المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزءعاشر


gogo
10-19-2019, 01:38 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
حكم ذبح الرجل العقيقة عن نفسه بعد الكبر

السؤال
لم يعق والدي عني، فهل لي أن أعق عن نفسي بعد الكبر؟

الجواب
يقول بعض العلماء: إن العقيقة تفوت إذا فات وقت ذبحها، وكما ذكرنا أنهم لا يرون ذلك بعد الواحد والعشرين، وبعض العلماء يرى أن للكبير أن يعق عن نفسه إذا علم أن والده لم يعق عنه؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل غلام مرهون بعقيقته) قالوا: فيشرع له أن يفك رهنه، ولكلا القولين وجهه، والله تعالى أعلم.
(133/23)
________________________________________
حكم من عق بشاة ثم ألحق بها أخرى

السؤال
إذا لم تتوفر إلا شاة عن الذكر فإنه يؤديها، ولكن إذا توفرت فيما بعد أخرى فهل له أن يلحقها بالأولى؟

الجواب
هذا فيه التفصيل الذي تقدم، فإن تيسر له الوجدان قبل استتمام العدد -عند من يحد بالزمان- فإنه يشرع له أن يذبحها؛ لأن المراد أن يحصل الذبح وإراقة الدم قربة لله عز وجل، فالمقصود يتحقق إذا كان داخل الزمان المعتبر، وأما إن جاوز الزمان المعتبر، فعند من يمنع بعد استمام الأمد فإنه تجزيه الشاة الأولى، وأما الثانية فهي صدقة من الصدقات، والله تعالى أعلم.
(133/24)
________________________________________
حكم العق عن السقط

السؤال
هل يعق عن السقط سواء نفخ فيه الروح أم لا؟

الجواب
السقط إذا لم ينفخ فيه الروح فإنه لا يعامل معاملة الكامل، وأما إذا نفخت فيه الروح واستتم المدة، فقال بعض العلماء: يعق عنه، وقال بعضهم: لا يعق عنه إلا إذا ولد واستهل صارخاً؛ لأن الأصل أنه متعلق بالولادة، والقول الثاني هو الأقوى؛ لأن العبرة بولادته حياً، وأما إذا لم يولد حياً فإنه لا وجه للعق عنه، والله تعالى أعلم.
(133/25)
________________________________________
صحة حديث (أعلنوا النكاح ... )

السؤال
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف، واجعلوه في المساجد)، فهل هذا حديث صحيح؟

الجواب
الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإعلان النكاح وإشهاره في أكثر من خبر، ففي رواية: (واضربوا عليه بالدفوف)، وفي رواية: (واضربوا عليه بالغربال)، والمراد بذلك: الدف المعروف الذي يكون من جلد البهيمة، ولا يكون بآلات العزف التي فيها الفتنة، ويتقيد بهذا النوع المعروف المشهور من (الطِّيران) ونحوها التي تكون من جلد البهيمة، وليس فيها فتنة بالضرب عليها كالزير ونحوه.
وقصد الشرع من هذا: أن يفرق بين الحلال والحرام، والسفاح والنكاح، ومن هنا لم يجز أن يستكتم الشهود الخبر، فلا يجوز لأحد أن يقول لشهود النكاح: لا تخبروا أحداً، فإنه لو عقد على هذا الوجه فإنه يسمى: نكاح السر، وكان عمر رضي الله عنه إذا رفع له نكاح السر جلد الولي والشهود على ذلك؛ لأنهم يخالفون شرع الله من إعلان النكاح، والسنة في إعلان النكاح هو إشهاره وإظهاره حتى تثبت الأنساب، وتحفظ الحقوق، ويكون في ذلك جمع شمل الناس لحصول الوليمة، كما قال صلى الله عليه وسلم لـ عبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة)، والله تعالى أعلم.
(133/26)
________________________________________
صيام الورثة عن الميت

السؤال
إذا كان على الميت صيام شهرين، وذلك لقتله مسلماً خطأً، فهل يُلزَم الورثة بصيام هذين الشهرين؟ أثابكم الله.


الجواب
اختلف العلماء رحمهم الله في الصوم عن الميت: فقال بعض العلماء: لا يصوم الحي عن الميت مطلقاً.
وقال جمهور العلماء: يصوم الحي عن الميت من حيث الجملة.
وهو الصحيح؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس في الصحيح لما سألت المرأةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمٍّ لها ماتت وعليها صوم نذر، فقالت: (يا رسول الله! أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دَين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم.
قال: فدَين الله أحق أن يُقضى)، فأمرها عليه الصلاة والسلام بالقضاء، والصوم صوم نذر.
واختلف العلماء الذين يقولون بالمشروعية: فمنهم من يقول: يختص القضاء بالنذر، ولا يقاس عليه غيره؛ لأنها عبادة بدنية، والأصل في العبادات البدنية ألا يقوم مكلف عن مكلف، وأنها تجب عيناً؛ كالصلاة، فإنه لا يصلي أحد عن أحد، ولو مات وعليه صلاة فلا تقبل عنه الصلوات؛ لأنها عبادة بدنية والصوم مثلها.
وقال بعض العلماء: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء لهذه المرأة رُكِّب على علة، وهي قوله: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟)، فدل على أن العلة كون ذمة الميت شغلت بهذا الحق.
وهذا هو الصحيح، وهو أن الصيام الواجب يُشرع قضاؤه من الورثة.
والله تعالى أعلم.
(133/27)
________________________________________
الحكم إذا نسي الإمام سجدة

السؤال
إذا نسي الإمام السجدة الثانية ثم تشهد وسلم، ثم أُخبر بالنقص، فماذا يصنع الإمام في هذه الحالة؟ وماذا يصنع المسبوق؟

الجواب
أما بالنسبة للإمام فإن فاتته السجدة الثانية من الركعة الأخيرة وتشهد ثم سلم ناسياً، وسبح له الناس أو نبهوه على الخطأ، وعلم أنه قد انتقص من الركعة الأخيرة سجدتها الأخيرة، فالحكم أنه يستقبل القبلة ويسجد السجدة الأخيرة، ثم يتشهد ثم يسلم ثم يسجد بعد السلام سجدتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر أنه سلم من اثنتين في الرباعية الظهر أو العصر، استقبل القبلة عليه الصلاة والسلام وأتم الركعتين ثم سلم ثم سجد بعد السلام.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(133/28)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - أسئلة وأجوبة في الحج
(134/1)
________________________________________
حكم من حج وهو صبي ثم بلغ

السؤال
شخص حج وهو صغير، لكنه بعد البلوغ شك في حجه، هل هو صحيح أم لا، فهل يسقط عنه الحج بهذه الحجة أم يعيدها، أرجو التوضيح أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن حج الصغير لا يجزيه عن حجة الإسلام، فإذا حج قبل أن يحتلم فإن حجه نافلة، ولا يجزئ عن حج الفريضة، ولذلك يطالب بإعادته بعد البلوغ.
والله تعالى أعلم.
(134/2)
________________________________________
جواز قراءة القرآن حال السعي والطواف

السؤال
هل يجوز قراءة القرآن حال السعي بين الصفا والمروة والطواف بالكعبة، أثابكم الله؟

الجواب
لا حرج في قراءة القرآن في الطواف والسعي، والسنة أن يدعو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا، فإن قرأ القرآن فلا حرج، ولكنه إذا دعا وسأل الله من فضله تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم فذلك أبلغ في الاقتداء والائتساء.
والله تعالى أعلم.
(134/3)
________________________________________
جواز الحج عن الغير مع نية التجارة

السؤال
إذا حججت عن امرأة متوفاة، وذلك مقابل مبلغٍ من المال، فما هي صيغة الدعاء لها؟ وهل يجوز لي أن أعمل بسيارتي بالإضافة للحج عنها، أثابكم الله؟

الجواب
ليست هناك صيغة معينة للدعاء، فيدعو الإنسان للميت دعاءً مطلقاً، ويدخل في هذا الدعاء ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الله العفو والمغفرة له (قال: يا رسول الله! هل بقي عليَّ من بري لوالدي شيءٌ أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما).
فالدعاء مطلق، وأما ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من دعائه أبي سلمة حينما دخل فسمع أهله يصيحون لما قضى، فقال: (لا تدعوا على أنفسكم فإن الملائكة يؤمنون، ثم قال: اللهم اغفر لـ أبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم أفسح له في قبره ونور له فيه)، فإذا دعا الإنسان لوالديه أو دعا للميت، فيقول: اللهم اغفر لفلان، اللهم اغفر لفلانة، اللهم ارفع درجتها في المهديين، اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلفها في عقبها في الغابرين، واغفر لنا ولها يا رب العالمين، وأفسح لها في قبرها ونور لها فيه.
فهذا الدعاء يثاب صاحبه؛ لأنه تأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أرجى للإجابة؛ لما فيه من الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والائتساء به، وهكذا الدعاء له بالمغفرة العامة لذنوبه صغيرها وكبيرها، والتجاوز عنه ورفع درجته، إلى غير ذلك من الأدعية المطلقة، فلا حرج فيه، فإذا حج الإنسان عن ميت دعا له واستغفر له وترحم عليه، وخاصة في مواطن ومظان الإجابة.
أما إذا حججت عن إنسان وأردت أن تعمل بسيارتك في الحج، فالصحيح أن الحج لا يمنع التجارة، لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198]، فإنها نزلت فيمن يريد الحج والتجارة، وهذا يدل على أنه إذا كانت نية العبادة هي الأصل، ونية الدنيا تبعاً، فإن ذلك لا يؤثر، ومن أمثلتها: إذا درس الطالب على أساس أن يكون موظفاً وينتفع بدراسته، فإنه إذا نوى أن يطلب العلم لنفسه ثم بعد ذلك ينتفع بمصلحة الدنيا فلا حرج؛ لأن الله تعالى يقول: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198]، فجعل نية الدنيا تبعاً لنية الآخرة، ولم يؤثر في الحج أن يكون قصد من ورائه التجارة، وعلى هذا فإنه لو سأل الله الرزق بسيارته أو دابته أو بنفسه، أو اشتغل في حمل متاع أو نحو ذلك، فلا حرج عليه، وهكذا إذا صنع طعاماً، ولكن لا يشغله عن المقصود الأهم من ذكر الله عز وجل وإقامة شعائره في حجه.
والله تعالى أعلم.
(134/4)
________________________________________
معنى حديث: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)

السؤال
نرجو توضيح قول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تقبل الله حجه: (رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) أثابكم الله؟

الجواب
هذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن من حج ولم يرفث ولم يفسق، وكانت نيته خالصة لوجه الله عز وجل، وأعطى لهذه العبادة حقها، وأقام لها حقوقها، فإنه يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، بلا ذنب لا صغير ولا كبير، وهذا حديث عام، وقال بعض العلماء بالتخصيص، ولكنه ضعيف، والصحيح: أنه لا يبقى له ذنب لا صغير ولا كبير على ظاهر النص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، قال العلماء: وهذا أمر عزيز، ولا شك أنه لا يمكن أن يكون إلا بجهد جهيد، وتوفيق من الله عظيم، والسبب في ذلك واضح، ولذلك قال تعالى: {فَلا رَفَثَ} [البقرة:197]، وفي الحديث: (من حج هذا البيت فلم يرفث)، وفي الحج تكون هناك من المناظر التي لا يستطيع الإنسان أن يحفظ بصره ويغضه إلا بخوف من الله شديد، ومراقبة لله سبحانه وتعالى، ويحفظ جوارحه؛ لأن الرفث يشمل كل ما يكون من دواعي الشهوة، فيشمل ذلك حركاته وسكناته وكلماته، وما يكون منه من أفعال، خاصة إذا كان معه أهله وزوجه، فإن هذا يحتاج إلى نوع من المجاهدة.
والفسق هنا يشمل صغائر الذنوب وكبائرها، بمعنى: أنه لم تحدث منه أي زلة ولا خطيئة، إلا ما كان من اللمم الذي يغفره الله عز وجل بالصلوات الخمس، فإذا حفظ الإنسان نفسه، فحينئذٍ قالوا: إذا حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فهو نصٌ صحيح صريح لم يستثن شيئاً، ولذلك القول: بأنه تغفر له جميع الذنوب صغيرها وكبيرها قول صحيح.
لكن بعض العلماء يقول: إن الحقوق التي للناس لا تغفر، والسبب في هذا أنه يشترط في التوبة رد المظالم، والجواب: أنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فهو ويمكن أن يجاب: بأن الله يتحمّل عنه حقوق عباده، إذا كان لم يستطع القيام بها، وهذا اختاره بعض العلماء والأئمة إعمالاً للنص على ظاهره، أي: أنه يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وما كان من حقوق للعباد خاصة إذا عجز عن وفائها وأدائها فالله عز وجل يتحملها عنه، وكان بعض العلماء يقول: قلّ أن يحج إنسان ويوفق للحج المبرور إلا وظهرت عليه دلائل التوبة النصوح، ووفقه الله عز وجل حتى للخروج من المظالم، وهذه من رحمة الله، فإن الله إذا أراد أن يعفو عن عبده ويغفر له هيأ له أسباب العفو والمغفرة، حتى إنه ربما تكون بينه وبين إنسان مظلمة، ولم ير هذا الإنسان منذ زمن بعيد، فيشاء الله أن يراه في ساعة لا يتوقع رؤيته فيها، كل ذلك من حبه سبحانه للعبد، فإذا أحب الله العبد ورأى منه صدق التوبة والإنابة هيأ له كل أسباب القبول، ووضع له أسباب الزيادة من البر والإحسان والخير والطاعة، كما قال سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين يعد عباده المهتدين: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد:17].
فالذي يصدق مع الله، ويقوم بالفرائض، ويؤديها على أتم الوجوه، يهيئ الله له من عنده بتيسيره وفضله ومنّه وكرمه ما يكون معونة له على القبول، وعلى حصول الخير المرجو من طاعته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولذلك يقول العلماء: لهذا القبول أثر وله حلاوة يعرفها من عرفها، ويجدها من وجدها.
نسأل الله بأسمائه وصفاته أن لا يجعلنا من المحرومين، وأن يجعلنا من عباده المرحومين.
والله تعالى أعلم.
(134/5)
________________________________________
حكم من كان سريع النسيان فيقصر أو يترك من العبادات

السؤال
من كان سريع النسيان وبه خلل عقلي، فهل يأثم على ما يتركه أو يقصر فيه، أثابكم الله؟

الجواب
من كان سريع النسيان أو به خلل في عقله، فهذا بلاء، والله عز وجل يبتلي من يشاء، وقد يحب الله عبداً من عباده فيختار له منزلة ودرجة في الجنة لا يبلغها بكثير صلاة ولا صيام، وإنما يبلغها بالبلاء، فيبتليه، فيصبح أصماً أو يصبح أخرس، فلا يتكلم في أعراض الناس، ولا يقع في غيبة ولا نميمة، ويسلمه الله من هذه الشرور والآفات لرحمة يريدها له في الآخرة.
وهكذا إذا كان سريع النسيان، فإنه سبحانه وتعالى قد يبتليه بهذا الابتلاء لرحمة يريدها به، فما عليه إلا أن يحمد الله على بلائه، وكما في الحديث الصحيح: (فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط).
وكان السلف الصالح رحمة الله عليهم يحبون البلاء، فإذا نزل بهم البلاء رضوا عن الله، وهذا هو مقام الرضا؛ وهو من أشرف المقامات وأحبها؛ لأن من كمال التوحيد لله عز وجل أن ترضى بقضائه وقدره، وأن تسلم الأمر له سبحانه وتعالى، فلا تصيبك مصيبة في نفسك ولا أهلك ولا مالك ولا ولدك إلا تلقيتها منشرح الصدر مطمئن القلب، راضياً عن الله سبحانه وتعالى؛ لعلمك اليقيني أن الذي كتبها وقدرها وأوجدها -وهو الله سبحانه وتعالى- أنه قدّرها جل جلاله لطفاً بك، فإن رضيت فلك الرضا، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا حب قوماً ابتلاهم)، وكان السلف الصالح يكرهون زوال البلاء، بمعنى: أنهم يتحسرون على فوات الأجر إذا زال عنهم البلاء، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إن الله إذا أحب قوماً)، فتأمل قوله: (إذا أحب قوماً ابتلاهم)، فيبتلي الإنسان بالضيق والنسيان، ويبتليه بالهموم والغموم في نفسه، فانظر إلى رجل أصابه الهم في نفسه، أو جاءه كدر في نفسه فقال: الحمد لله، ورضي عن الله عز وجل، وأحسّ أن هذا ابتلاء، وكما أنه يتقرب إلى الله عز وجل بركوعه وسجوده، فينبغي أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالحمد والطمأنينة، وانشراح الصدر بما ابتلاه الله به، ويقول: الحمد لله، ذنوبي كثيرة، ولو عاقبني الله بما أنا أهله لما أبقاني على وجه الأرض، ثم يقول: الحمد لله الذي صرف عني ما هو أشد وأعظم، ثم قال: الحمد لله الذي أعلمني أن هذا بلاؤه وقدره، ثم يقول: الحمد لله الذي أنزل بي هذا البلاء، ولم يجعلني من الغافلين، إذاً: الذي يبتلى يصبر ويذكر ويشكر، ويحتسب عند الله عز وجل، والذي يعطى ولا يبتلى ربما يصيبه النسيان، وتصيبه الغفلة، فيكون في زلة قدم والعياذ بالله، وأمن من مكر الله عز وجل به.
فالمقصود: إذا تلقى الإنسان هذه الأمور بالرضا؛ وجدته في أحسن الأحوال وأتمها، ولربما وجدت الرجل مشلولاً لا يستطيع أن يتحرك، ولربما تجده كفيف البصر، فتقول له كيف حالك؟ فيقول: الحمد لله، وإذا بصدره أوسع من الدنيا بما فيها؛ وذلك مما أفرغ الله في قلبه من الرضا (فمن رضي فله الرضا)، وانظر إلى كل بلاء ينزل بك، فمجرد ما تنزل المصيبة تتلقاها بنفس مطمئنة، وخاطر راضٍ غير منكسر لحق الله جل جلاله، وتتلقاها بمحبة وإقبال على الله عز وجل، فتجد كل يوم يمر بك وكل ساعة، بل كل لحظة تمر بك وأنت في أنس ولذة، وقد كان بعض العلماء يحب مثل هذه المقامات التي فيها قرب من الله عز وجل، ولذلك تجد في أيام المرض من حلاوة ذكر الله ما لا تجده أيام العافية، وتجد أيام الضر والنكبات من الأنس بالله ما لا تجده في أيام الصحة والعافية.
فلذلك إذا تلقى الإنسان هذه البلايا بقلب مطمئن وصدر منشرح وسّع الله عليه الضيق، وأُثِر عن بعض العلماء أنه كان مهموماً في يومه، وكان الطلاب عنده، فلما كان المساء جاء أحد عبيده ومواليه فكلمه بكلام، فسرِّي عنه وانبسط وانشرح، فقال أحد طلابه: رأيت منك اليوم أمراً عجباً، رأيتك مهموماً مغموماً مكروباً، فما هو إلا أن أتاك عبدك وأخبرك فانشرحت نفسك، وتغيّر وجهك، فقال: إني أصبحت ولم أر في نفسي ولا أهلي ولا مالي مصيبة، فقلت: ما ذلك إلا لأن قدري عند الله نزل، ولو كان لي عند الله قدر لابتلاني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم)، فلما أمسيت جاءني العبد وزعم أن عبدي فلاناً قد مات، فحمدت الله عز وجل أنه لا يبتلي إلا من يحب.
ولذلك تجد أن أحب الناس إلى الله عز وجل هم أقلهم مالاً، وهم الفقراء والضعفاء، وتجدهم أكثر ذكراً لله، وأكثر طاعة وقرباً من الله سبحانه وتعالى، وأكثر إقبالاً على الله، وخوفاً منه سبحانه، وتجد الغني الثري أكفر الناس لنعمة الله وأغفلهم عن الله، وأكثرهم إعراضاً عن الله عز وجل، ولذلك من نعم الله عز وجل أن يبتلي العبد، فإذا تلقى الإنسان الابتلاء وكان سريع النسيان فعليه أن يقول: الحمد لله، واعلم أن الله لا يبتليك بابتلاء إلا وفيه نعمة من جهة أخرى، فإن الذي ينسى تذهب عنه الهموم؛ لأنه إذا نزلت به المصائب ينساها بسرعة، فالله يبتلي في شيء ويرحم في شيء، والذي يحفظ تجده يحفظ الأذية، ولربما تبقى في قلبه سنوات، ويتحسر ويتألم بها، ويكون من الصعب اجتثاثها واقتلاعها من قلبه، نسأل الله السلامة والعافية.
إذاً: من رحمة الله عز وجل أن الإنسان يحمد الله، فإن سلبك الله الحفظ فقد يعوضك العبادة، وقد يعوضك خيراً من ذلك؛ كالخشوع والذكر والدعاء.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا ما يكون عوناً على طاعته ومرضاته ومحبته، ونسأله أن يلطف بنا فيما ابتلانا به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(134/6)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مسائل في محظورات الإحرام
من أحرم بالحج أو العمرة فقد حرمت عليه عدة محظورات، فلا يجوز له أن يفعل شيئاً منها، ومن ارتكب شيئاً منها فهناك أحكام وكفارات مترتبة على فعله ذلك.
(135/1)
________________________________________
محظورات الإحرام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد نظرت في مسائل الحج ومباحثها فوجدت فيها مسائل تعم بها البلوى، وكان البعض يقترح أن نتحدث عن صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنعم بها وأكرم من صفة! ولا شك أن الأجر بها أعظم، خاصة وأننا نتعرض لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها الأجر والمثوبة، وهي الخير كله.
لكن لما نظرت وجدت أن صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم لا تخفى على كثير من طلاب العلم، ولكن هناك مسائل تعم بها البلوى، ويكثر السؤال عنها، وقد تجد طالب العلم يحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتيه السائل ويقول له: تطيبت ناسياً تطيبت جاهلاً لبست ثوبي ناسياً لبست ثوبي جاهلاً بالحكم قتلت الصيد قتلت ذئباً قتلتُ حيةً فما الحكم؟ فمسائل محظورات الإحرام مسائل تعم بها البلوى، ولذلك آثرت أن يكون حديثنا -إن شاء الله- عن مسائل من محظورات الإحرام.
وخاصةً أن محظورات الإحرام نحتاجها لأنفسنا لكي ننقذ أنفسنا من الضلال، ونبتعد عن الأمور المحرمة إذا تلبسنا بمناسك الحج والعمرة، وكذلك فيها النفع الكثير للناس.
(135/2)
________________________________________
معنى محظورات الإحرام
وسنتكلم عن محظورات الإحرام في أمور ومسائل: أولها: ما معنى قول العلماء: محظورات الإحرام؟ المحظورات: جمع محظور، يقال: حظرت الشيء عليك إذا منعتك منه، ولذلك سميّت الحظيرة حظيرة؛ لأنها تمنع الدواب من الخروج، فالحظر: التحريم والمنع، والمحظورات جمعها العلماء؛ لأنها ليست بواحدة وإنما هي متعددة، فجمعت لاختلاف أنواعها.
والإحرام: نية أحد النسكين أو هما معاً، فإذا قال العلماء: الإحرام، أو قالوا: لا يجوز لمن أحرم، أو قالوا: يجب على من أحرم، فمرادهم من نوى النسكين: الحج والعمرة كالقارن، أو أحدهما كالحج مفرداً، أو العمرة وحدها، فإذا نوى الإنسان العمرة، أو نوى الحج، أو هما معاً؛ فقد دخل في الإحرام، ويقال: أحرم، ولا يلزم الإنسان بترك محظورات الإحرام بمجرد لبسه للإحرام كما يفهم العوام، إنما تحرم محظورات الإحرام بعد نيتك للنسك، فلو لبست الإحرام ولم تلب بالنسك ولم تنو، جاز لك أن تصيب هذه المحظورات، وإنما تحرم عليك بعد الدخول في النسك بالنية.
(135/3)
________________________________________
لبس المخيط
المسألة الثانية: ما هي محظورات الإحرام؟ المحظورات تسع: أولها: لبس المخيط، وثانيها: الطيب، وثالثها: تغطية الوجه، ورابعها: تغطية الرأس، ومنه الأذنان، وخامسها: حلق الشعر أو قصه أو نتفه، وسادسها: تقليم الأظفار، وسابعها: عقد النكاح، وثامنها: الجماع ومقدماته، وتاسعها: قتل الصيد.
ومنهم من يقول: الصيد، ومنهم من يقول: إتلاف الصيد، والمعنى واحد، وإن كانت بعض التعبيرات أدق من بعض.
أولاً: لبس المخيط، يقال: لبس الثوب إذا دخل فيه، والمخيط: يشمل المخيط المعتاد المفصل على الجسم، وما في حكمه؛ كالمحيط بالعضو كما سيأتي، قال بعض العلماء: يخرج من هذا الارتداء؛ كالقباء ونحوه، فاللبس: أن تدخل يديك، والارتداء: أن تضع الشيء على عاتقك دون إدخال، مثال ذلك: لو أخذت هذا البشت أو هذه العباءة ووضعتها على كتفيك وأنت محرم من شدة البرد، فإنه لا يصدق عليك أنك قد لبست، هذا إذا قلنا: إن اللبس لا بد فيه من الإدخال، أما إذا قيل بمطلق اللبس، فإنه يشمل من وضعه على كتفه سواءً أدخله أو لم يدخله، وهذا هو الفرق بين قولهم: الارتداء، واللبس.
وهنا مسائل: أولاً: ماهو الدليل على أنه يحرم على الحاج والمعتمر أن يلبس المخيط؟ وثانياً: ما هي مسائل لبس المخيط؟ أما الدليل على تحريم لبس المخيط على المحرم سواءً كان بحجٍ أو عمرة، فقوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عمر -وهو في الصحيحين-: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحدٌ لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين)، فالمخيط إما أن يستر أعلى البدن كالقميص، وفي حكمه ما يسمى الآن -وأنا أحب دائماً أن نمثل بالأشياء العصرية؛ لأن بعض طلاب العلم يسمع أسماء قديمة ثم ترد عليه مسائل عصرية فلا يحسن الجواب فيها؛ لأنه عرف القديم ولم يعرف تطبيقه على الجديد- فبعرفنا اليوم الفنيلة الموجودة الآن هذه سترٌ لأعلى البدن، والكوت سترٌ لأعلى البدن، فاللباس إما أن يكون ساتراً لأعلى البدن، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: (لا تلبسوا القمص)، أو يكون ساتراً لأسفل البدن: (ولا السراويلات)، ومثله البنطلون الموجود الآن، وسواءً كانت طويلة أو قصيرة، ثم قد يكون اللباس جامعاً بينهما كالثوب، قال عليه الصلاة والسلام: (ولا البرانس)، وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أن الفقه أن تنظر إلى معاني الأحاديث، وأن لا تقتصر على ظاهر اللفظ فقط؛ فلو كان ظاهر اللفظ هو المراد فقط لكان عليه الصلاة والسلام ذكر لبساً معيناً وقال: لا تلبسه، ولكن كونه يحدد المواضع ويأتي بأمثله -لكل موضعٍ بما يجانسه- فإن هذا يدل على اعتبار الرأي، وفقه معاني النصوص.
والبرنس يغطي أعلى البدن وأسفله، وبناءً على ذلك نقول: نص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم ستر أعلى البدن بالقميص، وستر أسفله بالسروال، وستر جميعه بالبرنس، فلو سألك سائل عن الثوب الموجود الآن، فنقول: يحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على تحريم البرنس والقميص والسروال، والثوب أشد من القميص والسروال، وهو في حكم البرنس، وإن كان لا يغطي الرأس.
الدليل الثاني على تحريم لبس المخيط: حديث الأعرابي، وهو في الجعرّانة أو الجعرَانة، لغتان، وذلك لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم الطائف اعتمر من الجعرّانة، فجاءه أعرابي عليه جبة، فقال: (يا رسول الله! ما ترى في رجلٍ أحرم بالعمرة وعليه ما ترى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: انزع عنك جبتك، واغسل عنك أثر الطيب، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)، فحرم عليه لبس المخيط، وبهذه النصوص الصحيحة الصريحة نص العلماء على تحريم لبس المخيط، ويستوي في ذلك كما قلنا: أن يكون لأعلى البدن، أو لأسفله أو لجميعه.
(135/4)
________________________________________
ما يحرم على الرجال والنساء من المخيط
المسألة الثالثة: إنما يحرم لبس المخيط على الرجل، أما المرأة فإنها تلبس المخيط، ويكون إحرامها في وجهها وكفيها، ويكون المحظور عليها من اللباس أن تنتقب أو تلبس القفازين؛ لما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)، فثبت في هذا النص أن إحرام المرأة في الوجه والكفين، ولكن إن مرّ عليها أجانب أو اشتد عليها برد أو لفحتها ريح فسدلت خمارها -والسدل أن يكون غطاء للوجه دون أن يمس بشرة الوجه- فلا حرج ولا فدية عليها؛ بشرط عدم مماسة الغطاء لبشرة الوجه، وذلك لحديث أسماء، ويروى عن عائشة وقد تُكلم في سنده، ولكن الصحيح عن أسماء أنها قالت: (كنا إذا مر بنا الركب سدلت إحدانا خمارها، حتى إذا جاوزنا كشفت)، وهذا يدل على مشروعية السدل عند رؤية الرجال الأجانب.
أما بالنسبة للرجال، فكما يحرم عليهم لبس المخيط في أعالي البدن، كذلك أيضاً يحرم عليهم ستر القدمين، ولذلك لا يلبس المحرم الخف ولا البلغة ولا نحوها من الأحذية التي تغطي أغلب القدم، أو تغطي الأصابع، والأصل في ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: (ولا الخفاف -أي: لا تلبس الخفاف- إلا أحدٌ لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين)، فدل هذا الحديث الصحيح على أنه لا يجوز للمحرم أن يلبس حذاءً يغطي قدمه أو أغلب قدمه، بل يلبس الحذاء الذي لا يغطي أغلب القدم، وإذا كان الحذاء يغطي جزءاً من القدم فإنه ينبغي أن تكون أصابعه مكشوفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وليقطعهما أسفل من الكعبين)، وبناءً على ذلك تكون الأصابع مكشوفة، وعلى هذا فلو كان الحذاء يغطي رءوس أصابع القدمين فإنه لا يجوز لبسه، كالبلغة التي تكون مستورةً أول القدم، فهذه لا تلبس، وهكذا الشراريب لا تلبس، قالوا: وعلى هذا لو نام المحرم فلا يغطي قدميه؛ لأنه أُمِرَ بكشفهما، فنهيه عليه الصلاة والسلام عن لبس الخفين يدل على أن مقصود الشرع إظهار القدمين، وعلى هذا الفتوى عند الجماهير رحمة الله عليهم.
(135/5)
________________________________________
حكم من لم يجد ثياب الإحرام
بقيت مسألة: وهي لو لم يجد الإنسان الإحرام أو الرداء والإزار، واحتاج إلى لبس السروال، أو لم يجد نعلين واحتاج إلى لبس الخفين، فكما قال صلى الله عليه وسلم: (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين)، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: (إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين).
وبناءً على ذلك: لو أن إنساناً في طائرة -كحالنا اليوم- مر بالميقات وعليه ثيابه، ولكن ليس عنده إحرام يأتزر به، أو ليس عنده حتى شال يأتزر به، فحينئذٍ إذا لم يجد من الثياب ما يأتزر به فإنه يجوز له لبس السروال والبنطال، لكن لا يجوز له أن يلبس تحت السروال والبنطال لباساً، وإن لبس لزمت عليه الفدية، ثم أعالي البدن يستره بأي ساتر ويعتبر محرماً، فإن نزل إلى المطار وأمكنه أن يشتري اللباس جاز له أن يترخص بقدر الحاجة، فإن تأخر عن الشراء مع القدرة عليه لزمته الفدية.
(135/6)
________________________________________
تشبيك لباس الإحرام بالشوك أو الأزرار
وهناك مسألة: وهي تحليق العضو، وهي ما يسمى: حكم المخيط، فقالوا: لو لبس الرداء فلا يشبكه؛ لأنه إذا شبك الرداء كان بمثابة الملبوس، وأصبح لابساً له وداخلاً فيه، وعلى هذا قالوا: لا يضع المشبك في ردائه، وهذا أمر يقع فيه كثير من العوام، فقد كانوا في القديم يشبكون بشوك الشجر، فكانوا يضعونها حتى لا ينكشف الإزار، فنهى عنه العلماء رحمة الله عليهم، وفي زماننا هذا وضع المشابك البيضاء الصغيرة أو ما يماثلها، كل ذلك مما ينهى عنه.
كذلك أيضاً: من المصائب العظيمة الآن تفصيل بعض الإحرامات ولها ما يسمى في عرف العامة: (الطقطق)، هذا الذي يكون فيه بمثابة الأزرار، فمجرد ما يضعها على كتفه يزررها بهذه الأزرار، وهذا عينُ الملبوس، وتلزمه الفدية، ومن رأى منكم حاجاً أو معتمراً بهذا فلينصحه، وليبين له أن هذا لم يأذن به الله عز وجل، ولذلك لما سئل ابن عمر رضي الله عنه عن عقد الرداء نهى عنه.
وعلى هذا: فلا يجوز لبس مثل هذه الإحرامات، بل لا يجوز بيعها؛ لأنه معونة على ارتكاب المحظور، فكثير من الناس يجهل الحكم، فإذا باعها الإنسان أوقع الناس في المحظور، فعلى هذا ينبه الناس عليها.
كذلك أيضاً: المحيط بالعضو كالسيور، فقد قالوا: السيور لا توضع في الإحرام، واختلف فيها: فبعضهم أجازها، وهو قول بعض الصحابة، فقد أجازوا أن يلبس الكمر وهو الهميان، فقد كان يسمى في القديم بالهميان، وهو الذي يضع يضع فيه الحاج نقوده، فقالوا: لا حرج فيه لمكان الحاجة، لكن لو كان يريده لشد الإحرام فلا يجوز؛ لأنه يكون كعقد الإحرام، ولذلك فإن مذهب طائفة من السلف رحمة الله عليهم: أنه لا يشد السير، وقد فرقوا بين الهميان وبين السيور، قالوا: لأن السيور يقصد بها العقد، فكانت في ضمن ما نهى عنه السلف رحمة الله عليهم، ومنهم ابن عمر، أما لو كانت لوضع النقود، أو وضع الحوائج الشخصية من بطاقةٍ ونحو ذلك مما يحتاجه الإنسان للتنقل ونحوه فلا حرج، وقالوا أيضاً: ما يكون في حكم السوار للرجل يمنع منه، فلو شد على يده خرقة لزمت عليه الفدية، وهذا يكاد يكون وجهاً واحداً أنه لو شد الخرقة على يده فغطى جزءاً منها كالجبائر ونحوها لزمته الفدية، قالوا: وكذلك الأسورة، وفي حكمها الساعة الآن، فإنها تحيط بالعضو، ولذلك لا يضعها.
وعلى هذا قالوا: إن المحرم يتجرد؛ لأن مقصود الشرع خروج المحرم متجرداً من دنياه، وقد أمر بأن ينزع ثيابه حتى يتذكر الآخرة، ويكون أبلغ في الذلة لله سبحانه وتعالى، واستشعار سفره للآخرة، ولهذا قالوا: إن الحج فيه معانٍ تذكر بالآخرة، ومنها: التجرد عن المخيط، وفيه أيضاً حكم، منها: أن الإنسان يقوى على نفسه، حيث إن سر الإنسان في قوته أن يجعل نفسه طائعةً له ولا يكون طائعاً لها، فإذا أصبح الإنسان تطيعه نفسه ولا يطيع نفسه؛ سلِم من كثير من المعاصي والذنوب بسبب كونه قاهراً للنفس، وليست النفس له قاهرة، وهذا واضح جلي، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات:40]، فمعنى ذلك: أن نفسه تحته، يأمرها وينهاها، يأمرها بطاعة الله وينهاها عن معصية الله، ولذلك نجد أن أوامر الشرع دائماً تجعل النفس طوعاً للعبد، فلذة النوم، ولذة الطعام والشراب، ولذة النكاح، ولذة اللباس، ولذة الوطن والأهل، كلها جاء في مقابلها عبادات، فلذة اللباس يقال لك في مقابلها في الحج: انزع عنك هذا المخيط، ولذة الطعام والشراب والنكاح، يقال لك في مقابلها: لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح أهلك شهراً كاملاً، فإذا امتنعت من الطعام والشراب المباح كان ذلك أدعى إذا قيل لك بعدها: إن هذا الكسب حرام، أن تمتنع، وإذا قيل لك: إن هذا المنكح محرم، أن تمتنع؛ لأنك قد امتنعت عن الحلال فمن باب أولى أن تمتنع عن الحرام وتصبح نفسك طائعةً لك، وأما لذة الأوطان، فتجد أن الحج يخرج الرجل من بلده وأهله متغرباً لله عز وجل، ضاحياً لله في حجٍ أو عمرة، ولذلك قالوا: إن الحج جهاد من هذا الوجه، وكذا لذة الطيب، تجد الرجل يمتنع في حجه عن الطيب، وكذلك يمتنع عن اللباس المألوف، ويخرج بهذا اللباس على صورة معينة، مع ما في هذا الأمر -أي عدم لبس المخيط- من حكم أخرى، ككون الناس يجتمعون على وتيرة واحدة، لا يميز بين غنيهم وفقيرهم، وسوقتهم وجليلهم، وذليلهم وحقيرهم، فالمقصود: أن هذا الأمر فيه حكم عظيمة.
(135/7)
________________________________________
الطيب
المحظور الثاني: الطيب.
يقال: طاب الشيء إذا لذّ، وأطيب كل شيء أفضله، وسمي الطيب طيباً؛ لأنه أطيب ما يشم، ولذلك يقولون: المال الحلال طيب؛ لأنه أطيب الكسب، والطيب معروف، ويكون منه الجامد والسائل والمبخر الذي يكون دخاناً وبخوراً، وكل ذلك داخل في اسم الطيب.
وأما كون الطيب محظوراً فلما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، فقوله: (الزعفران ولا الورس) نهي عن الطيب.
وحديث الأعرابي الذي ذكرناه: أنه اعتمر وعليه جبة فيها أثر الصفرة -وهو حديث صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه عند مسلم في صحيحه- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزع عنك جبتك، واغسل عنك أثر الطيب)، فقوله: (اغسل عنك أثر الطيب) يدل على أن الطيب محظور من محظورات الإحرام.
ومن الأدلة على أن الطيب محظور: قوله عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماء وسدر، ولا تمسوه بطيب، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) فنهى عن مسه بالطيب، وهذا يدل على أن الطيب محظور من محظورات الإحرام.
(135/8)
________________________________________
أقسام الطيب المحرم على المحرم ووقت تحريمه عليه
والطيب يشمل أن يكون مائعاً، كأن يجعله في يده أو في جسمه أو في صدره أو في أي موضع من مواضع بدنه، أو يكون مشموماً ودخاناً يتبخر به، وفرق الإمام أبو حنيفة بين المبخر وبين غيره، والصحيح: أن البخور وغيره كله محظور على مذهب جماهير العلماء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تمسوه بطيب)، والطيب عام، وقد كانوا يجمّرون أكفان الميت، فقوله: (ولا تمسوه بطيب)، يدل على أن البخور داخل في هذا، وأنه لا فرق بين السائل والجامد والبخور الذي يكون هواءً وله رائحة.
المسألة الأولى: بعد أن عرفنا أن الطيب محظور، فليعلم أن هذا المحظور يشمل الرجال والنساء.
المسألة الثانية: أن هذا الحظر يكون بعد الإحرام، بعد نية النسك، فلو اغتسلت للإحرام وقبل أن تنوي أردت أن تتطيب، فهل يجوز ذلك، أو لا يجوز؟ وجهان: قال بعض العلماء: من اغتسل للإحرام فإنه لا يضع الطيب إلى أن يتحلل، وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
وقال بعض العلماء: إذا اغتسل فإنه يجوز له أن يتطيب في بدنه، وأن يشم الطيب، ما لم يحرم.
واستدل الذين قالوا بجواز ذلك بحديث أم المؤمنين عائشة في صحيح مسلم: (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل حرمه، ولحرمه قبل أن يطوف بالبيت)، وهذا الحديث صحيح، وقولها: (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل حرمه) أي: بعد اغتساله وقبل إحرامه، (ولحرمه قبل أن يطوف بالبيت) أي: بعد رميه وتحلله عليه الصلاة والسلام، وقبل أن يطوف طواف الإفاضة: وهذا أصح القولين.
ولكن هنا إشكال: وهو أن الطيب يمنع عن الإنسان سواءً كان في البدن أو في الثياب، ولذلك لو أن الإنسان أخذ إحرامه ووضعه على البخور وبخره ثم لبس هذا الإحرام؛ لزمته الفدية؛ لأنه قد مسه بالطيب، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي كان على ثيابه أثر الطيب: (اغسل عنك أثر الطيب)، فدل على أن الأثر مؤثر، وأن وجود الأثر يؤثر؛ لكن الإشكال: أننا لو أجزنا لك أن تتطيب بعد الغسل وقبل الإحرام، فإنك إذا لبست الإحرام ستعلق الرائحة في الإحرام، وبناءً على ذلك: إذا وضع الإنسان في إبطيه وصدره العود، ثم لبس الإحرام فعلقت به الرائحة، فإن ذهبت مادة العود بحيث تبقى الرائحة فقط وتعلق، فهذا حالة، والحالة الثانية: أن تعلق مادة العود، بحيث ترى حمرة وصفرة الطيب في الإحرام، فحينئذٍ يلزمك غسلها؛ لأنه إنما رخص لك فيما قبل الإحرام أن يكون في بدنك، وهذا في ثيابك، كما لو طيبت الإحرام بنفسه، فيستوي أن تكون مطيباً بالوضع، وأن تكون مطيباً بالقصد، وعلى هذا فبعض الإخوة أصلحهم الله عن حسن نية يتطيب ثم يضع الإحرام مباشرة، فتعلق مادة الطيب في الإحرام، حتى إنك لو نظرت إلى إحرامه لوجدت أثر الطيب ولونه ورائحته، وهذا يؤثر؛ بل ينبغي عليه غسل الطيب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، فهذا نص يدل على أن الإحرام لو مسه الطيب حرم استعماله.
لكن لو علقت به الرائحة فبقيت رائحة العود أو الورد مثلاً، فقالوا: إذا كان لابساً للإحرام حتى انتهى من عمرته وحجه فلا إشكال، لكن لو نزع إحرامه وأراد أن يلبسه ثانيةً لزمته الفدية، ففرقوا بين الاستدامة وبين الابتداء، فقالوا: إذا لبسه على حاله وعلقت به الرائحة كانت بإذن الشرع؛ لأنه تطيب عليه الصلاة والسلام بعد اغتساله، لكن لو أراد أن ينام فنزع الرداء وأخذ البطانية -مثلاً- والتحف بها، ثم لما قام أراد أن يلبس الرداء فقد لبس مطيباً، وبناءً على ذلك قالوا: إنه يفرق بين الاستدامة وبين الابتداء.
إذاً: هذا حاصل ما يقال في الطيب، لكن هنا مسائل متفرعة منها:
(135/9)
________________________________________
حكم الطيب الموجود في الطعام والأدهان ونحوها
لو كان الطيب مما يؤكل، أو كان دهناً يدهن به الشعر وهنا ننبه على أن الصابون والشامبو كله يعتبر من محظورات الإحرام، وقد ذكرت أننا ننبه بأشياء موجودة حتى يكون طالب العلم أوعى، فالصابون مقيد: فإذا كان من الصابون الذي له رائحة وطيب، حرم على المحرم بالحج والعمرة أن يغتسل به؛ لأنه مطيب، والطيب محظور عليه أن يترفه به، والنص فيه واضح، وهذا بالإجماع، لكن لو كان من الصابون الزيتي الذي لا رائحة له، فيجوز له أن يغسل به يديه ولا حرج، أما الشامبو فلو أراد أن يغسل به بدنه فإنه لا يجوز إذا كان مطيباً، والغالب أن فيه الطيب، وبناء على ذلك: فلا يغتسل بشيء فيه الطيب، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تطيب المحرم فقال: (لا تمسوه بطيب، اغسلوه بماء وسدر).
لكن السؤال الآن: لو كان الطيب في الطعام؟ فإن الزعفران يمكن أن يوضع في القهوة، ويمكن أن يوضع في الطعام بعض البهارات التي فيها شيء من الطيب، فإذا كان يوضع شيء من الأدهان المطيبة في الطعام، فما حكم الطعام الذي فيه طيب؟ نقول: الطعام الذي فيه طيب على قسمين: إما أن يكون الطعام قد استنفذ رائحة الطيب حتى امتزج وذهبت رائحته في الطعام، فهذا يجوز أكله، ويكاد أن يكون قول الجماهير، فلو طبخت الزعفران في طعام وذهبت رائحة الزعفران، بحيث لو أكلت الطعام لم تجدها، فيكاد أن يكون القول بالجواز قولاً واحداً؛ لأنه خرج عن كونه زعفران وعن كونه طيباً إلى مادة مستهلكة، ولذلك يعتبر تابعاً لغيره، ويجوز في التابع ما لا يجوز في الأصل.
الحالة الثانية: أن تكون رائحة الزعفران أو أثر الزعفران موجوداً، فللعلماء قولان: الحنفية والمالكية: على أنك إذا طبخت الطيب جاز لك أكله.
والشافعية والحنابلة: على أنه لا يجوز، وهذا هو الصحيح؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وهذا طيب، ولأنه إذا أراد أن يأكل فقد مس الطيب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمس المحرم بالطيب، وبناء على ذلك لا إشكال في كونه مؤثراً، فلو وضع في القهوة فإنه لا يشربه؛ لأنه في حكم الارتفاق والترفه بالطيب الذي نهي عنه.
بقيت مسألة ثانية: وهي الدهان.
من المعلوم أن الأدهنة والزيوت تنقسم إلى قسمين: زيوت فيها طيب، وزيوت لا طيب فيها، والزيوت التي فيها الطيب، كالتي تكون فيها رائحة الورد، أو رائحة أي طيب آخر من الأطيبة، فهل يجوز لك أن تدهن بهذا الزيت، سواءً تدهن به الرأس أو تدهن به الجسد؟

الجواب
إذا كان في الدهن طيب فقول جماهير العلماء: أنه لا يجوز لك أن تدهن به، لا في الرأس، ولا في أي عضو من أعضاء البدن؛ لأنه مس للطيب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم أن يمس بالطيب، وعلى هذا جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، فإن داود الظاهري رحمة الله عليه يرى أن الدهن الذي فيه الطيب كالطيب بنفسه.
أما لو كان هذا الدهن لا طيب فيه كزيت الزيتون والسمن، فالزيت غير المطيب يقع في موضعين: إما أن يقع في شعر الرأس، وإما أن يقع في بقية الجسد، فإن وقع في بقية الجسد، فيكاد أن يكون قول الجماهير، وحكى بعض العلماء كـ ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لو دهن غير الرأس بالدهن غير المطيب أنه لا حرج عليه، كزيت الخردل المعروف أو زيت الزيتون، فلو أخذه ودهن به رجليه وساقيه، فقالوا: لا حرج عليه، لكن عند المالكية تفصيل يستثنى من هذا الإجماع، فقد فصلوا بين الأعضاء الظاهرة والأعضاء الباطنة، وكأنهم يرون أن دهن الأعضاء الظاهرة فيه زينة وترفه، فيخرج عن مقصود الحج، والأعضاء الباطنة الخفية التي تستر كالصدر والظهر فقالوا: لا حرج عليه في ذلك.
أما بالنسبة لو كان الدهن في شعر الرأس، فللعلماء قولان: فبعض العلماء يقول: لا يجوز للمحرم أن يدهن رأسه.
وبعضهم يقول بالجواز.
ويكاد أن يكون قول الجمهور: أنه لا يجوز له أن يدهن شعر رأسه؛ لما فيه من الترفه، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يأمر أهل مكة أن يهلوا بالحج لهلال ذي الحجة؛ والسبب في ذلك: أنه قال: (ما لي أرى الناس يأتون شعثاً غبراً وتأتون مدهنين، أهلوا لهلال ذي الحجة)، فكان يأمر أهل مكة أن يحرموا لأول ذي الحجة، وقد أحسن وأصاب، ومراده رضي الله عنه: كيف يأتي الناس شعثاً غبراً في الحج ويأتي أهل مكة مدهنين؟! لأنهم لا يحرمون إلا في اليوم الثامن، فتكون شعورهم نظيفة وتكون هيئتهم ظاهرة بارزة، فقال رضي الله عنه: (ما لي أرى الناس يأتون شعثاً غبراً وتأتون مدهنين، أهلوا لهلال ذي الحجة)، وهذا ليس بواجب، وإنما هو رأي عمر رضي الله عنه واجتهاد منه، والجماهير على أنهم يهلون من اليوم الثامن.
(135/10)
________________________________________
تغطية الوجه
المحظور الثالث: تغطية الوجه.
والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام في الذي وقصته دابته: (ولا تخمروا وجهه ولا رأسه)، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر أنه قال: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)، فلا يجوز للمحرم أن يغطي وجهه، وهل يجوز له إذا وجد رائحةً منتنة أو مؤذية أن يضع على أنفه الغطاء فيتقيها؟ وجهان: مذهب طائفة من العلماء: أنه لا يضع كالنقاب؛ لأن المرأة أمرت بكشف وجهها، فلما قال: (ولا تنتقب)، دل على أن النقاب مؤثر، وبناءً على ذلك فتغطية بعض الوجه كتغطية كله، والذي يظهر أن الإنسان لا يغطي، ولو وجد الرائحة المنتنة فإنه يضع يده، وإذا أضرته غطى وافتدى، وعلى هذا فالكمام الموجود الآن الذي يضعونه لاتقاء بعض الروائح يجري فيه ما ذكرناه؛ ولأنه في حكم المحيط بالعضو، كما لو وضع لصقة ثم أدارها على رأسه، ولذلك يضعونه ثم يشدونه، وعلى هذا يكون في حكم الإحاطة بالعضو، فيتقى ويمنع منه الحاج وأيضاً المعتمر.
(135/11)
________________________________________
تغطية الرأس
المحظور الرابع: تغطية الرأس.
ودليل تحريم تغطية الرأس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم)، فإن العمامة غطاءٌ للرأس، فمنع النبي صلى الله عليه وسلم المحرم أن يغطي رأسه، وقوله: (ولا البرانس)؛ لأن البرنس فيه غطاء الرأس كما هو معلوم، والبرانس إلى الآن موجودة، تلبس في أيام، ويلبسها بعض أهل المغرب، وهو الثوب الذي فيه غطاء الرأس، وقد كان موجوداً في القديم، فلذلك حظر عليهم لبس البرانس ولبس العمامة، وعلى هذا فلا يجوز للمحرم أن يضع الغطاء سواءً كان عمامة أو كان طاقية ونحوها، فإنه يحرم عليه أن يغطي رأسه، وهذا بإجماع العلماء رحمة الله عليهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته دابته: (ولا تغطوا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً).
وهنا مسألة: لو أن الإنسان جلس تحت مظلة أو ركب محملاً؛ فإنهم في القديم كانوا يركبون المحامل، وفي العصر الحديث السيارات، فاختلف في المحمل في القديم وفي حكم السيارة الآن، هل يعتبر غطاءً أم لا؟ فمذهب جماهير العلماء: أنه لا حرج في ركوب السيارة وكذلك الأماكن التي لها أغطية، فلو أصابك حر الشمس فلا بأس أن تأتي تحت مظلة، واستدلوا بما ثبت في الحديث قال الراوي: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة ومعه بلال والفضل أحدهما يستره بثوب)، وهذا الحديث في الحقيقة محل إشكال، وقد اعترض عليه، فالذين يقولون -وهو قول لبعض السلف-: لا يجوز الدخول في المحامل، ولا هودج المرأة بالنسبة للرجل، ولا الجلوس تحت شجرة، حتى لو وضعت على الشجرة رداءً فلا يجوز أن تأتي تحتها، وفي حكمها -مثل ما ذكرنا- السيارات، يقولون: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن لا يغطي الحاج رأسه يوم الأضحى، ويقولون عن هذا الحديث: (إن حديث بلال والفضل كان في اليوم الثاني، وليس في اليوم الأول وهو يوم العيد، فهذا ضعيف؛ لأن الحديث: (يرمي جمرة العقبة)، قالوا: وجمرة العقبة رميت صباحاً، فالشمس ليست بشديدة، ولذلك لا حاجة إلى الغطاء.
وهذا قول مردود، وقد ذكر المحققون ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: أن جمرة العقبة رماها النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد وقد ارتفعت الشمس؛ لأنه دفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس، وما بين المزدلفة إلى أن يصل جمرة العقبة مسافة طويلة، فلا شك أنه ما بلغها إلا وقد صار للشمس وهيجٌ وحر، ولذلك لا إشكال في مشروعية أن يأتي الحاج تحت غطاء كسيارة ونحو ذلك.
(135/12)
________________________________________
حلق الشعر أو قصه أو نتفه
المحظور الخامس: حلق الشعر أو قصه أو نتفه.
والأصل فيه قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196]، وقد عبّر القرآن بحلق الرأس؛ لأنه الغالب، وهو من باب التنبيه على النتف والقص، ودليلنا على أن القص محظور: أن الله عز وجل جعله موجباً للتحلل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارحم المحلقين، ثم قال في الثالثة أو الرابعة: والمقصرين)، فدل على أن التقصير يعتبر من المحظورات.
فيحرم على المحرم أن يحلق رأسه أو يقص شعره.
وفي حكم حلق الرأس حلق شعر بقية الأعضاء، فلا يجوز له أن يحلق الشعر من الإبطين ولا من العانة ولا من غيرهما من مواضع البدن، وعلى هذا فلو قص أو حلق فالحكم واحد، وهو أنه تلزمه الفدية؛ والسبب في هذا: أن الحلق والتقصير كلاهما يعتبر خروجاً من النسك، ولذلك قال تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]، ولذلك لا يكون تقصير الشعر ولا حلقه إلا في هذا الأمد بالنسبة للحاج وفي حكمه المعتمر، وعلى هذا فالأصل أن تحلق، فلو أنه -مثلاً- احتاج لحجامته أن يحلق قفا شعر رأسه، فحينئذٍ يحلق ويفتدي، لكن لو أنه أصيب بعاهة أو جرح، فاحتاج إلى إزالة جلد من يده أو من ساقه، وفي الجلد شعر، فإنه لا تلزمه الفدية، إنما تلزمه الفدية بالحلق أو التقصير أو النتف، لكن لو أزال الجلد وفي الجلد شعر، فإنه لا تلزمه الفدية؛ لأنه لم يحلق ولم ينتف ولم يقصر.
وهذه المسألة يسميها العلماء: حكم التابع، فهناك فرق بين الشيء أصالة وبين كونه تبعاً، وهذا يقع في العبادات والمعاملات، ففي العبادات مثلاً: الصلاة عن الميت لا تجوز قصداً، لكنها تجوز تبعاً، ألا ترى أنك لو حججت عن ميت أو اعتمرت عن ميت وطفت فإنك تصلي ركعتين، وهذه واقعة عن ميت، لكنها وقعت تبعاً لا أصلاً، وكذلك لو أن إنساناً -والعياذ بالله- اعتدى على غيره، فقلع الشعر الأسفل من العين، وهي الرموش السفلى؛ وجب فيها ربع دية، ثم لو قلع العليا وجبت عليه نصف الدية في الاثنتين، لكن لو أنه أزال الجفن وفيه الشعر فإنه يلزم بربع دية، مع أن أصل التقدير يقتضي أن الجفن له ربع وللشعر أيضاً ربع، لكن قالوا: الشعر وقع تبعاً له ولم يقع أصلاً، وهكذا بالنسبة للمسائل الأخرى المتفرعة على مسألة التابع، ولها نظائر؛ ولذلك قالوا: إنه هنا إذا قلع الجلد وفيه شعر لم تلزم عليه الفدية؛ لأنه لم يحلق ولم يقصر ولم ينتف، وهذا صحيح، ولذلك لا شيء عليه في هذا، إنما عليه الفدية إذا حلق أو قصر أو نتف.
(135/13)
________________________________________
تقليم الأظافر
المحظور السادس: تقليم الأظفار.
وتقليم الأظفار محظور في قول جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم؛ لأنه إزالة للتفث، ويحظر عليه أن يقص الظفر بكماله أو بعضه، ولكن لو كان في أصابعه ألمٌ من الظفر، كأن يكون انكسر ظفره -سواءً كان ظفر رجل أو يد- فأصبح يؤلمه، جاز له أن يقصه، ولا فدية عليه؛ لأن الأذى في نفس الظفر، بخلاف ما إذا كان الأذى في غير الظفر، ويكون الظفر محلاً للأذى، أو يكون الأذى في غير الشعر ويكون الشعر محلاً للأذى كالقمل؛ ولذلك فإن كعب بن عجرة لم يكن أذاه في الشعر، وإنما في شيءٍ في الشعر، فأزال الشعر لإزالة الأذى الموجود تحته، وليس لعين الشعر، ولهذا قالوا: إذا نبت في عينه شعر، أو نزل شعر حاجبه حتى آذاه في عينه، جاز له أن يقصه؛ وهذا لوجود الضرر، ولا يعتبر هذا من الإزالة التي يقصد بها الترفه، ولا شيء عليه فيها.
(135/14)
________________________________________
الجماع ومقدماته
المحظور السابع: الجماع ومقدماته.
قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197]، فحرم الله عز وجل على المحرم الرفث، والرفث يكون بالكلام وهو تهييج النساء، ولو كانت محرماً له، ولو كانت حلالاً له كزوجه، فتهييج المرأة بالكلام أو بالفعل أو بالجماع نفسه كل ذلك محظور بالإجماع، فلا يجوز للمحرم بالحج والعمرة أن يقع في شيء من هذا، فإن جامع حينئذٍ وقع في المحظور، ولو نظر إلى امرأة سواء كانت محرماً أو غير محرم، كأن ينظر بشهوة إلى زوجته فينزل، فحينئذ وقع في المحظور، وكل منها له حكم، ونحن لم ندخل في مسائل الفدية حتى لا نشوش على طلاب العلم، إنما نتكلم عن المحظور فقط، أما باب الفدية، وما الذي يلزم على من أخلّ بهذه الأشياء؟ فهذا له باب آخر، ولكن أحببنا أن يكون الضبط للمحظور حتى يسهل بعد ذلك ضبط مسائل الفدية وما يتبعها.
وعلى هذا: فإنه لا يجوز له النظر إلى ما يثير شهوته، ولا اللمس بما يثير الشهوة له أو لزوجه، وهكذا الجماع، سواءً وقع لحية أو ميتة، لحلال أو حرام، كل ذلك محظور على الحاج.
(135/15)
________________________________________
عقد النكاح
المحظور الثامن: عقد النكاح.
وعقد النكاح محظور في قول جماهير العلماء: المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث، يقولون: لا يجوز للمحرم أن يَنكح أو يُنكح أو يَخطب، أن يَنكح إذا كان رجلاً، أو يُنكح إذا كان امرأة، أو يَخطب أي: خطبة النكاح؛ وذلك لما ثبت في الصحيح من حديث عثمان رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم أن ينَكح أو يُنكح أو يَخطِب)، قالوا: فهذا نصٌ صحيح يدل على التحريم.
وذهب الحنفية إلى أنه يجوز للمحرم أن يعقد النكاح ولا يدخل، ويجوز له أن يخطب المرأة وأن يعقد عليها، ولكن لا يدخل بها، ويعتبر الإحرام مانعاً كالحيض والنفاس، فإنه يجوز له أن يعقد على الحائض والنفساء، ولكن لا يجوز له أن يطأها، واحتجوا بحديث ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بمكة وهو محرم)، وهذا الحديث فيه إشكال كبير عند العلماء، والصحيح: مذهب الجمهور، ويقدم حديث الجمهور من وجوه: الوجه الأول: أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح قُدّم الحاظر على المبيح، فحديث الجمهور حاظر، وحديث أبي حنيفة مبيح، فيقدم حديث الجمهور.
الوجه الثاني: أنه إذا تعارض القول والفعل، قدم القول على الفعل؛ لأنه تشريعٌ للأمة، والفعل يحتمل الخصوص.
الوجه الثالث: أن قول ابن عباس: (وهو محرم) أي: في حرم مكة؛ لأن العرب تسمي من كان في الحرم مُحرِماً، ومنه قول حسان بن ثابت: قتلوا الخليفة ابن عفان بالمدينة محرماً.
ومعلوم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يكن محرماً لا بحج ولا بعمرة، وإنما قتل في حرم المدينة، وفي الأشهر الحرم، وبناءً على ذلك وصفه بكونه محرماً، فالعرب تسمي من دخل في الحرمات الزمانية والمكانية محرماً، فكأن ابن عباس يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ميمونة في حرم مكة، وهذا من فقه ابن عباس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك مكة مهاجراً، والمهاجر لا يجوز له أن يرجع إلى البلد الذي تركه هجرة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكن البائس سعد بن خولة)، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة، فإذا ترك مكة هجرةً فكيف يعقد النكاح فيها؛ لأن عقد النكاح فيها بمثابة الإقامة؟!! فكأن ابن عباس أراد أن ينفي هذا المعنى، فقال: (تزوجها وهو محرم)، يعني: في داخل حرم مكة، وإن كان البناء قد وقع في سرف وهي المعروفة بالنوارية.
فالمقصود: أن هذا الحديث يحمل على أن قوله: (وهو محرم) يعني: في الأشهر الحرم، أو في حرم مكة، والقاعدة: أنه إذا تعارض المحتمل والصريح قدم الصريح على المحتمل.
الوجه الرابع: أنه إذا كان حديث ميمونة فيه معارضة لحديث ابن عباس، فقد روى أبو رافع وميمونة نفسها: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج وهو حلال، وابن عباس يقول: (تزوجها وهو محرم)، فـ ميمونة صاحبة القصة، وأبو رافع هو السفير بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة، فأيهم يقدم؟ لا شك أن صاحب البيت أدرى بما فيه، فـ ميمونة هي التي عقد عليها، ويروى عنها أنه كان حلالاً، وكذلك أبو رافع يروي أنه كان حلالاً، وعلى هذا: فإنه يقدم مذهب الجمهور.
أضف إلى ذلك أنه إذا قيل بالتعارض هنا فقد تعارضت رواية أصاغر الصحابة وأكابر الصحابة، والقاعدة: أنه إذا تعارض المروي عن أكابر الصحابة وأصاغرهم قدم المروي عن الأكابر على المروي عن الأصاغر؛ لاحتمال أن يكون ابن عباس رواه بواسطة، خاصة وأنه في ذلك الزمان لم يبلغ الحلم رضي الله عنه وأرضاه.
(135/16)
________________________________________
قتل الصيد
المحظور الأخير: قتل الصيد.
والصيد: هو الحيوان المتوحش المأكول اللحم، والصيد نوعان: صيد بر، وصيد بحر، أما صيد البحر فبالإجماع أنه يجوز للمحرم أن يصيد السمك والحوت ونحوها من صيد البحر، ولكن المحرم عليه هو صيد البر؛ لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة:96].
والدليل الثاني: قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2]، فمفهوم ذلك: إذا لم تحلوا فلا تصطادوا.
وكذلك أيضاً قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:95].
فهذه الأدلة تدل على أن المحرم لا يجوز له قتل الصيد، ولا أن يعين على الصيد، لا بالإشارة ولا بالدلالة، فلو كان معه إنسان حلال ولم ير الصيد، فلا يقول له: اذهب وصد كذا، أو انتبه هذه فريسة، أو هذا صيد.
إذاً: لا يجوز له أن يصيد، ولا أن يشير للصيد، ولا أن ينبه الحلال على الصيد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي قتادة: (هل أحد منكم أشار إليه أو أعانه؟ قالوا: لا، قال: فكلوا)، فدل على أن المحرم لا يصيد، ولا يأمر بالصيد، ولا يشير، ولا يعين على الصيد، فلو كنت محرماً وعندك حلال يصيد وسقط سلاحه، فلا يجوز أن تناوله، حتى لو قال لك: ناولني، ولا يجوز لك قتل الصيد، ولا كسر جناحه، ولا كسر بيضه، ولا التعرض، له بالإثارة، إنما تمتنع عن ذلك كله؛ وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هل أحد منكم أشار إليه؟ هل أحد منكم أعانه؟)، ولا تأكل الصيد إذا صدته، أو صيد من أجلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أهدى له الصعب بن جثامة رضي الله عنه حمار وحش فرده، فلما رده تغير وجه الصعب، فلما تغير وجهه قال له النبي صلى الله عليه وسلم يطيب خاطره: إنا لم نرده عليك إلا أنّا حُرم)، فدل على أنه إذا كان الإنسان محرماً وصيد الصيد من أجله أنه لا يأكل ذلك الصيد.
(135/17)
________________________________________
أقسام الصيد بالنسبة للمحرم
المسألة الأخيرة في الصيد، وهي: ما هو الشيء الذي يحرم على الإنسان أن يصيده؟ وللإجابة نقول: الحيوانات على قسمين: مستأنسة ومتوحشة، فالمستأنس: كالإبل والبقر والغنم والدجاج ونحوها، فهذا يجوز للمحرم أن يقتله، فلو ذبحت شاة أو نحرت بعيراً أو بقرة جاز بالإجماع، لكن المحظور هو صيد المتوحش، والمتوحش: هو الذي ينفر منك، سواءً كان من صيد الطيور، أو من صيد البراري الزاحفة أو الدابة، وهذا الصيد الذي في البر ينقسم إلى قسمين: فإما أن يكون مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، فمأكول اللحم: كالظباء والريم والغزال وبقر الوحش وحمار الوحش وتيس الجبل، فهذه كلها متوحشة، والطيور: كالحمام والحباري والقماري ونحوها، وهذا كله يحرم صيده، هذا إذا كان مأكول اللحم.
أما الدواب المتوحشة التي لا يؤكل لحمها فهل يجوز قتلها؟ نقول: إن الدواب المتوحشة تنقسم إلى ثلاثة أقسام في القتل: فمنها: ما يضر وينفع.
ومنها: ما يضر ولا ينفع.
ومنها: ما لا ينفع ولا يضر.
فما يضر وينفع مثل الأسد، فإنه يضرك بالعدو عليك، وينفعك لو اتخذته وسيلة للصيد، والصقر يضرك، فيمكن أن يهجم على لحمك، أو يهجم على طفل صغير يؤذيه، وقد يهجم على الدواب أحياناً، وكذلك النسر والشاهين والباشق، فهذه تضر وتنفع، وقد قال العلماء فيها: لا يستحب قتلها ولا يكره، فلو قتلتها فلا حرج عليك.
النوع الثاني: الذي يضر ولا ينفع؛ كالذئب والدب، فيجوز لك أن تقتله، بل قد يستحب إذا كان يضر ولا ينفع.
النوع الثالث: الذي لا يضر ولا ينفع، مثل النمل فإنه لا يضرك ولا ينفعك، إلا أنه قد يضر أحياناً بالقرص، وكذلك مثل الهدهد فإنه لا يضر ولا ينفع ونحوها، فهل تقتل؟ قال بعض العلماء: لا تقتل، إلا من حاجة، فالنمل لا يقتل إلا إذا آذى، وهكذا الذباب والبعوض، قالوا: إذا آذت قتلت، فالحيوانات التي لا يؤكل لحمها يفصل في قتلها على هذه الصورة.
فإذا تقرر أن الحيوان إذا كان بحرياً يجوز صيده، وإذا كان برياً يحرم صيده، فما حكم البرمائي، الذي يعيش في البر والبحر، مثل: الضفادع والتمساح، هل يجوز قتله للمحرم؟

الجواب
الذي يكون برمائياً ينقسم إلى قسمين: فإن كان غالب عيشه في البر فهو بري، ولو كان يأوي إلى البحر، وإن كان غالب عيشه في البحر فهو بحري، بمعنى: إذا كان تكاثره ووجوده في البحر فهو بحري، وإذا كان تكاثره ووجوده في البر فهو بري، وبهذا يحكم على البرمائيات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(135/18)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب الجهاد [1]
شرع الله الجهاد لتبقى كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وهذا يكون الجهاد في بعض الأحيان فرضاً عاماً دون تعيين، وتارة يتعين على بعض الأشخاص، بحسب الحاجة والمصلحة، وهذا كله مبين في النصوص الشرعية بضوابطه وقيوده.
(136/1)
________________________________________
تعريف الجهاد وأهميته ومشروعيته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الجهاد] الجهاد في اللغة: مأخوذ من مادة جَهَد، وأصل الجَهْد: بذل الوسع والطاقة في تحصيل الأمر، ولا يقال ذلك إلا لأمرٍ عظيم، فيقال: اجتَهَدَ في حمل الصخرة، ولا يقال: اجتهد في رفع الخردلة، فلا يكون الجهاد إلا في الأمر العظيم الذي يحتاج إلى مشقة وعناء.
وأما في الاصطلاح: فهو بذل الوسع واستفراغه في قتال أعداء الله؛ لإعلاء كلمة الله عز وجل.
وهذه الشعيرة من أعظم شعائر الإسلام، وهي ذروة سنام الإسلام كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت الآيات والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين فضل هذه الشعيرة، وما أعد الله لأهلها من ثواب في الدنيا والآخرة.
وقول المصنف رحمه الله: [كتاب الجهاد] أي: في هذا الموضوع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بشعيرة الجهاد.
(136/2)
________________________________________
مناسبة وقوع كتاب الجهاد بين كتابي الحج والبيوع
لعل سائلاً يسأل: ما هي مناسبة كتاب الجهاد لكتاب الحج؟
و
الجواب
أنك إذا تأملت كتاب الحج وجدته كتاباً متعلقاً بالعبادة فيما بين الإنسان وربه.
وأما بالنسبة للجهاد فإنه عبادة؛ ولكنه يشتمل على شيء من المعاملة.
ولذلك يرد

