشتري بها أسورة الذهب المرصعة بالحلي، فلا بأس بذلك ولا حرج فيه؛ شريطة أن لا يكون على وجه الجهالة الموجبة للغرض، والله تعالى أعلم.
(162/14)
________________________________________
حكم بيع الحديد بالتقسيط

السؤال
هل يعتبر بيع أطنان الحديد بالتقسيط داخلاً في ربا النسيئة؟

الجواب
بالنسبة لبيع الحديد بالحديد يجب أن يكون مثلاً بمثل، يداً بيد، فيبيع الطن بالطن، أما الطن بالطن إلا ربع أو بزيادة فإنه يوجب الحكم بالربا، أعني ربا الفضل، لكن لو باع الطن من الحديد بالطن من الحديد وتأخر أحد المتعاقدين في الدفع، فإنه يقع ربا النسيئة، فلا يجوز إلا إذا كان في مجلس العقد، ولا يؤخر أحدهما عن الآخر، بل يتقابضان، وإذا حصل التقابض والتماثل فإنه لا بأس بذلك، والله تعالى أعلم.
(162/15)
________________________________________
حكم بيع المطعومات جزافاً

السؤال
إذا اختلف الجنس جازت الثلاثة -أي: المكيل والوزن والجزاف- فأشكل عليّ جواز الجزاف، فمن باع صاعاً من بر بتمر جزافاً أليس فيه جهالة وغرر؟ بارك الله فيكم.


الجواب
بالنسبة لمسألة بيع المطعومات أو غيرها لابد من العلم بقدر المبيع، لكن إذا جرى العرف في بيع بعض الأطعمة جزافاً، بأن كانت من جنس المعدود لكنها تباع بالأكوام وتباع جزافاً، وذلك مثلما يجري الآن في البطيخ فيقول: هذه السيارة بكذا، ويجري العرف بذلك، ويريد أن يبادل، مع أن البطيخ يباع بالعدد، لكن إذا جرى العرف ببيعه وزناً فلا يجوز، ويجري فيه الربا، لكن لو بيع بالعدد؛ فحينئذٍ لو بيع جزافاً مثلما يقع أحواض السيارات، فإن حوض السيارة يخرص ويقدر.
ففي هذه الحالة يقولون: يجوز إذا كان يداً بيد؛ لأننا قلنا: جنس المطعوم لا يجوز إلا يداً بيد، وأما إذا كان من جنس ما يكال ويوزن فلابد فيه من التماثل في الكيل كيلاً، وفي الوزن وزناً.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(162/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الربا والصرف [3]
من مسائل الربا: حكم بيع الربوي بجنسه ومعه من غير جنسه، وحكم بيع التمر إذا كان فيه نوى بالتمر الذي لا نوى فيه والعكس، وحكم بيع اللبن والصوف بشاة فيها لبن وصوف وغيرها من المسائل التي يدخل فيها ربا النسيئة الذي أجمع العلماء على تحريمه، أو ربا الفضل، وقد اختلف فيه الصحابة إلا أن الراجح تحريمه.
(163/1)
________________________________________
حكم بيع الربوي بجنسه ومعه من غير جنسه
شرع المصنف رحمه الله في مسألة جديدة فقال: [ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما].
وصورة هذه المسألة أن يقول قائل: أبيع البر بالبر صاعاً بصاع، وأستفضل لشيء آخر غير ربوي معهما، فهل يجوز ذلك أم لا؟ ومن هذا المقطع نبدأ في حديث ثانٍ من أحاديث الربا، وهذا الحديث يقوم على حديث فضالة بن عُبيد رضي الله عنه وأرضاه.
وأول الباب قام على حديث عبادة بن الصامت في الأصناف الستة، ثم بعد ذلك لما جئنا إلى الخالص والمشوب والني والمطبوخ فإن هذا قائم على حديث: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم.
قال: فلا إذن)، ثم دخلنا في حديث ثالث وهو حديث فضالة بن عُبيد رضي الله عنه.
وحديث فضالة: أنه في يوم خيبر اشترى قلادة، والقلادة عادة ما تكون مرصعة بالخرز؛ بالجواهر وبالأحجار الكريمة والمرجان واللؤلؤ والعقيق.
إلخ، وتارة تكون من ذهب خالص، فاشترى قلادة وفيها خرز، فلما عرضت القلادة اشتراها باثني عشر ديناراً، وفي بعض الروايات أنه حضر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُسأل عن قلادة اشتريت بتسعة دنانير، وفي رواية: بسبعة دنانير.
وهذا ليس بالاضطراب المؤثر، كما قرره الحافظ ابن حجر رحمه الله؛ لأن المعنى المستفاد من الحديث متفق عليه، وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعها حتى تفصل وتميز، وهذا قد اتفقت عليه كل الروايات، وهذا من حيث الحكم، لكن كم كانت قيمة القلادة؟ حمل على أنها وقائع مختلفة، فهو رضي الله عنه ربما كانت له وقعة، وغيره ممن حضر سؤاله كانت له وقعة أخرى، فيكون الاختلاف باختلاف المسائل، وليس الاختلاف من باب الاضطراب في التحديد والحكم.
حتى ولو كان اختلافاً من باب الاضطراب في التحديد، فكما ذكر الحافظ ابن حجر أن الرواة وإن كانوا ثقات فإنه ينظر إلى أوثقهم، وتكون رواية غيره بالنسبة له شاذة، ويبقى موضع الشاهد من الحديث -وهو الحكم- معمولاً به.
إذاً: هذا الحديث وقع في أنه اشتراها باثني عشر ديناراً، فلما اشتراها رضي الله عنه فصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، والدنانير مضروبة من الذهب، فأصبح ذهباً بذهب مع وجود الزيادة، والسبب في هذا أنه لم يعلم قدر الذهب الموجود فيها من غير الذهب.
ومن هنا صار من بيع الربوي بجنسه، ومع أحدهما ما ليس منهما، أي: من الربوي ما ليس بربوي، ومع أحدهما ما ليس بربوي، فأصبح هذا الحديث أصلاً في هذه المسألة.
ولذلك نجد التوافق بين الفقهاء والمحدثين، فالمحدثون إذا ذكروا أحاديث الربا يبتدئون بحديث عبادة، ثم يذكرون ما يقرر معناه كحديث عمر رضي الله عنه في التقابض، وكذلك حديث أبي موسى الأشعري في التماثل والتقابض، ثم بعدما ينتهون من هذا يذكرون أحاديث الربا، كحديث فضالة بن عُبيد، وحديث النهي عن المزابنة.
وهذا كله تقرير للأصول، فلما جاء هذا الحديث جاءنا في مسألة الربوي بالربوي ومعه غير الربوي؛ لأن حديث عبادة ذكر الربوي بالربوي، وهنا ربوي بربوي ومعهما ما ليس منهما، ويلتحق بهذه المسألة أن يكون ربوياً بربوي ومعهما ما ليس بربوي.
وهذه المسألة على صور: الصورة الأولى: أن يعطي الربوي بالربوي ومع أحدهما ما ليس منهما من نفس النوع، ويحتمل أن يكون ربوياً، ويحتمل أن يكون غير ربوي، مثال ذلك: الأثمان والمطعومات.
ففي الأثمان يصرف الدرهمين بدرهم وتمر، فيقول له: عندي درهم اصرفه لي، فيقول: سأعطيك درهماً لقاء الدرهم، وليس عندي درهم آخر، فأعطيك بدلاً عنه تمراً، وفي بعض الأحيان درهم بدرهم وتمر، فيقول له: هذا الدرهم عندي من النوع الجيد بكم سوف تصرفه لي؟ فيقول: أصرفه لك بدرهم.
وذاك يقول: لا أرضى.
فيقول: سأعطيك درهماً وتمراً.
ففي هذه الحالة يكون الدرهم لقاء الدرهم تماثلاً، لكن وجود الزيادة هو من غير الفضة، فكأنه يقرر بهذا أن الزيادة سواءً كانت من الفضة أو من غير الفضة فإنها محرمة، فباعه إياها كذهب بذهب مع زيادة طعام، أو فضة بفضة مع زيادة طعام مشتركة في البيع، وهذا لا يجوز؛ لأن فضالة باع الاثني عشر درهماً بأكثر من اثني عشر درهماً، وجاء في الرواية الأخرى ما هو أقل مع وجود الخرز، فصار فضل الخرز زيادة على الأصل.
فلو قال قائل: أصرف الدرهم بالدرهم وأعطي تمراً؛ لأن التمر ليس بفضة؟ فنقول: مقصود الشرع المعنى وهو التعادل.
وانظروا إلى التجانس بين مسألتنا والتي قبلها، فإنه لما باع الخبز المطبوخ بالني، والدقيق بالحب؛ ففي الظاهر هناك تماثل، لكن صارت الزيادة في الصنعة، وهنا الزيادة من غير الربوي، أما الأول فإن الزيادة من الربوي؛ لقوله: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم.
قال: فلا إذن)، فهي زيادة من مادة الربوي، وهنا زيادة من أجنبي دخل عليهما.
فدرهم بدرهم وتمر، الدرهم بالدرهم تماثل، فلو قيل: إن ذلك جائز؛ لأنني أعطيت درهماً بدرهم، والتمر هذا من عندي، وأنا أريد أن أبيع الدرهم بدرهم وتمر، أليس الدرهم بالدرهم يكافئه ويعادله؟ فنقول: بلى، فيقول: إذاً التمر لا يضر؛ لأنه ليس بفضلة، ولا من نفس الربوي.
فنقول: سواءً كان من الربوي أو من غير الربوي فالحكم واحد، وهذا هو الذي دعا المصنف ليقول: (ولا يباع ربوي بربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما).
وعلى هذا يقال: لابد من التماثل، لكن هناك حالة تستثنى وهي: حالة الفصل، فلو قال له: عندي درهمان.
فقال: سأشتري منك درهماً بدرهم صرفاً، وأشتري منك الدرهم الثاني بصاع من تمر.
فيجوز؛ لأنه باع هذا على حدة، وباع هذا على حدة، واغتفر اجتماعهما في الصفقة الواحدة.
إذاً: يفرق بين كونهما مجتمعين وبين كونهما منفصلين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث فضالة نهى عن بيع القلادة حتى تفصل، فدل ذلك على أنها إذا فصلت جاز البيع، وذلك بأن يقول له: اثنا عشر ديناراً في مقابل وزنها، فمثلاً: لو جئنا إلى قلادة وزنها مائة غرام، ودنانير عشرة وزنها مائة غرام، فقال: سأشتري منك هذه القلادة عشرة غرامات بعشرة غرامات، فيصح البيع، ولا إشكال.
لكن لو كان مع القلادة خرز، فقال له: كم وزن الذهب الخالص؟ فقال: مائة غرام.
فقال: والخرز الموجود؟ فقال: عشرة غرامات.
فأصبح المجموع مائة وعشرة، فقال له: إذاً أشتري منك المائة غرام من الذهب بهذه المائة من الذهب، دنانير أو غيرها، وأشتري منك العشرة غرامات الخرز بجنيه، أو مثلاً بريالات موجودة، فلا بأس؛ لأنه فصل هذه البيعة عن هذه البيعة.
وخفف في ذلك جمع من العلماء رحمهم الله، سواءً كان من جنس الربوي أو كان من غيره، قالوا: لأن البيعتين إذا فصلهما عن بعض جاز، فلا يجوز بيع الربوي بربوي ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما كدرهمين بدرهم وتمر.
وفي عصرنا الحاضر نمثل بأمثلة على مسألة الربوي بربوي: عندما تأتي إلى الرجل وتريد أن تصرف عنده، فيقول لك: لا أصرف لك حتى تشتري، فقال بعض العلماء: تدخل في مسألة بيع الربوي بالربوي؛ لأنه إذا ألزمك أن تشتري -مثلاً- كيلو تمر وقيمته ريال، وقال لك: سأصرف لك الخمسمائة ريال بشرط أن تشتري هذا التمر، فإن قيمة الكيلو التمر في الأصل نصف ريال، وهو سيربح نصف ريال؛ فكأنه إذا صرف لك عشرة ريالات بتسعة ريالات -كأنه صرف لك تسعة ونصف ريال -التي هي حقيقة قيمة التمر- بعشرة كاملة، لكن لو جئت باختيارك وطلبت ذلك وابتغيته فقالوا: إن الأمر في ذلك أيسر.
ومن هنا إذا جاء يعرض على الإنسان مناديل تتمة لصرفه أو كذا، قالوا: يتورع، حتى لا يكون فيه شبهة الفضل الذي سيربحه من قيمة المناديل، فيكون قد صرف العد بالعد مع فضل وزيادة.
وهذه المسألة حتى تكون الصورة أقرب ليست من جلية الربا، إنما هي مما يسمونه: بيوع الذرائع، وهي في ظاهرها صحيحة؛ لكنها في الحقيقة تئول إلى الربا؛ كبيع العينة ونحوه.
ولذلك يقولون: هذا من بيوع الذرائع الربوية، فهناك الربا المحض، وهناك ما هو وسيلة وذريعة إلى الربا، والشريعة تحرم المقاصد المحرمة ووسائلها المفضية إليها، ولذلك قُررت القاعدة أن (الوسائل لها أحكام مقاصدها)، فإن كانت الوسيلة إلى حرام فهي حرام، ثم تتفاضل الوسائل في الحرمة وفي الجواز بتفاضل مقاصدها، فما كان وسيلة إلى حرام أعظم فإنها محرمة بحرمة الحرام الأعظم؛ وعليه فما كان وسيلة إلى الربا فإنه محرم، ولا يجوز أن يتعاطاه، كما لا يجوز أن يتعاطى الربا.
وقوله رحمه الله: (ولا يباع ربوي) سواءً كان من الأثمان، أو كان من المطعومات، وسواءً كان من المنصوص عليه، أو كان من الملحق بالمنصوص عليه، وقوله: (بجنسه) أي: من جنسه مع اتحاد النوع، لكن لو كان الربوي بربوي مع اختلاف الجنس، فيجوز التفاضل ولا إشكال فيه.
وقوله: (ومعه) كمد ودرهمين بمدين ودرهم، (أو معهما) مع هذا وهذا من غير جنسهما كدرهمين في مقابل مد ودرهم، فإن الدرهم في مقابل الدرهم، والمد في مقابل الدرهم.
(163/2)
________________________________________
التفصيل في بيع التمر بلا نوى بما فيه نوى
قال رحمه الله: [ولا تمر بلا نوى بما فيه نوى] أي: ولا يجوز بيع تمر بلا نوى بتمر فيه نوى، وفي هذه المسألة صور: 1 - أن يبيع تمراً ونوى بتمر ونوى.
2 - أن يبيع تمراً بلا نوى بتمر بلا نوى.
3 - أن يبيع النوى بالنوى.
4 - أن يبيع تمراً ونوى بنوى.
5 - أن يبيع تمراً ونوى بتمر.
6 - أن يبيع تمراً ونوى بلا نوى.
والتمر في أصل الخلقة يكون في داخله نوى، والنوى يستخلص من أجل أن يباع للبهائم لتطعمه وتسمن به كما هو معروف.
فإذا كان التمر باقياً على أصل خلقته فهو تمر بنوى، وإذا نزع منه النوى وبقي التمر وحده، فهو تمر بلا نوى.
إذاً: الصور هي كالآتي: 1 - تمر ونوى بتمر ونوى.
2 - تمر بلا نوى بتمر بلا نوى.
3 - نوى وحده.
فهذه ثلاث صور إذا اتحد المثمونان.
أما المقابلات فنقول: 1 - تمر ونوى بنوى.
2 - تمر ونوى بلا نوى.
3 - تمر ونوى بتمر.
4 - تمر ونوى بنوى.
فأصبحت خمس صور، ثم خذ الاثنين منفردين: تمر بلا نوى بنوى وحده.
فهذه ست صور.
ثم مرة ثانية: 1 - تمر ونوى بتمر ونوى.
2 - تمر بلا نوى بتمر بلا نوى.
3 - نوى خالص بنوى خالص.
فهذه ثلاث صور متكافئة، أي: يكون المثمونان متقابلين تماماً.
ونقول: 1 - تمر ونوى بنوى.
2 - تمر بنوى بتمر بلا نوى.
أصبحت خمس صور، ثم تأتي كل منها على انفراد: - تمر بلا نوى بنوى وحده.
فهذه ست صور، ونريد أن نفصل في هذه الست: الصورة الأولى: إذا باع التمر مع النوى بتمر مع نوى، كرجل جاء بصاع من السكري مثلاً، وقال: أريد أن تبادلني به سواءً من السكري أو من غير السكري.
فنقول: لابد من التماثل والتقابض، فلا يجوز التفاضل إذا كان تمراً بنوى بتمر فيه نوى، فيجب التماثل والتقابض.
الصورة الثانية: أن يكون تمراً بلا نوى بتمر بلا نوى، الذي هو صورة التماثل، أي: تمر منزوع النوى بتمر منزوع النوى، سواءً اتحد نوعه أو اختلف، فنفس الحكم؛ لأنه لما نص عليه الصلاة والسلام: (التمر بالتمر)، وقال في آخر الحديث: (مثلاً بمثل، يداً بيد)، فهذا تمر بتمر، والتمر الموجود مطعوم، وغاية ما فيه أنه استخرج منه النوى الذي لا يأكله الآدمي.
وبناءً على ذلك في الحالتين: التمر على أصل خلقته بالنوى بتمر على أصل خلقته بالنوى، أو تمر منزوع النوى بتمر منزوع النوى، يجب فيه التماثل والتقابض.
الصورة الثانية: أن يكون النوى وحده بنوى، فنقول: النوى من غير المطعومات؛ لأنه تأكله البهائم، وإذا كانت تأكله البهائم فليس من جنس مطعومات بني آدم، وإذا كان من جنس غير المطعومات فالقاعدة فيه أن ننظر إلى الوزن، فأي شيء من غير المطعومات إذا سئلت: هل يجري فيه الربا أو لا؟ فانظر هل يوزن أم لا؟ فمثلاً: إذا سُئلت عن الكتب، أو الأوراق، أو الأقلام، أو الحديد، أو النحاس الأصفر، أو الرصاص، أو أي نوع من غير المطعومات، فإن كان لا يباع وزناً لم يجر فيه الربا.
فهنا النوى من جنس ما لا يؤكل، فهل يباع وزناً أم كيلاً؟ نقول: فيه تفصيل: فإن كان العرف -أي عرف البلد- والناس الذين يسألون عن هذه المسألة يبيعونه وزناً، وجب التماثل فيه؛ لأنه موزون، فلا يجوز بيع صاع النوى بصاع النوى مطحوناً أو على أصله إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، إن كان يباع وزناً بالكيلو جرامات مثلاً، وأما إذا كان يباع كيلاً بالصاع، فإنه لا يجري فيه الربا؛ لأنه غير موزون، فلا يلتحق بالذهب والفضة.
هذا بالنسبة إذا باع النوى بالنوى خالصاً، أما إذا كان النوى يباع وزناً، فلابد من التماثل، فلو باعه صاعاً من النوى مطحوناً بصاع من النوى غير مطحون، فالحكم على ما درج عليه المصنف أنه لا يجوز؛ لأنه لا يجوز بيع الحب بالدقيق، فإذا كان النوى مطحوناً فلابد أن يكون الآخر مطحوناً، وهكذا إذا كانت طحونته ناعمة أو أخف، فلابد من التماثل من كل وجه.
والخلاصة: أن بيع التماثل يقع في ثلاث صور: 1 - تمر بتمر في كل منهما النوى، فيجب التماثل والتقابض.
2 - تمر بتمر منزوع النوى منهما، فيجب التماثل والتقابض.
3 - نوى بنوى، وفيه تفصيل: - فإن كان يباع وزناً جرى فيه الربا.
- وإن لم يبع وزناً لم يجرِ فيه الربا.
الصورة الرابعة: بيع تمر فيه نوى بتمر ليس فيه نوى، فهل تتحقق المماثلة؟ نقول: أولاً: هل يجري فيه الربا أم لا؟

الجواب
يجري فيه الربا؛ لأن التمر الأول منصوص عليه، والتمر الثاني منصوص عليه، فكل منهما ربوي، فرجع إلى مسألتنا الأولى وهي أن يبيعه الربوي بالربوي ومع أحدهما من غير الربوي، قالوا: فلا يجوز؛ لأنه سيستفضل لو باع الصاع، فإن التمر الذي لا نوى فيه سيكون أدق، ولذلك لا تتحقق فيه المماثلة.
وخفف بعض العلماء في هذا، فقال: إذا باعه تمراً فيه نوى بتمر لا نوى فيه لم يؤثر؛ لأن النوى غير مقصود، وقد جاء تبعاً ولم يجئ قصداً، لكن هذا يقول ضعيف، وسنبين مسألة التبعية والقصد، وأن الربا فيه قوية، فلابد في بيع التمر مع النوى بالتمر الذي لا نوى فيه من التماثل.
الصورة الخامسة: بيع تمراً ونوى بنوى، وفيها تفصيل: فإن كان النوى مما يوزن فيجري فيه الربا؛ لأن الربا صار حينئذٍ من جنس ما يقابله، موزوناً بموزون، ومعهما من غيرهما بنفس الصورة، فقد صارت مثل صورة تمر بنوى بتمر، وذلك إذا كان النوى مما يوزن، أما إذا كان مما يباع كيلاً، وهذا هو الذي كان موجوداً في زمن المصنف رحمه الله وكان مشهوراً وإلى عهدنا الآن، فإن الأغلب في النوى أن يباع كيلاً.
فحينئذٍ إذا كان يباع كيلاً فإنه يجوز، إذا باعه تمراً ونوى بنوى، فإن التمر الذي هو ربوي لم يعادله ربوي، وإنما تعادل غير الربوي بغير الربوي، فجاز التفاضل، وعلى هذا يفصل في مسألة التمر والنوى إذا كان ذلك مع التماثل أو مع الاختلاف.
وقوله: (ويباع النوى بتمر فيه نوى) وقد ذكرنا ذلك؛ لأنه ليس من جنس الربويات.
(163/3)
________________________________________
حكم بيع لبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف
قال رحمه الله: [ولبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف] المسألة من باب ترويض الذهن، وضبط القواعد والأصول، وقبل أن نبحث أي مسألة لابد أن نعرف جنس المبيع، هل هو ربوي أم غير ربوي؟ فاللبن أولاً: هل هو مطعوم أم غير مطعوم؟ هو مطعوم، وثانياً: هل يباع اللبن كيلاً أو وزناً أو عدداً أو ذرعاً أو جزافاً؟

الجواب
بالكيل، فيقال: لتر، أو نصف لتر، حتى الكراتين التي تباع في زماننا يكتب عليها: لتر، أو نصف لتر، وحتى الحليب كذلك، إذاً: اللبن يباع كيلاً، ولا يباع وزناً، والحليب يباع كيلاً وتارة يباع عدداً، كما هو موجود في علب النيدو.
وحتى نقرر المسائل ونفهم مراد المصنف هنا: لو كان عندك حليب من الإبل وعندي حليب من الإبل، وأردنا التبادل، فلابد أن يكون مثلاً بمثل، يداً بيد حليب من الغنم بحليب من الغنم، مثلاً بمثل، يداً بيد حليب من البقر بحليب من البقر، مثلاً بمثل، يداً بيد.
وإن اختلفا كحليب بقر بحليب غنم، فما الحكم؟ الجنس واحد وهو أنه حليب، لكن الأصل مختلف كاللحم، فحينئذٍ يجب التقابض، ويجوز التفاضل، ويحرم النسيئة.
وبناءً على هذا فالحليب واللبن مكيل.
كذلك الصوف يباع وزناً، وقد يباع جزافاً في بعض الأحيان، لكنه يباع بالوزن، فالصوف يعتبر من جنس الربويات؛ لأنه غير مطعوم، وعلته الوزن، فإذا كان يوزن، أو جرى العرف في وزنه، فحينئذٍ يصبح من الربويات.
ولو باع اللبن والصوف بلبن وصوف، فما الحكم؟ نقول: فيه تفصيل: فإن كان اللبن متماثل الأصل؛ كلبن الشاة بلبن الشاة، فيجب التماثل والتقابض، وهكذا الصوف، لكن لو اختلفا؛ كلبن بقر بلبن غنم، جاز التفاضل ووجب التقابض.
وبناءً على هذا: فلو اشترى اللبن باللبن والصوف بالصوف، فإنه يجري فيه الربا، لكن لو اشترى اللبن والصوف بشاة ذات لبن وصوف، ومعلوم أن اللبن والصوف في الشاة من جنس الربويات، فإن الصوف يجز من الشاة ثم يوزن، واللبن الموجود يحلب ثم يكال، فمن دقة المصنف رحمه الله حينما ذكر الأصل وهو بيع الربوي بالربوي، ومعهما أو مع أحدهما من غيرهما، قال: لا يجوز، فأراد أن يستثني مسألة التبعية، وهي أن يكون الربوي غير مقصود، وإنما جاء تبعاً، فقصد بشراء الشاة الشاة، ولم يقصد لا لبنها ولا صوفها، فحينئذٍ عاوض الشاة بقيمة اللبن والصوف.
فالتبادل لم يقع بين لبن وصوف، مثل أن يبيع الربوي درهماً بدرهم، أو مداً بمد، وهذا المد مقصود بالمد، لكن هنا جاء الربوي تبعاً.
وقد يقول قائل: ما هذا التنظير؟ وما هذه الأشياء التي يقولها العلماء تبعاً وقصداً؟ فنقول: الشريعة تفرق بين التبع وبين القصد، وقد يكون الشيء مقصوداً محرماً لكنه تابع زائد، والدليل على ذلك: أنه لا يجوز بيع النخل والثمر قبل بدو صلاحه، لكن لو اشتريت بستاناً وفيه النخل الذي لم يبدُ صلاحه، وقلت: أشترط أن تكون لي الثمرة، فإنه يصح؛ لأن الثمرة جاءت تبعاً لا قصداً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع).
فإذا اشترطها المبتاع كانت له بالعقد والبيع، فجازت تبعاً ولم تجز استقلالاً؛ لأنه ثبت في الصحيحين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها) إذاً: الشريعة تفرّق بين التبع والاستقلال.
فمثلاً: رجل توفي والده، وقال: أريد أن أصلي عن والدي العبادات البدنية كالصلاة، فبالإجماع أنه لا يجوز أن يصلي الحي عن الميت، ولا الحي عن الحي؛ بل لا تجوز الصلاة عن أحد إلا في أقوال شاذة وردت، لكن إذا حججت عن الوالد، أو عن قريب توفي ولم يحج، أو اعتمرت عنه، فستضطر لصلاة ركعتي الطواف، لكن هل ركعتا الطواف جاءت أصلاً أم تبعاً؟ الجواب: جاءت تبعاً.
فهنا نقول: إذا باع الصوف واللبن بشاة ذات صوف ولبن، فإن مقصوده الشاة؛ بدليل أنه يقدر قيمة الصوف واللبن الذي معه ويكافئه بقيمة الشاة، ولا يكافئه بقيمة الصوف واللبن الموجود في الشاة.
وعلى هذا فيجوز بيع الربوي بالربوي ومعهما ما ليس من جنسهما إذا كان الربوي تبعاً ولم يكن أصلاً.
(163/4)
________________________________________
العبرة في الكيل والوزن
قال رحمه الله: [ومرد الكيل لعرف المدينة].
هذه مسألة مهمة، خاصة وأننا قد قررنا في باب الربا أنه لابد أن نعرف الموزونات والمكيلات حتى نقول: يجري الربا أو لا يجري.
فأي شيء تسأل عنه من الطعام أو من غير الطعام فتنظر: هل يكال، أو يوزن، أو يباع بالعدد والجزاف والذرع إلى آخره؟ إذاً: أنت محتاج إلى مسألة الكيل والوزن.
فهب أن رجلاً جاءك وقال: أريد أن أبيع العدس بالعدس جزافاً كوماً بكوم، فهل يجوز؟ وحينها ستضطر أن تسأل: هل العدس من جنس الربويات أم لا؟ وهذا يستلزم أن تعرف هل هو يكال ويوزن أم لا يكال ولا يوزن؟ فإذا كان طعاماً يكال أو يوزن جرى فيه الربا، كما قررنا ذلك على أصح أقوال العلماء؛ لكن لو كان الطعام يباع بالعدد، مثل الحلوى الآن، فإن منها ما يباع بالعدد؛ كحلوى العود.
وكذلك المكرونة: هل هي من جنس ما يكال أو يعد أو يوزن أو يذرع؟

الجواب
مما يوزن، ولذلك تجد مكتوباً عليها مثلاً: مائتين وخمسين جراماً، وفي بعض الأحيان الأنواع الصغيرة قد تباع كيلاً بالصاع، لكن الموجود والشائع في أسواقنا أنها تباع بالوزن.
كذلك الفستق: لو سألك رجل يبيع الفستق والمكسرات، وقال: أريد أن أبادل كيساً من الفستق بكيسين، وهذا الكيس من نوع، وهذان الكيسان من نوع آخر، فهل يجوز أم لا؟ فتقول: هل الفستق يباع بالكيل أو الوزن؟ الجواب: بالوزن، وبناءً على ذلك يعتبر من جنس الربويات، وقس على ذلك بقية الأمثلة.
إذاً: لابد من الكيل أو الوزن في الطعام، ولنفرض أن شيئاً كان يباع بالكيل، فأصبح في زماننا يباع جزافاً بدون كيل ولا وزن، أو أن شيئاً كان يباع بالوزن، فأصبح في زماننا يباع جزافاً بدون كيل ولا وزن، أو أن شيئاً كان يباع قديماً بالجزاف فأصبح يباع في زماننا بالكيل، أو بالوزن، وهذه المسألة تحتاج إلى ضبط؛ لأنك تقول: لا أحكم بالربا إلا إذا كان مكيلاً أو موزوناً من الطعام، فمعناه: أنه لابد أن يكون السوق يتبايع بالوزن أو يتبايع بالكيل.
إذاً: الربويات تنقسم إلى قسمين: الأول: ربويات منصوص عليها.
الثاني: ما كان في حكم المنصوص عليها مما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهناك أشياء كانت موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتباع بالكيل في زمانه أو تباع بالوزن، فهذه الأشياء لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون موجوداً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فيكون إما مطعوماً أو غير مطعوم.
الحالة الثانية: أن يكون غير موجود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الموجود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما يباع وزناً في زمانه كالذهب والفضة، فلو أنه في زماننا هذا بيع الذهب مثلاً بالذرع، فنقول: العبرة بزمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولو اختلف الزمان، وهذا بالنسبة لغير المطعومات.
أما بالنسبة للمطعومات، فنفس الحكم، فما كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم واختلف حال بيعه في زماننا، فالعبرة بزمان النبي صلى الله عليه وسلم لا بزماننا.
فالتمر كان يباع كيلاً، لكن لو أنه في زماننا أصبح يباع بغير الكيل والوزن، فحينئذٍ نعتبر زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ونقول: إنه منصوص عليه، ويجري فيه الربا، حتى ولو بيع بغير الكيل والوزن.
أما غير التمر، فلو كان هناك شيء موجود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، مثل الزبيب، فقد كان موجوداً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يباع كيلاً؛ فحينئذٍ لو أصبح الزبيب يباع في زماننا وزناً فإن العبرة بزمان النبي صلى الله عليه وسلم، ويجري فيه الربا.
إذاً: مسألة الكيل والوزن لابد لها من هذا الضابط، فإذا كانت موجودة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام أو غير الطعام، فالعبرة بزمان النبي صلى الله عليه وسلم على حسب الحال، وهذا هو مذهب الجمهور.
وهناك من العلماء من قال: العبرة بالعرف الذي طرأ بعد زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فلو أن البطيخ كان موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يباع مثلاً بالكوم، ولا ينظرون إلى وزنه، لكن في زماننا يباع البطيخ بالوزن، فإذا كان بالكوم فإنه لا يجري فيه الربا؛ لأنه مطعوم غير مكيل ولا موزون؛ لأنه بيع جزافاً، والجزاف يكون بالحصر والتخمين، وبناءً على ذلك نقول: ما كان من جنس الطعام وغير الطعام يوجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فالعبرة بزمانه كيلاً ووزناً، وما كان مما لم يوجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فالعبرة بعرف السائل، هذا وجه، أو العبرة بمكة إن كان موزوناً، وبالمدينة إن كان مكيلاً، وهذا وجه آخر.
وقال بعض العلماء: أي شيء جرى فيه العرف ببيعه كيلاً أو وزناً تقيد بذلك العرف، فإن لم يكن له عرف رجعوا إلى مكة والمدينة بالكيل والوزن، وأما لو كان له عرف فالعبرة بعرف بلده، هذا هو الوجه الأول.
وهناك وجه ثانٍ يقول: العبرة في المكيلات والمطعومات بكيل المدينة.
فمثلاً: الطعام من جنس المكيلات، فأهل مكة يبيعونه بالوزن، وأهل المدينة يبيعونه بالكيل، فعند الحنفية الذين يرون الكيل، يقولون: يجري الربا؛ لأن العبرة في الكيل بكيل المدينة، والعبرة في الوزن بوزن مكة.
فالوزن من غير المطعومات هوما يقاس على الذهب والفضة، فمثلاً: الحديد والنحاس والنيكل والرصاص والخشب، لو بيع وزناً في مكة وبيع ذرعاً في المدينة جرى فيه الربا؛ لأنه من جنس الموزونات، والعبرة بمكة في الوزن، ولا عبرة بالمدينة في الوزن.
وعلى هذا يقولون: نعتبر في الوزن وزن مكة، ونعتبر في الكيل كيل المدينة، إذاً: عندنا ضابطان لا نص فيهما: العرف، والرجوع إلى مكيال مكة والمدينة.
فإذا قلنا بالعرف الذي هو عرف البلد، فالأصل في الرجوع إليه القاعدة الشرعية المشهورة: (العادة محكمة)، فإن الله ردنا إلى العرف فقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228]، والأدلة على اعتبار العرف من الكتاب والسنة كثيرة.
ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم المرأة إلى مهر مثلها لا وكس ولا شطط، إن كانت بكراً، فالبكر من مثلها سواءً كانت من أوساط الناس أو علية الناس أو الدون، وهذا كله من الرجوع إلى العرف {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] إلى غير ذلك من النصوص التي وردت في اعتبار العرف.
لكن لو فرضنا أننا في المدينة، وقلنا بالرجوع إلى العرف، فمعناه أننا نرجع إلى السوق، فجئنا إلى الكمثرى، وهي مطعوم، لكن هل تباع كيلاً في سوقنا؟ أو وزناً؟ أو عدداً؟ لو أن عرفنا جرى على بيعها عدداً -بالحبة- لم يجر فيها الربا؛ لأنها مطعومة غير مكيلة ولا موزونة، وشرط جريان الربا أن يكون مطعوماً مكيلاً أو موزوناً.
لكن لو كان في المدينة سوقان: سوق يبيعها بالعدد، وسوق يبيعها بالوزن، فإذا جئنا ننظر إلى الذين يبيعونها بالوزن حكمنا بالربا، وإذا جئنا ننظر إلى الذين يبيعونها بالعدد لم نحكم بالربا، فهل نقول: نغلب المحرمين؛ لأنه إذا اجتمع حاظر ومبيح قدم الحاظر، أو نقول: نغلب المجوزين؛ لأن الأصل الحل، والشريعة شريعة رحمة، وما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، أو أن الأمر في تفصيل؟ قالوا: فيه تفصيل: فإن كان السوق الذي يبيع بالوزن ويجري على وجهه الربا أكثر وأشهر وأغلب في المدينة، وأكثر ارتياداً من الناس، فالعبرة به والآخر لاغٍ، وإن كان الآخر هو الأكثر، فالعبرة به ولا ربا مثلما ذكرت.
لكن إذا كان السوقان متماثلين: هذا السوق سعته مثل ذلك السوق، والمدينة منقسمة إلى قسمين: النصف منها يقضي في هذا السوق، والنصف الآخر يقضي في ذلك السوق، فما الحكم؟ قالوا: إذا اختلفا فإنه يجري الربا في السوق الذي يباع بالوزن، ولا يجري في السوق الذي لا يباع بالوزن، وهذا ليس بغريب؛ لأنك ربما تأتي الآن إلى حدود الحرم، فلو أن رجلاً في التنعيم دخل خطوة، فصلاته فيها بمائة ألف صلاة، ولو خرج لم تكن له هذه الفضيلة، ولو دخل وأراد فيه الإلحاد بظلم أذاقه الله من عذابٍ أليم، ولو تقهقر وخرج خطوة لم يكن له هذا العذاب.
إذاً: مسألة التحديد لأن هناك وصفاً شرعياً مستنبطاً من النص، إذا وجد حكمنا به، وإذا فقد لم نحكم به، إذاً: هذه هي مسألة العرف.
ولذلك قال المصنف رحمه الله: (ومرد الكيل لعرف المدينة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العبرة بالكيل بكيل المدينة، والعبرة بالوزن بوزن مكة).
وهذا الحديث صححه غير واحد من العلماء رحمهم الله، والعمل عند أهل العلم على هذا الحديث؛ لأن مكة والمدينة نزل فيهما الوحي، وكان التشريع ونزول الوحي في هذا المكان، فيقولون: يرجع إلى هذا العرف عند اختلاف أعراف الناس، فيحتكم إليهما في الكيل كيلاً بالمدينة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا)، فكان الأشبه بهم كيلاً، والوزن يكون مرده إلى مكة، وعلى هذا يفصل بهذا التفصيل.
وقوله: (زمن النبي صلى الله عليه وسلم)، فقد رجح المصنف رحمه الله هنا أن المكيلات والموزونات نرجع فيها إلى عرف المدينة ومكة، إذا كانت موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مثل الزبيب، فقد كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في المدينة، وكان يباع كيلاً، فنقول: إنه يأخذ حكم المكيل ويجري فيه الربا؛ لأنه مطعوم مكيل.
قال رحمه الله: (وما لا عرف له هناك اعتبر عرفه في موضعه) أي: ما لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم رجع فيه إلى العرف في بلده، كما ذكرنا أنهم يقولون: إن المطعومات التي لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يرجع فيها إلى عرف بلادها، ويلغون عرف مكة والمدينة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
(163/5)
________________________________________
تحريم ربا النسيئة والفضل
قال رحمه الله: [ويحرم ربا النسيئة].
(163/6)
________________________________________
معنى ربا النسيئة
النسيئة: مأخوذ من النسأ، كقولك: أنسأ الشيء إذا أخره، ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} [التوبة:37]، حيث كانوا يؤخرون الأشهر الحرم عن مواقيتها؛ فلأجل هذا التأخير وصف بكونه نسيئاً.
فالنسيئة إما أن تكون من الطرفين، وهذا أشد ما يكون، وإما أن تكون من أحد الطرفين دون الآخر؛ كأن يعجل أحدهما ويؤجل الآخر، فيعطيه درهمين بدرهم، ينقد أحدهما وينسأ الآخر.
(163/7)
________________________________________
الأدلة على تحريم ربا النسيئة
وقول المصنف: (يحرم ربا النسيئة) الدليل على التحريم قوله عليه الصلاة والسلام فيما ثبت في الصحيح من حديث عبادة رضي الله عنه وأرضاه: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد).
فقوله عليه الصلاة والسلام: (يداً بيد) يدل على أنه لا يجوز بيع الربوي بالربوي مع اتحاد الصنف أو اختلافه إلا يداً بيد، وقوله عليه الصلاة والسلام في تتمة الحديث: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، منطوق النص واللفظ: أي: جاز لكم أن تبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم، كيلو بكيلوين أو بثلاثة، إذا كان يداً بيد، هذا هو المنطوق.
ومفهومه: لا تبيعوا الذهب بالفضة بالنسأ والتأخير إذا لم يكن يداً بيد.
فالمنطوق: جواز بيع الذهب بالفضة، وبيع البر بالتمر، والشعير بالملح، الذي هو واحد من الأربعة بواحد آخر من الأربعة، بشرط أن يكون يداً بيد، ومفهوم الشرع: إذا كان يداً بيد؛ لأن المفاهيم عشرة، منها: مفهوم الشرع.
فلما قال: (يداً بيد)؛ فهمنا أنه إذا لم يكن يداً بيد فإنه لا يحل، وقد ذكرنا حديث عبادة لأنه أصل، وإلا فهناك أحاديث أقوى وأصرح في تحريم ربا النسيئة.
ومنها -الحديث الثاني- حديث عمر في الصحيح، وهو من أشد الأحاديث في تحريم ربا النسيئة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء)، فقوله: (هاء وهاء) أي: هه هه، فتعطي وتأخذ، وهذا يدل على التنجيز والتعجيل والنقد والإعطاء حالاً.
إذاً: فقوله: (هاء وهاء) معناه: أنه يقع في الربا إذا أخر ولا يقع فيه إذا عجل؛ لقوله: (إلا هاء وهاء)، فنص على كونه ربا إذا أخر، وهذا من المنطوق.
الحديث الثالث: من أدلة المنطوق وهي أقوى: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: (لا ربا إلا في النسيئة)، فإنه من أقوى الأحاديث التي دلت على حرمة النسيئة، بل عظمت أمره حتى قيل: لا يجري الربا إلا في النسيئة.
وهذا من باب التعظيم.
الحديث الرابع: حديث أبي موسى رضي الله عنه وهو في الصحيح أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا -أي: لا تزيدوا، من الإشفاء- بعضها على بعض، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض)، ثم قال -وهذا منطوق النص-: (ولا تبيعوا غائباً منها بناجز).
فهذا نص على تحريم النسيئة وهو قوله: (ولا تبيعوا غائباً منها بناجز)، ومعناه: أنها وقت النسيئة من طرف، قالوا: فحرم النسيئة من طرف، فمن باب أولى أن تحرم إذا كانت من الطرفين، أي: لا يجوز بيع الغائبين: عين بعين مؤجلين، أو ذمة بذمة مؤجلين، نسيئة من الطرفين في ثلاث صور.
إذاً: ربا النسيئة مجمع على تحريمه، ووقع الخلاف في ربا الفضل بين الصحابة، وخالف فيه بعض التابعين، وهنا نتعرض لمسألة هل ربا الفضل مجمع على تحريمه أم لا؟
(163/8)
________________________________________
الخلاف في حكم ربا الفضل
أولاً: ربا النسيئة مجمع على تحريمه، لكن نظراً لورود الحديث: (لا ربا إلا في النسيئة) نحتاج إلى بيان مسألة ربا الفضل، وهل هو مجمع على تحريمه أم مختلف فيه؟ وهل حديث: (لا ربا إلا في النسيئة) يدل على جواز ربا الفضل وانحصار الربا في هذا النوع وهو النسيئة، أم أنه لا يدل على ذلك؟ وهذه المسألة قد اختلف فيها الصدر الأول من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أواخر القرن الثالث تقريباً، ثم انقرض الخلاف وأصبح قولاً واحداً بتحريم ربا الفضل، لكن لابد أن نتعرض لهذا الخلاف ثم نفند الشبه في جواز ربا الفضل.
وحاصل هذا: أنه روي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن أرقم، وأسامة، عبد الله بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان، والبراء بن عازب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
أما عبد الله بن عباس فالرواية عنه في الصحيحين أنه كان يقول: (درهم بدرهمين لا بأس إذا كان يداً بيد)، فكان يجيز ربا الفضل ويحرم ربا النسيئة.
وأما عبد الله بن عمر فصح عنه؛ لكن صح عنه أنه رجع.
وكذلك عبد الله بن مسعود صح عنه، ولكن صح عنه أنه رجع.
والبراء بن عازب كذلك صح عنه أنه قال بقوله في قصة أبي المنهال مع شريكه لما سأل البراء، ولكنه رجع؛ لأن هذا الحكم -وهو جواز ربا الفضل- كان جائزاً في العصر المدني في أول التشريع، فحفظ بعض الصحابة الجواز، ثم اطلع على أدلة التحريم فرجع.
وأما معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وعن أبيه، فقد جاء عنه الخلاف في قصته مع أبي الدرداء وأبي أسيد الساعدي المشهورة، وأن أبا أسيد الساعدي عتب على معاوية ورد عليه أمام الناس، وقال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الذهب بالذهب ... )، وذكر الحديث، وهكذا أبو الدرداء راجع معاوية، فلما راجعه امتنع معاوية من قول أبي الدرداء، ثم رجع أبو الدرداء إلى عمر فسأله: ما الذي أقدمك من ثغرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إنه كان كذا وكذا وأخبره الخبر، فقال له: ارجع إلى ثغرك، والله لا خير في قوم لست فيهم، ثم كتب إلى معاوية ينهاه؛ فالظن بأمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه معاوية إذا بلغه نهي عمر أن ينتهي؛ لأن بعض الصحابة كان يقول بالجواز على ما كان يعلمه من التشريع الأول، ثم نسخ ذلك التشريع.
ثم عبد الله بن الزبير يُحكى عنه، ولكن لم يأتِ في رواية صحيحة عنه أنه قال بجواز ربا الفضل.
وهكذا أسامة حكي عنه، ولكن لم تأتِ رواية صحيحة عنه.
هذا مجمل الصحابة الذين حكي عنهم الخلاف، وقد رجعوا كلهم، وبقي ابن عباس وحده، هل رجع أو لم يرجع؟ اُختلف فيه على ثلاثة أقوال: فمنهم من يقول: إن ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن فتواه بحل ربا الفضل، وهذا يرويه زياد أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما قبل وفاته بسبعين ليلة فأفتى بالتحريم.
ومنهم من يقول: إنه توفي وهو يقول بهذا القول، واحتجوا بما روى سعيد بن جبير رحمه الله وهو من أقرب الناس إلى ابن عباس وأعلمهم بفتواه، أنه قال: (سألت ابن عباس قبل أن يموت بشهرين، فوالله ما رجع عن قوله بربا الفضل) وهذا ثابت في الصحيح.
- وهناك قول ثالث بالتوقف.
والصحيح أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يرجع عن فتواه بجواز ربا الفضل، بل توفي وهو يقول بذلك؛ وكان يتأول حديث أسامة ويفتي به ويعمل به.
ولذلك عتب عليه الصحابة حتى قال له أبو موسى الأشعري كما في صحيح مسلم: (اتق الله يا ابن عباس! أيأكل الناس الربا بقولك؟ فقال: أستغفر الله، فقال له: هل وجدت ذلك في كتاب الله؟ أو شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فقال له ابن عباس: أما كتاب الله فلا)، أي: لم يجد في كتاب الله هذا الذي يقول به من الفتوى، قال: (وأما السنة فأنتم أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم)، لا يعرف الفضل إلا أهله.
فقد كان الصحابة يحفظ الصغير حق الكبير، وكان يحفظ من كان عنده علم من هو أعلم منه، كان يقدر بعضهم بعضاً، فمع كونها مسألة خلافية وفقهية لكنها ما أذهبت الحقوق، ولا أذهبت قدر الناس، ولا جعلت الإنسان عند مخالفته لغيره يحط أو ينزله من قدره، بل قال له أمام الناس: (أما السنة فأنتم أعلم بحديث رسول الله)؛ لأنهم أعلم وأكبر سناً وأكثر شهوداً لمشاهدة التنزيل.
فهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، وهكذا كان التابعون والتابعون لهم بإحسان، ولا زال أهل الفضل على هذا النهج الصالح الذي يدل على صفاء القلوب والإنصاف والعدل والتقوى لله سبحانه وتعالى.
ثم قال: ولكن أخبرني أسامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ربا إلا في النسيئة)، فاحتج بالسنة، وفهم ابن عباس أنه لا يقع الربا في الفضل، وأنه يجوز أن تصرف الريال بالريالين، والدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين؛ لكن بشرط أن يكون يداً بيد، والواقع أن هذا الحديث يجاب عنه من مسالك: المسلك الأول: من ناحية النسخ.
المسلك الثاني: الجمع.
المسلك الثالث: الترجيح.
فهذه ثلاثة مسالك أصولية في الجواب عن هذا الحديث ومناقشته، وتوهين الاستدلال به.
المسلك الأول: دعوى النسخ، وهذا المسلك يميل إليه طائفة من العلماء وبعض أئمة الحديث، كالإمام الحميدي وغيره، ويقوون النسخ؛ لأن البراء قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وتجارتنا هكذا) أي: كنا نعطي الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين، أي: كنا نتعامل بالفضل، فلما قدم عليهم وتجارتهم هكذا وأقرهم عليها قال: (ثم جاءتنا أحاديث التحريم ففهمنا أن الأمر قد نسخ)، وهذا المسلك من أقوى المسالك.
المسلك الثاني: الجمع، لكن يقول العلماء: لا يصار إلى الجمع متى كان أحدهما منسوخاً؛ لأنه لا يجمع إلا بين نصين محكمين، لأن النصين أحدهما منسوخ، ولا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع.
فأما مسلك الجمع بين النصين، فيجمع بينهما من وجوه: أولاً: قوله: (لا ربا إلا في النسيئة) يحمل على أن المراد به: لا ربا أكمل وأكثر وأشنع وأشد من ربا النسيئة، وهو من باب التهويل والتشديد، فلما كان ربا النسيئة هو ربا الجاهلية، وهو الذي يظلم فيه الفقراء من قبل الأغنياء قال: (لا ربا إلا في النسيئة)، وهو كقوله: (الحج عرفة) فإنه لا يسقط أركان الحج الباقية، فخرج من باب التعظيم والتهويل والتشديد في أمره.
ثانياً: من مسالك الجمع ما اختاره الإمام الشافعي رحمه الله: أن الصحابي حضر الجواب ولم يحضر السؤال، فسُئل عليه الصلاة والسلام عن مسألة فيها ربا نسيئة، فقال له: (لا ربا إلا في النسيئة) أي: هذا الذي تسأل عنه هو عين الربا، فحضر الجواب ولم يحضر السؤال، وهذا يقع في بعض النصوص، فيعمم فيما هو مخصص، أو يطلق فيما هو مقيد، وقد ذكر هذا العلماء والأئمة.
المسلك الثالث: الترجيح، والترجيح هنا من جهة السند ومن جهة المتن: فأما الترجيح من جهة السند: فأولاً: إن أحاديث التحريم، كحديث عبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وعمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع، وغيرها من الأحاديث التي أثبتت تحريم ربا الفضل، هي من رواية أكابر الصحابة، وحديث: (لا ربا إلا في النسيئة) من رواية أصاغر الصحابة؛ لأن أسامة بن زيد وعبد الله بن عباس من أصاغر الصحابة.
والقاعدة تقول: (إذا تعارضت رواية الأكابر مع رواية الأصاغر؛ قدمت أحاديث الأكابر على أحاديث الأصاغر)، وهذا نفسه ابن عباس يسلم بذلك ويقول: (أنتم أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني).
والسبب في هذا: أن الصغار ربما كانوا متأخرين، وقد تخفى عليهم بعض السنن، ويحكون البعض ويغفلون عن البعض، وهذا هو ما قرره العلماء، إلا في بعض المواطن التي تكون فيها رواية الأصاغر موثقة بدلالة الحال أو السياق، على حسب ألفاظ الأحاديث، كما قال أنس: (ما تعدوننا إلا صبياناً، لقد كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها أسمعه يقول: لبيك عمرة وحجاً).
فهذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً برواية الأصاغر، لكنه جاء بمقطع واضح على أنه سمع بأذنه وعقل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً: نقول: إن أحاديث النهي من رواية الأكابر، وأحاديث الجواز من رواية الأصاغر، فترجح أحاديث النهي على أحاديث الجواز.
ثانياً: إن أحاديث النهي متصلة؛ لأن عبادة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس يروي بواسطة، ويحتمل أن يكون أسامة روى بواسطة ولم يرو مباشرة، ولذلك قالوا: تقدم الرواية المباشرة على الرواية بواسطة.
أما الترجيح من جهة المتن، فمن وجوه: الوجه الأول: أن الاستدلال بحديث: (لا ربا إلا في النسيئة) من باب المفهوم لا من باب المنطوق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ربا إلا في النسيئة)، ونحن نرى أن الربا يجري في النسيئة، ومفهومه: أنه سكت عن ربا الفضل، فجاء منطوقاً به في أحاديث أخرى، فيقدم المنطوق على المفهوم.
ومن المعلوم أن حديث: (لا ربا إلا في النسيئة) لا يصح دليلاً لـ
(163/9)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الربا والصرف [4]
ربا النسيئة محرم بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة؛ لما فيه من الغرر والظلم، ويلحق به ربا الفضل؛ لأنه ذريعة إلى النسيئة، وكل بيع فيه جهل أو غرر أو ظلم فإنه محرم، وفي هذه المادة أنواع متفرقة ومسائل مختلفة من البيوع الربوية المحرمة، أو التي تكون وسيلة إلى الربا.
(164/1)
________________________________________
مسائل في ربا النسيئة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ويحرم ربا النسيئة].
(164/2)
________________________________________
الأدلة على تحريم ربا النسيئة
قصد المصنف رحمه الله بهذه الجملة أن يبيّن الأحكام المتعلقة بالنوع الثاني من أنواع الربا، وهو ربا النسيئة، وقد جاءت النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على تحريمه، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الأصناف الستة: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد)، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (مثلاً بمثل)؛ دل على وجوب التماثل وتحريم التفاضل، ولما قال: (يداً بيد)؛ دل على وجوب التقابض وتحريم الافتراق قبل القبض من المتعاقدين أو من أحدهما.
وقال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائباً منها بناجز)، فقوله: (لا تبيعوا غائباً منها بناجز) يدل على تحريم تأخير التقابض، وإذا حصل التأخير في القبض فقد وقع ربا النسيئة.
وأجمع العلماء رحمهم الله على أنه لا يجوز تأخير أحد الربويين إذا بيع بالآخر، وأنه يجب على المتعاقدين أن يتقابضا في المجلس.
(164/3)
________________________________________
الربا في بيع الذهب بالذهب
لو صرفت الذهب بالذهب، كرجل عنده جنيهات من الذهب فأراد أن يبادلها بجنيهات من الذهب، فقال أحدهما: هذه العشرة جنيهات من السعودي بالعشرين من الجنيهات الفرنسية، فيجب أن يتقابضا، وأن يكون ذلك يداً بيد، وشرطه محل العقد، فلو دفع أحدهما جنيهاته وتأخر الآخر، وخرجا وافترقا فقد وقع ربا النسيئة.
وهكذا لو قال له: أعطيك الآن وتعطيني غداً فهو ربا.
وكذلك لو باع الحلي بالجنيهات، فأعطى صاحب الحلي وأخر صاحب الجنيهات، وهكذا لو أن امرأة جاءت بحليها القديم، وأرادت أن تشتري به حلياً جديداً فتبايعت، ثم قال: لا أعطيك الآن ولكن غداً، فهذا كله من ربا النسيئة في الذهب.
(164/4)
________________________________________
الربا في بيع الفضة بالفضة
وكذلك إذا صرف الفضة بالفضة، فمثلاً: لو أنه بادل الريالات بالريالات، كخمسمائة يصرفها إلى مئات، أو المئات يصرفها إلى ريالات أو عشرات أو نحو ذلك، فلابد أن يكون ذلك مثلاً بمثل، يداً بيد، فلو أعطاه الخمسمائة الآن، وقال: بعد ساعة سأعطيك صرفها، أو أعطاه الخمسمائة حالاً بيد، فقال: إن شاء الله غداً سأعطيك صرفها، فكل ذلك من ربا النسيئة.
(164/5)
________________________________________
الربا في المطعومات
ويدخل في هذا الطعام، فكما أن الربا يجري في الذهب والفضة فكذلك يجري في الطعام، فلو بادل طعاماً ربوياً بطعام ربوي مع الاتفاق، كما يقع في الذهب والفضة؛ كبر ببر، فلو جئت ببر أو تمر أو شعير أو ملح أو غيرها من الأصناف المنصوص عليها، أو جئت بشيء ملحق بالأصناف المنصوص عليها، ففي المنصوص عليه لو كان عندك مائة صاع من السكري، وأردت أن تبادله بمائة صاع من السكري أيضاً، فيجب أن يكون يداً بيد، وأن لا تفترقا وقد أخر أحدكما أو أخرتما معاً، فلو أعطاه المائة من السكري الآن، وقال الآخر: تأتيني بعد ساعة أو غداً، أو ترسل لي أحداً يحمل عنك، فافترقا قبل التقابض، فقد وقع ربا النسيئة.
هذا مع اتحاد المبادلة كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح.
ونحو ذلك.
(164/6)
________________________________________
الربا مع اختلاف الربويات
كذلك مع اختلاف الربويات؛ كأن يبادل الذهب بالفضة، فلو صرف الذهب بالفضة، كرجل عنده جنيهات وأراد أن يصرفها بريالات، فقال له: كل جنيه أبيعه منك بمائة ريال، فالريالات أصلها فضة، والجنيهات أصلها ذهب، فتبادلا، فقال له: أعطيك الجنيهات الآن وتعطيني غداً الريالات، أو العكس، فكل ذلك محرم؛ بل حتى لو قال له: بعد ساعة أحضرها لك، ثم افترقا قبل أن يحصل القبض، فيعتبر هذا محظوراً.
(164/7)
________________________________________
الربا عند تحويل العملات
وكذلك لو جئت إلى رجل ومعك ريالات وتريد صرفها بدولارات، كرجل معه مائة ريال يريد أن يحولها إلى دولارات، فينبغي أن يكون الصرف يداً بيد، فتعطيه الريالات ويعطيك الدولارات، فلو تأخر التقابض، وقال: أعطني الريالات الآن وأعطيك غداً الدولارات، أو يقول: ليس عندي الآن صرف، لكن مر عليّ بعد ساعة، ثم أخذ منك ولم تعطه، فقد وقع ربا النسيئة.
ويدخل في هذا لو جاء بألف ريال وأراد أن يحولها إلى قريب له إلى دولارات مثلاً، فهنا حالتان: الحالة الأولى: أن يحولها مع اتحاد العملة، كأن يحول ريالات من المدينة إلى جدة أو مكة، فهذه العملة متحدة ولا إشكال فيها، فيصبح عندنا عقد واحد وهو عقد الحوالة.
الحالة الثانية: أن يحولها مع اختلاف العملة، كأن يحول مثلاً من ريالات إلى دولارات، أو من ريالات إلى جنيهات، فإن الريالات فضة والجنيهات ذهب، فيجب عند تحويلك للريالات إلى جنيهات أن تنتبه لعقدين: العقد الأول: صرفك للريالات بالدولارات.
العقد الثاني: تحويلك للمصروف من الموضع الذي أنت فيه إلى الموضع الآخر.
فيجب أولاً: أن تقبض المحول، فتعطي المائة ريال التي معك وتستلم عدلها من الدولارات، أو من الجنيهات، أو من أي عملة أخرى، وبعد أن تقبض ويتم عقد الصرف تحول ما شئت.
إذاً: لابد من القبض؛ لأنه إذا صرف الفضة بالذهب، أو الذهب بالذهب؛ كجنيهات بدولارات، دون أن يحصل التقابض، فإنه حينئذٍ يكون ربا النسيئة، فلابد أولاً: من التقابض، ثم بعد ذلك يكون عقد الحوالة.
(164/8)
________________________________________
علة الربا في الأصناف الربوية
يحرم ربا النسيئة في الربويات، والربويات المنصوص عليها هي: الذهب والفضة، وعلتها الوزن، والمنصوص عليها في المطعومات علتها الطعم مع الكيل أو الوزن.
وبناءً على ذلك: إذا بادل غير الطعام؛ كأن يبادل حديداً بحديد، أو نحاساً بنحاس، أو خشباً بخشب، فهذه الأشياء من غير الطعام، فإن كانت توزن ولو اختلفت، كأن يبادل طناً من حديد بطنين من نحاس، فإن النحاس والحديد كل منهما يوزن، فنقول: يجوز، ولكن لا بد أن يكون التقابض فورياً، فلا يتأخر أحد المتعاقدين؛ لأنه موزون ربوي، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الموزون الربوي والمكيل الربوي: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
فبيّن صلى الله عليه وسلم أن الموزون والمكيل الربوي إذا اختلف وكل منهما يكال أو يوزن، فلابد أن يكون يداً بيد، وإذا تأملنا حديث عبادة بن الصامت (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة) فقد ذكر جنس غير المطعومات، ثم لما قال: (الذهب بالذهب) جعل كلاً منهما مثل الآخر: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، فلما جاء في آخر الحديث قال: (فإذا اختلفت هذه الأصناف)، كذهب بفضة، وبر بتمر، وتمر بملح، وبر بشعير، وشعير بملح (فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
فهذه الأصناف تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الذهب والفضة.
القسم الثاني: الأربعة الباقية.
فالذهب والفضة العلة فيهما الوزن، فكأنه صلى الله عليه وسلم حينما قال: (فإذا اختلفت هذه الأصناف) أي: الذهب بالفضة: (فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، فإذا تأملنا الذهب والفضة وجدنا أن العلة فيهما هي الوزن، فكأنه قال: كل موزون من غير الطعام بيع بموزون الذي هو الربوي، -إذا قلت: إن العلة الوزن فمعناه أنه ربوي- فكل ربوي بربوي كموزون، بموزون لا يباع إلا يداً بيد، إن اتفق وجب التماثل والتقابض، وإن اختلف وجب التقابض وسقط التماثل.
وبناءً على ذلك: لو سئلت عن بيع الموزون بالموزون من غير الطعام؟ فيكون

الجواب
يجوز التفاضل إذا اختلفا؛ ولكن بشرط أن يكون البيع يداً بيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد).
ولما بينا أن العلة هي الوزن فهمنا ذلك من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أجاز لـ عبد الله بن عمرو بن العاص أن يبيع الإبل بعضها ببعض متفاضلة وإلى أجل، فهمنا أن المعدودات لا ربا فيها، قال عبد الله رضي الله عنهما: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ البعير بالبعيرين، والفرس بالأفراس إلى إبل الصدقة).
فجمع بينه وبين النسيئة، والبعير بالبعيرين جائز، لكن الصاع بالصاعين غير جائز، وفهمنا أن الصاع مكيل وأن البعير معدود.
والسبب في هذا: أن المعدودات تتكافأ بالعدد، فلربما يكون الواحد يعادل العشرة، فسقط الربا فيها، ولكن المكيلات تتكافأ في الكيل، فوجب التماثل فيها.
ومن هنا أخذ العلماء هذه العلة المستنبطة من النص، فقالوا: العلة عندنا الموزونات فهماً من هذه السنة، فإذا قلت: إن العلة الوزن؛ وجب التماثل والتقابض إن اتحد الموزون، مثل: حديد بحديد، سواءً كان جيداً أو رديئاً إلخ.
ويجب التقابض إن اختلف الموزون، وهذا الذي جعله رحمه الله من كل ربويٍ بيع بجنسه، فمعناه: أنه لو بيع الموزون بالموزون اتفقا أو اختلفا وجب التقابض، هذا هو معنى قوله رحمه الله: (ويحرم ربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل).
(164/9)
________________________________________
ربا النسيئة في بيع الجنسين
قال رحمه الله: [في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل]: ذكرنا أنه إذا بيع موزون بموزون، سواءً كان من جنس الخشب أو من جنس الحديد أو النحاس أو الرصاص أو النيكل أو غير ذلك؛ فإنه ينبغي أن يكون يداً بيد.
وقوله: (اتفقا في علة ربا الفضل) هنا يلاحظ مسألة الاختلاف، فقوله: (اتفقا في علة ربا الفضل) أي: الوزن في الموزون، وبالنسبة للطعام الكيل أو الوزن، فالمطعوم المكيل مع المطعوم المكيل، سواءً اتفقا أو اختلفا، يداً بيد، والمطعوم الموزون مع المطعوم الموزون، سواءً اتفقا أو اختلفا، يداً بيد.
فإكان مطعوماً موزوناً متفقاً، مثل البرتقال فإنه يباع بالوزن إذا اتفقا، فبرتقال ببرتقال لابد أن يكونا مثلاً بمثل، فإذا باع الكيلو فيكون بكيلو، أو كيلوين بكيلوين، وأن يكون يداً بيد، وهكذا التفاح إذا بيع وزناً مع الاتفاق وجب التماثل والتقابض.
أما مع الاختلاف؛ كتفاح ببرتقال، فإن التفاح يوزن والبرتقال يوزن، وكلاهما مطعوم، فيباع الموزون بالموزون من المطعوم، ويجب التقابض ولم يجب التماثل؛ لأنهما مختلفان، فلو قال قائل: أريد أن أبادل الصندوق من البرتقال بالصندوقين من التفاح؟ فنقول: التفاضل جائز؛ لأنهما ليسا بمتحدين في ربا الفضل، ولكن يجب أن يبادله التفاح بالبرتقال يداً بيد؛ لأن التفاح والبرتقال يعتبر كلاً منهما موزوناً مطعوماً.
إذاً: في الطعام ننظر إذا كان مكيلاً أو موزوناً فلابد من التماثل والتقابض إذا اتحدا، ويجوز التفاضل ويجب التقابض إذا اختلفا، هذا بالنسبة للضابط على الأصل الذي بيناه.
(164/10)
________________________________________
حكم بيع الربويين المختلفين ببعضهما إذا كان أحدهما نقداً
قال رحمه الله: [ليس أحدهما نقداً كالمكيلين والموزونين]: للحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد)، فلو أنه باع من الأربعة المطعومة: براً بتمر، أو شعيراً بتمر، أو شعيراً بملح؛ فإنه يجب التقابض على ظاهر السنة، وهكذا لو باع الفضة بالذهب؛ لكن لو باع الذهب بصنف من الأصناف الأربعة، أو باع الفضة بصنف من الأصناف الأربعة، فصار أحدهما نقداً فعندنا ستة أصناف كلها ربوية إن كان موزوناً بموزون، أو مكيلاً بمكيل من المطعومات أو من غير المطعومات، فإذا كان موزوناً فإنه يجب التقابض، لكن إذا بيع الذهب أو الفضة بواحد من الأصناف الأربعة، فهناك ربوي بربوي، ولكن إذا كان أحدهما نقداً فإنه لا يشترط التقابض ولا التماثل، كأن يشتري مائة صاع من بر بمائة ريال، وهكذا لو اشترى بالنقد ما هو موزون من برتقال أو موز أو تفاح أو نحو ذلك، فإنه لا يشترط التقابض.
والدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم)، والسلف: تقديم الثمن وتأخير المثمن، بأن يعطيه الدراهم والدنانير معجلة على أن يأخذ منه الطعام مؤجلاً، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم تأخير المطعوم مع النقد.
فدل على أنه إذا بيع المؤجل وكان أحدهما نقداً، جاز ولا بأس به، فلو جاء إلى صاحب البقالة، وقال له: سيأتي ولدي كل يوم ويأخذ من عندك أغراضاً فأعطه، وفي آخر الشهر سأعطيك دينك، فقد صار مطعوماً مما يشترى بنقد نسيئة، فالمطعوم الذي هو الطعام الموجود في البقالة، أو الأغراض التي سيشتريها من الطعام، بنقد نسيئة، فصار ولو كان من جنس الربويات، كأن يأتي إلى بائع تمر، ويقول له: ابني كل يوم سيأتي ويأخذ منك صاعاً أو نصف صاع فأعطه، وفي آخر الشهر سوف أحاسبك.
فحينئذٍ أخذ الرجل الطعام الذي هو التمر، وقال: إلى آخر الشهر، فصارا ربويين؛ لأن الريالات أصلها فضة، والفرع آخذ حكم أصله، وبالنسبة للطعام الذي يدفع لقاء النقد الموعود به من جنس الربويات، فربوي بربوي، لكن أحدهما نقد، فإذا كان أحدهما نقداً فإنه يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم أسلف الطعام بالنقد إلى أجل وأباح ذلك.
ومن هنا أجمع العلماء رحمهم الله من السلف والخلف على جواز تأخير أحد الربويين إذا كان أحدهما نقداً والآخر الذي هو الثمن والمثمن نسيئة، لكن لو كانا نقدين فلا يجوز، وهكذا لو كان نقداً بجنسه أو من جنس الأثمان، كأن يشتري مثلاً كيلو من الذهب بالنقد الذي هو الريالات، فلم يجز، لكن لو اشترى كيلو الذهب بألف صاع من تمر؛ جاز وصح؛ لأنه ثمن لمثمن، وأحدهما الذي هو الأول نقد ولا حرج في تأخيره على ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وجماهير العلماء على أنه يجوز التأخير، ولا بأس بذلك.
(164/11)
________________________________________
إذا تفرق المتبايعان قبل القبض بطل البيع
قال رحمه الله: [وإن تفرقا قبل القبض بطل]، وينبني على هذا أننا قلنا: إنه يحرم ربا النسيئة في الموزونين، والمكيل موزون بموزون ومكيل بمكيل، سواءً اتفقا أو اختلفا، فيرد

