المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء سادس


gogo
10-19-2019, 01:36 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
حكم من ترك التكبيرات في صلاة العيد عمداً

السؤال
ما الحكم إذا ترك الإمام تكبيرات العيد في الصلاة عمداً، وذلك ليعلم الناس أن التكبيرات سنة؟

الجواب
لا يفعل هذا.
بل عليه أن يصلي كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجتهد من عنده، مع أن بعض العلماء يقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يقتضي اللزوم.
فعليه أن يكبر بهذه التكبيرات، وإذا أراد أن يعلم الناس أنها سنة وليست بواجبة فليعلمهم بالكلام؛ لأن القاعدة أنه إذا كان هناك طريقان إلى تحقيق المصلحة أحدهما فيه مفسدة -وهو هنا ترك السنة- والثاني لا مفسدة فيه وجب فعل الذي لا مفسدة فيه، فإذا أمكن تعليم الناس بالقول فلماذا يذهب إلى الفعل، ويهجر سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل توقف إعلام الناس أنها سنة على ترك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فيمكنه أن يعلمهم أنها سنة بالقول، فقبل العيد في عصر آخر يوم من أيام رمضان يحدثهم عن أحكام العيدين، ويبين لهم، أما أن يأتي ويفعل ذلك على خلاف ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا، ولا أرخص له في هذا، والله تعالى أعلم.
(74/20)
________________________________________
سجود التلاوة على الدابة في السفر

السؤال
هل يجوز الانحناء في سجود التلاوة على الراحلة في السفر كما يجوز ذلك في صلاة التطوع عند الركوع والسجود؟

الجواب
من كان على الدابة في سفر وأراد أن يسجد سجود التلاوة أو سجود الشكر فإنه ينحني على أقصى ما يستطيع من الانحناء ويجعله لسجوده.
وأما إذا صلى فإنه يجعل ركوعه أرفع من سجوده، أي: يجعل انحناءه للركوع أرفع من سجوده؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فإنه يشرع للإنسان إذا سجد للتلاوة أو سجد للشكر وهو على دابته أن ينحني، ويكون انحناؤه دليلاً على سجوده، والله تعالى أعلم.
(74/21)
________________________________________
حكم من أحرم بالعمرة من غير ميقاته

السؤال
نويت العمرة من جدة، لكني لم ألبس الإحرام منها، وكنت مشغولاً ببعض الاحتياجات، وجئت إلى مكة وقضيت كل حاجاتي ومكثت في مكة يومين، وأحرمت من التنعيم، علماً بأني جاهل، فما الحكم؟

الجواب
هذه المسألة فيها تفصيل، فإن كنت في جدة ونويت العمرة ولبيت وأنت في ثيابك فإنه حينئذ ننظر، فإن كان بقاء الثياب عليك لعذر عدم وجود ما تلبسه من إزار ورداء فإنه حينئذ تسقط عنك الفدية، حتى تجد الإزار والرداء فتتجرد من مخيطك.
أما إذا بقيت بملابسك وخرجت من جدة وأنت تلبي بالعمرة، ومضيت إلى مكة وقضيت حاجياتك في ثيابك العادية مع إمكانك أن تزيلها وتلبس الإحرام فعليك الفدية فقط، وهي فدية اللبس، وذلك أن النية قد وقعت في جدة، وإحرامك من جدة إحرام صحيح، وشروعك في التلبية والذكر وغير ذلك مما يستصحب دليل على أن الشروع في هذه العبادة معتبر، فعلى هذا يكون المحظور الذي ارتكبته هو بقاؤك في الثياب، وأما الإحرام فأنت محرم، فلا يشترط في صحة انعقاد العمرة والحج أن تكون متجرداً من المخيط، بل لو أنك قلت: (لبيك) وأنت في ثيابك فقد انعقدت عمرتك، وعلى هذا يكون إخلالك في لبسك الثياب فحسب، ويلزمك حينئذ أن تفتدي فدية لبس المخيط، وكذلك يلزمك غيرها إن كنت قد ارتكبت من المحظورات، غير لبس المخيط، ويكون قدومك إلى التنعيم بالنية لاغياً؛ لأنك أدخلت نية على نية، ولا عبرة بالثانية؛ لأن العبرة بالأولى، ولا يصح إيقاع الثانية حتى تتم الأولى، لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196].
فعلى هذا -في هذه الصورة- يشترط أن تكون قد لبيت بالعمرة أو نويتها.
أما إذ لم تنو أصلاً، وكان في قلبك أن تعتمر، ولعل هذا هو مقصود قولك: (نويت العمرة من جدة)، بمعنى: أحببت أن أعتمر، وكان في نيتي أن أعتمر.
فإن مضيت ولم تلبِ، ولم تنشئ عمرةً حتى جئت مكة وقضيت حوائجك وأحرمت من التنعيم، فإنه حينئذ يلزمك دم، وذلك لتأخر إحرامك ونيتك عن جدة، فميقاتك جدة لقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ)، فأنت دون المواقيت، فكان يلزمك أن تلبي من جدة، فلما أخرت إحرامك إلى التنعيم لزمك الدم الذي هو دم الجبران، ويكون بمكة لكي تجبر هذا الفوات، ولو كنت جاهلاً فجهلك ليس بعذر، فالعلماء موجودون، وتقحمك للأحكام دون سؤال أهل العلم يلزمك بعاقبة تقصيرك، وليس الجهل عذراً في مثل هذا، والله تعالى أعلم.
(74/22)
________________________________________
صلاة راكب القطار والطائرة ونحوهما مع إسقاط بعض أركانها

السؤال
الرجل يسافر بالقطار أو بالطائرة يوماً وليلة، ولا يمكن له أن يصلي إلا بعد أن ينزل، ولا يستطيع أن يصلي إلا جالساً، فما هو الحكم في الصلوات المكتوبة؟

الجواب
من سافر في القطار واستمر سفره على هذه الصورة فإنه يصلي على الحالة التي يستطيع، لقوله سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، فالذي في استطاعته ووسعه هو الذي يكلف به، وعلى هذا فلو أنه غلب على ظنه أنه لو وقف أو ركع سيسقط ويتضرر فإنه حينئذ يجوز له أن يصلي وهو قاعد، ويستقبل جهة القبلة إن أمكنه، فإن تعذر عليه ذلك صلى إلى أقرب الجهات إليها، أو إلى أي موضع توجه إليه بوجهه، وهذا قرره العلماء رحمهم الله في مسألة الصلاة على السفينة، فإنهم قالوا: إذا خشي السقوط فإنه يصلي وهو قاعد.
والله تعالى أعلم.
(74/23)
________________________________________
حكم استخدام ماء زمزم لتنظيف الجهاز التناسلي تداوياً

السؤال
امرأة مصابة بمرض في جهازها التناسلي، فهل يجوز لها استخدام ماء زمزم في تنظيفه وتطهيره لما علمت من بركة ماء زمزم؟

الجواب
إذا شربته فإنه يكفيها، أما أن تغسل به ذلك الموضع فلا، فماء زمزم كما قال صلى الله عليه وسلم: (طعام طعم، وشفاء سقم)، ولذلك قالوا: هو في حكم الطعام، فإذا كان في حكم الطعام فلا يقصد به إزالة الأذى في الموضع، أما لو اغتسلت به عموماً ووقعت إصابة الموضع تبعاً فلا حرج، فالشيء يجوز تبعاً ولا يجوز قصداً، ولذلك يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تبعاً للنخيل، ولا يجوز أن تقصدها بعينها، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر، ففيه إثبات الجواز تبعاً وتحريمه قصداً، فهذا يدل على أنه يجوز للإنسان أن يفعل الشيء تبعاً ولا يفعله قصداً.
فإذا أرادت أن تستشفي فإنها تشرب زمزم، وماء زمزم لما شُرِبَ له، فإن شربته بنية التداوي فإن الله يشفيها، وعلى هذا يكون تداويها بشربه، أما أن تغسل الأذى وتغسل تلك المواضع فهذا أمر فيه شدة، وقد كرهه طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وظاهر قوله لـ أبي ذر في الحديث الثابت: (طعام طعم، وشفاء سقم) يدل على ذلك، فالأطعمة لا تجوز إزالة القذر والنجس بها، وقد شدد العلماء في ذلك، وقالوا: من قصد إهانة الطعام كفر -والعياذ بالله-، فلو أخذ الطعام وقصد به الامتهان لنعمة الله عز وجل والكفر بها -نسأل الله العافية- فإنه يكفر، لكن لا يعني هذا تكفير من غسل الفرج بماء زمزم، خاصة إذا قصد التداوي، ولكن نقول: إن هذا القول -خاصة على اعتبارنا زمزم في حكم الطعام لظاهر السنة في قوله: (طعام طعم) - يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يضعه على هذه المواضع لقصد غسلها أو إزالة الأذى، أما لو أراد التداوي فإنه يسعه أن يشرب، فإنه لو شرب جرى في مسالكها، وكان من الخير ما يرجى بإذن الله، والله تعالى أعلم.
(74/24)
________________________________________
المسبوق ومتابعة الإمام

السؤال
إذا فاتتني ركعة من صلاة الجماعة، وكان الإمام في التشهد الأخير، فقرأت التشهد والصلوات الإبراهيمية، فهل يجوز لي أن أقول الدعوات التي تكون بعد التشهد وقبل السلام، علماً بأنه بقي لي ركعة؟

الجواب
يختار جمع من العلماء رحمهم الله أن المسبوق إذا كان وراء الإمام أنه يفعل كفعله، وبناء على ذلك يتفرع على هذا الأصل أنك لو فاتتك -مثلاً- ركعة من صلاة المغرب، ثم قام الإمام بعد التشهد الأول وقمت معه إلى الركعة الثانية بالنسبة له فإنك ترفع يديك حذوا أذنيك أو منكبيك؛ لأن العبرة به لا بك، لأجل شعار الجماعة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فقصد المتابعة في الصورة والحال، وهذا يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فإذا انفصلت عنه فإنك في هذه الحال تكون في حكم المنفرد، فكأنهم يرون أنه في حكم المنفرد عند الانفصال، وعلى هذا فإنك إذا جلست للتشهد الأخير بالنسبة للإمام وليس بالنسبة لك فإنه يشرع أن تصاحبه، وهذا أقوى، بدليل أنك تقرأ التشهد والتشهد ليس بلازم عليك في الأصل، فدل هذا على أنك قرأت التشهد لموافقة الإمام، فمن هنا تتم التشهد إلى تمامه وكماله، والله تعالى أعلم.
(74/25)
________________________________________
محرمية الجد من جهة الأم لزوجة حفيده

السؤال
هل يجوز لجدي من جهة أمي أن ينظر إلى زوجتي؟

الجواب
الجد من جهة الأم يعتبر محرماً لزوجتك، وذلك أن جدك لأمك تعتبر أنت من أبنائه، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحسن: (إن ابني هذا سيد)، وهو جده من جهة أمه صلوات الله وسلامه عليه، والله تعالى يقول في المحرمات: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء:23]، فتحرم الزوجة على الجد، ويستوي في ذلك الجد من جهة الأب أو من جهة الأم، والذي تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث، أو جمع بين الذكور والإناث، فأبو أم الأب وأبو أبو الأب، وأبو أم الأم، كل هؤلاء يعتبرون في الحكم سواءً، وكذلك أبو الأب وأبو الأم، فكل هؤلاء يعتبرون من المحارم، ولا حرج أن يرى الزوجة، وتسافر معه؛ لأنها حليلة ابنه، وحليلة الابن محرمة على الجد مطلقاً، والله تعالى أعلم.
(74/26)
________________________________________
استقبال القبلة في صلاة التطوع على الراحلة في السفر