السؤال
ما وجه ذكر المصنف لكتاب الجهاد بعد الحج؟ والجواب: أن المناسبة في ذلك منتزعة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما سألته أم المؤمنين عائشة، فقالت: (يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم.
عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة).
فلما فرغ من الحج -وهو العبادة التي تشتمل على المعاني العظيمة من الجهاد- ناسب أن يتبعه بالجهاد في سبيل الله عز وجل؛ لاشتمال هاتين العبادتين على بذل الوسع واستفراغه في طلب مرضاة الله سبحانه وتعالى، فهما عبادتان بالنفس وبالمال؛ ولكن الجهاد من أعظم الأعمال وأحبها إلى الله، وهو أفضل من الحج، ولذلك سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: إيمان بالله، ثم جهاد في سبيله، ثم حج مبرور) فجعل منزلة الحج بعد منزلة الجهاد في سبيل الله عز وجل.
فلما فرغ -رحمه الله- من بيان مسائل الحج ناسب أن يعتني ببيان مسائل الجهاد.
ثم انظر -رحمك الله! - إلى دقة هذا العالم الجليل، وفقهه، وحسن ترتيبه للأبواب، فإنه ذكر كتاب البيع بعد كتاب الجهاد، ومن تأمل كتاب البيع وجده مشتملاً على المعاملة المحضة؛ لأنه يتعلق ببذل السلع، سواءً كانت من المثمونات، أو من الأثمان بعضها ببعض، فهو معاملة محضة، والحج عبادة محضة، فلو أنه ذكر كتاب البيع بعد كتاب الحج، لكان البون شاسعاً بين البابين، فمن الصعوبة بمكان أن تنتقل من باب يتعلق بالعبادة المحضة إلى باب يتعلق بالمعاملة المحضة -لأن أمور البيع تتعلق بالدنيا كما لا يخفى، ولذلك لا يكون البيع قُربة إلا إذا قصد الإنسان الطاعة فيه والامتثال- فناسب أن يدخل بين الحج وبين البيع باباً متوسطاً، وهو باب الجهاد حيث إن فيه وجهاً من التعبد وفيه وجهاً من المعاملة، فينتقل الفقيه من العبادة المحضة إلى المعاملة المحضة بوسيط بينهما، وبعض العلماء يدخل باب النكاح لكي يكون رابطاً بين أبواب العبادات وأبواب المعاملات، ولكلٍ وجهة؛ ولكن إدخال كتاب الجهاد أنسب وأفضل، خاصة وأن السنة قد أشارت للترابط بين الحج وبين الجهاد.
(136/3)
________________________________________
فرضية الجهاد
يقول رحمه الله: [كتاب الجهاد] هذه الشعيرة شَرَعَها الله سبحانه وتعالى لحكمٍ عظيمة، وأسرارٍ جليلةٍ كريمة، وبيَّن سبحانه وتعالى هذه الشعيرة ودعا إليها في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمعت الأمة على أن الجهاد يعتبر شعيرةً من أعظم شعائر الإسلام، وأحبِّها إلى الله سبحانه وتعالى، وشَرَعَ الله عز وجل الجهاد في المدينة، أما عندما كان المسلمون بمكة فلم يُفرض الجهاد عليهم، ولكنهم لما انتقلوا إلى المدينة فرض الله عليهم الجهاد، وإنما لم يوجب الله عزَّ وجلَّ عليهم الجهاد بمكة لضعفهم وعدم تمكُّنهم من ذلك، وإنما يكلف الله عز وجل العباد ما في وسعهم، والشريعة شريعة رحمة، وتيسير، وليست بشريعة عنت ولا تعسير، ولذلك لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة -دار الهجرة- وآزره ونصره الأنصار، واستقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أذن الله له بالجهاد في سبيله، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39] فكتب الله عز وجل الجهاد والقتال، فقال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216] وهي آية من سورة البقرة المدنية، والسبب في ذلك أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ممتنع عن الإسلام للشُّبَه والعوارض المتعلقة بفكره، فهذا يحتاج إلى قوة الحجة، وبيان السبيل والمحجة، فتكفل الله عز وجل ببيان ذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وجهاد أمثال هؤلاء -غالباً- يتعلق بالعلماء وطلاب العلم؛ فعليهم أن يبينوا لهم سبيل الله عز وجل، ويبينوا لهم ما في الإسلام مِن سماحة ومِن يسر، وأن يزيلوا عنهم الشبه، حتى تطمئن قلوبهم لدين الله، وتنشرح صدورهم لكلمة الله، فينالوا سعادة الدنيا والآخرة.
وأما القسم الثاني من الممتنعين عن الإسلام: فهم أقوام تغريهم المادة، يحتاجون إلى الدنيا ويطمعون فيها، فإذا أُغْرُوا بالمال أحبوا الإسلام وأقبلوا عليه، فبعدها إذا رأوا قوته وصدقه اطمأنت قلوبهم بدون الدنيا، وهؤلاء هم المؤلفة قلوبهم، وقد أعطاهم الله عز وجل حظاً في الزكاة، وجعل لهم سهماً من سهامها، وفعل ذلك نبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه -بأبي هو وأمي- يوم حنين، فأعطى عطاءَ مَن لا يخشى الفقر، فاطمأنت قلوب المؤلفة قلوبهم حتى وثقوا بدين الله، واستسلموا لشرع الله عز وجل.
وأما القسم الثالث: فهم الذين يعاندون ولهم منعة وقوة، فيحتاجون إلى كسر الشوكة، وإرغام الأنوف، فإذا أرغمت أنوفهم على الإسلام ورأوا قوة الإسلام، أذعنوا وذلوا لله واستسلموا، فهذا القسم يحتاج إلى جهاد، ويحتاج إلى قوة وتضحية، وبيع للأنفس في سبيل الله عز وجل، وهي التجارة التي لا يبور أصحابها، وقد تكفَّل الله لمن خرج لها: إما أن ينال الشهادة فتقر عينه بجنة عرضُها كعرض السماء والأرض، وبما تكفَّل الله له به من رضوان مقيم، وهو أكبر من ذلك النعيم، وتكفَّل الله له بالفضائل في برزخه، وفي حشره ونشره، فينال بذلك البيع سعادةَ الدنيا والآخرة.
وإما أن يرجع إلى أهله سالماً، نائلاً ما نال من الغنيمة وسهم الدنيا العادل، مع ما ينتظره عند الله سبحانه وتعالى من الأجر.
وقد جاهد رسول الأمة صلى الله عليه وسلم، وجاهد الخلفاء الراشدون، وجاهد السلف الصالح من هذه الأمة، ولم تزل هذه الشعيرة باقية، ولا تزال إلى يوم القيامة، ليجاهدوا مَن كفر بالله ورسوله، حتى يدين بدين الحق، و {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39].
والإسلام دين سماحة ويسر؛ ولكن السماحة واليسر إذا وضعت في غير موضعها كانت جُبناً وخَوَراً، ولذلك هو دين رحمة ويسر وسماحة لمن يستحق الرحمة ولمن هو أهل أن يُرْأَف به، وأما من كفر بالله ورسوله وعادى الله ورسوله، وأعلن البراءة من دين الله، فقد كفر نعمة الله عز وجل عليه، واعتدى على حدود الله، وخرج عن الأصل الشرعي الذي من أجله أوجده الله في هذا الوجود، وهو توحيدُ الله وإفرادُه بالعبادة، فاستحق أن يُزال من هذا الوجود، لتبقى كلمة الله هي العليا.
وفي هذا الجهاد حِكَمٌ عظيمة، وأسرار جليلة كريمة، فإن المسلمين إذا لم يغزوا أعداء الله غزاهم أعداء الله، فإن القلوب فيها حنق وغيظ على هذا الدين، وأصحاب الحق على مر الزمان وتعاقبه وتتابع الدهور لا يمكن أن يسلَموا من أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك جعل الله عزة هذه الأمة في الجهاد في سبيل الله عز وجل، وجعل كرامتها في إقامة هذه الشعيرة العظيمة، ومَن تأمل حال المسلمين وجد أنهم إذا قاموا بهذا الأمر العظيم قام لهم أمر الدين والدنيا والآخرة، ونالوا سعادة الدنيا والآخرة، وأعزهم الله وقذف الرعب في قلوب أعدائهم، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر -وفي رواية-: مسيرة شهرين) قال العلماء: إن هذا الرعب الذي يقذفه الله في قلوب أعداء الإسلام، هو للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده، فمن استقام على دين الله واستسلم لله ظاهراً وباطناً، فإن الله يُعِزُّه ويَرْفَعُ شأنَه، ويُعْظِمُ شأوَه، ويجعل له كرامةَ الدنيا والآخرة.
(136/4)
________________________________________
أقسام الجهاد
والجهاد منقسم إلى أقسام: الأول: يكون بالجَنان.
الثاني: ويكون باللسان.
الثالث: ويكون بالجوارح والأركان.
فأما جهاد الجَنان: فهو بغضهم في الله، وعداوتهم في الله عز وجل، فمَن أحب في الله وعادى في الله فقد ذاق طعم الإيمان وحلاوته، ولا يمكن أن ينال العبد ولاية الله سبحانه حتى يحب بحب الله، ويبغص ببغض الله، فإذا فعل ذلك فإنه ينال حلاوة الإيمان، ويجد طعم الإسلام الذي أسلم به لله عز وجل ظاهراً وباطناً.
وأما الأمر الثاني: فهو جهاد اللسان، وهذا أعظم ما يكون وأكمل ما يكون من العلماء العاملين والأئمة الصديقين، الذين هم هداةٌ مهتدون، يقولون {بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف:159] {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ} [الأحزاب:39]، فأعداء الله يحتاجون إلى جهاد الكلمة، ومما يدخل في جهاد الكلمة جهادُ الشعراء وقولُ الشعر، وتأليفُه ونَظْمُه لنصرة دين الله وإعزازه، ورفع كلمة الله عز وجل، وشحذ الهمم إلى مرضاة الله، وتقوية الإيمان في القلوب، وقد أثنى الله عز وجل على هذا الصنف، كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لما نزل قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224] جاء كعب بن مالك وحسان بن ثابت رضي الله عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد علمتَ ما أنزل الله في الشعراء، فأنزل الله عز وجل: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء:227]) فاستثنى الله عز وجل هؤلاء؛ لأن هذا من جهاد الكلمة.
وأما النوع الثالث: فهو جهاد الجوارح والأركان، وهذا هو المقصود هنا بقول الفقهاء: (كتاب الجهاد)، فإنهم يبينون الأحكام التي ينبغي للمسلم أن يلم بها إذا أراد القيام بهذه الشعيرة.
فالجهاد في سبيل الله عز وجل له ترتيبه، وله ضوابطه، وله أحكامه ومسائله، وقد بيَّن الله عز وجل هذه المسائل والأحكام في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وبيَّن السلف الصالح ومَن بعدهم أحكامَ الجهاد، وفصَّلوها في كتبهم.
(136/5)
________________________________________
حكم الجهاد
يقول رحمه الله: [كتاب الجهاد]: أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بشعيرة الجهاد.
(136/6)
________________________________________
الجهاد فرض كفاية
[وهو فرض كفاية] (وهو) الضمير عائد على الجهاد، وأما حكمه (فرض كفاية).
أما كونه فرضاً: فلأن الله أمر به، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:123]، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم:9]، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اغزوا في سبيل الله)، والعلماء -رحمهم الله- مجمعون على فرضية الجهاد من حيث الجملة، وجماهيرهم على أنه فرض كفاية؛ ولكن ذهب بعض السلف إلى أنه فرض عين، وهذا القول احتج أصحابه بعموم الآيات التي فيها الأمر بالجهاد في سبيل الله عز وجل، والتي فيها الأمر بالنفير، وقتال أعداء الله عز وجل؛ ولكن هذا القول يعتبر مرجوحاً؛ لأن النصوص دالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، وإنما هو فرضٌ على الكفاية، والدليل على ذلك ما ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن- أنه ذكر آيات النفير التي في سورة التوبة -وهي أقوى الحجج لمَن قال بفرضية العين، ويقول به أفراد من العلماء وبعضُ السلف، وهم قلة جداً- وقال: نسخها قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} [التوبة:122] فإن هذه الآية الكريمة التي هي في آخر سورة التوبة قد بيَّن الله سبحانه وتعالى فيها أن الجهاد ليس بفرض عين، حيث قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} [التوبة:122]، ولو قلنا بظاهر قوله تعالى: {انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} [التوبة:41] ونحو ذلك من الآيات الموجبة للجهاد، فإن معنى ذلك أن ينفر المسلمون كافة، ولذلك قال ابن عباس: نسخها قول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة:122] فجعل النفير مختصاً بالبعض دون البعض، ولذلك ذهب جماهير الأمة من السلف والخلف إلى أن الجهاد يعتبر فرضاً على الكفاية، بمعنى: أنه لو قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
وعلى هذا: فإن المعتبر به قيام مَن تنسد به الحاجة، وإنما يتعين الجهاد في أحوال ثلاث، وهذه الأحوال وردت النصوص في كتاب الله وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيِّن فرضية الجهاد فيها على العين، وأن مَن كان مِن أهلها تعين عليه أن يجاهد، وسيأتي بيانها ويذكرها المصنف رحمه الله.
قوله رحمه الله: (وهو فرض كفاية)، ابتدأ ببيان حكم الجهاد وأنه واجب على الكفاية أي: إذا وجد مَن يسد الثغر ويقوم به، سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثم الكل.
قوله: [ويجب إذا حضره، أو حصر بلده عدوٌّ، أو استنفره الإمام] قال رحمه الله: (ويجب إذا حضره) قوله: (ويجب) أي: يتعين.
قبل أن ندخل في تفصيلات المسائل، يحسن بنا أن نبين على مَن يجب الجهاد؟
(136/7)
________________________________________
الشروط التي يجب بها الجهاد
يجب الجهاد ويفرض على من توفرت فيه الشروط التالية: أولها: الإسلام: لأن الله عز وجل خاطب به المسلمين دون غيرهم.
وثانيها: البلوغ: فإن الصبيان لا يجب عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله عز وجل، ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر عن الغزو لصغر سنه، ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: (عُرِضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فلم يجزني -وفي رواية للبيهقي: ولم يرني قد بلغت- وعُرِضت عليه يوم الخندق، فأجازني.
وفي رواية: ورآني قد بلغتُ) ولقد أخذ العلماء من هذا دليلاً على أن الجهاد لا يجب على الصبيان؛ ولأن الأحكام والتكاليف إنما تجب على من بلغ الحلم، قال عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاثة.
-وذكر منهم- وعن الصبي حتى يحتلم) فدل على أن الصبي لا يتعين عليه فعل الواجبات ولا يجب عليه الجهاد، ولكن لو تطوع الصبي ودخل إلى المعركة، أو احتيج إليه فدخل فيها، فهذا لا بأس به؛ لكن أن يؤمر بذلك أو يُحمل عليه، فهذا تحميل له لما لا يطيقه، وهو من المستضعفين الذين استثناهم الله عز وجل وعذرهم في كتابه.
الشرط الثالث: العقل: فلا يجب الجهاد على مجنون، فإن المجنون لا يستطيع أن يحصل مصلحة نفسه، فكيف بالقيام بالجهاد في سبيل الله، وإذا سقط التكليف عن المجنون بالإجماع وبقوله عليه الصلاة والسلام في الثلاثة الذين رفع عنهم القلم كما في الحديث الصحيح: (وعن المجنون حتى يفيق)، فبالإجماع لا يجب الجهاد على مجنون.
الشرط الرابع: أن يكون ذكراً: وأما النساء فلا يجب عليهن الجهاد، ولا يقاتلن؛ ولكن إذا خرجن لنفع المجاهدين، بسقي العطشى، ومداواة الجرحى والمرضى بالضوابط الشرعية فلا بأس، ففي الحديث الصحيح عن أم عطية رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نداوي الجرحى، ونسقي المرضى) ولذلك قال العلماء: إن المرأة تداوي الرجل في مثل هذه الحالة؛ لأنه من شدة الألم ووجود الجرح، يعزب عنه رشده، ويذهب عنه إدراكه، فيكون منشغلاً بالألم عن الفتنة، ومن هنا كان من مرونة الشريعة إباحة ذلك لوجود الحاجة، وتعلق ما يقصده الشرع من جلب المصلحة ودرء المفسدة بوجودها، كذلك أيضاً: ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما جُرِح، وشُجَّ -بأبي هو وأمي- يوم أحد، وجَعَل الدم ينزف، جاءت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، فكانت تصب من الدرقة عليه صلوات الله وسلامه عليه والجرح ينزف، حتى أخذت حصيراً فأحرقته ثم سدت به الجرح فاندمل ووقف الدم، فهذا يدل على أنه لا بأس بشهود النساء الغزو لمصلحة، مع أمن الفتنة والمحافظة على الضوابط الشرعية.
الشرط الخامس: الحرية: فالعبيد والإماء لا يجب عليهم الجهاد لانشغالهم بخدمة أسيادهم.
الشرط السادس والأخير: القدرة على الجهاد في سبيل الله عز وجل:- فأما مَن كان مريضاً أو كان شيخاً كبيراً في السن، فأمثال هؤلاء لا يجب عليهم الجهاد، وهكذا إذا احتيج في الجهاد إلى مركب، وليس عنده مركب، ولا يستطيع أن يمشي على رجليه، {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} [التوبة:92]، فكان الصحابة -رضوان الله عليهم- فقراء الأيدي؛ ولكنهم أغنياء في قلوبهم بالله عز وجل، وكان الرجل منهم قد لا يجد إلا لباسه الذي يواري به سوأته وعورته، وقد يمر عليه اليوم واليومان ولا يجد طعاماً، ولا يجد إلا قدر كفايته، فكان الرجل منهم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله أن يخرج إلى الجهاد، فيعتذر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يجد مركباً يُرْكِبُه عليه، فمن قوة إيمانه وحبه لله ورسوله وحبه لهذا الدين وحبه للشهادة في سبيل الله عز وجل يبكي بكاءً شديداً {تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} [التوبة:92]، فجمع الله لهم في هذه الآية بين أمرين: بين حزن القلب.
وحزن القالب.
فحزن القلب في قوله: (حَزَناً)، وحزن القالب في إفاضة العين من الدمع، يقال: فاض الوادي إذا كثر ماؤه، فقال الله عز وجل: (تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ) ولم يقل: تدمع، وإنما قال: (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ)، فهذا يدل على كمال حبهم لله عز وجل، وإيثارهم لمرضاة الله سبحانه وتعالى على حظوظ النفس.
فإذا كان الرجل لا يجد الطاقة والقوة على أن يغزو راجلاً، ولم يجد ما يركبه، فإنه حينئذٍ يعتبر معذوراً، فإن خرج من لا يجب عليه الغزو، كشيخ كبير أو مريض، أو خرج مَن لا يجد المركب، فمشى على قدميه، فهذا فضل منه، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
فهذه الشروط ينبغي توفرها للحكم بفرضية الجهاد، فلا يجب الجهاد إلا إذا توفرت هذه الشروط، ولا يصير على الإنسان فرضاً إلا إذا استجمع هذه الشروط المعتبرة لفرضيته.
(136/8)
________________________________________
الحالات التي يصير الجهاد فيها فرض عين
وقوله رحمه الله: (ويجب إذا حضره) يقال: حضر الشيء إذا شهده، وهناك أحوال للجهاد في سبيل الله: منها حالة الخروج للجهاد.
ومنها حالة شهود الوقعة.
(136/9)
________________________________________
إذا التقى الصفان وتقابل الزحفان
فأما الحالات التي يصير الجهاد فيها فرض عين: أولها: أن يشهد الوقعة، ويكون حاضراً فيها، وهذا يعبر عنه العلماء رحمهم الله بجمل مختلفة: فمنهم مَن يقول: (يجب إذا حضره)، أي: حضر الوقعة، كما عبر به المصنف رحمه الله.
ومنهم مَن يقول: (إذا التقى الصفان).
ومنهم مَن يقول: (إذا تقابل الزحفان).
والمعنى واحد، وهو: أن يحضر الوقعة، ويقابل العدو، فإذا لقي العدو فإنه لا يجوز له أن يتولى، وهذا من التولي يوم الزحف، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال:16]، فحرم الله عز وجل على مَن لقي العدو أن ينكص على عقبيه، فإذا نكص على عقبيه فقد خسر الدنيا والآخرة، إلا فيما استثناه الله عز وجل.
قال العلماء: إن هذه الآية الكريمة نصٌّ في وجوب الجهاد ووجوب القتال على من قابل العدو ولقيه، فما عليه إلا أن يصبر، وأن يتوكل على الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ} [الأنفال:45]، فأمر الله بأمرين: الأمر الأول: يتعلق بالقلوب: وهو ما عناه سبحانه بقوله: (فَاثْبُتُوا).
وأما الأمر الثاني: فما يجمع بين القلب والقالب (وَاذْكُرُوا اللَّهَ) فإن رأيتم عظَمةً من عدو الله فاعلموا أن الله أعظم، وإن كبُر في أعينكم فالله أكبر وأجل سبحانه وتعالى، يَغلِب ولا يُغلَب وهو القوي العزيز.
فإذا تقابل الزحفان، فإنه يتعين الجهاد بإجماع العلماء، وفي هذه الحالة إذا فر الإنسان أو عَدَل عن الجهاد، أو انخذل -والعياذ بالله- إلا فيما استثنى الله عز وجل -المتحرف للقتال، أو المتحيز إلى فئة- فإنه يبوء بغضب من الله، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات -أي: المهلكات، نسأل الله السلامة والعافية! فإنها تهلك صاحبها- وذكر منها: والتولي يوم الزحف)، فالتولي يوم الزحف فيه غضب الله وسخطه، قال العلماء: لأنه يدل على الخوف من أعداء الله، وخذلان دين الله؛ لأن العدو ينظر للإسلام بمن حظر الوقعة، فإذا كان أهل الإسلام على ثبات وقوة كان ذلك أرضى لله سبحانه وتعالى، وأعلى لدينه، وأقوى شكيمةً في وجه العدو، وأقوى بأساً في طاعة الله عز وجل ومرضاته، والله يحب الذين يجاهدون ويُظْهِرون القوة والجَلَدة في جهادهم، فإذا أظهر الخذلان، ونكص على عقبيه، فإن هذا -نسأل الله السلامة والعافية- خذلان لدين الله وخذلان لعباد الله، فإنه إذا تولى خذَّل غيره، وإذا جبُن فإنه يُضعِف غيره، بخلاف ما إذا ثبت، وذكر الله سبحانه وتعالى وقويت عزيمته على الخير وطاعة الله ومرضاته، فإنها تقوى عزائم مَن معه، وإذا تولى وكان قدوة للغير فالأمر أعظم وأشد: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:13] نسأل الله السلامة والعافية! والعكس بالعكس، فإذا ثبت وثبت الناس بثباته، وقووا بقوته وصبره وجَلَده، فإنه ينال أجره وأجر من كان معه.
فهذه هي الحالة الأولى التي يتعين الجهاد: إذا تقابل الزحفان والتقى الصفان، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله.
وفي هذه الحالة لا يجوز له أن ينسحب أو يترك اللقاء إلا بإذن خاص من الإمام، فإذا كانت للإمام أو القائد مصلحة في أن يبعثه في طلب غوثٍ، أو نجدةٍِ، أو يبعثه في أمر يتعلق بمصلحة الجيش أو نحو ذلك، فإنه لا بأس أن يتخلف عن شهود هذه الوقعة والله يكتب له أجرها؛ لأنه تخلف لعذر، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة التي هي من أشد الغزوات على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت في شدة الحر، وابتلى الله عز وجل فيها المسلمين بلاءً شديداً، فلما قطعوا المسافات الشاسعة وابتعدوا عن المدينة، ووصلوا إلى تخوم الشام، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن بالمدينة رجالاً، ما سلكتم شِعباً، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم وشاركوكم الأجر، قالوا: يا رسول الله! كيف وهم في المدينة؟ قال: حبسهم العذر) فمن حُبِس عن وقعةٍ لعذر فأجره كامل.
(136/10)
________________________________________
إذا دهم العدو بلاد المسلمين
قوله: [أو حصر بلده عدوٌّ] وهذه هي الحالة التي يسميها بعض العلماء: (حالة الهجوم) أن يهجم العدو على بلد أو على قرية أو على مدينة، فكل من في هذه المدينة يجب عليه أن يقاتل، وأن يدافع عن نفسه، فيقاتل الرجال وتقاتل النساء، ولا بأس عليهن في ذلك -إذا كن يحسنَّ القتال والنكاية بالعدو- أن يقاتلن، ويحمين حوزة الإسلام ويحفظن ثغره.
وهذه الحالة هي حالة دهم العدو على البلد.
ففي الحالة الأولى والثانية، وفي الحالة الثالثة التي سيذكرها المصنف، لا يستأذن الإنسان والديه، ولا المدين من دائنه، ولا العبد من سيده، ولا المرأة من زوجها، بل يدفع كلٌّ على قدر وسعه، وطاقته، وتكون هذه الحالة حالة ابتلاء، وهي من الأحوال المستثناة كما ذكرنا، ويكون الجهاد والقتال فرض عين كالصلاة، فكما أن الصلاة تجب على المسلم بعينه، فيجب عليه أن يقاتل كيفما استطاع وهذا كله من حكمة الشرع، فإن الأحوال تختلف، ولكل حالة حكمها.
فلو قلنا في هذه الحالة: يستأذن والديه، لانعدمت ثغورٌ، وهلكت أنفسٌ، وفنيت الأرواحُ والأجسادُ، وكان ذلك أعظم ما يكون بلاءً على المسلمين، ولذلك يسقط الاستئذان في هذه الحالة، حتى أن الله سبحانه وتعالى أسقط عن المكلفين أركان الصلاة كالركوع والسجود في هذه الحالة، وهي حالة احتدام القتال وحالات الهجوم، فقال العلماء: إذا حاصر العدوُّ بلداً -سواءً حاصر، أو هجم على البلد وقاتل- ففي هذه الأحوال كلها يتعين على مَن في تلك البلدة أن يقاتل، وأن يدفع على قدر استطاعته، وعلى قدر وسعه: و {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
فإذا قال العلماء: (يتعين ويجب) فإنه يسقط -كما ذكرنا- استئذان الوالدين، واستئذان المدين من دائنه.
والأصل في هذه الحالة، -إذا هجم العدو على البلد، أو حاصر مدينة- أنها في حكم تقابل الصفين، والتقاء الزحفين، فكما نصت الآيات على أن تقابُلَ الزحفين والتقاء الصفين يتعين فيه الجهاد على مَن شهد، كذلك إذا حاصر العدو بلداً، فإن الحصار مقابلةٌ من العدو للمسلمين، وهي بلا إشكال في حكم التقاء الصفين، وتقابل الزحفين.
(136/11)
________________________________________
من استنفره الإمام للخروج للجهاد في سبيل الله
قال رحمه الله: [أو استنفره الإمام] السين، والتاء: للطلب، والنفير: طلب الخروج، والمراد هنا: طلب الخروج الخاص وهو الخروج للجهاد في سبيل الله عز وجل.
وهذه هي الحالة الثالثة التي يصير الجهاد فيها فرض عين، وهي: أن يطلب ولي الأمر من المسلمين الخروج للجهاد، فيجب عليهم أن يخرجوا، ويتعين على كل من أطاق القتال أن يخرج، فيخرج بدون إذن والديه، ويخرج أيضاً بدون إذن دائنه ومَن له حقٌّ عليه، ويخرج كل من أطاق القتال على الصورة التي ذكرناها في الحالتين السابقتين.
ولا يستنفر الإمام إلا في أحوال مستثناة، وهي الأحوال التي يكون الخطر على الأمة، أو الخطر على جماعة، ولذلك لا يستنفر، إلا لمصالح عظيمة، أو درء مفاسد أعظم، ولذلك تكون هذه الحالة من الأحوال التي يتعين فيها الجهاد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} [التوبة:38] وهذا الاستفهام استفهام إنكاري، ولذلك يقول العلماء: إنه من القرائن والدلائل التي تدل على حرمة الفعل، فمن استُنْفِر للجهاد في سبيل الله وامتنع فإنه يعتبر مخالفاً لأمر الله عز وجل، مرتكباً لما حرم الله، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: (لا هجرة بعد الفتح؛ ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا).
وفي حكم الاستنفار مَن رُتِّب للقتال، فجاء الأمر بخروجه، فإنه يتعين على جميع الأفراد أن يقاتلوا، ولا يجوز لهم أن يتخلفوا، ولا أن يحتالوا بالامتناع عن الخروج، ويأثمون إن فعلوا ذلك.
فيصير الجهاد في هذه الأحوال فرض عين، يأثَم الإنسانُ بتركه، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله.
(136/12)
________________________________________
الرباط ومدته وفضائله
قال رحمه الله: [وتمام الرباط أربعون يوماً] الرباط في سبيل الله هو: حراسة الثغور، والثغور هي التي تكون بين المسلمين وبين أعداء الإسلام وتحتاج إلى حفظ؛ لأن العدو لا يؤمَن غدرُه، ولا يؤمَن ضررُه، ولذلك لا بد من السهر في حماية الثغور، وهذا العمل من أجلِّ الأعمال وأحبِّها إلى الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه)، أي: فيما سوى الثغر؛ لأن المرابط في سبيل الله عينه تحرس المسلمين، وتحرس عوراتهم وأعراضهم وأموالهم ودماءهم، فهو قائم على ثغر عظيم من ثغور الإسلام، فإذا سَهِرَت عينُه على هذا الثغر، فإن الله يحرِّمها على النار؛ فإن العين التي تسهر في حراسة الثغور، تُعْتَبر ساهرةً في مرضاة الله عز وجل، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل العيون باكية -أو دامعة- يوم القيامة، إلا ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضَّت عن محارم الله)، قال العلماء: (كل العيون باكية، أو دامعة): إشارةٌ إلى بلائها وحزنها، (إلا ثلاثة أعين): إشارة إلى نجاتها وعظيم ما أعد الله لها من الثواب، فلا تبكي يوم القيامة ولا تحزن، وهذا يدل على أنه ينتظرها من الله مِن عظيم الثواب وعظيم الجزاء الخير الكثير، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).
وإنما يكون هذا الفضل الذي أعده الله للمرابط -وكذلك الفضائل التي وردت في الشهادة في سبيل الله عز وجل- لمن أراد وجه الله عز وجل، فلم يخرج من بيته للجهاد رياءً ولا سمعةً ولا تفاخراً، ولا حميةً عن نفسه، ولا عن أهله، ولا عن داره وبلده، وإنما خرج لله وفي الله، (قالوا: يا رسول الله! الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل ليُرَى مكانَه، والرجل يقاتل للمغنم، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ -أي: أيُّهم يكون له الفضل الذي ذكرته للمجاهد في سبيل الله؟ - فقال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) فخص قوله: (في سبيل الله) بقصد وجه الله سبحانه وتعالى.
فإذا ذكر الرباط وفضله، وما فيه من الخير والأجر والثواب، فإنما هو لمن أخلص، وأراد وجه الله سبحانه وتعالى، وأما مَن فعل ذلك حميةً، أو من أجل أن يُرَى مكانَه، أو ليثني عليه الناس، فإنه يتعجل حظَّه في الدنيا، فإذا وافى الله عز وجل، لم يوافِه بشيء، وفي الحديث: (أن العبد إذا أتى يوم القيامة بحسناته، قال الله عز وجل له: اذهب وخذ أجرك ممن عملت له) فالله سبحانه وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه، وفي الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي غيري، تركته وشركه)، وقال سبحانه وتعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف:110].
فالرباط له هذا الفضل العظيم، إذا أخلص الإنسان فيه النية.
وإذا تأمل المسلمُ الرباطَ، وجد فيه حفظ الثغور، ولذلك قال بعض العلماء فتفاضل أنواع الجهاد، حتى إن بعضهم يقول: إن حراسة الأنفس وتأمين السبل، قد يفضُل على جهاد الطلب؛ لأن الجهاد ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: جهاد الطلب.
والقسم الثاني: جهاد الدفع.
فأما جهاد الطلب: فهو الذي يُطْلَب فيه العدو في أرضه، ويغزو المسلمون فيه الكفارَ في أرضهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعَلَ الصحابة مِن بعده، والسلف الصالح مِن بعدهم.
وأما جهاد الدفع: فهو أن يدهم العدو بلاد المسلمين فيدفعونه، وهذا يسمى جهاد الدفع.
فالرباط يعين على جهاد الدفع، وقد وردت فيه الفضائل، حتى ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن المرابط إذا مات في رباطه أجرى الله عز وجل عليه الأجر إلى أن تقوم الساعة) فله أجره وثوابه إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وهذا لعظيم بلائه، ومن هنا قال العلماء: من سعى في حراسة المسلمين أثناء نومهم وحرس أعراضهم أو كان يعس في الليل، فإنه لا يبعُد أن ينال من الأجر ما هو قريب من الرباط؛ لأن مثل هذه الثغرات التي يخاف الناس فيها على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم بلاؤها عظيم، ومن هنا كان بعض السلف ويُروَى عن الإمام مالك -رحمه الله- أنه كان يرى أن تأمين السبل للحجاج والمسافرين خوفاً ممن يقطع الطريق عليهم أفضل من جهاد الطلب وذلك لعظيم البلاء فيه.
وقوله: (وتمام الرباط) الرباط ينقسم إلى قسمين: الرباط الكامل والتام: وهو أربعون يوماً، وقد جاء فيه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تمام الرباط أربعون يوماً) فمن رابط أربعين يوماً فقد تم رباطه، وينال فضائل الرباط التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث حسنه بعض العلماء رحمهم الله.
و (تمام الرباط أربعون يوماً)، أي: أنه إذا رابط في الثغور أربعين يوماً، فإنه ينال هذه الفضيلة -أعني: فضيلة الرباط- فإذا زاد فوق ذلك فإنه يكون فضلاً وزيادةً له في الأجر، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من مات مرابطاً في سبيل الله عز وجل، فإن الله يؤمِّنه من الفتان، أي: أنه يؤمَّن من فتنة القبر، وهذا من أعظم ما أعد الله عز وجل له حيث يحفظ من فتنة القبر، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الشهيد: (هل يفتن في قبره؟ فقال -بأبي هو وأمي- صلوات الله وسلامه عليه: كفى ببارقة السيوف فتنة له) أي: كفى أنه قتل في ذات الله جل جلاله، فإن هذا من أعظم الشهادة له بأنه مؤمن بالله عز وجل واليوم الآخر؛ لأنه باع نفسه لله وآثر ما عند الله على الدنيا.
(136/13)
________________________________________
استئذان الوالدين في الجهاد إذا كان فرض كفاية
قال رحمه الله: [وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما] شرع -رحمه الله- في بيان المسائل التي يجب فيها الاستئذان قبل الخروج إلى الجهاد، وهذه المسائل وردت بها النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز للمسلم أن يخرج للجهاد إذا كان أبواه موجودين إلا بإذنهما، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أتيت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد، قال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد) فدل هذا الحديث الصحيح على أن جهاد مَن له والدان، أو أحدهما هو البر به، وذلك هو جهاده، والسبب في ذلك أن للوالدين حقاً عظيماً على الولد، وأن الله وصى الولد بوالديه إحساناً، وأن الخروج للجهاد في سبيل الله فجيعةٌ لهما، وتعرضٌ للهلاك، فقد يهلك الوالدان بسببه إذا أصابهما الجزع والسخط على قضاء الله وقدره، فينجوَ الولد ويهلك الوالدان.
والسبب في هذا أن الله قذف في الوالدين رحمة -وهي في قلب الوالد والوالدة- لا يستطيع أحدهما أن يملك نفسَه معها، أما الوالد فقد قص الله علينا في كتابه وبيَّن لنا ما يجده في نفسه لولده، وذلك في قصة يعقوب مع ابنه يوسف عليهما السلام، فإن هذه القصة لما ذكرها الله سبحانه وتعالى وبيَّنها في كتابه قال: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى} [يوسف:111] فأخبر أنها عبرة، فتحتاج إلى شيء من التأمل.
فانظر -رحمك الله- إلى نبي من أنبياء الله، لما فقد ابنه يوسف -وهو يعلم أنه سيعود إليه- حزن حزناً شديداً وابيضت عيناه من الحزن وفقد بصره، حتى قالوا له: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:85 - 86] أي: أنه يجد لوعة الفراق وألم الفراق، ومع أنه يعلم أن يوسف سيعود إليه، ومع أنه نبي ومِن أولي العزم، ومِن أهل الصبر والقوة، ومع ذلك لم يتحمل فراقه مع ثقته بعودته إليه، وقال {إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [يوسف:96].
فهذا يدل على أن في قلب الوالد لولده من الحنان والشفقة ما لا يملكه الولد، ومن هنا كان مِن الخطأ أن يظن الشاب أن قضية استئذان الوالدين لحاجة الوالدين، وأنه إذا وُجِد من يقوم مقامه أن ذلك يكفي، وهذا من الرأي في مقابل النص، ومن عدم التأمل والفقه عن الله ورسوله؛ لأن الأمر راجع إلى الرحمة، فإن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن في قلب الوالد لولده رحمة، فعندما دمعت عيناه لفراق ابنه إبراهيم: (قالوا: يا رسول الله! ما هذا؟ قال: رحمة أسكنها الله في قلوب عباده)، فهذه رحمة أسكنها الله في قلب الوالد لولده، فمنهم مَن يتجلد ويقوى إيمانه ويصبر فيأذن لابنه، فإذا أذن لابنه فلا إشكال، فهو أدعى أن يصبر إذا فُجِع به؛ ولكن إذا خرج الابن من دون إذنه، فُجِع الأب به، وتعذَّب بفراقه، وتألم لذلك الفراق، فكأن الابن يتسبب في أذيته والإضرار به، شعر أو لم يشعر، فهذا راجع إلى ما أسكنه الله في قلب الوالد لولده.
أما الأم فأمرها أشد، وحنانها أعظم، ورحمتها أكبر، ولذلك لما أراد رسول الأمة صلى الله عليه وسلم أن يضرب المثل في رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، ويبين عظيم ما أعد الله لعباده من الرحمة، قال صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا.
قال: لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها!).
ففي الأم من الحنان والشفقة والرحمة ما الله به عليم، فإذا كان الأب وهو رجل، تفيض عيناه من الدمع، وقد يصاب بالعمى كيعقوب عليه السلام حين فقد بصره، فما بالك بالأم.
ومن هنا يُعلم أن الأمر راجع إلى الرحمة، وكان فقه السلف على هذا، ففي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه كان هلال بن أمية -أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة العسرة وتاب الله عليه، وهو هلال بن أمية رضي الله عنه وأرضاه، ورضي الله عن جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -كان له ابن اسمه: أمية، وكان أمية من أبر الناس بأبيه، وأكثرهم عطفاً عليه، فلما جاءت الفتوحات أيام عمر خرج للجهاد في سبيل الله، فبكى عليه هلال رضي الله عنه، حتى كُفَّ بصرُه من كثرة البكاء، واشتاق وحنَّ إليه حنيناً عظيماً، وبلغ الخبر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فكتب إلى أبي عبيدة: (إذا بلغك كتابي هذا فابعث إليَّ بـ أمية بن هلال، فما هو إلا أن جاءه أمية رحمه الله، ووقف عليه، ولم يعلم بخبره إلا عمر رضي الله عنه وأرضاه، فقال: (يا أمية! ما حالك مع أبيك؟) فذكر له من البر شيئاً عظيماً، فقال: (اجلس ولا يعلم أحد بمكانك)، ثم دعا أباه، -وهو هلال رضي الله عنه- فجاء وهو شيخ حُطَمَة، قد كُفَّ بصرُه وخارت قواه، ثم جلس فقال: (يا هلال! ما بلغ بر ابنك بك؟) فذكر له بره، ثم أمر ابنه أمية أن يحلب له الناقة، فلما جيء له بالشراب، وأدنى الإناء إلى فمه، قال رضي الله عنه: (والله يا أمير المؤمنين، إني لأجد ريح أمية في الإناء)، وهذا كما أخبر الله عز وجل عن نبيه يعقوب: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ} [يوسف:94].
فهذه رحمة سكنت في القلوب، فليس الأمر باجتهاد، ولا برأي، ولا بمقابلة النصوص، ولا بعاطفة؛ ولكنه أمر يرجع إلى حكم الله، فالذي أمر بالجهاد هو الذي أمر ببر الوالدين، والذي نهى عن التخلف عن الجهاد في سبيل الله ينهى عن عقوق الوالدين، وعن التسبب في أذيتهم، والإضرار بهم.
فيجب على المسلم أن يستأذن والديه في غير الأحوال التي يتعين فيها الجهاد في سبيل الله عز وجل، ويشمل ذلك الوالد والوالدة، وإذا أذِنَ أحدهما وامتنع الآخر، فإنه لا يكفي ذلك، ويجب عليه أن يبقى، وأمرُ الأم أشد من أمر الأب.
وقد بينا أن هذا الأمر دلت عليه النصوص، ونص الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية -رحم الله الجميع- على أنه يجب على الولد أن يستأذن والديه قبل الجهاد في سبيل الله عز وجل ما لم يتعين عليه الجهاد.
(136/14)
________________________________________
اسئذان الوالدين الكافرين
وظاهر العبارة التي ذكرها المصنف: (وإذا كان أبواه مسلمين)، مفهومها أنهما إذا كانا كافرين لا يستأذنهما.
والواقع أن هذا الحكم فيه تفصيل: فالوالدان يجب استئذانهما، سواءً كانا كافرَين أو مسلمَين، وهذا مبني على حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه لما جاء الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (يا رسول الله! إني أقبلت من اليمن، أبايعك على الهجرة والجهاد، قال: أحيٌ والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد) أخذ جمهور العلماء من هذا الحديث دليلاً على أن الكافر والمسلم من الوالدَين يستأذن؛ لأن القاعدة في الأصول: (أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال)، فإنه قد أقبل من اليمن، وكانت اليمن لم تفتح بعد، ومن هنا قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل هل كان أبواه مسلمين أو كافرين؟ بل ترك الاستفصال، ثم إن سر المسألة مبني على البر، والبر يستوي فيه الكافر مع المسلم، ولذلك قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان:15].
لكن استثنى العلماء منعَ الوالدين الكافرين لابنهما إذا كان ذلك على سبيل الكراهية للإسلام، والحنق على الإسلام، فإنه لا يعتد بمنعهما، فهذا هو الذي استثناه العلماء من استئذان الأبوَين الكافرَين، وإلا فالحكم أنه يجب استئذان الكافر والمسلم، وأجمع العلماء على أنه إذا كان أبواه كافرين شيخين كبيرين في السن، وهما بحاجة إليه أنه يجب عليه البقاء معهما، والإحسان إليهما، وذلك لعموم النصوص التي نصت على وجوب البر، فإنها نصوص قطعية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يقوى تخصيصها بالرأي والاجتهاد، ولذلك قال العلماء: إنه في هذه الحالة يجب عليه ويتعين أن يبدأ بالبر، وقد بينت النصوص الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن البر أفضل من الجهاد، وذلك فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال -والحديث في الصحيحين-: (قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال عبد الله: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني) فدل على أن بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل، والسبب في ذلك: أنه ما من قربة أعظم ولا أجل عند الله سبحانه وتعالى بعد توحيد الله والقيام بحقه من بر الوالدين، ولذلك قرنه الله مع التوحيد، فقال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء:36]، وقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء:23] فقرن الله سبحانه وتعالى حق الوالدين بحقه، ونبه على فضل البر وما فيه من عظيم العاقبة الحسنة في الدين والدنيا والآخرة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة.
فالمقصود: أنه يجب عليه الاستئذان.
(136/15)
________________________________________
كيفية استئذان الوالدين
تبقى المسألة الأخيرة: وهي كيفية الاستئذان؟ الاستئذان ضابطه عند العلماء أن يكون عن طواعية ورغبة، ولا يكون بكُره وتعنيف وأذية وإصرار، فإن الولد إذا أصر على والده، أو أصر على والدته، لم يمتنع الوالد والوالدة عن الإذن؛ لأنهما يحرصان على إدخال السرور على الولد ولو على حسابهما، ولو رأيت المرأة وهي في الطَّلْق تنازع الموت، لو قيل لها: تبقين أو يبقى الولد؟ لقالت: يبقى الولد وأهلك، وهذا من عظيم ما جعل الله في قلب الأم من الحنان، فإذا خُيِّرت بين حياتها وحياة ابنها لاختارت حياة ابنها على حياتها، وكذلك الوالد في كثير من الأحوال، فإنه يؤثر ابنه ويحب ابنه ويحب له الخير، ولذلك جعل الله عز وجل أمر الاستئذان فريضة.
فلا بد في الإذن من مراعاة مشاعر الوالدين، فلا يصر الولد على والديه، أو يضغط عليهما، أو يضيق عليهما، أو يريهما الكره والتسخط إذا لم يأذنا له، ويعنفهما، ويوبخهما، ويتهمهما بعدم الحب للإسلام، وعدم الغيرة على أهله، كل ذلك مما يخالف شرع الله، وليس من الإذن المعتبر في شيء، ونص على ذلك العلماء: أنه إذا أكره الوالدين -وهم يعلمون حنان الوالدين، وشفقتهما على الولد- وضغط عليهما للإذن، فهذا الإذن وجوده وعدمه على حد سواء.
ومن غرائب ما وقع أنه اتفق لبعضهم أنه سألني عن بر الوالدين، وهو يريد الخروج للجهاد، فقلت له: يا أخي! تريَّث، ولا تعجل على والديك، وعليك أن تتقي الله في برهما حينما تطلب الإذن، فما كان منه إلا أن استأذن والده، فأذن له والده، وجاءني فسألته عن كيفية الإذن، فإذا فيها دلائل واضحة على أنه شبه مستكرِه لوالده، فلما كان اليوم الذي يريد الخروج فيه جاء لأبيه وقال: عن رضا، قال له الأب: عن رضا، فخرج فبعد أن جاوز المدينة بما لا يقل عن خمسين كيلو، تذكر شيئاً احتاجه، قال: فرجعتُ إلى البيت فوجدتُ أبي في حالة يرثى لها من البكاء والحزن وشدة التوجع والألم، فقلت له: يا أبت! ألم تأذن لي؟ قال: يا بني! رأيتك تحب هذا الشيء وترغب فيه، وليس لي أن أمنعك مما ترغب، فإن جلستَ عندي جلستَ وأنت كاره للجلوس، فرأيت أن أؤثرك بالخروج، وإلا فعن نفسي فوالله ما طابت نفسي بذلك، فعلم أن والده لم يأذن بذلك طيبة به نفسه.
فمثل هذه الأحوال يتقي الإنسان فيها ربه، فلعل الله له حكمة في أن يؤخره لشهادة أفضل، وما اتقى الله عبدٌ إلا جعل له فرجاً ومخرجاً.
وهناك فرقٌ بين مَن يحب الجهاد للجهاد، وبين مَن يحب الجهاد ليبيع نفسه لله ليشتري مرضاة الله، فإن الإنسان إذا هوي شيئاً وأحبه كأن يهوى أن يجاهد ويهوى أن يستشهد -وهذا هوى تبعٌ لما جاء به رسول الأمة صلى الله عليه وسلم، وهو هوى في الخير- لكن إذا عارضه إلزام شرعي حينئذ يأتي الامتحان والابتلاء، ويكون في علم الله عز وجل أنه سيتعرض لفتنة في هذا الخروج، وقد يؤخره لخيرٍ وطاعةٍ وبرٍّ وأجرٍ عظيم، فيبتليه بعدم إذن الوالدين، فإذا سلَّم وأخذ الأمر عن طواعية لله ورسوله اطمأن قلبه، وعلم أن الذي تشترى مرضاته في الجهاد هو الذي تشترى مرضاته في بر الوالدين، وأن بقاءه للبر رفعةٌ في الدرجة، وعظمة في الأجر، وغنيمةٌ له عند الله سبحانه وتعالى.
فينبغي على المسلم أن يأخذ هذا الأمر بالنصوص الشرعية، ولا يأخذه بالهوى والعاطفة، وإذا كان الإنسان يسير بهواه على وفق الشرع، فإن الله عز وجل يسدده، ويوفقه، ويجعل له من أمره رشداً.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه، وعلى آله وصحبه.
(136/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب الجهاد [2]
الجهاد عمل جماعي تقوم به جماعة المسلمين، ومثل هذه الأعمال الجماعية لابد فيها من وجود مرجعية تنظم هذا العمل وترتبه حتى لا يحصل الخلل والاضطراب، ولهذا كان من الواجب طاعة الإمام والصبر معه، وكان من واجبه إزالة جميع أسباب الخلل والاضطراب في هذا العمل العظيم.
(137/1)
________________________________________
آداب المسير إلى الجهاد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويتفقد الإمامُ جيشَه عند المسير] شرع المصنف رحمه الله في بيان جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بآداب المسير للجهاد في سبيل الله عز وجل.
(137/2)
________________________________________
تفقد الإمام لجيشه
فقال رحمه الله: (ويتفقد الإمام) أي: يتفقد الجيش عند الغزو، وهذا التفقد المراد به النظر في مصلحتهم، فما كان من نقص كمله، وما كان من خلل سده، فإن الله سبحانه وتعالى أمر عباده المؤمنين أن يعدوا العدة للجهاد في سبيل الله عز وجل، فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60] فأمر سبحانه وتعالى بالإعداد، ومِن الإعداد: تفقد الجيش قبل الغزو في سبيل الله عز وجل.
وكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فكان يتفقد أصحابه قبل الخروج.
وكانت هذه سنة للخلفاء الراشدين من بعده، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه لما بعث جيش أسامة رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج أبو بكر يشيع أسامة وهو على فرسه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّره على ذلك الجيش، فقال أسامة: (يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم اركب، فقال: إني أريد أن أغبر قدمي في سبيل الله عز وجل)، فكانت سنة لمن بَعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتفقد المجاهدين في سبيل الله، وهذا التفقد -كما ذكرنا- تشحذ به الهمم لطاعة الله ومرضاته، فيوصي الإمام بالوصايا الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، حتى يخرج المجاهدون وهم على بصيرة من طاعة الله عز وجل ومرضاته، وما ينبغي أن يُتَّقى من سخطه وغضبه.
وكان عليه الصلاة والسلام يوصي أمير الجيش في خاصته بتقوى الله عز وجل، التي هي جماع كل خير، وأساس كل فلاح وصلاح في الدنيا والآخرة، ويأمر أفراد الجيش أن يغزوا باسم الله ليقاتلوا مَن عادى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه الوصايا تقوي من همم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشحذ عزائمهم على الخير.
فيتفقد الإمام الجيش قبل المسير، فإذا رأى أخطاءً أو رأى نقصاً فإنه يقوم بسد ذلك النقص، وتصويب ذلك الخطأ، ومن هذا أنه إذا رأى مَن لا يصلح للخروج منعه، كصغار السن الذين لا حاجة إلى خروجهم، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعرض الصحابة يوم الخندق، ويوم أحد، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وعن أبيه: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) فقوله: (عرضت) يدل على أن المجاهدين يُعرَضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا رأى من لا يصلح للغزو؛ لضعفٍ، أو لصغر سنٍّ، أو جنونٍ، أو نحو ذلك من الآفات والموانع، فإنه يمنعه، ويجب على ذلك الرجل أن يمتنع طاعةً لله وطاعةً لرسوله صلى الله عليه وسلم وطاعةً لأولي الأمر، فإنه لا صلاح للأمور إلا بذلك؛ لأنه إذا كُسِر أمام العدو قوَّى من عزمهم على المسلمين، فيمنع أمثال هؤلاء الضعاف، وإذا وجد إنساناً ضعيفاً في زاده، أو غير مستعد، أمره بأخذ العدة، وأوصاه كذلك بما فيه الخير له في دينه ودنياه وآخرته.
(137/3)
________________________________________
منع المخذلين والمرجفين من الخروج إلى الجهاد
قال رحمه الله: [ويَمْنَع المخذِّل والمرجف] [ويمنع المخذِّل] التخذيل: من أعظم الآفات في الجهاد في سبيل الله عز وجل، والتخذيل هو شأن أهل النفاق -نسأل الله السلامة والعافية- فتجدهم يُضْعِفون عزائم المسلمين لجهاد أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيهوِّنون الأمر، ويجعلونه أمراً يسيراً لا يحتاج إلى قوة وإعداد، فأمثال هؤلاء يُمْنَعون؛ لأن المصلحة في عدم خروجهم، والمفسدة في خروجهم، والشرع جاء بجلب المصالح ودرء المفاسد، قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة:47] والإيضاع: ضرب من السير، وهذا يدل على أنهم يريدون الشر والبلاء بالمسلمين، فمن عرف أنه يخذل عن الجهاد في سبيل الله، فهذا مريض القلب ضعيف الإيمان، لم يتشرب الإيمان في قلبه، فمثل هذا لا مصلحة في خروجه، وقد منع الله رسولَه صلى الله عليه وسلم أن يأذن لأمثال هؤلاء، {قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوَّاً} [التوبة:83].
وأما النوع الثاني فهم المرجفون: وهم الذين إذا سمعوا الأخبار أرجفوا بها، فإذا سمعوا قوة العدو، أخذوا ينشرون بين المسلمين تلك الأخبار، فيجعلون المسلمين في قلق وخوف وفزع، فيفقدون الإعداد المعنوي؛ لأن الجهاد في سبيل الله عز وجل -كما ذكر العلماء- يحتاج إلى نوعين من الإعداد: النوع الأول: الإعداد الروحي.
والنوع الثاني: الإعداد الحسي.
فأما الإعداد الروحي فهو: قوة الإيمان، وقوة الشكيمة والعزيمة، وحب الشهادة في سبيل الله عز وجل، وجعل الآخرة أحب إليه من الدنيا، ولذلك كان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم يخرجون وقلوبُهم متلهفة للشهادة، وكان يقول قائلهم: (إنها لحياةٌ طويلةٌ إن عشتُ حتى آكل هذه التمرات)، فيرمي بها حتى يقتل في سبيل الله عز وجل، فإذا خرج الإنسان بهذه الروح المعنوية، فإنه تقوى عزيمته للجهاد في سبيل الله، ويقوى كَلَبه على أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم، وحق لمثله أن يشهد ساحة الوغى، فللوغى رجاله، وللقتال في سبيل الله أهله، وليس كل إنسان يستطيع أن يصبر ويصابر ويرابط على طاعة الله ومرضاته في مثل هذه المواقف العظيمة، ولذلك وصف الله يوم الخندق فقال: {وإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب:10 - 11].
فلا بد من الإعداد المعنوي، والإعداد المعنوي -كما قلنا- يحتاج إلى شيء من العلم والبصيرة بما أعد الله من الثواب، وحسن العاقبة والمآب إذا فاز الإنسان بالشهادة في سبيل الله عز وجل، وقد سطر التاريخ الإسلامي للسلف الصالح لهذه الأمة مواقف عظيمة تدل على كمال إعدادهم روحياً، وبذلك كسروا أعداء الله وانتصروا عليهم بقوة النفس وقوة الإيمان بالله عز وجل، وكان الرجل إذا رجع من الغزو ولم يقتل بكى، فكان يُفْجَع بعدم القتل أكثر من فجيعته بأن يُقْتَل أو يؤذَى في سبيل الله عز وجل.
فالإعداد المعنوي هو الذي أشار الله إليه بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال:45]، فأمر الله بالثبات، ولا يمكن للمسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله عز وجل وقلوبهم خاوية، ونفوسهم ضعيفة، فهذا الإعداد المعنوي يفسده المخذِّل والمرجف، فكل منهما يحطم معنوية المجاهد، ويخذِّله عن لقاء العدو، ولذلك ذكر العلماء رحمهم الله أنه يجب على الأئمة ونحوهم إذا أرادوا الغزو في سبيل الله عز وجل أن يمنعوا هذين الصنفين من الناس، فلا خير في خروجهم، ولا مصلحة في شهودهم للغزو في سبيل الله عز وجل.
وأما الإعداد الحسي فهذا ما يتعلق بأخذ القوة من الرمي ومعرفة أساليب القتال والجهاد في سبيل الله عز وجل.
فلا بد من الأمرين، وقد أشار القرآن إلى أساس الإعداد المعنوي فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ} [الأنفال:45]، وقال سبحانه أيضاً: {وحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:84]، فالتحريض إعداد معنوي؛ ويفسده ما يشتت القلوب، وهو النزاع والخلاف في الرأي، فهذا يفسد الإعداد المعنوي؛ لأن اتحاد وجهة الناس واتحاد هدفهم ومقصودهم يقوي شكيمتهم على الأعداء، وتكسر به شوكة الأعداء أيضاً، ولذلك قال الله عز وجل: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]، فقوله سبحانه: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} [الأنفال:46] يدل على أن الأصل أن يكون الناس على وجهة واحدة، فإذا جاء المخذِّل والمرجف فإنهم يجعلون الناس أشتاتاً، فقسم منهم يقول: العدو أقوى منا، ولا نستطيع قتاله، وقسم منهم يقول: العدو ضعيف، ونحن بإذن الله غالبون، و: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:249] كما قص الله علينا ذلك في كتابه.
فهؤلاء المرجفون يفسدون ولا يصلحون للجهاد في سبيل الله، فيُمنَعون، والمصلحة في عدم شهودهم للغزو، ولذلك قال المصنف: (ويمنَع المخذِّل والمرجف)، وكلا الوصفين -التخذيل والإرجاف- لا خير فيه حتى في حال السِّلم، لما يُحدِث من الفتنة، وشتات القلوب، وتفريق الصفوف.
وهذا الإرجاف غالباً ما يكون في المصالح العامة للمسلمين، وقد يقع في النيل من أئمة المسلمين وولاتهم والطعن فيهم، وكذلك الطعن فيمن يلي أمرهم، وتتبع العثرات والعورات، كل ذلك بقصد تشتيت شمل المسلمين وزعزعة الثقة بينهم، وقد يفعل البعض ذلك عن جهل وعدم قصد؛ ولكنه يفضي إلى ما لا تحمد عقباه.
ولذلك لا خير في المرجف والمخذِّل، وإنما على المسلم أن يتوكل على الله، وأن يحسن الظن بعباد الله، وأن تقوى عزيمته على الخير، ولذلك كان سفيان الثوري رحمه الله يقول: (إذا سمعتم بالعائبة أو الفضيحة التي تكون فلا تنشروها؛ فإنها ثلمة في الإسلام)، فنشر مثل هذه الأمور يجعل الناس في شيء من الشتات والضيعة.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف أمام الأحزاب، وهم فوق العشرة آلاف -على خلاف بين أهل السيَر في عددهم يوم الخندق- وكانت غزوة الأحزاب من أشد الغزوات على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، فلما رأى عليه الصلاة والسلام، ورأى المسلمون ما عليه أعداء الله من العدد والعدة، واجتماع كلمتهم على رمي الإسلام بقوس واحدة، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني قريظة قد خانوا العهد ونكثوه، فازداد البلاء على المسلمين، حيث إنهم لم يصابوا بمواجهة العدو بقوة فقط، بل إنهم أيضاً يُطعنون من الخلف من يهود بني قريظة، عَظُم الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل نعيم بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، لكي يتتبع الخبر، فكان من وصيته له، أنه أمره إذا وجد الخبر صحيحاً ألاَّ يصرِّح بما أقدم عليه يهود بني قريظة من نكث العهد، فقال له: (إن كان القوم كما زعموا، فالحن لي لحناً، ولا تفت في عَضُدنا)، فقوله: (فالحن لي لحناً) أي: قل لي كلاماً أفهم منه أنهم قد غدروا ونكثوا، (ولا تفت في عضدنا).
فإذا كان الإنسان في جماعة المسلمين في سلم أو حرب فعليه أن يتقي الله عز وجل فيهم، فبعضُ الأمورِ نشرُها والإرجافُ بها وحملُها والتحدثُ بها يُحدِث شتات الشمل، وفرقة الصفوف، وهذا من أعظم ما يكسبه أعداء الإسلام من المسلمين.
وكان علماء الإسلام يوصون الناس بعدم تفرق كلمتهم فيما بينهم، خوفاً من طمع العدو فيهم، فكلما كان المجاهدون في سبيل الله على قلب واحد، وعلى رأي واحد، كلما استقامت الأمور، وهذا هو هدي السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم ورحمهم أجمعين من الصحابة ومن تَبِعهم، فإن عمر رضي الله عنه لما اختلف مع أبي بكر في قتال مانعي الزكاة وكان عنده نص وعند أبي بكر نص، فما كان منه إلا أن سمع وأطاع لـ أبي بكر، فجعل الله الخير في رأي أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، مع أن لـ عمر رضي الله عنه وأرضاه دليله وحجته، ولكن استقامة الكلمة واتحاد الصفوف في وجه أعداء الله أمرٌ مطلوب.
والإرجاف كما يكون بالأقوال يكون بالأفعال.
فإرجاف الأقوال: كنقل الأخبار، وأعظمَ ما يكون الإرجاف -كما ذكر العلماء وهو أشد ما يكون ذنباً على الإنسان- أن لا يكون على بينة من نقلها فينقلها، دون تَرَوٍّ فيها ولا تثبُّت.
وإرجاف الفعل: كالاضطراب والخوف والقلق وظهور علامات الفزع، فهذا من إرجاف الفعل.
ولذا يُمنَع هذا الصنف من الناس لمصلحة الجهاد في سبيل الله عز وجل.
(137/4)
________________________________________
النفل أحكامه وأنواعه
قال رحمه الله: [وله أن ينفِّل في بدايته الربع بعد الخمس] (وله) أي: للإمام.
(أن ينفِّل) شرع رحمه الله بهذه الجملة في بيان الأحكام المتعلقة بالغنيمة.
فإن الجهاد في سبيل الله عز وجل وعد الله أهله بإحدى الحسنيين: - إما الشهادة في سبيل الله عز وجل.
- وإما الغنيمة ونيل ما نالوا من أجر الدنيا.
وقد ثبت الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: (ما مِن سرية تغزوا في سبيل الله ويغنموا، إلا كان هذا فيه نقص لأجرهم) أي: أن أجر الدنيا يُنقِص عظيم ثواب الآخرة؛ لأن الأعظم والأكمل لهم ثواباً أن يُقتَلوا ويستشهدوا في سبيل الله عز وجل، فإذا خرج المجاهدون وأصابوا العدو فإنه يَرِد السؤال عن حكم الغنائم التي تُكْتَسب من الجهاد في سبيل الله عز وجل.
وهذا من ترتيب الأفكار، فبعد أن بيَّن رحمه الله على مَن يجب الجهاد، وما الذي ينبغي من الإعداد المعنوي للجهاد في سبيل الله عز وجل، كأن سائلاً سأل: لو وقع الجهاد في سبيل الله وغنم المسلمون فماذا يُفعَل بما غنموه؟
(137/5)
________________________________________
أقسام الغنائم
والجواب أن الغنائم تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: المنقولات.
والقسم الثاني: العقارات.
فما يناله المسلمون من الأعداء: - إما أن يكون أرضاً ودوراً ونحوها، فهذه تسمى: العقارات.
- وإما أن يكون من الأموال كالذهب، والفضة، والدواب، والسلاح، والكراع، ونحو ذلك، فهذا يسمى بالمنقول.
فأما العقارات كالأراضي والدور، والمزارع، وغيرها، -كما لو دخلوا بلاد العدو وغنموها، وفتحوها- فلها حكم بينته السنة، وكان له هدي عليه الصلاة والسلام في ذلك، وكذلك عن الخلفاء الراشدين مِن بعده.
وأما النوع الثاني: وهو المنقولات من الذهب، والفضة، والسلاح، والكراع، والدواب ونحوها مما يُغْنَم، فشرع المصنف رحمه الله في بيانه.
(137/6)
________________________________________
أقسام التنفيل
فيُعطى الإمامُ أو القائد أو مَن له النظر في مصلحة الغنائم، والمنهج المعتبر في تقسيمها أنها تكون على أحوال: - قسم منها يكون سَلَباً، ويُستَحق لمن قتل قتيلاً ومعه بينة على ذلك.
- وقسم منها يكون رضخاً وعطاءً، ويعطيه القائد على حسب المصلحة التي يقصدها من وراء العطاء.
- وقسم منها يستحق بالشرط، كأن يشترط القائد ويقول: مَن فعل كذا وكذا فأعطيه كذا وكذا مَن فتح الباب، ومَن كسر كذا أو مَن أحدث الثغرة الفلانية، فإن له كذا وكذا، فهذا يسمى الاستحقاق بالشرط.
وبطبيعة الحال أنه إذا غزا المجاهدون في سبيل الله، فالأحوال تختلف: فتارة يغزو الجيش بكامله، ويدخل بلاد العدو، أو يواجه العدو بقوته الكاملة، فحينئذ يواجه المسلمون الأعداء بيدٍ واحدة، وتكون الغنيمة لا نَفَلَ فيها للسرايا، أي: ليست هناك سرايا تُبعَث، وإنما يقابل الجيشُ الأعداء مرةً واحدةً.
وتارة يبعث الإمامُ بعوثاً ويرسل سرايا، أو يرسل العيون لأخذ الأخبار، ثم يرسل بعدها السرايا، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يبعث السرايا للجهاد في سبيل الله عز وجل.
(137/7)
________________________________________
كيفية تنفيل السرايا
والسرايا تنقسم إلى قسمين: السرية القبلية: أي: ما يكون قبل القتال، والجهاد، وقبل إتيان العدو، وهذا النوع من السرايا يمهد الطريق للجيش، ويستطلع حال الأعداء، ويستكشف أمرهم.
السرية البعدية: وهي التي تكون بعد خروج الجيش، وانتهاء المعركة.
فما كان مِن السرايا قَبْلُ فهذا بلاؤه أعظم، والضرر الذي يتعرض له والخطر أشد؛ لأنه يذهب في قوة العدو، فحينئذ قد يواجه جيش العدو، ولذلك يكون حظه من النَّفَل أكثر من حظ الذي يُبعَث بعد خروج المسلمين أو رجوعهم.
أما السرية البَعْدية فهي التي يبعثها الإمام للاطمئنان من أن العدو قد كُسِرت شوكته، وأنه ليس له ظهير، وأنه قد انقطع أمرُه بانتهاء القتال؛ لأنه لا يأمن في بعض الأحيان أن يكون هناك كمين، يفاجئ المسلمين من حيث لا يشعرون.
فلذلك فُرِّق بين السرية القَبْلية والسرية البَعْدية، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاًّ من الأمرين، فكان يبعث السرايا القَبْلية ويبعث السرايا البَعْدية، ولذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث حبيب بن مسلمة: (أنه كان ينفِّل الربع والثلث) فيعطي ربع الغنيمة أو ثلثها للسرية القَبْلية، لعظيم بلائها كما ذكرنا، والعلماء رحمهم الله يقولون: إعطاء الثلث والربع يرجع إلى نظر الإمام واجتهاده وعلى حسب بلاء السرية، فإذا -بفضل الله عز وجل ثم بهذه السرية- فعلت فعلاً تمكن به المسلمون من كسر العدو ربما زادهم، حتى أوصلهم إلى الثلث، وإذا كانت مهمة السرية يسيرة، فله أن يعطيهم الربع، وهذا أمر يرجع إلى اجتهاد الإمام.
وقد جاء في حديث حبيب بن مسلمة رضي الله عنه ومعاذ بن جبل رضي الله عنه عند أحمد وأبي داود في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نفَّل الثلث والخمس، فكان إذا أرسل السرية قَبْلُ نفَّلها الثلث -يعني: قبل القتال- وإذا أرسل بَعْدُ نفَّلها الخمس) وهذا كله -كما ذكرنا- راجع إلى نظر الإمام ومعرفته بعظيم بلاء هذه السرايا.
(137/8)
________________________________________
تنفيل القاتل سلب قتيله
وقوله: (أن ينفِّل) النَّفَل في اللغة: الزيادة، فإذا زاد الشيء على الأصل فإنه يقال: هذا نافلة، أي: شيء زائد، ومنه سميت نافلة الصلوات؛ لأنها زائدة على الفريضة التي أوجب الله، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما سأله الأعرابي: (هل عليَّ غيرها -أي: غير الخمس- قال: لا.
إلا أن تطَّوَّع) أي: تتنفل، ولذلك يسمى الحفيد بالنافلة، كما قال سبحانه وتعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء:72] فالنافلة تقال لولد الولد؛ والأصل أن الوَلَدَ للإنسان، وأما وَلَدُ وَلَدِه فزيادة.
فالنَّفَل هو: زيادة على حظ الإنسان في الغنيمة، فإذا غزا المجاهدون في سبيل الله عز وجل، فلهم سهم من الغنيمة، وهذا القسم قد بينته السنة: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، والأصل في الغنائم أن الإمام يفعل بها ما يلي: إذا انتهت المعركة واستقر الأمر، يقوم الإمام بأخذ الأسلاب، وإعطائها لأصحابها.
وهذا النوع الأول مما يؤخذ من الغنيمة، وهو وأول ما يُفْعَل فيها، أي: أن يعطي سَلَب المقتول لقاتله، ومسألة سَلَب المقتول صورتها أو حقيقتها: أن كل مَن قتل رجلاً بعينه فإنه يستحق سَلَبه، والسَّلَب: هو ما هو عليه من سلاح -سلاحه الشخصي- وكذلك ثيابه ودابته، وكل ما عليه، فهذا الشيء يستحقه، وله أخذه، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه)؛ لكن بعض العلماء -رحمهم الله- يقولون: سَلَب المقتول يُستَحق إذا أعطاه الإمام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل الغزوة: (مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه) فإن لم يقل ذلك فإنه لا يستحقه، وبعضهم يقول: يُستَحق السَّلَب مطلقاً؛ لكن يُفَرَّق بين الجيش الذي له عطاء -وهو الذي يُسمَّى بالراتب- والجيش الذي لا عطاء له، فالجيش الذي له عطاء قالوا: لا سَلَب له، وليس له شيء لا من السلب ولا من الغنيمة؛ لأن عطاءه يرجع للإمام، وأما الجيش الذي لا عطاء له، وهم المتطوعون، فهؤلاء هم الذين فيهم الخلاف بين العلماء رحمهم الله، وللعلماء فيهم الوجهان اللذان ذكرناهما.
فإذا قتل قتيلاً وله عليه علامة أي: بينة، فإن من حقه أن يأخذ سلبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفَّل السَّلَب.
(137/9)
________________________________________
إخراج كلفة النقل من الغنيمة
أما النوع الثاني من النَّفَل: فيكون لنوع خاص فبعد أن ينتهي الإمام من إعطاء السَّلَب للقاتل، يقوم بعد ذلك بسحب أموال الغنائم من أرض المعركة، فيأمر الحمَّالين ونحوهم أن يقوموا بجمع الغنائم وحيازتها وحفظها ورعايتها، فإذا قام بذلك يقوم قبل قسمتها وقبل الرضخ منها بإعطاء أجرة أو تكاليف هذه الحيازة، وهذا نص عليه العلماء وذكروه: أنها لا تقسم الغنائم حتى يؤخذ منها كُلفَةُ حيازتها.
(137/10)
________________________________________
تنفيل أهل البلاء في القتال
بعد حيازة الغنيمة يقوم الإمام بالنظر فيمن له بلاء أثناء المعركة، وهم الأقوام الذي أبلوا إما بالشرط، وإما بدون شرط.
فالنوع الأول: الذين أبلوا بشرط: كأن يقول الإمام -كما مَثَّل العلماء في القديم- فيما لو أن العدو تحصَّن من وراء كثبان رمل، أو من وراء سور فقال: مَن نَقَب هذا السور أو فَجَّر هذا السور فله كذا وكذا، فهذا يسمى العطاء المستحق بالشرط، فحينئذ يعطي مَن وعده عطاءً معيناً ذلك العطاء الذي وعده، سواءً تعين ذلك العطاء أو كان العطاء مبهماً بالنسبة، كأن يقول: لك الربع، لك الثمن،.
إلخ، ومِن هذا: إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم سواري كسرى لـ أبي معبد رضي الله عنه وأرضاه.
فإذا أبلى إنسان معين فمن حق القائد أو الولي أن يخصه بعطاء معين، وهذا هو النوع الثالث من النَّفَل.
فأصبح عندنا ثلاثة أشياء: - أولاً: سَلَب المقتول وهو لقاتله.
- ثانياً: مَن كان مستحقاً بالشرط، وهو الذي اشترط له الإمام فعلاً فقام به.
- والثالث: مَن له بلاء أثناء المعركة، كإنسان أثناء المعركة فَعَل فعلاً دمر به العدو، أو كسر به شوكته، أو فتح به ثغرة كانت سبباً في نصر المسلمين، فهذا يُعْظِم له الجزاء ويخصه بعطية معينة.
(137/11)
________________________________________
الأدلة على تقسيم الأنفال وكيفية توزيعها
وهذه الثلاثة لها أصول: فالنوع الأول الأصل فيه: قوله عليه الصلاة والسلام: (مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه).
وأما النوع الثاني -وهو الاستحقاق لعظيم البلاء- فالأصل فيه: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأرضاه -وكان من أرمى الصحابة- فإنه في يوم ذي قَرَد -كما ثبت في الصحيحين- أبلى بلاءً عظيماً، فنفَّله النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أبلى بلاءً حسناً في جهاده، فنفَّله أبو بكر رضي الله عنه أمةً من الإماء، وأعطاه إياها لعظيم بلائه، فهذا يُستحق بدون شرط.
فهذه ثلاثة أنواع.
النوع الرابع مما يؤخذ من الغنيمة أو يقوم الإمام بأخذه: كلفة وأجرة حمل الغنيمة، وهذا ذكرناه في الأول.
بعد هذا يقوم بقسم الغنائم بالصورة التي سيذكرها المصنف رحمه الله: (للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم).
وأما مكان قسمة الغنائم للعلماء فيها قولان: - بعض العلماء يقول: تقسم في أرض المعركة، ولا بأس أن تقسم في أرض العدو.
- وقال بعض العلماء: إنما تقسم بعد الحيازة -أي: بعد أخذها- ولا تقسم في دار الحرب، والسبب في هذا هو خشية أن يهجم الأعداء على المسلمين، وكأنهم يرون أنها لا تُستَحق ولا تُملَك إلا بعد رجوعهم إلى ديار المسلمين.
والصحيح مذهب الجمهور: أنه يجوز للإمام أن يقسم الغنيمة في أرض المعركة، ولا بأس أن يقسمها حتى في أرض العدو؛ لأن النصوص دالة على ذلك، كما ثبت من هدية صلى الله عليه وسلم.
قول: (وله أن ينفِّل في بدايته الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده) كان الحكم بالنسبة لأهل الكتاب ومَن قبلنا أنهم لا يأخذون الغنيمة، وإنما كانوا يجمعون غنائم الحرب، ثم يرسل الله عليها ناراً من السماء، فإن كانت مقبولة حُرِقت، وإن كانت غير مقبولة لا تُحرق، وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال: (غزا نبي من أنبياء الله.
وفيه: ثم جمعوا الغنيمة فأتت النار ولم تحرقها فقال: فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعه من كل قبيلة رجل، فلصقت يد أحدهم بيده، فقال: فيكم الغلول، ليبايعني من كل بطن منكم رجل، فلصقت يده بيد رجلين منهما، فأمر بهما فأحرق رحلهما)، فصارت سنة في إحراق الرحل، وقالوا: إن الغلول لما وقع، كان من العقوبة لهم حرق الغنيمة.
والثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله خص هذه الأمة بالغنائم، فقال صلى الله عليه وسلم: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة، ومن تيسيره لها، ومن عظيم فضله وإحسانه إليها، فإن الله سبحانه اختصها بالخصائص التي منها: وضع الآصار عنهم.
فالغنائم كانت لا تقسم، وإنما كانت تحرق، كما كان في بني إسرائيل وغيرهم من أهل الكتاب ممن مضوا.
(137/12)
________________________________________
لزوم طاعة ولي الأمر
قال رحمه الله: [ويلزم الجيش طاعته والصبر معه] أي: يلزمهم أن يطيعوا إمامهم، والسمع والطاعة لولاة الأمور أصل وقاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة، فلا بد للمسلم أن يكون مع جماعة المسلمين وإمامهم، وألا يشذ عنهم، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وعظ الصحابة وذكرهم بالله عز وجل قال: (عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي) فأمرهم وألزمهم بالسمع والطاعة؛ لأن الله أوجب ذلك على عباده المؤمنين، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] يقول العلماء: إن الله ناداهم باسم الإيمان؛ لأن الذي يطيع الله ورسوله إنما هم المؤمنون، والذين يستجيبون لأمر الله ورسوله إنما هم المؤمنون السعداء الموفقون، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] فقرن سبحانه وتعالى طاعته بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل طاعة ولاة الأمر تابعة لطاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام.
وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني -وفي رواية-: من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني).
والسبب في ذلك: أن مصالح المسلمين تفتقر لمن يقوم بالنظر فيها، وهذا هو الذي جعل الحكمة في الشرع أن يكون لهم من ينظر في مصالحهم، فيرعى تلك المصالح، ويدرأ عنهم المفاسد، فإذا اجتمعت الكلمة عليه، فإنه يجب على المسلم أن يسمع ويطيع لولي أمره، في غزوٍ أو غير غزو؛ لأن الله أوجب عليه ذلك، وفرضه عليه، وإنما تكون السمع والطاعة في المعروف أي: فيما وأمر الله به أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا سمع ولا طاعة إذا أُمِر عبدٌ بمعصية الله عز وجل.
فنبه المصنف رحمه الله على لزوم طاعة أمير الجيش، فإنه لا يستقيم أمر الجهاد في سبيل الله إلا بطاعته، فإذا أصبح الجند يتفرقون عنه، وكل له رأيه، وكل له قوله، فإن أمرهم إلى ضياع وإلى خذلان، ولذلك نص العلماء رحمهم الله على أن السنة قضت بلزوم الجماعة خوفاً من المفاسد والشرور، فقد يرى بعض الناس رأياً يختلف به مع جماعته، فإذا خالفهم وانفرد برأيه، وأصر عليه، فإنه مظنة أن يشتت الأمر، ويفرق الجماعة؛ لكنه إذا دخل في جماعة المسلمين وسمع وأطاع، فإن الله يثيبه على رأيه إن كان صواباً، وإن كان خطأً دفع عن المسلمين شر رأيه، وإلا جمع بين السوأتين: الخروج عن الجماعة، وفساد الرأي.
ولذلك عظَّم النبي صلى الله عليه وسلم أمر السمع والطاعة، وأخبر أن صلاح الأمة في السمع والطاعة؛ خوفاً مما يترتب على الخروج والفرقة من البلاء العظيم.
ولذلك لما قال الصحابة: (أفلا نناجزهم) وذلك عندما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفساد الأئمة، قال عليه الصلاة والسلام: (لا.
ما أقاموا فيكم الصلاة، لا.
ما أقاموا فيكم الصلاة) فهذا نص صحيح صريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الخروج عن الأئمة، حتى ولو كان الإنسان في سفر مع رفقة وفيهم أمير، فلا يخرج إذ من السنة أن كل ثلاثة في سفر ينصبون أميراً عليهم، وهذا يدل على حرص الإسلام على الكلمة الواحدة، وعلى الجماعة الواحدة، وما دخلت الشرور على الأمة إلا بتفرق الكلمة ووجود الحزبيات وتفرق الآراء والجماعات.
وكلما فُتِح باب النقد فُتِحَت أبواب الأهواء على الناس، وذهبت مكانة أئمتهم، ومكانة علمائهم، ومكانة ذوي الرأي والوجاهة فيهم، فإذا وجدت الناس على كلمة واحدة يحترمون أهل العلم، ومن له الأمر، وجدتهم على خير، وعلى استقامة وبر؛ ولكن إذا دخلت الدواخل، تَشَتَّتَ الشملُ وعظُمت الفتنة، حتى يصبح الإنسان حائراً لا يدري ما الذي يفعل.
فالمقصود: أنهم إذا خرجوا للجهاد في سبيل الله في جماعتهم فلا يجوز أن يخرجوا عن القائد، أو يعصوا أمره؛ لأن هذا يُذْهِب هيبته، ويذهب قوة المسلمين على عدوهم.
وتنبيهه رحمه الله على لزوم الطاعة يعتبرونه من آداب الجهاد في سبيل الله، وهذا من الأدب الواجب، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة للأمير وإن جلد الظهر، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام (اسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وقد ورد عن الصحابة أنهم قالوا: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وأثرة علينا) فبين الصحابة رضوان الله عليهم أن بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت على المنشط والمكره، أي: على ما يحبون وما يكرهون، ولذلك أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من هذا حاله، فقال: (طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه، إن قيل: في المقدمة ففي المقدمة، وإن قيل: في الساقة ففي الساقة) وهذا الحديث فيه حكمة عظيمة، توضيحها: أن هذا الرجل استحق الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومه للسمع والطاعة، فقال عليه الصلاة والسلام: (طوبى) قيل: هي الجنة، وقيل: شجرة في الجنة لو سار الراكب تحتها مائة سنة ما قطعها، (طوبى لعبد آخذٍِ بعنان فرسه) هذا في الجهاد في سبيل الله، (إن قيل: في المقدمة) المقدمة: مظنة الخوف، ومظنة الهلاك، فلو قال له الإمام: تقدم، وقال له: كن في المقدمة، فإنها أماكن القتل، وأماكن الهلاك، فيتقدم ولا يتأخر، (وإن قيل: في الساقة ففي الساقة) فقد يكون شجاعاً، فلو قيل له: في الساقة، يتألم؛ لأنه يريد الشهادة، ويريد أن ينكي بالعدو، ومع ذلك لا يقول: أنت لا تفقه أو لا تعلم أو كان ينبغي أن يضعني في الأمام، أو يجلس مع أصحابه لكي يخذِّل في رأي القائد، ويكون بذلك نزع الثقة من قلوبهم، وأفسد ما في نفوسهم، وحينئذ يتشتت شملُهم، وتذهب قوتهم.
فالمقصود أنه لا بد من السمع والطاعة إذا كانت بالمعروف، لما فيها من صلاح أمور الناس في دينهم ودنياهم.
(137/13)
________________________________________
لزوم الصبر مع القائد والصبر عليه
(ويلزم الجيش طاعته) طاعة القائد والوالي وولي أمره.
(والصبر معه) لأن الجهاد في سبيل الله يقع فيه امتحان وابتلاء للناس، ولذلك وقع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك شيء، فإن الصحابة يوم حنين ابتلوا ابتلاءً عظيماً، ومن ذلك ما ابتلي به الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، فإن من تأمل غزوة حنين، وجد كيف أن الله ابتلى أنصار رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على حكم الشرع، فعندما انتهت غزوة حنين قسم عليه الصلاة والسلام الغنائم، فأعطى أبا سفيان مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة كذلك، فقال بعض الأنصار: (أيعطيهم وسيوفنا تقطر من دمائهم) أي: نحن الذين قاتلنا، ونحن الذين أبلينا، ثم يذهب ويعطي هؤلاء؟! فـ أبو سفيان حديث عهد بالإسلام، وكذلك الأقرع بن حابس، فكأنهم وجدوا في أنفسهم شيئاً، فانتشرت الأخبار حتى بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل بلغ ببعضهم -والعياذ بالله- وهو رأس الخوارج أن قال: (إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله).
نسأل الله السلامة والعافية! أي: إن هذه القسمة حابى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشاه! فلما قال هذه الكلمة، وبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، فلما كثر كلامهم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه، وقال له: (ما مقالة بلغتني عنكم؟ -أي: عن الأنصار، وكانوا لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! أما أهل الحلم والعلم منا فلم يقولوا إلا خيراً، وأما سفهاؤنا -أي: الشباب أحداث السن- فقالوا: يعطيهم وسيوفنا تقطر من دمائهم -أي: نحن الذين أبلينا وكان ينبغي أن يكون العطاء لنا-، فقال عليه الصلاة والسلام: أين أنت يا سعد؟ -هنا الابتلاء، إذا كان قومك قالوا هذا القول، فأين أنت؟ فما كان ليكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال: المرء مع قومه) وهذا من كمال الأدب، فلم يقل: ضدك، أو لست معك، وإنما قال: (المرء مع قومه)، وجاء بقاعدة عامة، يحتمل أن يكون قائلاً بها، أو ليس بقائل؛ لكن السياق دال على أنه يجد في نفسه، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن جمعهم في القصة المشهورة.
إلى آخرها.
فانظر إلى رسول الأمة صلى الله عليه وسلم وصحابته كيف ابتلوا! ففي الجهاد تقع أشياء من الابتلاءات والتمحيص، ليهلك مَن هلك عن بينة، ويحيا مَن حَيَّ عن بينة، ويظهر مَن أراد الله والدار الآخرة، ويظهر مَن يريد الدنيا، يقول الله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران:152]، والله سبحانه وتعالى يبتلي في مثل هذه المواقف، فالمجاهد في سبيل الله عز وجل ينبغي عليه أن يصبر على مَن ولاه الله أمره، وإذا صبر عظم أجره، وحسن بلاؤه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للأنصار: (إنكم ستجدون بعدي أثرة، قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: اصبروا وإني فرطكم على الحوض) لأن الإمام ربما اجتهد في شيء، فحمَّلك أن تقوم به، فلا تقل: كان ينبغي أن يأمر غيري وكان ينبغي أن يقوم به غيري.
أو يعطي غيرك ويمنعك، فلا تقل: لماذا أعطى غيري ومنعني؟ إنما عليك أن تصبر؛ لأنك تريد الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فلا بد من الصبر.
ومراده بـ (الصبر معه) أي: في حال الابتلاء، وقد يأمر الأمير بأمر ثقيل، فتصبر وتتحمل؛ لأن هذا من كمال الإيمان، وهذا من قوة إيمان الإنسان، أنه يصبر على أميره، ويسمع له ويطيع، وإذا طلب منه أمراً قام به على أتم الوجوه وأكملها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الحق الذي لكم).
فلابد من الصبر مع الأمير على الجهاد في سبيل الله عز وجل، وما يكون منه من النظر والاجتهاد، قال صلى الله عليه وسلم: (يصلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).
قال رحمه الله: [ولا يجوز الغزو إلا بإذنه] أي: بإذن الأمير، فلا بد من السمع والطاعة لولي الأمر وللأمير، فإذا قال له: اغزُ، غزا، وإذا قال له: لا تخرج، يسمع ويطيع، فلا يخرج بدون إذنه، وهذا أصل عند العلماء رحمهم الله: أن الغزو لا يكون لكل من هب ودب، بل ينبغي أن يكون تحت راية الإمام وبإذنه.
قال رحمه الله: [إلا أن يفجأهم عدوٌ يخافون كَلَبَه] (إلا) أداة استثناء، والاستثناء: إخراجٌ لبعض ما يتناوله اللفظ، فلما بيَّن رحمه الله أن السمع والطاعة لازمان شرع في بيان الأحوال المستثناة، التي يجوز للإنسان أن يجاهد فيها ولا ينتظر الإذن، وهذه الأحوال ذكر العلماء منها: أن يفجأ عدوُّ يخافون كَلَبَه، فلو أن العدو هجم بغتة، فلا ينتظر حتى يأمره الإمام بالجهاد؛ وإنما يجاهدهم ويقاتلهم مباشرة، وهذه الأحوال المستثناة سبق الكلام عليها، وهي إحدى الحالات الثلاث التي يصير فيها الجهاد فرض عين، فيقاتل الرجلُ وتقاتل المرأةُ ويقاتل الصغيرُ، ويقاتل الكبيرُ.
(يخافون كَلَبَه) الكَلَب بالفتح: هو الشر والضر.
ومراده بـ (يخافون كَلَبه) أي: شرَّه وضرَّه، بمعنى: أن يكون قوياً ويغلب على ظنهم أنهم إذا لم يقاتلوه الآن، فإنه سيحصل بلاء وأن العدو سيفتك بهم، فحينئذ يجوز لهم أن يقاتلوه مباشرة ولا ينتظروا الإذن من الإمام.
(137/14)
________________________________________
الأسئلة
(137/15)
________________________________________
معنى قوله تعالى: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ)

السؤال
إذا مر قوله تعالى: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فهل المقصود به الجهاد؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: فـ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إذا أطلق في الكتاب والسنة، فيراد به أحد معنيين: - إما أن يراد به المعنى الخاص، وهو الجهاد في سبيل الله عز وجل، وهذا هو الشائع والأكثر.
- وإما أن يراد به عموم الخير والطاعة والبر، فتقول للإنسان: أنفق مالك في سبيل الله، أي: في طاعته ومرضاته؛ لأن السبيل المراد به: طريق الله، فالذي ينفق ماله في تفريج كربات المسلمين وستر عورات المعسرين والمحتاجين، فإن هذا السبيل الذي طرقه في إنفاق ماله هو سبيل الله؛ لأن الله يحبه، ودعا إليه، وهدى إليه، ورغَّب فيه، فتقول: هذا أنفق ماله في سبيل الله، ومن أمثلة ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: (مَن أنفق زوجين في سبيل الله، نودي يوم القيامة: يا عبد الله! هذا خير، فمن كان من باب الصلاة نودي من باب الصلاة) إلى آخر الحديث.
والأكثر والأشهر أن يُطلق سبيل الله ويراد به الجهاد في سبيل الله عز وجل، حتى أن العلماء رحمهم الله يقولون: من فوائد الجهاد: أن الله سبحانه وتعالى سَمَّى الجهاد سبيلاً له، لما فيه من عظيم المكرُمات، وجزيل الفضائل والحسنات، فجعله بهذه المثابة، ولذلك وصف القرآن بأنه طريقه فقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153]، قال جمعٌ مِن السلف مِن الصحابة ومَن بعدَهم: إن قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} [الأنعام:153] يعني: القرآن، ووصف القرآن بأنه هو صراطه، وأنه هو الصراط المستقيم، تعظيماً للقرآن، ووصف الجهاد بكونه سبيلاً لله عز وجل؛ لأنه الطريق الذي ينتهي بصاحبه إلى الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا: إذا أطلق (سبيل الله) فالمراد به: الجهاد في سبيل الله، وهذا هو السبب الذي اختلف من أجله العلماء في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} [التوبة:60] فإن قوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) جماهير العلماء ومنهم الأئمة الأربعة وعلى أن المراد بهذا الصنف السابع إنما هم المجاهدون في سبيل الله، أي: أن الزكاة تصرف في الجهاد في سبيل الله.
وقال طائفة من العلماء: إن المراد بقوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ): أوجه الخير والبر، وهذا ضعيف من وجهين: الوجه الأول: أن العرب لا تعطف العام على الخاص، ويليه بعد ذلك الخاص، وإنما تعطف العام على الخاص أو الخاص على العام، أي: تأتي بالعام أولاً ثم تخصص، لمزية في هذا الخاص، كقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر:4]، فإن الروح -وهو جبريل- يعتبر خاصاً، فحينئذ ذكره على الخصوصية تفضيلاً له وتشريفاً.
وإما أن تذكر الخاص أولاً، فتقول: ليأتني محمد والناس، فحينئذ يكون ذكرك لمحمد من باب التفضيل له، أو تقول لابنك: اعزم خالك وعمك وسائر القرابة، فلما ذكرت الخال والعم بينت أن لهما مزيةً وفضلاً، أو تقول: اعزم الناس وخالك وعمك، كأنك تؤكد عليه أن الخال والعم له حق آكد من الناس، فالعرب إما أن تقدم العام وتعطف الخاص عليه، أو تقدم الخاص وتعطف العام عليه؛ ولكن لا تدخل عاماً بين خاصين، فلو كان المراد بقوله: (في سبيل الله)، العموم لقال الله تعالى: (إنما الصدقات في سبيل الله للفقراء والمساكين ... ) إلى آخره، فيعطف الخاص على العام، وإما أن يقول: إنما الصدقات للفقراء والمساكين.
إلى قوله:.
وابن السبيل وفي سبيل الله)، هذا هو المعروف من سياق القرآن ومن لغة العرب؛ لكن أن تدخل العام بين خاصين، فهذا خلاف الأصل، ولا فائدة من هذا؛ لأنه يكون فيه شيء من اللغو الذي ينزه عنه القرآن، ففيه ركاكة في التعبير، كأن تقول: ليأتي محمد وعلي والناس وزيد وعمرو، وهذا لا يستقيم، إذاً: لا بد من ذكر الخاص قبل العام، أو العام قبل الخاص.
الوجه الثاني: أنه لو كان المراد بقوله تعالى قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:60] العموم، لكان قال الله عز وجل: (إنما الصدقات في سبيل الله)، وما الفائدة أن يخص الأصناف الثمانية؟ قالوا: إنما خصت لأنها تنفرد من المعنى العام لسبيل الله، أي: تنفرد من سبل الخير، حتى تتميز الصدقة الواجبة عن الصدقة النافلة، فالصدقة النافلة تكون في أوجه البر والطاعة عموماً؛ ولكن الصدقة الواجبة تكون لأقوام مخصوصين، ولذلك لم يكل الله قسمة الزكاة لِمَلَك مقرب ولا لنبي مرسل، إنما قسمها من فوق سبع سماوات سبحانه وتعالى: {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام:57].
فالمقصود أن (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) المراد به: - إما الجهاد.
- وإما عموم الخير والطاعة والبر.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (مَن صام يوماً في سبيل الله).
قال بعض العلماء: (يوماً في سبيل الله) المراد به: في الجهاد.
وقال بعض العلماء: (يوماً في سبيل الله): أي: أنه يصومه في غير فرض، تنفلاً وبراً، ولهذا يختلف العلماء في المسائل التي ذكرناها؛ لأن معنى: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يتردد بين هذين المعنيين، والأصل حمله على الجهاد كما ذكرنا؛ لأن الله شرف هذه العبادة وفضلها.
والله تعالى أعلم.
(137/16)
________________________________________
التعزير بالمال

السؤال
هل في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحراق رحل من غل دليل على جواز التعزير بإتلاف مال المعزَّر المذنب؟

الجواب
استدل به من قال بجواز التعزير بأخذ المال، وقال: يجوز أن توضع الغرامة والعقوبة المالية من باب التعزير، واستدلوا على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) وتحريق البيوت إتلاف لها، وهذا تعزير بإتلاف المال.
كذلك أيضاً استدلوا بما جاء عنه عليه الصلاة والسلام فيمن منع الزكاة، قال عليه الصلاة والسلام: (إنا آخِذوها وشطرَ مالِه) فعزره بالمال، وذلك لتضييعه الحق الواجب.
وكذلك حرَّق عليه الصلاة والسلام على سبيل التعزير وذكر التحريق فيمَن قبلَنا وأقر، وشرع مَن قبلَنا شرعٌ لنا على سبيل التعزير.
فقالوا: إن هذا يعتبر أصلاً في جواز التعزير بإتلاف المال.
والله تعالى أعلم.
(137/17)
________________________________________
أنواع الرباط

السؤال
ذُكِر النوع الأول من الرباط فما النوع الثاني؟

الجواب
هناك نوعان من الرباط: - الأكمل: أن يكون أربعين يوماً.
- ودون الأكمل: أن يكون دون الأربعين.
لكن الذي دون الأربعين: - إما أن يكون لحاجة، فانتهت الحاجة دون الأربعين، فصاحبه على فضل.
- وإما أن يكون من الشخص نفسه، فإذا كان من الشخص نفسه فإنه يحرم الأجر.
وأما تقسيم الرباط من حيث الضدين: - فهناك رباط في الثغر.
- ورباط في غير الثغر، الذي هو في داخل المدن.
فالرباط الذي يكون في الثغر: هو الذي يكون على الحد بين المسلمين والكفار.
والرباط الذي يكون داخل المدن، أو على أسوار المدن كما كان في القديم، يدخل في هذا الفضل.
وكل ذلك يعتبر من الرباط في سبيل الله، ويتفاوت أجره على حسب تفاوت البلاء؛ لأن الأكثر تعباً أعظم أجراً، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ثوابُكِ على قَدْر نَصَبُكِ).
(137/18)
________________________________________
معرفة حال العدو في الجهاد والمصلحة في ذلك

السؤال
هل معرفة أعداد العدو وعتاده يعتبر من الإرجاف، فقد أشكل علي كون النبي صلى الله عليه وسلم سأل غلمان المشركين عن عددهم يوم بدر؟

الجواب
أما بالنسبة لمعرفة حال العدو فهذا أمر يرجع إلى ولي الأمر، ومن يلي قيادة الجيش في الجهاد في سبيل الله عز وجل، فإن كان من المصلحة أن يُطْلع الناس على ذلك لكي تقوى عزائمهم أن العدو ضعيف، وأنه لا عداد له ولا عدة، أخبرهم بذلك، وأما إذا كان عددهم كبيراً، أو أن لهم قوة وشكيمة، وأن إخبارهم بذلك سيضر بمصلحة الجهاد، فإنه لا يخبرهم، ويمنع من نقل هذه الأخبار، تحقيقاً للمصلحة أو درءاً للمفسدة.
والله تعالى أعلم.
(137/19)
________________________________________
معنى قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)

السؤال
في قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال:72] هل قوله: (فَعَلَيْكُمُ) يدل على الوجوب العيني؟

الجواب
( فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ): عليك كذا، أي: يلزمك، ومنه قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105]، وفي قراءة بعض العلماء يقف عند قوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام:151] ويقولون: إن (عَلَيْكُمْ) تدل على الإلزام، عليك كذا، بمعنى: أنه يلزمك.
وقوله سبحانه وتعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال:72] أي: يلزمكم النصر، وهذا في حال وجود حاجة إلى المسلمين، وتكون النصرة واجبة على المسلمين عموماً، وليست عينية، وإنما ذكر العلماء الواجب العيني في النصرة في حال الاستنفار، أي: إذا توقف إنقاذ إنسان على نصرتك له، بحيث لا يحتمل التأخير، فيلزمك أن تنصره دون أن تحتاج إلى إذن، وهناك أحوال مستثناة ذكرها العلماء، وإلا فالأصل أن مواجهة الأعداء إنما تكون راجعة إلى نظر الإمام فيما يراه من المصلحة، إذ لو فتح هذا الباب فإنه ربما أقدم إنسان على عدو فأضر بفرد منهم، فحمل العدو على جماعة المسلمين وأضروا بهم، ولذلك ينظر الإمام إلى ما فيه المصلحة، فإن كانت المصلحة لجماعة المسلمين أن يسكتوا عن العدو أمَدَهم، فإنه يسكتهم، حتى يرى الفرصة سانحةً للقيام بأمر الله وأداء الواجب الذي فرض الله، فيقوم بذلك على وجهه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(137/20)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب الجهاد [3]
الغنائم ثمرة من ثمار الجهاد في سبيل الله عز وجل، وهي خصيصة من خصائص هذه الأمة، فإنها لم تحل لأحد قبلها.
وقد جاء الشرع ببيان هذه الغنائم من حيث كيفية تقسيمها، ومن هم الذين يستحقونها، وما هي مصارفها، وما هي المخالفات التي ينبغي اجتنابها فيها، والعقوبات المترتبة على هذه المخالفات، وهكذا الحال في الأموال التي تؤخذ من المشركين كالجزية والعشر والفيء.
(138/1)
________________________________________
أحكام الغنيمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال فيُخِرج الخمس] من عادة العلماء -رحمهم الله- أنهم إذا تكلموا على مسائل الجهاد، بينوا الأحكام المترتبة على الجهاد في سبيل الله عز وجل، ومن ذلك: ما يتعلق بالغنيمة، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الغنيمة حقاً للغازين في سبيله، وللغنيمة جملة من الأحكام والمسائل، ولذلك يعتني العلماء بذكرها في باب الجهاد، وبينا فيما تقدم من هم الذين يستحقون أن يقسم لهم من الغنيمة، وهم: الذين شهدوا الوقعة من المقاتلين الذين أبلوا، ويستوي في هذه الغنيمة الشجاع والجبان، على حد سواء ثم بين -رحمه الله- أن الغنيمة يخرج منها الخمس.
فالحكم الشرعي أنه إذا انتهت الوقعة يقوم الإمام بجمع الغنائم، فيأمر المكلفين بجمعها وحيازتها، فإذا حيزت وضمت وجمعت قام أولاً بدفع تكاليف حمل الغنيمة وجمعها وما يلزم من حفظها وحراستها ورعايتها، إلى غير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها لحفظ هذه الغنائم.
الأمر الثاني: أن يقوم بعد ذلك بإعطاء الأسلاب والأنفال، وقد بينا أحكام الأنفال وقلنا: تعطي الأسلاب لمن قتل قتيلاً وله علامته، ثم بعد ذلك يقوم الإمام بإعطاء الأنفال، فيعطي بالشرط، كأن يقول: من فعل كذا أعطيه كذا، ويعطي أيضاً من باب التشجيع، ويعطي أيضاً تنفيل السرايا.
(138/2)
________________________________________
متى تملك الغنيمة
قال رحمه الله: [وتُمْلَك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب] (وتُمْلك الغنيمة): بالجهاد في سبيل الله.
(بالاستيلاء عليها في دار الحرب) وهذه مسألة خلافية: إذا غنم المسلمون في الجهاد في سبيل الله، فهل يشترط في قسمة الغنيمة حيازتها، أم أن الغنيمة تقسم في أرض العدو؟ وجهان للعلماء: فالجمهور على جواز قسمتها بأرض العدو، والحنفية على أنه لا بد من حيازتها، والصحيح مذهب الجمهور لثبوت السنة به.
(138/3)
________________________________________
المستحقون للغنيمة
قال رحمه الله: [وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال] (وهي) أي: الغنيمة.
(لمن شهد): (اللام) للاختصاص، أو للمِلْك؛ ولكن الظاهر أنها للاختصاص، أي: وهي مختصة بمن شهد الوقعة.
(لمن شهد الوقعة): أي: شَهِد القتال، وهذا له أصل في السنة، حيث دلت عليه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن تُكُلِّم في بعضها.
وعلى هذا: فإنه لا يستحق من الغنيمة المريض الذي تخلَّف ولم يشهد الوقعة، حتى ولو كان تخلفُه لمرضٍ أو كِبَر سن، مع أن نيته أنه لو كان صحيحاً لغزا؛ ولكنه مرض فامتنع من الغزو، فإنه لا يستحق، ووجود عُذْر لا يوجب أخذه للغنيمة، ولذلك يقول العلماء: مِن المواطن التي يفترق فيها أجر الآخرة والدنيا -أي: غنيمة الدنيا وأجر الآخرة- في الجهاد في سبيل الله: هذا الموطن، فإن المريض أجره في الآخرة كامل، قال صلى الله عليه وسلم: (إن بالمدينة رجالاً، ما سلكتم شِعباً، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم، وشاركوكم الأجر) فهم في أجر الآخرة يشاركون الغازين؛ ولكنهم في أجر الدنيا -وهو الغنيمة- لا يأخذون منه، فالغنيمة مختصة بمن شهد الوقعة، إلا إذا كان هذا المريض له بلاء، كأن يكون خطط للمعركة، أو خطط للجهاد في سبيل الله، أو استعان به القائد، فأشار عليه برأي، فللإمام أن يكافئه وأن يدخله في الغنيمة؛ لأنه كالمجاهد، إذ برأيه وبمشورته كان له هذا البلاء.
وكذلك النساء لا يأخذن من الغنيمة، فلا حق لهن فيها؛ وإنما يرضخ لهن، والرضخ: أن يأخذ الإمام شيئاً من الغنيمة ويعطيه لهن، إذا داوين الجرحى، وعالجن المرضى.
كذلك أيضاً: المجنون والصبي، فإنهما لا يستحقان من الغنيمة، ولو شهدا الوقعة.
فالمرأة، والصبي، والمجنون، هؤلاء الثلاثة لو شهدوا الوقعة فإنهم لا يأخذون سهماً من الغنيمة.
وأما من تخلف عنها لعذر كما لو قال القائد لرجل: اذهب وانظر لي كذا وكذا، فأرسله لمهمة، وبسببها تعطل عن شهود المعركة أو شهود الوقعة، فإنه يأخذ من الغنيمة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب سهماً لـ عثمان رضي الله عنه في بدر؛ لأنه تغيب لعذر وثبت عنه عليه الصلاة والسلام إعطاؤه الحق للغائب بعذر، فقال العلماء: إن مَن تخلف بعذر من الإمام، كأن يرسله عيناً يتحسس الأخبار، أو يرسله لكي يحضر زاداً، أو يحضر عتاداً، أو يحضر الذخيرة، أو نحو ذلك مما يستعان به على الجهاد في سبيل الله، فهؤلاء في حكم من شهد الوقعة، ويأخذون من الغنيمة، فيعتبرون مستثنَون من الاختصاص في قوله: (لمن شهد الوقعة).
اختصاراً: لا يعطى من الغنيمة: - النساء على أن لهن سهماً معيناً، وإنما يُعْطَين رضخاً.
- ولا يعطى منها الصبيان.
- ولا يعطى منها المجانين.
- ولا يعطى منها كذلك المرضى، إلا مَن أرسل في حاجة لمصلحة الجهاد والقتال، أو في مصلحة الجيش، أو كان مريضاً وكان هناك نفعٌ من رأيه ومشورته، فهؤلاء لهم حق بالصفة التي ذكرنا.
(138/4)
________________________________________
الخمس ومن يستحقه
ثم بعد أن ينتهي من هذه الأمور، يقسم الغنيمة إلى خمسة أقسام، أو خمسة أجزاء متساوية، وهذا ما يسمى (بالتخميس) والخمس هو الواحد من الخمسة، وأول ما يبدأ به هو أن يحوز الخمس الذي لله ولرسوله ولليتامى والمساكين وابن السبيل ولذي القربى، فلو فرضنا أن الغنيمة بلغت مليوناً، فإن خمسها يساوي مائتي ألف، وتبقى ثمانمائة ألف، وهذه هي حظ المجاهدين، وهذا في المنقولات، أي: الحق المنقول؛ لأن الغنيمة في الغزو تنقسم إلى قسمين: إما عقار، وإما منقول، فالمنقول هو الذي نتكلم فيه الآن، أما العقار فسيأتي حكمه، فيقوم بضم الخمس ويقسمه كالآتي: 1 - الخمس الذي لله وللرسول: والمراد بالخمس الذي لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم: أن يوضع في مصالح المسلمين، وتهيئة المجاهدين في سبيل الله عز وجل، ويصرف في مصالحهم في الطرقات والأطعمة والمستشفيات، ونحوها مما يحتاج إليه من مصالح المسلمين العامة.
2 - ثم الخمس الثاني: لذي القربى، وهم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فيشمل ذلك بني هاشم وبني المطلب على التفصيل الذي بيناه في كتاب الزكاة، وقد بينا فروعهم وأصولهم ومَن الذين يستحقون الخمس، وهم الذين لا يأخذون من الزكاة، وفصلنا هذه الأحكام في موضعها، وذكرنا نصوص الكتاب والسنة التي تدل على هذه المسائل.
3 - وخمس لليتامى.
4 - وخمسٌ للمساكين.
5 - وخمسٌ لابن السبيل.
وقد بينا هذه الأصناف كلها في كتاب الزكاة، فبينا مَن هم الفقراء؟ ومَن هم المساكين، ومَن هو ابن السبيل، وبيَّنَّا ضوابط كلٍّ، فيعطى هذا الخمس للأصناف التي نص الكتاب على قسمتها عليهم.
وفي قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال:41]: اختلف العلماء في قوله: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال:41]: قيل: إن قوله تعالى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41]، المراد به: الاستفتاح، فالله عز وجل مالك كل شيء، وإنما استفتح الله عز وجل بنفسه تشريفاً وتكريماً.
وقيل: إن المراد بقوله: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال:41]: هو السهم الواحد، الذي هو خمس الخمس.
(وَلِذِي الْقُرْبَى) وهم آل البيت.
(وَالْيَتَامَى) اليتيم هو: الذي فقد أباه وهو دون سن البلوغ، أما إذا فَقَدَ أباه بعد البلوغ فلا يسمى يتيماً، ويُعطى هؤلاء اليتامى على تفصيلٍِ عند العلماء: بعض العلماء يقول: يستوي في ذلك غنيهم وفقيرهم.
ومنهم من يقول: يختص بفقراء اليتامى، فيشترط في اليتيم: - أن يكون دون البلوغ حين يفقد أباه.
- وأن يكون محتاجاً، أي: فقيراً أو مسكيناً.
(وَالْمَسَاكِينِ) وقد بينا أن المسكين هو الذي لا يجد تمام كفايته، وأن الفقير أشد منه حالاً، وعلى هذا يمكن صرف هذا السهم للفقراء؛ لأنه إذا أعطي المسكين فمن باب أولى الفقير؛ لأن الفقير فيه وصف المسكنة، ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يحييه مسكيناً، واستعاذ بالله من الفقر؛ لأن الفقر أشد من المسكنة، فيمكن أن تصف الإنسان بكونه مسكيناً مع أنه يملك، كما قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف:79].
(وَابْنِ السَّبِيلِ) ابن السبيل: هو المسافر المنقطع، واختلف العلماء في ضابطه -كما بيناه في باب الزكاة- هل يشترط أن يكون معدِماً في سفره وفي بلده، أم أنه يُعطى ولو كان غنياً في بلده؟ ذكرنا هذين الوجهين.
(138/5)
________________________________________
كيفية توزيع الغنائم على المقاتلين
بعد هذا يقوم الإمام بصرف الأربعة الأخماس وتوزيعها على المجاهدين أو المقاتلين، وهذا ينبني على ما ذكره المصنف: [للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم].
والفارس: هو الذي يقاتل على الفرس، ويكون له ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له، والسبب في هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح من حديث ابن عمر وغيره (أنه أعطى الفارس ثلاثة أسهم، وأعطى الراجل سهماً واحداً) وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وقضى به عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وكذلك قال به من أئمة التابعين: محمد بن سيرين والحسن البصري، وقضى به الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، والصاحبَين، وأهل الحديث، أن للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له، وأن للراجل سهماً واحداً؛ ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله يقول: إنه يكون له سهمان: سهم له، وسهم لفرسه، واحتج بحديث ضعيف.
والصحيح: مذهب الجمهور؛ لدلالة السنة عليه.
فإذا قلنا: للراجل سهم، ولكل فارس ثلاثة أسهم، فمن ناحيةٍ عقلية لا يخلو الجيش من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون جميعهم فرساناً، فحينئذ تكون القسمة قسمة الفرسان، بمعنى أن تحسب عدد رءوس المقاتلين، فلو فرضنا أنهم ألف، فتضربهم في ثلاثة، فحينئذ يكون المجموع ثلاثة آلاف، فلو أن الغنيمة تسعمائة ألف، فمعنى ذلك أنك تقسمها على ثلاثة آلاف، فيكون كل سهم تسعمائة ريال، فتعطي كل واحد منهم ثلاثة أضعافها، فتضرب التسعمائة في ثلاثة، فيصير المجموع (3×900=2700)، فتصبح ألفين وسبعمائة لكل واحد منهم.
وهذا القسم ثابت دلت عليه السنة.
الحالة الثانية: العكس؛ أن يكون جميعهم من الرجَّالة، وهذه غالباً ما تقع في الدفاع عن الحصون، فإذا كانوا رجَّالةً وقاتلوا فإن الغنيمة تقسم على عدد الرءوس، فلو فرضنا أن الغنيمة بلغت مليوناً، وهم ألف مقاتل، فمعنى ذلك أن سهم كل واحد منهم يكون ألفاً.
الحالة الثالثة: أن يكون فيهم من يقاتل على فرسه وفيهم من يقاتل راجلاً، ففي هذه الحالة يحسب عدد الرجالة ويُحسب عدد الفرسان، ثم تضرب عدد الفرسان في ثلاثة، فلو كانوا ألفاً نصفهم رجَّالة ونصفهم فرسان، فمعنى ذلك أن الفرسان خمسمائة، فتضرب الخمسمائة في ثلاثة؛ فيصبح المجموع ألفاً وخمسمائة، ثم تضيف عدد الرجَّالة فيصبح المجموع ألفين، فتقسم الغنيمة على ألفين، والناتج من ذلك تعطي الفارس ثلاثة أضعافه، وتعطي الراجل عين الناتج، فلو فرضنا أنهم غنموا مليوناً، فالمليون تقسمها على ألفين، فيكون الناتج خمسمائة، يكون منها للفارس ألفاً وخمسمائة، ويكون للراجل خمسمائة.
وقد ذكر العلماء هذه المسائل وبينوها في كتاب الجهاد في الكتب المطولة، والمصنف -رحمه الله- بيَّن تراكيب قسمة الغنائم لتعلقها بكتاب الجهاد كما ذكرنا.
فالمجاهد على فرسه، إن كان الفرس له، فقال بعض العلماء: يستحق للفرس.
فلو كان معه فرساً ثانياً؟ فبعض العلماء يرى أنه لا يعطى لأكثر من فرس.
ومنهم من يرى أن الحد فَرَسان، فإن زاد عليهما لا يعطى، والسبب في هذا: أنه يقاتل على فرس، ويحمل متاعه وسلاحه على فرس آخر، فقالوا: إنه يعطى في حدود الفرسين، وفي هذا حديث تكلم العلماء رحمهم الله فيه، وعلى القول بثبوته فإنه يُعطى لكل إنسان في حدود الفرسَين، فإن كان عنده ثلاثة أو أربعة أفراس أو أكثر فلا يعطى عليها.
وقوله:) ثم يقسم باقي الغنيمة؛ للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه) هذا يستوي فيه الشجاع والجبان، ما دام أنه حضر القتال وقاتل، وفي زماننا إذا أعطي المجاهد راتبه فإنه لا يكون له حظ من الغنيمة؛ لأن هذا يسمونه (المرتب)، فإذا رُتِّب له عطاء فهو أشبه بالإجارة، وحينئذ لا يُستَحق، وتكون الغنيمة لبيت مال المسلمين إلا ما يكون منها رضخاً أو نَفَلاً، ولذلك يقولون: يشترط ألاَّ يكون الأجناد مرتبين، فإذا كانوا مرتبين فحينئذ لا إشكال، فتكون غنيمته لبيت مال المسلمين، وتصرف في مصالحهم.
قال رحمه الله تعالى: [ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم] هذا من السنة، وهو مذهب الجمهور، فجماهير العلماء رحمهم الله يقولون: إن الجيش إذا بعثت منه سرية لأمر، كأن يبعث السرية لطلب أو لنجدة من يحتاجون إلى من ينجدهم ويسعفهم، أو يجعلونها كميناً للعدو، ثم فوجئوا بالعدو أمامهم، فلم تشهد السرية الوقعة -والأصل في الغنيمة أن تكون لمن شهد الوقعة- فحينئذ تشارك السريةُ الجيشَ في الغنيمة، فكأنهم حضروا؛ لأنهم غابوا فيما يعين على الوقعة، وفيما يقصد به حماية الجيش، والعكس، فلو أن هذه السرية ذهبت وقاتلت وغنمت، فإن الغنائم توزع على الجيش جميعاً، فيشارك الجيشُ سراياه، والسرايا تشارك الجيش فيما غنم.
(138/6)
________________________________________
الغلول وأحكامه
قال رحمه الله: [والغال من الغنيمة يُحرق رحلُه كلُّه، إلا السلاح والمصحف وما فيه روح] الغلول: هو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، وهو أشبه بالسرقة والعياذ بالله! فبعد أن بيَّن رحمه الله أحكام الغنائم؛ لأنها مترتبة على الجهاد، شرع في بيان الأخطاء التي تقع فيها، ومن ذلك الغلول، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران:161] والغلول من كبائر الذنوب، فإنه -والعياذ بالله- ما غل عبدٌ شيئاً إلا اشتعل عليه ناراً في قبره -نسأل الله السلامة والعافية- وعذبه الله به في برزخه، وفضحه به على رءوس الأشهاد، ويأتي يوم القيامة يحمل على ظهره ما غل، ولذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى ظهره بعيرٌ له رغاء، فيقول: يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً)، (يا محمد!) أي: كن لي، واشفع لي، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أملك لك من الله شيئاً) أي: إنني أعذرت وبينت أن هذا لا يجوز، وأن هذا خيانة لله ولرسوله ولعامة المسلمين ولأئمتهم، ولذلك يُعَد الغلول من كبائر الذنوب، ونص العلماء رحمهم الله على فسق صاحبه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قُتِل رجل يوم خيبر، هنأه بعض الصحابة بالشهادة، فقال صلى الله عليه وسلم (كلا والله! والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلَّها يوم خيبر لتشتعل عليه ناراً) فهذا يدل على فظاعة أمر الغلول، نسأل الله السلامة والعافية! واستَشْكل العلماء رحمهم الله مسألةَ أن الشهيد يغفر له كل شيء، ومع ذلك تشتعل عليه الشملة؟ قيل: إنه ترجم بهذا الأخذ عن قصده للدنيا، فتكون شهادته ناقصة وفيها شبهة؛ لأنه إنسان مريض القلب، وحظه الدنيا دون الآخرة، وقال بعض العلماء: لا تعارض بين عام وخاص، فالغلول له عقوبة خاصة، ولذلك يعتبر مستثنىً من الأصل، أنه يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدين.
(138/7)
________________________________________
إحراق رحل الغال إلا ما استثني
قوله: (يُحرَق رحلُه كلُّه إلا السلاح والمصحف وما فيه روح) هذا الفعل يسمى بالتعزير، والغال -والعياذ بالله- له حالتان: الحالة الأولى: أن ينكشف غلوله في الدنيا، فحينئذ يعاقب بالعقوبات التالية: أولاً: يجب عليه ضمان ما غل.
ثانياً: أنه يُحرق رحلُه.
ثالثاً: يعزره الإمام بما يردعه ويردع غيره عن فعله.
أما العقوبة الثانية: وهي حرق الرحل، فقد جاءت به السنة، واختُلِف في رفعِ الحديث ووقفِه، ولكن ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما أحرقا متاع الغال، وهذا يسميه العلماء: العقوبة بالمال، أو التعزير بالمال، ومن الغرامات المالية ما ورد في السنة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة، وأخذه عليه الصلاة والسلام لضعفي الزكاة ممن منعها، فهذا كله يسمى بالعقوبات المالية، وهي تفعل لمن خالف، أو فعل أمراً فيه معصية، أو فيه تعريض لنفسه أو لغيره للخطر، وهذا يراه ويختاره جمع من الأئمة، ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله، والإمام ابن القيم في الطرق الحكمية، وغيرهم من العلماء، ذكروا أن السنة ثابتة بجواز التعزير بالمال، ومنه: إحراق رحل الغال من الغنيمة؛ وهذا الإحراق من باب الترهيب والمنع للغير أن يسلك سبيله، أو يرتكب جريمته.
(إلا السلاح والمصحف، وما فيه روح) (إلا السلاح) للحاجة إليه في الجهاد في سبيل الله، فلا يُحرق.
(والمصحف) لأن له حرمة، فلا يحرق كتاب الله عز وجل، وبعض العلماء يجعل في حكم المصحف كتب العلم فلا تحرق؛ لأن إحراقها فيه ضرر؛ لأنه يفوت العلم الذي فيها.
(وما فيه روح) فلا تُحرق دوابُّه، أي: ما كان في رحله من الدواب، ونحو ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان، فلا يجوز قتل الحيوان بالحرق.
(138/8)
________________________________________
أحكام الخراج
قال رحمه الله: (وإذا غنموا أرضاً فتحوها بالسيف، خُيِّر الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين) قال رحمه الله: (وإذا غنموا أرضاً).
هذه الجملة قَصَد المصنف منها أن يبين أحكام الخراج، أي: الأراضي التي تُمْلَك بعد الجهاد في سبيل الله، وقد قلنا: إن الغنيمة تنقسم إلى قسمين: الأول: إما أن تكون منقولات، كالذهب، والفضة، والدواب، والأسلحة، والأطعمة ونحوها مما يكون في الجهاد في سبيل الله.
النوع الثاني: العقارات، فإذا دخل المسلمون بلاد الكفار، فإنهم يغنمون أموالهم وديارهم، ولذلك أورث الله الصحابة وامتنَّ عليهم في كتابه بأنه أورثهم أموال بني قريظة وديارهم.
فهذه الغنيمة التي غنموها وهي أراضي الكفار، تحتاج إلى نظر، فإن المسلمين قد قاتلوا العدو فاستحقوا هذه الأرض، فيرد