السؤال
لو أنهما تفرقا قبل القبض؟ قال رحمه الله: (بطل)، والباطل والفاسد عند جمهور العلماء هو الذي لا يترتب عليه أثر البيع الصحيح، فلا يملك البائع الثمن، ولا يملك المشتري المثمن، إذا كان بيعاً مطلقاً.
فالبيع إذا حكمنا بفساده وجب رد الثمن والمثمن إلى البائع والمشتري، ويبطل البيع ويفسخ.
وقوله: (بطل) هذا البطلان فيه تفصيل، وسيأتي التفصيل بين أن يبطل في الجميع أو أن يبطل في البعض؛ لأن التأخير في بعض الأحيان يكون من الطرف بجميع النقد، وتارة يكون بجزء النقد، وتارة يكون التأخير من الطرفين، وتارة يكون من أحد الطرفين.
(164/12)
________________________________________
حكم بيع المكيل بالموزون
قال رحمه الله: [وإن باع مكيلاً بموزون جاز التفرق قبل القبض والنسأ]، أي: جاز نسيئة وجاز قبل أن يتقابضا، والمصنف رحمه الله يرجح في علة الذهب والفضة الوزن، وفي علة الطعام الكيل، كما هي إحدى الروايات عن الإمام أحمد، والصحيح أن العلة في الطعام هي الكيل والوزن مع كونه مطعوماً، على ما اختاره شيخ الإسلام، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد، ويقول بها طائفة من السلف، وقد بينّا دليلنا من حديث معمر بن عبيد الله رضي الله عن الجميع.
وقوله: (وإن باع مكيلاً بموزون جاز)؛ لأنه يرى أن الطعام فيه علة واحدة وهي الكيل، فقال: (مكيلاً بموزون)، ومعناه: أنه سيبادل ما هو من جنس الربا -الذي هو المكيل إذا كان طعاماً- بما ليس من جنس الربا من مطعوم موزون على ما رجحه؛ لأنه يرجح أن الطعام إذا كان موزوناً لا يجري فيه الربا.
وحتى تتضح الصورة هنا أمران نريد بيانهما: الأول: اختار المصنف أن الطعام يجري فيه الربا إذا كان مكيلاً، ومفهوم هذا أنه إذا كان موزوناً أو معدوداً فإنه لا يجري فيه الربا، والموزون مثل: البرتقال والتفاح، فإذا قلت: إن العلة هي الكيل، فمعناه أنه لا يجري إلا في المكيلات، كالتمر، والرز يباع بالصاع، فهو مكيل، ويجري فيه الربا.
لكن البرتقال يوزن ويباع أيضاً عدداً بالحبة، أو يباع بالصندوق، فإذا بيع بالعدد أو الوزن لم يجر فيه الربا على قول من يقول: بالكيل، وهذا هو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
فبناءً على القول بأن العلة هي الكيل: لو بادل المكيل بالموزون فمعناه: أنه بادل الربوي من المطعوم بالربوي من غير المطعوم، ومعناه: أنه بادل النقد بالمطعوم مثلاً، كذهب ببر، أو ذهب بشعير، أو فضة بتمر، فإن الأول -على ما اختاره المصنف- موزون والثاني مكيل.
فحينئذٍ في هذه الحالة إذا باع المكيل بالموزون فإنه يجوز التفاضل، ويجوز النسأ والتأخير، ولا يشترط التقابض، وقد بينّا دليل ذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأنه لا يرى أن هذا من جنس الربوي، وهذا بناءً على أن المصنف يرى أن الطعام يختص بعلة الكيل، فإذا قال لك: مكيل بموزون، فمعناه: مطعوم بغير المطعوم والمطعوم، بغير المطعوم سواءً كان من جنس الربويات أو غير الربويات فإنه يجوز ولا بأس به.
لكن على ما رجحناه في المطعومات، فإن الإشكال هو في المطعومات، فلو بادل الموزون منها بالمكيل، أو ما يباع وزناً بما يباع كيلاً على أن كلاً منهما -أي: الطعام الذي هو من جنس الربويات- علته الطعم مع الكيل أو الوزن، فحينئذٍ يجري الربا، فلو بادل البرتقال موزوناً بالتمر المكيل، وجب التقابض فيه؛ لأن جنس المطعوم المكيل، وجنس المطعوم الموزون كل منهما يحرص الشرع على إعطائه يداً بيد؛ بدليل تحريمه إذا تمحض كيلاً أو تمحض وزناً.
ولذلك قالوا: إن كل مطعوم من كيل أو موزون يجب فيه التقابض، سواءً اتفقا: كبرتقال ببرتقال، وتفاح بتفاح، وتمر بتمر، وشعير بشعير، وأرز بأرز، ودخن بدخن، أو اختلفا: كتمر ببر، أو اختلفا كيلاً ووزناً، كتمر بتفاح، وقس على هذا.
وعلى هذا يقال: إن العلة في النسأ الكيل مع الوزن، وبعض العلماء يقول: العلة وجوب الطعم، فلا يجوز بيع الطعام بالطعام نسيئة مطلقاً، سواءً كانا مكيلين أو موزونين أو غير ذلك، وعلى هذا يختلف إذا باعه من جنس المعدودات.
(164/13)
________________________________________
حكم النسأ فيما لا كيل فيه ولا وزن
قال رحمه الله: [وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه النسأ].
الثياب تباع بالعدد، فتقول: أعطني ثوباً أو ثوبين أو ثلاثة أثواب، فلو بادل ثوباً بثوبين، أو ثوباً بثلاثة، أو ثوباً بأثواب، أو ثوبين بثلاثة، أو غير ذلك؛ صح ولا بأس به، ولا يشترط التماثل ولا التقابض.
فلو أعطاه الثوب الآن، وقال: غداً سأستلم منك الثياب، فلا بأس به؛ لأن هذا معدود، وكذلك لو كان طاقات القماش؛ لأنها تباع بالذرع، فليست بمكيلة ولا موزونة، وإنما هي مذروعة، فطاقات القماش إذا بيعت بالأمتار، فإنه يجوز أن يبيع الطاقة بالطاقتين، والطاقة بالثلاث؛ لأنها من جنس المعدودات، وليست من جنس المكيلات والموزونات.
وكذلك أيضاً: لو بادله الكتاب بالكتابين؛ لأن الكتاب لا يباع كيلاً ولا وزناً، وإنما يباع عدداً، فتقول: أعطني كتاباً أو كتابين أو ثلاثة مجلدات أو أربعة مجلدات، فأنت تشتري الكتاب ولا تكيله ولا تزنه، ولو اشترى مثلاً الغترة بالغترتين، أو الطاقية بالطاقيتين أو الطواقي؛ جاز وصح البيع، سواءً اختلف أو اتفق قماشها، فكل ذلك جائز ولا بأس به.
وهكذا لو بادله القلم بالقلمين، أو الدفتر بالدفترين، وغير ذلك مما هو موجود في زماننا، فكل ذلك جائز؛ لأنه من جنس المعدودات التي ليست مكيلة ولا موزونة.
والدليل على أن المعدود يجوز فيه التفاضل والنسأ: قول عبد الله رضي الله عنهما: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ البعير بالبعيرين)، والبعير معدود وليس بمكيل ولا موزون، فقوله: (آخذ البعير بالبعيرين) هذا تفاضل، ثم قال: (إلى إبل الصدقة) أي: آخذ البعير الآن وأعطي البعيرين، فإذا جاء الناس ليدفعوا الزكاة أخذ من أبعرتهم ما يسد به الدين على بيت المال.
فدل على جواز بيع المعدود بالمعدود سلفاً وديناً ونسيئة وتفاضلاً؛ لأنه أجاز البعير بالبعيرين تفاضلاً، وأجاز البعير بالبعيرين إلى أجل، فحصل النسأ والتأخير، ومن هنا قالوا: ما كان من غير الموزون والمكيل فإنه لا يجري فيه الربا، فيجوز التفاضل ويجوز النسيئة.
وبعض العلماء يعلل ذلك ويقول: إن المكيلات العدل فيها أن تتساوى، فالصاع بالصاع يتساوى، لكن الصاع بالصاع إلا ربع أو بنصف صاع ظلم لصاحب الصاع الكامل، وقالوا: لو جاز في المكيلات تضرر الناس في أقواتهم، كما يقرر ذلك الإمام ابن القيم في الأعلام والزاد.
لكن جنس المعدودات غالباً ما يكون العدل فيها بالتفاضل، فإذا جئت لتبيع الفرس بأفراس، فإنك تنظر إلى قيمة الفرس، ثم إذا قدرت الفرس بمائة أو بألف ريال مثلاً فتنظر إلى فرس صاحبك، فإذا كانت قيمته خمسين ريالاً فتقول: أقبل فرسي بفرسين من مثل هذا، لكن التمر حينما تأتي بكيلة متكاملة منضبطة مع كيلة متكاملة منضبطة، فلا تدخل حساباً بينهما.
ولذلك انضبطت بالكيل كيلاً وبالوزن وزناً، لكن في العدد انضبطت بالتفاضل، فسقط الربا في المعدود وبقي في المكيل والموزون، وهذه خلاصة من يقول بهذه العلة، وقد أشار إليها القاضي ابن رشد في بداية المجتهد، وتكلم على هذا بكلام دقيق جداً في مسألة إسقاط الربا في المعدودات؛ لأنها إذا جاءت تتكافأ فإنها تتكافأ بالتفاضل، فأنت إذا بعت الثوب بالأثواب، فإنك تنظر إلى أشياء موجودة في الثوب من صفاته، وتحاول أن تقدر قيمته، ثم تنظر إلى عدله من الأثواب وتقدر قيمتها، فإن تكافأت رضيت، وإن تفاوتت طلبت الزيادة عدلاً للنقص الذي بينهما.
ومن هنا تفاوت المعدود عن المكيل والموزون؛ لما فيه من الجبر حين التفاضل، بخلاف المكيل والموزون، فإنهما إذا تفاضلا انعدم المعنى المقصود من الشرع من حصول التساوي بين المبيعين.
(164/14)
________________________________________
حكم بيع الدين بالدين
قال رحمه الله: [ولا يجوز بيع الدين بالدين].
قوله: (ولا يجوز) هذه من صيغ التحريم، (لا يحل -لا يجوز- يحرم) كلها من صيغ التحريم، ومن أقوى الصيغ: (لا يحل) فهي تدل على التحريم، كما قال تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب:52]، فنفي الحل عن الشيء يدل على تحريمه، وقوله: (لا يجوز) كذلك يدل على تحريمه.
وقوله: (بيع الدين بالدين)، الدين المؤجل يقابل النقد المعجل، والمراد بهذا أن تبيع ديناً في مقابل دين، ولا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: حكم هذه المسألة مستفاد من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ).
وهذا الحديث رواه الدارقطني والحاكم وصححه، وقال: هو على شرط مسلم، ولكن تعقب بأن فيه من تكلم في سنده، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله عن بعض رواته: إنه لا تحل روايته.
والعمل عند طائفة من العلماء على تضعيفه، لكن متنه صحيح، حتى إن الإمام أحمد لما ضعفه قال: إجماع الناس عليه، أي: الإجماع قائم على عدم جواز بيع الدين بالدين؛ لأن متن هذا الحديث يوافق الأحاديث الصحيحة؛ لأن بيع الدين بالدين يفضي إلى الربا والغرر والمخاطرة، فيدخل ضمن أصول عامة دلت الشريعة على اعتبارها، وقد أجمع العلماء والسلف رحمهم الله على العمل بهذا الحديث.
وممن حكى الإجماع على عدم جواز بيع الدين بالدين الإمام أحمد رحمه الله، وابن قدامة، وابن المنذر، وابن رشد وغيرهم.
ويبقى النظر: ما هي صور بيع الدين بالدين؟ نقول: لبيع الدين بالدين صور: فتارة بأن تبيع ديناً بدين على الشخص المدين نفسه، فيحصل بيع الدين بالدين بين المتعاقدين بأن يكررا البيع، فيكون من باب بيع الدين بالدين مع الشخص نفسه.
وتارة يكون بيع الدين بالدين مع شخص غير الشخص المدين الأول.
فأما بيع الدين بالدين مع الشخص نفسه فلا يخلو: إما مع اتفاق جنس الدين الأول، أو اختلافه.
مثال ذلك: جاء رجل واستدان منك ألف ريال، ثم لما حضر التقاضي قال لك: هذه الألف ريال أعطيك في مقابلها مائة صاع من بر إلى نهاية العام، فالأول دين، والثاني دين، وقد باع الألف ريال في مقابل المائة صاع، فهو دين بدين.
مثال آخر: كأن يقول: هذه المائة صاع أشتريها منك بألف ريال، أو بألف ومائتين، فحينئذٍ باع الثمن (الدين) الذي كان في الثمن الأول ببيع ثانٍ جديد، فالذي خاطب وتبايع معك هو نفس الذي وقع عليه الدين الأول، فوقعت صورة بيع الدين بالدين مع اتحاد المتعاقدين، فالعقد الثاني والبيع الثاني هو نفسه الذي وقع فيه الدين في البيع الأول.
فهذه الصورة -وهي اتحاد المتعاقدين- تارة تكون بالثمن في مقابل الثمن، وتارة تكون بالمثمن في مقابل المثمن، وتارة تكون بالمثمن في مقابل الثمن، فهذه ثلاث صور.
الصورة الأولى: أن تكون من بيع الثمن بالثمن: وهذا أشهر ما يقع فيه ربا الجاهلية، زد وتأجل، فيكون للشخص على الشخص عشرة آلاف ريال، فإذا حضر وقت المطالبة قال له صاحب الدين: أأخرك عن هذا الدين باثني عشر ألفاً، أي: بزيادة ألفين، فكأنه باعه العشرة آلاف الأولى باثني عشر ألفاً الثانية.
أو يقول الذي عليه الدين لصاحب الدين: أنا أشتري منك هذه العشرة آلاف بمائة دولار أو بمائتين إلى بعد نصف سنة أو سنة أو شهر أو شهرين، فبادله النقد بالنقد نسيئة من الطرفين، وحينئذٍ يكون من بيع الدين بالدين المفضي إلى الربا.
كذلك أيضاً -وخاصة إذا كان في الأثمان والنقود-: غالباً ما تقع الصورة ربوية مع اتحاد المتعاقدين، فتكون العلة فيها من أقوى ما تكون مفضية إلى الربا.
إذاً: بيع الدين بالدين (ثمن بثمن) يقع بصورة الربا غالباً، إلا أنه يستثنى من هذا لو قال له: هذه العشرة آلاف لا أستطيع أن أسددها، فقال: أسقط عنك مائة منها وأعطيك أجلاً زائداً، فحينئذٍ هذا دينه، فالأمر خفيف، لم يقع فيه؛ لأن العشرة هي العشرة، ولم يقع بيعاً ثانياً.
فهناك فرق بين مسألة الإسقاط والمسامحة وبين مسألة المعاوضة، فإن المدين في الصورة الأولى يقول: هذه العشرة آلاف أعطيك بدلاً عنها عشرة آلاف وخمسمائة، أو أعطيك بدلاً عنها عشرة آلاف ومائة، بشرط أن تصبر عليّ شهراً وأعطيك مائة فوق العشرة آلاف، فأصبحت عشرة آلاف ومائة، فصار ديناً بدين.
هذه هي الصورة الأولى، وهي أن يكون ثمناً بثمن.
الصورة الثانية: أن يكون مثمناً بمثمن، ويقع هذا في صور عديدة، منها: بيع السلم، كأن يأخذ منك ألف ريال معجلة مقابل مائة صاع مؤجلة، مع ملاحظة أن المائة صاع مثمن، فلما حضر أجل السلم قال: ليس عندي مائة صاع، فسأعطيك بدلاً عنها مائة وعشرة، فهو مثمن بمثمن، وهو عين الربا، وهذا مع الاتحاد.
وقد يختلفان إلى ربوي، فيقول له: أعطيك عن المائة صاع البر مائة وعشرين من التمر، أو أعطيك مائة من التمر، فصار ربوياً بربوي بدون قصد، فتدخل شبهة الربا، فحرم بيع الدين بالدين لوجود شبهة الربا، مع ما فيها من المخاطرة في الديون.
الصورة الثالثة: الثمن بالمثمن، قالوا: يقع بيع الدين بالدين (الثمن بالمثمن) إذا كان قد أعطاه ديناً عشرة آلاف ريال إلى نهاية السنة، فلما حضر الأجل، قال: أعطني العشرة آلاف، فقال: سأعطيك بدلاً عنها مائة صاع، من البر إلى نهاية الشهر أو إلى نهاية السنة، فعاوضة عن الثمن -الذي هو العشرة آلاف- بمثمن إلى نهاية السنة، أو هذه العشرة آلاف التي لك عليّ أعطيك بدلاً عنها سيارة في نهاية السنة من نوع كذا وصفة كذا، فعاوضه بالمثمن لقاء الثمن، فصارت البيعة الثانية ديناً في مقابل دينه الأول، فصار من بيع الدين بالدين.
وعلى هذا وقع بيع الدين بالدين مع اتحاد المتعاقدين، كما في الصور التي ذكرناها في الثمن مقابل ثمن، ومثمن مقابل مثمن، وثمن مقابل مثمن.
وقد يقع بيع الدين بالدين مع اختلاف المتعاقدين، وهنا قد تقع علة الربا، وقد يقع بيع الغرر، فيكون فيها نوع من المخاطرة، ومن هنا قال بعض العلماء: الأشبه بأن بيع الدين بالدين يدخل فيه علل كثيرة، فتارة يكون من ربح ما لم يضمن، وتارة يكون من بيع الغرر، وتارة يكون من الربا.
فأصبح مشتملاً على المفاسد الموجبة لتحريم البيع؛ لأن قواعد تحريم البيع كما ذكرها ابن رشد وغيره والتي من أجلها حرم البيع: إما تحريم عين المبيع، وإما الربا، وإما الغرر، وإما الشروط التي تئول إلى الربا أو إلى الغرر أو هما معاً.
وبناءً على ذلك قالوا: إذا باع الدين بالدين مع اختلاف المتعاقدين: فتارة يكون من الربا، وتارة يكون من الغرر، وتارة يكون من ربح ما لم يضمن، فإذا قال زيد من الناس: لي على عمرو عشرة آلاف، فقال له: يا فلان، دينك الذي على زيد -وهو عشرة آلاف- سأعطيك بدلاً عنه اثني عشر ألفاً إلى نهاية السنة، وأنا آخذ من زيد وفاء الدين.
فحينئذٍ عاوضه ديناً بدين، فالاثنا عشر التي سيدفعها له سيدفعها بعقد دين؛ لأنه قال له: إلى نهاية السنة في مقابل العشرة آلاف التي يريد أن يأخذها من زيد، وهذه دين، فصار من بيع الدين بالدين رباً؛ لأنه اشتمل على التفاضل والنسيئة، فالعشرة آلاف باثني عشر ألفاً تفاضل، والعشرة آلاف ريال باثني عشر ألف ريال ربوي من جنسه نسيئة، فاجتمعت فيه علة الربا من جهتين.
وتارة يكون من باب الربا الموجب للنسيئة، كأن يشتري رجل من رجل مائة صاع -كما في الثمن- إلى نهاية السنة، وقبل نهاية السنة يبيع المائة صاع بمائة من البر، فيقول المشتري الجديد: أنا أشتري منك المائة صاع سلماً لفلان من التمر، وأعطيك بدلاً عنها مائة صاع من البر، فالتمر مع البر كل منهما ربوي، ولكن وقع البيع نسيئة من الطرفين: نسيئة من هذا، ونسيئة من هذا، فصار من بيع الدين بالدين الذي حرمه الله ورسوله، ولا يجوز، وهذا يكون من المثمن بالمثمن.
وكذلك قالوا: إنه يقع في الثمن بالمثمن، فلو قال له: هذه المائة ألف التي لك دين على فلان أعطيك بدلاً عنها سيارة من نوع كذا وكذا إلى نهاية هذا الشهر، ويكون الدين الأول حالاً في منتصف الشهر، فصار بيع الدين الأول -الذي هو العشرة آلاف والمائة ألف- بالسيارة الثانية، فالأول دين والثاني دين، وكلها من بيوع الغرر، أو المخاطرة، أو الآيلة إلى الربا، أو الجامعة بين الربا وبين الغرر.
الخلاصة: أن بيع الدين بالدين لا يجوز، ومن هنا اختار العلماء وجوب التقابض فيما يشترط فيه التقابض، فإن دخل في بيع الدين بالدين؛ انضافت علة الربا إلى بيع الدين بالدين مع علة الغرر والمخاطرة.
(164/15)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الربا والصرف [5]
إذا صرف شخص عند آخر نقداً، فلا يجوز لهما أن يفترقا إلا وقد أعطى كل واحد منهما ما للآخر عليه، فإن افترقا قبل أن يقبض أحدهما حقه أو بعض حقه، فإن العقد يبطل فيما لم يقبض؛ وذلك لأن هذا يعتبر من ربا النسيئة المحرم، ويحصل الافتراق في كل مكان بحسبه، ولابد من التقابض قبل الافتراق.
(165/1)
________________________________________
افتراق المتصارفين قبل قبض الكل أو البعض
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: ومتى افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبض]: فإذا صرف الريالات بالدنانير أو بالدولارات أو بالجنيهات، فإنهما متصارفان، كل منهما يريد أن يصرف ما عنده بالذي عند الآخر، فقال رحمه الله: (متى افترق المتصارفان) ولم يقبضا (بطل العقد) فيهما، سواء في الريالات أو الدولارات، لكن لو لم يقبض أحدهما جزء الثمن المدفوع في مقابل نقده، أو لم يقبض الآخر معه، فإنه يبطل في الجزء الذي لم يقبض دون الذي قبض.
وبالمثال يتضح الحال: أولاً: إذا أراد أن يصرف فإما أن يصرف مع اتحاد العملة كما ذكروا، فمثلاً: معك خمسمائة ريال تريد أن تصرفها مئات أو خمسينات، فجئت إلى رجل وقلت له: اصرف لي هذه الخمسمائة، فقال: أصرفها لك بخمسمائة، لكن ليس عندي الآن، وسوف أعطيك بعد ساعة، فافترقتما ولم تتقابضا، فحينئذٍ بطل الصرف، ووجب عليه أن يرد لك الخمسمائة، فإن قبضت الخمسمائة في اليوم الثاني مصروفة وقع الربا الذي حرم الله ورسوله، فلُعن الآخذ والمأخوذ، نسأل الله السلامة والعافية.
إذاً: ينبغي للناس أن يتنبهوا لمسائل الربا؛ لأن الربا لا يتوقف على ريال بريالين أو تسعة بعشرة، التي هي الزيادة والفضل، بل يشمل حتى ربا النسيئة الذي يخفى على الكثير، ومن هنا قال بعض العلماء: إن الرجل قد يشيب عارضاه في الإسلام وهو يأخذ الربا، فيلعن صباح مساء؛ لأنه قصر في العلم والفهم.
فمسألة التقابض لابد منها، وللعلماء الوجهان المشهوران: الوجه الأول: لو صرفت الخمسمائة تأخذ بيد وتعطي بأخرى، وهذا أكمل ما يكون في الصرف، وهو العدل الذي لا يظلم فيه الصارف، ولا من أخذ منه، وهذا هو عين العقل والحكمة؛ لأنه ربما رمى الخمسمائة في صندوقه وقال: ما أعطيتني شيئاً، وأنكر؛ لأنه نسي؛ فقد تكون جئته أثناء شغله وأعطيته الخمسمائة فرماها في الصندوق، وقال: ما أعطيتني شيئاً.
وفي بعض الأحيان يقول: كم أعطيتني؟ فتقول: خمسمائة، فيقول: لا؛ بل أعطيتني مائة أو أعطيتني خمسين أو أعطيتني عشرة أو خمسة.
إذاً: العدل أن تعطي بيد وتقبض بأخرى، وهذا هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء).
فأنت إذا أعطيت الخمسمائة بيد وقبضت الخمسمائة التي بيدك ضمنت حقك، ومن العدل مادمتما تتبايعان وتتعاوضان أنك كما أعطيته الخمسمائة يعطيك الخمسمائة؛ لأنك أعطيته حقه كاملاً، فوجب أن يعطيك حقك كاملاً.
فلو قال لك: أنا آخذ الخمسمائة الآن وتأخذ مني غداً، أو آخر النهار، أو ليس عندي الآن صرف، فحينئذٍ يقع الربا ولو افترقا لحظة واحدة، فبمجرد أن يتفارقا يحصل المحظور الذي بيناه، فلابد إذاً من التقابض.
وهذه الحالة بالنسبة لمسألة الافتراق، وهي أن يعطي بيد ويقبض بالأخرى.
الوجه الثاني: أن يعطيك في مجلس العقد، ولم يؤخر -أي: لم يؤخر إلى ما بعد المجلس- فأنتما في الدكان أو في الغرفة، وقلت له: يا فلان! معي خمسمائة ريال اصرفها لي، فأخرج المئات وجلس يعدها، أو أخرج مثلاً صندوقه أو كيسه أو نحو ذلك فتأخر، وأنت قد أعطيته الخمسمائة، فربما قبضها، وربما وضعها في حجره، وربما وضعها في جيبه، ثم جلس يعد، أو يبحث عن نقده الذي معه، أو يفك خزنته أو صندوقه، ثم أخرج لك الخمسمائة، فلم يحصل التقابض لكنهما لم يفترقا، فمن العلماء من قال: يجب أن يعطي بيد ويأخذ بأخرى، وهذا مذهب من شدد، وهناك من خفف وهو الصحيح، فقالوا: ما داما في مجلس العقد فالأمر يسير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله ابن عمر أن يبيع بالدنانير ويقتضي بالدراهم، ويبيع بالدراهم ويقتضي بالدنانير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم، إذا كان بسعر يومه، ولا يحل لك أن تفارقه وبينكما شيء)، فجعل التحريم المنبني على عدم التقابض مركباً على الافتراق، فدل على أنهما إذا افترقا وليس بينهما شيء فلا بأس به.
ومن هنا قال الجمهور: العبرة بمجلس العقد، فإذا أخذ منك الخمسمائة ثم تأخر قليلاً، ولكنه أعطاك الصرف قبل أن تفارقه وقبل أن تقوم من مجلس العقد، فالأمر يسير والحمد لله، وهذا هو الصحيح.
(165/2)
________________________________________
بماذا يحصل الافتراق بين المتصارفين؟
وقول المصنف رحمه الله: (متى افترق) الافتراق: إذا كانا في غرفة واحدة فالافتراق أن يخرج أحدهما من الغرفة، وإذا كانا في مكان منحصر كصالة أو موضع معين، فخرج أحدهما من هذا الموضع المعين، كما لو كانا داخل سيارة فخرج أحدهما من السيارة، مع أنها ليست بغرفة لكنها في حكم الغرفة، فبمجرد أن يخرج من بابها فقد افترقا.
إذاً: الافتراق يختلف باختلاف الأمكنة والأحوال، وإذا لم يكن هناك محل منحصر كالصحراء، فيكون الافتراق بأن يعطي أحدهما ظهره للآخر، فلو أعطاك ظهره فقد تمت الصفقة الأولى في جميع المسائل، ولو تعاقد مباشرة مع آخر فقد أوجب البيع الأول وحل له أن يدخل في البيع الثاني.
إذاً: افتراق المتصارفين في الموضع الواحد يكون بأن يغادره أحدهما، أو هما معاً، وفي المصارف الآن إذا فتح باب المصرف وخرج، لكن لو كانت المصارف لها مواضع معينة وكل صراف له غرفة مختصة به، فيكون الافتراق بالخروج من غرفة الصراف، حتى ولو كان داخل المحل فإنه قد فارق، وحل له أن يأخذ من الصراف ويخرج إلى صراف آخر، ويعقد معه عقداً ثانياً ولا بأس بذلك.
إذاً: الافتراق يختلف باختلاف الأمكنة والأحوال، فقوله: (متى افترق المتصارفان) سواءً كان ذلك في النقد الواحد، أو في نقدين مختلفين.
ومن الأخطاء التي تقع عند بعض الناس، مثلاً: إذا اشتريت الكتاب بعشرة ريال وأعطيته قيمته مائة ريال صار عندك عقدان، والشريعة أعطت كل شيء حقه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38]، فكل صغيرة وكبيرة لها حكمها في الشرع، فإذا أعطيته المائة ريال ليأخذ منها العشرة، فمعناه: أنك اشتريت بعشرة كتاباً، وأنه سيصرف لك التسعين بتسعين، فهناك عقد بيع كتاب بعشرة، وهناك عقد صرف تسعين بتسعين، فمسألة الكتاب ليس فيها إشكال، لكن الإشكال في التسعين، فينطبق عليها ما ينطبق على قواعد الصرف، فيجب حينئذٍ أن يعطيك تسعين بتسعين دون زيادة أو نقص.
وأيضاً: ينبغي أن يكون التقابض قبل أن تفارقه، فلو خرجت من الدكان أو خرج هو من الدكان فقد وقع ربا النسيئة، فقوله: (ومتى افترق المتصارفان) أي: إذا افترقتما وبينكما شيء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لك أن تفارقه وبينكما شيء)، أي: في الصرف، فإذا أعطيته مائة فأخذها، وقال لك: والله ليس عندي الآن تسعون ولكن تعال غداً أو آخر النهار أو بعد ساعة وأعطيك التسعين.
فستخرج من الدكان وتفارقه وبينكما شيء، وهذا الشيء في الصرف؛ لأنك لم تبع له إنما هو صرف، بادل الثمن بثمن، ويريد أن يعطيك تسعين في مقابل تسعين، أما مسألة بيع الكتاب فذاك بيع قد انتهى، فقل له إذاً: لابد أن تعطيني الآن، فإذا قال: ما عندي، فحينئذٍ أنت بالخيار، فلك أن تسحب المائة وتعطيه رهناً كساعة، وتقول له: ضع الساعة عندك رهناً للعشرة حتى أحضرها لك، أو هذا القلم، وهو جائز في الشريعة، فتعطيه الرهن ثم تذهب وتصرف المائة وتعطيه العشرة قيمة الكتاب.
لكن لو قال لك: سأذهب إلى جاري وأصرفها منه، فالأصل يقتضي أنه لا يجوز أن يفارقك وبينكما شيء، فتقول له: اذهب واصرفها من جارك، فتأخذ المائة وتعطيه إياها، وتقول له: خذها واصرفها، فحينئذٍ صار وكيلاً بالصرف، وليس بمالك للمائة إلى الآن، ولا يملك حتى العشرة التي فيها إلى الآن.
ونريد أن نمثل بأشياء موجودة حتى يكون الإنسان على علم بالقواعد، مثل ذلك: لو ملأ لك البنزين بعشرة، ثم أعطيته المائة فقال: لا يوجد عندي الآن، فتقول له: اذهب واصرفها، فإذا قلت له: اذهب واصرفها، فقد وكلته.
والفرق بين كونه هو بنفسه يخرج وبين كونك توكله: أنك إن وكلته صار أميناً، فلو تلفت بدون تفريط تلفت على ضمانك ولا تطالبه، وفي هذه الحالة يكون وكيلاً عنك وحكمه حكم الوكيل، فإذا جاء بالمائة وأعطاك ثم بعد ذلك تعطيه العشرة وتخرج، فليس هناك ضيق على الناس أو حرج أبداً، بل أي شيء فقد بينته الشريعة، وقد تحرم الشيء لكن هناك بديل عنه أفضل منه وأزكى.
وبناءً على هذا فلابد من الصرف يداً بيد، فمتى افترق المتصارفان، سواء الاثنان أو أحدهما، وولى ظهره للآخر فقد تحقق الافتراق بينهما، وإن كان بينهما شيء فإنه يقع ربا النسيئة.
(165/3)
________________________________________
صور افتراق المتصارفين قبل القبض
وقوله: (ومتى افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبض).
مثال ما لم يقع القبض في الكل: إذا قال لك رجل: عندي مائة ألف ريال وأريد أن أبادلها بدولارات، فقلت له: إذاً أشتري منك هذه المائة ألف بعشرة آلاف دولار، فقال: إذاً أنا أعطيك غداً، فقلت: وأنا أعطيك غداً، فهو نسيئة بنسيئة، فافترق المتصارفان، ولم يحصل القبض من الكل، فلا هذا أعطى ولا هذا أعطى، فوقع فوات الشرط منهما معاً بالريالات، وكذلك صاحب الدولارات.
ومثال ما إذا وقع القبض من أحدهما دون الآخر: لو قال رجل: عندي مائة ألف ريال وأريد أن أبادلك بها بعشرة آلاف دولار، فخذ المائة ألف وائتني بالعشرة آلاف، ففارقه ولم يعطه، بل أعطى أحدهما وأجل الآخر، فصار عيناً بذمة، إذاً: يقع الربا، سواءً حصل التأخير منهما أو من أحدهما.
إذاً: التأخير إما أن يقع على الكل أو على البعض، أما التأخير للكل، فكما قلنا: أعطيك غداً وتعطيني غداً، فهذا تأخير للكل، وأما تأخير البعض: فكأن يقول له: عندي مائة ألف ريال، فاشترها مني بعشرة آلاف دولار، فيقول: سأعطيك الآن خمسة آلاف دولار، وأنت أعطني خمسين ألف ريال، وغداً أعطيك الخمسة آلاف الدولار الباقية، وتعطيني الخمسين ألفاً الباقية عندك، فصار هذا التأخير للبعض وليس للكل.
فإذا وقع التأخير للبعض دون الكل فللعلماء وجهان: فقيل: يبطل العقد فيهما؛ لأن الصفقة واحدة.
وقيل: يصح في المعجل ويبطل في المؤجل.
أي: يصح في الخمسة آلاف المعجلة، وحينئذٍ فكل منهما ملك ما أخذ، فإن جاءوا في اليوم الثاني ليأتوا بالباقي فنقول: أنشئا عقداً جديداً، فقد بطل العقد الأول ولا يجوز.
وفائدة هذا: إذا اختلف السعر، فإذا اشترى منه مثلاً عشرة آلاف دولار بمائة ألف ريال، فأعطاه الخمسة آلاف دولار بخمسين ألفاً وتقابضا، ثم قال: غداً سأعطيك الباقي، فارتفع سعر الدولار، أو ارتفع سعر الريال، فحينئذٍ نقول: العقد عقد جديد، وأنشئا عقداً جديداً، فلو باعه في اليوم الثاني بضعف بيعه في الأول، أو نزل السعر فباعه بأقل، فهذا عقد جديد.
هذا بالنسبة للمقبوض، وقد مثلنا بالريالات؛ لأنها أنشط وتعين الناس أكثر، أما في الطعام، فلو قال لك: عندي مائة صاع تمر من السكري، وأنت قلت: وأنا عندي مائة صاع من البرحي، فيجب أن يكون يداً بيد، فإذا قال: ليس عندي الآن إلا خمسة وسبعون صاعاً، وقلت أنت: وأنا ليس عندي إلا خمسة وسبعون صاعاً.
فأعطيته ثلاثة أرباع الصفقة، وأعطاك هو ثلاثة أرباع الصفقة، وبقي الجزء المتبقي، فيقال: يصح البيع بثلاثة أرباع الصفقة، ويلغى في الربع الذي وقع الربا فيه.
وهذا معنى قوله: (بطل العقد فيما لم يقبض) فإن لم يحصل التقابض بالكل بطل بالكل، وإن حصل التقابض في البعض صح في البعض، وبطل فيما لم يحصل التقابض فيه.
وبناءً على هذا: لو صرف لك المائة دولار بعشرة آلاف ريال، فأعطاك نصفها، ثم ارتفع السعر أو نزل، فقد تحمل كل منكما المسئولية بعد تصحيح العقد الأول، وصح في جزء ما حصل القبض فيه، وأما ما عداه فإنه يحكم ببطلانه.
(165/4)
________________________________________
حالات المبيع
قال رحمه الله: [والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد فلا تبدل].
المبيع لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون عيناً.
الحالة الثانية: أن يكون ذمة.
وبناءً على ذلك فالبيوع لا تخلو: 1 - إما أن تكون عيناً بعين.
2 - أو ذمة بذمة.
3 - أو عيناً بذمة.
وكل من هذه الثلاث لا يخلو كل واحد منها إما أن يكون: 1 - نسيئة من الطرفين.
2 - أو ناجزاً من الطرفين.
3 - أو نسيئة من أحدهما ناجزاً من الآخر.
فأصبحت البيوع تسعة، ولذلك يقول بعض العلماء: لن تجد بيعاً على وجه الأرض يخرج عن هذه البيوع التسعة ألبتة.
إما عيناً بعين، وإما ذمة بذمة، وإما عيناً بذمة.
والعين بالعين إما أن يكون: 1 - ناجزاً من الطرفين.
2 - نسيئة من الطرفين.
3 - ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
والذمة بالذمة إما أن يكون: 1 - ناجزاً من الطرفين.
2 - نسيئة منهما.
3 - ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
والعين بالذمة إما أن يكون: 1 - ناجزاً من الطرفين.
2 - نسيئة منهما.
3 - ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
فالعين بالعين: مثل أن يبيعك هذا الكتاب بهذا الكتاب، فإذا قال: أعطني الآن، وأعطيك الآن.
فأعطى كل منهما عيناً بعين، ناجزاً من الطرفين.
ولو قال: نتعاقد على أن أسلمك بعد شهر وتسلم لي بعد شهر، فهذا نسيئة من الطرفين.
ولو قال: خذ الكتاب الآن وأعطيك غداً، فصار عيناً بعين، ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
أما ذمة بذمة: فكأن يبيعك كتاباً من صحيح البخاري من طبعة كذا وعدد أجزائه كذا وكذا، بكتاب من صحيح مسلم عدد أجزائه كذا، من طبعة كذا، فأصبح ذمة؛ لأنه موصوف، فالتزم في ذمته أن يعطيك هذا الموصوف المقدر بهذه الأوصاف المعينة، فصار ذمة بذمة.
وقد يكون ناجزاً من الطرفين، كأن يقول: الآن أنزله لك وأعطيك، وتقول أنت أيضاً: وأنا أنزله لك الآن وأعطيك، وأنتما في مجلس واحد، فصار ناجزاً من الطرفين، وهو ذمة بذمة.
أما إذا قال: أعطيك غداً وتعطيني غداً، أو أعطيك بعد شهر وتعطيني بعد شهر، فهذا نسيئة من الطرفين.
وإذا قال: سأعطيك الآن، فقلت: لا أستطيع أن أعطيك الآن، وإنما سأعطيك بعد غدٍ أو بعد شهر، فصار هذا ناجزاً من أحدهما ونسيئة من الآخر.
أما عين بذمة: فكأن تأخذ واحد من الأول في مقابل واحد من الثاني، فتقول: أبيعك هذا الكتاب بنسخة من صحيح البخاري، فهذا الكتاب عين، والنسخة من صحيح البخاري موصوف في الذمة، أي: التزم في ذمته بهذه النسخة.
وما فائدة قولهم: عين وذمة؟ فائدتها العدل وإعطاء كل ذي حق حقه، حتى نعلم أن الشريعة أعطت البيوع دقة لن تجدها في أي قانون على وجه الأرض من هذه الدقة المتناهية، حتى في المبيع، حينما تقول: بعتك هذا الكتاب، معناه: أن الإيجاب والقبول منصب على معين يفوت بفواته.
فلو أن هذا الكتاب ظهر به عيب، أو وجد فيه صفحات مطموسة وجئت للبائع، وقلت له: رد لي هذا الكتاب؛ لأن هذا الكتاب فيه عيب، فقال لك: أعطيك بدلاً عنه، ولن أرجع لك الفلوس.
فقلت: لا.
أنا أرغب في هذا الكتاب بعينه، واشتريت منك هذا الكتاب بعينه فرد لي الثمن؛ لأن البيع يفوت بفواته.
من تجده يفصل هذا التفصيل {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} [المائدة:50] لكن لمن؟ {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]، فالله تعالى أعطى كل ذي حق حقه في معاملات الناس في أمورهم الشخصية في أمورهم المالية في جميع الشئون والأحكام.
ومنها ما ذكرنا في المبيعات، فقد دخل الفقهاء حتى في كيفية البيع، فقالوا: إذا انصب على معين فات بفواته، فلو باعك كتاباً واشتريته منه بعينه، ثم ظهر الكتاب مغصوباً، فإنه قد وقع على عين ليست ملكاً للبائع، فبطل البيع، ووجب رد العين إلى صاحبها، ولا يبدل هذا البيع ببيع آخر.
لكن لو جئت إلى صاحب المكتبة وقلت له: أعطني نسخة من صحيح البخاري.
فقال: بعشرة، فقد التزم في ذمته أن يعطيك نسخة من صحيح البخاري بعشرة، فإن وجدت النسخة الأولى التي أعطاك إياها معيبة، كان من حقه أن يقول: أنا التزمت لك، فإذا فاتتك الأولى أعطيك بدلاً عنها.
ومن هنا نجد بعض الناس إذا وجد عيباً في السلعة يغضب، خاصة إذا وجد فيها شيئاً من التلاعب والغش، فإنه يقول: لا أريد أن أتعامل مع هذا الرجل، ولا أريد أن أعطيه ربح مالي، فإذا أصر المشتري على موقفه، وقال: أعطني مالي.
وقال البائع: بل تأخذ بدلاً عنه؛ فلابد أن يرجع إليه ماله.
ولو لم نضع هذه القواعد لما استطعنا أن نعدل بين اثنين، فالشريعة قد تجد فيها نوعاً من التشدد، لكنها في الحقيقة فيصل بين الناس.
فهذا من تفصيل الأحكام أن كل إنسان يأخذ حقه، فإذا جاء القاضي وهو يريد أن يفصل في الخصومة، وقد وضعت الشريعة ضوابط المبيعات والعقود، لا يوجد أي عائق يعوقها عن إيصال الحق لكل ذي حق، فيوصل لكل ذي حق حقه.
فهنا إذا وقع البيع على معين فات بفواته، فإذا صرف الدراهم والدنانير وقلنا: إن الدراهم والدنانير تتعين بالعقد، فحينئذٍ إذا ظهرت معيبة أو مغشوشة مزيفة فات العقد بفواتها.
(165/5)
________________________________________
حكم بيع المغصوب والمغشوش
قال رحمه الله: [وإن وجدها مغصوبة بطل] ولا يستطيع أن يأتي ببديل عنها، لأنها تعينت ففات البيع بفواتها؛ لأنها ملك هذا المعين.
وقوله: [ومعيبة من جنسها أمسك أو رد].
كأن يستبدل دنانير أو دراهم ويكون فيها عيب في نفس ذات الدينار والدرهم، فإذا وجد فيها عيباً فإن العيب ينقص المالية، وينقص قيمتها، كأن وجد فيها غشاً، ففي القديم كان الذهب فيه الخالص وفيه المغشوش، فكانوا ربما زيفوا الدنانير والدراهم، فأدخلوا فيها غشاً وشوباً، وهذا يؤثر في قيمتها؛ لأن المالية والثمنية الموجودة فيها من الذهب ناقصة فتنقص بنقصانها، فهذا عيب ينقص قيمتها، فلو كان هناك نوع من الدنانير المغشوش الناقص، فباعه كاملاً على أنه من النوع الجيد، فظهر أنها معيبة، فالمشتري يخيّر بين الأمرين: الأمر الأول: أن يمسكها ولا أرش.
الأمر الثاني: أن يردها ويبطل العقد ويفسخه.
(165/6)
________________________________________
حكم التعامل بالربا بين المسلمين والكفار
قال رحمه الله: [ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين مطلقاً بدار إسلام أو حرب].
التعامل بالمحرم يختص بالمسلم مع المسلم؟ أم أن التحريم يشمل المسلم وغير المسلم؟ فبعض العلماء يقول: إذا بعت الحرام من كافر، وكان مال الكافر ملكاً لنا، فإنه يصح ويكون ذلك جائزاً لنا؛ لأن أموالهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، فجعل حرمة المال مقيدة بالإسلام، فإذا كان غير مسلم فإنه يمكن أن يأخذ الريال بالريالين؛ لأن أصل ماله ليس له حرمة، فهذا وجه إدخال مسألة غير المسلم.
وغير المسلم إن كان ذمياً فإن الذمة تجعل ماله ودمه حراماً؛ لأن عقد الذمة يعطيهم حق الحفظ، والشريعة تحترم هذه المواثيق التي بين المسلمين والكفار، وأن الكافر إذا دخل بلاد المسلمين بأمان فله أمان الله ورسوله.
ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ذمة المسلمين واحدة)، حتى قال بعض العلماء: لو أن امرأة أجارت رجلاً فهو في ذمة المسلمين كلهم، كما في الصحيح أن أم هانئ لما دخل ابن عمها عليها في يوم الفتح واستجار بها، وأراد علي أن يقتله، فمضت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكت إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ)، فجعل حرمة الدم بالأمان.
فإذا دخل الكافر بلاد المسلمين كان له أمان في دمه وعرضه وماله، وهذا بأصل عقد الذمة التي بينه وبين المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم)، فلو أن أصغر المسلمين أمَّن كافراً؛ بل حتى لو أمَّن أهل قرية بكاملها فإنها أمان من المسلمين كلهم، لا تخفر هذه الذمة ولا تنقض، ولا يجوز أن يعتدى عليها؛ لأنهم ما داموا قد دخلوا في أمان المسلم فينبغي حفظ هذا الأمان؛ لأن المسلمين لا يغشون ولا يخونون ولا ينكثون، حتى إن الإسلام إذا أراد أن يحارب من بينه وبينه عهد ينبذ إليه {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال:58]، فالإسلام لا توجد فيه الخديعة؛ بل أمره واضح أشد من وضوح الشمس.
فمن هنا إذا كان الكافر له ذمة في ماله فإنه يحرم التعامل مع الذمي بالربا؛ لأن الذمي له حرمة في ماله، وقد يحتال في غير الذمي ممن ليس له أمان كالحربي؛ فالحربي ماله حلال، فقال بعض العلماء: الحربي ماله حلال، ويجوز أن تأخذ ماله بالعقد وبغير العقد، فهنا لو تعاقد مع حربي وأعطاه مائة على أن يردها مائة وخمسين، حلت له الخمسون على أن ماله لا حرمة له.
لكن الإشكال أن العقد حرمه الله على المسلمين، فلو قلنا بجواز هذا لأجزنا بيع الخمر لأهل الذمة، ومذهب جماهير العلماء على حرمة هذا العقد، أي: تحريم أخذ الربا من المسلم والكافر على حد سواء، وهذا مبني على عموم الأدلة؛ لأن الله عز وجل أنزل من فوق سبع سماوات على رسوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]، فكل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر ويتلو كتابه، ويُلزم بهذا الكتاب، فإنه يلزم بتحريم الربا مطلقاً، ما فرق الله بين مسلم وبين كافر، وما فرق الله بين ذمي وغير ذمي، فالحكم عام.
ومن الفوائد التي قد تستفاد من هذا: أنه إذا حرم الربا مع الذمي كان أبلغ في إحياء سنة الإسلام وإبطال ما خالفه؛ لأن الذمي إذا أخذ منك الدين مائة ورده لك مائة؛ أحب الإسلام، ونظر إلى الفرق بين معاملة المسلم ومعاملة غير المسلم.
ومن هنا لو وضع ماله في مصرف كافر وأعطاه عليه فائدة فلا يأخذها؛ لأن الله أوجب عليه أن يأخذ رأس ماله فقط: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [البقرة:279]، ولو قيل بأخذ هذه الزيادة حتى لا يستفيد منها الكافر، لنظر الكفار إلى المسلمين على أنهم يتعاملون بالربا كما يتعاملون هم، ولم يحسوا بسماحة الإسلام وبمزيته، فنحن نصلح جهة ونخرب جهات، ونجد أن من يقول بأخذها يحتار ويقول: لا تصرف في بناء المساجد ولا في الأطعمة ونحوها، وإنما تصرف في أشياء بعيدة عن أجساد الناس، فمعناه أنه يحس أن هذا المال فيه شبهة.
إذاً: لماذا لا نتمسك بالنص: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] ونترك هذا المال، ولو تركناه فعلاً فإن الكافر يشعر أن المسلم له مزية على غيره، ووالله لقد فعلها بعض أهل العلم من مشايخنا، قال: فوجدت لها أثراً بليغاً في نفسي؛ لأنه كان في سفر، واحتاج أن يجلس فترة في بلد كافر؛ فأعطوه فوائد زائدة عن المبلغ الذي معه، وكان مضطراً إلى حفظه عندهم، فلما قال: لا آخذ إلا رأس مالي، فحاولوا معه فما استطاعوا، ثم ذهبوا إلى مدير المصرف، فقال له: لماذا لا تأخذ الربح؟ قال: إن ديني لا يسمح لي أن آخذ إلا مالي، فظل مدهوشاً، ثم قال: ما هي ديانتك؟ فقلت: الإسلام.
قال: الإسلام يفعل هذا! وتعجب! قال: ثم صرت أشرح له الإسلام، وأقول: إن العدل إذا أعطيتك عشرة آلاف ريال أن آخذ عشرة آلاف ريال فقط، فأصبحت أقنعه، فتعجب كيف أنه يأخذ من الناس العشرة بزيادة؟ وكيف يأخذ من الناس الزيادة؟ فأصبح هذا درساً له، وكما أن الدروس تكون قولية تكون أيضاً عملية، والدروس العملية قد تكون أبلغ؛ لأنك تترك له الفائدة فيحس بعزتك واحتفاظك بدينك، وأن الدنيا تحت قدميك إن عارضت دينك.
فهناك عبر يمكن أن تستفاد، لكن عندما يلتزم بالأصل الذي قال الله: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] مع أن هذه الآية نزلت في بقايا ربا الجاهلية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:278 - 279]، فدل على أنه يسحب رأس المال، {لا تَظْلِمُونَ} [البقرة:279] لو سحب الرصيد ناقصاً {وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279]، فكما أنك لا ترضى أن ينقص رصيدك، فينبغي لك أن لا تطالب بالزيادة.
إذاً: لم يفرق الله بين مسلم وبين كافر في هذه المسألة، ولو قلنا بهذه العلة في أخذ مال الكافر لدخلنا حتى للمسلم غير الملتزم وقلنا أيضاً: هذا غير الملتزم ربما يستعين بالفائدة، ثم نخوض في الرأي إلى ما لا نهاية، فالنص إذاًَ أحمد وأسلم وأدق، وإذا وجد الشخص في الرأي علة وفائدة، فإنه سيجد في النص والتزام الأثر والمنقول حكماً أعظم من علله التي يستنبطها، وصدق الله {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50].
فالخلاصة: أن الربا لا يجوز بين المسلم والمسلم، وبين المسلم وغير المسلم أياً كان ذلك؛ للأمور والأدلة التي دلت في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومما يدل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص للصحابة أن يتعاملوا مع اليهود الذين كانوا في المدينة بالفضل والزيادة، وكان ذلك أربح لهم وأكثر تجارة لهم، ولكنه لم يبح لهم ذلك، ونزل النص عام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجب العمل بعمومه وعلى ظاهر ما ورد.
(165/7)
________________________________________
الأسئلة
(165/8)
________________________________________
بذل المجهود في دراسة الفقه

السؤال
يجد بعض طلاب العلم في أبواب المعاملات عامة وفي مسائل البيوع كصفة خاصة بعض الصعوبة وعدم الفهم لهذه المسائل والأبواب، فما هو الطريق الصحيح الذي يسلكه طالب العلم لكي يستطيع أن يفهم ويدرك ذلك؟ وجزاكم الله خيراً.


الجواب
أولاً: ينبغي أن يعلم أن الله تعالى فضل العلم وشرفه وأعلى مقامه ومقام أهله، وأثنى عليهم في كتابه، وإذا كان العلم صعباً ويحتاج إلى عناء فاعلم أن الرحمة فيه أكثر، وأن الأجر فيه أعظم، وأن البلاء فيه يعلي درجة العبد أكثر من غيره.
فإتقان المسائل المستعصية والصعبة يعلي الله عز وجل به قدر صاحبه، وهذه هي سنة الله، فإن الله تعالى إذا علم الإنسان وفتح عليه وتعب في تحصيل العلم، سيأتي اليوم الذي يجد فيه ثمرة ما تعلم، فيجد بلاءه في هذه المسائل المستعصية الدقيقة أعظم من المسائل السهلة، ويجد من نفع الناس وعظيم الخير الذي يترتب على هذه المسائل التي ضبطها ما لم يجده في واضح المسائل.
نعم، إن مسائل المعاملات صعبة، وأصعب من ذلك أن يتركها طلاب العلم، حتى تصبح منسية ولا تدرى أحكامها، فيقع الناس في الحرام وهم لا يعلمون، فهذا من الجهاد في طاعة الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69].
فمن جهاد طالب العلم صبره على المسائل الصعبة، ومن سنن الله تعالى أن يبتلي طالب العلم في بعض الأحيان بالسآمة والملل مما يجد من صعوبة المسائل، لكن إذا فتح الله عليه بطمأنينة الصدر، وأحس بفضل هذا العلم وحاجة الناس إليه، وقال: أصبر وأحتسب والله يعين، فتح الله له من أبواب رحمته ما لم يخطر له على بال.
وإني والله أقولها وأشهد أن من تعب في هذا العلم فإنه سيجد من أثره وبركته ما لم يخطر له على بال، ولكل زمان رجال، وقد تأتي في بلدة أو قرية أو منطقة بل وفي مدينة لا يتقن هذا الباب غيرك، فتصبح الوحيد الذي تقام به حجة الله على عباده في ذلك المكان.
وكفى بذلك شرفاً وفضلاً، أن يأتي طالب العلم فيقرأ باب الفرائض، ومسائل المواريث، ويأتي إلى القرية فيصبح هو الوحيد الذي يرجع إليه، فينال من دعوات الناس، وصالح ذكره، وجميل ذكرهم، ما يكون له به عاجل الخير في الدنيا، وما ينتظره عند الله أعظم وأجل.
لا تسأم من العلم ولا تمله، بل أحب كل كلمة وجملة فيه، تحبها لله وفي الله، وابتغاء مرضات الله، وتحس أنك قد غفلت وفاتك، فإن التاجر الآن إذا جاء موسم التجارة عمل وكدح وتعب، ثم جاءه تاجر مثله وقد ربح أكثر من ربحه، وقال له: أين أنت عن التجارة الفلانية؟ تقطع قلبه حسرة على متاع الدنيا الزائلة الفانية، ولربما مرض لما يجد من الغبن والحرقة في نفسه أنها فاتته هذه الصفقة، فلا إله إلا الله ما أعظم صفقة الآخرة! وما أعظم ثوابها عند الله سبحانه وتعالى! ولذلك وصف الله يوم الآخرة بيوم التغابن، حتى أصحاب الخير يغبنون بما فاتهم من الخير، فمن كان ملتزماً مسجده وعبادته غُبن أنه لم يكن من أهل العلم، الذين تعدى خيرهم إلى الغير، وانتفعت بهم الأمة، مما يرى من مثاقيل الحسنات وعظيم الدرجات التي أعدها الله لصالح المؤمنين والمؤمنات الذين تعبوا في تحصيل هذا العلم.
فأقول هذا الكلمة شحذاً للهمم، فالإنسان يشحذ همته للخير، واعلموا أنكم تعاملون الله، لا تتعلم هذا العلم لكي يقال: فلان عالم، أو فلان يضبط، أو فلان فقيه، ولكن لكي تعذر إلى الله أولاً بتعلمك وضبط هذا العلم، فتتقي ما حرم الله، وتفعل ما أحل الله لك، ثم تعلم غيرك، إن فعلت ذلك عظم أجرك.
قال بعض العلماء: عجبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الرجل الذي جر غصن الشوكة عن طريق المسلمين: (مر على غصن الشوك، فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم، فزحزحه عن الطريق، فزحزحه الله به عن نار جهنم)، وفي رواية: (فغفر الله له ذنوبه).
قال بعض العلماء: إذا نظرنا إلى الجهد في سحب غصن الشوك وجدناه جهداً يسيراً، قالوا: لكنه لما انطوى على نية الخير للمسلمين، فقال: أزحزح هذا الغصن عن طريق الناس لا يؤذيهم بالشوك، فكيف بمن تعلم مسائل الربا لكي يزحزح الناس عن نار جهنم؟ فهذا أجر من يزحزح غصن شوك من طريق المسلمين، فكيف بمن يتعلم هذه المسائل لكي ينقذ الأمة الحائرة الجاهلة ويعلمها ويوجهها؟ أرجو من الله أن يكون له الخير، بل حتى لو نوى بقلبه ولم يتم هذه المسائل، فإن المعامل كريم، الله الله أن يحتسب طالب العلم ويصبر، كم سهرنا من الليالي مع الأصحاب والأحباب! وكم لقينا من المشقات ونحن ننتظر تجارة من الدنيا، وننتظر أمراً من مباحات الدنيا، أو نبني منزلاً! كم سهرنا من الليالي في بناء المنازل! وكم وكم! ولا نسهر ولا نتعب على قال الله وقال رسوله، هذا العلم الذي قل من يطلبه ويبحث عنه.
فلا تمل ولا وتسأم ولا تضجر، وإن وجدتها صعبة فقل: أصعب منها أن أولي ظهري لهذا العلم، وأصعب منها أن أتقاعس؛ لا بل تتعب، فإن كنت ضعيفاً في الحفظ فإن الله يفتح لك من أبواب رحمته، وكرر فربما كان طالب العلم ضعيف الحفظ، لأن الله يريد منه أن يكرر المرة تلو المرة، تلو المرة فيسطر في صحيفة عمله من الحسنات ما لم يخطر له على بال.
قد يحفظ الحافظ في مرة واحدة، لكن أنت تجلس عشرين مرة أو ثلاثين مرة لكي تكتب لك ألوف الحسنات ومثاقيل الحسنات، ورب ضارة نافعة، لكن متى؟ إذا تعبت وجديت وكدحت، فإياك أن تجعل بينك وبين الخير حاجزاً، وصاحب الهمة الصادقة لا يبالي بالتعب؛ لأن هذا في مرضات الله تعالى ورضوانه.
(165/9)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب بيع الأصول والثمار [1]
من رحمة الله تعالى بخلقه، ومن تيسيره لأسباب العيش في الحياة بالدنيا أن جعل حاجات بعضهم عند بعضهم الآخر، لتدور المنافع بينهم، وليستمر كل أحد لمنافع الآخرين، وليتم تبادل هذه المنافع على صور مختلفة منها البيع والشراء، ومما تكثر الحاجة إليه في البيع والشراء: بيع الأصول والثمار، وعندها ينبغي على المسلم معرفة أحكام بيع الأصول والثمار من صحة وفساد، وما يتعلق بها من شروط واستثناءات إلى غير ذلك، من الأحكام المتعلقة بهذا الباب.
(166/1)
________________________________________
تعريف الأصول والثمار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيع الأصول والثمار]: الأصول: جمع أصل، والأصل ما انبنى عليه غيره، كأساس الدار يسمى أصلاً؛ لأن الدار تبنى عليه.
والثمار جمع ثمرة، وثمرة الشيء: نتاجه، وما يكون منه.
فقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيع الأصول والثمار]؛ لأن مما جرت به العادة أن البائع إذا باع شيئاً، أو اشترى شيئاً، فتارةً يقصد عين الشيء، وتارةً يكون مقصوده الشيء ونتاجه الموجود، ومن هنا قد يقع الخلاف بين البائع والمشتري، كرجل باع بستاناً وفيه ثمرة، فاشتراه المشتري بمائة ألف، ثم قال له البائع: بعتك البستان، ولم أبعك الثمرة، فالثمرة لي.
وقال المشتري: بل اشتريت الأصل والثمرة؛ فالثمرة لي.
فإنهما يختصمان فيرد

السؤال
هل الفرع يتبع الأصل، أو لا يتبعه؟ ومن هنا بينت الشريعة مسائل الفروع والثمار، ففي أحوال يحكم بكونها للبائع، وفي أحوال يحكم بكونها للمشتري، والأصل في هذا الباب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين، أنه قال: (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، ومن باع عبداً وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع) ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأصل والنتاج الظاهر الذي لا يُسْتَصحَب مع العين، ومن هنا لا بد من بحث مسألة الفروع، ومسألة ما يتبع الشيء، وما لا يتبعه.
ومن سعة الفقه الإسلامي أنه بيَّن مسائل التوابع في البيع، وفصل الفقهاء رحمهم الله تعالى هذه المسائل، وبيَّنوا ما يتبع المبيع، وما لا يتبعه، سواء كان المبيع من العقارات أم كان من المنقولات، فإنك قد تشتري داراً، فإذا تم البيع بينك وبين البائع فهناك أشياء من حق البائع أن يأخذها من الدار، وهناك أشياء ليس من حقه أن يأخذها، ومن هنا فصل العلماء ما الذي يتبع البيع، وما الذي لا يتبعه؟ فلربما لو ابتعت داراً، وجاء البائع وقال لك: أريد أن آخذ متاعي الذي في الدار، فإن من حقه أن يأخذ متاعاً معيناً وضع العلماء رحمهم الله تعالى له الضوابط، وكذلك لو باع منقولاً كالسيارة مثلاً، فتارة يكون من حقه أن يأخذ المتاع الموجود، كالفرش غير الملتصق بالسيارة، وهو الفرش الخاص به، وهكذا ما يكون من المتاع المتعلق به، كأن يضع أشرطة له يستمعها، فإن الأشرطة ليست تابعة للرقبة؛ لأنه باعك السيارة، ولم يبعك ما فيها من الأشرطة، وهكذا لو كان له في داخلها لباس، أو حوائج تختص به، فإنك لا تقول: قد اشتريت منك السيارة بما فيها؛ لأن البيع وقع على السيارة، فيتبع البيع ما قد انصب العقد عليه، وما لم ينصب العقد عليه فإنه لا يتبع والعكس، فلو أنه باعك السيارة، ثم أراد أن يأخذ عدتها اللازمة الموجودة فيها، كالآلات الموجودة لاستصلاح السيارة ونحوها، فإنه يقال له: ليس من حقك إلا الأدوات الخاصة التي تستصلح بها السيارة من أجهزة وعدد لا تكون موجودة في الأصل في السيارة، وإنما اشتراها لنفسه، فإن من حقه أن يأخذها.
أما الآلات التي توجد في طبيعة السيارة، كالآلة التي ترفعها عند استصلاح ما يكون فيها من عطل، فإنه ليس من حقه أن يأخذها؛ لأنها موجودة في المبيع أصلاً، وتابعة له من أجل الارتفاق.
لكن لو أنه اشترى آلات معينة، وأجهزة معينة، لاستصلاح السيارة عند العطل زائدةً عن المعروف والمألوف الذي يتبع عين السيارة، فإن من حقه أن يأخذها عند البيع.
إذاً هذه المسألة مسألة مهمة يُحتاج فيها لعلمك، فتعلم ما الذي لك وما الذي عليك بائعاً ومشترياً، وللناس أيضاً، فإنهم يختلفون ويختصمون ويحتكمون إلى العلماء، للفصل بينهم، فيدعي البائع أنه باع الرقبة ولم يبع ما فيها، والمشتري يدعي أنه اشترى الرقبة وما فيها، فتارة يكون البائع ظالماً، وتارة يكون المشتري ظالماً، ومن هنا وجب أن يعرف الحد الفاصل بين ملك البائع وملك المشتري، وهذا هو الذي يجعله العلماء في باب بيع الأصول والثمار.
(166/2)
________________________________________
علاقة باب بيع الأصول والثمار بباب الربا
لعل سائلاً يسأل: ما علاقة هذا الباب بباب الربا؟
و
الجواب
الربا فيه زيادة ظلم؛ لأنه إذا باع الدينار بالدينارين، فقد ظلم صاحب الدينارين، فأخذ زائداً عن حقه؛ لأن الذي من حقه الدينار، فإذا أخذ الزائد فهو الربا الذي حرم الله تعالى، فإذا باع الأصل والثمر وجب عليه أن يعرف ما الذي له، حتى لا يأخذ الزائد المحرم، فاتفق هذا الباب وتناسب أن يذكر بعد باب الربا؛ لأنه إذا بُيِّنَ ما الذي يتبع المبيع، وما الذي لا يتبعه، أمكن أن ينصف الناس بعضهم بعضاً بحكم الله عز وجل، وبما استخرجه العلماء من مقاصد الشريعة وأدلتها وقواعدها العامة، مما يدل على الحقوق في البيع والشراء، وهذا ما قصد المصنف بيانه في هذا الموضع.
كأنه يقول رحمه الله: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام المتعلقة ببيع الأصول والثمار.
(166/3)
________________________________________
بيع الدور والبنيان وما يتبعها
(166/4)
________________________________________
ما يتبع الدور والبنيان عند بيعها
قال رحمه الله تعالى: [إذا باع داراً شمل أرضها]: أي: إذا قال له: بعتك هذا البيت، أو هذه العمارة، أو هذه الغرفة، فإن البيع قد انصب على رقبة الدار، فذات الدار مملوكة بالبيع، ثم يشمل ذلك أصل الدار، وهي الأرض التي بنيت عليها، ويشمل سقفها وهواءها، أما ملكيتك لأرض الدار وما سفل منها فلظاهر قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين)، فجعل الظلم في أخذ الأعلى ظلماً في أخذ الأسفل، وجعل الأسفل تابعاً للأعلى، ومن هنا قال جماهير العلماء: من ملك داراً ملك أسفلها، وعليه قالوا: إنه لو كانت له دار، فأراد أحدٌ أن يستحدث من تحتها معبراً لم يكن من حقه حتى يستأذنه؛ لأنه ملكٌ له، ومن حقه أن يأذن له، ومن حقه أن يمتنع، لما يرى من رفقه أو ضرره.
فمن ملك داراً ملك أرضها، فالدار التي بيعت، والصيغة التي وقعت بين البائع والمشتري على هذا المكان المعين ملكه بالعقد فإن قال له: بعتك هذه الدار وعيّنها، وكان طول الدار عشرين متراً أو ذراعاً، وعرضها عشرة، فإن هذه الدار بهذا الطول المتفق عليه ملك للمشتري إذا أوجب البيع، وتمت الصفقة بينهم، وحينئذ يملك الدار، ويملك أسفلها، فإذا باع داراً، شمل أرضها وما سفل منها.
ومن هنا خَرَّجَ بعض العلماء مسألة: أنه لو كان معتكفاً في مسجد فنزل في أسفله لم يبطل اعتكافه؛ لأنه لم يخرج عن المسجد، وجعلوا حرمة الأسفل والأعلى بمنزلة.
ومن هنا -أيضاً- خرج بعض العلماء المسألة المعروفة: وهي عدم جواز بناء المسجد فوق المتاجر؛ لأن الأرض إذا كانت موقوفة ومسبلة للمسجد، كانت غير مملوكة، وغير مستصلحة للمعاوضات بالبيع والشراء، وليست محلاًّ للبيع والشراء؛ لأن حرمة الأعلى والأسفل واحدة.
ومن هنا أيضاً: إذا قلنا ملك الأسفل والأعلى، صح أن يملك أعلاها، فإذا صعد إلى أعلى المسجد لم يكن اعتكافه باطلاً، ولو حلف أنه لا يخرج من المسجد، فصعد إلى سطحه فإنه غير خارج؛ لأنه ما زال في حدود المسجد.
وعليه كأنه لما قال له: بعتك هذه الدار، فإن هذا هو حد الدار، وحد البناء الذي وقع عليه العقد.
وقول العلماء: من ملك داراً ملك أرضها، من باب بيان الاستحقاق، فحقك بهذا العقد الدار وأرضها وأساسها وأسفلها ملك لك.
قال رحمه الله تعالى: [شمل أرضها وبناءها] قوله: [وبناءها]، أي: البناء الذي عليها، فلو كانت الأرض فيها غرفٌ، فإنك تملك هذه الغرف، ولو كانت عليها عمارة ملكتها، أو كان عليها أي بناء، كرجل باع قطعة في مخطط عليها سور، فإن هذا السور ملك لك إذا اشتريته، فلو أنه باعك هذه الأرض في المخطط بضابطها وعينها، وأخذتها وضبطتها، وعلمت أن هذه الأرض الفلانية ذات الرقم الفلاني ملك لك فأعطيته مئة ألف وهي قيمة الأرض واتفقتما، وإذا بالأرض عليها سور، فجاء لكي يخلع السور الموجودة فيها، فإنك تقول له: ليس من حقك؛ لأنني أملك الأرض وبناءها، فليس من حقك أن تخلع هذا السور، أو تهدم هذا السور؛ لأنه صار إلى ملكي، ولا يستطيع أحد أن يحدث شيئاً في هذه السور، أو ينتفع بهذا السور إلا بأذني، ولذلك قال المصنف: [شمل أرضها وبناءها].
وهكذا بناء الدار، أي: البناء الموجود في الدار؛ فإنه يشمله البيع.
وهنا مسألة عصرية -ونحن نحب دائماً أن نربط الموضوع بالوقائع الموجودة الآن- وهي أنه في بعض الأحيان يبيع الشخص داراً وهو لا يملك الأرض، وذلك في البيوت الجاهزة، والبيوت المتنقلة، فإذا قال له: عندي غرفة متنقلة، فإن هذا لا يستلزم أنه يبيعه الغرفة بما هي عليه من الأرض، فلو اتفقا على غرفة متنقلة -مثلاً- بطول معين وعرض معين من نوع معين، فاشتراها، ثم قال له: خذ غرفتك قال: لا، من ملك أرضاً ملك بناءها وأرضها، وهذه الأرض في حكم الدار، فأملك الأرض التي تحتها، نقول: لا، ليس لك هذا؛ لأنه باعك إياها على وصف التنقل، فأنت تملكها متنقلة، ولا تملكها ثابتة على الأرض.
قال رحمه الله تعالى: [وسقفها]: سقف الدار كذلك، فإن السقف يملك، وعلى هذا قالوا: إنه إذا طاف في السطح الأعلى من المسجد، كان كمن طاف في أسفله؛ لأن الله تعالى يقول: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج:26]، وجماهير العلماء على أن الطواف لا يصح خارج البيت، فإذا طاف في داخل البيت صح طوافه.
ولو صعد إلى الدور الثاني، أو صعد إلى الدور الثالث، قالوا: يصح طوافه؛ لأنه طاف في داخل البيت، ولم يخرج عن حرم البيت، ولو كان معتكفا وصعد من داخل المسجد إلى أعلى المسجد في الدور الأول والثاني فإنه لا يبطل اعتكافه؛ لأنه ما زال في حرم المسجد.
فمعنى قوله: [وسقفها] أن السقف تابع للأسفل، وفرِّع على هذا مسألة السعي بين الصفا والمروة في الدور الثاني، فإنه مفرَّع على مسألة من ملك أرضاً ملك سماءها وبناءها.
قال رحمه الله تعالى: [والباب الملصوق]: بعد أن بيّن لنا رحمه الله تعالى أنه يملك الأرض، ويملك البناء، يأتي السؤال الآن عن الأشياء الموجودة في جدران الأرض، كرجل باعك غرفة، وهذه الغرفة بطول معين، وعرض معين، وسمك معين، فاتفقتما، وتم البيع، ثم لما تم البيع ودفعت المال، جاء يريد أن يأخذ الباب والنافذة، ويقول: أنا بعتك الغرفة للجرم والذات، وما بعتك نوافذها، وأبوابها، ويقول: ما بعت لك إلا عين الرقبة، فهل من حقه أن يقول ذلك؟ نقول: لا، بل فيه تفصيل: فما كان من الأبواب مُسَمَّراً، في نفس الغرفة، فإنه يملك وينصب البيع عليه، وما كان منها منفصلاً، ولم يسمر، فإنه ليس من الرقبة، ولا يعتبر تابعاً للرقبة، وعلى هذا ليس من حقه أن يخلع الباب المسمر، ولا النافذة المسمرة، وعليه تكون تابعة للأصل وتابعة للدار.
لكن لو كان الباب مخلوعاً، كما لو باعه الغرفة ونظر إليها وبابها مخلوع، فمعناه أنه اشترى حاضراً ناظراً بهذه الصفة، وحينئذ يتم البيع على أنها غرفة بدون باب.
ولو كان عنده غرفة لها باب، وفي هذه الغرفة ثلاثة أبواب وضعها البائع في الغرفة، أي: استخدم الغرفة كمخزن، فجاء المشتري وقال: أنا أملك الغرفة والأبواب الموجودة، نقول: لا، فالأبواب فيها تفصيل، فما كان منها مسمراً يملك ويتبع العقد، وما كان منها غير مسمر فإنه لا يتبع العقد.
قال رحمه الله تعالى: [والسلم والرف المسمرين]: السلم هو الذي يصعد عليه، وأما الرف فهو مثل الذي يوضع في دورات المياه، على المغاسل لتوضع عليه أشياء، ففي القديم كانوا يجعلونها في الغرف لأجل أن توضع عليها الأشياء، أو تكون في الصالات فإن المسمر منها في الغرفة لا يخرج، وليس من حقه أن يأخذه، لكن لو كان الرف مخلوعاً وموضوعاً في مخزن البيت، أو موضوعا في غرفة من غرف البيت كمخزن، فمن حقه عند البيع أن يأخذه؛ لأنه غير مسمر، وقد اشترى العين بصفاتها الموجودة، وحينئذ يجب عليه أن يترك المسمر، وأن يأخذ غير المسمر.
والسلم ينقسم إلى قسمين -خاصة في القديم-: قسم من السلالم ثابت، كأن يبيعه داراً لها دوران، الدور الأرضي، والأول الذي فوق الأرضي، فالذي فوق الأرضي يحتاج إلى الصعود إليه بسلم، وهذا السلم ثابت موجود في نفس الدار، وهو -طبعاً- مسمر، ومحفور ومرتكز، فإنه إذا باعه يتبع المبيع، فلو جاء لكي يخلعه، نقول له: ليس من حقك خلعه، هذا مسمر وتابع للرقبة، وتابع للمبيع، وهناك قسم من السلام ليس بمسمر، مثل السلم الذي تضعه في المكتبة من أجل أن ترقاه من أجل أن تجد كتاباً في الأعلى، أو سلم تستصلح به -مثلاً- مصابيح الكهرباء ونحو ذلك، أو تتناول به الأشياء العالية، وهذا النوع من السلالم غير مسمر، فهذا من حقه إذا باعك الدار أن يستخرجه ويأخذه معه، فهو غير مسمر، ولا يتبع الرقبة، ولا يكون البيع منصباً عليه مع ذاته.
وبناء على ذلك يفصل في السلالم، فما كان منها مسمراً فإنه يتبع العين والرقبة، ولا يجوز فكه، ولا يجوز أن يأخذه البائع معه، وإنما يبقى مع المبيع ويتبعه، وما كان منها منفكاً ومتنقلاً غير مسمر، فمن حقه أن يأخذه معه.
هذا بالنسبة للسلالم، فما الحكم في المصاعد؟ كما لو باعه عمارة فيها مصعد كهربائي، واشتراها منه بنصف مليون مثلاً، ثم فوجئ بالبائع يريد أن يأخذ المصعد معه، فقال له: بعتني العمارة والمصعد تابع للعمارة، قال: لا، أنا بعتك العمارة، وما بعتك المصعد، فننظر: إن كان المصعد مسمرا، بمعنى أنه في نفس العمارة ويعمل فحينئذ يصبح تابعاً للعمارة، حتى ولو كان عاطلا، ً ما دام أنه مهيأ للعمل، ومثبت في العمارة، فإنه تابع للرقبة، فيكون الخطأ من البائع، فإذا أراد أن يستثني فليقل: أبيعك العمارة إلا المصعد، إذا أراد أن لا يبيع المصعد، فإذا لم يستثنِ ودخل المشتري ورأى المصعد، ورأى العمارة بمصعدها فكأنه يقول له: أبيعك العمارة بمصعدها، وعلى هذا تكون المصاعد في حكم السلالم المسمّرة، ونحوها.
لكن لو أنه باعه عمارةً وفي حوشها مصعد معطل، أو جاهز للعمل لكنه غير مركب، فهل يكون المصعد تابعاً للعمارة؟ نقول: لا؛ لأنه غير مسمر، وغير موجود في العمارة، والبيع وقع على العمارة، وهذا ليس متصلاً بها ولا في حكم المتصل بها.
قال رحمه الله تعالى: [والخابية المدفونة]: أي: وكذلك الخابية المدفونة تتبعها، ويشترط الدفن؛ لأنه كالتسمير في الأرفف.
(166/5)
________________________________________
ما لا يتبع الدور عند بيعها
قال رحمه الله تعالى: [دون ما هو مودع فيها من كنزٍ وحجر] قوله رحمه الله تعالى: [دون] استثناء، أي: لا يشمل البيع ما كان مودعاً في المبيع، أي: محفوظاً فيه، فإذا كانت لك عمارة فيها غرفة لك أشبه بالمخزن، فما وضع في هذه الغرفة مما هو من حوائجك الخاصة والأشياء التي لمصالحك تريد أن ترتفق بها، فإنها ملك لك، إذا كنت البائع، وليس من حقه أن يقول: اشتريت العمارة كلها بما فيها.
فما أودع في المبيع، فليس بتابع للمبيع، وإنما يكون البيع على ظاهره، والمودع يكون ملكاً لصاحبه الذي أودعه دون المودع فيها.
والودع: أصله الترك، ومنه قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} [الضحى:3] أي ما تركك، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات -يعني تركهم صلاة الجمعة- أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)، نسأل الله السلامة والعافية، فالودع الترك، وسميت الوديعة وديعة؛ لأن صاحبها يتركها عند من استودعه إياها.
و [مِنْ] في قوله: [دون ما هو مودع فيها من كنز وحجر] بيانية، كقوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [البينة:1]، فـ (من) هنا بيانية.
وقوله: [دون ما هو مودع فيها من كنز]، أي: من أمثلة ما يودع فيها الكنز، كمثل رجل أخذ دنانير ذهب -وفي القديم كان الناس يخافون على أموالهم، وليس هناك أماكن يحفظون فيها الأموال- فربما وضع الذهب في صرة أو نحوها وحفر لها في الدار، ثم دفنها، كأنه يكتنزها لنفسه للحاجة، فهذا كنزٌ أو في حكم الكنز.
كذلك في زماننا اختلفت الصورة، فلو أن رجلاً عنده خزنة، وفي هذه الخزنة -مثلاً- مائة ألف، أو فيها حلي، أو فيها ذهب، أو فيها جواهر، فهو يضع في هذه الخزنة أموالاً، فباع العمارة ثم جاء إلى الخزانة يريد أن يفتحها، فقال له المشتري: لا، هذه العمارة بعتني إياها بما فيها، فالكنز لي.
فليس من حقه، فالبائع يقول: بعتك العمارة ولم أبعك كنوزها؛ لأن هذا الكنز ملك لي، فهذا معنى قوله: [من كنز]، أي: ما كان مكتنزاً في العمارة، محفوظاً ومودعا فيها، فإنه ملك لبائعها، ليس من حق المشتري أن يطالبه به.
قال رحمه الله تعالى: [ومنفصل منها كحبلٍ ودلوٍ]: أي: كحبل الدلو، فقد كانوا في القديم يحفرون الآبار في البيوت حتى يستقون منها ويرتفقون بها، فالحبل يحتاجه من أجل أن يستقي الماء، وربما كان الحبل موجوداً في المخزن، فالحبل إذا كان موجوداً في الدار، للاستسقاء بالدلو، فهذا لا يعتبر تابعاً للبيع، وإنما باعه البئر، والبئر تابعة للرقبة، وهذا الحبل ليس بمسمر ولا بمتصل، وهكذا الدلو الذي يغرف به لا يعتبر تابعاً للمبيع.
قال رحمه الله تعالى: [وبكرة]: وهكذا البكرة التي يجري عليها الحبل.
قال رحمه الله تعالى: [وقفل]: القفل: واحد الأقفال، وكانوا في القديم يضعون الأقفال على الأبواب، يقفلون بها، فالباب له قفل يضعه البائع على داره، ثم لما باع الدار جاء وأخذ أقفالها، فهل من حقه ذلك؟ نقول: نعم؛ لأن القفل ليس متصلاً بالمبيع، فمن حقه أن يأخذ الأقفال، لكن في زماننا هذا تستخدم الأقفال المتصلة، فإذا كانت الأقفال متصلة فليس من حقه أن يأخذها، لكن الأقفال المنفصلة، ونحوها الضباب التي تعلق تعتبر ملكاً للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، وهكذا السلاسل التي توضع على الأبواب تسفل بها لتقفل، فإنها تعتبر تابعة للبيع، فالمشتري إذا اشترى يشتري القفل الذي يناسبه، وهو يملك المتصل دون المنفصل، وهذا هو ضابطها كما قال رحمه الله: [دون ما هو مودع فيها.
ومنفصل منها].
قال رحمه الله: [وفرش].
إذا باع عمارة أو غرفة فمن حقه أن يأخذ جميع الفرش الموجودة فيها، وحينئذ يقوم المشتري بفرشها من جديد، أو الاستغناء عن فرشها إذا كان يريدها لغير الجلوس، فالمهم أن الفراش يكون ملكاً للبائع، فإن الفراش ليس متصلاً بالرقبة، ولا يأخذ حكم المتصل، لكن في بعض الأحيان إذا كان الشيء المبيع مهيأً لكي ينتفع به المنتفع، كأن يبيعه شيئاً يقُصد به نفعٌ معين ولهذا المبيع تهيئة خاصة تتعلق به، مثل ما يوجد في المحلات الآن كما لو باعه -مثلاً- مطبخا، أو باعه على أنه مطبخ، فإن جميع ما يتعلق بهذا المطبخ من عُدَدِه وآلاته ووسائله إذا كان مهيأ مجهزاً بذلك يكون تابعاً للمبيع.
لكن إذا باعه العمارة السكنية، أو باعه الغرفة، فإن هذا كله لا يعتبر فيه الفراش تابعاً، ويعتبر منفصلا عن المبيع فمن حقه أن يخلع الفراش ويقوم المشتري بفرشها بما يشاء.
قال رحمه الله تعالى: [ومفتاح]: أي: والمفاتيح كذلك، وهذا في الأقفال، فإذا كان القفل ملكاً للبائع فمعنى ذلك أن المفتاح سيكون ملكاً للبائع، لكن الكوالين الموجودة الآن، تعطى بالمفاتيح للمشتري؛ لأنها متصلة بالمبيع، وهذا الذي ذكره المصنف رحمه الله كائنٌ في المبيعات القديمة، لكن نمثل بأشياء موجودة اليوم، فمثلاً: في زماننا لو باع سيارة،، وكانت رقبتها ليس فيها أشياء تخص المشتري فلا إشكال، فحينئذ يتبع السيارة ما هو فيها من آلاتها وعددها المعروفة بالعرف، لكن لو أنه -طالب أي البائع- بشيء موجود فيها بالعرف، كأن يكون باعه سيارة فأراد أن يستخرج مسجلها مثلاً، أو المكيف الموجود فيها، فهل من حقه ذلك؟

الجواب
ليس من حقه ذلك؛ لأنه متصلٌ بالمبيع ومسمرٌ في المبيع، ووقع البيع أثناء العقد على هذا الشيء بعينه، فإن أراد أن يستثني فعليه أن ينص على ذلك ويقول: دون مسجلها أو: أبيعك هذه السيارة وأشترط أن آخذ مسجلها، أو مكيفها، أو راديها، أو نحو ذلك من الأشياء الموجودة فيها مما هو متصل بها.
كذلك أيضاً لو باع داراً وقام على أجهزتها الكهربائية واستخرجها وخلعها، وقال: هذه الدار المسلمة هي التي بعتك إياها، أما بالنسبة لما فيها من الأدوات الكهربائية فأنا ما بعتك إياها، فهل من حقه أن يستخرج هذه الأجهزة الكهربائية أو لا؟ فيه تفصيل: فما كان منها متصلاً مثل المصابيح الكهربائية، فهذه تبقى، وليس من حقه أن يستخرجها، أما ما كان منفصلاً، كالثلاجات والغسالات، فهذه تعتبر منفصلة، وفي حكم المنفصل، فمن حقه أن يأخذها؛ لأن ليست تابعة للرقبة.
فلو باعه داراً فيها تلفون، فهل من حقه أن يأخذ التلفون معه؟ أو يترك له خط التلفون؟ نقول: إن التلفون ملكٌ لصاحبه؛ لأن التلفون في الأصل صفة كمال في المبيع، ولذلك الدور منها ما هو موجود فيها، ومنها ما هو غير موجود، لكن الكهرباء موجودة في المبيعات، وحينئذ نقول: هذا التلفون من حقه أن يستخرجه، لكن لو اشترط المشتري، وقال: أشتري الدار بما فيها من التلفونات، كان من حقه ذلك.
وبناء على ذلك، يُفرق بين ما يكون متصلاً، خاصة بالعرف، وبين ما يكون منفصلاً عن الدار، فيتبع المتصل ولا يتبع المنفصل، وكذلك أيضاً من الفراش، فما يوجد من فرش الدار الموجود في عصرنا، فيحكم بكونه ملكاً للبائع، كما قرر العلماء رحمهم الله تعالى أن فرش الدار يكون ملكاً للبائع، ولا يحكم بكونه تابعاً للرقبة.
(166/6)
________________________________________
بيع الأرض وما عليها
(166/7)
________________________________________
بيع الأرض مطلقاً يشمل الغرس والبناء
قال رحمه الله تعالى: [وإن باع أرضاً ولو لم يقل بحقوقها شمل غرسها وبناءها]: لو أن رجلاً قال لك: أبيعك مزرعةً طولها كذا، وعرضها كذا، في مكان كذا، فإنه حينئذ أوجب الصفق على هذا المبيع الموصوف في الذمة، أو المعين، كأن يقول: مزرعتي هذه، والمزرعة فيها زرع، فلما أوجب البيع وتمت الصفقة، قال لك: بعتك الأرض، فأنت تأخذ المزرعة، أي: الأرض الصالحة للزراعة، فمن حقي أن أخلع النخل، وأُخرج النخل، ومن حقي أن أخرج الزروع إلا أن تعوضني عنها، فيقال: من باع أرضاً شمل غرسها وزرعها، وليس من حق البائع أن يأخذ ذلك، إلا إذا اشترط على المشتري، فقال له: أبيعك هذه المزرعة على أن آخذ جميع ما فيها، فحينئذ لا إشكال، إما أن يخلع النخل أو يتراضى مع البائع على حسب ما يتفقا.
(166/8)
________________________________________
حكم الزرع الموجود في الأرض المبيعة
قال رحمه الله تعالى: [وإن كان فيها زرع كبُر وشعير، فلبائع مبقي]: الحبوب إذا زرعها البائع فإن هذه الحبوب لا تبقى ولا تستديم، ولا تعتبر تابعةً للمبيع، وتكون للبائع، لكن يستبقيها إلى الحصاد، فيكون من حقه إذا باع الأرض أن يبقيها، ويطالب المشتري ببقائها وسقيها حتى يحصدها، فإن هذا الزرع مبقيٌ للبائع إلى الحصاد، فإذا جاء الحصاد وجب عليه أن يحصد، وتكون مئونة الحصاد، وكلفة الحصاد على المشتري، ثم بعد ذلك تبقى الأرض والرقبة للبائع.
ثانياً: ما كان نتاجه مراراً: قال رحمه الله تعالى: [وإن كان يجز أو يلقط مراراً، فحقوله للمشتري، والجزة واللقطة الظاهرتان عند البيع للبائع]: الآن بيّن لنا أن الذي يبتاع الرقبة يملكها وما فيها مما هو متصلٌ بها، والزرع في الأصل متصلٌ بالأرض، وكان ينبغي أن يكون تابعاً للبيع، لكن العلماء رحمهم الله فصلوا في هذا؛ لأن السنة نبهت على ملكية البائع لزرعه إذا كان له ثمرة في ذلك الزرع، فتخرج في ملكه ولا تخرج في ملك المشتري.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (من باع نخلاً قد أبرت)، فالأصل النخل، وقوله صلى الله عليه وسلم: (قد أبرت)، أي: الثمرة، فإذا أبرت النخلة فمعناه أن الثمرة حدثت في ملكي أنا البائع، فليس من حق المشتري أن يطالبني بها، إلا إذا اشترط، فإذا أبرت النخلة فمعناه أن هذه الثمرة التي أبرت حدثت في ملكي وضماني، فأنا أستحقها ويتم البيع على الأصل دون الثمرة.
وبناءً على هذا تكون لي الثمرة في تلك السنة، لكن في السنة القادمة إذا أطلعَ النخلُ تكون الثمرة للمشتري؛ لأنها وقعت في ملك المشتري، أكد هذا النبي صلى الله عليه وسلم بالمفهوم، فلما قال بمنطوق النص،: (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع)، فهمنا أن من باع نخلاً لم تؤبر فثمرتها للمشتري.
وعلى هذا كأن الثمرة إن وقعت في ملك البائع فللبائع، وإن وقعت في ملك المشتري فللمشتري.
وبناء عليه يُفَصَّل في الثمار، فلو أنه باعه نخلاً قد أبرت، وقلنا: إنها تابعةٌ للبائع، فإن الموجود عندنا أصل وثمرة، فالذي دلت عليه السنة أن المشتري يملك الثمرة لذلك العام وحده، ففرع عليهما ما كان يُجز ويُلقط مراراً، فما يجز مراراً مثل الكرّاث، ومثل البرسيم، فالبرسيم إذا جززته نبت مرة ثانية، والكرّاث إذا جززته نبت مرة ثانية، أو يلقط كالعنب فإنه يؤخذ ويلقط، والرطب والبلح ونحو ذلك، هذا كله يلقط، وقد يلقط ويتجدد، وقد يلقط على بطن ظاهر وبطن متخلف، كالقثاء، والباذنجان، ونحو ذلك.
إذاً لا بد من التفصيل في هذه الأنواع كلها، فما كان له جزة واحدة كالحبوب، فإنه إذا باع أرضاً فيها زرع، كالحب، فإنه يكون قد حدث في ملك البائع، فليس من حق المشتري أن يطالبه بهذا الزرع الموجود، ويجزه البائع عند حصاده، ويكون ملكاً له، إلا إذا اشترط المشتري، وقال: أشترط أن آخذ الأرض بهذا الزرع الموجود فيها فهي ملكٌ له.
الحالة الثانية: أن يكون مما يجز، ولاحظ أن الأول يجز فلا يعود، فجزَّته واحدة، أما الذي يجز ويعود، إن كان يجز مرة بعد مرة، كالبرسيم، فإنه ربما يبقى في الأرض خمس سنوات، وربما إلى عشر سنوات، على حسب أنواعه، وحسب جودة الأرض، فإذا كان هذا البرسيم يجز مرة بعد مرة فباعه والبرسيم فيه جزة ظاهرة فإنها قد حدثت في ملك البائع، فنقول: أصل البرسيم للمشتري والجزة الظاهرة للبائع، ولكن الأصل للمشتري، فإذا جز البائع الجزة الظاهرة أصبح الكل ملكاً للمشتري.
قال رحمه الله تعالى: [وإن اشترط المشتري ذلك صح]: أي: إن اشترط المشتري ذلك، فقال: الجزة الظاهرة لي، أو قال فيما يلقط: هذا الملتقط لي، أو قال في ثمرة البستان هذا لي، فإنه يكون له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع نخلاً قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع)، أي: أنها ملك للمبتاع إن اشترطها.
(166/9)
________________________________________
أحكام بيع النخل مع ثمره
قال رحمه الله تعالى: [فصل: ومن باع نخلاً تشقق طلعه فلبائع مَبقيٌ إلى الجذاذ، إلا أن يشترطه مشترٍ]: هذا الفصل ينبني على ما قبله، وانظروا إلى سعة هذه الشريعة ودقتها، وكيف أن الحديث الواحد يمكن أن تفرع عليه أبواب، وتبنى عليه فصول، وتبنى عليه قواعد وأصول؛ لأنها شريعة كاملة، نبهت بالقواعد العامة وبالأصول العامة، فهذا الحديث حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، ومن باع عبدا له مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) أصل عظيم في مسألة ما الذي يتبع المبيع وما الذي لا يتبعه، وكل المسائل تفرعت على هذا الأصل، وانبنت عليه.
فالزروع تكون ملحقة بالمعنى، والمنقولات تكون ملحقة بالأصل، وهذا لا شك يدل على عظم هذه الشريعة، وأنها شملت، فما تركت صغيراً ولا كبيراً إلا بينته، ويدل أيضاً على أن القواعد الكلية في الشريعة أصل معتبر؛ لكي يحكم بشموليتها، وعلى هذا فما ذكرناه في الفصل السابق مفرع على هذا الحديث.
يقول رحمه الله تعالى: [ومن باع نخلاً تشقق طلعه]: النخل: معروف طبعاً، وهذا النخل من حكمة الله سبحانه وتعالى، يراد لثمره وما يكون منه، وهو ينقسم إلى زوجين: الذكور والإناث، فذكور النخل هي الفحول التي يؤخذ منها اللقاح لكي يلقح به الأنثى، وهناك الإناث التي فيها الثمار المختلفة، اختلفت ألوانها، واختلفت أشكالها واختلف طعمها، والكل يُسقى بماء واحد، وهذا من أعظم الدلائل على وحدانية الله جل جلاله، فهو دليل على وحدانيته تعالى، ومن شواهد التوحيد أنك إذا تأملته وجدته مختلفاً أُكُله، ومختلفاً أشكاله، ومختلفاً حتى في مواسم خروجه.
وثمره بعضه يؤكل بلحاً، ولا تستطيبه وتجده ألذ ما يكون إلا بلحاً، وبعضه لا تستعذبه ولا تجده لذيذاً إلا وهو رطب، وبعضه لا تستلذه إلا تمراً كامل اليبس، وأيضاً تجده مختلف الألوان، فإذا بدا اللون الأخضر فيه، الذي هو الأصل، ينقلب إلى أحمر، وينقلب إلى أصفر، وينقلب إلى أبيض أشهب، وقد يبقى على خضرته، وهذا كله يدل على وجود الله جل جلاله ووحدانيته؛ لأن هذه الأشياء لو حدثت بنفسها كانت حدثت بلون واحد، وحدثت بشكل واحد، وبطعم واحد، وتجدها تختلف باختلاف المؤثرات؛ لكن الله سبحانه وتعالى جعلها على حالة مختلفة مع أنها تسقى بماء واحد وفي أرض واحدة، كما قال تعالى: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد:4] فليست آيةً، بل آيات، لكن لمن يتأمل، فأعظم به سبحانه وتعالى! وهذا النخل من حكمة الله سبحانه وتعالى أن تطلع ثمرته من الأنثى، وتخرج ثمرته في وعاء كيزان تكون حافظةً للثمرة بإذن الله عز وجل، وتتخلق الثمرة فيما لا يقل عن شهرين، تستتم وتتخلق في داخل النخلة، ثم تخرج من بين الجريد وبين الجذع، وتستتم خروجها حتى تكتمل إلى القدر الذي تكتمل إليه، ثم ينشق هذا الوعاء بقدرة الله عز وجل، وقد يكون طلعه في زمان بارد، فيوافق عند التشقق حرارة تعتريه، وقد يكون الناس في شدة البرد، لكن يرسل الله عز وجل عليه من الحرارة ما يكتمه حتى يتشقق؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا قال للشيء: كن، فيكون، ولو كان في شدة البرد، فإن الله سبحانه وتعالى يخرجه، ولو كنت في شدة الحر، وأنت تتألم يفجر لك الأنهار من الجبال عذبة باردة، سبحانه! سبحانه! وأعظم به.
فالشاهد أنه يخرج ذاك الكوز مكتملاً، فإذا اكتمل تشقق، ويتشقق بعد يوم، أو يومين، أو ثلاثة أو أسبوع على حسب المناطق، وعلى حسب النوعية، ثم إذا بدأ يتشقق يأتي الفلاح إلى الذكر، والذكر يطلع في الوقت الذي تطلع فيه الإناث، فتخرج كيزانه مغلفة، فتقص وهي مغلفة، ثم يزال الغلاف الخارجي، وبعض الناس يلقح به وهو طري، وبعضهم ينشره في الشمس؛ لأن الشمس تقوي اللقاح وتغذيه وتجعل فائدته أكثر، فيتركونه ينشر في الشمس ليستوي.
وفيه غبار، ورائحته كمني الرجل الآدمي، سبحان الله! ولذلك تجد العلماء يقولون عن المني: رائحته كطلع النخل، سبحان الله تعالى! ويقولون: إن النخل تشبه الإنسان كثيراً، حتى إن فيها الكريم وفيها البخيل -سبحان الله تعالى! - أي: في الصفات، فيقولون: إنها من أشبه ما تكون بالإنسان، فمن هنا إذا وضع اللقاح خرجت وتشققت، ولا يمكن أن تصلح هذه الثمرة إلا إذا لقحت ووضع هذا الغبار.
ثم انظر إلى أنواعه، فبعض الأنواع بمجرد ما تنشق تلقح، وبعضها الأفضل أن تبرد، وتنتظر يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، وإذا برزت ولقحتها بعد البروز كانت ثمرتها فاخرة، فإذا بادرتها باللقاح في أول شيء جاءت ثمرتها صغيرة، فلربما حشفت وجاء الشيط الذي لا نوى فيه، فتجد بعضها ليس فيه نوى؛ لأنه لم يلقح، أو بادره باللقاح قبل وقته.
ثم منه العكس، فبعضه ما لم يبادر مباشرة بلقاحه صار إلى الشيص وتغير، يخالف بين الأحوال حتى يدل على وجود الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الأمور وراءها أمر من الله جل جلاله، ومدبر يدبرها سبحانه وتعالى.
فالشاهد إذا جاء الفلاح وغبر النخل، قالوا أبرها، فهذا هو التأبير.
إذاً عندنا مراحل للنخلة: الكن الذي يكون قبل تخلق الثمرة، ثم بعد ذلك الطلع بداية الطلع، ثم بعد ذلك التشقق، ثم بعد ذلك التأبير، فإذا أبرت وغُبرت، فهنا جعل الشرع هذا الحد فاصلاً بين ملك البائع وملك المشتري، فقال صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلاً قد أبرت، فثمرتها للبائع)؛ لأنها إذا أطلعت وتشققت ففي ملك من ظهرت الثمرة؟

الجواب
في ملك البائع، فإن حدثت الثمرة في ملكي، فإذا بعت فقد بعت الأصل، والثمرةُ لا زالت ملكاً لي! فإذا لم ينصب العقد عليها بالتبعية لم يحكم بتبعيتها.
لكن لو أنه باع البستان، أو باع النخلة وهي لم تؤبر، أو بمجرد بدو الكيزان أو خروجها ولم تتشقق، فقالوا: إذا باعه قبل مرحلة التشقق والتأبير فإنها تتبع المبيع، وتصبح الثمرة حينئذ تشققت وتأبرت في ملك المشتري، وتصير ملكه، فهذا الفاصل بين مال البائع والمشتري.
قال صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع).
قوله رحمه الله تعالى: [إلا أن يشترطها مشترٍ]: إلا أن يشترطها المبتاع هو اللفظ الصحيح، أو المشتري بمعنى: المبتاع الذي اشترى، فلو قال له: بعتك بستاناً فيه نخلٌ مؤبر، فقال المشتري: أشترط أن تكون الثمرة تابعة للنخل، فقال له البائع: لك ذلك، فحينئذ يملكها بالشرط ولا يملكها بالأصل، وعلى هذا يتم البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون على شروطهم)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه: (مقاطع الحقوق عند الشروط)، أي: أنه إذا اشترط عليك فمن حقه أن تفي له بشرطه.
(166/10)
________________________________________
بيع العنب والتوت والرمان ونحوه مع ثمره
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك شجر العنب والتوت والرمان وغيره]: هناك نوع من الثمار يظهر من نَوْرِه، ومنها ما يتشقق من أكمامه، ومنها ما يظهر من الأرض، فهذا الشيء الذي تتفتح أكمامه تكون العبرة بتفتحه؛ لأنها تفتحت الثمرة على ملك البائع، وهذا الشيء الذي يكون في داخل النَّور كالتفاح ونحوه، إذا تساقط عنه نَوره، فإنه حينئذ تظهر الثمرة بعد تساقط الأنوار الذي فيه، وهكذا الليمون إذا تساقط زهره، فحينئذ تجعل لكل ثمرة ظهورها، وهذا يختلف باختلاف أنواع الثمار، فما كان منها له أكمام ويتفتح فإنه عند تفتحه عن كُمِّه يكون تابعاً للأصل، فإن وقع البيع قبله فإنه يكون ملكاً للمشتري؛ لأنه ظهرت الثمرة بعد البيع، وإذا ظهرت الثمرة قبل البيع يكون للبائع سواءً أظهرت بتفتح الكم أم بغيره؛ لأن الثمرات تخرج من أكمامها، كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا} [فصلت:47]، فهناك نوع من الثمرات يخرج من أكمامه، وبعضها يتشقق كذلك عن قشره، وبعضها يكون داخل وعائه مثل اللوز، والجوز، ونحوه، فهذا يرجع فيه إلى أهل الخبرة في ظهوره، إن ظهرت علامات وجوده فإنه يحكم بكونه ملكاً للبائع إن كان ظهوره قبل العقد، ويحكم بكونه ملكاً للمشتري إن كان ظهوره بعد العقد.
قال رحمه الله تعالى: [وما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح]: هذه كلها يحكم بكونها ملكاً للبائع إذا ظهرت من نَوْرها قبل العقد، وتكون ملكاً للمشتري إن ظهرت من نَوْرها بعد العقد.
قال رحمه الله تعالى: [وما خرج من أكمامه كالورد والقطن]: الورد يظهر وهو مستغلق الأكمام، ثم بعد ذلك يخرج قلب الوردة من كمها، فتظهر ثمرة الورد، ومن المعلوم أن المزرعة قد تباع وتكون مزرعة ورد، والورد يباع وينتفع به، وله ثمن وله قيمة، فتشتري منه هذه المزرعة التي فيها ورود، أو فيها الفل والياسمين ونحوها من الزهور التي لها روائح وينتفع بها، فإذا كانت هذه المبيعات تفتحت وظهرت ثمارها من أكمامها أو من قشورها، فتقشرت أو ظهرت، أو خرجت من كيزانها -كما في النخل-، فإنه يحكم بكونها للبائع إن كان الظهور وهي في ملك البائع أي قبل العقد، ويحكم بكونها للمشتري إن كان جميع ذلك بعد العقد.
قال رحمه الله تعالى: [وما قبل ذلك والورق فلمشترٍ]: قوله: [وما قبل ذلك] أي: ما كان قبل ذلك، يعن: ي قبل ظهور الثمرة، إما بتشقق الكيزان كما في النخل، إن قيل: العبرة بالتشقق، أو قيل العبرة بالتأبير؛ لأن الأول يختاره الجمهور والثاني يختاره الإمام أحمد رحمة الله عليه، أو كان بظهوره من نَوْره كالتفاح والمشمش ونحوه، أو كان بتفتح أكمامه كالورد ونحوه من الزهور، فهذا كله إن وقع فيه الظهور للثمرة قبل العقد كان في ملك البائع، وإن كان بعده كان في ملك المشتري وما كان قبل ذلك، أي: ما كان مبيعاً وحدث فيه ذلك، (قبل العقد) أي: قبل البيع، فإنه يكون ملكا ً للبائع؛ لأنه حدث في ملكه.
قوله: [والورق] في بعض الأحيان يكون ملكاً للبائع مطلقاً، إذا كان الورق الظاهر مثل الحنا، فالحناء إذا بيعت يراد منها الورق، فالورق الظاهر للبائع، فينتف ورقها ثم تعيد ورقها مرة ثانية لملك المشتري؛ لأن الورق الأول كان في ملك البائع، فإذا باعه الحنا كان من حقه أن يقطف ورقها؛ لأن الورق مقصود.
لكن هناك ورق غير مقصود، كورق الأغصان الذي ليس هو بذاته يباع مثل ما يقع في النباتات، فهذا من حيث الأصل أنه إذا بيع يكون تبعاً للمبيع، مثل الجريد، فالجريد يكون تابعاً للنخلة، فلو باعه نخلته ثم قام المشتري يريد أن يقص جميع جريدها، ويقول: الورق للبائع، نقول له: لا؛ لأن هذا الورق في الأصل للمبيع، لكن لو باعه شيئاً يراد منه الورق، فالورق الظاهر للبائع، والورق الذي هو البطن الذي بعده للمشتري، وذلك في الذي يتجدد ورقه.
وكذلك ورق العنب يقطف في موسمه، ويكون ملكاً للبائع في هذه الحالة، ثم ما تجدد منه يكون ملكاً للمشتري.
إذاً الورق فيه تفصيل على ما ذكرناه، وإطلاق المصنف يحتاج إلى نظر، وقد نبه بعض العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك كالإمام الماوردي وغيره، فنبهوا على أن الورق منه ما يكون مقصوداً؛ لأن المبيعات منها ما يقصد منها ورقها، ومنها ما يقصد منها ثمرتها، ومنها ما يقصد منه الأمران: الورق والثمرة، أي: كون المنفعة في الورق والثمرة، وعلى هذا فإنه إذا باعه مبيعاً له ورق، والورق حدث في ملك البائع، ثم لما باعه قال: أريد أن آخذ هذا البطن من الورق الذي حدث في ملكي، كان من حقه ذلك، فلا يكون الورق للمشتري، وإنما يكون للبائع.
(166/11)
________________________________________
الأسئلة
(166/12)
________________________________________
الدار المشتركة وحكم أرضها