السؤال
هل يجب على المسافر في صلاة التطوع أن يستقبل القبلة ثم ينصرف؟

الجواب
الصحيح أنه يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام لرواية أبي داود في سننه -وقد حسنها غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم- من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام استقبل القبلة وكبر، ثم صرف دابته)، وعلى هذا لو كنت في السيارة اليوم، فإنك تستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم تصرف السيارة إلى أي وجهة تريد، كما كانوا في القديم يستقبلون القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم يصرف المصلى دابته إلى الجهة التي يذهب إليها.
لكن لو كنت راكباً، وأردت أن تكبر تكبيرة الإحرام، وكانت السيارة إلى غير القبلة، بحيث كانت القبلة عن يمينك، فانفتلت عن يمينك وكبرت ثم رجعت إلى وضعك فقد اختار بعض العلماء رحمة الله عليهم أنك إذا انحرفت من مجلسك وكبرت ثم انحرفت اختياراً بطلت صلاتك.
والسبب في هذا أنك إذا أردت أن تكبر تكبيرة الإحرام على وجهتك فإنه حينئذ يغتفر انحرافك عن القبلة؛ لأن الانحراف كان من الدابة، أما لو انفتلت بنفسك فكأن الانحراف بفعل نفسك، كما لو انحرفت عن القبلة بقصدٍ، فيفرق بين من يكبر تكبيرة الإحرام ثابتاً إلى آخر الصلاة وانحرفت به السيارة في طرقاتها، وبين من كبر ثم انحرف إلى جهته، فإنه كبر وانحرف باختياره، فبطلت صلاته كما لو انحرف عن قبلته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(74/27)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الكسوف
شرع الله سبحانه وتعالى صلاة الكسوف التجاء إليه سبحانه عند حدوث الكسوف للشمس أو للقمر، وقد حث على الدعاء والصدقة فيها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الصلاة فيها من الأحكام ما ينبغي على المسلم معرفتها إذا أداها، ولتكون على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أهم المسائل والأحكام المتعلقة بها: حكم صلاة الكسوف وصفتها، والأحوال التي لا تشرع فيها صلاة الكسوف، وغيرها من الأحكام.
(75/1)
________________________________________
أحكام صلاة الكسوف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة الكسوف].
المراد بالكسوف كسوف الشمس والقمر.
وللعلماء رحمهم الله في إطلاق الكسوف عليهما خلاف معروف، فمن أهل العلم من يقول: إن الكسوف والخسوف يطلقان على الشمس والقمر، وقد جاء بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته) قال العلماء رحمهم الله: فعبر بالكسوف عنهما، وكذلك بالخسوف وهذا هو أحد الأوجه عند أهل العلم رحمة الله عليهم.
ومن أهل العلم من يقول: إن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
وعلى هذا مصطلح أكثر الفقهاء رحمة الله عليهم، فيعبرون بالكسوف للشمس وبالخسوف للقمر، كما قال تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} [القيامة:7] {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة:8]، فعبر بالخسوف للقمر، ففهم من هذا أن الكسوف للشمس، وقد جاء في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (كسفت الشمس فصلى)، فعبر بالكسوف للشمس، قالوا: وعبّر القرآن بالخسوف في القمر، فدل على أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
وصحح غير واحد من أئمة اللغة هذا المذهب، وقال الجوهري، وكذلك ثعلب: إن الأفصح أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
وقال بعض أهل العلم: الكسوف للقمر والخسوف للشمس وقد ضعف هذا المذهب القاضي عياض رحمه الله؛ لأنه خلاف التنزيل، فإن الله عز وجل قال: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة:8]، فعبّر بالخسوف في القمر، فدل على أنه يطلق الخسوف على القمر، وعدم إطلاقه على القمر على هذا القول يخالف نص الآية، وهذا من أضعف المذاهب.
وهناك مذهب آخر يرى أن الكسوف المراد به ذهاب بعض الضوء، فتقول: كسفت الشمس وكسف القمر: إذا ذهب بعض الضوء، وتقول: خسفت الشمس إذا ذهب الضوء كله، وكذلك خسف القمر إذا ذهب الضوء كله.
وفي هذا القول جمع بين الأقوال التي سبق ذكرها، ويختاره بعض الأئمة رحمهم الله من الفقهاء واللغويين.
وقد ترجم الإمام البخاري رحمة الله عليه في الصحيح بباب: (هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟) فقدّم الكسوف وعبّر به للشمس، وأخّر الخسوف، فقال بعض العلماء: إن الإمام البخاري متردد في هذه المسألة، حيث أورد هذه الترجمة بصيغة الاستفهام التي لا جزم فيها، فكأنه متردد بين هذه الأقوال.
ومن أهل العلم من يقول: إن الإمام البخاري قصد أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر؛ لأنه بوب بقوله: (هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟)، ثم قال: وقال الله تعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة:8]، ففهم من هذا أنه يميل إلى مذهب من يقول: إن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
والمصنف حين قال: (باب صلاة الكسوف)، فإنه إن كان يرى أن الكسوف خاص بالشمس فإنه قدمه لأن الأدلة وردت في كسوف الشمس، فيكون خسوف القمر تبعاً من هذا الوجه، وإن كان يرى القول الذي يطلق الكسوف عليهما، فحينئذٍ لا إشكال في تعبيره بالكسوف.
(75/2)
________________________________________
صلاة الكسوف من صلوات الرهبة
وهذا النوع من الصلوات -أعني صلاة الكسوف- يعتبر من صلوات الرهبة، وذلك أن الله عز وجل يرسل بالآيات تخويفاً لعباده، وزجراً لهم، وتنبيهاً لهم من غفلتهم وما هم فيه من الإعراض عنه سبحانه وتعالى، فيرسل الآيات تخويفاً لعباده، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في خطبته حيث قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، لا ينخسفان ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)، فنص على أنها آيات يخوف الله عز وجل بها عباده، وذلك بما يعتريهما من الكسوف والخسوف.
فهذه الصلاة المخصوصة التي أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حال كسوف الشمس إنما هي صلاة رهبة، والمراد بذلك أن الناس تفزع إلى الله عز وجل وتفر إليه بذكره، وتقف بين يديه بأشرف المقامات وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى وهي الصلاة التي قال عليه الصلاة والسلام فيها: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة).
وهناك نوع ثانٍ من الصلوات يسمى بصلاة الرغبة، وهي صلاة الاستسقاء، فكما أن صلاة الكسوف للرهبة كذلك صلاة الاستسقاء للرغبة، ولذلك ابتدأ المصنف بصلاة الكسوف ثم أتبعها بصلاة الاستسقاء.
(75/3)
________________________________________
مناسبة تأخر باب صلاة الكسوف إلى نهاية كتاب الصلاة
وأما مناسبة باب صلاة الكسوف لما تقدم من صلاة العيدين فهي أن المصنف رحمه الله ابتدأ بالصلاة مع الجماعة وبيان صلاة الجماعة وأحكامها، ثم ثنى بما تشرع له الجماعة كل يوم، ثم شرع في بيان ما تشرع له الجماعة كل أسبوع وهي الجمعة، ثم أتبع ذلك بباب صلاة العيدين وهي الصلاة التي تشرع جماعة مرتين في العام، ولما كان الكسوف قد يقع وقد لا يقع أتبع الغالب بالنادر فقال: (باب صلاة الكسوف)، ولما كانت صلاة الاستسقاء تبعاً لصلاة الكسوف من جهة المقابلة في كونها صلاة رغبة وسؤال وحاجة لله عز وجل ختم بها باب الصلوات ثم أتبع ذلك بباب صلاة الجنائز.
(75/4)
________________________________________
الدلائل والبراهين الجلية لكسوف الشمس والقمر
في الكسوف آيات لله عز وجل أعظمها وأجلها أنه يدل على وحدانية الله سبحانه وتعالى، وذلك أن اختلال الأشياء المنتظمة يدل على وجود مؤثر وهو الله عز وجل الذي جعلها تنتظم بقدرته وتختل بقدرته، وفي هذا رد على الطبيعيين الذين يقولون: إن الحياة طبيعية، وليس هناك إله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فحينما تختل الأمور يدل اختلالها على وجود مؤثر وهو الله سبحانه وتعالى، ولذلك خلق الله الأشياء بالأضداد حتى لا ينسب الأمر إلى الطبيعة، فجعل الألوان مختلفة والأشكال مختلفة، وجعل الصفات متباينة، كما قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن} [الذاريات:49]، فجعل الأشياء أزواجاً حتى تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى؛ لأنه لو حدثت الأشياء بنفسها لحدثت على وتيرة واحدة، فلما جعلها الله متباينة الأشكال مختلفة الصور والصفات كان هذا من دلائل وحدانيته، ومن هنا نُهي المكلف عن تغيير الخلقة، فنهيت المرأة عن وصل شعرها؛ لأنك إذا رأيت المرأة بشعرها ثم رأيت امرأة بدون شعر علمت أن هناك إلهاً يخلق هذا وهذا، فنهي عن تغيير الخلقة والتعرض لها حتى يبقى عند الناس شعور بوجود من يخلق هذه الأشياء ويدبرها سبحانه وتعالى.
وأدلة القرآن تنصب على هذا، فتجد أن الله عز وجل يذكر ألوان الجبال، واختلاف الأشياء وتضادها، كالليل والنهار، والشمس والقمر، فكل شيء جعل له ضد، وهذه الضدية تشعرك بوحدانية الله عز وجل.
فإن جاء إنسان يقول: الحياة طبيعية وليس هناك إله، فإنك تفحمه وتلقمه الحجر بوجود التباين، فلو كانت الأشياء حدثت بنفسها لحدثت بوتيرة واحدة، إما على الكمال المطلق وإما على النقص المطلق، أما كون هذا يكون على النقص وهذا يكون على الكمال، وهذا يكون كماله في الحس ونقصه في المعنى، وهذا كماله في المعنى ونقصه في الحس، فكل ذلك يدل على وحدانية الله سبحانه وتعالى ووجود الخالق لوجود هذا التباين.
والكسوف من آيات الله التي فيها ردٌ على عبدة الشمس والكواكب، وذلك أنهم لما عظموا الشمس واعتقدوا أنها الإله غيبها الله سبحانه وتعالى عنهم في كل يوم؛ حتى يعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يسيرها، وهو الذي يأمرها فتأتمر، كما في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث أتيت، فتصبح طالعة من مغربها، أتدري متى ذلك يا أبا ذر؟! حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً).
فالمقصود: أن الله يغيبها حتى يكون في ذلك رد على من يعبد الشمس، فلو كانت الشمس هي الإله لبقيت، ولكنها تزول وتذهب، فإذا كانت باقية كما في بعض المناطق التي قد لا تغيب عنها الشمس إلا لحظات يسيرة فإنها تغيب بالكسوف ويذهب ضوءها بالكلية، ويظهر حينئذٍ أنها أفقر ما تكون لله عز وجل، فالقمر يكون بينها وبين الأرض فيكون الكسوف إما كلياً أو جزئياً، فيظهر حينئذٍ أنه لا إله إلا الله سبحانه وتعالى.
كما أن في الكسوف تنبيهاً للغافلين وإيقاظاً للنائمين الذين هم في بعد عن صراط الله المبين؛ لأن الإنسان إذا أصابته النعمة كفر بها إلا أن يرحمه الله برحمته، فكونه يعيش في حياة يألفها ويفاجأ في يوم من الأيام بالشمس قد ذهب ضوءها، وأصبحت لا ضوء لها فإنه قد ينتبه ويعود إلى الله عز وجل، حتى إنه في بعض الأحيان يذهب ضوءها إلى درجة يرى الناس فيها النجوم في وضح النهار، وكأنهم في ليلة من ليالي السرار، وهذا من عظمة الله سبحانه وتعالى.
فمن أبلغ ما يكون عظة في الكسوف أن يذهب ضوءها بالكلية فيكون كسوفاً كلياً، حتى إن الناس يرون النجوم، ويكون في ذلك عظة عظيمة للناس، خاصة المذنبين منهم، وفيه تثبيت لأهل الطاعة؛ لأنه يزيد من خوفهم من الله جل جلاله، ولذلك كان أكمل الموحدين وإمام المطيعين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين إذا رأى الريح أقبل وأدبر، وتغيّر وجهه صلوات الله وسلامه عليه من شدة خوفه من الله سبحانه وتعالى.
فالكسوف يزيد من خوف الخائفين، ويزيد من يقين الموقنين، ففيه نوع من السلوى لأهل الإيمان والثبات لهم على طاعة الله جل جلاله، وكذلك فيه التنبيه والعظة لمن كان بعيداً عن الله غافلاً عن طاعته جل ذكره، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده)، فهذا التخويف المقصود به دعوتهم إلى القرب من الله عز وجل، ولذلك شرع الله عز وجل هذه الصلاة التي فيها دليل على خوف العبد من الله سبحانه وتعالى، واستشعاره لعظمته وقدرته على أخذ العباد كما أخذ ضوء هذه الشمس وأذهب ضياء القمر، فإنه قادر سبحانه وتعالى على أن يذهب من دون ذلك وهم البشر.
نسأل الله العظيم أن يرحمنا برحمته.
(75/5)
________________________________________
حكم صلاة الكسوف
قال المصنف رحمه الله: [تسن جماعة وفرادى إذا كسف أحد النيرين].
قوله: (تسن) أي: صلاة الكسوف، وقد دل على هذه السنة الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ المنذري: روى حديث الكسوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر شخصاً من أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، فممن روى حديث الكسوف عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وأم المؤمنين عائشة وأسماء وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأبي بن كعب وسمرة بن جندب وقبيصة الهلالي رضي الله عنهم، وأحاديثهم في الصحيحين وكذلك في السنن، وكلها وصفت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف.
وقد وقع الكسوف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واختلف فيه: فبعض العلماء يقول: كسفت الشمس أكثر من مرة.
وقالوا: الأحاديث التي وردت اتفقت على مرة، وهي في يوم موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم.
وورد عند الزبير بن بكار بسند تكلم بعض العلماء فيه أنه كان موته في السنة العاشرة من الهجرة، ووقع ذلك في اليوم العاشر من ربيع الثاني وقام بعض الفلكيين المتأخرين بحسابه وضبطه بالعاشر من شوال من السنة العاشرة، وهذا أمر يحتاج إلى نظر؛ لأنه من الصعوبة بمكان التوصل إلى مثل هذه الأمور، إلا أن حساب الكسوف أمر ممكن، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، والإمام ابن القيم وبسطا في ذلك بسطاً يحبب الرجوع إليه في (مجموع الفتاوى) و (مفتاح دار السعادة) بينا فيه أنه يقع الحساب، ويمكن للإنسان أن يعرف متى يقع الكسوف وعدد مراته إذا كان ضابطاً لحسابه، وليس هذا من علم النجوم، ولا يعد هذا من العلم المذموم؛ لأنه تابع لمنازل القمر، ويكون الاهتداء إلى وقت الكسوف راجع إلى الخبرة والمعرفة، فهو من الاهتداء بالعلامات والأمارات، وليس من باب التنجيم الذي ذم شرعاً، وإن كان اطلاع الناس على الكسوف والخسوف لا ينبغي؛ لأنه يحدث عندهم إلفاً لهذا الأمر، ويورث ضعفاً في خشية الله تعالى والخوف منه، بخلاف ما إذا فوجئوا، والعجب أنه قد يفعل هذا بعض الناس بقصد أن يذهب الخوف عن الناس، والله عز وجل أراد أن يخوف عباده وهذا يريد أن يطمئنهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن كسوفهما: (يخوف الله بهما عباده)، ولذلك لا يجوز لأحد أن يخفف عن الناس، أو يقصد التخفيف عن الناس، أما إذا كان من باب الصنعة، أو من باب العلم والدراية بمواقيت الكسوف والإخبار عنها فهذا لا حرج فيه، والأفضل والأكمل أن لا يخبر الناس، حتى يكون أبلغ في زجرهم وعظتهم.
وقد اتُفق على وقوع الكسوف في يوم موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ذكرناه، وهناك رواية في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف بمكة)، وتُكلِّم عليها وهي ضعيفة، والمحفوظ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الكسوف بالناس في مكة.
وقوله: [تسن].
من العلماء من قال: سنة واجبة، كما يقول بعض أئمة الحنفية، وبعض أهل الحديث، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (فصلوا وادعوا)، وظاهر الأمر الوجوب، ولأن الخروج من الخوف يكون بما يقابله مما هو أشبه في اللزوم، لا بما هو مندوب إليه.
وذهب جماهير أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة: إلى أنها سنة، وإذا قام بها البعض فإنه لا إثم على الباقين.
وقوله رحمه الله: [تسن فرادى وجماعة]، أي: من السنة صلاة الكسوف، ولا بأس أن يصليها الإنسان لوحده ويصليها مع الجماعة.
ويستوي في ذلك أن يصليها في الحضر أو يصليها في السفر، فلو كنت مسافراً ورأيت خسوف القمر أو كسوف الشمس شرع لك أن تصلي، وعلى القول بأنها نافلة تصليها ولو على الدابة، بناءً على أن صلاة النافلة يجوز فعلها على الدابة، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على دابته إلا المكتوبة)، فيصلي الإنسان ولو كان في السفر، ولو صلى مع الجماعة فهو أفضل وأكمل لندائه عليه الصلاة والسلام: (الصلاة جامعة)، وكذلك يصلي بأهله، فلو أنه جمع أهله وصلى بهم شرع له ذلك، فلا حرج أن يصليها منفرداً ولا حرج أن يصليها في جماعة، سواء أوقعت جماعته مع الناس أم وقعت مع خاصته كأهله، أو كانوا رفقة في السفر فنزلوا وصلى بهم أحدهم فلا حرج في ذلك، ولكن إذا صلى لوحده لا يخطب عند من يقول بالخطبة، وسيأتي إن شاء الله بيان حكم الخطبة، وأن الصحيح أنها ليست بواجبة، وسنبين دليل عدم وجوبها إن شاء الله تعالى.
وقوله: [إذا كسف أحد النيرين] أي: يستوي في ذلك الشمس والقمر.
وهذا يدل على أن المصنف يميل إلى أن الكسوف يطلق على الشمس والقمر، وأنه لا حرج، ولذلك قال: (إذا كسف أحد النيرين) أي: إذا ذهب بعض أو كل ضوئه فإنه يسن أن تصلي، والسنة أن يكون ذلك عند بداية الكسوف، ولا ينتظر إلى تمامه وكماله، فإن الآية تكون من بداية الكسوف، فإذا رأى بداية الكسوف أو شعر ببداية الكسوف فإنه ينادي بقوله: الصلاة جامعة.
وإذا اجتمع الناس صلى بهم، ولا ينتظر تمام الكسوف أو اشتداده.
(75/6)
________________________________________
صفة صلاة الكسوف
قال المصنف رحمه الله: [ركعتين].
مذهب جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم أن صلاة الكسوف ركعتان، ولكن الخلاف بينهم فيما يكون داخل الركعتين من الركوع: فمذهب الجمهور أنه يركع ركوعين في كل ركعة.
وذهب طائفة من أصحاب الإمام الشافعي، واختاره الإمام ابن حزم: إلى جواز أن يصلي في كل ركعة ثلاثة ركوعات.
وهناك قول ثالث: بأنه يصلي أربعة ركوعات.
وهناك قول رابع: بأنه يصلي خمسة ركوعات في الركعة الواحدة.
وهناك قول خامس: بأنه يصلي ركعتين، ولكن إذا طال وقت الكسوف زاد في عدد الركوعات، فيجعل الأصل أن يركع في كل ركعة ركوعين، وإذا رأى أن الكسوف مستمر وأنه لا زال يزيد ركوعاً ثالثاً.
فهذه هي أوجه أهل العلم رحمة الله عليهم.
وأصحها وأقواها سنداً ورواية الثابت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، فهذا هو الصحيح، والذي عليه جمهور العلماء والأئمة رحمة الله على الجميع.
والسنة أن ينادى لها بقول: (الصلاة جامعة)، وينادى لها عند ابتداء الكسوف، ولا يكون لها أذان، ولا يكون لها إقامة بإجماع العلماء، أي: لا يؤذن لها أذان المكتوبة ولا يقام لها إقامة المكتوبة، وإنما ينادى لها بهذا النداء، فيجتمع الناس عند وجود هذا النداء، فإذا اجتمعوا قام الإمام وكبر، كما ذكر المصنف رحمه الله.
(75/7)
________________________________________
صفة القراءة في الركوع الأول من الركعة الأولى
قال المصنف رحمه الله: [يقرأ في الأولى جهراً بعد الفاتحة سورة طويلة].
أي: يبتدئ ويكبر، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يستعيذ، ثم يقرأ الفاتحة، ويطيل في القراءة بعد الفاتحة، والثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه حزرت قراءته نحواً من سورة البقرة في الركعة الأولى، وهذا عند العلماء على وجهين: فمن أهل العلم من يقول: يقرأ بقدر سورة البقرة في الركعة الأولى.
ويرى ذلك من السنن المطردة، وأن من صلى ينبغي أن يراعي هذا القدر، وهذا يقوله بعض أصحاب الشافعي رحمة الله عليهم، وبعض أهل الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد الإطالة، حتى ولو كان الكسوف جزئياً، لأنك لو أطلت هذه الإطالة ربما انجلت الشمس قبل أن تتم، أو قبل أن تصلي بقية الصلاة، فعلى هذا الوجه تراعي التطويل على هذه الصورة، سواء أكان الكسوف مما يخشى أن يطول أم كان دون ذلك، وهذا القول أشبه بالمتابعة للسنة.
القول الثاني: أن هذا تقديري، فيقرأ نحواً من مائة آية من البقرة في الركعة الأولى.
ومنهم من يقول: الأمر راجع إلى الإمام، فإن كان الكسوف مما يكون فيه القدر طويلاً، ويغلب على الظن الإطالة أطال إلى البقرة، وإن كان دون ذلك قصر، وهذا يرجع إلى فقه الإمام وعلمه، وكذلك فطنته في الإطالة والتقصير على حسب من وراءه من المصلين.
والقراءة في خسوف القمر جهرية وجهاً واحداً عند العلماء رحمة الله عليهم، والخلاف في كسوف الشمس هل يجهر فيه بالقراءة، أو يسر؟ فظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة، ونصت على ذلك رضي الله عنها وأرضاها.
وهذه المسألة من مشكلات المسائل عند العلماء رحمة الله عليهم، فأحاديث أثبتت أنه جهر، وأحاديث نفت الجهر وأثبتت أنها كانت سراً، فـ ابن عباس يقول: (نحواً من سورة البقرة)، وهذا يدل على أنه ما سمع قراءته، وأم المؤمنين عائشة تقول: جهر، ونصت على الجهرية، وكذلك اختلف العلماء: فمن العلماء من يقول: هي سرية، إعمالاً للأصل في أن تكون صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية، إلا ما استثني.
وقال بعض العلماء: بل هي جهرية.
وهذا القول من ناحية النصوص أقوى، ومن ناحية أصولية أقوى، فإن المثبت مقدم على النافي، مع أن ابن عباس رضي الله عنهما يحتمل أن يكون بعيداً في آخر الصفوف؛ لأن أم المؤمنين عائشة كانت أقرب الناس، وهي التي حكت قيامه لصلاة الكسوف، ولذلك يكون قربها بمكان، وعلمها بالقراءة أولى، ويظهر لها شأنه عليه الصلاة والسلام أكثر من غيرها، ولذلك يقوى قول من قال بأنه يجهر.
ولكن إن أسر إعمالاً للأحاديث كحديث ابن عباس وحديث سمرة بن جندب رضي الله عن الجميع فإنه لا حرج عليه، لكن الأقوى من ناحية النصوص أنه يجهر.
وهناك جمع ثان للعلماء يقول: إن الكسوف تعدد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فتارة جهر وتارة أسر، فيكون من خلاف التنوع لا من خلاف التضاد.
والذي عليه المحققون أن الكسوف وقع مرة واحدة في عهد النبي صلى عليه وسلم، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام رحمة الله عليه، فالكسوف لم يتعدد.
وهناك وجه ثانٍ للجمع يقول: إنه يحتمل أن عائشة رضي الله عنها قصدت بالجهر الإسماع، مثل ما فعل في صلاة الظهر، فإنه ربما كان يسمع بالآيات، فيظن أنه جهر، والواقع أنه لم يجهر عليه الصلاة والسلام.
ولكن الذي يظهر والله أعلم أن الحديث نص صريح واضح في إثبات جهريته صلوات الله وسلامه عليه بالصلاة.
(75/8)
________________________________________
صفة الركوع الأول من الركعة الأولى
قال المصنف رحمه الله: [ثم يركع طويلاً].
أي: بعد انتهاء قراءته يركع طويلاً، وهذا أصح الوجهين عند العلماء رحمة الله عليهم، ويقول بعض العلماء: إنه يقارب القراءة، للسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ركوعه قريباً من قيامه، فيطيل في ركوعه حتى يقارب القيام، أو يكون دون ذلك.
قوله: [ثم يرفع].
أي: ثم يرفع من الركوع، وهذا الركوع هو الذي تدرك به الركعة الأولى، فمن أدرك هذا الركوع فإن صلاته تامة، ولو جاء بعد رفع الإمام من هذا الركوع وأدرك الركوع الثاني فإنه يلزمه قضاء ركعة كاملة بركوعين، فهذا الركوع الأول هو الذي تدرك به الركعة الأولى؛ لأنها ركعتان، وبناء على ذلك فإن العبرة بالركعة الأولى وركوع الركعة الأولى، فإن أدرك الإمام قبل أن يرفع من ركوعه الأول من الركعة الأولى فإنه يعتبر مدركاً للصلاة كاملة، أما لو رفع الإمام وأدركه في الرفع، أو أدركه في الركوع الثاني من الركعة الأولى، فإنه يلزمه قضاء ركعة كاملة، وتكون بركوعين على نفس الصفة التي فاتته.
(75/9)
________________________________________
صفة القراءة والركوع في الركوع الثاني من الركعة الأولى
قال المصنف رحمه الله: [ثم يرفع ويسمع ويحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى].
أي: ثم يرفع بعد الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
ثم بعد ذلك يقرأ ثانية، واختلف العلماء: فقال بعضهم: يستفتح بالتعوذ، ثم بعد ذلك يشرع في القراءة.
وقال بعضهم: يشرع في القراءة مباشرة لأنه اتصال، والفصل في الركوع لا يضر، وهذا مفرع على مسألة الفصل بالركوع والسجود هل هو فصل فتشرع الاستعاذة، أو ليس بفصل فلا تشرع الاستعاذة؟ والصحيح أنه تشرع الاستعاذة، فيستعيذ لظاهر قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل:98]، فيشرع له أن يستعيذ عند ابتداء قراءته بعد رفعه من الركوع الأول من الركعة الأولى.
قوله: (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون السورة الأولى)، هذا هو هديه عليه الصلاة والسلام، فقد كان يخفف ما يلي عما قبله، ولذلك تجد النفوس أقوى في الأولى، وتقوى على الركوع الأول وعلى القيام الأول أكثر من قدرتها على ما بعده، وهذا من كمال هديه عليه الصلاة والسلام، وكذلك حسن فقهه وإمامته بالناس صلوات الله وسلامه عليه، فإن النفوس تضعف وتدركها سآمة العبادة، ولذلك جعل صدرها وأولها أشق وأطول، حتى يكون ما بعدها أخف، فترتاح النفوس، وتقوى على هذه الإطالة ولا تملها.
فبناء على هذا يشرع للإمام أن يحزر السور، وأن يحزر الآيات التي يريد قراءتها، فليست العبرة بعدد الآيات وقصر الفصل، ولكن العبرة بسلاسة القراءة؛ فإنه ربما تكون الآيات طويلة ولكنها سهلة سلسلة في قراءته، بحيث يمكنه أن يقرأها في أقصر وقت أكثر من غيرها؛ لأن هذا يرجع إلى الحروف وإلى الكلمات ومخارجها وصعوبة قراءتها، فلذلك يختار من المقاطع ويرتبها حتى يكون ذلك أدعى لإصابته للسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون قيامه الثاني دون قيامه الأول.
قال المصنف رحمه الله: [ثم يركع فيطيل وهو دون الأول].
هذا هو الركوع الثاني من الركعة الأولى، ولكنه دون الركوع الأول، والصحيح أن هذين الركوعين يشرع فيهما الإطالة، خلافاً لمن قال من أصحاب الإمام الشافعي رحمة الله على الجميع: إنه لا يشرع أن يطيل.
والسنة تدل على الإطالة فيه، ففي الحديث: (فأطال)، وفي رواية: (ركع فلم يكد يرفع) من طول ركوعه عليه الصلاة والسلام، وهذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
فعلى العموم فإن السنة أن يطيل في ركوعه الثاني، ولكن يكون دون الركوع الأول.
قال رحمه الله تعالى: [ثم يرفع].
يرفع من ركوعه الثاني في الركعة الأولى، ثم إذا رفع لا يطوّل، فإذا رفع من الركوع الثاني من الركعة الأولى يكون قيامه كالمعتاد، فيقول مثلاً: (ربنا ولك الحمد)، وإن شاء أن يصيب السنة قال: (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ... ) إلى آخر هذا الدعاء، أو يقول: (حمداً كثيراً طيباً، مباركاً فيه)، ثم يسجد.
(75/10)
________________________________________
صفة السجود في الركعة الأولى
قال المصنف رحمه الله: [ثم يسجد سجدتين طويلتين].
هاتان السجدتان تابعتان للركعة الأولى، وهاتان السجدتان يشرع فيهما الإطالة كالركوع، وذهب بعض العلماء رحمة الله عليهم إلى أنه يخفف السجدتين.
والصحيح أنه يطوّل السجدتين، وتكون على الصفة التي تقدمت، فيطيل السجود الأول ويخفف السجود الثاني للهدي الذي ذكرناه عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقصيره فيما يكون مرتباً على الولاء؛ حتى يكون ذلك أدعى لدفع السآمة عن الناس والملل من طول العبادة.
وأما مشروعية التطويل بين السجدتين ففيه وجهان للعلماء: فمن أهل العلم من قال: لا يطول، بل يقتصر على المعتاد، فيقول الأذكار: (اللهم اهدني وارحمني وعافني وارفعني وانفعني واجبرني ... ) إلى آخر الدعاء المعروف.
ومنهم من يقول: بل يطوّل ويكثر من ذكر الله عز وجل، وقد جاء حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وأرضاهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أطال بين السجدتين)، ولكن هذه الرواية في السنن فيها عطاء بن السائب، وفيه كلام، ولذلك يقول بعض العلماء: إنه لا يطيل فيهما.
وإن كان الذي صححه غير واحد من الأئمة أنه يشرع له أن يطوّل ويثني على الله عز وجل بما هو أهله.
(75/11)
________________________________________
صفة الركعة الثانية مع التشهد والتسليم من صلاة الكسوف
قال المصنف رحمه الله: [ثم يصلي الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعل ثم يتشهد ويسلم].
قوله: (ثم يصلي الثانية كالأولى) أي: كصفة الأولى، وقوله: (ولكن دونها في كلٍّ) في الطول، فيكون قيامه الأول من الركعة الثانية دون قيامه الأول من الركعة الأولى، ويكون قيامه الثاني من الركعة الثانية دون قيامه الثاني من الركعة الأولى، فهذا هو الهدي الوارد عنه عليه الصلاة والسلام في صفة صلاته في الكسوف، وهو ثابت في حديث أم المؤمنين عائشة، وحديث عبد الله بن عباس وغيرهما رضي الله عن الجميع.
قوله: [ثم يتشهد ويسلم].
في صفة التشهد عند زوال الكسوف خلاف بين العلماء: فقال بعض العلماء: إن كانت الشمس قد تجلت وانكشفت فإنه يخفف التشهد؛ لأنه زال السبب والموجب فيخففه.
وقال بعض العلماء: يتشهد على ما هو معتاد له ولا يتجوّز.
(75/12)
________________________________________
تأثر طول الصلاة وقصرها بانجلاء الكسوف
قال المصنف رحمه الله: [فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة].
إذا تجلت أثناء الركعة الثانية، أو بعد قيامه من الركوع الأول من الركعة الثانية فللعلماء في تتمة صلاته حينئذٍ وجهان: فمنهم من يقول: إن العبرة بالابتداء، ويتم الصلاة على الصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخفف.
ومنهم من يقول: بل يخفف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، فلما قال: (حتى ينكشف ما بكم) دلّ على أن الصلاة ينبغي أن تتأقت بالانكشاف، وعلى هذا فالوجه الثاني هو الأقوى، فيخفف إذا تجلت الشمس وتبين أن الكسوف أو الخسوف قد زال، فإنه حينئذٍ يخفف ما بقي من الركعات والسجدات ويصلي كصلاته المعتادة، وهذا هو اختيار جمع من العلماء -كما ذكرنا- لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).
(75/13)
________________________________________
اشتراك الشمس والقمر في صفة الصلاة
ذكرنا صفة صلاة الكسوف، وهذه الصفة هي مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث رحمة الله على الجميع، فصلاة الكسوف تصلى على هذه الصفة الواردة في الأحاديث الصحيحة، وهي أحاديث من سمينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.
وذهب الإمام أبو حنيفة وبعض المالكية إلى أنه يصلي ركعتين كالصلاة المعتادة، ولا تكون لها جماعة، بمعنى أنه يصلي ركعتين دون أن يجمّع، وهذا في صلاة خسوف القمر، فكل إنسان يصلي على حدة، ولا يلزم أن يجتمع الناس، فهذا هو مذهبهم.
والصحيح مذهب من ذكرنا، فيشرع أن يصليها مع الجماعة، وتصلى بهذه الصفة الواردة، ويشمل ذلك صلاة الكسوف وصلاة الخسوف لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
أما صلاة الخسوف فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم هذا فصلوا وادعوا)، فشرّك بين الكسوف والخسوف، فجعل كسوف الشمس وكسوف القمر كلاهما يشتركان في قوله: (فصلوا)، فدل على أن حكمهما واحد، وأنه كما يصلى الكسوف بالصفة التي ذكرناها جماعة يشرع له أن يصلي الخسوف بالصفة التي ذكرناها جماعة، ولذلك يعتبر مذهب الحنفية وبعض المالكية رحمة الله عليهم مرجوحاً من هذا الوجه.
(75/14)
________________________________________
الأحوال التي لا تشرع فيها صلاة الكسوف
قال رحمه الله تعالى: [وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت والقمر خاسف، أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل].
في مثل هذه الحالات قال الإمام النووي وغيره من الأئمة رحمة الله عليهم: لا يصلي؛ لأنها إذا غابت يكون قد ذهب سلطانها.
والسنة تقوي هذا القول؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، وإذا غابت فقد ذهب سلطانها، وكذلك أيضاً إذا طلعت الشمس والقمر قد خسف فلا تصلى صلاة الخسوف، والعبرة بالشمس لا بالقمر.
قال رحمه الله تعالى: [أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل].
قوله: (أو كانت) أي: وقعت وحصلت، وقوله: (آية غير الزلزلة) الآيات مثل الصواعق والرياح الشديدة والزلازل، فإنها تنتاب الناس فجأة، فتارة تهب عليهم الرياح وهم لا يشعرون، أو تأتيهم الصواعق في أثناء نزول المطر فيباغتون بها، فإذا وقعت بشكل يزعج منه ويخاف منه يفر إلى الصلاة، وللعلماء رحمة الله عليهم في الصلاة عند الآيات غير الكسوف وجهان: فمن أهل العلم من يقول: يشرع أن يصلي صلاة الكسوف في كل آية فيها خوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا)، فجعل الصلاة مرتبة على الخوف، قالوا: فكل شيء فيه خوف يشرع أن يصلى له صلاة الكسوف، كما لو كثرت الصواعق، أو أصبحت الرعود قوية جداً بحيث تزعج وتحدث الرهبة والخوف عند الناس، أو كانت في منتصف الليل والناس على ضجعة فجاءتهم على شكل مفزع، فحينئذٍ يشرع أن يصلوا صلاة الكسوف.
ويختار هذا القول بعض الأئمة، ويميل إليه الإمام ابن حزم الظاهري رحمة الله على الجميع.
ومن أهل العلم من قال: لا يشرع أن تصلى صلاة الكسوف إلا فيما ورد فيه النص من كسوف الشمس وخسوف القمر، أما كسوف الشمس فلفعله عليه الصلاة والسلام، وأما خسوف القمر فلقوله: (فإذا رأيتم هذا فصلوا وادعوا)، فشرّك بينهما.
والصحيح أن هذه الصلاة لا تشرع إلا في الكسوف والخسوف، والزلزلة لا يصلى فيها؛ لأن الأثر عن علي رضي الله عنه ضعيف، فالقول بجواز الصلاة للزلزلة ضعيف، إلا أنه يجوز أن يصلي الناس صلاة عامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة أنه: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، فلو أن الرعود أو الصواعق أصابت الناس أو حدثت الزلزلة فكل إنسان يصلي ويفزع إلى الله عز وجل بالصلاة.
(75/15)
________________________________________
الأمور المشروعة مع الصلاة عند الكسوف والخسوف
وكما تشرع الصلاة عند الكسوف والخسوف فهناك أمور أخرى تشرع أيضاً، فيشرع للإنسان إذا وقع الكسوف أن يكثر من الصدقات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فصلوا وادعوا) -وفي رواية: (وتصدقوا-)، ولأن الصدقة تطفئ غضب الرب، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار)، فإذا كانت الصدقة تطفئ غضب الرب، وحدوث هذه الآيات بهذه الصفة من غضب الله على عباده بسبب الذنوب وما يكون من المعاصي، فيشرع أن يتصدق الناس لكي يكون ذلك سبباً في رحمة الله بهم، قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43]، فقوله تعالى: (فلولا) أي: فهلا.
فهي بمثابة الحث، أي: فهلا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا.
فالمشروع أن يتضرع الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى ويتقرب إليه بالصدقة، ولذلك نص بعض أهل العلم رحمة الله عليهم على أنه لا حرج إذا نزلت بالإنسان مصيبة أو ملمة أو كربة أن يتصدق، فإن هذا مشروع لقوله عليه الصلاة والسلام: (فصلوا وادعوا وتصدقوا)، وقوله في الصحيح: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب)، ولما كانت المصائب من غضب الله على العبد، أو من وجود الذنوب من العبد فإنه يشرع أن يطفئ غضب الله عز وجل عليه وسخطه ومقته بالصدقة، وهذا من أفضل ما يرجى، وقد يتصدق على أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، فيكون سبباً في رحمة الله عز وجل به.
فيشرع أن يتصدق عند حصول مثل هذه الكوارث والمصائب، ولا يعتبر هذا من النفاق، فبعض العوام يظن أنه إذا نزل البلاء لا يتقرب بكثرة الصلاة، حتى إن بعضهم ربما يتعجب، أو يأخذه العجب إذا رأى بعض الأخيار يكثر من الخير، أو رأى بعض الأشرار إذا نزلت به المصيبة يتنفل أو يتقرب أو يغير من حالته، ويقول: هذا نفاق.
فوهذا خطأ، بل يشرع للإنسان إذا رأى هذه الآيات أن يظهر الذلة لله سبحانه وتعالى، وأن يخشى من عذاب الله عز وجل ومقته، فإنه من قسوة القلوب -نسأل الله السلامة والعافية- أن يبقى الإنسان على غيّه وفجوره مع رؤيته للعذاب، وهذا من الختم على القلوب، ونعوذ بالله أن يختم على قلوبنا، فلذلك يشرع للإنسان أن يبادر بالتوبة.
ولما أراد الله عز وجل أن يعذّب قرية يونس، ورأوا آثار وعلامات العذاب، وقد أنظرهم عليه الصلاة والسلام، فلما رأوا دلائل العذاب فزعوا إلى الله عز وجل، وخرج الرجال والنساء والأطفال، وخرجت معهم بهائمهم، وتضرعوا إلى الله وبكوا حتى رفع الله عنهم العذاب، وكانت القرية التي استثناها الله عز وجل بقوله تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} [يونس:98]، فإنهم لما أظهروا لله عز وجل الذلة والخوف والفاقة، وخرجوا رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، وهم يبكون ويتضرعون رحمهم الله عز وجل ونظر إليهم فلطف بهم، فالإنسان إذا أظهر لله عز وجل الذلة والفاقة واسترحم الله فإن الله يرحمه.
فالمشروع في مثل هذه الآيات، كالكواعق والرعود التي تزعج وتقلق ويكون فيها شيء من الإعلام وتنبيه الناس أن يتوضأ الإنسان ويصلي، لما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، وهذا أمر من الأمور، وكذلك في الزلازل فإنه يشرع أن يتوضأ الإنسان ويصلي، وأن يسترحم الله عز وجل، فإذا اقتضت إرادة الله أن يهلك العامة أتاه العذاب وهو تائب إلى الله عز وجل قبل أن تنزل به نقمته، ولذلك يشرع للإنسان أن يستكثر من خصال الخير، وظاهر السنة التنويع.
وبعض العلماء يقول: يجمع بين هذه، فيصلي ويتصدق ويدعو.
وقال بعض العلماء: إن هذا يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يكون فقيراً ليس عنده مال ففضله في الدعاء؛ لأن دعاء الفقير أرجى في الإجابة لقوله عليه الصلاة والسلام: (رب أشعث أغبر ذي طمرين ... ) الحديث؛ لأن الفقير لا تكون منه مظالم في الغالب، وهو أقل كبراً، فرحمة الله عز وجل أقرب إليه، بخلاف الأغنياء، قالوا: فالأغنياء ينبغي عليهم أن يستكثروا من الصدقات؛ لأن أكثر غضب الله عليهم كان بسبب ظلمهم في أموالهم، فيشرع للأغنياء أن يتصدقوا، وللفقراء أن يستكثروا من الدعاء، وللناس عامة أن يصلوا، فهذا اختيار بعض العلماء.
والصحيح أن الأمر للتنويع للجميع، فمن شاء أن يتصدق ولو كان فقيراً فإنه خير وبر، ومن شاء أن يدعو ولو كان فقيراً أو غنياً فإنه خير وبر.
(75/16)
________________________________________
حكم الزيادة على الركوعين في كل ركعة من صلاة الكسوف
قال المصنف رحمه الله: [وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز].
هذا اختيار بعض العلماء، فمنهم من يقول: الاختلاف اختلاف تنوّع، فإن شئت صليت ركعتين بثلاثة ركوعات، وإن شئت بأربعة، وإن شئت بخمسة، فلا حرج عليك في هذا.
فيرونه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
واختار المصنف رحمه الله هذا القول؛ لأن الروايات وردت بذلك، والصحيح أن الروايات الصحيحة أن يركع ركوعين في كل ركعة، فيكون المجموع أربعة ركوعات في ركعتين، وأما رواية الثلاث -وهي في صحيح مسلم- ففيها كلام للعلماء رحمة الله عليهم، وكذلك رواية الخمس والست لم تخلوا من كلام عند أهل العلم رحمهم الله.
(75/17)
________________________________________
الأسئلة
(75/18)
________________________________________
المشروع بعد انتهاء الصلاة وعدم انجلاء الكسوف