السؤال
هل نقسم هذه الأرض بين المجاهدين في سبيل الله الذين شهدوا الوقعة فقط، مثلما نقسم الأموال العينية؟ أم أن هذه الأرض تبقى وتُسْتَصْلح ويقام عليها العدو من أجل أن يعمرها ويقوم عليها من باب الإجارة، فهل يجوز أن نبقيها في يده، ثم نأخذ مصالحها، ونضعها في بيت مال المسلمين؟ هذا هو الذي يبحثه العلماء في مسائل الخراج، والأرض الخراجية.
(138/9)
________________________________________
أقسام الخراج
قال رحمه الله: [وإذا غنموا أرضاً فتحوها بالسيف، خُيِّر الإمام] قوله: (خُيِّر الإمام) التخيير: النظر في خيري الأمرين، أن ينظر الإنسان في الشيء طلباً لخيري الأمرين فيه، والتخيير للإمام، أي: أن الإمام والقائد ينظر المصلحة، فإن كانت المصلحة أن يبقي الكفار في هذه الأرض لكي يستصلحوها ويزرعوها، ويكون نتاجها للمسلمين، ويعطيهم أجرتهم، فعل ذلك، وحينئذ تكون الأرض خراجية بالمقاسمة؛ لأن الخراج ينقسم إلى قسمين: النوع الأول: خراج المقاسمة وهو أن يقول لهم: ابقوا في هذه الأرض، وازرعوها، وقوموا عليها؛ لأنهم قد يكونون أعلم بمصلحة هذه الأرض، فيزرعونها ويقومون عليها، على أن لهم النصف وللمسلمين النصف، والأصل في هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر بشطر مما يخرج من أرضها) وهو أشبه بالمساقاة، ولذلك بعض العلماء يعتبره أصلاً في المساقاة، ويُعْتَبر أيضاً إجارةً، ويعتبر خراجاً بالمقاسمة، فتُقسم الأرض أي: نتاج الأرض، أما الأرض بذاتها فتصبح ملكاً للمسلمين، فحينئذ ما ينتج منها يقسم نصفين، نصفها لهم ونصفها للمسلمين، وهذا هو الذي كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود خيبر، وقد أخبرهم كما في كتاب العقد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يبقيهم فيها ما شاء الله، فلما جاء عمر أجلاهم عنها رضي الله عنه وأرضاه، فدل على أن الأرض ملك لبيت مال المسلمين، ففي هذه الحالة تكون الأرض ملكاً لبيت مال المسلمين، ويُبقي الإمامُ الكفارَ يعملون فيها لمصلحة بيت مال المسلمين، ويأخذون أجرة ما يقومون به من عمل، وهذا يحتاج إلى الرجوع إلى أهل الخبرة وأهل النظر، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم في كل سنة يبعث إليهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، من أجل أن يخرص نخل خيبر، وينظر كم فيه، ثم يفرض عليهم النصف، فيأخذه إلى بيت مال المسلمين، وهذا هو الذي يسميه العلماء رحمهم الله: خراج المقاسمة.
النوع الثاني: خراج الوظيفة: وهو أن يقال له: تبقى الأرضُ بيدِك وكلُّ جريد منها، أو كل هكتار، أو فدان، أو كل مساحة معينة عليك فيها -مثلاً- ألف درهم، أو ألف ريال، أو عشرة آلاف ريال كل سنة، فهذا يسمى الخراج الوظيفي، وله ضوابط، وأصول، وله مباحث طويلة، تكلم العلماء رحمة الله عليهم عنها في كتب المطولات، وقد ألف الإمام القاضي أبو يوسف رحمه الله كتابه المشهور: الخراج، وتكلم عليه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه النفيس: الأموال، وكذلك ابن زنجويه في كتابه النفيس أيضاً: الأموال.
وهذه ضوابط ترجع إلى تراكيب مالية تُعرَف في بيت مال المسلمين، فيُعطى فيها قدر معين يُرجع فيه إلى أهل الخبرة، فهم الذين يحددون هذا القدر، ويكون القدر سنوياً.
لكن الخراج الوظيفي وخراج المقاسمة مرتب على مسألة بقاء الأرض دون قسمة.
(138/10)
________________________________________
تخيير الإمام في الأصلح في شأن الخراج
فإذاً: يقول المصنف رحمه الله: [خُيِّر الإمام] أي: ينظر الإمامُ الأصلحَ، هل المصلحة أن تبقى خراجية، ويؤخذ منها الخراج لبيت مال المسلمين، كما حدث مِن فعل عمر رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك عثمان رضي الله عنه في الفتوحات، فكان هناك ما يسمى بالأرض الخراجية؛ والسبب في هذا الخراج أو الأصل فيه: أن عمر رضي الله عنه وأرضاه لما فتح المشرق، ودخل المسلمون بلاد فارس وتوغلوا فيها، كان رأي عمر رضي الله عنه وأرضاه أن يُبقي الأرضَ لكي ينتفع بها المسلمون في عصرهم ومن يأتي بعدهم، فترك أراضي الحيرة في العراق، وكذلك أراضي فارس، فأبقاها لأجل مصلحة بيت مال المسلمين، حتى يبقى لبيت مال المسلمين خراج، يُدَرُّ عليه سنوياً، فيستقر بيت مال المسلمين، فهذا قضاء عمر بن الخطاب، وقد اختلف هو وبلال وعبد الرحمن بن عوف، وكان رضي الله عنه يقول: (اللهم أعني على بلال)، والسبب في هذا أنه كان بعيد النظر، فقد تأوَّل آية الحشر في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر:10] فإن هذه الآية جاءت بعد آية الفيء: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [الحشر:7] فهذه الآية: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر:10] يقول: إن الخَلَف الذين يأتون من بعدُ يترحمون على مَن قبلهم بما تركوا لهم من الخير في الجهاد في سبيل الله، فكان هذا من فقهه رضي الله عنه، فقضى بذلك، واستقر عليه العمل، ووافقه الصحابة بعد، ورجع بلال وعبد الرحمن إلى قوله.
لأن بلالاً وعبد الرحمن لما فُتِحت العراق، وفارس، كانا يقولان: (اقسم على الجند أرضهم)، فامتنع عمر رضي الله عنه وأرضاه وأبقاها خراجية، فبقي حكم الخراج سنة عمرية، ومضت على ذلك جماعة المسلمين، فأصبح أصلاً عند العلماء رحمهم الله: أن الأرض يُرجَع فيها إلى نظر الإمام، فإن نظر أن من المصلحة أن تقسم قسمها، وإن رأى أن من المصلحة أن تبقى خراجية، أبقاها خراجية.
وقد فعل عمر رضي الله عنه كلا الأمرين في فتحه بالمشرق، فإنه اختط الكوفة، وقسمها بين المجاهدين، والسبب في هذا: أنه ما كان يريد مخالطة المجاهدين للناس الذين كانوا بالعراق خشية أن تفسد أخلاقهم، فهذا يسمى بالإقطاع، وله أصل في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قسمها وأخذ كل مجاهد -مثلاً- قطعة من الأرض فباعها أو تصرف بها فهي ملك له، كما أنه إذا ملك الماء إن شاء انتفع به لنفسه، وإن شاء باعه على الغير.
(خُيِّر الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين) (بين قسمها) أي: على الجند وعلى مَن شهد الوقعة، بالطريقة التي ذكرناها.
وبين (وقفها على المسلمين) أي: تبقى وقفاً لمصلحة بيت مال المسلمين، فتبقى خراجية إلى الأبد.
(ويضْرب عليها خراجاً مستمراً، يؤخذ ممن هي بيده) هذا على ما ذكرناه، ولذلك ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنَعَت الشام مُدَّها، ومَنَعَت العراق قفيزَها) وهذا يعتبره العلماء أصلاً في الخراج الذي يؤخذ على الأرض؛ لأن المراد بالمُدِّ والقفيز، الإشارة إلى الفتوحات، وما يكون منها من خراج، فلما قال: (وعدتم مِن حيث بدأتم، وعدتم مِن حيث بدأتم) أي: أنه في آخر الزمان ينقطع هذا الأمر، وقد كان ما كان، وهو من معجزاته -بأبي هو وأمي- صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
قال رحمه الله: [والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام] أي: كم يكون مقدار الخراج والجزية؟ وهذه مباحث ومسائل وأحكام تكلم العلماء عليها في كتب الخراج، وكتب الأموال، وهي تتعلق بمصلحة بيت مال المسلمين، ولا يمكن للإمام أن يقدم على مثل هذه الأمور إلا بالرجوع إلى أهل الخبرة، فإن كانت الأرض زراعية سأل عنها أهل الزراعة، وإن كانت الأرض تعمَّر أو يستفاد من عمرانها رجع إلى أهل المعرفة بذلك وهكذا.
وكذلك الجزية: وهي الفريضة التي تفرض على أهل الكتاب إذا أبقاهم المسلمون في ديارهم، وسيأتي إن شاء الله بيان عقد الجزية وأحكامه ومسائله، والجزية تفرض بضوابط معينة على أشخاص معينين، من أهل الكتاب ومن في حكمهم، ويكون مقدار هذه الجزية راجعاً إلى نظر الإمام، ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وهناك حد أعلى، وحد أوسط، وحد أدنى للجزية، مثلاً: لو فرضنا أن الحد الأعلى: ثمانية وأربعون ريالاً، فيكون الحد الأوسط: أربعةً وعشرين، ويكون الحد الأدنى: اثني عشر، فعلى هذا التقدير ينظر الإمام في حال الإنسان، فإن كان من أعلى الناس فرض عليه: ثمانية وأربعين، وإن كان من أوسطهم فرض عليه أربعة وعشرين، وإن كان من أدناهم فرض عليه اثني عشر، على تفصيل سيأتي إن شاء الله بيانه في كتاب الجزية.
(138/11)
________________________________________
حكم من عجز عن عمارة أرضه الخراجية
قال رحمه الله: [ومن عجز عن عمارة أرضه أُجْبِر على إجارتها، أو رفع يده عنها] قال رحمه الله: (ومن عجز عن عمارة أرضه): إذا كانت الأرض خراجية فمعنى ذلك أن المطلوب تحصيل المصلحة منها لبيت مال المسلمين، وهذا يسميه العلماء: موارد بيت مال المسلمين، فلا بد أن تبقى موارد بيت مال المسلمين ثابتة، حتى يمكن الصرف من هذه الأموال على مصالح المسلمين، فهذه الموارد ينبغي أن يحافظ على بقائها، فإذا كان الذي أخذ الأرض الخراجية لا يستطيع أن يقوم عليها، لعجز، أو لكِبَر سن، أو لمرض، أو نحو ذلك، فيُجبَر على إجارتها لمن يعمرها، أو تنقل وتؤخذ منه إلى غيره ممن يقوم على استصلاحها ونفع المسلمين منها.
(أُجْبِر على إجارتها) الإجارة: عقد على منفعة بعوض.
والعقود المالية تكون أحياناً على الذات وأحياناً على المنافع.
فأنت إذا جئت إلى رجل وقلت له: بعني هذه الدار أو هذه العمارة بعشرة آلاف، فقال: قبلت، فإذا أخذ العشرة آلاف، فمعنى ذلك أنك تملك عين الدار التي هي العمارة، وعين الأرض، وتستطيع أن تسكن فيها، فالدار ومنافعها ملك لك، فإن شئت أن تنتفع بها في السكنى سكنت، وإن شئت أن تنتفع بأجرتها أجَّرتها على الغير وأخذت الأجرة، وإن شئت أن تهدمها فلا أحد يمنعك؛ لأنها ملكك، فقد ملكتَ العين والمنفعة.
في الحالة الثانية: أن تقول: أجرني هذه الدار شهراً بألف، فمعنى ذلك أنك تملك المنفعة فقط وهي: السكنى فيها، فلا تستطيع أن تهدم هذه الدار، ولا أن تبيعها للغير، ولا أن تهبها، ولا أن تتصدق بها؛ لأن الذي تملكه هو السكنى فيها فقط.
فالإجارة هي المنفعة، فمعنى ذلك: أن الأرض الخراجية ملك لبيت مال المسلمين، لكن منفعتها من زراعتها وحراثتها والقيام عليها وما يكون منها من نتاج هذا هو الذي يستأجر، وإجارة الأرض للزرع فيها خلاف بين العلماء، وجماهير العلماء على جواز ذلك خلافاً للظاهرية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأن ما كان بشيء معلوم فلا بأس) أي: في إجارة الأرض، فدل هذا على مشروعية إجارتها للزراعة مثل مسألتنا، لكن يشترط في إجارة الأرض للزراعة أن يكون فيها ماء؛ لأنه إذا استأجرها للزراعة ولا ماء فيها، فهذا من إجارة الغرر، وحينئذ لا يصح، إلا إذا كان يجلب الماء إليها، كأن يحمل الماء إليها، أو يجريه بقنطرة، أو غير ذلك.
فالمقصود: أن الإجارة تكون على الأرض الخراجية، أي: أن يترك الغير ينتفع بها لأجل مصلحة بيت مال المسلمين كما ذكرنا.
(أُجْبِر على إجارتها أو رفع يده عنها) (أو رفع يده عنها) حتى تعطى للغير ويقوم باستصلاحها ونفع المسلمين منها.
(ويجري فيها الميراث) فإذا كانت هذه الأرض خراجية، وقام عليها إنسان ثم توفي، وجاء ورثته وقالوا: نريد هذه الأرض لنقوم عليها مثلما كان أبونا يقوم عليها، وندفع ما كان يدفع، فإنهم يرثونها وينزلون منزلة أبيهم؛ لأن الفرع آخذ حكم أصله.
(138/12)
________________________________________
الأموال التي تؤخذ من المشركين لبيت مال المسلمين
قال رحمه الله: [وما أخذ من مال مشركٍ كجزيةٍ وخراجٍ وعُشْرٍ وما تركوه فزعاً وخمس خمس الغنيمة ففيء يصرف في مصالح المسلمين] قال رحمه الله: (وما أخذ من مال مشركٍ) يريد المصنف أن يبين حكم الأموال التي تؤخذ في الجزية، وفي العشور والضرائب، وتؤخذ من الحربي ونحوهم، فهذه الأموال لمن تكون؟ فبعد أن بين أحكام الغنيمة وأحكام الخراج -وهذا مسلك الفقهاء رحمهم الله، أنهم يذكرون المسائل المشابهة في أماكن المناسبة- وأن الغنيمة فيها الخمس يرد إلى بيت مال المسلمين، وكذلك الفيء، إذا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فإنه يرد إلى بيت مال المسلمين، فيرد

السؤال
كيف يكون حكم هذا المال؟ فقال: (وما أخذ من مال مشركٍ) بعض العلماء يقول: يُمْلَك مالُ الحربي بمجرد أخذه، وهذا يميل إليه طائفة من العلماء من أصحاب الإمام أبي حنيفة وغيرهم، وقال بعض العلماء: بل إنه يكون لبيت مال المسلمين، وبيت مال المسلمين تكون مصارفه مصارف الفيء، بمعنى: أنه يصرف في مصالح المسلمين، وهذا هو الذي عبر عنه المؤلف بقوله: (يصرف في مصالح المسلمين): المصالح: جمع مصلحة، مثل: بناء المساجد، وبناء القناطر للشرب، وإجراء المياه، وبناء المستشفيات للعلاج، ونحو ذلك من المصالح العامة بحسب ما يراه ولي الأمر مصلحة المسلمين.
فهذه الأموال التي لا يعرف أصحابها، كأموال الغُيَّب، تُدْخَل إلى بيت مال المسلمين وتُصْرَف في عموم مصالح المسلمين، وهذا يعتبره العلماء رحمهم الله حينما يكون المال لغائب مسلم لا يعرف، فإنه يدخل إلى بيت المال، فكأن المسلمين كلهم لهم حق في ماله؛ لأن أخوة الإسلام نُزِّلت منزلة أخوة النسب، لأننا لا نعرف من صاحب هذا المال حتى نعطيه لقرابته، فحينئذ يشترك المسلمون في هذا المال، ويصرف في مصالحهم العامة.
ففي بيت مال المسلمين ما يسمى بالموارد، وفيه ما يسمى بالمصارف، ويذكر العلماء في كتاب الجهاد، في باب الغنائم المسألتين: موارد بيت المال.
ومصارف بيت المال.
فهذا من باب ذكر الشيء عند مناسبته.
فيبين رحمه الله مصارف الخمس (خمس الخمس الذي ذكرناه)، ومصارف العشور -العشور سيأتي بيانها- ومصارف الجزية، ومصارف أموال الغُيَّب التي لا يعرف مَن أصحابها، وبين أن كل هذا يصرف في مصالح المسلمين العامة.
(وما أخذ من مال مشركٍ كجزية وخراج)
(138/13)
________________________________________
الجزية
(كجزية) الجزية: هي المال المقدر المفروض على الكافر إذا أقر في بلده على دينه من أجل حمايته، بقدر معين يحدده ولي الأمر، شريطة أن يكون من أهل الكتاب، وتكون مفروضة عليه في السنة، أي: الحول، ومن العلماء من يقول: تؤخذ منه مسبقاً، أي: في بداية الحول، ومنهم من يقول: تؤخذ عند تمام السنة، وهذا مذهب الجمهور: أنها تؤخذ بعد استكمال السنة، وهو أقوم.
والجزية تفرض إذا دخل المسلمون إلى بلاد الكفار أو أرادوا غزو الكفار فيخيرون بين: أولاً: الإسلام، أي: أن يسلموا، فيكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.
ثانياً: أن يعطوا الجزية، فإذا قالوا: نعطي الجزية، فهذا له شروط وضوابط منها: أن يكونوا من أهل الكتاب؛ لأن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الدين السماوي، فلو كانوا مشركين أو وثنيين لا دين لهم، فلا تفرض عليهم الجزية؛ لأنه أشبه بإقرار الشرك؛ بخلاف أهل الكتاب فإن فيهم شبهة من وجود الدين، وهذا من رفق الله سبحانه وتعالى بعباده ولطفه بهم، ففرَّق بين أهل الكتاب وبين المشركين والوثنيين.
فإذا أخذت الجزية إلى بيت مال المسلمين، فقد بين المصنف أنها تصرف في مصارف المسلمين العامة، كما ذكرنا.
(138/14)
________________________________________
الخراج والعشر وما تُرك فزعاً
(وخراج) الخراج قد ذكرناه، سواء كان خراج مقاسمة أو كان خراج وظيفة، فإذا أخذ هذا الخراج فإنه يقسم أو يصرف في مصارف المسلمين العامة.
(وعشر) العشر هو الواحد من العشرة، والعشر يؤخذ من الكفار إذا تاجروا في بلاد المسلمين، إذا كانوا حربيين، فإن الكفار ينقسمون إلى أقسام: النوع الأول: الحربيون، أي: بيننا وبينهم حرب، فهؤلاء يسمون عند العلماء بالكفار الحربيين، حتى ولو كانوا في هدنة مع المسلمين، فحكمهم حكم الحربيين على تفصيل في مسائلهم.
النوع الثاني: الذميون، وهم الذين لهم ذمة من أهل الكتاب ممن تؤخذ عليهم الجزية، فهؤلاء لهم حكم خاص.
النوع الثالث: المستأمَن، وهو الكافر الحربي الذي يدخل بلاد المسلمين بالأمان، من أجل أن يتاجر أو من أجل إبرام عقد أو لمصلحة معينة، عامة أو خاصة، فيؤمِّنه ولي الأمر أو يؤمِّنه أي مسلم، فالأمان يكون من أي مسلم ممن هو أهل كما سيأتي، ويأخذ حكم أمان المسلمين كلهم، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، وهم حرب على من سواهم) ولذلك لما جاءت أم هانئ في فتح مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل وفاطمة تستره بثوب، وذلك حين أراد علي أن يقتل رجلاً من بني عمها، وكان من عادة العرب أنه إذا دخل المستجير إلى بيت إنسان فإنه يؤمِّنه كما يؤمِّن نفسه، وهذا من شيم الكرام، ومن علامة كمال الإنسان وفضله، أنه لا تُخْفَر له ذمة، ولكن بشرط ألا يكون مرتكباً لحدود الله عز وجل، ومرتكباً للحرمات؛ فمثل هذا -والعياذ بالله- لا يؤمَّن؛ لأن الشرع له حق عليه، فإذا أُمِّن أعين على الإثم والعدوان، وهذا هو الذي عناه الله عز وجل بقوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] وكانوا في الجاهلية إذا دخل الرجل على الرجل ووطئ بساطه أو دخل بيته وقال: إني مستجير بك، أو مستعيذ، أو يطلب منه الأمان، فإنه لا يخفره؛ لأنه لما دخل بيته صار بمثابة الضيف، والضيف يُكرَم ولا يهان، ويعطى ولا يمنع، فكان يؤمِّنه ويكون دونه في خير أو شر، فجاء الإسلام بتهذيب هذه الأمور، إن كان في خير فخير، وإن كان في شر فشر، فإذا كان في شر كان شريكاً له في الإثم والعياذ بالله! فالمقصود: أن المستأمِن إذا دخل إلى بلاد المسلمين واستجار بمسلم فأجاره، فإنه في جوار المسلمين كلهم.
وقد روي أنه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه من الشام: أن الروم إذا دخلوا بلاد المسلمين لم يأخذوا عليهم شيئاً، وإذا دخل المسلمون بلادهم متاجرين أخذوا عليهم العشر، فأمره عمر أن يأخذ منهم العشر إذا دخلوا، وهذا ما يسمى (بالتعشير)، فهي ضريبة تؤخذ للمتاجرة في بلاد المسلمين، معاملة بالمثل، ومثل ما يسمى في زماننا: (بالجمرك) فهذا يُعتبر كالضريبة على الكافر، كما يعامَل المسلمون إذا تاجروا في بلادهم، فتكون مقابلة بالمثل، ففعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفعله بعده الخلفاء الراشدون، وأصبحت سنةً مُجْمَعاً عليها: أن الكفار إذا تاجروا في بلاد المسلمين أو كان لهم وكيل مسلم يورِّد سلعهم جاز أن يؤخذ عليهم كما يأخذون على المسلمين إذا ورَّدوا السلع إليهم، وهذا يسمى (بالتعشير) وله ضوابط معينة، وينظر فيه الإمام بضوابط المصلحة، فيفرض العشر على الحربي، ونصف العشر على الذمي، وربع العشر على المسلم إذا تاجر من بلادهم.
(وما تركوه فزعاً): وهو الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فهذا يعتبر فيئاً، ويؤخذ إلى بيت مال المسلمين، ويصرف في مصارف المصالح العامة.
(138/15)
________________________________________
حكم خمس خمس الغنيمة والصفي
(وخمس خمس الغنيمة) نحن قلنا: إن الغنيمة تقسم إلى خمسة أقسام، والخمس منها يقسم أيضاً إلى خمسة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال:41] قيل: هذا للاستفتاح، {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال:41] هذا تقسيم، فلما قال: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41] كأنه يُحال من الغنيمة، وهذا يسميه العلماء: خمس الغنيمة، وهذا يصرف في مصالح المسلمين العامة، وهو الذي عناه الله بقوله: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال:41] فللرسول عليه الصلاة والسلام خمسه، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في الغنائم شيء يسمى (الصفي)، وكان من عادة الناس في الجاهلية أنهم إذا قاتلوا وكان لهم من يقودهم للقتال من شجعانهم، أنه يصطفي له ما شاء، ويأخذ من الأموال والنساء ما شاء عند الغنيمة، فهذا يسمى الصفي، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفي، والاصطفاء أن يأخذ من الأموال ما شاء، صلوات الله وسلامه عليه، ويضعه حيث شاء، ولذلك في غزوة بدر اختصم المسلمون في هذه الأنفال فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1].
قيل: إن سببها أنه لما انتهت وقعة بدر اختصم كبار السن وصغارهم، فالصغار قالوا: نحن الذين أبلينا، وقال الكبار نحن الذين كانت لنا حمايتكم، فهؤلاء حموا وهؤلاء قاتلوا، فكان الشباب يقولون: الغنيمة لنا، والكبار يقولون: بل لنا، نحن الذين أعناكم؛ لأن حماية الظهر في بعض الأحيان تكون أعظم من غيرها، فوقعت بينهم الخصومة فنزلت الآية.
وقيل: إنهم انقسموا إلى قسمين: قسم منهم كان يحرس النبي صلى الله عليه وسلم، وقسم منهم كان يقاتل، فكان الذين يقاتلون يقولون: الغنيمة لنا، والذين يحرسون الرسول صلى الله عليه وسلم يقولون: الغنيمة لنا؛ لأن حراسة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم، فوقع بينهم الخلاف فنزلت الآية.
وقد اختصم سعد رضي الله عنه مع رجل من الأنصار في سيف، فقال سعد: لي، وقال الأنصاري: بل لي، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ليس لك ولا له، إنما هو لله والرسول) فلما أخذه نادى سعداً، وأعطاه إياه، وقال: (هو لي وهو لك) فأعطاه إياه، وكان سعد رضي الله عنه عظيم البلاء.
ومن الصفي: صفية بنت حيي رضي الله عنها وأرضاها، فقد اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، وأعتقها وتزوجها.
ومن الصفي أيضاً: أمواله في فَدَك بجوار خيبر، وهي من الحصون التي اصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، قال بعض العلماء: هذه الأموال التي نُصَّ على أنها للرسول ترجع إلى بيت مال المسلمين.
فأصبح لبيت مال المسلمين الخمس {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال:41]، وقال بعض العلماء في قوله: {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال:41]: إن المراد به قرابة النبي صلى الله عليه وسلم -كما ذكرنا- وهو الصحيح، فالله حجب عنهم الزكاة وأعطاهم حظهم من خمس الخمس، وقال بعض العلماء: بل الخمس لقرابة الإمام، ويشكل على هذا فعل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فإنهم لم يصطفوا هذا الخمس لقرابتهم.
ومنهم من قال -وهذا القول الثالث وهو الذي نريده- الخمس الذي للقربى يرد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت مال المسلمين، فيصبح لبيت مال المسلمين كم؟ خُمُسان، فيكون في بيت مال المسلمين العشر، وهذان الخمسان يصرفان في مصالح المسلمين العامة.
يقول رحمه الله: (ففيء يصرف في مصالح المسلمين) جواب الشرط، أي: حكمه حكم الفيء، يصرف في مصالح المسلمين كبناء المساجد، وعمارة الطرق، وغير ذلك من المصالح العامة، التي ينتفع بها المسلمون.
(138/16)
________________________________________
الأسئلة
(138/17)
________________________________________
سهم الفرس إذا تعاقب عليه أكثر من واحد

السؤال
إذا كان الجند يتعاقبون على ركوب الفرس فكيف تقسم الغنيمة؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: فالحكم في ذلك أن العبرة بالوقعة، فإذا كانت الوقعة شهدها آخر رجل منهم، فيكون سهم الفرس له، مثال ذلك: تعاقب على الفرس ثلاثة، والثالث منهم هو الذي قاتل عليه، فيكون السهم له، هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يتعاقبوا أثناء القتال، فهذه المسألة اجتهد بعض العلماء فقال: يعطى للفرس السهمان، ثم تقسم بينهم على حسب البلاء، والله تعالى أعلم.
(138/18)
________________________________________
قياس البغال والجمال وغيرها على الفرس في سهم الغنيمة

السؤال
هل تقاس البغال والجمال أو غيرها من الدواب على الأفراس، وذلك بأن تعطى سهمان؟

الجواب
لا يُعطى إلا للفرس، ولا يشمل هذا ما ذكر من الحمير والبغال، والسبب في هذا: أن للفرس والخيل معنى يخصُّها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) فالقتال عليها بركة، ولذلك خُصَّت، مع أنه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانت الإبل والبغال موجودة، ولكن الفرس فيه شيء ليس في غيره من الدواب، وكأنه مهيأ للقتال، بخلاف البغال والحمير والإبل، فالفرس يكر ويفر ويتعرض صاحبه للخطر أكثر، ولذلك عَظُم بلاؤه أكثر من غيره، ومن هنا قال: (وللفارس) فخصه بالفرس، ولا يركب الخيل ويقاتل عليه إلا الشجاع القوي الذي يحسن الكر والفر، ومن هنا اشترطوا أن تكون من الخيول العربية الأصيلة التي يكون بلاؤها أعظم، حتى يكون أقرب للسنة، وإن كان بعض العلماء خفف في هذا الشرط، وأخذ بعموم قوله: (وللفارس ثلاثة أسهم).
(138/19)
________________________________________
الفرق بين الغنيمة والفيء

السؤال
هل الغنيمة والفيء بمعنى واحد؟

الجواب
الغنيمة والفيء بينهما عموم وخصوص، فالفيء أحياناً يدخل تحت الغنيمة وأحياناً ينفرد عنها، فالفيء يكون من غير قتال، كأن يأتي المسلمون إلى موضع فيه كفار فيسمع الكفار بالمسلمين فيفرون، ويتركون أموالهم وديارهم، فهذا يعتبر من الفيء، كما وقع في جلاء بني النضير وغيرهم، بخلاف الغنيمة، فإنها لا تكون إلا من وقعة، والغالب أنها تكون بالجهاد ومقابلة العدو وقتاله، فالغنيمة هي نتاج الغزوة، وبعض العلماء يقولون: الغنيمة تشمل الفيء، فكأن الغنيمة أعم من الفيء، فإن أصل الغنيمة من الغُنْم، والغُنْم: هو أخذ الشيء بلا بدل، والغنيمة: أخذ الشيء بلا عوض، فقالوا: يشمل بهذا المعنى ما كان بقتال، وما كان بدون قتال، فهو غنيمة؛ لأنه بغير بدل.
وعلى هذا ينفرد الفيء بحكم خاص وهو: مصارفه وأحكامه الخاصة، وتبقى الغنيمة على الأصل العام.
لكن أيَّاً ما كان فالمعروف في كتب الفقهاء رحمهم الله أنهم يجعلون الغنيمة أصلاً عاماً لهذا كله، والفيء فرع من الغنيمة، وعلى هذا دَرَج مصطلح الجمهور رحمهم الله.
لكن الفيء له أحكام خاصة غير أحكام الغنيمة، منها أن له مصارف الخمس التي ذكرناها، بخلاف الغنيمة فإنها تخمَّس، فللمجاهدين أربعة أخماس، والخمس الأخير هو الذي يصرف في مصارف الفيء فقط، فمن هنا يقول بعض العلماء: إن بينهما عموماً وخصوصاً من هذا الوجه.
(138/20)
________________________________________
المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم في انتظار الصلاة: (خذلكم الرباط)

السؤال
ما المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر بعض الأعمال الفاضلة فقال: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) وهل يعادل أجر الرباط في الجهاد؟

الجواب
مادة: ربط، دائماً تكون للملازَمة، ولذلك إذا ربطت الشيء وعقدته، فإن هذه العقدة يُلزَم بها الشيء ويبقى، ومنه تقول: ربطت الفرس، وربطت الدابة، فإنها تلزم هذا المكان ولا تنفك عنه.
والرباط له معنيان: رباط عام: وهو الرباط على الطاعة.
ورباط خاص: وهو رباط الثغر في الجهاد في سبيل الله عز وجل.
فأما الرباط العام على طاعة الله فهو الذي عناه الله عز وجل بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران:200] أي: يا من آمنتم بي وصدقتم بكتابي ورسولي صلى الله عليه وسلم (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) والمصابرة: غاية الصبر، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، غاية الصبر، (وَرَابِطُوا) أي: إذا صبرتم فابقوا على هذه الطاعة ورابطوا عليها، واجعلوا هذا دأباً لكم، فإن من صبر ظفر، وقد قرن الله عز وجل الخير بالصبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (وما أعطي عبد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر) أي: ما أعطي عبد عطاء خيراً وأفضل من الصبر، وهذا يدل على أن الرباط على الطاعة من أعظم الأعمال، ولهذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وجدنا ألذ عيشنا بالصبر).
فالصبر على الطاعة والثبات عليها لا يكون إلا لأهل الكمال ولأهل الفضل، وهذا هو الذي عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أحب الأعمال إلى الله قال: (ما كان ديمة، وإن قل) أي: ما دام عليه الإنسان، وإن كان شيئاً قليلاً.
فالمرابطة على الطاعة من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى.
ولما كانت الصلاة هي أعظم الطاعات، وأجل القربات بعد توحيد الله عز وجل، فلا يحافظ عليها إلا مؤمن، ولا يتم ركوعها وسجودها وخشوعها إلا سعيد موفق في الدنيا والآخرة؛ لأن الله قرن بها الفلاح في الدنيا والآخرة، وصلاح حال العبد في دينه ودنياه وآخرته، وهي كذلك عماد الدين، والركن الثاني من أركان الإسلام، وكانت ولا زالت من أعظم ما يتمسك به الإنسان في دينه، فمن حفظها حفظه الله، فإذا كانت الصلاة بهذه المثابة فاعلم أن أكمل المؤمنين إيماناً من أحبها ورابط عليها، وتتفاوت مراتب الناس في صلاتهم: فمنهم من لا يصلي مع الجماعة وإنما يصلي لوحده، فهذا من أحرم الناس لأجرها.
ومنهم من يصلي مع الجماعة؛ لكنه يأتي قبل التشهد بقليل.
ومنهم من يصلي مع الجماعة فيدرك الركعة أو الركعتين أو الثلاث، فيدرك نصف الصلاة أو ربعها أو ثلثها، ولَمَا فاته منها خير من الدنيا وما فيها.
ومنهم من لا يؤذن إلا وهو في المسجد.
فإذا كانت الصلاة بهذه المثابة فالحفاظ عليها والصبر عليها من أعظم الرباط، فإذا ملأ الله القلب الزكي التقي النقي، وأحب صاحبه وأراد أن يوفقه في الدنيا والآخرة، جعل الآخرة أكبر همه، ومبلغ علمه، وغاية سؤله ومطلبه، فأصبح لا يفكر إلا في هذه الصلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يا بلال أرحنا بالصلاة) فإذا صلى -مثلاً- صلاة العصر، قال: إلى أين أخرج؟! إلى دنيا فانية، مليئة بالأمور اللاغية، فالخير لي أن أجلس، فنظر في دنياه ونظر في آخرته، فإن خرج ربما خرج إلى أمر يفوت به دينُه، وقد يخرج إلى فتنة، فقال: سأنتظر صلاة المغرب، فجلس بعد صلاة العصر ذاكراً لله، ومثنياً عليه، محباً ومؤثراً لمرضاة الله عز وجل، فإذا به قد رابط على خيرٍ مِن أحَبِّ الخيرِ وأعظمِه أجراً عند الله سبحانه وتعالى.
فلما كان هذا النوع من الصبر على الطاعة، دخل في مسمى الرباط، فقال صلى الله عليه وسلم: (فذلكم الرباط) ثم انظر فإنه لم يقل: (ذلك) وإنما جاء بصيغة الجمع، ولم يقل: (هذا) أو: (هو الرباط) بضمير الغائب، لا.
وإنما قال: (فذلكم) فأولاً: استخدام (ذلكم)، و (ذا) إشارةٌ إلى البعيد، وإذا أدخلت عليها الكاف، قلت: (ذاك) للبعيد، فعبر بصيغة البعيد؛ لعلو المرتبة والشرف، ومنه قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:2] إشارة إلى علو مكانته وعظيم منزلته عند الله جل جلاله.
فقال صلى الله عليه وسلم: (ذلكم)، ثم قال: (الرباط) ما قال: (ذلكم رباط)، أو: (مِن الرباط)، إنما قال: (الرباط) و (ال) هنا تدل على الكمال، أي: أنه أكمل الرباط وأعظمه؛ لأنه في أكمل الطاعات، وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، وهي الصلاة.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يلهمنا فعل الخيرات، وترك الفواحش والمنكرات.
ونسأل الله العظيم أن يَمْنُنَ بالعافية غدوَّنا وآصالَنا، وأن يختم بالسعادة آجالَنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(138/21)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب عقد الذمة وأحكامها [1]
ميَّز الله سبحانه الأديان السماوية حتى بعد وقوع التحريف فيها، فكان من هذا أن أجاز عقد الذمة مع أهل الكتاب ومن أخذ حكمهم، وهذا فيه أسرار وحكم عظيمة، وهذا العقد لابد فيه من التزامات بين المسلمين وأهل الكتاب، ولابد له من أركان لا يصح إلا بها.
(139/1)
________________________________________
أحكام عقد الذمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتَمَّان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب عقد الذمة وأحكامها] هذه الترجمة قصد المصنف -رحمه الله- بها أن يبين جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بعقد الذمة، والأصل في ذلك أن المسلمين إذا غزوا العدو، فإنهم يخيرونهم بين ثلاث خصال: الخصلة الأولى: أن يسلموا، ويقومون بدعوتهم إلى الإسلام.
الخصلة الثانية: أن يدفعوا الجزية، وهو الخيار الثاني، وهذا الخيار -وهو الجزية- يختص بنوع خاص من الكفار، وهم أهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس، وأما غيرهم من الوثنيين والمشركين والملحدين، فإنه لا تؤخذ منهم الجزية، وإنما يخيَّرون بخيارين: - إما الإسلام.
- وإما القتال.
الثالثة: إن أبوا فإنه ينتقل معهم بعد ذلك إلى الخيار الثالث وهو القتال، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الخيارات الثلاث، وثبت ذلك أيضاً من هدي الصحابة رضوان الله عليهم، وهو ما كان يفتي به الخلفاء الراشدون -رضي الله عنهم وأرضاهم- أمراء الأجناد حينما بعثوهم للجهاد في سبيل الله عز وجل، وجاءت السنة مطلقة في حديث بريدة؛ ولكن قيدها القرآن في الجزية كما سيأتي.
فلما كان الجهاد في سبيل الله عز وجل يحتاج إلى بيان الجانبين: الجانب الأول: كيف يجاهَد الكفار؟ وما هي الأمور والمسائل والأحكام المترتبة على شرعية الجهاد؟ والجانب الثاني: وهو الذي يتعلق بقبول الجزية، فإذا قبلوا دَفْع الجزية، فحينئذ تحقن دماؤهم، ويكونون أهل ذمة، على التفصيل الذي سنبينه.
فكأن هذا الباب مرتب على الباب الذي قبله؛ لأن مَن يجاهد في سبيل الله، فإنه يحتاج إلى معرفة نوع خاص من الكفار، وهم أهل الذمة، فقال رحمه الله: [باب عقد الذمة وأحكامها]، كأنه يقول: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام المتعلقة بالذمة وما يترتب عليها.
(139/2)
________________________________________
تعريف عقد الذمة
قوله رحمه الله: (باب عقد) العقد في لغة العرب: التوثيق والإبرام، ومنه: عقد الحبل، ويطلق العقد على المحسوسات، كما تقول: عقدتُ الحبل إذا جمعتَ بين طرفيه وعقدتَه وأوثقتَه، وقد يطلق على المعنويات، فتقول: هذا عقد بيع، وينبني على الإيجاب والقبول، وقد ورد في كتاب الله عز وجل قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] والمراد به المعنوي.
وإذا قال العلماء: عقد النكاح، عقد الإيجار، عقد الرهن، عقد الشركة، عقد المضاربة، فمرادهم بهذا اللفظ: الإيجاب والقبول على هذه الأمور، فإذا كان الإيجاب: بعتك، والقبول: قبلت واشتريت، فهو عقد بيع، وإن كان الإيجاب: أجرتك، وقال الآخر: قبلت واستأجرت، فهو عقد إجارة، وإن كان على نكاح فعقد نكاح، وهلمَّ جرَّاً.
لكن لما قال المصنف هنا: (باب عقد الذمة) خصص عموم هذا اللفظ وبيَّن أن المراد به نوع خاص من العقود وهو عقد الذمة.
والذمة في اللغة: الأمان والعهد، وأما في الاصطلاح: فهو أمان مخصوص، لطائفة مخصوصة، على هيئة مخصوصة، وهذا الأمان المخصوص المراد به: أن يؤمَّن من أعطي هذا العهد على نفسه وماله وأهله وعرضه، فالكافر إذا جرى بينه وبين المسلمين عقد الذمة فله ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما ثبتت بذلك الأخبار، فلا يسفك دمه، ولا ينتهك عرضه، ولا يؤخذ ماله، ويكون له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين.
وأما قولهم: (لطائفة مخصوصة) فالمراد به: أهل الكتاب، ومن في حكمهم وهم المجوس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نسن بهم سنة أهل الكتاب، وذلك في الجزية، كما قرره الأئمة رحمهم الله.
و (على هيئة مخصوصة) المراد بها: ضوابط عقد الذمة، وذلك بالصورة التالية: فالعقد في الأصل يستلزم جانبين: الجانب الأول: المسلمون.
الجانب الثاني: الكفار.
(139/3)
________________________________________
أنواع الذمة
أما بالنسبة للمسلمين فيلي العقد عنهم إمامهم، كما سيبين لنا المصنف رحمه الله، وهذا أصل في قول جماهير العلماء: أن عقد الذمة لا يبرمه إلا الإمام؛ لأنه تتعلق به مصالح الأمة، وحينئذٍ لا يتأتى أن يقام على وجهه إلا عن طريق الإمام، أو من ينيبه؛ لكن هناك نوعان من الأمان، أو من الذمة: النوع الأول: الذمة الخاصة، وهي التي تكون لأفراد الناس، كأن يستجير مشرك أو كافر بمسلم، فيقول له: أنا في جوارك، وفي أمانك، وفي ذمتك، فإن قال له: أنت في ذمتي، فحينئذ يكون هذا الجوار والأمان خاصاً، فعلى المسلم أن يؤمنه حتى يسمع كلام الله، فإذا قبل الإسلام فالحمد لله، وإذا لم يقبل أبلغه مأمنه، قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة:6]، فهذا يسمى بالذمة الخاصة، أو العهد الخاص، أو الأمان الخاص، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، وهم حرب على من سواهم) فهذا الحديث الصحيح يدل على أن الكافر إذا دخل في جوار مسلم واحد فإنه في جوار المسلمين كلهم، ولا يجوز لأحد أن يتعرض له بسوء حتى يسمع كلام الله، أو يُبْلَغ مأمنه، ولذلك ثبت في الصحيح أنه لما دخل المشرك على أم هانئ وهي امرأة واستجار بها، وأراد علي قتله، انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يغتسل، فقال: (من؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحباً بـ أم هانئ، فقالت: يا رسول الله! زعم فلان أنه قاتل فلاناً، وقد أجرته، فقال صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)، فدل هذا على أن ذمة المسلمين واحدة، وأن العهد إذا أخذ من مسلم لكافر، فهو عهد على جميع المسلمين لا يجوز لأحد أن ينقضه، أو ينكثه، حتى يكون الكافر على بينة.
النوع الثاني من الذمة: الذمة العامة التي تكون مؤبدة، والفرق بينهما: أن الذمة الأولى خاصة مؤقته، أما الذمة التي نبحثها هنا فهي الذمة العامة المؤبدة، أي: التي تبقى إلى الأبد، فإذا أراد المسلمون فتح مدينة، وقالوا لأهلها: أسلموا فقالوا: لا نريد الإسلام، فقيل لهم: ادفعوا الجزية، فقالوا: ندفع الجزية وكانوا من أهل الكتاب ومن في حكمهم، فإنهم يبقون ما أبقاهم الله عز وجل، ويكون هذا العهد ذمة لهم إلى الأبد، ما لم يحدث النكث أو النقض، بالصورة التي سيبينها المصنف رحمه الله.
فإذاً: عندنا ذمة عامة، وذمة خاصة.
فالذمة الخاصة ينبغي حفظها ورعايتها، ولا يجوز لمسلم أن يقدم على قتل كافر في بلاد المسلمين، إذا كان قد دخل بأمان من واحد منهم، حتى قال بعض العلماء: حتى ولو دخل في أمان صبي، أو دخل في أمان امرأة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ).
وعقد الذمة يكون بين المسلمين والكفار، فأما المسلمون فيعقد عنهم وليهم، أو من ينيبه، وأما الكفار فإنه يعقد عنهم أهل الحل والعقد، ومن يتولى أمورهم، فإذا جرى العقد بينهما فإن الأركان في العقد تستلزم: أولاً: العاقدان، فإذا قيل: عقد، فمعنى ذلك أن هناك عاقدين.
ثانياً: المحل، وهو مورد العقد الذي يتعاقدان عليه، فمثلاً: البيع أركانه: البائع، والمشتري، ومحل يَرِد عليه البيع وهو السيارة مثلاً.
(139/4)
________________________________________
ما يلتزم به المسلمون في عقد الذمة
فعندنا محل ورد عليه عقد الذمة، وهو التزامات من الطرفين، من المسلمين التزامات، ومن الكفار التزامات، فيرد عقد الذمة على هذين الجانبين.
فيلتزم المسلمون: أولاً: بحقن دمه، فلا يُقتَل بدون حق.
ثانياً: بحفظ عرضه، فلا يؤذى في عرضه.
ثالثاً: بحفظ ماله.
رابعاً: بحفظ أهله وعياله.
فيدخل الأولاد والذراري بالتبع لآبائهم؛ لأنهم تابعون لآبائهم في هذا الحكم، كما ثبت من فعل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن خالد بن الوليد رضي الله عنه لما كتب في الكتاب جعل الذراري تابعة للأصول، آباء وأمهات.
ثم أيضاً يلتزم المسلمون بالدفاع عنهم، فإذا فتحت بلاد الكفار فنزلوا على حكم المسلمين بالذمة، فيجب على المسلمين نصرتهم وحفظهم، ولذلك لما نزل الروم بالشام -وكان أبو عبيدة رضي الله عنه قد فتح مع خالد أطراف الشام، وأخذ الجزية على بعضها- في معركة اليرموك، كتب أبو عبيدة إلى أمراء الأجناد، أن يردوا الجزية إلى أهلها حتى يقع النصر، فكانوا لا يلتزمون بالجزية إلا مع الالتزام بالنصرة، فيكون هذا الذمي له ما للمسلم وعليه ما على المسلم، فهو يلتزم بأمور، والمسلم يلتزم بأمور، فمن هذه الأمور التي يلتزم له بها المسلم: حفظ دمه -كما قلنا- وماله، وعرضه، وأهله، وولده، وكذلك أيضاً يكون له حق النصرة، فإذا اعتدى عليه الكفار، وجب على المسلمين نصرته ومنع الكفار من أذيته، كذلك أيضاً لا يعتدي عليهم المسلمون، فهم كالمسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وهذا فيه حكم وأسرار عظيمة، ذلك أن الذمة لا يصح إعطاؤها إلا لأهل الكتاب؛ لأن لهم ديناً سماوياً، فيكون حسابهم في الآخرة، فإذا رضوا بإعطاء الجزية يكونون مستثنين؛ لأن الله نص على ذلك، فأمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب؛ لأن لهم ديناً سماوياً، فإذا بقوا بين المسلمين ورأوا تعاملهم، ورأوا دين الإسلام وسماحته، وما عليه المسلمون من التواصل والتراحم والتعاطف، أحبوا دينهم، ولربما نشأت ذراريهم وقد رأوا عزة الإسلام فيتأثرون به، حتى حفظ في البلدان التي فتحت على هذا الوجه أنه لم تمض ثلاثة أجيال إلى أربعة أجيال بالكثير إلا وقد أسلم منهم الكثير، فهذا نوع من الاستدراج للدخول في الإسلام ولو بعد حين.
فالمقصود: أن يلتزم المسلمون بهذا، فإذا رأى الذمي أن له ما للمسلم وعليه ما على المسلم، وإذا وقف في المواقف المحرجة ورأى نصرة الإسلام له أحب هذا الإسلام، فإن النفوس جُبِلت على حب من أحسن إليها، وهذا الإحسان من المسلم فيه نوع من الاستمالة لقلبه والتأليف له للإسلام، وكل هذه أسرار عظيمة، وصدق الله عز وجل إذ يقول: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] فهو نوع من الحكمة البالغة في إقناع الناس بهذا الإسلام؛ فهم إذا لم يسلموا عن طريق مواجهتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ربما أثر فيهم تعامل المسلمين ووقوف المسلمين معهم ونصرتهم لهم، فيكون سبباً في دخولهم في دين الإسلام، ورضاهم به.
(139/5)
________________________________________
ما يلتزم به أهل الذمة
الأمر الثاني: الذي يلتزم به أهل الذمة: يلتزمون بأمور كثيرة يجمعها أصلان: الأصل الأول: دفع الجزية.
الأصل الثاني: التزام أحكام الإسلام، وعدم التعرض للإسلام أو أهله بضرر أو سوء.
فهنا جانبان: الجانب الأول: دفع الجزية؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29].
وأما الجانب الثاني: فهو تعظيمهم للإسلام، فيحفظون حرمة الإسلام، ويحفظون حق الإسلام، فلا يتعرضون لسب الله، ولا لسب رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا سب الإسلام، ولا يطعنون في القرآن، ولا في السنة، ولا يستهزئون بشيء من الإسلام، ولا بالمسلمين، مع أمور أُخر هي من لوازم عقد الذمة، حتى يستقيم عيشهم تحت الإسلام في ذلة وصغار، لا في عزة وقوة واستكبار، حتى لا تكون لهم شوكة على المسلمين، فيكون الأمر محقِّقاً لخلاف ما قصده الشرع أو عناه من هذا الحكم التشريعي.
(139/6)
________________________________________
أركان عقد الذمة
إذاً: أركان العقد: أولاً: عاقدان.
ثانياً: محل العقد.
ثالثاً: ولا بد من توفره: الصيغة، أو ما يدل أو يقوم مقامها.
فهناك صيغة اللفظ: كأن يقول ولي الأمر للكفار أو من ينوب عنهم: (عاهدناكم على كذا وكذا)، فيقول الكافر: (قبلنا)، فإذا قال: عاهدناكم، وقال الطرف الثاني: قبلنا، فقد تمت الصيغة؛ الإيجاب والقبول.
أيضاً: قد تكون هناك أمور أخرى تدل على الرضا، مثلاً: لو أن كافراً من أهل الكتاب دخل مع أهل الذمة الذين هم تحت حكم المسلمين، فإن هذا الدخول يعتبره العلماء دلالة ضمنية على الرضا بدفع الجزية للمسلمين، فيكون عقداً ضمنياً، كذلك إذا شب الصغار، وبلغوا سن الرشد والتمييز، فحينئذٍ لا يحتاجون إلى تجديد العقد؛ لأن سكوتهم ينزَّل منزلة تجديد العقد، وهذا أصح قولي العلماء: أن من نشأ من صغارهم، وسكت على العهد الذي كان عليه كبارهم، فإن هذا يعتبر إقراراً، وينزَّل منزلة الصيغة، ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين بالصيغة التي اتُّفِق عليها بين آبائهم وبين ولي أمر المسلمين، حينما كانوا صغاراً.
(139/7)
________________________________________
الجزية وأحكامها
يقول رحمه الله: [لا تُعْقَد لغير المجوس وأهل الكتابين ومن تبعهم] في هذا الباب يحتاج المصنف عند بيانه لأحكام الذمة لجملة من المسائل منها: المسألة الأولى: أن يبين من الذين يجوز لك أن تعقد معهم عقد الذمة؟ والسبب في ذلك: أن الكفار ينقسمون إلى أقسام -سنبينها إن شاء الله- فهل كلهم يجوز أن تأخذ منهم الجزية، أم من بعضهم دون بعض؟ المسألة الثانية: من الذي له حق عقد الذمة، وهل يمكن أن يقع من أفراد المسلمين، أم أنه خاص بولي الأمر ومن ينيبه؟ المسألة الثالثة: ما هي الشروط التي ينبغي توفرها لضرب الجزية على الفرد من أفراد الكفار؟ وإذا وقع عقد الذمة العام، فهناك أمور فرعية خاصة تتعلق بهذا العام، وهي: هل نضرب الجزية على صغارهم، وكبارهم، وذراريهم، ونسائهم، وشيوخهم، وضَعَفَتهم، والمسلمين منهم، ورهبانهم، وأحبارهم، أم أن الحكم يختص ببعضهم دون بعض؟ كذلك أيضاً ما الذي يترتب على قضية أخذ الجزية منهم، من وجوب النصرة، وحقن دمائهم؟ فهذه كلها مسائل تتعلق بالعقد من حيث هو.
(139/8)
________________________________________
شرعية أخذ الجزية
أولاً: ما هو الدليل على شرعية عقد الذمة وأخذ الجزية؟ دل دليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ذلك.
أما دليل الكتاب: فإن الله سبحانه وتعالى قال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، فدلت هذه الآية الكريمة على مسائل: الأولى: الأمر بالجهاد في سبيل الله عز وجل، وذلك لإعلاء دين الله، وكف أعداء الله، {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39]، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
الثانية: أن الله سبحانه وتعالى خص هذا بأهل الكفر، فقال: {الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة:29]، والذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر هو كافر، حتى ولو قال شخص: أنا أؤمن بالله، وأؤمن بالرسول وأؤمن بكل شيء إلا اليوم الآخر -والعياذ بالله- فلا أعتقد أن هناك يوماً آخراً، كما تقول الفلاسفة -والعياذ بالله- من ضلالاتهم: إنها أمور خيالية وليس لها حقيقة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وهذا يعتبر كفراً بإجماع المسلمين، فمن لا يؤمن باليوم الآخر فهو كافر، فخص الله ذكر اليوم الآخر زيادة في بيان كفرهم والتغليظ عليهم، ثم قال: {وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} [التوبة:29] ثم خصص العموم فقال: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [التوبة:29] وهذا يدل على أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب، وأنها ليست بعامة لجميع الكفار، وهذا له حكمة؛ لأن أهل الكتاب لهم دين سماوي، فهم في الأصل يتفقون مع المسلمين من حيث تعظيم الله عز وجل، ووجود الله عز وجل، فبيننا وبينهم قواسم مشتركة، ولذلك قال الله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة:136] وقال: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران:84]، فهناك قواسم مشتركة، والدين الذي له أصل، ليس كالدين الذي لا أصل له.
وقول الله عز وجل: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [التوبة:29] قال بعض العلماء: (مِن): للتبعيض، فدل على أن المراد أن الجزية لا تؤخذ إلا من قوم خاصين، وهم أهل الكتاب، ثم قال الله عز وجل: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة:29] فدل على أن الجزية تُحقن بها دماؤهم؛ لأنه قال في أول الآية: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة:29] ثم قال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة:29] فدل على أنهم إذا أعطوا الجزية فلا يجوز استباحة دمائهم إلا بحق، ثم قال الله عز وجل: {عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] وسنبين معنى الصَّغار، وما هو المقصود منه، كما سيبينه المصنف -رحمه الله- في آخر هذا الباب.
إذاً: فهذه الآية دلت على مشروعية أخذ الجزية.
ثانياً: السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في حديث بريدة أنه بعثه في سرية وأمره صلى الله عليه وسلم عندما ينزل بدار الكفر أن يدعوهم بدعاية الإسلام: شهادة أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله، وأمره أن يخيرهم بين الإسلام، ثم أخذ الجزية، ثم قتالهم، فدل هذا على مشروعية أخذ الجزية، والحديث في الصحيحين، ومطلقه مقيد بالقرآن، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: الإجماع وقد ثبت إجماع السلف رحمهم الله، وهو فعل الخلفاء الراشدين المأمور باتباع سنتهم، أخذوا الجزية من أهل الكتاب، وذلك في فتوحات الشام وغيرها، ولم ينكر عليهم أحد، وفرضها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عن الجميع، ثم ما زال ذلك في عصور الإسلام كلها، ومن هنا أجمع المسلمون على شرعيتها من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل، فهناك خلاف في بعض المسائل، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
(139/9)
________________________________________
حِكم وفوائد الجزية
أما الحِكَم التي تستفاد من شرعية الجزية، فهناك حِكَم عظيمة: أولها: التفريق بين الكفار، وبيان حرمة الأديان السماوية دون غيرها، فإن الأديان السماوية لها أصول، ولذلك تفضل على غيرها، كما أن الله سبحانه وتعالى بيَّن ذلك في سورة الروم، فقال سبحانه وتعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم:1 - 5] قال العلماء رحمهم الله: إن الله عز وجل قسم الناس في هذه الآيات الكريمات إلى حزبين، وطائفتين: طائفة لهم دين سماوي وهم الروم، قال: {غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم:2] ومعهم المسلمون في قوله آخر الآية: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم:4 - 5] فجعل نصرة الروم من نصرة الله عز وجل لهم.
وطائفة في ضدهم وهم طائفة المجوس، والوثنيين الذين يعبدون النار.
فكان كفار قريش يفرحون بغلبة المجوس على أهل الكتاب وهم الروم؛ لأنهم يعبدون الأوثان، فكانوا مشتركين معهم في الوثنية، وكان المسلمون يفرحون بغلبة الروم على المجوس؛ لأنه دين سماوي، فكان هذا من باب التمييز بين الأديان.
فجُعِل للدين الذي له أصل سماوي فرق عن الدين الذي ليس له أصل، فهناك الدهري الذي ليس له دين، وهناك الملحد الذي لا يعترف بالأديان أصلاً، وهناك الوثني الذي يقر بالله عز وجل؛ ولكن يعبد معه غيره، فيعبد وثنا أو صنماً، أو غير ذلك.
المقصود: أن هذه النحل والملل والطوائف المشركة الوثنية ليست كالأديان التي لها أصل سماوي، فَفُرِّق بينهما.
ثانياً: من حكم الجزية وفوائدها: أنها سبب في دخول الإسلام، فإن الكفار إذا نزل بهم المسلمون قد يكونون على جهل بشرائع الإسلام، ولا يعلمون حقيقة الإسلام، فينقسمون إلى طوائف: فمنهم من إذا ناقشته وناظرته اقتنع بالإسلام وأحبه وأسلم، فهذا تقنعه بالحجة والبرهان.
ومنهم من لا يقتنع بالإسلام إلا إذا عاشر أهله -أهل الإسلام- ورأى الإسلام على طبيعته، وتطبيقه وواقعه، فلما يراه ويرى المسلمين على حقيقتهم يتأثر.
وهناك من لا يرضى بالإسلام أصلاً، فحكمه أن يُجاهَد.
فجعل الله لكل شيء قدراً، فإذا جاء المسلمون إلى أرضٍ فيها أهل كتاب، وأرادوا غزوهم، وقالوا لهم: اقبلوا بالإسلام، فقالوا: لا نقبل، فقالوا: ادفعوا الجزية، فقالوا: قبلنا، فإنهم سيعاشِرون المسلمين وسيَرَون محاسن الإسلام ومآثره وأحكامه وكيف أن الإسلام ينصفهم، فيكون هذا سبباً لإسلامهم.
ولذلك أُثِر عن علي رضي الله عنه في القصة المشهورة التي ذكرها غير واحد من العلماء، وتروَى مسنَدَة، أنه لما أخذ اليهودي منه درعاً وقيل في بعض الروايات: أنه أخذ منه فرساً واستعاره، وكان من أهل الذمة، ثم جاء يطلبه الفرس فامتنع، وقال: بيني وبينك قاضيك الذي نصَّبته على الناس.
فانطلق معه إلى قاضيه شريح، فقال له: هذه فرسي.
فأنكره اليهودي.
فقال له القاضي: بيِّنَتُك يا أمير المؤمنين.
فعجب اليهودي، وقال: أمير المؤمنين ولا يستطيع أن يأخذ حقه مني إلا ببَيِّنة؟! فوجد سماحة الإسلام، وأن شرعه على الكبير والصغير، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
فمن خلال التعامل يقع هؤلاء الذميون في معاملات مالية مع المسلمين، فيحتكمون إلى قضاء الإسلام، فيجدون سماحته ويجدون حسنه وما فيه، مع ما للمسلمين عليهم من فضل النصرة، فيكون سبباً في قبولهم للإسلام، ورضاهم به.
ثالثاً: من حكم الجزية: أنها مورد من موارد بيت مال المسلمين، وهذا المورد يُصرف في مصالح المسلمين العامة، ويكون فيه نفعٌ للمسلمين عامِّهم وخاصِّهم، على ما ذكرناه في أحكام قسمة الفيء.
(139/10)
________________________________________
عقد الذمة للمجوس
وقوله رحمه الله: [لا تُعْقَد لغير المجوس] (لا تُعْقَد) أي: لا يصح ولا يجوز أن تكون الذمة وعقد الذمة إلا للمجوس.
والمجوس: هم طائفة من أهل الأديان يعبدون النار، ويعتقدون أن للكون إلهين -تعالى الله عما يقولون- إله الظلمة وإله النور، ويرون أن الخير منسوب إلى إله النور، وأن الشر منسوب إلى إله الظلمة، {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة:30]! وهذه النحلة، بعض العلماء يقولون: إنهم كان لهم أصل من دين سماوي، ثم رُفع كتابهم؛ ولكن هذا لم يصح، والصحيح أنهم وثنيون؛ ولكنهم أُلحقوا بأهل الكتاب، لورود السنة المخصِّصة لذلك.
أما الدليل على جواز عقد الذمة مع المجوس: فما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه أخذ الجزية من مجوس هجر)، وكذلك أيضاً ما ثبت في حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه وأرضاه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المجوس: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم)، فدل على أن المجوس يعامَلون معاملة أهل الكتاب، في أخذ الجزية منهم، وعلى هذا قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ولم ينكره عليه أحد من الصحابة، فكان بمثابة الإجماع.
ولذلك تؤخذ الجزية من المجوس بإجماع العلماء رحمهم الله.
(139/11)
________________________________________
عقد الذمة لأهل الكتاب
قال رحمه الله: [لا تُعْقَد لغير المجوس وأهل الكتابين ومن تبعهم].
أهل الكتابين المراد بهم: اليهود والنصارى، ووصفوا بذلك لأن لهم كتاباً سماوياً في الأصل، قال الله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام:156]، وعندما قال بعض العلماء: إن المجوس أهل كتاب، رُدَّ عليهم بهذه الآية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ} [الأنعام:156] فدَلَّ على أن (أهل الكتاب) يختص حكمهم باليهود والنصارى، واختُلف في الصابئة، فقيل: إنه كان لهم كتاب، وهو الزبور.
وقيل: إن شريعة يحيى كانت لهم، ويختلف العلماء فيهم، وهم على طوائف سنبينها.
أما بالنسبة لليهود والنصارى، فهم أهل كتاب بالإجماع، ويدخل فيهم من تبعهم، (فالسامرة) يتبعون اليهود ويأخذون حكمهم، وهم يعبدون الكواكب، وللعلماء فيهم بعض التفصيل، وإن كان الصحيح أنهم يتبعون اليهود، وهو قضاء بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤكده أنهم يسبتون ويعظمون السبت كما تعظمه اليهود.
كذلك أيضاً النصارى بجميع طوائفهم ومللهم، كما يوجد في زماننا: (الكاثوليك)، و (البروتستانت)، و (الأرثوذكس)، فهؤلاء كلهم يعتبرون في حكم أهل الكتاب، ويسري عليهم ما يسري على أهل الكتاب، كما نص على ذلك العلماء رحمهم الله؛ لأنهم في الأصل لهم كتابهم، سواءً كان: (إنجيل يوحنا)، أو (إنجيل برنابا)، أو (إنجيل لوقا)، أو غيرها من الأناجيل الأخرى، فكلها تعتبر من حيث الأصل على دين سماوي، ولذلك لم يفرق الصحابة رضوان الله عليهم بين طوائفهم، وإنما عاملوهم معاملة أهل الكتاب على الأصل العام الذي ذكرناه.
(139/12)
________________________________________
حكم عقد الذمة للصابئة
وأما بالنسبة للصابئة فقد اختلف فيهم، والصابئة ينقسمون إلى طوائف: فطائفة منهم توجد بحران، في أقصى بلاد الشام، من جهة جزيرة العرب، وهؤلاء اختلف فيهم، فبعض العلماء يقول: إنهم أهل دين سماوي حرفوا دينهم وغيروه، كاليهود والنصارى، ورُفِع كتابهم، وهذا القول هو رواية عن الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وفيه أثر عن علي رضي الله عنه وأرضاه؛ ولكنه لم يصح.
وقال بعض العلماء: إنهم تابعون لليهود والنصارى، وقد روي عن ابن عباس القول: بأنهم يتبعون النصارى، وهذا القول اختاره الإمام أحمد في رواية عنه، ومنهم من قال: إنهم يعتبرون في حكم اليهود؛ لأنهم يسبتون، فقد كانت بعض طوائفهم تعظم السبت كما يعظمه اليهود، فأعطوا حكم اليهود.
والصحيح أن الصابئة ينقسمون إلى قسمين: فقسم منهم يتبعون اليهود والنصارى -خاصة الذين هم في جهة حران- وعليه يُحمل أثر ابن عباس رضي الله عنهما.
وأما القسم الذي يعبد الكواكب، ويعتقد في الكواكب منهم، فهذا على قسمين: قسمٌ منهم يعبد الكواكب في أزمة مخصوصة معتقداً أن المؤثر هو الله، فهذا قيل: إن استقباله للكوكب واعتقاده فيه لا يوجب كونه آخذاً حكم الوثنية؛ لأن لهم أصلاً من الدين السماوي، فقال طائفة من العلماء: إنهم يأخذون حكم أهل الكتاب من هذا الوجه؛ ولكن الصحيح أن عبدة الكواكب منهم كلهم يعتبرون في حكم الوثنيين، ولا يجوز عقد الذمة معهم.
وهذا القسم الذي يعبد الكواكب يوجد في أطراف العراق، وهذا القسم هو الذي توعده المأمون، وكان قد نذر على نفسه إذا لم يدخلوا الإسلام أن يرجع فيقتلهم، وذلك حينما ذهب إلى الغزو، ولكنه مات قبل أن يدركهم، وهذا القسم هو الذي يعنيه طائفة من العلماء بأنهم يأخذون حكم الوثنيين.
أما بالنسبة لبقية الطوائف فهناك الكفار الذين هم مشركون وعلى الوثنية كمن يعبد الأشجار والأحجار والنيران، وهناك من لا دين له، وهم الملحدون، الذين ليس لهم دين ولا يعبدون إلهاً، وإنما يعتقدون أن الحياة نشأت من الطبيعة ووجدت صدفة، وأن الكون هذا أوجد نفسه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وهكذا بالنسبة للمرتدين الذي ارتدوا عن الإسلام، فهؤلاء كلهم لا يجوز عقد الذمة معهم.
(139/13)
________________________________________
الدليل على عقد الذمة لأهل الكتاب والمجوس فقط
أما الدليل على تخصيص الحكم بما ذكره المصنف من أهل الكتاب والمجوس؛ فلأن الله سبحانه وتعالى قال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، فخصص حكم الجزية بنص الكتاب بأهل الكتاب، ثم إننا وجدنا في السنة أن: عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما احتك بالمجوس ونزلوا على حكم الإسلام، قال: (ما أدري ما أصنع بهم).
فاحتار رضي الله عنه في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهم: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، فـ عمر رضي الله عنه على فقهه وعلمه بالكتاب، فهم من آية القرآن تخصيص الحكم بأهل الكتاب، ولذلك لما جاء المجوس توقف فيهم واحتار فقال: (ما أدري ماذا أصنع بهم)، وكان معه الصحابة، فلم يُحْتَجَّ له بنص، وإنما قيل له: إن هؤلاء مستثنون من الأصل العام في الكفار، فدل على أن الجزية لا تؤخذ إلا من خصوص أهل الكتاب، ثم إننا إذا نظرنا إلى حكمة التشريع، فإن الله شرع الجهاد لكي يبقى التوحيد، فقال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة:193] قال جمع من السلف: {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة:193] أي: لا يكون شرك، وأكد ذلك بقوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة:193] أي: تكون العبودية خالصة لله عز وجل، فدل على أن أصل الجهاد إنما المراد به أن يبقى دين التوحيد، فلما اصطدمت الأديان والنحل والملل في الجهاد فُرِّق بينها، فما كان أصله ديناً سماوياً، فإن أهله عندهم قابلية لقبول الدين السماوي الآخر، والتنازل عن دينهم، عندما يجدون دين الإسلام لا يجرح عيسى بن مريم، ولا يجرح كذلك موسى بن عمران، وأن المسلمين يؤمنون بعيسى بن مريم، وموسى بن عمران عليهما السلام، فهم أدعى أن يقبلوا هذا الدين؛ لكن إذا جئت إلى المشرك الوثني الذي لا يدين بدين، أو الملحد الذي لا يدين بدين، فإنه لا يقبل الإسلام، وليس عنده أصلٌ أو قاسم مشترك بينه وبين المسلمين، فكان من الحكمة أن يفرق بين هذا وهذا، وأن يعطى كل ذي حقٍ حقه، فكأننا لو قبلنا من المشرك الوثني ذلك فقد أقررناه على شركه ووثنيته؛ لكننا إذا أقررنا أهل الكتاب فإننا نقر بأصل دينهم، وهو الدين السماوي، ففُرِّق بينهم لهذه الحكمة، ولذلك لو قيل بأخذ الجزية من الوثنيين فإن هذا يعين على بقاء الوثنية، ومقصود الإسلام أن لا تبقى الوثنية.
لكن يبقى الإشكال في أهل الكتاب وقد صار منهم مشركون؟ قيل في هذا: إن الحكم على قسمين في الكفار: حكم الدنيا.
وحكم الآخرة.
فحكم الدنيا بالنسبة للوثنيين: أنهم يُقْتَلون أو يُسْلِمون، {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح:16]، وهذا هو الذي دلت عليه آيات الجهاد.
وأما من عداهم ممن له دين سماوي، فإنه يكون حكمه في الآخرة، وأما في الدنيا فيبقى على دينه في الإسلام؛ لأن دينه له أصل سماوي، وهو أحرى إذا عاشر المسلمين أن يرى سماحة الإسلام فيقبل بدينهم، كما شهدت التجربة بذلك في عصور المسلمين، حينما عاهدوا أهل الذمة.
فالذي يظهر: تخصيص الحكم في أهل الكتاب والمجوس؛ لأن النص خصَّهم فقال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم)، قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: هذا في الجزية خاصة، أي: سنوا بهم سنة أهل الكتاب في الجزية فقط، ولذلك منع من أكل ذبائحهم، ونكاح نسائهم، ولم يبح مخالطتهم للوثنية التي فيهم، فدل على أن مقصود الإسلام أن يُفَرَّق بين الوثنية وما له أصل سماوي.
إذاً: الذي يترجح -والعلم عند الله- أنه لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، فإن الله سبحانه وتعالى ليس بعد نصه شيء حينما قال عز وجل: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [التوبة:29] بعد تعميمه لقتال المشركين، وأما حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه وأرضاه، حينما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يخير أثناء الجهاد، فهذا -كما لا يخفى عند الجميع- يعتبر من المطلق المحمول على المقيد، فإن آية القرآن وردت في قضية الجزية بعينها، واشترطت أن يكونوا أهل كتاب، وأما بالنسبة لحديث بريدة، فإنه مطلق، ولذلك يقيد إطلاقه بالكتاب، وكم من أحاديث مطلقة قيدها الكتاب! وكم من أحاديث عامة خصصها الكتاب! وحمل المطلق على المقيد مذهب معتبر في الأصول، ولذلك مما نرى من مقاصد الإسلام العامة أنه لا يقر المشرك على شركه، ولا يقر الوثني على وثنيته، فيُنْصَر ويُعان على ذلك، بل إنه حينما كُتِب كتاب عمر في الشروط العمرية بينه وبين أهل الكتاب، مُنعوا من ضرب الناقوس، ومن إظهار شعائر دينهم، كل ذلك حتى يكون أبلغ في قبولهم للإسلام، فكيف بالوثني الذي ليس له أصل من دين سماوي، فإنه بعيد منه أن يقبل بدين الإسلام أو يرضاه.
[ولا يعقدها إلا إمام أو نائبه] هذه هي الجزئية الثانية: مَن له حق عقد الذمة؟ للعلماء قولان في هذه المسألة: فجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه.
وهناك قول عند الحنفية: أنه يجوز أن تعقد الذمة بالأفراد، فلو أن مسلماً تعاقد مع ذميين، وأمَّنهم بأمانهم العام، فإنه يمضي عقده.
والصحيح مذهب الجمهور أنه لا يعقدها إلا ولي الأمر أو من يقوم مقامه.
(139/14)
________________________________________
شروط وجوب الجزية
قال رحمه الله: [ولا جزية على صبي، ولا امرأة، ولا عبد، ولا فقير يعجز عنها].
قوله: (ولا جزية على صبي) بعد أن عرفنا من الذي تعقد له الذمة، ومن الذي يلي عقدها يَرِد السؤال الثالث: من الذي تجب عليه الجزية؟ إذا نزل المسلمون بالكفار من أهل الكتاب، وعقدوا بينهم عقد الصلح وعقد الذمة، فإنهم يكتبون أسماءهم ويعد بذلك سجل، حتى تؤخذ الجزية منهم، بنص الكتاب: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة:29] ويحتاج هذا إلى كتابة أسمائهم، وهذا له تراتيب إدارية معروفة في كتب التراتيب الإدارية، وكذلك أيضاً في كتب الاحتساب، وذكرها العلماء -رحمهم الله- في المطولات في الفقه، كالإمام ابن قدامة في المغني، فتسجل أسماؤهم، وحليتهم، وما يتميزون به، وأنسابهم، حتى تضبط بالكيفية، وحرفهم، وأعمالهم، حتى يُعْرَف من الذي تُضْرَب عليه الجزية ومن الذي لا تُضْرَب عليه الجزية، فحينئذٍ نقسمهم إلى قسمين: قسم منهم: توضع عليه الجزية.
وقسم منهم: توضع عنه الجزية.
فقسم يطالَب بها، وقسم لا يطالَب.
فأما الذين يطالبون بالجزية فتشترط فيهم شروط: الشرط الأول: البلوغ.
الشرط الثاني: العقل.
الشرط الثالث: الذكورة.
الشرط الرابع: الحرية.
الشرط الخامس: القدرة المالية.
الشرط السادس: ألا يكون من الرهبان، على خلاف فيه، وإن كان الصحيح أنه تجب الجزية حتى على الرهبان، وسنبين هذا.
هذا بالنسبة لمجمل الشروط التي ذكرها العلماء في إيجاب الجزية على الذمي.
الشرط الأول: البلوغ: فلا تضرب الجزية على الصغار والصبيان، ويدل على هذا حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه، حينما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الجزية من نصارى نجران: (أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً) فقوله: (من كل حالم) الحالم: اسم فاعل من المحتلِم، وهو الذي بلغ الحلم، ومفهوم الصفة، أنه إذا لم يكن بالغاً -وهو الصبي- فلا تجب عليه الجزية، وهذا بإجماع العلماء، أن الصبيان لا تضرب عليهم الجزية، وقد كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه، كتاب الذمة لأهل الحيرة، فأسقط الجزية عن الصبيان، وكتب إلى أبي بكر رضي الله عنه بذلك، فأقره على هذا، وهذا يدل على سماحة الإسلام.
كذلك مما يدل على أن الصبيان لا تؤخذ منهم الجزية: أن الله تعالى قال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة:29] والصبي لا يقاتِل، والجزية إنما جعلت عوضاً عن قتالهم، فدل على أنه ليس من جنس من تجب عليه الجزية.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً: فالمجنون لا تجب عليه الجزية، وهذا بإجماع أهل العلم رحمهم الله، أن مجانين أهل الكتاب لا تجب عليهم الجزية، وهم غير مكلفين، فلا يكلفون بها.
الشرط الثالث: الذكورة: فلا تجب على النساء، فالنساء لا تفرض عليهن الجزية، وهذا بإجماع أهل العلم رحمهم الله، فإن المرأة لا تقاتل، والجزية عوض عن القتال، وهذا ما كتبه خالد رضي الله عنه في كتابه، وفي الشروط العمرية أيضاً: (أن النساء لا تؤخذ منهن الجزية)، فالمرأة لا تكتسب غالباً، وهذا يدل على سماحة الإسلام ورفقه بالمرأة، فإنه أسقط الجزية عن نساء أهل الذمة.
الشرط الرابع: القدرة المالية: بمعنى أن يكون قادراً على أداء الجزية، وهذا من ناحية المادة والمال، والأصل أن أهل الذمة تجب عليهم الجزية، ثم يصنفون: هناك الغني، وهناك الوسط، وهناك ضَعَفَة الحال، وينقسمون إلى قسمين: الضعيف الذي لا يجد شيئاً، كالمسكين والفقير.
والضعيف الذي يجد قوام عيشه، وشيئاً زائداً على فضل قوته.
فهذه ثلاث طبقات، فتفرض الجزية على الطبقة العليا بما يتناسب مع حالها، ويرجع هذا إلى اجتهاد الإمام وتقديره، وكان عمر رضي الله عنه له في ذلك ضوابط، فكان يفرض (48) ديناراً على الغني، و (24) ديناراً على المتوسط، و (12) ديناراً على الضعيف أي: على من كان دون المتوسط في معيشته.
وهذه الثلاث المراتب قد فصلها العلماء في كتب الأموال، ككتاب الأموال لـ ابن زنجويه، وكتاب الأموال لـ أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله، وكذلك ذكرها الإمام ابن قدامة في المغني.
فهذه الثلاث المراتب للقادر.
ويبقى غير القادر.
وغير القادر ينقسم إلى أقسام، منها: من لا يقدر لكبر السن، والخور، كالشيخ الكبير الفاني، الذي لا يستطيع أن يعمل، وليس عنده مال، وقد يكون شيخاً كبيراً وعنده أموال وتجارات، فإذا كان كذلك فرضت عليه، كأغنيائهم، أما بالنسبة للشيخ الهرم، الذي لا مال عنده ولا تجارة، فإنه تسقط عنه الجزية، وقد فعل ذلك خالد بن الوليد وكتبه في كتاب الصلح لأهل الحيرة: أنه ما من كبير سن يفتقر، ويتصدق عليه أهلُه -أي: وصل إلى حد الحاجة والعوز حتى تُصُدِّق عليه- إلا أدخله في عيال بيت مال المسلمين -أي: يدخله حتى مع ضَعَفَة المسلمين- وينفق عليه من بيت مال المسلمين.
وهذا من سماحة الإسلام أيضاً، وهو يدل على سمو منهج الشريعة الإسلامية، وكيف أنها عاملتهم بنوع من المرونة، فالرفق في موضعه والشدة في موضعها؛ لأنه لا يصلح للكافر أن يرفق به مطلقاً، ولا يصح أن يشد عليه مطلقاً، وإنما الأمور تكون بالوسط الذي جاء به شرع الله، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة:143] أي: عدولاً، والعدل هو المستقيم، الذي بين الإفراط والتفريط.
فتُسْقَط الجزية عن الشيخ الهرم الذي لا مال له ولا تجارة.
ويبقى النظر في الفقير: فلو كان هناك فقير؛ ولكنه يستطيع أن يعمل وأن يتكسب، لكنه جلس في بيته وافتقر، فهل تسقط عنه الجزية؟ الفقير ينقسم إلى قسمين: الأول: من كان منهم يستطيع العمل لكنه قعد وتقاعس، فهذا يُلزم بدفع الجزية، ويعتبر تقصيره لنفسه؛ لأنه هو الذي قصر، ويُلزَم بعاقبة تقصيره.
الثاني: من كان منهم فقيراً، لا يجد الكسب فللعلماء فيه وجهان: جمهور أهل العلم على أن الجزية تسقط عنه مطلقاً، أداءً وقضاءً، بمعنى: أن هذا الفقير لا نطالبه بالجزية حال فقره، ولا نطالبه بالقضاء بعد يسره وغناه.
وذهب بعض الفقهاء -كما هو عند الشافعية رحمهم الله- إلى أن هذا النوع من الفقراء نتركه، ولا نطالبه في الحال، فإن اغتنى بعد ذلك طالبناه بقضاء السنين التي مضت.
والصحيح مذهب من ذكرنا، وهم الجمهور: أنه إذا سقطت عنه في الأداء سقطت عنه في القضاء، ولا يطالب بقضائها، وأن العبرة بحال أدائه.
هذا بالنسبة للشروط العامة.
(139/15)
________________________________________
حكم أخذ الجزية من الرهبان
وأما الرهبان ففيهم قولان مشهوران للعلماء، فمن أهل العلم من قال: لا تؤخذ من الرهبان والقساوسة، ونحوهم، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه حينما بعث يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه لفتح الشام، قال له: (وستجد أقواماً قد حبسوا أنفسهم في صوامعهم، فدَعْهم وشأنهم، حتى يميتهم الله على ضلالتهم) أي: لا تتعرض لهم بشيء، فأخذ منه بعض العلماء سنةً عن أبي بكر رضي الله عنه أن هؤلاء لا يُتَعرض لهم بشيء، والواقع أن الرهبان ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: يقاتل، ويشارك في مواجهة المسلمين برأي أو مكيدة، أو يكون قائداً لهم، أو يحرضهم على جهاد المسلمين وقتالهم، فهذا يُقتل، وكذلك أيضاً تُضْرب عليه الجزية.
والقسم الثاني: الذين انحصروا في صوامعهم، وأماكن عبادتهم، فللعلماء فيهم وجهان -كما ذكرنا- فمنهم من يقول بضرب الجزية عليهم، وهذا هو الصحيح؛ لعموم الأدلة؛ ولأن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، -وهو وإن لم يكن من الصحابة، لكنه خليفة راشد- ضرب الجزية على الرهبان، وعمل بعموم الآيات، وهذا هو الصحيح.
(ولا عبد) العبد لا تجب عليه الجزية؛ لأنه لا يملك المال، والله تعالى يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] ومن أهل العلم من قال: تجب الجزية على سيده إن كان كافراً، كما في حديث ضعيف رواه البيهقي في سننه، والصحيح أن العبد لا تؤخذ منه الجزية لما ذكرناه.
(139/16)
________________________________________
زوال موانع الجزية بعد انقضاء وقتها
قال رحمه الله: [ومن صار أهلاً لها، أخذت منه في آخر الحول] (ومن صار أهلاً لها) تقدم من الذي تُضْرب عليه الجزية، ويبقى