السؤال
إذا اشترك جماعة في بناء دار وأصبح لكلٍّ شقة من الدار، فلمن تكون الأرض؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإذا اشترك جماعة في أرض، وكانت مشاعة بينهم مناصفة، كرجلين يملك كل منهما نصف الأرض، أو أثلاثاً، أو أرباعاً، أو أخماساً على حسب الشراكة، وبنوها بنفس السهم الذي لهم، فبنوها -مثلاً- بنصف مليون، كلٌّ دفع مائة ألف وهم خمسة، فحينئذ تكون الأرض وبناؤها وما عليها بينهم أخماساً، كل يملك خمس الأرض، فإن أمكن قسمتها كأن تكون فيها خمس شقق، فلكلٍّ شقة ينتفع بها، فإن تنازعوا فقال أحدهم: آخذ الشقة السفلى؛ لأنها أخف مؤنة وأقل عناءً، وقال البقية: بل نحن نأخذها، فتشاحوا فيها، فإنهم يقترعون وتجري بينهم القرعة، ثم بعد ذلك تكون بينهم إذا أرادوا أن يسكنوها، أما لو أرادوا أن يؤجروها فإنها تؤجر، ويكون لكلٍّ خمس أجرتها.
هذا بالنسبة للملكية، وبالنسبة لبيع الشقة بعد وجود العمارة فله حكم خاص، فإذا كانت العمارة فيها ثلاثُ شقق، وأراد صاحبها أن يبيعها على ثلاثة أشخاص، وقال: أبيع هذه العمارة بينكم الثلاثة.
صح البيع، وحينئذ تكون الأرض بذاتها، وشققها مشاعة بينهم، لكن لو قال لأحد: أبيعك شقة من هذه العمارة، وباع للثاني شقة، وباع للثالث شقة، فهنا لا يصح البيع على أصح أقوال العلماء رحمهم الله تعالى.
والسبب في هذا أننا لو قلنا: إن الشقة تملك وحدها، يكون ملك صاحب الدور الأول الشقة الأولى، وملك صاحب الدور الثاني الشقة الثانية، وملك صاحب الدور الثالث الشقة الثالثة، فيبقى السطوح لا شقة فيه، فيأتي ويحدث شقة رابعة، ويبيعها على رابع، ثم يأتي ويحدث شقة خامسة ويبيعها على خامس، ويصبح السطح ليس ملكاً لأحد، بل ملك له متى ما شاء بنى فيه؛ لأنه إنما باع الشقق، وهو يملك الأرض ويملك سماءها، فإذا قلنا بصحة البيع للشقة بذاتها، فمعناه أنه يملك بدرومها وأساسها وما فيها، ويملك أيضاً عاليها، فيتصرف في العالي كما شاء، وهذا لا شك يدخل فيه الغرر؛ لأنه يخاطر بأصحاب الشقق، فأنت إذا بنيت العمارة على أنها -مثلاً- ثلاث شقق، أو على أنها ثلاثة أدوار، ليس كما لو أحدثت أدواراً فوقها.
ثم إن هذه الشقة لو قلنا: إنه قد باع الشقة ويملك المشتري الشقة فقط، فهذه الشقة كم ستبقى؛ لأنه سيملك الشقة وحدها، فلا ندري أيطول أجل العمارة وهي باقية فيطول أجل الشقة؟ أم يقصر أجل العمارة؟ وقد تكون العمارة محكوماً عليها أنها خلال عشرين سنة، أو ثلاثين سنة ستنتهي، فإذا تهدمت فلمن تكون الأرض؛ لأنه باعه الشقة وما باعه الأرض.
فالعقود لا بد أن تحدد، فإن كان يريد أن يبيعه فيبيعه بالمشاع، كأن يقول له: هذه عمارة لك ربعها، فكل يعرف حقه، وكل يعرف نصيبه، لكن أن يقول له: أبيعك شقة من عمارة، ولا يدرى كم تبقى، فكيف يصح هذا؟ وصحيح لو أننا اشترينا العمارة كذلك، لا ندري كم تبقى؟ لكن حتى لو فنيت في أقرب أجل، فإني أملك أرضها، أما أني أملك شقة فقط! ويزول ملكي بزوال الشقة! ولا أدري أقريب أم بعيد، ولا أدري كم بقاؤها، ويخاطر البائع ويغرر بالمشتري فلا، لكن لو ملكت الأرض، أو جزءاً من الأرض، ويكون لي ربع الأرض، فإني أنتفع بشقة، كأنها ربع قسمة، كما لو مات ميت عن دار وقسمت بين الورثة فلا إشكال، لكن أن يقال: أبيعك الشقة بعينها فهذا غرر، وهذا على أصح قولي العلماء، واختيار طائفة من مشايخنا رحمة الله عليهم، أنه لا يصح بيع الشقة لما فيه من الغرر؛ لأن الملكية تنصب على الشقة، ولا يكون لذات الأرض فيها ملك.
وإذا قيل بملكيتها كأن يقال: بيع الشقق المراد به أن يملك الشقة، فتقسم العمارة بحسب الشقق، فإن الدور الرابع ليس ملكاً لأحد، فلو كان هناك ثلاث شقق، فباع للأول شقة وللثاني شقة، وللثالث شقة، فإن قالوا: نحكم بأن لكلٍّ شقة، فتصبح الأرض أثلاثاً، نقول: السطح ليس بمبيع، بل السطح ملك للبائع، فإن قلت: أقسمها أثلاثاً، قلنا: كيف جعلت من لا شقة له يقاسم الذي له شقة؟ وكيف جعلت قيمة السطح الذي لا شقة فيه بقيمة الشقة؟ إن قلت: أدخل صاحب العمارة شريكاً فتكون أرباعاً؟ فحينئذٍ ليس هناك تكافؤٌ؛ لأن السطح ليس فيه بناء كما في الشقة! وإن قلت: أدخله بجزء، فكم هذا الجزء؟ وإن قلت: لا أدخله، فإن الأرض في الأصل ملك له بكاملها، وقد باع شقة ولم يبع سطحها، ولم يبع ما فيها، فإن قلت: إن سطح العمارة يكون تابعاً للشقق، نقول: حينئذ من باع شقة فإنه يكون ما فوق الشقق تابعاً لهذه الشقة، وهذا لا يستقيم من ناحية فقهية، فلا يستقيم أن نقول: إنه يجوز أن تجزأ العمارة، ولذلك تقع مشاكل كثيرة في بيع الشقق، وبيع أجزاء العمائر من الشقق المملكة.
وهناك قول ثانٍ، ولهذا القول وجهته، ومن اشترى شقة يتأول على هذا القول الثاني فلا بأس، وهذا حكمٌ مثل ما يختلف العلماء على قولين، لكن نحن نبين ما ظهر لنا بالدليل؛ فإننا لا نعرف في زمن السلف رحمهم الله تعالى أنهم كانوا يبيعون دوراً من العمارة، أو دوراً من الأرض، أو غرفة من الدار، إنما تباع إما بنسبة مشاعة، كنصف العمارة، أو ربعها، أو ثمنها، فيقول له: أدخل معك شريكاً، فبكم تبيع هذه العمارة؟ فإن قال: بمليون، قال: أنا أدفع نصف مليون، ونصبح شركاء فيها، وحينئذ لا تجد أي شبهة أو لبس، حيث يدخلون سوياً في الغرم والغنم، وإذا جئنا نقسم الأرباح نعرف كيف نقسمها، فلهذا نصف ولهذا نصف، وإذا قسمنا الأضرار نقسمها بالنصف، لكن لو أن هذه العمائر التي لم تبع بنسبة مشاعة حدث ضرر في مائها، أو حدث عطل فيها، فلن تستطيع أن تقسم، لا الغرم ولا الربح، ويحدث إشكال، ولو أنه قال: أريد أن أبني على العمارة، فأنا بعتكم الشقق وشققكم موجودة، وأريد أن أبني على العمارة، وقرر المهندسون أن العمارة تتحمل عشرة أدوار، فتكون قد اشتريت الشقة من العمارة وفيها -مثلاً- ساكنان، الذي فوقك والذي تحتك، فإذا بك بعمارة فيها عشرة أدوار، وأدخل عليك عشرة ساكنين، فأنت إنما رضيت بالواحد ورضيت بالاثنين، لكن لن ترضى بالعشرة، وتستضر بكثرة الجيران، وتحدث أضرارٌ، فلا تتأتى ملكية الجزء على وجهٍ ليس بمحدد الملكية؛ لأنهم قالوا: من ملك أرضاً ملك سماءها مثل ما قرر العلماء، وحينئذ نقول: من ملك شقة، فحينئذ ملك الشقة بدون أرضها، وبدون سمائها، وما الدليل على أنه يملك الشيء بدون أرضه ولا سمائه، فهذا الذي نريد له الدليل، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من اغتصب قيد شبر من الأرض طُوّقه يوم القيامة من سبع أرضين)، فجعل الأسفل تابعاً للأعلى! فهاتوا دليلاً يستثني هذا النوع من البيع، وأن من ملك الأعلى لا يملك الأسفل! هذا أمر يحتاج إلى تقرير أصل شرعي يمكن أن يبنى عليه جواز تجزئة العمارة بشققها؛ لأنه إذا قيل بصحة تجزئة العمارة بشققها، يقال بصحة تجزئة البيوت بغرفها.
وعلى هذا فالذي يظهر، والذي يتبين أنه لا يصح بيع الشقق، ولكن نقول: هناك قول مخالف، ولهذا القول حجته ودليله لكنه لم يظهر لي؛ لأنهم يقولون، باعه جزءاً من العمارة، ويغتفرون هذا الجزء، وأقول: لا زال الإشكال قائماً، فإذا كانت العمارة من ثلاثة شقق كما ذكرنا، وقلت: تقسم أثلاثاً، عارضك صاحب الملك، فقال: السطح لي، وإن قلت: إن السطح ليس له، وإنما لصاحب الشقة الثالثة، فحينئذ صاحب الشقة الأولى يملك سطح شقته فلا يصح بيع الشقة الثانية، وصاحب الشقة الثانية يملك سطح شقته، كما ذكرت، وأظن هذا من ناحية فقهية لا يستقيم، فإذا قال: نقسم هذه العمارة أثلاثا بين الثلاث الشقق، عارض صاحب العمارة بأن له السطح، وإن قلت: ندخل صاحب العمارة شريكاً، قلنا: سبحان الله، شقة كاملة مبنية مدفوع فيها مئات الألوف، بسطح عارٍ لا بناء فيه ولا شيء، كيف تدخل؟ وما وجه الإدخال؟ وإن قلت: أدخله على أنه باع الأصل ولم يبع ما فوقه، نقول حينئذ: هذا الذي دفع قيمة الشقة ليست قيمتها كقيمة السطح؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدرا وحقا.
فالذي يظهر أنه لا بد من وضع حلٍّ، والشريعة ما تركت شيئاً وليس في هذا ضيق؛ لأن المراد من هذا حفظ حقوق الناس، فالذي يشتري يعرف ما الذي يأخذه، وما الذي يعطيه.
فنقول: الحل أن العمارة إذا كانت من أربع شقق يعرضها، ويقول: هذه العمارة معروضة للبيع، إن شاء شخص أن يشتريها بأربعمائة ألف وتكون ملكاً له فبها ونعمت، وإن جاء أربعة يشترونها فلهم ذلك، وبدلاً من أن تجزئ شققها، بِع بيعاً شرعياً لا إشكال فيه ولا شبهة، فلماذا نُحدث هذه البيوعات التي ما كنا نعرفها ولم تكن موجودة بيننا؟ والبيع الشرعي أن نجعل البيع كما هو، ونقول: يعرضها في أربع شقق على أربعة شركاء، كلٌّ له ربع الأرض، ثم إذا ملك هؤلاء الأربعةُ الشركاء كان لهم التصرف في العمارة كما يتصرف الشركاء في أموالهم، فهو بيع شرعي ومخرج شرعي لا شبهة فيه ولا إشكال، هذا ما ظهر، والله تعالى أعلم.
أما لو باع الشقة قبل أن تبنى فهذا أمر أشد؛ لأنه باع المعدوم وباع الشيء قبل أن يخلق ويوجد، فحين يقول: سنبني العمارة، أو سنبني الشقة، فالشقة لم توجد، فإن قالوا: يصح هذا البيع قياساً على السَّلَم، نقول: السلم قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فهو في الموزونات والمكيلات، واختلف في المعدودات.
وأما الدُّور فإنها تباع بالذرع، فهي مذروعة، والبناء مذروع، ولذلك يقال: طوله كذا وعرضه كذا، ويحدد أجرامه سُمكاً وطولاً وعرضاً، فهذا لا يدخل في السلم.
وعلى هذا فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه من بيع الغرر، وبيع ما لم يوجد، ثم قد يقال: إننا سنبني هذه العمارة فيها مائة شقة، أو فيها مثلاً خمسون شقة، ثم تؤخذ الأموال، وبعد فترة إذا به قد قرر البيع على أنها كل شقة بمائة ألف، فلما أراد المنفذ أن ينفذ إذا بالأسعار قد غلت، وارتفعت قيمة المؤنة، فأصبحت بأضعاف القيمة التي رسمت، فهو بيع غرر؛ لأنك تدفع في زمان، وتنفذ في زمان، وإذا بالحقيقة تخالف الواقع، فيغرر الإنسان بنفسه، ولو قال المقاول أو المالك: أنا راضٍ، فالشريعة لا ترضى؛ لأن الرضا الذي يأتي على خلاف الشرع كبيع المخاطر
(166/13)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب بيع الأصول والثمار [2]
من الأحكام المتعلقة بباب بيع الأصول والثمار: أنه لا يباع ثمر قبل بدو صلاحه، على تفصيل في بدو الصلاح وعلاماته واختلافه باختلاف أنواع الثمار والزروع، وإن باع قبل بدو الصلاح فلابد من شرط القطع، على تفصيل في اختلاف أنواع الثمار والزروع وما يجز منها وما يلقط.
(167/1)
________________________________________
بيع الثمار والزروع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
(167/2)
________________________________________
اشتراط بدو الصلاح في بيع الثمار وعلة ذلك
فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه]: أي: ولا يجوز أن يباع ثمر قبل بدو صلاحه، والدليل على هذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري)، أي: نهى البائع أن يبذل الثمرة على هذا الوجه، ونهى المشتري أن يدفع الثمن في هذا النوع من الثمار.
وثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمارُّ أو تصفارُّ)، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في السنن أن الناس كانوا يتبايعون الثمار، ثم إذا حضر تقاضيهم قال المشتري: أصاب الثمارَ الدمانُ -وهو نوع من الأمراض التي تصيب الثمرة فتتلفها- والدمان مثل ما يصيب البلحة حين يأتيها شيء مثل الحمار، أشبه بلون الدم إلى اللون البني، فتصبح يابسة لا طعم لها، وربما أفسد الثمرة بالكلية، فيقول المشتري: أصاب الثمرة الدمانُ، أصاب الثمرةَ القشامُ، لأمراض وعاهات يذكرونها، فلما كثرت خصوماتهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
(167/3)
________________________________________
علامات بدو الصلاح في النخل
علمنا الحكم وعلمنا الدليل فنحتاج إلى شرح هذه المسألة، فنقول وبالله التوفيق: النخلة كما ذكرنا تُطلع، وإذا أطلعت وتشققت وأبّرها الفلاح، تبقى ما لا يقل عن شهرين، فأول ما يخرج الكوز فيه الثمرة، وتنظر إلى العرجون الذي تراه حاملاً للثمرة بعد استوائها ونضجها، وإذا أخرجها الفلاح وغبرها، فقبل ما يخرجها تنظر إليها وإذا بها حبات مرتبة منسقة بنظام عجيب بديع غريب، وتتعجب من بديع صنع الله عز وجل، فإذا حضر موسم التأبير والتغبير فاذهب إلى المزرعة وانظر؛ لأن هذا مما يزيد العبد إيماناً بالله جل جلاله، وتحار العقول في بديع صنعه، قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ} [السجدة:7]، حتى تحس بمعاني الآيات التي في كتاب الله جل جلاله، تنظر إليها وإذا بها في ذلك الكوز، وتنظر إلى الكوز نفسه فترى مادته الخشبية العجيبة في سماكتها وثخنها من الخارج، ولطفها ونعومتها من الداخل، وكيف أنه يحفظ الثمرة، وإذا بالثمرة تخرج بيضاء ناصع لونها نقية ليس فيها أي شائبة، أو أي خلل، أو أي ارتباك، بل متناسقة مرتبة منظمةٌ، الثمرة بجوار الثمرة بطريقة عجيبة بديعة، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء! سبحانه لا إله إلا هو! ووالله إن هذا يزيد من إيمان الإنسان، وينبغي لطلاب العلم أن ينظروا؛ لأن الله تعالى يقول: {انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} [الأنعام:99] فالله تعالى ندبنا إلى هذا.
فإذا نظرت إلى ذلك وجدته بهذه الطريقة، فيأتي الفلاح فيزيلها عن بعضها؛ لأنها مرتبة متناسقة، ويبعدها عن بعضها حتى يدخل الغبار فيما بينها، ويدخل لقاح الذكر فيما بينها، ثم يزيل هذا الوعاء، وتبقى مفتحة، وتبقى على مر الأيام بحساب دقيق عجيب غريب لا يمكن أن يتقدم أو يتأخر، فإذا به مدة زمنية معينة يكتمل كبر هذه الثمرة، ونضجها واستواؤها، لا يسبق زمانه ولا يتعداه أبداً.
ومن أغرب ما يكون أن يكون لها موسم معين، يكتمل فيه جرمها وحجمها، وبعض النخل يكون طويلاً كالعنبرة -نوع من أنواع التمر طويل- وبعضها صغير الحجم كالعجوة، خاصة المسماة العجوة الثانية، وهي التي تنطبق عليها السنة، وهي الصغيرة، وهناك عجوة طويلة، وهي عجوة مستحدثة وقعت شبيهة بالعجوة، لكن العجوة التي ينطبق عليها السنة أكثر هي العجوة الصغيرة.
فالشاهد أنك تجد هذه صغيرة الحجم، وتلك طويلة الحجم، ثم تجد الوسط بينهما، كالصفاوي، ثم تجد هذا حلواً شديد الحلاوة، بحيث إنك إذا أكلته لا تستطيع أن تتمالك نفسك من قوة الحلاوة، وكذلك العكس، فتجد منها ما عذوبته في حموضته، شيء من الحموضة فيه، وتجد ما هو وسط بين الاثنين.
فهذا الاكتمال إذا مرت الأيام تبدأ هذه الثمرة تكبر شيئاً فشيئاً، وإذا رأيت الحبوب تجدها بقدر حبة الذرة على أطراف الشماريخ، وتمر الفترة الزمانية فتبدأ تكبر شيئاً فشيئاً، حتى يتناهى كبرها في الزمان المعين، فلا تتقدم ولا تتأخر، وفي مثل ذلك يقول تعالى: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس:40]، وكل شيء مقدر، والله تعالى قدر له لا يزيد ولا ينقص، فإذا جاء وقت اكتمال جرمه -وهذا أول شيء- فبعد أن يكتمل الجذر يأتي اللون، فيضربها الحمار ويضربها الصفار، فتنظر إليها في الأول وإذا بها خضراء في حالة الخضرة، وهذا يسمى في عرف الناس الصربان، أي: وهي في الخضار قبل أن يضربها اللون، فهذا الأخضر الغالب في الثمار لا يؤكل؛ لأنك إذا أكلته وهو في خضرته، كأن سقماً يضر الإنسان، ويعطى علفاً للدواب، ولكن مع كونه هكذا في الغالب فقد جعل الله تعالى منه شاباً، فمنه الأخضر الذي إذا جنيته أخضر يكون من ألذ ما يكون، وهو الذي يكون في صنف الحلوة المشهورة أخضرها عذب ويؤكل، وله نكهة ولذة كما تجد اللذة فيها وهي بسرٌ أو ربط أو تمر؛ لكي يختلف الشيء فيدل على أن الله سبحانه وتعالى خالقها، كما قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات:49] فلو الأخضر لا يؤكل لكن الله تعالى جعل بعض الأخضر يؤكل، حتى ينبه على أن الله تعالى هو الذي جعله لا يؤكل؛ وقادر أن يجعله يؤكل.
فالشاهد: أن هذا الأخضر لا يؤكل، وليس بزمان يصلح فيه الأكل، ففي هذه المرحلة تكون مرحلة قبل بدو الصلاح، فإذا صار أخضر ضربه اللون، وضربة اللون تكون عند بداية الصلاح، فإذا ضربه اللون الحمار أو الصفار فإن الغالب أن يأمن العاهة بقدرة الله عز وجل ويسلم، وأكثر الخطر يقع ما بين التأبير والاحمرار والاصفرار، أما إذا احْمَرَّ أو اصْفَرَّ فالغالب أن يسلم ويحفظ، إلا أن تأتيه آفة سماوية كإعصار، أو يأتيه سيل.
إلخ.
فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وهذا يشمل مرحلة الطلع، ومرحلة التأبير، ومرحلة ما قبل الإزهاء، ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم وما تزهي؟ قال: (تحمار أو تصفار)، فجعل بدوَّ الصلاح بالاحمرار، أو الاصفرار.
ومن هنا أخذ العلماء رحمهم الله تعالى أن بداية الجواز لبيع الثمرة بعد بدو الصلاح بالاحمرار أو الاصفرار.
هذا بالنسبة للنخلة تحمر أو تصفر، فإذا احمرت أو اصفرت أمنت العاهة غالباً، ولذلك قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو -يعني يظهر، من بدا الشيء: إذا ظهر- يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري.
(167/4)
________________________________________
علامات بدو الصلاح غير الحمرة والصفرة
قد يقال: فإذا كان بدو الصلاح باللون، ففي بعض الأحيان تكون النخلة خضراء، كالخضري الآن، فالخضري لا يحمر ولا يصفر؟ قلنا: اللون علامة بدو الصلاح الأولى، وقد أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: (حتى تزهي؟ قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمار أو تصفار)، فإذا كان لونها واحداً قبل بدو الصلاح وبعد بدو الصلاح كالخضري، وهو نوع من التمر ونوع من النخل أخضرُ لا يحمار ولا يصفار، فمتى يحكم ببدو صلاحه؟

الجواب
يحكم ببدو صلاحه بطيب أكله، فإذا أصبح حلواً وطاب أكله، فحينئذ يكون قد بدا صلاحه، أما قبل الإزهاء فلا يمكن أن يكون حلوا، وفي بعض الأحيان يكون الفرق يوماً واحداً، بالأمس تمر على النخل فلا تجد فيها حبة صفراء، وتصبح في اليوم الثاني وإذا بها قد اصفرت أو احمرت، قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88] سبحانه لا إله إلا هو! وفي بعض الأحيان عندنا في المدينة إذا طلع سهيل تكون الثمرة موجودةً ويكون البلح موجوداً، فتأكل البلح بالأمس له طعم، وإذا طلع النجم أكلتها في اليوم الثاني كأنها لم تكن مرّةً، وهذا شيء جربته بنفسي؛ لأن الله تعالى قدر كل شيء بوقته وزمانه.
فالشاهد أنه ربما يكون الفرق يوماً واحداً في بدو الصلاح، فما كان بلونه فبلونه، وما لم يكن باللون يكون بالطعم، والدليل على ذلك الحديث أيضاً، وهو صحيح وثابت أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تؤكل، فقوله: (حتى تؤكل)، وفي رواية: (حتى تُطعم)، وذلك بأن يكون طعمها صالحاً للأكل، وبناء على ذلك جاءت العلامة الثانية: أن يكون بدو الصلاح بالطعم.
فهناك علامة بالطعم، وهناك علامة باللون، وهناك علامة ثالثة في النخل بالزمان، وهي طلوع الثريا؛ لحديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى يطلع النجم، وتؤمن العاهة)، أي: أن الله تعالى جعل طلوع النجم بداية لموسم صلاح الثمار، وهذا -كما ذكر بعض العلماء رحمه الله تعالى- من الاهتداء بالنجم الذي ليس بمحرم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:16]، والمراد بطلوع النجم: طلوع الثريا، وهذا في بعض الأماكن مثل المدينة والحجاز، فإذا طلعت الثريا، يبدأ الصلاح، وفي المدينة غالباً إذا طلعت الجوزاء فإنه يبدو الصلاح، ويبدأ الإزهاء في النخل فيحمر ويصفر، وهذا كما ذكرنا علامة زمان، فسبحان الله الذي بيده ملكوت كل شيء!
(167/5)
________________________________________
استباق العلامات وما الذي يعتبر به منها
إذا علمنا أن عندنا علامة باللون، وعلامة بالطعم، وعلامة بالزمان، فبالنسبة للطعم واللون والزمان فلا إشكال إذا اتفق الكل، بمعنى طلع النجم وجاء الزمان وبدا الصلاح فأزهت النخلة فاحمرت واصفرت، أو طاب طعم ما كان أخضر منها، لكن الإشكال لو سبقت علامة الزمان الاحمرار والاصفرار، أو سبقت علامةُ الاحمرار والاصفرار طلوع النجم، فهل العبرة بالزمان الذي وضعه الله تعالى سنة كونية؛ للسلامة من العاهة في الغالب؟ أم العبرة بالحال والصورة؟ قال بعض العلماء: العبرة بأي واحدة منهما؛ لأن السنة دلت على هذا كما دلت على هذا، فأيُّ العلامتين ظهرت أو سبقت فالعبرة بها، والغالب أنه لا يسبق إلا باليوم أو اليومين والشيء اليسير، وهذا بقول أهل الخبرة: إنه لا يسبق إلا بالشيء اليسير.
فنخرج من هذا بالخلاصة: أن بيع الثمر إذا بدا صلاحه في النخل، سواء كان باللون أم بالطعم، أم بالزمان، فإنه يحكم بجواز بيعه، سواء اتفقت هذه العلامات أم سبق بعضها، فإنه يعتبر موجباً للحكم بالجواز.
هذا بالنسبة للنخل، ويبقى غير النخل، وفي الحقيقة من المستحب والأفضل لطالب العلم دائماً أن يكون على إلمام بمثل هذه الأشياء إذا كانت المسألة تتصل بالزروع والثمار؛ لأنك تُسأل وتُستَفَتى، وقد تكون في المدينة لا ترى شيئاً من هذا، لكن افرض أنك يوماً سافرت إلى قرية، فجاءك الفلاحون يسألونك: ما حكم الشرع في بيع النخيل والزروع والثمار؟ فينبغي لطالب العلم أن يكون عنده إلمام بمثل هذه الأشياء، فإذا جاء فصل التأبير ذهب ونظر وعرف التأبير، وكان الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله تعالى برحمته الواسعة يخرج مع طلابه، لكي يمتثل أمر الله عز وجل بقوله: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية:17] وكان رحمه الله تعالى يمسك بالبعير، ويجسه رحمه الله تعالى برحمته الواسعة، فيُعَوّد الإنسان نفسه على أنه يعرف الأشياء على حقيقتها، فإن كانت المسألة متصلة بالزروع والثمار سأل أهل الخبرة بالزروع والثمار.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إذا ذكر المسألة أسهب فيها، كأنه يحسن هذا الفن والعلم، وقد ذكر مسألة الأهلة، فجاء يتكلم على منازل الهلال واختلاف المطالع حتى تكاد تقول: إنه فلكي، وفعلاً هو قد درس علم الفلك؛ لأنه لا يمكن أن يحكم بهذه الأشياء من كون المطالع تتفق أو تختلف، إلا إذا كان متقناً لعلمها، فإتقان العلوم وضبطها مهم، وعليه أن يرجع إلى أهل الخبرة وأهل النظر، ليصبح طالب العلم على بصيرة من أمره وعلى علم، حتى يمكنه ذلك من الترجيح في المسائل، فهذا أمر مهم جداً.
(167/6)
________________________________________
علامات بدو الصلاح في العنب وغيره
إذا عرفنا المسألة بالنسبة للنخل، فتنتقل إلى العنب، فالعنب أول ما يخرج إذا خرج في عناقيده يكون صغير الحجم، وهذا الحجم الصغير لو أخذت منه حبة تكاد تكتوي من حموضتها، ثم يستتم يكبر شيئاً فشيئاً، حتى يبلغ قدره الذي قدره الله تعالى له، فيبقى على خضرته الغامقة، وإذا أكلته أكلته حامضاً، فإذا جاء وقت صلاحه تفتحت خضرته، وضربه الماء فإذا بلونه اليوم ليس كلونه بالأمس، وإذا بطعمه الساعة ليس كطعمه قبل أن يأذن الله تعالى بحلاوته، فيتموه، وهذا التموه هو بداية الصلاح.
وإذاً يكون صلاح العنب بالطعم، وفي حديث عند أحمد رحمه الله تعالى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسودّ)، وهذا في نوع خاص من العنب، يكون باللون، لكن بالنسبة لضابطه يكون بالطعم؛ لأنه أخضر، فينظر الطعم بالنسبة للعنب إلا في بعض أنواعه، كالأحمر الذي يكون غامقاً؛ فإن بداية صلاحه تكون بالحمرة الغامقة.
ومما يبدو صلاحه بالطعم -أن يصبح حلواً بعد مرارته ويكون سكرياً- قصب السكر، فقصب السكر إذا أُكل قبل بدو صلاحه لا يكون له طعم، ولا يوجد له طعم العذوبة السكرية الموجودة فيه، فإذ بدا صلاحه كان طعمه مستعذباً، فقالوا: بدو صلاحه أن يحلو بعد مرارته.
وفي بعض الأحيان يكون بدو الصلاح بلينه بعد يبسه، ومن أمثلته التين، فإن التين يبدأ يابساً، وتكون حياته صلبة شديدة، ثم بعد ذلك يبدو صلاحها فتلين شيئاً فشيئاً، حتى البطيخ، إذا كانت صلبة شديدة فاتَّقها، لكن إذا كانت رخوة فمعنى ذلك أنها قد بدا صلاحها، ولذلك تجدهم يضربون عليها حتى يستكشفون ما فيها، فقالوا: كالتين والبطيخ، يلين بعد شدته.
وهناك ما هو عكس -وانظر إلى قدرة الله تعالى- فهناك ما يطيب بشدته بعد لينه، وهي العلامة الرابعة، مثل الحبوب، في السنابل، كالبر والشعير، فإنه أول ما يبدأ يكون ليناً، ولو أخذتها وعصرتها لخرج مادته، ثم تبدأ تشتدّ شيئا فشيئاً حتى تيبس، كما في الحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتدّ)، فهذا الاشتداد، قالوا: اشتداده بعد لينه عكس الأول.
وهناك ما يبدو صلاحه بانتهائه في الكبر، أو الطول، كالقثاء (الخيار) وكالبطيخ والخربز ونحوه، فإنه لا يمكن أبداً أن يباع وهو صغير، فهذا يتعاظم حتى يبلغ غاية عظمه، فمنه ما يكون بالطول مثل القثاء، ومنه ما يكون بالحجم كالدباء، فالدباء تكون بكبر الحجم وهو الذي يسمى بالقرع.
كذلك أيضاً يكون من بدو الصلاح أن يتفتح عن أكمامه، كالورد، فالورد إذا تفتح من كمه بدا صلاحه، لكن قبل أن يتفتح وهو مصكوك كثيراً ما تهجم عليه الحشرات، أو تأتيه الآفات ولا يتفتح، ولا يغلب على الظن سلامته إذا لم يتفتح، إنما يغلب على الظن سلامته إذا بدأ يتفتح، فهذا يكون بتفتحه من أكمامه.
فهذه من أشهر علامات بدو الصلاح.
قال رحمه الله تعالى: [ولا زرع قبل اشتداد حبه]: أي: ولا يجوز بيع الزرع قبل اشتداد حبه، كالشعير ونحوه؛ لحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد).
وكذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الحب حتى يبيض، وإذا اشتدّ يبدأ ييبس غلافه الخارجي، وهذا هو البياض، أي: يشتدّ ويشتدّ حتى يتساقط ما عليه ويكتمل استواؤه.
(167/7)
________________________________________
البيع قبل بدو الصلاح
(167/8)
________________________________________
بيع الثمر وما يجز ويلقط من الزرع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا رطبة وبقل ولا قثاء ونحوه كباذنجان، دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال، أو جزة جزة، أو لقطة لقطة]: ذكرنا أن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على تحريم بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، ويشهد لذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، نهى البائع والمشتري.
وذكرنا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أيضاً بمعناه.
ومعناه أن الشريعة لا تجيز بيع الثمار، ولا بيع محاصيل المزروعات إذا كان بيعها على وجه فيه غرر وتغرير ومخاطرة على المشتري.
وبناء عليه قلنا: لا بد من بدو الصلاح في الثمار، سواء أكانت من النخيل أم كانت من غيره من المزروعات، وبينا هذا كله.
لكن السؤال يتعلق ببعض المزروعات التي تجز محاصيلها، وبعضها تلتقط، كالرطبة، فإن أصلها ثابت، ويجز ظاهرها، فتجز الجزة، ثم تنبت مرة ثانية، ثم تجز، وهكذا بعض أنوع الجزر الذي يؤخذ ورقه علفاً للدواب، يجز ظاهره ويبقى أصله، وكذلك أيضاً البرسيم يجز ظاهره ويبقى أصله في الأرض، فإذا باع رجل برسيماً، كأن يأتي رجل يريد حوض برسيم من صاحب مزرعة، فيقول له: بعني هذا الحوض من البرسيم، فقال له: أبيعك بمائة، قال: قبلت، فإنه في هذه الحالة قد اشترى البرسيم بالجزة الظاهرة، فلا يجوز أن يشتري البرسيم بأصله، وذلك لأنه لا يعلم، ولا ندري كم جزة ستكون فيه، ولا ندري كم سيكون بقاؤه في الأرض، فبعض البرسيم قد يبقى سنة، وبعضه قد يبقى ثلاث سنوات، وقد يبقى إلى فوق خمس سنوات، كما في البرسيم الحجازي، فإنه يجلس إلى أكثر من خمس سنوات، وربما إلى عشر سنوات، فلو أنه باعه البرسيم الظاهر شيئاً موجوداً، لأنه يكون في الظاهر في شيء موجود، لكن بالنسبة لما هو باطن في السنوات والشهور والأيام الآتية فإنه مجهول كبيع الثمرة في النخل سنين وأعواماً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه نهى عن بيع السنين والمعاومة، وبيع السنين والمعاومة كما فسره العلماء رحمهم الله تعالى: هو بيع الثمرة -أعني ثمرة النخل- سنوات، فيقول له: أشتري منك محصول مزرعتك من التمور ثلاث سنوات، فلا يجوز هذا؛ لأنه وإن كان في السنة الأولى قد باع ثمرة قد بدا صلاحها، ففي السنة الثانية مجهولة وفي السنة الثالثة مجهولة، فكذلك لو باعه البرسيم الذي يجز على مراتب، فلو كانت الجزة الأولى ظاهرة فإن ما سيأتي مجهول.
وعلى هذا فإنه لا يباع من الشيء الذي يجز مرات مع بقاء أصله إلا الجزة الظاهرة، فتقول له: أبيعك هذا الحوض الموجود الآن بمائة، أو أبيعك هذه الخمسة الأحواض بخمسمائة، فاشتراها بخمسمائة ثم قام بجزها علفاً لدوابه، فلا حرج وهو جائز، لكن لو قال له: أشتري منك هذا البرسيم مدة بقائه في الحوض، لم يجز؛ لأنه بيع مجهول، ويغرر به، فربما ظن أن هذا البرسيم يبقى في الحوض سنة، فإذا به يبقى أقل، وربما ظن البائع أنه سيبقى سنة ثم سيبيع حوضاً ثانياً، فإذا به يبقى خمس سنوات، فهو من بيع المخاطرة، ثم هو بيع للمجهول، لا يدرى أيوجد أو لا يوجد، وهل يخرج جيداً أو يخرج رديئاً.
والخلاصة: أن المصنف هنا يريد أن يطبق القاعدة في بيع الأصول والثمار، وهي أنه لا يجوز بيع الغرر.
وبيع الغرر في بيع الأصول والثمار.
فالبرسيم له أصل، وله ثمرة هي نتاجه الظاهر، والجزة الظاهرة، وكذلك الرطبة لها أصل، وهو الذي يسمى بالجزر، وهو غير الجزر المعروف الذي يعصر، وإنما الجزر السميك المتين هذا الذي يباع وله ورق يزحف على الأرض يقطع علفاً للدواب، هذا النوع من الجزر، وهذا النوع من العلف الذي هو البرسيم لا يباع إلا جزة ظاهرة، ولا يباع أصله مع ثمرته؛ لأننا لا ندري كم ينتج الأصل.
لكن لو باع المزرعة وكان فيها صح تبعاً، ولم يصح أصلاً، وقد بينا القاعدة: أنه يجوز في التبع ما لا يجوز في الأصل، وبينا ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما.
قوله رحمه الله تعالى: [ولا رطبة].
أي: ولا يجوز بيع الرطبة، وفي حكمها كل شيء مما يكون مستتر الأصل، ظاهر الثمرة فلا يباع إلا الثمرة، ولا يباع النتاج إلا على الظاهر، أن يأخذ ظاهره جزة جزة، أو لقطة لقطة، كما سيأتي في لفه ونشره رحمه الله.
قوله: [وبقل]: البقول كما لا يخفى تستتر في الأرض، ولما قلنا: أنه لا يجوز بيع الظاهر من البرسيم إلا جزة جزة، لا يجوز أيضاً بيع البقول إلا لقطة لقطة، ومن هنا فلا يجوز بيع الفجل، ولا يجوز أيضاً بيع الكرّاث، إلا إذا كان قد استخرج الفجل من الأرض، وهكذا بالنسبة للكرّاث، تكون الجزة الظاهرة هي التي تباع؛ لأن الكرّاث كالبرسيم، إذا استتم طوله جزه، ثم ينبت مرة ثانية، ثم يجز فينبت مرة ثالثة، فلا يبيع أصل الكرّاث وفرعه، وإنما يبيع الجزة الظاهرة، وهذا على القاعدة التي ذكرناها: أنه لا يصح البيع إلا لشيء معلوم لا يغرر فيه بالمشتري، وإنما يكون المشتري على علم وبينة، حتى يعلم أن المال الذي يدفعه هل يُستحق لهذا الشيء، ويعلم ما الذي له وما الذي عليه، فلا يجوز إلا لقطة لقطة بالنسبة لما يلتقط، وجزة جزة بالنسبة لما يجز، وهذا كله دفعاً للضرر الذي اشتمل عليه هذا النوع من بيوع الغرر.
قوله: [ولا قثاء]: القثاء معروفة، والقثاء إذا أثمرت يكون بعض الحبوب مستتم الخلقة، وبعضها صغيراً، وبعضها متوسطاً، فمنها ما استتم خلقه، ومنها ما لم يستتم، وبناء على ذلك يقولون: لا يبيع إلا الذي استتم خلقه، ومن هنا كما قلنا: لا يجوز بيع المجزوز إلا جزة ظاهرة، جزة جزة، كذلك الملتقط لا يجوز بيعه إلا ما كان متأهلاً صالحاً للالتقاط، أما الذي لم يصلح للالتقاط، فإن بيعه كبيع الحب قبل اشتداده، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والقاعدة واحدة، والشريعة جاءت بقاعدة، وهي أن بدو الصلاح تؤمن معه العاهة غالباً.
فإذاًَ بعد أن قررت القاعدة فوردت في النخل، ووردت في الحبوب، فأصبح النخل أصلاً لما ظهر، والحبوب أصلاً لما يحصد، هذا أصل، وهذا أصل، والمعنى في كل منهما أن لا يغرر بالمشتري، ومن هنا كانت الشريعة الإسلامية حافظة لحق البائع، حافظة لحق المشتري، فكل يشتري الشيء بيناً واضحاً دون أن يغرر البائع بأخيه المسلم، ودون أن يشتري المسلم شيئاً يجهله، فيغرر بماله ويخاطر بحقه.
قوله: [ونحوه كباذنجان]: ذلك؛ لأن فيه الصغير والكبير، وما بدا صلاحه وما لم يبدُ، فلو قال له: أبيعك محصول الباذنجان هذا، فإنه لا يجوز.
وقال بعض العلماء في القثاء والباذنجان، كما هو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى وطائفة: يجوز بيع كله إذا بدا الصلاح في بعضه، قياساً على النخيل، ولا شك أن الغرر في الباذنجان والقثاء أعظم من الغرر في النخيل، فإن النخيل، إذا بدا الصلاح في بعضها فغالباً تؤمن العاهة فيها كلها، ولكن المحاصيل تختلف عن ذلك، وهذا معلوم بالتجربة، ورجح بعض العلماء قول من قال بالجواز، وقال: إن الذي هو صغير، أو لم يظهر في حكم الظاهر، ولكن هذا ضعيف، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علل النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بخوف الآفة والعاهة، وهذا المعنى موجود في المحاصيل التي لم يستتم خلقها.
(167/9)
________________________________________
البيع قبل بدو الصلاح بشرط القطع
قوله: [دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال]: بعد أن ذكر لنا الرطبة، وذكر لنا البقلة، وقال: لا يجوز بيع ما لم يبدُ صلاحه، وكذلك الباذنجان وما في حكمه، ذكر أن هذه الأشياء كلها، لا يجوز بيعها إلا بشرط القطع في الحال.
وهنا مسائل سندخل فيها تتعلق ببيع الشيء الذي لم يبدُ صلاحه.
قد قررنا أن الشيء الذي لم يبد صلاحه من التمور ومن المزروعات ومن الحبوب، لا يجوز بيعه، والشريعة دالة على هذا، والنصوص واضحة في هذا الحكم.
لكن بيع الشيء الذي لم يبد صلاحه، له حالات: الحالة الأولى: أن يشتري ثمرة لم يبدُ صلاحها بشرط أن يقطعها في الحال، كأن يعطيها علفاً للدواب.
الحالة الثانية: أن يشتريها من أجل أن يستبقيها لكي تصلح.
فإن اشترى ثمرة بستان، لم يبدُ صلاحها، واشترط أن يقطعها فوراً، أو اشترط البائع على المشتري أن يجز ويقطع العراجين التي هي للثمرة فوراً فالبيع صحيح في قول جماهير العلماء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (الأئمة الأربعة)، وهو مذهب جماهير السلف والخلف: أن من اشترى ثمرة بستان قبل بدو الصلاح بشرط أن يقطعها فوراً، صح البيع؛ لأن السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بينت العلة، وهي أنه لا يؤمن على الثمرة أن تفسد، فإذا كان يريدها في الحال، ويقطعها في الحال علفاً للدواب، فقد زالت العلة.
وإليك توضيح هذه المسألة: نحن ذكرنا أن النخل يطلع وبعد الطلع يتشقق ثم يؤبر، ثم يجلس فترة ما بين التأبير وما بين بدو الصلاح، فهذه الفترة التي ما بين التأبير وبدو الصلاح، هل يجوز فيها بيع الثمرة أو لا؟ الواقع أن هذه الفترة إذا وقع فيها البيع لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يبيع بشرط القطع.
الحالة الثانية: أن يبيعها بشرط التبقية.
الحالة الثالثة: أن يبيع بيعاً مطلقاً، أي: خالياً من شرط القطع والتبقية.
فإذا بدت الثمرة فأبرها صاحبها، ولم يبدُ صلاحها، ثم باعها قبل بدو الصلاح، فإما أن يبيع بشرط القطع أو يبيع بشرط التبقية، أو يبيع بيعاً مطلقاً.
أما الحالة الأولى: فهي أن يبيع بشرط القطع، كأن يكون عندك بستان فيه مائة نخلة أطلعت، ولكن لم يبدُ الصلاح في الثمرة، فالأصل الشرعي يقتضي عدم جواز البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة أنه نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، هذا الأصل الشرعي، لكن لو جاءك رجل، وقال لك: هذه الثمرة التي في البستان ثمرة مائة نخلة أريد أن أشتريها وأقطعها فوراً علفاً للدواب، وفي بعض الأحيان إذا أطلع النخل لأول مرة فبعض أهل الخبرة يقطعون الثمر، ويقولون: إن هذا يفيد النخلة كثيراً ويقوي النخلة، وفي بعض الأحيان حتى لو أطلعت وكان طلعها كثيراً، وفيها عراجين كثيرة، يقطعون بعض العراجين، ولو كانت في السنة الثانية أو الثالثة أو بعد سنوات، فيقطعون بعض العراجين؛ لأنه إذا قطع بعض العراجين قوي المحصول في الآخر، وبقاؤه قد يؤثر على النخلة؛ لأن كثرة المحاصيل تؤثر عليها، فربما أجهلت في السنة الثانية، أي: لا تطلع، فيقطعون المحصول عنها، حتى يخف العبء على النخلة الأم؛ لأنه مثل الحمل في الآدمية، فيخففون عنها، فهذا العرجون إذا قطعت ثمرته قبل بدو الصلاح هل يجوز بيعه أو لا؟ نقول: يحرم بيعه على النخلة بشرط التبقية، أو بيعاً مطلقاً، أما لو قطعه وباعه بعد قطعه، أو اشتراه رجل واشترط أن يقطعه، فإنه يصح البيع.
والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، قال عليه الصلاة والسلام: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك، فبم تستحل أكل ماله).
وتأمل الحديث فإنه نهى عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين العلة، قال: (أرأيت أي: أخبرني، لو منع الله الثمرة عن أخيك)، يعني: لو بعت بستانك لرجل ولم يبدُ الصلاح -وقبل بدو الصلاح لا تؤمن الآفة- كما ذكرنا فقال صلى الله عليه وسلم: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك)، أي: جاءت الآفة فعلاً، وتلفت الثمرة، فبم تستحل أكل ماله، فالثمرة تلفت؛ لأنه قبل بدو الصلاح لا يؤمن التلف، فإذا تلفت الثمرة صار المال لقاء لا شيء، وأصبح حينئذ البائع يأخذ مالاً بدون ثمرة في مقابله، فقال صلى الله عليه وسلم: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك فبم تستحل أكل ماله)، فأخذ الجمهور من هذا الحديث دليلاً على أن العلة في تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها هو خوف فسادها، فإن كان يريدها حاضرة ناضرة بحالها هذا، لكي ينتفع بها علفاً للدواب، لا للآدميين الذين بسببهم منع البيع خوفاً من فسادها قبل أن ينتفعوا بها، جاز البيع، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن السنة واضحة الدلالة عليه، وهو مذهب صحيح؛ لأن القاعدة أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والعلة هنا جاءت منصوصاً عليها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا ثبت هذا فمن باع ثمرة من بستان قبل بدو صلاحها، فإنه يجوز إذا كان بشرط القطع، أو قطعها وعرضها للبيع فإنه جائز؛ لأن العلة في هذا التي من أجلها حرم البيع قبل بدو الصلاح غير موجودة، والأصل حل البيع، وهذا يريدها علفاً للدواب، ولا يريدها للآدميين.
الحالة الثانية: أن يبيعها بشرط التبقية، كأن يكون عندك مائة نخلة ولم يبدُ صلاحها، فأطلعت وأبرتها، وبعد التأبير وقبل بدو الصلاح جاءك رجل، وقال: أريد أن أشتري منك صيف البستان في هذه السنة، قلت له: صيف هذا البستان في هذه السنة بمائة ألف، قال: إذاً أشترط عليك أن تبقيها لي حتى يبدو صلاحها، فهذا يسميه العلماء: شرط التبقية، عكس الأول، إذ الأول يشترط القطع والثاني يشترط التبقية، والتبقية تفعلة من البقاء، أي: يقول المشتري للبائع: أنا أشتريها، والآن لم يبدُ صلاحها، ولكن شرطي عليك أن تبقيها لي حتى آكلها بلحاً، أو آكلها رطباً، وآكلها تمراً، فهذا يسمونه شرط التبقية.
ففي الحالة الأولى حالة اشتراط القطع فإن البائع هو الذي يشترط غالباً؛ لأن من مصلحته أن تقطع الثمرة حتى يرتفق النخل وينتفع بذلك.
وفي الحالة الثانية حالة اشتراط التبقية فإن الغالب أن يشترط المشتري.
ففي الحالة الثانية إذا اشترى قبل بدو صلاحها، واشترط في العقد أن تبقى إلى بدو الصلاح، فالإجماع على تحريم هذا البيع؛ لمخالفته لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها)، فإذا باعها قبل بدو صلاحها، واشترط بقاءها فالعلة موجودة بخلاف الحالة الأولى التي فيها العلة مفقودة.
لكن هناك وجه عند المالكية خرجه اللخمي من أصحاب الإمام مالك رحمه الله تعالى، يقتضي الجواز، ولكنه شاذ وضعيف.
وشذوذه لمخالفته الإجماع، ومخالفته لنصِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً في الحالة الأولى إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فالصحيح قول الجماهير ومنهم الأئمة الأربعة بصحة البيع، لظاهر السنة، وأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والحالة الثانية: أن يبيع بشرط التبقية، فالإجماع على عدم الجواز، وهناك وجه شاذ عند المالكية يقتضي الجواز، وهو باطل لمخالفته السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحالة الثالثة: أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها ويكون البيع مطلقاً.
والبيع المطلق هنا: هو الذي لا يشترط فيه القطع ولا تشترط فيه، كأن يقول: عندي مائة نخلة، وهذه المائة نخلة لم يبدُ صلاحها، قال: أنا أشتريها منك بمائة ألف، وسكت البائع، وسكت المشتري، فلم يشترط هذا ولم يشترط هذا، هذا يسمى عند العلماء بالبيع المطلق؛ لأنه عري عن الشرط.
فإذا باعه الثمرة قبل بدو صلاحها بيعاً مطلقاً، فما الحكم؟ جماهير العلماء على عدم صحة البيع؛ لأن السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم حرمت بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقال الحنفية: يصح البيع، ولكن يجب على المشتري أن يقطع، فقالوا: نصحح البيع، ونلزم المشتري بالقطع فوراً، وهذا ضعيف؛ لأنه مصادم للسنة الصريحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي نهى فيها عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولم يفرق بين الذي فيه شرط التبقية، وبين الذي فيه شرط القطع، وبين الذي هو بيع مطلق، وجاء الاستثناء لشرط القطع بالعلة، فبقي ما عداه على الأصل الموجب للتحريم؛ لأن السنة: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها)، فجاءت السنة بالعلة وقيدت حال القطع، فبقي ما عداه على التحريم.
إذاً الخلاصة: أن بيع ثمرات النخيل قبل بدو الصلاح، -وهو ما بين التأبير، وما بين بدو الصلاح الذي هو الإزهاء- له ثلاث صور: إما أن يبيعه بشرط القطع، فيصح في قول الجماهير، لظاهر حديث أنس رضي الله عنه: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك).
أو يبيعه بشرط التبقية، فلا يصح بإجماع، وفيه شذوذ لا يعول عليه.
أو يبيع بيعاً مطلقاً، فالجمهور على عدم الجواز لظاهر السنة، والحنفية مخالفون، والصحيح مذهب الجمهور.
(167/10)
________________________________________
تابع بيع ما يجز ويلقط
بعد هذا نرجع إلى مسألة بيع الرطبة والقثاء ونفرِّعها على بيع الثمرة، وانظر إلى دقة المصنف رحمه الله تعالى، حيث جعل بيع النخل بشرط القطع أصلاً، فألحقت به الزروع والثمار والمحاصيل التي تكون في نفس المعنى، فإذا كان الزرع مما يحصد مثل الكرّاث، أو الجُزر الذي يراد ورقه، أو البرسيم، الذي يراد علفاً، فلا يجوز بيع أصله وفرعه، لكن لو باعه بشرط القطع على الجزة الظاهرة صح له ذلك وجاز؛ لأن العلة من خوف الغرر غير موجودة، ويلحق بهذا ما يلتقط، فكما أن الذي يجز يباع فيه الجزة الظاهرة، كذلك الذي يلتقط كالقثاء والباذنجان، والقثاء يختلف؛ لأنه لا يبدو صلاحه إلا إذا تناهى في الطول، والباذنجان لا يبدو صلاحه إلا إذا تناهى في الجرم والحجم، ولذلك قد تبيع الباذنجان وهو أخضر، ثم يصير أحمر، فاللون ليس لذاته مؤثراً، ولكن المؤثر تناهي الحجم، والحجم إما في الطول كما في القثاء، وإما في العرض كما في الباذنجان، وانظر كيف اختار المصنف رحمه الله تعالى، حتى نعلم أن الفقهاء حين يأتون بالتمثيل والتقريب يراعون الأحوال المختلفة، فإن سئلت عن ثمرة طويلة كالقرع المديني تقول: تلتحق بالقثاء، فإن الفقهاء نصوا على عدم جواز بيع القثاء إلا ما تناهى كبره للَّقطة الظاهرة، فلا يباع القرع المديني إلا بعد تناهي طوله فيما تم طوله وتناهى.
وأما ما كان من عرضه ممتلئاً فتقول: لا يصح بيعه إلا بعد تناهي كبره لبدو صلاحه في اللقطة الظاهرة، كالقرع غير المديني، وهو القرع الذي يكون مدوراً، فهذا يكون صلاحه بعد تناهي كبره، ويكون للقطة الظاهرة، فيبيع ما صلح للقط، وأما ما لم يصلح فإن البيع فيه بيع غرر، فينتظر إلى صلاحه.
[أو جزة جزة]: ذلك كالكرّاث، وكذلك أيضاً البرسيم وأنواع العلف، والقصب.
قوله: [أو لقطة لقطة]: وذلك كما ذكرنا في الأشياء التي تلتقط ويكون بعضها لم يصلح، ولم يستتم صلاحه، أو لم يتناه كبره، فإنه حينئذ يباع لَقطة لَقطة.
ولاحظ عبارة المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه ولا زرع قبل اشتداد حبه، ولا رطبة وبقل، ولا قثاء ونحوه كباذنجان دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال أو جزة جزة أو لقطة لقطة].
فأول شيء ذكر لنا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وأعاد عليها قوله: [دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال] فلا يباع ثمر قبل بدو صلاحه، وحينئذ تعيد إليها [إلا بشرط القطع]، أي: لا يباع ثمر قبل بدو صلاحه إلا بشرط القطع.
ثم قال: [ولا زرع قبل اشتداد حبه ولا رطبة وبقل، ولا قثاء ونحوه كباذنجان] وأعاد عليها قوله: [أو جزة جزة أو لقطة لقطة]، فجعل القطع عائداً إلى النخل، فيقطع ما عليها من العراجين والشماريخ، والجز عائداً إلى الحب وإلى الرطبة، والحب يجز ويحصد ويقص من الأرض، سواء بالآلات أم بالوسائل الموجودة الآن، فالمهم أنه يحصد.
وأيضاً كذلك الرطبة، قلنا أصلها باطن وفرعها مقصود، كالبرسيم يجز ظاهره، والكراث يجز، فلا يباع إلا جزة جزة، وبعد الجزة قال: [أو لقطة لقطة]، كقثاء وباذنجان ونحوه؛ لأنه يلتقط فأعاد اللقطة إلى الباذنجان والقثاء ونحوهما.
وهذه أمور كانت من أوضح ما تكون، أي: الزروعات، وكان الناس عمال أنفسهم كما قالت عائشة رضي الله عنها: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم)، وهذه الأمور أصبحت تخفى.
فيكون كلامه على هذا فيه لف ونشر، فتعيد القطع إلى النخل، والجز إلى الحب وإلى الرطبة، والالتقاط إلى القثاء والباذنجان.
إذاً: هذه الأمور كلها مرتبة على حسب إيراد المصنف رحمه الله من الأنواع الأول.
(167/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب بيع الأصول والثمار [3]
تبادل المنافع بالبيع والشراء حاجة من حاجات الناس، ولما كانت النفوس مجبولة على استيفاء حظوظها والنظر في مصالحها دون مصالح الآخرين، فإن هذا قد يؤدي إلى النزاع في البيع والشراء فيما يستحقه كل منهما بالبيع، أو وقوع الغبن على أحدهما، فاقتضت تعاليم الشريعة المحكمة أن تضع شروطاً وضوابط وموانع لما يباع، وبيان حقوق البائع والمشتري في البيع، وبيان بطلان البيع إلى غير ذلك مما يجب على المسلم علمه حال البيع، وفي هذه المادة بيان لبعض هذه التعاليم الغراء في بيع الأصول والثمار خاصة.
(168/1)
________________________________________
أحكام تتعلق بالبائع والمشتري
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلف الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والحصاد والجذاذ واللقاط على المشتري]:
(168/2)
________________________________________
من يلزمه الحصاد والجذاذ واللقاط
ونبدأ بالنخيل، فإن اشترى ثمرة مائة نخلة في هذا الصيف بعد بدو الصلاح والشروط متوفرة، وبعد أن تم البيع، وحان وقت جني المحصول، قال المشتري للبائع: النخل نخلك، والثمرة اشتريتها منك، فاحصده لي، فأنت الذي تجذ النخل، وعليك الجذاذ.
وكما هو معلوم النخل تارة يؤخذ بثراً، وهذا يحتاج إلى التقاط، ورطباً يحتاج إلى التقاط، وتمراً يحتاج إلى جذ، فيجذ العرجون كله ثم يحصد ما فيه، فقال: أنا اشتريت منك ثمرة بستانك فالذي عليك، أن تجذ لي النخل، وتلتقط لي الرطب، وتلتقط لي البثر، قلت له: يا أخي أنا بعتك الثمرة، والحصاد والجذاذ عليك أنت! وهذا النخل موجود فادخل وخذ ثمرتك، أما أنا فكيف أتكلف هذا؟ لأن الحصاد يكلف بعض الأحيان عشرات الألوف، خاصة إذا كان النخل كثيراً وفيه مؤنة ومشقة، وفي مثل مواسم الحصاد.
فيأتي

السؤال
هل الحصاد والجذاذ على البائع، أو على المشتري؟ يقول رحمه الله تعالى: [والحصاد والجذاذ واللقاط على المشتري]، أي: أنت أيها المشتري عليك مؤونة جني الثمرة، فالثمرة ثمرتك وهو يمكنك من دخول البستان لجني المحصول، ويكون هذا بالمعروف، فإذا مكنك من ذلك فهذه ثمرتك، إن شئت تأخذها بلحاً وإن شئت تأخذها رطباً، وإن شئت تأخذها تمراً، فيخلي بينك وبين المبيع، أما أن تلزمه بالجذاذ، فهذا ليس من حقك.
وقوله: [والحصاد]، الحصاد في الزروع، كحصد محصول الحب، والشعير، ونحو ذلك، فيقول البائع للمشتري: أنت الذي تحصد، فتأتي بمن يحصد لك هذا الحب الذي اشتريت مني.
فتكون مؤونة الحصاد على المشتري لا على البائع.
قوله: [والجذاذ]: كذلك جذ النخل، فإذا أراد أن يجذ نخله والثمرة التي اشتراها، تكون المؤونة والأجرة على المشتري لا على البائع.
قوله: [واللقاط على المشتري] كذلك اللقاط، وهو الجني، مثل القثاء يلتقطها، ومثل الباذنجان والكوسة والباميا، ونحو ذلك من الأشياء التي تحتاج إلى التقاط، فإن مؤونة الالتقاط على المشتري، لا على البائع.
(168/3)
________________________________________
حالات يبطل بها البيع
قال رحمه الله تعالى: [وإن باعه مطلقاً، أو بشرط البقاء، أو اشترى تمرا ً قبل بدو صلاحه بشرط القطع، وتركه حتى بدا، أو جزة أو لقطة فنمتا، أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها، أو عرية فأثمرت، بطل والكل للبائع] قوله: [وإن باعه مطلقاً]: تقدم أن البيع المطلق هو الذي ليس فيه شرط التبقية ولا شرط القطع، أي: يبيعه بيعاً خالياً من الشرط، وينبغي على طالب العلم أن يتنبه إلى أن سياق الكلام هنا في الثمرة التي لم يبدُ صلاحها؛ لأن الكلام متصل بقوله: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه].
فيرد

السؤال
الحكم أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فلو حصل وباعه قبل بدو الصلاح؟ قال رحمه الله تعالى: [وإن باعه]، أي: قبل بدو الصلاح، [بيعاً مطلقاً.
بطل]، فالأصل يقتضي عدم جواز البيع، خلافاً للحنفية، إذ يرون أنه لو باعه بيعاً مطلقاً فإنه يجوز، ويجب على المشتري أن يقطع فوراً.
فلو باعه بيعاً مطلقاً وتم البيع بينهما مخالفا للسنة التي ذكرنا، ومضى الحال سواءٌ علم الحكم أم جُهل، ثم بعد أربعة أشهر لما بدا الصلاح سأل أهل العلم، فقالوا: هذا البيع لا يجوز، فماذا يكون حكمه؟ الثمرة الآن صالحة، فهل تكون الثمرة ملكاً للبائع، بناء على أن البيع فاسد، والأصل أنها ملك له ولم تخرج من يده؟ أم أنها ملك للمشتري بناء على أنه لم يتدارك الفساد؟ بين رحمه الله تعالى أنها ملك للبائع، وهذا هو الصحيح؛ لأن هذا البيع فاسد من أصله، فلما تبايع معه بيعاً غير شرعي، فمعناه أن الثمرة ما زالت باقية في ملك البائع، وأن المشتري لا يملك هذه الثمرة؛ لأن الإيجاب والقبول والصيغة وقعت على وجه غير معتبر، فوجودها وعدمها على حد سواء، لكن ما الحكم حينئذ؟

الجواب
يُلزم البائع برد الثمن، ويقال: هذا البيع منفسخ، ثم يقال للمشتري: الآن بدا الصلاح فإذا أردت أن تشتري فلتشتر من جديد؛ لأن البيع الأول فاسد، فإن أحببت أن تنصرف بمالك فلا إشكال، وإن أردت هذه الثمرة فادفع حقها الآن؛ لأن الإيجاب والقبول في بيعكما باطل لا قيمة له، فالثمرة ما زالت في ملك صاحبها، ولكن ما الفائدة في هذا؟ الجواب: في بعض الأحيان يبيعه الثمرة قبل بدو صلاحها، على أن السوق غالٍ، فتكون قيمتها -مثلاً- مائة ألف، ثم لما بدا الصلاح أصبح السوق كاسداً، فتنزل القيمة، فلربما اشتراها بخمسين ألفاً، فيكون أخف وأرفق بالمشتري، وربما يكون العكس؛ لأن فيها مخاطرة، فتكون القيمة أقل.
فإذا بدا الصلاح قلنا: إذا أردتما أن تنشئا العقد فأنشئا من الآن، ولو أرادا أن لا ينشئا عقداً، أو قال البائع: لا أريد أن أبيع، أو رجعت عن بيعي وأريد أن آخذ الثمرة بنفسي كان له ذلك؛ لأن الثمرة ما زالت في ملكه وهو أحق بها، ويجب عليه أن يرد للمشتري ماله كاملاً.
قوله: [أو بشرط البقاء]: هي الحالة الثانية، اشترى قبل بدو الصلاح، وقال له: أشترط أن تبقي لي الثمرة حتى يبدو الصلاح، فسواء علم الحكم أم جهله فالبيع فاسد، وحينئذ إذا رفع الأمر إلى القاضي فإنه يحكم بانفساخ البيع ووجوب رد المال إلى المشتري، ورد الثمرة إلى البائع.
قوله: [أو اشترى ثمراً قبل بدو صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا]: أي: لو جاءك رجل وأنت عندك مائة نخلة، لم يبدُ صلاح ثمرها، فقال: أشتريها منك، قلت له: أنا لا أبيعها إلا بشرط أن تقطعها، قال: قبلت، واشتراها منك بعشرة آلاف ريال على أنه يقطعها، ثم جاءته ظروف فلم يستطع القطع، أو تهرب وماطل، حتى بدا صلاح ثمرها، فما الحكم؟ الحكم حينئذ أن نقول: إن هذا العقد الذي وقع بينكما وقع بشرط القطع مصححا، وإلا الأصل عدم صحته، فلما فات الوصف الشرعي المعتبر للتصحيح فإنه يرجع إلى حكم الأصل ببطلانه، فترد له المال، ولا حق له بالمطالبة بالثمرة، وتنشئان بيعاً جديداً إذا أردت البيع.
قوله: [أو جزة أو لقطة فنمتا]: أي: إذا جاء واشترى منه برسيماً وهو على طول شبر، فالبرسيم على شبر له قيمة، والبرسيم على شبرين له قيمة، ففي بعض الأحيان يأتي المشتري، وتأتيه ظروف فيقول: أريد البرسيم الآن، فتقول له: ليس عندي إلا هذا البرسيم الذي هو في نصف الاكتمال، فيقول: بكم أشتريه منك؟ فيقول البائع مثلاً: عشرة أحواض بمائة، قال: قبلت، وأعطاه المائة، ثم إذا به يماطل ويتأخر، أو جاءه ظرف، حتى أصبح البرسيم فوق ذلك بكثير، فيصبح المبيع الحاضر غير الذي أوجبا البيع عليه من قبل، وقد تكلف البائع مؤونة سقيه والقيام عليه، فحينئذ ينفسخ البيع الأول؛ لأن الجزة التي تعاقدتما عليها ليست بموجودة، ففاتت بتفويت المشتري، وحينئذ يتحمل مسئولية فوات البيع وترد له القيمة، وينُشئان بيعاً جديداً، وغالباً ما يكون البرسيم بضعفي قيمته؛ لأنه لما نما كان غير الذي اتفقا عليه.
إذاً: الثمرة إذا صلحت وبدا صلاحها، فقيمتها غير قيمتها قبل بدو الصلاح، ولا شك أن المشتري إذا أراد أن يتلاعب، وفعل ذلك عن تلاعب لا شك أن هذا من خديعة المسلم، ولذلك يمثل بعض العلماء بأن الغش كما يكون من البائع للمشتري يكون كذلك من المشتري للبائع، ومن غِشِّ المشتري للبائع أن يشتري بشرط القطع، فإذا به يؤخر ويماطل حتى تكتمل الثمرة، فيأتي ويأخذها، ولا شك أن هذا إذا فعله على قصد التلاعب، فإنه معصية لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى حرّم أن يفعل المسلم بأخيه هذا، فيشتري منه الشيء بنصف قيمته على أن يأخذه فوراً، وهو يضمر ويريد منه ما هو أكمل، مما يستحق قيمة أكثر، وليس هذا من النصح للمسلمين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)، فمما ينبغي للمسلم أن ينصح لأخيه، وهذا ليس من النصح.
فقوله: [أو جزة]، أي: من كراث، أو برسيم ونحوه، [أو لقطة]، أي: من قثاء وباذنجان ونحوه، كالقرع والباميا، ونحو هذه الأشياء التي تلتقط، فاشتراها على هيئة ثم تركها حتى زادت، فالذي أوجب البيع عليه غير الذي صار إلى هذه الحالة، فوجب أن ينشأ العقد على الذي صار إليه الحال، ويلغى البيع في الأول.
قوله: [أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها]: أي: إذا اشترى ما بدا صلاحه، وحصل آخر، أي: زيادة على الذي اتفقا عليه، واختلطت الزيادة بالأصل، و [اشتبها]، فما استطاعا أن يميزا الذي اتفقا عليه من الذي لم يتفقا عليه، فحينئذ يصير المال ما بين حلال وحرام، والقاعدة أنه إذا اشتبه الحلال بالحرام، حرم الكل، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، في كلب الصيد إذا أُرسل للصيد، وأكل الكلب من الفريسة، قال صلى الله عليه وسلم: (وإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه)؛ لأنه إذا أكل من الفريسة فيحتمل أنه أمسك لك فصيده حلال، ويحتمل أنه أمسك لنفسه، فصيده حرام، فقال: (إن أكل فلا تأكل).
فإذا أكل وجلس على الفريسة يأكل منها فهذا لا إشكال فيه؛ لأنه أمسك لنفسه، لكن إذا أكل منها، ثم جاءك بفضلته فحينئذ يحتمل أن يكون صاد لنفسه، ثم من باب الوفاء جاء لسيده بالباقي، أو أنه صاد لسيده، فلما ذاق حلاوة اللحم ولذة الفريسة نهش منها، كأنه يرى أن سيده لا يضربه ولا يؤذيه، فيحتمل أنه صاد لسيده فعلاً، لكن الكلب -أكرمكم الله تعالى- لا ينطق ولا يتكلم، وإنما يباح صيده إذا صاد لك، ويحرم إذا صاد لنفسه؛ لأن الله تعالى يقول: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة:4] فدل على أنه إذا لم يمسك لك لا يجوز لك الأكل؛ لأن كلاب الصيد والجوارح، كالصقور، والبوازي، والشواهين والنسور ونحوها، يصح صيدها إذا لم تأكل، أما لو أكلت فلا، فالصقر -مثلاً- إذا أرسلته وأكل من الفريسة فحينئذ لا يؤكل منها؛ لأنه اختلط الحلال بالحرام، فهناك موجب يقتضي الحل، وهو كونك أنت الذي أرسلت، وذكرت اسم الله تعالى، وأنت الذي حددت الفريسة، وهناك موجب يقتضي الحرمة؛ لأن شرط حل صيدها أن لا يأكل، فلما أكل اشتبه أن يكون أمسك لنفسه ولم يمسك لك، فإذا اشتبه الحلال بالحرام، حرم الكل.
ولذلك نقول: القاعدة أنه إذا اجتمع حاظرٌ ومبيح، قدم الحاظر على المبيح، والسبب في هذا أن الحاظر والحرام أمرك الله تعالى باجتنابه، والحلال لم يأمرك الله تعالى بأخذه، فحينئذ تعارض الأمر مع ما هو دونه، فقال العلماء: إذا تعارض الحاظر والمبيح، قدم الحاظر على المبيح.
ومن هنا قالوا: إذا اشتبهت ميتة بمذكاة حرمتا، وإذا اشتبهت زوجة بأجنبية حرمتا، فلو كان هناك امرأتان متشابهتان تماماً وكانت إحداهما زوجة لإنسان، فجاء ودخل فوجد امرأتين كلتيهما شبه لزوجته، لا يدري هذه زوجته أو هذه، وقد يقع هذا في بعض الأحيان كما كان يقع في القديم في سفر القوافل، فقد كان يقع بعض اللبس، فإذا لم يتحرَّ ولم يتأكد أنها زوجته لم يجز له أن يقدم على غرة؛ لأنه ربما وطئ في حرام، والله تعالى أمره باجتناب الحرام.
إذاً: اجتمع الحاظر والمبيح، قدم الحاظر على المبيح.
وهنا إذا اشتبه ماله الذي اشتراه، وهو ملك للمشتري والمال الذي حدث في ملك المشتري وجب ترك الكل، وتصحيح العقد ما أمكن.
قوله: [أو عرية فأثمرت]: العرية: من العرايا، سميت بذلك لأنها تعرى من البستان.
والعرايا: أن يباع الرطب على رءوس النخل بخرصه تمراً، وليس الرطب بمجني؛ إذ المجني لا يباع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر، لكن يباع على رءوس النخل.
فلو فرضنا أن رجلاً عنده تمر سكري، لكنه أحب أن يأكل بدلاً منه رطباً، ففي الأصل لا يجوز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم وجود التماثل، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع العرايا بخرصها تمراً، في قدر خمسة أوسق، كما في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، فإذا كانت العرية في خمسة أوسق فما دون صح، أي: أن يؤخذ منه ثلاثمائة صاع؛ لأن الوسق ستون صاعاً، فيبيع نخلاً عرايا في حدود ثلاثمائة صاع، فإذا نقص عن ذلك جاز، ولو زاد لم يجز.
فلو فرضنا أن النخلة فيها عشرون صاعاً، فخرصها الخارص وقال: هذا الرطب إذا صار تمراً يصير عشرين صاعاً، فقلت له: إذاً أعطيك عشرين صاعاً من التمر الذي في الأرض بهذه العريا التي فيها عشرون صاعاً، واتفقتما ع
(168/4)
________________________________________
ما يلزم البائع والمشتري عند بطلان البيع
قوله: [بطل والكل للبائع] أي: بطل البيع، وقوله: [والكل للبائع] ذكرنا أن المشتري إذا أخذ الثمرة بشرط القطع فإن أبقى الكل فالكل للبائع، ويرد له الثمن، لكن لو أنه أخذ بعض التمرة وترك بعضها حتى صار تمراً، أو ترك بعضها حتى بدا صلاحه، فقال رحمه الله تعالى: [والكل للبائع]، أي: أنه يُلغى البيع كله، ويرد الثمن كاملاً، ويصبح المثمن كاملاً للبائع، فيقدر الذي أخذه بقيمته، ويلزم المشتري بدفع قيمة ما أخذ.
وعلى هذا في العرايا لو اشتراها صفقة واحدة ثم أكل النصف رطباً وأبقى النصف تمراً، فمن العلماء من قال: تتجزأ الصفقة، فتصحح في النصف وتبقى في النصف، ومنهم من يقول: يبطل الكل؛ لأنها بيعت بصفقة واحدة.
وعلى هذا الوجه يلزم البائع أن يرد الثمن كاملاً، ويضمن المشتري للبائع قيمة ما أخذه بحقه.
(168/5)
________________________________________
حكم البيع المطلق وبشرط التبقية
قال رحمه الله تعالى: [وإذا بدا ما له صلاح في الثمرة، واشتدّ الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية]: أي: إذا بدا ما له صلاح في الثمر جاز بيع الكل بيعاً مطلقاً وبشرط التبقية، فإذا بدا الصلاح في النخيل فأزهت، فاحمَّرت واصفرت، فحينئذ يجوز بيعها بيعاً بشرط التبقية، وبيعاً مطلقاً.
كرجل عنده مائة نخلة وبدا صلاحها، فقلت: يا فلان بكم تبيعني هذه المائة نخلة؟ فقال لك: أبيعكها بألف ريال، فقلت له: قبلتُ، فمن حقك أن تشترط عليه أن يبقيها، فتقول: قبلت بشرط أن تبقيها لي حتى تصير تمراً، وإذا بدا الصلاح تكون حبات التمر بلحاً؛ والنخيل منه ما لا يؤكل إلا بلحاً، ومنه لا يؤكل إلا رطباً، ومنه ما لا يؤكل إلا تمراً، وهناك ما يجمع الثلاثة الأحوال، كالتي تسمى أم جرذان، قيل: إنها التي ورد في السير أنه حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة -وكانت بقباء- أكل منها، وهذه من أبكر أنواع النخيل الموجودة في المدينة وتؤكل بسراً وبلحاً ورطباً وتمراً.
فهذا النوع يؤكل بجميع الأحوال، لكن هناك نوع إذا اشتراه المشتري يشترط بقاءه إلى التمر، وهناك ما يؤكل بلحاً ورطباً وتمراً، لكن من مصلحة بيعها أن تؤخر حتى تصير تمراً، فقيمتها تمراً أغلى من قيمتها رطباً، وبعضها قيمتها رطباً أغلى من قيمتها تمراً، فالذي يحتاج إلى تأجيل من أجل ربح السوق، فحينئذ يشترط بقاءه إلى الحصاد والجذاذ.
ومن هنا قال رحمه الله تعالى: إذا اشترى بعد بدو الصلاح يجوز أن يتم البيع بيعاً مطلقاً، دون أن يوجد شرط، ويكون من حق المشتري أن يبقيها إلى القطع، ويجوز أن يشتريها ويقول: أشترط عليك أن تبقيها لي إلى الجذاذ.
وفائدة هذه المسألة: لو أن رجلاً اشترى منك مائة نخلة بعد بدو الصلاح، فقلت له: أنت اشتريت الحاضر الناضج، فألزمك بقطعها، لم يكن من حقك ذلك، بل تبقى إلى جذاذها، ولا يجوز لك أن تلزمه بالقطع قبل الجذاذ، فله حقٌّ أن يقطعها فوراً، أو أن يؤخرها إلى منتصف الموسم، أو إلى آخر الموسم، ولا يلزمه أن يقطعها فوراً.
لكن الحنفية يخالفون الجمهور في هذه المسألة، فيرون أنه إذا اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها يجب عليه القطع مطلقاً، سواء اشترط أم لم يشترط، وهذا مذهب مرجوح، والسبب في هذا أنهم يرون أن بيع الثمرة على أن تبقى إلى بدو الصلاح من بيوع الغرر، وبيوع الآجال، ولا يصححون هذا النوع من البيع بشرط التبقية، ولا يجيزون في البيع المطلق إلا أن يقطع فوراً، ويلزمون المشتري بقطعها فوراً، ولا شك أن مذهب الجمهور أصح.
(168/6)
________________________________________
حالات بدو الصلاح وآراء الفقهاء فيها وفي حق المشتري
بناءً على ما سبق عندنا الأحوال التالية: الحالة الأولى: إذا بدا الصلاح بسراً فاحمَّرت الثمرة، أو اصفرت.
الحالية الثانية: أن ترطب، فيكون النضج في نصفها، أو في ربعها، أو في أكثرها.
الحالة الثالثة: أن يتم استواؤها ويكتمل، فتتهيأ للصرام والقطع.
هذه ثلاثة أحوال بعد بدو الصلاح ينتبه لها.
الحالة الأولى: أن تكون بلحاً، وبسراً.
الحالة الثانية: أن تكون رطباً.
الحالة الثالثة: أن تكون تمراً.
فإن بيعت النخلة في هذه الثلاث الأحوال، إما أن تباع عند نهاية الاستواء، فإذا بيعت بعد اكتمال استوائها واكتمال نضجها، فبالإجماع يصح البيع ويقطعها فوراً، كرجل عنده مائة نخلة سكرية، وتركها وحفظها حتى صارت تمراً، ثم جاءه رجل وقال: أشتري منك هذه المائة نخلة بمائة ألف، فقال: خذها.
فإنه يتم البيع بالإجماع ويصح.
الحالة الثانية: أن تباع قبل أن تثمر، وقبل أن يكتمل استواؤها، فجماهير أهل العلم على جواز البيع وصحته، وخالف في هذه المسألة.
رجلان عالمان، وكلاهما من التابعين، أولهما: عكرمة بن عبد الله، صاحب ابن عباس رضي الله عنهما، والثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، الفقيه المشهور، فقالا: لا يجوز البيع، فلم يصححا بيع ثمرة النخيل قبل الاستواء الكامل، ولكن الصحيح مذهب الجماهير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها).
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النهي توقف عند بدو الصلاح فدل على أنه بعد بدو الصلاح يحل البيع، وهذا على القاعدة الأصولية المشهورة أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها في الحكم، فلما قال: حتى يبدو صلاحها، فالغاية بدو الصلاح، فمعناه أن الحكم بعد بدو الصلاح يخالف الحكم قبل بدو الصلاح، وقبل بدو الصلاح قال: (نهى)، فمعناه أنه بعد بدو الصلاح، يجوز ولا بأس به.
وإذا قلنا بقول الجمهور: إنَّه يجوز بيعها قبل أن تثمر، فهم على طائفتين: فالمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، رحمة الله تعالى على الجميع، على أنك إذا اشتريت ثمرة بعد بدو صلاحها يجوز لك أن تبقيها، ولا يجب عليك القطع.
وقال الحنفية: يصح بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، ونلزم المشتري بقطعها فوراً، فإن بيعت بُسراً وجب عليه أن يقطعها بسراً، وإن بيعت رطباً يجب عليه أن يقطعها حال كونها رطباً.
والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط في حل ما كان بعد الغاية مفهوم القطع.
وعلى هذا يكون الحكم أنه يجوز بيعها بعد بدو صلاحها بيعاً مطلقاً، وبيعاً بشرط التبقية، وبشرط القطع، لا بأس بذلك كله، على ظاهر السنة.
(168/7)
________________________________________
يلزم في بيع الحب ما يلزم في بيع ثمر النخل عند صحتها
قوله: [واشتدّ الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية]: الحب أول ما يظهر.
يكون طرياً، حيث يكون فيه ماء السنبلة، ثم يبدأ ييبس قليلاً قليلاً، حتى يشتدّ ويكتمل استواؤه، فإذا اكتمل استواؤه جاز بيعه، وبيع الحب على حالتين: الحالة الأولى: أن يأتي المشتري يشتري منك الحب، كأن تكون زرعت مزرعة كلها حبوب، فيأتي فينظر إليها ويقدرها، وتتوافر شروط البيع من العلم بقدر المبيع ونوعه، وبعد ذلك قال: أنا أشتري منك هذا الحب الموجود في مزرعتك بخمسين ألفاً، فقلت له: قبلت، فإن كان الحب طرياً لم يشتدّ لم يجز، إلا بشرط قطعه فوراً، كالنخل، كأن يقول: أريده علفاً الآن، ولا أريد بقاءه حتى يُحصد، فلو اشتراه قبل بدو صلاحه واشتداده بشرط أن يقطعه فوراً، صح البيع.
ولو أخذه منك في هذه الحالة بشرط أن يقطعه فأخره حتى اشتدّ، فما الحكم؟

الجواب
يبطل البيع على القاعدة التي ذكرناها، فإذا اشترى الحب قبل بدو صلاحه، بشرط القطع صح، وإن اشتراه بشرط أن لا يقطعه، بطل البيع، فإن بدا صلاحه، واشتدّ فحينئذ فيه تفصيل: فإن اشترى منك الحب وهو في سنابله وفي أرضه صح البيع، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، لكن لو أن هذا الحب حصدته، فأدخلته في البيدر، ومعه الشوك، ولم يصف الحب بعد، فهل يجوز أن يشتريه منك بالخرص قبل أن يكال؟ أو هل يجوز أن يشتريه بالكيل؟ أو يجوز أن يشتريه غير خالص؟ الجواب: لا؛ لأنه إذا حصد ووضع في البيدر، وأراد أن يأخذه بصفته فإنه يكون من بيع الغرر؛ لأننا لا ندري كم يصفى من هذا الحب، فلو قال قائل: هذا الحب يجوز بيعه، وهو في سنابله! قلنا: بالخرص، لكنه إذا خلط وأصبح محصوداً لا ينفع فيه الخرص، ولا يستطيع الخارص أن يحدد بدقة، أو بغلبة ظن ما هو أقرب للحقيقة، بخلاف ما إذا كان على رءوس زرع مشتدّ في سوقه، فإنه يمكنه أن يخرص، لكنه إذا دخل في البيدر، تكون السيقان الطويلة، والصغيرة، ويختلط الحب بغلافه، وبعد ذلك لا يمكن معرفته على الحقيقة أو قريب من الحقيقة إلا إذا صفي، فلا يجوز بيعه بعد الحصد إلا بتصفيته؛ لأنه يفضي إلى الغرر؛ فإنه حينما تشتري الصاع فإنك تشتري الحب مع الشوك، ولا يجوز بيع الشوائب لما فيها من الغرر، إلا بعد تصفيتها، ما دام أنه يمكن تصفيتها.
قال رحمه الله تعالى: [وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ]: هذه هي الحالة الثانية: فإذا اشترى الحب بعد اشتداده، فإنه لا يجوز لك أن تقول له: احصد الآن، بل من حقه أن يؤخر إلى اكتمال الحصاد، حتى ينشف نشافاً كاملاً، ثم بعد ذلك يحصد، فإن اكتمل استواؤه، فقال: أريد أن أتأخر، فليس من حقه ذلك، أي: إذا تمت المدة وجاء موسم الحصاد يلزم المشتري بالحصاد؛ لأن هذا قد يضر بالبائع، ولذلك يلزم بحصده فوراً.
(168/8)
________________________________________
ما يلزم البائع بعد بيع الثمرة
قال رحمه الله تعالى: [ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل]: بعد أن بين لنا رحمه الله تعالى مسائل البيع، شرع في مسائل الحقوق التي تتبع البيع، ولذلك الكلام على الفرع، وبيان الفرع بعد بيان الأصل والكلام عليه، وهذا كما ذكرنا أكثر من مرة من دقة العلماء، إذ قد تصح البيوع ويأتي الناس يتقاضون في الحقوق، فتختلف الأحوال فتارة يبيعه النخل بيعاً صحيحاً، ويبيعه الحب بيعاً صحيحاً، ولكن يفرط البائع في حق المشتري، أو يمنع البائع حقاً من حقوق المشتري، فيرد

السؤال
ماذا يكون من حق المشتري إذا اشترى الثمرة بعد كمال استوائها، أو بعد صلاحها؟