السؤال
إذا انتهت الصلاة ولم ينجل الكسوف، فهل يبقى في مصلاه ويذكر الله، أم يصلي مرة أخرى؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالمشروع هو صلاة واحدة؛ لأن هذا هو هديه عليه الصلاة والسلام، وأما إذا لم ينجل فإنه يستكثر من الاستغفار، ولا حرج أن يصلي الصلوات العامة التي هي النفل المطلق تقرباً إلى الله عز وجل.
والله تعالى أعلم.
(75/19)
________________________________________
موضع الدعاء المشروع عند حدوث الكسوف

السؤال
هل الدعاء الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) يكون في أثناء الصلاة، أم خارج الصلاة؟ وأين يكون مكانه في الصلاة إذا كان في أثنائها؟

الجواب
يشرع الدعاء داخل الصلاة وخارج الصلاة، أما داخل الصلاة فإنه أولى وأحرى؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً)، وقال في السجود: (فليكثر من الدعاء فقمن أن يستجاب له) أي: حري أن يستجاب للعبد وهو ساجد.
وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام ف يحديث الشفاعة: (فانطلق فآتي تحت العرش فأخر ساجداً بين يدي الله عز وجل، ويفتح الله علي بمحامد يلهمنيها -أي: ساعتئذ- قال: ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، فالسجود من أعظم المقامات وأشرفها، فيقتصر على الدعاء والاستغفار والاسترحام وسؤال الله عز وجل العفو في مثل هذا المقام فهو أفضل مواضع الدعاء، وكذلك أيضاً في تشهده إذا لم تنجل فإنه يستكثر من الدعاء وسؤال الله عز وجل الرحمة واللطف.
والله عز وجل أعلم.
(75/20)
________________________________________
حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي

السؤال
هل تصلى صلاة الكسوف في أوقات النهي؟

الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، فعلى القول بأنه يشرع فعل ذوات الأسباب بعد صلاة الصبح والعصر فإنه يشرع حينئذٍ أن تصلى، وأما على القول بالمنع من ذلك فإنه لا يشرع فعلها، والله تعالى أعلم.
(75/21)
________________________________________
الكسوف آية يخوف الله بها عباده، وهي مسألة حسابية فلكية

السؤال
كيف نوفق بين كون الكسوف من آيات التخويف، وبين ما تقرر عند أهل الفلك والحساب من كونه يقع عند وجود القمر بين الشمس والأرض؟

الجواب
لا مانع من هذا إذا كان هذا الأمر يوافق الزمان الذي فيه فساد، فيكون الزمان الذي وقع فيه الكسوف قد ووقع فيه فساد الناس وبعدهم عن الله عز وجل، فعلمهم بميقاته لا يمنع أن يكون موافقاً لما عليه الناس من البعد عن الله عز وجل وعصيانه والتمرد على أوامره، ولذلك لا يعتبر علمهم رافعاً لكونه آية من آيات الله عز وجل، كما لو أن إنساناً قال له الأطباء: إن استمررت على حالتك سيصيبك مرض معين يترتب على تساهلك في علاج هذا البلاء الذي نزل بك، وهذا المرض سينتهي بك إلى الموت.
وكان هذا الرجل مسرفاً بعيداً عن الله عز وجل في عصيان وتمرد، فلا يمتنع لو مات بهذا المرض أن نقول: مات بهذا المرض عقوبة من الله عز وجل، إذا كان هذا المرض مما يكون من جنس العقوبات، ووافق أن الأطباء يعلمونه بأسبابه وأماراته، فكونهم يعلمون بأسباب الشيء وأماراته لا يمنع أن يكون آية من آيات الله عز وجل، فالله سبحانه ألهمهم وعلمهم وما كانوا ليعلموا.
والله تعالى أعلم.
(75/22)
________________________________________
حكم صلاة الكسوف لمن سمع به في أرض ولم يكن ببلده

السؤال
لو علم الكسوف في ناحية من الكرة الأرضية، فهل تسن الصلاة لكل من على الأرض، أم هي لمن يرى الكسوف؟

الجواب
صلاة الكسوف لا يشرع إلا لمن رآه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا رأيتم ذلك)، ولذلك لا يشرع أن تصلى صلاة الكسوف في المواضع التي لا يرى فيها الكسوف، والسبب في هذا أن القمر إذا كان بين الأرض وبين الشمس يحدث كسوفاً للشمس في مواضع دون مواضع؛ لأن القمر لا يصل جرمه إلى جرم الشمس، ولذلك لا تنكسف في جميع الأرض لوجود الفرق بين حجم القمر وحجم الشمس، وقد قرر هذا شيخ الإسلام، والإمام ابن القيم رحمهما الله وقرره أيضاً علماء الفلك والباحثين فيه.
فعلى هذا يكون الكسوف في بعض المواضع دون بعضها، فإذا كان الموضع الذي فيه المكلف فيه كسوف صلى، وأما إذا كان في موضع ليس فيه كسوف فلا يشرع له أن يصلي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم ذلك)، فجعل الحكم معلقاً على الرؤية، فالمواضع التي لا يرى فيها الكسوف لا تشرع فيها صلاة الكسوف.
والله تعالى أعلم.
(75/23)
________________________________________
حكم المناداة بالصلاة عند حدوث الكوارث من زلازل وصواعق

السؤال
الصلاة في وقت الزلازل والصواعق هل تشرع جماعة؟ وإذا كان كذلك فهل ينادى لها؟

الجواب
ذكرنا أن هذه الآيات لا يشرع لها أن تصلى جماعة كما يصلى لصلاة الخسوف والكسوف لعدم ثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، ومن أقوى الأدلة على أن الآيات لا يشرع فيها صلاة كصلاة الكسوف والخسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في زمانه الرياح، ووقع في زمانه ما وقع من هذه الآيات، ومع ذلك لم يصل عليه الصلاة والسلام، فدل على اختصاص الأمر بالكسوف والخسوف، والسياق في قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الشمس والقمر ... ) إلخ، يقتضي التخصيص بخسوف القمر وكسوف الشمس دون غيرهما من الآيات الأخرى، فيشرع أن يسأل الله عز وجل ويدعو ويتصدق ويستغفر.
والله تعالى أعلم.
(75/24)
________________________________________
حكم القراءة من المصحف للإمام في صلاة الكسوف

السؤال
هل للإمام الذي لا يحفظ القرآن أن يقرأ من المصحف نظراً؟

الجواب
الإمام الذي لا يحفظ القرآن يشرع له أن يصلي بالناس وهو ممسك بالمصحف في صلاة الكسوف والخسوف؛ لأنها تحتاج إلى طول قراءة، وهذه الصلاة لا تعتبر من الفرائض كالصلوات المكتوبة، وإذا لم تكن من الفرائض فإنه يجوز أن يحمل القرآن ويقرأ، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها كانت تأمر مولاها ذكوان أن يأخذ المصحف ويقرأ بها في القيام.
فدل على مشروعية حمل المصاحف في صلاة النافلة، خاصة إذا كان الإنسان لا يحفظ القرآن، وعلى هذا فلا حرج في صلاة الكسوف والخسوف أن يصلي وهو ممسك بالقرآن، لكن إن وجد من هو حافظ للقرآن قدّمه، وهو أولى منه لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
والله تعالى أعلم.
(75/25)
________________________________________
حكم رفع الصوت بالقراءة في الصلاة السرية

السؤال
جاء في الحديث: (كان يسمعنا الآية أحياناً) وذلك في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في السرية، فهل هذا خاص بالإمام، أم يجوز للمأمومين أيضاً؟

الجواب
هذه السنة من فعلها يتأوّل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا حرج، وإن كان الأقوى أنه خاص به عليه الصلاة والسلام لنكتة نبه عليها بعض العلماء، فيقولون: إنه في صلاة الظهر أطال، والطول قد يشعر المأمومين أن الإمام ربما سها، فإذا كان يسمع الآيات في أثناء وقوفه فإن هذا ينفي عنه مظنة السهو، ولذلك تكون سنة تشريعية لمن وراءه، أو لمن هو غيره من الأئمة إلى يوم الدين.
قال بعض العلماء: تختص بالإمام، وأما غيره فلا؛ لأن غيره إذا جهر آذى من بجواره، ولذلك لا يشرع له أن يجهر حتى لا يؤذي من بجواره ويشوش عليه في القراءة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا.
وقالوا: كونه يصيب السنة بالجهر -مع أنها سنة محتملة- ويؤذي غيره برفع الصوت، فإن الأولى أن يتركه.
والله تعالى أعلم.
(75/26)
________________________________________
حكم إزالة شعر الشارب عند المرأة

السؤال
هل يجوز حلق أو إزالة الشعر الموجود في وجه المرأة، علماً بأنه يوجد في مكان الشارب واللحية؟

الجواب
يجوز للمرأة أن تزيل شعر شاربها، وكذلك ما نبت على اللحي، وذلك لمكان التشبه بالرجال وعظيم الضرر في ذلك، ونص الأئمة رحمهم الله على مشروعية ذلك وجوازه، وأنه مستثنى من النمص المنهي عنه، فالنمص يختص بالوجه ولكنه لا يشمل لحية المرأة وشاربها.
والله تعالى أعلم.
(75/27)
________________________________________
موضع الاعتكاف لمن نذرت أن تعتكف أسبوعاً

السؤال
امرأة نذرت الاعتكاف لمدة أسبوع، ولا تدري هل تعتكف في المسجد أم في البيت لكون مصلاها في بيتها؟

الجواب
إذا نذرت المرأة الاعتكاف وحددت المكان الذي تعتكف فيه، فإنها تعتكف في المكان الذي حددته؛ لأنه نذر واجب مخصوص بالمكان لا تبرأ الذمة إلا بفعله وإيقاعه في المكان المخصص، ويستثنى من ذلك أن تنتقل من الأدنى إلى الأعلى، كأن تنوي الاعتكاف في المسجد الأقصى فيجوز لها أن تعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويجزيها، وكذلك لو نوت الاعتكاف في أحد المسجدين ما عدا المسجد الحرام، أو في غير المسجد الحرام من المساجد الأخرى فإنه يجزيها أن تعتكف في المسجد الحرام؛ لأنها تحصّل فضيلة ذلك المسجد وغيره من المساجد، وظاهر السنة دال على ذلك، فإنه لما أخبر أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى أمره أن يعتكف في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.
ولا يجزيها أن تعتكف في بيتها إذا نوت مسجدا ًغير بيتها، بل يلزمها أن تخرج إلى ذلك المسجد وتعتكف فيه.
والله تعالى أعلم.
(75/28)
________________________________________
حكم إزالة شعر الحاجبين إذا طال وكان مؤذياً