السؤال
لو أن هؤلاء الصبيان والمجانين والفقراء زال عنهم الوصف أثناء الحول، وكما تقدم: الجزية تؤخذ كل سنة، ومن أهل العلم من يرى تقسيطها، والأقوى أنها تؤخذ كل سنة، وللعلماء وجهان في وقت أخذها: بعضهم يقول: تؤخذ معجَّلة، أي: يبرم معهم العقد، ثم تؤخذ قبل استتمام السنة، وهذا أقوى، ويدل عليه كتاب أبي عبيدة رضي الله عنه وأرضاه، حينما صالح في بداية الفتوحات في الشام.
ومن أهل العلم من يقول: تؤخذ في آخر السنة.
والأقوى هو القول الأول، لكن لو أننا أخذناها في بداية السنة، ثم بلغ الصبي واغتنى الفقير أثناء السنة، أو أفاق المجنون أثناء السنة، فما الحكم؟ قال بعض العلماء: زوال الموانع فيه تفصيل: فمثلاً: المجنون إذا كان يجن تارة ويفيق تارة: فمنهم من يقول: العبرة بأكثر الحول، فإن أفاق أكثر الحول أخذنا منه الجزية كلها، وإن كان يجن أكثر الحول، لا تؤخذ منه الجزية.
ومنهم من يقول: تقسط على حسب إفاقته.
وهذا هو الأقوى والصحيح، أنه ينظر إلى مدة إفاقته، وتقسط، وكذلك بالنسبة للصبي، فإذا بلغ -مثلاً- في الشهرين الأخيرين من السنة، فإنه يدفع قدر الشهرين، وإذا بلغ في منتصف السنة، أخذ منه نصف الجزية، وقِسْ على هذا.
إذاً: مسألة زوال الموانع يفصل فيها على حسب المدة التي يدركها بالأهلية، فالمدة التي يدركها بالأهلية يجب أخذ الجزية بحسابها وقدرها.
قال رحمه الله: [ومتى بذلوا الواجب عليهم لزم قبوله وحرم قتالهم] الجزية تتعلق بالآثار المترتبة على عقد الذمة، فمتى أعطوا الجزية لزم قبولها، أي: يجب على الإمام أن يقبل الجزية، وهناك قول شاذ يقول: إن للإمام أن يمتنع من أخذ الجزية، والصحيح الأول لحديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن أعطوها فاقبلها منهم)، فأمره بقبول الجزية، فدل على وجوب قبولها حقناً لدماء من يُحقن دمه من أهل الكتاب.
فإذا أعطوها ما الذي يترتب عليه؟ قال رحمه الله: (ومتى بذلوا الواجب عليهم لَزِم قبولُه وحَرُم قتالُهم) (لَزِم قبولُه) هذا للوجوب.
(وحَرُم قتالُهم) حَرُم أن يقاتلوهم، وهذا في بداية الأمر.
تبقى الآثار المترتبة بعد ذلك، وهذه لها تفصيلات سيذكرها المصنف -رحمه الله- فيما بعد.
فتقرر أن الجزية يلزم الإمام قبولها إذا عُرِضت عليه من أهل الذمة، ولا يجوز أن يقاتلهم وقد أدوا الجزية؛ لثبوت النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
(139/17)
________________________________________
امتهان أهل الذمة عند أخذ الجزية ومقاصده الشرعية
قال رحمه الله: [ويُمْتَهنون عند أخذها، ويُطال وقوفُهم، وتُجَرُّ أيديهم] (ويُمْتَهنون عند أخذها) المهانة ضد الكرامة، والله تعالى أهان أهل الكفر، فقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج:18]، وهذا نصٌّ في كتاب الله عز وجل، خبرٌ بمعنى الإنشاء، أي: من أهانه الله فلا تكرموه، ولذلك حرم إكرام الكفار وتبجيلهم وتعظيمهم، على الأصول المقررة في التعامل مع الكفار؛ لأن الله أهانهم بالكفر، وهذه الإهانة موضوعة موضعها، فلا كرامة للإنسان إلا بالإسلام.
فقوله: (يُمْتَهنون عند أخذها) لأن الله سبحانه وتعالى قال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، وينبغي أن يُعلم أن الإسلام دين الله عز وجل الذي ينبغي أن تُعْلَى كلمتُه، ويُرْفَع منارُه، ويُعَزَّ شأنُه، ولا يجوز أن يُقْرَن به غيرُه، كائناً ما كان ذلك الدين، بل كل ما عداه دونه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه).
فمن مقاصد الإسلام أنه إذا قُبِلت الجزية من أهل الكتاب، فينبغي أن يشعروا في بلاد المسلمين بالذلة والحقارة، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا ينبغي أن يسوَّوا بالمسلمين ولا أن يفضَّلوا عليهم، وهذا بإجماع أهل العلم رحمهم الله.
فقوله عز وجل: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] هذا نص، وهذا النص ورد في كتاب الله مطلقاً كما يقول الفقهاء والعلماء، وينبغي على طالب العلم أن يتأمل ذلك، فإن الله عز وجل قال: {عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] فجملة: (وَهُمْ صَاغِرُونَ) حالية أي: والحال أنهم في صغار، فنصَّ كتابُ الله على أن إعطاءهم يكون بهيئة تدل على ذلهم وصغارهم، فإذا كان صغارهم بإطالة الوقوف، فهو من شرع الله؛ لأن هذا منصوص عليه على وجه العموم، وترك الله الخيار لولي الأمر أن يمتهنهم بالصيغة التي يراها؛ لكن بطريقة لا تفضي إلى استباحة دمائهم ولا أعراضهم، فإذا أوقفناهم عند إعطاء الجزية، أو جاء يعطي الجزية فتشاغلت عنه، فهذا له مقاصد، ذكرها العلماء رحمهم الله وأشاروا إليها، وهو أنه إذا جاء يدفع المال لك، فإنك تشعره أنه لا يشتريك بهذا المال، وأنك لا تريد هذا المال منه، وأنه أعز من المال الذي يبذله، فلما جاء نص القرآن: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] دل على أنه ينبغي أن تكون الحالة والهيئة، دالة أن هذا ليس لطمع أو رغبة في ماله، حتى يعطي المال كما يعطيه المستأجر لمن يؤجر له؛ لأنه لو لم يكن بذلةٍ وصغار لصار كأنه يشتري المسلم، وكأنه يتعاقد مع المسلم على إجارة، أي: أنك تحميني وتصونني بهذا المال، لكن الله قال: {عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، أي: الحال أنهم في صغار وذلة، ثم ترك الله الصغار بالخيار، ولذلك يقول العلماء: إن هذا من المطلق المقصود، أي: أنه ترك إلى اجتهاد الحاكم، فعندما نجد الفقهاء -رحمهم الله- ينصون في كتبهم على ألوان من الصغار لهم، فإن هذا كله راجع إلى الاجتهاد والتقدير، وليس لأحد أن يتعقَّد في ذلك، كما يفعل بعض الكتاب المعاصرين فيقولون: إن هذا من الاجتهادات القديمة أو كذا، فهذا لا ينبغي؛ لأن هذا له أصل في كتاب الله عز وجل، وله مقصد شرعي، وكان العلماء في القديم يقصدون من هذا تحقيق النص المطلق في قوله سبحانه وتعالى: {عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29].
فقال رحمه الله: (يُمْتَهنون عند أخذها) أي: لا تؤخذ منهم بكرامة.
يقول بعض أهل العلم: ومن الامتهان عند أخذها: أنه إذا جاء يدفعها إلى المسلم فلا ترتفع يده، أي: لا يعطيها بيدٍ عالية؛ لأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وإنما يعطيها بطريقة لا تُشْعِر بالكرامة، ومن هنا نص المصنف على كلمة: (وتُجَرُّ أيديهم) فما معنى (تُجَرُّ أيديهم)؟ فَهِم البعض أن معنى تُجَرَّ أيديهم أي: حتى تُخْلَع.
ولا يقول أحد من أهل العلم أنها تُخْلَع أبداً.
وإنما (تُجَرُّ أيديهم) لها معنى ومغزى دقيق، وهو أنك إذا جاء الكافر ليعطي الجزية بيده، فأخذت يده أثناء الإعطاء أشعرته بأنه ملك لك، وأن هذا الذي في يده مستحق تحت القهر والذلة، وهذا نوع من الإشعار بأنه لا منة له على المسلمين، وليس المراد بـ (تُجَرُّ أيديهم) أنهم يجرون كما تُجَر الدواب، لا.
بل تُجَرُّ أيديهم -كما ذكر العلماء- لمعنى مقصود، وهو أنه قد يأتي يستفضل على المسلمين بإعطاء المال، فإذا جاء يرفع يده أرخيت يدُه، ثم إذا جاء يعطيها تمسك يده، كأنك تقول له: مالُك وما في يدك ملك لي، ثم لا يأخذها مباشرة، وإنما يمسكها بما يشعر بالذلة والصغار حين تؤخذ.
إذاً: معنى: (تُجَرُّ أيديهم)، أي: أنهم يُشْعَرون بأنهم بهذا لا فضل لهم على الإسلام والمسلمين، وإنما المنة والفضل لله ولرسوله وللمؤمنين.
والله تعالى أعلم.
(139/18)
________________________________________
الأسئلة
(139/19)
________________________________________
أحكام أهل البلاد المفتوحة عنوة

السؤال
إذا فتح المسلمون بلداً بها أهل كتاب ومشركون، فكيف يكون العمل؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالديار لها حكمان: الحكم الأول: ما يسمى بالفتح عنوة.
الحكم الثاني: ما يكون صلحاً.
فأما ما فتح عنوة -كما ورد في السؤال- فإنه يجوز أن يصالِح الإمام أو نائبه من في هذه الديار على دفع الجزية، وهذا يكون أشمل بالمؤقت، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، فقد فتحها عنوة، ثم صالح أهلها على أن يساقوا الزرع ويكون لهم شطر ما يخرج منها، أما بالنسبة للوثنيين في هذه الحالة، فيخيرون بين أمرين: إما أن يسلموا.
وإما أن تضرب رقابهم.
وللإمام أن يضرب عليهم الرق على حسب ما يرى المصلحة فيه؛ لأنهم يكونون في حكم الأسرى، فيجتهد، فإن رأى مصلحة المسلمين في الفداء فادى، وإن رأى مصلحة المسلمين في استرقاقهم استرقهم، وإن شاء ضرب رقابهم فعل، حتى يخوف أعداء الإسلام {فَإِمَّا مَنَّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد:4] إذاً: يخير الإمام وينظر فيهم إذا كان الفتح عنوة، ويكون هذا راجعاً إلى اجتهاد الإمام بما يرى فيه مصلحة المسلمين.
والله تعالى أعلم.
(139/20)
________________________________________
أقسام الشهداء وأحكامهم

السؤال
ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الغريق شهيد، وأن المطعون والمبطون شهيد) ولكن هل يأخذ حكم الشهيد في تغسيله وتكفينه؟ أم ما المقصود بالحديث؟

الجواب
الشهادة تنقسم إلى قسمين: الشهادة الخاصة بشهيد المعركة.
والشهادة بالمعنى العام الذي وردت به النصوص، كالمبطون، والغرقى، والهدمى، والنفساء، وصاحب الطاعون، وصاحب ذات الجنب، ونحوهم ممن ورد الخبر فيهم.
وشهيد المعركة ينقسم أيضاً إلى قسمين والأفضل منهما شهيد البحر فهو أفضل من شهيد البر، في قول طائفة من العلماء لحديث أم حرام بنت ملحان في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عندها وفيه: قالت: فاستيقظ وهو يتبسم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! ما بك؟ فقال: أناس من أمتي ملوك على الأسرَّة أو كالملوك على الأسرة، يغزون ثبج هذا البحر، فقلت: يا رسول الله! ما أضحكك؟ فذكر لها ذلك، فقالت: يا رسول الله! ادعُ الله أن أكون منهم، فقال: أنت منهم) ثم إنها ركبت البحر رضي الله عنها وأرضاها في خلافة عثمان، ولما نزلت إلى شاطئ البحر، وَقَصَتْها دابتُها، فصدقت فيها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم.
أما بالنسبة للشهادة بالمعنى العام: الغرقى، والهدمى، والحرقى، والمبطون، والنفساء، فهؤلاء لهم منزلة الشهيد، والشهداء لهم منازل، وأعلى منزلة للشهيد: الفردوس، وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه يكشف الثوب عن وجه أبيه ويبكي، وذلك يوم أحد، حين استشهد عبد الله بن حرام رضي الله عنه وأرضاه، فقال: (يا رسول الله! أخبرني عن أبي، إن كان في الجنة صبرت، وإن كان في غيرها كان لي شأن، فقال صلى الله عليه وسلم: يا جابر إنها جنان، وإن أباك قد أصاب الفردوس الأعلى منها)، وهذا يدل على أن من الشهادة ما يصيب الإنسان بها الفردوس الأعلى من الجنة.
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبلغنا إياه بفضله وكرمه، وهو أرحم الراحمين.
فهذا أعلى مراتب الشهادة، إذا كان شهيد المعركة.
أما بالنسبة للشهداء: المبطون، والغرقى، والحرقى، فهؤلاء لا يعاملون معاملة الشهيد من حيث التغسيل والتكفين؛ إلا الحرقى، فالمحروق لا يغسَّل؛ لأن التغسيل يضرُّه ويؤثر على لحمه وما تبقى من حرقه، ولذلك يُجمع بحالته، ويرى بعض العلماء أنه يُيَمَّم، ويأخذ حكم من عجز عن استعمال الماء، حيث إنه لما كان الواجب تغسيله وعُجِز عن تغسيله فإنه يُيَمَّم، ومثله مَن به مرض مُعْدٍ كالجدري ونحوه، فإنه إذا جاء يغسله الغير تضرر، فحينئذ هؤلاء لا يغسلون إذا قال أهل الخبرة: إن تغسيلهم فيه ضرر، أو أن مَن به جدري، إذا جاء يغسل فإنه ينتفخ، أو مَن به حساسية شديدة بحيث لو غُسِّل ينتفخ جلده، فهؤلاء كلهم لا يغسَّلون.
فالشاهد أن الحرقى لا يغسلون لعلةٍ أخرى، وليست لعلة الشهادة.
وأما بالنسبة للهدمى والغرقى وغيرهم ممن ذكرنا، فهؤلاء حكمهم حكم الشهداء من حيث الفضل؛ لكن من حيث الأحكام الشرعية من عدم تغسيلهم وتلفيفهم في ثيابهم فهذا يختص بشهيد المعركة، حتى لو أن إنساناً دخل في معركة وقاتل وجرح، ثم خرج من المعركة، ثم مات بعد ذلك، فإنه يغسَّل ويكفَّن، ولذلك اختص الحكم بمن قتل على أرض المعركة، وأما من لم يقتل على أرض المعركة، فإنه يفعل به كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بـ سعد رضي الله عنه وأرضاه، حينما رمي في أكحله فانفجر عرقه ومات رضي الله عنه، وهذا يدل على أن أحكام الشهيد تختص بشهيد المعركة.
والله تعالى أعلم.
(139/21)
________________________________________
فضل العين التي تغض عن محارم الله

السؤال
في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل العيون باكية يوم القيامة، واستثنى منها عيناً غضت عن محارم الله) فمن قارف ذنباً ثم تاب إلى الله فهل يحصل له هذا الفضل؟ وهلا تفضلتم بوصية حول هذا الأمر؟

الجواب
هذا الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل العيون باكية -أو دامعة- يوم القيامة، إلا ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله)، والعين إذا غضت عن محارم الله، فإنما غضت بتوفيق الله عز وجل، وبقوة الإيمان في القلب، فلا يغض عما حرم الله عز وجل إلا المؤمن، وغَضُّ البصر عن محارم الله كمال في الإيمان ودليل على خشية الله سبحانه وتعالى، خاصةً إذا كان الإنسان لا يراه أحد، ويستطيع أن يرى إلى الحرام، ويستمتع به، فيخاف الله عز وجل، ويغض، فإن الله سبحانه وتعالى يُنِيْلُه هذا الفضل.
واختلف العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (كل العيون باكية أو دامعة) قيل: المراد بذلك أن هذه العين لا يمكن أن يصيبها سوءٌ حتى تدخل الجنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل العيون باكية أو دامعة يوم القيامة، إلا ثلاثة أعين) فمعناه: أنها لا تحزن، وإذا كانت لا تحزن فمعنى ذلك: أنها لا يصيبها سبب الحزن وسبب البكاء، وهو العذاب، فدل هذا على أنها تُؤمَّن إلى دخول الجنة، وهذا فضل عظيم، وكأنه يشير بهذا إلى قوة الإيمان في القلب، فإن الإنسان إذا وصل إلى هذه الدرجة، أي: غَض البصر عن محارم الله، بحيث لا تقع عينه عليها، فإن هذا لا يكون إلا بقوةٍ إيمانه، والغالب أن من بلغ هذه الدرجة أنه يكون من السعداء الذين يدخلون الجنة.
وقال بعض العلماء: (كل العيون باكية) إن عرصات يوم القيامة مختلفة، فهناك عرصات تأتي فيها أنواع من العذاب والبلايا، كما في طول الموقف، وانتظار الحساب، وكثرة العرق، وذهابه في الأرض سبعين ذراعاً من طول موقف الناس يوم القيامة في عرصاتها، ومن هذه المواقف موقف البكاء، وهذا الموقف يحفظ الله عز وجل صاحب هذه العين من البكاء فيه، فلا تحزن عينه ولا تبكي في هذه العرصة من عرصات يوم القيامة، وفي هذا الحديث دليل على فضل الطاعة بالعين.
فإن الإنسان كما يطيع الله عز وجل بيده: - فينفق بها في سبيل الله.
- ويضرب بها في الجهاد في سبيل الله.
- ويكتب بها في طاعة الله.
ويطيع الله عز وجل بقدمه: - بخروجه إلى المساجد.
- وصلة الأرحام.
- وعيادة المريض.
- وتشييع الجنائز.
ويتعبد الله عز وجل بقلبه: - بوجود الإيمان.
- ومحبة الله.
- وخشيته.
- والخوف منه.
- واعتقاد ما يجب اعتقاده.
- والإيمان به.
كذلك يتقرب إلى الله بعينه.
فالعين لها طاعة، ومن طاعتها: - أنها تبكي من خشية الله.
- وأنها تغض عن محارم الله.
- وأنها تسهر في طاعة الله عز وجل، وفي سبيله.
فدل هذا الحديث على طاعة العين، وأنها: - تكون بالبكاء.
- وتكون كذلك بالسهر على طاعة الله.
- وقيل: على الجهاد في سبيل الله، كسهر عين المرابط وهو يحرس الثغر.
ومن أهل العلم من يرى في قوله عليه الصلاة والسلام: (وعين سهرت في سبيل الله) أنها شاملة لكل عين، فمن سهر وهو يتلو كتاب الله، أو سهر على طلب العلم وكتابته والجد والاجتهاد فيه، فإنه ينال هذا الفضل.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يلهمنا طاعته، وأن يوفقنا لمرضاته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
(139/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب عقد الذمة وأحكامها [2]
من الحكم والأسرار في عقد الذمة: أن يتأثر أهل الكتاب بالمسلمين، فيكون هذا سبباً في إسلامهم، وتحقيقاً لهذه الغاية فلا ينبغي أن يشعروا أنهم فوق المسلمين؛ بل ينبغي أن يشعروا أنهم أدنى منهم وأقل شأناً، سواء في لباسهم، أو مراكبهم، أو مساكنهم، حتى في عباداتهم وطقوسهم الدينية، ولا يسوى بينهم وبين المسلمين أبداً.
(140/1)
________________________________________
كيفية تعامل الإمام مع أهل الذمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام؛ في النفس والمال والعرض] شرع المصنف رحمه الله في هذا الفصل في بيان جملة من المسائل والأحكام التي تترتب على عقد الذمة بين المسلمين وأهل الكتاب ومن في حكمهم، وذلك أنه إذا وقع عقد الذمة بين المسلمين وأهل الكتاب، فهناك أمور يلتزم بها المسلمون، وهناك أمور يلتزم بها أهل الذمة، وقد بينا فيما تقدم جملة من تلك المسائل والأحكام، وشرع المصنف هنا في بيان ما الذي ينبغي على الإمام تجاه أهل الذمة في تصرفاتهم حينما يكونون في بلاد المسلمين؟ فقال رحمه الله: (ويلزم الإمام) أي: يجب عليه، وهذا من فرض الله الذي أوجبه أن يأخذهم بحكم الإسلام؛ لأن الحكم لله عز وجل، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف:40] فالحكم لله سبحانه وتعالى، فينبغي أن يكون هؤلاء ملزَمون بحكم الإسلام في أمور وضوابط معينة، وعليهم أن يتقيدوا بها، وهي قد تتعارض مع شريعتهم وملتهم؛ لكن كونهم داخل بلاد المسلمين فهم ملزمون بشرعة الإسلام، وبما عليه المسلمون، ولهذا في عقد الذمة يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، والمسلمون يقومون بالدفاع عنهم وحفظ عوراتهم وأعراضهم ودمائهم، كأنهم في منزلة المسلمين، فيجب عليهم أن يلتزموا بما يلزم المسلمين.
ولو أننا فتحنا لهم أن يفعلوا ما شاءوا وأن يتصرفوا كيفما أرادوا -ولو كان ذلك في دينهم ونحلتهم- لانتشر الفساد بين المسلمين، ولذلك قال بعض العلماء رحمهم الله: إنهم لو مُكَِّنوا من فعل بعض الأمور المحرَّمة -وإن كانت جائزة في دينهم- وإظهارها فإن هذا قد يدفع بالفَسَقَة لمجاراتهم والعمل بدينهم والميل إلى ما هم عليه، ولذلك وجب حفظ بلاد المسلمين وأهل الإسلام من منكراتهم ومحرماتهم التي يرتكبونها.
(140/2)
________________________________________
كيفية الحكم بين أهل الذمة
(ويلزم الإمام أخذهم) ويلزم الإمام أن يأخذهم.
(بحكم الإسلام) وإذا وقع الإخلال من الذمي، فإما أن يقع بشيء يوافق دينه، أو بشيء يخالف دينه، فهناك حالتان: الحالة الأولى: أن يفعل شيئاً نحن نعتقد حرمته، ولكن دينه وشريعته تقره على ذلك.
الحالة الثانية: أن يفعل فعلاً نتفق نحن وهم على تحريمه وعدم جوازه.
فأما ما كان من الأمور التي نتفق على تحريمها، فمن أمثلتها: - قتل النفس المحرمة.
- الاعتداء على أموال الناس بالسرقة، أو الغصب، أو قطع الطريق.
- الاعتداء على الأعراض بالزِّنا.
فهذه اتفقت الشرائع على تحريمها وأنه لا يجوز ارتكابها، فهي محرَّمة عند أهل الكتاب وعندنا.
وحينئذ لا تأويل له، فهو حينما يقدم على هذا الفعل فإنه يفعل فعلاً يعتقد حرمته، ونعتقد نحن حرمته، فإذا وقع منه -مثلاً- القتل، فلا يخلو قتلُه من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون قتلاً لمسلم.
الحالة الثانية: أن يكون قتلاً لغير مسلم.
فإن قتل مسلماً فإنه يُقتل به، وهذا بإجماع أهل العلم رحمهم الله، أن الكافر يقتل بالمسلم إذا قتله، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأنصارية التي قتلها يهودي على أوضاح لها كان يريد أن يسرقها منها، فأبت وأصرت فاختلسها منها، فلما دافعت رض رأسها بين حجرين، فوُجدت في آخر رمق وهي مشرفة على الموت، فقيل لها: (مَن فعل بكِ هذا؟ فلان؟ فلان؟ فلان؟) حتى ذكروا اسم اليهودي، فأشارت برأسها: أن نعم، كما ثبت في الصحيح، فأُخذ اليهودي فأقر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوضع رأسه بين حجرين، وأن يُرَضَّ كما رُضَّ رأسُها، وهذا يدل على عدة مسائل: المسألة الأولى: أن أهل الذمة وأهل العهد ومن يعطَون الأمان إذا سفكوا دم مسلم فإنه ينتقض عهدهم ويستباح دمهم، ويؤخذون به.
المسألة الثانية: مسألة التدمية البيضاء، وهي من فوائد هذا الحديث، والتدمية البيضاء يقول بها بعض أئمة السلف، كإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فإنه يقول: إن من وجد في آخر رمق من الحياة، وهو مُشْفٍ على الموت، وقيل له: مَن قتلك؟ فقال: فلان، يقول: إن هذا لوث، ويوجب القسامة، ويوجب أخذ هذا المتهم، فإن أقر قُتِل به، وفقه مالك رحمه الله في هذا: أن من يُشْفِي على الموت يكون أقرب إلى الآخرة وأبعد عن الدنيا، فهو أقرب إلى الصدق وأبعد عن الكذب، فشهادته على أن فلاناً قتله تكون قوية، وقرينة قد تقارب البينة بقتله.
وذهب الجمهور إلى أن هذا يوجب التهمة فقط، وهذا هو الصحيح؛ لأن اليهودي حينما أُخِذ أقر، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره لا بمجرد قول المرأة، فينبغي أن يفرق بينهما.
وأياً ما كان: ففي الحديث دليل على أن الذمِّي والمعاهَد والمستأمَن إذا غدر وقتل وسفك دم المسلم، فإنه يقتل القاتل بمن قتله؛ لكن

السؤال
لو أن كافراً قتل مسلماً، ثم قام الذميون ومنعوه، أو قاموا بحفظه والتلبيس وحفظه، والتمويه على جريمته بحيث لا يعرف، فكانوا معينين له على الجريمة أو مساعدين له، فإنه ينتقض عهدهم جميعاً، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في قصة عبد الله بن سهيل رضي الله عنه حينما قتلته يهود بخيبر: (أو تؤذنكم يهود بحرب، فإما أن يدفعوا رجلاً منهم، وإما أن تؤذن يهود بحرب) فكأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل سفك دم المسلم على هذا الوجه، الذي فيه التواطؤ أو يشعر بالتواطؤ مؤذناً بزوال العهد والذمة لهم.
إذاً: يُفرَّق في مسألة القتل: فإذا قتل القاتل منهم فإنه يُقتَل، إذا كانت جريمة منفردة.
أما إذا كانت جريمة عن تواطؤ، وكانوا ينظمون لذلك، أو يهيئون له، فإنهم حينئذ يتحملون جميعهم مسئولية ما أتى من جرم، ويكون هذا نقضاً للعهد، لما فيه من الخيانة والغدر بالمسلمين، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حينما غدر به اليهود وأرادوا أن يرموا الحجر عليه، حينما أمروه أن ينتظر، فعد ذلك ناقضاً للعهد بينه وبينهم.
وأما إذا قتل الذمي كافراً، فإن أصل العقد حينئذ أننا نقرهم على دينهم، فإذا وقع القتل فيما بينهم فلا يخلو أمرهم من أحوال: الحالة الأولى: أن يترافعوا إلينا، فيأتون عن طواعية ويقولون: هذا قتل فلاناً، فيرفعون أمره إلى القضاء، بحيث يُحكم فيه بحكم الإسلام.
الحالة الثانية: ألاَّ يترافعوا إلينا، بل يترافعون إلى حكامهم وقضاتهم.
الحالة الثالثة التي تقتضيها القسمة العقلية: أن يترافع بعضهم ويمتنع البعض.
فأما إذا رضي الجميع وترافعوا إلينا وجاءونا عن طواعية منهم، وقالوا: هذا قَتَل رجلاً أو قتل امرأةً منا، فنريدكم أن تحكموا بحكم الإسلام، فللعلماء في هذه المسألة خلاف مشهور: القول الأول: قال بعض أهل العلم: إن ترافع إلينا أهل الذمة، وجب علينا أن نطبق عليهم حكم الشرع، ولا نميل إلى دينهم، وإنما نحكِّم فيهم حكم الله عز وجل في عباده المسلمين.
القول الثاني: أنه يخير القاضي، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.
القول الثالث: التفصيل في هذه المسألة.
أما بالنسبة للقول الذي يقول: إنه يجب عليه أن يحكم بينهم بحكم الإسلام فهو أصح الأقوال، فإذا ترافعوا إلينا وجب على القاضي أن يحكم بينهم بحكم شريعة الإسلام وذلك بدليل الكتاب والسنة.
أما دليل الكتاب: فإن الله عز وجل قال في كتابه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة:49] فهذه الآية الكريمة محكمة ناسخة للتخيير الذي في قوله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً} [المائدة:42] فخيره الله عز وجل بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، ثم نسخها قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة:49] وقد قال مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح، وطائفة من أئمة السلف وأئمة التفسير رحمهم الله: إن التخيير في آية المائدة منسوخ، ومن هنا قال بعض العلماء: إن هذه السورة الكريمة -أعني: سورة المائدة- كلها مُحْكَمة إلا آيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة:42].
والآية الثانية: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة:2].
فالمقصود أن أصح الأقوال: أنه يجب عليه أن ينفذ فيهم حكم الشرع؛ لكن المشكلة أنهم حينما يحتكمون إلينا في جرائمهم فإنه سيكون الشهود منهم؛ لأن المعاملات والحوادث التي تقع بينهم غالباً لا يشهدها إلا كفار منهم ومن نحلتهم، فهل تقبل شهادة بعضهم على بعض؟ هذا فيه تفصيل: فإما أن تكون شهادة بعضهم على بعض مع اتحاد الملة، كشهادة يهودي على يهودي، ونصراني على نصراني، ومجوسي على مجوسي، فلا إشكال، والصحيح أنه تقبل شهادتهم لوجود الضرورة، ومن هنا قَبِل الله عز وجل شهادة أهل الكتاب على وصية المسلم إذا حضره الموت لوجود الضرورة، وهذا يختاره جمع من الأئمة والسلف رحمهم الله.
الحالة الثانية: شهادة بعضهم على بعض مع اختلاف الملة، كشهادة اليهودي على النصراني، والنصراني على اليهودي، أو يشهد بعض أهل المذاهب المختلفة عندهم والتي بينها عداوة، فإذا شهد أهل ملة على أخرى، فإن هنا شبهةً، وذلك لوجود العداوة بين المذهبين وبين الملتين، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- في باب الشهادات.
الحاصل: أنه يجب على الحاكم أن يحكم بينهم بحكم الإسلام.
ودليل السنة: حديث البراء بن عازب في قصة اليهوديين اللذَين زَنَيا وهما محصنان، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما فرُجِما، فحكم بينهم بحكم الإسلام، ولم يجعل ذلك على التخيير ولم يُعرِض عنهم عليه الصلاة والسلام، فدل على أنه تلزمهم أحكام الإسلام، وأنه يجب على الحاكم أن يقضي بينهم بشريعة الله فقط، دون غيرها من الشرائع والملل.
أما إذا لم يترافعوا إلينا، فإننا نتركهم على دينهم وملتهم، وقد قرر العلماء والأئمة ذلك، فإننا حينما عقدنا معهم عقد الجزية وعقد الذمة، فإن هذا يستلزم ترك قضاتهم وأحكامهم، ولذلك تركوا على شرب الخمر، وأكل الخنزير، والصلاة في كنائسهم، وهي من أمور دينهم وملتهم، فلما كانوا يتعبدون ويتقربون إلى ربهم، ويعتقدون أن قضاتهم هم الذي يحكمون بينهم في شريعتهم، فإن المرد إلى حكامهم وقضاتهم؛ لأننا لو تدخلنا فيهم في هذه الحالة، فمعنى ذلك أننا جعلناهم كالمسلمين سواءً بسواء من كل وجه، وليس المراد أن يكونوا كالمسلمين من كل وجه، بدليل أنهم أقروا على دينهم، والله تعالى أمر بأخذ الجزية منهم من أجل أنهم تُرِكوا على دينهم يفعلون ما يعتقدونه في شريعتهم.
وعلى هذا: إن ترافعوا إلينا حكمنا فيهم بحكم الإسلام على الصحيح.
وإن لم يترافعوا تركناهم ودينهم.
وإن رضي بعضهم بالترافع وامتنع البعض، فقال بعض العلماء رحمهم الله: إنه في هذه الحالة يُرْجع إلى الأصل من عدم التدخل في شئونهم، حتى تتفق كلمتهم على نقل الحكم إلى الإسلام.
هذا إذا حصل القتل، فقد اتفق بين الشرائع على أنه لا يجوز سفك الدم الحرام، وكذلك أيضاً الاعتداء على الأنفس بالضرب والجرح، كأن يعتدي يهودي على آخر، فيقطع يده، أو يجرحه أو يطعنه، ولا يموت، فهذا اعتداء على الأنفس، فحينئذ يقتص منهم ويلزم الإمام أن يأخذهم بحكم الإسلام في هذا.
فقوله رحمه الله: (ويلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام) أي: يلزمه أن يطبق وينفذ فيهم شريعة الإسلام.
(140/3)
________________________________________
الحالات التي يعاقب فيها أهل الذمة
قوله: [ويلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام في النفس والمال والعرض] (في النفس والمال): النفس تطلق على معانٍ: - النفس بمعنى الروح.
- وتطلق على الجسد والروح معاً.
- تطلق ويراد بها: الدم، ومنه سمي النفاس نفاساً لوجود الدم فيه.
- وتطلق النفس بمعنى: العين، تقول: رأيت محمداً بنفسه، أي: بعينه وذاته.
فالمقصود أن قوله: (في النفس) يشمل هذا نوعين من الجرائم: النوع الأول: ما فيه إزهاق للأرواح.
النوع الثاني: ما فيه إتلاف للأعضاء، كأن يطعن، أو يقطع اليد، أو يقطع الرجل، أو يفقأ العين، أو يفعل فعلاً يعيق مصالح البدن، فهذا من الاعتداء على الأبدان، وحينئذ يُقْتَصُّ منهم، وينفذ فيهم حكم الله عز وجل على التفصيل الذي ذكرناه.
هذا بالنسبة للاعتداء على الأنفس.
(والمال) الاعتداء على الأموال، كأن يسرق الذمي أو يغتصب المال، فإذا سرق مال مسلم، فحينئذ ينفذ فيه حكم الإسلام، وإن اغتصب حق مسلم نُفِّذ فيه حكم الإسلام، وإن فعل الحرابة وقطع الطريق وأخاف السبل، طلباً للأموال، فإنه حينئذ ينقض عهده ويباح دمه، ويصبح حكمه حكم الحربي، من وجده قتله، وهذا بالنسبة لحال نقضه للعهد في جمعه بين أخذ المال، وإخافة السبل.
(والعرض) الاعتداء على الأعراض، كأن يعتدي على العرض بالزِّنا، فإن الزِّنا مجمع على تحريمه بين الشرائع، وحينئذ لا شبهة للذمي ولا تأويل له إذا فعل الزِّنا، سواء كان بمحرم أو بغير محرم، فالزِّنا متفق على تحريمه، فيؤاخَذ به، والدليل على ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم حينما رجم اليهوديين الزانيين.
إذاً: الخلاصة: إن وقع الذمي في محرم من المحرمات أو فعل جريمة من الجرائم، فإما أن تكون متفقاً على تحريمها بين المسلمين والذميين، فنفصِّل، ونقول: إن كانت على مسلم أقمنا حكم الإسلام عليه، وإن كانت بين بعضهم البعض فننظر: إن ترافعوا إلينا، حكمنا عليهم بحكم الإسلام، وإن لم يترافعوا إلينا تركناهم وشريعتهم، وما رضوا بحكمه فيما بينهم.
هذا بالنسبة للذي اتُّفق على تحريمه.
النوع الثاني: الذي فيه شبهة في دينهم، كأن يفعلوا من المحرمات ما فيه شبهة في دينهم، كشرب الخمر، فشرب الخمر محرم في ديننا، ومباح في دينهم، وحينئذ يَرِد

السؤال
هل نؤاخذهم بديننا أم نؤاخذهم بدينهم؟ فيه تفصيل: فما يفعله الذمي متأولاً لدينه ينقسم إلى قسمين: الأول: ما يكون بأصل سماوي، كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، فهذه فيها أصل سماوي بإباحتها، فحينئذ يفعلها اليهود والنصارى، ونقول فيمن فعل ذلك من أهل الذمة: - إن فعلها في بيته مستتراً فلا إشكال، فقد تدين بما يعتقد حله ولا يؤاخَذ.
- وإن ظهر أمام الناس ففعلها في السوق -مثلاً- أو شرب الخمر وخرج إلى الخارج، فحينئذ يطبق عليه حكم الإسلام، ويؤاخذ بذلك على تفصيل: فبعض العلماء يرى أنه يعزَّر، وبعض العلماء يرى أنه يُجْلد، كالمسلم إذا شرب الخمر.
هذا بالنسبة للحالة الأولى، وهي: أن يفعل ما هو جريمة في ديننا دون دينه.
الثاني: ما ليس له أصل سماوي، كمجوسي يطأ مَحْرَمه، فعند المجوس -والعياذ بالله- أنه يجوز نكاح المحارم، فيتزوج الرجل منهم بِنْتَه، وأمَّه، وأختَه والعياذ بالله! وهذا الفعل ليس لهم فيه أصل سماوي، ومن هنا فإن هذا الفعل -مع أنهم يعتقدون جوازه- لا نقرهم عليه، ولو كان في بيوتهم أو في أنكحتهم، ويدل على ذلك: أنه جاء في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد في الأمصار: أن يفرقوا بين كل مجوسي ومجوسية من ذوات المحارم فلا يقر المجوسي على نكاح ذات المحرم.
فالخلاصة فيما يفعله أهل الذمة مما يتأولون فيه: أولاً: إما أن يتأولوا بما له أصل من دين سماوي، كشرب خمر، وأكل لحم خنزير، ونحو ذلك، فهذا نفرق بين أن يكون ظاهراً ومستتراً: - فإن كان مستتراً عذرناهم.
- وإن كان ظاهراً آخذناهم.
لكن هل نؤاخذهم بالحد كما يحد المسلم، أم أننا نؤاخذهم بالتعزير ويرجع الأمر إلى اجتهاد القاضي والحاكم؟ قولان للعلماء.
ثانياً: إذا فعلوا ما يعتقدون حله مما ليس له أصل في دين سماوي، كوطء المجوسي لذوات المحارم، فإنه ليس له أصل سماوي، والسبب في هذا عندهم: أنه كان لهم عظيم من عظمائهم شرب الخمر، ووطئ ابنته أو أخته -والعياذ بالله- وهو سكران، فلما وطئها، انكشف أمره بعد أن صحا، فأرادوا قتله، فلما أرادوا قتله، قال الخبيث: ألا هل تعلمون شريعةً أفضل من شريعة آدم؟ قالوا: لا، قال: إن آدم كان ينكح الأخت من أخيها، فلما قال لهم ذلك، انقسموا إلى طائفتين: - طائفة أقرته.
- وطائفة أنكرت، وبقيت على الإصرار على قتله، فاقتتلوا.
وقد ورد في هذا أثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكنه مُتَكَلَّمٌ في سنده.
لكن أياً ما كان، فقد بقي هذا في دينهم، وبقي عندهم أن وطء المحارم جائز، وإذا فعل مسلم ذلك، واعتقد حله، وقال: إن وطء المحارم أو الزواج بهن مباح، فإنه يكفر بإجماع العلماء رحمهم الله.
قال رحمه الله: [وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه، دون ما يعتقدون حله].
أي: يلزمه أن يقيم الحدود عليهم، فيما يعتقدون تحريمه، لا ما يعتقدون حله، فيقام عليهم حد الزِّنا؛ لأنهم يعتقدون أنه حرام، ولا يقام عليهم حد الخمر؛ لأنهم يعتقدون أن الخمر حلال.
هذا الذي جعل المصنف -رحمه الله- يفرق بين ما يعتقدون حله، وبين ما يعتقدون حرمته.
(140/4)
________________________________________
لزوم تميز أهل الذمة عن المسلمين
قال رحمه الله: [ويلزمهم التَّميُّز عن المسلمين] أي: يلزم أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين، وهذه الأمور شرع المصنف في بيانها، ووردت في كتاب أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين المهديين -رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين- عمر بن الخطاب، وهذا الكتاب وقع في عدة حوادث في عصره رضي الله عنه وأرضاه، فقد كتب عبد الرحمن بن غنم كتابه في الصلح بينه وبين أهل الذمة، وكذلك خالد بن الوليد رضي الله عنه مع أهل الحيرة، وغيرهم من أمراء الأجناد، كتبوا كتباً أقرهم عليها عمر رضي الله عنه وأرضاه، فصارت أصلاً في معاملة أهل الذمة.
وهذه الكتب فيها شروط بين المسلمين وبين أهل الذمة.
والقاعدة التي ينبغي وضعها في الحسبان: أنه يتفق أهل العقول المستقيمة على أنه لا يمكن أن يُقَر من يخالفك إذا أعطيته أماناً وعهداً لكي يفعل ما يشاء؛ لأنه لم يحدث بينك وبينه ما حدث من عداوة وشحناء إلا بسبب ما بينك وبينه من الخلاف، فإذا رضي العدو لعدوه أن يبقى عنده، فهذا خلاف الأصل، فإن أراد أن يبقيه عنده على هواه، وعلى فكره وعلى عداوته، كان ذلك أشبه بالخَرَق والجنون، إذ ليس هناك إنسان له عقل وحكمة يأتي بمن يخالفه ويعاديه، ويتركه في حضنه وحجره، يدفع عنه ويقوم بحقوقه، مع أنه يدعو إلى خلافه وإلى أذيته والإضرار بكرامته ودينه.
ومن هنا فإن أهل الكتاب في الأصل أعداء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا يمكن أن يقرهم الإسلام على ما فيه ضرر بالإسلام أو بالمسلمين، والعقد الذي بينهم وبين المسلمين إنما يقوم على أن يحفظوا لنا حقوقاً، ونحفظ لهم حقوقاً، وتكون هذه بمثابة الذمة بيننا وبينهم، فإن أخلوا بها، فهناك ما يوجب انتقاض عهدهم، وهناك ما فيه تفصيل وخلاف بين أهل العلم رحمهم الله.
وهذا الأمر واقع إلى الآن، فإن الأمم والشرائع والدول كلها ترى أن من حقها أن من وطئ أرضها أو نزل على محلها، أن تلزمه بما ترى، وأن تقيده بما تحس أن مصالحها مرتبطة به، وأن درء المفسدة عنها متوقف عليه، فتلزم كل من أتى إليها بذلك، فليس من الغريب أن نقول هذا الكلام، حتى نرد شبهة من يطعن في المسلمين حين ترد هذه الكتب، فيقال: انظروا كيف يتشدد المسلمون؟! حتى نجد بعض كتاب المسلمين يتسامح في هذه الشروط، بل تجد بعض كتب الشروط العمرية يعلق عليها مَن يشكِّك في صحة هذه الكتب، ويقول: إنها لا تتفق مع سماحة الإسلام، وكأنه يريد أن يجلس أهل الذمة مع المسلمين، لا فرق بينهم وبين المسلمين، فنصير بين أمرين: - إفراط.
- وتفريط والقسط والعدل لا بد منه، فأهل الذمة نحفظ حقوقهم، ونحس أن لهم علينا حقاً علينا أن نحفظه، وذمة بيننا وبينهم لا ينبغي أن تُخفَر؛ لكن كذلك ينبغي أن يشعروا ما هو الإسلام، وأن يشعروا من هم المسلمون، وأن يكونوا على ذلة وصغار، وهذا هو الذي عناه الله بقوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، فلم يقل: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة:29] وسكت، فليس الإسلام بجائع حتى يُطْعَم، ولا بفقير حتى يستَغْنِي بهذا المال، فهو في عزة من الله وكرامة من الله وغنى منه سبحانه وتعالى، وإنما فُرِضت هذه الأمور حتى يكونوا تحت طواعية الإسلام وتحت قهره.
فإذاً: لا بد من الوسطية، فنلزمهم بحفظ حقوقٍ يشعرون معها بذلتهم وعزة المسلمين، ويشعرون معها بمهانتهم وكرامة الإسلام، ترغيباً لهم في دين الله، وإشعاراً لهم بكلمة الله، فيصير أهل الأرض حينئذٍ يدينون لله، وتحت كلمة الله من هذا الوجه، أما أن يبقى الذمي في بلاد المسلمين يفعل ما يشاء، ويفعل ما يريد، فهذا أبداً لا يمكن أن يكون، فأهل العقول في حياتهم وفي ظروفهم وفي معايشهم لا يمكن أن يتركوا لإنسان يعادي دينهم أو نحلتهم أو فكرتهم أن يفعل ما يشاء.
ومن هنا: إذا بقي الكفار تحت سطوة المسلمين، فينبغي أن يُحفظ الإسلام من كيدهم ومكرهم وأذيتهم، وهذا يستلزم أمناً فكرياً وأمناً ذاتياً، والأمن الفكري يستلزم أن توضع شروط وضوابط يُمنع فيها أهل الكتاب من فتنة المسلمين عن دينهم، ويُمنع فيها أهل الكتاب من إحداث أمور تدعو المسلمين إلى متابعتهم أو الرضا بشريعتهم، هذا بالنسبة لما يكون من جهة الفكر.
أما من جهة التصرفات والأفعال فهناك أمور سُنَّتْ سُنَّةً، وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبقيت في عهود الإسلام والمسلمين أُشْعِر فيها أهل الذمة بما ينبغي أن يُشْعَروا به، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأصل في قوله: (لا تبدءوا أهل الكتاب بالسلام) فنهى عليه الصلاة والسلام عن بداءتهم بالسلام، إشعاراً لهم بالصغار والذلة بين المسلمين، وحتى يتميز الفريقان، إذا لو نشأ الكفار بين المسلمين دون هذه الضوابط فستنشأ أجيال المسلمين ترى أنهم مع المسلمين كالشيء الواحد، وحينئذ لا يؤمَن أن يختلطوا، ولا يؤمَن -نسأل الله السلامة والعافية- أن ينجرف بعض المسلمين إلى دينهم، ويحصل خلاف مقصود الشرع، إذ أن مقصود الشرع من عيشهم بين المسلمين أن يأتي اليوم الذي يرون فيه سماحةَ الإسلام ومِنَّتَه وفضلَه ويدَه، فيدخلون فيه، ويكون سبباً في نجاتهم في الآخرة.
يقول رحمه الله: (ويلزمهم التميز عن المسلمين) هناك أمور فكرية سينبه عليها المصنف مثل: ألا يظهروا كتبهم، سواءً بالقراءة أو بغيرها، فلا يقرءون كتبهم جهرةً، وتُسمع قراءتهم بين المسلمين، ولا يقرءون بها في مجامع المسلمين، إنما يقرءون بها في كنائسهم وفي بِيَعهم وفي صلواتهم، ولذلك في قوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} [الحج:40]، قال بعض المفسرين: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} [الحج:40] لولا دفع الله بالمؤمنين، ومن هنا أقر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن بعده من الخلفاء الراشدين كنائس أهل الذمة في بلاد المسلمين بضوابط معينة، وأصول معينة؛ لكي يقرءوا فيها، ويقوموا فيها بأذكارهم وصلواتهم، داخل هذه الصلوات والبِيَع والكنائس، ولا يظهرون شيئاً من دينهم، فهذا من جهة الفكر؛ لئلا يتأثر المسلمون.
- كذلك أيضاً لا يُظهِرون شيئاً من عقائدهم، فلا يظهرون شركياتهم كقولهم: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ، وقولهم: إن المسيح ابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! فلا يُظهِرون شيئاً من شركهم، حتى يأمَن المسلمون في عقيدتهم، فإنه لا بد من الأمن في العقيدة.
- كذلك أيضاً لا يُظهِرون شيئاً من منكراتهم -كما ذكرنا- من شرب الخمر، وأكل الخنزير وإظهار الصليب، ونحو ذلك من الأمور التي فيها دلائل يتميزون بها بدينهم.
- كذلك أيضاً لا تكون لهم صولة وعزة في بلاد المسلمين؛ لأن الله نفى ذلك، فقال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة:29] ثم وصفهم بحالة واحدة، فقال: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] فمعناه: أن عيشهم ووجودهم بين المسلمين موصوف بالصغار، وهذا يستلزم ألاَّ يعلو بناؤهم على بناء المسلمين، وألاَّ تكون لهم صدارة المجالس، وغير ذلك من الأمور التي وردت في الشروط العمرية، وكذلك في كتاب خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه لأهل الحيرة، وفي غيرها من العهود التي عقدت بين المسلمين وبين أهل الذمة.
وقوله: (ويلزمهم التميز عن المسلمين) أولاً: في أبدانهم.
ثانياً: في ثيابهم.
ثالثاً: في بيوتهم، ومساكنهم.
رابعاً: في مراكبهم.
(140/5)
________________________________________
تميز أهل الذمة في شعورهم وذواتهم
أما تميزهم في شعورهم وذواتهم: فإنه مما ورد في كتاب عمر رضي الله عنه وأرضاه، وجرى عليه العمل، فتُجَزَّ نواصيهم، أي: مقدمة رءوسهم، لأجل إذا رآهم المسلم لا يظنهم من المسلمين، فيُعرَفون ويتميزون، فتُجَز لهم النواصي، ولا يُفْرَق شعرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سَدَل وفَرَق، وكان الفَرْق آخر ما كان من عهده عليه الصلاة والسلام وسنته، وفَرْقُ الشعر: أن يَفْرِق الشَّعَرَ من نصفه فيقسمه إلى فرقتين، خاصةً إذا طال الشعر، وقد كانوا في القديم لا يحلقون شعورهم غالباً، فأهل الكتاب لا يَفْرِقُون كالمسلمين، حتى يكون هذا تمييزاً لهم، ولا يجوز للمسلم أن يوافقهم في هيئاتهم في الشعر، ومن الأمور التي تميزهم: حلق أطراف الشعر، وكان هذا من شعار اليهود، فالحلق الموجود الآن الذي يُحْلق فيه طرف الشعر من جهة اليمين، وطرفه من جهة اليسار، وهو الذي يسمى بالقَزَع، أو تخفيف الشعر من الطرفين وإسداله من وسطه، هذا مما كان لأهل الذمة بين المسلمين، ويفعله اليهود، فيتميزون في شعورهم.
(140/6)
________________________________________
تميز أهل الذمة في مراكبهم
ويتميزون في مراكبهم: فلا يركبون الخيل؛ لأن ركوب الخيل عزةٍ وكرامة، لذلك قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال:60] وقد جاء في بعض كتب الشروط العمرية، منعهم من ركوب الخيل، فيركبون الحمير وغيرها من المراكب الأُخَر تميزاً لهم؛ لأنهم إذا ركبوا الخيل كانت لهم عزة وكرامة، والله يقول: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، فهم بين المسلمين لا بد أن يصْغُروا، فإن قال قائل: إن عندهم مصالح وحوائج، نقول: إن البغال والحمير وغيرها من الدواب تقضي هذه المصالح، والخيل إنما تكون غالباً للجهاد في سبيل الله عز وجل، وقد جعلها الله عز وجل من متاع الدنيا ومن زينتها، فإذا تزيَّنوا تميَّزوا وعزُّوا وبزُّوا، وكان لهم شيء من الصولة على المسلمين.
(140/7)
________________________________________
تميز أهل الذمة في بيوتهم
يتميزون في بيوتهم: فلا تكون بيوتُهم عالية على بيوت المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلَى عليه) وسنبين التفصيل في هذه المسألة بين أن يكون بناؤهم بين المسلمين وبين أن يكونوا منفردين ومنعزلين عن المسلمين.
(140/8)
________________________________________
تميز أهل الذمة في مجالسهم
ويتميزون في مجالسهم: فلا يكون لهم حق الصدارة في المجلس، ولا يجلسون في صدر المجلس؛ لأنه موضع إكرام، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وجُعِل الصغار على من خالفني) فثبت في السنة الصحيحة أن مَن خالف ملة الإسلام، فينبغي أن يكون في صغار، فإذا جلس في صدر المجلس فإن هذا إكرام له، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) والتكرمة: هي صدر المجلس، فإذا كان المسلم لا يجوز له أن يجلس في صدر المجلس إلا بإذن صاحب المجلس، فكذلك أيضاً لا يجوز إجلاس أهل الذمة من باب أولى وأحرى.
لكن لو أن صاحب الدار أجلسه في صدر المجلس! لا يُجْلَس، ولو أذِنَ صاحب الدار؛ لأن الحق للإسلام وليس له هو، فليست قضية الجلوس في صدر المجلس قضية شخصية، وحتى لو أنه أراد أن يعلي بناءه وأذِنَ له جارُه المسلم، فليس من حقه؛ لأن هذا من حق الإسلام وليس من حق الشخص، فالحقوق تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون شخصياً، فإذا تنازل عنه صاحبه فلا إشكال.
ومنها ما يكون حقاً عاماً.
ولذلك فإنهم إذا قطعوا الطريق، وأخافوا السبل بالحرابة، فقال أولياء المقتولين: سامَحْناهم، وقال الإمام: يقتلون، فإن من حقه أن يقتلهم؛ لأنه انتقل من الحق الخاص إلى الحق العام.
ففي هذه المسائل التي ذكرناها الحق فيها للإسلام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وجُعِل الصَّغار على من خالفني) فكأن هذا الصَّغار مرتبط بمخالفة الإسلام، وليس بمرتبط بحق شخصي حتى يُبْحَث عن كونه يؤذَن له أو لا يؤذَن له، أو يتنازل شخص فيجلسه في مكانه في صدر المجلس أو نحو ذلك، إنما هو حق عام يرجع إلى الإسلام، فلا يُنْظَر فيه إلى التنازل.
(140/9)
________________________________________
عدم ركوب أهل الذمة الخيل المسرجة
قال رحمه الله: [ولهم ركوب غير خيل بغير سرج بإكاف].
(بغير سرج بإكاف) وهو البرذعة، والمقصود من هذا: أن يكون لهم تميز، بحيث إذا رأيته في مركبه تعرفه، وكل هذا -كما ذكرنا- جاء في سنة عمر رضي الله عنه، وجرى عليه عمل أئمة الإسلام مع أهل الذمة، أنه لا بد من تميزهم في مشيهم؛ لأنهم إذا مشوا على مراكبهم كالمسلمين لم يتميزوا، فلا بد أن يتميزوا في دورهم، ولا بد أن يتميزوا في سيرهم على دوابهم، ولا بد أن يتميزوا حتى إذا دخلوا حمامات المسلمين للاغتسال، وقد ذكر هذا غير واحد من الأئمة، كالإمام ابن قدامة رحمه الله، والإمام الشيرازي رحمه الله من الشافعية، وغيرهم من الأئمة؛ لأن المراد أنهم إذا خالطوا المسلمين لم يشعر المسلمون أنهم منهم.
وتطبق السنة عليهم؛ من عدم السلام عليهم، واضطرارهم إلى أضيق الطريق، وكل ذلك لا يكون إلا بعلامة مميزة، وهذا هو الذي جعل العلماء يجتهدون في تطبيق السنة بالتميز؛ لأن الأمر بالشيء أمرٌ بلازمِه، فإذا كنت لا تستطيع أن تطبق السنة في الذمي إلا بمعرفته، فلا بد من وجود علامة يتميز بها، ومن هنا قيل بلبس الغيار، وشدِّ الزِّنَّار، والمراد بلبس الغيار: أن يكون لهم لبس خاص غير لبس المسلمين، فيتميزون به، ويُعرفون، وهذا دَرَجَ عليه المسلمون رحمهم الله في القرون الأُوَل، فكانوا يلزمونهم بلباس معين، حتى لا ينخدع المسلم إذا رآهم فيظنهم من المسلمين.
(140/10)
________________________________________
تصدير أهل الذمة في المجالس والقيام لهم
قال رحمه الله: [ولا يجوز تصديرهم في المجالس].
[ولا يجوز تصديرهم] تصديرهم: من الصدر، وصدر المجلس يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون في وجه عورة البيت، وهو مدخل المضيف من داخل بيته، فيستقبله ذلك الصدر، وهذا يسمى بالتكرمة والصدر، وهذا لا يجوز أن يجلس فيه الإنسان إلا بإذن صاحب الدار، ولا يجوز أن يجلس فيه الذمي.
الصورة الثانية: أن يكون متميزاً بالفضل في الهيئة كالفراش ونحوه، أو في الحال، فصدر المجلس مثلاً: إذا كان الموضع هو أبرد وأفضل موضع في المجلس والفراش فيه وفير، فهذا هو صدر المجلس، ولا يجوز أن يُجلس فيه إلا بإذن صاحب الدار، ولا يجوز أن يُجلس فيه الكافر.
فصدر المجلس فيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه لا يَجلس فيه المسلم إلا بإذن صاحب الدار.
المسألة الثانية: أنه لا يجوز إجلاس الذمي فيه.
قال رحمه الله: [ولا القيام لهم] أي: للكفار؛ لأن القيام إجلال، والقيام للمسلم مشروع، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة مشروعية القيام عند السلام، وأما كراهيته عليه الصلاة والسلام للقيام، فهذا ثابت به النص الصحيح، ولكنه القيام المخصوص الذي يقوم فيه الغير دون أن يسلِّم، كما يفعله بعض الناس إذا دخل إلى المجلس حيث يقومون له دون سلام، وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال عنه: (لقد كدتم تفعلون فعل الأعاجم) فقد كانوا يفعلونه من باب التعظيم، ونُهي عن ذلك لما فيه من الغلو، وسداً لذريعة الغلو.
وعلى هذا: فإن النهي الوارد منه عليه الصلاة والسلام إنما هو عن القيام المجرد عن السلام، أما القيام للسلام أو القيام للضيف، وللعالم، أو لذي الحق، فإنه من شيم الكرماء، ومن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام من حديث عائشة: أنه كان إذا دخل على فاطمة قامت له فقبلت يده، وأجلسته مجلسها، وإذا دخلت عليه قام لها عليه الصلاة والسلام وأجلسها مجلسه، إكراماً لها، فقد قام عليه الصلاة والسلام لبنته، وهذا قيام الرحمة، وقامت البنت لأبيها، وهذا قيام الإجلال والإكرام، فشمل النوعين: - أن يكون القيام بسبب الرحمة، كقيام الوالد لولده، وقيام الكبير للصغير.
- والقيام بسبب الإكرام والإجلال، كقيام الابن لأبيه، وقيام صغير المسلمين لكبيرهم؛ لأن هذا من إجلال ذي الشيبة المسلم.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن من إجلال الله: إجلال ذي الشيبة المسلم) وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقر طلحة رضي الله عنه حينما قام لـ كعب بن مالك -كما في صحيح البخاري- حينما نزلت توبة الله على كعب، قال: (فقام لي يَجُرُّ رداءه، فحفظتها له) ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على طلحة قيامه.
وكذلك أيضاً ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال للأوس عندما جاء سعد: (قوموا إلى سيدكم) وقوله: (فأنزلوه) لا يقتضي التخصيص، كما لا يخفى في الأصول، فإن قوله: (فأنزلوه) إنما هو علة التشريك، وليس المراد به محض الحكم؛ لأن قوله: (قوموا إلى سيدكم) إشعار بالحق وإشعار بالفضل، فلما قال: (فأنزلوه) إشعار بالحاجة، فجمع بين الحاجة وبين الحق.
وكذلك أيضاً يُقام لحَفَظَة كتاب الله عز وجل، ويقام للضيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
والنفوس تستهجن أن يدخل ذو الشيبة المسلم على صغير من صغار المسلمين فيسلم عليه، وإذا به جالس والآخر قائم على رأسه، فهذا لا يمكن أن ترتاح له النفوس، بل إن الطباع تنفر من هذا الفعل، وليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يظهر- أنه إذا دخل ذو الحق كالعالم، وحافظ كتاب الله، وكبير السن، ومن له فضل أن يصافحه الإنسان وهو جالس، فهذا من الصعوبة بمكان، خاصة وأن النص حينما ورد بالنهي عن القيام جاء ما يخصصه، وجاء عندنا في الشرع الأمر بإكرام الضيف مطلقاً، يقول العلماء: إن ما ورد من الشرع مطلقاً كإكرام الضيف ونحوه، فإنه يؤذَن به بما جرى به العرف والعادة واستقر الناس عليه، أو جرى تعامل الناس عليه، فهذا يعتبر من إطلاقات الشرع، ولا بأس على الناس في فعلهم وقيامهم به.
وعلى هذا: فإنه لا يجوز القيام للذمي، ومن هنا كان سلامك على الذمي وأنت جالس احتقاراً له، وانتقاصاً له، وصغاراً له، ولا يجوز فعل الصغار بالمسلم؛ لأنه ليس من العدل، يقول الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86] فأمر الله عند التحية بأحد أمرين: - إما أن نكافئ من حيانا بمثل ما حيانا به وزيادة.
- وإما أن نرد بالمثل.
فإذا جاءك يسلم عليك وهو قائم، فقد حياك قائماً، فتحييه قائماً كما حياك قائماً، فإن حييته جالساً فحينئذ لم ترد له تحيته كما حياك، وعلى هذا: إذا جاء الذمي حييته بما يشعره بالصَّغار، وإذا جاء المسلم حييته بما أمرك الله عز وجل وهو رد تحيته بالمثل، أو ردها بما هو أفضل، لعظم الأجر في ذلك.
(140/11)
________________________________________
حكم السلام على الذمي
قال رحمه الله: [ولا بداءتهم بالسلام].
ولا يجوز أن نبدأهم بالسلام، والنص في ذلك صريح: (لا تبدءوهم بالسلام) والسبب في ذلك: أنه إعزاز لهم وإكرام لهم، واستُثْنِي من هذا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سلام على من اتبع الهدى) في كتبه عليه الصلاة والسلام للملوك؛ لأن المراد بها الاستعطاف، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سلام على من اتبع الهدى) وهم لم يتبعوا الهدى، وإنما قال العلماء: هذا خاص ولا تعارض بين عام وخاص.
بالنسبة للسلام: قيل للإمام أحمد رحمه الله: يقولون للذمي: كيف حالك؟ كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ قال: هو أشد عندي من السلام؛ لأنه نوع من الاعتناء والاحتفاء، وأن حاله يوجب أن يشفق عليه حتى يسأل عن حاله وكيف أصبح وكيف أمسى، وكل هذا سداً لذريعة الموالاة لمن عادى الله ورسوله؛ لأنه لا بد أن يتميز المسلم عن الكافر.
(140/12)
________________________________________
منع أهل الذمة من بناء الكنائس وترميمها
قال رحمه الله: [ويُمنعون من إحداث كنائس وبِيَع، وبناء ما انهدم منها ولو ظلماً].
(ويُمنعون من إحدث كنائس وبيع).
ويُمنع أهل الذمة من إحداث الكنائس في بلاد المسلمين، وهذا نص عليه كتاب الشروط العمرية، الذي شرحه الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه المفيد (أحكام أهل الذمة)، وبين أنه لا يجوز لهم أن يحدثوا الكنائس في بلاد المسلمين، ولا أن يعيدوا بناء ما انهدم منها، وهذا يدل على أن المراد من عقد الذمة بيننا وبينهم أن يألفوا الإسلام، فلا تمضي فترة من الزمن إلا وقد دخلوا فيه، وهذا هو الذي قُصِد من إيجاد العقد بيننا وبينهم: أنهم يرضون بالإسلام؛ لأن بيننا وبينهم قواسم مشتركة، فدينهم أصله دين سماوي، ومن كان ذا دين سماوي فإنه إذا رأى سماحة الإسلام ويُسره وشريعته، فإنه أحرى أن يتبع ذلك وأن يلتزم به.
(وبناء ما انهدم منها) أي: لا يجوز لهم بناء ما انهدم من الكنيسة.
وهنا مسألة: إذا انهدمت الكنيسة، فلا تُجَدَّد، ولا يجوز إحداث كنيسة في داخل بلاد المسلمين، وقال أئمة الشافعية: إنهم إذا بنوها في الخراب، أي: بعيداً عن المساكن، وبعيداً عن المدن، فلا بأس وقد سكت عنه بعض العلماء، وقال: إنما يكون المنع إذا كان في داخل بلاد المسلمين، فيُمنعون من إحداثها ومن تجميلها وتزويقها، فلا يكون لهم بها شعار يتميزون بها في الظاهر، ولا تُجَدَّد ولا ترمم في الظاهر، حتى تكون جاذبةً للغير إليها، أو يكون لهم بها عزة، وقد أمر الله عز وجل أن يكونوا في صغار، فلا بد أن يكون الصغار شاملاً حتى لأمور طقوسهم وأمورهم التي يتعبدون بها.
وهنا مسألة وهي: إذا آل الجدار إلى السقوط، وأرادوا أن يحفظوا كنيستهم فماذا يفعلون؟ قالوا: يبنى الجدار من داخل الكنيسة؛ لأن هذا ليس بتجديد، ولا يعتبر تجديداً لما انهدم، فيهدم الجدار الأول، ثم يبنى الثاني من داخله، ثم ينهدم الذي بعده، فيبنى من داخله، وهذا ذكره غير واحد من العلماء رحمهم الله، كل ذلك منعاً للإحداث، فيتقاصر أمرهم حتى يضيق عليهم، وكل هذا -كما ذكرنا- إعمالاً لقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] فيكون الصَّغار في دينهم كما كان الصَّغار في أمور دنياهم.
(ولو ظلماً) إشارة إلى خلاف مذهبي، أي: ولو هدمت ظلماً، فبعض العلماء يرى أنها إذا هدمت ظلماً فإنه يُسمح لهم أن يعيدوها، وهذا القول في الحقيقة له وجه من النظر والقوة، يقول بعض العلماء رحمهم الله: لأن بيننا وبينهم عقد عهد وذمة، وينبغي أن ننصفهم، فهم التزموا بأداء جزيتهم، وقاموا بالحق الذي يجب عليهم، فينبغي علينا أن نحفظ كنائسهم، فنترك لهم كنائسهم، ونترك بِيَعهم وصلواتهم، وهذا هو الوسط، فلا نقدم على هدمها بدون حق، فإذا هُدِمت بدون حق، فهذا يقوى فيه أنها تعاد لهم، وهو قول بعض العلماء، وأشار المصنف إلى هذا الخلاف بقوله: (ولو ظلماً).
(140/13)
________________________________________
منع أهل الذمة من رفع بنيانهم على المسلمين
قال رحمه الله: [ومن تعلية بنيانٍ على مسلم، لا من مساواته له].
(ومن تعلية بنيانٍ على مسلم) لا يجوز أن يكون بناء الكافر الذمي فوق بناء المسلم، وإنما يكون بناؤه مساوياً له أو دونه، وهذا إذا كان جاره مسلماً، أما لو كانوا في حي للكفار أنفسهم أو لأهل الذمة، فتطاول بعضهم على بعض في البنيان، فهذا لا بأس به، ولا حرج فيه، ويُتركون على هذا؛ لأنه لا تنكشف به عورة المسلم، ولا يكون لهم به فضل على المسلمين، ومن هنا فُرِّق بين أن يكون بنيانهم بين المسلمين، وبين أن يكون بنيانهم لهم في داخل أحيائهم، أو مدنهم أو قراهم، فإنه حينئذ لا يكون فيه مخالفة للنص في قوله عليه الصلاة والسلام: (الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلَى عليه) فإن فيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون المسلم أعلى من الكافر.
(لا من مساواته له) في حكم مساواة الكافر للمسلم في البنيان قولان: قال بعض العلماء: ينبغي أن يكون أدنى من بناء المسلم.
وقال بعض العلماء: يجوز أن يساويه، وهذا هو الذي صححه غير واحد من العلماء، واختاره المصنف رحمه الله.
(140/14)
________________________________________
منع أهل الذمة من إظهار المحرمات والجهر بدينهم
قال رحمه الله: [ومن إظهار خمرٍ وخنزيرٍ وناقوسٍ وجهرٍ بكتابهم] قوله رحمه الله: (ومن إظهار خمر) التقدير: ويُمنعون من إظهار خمر، كما ذكرنا، والخمر مأخوذ من خمَّر الشيء إذا ستره، وسميت الخمر خمراً لأنها تسكر العقل وتغيِّبه، والعياذ بالله! (ومن إظهار خمر): أي: أنهم إذا شربوا الخمر فيشربونها في بيوتهم، ولا يشربونها بين المسلمين، فإذا فعلوا ذلك فإنه حينئذ يكون الحكم فيهم ما سبق بيانه، من أنه يطبق عليهم ما يطبق على المسلمين على تفصيل؛ هل يقام عليهم الحد أو يعزرون؟ (وخنزير) فلا يظهرون الخنزير، وكذلك أيضاً لا يتظاهرون بأكله، وإذا كان لهم مطاعم يدخلها المسلمون فلا يجوز أن يكون فيها لحم الخنزير، فإن فعلوا ذلك أوخذوا عليه، وإن أظهروا الخنزير بين المسلمين وأظهروه علانيةً فإنه تسقط حرمة الخنزير، فلا ضمان عليه.
(وناقوس) وهو الذي يضرب به لصلواتهم؛ فيضرب بالناقوس داخل بِيَعهم وكنائسهم فقط، وهذا هو الذي تضمنه كتاب الشروط العمرية، وكذلك غيره من الكتب الأخرى، فقد أُذِن لهم أن يضربوا بالناقوس داخل الكنائس لا خارجاً عنها.
(وجهرٍ بكتابهم) التوراة والإنجيل، فكونهم يقرءونها، أو يجهرون بأفكارهم بين المسلمين كل هذا من الممنوع والمحظور عليهم، وإذا فعلوا ذلك فتنةً للمسلمين فإنه ينتقض عهدهم، كما سيأتي.
قال رحمه الله: [وإن تهوَّد نصراني، أو عكسه لم يُقَر، ولم يُقْبَل منه إلا الإسلام أو دينه] أي: انتقل النصراني إلى اليهودية، أو اليهودي إلى النصرانية، تهوَّد نصراني، أو تنصَّر يهودي، فالحكم واحد أنه لا يُقَر، فإما أن يبقى على دينه، وإما أن يرجع إلى الإسلام، وإلا انتقض عهده.
(140/15)
________________________________________
ما ينقض عهد أهل الذمة
قال رحمه الله: [فصل: وإن أبى الذمي بذل الجزيةَ، أو التزامَ أحكامِ الإسلام، أو تعدَّى على مسلم بقتلٍ، أو زِناً، أو قطعِِ طريقٍ، أو تَجَسَّسَ، أو آوى جاسوساً، أو ذَكَرَ الله أو رسوله أو كتابه بسوء، انتقض عهدُه دون نسائه وأولاده، وحل دمُه ومالُه]
(140/16)
________________________________________
عدم التزام الذمي بالجزية أو أحكام الإسلام ينقض عهده
يقول المصنف رحمه الله: (وإن أبى الذمي بذل الجزيةَ) أي: أبى أن يدفع الجزية، فهناك أمران لا بد من وجودهما في عقد الذمة، وهما: - دفع الجزية.
- والالتزام بأحكام الإسلام.
فإذا امتنع الذمي من هذين الأمرين لم يصح أن تُعْقَد معه الذمة، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله؛ لأن عقد الذمة يقوم على هذين الأساسين: أولهما: دفع الجزية، وهذا بنص كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: الالتزام بأحكام الإسلام، فلا يأتي بما يعارض الإسلام أو يتسبب في الأذية والإضرار بالمسلمين، من حيث الأصل والجملة، فبيَّن رحمه الله في هذا الفصل الأمور العظيمة التي إذا فعلها الذمي انتقض بها عهده، وصار حكمه حكم الأصل.
فقال رحمه الله: (وإن أبى الذمي بذل الجزيةَ) أي: وَقَع العقد بيننا وبين أهل الذمة، ثم فوجئنا بهم أنهم قالوا: لا نريد أن ندفع الجزية، فإذا قالوا ذلك فقد انتقض عهدهم؛ لأن بيننا وبينهم التزامات، فهم ملزمون بدفع الجزية، والعقد أصلاً قائم على الجزية، فإذا منعوها فحينئذ ينتقض ما بيننا وبينهم من عقد الذمة.
وإن أبى أحدهم وقال: لا أدفع الجزية، أو ماطل فيها على وجهٍ يريد به إضاعتها على المسلمين، يكون حكمه كذلك، فيطلبهم الحاكم، ثم يستوثق منهم، فإما أن يدفعوا، وإما أن يبقى في حل من ذمتهم.
(أو التزام أحكام الإسلام) إذا قال: أدفع الجزية؛ ولكني أقول ما أشاء، وأفعل ما أشاء، وليس لأحد أن يتعرض لي -ويقع هذا أحياناً حينما يؤخذ ويقال له: كيف تجهر بكتابك؟ فيقول: أنا أفعل ما أشاء- فحينئذ كأنه خرج عن الالتزام بحكم الإسلام، وكأنه نقض ما بينه وبين المسلمين من الالتزام بالإسلام، إذ من الالتزام بالإسلام أن يتقيد بالحرمات والضوابط، وألاَّ يخل بها.
وهذا يقع عند الشروط، فإن المسلمين إذا أرادوا أن يعقدوا بينهم وبين أهل الذمة عقداً، فقال أهل الذمة: نعقد ما بيننا وبينكم ونلتزم بحكم الإسلام؛ ولكن لا ندفع لكم الجزية، فلا يصح عقد الذمة، وهذا في قول جماهير العلماء، أنهم إذا قالوا: لا ندفع الجزية، فلا يجوز لأحد أن يعقد معهم الذمة.
أما حديث أم هانئ فهذا أمان خاص، فقوله صلى الله عليه وسلم: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) هذا يسمى بالجوار، والجوار غير الذمة، فينبغي أن يفرق؛ لأن جوار أم هانئ لا عوض فيه ولا جزية، فلا يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقر على الأمان بدون عوض؛ لأننا نقول: هذا شيء وذاك شيء، فهناك الذمة وهناك العهد والأمان، وكل منهما له حكمه الخاص.
ولذلك العهد والأمان يبقى مقيداً إلى سماع القرآن، فإذا سمع القرآن فإنه يُبْلَغ إلى مأمنه إذا لم يسلم، أما بالنسبة للذمي إذا سمع القرآن فلا يلزم به، ولذلك قال الله تعالى في الأمان والعهد: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة:6] فجعل الأمان مقيداً بالسماع، ثم قال بعد ذلك: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة:6] أي: إذا أصر على كفره فليس له أمان عندنا، وإنما ينبغي أن يرد إلى مأمنه.
وأما بالنسبة للذمة فإنه يبقى، ولا بد أن يلتزم بالأمرين.
فإن قالوا: ندفع الجزية، ولكن نسميها: ضريبة، أو تسمى باسم آخر، فهذا لهم؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعل ذلك مع المجوس حينما امتنعوا وقالوا: لا تسمِّها جزية، قال: (سموها ما شئتم)، ثم فرضها عليهم رضي الله عنه وأرضاه، وهذا من باب المصلحة، وفيه بُعْد نظر منه رضي الله عنه، طلباً لما هو أعظم، ودفعاً لما هو أبلى.
(140/17)
________________________________________
اعتداء الذمي على المسلم ينقض عهده
قال رحمه الله: [أو تعدى على مسلم بقتلٍ أو زِناً] (أو تعدى على مسلم بقتلٍ): فإذا قتل الذمي مسلماً، فحينئذ يخفر دَمُه، يصبح دمُه هدراً، ويقتل بالمسلم الذي قتله، كما لو قتل المسلم مسلماً عمداً وعدواناً.
أما لو قتل مسلماً خطأً، فإنه لا يعتبر موجباً لانتقاض عهده، فهناك فرق بين قتل الخطأ وقتل العمد؛ لأن قتل الخطأ جاء بدون اختياره، ولا يوجب هذا نقض العهد له.
(أو زِناً): إذا زَنا الذمي بمسلمة، وفَجَر بها، سواءً عن طواعية -والعياذ بالله- أو عن غصب، ففي كلتا الحالتين يُخْفَر دمُه، وينتقض عهدُه، وهذا قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه إذا فَجَرَ الذمي بالمسلمة، فإنه حينئذ ينتقض عهده، ويُقتل، وبعض العلماء يرى أنه يقام عليه الحد، كالمسلم سواءً بسواء، ولا يرجم وإنما يُجلد، ولكن الصحيح ما ذكرناه؛ لأنها سنة راشدة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس له مخالف من الصحابة، وقد كتب بذلك رضي الله عنه وأرضاه في كتبه.
(أو قطعِ طريقٍ): إذا قطع الطريق على المسلمين فإنه في هذه الحالة ينتقض عهده، ويرجع إلى حاله الأصلي، ويصبح مهدر الدم.
(140/18)
________________________________________
تجسس الذمي أو إيواؤه الجواسيس ينقض عهده
قال رحمه الله: [أو تجسَّسَ أو آوى جاسوساً] (تجسَّسَ) أي: تتبَّعَ أخبار المسلمين، فكان عيناً للكفار على المسلمين، وهذا فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي داود وغيره، أنه لما جلس مع أصحابه، فجاء عين من المشركين، فجلس يسترق الحديث، ثم قام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أطلبوه واقتلوه) فأمرهم بطلبه وقتله، فإذا ثبت عليه ذلك، يصبح ضرراً على الإسلام والمسلمين، ويكون قد أراد بعهده وذمته خديعة الإسلام والمسلمين، فيؤاخذ بذلك.
وهكذا إذا آوى العين أو الجاسوس؛ فإنه يؤاخذ على ذلك، ويكون حكمه كحكم الأول.
(أو ذكر الله أو رسوله أو كتابه بسوء) كأن يسب الله -والعياذ بالله- أو يسب الإسلام، أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه كلها ينتقض بها عهدُه، على أصح قولي العلماء، وهما: الأول: قول الجمهور: يرون أنه إذا سب الله وسب الإسلام وسب المسلمين، أي: سب دينهم وقصد بذلك المساس بالدين وعقيدة المسلمين، فإن هذا يوجب انتقاض العهد بينه وبين المسلمين.
الثاني: وقول الإمام أبو حنيفة: لا ينتقض عهده؛ لأنه كافر، وليس بعد الكفر ذنب، فإذا كان من حيث الأصل يعتقد التثليث ويعتقد أن عيسى ابن لله، فإن هذا لا يمنع أن يُتْرَك على ما يعتقده من الكفر.
والصحيح: مذهب جمهور العلماء، أنه إذا فعل هذه الأمور فإنه ينتقض عهده؛ لأن هناك فرقاً بين دينه الذي ورد الشرع باستثنائه، وبين غيره الباقي على أصل العموم؛ مع أن الأصل أنه يؤاخذ على الكل؛ لكن جاء الاستثناء في دينه وما يعتقده مما فيه شبهة الكتاب، لوجود التحريف في كتبهم، ويبقى ما عداه على الأصل من المؤاخذة.
(انتقض عهدُه دون نسائه وأولاده): (انتقض عهدُه) أي: أصبح لا ذمة له.
(دون نسائه وأولاده): وهذا من عدل الإسلام، والإسلام دين عدل ودين رحمة، فلم يؤاخذ أولاده وذريته ونساءه بما فعل من جريمة: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164] فلذلك يقولون: ينتقض عهده، وأما أولاده وذريته فإن بقوا بين المسلمين ورضوا أن يبقوا بينهم فبها وأنعِمْ، وإن لم يبقوا بين المسلمين فحينئذ يُخرَجون إلى ديار الكفر ولا تبقى لهم ذمة ولا يبقى لهم عهد.
فكونه يُقْدِم على هذه الأمور التي فيها إضرار بالإسلام والمسلمين، هذا موجب لزوال العهد وانتقاضه فيما بينه وبين المسلمين.
(وحَلَّ دمُه) أي: أن الإمام يقتله؛ لأنه أصبح كافراً حربياً، إعمالاً للأصل، وإنما أُمِّن لوجود الذمة، فإذا تسبب في إزالة الذمة عن نفسه فقد خُفِر دمُه، وعاد إلى الأصل الموجب لحل سفك دمه، فيفعل به الإمام ما يرى فيه النكال به وبمن على شاكلته من أهل الكفر.
(140/19)
________________________________________
خلاصة أحكام أهل الذمة ودلائلها
بهذا نكون قد انتهينا من أحكام أهل الذمة، وهي في مجملها تدل على أمور مهمة: أولها: لطف الله عز وجل ورحمته بعباده في هذا الدين الذي جعله الله رحمة للعالمين، حتى إن الكفار يعيشون بين المسلمين لهم أمان ولهم عهد، ولا يجوز للمسلم أن يقدم على خيانتهم وخَتْلهم وأذيتهم.
ولا يجوز لهم أيضاً أن يقدموا على المساس بحرمة الإسلام وحرمة المسلمين.
الأمر الثاني: أن هذا العهد الذي بينهم وبين المسلمين مقيد بأهل الذمة من أهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس، فلا يشمل المشركين وعبَّاد الوثن، ولذلك يقول الله في كتابه: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة:7] فاستثنى الله الذين عاهدهم الرسول عند المسجد الحرام، وأما غيرهم من أهل الشرك والأوثان فلا، فإن الله ساق هذا السياق للذم والاستبعاد، وعلى هذا فليس للمشركين من عباد الوثن هذا العهد الخاص والذمة الخاصة، وإنما هي خاصة بأهل الكتاب كما ذكرنا.
الأمر الثالث: إن هذا العهد، وهذا العقد، وهذه الذمة مبنية على أصول وضوابط شرعية تدل على حكمة الله، وعلمه بخلقه، وهي أن أهل الذمة يعيشون بين المسلمين ويلتزمون بأمور وبحقوق وواجبات تفرض عليهم.
وكذلك يلتزم لهم المسلمون بحقوق وواجبات يؤدونها إليهم، فلا يُظْلَم كلُّ ذي حق في حقه، فعلى المسلمين أن يقوموا بحفظهم، وحقن دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، فلا يُقتلون، ولا تغتصب أموالُهم، ولا تسرق، وكذلك أيضاً لا تستباح بدون وجه حق، ويكون لأعراضهم ما لأعراض المسلمين من الحرمة، فلا يجوز لأحد أن يعتدي عليها، ولا أن يؤذيهم فيها.
وهم يلتزمون بدفع الجزية التي تفرض عليهم في زمانها بالقدر المفروض على الصفة التي ذكرناها، والتفصيل الذي ذكرناه.
فإذا التزموا بها، والتزم المسلمون بما عليهم على الصورة التي ذكرناها، يكون الإسلام قد حقق الأمرين: الرحمة.
ووضعُها في موضعها.
فهي رحمة؛ ولكنها وُضِعت في موضعها، وليس من الحكمة أن يأتي الإنسان بالرحمة ويضعها في غير موضعها؛ لأن هذا هو شأن الضعيف المتخاذل، وإنما توضع الرحمة لمن يستحقها، ويكون ذلك في الحدود والضوابط الشرعية التي ذكرناها.
ومن الخطأ ما يفهمه البعض ممن يكتب عن حال المسلمين أو في تاريخ المسلمين، عما كانوا عليه مع أهل الذمة، فيحاول أن يجعل الأمور كلها نوعاً من المسامحة ونوعاً من التقارب ونوعاً من الرضا، وهذا ليس بصحيح، فإن الله سبحانه وتعالى حكم من فوق سبع سماوات بأنه لا بد من تميز المسلم عن الكافر، وأنه ينبغي للمسلم أن يحفظ حق دينِه، وأن يراعي هذا التميز الذي فرضه الله عليهم من فوق سبع سماوات، وليست هذه العقود التي بين المسلمين وأهل الذمة مشعرةً باتحاد الأديان، من جهة أنها كالشيء الواحد، فهي وإن كانت في أصلها من أصل واحد؛ لكنها متفاوتة ومتباينة، حتى في العقائد والأصول، فتجد عقيدة التثليث لا يمكن أن تجتمع مع عقيدة التوحيد، فيأبى الله ويأبى رسوله صلى الله عليه وسلم ويأبى المؤمنون أن يجتمع من يقول: (هو الله أحد)، ومن يقول: (إنه ثالث ثلاثة)، والله تعالى يقول: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة:73] فالله عز وجل حكم بتباين هذه العقائد، وعدم اتفاقها.
فينبغي للمسلم ألاَّ يفهم من هذه الأمور أن معناها أنه وهو والكافر كالشيء الواحد، بل إنها أمور مقيَّدة، ومقنَّنة، ومحدَّدة، وقُصِد منها مصالح الإسلام أولاً وأخيراً، وقُصِد مِن عيش هؤلاء بين المسلمين أن يرضوا بالإسلام، وأن يألفوا الإسلام، لعل الله أن يهديهم من ضلالتهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وعلى آله وصحبه.
(140/20)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [1]
البيع معاملة من المعاملات التي بين الله حكهما، وفصل في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم جملة من قواعدها، فهي معاملة مهمة، وقلّ أن يمر على الإنسان يوم إلا وهو بائع أو مشتر، أو جامع بين البيع والشراء، ولهذا يعتبر البيع مما تعم به البلوى، وعلى ذلك فيلزم المسلم أن يعرف ما أحل الله له من البيوع فيتعامل بها، وما حرمه الله عليه منها فيجتنبها.
(141/1)
________________________________________
أهمية كتاب البيع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب البيع].
هذا الكتاب يعتبر من أهم الكتب المتعلقة بالمعاملات، ومن عادة أهل العلم رحمهم الله في كتب الفقه والحديث أن يبدءوا بما ورد في أحكام العبادات، ثم بعد ذلك يذكرون أحكام المعاملات.
والمصنف رحمه الله ابتدأ بكتب العبادات، فبين أحكام الطهارة والصلاة وأحكام الزكاة والصوم والحج، ثم بعد ذلك ذكر كتاب الجهاد، ثم قال رحمه الله: [كتاب البيع]، فكأن المصنف أراد أن يربط بين المعاملات المالية وبين العبادات؛ والسبب في ذلك أنه من الصعوبة بمكان أن ينتقل الإنسان من العبادة المحضة إلى المعاملة المحضة؛ لأن كتاب البيع فيه جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بالأموال وبالدنيا، من بيع وشراء وأخذ وعطاء، ولكن كتب العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج تتعلق بما بين العبد وربه في غالب صورها، ولهذا احتاج المصنف رحمه الله أن يربط بين العبادات والمعاملات، فلا ينقلك من الصلاة والزكاة والصيام والحج إلى البيع مباشرة، فمن فقهه وعلمه أدخل كتاب الجهاد؛ لأن كتاب الجهاد معاملة بين الخالق والمخلوق ومعاملة كذلك بين المخلوق والمخلوق، فجعل كتاب الجهاد وسطاً بين العبادة المحضة والمعاملة المحضة؛ لأن الفقيه وطالب العلم لو أنه بعد انتهائه من العبادات دخل في المعاملات لكان هناك شيء من التضاد، بعد أن كان في باب مليء بالنصوص إلى باب مليء بالاجتهادات والقياس على النصوص؛ ولذلك ربط رحمه الله بينهما بكتاب الجهاد.
البيع معاملة من المعاملات التي بين الله حكمها، وفصل في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم جملةً من قواعدها، فهي معاملة مهمة، وقلَّ أن يمر على الإنسان يوم من الأيام إلا وهو بائع أو مشترٍ أو جامع بين البيع والشراء، ولهذا يعتبر مما تعم به البلوى، أي: أن الناس قلَّ أن يسلموا من هذا التعامل، والله تعالى أمرنا وشرع لنا نوعاً معيناً من البيع نتعامل به، وحرَّم علينا نوعاً آخر، فينبغي للمسلم أن يعلم ما الذي أحل الله فيفعله، وما الذي حرم الله عليه فيجتنبه.
ومن هنا كان لزاماً أن تقرأ أحكام البيع، فهي من العلوم التي ينبغي لطلاب العلم أن يتعلموها إذا لم يوجد من يقوم بالكفاية، خاصةً في هذا الزمان الذي قلَّ أن تجد من يتقن مسائل المعاملات، وبالأخص مسائل المعاملات المالية، فقد تجده يتقن أحكام الصلاة وأحكام الصيام وأحكام الحج، وقد يبتلى بطعمة الحرام والتعامل بالبيع المحرم وهو لا يدري، فقد يكون من خيار عباد الله؛ ولكن الجهل يوقعه في الحرام؛ ولهذا ينبغي للمسلم أن يحتاط لدينه، ولطالب العلم أن يسد الثغر لأمته؛ فيرعى هذا الأمر العظيم، ويتعلم هذا الباب، حتى يحسن إلى الناس ببيان الأحكام الشرعية.
والله جل وعلا جبل الناس على حب المال والافتتان به وزين لهم ذلك، فإذا كان الناس لا يجدون من يبين لهم الأحكام انهمكوا في الحرام، وأصبح الحلال ما حل بأيديهم، والحرام ما بعد؛ وعندها لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً إلا ما أشربوا من هواهم، فتنتشر بينهم المعاملات التي يظنون جوازها؛ لأنها سائدة ومعروفة والناس ألفتها، وقد تكون فيها أرباح تغر الناس حتى يألفوها، فيظنون أنه الحلال، وما هو إلا الحرام الذي يعذَّب الإنسان بطعمته، خاصة إذا فرَّط بمعرفة حكمه.
يقول أهل العلم: يتعين على الإنسان تعلم مسائل البيع إذا كان يتعاطى التجارة ويبيع ويشتري، فيجب عليه أن يتعلم ما الذي أحلَّ الله له بيعه فيبيعه، وما الذي حرم الله عليه بيعه فيجتنبه ويتقيه، ومن هنا كان لزاماً على طلاب العلم أن ينتبهوا لهذه المسائل، فهو باب مهم جداً، وكان العلماء رحمهم الله إذا أرادوا أن يعرفوا فقه الرجل نظروا إليه في باب المعاملات، وإن كان باب العبادات له شأنه ومنزلته، ولكنهم يتميزون ويظهر الفرق فيما بينهم في باب المعاملات؛ لأنه يحتاج إلى شيء من الدقة وشيء من التركيز، يبرز فيه فقه الفقيه، وفضل الله عز وجل على عباده، والله فضل بين العلماء، ورفع بعضهم على بعض درجات، فإذا أحب طالب العلم أن يعظم أجره في هذا العلم فليتقن مثل هذه المسائل ومثل هذه الأبواب، وليتعب وليجتهد وليصبر على عنائها؛ لأنها قد تمل وقد تحدث عنده شيئاً من السآمة، لكنه يصبر ويصابر، ويعلم ما أعد الله من الثواب لمن أحسن وجد في طاعته ومرضاته، خاصة فيما يعظم فيه النفع للمسلمين.
والعلماء رحمهم الله ذكروا أن البيع مما يحتاج المسلم إلى معرفته، ويتعين عليه ولو في آحاد الصور، فإذا كنت تتعامل بنوع من أنواع البيع، فيجب عليك أن تسأل عن هذا النوع، فهذا أقل ما يجب عليك، فلو فرضنا أن الإنسان يتبايع بالذهب والفضة، فعليه أن يسأل ما هي أحكام صرف الذهب والفضة، وما هي أحكام بيع الذهب والفضة، وكيف يمكنه أن يتقن تلك الأحكام، أو على الأقل عليه أن يلم بأصولها التي ينبني عليها بابها.
(141/2)
________________________________________
تعريف (كتاب البيع) لغةً واصطلاحاً
يقول المصنف رحمه الله: [كتاب البيع]، عبَّر (بالكتاب) لسعة هذا الباب وعظيم ما فيه من المسائل الكثيرة والفروع المشتهرة.
وقوله: (البيع) مصدر مأخوذ من قولهم: باع الشيء يبيعه بيعاً ومبيعاً فهو بائع، وهو مأخوذ من الباع؛ لأن كلاًّ من البائع والمشتري يمد باعه، فأنت -مثلاً- لو مررت على إنسان تريد أن تشتري منه كتاباً فقلت له: بعني هذا الكتاب بعشرة ريالات، فقال: بعتكه بعشرة، أو قبلت، فقدَّم لك الكتاب وأعطيته العشرة، فإنك تمد الباع بالعشرة وهو يمد الباع بالكتاب، فقالوا: سمي البيع بيعاً من هذا.
أما في اصطلاح أهل العلم رحمهم الله، فهناك تعاريف كثيرة للبيع.
وبالمناسبة: تجد العلماء يعتنون دائماً بمسألة التعريف الاصطلاحي، أو التعريف الشرعي، أو الحقيقة الشرعية، وقلَّ أن تجد باباً من الفقه إلا وله تعريف اصطلاحي، فالصلاة تعَرّف لغة واصطلاحاً وكذلك الزكاة الرهن الإجارة الشركة المضاربة، إلى غير ذلك من الأبواب والكتب، فما السبب في ذكر هذه التعاريف؟ السبب: حتى تتميز المعاملات بعضها عن بعض، فربما يأتيك شخص فتقول له: بعتك هذه السيارة بكذا فيقول: قبلت، فيقول شخص آخر: هذه إجارة، فتقول له: لا؛ لأن البيع حقيقته مبادلة المال بالمال تمليكاً بالتراضي، ولكن الإجارة مبادلة المال بالمنفعة، فتستطيع أن تعرف ما هو المراد بكلمة (بيع) فأنت تنتقل في كتب العلماء بأفكار مرتبة وعلوم متقنة، فإذا عرفت ما هو البيع يرد