الجواب
يجب على البائع أن يحافظ على الثمرة، ويحافظ على الأسباب التي تحافظ على الثمرة، وأهم تلك الأسباب مسألة السقي، كسقي النخل، فإن الثمرة تتأثر بالماء، فإذا اشترى منه نخلاً، وجب عليه أن يقوم على سقيه، وبناء على ذلك لو أن المزارع الذي اشتريت منه تعطلت آلة الماء عنده وجب عليه أن يصلحها، فإن لم يمكنه أن يسقي بآلته، وجب عليه أن يستسقي لك ماء يبقي لك الثمرة، إلى أن يتم حصادها، فإذا قصر فإنه يتحمل مسئولية التقصير، فإذا قلت: إنه يجب على البائع أن يسقي الثمرة بالمعروف، معناه أنه لو قصر كأ، يكون النخل يسقى، النخل يسقى إلى ثلاثة أيام، أو إلى يومين، إذا كان سقيه بالري الكامل وبأحواض كبيرة، فأصبح يسقي كل أربعة أيام، أو كل خمسة أيام، أو كل أسبوع مرة؛ لكونه فيه كلفة على الآلة، وهذه أمور، كانت تكلف الناس، ولا زالت تكلف الناس، فيخفف على نفسه؛ لأن الثمرة لم تعد ثمرةً له، وإنما صارت ثمرة لغيره، فحينئذ لا يتضرر، ولا يضره شيءٌ، فيقوم بالتساهل في سقيها، فقال المصنف رحمه الله تعالى: يجب على البائع السقي، أي: أنه مسئول عن سقي النخل، ويلزم بالماء الذي يستبقى به النخل إبقاءً للفرع المشترى، وهو الثمرة، فلو أنه تساهل في السقي، ولم يستتبع النخل في السقي، أو تساهل عماله، فحينئذ يلزمه الضمان، فلو أن الثمرة تضررت حتى ذهب العشر بسبب ضعف السقي، يُلزم بضمان عشر القيمة.
وهكذا لو أنه تساهل في السقي، وتلاعب في ذلك حتى ذهب نصف الثمرة، يلزم بضمان نصف الثمرة، فإذا ألزمناه بالسقي ألزمناه بما يتبع التفريق للتساهل إذا كان ذلك بتساهل منه.
قوله: [وإن تضرر الأصل]: في بعض الأحيان يكون السقي مضرّاً بالأصل، فهل نقول: نقدم حق المشتري ويجب عليه السقي؟ أو نقول نقدم حق البائع؛ لأن الأصل الضررُ به أعظم من الفرع؛ لأن ضرر النخل ليس كضرر ثمرته، ففي بعض الأحيان يقول أهل الخبرة مثلاً: من المصلحة أن لا تسقي النخلة، وتحتاج أن تمسك الماء عنها أسبوعاً علاجاً لها من بعض الأمراض، والنخلة تمرض كما يمرض الآدمي؛ لأن لها أمراضاً تخصها، فإن قيل له مثلاً: الأرض مختمرة، ولا بد أن تمسك الماء عنها أسبوعاً، فحينئذ إذا أمسك الماء تضررت الثمرة، فنقول: إنه يلزم بالسقي بالمعروف ولو تضررت النخلة، لكن تضرر النخلة غالباً في مثل هذه المسائل ليس تضرراً سارياً إلى الثمرة، إنما هو في التضرر المستقل.
(168/9)
________________________________________
الآفات وأقسامها وعلى من ضمانها
[وإن تلفت بآفة سماوية رجع على البائع] أي: إن تلفت بآفة سماوية، كما لو اشترى بستاناً بمائة ألف، ثم أصابته جائحة، والجوائح هي من حيث الأصل: الآفات والأضرار التي تصيب المحاصيل، وتصيب الزروع والثمار، وتنقسم إلى قسمين: الأول: آفات سماوية، وهي التي لا دخل للمكلف فيها.
الثاني: وآفات غير سماوية، ويكون فيها للمكلفين دخل.
أما الآفات السماوية: فمثل الأعاصير، كأن يأتي إعصار فيه نار فيحرق محصول الحب، ومزارع الحب في بعض الأحيان إذا كان هناك إعصار تشتعل ناراً، خاصة إذا كانت متأهلة للحصاد، فإذا اشتعلت ناراً بالإعصار، أو الصواعق، أو جاء سيل فغمر المحصول كله وأتلفه، فما الحكم؟ إذا كانت الآفة سماويةً، ولا دخل للمكلف فيها، فالسنة مضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح، فأخوك المسلم إذا اشترى منك ثمرة البستان، أو اشترى منك محصول الزرع، ثم أصاب ذلك المحصول، أو تلك الثمرة جائحةٌ سماوية ليس بيده ولا بيدك دفعها، فإنه يجب عليك أن تضع الجائحة عنه، بمعنى أنك ترد له المال، ويكون الضمان على حسب الجوائح، والدليل على وضع الجائحة حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صحيح مسلم وغيره، قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح)، فالسنة على أن الجوائح توضع.
ومثل الحب النخل، فبعض المواسم يكون فيها: غبار كثير، والغبار يتلف ثمرة النخيل خاصة إذا كان عند التغبير، أو قبل بدو الصلاح، فتجد الثمرة منتفخة ليست بمليئة، وتصاب بأمراض بسبب الغبار، وتصاب بأمراض بسبب الأعاصير وسبب الرياح.
وفي بعض الأحيان تهب رياح عاتية قوية، فإذا تحرك النخل تساقط التمر على الماء، ويفسد التمر؛ لأن التمر يصيبه الخمج إذا وقع في الماء، فتتحرك الرياح اليوم واليومين، وتلعب بجريد النخل فربما لا تبقي منه إلا ربعه، وربما لا تبقي منه إلا نصفه، وربما لا تبقي منه إلا ثلثه، فحينئذ إذا جاءت الجائحة فأتلفت الثمرة كاملة وضعت القيمة كاملة، وإن أتلفت نصفها وضع نصف القيمة، وإن أتلفت الربع وضع ربع القيمة.
وكيف نعرف أنها أتلفت نصف المحصول، أو ربعه، أو ثلثه؟

الجواب
يرجع إلى أهل الخبرة، فينظر أهل الخبرة في البستان، ويقولون: هذا البستان تلف من محصوله الربع، فإذا اشترى منك بأربعمائة ألف.
ترد له مائة ألف، وإن قالوا: تلف النصف، فحينئذ ترد له نصف القيمة، أي: أن الجائحة بالآفة السماوية تضمن وترد القيمة إذا تلف المحصول كاملاً، أو تلفت الثمرة بكاملها، وإن تلف الجزء فيرد بحسابه.
هذا بالنسبة للآفات السماوية، أما الآفات غير السماوية وهي ما يكون بفعل المكلف، مثل أن تحصل بين الناس خصومة، فيتلف بعضهم محاصيل بعض، يكون فقد كان في القديم تقع الفتن والحروب فتتلف المحاصيل، فإذا جاء رجل واشترى منك محصول حب، ثم جاء الغزاة وأحرقوا هذا المحصول، فإن العلماء يقولون: آفات الآدمي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يكون بالغلبة والمغاصبة والقهر، مثل أن تأتي الجماعة التي لا تغلب، فتعيث في القرية أو في المدينة فساداً وتتلف محاصيلها، فهذا بالغلبة والمغاصبة.
القسم الثاني: ما يؤخذ بالخلسة، كأن يكون محصولك جاهزاً، وإذا بسارق سرق ربعه أو نصفه أو ثلثه.
فأما النوع الذي يكون من فعل الآدمي فجمهور العلماء على أنه لا توضع الجائحة فيه؛ لأنه يكون من تقصير من نفس الشخص غالباً، وإذا غُلب بالقهر فيكون هذا من باب الغنم بالغرم، وبعض أصحاب الإمام مالك رحمهم الله تعالى، يقولون: توضح الجائحة فيه، والأول أقوى، والثاني من ناحية العلة أظهر.
أما لو أنك بعت ثمرة بستانك، فجاء السارق بالليل وسرق ممن اشترى منك، فالأفضل أن تخفف على أخيك، لكن لا يجب عليك ذلك، فهو الذي يلزم بالحفظ، ويلزم بالرعاية، وأنت لست بمسئول عن ضمان حقه.
قال رحمه الله تعالى: [وإن أتلفه آدمي خير مشترٍ بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف]: قوله: [وإن أتلفه آدمي]: هذا في حالة خاصة غير ما ذكرنا أولاً، وهو أن يأتي شخص بعينه، كأن يكون صاحب المزرعة بينه وبين رجل خصومة، فجاء هذا الرجل وأتلف محصول المزرعة، ولم يبق فيها شيئاً، أو أتلف نصف المحصول، أو ثلاثة أرباعه، فما الحكم؟ الجواب: نقول للمشتري: أنت بالخيار، إن شئت فسخت البيع ورجعت بالمال كله على البائع إذا تلف المحصول كله، وهذا يعتبر كالعيب الذي طرأ في المبيع، وإن شئت طالبت المتلف بضمان حقك.
وفي الأمرين فرقٌ: ففي بعض الأحيان، الأفضل له أن يسترد القيمة الأصلية، كأن يكون اشترى بقيمة غالية، فلما تم المحصول، ونزل إلى السوق وإذا بالقيمة رخيصة، فجاء المتلف في رخص السوق، فالأفضل له أن يفسخ البيع، وتارة يكون الأفضل له أن يطالب المتلف، فإنه قد يشتريها بعد بدو صلاحها بمائة ألف، فلما أتلفها المتلف كانت قيمتها مائة وخمسين، فإذا كانت قيمتها مائة وخمسين، فالأحظ له أن يطالب المتلف بالضمان، فالمقصود أنه إن شاء أخذ هذا، وإن شاء أخذ هذا.
(168/10)
________________________________________
استباق الثمار في بدو الصلاح وأحكامه
(168/11)
________________________________________
صلاح بعض الثمرة دون بعضها
قال رحمه الله تعالى: [وصلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان]: مما ينبغي علمه أن النخل إذا بدا صلاحه فيه لا يبدو دفعة واحدة، فأنت إذا نظرت إلى النخلة تجد أن فيها أكثر من عرجون، وإذا نظرت إلى البستان ففيه أكثر من نوع، وإذا نظرت إلى المدينة والقرية ففيها مئات البساتين، فحينئذ سنبحث مسائل جديدة: أولاً: بدو الصلاح في عرجون واحد، كأن تظهر فيه حبةٌ واحدة فقط حمراء أو صفراء، فإذا بدا الصلاح في حبة واحدة من عرجون واحد، فهل معناه أن العرجون كله يباع؟ فهذه مسألة.
ثم إذا قلنا بجواز بيع هذا العرجون، فهل معناه جواز بيع النخلة كلها؟ وهذه مسألة ثانية.
وإذا قلت: تباع النخلة، فهل يباع أمثالها من نفس النوع في البستان؟ وهذه مسألة ثالثة.
وإذا قلت: إنه يباع هذا النوع في هذا البستان، فهل يجوز أن يباع في البساتين الأخرى هذا النوع نفسه؟ وهذه مسألة رابعة.
وإذا قلت بجواز بيع هذا النوع في هذا البستان، فهل يقاس عليه بقية الأنواع؟ وهذه مسألة خامسة.
هذه مسائل كلها تابعة لمسألة بدو الصلاح.
وحتى تكون الصورة واضحة، فالنخل -كما سبق- إذا بدا الصلاح فيه يتفاوت، فهناك ما يبكر صلاحه، وهناك ما يتأخر ويصبح في آخر النخل، وهناك ما هو وسط بين المبكر والمتأخر.
فمن أمثلة المتقدم في بدو الصلاح: اللونة والحليا، وهما من أبكر ما يظهر صلاحه من تمور المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
ويتأخر عنهما الربيع والروثان؛ لأن ثمرة الربيع والروثان صفراء، فلا تصفر إلا بعد وقت، وبقريب منها الحلوة، فلا تحمر إلا بعد وقت، وهي من الأنصاف، أي: المتوسط، وهناك ما يتأخر كالعجوة والصفاوي، ونحو ذلك، فعندنا نوع يبكر، وعندنا نوع يتأخر، وعندنا نوع وسط بينهما.
فإذا بدا صلاح في حبة في عرجون، أو حبتين، وكان الزمان زمان صلاح فإنه يحكم ببدو الصلاح في النخلة كلها، وعلى هذا يجوز بيع ذلك العرجون وبيع سائر العراجين في النخلة، ويجوز بيع هذا النوع في البستان كله، فلو ظهر صلاحه في نخلة واحدة، فهو كبدو الصلاح في بقية النخل.
وبالتجربة أنه إذا بدا الصلاح في أول النهار في نخلة، فغالباً لا يأتي آخر النهار إلا وقد بدا في نخلة أو نخلتين، أو ثلاث، ثم لا تأتي من الغد أو بعد الغد إلا وقد انتشر في البستان كله من هذا النوع، فتأخره قليل جداً، وعلى هذا يجوز بيع جميع النوع في البستان.
لكن هل يجوز بيع بقية البساتين؟ أي: لو ظهر الصلاح عندك في بستانك، ولكن في بستان جارك لم يبدُ، فهل يجوز لجارك أن يبيع؟

الجواب
نعم؛ بزمان بدو الصلاح نفسه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما: (حتى تطلع الثريا وتؤمن العاهة)، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى في هذا الزمان، أنه إذا بدا الصلاح في واحدة أن يكون للجميع، فهو زمان الصلاح وأَمْنِ العاهة غالباً، ومن هنا قال الجمهور: إنَّ بدو الصلاح في نخلة بدوٌّ في جميعها، وبدو الصلاح في ذلك النوع يوجب جواز بيع ذلك النوع في البستان كله، وكما جاز بيع ذلك النوع في البستان، يجوز بيعه في بقية البساتين؛ لأنه ربما كان جارك ليس بينك وبينه إلا الحائط، وقد تكون مزرعتك مائة متر، ومزرعته مائة متر، فلو قلنا: لا يجوز أن يبيع جارك، فكيف بالذي عنده مزرعة فيها مائتي مترٍ، وبدا الصلاح في نخلة واحدة؟ إذً العبرة بالزمان، والعبرة بغلبة الظن في السلامة وهي موجودة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فيجوز أن تبيع النخلة، وأن تبيع نوعها في البستان، وأن يباع نوعها في بقية البساتين.
(168/12)
________________________________________
صلاح نوع دون نوع
هناك يقال: هل يجوز بيع المتأخر إذا بدا الصلاح في المبكر؟

الجواب
لا، والعبرة في كل نوع بحسبه، فلا نبيع تمر الحلوة، إلا إذا بدا الصلاح ولو في واحدة منه، لكن إذا بدا الصلاح في الحليا، لا نبيع في ذلك الحلوة، ولو بدا في تمر اللونة، لا نبيع العجوة، وإذا بدا في السكري لا يباع الصفاوي وقس على هذا.
فكل نوع بحسبه، فإن من جرب النخيل، وجرب الزراعة يعلم أنها تتفاوت في طلعها، وتتفاوت في تأبيرها، وتتفاوت في بدو صلاحها.
وعلى هذا فإنه لا يحكم بجواز بيع النوع إذا ظهر الصلاح في نوع غيره، وإنما يتقيد بالنوع نفسه، الذي بدا الصلاح فيه.
قال رحمه الله تعالى: [وبدو الصلاح في زمن النخل أن تحمر أو تصفر]: هذه علامة بدو الصلاح، والأصل في ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه،: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمار أو تصفار)، فهذا يدل على أن الحمرة والصفرة توجب الحكم ببدو الصلاح.
قال رحمه الله تعالى: [وفي العنب أن يتموه حلواً]: العنب يبدو صغيراً، وبعد ذلك يبدأ يكبر شيئاً فشيئاً، حتى تكتمل حبة العنب في الحجم، وهي خضراء شديدة الخضرة، ثم يضربها الماء، فإذا تموهت وصار الماء عليه تفككت خضرتها، فبمجرد ما ينظر إليها صاحب الخبرة يعلم أنها قد نضجت، فإذا كانت شديدة الخضرة، فهي حامضة، وطعمها حامض، ويبدو صلاحها بذلك، وإذا بدا الصلاح في عنبة جاز بيع بقية العنب في ذلك البستان.
لكن لو كان العنب أنواعاً، كالعنب الطائفي والحجازي والمشرقي، فهذه الأنواع يفصل فيها: فإذا تموه العنب من نوعٍ، فلا يحكم بجواز بيع غيره من نوع آخر إذا تفاوت في النضج.
قال رحمه الله تعالى: [وفي بقية الثمار أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله]: قد بينا فيما سبق علامات بدو الصلاح، فمن الأشياء ما يكون بدو صلاحه بلينه بعد اشتداده، كالتين والبطيخ.
ومنها ما يكون باشتداده بعد لينه كالحب.
ومنها ما يكون بحلاوته بعد مرارته كقصب السكر، والرمان ونحو ذلك.
ومنها ما يكون بتفتح أكمامه، كما ذكرنا في الورد، ويقاس على ذلك بقية الأنواع.
(168/13)
________________________________________
بيع العبد وما يتبعه
قال رحمه الله تعالى: [ومن باع عبداً له مال، فماله لبائعه إلا أن يشترطه المشتري]: هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)، فإن البيع ينصب على الرقبة، فيبقى المال ملكاً للبائع؛ لأن الأصل أنه مَلَكَ العبد والمال، فإذا وقع البيع على العبد، فإن المال ليس بمتصل به، فيحكم بكون المشتري مالكاً للعبد دون ماله، فإن أراد أن يأخذ ماله اشترط، وقال: أشترط أن يكون لي ماله، فإذا لم يشترط لم يكن له ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [فإن كان قصده المال، اشترط علمه، وسائر شروط البيع، وإلا فلا]: والمراد من هذا، أنه لو اشترى عبداً وله مال، وكان لدى العبد عمارة وقال للبائع: أشترط أن يكون ماله تابعاً له.
فينبغي أن توصف هذه العمارة؛ لأنه اشترى الرقبة وما يقصد منها من الانتفاع بمالها، فينبغي أن يكون المال الذي قصده بالبيع معلوماً، والأموال إذا بيعت يشترط فيها العلم، فنعلم نوع المال وجنسه وقدره، وغيرها من الشروط المعتبرة في البيع.
فيشترط فيه ما يشترط في البيع.
قال رحمه الله تعالى: [وثياب الجَمال للبائع والعادة للمشتري]: إذا بيع العبد وعليه ثياب، فالثياب التي يلبسها في العادة تكون تابعةً للرقبة، وقد تكلمنا عند هذا في بيع المبيع وما يتبعه وما لا يتبعه، وبينا القواعد فيه والضوابط، لكن لو كان الثوب الذي عليه ثوبَ جمال، أي: ثوباً زائداً عن المعتاد، فحينئذ لا يكون المشتري مالكاً له بالبيع ولا يتبع؛ لأن المتصل بالعبد يتبعه، فإن كان المتصل له خصوصية، وهو ثياب الجمال، فإنه لا يتبع.
فإذا باع عبداً وعليه ثياب فإنها تتبع الرقبة؛ لأن هذا هو الأصل في العادة، إذا كان ملبوسها بالعادة.
وأما إذا كانت ثياباً فارهةً، وثياباً خاصة، كما كان في القديم، إذا كان الرجل له ملك يمين من الأرقاء، ويحتاجهم في معونته إذا ذهب إلى عمله أو نحوه، فكان يلبسهم لباساً معيناً لما يحتاجهم إليه، وهذه ثياب جمال يتجملون بها أثناء ذهابهم معه لعمله، أو لزيارة أناس، أو نحو ذلك، فهذه لا تتبع الرقبة في البيع، وأما بالنسبة لثياب العادة فإنها تكون تابعة للعبد؛ لأنها متصلة به.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل علمنا خالصاً لوجهه الكريم، وموجباً لرضوانه العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
(168/14)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب بيع السلم [1]
من العقود التي أحلها الشرع عقد السلم، الذي هو بيع معجل بمؤجل، وهو مما فيه توسعة على البائع والمشتري، ولابد فيه من انضباط صفات المسلم فيه من جهة قدره، ومن جهة جنسه ونوعه، ومن جهة أجله، وكذلك من جهة إمكان وجوده وقت التسليم، وهذا كله حتى لا يدخل الغرر والجهالة في هذا العقد.
(169/1)
________________________________________
عقد السلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المؤلف رحمه الله: [باب السلم: وهو عقدٌ على موصوفٍ في الذمة مؤجلٍ بثمن مقبوض بمجلس العقد، ويصح بألفاظ البيع والسلم والسلف بشروط سبعة، أحدها: انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع وأما المعدود المختلف كالفواكه والبقول والجلود والرءوس والأواني المختلفة الرءوس والأوساط كالقماقم والأسطال الضيقة الرءوس، والجواهر والحامل من الحيوان، وكل مغشوش، وما يجمع أخلاطاً غير متميزةٍ كالغالية والمعاجين: فلا يصح السلم فيه، ويصح في الحيوان والثياب المنسوجة من نوعين، وما خلطه غير مقصود كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها.
الثاني: ذكر الجنس والنوع وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً وحداثته وقدمه، ولا يصح شرط الأردأ أو الأجود بل جيد ورديء، فإن جاء بما شرط أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله ولا ضرر في قبضه: لزمه أخذه.
الثالث: ذِكرُ قدره بكيل أو وزن أو ذرع يُعلم، وإن أسلم في المكيل وزنا أو في الموزون كيلاً: لم يصح.
الرابع: ذكر أجل معلوم له وقع في الثمن، فلا يصح حالاً ولا إلى الحصاد والجذاذ ولا إلى يوم، إلا في شيء يأخذه منه كل يوم: كخبز ولحم ونحوهما.
الخامس: أن يوجد غالباً في محله ومكان الوفاء لا وقت العقد، فإن تعذر أو بعضه: فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه].
(169/2)
________________________________________
أموال البيع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلم] فيقول رحمه الله: (باب السلم)، هذا الباب يعتبر أحد أنواع البيوع المهمة والتي رخص الله عز وجل لعباده فوسع عليهم فيها، وقد بين العلماء رحمهم الله وجه التوسعة في هذا النوع من البيع وذلك أن الإنسان إذا باع السلعة لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يدفع المشتري الثمن نقداً، ويدفع البائع المثمن معجلاً.
والحالة الثانية: أن يؤخر المشتري الثمن، ويقدم البائع المثمن.
والحالة الثالثة: أن يقدم المشتري الثمن ويؤخر البائع المثمن.
هذه ثلاثة أحوال للبيع، إذا دفعت المال حاضراً ودفع البائع لك السلعة حاضرة فإن هذا النوع من البيع يكون الثمن فيه مكافئاً للمثمن، فلو أردت أن تشتري سيارةً مثلاً أو داراً فقال لك: أبيعها لك بعشرة آلاف حاضرة، أي: نقداً، فإنك تراعي قيمة السيارة ويكون الثمن -غالباً- مكافئاً للمثمن، أي: أن السيارة تستحق هذا المبلغ دون زيادة أو نقص، الحالة الثانية: أن يكون المثمن مقدماً والثمن متأخراً كرجل أراد أن يستلم سيارةً، وطلب من البائع أن يؤخره سنةً كاملة فمعنى ذلك: أن المثمن معجل والثمن مؤجل، فإذا عجل البائع لك السلعة وقلت: لا أستطيع أن أعطيك المال حاضراً انتظرني سنة أو انتظرني سنتين، فالغالب أنه يثقل عليك في الثمن وتصبح القيمة قد زادت لقاء الأجل.
وعليه: تكون التوسعة على البائع في زيادة الثمن توسعة على المشتري في إنظاره وتأخيره، فيأخذ السيارة عاجلاً ويخف عليه دفع القيمة آجلاً، ولا يعتبر هذا كالربا؛ لأن الربا جاءت الزيادة فيه لقاء الأجل المحض، ولكن هنا: جاءت الزيادة لقاء السلعة، وقيمتها حاضرة ليست كقيمتها مؤجلة وقد جعل الله لكل شيءٍ قدراً.
(169/3)
________________________________________
التوسعة في بيع السلم
تبقى الصورة الثالثة: وهي أن تدفع الثمن معجلاً ويؤخر البائع المثمن مؤجلاً، وهذا هو الذي يقع في بيع السلم، مثلاً: رجل عنده مزرعة، وهذه المزرعة يزرعها براً أو يزرع فيها شعيراً، أو فاكهةً أو غير ذلك، هذا المزارع ليست عنده سيولة وليس عنده مال، وجاء الموسم للزراعة، وليس عنده ما يشتري به البذر، وقد لا يوجد من يدينه، فيأتي الرجل ويقول: أنا أسلفك ألف ريال، وتعطيني مائة صاعٍ في نهاية رجب أو في نهاية شعبان، فيقدم الثمن ويؤخر المثمن، في هذه الحالة سيكون الرفق بهذا المزارع، وسيكون التيسير على هذا المزارع حيث إنه انتفع بأرضه وقام بزرعها واشترى ما احتاج من بذره، ثم انتفع المشتري؛ لأنه يحتاج إلى المائة الصاع، إلا أن هذه المائة صاع لو أنه جاء لهذا الفلاح بعينه ولم يستلف منه وجاءه في نهاية رجب يريد أن يشتريها بقيمتها لكان قيمتها ألفاً وخمسمائة، ولكنه لقاء التعجيل سيشتريها بألف فقط، فأصبح السلم أن يقدم المشتري لك الثمن وتعده بالمثمن بكيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم، ويقع هذا في المكيلات وفي الموزونات، وتقدم معنا ضبط المكيلات وضبط الموزونات، فلو جاءه وقال: هذه عشرة آلاف ريال لقاء مائة صاع -مثلاً- من التمر السكري في نهاية شهر شوال، فإن هذا البيع تعجل فيه الثمن وتأخر فيه المثمن، ولو جئت في نهاية شوال تبحث عن تمرٍ بهذه الصفات لوجدته بأحد عشر ألفاً أو باثني عشر ألفاً، ولكن الله وسع على المشتري وخفف عليه المئونة؛ لأنك ستشتري والموسم ليس بحاضر، وأنت لا تريد السلعة الآن إنما تريدها إلى أجل، وكثيراً ما يقع هذا البيع عند التجار، ويقع كثيراً ما بين التاجر والمورد، فيقول التاجر للمورد: أريد -مثلاً في المكيلات- مائة صندوق من التمر بوزن كذا وكذا أو مائة صندوق من العسل أريدها لصيف كذا وكذا، فيحدد الشهر ويحدد الأجل الذي يريد أن يدفع له هذا الملتزم هذه السلعة فيه، فيقول البائع: قد التزمت لك هذه المائة صندوق من العسل أو من التمر أن أحضرها لك في نهاية شهر شوال، وقيمتها عشرة آلاف ريال أو قيمتها ثمانية آلاف ريال، فتعجل الثمن وتؤجل المثمن، وذلك في موزونٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم، وكذلك إذا وقع في الكيل فتقول له: أريد مائة صاعٍ من شعير أو أريد مائة صاع من بر، أريدها في نهاية شهر شوال بكم؟ قال له: بألفين أو بثلاثة آلاف ريال، فقال: خذ هذه الثلاثة آلاف ريال وهذه المائة صاع أكتبها ديناً عليك تحضرها لي في نهاية شهر شوال، فأسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم بثمنٍ معلوم، ويعطيه الثمن نقداً، هذا بالنسبة للمكيلات والموزونات، والمعدودات مثل ما يقع في بيع السيارات الموجودة الآن، يأتي ويقول لك مثلاً: السنة القادمة هناك نوع من السيارة سواءً كانت من هذا الصنف أو من هذا الصنف قيمتها عشرة آلاف ريال، أو قيمتها مائة ألف ريال فتدفع المائة ألف ريال مقدماً، قبل أن يأتي ما يسمى بالموديل أو بأي اسم يعبر عن الصنف الذي يهيأ للسنة القادمة تدفع المعجل مائة ألف أو مائتي ألف تدفع القيمة ثم يعطيك أوصاف السيارة كاملة، هذا إذا قيل بجواز السلم في المعدودات؛ لأن السيارة من المعدودات؛ ولأن من العلماء من يرى أن السلم لا يقع إلا في مكيل أو موزون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم)، وهناك من يرى أن المعدود كالمكيل والموزون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه بالمثل على مثله، ولم يرد استثناء المعدود كما ورد في بيع الربا، ولذلك قالوا: يبقى المعدود منبهاً عليه بالنظير على نظيره، فإذا قلنا بأن المعدود يقع فيه بيع السلم، فحينئذٍ يمكن أن يعطيه -مثلاً- مائة ألف لقاء السيارة أو لقاء السيارتين أو الثلاث أو اشترى منه دفعةً من السيارات من نوعٍ معين أو من صنف معين قال: هذا النوع إذا حضر فأنا: أشتريه منك بمليون أو بنصف مليون، كذلك أيضاً ربما يقع في المعدودات من أدوات الكهرباء فيقول له: أريد منك مائة غسالة أو مائة ثلاجة -مثل ما يقع بين التجار بعضهم مع بعض- هذه المائة غسالة أو المائة ثلاجة أريدها إلى أجل معلوم وهذا ثمنها، فإذاً هذا البيع فيه توسعةٌ على البائع من جهة كونه استفاد بثمنٍ معجل أو استفاد بزرع أرضه وأخذ ثمنٍ معجل، وتوسعةٌ على المشتري بتخفيف القيمة عليه.
(169/4)
________________________________________
مشروعية السلم
والسلم والسلف لغتان، يقال: السلم ويقال: السلف، والسلف لغة أهل المشرق، والسلم لغة أهل الحجاز، والأصل في مشروعيته دليل الكتاب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة:282]، كان ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن يقول: (أشهد أن الله قد أحل السلم) ويتلو هذه الآية، وكأنه يرى أن هذه الآية نزلت في السلم؛ وذلك لأنها نصت على الدين، وبيع السلم يكون على إسلام الثمن وتعجيله والسلف في الْمُسلَّم وتأجيله، وأما دليل السنة فما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسف في كيل معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم)، فهذا الحديث -كما يقول العلماء- أصلٌ في مشروعية السلم، وكذلك حديث الأنباط من الشام أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسلفونهم في الحنطة ويعطونهم من الغنائم إذا غنموها إلى أجلٍ معلوم، وسئلوا: هل كان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع؟ قال الراوي: ما كنا نسألهم عن شيء من ذلك.
فاتفقت هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشروعية السلم وجوازه، ومن هنا أجمع العلماء على جواز بيع السلم.
ومناسبة ذكر بيع السلم بعد باب النسيئة أن باب النسيئة ثبت فيه التحريم لبيع الدين بالدين، وبينا فيه أنه لا يجوز بيع الدين بالدين ثم ذكرنا الصرف وبينا في الصرف حرمة النسيئة من الطرفين أو من أحدهما، فلما كان الكلام متعلقاً بالصفقات المشتملة على البيوع المؤجلة، وكان بيع السلم بيعاً مؤجلاً مرخصاً فيه ناسب أن يذكر المباح المستثنى من المحرم فيما سبق، ومحل بيع السلم إذا لم يكن في الربويات، فإذا كان في الصنف الربوي كأن يقول له: أعطيك مائة صاع من البر بمائة صاع من البر مع اتحاد الصنف لا يجوز، أو أعطيك مائة صاع بر الآن وتعطيني مائة صاع شعير، أو أعطيك مائة صاع بر الآن وتعطيني مائة صاع من التمر السكري، فهذا لا يجوز؛ لأنه لا بد في البر مع التمر أن يكون يداً بيد، سواءً اتحد الربوي أو اختلف، هذا حاصل ما يقال في مقدمة باب السلم.
(169/5)
________________________________________
تعريف السلم
قال رحمه الله تعالى: [وهو عقدٌ على موصوفٍ في الذمة مؤجلٍ بثمن مقبوضٍ بمجلس العقد].
يقول رحمه الله برحمته الواسعة وأنار قبره بأنواره الساطعة: (وهو) أي: البيع السلم (عقدٌ)، العقد في لغة العرب: التوثيق والإبرام، يقال: عقد الحبل إذا أدخل بعضه في بعض، وعقدة الحبل معروفة، فيكون في المحسوسات كعقد الحبل وعقد العقال، ويكون في المعنويات، كعقدة النكاح وعقدة البيع فيقولون: عقد بيعٍ أو عقد نكاح قال تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة:235]، فالعقد يستعمل في المحسوسات ويستعمل في المعنويات، وأما في الاصطلاح فالعلماء إذا وجدتهم يقولون: هذا عقد، فاعلم أنه إيجاب وقبول، إيجاب من البائع وقبول من المشتري، إن كان الإيجاب والقبول على بيعٍ قلت: عقد بيع، وإن كان الإيجاب والقبول على إجارة قلت: عقد إجارة، وإن كان الإيجاب والقبول على رهن، قلت: عقد رهن.
فقال رحمه الله عن بيع السلم: (هو عقدٌ) أي: إيجاب وقبول على السلف، أو إيجاب وقبول على السلم، وعلى هذا إذا قال: أسلمتك هذه العشرة آلاف بمائة صاعٍ من بر، قال: قبلت، فقول المشتري: أسلمتك هذه العشرة آلاف بالمائة صاع من البر إلى نهاية السنة، وقوله: قبلت، إيجاب وقبول، وهذا عقدٌ، والعقد يستلزم وجود الطرفين: الموجب والقابل، والعقد يتضمن الصيغة، والصيغة تستلزم وجود الطرفين: الموجب والقابل.
وقوله رحمه الله: (عقدٌ على موصوفٍ في الذمة) الموصوف المراد به: محل العقد، وصفة الشيء: حليته وما يتميز به، سواء كانت من الأوصاف الحسية أو الأوصاف المعنوية، فقوله: (على موصوفٍ في الذمة) أي: أن الإيجاب والقبول ينصب على شيء موصوف في الذمة، فمثلاً: قوله: مائة صاع، يقول أولاً: مائة فيذكر القدر، ثم يقول: صاع، فيحددها ويميزها، سواءً من برٍ أو من تمر أو من شعيرٍ أو من زبيب.
إلخ.
فإذاً السلم يكون على موصوفٍ، وهذا الموصوف يكون في الذمة، فخرج العقد على المعين، كأن يقول له: هذه العشرة آلاف بهذا البر هذا ليس بسلم وليس بسلف؛ لأنه حاضر وهو بيع معجل، ولا يكون السلم إلا في البيوع المؤجلة، لذلك بعض العلماء يقول في تعريفه: بيع العاجل بالآجل وبيع المعجل بالمؤجل، وقوله رحمه الله: (على موصوفٍ في الذمة) هذا ينبني على ما ذكرنا في السابق أن المبيع إما أن يكون بالعين وإما أن يكون بالذمة، فالمعين أن تقول: هذا، وتحدده وتبينه، أو تقول: سيارتي، وهو يعلم أنه ليس لك سيارة غيرها، هذا معين، أما الموصوف في الذمة فهو أن يصف الشيء ويحدده والذمة محل في الإنسان قابل للالتزام والإلزام، أي أن هذا المحل قابل أن يلتزم، فيقول لك: في ذمتي عشرة آلاف، فالذمة ليست بشيء مشاهد كالرأس واليد، بل الذمة وصف اعتباري، فقوله: (موصوفٌ في الذمة): أي أنه في ذمته، أي: أدخل في ذمته وتعلقت ذمته بذلك الشيء أنه يحضره لك، وأنه يقوم بإنجاز ما وعدك به عند حلول الأجل.
قال: (عقدٌ على موصوفٍ في الذمة مؤجل بثمنٍ).
الباء للمقابلة والبدلية، تقول: هذا بهذا، وعقود السلم تقوم على الثمن المعجل لقاء المثمن المؤجل، فقال: (بثمن) والثمن هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من أسلف فليسلف، -يعني: فليعطِ، وهو الثمن المعجل-، في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجلٍ معلوم) إلخ.
وهذا الثمن يكون حاضراً في مجلس العقد، وسيذكر المصنف رحمه الله له شروطاً لابد من توفرها لكي يحكم بصحة العقد واعتباره، فابتدأ رحمه الله بتعريف السلف وبيانه، وهذا مبنيٌ على أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، ومن عادة العلماء أنهم يبدءون أولاً بتعريف الأشياء ثم يبينون أحكامها.
(169/6)
________________________________________
ألفاظ السلم
قال رحمه الله: [ويصح بألفاظ البيع والسلم والسلف بشروط سبعة].
يقول رحمه الله: هذا النوع من البيع -وهو بيع السلم- يصح بألفاظ: البيع والسلم والسلف، فإذا سألك سائل وقال لك: قد علمتُ أن بيع السلم عقد وعلمتُ أن العقد يقوم على الإيجاب والقبول، فهذا الإيجاب وهو قوله: أسلفت، هل له ألفاظٌ مخصوصة؟ والإيجاب يكون تارةً من البائع وتارةً يكون من المشتري -فالجواب أنه إذا أوجب بالسلم وابتدأ به عرضاً وقال: أسلفتك، أو قال: أسلفني، أو قال: أسلمتك، أو قال: أسلمني عشرة آلاف الآن أعطيك بها مائة صاع إلى نهاية السنة، قال: قبلت فالإيجاب يقع بلفظ السلم، ويقع بلفظ السلف، ويقع بلفظ البيع، هذه ثلاثة ألفاظ اختار المصنف رحمه الله أن عقد السلم يقوم عليها: السلم والسلف والبيع، وغير ذلك لا يصح به؛ لأن السلم رخصة وبيوع الرخص تتقيد بألفاظها.
(169/7)
________________________________________
شروط عقد السلم
قال رحمه الله: [بشروط سبعة].
أي: لابد من توفر هذه الشروط لكي نحكم بصحة السلم، فهي شروط صحة، فإذا وجدت هذه الشروط صح العقد، فإذا سألك تاجر عن بيعٍ تتأمل البيع، فإن كان الثمن مدفوعاً لقاء مثمن معجل خرج عن كونه سلماً، لكن لو كان الثمن معجلاً والمثمن مؤجلاً فانظر رحمك الله هل هذا النوع من المعجل والمؤجل من جنس السلم المأذون به شرعاً أو لا، فإذا جئت تحكم بأنه سلم شرعي أو غير شرعي تحتاج إلى سبع علامات، وهي التي سماها العلماء بالشروط، وهذه العلامات إن وجدت حكمتَ بصحة السلم، وإن فقدت أو فقد أحدها حكمت بعدم صحته، فقال رحمه الله: (ويصح)، إذا قال: يصح بشروط، فمعنى هذا أنها شروط صحة، وإذا قال: يجب بشروط فمعنى هذا شروط وجوب، فهذا نوع من الشروط وهو: شروط الوجوب، وهذا نوع من الشروط يسمى: شروط الصحة، وشروط الصحة علامات وأمارات وضعها الشرع، إن وجدت حكمنا بصحة العبادة والمعاملة وإن فقدت حكمنا بعدم صحتها ولو فقد شرطٌ واحد، على تفصيل في العبادات والمعاملات، وهذه الشروط يأخذها العلماء من نص الكتاب والسنة، فالشروط علامات وأمارات نصبها الشرع، فإما أن تؤخذ من نص الكتاب أو من نص السنة أو يقع عليها إجماع أو كان ثم نظر صحيح، نبه الله سبحانه وتعالى في دليل كتابه أو سنة رسوله على اعتبار هذا الشرط بالمعنى.
(169/8)
________________________________________
الشرط الأول: انضباط الصفات
قال رحمه الله: [أحدها: انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع].
يقول رحمه الله: (أحدها) وهو الشرط الأول (انضباط صفاته)، أي: صفات الشيء المسلم فيه، (انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع)، أن يكون من جنس ما ينضبط بالصفات، والسبب في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلومٍ أو وزنٍ معلوم)، فقيد الشيء المسلم فيه بكونه منضبطاً فقال: (في كيلٍ) ثم قال: (معلوم)، ثم قال: (في وزنٍ معلوم)، ومعنى هذا: أنه لا بد وأن يكون منضبطاً بطريقةٍ يندفع بها التنازع والاختلاف، مثلاً: لو جاء رجلٌ تاجر إلى رجل عنده مصنع أو -مثلاً- يقوم بتجارة الأواني -إذا كانت الأواني منضبطة وقلنا بالسلم في المعدودات- فقال له: أريد مائة وعاء أو كأس، أو مائة صندوق من الكأس من النوع الفلاني، إن كان هذا الكأس مثل ما هو في القديم يصنعونه ولا ينضبط، فإذا جاء الصانع يصنعه ربما كان واسعاً وربما كان ضيقاً وربما كان طويلاً وربما كان قصيراً، فما ينضبط بصفةٍ معينة، فإذا قلنا: يجوز، فمعنى هذا أنه سيعطيه العشرة آلاف مثلاً في شيءٍ قد يختاره المشتري حينما أعطاه العشرة آلاف على أنه متوسط أو جيد فإذا به يأتي بالأفواه الضيقة، أو يأتي بأكواب بعضها كبير وبعضها صغير، فيحصل الاختلاف ويقع التنازع وتقع الشحناء فيقول: لا.
أنا ما قصدت هذا، فيقول هذا الآخر: أنت لم تقل إلا هذا، فهذا قد يحصل؛ لأنه شيءٌ غير منضبط، فالبيوع والمعاملات من قواعد الشريعة، ومن الأصول الشرعية أن المعاملات إذا أفضت إلى التنازع أو كانت على وجهٍ يفضي إلى الشحناء والبغضاء حرمت، لأنها تقطع أواصر الأخوة بين المؤمنين، والدنيا أحقر من أن تفسد الدين، ومن هنا حرم الله بيع المسلم على بيع أخيه، وحرم النجش، وحرم الغش؛ لأنه متى ما دخلت المعاملة المالية لإفساد الدين منع الشرع منها وحرمها، فإذاً لو أجزنا السلم وأجزنا للرجل أن يدفع مبلغ العشرة آلاف في شيء لا ينضبط فقد يظن أن التاجر سيعطيه شيئاً كاملاً فيأتيه به ناقصاً، فيقول له: يا أخي! هذا ناقص، فيقول: أليس هذا كأساً؟ فيقول: بلى، فيقول: أليس هذا يسمى طبقاً؟ فيقول: بلى، فيقول: أنت طلبت مني مائة طبق وهذه مائة طبق، فإذاً إذا لم يكن هناك انضباط بالكيل أو بالوزن ولا كان هناك وصف ينضبط به الشيء فإنه لا يندفع التنازع وتقع الشحناء وتقع البغضاء فحرم الشرع هذا النوع من المعاملات، فلا يصح السلم إلا إذا كان منضبطاً، وهذا شرطٌ أجمع عليه جماهير العلماء رحمهم الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه عليه بقوله: (في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم)، فجعل المسلَّم فيه مما ينضبط، فلو سألك سائل: ما الدليل على اشتراط هذا الشرط؟ تقول: لأن الأصل حرمة السلف وجاء الشرع باستثنائه، ولكن فيما ينضبط، فوجب تخصيص الرخصة فيه بمحلها.
(169/9)
________________________________________
حكم السلم في الأطعمة غير المنضبطة
قال رحمه الله: [وأما المعدود المختلف كالفواكه والبقول والجلود والرءوس والأواني المختلفة الرءوس والأوساط كالقماقم والأسطال الضيقة الرءوس والجواهر والحامل من الحيوان وكل مغشوش وما يجمع أخلاطاً غير متميزةٍ كالغالية والمعاجين: فلا يصح السلم فيه].
قرر المؤلف الشرط في صحة السلم أن يكون بما ينضبط، ومفهوم هذا الشرط أن الشيء الذي لا ينضبط لا يصح السلم فيه، فقال رحمه الله: (كالفواكه)، وتعرفون أن مفاهيم الشرط في المتون معتبرة، فلما قال: (كالفواكه) يعني: إذا باعه سلماً في فواكه فقال له: أسلمتك -مثلاً- في الموز، والموز من المعلوم أن فيه الصغير وفيه الكبير، خاصةً في القديم حين كان يباع بالعدد، وفي البرتقال أو في التفاح أو في الكمثرى أو نحو ذلك من الفواكه فقد كانت تباع عدداً وإن كانت في زماننا تباع وزناً، لكن هذا المسلم فيه وهو الفواكه لا ينضبط؛ لأن فيه الكبير وفيه الوسط وفيه الصغير، فهو مختلف الأحجام مختلف الرءوس، ولذلك قالوا: إذا كان من جنس الأطعمة ولا ينضبط كالفواكه: لم يصح.
قال رحمه الله: [والبقول].
إذا نظرنا إلى المعدود من البقوليات والكراث ونحوها فإنها لا تنضبط؛ لأنها من ناحية الحجم فيها الكبير وفيها الصغير، وحينئذٍ يقع الاختلاف بين البائع والمشتري مثلما ذكرنا فيما لو أسلمه في معدود لا ينضبط، وهذا من جنس الأطعمة، وقد مثل المصنف بالفواكه والبقول، والأمر يشمل الأطعمة الأخرى فلا ينحصر الأمر في الفواكه أو في البقول، مثلاً: لو أسلمه في شيء من أنواع الأطعمة الأخرى التي لا تنضبط، مثلاً: الكمثرى أو الخيار أو القثاء أو الطماطم أو البطاطا أو البطيخ فإنه لا ينضبط فلو قال له: أسلفتك هذه الألف ريال في مائة من البطيخ، ويكون موسم البطيخ في أول رجب فإنه لا يصح؛ لأن البطيخ لا ينضبط، ولو أسلمها في قرع فالقرع لا ينضبط كذلك، إذاً لو سألك تاجرٌ خضروات عن بيع السلم على هذا الوجه تقول: لا يصح؛ لأنه لا ينضبط، والسنة قد دلت على لزوم الانضباط دفعاً للشحناء والتنازع كما يفهم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يسلم في كيلٍ معلوم أو وزن معلوم إلى أجلٍ معلوم)، وهكذا لو سأل بائع البقول تقول: إن البقول لا تنضبط، أما لو انضبطت وكانت من الطعام المنضبط لأجزناه مثلما تقدم معنا، ومثلاً الآن نجد بعض شركات الأطعمة تتكفل بالطعام ويكون وزنه معلوماً وكيله منضبطاً، وتوضع في أغلفة معينة لأحجام معينة، فهم يعطون المشتري عينة قبل أن يعطوه الشيء المسلم فيقولون: هذه عينة هذا النوع ونعطيك من هذا النوع والصنف، وفعلاً إذا جاء الأجل يسلمونه بذلك النوع المعين أياً كان المطعوم، حتى ولو كان من الحلويات، فلو أنه أسلمه من الحلويات الموزونة وقال له: هذه ألف ريال في حلوى من النوع الفلاني مقابل عشرة صناديق منها -مثلاً- خمسة صناديق من النوع الفلاني والصنف الفلاني فيأتي التاجر إلى تاجر الجملة ويعطيه هذا المبلغ، في بعض الأحيان يعطيه إلى شهر ويقول: هذه البضاعة ليست موجودةً عندي، ولاحظوا أن أكثر ما يقع هذا النوع من البيع بين التجار في بيع الجملة؛ لأن هذا التاجر يحتاج إلى توريد هذا الشيء من أجل أن يعرضه على الأفراد، وقليلاً ما يقع في بيع الأفراد، فأكثر ما يقع بيع السلم في بيع الجملة وأكثر من يسأل عنه التجار إذا اشتروا صفقات كبيرة؛ لأنه غالباً ما يشتريها إلى أجل معلوم وتكون منضبطة بصفاتها ومنضبطة أيضاً بمواعيدها، فإذا كانت طعاماً فقد ذكرنا أن الطعام إذا كان من الفواكه أو البقول التي لا تنضبط لم يصح السلم.
(169/10)
________________________________________
حكم السلم في الجلود والرءوس
قال: [والجلود]، الجلد منه ما هو رقيق ومنه ما هو ثخين، ومنه ما يسلم من القد وما لا يسلم من القد، وبناءً على ذلك لا يصح السلم في الجلود؛ لأن الجلود لا تنضبط، ثم لا تنضبط أحجام الحيوانات نفسها، أي: أنه لو أن رجلاً في المسلخ يأتي -وكثيراً ما يقع هذا في تجارة الأحذية أكرمكم الله فالتجار يحتاجون إلى الجلود ليصنعوا منها حقائب وأوعيةً أو غير ذلك -يأتي إلى جزار ويقول لصاحب المجزرة: احفظ لي مثلاً مائة جلد من الغنم وهذه ألف ريال، أو مثلاً: أريد عدداً معيناً من جلد البقر وهذه ألف ريال، ويحدد له العدد، هل يصح؟ نقول: لا يصح؛ لأن الجلد من الشاة المذبوحة أو البقرة أو الناقة المنحورة لا نعلم أهو من النوع الكبير أم الصغير، فما تستطيع أن تضبط أحجام الحيوانات لكن بسنها قد تنضبط إذا كان المبيع داخلاً في البيع، لكن أنت تريد الجلد، ولا تريد المبيع حياً ولا تريد لحمه موزوناً، إنما تريد الجلد، والجلد فيه الصغيرة والكبير فلا ينضبط بوزنه؛ لأنه ليس من جنس ما يوزن إنما يراد به الحجم والجلد، ولذلك يمتنع السلم في الجلود، فلو سألك من يشتري الجلود: إذا طلبت من المسلخ -مثلاً- مائة جلد غنم، وأعطيته ألفاً حاضرة على أنه سلم فهل هذا جائز؟ تقول له: لا يجوز، قال: يا أخي! هذه تجارة، فما الحل؟ قل له: الحل يسير، وكل وكالة، وقل له: اشترِ لي الجلود في موسمها ثم لك عن كل جلدٍ تحضره خمسة ريالات أو ريالان أو ثلاثة ريالات، فتعطيه حقه وتكون إجارة؛ فحينئذٍ الناس لا تتعطل مصالحهم، ويكون هناك البديل الشرعي الذي يضمن فيه السلاخ حقه والجزار حقه ويضمن أيضاً فيه التاجر حقه.
قال: [والرءوس].
مثلاً: الذين يبيعون الرءوس المشوية مثل المندي -وهذا يقع في الحاضر كما كان يقع في القديم، فكانوا يبيعونه بهذه الصفة وكانت هذه التجارة موجودة ومشهورة- يأتي الرجل صاحب الحفرة الذي يشوي الرءوس، فلا يستطيع أن يذهب ويحضر هذه الرءوس، فيقول للجزار: أريد مائة رأس من الغنم من أجل أن أطبخها وهذه ألف أسلمتكها في مائة من رءوس الغنم، فنقول: لا يصح؛ لأن الرءوس لا تنضبط وليست من جنس ما ينضبط، والحل أن يعدل إلى الإجارة؛ لأن الرأس ولو كان من الغنم وعلم جنسه وعلم نوعه لكن لا ينضبط فهناك رأس كبير وهناك رأس صغير فالرءوس لا تنضبط، وأحجامها ليست بمنضبطة فلا يصح السلمُ فيها دفعاً للتنازع.
(169/11)
________________________________________
حكم السلم في الأواني
قال: [والأواني المختلفة الرءوس].
بعد أن بين رحمه الله السلم بالمطعومات وبالجلود شرع رحمه الله في غيرها كالأواني، والأواني تنقسم إلى قمسين: منها ما ينضبط ومنها ما لا ينضبط.
أما ما ينضبط من الأواني فغالب ما في زماننا الآن، حيث وجدت المصانع وانضبطت الأواني سواءً كانت زجاجية أو نحاسية أو حديدية انضبطت بالصفات، حتى إنك تجد كل صنف من الأواني له رقم معين، وله وصف معين والتجارة به معلومة، والمصانع التي تقوم بصنعه ودقه ونقشه ونحو ذلك معلومة، فإذا كانت الأواني منضبطة جاز السلم فيها، فلو جاء تاجر الأواني وقال لصاحب المصنع: هذه عشرة آلاف ريال أعطيكها وأسلفها لك لقاء مائة صندوق من صنف كذا من الأواني الزجاجية أو النحاسية أو غيرها فيقول: قبلت.
فإذا كانت الأواني معلومة النوع والصنف ولها أرقامها ولها صفاتها المنضبطة فيها صح السلم أجلاً؛ لأن المقصود أن يكون المسلم منضبطاً معلوم الصفات وهذا متحقق في السلم على هذا الوجه.
أما لو كانت الأواني غير منضبطة ومختلفة الرءوس، مثل ما ذكر: القماقم من النحاس، ففي القديم كان النحاس إذا صنع صنعاً يدوياً يختلف بالصنعة، فتارةً يوسع فوهة الصاع وتارةً يضيقها، وتارةً يصنع المد فيضيق فوهته وتارةً يوسعها، فلا تنضبط في هذه الحالة، فمثل العلماء بالأواني المختلفة الرءوس، فهناك أوانٍ رءوسها ضيقة وأوانٍ رءوسها واسعة، ثم الأوساط، فبعضها أوساطها واسعة وبعضها أوساطها ضيقة، ومثل ذلك ما يسمى في عرفنا (الزير) المصنوع من الفخار وأواني الفخار ونحوها هذه مختلفة الرءوس مختلفة الأوصاف لا يمكن ضبطها أما لو صنعت على وجهٍ تنضبط به وأمكن ضبطها جاز السلم فيها على القول بجواز السلم في المعدود.
قال: [والأوساط]، كذلك [كالقماقم والأسطال الضيقة الرءوس].
الأسطال: جمع سطل، والسطل من المعلوم أنه تكون له العروة، ويكون واسعاً ويكون ضيقاً، ومثلها: الطشت، فالأسطال تضيق وتتسع، ورءوسها تختلف، والقماقم أوساطها تتسع وتضيق، فهذه وأمثالها لا يصح السلم فيها، فالقاعدة كلها تدور حول الشيء المنضبط، ومثّل العلماء رحمهم الله بهذه الأمثلة وطالب العلم لا يحس بفجوة بينه وبين المسألة؛ لأن المسألة تقوم على التمثيل والتنظير وهم تارةً يحكون مثالاً من الطعام ومثالاً من الأواني؛ لأنه لو مثّل بالطعام ربما أعجزك سؤال في الأواني، لكن حينما يجعل لك مثالاً من الطعام ومثالاً من الأواني، والطعام نفسه يعطيك مثالاً على ما اختلف في خلقته، ومثالاً على ما يحصد مثل البقول بعد أن يحصدها ويحزمها، فحزمة واسعة وحزمة ضيقة فيعطيك أمثلة للتنظير حتى تستطيع أن تطبق هذه النظرية على أفرادها، وتضع القاعدة وتطبقها على فروعها، فالقاعدة كلها تدور حول الانضباط، فإن كان المبيع منضبطاً صح السلم فيه مكيلاً كان أو موزوناً أو معدوداً على القول بجواز السلم في المعدود، وإن كان غير ذلك فلا يجوز.
(169/12)
________________________________________
حكم السلم في الجواهر
قال: [والجواهر].
الجواهر لا تنضبط لأنها مختلفة الرءوس، ومختلفة الأحجام في القديم، لكن في زماننا اليوم أمكن تصنيعها ووضع ضوابط معينة، فتجار الجواهر يضعون مثلاً للألماس أحجاماً معينة بأرقام معينة، بل حتى إن الآلات التي تصنعها لها أرقام محفوظة ودقيقة، والتجار الذين يتعاملون بالجواهر يعلمون ذلك، فيأتي طالب العلم ويقول: الذي أدركنا عليه العلماء أن الجواهر لا يجوز فيها السلم، والسبب أننا قرأنا في الفقه أن الجواهر لا يسلم فيها، لكن حينما يعلم أن العلة هي الانضباط يعلم أن مدار الأمر على وجود هذا الوصف وهو الانضباط، فإن انضبطت الجواهر كما هو موجود وكان تجار الجواهر لهم فيها أرقام معينة يضبطونها بها صح السلم، وإن كانت الآلات التي تصنع بها يديوية لا تنضبط بها لم يصح السلم.
وكذلك الأحجار الكريمة، حيث توجد الآن بعض الآلات التي تقص الأحجار الكريمة قصاً معيناً بأحجام معينة، فإذا انضبطت هذه الأحجام صح السلم وإذا لم تنضبط لم يصح.
قال: [والحامل من الحيوان].
والحامل من الحيوان كذلك، فهو مجهول ولا يدرى قدره ولا يعلم ما فيه، فلو أسلم: في مائة شاة حامل في بطونها أولادها ما يصح، وهكذا الإبل وهكذا البقر؛ لأنها مجهولة لا يعلم ما فيها.
(169/13)
________________________________________
حكم السلم في المغشوش والمخلوط غير المتميز
قال: [وكل مغشوش].
من دقة المصنف ذكر لك ما اختلف في حجمه، فإذا قلت: إن مختلف الحجم لا ينضبط تأتي أمورٌ ملحقة بهذا المعنى ليست من جنس الأحجام كالسوائل، فالسوائل ممكن ضبطها بالوزن وممكن ضبطها بالكيل، مثلاً: عندنا العلبة التي يوضع فيها العود، لو قال له: أسلم في مائة علبة من العود، فهذا في حكم المكيل، وتكون معدودة بالعدد على القول بجواز السلم في العدد فلا إشكال، وهناك أنواع من العود: كالكمبودي أو الهندي، فالنوع المخصوص الذي يريده، إذا وضع له ضابطاً في هذا النوع من العود لا إشكال، لكن لو أن السلم وقع على نوع من الطيب مخلوط، فإنه لا ينضبط إذا كان مخلوطاً، فإن طيب الأخلاط كما سيأتي مثل مختلف الرءوس ومختلف القماقم من حيث المعنى، فالأمر لا يختص بالجوامد بل يشمل حتى السوائل.
قال رحمه الله: [وما يجمع أخلاطاً غير متميزةٍ كالغالية والمعاجين].
جاء المصنف رحمةُ الله عليه بأمثلة من الجوامد، فأعطى مثالاً على الطعام، وأعطى مثالاً على غير الطعام، ثم بعد ذلك ذكر السوائل، قال: (وما يجمع أخلاطاً)، يعني: يجمع أكثر من نوع فلا ينضبط به، ولا يمكن أن تحدد كم نسبة هذا من نسبة هذا فلا يصح، ما السبب؟ لأنه يوجب الشحناء والنزاع، ولا يمكن به حفظ الحقوق، لا حفظ حق البائع ولا حفظ حق المشتري؛ لأن الأخلاط يقع فيها الخطأ في التقدير والضبط فيها يكون متعذراً أو متعسراً.
قال: [أخلاطاً غير متميزةٍ كالغالية والمعاجين].
أما إذا تميزت جاز، فمثلاً لو عندنا صنف من الطيب كصنف يخلط من العودة والورد، وكان للعودة نسبة معينة في العلبة، وهي نصف العلبة، فيخلط بطريقة معينة يتميز بها، كأن يكون نصف التولة من العود ونصف التولة من الورد، ويخلط، وأهل الخبرة يضبطونه بذلك: صح؛ لأن مدار المسألة على الانضباط فإذا لم ينضبط: لم يصح.
قوله: (كالغالية والمعاجين فلا يصح السلم فيه).
فلا يصح السلم فيه للعلة التي ذكرناها.
(169/14)
________________________________________
حكم السلم في الحيوان والثياب المنسوجة من أنواع
قال رحمه الله: [ويصح في الحيوان والثياب المنسوجة من نوعين].
أي: ويصح السلم في الحيوان وذلك بذكر جنسه ونوعه وسنه، فيقول مثلاً: أسلم في مائة من الإبل في سن البكر أو مائةٍ خياراً رباعياً، أو مائة جذعة قالوا: يصح، وهذا مبني على الخلاف المشهور، وهو هل المعدود يدخل في جنس السلم أو لا؟ وللعلماء في هذه المسألة وجهان، قال جمهور العلماء: يصح السلم في المعدودات؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الكيل والوزن تنبيهاً على العدد.
قال: [والثياب المنسوجة من نوعين].
الثياب المنسوجة -أي: المخيطة- معدودة؛ لأن الثياب إذا لم تكن مخيطة فإنها مذروعة وليست بمعدودة، وحينئذٍ أدخل الثياب في جنس المسلم في باب العدد، والثوب لا يخلو من حالتين: إن كان من قماشٍ واحد فلا إشكال، مثل الموجود الآن عند تجار القماش، يأتي إلى تاجر ويقول له: هذه مائة ألف، أريد -مثلاً- بيعة من الثياب المفصلة من نوع -مثلاً- (الأصيل) الموجود الآن عندنا، لو طلب مائة ثوب من (الأصيل)، قال: أريدها -مثلاً- في موسم رمضان في نهاية شهر شعبان، صحت على القول بالعدد، فيصفه بأوصافه ويحدد الأوصاف الموجودة فيه، أو كما يوجد -مثلاً- الذي يسمى في عرفنا: (الفنائل) ونحن نمثل بأشياء موجودة الآن، فيكون التطبيق أوضح -قال له: أريد أن أشتري منك -مثلاً- بيعة الفنائل أو الشماغ أو الغتر ونحوها، فحدد نوعها وصنفها وعددها، وحدد الأجل الذي يستلم فيه وأعطاه -مثلاً- مائة ألف أو أعطاه مائتي ألف لهذه البيعة صح وجاز؛ لأن الثوب منضبط إذا كان من مادة واحدة وخام واحد ولا إشكال فيه، يقول: أريد ألوانها بيضاء أو ألوانها مختلفة أو أريد الألوان الآتية: الأبيض، الأخضر، الأصفر.
إلخ، يكون هناك نوع من الانضباط التام ببيان الجنس والنوع والصنف والمقاسات والأطوال إلخ، هذا يصح، ولا إشكال عندنا فيه على القول بصحة السلم بالمعدود، والمصنف بعد أن انتهى من الأشياء التي تكون في الأطعمة وتكون في السوائل والجوامد شرع في الثياب، فإن كانت الثياب منسوجة من أكثر من نوع ونسجها لا يمكن أن ينضبط لا يصح السلم، كما ذكرنا فيما تقدم إذا كان لا يمكن أن ينضبط، لكن إذا كان نسجها ينضبط وكان تحديد كل خام وقدره معلوماً عند أهل الخبرة صح السلم فيه وجاز.
(169/15)
________________________________________
حكم السلم فيما خلطه غير مقصود
قال رحمه الله: [وما خلطه غير مقصودٍ كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها].
أي ويصح السلم في الشيء الذي خلطه غير مقصود، ولو كان الشيء جمع أكثر من مادة، كالجبن، فمادته من اللبن مع الأنفحة، لكن هذا الخلط غير مقصود، فأنت عندما تشتري الجبن ما تريد الأنفحة ولا تريد اللبن منفصلاً، فالخلط فيه غير مقصود، فتشتري المادة من أجل الشيء الموجود دون النظر إلى الخلط الذي فيه، وهكذا خل التمر وهكذا الدبس، أو نحوه مما يكون فيه أكثر من مادة ولا يكون المخلوط مقصوداً بنسبه؛ لأنه إذا قصد بنسبه فمعناه أنه ينبغي أن نعطي كل نسبة حظها وحقها، لكن إذا كان الخلط فيه غير مقصود، أو كانت طبيعة صنعه تقوم على ذلك فإنه لا يؤثر ولا يضر؛ لأن خل التمر هو خل تمر، فلا تأتي تقول: خل التمر فيه مادة كذا ومادة كذا، فأريد خل تمر فيه نسبة (80%) من المادة الفلانية، وفيه: (20%) من المادة الفلانية، أي: أنه تختلف نسبه، فخل التمر صفةٌ واحدة وإن كان بعضه جيداً وبعضه أجود، لكن المادة واحدة، والخلط الموجود يراد بمادته ولا يراد بأجزائه وأفراده، لكن إذا اشتريت القماش مركباً من نوعين من الخام فإنه يراد لذلك، ولذلك تجد هناك ما فيه صوف وغير الصوف، وتجد الصوف له قيمة وغير الصوف له قيمة، كذلك الصوف له نسبته وغير الصوف له نسبته، فالمقصود أنه إذا كان الخلط غير مقصود جاز وصح.
قال: [والسكنجبين ونحوها].
والسكنجبين: نوع من الدواء، لو سألك صيدلي -مثلاً- أنه يريد أن يسلم إلى تاجر في الأدوية يقول له: هذه مائة ألف أريد -مثلاً- من الدواء الفلاني عدد كذا، فيحدد العدد ويحدد صنف الدواء والأشياء الموجودة فيه، فإذا تميز صح وجاز، وإن كانت الأدوية في تركيبها أخلاطاً، مثلاً: لو طلب منه شراباً لعلاج السعال، أو حبوباً لعلاج القرحة فهذه الأدوية مخلوطة، لكن هذا الخلط غير مقصود، إنما انصب السلم على مادةٍ مكتملة هي التي تسمى بالأسبرين أو هي التي تسمى -كما ذكر العلماء- بالسكنجبين وغيرها من الأدوية الأخرى فهي أكثر من مادة، لكنها بالخلط صارت مادة واحدة وأريدت مخلوطة، فلا تقل: القاعدة عندنا أن المخلوط لا يجوز السلم فيه، والخلط في الأدوية غير متميز فلا يصح، لا، فقد ذكر رحمه الله السكنجبين أصلاً للأدوية التي تنضبط بأعدادها أو بأوزانها أو تنضبط مكيلةً، ففي هذه الحالة إذا انضبطت جاز وصح السلم فيها، فلو سألك صيدلي أنه يريد بيعة من دواءٍ معين من شراب، أو يريد بيعة من حبوب لعلاج، وهذه البيعة بمائة ألف، وذكر لك الشيء الذي أسلم فيه من الأدوية وتميز بصفاته، فذكره منضبطاً بكيله إن كان مكيلاً أو بوزنه إذا كان موزوناً أو عدده الذي لا يختلف بأشكاله إن كان معدوداً صح وجاز، والعكس بالعكس، إن كان الخلط يراد فيه المواد منفصلةً لم يصح ذلك ولم يجز إلا بعد الانضباط.
(169/16)
________________________________________
الشرط الثاني: ذكر الجنس والنوع
قال رحمه الله تعالى: [الثاني: ذكر الجنس والنوع].
يقول رحمه الله: (الشرط الثاني: ذكر الجنس) أي: جنس المسلم فيه (ونوعه)، فجنسه -مثلاً-: بهيمة الأنعام، ونوعه: من إبل أو بقر أو غنم، فلو قال له: هذه مائة ألف أسلمتكها في مائة رأس من الحيوان، لم يصح حتى يبين نوع جنس هذا الحيوان، فإذا قال: من بهيمة الأنعام قيل: لابد أن تذكر نوع بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، فإذا قال: من الغنم، فإنه يُحدد: هل هي من الضأن أو من الماعز، وإذا قال: من الإبل، قيل: هل هي عرابي أو بختية، وكذلك البقر، هل هي من البقر أو من الجواميس، ففي بعض الأعراف يكون البقر والجواميس كالشيء الواحد، فإذاً لابد أن يحدد الجنس ويحدد النوع.
قال رحمه الله: [ذكر الجنس والنوع وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً وحداثته وقدمه].
إذا الفرق بين هذا الشرط والشرط الأول: أن الشرط الأول يحدد لك مكان السلم، ويخرج ما ليس بمحلٍ للسلم، فإذا قلنا: مكان السلم المنضبط -فقد يسلم في منضبط فيقول: هذه في مائة رأس من الغنم- لكن لو لم يحدد كم عددها وما هو نوعها ومن أي أنواع الغنم، من الماعز أو من الضأن، أو يقول: من الإبل ولا يحدد نوعها عرابي أو بختية ولا يحدد سنها، إذاً لابد للشيء أن يكون من جنس ما ينضبط ثم يضبط، إذاً: الشرط الأول شيء والشرط الثاني شيءٌ آخر، والشرط الثاني مركب على الشرط الأول، فإنه إذا وجد الشرط الأول وهو كامل منضبط يرد

السؤال
هل يطلقه بدون أن يذكر ما ينضبط به أم لابد من ضبطه بالمكيل كيلاً والموزون وزناً؟
(169/17)
________________________________________
اشتراط ذكر الأوصاف التي يحصل بها الاختلاف في السلم
قال: [وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً وحداثته وقدمه].
أي يشترط أن يذكر هذه الأمور والأوصاف التي يختلف فيها المبيع ثمناً وكذلك رغبةً فيقول -مثلاً-: العودة الكمبودي أو الهندي هناك نوعان منه: نوعٌ قديم ونوعٌ جديد، كذلك التمر السكري: يكون للعام الماضي وللسنة الحالية، فلابد أن يبين هل هو قديم أو حديث؟ ولابد أن يذكر هذه الأشياء؛ لأن القديم له قيمة والحديث له قيمة، وقد يكون القديم أغلى من الجديد، مثلاً دهن العود القديم منه أفضل من الجديد.
أربعةٌ قديمهن أجود خِلٌ وخَلٌ دُهن عود عسجد الخِل: هو الصديق، فالقديم من الأصدقاء أجود من الجديد، وخَلٌ: الخَل القديم أفضل من الجديد، دُهن عودٍ: العود القديم أفضل من الجديد، عسجد: الذهب، الذهب القديم أفضل من الجديد، فهذه الأشياء تختلف في جودتها قدماً وحداثة، فإذا كان جديداً فإنه يكون أقل وأردأ، والعكس وارد فهناك أشياء جديدها أفضل من قديمها، كالتمور مثلاً، فإن التمور قديمها ليس كالجديد، فالجديد أفضل وأطيب، فحينئذٍ لابد أن يذكر: هل هو من القديم أو من الجديد دفعاً للتنازع، والقاعدة هي القاعدة، وخذ هذا أصلاً لا بد أن يسير عليه طالب العلم في المعاملات خاصةً بيوعات المعاوضات: أن كل شيء يختلف، سواءً قدماً وحداثة، كبراً وصغراً ونحو ذلك يختلف باختلافه الثمن، فلابد وأن يضبط البيع، ولا يمكن أن يصح البيع إلا إذا ضبط وحدد، أما لو أطلق فإن هذا مظنة التنازع ومظنة الاختلاف ومظنة لأكل أموال الناس بالباطل؛ لأنك تشتري وأنت تريد الجديد وتقصد لنفسك الجديد فيعطيك القديم، تقول له: اشتريت أواني جديدة، قال: وأنا بعت أواني قديم؛ لأنك لم تشترط عليه الجديدة، فإذاً لابد من بيان ما تنضبط به صفاته وما يختلف به الثمن ظاهراً بقدم وحداثة ونحو ذلك.
(169/18)
________________________________________
حكم اشتراط أجود أو أردأ شيء في السلم
قال رحمه الله: [لا يصح شرط الأردأ أو الأجود بل جيد ورديء].
إذا قلنا: إنه لابد أن تستوي الصفات فقال: هذه عشرة آلاف لقاء ألف صندوق -مثلاً- من التمر السكري من تمر هذه السنة، قال: وأشترط أن يكون أجود التمر السكري، لم يصح؛ لأن أجود أفعل، والأجود ما ينضبط، فأصبح المنضبط يئول بالشرط إلى ما لا ينضبط، فإن الأجود عندي ليس كالأجود عندك، والأجود عند البائع ليس كالأجود عند المشتري، وبناءً على ذلك إذا أدخل شرطاً يوجب الغرر فإنه لا يصح، فإذا قال: من الجيد، فالجيد وصف في السوق، وعندما يحصل التنازع بينهما نسأل أهل الخبرة ونقول: هل هذا جيد؟ فلو قال أهل الخبرة: نعم، هذا جيد، لزم المشتري أن يأخذه، لكن لو قال: أريد الأجود، فالأجود لا ينضبط؛ لأن الأجود عند المشتري ليس كالأجود عند غيره ومن هنا قالوا: يفرق بين الأجود والجيد؛ لأن الرديء وصف، وفي بعض الأحيان لا يقال: طيب ورديء وإنما يقال: رقم واحد، أو اثنين أو ثلاثة، أو درجة أولى، أو درجة ثانية، أو بالأماكن فيقال -مثلاً-: مشرقي أو مغربي أو جنوبي أو شمالي، فينضبط بالجهات ويضبط بالأوصاف، كل هذا يكفي إذا كان من جنس ما ينضبط، لكن إذا كان من جنس ما لا ينضبط ومما يوجب الغرر فإنه يئول إلى الأصل الذي ذكرنا أنه يوجب التنازع الذي يحكم بسببه بعدم صحة السلم.
(169/19)
________________________________________
حكم إتيان البائع بما هو أفضل من المتفق عليه أو قبل الوقت
قال رحمه الله: [فإن جاء بما شرط أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله ولا ضرر قي قبضه لزمه أخذه].
قوله: [فإن جاء بما شرط].
عرفنا أنه يشترط في المسلم فيه أن يكون مما ينضبط وأن تذكر صفات ضبطه، لو قال له: أريد من التمر السكري الجيد، يقولون: فاخر، وهذا في عرف الناس أن منه الفاخر، والفاخر يمتاز بكبر حجمه، وأيضاً: الري، فتكون الحبة من التمر ظاهرٌ فيها الريّ، وفي بعض الأحيان تراها كبيرة بسبب الكيماوي أو نحوه، لكن ما فيها ما يدل على الغذاء والري، فإذا جاءه به -مثلاً- من التمر الفاخر، وقال: هذا من جيد السكري، فإنه يكون قد جاءه بأفضل من الجيد وهو الأجود، فإذا قال المشتري: أنا اشتريت فاشترطت أن يكون من الجيد، فقال له البائع: جئتك بالجيد وزيادة، قال له: لا.
ما أريد إلا الجيد، فما الحكم؟ يلزم بأخذه؛ لأنه أعطاه صفته وزيادة إلا إذا وجد الضرر في أخذه، مثلاً: لو أن رجلاً اشترى نوعاً من الطيب من العودة وقال له: أريد الصنف الرديء الذي هو الدرجة الثانية، فقال له: قبلت أعطيك مثلاً مائة علبة منه في نهاية شوال بألف ريال أو بألفين، قال: اتفقنا، ففي نهاية شوال جاءه بجيد أفضل من الرديء قال له: ما أريد؛ لأن هذا أجود من الرديء الذي طلبت وأنا أريد الرديء؛ لأنه هو المرغوب؛ لأنني أبيع بين أناس فقراء لا يعرفون كلمة الجيد ولا يرغبون الجيد وأنا أتضرر، فمع كونه جيداً، لكنه يتضرر، فنقول: إذاً يلزم البائع بإحضار النوع الرديء؛ لأنه وإن كان قد أعطاه الجيد إلا أنه يفوت عليه مقصوده من تصريف البضاعة من محله، فيلزم بإحضار المثل.
إذاً ليست المسألة أنه إذا جاء بدل الجيد بأجود منه أنه ملزم بأخذه مطلقاً، وانظروا إلى العدل وكيف أن الفقهاء رحمهم الله يضعون الضوابط لرد الحقوق إلى أصحابها، فما دام أنه يريدها للتصريف والتجارة، ومثل هذا إذا كان أجود لا يتصرف فلا يلزم به، كذلك أيضاً ربما لو قال له: من تمرٍ رديء، والتمر الرديء يريد أن يبيعه علفاً للدواب فجاءه بتمرٍ جيد، فقال له: أنا لا أقبل هذا التمر؛ لأني أريده علفاً للدواب، ولا يمكن أن آخذ شيئاً طيباً يأكله الآدمي وأعطيه علفاً للدواب؛ لأن هذا لا أراه يرضي الله عز وجل، فالآدمي أحق به، فامتنع، كان هذا من حقه، وحينئذٍ يلزم البائع بإحضار الرديء الذي اتفق معه عليه.
قال: [ولو قبل محله ولا ضرر في قبضه] (ولو قبل محله) لو أنه قال له: أريد هذا في نهاية شوال فجاءه به في نهاية رمضان، إذاً البائع لم يقصر مع المشتري، المشتري قال: أريد مائة غسالة أو مائة ثلاجة في نهاية شوال فجاءه بها في رمضان، فهو أحسن إليه، فبدل أن يتأخر عجّل، فقال له: لا أريدها الآن ولا أقبضها إلا في نهاية شوال، قلنا: يا أخي! هذه تجارة قد جاءت معجلة لماذا لا تقبضها؟ قال: لا، ليست هناك مصلحة، هذه المائة ثلاجة أريدها للحج والموسم، وأريد أن أبيعها، ولو أنني قبضتها الآن سأحتاج لمستودع أضعها فيه شهراً، وهذا يكلفني ويحملني عبئاً، فمع كون الأجل سبق، ومن المصلحة التعجيل، إلا أن هذا التعجيل يؤدي إلى ضررٍ للمشتري، فنقول: لا يلزم المشتري، وينبغي أن يبقى البائع إلى الأجل المحدد فيدفع له ما اتفقا عليه؛ لأنه يستضر بهذا، وقد يكون البائع في بعض الأحيان يريد أن يتخلص من ضرر وجود السلعة عنده وحينئذٍ يصرفها حتى يأتي بغيرها، ويكون هذا أخف مئونةً عليه؛ ولكنه يثقل على المشتري وحينئذٍ قالوا: إنه لا يلزم المشتري بالأخذ إلا في المحل، أي: في الوقت الذي اتفقا عليه والمكان الذي اتفقا عليه.
قال: [ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه].
انظر دقة الفقهاء رحمهم الله، والله تعجب كيف خرجت هذه القيود وهذه الاستثناءات؛ لأن بعض المتون الفقهية عصارة فهم العلماء من خلال مخاصمات الناس ومن خلال فتاويهم ومن خلال الأقضية، وهذا الجهد الموجود في المتون الفقهية حصيلة تعب وعناء لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولذلك تجد الترتيب في الأفكار والدقة في التصريف وحسن الترتيب في التنظير، وكل ذلك من فضل الله عز وجل عليهم، ولا شك أن هذا توفيق من الله عز وجل، وهذا كله يدل على دقة العلماء وحسن احترازهم بالقيود ونحوها من خلال ما عالجوه من مشاكل الناس، فقال رحمه الله: (ولا ضرر في أخذه لزمه) معنى هذا: أن القاضي لا يلزم المشتري بالأخذ حتى ينظر، هل هناك ضرر في قبضه أو لا، فيقول: يا فلان! هل هذه سلعتك؟ قال: نعم، قال: واتفقتما على هذه السلعة؟ قال: نعم، فإذا ثبت عند القاضي أن السلعة هي السلعة انتقل إلى المسألة الثانية: يقول للبائع: ما دعواك؟ قال: دعواي أني أريده أن يقبض السلعة، ما دام أنه اعترف أنها سلعته فليقبضها؛ فيسأل القاضي المشتري: هل أنت اشتريتها واتفقت مع فلان على كذا وكذا؟ وكان الوعد بينكما كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: إذاً معنى ذلك أنه قدم بشهر، قال له: رحمك الله لماذا لم تأخذ؟ قال: إذا أخذتها ففيها ضرر عليّ، فالموسم لم يحضر بعد، ومعنى ذلك أنني سأتكلف حفظها، وإذا كانت دواباً سأتكلف علفها وسأتكلف مئونتها وحراستها والقيام عليها، فأنا لا أريد هذا الضرر، قال: هذا الضرر يقع عليك؟ قال: نعم، فسأل أهل الخبرة، فقالوا: نعم، الموسم لم يحل بعد، فوجد أن كلام المدعى عليه صحيح، قال: ثبت عندي أن المشتري يستضر وعليه تصرف الدعوى بإلزام القبض فوراً لوجود الضرر على المشتري.
والقاعدة في الشريعة: لا ضرر ولا ضرار، وما ظلم البائع أبداً؛ لأن الاتفاق أن تسلم البضاعة في عشرين أو ثلاثين من شوال، هذا الاتفاق الذي بينهما وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، فإن خرج عن الاتفاق بقي النظر للمشتري، ويقول القاضي للمشتري: أنت بالخيار، إن شئت أن تقبض فاقبض وإن شئت ألا تقبض فلا تقبض، ويقول للبائع: ليس لك أن تلزمه بالقبول.
(169/20)
________________________________________
الشرط الثالث: تحديد قدر المسلم فيه يعلم كيلاً ووزناً وذرعاً
قال رحمه الله تعالى: [الثالث: ذِكرُ قدره بكيل أو وزن أو ذرع].
قال رحمه الله: الشرط الثالث: ذكر قدر المسلم فيه بكيل إن كان مكيلاً أو وزنٍ إن كان موزوناً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فبين أن المكيل يكون معلوماً، وأن الموزون يكون معلوماً، وقد تقدم معنا ضوابط العلم في شرط العلم بالمبيع، وبينا كيفية ضبطه من ناحية الجنس ومن ناحية النوع ومن ناحية القدر والصفات المعتبرة التي يندفع بها موجب الغرر، وقد شرحنا هذا في أول شروط البيع.
قال: [أو ذرعٍ يُعلم].
إذا قلنا: إن السلم يقع في المذروع أيضاً، فالقماش مذروع -وطاقة القماش فيها -مثلاً- عشرون ياردة، أو مثلاً فيها تسعة عشر متراً- فإذا أراد تاجر قماش أن يشتري بالجملة، فأسلف له مائة طاقة من القماش إلى أجلٍ معلوم واتفقا على ذلك فلابد من تحديد جنسها ونوعها وقدرها والصفات التي فيها، مثلاً: لو بين أنها من نوع السلك مثلاً، هذا النوع السلكي، إذا كان نوعاً واحداً لا إشكال، وإذا كان درجات فيذكر هل هو من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة، ثم اللون هل يريد لوناً واحداً، أو ألواناً، فإذا كان يريد لوناً واحداً فليحدد اللون، وإذا كان يريد ألواناً يحدد الألوان ويحدد عددها فيقول: هي خمسون طاقة: عشرةٌ منها من لون كذا، وعشرة منها من لون كذا، إذاً لابد وأن يكون المسلَم فيه معلوماً منضبطاً بهذا الانضباط الكامل، في الكيل كيلاً -كما ذكرنا- وفي الوزن وزناً وفي العدد عدداً وفي الذرع ذرعاً.
(169/21)
________________________________________
حكم السلم في المكيل وزناً أو العكس
قال رحمه الله: [وإن أسلم في المكيل وزناً أو في الموزون كيلاً: لم يصح] تقدم معنا أن المكيل لا ينضبط بالوزن، وأن الموزون لا ينضبط بالكيل غالباً، فمن هنا تجدون العلماء في القديم لا يحررون الآصع في الفدية والكفارات بالوزن؛ لأن التمر يختلف وزنه، والحبوب يختلف وزنها، ومن هنا جعلوا الضبط في المكيل بالكيل، وأبقوا السنة كما هي؛ لأن الانضباط فيها بالكيل كيلاً وبالوزن وزناً، وهذا هو الأصل، أن يبقى الكيل كيلاً حتى من باب فقه الفتوى وفقه السنة حتى لا يميت الناس السنة فيأتي زمان لا يعرف فيه الصاع، فلو جاءك شخص عليه فدية في الحج، كم صاعاً يجب عليه؟ نقول: ثلاثة آصع يقسمها بين ستة مساكين، الناس اليوم لو جئنا نقول لأحدهم: عليك ثلاثة آصع، يقول: ما هو الصاع؟ نقول له يا أخي! الذي تخرجه في آخر رمضان تقسمه بين اثنين، يفهم، لكن لو أصبحنا نضبط الفديات بالوزن لجاء زمان لا يعلم الناس فيه ما هو الصاع، حتى ولو جاز ضبطه بالوزن لما كان هذا من فقه الفتوى، حتى لا يأتي زمان لا يعلم الناس ما هو الصاع، وتموت هذه السنة؛ ولذلك ينبغي أن يبقى المكيل مكيلاً والموزون موزوناً؛ لأن الانضباط في الكيل لا يكون بالوزن، والموزون غالباً لا ينضبط بالكيل، ومن هنا تجد العلماء المتقدمين يحررون الفديات والكفارات وصدقة الفطر ونحوها بما وردت به السنة، ويضبطون ذلك بالسنة، إن كانت صاعاً فصاعاً، وإن كانت نصف صاع فنصف صاع فيضبطونها بالمكيل كيلاً ويحددون ذلك، وعلى هذا قال: لا يسلم في المكيل وزناً ولا في الموزون كيلاً، ورخص بعض العلماء في الإسلام في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً، والأولى ما ذكرناه؛ لأننا ذكرنا أن بيع السلم رخصة، والذين يجيزون بيع المكيل وزناً والموزون كيلاً يرون أن بيع السلم ليس برخصة وإنما يرونه بيعاً قائماً برأسه، وجماهير العلماء رحمهم الله وعليه الفتوى في المذاهب الأربعة أن السلم جاء على خلاف الأصل، وهو رخصة واردة ثبت بها النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعتبر مستثناةً من الأصل؛ لأن فيها نوعًا من الغرر، وكذلك فيها نوع من الجهالة وبناءً على ذلك قالوا: إنها استثنيت لورود النص، وعليه يقدر المكيل كيلاً والموزون وزناً.
(169/22)
________________________________________
الشرط الرابع: تحديد الأجل
قال رحمه الله تعالى: [الرابع: ذِكر أجل معلوم له وقع في الثمن].
أن يكون السلم إلى أجلٍ معلوم، فلابد أن يحدد هذا الأجل، فيبين السنة ويبين الشهر ويبين اليوم؛ فهناك سلم لا ينضبط إلا باليوم فيحدد الأجل، وهناك بعض البيوعات يكون التحديد فيها بالساعات، وقد يكون التحديد بأول النهار وآخر النهار، فكل شيء فيه غرر أو فيه ضرر في المواقيت والمواعيد وجب تحديده إن كان مما يلزم الدقة فيه لزم التدقيق، وإن كان مما يتسع فإن الأمر يبقى فيه على السعة، لكن لابد من ذكر الأجل، أما الدليل على اشتراط الأجل فقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عنه قال: (فليسلف في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم)، فلابد وأن يكون السلم إلى أجلٍ معلوم، فلو قال له: أسلمتك هذه المائة ألف لقاء ألف صاعٍ من تمر متى ما جئتني بها: لم يصح، ولم يجز ذلك، بل لابد أن يحدد الأجل الذي يكون إليه السلم.
قال: [له وقعٌ في الثمن].
أي: له أثر في الثمن، ولا يصح أن يقول له: أسلمتك هذه الألف ريال لقاء مائة صاع في آخر النهار، فإن آخر النهار أجل، لكنه أجل ليس له وقعٌ في الثمن، والسبب في قولهم: له وقعٌ في الثمن، حتى تتحقق الرخصة التي من أجلها جاء السلم؛ لأنه إذا كان له وقع في الثمن معناه حصلت الرخصة من الاتفاق بتعجيل الثمن فحينئذٍ يرخص المبيع، فصار هذا من رحمةِ الله عز وجل بالأسواق مما يؤدي إلى رخصها والرفق بالمشتري إذا اشترى على هذا الوجه.
قال رحمه الله: [فلا يصح حالاً ولا إلى الحصاد والجذاذ].
(لا يصح حالاً) إذا كان مثل ما ذكرنا، لو قال: إلى نهاية اليوم أو بعد ساعتين أو بعد ثلاث فهذا بيع معجل وأما إذا قال: إلى نهاية الحصاد فإن الحصاد لا ينضبط، هناك حصاد معجل وهناك حصاد وسط وهناك حصاد مؤجل، فمثلاً إذا قال له: إلى حصاد النخل، فالنخل منه ما يجد مبكراً عند بداية استوائه تمراً، ومنه ما يتأخر إلى نشاف العرجون وقد يأخذ العرجون في النشاف ما يقرب من شهر كامل، فلو قال له: إلى الحصاد فيبس الثمر، فإنه يقول: أنا قصدت أول اليُبس، فيقول الآخر: لا.
بل قصدت قطعه من على النخل، أو قصدت تمام اليبس، فيقع بينهما التنازع، فكما يقع النزاع الصفات وغير المنضبطة كذلك يقع في الآجال غير المنضبطة.
قال رحمه الله: [ولا إلى يوم إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم ونحوهما].
(ولا إلى يومٍ) يقول: في غدٍ مثلاً، إلا في مثل خبزٍ يأخذه يومياً، مثلاً لو قال له: هذه خمسمائة ريال، كل يومٍ يأتيك فلان ويأخذ منك عشرة آصع من تمر كذا، ويكون شخصاً يتصدق على غيره، فيقول لوكيله: سأجعل لك عند بائع التمور الفلاني عشرة آصع لمدة عشرة أيام، هذه المائة صاع أريدك كل يوم تأخذ منها عشرة آصع وتفرقها على مساكين بني فلان، فهذا الوكيل الذي سيقبض، سيقبضها مقسطة.
كذلك أيضاً في المكيلات، فالحليب -مثلاً- يباع باللتر، فقال له: يأتيك ابني كل يوم ويأخذ كيلو حليب، لمدة ثلاثين يوماً في الشهر، وهذه مائة وخمسون ريالاً لقاء الحليب، كل يوم تعطيه كذا وكذا، ويقع أيضاً في البقالات، مثلاً يجد شخص أيتاماً أو أرملة يحتاجون إلى طعام يوم، وهذا الطعام من جنس ما ينضبط، فيقول لصاحب البقالة -إذا رخص بمعدود كالخبز- هؤلاء الأيتام سيأتونك كل يوم فأعطهم مثلاً بعشرة ريالات، ثلاثة ريالات مثلاً لخبز من نوع كذا وكذا، وثلاثة ريالات للجبن من نوع كذا وكذا، فيحدد المعدود والموزون والمكيل، فيأتي كل يوم ويأخذ قسطاً، فهذا سلم مقسط في الأيام فحينئذٍ يجوز ولا حرج.
(169/23)
________________________________________
الشرط الخامس: وجود المسلم فيه وقت التسليم
قال رحمه الله تعالى: [الخامس: أن يوجد غالباً في محله ومكان الوفاء لا وقت العقد].
يشترط في صحة السلم أن يكون المبيع موجوداً في محله في غالب الظن مثلاً: عندنا التمر، فالتمر يكون رطباً ثم يتمر، والرطب لا يوجد إلا في زمان معين وفي موسمٍ معين، لكن التمر يمكن أن يوجد في زمان الصيف، ويمكن أن يوجد في زمان الشتاء إلا أنه في زماننا -بفضل الله عز وجل- لوجود الثلاجات والبرادات أمكن إيجاد الرطب في زمان غير زمانه، لكن في القديم الرطب غير موجود في حال إكنان النخل، وهو عدم وجود الطلع، وكذلك في بداية الطلع، فالرطب لا يوجد إلا في زمانه ووقته، فلو أنه أسلم له في شيء لا يوجد في زمان فحدده إلى نهاية شوال، وفي نهاية شوال لا يوجد هذا الشيء سواءً كان من جنس الأطعمة أو من جنس الأقمشة أو من جنس المبيعات الأخرى، لم يصح السلم، والسبب في هذا أنه على هذا الوجه يكون قد دخل في الغرر، وأصبح السلم غير غالب على الظن وجوده، فمن هنا لا يصح على هذا الوجه.
(169/24)
________________________________________
الحكم إذا تعذر الوفاء بالمتفق عليه في السلم
قال رحمه الله: [فإن تعذر أو بعضه فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض].
إذا كان الشيء يوجد في زمن الأجل، ثم لما جاء زمانه أصابت الناس جائحة -والعياذ بالله- فتلف التمر، وكان قد أسلمه تمراً إلى نهاية شهر معين يوجد فيه تمر، فجاء الشهر والتمر غير موجود، فإذا وقعت هذه الحادثة واختصم البائع والمشتري فقال البائع: إنني قد قبلت منك هذا المبلغ وأنا أظن أنه يوجد، فإذا به لم يوجد، أو جاءت جائحة وأخذت التمور وأتلفتها.
فحينئذٍ يخير المشتري بين أمرين: إن شاء طالب البائع أن يأتي له بمثل ما اتفقا عليه فيدبر أمره فيقال للبائع: أنت اتفقت معه، فحينئذٍ تأتي بمثل هذا الشيء، فيذهب ويبحث حتى يجد مثل ما اتفقا عليه؛ لأنه حق من الحقوق، وإن شاء قال له: أصبر عليك هذه السنة، وإن شاء الله السنة القادمة تعطيني ما اتفقنا عليه، وأمهله وأنظره، وهذا هو الأفضل والأكمل له: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، فإن هذا من العسر.
[فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض].
(فله الصبر)، أي: للمشتري (أو فسخ الكل أو البعض) فسخ الكل إذا لم يوجد، (أو البعض) مثلاً: إذا قال له: أسلمتك بمائة صاع، فأعطاه خمسين ولم يستطع أن يوجد الخمسين الباقية فحينئذٍ نقول له: أنت بالخيار إن شئت أمضيت الصفقة في نصف المبلغ المتفق عليه، وتأخذ ما بقي أو تؤجله إلى سنة قادمة، وإن شئت ألغيت الكل فأنت بالخيار؛ لأنه في بعض الأحيان يتضرر إذا قلنا له: أمضِ البعض، فحينئذٍ نترك الخيار له، فهذا الخيار يختلف باختلاف الحال، ونظراً لاختلاف الحال والصفقة، والعقد ليس على هذا الوجه، فهو بالخيار بين أن يمضي ويعذر أخاه ويصبر عليه وبين أن يلغي العقد كليةً.
قال رحمه الله: [ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه].
إذا كان الثمن ليس بموجود ويوجد عوض عنه فإنه يأخذ العوض عنه، حتى ولو كان بالصرف، لكن بشرط أن يكون حالاً، كأن يكون أسلم له بريالات ولم يتيسر إلا وجود الدولارات عند فساد العقد والرد، فحينئذٍ يردها دولارات فيصرفها في ساعتها مثلاً بمثله.
(169/25)
________________________________________
الأسئلة
(169/26)
________________________________________
حكم بيع المسلم فيه قبل قبضه