السؤال
هل يجوز لكبير السن أن يزيل ما تدلى من حاجبيه إذا كان يؤذي عينيه؟

الجواب
الشعر الذي يتساقط على العين فيؤذي صاحبه، إن كان يتدلى على العين فيجرح حدقتها، فإنه يشرع له وجهاً واحداً أن يقص الأطراف المتدلية ويزيلها، وكذلك الحال لو تدلى حتى حجب الرؤية، فقد قال بعض العلماء: يرخص له إذا سقط حاجباه حتى منعاه الرؤية أن يقص ما تدلى منهما، كالشيخ الهرم الذي يحتاج إلى انكشاف بصره ليرى، فإنه حينئذٍ يجوز له أن يزيل بقدر حاجته، فهذا مما استثناه الأئمة رحمة الله عليهم في مسألة إزالة شعر الحاجب والتخفيف منه.
والله تعالى أعلم.
(75/29)
________________________________________
كيفية إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام

السؤال
إذا أدركت الركعة الأولى مع الإمام فهل أكون قد أدركت فضل تكبيرة الإحرام؟

الجواب
حديث الفضل في تكبيرة الإحرام الذي جاء فيه: (من صلى أربعين يوماً لا تفوته تكبيرة الإحرام مع إمامه كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، حسنه غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم، ويشترط لنيل هذا الفضل أن يدرك تكبيرة الإحرام مع إمامه، فإذا كان في حي أدرك ذلك في مسجد الحي، وإذا كان مع إمامه الذي صلى معه جماعة -كأن يكون في سفر- فالعبرة بجماعة من سافر معهم.
وأما الضابط في إدراك تكبيرة الإحرام، فالصحيح أن الضابط هو أن يدركها قبل أن يبدأ بقراءة الفاتحة، فإذا كبّر الإمام وأدركت التكبيرة قبل أن يبدأ الإمام بقراءة الفاتحة فأنت مدرك لفضل هذه التكبيرة.
فإذا كانت الصلاة سرية كصلاة الظهر والعصر، فإنهم قالوا: يقدر الزمان، فإن قدر زمناً يقرأ فيه الإمام بدعاء الاستفتاح فإنه حينئذٍ إذا وقع تكبيره في ذلك الزمان أدرك وإلا فلا.
والله تعالى أعلم.
(75/30)
________________________________________
محرمية الرجل لحليلة ولده مؤبدة

السؤال
إذا طلق الزوج زوجته فهل يجوز لوالده أن يقابلها، أي: هل المحرمية التي ذكرت في الآية مؤبدة أم مؤقتة؟

الجواب
والد الزوج محرم لزوجة ابنه، وحرمتها عليه حرمة مؤبدة، فمتى ما عقد الابن على امرأة فإنها تعتبر حراماً على أبيه إلى الأبد، سواء أدخل بها أم لم يدخل بها، كأن يكون توفي ولم يدخل بها، أو طلقها ولم يدخل بها، فلا تزال المحرمية باقية إلى الأبد؛ لأن الله عز وجل يقول: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء:23]، والمرأة تحل للابن بالعقد لا بالدخول، فإن الدخول صفة حلّ أو تحقيق للحل، أما بالنسبة للحلّ فإنه يكون بمجرد العقد، ولذلك قال العلماء: كل امرأة عقد عليها الابن فإنها محرمة على أبيه إلى الأبد؛ لأنها محرمية مؤبدة، وهذا بإجماع العلماء.
والله تعالى أعلم.
(75/31)
________________________________________
حكم تسليم المؤتم قبل التسليمة الثانية للإمام

السؤال
هل ينتظر المأموم الإمام حتى ينتهي من التسليمة الثانية ثم يبدأ هو بالتسليمة الأولى، أم يبدأ بالتسلمية الأولى بعد انتهاء الإمام من التسليمة الأولى؟