السؤال
ما موقف الشرع من هذا البيع؟ ثم يرد السؤال: إلى كم قسم ينقسم؟ بيع حلال وبيع حرام.
فما هي أوصاف الحلال، وما هي أوصاف الحرام؟ ثم يرد سؤال آخر: ما الذي يترتب على البيع الحلال؟ وما الذي يترتب على البيع الحرام؟ وعندها تكتمل الصورة في هذا الباب من أبواب المعاملات.
فنحن نحتاج أولاً إلى معرفة مقدمات البيع، ومقدمات البيع تستلزم منك أن تعرف حقيقته لغة، وقد بيناها، وحقيقته اصطلاحاً، وثانياً: أن تعرف موقف الشرع من هذه المعاملة هل هي جائزة أم محرمة؟ ثم إذا كانت جائزة فهل هي جائزة على سبيل اللزوم أو على سبيل التخيير، أو على سبيل الفضيلة؟ ثم بعد ذلك تعرف ما هي أركان هذه المعاملة، وتعرف المقدمات التي يمكن أن تتصور من خلالها المعاملة، ثم تدخل بعد ذلك في التفصيلات والأحكام.
وأكرر الوصية لطلاب العلم ألا يملوا ولا يسأموا؛ لأننا سندخل من هذا الكتاب إلى مباحث دقيقة ومسائل قد تكون بعض الشيء عويصة، وإن كنا لا زلنا في المقدمات، لكن ينبغي على طالب العلم أن يصبر وأن يأخذ من مجلس العلم ما استطاع أن يتوصل إليه من الفائدة.
البيع في الاصطلاح: مبادلة المال بالمال تملكاً وتمليكاً، وبعض العلماء يقول: بالتراضي، وسنشرح هذا التعريف عند ذكر المصنف رحمه الله للجملة الأولى في كتاب البيع.
(141/3)
________________________________________
مشروعية البيع
أما بالنسبة لمشروعية البيع وما موقف الشريعة من هذا النوع من المعاملات، هل هو حرام، أو هو جائز؟
و
الجواب
أن البيع جائز ومشروع، وأن الله عز وجل أذن بالبيع، وأقوى الأدلة على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] فإن كلمة: (أحلَّ) كما يقول علماء الأصول: تعتبر من صيغ الإباحة، فإذا قال الله (أحلَّ) بصيغة البناء للمعلوم أو بصيغة البناء للمجهول كقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة:187] {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة:96] فهذه الصيغ تدل على الجواز والإباحة.
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] نسب سبحانه التحليل له؛ لأنه هو الذي يحلل وهو الذي يحرم، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] {يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [الرعد:41].
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] هذه الآية يقول العلماء: إنها أصل في جواز البيع، فما معنى قولهم أصل؟ يقول بعض العلماء إن هذه الآية عامة، بمعنى أن قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] الأصل أن كل بيع جائز، حتى يدل الدليل على حرمته وعدم جوازه، فأنت إذا جئت إلى أي بيع فإن من حقك أن تقول: لي الحق أن أتعامل بهذا البيع حتى أسمع دليلاً من الكتاب أو دليلاً من السنة يقول: إن هذا البيع حرام.
هذا معنى قولهم: إنها أصل في البيوع، أو أصل في حلِّ البيع وجوازه.
ثانياً: وبعض العلماء يقول: إن الآية مجملة.
ومعنى قولهم: (مجملة): أنه يتوقف في الاستدلال بها حتى يرد البيان، وهذا الإجمال فيه خلاف بين العلماء، وهي مسألة أصولية، والصحيح أنها آية عامة، وأنها مبينة وليست بمجملة، والذين يقولون إنها مجملة -من باب الفائدة لطلاب العلم- اختلفوا في سبب الإجمال: فبعضهم يقول: أجملت لقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] فقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] فلما قال: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] الربا: أصله الزيادة، فأحل شيئاً وحرم شيئاً، فكانت الآية دالة على جواز البيع، لكن لما قال: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] لم ندر أي الربا المحرم، وأي الزيادات المحرمة، فأصبحت الآية فيها شيء من الإجمال، وتحتاج إلى تفصيل وبيان من السنة.
هذا الوجه الأول.
الوجه الثاني: إن الإجمال لم يأت من الآية، وإنما جاء من شيء خارج عن الآية، وهو دليل السنة، والسبب في ذلك: أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (أنه نهى عن بيع الغرر)، فلما ثبت عنه ذلك احتجنا أن نعرف ما هو الغرر؛ لأن الغرر أصله المخاطرة، بمعنى: أنه لا يجوز لك أن تتعامل مع أخيك المسلم ببيع فيه تغرير له، كأن تقول له: (اسحب هذا الرقم وادفع خمسين ريالاً)، وقد يخرج لك ما قيمته ألف ريال، وقد يخرج ما قيمته عشرة ريالات، فأنت تغرر به، فلا يجوز هذا النوع من البيع، والغرر بابه واسع، ومن هنا أصبح قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] مستثنىً منه نهيه عن الغرر، فاحتجنا أن نعرف ما هو الغرر المحرم، وما هو الغرر المعفو عنه؟ فمثلاً: حين تبيع البيت ينبغي أن يكون المبيع معلوماً، ولكنك لا تدري ما هو أساس البيت وهل قواعده سليمة، أم بها عطل؟ فأنت تبيع شيئاً مجهولاً، نقول: هذا غرر معفو عنه؛ لأن الشرع لو جاء يدقق في هذا لأحرج الناس، والشرع لا حرج فيه، فيغتفر مثل هذا الغرر.
إذاً: عندنا غرر معفو عنه، وعندنا غرر محرم، فتصبح الآية محل إجمال من هذا الوجه.
الخلاصة: أن الآية الكريمة: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] أصل في حل البيع وجوازه.
الدليل الثاني: قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النساء:29] فإن هذه الآية الكريمة دلت على جواز البيع؛ لأن الله حرم أكل المال وأخذه، واستثنى وقال: أي: إلا أن يكون الأكل للمال بالتجارة فلا حرج، فدل على جواز التجارة، ومن هنا قال بعض العلماء: (أفضل المكاسب مكاسب التجارة)؛ والسبب في ذلك: أن التجارة فيها منفعة لكثير من الناس؛ فالتجار يجلبون الأرزاق للناس، ولولا الله ثم التجار لهلك الناس، فيجلبون أرزاق الناس وأقواتهم، ويجلبون ما فيه صلاح لأبدانهم، وقد يجلبون تجارة فيها معونة لطلاب العلم، كالكتب ونحوها من الأوراق والأقلام، فمن هنا فقالوا: التجارة أفضل.
وقال بعض العلماء: الزراعة أفضل.
المهم: أن قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} [النساء:29] يعتبرونه أصلاً في جواز البيع وحلِّه.
الدليل الثالث: قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:9 - 10] فحرم الله البيع عند أذان الجمعة؛ وتحريم الله للبيع قد يكون لأسباب عديدة، منها: ظلم المسلم، كبيع الغش وبيع النجش.
ومنها: ما يسبب قطع أواصر الأخوة، كبيع المسلم على بيع أخيه المسلم وسومه على سومه.
ومنها: البيع في الوقت المستحق لما هو أهم، فهناك أوقات مستحقة لما هو أهم، كأوقات الصلوات المفروضة، فلما كان الوقت في يوم الجمعة مستحقاً لما هو أهم وآكد، وهو فريضة الله عز وجل بصلاة الجمعة حرَّم الله البيع، فقال: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] ثم قال بعدها: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] (وَابْتَغُوا) أي: اطلبوا، و (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)؛ لأن البيع والتجارة والأرزاق كلها من فضل الله سبحانه وتعالى، والأمر للإباحة، وقد كان بعض العلماء وبعض السلف يحب للمسلم أن يؤخر حوائجه ويشتريها بعد صلاة الجمعة؛ امتثالاً لقوله تعالى: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
إذاً فقوله: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) دال على حلِّ البيع؛ لأنه نهى ثم أمر، والأمر بعد النهي يرجع إلى ما كان عليه، فإذا كان الشيء واجباً ثم نهي عنه، ثم أمر به رجع واجباً، وإذا كان الشيء مباحاً ثم نهي عنه ثم أمر به رجع حلالاً مباحاً مثلاً: حرَّم الله الصيد على المحرم: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة:96] {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:95] ثم قال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2] فعلمنا أن هذا الأمر ليس للوجوب، وإنما هو دال على الإذن السابق للنهي، وعلى هذا قوله: {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] لا يدل على وجوب البيع والشراء بعد صلاة الجمعة، وإنما المراد به حل البيع والشراء.
الدليل الرابع: قوله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198] والآية نزلت فيمن يريد الحج والتجارة، فأذن الله ورخص لهم في ذلك.
والسنة دلت أيضاً على حلِّ البيع وجوازه: وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) وهذا من دلالة السنة القولية.
أما السنة الفعلية: فإن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم تعامل بالبيع، فاشترى من اليتيمين الحائط الذي بنى فيه مسجده وحجراته صلوات الله وسلامه عليه.
وكذلك أيضاً: اشترى من جابر بعيره، وشرط جابر حملانه إلى المدينة.
إذاً: تعامل النبي صلى الله عليه وسلم بالبيع، بقي عندنا السنة التقريرية، وهي النوع الثالث من السنة: فإن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم جاء والسوق قائم في المدينة، وهي مكان التشريع، ومع ذلك سكت، وأقر الناس على البيع والشراء، ولم يحرم عليهم إلا ما حرم الله، فدل على حلِّ البيع وحلِّ التجارة وجوازها.
إذاً دلَّ دليل السنة بالقول وبالفعل وبالتقرير.
وأما الإجماع فقد أجمع العلماء على أن البيع جائز ومشروع، وأنه مما أذن الله به ووسع به على عباده.
(141/4)
________________________________________
أنواع البيع
البيع ينقسم إلى نوعين: بيع مأذون به شرعاً.
وبيع غير مأذون به شرعاً.
فأما البيوع التي أذن الله بها فهي لا تنحصر، وأما البيوع التي حرمها الله فهي منحصرة ومعدودة، والدليل على ذلك من الكتاب قول الله عز وجل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] فما قال سبحانه: (وأحل الله بيع السلم، وأحل الله بيع الخيار، وأحل الله بيع المرابحة)، وإنما عمم وقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275]، ثم لما جاء إلى التحريم قال: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] وما قال: (وحرم البيع)، فلما جاء إلى الحلِّ عمم، ولما جاء إلى التحريم خصص وعين، فأصبح الذي أحلَّه أكثر مما حرمه، ومن هنا جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يؤكد هذا المعنى، فأنت إذا تأملت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجدها في النهي، ولذلك تجد المحدثين -وهذا من فقه علماء الحديث- يقولون: (باب البيوع المنهي عنها شرعاً)، ولم يقولوا: (باب البيوع المأذون بها شرعاً)؛ لأنها لا تنحصر، والذي ينحصر المحرم، ولذلك قالوا: باب البيوع المنهي عنها شرعاً، باب البيوع المحرمة: بيع الملامسة المنابذة الحصى حبل الحبلة بيع الغرر بيعتين في بيعة.
إلخ.
فهذه البيوع معدودة محدودة، وأما البيوع الجائزة التي لا تنحصر فمنها بيع السلم، والخيار، والمرابحة، والصرف، وبيع المقايضة من حيث الأصل، فهذه من حيث الجملة بيوع مأذون بها شرعاً، وسنبينها إن شاء الله ونتكلم عليها.
وهناك ضوابط وضعها العلماء للبيوع المحرمة قلَّ أن تخرج عنها: الضابط الأول: أن يكون المبيع محرماً عيناً؛ كبيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام، والنجاسات، ونحوها مما حرم الله عز وجل بيعه.
الضابط الثاني: أن يكون من باب الربا؛ كأن يبيع الريال بالريالين، أو يصرف الريال بالريالين ورقاً كان أو حديداً، فهذا يعتبر من الربا، وسنبينه إن شاء الله ونذكر وجه تحريمه من اشتماله على الظلم وأكل أموال الناس بالباطل.
الضابط الثالث: أن يكون من باب بيع الغرر، وبيع الغرر أن يعطيه الشيء وهو في الظاهر يحتمل السلامة ويحتمل عدم السلامة، كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وبيع المجهولات، كبيع الأرقام والنصيب، ونحوها، فهذه بيوع تدفع فيها مالك ولا تضمن ما الذي تأخذه أو لا تدري ما هو، فقد يكون شيئاً غالياً وقد يكون شيئاً بخيساً لا يستحق المال الذي دفعته، فهو من أكل المال بالباطل، وسنبين جميع هذه الضوابط أو جلَّها، إن شاء الله تعالى.
إذاً: عندنا بيع مأذون به شرعاً، وعندنا بيع محرم شرعاً.
كذلك هناك مسألة مهمة: إذا كنا قد عرفنا أن الذي أحل الله أكثر مما حرم، ندرك سماحة الشرع ويسر الشريعة، وأنه إذا جاءك من يطعن في هذه الشريعة ويقول: أنتم تحرمون على الناس، فقل له: يا أخي! أخطأت، إن الذي حرم هو الله والذي أحل هو الله، والذي حرمه الله شيء مخصوص، والذي أذن الله لك أن تتعامل به وأن تأكله وأن تأخذه لا ينحصر، ولكننا نقول: هذا الشيء المعين حرمه الله فاتركه.
فالمقصود: أن الله سبحانه وتعالى حينما حرم لنا فخصص، وأباح لنا فعمم، دل هذا على سماحة الشريعة ويسرها، وأن الله يريد التوسعة على عباده.
ثم إن الله ما حرم شيئاً إلا لعلة، فقد يكون البيع سبباً في إفساد الأخوة بينك وبين أخيك المسلم، فقد يبيع المسلم أخاه شيئاً مغشوشاً، فإذا باعه شيئاً مغشوشاً لم يسكت المشتري، فيطالب بحقه فيصر البائع فتحدث بينهما الخصومة، ثم يدخل الإنسان إلى السوق منتزع الثقة، ولذلك تجد في البلاد غير الإسلامية عندما تدخل السوق لا تضمن شيئاً؛ لأنك تدخل على شيء لا تعرف ما هو، بيوع مختلفة، وكلها وسائل لأكل المال بطرق ملتوية، لكن في الإسلام تجد الشريعة توقفك على مبيع معين، وتشدد في الشروط وتضيق عليه من أجل الرحمة بك وبمن يعاملك؛ لأن الله يريد العدل بينك وبين المشتري، فلم يظلم الله البائع ولم يظلم الله المشتري، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]، وإنما أعطى لكل ذي حق حقه، فإذا مد لك أخوك المال، فينبغي أن تعطيه حقه وترضيه، {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، فلا يؤخذ المال باللعب ولا بالغش ولا بالتزوير، ولكن يؤخذ بحقه، فتبقى مطمئن النفس للمال الذي أخذته والكسب الذي اكتسبته، ويبقى أخوك مطمئن النفس مرتاح البال للسلعة التي أخذها، وكل منكم يُبارك له في سلعته كما في الحديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).
وإن من الحكم المستفادة من شرعية البيع: أن الله سبحانه وتعالى جعل فيه جلب المصالح ودرء المفاسد عن العباد، فأنت إذا احتجت إلى شيء، وهذا الشيء موجود بيد أخيك وأنت لم تستطع أن تطلبه ذلك الشيء وهو لا يستطيع أن يعطيكه إلا بعوض، فشرع الله البيع حتى تحصِّل المصالح لنفسك وتدرأ المفاسد عن نفسك، ويحصل أخوك المصالح لنفسه ويدرأ المفاسد عن نفسه، ولذلك مما يعتبر دليلاً عقلياً ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني حيث يقول: إن المسلم أو الإنسان تتعلق نفسه بحاجة عند أخيه -كأن تحتاج إلى سيارة مثلاً؛ لقضاء حوائجك والقيام على مصالحك- وأخوك لا يعطيك هذا الشيء من عنده، ولا يمكنك أن تأخذه بالغصب والقهر، فانظروا إلى حكمة التشريع، فالمشرع سبحانه شرع البيع عدلاً بين العباد، وهذا يدل على الحكمة، وأن البيع موضوع في موضعه؛ لأنه إذا تعلقت نفسه بهذا الشيء كالطعام مثلاً: قد يتعرض للموت إذا لم تعطه الطعام، أو قد يضطر إلى القتل حتى يصل إليه، وحينئذٍ شرع الله البيع لكي يدرأ عن الناس المفاسد، فإذا شرع الله البيع فقد رحم البائع بأخذه لحقه ورحم المشتري لتحقيق مصلحته، وعلى هذا انتظم البيع في تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وقوله رحمه الله: [كتاب البيع] بعض العلماء يقول: (كتاب البيوع)، وكلاهما له وجه، فمن يقول: (كتاب البيوع) ينبه على الشمولية لأنواع البيوع المحرمة والجائزة، وأما من يقول: (كتاب البيع) فقد عبر بالمصدر.
(141/5)
________________________________________
بعض أحكام ومسائل كتاب البيع
المصنف رحمه الله حين قال لنا: [كتاب البيع]، كأنه يقول: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام المتعلقة بمعاملة البيع.
ويستلزم هذا: أن يعرف البيع كما ذكرنا، وأن يذكر شروط البيع، وأن يذكر بعد ذلك أنواع البيوع الجائزة والمحرمة.
فهناك أمور ينبغي أن نضعها في الحسبان: الأمر الأول ما يسمى (بالمقدمات)، وهذا ما يتعلق بالتصور، والجزئية الثانية (بالأحكام) والقاعدة عندنا: (أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره)، فلابد أن تتصور الشيء ثم تحكم عليه، فإذا تصورت الشيء وعرفته حكمت عليه، سلباً أو إيجاباً.
فأولاً: تعرف ما هو البيع، ثم بعد ذلك ما هي أحكام البيع، وإذا أردت أن تعرف البيع فعليك أن تعرّفه لغة وتعرفه اصطلاحاً، وتتعرف على موقف الشرع منه، وهذا كله انتهينا منه، وهذه جزئية التصور.
والبيع نوعان: بيع مأذون به شرعاً، وبيع محرم شرعاً، وقد عرفنا هذا في المقدمة، فمعنى ذلك أن الكلام ينصب على جانبين: الجانب الأول تعرف فيه البيع الحلال، والجانب الثاني تعرف فيه البيع الحرام.
ثم إذا عرفت البيع الحلال والحرام تسأل: ما الذي يترتب على هذا الحلال؟ وما الذي يترتب على هذا الحرام؟ بناءً على ذلك: تجدهم يتكلمون على أنواع البيوع المحرمة والجائزة، وإذا فرغوا منها يتكلمون على شروط الجواز وشروط التحريم، أو علامات الجواز وعلامات التحريم، فكأن الجزئية عندنا الآن أن يفرقوا بين البيع الحلال والبيع الحرام، حتى يتم بحث ما الذي يترتب على البيع الحلال وما الذي يترتب على البيع الحرام.
فهذا ما يسمى بالشروط.
والبيع من حيث هو يقوم على عاقد، ومعقود عليه، ومعقود به، فأما العاقد: فهما طرفا العقد البائع والمشتري، وأما المعقود عليه: فهو المحل الذي ورد عليه البيع، سيارة كتاب عمارة مزرعة إلخ، كأن تقول: بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فيقول: قبلت، نقول: وقع البيع، ومحل البيع (سيارة) في مقابل عشرة آلاف ريال، وهذا يسمى محل العقد، وسمي محلاً؛ لأن الصيغة وردت عليه، فعندنا العاقدان، وعندنا المعقود عليه، وعندنا المعقود به، والمعقود به: هي الصيغة التي تم بها عقد البيع، (بعتك) بعشرة آلاف، (قبلت) (رضيت) ونحو ذلك مما يدل على الرضا.
بناءً على هذا: يضع العلماء شروطاً للبيع، وشروط البيع معناها العلامات والأمارات التي نصبها الشرع للحكم بجواز البيع، فإذا قالوا: شروط صحة البيع فمعنى ذلك: أنهم يضعون لك كطالب علم علامات وأمارات إذا سئلت عن هذا البيع هل هو جائز أم لا؟ فمثلاً: سألك رجل فقال: بعت هذا الصندوق بعشرة ريالات، فهل يصح البيع أم لا؟ تقول: عندي علامات وأمارات لصحة البيع، فتستذكر: الشرط الأول -مثلاً-: أن يكون المبيع معلوماً، فتنظر في محل العقد، فإذا به يقول: صندوق مقفل، تقول: ما الذي بداخله؟ يقول: لا أدري، تقول: إذاً المبيع مجهول، فالبيع في الشرع غير جائز حتى يعلم المشتري ما الذي بداخل الصندوق؛ لأن هذا من بيع المجهول، وبيع المجهول غرر، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ولذلك حرم بيع الجنين في بطن أمه؛ لأننا لا ندري أحي هو أو ميت؟ وإذا كان حياً هل هو كامل الصفات أو ناقص الصفات؟ ثم إذا كان حياً لا ندري أيخرج حياً أو ميتاً؟ فإذاً عندي علامة لأحكم بصحة البيع ينبغي أن تتوفر، فإذا كانت ليست بموجودة في هذا البيع فالبيع غير صحيح.
وهناك شروط تتعلق بالعاقد، فلو جاءك رجل وقال: بعت سيارة بعشرة آلاف، تسأله: هل تملك السيارة؟ قال: لا، السيارة لأخي، ولكنني أعلم أن أخي سيرضى، تقول: هل وكلك أخوك؟ قال: لا، إذاً تصير فضولياً، ثم تنتقل إلى أخيه وتقول: هل أذنت له؟ قال: لا، هل ترضى بالبيع؟ قال: لا، تقول: البيع فاسد؛ لأن عندي قاعدة في العاقد: وهي أن يكون مالكاً للذي في يده.
وكذلك لو أنك في القضاء واختصم إليك رجل، وقال: اشتريت من هذا الصغير بيته بعشرة آلاف، وهذا الصغير ورث البيت عن أبيه، فجاء أولياء الصغير وقالوا: لا نريد البيع، ولا نوافق عليه، تقول: من البائع؟ قالوا: الصغير، الصغير هذا هل يملك؟ نعم يملك، لكن هل هذا الصبي أهلاً للتصرف؟ ليس أهلاً للتصرف، إذاً: هل شرط الصحة توفر، أو لم يتوفر؟ لم يتوفر، فترجع إلى ولي الصغير وتقول له: هل تقر هذا البيع؟ وهل هو من مصلحة هذا اليتيم؟ فإن قال: لا، ليس من مصلحته، بل من مصلحته أن يؤخر البيع إلى سنة أو في شهر الموسم رجاء ارتفاع السعر، فتقول: البيع فاسد؛ لأن العاقد ليس أهلاً للتصرف.
هذا بالنسبة للشرط الذي يتعلق بالعاقد.
بقي المعقود به أي: الصيغة، أيضاً لها شروط ولها ضوابط، فلو قال له: أتبيعني؟ قال: نعم، فالاستفهام عند بعض العلماء لا ينعقد به البيع، وسنبين هذا في الصيغة.
إذاً تحتاج أولاً إلى معرفة علامات الصحة وعلامات الفساد، وهذا هو الذي سيذكره المصنف في الباب الأول، فأنا أحب من طالب العلم أنه عندما يقرأ هذه الكتب أن يكون عنده إلمام، فينبغي ألا نقرأ كتاب البيع هذا حتى نعرف ما الذي يراد من العبارات وما الذي يراد من الجمل؛ لأن أبواب المعاملات صعبة، وتحتاج إلى شيء من التركيز، فلابد أن تعلم إذا جاءك الشرط هل هو يتعلق بالعاقد أو المعقود عليه أو المعقود به، فتصنف الشروط ثم تحفظها، ثم بعد ذلك لن تسأل عن بيع إلا وجدته له علامات للصحة وعلامات للفساد، فتحكم بالصحة بالدليل وتحكم بالفساد بالدليل.
لكن لو أننا عرفنا حقيقة البيع، وتصورنا ما هو البيع، ثم عرفنا ما هي علامات الصحة وعلامات الفساد، وعرفنا البيع الصحيح والبيع الفاسد، بعد هذا هل ينتهي كتاب البيع، أم أن هناك أموراً مهمة؟ نقول: هناك أمور مهمة، فكونك تعرف أن هذا البيع صحيح أو هذا البيع فاسد لا يكفي، بل لابد أن تعرف ما يسمى بالأثر المترتب على البيع الصحيح والبيع الفاسد، مثلاً: إذا باع رجل سيارة بعشرة آلاف، فأنت لو قضيت بأن هذا البيع صحيح، فما الذي يترتب على حكم الشرع بالصحة لهذا البيع؟ تقول: يجب على البائع أن يسلم المبيع، ويجب على المشتري أن يدفع الثمن، فمعنى ذلك: أنه لابد من وجود أثر يترتب على حكمك بالصحة وحكمك بالفساد، كذلك لو كان البيع فاسداً، فمثلاً: اشترى رجل مزرعة بمليون ريال، ثم بعد عشر سنوات تبين أن المزرعة مزور صكها، أو أن هذه المزرعة مغتصبة، أو تبين أن فلاناً يملكها، أو أن ورثة فلان يملكونها من مائة سنة، وظهر أن هذا البيع الذي وقع بيع لما لا يُملك، وأنت حكمت من الشرط أن يكون مالكاً للمبيع، والرجل أخذ هذه الأرض قبل عشر سنين وهي ميتة فزرعها وبنى فيها، أو أخذها مزروعة فهدمها، أو غير فيها فزاد أو نقص، فما الذي يترتب؟ لا يكفي كونك تقول: هذا البيع صحيح، أو هذا البيع فاسد، فلابد أن تعرف آثار الصحة وآثار الفساد.
وبهذا: إذا عرفت ما هي البيوع الصحيحة وما هي البيوع الفاسدة، وذلك بمعرفة علامات الصحة وعلامات الفساد، بعد ذلك تتكلم على القواعد العامة المترتبة على صحة البيع وفساده.
تبقى جزئية أخيرة وهي التي يسمونها البيوع الخاصة، مثلاً: بيع السلم، وبيع الصرف، وبيع الخيار، وبيع المرابحة، وبيع المواضعة؛ هذه كلها بيوع جائزة وخاصة، وهذه البيوع لها شروط خاصة، فبيع السلم -مثلاً- له شروط غير بيع الخيار، وبيع الخيار له شروط غير بيع المرابحة، فهناك شروط عامة للبيع، وهناك شروط خاصة للبيع، قال صلى الله عليه وسلم: (من أسلم -وفي رواية: من أسلف- فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) هذا بيع السلم، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فيه بشروط: (فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم)، لكن هذه الشروط تتعلق بماذا؟ بنوع خاص فقال: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم) إلخ.
وهذا ليس بشرط متعلق بالبيوع العامة وإنما هو متعلق بالبيوع الخاصة.
كذلك أيضاً عندنا مسألة بيع الثمرة فقد: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، قالوا: يا رسول الله! متى يبدو صلاحها؟ قال: حتى تحمار أو تصفار).
إذاً: عندنا بيع خاص وهو بيع الثمار، وبيع ثمرة النخيل لا يصح إلا إذا بدا الصلاح فيه، فما هو بدو الصلاح؟ ما هي الشروط المعتبرة لحكمنا بهذا النوع؟ إذاً: عندنا شيء عام وعندنا شيء خاص.
فإذا انتهيت من البيوع الخاصة، سواء كانت مباحة أو محرمة تكون قد انتهيت من مادة البيوع.
وهذا إن شاء الله سنتكلم عليه، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا فيه السداد، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم موجباً لرضوانه.
(141/6)
________________________________________
تعريف البيع اصطلاحاً وشرحه
يقول المصنف رحمه الله: [وهو مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة].
(وهو): الضمير عائد إلى البيع، وهذا -كما ذكرنا الجزئية الأولى في البيع- هو تعريف البيع، كأنه يقول: البيع عندنا معشر الفقهاء: مبادلة المال.
فما معنى مبادلة؟ المبادلة: مفاعلة من البدل، ووزن مفاعلة في لغة العرب يطلق على الشيء الذي يستلزم شخصين فأكثر، مثلاً تقول: مقاتلة، مخاصمة، مشاتمة، فكم يوجد؟ رجلان يتشاتمان، أو يتضاربان، أو يشتركان في شركة مضاربة، فهذا كله يسمى بالمفاعلة؛ لأن الشخص لا يقاتل نفسه ولا يخاصم نفسه.
وحينما قال رحمه الله: (المبادلة) معنى ذلك أن عندنا بائع ومشترٍ (مبادلة) مفاعلة من البدل، والبدل أصله العوض، تقول: هذا بدل عن هذا، أي: عوض عنه وقائم مقامه، فهذه هي المبادلة.
وبعض العلماء يقول: البيع معاوضة، والمعاوضة والمبادلة معناهما واحد.
والمبادلة تكون على صور: قد أبادلك سيارة بسيارة، فهذا له معنى.
وقد أبادلك شيئاً على سبيل الهدية، فأعطيك ساعة فتعطيني بدلاً منها قلماً، فأكون أهديتك ساعة وأهديتني قلماً، فصار مبادلة.
كذلك أيضاً: لو أن رجلاً جاء لرجل وقال له: زوجني بنتك، قال: قبلت، والمهر عشرة آلاف ريال، إذاً: تزوج لقاء عشرة آلاف {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فالنكاح فيه معاوضة.
كذلك: لو جئت وقلت: يا فلان! أجّرني بيتك سنة بعشرة آلاف، فدفعت عشرة آلاف لأجل السكنى سنة، فهذا فيه مبادلة.
فقال المصنف: (البيع مبادلة) والمبادلة هنا أهي عامة، أو خاصة؟ إذا تأملتها وجدتها عامة.
فقال المصنف: [وهو مبادلة مال]، بعض العلماء يقول: (مال بمال)، فنريد أن نعرف ما معنى مال؟ وكيف تتم مبادلة المال بالمال في البيع؟ المال أصله من الميل، وسمي المال مالاً لأن النفوس تميل إليه وتهواه، قال الشاعر: رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال لأنه زين للناس حب الشهوات، فهم يميلون إلى المال، ولذلك قال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128] ولذلك شحت بالمال، بل وسفكت الدماء من أجل المال، فالمال له مكانة في النفوس.
وفي اصطلاح الشريعة إذا قيل: (مال) فهو كل شيء له قيمة، لكن في عُرف الناس وما يسمى بالاصطلاح الوضعي إذا قيل: مال، فهو يختص بالذهب والفضة وبالنقود، فتقول: هذا مال، وتعني النقود، لكن في اصطلاح الشريعة المال يشمل كل شيء له قيمة، سواء كان نقوداً أو غيرها، والدليل على أن الشريعة تسمي كل شيء له قيمة مالاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الإبل والغنم والبقر مالاً، فهل الإبل والغنم ذهب وفضة؟ ليست من الذهب ولا من الفضة، فقال كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: (ما من صاحب مال لا يؤدي زكاته) ثم ذكر الإبل والبقر والغنم.
فقوله: (ما من صاحب مال) وأطلقه على الإبل، ثم ذكر البقر، ثم ذكر الغنم، ثم ذكر الذهب، ثم ذكر الفضة، فدل على أن المال هنا عام.
ثانياً: جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأقرع والأعمى والأبرص الذين ابتلاهم الله عز وجل وأُعطوا المال، قال صلى الله عليه وسلم في الأعمى لما جاءه الملك وقال: (ابن سبيل، منقطع، قال: كنتُ فقيراً فأغناني الله، وكنت أعمى فرد الله عليَّ بصري، فدونك الوادي فخذ منه ما شئت، فوالله لا أرزؤك منه شيئاً -أي: لا أمنعك منه شيئاً، فماذا قال له الملك؟ -قال: أمسك عليك مالك قد نجوت وهلك صاحباك) فسمى الغنم مالاً، فهذا يدل على أن المال لا يختص بالذهب وبالفضة.
فقول المصنف: (مبادلة مال) بناءً على هذا، فلو أن رجلاً عنده شاة وآخر عنده قلم، فقال: بعني هذه الشاة بالقلم، نقول: هذا بيع؛ لأنه بادل المال بالمال، كذلك أيضاً لو أنه بادله مزرعة بمزرعة، أو بادله عمارة بعمارة، أو سيارة بسيارة، أو قلماً بقلم، أو كتاباً بكتاب، كل هذا نعتبره بيعاً؛ لأنه بادله المال بالمال.
فلما قال المصنف رحمه الله: (مبادلة مال)، قصد أن المال إما أن يكون ذهباً وفضة، وإما أن يكون غير الذهب والفضة.
وهذا اصطلاح ينبغي أن تحفظوه من الآن؛ لأننا سندخل في تفصيلات البيوع والمعاملات وكلها قلَّ أن تخلو من هذه المسألة.
وغير الذهب والفضة ينقسم إلى قسمين: إما عقار، وإما منقول، فالذي يبيع الأرز تقول: هذا يبيع المنقولات، وكذلك الذي يتاجر في السكر أو الأودية أو السيارات، هذه كلها تسمى منقولات، والعقار: وهو كل ما يتعلق بالأراضي تقول: هذا عقار، وسمي العقار عقاراً من العقر؛ لأنه معقور في مكان لا تستطيع أن تنقله إلى مكان آخر، كالمزرعة والبيت، إلا البيوت الجاهزة الموجودة الآن، فهذا شيء آخر، وتعتبر منقولاً؛ لكنه يسمى عقاراً تجوزاً، لكن الأصل والغالب والشائع في العقار أنه يكون ثابتاً، فمن دقة العلماء رحمهم الله أنهم يقولون: يجوز هذا في بيع العقارات، فتفهم من هذا أنه في بيع الأراضي والدور والمزارع، وإذا قال لك: لا يجوز هذا في المنقولات، أي: في غير العقارات وغير الذهب والفضة، وهذه كلها مداخل نريد أن نتصور بها البيع.
لما قال المصنف رحمه الله: (وهو مبادلة مال) والبعض قالوا: (مبادلة مال بمال)، إذا بادلت المال بالمال فمعنى ذلك أنك ستبادل كالآتي: الذهب، الفضة، المنقولات، العقارات.
فأما الذهب والفضة فلهما اسم خاص وهو: الثمن أو الأثمان، وأما العقارات والمنقولات فاسمهما: المثمن، فعندما يقول العلماء رحمهم الله: باب زكاة الأثمان، نفهم أن هذا خاص بالذهب والفضة فقط، فلا يتكلمون على زكاة الخارج من الأرض، ولا يتكلمون على زكاة السائمة او غيرها من المنقولات، وعلى هذا عندنا الثمن وعندنا المثمن، فلو سألك سائل: المبيعات -أي: الأشياء التي يقع عليها البيع- إلى كم تنقسم؟ أو الأموال التي يقع عليها البيع إلى كم تنقسم؟ تقول: تنقسم إلى قسمين: ثمن، ومثمن، أما الأثمان: فهي إما ذهب وإما فضة، والمثمونات: إما عقارات وإما منقولات.
فلما قال المصنف رحمه الله: (وهو مبادلة مال)، يقول أهل العلم رحمهم الله: تنقسم هذه المبادلة إلى ثلاثة أنواع: فإما أن يبادل ثمناً بثمن.
أو مثمناً بمثمن.
أو ثمناً بمثمن.
النوع الأول: الثمن بالثمن: كبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة، أو الذهب بالفضة، مثال على ذلك رجل عنده طقم ذهب يريد أن يبادله بطقم ذهب، فهذا يسمى بيع ثمن بثمن، أو عنده جنيهات ذهب فأراد أن يبادل مثلاً الجنيه الإنجليزي بجنيه مصري، أو يبادل الفضة بالفضة، سواء كانت من النقد، كأن تكون دراهم بدراهم، أو ريالات بريالات؛ لأن أصل الرصيد الريالات ورقاً كانت أو حديداً -وسوف نتكلم على هذه المسألة في باب الصرف- فحينما يصرف الريال بالريال ورقاً أو حديداً فإنما يصرف الفضة بالفضة في الأصل، ولذلك وجبت الزكاة فيها، والله لم يوجب زكاة الورق ولا زكاة الحديد (النيكل)، وإنما وجبت فيها الزكاة لأن رصيدها من الفضة، فإذا بادل الريال بالريال أو صرف الريال بالريال مثلاً بمثل يداً بيد، فيكون هذا بيع فضة بفضة، أو كان عنده طقم فضة وأراد أن يبادله بطقم فضة آخر، فهذا أيضاً يسمى بيع الفضة بالفضة، أما بيع ذهب بفضة فكأن تذهب الآن إلى بائع الذهب وتقول له: بكم هذا الطقم من الذهب؟ يقول لك: بعشرة آلاف، تقول: خذ، فأصبح الذهب في مقابل الفضة وهي العشرة آلاف ريال، وعلى هذا يكون من حقه أن يسمي بيع الثمن بالثمن: بيع الصرف، وهو يشمل جميع الصور الثلاث: الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، أو الذهب بالفضة، فإذا قال العلماء: لا يجوز هذا في بيع الصرف، فمرادهم مبادلة ماذا؟ الثمن بالثمن، أي: مبادلة الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، أو الذهب بالفضة.
النوع الثاني: مبادلة المثمن بالمثمن، والمثمن ينقسم إلى قسمين: منقولات، وعقارات، فإذا بادل المثمن بالمثمن تكون عندنا ثلاث صور: عقار بعقار، منقول بمنقول، عقار بمنقول.
الصورة الأولى: عقار بعقار: كأن تقول: أبيعك بيتي ببيتك بيتي بأرضك أرضي التي في المخطط الفلاني بأرضك مزرعتي بمزرعتك.
الصورة الثانية: منقول بمنقول: مثل: سيارة بسيارة كتاب بكتاب قلم بقلم ساعة بساعة إلخ.
الصورة الثالثة: العقار بالمنقول: مثل أبيعك مزرعتي بسيارتك أبيعك أرضي التي في المخطط الفلاني بسيارتك.
إذا بعت العقار بالعقار، والمنقول بالمنقول، والعقار بالمنقول، فيسميه العلماء: بيع المقايضة، فإذا قال العلماء: ويجوز هذا في بيع المقايضة، نفهم أنه يشمل ثلاث صور: إما بيع عقارات بعقارات، أو منقولات بمنقولات، أو عقارات بمنقولات.
النوع الثالث: وهو مبادلة الثمن بالمثمن، وهذا هو البيع الغالب السائد بين الناس، وهو أن يقع بثمن (ذهب أو فضة) في مقابل مثمن (عقار أو منقول) فمثلاً: إذا اشترى الأرض من المخطط بمائة ألف ريال، تقول: المائة ألف تعتبر الثمن والأرض المثمن، فهذا من بيع الثمن بالمثمن، وهذا يسمى بيعاً مطلقاً، فإذا قال العلماء: يجوز هذا في البيع المطلق، فاعرف أنه في الثمن بالمثمن، ولماذا سموه مطلقاً؟ لأن البيع إذا أطلق انصرف عليه، فهو الغالب والأكثر والأشهر في بيوعات الناس.
إذاً: عندنا ثلاثة أنواع من البيوع: بيع الصرف: وهو الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والذهب بالفضة.
وبيع المقايضة: وهو العقار بالعقار، والمنقول بالمنقول، والعقار بالمنقول.
والبيع المطلق: وهو إما عقار بذهب، أو عقار بفضة، أو منقول بذهب، أو منقول بفضة، فأصبحت أربع صور في هذا النوع.
فهذه ثلاثة أنواع ذكرها العلماء في مسألة مبادلة المال بالمال.
(141/7)
________________________________________
الأسئلة
(141/8)
________________________________________
الفرق بين قولهم: (تملكاً) و (تمليكاً) في تعريف البيع

السؤال
هل هناك فرق بين قولكم في تعريف البيع: (تملكاً) و (تمليكاً)، أم أن معناهما واحد؟ أثابكم الله.


الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهناك من العلماء -كما نص عليه بعض فقهاء الشافعية رحمهم الله في تعريف البيع- من قالوا: معاوضة المال بالمال تمليكاً، فلما قالوا: (تمليكاً) خرج من هذا المعاوضة على سبيل العارية، وكذلك أيضاً قصد من هذا بيان ثبوت اليد على المبيع من الثمن مع المثمن، أو المثمن مع المثمن، أو الثمن مع الثمن، قالوا: ملك الشيء يملكه مَلكاً ومِلكاً ومُلكاً مثلث الميم، المراد به: ثبوت اليد؛ لأن البيع إفادته أنه يفيد ثبوت اليد له، فمثلاً: لو قال لك: بعتك أرضي هذه بعشرة آلاف، لو اشتريتها بعشرة آلاف من حقك أن تحفرها، ولا يقول لك أحد: لا تحفرها، إلا إذا كان حفرها فيه ضرر على الغير، ومن حقك أيضاً أن تبني فيها، وأن تزرعها، ومن حقك أن تفعل فيها ما تشاء؛ -كأن تهديها أو تتصدق بها- إذاً: معنى ذلك أن يد التصرف ثابتة لك على هذه الأرض، فهو يراد به إثبات الملكية بالمعاوضة.
ولما قالوا: (تمليكاً) أُخرج عقد النكاح؛ لأن المعاوضة فيه والمبادلة لا يقصد بها التمليك، وإنما يملك فقط المنفعة ولا يملك الذات، فيملك منفعة الاستمتاع بالمهر؛ لأن الله قال: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فجعل المعاوضة على المنافع ولم يجعلها على الذات، لكن إذا اشترى رقيقاً فإنه يملك ذواتهم، فله أن يبيعهم، وله أن يهبهم، وله أن يعتقهم إلخ.
فالمقصود: أن التمليك يقصد منه إثبات اليد، وليس بخالٍ عن معنى، وبعض فقهاء الحنابلة -كما في كشاف القناع وغيره- يقولون: (تملكاً) و (تمليكاً)، وهذا من باب التقسيم، تمليكاً بالنسبة لك لما تعطيه، فأنت إذا قلت للشخص: بعتك هذا بعشرة آلاف، فأنت تتملك العشرة آلاف وتملك الشيء الذي تبيعه، فيكون تملكاً بالنسبة لما تأخذ وتمليكاً بالنسبة لما تعطي، بائعاً كنت أو مشترياً.
فهذا معنى قولهم: (تملكاً) و (تمليكاً).
والله تعالى أعلم.
(141/9)
________________________________________
حقيقة الاختلاف في تعاريف البيوع

السؤال
ما صحة هذا التعريف للبيع، وهو: أنه مبادلة دين أو عين أو منفعة بمثل أحدهما على سبيل التأبيد غير رباً وقرض، هل هو سالم من النقص؟ أثابكم الله.


الجواب
حقيقة تعاريف البيوع مختلفة، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، والتعريفات لها ضوابط، وقد تكلم العلماء على الطريقة التي تعرَّف بها الأشياء، وتعبت أذهان أهل العلم في سبيل ذلك، ومن قرأ كتب السلف وكتب الأئمة يعرف مقدار ما بذله هؤلاء العلماء الذين لا يستطيع أحد أن يكافئهم إلا الله جل جلاله، ويعلم علم اليقين أنه لا أعظم من هذه الشريعة، ولن يستطيع أن يبين للناس ما فيه مصالح دينهم ودنياهم وآخرتهم إلا هذا الشرع الحكيم المتقن؛ لأنه إذا كان الأصل صحيحاً فما انبنى على صحيح فهو صحيح، {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ} [التوبة:109]، فالعلم مؤسس على تقوى من الله ورضوان، تلك القلوب التي صقلتها روحانية الكتاب والسنة، وسهرت عيونهم وكلّت أجسادهم ونحلت في طاعة الله ومرضاته، وكانوا يتعبون للتمحيص والتدقيق، حتى ذكر عن بعضهم أنه ربما أراد النوم من شدة العناء والتعب، فيتذكر الحكمة ويتذكر الفائدة فيضيء مصباحه لأجل أن يكتبها لمن بعده، حتى يكتب الله له ثوابها ويعظم الله له أجرها، فهذه التعاريف لم تأت من فراغ، ننظر إلى تعريف يذكره عالم له قدم راسخة في العلم، ثم يبقى القرن والقرنين والثلاثة والأربعة، بل قد تستمر أحد عشر قرناً ككتب المتقدمين، وخاصة القرون المفضلة، وهي تمر على أجيال تلو أجيال وهي تشرح وتنقح وتوضح، ولذلك لما قادت هذه الشريعة الأمة وقادت العالم من المحيط إلى المحيط لم يعجز الفقه الإسلامي يوماً من الأيام عن قضية أو نازلة، فتتقلب جميع النظم وما يستقر على وجه الأرض من التشريعات إلا تشريع الإسلام، وكلمة الله سبحانه وتعالى تامة {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام:115] فهي صدق وهي عدل {لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:115].
فهذه التعاريف لا يستهان بها، فينبغي لطالب العلم ألا يحقّر من هذه الأشياء؛ لأن هذ االفقه موزون وبدقة، فمثلاً: لما تأتي إلى علم السيارات تجدهم يبحثون أدق شيء في السيارة ويفتخرون بهذا، وقد تجد أبناء الإسلام يشيدون بهذه المعارف الدنيوية ويتحدثون بها، ويقولون: وجدنا من يدرس الهندسة والكيمياء ويفعل ويفعل، ويدقق وينقح ويفصل، ولو نظروا إلى تراث السلف وعلموا ما في بطون هذه الكتب وهذه الكنوز مما فيه سعادة الدنيا بأسرها وليست الأمة وحدها، لعجبوا وما انتهوا من العجب، واعجب فما تنفك من عجائب.
فلا يستهان بهذه العلوم وهذه الأمور التي يذكرها العلماء، والفقه إذا أردت أن تشعر بقيمته فادخل إلى عمقه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، ومعنى ذلك: أنه دقة في الفهم وغوص في الأعماق، ولذلك تجد النص ينتزع منه أكثر من دليل وأكثر من حكم وأكثر من مسألة، ففي آية المائدة يقول الإمام ابن العربي رحمه الله: (اجتمع لها علماء من فاس -وكانت زاخرة بأهل العلم- فاستخرجوا منها ثمانمائة مسألة) هذه آية واحدة، لكنها من كلام الله الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي غرائبه وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر الخلق، وتراث السلف هذا ينبغي أن يعتنى به، وأن يحاول الإنسان أن يعتني به بعيداً عن الغلو، فلا يعتقد أن هذه النصوص وحي، وإنما يمحص ويدقق ويرجع إلى الأصول والأدلة، حتى يجد لذة هذا الفقه وحلاوته ويعرف ما الذي قدمه له هؤلاء العلماء والأئمة، ومن ذلك مسائل التعاريف.
فتعاريف البيوع كما ذكر الإمام الزركشي رحمه الله في شرحه: إن جميع التعاريف لم تخل من نظر ومن اعتراضات، ولذلك تجد الحنفية يقولون: البيع مبادلة المال بالمال بالتراضي.
والمالكية يقولون: عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة، بمكايسة أحد عوضين، غير ذهب ولا فضة معين غير العين فيه.
هذا بالنسبة لتعريف ابن عرفة رحمه الله في الحدود.
وتجد الشافعية يقولون: معاوضة المال بالمال تمليكاً.
وتجد الحنابلة يقولون: تملكاً وتمليكاً.
كتعريف الشافعية.
وكل هذه التعاريف شبه متقاربة، لما قال: مبادلة المال بالمال، أولاً قال: مبادلة المال، فمعنى ذلك: أنه يدخل عقد النكاح وعقد الإجارة وعقد البيع وعقد الشركات؛ لأنك تدفع نصف الشركة وغيره يدفع نصف الشركة، وعقد المضاربة، والهدية، فعندما يعطيك ترد عليه بهدية أحسن منها، وهذه تسمى هبة العوض، التي كانت محرمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أتى العلماء بقيد: فقالوا: مبادلة المال بالمال.
فلما قالوا (بالمال)، خرج مبادلة المال بالبُضع، الذي هو النكاح، وخرج مبادلة المال بالمنفعة وهي السكنى أو ركوب الدابة أو الإجارة، وخرج مبادلة المال بالمال لا للتمليك كالشركات، هذا بالنسبة للشافعية والحنفية والحنابلة.
لكن المالكية قالوا: (عقد معاوضة على غير منافع) والمعاوضة عام، فأرادوا أن يخرجوا الإجارة، فقالوا: (على غير منافع) ثم أرادوا أن يخرجوا النكاح فقالوا: (ولا متعة لذة) كذلك أرادوا أن يخرجوا الشركة والمضاربة فقالوا: (ذو مكايسة)، أي: بالمخاطرة؛ لأن العقود منها ما فيه خطر، ومنها ما فيه الرفق، ومنها ما يجمع ما بين الرفق والخطر، أي: أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ما كان ضرراً محضاً أو غبناً محضاً.
ما كان رفقاً محضاً.
ما كان جمعاً للأمرين.
فالغبن المحض: مثل البيع والإجارة، كأن يقول لك: أبيعك السيارة بعشرة آلاف، فتقول: لا، بتسعة آلاف بثمانية آلاف، كأن هناك ألفاً تريد أن تضع غبنها عليه، وهو يريد أن يضع غبنها عليك، أو تقول: أجرني دارك بألف، يقول: لا، بألف ومائتين، أو تقول: بعني هذه الشاة بستمائة، يقول: لا، بستمائة وخمسين بسبعمائة.
إذاً فيه شيء من الغبن المحض، فكل منهم يريد أن يغبن صاحبه بالنسبة لعقد البيع وعقد الإجارة.
أما الرفق المحض: كما لو جاءك وأعطاك ساعة هدية، فتذكرت أن من صنع إليك معروفاً تكافئه، فاشتريت له قلماً، هذه معاوضة، والهدية نوعان: - هدية يعطيها من أجل أن تعطيه أكثر، كأن يأتيك إنسان فقير ويقول لك: هذا القلم هدية مني لك، فهذا معناه أنه إنسان فقير يريد أن يلفت نظرك إليه، فتعطيه أكثر من هذه الهدية، فهذه يسمونها: هبة الثواب، وكانت محرمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تنقص من مكانة صاحبها، وفيها نوع من السؤال، فجعل الله فقر نبيه صلى الله عليه وسلم إليه: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر:6]، أي: لا تفعل المنة لكي تأخذ ما هو أكثر، وتمتن على الناس بالهدية تريد ما هو أكثر.
فالشاهد أن هذا معاوضة، يعطيك وتعطيه، ولكنه يراد به الرفق المحض، ولا يراد به الغبن.
- هناك عقود جامعة بينهما، كالشركات: كأن تعطي عشرة آلاف ويعطي عشرة آلاف، فتجتمعون في شركة وتكونونها، فأنت تريد أن تربح ماله وهو يريد أن يربح مالك، لكن تقول له: الربح بيننا بالأثلاث، ثلثان لي وثلث لك، يقول: لا، الثلثان لي والثلث لك، وقد يقول: ثلاثة أرباع لي وربع لك، إذاً فيه غبن وفيه رفق.
كذلك عقد المضاربة الذي يسمى (الضراب): كأن تعطي العامل عشرة آلاف وتقول له: اضرب بها في الأرض والربح بيني وبينك، يقول: لا، لي الثلثان ولك الثلث، أو تقول أنت: لي الثلثان ولك الثلث لي ثلاثة أرباع ولك الربع، وقس على هذا.
فلما يقول المالكي: (ذو مكايسة)، فمعنى ذلك ذو غبن وضرر، أو يحتاج إلى حذر، فأخرج عقد الشركة والمضاربة والهبة إلخ.
إذاً تجد في تعاريف العلماء الألفاظ مختلفة لكن المضامين شبه متفقة؛ لأن الكل يريد نتيجة واحدة ويريد مضموناً واحداً، فهي وإن اختلفت عباراتها ولكنها غالباً تدور حول معنى متقارب.
والله تعالى أعلم.
(141/10)
________________________________________
وصايا لطلاب العلم

السؤال
نظراً لأهمية كتاب البيوع، هلا تفضلتم بذكر السبل المعينة على ضبطه؟ أثابكم الله.


الجواب
أولاً: أوصي طلاب العلم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فمن اتقى الله فتح الله عليه، وإذا كان الإنسان مليء القلب من خشية الله سبحانه وتعالى، ومعمور القلب بحب الله وإرادة وجهه، دله الله على سبيله وهداه إلى طريقه، ومن تولى الله هدايته سلم من الضلالة وأمن من الغواية، قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر:62]، فأهم شيء أن تتقي الله عز وجل، ولا تخرج من بيتك إلى مجلس العلم إلا نقي القلب تريد ما عند الله عز وجل، فإذا أردت وجه الله فتح الله عليك، فإنه لا شيء أعظم ولا أجلَّ من إخلاص العمل لله، بل ما خلق الله الخلق إلا من أجل هذا وهو التوحيد، فهو أساس الدين، فهذا خير ما يوصى به طالب العلم.
ولو أننا في كل مجلس نتواصى بهذه الوصية، والله! لا تملها أذن مؤمن ولا يسأم منها قلب؛ لأنها تحيي في القلوب حب الله وإرادة ما عنده سبحانه وتعالى، فلا تقصد بها الرياء والسمعة.
واعلم أن الله معك إذا اتقيته، وأن الله يفتح عليك إذا أردته، ومن أراد الله كان الله له، فكن مع الله عز وجل يكن الله معك، قال الله تعالى: {إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} [المائدة:12] فالله معك ما أقمت حقه، وأعظم حق لله الإخلاص.
ثانياً: الذي أوصيك به أخي الكريم: أن تحاول قدر المستطاع أن تركز وأن تضبط؛ لأن العلم ثقيل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:5]، فالعلم لا يأتي بالتشهي ولا بالتمني ولكنه يحتاج إلى تعب وعناء وشيء من الكدح، ولذلك أخذ جبريل رسول الأمة صلى الله عليه وسلم فغطه حتى رأى الموت: (فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ)؛ لأنه ابتدأ تعليمه وتفهيمه، وعلمه الله ما لم يكن يعلم؟ قال بعض العلماء: فيه دليل على أن العلم لا ينال إلا بشق الأنفس، والعلم لا ينال بالتمني والتشهي، وموسى بن عمران عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما أراد العلم قال الله له: (إن في مجمع البحرين عبداً علمناه من لدنا علماً) هل قال له: سيأتيك؟ وهو موسى عليه الصلاة والسلام، الذي كلمه الله، وقربه نجياً، وفضله وكرمه وشرفه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (وأكون أول من أفيق، فإذا بموسى واقف عند ساق العرش، فلا أدري أكان أول من أفاق، أم جوزي بصعقة الطور) صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين، فرغم هذا الفضل وهذه المكانة التي شرفه الله عز وجل بها إلا أنه جعله يذهب على قدميه ليبحث عمن يعلمه، وهذا يدل على أن طالب العلم ينبغي أن يجتهد ويحرص على طلب العلم، فما اغتر موسى عليه السلام أنه نبي يوحى إليه، بل لما أخبره الله وأعلمه أن هناك من له علم أو عنده علم سعى إليه، وتعب من أجله.
ثالثاً: بعد الجد والاجتهاد يحتاج العلم منك إلى كثرة مراجعة، وكثرة متابعة، وإلى أن تتواضع له، وما الذي عندنا حتى نتواضع للعلم! ولكن العلم هو الذي له الفضل، وهو فضل الله عز وجل، والله يفضل العبد بالعلم، فليس بيننا وبين الله حسب ولا نسب، فمقام العلماء بعد مقام الأنبياء، فإذا أردت أن تكون من طلاب العلم متقناً لهذا الباب أو غيره فعليك أن تجد وتجتهد وتتعب، وتقدم الثمن الغالي، فتحضر إذا غاب الناس، وتشهد إذا ذهبوا، وتسمع إذا لم يسمعوا، وتجلّ وتعظم العلم إذا احتقروه، وهذا أبو هريرة رضي الله عنه الذي ما أسلم إلا في يوم خيبر، وحاز من العلم حتى قيل له: حافظ الصحابة، فما هو السبب؟ السبب أنه لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطنه، حتى كان يصرع رضي الله عنه وأرضاه عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجوع، قال: (فيأتي الرجل ويضع قدمه على صفحة عنقي، يظن أن بي الجنون، وما بي الجنون، ما بي إلا الجوع)، فترك الدنيا وأقبل على الآخرة وجدّ واجتهد، حتى كان عنده من السنن ما لم يكن عند غيره، وحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يقل عن أربعة آلاف حديث، وقلّ أن تجد باباً من العلم إلا له فيه حديث، وهو الآن في قبره يتنعم بهذه الأحاديث وبهذه السنة، نسأل الله العظيم أن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يجعله في الفردوس الأعلى من الجنة بما كان له من الخير على الأمة، مما حفظ وشهد.
يذهب الناس يمنة ويسرة وأنت تذهب إلى مجالس العلم، وتحرص على حفظها ولزومها، والله يبتليك فتجد التجارة وتجد مشاغل الدنيا، لكن تضحي للعلم، ووالله لن تقدم القليل إلا كافأك الله بالكثير، وما أعرض أحد عن العلم فأفلح، خاصة إذا كان الإنسان بحاجة إلى هذا العلم ويعرض عنه ولا يبالي فإن الله لا يبالي بمن لا يبالي بهذا العلم، فليس بيننا وبين الله إلا هذا الوحي، ومن علم فإن الله يفضله.
رابعاً: التركيز على الأصول والضوابط، فكل درس تلخصه، وتحاول أن تلتقي بمجموعة من الشباب وطلاب العلم أسبوعياً لتراجع معهم الدروس، ثم تجعل أسئلة على كل باب وتجيب عنها، حينئذٍ يصبح كل درس عندك مهذب منقح بأسئلته وأجوبته متى ما رجعت إليه وجدته.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(141/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [2]
لا يخلو يوم من أيام العباد من المعاملات المالية، سواء كانت تجارية أو غير تجارية، ومن ثم فقد يبتلى العبد بطعمة الحرام والخوض في البيوع المحرمة، وما ذاك إلا بسبب جهله بأحكام هذه البيوع، ومن هذا المنطلق لزم على الإنسان معرفة أحكام هذه البيوع وصيغ إبرامها ونقضها، ليكون على بصيرة من أمره فيما يدخل على أهله وعياله من هذا المال.
(142/1)
________________________________________
حقيقة البيع شرعاً
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وهو مبادلة مال ولو في الذمة].
لا زال المصنف رحمه الله يبين لنا حقيقة البيع في اصطلاح الشرع، وقد تكلمنا عن أهمية معاملة البيوع، وأن المسلم محتاج إلى معرفة مسائل البيع؛ لأنها مما تعمّ بها البلوى، وقلّ أن يمر يوم على الإنسان إلا وهو بائع أو مشترٍ أو جامع بين البيع والشراء، ومن عرف أحكام البيع وعرف ما يترتب على البيع من مسائل؛ فإنه حريٌ به أن يتقي الله عز وجل فيفعل ما أذن الله به ويترك ما نهى الله عنه، ومن كان على جهل بهذه المسائل فإنه لا يؤمَن عليه أن يقع في المحظور وهو لا يدري، ولذلك قال بعض العلماء رحمهم الله: إنه قد يشيب عارض الإنسان في الإسلام وهو يلعن صباح مساء بأكله للربا والحرام؛ وذلك لأنه قد يفعل ذلك عن جهل منه، ويصحب الجهل التقصير في سؤال العلماء ومعرفة ما أحلّ الله وحرّم.
وباب البيوع من الأبواب التي تحتاج إلى شيء من العناء، كما ذكرنا ونبهنا على أنه ينبغي على طالب العلم أن يصبر ويصابر لضبط هذه المسائل؛ لأنها تحتاج إلى شيء من التركيز، وقد يحدث معها شيء من السآمة والملل، ولكن إذا صحت النية وصدقت العزيمة وصحب ذلك كله توفيق من الله فإن الله يعين العبد، ومن وراء ذلك خير كثير لمن احتسبه.
المقصود: أن المصنف بيّن لنا حقيقة البيع، وقد ذكرنا أن هناك تعاريف مختلفة، ومن أنسبها قول الإمام ابن قدامة رحمه الله وكذلك غيره من الأئمة، قالوا في تعريف البيع: (البيع مبادلة المال بالمال تملكاً وتمليكاً).
وقلنا: إن هذا التعريف يعتبر من أخصر التعاريف ومن أجمعها.
والمصنف رحمه الله عرّف البيع ولم يخرج في تعريفه عن هذا التعريف، ولكنه أدخل بعض الأنواع للبيع ونبّه عليها، وهي مما اختلف العلماء في اعتبارها بيعاً.
فقال رحمه الله: [وهو مبادلة مال ولو في الذمة].
(مبادلة مال) قلنا: المال هو الشيء الذي له قيمة، فكل شيء له قيمة فإنه مال، وبعض العلماء يقول: المال كل شيء فيه منفعة.
وقوله: (مبادلة مال ولو في الذمة) (لو) إشارة إلى خلاف مذهبي، فبعض العلماء لا ينبه على هذا، ويقول: مبادلة المال بالمال، فشملت مبادلة المال بالمال تسع صور: مبادلة العين بالعين، أو مبادلة الذمة بالذمة، أو مبادلة العين بالذمة.
وكل واحد من هذه الثلاث: إما ناجزاً من الطرفين، أو نسيئة منهما، أو ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
وسنشرح هذه الصور بإذن الله.
(142/2)
________________________________________
صور البيع
فعندنا في البيع شيئان: إما أن تبيع الشيء وتعيّنه فتقول: بعتك هذا الكتاب، وسنمثل بأمثلة معاصرة حتى يكون الضبط أكثر؛ لأن البعض من طلاب العلم إذا مثّل لهم بالدنانير والدراهم والدواب والجمال والعبيد ونحوها لا يركز إذا أراد أن يطبق ذلك على ما يعيشه ويجده، فالأفضل أن نختار أمثلة معاصرة، مثلاً: لو أردت أن تبيع الكتاب -عندك كتاب ليكن صحيح البخاري، وهذه النسخة من صحيح البخاري إما أن تكون موجودة أمامك فتقول للمشتري- فأنت على حالتين: إما أن تقول له: أبيعك هذه النسخة من صحيح البخاري بمائة، فقولك: (أبيعك هذه النسخة)، معنى ذلك أنك عينت، فهذا يسمونه بيع العين؛ لأنك بعت وورد البيع على محل معيّن لا ينصرف إلى غيره، لكنك لو قلت له -وهذه هي الحالة الثانية-: أبيعك نسخة من صحيح البخاري من طبع كذا في تاريخ كذا، أو من نوع كذا من الطباعة، فهذا القول الذي قلته يصدق على هذه النسخة وعلى كل نسخة تشاركها في الصفة، فيعتبر بيع ذمة؛ لأنك التزمت في ذمتك أن تدفع نسخة من هذا الكتاب موصوفة بهذا الوصف.
إذاً: عندنا حالتان: إما أن تعين البيع ويرد البيع على العين فيكون بيع عين.
وإما أن يرد البيع على موصوف في الذمة، فكأن ذمتك وأمانتك وعهدتك شغلت بشيء تلتزم بأدائه، فصار في ذمتك وأمانة عليك، وهذا معنى قولهم: (في الذمة) فإذا بعت شيئاً في ذمتك وصفته.
لكن لماذا نحن نفصل هذه التفصيلات؟ من فوائد هذه التفصيلات، وهذا مما تمتاز به الشريعة الإسلامية في باب المعاملات: أنها تريد أن تعطي كل ذي حق حقه.
فمثلاً: لو جئت وقلت له: أشتري منك هذا الدواء بمائة، ثم أخذت الدواء فوجدت فيه عيباً وقلت له: رد لي المائة، فهذا من حقك؛ لأنك اشتريت هذا الشيء المعين وظهر به عيب، فمن حقك أن ترده وأن تطالب بالثمن، فلو قال: أعطيك بدلاً عنه، ولا أردّ لك القيمة، فيلزمه شرعاً إعطاء القيمة؛ لأن البيع ورد على معين بطل ببطلان العقد عليه، فهذا بيع العين.
لكن حينما تقول له: أعطني الدواء الفلاني، فأعطاك الدواء بصفته التي طلبتها، فلو وجدت به عيباً -انتهت مدة صلاحيته مثلاً- فجئت وقلت له: هذا لا أريده، أريد المال، من حقه أن يلزمك بالبدل؛ لأنك اشتريت موصوفاً في الذمة، وإذا لم يصدق الوصف على هذه فمن حقه أن يلزمك بما يصدق عليه من بدل.
فالشريعة تقدر في البيع والمعاملات كل كلمة تخرج من المتعاقدين، ولا تريد أن الكلام والعقد الذي يتم بينك وبينه يذهب هدراً، وهذا التدقيق من العلماء من باب العدل بين الناس، وإعطاء كل ذي حق حقه، فأنت إذا قلت: (أشتري هذا)، فالبيع على هذا، ولا يقع البيع على غيره، وليس من حقه أن يلزمك بغيره، وإن قلت (أشتري كذا)، فإنه يصدق على كل ما وافق وصفك الذي طلبته في المبيع.
إذاً: عندنا عين وعندنا ذمة، وبيع الأعيان إذا قلت له: أبيعك هذا الكتاب، فأنت إما أن تقول له: أبيعك هذا الكتاب بمائة حاضرة الآن، تعطيني وأعطيك، فيسمى بيع النجاز، نجز ونجزت، وهو ما يسمى في عرفنا ببيع النقد.
وإما أن تقول له: أعطيك غداً وتعطيني غداً، فهذا نسيئة بنسيئة.
وإما أن تقول له: أعطيك الكتاب الآن، ويقول: ليس عندي فلوس، أعطيك غداً، أو بعد شهر، أو بعد أسبوع، فهذا نسيئة من طرف ناجز من الآخر.
إذاً: أصبح عندنا ثلاثة أشياء: عين بعين، وذمة بذمة، وعين بذمة.
وقد قلنا: إن البيع إما بيع ثمن بثمن، أو مثمن بمثمن، أو ثمن بمثمن، فنريد هنا مثالاً على بيع العين بالعين في الثمن بالثمن، والمثمن بالمثمن، والثمن بالمثمن.
نبدأ ببيع العين بالعين في الثمن بالثمن، مثل: صرف ريالات بدولارات، قال له: أصرف لك عشرة دولارات بمائتي ريال، قال: قبلت.
إذا قال له ذلك صار عيناً بعين في ثمن بثمن؛ لأن الدولارات ثمن والريالات ثمن، أو قال: أبيعك هذه المائة جنيه بهذه العشرة آلاف ريال، فهذا بيع عين بعين في الثمن بالثمن.
أما بيع العين بالعين في المثمن بالمثمن فمثاله أن يقول: أبيعك هذا الكتاب بهذا الكتاب أبيعك هذه (الفيلة) بهذه (الفيلة) فصار بيع عين بعين في مثمن بمثمن، أو هذه السيارة بهذه السيارة، فهذا أيضاً بيع مثمن بمثمن، وهو ما يعرف ببيع المقايضة.
أما بيع العين بالعين في الثمن بالمثمن فمثاله أن يقول: أبيعك هذا الكتاب بهذه العشرة، فالمثمن الكتاب والعشرة هي الثمن.
فهذا يسميه العلماء في جميع الصور الثلاث: بيع عين بعين.
وإذا حددت وعينت، إما أن تقول: أعطيك الآن وتعطيني الآن، فهذا يسمونه ناجزاً من الطرفين، فالبائع نجز والمشتري نجز، وصار التقابض بينهما في نفس مجلس العقد، إذاً: هو ناجز وبيع نقدي كما يسمى في عرفنا اليوم.
الصورة الثانية: أن يكون نسيئة من الطرفين، باعه عيناً بعين، لكن قال له: أعطيك غداً وتعطيني غداً، فهو نسيئة من الطرفين، من البائع ومن المشتري، وهي عكس الصورة الأولى.
الصورة الثالثة: أن يكون ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر، كأن أقول لك: هذا الكتاب بهذه العشرة، لكن تقول لي: لا أعطيك الكتاب الآن، وإنما أعطيك إياه غداً، أقول: خذ العشرة الآن وأنا آتي غداً وآخذ الكتاب، فهذا ناجز من أحدهما نسيئة من الآخر.
لاحظوا يا إخوان! نحن لا نتكلم الآن على الحلال والحرام في صور البيع، إنما هذه المرحلة تسمى مرحلة التصور، وهي أن تأتي بجميع البيوع الموجودة على وجه الأرض ويضعها الفقيه بين يديك، ثم بعد ذلك يقال: هذا حلال، وهذا حرام، نحن الآن فقط نريد أن نعرف ما الذي نتكلم عنه وهو البيع، وما هي صوره، حتى تستطيع بعد ذلك أن تحكم على كل صورة على حدة.
ننتقل بعد ذلك إلى بيع الذمة بالذمة، وقد قلنا: الذمة هي وصف في الإنسان، كما يقول العلماء، يقبل الإلزام والالتزام، أي: تلتزم به في ذمتك، تقول: لك عليَّ عشرة، لك عليَّ مائة، لك عليَّ كتاب مثلاً: (نسخة من صحيح البخاري)، لك عليَّ نسخة من شرح العمدة وهكذا، ومعناه أنك التزمت في ذمتك، وهذا يسمى عند العلماء الذمة، وغالباً ما يقع في بيوع الآجال.
وفي بيع الذمة بالذمة، نحتاج أول شيء إلى ضرب الأمثلة على بيع الثمن بالثمن، وبيع المثمن بالمثمن، وبيع الثمن بالمثمن.
فأنت الآن قررت أن يكون البيع ذمة بذمة، ومعناه أنك لا تعين، فتأتي إلى بائع الكتب، ويقول لك: أبيعك نسخة من صحيح البخاري، من طبع -مثلاً- بيروت، بمائة ريال، فيها عشرة أجزاء خمسة أجزاء أربعة أجزاء، فلاحظ هل المائة معينة أم موصوفة؟ هذه مائة موصوفة؛ لأن أي مائة تدفعها يصدق عليها أنها محل للعقد، فممكن أن تأتي بالمائة برأسها، وممكن أن تأتي بالمائة، في صورة ورقتين من فئة الخمسين وممكن أن تأتي بالمائة من فئة العشرات أو الخمسات أو الريالات، ومن حقك أن تلزمه بالبيع، فلو جئت بالمائة وهي قطع معدنية وقال: لا أريد، يلزمه البيع شرعاً؛ لأن البيع على موصوف في الذمة، ويصدق على هذه القطع المعدنية أنها مائة، هذا فرق المسألة، أي: حينما يقول لك: أبيعك بهذه المائة، لو أراد أن يبدلها بمائة أخرى لا يجوز، وليس من حقه إلا أن ترضى، ويعتبر إنشاءً جديداً للعقد، لكن إذا قال لك: بمائة، يكون قد صدق الوصف على أي مائة: ريالات حديد (نيكل) أو أن تكون جامعة بين النيكل والريالات، وليس بوارد على شيء معين، ولذلك قالوا: ذمة، التزم في ذمته بمائة.
والتزمت أنت له في ذمتك بمائة، فإذا قال لك: أبيعك نسخة من صحيح البخاري، وعنده مائة نسخة، فأي نسخة منها مما ينطبق عليها الشرط ممكن أن تكون محلاً للعقد، فلو أخذت هذه النسخة وبعد أن ذهبت إلى بيتك وجدت فيها صفحة مطموسة، فجئت إليه وقلت: لا أريد هذه النسخة، قال: أعطيك بدلاً عنها، فقلت له: ما دام بعتني شيئاً بهذه الصفة فلا أريد، من حقه أن يلزمك بالبدل؛ لأن البيع وقع على موصوف في الذمة، ولم يقع على معين يفوت بفواته.
إذاً: بيع الذمة بالذمة يقع في العين بالعين، ويقع: ناجزاً من الطرفين، ونسيئة من الطرفين، ويقع ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
وأيضاً: بيع الذمة بالذمة يقع في الثمن بالثمن، والمثمن بالمثمن، والثمن بالمثمن: ففي المثمن بالمثمن، كتاب بكتاب، تقول: أبيعك أو أعطيك نسخة من صحيح البخاري بنسخة من صحيح مسلم، التي عندي -مثلاً- من طبع كذا، والتي عندك من طبع كذا، فهذا بيع موصوف في الذمة بموصوف في الذمة في المثمن بالمثمن.
وبيع الموصوف بالذمة في الثمن بالثمن، كقولك: أبيعك عشرة دولارات بمائة ريال، فهو صادق على كل عشرة دولارات وعلى كل مائة ريال.
وقد يقع في الثمن بالمثمن، كقولك: أبيعك نسخة من صحيح البخاري بعشرة ريالات، فأصبح بيع ثمن بمثمن موصف في الذمة.
فإذاً: عندنا ثلاث حالات في الذمة بالذمة: إما ثمناً بثمن كدولارات بريالات دون تحديد لها أو تعيين.
أو مثمن بمثمن ككتاب بكتاب موصوفين في الذمة.
أو ثمن بمثمن ككتاب بريالات، دون أن يحددا ويعينا المبيع في كل هذه الصور.
بقي عندنا في بيع الذمة بالذمة: إما أن يكون ناجزاً من الطرفين.
أو نسيئة من الطرفين.
أو ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
- فأما أن يكون ناجزاً من الطرفين، كأن تقول له: أبيعك نسخة من صحيح البخاري بنسخة من صحيح مسلم ناجزاً منا، تعطيني الآن وأعطيك الآن، فتعطيه في المجلس ويعطيك في المجلس، فهذا يسمى: ذمة بذمة ناجزاً من الطرفين.
- وأما ذمة بذمة نسيئة من الطرفين، كأن يقول لك: أعطيك الكتاب غداً وتعطيني الكتاب أيضاً غداً، فهذا يسمى: بيع الذمة بالذمة نسيئة من الطرفين، هو أخّر وأنت أخّرت، فهذا معنى قولهم: نسيئة.
وأما ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر، كأن تقول: خذ هذه النسخة الآن، فيقول: ليست عندي نسختي سأعطيك غداً، فهذا يعتبر ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
إذاً: الآن فرغنا من ست صور: عين بعين، ذمة بذمة، وفي كلتا الحالتين: ناجزاً منهما، نسيئة منهما، ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر.
بقي عندنا ثلاث صور: وهي بيع الذمة بالعين، فتبيع شيئاً معيناً بموصوف في الذمة، كقولك: أبيعك هذا الكتاب بمائة، فقولك: (أبيعك هذا الكتاب) عين، وقولك: (بمائة) موصوف في الذمة، ففي هذه الحالة إما أن يكون بيع الذمة بالعين في ثمن بثمن، أو مثمن بمثمن، أو ثمن ب
(142/3)
________________________________________
حكم بيع المنافع
قال رحمه الله: [أو منفعة مباحة].
النفع ضد الضر، والشيء الذي فيه منفعة المراد أن يكون فيه شيء يرتفق به الإنسان، مثلاً: السيارة منفعتها الركوب وحمل المتاع عليها، كما قال تعالى عن الدواب: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل:7] فهذه منافع: الركوب منفعة السكنى منفعة الحمل منفعة إلخ.
والمنفعة المباحة مثّل لها بعض العلماء: أن يقول له: أبيعك طريقاً في أرضي، أي: تشتري فقط المشي في هذا الموضع من أرضي، كما كان يقع في القديم عندما تبنى الأحوشة للبيوت، فيحتاج الجيران إلى منفذ، فيفتح لهم منفذاً ويكون مثلاً من تحت الدار، أو يبني داره ويترك منفذاً وطريقاً.
هذا الطريق اختلف العلماء فيه: فبعض العلماء يقول: لا يصح بيع المنافذ على هذا الوجه؛ لأنه ليس بمالك للأرض وإنما هو مالك لمنفعتها، فتكون الأرض عند شخص ومنفعة الأرض عند شخص آخر، وهذا لا يمكن، أي: أن هذه الأرض لا أستطيع أن أبنيها ولا أستطيع أن أنتفع بها من كل وجه، ولذلك بعض العلماء يمنع من مثل هذا البيع، ويعتبره من العقود غير الجائزة؛ لوجود الغرر فيه والغبن؛ لأنك قد تشتريه لمنفعة، وصحيح أن المنفعة موجودة، لكن لو أن الإنسان تأمل هذا البيع بضوابطه الشرعية، كأن يكون من اشترى الشيء من حقه أن يفعل فيه ما شاء كما لو شاء أن يهدمه، أو يحفر فيه، أو أن يحدث فيه مصلحة غير المصلحة التي اشتراها عليه، فإذا اشتريت أرضاً فالأصل أن من حقك أن تحرثها وتزرعها، ومن حقك أن تبنيها، ومن حقك أن تتركها مواتاً؛ لأنك ملكتها وملكت رقبتها، لكن لو اشتريتها على وجه منفعة المشي فقط، فلست بمالك لها من كل وجه ولست بخلوٍ من كل وجه، والمالك الحقيقي ليس بمالك من كل وجه وليس بخلوٍ من كل وجه، ولذلك يحدث فيها شيء من التعارض والتضاد على وجه يصعب معه التمييز، مع أن المشتري سيستفيد بالمرور في هذه الأرض، ولذلك يمنع بعض العلماء من مثل هذا البيع؛ لوجود الشبهة فيه، لكن المصنف قصد بيع المنافع على هذا الوجه.
فقوله: (منفعة مباحة) يخرج بها المنافع المحرمة، فلو -مثلاً- اشترى آلة محرمة كآلة لهوٍ محرم فإنه لا يصح البيع ولا ينعقد؛ لأنه يشترط في المنافع أن تكون مباحة، فكأن المنفعة التي حرّمها الشرع سلبها الشرع القيمة، فلما أصبحت محرمة صار وجودها وعدمها على حد سواء، فإذا دُفع الثمن لقاءها كأنه يدفع لشيء لا قيمة له، ومن هنا كان من أكل أموال الناس بالباطل، وكان من البيع الممتنع شرعاً.
والمنفعة المباحة تخرج غير الحاجة، ولذلك بعض العلماء يضيف قيداً، وهو قوله: (لغير الحاجة)؛ لأنها قد تكون مباحة لحاجة، ومع ذلك لا يجوز بيعها؛ لأن ما أبيح لحاجة يتقيد بها، فالكلب -أكرمكم الله- أبيح للصيد والحرث والماشية، فتصيد به وتجعله لحراسة الحرث ولحراسة الماشية، فإذا جاء شخص يبيع كلباً معلماً للصيد أو معلماً لحراسة الزراعة أو الماشية فإنه لا يصح البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه المنفعة مباحة للحاجة، فكأنه إذا باع الكلب انتفع منفعة زائدة على المنافع المأذون بها شرعاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو حرثٍ أو ماشية) فرخص في ثلاثة أشياء، فمن ملك الكلب لغير هذه الثلاثة الأشياء فإنه يأثم، فكأننا لو قلنا: يبيعه في هذه الأحوال كونه كلب صيد أو حرث أو ماشية، لأصبح هناك منفعة رابعة وهي اتخاذه للبيع والشراء، فيستفيد البائع له منفعة رابعة وهي منفعة الثمن، فصار محلاً للعقد، فتصبح منفعة زائدة على الرخصة، ولذلك لا يصح بيعه، وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر وجابر بن عبد الله وابن مسعود رضي الله عنهم وأرضاهم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، وقال: ثمن الكلب سحت)، وقال كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود: (إن جاءك يريد ماله -أي: ثمن الكلب- فاملأ كفه تراباً) أي: ليس له شيء، فهذا يدل على أن المنفعة يشترط أن تكون لغير حاجة، فمنفعة الصيد مباحة، ومنفعة الحرث مباحة، ومنفعة حراسة الماشية مباحة، لكنها أبيحت لحاجة، فلا يجوز أن تبيعه لهذه المنفعة الزائدة عن الإذن الشرعي.
قال رحمه الله: [كممر في دار].
كما ذكرنا.
قال: [بمثل أحدهما على التأبيد].
(بمثل) هذا لقوله (مبادلة مال)، أي: تبادل المال، والباء هنا للبدلية والعوض، أي: عوضاً عن مثل.
والمثل المراد هنا من جهة المالية، أي: مبادلة مال بمال، ولذلك بعض العلماء يقول: البيع مبادلة مال بمال، ويختصر هذه العبارات كلها.
فقوله: (بمثل) المراد بذلك أن يكون مالاً، لنفس الشروط وهي: أن يكون فيما أذن به شرعاً، وألا تكون منفعته مباحة للضرورة والحاجة.
(142/4)
________________________________________
التأبيد في البيع
قال رحمه الله: [على التأبيد غير رباً وقرض].
قوله: (على التأبيد)؛ لأن البيع ليس على التعقيب، فخرجت الإجارة؛ لأنها على التعقيب، فمثلاً: إذا جاءك رجل وقال: أجرني بيتك، فإنه يقول: شهراً أو سنة، ولا أحد يقول: أجرني بيتك مدى العمر؛ لأننا لا ندري كم العمر، ولا ندري كم المدة، بل منع بعض العلماء من إجارة البيوت -وسيأتي هذا إن شاء الله في باب الإجارة- والمساكن المدد الطويلة، التي لا يؤمن معها بقاء العين، ولا يؤمن معها تغير العين وتغير منافع العين؛ لأن هذا من الغرر، وقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر -وفي رواية-: نهى عن الغرر) كما في الصحيح، فهذا من الغرر، فإذا أراد أن يبيع فإن البيع إلى الأبد، وبناءً على هذا: لو قال له: أبيعك هذه الدار عشر سنين، أو أبيعك هذه السيارة خمس سنوات، أو أبيعك هذه التجارة سنة؛ لم يصح، وليس هذا ببيع، ولا بجارٍ على عقود المسلمين في البيع؛ لأن البيع يكون إلى الأبد ولا يكون مؤقتاً.
وعلى هذا: فإنه لابد في البيع أن يكون على التأبيد، فلو قال قائل: نريد أن نحدث نوعاً من البيع، وهو أن نقول له: بعتك سيارتي أو بعتك داري عشر سنوات أو خمس سنوات، وحدد المدة، تقول: هذا ليس ببيع شرعي؛ لأن حقيقة البيع مبادلة المال بالمال على التأبيد وليس على التعقيب، وهذا ليس من البيع الشرعي، فلا يعتبر ولا يحكم بصحته.
(142/5)
________________________________________
الفرق بين البيع والربا والقرض
قال رحمه الله: [غير رباً وقرض].
فقوله: (غير رباً)، الربا أصله الزيادة، وهو في الشرع: زيادة مخصوصة في أشياء مخصوصة على صفة مخصوصة، ويشمل هذا زيادة ربا الفضل وزيادة النسيئة بالأجل، وسيأتي إن شاء الله بيانه وذكر ضوابطه.
فلو سكت المصنف وقال: مبادلة مال لشمل الربا؛ لأن الربا يكون مبادلة، فلو قال له: اصرف لي هذه العشرة ريالات بتسعة، فهو رباً؛ لأنه زاد، ولذلك نقول: هذا في الأصل مبادلة فيدخل في البيع، بادله التسعة بالعشرة، وأكل المال بالباطل وهو الريال الزائد، ولذلك لن تجد أحداً يصرف العشرة بتسعة إلا وهو مضطر، والله يقول: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] والله لولا أنه محتاج لهذه التسعة لأجل ظرف نزل به ما صرف العشرة بالتسعة، وليس هناك عاقل حكيم يبذل العشرة مقابل التسعة؛ لأن هذا لا يمكن أن يكون، فهو زيادة، وهذه الزيادة تؤخذ على غير وجهها، فلو لم تحرم من جهة الربا لحرمت من باب أكل المال بالباطل؛ لأن الإنسان ليس فيه شرط الرضا، وقد قال الله عز وجل: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] فهو يعطي العشرة بشيء من الاضطرار والحاجة، فتجده يعطي وهو كاره، وإذا أعطى لا يرضى، ولو أنه ترك على رضاه واختياره ما بادل.
فالربا من حيث هو مبادلة المال بالمال، فيدخل في مسمى البيع من هذا الوجه، فلما دخل في مسمى البيع احتاج المصنف أن يخرجه فاستثناه بقوله: (غير رباً)، والحنفية استثنوه بالتراضي، فإن الربا غالباً لا يقع فيه التراضي؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] فوصف بيع الحلال بأنه عن تراضٍ، ولذلك تجد الإنسان يعطي السلعة ويأخذ الثمن، ويعطي الثمن ويأخذ السلعة بالرضا، وغالباً ما يقع الربا في بيوع الصرف، ولذلك احترز المصنف رحمه الله بقوله: (غير رباً).
وقوله: (وقرض) والقرض مبادلة، لكنها مبادلة على سبيل الرفق، وليس على وجه البيع؛ لأنه أخذه لا على سبيل المبادلة التي يراد بها البيع، وإنما المراد أن يرتفق بالمال لحاجته وما نزل به.
(142/6)
________________________________________
الإيجاب والقبول في البيع
قال رحمه الله: [وينعقد بإيجاب وقبول بعده وقبله متراخياً عنه في مجلسه].
قوله: (وينعقد بإيجاب).
فبعد أن عرفنا حقيقة البيع، نحتاج الآن أن نعرف كيف يتم عقد البيع في الشرع، أي: ما هي الضوابط التي يحكم عن طريقها بوجود عقد البيع؟ وهذا يستلزم -كما سبقت الإشارة إليه في المجلس الماضي- وجود الصيغة، فإن عقود المعاملات تقوم على الصيغ، وهذه الصيغ هي الإيجاب والقبول، فإن كان الإيجاب وارداً على بيع والقبول وارداً عليه يقال: (عقد بيع)، وإن كان على إجارة فإجارة، وإن كان على نكاح فنكاح إلخ، والإيجاب هو أن يقول -مثلاً-: بعتك، أجرتك، زوجتك، والقبول: هو أن يقول الآخر: قبلت النكاح، قبلت البيع، قبلت الإجارة إلخ، والإيجاب غالباً ما يكون من الباذل وهو البائع، والقبول يكون من المشتري، فقول: (بعتك سيارتي بعشرة) هذا إيجاب من البائع، وقول: (قبلتها، اشتريتها)، هذا قبول من المشتري، أو قول: (رضيت، بارك الله لك) ونحو ذلك من الصيغ التي يعبر بها عن قبول البيع، والإيجاب والقبول يكون على الصيغة، وهي التي عبّر المصنف عنها بقوله: (وينعقد بإيجاب وقبول)، فالعقد عند العلماء يشتمل على الإيجاب والقبول، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] فكأن الله سبحانه وتعالى ينبه عباده أن هذا الكلام الذي جرى في مجلس العقد من قوله: (بعتك، زوجتك، أجرتك)، هذه كلها كلمات رضيها المسلمون، وتواطئوا واتفقوا عليها، فينبغي أن تكون عند المسلم ذمة وأن يكون عنده عهد ويفي بهذه الصيغ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يا أهل الإيمان! يا من آمنتم بي وصدقتم برسلي وكتبي! (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، فهو هنا عظم الصيغة وأعطى لها منزلة في الإسلام، فهذا الكلام ليس هدراً، يقول شخص لآخر: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، قال: قبلت، فلما افترقا عن المجلس قال: ما بعتك.
فهذا لا ينفع أبداً، فالمسلم له ذمة وله عهد ومنه الوفاء، ولذلك يلزم بالصيغة التي جرت بينه وبين الطرف الآخر، وإذا قضى القاضي أو أفتى المفتي فأول ما يلتفت إليه في البيع الصيغة، وإذا أراد الإنسان أن يفصل بين متخاصمين في معاملة فليبدأ أول ما يبدأ بالعقد، وليبدأ أول ما يبدأ بالاتفاق الذي جرى بينهما، ويأخذ الاتفاق من أول حرف فيه إلى آخره، ثم بعد ذلك يلزم كلا الطرفين بما التزم به، لا يظِلم ولا يُظلم، ولا يحمل كلامه فوق ما يحتمل، قال له -مثلاً-: بعتك سيارتي، فيقول: أنا قصدت السيارة وما عليها، فهذا لا ينفع؛ لأنه قال: بعتك سيارتي، ولم يقل: سيارتي وما عليها، فهذه الصيغ هذه والألفاظ محترمة، ومن هنا أمر بكتابة البيع إذا كان إلى أجل حفظاً وضماناً لمثل هذا؛ لأنه إذا كانت تجارة حاضرة فأمرها أهون والخصومة فيها أضعف؛ لكنها إذا كانت إلى أجل فيدخلها شيء من النسيان، وشيء من الزيادة والنقص، فالشريعة تريد معرفة ما الذي جرى بينك وبين الطرف الآخر، وما الذي قلته وما الذي قاله، وما الذي تم عليه العقد، فإن قال البائع: بعتك داري، ينصب البيع على داره، وإن قال: بعتك أرضي، ينصب على الأرض إلخ.
قوله: (ينعقد بإيجاب وقبول) فإذا قال البائع: بعتك سيارتي بعشرة آلاف فهذا إيجاب، وإذا قال المشتري: قبلت حينئذٍ يتم البيع بهذه الصيغة، وهي صيغة الإيجاب والقبول.
وعقد البيع إما أن يتم بالقول وإما أن يتم بالفعل، فإذا تم بالأقوال فهذه الصيغة -وهي: الإيجاب والقبول- تنقسم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن تكون بصيغة الماضي.
النوع الثاني: أن تكون بصيغة الأمر.
النوع الثالث: أن تكون بصيغة المضارع.
أولاً: صيغة الماضي: قال له: بعتك سيارتي هذه بعشرة آلاف، يقول المشتري: اشتريتها، فقول (بعت)، و (اشتريت) كل منهما للماضي، والصيغة بالإجماع على أنها إذا وقعت بلفظ الماضي أنها أقوى أنواع الصيغ، (كبعت اشتريت رضيت) فهذه كلها ألفاظ معتبرة.
ثانياً: صيغة الأمر، كقولك: بعني سيارتك بعشرة آلاف، فيقول البائع: خذها بعشرة آلاف، فـ (بعني) صيغة أمر.
ثالثاً: صيغة المضارع، كقولك: أتبيعني سيارتك بعشرة آلاف؟ أو أبيع سيارتي بعشرة آلاف يقول البائع -مثلاً-: أبيعك سيارتي بعشرة آلاف، فقوله: (أبيعك) هذا تعبير للمستقبل، فيقول: أشتريها بعشرة آلاف، فقوله: (أشتريها) هذا تعبير للمستقبل.
ففي الحالتين الأخيرتين: الأمر والمضارع، جماهير العلماء على أن الصيغة معتبرة، لكن يختلفون في مسألة هل يلزم إعادة الإيجاب مرة ثانية وإعادة القبول؟ ولكن العبرة بما دل عليه بساط المجلس وتعارف عليه الناس.
والصيغ تنقسم إلى: صريحة، وظنية، فالصريحة: أن يصرح بالبيع، فيقول: بعتك، فتقول: اشتريت، فلما تتأمل كلمة (بعت) و (اشتريت) تجد أن لفظة (بعت) صريحة بالبيع ولفظة (اشتريت) صريحة بالشراء، وهناك ألفاظ غير صريحة، لكنها تدل بالعرف على أنه قد رضي البيع أو الشراء، قال له مثلاً: ملكتك سيارتي بعشرة آلاف، فقال: رضيت، ولم يقل: اشتريت، فهذا ضمناً كأنه قال: اشتريت، وفي بعض الأحيان، يقول له: خذ سيارتي بعشرة آلاف، قال: بارك الله لك، فـ (بارك الله لك) تدل على أنه رضي، والغالب عندنا في العرف أن هذا القول يدل على أنه رضي الكلام الذي قد قاله له.
إذاً: إن كان اللفظ صريحاً أو بالنية فإنه يدل على انعقاد البيع، ونرجع إلى كل عرف بحسبه، فلا يتقيد الأمر بـ (بعت) و (اشتريت) وإنما يشمل كل لفظ دال على الرضا من الطرفين؛ لأن الله اشترط الرضا، والرضا أمر في القلب يدل عليه الظاهر، إما قولاً وإما فعلاً.
ننتقل بعد ذلك إلى صيغة الفعل، أو دلالة الفعل على البيع، ودلالة الفعل مشكلة، أي: أن يقع فعل من البائع وفعل من المشتري يدلان على أنهما تراضيا على البيع، مثال ذلك: ما يجري الآن حينما تدخل بقالة وتجد فيها نوعاً من الطعام قد كتب عليه عشرة ريالات مثلاً، أو كتب عليه مائة ريال، فتأخذ هذا النوع وتأتي عند المحاسب أو صاحب البقالة أو العامل الذي هو وكيل عن مالك البقالة وتدفع نفس القيمة المكتوبة على السلعة، فيأخذ القيمة ولا تتكلم ولا يتكلم، فهذا بيع بالفعل، فما قال: (بعت) ولا قلت: (اشتريت)؛ لكنكما تفاهمتما عن طريق الفعل، وهذا البيع لا يمكن أن يمر يوم دون أن تفعله، خاصة في الخبز، والأشياء الحقيرة أي: التي قيمتها يسيرة سماها العلماء (المحقرات) -وستأتينا إن شاء الله- والمحقرات: هي الأشياء التي قيمتها زهيدة.
فتأتي إلى الخبز وأنت تعلم أن الرغيف مثلاً بنصف ريال فتعطيه نصف ريال وتأخذ الخبز، فلم يقل: بعت ولم تقل: اشتريت، وليست هناك صيغة أبداً، إنما جرى العرف على أنك إذا وضعت نفس هذا المبلغ، وسحبت نفس الرغيف أنك راضٍ بهذا البيع.
إذاً: الرضا بالبيع: إما أن يكون باللفظ: (بعت) و (اشتريت) أو يكون بالفعل، وهذا النوع من البيوع هو الذي يسمى ببيع المعاطاة، وسنتكلم عليه إن شاء الله ونذكر خلاف أهل العلم رحمهم الله فيه.
أما إذا وقعت الصيغة باللفظ فلا إشكال، ولكن من حقك في الصيغة أن تتدخل وتلغيها، ومن حقه هو أن يتدخل ويلغيها، بشرط ألا تفترقا عن المجلس، فمثلاً: لو قال لك: بعتك سيارتي بعشرة آلاف ريال، فقلت له: قبلت، وأعطاك العشرة آلاف، وأعطيته مفاتيح السيارة، وجلستما خمس ساعات متواصلة، ثم في آخرها قال: لا أريد، فمن حقه أن يرجع في البيع، فالصيغة وحدها لا تلزم ما لم يكن بعدها الافتراق، وهذا ما سنتكلم عليه في خيار المجلس إن شاء الله تعالى.
إذاً: انعقاد البيع يكون بالصيغة: الإيجاب والقبول، ولكن يتوقف لزوم العقد ولزوم الصيغة على الافتراق من المجلس، فلا يعتبر هذا اللفظ ملزماً إلا إذا افترقا من المجلس أو خيّر أحدهما الآخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، فجعل الخيار لهما ما لم يقع الافتراق.
(142/7)
________________________________________
الفاصل بين الإيجاب والقبول وحكمه
قال: [وينعقد بإيجاب وقبول بعده] (بإيجاب) هذا أول شيء، (وقبول بعده)، أي: بعد الإيجاب، فقوله: (بعده) أي: ألا يكون هناك فاصل بين الإيجاب والقبول، مثال ذلك: أن يقول له: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، قال: قبلت، فلما قال: قبلت وقع القبول بعد الإيجاب مباشرة، فالبيع صحيح وتام؛ لكن لو فصل فاصل، نقول: الفاصل ينقسم إلى قسمين: الفاصل المتضمن للعقد.
والفاصل الخارج عن العقد، ويسمى: بالفاصل المؤثر.
أما الفاصل الذي هو داخل العقد كأن يقول له: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، ثم قام إلى السيارة فقلبها ونظر فيها وفحصها ثم قال: قبلت، فإننا نعلم أن هذا الفاصل من الأفعال؛ لأن الفاصل يكون بالأقوال ويكون بالأفعال، فهذا الفاصل الفعلي ولو أنه طال لكنه يعتبر داخلاً ضمن مجلس العقد، وكأنه من متممات العقد، أي: كأنه انبنى عليه تمام العقد، فهذا لا يؤثر، ولا يحتاج أن يعود مرة ثانية ويقول: بعتك؛ لأنه فصل بفاصل مركب على قوله: بعتك، وكذلك أيضاً الفاصل الزمني، قال له: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، فجلس يتفحص ثم قال: عشرة آلاف، عندي كذا وعندي كذا، فجلس يحسب نفقته ويحسب ما الذي يترتب على قبوله البيع، ثم قال: قبلت، فهنا صح البيع، وهذا الفاصل يعتبر مما يعين على تحقيق البيع وتمامه.
أما الفاصل المؤثر أن يأتي بقول أو فعل أجنبي، مثلاً: قال له: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، قال: كيف حال فلان؟ فهذا الكلام خارج عن عقد البيع، وكلام أجنبي، ثم قال: هل خرج من المستشفى أم لا؟ قال: لم يخرج، قال: لعل الله أن يشفيه، فدخلوا في كلام خارج عن مسألة البيع، ثم قال له: قبلت، فهذا لا يصح، ولا يتركب القبول على الإيجاب الماضي؛ لأن دخول الفاصل الأجنبي كأنه يقول: لا أريد البيع، فهو بمثابة الإعراض عن البيع، ولذلك يحتاجان إلى أن يعيدا مرة ثانية ويقول: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، حتى يقع القبول بدون وجود هذا الفاصل الأجنبي المؤثر في اعتبار الإيجاب وما يتركب عليه من قبول.
قال رحمه الله: [وقبله متراخياً عنه في مجلسه].
(وقبله) أي: أن يقع القبول قبل الإيجاب، فيصح أن يقع القبول بعد الإيجاب وقبل الإيجاب، سواء سبق البائع أو سبق المشتري؛ لأن هذا كله يدل على الرضا، إلا أن الشافعية رحمهم الله يشددون ويشترطون سبق الإيجاب للقبول، ولذلك إذا قال له: أشتري منك سيارتك بعشرة آلاف ريال، فقال: بعتكها بعشرة آلاف ريال، فلابد أن يرجع المشتري مرة ثانية ويقول: قبلت، فيرون أنه لابد أن يتأخر القبول على الإيجاب، والجمهور من حيث الجملة لا يفرقون؛ لأن الله سبحانه وتعالى اعتبر الرضا، وهذا يدل على الرضا، سواء سبق أو تأخر، فكل منهما معتبر.
قال رحمه الله: [فإن اشتغلا بما يقطعه بطل].
(فإن اشتغلا بما يقطعه) أي: من القول أو الفعل، (بطل) أي: بطل الإيجاب، ولم يتركب القبول بعده على الإيجاب.
[وهي الصيغة القولية].
أي: هذا الذي قدمته لك وذكرته لك صيغة البيع القولية: (بعت) و (اشتريت)، كما ذكرنا، وبعد ذلك سينتقل إلى الصيغة الفعلية.
(142/8)
________________________________________
بيع المعاطاة وحكمه
قال رحمه الله: [وبمعاطاة وهي الفعلية] أي: وينعقد -وهذا أصل التقدير فالواو للعطف- البيع بالمعاطاة، والمعاطاة مأخوذة من قولهم: أعطى الشيء يعطيه إعطاءً، فهذا النوع من البيع -كما قلنا- يقوم على الأفعال، كأن تأتي إلى البقالة وتعطي المال ثم تأخذ السلعة، دون أن يحصل بينكما إيجاب أو قبول، وهذا النوع من البيع اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض أصحاب الشافعي كـ البغوي وغيره رحمهم الله إلى أن بيع المعاطاة يصح مطلقاً.
ما معنى قولهم: يصح مطلقاً؟ معناه: يصح في الأشياء الحقيرة والأشياء الغالية، فلو أنك جئت ورأيت بائع الخبز يبيع الرغيف بنصف ريال ووضعت النصف ريال وأخذت الرغيف، صح البيع عندهم، ولو أنك مررت على صاحب ذهب ورأيت عقد الذهب بعشرة آلاف ريال فجئت وسحبت العقد دون أن يقول لك: بعت، ودون أن تقول: اشتريت، ودفعت العشرة آلاف وأخذت العقد صح البيع، وهذا في الغالي والكثير، والأول في اليسير والحقير، والبيع عندهم صحيح، المهم عندهم أن يحصل شيء يدل على الرضا، ولا يقيدونه بالقول، فأي فعل يدل على الرضا فالبيع عندهم صحيح، وهذا مذهب الجمهور.
- وذهب الشافعية رحمهم الله إلى عدم صحة بيع المعاطاة مطلقاً، وأنك إذا اشتريت خبزاً بنصف ريال أو بربع ريال فلا يصح، حتى يقول لك: بعت، وتقول: اشتريت، أي: حتى يقع الإيجاب والقبول، فلا يصح هنا البيع بالأفعال، بل لا بد من القول.
- وذهب الحنفية في رواية، والإمام أحمد أيضاً في رواية، وهو قول عند الشافعية إلى التفريق، فقالوا: يصح بيع المعاطاة في اليسير والحقير، ولا يصح في الكثير والجليل أي: الشيء الذي له قيمة لا يصح بيع المعاطاة فيه، والشيء اليسير الذي قيمته يسيرة يصح البيع فيه، ففرقوا بين القليل والكثير.
أما الذين صححوا البيع وهم جمهور العلماء رحمهم الله فاحتجوا بدليل الكتاب والسنة والإجماع: أما دليلهم من الكتاب فقوله سبحانه وتعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275] فالله عز وجل بيّن في هذه الآية صحة البيع دون أن يفرق بين بيع قائم على القول أو قائم على الفعل، فما فرق بين بيع وآخر.
ثانياً: قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الرضا أمر متعلق بالقلب يدل عليه الظاهر بالفعل كما يدل عليه بالقول، فأنت الآن حينما تأتي وترى على السلعة قيمة عشرة ريالات وتأتي وتدفعها له وتأخذ السلعة، ما معناه؟ معناه أنك راضٍ ببذل هذه العشرة مقابل هذه السلعة، كما أنك تقول له: بعت ويقول: اشتريت، فحينما دفعت المال لا فرق بينهما، هذا بالنسبة لدليل الكتاب.
أما دليل السنة: فحديث ابن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما البيع عن تراض) قالوا: إن الرضا -كما في دليل الكتاب- يدل عليه الفعل كما يدل عليه القول.
والدليل من الإجماع: هذا الإجماع نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله بحث نفيس حبذا لو يرجع إليه في كتابه النفيس (القواعد النورانية) فقد تكلم على هذه المسألة كلاماً نفيساً، وقرر أن الشرع لا يقيدنا بالألفاظ وأن العبرة بالرضا، سواء كان بالقول أو بالفعل، ونقل كلاماً نفيساً عن السلف، وأنهم كانوا ينزلون دلالة الأفعال منزلة دلالة الأقوال، فيقول في معرض كلامه: ألا ترى الرجل يبني المسجد ثم يفتح أبواب المسجد، ولا يصيح للناس: أيها الناس! قد أوقفت هذا المسجد لله أو كذا، فنفهم أنه حينما فتح باب المسجد أنه يقصد وجه الله عز وجل، أو يريد وقفه للطاعة والصلاة فيه، فلا يحتاج الداخل ولا يحتاج المصلي إلى استئذان، كذلك لو مررت على سبيل ماء وتجد صاحبه -كما ذكر رحمه الله- يشرع للناس الماء، ويضع كئوس الماء، تفهم من هذا أنه سبيل ووقف يراد به الخير، فتشرب ولا تنتظر من صاحبه أن يقول: أذنت لك أن تشرب، فجعل إخراجه (لصنبور) الماء خارج داره وإبرازه منزلاً منزلة الإذن باللفظ، وذكر على هذا أشياء كثيرة، وأن السلف رحمهم الله كانوا على هذا، وعليه قال: إننا نعرف من إجماع السلف وهديهم رحمهم الله أنه لا فرق بين دلالة الفعل ودلالة القول.
وأما الذين منعوا بيع المعاطاة فيحتجون بقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29] قالوا: إن الرضا أمر غيبي ولا نستطيع أن نعلمه إلا إذا صرح بدليل لفظه أنه راضٍ.
واستدلوا أيضاً بالقياس، فقالوا: لا يصح البيع بالأفعال كما لا يصح النكاح بالأفعال، أي: كما أن النكاح يجب فيه الصيغة باللفظ، كذلك البيع تجب فيه الصيغة باللفظ.
وأما الذين فرقوا بين القليل والكثير، فعندهم دليل الاستحسان، فيستدلون بدليل الشافعية على المنع ويستثنون اليسير من باب الاستحسان، والاستحسان: هو الاستثناء من الأصل العام بدليل ينقدح في نفس المجتهد.
والذي يترجح -ختاماً- في هذه المسألة هو القول بصحة بيع المعاطاة في القليل والكثير أولاً: بدلالة الكتاب والسنة.
ثانياً: أن قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض} [النساء:29] دليل لنا؛ لأن الله لم يفرق بين رضاً وآخر، وأن الرضا كما يستفاد بالأقوال يستفاد كذلك بالأفعال.
وأما القياس فإننا نقول: إن هناك فرقاً بين النكاح والبيع، ففي النكاح شدد الشرع أكثر من البيع؛ لأن النكاح يحتاط فيه للفروج، ولذلك ليس في النكاح خيار مجلس، ولكن البيع فيه خيار المجلس، فرخص الشرع في البيع أكثر من ترخيصه في النكاح، وشدد في النكاح واعتبرت الصيغة، ولأن الفرق بين النكاح والسفاح -الحلال والحرام- يحتاج إلى صيغة، فتقيد بالصيغة، وهذا بخلاف البيع، ومن هنا يترجح القول بصحة بيع المعاطاة، وهناك بعض العلماء يحتج بدليل عزيز غريب، وهو في الحقيقة أنفس ما استدل به في هذا الباب، وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:111] قال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى} [التوبة:111] وقال بعد ذلك: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة:111] فسماه بيعاً، مع أنه لا يقول: بعت ولا يقول: اشتريت، ولكن نزلت الأفعال -من خوضه في سبيل الله مقبلاً غير مدبر يحتسب الأجر عند الله- منزلة صريح القول، فقالوا: وهذا يدل على صحة بيع المعاطاة.
(142/9)
________________________________________
الأسئلة
(142/10)
________________________________________
صور البيع