السؤال
ما الحكم إذا باع المشتري المسلَم فيه إلى رجل آخر قبل أن يقبضه؟

الجواب
إذا اتفق البائع والمشتري على مسلَمٍ فيه لم يجز للمشتري أن يتصرف في الشيء المسلم فيه إلا بعد القبض، فلا يجوز له بيعه ولا يجوز له هبته ولا يجوز له أن يرهنه ولا يجوز له أن يحيل عليه، إلا بعد قبضه، مثال ذلك: لو أنك اشتريت -مثلاً- مائة صندوق من التمر السكري وبعد أن اشتريت هذه المائة صندوق بعشرة آلاف ريال جاءك رجل وقال: هذه الصناديق التي اشتريتها من فلان أنا أشتريها منك بعشرين، لم يصح حتى تقبضه، وبعد أن تقبضه يجوز لك البيع، أما قبل القبض فإنه لا يجوز، وهو من بيع الإنسان ما ليس عنده، وفي حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (لا تبع ما ليس عندك)، ولأن هذا الشيء المسلم فيه لم يؤل إلى ضمانك، وقد بينا أنه لا يصح بيع الطعام قبل ضمانه وقبضه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)، والله تعالى أعلم.
(169/27)
________________________________________
الفرق بين عقد الاستصناع وعقد السلم

السؤال
ما الفرق بين عقد الاستصناع وعقد السلم؟ عقد الاستصناع أكثر من تكلم عليه وفصل فيه فقهاء الحنفية رحمهم الله، والفرق بينه وبين عقد السلم أن عقد الاستصناع يقارب الإجارة كثيراً، ويكون في بعض الأحيان الخام من البائع والعمل من البائع، ويقع مثلاً في صنع الخفاف، يقول له مثلاً: أريد مائة خف على أن تصنعها لي، قالوا: إنه يجوز أن يكون هذا من عقد الاستصناع، وهو أقرب إلى الإجارة منه إلى السلم، ولكنه دخل في بيع السلم وقارب بيع السلم لانصبابه على الذوات، وقارب الإجارة لانضباطه على المنفعة، فهو يجمع بين المنفعة وبين البيع للذات، فهو من ناحية الطلب يقول: أريد أن تصنع لي -مثلاً- مائة خف، فهذا إجارة، ومن جهة كون الخام من البائع ويلتزم به فهو أشبه بعقد السلم، ومن هنا شرك بين البيع وبين الإجارة، فأفردوه بقولهم: عقد الاستصناع، والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(169/28)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب بيع السلم [2]
عقد السلم من العقود المؤجلة التي رخَّص الشرع فيها على خلاف الأصل، ولهذا اشترط له شروط خاصة، منها: أن يقبض الثمن وأن يكون معلوماً، وألا يكون السلم في معين، وتحديد مكان الوفاء إذا لم يمكن الوفاء في مكان العقد، كل هذا تقيداً بمحل الرخصة في عقد السلم، ودفعاً للنزاع، ولهذا لا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا الحوالة به أو عليه لنفس العلة.
(170/1)
________________________________________
تابع شروط عقد السلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
(170/2)
________________________________________
الشرط السادس: قبض الثمن تاماً قبل التفرق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [السادس: أن يقبض الثمن تاماً معلوما قدره ووصفه قبل التفرق].
فلا زال المصنف رحمه الله يبين الشروط المعتبرة لصحة السلم، ومن هذه الشروط الشرط السادس: وهو قبض الثمن، فيشترط في صحة السلم، إذا اشترى التاجر الصفقة، وتم العقد بينه وبين من يبيعه تلك الصفقة ووقعت سلماً فإنه يشترط أن يعجل له الثمن، أما الدليل على ذلك فهو ما ثبت في قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (فليسلف) بمعنى فليعطِ.
وعلى هذا استنبط العلماء رحمهم الله من هذا الحديث أنه يشترط في صحة السلم أن يقدم الثمن، وأن يعطيه في مجلس العقد، وهناك صورتان للإعطاء: الصورة الأولى: أن يكون الإعطاء عقب الإيجاب والقبول مباشرةً، والصورة الثانية: أن يتأخر الإعطاء عن العقد، أعني: عن الإيجاب والقبول، مثال الصورة الأولى: قال له: أسلفتك مائة ألفٍ لقاء سيارتين إلى نهاية رمضان من نوع كذا وصنف كذا، قال: قبلت، فأعطاه بمجرد القبول المائة ألف، فوقع الإسلام والإعطاء عقب العقد مباشرةً، أو يقول له أيضاً في هذه الصورة: هذه عشرة آلاف أسلمتكها لقاء مائة صندوق مثلاً من التمر البرحي أو من تمر العجوة أو من التمر السكري إلى نهاية رمضان، قال: قبلت وقبض، فحينئذٍ لا إشكال إذا وقع القبض والإسلام والإعطاء موافقاً للعقد ومصاحباً له.
الصورة الثانية: أن يتراخى عن الإيجاب والقبول ويتحقق القبض قبل افتراقهما عن مجلس السلم كأن يقول التاجر للتاجر: أعطيك مائة ألفٍ لقاء ألف صندوق من تمر العجوة أو مائة صاع من التمر البرحي أو الشعير، فقال له: قبلت، فيتأخر في إعطائه ويحصل الإعطاء قبل أن يفترقا، فالإيجاب والقبول تم في الساعة الثانية، والإعطاء تم في الساعة الثالثة، لكنهما لم يفترقا إلا بعد أن أعطاه، صح ذلك وجاز.
إذاً عندنا صورتان، الصورة الأولى: أن يقع الإعطاء مصاحباً للعقد أو بعد العقد مباشرةً وهذه بالإجماع جائزة، والصورة الثانية: أن يتراخى عن الإيجاب والقبول ويتأخر عنه ولكن لا يفترقان إلا بالقبض، وهي صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحح العقد ما دام أنهما لم يفترقا إلا بعد وجود القبض فيما يشترط له القبض.
قال: [أن يقبض الثمن تاماً معلوما قدره].
ومفهوم هذا: أنه لو قال له: أسلفتك عشرة آلاف ريال لقاء مائة صاعٍ من التمر السكري، أو من التمر البرحي أو من تمر العجوة قال: قبلت، ولم يعطه العشرة آلاف، قال: أعطيكها غداً، أو أعطيكها الأسبوع القادم، أو أعطيكها بعد ثلاثة أيام: لم يصح؛ لأنه يصير من باب الدين بالدين، فلا يجوز أن يفترقا إلا بعد أن يعطيه الثمن، سواءً أعطاه إياه بعد الإيجاب والقبول مباشرةً أو أعطاه إياه متراخياً عنه قبل أن يفترقا عن العقد.
قال رحمه الله: (يقبض الثمن)، الثمن يشترط فيه ما يشترط في الأثمان في البيوع، وأن يكون القبض تاماً، فإذا قال: عشرة آلاف، يعطيه العشرة آلاف كاملة، ولا يفترقان حتى يقبض منه العشرة آلاف تامة، وكذلك أيضاً أن يكون معلوماً، فإذا قال له: بعشرة آلاف، يبين نوعها؛ لأنه ربما مثلاً قال له: بعشرة آلاف، فيحتمل أن تكون دولارات وريالات إذا كان هناك أكثر من نوع من النقد، فلابد أن يبين نوع النقد وأن يبين جنسه وقدره.
وعلى هذا: لو قال له أعطيك ريالات في مقابل مائة صندوق من العجوة أو أعطيك دنانير أو أعطيك دراهم لم يصح؛ لأنه لم يبين قدرها، فلابد من بيان القدر فيما ينضبط قدره، وكذلك يبين نوعها إذا كان هناك نوعان من النقد، كأن يذكر الجنيهات فيقول له: أعطيك مائة جنيه لقاء مائة صاع، أو ألف صاع من التمر السكري، فيحتمل أن تكون جنيهات سعودية وقيمتها غالية، ويحتمل أن تكون غير سعودية وقيمتها رخيصة، فيكون هناك جهالة، فلابد وأن يحدد نوعها وقدرها من حيث العدد كما ذكرنا في شرط العلم بالثمن والمثمن، وبينا دليل ذلك من أن الشرع لا يصحح بيع المجهول؛ لأنه يفضي إلى التنازع والتلاعب بحقوق الناس، ومن هنا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر لاشتماله على الجهالة المفضية إلى التنازع بين الطرفين.
قال: [ووصفه قبل التفرق].
يصف هذا الشيء الذي أسلم فيه وصفاً منضبطاً، وقد بينا هذا كله في شرط العلم به؛ لأن السلم بيع، ويشترط فيه ما يشترط في البيع وزيادة، فللسلم شروط تسمى: الشروط العامة، وهي شروط البيع، وشروطٌ خاصة بالسلم، وهي التي بيناها في المجلس الماضي، ولا زال المصنف يذكر بعضها، فهنا: مسألة أن يكون الثمن معلوماً، فهذا من شروط البيع ويعتبر من الشروط العامة.
(170/3)
________________________________________
حكم السلم إذا تم قبض بعض الثمن
قال رحمه الله: [وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما عداه].
هذا الشرط يتركب من أمرين، الأمر الأول: أن يكون الثمن معلوماً، وحدود العلم كما ذكرنا أن يكون بالجنس والنوع والقدر، فلا يكون مجهولاً جهالةً مفضية إلى النزاع، فلو قال له: أسلمتك مائة ألف لقاء مائة صندوق، قال: قبلت، وقد قدمنا في البيوع أنه إذا حدد الثمن على هذا الوجه ما الحكم؟ فيه تفصيل: إن كان ليس هناك إلا نقدٌ واحد كالريالات، فنعرف أن قوله: خذ مائة ألف أو أسلمتك مائة ألف أنه منصب إلى الريالات فيصح، لكن لو كان هناك ثلاث عملات، الريالات والدولارات والجنيهات -مثلاً- لم يصح، فلابد أولاً من العلم بالثمن في جنسه ونوعه وقدره على ما ذكرناه، ثانياً: أن يحصل القبض للثمن حتى لا يكون من باب الدين بالدين؛ لأنهما متى افترقا عن مجلس العقد بدون أن يحصل القبض فقد باع الثمن ديناً بمثمنٍ ديناً، وقد: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ)، وبينا أنه على ظاهر هذا الحديث لا يجوز بيع الدين بالدين.
وعلى هذا إذا قررت أنه يشترط في السلم القبض فتقول للتاجر: إذا عقدت صفقة سلم فيجب أن تعجل الثمن، ولا يجوز أن تعقد الصفقة سلماً في سيارات أو أطعمة أو أكسية أو نحو ذلك إلا إذا قدمت رأس المال ودفعته قبل أن تفارق مجلس العقد، فعندنا حالات: إما أن يدفع البعض ويؤخر البعض، وإما أن يؤخر الكل، أو يعجل الكل، فإذا عجل الكل صحّ، وإذا أخر الكل لم يصح ويلغى العقد، وإذا أخر البعض وقدم البعض ففيه تفصيل، مثال الأول -وهو أن يعجل الكل- قال له: خذ هذه عشرة آلاف، فحينئذٍ لا إشكال، حيث تم الشرط الذي اعتبره الشرع لصحة العقد، وإما أن يؤخر ويقول: أعطيك غداً أو أعطيك بعد أسبوع، أو أعطيك شيكاً على أنه سيصرف فيفترقان قبل القبض فلا يصح، بل لابد وأن يكون الثمن حاضراً في مجلس العقد ويسلمه إياه، ولو كان المبلغ كبيراً فإنه يمكن أن يذهب معه إلى البنك ويعطيه إياه، ولو كان بالنقلة.
وعلى هذا لابد من القبض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط، وقال: (من أسلف فليسلف)، ولأن بيع السلم خارجٌ عن الأصل، وما خرج عن الأصل يقيد الحكم بجوازه بمثل الصورة التي وردت بالنص، والذي ورد في النص الإعطاء والإسلام الفوري، وذلك في رأس المال فلا يجوز مؤخراً، ويكون أيضاً ذلك الشيء الذي أسلم فيه معلوماً، فلو قال له: خذ هذه الصرة من الذهب أو خذ هذه الصرة من الفضة وما فيها لقاء مائة صندوق من العجوة أو مائة صاع من بر، أو لقاء سيارةٍ إلى نهاية شعبان أو نحو ذلك لم يصح؛ لأنه لا يدرك كم بداخلها، فلا يصح الإسلام بمجهول سواءً كان من الذهب أو الفضة ولو عُلِم نوعه ذهباً أو فضة إذا لم يعلم قدر ذلك الثمن المسلم.
فتبين أنه إذا عجل الثمن كله صح، وإذا أجله كله لم يصح، لكن لو قال له: أسلفتك مائة ألفٍ لقاء ألف صندوق من العجوة، فأعطاه خمسين ألفاً معجلة، وقال له: الخمسين الألف الباقية أعطيكها غداً، أو بعد أسبوع أو بعد شهر، فقدم البعض وأخر البعض فما الحكم؟ للعلماء وجهان: فقال بعض العلماء: يبطل السلم؛ لأن العقد واحد والصحة لا تجزأ، وقال بعضهم: يصح في الخمسين المعجلة ويبطل في الخمسين المؤجلة؛ لأن الأصل إعمال العقود ما أمكن، فلما كان التأخير في بعض الصفقة فإنه يقيد الحكم بالبطلان بالمؤجل، ويحكم بالصحة على المعجل سواءٌ كان ذلك أنصافاً أو أثلاثاً أو أرباعاً، فأنصافاً كأن يقول له: أسلمتك مائة ألفٍ لقاء ألف صندوق -مثلاً- من تمر قال: قبلت، فأعطاه خمسين ألفاً وأخر عنه الخمسين الباقية، فيصح في النصف ويبطل في النصف، وأما أرباعاً فكأن يقول له: أسلمتك مائة ألف لقاء سيارة من نوع كذا وكذا إلى نهاية شعبان، وهذه خمسة وعشرون ألفاً وأعطيك الخمسة والسبعين الباقية بعد يوم أو بعد شهر، فحينئذٍ إذا كانت السيارات أربع سيارات ولكل سيارة خمسة وعشرون ألفاً حكمنا بصحة السلم في الربع وهو الخمسة والعشرون التي دفعها، وألغينا صفقة الخمسة والسبعين الباقية، متى ما فصل لكل سيارةٍ قيمتها، لكن لو كانت السيارة واحدة، وقال له أسلمتك المائة ألف في سيارة من نوع كذا وكذا، أو كانت الصفقة على سيارتين وأعطاه خمسة وعشرين وكل سيارة لها خمسون ألفاً، فحينئذٍ لا تقبل الصفقة التجزئة فيبطل في الكل.
إذاً إذا جزأ وقال له: أسلمتك مائة ألفٍ لقاء مائة صاعٍ أو مائة صندوق وأمكنت التجزئة صححنا في الأجزاء، فإن كان قد دفع له خمسين ألفاً صححنا في نصف الصفقة وأبطلنا النصف الباقي، وإن كانت الصفقة لا تقبل التجزئة كما لو اشترى سيارة وأعطاه خمسة وعشرين ألفاً من قيمتها أو خمسين ألفاً من قيمتها أو خمسة وسبعين ألفاً من قيمتها أو حتى تسعين ألفاً من قيمتها فهي لا تقبل التجزئة ويبطل العقد، إذاً لابد وأن يكون معجلاً، فلو قدم البعض وأخر البعض وأمكنت التجزئة وتصحيح جزء العقد صح، وإن لم يمكن لم يصح.
(170/4)
________________________________________
حكم السلم في أجناس وآجال مختلفة أو متوافقة
قال رحمه الله: [وإن أسلم في جنس إلى أجلين أو عكسه: صح إن بيَّن كل جنسٍ وثمنه وقسط كل أجل].
(إن أسلم في جنس إلى أجلين) بين رحمه الله صحة السلم والشروط المعتبرة له، فإذا كان مالاً في جنس واحد فلا إشكال، لكن لو أن المال في جنسين، أو كان لكل جنسٍ مثلاً حظه وقيمته، أو أعطاه في ثلاثة أجناس مختلفة الأجل، أو أعطاه في أكثر من جنس متفقة الأجل، هذه كلها صور، فتارةً يقول له: هذه مائة ألف أعطيكها، منها خمسون ألفاً في سيارة من نوع كذا، وخمسون ألفاً في تمرٍ من نوع كذا، فحينئذٍ أسلم بمالٍ واحد في جنسين مختلفين، وهذا كثيراً ما يقع من التجّار حينما يشترون البضائع، مثلاً: إذا جئنا إلى تجار السيارات، يأتي التاجر في بعض الأحيان فيشتري من نوعٍ واحد، ويقول: هذه مائة ألف لقاء عشر سيارات أو خمس سيارات من نوع كذا، فحينئذٍ يكون المال واحداً والجنس واحداً ولكن الأنواع مختلفة، فإذا كان النوع مختلفاً وحدد لكل نوعٍ قيمته، فتارةً يكون الأجل واحداً، وتارةً يكون الأجل مختلفاً فيقول: أريد خمس سيارات، السيارة الأولى في شهر محرم، والثانية في صفر، والثالثة في ربيع الأول، والرابعة في ربيع الثاني، والخامسة في جماد، فأسلم في نوعٍ واحد وفي أنواع متعددة، ولكن الآجال أيضاً متعددة، وتارةً يقول: خمس سيارات من نوع كذا ونوع كذا ونوع كذا ولكن إلى نهاية محرم، فالأجل واحد، فإما أن يسلم في أنواعٍ متعددة بآجال متعددة لكل سيارةٍ قيمتها فيصح، وله أن يسلم في أنواع بأجل واحد، فيستوي أن يكون في أنواع إلى أجل واحد أو آجال.
والشرط يتوقف على صحة التجزئة، فإن أعطى كل نوعٍ حظه وحقه فلا إشكال، وهكذا إذا حدد الأجل لكل واحدٍ صح.
قال رحمه الله: [صح إن بيَّن كل جنسٍ وثمنه وقسط كل أجل].
إن بيَّن كل نوع أو كل جنس وثمنه وأجله صح مثلما ذكرنا، وفي بيع الطعام يقول له: هذه عشرة آلاف ريال، خمسة آلاف منها لقاء مائة صاع من التمر في نهاية رمضان هذا، وخمسة آلاف لقاء مائة صاع من الشعير إلى ذي القعدة فيصح؛ لأنه بين لكل أجل قيمته، وحينئذٍ لا إشكال سواء اتحد الجنس واختلف الأجل أو اختلف الجنس واتحد الأجل، فكله جائز ما دام أنه قد جعل لكل مبيع حظه وحقه، فقد صححنا السلم إذا قال له: هذه مائة ألف لقاء سيارة إلى نهاية محرم، فلو أنه قال له: وهذه خمسمائة ألف في خمس سيارات، السيارة الأولى في محرم، والثانية في صفر، والثالثة في ربيع الأول، والرابعة في ربيع الثاني، والخامسة في جماد، فتأخذ نفس الحكم؛ لأن المسألة مسألة تفصيل، يعني سواء اتفق النوع واختلف الأجل، أو اختلف النوع واتحد الأجل، أو اختلف النوع والأجل، أو اتحد النوع والأجل، فاتحد النوع والأجل مثل أن يقول له: هذه عشرة آلاف ريال في مائة صاع من التمر إلى نهاية محرم، فاتحد النوع واتحد الأجل، وهذه واضحة.
وأما مثال اختلاف الجنس مع اتحاد الأجل، تقول مثلاً: أريد تمراً وبراً وشعيراً وملحاً، إلى نهاية رمضان، فاختلفت الأجناس ولكن الأجل واحد، فإذا اختلفت الأجناس الأربعة أعط لكل صنف حظه وحقه، حتى يُعلم المائة صاع من البر كم لها وكذا التمر والشعير والملح، فاختلفت الأجناس واتحد الأجل.
وأما مثال اختلاف الأجل مع اتحاد الجنس: لو وجد تاجر يبيع التمر السكري بالجملة، وأنت تريد أن تشتري منه من أجل أن تبيع بالتجزئة كما في البقالات ونحوها، فتقول له: يا أخي! أنا عندي موسمان، الموسم الأول: رمضان، والموسم الثاني: في ذي الحجة، موسم الحج، فأعطيك هذه المائة ألف في التمر، فأشتري منك بخمسين ألفاً مائة صاع أو مائة صندوق إلى نهاية شعبان، هذا الأجل الأول، والخمسين الألف الثانية إلى نهاية ذي القعدة أي: إلى موسم الحج، فعندنا الجنس واحد، والأجل مختلف.
الصورة الرابعة: اختلف الجنس واختلف الأجل مثاله: كتمرٍ وبرٍ، فتقول: أسلمك في مائة صاع من التمر، ومائة صاع من البر أو من الملح، على أن تعطيني مائة صاع تمر في رمضان ومائة صاع بر أو ملح في ذي القعدة، فحينئذٍ اختلف الجنس واختلف الأجل، فهذه الصور الأربع: أن يتحد الجنس ويختلف الأجل، وأن يختلف الجنس ويتحد الأجل، أو يتحدا أو يختلفا، فإذا جزأ لكل واحد منهما حظه وحقه فلا إشكال.
(170/5)
________________________________________
الشرط السابع: أن يكون السلم في الذمة لا في معين
قال رحمه الله تعالى: [السابع: أن يسلم في الذمة فلا يصح في عين].
يقول رحمه الله: الشرط السابع من شروط السلم، والسلف (أن يسلم في الذمة)، ولذلك قالوا: لا يصح أن يسلم في المعين، وتقدم معنى بيان العين والذمة، فلو قال له: هذه مائة ألف لقاء هاتين السيارتين إلى نهاية رمضان: لم يصح؛ لأن بيع هذه السيارة بيع عين وليس بيع ذمة وإذا قال له: هذه مائة ألف لقاء هذه المائة كتاب إلى نهاية رمضان: لم يصح، والحل أن يقول: خذ هذه المائة الألف لقاء هذه الكتب وسآتي وآخذها إن شاء الله منك إلى نهاية رمضان أو نهاية شعبان، فيحدد الأجل للقبض، أما أن يجعله سلماً فلا، والسبب في ذلك: أنه لو باعه المعين سلماً لم يأمن أن يتلف المعين، وحينئذٍ قالوا: لا يصح السلم بالعين إنما يصح وصفاً في الذمة فيقول له: أريد مائة كتاب من نوع كذا وكذا ويصفها وصفاً منضبطاً كما تقدم معنا في المعدودات إن كان من المعدودات، والكيل إن كان من المكيلات، وبالوزن إن كان من الموزونات، وبالذرع إن كان من المذروعات على القول بصحته في المعدودات والمذروعات.
(170/6)
________________________________________
أحكام متعلقة بالسلم
(170/7)
________________________________________
محل الوفاء في عقد السلم
قال رحمه الله: [ويجب الوفاء موضع العقد].
بعد أن بين رحمه الله المسائل المتعلقة بالشروط شرع في بيان ما يترتب على قضية العين والذمة، إذا كان السلم ينبني على بيع الموصوف في الذمة بالثمن المعجل فمعنى ذلك أنه سيكون من بيع الدين (بيع الآجال) وإذا كان من بيوع الآجال فترد مشكلة مترتبة على الحكم بجواز بيع الأجل وهي قضية القبض، فإذا اتفقت معك على صفقة وكان البيع بيع السلم وحل الأجل، فهل يجب علي أنا البائع أن أوصل المبيع إليك أم يجب عليك أن تحضر إلي لقبض المسلم فيه، أم أن الأمر يتوقف على مكان العقد ومحله؟

الجواب
أنه يجب الوفاء في مكان العقد، وقال: (الوفاء)؛ لأن بيع السلم يقوم على شيء من الدين، كأنني التزمت في ذمتي أن أعطيك التمر أو أعطيك السيارات المبيعة فلما التزمت هذا لقاء هذا المبلغ المعين لزمني الوفاء بهذا العقد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، وانظر كيف أن العلماء يتأدبون مع الشرع، فيختارون في المتون الفقهية المصطلحات القريبة من الشرع، فالعلماء رحمهم الله في فقههم -خاصةً فقه العلماء الذي يسير على منهج السلف- يتأدبون حتى في ألفاظهم، قالوا: يجب الوفاء؛ لأنه إذا صار العقد بالإيجاب والقبول ترتب عليه الوفاء، فالوفاء ينبغي أن يكون في مكان العقد، فإذا اختصم التاجران، فإن كانا من مدينةٍ واحدة فغالباً لا يقع إشكال، أي: إذا كنتما قد اتفقتما في مكة أو في المدينة أو في جدة فحينئذٍ الغالب ألا يقع إشكال، لكن يقع الإشكال في المبيعات التي تحتاج إلى مئونة وكلفة في حملها ويكون المتعاقدان من موضعين مختلفين، فيقول التاجر الذي اشترى: تحضر لي السلعة إلى بلدي، ويقول البائع: إنما التزمت إذا حل الأجل أن أعطيك، ومعنى ذلك أنك تحضر عندي وتأخذ السلعة، فحينئذٍ يقع التنازع بينهما، مثلاً: لو أعطيت رجلاً عشرة آلاف لقاء مائة صندوق من التمر السكري، وكان التبايع مثلاً في المدينة ومزرعته في المدينة وأنت من مكة، فلو وجب عليه الوفاء بحيث إنه يجب عليه أن يوفر لك السلعة فمعناه: أنه سيستأجر من يحملها من المدينة إلى مكة، ويتحمل أعباء هذه الإجارة، فقال: (يجب الوفاء في موضع العقد)، يعني: أنه ينظر إلى المكان الذي وقع فيه العقد إن كان في المدينة، فالوفاء في المدينة، وإن كان في مكة فالوفاء في مكة، وإن كان في القصيم فالوفاء في القصيم، وإن كان في الرياض فالوفاء في الرياض، فيجب عليه أن يفي في المكان الذي تمت فيه الصفقة، أي: الإيجاب والقبول.
فإذا كان هذا واجباً في مكان العقد، فهل يشترط أن يكتباه في نفس العقد؟ الجواب: سواء كتبا أو لم يكتبا فإنهما يلزمان بمكان العقد، وهذا أصل في البيوع، إذا وقع البيع بين اثنين، فإن الوفاء يكون في مكان العقد؛ لو أنهما تعاقدا في طرف المدينة الشرقي وأحدهما -مثلاً- من جنوب المدينة والثاني من شمالها، فنقول: يكون الوفاء في مكان العقد الذي هو شرقها.
(170/8)
________________________________________
حكم اشتراط الوفاء في غير محل السلم
قال رحمه الله: [ويصح شرطه في غيره].
أي: يصح ويجوز لكلا المتعاقدين إذا تعاقدا بالسلم أن يتفقا على أن التسليم يكون في غير مكان العقد، مثلاً الآن: لو أن رجلاً اشترى من رجلٍ مزارعٍ فقال له: أسلمتك عشرة آلاف ريال لقاء مائة صندوق من التمر السكري، وكان هذا الاتفاق -مثلاً- في مكة، وكلاهما من غير مكة، فصاحب المزرعة مزرعته في القصيم، -السكري لا يوجد إلا في القصيم غالباً، ولذلك نجعل التمثيل بالسكري؛ لأنه معروف ومشهور، ولا نمثل بالعدوي والبرحي، وإن كان البرحي مشهورا ًأيضاً- فقال: السكري موجود في مزرعتي، يعني: إذا حان الحصاد فإني غالباً أهيئه في مزرعتي في القصيم، فألزمك أو أشترط عليك أن تأتي وتأخذه مني قال له: قبلت، فيلزم بالذهاب وأخذ الصفقة من مكانها الذي اتفقا عليه، أو قال له -مثلاً-: هذه عشرة آلاف ريال لقاء سيارة من نوع كذا وكذا قال: قبلت، ولكن أشترط عليك أن أعطيك السيارة في جدة قال: قبلت، حينئذٍ الاتفاق وقع في مكة سواءً في التمر أو في السيارة، لكنهما اتفقا بالتراضي من الطرفين أن يكون الوفاء في موضع غير موضع العقد فيصح ذلك، وكأن المصنف يريد أن يقرر لك أن وجوب الوفاء في مكان العقد محله ما لم يتفقا على غيره، فإن اتفقا على غيره جاز، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (المسلمون على شروطهم)، فهما قد اشترطا أن يكون ذلك في موضعٍ غير موضع العقد برضاهما واختيارهما، وعلى هذا: يلزم الطرفان بما اتفقا عليه وحصل الشرط عليه.
(170/9)
________________________________________
محل الوفاء إذا كان العقد قد تم في مكان لا يضبط
قال رحمه الله: [وإن عقدا ببرٍ أو بحرٍ: شرطاه].
هذا من دقة العلماء، إذا كنت تقرر أن العقد إذا وقع في مكانٍ وجب الوفاء فيه، فافترض أن العقد وقع في مكان لا يمكن ضبطه، كالبر: الصحراء التي ليست فيها معالم، فلا يمكن ضبط المكان، لكن في الصحراء لو أنهما اتفقا في موضعٍ معين ومعلمٍ معين مثل القرى التي تكون في الطريق، أو اتفقا في استراحة معينة في مكانٍ معين، وجب الوفاء في مكان الاتفاق، ما لم يتفقا على غيره، هذا إذا كان ببر، ومثل البر أيضاً: البحر، فلو كان في سفينة أو مركب وقال له: هذه عشرة آلاف لقاء مائة صاع من البر أو من التمر، قال: قبلت، وكان الاتفاق في البحر، فإنه في هذه الحالة لا بد وأن يحددا مكاناً غير المكان الذي اتفقا فيه؛ لأن المكان الذي اتفقا فيه لا ينضبط، وهكذا لو كان في الجو كما في زماننا، فلو أن تاجرين كانا في طائرة، وقال أحدهما للآخر: هذه عشرة آلاف ريال لقاء -مثلاً- نوع من القماش أو من المزروعات، أو نوع من الطعام من المكيلات أو من الموزونات، وتمت صفقة السلم كاملة وهما في الجو فهذا المكان لا ينضبط، إذاً لابد في العقد أن يتفقا على موضع للوفاء، فيقول له: نحن الآن مسافران فيكون وفاؤنا في المدينة، أو وفاؤنا في مكة أو في موضع كذا، فيحددان المكان ويتفقان عليه.
(170/10)
________________________________________
حكم بيع المسلم فيه قبل قبضه
قال رحمه الله: [ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه] إذا تمت هذه الشروط المعتبرة للسلم، فاعلم رحمك الله أنه يترتب عليها أحكام، ومن أحكام السلم أنه لا يجوز لمن عَقَد عَقْد السلم أن يبيع الشيء الذي اتفق عليه وأسلم من أجله قبل أن يقبضه، فلو أن رجلاً اشترى سيارةً سلماً بمائة ألف من الوكالة، ثم قال له رجل: هذه السيارة أرغبها هل تبيعها لي؟ فنقول: لا يجوز أن يبيعها قبل قبضها، وهكذا لو اشترى تمراً أو براً أو غير ذلك من المبيعات، لكن ما الدليل على أنه لا يصح أن يبيع؟ نقول: إن كان السلم وقع على طعام فإننا نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أرى غير الطعام كالطعام)، وإن كان غير طعام، وقلت: النص خاص بالطعام، نقول: إنه قد ربح ما لم يضمن، فإذا اشتريت سيارةً من وكالة بعشرة آلاف إلى نهاية رمضان هذه السنة، وبعتها بأحد عشر ألفاً أو بعتها باثني عشر ألفاً أو بعتها بثلاثة عشر ألفاً، فمعنى ذلك أنك قد بعت شيئاً وربحت فيه قبل أن يكون في ضمانك، وهذا بيناه في مسألة: ربح ما لم يضمن، فتعلمون أن السيارة الآن لو تلفت فإنها تتلف على ضمان البائع الذي هو الوكالة، فلا يصح في الشريعة أن يتحمل غيرك مسئولية السلعة وأنت تأخذ الربح والنتاج، فانظروا إلى عدل الله عز وجل بين عباده، فلا يصح أن تتحمل الوكالة مسئولية هذه السيارة وحفظها وصيانتها والقيام عليها وتكون مسئولةً عنها، وأنت الذي تربح وتغنم، هذا شيء من الأنانية، ولذلك لا تجيز الشريعة أن تأخذ ربح شيء لم تضمنه، لكن تتحمل مسئوليته وضمانه وتأخذ ربحه ونتاجه، وعلى هذا: لا يصح أن تبيع السيارة قبل قبضها، ولا يصح أيضاً أن تبيع الطعام قبل قبضه، ولا يصح أن تبيع القماش إذا أسلمت فيه قبل قبضه، وهكذا الحديد والنحاس والرصاص وغيرها من سائر المبيعات لابد أن تقبض أولاً، ثم بعد قبضه بع وتصرف، ولأنه لا ينتقل إلى ملكيتك إلا بالقبض فاشترط القبض لصحة التصرف فيه.
(170/11)
________________________________________
حكم هبة المسلم فيه قبل قبضه
قال: [ولا هبته].
إذا كان لا يجوز لي أن أبيع حتى لا يحصل الربح قبل الضمان، فافرض أن شخصاً قال لك: هذا المسلم فيه أريد أن أعطيه بدون عوض، كأن أهبه لأخي، فأقول لأخي: يا فلان! هذه السيارة التي اشتريتها من الوكالة هبةٌ مني لك، لم يصح؛ لأن الهبة لا تصح شرعاً إلا بعد الملكية، والملكية تتوقف على القبض، ولا يصح التصرف في شيء بهبته إلا بعد قبضه وملكه، ومن هنا: هبة الأعضاء والتبرع بالأعضاء على القول بعدم جوازها، بني هذا القول على أن الإنسان لا يملك أعضاءه؛ لأن الهبة شرطها: أن تكون مالكاً للشيء الذي تهبه، والإنسان ليس مالكاً لجسده، فهو ممكن أن يهب ماله، وممكن أن يهب سيارته، لكن يده ليست ملكاً له، وكذلك كليته وأعضاؤه، وقرنية العين ونحو ذلك لا يملكها، فقالوا: يشترط في الهبة الملكية، ومن هنا قالوا: صحيح أنه قد تعاقد، ولكنه لم يصل إلى ملكيته الحقيقية التي تبيح له التصرف فيه، فاشترط القبض لهبته، فلا يصح أن يهب السيارة ولا أن يهب الطعام ولا أن يهب القماش ولا أن يهب أي شيءٍ وقع عليه السلم إلا بعد قبضه.
(170/12)
________________________________________
حكم الحوالة بالمسلم فيه أو عليه قبل قبضه
قال: [ولا الحوالة به ولا عليه].
أي: أن يحيل بهذا الشيء الذي وقع عليه السلم، فلا يصح أن يحيل به، ولا أن يحيل عليه، لا يصح في كلتا الحالتين، فحينما تدفع مائة ألف لقاء سيارة، فإن المائة ألف هذه لا يصح للوكالة التي اتفقت معها على أن تعطيك سيارة أن تحيلك إلى مكانٍ آخر؛ لأنه لا يصح للشخص الذي تعاقدت معه سلماً أن يحيلك إلى شخصٍ آخر، وأنت أيضاً لا يصح أن تحيل غيرك إلى ذلك الشيء الذي يقع السلم عليه؛ لأن الحوالة تكون على دين مستقر، والسلم لا يستقر ديناً إلا بعد حلول أجله وقبضه، فأنت إذا دفعت مائة ألف لقاء سيارة وجئت تحيل شخصاً له عليك مائة ألف وقلت له: خذ هذا الدين الذي لي على الوكالة، لا يصح إذ الوكالة ليست بمدينة؛ لأن الأجل لم يحل أصلاً، وهذا بيع وصفقة خارجة عن الديون، والحوالة شرطها أن تكون على ديون كما سيأتي (من أحيل على مليء فليتبع) كما قال صلى الله عليه وسلم، فالحوالة تكون في الديون المستقرة، وأنت تحيل على شيء لا يستقر ديناً، وصحيح أن الصفقة أوجبته، لكنه لم يستقر ديناً، فلا يصح للوكالة أن تحيلك على وكالة ثانية، ولا يصح لتاجر الحبوب أن يحيلك على تاجر آخر، ولا يصح لتاجر التمر أن يحيلك على تاجر آخر، كذلك أيضاً لا يصح لك أنت أيضاً أن تحيل على هذا التاجر، فكما أنه لا يصح لهذا أن يحيل على هذا، فكذلك الطرف الثاني لا يصح أن يحيل غيره عليه.
قال: [ولا أخذ عوضه].
أي: العوض عن هذا المسلم فيه، مثلاً: رجل تعاقدت معه على مائة صندوق من التمر في نهاية رمضان، فلما حضر الأجل قال لك: والله ما عندي مائة صندوق من التمر السكري الذي اتفقنا عليه، فأريد أن أعطيك عوضاً عنها تمراً برحياً، لم يصح، وإنما يجب عليه أن يحضر هذا الذي اتفقتما عليه وهو السكري، فإن كان ليس عنده يذهب ويحضره من الغير، ولكن بعض العلماء يقول: إذا عجز، كأن يكون هناك جائحة اجتاحت التمور وأصبح هذا الموسم ليس فيه تمر من هذا الصنف الذي اتفقا عليه، فينفسخ العقد، ويحكم بانفساخ عقد السلم، وفي هذه الحالة يطالب برد المال، ولا يطالب بالعوض؛ لأنه غير موجود، فلو قال له: أعطيك عوضاً من نوعٍ ثانٍ، أو أعطيك بدل السيارة طعاماً لم يجز، ولابد أن يعطيه نفس الشيء الذي أسلم فيه، وهذا كله -كما ذكرنا- مبني على أن السلم رخصة خارجة عن الأصل، والخارج عن الأصل يتقيد بالصورة الواردة والتي اتفقا عليها وأوجدا العقد عليها، ولا يجوز التصرف في هذه العقود لإخراجها عن حقيقتها؛ لأنه لو قلنا بجواز ذلك خرج عن كونه سلماً إلى بيع آخر، وأصبح بيع السلم ذريعة إلى بيوع أُخر، ومن هنا: الرخص لا يتجاوز بها محالها، فما جاء على سبيل الرخصة يقيد بصورته ولا يصح إلا بعقده.
(170/13)
________________________________________
حكم الرهن والكفالة بالسلم
قال رحمه الله: [ولا يصح الرهن والكفيل به].
الرهن للاستيثاق، فإذا أخذ منك شخص ديناً مائة ألف ريال، تقول له: أعطني رهناً، فيعطيك رهناً مثلاً: أرضه أو عمارته، فيقول: هذه العمارة رهن حتى أعطيك المائة ألف، أو هذا كفيلي يكفلني في الديون، فلا يجوز أن يجعل السلم رهناً، وكذلك أيضاً قالوا: لا يجوز أن يجعل في السلم رهناً، وهذا فيه خلاف، فبعض العلماء يقول: يجوز أخذ الرهن في السلم، وبعضهم يمنع من أخذ الرهن في السلم، مثلاً: رجل تعاقد مع غيره سلماً في تمر، فقال له: هذه عشرة آلاف لقاء مائة صندوق من التمر السكري آخذها منك في نهاية رمضان، قال: قبلت، قال: أعطني رهناً لقاء هذه المائة ألف التي سأعطيك إياها، فمعناه أنه سيأخذ الرهن لقاء الوفاء بالسلم، فقيل: لا يجوز، وهذا مذهب بعض العلماء، وقال بعض العلماء بصحة الرهن فيه وهو أقوى، وذلك لظاهر آية الدين لقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، فإذا كان الشخص لا يأمن ولا يستوثق قالوا: يجوز له أن يأخذ رهناً لقاءه، إلا أنه ضُعف، والحنابلة ومن وافقهم يجيبون بأنه إذا لم يمكنه الوفاء فإنه يلزم بالمثل، وإذا لم يكن المثل فإنه يلزم برد المال الذي هو الثمن الذي أسلمه إليه، فلا داعي لأخذ الرهن به، والصحيح والأقوى ما ذكرنا؛ لظاهر الآية الكريمة؛ لأنها نزلت في السلم، وكان ابن عباس رضي الله عنه يحلف أن آية الدين في السلم، وفي آية الدين ذكر الرهن؛ ولأنه قد يعجز عن الوفاء بالسلم، أو يتعذر وجود الشيء الذي اتفقا عليه ووقع عليه عقد السلم، وتصبح المائة ألف ديناً، فيكون حينئذٍ من حقه أن يستوثق للمال الذي دفعه إليه.
قال: [والكفيل به].
كذلك لو قال له: أحضر لي كفيلاً ليكفل قالوا: لا يصح، والصحيح أنه يصح كالرهن.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(170/14)
________________________________________
الأسئلة
(170/15)
________________________________________
الفرق بين عقد السلم وبيع الثمر قبل بدو صلاحها

السؤال
أشكل عليّ بيع السلَم مع بيع الثمرات قبل بدو صلاحها وبين بيع الرجل ما لا يملك؟

الجواب
هذا إشكال جيد، فقد تقدم معكم أن من باع ثمرةً قبل بدو صلاحها، فإنه لا يصح البيع؛ لأنه لا يأمن فساد الثمر، وبناءً على ذلك يقولون كأنه باع شيئاً غير موجود؛ لأنه اشترى الثمرة، والثمرة أثناء العقد صلاحها مفقود، فكيف صححنا السلم مع أن المبيع مفقود وغير موجود؟ والجواب: أن بيع الثمرة ينصب على معين، وبيع السلم انصب على غير المعين، وهذا الذي ذكرناه: أنه يشترط في السلم أن يكون موصوفاً في الذمة، ومعنى ذلك: أنه لما باع الثمر انصب على معينٍ يفوت بفواته، ولكن في بيع السلم ينصب على غير معين، فهذا الفرق، وبناءً على ذلك إنما يرد الاعتراض أن لو اتفقا في الحكم، بحيث قلنا: يجوز هذا ويجوز هذا وهما متفقان أيضاً في الوصف، والواقع أن هذا شيء وهذا شيء، فلما كان الغرر في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها موجباً للتحريم حرمنا، ولما كان الغرر غير موجب في بيع السلم، أو كان موجوداً ولكنه يسير، وأجاز الشرع أجزناه، والفرق بينهما من هذا الوجه ظاهر، والله تعالى أعلم.
(170/16)
________________________________________
الفرق بين السلم وبيع الرجل ما لا يملك

السؤال
ما الفرق بين بيع السلم وبيع الرجل ما لا يملك؟

الجواب
بيع السلم: بيع من الرجل لما لم يملك، ولكن هذا كما قال العلماء: عام وخاص، والقاعدة: لا تعارض بين عامٍ وخاص، فنقول القاعدة: عدم جواز بيع الرجل لما لا يملك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث حكيم بن حزام كما في حديث السنن: (لا تبع ما ليس عندك)، فلما نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده جاء حديث ابن عباس فقال: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فنقول: صح السلم؛ لأنه فردٌ من أفراد العام المنهي عنه، والقاعدة: لا تعارض بين عام وخاص، فبيع ما ليس عند الإنسان محرم إلا في السلم؛ لورود الرخصة فيه، وقال بعض العلماء: ليس بيع السلم من بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأنه من بيع الذمة، ولكن مذهب الجمهور على أنه من بيع الإنسان ما ليس عنده، والحق أن مذهب الجمهور أرجح والرخصة فيه واضحة، ولذلك قال: ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في السلم، والسلم مرخصٌ فيه من هذا الوجه.
(170/17)
________________________________________
حكم الكتابة والإشهاد في عقد السلم

السؤال
هل تجب الكتابة والإشهاد في السلم؟

الجواب
السلم من الديون، والديون يفصل فيها: فإذا كان الدين موثقاً والحق ممكن توثيقه لصاحبه بكتابةٍ، وثابت لصاحب الحق حقه فلا إشكال بأنه يجوز أن يتعاقد باللفظ دون حاجة إلى إشهاد.
وأما إذا كان الحق لا يمكن الوصول إليه إلا بالاستيثاق فيجب الإشهاد، وإن كان الاستيثاق بالكتابة وجبت الكتابة، ومن هنا يفصل فيه، فإذا كنت قد اشترى منك رجل سلماً سلعة وكتبت في وصيتك: إن لفلان وفلان كذا وكذا سلماً وثبت حقه؛ فحينئذٍ لا إشكال، أما إن كان عدم الكتابة سيؤدي إلى ضياع الحق فإن الكتابة واجبة، والإشهاد عليه واجب، والكتابة استيثاق إن حصل بدونها فبها ونعمت؛ كالشهادة المجردة باللفظ، وإن كان قد حصل الاستيثاق بالكتابة مع الإشهاد فهذا أكمل وأفضل على ظاهر آية البقرة، وقد رخص بعض العلماء في ترك الإشهاد لحديث اليهودي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهون عند يهودي في صاعين من شعير)، قالوا: ولم يكتب في وصيته حقه، وإنما ترك ذلك لمكان الاستيثاق، ولكنه لا يخلو من النظر لما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
(170/18)
________________________________________
حكم الاتفاق مع الخياط على خياطة ثوب

السؤال
هل العقد الذي يتم مع خياط الثياب يعتبر من عقود السلم؟

الجواب
إذا قال له: أريد ثوباً من هذا القماش، بكم؟ قال: الثوب من هذا القماش بمائةٍ أو مائة وعشرين، فإنه حينئذٍ يكون عقد بيع وإجارة، فلو قال له: أريد ثوباً من هذا القماش، فكم متراً يكفيني؟ قال: ثلاثة أمتار، قال: وتفصلها؟ قال: وأفصل، قال: إذاً أشتري منك بمائة، لم يصح؛ لأنه جمع بين الإجارة والبيع مع الجهالة، فلم يعلم قسط الإجارة من قسط البيع، كيف؟ لما قال له: كم متراً يكفيني من هذا الثوب؟ قال: ثلاثة أمتار، فحينئذٍ رغب أن يعطيه من هذا الثوب ثلاثة أمتار، ثم قال له: وتفصل؟ قال: وأفصل، قال: كم تأخذ عليه؟ -يعني: على البيع وعلى التفصيل- فقال: مائة، فجمع بين الثلاثة الأمتار المبيعة أولاً وبين إجارة الخياطة ثانياً على وجهٍ لا يدرى فيه حق الإجارة من حق البيع، وهذا هو الذي دعا بعض العلماء أن يمنع منه؛ لأنه جمعٌ بين عقدين في عقد واحد على وجهٍ موجب للجهالة والغرر، أما لو قال له: بكم المتر من هذا؟ قال: المتر بستة ريالاً، قال: إذاً أعطني ثلاثة أمتار بثمانية عشر ريالاً، وبكم تفصل؟ قال: بثلاثين، قال: إذاً هذه ثمانية وأربعون، اقطع لي ثلاثة أمتار وفصلها لي، صح ذلك وأجازه العلماء وألحقوه بعقد الاستصناع.
(170/19)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب القرض [1]
يعتبر القرض من المعاملات المالية التي يراد بها الإرفاق، وقد ثبت القرض بأدلة الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، فيستحب لمن وسع الله عليه أن يوسع على إخوانه المسلمين بالقرض، فيوسع به على المكروب، ويفك به الغارم والمديون، ومن جانب آخر على المقرض أن يحذر من إقراض من يستعين بالقرض على حرام أو مكروه؛ لأنه حينئذٍ يكون شريكاً له في وزره.
(171/1)
________________________________________
مشروعية القرض
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال رحمه الله تعالى: [باب القرض].
القَرض والقِرض، والأشهر: بالفتح، لكن يصح الكسر، وأصل قرض الشيء الاقتطاع منه، ومنه قولهم: قرضه فأر، إذا اقتطع منه، وسمي القرض قرضاً: لأن الشخص يقتطع من ماله جزءاً للمديون، فيعطيه إياه ديناً، وأصل القَرض: دفع المال للغير إرفاقاً ليرده عند حلول أجله المتفق عليه، وهذا النوع يسميه العلماء: إرفاقاً، وقد اعتبروه من عقود الرفق؛ لأن الشخص يعطي ماله يحتسب الثواب عند الله عز وجل ويريد الرفق بما أخذ منه، فيكون حينئذٍ عبادة، وقد يدفع المال له من باب العاطفة، فيكون عادة، كشخصٍ -مثلاً- جاءك وقال: أريد مائة ألفٍ قرضاً إلى نهاية السنة، فإنك قد تنظر إلى ظروفه وما ألمّ به من الحوائج فتعطيه المائة ألف، لكن لما أعطيته المائة ألف أعطيتها من باب الرفق، وقد تقدم في أول كتاب البيوع أن عقود المعاوضات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1 - ما يقصد منه الرفق المحض.
2 - ما يقصد منه القبض المحض.
3 - ما يقصد منه مجموع الأمرين القبض والرفق.
أما ما يقصد منه القبض المحض فمثل البيع، فإذا جئت تشتري من المعرض أو جئت تشتري من التاجر إذا عرض عليك السلعة فأنت تريد أن تغبنه وهو يريد أن يغبنك؛ فإن قال لك: هذه السلعة بمائة تقول له: بل بتسعين، وإذا قال بثمانين، قلت: بل بسبعين، هو يريد أن يكون الغبن عندك وأنت تريد أن يكون الغبن عنده، فهذه يسمونها عقود الغبن في البيع وكذلك في الإجارة، إذا قال: أجرتك داري هذا بعشرة آلاف سنةً كاملة، فقلت: بل بتسعة آلاف، فهو يريد أن يغبنك في الألف، وأنت تريد أيضاً أن تغبنه في الألف، فهذا يسمى عقد الغبن، كذلك لو اكتريت أحدهم من أجل أن يوصلك إلى الحرم فقال لك: من هنا أذهب بك إلى الحرم بعشرين، تقول: لا.
بل بعشرة، فالغبن إما أن يكون في حق المستأجر أو الأجير، فهذا النوع من العقود يسمونها عقود الغبن والشرع يشدد في شروط هذا النوع، ولذلك تجد شروط البيع أشد من شروط غيره؛ لأنه ما دام أن هناك غبناً فالشرع يريد أن يحتاط للبائع وللمشتري، وبعبارة أخرى: يحتاط للمتعاقدين في حقيهما، فلا يصحح بيع المجهولات ولا يصحح بيوع الغرر بأحوالها، كل هذا احتياطاً لحق البائع، وحق المشتري.
النوع الثاني: عقود الرفق، ومنها: الهبة، كما لو أن شخصاً جاءك وقال لك: يا فلان! إني أحبك في الله، وأهدى لك هدية، أو قال: هذا القلم هبةٌ مني لك، أو هديةٌ مني لك؛ فإنه يعطيك القلم ولا يريد الثواب إلا من الله عز وجل، أو يريد أن يكون ثوابه المحبة والمودة، فهذا يسمى عقد الرفق المحض، لا يريد أن يغبنك ولا تريد أن تغبنه، فليس هناك غبن من الطرفين أو أحدهما، إنما يراد الرفق، فيشمل هذا الصدقات والهبات بعوض.
النوع الثالث من العقود: ما جمع الغبن والرفق، ومن أمثلة ذلك: الشركات، فلو أن رجلاً قال لك: ندفع مائة ألف، أنت تدفع خمسين وأنا أدفع خمسين، ويكون ثلاثة أرباع الربح لي، وربع الربح لك، تقول له: لا.
بل ثلاثة أرباع الربح لي، وربعه لك، فهناك غبن في الربح، وهناك رفق في التقوي بكلا المالين؛ فإن المتاجرة بمائة ألف ليست كالمتاجرة بالخمسين، فأنت تريد أن تقوي ماله وهو يريد أن يقوي مالك، فترى رفقاً منك به وهو أيضاً يرى رفقاً منه بك، فصار رفقاً من الطرفين، ولكنه غبن من الطرفين، فإذاً: عقد الشركة جامع بين الغبن وبين الرفق (المضاربة والقراض)، كرجلٍ قال: خذ هذه العشرة آلاف واضرب بها في الأرض، ويكون لي ثلثا الربح ولك ثلث الربح، فتجد في المضاربة رفقاً من الطرفين؛ لأن العامل يأخذ المائة الألف المجمدة والتي لا تستطيع أن تعمل بها فيرفق بك بالمتاجرة، فأنت ارتفقت من هذه الناحية، والعامل ارتفق من جهة اكتساب صنعته وتنمية خبرته، واستفاد من جهة الربح الذي سيجده من المائة ألف، فإذاً: صار عقد المضاربة عقد رفق من هذا الوجه وهو عقد غبنٍ؛ لأنك ستقول: لي ثلثا الربح، وهو سيقول: بل لي ثلثا الربح ولك ثلثه، وكل منكما يريد أن يغبن الآخر في حضه من الربح، فصار عقد المضاربة والقراض جامع بين الغبن والربح.
القرض والدين من العقود التي يقصد بها الرفق المحض، فإنه يعطيه القرض على سبيل أن يرفق به، جاءك رجل وعنده كربة أو نكبة لا قدر الله، وقال لك: يا فلان! إني في ضائقة وحاجة، كرجل يريد إيجاراً لشقته أو يريد علاجاً لمريضه أو علاجاً لمرضه؛ فإن هذا كله يقصد به الرفق من دفع الشدة والحاجة عن المحتاج، ولذلك قالوا: دفع المال للغير إرفاقاً -بقصد الرفق- على أن يرده، فلما قالوا: على أن يرده خرجت الهبة والصدقة، فصار القرض من عقود الهبات، والهبة من عقود الرفق.
(171/2)
________________________________________
أدلة مشروعية القرض
القرض مشروع بالكتاب والسنة وبإجماع الأمة، إذا أعطيت الناس أموالك قرضاً، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ} [البقرة:282]، وقال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة:245] فجعل معاملة المخلوق للخالق مركبة على القرض، وشبهها بالقرض، فشبهها بالمعروف والمعهود فدل على السنن.
كذلك دلت السنة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً على جواز القرض، أما القول: فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)، فهذا يدل على أن من أخذ القرض وفي نيته أن يرده -لا أن يتلاعب بحقوق الناس- فإن الله يعينه، قال بعض العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم: (أدى الله عنه)، يحتمل أمرين: الأمر الأول: يحتمل أن يوفقه في الدنيا فيسدده، وقل أن تجد رجلاً يأخذ أموال الناس وفي نيته أن يردها إلا ويوفق للرد.
الأمر الثاني: يحتمل أن يكون في الآخرة، أي: إذا مات ولم يسدد الدين، فإن الله لما علم من حسن نيته يتكفل بإرضاء خصمه والأداء عنه فضلاً من الله عز وجل وتكرماً لحسن نيته؛ لأن نيته كانت صالحة، والله هو المطلع على الضمائر والسرائر، أما لو كانت نيته سيئة، كرجل يُكثر الذنوب ولا يستطيع أن يسدد ويأتي إلى أخيه المسلم ويخدعه بالعبارات وبالكلمات الحسنة والوعود المكذوبة، والله يطلع على ضميره وسريرته أنه كذاب، سيأتي إلى الرجل، ويقول له: أعطني مائة ألف، وفي نهاية السنة تأتيني أموال ويعده وعوداً كاذبة ويمنيه والله يعلم أنه في قرارة قلبه ليس بصادق، وأنه ليس عنده ما يستطيع أن يسدد به، وليس صادقاً فيما يقول من أنه سيعطيه، بل بعض الأحيان يعلم أنه ستأتيه الأموال ولكن يبيت في قرارة قلبه أن يأخذ الدين ولا يرده، فمثل هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)، ولذلك لا يوفق للسداد، فتتراكم عليه الديون حتى يشتكى ويطالب، فيلبس لباس الذلة في الدنيا، وما ينتظره من عذاب الآخرة أشد وأبقى، نسأل الله السلامة والعافية.
فالدين جائزٌ ومشروع لظاهر هذا الحديث، وكانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها تكثر من الدين فيلومونها، وهي لم تكن تكثر من الدين من أجل أن تتاجر وتبيع إنما كانت تفرج به الكربات، فكانوا يقولون لها: ما هذا الذي تفعلينه؟ لماذا تتدينين؟ فقالت: لا أدع هذا الدين منذُ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه)، فهي تستدين للحاجة وتفريج الكربة.
وأما دليل الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعية القرض وجوازه وأنه من الأمور المستحبة والمندوبة، فيستحب لمن وسع الله عليه أن يوسع على إخوانه المسلمين بالقرض.
(171/3)
________________________________________
مراتب القرض من حيث الجواز والمنع
والقرض يكون واجباً، ويكون حراماً، ويكون مندوباً، ويكون مكروهاً، ويكون مباحاً.
أما أنه يكون واجباً: كرجلٍ تاجر عنده قدرة ومال، ويأتيه المكروب -خاصةً من الأقرباء- ويطلبه مالاً يسيراً، وهذا المديون الذي يريد الدَّين عنده كربة مثلاً فيه مرض خطير، وقد يهلك إذا بقي فيه هذا المرض، ويريد منه الدين من أجل أن ينقذ نفسه، أو يريد هذا القرض من أجل أن يشتري طعاماً، أو يشتري شراباً لابد منه لحياة نفسه، فإنه في هذه الحالة يجب على هذا الذي وسع الله عليه أن يفرج كربة أخيه المسلم، خاصةً إذا غلب على ظنه أنه إذا لم يفعل ذلك أنه سيهلك، والله عز وجل أمر المسلم أن ينقذ أخاه المسلم، ولا يجوز له أن يقتله، فإذا لم يعطه المال فكأنه قتله؛ لأنه تعاطى السبب لهلاكه ولحوق الضرر به، ومثل ذلك لو جاءك المديون يسألك العون، وعلمت أنك إذا لم تسدد دينه فإنه يتضرر، فيكون مثلاً احتاج إلى عشرة آلاف ريال؛ لأن رجلاً اشتكاه في عشرة آلاف ريال، وإذا لم يسدد العشرة آلاف سيسجن، ثم إذا سجن في هذه العشرة آلاف كحق واجب عليه فإن ذلك يعرض أسرته وأولاده للضرر، وقد تتعرض زوجته للزنا والحرام، فلابد أن يضع المسلم الأمر في حسبانه، فإذا كان المدين قريباً لك إما ابن عمٍ لك أو ابن خالٍ لك -بينك وبينه نسب- وأنت تستطيع تفريج كربته فإنه يجب عليك أن تقوم بسداد هذا الدين وتتحمل عنه، خاصةً إذا غلب على ظنك أنه سيسدد، قالوا: قد يكون واجباً عليك أن تدفع له القرض، فإن لم تدفع فإنك تأثم، وتتحمل وزر هذا المسلم، وهذا من كفر نعمة الله عز وجل؛ ولذلك لما جاء الملك للأقرع، قال له: ابن سبيلٍ منقطع، قال له: الحقوق كثيرة، سبحان الله! وهذا هو قول الناس اليوم: عندما تأتي لشخص يقول لك: الالتزامات كثيرة، رجل يكون عنده عشرات الألوف، بل مئات الألوف، بل قد يكون عنده ملايين، وتأتيه في حاجة يسيرة فيقول لك: الحقوق كثيرة، وعليَّ التزامات كثيرة، يعني: هذه الملايين وعشرات الألوف ومئات الألوف لا تفي لسداد هذا الدين الذي لا يعادل شعرةً في مقابل ما عنده، هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها عليه والمحروم من حرم الخير، وهذا من كفر النعم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يأمن من نقمة الله العاجلة والآجلة، فإن من كفر نعمة الله عز وجل فإن الله يلبسه ثوب الذلة، ويسلبه النعمة ويذيقه سوء العذاب الذي ذاقه غيره ما دام أنه يرى قريبه ويرى المحتاجين على تلك الحال ولا يعينهم، هذه كلها أمور ينبغي وضعها في الحسبان عند الحكم بالقرض.
من جاء يطلب قرضاً وأنت تعلم أنه يريده لسكنه أو لطعامه ورزقه ورزق أولاده وأنت قادرٌ عليه ينبغي عليك أن تفرج كربته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
كذلك يمكن أن يكون القرض حراماً، كما لو جاء يطلب القرض من أجل أن يفعل الحرام كأن يشتري به خمراً أو يسافر به لارتكاب الحرام، والمسئول الذي طلب منه القرض يعلم ويغلب على ظنه أن هذا المال سيصرف في هذا الحرام فلا يجوز له أن يعطيه، وإذا أعطاه كان شريكاً له في وزره وإثمه نسأل الله السلامة والعافية.
ويكون القرض مندوباً، كأن يكون المقترض مسلماً وجاءك في حاجة ولا يجب عليك أن تنقذه كطالب علمٍ أو رجلٍ يريد أن يسافر إلى أهله ليعف نفسه أو نحو ذلك من المستحبات والمندوبات فأعنته على ذلك فهذا قرضٌ مندوب، وهذا هو الذي نبه عليه المصنف، وهذا عند انتفاء الموانع التي توجب حرمته وانتفاء الدوافع التي ترفعه إلى مرتبة الوجوب، مثلاً: لو جاءك مديون يستطيع أن يأخذ منك الدين ويأخذ من غيرك، وقال لك: يا فلان! أقرضني، وتعلم أنك إذا لم تقرضه سيذهب إلى غيرك فلا يتعين عليك في هذه الحال ولم يجب عليك، ولكن من الأفضل والأكمل أن تبذل له الدين، ففي هذه الحالة يكون القرض مندوباً.
ويكون مكروهاً إذا كان لشيءٍ مكروه لا يصل إلى درجة الحرام، كأشياء تشغله عن ذكر الله ولا تصل إلى درجة الحرام ويقضي به وطره فيكون المعونة عليه معونة على المكروه.
ويكون مباحاً، كرجلٍ جاءك يريد أن يأخذ المال من أجل أن يشتري صفقة وتجارة، فهو في الأصل ليس مضطراً حتى يصل إلى درجة الوجوب، كتفريج الكربات، إنما يريد أن يربح ويزيد ماله، فأنت استحيت منه وأعطيته، كما يقع بين التجار بعضهم مع بعض، يأتي ويأخذ منه السلعة ديناً وهو قادر أن يسدده، هذا يكون مباحاً؛ لأنه لا دوافع تجعله مندوباً أو واجباً ولا موانع تجعله محرماً أو مكروهاً فصار مباحاً، أو كرجلٍ غني ثري يأخذ منك ديناً فتستحي منه وتعطيه، فهنا لا تستطيع إن تقول: إن هذا تفريج، أي: ليس هو بمكروه، ولا تستطيع أن تقول: إن هذا محرم؛ لأنه ليس بحرام، فليس في مقام المطلوبات ولا في مقام المحرمات، فيكون مباحاً.
(171/4)
________________________________________
الجمع بين مشروعية القرض وذم المسألة
إذا طلب إنسان القرض هل يدخل هذا في ذم المسألة؟ لقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة ورغب في ترك سؤال الناس، وبين فضيلة ترك المسألة، وأن من ضمن أن لا يسأل الناس شيئاً ضمن له النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، قال: (من يضمن لي أن لا يسأل الناس شيئاً أضمن له الجنة) والسبب في هذا الاستغناء بالله جل وعلا وصدق اللجأ إلى الله سبحانه وتعالى وكمال اليقين به، والمؤمن إذا صان ماء وجهه عن أن يريقه للناس كان هذا أكمل في إيمانه ومروءته، وهذا كله يقصده الشرع ويطلبه.
فهل إذا استدان يدخل في المسألة المكروهة؟

الجواب
إن طلب الدين لا يعتبر من المسألة المكروهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب الدين، وتوفي كما في الصحيحين ودرعه مرهونة في صاعين من شعير عند يهودي، وهذا يدل على أن طلب الدين ليس من المسألة المكروهة، وما زال على ذلك عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين رحمهم الله، حتى إن محمد بن سيرين وهو من أجلاء أئمة التابعين رحمه الله برحمته الواسعة، أصابته الديون وعظمت عليه حتى سجن في الدين، وأصبح مرهوناً، ولما توفي أنس بن مالك رضي الله عنه أوصى أن يغسله محمد بن سيرين وكان مسجوناً في دينه، وهذا يدل على أن مسألة الدين ليست من المسألة المحرمة، ولا من المسألة المكروهة؛ لأنه يأخذ الدين ويرده، وليس بآخذ شيئاً بدون عوض.
(171/5)
________________________________________
أركان القرض المشروع
القرض يقوم على ثلاثة أركان، وهي: العاقدان، ومحل العقد، والصيغة، فأما العاقدان: فهما المقرض والمستقرض، فالمقرض هو الذي يدفع القرض، والمستقرض هو الشخص الذي يأخذ القرض، ويشترط فيهما: الأهلية، وهذه الأهلية تستلزم العقل، فلا يصح أن يستقرض من مجنون، أو صبي غير مأذون له بالتصرف في المال، ولو أقرض لم يصح القرض وجاز لوليه أن يأخذه مباشرة.
كذلك يشترط في المقرض أن يكون مالكاً للمال الذي يقرضه، فإذا كان غير مالكٍ له لم يصح أن يقرضه للغير، والمال الذي يدفعه للغير قرضاً إذا لم يكن مالكاً له فقد تصرف في ملك غيره، ومن المعلوم أن القرض يصير المال المقتَرَض ملكاً للمقتَرِض، وعلى هذا لابد أن يكون الذي بذل مالكاً.
ويتفرع على هذا المسألة المشهورة: لو أن رجلاً أُعطي مالاً لكي يزكيه لا يصح أن يعطيه قرضاً؛ لأنه أُعطي المال وكالة، والإذن له بالتصرف في المال وكالة في الزكاة، وعلى هذا فلا يجوز له أن يقرضه، وكذلك أيضاً لا يجوز أن يتصرف في مال اليتيم فيقرضه للغير؛ لأن نصب الولي على اليتيم من أجل أن ينظر مصلحة المال في تنميته والقيام عليه، فإذا أعطاه قرضاً فإنه قد خاطر بالمال؛ لاحتمال أن يعجز الشخص الذي أخذ القرض عن السداد، وإنما أُذن للولي أن يتصرف في مال موليه وهو اليتيم إذا كان على وجه الإحسان والحفظ والصيانة، فإذا أعطاه قرضاً كان ذلك مخالفاً للأصل، فلم يصح ولا يجوز له.
أما الصيغة فإنها تقوم على الإيجاب والقبول، فتقول: أقرضتك، أو أسلفتك، فإنه يصح أن يعبر بالقرض ويصح أن يعبر بالسلف، لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي رافع رضي الله عنه قال: (استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً)، فقوله: (استسلف) تدل على جواز أن يقول: أسلفتك هذه الدراهم، أو أسلفتك هذه الريالات، ومن هنا قالوا: يصح أن تتركب الصيغة بلفظ القرض وبلفظ السلف.
(171/6)
________________________________________
الحكمة من مشروعية القرض
القرض في مشروعيته حِكم عظيمة، فهو يفرج كربات المكروبين، ويدفع ويقضي حوائج المحتاجين، حتى قال بعض العلماء: إنه من أفضل القربات وأجلها وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن المديون لا يأتيك إلا من حاجة، فإذا ضاقت عليه السبل وأراد أن يطلب منك أن تعينه بالقرض وهو موثوق لا يعرف بالتلاعب ولا بالكذب ولا بالغش ولا بالخديعة للناس، وخاصة إذا كان غريباً لا يعرف غيرك، أو بينك وبينه قرابة، فإنك إن فرجت كربته كان هذا من أبلغ ما يكون من الأثر والإحسان إلى الناس، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم مبيناً فضل الإحسان إلى الناس في القروض والتوسعة عليهم فيها: (من يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) وعلى هذا استحب العلماء القرض، واستحبوا التيسير على المقترض، ومن التيسير على المقترض عدة أمور: أولاً: أن تيسر له إذا جاء يسأل، فلا تعنفه، ولا توبخه، ولا تهينه، ولا تشعره بشيء من الحرج، كان السلف يملكون الأموال ولكن كأنها ليست ملكاً لهم، بل ملكاً لمن سأل، حتى قال ابن عباس: (ثلاثة لهم عليَّ فضل: رجل احتاج حاجة فجاء يسألنيها) ووجه فضله قالوا: إنه اختارك من بين الناس كلهم، فكان الناس يوم كانوا يحسون أن من جاء للحاجة والفاقة وقصدني فإنه اختارني من بين الناس.
وهذا أمر يعظم وقعه على الكريم الذي له نفس حية وقلب حي، فيرد هذا، حتى إنه يتحرج أن تأتي، وتقول له: يا فلان! قد نزلت بي حاجة، فيقول لك: ماذا تريد؟ ماذا تأمر؟ ولا يسمح لك أن تقص حاجتك، وتريق ماء وجهك، يحس بأخوة الإسلام وأن ما أصابك كأنه أصابه، ويحس أن الذي نزل بك كأنه نزل به، فيستشعر حينما جئت إليه وفي وجهك ولسانك ما يدل على الشدة والحاجة والفاقة كأنك هو، فهو يحس بهذه الآلام والأشجان ويتألم كما تتألم بها أنت، فلا يريدها أن تستمر، فيقول لك: أرجوك قل ما تريد، ولا يسمح لك أن تذكر سبباً للسؤال وللحاجة، فهذا من التيسير على المعسرين، وهو يدل على كمال الإيمان وشكر نعمة الله عز وجل المنعم المتفضل على العبد، فإن الله إذا أعطاك نعمة وبارك لك فيها شكرتها، وإذا شكرتها وجاءك المكروب أحسست كأنك هو.
وعلى هذا قالوا: هذا من التيسير عند ابتداء القرض، ثم إذا جئت تعطيه القرض لا تشعره بالأسلوب القوي العنيف، فهذا من التعسير عليه والتضييق؛ لأنه لم يشعر بآلامه ولم يحسها فيوسع عليه، يقول له: المال مالك، وأسأل الله أن يبارك لك فيه، خذه مباركاً خذه بطيبة نفس، أسأل الله أن يفرج عنا وعنك، فيخرج المكروب والمنكوب ميسراً عليه وقد كان جاءك بهموم الدنيا وقد ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، فيخرج من عندك مجبور القلب والخاطر، فلا يملك إلا أن يدعو لك بظهر الغيب ويذكرك بالخير، وهذه هي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (نعم المال الصالح عند الرجل الصالح)، فإن المال الصالح الذي جاء من طريق الحلال والكسب الطيب إذا جاء للرجل الصالح فستر به العورات وفرج به الكربات، أنعم الله عليه بهذا المال، فيصبح الناس يدعون له بظهر الغيب، كذلك من التيسير على المعسر ما لو قال لك مثلاً: أعدك بالسداد في نهاية رجب، وأنت تعلم أنه قد ضيق على نفسه، فتقول له: لا يا أخي! بل إن شاء الله إلى أن ييسر الله عليك، فهذا أيضاً من التيسير على المعسر في الأجل.
فعلى العموم من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله هذا القرض، وفي مشروعيته حكم عظيمة، منها: أن الله عز وجل يعظم الأجر والمثوبة لمن أعطاه الله المال، فشكره بمثل هذا.
ومن حكمه العظيمة أنه يحقق الألفة والمحبة والأخوة بين الناس، فإن الناس لا زالوا بخير ما رحم بعضهم بعضاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
فهذه من الأمور التي تستفاد من القرض أنه يجعل الناس متراحمين، وانظر إلى الرجل حينما يأتيك، ويقول لك: أصابتني ضائقة فذهبت إلى فلان وسألته عشرة آلاف فأعطانيها ويسر لي، فعل الله به وفعل، فتحس أن الناس يشعرون أن الخير لا يزال موجوداً، ولكن نسأل الله السلامة والعافية، إذا احتاج المحتاج ونزلت الكربة بالمكروب وضاقت على المسلم الأرض فأصبح يفكر، وينظر ذات اليمين وذات الشمال يبحث عمّن يعينه فلا يجد، بل يذهب ويريق ماء وجهه عند الرجل ويشكو له حاجته وكربته وفاقته، فإذا به يقول له: والله الحقوق كثيرة، والذين يتدينون كثير وقل من يقضي، وكأنه يقول له: أنت مثلهم، هذه من الأمور التي لا تحمد عقباها، وهو من كفر نعمة الله عز وجل، إما أن تعطيه، وإما أن ترده بالتي هي أحسن.
وعلى هذا فالقرض فيه خير كثير، وفيه حكم عظيمة وتوسعة على الناس وتفريج لكرباتهم، وربما جاءك المكروب وهو يحتاج المال لسداد دين مسكنه، فإذا لم تسدد عنه كيف يكون حال الناس؟! يخرجون من مساكنهم إذا ضاقت عليهم الدنيا؟ كذلك أيضاً ربما جاءك وقد ابتُلي بغريم لا يحسن، ومن هنا كانوا يوصون ويقولون: إذا رجوت فلا ترج إلا الحيي الذي يستحي، حتى قيل: (لا ترج من ليس له حياء)؛ لأن الحيي إذا جئته فإنه يستحي منك وأقل شيء أنه إذا ردك ردك بالتي هي أحسن، فإذا نظرنا إلى هذه الحكم المستفادة من قضاء الديون، فإننا ندرك حكمة الشرع في تجويزه للقرض، وأنه من الخير والرحمة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] فمن رحمة الله ويسر هذه الشريعة أن يسرت على الناس في هذا النوع من المعاملات.
وقوله: [وهو مندوب].
بعد أن عرفنا أن القرض يقوم على عاقدين: المستقرض والمقرض، وعلى محل وهو: المال المدفوع وبدله، وعلى صيغة وهي الإيجاب والقبول، (أقرضتك) و (قبلت)، انتقل بعدها رحمه الله إلى الحكم العام، فقال: [وهو مندوب] أي: القرض وذلك بالنسبة للشخص الذي يدفع ويعطي وهو المقرض.
ولكن هنا مسألة عارضة، وهي: من المعلوم أن الواجبات أعظم أجراً من المندوبات والمستحبات، فمرتبة الواجب أعلى وأعظم، فإذا نُظر إلى الدين فإنه مندوب، وإذا فرج عن أخيه ويسر وسهل عليه كان من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، مع أن التيسير ليس بواجب، فقالوا: إنه فُضِّل هذا المندوب على الأصل من المطالبة، وهو إلزام الغريم بمطالبته، وعلى الصدقة، قالوا: لأن هذا فيه معنى الوفاء وفيه زيادة، فكأنه اشتمل على الأصل الواجب والزيادة عليه، فكان أفضل من هذا الوجه.
(171/7)
________________________________________
الأشياء التي يجري فيها القرض
وقوله: [وما يصح بيعه يصح قرضه] أي: يصح قرض كل شيء يصح بيعه، وعلى هذا تشمل الأموال: الأثمان والمثمنات، وعند العلماء خلاف في هذه المسألة، فبعض العلماء يقول: لا يصح القرض إلا إذا كان من المثليات، المكيلات والموزونات والمعدودات المنضبطة، أما لو استقرض شيئاً لا ينضبط مثله لم يصح القرض، والسبب في هذا أن القرض يلزم المديون برد المثل، فإذا أخذ شيئاً لا ينضبط فمعنى ذلك أنه يفضي إلى الغرر والاختلاف والتنازع، وعلى هذا قالوا: لابد وأن يكون منضبطاً، واختلفوا في المنضبط على وجهين: الوجه الأول: منهم من يخصه بالمكيل والموزون ولا يجيز في المعدود كالحنفية.
الوجه الثاني: منهم من يجيز في الكل كالجمهور، ودرج المصنف على مذهب الجمهور -وهو الصحيح- أنه يجوز حتى في العدد، قالوا: والدليل على مشروعيته ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي رافع رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فردها خياراً رباعياً) والبكر من الإبل معدود وليس بمكيل ولا موزون ورده خيارًا رباعيًا، وقال: (إن خير الناس أحسنهم قضاءً) فدل على جواز السلف والدين والقرض في المعدودات، وأنه لا ينحصر بالمكيلات والموزونات.
وبناءً على مذهب الحنفية لا يجوز أن يقترض إلا ما كان منضبطاً بالوزن أو بالكيل، وأما ما عداه فلا يجوز، وإذا قررنا الإجماع فكلهم متفقون على أن الذي لا ينضبط لا يجوز قرضه، فمثلاً قال له: هذه الحفنة من الطعام أُعطيكها قرضاً، فإنه إذا جاء يسدد لا يستطيع أن يعطي مثل الحفنة، وهكذا لو قال له: هذا كيس لا يُعلم كم بداخله أعطيكه قرضاً، فإنه لا يُعلم كم بداخله، ولو أعطاه جواهر؛ لأن المشكلة أنه إذا أخذ هذا الكيس سيستنفده، ولا يدري كم هو، فلابد وأن يكون الذي يأخذه منضبطاً، ولو أخذ الجواهر وكانت مما لا ينضبط ولم يكن لها وصف تتميز به، فإنه لا يصح قرضها على هذا الوجه؛ لأنه يفضي إلى الاختلاف والتنازع.
وقوله: [إلا بني آدم] فمثلاً: قال شخص لآخر: أقرضني هذه الأمة، وعندنا أن كل ما صح بيعه فإنه يصح قرضه، والمملوك يجوز بيعه، وبناءً على ذلك يجوز قرضه، ومن حيث الأصل أنه إذا استقرض بعيراً مثلاً، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استقرض البعير ورد مثله وأفضل منه، وعلى ذلك فإذا استقرض المملوك فإنه يرد مثله في صفاته، فالسبب في منع قرض بني آدم، قالوا: خشية إعارة الفروج، والسبب في هذا أن القرض يراد منه الانتفاع والارتفاق، فإذا أخذه المقترض فإنه يملكه، ولا يكون مالكاً له إلا بالقبض أو بالتصرف، فإذا تصرف فيه ملكه، وحينئذٍ ربما أخذه واقترضه ووطئ المرأة قبل أن يتصرف فيها أو وطئها بعد قرضها، وحينئذٍ يكون قد وطئ فيما يملك الغير، قالوا: إنه وطئ في ملك الغير، فلو صححنا أنه وطئ في شيء ملكه بالقبض قالوا: يصير كأنه أعار الفرج بالفرج؛ لأنه أخذها للوطء، ثم جاء ببدل عنها مكان الذي ارتفق به، قالوا: وبناءً على هذه العلة وهي عدم جواز إقراض بني آدم يصبح الحكم الأشبه فيه أن يختص بالتي يمكن أن يطأها.
والشافعية دققوا في هذه المسألة، فقالوا: قرض بني آدم إن كان مما لا يوطأ كصغيرة لم تبلغ سن الوطء، أو ذات محرم كأن يقرضه أخته تكون مملوكة، فقال له: أقرضني أختي ديناً، فأخذها قرضاً وديناً فحينئذٍ قالوا: يصح؛ لأنه لو أعطاه بدلاً عنها فلا تتحقق المفسدة؛ لأنه إذا أخذ أخته قرضاً عتقت عليه، ثم إذا عتقت عليه جاء بالبدل عنها، وحينئذٍ قالوا: إن المفسدة المرادة من إعارة الفروج ليست موجودة، بخلاف ما إذا أعاره أمة فأخذها وملكها فوطئها ثم رد مثلها، فكأنه رد الفرج بالفرج، وعلى هذا قالوا: يفرق بين ذات المحرم وغير ذات المحرم، ويفرق بين ما يمكن وطؤه وما لا يمكن.
أيضاً قالوا: يجوز أن تستقرض المرأة المملوكة، فيجوز قرض بني آدم للنساء بعضهن مع بعض؛ لأن مفسدة إعارة الفروج ليست بموجودة؛ لأن المرأة لا تطأ المرأة، ومن هنا قالوا: ينبغي تقييد المنع بما وجدت فيه العلة، وهذا هو وجه المنع من استقراضه، وإلا فلو نظرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف المعدود ورد المعدود فإن هذا يدل على جواز قرض بني آدم ورد المثل إذا لم يكن هناك مثل، أو رد العين إن كانت العين موجودة.
(171/8)
________________________________________
ما يملك به الإنسان القرض
وقوله: [ويملك بقبضه فلا يلزم رد عينه] ويملك القرض بقبضه، هناك ثلاث مراحل وسبق وأن نبهنا عليها، وهي: العقد، وهو الإيجاب والقبول، وهناك القبض والحيازة والتسليم ونحو ذلك، وهناك التصرف سواءً بالبيع، أو بالإجارة، أو بالهبة، أو بالعتق، وهذا كله تصرف في المبيع، فأما بالنسبة للعقد، فمثلاً: قال له: أقرضني عشرة آلاف ريال إلى نهاية رمضان، قال: قبلت، فقال بعض العلماء: إذا قال له: أقرضني عشرة آلاف، أو أقرضني هذا الكتاب، أو أقرضني هذه السيارة، أو أقرضني هذه الدابة، وقال الآخر: قبلت، فإنه بمجرد الإيجاب والقبول تصير إلى ملك المستقرض، وحينئذٍ من حق المستقرض أن يعطي البدل عن القرض، وفائدة المسألة سنبينها في البدلية، قال بعض العلماء: لا يقع الملك إلا بعد القبض.
فمثلاً: لو فرضنا مالاً كمائة ألف ريال من فئة الخمسمائة، إذا قال له: أقرضني مائة ألف إلى نهاية رمضان، قال له: هذه مائة ألف إلى نهاية رمضان ولم يقبضها، فعلى القول الأول: تصير إلى ملك المستقرض بمجرد الإيجاب والقبول، والقول الثاني: أنها لا تصير إلى ملك المستقرض إلا بالقبض، فإذا قبضها فحينئذٍ لو طالبه صاحب الدين؛ لأنه في بعض الأحيان يقول صاحب الدين: خذ المائة ألف إلى نهاية رمضان، ثم يقول: لا.
قد رجعت عن ديني، أعطني إياه الآن، فيريد أن يفسخ، وسنبين هل يلزمه أن يبقى أم لا يلزمه، لكن نقول على ما اختاره المصنف رحمه الله وجماعة: إن من حقه أن يرجع ولو كان بعد العقد مباشرة، فلو أنها من فئات الخمسمائة ريال، فقلنا: إنها تملك بالقبض على القول الثاني الذي اختاره المصنف، فإذا قبض المستقرض القرض حينئذٍ ملكه، فجاز له إذا طالبه برده أن يرد المثل بدلاً عنه؛ لأنه قد ملك وحينئذٍ يصل إلى ملكيته إن شاء أعطى نفس الشيء وإن شاء أعطى مثله؛ لأنه صار إلى ملكيته بمجرد القبض.
القول الثالث: لا يصير إلى ملكية المستقرض إلا بالتصرف، فإن تصرف في الدين فحينئذٍ ملكه ولم يلزم رد عينه، فالمسألة هنا في رد العين، لو أن هذا الشيء في بعض الأحيان يكون خمسمائة والسوق الأفضل أن تكون مفرقة فاستقرضها مفرقة، فأراد أن يعطيه بدلاً عنها جملة وبرأسها كما يقولون كان له ذلك؛ لأنه ملكها بالقبض وصح له أن يصرفه إلى المثل، هذا إذا قلنا: إنها بمجرد العقد.
إذاً: يملك القرض بالعقد، ويملك بالقبض، ويملك بالتصرف، فإن اقترض منه قمحاً ولم يتصرف فيه وطالبه صاحب القمح برده قبل التصرف لزمه أن يرد عين القمح ولا يصرفه إلى مثله؛ لأنه لم يملكه إذا لم يتصرف فيه، وهكذا أيضاً لو قلنا: لو قبضه وبعد القبض طالبه لم يصح أن يطالبه بعينه، والعكس لو طالبه قبل القبض وبعد العقد لزمه أن يدفع له عين الطعام الذي أخذ، وهكذا لو أنه اقترض منه سيارة أو دابة على أن يرد مثلها، فإنه إذا اقترض منه السيارة قرضاً بعينها ورقبتها فإنه يصير مالكاً لها بمجرد العقد على القول الأول، وبالقبض إذا ركبها وقبضها وساقها على القول الثاني، وإذا تصرف فيها وبذلها على القول الثالث، فإذا تصرف فيها فباعها أو أجرها للغير صارت ملكاً له، فحينئذٍ يجوز أن يعطيه بدلها ويجوز أن يعطيه عينها، فالخيار له إذ لا يكون ملزماً بالعين، هذا بالنسبة لمسألة ما يملك بقبضه.
إذاً: عندنا ثلاثة أوجه للعلماء: فالجمهور يرجحون القبض، وغيرهم يرجح التصرف، والجمهور كلهم على القبض والتصرف، وقال المالكية: إنه يملك بمجرد العقد، لكن الجمهور منقسمون على القبض وعلى التصرف، واختار المصنف رحمه الله قول من قال: إنه يملك بالقبض.
وهذه المسائل بناها العلماء على أصول في الشريعة، فأنت حينما تعطي شخصاً ديناً فإن هذا الدين بأصل الشرع إذا أخذه كان من حقه أن يتصرف فيه، فمن أقرض قرضاً فإن الإجماع قائم على أن المقترض يملك القرض، بدليل أنه يذهب يأخذ منك المائة ألف فيشتري بها عمارة أو سيارة وليس من حقك أن تطالبه بهذه العمارة أو السيارة إنما تطالبه بالمائة ألف، إذاً: الإجماع والأصل الشرعي يدل على أنه يملكها.
يبقى