الجواب
في هذا وجهان للعلماء رحمهم الله: فمنهم من يقول: إذا سلم الإمام تسليمتين فإن التسليمتين واجبتان.
ومنهم من يقول: الواجبة الأولى والثانية سنة.
وعلى هذا القول الثاني -وهو أقوى القولين- يجوز للإنسان أن يقوم لإكمال الصلاة بمجرد تسليم الإمام التسليمة الأولى، ويجوز للإنسان أيضاً أن يبتدئ بالتسليمة الأولى قبل ابتداء الإمام بالتسليمة الثانية.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(75/32)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الاستسقاء
صلاة الاستسقاء مشروعة لعموم الأدلة التي أمرت بالتضرع عند نزول البلاء، ويتعلق بصلاة الاستسقاء الكثير من الآداب والأحكام، ومنها: الآداب التي ينبغي مراعاتها عند الخروج للاستسقاء، ووقت الاستسقاء، وصفة صلاة الاستسقاء، والسنن التي ينبغي أن يحرص الناس عليها عند نزول الغيث، وغير ذلك.
(76/1)
________________________________________
أحكام صلاة الاستسقاء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة الاستسقاء].
الاستسقاء: مأخوذ من السقي، والألف والسين والتاء للطلب، كقولهم: استغفر إذا سأل الله أن يغفر له، واسترحم إذا سأل الرحمة من الله عز وجل، والاستسقاء: هو طلب السقيا من الله عز وجل.
ومناسبة هذا الباب لما تقدم أنه بعد فراغه من صلاة الرهبة، وهي الصلاة التي تشرع عند رؤية كسوف القمر والشمس أو خسوفهما ناسب أن يتكلم رحمه الله على صلاة الرغبة، وهي التي يسأل فيها العباد ربهم أن يسقيهم الغيث والحياة، فناسب أن يتكلم رحمه الله على هذه الصلاة بعد ذكره لأحكام الكسوف.
وهذه الصلاة مشروعة لعموم الأدلة التي أمرت بالتضرع عند نزول البلاء وندبت إليه، كقوله سبحانه وتعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43] أي: فهلا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا، فتشرع هذه الصلاة عند حصول الضيق بالناس بسبب ما كان منهم من الذنوب والمعاصي، فيتأخر عنهم القطر من السماء، ويعظم حالهم، وتشتد عليهم المئونة بسبب غور الآبار، وذهاب المياه من العيون، وانقطاع السيول والأنهار، والناس يحتاجون إلى هذه الأمور -أعني الآبار والأنهار- للشرب ولسقي الدواب، ولكي يقيموا عليها مصالحهم من زرع وحرث وماشية ونحو ذلك، فإذا انقطع القطر من السماء تضرر الناس وعظم بلاؤهم بذلك، فشرعت هذه الصلاة؛ لأن الحالة حالة شدة، والله يقول: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43] فهي حالة شدة وبأس، فيشرع أن يتضرعوا ويسألوا الله رحمته ومن واسع فضله، وقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن حبان وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى: أن استسقاءه عليه الصلاة والسلام وقع سنة ست من الهجرة، وذلك في شهر رمضان، فاستسقى عليه الصلاة والسلام بالمسلمين حينما شكى إليه المسلمون تأخّر الغيث، وكذلك تضررهم بالجدب، فشرعت هذه الصلاة بفعله عليه الصلاة والسلام، ولها أحكام ومسائل.
ومن ثم اعتنى الفقهاء رحمهم الله بذكرها في كتاب الصلاة؛ لأنه يشرع أن يصلى لها، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن صلاة الاستسقاء تكون ركعتين، إلا خلافاً ممن لا يعتد بخلافه من أهل البدع والأهواء، حيث قالوا: إنها أربع ركعات.
وأما مذهب السلف والخلف فهو أنها ركعتان لثبوت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعلهما دون زيادة عليهما.
(76/2)
________________________________________
الأحوال التي تشرع فيها صلاة الاستسقاء
قال المصنف رحمه الله: [إذا أجدبت الأرض وقحط المطر صلوها جماعة وفرادى].
الناس يتضررون بتأخر السقيا، وهذا الضرر قد يكون في النفس وقد يكون في غيرها.
أما الضرر في النفس فأشد ما يحدث في البوادي ونحوها، حيث تغور المياه في الآبار، وتنقطع السيول والأنهار، وتجف العيون ويذهب ماؤها، فتعظم عليهم الكلفة في حفر الآبار، وقد يقومون بحفرها دون أن يجدوا الماء، فحينئذٍ يتضررون بمشقة السقيا والكلفة التي يجدونها بعدم تيسر الوصول إلى الماء، فهذا النوع من الأسباب مما تشرع له صلاة الاستسقاء، فلو كان أهل محلة أو موضع تضرروا بسبب غور آبارهم وذهاب المياه من العيون وانقطاع السيول عنهم شرع لهم أن يصلوا صلاة الاستسقاء.
وأما الضرر في غير النفس فهو الذي يقع على البساتين والزروع والمراعي، فإن الدواب -كما هو معلوم- تحتاج إلى الرعي، والمراعي تعين على صلاح الدواب والبهائم، فإذا أجدبت الأرض وبعد العهد بالمطر انقطع الكلأ إما للجفاف بسبب القحط وشدة السنين، وإما أن يكون بسبب قلة المرعى لندرة المطر، فحينئذٍ تتضرر الدواب، وإذا تضررت الدواب تضرر الناس بتضرر دوابهم، وكذلك تتضرر الزروع والبساتين، فلربما جفت وماتت، حتى إن بعض الزروع لو أصابت الماء من عروقها قد تصيبها أمراض في أوراقها، ولا يزيل هذه الأمراض إلا الله جل جلاله حينما ينزل الغيث الذي يغسل أوراق هذه الأشجار، فلو سقيت الماء من جذورها فإنها تحتاج إلى هذا الغيث الذي سماه الله عز وجل ووصفه بكونه رحمة، فمن رحمته سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الخير للزروع، فإذا انقطع القطر من السماء تضرروا، فتضررت الزروع وماتت -على الأقل- تضرروا بقلة ما يكون من هذه الزروع لقلة الماء، فسواءٌ تضرروا بانقطاع الماء الذي يشربون، أم تضرروا بقلة المرعى، أم تضرروا بهما معاً، فكل ذلك مما تشرع له صلاة الاستسقاء.
وبناءً على ذلك، فلو كانت أحوال الناس دون الحالة التي فيها الكفاية، بمعنى أنه نزل عليهم الغيث ولكن نزوله لم يكن بصورة تحيي الأرض حياة ينتفع بها الناس انتفاعاً يحصل به الاكتفاء على وجه التمام والكمال، فقد قال بعض العلماء: يشرع لهم أيضاً أن يصلوا صلاة الاستسقاء.
فعلى هذا القول لا يتوقف حكمنا بمشروعية صلاة الاستسقاء على حالة شدة الجدب الشديدة، ولا على حالة شدة القحط، فلو كان هناك نوع جدب فيه نوع ضرر يشرع أيضاً أن يصلوا صلاة الاستسقاء، فلو كان الماء موجوداً ولكنه بقلة، أو كان المرعى موجوداً ولكنه بقلة فإنه يشرع حينئذٍ أن يستسقوا.
فالحالة الأولى التي يشرع لها الاستسقاء: إذا أجدبت الأرض وقحط المطر كما نص المصنف.
والحالة الثانية: أن يكون الماء موجوداً ولكنه لا يكفي لسد الحاجة.
والحالة الثالثة: أن يستسقوا فلا يسقون، فيشرع لهم أن يكرروا الاستسقاء مرة ثانية، ويسألوا الله العظيم أن يرحمهم، ولو تكرر ذلك عشرات المرات فلا حرج؛ لأنه داخل في عموم الندب إلى التضرع وسؤال الله الرحمة.
(76/3)
________________________________________
كيفيات الاستسقاء
قوله: [صلوها جماعة وفرادى].
مذهب العلماء رحمة الله عليهم -ويكاد يكون مذهب الجماهير- أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها مستحبة.
والنصوص دالة على تأكد هذه السنة، ويقوم الإمام بالاستسقاء عند رؤية أحوال الناس أو شكواهم.
والاستسقاء على ثلاثة أنوع: النوع الأول: أن يكون بالصلاة مع الجماعة، وهذا هو الذي يعتني العلماء رحمهم الله ببيان أحكامه ومسائله في الغالب، وهو الذي ينصبّ عليه الحديث في باب صلاة الاستسقاء.
النوع الثاني من الاستسقاء: الاستسقاء من الأفراد، وذلك أن يستسقي الإنسان وحده، كأن يكون صاحب مزرعة، أو صاحب دواب ويتضرر بعدم وجود الكلأ، فيصلي ويسأل الله عز وجل، ولكن على غير صفة صلاة الاستسقاء، وإنما يصلي صلاة مطلقة يسأل الله عز وجل فيها من فضله، ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا استسقاء من الأفراد.
النوع الثالث من الاستسقاء: الاستسقاء في صلاة الجمعة، وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: (أن رجلاً من الأعراب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا وفي رواية: أنه اشتكى الجهد واللأواء التي هم فيها، وفي بعض الروايات أنه وصف شدة الجدب إلى درجة أن الدابة لا يتحرك لها ذيل من شدة ما هي فيه من الإعياء والنصب، فلما اشتكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفيه حتى رئي بياض إبطيه، وقال: (اللهم أغثنا.
اللهم أغثنا.
اللهم أغثنا) قال أنس: فوالله ما في السماء من سحابة ولا قزعة، حتى خرجت من وراء سلع كالترس -يعني السحابة- فأمطرتنا سبتاً.
وقد جاء في هذا الحديث أنهم لم يروا الشمس بسبب المطر، وما جاء قوم من ناحية إلا وذكروا الحياة والمطر وأنهم سقوا، قال: فلما كانت الجمعة الثانية دخل الرجل فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل! فقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)، وفي رواية: أنه ما أشار إلى جهة إلا تفرق السحاب عنها، وهذا من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه.
فالمقصود: أن الاستسقاء ثلاثة أنواع: النوع الأول: الاستسقاء جماعة، وذلك بالصلاة كما سيصفه المصنف رحمه الله.
النوع الثاني: الاستسقاء فرادى، بأن يدعو الإنسان، فالإنسان لو كان جالساً في مزرعته، أو بين دوابه وبهائمه، ونظر إلى شدة ما هو فيه، وتذكر ذنوبه وإساءته في جنب ربه فرفع كفه إلى الله يسأله أن يغيثه ويرحمه فهذا مشروع ولا حرج فيه، ولو صلى وسأل الله عز وجل في صلاته واسترحم ربه فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأنه داخل في عموم التضرع، لكنه لا يصلي صلاة الاستسقاء بصفتها إذا كان منفرداً، وإنما يصلي صلاة مطلقة لعموم حديث عائشة: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، وقد ندب الله عز وجل المبتلى للصلاة عند حصول البلاء، فقال سبحانه: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة:45]، فلذلك لا حرج أن يدعو.
النوع الثالث: الاستسقاء يوم الجمعة، ويكون الاستسقاء يوم الجمعة من الخطيب إذا اشتكى إليه الناس، أو رأى هو ما بهم وأحسّ بحاجتهم، فإنه يستغيث ويسأل الله العظيم من فضله.
وقول المصنف: (إذا أجدبت الأرض) كأنه يشير به إلى الوقت الذي يكون فيه الاستسقاء، وبناءً على ذلك فإن الزمان الذي يقع فيه الاستسقاء هو وقت حصول المشقة والحاجة من الناس، حتى ولو كان ذلك في الصيف، فإن رحمة الله واسعة، والذي ينزل الغيث في مواسمه قادر على أن ينزله في غير مواسمه، فقد قال تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:120]، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس:82 - 83].
(76/4)
________________________________________
مسائل متعلقة بصلاة الاستسقاء
(76/5)
________________________________________
وقتها
السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها أنه: (خرج حينما بدا حاجب الشمس)، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: يستحب أن تكون صلاة الاستسقاء في وقت صلاة العيدين، وذلك بعد ارتفاع الشمس قيد رمح.
فقولها رضي الله عنها: (بدا حاجب الشمس)، تعبير يشير إلى ظهور ضوء الشمس، والحاجب هو الضوء، وإنما عبروا به لأن الضوء من الشمس يحجب الشمس، فأنت إذا رأيت الشمس مشرقة متوهجة بضوئها لا تستطيع أن ترى نفس الشمس؛ لأنه يحجبها عنك من شدة توهجه، ولذلك يقولون: حاجب الشمس.
أي: الذي يحجب الشمس من ضوئها.
فخرج عليه الصلاة والسلام، وكان قد وعد الناس بالخروج، وهذا من السنة كما سيأتي، فيخرج ويكون وقوعها في وقت الضحى، ويصلي بعد انتهاء وقت النهي، ووقت النهي يبدأ من بعد صلاة الصبح وينتهي بارتفاع الشمس قيد رمح، أما أثناء طلوع الشمس أو بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس فإنها لا تصلى قولاً واحداً عند العلماء، حتى حكي الإجماع على عدم مشروعية إيقاع صلاة الاستسقاء في أوقات الكراهة، فليس بمشروع أن يوقعها في هذا الوقت مع أن لها وجهاً وهو كونها من الصلوات ذوات الأسباب، لكنه لما كان الأمر فيه نوع تأسٍ واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع.
وأما آخر وقتها فبعض العلماء يقول: صلاة الاستسقاء جماعة تصح في الليل والنهار، ولا حرج أن يصلوا في الليل أو في النهار، أو في أي وقت إلا أوقات الكراهة.
فهذا مذهب طائفة من العلماء رحمهم الله.
وهذا المذهب لا يخلو من نظر؛ إذ لو كانت تصلى في أي وقت لالتمس عليه الصلاة والسلام وقت السحر، إلا أن بعض العلماء أجاب عن هذا الاعتراض وقال: إن وقت السحر يشق على الناس، خاصة وأن أكثرهم نائمون.
لكن أجيب بأن هذه المشقة مقدور عليها؛ لأنها صلاة في يوم معين، فلا مانع أن يكلفوا بها، وقد كان عليه الصلاة والسلام يندب الناس إلى إحياء العشر الأواخر، وهو يندب بذلك عامة الأمة.
ومهما يكن فهذا القول لا يخلو من نظر؛ لأنه لو كان فعلها في الليل مشروعاً لفعلها عليه الصلاة والسلام، ولو قلنا: إن فعلها في السحر فيه مشقة، فإنه لا مانع أن يفعلها بين العشاءين، وهذا أرفق وأخف بكثير على الناس، لكن كونه عليه الصلاة والسلام يتقصد أول النهار لا شك أنه هو الأولى والأحرى، ولذلك قال بعض العلماء: إنه ينتهي وقتها بالزوال كالعيد، وهذا هو الأشبه، ولذلك نجد الصحابة يلحقون صلاة الاستسقاء بصلاة العيد.
(76/6)
________________________________________
كيفيتها وحال الخارج لها
قال رحمه الله تعالى: [وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد].
ينبغي لمن خرج لصلاة الاستسقاء أن يخرج من بيته خاشعاً متخشعاً متبذلاً متذللاً متواضعاً متضرعاً؛ لما ثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاشعاً متخشعاً متذللاً متواضعاً متضرعاً)، فهذه هي السنة في الخروج.
ومعنى خروجه خاشعاً: أن لا يدمن الالتفات يمنة أو يسرة، وإنما يكون عليه الخشوع والوقار، والتبذل: مأخوذ من البذلة، وهي الثياب التي ليس لها شأن، بمعنى أنه لم يعتن بجميل الثياب، بخلاف العيد، فإن السنة أن يلبس له أحسن ما يجد وأن يتجمل؛ لأنه يوم عز للإسلام، ولكن يوم الاستسقاء يوم ضراعة واستكانة وفاقة وحاجة واسترحام واستغفار وسؤال الله الحلم والعفو، فلذلك شرع له أن يظهر بحالة تناسب المقام.
قالوا: تكون ثيابه غير مبالغ فيها.
لكن لا يمنع هذا أن يكون نظيفاً، فلا يخرج وهو نتن الرائحة، خاصة إذا كان مأموماً؛ لأنه يؤذي الناس، واجتماع الناس بعضهم مع بعض قد تؤذيهم بسببه الروائح الكريهة، ولذلك يشرع له أن يخرج بثياب ليست بذات الشأن، وأيضاً لا يبالغ في الطيب والتزين، وكذلك لا يبالغ في رفاهية الثياب.
ثم إذا انتهى إلى المصلى فإن للعلماء قولين: قال بعض العلماء: يبتدئ بالخطبة والدعاء قبل الصلاة.
وهذا فيه حديث مسلم عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ثم دعا ثم صلى).
وقال بعضهم: يبتدئ بالصلاة قبل الخطبة، فإذا صلى بالناس صلاة الاستسقاء رقى المنبر ثم خطب ودعا.
وهذا القول الثاني هو الأقوى؛ لأنه يؤيده حديث عائشة وحديث أنس بن مالك رضي الله عن الجميع.
وحديث عبد الله بن زيد أُجيب عنه -كما اختاره بعض المحققين، ويميل إليه الحافظ ابن حجر - بأن الأحاديث التي ذكرت الدعاء قبل الصلاة لا تعارض الأحاديث التي ذكرت الخطبة بعد الصلاة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في دعاء وضراعة حتى انتهى إلى المصلى، فمن رأى ضراعته ودعاءه قال: إنه خطب.
وذلك حين قال لهم: (إنكم شكوتم إليَّ جدب دياركم، وانقطاع المطر وتأخر أوانه عنكم، وشدة المئونة بكم)، قالوا: هذا فهم منه الصحابي أنه خطبة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصد به أن يبين لهم عظيم رحمة الله لقوله بعد ذلك: (وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم)، فمن نظر إلى أن هذا الدعاء السابق من النبي صلى الله عليه وسلم أنه بمثابة الخطبة وبمثابة الدعاء قال: خطب ثم صلى.
وأما الروايات الصريحة القوية فهي أنه صلى ثم خطب، وهذا يختاره بعض العلماء.
والخلاصة: أن للعلماء في هذه الأحاديث المختلفة أوجه: فمنهم من يقول: السنة أن يبتدئ بالخطبة ثم يصلي.
ومنهم من يقول: يصلي ثم يخطب، على الصورة المعهودة المعروفة عندنا.
ومنهم من يقول: يخيّر، فإن شاء قدم الخطبة ثم صلى، وإن شاء خطب ثم صلى، فكل جائز ولا حرج عليه في ذلك، والأمر على السعة والخيار.
فإذا ابتدأ الصلاة صلى كصلاة العيدين، يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، على أصح أقوال العلماء، وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، حيث حكى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء كصلاته في العيدين، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في العيدين من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنه كبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً).
وقال بعض العلماء بعدم مشروعية التكبير والأقوى أنه يشرع.
(76/7)
________________________________________
الأمور التي يحث الإمام الناس عليها قبل خروجهم للاستسقاء
قال رحمه الله: [وإذا أراد الإمام الخروج لها وعد الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم وترك التشاحن، وبالصيام والصدقة].
أي: إذا أراد الإمام الخروج لصلاة الاستسقاء وعد الناس، فيقول لهم: في يوم كذا سنخرج للاستسقاء.
فإذا حدد لهم يوماً يخرجون فيه للاستسقاء فإن الناس تتهيأ لهذا اليوم بالتوبة والاستغفار وإصلاح أحوالهم، ويكون ذلك بما ذكره المصنف رحمه الله، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة حديث يشير إلى هذا، فلا يغير الله أحوال الناس مما هم فيه من البلاء حتى يقلعوا عما هم فيه من المعصية، كما قال بعض السلف: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة)، فإذا تاب الناس تاب الله عليهم، وإذا استغفروه غفر لهم، وإذا استرحموه رحمهم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11].
فإذا قحط المطر وتأخر فإن هذا إشارة إلى ما هم فيه من البعد عن الله وكثرة الذنوب والمعاصي، وكأنه نذير لهم أن يتوبوا إلى الله، وأن يراجعوه قبل أن يعمهم بعذاب، فإذا راجعوا أنفسهم شرع لهم أن يتوبوا فيما بينهم وبين الله، فالحقوق الواجبة كالصلوات ونحوها يحافظون عليها، والحدود المحرمة كالفواحش ونحوها يقلعون عنها، وحقوق العباد ينتبهون لها، كحقوق الأقارب من بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، وتفقد أصحاب الحقوق كالعمال والمستخدمين ونحوهم، فليغير الإنسان من حاله حتى يغير الله ما به، ويصلح الله حاله؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11]، فإذا غيّر العبد من حاله غيّر الله ما به، ولذلك لما رأى قوم يونس أمارات العذاب وأمارات السخط والغضب من الله عز وجل حين تغيرت السماء وتلبدت خرجوا إلى الله رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، حتى أخرجوا دوابهم وبهائمهم، وما زالوا في البكاء والتضرع والاستغفار حتى رفع الله عنهم العذاب، وهي القرية الوحيدة التي رأت أمارات العذاب وسلّمها الله من عذابه، كما قال تعالى عنها: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98]، فهذا من رحمة الله عز وجل ولطفه بالعباد.
قوله: (وأمرهم بالتوبة).
التوبة ترفع وتدفع عن الإنسان البلاء، ولذلك إذا تاب العبد تاب الله عليه، وبالتوبة يزول البلاء؛ لأن سببه الذنب، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)، فشرور النفس هي التي تجلب البلاء، فإذا تاب من شرور النفس تاب الله عليه، ورفع البلاء عنه، فقد قال تعالى حكاية عن صالح عليه السلام: {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل:46]، فالتوبة سبب من أسباب الرحمة، ولذلك إذا أكثر الإنسان من الاستغفار رحمه الله عز وجل، فمن أسباب رحمة الله بعبده أن يكثر العبد من الاستغفار، فإذا أكثر من الاستغفار رحمه الله عز وجل.
وقوله: (والخروج من المظالم) معناه أنه إذا كان هناك مسلم يعلم أنه أكل مال أحد، أو شتمه، أو سبّه، أو عابه، أو آذاه فليذهب إليه وليقل له: يا فلان! إني ظلمتك في كذا، فإن شئت أن تأخذ حقك أعطيتك حقك، وإن شئت أن تعفو فجزاك الله خيراً، ونحو هذا من الكلام الذي يكون به تطييب خاطر المظلوم، فإذا أخذ الناس حقوقهم وردت المظالم إلى أهلها رفع الله البلاء عن الناس، ورفع الله البلاء عمن ابتلاه بسبب ظلمه للناس وأذيته لهم.
قوله: (وترك التشاحن).
أي: ويوصي الإمام الناس بترك التشاحن؛ إذ الخلاف والفتن التي تقع بين الناس وتفرق جماعة المسلمين وتؤذيهم من السباب والشتائم ونحو ذلك من الأمراض التي تقع بين الناس بسبب ما يكون من فتن الدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم ما يفتح الله من زهرة الدنيا، فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم)، فهذا يدل على أن الناس إذا انشغلوا بالدنيا ألهتهم عن الآخرة، فتقع بينهم الشحناء والبغضاء، فعلى الإمام والخطيب أن يوصي الناس أن يتركوا الشحناء، وأن يصلحوا ذات بينهم؛ لأن الله أمر بذلك فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1]، فالمسلمون كالجسد الواحد، وينبغي أن يعطف بعضهم على بعض، فإذا كان الناس في قحط وشدة، أو أصاب الناس القحط والشدة فلينظروا إلى ما هم فيه، فإذا نظروا إلى اثنين بينهما خصومة سعوا في الصلح بينهما وجمع الشمل وإزالة ما بينهما من الشحناء والبغضاء، وهذا واجب في سائر أيام السنة، وفي سائر أحوال المسلمين، فضلاً عن مثل هذه الحالة التي فيها شدة وبلاء.
فعلى المسلمين دائماً أن تكون مجالسهم معمورة بالصلح بين الناس.