السؤال
ذكرتم -حفظكم الله- أن هناك ثلاث صور من صور البيع التسع محرمة عند العلماء، فما هي الثانية والثالثة؟ أثابكم الله.


الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فنحن قلنا: عندنا بيع العين بالعين، والذمة بالذمة، والعين بالذمة، هذه ثلاث، وكل واحدة من هذه الثلاث تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ناجزاً من الطرفين، ونسيئة من الطرفين، وناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر، فأصبح المجموع (3×3) تسع صور، ففي كل واحدة من هذه الثلاث نسيئة من الطرفين: عين بعين نسيئة من الطرفين، وذمة بذمة نسيئة من الطرفين، وعين بذمة نسيئة من الطرفين، فإذا جئت تحصرها تقسم البيع، وتجعله ثلاثة أقسام: عين بعين، وذمة بذمة، وعين بذمة، هذه الثلاثة الأقسام الرئيسية، ثم كل واحدة من هذه الثلاث تجعل تحتها ثلاثة أقسام: ناجزاً من الطرفين، ونسيئة منهما، وناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر، فجميع الصور التسع فيها ثلاث صور كقولك: العين بالعين نسيئة من الطرفين، والذمة بالذمة نسيئة من الطرفين، والعين بالذمة نسيئة من الطرفين، وصيغة العين بالعين نسيئة من الطرفين أن تقول: بعتك هذا الكتاب بهذا الكتاب أعطيك غداً وتعطيني غداً، فهذا نسيئة من الطرفين ولا يجوز.
وصيغة الذمة بالذمة نسيئة من الطرفين أن تقول: أبيعك ساعة من نوع كذا وكذا بساعة من نوع كذا وكذا أو بمائة ريال أو بمائتين، فهذا يعتبر ذمة بذمة، وتقول: أعطيك غداً وتعطيني غداً، فهذا نسيئة من الطرفين، ذمة بذمة.
وصيغة العين بالذمة نسيئة من الطرفين أن تأتي بواحد من الأول وواحد من الثاني فتقول: أبيعك هذه الساعة بمائة ريال، على أن أعطيك غداً وتعطيني غداً، فهي نسيئة من الطرفين في صورة عين بذمة، فهذا بالنسبة لمسألة الثلاث الصور.
إذاً: أصبحت هناك ست صور: عين بعين، وذمة بذمة، وعين بذمة، فهذه ثلاث تضربها في القسمين الباقيين: ناجزاً منهما، ناجزاً من أحدهما نسيئة من الآخر، فهذه الست فيها بحث وفيها تفصيل وفيها أحكام، وأما الثلاث الأولى فللعلماء كلمة واحدة أنها لا تصح، وأنها من بيع الدين بالدين المنهي عنه شرعاً، وأجمع العلماء على عدم صحته واعتباره.
والله تعالى أعلم.
(142/11)
________________________________________
تعريف الثمن

السؤال
هل يمكننا أن نعرف الثمن بأنه: كل ما دخلت عليه الباء فهو ثمن؟ أثابكم الله.


الجواب
بعتك هذا الكتاب بهذا الكتاب، فـ (بعتك هذا الكتاب) مثمن، (بهذا الكتاب) مثمن، و (بعتك هذه الأرض) كذلك (بهذه الأرض) مثمن، فليس كل شيء دخلت عليه الباء ثمن؛ لأن الباء تدخل على الثمن وتدخل على المثمن، فلا ينضبط ولا يتأكد ولا يستقيم أن تقول: كل شيء دخلت عليه الباء فهو ثمن، لكن لو قيل: إنه في البيع المطلق: أبيعك السيارة بعشرة آلاف؛ لأن البيع المطلق هو بيع الثمن بالمثمن، وهو أحد الأنواع التي ذكرناها فهذا ممكن.
فالمقصود: أن وضع الباء هذا لا أعرف أنه ضابط مطرد؛ لأنه يشترط في الضوابط أن تكون مطردة، والباء تدخل على الثمن وتدخل على المثمن بلا إشكال.
والله تعالى أعلم.
(142/12)
________________________________________
حكم اقتطاع مال نقدي عند بائع واستهلاكه بعد ذلك

السؤال
أنا إنسان أعطي صاحب البقالة مبلغاً وقدره مائة ريال في بداية الشهر، وأنا على مرور أيام هذا الشهر آخذ ما أريد من البقالة، وصاحب البقالة يخصم المبلغ من المائة التي عنده في بداية الشهر، فهل هذا الفعل جائز، أم أن فيه نوعاً من أنواع الربا؟ أثابكم الله.


الجواب
هذه المسألة تورع بعض العلماء فيها، واعتبرها من باب بيع الدين بالدين، والسبب في هذا: أنه لما أعطاه المائة أصبح صاحب البقالة مديناً لك بالمائة، وهذه المائة أعطيت في لقاء دين آخر وهو السلع التي تريد أن يعطيكها؛ لكن رخص فيها بعض العلماء قياساً على السلم، ففي بيع السلم يعطي الثمن عاجلاً والمثمن مؤجلاً، لكن رد هذا القياس؛ لأن السلم رخصة، وما ثبت على الرخص لا يقاس عليها، والشبهة في هذا موجودة.
لكن إذا كان من جنس المكيلات والموزونات والمعدودات فمرخص فيه؛ لأن فيه شبهة السلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، مثال ذلك: أن تأتي إلى بائع الحليب وتقول له: هذه مائة لعشرة أيام كل يوم آخذ منك (كيلو)، فهذا في كيل معلوم إلى أجل معلوم، وكذلك إذا كان موزوناً فإنه ينضبط، فهذا بعض العلماء يدخله في باب السلم من هذا الوجه.
والله تعالى أعلم.
(142/13)
________________________________________
حكم البيع مع الضمان

السؤال
اشتريت سلعة واشترط البائع ضمانها لسنة، فهل يصح ضمانه؟ أثابكم الله.


الجواب
مسألة الضمان هذه ترجع إلى أصل شرعي وهو الذي يسمى: بيع العهدة، والعهدة قضى بها الصحابة رضوان الله عليهم، وأثر عن بعض الخلفاء الراشدين أنه قضى بالعهدة، فقد كانوا يبيعون الدواب وغير الدواب أيضاً ويجعلون العهدة ثلاثة أيام، وخلال الثلاثة الأيام هذه ينكشف فيها حقيقة المبيع، ويكون المبيع من جنس المبيعات التي لا تعرف إلا بالتجربة، ولا تعرف إلا بالاستهلاك، فهذا يسمونه بيع العهدة، والضمان في الحقيقة هو تفضل من البائع للمشتري، فهو يقول له: أنا أضمن لك بقاءها خلال سنة؛ لأن هناك عيوباً لا تنكشف ولا تعرف إلا بالاستهلاك، فكونه يلتزم الضمان فيه وجه شرعي، أي: من ناحية شرعية له أصل.
وسنتكلم على هذا إن شاء الله في خيار العيب، فربما نعرج ونبين فيه بشيء من التفصيل، وبيع الضمان له وجه من العهدة، ومن أمثلة ذلك: أنهم كانوا يبيعون الرقيق به آفة وعاهة، ولا تنكشف إلا بعد شهر أو شهرين، وقد لا تنكشف إلا خلال سنة، فهذا كله يعتبره العلماء من باب ضمان حق المشتري.
والأصل فيه أيضاً حديث المصراة كما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين: إن شاء أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر)، لاحظ النهي عن الغش: (لا تصروا الإبل والغنم)؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا بيعها وهي أنثى وفيها حليب حبسوها يومين أو ثلاثة لا يحلبونها، فينتفخ ضرعها، وعندها فلن تستطيع أن تكتشف هذا العيب إلا إذا جلست عندك، ولذلك ثبت في الرواية الأخرى: (فأمسكها ثلاثاً) أي: يمسكها ثلاثة أيام حتى ينكشف حقيقة الحليب الموجود فيها، فهذا نوع من إعطاء الضمان ثلاثة أيام، حتى ينكشف حقيقة الحليب الموجود، فأنت لا تستطيع أن تكتشف هذا العيب إلا إذا جلست ثلاثة أيام، ففي اليوم الأول تراها كثيرة الحليب، وفي اليوم الثاني ينقص وفي اليوم الثالث يرجع إلى طبيعته أو عادته أو قريباً من الطبيعة أو العادة، فحينئذٍ إن شئت أمسكت وإن شئت رددتها وصاعاً من تمر ضماناً للعيب الموجود فيها.
وعلى هذا: فإنه قد يقوى اعتبار الضمان من حيث الأصل، أما من حيث التفصيل فهذا يحتاج إلى نظر.
والله تعالى أعلم.
(142/14)
________________________________________
حكم التفاضل في الأشياء التي لا يجري فيها الربا

السؤال
أريد أن أبيع ثلاجة قديمة بأخرى جديدة، مع دفع الفارق، دون قبض ثمن الأولى، فهل يصح هذا البيع؟ أثابكم الله.


الجواب
بالنسبة لمبادلة الثلاجات والغسالات والثياب والسيارات، كأن يكون عندك سيارة قديمة تبادلها بسيارة جديدة، أو أجهزة كهربائية مستعملة بأجهزة جديدة أو بأجهزة مستعملة أخرى، سواء بادلت بدون فرق أو بادلت بالفرق، فكله جائز؛ لأن الأجهزة الكهربائية كأن تبادل غسالة بغسالة فإن الغسالات ليست من جنس الأموال التي يحرم فيها التفاضل؛ لأنها ليست من الموزونات، وشرط جريان الربا في غير المطعوم أن يكون موزوناً، والغسالة لا تباع بالوزن بل تباع بالعدد، وهكذا بالنسبة للآلات الأخرى كالسيارات فإنها تباع بالعدد لا بالوزن، ولذلك كل شيء من غير الطعام إذا لم يكن موزوناً فيجوز فيه التفاضل، فيجوز أن تبيع الثلاجة بالثلاجتين، أو تبيع الثلاجة بالثلاجة وتدفع الفرق ولو كان نقوداً؛ لأنه ليس من جنس ما يمنع فيه التفاضل أو يجري فيه الربا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(142/15)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [3]
للبيع شروط شرعية لا يحكم بصحة البيع ونفوذه إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط، ومن أهم هذه الشروط: تراضي الطرفين -البائع والمشتري- وأهليتهما في التصرف، وأن تكون العين مباحة المنفعة لغير حاجة، فإذا فقد البيع أحد هذه الشروط فقد فُقدت شرعيته، وحينئذٍ يحكم ببطلانه، وعدم جوازه.
(143/1)
________________________________________
شروط صحة البيع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويشترط التراضي منهما، فلا يصح من مكره بلا حق].
شرع المصنف رحمه الله في بيان الشروط التي ينبغي توفرها لكي يحكم بصحة البيع، ولا يمكن أن يحكم بجواز البيع ونفوذه إلا إذا توفرت هذه الشروط الشرعية، وذلك لأن الأصل في مال المسلم أنه محرم إلا أن يدل الدليل على استباحته، وعقد البيع عقد مبادلة ومعاوضة، وهذه المبادلة والمعاوضة لها أمارات معينة في الشرع يحكم بوجودها في صحة البيع واعتباره، ويسمي العلماء رحمهم الله هذه الأمارات والعلامات: شروط صحة البيع، فشرع المصنف رحمه الله في بيان الشروط التي ينبغي توافرها لكي يُحكم بكون البيع صحيحاً.
(143/2)
________________________________________
التراضي
قال رحمه الله: (ويشترط التراضي) أي: يشترط لصحة عقد البيع أن يكون البائع راضياً، وأن يكون المشتري راضياً، فلابد أن يكون كل منهما راضياً على عقد المبادلة والمعاوضة، فلو قال رجل لرجل: بعتك بيتي بمائة ألف، فيشترط أن يكون هناك الرضا من البائع وهو صاحب البيت، بحيث يرضى بالمائة ألف عوضاً عن بيته، ويشترط الرضا في المشتري، بحيث يرضى بدفع المائة ألف في مقابل هذه العين، أعني: البيت.
والأصل في اشتراط هذا الشرط قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، فبيّن سبحانه وتعالى حرمة أكل مال المسلم بالباطل، والباطل هو الذي ليس فيه وجه حق، وعلى هذا فإنه يستحق مال المسلم في التجارة إذا وجد الرضا، ومفهوم ذلك: أنه لا يستحق مال المسلم إذا فقد الرضا، والله تعالى يقول: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، فاشتملت هذه الآية على اشتراط الرضا في الطرفين: في البائع وفي المشتري، ومفهوم ذلك: أنه لا يصح البيع إذا فقد الرضا.
وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن من شروط صحة البيع وجود الرضا من حيث الجملة؛ لنص الله عز وجل عليه، ولذلك نجد فقهاء الحنفية رحمهم الله لما وصفوا البيع الشرعي قالوا: مبادلة المال بالمال بالتراضي، وقولهم: (بالتراضي)، الباء للمصاحبة، أي: مصحوباً بالتراضي من الطرفين، أعني: البائع والمشتري.
وعلى هذا: فلو أن إنساناً هدد غيره أن يبيع فباع تحت هذا التهديد، أو أضر به أو قهره على البيع، فإذا توفرت شروط الإكراه لم يصح البيع؛ وذلك لأن الله عز وجل اشترط للحكم بجواز البيع وصحته أن يوجد الرضا، ومفهوم ذلك: أنه لا يحكم بصحة البيع واعتباره إذا لم يوجد الرضا، وقد جاء في حديث ابن عمر عند ابن حبان وغيره وحسن بعض العلماء إسناده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما البيع عن تراض)، فقوله: (إنما البيع) أسلوب حصر وقصر، كأنه يقول: البيع الشرعي هو البيع الذي وجد فيه التراضي، ومفهوم ذلك -وهو مفهوم الحصر كما يسميه الأصوليون-: أنه إذا لم يوجد الرضا فليس ثمّ بيع شرعي.
وقوله: (فلا يصح من مكره بلا حق) الفاء في قوله: (فلا يصح) للتفريع، فرّع على اشتراط الرضا في البائع والمشتري أنه لا يحكم بصحة البيع إذا أكره البائع على البيع أو أكره المشتري على الشراء، فإذا أكره أحدهما أو أكرها معاً لم يصح البيع.
وقوله: (من مكره) المكره: مأخوذ من الكره، وأصل الكره الشيء الذي انتفى فيه الرضا، والأصل في كون الإكراه مسقطاً للأحكام الشرعية قول الله سبحانه وتعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106]، فهذه الآية الكريمة قال علماء التفسير فيها: إنها أصل في إسقاط حكم الإكراه، ووجه ذلك: أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن المسلم إذا قال ما يوجب الردة -وهي كلمة الكفر- بالإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن هذا القول لا عبرة به، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمار عندما أكره: (وإن عادوا فعد)، فأسقط بالإكراه الحكم بالمؤاخذة.
وعلى هذا: فلو قال المكره: بعت، وقال المكره: اشتريت، فإن هذا اللفظ من البائع والمشتري وجوده وعدمه على حد سواء؛ لكن يبقى النظر: متى نحكم بكون الإنسان مكرهاً؟ هذه المسألة تكلم عنها العلماء رحمهم الله، ولكن فيها تفصيل وكلام طويل، وسيكون الحديث عنها إن شاء الله في طلاق المكره، وسنتكلم عن الشروط المعتبرة للحكم بكون الإنسان مكرهاً، فمثلاً: لو قال رجل لرجل: بع بستانك هذا بمليون وإلا ضربتك على يدك، فإن الضرب على اليد أهون من بيع البستان بهذا المبلغ، فلا نقول: إنه مكره بهذا القول، وإنما يحكم بكونه مكرهاً، إذا هُدِّد بأمر هو أعظم من الأمر الذي طلب منه.
وهناك موازين وأمور معينة لا بد من وجودها للحكم بالإكراه.
فالشاهد: أن من باع مكرهاً على بيعه لم يصح بيعه، ومن اشترى مكرها على الشراء لم يصح شراؤه، ولكن يبقى النظر إذا أكره بحق، ومثال ذلك: المفلس، فلو أن رجلاً استدان من الناس حتى أفلس، ووجدت أمتعة الناس عنده -ومعلوم أنه لا يحكم بكون الإنسان مفلساً إلا إذا كانت ديونه أكثر من تجارته، وغلب على الظن عدم نمائها، وعدم استطاعته أو قدرته على رد الحقوق إلى أهلها -فإذا كان الإنسان مفلساً، وعليه دين مثلاً مليون، وهناك أرض أخذها من شخص بمائة ألف، وهناك أرض ثانية بمائتين، وهناك سيارة بمائة، فإن أصحاب الأرض وصاحب السيارة إذا وجدوا عين السيارة وعين الأرض فمن حقهم أن يأخذوها، فيقول صاحب الأرض: أنا آخذ أرضي وأسقط حقي في الدين، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن: (من وجد متاعه عند من أفلس فهو أحق به)، قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبناءً على هذا: لو أن المفلس -مثلاً- كان عنده من السيارات والعقارات ما يساوي المائة ألف، والديون التي عليه ثلاثمائة ألف، فقرر القاضي بيع ما عنده من الأملاك وتسديد الديون، فإنه ستخرج منه هذه الأملاك دون طواعية ودون رضاً، وسيبيع بدون اختياره وبدون رضاه، ولكنه إكراه بحق، ولذلك يصح البيع وينفذ.
فاحتاط المصنف رحمه الله وقال: (بلا حق)، فمن أكره بالحق فإن إكراهه شرعي، وهكذا لو احتيج إلى توسعة مسجد، أو توسعة طريق تضرر الناس بضيقه، وقيل لرجل: بع دارك لتوسعة الأرض أو توسعة المسجد، فأبى، فمن حق ولي الأمر أن يأخذه منه بالكره ويعوضه عليه بقدر ما للعين من قيمة، والأصل في ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هدم دار العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وذلك حينما ضاق المطاف واحتاج أن يوسعه، فهدم دوراً، ومنها دار العباس رضي الله عنه وأرضاه، وكانت قريبة تطل على المسجد، فأكرهه على بيعها، وأكرهه على المناقلة فيها، فدل على مشروعية هذا النوع من البيع لوجود الحق، والقاعدة الشرعية تقول: (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، ومن فروعها هذه المسألة، وكذلك الحجر على المريض بمرض معْدٍ ونحوها، كلها أضرار خاصة قصد منها دفع الضرر العام.
فالبيع في مثل هذا بيع معتبر عند العلماء رحمهم الله.
(143/3)
________________________________________
أهلية التصرف
قال رحمه الله: [وأن يكون العاقد جائز التصرف].
وهذا هو الشرط الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف، والجائز التصرف: هو الذي ينفذ تصرفه، فهنا بيع وشراء، فيشترط لصحة البيع وصحة الشراء أن يكون تصرف البائع تصرفاً صحيحاً ونافذاً، أي: عنده أهلية التصرف -كما يقول الفقهاء- وهذه الأهلية تستلزم ألاَّ يكون صبياً، ولا محجوراً عليه؛ والسبب في ذلك: أن الصبي والمجنون والسفيه يحجر عليهم، فإذا تصرفوا في أموالهم فإن تصرفهم غير صحيح.
إذاً: يسمي العلماء هذا الشرط بشرط نفاذ التصرف، أو يصفونه: بأهلية التصرف، بمعنى: أن يكون البائع والمشتري عنده أهلية تبيح له أن يأخذ وأن يعطي، فإذا فقد هذه الأهلية لوجود مانع يمنع من نفوذ تصرفه، فإننا لا نصحح البيع، فلو أن صبياً توفي عنه أبوه وترك له عمارة إرثاً، فجاء رجل إلى الصبي وقال له: بعني عمارتك التي ورثتها عن أبيك بمائة ألف، فقال: قبلت، فإنه مالك للعمارة وراض ببيعها، ولكنه غير أهل للتصرف في ماله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5]، وأمر سبحانه وتعالى بالحجر على الأيتام؛ والسبب في هذا: أن الصبي والسفيه والمجنون كل منهم لا يحسن النظر لحظ نفسه، وهذا يسميه العلماء: بالحجر على الإنسان لمصلحة نفسه، وإذا أردت أن تضبط هذا الشرط فتقول: نافذ التصرف هو غير المحجور عليه، والحجر إنما شرعه الله لأمرين: إما لمصلحة الإنسان نفسه، أو لمصلحة تتعلق بالغير.
فأما الحجر على الإنسان لمصلحة نفسه فكالمجنون، فإن المجنون لو أعطيناه ماله فيوشك أن يتلف المال، ولا يحسن التصرف فيه، وهكذا الصبي لو أعطيناه المال فإنه يوشك أن يتلفه، ولا يحسن النظر فيه، ومن هنا يحجر على كل من الصبي والمجنون والسفيه ونحوهم لمكان المصلحة، أو لحظوظ أنفسهم.
وأما النوع الثاني من الحجر: فهو أن تحجر على الإنسان وتمنعه من التصرف في ماله لمصلحة الغير لا لمصلحته هو، ومن أمثلة ذلك: المفلس، فإننا ذكرنا أن المديون يحجر عليه، فالذي عليه ديون -مثلاً- تعادل المائتي ألف، وأمواله تعادل خمسين ألفاً، فإن هذا يمنع من التصرف في أمواله وتباع سداداً للدين.
ومن أمثلة من يحجر عليه لمصلحة الغير: المريض مرض الموت، فإن المريض مرض الموت يتصدق بأمواله؛ ولكن في حدود الثلث، أي: لا يستطيع أن يهب، ولا أن يتصدق، ولا أن يتنازل عن شيء من ماله إلا في حدود الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الثلث والثلث كثير)، وقال: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم)، فدل هذا على أن الثلثين ليس من حقه أن يتصرف فيهما، ومن هنا قالوا: إن الحجر على المريض في حدود الثلث يعتبر من باب مصلحة الغير؛ والسبب في هذا: أنه إذا مرض مرض الموت صار المال في حكم الإرث، وحينئذٍ كأن يده قد نقلت عن هذا المال، وأصبح له حظ النظر لمصلحة نفسه بالصدقات والهبات ونحوها من المجاملات التي يريد بها الإحسان إلى الناس.
وقد قال بعض العلماء في هذه المسألة: وَزَوْجَةٌ فِيْ غَيْرِ ثُلْثٍ تُعْتَرَضْ كَذَاَ مَرِيْضٌ مَاْتَ فِيْ ذَاْكَ الْمَرَضْ فالمريض يحجر عليه فيما فوق الثلث، وقوله: (وزوجة في غير ثلث تعترض) هذا على مذهب المالكية رحمهم الله، فإنهم يرون أنها تتصرف في حدود الثلث، وسيأتي بيان هذه المسألة في باب الحجر.
الشاهد: أن البيع لا يصح إذا كان البائع أو المشتري محجوراً عليه، فلو أن صبياً اشترى من رجل داره بمائة ألف، فإننا لا نصحح البيع؛ وإنما نقول: ليس للصبي أن يبيع ويشتري؛ وإنما النظر لوليه، فيأتي وليه وينظر في شراء الصبي؛ فإن كان شراء حكيماً، ومن المصلحة إمضاؤه أمضاه، وإن كان غير ذلك أبطله ورده.
إذاً: معناه: أن البيع لا يصح إلا إذا كان الشخص الذي يبيع ويشتري أهلاً لأن يتصرف في ماله، ومن هنا قال بعض العلماء في تعريف الحجر: هو منع نفوذ تصرف قولي لا فعلي في المال.
ومن هنا اشترط المصنف في العاقد: أن يكون جائز التصرف.
وقوله: (العاقد) يشمل الاثنين: (البائع والمشتري)؛ لأن كلاً منهما عاقد، لكن لو جئت إلى دكان فوجدت صبياً يبيع في الدكان، وهذا الصبي هو الذي يتولى الأخذ منك والإعطاء لك، فهل يصح بيعه؟ وهل تعتبر مالكاً للسلعة بالإيجاب والقبول الذي بينك وبينه؟ نقول: إذا كان الصبي مميزاً ومأذوناً له بالتصرف؛ فإنه حينئذ يصح بيعه، أما الصبي غير المميز؛ فإنه لا يصح بيعه، وعلى هذا قال العلماء: إذا وكّل الصبي ببيع السلع ووجدته في دكان ونحوه، فإنه يصح أن تشتري منه، ولا بأس بذلك.
يبقى

السؤال
إذا كان الصبي والمجنون والسفيه لا يصح بيعهم ولا شراؤهم إلا بإذن أوليائهم، فما هي الحكمة؟

الجواب
الحكمة أن الشرع منع من إعطاء هؤلاء الأموال رحمة بهم -كما ذكرنا- وحفاظاً على الأموال؛ لأنه لو أذن لهؤلاء أن يتصرفوا فإنه سيتضرر الناس بتصرفاتهم؛ لأنهم لا يحسنون النظر، لا للأخذ ولا للإعطاء، فلا يحسنون الأخذ لأنفسهم، فلربما اشتروا ما قيمته المائة بألف، وهذا لا شك أن فيه ظلماً، والشريعة جاءت بقفل أبواب الظلم والإضرار، كذلك أيضاً قد يبذلون للغير ما قيمته غالية بقيمة رخيصة؛ لأنهم لا يحسنون النظر في مصالح أنفسهم.
(143/4)
________________________________________
عدم صحة تصرف الصبي والسفيه
قال رحمه الله: [فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي].
قوله: (فلا يصح تصرف صبي) أي: في بيع وشراء، ولذلك قال: (تصرف) حتى يشمل البيع والشراء، فلو أن رجلاً جاء واشترى من صبي أرضه، والصبي مالك لها، فجاء وليه وقال: البيع باطل، فقال المشتري: قد اشتريت، وهذا هو المالك، فنقول: لا يصح البيع إلا بإذن الولي.
وقوله: (وسفيه) أصل السفه: الخفة، والثوب السفساف: الخفيف الذي يشف ما وراءه، ويطلق السفساف على الريح ونحوها، وهي تحمل الرذاذ والشيء الخفيف، فالسفيه: خفيف العقل؛ والسبب في هذا: أن الله جعل العقل في الإنسان لكي يعقله ويحجره عما لا يليق من التصرفات، فإذا جاء الإنسان يتصرف في ماله تصرفاً غير حميد، فمعنى ذلك أن عقله غير رشيد، ولا يحسن النظر، ومن هنا يقولون: إنه سفيه، أي: أن في عقله خفة.
والسفيه له عدة ضوابط: الضابط الأول: هو الذي لا يحسن الأخذ لنفسه، ولا يحسن الإعطاء لغيره، ومعنى قولهم: (لا يحسن الأخذ لنفسه، ولا يحسن الإعطاء لغيره): أنه إذا أراد أن يشتري غُبِن في الشراء، وإذا أراد أن يبيع غُبِن في البيع، مثال ذلك: إذا كانت عنده سيارة قيمتها عشرة آلاف ريال، وأراد أن يبيعها فربما ماكسه المشتري، أو تلطف معه في العبارات، فيشتريها منه بستة أو بسبعة أو بثمانية آلاف ولا يبالي، ويقول له: أنت رجل طيب، وفيك خير، فهل تبيع هذه السيارة بثمانية آلاف أو بسبعة آلاف؟ فيقول: خذها، فمعنى ذلك أنه ليس عنده عقل، ولا عنده من الرشد ما يحجره ويمنعه لكي ينظر لمصلحة نفسه، فإذا نزل الإنسان إلى هذا المستوى ولم يكن قصده الآخرة، أما لو كان قصده الآخرة، وقصده أن يكون بينه وبين أخيه تآلف، فآثر ما عند الله عز وجل، وفضّل أخوة الإسلام على أن يكسب أخاه، فإن الله يجمع له بين ثواب الدنيا والآخرة؛ لكن نحن نتكلم على رجل أَخْرَق لا يحسن النظر لنفسه.
وبناءً على هذا: لو أن رجلاً عنده أموال (عمائر) أو سيارات فاشترى (العمائر) بقيمة، ثم باعها بقيمة رخيصة جداً، مع إمكان بيعها بقيمة غالية، فطالب أولياؤه بالحجر عليه، وثبت عند القاضي أنه باعها بهذه القيمة الرخيصة، فإنه يحجر عليه ويمنعه؛ لأنه ثبت عند القاضي أنه لا يحسن الإعطاء للغير، فإذا وجد أحد الأمرين: إما أنه لا يحسن الإعطاء للغير، أو لا يحسن الأخذ لنفسه، فيحجر عليه، فلو اشترى داراً قيمتها مائة ألف، فاشتراها بثلاثمائة ألف، أو بمائتي ألف، أو بأربعمائة ألف، فتعلم حينئذٍ أنه أَخْرَق، وأنه يُضحك عليه، فلا بد من الحجر عليه صيانة لماله لحظ نفسه، كما حجرنا على المجنون وعلى الصبي.
والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء:5]، وقد جاء عن عثمان في قصة عبد الله بن جعفر وعلي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع، في مسألة شراء أرض في الغابة بالمدينة، فإن عثمان رضي الله عنه لما بلغه شراء عبد الله لها أراد أن يحجر عليه، فقال علي رضي الله عنه: أنا شريكه.
وعلى هذا: فالمقصود أننا نحجر على الإنسان إذا ثبت أنه لا يحسن الإعطاء للغير، أو لا يحسن الأخذ لنفسه.
الضابط الثاني للسفيه: أن يكون مسرفاً في الشهوات، والمراد بهذا: أن يشتري الأشياء المباحة، ويبالغ في الكماليات، مع أنه مكفي الحاجة بما دونها.
ومن أمثلة ذلك: أن يكون بحاجة إلى سيارة مثلاً، فيمكنه أن يشتري سيارة بخمسين ألفاً، فيذهب ويشتري سيارة بمائتي ألف، أو أن يكون بحاجة إلى ثوب، والثوب لمثله ومتوسط مثله من كان في قدره ومكانته يشتري الثوب بمائة، فيذهب ويشتري الأثواب بالمائتين والثلاثمائة والأربعمائة، فينقل نفسه إلى منزلة ليست له، ويتشبع بما لم يعط، فإذا أغرق في هذه المباحات، وأصبح يشتري الأشياء العالية الغالية، ويسرف فيها، مع أن مثله لا يليق به ذلك الشيء؛ فإنه يحجر عليه، ويوصف بالسفه، وهذا الضابط هو الذي أشار إليه بعض العلماء بقوله رحمه الله: وَالسَّفَهُ التَّبْذِيْرُ لِلأَمْوَالِ فِيْ لَذَّةٍ وَشَهْوَةٍ حَلاَلِ حتى قال بعض العلماء: إذا أسرف وأكثر من الزواج، فيكون رجلاً كثير الطلاق للنساء، ورجلاً لا يحسن العشرة الزوجية، وكلما طلّق هذه ذهب ونكح غيرها، فمثل هذا يحجر عليه إذا بلغ به الأمر إلى الدَّين أو الضرر في ماله؛ لأنه في هذه الحالة قد أسرف في اللذة -وهي لذة حلال- وجاوز الحد المعتبر، فحينئذٍ يحجر عليه ويمنع، وقد روي عن علي رضي الله عنه -وهذا يروى عنه أثراً- أنه لما أكثر الحسن الزواج قام على المنبر وقال: (إنه كثير الطلاق أو مطلاق للنساء)، وكأنه يريد أن يمنع الناس من تزوجيه، فقالوا: لَنُزَوِّجَنَّه وإن كان مطلاقاً.
وذلك لشرفه رضي الله عنه وأرضاه، فهو ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنهم تعاظموا أنه قام في الكوفة وقال: (إن ابني هذا كثير الطلاق للنساء، فلا تزوجوه)، وكأنه يريد أن يؤدب الحسن، وقد قيل: إنه أحصن أكثر من مائة امرأة.
الشاهد: أنه إذا أكثر الإنسان في المباح ولو كان في الزواج، وحفظ عنه أنه يفعل ذلك على سبيل الخرق، ولم يكن هناك موجب لفعله، فإنه يحكم بسفهه؛ لأنه أسرف في اللذة المباحة مع إمكانه أن يجتزئ بما هو أقل من ذلك.
(143/5)
________________________________________
أن تكون العين مباحة المنفعة
قال رحمه الله: [وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة].
هذا هو الشرط الثالث، وهو: أن تكون العين مباحة النفع لغير حاجة، وبيان ذلك: أن البيع وقع على محل، وهذا المحل يشمل الثمن، والمثمن، أي: صور البيع الثلاث، سواءً وقع بيع صرفٍ أو بيع مقايضةٍ أو بيعاً مطلقاً، فينبغي أن يكون مباح المنفعة، وهذا أكثر ما يقع في المثمونات، فالذهب والفضة مباحا النفع، فلا إشكال فيهما بالنسبة للثمن، فيبقى الإشكال دائماً في المثمونات، فإذا باع شيئاً محرم المنفعة فإنه حينئذٍ لا يُحكم بصحة البيع.
والمراد من هذا الشرط: أن الله عز وجل حينما أباح البيع أباحه لأمرين: الأمر الأول: جلب المصالح للعباد.
الأمر الثاني: درء المفاسد عنهم.
فأما جلب المصالح فإن الإنسان إذا احتاج للشيء وأراد أن يشتريه فإنه يجد مصلحة بحصوله على ذلك الشيء، فأنت إذا كنت محتاجاً إلى بيتٍ تسكنه وترتفق به، فإنك إذا اشتريته حصلت هذه المصلحة، كذلك إذا كنت محتاجاً إلى سيارة تركبها ونحو ذلك، فإنك تجلب المصلحة بهذا البيع، كذلك تدرأ عن نفسك المفسدة؛ لأنك إن بقيت بدون بيتٍ فستكون في العراء، وإذا بقيت بدون ثوبٍ أو بدون طعامٍ فأنت على ضرر، فإذاً: البيع فيه جلب مصلحة ودرء مفسدة، فهذه المصلحة التي يطلبها الإنسان أو المفسدة التي يدفعها لابد أن يشهد الشرع باعتبارها، والإذن بجلبها إن كانت مصلحة، والإذن بدرئها إن كانت مفسدة، فإذا اشتمل البيع على ما يضاد الشرع؛ فإنه حينئذٍ لا يمكن أن يحكم بكونه بيعاً شرعياً، فيقول الشرع حينئذٍ: لا يجوز هذا البيع، وعندي فيه أمارة أو علامة تقتضي الحكم بعدم جوازه، وذلك أن المنفعة التي قُصدت من هذا البيع منفعة محرمة.
ومن أمثلة هذا: أن يبيع الخمر، فإن الخمر منفعتها محرمة، وعلى الأصل أن الله عز وجل سلب المنافع من الخمر بعد أن حرمها، لكن لو قال قائل: إنه -والعياذ بالله- يشربها لما يكون فيها مما يظنه من منافع، أو يشتري أو يبيع المخدرات لاستعمالاتٍ محرمة، فإننا نقول: الخمر والمخدرات منافعهما محرمة، وما يقصد منها محرم.
إذاً: لا بد لصحة البيع أن تكون العين مباحة المنفعة، فإذا كانت منفعتها مضرّة فلا يجوز بيعها، ومن هنا قالوا باشتراط هذا الشرط؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يأذن لعباده بالضرر، ولا يُبيح سبحانه وتعالى لهم ما فيه ضرر عليهم، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج:78]، فهذا حكم الشرع، ولو أن الشرع أجاز هذا النوع من البيع فإنه حرجٌ ومشقة.
وفي هذا الشرط عدة فوائد وهي: الفائدة الأولى: لا يصحُّ بيع شيءٍ لا منفعة فيه، ومن أمثلة ذلك مما يذكره العلماء: لو قال له: أبيعك هذه التفاحة لشمِّها، أي: المنفعة الشم فقط، وبعض العلماء يدخل هذا في باب الإجارة، وهو صحيح؛ لأنه من باب المنافع أقرب منه للأعيان، لكن منهم من يذكره مثالاً على البيع، فلو قال له: أبيعك هذه التفاحة للنظر إليها، أو لشمِّها، فإن هذه ليست بمنفعة مقصودة، وليست بتلك المنفعة التي يشتغل بها، ومن هنا قال العلماء: لا يصحُّ بيع الحشرات؛ لأنهم في القديم كانوا لا يجدون فيها منفعة، فأبطلوا بيعها.
الفائدة الثانية -وهي فائدة عكسية-: أنه لا يجوز بيع ما فيه ضرر؛ كالسمومات، فإنه لا يجوز بيعها ولا شراؤها؛ لأن السمَّ لا منفعة فيه بل فيه ضرر؛ لكن لو احتيح إلى السمِّ للعلاج أو لمنفعة، وكانت منفعة مقصودة، فإننا نقول بجواز البيع وصحته؛ لكن من حيث الأصل فإن السمومات ليست من جنس ما أحلَّ الله؛ لأنها مشتملة على الضرر، والله عز وجل لا يأذن لعباده بقتل أنفسهم، قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، وتحريم الشيء يقتضي تحريم وسائله، فحينما قال العلماء: يُشترط أن تكون هناك منفعة، خرج ثلاثة أمور: ما لا منفعة فيه كالحشرات، الأمر الثاني: العكس، وهو -مفهوم الشرط- ما فيه مضرة، فلو قال قائل: وُجدت المنفعة لكن هذه المنفعة محرمة، كالخمر فإن فيها منفعة الإسكار، والإسكار محرم، والمخدرات فيها منفعة التخدير، وهي محرمة، فعلى هذا نقول: لا يصحُّ البيع، ولا يجوز، وكذلك الميتة: وهي كلُّ حيوان مات حتف أنفه أو بغير ذكاةٍ شرعية، فإنه إذا قتل، أو كان يذكى بالصعق الكهربائي أو نحو ذلك، وبِيع، فإنه لا يصحُّ بيعه ولا يصحُّ شراؤه؛ وذلك لأن هذه الميتة منفعة الأكل منها محرمة شرعاً، إذاً: لا بد أن تكون المنفعة مباحة.
الأمر الثالث: خرج أيضاً المنفعة المباحة لحاجة، فأنت إذا قلت: هناك شيءٌ له منفعة، وهذه المنفعة مباحة؛ ولكن أبيحت للضرورة، أو أبيحت للحاجة، مثل: الكلب، ففي الأصل أنه لا يجوز اتخاذه، ولا يجوز أن يكون عند الإنسان كلب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من اتخذ كلباً إلاّ كلب صيدٍ أو حرث أو ماشية نقص من أجره كلَّ يوم قيراطان)، فهذا يدل على حرمة اتخاذ الكلب، فإذا كان اتخاذه محرماً فإنه أذن للضرورة للصيد والحرث والماشية، وهذه ثلاث منافع، فلو قيل لك: هل أشتري الكلب للصيد أو للحراسة -حراسة الماشية والزرع-؟ فنقول: نعم، فهذه ثلاث منافع، وينطبق عليها الشرط بأنها منفعة، ثم هي منفعة مباحة؛ لأن حفظ الأموال مقصود شرعاً؛ لكنها مباحة للضرورة، فإذاً: لم ينطبق عليها الشرط، فاحتاط المصنف رحمه الله وقال: (من غير حاجة) أي: يشترط أن تكون المنفعة منفعة مباحة مطلقاً، وليست بمنفعة مقيدة بالضرورة والحاجة، فإن المنافع المباحة للضرورة والحاجة لا يجوز بيعها، ومن هنا يتفرع عدم جواز بيع المادة المخدرة للاستعمال المضطر إليه؛ وإنما يُعطى المال عوضاً كإجارة، ولا يعطى عوضاً عن العين، وفرقٌ بين المعاوضة على المادة المخدرة إذا كانت لعلاجٍ كبيع، أو تعطى كإجارة، فهناك فرق بين المسألتين؛ لأنها إذا كانت بيعاً فإنَّ معنى ذلك أنها منفعة مباحة لحاجة، ولا يجوز بيع المنافع المباحة لحاجة؛ لأنه ثبت في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر البدري رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب)، وثبت في مسلم من حديث جابر رضي الله عنهما: (زجر النبي صلى الله عليه وسلم عنه)، أي: عن ثمن الكلب، وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود بسند صحيح: (إن جاءك يريد ماله فاملأ كفه تراباً)، فهذا كله يدل على حرمة بيع الكلب وشرائه، وقال: (ثمن الكلب خبيث) كما في الصحيحين، وقال: (ثمن الكلب سحت)، ولم يفرِّق بين كلب وآخر، فدلَّ على أن الكلب المأذون به لمنفعة مضطر إليها لا يجوز بيعه لهذه المنفعة، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسألة وخلاف العلماء رحمهم الله فيها.
الشاهد: أن عندنا شرطاً يقول: ينبغي أن تكون العين لها منفعة مباحة، فخرجت العين التي لا منفعة فيها كالحشرات، وخرجت العين التي فيها مضرة كالسموم، ثم أضاف رحمه الله قيد الحاجة، ففهمنا من ذلك أنه إذا كانت مباحة للحاجة فإنه لا يجوز بيعها؛ والسبب في هذا من ناحية فقهيّة: أن الشرع إذا أذن لك باتخاذ الكلب للصيد والحرث والماشية، فمعنى ذلك أنه مباحٌ لضرورة الصيد، وضرورة الحرث، وضرورة الماشية، فإذا أُبيح لهذه الحوائج وجاء الإنسان يبيعه، فمعنى ذلك أنه قد زاد عن الحاجة، والقاعدة: (ما أبيح للحاجة فإنه يقدَّر بقدرها)، فلو أُبيح أخذ ثمن الكلب الذي للصيد مثلاً وقيل: يجوز بيعه؛ لأن منفعة الصيد مباحة فنريد أن نبيعه؛ فمعنى ذلك أنه يستفيد منه في الصيد ويستفيد منه في البيع بأكل ثمنه، وحينئذٍ خرج عن مقام الحاجة إلى مقام التوسع، والأصل أنه لا يباح منه إلاّ ما اضطر إليه، أو إلاَّ ما نصّ الشرع عليه: وهو الإذن باتخاذه للصيد وحراسة الحرث والماشية.
(143/6)
________________________________________
ذكر بعض الحيوانات المباحة المنفعة
قال رحمه الله: [كالبغل، والحمار، ودود القزِّ وبزره والفيل].
قوله: (كالبغل)، فإن البغل فيه منفعة وهي منفعة الركوب، قال تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل:8]، فنقول: هذه الأشياء ذكرها الله سبحانه وتعالى امتناناً على عباده، فذكر أنَّ الخيل والبغال والحمير تركب، وهذا الركوب منفعة مقصودة؛ لأن الإنسان يحتاج إلى الركوب للسفر، ويحتاج إلى الركوب للتجارة، وإلى غير ذلك من المصالح؛ ولذلك قال الله تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُس} [النحل:7]، والسياق سياق منَّة، وقد جعل الله سورة النحل التي وردت فيها آية الخيل والبغال سورة (النعم)، كما يسميها بعض العلماء رحمهم الله؛ لكثرة ما فيها من النعم التي امتنَّ الله بها على عباده، فالسياق سياق امتنان، فلمَّا امتن الله بركوب البغال دلَّ على أنَّ منافعها مباحةٌ مأذونٌ بها شرعاً، فإذا باع البغل فمعنى ذلك أنه يريد أن يشتريه لمصلحة الركوب، وهكذا لو باع الخيل، أو باع الحمار، فكلُّ هذه الأشياء يُقصدُ منها المنافع المباحة.
وقوله: (ودود القزِّ وبزره)؛ لأنه يستخرج منه الحرير، وهي منفعة مباحة؛ لأن الحرير أحلَّه الله عز وجل لنساء الأمة، وهذا الحرير يُكْتسى ويُنْتفع به، وكذلك ينتفع به للمرض، فقد أذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم لمن به حِكّة، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، فهذه المنافع كلها مقصودة، فلو باع دودة القز فإن من يشتريها إنما يقصد من ورائها الانتفاع بما يكون منها من النسيج الذي يستخلص منه الحرير، كما لو اشترى بقرةً حلوباً؛ لأن البقر تباع للحليب، أو ناقةً حلوباً؛ لأن الناقة تباع للحليب، وتباع كذلك للحمها، وتباع لظهرها، وقد تباع لهذه الثلاثة الأشياء، فكلها منافع مباحة، فإذا باع بغلاً فإن معنى ذلك أنه يريد أن يركبه، وإذا باع دودة قز فمعنى ذلك أنه يريد ما يكون منها من نتاج القز الذي يستخرج منه الحرير، كما لو اشترى البهائم من أجل أن يجزَّ أصوافها أو أوبارها وأشعارها لكي يتخذ منها الأثاث واللباس.
وقوله: (والفيل)، كذلك لو اشترى الفيل، فإن فيه مصالح، منها: الناب، حيث يتخذ من ناب الفيل أشياء، منها: الأمشاط التي تكون من العاج، ومنها: الأسورة التي تكون من العاج، وهو ناب الفيل، وكذلك أيضاً الركاب والرحال التي تحطُّ على الدواب يستفاد منها من عظم الناب، فهذه منافع يقصد منها، وكذلك الفيل يُركب في البلاد التي يركبون عليه كما يركب على البغال والحمير، وهذا في الأماكن التي توجد فيها الفيلة، وهذا من عظيم رحمة الله عز وجل وتفضيله لبني آدم، فإنك ترى الصبي الحدث يمتطي ظهر الفيل ويقوده حيث شاء، ولا يمكن للإنسان أن يتصور بعقله وإدراكه أن من كان في مثل هذا الحجم أن يقود هذا الحجم الكبير، ولكن الله عز وجل أذن، وإذا لم يأذن الله فلن يستطيع، فإن البعير يقوده الطفل الصغير ممسكاً بزمامه؛ ولكن إذا هاج البعير فقد يفتك بالقرية بكاملها، وقد ترى القرية بكاملها في ذعرٍ منه، وهذا يدلُّ على عظيم رحمة الله عز وجل وتفضيله لبني آدم، فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك؛ ولكن من الذي يعي ذلك؟! ومن الذي يقدر الله حقَّ قدره؟! وصدق الله عز وجل إذ يقول: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر:67]، فمن يتأمل في مثل هذه الأمور يدرك عظمة الله سبحانه وتعالى، ويدرك أن الله تعالى قد أحسن إلى العبد إحساناً غاية الإحسان، وليس بعد إحسان الله على عبده إحسان، ومن هنا كان الشكر لله وحده، فينبغي أن يكون على أتمِّ الوجوه وأكملها.
فالمقصود: أن الفيلة تباع من أجل الركوب عليها، ومن أجل القتال عليها، كما كان في القديم، ومن أجل حمل الأمتعة عليها.
قال رحمه الله: [وسباع البهائم التي تصلح للصيد].
قوله: (وسباع البهائم) أي: يجوز أن تباع سباع البهائم، والبهيمة مأخوذة من الإبهام، وأصل الإبهام الشيء غير الواضح، وقد قيل: سميت البهيمة بهيمة؛ لأنك لا تستطيع أن تفهم كلامها، وكلامها مبهمٌ عليك، ولا تستطيع هي أن تعبر لك بلغة تفهمها.
والبهائم تنقسم إلى أقسام: فمن البهائم ما خلقه الله للأكل.
ومنها ما خلقه الله للركوب.
ومنها ما خلقه الله لأشياء عديدة، ومن أراد أن يتقصى ما في البهائم من الحكم والأسرار لحار عقله، وللإمام ابن القيم رحمه الله كلام جميل في (بدائع الفوائد)، فقد ذكر فيه نكتاً عظيمة في مسألة خلق البهائم للمقاصد، كأن يجعل هناك بهائم للأكل، وبهائم للشرب، وبهائم للركوب، وبهائم للقتال عليها، ولمصالح عديدة، وتجد أن هذه البهيمة لو جيء بغيرها مما هو أقوى منها لكي يقوم مقامها فلا يمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50]، فالله سبحانه وتعالى هداها لهذا الشيء المعين، ولا تستطيع أن تصرفها عن غير هذا الشيء، كأنها ما خلقت إلاّ لهذا الأمر.
فالمقصود: أن الله سبحانه وتعالى جعل في كل بهيمة مقاصدها، فالسباع تعدو، والسباع العادية كالأسد والنمر واللبوة -وهي أنثى الأسد- ونحوها من هذه السباع، هذه تعلّم الصيد، فالأسد مثلاً يمكن تعليمه الصيد، وهناك طريقة اعتنت كتب الأدب بها، ومن أفضل الكتب التي تكلمت على هذه الفوائد كتاب (نهاية الأرب)، و (صبح الأعشى) للقلقشندي، فقد ذكر فيها طرق تعليم الحيوانات للصيد.
وتنقسم هذه الحيوانات إلى قسمين: القسم الأول: الحيوانات التي على وجه الأرض، مثل السباع.
القسم الثاني: الحيوانات الطائرة؛ كالصقر والباز والباشق والشاهين والعقاب، ونحوها من الطيور العادية.
فسباع الطير وسباع البهائم يمكن أن يُسخر ويُذلَّل للصيد، فإذا باعه الإنسان أو اشتراه من أجل مصلحة الصيد به جاز؛ لأن الصيد مباح، ومنفعته مأذون بها شرعاً، قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة:4]، وكذلك قال عدي رضي الله عنه كما في الحديث الصحيح: (يا رسول الله! إني أصيد بكلبي المعلم، وبكلبي غير المعلم، وأصيد بهذه البزاة -وهي الباز- فماذا يحلُّ لي؟ فأنزل الله عز وجل آية الصيد: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4])، فدلَّت هذه الآية الكريمة على جواز تعليم السباع العادية الصيد؛ ولذلك قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة:4]، و (مُكلِّبين) مأخوذة من الكَلَب، وأصل الكَلَب القوة؛ لأن هذه البهائم فيها قوة وفتك بالفريسة، وسواء كانت من ذوات الطير أو كانت من ذوات السباع العادية من البهائم، فلو أنه اشترى أسداً من أجل أن يُعِّلمه الصيد صحَّ البيع وصحَّ الشراء، وكذلك لو اشترى لبوةً متعلمة للصيد صح كذلك، وهكذا النمر لو اشتراه معلماً الصيد وأراد أن ينتفع به للصيد فإنه يجوز له ذلك، وهذا هو الذي عناه المصنف رحمه الله بقوله: (وسباع البهائم).
قال رحمه الله: [إلاّ الكلب والحشرات].
(إلاّ): استثناء، والاستثناء: إخراج لبعض ما يتناوله اللفظ، فقوله: (إلاّ الكلب) أي: لا يجوز بيع الكلب، مع أن فيه منفعة الصيد، وسنتكلم إن شاء الله على مسألة بيع الكلب؛ لأنها مسألة خلافية، وفيها ما يقارب خمسة أقوال للعلماء رحمهم الله، وفيها أدلة وردود ومناقشات.
والله تعالى أعلم.
(143/7)
________________________________________
الأسئلة
(143/8)
________________________________________
حكم بيع المساومة والمزايدة

السؤال
ما حكم المساومة؟ وهل تقدح في شرط التراضي بين البائع والمشتري، أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه وأفضل رسله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالمساومة: هي مفاعلة من السوم، والسوم: إعطاء القيمة في السلعة، كأن يعرض سلعة -كسيارة أو بهيمة- للبيع فتقول: أشتريها بعشرة، فإن قلت بعشرة فمعناها أنك سُمتها بعشرة، أو عرض أرضه أو عمارته للبيع، فقلت: أشتريها بمائة ألف، فسمتها بالمائة، فجاء غيرك وقال: بمائتين، إذاً: حصلت هنا منافسة وقد قيل لها: مساومة؛ لأنها مفاعلة من السوم، والمفاعلة في لغة العرب تستلزم وجود شخصين فأكثر، فلا يقال: مساومة، من شخص واحد؛ وإنما يقال: مساومة، إذا عرضت للمزاد، والمزاد: هو طلب الزيادة، بمعنى: أن يتنافس اثنان أو أكثر في سلعة ما، فيقول الأول: بعشرة، ويقول الثاني: بعشرين، ويقول الثالث: بخمسة وعشرين، ويقول الرابع: بثلاثين وهكذا، فهذا هو السوم.
والسوم له أحوال: أما من حيث الأصل والمعروف والشائع أن السلعة توضع بين الناس، ثم يتساومون عليها أو يزيدون فيها، فهذا جماهير العلماء رحمهم الله وحكى غير واحد الإجماع على أنه جائز؛ لكن حُكي عن البعض أنه لا يجوز، واستدلوا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المزايدة، وهذا الحديث ضعيف، فقد ضعفه الإمام البخاري وغيره، ولا يصح ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المساومة، والمساومة التي حرمها عليه الصلاة والسلام إنما هي سوم المسلم على أخيه، والسوم الذي حرمه الله عليك على أخيك المسلم شرطه: أن يتراكن الطرفان، أما لو عرض سيارته للبيع في المعرض أو أمام بيته أو في السوق، فقال رجل: بعشرة آلاف، فقلت أنت: بعشرة آلاف وخمسمائة، فإن قولك هذا ليس من سوم المسلم على أخيه المسلم؛ وإنما هو مزايدة، وفرق بين السوم وبين المزايدة، وأما السوم على أخيك المسلم الذي حرمه الله، فهو أن يأتي رجل ويقول: اشتريتها بعشرة آلاف، فيقول البائع: قبلت، ورضي بهذه العشرة، وقبل أن يفترقا ويتم البيع قلت أنت: أعطيك عشرة وخمسمائة، فإذا تراكنا ورضيا فلا يجوز لأحد أن يدخل بينهما؛ لأنه يُقَطِّع أواصر الأُخوة، ومن هنا كأن الله يبيح لنا البيع؛ لكن بشرط ألا يهدم الدين، وألا تكون الدنيا سبباً لإفساد الدين، فحرم على المسلم أن يبيع على بيع أخيه المسلم، أو يسوم على سومه، وبيعه على بيع أخيه أن يتراكنا فيقول: أبيعك السيارة بعشرة آلاف، فيقول المشتري: رضيتها بهذا الثمن، وإذا بالآخر يقول: عندي سيارة مثلها أبيعها لك بتسعة آلاف، أو بتسعة وخمسمائة، فإن هذا من البيع على بيع المسلم، فيحرم على المسلم أن يسوم على أخيه المسلم وأن يبيع على بيعه.
فإذا تراكنا فإنه تنقطع المساومة، والذي ينقطع به السوم إذا وقفا وكأنهما رضيا بذلك، فجاء الآخر يسوم في غير المزاد، فهذا محظور.
وعلى هذا فإنه يجوز للإنسان أن يسوم ولا بأس به.
وقد يقول القائل: لكن الإشكال في مسألة سوم المسلم على أخيه أن الرضا ليس موجوداً، فنقول: بالنسبة للبيع الرضا موجود، وليس في هذا إشكال، أي: بيع المساومة والمزايدة لا يمنع وصف الرضا؛ لأن الذي أتى بالسلعة إلى المعرض أتى بها باختياره وبرغبته ثم هو يضعها أمام الناس يسوموها، فإن أراد أن يبيع وإلاَّ امتنع، فليس هناك إكراه له على أن يبيع، وكذلك الذي يسوم ليس هناك أحد حَدّه وألزمه.
وأما الإثارة التي تقع من كونك تقول: عشرة، والآخر يقول: خمسة عشر، فرزق ساقه الله إليك، فكونك أنت ترى أنها تستاهل العشرة فقلت: عشرة، فجاء غيرك وقال: اثنا عشر، وكأن السائل يقصد أنه لم يقلها برضا؛ وإنما قالها منافسة للغير من أجل أن يأخذ المال وكأنه مكره، فمثل هذا ليس بمؤثر، وأصل الرضا المعتبر لصحة البيع موجود وغير مفقود، وليس هناك أحد يلزمه أن يشتري هذه السلعة بقليل ولا بكثير، ومن هنا لا اعتراض.
والله تعالى أعلم.
(143/9)
________________________________________
كيفية الحجر

السؤال
كيف يكون الحجر؟ هل بسلب المال من يديه؟ أم بحبسه وعدم تمكينه من البيع والشراء؟ أثابكم الله.


الجواب
هناك جانبان لمن يحجر عليه: الجانب الأول: أن يمنع من التعاقد على هذه السلعة، أي: لا يملك أن يقول لك: بعتك، ولا يملك أن يقول لك: اشتريت منك، فالمحجور عليه لا يبيع ولا يشتري إلا بإذن وليه، فإذا أذن وليه بالبيع والشراء صح ولزم ولا إشكال، والولي ينظر في بيعه وشرائه، فإن كان من المصلحة أن يمضيه أمضاه، وإن كان فيه ضرر ألغاه.
وأما بالنسبة لقضية الحَجر بالفعل فلا يمنع المحجور عليه من الخروج من بيته، ومن هنا تجد دقة الفقهاء حينما قالوا: منع نفوذ تصرف قولي لا فعلي، فهناك فرق بين الاثنين؛ لأن العقود تقع بالأقوال وإن كانت الأفعال تابعة، كما قلنا في بيع المعاطاة: ينعقد البيع بما يدل على الرضا وإن تعاطى الكل فنحن نقول: إن الأفعال تابعة وليست بأصل في هذا، وأيَّاً ما كان فإن المحجور عليه يمنع من التصرف في قوله لا في فعله.
أما بالنسبة للفعل المبني على القول كأن يهدي السيارة، أو جاءه مسكين فأعطاه، فإنه لا يصح هذا الإعطاء، ولا تصح هبته ولا تصح صدقته كذلك، فلا يُتَصَدَّق بمال اليتيم، وهناك خطأ تقع فيه بعض الأمهات -أصلحهن الله- أنه إذا توفي زوجها وترك إرثاً لأولادها وكانوا أيتاماً، وأرادت أن تتصدق عن الزوج بحكم العاطفة والمحبة، وهي مأجورة على هذا الشعور؛ لكن تأتي إلى مال اليتيم وتتصدق منه وتقول: هذا لأبيهم؛ وهذا خطأ؛ لأنها جُعِلَت ناظرة على مالهم وحاضنة لهم وقائمة على المال لمصلحة المال لا لضرره، وكذلك الولي لو قال: أريد أن أتصدق على نية اليتيم، فلا ينفذ ذلك التصدق ولا يصح، وعليه أن يضمن جميع المال، وإذا بلغ اليتيم يلزمه القاضي بإحضار المال كله.
فينبغي أن يُفهم أن التصرف يمنع لمصلحة المحجور عليه، وتحقيقاً لمقصود الشرع من الرفق بالناس، حتى لا يسترسل من لا يحسن النظر في ماله في الإضرار بنفسه.
(143/10)
________________________________________
حكم بيع الحيوانات المحنطة

السؤال
ما حكم بيع الحيوانات المحنطة، أثابكم الله؟

الجواب
الحيوان المحنط له حالتان: الحالة الأولى: أن يذكى ذكاة شرعية ثم يحنط، فإذا ذكي الذكاة الشرعية ثم حنط وبيع، وكان في بيعه منفعة؛ كالتعليم، أو شيء يحتاج إليه، فحينئذٍ لا إشكال، وله وجه من الجواز، ومن قال بالجواز فقوله له أساس من النظر.
الحالة الثانية: إذا كان الحيوان لم يذك، أو كان من جنس ما لا يذكى، فإنه إذا حنط فلا يجوز بيعه ولا شراؤه؛ لأنه ميتة، وقد جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: (إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة، والخنزير، والأصنام)، فحرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الميتة، والحيوان المحنط غير المذكى ميتة.
ثم إننا لو تأملنا لوجدنا أن هذا الحيوان المحنط والذي يُشترى بمائة أو بمائتين أو بخمسمائة، وبعض الحيوانات النادرة إذا حنطت بطريقة ما فإن قيمتها قد تصل إلى الألف، وهذه الألف الريال قد تغني عشرة بيوت من فقراء المسلمين اليوم واليومين؛ بل إنه قد تكون عليهم فضلة في الأسبوع لو أنهم أحسنوا النظر، فكيف تذهب هدراً في لقاء حيوان محنط وميتة؟! وهذا كله ينبغي أن ينظر فيه المسلم، وأن يعلم أن الله سائله، وأنه -كما في الحديث-: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: وذكر منها: وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه).
فالحيوان المحنط الذي فيه منفعة؛ كمصلحة تعليم الطب، أو تعليم الأشياء التي يحتاج إلى تعلمها، وتوجد مصالح للعامة في تعلمها، فإن بيعها وشراءها بعد تحقق الشروط التي ذكرناها جائز شرعاً إذا ذكيت الذكاة المعتبرة شرعاً، وأما بغير ذلك فإنها تعتبر ميتة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(143/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [4]
الأصل في العين الطاهرة المباحة جواز بيعها، إلا ما استثناه الشرع فحرم بيعه، لنجاسته أو انتفاء المنفعة المقصودة منه، أو غير ذلك.
وفي هذه المستثنيات أحكام وتفاصيل وتفريعات وخلافات ينبغي معرفتها لمن يريد أن يستبرئ لدينه ومعاملاته.
(144/1)
________________________________________
ما يحرم بيعه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة، كالبغل والحمار ودود القزِّ وبزره، والفيل، وسباع البهائم التي تصلح للصيد]، ثم استثنى فقال: [إلاّ الكلب، والحشرات، والمصحف، والميتة].
فشرع المصنف رحمه الله في بيان ما يستثنى من المبيعات، وهذه المبيعات التي تستثنى حُكم بحرمة بيعها، وقد بيّن لنا ما فيه منافع مباحة، وذكر الأمثلة على ذلك، وقد ذكر أمثلتها من الحيوانات والحشرات، فلما فرغ من بيان المباح شرع في بيان غير المباح.
وإذا حكم بعدم جواز البيع للعين، فذلك إمّا أن يكون السبب نجاسة العين، وإمّا أن يكون السبب استثناء من الشرع لهذه العين، فحكم بعدم جواز بيعها، وإمّا أن يكون استنباطاً فهمه الفقيه من خلال نصوص الشرع، أو كان فيه أثر عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم باستثنائه.
ولا بد أن نقعِّد قاعدة وهي: (أن الأصل في الأعيان الطاهرة أنه يجوز بيعها)، فلو سُئلت عن بيع القماش ف

الجواب
هذه عين طاهرة فالأصل جواز بيعها، وإذا سُئلت عن بيع الخشب قلت: هذه عين طاهرة الأصل جواز بيعها، وإذا سُئلت عن جواز بيع الحديد والنحاس والنيكل والألمنيوم وغيرها من سائر المبيعات والأعيان الطاهرة فقل: هذه أعيان طاهرة يجوز بيعها.
فالمصنف رحمه الله بعد أن بيّن لنا ما فيه منفعة مباحة شرع في الاستثناء، وإذا استثنيت الأعيان التي فيها منافع مباحة، فإنها: إمّا أن تستثني لورود نص من الشرع، فتقول: الشرع قال هذه العين لا تباع.
وإما أن تستثني نظراً إلى المنفعة الموجودة في هذه العين لا يلتفت إليها الشرع، أي: لا يقيم لها وزناً لأنها غير مقصودة، فإذا لم يقم الشرع لهذه المنفعة قيمة، فمعنى ذلك أنه لا يجوز دفع المال في مقابلها؛ لأنك إذا دفعت المال لقاء الشيء الذي لا قيمة له فهو من السرف الذي نهى الشرع عنه، ومن السفه الذي لا يليق بالمسلم أن يتعاطاه ويفعله؛ لأنه من إضاعة المال.
وإمّا أن تكون العين نجسة، فإذا كانت العين نجسة، وهي قسمان: النجاسة في الحيوانات، والنجاسة في غير الحيوانات، فلنأخذ هذه الأربعة الأقسام: - فأمّا ما استثني من الشرع، أي: ما كان أصله مباحاً ثم استثني، فإنه يشمل نوعين: الكلب والحشرات، فإن الأصل في الحيوانات جواز البيع؛ لأن الله سخرها لمنافع يُحصّلها الآدمي، وخلقها الله من أجل أن ينتفع بها الآدمي، فالأصل في منافعها الموجودة فيها أن الآدمي يرتفق بها، فلو دفع المال لقاءها فقد حصّل مقصود الشرع.
فالإبل -مثلاً- جعل الله فيها منفعة الركوب، وجعل الله فيها منفعة الأكل من لحمها، وجعل الله فيها منفعة الصوف وما يكون عليها من الوبر، وجعل فيها منفعة حمل الأثقال، فإذا جئت تشتري الإبل لقاء هذه المنافع فأنت تدفع المال لقاء منفعة مقصودة معتبرةٍ شرعاً.
إذاً: الحيوانات في الأصل سخرّها الله لمنافع للآدمي؛ ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13]، سخرَّه كلَّه لابن آدم؛ تكريماً وتشريفاً لهذا الآدمي حتى يحمده سبحانه ويشكره على ما أسدى، وقال: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف:13].
فالله عز وجل جعل لنا هذه الأعيان لننتفع بما فيها ونرتفق بتلك المنافع.
فإذاً نضع قاعدة وهي: أن الحيوانات الأصل أنه يجوز بيعها لمنافعها، فتقول: استثني من الحيوانات الأحياء نوعان؛ لأن الحيوان: إمّا حيّ، وإمّا ميت، فاستثني الحيوان الذي ورد النص بتحريم بيعه وهو الكلب، كما جاء في الأحاديث الثابتة في الصحيحين وفي غيرهما عن عقبة بن عامر البدري وعن جابر بن عبد الله ورافع بن خديج وعبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع، وكلها أحاديث صحيحة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ثمن الكلب، وحرم بيعه.
إذاً نقول: الأصل في الحيوانات جواز بيعها؛ لكن يستثنى الكلب فلا يجوز بيعه.
وفيه خلاف سنذكره، وهذا النوع الأول.
والنوع الثاني: يُستثنى الحشرات؛ لأن الحشرات ليست فيها منفعة مقصودة، فهي لا تؤكل، ولا يُنتفع بها انتفاعاً مقصوداً، وهذا في الزمن القديم؛ لكن لو احتيج إلى نوع خاص، وهي الحشرات التي كانوا يستخدمونها عُلقاً للدم، أي: كان الأطباء يستخدمون نوعاً من الحشرات في الجروح الملوثة، يُدخلون فيها هذا النوع فيسحب الجراثيم الموجودة، ثم تُرفع هذه العلق الموجودة وعليها الجراثيم الموجودة فيتنظف الجرح، وهذا مما علمه الله عز وجل ابن آدم دفعاً لمفسدة الجرح وضرره على البدن.
فهذا النوع من العلق لو بيع جاز بيعه؛ لأن درء مفسدة المرض مقصودة شرعاً.
كذلك أيضاً: لو أنك اشتريت حشرات تريدها غذاءً للطيور فإنه يجوز؛ لأن حياة الطير مقصودة، ومنفعتك من بقاء الطير مقصودة.
أو اشتريت حشرات طعاماً للأسماك فيجوز.
المقصود: أن الحشرات من حيث النظرة الغالبة فيها أنه ليس فيها منفعة؛ لكن كونها في بعض الأحيان تستثنى فإنه يستثنى منها بقدر، فالعلماء يقولون: (والحشرات)، فجمعوا لنا بين صنفين: الكلب والحشرات.
وهنا