السؤال
هذه المائة ألف في الأصل هي ملك لي وأعطيتها لك وحصل بيني وبينك إيجاب وقبول، فهل ملكيتك لها تكون بمجرد الإيجاب والقبول؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] ودل على أنه يلزم بمجرد العقد، أم أنه لابد من القبض وهذا أصل مفرع على المعاوضات؛ لأن الديون في البداية فيها شبه بالعارية وفي النهاية فيها شبه بالبيع؛ لأنه إذا تصرف فيها لزمه البدل، فإذا قلت: إنه ملكها ودخلت إلى ملكيته وتصرف فيها فحينئذٍ يضمن البدل، فهذا يقتضي أنها معاوضة وفيها شبه من البيوع والمعاوضات؛ لكن في الابتداء ومن حيث الأصل الدين لي والمال مالي، خاصة على قول من يقول: إنه من حقي أن أطالبك في أي وقت ولو قبل الأجل.
فإذاً: لابد أن نحدد متى ينتقل المال من عندي إليك، وهذا يترتب عليه الأحكام الشرعية حتى ننصف صاحب المال وننصف المديون أيضاً، وحتى نعلم أن هذه الشريعة كاملة، وأنها فاقت جميع القوانين والتشريعات التي هي من صنع البشر والتي لا تسمن ولا تغني من جوع، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف:52] قواعد صحيحة وأصول متينة، فالعلماء يدرسون كل شيء يترتب عليه ذمم الناس والحقوق والمسئوليات، فيفرعون ويفصلون حتى يُعرف ما لكل ذي حقٍ من حق، فيعطى كل ذي حقٍ حقه.
فالفقه ميزته أنه سبب ليعطى كل ذي حقٍ حقه، وهذه المسائل وإن كانت في البداية غريبة لكنها تنبني عليها حقوق، فقد يأخذ المقترض الطعام فيطحنه، وقد يأخذ الدقيق فيطحنه أو يتصرف فيه ثم يطالب الرجل بعين ماله، فهل من حقه أن يطالب أو ليس من حقه؟ وإذا قلت: من حقه، لماذا؟ وإذا قلت: ليس من حقه، لماذا؟ هذه كلها أمور محسومة ومفصلة في كلام العلماء رحمهم الله حتى يتيسر القضاء إن حصلت الخصومة، وتتيسر الفتوى إن حصل السؤال، ويتيسر العلم إذا حصل الطلب، فالمراد أننا ندرس هذه المسائل حتى نعرف بيان ضوابط القرض، وكذلك الأموال حتى نعلم متى تنتقل من ملكية المالك الأصلي إلى ملكية غيره.
(171/9)
________________________________________
حكم تسديد الدين قبل حلول الأجل
وقوله: [بل يثبت بدله في ذمته حالاً ولو أجله] (بل يثبت) أي: يثبت الدين والضمير في (بدله) عائد إلى الدين، وقوله: (في ذمته) أي: ذمة المديون والذي استقرض، والذمة وصف يقوم بالأشخاص قيام الأوصاف الحسية بمحسوساتها، وهو وصف يقبل الالتزام، فقوله: [في ذمته] أي: أنه لابد وأن يكون الشخص الذي يقترض عنده ذمة قابلة بأن يلتزم بها.
وقوله: [بل يثبت بدله في ذمته حالاً] هذا فيه خلاف.
وقوله: [ولو أجله] ولو: إشارة إلى خلاف مذهبي.
وهذه المسألة نريد أن نبحثها، فمثلاً: لو أن رجلاً أعطاك مائة ألف ديناً، فهذه المائة ألف قلت له: أخذت منك هذه المائة ألف أو آخذ منك هذه المائة ألف ديناً إلى نهاية السنة، فقال لك: قبلت خذها ديناً إلى نهاية السنة، نحن الآن في رمضان، فإذا قبضتها على القول بأن الملكية بمجرد قبضك لها يثبت في ذمتك لصاحب الدين مائة ألف حالة، أي: تدفع فوراً، لو طالبك بها في أي وقت ولو قبل نهاية السنة تدفع، ولو اتفقتما على التأجيل لماذا؟ لأنهم يقولون: القرض كالعارية بدليل أنك لا تملكه إلى الأبد، صحيح أنك لما أخذت المائة ألف تصرفت فيها لكن لا تملكها إلى الأبد، بل تلزم برد مثلها، فإذاًَ: هذا المثلي مملوك لك أم غير مملوك، وبالإجماع إذا قلنا بثبوته على المديون ليس ملكاً له، فمعنى ذلك: أنك إذا أخذت مائة ألف فهي ليست ملكاً لك، إنما ملكت الانتفاع والارتفاق بها إلى الأجل، هذا من حيث الأصل.
فإن قلنا: إنها كالعارية، فلو أن شخصاً أخذ منك السيارة يريد أن يصل بها إلى الحرم المكي ويرجع، فمعنى ذلك: أنه أخذها وردها، وهو ليس مالكاً لها، فإذاً: يقول أصحاب هذا القول من الحنابلة والحنفية رحمهم الله: الدين يثبت في ذمة المديون حالاً ولو أجله صاحب الدين فأعطاه مهلة إلى أجل، ولو قال له: أشترط عليك أن يكون إلى أجل، قالوا: يفسد الشرط ويلغى ويكون وجوده وعدمه على حدٍ سواء، ويلزم لو طالبه في أي وقت أن يعطيه دينه؛ لما يلي: أولاً: أن الدين كالعارية، ومن حقه في أي وقت أن يرجع ويأخذ العارية، فلو أنك أخذت السيارة عارية إلى الحرم فمشيت بها مثلاً مائة متر فلحقك، وقال: أعطني سيارتي، قالوا: من حقه أن يستردها؛ لأنها كالعارية.
ثانياً: أنه إذا قال لك: خذها إلى نهاية السنة فوعد، والوعد ليس بملزم، وإن كان المسلم مطالب أن يفي بوعده، وإلا فإنه يأثم، لكن ما فيه إلزامات مترتبة على هذا الوعد؛ لأنه إحسان وتبرع محض، فقد يعطيك الدين على أنه موسع ثم يرجع عن ذلك فيتذكر حقوقه، والله تعالى يقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة:91] والذي بذل الدين محسن، فلو أعطاك قرضاً إلى نهاية السنة وقال: أنا أريد الأجر والثواب ثم جاءه ظرف بعد شهر أو شهرين أو يوم أو ساعة، وقال لك: أعطني الآن فعليك أن تعطيه، وقالوا: يثبت في ذمتك حالاً.
أي: لو أنك تصرفت فيها وطالبك بالدفع فوراً فأصبحت بعد التصرف مباشرة معسراً يثبت في ذمتك حالاً، فليست القضية أن تدفع فوراً إذا كان فيه إمكان، لكن شاهدنا: أن الدين لا يُلزم بإبقائه إلى الأجل، هذا هو الذي درج عليه المصنف واختاره، وهو مذهب الحنفية والحنابلة والشافعية رحمهم الله.
وهناك قول للمالكية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمة الله على الجميع، أنه إذا أجله فإنه يلزم بالأجل، وأنه إذا اشترط عليه أن يسدد في رمضان لم يكن من حقه أن يطالبه قبل رمضان، ويلزم بالبقاء إلى نهاية رمضان، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم) وهذا قد أخذ ديناً، فلو سلمنا أن الدين كالعارية في شبهه، فإننا نقول: يمكن أن نسلم بهذا، لكن لما اشترط عليه ألزم بشرطه، والفرق بين ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والإمام ابن القيم وبين مذهب المالكية: أن شيخ الإسلام يجعله عند الشرط إذا اشترط، والمالكية يقولون: اشترط أو ذكر الأجل فإنه يلزم بالتأخير إلى الأجل، والصحيح أنه إذا اشترط عليه أن يؤجل فليس من حقه أن يطالبه قبل الأجل.
وقوله: [ويثبت في ذمته حالاً ولو أجله] أي: أنه إذا قبض المديون الدين فإنه يملكه، فيجوز له بيعه وهبته وإتلافه؛ لأنه ملكه، فلو أخذ منك دقيقاً وطحنه وعجنه وخبزه فإنه يملكه بقبضه، فعلى هذا يثبت في ذمته مثل الذي أخذ إن تصرف فيه، وإذا لم يتصرف فيه ووجد عين المبيع فمن حقه أن يطالبه بدفع العين، وقيل: يثبت مثله أو بدله، وهذا هو الذي نص عليه المصنف بقوله: [ويثبت].
وقوله: [بل يثبت بدله] البدلية: تستلزم اتحاد الجنس واتحاد النوع واتحاد الصفة واتحاد القدر، وهنا تستلزم المثلية، والمثلية تقوم على اتحاد الجنس: طعام بطعام، واتحاد النوع: بر ببر، واتحاد الصفة: إبل عرابية بعرابية أو بختية ببختية، وبختية ما لها سنامان، والعرابية ما لها سنام واحد، إذاً: يعطيه بصفتها، واتحاد العدد والقدر كأن يأخذ منه مائة ويرد مائة.
فقوله: [يثبت بدله] أي: بدل الدين، ولا يلزم برد العين إن طالبه صاحب الدين، ففي بعض الأحيان يستسلف دنانير ذهب جديدة ويقضيها قديمة، والجديدة أفضل من القديمة، وقد يستسلف خمسمائة دينار كل عشرة دنانير على حدة، مثلاً: بوزنها، والجملة أثقل من الصرف؛ لأن المصروف أفضل، وفي بعض الأحيان الجملة أفضل، فلو أنه أخذها منك خمسمائة فجئت وطالبته بها كان من حقه أن يعطيك بدلاً عنها تفاريق، ولا تقل له: أعطني هذه الخمسمائة.
إذاً: لما قال المصنف: [يثبت بدله] قرر المسألة عند الخلاف إذا تنازعا، فمثلاً: لو استدان رجل منك أي مال من الأموال، ثم تبين أن هذا الرجل في ماله شبهة، فجئت وقلت له: أعطني ديني، وأنت تريد عين ما أخذ منك تورعاً، فحينئذٍ على قوله: [يثبت بدله] ليس من حقك أن تطالب بالعين، وعلى القول: بأنه إذا طالبه بالعين ولو عند نهاية الأجل يثبت عينه إن كان موجود العين، فحينئذٍ يلزم بدفع عينه، ولا يجوز له أن يصرفه إلى المثل والبدل، فلو كان عندك بعير تحبة فجاءك من يطلبه منك، فأعطيته إياه فبقي عنده، ثم بعد ذلك جئت تطالبه وإذا بالبعير عنده، فقال لك: خذ بعيراً مثله، فقلت له: أُريد نفس بعيري.
وعلى هذا أثبت الحق لك بالبدل، إن شاء أعطاك عينه، وإن شاء أعطاك بدله، هذه مسألة البدلية، فقد يكون من الأفضل أن يأخذ الإنسان عيناً وفي بعض الأحيان العكس.
وقوله: [فإن رده المقترض: لزم قبوله] [فإن رده المقترض] إن رد المقترض القرض [لزم] أي: لزم المقرض [قبوله] أي: أخذ المال ولا يجوز له أن يمتنع والضمير في [رده] عائد إلى البدل، فإذا رد البدل لزم المقرض قبول البدل، ولا يقول: أطالب بعين ما دفعت، ولا يطالبه بعين ما دفع، وعلى هذا يقرر المصنف أنه بمجرد قبضه ينتقل الأمر إلى الذمة، وإذا انتقل إلى الذمة سقطت العين، فإذا قلت: ذمة فإنه يصبح مثلياً، وإذا قلت: عيناً فإنه يصبح منحصراً في نفس الدين.
فمثلاً: إذا أقرضت هذا الكتاب فمعناه أننا إذا قلنا: إنه يثبت عين الكتاب إن وجد أو بدله إذا لم يوجد يصبح ليس من حق المقترض أن يلزمك بمثله إن وجد عينه، فينصرف المعين إلى الذمة، أما لو قلنا: إن الواجب عليك المثل، فمعناه أنه في ذمتك، ولذلك قال: [ويثبت بدله في ذمته] ولم يقل: يثبت عينه، فإن لم يثبت عينه فبدله، لا.
إنما يثبت البدل والمثل، والبدلية تستلزم المثلية في الجنس والنوع والعدد والقدر والصفة.
(171/10)
________________________________________
قضاء الديون إن اختلفت العملة
وقوله: [وإن كانت مكسرة أو فلوساً فمنع السلطان المعاملة بها: فله قيمتها وقت القرض] هذه المسألة كانت في القديم حيث كانوا يضربون الدنانير والدراهم في بيت المال ثم يتعامل الناس بها، وهذه الدنانير والدراهم يصاحبها نوع ثالث من النقود وهي الفلوس، وكثيراً ما تكون من النحاس، ويكون لها رواج، ثم تلغى هذه الفلوس التي من النحاس ويؤتى بفلوس أخرى، ويسمونها السِّكَّة بحيث تضرب من جديد، فيضرب نوع جديد غير النوع القديم، وفي زماننا يضرب ورق نقدي جديد غير الورق النقدي القديم.
فحينئذٍ إذا منع السلطان التعامل بالورق القديم وأحدث ورقاً جديدة، فحينئذٍ يلزم بمثلها، أي: إذا كانت الريالات هي نفس الريالات فلا إشكال، فكما أنه ينتقل إلى المثلي في أصل الدين من نفس العملة ينقل إلى العملة نفسها إن صارت مثلية، فمثلاً إذا أخذ منك مائة ريال على أن يردها بعد شهر، فجاء بعد شهر وأعطاك المائة ريال، من نفس النقد، فكما جاز له أن يرد المثل من نفس النقد ومن نفس الريالات جاز أن يرد ريالات أيضاً عليها شكل آخر أو ضرب آخر أو بصفة أخرى مادام أنها هي نفسها.
وعلى هذا لو أنه اقترض ريالات قديمة ثم أُلغيت واستبدلت بريالات جديدة فإنه يقضيه بالريالات الجديدة، فإن أُعدمت الريالات نهائياً وجاءت عملة أخرى بدلاً عنها باسم جديد فحينئذٍ يقدر قيمة القديم بالجديد إذا كانت حالة.
فعندنا هنا حالتان: الدنانير القديمة تكون مثلاً بغلية، ثم يؤتى بدراهم إسلامية، فلو أنه اقترض بالدرهم البغلي ثم أُلغي حتى لا يتعامل به الناس -فسواءً توقف الناس عن التعامل به أو أُلغي من السلطان- فحينئذٍ لو أُلغي هذا الدينار فإنه ينزل الدينار الذي ضرب مكانه منزلته، إن كان بوزنه وبقدره وبحجمه، كريال الفضة القديم مع ريال الورق الموجود الآن، فإن ريال الفضة القديم حينما سحب أعطي بدله المستند، ومن هنا قالوا: إن المستند منزل منزلة رصيده فوجبت فيه الزكاة، وهذا هو وجه من يقول: إن النصاب ثلاثة وخمسون ريالاً؛ لأن ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة القديمة تعادل السَّكَّة الجديدة، فالفضة القديمة ألغيت لكن أُقيم المستند مقامها فنزل منزلتها، والعجز عن الرصيد يعتبر عذراً فنزلت منزلتها حكماً.
وعلى هذا نوجب فيها الزكاة، مع أن الورق لا تجب فيه الزكاة، فلو قلنا: لا رصيد لها فمعناه أن الزكاة لا تجب فيها، وعلى هذا وجبت الزكاة فيها؛ لأن رصيدها من الفضة، ويقوم رصيدها بمائتي درهم الذي هو أصل الفضة، فلما كان عدل المائتين درهم ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة القديمة بوزنها يعادل الخمسة أواقٍ من الفضة التي هي النصاب، قالوا: نزلت الثلاثة والخمسون ورقاً منزلة ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة، ولو جئت تبادل ريال الورق بريال الفضة القديم فإنك تبادله مثلاً بمثل، يداً بيد، فلو جئت تبادل ريال الفضة القديمة بثلاثة ريالات جديدة فهو عين الربا، كأنك بادلت رصيده من الفضة القديمة ثلاثاً بريال وهو عين الربا، ومن هنا إذا ألغي القديم وجاء الجديد مكانه اسماً وصفة وحكماً واعتباراً وجب أن يبقى على هذا الأصل.
فلو قال قائل: ألغي رصيده في التعامل العام الذي يكون بين الجماعات والجماعات، والدول والدول، هذا إلغاء رصيد، فأصبحت القيمة للمشتريات والصادرات والواردات بالريال الجديد، لكن قيمة الريال في ذاته وأصله وحقيقته مستند، ولو وضعت عندي كيلو من الذهب أمانة وأعطيتك مستنداً عليه، ثم قلت لك: ألغيت الرصيد وهذا المستند لا قيمة له لم يصح في حكم الشرع، فدل على أن إلغاء الرصيد لا يلغي قيمة الريال، وإذا كان لا يلغي قيمة الريال، فوجب أن يصرف الريال بالريال مثلاً بمثل، يداً بيد، وأنه لو صرف تسعة ريالات بعشرة ريالات فهو كصرف تسعة ريالات فضة قديمة بعشرة ريالات فضة قديمة، لأنه إذا أُلغي القديم ونزل الجديد منزلته اسماً وصفة فإنه يأخذ حكمه، سواءً بسواء، فلو قلت: إنه ورق، نقول: إن الورق لا قيمة له، ولا تجب الزكاة فيه.
فإن قيل: إنه ورق له قيمة فنزل منزلة الذهب والفضة نقول: إن ورق كتب العلم له قيمة، والدفاتر لها قيمة، وغيرها من الأوراق لها قيمة؛ لأنها كلها لها قيمة شرائية، فلو كانت مسألة القيمة توجب الزكاة لوجبت في الأوراق؛ لأن العبرة بالرصيد.
وبناءً على ذلك: إذا ألغي القديم ينظر في الجديد، فإن نزل منزلته من كل وجه صار آخذاً حكمه من كل وجه، فلو استدان منه مائة ريال فضة قديمة قضاها مائة من الفضة القديمة إن وجدت، فإن لم توجد قضاها بالورق، ونزل الموجود من الورق منزلتها.
(171/11)
________________________________________
تسديد القروض المثلية بالمثل
وقوله: [ويرد المثل في المثليات] مثلما ذكرنا أن المثلية تستلزم الجنس والنوع والقدر والصفة، فمثلاً: لو استلف بعيراً بكراً أو خياراً فإنه يرد الجنس بالجنس، والنوع بالنوع، والسن بالسن الذي هو القدر، فقدره في السن بكر ببكر رباعي برباعي جذعة بجذعة وابن لبون بابن لبون، مثِلاً بمثل، ذكر بذكر، أنثى بأنثى، فإذاً: يرد المثل في المثليات، وعلى هذا يكون العدل، وكما قال الله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] (وإن تبتم) أي: في مسألة الديون، (تَظْلِمُونَ) أي: الناس، حينما أخذتم رأس المال لم تأخذوا زائداً عن حقكم، (وَلا تُظْلَمُونَ) لأنكم لم تبخسوا حقوقهم، فأخذتم رأس مالكم وحقيقة ما دفعتموه، وعلى هذا لابد من التماثل، هذا في القديم، ونفس الشيء في الجديد، فلو اقترض منه سيارته أو أدوات أو فراشاً، فإنه ينظر إلى جنسه ونوعه وصفاته ويرد مثله في الصفات وفي الجنس وفي النوع.
(171/12)
________________________________________
تسديد القيمة عند عدم وجود المثل
وقوله: [والقيمة في غيرها] المثليات قالوا: في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً، وفي المعدود عدداً، أما إذا تعذر أن يصير إلى المثل حينئذٍ صار إلى القيمة، فالدراهم والدنانير إذا أُلغيت وجيء بعملة غير العملة القديمة بأن كانت القديمة من الذهب فصارت من الفضة، فإنه ينظر إلى القيمة، عِدل الذهب من الفضة في ذلك الزمان يوم القرض، إن قالوا: يعادل خمس جنيهات، فحينئذٍ هذه الخمس جنيهات الموجودة الآن تقضى له خمس جنيهات، فينظر إلى المثلي يوم القرض؛ لأنه فيه خلاف، فبعض العلماء يقول: يعتبر يوم القرض، وبعضهم يعتبر بيوم القبض، وهذا هو الصحيح، وهو أننا إذا كنا نقول: إنه يملك بالقبض فمعناه أن ذمته شغلت بالقبض، وعلى هذا ينبغي أن يتقيد بالقبض.
فلو أنه اقترض سيارة في شهر رجب وهذه السيارة قبضها منه في شعبان، وكانت قيمتها في رجب خمسة آلاف، وفي شعبان قيمتها أربعة آلاف، فحصل القبض في شعبان، ثم تصرف في السيارة حتى تلفت ولا يوجد لها مثلي، فحينئذ نصير إلى القيمة، فإن نظرنا إلى العقد يوم القرض فهو في شعبان وهو قبضها في رمضان، فإذا جئنا يوم الاتفاق والعقد في شعبان وكانت قيمتها خمسة آلاف، ويوم القبض والتصرف في رمضان كانت قيمتها أربعة آلاف اختلفت القيمة، قالوا: العبرة بيوم القبض وهذا هو الصحيح، أنه إذا استلفها منه نظر إلى يوم القبض؛ لأن الملكية تصير إليه وتتعلق بذمته عند القبض، فصار مشغول الذمة وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، ونص الإمام أحمد رحمه الله على هذا كما ذكر ذلك الإمام ابن قدامة في المغني.
وقوله: [فإن أعوز المثل: فالقيمة إذاً] مثل السيارات التي ينقطع موديلها ولا يوجد لها مثيل فينظر إلى قيمتها، ولا يصار إلى القيمة إلا إذا أعوز المثل، ومن هنا تتفرع المسألة في اختلاف القيمة الشرائية للعُمل، فإن استسلف شخص عملة بالدولارات، والدولار قيمته عشرة ريالات في عام ألف وأربعمائة، ثم أصبحت قيمته في عام ألف وأربعمائة وثمانية عشر -عند القضاء- عشرين، فحينئذٍ هل نقول: إنه يجب أن يقضيه نصف القيمة؛ لأنه قد زاد عن الأصل الذي أخذ به، أم نقول: يجب أن يعطي المثل بغض النظر عن قيمته؟ نقول: يجب أن يعطي المثل بغض النظر عن قيمته غالياً أو رخيصاً، والسبب في هذا قاعدة سبق وأن بيناها: أن الغنم بالغرم.
وبناءً على ذلك: في العملة؛ إذا استدان منك مائة دولار إلى السنة القادمة فمعناه أنه قد رضي بخسارتها ورضيت أنت بخسارتها، ورضي بما يكون من ربحها وارتفاع سعرها، ورضيت بربحها وارتفاع سعرها، فلا يصح إذا نقصت قيمتها أن يأتي يطالبك؛ لأنه لو زادت قيمتها لطالبك بالمثل، ومن هنا قالوا: يتحمل المسئولية، فأي شيء استدانه وجاء ليحل ويفي رد مثله، بغض النظر عن كونه غالياً أو رخيصاً، يطالب بالمثل؛ وعلى هذا أصل شرعي، وهو أنه إذا أخذ الشيء رده، فإن قلنا: إن الشيء ملكه يرد مثله، فإن وجد المثل وجب أن ينصرف إليه.
لكن لو أنه قبل خمسين سنة أخذ منه ثلاثة ريالات فضة، ويمكن أن تصل قيمتها اليوم ثلاثة ملايين.
نقول: يقضيه ثلاثة ريالات الآن، لكن من باب الوفاء وحسن القضاء لا بأس أن يزيده لكن لا يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خيركم أحسنكم قضاءً)، وقال: (رحم الله امرء سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى) فإذا أردت أن تقضي فتحسن وتتذكر فضله، وهذا من خلق الكرام، فإن الكريم إذا أكرمته رد الكرامة بمثلها وزيادة، وعلى هذا لا يليق وليس من المحاسن أن يرد نفس المال، وإنما يرد ويحاول أن يجبر خاطر من دينه، خاصة وأن هذا فيه رد للجميل.
(171/13)
________________________________________
حكم القروض التي تجر منافع
وقوله: [ويحرم كل شرط جر نفعاً] الشروط في القروض تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط مشروعة.
والقسم الثاني: شروط ممنوعة.
والقسم الثالث: شروط مختلف فيها.
وهذا القرض له نوعان من الشروط: شروط شرعية وشروط جعلية، والفرق بين الشروط الشرعية والجعلية: أن الشرعية لا يصح أن يكون القرض من مجنون أو ممن لا يملك المال، وليس له حق التصرف فيه، أما الجعلية، أي: جعلها المتعاقدان أو اشترطها أحدهما ورضي بها الآخر.
وهذه الشروط الجعلية من المتعاقدين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن تكون مشروعة، وإما أن تكون ممنوعة، وإما أن تكون مختلفاً فيها.
فالشروط المشروعة المتفق عليها أن يقول له: أعطني قرضاً مائة ألف، قال: أعطيك ولكن بشرط أن تحضر كفيلاً غارماً يغرم، هذا شرط اشترطه رب الدين على المدين، وكما لو قال له: أقرضني مائة ألف إلى نهاية رمضان، قال: أقرضك ولكن بشرط أن ترهن دارك أو ترهن عندي رهناً، فهذا شرط، أو يقول له: أقرضني مائة ألف، قال: بشرط أن نسجل هذا الدين وأثبته عليك بكتابة وشهود، قال: قبلت، فإذاً: هذا دين بشرط، وهذا الشرط جعلي من المكلفين، ولكنه مشروع غير ممنوع، وضابط المشروع: أن لا يخالف مقتضى القرض وأن لا يفضي إلى محرم، فمثلاً لو اقترضت من شخص فقال لي: أقرضك هذه المائة ألف بشرط أن لا تشتري بها شيئاً، ومقتضى القرض في الأصل أن أنتفع به وأرتفق، فإذا أخذت المائة ألف على هذا الشرط فماذا أفعل بها؟ فإذاً: هذا يخالف مقتضى العقد، وقالوا: يشترط الرهن ويشترط الكفيل الغارم؛ لأن هذا يحقق مقصود الشرع؛ لأن مقصود الشرع أن يفي المديون للدائن، وأن ترد الحقوق إلى أصحابها، فإذا اشترط عليه الكفيل الضمان للاستيثاق بالرهن، فإن هذا مما يوافق الشرع ولا يخالفه.
النوع الثاني: الشروط المحرمة وهي الممنوعة التي تخالف مقتضى عقد القرض، فإن عقد القرض يقصد منه الارتفاق، فيقول: أقرضك على أن لا تتصرف في الدابة، بأن لا تركبها ولا تبيعها ولا تحلبها، فهذا كله يخالف مقصود عقد القرض، فهذا نوع من الشروط المحرمة.
النوع الثالث: أن يكون الشرط متضمناً للربا مفضياً إليه، كأن يقول له: أشترط عليك فائدة في كل مائة (6%) أو كل شهر (5%) فهذا من شرط الربا، ولا يجوز.
فالمقصود: أن كل قرض اشتمل على شرط يجر نفعاً فإنه لا يجوز وهناك شروط اختلف فيها العلماء فمثلاً: يقول له: آخذ منك هذه المائة ألف بشرط أن أسددها في نهاية السنة، فهذا اشتراط التأجيل، فبعضهم يراه جائزاً كالمالكية ومن وافقهم، وبعضهم لا يراه جائزاً كالجمهور، وهناك مثلاً بعض الشروط لا بأس بها وهي مشروعة، وفي بعض الأحيان تكون ممنوعة بنص الشرع، كأن يقول له: أقرضني مائة ألف، قال له: أقرضك مائة ألف بشرط أن تبيعني بيتك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع وسلف)، فهذا قرض خالف الشرع لورود النص فيه بعينه، قالوا: لأنه إذا اشترط عليه البيع، فالبيع غالباً فيه ربح، فكأنه يعطيه الدين بالدين مع زيادة الربح في صفقة البيع، وهذا ينبه على أن الشريعة حرمت الربا، وحرمت ذرائع الربا، ولا يشترط في الربا أن يقول له: الواحد باثنين أو الواحد بثلاثة.
ومن هنا كان الفقه في مسائل المعاملات والمعاوضات مهم، فهي في بعض الأحيان تتضمن المحذور بطريقة الذريعة والوسيلة.
إذاً: كل قرض اشتمل على شرط جر نفعاً فهو ربا، أما لو أنه اشترط عليه ما فيه رفق به، فهذا فيه تفصيل عند العلماء، ومن أمثلته مثلاً، لو قال له: أسلفني مائة ألف، قال له: أسلفك مائة ألف، قال له: والله أنا لا أستطيع أن أسدد المائة ألف لكن أسدد لك ثلاثة أرباعها، قال له: إذاً: أسلفتك وخذ خمسة وعشرين منها وردّ خمسة وسبعين، فإذاً: أسلفه بشرط أن يحله من ربع الدين، ويرد له ثلاثة أرباع الدين، قالوا: هذا لا بأس به ولا حرج فيه.
(171/14)
________________________________________
الأسئلة
(171/15)
________________________________________
اعتبار المقاصد في عقود البيع

السؤال
هل هناك فرق في الصورة بين القرض وبين صرف الأثمان مع النسيئة دون التفاضل؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن المقاصد معتبرة في العقود، ولذلك تقوم العبرة في العقود بمقاصدها، فإذا قال له: بعني كان بيعاً، وإذا قال له: صارفني كان صرفاً، وإذا قال له: أسلمتك صار سلماً، وإذا قال: أسلفتك صار سلفاً، فلما كان العقد عقد سلف قالوا: هذا مستثنى، ومن هنا استثني أن يأخذ الدراهم ويردها بعد مدة؛ لأنه لم يقصد المصارفة وإنما قصد الدين، ومن هنا قالوا: هذا مستثنىً كاستثناء العارية من المزابنة، ورخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه فإنه يعتبر المقصد، فإن كان المقصد الدين جاز، وإن كان المقصد الصرف والبيع لم يجز، والله تعالى أعلم.
(171/16)
________________________________________
حكم إنقاص المشتري من الثمن المتفق عليه

السؤال
رجل اشترى سلعة فاتفق مع البائع على ألف ريال، لكنه لما أعطاه المال أعطاه تسعمائة وخمسين ريالاً فقط فوافق البائع، فهل يجوز هذا؟

الجواب
إذا اشتريت بألف ريال ثم جئت، وقلت له: أعطيك تسعمائة وخمسين ريالاً ورضي البائع جاز، والرضا ينقسم إلى أقسام: 1 - الرضا بطيب نفس ورضا خاطر، كأن تأتي تريد أن تعطي المال، فلما وصلت إلى تسعمائة وخمسين وأردت أن تخرج الخمسين، فقال لك: لا.
هذه تكفي، وهذا يقع بين الأحبة والإخوان، وتعلم من دلائل الحال وبساط المجلس ما يدل على أنه يريد ذلك.
2 - الرضا الممكن الذي يكون على حد سواء، مثل: شخص تأتي وتبيع عليه بألف، فإذا جاء أعطاك تسعمائة وخمسين، فقلت له: يا أخي! أعطني خمسين، فقال: سامحني، فنقول: يا أخي! أعطني حقي! قال: سامحني، فتطالبه، وإذا بك ترى أنك تزري بنفسك، وربما يكون بين أُناسٍ تستحيي أن تطالبه أمامهم، فتضطر أن تقول له: اذهب، فكأنك اضطررت غلى مسامحته، فتقول بلسان الحال: وما حيلة المضطر إلا ركوبها! فهذا المأخوذ بسيف الحياء لا خير فيه ولا بركة فيه، ومثل هذا ينزع الله البركة له من الصفقة؛ لأنه لم يأخذ بالسماحة، وإنما أخذ بالأذية وإحراج الناس، ومثل هذا ما يقع في فضول أموال الناس، كأن يأتي لبائع يبيع الطعام، فيقول له: بكم هذا؟ ويلتقط منه ويأكل دون أن يستأذن، وربما أنه أكل الشيء، فلا يستطيع البائع أن يقول له: يا أخي! لا تأكل.
فمثل هذه الأشياء ينبغي اتقاؤها، وهي إلى التحريم أقرب إن عُلم أو غلب على الظن أن البائع لا يرضى، ولابد أن يتحرى في رضاه، وأن يعلم منه طيبة النفس ورضا الخاطر، فإذا غلب على ظنك أنه بطيبة نفسه ورضا خاطره فلا بأس، وإن كان الأفضل والأكمل العفة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن يستعفف يعفه الله وما أعطي عبد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر) فالقناعة بما أعطى الله عز وجل خير للعبد، فإذا جاء أحد يستفضل عليك، قلت له: لا، هذا حقك خذه كاملاً، وبارك الله لك في مالك، فهذا هو الأفضل والأكمل للمسلم، أن يعامل الناس ويؤدي حقوقهم إليهم كاملة.
وأما إذا كان بسيف الحياء أو يكون البائع غريباً أو عاملاً مستضعفاً، فيأتي ويقف يصيح عليه بقوة ويرعبه ويزعجه، فإذا جاء وقت المطالبة أعطاه المال ناقصاً ثم زجر بقوة فاضطر العامل أن يسكت، فإن هذا من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا الرضا وجوده وعدمه على حد سواء، فينبغي أن يُتقى في مثل هذا، وأن يفصل فيه، فما كان من الرضا مستوفياً بالصفات المعتبرة حكم به وإلا فلا، والله تعالى أعلم.
(171/17)
________________________________________
حكم بيع الدابة نسيئة

السؤال
أيجوز بيع دابة بدابة ويدفع المشتري أو البائع لصاحبه زيادة من المال أو من أي شيء آخر؟

الجواب
الدابة بالدابة معدود بمعدود يجوز متفاضلاً ونسيئة، والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) فهذا ليس بمحذور؛ لأنه جمع بين البيع والدين، فهو بيع لأنه بعير ببعيرين -ولو كان ديناً لكان بعيراً ببعير- ودين من جهة الأجل؛ لأنه قال: (البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) وعلى هذا يجوز لك أن تشتري السيارة بالسيارتين، والسيارة بالسيارة من نوعها مع الزيادة، والسيارة بالسيارة من نوعها مع زيادة من نوعها أو صفاتها أو بزيادة في المال، كأن يقول: أعطيك سيارتي وتعطيني سيارتك وأزيدك خمسة آلاف أو عشرة آلاف فلا بأس، وهكذا بقية المعدودات، فلو بادل ثلاجة بثلاجتين، أو غسالة بغسالتين، أو مصباحاً بمصباحين، وقس على هذا، فإن الكل جائز، والله تعالى أعلم.
(171/18)
________________________________________
كلمة توجيهية حول طلب العلم

السؤال
الدعوة إلى الله عز وجل تحتاج إلى علم شرعي مبني على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج سلف الأمة رحمهم الله تعالى، فهل من كلمة توجيهية تحث فيها كل داعية إلى الله عز وجل على الاهتمام بالعلم الشرعي، وفقكم الله؟

الجواب
الدعوة إلى الله من أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، ويشهد لذلك قول الله عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33] وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً) ومن حمل هموم الدعوة إلى الله وحمل أمانة الدعوة وتبليغ رسالة الله إلى عباد الله فقد حمل أشرف الأشياء، وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، بل إنه الشيء الذي خلق الله من أجله خلقه وهو عبادته ولا عبادة إلا بالعلم وبالبصيرة: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف:108].
فلابد للداعي أن يستشعر أولاً: ما هي الدعوة؟ وما هي الرسالة التي يحملها، والأمانة التي في عنقه لأهلها؟ فإذا عرف عظم هذه المسئولية؛ علم أنه يتكلم لله وفي الله، وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى، وأنه يعقد الصفقة فيما بينه وبين الله بأن يكون أجره على الله لا على أحد سواه: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ:47] وقال عن أنبيائه نوح وهود وصالح وشعيب ولوط: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:109] أجرك على من بيده خزائن السماوات والأرض ويده سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة، أجرك على من يكتب لك الكلمة والجملة والحرف على من يكتب لك الخطوة والتعب والنصب والسهر، ويكتب لك كل صغيرة وكبيرة سبحانه وتعالى، يحصيها لك فيكتب لك أجرها وثوابها فتوافيه يوم توافيه بمثاقيل الحسنات إن قبل عملك، وأجرك على من لا يضيع أجر من أحسن عملاً وهو الله جل جلاله.
وعلى الداعية أن يستشعر أن هذا المقام أحب المقامات إلى الله عز وجل وهو مقام الأنبياء والرسل، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإنما يكون الداعية العالم ولا تكون دعوة إلا بعلم، فمن أراد أن ينال فضل الدعوة على أتم وجوهه وأن يكون في أكمل صوره فليتم العلم، وليأخذ من العلم، وينتهي من العلم ويحرص على مجالس العلم، ويكون من أهل هذه الرياض التي تنشر فيها رحمة الله، ويبتغى فيها ما عند الله، ويصبر ويصابر ويجد ويجتهد ويحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى في جميع ذلك، حتى يبلغ من العلم أعلى مراتبه، فإذا بلغ ذلك قام بالدعوة على أتم وجوهها وأكملها.
وأول ما ينبغي على الداعية طلب العلم، وإذا طلبت العلم تطلبه بقوة وبعزيمة وهمة صادقة لا يثنيك عنها شيء، فلا تثنيك عنها الدنيا وزينتها وغرورها وما فيها من متاع زائل وغرور حائل، إنما تجد وتجتهد وأنت تحس أنك أنت الرابح، ولا يكون طلبك للعلم بضعف، فتشعر أن الدنيا ستفوتك، وأن أهل الدنيا يتاجرون ويربحون وأنت لا تتاجر ولا تربح، لا.
بل تدخل في العلم وتحس أنك أربح صفقة وأكثر ربحاً في تجارتك مع الله سبحانه وتعالى، فقد طلب أقوام العلم فكفاهم الله هم الدنيا والآخرة، واقرأ في سير العلماء، والله إن منهم من كان لا يجد إلا طعمة يومه مرقع الثياب حافي القدم، ولكنه أغنى الناس بالله جل جلاله، وأسعد الناس، وأشرحهم صدراً، وأثبتهم جناناً، وأصدقهم لساناً، وأوضحهم بياناً، أغنى الناس بالعلم الذي وضعه الله في قلبه وفي لسانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24] لما صبروا في طلب العلم وتحصيله، فلا يشتكي من السهر والتعب في طلب العلم، إنما يبحث عن هذا العلم بكل همة وصدق وعزيمة.
فإذا جد طالب العلم في طلبه عليه أن يعلم أن منزلته عند الله على قدر ما يحصل من العلم، فإن الله يرفع بهذا العلم درجات، وقد تجلس في المجلس الواحد وتدرس فيه مسائل قل من يضبطها ويحصلها فتكفي الأمة همها وتسد ثغرها، فيكون أجرك عند الله بمكان، فترفع درجتك على نفاسة هذا العلم، وبقدر ما يكون علمك نفيساً عظيماً محتاجاً إليه عظيم البلاء بقدر ما تكون درجتك عند الله أعلى وأسمى.
كما ينبغي أن تعلم أن هذا العلم يحتاج منك إلى أمانة، فإذا جلست في مجالس العلم ضبطت وتقيدت بما سمعت، فلا تزيد من عندك شيئاً، ولا تحدث في دين الله برأيك ما لم يكن عندك حجة أو برهان، وتحرص في مجالس العلم على أن تسمع وتحفظ، ثم بعد ذلك تعمل بضوء ما علمت وتبلغ ما سمعت، وهذا أكمل ما يكون في العلم، أن يكون قلبك واعياً بكل ما يقال، وتتقيد بالكلمة لا تزيد ولا تنقص، وإن استطعت ألا تأتي بالمعنى إنما تأتي باللفظ نفسه، فإذا بلغت ذلك كملت نظارة وجهك، قال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فحفظها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)، فهذا أكمل ما يكون في طلب العلم فإذا أردت أن تدعو إلى الله على أكمل المراتب وأفضلها، فعليك أن تضبط العلم ضبطاً تاماً، وتحرص في مجالس العلم على أن تتقيد بما سمعت، ثم بعد ذلك إذا تعودت على هذا الضبط وضع الله لك القبول، وثق ثقة تامة أن الله مطلع على سريرتك وما في قلبك، وإن نظر الله إليك في كل مجلس ودرس تحاول أن تفهم وترجع مهموماً محزوناً تريد أن تضبط هذا العلم وتضبط كل كلمة وعبارة وجملة، أثابك على ذلك.
العلم تسلو به الأرواح والأنفس، فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام إمام من أئمة السلف وديوان من دواوين العلم والعمل، كان آية في القراءات آية في علم اللغة آية في لسان القرآن آية في الحديث والرواية بالأسانيد آية في الفقه وهو صاحب كتاب الأموال وصاحب الغريبين، هذا الإمام العظيم استوقفه رجل بعد صلاة العشاء، وكان قدم عليه من خراسان، فسأله عن مسائل في الفقه، يقول: إنه وقف معه في شدة البرد، فقام معه رحمه الله يذاكره ويسأله وهو يراوح بين قدميه فلم يشعر إلا وقد أذن الفجر، وهذا ليس من ضرب الخيال، والله إنك إذا ذقت لذة العلم فإنك تسمو عن كل شيء، إذا ذهبت في هذه المعاني المستنبطة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الكنز العظيم الذي خلف، تحس بالغبن أن سلفك الصالح سهرت عيونهم وتعبت أجسادهم من أجل أن يخرجوا لك هذا العلم، فقد كان الرجل منهم إذا لم يجد إلا صخرة لنقش العلم عليها حتى لا يفوت على من بعده.
إن همم كان النصيحة لله ولأمة الإسلام رضي الله عنهم ورحمهم برحمته الواسعة، فإذا كانت هذه الهمة الصادقة بذلها السلف لنا من أجل أن نحفظ علومهم فمن الغبن والله، أن ننظر إلى كتبهم وبيننا وبينها حواجز لا نعلمها؛ لأن علمنا علم سطحي لم نتعمق ونضبط ونجد ونجتهد، فطالب العلم اليوم يقف فقط عند الحكم دون أن يبحث عن الدليل ووجه الدلالة، هل هو صحيح أو غير صحيح؟ وإذا كان ليس بصحيح فلماذا؟ تغوص في أعماق العلم، فإذا أصبحت بهذه المثابة بوأك الله من العلم أعلى المكانة، إذا تعبت اليوم وأصبحت تبحث عن كل صغيرة وكبيرة وتجد وتجتهد لا تشتكي من سهر ليل ولا ظمأ الهواجر، ولا تشتكي من غربة ولا من تعب ولا نصب وإنما تحس أنك أنت الرابح.
لا إله إلا الله! لو ذهبت إلى الأسواق في رمضان وفي ذي الحجة تجد التجار يسهرون ويتعبون ويحسون بالنشاط والرجولة، والرجل تجده أمام أولاده، يقول لهم: هذا موسمي، هذا رزقي من الله عز وجل لا أفرط فيه، ويعتبر أنه وضع الشيء في موضعه وهو يبحث عن الدنيا، فكيف بمن يخوض في رحمة الله جل جلاله؟ فمنزلتك عند الله على قدر العلم الذي عندك، فابحث عن العلم المستنبط من الكتاب والسنة، فعلى المرأ رجلاً كان أو امرأة أن يطلب العلم ويجد ويجتهد، ولا يقف عند الحدود بل يحاول أن يغوص في أعماق العلم.
فإذا تعبت في طلب العلم طالباً أراحك الله مطلوباً، وإذا تعبت في طلب العلم طالباً وذللت فيه أعزك الله مطلوباً، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ذللت طالباً وعززت مطلوباً)، فكان رضي الله عنه يقف في يوم عرفة يفسر القرآن، يقول بعض أصحابه: لقد شهدت من ابن عباس مشهداً في يوم عرفة لو رأته الروم لأسلمت، وقف يفسر سورة النور آية آية وكأنه يغرف من بحور، كان إذا تكلم في اللغة خاض فيها وفي لسانها وبيانها وأسرارها ونكتها وبلاغتها وفصاحتها، وإذا ذهب في علوم القرآن رأيت منه العجب وهو يستنبط، كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وإذا ذهب إلى السنة فناهيك به علماً وورعاً وعملاً مصاحباً للعلم رضي الله عنه وأرضاه.
فهذا هو الذي يبحث عنه الإنسان، وما دمت قد عرفت شرف هذا العلم فعليك أن تضحي بكل ما تجد من أجل بلوغه، فإذا نظر الله إليك أثناء الطلب وأنت تتعب وتحصل، فاعلم أنه لا أكرم ولا أوفى من الله، والله إذا تعبت اليوم فإن الله سبحانه وتعالى سيريك ثمرة تعبك، ولن تموت حتى يقر عينك بما ترى، إن كنت تعبت في الطلب وكنت تحرص على أخذ العلم كاملاً سخر الله لك طلاب علم يتعبون كما تعبت، ويحبون العلم كما أحببت، ويأخذونه من فمك طيباً مطيباً كما أخذته من علمائك طيباً مطيباً، وكما أقررت عين العالم الذي أخذت عنه وهو يراك مجداً محصلاً فلابد وأن يقر الله عينك في طلابك، وهذه سنة الله عز وجل، وانظر في حال السلف فلا تجد طالباً لزم عالماً وأخذ عنه وضحى معه إلا ونبغ بعد وفاته، وأصبح مكانه يحاكيه ويماثله، فلما توفي ابن عباس فإذا طلابه هم سعيد بن جبير وطاوس بن كيسان ومجاهد بن جبر، فإذا نظرت إلى تلامذة ابن عباس كدت لا تفرق بينه وبينهم عِلماً وعملاً، لابد وأن يقر الله عينك، وكله على قدر تعبك في طلب العلم.
الآن انظر إلى الذين يأخذون الكتب ويقرءون من الكتب ولو كا
(171/19)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب القرض [2]
مشروعية القرض معلومة، وشروطه منها ما هو مشروع، ومنها ما هو ممنوع، ومنها ما هو مختلف فيه، كما أن القروض التي توضع في البنوك منها ما هي ودائع مشروعة، ومنها ما فيه احتيال وغرر، ومنها ما هو استثمار، وكل هذا له ضوابط وحدود معروفة عند علماء المسلمين، وأما الجمعيات المعروفة فهي في حكم المشتبه الذي لا يقطع فيها بالحرمة ولا بالجواز؛ لأن من نظر إلى ظاهر شروطها يجدها ربوية، ومن نظر إلى مضمون شروطها يجدها جائزة ليس فيها زيادة.
(172/1)
________________________________________
أنواع الشروط التي يجعلها صاحب الدين على المدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن الشروط التي يجعلها صاحب الدين على المدين، أو يجعلها المدين على صاحب الدين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: مشروعة، والثاني: ممنوعة، والثالث: مختلف فيها، والأصل أنه لا يجوز أن يأخذ صاحب الدين على المدين زيادة على دينه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] فإذا سُئلت عن قضاء الدين؟ تقول: الأصل أن يرد له دينه دون زيادة أو نقص؛ لأنه إذا زاد فقد ظلم المدين، وإذا انتقص من الدين فقد ظلم صاحب الدين، فأنصف الشرع وعدل بين الطرفين، فأوجب أن يكون الرد مثل المأخوذ دون زيادة أو نقصان، وإذا سُئلت عن دليله؟ قلت: قوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279].
ثم إن العلماء تكلموا على الفوائد والأمور التي تكون زائدة عن الدين، وفصلوا فيها؛ لأن الشريعة منعت وأجازت، فمنعت من الزيادة في قوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] وأجازت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قضى الدين وزاد، والشرط في الدين أن يقول صاحب الدين للشخص المدين: أعطيك مائة ألف بشرط كذا وكذا، وهذا الذي يشترطه تارة يكون مالاً من جنس الذي دفع إلى المدين، كأن يقول: أعطيك مائة ألف بشرط أن تردها لي مائة وعشرة، فهذا شرط بزيادة.
وتارة يقول له: أعطيك مائة ألف ولكن بشرط أن تؤجرني دكانك أو تبيعني سيارتك أو عمارتك أو أرضك أو مخططك أو طعامك إلى آخره، فصار قرضاً وبيعاً، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سلف وبيع.
وبناءً على هذا يقول العلماء: إن الفوائد المستفادة فيها تفصيل: فإن كان صاحب الدين اشترط منفعة زائدة على المدين أياً كانت المنفعة إما بالمال والنقد أو ما يكون مقدراً له قيمة فإنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع وسلف) فالزيادة لا تجوز ولو كانت ضمن عقد آخر، فإنه لما نهى عن بيع وسلف، عندما يقول لك: هذه عشرة آلاف بشرط أن تبيعني سيارتك بثمانية آلاف تكون السيارة قيمتها عشرة آلاف، فتتنازل عن الألفين لقاء القرض، وعلى هذا قالوا: لا يجوز الشرط بالمنفعة.
هنا مسألة: وهي وجود المنافع كأن يقول لك: أعطيك مائة ألف مثلاً من الذهب، في القديم الدنانير تحتاج إلى حمل؛ لأنها من الذهب، والذهب يوضع في الأكياس، والأكياس لابد من حفظها، وإذا أعطاه في مكة، وقال: بشرط أن تعطيني المائة ألف في نهاية رمضان في المدينة، فإن حمل الذهب من المدينة إلى مكة فيه مخاطرة ومئونة؛ لأنه يحتاج إلى حمله والاستئجار للدواب لوضعه بها ثم نقله إلى المدينة، فإذا قال: أعطيك مائة ألف في مكة بشرط أن تقضيني إياها في المدينة أو الطائف، فهمنا أنه يريد منفعة السلامة من الخطر، والنجاة من ضمان الحمل.
فإن كان الحمل يكلف خمسمائة ريال مثلاً، فكأنه أعطاه مائة ألف ليردها مائة ألف وخمسمائة.
إذاً: الفوائد تكون ظاهرة وتكون خفية عن طريق المنافع، ومن هنا نهي عن قرض وشرط، فالقرض الذي يكون معه شرط فيه فائدة فهو محرم، فمثلاً: الودائع المصرفية كأن يودِع في المصرف عشرة آلاف على أنها وديعة، فيأخذ عشرة آلاف وخمسمائة بعد أجل مسند، فيشترط عليه المصرف شرطين: الشرط الأول: أن لا يسحب هذه الوديعة قبل سنة؛ لأن الودائع المصرفية التي عليها فوائد لابد أن تمكث مدة معينة، وكل سنة فيها مثلاً (6%)، فمعناه أنه اشترط عليه بقاءها إلى أجل على أن لا يطالبه قبلها.
وثانياً: أن يعطيه زيادة عليها، فشرط الأجل من المصرف وشرط الزيادة من العميل؛ لأن العميل هو الذي يطالب بالزيادة.
وبناءً على ذلك: إذا كانت القروض تأتي بفوائد عينية كمائة بمائة وخمسة، أو مائة بمائة وعشرة فهذا واضح لا إشكال فيه، وهذا يدعونا إلى دراسة ما يسمى بالوديعة المصرفية؛ لأن الباب باب قرض، وفيه قديم وجديد، وطالب العلم قد يدخل إلى المصرف ويرى كلمة (حساب جاري) ولا يعرف ما معنى ذلك، ويرى مثلاً: الودائع بفوائد، وهو لا يدري عنها، فلابد أنه يعلم الحكم والموقف الشرعي من هذا النوع من القرض، فنحتاج إلى مسائل:
(172/2)
________________________________________
الفرق بين الوديعة الشرعية والوديعة المصرفية
المسألة الأولى: هل الوديعة المصرفية قرض أو وديعة حقيقية؟ فإن كانت وديعة سنبحثها في باب الودائع، وإن كانت قرضاً فسنبحثها هنا؛ لأننا في باب القرض.
فما هي أنواع الودائع المصرفية، وما هي أحوالها وأمثلتها، وما موقف الشريعة الإسلامية من كل مثال وحالة؟ أما بالنسبة للوديعة المصرفية فصورتها أن يأتي العميل بمبلغ معين قليلاً كان أو كثيراً ويدفعه إلى المصرف، ونحن نعبر بالمصرف؛ لأنها أفصح من عبارة (بنك) وهي أوضح في الدلالة، وإن كان في المصطلح الاقتصادي الموجود اليوم يوجد فرق بين مصطلح البنك وبين مصطلح المصرف، لكن إذا قلنا: مصرفية تشمل المصرف بمعناه أو البنك بمعناه.
الوديعة المصرفية يقوم العميل فيها بوضع مبلغ معين، وهذا المبلغ المعين يكون فيه اتفاق بين المصرف وبين العميل، ففيه طرفان: موُدِع: الذي هو العميل، وموُدَع عنده: الذي هو المصرف، على أن يلتزم المصرف بحفظ هذا المبلغ ويلتزم بأدائه للعميل متى طلبه، لكن في بعض الأحوال يتفقان على مدة معينة كما ذكرنا،
و
السؤال
هل وضع مائة ألف مثلاً في المصرف نعتبره وديعة أم قرضاً؟ إن أي مسألة عصرية إذا جئت تبحثها بحثاً فقهياً منهجياً أول ما يجب عليك أن تأخذ الألفاظ وتدرس معانيها، ثم هذه المعاني الموجودة في واقعك ومعيشتك وعُرفك وبيئتك على حسب ما يفهمها الناس أو يتعاملون بها، هل تتفق مع المصطلحات الشرعية أو تختلف؟ فإن قالوا: وديعة، فالعلماء وضعوا للوديعة تعريفاً ومصطلحاً معيناًَ، فطبق المصطلح على الحقيقة والواقع، فإن اتفق أعطيتها حكم الوديعة، وإن اختلف بحثت ما هي حقيقته ولم تغتر بالاسم الظاهر، إذاً: لو جاءوا وسموا معاملة ما بيعاً، فنقول: ما هي حقيقة البيع؟ مبادلة المال بالمال، فهل هذا مال مبادل بمال؟ إذاً: فهو بيع، لكن لو كان منفعة بمال فهو إجارة، فالناس قد يخطئون في التعبير بقصد أو غير قصد.
فالوديعة في الشريعة تقوم على حفظ المال وأدائه بعينه دون تصرف فيه، فإذا جاءك بكيس ووضعه عندك وديعة، فمعناه أنه ينبغي أن تحفظ نفس الكيس وما فيه؛ لأنك أمرت بحفظ هذا الشيء بعينه دون أن تتصرف فيه، قالوا: فلو فتح الكيس انتقلت الوديعة من كونها وديعة إلى كونها قرضاً ويضمن؛ لأن الوديعة تستلزم أن تحفظ المودع بعينه وترده بعينه، فإن أخذ المال بأن أعطاك إياه خمسمائة ريال فأخذت الخمسمائة بعينها ووضعتها في الدرج وقفلت عليها: وكتبت عليها هذه وديعة فلان بن فلان، فجاءك بعد عشر سنين وأعطيته العين نفسها، فهذه وديعة، ولو أنك وضعتها فاحترق الصندوق والبيت واحترقت هذه الفلوس بهذه الطريقة التي لم تتصرف فيها لم تضمن؛ لأن يدك يد أمانة.
إذاً: كل شيء له في الشرع ضوابط، فلا يسير الإنسان على تعبيرات الناس وأهواء الناس، وهذا الفقه عُصارة أذهان أكثر من عشرة قرون، والعلماء يتعبون ويسهرون ويكدحون من أجل إعطاء كل ذي حقٍ حقه، فإذاً: عندما نقول: وديعة فعندنا ضابط معين، وهو أن يستلزم منك ذلك حفظ عين الشيء وأداءه بعينه متى ما طلبه دون مماطلة أو تأخير، فلو أن الإنسان جاء بالعشرة آلاف ووضعها في المصرف فهل يلتزم المصرف بحفظ عين المال ورد العين أم بحفظه ورد مثله؟

الجواب
رد المثل، ولا يوجد مصرف يأخذ منك عين المال ويرد لك عين المال، وإنما يأخذ ويعطي بدلاً عنه.
ولذلك ينبغي أن نتنبه إلى أن التسمية بالوديعة ليست صحيحة من ناحية شرعية، بل حتى في القوانين الوضعية، وفي العرف الاقتصادي الموجود المعاصر يسمون الودائع المصرفية قروضاً، وإنما سميت وديعة على حسب ما يقصد من هذا، سواءً كانت تسمية ظاهرة أو غير ظاهرة، حتى يقول: إن الوديعة مشروعة، وإذا كانت الوديعة مشروعة في الأصل؛ فإنه يترتب عليها نوع من إضفاء الشرعية على هذا الشيء.
وبناءً على ذلك: لا يمكن أن نحكم بكون الوديعة المصرفية وديعة بمعناها الشرعي الصحيح، حتى نفس العرف الاقتصادي يسلم بأن الودائع قروض، وإذا احترقت المصارف وصار عليها عارض ليس بيدها، فإنها تضمن المال الذي أودع فيها؛ لأنها لا تأخذ حكم الودائع.
إذا ثبت أن الوديعة المصرفية دين فهي قرض، وتكون معنا في الباقي على نفس الدراسة التي درسناها، فأصبحت المعاملة في الحقيقة على أن يدفع له المال ويرد له مثله، هذا من حيث الشكل العام والمضمون العام في الودائع، وإذا ثبت هذا فمعناه أنك تبني عليه جميع الأحكام الشرعية المبنية على القروض، وهذا يستلزم أن نقسم الودائع المصرفية إلى أقسام.
(172/3)
________________________________________
أقسام الودائع المصرفية
القسم الأول: الوديعة المستندية.
القسم الثاني: الحساب الجاري.
القسم الثالث: الودائع بالفوائد.
القسم الرابع: شهادات الاستثمار.
(172/4)
________________________________________
الوديعة المستندية
أما بالنسبة للوديعة المستندية فمن الممكن أن نسميها وديعة شرعية، وهذه الوديعة حقيقتها: أن يقوم العميل باستئجار صندوق معين في المصرف أو البنك، ويمكنه البنك من مفتاحه، على أن يضع فيه وثائقه ومستنداته، ويتكفل البنك بحفظ هذه الودائع والمستندات، ويمكن العميل من أخذها في أي وقتٍ شاء، على أن يدفع أجرة معينة على حسب المتفق عليه، وهذا النوع موجود الآن في بعض المصارف الكبيرة، ويسمونها مستندية؛ لأن الغالب أنها تستأجر من أجل المستندات، يكون التاجر عنده صكوك يخشى عليها السرقة أو الاحتراق أو التلف، أو عنده وثائق معينة لأعماله فيخشى أن يطلع إنسان عليها فتفسد تجارته، فيأتي ويستأجر هذا الصندوق ويحفظ فيه وثائقه ويقفله ويأخذ المفتاح، ومتى ما جاء التزم المصرف بتمكينه من أخذ ما شاء من هذا المكان.
إذاً: لو سألت هذا الصندوق الذي يضع فيه العميل حوائجه، هل يأخذ عين المودع أم مثله؟

الجواب
يأخذ العين، وهل أحد يتصرف في هذه العين غيره؟ لا.
إذاً: هي وديعة وتأخذ حكم الوديعة الشرعية، لكن

السؤال
اتفاق المصرف مع العميل على أن يدفع مبلغاً معيناً شهرياً أو سنوياً هل هو جائز أم ممنوع؟ يمكننا أن نقول: إنها إجارة؛ لأنه استأجر المصرف لحفظ هذا المبلغ خلال المدة المتفق عليها، وبناءً على ذلك يسري عليه ما يسري على الإجارة الشرعية؛ لأنك قد تستأجر شخصاً من أجل أن يحفظ لك مزرعتك أو يحفظ لك دوابك.
فالإجارة من أجل الحفظ مشروعة بالإجماع؛ لأن القاعدة أن الإجارة تجوز على كل منفعة مباحة، كذلك حفظ الصكوك والمستندات مباح فإذا استأجره لحفظها كان مباحاً، وبعض الناس يأخذ هذه الصناديق ويضع فيها مجوهرات وحلياً ونفائس موجودة عنده ويخشى عليها السرقة فيضعها ويقفل عليها، ويأتي ويأخذ عين المجوهر وعين الشيء الذي له، وهذا يأخذ نفس الحكم، سواء استأجرها للوثائق وللمستندات أو للجواهر أو للحلي، بل حتى لو جاء ووضع ماله في هذا الصندوق وأخذه بعينه فإنه جائز ومشروع؛ لأنها وديعة شرعية دون أن يختلط ماله بمال الغير، ودون أن يسري عليه أي شبهة أو أي محصول.
إذاًَ: الوديعة المستندية جائزة ومشروعة؛ لأنها عقد إجارة على منفعة مباحة، وشروط الإجارة مستوفية، فهي إجارة على منفعة مباحة، في مدة معلومة، وبثمن معلوم، واستوفت جميع الصفات المعتبرة شرعاً.
(172/5)
________________________________________
الحساب الجاري والودائع بالفوائد
القسم الثاني: الحساب الجاري، وحقيقته أن يقوم العميل بدفع مبلغٍ معينٍ للمصرف، ثم يلتزم المصرف تجاه هذا المبلغ المعين أن يمكن العميل من سحبه كله أو بعضه أي وقتٍ شاء، سواءً سحبه أصالة أو وكالة، والحساب الجاري في الحقيقة له ثلاث صور.
الصورة الأولى: أن يدفع المبلغ، فيسحب على قدر مبلغه دون أن يزيد أو ينقص.
الصورة الثانية: أن يدفع المبلغ ويعطيه المصرف زيادة إذا بقي المبلغ دون أن يطلبها هو، لكن إذا مضت فترة معينة حتى لو لم يقصد، فمثلاً: وضع مائة ألف على أساس أن يسحبها بعد شهر ثم تأخر سحبه إلى ثلاثة أشهر، وبعض المصارف تعطي فائدة على مدة بقائها ثلاثة أشهر، ولو لم يكن هناك اتفاق مسبق من باب المكافأة على وضعها هذه المدة، ففي هذه الحالة يكون المستفيد هو العميل، والاستفادة وقعت بدون شرط، إنما أعطاه المصرف من باب المكافأة على بقاء المبلغ هذه المدة، وهذا يقع في الخارج خاصة في أوروبا، فبعض البنوك تكافئ من يودع عندها مدة معينة ويكون المبلغ كبيراً فتجعل له الزيادة (6%) على بقائها ثلاثة أشهر دون أن يسحب أو ينزل رصيده عن حدٍ معين؛ لأنهم يستغلون هذه الأموال، ويحسون أن هذا الاستغلال لابد أن يرد فائدة، وهذا في نظرتهم.
الصورة الثالثة من الحساب الجاري: وهو العكس وهذا يقع في الدول الفقيرة، بخلاف النوع الثاني فهو يقع في الدول الغنية التي فيها ثراء والسيولة فيها كثيرة.
أما النوع الثالث فمثلاً: إذا دفع مبلغاً وبقي في المصرف أو البنك مدة وضعوا عليه ضريبة، فإذا جئت تسحب المال، ودفعت مائة ألف ومكثت سنة، فإنهم يأخذون ألفاً، فتأخذ تسعة وتسعين ألفاً.
إذاً الحالة الأولى: إذا دفع المبلغ ثم سحب مثله والتزم أن يعطى قدر مبلغه دون زيادة أو نقصان، فهذا قرض ليس فيه فائدة، وليس هناك شرط فائدة ولا زيادة ولا ربا، ومن حيث الأصل العام إذا أعطى شخص شخصاً مائة ألف وجاء وسحب كل المال، أو التزم الطرف الثاني وقال له: يا فلان! خذ المائة ألف هذه قرضاً، قد أبعث لك شخصاً في أي ساعة يسحبها كلها أو بعضها فأعطه، فهذا جائز، والأصل يقتضي الجواز، لكن الإشكال من كونه ذريعة معينة على الحرام، فإنه إذا كان يعطي المال للمصرف فهذا يفصل فيه، فإن كان تعامل المصرف يكون بشيء محرم كان وضعه على هذا الوجه معونة على الحرام، فلا يجوز، وإن كان لا يتعامل بالحرام كان جائزاً؛ لأنه يدفع المبلغ ثم يأخذه دون زيادة أو نقصان.
أما الحالة الثانية: إذا كان المصرف يعطيه الزيادة بدون موعد ولا عِدة، فهل يجوز ذلك؛ لأن: (خير الناس أحسنهم قضاءً)؟

الجواب
إذا جئنا ننظر إلى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً ورده خياراً رباعياً) نقول: يجوز، لكن المشكلة أن هذه العوائد تركبت من ديون بالآجال عليها فوائد، فهو يعطي لأشخاصٍ ديناً، ويأخذ عوائد هذا الدين باقتراضهم منه لكي يصرفها في الفوائد، وبناءً على ذلك صار أصله من حرام، فنقول: إن هذا الوجه يقتضي التحريم.
الوجه الثاني: لو قال قائل: يجوز في الحساب الجاري، لو سافر إلى بلد غني ووضع مليوناً، ثم سحب الحساب الجاري المليون وأعطي مليوناً وعشرة، نقول: لو قيل: إن هذا من باب مكافأة الدين لم يصح، أولاً: لأنه عائد من حرام والفرع تابع لأصله، وثانياً: أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فلما جرت عادة المصرف بأنه يكافئ على الوضع فيه، فكأنه حينما أودع فيه اشترط مسبقاً على المصرف أن يكافئه، وهذا عين المحرم؛ لأن كل شرطٍ جر نفعاً فهو ربا، والإجماع منعقد كما حكاه ابن المنذر والإمام ابن قدامة وغيرهم على تحريم ذلك.
إذاً: مسألة وضع المال وإعطاء الفائدة بدون شرط مسبق، يصح تحريمها من وجهين: الوجه الأول: أن عائده من حرام والفرع تابع لأصله.
الوجه الثاني: أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ولفظاً كما يقول بعض العلماء، فكأنه حينما جرت عادة المصرف بذلك فإنه يكون عند وضعه للمال كأنه قد رضي بذلك وطلبه فينزل منزلته.
وهنا