وقد كان الناس في خير ورحمة حينما كان بعضهم يوصي بعضاً بالصلح، حتى قلّ أن تجد المشاكل الزوجية والأمور التي تقع بين الناس تصل إلى القضاة، بسبب وجود أهل الحل والعقد والفضل والنبل الذين كانوا يسعون للصلح بين الناس، فكان الناس في رحمة مع أنهم كانوا يعيشون في فقر وشدة وحاجة، ولكن كانوا في رحمة من الله بسبب حفاظهم على المودة وإصلاح ذات البين، ولما فقد الناس هذا كثر الشر بينهم.
يقول بعض العلماء: إن وجود الشحناء بين الناس يرفع الخير عن الأمة.
والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما كان معتكفاً أُري ليلة القدر، فتلاحى رجلان في الدين - أبي وابن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عن الجميع- فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الدين: ضع هكذا.
ثم قال للمدين: قم فاقضه.
ثم قال للصحابة صبيحتها: أريت ليلتكم هذه فتلاحى رجلان، فرفعت وعسى أن يكون خيراً)، أي: أثناء الخصومة رفعت ليلة القدر، حتى كان بعض العلماء يقول: إن هذا مثال على ما جعل الله في الخصومة من البلاء على الأمة، حتى إن ليلة القدر مع ما فيها من عظيم الأجر والخير للناس رفع علمها عن الناس بسبب الخصومة والشحناء.
وقد جعل الله الشحناء سبب الفشل والخيبة، فقال سبحانه وتعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46].
فينبغي للإمام أن ينصح الناس باجتماع القلوب وتآلفها وتراحمها وتعاطفها، وهو الخير الذي ذكره الله تعالى في قوله: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114]، وعظيماً من الله ليست بالهينة، فإزالة الشحناء مطلوبة عند الاستسقاء، ومتأكدة في كل وقت، فينبغي للمسلمين أن يتواصوا، وأن يوصي بعضهم بعضاً لإزالة ما بينهم من الشحناء والخلاف.
قوله: (وبالصيام).
الصيام من أفضل القربات وأحبها إلى الله عز وجل، وذلك لما فيه من الإمساك عن شهوتي البطن والفرج قربة إلى الله سبحانه وتعالى، ولما فيه من الإخلاص لله عز وجل، فهو العبادة الخفية التي استأثر الله بثوابها وأجرها.
فعلى الإمام أن يحثهم على أن يصوموا ويستكثروا من الصيام والصدقات والصلوات وذكر الله عز وجل، حتى يكون حالهم أدعى للإجابة من الله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله تعالى: [ويعدهم يوماً يخرجون فيه].
أي: يحدد لهم يوماً فيقول: في يوم كذا سيكون استسقاؤنا.
ويخرج الناس في صبيحة ذلك اليوم للاستسقاء وسؤال الله عز وجل الغيث.
(76/8)
________________________________________
الآداب التي ينبغي مراعاتها عند الخروج لصلاة الاستسقاء
[ويتنظف ولا يتطيب ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً].
قوله: (ويتنظف) أي أن له أن يغتسل، وأن لا يكون على ثيابه القذر والنتن، خاصة مع اجتماع الناس، فكما أنه يتنظف الإمام فليتنظف المأموم؛ لأن الناس يتضررون من الروائح الكريهة، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الثوم والبصل أن يقرب المصلى.
قوله: (ولا يتطيب) لأن الطيب فيه بالغ زينة، وليس الاستسقاء بعيد، كالحال في الجمعة والعيدين؛ إذ يشرع له التطيب فيهما، ولم يتطيب عليه الصلاة والسلام، ولذلك يخرج على حالته، وظاهر قوله في الحديث: (متبذلاً) يدل على أنه لم يكن متطيباً عليه الصلاة والسلام.
قوله: (ويخرج متواضعاً) التواضع: المراد به توطئة الكنف، والتواضع مندوب إليه، وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله أوحى إليَّّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد)، فالتواضع مطلوب، وكلما كان الإنسان في نعمة من الله عز وجل فإنه ينبغي أن يتواضع لها، وكلما طابت نفس الإنسان كلما كمل تواضعه، ومن كانت سريرته على خير أظهر الله تلك السريرة الطيبة المباركة من خلال شمائله وآدابه التي تدل على سماحته وتواضعه، ولو لم يكن في التواضع إلا قوله عليه الصلاة والسلام: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون)، لكفاه فضلاً، فهذه سمات لا توجد إلا عند المتواضعين، وكلما زاد خير الإنسان كلما تواضع، كما قيل: إن كريم الأصل كالغصن كلما ازداد من خير تواضع وانحنى فالإنسان إذا طاب أصله وطابت سريرته ظهر ذلك الطيب على شمائله وآدابه فيتواضع.
فقوله: (ويخرج متواضعاً) ممعناه: أنه لا يتكبر، ولا يصعر خده إذا خرج للصلاة، ولكن يخرج على صفة تدل على ذلته لله سبحانه وتعالى وانكساره؛ لأنه يوم فاقة وفقر وحاجة إلى الله عز وجل، وقد جاء هذا اللفظ في حديث ابن عباس: (خرج متواضعاً).
أي: خرج عليه الصلاة والسلام وعليه شعار المتواضعين، ويتأكد هذا في حق الأخيار والعلماء والصالحين كطلاب العلم ونحوهم، فهم أحق الناس بهذه الخلة الكريمة التي يحبها الله ويرفع أهلها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما تواضع أحد لله إلا رفعه).
وقوله: (متخشعاً) أي: متعاطياً أسباب الخشوع من السكينة ونحوها، وأصل الشيء الخاشع: الذي فيه سكون وهدوء.
فالمعنى أن الإمام لا يكون فيه صخب ولا لغط ولا لغو، ولكن فيه سكينة ووقار يدل على حالة من الذلة لله سبحانه وتعالى والانكسار.
وقوله: (متذللاً) من الذلة، وذلك كما قلنا؛ لأن الحال والمقام يقتضي هذا، فالمقام مقام سؤال، والسائل إذا سأل ربه ينبغي أن يظهر لله عز وجل الذلة والانكسار، كأن يطأطئ رأسه وتظهر عليه آثار الخوف والوجل من الله سبحانه وتعالى حتى يرحمه ولا يخيبه فيرد عليه سؤاله ولا يجيب استسقاءه، فكل إنسان أراد الخروج فعليه أن يخرج وكله أمل أن الله يرحمه، وما يدريك فلعل الله أن يجعل دعوتك هي المجابة، ويرحم بك هذه الأمة، ويكون لك أجر هذا الدعاء وأجر هذا الخير الذي تصاب به الأمة، وما ذلك على الله بعزيز، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)، فالله لا ينظر إلى الصور ولا إلى الأشكال، ولكن ينظر إلى القلوب، فإذا خرج الإنسان بذلة واستكانة وفاقة إلى الله عز وجل فإنه حري أن يجاب.
(متضرعاً) من الضراعة: وهي بالغ السؤال.
(76/9)
________________________________________
أصناف الناس الذين يخرجون مع الإمام للاستسقاء
[ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ والصبيان والمميزون].
أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استسقى بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو العباس بن عبد المطلب.
فيكون مع الإمام أهل الدين والصلاح، كالعلماء والأخيار الذين عرفوا بالاستقامة والتمسك بالكتاب والسنة والعبادة على منهج السلف بعيداً عن البدع والأهواء، وأهل الخير وأهل التمسك بالدين، فمثل هؤلاء ترجى إجابة دعوتهم بإذن الله عز وجل لما فيهم من الخير والاستقامة والالتزام بدين الله عز وجل، وكلما كان الإنسان أكثر صلاحاً واستقامة كلما كانت دعوته أرجى للإجابة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يذكر من ذكره، ووعد الذي يكون على استقامة بالطاعة والخير وذكر لله عز وجل أن يذكره، فمن ذكر الله في الرخاء ذكره في الشدة، فلذلك يخرج بأمثال هؤلاء من العلماء وطلاب العلم والأخيار الصالحين ونحوهم من أهل الفضل والنبل، وهذا أدعى لإظهار الحاجة لله سبحانه وتعالى، على خلاف ما إذا خرج بأهل الدنيا من الأغنياء والأثرياء فإن الحال يكون على عكس هذا تماماً.
قوله: [والشيوخ].
أي: يخرج معه الشيوخ؛ لأن كبار السن قلوبهم منكسرة، ولذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة قال: (فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً)، وكبر السن مظنة أن يكون الإنسان أقرب إلى الآخرة؛ لأن كبار السن فيهم خشوع، فقد جبروا الزمان، وعزفت نفوسهم عن الدنيا، وأقبلوا على الآخرة، فالخشوع منهم أكثر، ولذلك يكون الدعاء منهم أرجى إجابة من غيرهم، فالمهم أن يتعاطى أسباب إجابة الدعاء.
وبعض العلماء يستدل لهذا بحديث ابن ماجة: (لولا شيبان ركّع، وصبيان رضّع، وبهائم رتّع لصببت العذاب عليكم صباً)، إلا أن هذا الحديث تكلم العلماء رحمهم الله على إسناده.
قوله: [والصبيان المميزون].
أي: ويخرج معه الصبيان المميزون، وذلك لقلة ذنوبهم؛ لأنهم غير مكلفين، فدعاؤهم وسؤالهم الله عز وجل أرجى إجابة، مع أن خروج الصبيان فيه نوع استرحام لله عز وجل، فإن خروج الإنسان بأطفاله من الصغار فيه نوع من الذلة لله عز وجل.
(76/10)
________________________________________
خروج أهل الذمة مع المسلمين للاستسقاء
قال رحمه الله: [وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا].
أهل الذمة هم اليهود والنصارى الذين فتحت بلادهم وأحبوا أن يبقوا على دينهم ويدفعوا الجزية.
أما من جاء من الكفار إلى بلاد المسلمين، ودخل بأمان من واحد منهم فإن أمانه يكون ماضياً على جميع المسلمين، لحديث علي في الصحيح: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم حرب على من سواهم)، فالكافر إذا دخل بلاد المسلمين يسمى مستأمناً، وإن كان من اليهود والنصارى الذين يدفعون الجزية فهو من أهل الذمة.
فإن أراد أهل الذمة الخروج للاستسقاء فقد اتفق العلماء على عدم السماح لهم أن يخرجوا منفردين في يوم معين؛ لأنهم إذا خرجوا منفردين في يوم معين ربما امتحن الله العباد فنزل الغيث في اليوم الذي استسقوا فيه فتحصل الفتنة للناس، وربما ظنوا أنهم سقوا باستسقائهم، ولذلك لا يشرع أن يمكنوا من الاستسقاء منفردين.
واختلف العلماء إذا طلبوا الخروج مع المسلمين المستسقين: فقال بعض العلماء -كما اختاره المصنف رحمه الله-: يجوز أن يخرجوا مع المسلمين، ولكن يعتزلون المسلمين، ولا يصلون معهم، حتى لا تكون لهم يد منة، فإذا ظهر الفضل كانت نسبته للمسلمين، وهم أحق بذلك وأولى به؛ لأنهم على دين الله الصحيح، وأولئك على غير دين الإسلام، ولذلك لا يشرع أن يكونوا مع المسلمين في نفس المصلى، وإنما يعتزلون ويكونون بناحية غير ناحية المسلمين.
(76/11)
________________________________________
كيفية الخطبة والدعاء في الاستسقاء
قال رحمه الله تعالى: [فيصلي بهم، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد، ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به].
ما ذكره المصنف في شأن الخطبة هو كما ذكر بعض العلماء إلحاقاً لها بصلاة العيد على ظاهر حديث ابن عباس حينما وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء أنها كصلاة العيد.
وقوله: (يفتتحها بالتكبير).
الأولى والأقوى أن يستفتح بحمد الله عز وجل، لكن لو كبّر وهو يتأول فهو قول له سلف من العلماء قالوا به، وإن كان الأولى والأقرب للسنة أن يبدأ بحمد الله عز وجل والثناء على الله سبحانه وتعالى، على ظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الذي تقدمت الإشارة إليه، وهو عند أبي داود وغيره.
قوله [ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به].
آيات الاستغفار كقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10 - 12]، فلما ورد هذا النص في كتاب الله عز وجل دل دلالة واضحة على أن الاستغفار من أعظم الأسباب التي يرحم الله بها عباده فيسقيهم الغيث.
ولا يقف الأمر عند هذا، بل إنه سبب في وضع البركة في الأموال والأولاد، فمن أكثر الاستغفار فإنه يخرج من ذنوبه، وإذا خرج الإنسان من ذنوبه خرج من أسباب البلاء، وكان ذلك من أعظم الأمور التي يجعل الله بها خير دينه ودنياه وآخرته.
قال رحمه الله تعالى: [ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ... ) إلى آخره].
رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ثبتت به النصوص الصحيحة، ومن أقواها حديث أنس في الصحيحي وأنه وصف رفعه حتى ذكر أنه كان يبالغ حتى يرى بياض إبطيه.
وكذلك رفع يديه في استسقائه عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة، وقد ذكرنا في صلاة الجمعة أنه يشرع للإمام إذا دعا للاستسقاء أن يرفع يديه، وقد جاء رفع اليدين عند الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يقل عن ثلاثين حديثاً، وذكر الإمام النووي أنه جمع نحو ذلك من الصحيحين أو أحدهما كلها في رفعه عليه الصلاة والسلام ليديه في الدعاء، وهذا في مواضع مختلفة.
فرفع اليدين في الدعاء لا حرج فيه إلا في العبادات التوقيفية كالحج والعمرة ونحو ذلك، فيتقيد فيها بالوارد، ولا يرفع إلا حيث ورد الرفع.
فلو أن إنساناً في لحظة ما أراد أن يدعو فرفع يديه ففي هذا عدد من الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة والحسنة التي تدل على رفعه، حتى أفردها الإمام النووي بالتصنيف، وأفردها كذلك الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بعد كتاب الدعوات، وأفردها أيضاً السيوطي في كتابه: (فض الوعاء بمشروعية رفع اليدين في الدعاء)، وذكر الأحاديث في الصحيحين وغيرهما، وهي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في العبادات التوقيفية لا يشرع رفع اليدين إلا في المواطن التي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه فيها، فهذا هو السنة والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وبناءً على ذلك: فإذا أراد أن يستسقي يشرع له أن يرفع يديه في الاستسقاء، ويرفع يديه مبالغاً في الرفع حتى يرى بياض إبطيه، وإذا كان عليه الثوب يكون في حكم من انكشف إبطه، بمعنى أنه يبالغ في رفع اليدين حتى يظهر شدة الفاقة لله سبحانه وتعالى.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قلب كفيه صلوات الله وسلامه عليه في الدعاء، وللعلماء في هذا القلب وجهان: فمنهم من يقول: هو سنة توقيفة لا تشرع إلا في هذا الموضع.
وبناءً على ذلك لا يشرع أن يقلب الإنسان كفيه إلا في هذا الموضع من دعاء الاستسقاء، وتكون مناسبته -كما ذكر بعض العلماء- أن النبي صلى الله عليه وسلم عدّ هذا من الفأل، والفأل تقرّه الشريعة، كما في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ويكره الطيرة)، والفأل: أن يسمع الإنسان، أو يرى شيئاً يبشره بالخير، كأن يريد السفر فيسمع إنساناً يقول: يا سالم.
فإنه فأل بالسلامة؛ لأن الفأل يحمل الإنسان على حسن الظن بالله عز وجل، ويزيد من اعتقاده بالله جل جلاله، بخلاف التشاؤم؛ فإن التشاؤم يصرفه إلى الاعتقاد في الأشياء، والاعتقاد في الأزمنة، والاعتقاد في الأشخاص، فإذا رأى مشلولاً أو أعمى تشاءم فصار يعتقد في الأشخاص أنهم شؤم عليه، فيفطعن هذا في عقيدته وتوحيده -نسأل الله السلامة والعافية- لكن الفأل الحسن يحسّن ظنه بالله عز وجل، فقلب كفيه عليه الصلاة والسلام من باب الفأل الحسن، فإنه سأل ربه وكأنه يقول: أرجو أن الله يبدل الحال، أو يغيّر ما بالناس من الشدة إلى الرخاء، ومن الضيق إلى السعة، ومن القحط إلى الغيث، ومن الجدب إلى المراعي الخصبة التي ينتفع بها الناس والدواب وخلق الله عز وجل، وهذا -كما قلنا- من باب الفأل.
ومن العلماء من يقول: إنه يشرع عند كل دعاء في شدة، وفيه حديث حسنه بعض العلماء، إلا أن فيه ابن لهيعة.
والأقوى أن هذا يختص بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما في غيره فيكون السؤال ببطن الكف، كما هو الأصل في دعاء الله عز وجل وسؤاله الثابتة به الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: (فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ... ) إلى آخره).
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: (اللهم أغثنا.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وكذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً.
هنيئاً مريئاً مريعاً عاماً طبقاً سحاً غدقاً عاجلاً غير آجل ولا رائف تنبت به الزرع، وتدر به الضرع، وتحيي به بلدك الميت، سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا غرق ولا هدم)، وكذلك ورد عنه: (اللهم إن بالعباد والبلاد من البلاء واللأواء والجهد ما لا يشكى إلا إليك، ولا يعول في رفعه إلا عليك، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وكذلك: (اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين)، وغير ذلك من الأدعية التي وردت في الكتاب فيها استرحام، واستغفار وسؤال الله عز وجل الرحمة بعباده، فكل ذلك لا حرج على الإنسان أن يدعو به.
(76/12)
________________________________________
ما يفعله الناس إن سقوا قبل الاستسقاء
قال رحمه الله تعالى: [وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فضله].
أي: إذا نزل عليهم غيث قبل استسقائهم شكر والله تعالى، والسبب في هذا أنه إن وعدهم يوماً معيناً، فلربما يغيرون ما بهم ويتوبون من المظالم، فيرحمهم الله قبل أن يسقوا، فإذا نزلت عليهم الرحمة وسقوا قبل أن يخرجوا فحينئذٍ يحمدون الله عز وجل ويشكرونه حتى يبارك لهم فيما أسدى إليهم وأولاهم من نعمه وفضله، ولذلك قال العلماء: لا يشرع أن تصلى صلاة الاستسقاء إذا نزل الغيث.
بمعنى أنهم لو تهيأوا للخروج للاستسقاء، فنزل الغيث، وأغيث العباد، وجرت السيول، وانتفع الناس، فحينئذٍ لا وجه للاستسقاء، فلا يستقيم للخطيب أن يقول: (اللهم إن بالعباد والبلاد من الجهد والبلاء ... )؛ لأنه يشكي بدون سبب للشكوى، ولذلك قالوا: لا يشرع أن يستسقوا إذا سقوا الغيث، لكن لو سقوا سقيا ضعيفة، أو نزل الغيث ولم يكن الغيث الذي ينتظرون فإنه يشرع لهم أن يخرجوا، وأن يستسقوا مع نزول الغيث عليهم.
قال رحمه الله تعالى: [وينادى لها الصلاة جامعة].
الثابت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لم يؤذن لها ولم يقم، ولكن بعض العلماء يقول بأنه ينادي لها بـ (الصلاة جامعة) ولكن الأقوى والأشبه أن لا ينادى لها بهذا النداء، لقوله: (بدون أذان ولا إقامة).
قال رحمه الله تعالى: [وليس من شرطها إذن الإمام].
أي: يصلونها فرادى وجماعات، بدون ليست كالجمعة، أما الجمعة فلا بد فيها من إذن الإمام.
(76/13)
________________________________________
ما يسن فعله عند نزول المطر
قال رحمه الله تعالى: [ويسن أن يقف في أول المطر وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر].
بعد أن ذكر لنا -رحمه الله- آداب الاستسقاء التي قبل السقيا وصفة صلاة الاستسقاء شرع رحمه الله في بعض الآداب والسنن وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء نزول الغيث، وهذا من المناسب؛ لأنه لما تكلم عن السقيا وسؤال الله الغيث ناسب أن يذكر بعض الهدي والآداب الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء نزول الغيث.
فمن هذه الآداب أن يخرج إلى المطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل الغيث حسر عن رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول: (إنه قريب العهد بربه)، أخرجه الترمذي وغيره.
وكان من دعائه: (اللهم صيباً نافعا)، فكان عليه الصلاة والسلام يسأل الله أن يكون الغيث والمطر صيباً نافعاً، ولذلك شرع أن يحسر عن رأسه حتى يصيبه الغيث.
ولذلك قالوا: هذا من السنة، ويكون الدعاء الوارد: (صيباً نافعاً)، بمعنى أنه يكون فيه الخير؛ إذ ربما مطر الناس ولا يكون في هذا المطر خير، فيبقون على قحطهم وما هم فيه من الجدب -نسأل الله السلامة والعافية- فلا يكون صيباً نافعاً، كما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: (أن تمطروا ثم تمطروا ثم لا تنبت الأرض) أي: يمطر الناس المطر بعد المطر ولا يضع الله البركة في هذا المطر، فلا تنبت الأرض، فكأنهم لم يمطروا، فهذا من أشد ما يكون -نسأل الله السلامة والعافية-.
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه ندب للدعاء عند نزول المطر، فإنه من مظان الإجابة.
(76/14)
________________________________________
ما يقال عند الخوف من كثرة المطر
قال رحمه اله تعالى: [وإن زادت المياه وخيف منها سن أن يقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)، (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ... ) الآية].
الدعاء الذي ذكره هو الوارد عنه عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الدعاء الذي يمكن أن يقال عند تخوّف المطر، كأن يكون مطراً شديداً يخشى منه الغرق، ويخشى أن يكون منه ما يضر الناس، فيسأل الله أن يجعله حواليهم ولا عليهم، بمعنى أنه لا يسأل الله صرف المطر كله؛ لأنه إذا صرفه كله صرف الخير عن عباد الله، فلذلك يقول: (حوالينا ولا علينا)؛ لأن ما حوالي المدن والقرى في الغالب أماكن السيول والأودية التي يتقونها عند النزول.
فمراده ما فسره بعد ذلك في قوله: (على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)؛ وذلك أنها إذا نزلت على الجبال فإنها تنفع أكثر؛ لأن نزولها على الجبال يكون منه جريان السيل، بخلاف نزولها على الأرض المنبسطة، فنزول الغيث على الضراب والآكام وبطون الأودية والأماكن المرتفعة ينفع كثيراً، ويصل إلى أمد، ربما يجاوز المكان الذي نزله إلى مكان آخر؛ لأن السيل إذا قويت موارده كانت نهايته أبلغ ما تكون على حسب قوة مورده، فلذلك يسأل الله أن يكون على الأماكن العالية حتى يكون أبلغ في وصول الماء إلى الناس الآخرين، حتى ينتفع به المسلمون، ويكون نفعه عاماً لا خاصاً بالمكان الذي نزل فيه.
(76/15)
________________________________________
الأسئلة
(76/16)
________________________________________
حكم الخطبة في صلاة الكسوف