السؤال
لماذا قدّم المصنف الكلب وأخّر الحشرات؟ الجواب: لأن النص الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحريم في الكلب أقوى منه في الحشرات، فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نص في الحشرات؛ لكن العلة في تحريم بيع الحشرات أن تقول: أحرمها لأنه لا منفعة فيها، ودفع المال لقاءها سفه، وقد نهى الله عز وجل عن السفه وقال: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} [النساء:5]، فجعل السفه صفةً موجبةً للحجر، وذلك يدلُّ على حرمة إضاعة المال.
إذاً عندنا نوعان: النوع الأول: الكلاب.
والنوع الثاني: الحشرات.
بعد هذا عندنا شيء يستثنى لمعنى قريب من معنى الحشرات: وهو أن تكون المنفعة التي تقصد قد منع الشرع من بيعها مع أن المنفعة موجودة في العين، كالمصحف؛ فإنه لا يجوز للمسلم أن يبيع كلام الله على أنه يأخذ الثمن لقاء هذا، أي: كمكافأة على كتاب الله عز وجل وكلامه، حتى قالوا في العلم والتدريس ونحو ذلك: إذا قصد أن تكون قيمةً لكلامه، فلا يجوز.
لكن من حيث الأصل؛ حينما تنظر إلى ورق الكتاب الذي فيه المصحف وفيه كلام الله تجد أنه مما يجوز بيعه، فالكتاب بذاته يجوز بيعه؛ لكن لما كان المقصود من الكتاب قراءة ما فيه من الآيات، وكأن أمرها مغلظاً وحرمتها عظيمة، وليست من الأعراض التي تباع، بحيث يجعلها الإنسان ممتهنة مبتذلةً للبيع، فلذلك تقول: أمنعها لهذا المعنى.
وهذا المعنى يلتفت فيه إلى المنفعة؛ لأن المقصود من المصحف -الأوراق- كلام الله عز وجل، والمقصود من كلام الله الاهتداء، والاهتداء لا يؤخذ عليه أجر: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الفرقان:57].
وقال الله عز وجل عن أنبيائه نوح وهود وصالح وإبراهيم وشعيب ولوط عليهم السلام؛ كلهم قالوا كما في سورة الشعراء: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:109].
فنفى سبحانه أن تكون الرسالة لقاء مال أو لقاء عرضٍ من الدنيا، والقرآن هو رسالة الله عز وجل إلى خلقه، فهو كلام الله عز وجل الذي تكلم به سبحانه وأوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الكلام لا يجوز لأحد أن يبيع نفس الكلام قاصداً بيع الكلام نفسه؛ لأن مثله أعظم وأجل من أن يباع.
فإذا ثبت هذا فإننا إنما نظرنا إلى جهة المنفعة، وهذا من الناحية الفقهية ومن ناحية الاصطلاح الذي رتبناه وذكرناه.
فذكر المصنف رحمه الله بيع المصاحف بعد الحشرات من جهة المنفعة، فإن الحشرات منفعتها غير مقصودة، والمصاحف المنفعة منها أن يهتدي الخلق بكلام الله عز وجل، وهذه الهداية لا تباع ولا تُشترى، وليست محلاً للبيع والشراء.
بقي النوع الأخير وهو الميتة والنجاسات: فالميتة والنجاسات ورد فيها النص، ولها أصول معينة سنتكلم عليها، فاستثنى المصنف رحمه الله هذه التي نصّ عليها: (إلاّ الكلب، والحشرات، والمصحف، والميتة).
فقدم الكلب؛ لأن النصّ في تحريمه صحيح صريح، وهو حديث الصحيحين.
ثم أتبع الكلب بجنسه وهي الحشرات لأنها لا منفعة فيها، ثم أتبع بالمصاحف؛ والسبب في هذا أن دليل تحريم المصاحف أضعف من دليل تحريم بيع الكلاب، وكذلك بيع الحشرات؛ لأنه إنما أُثر عن بعض الصحابة وهو عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه.
وأتبع بالميتة؛ لأن لها تفصيلات في أنواع النجس والمتنجس، وسنذكرها إن شاء الله.
(144/2)
________________________________________
حكم بيع الكلب وذكر أنواعه
(144/3)
________________________________________
شروط الكلب المعلم
أولاً: الكلب، وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما فيه منفعة مأذون بها شرعاً، وهو كلب الصيد والحرث والماشية، فجعل الله الكلب للصيد رفقاً بالناس، ولا يكون الكلب كلب صيد إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يشليه فينشلي.
الشرط الثاني: أن يدعوه فيجيب.
الشرط الثالث: أن يزجره فينزجر.
ومعنى (أن يشليه فينشلي) أي: يحرشه على الفريسة، فيكون بينه وبين الكلب صوت معين، فإذا صاح به انطلق الكلب على الفريسة، بحيث يكون الكلب جالساً، حتى لو مرت الفريسة من أمامه لا يتحرك من طاعته وتعلمه، ولا يمكن أن يرتسل إلى الفريسة إلاّ بإذن سيده، فإذا أشار سيده إلى الفريسة ذهب ليأتي بها، وإذا أشار له إلى قطعة قماش ذهب ليأتي بها.
والإشلاء في لغة العرب يطلق بمعنى: التحريش، ويطلق بمعنى الدعوة، أي أنه من الأضداد؛ فمعناه: أن تدفع الشيء وأن تدعو الشيء، ومن هنا ورد استخدامه بمعنى التحريش، ومنه قول الشاعر: أَتَيْنَا أَبا عَمْرٍو فَأَشْلَى كِلاَبَهُ عَلَيْنَا فَكِدْنَا بَيْنَ بَيْتَيْهِ نُؤْكَلُ فهذا رجل بخيل جاءه أصحابه للزيارة، فإذا به خاف من كلفة الضيافة، فأشلى عليهم الكلاب، فقال قائلهم: أَتَيْنَا أَبا عَمْرٍو فَأَشْلَى كِلاَبَهُ عَلَيْنَا فَكِدْنَا بَيْنَ بَيْتَيْهِ نُؤْكَلُ (فأشلى) أي: حرّش الكلاب علينا.
ويستعمل الإشلاء بمعنى الدعوة، ومنه قول الشاعر: أَشْلَيْتُ عَنْزِيْ وَمَسَحْتُ قعبي ثُمَّ انْثَنَيْتُ وَشَرِبْتُ قَأْبِيْ (أشليت عنزي) أي: دعوتها، يناديها حتى تأتي، (ومسحت قعبي) القعب: هو القدر الذي يريد أن يحلب فيه الإناء؛ لأنه يريد أن يحلب.
(ثم انثنيت) أي: بعد ما حلبتها، (وشربت قأبي)، يقال: (قبّه) إذا لم يُبْقِ فيه شيئاً، هذا معنى البيت.
الشاهد: استخدام الإشلاء بمعنى الدعوة.
إذاً الإشلاء إذا ذكره العلماء فيقصدون به التحريش، ويقصدون به الدعوة، وهذان شرطان لا بد وأن يوجدا في الكلب.
لكن متى يكون الكلب كلب صيد حتى يجوز لك بيعه -إذا قيل: بجواز بيعه عند من يستثنيه - ويجوز لك أكل صيده؟ يشترط أن تشليه ثلاث مرات ويطيعك، وتزجره ثلاث مرات ويطيعك، وتدعوه ثلاث مرات ويطيعك، فمثلاً: رميت شيئاً فحرشته عليه فذهب وجاء به، ثم رميت شيئاً آخر فذهب وجاء به، ثم رميت قطعة لحم مثلاً فذهب وجاء بها، فهذه ثلاث مرات، إذاً: تم الشرط الأول وهو الإشلاء أو التحريش.
بعد ذلك تنتقل للشرط الثاني: وهو أن يكون في مكان ثم تدعوه فيأتيك، ثم تتركه ساعة أو نصف ساعة أو قدراً من الزمن ثم تدعوه بالصوت نفسه فيأتيك، ثم المرة الثالثة فيأتيك، فإذا جاءك ثلاث مرات انطبق الشرط الثاني: وهو أن تدعوه فيجيب.
ثم بعد ذلك تنتقل للشرط الثالث وهو: أن تزجره فينزجر، كأن تضع أمامه قطعة لحم، فيأكل منها، فتصيح عليه صيحة معينة فيكف ويقف، فإذا فعلها المرة الأولى والمرة الثانية والمرة الثالثة تحقق الشرط الثالث.
فلو سنح لك ظبي فأرسلته وذكرت اسم الله، فصاده، وجاء به ميتاً من صيده حلَّ لك أكله؛ لأنه قد انطبقت الشروط الثلاثة بالتعليم ثلاث مرات.
وبعض الأحيان قد لا يأخذ تعليم الكلب إلا نصف ساعة، أو ساعة إلا ربع، وهذا يختلف بحسب نوعية الكلب المعلّم، وطريقة التعليم، وطبيعته في استجابته للإنسان، وحبّه أن يكون تحت يده وتحت سلطانه.
وكذلك في كلب الحرث، وكلب الماشية، هذه الثلاثة أذن الشرع بها.
القسم الثاني: الكلاب المطلقة.
(144/4)
________________________________________
أقوال العلماء في بيع الكلاب وأدلتهم
اختلف العلماء هل يجوز بيع الكلب، أو لا يجوز؟ وذلك على أقوال: القول الأول: لا يجوز بيع الكلب مطلقاً، وهذا القول هو مذهب التحريم المطلق، وبهذا القول قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مرويٌّ عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وقال به بعض التابعين: كـ الحسن البصري وحماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وكذلك قال به ربيعة الرأي والأوزاعي فقيه الشام، وهو مذهب المالكية في المشهور، والشافعية والحنابلة وأهل الحديث والظاهرية.
وتستطيع أن تقول: مذهب الجمهور أنه لا يجوز بيع الكلب مطلقاً، سواء كان كلب صيدٍ، أو حرثٍ، أو ماشيةٍ، أو كلباً مطلقاً، سواءً كان كلباً صغيراً، أو كلباً كبيراً، ولا يجوز دفع المال لقاء الكلب.
القول الثاني: أنه يجوز بيع الكلب مطلقاً، أي: عكس القول الأول تماماً، وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجوز بيع الكلب مطلقاً سواءً كان كلب صيدٍ، أو ماشية، أو حرثٍ، وسواء كان كلباً صغيراً، أو كبيراً، فيجوز أن تبيعه لما فيه من المنافع.
القول الثالث: يجوز بيع الكلب إلاّ الكلب العقور، فيوافق القول الثاني؛ لكن يستثنى الكلب العقور، وهو الذي يهجم على الناس ويؤذيهم ويقطع عليهم طرقهم، فكلما أرادوا قضاء مصالحهم آذاهم وتحرّش بهم، وهذا النوع من الكلاب استثناه القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله.
القول الرابع: لا يجوز بيع الكلب إلاّ كلب الصيد والماشية والزرع التي هي الكلاب المرخص بها، وهذا القول مأثور عن بعض الصحابة، قال به جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك قال به إبراهيم النخعي، وزيد بن علي بن الحسين الفقيه المشهور.
القول الخامس: وهو في مذهب الإمام مالك رحمه الله: يجوز بيع الكلب لمن يأكله؛ أي: لمن يريد أن يأكله، لأن هناك قولاً في مذهب الإمام مالك أنه يجوز أكل الكلب؛ لأنه طاهر.
والمالكية يرون أن الكلب طاهر، ويستدلون على طهارته بجواز أكل صيده، قالوا: ولو كان غير طاهر لما حلَّ أكل صيده؛ لأنه ينهش بفمه، فلو كان نجساً لما حلَّ أكله.
قالوا: وأمّا الأمر بغسل الإناء سبعاً منه فهذا أمرٌ تعبدي، ولو كان للنجاسة لكان ثلاثاً، وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الطهارة، وبيّنا أن الصحيح أن الكلب نجس العين.
فالحاصل أنه على الرواية التي تقول إن الكلب يجوز أكله، يجوز بيعه لمن يأكله؛ لأنه إذا اشتراه من أجل الأكل فإنها منفعة مقصودة، وليس مراده أن يبقيه، وهذا عند أصحاب الإمام مالك رحمه الله، وهي من مفردات مذهب المالكية، ولذلك يقول الزمخشري -عامله الله بما يستحق-: وإن مالكي قلت قالوا بأنني أبيح لهم لحم الكلاب وهمْ همُ إذاً: عندنا خمسة أقوال: قولٌ بالتحريم، وقولٌ بالجواز، وقولٌ باستثناء الكلب العقور من الجواز، وقولٌ بالتحريم باستثناء كلب الصيد والحرث والماشية من التحريم، وقول بجواز البيع لمن يريد أن يأكله.
فأما الذين قالوا بالتحريم المطلق فاحتجوا بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولها: حديث عقبة بن عامر البدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثمن الكلب سحت)، وهذا حديث متفق عليه، ووجه الدلالة منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ثمن الكلب سحتاً، والسحت حرام، فلا يجوز بيع الكلاب، وأثمانها محرمة.
الدليل الثاني: حديث رافع بن خديج رضي الله عنه وأرضاه، وهو في الصحيح أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثمن الكلب خبيث)، فهذا الحديث الصحيح نصَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ثمن الكلب خبيث، ومعنى ذلك أن ثمن الكلب محرم؛ لأن الله حرم على هذه الأمة الخبائث، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم الثمن بكونه خبيثاً، إذاً فالبيع محرم، وهذا هو مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من وصفه بالخبث.
الدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صحيح مسلم: أنه لما سُئل عن بيع الكلب والسِّنَور قال: (زجر النبي صلى الله عليه وسلم عنه) والسنور: هو القط، ويطلق على القط البرَّي والقط الأهلي المستأنس.
فأمّا القط البرّي المتوحش فهذا يفسد الزرع، ويعدو على الدجاج وعلى الطيور، ويؤذي بني آدم، وإذا خلا بالإنسان فإنه يؤذيه، وقد يتغذى بالخبائث، ويؤذي الطريق كثيراً، فهذا النوع هو الذي قصده جابر عندما قيل له: (والسنور).
أمّا القط الأهلي فقد نقل الإجماع على جواز بيعه، وجماهير العلماء على جواز بيعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
الشاهد: أنه قال: (زجر النبي صلى الله عليه وسلم عنه)، أي: الكلب، وهي صيغة من صيغ التحريم عند الأصوليين، والزجر عن الشيء الطرد والإبعاد عنه، فمعنى ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن هذا الشيء، ولا يزجر إلاّ عن حرام.
الدليل الرابع: حديث عبد الله بن عباس في سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لما نهى عن ثمن الكلب: (فإن جاءك يريد ماله فاملأ كفه تراباً) أي: إذا جاء يريد أخذ قيمة الكلب فاملأ كفه تراباً، وهذا يدل على حرمة ثمن الكلب، وأنه لا قيمة له، وعلى هذا قال الجمهور: لا يجوز بيع الكلاب مطلقاً.
وقالوا: هذه الأحاديث حينما تأملناها ونظرنا فيها وجدناها لم تفرق بين كلبٍ وآخر، ولم تفرق بين حالةٍ وأخرى، فهي عامة في الكلاب ومطلقة في الأحوال.
عامة في الكلاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين الكلب الصغير (الجرو) ولا الكبير، ولم يفرق أيضاً بين كلب الماشية والحرث والصيد وغيرها، وإنما عمم: (زجر النبي صلى الله عليه وسلم)، (نهى النبي صلى الله عليه وسلم)، (ثمن الكلب خبيث)، (ثمن الكلب سحت)، وهذا كله عام.
وكذلك في الأحوال: لأنك إذا قلت: أريده لحالة معينة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في حالة دون أخرى.
أدلة القول الثاني: الذين قالوا بجواز البيع مطلقاً وهم الحنفية فقد استدلوا: بأن الكلب مال، والقاعدة عندهم: أنه يجوز بيع المال، والأصل جواز بيع الأموال.
والمال عندهم كل شيء فيه منفعة، فيقولون: الكلب كسائر الأموال، ففيه منفعة الصيد، ومنفعة حراسة الحرث والماشية، فلما كانت هذه المنفعة موجودة فيه وهي مقصودة شرعاً، فإنه يجوز أن تبيعه وتأخذ القيمة لقاء هذا الشيء الذي هو فيه من المنافع، وهذا دليل عقلي.
القول الثالث: الذين يوافقون القول الثاني لكنهم يستثنون الكلب العقور؛ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله كما في الصحيحين: (خمسٌ يقتلنَّ في الحلَّ والحرم، وذكر منها: الكلب العقور).
القول الرابع: الذي استثنى كلب الصيد والماشية والزرع، وهو قول جابر بن عبد الله وإبراهيم النخعي وزيد بن علي رحم الله الجميع.
يقولون: دليلنا ما جاء في حديث أبي داود والنسائي والترمذي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثمن الكلب إلاّ الضَّارِيَ سحتٌ) وفي رواية: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب إلاّ كلب الصيد) قالوا: هذا الحديث يدلُّ على استثناء الكلب الضَّارِيَ وكلب الصيد، وإنما خرجا لمنفعة مخصوصة أُذن بها وهي منفعة الصيد، فنقيس عليها منفعة حراسة الحرث وحراسة الماشية.
القول الخامس والأخير: وهو مذهب الذين قالوا بجواز البيع لمن يأكله، وهم يقولون: إنه طاهر العين مباح المنافع، فيجوز بيعه لهذه المنفعة المباحة وهي أكله.
قيل لهم: الشرع نهى عن اتخاذ الكلاب، قالوا: هذا لا يتخذه؛ لأنه يريد أن يأكله، فحينئذٍ يأخذه ويذبحه مباشرة، فليس هناك اتخاذ محرم.
(144/5)
________________________________________
القول الراجح في حكم بيع الكلاب
والذي يترجح في نظري من هذه الأقوال: القول بالتحريم مطلقاً، لعدة أسباب: أولاً: لصحة دلالة السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتحريم، ودلالتها واضحة وصريحة، ولم تفرق بين نوع وآخر.
ثانياً: أمّا قول الحنفية بأن الكلب مال، فنجيب عنه من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم صحة هذا الدليل العقلي؛ لأن الكلب ليس بمالٍ من كل وجه، وإنما هو مال في أشياء معينة مخصوصة جاءت على سبيل الرخصة، فلا يجوز التوسع فيها، لأنك إذا قلت: إنه جاز للصيد وجاز للحرث والماشية، وقلت: يجوز بيعه لأن فيه هذه المنافع؛ فمعنى ذلك أنه جاز للصيد والحرث والماشية والبيع، فتزيد على استثناء الشرع، والشرع إنما استثنى ثلاثة أحوال: أن تجعله لحراسة حرث، أو ماشية، أو تصيد به.
فإذا جاء يبيعه فمعنى ذلك أنه أصبح هناك منفعة رابعة وهي منفعة البيع، فهذا دليل عقلي يعارض الأصل الشرعي، فنقول: إن قولكم: إن فيه منفعة، لا نسلم لكم أن فيه منفعة من كل وجه، ففيه منفعة مخصوصة مرخص فيها ينبغي التقيد بها؛ لأن ما جاء على خلاف الأصل ينبغي أن يتقيد به بالنص الوارد: فالأصل عدم جواز اتخاذ الكلب، وتقيد بهذه الثلاثة الأحوال، فيجوز لمن يريد اتخاذه أن يتخذه على هذه الثلاثة الأحوال المعينة.
أمّا الوجه الثاني فنقول: سلمنا جدلاً أن هذا الدليل العقلي صحيح، وهو أن الكلب مال وفيه منفعة؛ لكننا نقول: هذا اجتهاد مع النصّ، والقاعدة: (لا اجتهاد مع النص).
أي: هذا وجه من القياس نسلم به ونقول: هو من ناحية الشكل صحيح لكنه معارضٌ للنص، والقاعدة: أن القياس يقدح فيه من أربعة عشر وجهاً يسمونها قوادح القياس.
وقد ذكرها العلماء رحمهم الله في مبحث العلة في الأصول، وبينوا أوجه نقض القياس، ومنها: فساد الاعتبار، وهو أن يأتي المجتهد ويقيس شيئاً على شيء، فيحكم بالجواز في شيء ورد النص بتحريمه، فتقول: الكلب مال يجوز بيعه كسائر الأموال بجامع وجود المنفعة في كلٍ، وهذا قياس صحيح من ناحية الشكل وأركانه موجودة؛ ولكنه قياس مصادم للنص، والقاعدة: أنه لا اجتهاد مع النص، وهذا القادح يسمونه (قادح فساد الاعتبار)، أي: فسد اعتبار هذا القياس، وليس له قيمة ما دام أنه صادم النص من الكتاب والسنة.
أمّا القول الثالث: الذي استثنى كلب الصيد، فاستثنوا للحديث الذي ذكرناه، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في استثناء الكلب الضاري.
وهذا الحديث نجيب عنه من وجهين: الوجه الأول: من جهة السند.
الوجه الثاني: من جهة المتن.
أمّا من جهة السند فهو حديث ضعيف، قال النسائي: إنه منكر، وكذلك ضعفه الإمام أحمد والإمام الترمذي رحمهم الله وهم أئمة الشأن، فقالوا: إنه حديث ضعيف؛ لأنه من رواية الحسين بن أبي جعفر الكرابيسي، وهو ضعيف الرواية، بل جزم النسائي رحمه الله بأنه منكر الرواية.
ولو سلمنا صحة هذا الحديث من ناحية كونه حسناً لغيره بالطرق، أو أن السند قابل للتحسين فإننا نقول: عارضه ما هو أصح فيقدم؛ لأن الحسن لا يحتج به إذا عارض ما هو صحيح، ولذلك يقولون في الحسن: وَهوَ فِي الْحُجَّةِ كَالصَّحِيْحِ وَدُوْنَهِ إِنْ صِيْرَ للتَّرْجِيْح أي: لا يمكن أن تصادم حديثاً صحيحاً بحديث حسن، وفائدة تقسيم العلماء الحديث إلى صحيح وحسن هو: أنها إذا تعارضت قدم الصحيح على الحسن.
ثم إن الصحيح قسموه إلى صحيح لذاته وصحيح لغيره؛ لكي يقدم الصحيح لذاته على الصحيح لغيره، وكذلك الحسن لذاته على الحسن لغيره إلى آخر مما هو مقرر في علم مصطلح الحديث.
وأما الجواب على المتن: فلو سلمنا فرضاً أن الحديث صحيح من جهة السند؛ لكن من جهة المتن نقول: قوله: (نهى عن ثمن الكلب إلاّ الكلب الضَّارِيَ) (إلاّ) هنا بمعنى العطف (الواو)، وهذه لغة من لغات العرب وهو أنهم يستعملون حرف الاستثناء (إلاّ) بمعنى العطف، وحملوا عليها قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:22] فقوله: (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) أي: ولا ما قد سلف، ويكون المعنى: أي: لا تبقوهن ولا تستديموا نكاحهن.
ومنه أيضاً قوله سبحانه وتعالى، وهو وجه ذكره ابن العربي في أحكام القرآن في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً} [النساء:92] أي: (ولا خطأ) بمعنى: أنه لا يتعاطى أسباب التفريط، فمثلاً: لو جاء إلى موضع يريد أن يصيد فيه، وهو يعلم أنه هذا الموضع فيه أناسٌ يرعون، أو فيه خيام لأناس نازلين بهذا المكان، وبمجرد أن يرى فريسة يرميها، فلا يجوز، بل ينبغي أن يتحفظ؛ لأن القتل الخطأ هو أن يقتل بدون أن يقصد القتل كأن يرمي صيداً فيصيب آدمياً، فالله عز وجل يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً} [النساء:92] أي: (ولا خطأً)، بمعنى: ألا يتساهل، حتى ولو كان الخطأ معفواً عنه، فلا ينبغي عليه أن يتعاطى أسباب الخطأ، ومنه قول الشاعر: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوْهُ لَعَمْرُ أَبِيْكَ إِلاّ الْفَرْقَدَاْنِ أي: والفرقدان.
وعلى هذا يكون قوله: (نهى عن ثمن الكلب إلاّ الكلب الضاري) أي: والكلب الضاري، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا الكلاب، ولو كانت كلاب صيد) تأكيداً في التحريم، ويكون هذا من باب قلب الدليل؛ لأنه إذا كان في الدليل معنيان: معنىً يعارض، ومعنىً يوافق، فينبغي صرف الحديث إلى المعنى الذي يوافق الأحاديث الأخرى، وحينئذٍ نقول: إن الأصحّ من هذه الأقوال هو القول بعدم جواز بيع الكلب مطلقاً.
(144/6)
________________________________________
بيع الحشرات
وقوله: [إلا الكلب والحشرات].
(الحشرات) جمع حشرة، وهي الدويبات المعروفة على اختلاف أنواعها، وغالباً ما تكون صغيرة الحجم، سواءً كانت مما يرى أو كانت مما لا يُرى، فهذا النوع لا يجوز بيعه؛ والسبب في هذا -كما قلنا- أنه ليس في الحشرات منفعة مقصودة.
وعليه: فإنه لو جمع حشرات وأراد أن يبيعها فإن البيع غير صحيح؛ لأنه من باب إضاعة المال، ولا قيمة للحشرات.
لكن كيف تقرر التحريم بالدليل؟ تقول: الأصل أنه لا يجوز أكل المال بالباطل؛ لقوله سبحانه: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29].
ومعنى أكل المال بالباطل أن تأخذ المال بدون وجه حق، أي: بدون استحقاق، فإذا كانت الحشرات لا قيمة لها، وليس فيها منفعة مقصودة، ودفع لشرائها ألف ريال أو مائة ريال أو عشرة ريالات، فإنها أعطيت لغير شيء، وأعطيت لشيء لا قيمة له، فحينئذٍ تكون من أكل المال بالباطل.
لكن إن وجدت فيها منفعة مقصودة كالطعم ونحو ذلك، فحينئذٍ يكون دفع المال لقاء منفعة مقصودة، وأُخذ المال لقاء شيء له قيمة.
إذاً: وجه تحريم بيع الحشرات: أنها إذا كانت خلواً من المنافع وليس فيها منافع مقصودة، فقد خلت وعريت عن القيمة، فدفع المال لقاءها إنما هو من أكل المال بالباطل.
(144/7)
________________________________________
حكم بيع المصحف
قال: [والمصحف].
المصحف اختلف في بيعه، فمذهب الحنابلة على التحريم، وهذا من مفردات مذهب الحنابلة، والجمهور على جوازه، وإن كان الشافعية يكرهون بيعه؛ لذلك يعتبرون هذه المسألة من الفوارق بين الحديث القدسي والقرآن، فبعضهم أوصلها إلى عشرة، ويدخلون فيها منع البيع، وأشار إلى ذلك صاحب الطلعة في قوله: وَمَنْعُ بَيْعِهِ لَدَى ابن حنبل وَكُرْهُهُ لَدَى ابن شافع جَلِيْ (ومنع بيعه) أي: المصحف، (لدى ابن حنبل) أي: عند الإمام أحمد رحمه الله.
(وكرهه) أي: كره البيع، فيصحّ البيع لكن مع الكراهة، (لدى ابن شافع جلي) أي: عند الإمام الشافعي رحمه الله؛ لأنه ابن شافع من بني المطلب بن عبد مناف، فيجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.
فالتحريم يعتبر من مفردات المذهب الحنبلي؛ لأن الجمهور في هذا النوع الثالث من المستثنيات على جوازه.
واستدل الجمهور بالأصل والأدلة الدالة على جواز البيع، وأمّا ما أثر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف)، فإن ابن عمر رضي الله عنهما كان شديد الورع، ولذلك كان يشدد في المسائل، حتى قال أبو جعفر المنصور مما يُحكى في موطأ مالك أنه قال له: (اجتنب رخص ابن عباس وتشديدات ابن عمر).
فكان ابن عمر رضي الله عنه يشدد على نفسه وكذلك في فتواه؛ لأنه كان يأخذ بالعزائم، وهذا من ورعه وصلاحه وتقواه، وهناك مسائل معينة انفرد بها، ومنها هذه المسألة، وهي مسألة تحريم بيع المصحف.
لكن الجمهور خرّجوا ذلك فقالوا: يحتمل أن ابن عمر قصد من هذا من يقصد بيع الآيات، ولا يكون قصده انتشار المصحف لنفع المسلمين، ولا قصده بيعه لرواجه، وأخذ الأجر في الآخرة، إنما مطمعه أو مراده أو مقصوده هو المال، ولا شك أن في هذا خوفاً على الإنسان إذا وصل إلى هذه الدرجة.
وفي حكم المصحف بقية كتب العلم والأشرطة إذا باعها الإنسان وكان قصده تجارة الدنيا فقط، ولا يرضى أن يبذلها إلاّ للدنيا.
ويظهر ذلك حينما يأتيه الإنسان المحتاج أو طالب العلم المحتاج يريد أن يشتري الكتاب -مثلاً- بعشرة والكتاب بعشرين أو بخمسة عشر، ويعلم أنه ضعيف اليد، وليس عنده طَوْل، فيصر على أنه لا يبيعه إلا بهذه القيمة مع أنه يجد أرباحاً ويجد عوضاً بالثمن المبذول، فكأنه -والعياذ بالله- يحبس الانتفاع من العلم والانتفاع بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لقاء هذا المال، وهذا شيء خطير.
فينبغي لمن يبيع كتب العلم أو يبيع الأشرطة أن يجعل في حسبانه أن يكون همه الآخرة، وأن يجعل نية الدنيا تبعاً، ولا يجعلها أساساً، وإذا أراد وجه الله عز وجل والدار الآخرة وجعل الدنيا تبعاً فإن الله يأجره ويبارك له في صفقة يمينه، فيحوز خيري الدنيا والآخرة.
فالمقصود: لعل ابن عمر رضي الله عنهما قصد: من يفعل ذلك لا للآخرة وإنما للدنيا.
(144/8)
________________________________________
الميتة وأنواعها وحكم بيعها
قال رحمه الله: [والميتة].
الميتة: هي كل حيوان مات حتف أنفه، أي: بغير ذكاة شرعية.
والميتة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون ميتة الآدمي.
القسم الثاني: أن تكون ميتة غير الآدمي.
(144/9)
________________________________________
ميتة الآدمي
أمّا ميتة الآدمي فإنه لا يجوز بيع الآدمي لا حيَّاً ولا ميتاً، وهذا بالنسبة لبيعه بدون ملك اليمين؛ لأنه قد استثناه الشرع؛ لكن أن يباع الحر، فهذا مما ورد فيه الوعيد الشديد؛ ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه فقد خصمته: رجلٌ أُعطي بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً ثم أكل ثمنه.
الحديث)، فهذا يدل على الوعيد الشديد في بيع الآدمي الحر.
فالأصل أنه لا يجوز بيع الآدمي لا حيّاً ولا ميتاً إلاّ ما استثناه الشرع من بيع الرقيق، والرق سببه الكفر، وله ضوابط سنذكرها إن شاء الله في الأبواب الآتية في المعاملات.
إذا ثبت أنه لا يجوز بيع الآدمي فكذلك لا يجوز بيع أعضائه، فلا يجوز بيع اليد، ولا بيع الكلية، ولا بيع القرنية، ولا بيع الأجزاء ولو قصد نقلها إلى شخص آخر؛ لأن البيع مفرع على الملكية، والآدمي لا يملك نفسه؛ لأننا إذا قلنا: إن البيع شرعي فمعناه أن تكون مالكاً لما تبيع، والآدمي لا يملك نفسه، قال الإمام ابن حزم رحمه الله: أجمع العلماء على أن الآدمي لا يملك نفسه.
وإنما هي ملكٌ لله عز وجل، أذن الله للمرء أن يحفظ هذه النفس، وأن يسعى في صلاحها، فيفلح من زكاها، ويخيب من دسَّاها.
فإذا كتب الله للإنسان هذه النفس وكتب له الحياة فعليه أن يحافظ عليها، وينتفع بما جعل الله فيها من المصالح، فلا يتصرف فيها بشيء إلا بما أذن له الشرع، حتى لو أتلف جزءاً من نفسه لمصلحة البدن كله، فإنه على خطأ إلا فيما يستثنى، ومن ذلك حديث الطفيل بن عمرو لما هاجر ابن عمه معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج إلى الغزو، فجرح فاستعجل الموت، وضاقت عليه نفسه فقطع براجمه، فنزف ومات، فلما توفي رآه الطفيل فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، قال: وما في يدك؟ وإذا به كأن على يده شيئاً، قال: قال الله لي: لن نصلح منك ما أفسدت من نفسك، قال: فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - والحديث في مسلم - فقصصت له ما كان منه، فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم وليده فاغفر، اللهم وليده فاغفر، اللهم وليده فاغفر)، الشاهد: أن الله قال له: (لن نصلح منك ما أفسدت من نفسك)، فإنه قطع براجمه من أجل أن يرفق بنفسه، فكيف بمن يقطعها رفقاً بالغير.
إذاً: لا يملك الآدمي التصرف في نفسه، فهذا الجسد وضعه الله أمانة عند الإنسان، لا يجوز أن يقدم على شيء إلا في أحوال مخصوصة كأن تأتيه (غرغرينة)، أو يأتيه تسممُّ في يدٍ ويقطعها، فهذا مستثنى؛ لأنه استصلاح للجسد كله، وليس استعجالاً للموت كما جاء في حديث الطفيل؛ وإنما هو قطع لإبقاء، كما يكسر من السفينة لوح لنجاة كل السفينة.
فهذا أصل: وهو إتلاف البعض لاستبقاء الكل، وقد قرره العلماء في المذاهب كلها: المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة، وذكروا: أنه يجوز قطع الجزء لاستبقاء الكل، وذكروا هذا في أموال اليتامى وغيرها، فحينئذٍ إذا أراد أن يقطع جزءاً منه لخوف التسمم أو نحو ذلك فلا بأس، لكن لو أتى مثلاً يخرج (اللوز) خوفاً أن تلتهب فليس من حقه؛ لأن الله لم يخلق هذه (اللوز) في الجسد عبثاً؛ لكن لو أنها تسممت وخيف على البدن جاز إخراجها، أمّا أن يكون إجراءً احتياطياً ونقول: نخشى أن يقع أو يحدث فلا يجوز؛ لأن الأصل عدم جواز التصرف في بدن الإنسان، فتتفرع جميع المسائل في الهبات والتبرعات ونحوها على هذا الأصل.
إذا ثبت هذا فإننا نقول: لا يجوز بيع الآدمي حيّاً ولا ميتاً، ولا يجوز بيع أعضائه سواءً كان حيّاً أو ميتاً.
(144/10)
________________________________________
ميتة غير الآدمي
يبقى النظر في ميتة غير الآدمي، فنقول: ميتة غير الآدمي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما كان برّياً.
القسم الثاني: ما كان بحرياً.
القسم الثالث: ما كان برمائياً أي: برّياً بحرياً.
(144/11)
________________________________________
ميتة البر
فأما ما كان برياً: فكشاة ماتت بدون ذكاة، فهذه ميتة بر، ويستوي في ميتة البر ما يكون من الزواحف أو يكون من الطيور كالعصفور الذي يموت حتف أنفه، فإن هذا كله من ميتة البر، فلا يجوز بيع ميتة البر بالإجماع.
والدليل: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الغد من فتح مكة -هي خطبته في اليوم الثاني من فتح مكة- وقال: (إن الله ورسوله حرَّم بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام).
فذكر أربعة أعيان محرمة، ومنها: (الميتة) فدل على عدم جواز بيع الميتة، لكن يستثنى منها نوع خاص، وهذا النوع هو الطاهر من ميتة البر التي هي الجراد، فإن الجراد طاهر يجوز أكله، ويجوز بيعه؛ لأن أصل تحريم الميتة -وهذا في قول جماهير العلماء- مركب على النجاسة، ومن هنا قالوا: يجوز أن يبيع الجراد؛ لأن الجراد يجوز صيده ويجوز قتله وتؤكل ميتته، قال صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان: أمّا الميتتان فالحوت والجراد) فذكر الجراد من الميتة، فلما قال: (أحلت لنا ميتتان) جعلها من حلال الميتة المحرمة؛ لأن الأصل في الميتة أنها محرمة، فيكون قوله: (حرم بيع الميتة) أي: الميتة التي هي في الأصل محرمة، وبقي ما أحلَّ من الميتة كميتة الجراد فيجوز بيعه.
فلو أخذ كيساً من الجراد وعرضه للبيع فقال قائل: لا يجوز لأنه ميتة، نقول: نعم، هذه ميتة لكنها حلال، ويجوز بيعها.
وفي حكمها الحشرات التي لا نفس لها سائلة، أي: التي ليس لها دم، مثل السوس الذي يوجد في الدقيق والتمر، فهذا النوع من الحشرات لا نفس له سائلة، ولو أكلته فهو طاهر كالجراد، وليس فيه بأس.
والجراد مما لا نفس له سائلة، وأجمع العلماء على أن الجراد طاهر، بناءً على نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وسنفصل هذا في كتاب الأطعمة إن شاء الله، وسيكون التفصيل أوسع؛ لكن الشاهد: أنه لو جمع الدود أو السوس الطاهر وعرض للبيع صحَّ ولا بأس في ذلك.
(144/12)
________________________________________
ميتة البحر
أما ميتة البحر، فتشمل السمك والحوت وسائر حيوانات البحر التي لا تعيش إلا فيه، فإذا كانت من النوع الذي لا يعيش إلا في البحر، ومنه ما يُسمى (بالجمبري) الموجود الآن، فجمهور العلماء على جواز أكله، وأنه لا بأس في أكل ميتة البحر، وأنها طاهرة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته) وهو حديث أبي هريرة في السنن.
فوصف ميتته بأنها حلال، فيجوز أن يبيع السمك، والحوت، أو ما يُسمى (الجمبري)، أو غيره، وأنواع الأسماك كلها.
ثم ميتة البحر إمّا أن تخرجها من البحر فتكون ميتة؛ لأنك لم تذكها، فمثلاً: الشاة تذكى، وكذلك الدجاجة، والطير؛ لكن بالنسبة للسمك والحوت لا يذكى؛ لأنه ليس له موضع ذكاة، فإذا أخرجت من البحر خرجت بغير ذكاة فتكون ميتة، فحينئذٍ يجوز لك أن تأكلها؛ لكن لو أنها ماتت حتف أنفها في البحر فهل نقول: إنها تؤكل بغير ذكاة كالذي صيد، أم نقول: إنها ماتت حتف أنفها فلا يجوز أكلها؟ للعلماء وجهان: جمهور العلماء على أن السمك إذا مات وطفا على البحر يجوز أكله وبيعه ولا بأس في ذلك، ويسمونه السمك الطافي، وكذلك ما جزر عنه البحر؛ لأن البحر له مدُّ وجزر، فإذا مدَّ قذف بعض السمك خاصة الصغار منه، فإذا جزر يكون على أطراف الشواطئ، وهذا النوع من السمك سواء كان طافياً أو كان مما جزر عنه البحر، فالصحيح جواز أكله، وهو مذهب الجمهور، وفيه حديث أبي عبيدة رضي الله عنه وأرضاه في سريتهم بسيف البحر، حينما أصابتهم المجاعة وجزر البحر عن الحوت، فأكلوه، وأتوا ببعضه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه، فدلَّ على جواز أكل الطافي، وأكل ما مات حتف نفسه؛ لكن إذا كان هذا النوع فيه ضرر أو خمج أو أنتن بحيث لو أكله الإنسان تضرر فلا يجوز بيعه ولا يجوز أخذ المال لقاءه؛ لأنه من الميتة المتنجسة في هذه الحالة.
(144/13)
________________________________________
ميتة البرمائيات
النوع الثالث: وهو البرمائي، وقد اختلف فيه العلماء: فبعض العلماء يقول: الحيوان الذي يعيش في البر والماء ينظر فيه، فإن كان أكثر عيشه في الماء فميتته حلال، وإن كان أكثر عيشه في البر فميتته حرام؛ لأن الشيء يأخذ حكم غالبه.
ومنهم من يقول: بل ننظر أين يكون توالده وتكاثره وإيواؤه، فإن كان أكثر توالدها وتكاثرها بداخل الماء، فحكمها حكم حيوان الماء، وإن كان غالب تكاثرها وعيشها وجريانها في البر، فتأخذ حكم ميتة البر، مثل السلحفاة، وهذا القول قوي، والنفس تطمئن إليه.
[والميتة].
الميتة إذا بيعت بذاتها لا يجوز بيعها، ويشمل هذا ما كان محنطاً ولم يذك، إلا إذا كان من جنس ما يستثنى كالحوت والجراد، فهذا يجوز بيعه محنطاً.
فلو أن شاة دهست ثم ماتت قبل أن تذكى وعرضت، وجاء شخص يريد أن يشتريها نقول: لا يجوز هذا البيع ولا يجوز شراؤها، ولو أُخذ ثعبان وحنّط قلنا: لا يجوز بيعه ولا شراؤه، وماله غير جائز، كذلك لو أُخذ ثعلب وحنط ثم عرض للبيع فله نفس الحكم؛ لأن الثعلب ليس من جنس ما يذكى، ولا تعمل فيه الذكاة.
(144/14)
________________________________________
ما قطع من حي
وما قطع من الحيوان في حال حياته أخذ حكم ميتته، مثلاً: لو أن الشاة قطعت منها رجلها أو قطعت إليتها، ثم جاء يريد أن يبيعها نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حيٍّ فهو ميتته) وفي رواية: (فهو كميتته)، فالشاة لو ماتت لا يجوز بيعها، إذاً هذا الجزء المقطوع من الشاة حال حياتها يأخذ حكم الجزء المقطوع حال موتها، فتكون الإلية نجسة، ولا يجوز بيعها، وحكمها حكم الميتة بأجزائها التي تقبل الحياة، لكن هناك أجزاء لا تحلها الحياة.
فالحيوانات تنقسم أجزاؤها إلى قسمين: القسم الأول: ما فيه حياة الروح.
القسم الثاني: ما فيه حياة النمو.
حتى الآدمي فيه أجزاء حياتها حياة روح، وأجزاء حياتها حياة نمو، فمثلاً: اليد لو أنها لُسعت بنار تأذى الإنسان؛ لأن الحياة الموجودة فيها حياة روح وإحساس؛ لكن لو أنك أحرق طرف الشعر لم يحسُّ الإنسان؛ لأن الحياة التي في الشعر حياة نمو.
فعندنا أعضاء تقبل حياة الحسِّ، وأعضاء تقبل حياة النمو.
فما كان من الأعضاء يقبل حياة الروح فيعتبر نجساً إذا قطع في الحياة، كيدها ورجلها وإليتها وأذنها، وما كان لا يقبلها فلا، فمثلاً لو قُصَّ الشعر فإن الشعر من جنس ما لا تحله الحياة، فلو أنه قام على الناقة وجزَّ ما عليها من شعر وباع الوبر فإنه يجوز، قال تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} [النحل:80].
والشاة يحلق ما عليها من الشعر، وكذلك الناقة يحلق ما عليها ويباع ويتخذ في الثياب ويغزل منه، هذا الذي أخذ من الصوف والوبر والشعر يجوز بيعه، مع أنه قطع في حال الحياة؛ لكن هذا الذي قطع ليس من جنس ما تحله حياة الروح، وإنما هو من جنس ما تحله حياة النمو.
أما جلد الميتة إذا دبغ ثم بيع، فإنه يجوز.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، وإذا كان طاهراً فإنه مستثنىً من الحرمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحلت لنا ميتتان)، فجعل من الميتة ما يَحلّ، فهذا الجلد إذا دبغ خرج عنه وصف الميتة بالنجاسة.
(144/15)
________________________________________
الأسئلة
(144/16)
________________________________________
علم القواعد الفقهية

السؤال
هل يمكننا أن نقول: كل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: الأفضل أن الإنسان لا يتدخل في القواعد ويتركها للعلماء الأجلاء الذين ألموا بنصوص الشرع في الكتاب والسنة وألموا بضوابط القواعد، فقد تأتي وتقعّد القاعدة لأنك تراها صحيحة، لكنها تصادم أصولاً أخرى.
فمثلاً هذه القاعدة تقول: كل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، أولاً: البيع ينصب على الذات والمنفعة، فأنت عندما تبيع البيت تبيع ذاتها ومنفعتها، ولو بعت عمارة فقام المشتري بهدم العمارة، فليس لك أن تمنعه لأنه سيقول: بعتني الدار ذاتها ومنفعتها التي هي السكنى، فالبيع يقع على الذات والمنفعة، فقاعدة: كل ما جازت منفعته جاز بيعه، تختص بالمنافع، والبيع يقوم على الذات وعلى المنفعة.
ثانياً: إذا كانت المنفعة جائزة لكن الذات محرمة، فقد تقدم الخلاف في الحكم، إذاً: فالتقعيد من الصعوبة بمكان.
وهناك كتب متخصصة في القواعد، منها: الأشباه والنظائر للسيوطي، والأشباه والنظائر لـ ابن نجيم، وقد جعلوا قواعدهم في حدود مذهب معين، وما استطاعوا أن يجعلوا قواعد عامة، فتجد -مثلاً- الأشباه والنظائر في قواعد الشافعية، والأشباه والنظائر في قواعد الحنفية، وتجد أيضاً الفوائد لـ ابن مفلح الحنبلي رحمه الله، كذلك أيضاً القواعد لـ ابن رجب في مذهب الحنابلة، وتجد إيصال السالك إلى قواعد مذهب مالك للونشريسي المالكي، فتجدهم قعدوا من خلال مذهب معين؛ لأنه ليس من السهولة بمكان أن تضع قاعدة عامة متفق عليها.
فمسألة التقعيد أولاً: تحتاج إلى سبر الأدلة الواردة في الباب؛ لأنه لا أحد يتكلم في القواعد الشرعية إلا من خلال النصوص، والفقيه مَنْ فقه عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيع أن يضع قاعدة عامة تتفرع عليها مسائل كثيرة حتى يجمع النصوص الواردة في هذا الباب.
ثانياً: بعد جمع النصوص ينظر هل هي قاعدة ثابتة، أو لها مستثنيات؟ حتى يأتي بالمستثنى منها، فيضع القاعدة وما يستثنى منها، فلا ينقض المستثنى القاعدة ولا يعترض به عليها، فينظر هل هي قاعدة مسلمة أو قاعدة فيها استثناءات ومحترزات.
ثالثاً: ما هو اللفظ الذي تختاره للقاعدة، فهناك علم ألفاظ القواعد، ولذلك ليس كل فقيه يستطيع أن يقعّد، وليس كل محصّل للأدلة يستطيع أن يقعد؛ لأن التقعيد مخاطبة، والمخاطبة بالقاعدة يحتاج إلى ضابط ويحتاج إلى أسلوب فقهي معين، وقد يجلس العالم فترة طويلة حتى يقعد هذه القاعدة، أي: ما كان العلماء بمجرد أنه يقرأ أحدهم الباب يضع القاعدة.
فاختيار الألفاظ في التقعيد لابد منه، وهذا ما يسمونه (ملكة التقعيد)، ولذلك عندما تبحث في كتب القواعد تجدها معدودة، والسبب في هذا ثقل هذا الباب وصعوبته.
ولذلك نقول: ليس من السهولة أن نضع قاعدة عامة، إنما نقول: اقرأ الباب وانظر إلى نصوص الكتاب والسُّنة، فإذا وعيت رحمك الله ما ورد في الكتاب والسُّنة فخير وبركة، وإذا أردت أن تدرس علم القواعد فقد كفاك العلماء المئونة، فاذهب إلى كتب القواعد واقرأ فيها واضبطها وحصلها.
وهناك قضية مهمة جداً كفائدة لطلاب العلم وهي: ما هي الحاجة إلى القاعدة؟ القاعدة لا توضع إلا إذا جاءت لها أدلة قوية متكاثرة في الكتاب والسُّنة، وقد يكون لها إجماع؛ لأن القاعدة قضية كلية تتفرع عليها المسائل الجزئية، فمعنى ذلك أنك لا تقعد قاعدة في مسألة معينة، وإنما تقعد قاعدة لكي تجمع مسائل، وبعض الأحيان القاعدة الواحدة تفرع عليها ثمانمائة مسألة والعلماء يسمونها (أمهات القواعد)، وقد تكون قاعدة تتفرع عليها قواعد، وكل قاعدة تحتها مسائل.
فمثلاً: قاعدة (الأمور بمقاصدها) تتفرع عليها قواعد في إعمال الأصل، واستصحاب الأصل، وكذلك البراءة الأصلية وكذلك قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) تفرع عليها: (الأصل بقاء ما كان على ما كان) وغيرها.
الشاهد: لماذا وضع العلماء القاعدة؟ وضعوها لأن الطالب بعد أن يقرأ الفقه بكامله، تكثر عليك المسائل، فتحتاج إلى ضوابط وقواعد.
وهناك شيء يسمى قاعدة وهناك شيء يسمى ضابط، فالقاعدة لا تختص بباب، فمثلاً قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) ممكن أن تجري في العبادات وفي المعاملات، ففي العبادات تستخدمها -مثلاً- في الطهارة " فيجوز لمن لم يجد الماء أن يتيمم، أو شقّ عليه الماء جاز له أن يتيمم، ويجوز لمن كان عليه جروح على ظاهر بدنه أن يعدل إلى التيمم، ويجوز لمن خاف على نفسه إذا طلب الماء أن يعدل إلى التيمم.
وتستخدمها في الصلاة فتقول: من شق عليه أن يصلي قائماً صلى قاعداً، ومن شق عليه أن يصلي قائماً وقاعداً صلى على جنبه، ومن شق عليه أن يقرأ الفاتحة وكان حديث عهد بإسلام فلا يستطيع أن يتعلمها ولا يستطيع أن ينطق بها فيمكث قدر الفاتحة أو يمكث قدر الوقوف، على تفصيل عند العلماء فيمن تعذرت عليه الفاتحة.
وتستخدمها بعد ذلك في الزكاة وفي الحج في الطواف وفي السعي ولما أذن للضعفة في الحج التوكيل في الرمي، فكلها تفرعها على قاعدة: (المشقة تجلب التيسير)، فوَسِعَت مسائل عديدة ولم تختص بباب ولم تختص بباب معين.
إذاً: تستطيع أن تأتي بالقاعدة فتنثر من تحتها المسائل المتعددة؛ لكن الضابط يكون في باب واحد أو كتاب واحد، تقول مثلاً: في باب الكفارات كفارة الجماع في نهار رمضان، الضابط عند الحنابلة: أنه لا تجب الكفارة إلا بجماع في نهار رمضان، فأنت ألممت بمسائل لكن في مذهب الحنابلة، بحيث لو جاءك سائل وقال لك: لو أن رجلاً قضى يوماً من رمضان في شوال، فجامع أهله في هذا اليوم فهل تجب عليه الكفارة في قول الإمام أحمد؟ تقول: لا؛ لأن الأصل عند الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يوجب الكفارة في الجماع إلا في نهار رمضان، ولا يُنزِّل القضاء منزلة الأداء، فهذا يسمى ضابط؛ لأنه متعلق بمسألة أو باب معين.
فيفرقون بين الضابط والقاعدة من هذا الوجه، فتارة يقولون: ضابط، وتارة يقولون: قاعدة.
المقصود أن العلماء احتاجوا إلى وضع علم القواعد؛ لأنك عندما تقرأ الفقه تتناثر عندك الأدلة وتكثر عليك المسائل، فوضعوا قواعد معينة تجمع كثيراً من المسائل، بحيث يمكن أن يفتى في أكثر من مسألة وأكثر من باب، وإذا جاءتك المسألة تستطيع أن تعرف ضابطها أو تعرف قاعدتها؛ فوضعوها تيسيراً للفتوى وتيسيراً للقضاء وتيسيراً للتعليم.
فهذا أصل مسألة التقعيد، ولا يقدم عليه إلا من كان عنده إلمام بالأدلة من الكتاب والسُّنة، وعنده إلمام بأسلوب القواعد؛ لأن بعض الأحيان توضع القاعدة فيعترض عليها في اللفظ وفي العبارة التي تخُتار، وتجد بعض العلماء يقول: هذه عبارة مكررة، فحينما قالوا: قاعدة: (أن الشريعة قامت على جلب المصلحة ودرء المفسدة) قال بعض العلماء: هذه القاعدة فيها تكرار، قيل: لماذا؟ قال: لأن جلب المصلحة يتضمن درء المفاسد؛ لأن كل مفسدة تدرؤها تُحَصَّل بها مصلحة.
وهذا فن وضع القواعد، فيحتاج إلى الألفاظ إلى العبارات إلى الجمل؛ لأنه لا بد أن يكون عارفاً بالمصطلحات، والمصطلحات هي كلمات وعبارات معينة يستخدمها العلماء للدلالة على أشياء مخصوصة في فن الفقه.
فمثلاً: قوله: كل ما كانت له منفعة مباحة جاز بيعه، فحينئذٍ انصب الكلام على المنفعة وأهمل العين التي تولدت منها المنفعة، فهذه قاعدة قاصرة؛ لأنه ليس في الشريعة أن يبني جواز بيع الأعيان بناءً على المنافع، فهذا لا يطرد، فقد يكون الشيء مما تجوز منافعه ولا يجوز بيعه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(144/17)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [5]
من شروط صحة البيع: أن تكون العين مباحة المنفعة، فلا يجوز بيع الأعيان النجسة؛ لأنها محرمة الانتفاع، ومن الأعيان النجسة: السرجين أو ما يسمى بالسماد النجس، فقد ذهب جمهور العلماء إلى حرمة بيعه، ومنها: الأدهان والزيوت النجسة، فإنه يحرم كذلك بيعها وشراؤها.
ومن شروط صحة البيع: أن يكون البيع من مالك أو من يقوم مقامه، فمن باع أو اشترى شيئاً ليس في ملكه، فلا يصح منه ذلك ولا يتم حتى يجيزه المالك الحقيقي.
(145/1)
________________________________________
الأشياء التي لا يجوز بيعها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى في معرض بيانه للأعيان المحرمة البيع: [إلاّ الكلب والحشرات والمصحف والميتة والسرجين النجس].
ما زال المصنف رحمه الله في معرض بيانه لما لا يحلُّ بيعه، وهي الأعيان التي حكم الشرع بعدم جواز بيعها، فلا ثمن لها، فيكون إعطاء المال في مقابلها في البيع من باب أكل المال بالباطل؛ لأن الأصل في البيع أن يُدفع الثمن لقاء شيء له قيمة، فإذا كانت العين مما لا قيمة له في الشرع، فإنه حينئذٍ يكون دفع المال في مقابلها من الباطل.
(145/2)
________________________________________
الأعيان النجسة
ذكر العلماء رحمهم الله أن الأصل في الأعيان النجسة عدم جواز بيعها، فلا يجوز بيع البول، ولا يجوز بيع العذرة -عذرة الإنسان النجسة- وهكذا في فضلات الحيوان النجسة.
والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن النجاسات، كما في الصحيح: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم)، والدم نجس لقوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145]، وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة: (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام)، قال العلماء رحمهم الله: إن هذا الحديث اشتمل على أربعة أعيان نجسة: إمّا نجاسة حسية، وإمّا نجاسة معنوية، وإمّا نجاسة الحس والمعنى معاً، ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النجس من الحيوانات الحية: الخنزير، والنجس من الحيوانات الميتة وهي الميتة، حتى تقاس النجاسات من الحيوانات الحية على الخنزير، والنجس من الحيوانات الميتة تتبعه لأصل الميتة، ويقاس الجماد النجس المعنوي على الأصنام، ويقاس المائع من النجاسات على الخمر، وعلى هذا قال غير واحد من العلماء: حديث جابر هذا أصل في تحريم بيع الأعيان النجسة، والنجس حرمه الله على العباد، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن الله إذا حرم على قوم شيئاً حرم عليهم ثمنه)، وقد حرم الله النجاسات؛ فيحرم أخذ المال لقاءها.
والمبيع من حيث الأصل العام -حتى تكون الصورة واضحة- إما أن يكون طاهراً، وإما أن يكون نجساً، فالمبيعات الطاهرة من حيث الأصل جواز بيعها، والمبيعات النجسة من حيث الأصل عدم جواز بيعها، ويبقى شيء يُسمى: المتنجس.
فالنجس هو أن يكون نجس العين، مثل: الشحم المستخلص من الميتة، فإنه نجس العين، ونجس العين لا تستطيع تطهيره، فأصل عينه نجسة، فالخنزير لو غسلته مائة مرة فإنه سيبقى نجساً، فحينئذٍ يقال: نجس العين؛ لكن المتنجس تكون عينه في الأصل طاهرة ودخلت النجاسة عليه عارضة، بحيث يمكنك أن تزيلها، كثوب وقع عليه بول أو وقع عليه دم نجس فإنه حينئذ ثوب متنجس، انتقل عن أصله لعارضٍ وهو التنجس.
فأمّا بالنسبة للزيوت والشحوم والأدهان فمنها ما هو طاهر كالإلية، فإنك إذا ذبحت كبشاً وذكيته فإنّ جميع ما فيه طاهر؛ لأن التذكية تجعله حلالاً وطاهراً، فحينئذٍ لو أخذت الإلية وأذبت شحمها فنقول: هذا دُهنٌ طاهر، أما لو مات الكبش أو الضأن وأُخذت إليته وأُذيبت فنقول: هذا شحم نجس أو دهن نجس.
إذاً: هناك ما هو نجس العين، وهناك ما هو متنجس، والمتنجس يمكن تطهيره.
(145/3)
________________________________________
السرجين وأنواعه
يقول المصنف رحمه الله: (والسرجين)، وهو السماد، والسماد ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: السماد الطاهر، وهو فضلة ما يؤكل لحمه، على أصحِّ قولي العلماء، كما هو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة من حيث الجملة؛ لأن فضلة ما يؤكل لحمه -كالإبل، والبقر، والغنم، والطيور غير الجارحة- طاهرة، فلو أن إنساناً جمع زريبة من روث أو فضلة الإبل أو البقر أو الغنم فإنها طاهرة من حيث الأصل، فنقول: هذا سماد طاهر، والدليل على طهارته عدة أدلة: أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العُرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل، وهي فضلة الإبل، فلو كان البول نجساً لما أمرهم أن يشربوه؛ لأن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حَرَّمَ عليها.
ثانياً: الإذن بالصلاة في مرابض الغنم، وهذا ثابت وصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانت فضلة الغنم نجسة لما أذن بالصلاة فيها، وأما المنع من الصلاة في معاطن الإبل فهو لحكمة أخرى -كما نبهنا عليه في باب الصلاة- وذلك لأنها مواضع الشياطين.
وقد وصلى على بعيره، ومن المعلوم أن البعير ربما بال فلطخ ببوله فخذه وساقه، ومع ذلك صلى عليه، وطاف عليه، فدلَّ ذلك على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه، وإنما خُصَّ البعير لأن البعير من حيث الأصل مما يؤكل لحمه، فقالوا: ما يؤكل لحمه فضلته طاهرة، وهذا يشمل الطيور كالعصافير والحمام وغيرها.
والسماد الذي يؤخذ من الحمام تستصلح به الحمضيات كأشجار الليمون، فإنه إذا وضع لها (ذرق) الحمام تنفع وتصلح بإذن الله عز وجل، فهذا سمادٌ طاهر.
وكذلك يؤخذ روث البقر لاستصلاح النخل، وهو من أفضل ما يكون لاستصلاح النخل.
والسماد الطاهر يجوز بيعه، فلو أن رجلاً عنده زريبة غنم وجاءه من يريد شراء ما فيها من الروث سماداً، فما حكم هذا البيع؟ نقول: السماد طاهر مقصود لمنفعة مباحة، وهي استصلاح الزرع، ومأذون بها شرعاً؛ بل ومقصودة شرعاً، فيجوز البيع إذا كان مستوفياً للشروط الأخرى المعتبرة في البيع.
وعلى هذا: فبيع السماد الطاهر جائز ولا بأس به؛ لأنه عينٌ مباحة، ومنفعتها مباحة ومقصودة شرعاً.
(145/4)
________________________________________
حكم بيع السماد النجس
القسم الثاني: السماد النجس، وهو يشمل فضلة الآدمي من بوله وعذرته، وكذلك يشمل فضلة الحيوان غير مأكول اللحم؛ كالحمر الأهلية ونحوها، ولذلك لما أتى عبد الله بن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم بالروثة -قيل: إنها من الحمر- قال: (إنها ركس)، وعلى هذا يقول العلماء رحمهم الله: إذا كانت الفضلة من غير مأكول اللحم فهي نجسة، لكن هل يجوز أن يباع السماد النجس، أم لا يجوز؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز بيع السماد النجس أو الزبل النجس أو الرجيع النجس، والمعنى واحد، وهذا القول هو مذهب المالكية في المشهور، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور، وهو قول عند الحنفية رحمهم الله؛ لكن المذهب عندهم على الجواز.
القول الثاني: يجوز بيع الزبل النجس والسماد النجس، وهذا هو مذهب الحنفية، وقال به بعض أصحاب الإمام مالك كـ ابن الماجشون.
فالذين قالوا بالتحريم -وهم الجمهور- استدلوا بأدلة: أولاً: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29]، قالوا: إن الله حرم علينا أكل المال بالباطل، والباطل هو الذي لا وجه له ولا حقَّ فيه، فإذا كان السماد نجساً فإن النجس لا قيمة له -النجاسة لا قيمة لها- فدفع المال في مقابله يكون من أكل أموال الناس بالباطل.
ثانياً: استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله إذا حرم على قوم شيئاً حرم عليهم ثمنه)، والسماد نجس حرام فيحرم أكل ثمنه.
ثالثاً: قالوا: إن الأصل عدم جواز بيع النجاسة، والزبل النجس من النجاسات، والأصل في هذا حديث جابر بن عبد الله كما قدمنا.
واستدل الذين قالوا بالجواز بدليلين: الدليل الأول: الإجماع.
الدليل الثاني: العقل.
أما دليلهم بالإجماع فقالوا: إن الناس من العصور القديمة يتبايعون ويبيعون السماد والزبل النجس، ولم ينكر عليهم أحد، فيكون هذا بمثابة الإجماع.
والدليل الثاني: قالوا: إن الحاجة داعية إلى بيع الزبل النجس، ولو لم نقل بجواز بيعه لكان في ذلك حرجٌ ومشقة، والشريعة لا حرج فيها ولا مشقة، وبناءً على ذلك يجوز بيع الزبل النجس، ومعنى هذا الدليل الذي قرروه بالنظر: أن الزبل النجس يستصلح النبات، وهذا يحتاجه الفلاح، ويحتاجه الناس، أمّا الفلاح فلأنّ إنتاجه ومحصوله لا يصلح إلا بهذا النوع من السماد، وأمّا الناس فإنه إذا تضرر الفلاح وكان نتاج الفلاحة قليلاً؛ فإن هذا سيضر بالسوق وسيضر بالناس، فحينئذٍ يكون في تحريمه حرجٌ ومشقة، والشريعة لا توقع الناس في الحرج.
إذاً القول بعدم الجواز فيه حرج، فيجوز البيع دفعاً للحرج والمشقة، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78].
والذي يترجح هو القول بعدم جواز بيع الزبل النجس، وذلك لما يلي: أولاً: لصحة ما ذكره أصحاب هذا القول، فإن الأصل عدم جواز بيع النجاسات، وهذا الأصل قرره حديث جابر رضي الله عنه، ولذلك سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شحوم الميتة -وهي متفرعة من الميتة-: (أنه يُطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)، وفي رواية: (فاستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل)، فدلَّ الحديث على أن الشيء النجس لا يجوز بيعه في الأصل.
ثانياً: أما بالنسبة لاستدلالهم بالإجماع، فهذا الإجماع قد رده غير واحد من العلماء، حتى قال الماوردي في كتابه النفيس (الحاوي)، وهو من كتب الخلافيات، بل ومن أوسعها، قال فيه: إن هذا الإجماع إجماع العوام، إنما وقع بفعل الناس وليس بإجماع من يُعتدُّ بقوله ويُعتدُّ بإجماعه؛ لأن الإجماع إنما يكون من المجتهدين وليس من العوام، فالذي يبيعه ويأخذه هم العوام وليس العلماء الذين يُحكم بإجماعهم واجتهادهم.
ثالثاً: استدلالهم بأن فيه حرجاً ومشقة، فيقولون: لو قلنا: لا يجوز بيع السماد النجس لكان فيه حرج ومشقة، هذا يحتاج إلى نظر؛ والسبب في هذا: أن الحرج والمشقة إنما يقعان في حالة عدم وجود البديل؛ لكن عند وجود البديل -وهو الزبل الطاهر وكونه يقوم بسدِّ الحاجة- فإنه حينئذٍ ينتفي قولهم: بأننا مضطرون إليه؛ لأننا نتكلم عن أصل عام؛ والأصل العام هو وجود الزبل النجس والطاهر: فالإبل، والبقر، والغنم، والطيور وغيرها موجودة فضلتها، وهي طاهرة ومباحة، وينتفع بها النبات كما ينتفع بالنجس؛ بل إن الطاهر آمنُ من النجس -كما سنبين إن شاء الله - فإذا وجد البديل -والبديل موجود وهو الزبل الطاهر- فإننا نقول بعدم صحة ما ذكروه من وجود الحاجة؛ لأن الحاجة شرطها: عدم وجود البديل، فالمرأة -مثلاً- إذا وجدت امرأة تقوم بعلاجها وتطبيبها فلا نقول: إنها مضطرة إلى الرجل؛ لأنه مع وجود البديل لا يحكم بالضرورة، ومع وجود البديل لا يحكم بالحاجة إذا سدَّ مسده.
رابعاً: أن الحاجة هنا حاجة كمال، فإن الزبل النجس والرجيع النجس والسماد النجس فيه مضرة أعظم من منفعته، وهذا ثابت، فقد ثبت الآن طبيّاً وجود الأمراض والأضرار من اغتذاء النبات به؛ بل إن المذهب الصحيح من أقوال العلماء: عدم جواز أكل النبات المستصلح من النجس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح: (أنه نهى عن أكل الجلالة)، والآدمي قوته على دفع الضرر أكثر من قوة النبات، ومن المعلوم أنه لو وضع الزبل النجس سماداً للكراث والفجل، فإنه يغتذي منه مباشرة، وكذلك نحوه من المزروعات، فهذه من أعظم ما يكون، حتى ثبت طبيّاً الآن أنها من أعظم ما تكون ضرراً على صحة الناس، وأكثر ما ينشأ فيها من الأمراض مظنة العدوى -والعياذ بالله-، فحينئذٍ نقول: إنه لو لم يحرم بوجود الدليل لحرم لوجود الضرر، والمصلحة والحاجة التي تطلب إنما هي مصلحة كمال وحاجة كمال، وقولنا: (مصلحة الكمال) أي أن هذا النبات يكون بصورة أو بشكل أفضل، لكنه من حيث المضمون -لوجود الضرر فيه- أسوأ وأردأ من الطاهر، وعلى هذا نقول: إنها ليست بحاجة ضرورة، ولكنها حاجة كمال، وفرقٌ بين حاجة الضرورة الموجبة للترخيص، وبين حاجة الكمال التي لا توجب رخصة، خاصة مع وجود البديل.
فالذي يترجح هو: عدم جواز بيع الزبل النجس.
ومسألة الجلالة يقول بعض العلماء -حينما جاءت مسألة بيع النباتات أو اغتذاء النباتات بالنجاسات-: إنّ الجلالة -كالبقرة أو الشاة أو الدجاجة- تتغذى بالنجاسات وتأكل النجاسات، فحينئذٍ تتضرر وتتأثر بهذه النجاسات، ومع أنّ في جسم الإنسان من القوة على دفع الضرر أكثر من النبات -وهذا ثابتٌ طبياً: أن قوة جسم الآدمي على دفع السموم أقوى من غيره؛ وذلك لما خلق الله فيه وفضَّله على كثير ممن خلق، فجعل فيه خاصية أقوى من غيره- فمع هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة حتى تحبس ويطيب لحمها بالمباح، فهذا يدل على التأثر بالاغتذاء بالنجس، وإذا كان هذا في البهيمة مع أنها أقدر على الدفع وقلة التأثر أكثر من الزروع التي تكون على وجه الأرض؛ فمن باب أولى ما هو دونها، وعليه: فإنه لا يجوز بيع الزبل النجس ولا شراؤه؛ وذلك لأن الأصل الموجب للتحريم يقتضي منع هذا النوع من البيع، وليس ثمَّ دليلٌ يوجب الترخيص.
(145/5)
________________________________________
أنواع الأدهان والزيوت وأحكام بيعها
قال رحمه الله: [والأدهان النجسة والمتنجسة].
الأدهان: جمع دهن، وهو يشمل الزيوت والطيب وغيرها، فمثلاً: السمن نقول: هو دهن؛ لأنه يمكن أن يكون طعاماً، ويمكن أن يدهن به الإنسان، وكذلك زيت الزيتون، وزيت الذرة، وزيت السمسم، فكل هذه تسمى بالأدهان.
والأدهان تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أدهان طاهرة.
القسم الثاني: أدهان غير طاهرة.
فالأدهان الطاهرة: كزيت الزيتون، وزيت السمسم، وزيت الذرة، وغيرها من الزيوت الطاهرة.
والزيت غير الطاهر ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: زيتٌ نجس.
القسم الثاني: زيتٌ متنجس.
أمّا الزيت النجس فهو الذي يستخلص من عين نجسة، مثل: الزيت الذي يؤخذ من شحوم الميتة؛ فإنه زيتٌ نجس، أي: عينه نجسة، فمهما غسلته ومهما فعلت به فلا يمكن أن يطهر.
وأما الزيت المتنجس، فأصله طاهر، كزيت الزيتون مثلاً؛ ولكن وقعت فيه نجاسة كقطرات بولٍ، فحينئذٍ يتنجس، ومن هنا حكمنا بتنجسه.
أمّا بالنسبة للزيت الطاهر فلا إشكال في جواز بيعه، والزيت النجس لا إشكال في حرمة بيعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن شحوم الميتة وذكروا له: (أنه يُطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، قال: لا، هو حرام)، أي: بيعها؛ لأن أصل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الله ورسوله حرم بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام، قالوا: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة فإنه يُطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟! قال: لا، هو حرام).
وقد اختلف العلماء في قوله: (لا، هو حرام) هل الضمير عائد على طلي السفن ودهن الجلود والاستصباح بها -لأن السفن تمشي على البحار والأنهار، فوجود الزيت يدفع عنها الماء، ولذلك لا يتشرب الخشب للماء- فحينئذٍ يحرم أن يُطلى بها، ويحرم أن يدهن بها، ويحرم أن يستصبح بها، أم أن الضمير في قوله: (لا هو حرام) عائد على البيع؛ لأن أصل الحديث: (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة)، فسألوه عن شحوم الميتة وقالوا: إن فيها منفعة، فهل يجوز بيعها؟ والقاعدة: (أن السياق والسباق محكم)، وسياق الحديث وسباقه كان في الكلام على البيع، فيقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن شحوم الميتة من جهة بيعها من أجل الطلاء والدهن والاستصباح فقال: (لا، هو حرام)، وهذا أقوى، وهو أنه عائدٌ على البيع، ومن هنا يعتبر الحديث أصلاً في تحريم بيع الزيت النجس، وأما الزيت المتنجس ففيه تفصيل سنذكره.
(145/6)
________________________________________
حكم الزيوت المشتقة من البترول
إذاً: الزيوت المستخلصة من الميتة نجسة، لكن يبقى الكلام عن مسألة عارضة الآن يكثر الكلام حولها، وهي: مسألة الزيوت البترولية، وما يشتق من البترول، والسبب الذي جعل بعض طلاب العلم تلتبس عليه هذه المسألة: أنهم كانوا يقولون: إن أصل البترول من الحيوانات القديمة التي ماتت ثم ضغطت بين أطباق الأرض، ثم مع فعل الحرارة وسخونة الأرض تحولت إلى بترول، وهذا القول أنبه على أنه قول أهل الطبيعة الذين لا يؤمنون بوجود الله جل جلاله، كما أخبر الله عز وجل أن الإنسان كفور مبين، وكفره من أكفر ما يكون -نسأل الله السلامة والعافية- فالله تعالى يغدق عليه ويسكن له كنوز الأرض في الأرض، ويعطيها له سهلةً ميسرة ليقول: لا إله إلاّ الله، وليقول: الحمد لله، لكنه يقول: لا، منذ ألف مليون سنة كان يوجد حيوان اسمه (الديناصور)! ألف مليون سنة متى كانت؟! لا يوجد أكذب من الكافر إذا كذب على ربه؛ لأنه كفر بالله فطمس الله على قلبه وعلى بصيرته، ثم هذا (الديناصور) ما لقي أن يتوفى وأن يموت إلاَّ داخل المحيط! وممكن أن تقبل أنه توفي على وجه الأرض؛ لكن ما الذي ذهب به إلى أعماق المحيطات حتى يوجد البترول في أعماق المحيطات -تكذيباً لهم -؟ فهم لا يريدون أن يقولوا: إن الله هو الذي أوجده، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن في الأرض كنوزاً، وأن الله قدر في الأرض أقواتها منذ أن خلقها، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من علامات الساعة أن تخرج الأرض كنوزها)، وهذا يدل على أن الله أوجدها فيها، فنحن لا نقول بما يقوله الكفار، ولكن نقول: إن الذي أوجده هو الله، وهو نعمة من الله سبحانه وتعالى، والله على كل شيء قدير، ولو كان الأمر كما ذكروا وكما زعموا، فإن هذه المقابر الموجودة منذ سنوات عديدة مديدة ما وجدنا تحتها البترول، ولا وجدنا أنها تتحول إلى زيوت ولا إلى طبقات معينة من الأرض، لكن -كما ذكرنا- هو كفرٌ بالله وعدم تسليم بوحدانيته عز وجل، فيردون كل شيء إلى الطبيعة: وهو أن الأشياء وجدت صدفة! وأن الإنسان ينظر إلى هذه الأشياء على أنها أشياء طبيعية.
ومن أجل ذلك نشأ عند البعض شعور بأنه ما دام أن (الديناصور) قد مات فيعتبر ميتة، وشحم الميتة نجس، فمعنى ذلك: أن البترول نجس، وأن كل ما يتولد من البترول نجس، وهذا خطأ، فإن البترول طاهر، وجميع ما يُشتق منه طاهر، سواءٌ كان زيتاً أو كان بنزيناً أو غير ذلك من المشتقات، فهي كلها طاهرة؛ لأن الأصل أنها طاهرة، وليس هناك دليل يدل على نجاستها.
وبناءً على هذا: فلا يدخل في مسألة الزيوت النجسة والمتنجسة ما يشتق من البترول، فهو ليس بنجس ولا متنجس، وبيعه جائز وحلال، وهو مما سخره الله لابن آدم لينتفع ويرتفق به، والحمد لله على فضله، وله الشكر على نعمه، لا نحصي ثناءً عليه، جلَّ جلاله وتقدست أسماؤه، وتعالى الله عما يقول الكافرون علواً عظيماً.
(145/7)
________________________________________
أحكام الزيت المتنجس
يبقى النظر في الزيت المتنجس، وفيه مسائل: المسألة الأولى: نحتاج أن نبحث في مسألة: كيف يتنجس الزيت؟ المسألة الثانية: ما هو نوع النجاسة إذا حكمنا بكون الزيت يتنجس؟ المسألة الثالثة: هل يمكن للزيت أن يطهر إذا حكمنا بنجاسته؟ المسألة الأولى: كيف يتنجس الزيت؟ الذي يجعلنا نبحث هذه المسألة أن في الزيت خاصية تختلف عن غيره، فمن الملاحظ أن الزيت إذا وقعت فيه قطرة ماء فإنها لا تدخل في الزيت وتتحلل فيه، بل لو صببت الماء على الزيت لانفصل الماء عن الزيت، وهذا أمر ملموس، فنجد أن للزيت خاصية تدفع ولا تمكّن غيره من الامتزاج به، ومن هنا قسّم العلماء وقوع النجاسة في الأشياء إلى قسمين: القسم الأول: أن تقع النجاسة فتتحلل في الشيء، كنجاسة الماء والخل والمرقة ونحوها من المائعات، فإن الماء إذا وقعت فيه قطرة البول انتشرت فيه وتحللت، فحينئذٍ يقولون: إن نجاسته نجاسة ممازجة، أي: امتزج الماء مع البول، وهذا أقوى صور التنجيس، ويتأثر الشيء الطاهر بوقوع النجاسة فيه على هذا الوجه.
القسم الثاني: نجاسة المجاورة، وتكون هذه النجاسة بجوار الطاهر، وهي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: إمّا أن تلتصق به.
القسم الثاني: وإمّا أن تكون بجواره فقط، وتأتي الريح فتنقل رائحة النجاسة، فمثلاً: غدير الماء حينما يكون بجواره ميتة؛ كبعير أو بقرة أو شاة، فيأتي الهواء فينقل رائحة النجاسة إلى الغدير، فحينئذٍ يتنجس الغدير بالرائحة، أو ينقل أجزاءها فتقع في الغدير، إذاً: المجاور ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: مجاور ملتصق.
القسم الثاني: مجاور غير ملتصق.
فالمجاور الذي لا يلتصق بالماء لا يضر مطلقاً، لكن إذا التصق به ولم يكن متحللاً، وغير اللون أو الطعم، فإنه يؤثر وجهاً واحداً، وأما إذا غير الرائحة ففيه خلاف؛ لكن الصحيح عند طائفة من العلماء أنه يؤثر، وإلى ذلك أشار بعض العلماء بقوله: ليْسَ المجاَوِرُ إِذَا لَمْ يِلْتَصِقْ يَضَرُّ مُطْلَقَاً وَضَرَّ إِنْ لَصِقْ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ بِالاتِّفَاقِ كَالرِّيْحِ فِيْ مُعْتَمَدِ الشِّقَاقِ نرجع إلى مسألة الزيت إذا وقعت فيه نجاسة: فيقولون: إنها نجاسة مجاورة ملاصقة؛ لأنها وقعت في داخل الزيت، لكنها لا تتحلل ولا تنتشر، فاختلف العلماء رحمهم الله في هذا النوع من النجاسة، وقد قلنا: إن الزيت تنجس، وحكمنا بأن نجاسته نجاسة مجاورة، وليست بنجاسة ممازجة ومخالطة.
يبقى السؤال الثالث والأخير وهو الذي عليه مدار المسألة التي سنذكرها في البيع وهي: إذا تنجس الزيت فهل يمكن تطهيره، أو لا يمكن تطهيره؟ قال بعض العلماء: إذا تنجس الزيت فلا يمكن تطهيره، وعند هؤلاء تنتقل المسألة إلى المسألة الأولى وهي بيع الزيت النجس، فعندهم أن النجس والمتنجس حكمه واحد؛ لأنهم يرون أن الزيت إذا تنجس فلا يمكن تطهيره، وهذا هو القول الأول.
القول الثاني: أن الزيت إذا تنجس فإنه يمكن تطهيره، ولتطهيره طريقتان: الطريقة الأولى: يسموها: طريقة الطبخ.
الطريقة الثانية: يسمونها: طريقة الغسل.
فأمّا طريقة الطبخ فهي أن توقد النار تحت الزيت فيغلي، وإذا غلى فإنه تتبخر النجاسة ويبقى الزيت، فإذا وقع فيه البول وغلي غلياناً شديداً فإنه يتبخر البول لخاصية في الزيت، ولو ترسب شيء قليل لكنه لا يؤثر، خاصة إذا كان الزيت كثيراً، فيقولون: إنه يحكم بطهارته في هذه الحالة.
الحالة الثانية: أن يغسل الزيت،
و
السؤال
كيف يغسل الزيت؟ أو كيف يمكن غسل الزيت؟ هل يعصر، أم يوضع في خلاطة؟ وهذا يحتاج إلى نظر، فقد قال بعض العلماء: غسل الزيت المراد به طهارة المكاثرة، فمثلاً: إذا وقعت قطرة من البول في الزيت، فتصب عليه ماءً طهوراً أضعاف أضعاف القطرة من البول، بحيث لو خالط ذلك الماء البول فإنه يذهب عنه وصفه بالنجاسة، وتطهر النجاسة بهذا الماء؛ لأنها ستختلط مع الماء، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم صبّ على بول الأعرابي ذنوباً من ماء، وقد كان البول قليلاً والماء كثيراً، فلما ورد الكثير من الماء على القليل من النجاسة طهرت النجاسة، فحينئذٍ قالوا: إذا كان في الوعاء قطرة من البول، فيأخذ (فنجاناً) مثلاً من الماء الطهور ويصبه، فيختلط مع النجاسة، فتصبح النجاسة منعدمة التأثير، ثم بعد ذلك تسحب بطريقة عند المختصين، فيسحبون الماء بالنجاسة، وحينئذٍ يبقى الزيت طاهراً على أصله.
لكن لماذا ذكرنا هذه المسألة هنا مع أنها من مسائل الطهارة؟ ذكرنا هذه المسألة؛ لأن الصحيح أن الزيت إذا وقعت فيه النجاسة، وكانت نجاسته ليست عينية مثل زيت الميتات؛ فإنه يمكننا أن نطهره، فحينئذٍ لو باع رجلٌ زيتاً متنجساً فإنه يمكنه أن يزيل هذه النجاسة، فيصبح في حكم من باع ثوباً متنجساً، والمتنجس ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يمكن تطهيره.
القسم الثاني: ألاَّ يمكن تطهيره.
والذي يمكن تطهيره مثل الثوب، فلو جاء شخص وفي ثوبه دم نجس أو قطرة من البول، وقال: سأبيع هذا الثوب بعشرة ولكن فيه نجاسة، فنقول: بالإجماع أن البيع صحيح؛ لأن هذه النجاسة يمكن إزالتها، فليست مؤثرة في بيع الثوب، وليس هذا من باب بيع النجاسات؛ لأن العين طاهرة، ومن هنا فإذا قلنا: إن الزيت لا يتطهر، فلا يدخل في هذا؛ لأنه من باب بيع الأعيان النجسة؛ لكن إذا كان الزيت يمكن تطهيره بالطبخ وبالغسل، فحينئذٍ من باع زيتاً متنجساً، فإنه كمن باع ثوباً متنجساً، فكما أنه يأخذ الثوب ويغسله، كذلك يأخذ الزيت ويغسله، ومن هنا يقوى القول بأنه يجوز بيع الزيت المتنجس.
والذي لا يمكن تطهيره ببقاء عينه مثل السكر، فلو أن السكر وقع عليه بول وتنجس، فإنه لا يمكن تطهيره؛ لأنه إذا صُبَّ عليه الماء ذاب، فلا يمكن تطهيره ببقاء عين السكر؛ لكن لو أنه أخذ ماءً كثيراً وصبه على السكر حتى تحلل، بحيث صار الماء أضعاف النجاسة الموجودة في السكر؛ فإنه يكون طاهراً، لكن أن تبقى عين السكر فلا يمكن.
إذاً: هناك شيء يمكن تطهيره مع بقاء عينه، وهناك شيء لا يمكن تطهيره إلاّ بذهاب عينه، فبالنسبة للزيت يمكن تطهيره مع بقاء عينه مثل الثوب، وعليه فإنه يجوز بيع الزيت المتنجس؛ لكن بشرط: أن يُبين أنه متنجس، ولذلك نقل ابن رشد عن القائلين بجواز بيع الزيت المتنجس في البداية فقال: وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه -أي: الزيت المتنجس- إذا بيّن، أي: قال للمشتري: إنه نجس؛ والسبب في هذا: أن الزيت يؤكل ويدّهن به، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة)، فلو أخذه وهو متنجس، فإنه مظنة أن يدهن به فيتنجس، ومظنة أن يأكله وهو متنجس، ولا يجوز أكل المتنجس، ومن هنا قال العلماء: شرط جواز بيعه إذا بيّن البائع للمشتري أنه متنجس.
(145/8)
________________________________________
حكم الاستصباح بالزيوت النجسة في المسجد وفي غيره
قال رحمه الله: [ويجوز الاستصباح بها في غير مسجدٍ].
الاستصباح: وضع الزيت في المصباح؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل في الزيت خاصية ومنافع، ومنها: أنه يستضاء به، ولذلك ضرب الله المثل بالمشكاة فيها مصباح فقال: {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور} [النور:35]، وهذه من أغرب الآيات في الأمثال في كتاب الله عز وجل، حيث جعل الله عز وجل نور الوحي مع نور العقل: (نُورٌ عَلَى نُور)، ولا يمكن لأحد أن يبصر بأحد النورين دون الآخر، فمثلاً: لو أن إنساناً كفيف البصر جيء به أمام الشمس، فإنه لا يمكن أن يبصر؛ لأنه فقد النور الداخلي، ولو أنه جيء بمبصرٍ ووضع في كهف مظلم، فلا يمكن أن يبصر مع وجود النور الداخلي، لكن النور الخارجي غير موجود، فاحتاج المبصر إلى نور داخلي ونور خارجي، وكذلك الإنسان يحتاج إلى نور العقل -وهو داخلٌ فيه- ونور الوحي، ولذلك قال سبحانه: {نُورٌ عَلَى نُور} [النور:35]، فمن كان عاقلاً ولا يهتدي بالوحي فإنه لا يمكن أن يهتدي؛ لأنه يحتاج إلى وحي الرسل، ولو كان مجنوناً وجيء بالوحي فلا يمكن أن يقبل، ولا يمكن أن يفقه، ولا يمكن أن يعلم، ولا يمكن أن يهتدي؛ لأنه يحتاج إلى النورين.
والله سبحانه وتعالى جعل الزيت نوراً، وجعله مما يستصبح به ويستضاء، فقال: (زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ)، قيل: إن البستان الشرقي يتعرض للشمس أكثر، والغربي يضعف تأثير الشمس عليه؛ لأنه لا تأتيه الشمس إلا عند الغروب وقد ضعف شعاعها؛ لكنه حينما يكون في الوسط فإنه يكون من أنفع وأصلح ما يكون، وقيل: إنها (لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ) إشارة إلى طور سيناء؛ لأنه أفضل منابت الزيتون، فهو ليس بشرق الأرض ولا بغربها، وإنما في وسط الأرض.
الشاهد: أن الله سبحانه وتعالى جعل في الزيت منافع منها: الاستصباح، فذكر المصنف أنه يجوز الاستصباح بالزيت النجس في غير المسجد، ونحن الآن نبحث في مسألة البيع، فما الذي أدخل مسألة الاستصباح؟

الجواب
أنه كما ذكرنا غير مرة أن العلماء يذكرون المسائل بالمناسبات، فهنا يتكلم على الزيت النجس، فأدخل أو ألحق مسألة الاستصباح بالزيت النجس، وبعض العلماء يغتفر إدخال مسألة الاستصباح؛ لأنه قد يباع من أجل أن يوضع في المصباح وهو متنجس، فيرد