السؤال
لو أن شخصاً جاء ووضع المال في هذا النوع من المصارف، فدفع مائة ألف فأعطي أرباحاً (مائة وخمسة)، فهل يتركها أو يأخذها؟ الجواب: عندنا نصوص في الكتاب والسنة نرجع إليها إذا جئنا نحكم في المسائل ونركب بعضها على بعض، وقد أثبتنا أن الوديعة والحساب الجاري يعتبر قرضاً، والله تعالى يقول في القرض: {فَلَكُمْ} [البقرة:279] أي: هذا الذي تتملكونه وهو من حقكم: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] فهو إذا سحب رصيده حينئذٍ يكون قد حقق المأمور به شرعاً، لم يظلم ولم يُظلم، وهذا بالنسبة للأصل العام، أنه إذا سحب رصيده وأصل ماله فإنه لا يظلم ولا يُظلم والنص آمر بذلك وملزم به، ودال على أنه إذا أخذ الزائد عنه فقد أخذ الحرام.
وقد يقول قائل: لو أخذ الزيادة واستفاد منها بإنفاقها في مشروع خير أو نحو ذلك، لكان أفضل من بقائها، خاصة وأنها إذا بقيت ربما أخذت لأمور تضر بالمسلمين، فهل يأخذها ولا يتركها؟ نقول: هذا اجتهاد في مقابل النص، والنص يقول: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] ثم لما اجتهدوا هذا الاجتهاد، وقالوا بجواز أخذ المال مع زيادة عادوا فقالوا: لكن لا تصرفها في بناء مسجد أو طبع كتاب، ولا تفعل بها أموراً فيها طعام أو شراب لمسكين، فيشتبه هو في هذا المال بعد حكمه بأخذه كيف يتصرف فيه؟ ودائماً إذا خالف الإنسان النص يقع في حيرة؛ لأنه إذا التزم بالنص ما عنده إشكال، ثم نقول: لو أنك أخذت رأس المال لم يقع الربا، فإذا قيل: له أن يأخذ الزيادة حتى لا تبقى عند الغير، عندئذٍ تحقق الربا، ولذلك احتار! إذاً: ما دام أن هذه الزيادة محرمة فلماذا نفتي بجواز أخذها؟ ثانياً: لو أننا أخذنا هذه الزيادة حتى لا يستضر المسلم بها، فإننا نقول: تركها أكثر منفعة للمسلمين؛ بل إنه أبلغ في دعوة الكافر وتنبيهه على فضل الإسلام، فأنت إذا جئت لكافر يتعامل بالربا في مصرفه وأخذت رأس المال، وقلت له: ديني يأمرني أن لا آخذ إلا رأس المال، يقول لك: كيف تترك ربحاً قدره عشرة آلاف، فهم يكادون يعبدون المال من شدة تعظيمهم له، ولا يتعاملون إلا بالدينار والدرهم، ولا يعرفون إلا المال، فإذا وجد أنك لا تأخذ المال الربوي وأحس بعزتك؛ لأن الكافر يغتاظ إذا رأى المسلم معتزاً بدينه، قوي الشكيمة في الحق، لا يريد إلا دينه وما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: هو بنفسه يشعر بفضل هذا الأمر الشرعي؛ لأنه يأخذ الدين من غيره، وغيره يطالبه بفائدة الدين فإذا وجد أنك لا تأخذ إلا رأس مالك، وقلت له: ديننا يأمرنا أن نأخذ رأس المال، فإنه يتأثر ويحس أن هذا الذي تقوله هو عين العدل، فقد يكون سبباً في التأثير عليه، وقد يكون سبباً في شعوره بفضل الإسلام، فالدعوة كما تكون باللسان تكون أيضاً بالجوارح والأركان، لأنك بتعاملك معه تعرفه حقيقة الإسلام، وأن الإسلام دين عدل، فاليوم يأتي شخص لا يأخذ الفائدة، وآخر يأتي بموقف اجتماعي يقول: الإسلام يأمر بكذا، فلا تزال تجتمع عنده محاسن الإسلام حتى تكون سبباً في هدايته، وقد حكى بعض طلاب العلم أنه وقع في ذلك يقول: ولم أرض أن آخذ هذه الزيادة، فطلبني المسئول، وسألني: لماذا لا تأخذ الزيادة؟ فقلت له: ديني يأمرني أن آخذ رأس المال فقط، قال لي: لماذا؟ فقلت له: لأني أنا أعطيتك عشرة آلاف فآخذ عشرة آلاف فقط، فلا أظلمك بأخذ الزيادة، قال الأخ: فجعل يتعجب؛ لأنه يأخذ الدين من غيره، وغيره يطالبه بفائدة الدين، فالشاهد أننا إذا اجتهدنا لهذا فإن محاسن الشريعة بأخذ رأس المال أجل وأكمل، ولا نستطيع أن نجتهد في مقابل النص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، فهذه الحالة الثانية: وهي أن يدفع المال ثم يعطى الزيادة عليه بدون عدة.
الحالة الثالثة: أن يدفع المال فيؤخذ من المال على قدر الحفظ، فإذا قال له: ضع المال عندي لمدة شهر وآخذ منه مقابل حفظه، فهذه المسألة تتفرع على مسألتين: المسألة الأولى: رخص بعض العلماء رحمهم الله إذا أعطاه قرضاً، وقال له: خذ هذه المائة ألف قرضاً وردها لي تسعين، أو ثمانين، قالوا: يجوز؛ لأنه أبرأه وأسقط عنه ذلك، لكن المشكلة ليست هنا، المشكلة أن هذا النقص إنما أخذ بدعاية الحفظ وهي غير موجودة، فصار من أكل المال بالباطل، فالصورة الأولى: محض تبرع، وهناك فرق بين الصورة الأولى والثانية، وقد ذكرت هذا حتى لا يلتبس على بعض طلاب العلم، وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني أنه إذا أعطاه القرض وأسقط عنه شيئاً منه جاز له ذلك، وقد رخص في هذا أئمة من السلف رحمة الله عليهم، وروي عن ابن عباس نحو هذا، لكن هذا غير ما نحن فيه؛ لأن الذي نحن فيه أن الآخذ يدعي استحقاقه للمال لقاء الحفظ، والحفظ غير موجود، فصار من أكل المال بالباطل، فالذي يأخذه يأخذه ظلماً، ولذلك قال الله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] ولو ساغ للمدين أن يأخذ من الدين شيئاً لما جعل الله الأخذ ظلماً، ولو ساغ للمدين أن يأخذ لقاء الاستدانة شيئاً لبين الله سبحانه وتعالى ذلك ولما جعله ظلماً، فكما أنه لا يجوز لرب المال أن يسقط عنه في الحفظ شيئاً، لا يجوز أن يسقط عنه فيما يدعيه حفظاً على هذا الوجه شيئاً.
إذاً: الصحيح في هذه الحالة الثالثة أنها لما كانت على سبيل التعاقد والإلزام كانت من أكل المال بالباطل، والدليل على تحريمها قوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29] ولأن النص أثبت أنه لا يجوز للمديون أن يأخذ لقاء وجود المال عنده على الدائن؛ لقوله: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] فأمر الله المديون والدائن أن يكون الوفاء برأس المال، فدل على أنه إذا اقتطع منه شيئاً فقد ظلمه ولا يجوز ذلك.
(172/6)
________________________________________
شهادات الاستثمار
هناك مسألة الوديعة بزيادة مشترطة، وهي ما يسمى بالاستثمار، فمثلاً يحدد المصرف مبلغاً ما ويقول للعميل: ادفع ما لا يقل عن ستة آلاف ولا يزيد عن عشرة آلاف قسطاً شهرياً لمدة ثلاث سنوات، فإذا مضت الثلاث السنوات أعطيناك زيادة (6%) على المبلغ كله.
أولاً: لابد أن يحدد المصرف الحد الأقل للمبلغ المدفوع والحد الأقصى، أي: ما بين ألف إلى عشرة آلاف، كأن لا تزيد على عشرة آلاف ولا تنقص عن ألف، إن شاء يدفع ألفاً شهرياً قُُبل منه، وإن شاء يدفع ألفين أو ثلاثة آلاف إلى أن يصل إلى عشرة آلاف، فلو قال: سأدفع شهرياً أحد عشر ألفاً يقولون: لا، ادفع فقط ما بين ألف إلى عشرة آلاف.
وهذه هي الفئة الممتازة، فعندما تكون فئة (أ) يكون فيها المبلغ أكبر والمدة محددة، فبعد أن يحدد المصرف أقل مبلغ يدفع يحدد له أكثر المبلغ، ثم تحدد المدة، يقال لك: تدفع لمدة سنتين شهرياً، فلو دفع ألفي ريال شهرياً، والسنة فيها اثنا عشر شهراً، فمعناه أنه سيدفع أربعة وعشرين ألف ريال، والأربعة والعشرون ألف ريال خلال ثلاث سنوات يكون مجموعها اثنين وسبعين ألف ريال، وهذا المبلغ يحسب منه فوائد (10%) أي: سبعة آلاف ومائتين، معناه أنه سيعطيه تسعة وسبعين ألفاً ومائتين، فكانت المعاملة على النحو الآتي: يحدد المبلغ الأقلي والأكثري على أن يكون الدفع بينهما، ويلتزم العميل بالدفع شهرياً ولا يتخلف أي شهر حتى تتم المدة، ثم يلتزم بعدم السحب من الرصيد لمدة ثلاث سنوات؛ لأن المصرف سيأخذها ويقرضها للناس، وهذه الالتزامات على العميل مكونه من: التزام في المبلغ أن لا ينقص عن كذا ولا يزيد عن كذا، والتزام في المدة: ثلاث سنوات أو سنتين أو سنة ونصف، والتزام بعدم السحب، هذه ثلاثة أشياء، وبعد أن يتم الاتفاق على هذا الوجه يلتزم البنك والمصرف بإعطائه فائدة بنسبة معينة.
إذاً: هناك استثمار من فئة (أ) واستثمار من فئة (ب)، لماذا تتفاوت فئة (أ) عن فئة (ب)، فئة (أ) يكون المبلغ كبيراً ويحدد بمدة لأصحاب الأموال الكثيرة؛ لأنهم يعرفون طبقات المجتمع، ويريدون أن يستفيدوا من طبقات المجتمع، فيجعلون لمن كان راتبه أكثر مبلغاً أكثر، فيحددون مثلاً: من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، طبعاً: لا يستطيع أن يدخل في هذا الاستثمار لمدة ثلاث سنين بهذا المبلغ الكبير إلا إنسان مقتدر، النوع الثاني: يضعونه، فئة (ب)، وهذه الفئة تتراوح المبالغ فيها من ثلاثة آلاف ريال أو من ألفين شهرياً إلى ستة آلاف، فيكون التحديد أقل والمبلغ أقل وأيضاً الفائدة أقل، أي: هناك تجد الفائدة (10%) وهنا الفائدة (5%) مثلاً، فالتفاوت والتفاضل بين الفئة (أ) والفئة (ب) من حيث المضمون والجوهر، لكن من ناحية شرعية الحكم فيهما واحد، فلا تضرك المسميات؛ لأن هذا شيء يرجع إلى طريقة حساب الفوائد، فهي تختلف من طبقة إلى طبقة.
أعطوا في الفئتين السابقتين الاستثمار للطبقة العالية والطبقة المتوسطة وبقي الطبقة الضعيفة، فتعطى استثماراً من فئة (ج)، وفئة (ج) من مائة ريال، أو مائتي ريال، أو ثلاثمائة ريال، يقولون: تدفع من خمسين ريالاً مثلاً؛ لأنهم يعرفون أنه سيشارك في هذه الفئة عدد أكبر، فيدفعون مثلاً: من خمسين ريالاً إلى ستمائة ريال لمدة ثلاثة شهور، وفي بعض الأحيان يحددون ويقولون: تدفع مائتي ريال شهرياً، فإذا دفع مائتي ريال شهرياً لمدة ثلاثة شهور هذه ستمائة ريال، والستمائة ريال يقولون: يلتزم المصرف بردها، ولكن يجمعون أسماء المشاركين كلهم، ثم توضع القرعة، ومن خرجت له القرعة أخذ الفائدة أو الجائزة الموجودة، وتقسم أرباح هذه الفئة كلها على عشرة أشخاص، يكون للأول ألف، وللثاني ألفان، وللثالث أربعة آلاف.
إلخ.
فنلاحظ أن عندنا فئة (أ) وفئة (ب) وفئة (ج)، هذه ثلاث دركات -نسأل الله السلامة والعافية- فئة (أ) وفئة (ب) لها دراسة مستقلة، أما فئة (ج) فسنركز عليها أكثر؛ لأن البعض أفتى بجوازها، وأدخل بعض الشبهات في الحكم بجوازها، فسندرس فئة (أ) و (ب) على حدة، ثم بعد ذلك ندرس فئة (ج).
فئة (أ) و (ب) حينما يقال: تدفع ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، وتلتزم ببقاء المبلغ ثلاث سنوات، وتلتزم أيضاً بعدم السحب منه وتعطى فائدة كذا، ما حقيقة هذا العقد؟ أولاً: هو قرض، وثانياً: اشترط فيه وجود المنفعة والزيادة، وهذا بإجماع العلماء ربا محرم؛ وهو مخالف لقوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279]، فإذا أعطاه بزيادة -سواءً حدد المدة أو لم يحدد المدة مادام أنه يقول: آخذ منك هذا الدين وأرده بزيادة كذا وكذا سواء قلت الزيادة أو كثرت- فإنه الربا الذي حرم الله ولو ريالاً واحداً، فإن اشتراط هذه الزيادة قليلة كانت أو كثيرة هو عين الربا.
الأمر في (أ) و (ب) واضح جداً ولا إشكال فيه، لكن الإشكال في فئة (ج)، فما هي الشبهة وكيف جوابها؟ قالوا: أولاً: في فئة (ج) المصرف أو البنك لم يلتزم أن يعطيك فائدتك إنما هو قال: تدخل في القرعة، فيحتمل أن تربح ويحتمل ألا تربح، فإذاً: حينما دخل العميل في الاستثمار لم يشترط على المصرف أن يربح ولم يشترط المصرف له أن يعطيه الزيادة، فإذاً: خلا عن قرض شرط فيه النفع, وأصبحت الزيادة بدون اشتراط، فهي جائزة، وغاية ما فيه أن المصرف تفضل بإعطاء هذه الزيادة وهذا الربح من باب المكافأة، والمكافأة على الدين جائزة، هذا بالنسبة للشبهة التي تثار في فئة (ج)، أنه لم يلتزم بإعطاء الفائدة وإنما وقع ذلك على سبيل الاحتمال، وإنما تحرم الزيادة إذا كانت على البت، كما لو أقرض الشخص شخصاً يحتمل أن فيه مكافأة ويحتمل أن لا يعطيه مكافأة، فتردد بين الزيادة وعدمها، قالوا: فيجوز.
والجواب عن هذه الشبهة: أن يقال من وجوه: الوجه الأول: أن دخول العميل في هذا النوع من شهادات الاستثمار إنما قصد منه الربح والنماء، لم يدخل أحد في هذا الاستثمار لمجرد أن يحفظ ماله إنما دخل من أجل أن يربح، والمقاصد معتبرة في العقود، وعلى هذا كأنه يدين من أجل أن يربح.
الوجه الثاني: أن هذا الربح لو كان مكافأة فإنه مبني على أصل محرم، والمكافأة من المحرم فرع راجع إلى أصله، وما بني على حرام فهو حرام، وبناءً على ذلك: لو سُلم جدلاً أنه مكافأة، فإننا نقول: إنه يعتبر من مال محرم، والمكافأة من المحرم محرمة؛ لأنها مأخوذة من فوائد من الإيداع ومكافأ بها العميل، وعلى هذا فلا يمكن التسليم بأنها من المكافأة؛ لأن العميل دخل وقد علم المكافأة، وحددت له، وبينت له، ووضع المال قاصدها، وشرط المكافآت أن لا يكون هناك علم أو تواطؤ أو إخبار، فلو قال له: ادفع لي عشرة آلاف يمكن أن أعطيك عليها ربحاً أو لا أعطيك لحرمت بالإجماع، قال له: إذاً: أشترط عليك أنه إذا يسر الله تعطيني وإذا لم ييسر فلا تعطيني، فهنا يقول: أشترط عليك إن ظهر اسمي أعطيتني، وإن لم يظهر اسمي فلا تعطيني، فلا يوجد فرق بين الحالتين.
فإذاً: التذرع بأن خير الناس أحسنهم قضاءً، هذا ليس بوارد، إنما يكون ذلك لو خلا عن المقصد، وجاء بدون قصد ولا عدة، وهنا جاء بقصد؛ لأنه دخل وهو يريد، وجاء بعدة محتملة، أي: إن ظهر اسمك كان لك وإن لم يظهر فلا، فالتذرع بمثل هذا لا يصح ولا يستقيم.
الآن عرفنا الشبهة وجوابها، وعندنا شبهة سبق وأن نبهنا عليها، وهي: أنه يتذرع في شهادات الاستثمار بأنها من باب القراض، ولو فرضنا أن وجائز، كأن يدفع رب المال إلى العامل ماله على أن يتجر به والربح بينهما على ما شرطاه، القراض يكون عندك مائة ألف وأنت طالب علم لست بمهيأ للمرابحة بهذه المائة ألف أو المتاجرة فيها، وهي موجودة عندك كرصيد مجمد، فمن رحمة الله عز وجل وتيسيره أن أباح لك أن تعطيها رجلاً عنده خبرة، يضرب بها في الأرض ويتاجر فيستفيد بخبرته، وينمي هذا المال، فإن ظهر ربح كان بينكما على ما اشترطتما إما أن يقول: الربح بيني وبينك مناصفة، أي: إذا ربح خمسة آلاف فإن لك ألفين وخمسمائة وله ألفين وخمسمائة، فيذهب ويتاجر بالمائة ألف في السيارات، أو الأقمشة، أو الأغذية، أو الأدوية أو غيرها.
وبعد مضي المدة المتفق عليها تقول له: يا فلان! احسب لي المضاربة، فيذهب ويبيع الأشياء الموجودة بمائتي ألف، ثم يدفع أجرة الدكاكين وأجرة الأعباء وأجور العمال، فاستقر المبلغ على مائة وخمسين ألفاً؛ لأن الربح لا يكون إلا بعد رد الحقوق، فأنت دفعت مائة واتفقتما على أن الربح بينكما مناصفة وكان الربح خمسين ألفاً، فيأخذ خمسةً وعشرين ويرد لك مائة وخمسة وعشرين، هذه هي المضاربة الشرعية.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: من قال: إن القراض الذي هو المضاربة، ويسمى قراضاً ويسمى مضاربة، وسمي مضاربة؛ لأنه من الضرب في الأرض: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ} [المزمل:20] الذي هي التجارة، وسمي قراضاً؛ لأنه اقتطع من ماله قرضاً فسمي بهذا.
يقول: إن من قال: إنها ثابتة بالإجماع فقد وهم، إنما هي ثابتة بالسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضارب بمال خديجة، وجاء الإسلام والقراض موجود ومعروف، ورحلة الشتاء والصيف تدل على أنهم كانوا يسافرون في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن للتجارة، ثم ترد الأرباح وتقسم على حسب ما يتفقون عليه، فأجازت الشريعة هذا النوع من العقود.
يقولون: إن الفوائد والأرباح تعتبر قراضاً، وأعجب فما تنفك من عجائب! حينما يأتي من يقول: إن عقد القراض ليس فيه نص من الكتاب والسنة بشروط معينة، وإذا كان ليس فيه نص معين لا من الكتاب ولا من السنة وليس فيه إجماع على شروط معينة، فإنه يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فيصبح قراض الأمس له حالة، وقراض اليوم له حالة، هذا هو الفقه الجديد الذي -نسأل الله السلامة والعافية- زين لصاحبه حتى يحل ما حرم الله، فيضل ويضل ومن ثم يهلك ويُهلك غيره.
والقراض في الأصل يقوم على أركان وهي: رب المال، والعامل الذي يضرب بالمال ويتاجر، وهو الطرف الثاني، والمحل الذي هو المتاجرة، والصيغة التي هي الإيجاب والقبول، كأن يقول له: قارضتك على أن يكون الربح بيننا.
يقولون: إذا جاء العميل للمصرف ودفع مائة ألف فإنن
(172/7)
________________________________________
حكم اشتراط المنافع على القرض
يقول المصنف رحمه الله: [ويحرم كل شرط] أي: في الدين إذا اشترط المنفعة فلا يجوز؛ لأن اشتراط المنافع تارة يكون من المكر، كأن يقول: العشرة آلاف تردها لي عشرة آلاف وخمسمائة، وبعض الأحيان يكون اشتراط المنفعة بالمعنى سواءً كانت منفعة اعتبارية أو منفعة من غير النقد، كأن يقول له: أعطيك عشرة آلاف على أن تعمل عندي يوماً، أو توصل هذا لفلان، أو تفعل كذا وكذا، فصار قرضاً جر نفعاً، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن كل قرض جر نفعاً من حيث الجملة إذا وقع على سبيل الشرط والمشارطة أنه لا يجوز، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر، ونقله الإمام ابن قدامة رحم الله الجميع برحمته الواسعة، فمن حيث الأصل لا يجوز القرض الذي يجر نفعاً، ولكن إذا ثبت هذا فهو يحتاج إلى شيء من التفصيل وفي عصرنا الحاضر عندنا مسألتان نحتاج إلى ذكرهما: المسألة الأولى: قديمة وموجودة في زماننا.
والمسألة الثانية: موجودة أو طرأت وكثر الكلام فيها الآن.
(172/8)
________________________________________
مسألة السفتجة
أما المسألة الأولى: فهي السفتجة وهي تنبني على الحوالات.
المسألة الثانية: فهي جمعيات المال.
أما السفتجة ففي القديم كانوا يخافون الخروج بالأموال في السفر، فيأخذ الرجل مائة دينار في مكة ويعطيه ورقة لوكيل له في المدينة، أنه إذا جاءك فلان فأعطه مائة دينار، وإذا جئنا إلى صورة المسألة نجد أنه دفع مائة دينار وأخذ مائة دينار، لكن الشخص الذي هو رب المال دفع المال في مكة بشرط أن يأخذه في المدينة، فاشترط أخذه في المدينة حتى يحيله إلى وكيله، وهذا الشرط في الحقيقة قصد منه منفعة الأمن من خطر حمل المال معه، ومن هنا اختلف السلف رحمهم الله في هذا النوع، وكان موجوداً في زمان الصحابة رضوان الله عليهم، فمنهم من رخص، ومنهم من منع.
فإذا دفعت لأحد مالاً على أن تأخذه في مكان آخر، فلا يخلو المال من حالتين: السفتجات، وهي فارسية معربة، ويبحثها الفقهاء تحت هذا المسمى السفتجة، والسفتجة من حيث الأصل لها صورتان: الصورة الأولى: أن يكون المال المديون يحتاج إلى مئونة حمل إلى المدينة، فمثلاًً: يأخذ المدين من صاحب المال مائة صاع في مكة ويقول له صاحب المال: بشرط أن تحيلني على وكيلك في المدينة وأستلمها منه، فإن كان نقل مائة صاع من المدينة إلى مكة يكلف ديناراً أو عشرة دنانير فصار كأنه أقرضه مائة صاع معها عشرة دنانير، فصار قرضاً جر نفعاً، وهنا نقول: لابد من دراسة؛ لأن المشكلة أن بعض العقود ترى في ظاهرها أن لا شيء فيها، لكن حينما تنظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فتجد أنه لابد من التأمل والنظر بعمق.
لذلك فلابد من دراسة المسألة حتى تفهم نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع وسلف، فالسلف يعطي نفس المال، لكن لما أدخل البيع معه ربما وجدت الزيادة في البيع؛ لأنه لا يبيع أحد شيئاً إلا وفيه ربح، ففهمنا من هنا أن الشرع لا يقتصر على كون هذا أخذ رأس مالٍ ما لم يحقق في اشتراطه عليه، فلما اشترط شرطاً فيه الزيادة والمصلحة له فهمنا أنه قرض جر نفعاً واختلف فيه الصحابة رحمهم الله.
أما لو كان المال المدفوع طعاماً يحتاج إلى نقل ومئونة، فجماهير العلماء سلفاً وخلفاً على تحريمه؛ لأنه استفاد النقل، وسلم مئونة النقل، والمال صحيح أنه ما نقل لكنه اشترط شرطاً على وكيله هناك ولم يقل له: أدها لي هنا، فدل على أنه قصد الهروب من مئونة الحمل، ودلالة الحال قد تدل على المقاصد في المآل.
ثانياً: أن يكون المال ليس فيه مئونة، فمثلاً: يعطيه مائة دينار في مكة، ويقول له: هذه المائة دينار أحلني على وكيلك في المدينة يعطيني المائة دينار وهذه المائة دينار، ليس في حملها مئونة، فلا تحتاج إلى أكياس وإجارة، بل يضعها الإنسان في جيبه، أو في خرجه.
إلخ، فلو كانت أكثر، مثلاً: عشرة آلاف دينار من الذهب -كما في القديم-، فتحتاج إلى صرر ويستأجر لحملها وكرائها، فهذا يدل على أنه يريد أن يخرج من مئونة الحمل ومئونة الخطر في الطريق؛ لأنه ربما ركب بحراً فغرق، وربما أخذت منه في الطريق، فالمقصود أنه يريد أن يتهرب من هذا كله، فيشترط أن يأخذها على وكيله حوالة، فصارت حوالة بمنفعة.
فإن كانت لا مئونة فيها فقد شدد فيها بعض السلف ورخص فيها البعض الآخر، وممن رخص فيها علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع، فقد كان ابن الزبير كما روى عطاء يأخذ المال من الرجل في مكة ويكتب لأخيه مصعب في البصرة أن يقضيه، وهذا على سبيل الترخص؛ لأنه نفس عين المال وما فيه مئونة، وبناءً على ذلك رخص فيها هؤلاء الصحابة، وكذلك قال بهذا القول جمع من التابعين رحمهم الله، وهو رواية عن الإمام أحمد.
ومنعها بعض السلف على خلاف بينهم، فمنهم من يفهم من كلامه التحريم، ومنهم من يفهم من كلامه الكراهية، وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية وطائفة من الحنفية رحم الله الجميع، فيقولون بالمنع، إما على سبيل التحريم، وإما على سبيل الكراهة، وروي الجواز مع الكراهة عن مالك من وجه يثبت عنه.
وبناءً على ذلك يرد السؤال الآن في الحوالة في الأصل بنفس العملة وبغير العملة، كأن تريد مثلاً تحويل عشرة آلاف ريال من مكة إلى المدينة، فالعملة واحدة، وتريد تحويل عشرة آلاف ريال إلى دولارات في غير مكة خارج البلاد مثلاً.
والحوالة في الأصل هل هي حوالة أم قرض؟ هذا يحتاج إلى نظر، الحوالات الموجودة الآن هي قرض، وهي آخذة حكم السفتجات؛ لأنك تأتي إلى المصرف وتعطيه عشرة آلاف، وحين يأخذ المبلغ فإنه لا يحيلك بنفس المبلغ، وإنما حقيقته أنه أخذ هذا القرض في ذمته وأحال إلى وكيله أن يعطيك إياه، وأنت لا تحيل إلا لمصلحة، فكأنك أقرضته لمصلحتك، وهذا وجه دخولها في السفتجات؛ لأنه يريد توصيلها وفي توصيلها مئونة، فإن جاء يسافر هو بنفسه فمئونة السفر مكلفة، وإذا استأجر الغير فإنه يدفع قيمة استئجار الغير، فهي داخلة في حكم السفتجة.
فعلى قول من قال من الصحابة بالترخيص في السفتجات، وهذا مع اتحاد العملة فلا إشكال في الجواز، يكون في حكم السفتجة جائزة على قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، والنفس تطمئن إلى هذا القول، خاصة كما قال الإمام مالك: إن الناس يحتاجون إلى ذلك، فخفف فيه لوجود المصلحة، وصار فيه نوع من الإرفاق وهو متفق مع مقصود الدين.
ويبقى النظر في الحوالة مع اختلاف العملة، إذا دفعت عشرة آلاف فإنها في الأصل تكون ريالات وتريد تحويلها إلى البلد الثاني بعملته، فهنا عقدان: العقد الأول: الصرف، وهو كونك تبدل العشرة آلاف من ريالات إلى دولارات، والعقد الثاني: عقد الحوالة، فيجب أولاً: أن تصرف وتبدل العملة إلى عملة أخرى، وتقبض يداً بيد، فإذا حصل الصرف بصفته الشرعية المعتبرة، ودخلت النقود في شيك أو حوالة وأحيلت فلا إشكال في جوازها على قول من ذكرنا من السلف رحمهم الله، لكن لو أعطاه عشرة آلاف ريال، وقال: حولها إلى فلان دولارات، فحينئذٍ وقعت النسيئة والتأخير في الصرف، ولا خلاف في أن وجود التأخير يوجب التحريم، إذاً: المخرج والمباح أن يصرف أولاً وبعد القبض يحيل ما شاء من المال.
(172/9)
________________________________________
مسألة الدين في الجمعيات
أما مسألة الدين في الجمعيات، فإن الجمعية -إذا جئت تنظر إليها- في الواقع هي قرض جر نفعاً، فلو دخلنا الجمعية بخمسة آلاف ريال، فكل شخص يدفع الخمسة آلاف على شرط أن يدينه الثاني أو يدين من يدينه، فأنت إذا دفعت الخمسة آلاف وكل شخص دفع خمسة آلاف، فمعناه أن محمداً الأول هو الذي سيأخذ مجموع المال، فكأنك دفعت الخمسة آلاف لمحمد من أجل أن يقضك ويقرض الباقين أيضاً، ودفعتها لأولئك الأربعة الباقين بنفس الشرط، فصار قرضاً جرَّ نفعاً، ولو علمت أنهم لا يعطونك لامتنعت، فإذاً: أنت لم تدفع المال إلا من أجل أن تستفيد من قوة المبلغ، والدين إنما يدفع من أجل الرفق بالمديون، وقد أجمع العلماء على أن الدين عقد رفق.
ومن هنا حرم أن يستفيد المدين، فأنت إذا دفعت الخمسة آلاف مع زيد وعمرو وخالد لمحمد، كأنك تقول: يا محمد! خذ مني الخمسة آلاف الآن بشرط أن تعطي الشهر القادم خمسة آلاف لزيد، والذي بعده لعمرو، والذي بعده لبكر، فلو علمت أنه يمتنع لما دفعت ولما أعطيته، وهذا يقتضي المنع، فصار قرضاً جر نفعاً، وإن قلنا: إنه دفع خمسة آلاف وأخذ خمسة آلاف {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] يقولون: دفع ديناً وأخذ عين الدين، فإن وجدت من يجيز ويفتي بالجواز فإنه يرى أنه دفع خمسة آلاف وأخذ الخمسين ألفاً ورد لكلٍ دينه بدون زيادة، وإن وجدت من يحرم وجدته يرى شبهة زائدة على الارتفاق وهي كونه يدين بشرط، وهذا سلف وشرط، فصار قرضاً بشرط فيه منفعة، إما له حقيقة أو تبعاً، فحقيقة من جهة أنه سيستفيد الخمسين ألفاً، وتبعاً كأنه يقول: يا محمد! أقرض من أقرضني، وأعط لمن أعطاني كما أنني أعطيتك.
وعلى هذا أقول: إنها من جنس المشتبه، فلا أقوى على الجزم بالتحريم؛ لأن فيها شبهة من الحلال، وفيها شبهة من الحرام، فإذا جئنا ننظر إلى وجود الشرط فهذا شبه من الحرام، وإذا جئنا لمضمون الشرط مع أنه لا يأخذ إلا رأس ماله لقلنا بالجواز، فأنا أقوال: إنه من المشتبه، وأنا ما أفتيت بحلها يوماً ولا بحرمتها، ولكن أرى أنها -أي: الجمعيات- من المشتبه الذي لا يفتى بحله ولا يفتى بحرمته، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
(172/10)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب القرض [3]
الغاية من القرض هي الإرفاق بالمقترض والتيسير عليه، وهو من قبيل الدين والله سبحانه وتعالى عدل بين صاحب الدين والمدين فألزم كلاً منهما بإلزامات تمنع الضرر عن الآخر، ومن ذلك أنه أوجب على المديون أن يرد الدين لصاحبه دون أن يزيد عليه إلزاماً، لكن أن يزيد تكرماً فلا بأس، كما يحرم على الدائن أن يشترط زيادة على دينه عند السداد.
(173/1)
________________________________________
مسائل في القرض
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويحرم كل شرط جر نفعاً] تقدم الكلام على هذه الجملة، وبينا أنه متى اشترط صاحب الدين على المدين شرطاً يتضمن منفعة له فهذا ذريعة إلى الربا، وهو: - إما أن يكون رباً محضاً، كقوله: أشترط عليك أن ترد العشرة خمسة عشر؛ فإنه شرط تمحض بالزيادة المحرمة وهي الربا.
- وإما أن يشترط عليه شرطاً فيه منفعة تكون حينئذٍ الحرمة من جهة وجود الزيادة.
والأصل في ذلك أن الله سبحانه وتعالى عدل بين صاحب الدين والمدين، وأن الواجب على المديون أن يرد الدين والحق لصاحبه دون أن يزيد عليه إلزاماً، لكن أن يزيد تكرماً فلا بأس، وكذلك لا يجوز له أن ينتقص من حقه.
إذاً: فقوله: [ويحرم] أي: يأثم بهذا الفعل إذا اشترط الزيادة، ولا يجوز دفع هذه الزيادة، فلو ترافعا إلى القاضي فإن القاضي لا يحكم على المديون أن يدفع هذه الزيادة، فلو قال: أشترط عليك أن ترد العشرة خمسة عشر، فإن القاضي يحكم عليه بأن يرد العشرة فقط.
(173/2)
________________________________________
مكافأة صاحب الدين بدون شرط
وقوله: [وإن بدأ به] إذا بدأ المديون بمكافأة صاحب الدين بدون شرط ولا مواطأة جاز له ذلك، والدليل على هذا حديث أبي رافع رضي الله عنه في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فقال: لا أجد إلا خياراً، قال: أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً) ومعنى هذا: أن المنفعة والزيادة جائزة إذا لم تكن بمواطأة أو بشرط.
والمنفعة كرجل استدان منك عشرة آلاف، فجاء وأعطاك العشرة آلاف، وقال لك: إنك أحسنت إليّ، وإني قد وهبتك داري شهراً، فهذه منفعة، وهذا القرض جر نفعاً لكنه ليس على وجه محرم؛ لأنه جاء على سبيل الإكرام بعد انتهاء الدين وقضائه، وقوله: [وإن بدأ به] أي: المديون، ومعناه أنه لم يكن النفع مشترطاً من سابق، فيبدأ به المديون لكن بعد القضاء والوفاء، فابتدأ من عند نفسه دون أن يلزمه صاحب الدين أو يكون هناك شرط بينهما، وإن بدأ به على هذا الوجه فإنه جائز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) فمن السماحة في القضاء أن يزيد ويستفضل، سواءً كانت الزيادة بالأعيان أو بالمنافع، فيرد له عيناً أفضل من عينه، أو يرد له حقه من المال ويزيده منفعة أو مالاً، هذا كله دلت السنة على جوازه، ولكن بشرطين: الشرط الأول: أن يكون بعد تمام الوفاء، فلا يكون قبل الوفاء، فإن كان قبل الوفاء ففيه كلام.
الشرط الثاني: أن يكون دون شرط أو مواطأة، بل تعطى الزيادة بطيبة نفس ورضا خاطر، فهذه جائزة ولا بأس بها.
وقوله: [بلا شرط] أي: من محض اختياره ومن عند نفسه، لكن فصل بعض العلماء في الشخص الذي تكون من عادته الزيادة، مثل: الكرماء وأهل السخاء والجود، فإن أمثال هؤلاء الغالب أنهم إذا استدانوا أن يكافئوا من استدانوا منه؛ لأن الله جبلهم على الكرم، والكرم نعمة من الله عز وجل، والكريم يشعر أنه لا يملك مالاً، وفي هذه الحالة تجده يعطي الضعيف والمحتاج ومن يسأل، فكيف إذا كان الذي أمامه قد أحسن إليه، فإن الكريم لا يرضى أن يعطي نفس الذي أعطيته، وغالباً ما يرد بأفضل؛ لأن الله جبله على ذلك، فالكرم من مظنته الزيادة، فيرد

السؤال
إذا أعطى الدين لكريم فإنه سيشعر أنه سيكافئه.
إذاً: فهل هذا المعروف من الكريم ينزل منزلة الشرط؟

الجواب
فيه تفصيل، إن كان الذي أعطاه الدين في نيته ورغبته وقرارة نفسه يقصد أنه إن أعطاه سيكافئه وأحب أن يعطيه حتى يكافئه فحينئذٍ تكون الشبهة، فمن العلماء من حرم ومنهم من كره، وعلى هذا تنزل القاعدة: المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً وشرطاً، فحينما علم أنه كريم وجواد وأنه سيرد الشيء بأفضل فكأنه أعطاه على أن يزاد في عطائه.
وقال بعض العلماء: بالكراهة، كما أشار إليه الإمام النووي رحمه الله في الروضة، واختاره بعض أهل العلم، ووجه الكراهة أنه تردد بين الحرام وبين الحلال، فإنه إذا أعطاه الدين على أن يرده بنفسه اقتضى ذلك الحل، وإن أعطاه الدين بشرط الزيادة اقتضى التحريم، فإن سكت وعُلم ذلك من طبيعة الشخص ورغبة من أعطى كان متردداً بين الحلال والحرام، وهذا ضابط عند بعض علماء الأصول أنهم يجعلون المكروه ما تردد بين الحرام والحلال، فيصفون بعض المعاملات وبعض الأفعال بكونها مكروهة؛ لأنها في مرتبة بين الحلال والحرام، فيها شبه من الحل يقتضي جوازها وشبه من الحرام يقتضي منعها.
فإن نظرنا إلى أنه ليس هناك شرط ولا مواطأة ولا وعد قلنا: بالحلال، وإن نظرنا إلى الداخل والنية والقصد قلنا: إنه حرام، ومن هنا يقولون: يصير مكروهاً، مثل ما ذكروا في الثوب، إن كان فوق الكعبين فهو حلال بالنسبة للرجل، وإن كان أسفل من الكعبين فإنه حرام، وإن كان على الكعبين فهو مكروه، لأنه ليس بالحرام المحض؛ لأنه لم يرد نص بتحريمه، إنما ورد النص بما أسفل الكعبين، ومفهوم (أسفل) أنه يشترط في الحكم بكونه حراماً أن يكون أسفل.
فالشاهد أننا عندما قلنا: يشترط أن يكون حراماً إذا اشترط، فإذا لم يشترط اقتضى هذا الحل، وإذا جرت العادة نزلت منزلة الشرط، فإذا قصد هذا المعتاد منه قالوا: يكون مكروهاً.
(173/3)
________________________________________
حكم رد القرض بأفضل منه
وقوله: [أو أعطاه أجود] كأن يستدين منه نوعاً من الإبل فقضاه بنوع أجود منه، أو استدان منه نوعاً من الطعام فقضاه أجود منه، أو استدان منه نوعاً من الثياب والألبسة والأكسية فرد أفضل وأجود منه.
إذا أخذ الجيد ورد بأجود، أو أخذ الحسن ورد بأحسن، أو أخذ الفاضل فرد بالأفضل، فإنه يجوز إذا لم يكن بشرط ولم يكن بعدة ولا بمواطأة، أما الدليل على جواز ذلك، فإن السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرحت بفضيلة القضاء بالأحسن، فقال صلى الله عليه وسلم: (أعطه -أي: سددوا دينه واقضوا دينه- فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) وكونه أحسن: يدل على أنه يكون أفضل، إما في الجودة والرداءة وفي الصفات الموجودة في المذروع وفي المعدود.
وإما أن تكون الجودة والأحسن في القدر، وذلك كأن يستلف منه خمسة ريالات فيرد ستة ريالات أو يستلف منه مائة ريال فيردها مائة وعشرة بدون شرط وبدون عدة.
(173/4)
________________________________________
الهدية بعد وفاء الدين
وقوله: [أو هدية بعد الوفاء جاز] أي: أو أهدى إليه هدية بعد وفاء الدين جاز، كأن يستدين منك مائة ألف ريال، ثم جاءك وأعطاك المائة ألف بعد حلول الأجل وأعطاك معها ساعة أو كتاباً أو قلماً؛ لأنه يرى أن لك معروفاً عليه، وأحب أن يكافئك على المعروف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه) قالوا: هذه الهدية لما جاءت بدون شرط وجاءت بعد تمام الوفاء ولم يكن ذلك جارٍ على عرفٍ يقتضي الاشتباه جاز بدون حرمة ولا كراهة.
وقد اختلف العلماء في مسألة المكافأة على الدين والرد بأفضل، وبعض العلماء يقول: إنه يجوز أن ترد بالأفضل في الصفات ولا ترد في العدد، فمثلاً: لو أخذ مائة ريال لا يجوز أن يردها مائة وعشرة، وهذا هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، يرى أن تكافئ في الصفات لكن لا تكافئ في العدد؛ لأن المكافئة في العدد صورة الربا، فإذا أخذ مائة ريال وردها مائة وواحداً أو مائة واثنين أو مائة وعشرة فهو ربا، فهو على صورة: أن يأخذ الواحد ويرده اثنين أو ثلاثاً، واستدل بقوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279]، فهذه المسألة فيها خلاف، وإن كان بعض الحنفية يميل مع المالكية في بعض التفصيلات، لكن المشهور الخلاف بين المالكية، وعن الإمام أحمد أيضاً رواية في رد المكافأة مطلقاً لكن الصحيح ما ذكرناه.
وعندنا دليلان: الدليل الأول: في سداد الديون: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] وهذا الأصل يقتضي أن سداد الدين يكون مماثلاً، إن كان عين الدين فلا إشكال، وإذا لم يكن عيناً كان مماثلاً في العدد والصفة؛ لأنه رأس المال، وإن لم يكن رأس المال حقيقة يكون حكماً، وظاهر هذه الآية الكريمة يمكن أن تجزم بأنه لا يجوز لأحد أن يدفع مكافأة على الدين؛ لأن الأصل يقتضي أنه كما أخذ العشرة أن يرد العشرة، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما استسلف البكر وهو نوع من الإبل، وجاء عند القضاء، فقال: (يا رسول الله! لا أجد إلا خياراً رباعياً، قال: أعطه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) فمن أهل العلم من قال: إن هذا الحديث ورد في الصفة، فإن الخيار الرباعي أفضل من البكر، فيجيز في المعدودات بأوصافها والمذروعات بأوصافها ويمنع في الربويات من الذهب والفضة والأطعمة، فلا يجوز أن تعطي الصاعين مقابل صاع، ولا يجوز أن تعطي الدرهمين مقابل درهم.
لأنه يرى أن حديث أبي رافع في المعدودات والزيادة عنده جاءت في الصفة، فلا يجوز أن نتوسع ونجيز القضاء في المعدودات الربوية، في المكيل كيلاً بزيادة الكيل، وفي الموزون وزناً بزيادة الوزن، فعلى هذا القول لا يجوز لك إذا استدنت كيلو من الذهب أن ترده كيلو ونصفاً، أو ترده كيلو وربعاً مثلاً، أي بزيادة ربع عليه؛ لأنه يرى أن الأصل التحريم، والحديث جاء في المعدودات وهي الإبل وما في حكمها، فعلى هذا القول فإن الحكم يختص بالجواز بصورة هذا الحديث، والجمهور قالوا: يجوز أن يزيد سواءً كان في الذهب والفضة التي هي الأثمان أو في المطعومات، سواء المكيلات أو الموزونات، ويجوز أن يزيد في المعدودات صفة وعدداً، وعلى الوجه الأول عندهم أنك لو أخذت بعيراً فلا يجوز أن تقضي بعيرين؛ لأن الحكم عندهم يختص بالصفة، والزيادة بالصفة مع وجود الاتحاد في العدد، فلا يجيزون أن تقضي البعير بالبعيرين، ولا يجيزون أن تقضي الشاة بالشاتين وبالثلاث؛ لأنهم يرون أن الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختص بالصفة، فقال (يا رسول الله! إني لا أجد إلا خياراً رباعياً)، فمن هنا يقولون: لا يجوز أن تدفع بزيادة عدد لقاء عدد أقل، هذا بالنسبة للقول الأول الذي ذكرناه.
وأما الجمهور لما أجازوا هذا قالوا: الحديث ورد فيما ذكرتموه، لكن في الحديث عبارة، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: (أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) فجعل الأمر بالزيادة في الصفة والجودة مركب من قوله: (فإن خير الناس أحسنهم قضاءً)، فالتعليل يفيد العموم، فلما كان منشأ الحكم الإحسان في القضاء، وأكد هذا بقوله: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) فهمنا أن مقصود الشرع المكافأة على الدين، ما دام أنه بدون وعد ولا تواطؤ ولا شرط، وبناءً على هذا نخرج ما ذكره المصنف رحمه الله.
ويمكننا أن نقول: إنه يجوز أن يقضي الشيء بأحسن منه وأجود في الصفات، ويجوز أن يقضي الشيء بضعفه في العدد، فيقضي البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين، ويقضي أيضاً الثوب -بصفاته المنضبطة- بثوبين إذا كان قد اقترضه منه، والطاقة من القماش بالطاقتين إذا استدان مذروعاً، وقس على ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن خير الناس أحسنهم قضاءً).
أما إذا كان كريماً، ومن عادته أن يكافئ على الدين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكرم الخلق، ومع ذلك استدان واستدان منه الناس وهم يعلمون كرمه وفضله عليه الصلاة والسلام وجوده وسخاءه، قال رجل: يا قوم! أسلموا فقد جئتكم من عند رجل لا يخشى الفقر، ما سُئل عن شيء إلا أعطاه، صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين، فالمقصود: أنه ولو كان كريماً سخياً يجوز أن تتعامل معه، لكن ينبغي أن لا تجعل في نيتك أن يكافئك بالأفضل، وإنما يكون ذلك على سبيل المسامحة والارتفاق.
(173/5)
________________________________________
حكم الهدية لصاحب القرض قبل سداد الدين
وقوله: [وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز].
عرفنا أنه يجوز أن تزيد عند القضاء بأفضل؛ لحديث أبي رافع بشرط أن تكون الزيادة بعد انتهاء الأجل وبعد الوفاء، حتى قال بعض العلماء: لو جئت تسدد الدين لا تقدم الهدية، بل سدد الدين أولاً وبعد أن يقبض دينه أعطه الهدية، ولا تجعل العطاء للهدية سابقاً لوفاء الدين، إنما تعطيه بعد تمام الوفاء، فحينئذٍ يرد

السؤال
لو اقرضت شخصاً فجاء وأعطاك شيئاً قبل السداد فهل يجوز لك أن تأخذ من المديون شيئاً، سواءً كان من الأثمان أو الأطعمة أو الأكسية أو المنافع.
كرجل استدان منك عشرة آلاف ريال، وكان الدين إلى نهاية السنة، وجاءك في رمضان، وقال: يا فلان! هذه خمسة آلاف ريال مني لك أو هذه ألف ريال، أو هذه مائة ريال، فأعطاك هدية من غير جنس الدين، كأن يكون استدان منك عشرة آلاف ريال ففوجئت به قبل تمام الأجل وقد جاءك بشيء من غير الأثمان كطعام أو كساء أو ساعة أو قلم أو كتاب، وقال: يا فلان! إني أحبك في الله وهذه هدية مني لك، لكن بينك وبينه دين ولم يسدد الدين بعد.
فحينئذٍ إذا أعطاك شيئاً قبل الدين فإنك تتقيه، وعلى هذا وردت نصوص الصحابة والنقول عنهم متظافرة، وقد جاء عند ابن ماجة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قبول هذه الهدية، لكن هذا الحديث متكلم في سنده، وذكر بعض العلماء أن له شواهد من حيث المضمون العام للمتن، وأما عن الصحابة فلا إشكال، فإن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري لما جاء إلى عبد الله بن سلام الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، قال له: إنك بأرض أرى الربا فيها فاشياً، فإذا استدان منك رجل ديناً فأعطاك هدية أو حملاً أو فإياك أن تقبله.
فمنعه من قبول الهدية قبل تمام الدين، وأُثر هذا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـ ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، فإن ابن عباس سئل عن رجل استدان من آخر عشرين درهماً، ثم صار المديون يهدي للدائن السمك، فأهداه في المرة الأولى سمكاً، ثم مرة ثانية أهداه سمكاً، ثم المرة الثالثة أهداه سمكاً، حتى وصلت قيمة السمك ثلاثة عشر درهماً، فأخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن الرجل استدان منه عشرين درهماً، وأهداه هدية تبلغ ثلاثة عشر درهماً فقال: خذ منه سبعة دراهم.
فاحتسب جميع ما أهداه إليه، وعدّ ذلك محرماً عليه إلا أن تعطى قيمته.
والسبب في هذا واضح، فكأنه قبل وفاء الدين تارة تتخذ الهدايا لإطالة الأجل، فإذا جاء السداد تنكسر عين صاحب الدين بالهدايا، ولا يستطيع أن يطالب المديون، ويؤخره ويؤجله، وكذلك أيضاً فيها ذريعة إلى الربا أن يمحض له الأجل من نفس المبلغ، ومن هنا تظافرت النقول عن الصحابة رضوان الله عليهم كـ عبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما، ومن أئمة التابعين كـ سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي رحمة الله على الجميع، كلهم منعوا قبول الهدية قبل الوفاء.
وقد ضيق السلف في هذا حتى إن بعضهم كان يتورع عما هو أخف من هذا بكثير، فإن الإمام أبا حنيفة رحمه الله استدان منه رجل ديناً، ثم جاء الإمام أبو حنيفة يطالبه بالدين، فوقف على بابه في شدة الظهر في الهاجرة، وكان مع الإمام أبي حنيفة أصحابه، فكان الرجل في داخل الدار وقُرع عليه الباب، فوقف الإمام أبو حنيفة في الشمس وجاء أصحابه إلى مظلة الباب (الروزنة)، ودخلوا تحتها، وقالوا: هلم يا إمام إلى الظل، قال: لا والله، أخشى أن يكون فضل منه عليَّ، فلم يرض أن يأتي إلى ظل داره قبل وفاء دينه.
والفقه في بعض الأحيان يضيق على الإنسان، لكنه يثاب على هذا، إذا تورع بمثل هذا الورع الذي كان عليه سلف الأمة، واحتاط إلى هذه الدرجة، بأن يدع ما لا بأس به خشية من الوقوع فيما فيه بأس، وهذا الورع أكمل ما يكون من الورع، شريطة أن لا يفضي ذلك إلى الوسوسة وتحريم ما أحل الله عز وجل من الطيبات.
فالشاهد أنه خشي أن يكون مرتفقاً بهذا الظل، وبناءً عليه لا تقبل الهدية من الشخص الذي لك عليه دين قبل سداد الدين إلا في حالات: الحالة الأولى: أن تحتسب الهدية من الدين، فلو كان رجل عنده لك عشرة آلاف ريال، فأهداك ساعة بخمسمائة، فاقبلها على أن الذي بقي لك عليه تسعة آلاف وخمسمائة، ولو أهداك هدية بألف، فاقبلها على أن الدين تسعة آلاف، فإذا كنت تقبل الهدية على أنها من الدين فلا بأس به.
الحالة الثانية: أن يكون الرجل الذي أهداك الهدية من عادته أن يهديك، أو يكرمك، كرجل استدان منك ديناً ومن عادته أنه يهدي لك هدية في كل رمضان، فاستدان منك الدين إلى نهاية السنة فجاءك بالهدية في رمضان وأعطاكها، فإنها خارجة كلية عن الدين، والأورع والأفضل أن لا تقبلها في ذلك العام، لكن التهمة هنا منتفية، ولذلك أجازوا للقاضي أن يستضيفه من كان من عادته أن يستضيفه قبل القضاء، فإذا دعاه إلى وليمة خاصة أجابه؛ لأننا نعلم أن بينهما وداً قديماً، وأنه لم يستضفه مبتلىً بهذه الأمانة وهذه الحقوق.
فالمقصود أنه إذا كان من عادته أن يهديك وأهداك على عادته صحت هديته، لكن إن كان من عادته أن يهديك وزاد في هديته في ذلك العام حرمت الزيادة؛ لأنها خرجت عن المألوف والمعروف، ومن هنا لو استدان رجل منك ديناً ودعاك إلى وليمة، فإما أن يكون الطعام عاماً، كأن يكون زاوج ابنه أو ابنته فإن هذه الدعوة لا يخصك بها، وإنما أنت والناس فيها على حد سواء، ويبعد أن تكون مكافأة عن الدين؛ لأن هذا أمر عام يقصد منه إشهار النكاح ولا علاقة له بالدين، ومن هنا أجازوا للقاضي أن يجيب الولائم العامة.
لكن قال بعض العلماء: يجوز أن تتخلف عنها تورعاً، إذا خشيت أن يكسر عينك بالزيادة في الإكرام في الحفلات العامة والولائم العامة، فيحابيك محاباة خاصة، ويميزك بها، فإنها في الظاهر دعوة عامة لكن فيها شيء تتورع عنه إذا علمت ذلك، وهذا أصل عام يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والأعراف والأزمنة، وعلى المؤمن أن يتقي الله، ويتورع عن مثل هذه الدعوات، وهذا هو الذي فيه طمأنينة القلب، ففي مثل هذه المسائل يصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، فإنه في بعض الأحيان يكون الشيء في ظاهره حلالاً لكن تجد أموراً وقرائن تدل على وجود الشبهة، فمثل هذا تتقي فيه وتمتنع منه، صحيح أنه يدعوك دعوة عامة، إلا أنه يميزك على من هو أفضل منك، فتفهم من هذا أن القدر المباح والمشترك زدت على حقك فيه، كما لو أهداك هدية وكان من عادته أن يهديك وزاد في الهدية، فإن الزيادة تحرم، فالمقصود أنهم لما قالوا: من عادته أن يهديك، محل ذلك أن لا يكون فيه شبهة أو ذريعة إلى الحرام، كأن يزيد عن هديته، أو يفعل معك فعلاً يميزك به في وليمة عامة أو نحوها، ولو دعاك إلى دعوة خاصة لم يجز أن تجيبه؛ لأنها أشبه بالمكافأة على الدين قبل وفائه وأدائه.
وقوله: [لم يجز] أي: لم يجز لك أن تأخذ الهدية منه قبل وفائه للدين إلا أن تنوي مكافأته على الهدية، كرجل استدان منك عشرة آلاف وذلك إلى نهاية السنة، ثم جاءك بهدية (ساعة) لم يجز لك أن تقبلها، إلا أن تنوي مكافأته على الساعة، فتنوي في قلبك أنك ستقبل منه الساعة الآن على أن ترد عليه هدية مثل هديته أو أفضل من هديته، فتكون حينئذٍ قطعت الهدية بمثلها أو أفضل منها.
وقوله: [إلا أن ينوي مكافأته] وهذا ما يسمى بهبة الثواب، وهي الهبة بعوض، وهذا النوع محرم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعله الإنسان من أجل أن يكافئه الغير، وهو الذي عناه الله عز وجل بقوله: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر:6] (ولا تمنن) أي: تفعل الهدية وتعطي الهدية وما فيه منة، (تستكثر) أي: تستدعي الكثرة بطلبك لما هو أكثر، وهذا يفعله الضعفاء، فيأتون للأغنياء ويعطونهم هدية، ومن المعلوم أن الفقير إذا أهدى للغني فمعنى ذلك أن يكافئه، وعلى هذا قالوا: إنه إذا أهداه ونوى في قلبه أن يرد هديته وأن يكافئه عليها جاز له ذلك.
وقوله: [أو احتسابه من دينه] كرجل يأتي ويعطيك هدية، فتقدر هذه الهدية بقيمتها، وتنوي في قرارة قلبك أنه إذا جاء يسدد الدين فإنك تسقط الهدية من قيمة الدين، فيجوز لك أن تقبلها.
(173/6)
________________________________________
حكم اشتراط تسليم الدين في غير مكان القبض
وقوله: [وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وفيما لحمله مئونة قيمته] [وإن أقرضه أثماناً] كذهب وفضة، دنانير ودراهم، أو أقرضه ريالات وطالبه بها في غير البلد، كأن يستدين منك عشرة آلاف في مكة، فقلت له: أنا جالس في مكة في رمضان، ولكنني أطالبك بردها لي مثلاً في الرياض في ذي القعدة، أو في جدة أو المدينة لزمه ذلك، أي: لزم المدين أن يسدد الدين في الموضع الذي اتفقا عليه، فهذا من الشرط، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم).
وقد نص العلماء رحمهم الله على أنه إذا أعطاه الأثمان في بلد وطالبه بقضائها في بلد آخر، أنه لا بأس بذلك ولزمه أن يسددها في البلد الآخر، لكنهم فرقوا بين الأثمان وغير الأثمان، كالطعام والكساء وغيرها مما يحمل وفيه مئونة؛ لأنه إذا اشترط عليه أن يوفيه في بلد غير بلده استضر المديون، وصارت منفعة زائدة للدائن على المديون، فلا يجوز ولا يلزم بهذا.
أما الأثمان كالذهب والفضة، في القديم إذا قال لك: أعطيك مائة دينار في المدينة وتقضيها في مكة جاز ولزمه أن يسدد الدين في مكة؛ لأنه لم يكن في حمله مئونة، لكن في زماننا فيه مئونة، خاصة إذا كان من بلد إلى بلد تختلف العُمل فيه، فإن العُملة إذا كانت صعبة كأن يستدين مثلاً: دولارات، فيقول له وهو في مكة: هذه العشرة آلاف دولار أشترط أن تسددها لي في المشرق أو في المغرب، والدولارات في المشرق أو المغرب غالية وعزيزة الوجود، وحملها إلى هناك فيه مئونة ومشقة، فكأن الدائن صاحب الدين اشترط منفعة وصار أخذ الدين مع المنفعة الزائدة، وعليه قالوا: إنه لا يلزمه هذا الشرط، إذا كان على وجهٍ فيه ذريعة إلى الربا.
كذلك الذي في حمله مئونة، كما لو استدان منه طعام بر أو استدان منه طن حديد أو طن نحاس وهو في مكة، وقال له: السداد يكون في المدينة، وهذا الدين قد لا يوجد مثلاً في المدينة، كما في القديم، إذا كانت البلدان مختلفة والأطعمة والمنافع كانت المثمونات مختلفة في الأماكن، فيلزمه ببلد غير بلده، فيتحمل مشقة الحمل إليه، قالوا: عندها يُنتقل إلى القيمة، ولا يلزمه دفع العين ولا دفع المثل إذا كان المثل لا يتيسر في ذلك البلد وكان حمله إلى ذلك البلد فيه مئونة، فأنت إذا تأملت أن حمل هذا الشيء إلى جدة يكلفه خمسمائة، فصار كأنه استدان منه مائة صاع فقضاها مائة صاع وخمسمائة، وصار يستفضل على دينه، وصار شرطاً جر منفعة، والشروط التي تجر المنافع تعتبر محرمة.
لكن إذا اشترط عليه في المثمونات التي في حملها مئونة أن يسدده في بلد غير بلده وفي حمله إلى ذلك البلد مئونة، فحين نقول: ينتقل إلى القيمة، يرد

السؤال
إذا قال له: هذا الطن من الحديد تأخذه مني في مكة وتقضيه لي في المدينة، وقلنا: إنه يلزمه أن يدفع قيمته بدلاً عن مثله، فالطن الحديد مثلاً في المدينة قيمته أكثر من قيمته في مكة، فهل العبرة بمكة أو بالمدينة؟

الجواب
من حيث الأصل لا يلزم من استدان منك أن يعطيك ما في حمله مئونة في البلد الذي اشترطته، وإن ألزمته بذلك يُنتَقَل إلى القيمة؛ لأننا إذا ألزمناه بالعين صار الحمل مئونة، وإذا ألزمناه بالمثل سيتضرر بحمل المثل إلى بلد القضاء، وغالباً ما تقع هذه المسألة، إذا كان البلد الذي اشترط عليه القضاء فيه ليس فيه نفس الشيء، أما لو كان فيه نفس الشيء فلا إشكال، يأخذ هذا الشيء ثم يذهب إلى البلد ويقضيه نفس الشيء، لكن حين لا يكون في البلد نفس ذلك سواءً كان من طعام أو غيره، فقال له: اقضني في مكة وقد استدان منه في المدينة، أو اقضني في المدينة وقد استدان منه في مكة، فمعناه: أنه سيتحمل مئونة الحمل إلى مكة، فصار فضل زيادة مشترطة في الدين وهذا محرم، وفي هذه الحالة يعدل إلى القيمة، ويلزمك أن تدفع قيمة الدين.
إذاً: الأمر إما أن تكون قيمة الدين في مكة هي قيمته في المدينة فلا إشكال، فلو أن الطن الحديد الذي أخذه منك قيمته في مكة عشرة آلاف ريال، وقيمته في المدينة عشرة آلاف ريال، فيلزمه أن يدفع عشرة آلاف ريال ولا إشكال، أي: لم يقع ظُلِم على المدين، ولم يطالب بأن يعطيك عين السلعة؛ لأنها غير موجودة؛ لأنه استنفدها، ولا يلزمه أن يعطيك المثل؛ لأنه لو جاء يعطيك المثل في البلد المتفق عليه فإنه حينئذٍ يستضر بالحمل وصار قرضاً جر نفعاً، ولكن يلزمه أن يدفع لك القيمة، وإذا لزمه أن يدفع لك القيمة فحينئذٍ يرد السؤال هل العبرة ببلد القرض أم العبرة ببلد الوفاء؟ إن اتفقت القيمة لا يرد هذا السؤال، بمعنى: إن كانت قيمته في مكة هي قيمته في المدينة لا إشكال، لكن إن اختلفت القيمة فحينئذٍ هل العبرة ببلد الدين الذي أعطاه فيه الدين أم العبرة ببلد الوفاء؟ الجواب: العبرة ببلد الدين.
وقوله: [إن لم تكن ببلد القرض أنقص] إذا كان الدين في بلد القرض أنقص فحينئذٍ تلزمه القيمة، فقلنا: يدفعها ببلد القرض الذي هو مكة، فإن كانت أنقص في مكة بأن كانت قيمتها عشرة آلاف، وفي المدينة قيمة القرض عشرون ألفاً، فحينئذٍ يدفع بقيمة بلد القرض، وقول بعض العلماء: [إن لم تكن ببلد القرض أنقص] خطأ، والصواب: أكثر، إن لم تكن ببلد القرض أكثر، وفي هذه الحالة عكس المسألة وجعل البلاء على المقرض وأعتد ببلاء المقرض على حساب المقترض، والأول له وجهه والثاني له وجهه، وإن قيل: إن العبرة ببلد القرض لا إشكال في صحته واعتباره زائداً أو ناقصاً؛ لأن الحق ثبت في بلد القرض، وبعض العلماء يرى أن العبرة ببلد الوفاء، ويلزمه بقيمته في بلد الوفاء، سواءً كانت أكثر أو أنقص.
(173/7)
________________________________________
الأسئلة
(173/8)
________________________________________
حكم تأخير الدين

السؤال
ما حكم تأخير الدين؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالواجب على المسلم إذا استدان من أخيه المسلم ديناً ألا يؤخره، وأن يبادر بالسداد عند حلول الأجل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى)، ومن السماحة أن ترُد الدين في أجله، وأن لا تزيد على هذا الأجل فتماطل وتؤخر، فتأخير الدين عن وقته للقادر الذي يستطيع السداد محرم، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (مطل الغني ظلم يحل لومه وعرضه) قال العلماء: في هذا دليل على أن الرجل إذا استدان منك ديناً، وحل الأجل وهو قادر على السداد وامتنع أن يسدد، فهو آثم بهذا، ويحل لك أن تغتابه وتقول: فلان ظالم، فيجوز إذا اشتكاه أن يقول: فلان ظلمني، أو يذهب إلى أبيه أو قريبه أو من له عليه قوة، ويقول: اردع فلاناً وأمره أن يفي فإنه ظالم، فقوله: إنه ظالم، فيه أذية ولكنها تجوز لمكان الظلم، وفيه سوء، والله تعالى يقول: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} [النساء:148].
فتأخير الناس في حقوقهم والمطل في ذلك محرم، كما أجمع العلماء على ذلك، وقال بعض أهل العلم: من امتنع من سداد ديون الناس وهو قادر على السداد عند حلول آجالها محق الله البركة من ماله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) فتوعد من ظلم الناس في أموالهم وحقوقهم، ولا شك أن من الظلم أن يمتنع الإنسان من السداد.
الأمر الثاني: أن تأخير الدين والمماطلة به والتلوم فيه مع القدرة على السداد يضر الإنسان، فلربما كان صاحب الدين يحتاج إلى هذا المال لعلاج أو طعام أو مصالح يريد قضاءها فيعطله عن هذه المصالح ويؤذيه فيها، وهذا لا شك أنه ضرر عظيم.
الأمر الثالث: أن كل من استدان ديناً فإن نفسه تتعلق بذلك الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن مرهونة بدينه) ولذلك لا ينفك هذا الرهن إلا بسداد الدين، ومن هنا قال العلماء: من مات حلت ديونه، فالميت إذا مات وجب أن تسدد ديونه فوراً وتحل ديونه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في أول الإسلام كان لا يصلي على ميت عليه دين لم يترك وفاءً، فقد ورد في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل عليه ديناران لم يترك وفاءً، فقال: ما دينه؟ قالوا: ديناران، قال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة: يا رسول الله! هما عليَّ، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو قتادة: فلم يزل يلقاني في سكك المدينة ويقول لي: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد، فيقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد حتى لقيني ذات يوم، وقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته) وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين أخبرني به جبريل آنفاً)، فهذا أمر عظيم.
وقد اختلف العلماء في قوله: (نفس المؤمن مرهونة بدينة) قالوا: إنه ينحبس عن النعم حتى يسدد دينه، وهذا أمر عظيم، فالرهن أصله الحبس: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر:38] أي: مرهونة، فعلى هذا لا يجوز أن يؤخر ويماطل، ومن السنن العجيبة أن الشخص إذا يسر الله له القضاء فماطل وأخر فإن الله لا يوفقه للقضاء إلا فيما ندر، ولذلك قل أن تجد صاحب تجارة يأخذ الأموال من الناس ولا يبادر بسدادها إلا وجدته يدخل من دين إلى دين ومن دين إلى دين حتى تستنفد تجارته ويصبح رأس ماله في التجارة أقل بكثير من الدين، فعلى الإنسان أن يتقي مثل هذه الأمور، وإذا قدر على السداد أن يبادر بسداد أموال الناس ورد حقوقهم إليهم كاملة حتى يكون ذلك من باب الوفاء وأداء الحقوق إلى أهلها، والله تعالى أعلم.
(173/9)
________________________________________
حكم بيع التمر وهو في رءوس النخل

السؤال
في بيع التمر وهو في رءوس النخل أليس في هذا جهالة في المقدار؟

الجواب
في بيع الثمار يباع الثمر على رءوس النخل خرصاً، يأتي الرجل الخبير ويخرص، وكل فلاح يعلم هذا، أنه إذا جاء أحد يريد أن يشتري ثمرة بستانه، لا يأتي وحده إلا إذا كان عنده خبرة ومعرفة، أما إذا لم تكن عنده خبرة فيأتي برجل له خبرة بالثمرة وبالسوق، فينظر في النخل ويقول: هذا النخل يخرج منه مثلاً: ثلاثة آلاف صاع، وهذه الثلاثة آلاف صاع غالباً تكون قيمتها إن كان السوق طيباً مثلاً: ثلاثين ألفاً، وإن كان السوق وسطاً تكون القيمة مثلاً عشرين ألفاً، وإن كان السوق رديئاً تكون القيمة عشرة آلاف، فيعطيك سعراً تقريبياً، إذاً: إنما جاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه على سبيل الاستثناء، ولذلك لا يرد عليه ما يرد على الأصل.
ومن هنا قال العلماء رحمهم الله: بيع الثمرة على رءوس النخل مستثنىً من بيع الغرر؛ لأن الأصل أن يُعلم قدر المبيع، وأن يكون المشتري على علم بما يكون من الثمرة رطباً كانت أم تمراً، ولكن أُبيح ذلك من باب التوسعة على الناس وهو مستثنىً من الأصل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
(173/10)
________________________________________
استغلال شهر رمضان

السؤال
نطلب كلمة توجيهية حول استغلال ما تبقى من شهر رمضان المبارك في طاعة الله سبحانه وتعالى وغير ذلك من الأعمال الصالحات؟

الجواب
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا فيما بقي من هذا الشهر الكريم، كما نسأله تعالى ألا يختم لنا هذا الشهر إلا بعتق من النار، وفوز بالرحمة والمغفرة والعفو عمّا سلف وكان، ومما أوصي به إخواني ونفسي تقوى الله عز وجل، ومن غيب النية الصالحة في الخير أعانه الله على الخير، ومن كانت نيته على الطاعة والبر قوى الله عزيمته وسدده ووفقه وأرشده، قال تعالى: {إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً} [الأنفال:70] فالله تعالى اختار القلوب للنظر، فأول ما أوصي به أن تغيب في سريرتك لما بقي من هذا الشهر خيراً، وأن تعزم في قرارة قلبك أن تعمر هذه الأوقات والساعات واللحظات في طاعة الله ومرضات الله.
أما الأمر الثاني: فالحرص على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة ما بقي من هذا الشهر في الطاعات والتي من أحبها كثرة تلاوة القرآن، فطوبى ثم طوبى لمن وفقه الله لحب القرآن، وإذا أردت أن يبارك الله لك فيما بقي من شهرك، بل ويبارك لك فيما بقي من عمرك، فالزم كتاب الله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، طوبى ثم طوبى لمن جعل الله القرآن ربيع قلبه، ونور صدره، وجلاء حزنه، وذهاب همه وغمه، وسائقه وقائده إلى رضوانه والجنة، طوبى لعبد عكف على كتاب الله يتلوه قائماً وقاعداً، يتلوه آناء الليل، يتقرب به إلى الله ويرجو به رحمة الله، يقف عند آياته ويخشع لعظاته، ويتدبره ويتلوه حق تلاوته.
فخير ما يُوصى به أن يكثر العبد من تلاوة القرآن، فإن أكثرت من تلاوة القرآن أصلح الله قلبك، فإن الله تعالى يقول: {قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس:57] وإذا شُفي ما في صدرك، وجعل الله القرآن أنيساً لك وجليساً، فعندها انشرح صدرك للخيرات، واطمأن قلبك بذكر الله والطاعات، وأصبحت مشمراً عن ساعدك في مرضات الله جل جلاله، وما فاز السلف رحمهم الله إلا بتوفيق الله أولاً وآخراً، ثم بتلاوة القرآن، وانظر إلى أفضل الناس طاعة وبراً تجده ملازماً لكتاب الله ليلاً ونهاراً.
القرآن مفتاح كل خير، ومفتاح كل بر؛ لأن الإنسان صلاحه كله في قلبه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ولن يصلح هذا القلب إلا بكتاب الله جل جلاله وبكلام الله جل جلاله.
فخير ما يوصى به من أراد أن يبارك الله له في رمضان وفيما بقي من أيامه ولياليه أن يكثر من تلاوة القرآن، وأن يحاول ألا تمر عليه ثلاث ليالٍ إلا وقد ختم كتاب الله عز وجل، مع التفكر والتدبر والتأمل، ومع الإشفاق على النفس والإزراء والإحساس بما بينه وبين كتاب الله من النقص حتى يكمله، ومن العيب حتى يستره، ومن الثلمة حتى يسدها، فإذا تلوت كتاب الله فسوف تستشعر أن الله يأمرك ويعظك، فإذا كان حال الإنسان مع القرآن في ليله ونهاره بورك له في شهره، بل بورك له في عمره، ولذلك نجد بعض الناس إذا خرج من رمضان خرج بحفظ القرآن، وكم من سعيد وفق للسعادة باغتنام رمضان في القرآن حتى أصبح القرآن أنيسه وجليسه، لا يفتر عن تلاوة كتاب الله وسماعه وتدبره، فيحس أن سعادته كلها في كتاب الله جل جلاله، كان شيخ الإسلام رحمه الله في آخر حياته يبكي ويتحسر على كل لحظة فاتت في غير كتاب الله جل جلاله.
القرآن خير كثير، ولن تبحث في سيرة أحد من السلف الصالح إلا وجدتها مقرونة بالقرآن في قيام الليل أو تلاوته في النهار، قال بعض السلف: صحبت عبد الرحمن بن القاسم العتقي رحمه الله -صاحب الإمام مالك - من مكة إلى المدينة والله ما فتر عن تلاوة القرآن، كان السلف يتلون القرآن، وقد أدركت والله أقواماً وهم ذاهبون إلى السوق تسمعهم يتلون كتاب الله عز وجل، وإذا جن عليهم الليل سمعت كتاب الله من بيوتهم ومن حجراتهم، وأعرف أقواماً في ضيق وشظف من العيش ومع ذلك تجدهم أسعد الناس بكتاب الله جل جلاله، أغناهم من الفقر، وأمنهم بفضل الله من الخوف، وألبسهم لباس العافية، فتجدهم أبعد الناس عن الشهوات والشبهات والمذلات بكتاب الله جل جلاله.
الوصية الجامعة لخيري الدين والدنيا والآخرة: لزوم هذا القرآن: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] فالاعتصام بكتاب الله جل جلاله والقرب من هذا القرآن والحب لهذا القرآن واستشعار أنه كلام الله الذي ما نزل أحب إلى الله ولا أكرم على الله في كلامه مثل هذا الكلام وهو القرآن، وقد أجمع السلف رحمهم الله على تفضيل القرآن على سائر الكتب السماوية المنزلة، لفضله وعلو شرفه ومكانته، وأُنزلت آيات منه من كنوز تحت العرش، وهذا فضل عظيم وخير كثير اختص الله به هذه الأمة.
فالإنسان السعيد الموفق الذي يريد أن يبارك الله له حتى في حياته وعمره يلزم كتاب الله، وانظر إلى أي ملتزم وشابٍ صالح يستقيم على طاعة الله لن تجده أقوى الناس التزاماً وهداية إلا إذا وجدته ملازماً لكتاب الله يتلوه ويتفكر فيه ويتدبره ويخشع له ويحب سماعه، فلا يفتر عن تلاوة كتاب الله وسماعه وتدبره حتى ينال السعادة ويجدها في نفسه، وهذا هو حال أهل القرآن.
فينبغي الإكثار من تلاوة القرآن والإحساس بفضل هذا الكتاب، والإحساس بعظيم ما أنعم الله به على هذه الأمة بهذا الكتاب الذي: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1].
أما الوصية الأخرى: فالحرص على أن يكون للإنسان في هذا الشهر حسنة وصدقة بينه وبين الله خفية، من إطعام الجائع، وكسوة العاري، وتفريج كربة المكروب، قال بعض العلماء: إن الله جعل رمضان ليتذكر الغني الفقير، ويتذكر القوي الضعيف، ويتذكر الصحيح المريض، فيتفقد بعضنا بعضاً، ويحسن بعضنا إلى بعض، فتجعل لك في هذا الشهر الكريم بعض الصدقات الخفية، وتجعل صيامك حينما جاعت أمعاؤك وظمئت أحشاؤك يذكرك بالمكروب والمنكوب والجائع، ويذكرك بالأرملة واليتيم، فتكفكف دموع اليتامى، وتجبر قلوب الأرامل والثكالى، وتحتسب الثواب عند الله جل جلاله: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) فإن المعروف لا يبلى، والخير لا يُنسى، مات أقوام وما ماتت مآثرهم، مات أقوام وهم في الناس أحياء، بالذكر الجميل والعمل الصالح الجليل.
تجعل لك من هذا الشهر زاداً للإحسان، فكما أنك تصلح في نفسك بالقرآن، تصلح لغيرك بحسنة أو بصدقة، فإن لم تستطع من نفسك وأمكنك أن تشفع عند من يقبل الشفاعة منك وتزكي نعمة الجاه التي أنعم الله بها عليك فتدخل السرور على بيت مسلم في هذا الشهر المبارك فنعم ما صنعت، فإن (الساعي على الأرملة كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر) ما دمت قد ذقت حر الصيام وألم الصيام ولذة عبادة الصيام، فإن تفريج كربة المكروب وإدخال السرور على الأرملة يعادل ذلك الفضل، كالصائم الذي لا يفطر، فأنت الآن عرفت قيمة الصيام، ووجدت لذة هذه العبادة فاعلم أنه من الخير لك بمكان أن تفرج عن أرملة أو يتيم، ولو بكلمة تشفع بها عند من يمكنه ذلك.
كذلك مما يدخل في هذا قضاء الديون وتفريج كربات المكروبين، فإذا علمت أن قريباً أو جاراً لك مديون وتستطيع أن تذهب إلى غني خاصة في هذا الشهر والنفوس مقبلة على الخير وباغي الخير مقبل، فتحتسب عند الله جل جلاله قضاء دين المديون، فإذا علمت أن أخاك مديون أو عنده كربة أو عنده حاجة أو عوز وضيق: (فاشفعوا تؤجروا) فالشفاعة في مثل هذا عظيمة خاصة في هذا الشهر الكريم؛ لأنك تدخل على بيت من بيوت المسلمين الفرحة والسرور بقضاء دين عليهم أو تفريج كربة أو التوسعة عليهم، وهذا مما يحتسب عند الله جل جلاله، وقد كان بعض السلف يفضل السعي على الناس وتفريج كرباتهم على الاعتكاف في العشر الأواخر، فكان يخرج من معتكفه لتفريج كربة المكروب، وتنفيس نكبة المنكوب، فهذا من أحب وأفضل ما يثقل به ميزان العبد عند الله.
فكم من أرملة إذا دخلت عليها وقد ضاقت عليها الأرض بما رحبت، ليس عندها من قريب ولا صديق ولا حبيب يلتفت إلى حالها أو يفرج ما يكون بها من بلائها بإذن ربها، فإذا دخلت عليها في ظلمة ليل أو في ضياء نهار، فأدخلت السرور عليها بإعطاء مال أو إعطاء طعام ووليت ظهرك وهي تشيعك بصالح الدعوات وما تسأل الله لك من جميل المكرمات فإن الله لا يضيع تلك الدعوات؛ لأنها تخرج من القلب الصادق، الكلب -أكرمكم الله- لما مرت عليه بغي من بغايا بني إسرائيل فاستقى، ومن شدة الظمأ كان يلهث الثرى، فنزلت البغي إلى البئر واستقت له بخفها، وفي رواية: (فشكر الله لها) أي: أن الكلب لم يستطع أن يشكرها، عظم جميلها حتى عند الكلب -أكرمكم الله- (فغفر الله لها ذنوبها)، فكيف بالمسلمة وقد تكون أمة صالحة، وقد تكون أمة متعرضة للحرام يعفها الله عز وجل بشفاعة حسنة: (اشفعوا تؤجروا) وكان الناس فيهم خير كثير عندما كانوا متراحمين، وكان القوي لا يغفل عن الضعيف.
وأنبه على مسألة تفريج الكربات؛ ففي غالب الأحيان تكون صدقاتنا للفقراء المعروفين، ولكن هناك من يغفل عنهم كثير من الناس ألا وهو الفقراء الأخفياء الذين لا يسألون الناس إلحافاً، ركبتهم ديون وحاجات يفضلون أن يتعرضوا للموت على أن يمدوا كفاً لأحد، قد جعلوا فقرهم إلى الله وغناهم بالله، وقد يكون معك زميل لك وترى من حاله البؤس والفقر وأنت غني ثري وسع الله عليك، وقد تأتيه على طعامه وتطعم من ذلك الطعام الضيق ولا تتحرك في نفسك معاني الرحمة، هذا أمر يشتكى منه، فينبغي أن يحس بعضنا ببعض.
ومسألة الشفاعة عند الأغنياء أيضاً أجرها عظيم خاصة في هذا الشهر الكريم؛ لأن نفوسهم مهيأة للخير، ولا يزال الخير موجوداً في الناس إلى قيام الساعة، لكن إذا كان طالب العلم يدخل على أناس
(173/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الرهن [1]
باب الرهن يعتبر من الأبواب المهمة المتعلقة بأحكام الديون، وهو مشروع وجائز بالكتاب والسنة والإجماع، وله حكم عظيمة، منها: حفظ حقوق الناس، وقلة الخصومات والمنازعات، وتسهيل المداينات، وإشاعة روح التكافل والتراحم والتعاطف بين الناس وله أحكام يذكرها العلماء في بابها.
(174/1)
________________________________________
الرهن حقيقته ومعناه وأحكامه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الرهن].
هذا الباب يعتبر من الأبواب المهمة المتعلقة بأحكام الديون، وذلك أن المداينات إذا وقعت بين الناس، قد يحتاج فيها صاحب الدين إلى شيءٍ يستوثق به من حقه، وهذا هو الذي يقوم عليه الرهن، فبعد أن بيّن المصنف رحمه الله أحكام بيع السلم، وأتبعها بأحكام القرض، بين بعد ذلك أحكام الرهن.
والرهون توضع غالباً عند أصحاب الديون، أو من يقوم مقامهم من الوكلاء والأمناء، الذين يتفق عليهم الطرفان، وهذه الرهون يُقصد منها أن يستوثق صاحب الحق من حقه، فلما فرغ رحمه الله من بيان أحكام الدين، شرع في بيان أحكام الرهن، لتعلقه بباب الدين.
والرهن له معنيان: لغوي واصطلاحي، أما المعنى اللغوي: فإنه يدور حول الدوام والثبات والاستقرار، ومنه قولهم: نعمة راهنة، أي: محبوسة، وماء راهن، أي: راكد دائم ومستقر.
ومن معانيه: المنع والحبس، ومنه قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر:38]، أي: مرهونة ومحبوسة بما فعلت من خيرٍ أو شر.
وأما المعنى الاصطلاحي: فقد عرّفه بعض العلماء بقولهم: استيثاق الدين بالعين، ليُستوفى منها عند العجز عن السداد، أو الامتناع منه.
فقولهم: (ليُستوفى منها)، أي: من العين أو من ثمنها.
وقولهم: (عند العجز عن السداد، أو الامتناع منه)، هذا قيدٌ مهم، ولذلك ذكره طائفة من الفقهاء رحمهم الله.
وقولهم: (استيثاق الدين بالعين)، معنى هذا: لو أن رجلاً جاءك وقال: أريد منك مائة ألف ريال ديناً، وأنت قد تخاف أن يعجز عن سداد هذا المبلغ، وقد تخشى من مماطلته، أو من عُسره مستقبلاً، وأنت محتاج إلى هذا المال، ولا تستطيع رده، ومن هنا جاز أن تستوثق من دينك بعينٍ تطالبه برهنها، فتقول له: أعطني رهناً، فإذا قلت: أعطني رهناً، فكأنك تريد شيئاً تستوثق به من حقك، فأنت مستعدٌ للدين، وعندك الرغبة أن تدينه وتعطيه المال الذي طلب؛ ولكنك تخشى من عجزه عن السداد أو امتناعه منه، وحينئذٍ تطالب بهذه العين، حتى إذا عجز أو امتنع من السداد، أمكنك أن تبيع هذه العين التي رُهنت لقاء الدين، وتصل إلى حقك، من ثمنها، إما كل حقك، أو بعض حقك على حسب الرهن الذي رضيت به كاملاً أو ناقصاً.
إذا: هذا هو استيثاق الدين بالعين، فعندنا دين وهو المائة ألف ريال، وعندنا عين مرهونة، وهي العمارة -مثلاً- فاستوثق صاحب الدين بالعين وهي العمارة، والأصل بينهما أنه إذا عجز عن السداد وحضر الأجل، فإنه يحق لصاحب الدين أن يبيع العمارة، أو يكون ذلك عن طريق القضاء، فيرفع أمره إلى القاضي، أو بدون قضاء، كأن يقول المديون له: إذا لم أسددك في محرّم فبع العمارة وخذ حقك، فيقول: قبلت، فحينئذٍ استوثق من دينه بالعين، لكي يستوفي من العين في حال عجزه عن السداد.
ولذلك عندما يُقال: ليُستوفى منها، هكذا بإطلاق، هذا خطأ؛ لأنه قد يسدد المديون الدين، وحينئذٍ لا نحتاج إلى بيع العمارة، إذاً القيد الذي ذكروه في التعريف: عند العجز عن السداد أو الامتناع منه، قيد مهم؛ لأنه لا يتدخل صاحب الدين في هذه العمارة فيبيعها ويتصرف فيها، إلا إذا عجز المدين أو امتنع من سداده حقه.
(174/2)
________________________________________
مشروعية الرهن
الرهن مشروع وجائز، وقد دل على جوازه دليل الكتاب، ودليل السنة، وإجماع الأمة، فإن هذا النوع من المعاملات المالية شرعه الله في كتابه، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، فقوله سبحانه: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، يدل دلالة واضحة على أنه إذا أراد صاحب الدين أن يستوثق بدينه بالعين وبالرهن فإن ذلك مشروع وجائز.
كما دل دليل السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك كما في الصحيح من حديث أنس: (أنه عليه الصلاة والسلام توفي ودرعه مرهونة في آصُعٍ من شعير، استدانها عليه الصلاة والسلام من يهودي)، فقد استدان من اليهودي هذا القدر من الطعام، ورهن عنده درعه، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.
وقال عليه الصلاة والسلام: (الرهن محلوبٌ ومركوبٌ بنفقته)، فبيَّن أحكامه وآثاره، فدلّت هذه السنة على مشروعية الرهن، وقد كان الناس في الجاهلية يرهنون، وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقرّهم على ذلك، فاجتمع دليل الكتاب ودليل السنة القولية والفعلية والتقريرية.
أما دليل الإجماع: فإن العلماء رحمهم الله قد أجمعوا على أن الرهن مشروع، لكنهم اختلفوا في جواز الرهن في الحضر، فمنهم من يقول: هو مشروعٌ مطلقاً، سواءً كنت في سفر أو كنت في حضر، أي: أنه يجوز للمسافرين أن يرهنوا، ويجوز للمقيمين أن يرهنوا، فلو أن اثنين في داخل المدينة استدان أحدهم من الآخر مالاً، فطلب منه رهناً، شُرع ذلك.
وقال بعض السلف -كما هو قول مجاهد وغيره-: إن الرهن لا يجوز إلا في السفر، وهو قول ضعيف؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استدان، ورهن في الحضَر، فدلّ على مشروعية الرهن في داخل المدن، وأنه لا يختص جوازه بالسفر على ظاهر القرآن، والجواب عن آية البقرة، وهي آية الدين: أنها جاءت بالوصف الغالب، والقاعدة في الأصول: أن النص إذا خرج مخرج الغالب، فإنه لا يعتبر مفهومه، بمعنى: أن الآية بيّنت حكم الرهن في السفر؛ لأن الغالب أن الرهن يُحتاج إليه في الأسفار، وأما بالنسبة للحضر، فغالباً ما يكون التعامل بين الأشخاص الذين يأمن بعضهم ببعض ويثق بعضهم بعضاً، وتكون التجارات بينهم حاضرة في الغالب، والنص -كما سبق- إذا خرج مخرج الغالب لم يُعتبر مفهومه.
أو نقول: دل الكتاب على مشروعية الرهن في السفر، ودلّت السنة على مشروعية الرهن في الحضر، فهذا نوع من الرهن، وهذا نوع من الرهن، فلا بأس أن يرهن في الحضر، كما لا بأس أن يرهن في السفر.
(174/3)
________________________________________
الحكمة من مشروعية الرهن
المسألة الثانية: إذا عرفنا أن الرهن مشروع وجائز بإجماع المسلمين، وبهذه الأدلة الشرعية، فقد شرع الله عز وجل الرهن للناس لحكم وفوائد عظيمة، منها: أن صاحب الدين يستوثق بدينه، وهذا يجعله في طمأنينة، ومن هنا لما وُجِد الرهن في الشريعة الإسلامية، وأمكن للمسلم أن يجد شيئاً يحفظ به ماله، أو يحفظ به حقه عند العجز عن السداد، فإن هذا يشجع الناس على الدين، ويجعل الثقة بينهم قوية، ومن هنا يكون صاحب الدين في مأمن من ضياع حقه.
ومن حكم هذا النوع من المعاملات: تسهيل المداينات، وإذا سهُلَت المداينات انتفع أفراد المجتمع، وهذا فيه نوع من التكافل، ونوع من التراحم والتعاطف؛ لأن المسلم إذا وجد من يعطيه المال في ساعة الحاجة، فإنه يشكره ويحبه ويذكره بالخير، وهذا يجعل القلوب يعطف بعضها على بعض، ويحب المسلمون بعضهم بعضاً.
فمن هنا استوثق صاحب الحق من حقه، وانتفع أفراد المجتمع، فانتشر بينهم الدين، وهي مصلحة دنيوية؛ حيث يقضون مصالحهم الدنيوية، ومصلحة دينية؛ لأنها تُحدث شيئاً من المحبة والألفة والأخوَّة، والشعور بالرحمة والمودة والتعاطف بين أفراد المجتمع، خاصة المعسر والضعيف إذا انتابته النوائب، ووجد من يفرج كربته بعد الله عز وجل بإعطائه المال.
ومن الحكم: أن المدين إذا كان لديه رهن، فإنه يحفظ ماء وجهه، ويمكنه أن يستدين ممن شاء، فيقول له: أعطني المال وهذا رهن لقاء مالك، ولقاء دينك، وحينئذٍ يتمكن من الوصول إلى بغيته وحاجته بالدين، أي: أن الشرع يمكِّنه من حاجته، ويمكِّنه من سد عوزه وفاقته عند النوائب، وذلك عن طريق استيثاق الدين بالعين، فإنه إذا شعر أنه يخاطب الناس بما يضمن حقوقهم، أمكَنه أن يسألهم حاجته، ولا شك أن الرهن محقق لهذه الفائدة العظيمة.
ومن الحكم: أن في الرهن عدلاً وقطعاً للتلاعب بالحقوق، فإن المديون إذا دفع العين، سواءً كانت سيارةً أو أرضاً أو طعاماً، وجعلها رهناً؛ فإنه ربما كان متلاعباً بحقوق الناس، ويريد أن يأكل أموال الناس، فإذا وضع الرهن انقطع السبيل عنه، ومُنِع من التلاعب بحقوق الناس، فإذا جاء من يتلاعب بحقوق الناس ليستدين؛ قيل له: ادفع الرهن، فإذا دفع الرهن؛ فإن معنى ذلك أنه لا يستطيع أن يضيع حق صاحب الحق.
ومن هنا فإن شرعية الرهن تقطع وتمنع من التلاعب، ومتى ما قيل لك: إن فلاناً لا يسدد، أو إن فلاناً يتلاعب بالحقوق، أو إن فلاناً مماطل أو نحو ذلك، فإنه إذا جاء يطلبك ربما أحرجك، وربما جاءك بشخص لا تستطيع رد شفاعته، فحينئذٍ أعطاك الشرع شيئاً تضمن به حقك، فتقول له: أعطني رهناً، لا مانع عندي أن أعطيه الدين، ولكن بشرط أن يعطيني رهناً لقاء حقي، فإذا قلتَ: أريد الرهن؛ لم يعاتبك أحد، ولم يستطع أحد أن يصفك بالظلم؛ لأنك لا تطالب أكثر من حقك، وعلى هذا: فلا شك أن في الرهن الخير الكثير.
ومن الحكم: أن في الرهن منعاً للأذية والإضرار؛ لأن المديون إذا عجز عن السداد مع عدم الرهن، فإن الخصومة، والأذية تقع بين الناس؛ لكن إذا وُجِد الرهن، فسيقول له: بِع الرهن وخذ حقك، فالرهن يقطع أسباب الخصومة وأسباب النزاع.
وأياً ما كان فإن الله عز وجل شرع الرهن، وتمت كلمته صدقاً وعدلاً، فهو يعلم ولا نعلم، ويحكم ولا معقِّب لحكمه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:115].
والحكم من مشروعية الرهن كثيرة والأسرار لا شك أنها موجودة، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
(174/4)
________________________________________
أهمية معرفة أحكام الرهن
يقول المصنف رحمه الله: (باب الرهن) أي: كأنه يقول: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالرهون، وأنت كطالب علم تحتاج أن تبحث هذا الباب، وكدارسٍ في الفقه تحتاج أن تلِمّ بهذه المسائل والأحكام، فإنه يأتيك الرجل ويريد أن يستدين من الناس فتنصحه بالرهن، أو يأتيك الرجل ويريد أن يدين الناس فتنصحه بالرهن، وكذلك أيضاً إذا أراد الرهن سألك: ما الذي يجوز رهنه؟ وما الذي لا يجوز رهنه؟ ثم إذا رُهن هذا الشيء، فهل من حقي أنا صاحب الدين أن أنتفع برهني، أو ليس ذلك من حقي؟ كذلك أيضاً صاحب الدين الذي له الدين على المدين، هل من حقه أن ينتفع بالشيء المرهون عنده، أو ليس ذلك من حقه؟ كذلك أيضاً يسألك لو أن هذا الرهن نما وزاد وكثُر، فهل تكون الزيادة المتصلة أو المنفصلة للدائن والمدين أو تكون لأحدهما؟ هذا كله من المسائل التي يُحتاج إلى بحثها، ومن هنا نجد العلماء رحمهم الله يقولون: باب الرهن.
(174/5)
________________________________________
حكم الرهن وحالات الدائن مع المدين
وحكم الرهن الجواز، فليس بواجب، ولا فريضة، بمعنى إذا أراد الشخص أن يعطي الناس الدين، فإنه لا يخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الذي يطلب الدين موثوقاً به، فحينئذٍ لا تحتاج إلى رهن، فتقول له: خذ مائة ألف، ومتى ما يسّر الله لك سدادها فسدِّد، وهذا جائز بإجماع العلماء رحمهم الله.
الحالة الثانية: أن يكون الشخص الذي يأخذ منك المال لا تعرفه، أو شخص تعرفه بالمماطلة، وتخاف على المبلغ الذي طلبه منك، فحينئذٍ أنت بالخيار، إن شئت طلبت الرهن، وإن شئت لا تطلب الرهن، والأفضل إذا كنت تعلم أنه محتاج وأنه مكروب، وأن هذا المال الذي يطلبه منك ليس فيه ضرر لو تأخر في سداده، فالأفضل أن تعطيه إياه بدون رهن؛ لأن الرهن يحمِّله المشقة والعناء، وقد يكون الشيء الذي يريد رهنه غير موجود عنده، ومن هنا يُفرَّق في الرهن، فإن كان الذي يريد منك الدين رجلاً عاجزاً، ولا يستطيع أن يعطيك رهناً؛ لأنه ليس عنده شيءٌ له قيمة حتى يضعه رهناً عندك؛ فالأفضل والأكمل أن تديِّنه ولا تطالبه بالرهن، وكفى بالله عز وجل وكيلاً، فإن الله يتكفل بحفظ حقك، وما دمت تعرفه بالصلاح والخير، فإنه إن شاء الله لن يُقصِّر ولن يمتنع في إبراء ذمته.
أما إن وجدته مماطلاً، ووجدته رجلاً متلاعباً بحقوق الناس، وأحرجك بالدين، أو جاءك بإنسان لا تستطيع أن ترد شفاعته، فالأفضل في مثل هذا أن توقفه عند حده فتطالبه بالرهن، حتى يكون ذلك مانعاً له من تلاعبه بحقوق الناس، وأدعى لسد الباب من أن يُضر بك في ادعائه الحاجة إلى الدين؛ لأن بعض الناس قد يدعي الحاجة إلى الدين، وهو ليس بحاجة إليه، وقد يطلب الدين وهو لا يريد السداد.
فحينئذٍ يقول العلماء: حكم الرهن جائز، ولكن في بعض الأحيان الأفضل أن لا تطالب بالرهن من الفقير المعدم، ونحو ذلك ممن له فضل عليك، كخاصة القرابة: كالأعمام، والأخوال، ومن لهم حق كبير، فإن طلب الرهن من هؤلاء فيه إجحاف، وأما إذا كان من الصنف الذي ذكرنا؛ فإن الأفضل أن يطالب الإنسان بالرهن، وذلك راجع إليه على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض.
(174/6)
________________________________________
أركان الرهن وشروطه
للرهن أركان: أولاً: هناك راهن، وهو الشخص المديون.
ثانياً: هناك مُرتَهَن، وهو الشخص الذي يوضع عنده الرهن، وقد يكون صاحب الدين، أو من يقوم مقامه.
ثالثاً: هناك شيءٌ مرتَهن، وهي العين التي توضع كرهينة.
رابعاً: هناك صيغة.
فهذه أربعة أركان: الراهن، والمرتَهَن، والشيء المرتَهَن، والصيغة التي يقوم عليها الرهن.
أما الراهن فيشترط أن يكون ممن له أهلية التصرُّف في المال، فلو جاءك طفل صغير، وقال لك: أعطني عشرة ريالات، وهذا القلم رهن عندك، فالطفل ليس من أهل التصرُّف، وليس ممن يصح رهنه، فإذا كان الطفل لم يبلغ، فإنه لا يحق له التصرف في المال إلا إذا قارب البلوغ، كما سيأتي -إن شاء الله- في الكلام على الصبي المأذون له بالتجارة.
إذاً: الرهن لا يصح إلا من شخصٍ هو أهل للتصرف.
وبناءً على ذلك فلا بد أن يكون بالغاً عاقلاً، فلو أن مجنوناً جاء بسيارةٍ -ولو كان يملكها- أو رجلاً في حال سكره، أو حال تعاطيه لمخدِّر أو نحوه مما يزيل العقل -والعياذ بالله! - جاء ورهن عمارته في دين، أو نحو ذلك، فإن الرهن لا يصح ممن هو ليس بأهلٍ للتصرف.
كذلك يشترط أن يكون له أهلية التصرُّف في الشيء الذي يريد رهنه، فلا يرهن مال غيره، كأن يقول: أعطني سيارتك لأذهب بها إلى مكان ما، فأخذ سيارتك ثم ذهب واستدان عشرة آلاف ريال، ووضع سيارتك رهناً، وحينئذٍ لو ثبت عند القاضي أن السيارة سيارتك، فإنه يُسحب هذا الرهن ويُلغى، ويطالب بالبديل على تفصيلٍ سيأتي إن شاء الله في مسألة فوات الشيء المرتهن.
إذاً لا بد في الشخص الراهن أن يكون أهلاً للتصرُّف.
كذلك بالنسبة للمرتَهَن، وهو الشخص الذي يوضع عنده الرهن، يشترط أيضاً أن يكون أهلاً للتصرف.
أما بالنسبة للصيغة، فهي الإيجاب والقبول، وهي التي يقوم عليها عقد الرهن، كأن يقول له: أعطني مائة ألفٍ وسيارتي هذه رهنٌ عندك، فيقول: قبلت.
فقول الراهن: سيارتي هذه رهن، هذا هو الإيجاب، وقول صاحب الدين: قبِلت، هذا هو القبول.
والشيء المرتهن يشترط فيه أن يكون مما يجوز بيعه، فإذا كان مما يجوز بيعه، فإنه يجوز رهنه، حتى لو قال: خذ كتابي، وقلمي، وساعتي، بل حتى النظارة، كأن يأتي ويشتري من البقالة، ولا يجد شيئاً كبيراً يرهنه، فيضع مثلاً شيئاً له قيمة، كالنظارة ونحوها.
إذاً: لدينا العاقدان، والصيغة التي هي الإيجاب والقبول، والشيء المرتَهَن الذي هو محلٌ للرهن.
وبالنسبة للصيغة يقول بعض العلماء: يمكن أن يقع الرهن بالتعاطي بدل الإيجاب والقبول، فكما أن البيع يقع بالتعاطي، فإنه ينعقد الرهن بالتعاطي دون إيجابٍ ولا قبول.
وقد قدمنا أن البيع يجوز بالتعاطي: ينعقد البيع بما يدل على الرضا وإن تعاطى الكل ومثال التعاطي في الرهن: لو جاء شخص وقال لآخر: أعطني عشرة دراهم ديناً إلى غد، وخذ هذه الساعة، فصاحب الدين أخذ الساعة ولم يقل: قبلت، أو رضيت، بل أعطاه العشرة مباشرة، فبإعطائه العشرة كأنه قال: قبلت أن أديِّنك العشرة، وقبلت الساعة رهناً إلى السداد.
إذاً: يقع الرهن بالأفعال، كما يقع بالأقوال هذا بالنسبة لمجمل أركان الرهن.
(174/7)
________________________________________
صحة الرهن في كل ما يجوز بيعه
قال رحمه الله: [يصح في كل عين يجوز بيعها].
قوله: (يصح) أي: أن الرهن يمكن أن يكون في أي شيءٍ يمكن بيعه، ويشمل هذا: العقارات، والمنقولات، والمثمونات، فلو قال له مثلاً في العقارات: أرضي رهنٌ، كأن يستدين مائة ألف ويجعل الأرض -مبنية أو غير مبنية، أو مزرعة- رهناً إلى السداد، فإنه يصح وينعقد؛ لأن الأرض يجوز بيعها، وكذلك أيضاً الطعام، فلو قال له: أعطني ألف ريال إلى نهاية هذا الشهر، وهذا الكيس من الأرز رهن عندك، فقال: قبلت، فحينئذٍ كان الرهن من جنس المطعومات، وهكذا بالنسبة للمنقولات: كالسيارات، والدواب، فلو قال له: أعطني عشرة آلاف ريال، وسيارتي هذه رهنٌ عندك، فقال: قبلت، فإن السيارة يجوز بيعها، فيجوز رهنها، وقس على هذا غيره، سواءً كان الشيء المرهون له قيمة مرتفعة أو دون ذلك، فما دام أنه يجوز بيعه فإنه يجوز رهنه.
أما لو كانت العين لا يجوز بيعها؛ كالميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام، فإنه بالإجماع لا يجوز رهنها، مثاله: لو قال له: أعطني ألفاً وهذا الحيوان المحنَّط الميت رهن حتى أسددك، لم يصح؛ لأنه لا يصح بيع الميتات، فلا يصح رهنها.
إذاً: الميتات، الخمر، الخنزير، والأصنام، ونحوها، كل هذه الأشياء لا يجوز بيعها، فلا يجوز رهنها.
كذلك أيضاً لو قال له: أعطني عشرة آلاف وأرهن عندك بعيري الشارد، أو عبدي الآبق، فإنه لا يصح؛ لأنه لا يجوز بيع البعير الشارد ولا العبد الآبق، ولو قال له: أعطني ألفاً والسمك الذي في هذا الماء رهنٌ عندك، لم يصح؛ لأنه غير مقدورٍ على تسلُّمه، فكل هذه الأشياء التي لا يجوز بيعها لا يجوز رهنها.
(174/8)
________________________________________
جواز رهن المكاتب
قال رحمه الله: [حتى المكاتَب].
أي: حتى المكاتَب يجوز رهنه، فإن الشخص المكاتَب الذي كاتبَه سيده، وكانت قيمته مثلاً عشرة آلاف ريال، فقال لسيده: أنا أشتري نفسي منك بعشرة آلاف ريال، أدفع لك كل شهر ألف ريال، فقال له السيد: قبلت، ثم إن هذا السيد احتاج إلى دين مقداره عشرة آلاف ريال، فقال السيد لصاحب الدين: قد رهنت عبدي فلاناً، مع أن العبد مكاتب، قالوا: يجوز ذلك؛ لأن المكاتَب عبد حتى يتخلَّص من الرق بدفع آخر أنجم الكتابة، أما إذا لم يدفعها فإنه يسري عليه حكم المملوك؛ لأنه وما ملك ملكٌ لسيده حتى يتم السداد على ما اتفقا عليه، فعقد الكتابة في أوله جائز، ولكنه يئول إلى اللزوم عند تمام السداد.
(174/9)
________________________________________
صور الرهن
قال رحمه الله: [مع الحق وبعده بدينٍ ثابت].
قوله: (مع الحق وبعده) أي: يصح رهن كل شيءٍ يجوز بيعه مع الحق الذي هو الدين، أو بعده.
والعلماء رحمهم الله يذكرون صوراً للرهن: فهناك صورة للرهن قبل الدين، وصورة للرهن مع الدين، وصورة للرهن بعد الدين، هذه ثلاث صور، والقسمة العقلية تقتضيها: فإما أن يعطيه الرهن قبل الدين، وإما أن يعطيه الرهن أثناء الدين، وإما أن يعطيه الرهن بعد أن يستدين منه.
فأما الصورة الأولى -نبدأ بها لأنها هي الأصل والمشهورة-: فهي أن يكون الرهن مصاحباً للدين، كأن تقول لرجل: إني بحاجة إلى مائة ألف ديناً إلى نهاية السنة، وأعطيك سيارتي رهناً إلى أن أسددك.
فإن رهنك للسيارة وقع مصاحباً لطلبك للدين، فحينئذٍ إذا أعطاك الدين أعطيته السيارة، فالرهن وقع مصاحباً للحق، وهذا بالإجماع جائز ومشروع.
أما الصورة الثانية: فهي أن يكون الرهن بعد الدين، كما لو تأخر وتراخى، فقال له مثلاً: هذه مائة ألف، فقال: بعد يوم أو يومين: لقد أعطيتني مائة ألف، وهذه مفاتيح سيارتي أو عمارتي وهي رهن لسداد دينك عند العجز، وقد صح ذلك.
أما الصورة الثالثة: وهي أن يكون الرهن قبل الدين، فمن أمثلتها قالوا: إذا كانت لك سيارة عند محمد، وقلت: يا محمد! خذ هذه السيارة أمانة عندك، فأخذها محمد أمانة عنده، ثم احتجت إلى مالٍ من محمد، فجئته وقلت له: ديّنِّي مائة ألف، فأعطاك المائة ألف وقال: بماذا تضمن لي حقي؟ فتقول له: السيارة التي عندك، أجعلها رهناً واستيثاقاً للدين.
قال بعض العلماء: إن هذا جائز، وتنتقل اليد من يد الإيداع إلى يد الرهن، وذلك بمجرد الإيجاب والقبول، فتصبح رهناً بعد أن كانت وديعة، ولا يشترط التقابض مرة ثانية لإلغاء اليد الأولى.
وسيأتي هذا في باب الضمان، وهو الانتقال من يد الأمانة إلى يد الضمان، وفيه تفصيل عند بعض العلماء رحمهم الله، لكن قالوا: إن هذا يجوز، وشدّد فيه بعض العلماء، كما درج عليه المصنف رحمه الله وقالوا: إنه لا يجوز سبق الرهن للدين، وفي بعض الصور يقوى مذهب المصنف، وخاصة في الصور التي فيها غرر أو فيها جهالة، ولكن إذا كان الأمر أقل غرراً، أو كان الغرر يسيراً، فإنه يصح أن يُقدِّم الرهن على الدين.
(174/10)
________________________________________
عدم صحة الرهن إلا بدين ثابت مستقر
وقوله: (بدين ثابت) أي: مستقر، ومثال الدين الثابت: كأن يأتي ويأخذ منك مائة ألف، أما الدين غير الثابت، فهو كالحقوق التي تتوجه ولا تثبت إلا بعد شرط أو بعد صفة، فقبل ثبوت الشروط وهذه الصفة لا يجوز الرهن على مثل هذا الدين.
مثال ذلك: لو أن شخصاً ضرب إنساناً مثلاً خطأً، أو صدم بسيارته رجلاً خطأً، فأتلف عليه أحد الأعضاء المثناة، أتلفها إتلافاً كلياً فحينئذٍ تستحق نصف الدية، كما سيأتي -إن شاء الله- في باب الديات، فإذا لزمت الجاني نصف الدية، فإن على العاقلة أن تتحمل فوق الثلث، كما هو قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والعاقلة: هم عصبة الجاني، فهؤلاء العصبة لا يثبت الدين والاستحقاق عليهم إلا بعد ثبوت الجناية، أما قبل ثبوت المطالبة على العاقلة، فإنه حينئذٍ لا يستقر الدين، ولا يثبت الحق، فلو أن شخصاً يعلم أنه إذا ثبتت هذه الجناية في المستقبل، أنه سيصير غارماً بعشرٍ من الإبل، أو خمسٍ من الإبل، فذهب إلى المجني عليه، وجعل الرهن لقاء هذا الدين، لم يصح للشخص المجني عليه أخذ الرهن لقاء حقه؛ لأن المجني عليه لم يثبُت حقه بعد، وحينئذٍ ليس من حقه أن يطالبك بالرهن إلا بعد ثبوت دينه، فإن العلماء يقولون: لا يكون الرهن إلا في دين ثابت مستقر، وعليه فإذا كان الدين غير ثابت وغير مستقر فإنه لا يصح الرهن؛ لأنه إيقاع للشيء قبل سببه، والأشياء لا تقع إلا بأسبابها، وذلك كما لو أدى الزكاة قبل الحول، وذلك فيما لو كان في غير التعجيل، فمثلاً: لو أن شخصاً قبل أن يحول الحول الأول الذي تثبُت به الزكاة قدَّم زكاته، لم يصح؛ لأن السبب لم توجد، وكذلك لو أخرج زكاة الفطر قبل غروب يوم السابع والعشرين من رمضان، فإنه لا يصح؛ لأنه لا يصح إخراجها إلا قبل العيد بيوم أو يومين، فإذا أخرجها قبل وقتها الموجب فإنه لا يصح؛ لأنه إنما يعتبر الإخراج مجزئاً إذا تم الشرط المعتبر لصحة الإخراج.
فهنا بالنسبة للرهن لا نحكم بصحّته إلا بعد صحة الدين وثبوته، فإذا كان الدين لم يثبت فإن الرهن يتركب من الدين، وعليه قالوا: إنه لا بد من وجود دينٍ مستقر، وإذا لم يكن هناك دين مستقر، وأعطاه رهناً فليس برهن، وإنما هو دينٌ آخر.
فلو أن شخصاً ارتَهَن قبل ثبوت الدين واستقراره؛ فإنه في هذه الحالة يصير ديناً لا رهناً، ولا يجري عليه حكم الرهن.
(174/11)
________________________________________
لزوم بقاء الرهن في حق الراهن دون المرتهن
قال رحمه الله: [ويلزم في حق الراهن فقط] ذكرنا فيما سبق مسألة العقد اللازم، والعقد الجائز، وبيّنا العقود اللازمة من أول الحال، والعقود الجائزة في أول الحال اللازمة في آخر الحال، والعقود الجائزة في الحالين بيّنا هذا في أول الكتاب عند بياننا لأحكام الخيارات.
فقوله رحمه الله: (ويلزم في حق الراهن) هذا هو العقد اللازم، وقد قلنا: هو الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه دون رضا الآخر، وأما العقد الجائز: فإنه يملك كلٌ من الطرفين فسخه ولو لم يرض الآخر، كالشركة مثلاً، فلو جئت في أي يوم من الأيام وقلت: يا فلان! افسخ الشركة التي بيني وبينك، فهذا من حقِّك، بخلاف البيع، فإنه لو باعك رجل داراً بعشرة آلاف وافترقتما دون خيارٍ بينكما، ثم جاءك وقال: لا أريد هذا البيع، فنقول: ليس من حقه أن يفسخ ما تم الاتفاق عليه بينكما؛ لأن الله تعالى أمر بالوفاء بالعقود، فهذا عقد لازم.
فإذا دفع الشخص إليك الرهن وقبضته فإنه يلزمه، وحينئذٍ ليس من حقه أن يسترد هذا الرهن.
فمثلاً: لو أن رجلاً قال لك: أعطني مائة ألف دَيناً إلى نهاية السنة، فقلت له: ماذا تعطيني رهناً؟ فقال: أعطيك سيارتي هذه، فقلت له: قبلت.
وتم بينكما الاتفاق على هذا، فأعطاك مفاتيح السيارة وقبض منك المائة ألف، وبعد أن خرج وافترق إذا به يأتيك في اليوم الثاني ويقول لك: قد رهنتك سيارتي الفلانية، وهذه سيارة مثلها، أو أريد سيارتي وسأعطيك بدل السيارة العمارة، سواءً كانت مثلها أو كانت أكثر أو أفضل منها، فإنه ليس من حقه أن يسحب هذه العين، أو أن يُخليها من اتفاق الرهن الذي بينكما إلا برضاً من صاحب الدين.
إذاً: معنى قوله: (يلزم) أي: أنه ليس له خيار، حتى يرضى الطرف الثاني، فلو أبيت وقلت له: لا أريد رهناً إلا هذه السيارة التي جئتني بها، ولا أقبل بدلاً عنها، فهذا من حقك، وليس من حقه أن يسحب هذه السيارة أو أن يأتي بعوض عنها، وتبقى مرهونة إلى أن يتم السداد.
(174/12)
________________________________________
صحة رهن المشاع
قال رحمه الله: [ويصح رهن المشاع].
الأشياء المملوكة كالأراضي والسيارات والأطعمة والأكيسة ونحو ذلك، لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون ملكاً لشخص واحد، كأرضٍ يملكها زيد، أو عمارة يملكها عمرو، فحينئذٍ لا إشكال، فاليد واحدة وهي ملك لصاحبها.
الحالة الثانية: أن يشترك فيها اثنان أو أكثر، فإذا اشترك فيها اثنان أو أكثر، فهذا يسمى: المشاع، وفي بعض الأحيان هذا المشاع أو المشترك، يكون سبب الشيوع والاشتراك فيه: إما أن يكون من الطرفين؛ كأن يدفعا مبلغاً ويشتريا أرضاً، فلو أنهما اشتريا أرضاً بمائة ألف، هذا دفع خمسين وهذا دفع خمسين، فالاشتراك والمشاع جاء من جهة الطرفين، فقد دفعا المبلغ واشتركا.
وإما أن تكون هذه الشراكة بدون اختيارك؛ كالإرث، مثاله: شخص توفي عنه والده وترك له ولأخٍ ذكر معه داراً، ولا وارث له غيرهما، فحينئذٍ تكون الدار بينهما، وهذا المشاع وقع الاشتراك فيه بدون اختيار من الطرفين، إنما هو بحكم شرعي، فالله عز وجل جعل هذه الدار ملكاً لهما، فلو أن ابنين اشتركا في دار والدهما، حيث انتقلت ملكية الدار إليهما بعد موت أبيهما، فاحتاج أحد الابنين إلى مبلغ ما، كمائة ألف، فقال له صاحب الدين: أعطني رهناً، فقال: ليس عندي إلا إرث والدي، وهو نصف المزرعة، أو نصف العمارة، أو نصف هذه السيارة، أو نحو ذلك، فقال له: قبلت، فحينئذٍ هذا رهن المشاع، فكما يصح رهن غير المشاع، يصح رهن المشاع؛ لأن الحكمة والعلة تدور حول إمكانية رد الحق عن طريق الرهن، فهذا النصف الذي تركه الوالد للولد يمكن بيعه وسداد الحق منه، كما لو ترك له مالاً منفرداً.
وكما أنك إذا ملكت الشيء لوحدك يمكن بيعه والسداد منه، فكذلك إذا كانت الأرض مشاعة بينك وبين إخوانك، فإنه يجوز الرهن؛ لأنه يمكن سداد الحقوق منها، كما يمكن سدادها من المملوكات التي لا اشتراك فيها ولا شيوع.
(174/13)
________________________________________
الأسئلة
(174/14)
________________________________________
مشروعية كتابة الدين وعدم وجوبها