السؤال
ما حكم الخطبة في صلاة الكسوف؟

الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن الخطبة في صلاة الكسوف ليست بواجبة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، ولم يأمر عليه الصلاة والسلام بالخطبة، خاصة وأن خطبته عليه الصلاة والسلام كانت لمناسبة، وهي قول الناس: إن إبراهيم قد توفي، وإن الشمس قد كسفت لوفاته.
فهي ليست بواجبة، لكن لو خطب فإنه لا حرج في ذلك، وهو مذهب طائفة من العلماء، ويرون أنها جائزة، بمعنى أنها مسنونة ولا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة والنار في خطبته عليه الصلاة والسلام، ورغب ورهب في خطبة الكسوف، قالوا: فهذا يدل على مشروعية الخطبة لها.
والله تعالى أعلم.
(76/17)
________________________________________
حكم من ندبهم الوالي للاستسقاء وهم مكتفون بالعشب والماء

السؤال
إذا ندب الوالي للاستسقاء وهناك بلدة مكتفية بالماء والعشب، فهل يشرع لهم الاستسقاء بندب الوالي لهم؟

الجواب
نعم.
وتكون السقيا لغيرهم، كأن يكون البلد واحداً فيستسقون، فيكون السقيا لهم زيادة خير، ولغيرهم زوال بلاء وضر، وقد نص بعض العلماء على أنه لا حرج في هذا، والله تعالى أعلم.
(76/18)
________________________________________
كيفية قضاء من فاتته ركعة من صلاة الاستسقاء

السؤال
كيف يقضي صلاة الاستسقاء من فاتته ركعة منها، هل يقضيها سبع تكبيرات أم خمس؟

الجواب
هذه المسألة مفرعة على مسألة أخرى في القضاء وهي: إذا فاتتك بعض الركعات فهل صلاتك ما بقي مع الإمام هي الأولى، أو هي الأخيرة؟ فهناك مذهبان هما أصل هذه المسألة تفرّع عنهما مذهب الجمع، وهو المذهب الثالث الذي يلفق بين المذهبين.
فمن العلماء من يقول: الذي أدركته مع الإمام هو صلاتك الأولى.
وبناءً على ذلك فإذا سلم الإمام فإنك تضيف ما فاتك من الركعات وتعتبره آخر صلاتك، وهذا المذهب يحتج بحديث أبي هريرة في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فهذا يدل على أنك تبني على صلاة الإمام، ولا تقضي ما فاتك.
ومن العلماء من يقول: صلاتك مع الإمام هي الأخيرة.
وبناءً على ذلك فإذا قمت فإنك تقضي ولا تبني، وتعيد الركعات التي فاتتك.
وهناك مذهب ثالث يلفق بين المذهبين فيقول: يبني في الأفعال ويقضي في الأقوال، جمعاً بين رواية: (فاقضوا)، ورواية: (فأتموا).
وأصح هذه الأقوال وأقواها أنه يتم ويبني، ولا يقضي، ولا يجمع بين البناء والقضاء، وذلك لما يلي: أولاً: لأن الرواية الصحيحة عن أبي هريرة أقوى ما رويت به رواية الإئتمام، أي: (وما فاتكم فأتموا)، فأصحاب الزهري رحمه الله الذين رووا: (فأتموا) أقوى من الذين رووا: (فاقضوا)، فالسفيانان يقدمان على غيرهما عند التعارض.
ثانياً: أن روية: (فأتموا) لا تعارضها رواية: (فاقضوا)؛ لأن القضاء يستعمل بمعنى الإتمام، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} [الجمعة:10] أي: تمت.
وقوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة:200] أي: أتممتموها.
والقاعدة في الأصول أنه إذا تعارض نص مع نص، وكان أحدهما يتضمن المعنى الذي لا يعارض من كل وجه بحيث يمكن صرفه إلى معنى يتفق مع الوجه الثاني فإنه ينبغي صرف النص المخالف إلى المعنى الذي يوافق به النص الآخر.
فنقول: رواية: (فاقضوا) المراد بها رواية: (فأتموا)؛ لأن القضاء يستعمل بمعنى الإتمام، فترجح قول من يقول: إنه يتم ولا يقضي سنداً ومتناً، سنداً لأنها رواية أقوى، ومتناً لأن معنى الإتمام أقوى في الدلالة من معنى القضاء، فالقضاء يستعمل بمعنى الإتمام، فدخل تحت الإتمام ولم يقو على معارضته.
ويتفرع على هذه المسألة ما لو كنت قد أدركت ركعة في صلاة الاستسقاء فعلى القول بالقضاء تقوم فتكبر سبع تكبيرات في الركعة الثانية التي ستقضيها، وعلى القول بالبناء تكبر خمس تكبيرات؟ والصحيح أنك تكبر خمس تكبيرات على ظاهر السنة التي ذكرناها.
والله تعالى أعلم.
(76/19)
________________________________________
مشروعية شهود النساء للاستسقاء

السؤال
هل يشرع للنساء أن يحضرن صلاة الاستسقاء كالعيد؟

الجواب
لا حرج في شهود النساء للاستسقاء إذا أمنت من خروجهن الفتنة، وذلك لأن المقام مقام استرحام واستعطاف، وكان بعض العلماء يرى خصوص الخروج لكبيرات السن دون الشابات، فلا يشرع للشابات والنساء اللاتي تحصل بهن فتنة أن يخرجن؛ لأنه يوم تضرع ومسكنة، وخروجهن فتنة لهن، أو فتنة لغيرهن، أو فتنة لهن ولغيرهن، وأما بالنسبة لكبيرات السن من النساء والضعفة فلا حرج في خروجهن.
وبعض العلماء يمنع مطلقاً، يقول: لا يشرع خروج النساء مطلقاً.
(76/20)
________________________________________
من فاتته صلاة الاستسقاء مع الجماعة

السؤال
إذا لم أدرك صلاة الاستسقاء مع الجماعة فهل أصلي بمفردي، أم أستمع للخطبة؟

الجواب
من جاء وقد فرغ الإمام من صلاة الاستسقاء، وكان الاستسقاء في مسجد فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم ينصت ويدعو بدعاء المسلمين، ويسأل الله عز وجل الرحمة أثناء الدعاء وأثناء خطبة الإمام.
والله تعالى أعلم.
(76/21)
________________________________________
حكم الزيادة والنقصان في عدد تكبيرات صلاة الاستسقاء

السؤال
ما حكم الزيادة والنقصان في عدد تكبيرات صلاة الاستسقاء؟

الجواب
المشروع أن يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، على الأصل الذي ذكرناه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في صلاة العيد، وعلى هذا فلا يشرع له أن يزيد، وبناءً على ذلك تكون السنة على هذه الصفة الواردة، ولو زاد تكبيرة فبعض العلماء يرى من ناحية الأصل أنها بدعة، ويرى كأنه قد تكلم بكلام أجنبي، فيتفرع الحكم على هذه المسألة عن حكم الكلام في الصلاة إذا كان بذكر الله كالتكبير والتحميد وتلاوة القرآن، وإذا كان بغيره، وإن كان الأقوى أنها لا تبطل، فإذا زاد تكبيرة لا تبطل، لكنه يأثم؛ لأنها بدعة وحدث، فيعتبر آثماً إذا كان عالماً.
لكن لو شك هل الذي كبره أربع تكبيرات أو خمس تكبيرات فإنه يبني على الأقل حتى يستيقن، على الأصل الذي دل عليه حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، وكذلك أحاديث الشك في عدد ركعات الصلاة كحديث أبي سعيد، وأبي موسى رضي الله عن الجميع، وهي كلها ثابتة وصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما كونه يزيد في عدد التكبيرات من عند نفسه فلا؛ لأننا قلنا: إن هذا من البدعة والحدث، ويأثم صاحبه.
والله تعالى أعلم.
(76/22)
________________________________________
قلب الرداء في الاستسقاء يشمل غطاء الرأس

السؤال
هل قلب الرداء في الاستسقاء يشمل ما يغطى به الرأس؟

الجواب
الرداء هو ما يلبس لأعالي البدن، وما يكون لأسفل البدن يسمى إزاراً في لغة العرب، مثل ما يلبس المحرم، ولقد قلب رداءه عليه الصلاة والسلام، فجعل ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، وهذا هو السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فطرد بعض العلماء رحمهم الله ذلك في الملبوس الآن، وقال: لما كان المعنى هو التفاؤل بتغيّر الحال واسترحام الله عز وجل وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى شرع إذا كان له عباءة كالبشت ونحوه أن يقلبه، ولا حرج أن يجعل أيمنه على يساره وأيسره على يمينه.
قالوا: وكذلك أيضاً إذا لم يكن عليه عباءة قلب غطاءه الذي على رأسه كالغترة والشال ونحوهما، ولا حرج عليه أن يقلبه فيجعل أيمنه أيسره وأيسره أيمنه؛ لأن المعنى موجود، وصورة الثوب غير مؤثرة؛ لأن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم حسن الظن بالله عز وجل والفأل المحمود شرعاً.
والله تعالى أعلم.
(76/23)
________________________________________
حكم تخصيص يوم الإثنين بصلاة الاستسقاء

السؤال
هل ورد دليل على تخصيص الصلاة بيوم الإثنين؟

الجواب
اختار بعض العلماء يوم الاثنين لأنه يوم صيام، وهو أرفق وأيسر على الناس، فكرهوا يوم السبت لأنه يوم اليهود، وكرهوا يوم الأحد لأنه يوم النصارى، ويرون أن ابتداء الإثنين أرفق بالناس، ويوافق عرض الأعمال على الله، ثم إن الناس يصومونه فهم أقرب إلى الله عز وجل، ومثل الإثنين يكون الخميس؛ لأن للخميس ما للإثنين، وقد يكون أرفق من جهة كونه أخف عليهم.
ومع ذلك فليس هناك دليل لتخصيص الإثنين، لكن لو خصص الإثنين فلا حرج، لزومه واعتقاد وجوبه فليس هناك دليل على ذلك، وفرق بين أن نقول: يخصص يوم للخروج، وقولنا: يجب خروج هذا اليوم، فتخصيص أي يوم للخروج ثبتت به السنة، وأما اعتقاد وجوبه فلا.
والله تعالى أعلم.
(76/24)
________________________________________
حكم رفع اليدين عند دعاء الخطيب في الجمعة

السؤال
هل يشرع رفع اليدين في خطبة الجمعة إذا دعا الخطيب؟

الجواب
رفع اليدين في خطبة الجمعة لا يشرع إلا عند الاستسقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رفع حين استسقى، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، فدل على أنه كان من هديه إذا دعا أنه لا يرفع إلا في استسقائه، ومن هنا أخذ العلماء رحمهم الله أنه لا يشرع الرفع، ولما رفع مروان بن الحكم على منبر النبي صلى الله عليه وسلم قال عمارة بن رؤيبة: تباً لهاتين اليدين.
وهذا إنكار عليه، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يشير بإصبعه: اللهم اغفر لنا.
اللهم ارحمنا.
اللهم تب علينا.
ونحو هذا، فما كان يرفع يديه صلوات الله وسلامه عليه في دعائه في خطبة الجمعة.
والله تعالى أعلم.
(76/25)
________________________________________
من عليه أكثر من كفارة يمين

السؤال
امرأة عليها كفارات أيمان، فهل تكفر كفارة واحدة أم متعددة؟

الجواب
هذا فيه تفصيل، فإذا حلفت اليمين على شيء واحد وكررت اليمين فقالت: والله لا أخرج.
ثم بعد ساعة قيل لها: اخرجي، قالت: والله لا أخرج.
ثم في اليوم الثاني قيل لها: اخرجي.
قالت: والله لا أخرج.
فحينئذٍ لو حلفت ألف يمين على هذا الشيء المعين فكفارته كفارة واحدة، وأما إذا كانت حلفت أيماناً متعددة على أشياء متعددة فإن الكفارة فيها متعددة بتعددها، وذلك لاختلاف أسبابها، فكل يمين تستقل بحكمها، ويجب التكفير عن كل واحدة منها منفردة عن أختها.
والله تعالى أعلم.
(76/26)
________________________________________
حكم إدراج نية الوضوء في الغسل المستحب أو الواجب

السؤال
ما حكم إدراج نية الوضوء في الغسل، سواء أكان للتبرد أم للجنابة أم للجمعة؟

الجواب
لا حرج أن يدرج الإنسان الوضوء تحت الغسل، فتنوي قبل غسلك أن تصلي بعد الغسل، فهذا لا حرج فيه، لحديث أم المؤمنين عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتوضأ بعد غسله)، فكان بعد الغسل يصلي مباشرة، فأجمع العلماء على أن من نوى بغسله أن يصلي أنه يجزئه، سواء أكان الغسل للجنابة أم كان غسلاً مستحباً.
والله تعالى أعلم.
(76/27)
________________________________________
وقت قيام المرأة إلى الصلاة المكتوبة

السؤال
هل تصلي المرأة الصلوات الخمس بعد انتهاء الإمام من الصلاة، أم بعد دخول الوقت مباشرة؟

الجواب
إذا دخل الوقت يجوز للمرأة أن تصلي، فإذا سمعت النداء، أو غلب على ظنها أن وقت الصلاة قد دخل فإنها تصلي.
لا تلزم بصلاة الإمام، ولا يجب عليها أن تتقيد بصلاة الإمام، وإنما يتقيد بصلاة الإمام الرجل في يوم الجمعة إذا كان قد ترك الجمعة تهاوناً فإنه لا يصليها ظهراً إلا بعد صلاة الإمام للجمعة؛ لأنها لا تجب عليه ظهراً إلا بعد فراغ الإمام من الجمعة.
والله تعالى أعلم.
(76/28)
________________________________________
حكم الدخول مع الجماعة إذا أدرك المصلي التشهد الأخير

السؤال
إذا وصلت المسجد والجماعة في التشهد الأخير فهل أجلس معهم للتشهد، ثم أتم، أم أنتظر حتى يتجمع بعض المتأخرين ونقيم جماعة جديدة؟