السؤال
هل يجوز هذا الزيت، أم لا؟ أما بالنسبة للاستصباح بالزيت النجس فإن كان في غير المساجد فإنه يجوز عند من قال بجواز الاستصباح به، وأمّا في المساجد فقد اختلف العلماء: فمنهم من منعه مطلقاً، ومنهم من أجازه؛ لأنه لا يرى أن دخان النجاسة نجس، ويرى أنه حكم متحلل إلى مادة غير المادة الأصلية، ومن هنا أجاز أصحاب هذا القول الطبخ بالنجاسات، فلو جمع نجاسة وأوقد النار فيها وطبخ عليها طعاماً فقد أجازوه؛ لأنهم يرون أنه إذا طبخ انتقل وتحول إلى مادة غير المادة التي منع الشرع الانتفاع بها.
ومنهم من فصّل: فأجاز بشرط ألا يتحول الدخان إلى داخل المسجد، كأن يوضع في كُوّة من وراء زجاجة، فإن الكُوّة إذا هبَّ الهواء أخرج الدخان إلى الخارج، ويكون الفضل فضل الزجاج لوجود الضياء على داخل المسجد، والكوّة من الخارج لا من داخل المسجد، فهذا معنى الاستصباح به من خارج المسجد لا من داخله، وعلى هذا يقول المصنف: (ويجوز الاستصباح بها)، أي: وضع الزيت المتنجس في المصباح من أجل أن يوقد عليه.
(145/9)
________________________________________
من شروط صحة البيع: ملكية البائع والمشتري أو من في مقامهما
قال رحمه الله: [وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه].
هذا هو الشرط الرابع لصحة البيع: فقوله: (وأن يكون من مالك)، أي: أن يصدر البيع والشراء من مالك، وهذا يشمل الثمن والمثمن البائع والمشتري، فلابد أن يقع البيع والإيجاب والقبول من شخص مالك، بمعنى: أن الشيء الذي يبيعه ملكٌ له أو مأذونٌ له بالتصرف فيه الإذن الشرعي، والإذن الشرعي يشمل: الولاية العامة، والولاية الخاصة، فالولاية الخاصة من الشخص نفسه؛ كالوكيل والوصي، والولاية العامة كالقاضي إذا باع مال السفيه ومال اليتيم ونحو ذلك.
إذاً: يُشترط في صحة البيع أن يكون من يبيع مالكاً، فيشترط أن يكون مالكاً للمال الذي يدفعه لك، أو أُذن له بدفعه والتصرف فيه، ويشترط إذا أعطاك سيارة أو أعطاك داراً أو أعطاك أرضاً أن يكون مالكاً للسيارة والدار والأرض؛ لأنه إذا باعك شيئاً لا يملكه فإنه يكون حينئذٍ قد تصرف في شيء ليس من حقه أن يتصرف فيه، فيكون إيجابه وقبوله وجوده وعدمه على حد سواء؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29]، وقوله: (بِالْبَاطِلِ) أي: بدون وجه حق، والذي يبيع مال أخيه المسلم بدون إذنه وبدون إذن من الشرع، فإنه قد باع المال بالباطل، وإذا أخذ في مقابله مالاً فقد أخذه بالباطل؛ لأنه بغير وجه حق.
وقال الله عز وجل: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]، فاعتبر رضا المالك الحقيقي، فدلَّ على أنه إذا لم يرض ولم يكن البيع منه أو بإذنه فإنه لا يصحُّ البيع، ووجوده وعدمه على حد سواء، وترجع السلعة إلى مالكها الحقيقي، فلو أن شخصاً أخذ سيارتك ليذهب بها إلى مكان فباعها، أو أجرته دارك فباع الدار، أو بعته ثمرة المزرعة فباع المزرعة، فالبيع في جميع هذه الصور باطل، وهكذا لو اغتصب مال أخيه المسلم ثم باعه فإن المال سحت، وإذا اطلع القاضي على هذا فإنه ينقض البيع ويرد المال إلى صاحبه، ويرد الأرض أو غيرها إلى مالكها الحقيقي.
وقوله: [أو من يقوم مقامه]، أي: مقام المالك، ويشمل هذا من يقوم مقامه بالوكالة، فمثلاً: إذا أذنت لشخص أن يبيع سيارتك فهو وكيل.
والوكيل ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: وكيل مطلق.
القسم الثاني: وكيل مقيد.
فالقسم الأول -وهو الوكيل المطلق- يكون مطلقاً إمّا في الثمن، وإما المثمن، وإما فيهما معاً، فمثلاً: إذا قلت لشخص: بع السيارة بمعرفتك أو بخبرتك، فقد جعلته وكيلاً مطلقاً يبيعها على حسب خبرته ونظره ومعرفته، فيكون مطلق التصرف لكن في حدود معرفته وخبرته، أو أن تقول له: بعها كيفما شئت، وبعها بما شئت، فقولك له: (بما شئت) هذا إطلاق في الثمن، أي: بأي ثمن شئت غالياً كان أو رخيصاً، وهذا يسمونه: الإذن بالثمن المطلق، أو الإذن بالبيع المطلق، وقولك له: بِعْ من مالي ما شئت، فلو باع السيارات لصحَّ البيع، ولو باع الأرض لصحَّ البيع، ولو باع الأقلام أو الكتب أو الملابس إلخ لصحَّ البيع؛ لأنك أطلقت له الإذن في المبيع، وأطلقت أيضاً في الصورة الأولى الإذن في الثمن، فإمّا أن تكون الوكالة مطلقة في الثمن، أو مطلقة في المثمن، أو فيهما معاً من البائع والمشتري.
القسم الثاني: أن تكون الوكالة مقيدة، فتقيد الثمن، كأن تقول له: بِعْ هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، فإمّا أن تقيد بمبلغ معين، أو تقيد بعرف معين، كأن تقول: بعها بسعر اليوم، فإذا قلت: بعها بسعر اليوم، فإنه لو باعها دون سعر اليوم بطل البيع، وليس من حقه أن يبيعها دون سعر اليوم، وهكذا لو قلت له: بعها بالمعروف، أي: على حسب العرف، فباعها بأقل مما يباع به مثلها، فإنه لا يصحَّ البيع.
إذاً: هذا هو الوكيل المطلق والوكيل المقيد.
كذلك أيضاً الولي يكون وصياً على يتيم، فمثلاً: رجل مات وترك ليتيمه مائة ألف، فإن اليتيم ليس له حق التصرف في ماله؛ لكن القاضي يقيم شخصاً ينظر في مصلحة هذا اليتيم، ويسمى: الولي، أو: ولي اليتيم، أو أن يكون والده قبل موته كتب وصيته أو وصى أشخاصاً وقال: فلان وصي على أيتامي، فحينئذٍ له حق النظر في أموال هؤلاء اليتامى، فيبيع ويشتري في حدود المصلحة.
هذا بالنسبة للمأذون له بالتصرف في المال، ويدخل في هذا إذا أذن السيد لعبده، فإن العبد لا يملك، وكذلك إذا أذن الولي للصبي أن يبيع بمالٍ معين أو بطريقة معينة، المهم: أن يكون البائع والمشتري مالكاً، أو يكون مأذوناً له بالتصرف بولاية عامة كالقاضي، أو بولاية خاصة كولي الأيتام ومن يقوم عليهم، أو الوصي عليهم.
(145/10)
________________________________________
حكم التصرف في ملك الغير بالبيع أو الشراء
قال رحمه الله: [فإن باع ملك غيره، أو اشترى بعين ماله بلا إذنه لم يصحّ].
قوله: (فإن باع) الفاء للتفريع، فإذا تقرر أنه يشترط أن يكون مالكاً فإنه يتفرع عليه إن باع ملك غيره لم يصحَّ البيع؛ لأن هذا المال لا يملكه، ومن هنا يكون قوله: (بعتك) لشيء لا يملكه، ولا يجوز بيع مال المسلم ولا استباحة مال المسلم بدون حق، ولذلك أجمع العلماء على أن من باع مال غيره بدون إذنه ولا رضاه ولم يرض المالك الحقيقي، فإن البيع لا يصح، وينتزع المال ويرد إلى صاحبه الأصلي، وهكذا من اغتصب أرضاً وباعها، أو اغتصب سيارة وباعها، فإن البيع فاسد، إلاّ إذا أجازه المالك الحقيقي -كما سيأتي-.
وقوله: (أو اشترى بعين ماله) ذكرنا أن البيع والشراء إمّا أن يقع على معين، أو على موصوف في الذمة.
فالمعين كأن يقول له: خذ هذه العشرة آلاف أمانة عندك إلى نهاية محرم، أو خذ هذه العشرة آلاف وأعطها إلى محمد، فحينئذٍ تكون العشرة آلاف معينة، وقد تكون في الذمة، فمثلاً: يقول له: خذ من الصندوق عشرة آلاف وأعطها محمداً، فحينئذٍ تكون موصوفة، فأي عشرة آلاف يصدق عليها؟ نقول: إذا قال له: خذ هذه العشرة، وحددها وعينها، فإن عين المال أمانة ووديعة عندك فلا يجوز أن تتصرف بعين المال هذا، بل تؤدي عين المال كما أمرت إلى صاحبه، فلو أنك تصرفت في عين هذا المال، فإنه يجب عليك أن ترجع عين المال، فلو طالبك بعين العشرة آلاف فإنك تذهب وتأخذ عين العشرة آلاف من البائع وتردها إليه، أو تعقد معه عقداً جديداً، على تفصيل عند العلماء في بيع الأعيان، ثم ترد عين المال؛ لأن عين المال لا تستحقه، وليس من حقك التصرف فيه إلاّ بإذن مالكه الحقيقي، ويدك يد أمانة فينبغي أن تحفظ المال كما هو، فلما تصرفت فيه ضمنت، وعليك أن ترد عين المضمون، ومن المعروف في قاعدة الضمان: أن من أتلف شيئاً وجب عليه ضمانه، فيضمن العين، فإذا تعذر عليه ضمان العين ذهب إلى المثل، فإذا تعذر المثل انتقل إلى القيمة، هذا هو الأصل في الضمانات، وسنتكلم عليه -إن شاء الله- في باب الضمان.
وهذا هو الذي جعل المصنف يقول: (بعين ماله).
(145/11)
________________________________________
بيع وشراء الفضولي صورته وحكمه
قال رحمه الله: [وإن اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمِّه في العقد صحَّ له بالإجازة، ولزم المشتري بعدهما ملكاً].
هذه مسألة بيع وشراء الفضولي، وهذا من دقة العلماء رحمهم الله أنهم ذكروا شرط الملكية، فهنا مسألة وهي: أن يأتي شخص ويتصرف في ملكك بدون إذنك، ثم تنظر في تصرفه فإذا به تصرف حميد وتصرف رشيد، فترضاه، فهذا يسمى بمسألة بيع الفضولي وشراء الفضولي، فمثلاً: قال لك رجل: أعطني سيارتك لأذهب بها إلى الجامعة، فلما خرج جاءه رجل وقال: بعني هذه السيارة بعشرة آلاف، فقال: بعتكها بعشرة آلاف، وتم البيع بينهما بعشرة آلاف، ولما رجع قال لك: هذه عشرة آلاف قيمة السيارة، فقلت: قد رضيت، فهذا هو بيع الفضولي.
مثال آخر: أعطيته عشرة آلاف وقلت له: ضعها في البنك، أو احفظها لي، فأخذ العشرة آلاف واشترى لك بها سيارة، وعلم أن السيارة تستحق ذلك، ورأى أن من المصلحة أن تستثمرها في السيارة، فاشتراها لك وجاءك وقال: العشرة آلاف التي أعطيتنيها قد اشتريت لك بها سيارة، فهذا هو شراء الفضولي، إذاً: فما الحكم في هذه المسألة؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله، وهي بيع الفضولي وشراؤه، والفضولي: هو الذي يبيع ويشتري بدون إذن شرعي، وهذا تعريف لبعض العلماء، فخرج بقولهم: (بدون إذن شرعي) من وكّل وكالة شرعية، أو كان وصياً شرعياً، أو كان وليّاً، فإن هؤلاء لهم إذنٌ شرعي، ويدخل في الفضولي بقولهم: (بدون إذن شرعي) بيع الغاصب، وعلى هذا فإنه إذا باع الفضولي أو اشترى فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: صحة البيع وجوازه إذا رضيه المالك الحقيقي، أي: يتوقف الأمر على المالك الحقيقي، فإذا رضي بالبيع وأقره صحَّ البيع ونفذ، وهذا هو مذهب المالكية، والشافعية في القول القديم، وهو مذهب الحنابلة في رواية قيل: إنها هي المشهورة في المذهب، وعليه فيجعلونه مذهباً للجمهور.
القول الثاني: صحة البيع دون الشراء، أي: يصحُّ بيع الفضولي دون شرائه، وهو مذهب الحنفية.
القول الثالث: عدم صحة بيع وشراء الفضولي مطلقاً، وهذا هو مذهب الشافعية.
إذاً: في هذه المسألة ثلاثة أقوال فأين محل الخلاف؟ نقول: العلماء متفقون على عدم صحة البيع إذا لم يجزه المالك الحقيقي، وكلهم متفقون على أن البيع فاسد، ويبقى الخلاف فيما إذا أجازه المالك الحقيقي فهل يصحُّ، أم لا يصح؟ ثم ينحصر الخلاف بين قول التفصيل والقول بعدم الجواز وبالجواز مطلقاً في حدود الحالات التي ذكروا جوازها، أعني: صحة البيع دون الشراء.
أما الذين قالوا: إن بيع الفضولي وشراءه صحيح إذا أجازه المالك الحقيقي، فقد استدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أعطى عروة بن أبي الجعد البارقي ديناراً يوماً من الأيام وقال له: (اشتر لنا من هذا الجلب شاة، فذهب عروة فاشترى شاتين بدينار، ثم باع إحدى الشاتين بدينار، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وشاة، فقال: يا رسول الله! هذه شاتكم وهذا ديناركم، فدعا له عليه الصلاة والسلام بالبركة، وقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه)، وهذا من باب المكافأة على المعروف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكافئ من أحسن إليه، فعندما قال له: (هذه شاتكم وهذا ديناركم)، عرف ماذا قصد، فرضي البيع وقال: (اللهم بارك له في صفقة يمينه)، فكان هذا الصحابي لو اشترى تراباً لربح فيه، لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالبركة في صفقة يمينه.
وموضع الشاهد: أن عروة رضي الله عنه باع بدون إذن واشترى بدون إذن، فاشترى الشاة الثانية بنصف الدينار، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يشتري شاة واحدة، فحينئذٍ وقع شراء فضولي، وباع الشاة الثانية التي هي بنصف دينار بدينار، فوقع بيع فضولي، فصار بيعاً وشراءً من فضولي، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم كلتا الصورتين، فدّل على صحة بيع الفضولي وشرائه إذا أقره المالك الحقيقي.
وأيضاً جاء في حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه عندما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يشتري أضحية، فاشترى للنبي صلى الله عليه وسلم أضحية وباعها بضعف قيمتها، ثم اشترى بنصف القيمة أضحية أخرى مكان التي باعها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأضحية مع المال، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا حديث رواه الترمذي، وحسنه غير واحدٍ من العلماء.
والذين قالوا بعدم صحة بيع الفضولي مطلقاً يستدلون أولاً: بالآية الكريمة: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29]، قالوا: الأصل عدم جواز بيع وشراء الإنسان لما لا يملك، وبيع الفضولي وشراؤه لما لا يملكه.
ثانياً: حديث حكيم بن حزام أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الرجل يسألني المتاع أو الشيء ليس عندي، فأبتاعه له ثم أبيعه، فقال صلى الله عليه وسلم له: لا تبع ما ليس عندك)، فنهاه أن يبيع ما ليس عنده، قالوا: والفضولي يبيع ما ليس له وما ليس عنده، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان لما لا يملك بهذا الحديث.
وأما الذين فرقوا وقالوا: يصحّ أن يبيع لك الفضولي إذا أقررته وأجزته، ولا يصحّ شراؤه مطلقاً، فاستدلوا بنفس حديث عروة البارقي.
وباختصار: حديث عروة البارقي يقول الإمام أبو حنيفة: لقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اشتر لنا)، فأذن له بالشراء، وكونه يشتري شاة أو شاتين فعنده إذن مسبق، لكن أين وقع الفضول؟ وقع في بيعه للشاة بعد شرائه، فصار الحديث حجة على جواز بيع الفضولي دون شراء الفضولي، إذاً يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (اشتر لنا من هذه الجلب شاة)، فعند عروة إذن مسبق بالشراء كقاعدة عامة، ولكن ليس عنده إذن مطلق بالبيع، بل حتى إذن خاص بالبيع، فتصرفه الفضولي الذي لا أذن فيه وقع في البيع ولم يقع في الشراء؛ لأن الشراء له إذن مسبق، وقد صح بيعه فضولاً.
وعلى هذا قالوا: يصحّ بيع الفضولي دون شرائه، ثم قالوا: من جهة العقد حينما يبيع لك الشيء أفضل مما يشتري لك؛ لأنه إذا باع لك الشيء جاءك بالقيمة، والقيمة تستطيع أن تشتري بها نفس الشيء، وتستطيع أن تعوض بما هو أفضل منه، لكن حينما يشتري لك فإنه يأتي لك -مثلاً- بالسيارة وأنت لا تريدها، أو يأتي لك بأرض لا تريدها؛ إذاً حينما يبيع لك ويعطيك النقد فإن النقد يصلح لشراء الكل.
والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- من هذه الأقوال: القول بصحة بيع الفضولي وشرائه؛ لأن حديث عروة البارقي صحيح في هذا، وقول الإمام أبي حنيفة: أنه أذن له بالشراء، محل نظر؛ لأننا نقول: إنما أذن له بالشراء مقيداً، ووقع تصرف عروة البارقي خارج المقيد، فكان فضولاً من هذا الوجه.
ومن هنا يستقيم مذهب الجمهور: أن بيع الفضولي وشراءه موقوف على إجازة المالك الحقيقي، وأنه متى أجازه حكم بصحة البيع ونفوذه.
والله تعالى أعلم.
(145/12)
________________________________________
الأسئلة
(145/13)
________________________________________
كيفية تطهير النجاسة الجامدة

السؤال
ذكرتم طريقة تطهير الزيت من النجاسة المائعة، فكيف يطهر من النجاسة الجامدة، أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالنجاسة الجامدة أهون من المائعة؛ وذلك لأن تحللها وذوبانها أيسر بكثير من المائع، والتصاقها بالغير أخف، والمائعات تنقسم إلى قسمين: فمنها ما يتجمد كالسمن، فإن السمن إذا وقعت فيه نجاسة جامدة تلقى النجاسة وما حولها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في السمن إذا وقعت فيه الفأرة وهو جامد أن تلقى وما حولها، فتأخذ ما لامس الفأرة أو ما لامس الجرم النجس الجامد وتحتاط ثم تلقيه، وبذلك يحصل التطهير؛ لأنها مستقرة في المكان ولا تتجاوزه، خاصة في حالة كون السمن جامداً.
وفي هذه الحالة يكون الجامد من الزيت ما جاور النجاسة الجامدة، فتنتزع ويصب الماء في موضعها، أو يصب في حال وجود النجاسة المائعة حتى يحاذي ما حولها، والأمر أخف بكثير من النجاسة المائعة؛ لأن الجامد يمكن نقله؛ ولكن المائع يصعب نقله إلاَّ في أحوال مخصوصة.
والله تعالى أعلم.
(145/14)
________________________________________
حكم بيع وأكل النبات المسقى بماء نجس

السؤال
ما حكم شراء وأكل النباتات التي تسقى بماء نجس، أثابكم الله؟

الجواب
ذكرنا أن النبات المتغذي بالنجس سواءً كان سماداً أو كان ماءً نجساً يسقى به، فهذا الأصل عدم جوازه، ولا يجوز أكله؛ لأنه متنجس على أصح قولي العلماء، والأطباء يذكرون أن هذا يضر بالصحة كثيراً، وينقل العدوى في كثير من الأمراض، فلو لم يحرم من جهة النجاسات لحرم من جهة الضرر؛ لأن شرط صحة البيع ألا يكون مشتملاً على الضرر، ولذلك نص العلماء على أن السم لا يجوز بيعه؛ لأنه لا منفعة فيه؛ بل فيه ضرر، فإذا كان المبيع فيه ضرر على الصحة وقرر الأطباء ذلك فإنه لا يحوز بيعه.
والله تعالى أعلم.
(145/15)
________________________________________
فضل طاعة الوالدين

السؤال
هل يجوز للوالد بيع سيارة ابنه من غير إذنه، أثابكم الله؟

الجواب
لو باع والدي لباركت بيعه ورضيته، ولا يستطيع الإنسان البار الموفق أن يقف في وجه والده، وأن يبلغ بالابن أن يسأل والده عن بيعه لسيارته، فالإنسان ينبغي عليه أن يتعاطى البر، وأن يعلم أن الخير كله بعد توحيد الله في بر الوالدين، وأنه إذا رضي الوالد ورضيت الوالدة فقد نعم عيشه وطابت حياته، وأنه يبلغ بالإنسان الخسة واللوم والدناءة ونسيان الفضل ونكران الجميل إذا أصبح يقف في وجه والده لعرض من الدنيا، والله تعالى قد يبتلى الإنسان بوالد يضيق عليه في الدنيا؛ ولكن الله يوسع عليه بهذا الضيق في الآخرة، والإنسان العاقل الحكيم يحفظ العهد، قال صلى الله عليه وسلم: (حفظ العهد من الإيمان)، ومن تذكر كم أنفق عليه والده، وكم تحمل من أجله، وكم أسدى إليه من الخير والمعروف؛ فإنه يحس أنه كالمملوك لوالده، وأنه لا يستطيع أن يجزي والده إلا بالدعاء، وأمور الدنيا أحقر وأهون من أن تقف بين الإنسان وبين رضوان الله عز وجل، وَمَنْ هذا الذي يستطيع أن يرفع وجهه في وجه أبيه ويقول له: لم بعت سيارتي؟! وقد ذكروا عن رجل أنه كان من أبر الناس بوالده، وفتح الله له من أموال الدنيا ما الله به عليم، وكان لا يشتري الصفقة بعض الأحيان بمئات الألوف إلا بإذنه، وقد يأتيه والده ويقول له: اكتب لي مزرعتك الفلانية، فلا يمكن أن يراجعه، بل يكتب له جميع ما يملك، وأصبح في رغد من العيش ونعمة ضافية، وخير كثير، مع ما حازه من رضا والده.
ومما ذكروا أن رجلاً جمع مالاً قرابة الاثني عشر ألفاً، وكان هذا المال يحتاجه لزواجه، وكان والده منهمكاً في بناء عمارة، فدخل على والده يوماً فإذا به حزيناً، فقال: ما بك يا والدي؟ فقال: فلان -الذي هو المقاول- يطالب بماله، فما كان منه إلا أن ساورته نفسه أن يعطي والده ما عنده مما يريد أن يعف به نفسه عن الحرام ويرتفق به في حياته، فتردد وتلكأ، قال: حتى وفق الله سبحانه وتعالى وشرح صدري، فقمت إلى المال وقلت: هو أهون من أن يحول بيني وبين رضوان الله عز وجل، فجاء بالمال فوضعه بين يدي والده، فحلف الوالد أن لا يأخذه، وحلف هو أن يأخذه، حتى أصر على والده وهو بنفس طيبة، فلما رأى الوالد منه ذلك بكى وسأل الله عز وجل أن يرضى عنه، وأن يفتح له أبواب الخير، قال: فقمت من عند والدي وأنا أشعر بسعادة عظيمة، ومكث قرابة أسبوع، فإذا برجل ثري في المدينة يدعو صديقه، يقول: فحضرت معه، قال: فلما جلسنا بعد أكل الطعام، اشتكى هذا الثري لصديقه وقال -وكانت عنده أموال كثيرة-: أحتاج إلى وكيل، أي: شخص أمين يتوكل عن ماله، فقال له: لا أعرف لك أكثر أمانة من هذا الرجل -الذي هو البار- فما كان منه إلا أن عينه وكيلاً على أراضيه، وكانت أيامه في بيع الأراضي والعقارات، يقول: فأول صفقة جاءتني ربحت فيها مائة وعشرين ألفاً!! فانظر (اثنا عشر ألفاً) أعطاها لوالده فردها الله عليه عشرة أضعاف! مع ما له من الرضا من الله سبحانه وتعالى، ومع ما ينتظره من حسن العاقبة؛ لأن البار يفتح الله له أبواب الخير، ومن رضوان الله على العبد أن يفتح له أبواب البر، ولا يعطى البر إلا من رضي الله عنه؛ لأن من رضي الله عنه فله الرضا، نسأل الله العظيم أن يرزقنا هذا الرضا للوالدين أحياءً وأمواتاً، فإن كمال البر لا يقتصر على الحياة، بل أصدق ما يكون البر بعد الموت؛ لأن بعض العلماء يقول: إن أصدق البر بعد الموت؛ لأنه لا أحد يعلم أنك تقدم لوالدك هذا الشيء إلا الله جل جلاله.
وقد جاء رجل إلى ابن عباس وهو يبكي فقال: لقد كنت أعق أبي عقوقاً كثيراً، فقال له: أكثر من الاستغفار له بعد موته والترحم عليه؛ فإن الله يبلغك بره بعد موته كما فاتك بره في حياته.
فالإنسان الذي يريد الخير عليه أن يبر والديه، وقد تأذن الله بالرضا لمن رضي عنه والداه، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رضي الله على من أرضى والديه)، فهو في سعادة وفي حسن عاقبة.
ولقد شهدت من العلماء والعقلاء والحكماء وأجد كلمتهم متفقة على أنهم ما وجدوا البار إلا في خير عيش، ولو كان فقيراً مرقع الثياب، فإنه يعيش في سعادة البر، وقال أحد من أثق به من العلماء رحمهم الله -وقد سمعتها من أحد كبار السن-: (والله ما رأيت باراً ساءت خاتمته).
وذلك إن كان عن إيمان وإخلاص لله جل جلاله، وإلا فالكافر قد يبر، لكن قصدنا المؤمن الذي يبر لوجه الله ومرضاته، وطاعةً لله سبحانه وتعالى.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرضى عن والدينا، وأن يرحمهم كما ربونا صغاراً، ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يسبغ شآبيب الرحمات على أمواتهم.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اجعلهم في روضة من رياض جناتك، وأحسن الخاتمة لأحيائهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(145/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [6]
للبيع علامات تدل على صحته، منها: أن يكون للبائع والمشتري يدٌ على المبيع، أو يكون لهما إذن بالتصرف فيه بالبيع والشراء، ومنها: القدرة على تسليم المبيع، ومنها: بيع ما كان معلوماً سواء بالرؤية أو بالصفة، فإن لم تتحقق هذه الأمور في البيع صار بيع غرر، وبيع الغرر هو بيع الشيء المستور العاقبة، وهو مما نهى الشرع عنه، وما ذاك إلا لأنه طريق لأكل أموال الناس بالباطل، ويفضي كذلك إلى النزاع والخصومات، وبه تنعدم الثقة بين المسلمين.
(146/1)
________________________________________
الأرض الخراجية وحكم بيعها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة: كأرض الشام ومصر والعراق بل تؤجر].
لا زال المصنف في معرض حديثه عن الشرط الرابع من شروط صحة البيع وهو شرط الملكية، وقد بيّنا أن البيع لا يصحُّ إلاّ إذا كان البائع والمشتري لهما يدٌ على المبيع، سواءً كان ثمناً أو مثمناً، أو يكون لهما إذن بالتصرف في البيع أو الشراء، وبيّنا دليل ذلك من الشرع، وموقف العلماء رحمهم الله من مسألة بيع الفضولي، ثم ختم المصنف رحمه الله بمسألة بيع المساكن في الأراضي التي تفتح في الجهاد في سبيل الله عز وجل، وقد بيّنا هذه المسألة، وهي أن الأراضي التي تفتح في الجهاد في سبيل الله عز وجل يخيّر الإمام في أمرها، وهي إمّا أن تفتح صلحاً، وإمّا أن تفتح بالقوة، فإن كانت صلحاً فتارةً يبقيها ويكون الصلح بينه وبين أهلها على إبقائها بأيديهم على أن يدفعوا الجزية والخراج للمسلمين، وكذلك في حالة العكس فإنها تكون ملكاً للمسلمين، ويكون خراجها أيضاً للمسلمين، وإذا فتحت الأرض عنوة فإن النظر فيها يكون للإمام إن شاء أبقاها خراجية بمعنى: أن يضرب عليها الخراج، وهو فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فإنه لما فتح الأمصار ضرب على الأرض الخراج، وأبقاها ينتفع بها أهلها، وينفعون المسلمين، وهذا الفعل من السنن العمرية التي أجمع المسلمون على اعتبارها والعمل بها على مرِّ القرون والعصور، وفي هذه الحالة إذا كانت الأرض خراجية فمعناها أنها وقفٌ على المسلمين، ولا يكون من يتصرف فيها مالكاً لعين الأرض، فله أن يبني، وله أن يزرع، وله أن ينتفع؛ لكنه ليس بمالك للرقبة الأصلية، فالرقبة الأصلية ملكٌ لعموم المسلمين، وكذلك يؤخذ الخراج إلى بيت مال المسلمين، وقد بيّنا وجه تقسيمه ووجه صرفه في كتاب الجهاد.
فالمصنف رحمه الله يشير هنا إلى مسألة الملكية، فإذا كنت قد علمت أنه لا يصحُّ البيع ولا الشراء إلا بشيء يملك من البائع والمشتري، فيتفرع على ذلك

السؤال
ما الحكم إذا باع إنسان أرضاً خراجية؟ فتقول: الأرض الخراجية لا يقع البيع عليها؛ لأنها وقف، والوقف لا يباع ولا يوهب، وإنما يبقى إلى الأبد مسبلاً محبوساً؛ لكن لو أنه أراد أن يبيع المساكن التي على الأرض، أو يبيع الزرع الذي على الأرض ويخلي بين الغير وبينه لكي ينتفع به فلا بأس.
فمعنى العبارة: أنه إذا خلت يد البائع عن ملكية الأرض وكانت له يد يملك بها ما على الأرض من بناء أو زرع وأراد أن يبيع في الأراضي المحبسة والموقوفة على المسلمين عامة، فإن البيع يكون على رقاب المحدثات على الأرض لا على الأرض نفسها.
وبناءً على ذلك: كان من المناسب أن تذكر هذه المسألة في شرط الملكية، فالأرض الخراجية لا تملك، وإنما هي وقفٌ مسبّل على المسلمين، وحينئذٍ يباع ما عليها مما فيه المنافع ولا تباع العين.
ويتفرع على مسألة الأرض الخراجية أن المسجد لا يباع؛ لأن المسجد أيضاً مسبّلٌ وموقوف على عموم المسلمين؛ لكن لو أن مسجداً ضاق على المصلين، أو انتقل الناس من حوله فأصبح مكانه خراباً ليس فيه أحد، ونظر القاضي فوجد الناس قد انتقلوا إلى منطقة أخرى وهم بحاجة إلى مسجد في المكان الذي انتقلوا إليه، والمكان الذي خلي من الناس وتركوه ليس فيه مصلون، أو ليسوا بحاجة إلى هذا المسجد، فرأى القاضي أن يبيعه فحينئذٍ لا يباع إلاّ بحكم القاضي؛ لأن الوقفية والتسبيل لا يمكن أن يجري عليها البيع ولا الهبة؛ لأنها ملك لله عز وجل، وشرط البيع والهبة أن يكون البائع والواهب مالكاً لما يبيع ويهب، وقد قررنا هذا، وبناءً على ذلك فإنه لا يصحُّ بيعه للمسجد ولا هبته؛ ولكن -كما قلنا- إذا نظر القاضي أن من المصلحة استبدال هذا المسجد بمسجد آخر فإنه من حقه أن يحكم ببيعه على تفصيل عند العلماء سيأتي بيانه إن شاء الله في كتاب الوقف.
(146/2)
________________________________________
حكم بيع آبار المياه وما ينبت على الأرض من الكلأ
[ولا يصحُّ بيع نقع البئر].
ليس المهم هنا أن تحفظ المثال أو تحفظ الصورة التي يذكرها المصنف، إنما المهم أن تطبق المثال على القاعدة، ولذلك في كتب الفقه حينما تطبق الأمثلة على القاعدة فإنك تفهم، حتى ولو جاءتك مسألة عصرية تستطيع أن تخرجها على هذا الأصل ولا تتقيد بالأمثلة الجامدة؛ لأن البعض قد يقرأ الفقه جامداً فيحفظ (نقع البئر)، ويحفظ (الأرض الخراجية)، دون أن يفقه السر أو العلة أو السبب الباعث على الحكم، وحينئذٍ لا يستفيد؛ لأنه إذا طرأت عليه مسألة عصرية لم يستطع تخريج ما جدَّ ونزل على ما ذكره العلماء والسلف، وعلى هذا فإن مسألة نقع البئر كمسألة الأرض الخراجية؛ والسبب في ذلك: أننا قررنا أن اليد خالية من الملكية، فمثّل رحمه الله بالأرض الخراجية؛ لأنها موقوفة على المسلمين.
فنقع البئر، والكلأ، والنار، هذه ثلاثة أشياء المسلمون فيها شركاء، للحديث الوارد في السنن: (المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ، والنار)، فجعلهم يشتركون في هذه الثلاثة أشياء، فإذا كانوا شركاء في الماء وهو (نقع البئر) وما في حكمه، فمعنى ذلك أن من أراد بيع نقع البئر فقد باع ملك غيره، كما أن من أراد أن يبيع الأرض الخراجية فقد باع ملك غيره، ووقع البيع ووقعت المعاوضة على شيء لا يملكه.
وهذا وجه إدخال مسألة نقع البئر هنا، وأصل الآبار تأتي على صورتين: فتارةً تكون على عيون جارية في الأرض تنفجر ثم تنبع من هذه العيون التي تجري في الأرض، سواءً كانت عيوناً مالحة فآبار مالحة، أو عيوناً حلوة فآبار حلوة، أو جامعة بين الاثنين فيختلط فيها العذب بالمالح لكنهما يختلطان فوق ولا يختلطان في الأسفل، كما أخبر الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان:53].
فالمقصود: أن الله سبحانه وتعالى جعل العيون الجارية تتفجر فتكون في الآبار.
وتارة يكون البئر بالجنة وهي جنة البئر، بمعنى: أن يحفر البئر بالطريقة القديمة، ويكون الماء الموجود فيه عن طريق التسرب الذي يكون في جنبات البئر لا عن طريق عين في ذات البئر، فيستوي الحكم في كلتا الحالتين، سواءً كان نقع البئر من عينٍ من الأرض فارت وصعدت، أو كان نقع البئر جنة مجموعة من أطراف البئر خاصةً في الأماكن الخصبة التي فيها ماء كثير، فإنه لا يحفر الإنسان إلى أمدٍ قريب إلاّ ويجد الماء بغزارة في الذي حفر، فسواء كانت البئر عادية منفجرة عن عين، أو كانت البئر مجتمعة من الجنة، وعلى هذا ففي كلتا الحالتين لا يصحُّ بيع نقع البئر.
ونقع البئر يكون فضلاً من الماء، فإذا كان عندك بستان وأردت أن تستقي من بئر أحدثته فأنت أحق وأولى؛ لكن لو زاد من هذا الماء زائد وفضل وجاء إنسان يريد أن يشرب منه أو يسقي دوابه أو يريد أن يأخذ منه للسفر كما يقع في الآبار التي تكون على السبل والطرق فالأمر أشد، فمنع هذا الفضل فيه وعيدٌ شديد، ولذلك أخليت الملكية عن هذا، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع نقع البئر، وفي الحديث الصحيح: أن من فعل ذلك -بمعنى أنه منع فضل مائه- فإن الله لا يكلمه يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ويقول الله له -كما في الحديث القدسي الصحيح-: (كما منعت فضل مائك اليوم أمنعك من فضلي)، ومن منعه الله من فضله فهو على هلاك، ولذلك قال العلماء: منع فضل الماء عن المحتاج إليه وعن الناس كبيرة من كبائر الذنوب، ينبغي للمسلم أن يتقيها، وأن يمكن أخاه المسلم إن احتاج إلى هذا الماء، وهكذا العشب الذي ينبت في أرضه، إذا جاء إنسان يريد أن يحتش من هذا العشب لغنمه أو لدوابه فإنه يمكنه من ذلك، وهكذا لو كانت له أرض أو كان له حوش فنبت في هذا الحوش نبت ومرعى وأراد إنسان أن يأخذ منه لبهائمه فقال له: لا تدخل الحوش، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا النبت مما يشترك فيه المسلمون، والله أنبته في أرضه وليس بيده ولا بوسعه أن ينبته، وكم من إنسان يلقي بذره ولا يجد منه شيئاً؛ لأن الله إن شاء أن تنبت الأرض أنبتت، وإن شاء ألا تنبت فإنها لا تنبت، فهي لا تنبت إلا بأمر الله وقدرته، فالله أخرج الماء وأخرج الكلأ، وكذلك الذي يحتطب من شجر الحطب فإنه يُمّكِّن الغير منه، ولو كان عند الإنسان أرض فنبت فيها السمر أو نبت فيها الشجر الذي تأكله الإبل ولو كان مما له شوك فإنه لا يجوز له أن يمنع من له إبل أن يرعى بإبله في هذا؛ لكن لو كان في هذا المكان عورة كأهله ونسائه ويخشى من دخول هذا الرجل عليه، ولا يمكنه التحفظ، فمن حقه أن يمنع مدة وجود العورة، لكن إذا وجد البديل بأن يُمَكنَه من أن يحتش بنفسه ويراقبه ويحفظ عورته فإنه يمكنه من ذلك.
والشاهد من هذا كله: أنه لا يصح بيع الإنسان لشيء لا يملكه، أو لشيء يشترك فيه معه غيره، ويأتي الغير لكي يأخذ حقه فيمنعه أو يأبى إلا أن يبيعه عليه أو يأخذ المعاوضة، فإنه لا يجوز له ذلك.
قال رحمه الله: [ولا ما ينبت في أرضه من كلأٍ وشوك].
من باب أولى إذا نبت في أرض الله الواسعة فالأمر أعظم، فإذا نبت في أرض الله الواسعة وجاء إنسان يريد أن يرعاه لغنمه أو يرعاه لإبله ودوابه أو يريد أن يحتش منه لبهائمه فإنه لا يجوز لأحد أن يمنعه؛ لأن هذا الحشيش مما يشترك فيه المسلمون بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: [ويملكه آخذه].
ويملك هذا الحشيش من احتشه، ويملك هذا النقع من الماء من استخرجه، فلو أنك استخرجت من البئر ماءً ثم أخذت هذا الماء وبعته، فلا حرج كما يجري الآن من بعض أصحاب السيارات الذين ينقلون المياه، فإنهم يتكبدون المشقة بالذهاب إلى الآبار، وكذلك استخراج المياه ودفع القيمة لمؤنة رفع هذا الماء ووضعه في خزاناتهم التي معهم، فحينئذٍ يجوز لهم البيع؛ لأنهم لما أخذوه وحازوه ملكوه، ولو أتيت إلى أرض فضاء ثم أخذت منها العشب فإنك تملكه بالحيازة، وهذا ما يسميه العلماء بملكية الحيازة، فهم مشتركون فيه، بمعنى: أن لكلٍ أن يأخذه، فإذا سبقت إليه وأخذته وحزته فإنك تملكه، لكن لو أن إنساناً سبق إليه ثم وضع سياجاً عليه وقال: أنا سبقت، وهذا لي، نقول: هذا ليس لك، إنما يكون لك إن حصلت الحيازة، فشرط الملكية الحيازة التي تكون بالحش في الحشيش، وكذلك أشجار الحطب إذا قطعها، وكذلك الماء إذا استنبطه واستخرجه، بأن أخذ الدلو فنزحه، فإذا نزحه واستنبطه واستخرجه من البئر فإنه يكون ملكاً له، فحينئذٍ يجوز له بيعه، لكن إن كان على سابلة وجاءه المحتاج الذي لا يستطيع أن يستخرج كما استخرج، والماء زائدٌ عنه فلا يجوز أن يبيعه؛ لأنه من فضل الماء في هذه الحالة، وعلى هذا فإنه يجوز للإنسان أن يبيع الماء إذا حازه، وتتخرج على هذا مسألة ماء زمزم إذا أُخذ وحازه الإنسان ملكه وجاز له أن يشربه لنفسه، وجاز أن يهبه للغير؛ لكن هل تجوز فيه المعاوضة وبيعه على الغير؟ هذا فيه تفصيل: الورع أن يبيعه بكلفة الإحضار بمعنى: أن يكون بمثابة الأجير، يقول: هذا الماء أحضره لك بعشرة ريالات على كلفة الإحضار، لا أن يبيع نفس الماء، وهذا من باب الورع؛ لأن لماء زمزم خصوصية دون غيره.
ولكن من أهل العلم من قال: إنه إذا حازه الإنسان، وكان الذين يبيعونه لا يضرون بالغير، بمعنى: أنه يمكن للغير أن يذهب بنفسه ويأخذ، وليس فيه مشاحة ولا أذية، فإنه يجوز البيع، وهذا له وجه؛ لأنهم قد ملكوه وحازوه، وتكبدوا مشقة استخراجه، ثم إن الغير يمكنه بنفسه أن يأخذ هذا الماء، فإن اختار أن يأخذه منهم فإنه له وجه أن يقال بجوازه، والورع ما ذكرناه.
(146/3)
________________________________________
تعريف بيع الغرر وأدلة تحريمه
قال رحمه الله: [وأن يكون مقدوراً على تسليمه].
الآن سيشرع المصنف في الشرط الخامس والسادس، وقبل الدخول في الشرط الخامس والسادس لصحة البيع ننبه على أن كلاً من الشرط الخامس: وهو القدرة على التسليم، والشرط السادس: وهو العلم بالمبيع بالصفة أو الرؤية أو غير ذلك مما يعرف به المبيع، كلا الشرطين يتخرج على قاعدة في الشريعة، وهي نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وكل الذي سنتكلم عليه في الشرط الخامس والسادس مفرّع على قاعدة الغرر، وبناءً على ذلك نحتاج إلى معرفة: أولاً: ما هو الغرر لغة واصطلاحاً؟ ثانياً: ما هو الدليل على تحريم بيوع الغرر، أو ما هي الأحاديث والنصوص التي وردت في تحريم هذا النوع من البيوع؟ ثالثاً: ما هي الحكمة التي يمكن أن نستفيدها من تحريم هذا النوع من البيع، أو ما هي المقاصد والمصالح التي قصد الشرع تحقيقها من تحريم هذا النوع من البيع؟ ثم بعد ذلك نشرع في شرح ما ذكره المصنف رحمه الله في هذين الشرطين.
أمّا الغرر: فأصله مأخوذ من غرَّ فلانٌ فلاناً إذا خدعه أو خاطر به.
فالغرر فيه مخاطرة، ويوصف الإنسان بكونه غرّ غيره إذا لم يمحضه النصيحة، وعلى هذا فإن هذا البيع ليس فيه نصيحة، بمعنى: أن صور البيع في الشرط الخامس والسادس عند مخالفة الشرط كلها خداعٌ وختلٌ من البائع للمشتري، أو من المشتري للبائع، أو من كل منهما للآخر.
وأمّا في الاصطلاح فإن بيع الغرر اختلفت فيه تعاريف العلماء، ومن أنسبها قول بعضهم: بيع الغرر هو بيع مستور العاقبة.
أو هو بيع الشيء المستور العاقبة، بمعنى: أن يبيعك شيئاً لا تدري أيكون، أو لا يكون، كأن يقول لك: أبيعك ثمرة بستاني السنة القادمة، فإننا لا ندري هل يخرج البستان ثمرة في العام القادم، أو لا يخرج، فهو مستور العاقبة، ثم إذا أخرج فلا ندري أيخرج سالماً أم يخرج به مرض وآفة، ثم إذا خرج به المرض والآفة فلا ندري الآفة غالبة أو السلامة غالبة، وحينئذٍ كأن البيع في هذه الأحوال فيه مخاطرة، فكأن البائع يخاطر بالمشتري.
ومثل أن يقول له: أبيعك ما تحمله هذه الناقة السنة القادمة، أو أبيعك حمل هذه الشاة الآتي، كل هذا من بيع الغرر مستور العاقبة، وفي العصر الحديث يقع بيع المستور العاقبة مثل بيع الرقم (واليانصيب): وذلك بأن يعطيه عشرة ريالات لقاء رقم لا يدري أيجد فيه شيئاً أو لا يجد ثم إذا وجد شيئاً لا يدري أيجد شيئاً غالي الثمن، أو يجد شيئاً عكس ذلك، أو يجد شيئاً مساوياً للثمن الذي دفعه، فالعاقبة مستورة، فيحتمل أن يربح ويحتمل أن يخسر، فيجعل البائع المشتري متردداً بين الأمرين، وربما أيضاً يخدع المشتري البائع فيقول له: أشتري منك هذا الكتاب بما في يدي، فلا ندري ما الذي في يده، أهو مثل قيمة الكتاب، أو هو دون، أو هو أكثر؟ فيقع التغرير من المشتري للبائع، وقد يقع منهما الاثنين، كأن يقول له: بعني شيئاً بما في يدي، فقال له: أبيعك شيئاً من أشيائي أو شيئاً من ممتلكاتي، أو أبيعك كتاباً من كتبي، فلا ندري أهذا الكتاب هو الكتاب النفيس، أو هو الكتاب الرخيص؟ فهذا كله من بيع الغرر.
ومن حكمة الله سبحانه ولطفه بعباده أنه رحمهم بهذه الشريعة، وهي شريعة الإسلام، ومن أمثلة الرحمة في شريعة الإسلام أنها لم تقتصر على العبادة بل تناولت حتى المعاملة، فأنت إذا دخلت السوق تريد أن تشتري أو تريد أن تبيع فإن الشرع يريد أن يوقفك على ثمن معلوم وعلى مثمن معلوم، ويريدك إذا دفعت المال أن تدفعه لقاء شيء أنت مطمئن وراضٍ في نفسك أن تبذل مالك لقاءه، وكذلك العكس، تبذل سلعتك لقاء هذا المال الذي يدفع لك، ويكون المال معلوماً غير مجهول، منضبطاً بما يتحقق به الأصل الشرعي في الثمن أو شروط الثمن من العلم بجنسه وقدره وعدده -على التفصيل الذي سنذكره إن شاء الله-.
فالمقصود: أن تحريم بيع الغرر إنما هو مبني على الجهالة.
كذلك أيضاً في حكم الغرر أن يقول لك: أبيعك السمك الذي في الماء، أو أبيعك الحمام الذي في الهواء، فيقول: أرأيت هذه الثلاث الحمام؟ قال: نعم، قال: هذه كانت لي وفرّت عني، وأنا أبيعك كل واحدة بعشرة، فإن أمسكتها فهي لك، أو بعير شرد من عنده أو شاة شردت فقال له: أبيعك هذه الشاة أو هذا البعير بعشرة، فهذا كله من بيع الغرر؛ لأنه يحتمل أن يمسكه فيسلم، ويحتمل أن لا يمسكه فيخسر، ففي جميع هذه الصور يكون البيع مستور العاقبة، ولا يدري العاقد أهو يسلم أو يخسر؟ وقد حرّم الله عز وجل هذا النوع من البيوع، وثبتت النصوص والأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريمه.
فأول هذه النصوص ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر)، هذا الحديث يدلُّ دلالةً واضحةً على أنه لا يجوز بيع الغرر، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (وإذا نهيتكم فانتهوا)، فقد نهانا عن بيع الغرر، فدلَّ على أنه لا يجوز للمسلم أن يتبايع ببيع الغرر، لا آخذاً ولا معطياً.
كذلك أيضاً ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (نهى عن بيع حَبَل الحَبَلَة)، وبيع حبل الحبلة يأتي على صور، منها: أن يبيعه ما في بطن الناقة، أي: حمل الناقة أو حمل الشاة؛ والسبب في هذا: أننا لا ندري هذا الانتفاخ أهو جنين، أو مرض؟ ولو كان جنيناً لا ندري أهو حيٌّ، أو ميت؟ ولو كنا نعلم عن طريق أجهزة وأمكن الآن أن يستطلع أو يستكشف أنه حي أو ميت فلا ندري أيبقى حياً إلى الولادة، أو يموت؟ ثم إنه لو بقي حياً إلى الولادة وخرج أيخرج كامل الخلقة، أو ناقص الخلقة؟ فإذاً: هذا النوع من البيوع حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع حَبَل الَحَبَلَة).
كذلك أيضاً ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه: (نهى عن بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري)، وأنت إذا تأملت نهيه -بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه- عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ما هو إلاّ خوف الغرر؛ لأن الثمرة قبل بدو الصلاح يحتمل أن تسلم فتغنم وتكون رابحاً، ويحتمل أن تتلف ولا تخرج فحينئذٍ تغرم وتكون خسراناً، وبناءً على ذلك حرّم النبي صلى الله عليه وسلم بيعها قبل بدو الصلاح، وأكد هذا بالعلة في حديث أنس الثابت في الصحيح: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك فبم تستحل أكل ماله؟!) انظر إلى هذه الجملة: (أرأيت) أي: أخبرني، (لو منع الله الثمرة عن أخيك) أي: لو بعت أخاك المسلم الثمرة قبل بدو الصلاح، فمنع الله الثمرة ولم تخرج (فبِمَ تستحل أكل ماله؟) فمعناه: أن المال سيدفع لقاء شيء غير مضمون، أو لقاء شيء لا تُعْلم عاقبته.
وثبت في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين والمعاومة)، وبيع السنين هو الموجود عند بعض الناس اليوم، وهو أن يبيعه ثمرة البستان ثلاث سنوات أو سنتين، والمعاومة: أن يبيعه ثمرة البستان عاماً أو عامين، وبيع السنين والمعاومة بيع للمجهول، وبيع لمستور العاقبة، فدخل في بيع الغرر.
كذلك أيضاً ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه نهى عن بيع ما في الضرع)، وهذا النهي عن بيع ما في الضرع مبني على الجهالة بما فيه، فلا ندري أهو سالم أو ليس بسالم؟ ثم لو خرج اللبن لا ندري أهو قليل أو كثير؟ فهو مجهول.
وقد يقول لك قائل: هذا الضرع ما دام منتفخاً فالغالب السلامة، والغالب أن فيه لبناً، تقول له: لو سلّمت لك أنه سالم وأنه لبن فهل سيخرج لبناً صحيحاً، وكم قدره هل هو كثير أو قليل؟ فلو كان كثيراً فإنه قد غبن البائع، ولو كان قليلاً فقد غبن المشتري، فإمّا أن يغبن هذا وإمّا أن يغبن هذا، وبناءً على ذلك عدل الله عز وجل بينهما -بين العاقدين- والشريعة بتفصيلاتها وأحكامها المتعلقة بالمعاملات أنصفت البائع وأنصفت المشتري، فلم تظلم هذا ولا هذا، وهكذا الشأن في المعاملات المالية وغيرها، ولذلك قال الله عز وجل: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة:279].
وكما دلّت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم هذا النوع من البيع، سواء كان مجهول العاقبة فلا ندري أيسلم أو لا يسلم؟ أو كان مجهول القدر والصفة فلا ندري أهو كامل أو ناقص؟ جاء كذلك دليل الإجماع يؤكد هذا المعنى، فقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن بيوع الغرر لا تجوز.
(146/4)
________________________________________
الحكم المستفادة من تحريم بيع الغرر
فإذا عرفنا أن دليل السنة والإجماع على تحريم هذا البيع.
يبقى السؤال الأخير: ماذا نستفيد من تحريم هذا البيع؟ أو ما هي الحكم التي يمكن أن نستفيدها من تحريم الشريعة لهذا النوع من البيوع؟
و
الجواب
إن الله عز وجل إذا أمر أو نهى فإنه الحكيم العليم الذي هو أعلم وأحكم بشرعه وأعلم بعباده، {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]، {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام:57] جل جلاله وتقدست أسماؤه وهو أحكم الحاكمين، فالله جلَّ وعلا قد ينهى عن الشيء في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وقد لا نُدرك الحِكَم؛ ولكن لا شك ولا ريب أن فيه حكمة، سواءً علم المسلم أو لم يعلم.
ومما ذكره العلماء من الحكم في سبب تحريم هذا البيع: أن بيع الغرر طريق لأكل أموال الناس بالباطل، والشريعة لا تأذن بأكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه لو أذن للناس أن يبيعوا الأشياء المجهولة، فإن معنى ذلك أن الشريعة بإجازتها لهذا النوع من البيع تفتح الباب لأكل أموال الناس بالباطل، ولو كان الريال لا قيمة له عندي فله قيمة عند الغير، فالشريعة لا تفرق بين الغني والفقير، ووضعت هذه القاعدة أنه لابد من الإنصاف في الحقوق والأموال المدفوعة وأن تكون لقاء ما دفعت دون ظلم للمشتري، وكذلك أيضاً دون ظلم للبائع إذا ظهر الشيء أكثر مما يظن به.
ومن الحِكم: أن هذا النوع من البيوع مفضٍ إلى الخصومات والنزاعات، خاصة إذا كان المال له قيمة كبيرة، فإن الله عز وجل قال: {وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128]، فالنفوس مجبولة على شحها بالمال، وقال: {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} [محمد:37]، فالأموال تعلقت بها النفوس، حتى إن الدماء سالت والأرحام قطعت والأعراض انتهكت بسبب الأموال -والعياذ بالله-، ففيها فتنة عظيمة، فإذا رأى الشخص أنه يدفع الألف والألفين والثلاثة والأربعة ثم لا يجد شيئاً فإنه ليس من السهولة أن يسكت، فلن يسكت عن هذا الذي أخذ منه، وسيقول مباشرة: قد أخذت مالي بدون حق، يقول له: بعتك، يقول: نعم اشتريت منك أظن أنه سيسلم، وتبين أنه لم يسلم، فحينئذٍ تقع بينهما الخصومة والنزاع، وإذا لم تقع الخصومة فإنه سيتربص لكي ينتقم منه كما أخذ ماله، ويبحث عن حيلة وعن طريقة لذلك، خاصة إذا كانوا تجاراً مع بعضهم فإنه ينتقم بعضهم من بعض، وتصبح أسواق المسلمين محلاً للشحناء والبغضاء، وكأن باب البيع أصبح هادماً لأصول الشريعة ومقاصدها العظيمة.
وانظر إلى حكمة الشريعة فإنها تبيح لنا الدنيا؛ ولكن بشرط ألا تفسد الدين، ومن هنا تجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض)؛ لأنه إذا باع المسلم على بيع أخيه المسلم حصلت المنفعة الدنيوية، على حساب المفسدة الدينية، وهذا من أدق ما يكون في المنهج، وأحكم وأعدل ما يكون في حكم الله عز وجل وشرعه في المعاملات المالية، فإن هذا النوع من المعاملات يفضي إلى الخصومات، ويفضي إلى أكل الأموال بالباطل، ويفضي أيضاً إلى إضرار المسلمين بعضهم ببعض.
ومن الحِكم أيضاً: أنه لو فتح هذا النوع من المعاملات المالية وهو بيع الغرر فإن هذا يفضي إلى انعدام الثقة وسلبها من النفوس، فتدخل إلى السوق وأنت لا تأمن على مالك، وكذلك لو مكّن التجار أو مكّن بعض التجار من بعض هذه المعاملات المحرمة فرأى غيرهم أنهم يربحون يتجه التجار كلهم إلى هذا النوع من المعاملات، فتدخل إلى السوق وأنت تريد شيئاً فلا تستطيع أن تصل إليه إلا بالمخاطرة، فتنعدم الثقة في التاجر، وهذا ضرر اقتصادي، فهو من نظرة اقتصادية مفسدة تضر بمعاملات الناس والتجارة نفسها، فحرص الإسلام على وجود الثقة، فالإنسان إذا جاء يريد أن يشتري الشيء يشتريه وهو على ثقة وعلى أمانة ونصيحة من أخيه المسلم، وحينئذٍ يكون هذا أدعى إلى طمأنينة الناس، وكذلك ثقتهم بالتجار، ولذلك تجد في أسواق المسلمين من الثقة والمحبة والخير ما لا تجده في أسواق غيرهم، وإذا نظرت إلى الأسواق التي تنبني على المعاملات الواضحة الخالية من الغرر تجدها أسواقاً رابحة رائجة، والناس فيها في طمأنينة وفي سعادة وفي خير كثير؛ لأن الله تكفل بهذا الخير لمن اتبع دينه وشرعه، وجعل الخير لمن عمل بهذه الأحكام التي شرعها لعباده سبحانه وتعالى، فالحمد لله على فضله ورحمته، لا نحصي ثناءً عليه سبحانه وتعالى.
(146/5)
________________________________________
من شروط صحة البيع: القدرة على تسليم المبيع
قال رحمه الله: [وأن يكون مقدوراً على تسليمه].
وهذا هو الشرط الخامس، أي: يشترط في صحة البيع أن تبيع الشيء المقدور على تسليمه، وهذا مبني على نفس الحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر)، فإذا باعه شيئاً لا يقدر على تسليمه، فإنه قد يعجز عن الإمساك به أو عن وجوده، فيكون أخذ المال حينئذٍ من أكل المال بالباطل، وقد قال الله عز وجل: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188]، وأيضاً: لو أنه باعه شيئاً غير مقدور على تسليمه فقد فوت مصلحة البيع؛ لأن مقصودك من شراء هذا الشيء أن تستفيد منه، فإذا باعك على وجه لا تتمكن من أخذه واستلامه فمعنى ذلك أنه فوت مقصودك من البيع بالكلية.
ويحرم بيع الشيء الذي لا يقدر على تسليمه بإجماع العلماء رحمهم الله، ولهذا أمثلة: فقال رحمه الله: [فلا يصحّ بيع آبقٍ وشارد].
الفاء للتفريع، وهذا مفرع على الشرط، فإذا ثبت أنه لا يصحُّ البيع لشيء لا يقدر على تسليمه، فلا يصح بيع الآبق، وهذا في العبيد والإماء فإذا شرد العبد أو شردت الأمة فإنه لا يصح بيعه وبيعها إلاّ لمن يقدر على إمساكه وإمساكها، فإذا كان قادراً على إمساكه أو الإمساك بها فإنه حينئذٍ تفوت علة التحريم، وأصبح كأنه مقدورٌ على تسليمه، لكن إذا كان الشيء لا يقدر على تسليمه فإنه لا يصح البيع ولا يجوز؛ لأنه من الغرر.
وأمّا (الشارد) فإنه يكون في الحيوانات مثل: أن يشرد البعير، أو الشاة، فإنه لا يصح بيعه؛ لأنه قد يعجز عن الإمساك به واللحوق به، وحينئذٍ يكون البائع قد أكل المال بالباطل، وهذا كمثال على الأشياء القديمة، وفي عصرنا الحاضر لو أن إنساناً باعك شيئاً لا تتمكن من إمساكه ولا تتمكن من أخذه والانتفاع به فإنه يعتبر في حكم بيع الآبق، وفي حكم بيع الشارد، ويكون أخذه للمال من باب أكل المال بالباطل، فمثلاً: لو كانت السيارة ضائعة، فقال له: يا فلان! سيارتك الضائعة أنا أشتريها منك بعشرة آلاف ريال، فإن وجدتها فأعطنيها، وإن لم تجدها فالعشرة آلاف ملك لك، فهذا لا يجوز.
وقد يقول قائل: المشتري رضي بذلك وقال: العشرة آلاف ملك لك، نقول: رضا المشتري لا عبرة به، ولذلك لو أن شخصاً استدان من شخص مائة ألف ريال وقال: أردها مائة وعشرة، وأنا راضٍ أن أدفع العشرة آلاف فوق المائة، نقول: رضاك وجوده وعدمه سواء؛ لأن هذا النوع حرمه الله عز وجل، فلو قال: أنا راضٍ بالسيارة وجدتها أو لم أجدها، نقول: هذا سفه، وإنما لم يقبل رضاه لأنه يخاطر، وإذا خاطر كأنه يتصرف في ماله تصرف غير الرشيد وهو السفيه، فيحجر عليه الشرع ويقول له: رضاك وجوده وعدمه سواء فلا عبرة به، ولا يوجب الحكم بِحلِّ هذا النوع من المعاملات المحرمة.
قال رحمه الله: [وطيرٍ في هواء].
كما قلنا أنه يقع في الحمام الذي يطير ويفر من الإنسان، فإنه لا يصح بيعه إذا كان طائراً في الهواء؛ لكن لو أمكنه أن يمسكه فإنه يصح البيع.
قال: [وسمكٍ في ماء].
فلو قال له: هذا السمك الذي في البحيرة ملكٌ لي، أبيعك منه سمكة بعشرة، لا يصح لأمرين: الأمر الأول: الجهالة.
الأمر الثاني: عدم القدرة على الإمساك به.
لكن لو كان السمك في بركة، أو مستنقع محدود، أو كان في مكان يمكن الإمساك به وأخذه فلا بأس، فمثلاً: الآن بعض باعة السمك يجعل السمك في أحواض، حتى يكون طازجاً في متناول الإنسان، فيكون حديث العهد بحياته فيكون لحمه ألذ وأطيب، ويقول: إذا أردت -مثلاً- من نوع كذا فبعشرة أو من نوع كذا فبعشرين، فهذا جائز؛ لأنه يمكنك أن تمسك به، وإن لم تستطع إمساكه فبإمكانه هو أن يمسك به، فيجوز، لماذا؟ لأن العلة القدرة على التسليم، فلما كان الذي في الحوض مقدوراً على تسليمه واستلامه جاز بيعه وصح، ولما كان أصل العلة هي عدم القدرة فإنه لا يؤثر كونه في حوض مقدور على تسليمه أو مقدور على الإمساك به.
قال رحمه الله: [ولا مغصوب من غير غاصبه أو قادرٍ على أخذه].
المغصوب مثل الشيء الضائع، فإنه لو جاء شخص وأخذ سيارتك بالقوة وغصبها منك، أو أخذ أرضك بالقوة واغتصبها منك، أو أخذ كتابك أو قلمك أو شيئاً لك بالقوة، وأنت لا تستطيع أن تأخذ هذا الشيء منه ولا أن تسترده، فلا يحلُّ لك أن تبيعه؛ لأن الخسارة والبلاء نزل بك، فلا يجوز أن تكون أنانياً شحيحاً تلقي بالبلاء على غيرك، فحينئذٍ تصبر، كما لو نزل بالإنسان مرض أو سقم فإنه يصبر على هذا البلاء، فكما أنه يُبلى في نفسه يُبلى في ماله: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:186] فيسعك الصبر، أمّا أن تحمل هذا البلاء على أخيك المسلم، ولو كان راضياً بسفهه، فإنه لا يصحُّ هذا، إلاّ إذا كان الشيء المغصوب يريد أن يشتريه مَنْ غَصبه، فلو قال الغاصب: هذه مائة ألف لقاء أرضك، فيصحّ البيع بشرط: أن تكون راضياً به، أمّا لو كنت غير راضٍ فحينئذٍ يعتبر من أكل المال بالباطل، ويعتبر ظالماً لك في أخذه وانتزاعه منك بالقوة، وأما إذا وجد شخص يقدر على أخذه من الغاصب فمثلاً: أخذ رجلٌ منك سيارة وأنت لا تستطيع أن تأخذها، وهناك رجلٌ قادر على أخذها منه، فقال لك: بعنيها وخلِّ بيني وبينه، فقلت له: أبيعكها بعشرة آلاف، صحَّ البيع وجاز؛ لأن العلة في المنع هي عدم القدرة وقد زالت، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
(146/6)
________________________________________
من شروط صحة البيع: أن يكون المبيع معلوماً بالرؤية أو الصفة
قال رحمه الله: [وأن يكون معلوماً برؤية أو صفة].
وهذا هو الشرط السادس: أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة، فإذا بعت شيئاً أو اشتريت شيئاً فلابد وأن يكون الثمن والمثمن معلوماً إمّا برؤية أو صفة، وبعبارة أوضح: ألا يكون المبيع مجهولاً جهالةً مؤثرة، فبعض الأحيان يقول لك: أبيعك شيئاً بعشرة آلاف أو بمائة، وهذه جهالةٌ كلية، فلا تدري ما هو هذا الشيء؟ أهو من الأحياء أم من الجمادات؟ أهو غالٍ أم رخيص؟ فهذه جهالة مستحكمة من جميع الوجوه، فلا تدري بجنسه، ولا نوعه، ولا صفته، ولا قدره، ولا عدده، ولا تدري ما هو هذا الشيء، فالبيع باطل ولا يجوز.
وفي حكم هذا البيع ما يوجد الآن من شراء الأرقام، فإنك تشتري رقماً لا تدري ما الذي فيه، ولربما دفعت العشرة أو المائة في رقم لا يخرج منه شيء، ففي هذه الحالة تكون الجهالة مستحكمة، وفي بعض الأحيان يكون المبيع معلوم الجنس لكن غير معلوم النوع، أو معلوم الجنس والنوع لكنه غير معلوم الصفة أو غير معلوم القدر أو غير معلوم العدد.
ومثال ما كان معلوم الجنس مجهول النوع، كأن يقول له: أبيعك بهيمة بألفٍ، فإن بهيمة الأنعام: إبل وبقر وغنم، فلا ندري أهي من الإبل أم من البقر أم من الغنم، فجهل النوع، والجهالة بعد ذلك مستتبعة، فلا ندري من أي الأنواع، ونفس النوع لا ندري أجيّدٌ هو أم رديء؟ فإذا قال له: أبيعك حيواناً، فهذه جهالة، ولو: حددّ النوع، فقال: أبيعك إبلاً بمائةٍ أو بألفٍ، لم يصح؛ لأنه وإن حددّ النوع فإن الصفة غير معلومة، والعدد غير معلوم، فهذه جهالة للصفة والعدد، ولو حدّد العدد فقال: أبيعك بعيراً واحداً، فقد علمنا الجنس وأنه من بهيمة الأنعام، وعلمنا النوع أنه إبل، وعلمنا العدد أنه بعير واحد؛ لكن جهلنا الصفة، فلا ندري ما هي صفاته؟ أهو كبير السن أم صغير السن؟ ثم أهو متصف بالصفات الجيدة أو الرديئة أو وسط بينهما؟ كذلك أيضاً قد تعلم الجنس وتعلم النوع؛ لكن لا تعلم العدد والقدر، فلو قال لك: أشتري منك بيتك بذهبٍ، فأنت هنا علمت جنس المال ونوعه الذي هو الذهب، لكنك لا تدري كم قدره؟ فلا ندري أهو مائة جنيه أو مائتين أو جنيهاً واحداً؟ فحينئذٍ لا تدري كم قدره وعدده، فهذه جهالة مؤثرة، وأياً ما كان فالجهالة مؤثرة وموجبة لفساد البيع بشرط: أن تكون جهالة موجبة للغرر؛ لأن هناك أنواعاً من الجهالات لا توجب الغرر، وقد تغتفر للضرورة، فمثلاً: حينما يقول لك: بعتك هذا البيت بعشرة آلاف ريال، وأنت تعرف كم عدد غرفه، وتعلم ما هي أوصافه، والحي الذي هو فيه، أو تكون قد دخلت البيت ورأيته؛ لكن هناك جهالة، وهي أنك لا تعلم هل أساس البيت جيد أم رديء؟ لأنه مغيب عنك، فيحتمل أن يكون الأساس منهاراً أو غير منهار، ثم إذا كان غير منهار قد يكون جيداً وقد يكون رديئاً لا يعيش ولا يبقى إلى سنوات عديدة، أو أنه يتلف بكثرة الأمطار أو بالسيول، فهذه جهالة مغتفرة للضرورة، لكن المشتري لو اكتشف أو تبيّن له أن الأساس فيه عيب، واطلع على هذا العيب فإن من حقه أن يرده، فهي تغتفر لإعمال العقد، ولكن إذا تبيّن وجود ما فيه ضرر فمن حقه أن يطالبه بضمان الأرش، أو يطالبه برد البيع وأخذ الثمن الذي دفعه.
قال رحمه الله: [فإن اشترى ما لم يره، أو رآه وجهله، أو وُصِف له بما لا يكفي سلماً لم يصح].
الجهالة ترتفع بالعلم بالشيء المبيع، وعليه فالأصل أن يكون المبيع معلوماً، ولذلك بعض العلماء يعبر عن هذا بعبارة أدق ويقول: أن يكون المبيع معلوماً، فلما يقول (معلوماً)، يحدد العلم الذي يشترط وجوده بالجنس والنوع والقدر أي: معلوم الصفات، وقصد المصنف رحمه الله أن يبين أن بيع المجهول لا يصح، فإذا اشترى ما يجهل فيه جهالة مؤثرة -ما لم يره ولم يعلم صفته- فإنه لا يصحُّ البيع، قال له مثلاً: أبيعك أرضاً في مخطط (20×20)، فإنّا لا ندري أهي في مخطط غالٍ أو رخيص؟ لا ندري أتكون في مكانٍ محمود ومرغوب أو في مكان غير محمود ولا مرغوب أو في مكان وسط بين ذلك؟ فحينئذٍ يبيعه شيئاً لم يره، ولم يوصف وصفاً تزول به الجهالة، فإذا باعه شيئاً رآه أو شيئاً وصفه له صفة تزول بها الجهالة صحَّ البيع، قال له: أبيعك أرضاً طولها كذا وعرضها كذا، في شارع كذا، تطل على كذا وكذا، حددّ أطوالها وجهاتها وصفاتها التي تزول بها الجهالة، فحينئذٍ يكون قد أزال الجهالة بالوصف، وكذلك إذا كنت تعرف أرضه أو بستانه ومزرعته، ولم يطل عهدك على وجه يتغير به البستان وقال لك: أبيعك بستاني الذي تعرفه بمائة ألف فقلت: قبلت، وأنت قد رأيت البستان من قبل صحَّ البيع؛ لأن الجهالة ارتفعت بالرؤية، وترتفع بالصفات -كما ذكرنا- فمثلاً: نمثل بأشياء موجودة الآن: كأن يقول له: أبيعك سيارة، فلا يصحُّ البيع؛ لأننا لا ندري ما نوع هذه السيارة، وكذلك لو حددّ نوعها فقال: من نوع كذا، هذا النوع من السيارات لابد أن يحدد -مثلاً- موديله والصفات التي عليه؛ لأن هذا شيء جرى العرف أن الجهالة ترتفع به، ولكنه قال: من نوع كذا، ولم يحدد صفاتها أو موديلها، فإنه لا يصحُّ البيع، ويعتبر هذا من الجهالة المفضية إلى الغرر؛ لأنك ربما ظننت أنها جديدة، فإذا به يبيعك ما كان قديماً، ولربما ظننت أنها من صنع هذه السنة، فإذا بها مصنوعة في العام الماضي أو الذي قبله، وكل ذلك من الجهالة المفضية للغرر، فلا يصح البيع، ولا يجوز على هذا الوجه الموجب للإضرار.
قال رحمه الله: [أو رآه وجهله].
(أو رآه وجهله) فإنه لا يصحُّ البيع؛ فمثلاً لو قلت له: أبيعك هذه السيارة، فرأى السيارة ولكنه لا يعلم ما بداخلها، وما هي صفاتها؟ وحتى لو يعرف نوعها فالنوع هذا ينقسم إلى أنواع فهناك الجيد وهناك الرديء، والذي له صفات عالية وصفات دون ذلك، فحينئذٍ إذا باعه على هذا الوجه لا يصحُّ؛ لكن لو باعه شيئاً يجهل المشتري حقيقته، ولم يستفصل عن حقيقته، واشترى هذا الشيء، كمن يدخل بقالة ويرى كيساً فيقول: بكم هذا الكيس؟ قال: بعشرة، قال: خذ العشرة، فإنه يلزم ويجب على المشتري إمضاء البيع؛ لأنه هو الذي قصّر وهو الذي غرّر بنفسه، فإذا كان ذلك المبيع في العرف يستحق العشرة صحَّ البيع ولزمه، لكن لو كان في العرف يستحق الخمسة وباعه عليه بعشرة حينئذٍ يكون خيار الغبن في الثمن -وسيأتي الكلام عليه-.
المقصود: أن من اشترى شيئاً يجهله، إذا كان هذا الشيء من باب التغرير -كما ذكرنا- كأن يبيعه الشيء في كيس أو يبيعه شيئاً ملفوفاً ولا يدري ما هو، فهذا قد رأى ولكنه جهل حقيقة المبيع، أو مثل (الكراتين) الموجودة الآن دون أن يكتب عليها الصفات ودون أن يبيّن ما هي نوعية هذا الصنف أو نوعية هذا المبيع، فإن البيع لا يصحُّ؛ لأن القاعدة عندنا الجهالة، وقد اشترى ما يجهله ولو أنه رآه، فكأن المصنف هنا يريد أن يقرر لك قاعدة: أن مجرد الرؤية ليس بكاف، وأن العبرة بزوال الغرر عنه، فلو قال له: أبيعك هذه السيارة وهو لا يعلم صفاتها الداخلية لم يصحّ البيع؛ لأنه وإن كان قد رأى المبيع لكنه لم يعلم حقيقته على وجه يزول به الغرر، فصار من البيوع المحرمة، لكن لو أنه باعه الشيء في كرتون أو كيس أو وعاء ومكتوب على الغلاف الصفات، أو أخرج عَيِّنَة من هذه الأشياء الموجودة في (القرطاس) أو في (الكرتون) وقال لك: من هذا النوع، ومن هذا الصنف، وهذه الصفات صحَّ البيع؛ لأنه وإن كان لم يكشف ما بداخل الكيس لكن الصفة الموجودة أمامه تتضمن ما فيه، فلو أخذه واختلف ما في الوعاء عما رآه كان له خيار الغبن؛ لأن هذا يعتبر خلاف المتفق عليه، وخلاف العقد المبرم بين الطرفين، ويعتبر من الغش إذا قصد البائع أن يغشه، وعلى هذا فإن بيع المجهول إذا أخرج له مثالاً أو أخرج صنفاً منه أو عينة -كما تسميه العامة- وقال: هذه عينته، صحَّ البيع وجاز.
قال رحمه الله: [أو وُصِف له بما لا يكفي سلماً لم يصح].
أي: إذا كان من جنس المعدودات يبين عدده، وأن يبين وزنه إن كان من جنس الموزونات، وأن يبين الكيل إذا كان من جنس المكيلات بعد بيان جنسه ونوعه وصفاته، فإذا ذكر المبيع ووصفه وصفاً معتبراً شرعاً ببيانه حتى يزول الغرر عن المشتري صحَّ البيع، وحينئذٍ يكون لك الخيار الذي يسمى بخيار الرؤية، إذاً: إذا اشتريت السلعة وقد رأيتها أمامك فلا إشكال؛ لكن لو باعك شيئاً موصوفاً في الذمة فقد التزم في ذمته أن تنطبق الصفات على الشيء الذي يعرضه عليك، فلو اختلفت الصفات عن الشيء الذي عرضه أو وصفه لك فحينئذٍ يكون من حقك أن ترد المبيع، وهذا يسميه العلماء: (خيار الرؤية)، وخيار الرؤية يقع في بيع يسمى بـ (بيع الغائب).
فقوله رحمه الله: [بما لا يكفي سلماً] هذا في بيع الأشياء الغائبة، والأشياء الغائبة هي التي ليست موجودة في مكان العقد، أو تكون موجودة في مكان العقد لكن لا يستطيع المشتري أن يعلم حقيقتها، فهذا كله من الغائب، حتى ولو كان حاضراً في مجلس العقد قد يكون غائباً؛ وذلك إذا كان مجهولاً، فعندنا مبيعٌ غائبٌ حقيقة، وعندنا مبيعٌ غائبٌ حكماً، فهو موجود لكنه في حكم الغائب، وهو الذي يكون مغلفاً أو محفوظاً في أوعية ولا تستطيع كشف ما بداخل هذه الأوعية، فحينئذٍ يكون غائباً حكماً، وحكمه أنه لا يصحُّ بيعه إلاّ أن يصفه وصفاً تزول به الجهالة وينتفي به الغرر.
(146/7)
________________________________________
حكم بيع الحمل في البطن واللبن في الضرع منفردين
قال رحمه الله: [ولا يباع حملٌ في بطن].
هذا تطبيق للشرط الذي ذكرناه، وفيه حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: (نهى عن بيع حبل الحبلة)، وفي السنن: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح)، و (المضامين): ما في بطون النوق، و (الملاقيح) قيل: إنها ما في أصلاب الفحول، وهذه السنة تدل على عدم جواز بيع الأجنة في البطون، سواء كانت في الإبل أو البقر أو الغنم، فلو قال له: أبيعك ما في بطن هذه الناقة، أو ما في بطن هذه البقرة أو ما في بطن هذه الشاة، أو أبيعك ما في بطن هذه الأمة فهذا كله من بيع المجهول، ولا يجوز، ويعتبر من بيع الغرر، ويجب في هذه الحالة رد الثمن إلى صاحبه، وإلغاء البيع، ويتوقف حتى ينتهي أمد الحمل، ثم تضع الناقة، وينظر في صفة الموضوع الذي تضعه، ويجرى العقد بعد وجوده وخروجه.
قال رحمه الله: [ولبن في ضرع، منفردين].
(ولبن في ضرع) أي: ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، وقد جاء فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: (نهى عن بيع الصوف على الظهر، واللبن في الضرع)، وهذا الحديث رواه البيهقي في سننه وقد حسنه غير واحد من العلماء رحمهم الله، وفيه عمرو القتّاب وثقه غير واحد من العلماء، حتى قال بعض أهل العلم: حديثه مما يقبل التحسين؛ لأن البخاري ذكره وسكت عليه، ولم يضعفه، ولم يذكره بجرح، وبقية رجال الحديث ثقات.
وفي الحديث النهي عن بيع ما في الضرع؛ والسبب في هذا: أن الذي في ضرع الناقة أو الشاة أو البقرة أو حتى في ضرع الآدمية مجهول لكن المرأة يجوز أن تدفع لها المال أجرة من أجل أن ترضع الولد، فلو قالت: أنا أبيع ما في ثديي من الحليب بمائة، فلا يجوز؛ لأنه لا يُدرى أقليلٌ هو أو كثير؟ ثم لا يُدرى أيخرج جيداً أم رديئاً؟ ولذلك يقول العلماء: بيع ما في الضرع من بيع المجهول.
وندرك هنا دقة المصنف رحمه الله لما يأتي بأمثلة: تارةً الضرع، وتارةً الحمل، وهذا كله من باب تطبيق القاعدة التي ذكرها في الشرط وهي: وجود الجهالة، فإن الذي في الضرع مغيب وعلمه إلى الله عز وجل ولا ندري أقليل هو أو كثير؟ لكن لو أنه حلب ما في ضرع الناقة، أو ما في ضرع البقرة أو الشاة في إناء وعرضه للبيع جاز، إذا كان معلوم القدر؛ لأنه قد زالت الجهالة وانتفى الغرر، فالعلة الجهالة.
وأما مسألة بيع لبن الآدمية إذا حلب، ففيه خلاف مشهور بين العلماء رحمهم الله، وهو هل يجوز بيع لبن الآدمية، أو لا يجوز؟ والصحيح جوازه؛ وذلك لأن الأصل جواز البيع حتى يدلَّ الدليل على منعه، وليس هنا دليل؛ ولأنه جازت الإجارة عليه فجاز البيع؛ ولأن الذين قالوا بتحريمه قاسوه على لبن الأتان -أنثى الحمار أكرمكم الله- فقالوا: الأتان محرمة الأكل، والآدمية محرمة الأكل، فيحرم بيع لبن هذه كهذه، وهذا قياسٌ مع الفارق؛ لأنه معلوم أن الحُمر لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحومها قال: (إنها رجس)، ثم إن لحوم الأتن مذهب طائفة من العلماء نجاستها، حتى إنهم قالوا: لا يجوز شرب لبن الأتان إلاّ عند الضرورة، وقد نظم بعض العلماء هذه المسألة بقوله في الضرورات المباحة لوجود الحاجة: وَلَبنُ الأُتنِ لِلسُّعَالِ وَالجلْدُ لِلرِئْمَانِ فِيْهِ جالي (ولبنُ الأتن للِسَّعالِ) أي: لعلاج من به سعال ديكي، إذا لم يوجد له دواء غيره فيجوز.
الشاهد: أن لبن الأتن محرم، لكن لبن الآدمية مباح، فحرم بيع لبن الأتان؛ لأنه محرم، وجاز بيع لبن الآدمية؛ لأنه مباح، فنقول: قياسه على لبن بهيمة الأنعام من الإبل والبقر أولى من قياسه على لبن الأتان.
وقد قاسوا قياساً آخر فقالوا: ما دمتم تقولون: إن لبن الأتان محرم نعطيكم قياساً من الآدمية نفسها، ونقول: يحرم بيع لبن المرأة كما يحرم بيع أعضائها، فكما أنه لا يجوز بيع يدها ورجلها فكذلك لا يجوز أن تبيع حليبها؛ لأن الكل من البدن.
ورُدَّ عليهم هذا القياس وقيل لهم: إن قطع الأعضاء مضرة وخروج اللبن مصلحة، فجاز بيع اللبن؛ لأن فيه المصلحة، وحرم بيع الأعضاء؛ لأن فيه مضرة، قالوا: نعطيكم شيئاً آخر، ونعطيكم سائلاً كاللبن، فإنه يحرم بيع لبن الآدمية كما يحرم بيع دموعها ورُدَّ عليهم: بأن الدموع لا منفعة فيها، واللبن فيه منفعة، فحرم بذل المال لما لا منفعة فيه؛ لأنه من أكل المال بالباطل، وجاز بيع اللبن؛ لأنه مما فيه منفعة ومصلحة للبدن.
فمن ناحية الأقيسة التي يذكرونها لم يستقم لهم قياس على تحريم بيع لبن الآدمية.
إذاً: الصحيح: أنه يجوز بيع لبن الآدمية كما تجوز الإجارة عليه، بل إن الحنفية أنفسهم الذين حرموا بيع لبن الآدمية يقيسون مسائل البيع على الإجارة، ويقيسون الإجارة على البيع؛ لأن كلاً منهما عقد معاوضة، والله تعالى يقول: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق:6] وقال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:233] فأمر الله عز وجل بكسوة المرضعة والإنفاق عليها وبذل المال لقاء الحليب الذي أخذ، فكما أنه تجوز الإجارة عليه كذلك أيضاً يجوز بيعه، وعلى هذا فإننا نفرق في مسألة اللبن التي ذكرها المصنف: وأنه إذا خرج من الضرع وعلم قدره جاز بيعه، ولا حرج ولا بأس بذلك.
وقوله: (منفردين).
أي: أن يبيعهما منفردين، وبشرط: ألاَّ يكونا قد خرجا وانفصلا عن البدن، أمّا لو خرجا وانفصلا وعلم قدرهما جاز، إذاً: عندنا شرطان: الشرط الأول: أن يبيع اللبن في ضرع الناقة أو الشاة أو البقرة منفصلاً عن الذات، أي: غير تابع للأم التي هي صاحبة اللبن.
الشرط الثاني: ألاَّ يكون قد علم قدره إذا بان وانفصل.
ففي كلتا الحالتين لا يجوز البيع.
يبقى

السؤال
لو أنه بيع اللبن مع الأم؟ فإنه يجوز؛ لأنه هنا تابع، ويجوز في التابع ما لا يجوز في الأصل، ولذلك قالوا: التابع تابع، ألا ترى ثمرة البستان إذا لم يبدو صلاحها لو بعت الرقبة والذوات -وهي النخل- جاز لك أن تبيع الثمرة تابعةً للأصل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلاً قد أبِّرت فثمرتها للبائع، إلاّ أن يشترطها المبتاع)، فأجاز البيع ورخص فيه قبل بدو الصلاح؛ لأن مرحلة التأبير -كما سيأتي إن شاء الله في مسائل النخيل- إنما هي قبل بدو الصلاح، فدلَّ هذا على جواز بيع الشيء تبعاً.
وكذلك الحمل في البطن، فلو بعت ناقة وهي عشَراء جاز البيع، لكن أن تبيع الجنين منفصلاً لا يجوز؛ لأنك إذا بعت الرقبة بما فيها فهو تابع لها، فهذا نماءٌ متصلٌ بالمبيع كما لو بعته سميناً بلحم وافر ونعمة سابغة جاز البيع، كذلك إذا بعت الناقة وولدها في بطنها؛ لكن أن تبيع ولدها منفصلاً عنها لا يجوز؛ لأنك إذا بعته كذلك تحققت الجهالة، والأصل عندنا: أن بيوع الغرر لا تجوز، وهذا يؤكد سماحة الشرع، وأن الإسلام كما أنه رحمة في تخفيف التشريع، كذلك هو رحمة في الاحتياط للمشتري في حقه، فلا يجوز للمسلم أن يأخذ مال أخيه المسلم على شيء مجهول، وكذلك لا يجوز للمسلم أن يدفع ماله على وجه لا يضمن فيه حقه.
(146/8)
________________________________________
حكم بيع المسك في فأرته
قال المصنف رحمه الله: [ولا مسك في فأرته] ذكر المصنف رحمه الله هنا مسألة المسك في الفأرة.
والفأرة: هي وعاء المسك، وتكون من الجلد نفسه، وذكر بعض أئمة اللغة: أنه سأل من يعرف المسك فقال: إن الغزال ينبت في جهة أضلاعه وعاء المسك، وهو أشبه بالثألول أو شيءٌ من هذا، فيكبر قليلاً قليلاً حتى يصل إلى حجم معين، فإذا صاد الصياد الغزال فإنه يربط هذا الموضع، ثم بعد ذلك يقصه فيجتمع ويتخثر فيه الدم، وإذا تخثر فيه الدم وضع في الشعير حتى يطيب ويزكو؛ لأنه إذا تخثر الدم يكون نتن الرائحة، فإذا وضع في الشعير استصلح على طريقة يعرفها أهل (العطارة) فبعد استصلاحه تفوح منه الرائحة الطيبة الزكية، حتى قال من وصفه بهذا الوصف: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تطيب به ما تطيبت به؛ لأن من عرف أصله وهو الدم فإنه لا يتطيب به بل ينفر منه؛ لكن (المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ) كما يقول الشاعر، فالله سبحانه وتعالى جعل في هذا الدم هذه الخاصية والرائحة، وقد تطيب به رسول الأمة صلى الله عليه وسلم.
(ولا مسكٌ) أي: أصل التقدير: (ولا يباع المسك في فأرته)، وهي وعاؤه الذي يكون فيه من جلد الغزال نفسه؛ والسبب في هذا أن المسك في الفأرة كاللبن في الضرع وكالحمل في البطن، وكأنك تنظر إلى هذه الثلاثة الأمثلة كلها تشتمل على بيع شيء مجهول داخل وعاء محفوظ، لا يمكن أن يُطّلع معه على حقيقة المبيع، فلو سألك سائل: هل يجوز بيع الأشياء داخل أوعيتها؟ تقول: فيه تفصيل: فإن كان يمكن أن يطّلع على حقيقة المبيع وهو بداخل الوعاء صحَّ البيع، كأن يباع في زجاج ويكون وصفه من داخل الزجاج ظاهراً، كأنه واضحٌ أمام المشتري، يعلم جودته ورداءته ويعلم حجمه وقدره فيصحُ البيع، أمّا لو كان داخل وعاء مصمت لا يمكن كشفه ولا معرفة حقيقته تقول: يحرم بيعه، كما يحرم بيع المسك في الفأرة، والحمل في البطن، واللبن في الضرع.
(146/9)
________________________________________
حكم بيع النوى في التمر
قال رحمه الله: [ولا نوى في تمره].
هذا المثال الرابع، أي: لا يباع النوى وهو داخل التمر؛ والسبب في هذا أن النوى والذي يسمى (بالفصي) يطحن ويكون علفاً للدواب، ويدرُّ به حليب البهيمة ويستصلح به، فهذا النوى إذا قال شخص: أبيعك نوى هذا التمر، أي: آكل التمر ثم أبيعك نواه لم يصحّ؛ والسبب في هذا أن النوى يختلف حجمه، فقد يكون كبيراً وقد يكون صغيراً، وإذا كبر الحجم عظم القدر وكان وزنه وكيله كثيراً، وعلى هذا ربما اشتريت النوى في هذا التمر ظاناً أنه من النوى الجيد فيكون من الرديء، وتظنه من الحجم الكبير فإذا به من الصغير، أو تجده يجمع بين الصغير والكبير، فالمسألة كلها تدور حول جهالة المبيع، فلا يهم أن تحفظ مسألة النوى وغيرها، إنما يذكر العلماء لك هذه الأمثلة لشيء يسمى في الفقه (بالتخريج)، والتخريج: أن تطرأ مسألة جديدة في عصرنا الحاضر وتقول: هذا الشيء الذي في وعائه ولا تُدرى صفته بيعه كبيع النوى في داخل التمر، وبيعه كبيع اللبن داخل الضرع، وكبيع الحمل داخل البطن، أي: أنك تخرّج الحاضر على الماضي، وهو الذي يسمى بتخريج الفروع.
(146/10)
________________________________________
حكم بيع الصوف على الظهر
قال رحمه الله: [ولا صوفٌ على ظهر].
بالنسبة للأمثلة السابقة تلاحظ أن الجهالة مستحكمة فانظر إلى دقة المصنف: فقد ابتدأ بالحمل فقال: (وبيع حمل في بطن)؛ لأن الجهالة هنا تجمع عدة وجوه: أولاً: تجهل هل الحمل حيٌّ أو ميت؟ ثانياً: تجهل هل هو كامل الخلقة أو ناقص الخلقة؟ ثالثاً: تجهل السلامة وهي العاقبة، فحتى ولو كان حياً الآن فلا ندري أيخرج سالماً أو غير سالم؟ فاستحكمت الجهالة من أكثر من وجه فقدّمه، وأتبعه باللبن في الضرع؛ لأنه يجهل القدر ويجهل الحال، فهذان نوعان من الجهالة، فالأول فيه ثلاثة أنواع من الجهالة، والثاني فيه نوعان من الجهالة، ثم أتبعه بالنوى داخل التمر، فإنك وإن علمت عدد النوى فإنك لا تعلم صفته: أجيّد هو أو رديء؟ فهذا نوعٌ من الجهالة، ثم جاءك بالمنكشف الذي تراه أمامك، ولكنك تجهل ما يكون من عاقبته وهو الصوف، فالصوف على ظهر البهيمة لا تدري قدره؛ لأنه إذا جُزّ تكون له حال غير حاله وهو على ظهر البهيمة، فحينئذٍ لا تدري أيجز فيكون جزه كاملاً أو جزه ناقصاً؟ ثم لا تدري أجيداً يكون أو رديئاً؛ لأنه على ظهر البهيمة ربما أطبق بعضه على بعض ولا تستطيع أن تكشفه، وهنا تكون الجهالة أيضاً من وجه، فكأن الأمثلة مرتب بعضها على بعض على حسب قوة الجهالة، والعلماء كأنهم ينبهونك على الأشياء التي اجتمعت فيها الجهالة من عدة أوجه، وما كانت الجهالة فيها من وجهين، وما كانت الجهالة فيها من وجه واحد؛ لأنه لو ذكر المصنف الأمثلة الأولى -وهي بيع اللبن في الضرع، والجنين في البطن، والنوى في التمر- وسكت ربما جاءك شخص وقال: يجوز بيع الصوف على الظهر؛ لأن المصنف إنما ذكر المغيب المجهول ولم يذكر الظاهر المجهول، فكأن المصنف من دقته يريد أن يقول لك: لا يقتصر الحال على المجهولات التي تكون في بطن الأشياء، بل إن المجهول قد يكون على ظهر الشيء ولا يجوز بيعه، كالصوف والشعر على ظهر البهيمة، كلّ ذلك مما يجهل حاله ولا يدرى عاقبته، وكما لو باعه جلدها يقول له: هذه البهيمة أبيعك جلدها بعشرة، فهذا جهل السلامة؛ لأن الجزار إذا أراد أن يفصل الجلد عن البهيمة قد يَقُدُّ الجلد، ولا ندري حتى ولو خرج الجلد سالماً أهو من الجلد الثخين فيصلح في حفظ الأشياء التي لابد أن يكون الجلد فيها ثخيناً، أو يكون من الجلد (الرهيف) والرقيق، وهذا يختلف من بهيمة إلى أخرى، فإذاً: الأمثلة مرتبة من المصنف لمعنى ومغزى.
(146/11)
________________________________________
حكم بيع الفجل قبل قلعه
قال رحمه الله: [وفجل ونحوه قبلَ قلعه].
لا يختص الأمر بالبهائم فقد يقول قائل: إن الجهالة لا توجد إلا في البهائم، فقال لك: (وفجل)، فإن الفجل -كما تعلمون- يكون في باطن الأرض، ويكون ما نبت منه على وجه الأرض الورق، وحينئذٍ أنت تريد الفجل، وهذا الفجل مغيب في الأرض، فلو باعه فجلاً داخل الأرض فإنه لا يجوز؛ لأنه لا ندري أهو من الحجم الكبير أو من الحجم الصغير؟ ولا ندري إذا قلعه أيقتلعه كاملاً أو ناقصاً؟ وعلى هذا فإنه لا يباع وهو في باطن الأرض، أمّا لو كشف وخرج على وجه الأرض وأمكن تمييزه، ومعرفة جيده من رديئه، ومعرفة قدره جاز بيعه وصحَّ.
(146/12)
________________________________________
الأسئلة
(146/13)
________________________________________
الخرص كيفيته وحكمه

السؤال
هل ما يسمى بالخرْص يُعد من الغرر، أثابكم الله؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فأول ما يقال في هذا السؤال: ما معنى الخرْص؟ الخرْص: هو الحدس والتخمين، وقد يطلق على الكذب، ومنه قوله تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} [الذاريات:10] أي: الكذابون، و (قتل) بمعنى: لُعن؛ لأن القتل يستعمل بمعنى اللعن، والخارص: هو الذي يقدّر الأشياء.
والسؤال المراد به: إذا كان عندك نخل وأراد شخص أن يشتريه منك فجاء بخارص يخرص كم في النخل لكي يشتريه ويقول لك: هذا إن اشتريته بمائة ألف فأنت رابح، وإن اشتريته بمائة وخمسين فأنت خسران، ففي هذه الحالة الخارص مهمته أن يخرص النخلة، وبناءً على الخبرة والمعرفة قد يطلع على النخلة ويقول: هذه النخلة فيها مائة صاع أو مائتين، فهذا مبني على الخبرة، والخرص له دليل شرعي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه إلى خيبر لكي يخرص النخل، كما ثبت في الصحيح في قصته مع يهود خيبر، فكان يخرص النخل، ويبين ما لليهود وما عليهم في نخل خيبر وتمر خيبر، فهذا يدل على مشروعية الخرص، وهذا من حكمة الله عز وجل ولطفه بعباده؛ لأن القاعدة: أنه (إذا تعذر اليقين يصار إلى ما يقارب اليقين)، فلما كان يتعذر أن تنزل النخلة وتحسب ما فيها أُعطي الخرص ونزل منزلة الوجود.
مثال ذلك في الزكاة: فإنه إذا بدا الصلاح في النخيل يبعث الخارص ويحدد كم في البستان من أردب أو كم فيه من أمداد أو من آصع، فيقول: هذا البستان -مثلاً- فيه مائة وسق، ففي هذه الحالة يقول لك: زكاتك كذا وكذا، فهذا التحديد يكون عند بدو الصلاح، وهو مبني على الخرص؛ لكن الشريعة أجازت ذلك؛ لوجود الحاجة، فلو قلنا لأصحاب الأموال وأصحاب البساتين الذين يحتاجون إلى الخرص لابد وأن يخرجوا التمر، فهذا فيه حرج وأنتم تعرفون أن النخل منه ما يؤكل بلحاً، ومنه ما يؤكل رطباً، ومنه ما يؤكل تمراً، ولا يمكن أن يقدر بالصاع إلا إذا كان تمراً، أما بالنسبة للبلح والرطب فهذا لا يوضع في الصاع ولا يكال عادة، إنما يكال التمر، فيعطى مجال لأهل التمر أن ينتفعوا به بسراً وزهواً الذي هو البلح، وكذلك ينتفعون به رطباً وينتفعون به تمراً، وقدم الخرص لوجود الحاجة، وهذا من عدل الله ولطفه بعباده أنه أعطى كل حالة من الحالات التي تقع فيها الحاجة والضرورة حكمها الخاص بها، فيعتبر الخرص خارجاً عن مسألة التقدير العيني؛ لأنه مبني على حالة الضرورة والحاجة.
لكن لو أن إنساناً أراد أن يبيع حباً على الأرض أو أراد أن يبيع تمراً على نخلة واحدة وهو يقول: أبيعك هذا التمر مائة صاع وقدّره بالخرص لا يصح، لكن لو قال: أبيعك ما على هذه النخلة، جاز، أما لو قال: مائة صاع أو خمسة آصع وحدد العدد بالخرص فلا يجوز؛ لأنه قد يزيد وقد ينقص، وبإمكانه أن يجني التمر ويعرف حقيقته، والقاعدة: (القدرة على اليقين تمنع من الشك)، ولهذا فرق العلماء في هذه الأحوال، إلا في مسألة المزابنة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في حديث زيد الثابت في الصحيح.
والله تعالى أعلم.
(146/14)
________________________________________
الفرق بين الغبن والغرر

السؤال
ما الفرق بين الغرر والغبن، أثابكم الله؟

الجواب
بعض العلماء يرى أن الغبن يندرج تحت الغرر، والغرر أعم من الغبن؛ لأن الغبن يكون في شيء لا يستحق قيمته، وهذا غالباً ما يكون فيه نوع منفعة وهو نوع من أنواع الغرر، ولذلك تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر ولم ينه عن الغبن، أي: ما جاء الأسلوب بالغبن؛ لأنه أخف، وإنما جاء بالتعبير بالغرر؛ لأنه أعم.
ومن الغبن: تلقي الركبان، فإن من يجلب إلى البلد السلع إذا تلقاه التجار لا يدري كم قيمة السلعة في السوق فيغبن بالقيمة، فيقع البيع من حيث هو على ظاهره صحيحاً، لكن في الحقيقة فيه غبن، ولذلك يمثل العلماء لبيوع الغبن بهذا النوع، ويجعلونه نوعاً مستقلاً ويفصلونه عن الغرر، لورود النصوص الخاصة به، فهناك فرق بين الغبن وبين الغرر.
والله تعالى أعلم.
(146/15)
________________________________________