السؤال
هل كتابة الدين حالاتها مثل الرهن، وذلك أن من يؤمن السداد منه لا ينبغي له أن يطالبه بالكتابة، ومن خشي عدم سداده فإنه يطالبه بالكتابة، أم أن كتابة الدين مسنونة، وتُشرع مطلقاً أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى شرع كتابة الديون؛ لأن هذا أمكن لأهل الحقوق، وأبعد عن الجحد والكذب، وكذلك النسيان، وقد يكون الرجل الذي تعامله أميناً ديناً صالحاً، ولكنه ينسى، وحينئذٍ قال العلماء: إنها تشرع، والأصل أنها مشروعة، ولا شك أنها سنة، فالسنة أن يكتب المديون الدين الذي عليه للناس، ويوثق هذا الدين بشاهدين عدلين ممن ترضى شهادته، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن يُرضى للشهادة.
وأما بالنسبة لأحوال الناس من حيث الإنكار وعدمه، فكتابة الدين من حيث الأصل هي للاستيثاق، فإذا أمكن أن يستوثق لدَينه بكتابة المديون في وصيته ونحو ذلك فالأمر أخف، ولذلك قال بعض العلماء: تجب الوصية، ويجب أن يكتب وصيّته إذا كانت عليه ديون لم يستوثق أهله فيها.
مثال ذلك: لو جئت إلى صاحب بقالة، وأخذت منه بريال، فإنه لا يجوز لك أن تبيت تلك الليلة إلا وقد كتبت أن لفلان عليك ريالاً؛ لأنك لا تأمن الأجل، وهذا الريال الذي يتساهل فيه الإنسان تتعلق نفسه به، كما ورد في الحديث: (نفس المؤمن مرهونة بدينه)، وقال أبو قتادة رضي الله عنه في قصة الدينارين، حيث أُتي عليه الصلاة والسلام برجلٍ وعليه ديناران، أي: ديناً عليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (هل ترك وفاءً؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة رضي الله عنه: يا رسول الله! هما عليَّ، فصلَّى عليه عليه الصلاة والسلام، فلمّا مضت الأيام قال أبو قتادة: فلم يزل يلقني عليه الصلاة والسلام ويقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد، فيقول: هل أديت عنه؟ حتى لقيني ذات يوم فقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته).
فهذا أمرٌ عظيم، حتى إن قوله: (نفس المؤمن مرهونة بدينه) اختلف فيه بعض العلماء، فبعضهم يقولون: إنه يُرهن عن النعيم، بمعنى: أنه لا يُنعم، بل يُوقف عنه النعيم حتى يُسدد عنه، لأن قوله: (مرهونة) أي: محبوسة؛ لأن الرهن أصله الحبس والمنع، فإذا عبّر بالرهن فمعناه أنها محبوسة عن شيء، ونفس المؤمن لا تُحبس إلا عن خير، ولا تُحبس إلا عن فضل؛ لأن السياق سياق تخويف وتهويل، ولذلك قالوا: إنه يُمنع عن النعيم أو عن شيءٍ من النعيم.
لكن ظاهر النص أنها مرهونة، أي: محبوسة في هذا الدَّين، بل قال بعض العلماء: جرّبت الدين فوجدت فيه البلاء وحبس النفس حتى في الدنيا، فإن الرجل يكون عليه الديون وعليه حقوق الناس، فلربما تأخر في السداد فدعا المظلوم عليه، ولربما سها في السداد، أو جاءته النفس الأمارة بالسوء، فأخَّر السداد وهو قادر، فدعا عليه صاحب الدين دعوة، وهو مظلوم؛ لأن مطل الغني ظلم، يقول عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم)، فإذا امتنع من السداد وهو قادر، فقد ظلم، والمظلوم مستجاب الدعوة، قال: فيدعو عليه دعوة قد تكون سبباً في حرمانه من كثير من الخير.
وكان بعض يقول العلماء: وجدت في نفسي وجرّبت هذا أنني ما استدنت إلا وجدت غم الدين على قلبي، حتى أؤدي حقوق الناس، ويقول: إنني في بعض الأحيان لا أجد نشاطاً لطلب العلم، ولا أجد راحة في العبادة، لما تتعلق نفسي بحقوق الناس، ولكن ما إن أنفك منها وأسدد للناس حقوقهم، إلا وجدت الانشراح، ووجدت أنني في نعمة؛ فلا أحد يطالبني، وليس لأحد علي من حق.
فالبعد عن حقوق الناس ما أمكن هذا أفضل وأكمل.
وهذا لا يعني أن الدين مذموم أو محرّم، بمعنى: مذمومٌ ذماً يصل إلى التحريم، لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استدان، وهو خير الأمة، واستدان أصحابه والصالحون من بعده، وقالت أم المؤمنين رضي الله عنها: (والله لا أدع الدين منذ أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)، لكن إذا كان للغير عليك حق، وتعلم أنه لا سبيل لإثبات حقه إلا بالكتابة، فعليك أن تكتب في وصيتك، وهكذا إذا تعاملت مع إخوانك وأصحابك، فعليك أن تكتب ما لهم عليك من الحقوق، أو تستعير كتاباً من أخيك، أو تستعير شيئاً من أخيك، فتكتب أن لأخيك كذا وكذا، وإلا ضاعت حقوق الناس.
وانظر إلى رجل يأخذ أموال الناس دَيْناً ولا يكتب دينه، حتى إذا توفاه الله عز وجل جاء أصحاب الدين يسألون حقوقهم، فقال لهم الورثة: لا نعرف شيئاً، ما ترك مورِّثنا وصيّة نعلم بها حقوقكم، فماذا سيقول أصحاب الديون؟ سيشتكون إلى الله عز وجل، وربما دعوا على الميت، نسأل الله السلامة والعافية! وهذا لا شك أنه خطرٌ عظيم على العبد، فالواجب على المسلم أنه يحتاط لدينه ويستدرك، فإذا علم أن حقوق الناس لا سبيل لإثباتها إلا بالكتابة كتب، وإذا علم أن ورثته ربما أنكروا، أو ربما زيفوا الكتابة، أو امتنعوا من إعطاء الحقوق، كتب لكل صاحب دينٍِ كتاباً يستوثق به حقه إن جاء يطلبه يوماً من الأيام، والله تعالى أعلم.
(174/15)
________________________________________
توضيح صورة الرهن بعد الدين وحكمها

السؤال
ذكرتم -حفظكم الله- أن هناك ثلاثَ صور للرهن مع الدين، وذكرتم صورتين، وبقيت صورة: وهي الرهن بعد الدين، فما توضيح هذه الصورة أثابكم الله؟

الجواب
الرهن بعد الدين كما ذكرنا: أن يتفق معه مثلاً على دين عشرة آلاف ريال، ثم من الغد يعطيه رهناً، فهو في أثناء الدين لم يأخذ منه شيئاً، وبعدها بيوم أو يومين أعطاه الرهن، فإن هذا جائز ومشروع، سواءً وقع أثناء العقد أو بعد العقد، وأما قبل العقد ففيه التفصيل الذي ذكرناه، وإن كان الأصح والأقوى في غالب الصور مشروعية ذلك وجوازه، والله تعالى أعلم.
(174/16)
________________________________________
حكم التصرف في الرهن عند استيفاء أجل الدين

السؤال
من الذي يتصرَّف في الرهن عند استيفاء أجل الدين، هل هو الدائن أم المدين؟ وإذا كان الدائن هو الذي يتصرف، فربما لا يُحسن التصرُّف في الرهن كأن يبيعه مثلاً بأبخس الأثمان، فهل هناك من قيد لهذا التصرُّف أثابكم الله؟

الجواب
الأصل أنه إذا أعطاه الرهن فهناك حالتان: الحالة الأولى: أن يقول له: هذه الدار رهنٌ عندك، فإذا لم أسددك فبعها، وخذ حقك منها.
فهذا إذنٌ مسبق، وحينئذٍ من حقه إذا انتهى الوقت ولم يعطه حقه أن يبيعها مباشرة، وأن يأخذ حقه.
الحالة الثانية: أن لا يأذن له، أو يسكت عن الإذن، فحينئذٍ يُنتظر إلى تمام المدة، ثم يُرفع الأمر إلى القاضي، والقاضي ينظر إلى من لهم معرفة وخبرة، ومن بعد ذلك يحكم، أو يأذن لنفس الشخص إذا كان عنده خبرة ومعرفة أن يبيع، وليست الأمور هكذا مفلوتة، فمثلاً: لو أنه عرض الأمر على القاضي، فإن القاضي يسأل أهل الخبرة: بكم تُباع هذه الدار؟ فإن قالوا: بمائة ألف، فيقول له: اذهب وبعها بمائة ألف، فيذهب ويبيعها، فإذا وجد أنها لا تباع إلا بثمانين، ألزمه بالمائة؛ لأن هذا قول أهل الخبرة، ويُعطى كل ذي حق حقه، فلا يُظلم المديون، ولا يُظلم صاحب الدين، وهذا هو شرع الله عز وجل، أنه يُعطى كل ذي حق حقه، لا يُظلم الإنسان في حقه إذا كان له على الغير، وليس من حقنا أيضاً أن نظلم أصحاب الديون المعسرين في ممتلكاتهم، فتُباع عليهم بالبخس، والله تعالى أعلم.
(174/17)
________________________________________
جواز اشتراط الرهن أثناء عقد الدين أو بعده

السؤال
هل اشتراط الرهن ينبغي أن يكون أثناء بذل الدين، أي: في نفس المجلس، أم للدائن أن يضيف شرط الرهن بعد ذلك، خاصة إذا خشي عدم السداد أثابكم الله؟

الجواب
إذا اتفق الطرفان على الرهن في عقد الدين، فإنه لا بأس بذلك، وهو جائزٌ ومشروعٌ بالإجماع، وهكذا إذا سأله الرهن بعد أخذ الدين، وأراد أن يستوثق، فإن له ذلك، ولا بأس به؛ لأن الناس تختلف أحوالهم، فلربما أعطيت الرجل وأنت تظنه أميناً، ثم جاءك الثقة وأخبرك أنه مماطل، وأنه جحود، أو أنه متلاعب بالحق، فأردت أن تستوثق لحقك، فمن حقك أن تستوثق وتطالبه بالرهن.
واشتراط وجود الرهن في الدين، سواءً كان في البيع أو كان في القرض، هذا كله من المصالح، ويُعتبر شرطاً شرعياً، فمثلاً: إذا نظرنا إلى ما يترتب على وجود الرهن من المصالح لصاحب الدين وللمديون، فإننا نرى مشروعية ذلك؛ سواءً كان أثناء عقد الدين، أو بعد عقد الدين، فالحكم واحد، والنتيجة واحدة، ولا شك أن الإنسان ربما وثق في أناس على ظاهرهم، ثم تبين له خلاف ذلك، فيريد أن يستوثق من بعد فيشترط الرهن، فهذا من حقه.
أما لو وقع اشتراط الرهن أثناء عقد الدين، فإنه يعتبر ملزماً بالدَّين، والله تعالى أعلم.
(174/18)
________________________________________
حكم بيع ما زاد عن حاجة المديون لقضاء دينه

السؤال
أشكل عليَّ كلام لأهل العلم رحمهم الله بعدم جواز مطالبة المدين بالدين عند حلول الأجل إذا عُلِم عُسره، فهل تباع داره أو دابته، أم أنها من الضروريات فيُنتظر إلى ميسرته أثابكم الله؟

الجواب
الأصل الشرعي أن الله تعالى وسَّع على المعسر في عسره، فقال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، والمؤمنون رحماء بينهم، ولو أن المسلم نزّل نفسه منزلة أخيه المديون، الذي أصابته النوائب، وكثرت عليه البلايا والمستلزمات والحاجيات ونحوها، لو أنه أنزل نفسه منزلته لما رضي أن تُباع داره، ولما رضي أن يؤذى في ماله الذي لا بد له منه، إلا إذا كانت داره أكثر من حاجته، فلو أنه سكن في دارٍ قيمتها مائة ألف، والدين الذي عليه عشرة آلاف، ويمكننا بيع هذه الدار وأن يسكن في دارٍ بخمسين ألفاً، فإنها تُباع داره؛ لأنه زاد عن حقه المحتاج إليه بالمعروف بهذا القدر، فتُباع داره ويترك له ما يسكنه بالمعروف، وهذا مما يقضى فيه بالقاعدة المشهورة: (العادة محكّمة)، فإن كان الذي مثله يعيش في بيت بعشرين أو ثلاثين ألفاً، وذهب هو وسكن في بيت قيمته مائتا ألف أو مائة وخمسون ألفاً، أو حتى بستين ألفاً الذي هو الضعف، وجاء واستدان، ثم قال: أنا مُعسِر، وهو يسكن في هذا المسكن الفاره، أو عنده سيارة يحتاجها لنقل أولاده وعوائله، ولكن هذه السيارة يستطيع أن يستبدلها بما هو أرخص؛ فإنه لا يُعتبر معسراً، ولا يجوز دفع الزكاة إلى مثل هذا الذي يزيد في ماله ما يمكنه أن يُحسن التصرف به، ويسد به عجزه وعوزه، أما لو وجدت الحاجة والضرورة، وأصبح في عوز وشدة، فالحكم لا يخفى أنه يُنظر إلى الميسرة؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، والله تعالى أعلم.
(174/19)
________________________________________
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما.

السؤال
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورِك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما)، شمل الحديث البيِّعان في بركة البيع ومحق بركته، فإن كذب أحدهما، فهل يشملهما أثابكم الله؟

الجواب
المحفوظ عند أهل العلم رحمهم الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبَّر بالمتعاقدين على أن يأتي الخير منهما، أو الشر منهما، ومفهوم ذلك أنه لا يكون هذا من جهة، بحيث لو أن أحدهما كذب فإنه -والعياذ بالله- تُمحق البركة في جانبه وحده دون الجانب الآخر، ولو أنه غش فإنه تُمحق البركة في جانبه وحده دون الجانب الآخر، ومن هنا لو باع داراً مغشوشة، ودفع له مائة ألف، وسكنها المشتري، وهو لا يعلم بهذا الغِش؛ بارك الله للمشتري إن كان رضي بهذا الشيء؛ لأنه أعطى المال دون أن يغش البائع، ولكن تُمحق البركة من مال البائع، نسأل الله السلامة والعافية! فالذي يظلم هو الذي يتعلق به محق البركة، وقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما)، هناك من أهل العلم من يقول كلاماً غريباً في هذا الحديث، يقول: إنه إذا كذب البائع، أو كذب المشتري، فمعنى ذلك أنه سيحدث العيب في البيع، والعيب يُستحق به الرد، وحينئذٍ تعلق البلاء بالطرفين، وبناءً على ذلك يكون الحديث على ظاهره، أي: يشمل الطرفين، لكن هذا الجواب لا يخلو أيضاً من نظر؛ لأنه في بعض الأحيان يُغش الإنسان ويُدلّس عليه، فيرضى بهذا الغش ويرضى بهذا التدليس، ويبارك الله له في هذه الصفقة؛ بل إن الرجل يشتري الشيء الغالي، ويرى من غشّه وكذبه وبإمكانه أن يؤذيه ويضر به، فيترك أمره لله، فيبارك الله له في هذه الصفقة التي غُبِن فيها بأضعاف، والله عز وجل على كل شيءٍ قدير.
ومن طلب العِوض من الله سبحانه وتعالى فيما ينزل به من المصائب أو يحل به من النكبات؛ فإن الله يعوِّضه، وفي الله عِوض عن كل فائت، والله يجبر الكسير، ويجعل له من الخلف ما لم يخطر له على بال، فمن مستقل ومن مستكثر، والناس في الرضا ببلاء الله على مراتب، فمن كمُل رضاه كمّل الله له الجبر، وكمّل الله له الخير والبركة.
فالمقصود: أنه لا يمتنع أن تكون هناك بركة في البيع إذا كان أحدهما مظلوماً، وفوّض أمره إلى الله عز وجل، ورضي بما كان، والله سبحانه وتعالى يخلُف عليه بخير، والله تعالى أعلم.
(174/20)
________________________________________
حكم تأخير توزيع الميراث على الورثة

السؤال
ما حكم تأخير توزيع الورث على الورثة مع الاستطاعة على التعجيل، أثابكم الله؟

الجواب
لا يجوز لمن يقوم على أموال الموتى وإرثهم، كالإخوان الكبار والأعمام ونحوهم -ممن يلي الأموال والتركات- لا يجوز له أن يؤخر قسمة الأموال دون وجود عذرٍ شرعي، أو رضاً من الورثة، فإذا رضي الورثة، وقالوا: رضينا بأن نبقى شركاء في هذه العمارة، أو رضينا أن نبقى شركاء في هذه المزرعة، فهم ورضاهم، ولا بأس بإبقاء المال، ولو إلى سنوات، بل حتى ولو إلى أجيال، مادام أنهم رضوا بذلك فالمال مالهم، فكما يجوز لهم أن يشتركوا بالطلب، يجوز لهم أن يشتركوا بحكم الشراكة.
أما لو أن أحد الورثة طالب بحقِّه، أو عُلِم أنه محتاج، أو بقي محتاجاً مديوناً، ويبقى إخوانه يكتسبون ذلك منه مستغلين حياءه وخجله، فيمتنعون من قسمة المواريث، ورد الحق إلى صاحبه، وإعطاء كل وارثٍ ما تركه له مورِّثه، فهذا من الظلم، خاصة النساء، فإن النساء يُظلمن في هذه الحقوق كثيراً، وتغفل حقوقهن، ولربما أُكلت بالباطل، فلا يجوز مثل هذا، وعلى الأولياء والإخوان أن لا يجاملوا في هذا، ومن علم أن أخاه يريد حقّه، أو أن ظروف أخيه تحتاج إلى مساعدة، وتحتاج إلى مال، وأن من المصلحة بيع المال؛ فإنه يُباع، لكن هناك أحوال يؤخَّر فيها البيع، كأن يكون هناك ضرر على الورثة، كأن يكون السوق كاسداً، والمبلغ يسيراً، وفيه ضرر لو بِيع، ويُرجَّى بعد شهر أو شهرين -دون أن يكون هناك ضرر- أن يتحسن السوق، وأن يُباع بما هو قيمته، فحينئذٍ يجوز التأخير في حدودٍ وفي أحوالٍ معينة، فلا يجوز أن يُمنع الورثة من مال مورِّثهم، بل لقد رأيت من الناس من ترك له مورِّثه مالاً كثيراً، وهو والله يعيش كعيشة الفقير المسكين من تضييق إخوانه الكبار وأذيتهم له، ومحاولتهم احتوائهم للأموال، فإذا كان الرجل بالغاً رشيداً فهو أحق بماله، ومن منعه فقد ظلم، وظلم ذوي القربى أعظم من ظلم غيرهم، وعلى هذا ينبغي على أولياء الأموال أن يتقوا الله في إخوانهم، وأن يتقوا الله في قرابتهم، وأن يقسموا بقسمة الله عز وجل التي قسمها من فوق سبع سماوات.
(174/21)
________________________________________
حكم رهن الموصوف في الذمة

السؤال
أشكل عليَّ معرفة المقصود من قول المصنف رحمه الله: (يصح في كل عين)، هل الموصوف في الذمة لا يصح الرهن فيه أثابكم الله؟

الجواب
تقدّم معنا مسألة العين، ومسألة الذمة، وبيّنا أن المعيّن يكون العقد عليه ويفوت بفواته، وأن الموصوف في الذمة يصدُق على كل شيءٍ ينطبق عليه ذلك الوصف.
ومسألة قبض الرهن نص الله عز وجل عليها بقوله: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، ولذلك فإن الأصل في الرهن غالباً أن لا يكون إلا بالحاضر، كأن يقول: أرهنك سيارتي هذه، أو أرهنك ساعتي هذه، فهذا رهن الأعيان.
وأما إذا سبق قبض الرهن على الدين، فإنه يستقيم أن يكون في الموصوف، وحينئذٍ يكون الاستقبال والاستحقاق مستقبلاً لأخذ الدين وإعطاء العين من الرهن، وعلى هذا يكون في الذمة ابتداءً، ولكنه يئول إلى العين انتهاءً عند التعاقد، وحينئذٍ لا بأس، خاصة على مذهب من قال: إنه يجوز أن يتقدم الرهن على الدين، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه المسألة في المجلس الماضي، والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(174/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الرهن [2]
من المسائل المتعلقة بباب الرهن: جواز رهن المكيل والموزون والمعدود بشرط أن يقبض، وما لا يشترط فيه القبض في بيعه، فلا يشترط القبض في رهنه، ومن تلك المسائل: عدم جواز رهن ما لا يجوز بيعه، فلا يرهن إلا ما يجوز بيعه، ومنها: عدم لزوم الرهن إلا بالقبض، ومنها: أنه لا يجوز للراهن ولا للمرتهن أن يتصرف في الرهن إلا بإذن صاحبه، ومنها: مسألة نماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه ومئونته.
(175/1)
________________________________________
جواز رهن المكيل والموزون بشرط التقابض
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره].
تقدم معنا بيان مشروعية الرهن، وبيان الأركان التي يقوم عليها عقد الرهن، وبيّنا جملة من المسائل والأحكام التي صدّر بها المصنف رحمه الله باب الرهن، وشرع المصنِّف رحمه الله في هذه الجملة ببيان مسألة قبض الرهن، وعدم قبضه، فأول ما يقع بين المتعاقدين أن يقول الراهن: رهنتك كذا وكذا، فيُسمِّي الشيء الذي يريد رهنه، فإذا رضي من له الدين، قال: قبلت، فيقول -مثلاً-: رهنتك سيارتي، أو رهنتك داري، أو رهنتك أرضي، أو نحو ذلك مما يُقال بياناً للمرهون، فإذا بيّن لك الشيء الذي يريد أن يرهنه عندك حتى يُسدد الدين، فإن هذا الشيء ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مما يُكال أو يُوزن أو يُذرع أو يُعد، وإما أن يكون من غير ذلك.
فإن كان مما يُكال أو يُوزن أو يُعد أو يُذرع، فإن الرهن لا يتم ولا يكون إلا بالقبض، وبناءً على ذلك فلا بد أن يعطيك المكيل ويمكِّنك من قبضه، وهكذا الموزون، والمعدود، والمذروع قياساً، فإن كان المرهون مما لا يُكال، فإنه حينئذٍ يصح رهنه قبل قبضه، والأصل في اشتراط القبض أننا نوجب على من يريد أن يرتهن، أن يقبِض الرهن عنده، فإن الأصل في ذلك قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، والأصل في هذه الأشياء التي تُجعل في الرهن، إنما جُعلت من أجل أن يبيعها، وعلى هذا فلا بد أن تُقبض إن كانت من جنس ما يُشترط له القبض، وأما إذا كانت من جنس ما لا يُشترط فيه القبض، فيصح أن يَرهَنها قبل قبضها، وعلى هذا فرّق العلماء رحمهم الله -على ضوء ما تقدم معنا-: بين ما يُشترط فيه القبض، وما لا يُشترط فيه القبض، فما اشتُرط فيه القبض في المبيعات، بحيث لا يصح بيعه منك إذا اشتريته حتى تقبضه كالطعام المكيل والموزون، فلا يصح أن ترهنه قبل القبض، والعكس بالعكس، فالشيء الذي لا يُشترط فيه القبض يصح أن ترهنه قبل قبضه.
(175/2)
________________________________________
جواز بيع المرهون عند العجز عن سداد الدين
قوله: (على ثمنه)، فإن هذا المرهون حينما يوضع عند الشخص، إنما وُضِع من أجل أن يُسدَّد به الدين عند العجز، وتعذُّر السداد في الأجل، فلو استدان منك مائة ألف، وعجز عن سدادها، فإنه عن طريق هذا الرهن تقوم بأخذ حقك منه، وبناءً على ذلك يرهن على الثمن، ومن هنا فرّع العلماء مسائل الرهن على البيع؛ لأنه إذا عجز الشخص المدين عن سداد الدين، كان من حقك أن تأخذ حقّك من هذا الرهن؛ لأن المقصود من الرهن الوفاء وسداد الدين عند التعذُّر، أو الامتناع من السداد.
(175/3)
________________________________________
حكم رهن ما لا يجوز بيعه
قال رحمه الله: [وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه].
أي: أن كل شيءٍ يجوز بيعه في الأصل؛ فإنه يجوز رهنه، وكل شيءٍ لا يجوز بيعه؛ فإنه لا يجوز رهنه.
والسبب في كون العلماء يجعلون المرهون مبنياً على المبيع: أن المقصود من الرهن عند العجز أن تقوم ببيع الرهن وأخذ حقك منه، أو يقوم القاضي إذا اشتكيت إليه ببيع الرهن وسداد الدين منه، أو يقوم العدل الذي نُصِّب من الطرفين ببيع الرهن وسداد الدين منه.
وبناءً على هذا لو كان الشيء الذي وضعه عندك رهناً لا يمكن بيعه؛ أو لا يجوز بيعه، فإنه لا يمكن أن تتحقق الحكمة التي من أجلها شُرع الرهن، حيث أنك إذا عجزت عن السداد لم يستطع صاحب الحق أن يصل إلى حقه؛ لأن هذا الشيء الذي وضعته عنده لا يمكن بيعه، فمعنى ذلك: أنك وضعت شيئاً وجوده وعدمه على حدٍ سواء.
وعليه فلا بد أن يكون الشيء الذي تضعه رهناً قابلاً للبيع، بمعنى أنه يجوز بيعه، ويصح بيعه، فلا يجوز رهن ما يحرُم بيعه، وذلك كالأعيان المحرّمة، وهي التي وردت في حديث جابر بن عبد الله: (إنالله ورسوله حرّم بيع الميتة، والخمر والخنزير والأصنام) فلو أعطاه ميتة رهناً، كحيوان محنَّط من جنس ما لا يذكى، وقال له: إذا عجزت عن سداد دينك فبع هذا الحيوان وخذ حقك، فإن هذا الحيوان إذا كان ميتةً لا يجوز بيعه، فلا يصح أن يكون رهناً.
وهكذا إذا كان من الأعيان المباحة، ولكن يحرِّم الشرع بيعها لوجود الاستحقاق، كحق الله عز وجل في الوقف، فلو كان الشيء الذي يريد رهنه وقفاً، لم يصح أن يُرهن؛ لأن الأوقاف لا يجوز بيعها من حيث الأصل.
وعليه قالوا: يُشترط أن يكون المرهون من جنس ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه؛ لأنه يفوِّت المقصود من الرهن.
وهكذا لو رهنه أم الولد -على القول بعدم جواز بيع أمهات الأولاد- وكذلك بالنسبة للخنزير، والأصنام، ونحوها مما لا يجوز بيعه، قال بعض العلماء: ولو رهنه مجهولاً، كما لو قال له: أرهن عندك ما في داخل هذا الكيس، والذي في داخل الكيس مجهول، فإنه لا يصح رهنه، لكن لو كان الذي بداخل الكيس معلوماً، جاز الرهن وصح، ولو قال له: أرهنك الكيس نفسه، كأن يكون الكيس من جلد وقيمته مثلاً مائة ريال، فقال له: أعطني سلفاً مائة، وأرهن عندك هذا الكيس، صحّ.
إذاً: لا يصح رهن المجهولات، ولا يصح رهن محرَّمات الأعيان: كالميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام، وكل ما حرُم بيعه لا يجوز رهنه.
(175/4)
________________________________________
جواز رهن الثمر قبل بدو صلاحه بدون شرط القطع
قال رحمه الله: [إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع].
تقدّم معنا في باب بيع الأصول والثمار، وبيّنا هناك حكم بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، وبعد بدو الصلاح، وقلنا: إن الثمرة إذا بِيعت قبل بدو الصلاح لا يخلو البيع من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون بشرط القطع، والحالة الثانية: أن يكون بشرط البقاء، والحالة الثالثة: أن يكون بيعاً مطلقاً.
فلو كان عندك بستان وفيه نخل، وهذا النخل فيه ثمرة، وأردت أن تبيع الثمرة كما يسميه الناس: الصيف، أردت أن تبيع الصيف، وهذا الصيف لم يبدُ صلاحه، فإن قلتَ: خذ الثمرة بمائة ألفٍ، واشترط عليك أن تبقيها له حتى يبدو الصلاح، لم يجُز، وقلنا: إن ذلك بالإجماع.
ولو قال له: بعني ثمرة بستانك هذه التي لم يبدُ صلاحها، ولكني سأقطعها، بمعنى أنني أريدها علفاً للدواب، فقلنا: يجوز في قول جماهير العلماء، خلافاً لبعض السلف، كما هو قول سفيان الثوري، وابن أبي ليلى، كما تقدَّم معنا وبيّنا أن الراجح مذهب الجمهور، وهو أنه لو باعه الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع صحّ البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرّم بيع الثمرة قبل بدو الصلاح خوفاً من الآفة، لحديث أنس الذي في الصحيح: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟)، فإذا كان يريد أن يقطعها مباشرة، ويأخذها وهي خضراء علفاً للدواب، انتفت العلة.
فهنا لو قال: أعطني مائة ألف ديناً، فقال له: أعطني رهناً كي أعطيك هذا القرض، فقال: أرهن عندك ثمرة بستاني إلى شهر -وثمرة البستان لم يبدُ صلاحها- وإذا انتهى الشهر ولم أسددك، فاقطع الثمرة وبعها، صحّ الرهن؛ لأنه يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع.
فإن اتفق معه على أن يقطع الثمرة، ورضي له بذلك، فلا إشكال، لكن يبقى الإشكال أن القاعدة: أن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.
فلو أنه قال له: أعطني مائة ألفٍ، وهذه الثمرة التي لم يبدُ صلاحها رهنٌ عندك، على أنني إذا لم أسدِّد انتظرت إلى صلاحها فبِعت وأخذت حقّك، فحينئذٍ لم يشترط القطع، فللعلماء قولان: قال بعض العلماء: لا يصح أن يرهن الثمرة قبل بدو الصلاح بغير شرط القطع، وهذا على الأصل الذي ذكرناه، وهو أنه إذا كانت الثمرة قبل بدو الصلاح وباعها بغير شرط القطع؛ لم يصح البيع إجماعاً، وهو البيع المطلق، وإذا كان لم يصح البيع فمعنى ذلك: أن الرهن غير صحيح.
وقال بعض العلماء: يجوز أن يرهن الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، كما درج عليه المصنِّف، وهو الوجه الثاني عند أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع، وانتصر له غير واحد، وقالوا: إنه إذا لم يسدد المال فإنه يأخذ حقه من الثمرة، فإن فسدت الثمرة، فإنه لا ضرر على الإنسان؛ لأنه ليس البيع منصباً على الثمرة نفسها، فقالوا: إذا رضي صاحب الدين، وقال: إن يسَّر الله وصلحت الثمرة، فإنه حينئذٍ يكون حقي ببيعها، كان له ذلك، وهذا القول الذي درج عليه المصنِّف واختاره غير واحد؛ لأن العلة التي من أجلها مُنِع البيع ضعيفة في هذه الصورة، ولأن البيع لم يتم أثناء الدين، وأنت تعلم أنك إذا أخذت من صاحب المال مائة ألف، فإنه لا يستحق بيع بستانك إلا إذا عجَزت، وربما كان عجزُك بعد بدو الصلاح، ولذلك لا يُنظر إلى الحال، وإنما يُنظر إلى المآل.
ثم لو أن هذه الثمرة تلفت، فإن حقّه لا يلغى؛ لأنه مُطَالِب بحقِّه كدينٍ، بخلاف ما إذا دفع النقد لقاء الثمرة، فالفرق بينهما واضح، وهذا القول الذي اختاره المصنِّف واختاره جمعٌ من العلماء، أوجه وأولى بالصواب إن شاء الله تعالى.
(175/5)
________________________________________
اشتراط القبض في لزوم الرهن
قال رحمه الله: [ولا يلزم الرهن إلا بالقبض].
العقد ينقسم إلى قسمين: عقدٌ لازم، وعقدٌ جائز.
والعقد اللازم: هو الذي ليس من حق أحد المتعاقدين أو أحد الطرفين أن يفسخه إلا برضا الآخر، فإذا حصل من الطرفين الإيجاب والقبول لزِمهُما الإيجاب والقبول، والأصل فيه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، فأنت إذا بِعت بيتك، وقال المشتري: قبلت، وافترقتما؛ لزمه أن يدفع الثمن، ولزمك أن تمكِّنه من البيت.
إذا ثبت هذا فإنه يرد

السؤال
لو أن رجلاً قال لك: أعطني مائة ألف، وخذ داري رهناً عندك، أو اجعل عمارتي رهناً عندك، أو اجعل سيارتي هذه رهناً عندك، فإننا إذا نظرنا إلى هذا العقد، فننظر: فإن قلتَ: قبلت ورضيت، وخذ هذه المائة ألف، واترك السيارة رهناً عندي، فللعلماء قولان: من العلماء فمن قال: إذا قلت له: أعطني مائة ألف، وهذه السيارة رهنٌ عندك؛ فإنه يلزمك أن تمكِّنه من السيارة فوراً، بمجرد العقد، وهذا هو مذهب طائفة من العلماء، منهم المالكية، فهم يرون أن الرهن لازم بمجرّد الصيغة، وهي الإيجاب والقبول، فلو أنك مباشرةً بعد أن قلت له: خذ السيارة، وقال: قبلت، ثم قلت: لا، خذ -مثلاً- البيت بدل السيارة، أو خذ -مثلاً- الأرض الفلانية بدل السيارة، لم يكن من حقك ذلك على هذا القول.
فأصحاب هذا القول يرون أنك ملزم بالرهن بمجرد الإيجاب والقبول، وليس من حقك أن ترجع عنه مادام أنكما اتفقتما على تلك العين، فإن أردت أن تبدِّل فليس من حقك، كما إذا أردت أن تسحب السيارة فليس من حقك، وتسري عليه أحكام الرهن بمجرد الإيجاب والقبول، هذا القول الأول.
القول الثاني: لا يلزم الرهن إلا بالقبض، وبناءً على ذلك فإنك إذا قلت له: أرهنك هذه السيارة، وقال: قبلت.
فالإيجاب والقبول لا يكفي حتى يَقبِض السيارة، فإن قَبَضَها فإنه حينئذٍ يصير الرهن لازماً، ولو أنك قبل القبض عَدَلت عن الرهن، أو جئت ببدلٍ عنه، كان من حقك ذلك، وبناءً على هذا القول -وهو مذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة، كما اختاره المصنِّف ودرج عليه- فإن الرهن يكون بالقبض، ولذلك قال الله عز وجل: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، فدل على أن صفة القبض مؤثرة في الرهن، وأن الرهن لا يكفي وحده ما لم يكن مصحوباً بالقبض، فلزومه متوقفٌ على القبض.
وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله، في كون الرهن لا يلزم إلا بالقبض، فإذا قال لك: أعطني مائة ألفٍ وسيارتي رهنٌ عندك، أو هذه مائة صاع من الطعام رهنٌ عندك، أو هذا الكيس من الطعام رهنٌ عندك، فإنه من حقه أن يَعْدِل ويُبدِّل مادام أنك لم تقبض، فإن قبضت لزمه الرهن.
إذاً: القبض شرط، ولا يمكن أن يتحقق اللزوم بالرهن إلا بالقبض، فهل يكون القبض منك أو من الراهن؟ قالوا: ينبغي أن تستأذن الراهن، فلو أن السيارة كانت موجودة، ولم يعطك مفتاحها، ولم يمكِّنك منها؛ فإنك لم تقبض، أما إذا أذن لك وقال: خذها، فحينئذٍ تم الرهن بقبضك لمفتاحها أو ركوبك فيها، أو نحو ذلك مما يتحقق به القبض.
هذه صورة ومثال للقبض.
مثال آخر: لو قال له: أعطني مائة ألف دَيْناً إلى نهاية السنة، فقال: أعطني رهناً، فقال: هذه عمارتي رهنٌ عندك، فالعمارة لا تكون رهناً لازماً إلا إذا قبض صاحب الدين العمارة، والقبض في العمائر يكون بالتخلية، فإذا خلَّى بينه وبينها وأعطاه مفاتيحها فقد قبض، فلو عَدَلَ قبل ذلك لم يقع اللُّزوم، ولا يلزم الرهن حينئذ.
وبناءً على ما سبق هناك فوائد: الفائدة الأولى: أن الرهن لا يكون لازماً إلا بالقبض، ومن حق الراهن الرجوع والتبديل، ومن حقه أن يرجع ويُبدِّل مادام أنه لم يَلزمه الرهن.
الفائدة الثانية: أن هذا القبض إذا كان لازماً، يتوقف عليه لزوم الرهن على ظاهر القرآن: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]؛ فإنه يُشترط أن يمكِّنَك أو يأذن لك صاحب الرهن بأخذه وقبضه.
قالوا: فلو أنك أنت من عند نفسك أخذت الرهن بالقوة أو بالحيلة أو بالغفلة، دون إذنٍ منه، لم يَلزمه ذلك.
إذاً: لا بد أن يكون القبض بتمكينٍ وإذنٍ من صاحب الرهن، فلو أنك من نفسك جئت وأخذت الرهن، كان وجود الأخذ وعدمه على حدٍ سواء؛ لأن الرهن عقد رفق، وعقود الرِّفق لا تلزم إلا بالقبض كالقرض ونحوه، وقد بيّنا أن هناك عقوداً يُقصد منها الغبن المحض، وعقوداً يُقصد منها الرِّفق المحض، وعقوداً يُقصد منها مجموع الأمرين.
فالرهن من العقود التي يقصد بها الرِّفق؛ لأن المدين رفق بك فأعطاك الرهن لكي تستوثق من حقك، فليس من حقك أن تعتدي على ماله بأخذه دون إذنه، فهو من عنده أعطاك إياه رهناً، وإلا فالأصل أن تطالبه عند حلول الأجل بدفع المال، لكن هذا المال غير المال الذي أخذه منك.
ومن المعلوم أنه إذا استدنتُ منه مائة ألف فإن الذي له عليَّ مائة ألف، وليس سيارتي ولا داري ولا مزرعتي ولا أرضي، وبناءً على ذلك يقول العلماء: ليس من حقه أن يعتدي على هذه الأملاك إلا بإذن من صاحبها، وعليه فإن لم يمكنك من القبض، كان قبضك لها بالاعتداء وجوده وعدمه على حدٍ سواء.
إذاً: الفائدة الأولى: أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض لظاهر القرآن، والفائدة الثانية: أن القبض يُشترط فيه إذن المدين، أي: الذي عليه الدين.
(175/6)
________________________________________
كيفية قبض الرهن
وهنا مسائل: المسألة الأولى: لو قال لك: اقبض، وذهبت لتقبض، وقبل أن تقبض رجع عن إذنه، فإنه لا يصح قبضك، كما لو اعتديت مباشرة؛ لأن الإذن قبل تحقق الفعل والرجوع عنه يوجب بطلانه.
المسألة الثانية: إذا ثبت أن القبض معتبر فكيف يتحقق القبض؟ سبق أن بيّنا هذه المسألة، وقلنا: إن المبيعات منها ما يتحقق فيها القبض بالكيل إن كانت مكيلة، وبالوزن إن كانت موزونة، وبالعد إن كانت معدودة، وبالذرع إن كانت مذروعة، وبالمناولة إن كانت مما يُتناول، فلو قال لك: أعطني عشرة آلاف ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أُعطيك هذه الجواهر؛ فإن هذه الجواهر التي هي رهن يكون قبضها بالمناولة، أي: تُناوَل باليد، فإذا ناوَلك إياها، ووقعت في يدك تم قبضها، ولو كانت في كيسها ووعائها فأعطاها لك تم قبضها، لكن المكيل لا يكون إلا بكيله، والمعدود بعدِّه، والمذروع بذرعه، على التفصيل الذي ذكرنا.
وبناءً على ذلك يفرَّق في الأشياء بين ما كان من جنس المكيلات والموزونات، والمعدودات والمذروعات، وما يُتناول بالطريقة التي ذكرنا.
والمعدودات: مثل الإبل، كأن يقول: أعطيك عشرة من الإبل رهناً، أو هذه الناقة رهنٌ عندك، فإنه حينئذٍ يُمَكَِّنك من قبضها، فإذا قبضتها أو قبضها وكيلك فحينئذٍ لزم الرهن.
ولو كانت عمارة، فَقَبْضُ العمارةِ يكون بالتخلية، بأن يخلِّي بينك وبينها بإعطاء المفاتيح، فإذا أعطاك مفتاحها، أو خلَّى بينك وبينها للدخول والاستيثاق منها، كان هذا بمثابة القبض لها.
وقس على هذا بقية الأمور، وهناك أشياء يكون قبضها بالعرف، فنرجِع إلى أعراف التجار في كيفية قبضها، وقد سبقت الإشارة إلى هذه المسألة في مسألة القبض في أوائل كتاب البيع.
(175/7)
________________________________________
استدامة قبض الرهن شرط في لزومه
قال رحمه الله: [واستدامته شرط].
استدامة القبض شرط، أي: أن يبقى الرهن عندك، ويكون تحت يدك وفي حوزتك، فلو أنه أعطاك السيارة ثم جاء في يوم من الأيام وأخذ مفتاحها وقادها من بيتك أو من مزرعتك، وأخرجها من المكان الذي وضعتها فيه، فحينئذٍ يزول لزوم الرهن، فإن ردّها بعد ذلك رجعت لازمة بعد الرجوع.
إذاً: استدامة القبض شرط في لزوم الرهن؛ لأن الله قال: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، وهذا الوصف لازم وباقي؛ لأن الرهن ليس بيعاً بحيث نقول: ننظر إلى ابتدائه؛ لأن بعض العقود ننظر إلى ابتدائها، وبعض العقود ننظر إلى مآلها، فالرهن ننظر إلى مآله؛ لأن الرهن لا يُراد لذاته، أنت حينما تعطي العمارة رهناً لقاء (مليون)؛ فإنك لم تقصد بيع العمارة (بالمليون)، وإنما قلتَ له: إن عجزت عن سداد (المليون) كان من حقك بيعها، ثم بعد ذلك تأخذ حقك، وعلى هذا فالعمارة في الأصل ملك للمدين، وعليه فليست في حكم المبيع من كل وجه، إنما هي بمثابة الاستيثاق، فلا بد أن تبقى تحت يد المرتهن؛ لقول الله عز وجل: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283]، فإن خرجت عنه خرجت عن وصف الرهن؛ لأنها لم تصل إلى المآل، بحيث بِيعت أو تُصُرِّف بها، وإنما هي باقيةٌ وأمانةٌ، وإذا سُحِبت منه زال اللزوم؛ لأن وصف القبض المستصحب في الرهن قد زال.
(175/8)
________________________________________
خروج الرهن بالاختيار يزيل لزومه فإن رد عاد لزومه
قال رحمه الله: [فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه، فإن رده إليه عاد لزومه إليه].
قوله: (فإن أخرجه) أي: المرتهن صاحب الدين، أي: أخرج الرهن، فمثلاً: عندك سيارة، وجئت إلى رجل وقلت له: أقرضني عشرة آلاف ريال، فقال: أعطني سيارتك رهناً، فقلت له: هذه السيارة وهذه مفاتيحها رهن عندك وأعطني العشرة آلاف، فأعطاك العشرة آلاف.
ثم بعد ذلك جِئتَ في يوم من الأيام فقلت له: يا فلان! عندي ظرف، وأريد أن أسافر إلى المدينة بأهلي، فهل تأذن لي أن آخذ السيارة؟ فقلت: خذها، فإذا أخرجتها فقد أخرجتها باختيارٍ منك ورضا منك، فيزول اللزوم، وأنت مأجور ومثاب على هذا الفعل، حيث قدرت ظرفه وأعطيته.
لكن لو جاءك وقال: أريد السيارة لأسافر بها أو أذهب بها، فقلت له: لا أُعطيك؛ كأن تعرف أنه مماطل، أو رجل مخادع، ولم تأمن، فقلت له: لا أعطيك، فذهب، ولما نمت جاء إلى مكانها وأخذ المفتاح الذي عنده فقاد السيارة واستخرجها، فهل نقول: قد زال اللزوم؟ هنا خرجت بغير اختيارك، وفي هذه الحالة يكون قبضه لها غير لاغٍ لصفة القبض الأصلية، ويبقى الرهن كما هو؛ لأن الإخراج من اليد كان على سبيل القهر، والختل، والخلسة، وهكذا لو هددك فأخذها بالقوة والقهر، فإنه لا يزول وصف القبض، ولا تزول الأحكام، بل تبقى؛ لأن خروجه بغير اختيارك، والشرط أن يكون الخروج بالاختيار لا بالاضطرار.
فإن كان الخروج بالإكراه أو بالغصب أو بالخلسة والخديعة، فوجوده وعدمه على حدٍ سواء.
فقد اشترط رحمه الله وجود الاختيار الذي ينبني عليه اعتبار الإخراج، وعدم لزوم الرهن.
وقوله: (فإن ردَّه إليه عاد لزومه إليه، أي: إن رد الرهن -كالسيارة- بعد أن قضى منه حاجته؛ رجع اللزوم إليه، أي: رجع الرهن إلى حكم اللزوم.
(175/9)
________________________________________
عدم نفاذ التصرف في الرهن من أحد الطرفين من غير إذن الآخر
قال رحمه الله: [ولا ينفذ تصرف واحدٍ منهما فيه بغير إذن الآخر].
قوله: (ولا ينفذ) النفاذ: السَّرَيَان، وهناك شيء يسميه العلماء: النفاذ والوقف، أي: هناك عقد نافذ، وعقد موقوف، والعقد النافذ: هو الذي تتوفر فيه الأركان والشروط المعتبرة، فيُحكَم بنفاذه وسَرَيانه، والعقد الموقوف: هو الذي تعترضه عوارض تمنع من سريانه، كما ذكرنا في بيع وشراء الفضولي، على القول بصحته، لكنه يبقى موقوفاً على إجازة المالك الحقيقي.
ومعنى كلامه رحمه الله: أنه لا ينفذ تصرُّف أحدهما في الرهن، فلو أنك أخذت الرهن وقبضته، ودفعت للرجل عشرة آلاف ريال، ثم إن الراهن أخذ وثيقة الرهن -كصك البيت مثلاً- وباعه، أو أخذ استمارة السيارة وباعها، فإن هذا التصرُّفُ من الراهن في الرهن وعليه يد القبض تصرُّفٌ لاغٍ؛ لأن الرهن الآن لازمٌ وثابتٌ ومحتكرٌ لحق الأول، وهو صاحب الدين، فإذا تصرَّف صاحب الرهن في الرهن بالبيع مثلاً، فإنه حينئذٍ قد عَطَّل هذا العقد الشرعي، ولو كان بيع الرهن يصح، وهو مقبوض عند المرتهن؛ لانعدمت المصلحة من الرهن، ولأمكن لكل شخصٍ أن يحتال على غيره، فتراه يرهن أرضه، وسيارته، وعمارته، ثم يبيعها ولا يبالي.
إذاً: لا ينفُذ التصرف في الرهن، فلو أن شخصاً أعطاك بيته أو عمارته أو مزرعته أو أرضه رهناً، وتم القبض المعتبر شرعاً؛ فَلَزِم الرهن، وفوجئت بعد شهر وقبل السداد وإذا بالراهن قد باع هذه العمارة، أو الأرض، أو المزرعة، فترفع قضيتك إلى القاضي، فتُقيم الشاهدين العدلين على أنها مرهونة، فينقض القاضي بيعه ويُلغيه، وحينئذٍ يُبقي العين مرهونة إلى تمام ما بين الراهن والمرتهن، فإن تمت مدة الدين وسدّد فالحمد لله، وحينئذٍ إن شاء باع وأتم صفقة البيع فلا إشكال، فالمال ماله، وأما إذا لم يسدد كان من حق القاضي أن يبيع العين سداداً للدين، كما ذكرنا.
وعلى هذا فلو تصرَّف بالبيع، أو تصرَّف مثلاً في المنافع؛ فإنها تُحبَس، كما سيأتي، فلو أجَّر العمارة، أو أجّر المزرعة، فكل هذه المكاسب تُحبس في الرهن حتى يُسدَّد الدين؛ لأنه موقوف ومرهونٌ لحق، ومستوثق لدين، فلا يمكن أن يُتصرَّف فيه إلا بعد تمامه، هذا كله إذا تصرَّف الشخص المدين الذي هو الراهن.
أما لو تصرَّف صاحب الدين، كما أعطيته سيارتك في عشرة آلاف ديناً، وفوجئت أنه قد باع هذه السيارة، ادعى أنها له وباعها، فإنه لا يصح البيع، وليس من حقه أن يُقدم على بيع الرهن إلا إذا تمت المدة ولم تسدد، فحينها من حقه أن يقوم بالبيع إن أذنت له، وإلا رفع إلى القاضي وباع.
وقوله: (بغير إذن الآخر)، أي: إذا أذن الآخر له أن يبيع، كأن جاءه وقال: يا فلان! قد رهنت عندك سيارتي أو أرضي أو عمارتي أو مزرعتي، وأنا محتاج لهذه الأرض أن أبيعها وأتصرف فيها، وقال له: بعها، فحينئذٍ يكون برضا الطرف الآخر، ويصح البيع، ويزول الرهن؛ لأن البيع يفوِّتها من ملكية الراهن.
وفي بعض الأحيان يبقى الرهن في جزئها، كأن يقول: يا فلان! لك عليّ مائة ألف، والعمارة التي رهنتها عندك قيمتها مائتا ألف، سأبيع نصفها وأبقي نصفها رهناً عندك، فقال: قبلت، فحينئذٍ يلتغي النصف المباع، ويبقى النصف غير المباع على الرهن، وقس على هذا من المسائل في المشاعات، كما تقدم معنا في رهن المشاع.
(175/10)
________________________________________
حكم عتق الراهن للرهن
قال رحمه الله: [إلا عتق الراهن فإنه يصح مع الإثم وتؤخذ قيمته رهناً مكانه].
قوله: (إلا عتق الراهن) أي: يصح عتق الراهن مع الإثم؛ لأن العتق لا يُمكن تداركه، ولذلك عظَّم الله عز وجل أمر العِتاق والنذر والطلاق والنكاح، ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاث جدُّهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق -وفي رواية-: النذر)، فمن قال -وهو يمزح- لعبده: أنت حر، فإنه يُلزم ويُصبح حراً لوجه الله شاء أو أبى، ولو قال: كنت أمزح، فنقول: جِدُّه جِد وهزله جِد، ولو قال لرجل: زوّجتك بنتي، وهو يمزح، وقال الآخر: قبلت، فإنه يصير ملزماً بالنكاح؛ لأن جد النكاح جد، وهزله جد.
وهكذا لو قال لامرأته -يمزح معها-: أنتِ طالق، فإنها تطلُق عليه؛ لأن جد الطلاق جد، وهزله جد، وهكذا لو نذر وقال -على سبيل المزاح-: لله علي أن أصوم غداً، أو أصوم شهراً، لزِمه، ولو قال: كنتُ أمزح، فنقول: جِدُّه جِد، وهزله جِد.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أربع جائزات إذا تُكلِّم بهن: النكاح، والطلاق، والعتاق، والنذر).
وعلى هذا فلو أنه تَلفّظ بالعتق فأعتق العبد المرهون، فإنه لا يمكنه أن يتدارك العِتق، ويأثم؛ لأنه تصرَّف على وجهٍ محرّم، ولأن هذا ليس من النصيحة للمسلم، وقد غشّ أخاه المسلم حينما جعل العبد رهناً عنده ثم فوّت عليه ذلك.
وقوله: (ونؤخذ قيمته رهناً مكانه).
فإذا اشتكى صاحب الدين إلى القاضي، وقال: فلان رهنني عبده، ثم أعتقه، قلنا: يسري العِتق، وإذا سرى العِتق بطل الرهن وفات، فماذا يفعل القاضي؟ هل يلغي العِتق؟ نقول: العِتق لا يُلغى، بل يقوم القاضي بإلزام المدين بوضع رهنٍ بديلاً عن الرهن، فمن العلماء من يقول: يكون ثمن العبد رهناً، ومنهم من يقول: يُنظر إلى الذي هو مثله، فيقوم مقامه، والأول أوجه وأقوى.
والفرق بين القولين: أنه ربما كان الثمن أكثر، وربما كان مثله أو أقل، والعكس، وحينئذٍ تكون قيمة الرقيق رهناً عند صاحب الدين، فإن عجز عن السداد أُخِذ منها بقدر الدين وسُدِّد الدين، كما لو عجز وبِيع الرقيق سداداً للدين.
فهذا الذي أعتق عبده إن كان قاصداً، فإن على القاضي أن يعزِّره؛ لأنه أذية للناس ومعاملة لهم بالغش، فإن القاعدة أنه إذا تعامل شخص مع أخيه المسلم بعقدٍ شرعي، فينبغي على كلٍ منهما رعايته، فإذا خدع أحدهما الآخر فعلى القاضي أن يعزّر الخادع بما يناسبه، وهذا يختلف بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص والأزمنة والأمكنة، ويرجع فيه إلى العرف، وبابه باب التعزير، كما سيأتي إن شاء الله.
(175/11)
________________________________________
نماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه
قال رحمه الله: [ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه ملحق به].
بعد أن بين المصنف رحمه الله المسائل المتقدمة في الرهن، شَرَع في مسألة نماء الرهن.
ومن المعلوم أن الرهن تارةً يزيد وتارة ينقص، فإذا رهن الشيء وهو على صفة، ثم زاد أثناء مدة الرهن، فهل الزيادة تكون للمالك الحقيقي أو تكون تابعة للرهن، أم أن هناك تفصيلاً في المسألة؟ من أهل العلم من قال: كل زيادة في الرهن تُعتبر تابعة للرهن، وهذا مذهب الجمهور من حيث الجملة.
والزيادة تنقسم إلى قسمين: زيادة متصلة، وزيادة منفصلة.
فالزيادة المتصلة: مثل أن يعطيه بعيراً ويكون نحيفاً ثم يصير سميناً، وتصير حالته أفضل من حالته حينما وضعه عند الرهن، أو يعطيه الرهن وهو بحالةٍ ضعيفة، كأن يكون مريضاً، فيصبح صحيحاً، ونحو ذلك من الزيادات المتصلة بالرهن.
وأما الزيادة المنفصلة: مثل أن يعطيه ناقة، ثم ظهر بها حمل، فولدت، فهل الولد يتبع الأم أو لا يتبعه؟ أو رهن عنده بستانه سنتين، وللبستان ثمرة، وهذه الثمرة هل تتبع قيمتها البستان فتكون رهناً، أو لا تتبع خلال السنتين؛ لأن البستان نفسه مرهون، وثمرة البستان خلال السنة قيمتها مائتا ألف مثلاً، فخلال السنتين ستكون أربعمائة ألف، فهل نقول: الأربعمائة ألف تُوقف ويمنع صاحب البستان منها، وتكون تابعة للبستان في الرهن؛ حتى يأتي وقت السداد، فإن شاء سدّد وإلا أُخِذ من الرهن على قدر الدين؟ من أهل العلم من قال -كما ذكرنا-: إن الزيادة من حيث الجملة تكون تابعة، وبعضهم يرى أن الزيادة المتصلة تتبع، والزيادة المنفصلة لا تتبع.
ومن حيث الأصول فإن الأشبه والأقوى أن الزيادة تابعة لأصلها؛ لأنه لما رهنه رهنه على جهة الاستحقاق والاستيثاق، وأصول الشريعة تدل على أن الفرع تابعٌ لأصله، فلو قلنا: إنها لا تتبع، فهذا يُشكل وتنبني عليه مسائل أُخر في أبواب أخرى، وتنخرم القاعدة، فالأصل الشرعي أن هذه الرقبة صلاحها وفسادها مرهون إلى أن يأتي وقت السداد، ويُتوصل عن طريقها إلى الحق، فإذا جاء وقت السداد وسدد للناس حقوقهم وإلا أُخذ منها، ونحن لا نظلمه، فإن ماله مردودٌ عليه، له حقُّه الذي في الرقبة، سواءً كان زائداً في الرقبة أو في النماء الموجود فيها.
وعلى هذا: فإن إبقاء النماء والزيادة تابعة للأصل هو الأشبه والأقعد والأقيس والأقرب للأصول، فلمّا لم يرد دليل يستثني أولاد الأمهات، إذا رهن الأرقاء، ولا أولاد البهائم، وقد عُلم أن البهائم تكون رهناً، فلمّا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استثناء للفروع والنماء، دلّ على أنها باقية وتابعة لأصولها، وعلى هذا يُقال: إنه ينبغي إبقاء هذا النماء تابعاً لأصله.
لكن لو كان هذا النماء لا يمكن حبسه، ويُحتاج إلى بيعه، مثل ثمرة البستان، كما لو أخذت ديناً مائة ألف، وقلت: سأسددها بعد خمس سنوات، وهذا البستان رهنٌ عندك، فإنك إذا رهنت البستان، فالثمرة خلال خمس سنوات لا يمكن أن نبقيها في النخلة؛ لأن بقاءها في النخلة ضرر وإفساد لها في بعض الأحوال، وبناءً على ذلك نقول: من حق صاحب البستان أن يقطعها ويبيعها؛ ولكن يُطالب بجعل القيمة مرهونة، هذا إذا كان النماء لا يمكن إبقاؤه، كثمرة البستان، فإنه لا يمكن أن تبقى إلى وقت السداد، فتؤخذ قيمتها مكانها، أما لو أمكن بقاؤها كأولاد البهائم، وأولاد الأمهات إذا رهن الأرقاء، فإنها تبقى على حالها ولا يُتصرَّف فيها، كما لا يُتصرف بالأصول والأمهات.
وقوله: (وكسبه) أي: كسب الرهن، فلو أن رجلاً استدان منك ألف ريال، وقال لك: أعطني ألف ريال إلى نهاية السنة، فقلت له: أريد رهناً، فقال: ما عندي رهن إلا ناقتي، أو ما عندي رهن إلا سيارتي، أو ما عندي رهن إلا هذه الشاة، فرهن الشاة أو الناقة وقيمتها ثمانمائة ريال، فلمّا مضت الأيام أصبحت قيمتها ألفين، فجاءك وقال لك: أنا أعطيتك هذا الرهن وقيمته ثمانمائة ريال، وسأُعطيك بدلاً عنه رهناً بقيمته، فنقول له: لا، بل يبقى ويكون الكسب تابعاً للرهن أيضاً، ويبقى مضموناً إلى أن يأتي وقت السداد، فإن سددت فالحمد لله، وإن لم تسدد فلن نأخذ منك إلا قدر الدين الذي عليك.
إذاً: النماء والكسب التي يكون في الرهن، كزيادة قيمته، أو يكون له منافع كرقيق، فقد كانوا في القديم يضعون العبد رهناً، فإذا كان العبد صاحب حرفة، ويريد أن يتكسب، فهذا الكسب تابعٌ للرهن.
وعلى هذا قالوا: نماء الرهن وكسبه ملحق به.
وقوله: (وأرش الجناية عليه ملحق به)، مثال أرش الجناية في القديم والجديد: في القديم يمثلون بالرقيق أو الدابة: فلو أن رجلاً جاءك وأعطاك ناقته، وقال: هذه الناقة رهنٌ عندك لقاء ألف ريال، ثم إن هذه الناقة جنى عليها إنسان، فأتلف يدها، وأُعطي لقاء التلف الموجود فيها خمسمائة ريال التي هي أرش الجناية، فأصبح هناك ناقة وأرش جناية عليها، فالأرش يُحبس مع الناقة.
وفي الجديد نمثل بمثال معاصر: لو أن رجلاً قال لك: أعطني عشرة آلاف ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أُعطيك سيارتي رهناً، فقلت له: قبلت، فوُضِعت السيارة أمام بيتك، في مكان محفوظ، فجاء شخص، وضرب السيارة بسيارته، وهذا التلف الذي أصاب السيارة قدِّر بثلاثة آلاف ريال، أرش جناية، فدُفِعت الثلاثة الآلاف، فنقول: هذا الأرش يكون تابعاً للرهن، ويبقى الأرش محبوساً مع السيارة حتى يأتي وقت السداد ويُحكم فيه.
هذا هو معنى قوله: (أرش الجناية عليه).
(175/12)
________________________________________
تحمل الراهن مئونة الرهن
قال رحمه الله: [ومئونته على الراهن].
إن الله سبحانه وتعالى عدل، ولن تجد على وجه الأرض أكمل من هذه الشريعة، لا أكمل أحكاماً، ولا أحسن نظاماً: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام:115]، وهذه الشريعة ما دامت أصولها كاملة، ففروعها واجتهادات العلماء رحمهم الله المستنبطة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قمة في الكمال، والبهاء، والجلال، وقمة في العدل والمساواة.
فكما أن هذا الرهن كسبه ونماؤه يكون لصاحبه ويُحبس، كذلك الغُرْم والأذيَّة والضرر يتحمّل مسئوليتها الراهن، ما لم يقصِّر من وُضِع عنده الرهن تقصيراً يكون سبباً في الأذية، أو سبباً في حصول الضرر؛ فحينئذٍ يتحمل مسئوليته.
ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يغلق الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه،) (لا يغلق) أي: يكون الذي دفعته: سيارتك، وأرضك، وعمارتك، ومزرعتك، ودوابك، وعبيدك ونحو ذلك مما دفعته في الرهن، إن صار له كسب ونماء؛ فإنه يُحفظ مع رهنك، وليس لمن له الدين، ولو أنه حصل للرهن ضرر وآفة سماوية، أو ضرر بدون تعدي ممن وضعت عنده الرهن، فإنك تتحمل أنت مسئوليته، ويكون النقص عليك، وقوله عليه الصلاة والسلام: (له غنمه وعليه غرمه)، فالذي يغنَم يغرم، وهذا هو عين العدل.
ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم -يقرر هذه القاعدة في حديث أبي داود -: (الخراج بالضمان)، يعني: الربح لمن يضمن الخسارة؛ إذ ليس من العدل أن نقول: ربح الرهن يكون لصاحبه، ولو حصل على الرهن ضرر أو أذية فإنه يكون على المرتهن، فإن هذا من الظلم، ومن هنا عدلت الشريعة بين الناس، فالغنم بالغرم.
ومن هنا قال العلماء في القاعدة المشهورة: (الخراج بالضمان) وقولهم: القاعدة: (الخراج بالضمان) ما هو إلا تأدباً مع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وحديث: (الخراج بالضمان) أجمع العلماء على متنه، والعمل به، كما حكى ذلك الإمام أحمد رحمه الله وغيره.
ومنهم من يقول: (الغنم بالغرم)، يعني: الغنيمة لمن يتحمل الخسارة، أي: يأخذ النتاج والربح والنماء من يتحمل الخسارة.
وعلى هذا: فإن الراهن هو الذي يأخذ النماء، وعليه البلاء، أي: إن حصل نقصٌ تحمّله، وإن حصلت زيادة كانت له.
(175/13)
________________________________________
تحمل الراهن كفن المرهون وأجرة المخزن إن احتاج إلى حفظ
قال رحمه الله: [وكفنه وأجرة مخزنه].
قوله: (وكفنه) إذا كان الرهن عبداً فمات، فقيمة الكفن على الراهن.
وقوله: (وأجرة مخزنه) مثلاً: أعطاك رهناً واحتاج إلى وضعه في مخزن، فإن أُجرة المخزن تكون على الراهن، وليس على صاحب الدين؛ لأن الرهن في الأصل لمن عليه الدين، وعلى هذا يكون متحمِّلاً لأجرة حفظه.
وقد قلنا: إن القبض إذا كان معدوداً فإنه يحتاج إلى عد، فهل تكون أُجرة العد على الراهن أو على صاحب الدين؟ قالوا: تكون أجرة العد على الراهن، فهو الذي يتحمل أجرة العد.
وإذا كان منقولاً يحتاج إلى نقله إلى بيت المرتَهَن، فهل يكون النقل على المرتَهَن أم على الراهن؟ قالوا: يكون النقل على المرتهن.
(175/14)
________________________________________
الأسئلة
(175/15)
________________________________________
حكم أجرة الطبيب إذا لم يشف المريض

السؤال
لو أن رجلاً دفع مبلغاً للطبيب؛ وذلك من أجل العلاج للمرض، فإذا لم يُشف المريض، فهل يُلزم الطبيب برد المبلغ للمريض أثابكم الله؟

الجواب
هذه المسألة فيها تفصيل من حيث الأصل، فإن المهمات والأعمال الطبية تنقسم إلى أقسام: فهناك مهمات تُطلَب من الطبيب، أو من مساعد الطبيب، أو من الممرض، أو مَن يتوكَّل عنهم، وهي إدارة المستشفى، فتطلب هذه المهمات بغض النظر عما تتضمنه، مثلاً كالتحاليل، وتصاوير الأشعة، ونحوها مِن المهمات الظاهرة التي يقوم بها الطبيب والممرض، ونحوهم من مساعدي الأطباء، فهؤلاء يقومون بهذه المهمة على وِفق ما طُلِب منهم، فهذه لا دخل لها بمسألة الشفاء وعدمه.
لكن الطبيب إذا دخل عليه المريض، وقال له: افحصني، فقام بفحصه، وتعاطى أسباب الفحص الواجبة عليه طبياً، وقام بها على وفق الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، وأدّاها على وجهها، ثم بعد ذلك شخّص المرض، فإنه إن استأجره من أجل التشخيص، وأصاب في تشخيصه؛ كان المال من حقه، وأما إذا كان أخطأ في التشخيص، فإنه يتحمل مسئولية الخطأ، كأن خرج عن الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، أو خمَّن، أو ما إلى ذلك.
مثال ذلك: هناك أنواع من المرض لا يمكن للطبيب أن يحكُم بوجودها إلا بعد أن يستعين -بعد الله عز وجل-بالفحص بالوسائل المتبعة عند المختصين، وهناك نوعان من العوارض: العوارض الظاهرة، والعوارض الباطنة، فيمكن أن يشخِّص أنها قرحة بالاحتمال، فإذا جاءه شخص وقال: أشعر بألم في هذا المكان، وأشعر بحموضة، وأشعر بكذا وكذا، وجاء بالعلامات التي تسمى: بالسريرية؛ والفحص السريري هو الذي يكون في البداية، فهذا يمكن أن يكون احتمالياً، فيحتمل أن تكون قرحة أو غيرها، فقال: أنت مصاب بالقرحة، وشخَّص على أنه مصاب بالقرحة، مع أن بإمكانه التصوير بالأشعة؛ لكي يتحقق هل هو مريض بالقرحة أم لا؟ فأعطاه الدواء على أنه مريض بالقرحة دون أن يتبع الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص؛ من إحالته إلى التصوير بالأشعة، أو أن يحلل له دماً أو نحو ذلك، للوصول إلى معرفة المرض الذي لا يُتوصَّل إلى الجزم به أو غلبة الظن إلا عن طريق هذه الوسائل، فإن قصَّر على هذا الوجه، وشخَّص بالطريقة الأولى، التي هي التمهيدية، أو الفحص السريري، أو الفحص المبدئي، فإنه حينئذٍ إذا أخطأ تحمّل مسئولية الخطأ، وسقط استحقاقه في الأجر؛ لأن هذا الفحص الذي قام به ليس على الوجه المتَّبَع، وليس على أصولٍ متَّبعة.
أما لو أنه قام بتعاطي الأسباب، وبذل جهده، وفعلاً وُجِدت الأمارات والدلائل، وبنى عليها، فلا إشكال، وإن كانت الدلائل محتمِلة فخالف أصول المهنة، كأن تأتي صورة ليست بواضحة، فالأصول المتَّبعة عند أهل المهنة: أنه إذا جاء التصوير بالأشعة مثلاً غير واضح؛ فإنه يطَالب بإعادته، فلم يعد التصوير، وقال: هناك احتمال في الصورة أن عندك مرض كذا، ثم أعطاه دواءً بناء عليه، فإنه يتحمل المسئولية إذا تبيّن أنه ليس عنده هذا المرض.
إذاً: مدار المسألة: أنه إذا بذل ما يجب عليه بذله، واتبع الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، ولم يجازف بالمريض، ولم يعرِّضه للخطر، فحينئذٍ يكون من حقه أن يأخذ أجرة مثله، أو ما اتُّفِق عليه.
لكن لو قلنا: إنه أخطأ وقصَّر، وخرج عن الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص؛ فإنه يكون هناك أمران: أولاً: أنه قام بغير العمل الذي ينبغي القيام به؛ لأن المريض ائتمنه فيما بينه وبين الله، وحمّله المسئولية أن يتقي الله عز وجل فيه فيعامله معاملة المثل، فإن خرج عن هذه الأمانة، فقد خرج عن مقتضى العقد بينهما، ومن هنا لا يستحق الأجرة، بل وتترتب عليه مسئولية الدنيا بمحاسبته ومعاقبته ومطالبته بضمان ما ترتّب على خطئه، وتترتب عليه مسئولية الآخرة إذا لم يتب الله عز وجل عليه، فيعاقَب عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة.
وهناك شيء قريب من الإجارة الطبية، وهي مسألة القراءة بالقرآن، فبعض العلماء يجعلها من باب الجُعل لا من باب الإجارة، وهناك فرق بين الجعل والإجارة؛ لأن الحديث في الصحيح: (اجعلوا لنا جعلاً)، فإذا قلنا: إن القراءة بالقرآن على المرضى والمصروعين والممسوسين جُعل؛ فيكون الأمر فيها أشد، فإذا قرأ القارئ على المريض، فإنه لا يستحق المال إلا إذا شُفي؛ لأن النص الذي ورد باستحقاق أخذ الأجرة على القراءة بالشفاء، وإنما أخذ الصحابة رضوان الله عليهم الأجر بعد الشفاء.
ومن هنا فكون بعض القراء يفتحون عيادات، فتجدهم يأخذون مبالغ كالرسوم قبل أن يقرءوا على المرضى، فهذا لا يخلو من نظر؛ لأنه لا يتأتى فيه الجعل وإنما هو إجارة، وليس هذا من ضرب الإجارة، وإنما تكون القراءة هبة من الله سبحانه وتعالى: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) لمن قرأه فأعطاه حقه، وجعل الله عز وجل ثمرة هذا التوجه إليه سبحانه وتعالى بقراءة القرآن الإخلاص، فإنه يجعل له أجر الدنيا والآخرة، فيجعل له عاجل البشرى من الدنيا إذا أُعطي شيئاً أن يأخذه للسُّنة، وإن أحب أن لا يأخذ وأن يختار أجر الآخرة: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ:47]، فهذا أكمل وأعظم أجراً، وهو أوجب لنزول البركة له إلى أن يقبضه الله عز وجل، فقلّ أن تجد قارئاً لا يأخذ من الناس إلا وتأذَّن الله ببقاء البركة والخير في قراءته.
فكون القراء يفتحون العيادات، ويكون هناك أناس يقبضون أجرة معيّنة، ويجلس معهم الجلسة الأولى لكي يبين أنه ممسوس أو مسحور أو كذا، فهذا أمر فيه توسُّع، ويحتاج إلى إعادة نظر ودراسة شرعية، يحصل من لقائها الحكم بأن هذا عمل شرعي؛ لأنها تصبح أشبه بالتكسب الدنيوي المحض.
ومسألة: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) إنما هو في جُعل، والجُعل ثابت في النص، قال: (اجعلوا لنا جُعلاً)، ومن قواعد الشريعة أن ما كان من باب الجعل فلا يستحق إلا بعد تمام الشفاء الكامل؛ لأن الجُعل يخالف الإجارة، وسيأتينا هذا، وهذا مقرر عند العلماء: أن الإجارة تُستحق شيئاً فشيئاً، فلو قام بنصف العمل، فإنه يستحق نصف الأجرة، لكن في الجعل لا يستحق شيئاً حتى يأتي بالعمل كاملاً، فإن كان قد جعل له جُعلاً على أن يقرأ على مريضه فيُشفى، فلا يستحق إلا إذا شفي المريض.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يُلهمنا الصواب في القول والعمل، وأن يعصمنا من الزلل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(175/16)
________________________________________