الجواب
من دخل المسجد وجب عليه أن يدخل مع الجماعة لظاهر السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (فإذا أقيمت فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا) فقال: (فما أدركتم) ولم يفرق بين قليل ولا كثير، ولذلك يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم شدد في ترك الجماعة حتى قال للرجلين: (ما منعكما أن تصليا في القوم؟ ألستما بمسلمين؟ -مع أنهما كانا قد صليا في رحالهما- فقالا: يا رسول الله! قد صلينا في رحالنا.
قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا فإنها لكما نافلة).
فكون الإنسان يدخل والجماعة قائمة والإمام في صلاته ويبقى واقفاً ينتظر تسليم الإمام فهذا لا أصل له من جهة الدليل، أي: ليس هناك دليل يستثني هذا العموم الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ينص العلماء رحمهم الله لحديث أبي هريرة في الصحيح على أنه ينبغي عليه أن يدخل مع الجماعة، ومنهم من يقول: يجب عليه أن يدخل مع الإمام ولا يتخلف، وقد جاء الأمر في بعض الأحاديث في السنن مفسراً ذلك، فقال: (على أي حالة أدركتمونا فصلوا) بمعنى أنه يجب على الإنسان أن يدخل على الحالة التي يجد عليها الإمام.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس والعامة أنهم يرون الإمام ساجداً فيبقون حتى يرفع الإمام من سجوده، وهذا فوات للخير وفوات للبركة، ولذلك ينبغي على الإنسان إذا وجد الإمام ساجداً أن يسجد، فإن الله يرفعه بها درجة ويعظم له بها الأجر، وقد يستجيب الله له الدعاء، فقد يوافق باباً مفتوحاً في السماء فيستجاب له، وفي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم حث على الدعاء عند السجود وقال: (فقمن أن يستجاب لكم)، فترك السجود والفضل والدرجات والانتظار حتى يقوم الإمام فوات للخير.
فيفوته وقت الصلاة؛ لأن هذا القدر الذي فيه السجدة يعتبر من أول الوقت، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليصلي الصلاة وما يصليها في وقتها، ولما فاته من وقتها خير له من الدنيا وما فيها)، فلحظات يسيرة ربما تكون خيراً للإنسان من الدنيا وما فيها، فهذا القدر اليسير تدركه والإمام راكع، وتدركه والإمام ساجد، وتدركه والإمام جالس بين السجدتين، وهو يتشهد، فعلى أي حالة أدركت الإمام فصلِّ رحمك الله، وادخل مع الجماعة، فهذا هو نص السنة.
فإذا صلى مع الجماعة الأولى أدرك فضل أول الوقت وأدرك فضيلة الجماعة الأولى، وإن كان لم يدرك حكم الجماعة، وفرق بين قولنا: أدرك حكم الجماعة، وبين قولنا: أدرك فضل الجماعة، فقد نص العلماء على أن من أدرك الإمام قبل أن يسلم فإنه يكون مدركاً لفضل الجماعة الأولى، ولذلك قالوا في روايات فضل صلاة الجماعة على الفرد، كرواية:: (سبع وعشرين درجة)، ورواية: (خمس وعشرين درجة): إن رواية (سبع وعشرين) لمن أدركها كاملة، ورواية: (وخمس وعشرين) لمن أدركها في آخرها، ورواية: (ست وعشرين) لمن أدرك ما بينهما.
فمن السنة أن الإنسان يدخل مع الإمام، وهذا هو الذي حرص الإسلام عليه لاجتماع الشمل، وكأن الإسلام يريد أن يجتمع الناس، وأن لا يتفرقوا، وأن لا يكون ذلك سبباً في زوال المعنى الذي من أجله قصدت صلاة الجماعة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
(76/29)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الجنائز [1]
عيادة المريض من السنن التي حث الشارع عليها ورتب عليها الثواب العظيم، سواء أكان المريض مسلماً أم كافراً، ومقصد الشارع من العيادة أنها من المواساة لذلك المريض وتصبيره، والمريض الذي أوشك على الموت وعرف ذلك بالعلامات الدالة عليه ينبغي أن يذكر بالتوبة والوصية، كما يستحب أن يُحسن ظنه بالله، وأن يلقن الشهادة، ويستخدم معه الوسائل التي تيسر عليه النطق بها، مثل تعاهد بل حلقه بالماء أو بشراب؛ فإن ذلك مما يعين على سهولة نطقه وحديثه، وكذلك ذكر الآيات والأحاديث التي تبين سعة رحمة الله.
(77/1)
________________________________________
بيان أن عيادة المريض من السنة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: يقول المؤلف عليه رحمه الله: [كتاب الجنائز].
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الجنائز].
الجنائز: جمع جَنازة أو جِنازة -لغتان- وقال بعض العلماء: جَنازةٌ (بالفتح) للميت نفسه، وجِنازة (بالكسر) للسرير الذي يُحمل عليه الميت.
وقيل: إنها مأخوذة من جَنز الشيء إذا استتر، و (الجنائز) المراد بها: بيان الأحكام المتعلقة بالميت.
ومناسبة هذا الكتاب لما تقدم: أن للعبد حالتين: الحالة الأولى تتعلق بدنياه، والحالة الثانية تتعلق بآخرته، فبعد بيان العبادات التي تتعلق بدنياه شرع -رحمه الله- ببيان جملة من المسائل والأحكام الشرعية المتعلقة بالمكلف عند موته أو بعد موته، وذلك من عيادته، وتلقينه، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه.
وهذا الباب يعتني به العلماء من المحدثين والفقهاء رحمهم الله، وقد اشتمل على جملة من المسائل والأحكام الشرعية، وختم به المصنف رحمه الله كتاب الصلاة، وكأنه لما عبر بالكتاب جعله وسطاً بين الصلاة والزكاة، والسبب في ذلك: تردد حالة الإنسان في العبادات بين كونها عبادة تتعلق بالدنيا، وعبادة تتعلق بالآخرة، فناسب التقسيم من هذا الوجه، كأنه حينما قال لنا: [كتاب الجنائز] كأنه يقول لك: في هذا الموضع سأذكرُ لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بالميت، وما ينبغي على أهله وذويه إذا نزل به الموت، وكذلك ما ينبغي على المسلمين من الصلاة عليه ودفنه والدعاء له.
يقول رحمه الله: [تُسن عيادة المريض].
هذه السنية دلت عليها النصوص المتضافرة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وعيادة المريض من أجل القربات وأحب الطاعات إلى الله جل وعلا، والتي جمع بها بين قلوب المؤمنين والمؤمنات؛ لما تشتمل عليه من رحمةِ بعضهم ببعض؛ ولما فيها من معونة المسلم لأخيه المسلم في حالة هو أشد ما يكون إلى رؤية إخوانه، والتعزي بما نزل في جسده، وما أُصيبَ به في نفسه.
وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العيادة، وأمر بها أصحابه رضوان الله عليهم، وأمته من بعدهم، فكان عليه الصلاة والسلام يعود المريض، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه وسلاه، وأخبره بمعجزة من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه وهي أنه يعمر، وينتفع به أقوامٌ -وهم المسلمون- ويستضر به أقوامٌ -وهم الكافرون- وكان كما قال.
وكذلك عاد عليه الصلاة والسلام جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وصبّ وضوءه عليه فشفي.
وكذلك ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه عاد يهودياً.
فالسنة بفعله عليه الصلاة والسلام تدل على مشروعية هذه العبادة الجليلة، وكذلك أمر بها عليه الصلاة والسلام، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث البراء أنه أمر بعيادة المريض وإبرار المقسم، وجعلها من السبع التي أمر بها أصحابه وأمته من بعده صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
(77/2)
________________________________________
فضل عيادة المريض
ندب عليه الصلاة والسلام إلى عيادة المريض، وأخبر عما فيها من عظيم الأجر وجزيل الثواب عند الله سبحانه وتعالى، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة حتى يعود، قيل: وما خرفة الجنة؟ قال: جناها)، وللعلماء في هذا الحديث وجهان: الوجه الأول: أن قوله: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة) أي: شبه حال الإنسان وهو خارجٌ لعيادة أخيه المسلم بحال الرجل الذي جلس أمام ثمار البستان يجني منها ما لذّ وطاب، فالذي يعود المريض يجني ثمرة عيادته من عظيم الأجر والمثوبة عند الله سبحانه وتعالى، فكما أن صاحب البستان جالسٌ أمام خير من الدنيا، فمن عاد المريض جالسٌ أمام خيرٍ من الآخرة، وهذا يدل على عظيم الفضل، كأنه يجني الثواب بدون حساب؛ من كثرة ما في ذلك من الأجر والمثوبة عند الله سبحانه وتعالى.
والوجه الثاني: أن قوله: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة حتى يعود) أي: أن الطريق الذي سلكه في عيادة أخيه المسلم حال مرضه أشبه بالطريق إلى الجنة، بمعنى: أنه سينتهي به إلى الجنة.
وهذا كله يؤكد فضل عيادة المريض، ويدل على استحبابها وتأكد هذا الاستحباب.
ويعظم حق المريض بحسب قربه؛ فإن كان من الوالدين أو من القرابات والأرحام فالأمر في حقه آكد وأشد، ولذلك كان من وصل مريضاً وله قرابةٌ به فإنه يؤجر من وجهين: الوجه الأول: من جهة عيادته للمريض، وله أجر عيادة المريض المطلق.
والوجه الثاني: أنه يؤجر من جهة كونه وصل الرحم وبلها ببلالها، واتقى الله عز وجل فيها.
فأفضل ما تكون عيادة المرضى، إذا كانت للأقرباء ومن لهم رحمٌ بالإنسان وصلة، فإن حقهم آكد وأعظم، والتقصير في حقهم لاشك أنه أكثرُ إثماً وأعظم جرماً.
(77/3)
________________________________________
مقصد الشارع من عيادة المريض المسلم والمريض الكافر
قوله: [تسنُ عيادة المريض] هذه العيادة تشمل المسلم، والكافر: أما بالنسبة للمسلم فلا إشكال في ذلك، وفي عيادتك للمسلم خيرٌ كثير؛ فبها تقوى نفسه ويرتاح، خاصةً إذا كان بينك وبينه ودٌ وحب؛ فإن المريض ربما نشط برؤية أحبابه وأصحابه أكثر من نشطه بالدواء والعلاج، فرؤيته لمن يحب أنسٌ له، وبهجةٌ لنفسه وراحةٌ لها، وطمأنينة لقلبه.
وأما بالنسبة لغير المسلم فإنه إذا كان كافراً فإنك تعوده بقصد دعوته إلى الإسلام، كما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه عاد يهودياً ثم لقنه شهادة التوحيد، فنظر إلى والديه فقالا: أطع أبا القاسم، فأطاع النبي صلى الله عليه وسلم وتشهد، فحمد النبي صلى الله عليه وسلم ربه أنه أنقذه من النار بسببه.
وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (عاد عمه أبا طالب عند حضور الموت، فقال: يا عم! قل: لا إله إلا الله؛ كلمةً أحاج لك بها بين يدي الله)، فهذا يدل على تأكد جواز ومشروعية عيادة المريض الكافر؛ وذلك بسبب تأليفه للإسلام.
أما المسلم فإن له حق العيادة، سواء كان براً أو فاجراً، صالحاً أو طالحاً؛ وذلك لأنه حقٌ للمسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) فكونه يقصر فيما بينه وبين الله لا يمنع من أداء حقه في الإسلام من عيادته، ولربما عاد الصالحون الفجار فذكروهم بما عند الله؛ فكان سبباً في حسن الخاتمة لهم وتوبتهم وإنابتهم إلى الله عز وجل.
وهذا مما يقصده الشرع، فإنه تكثيرٌ لسواد الأمة في الخير، وكذلك طاعةٌ للمطيع لربه، فإن المطيع إذا عاد أمثال هؤلاء وذكرهم بالله عز وجل، فإن هذا يعود بالخير عليه؛ لأنه يؤجر، وهو من الدعوة إلى الله عز وجل.
ولكن إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أنه إذا زار الفاجر أو العاصي أنه سيتأثر وأنه سيتغير، فإنه قد يجب عليه أن يعوده؛ لأن دعوة الناس إلى الخير وهدايتهم متأكدة، فإذا غلب على الظن أنه يرجى نفعها فالأمر آكد.
(77/4)
________________________________________
آداب عيادة المريض
قوله: (تسن عيادة المريض) هذه السنية مطلقة، لا تتحدد بزمان ولا بمكان، والأمر يختلف باختلاف العوائد، ولا يحدد لها زمانٌ لا بالليل ولا بالنهار، فتعود المريض بالليل وتعوده بالنهار، على حسب ما يجري في العادة ويقتضيه العرف، وعلى حسب استعداد المريض لتقبل هذه الزيارة وارتياحه لها وحصول المقصود.
وإذا عاد المسلم أخاه المسلم، فإنه ينبغي عليه أن يحفظ الحقوق في هذه العيادة، فالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم والهدي عنه كان أكمل الهدي وأكمل السنة، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا عاد مريضاً يتوخى أفضل الأمور وأحبها إلى الله عز وجل، وهذا هو المقصود من العيادة.
ولذلك قرر العلماء كما نبه عليه جمعٌ منهم: الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه النفيس -الزاد- عند كلامه عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادة المريض، أن ذلك الهدي أكمل الهدي وأحسنه وأجمله وأفضله، فكان يندب أصحابه إلى إفساح الأجل للمريض، فإذا عاد الإنسان المريض أفسح له في الأجل.
ومما يدل على مشروعية ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد سعد بن أبي وقاص أفسح له في الأجل، وقال له -لما أخبره سعد أنه مريض وأنه يخشى الموت-: (لعلك أن تعمر فينتفع بك أقوامٌ ويستضر بك آخرون) وكان ما كان، فقد نفع الله به الإسلام بخروجه رضي الله عنه للجهاد في سبيل الله، وكسر الله به شوكة الكافرين، فهذا إفساحٌ في الأجل منه عليه الصلاة والسلام، وهو يشهد لحديث ابن ماجة: (من عاد مريضاً فليفسح له في الأجل).
وإفساح الأجل فيه حسن ظنٍ بالله، وفيه فألٌ حسن، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن؛ لأن الإنسان إذا أحسن ظنه بالله عز وجل قويت عقيدته وكمل يقينه، وكذلك -أيضاً- حينما تفسح له في الأجل فذلك أدعى إلى أن تطول حياته، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم من طال عمره وحسن عمله).
(77/5)
________________________________________
أمور ينبغي التذكير بها عند عيادة المريض
وهناك حقوقٌ لله عز وجل وحقوقٌ للعباد ينبغي الإنسان أن يتوخاها عند قيامه بعيادة المريض، ولا يشق على المريض بطول الجلوس وكثرة الحديث وكثرة السؤال، وإنما ينظر إلى الأرفق والأحسن والأفضل بالنسبة لحال ذلك المريض.
قال المصنف: [وتذكيره التوبة والوصية].
فهذا من حقوق الله عز وجل التي ينبغي للمسلم أن يحفظها إذا عاد أخاه المسلم.
(77/6)
________________________________________
التذكير بالتوبة
قوله: [وتذكيره التوبة] أي: ينبغي للمسلم إذا عاد أخاه المسلم أن يذكره بالتوبة إلى الله عز وجل، وذلك أن المرض من مقدمة الموت، وقد يكون طريقاً إلى الموت، خاصةً إذا ظهرت أمارات المرض الذي لا يرجى له شفاء، فيذكره بالتوبة إلى الله عز وجل.
والسبب في ذلك: أن المرضى ربما انشغلوا بالعلاج وأخبار المرض، وما يفعلونه في مواجهة ما يعانونه من مشقة المرض، فينشغلون عما هو أهم وما هو مقصود من نزول المرض، فإن نزول المرض بالعبد إنما هو تخفيف للسيئات ورفعةٌ للدرجات واستكثار للحسنات، فينبغي للمسلم إذا زار أخاه المسلم أن يذكره التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، والتحلل من مظالم الناس عامها وخاصها، ويذكره بحقوق الناس.
وإذا كنت تعلم أنه ظلم إنساناً ذكرته مظلمته، وقلت له: يا فلان، تب إلى الله من أذية فلان، يا فلان، إن لفلانٍ عليك حقاً فتحلل منه، إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلله منها قبل ألا يكون دينار ولا درهم)، فهذا من أساليب الدعوة إلى التوبة من حقوق العباد.
وأما بالنسبة لحقوق الله جل وعلا فيذكره التوبة من الذنوب كبيرها وصغيرها، وجليلها وحقيرها، ويحسن ظنه بالله عز وجل أنه الغفور الرحيم، وأنه الجواد الكريم، وأنه اللطيف الحليم، ويقوي بهذا الأمر -حسن الظن بالله عز وجل- عزمه على التوبة، فإن الإنسان إذا ذكرته بالتوبة وعطفت -مع تذكيرك بالتوبة- بذكر سعة مغفرة الله وعفوه وحلمه؛ قويت نفسه على التوبة، وقويت نفسه على الرجوع إلى الله؛ لأن المذنب ربما يأتيه الشيطان فيعظم له الذنب، وكلما فكر الإنسان في التوبة جاءه الشيطان من باب إعظام الذنب، فقال له: أنت فعلت وقلت، ولا يمكن لهذا الفعل أو القول أن يغفر، فهو فعل عظيم وقول عظيم، فلا يزال يتعاظم ذنبه على الله حتى يحجب عن التوبة والعياذ بالله! وهذا من القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله، فلا ينبغي للمسلم ذلك، فعلاج هذه الوساوس التي تكون في صدر الإنسان من الذنوب: أن يحسن ظنه بالله عز وجل، ولذلك وردت الآيات والأحاديث التي ترغب في التوبة، مذيلة بصفات الله التي تدل على سعة رحمته، وسعة حلمه وعفوه وكرمه وجوده، وأنه سبحانه وتعالى لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة المطيعين، فإذا كان الإنسان أثناء بيانه للتوبة، أو دعوته للتوبة يعطف بذكر سعة رحمة الله؛ قويت النفوس على طلب هذه الرحمة، واشتاقت الأرواح إلى رحمة الله جل جلاله، وكان عندها مع هذا الشوق قوة اليقين بالله سبحانه وتعالى.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يندب أمته إلى حسن الظن بالله عز وجل، خاصةً في هذا الموطن العظيم التي تزل فيه القدم بعد ثبوتها نسأل الله السلامة والعافية.
والإنسان إذا تاب إلى الله عز وجل توبةً صادقة تاب الله عليه ولو أتى ربه بقراب الأرض خطايا، فإن الله سبحانه وتعالى إذا تاب العبد توبة نصوحاً تاب عليه، قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه:82]، {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر:49]، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53]، وتتلى مثل هذه الآيات التي تقوي اليقين بالله سبحانه وتعالى عند المريض.
فمن حق الله عز وجل الذي ينبغي عليك إذا عُدت المريض أن تذكره بهذا الحق، والناس قد تساهلوا في هذه الأمور، فكثير منهم عندما يزور أخاه ويجلس عنده، ينهمك في الأحاديث عن فضول الدنيا، وقل أن يذكره بالتوبة والإنابة إلى الله، بل قد تجد من قرابة المريض من يتذمر ويتسخط إذا حدثت المريض بهذه الأمور، وكأنك إذا قلت للإنسان: تُبْ إلى الله، أو إن هذا المرض ينبغي على الإنسان أن يستحضر معه التوبة، وأن ينكسر فيه لله عز وجل؛ إذا قلت له ذلك كأنما جنيت عليه جناية -نسأل الله السلامة والعافية- فهو يظن أنك تسيء الظن به، وأن هذا البلاء نزل به بسبب ذنوبه ومعاصيه، والواقع كذلك؛ فإن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وما علينا إلا أن نقوم بالسنة.
والأفضل للزائر أن يذكر المريض فيما بينه وبين الله بالتوبة، ولا يخاطبه أمام الناس إذا خشي إساءة الظن، فإذا دنوت إلى المريض ومسحت برأسه -إذا كان يحتمل ذلك ويحب ذلك- ثم همست في أذنه بالكلمات الطيبة مما يذكر بالتوبة إلى الله والإنابة إليه، مثل يا فلان! إنا نكثر الذنوب، فتب إلى الله، وهذه الحالة حالة طيبة تقرب الإنسان من الله، والعبد إذا نزل به الضر فإن الله يحب منه أن يقرع بابه: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43]، فيكلمه بهذه الكلمات الطيبة، وبهذا النصح الذي يكون بينه وبينه؛ حتى لا يسيء الناس الظن بالزائر ولا يكون مدعاة لسخط قرابة المريض.
والتوبة من الذنوب مشروعة في كل حال وزمان ومكان، والله جل وعلا أمر عباده أن يتوبوا إليه، ولم يقيد ذلك بحال، لكن العلماء رحمهم الله ذكروا ذلك في مثل هذه المواطن؛ لأن الأمر أدعى، فقد يكون هذا البلاء أو المرض نزل بسبب دعوة مظلوم، أو لربما نزل بسبب أذيته لقريب، ولربما نزل بسبب ضره بالناس، فإذا ذكرته ربما تاب إلى الله عز وجل وغير من حاله، فأصبح المرض نعمةً عليه.
يقول بعض أهل العلم: إن الإنسان قد يلتبس عليه التفريق بين المرض إذا كان بلاءً، أو رفعة درجة.
والواقع أن المرض يكون بسبب الذنب، وقد يكون بلاءً يقصد منه رفع الدرجة، فيشكل على الإنسان أن يعرف هل هذا البلاء لرفعة درجة، أم بسبب بذنب.
قالوا: فينبغي على الإنسان إذا نزل به المرض أو نزل به البلاء أن يعتبر أنه بسبب الذنب؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء:79]، فالأصل أن الله لا يظلم الناس شيئاً وأن الناس أنفسهم يظلمون، وأن ما نزل من الأسقام والآلام إنما هو بسبب قليل من الذنوب، وإلا لو أخذ الله الإنسان بذنبه لكان الأمر وأشد، كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر:45]، فالإنسان إذا تفكر في هذا، دعاه ذلك إلى أن يصلح حاله مع الله عز وجل، فإذا تاب وأناب، وأحس أن هذا البلاء نزل بسبب الذنب، فأخذ يستغفر ويسترحم، ويعاهد الله على التوبة والإنابة إليه سبحانه وتعالى؛ فإنه رفعة درجة.
ولذلك يقولون: قد ينزل البلاء بسبب الذنب؛ فيكون طريقاً إلى الرحمة والفوز بمغفرة الله عز وجل، وصلاح العبد في دنياه وآخرته.
(77/7)
________________________________________
التذكير بالوصية
قوله: [وتذكيره التوبة والوصية]: أي: تذكر المريض أن يوصي إذا كانت عليه حقوق، والوصية تكون واجبة، وتكون مندوبة مستحبة.
أما الوصية الواجبة: فإذا كان على الإنسان حقوق، كأن يكون عليه دين، أو يكون لإنسان عليه حق، فعليه أن يكتب هذه الحقوق كاملة لأصحابها، ويأمر بردها لأصحابها، ولا يجوز للإنسان أن يتساهل في هذا.
وكل إنسان ابتلي بالدين قليلاً كان أو كثيراً فالواجب عليه أحد أمرين: إما أن يكتب هذا الدين ويشهد عليه ويعطي الكتاب لصاحب الدين؛ لأمر الله عز وجل بذلك في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة:282]، فأمر بكتابة الدين.
وإما أن يكتب الوصية المشتملة على حقوق الله وحقوق العباد، فإذا كتب الدين في وصيته فقد برئت ذمته إن شاء الله تعالى.
وإذا كانت عليك حقوق لله، مثل الحج إلى بيته الحرام، إذا كان الإنسان قد قدر على الحج ولكنه قصّر فلم يحج، فعليه أن يكتب أنه لم يحج، وإذا كانت هناك كفارات واجبة عليه كتب أن عليه كفارات من أيمان أو نحو ذلك، ويكتب عددها، وما هو واجبٌ لله عز وجل في هذا، وهكذا بالنسبة لبقية الحقوق المالية لله عز وجل.
أما الوصية المندوبة، فهي أن توصي لقريب ضعيف، كأن يكون لك ابن عم، أو ابن خال، أو قريبٌ فقير ليس عنده مال، وأنت ستترك لورثتك مالاً، فتأخذ من وصيتك في حدود الثلث فتوصي لأقاربك؛ إذا لم يكونوا من أهل الإرث، أما إذا كانوا وارثين فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فقال: (لا وصيةَ لوارث).
وقد أعطى الله الحقوق لأصحابها في الميراث، فإذا كان القريب وارثاً فلا توص له، وإنما توصي للقريب الذي لا يرث، كابن عمٍ محجوب، أو ابن أخت أو ابن خالة أو ابن عمة، وتعلم أنه محتاج فتوصي له، فهذه وصيةٌ مندوبة مستحبة.
وقد تصدق الله عز وجل على العباد بثلث أموالهم، وذلك هو الحد الذي يوصي الإنسان به، لما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الثلث والثلثُ كثير)، حينما كان سعد يريد أن يوصي بكل ماله.
فالثلث هو الذي يوصي به الإنسان، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لو أن الناس غضوا من الثلث).
يعني: إذا أردت أن توصي فلا تصل إلى الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والثلث كثير)، وسيأتي إن شاء الله بيان أحكام الوصايا في كتابها وبابها.
والحاصل أن من حقوق المريض أن تأمره بالتوبة وتأمره بالوصية، وتقول له: يا فلان! إذا كانت عليك حقوق أو ديون فاكتبها، فهذا المرض الذي نزل بك يوجب عليك أن تحتاط لنفسك، وتستبرئ لذمتك، فتكتب ما عليك من الحقوق للعباد ولله.
وإن كان على الإنسان صيام أيام كتبها، أو نحو ذلك من الحقوق والواجبات التي تقضى عنه بعد موته.
(77/8)
________________________________________
استحباب ولاية أمر المريض لأحب الناس إليه وأصبرهم عليه
يقول المصنف رحمه الله: [وإذا نُزل به سن تعاهد بلّ حلقه بماءٍ أو شراب].
قوله: (وإذا نزل به) أي: نزل به الموت، وللموت أمارات وتكون قبل سكرات الموت، ثم تفضي بالإنسان إلى السكرات، ثم تنتهي به إلى الممات، فمن أمارات الموت وعلاماته: أن يكون المرض ميئوساً منه، أو يكون مرضه من الأمراض التي لا يرجى شفاؤها، ولله عز وجل سنن كونية جعلها تدل على ما ينشأ أو يقع، فإذا كان هناك أطباء قرروا أن المرض الذي أصيب به المريض قد ثبت بالتجربة والعادة والاستقراء أنه لا يبقى صاحبه، فهذه من علامات الموت.
ومن العلامات التي تدل أن الإنسان سينتهي به مرضه -في الغالب- إلى الموت أن يشتد به المرض، أو يحصل له من الحوادث أو الوقائع ما يدل على أنه لا يرجى برؤه ولا يرجى بقاؤه، فهذه كلها من الأمارات التي تسبق الموت وتدل عليه.
فإذا كان الإنسان قد رأى علامات الموت، أو اطلع الأطباء على أن المرض الذي معه لا يرجى برؤه؛ فينبغي على الإنسان أن يتهيأ، وعلى أقرباء المريض إذا رأوا أن المرض لا يرجى برؤه، فعليهم أن يتركوا أمر المريض إلى أحب الناس إليه وأرفقهم به؛ وذلك لأن هذه الساعات الأخيرة من الدنيا يكثر فيها شكاية المريض، ويكثر فيها توجعه، ويكثرُ تفجعه وتألمه.
فإذا كان الذي يتولى أمره معروف باللطف والإحسان في المعاملة، فإنه يتسع صدره في تحمل هذه الأمور، ويكون أدعى إلى الرفق بالميت.
ولذلك نبه العلماء رحمة الله عليهم والسلف الصالح -منهم الإمام الشافعي - على أنه يستحب أن يترك أمر ولاية المريض في آخر حياته إلى أرفق الناس به، وقد يكون أرفق الناس به ابنه، وقد تكون إحدى بناته، وقد تكون إحدى زوجاته، وقد يكون أحد أقاربه من أبناء الأعمام أو أبناء الأخوال، فالشخص الذي يُعرف ارتياح المريض له، وكذلك حبه له وأنسه به، هو الذي يترك له القيام على شأنه.
ويُتأكد ذلك حينما تكون هناك الأسباب والعواقب الحميدة لهذه الولاية؛ منها: الرفق بالمريض وعدم التضجر والسآمة، بخلاف ما إذا وليه من هو دون ذلك، فإنه ربما يضجر ويسأم، فالمريض في شدة المرض إذا رأى السآمة والملل من الذي يليه وقع بين نارين، لا يدري أيصبر على مرضه فيكتوي بنار المرض، أم يبوح بسره أنه يحتاج إلى أمر فيكتوي بنار المذلة والمهانة والتضجر والسآمة، خاصةً إذا كان عزيزاً كريم النفس، فإنه ربما لو رأى الموت لا يسأل الناس؛ من شدة كرامة نفسه عليه وأنفته.
فينبغي أن يترك أمر ولاية المريض إلى أرفق الناس به، وألطفهم في معاملته وأحلمهم به، ويجب على المسلم أن يتقي الله في المريض، فإن المريض ممن يرحم ويستحق الرحمة؛ ولذلك لما سُئل أحد الحكماء العقلاء من العرب في الجاهلية: من أحب ولدك إليك، وأكثر عطفك عليه؟ قال: (الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ) فالمريض يحتاج إلى العطف والرحمة والشفقة.
وينبغي للإنسان مهما رأى من الأذية والضجر أن يتسع صدره، خاصةً إذا كان المريض أحد الوالدين، أو ممن له حق أو فضل كالعالم؛ لأن المريض أثناء المرض تضيق عليه الأرض بما رحبت، بل وتضيق عليه نفسه التي بين جنبيه، ومن شدة وطأة المرض قد لا يستطيع أن يترفق في أسلوبه ولا في كلامه ولا في معاملته، وقد يغلب عليه الجفاء، وقد يكون فظاً في كلامه وحديثه، فينبغي للإنسان أن يتسع صدره.
(77/9)
________________________________________
أمور تعين من يلي المريض على سعة الصدر
ومما يوسع الصدر: العلم بسعة ثواب الله جل وعلا، خاصةً إذا كان من الوالدين ومن القرابة؛ فإن الله يعظم أجرك ويجزل ثوابك، فترحمه.
فاستشعار عظم الثواب عند الله عز وجل، فإنه مهما تضجر المريض منك وآذاك وثقل عليك؛ إذا تذكرت ما لك عند الله من المثوبة، هان عليك كل ما يكون منه، ولذلك كلما تذكر المسلم عظم الثواب هانت عليه مشقة الطاعات وعناؤها وكدرها.
ومن ذلك أن تنزل نفسك منزلته، فإنك حينما ترى ما هو فيه من الألم والمشقة والعناء؛ فإنه يتسع صدرك لتحمل ما يكون منه، وتقول: لو كنت مكانه لفعلت أشد، ولقلت ما هو أسوأ من هذا.
ومن الأمور التي تعين على سعة الصدر: أن تذكر حقه عليك إن كان والداً ونحوه، فإن تذكُّر الحقوق يدعو إلى الصبر؛ فتتذكر اليد والنعمة والإحسان حتى تصبر على ما يكون من أذية وامتهان، ومن شأن الكرماء والعقلاء أنهم لا ينسون الفضل.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: الحر من حفظ وداد لحظة وتعليم لفظة.
فلا يزال الإنسان مملوكاً لمن أحسن إليه، وكأنه رقيق يملكه؛ بسبب ما كان منه من إحسان.
فإذا تذكرت ما للوالد من فضائل، وأنه كلما مرضت داواك وقام عليك، وتحمل مشقتك وعناءك، والأم في ذلك أشد وأكثر، فإنه يهون عليك ما تراه من الأذية والضجر.
والعلماء رحمهم الله نبهوا على أنه ينبغي أن يلي أمر المريض من هو أرفق وألطف به.
ثم إذا وليه ينبغي له أن ينتبه لحقوق الله وحقوق العباد التي سبق ذكرها، ويهيئه لما فيه الخير.
(77/10)
________________________________________
أمور ينبغي الإلمام بها لمن ولي أمر المريض
من الأمور التي ينبغي على من ولي أمر المريض أن يكون على إلمام بها إذا رأى أمارات الموت: أن يذكر سعة رحمة الله عز وجل، فعند قرب الأجل ينبغي دائماً الاستكثار من ذكر الآيات والأحاديث وقصص السلف الصالح التي تقوي يقين الإنسان بالله جل وعلا، وتحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، فيتلو آيات الرحمة وآيات المغفرة، وآيات الجنة وما أعد الله فيها لعباده من رفعة الدرجات والنعيم المقيم والرضوان العظيم، فهذه تُحسن الظن بالله سبحانه وتعالى.
ورد عن بعض السلف أنه لما حضرته الوفاة، أمر ابنه أن يقرأ عليه الأحاديث التي فيها ذكرُ التوبة، فكان السلف الصالح رحمهم الله يحبون ذكرها عند الموت؛ لأنها تحسن الظن، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بثلاث ليال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل).
والسبب في هذا: أن الميت إذا نزل به الموت، وكان قد تهيأ له بحسن الظن بالله، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه؛ والمرء يختم له بما كان عليه من خيرٍ أو شر، فنسأل الله العظيم أن يختم لنا ولكم بخاتمة الحسنى.
ورئي سلمان الفارسي رحمه الله بعد موته -كما روى أبو نعيم في الحلية- فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: ما وجدت مثل حسن الظن بالله.
فحسن الظن بالله عز وجل من الفأل الحسن، وهو يقوي يقين الإنسان بالله سبحانه وتعالى، ولما شُكي للنبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان ربما يتفجع ويكره الموت قال: (إنما ذلك العبد الصالح، إذا حضرته الملائكة فبشرته بما عند الله من المثوبة؛ أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، والعبد الفاجر إذا نزل به الموت فبشرته الملائكة بما عند الله من العقوبة؛ كره لقاء الله فكره الله لقاءه) نسأل الله السلامة والعافية.
وقد ذكر العلماء رحمهم الله -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى في الجزء الثامن عشر- أن السلف الصالح تسامحوا في بعض الرؤى والقصص والمنامات، بشرط ألا تعارض الأصول الشرعية، وألا تشتمل على محاذير؛ فبعض الرؤى التي تتضمن ما دلت عليه النصوص في الكتاب والسنة من حسن الظن بالله، لا حرج أن يحكيها الإنسان ويخبر عنها ما لم تعارض كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما عند الله فوق ما فيها من البشارة؛ فإنه مهما كان في نفسك من حسن الظن بالله، فاعلم أن الله فوقه دون أن يخطر لك على بال.
أثر عن الإمام مالك رحمه الله أنه مرض مرضَ الموت، فأغمي عليه ثلاثة أيام، ولما أفاق في اليوم الرابع -وكان آخر أيامه من الدنيا- قالوا له: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أرى الموت -أي ما أظن إلا أني ميت- ولكنكم ستعاينون من رحمة الله ما لم يخطر لكم على بال.
وهذه بشارةٌ عظيمة من هذا الإمام العظيم رحمة الله عليه، ولذلك إذا رأى المؤمن دلائل البشائر، ورأى أمارات السرور من الملائكة التي تتلقاه؛ لو خيّر ساعتها بين الرجوع إلى الدنيا وما عند الله لاختار ما عند الله على أهله وماله وولده والناس كافة.
فلا شك أن حسن الظن بالله مطلوب، فمن يلي المريض يقوي مثل هذه الأمور في نفسه، ويقص عليه من قصص السلف الصالح وأخبارهم، وكيف كانت خواتمهم؛ فإن ذلك مما يقوي يقينه بالله سبحانه وتعالى؛ ويعينه على ما هو فيه من شدة الموت وسكراته.
(77/11)
________________________________________
استحباب تعاهد بل حلق المريض بماء أو بشراب وبيان العلة في ذلك
قول المصنف رحمه الله: [سن تعاهد بل حلقه بماء أو شراب]: المراد به أن يقوى المريض على قول لا إله إلا الله، وهذا من الرفق بالمريض؛ وذلك أنه إذا خُتِمَ له بهذه الكلمة العظيمة دخل الجنة، ففي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
قال بعض العلماء: أي قالها بقوة إيمانٍ ويقين كامل؛ فإنه سيدخل الجنة.
بمعنى: أنه لا يسبقه على ذلك عذاب من الله سبحانه وتعالى، وهذا إذا كمل توحيده، وكَمُل إخلاصه، فإنه يقولها عند الموت بقوة يقين؛ لأنه قد ترك الدنيا وراء ظهره، وأقبل على الآخرة؛ ولذلك تجده في هذه الحالة أصدق ما يكون، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لما بلغ هذا المبلغ عند ذكر وصيته قال: في ساعةٍ يؤمن فيها الكافر، ويوقن فيها الفاجر، وذلك بسبب ما يرى الإنسان من إمارات الحق لدار الحق والصدق وهي الآخرة، فإذا قال الإنسان هذه الكلمة خُتِمَ له بخاتمة السعداء، وهذه من علامات حسن الخاتمة.
(77/12)
________________________________________
علامات حسن الخاتمة
للخاتمة الحسنة علامات في الأقوال والأفعال، وظواهر الموتى، فمن علامات حسن الخاتمة القولية: قول "لا إله إلا الله"، والموت على ذكر الله جل جلاله، ومن هنا قال العلماء: (من أكثر من شيء في الدنيا فإنه يُختمُ له به)، أي: في الغالب، فإن كان كثير الطاعة لله جل جلاله، كثير الصلاة، كثير الصيام، كثير القربة؛ فإنه يأتيه الموت وهو ساجد بين يدي الله أو راكعٌ أو صائم، أو يأتيه وهو ذاكرٌ تال للقرآن، أو يأتيه وهو على تسبيح أو على استغفار أو تهليلٍ أو تحميد، أو غير ذلك من الطاعات والقربات.
ومن أكثر من الصلة والبر والإحسان إلى الضعفة والمساكين؛ ربما جاءه الموت وهو خارجٌ في صلةِ رحم، أو بر والدين، أو طاعةٍ لله سبحانه وتعالى على حسب ما استكثر.
وأما من استكثر من الحرام والفحش، فإن الله عز وجل يختم له بما كان له من غالب حاله، حتى لربما ذُكّر بلا إله إلا الله فامتنع عن قولها، ولربما تكلم بالحرام، ولربما تكلم بالغناء والفُحش والدعارة وهو في آخر لحظاته من الدنيا فيختم له بخاتمة السوء، نسأل الله السلامة والعافية! وفي حوادث الناس وأخبارهم ما تشيب له رءوس الولدان مما كان من حسن الخاتمة وسوئها، فالإنسان إذا أكثر من الخير فإن الله يختم له بخير، ومن هنا قال بعض العلماء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]؛ قالوا: الإنسان لا يملك أن يموت على الإسلام، بمعنى أنه لا يستطيع أن يقطع أن يموت مسلماً، ولكن المراد من الآية وكونوا على الإسلام، حتى إذا جاءكم موت جاءكم وأنتم على طاعة الله جل جلاله وعلى محبته ومرضاته؛ فيُختم للإنسان بالخاتمة الحسنة.
ومن علامة حُسن الخاتمة التي تكون في الأفعال: أن يموت وهو في صلاة، أو يموت وهو في حج، أو يموت وهو في عمرة، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرجل الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً).
فقوله: (إنه يبعث يوم القيامة ملبياً) أي: يبعث على هذه الحالة التي مات عليها من طاعة الله تبارك وتعالى، ولذلك ينبغي للمسلم -كما قلنا- أن يكون على خصال البر حتى يختم الله عز وجل له بالخاتمة الحسنة، ومن هنا شدد العلماء في تعاطي المحرمات التي قد تفضي إلى الموت -كشرب الخمر والعياذ بالله- فإن الإنسان إذا تعاطى مثل هذه المحرمات قد يُختمُ له بها، فقد يموت شارباً للخمر فيهوي في النار لزوال عقله، فيحرق بنار الدنيا قبل نار الآخرة، وقد يكون شارباً للخمر فيتردى من فوق بيته أو من شاهق، أو يطعن نفسه أو ينتحر والعياذ بالله، فهذه من علامة سوء الخاتمة في الأفعال، فكما أن حسن الخاتمة يكون في الأفعال كذلك -أيضاً- سوء الخاتمة يكون بهذه الأفعال.
ومن علامات حسن الخاتمة: رشح الجبين، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن موت المؤمن يكون بعرق الجبين)، فإنه يرشح جبينه، وتكون على المؤمن الصالح البر التقي علامات الطمأنينة وعلامات الاستبشار، حتى أن بعضهم يموت وهو مبتسم؛ مما يرى عند الله عز وجل من البشائر الحسنة، فتجد ثغره باسماً يتهلل.
بل إن بعض الأموات من الأخيار والصالحين لا ترى في وجوههم وحشة الموت، ولقد رأيت أحد الفضلاء وقد كان كثير الصدقات، كثير الإحسان، بعيداً عن أذية الناس، كثير الخير للضعفاء والمساكين، رأيته بعد موته فوالله ما رأيت أشرق منه وجهاً تلك الساعة، ولقد كنت أتمنى ألا يحجب وجهه عن رؤيته من لذة ما تراه، فو الله الذي لا إله إلا هو لكأنك تنظر إلى شمسٍ تتهلل من النور والضياء، وكأنه حيّ، لا ترى عليه وحشة الميت؛ وهذا كله بفضل الله عز وجل؛ ثم بما كان من الإنسان من الأعمال الصالحة.
أثر عن عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه لما حضرته الوفاة، لقنوه قول "لا إله إلا الله" ثم نظر إلى السماء فتبسم ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون.
وهذا يدل على أنه رأى خيراً من الله سبحانه وتعالى، وهي بشارةٌ حسنة، وكم في قصص الأخيار والصالحين من حسن الختام، والبشائر التي تدل على لطف الله عز وجل بأوليائه وأحبابه! ولا شك أن الإنسان إذا عمل العمل الصالح، فإنه ينتظر من الله أن يرحمه ولا يعذبه، وينتظر من الله عز وجل أن يعزه ولا يذله، وأن يكرمه ولا يهينه، وألا يخزيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، فمن عاجل ما أعد الله للأخيار الصالحين: أن الله لا يخزيهم في الدنيا ولا يخزيهم في الآخرة؛ ولذلك تكون خاتمتهم على أحسن ما تكون عليه الخواتم، وترى من ثناء الناس ودعائهم وتفطر القلوب على فراقهم، ما يشهد بالقبول من الله جل وعلا، فإن الله إذا وضع القبول للعبد في السماء وضعه له في الأرض.
قوله: [تعاهد بل حلقه بماء أو شراب] أي: حتى يسهل عليه النطق بهذه الكلمة، وحتى يكون آخر ما يقول "لا إله إلا الله"، وإذا قال: "لا إله إلا الله" (مرة) سكت عنه حتى لا يضجر، فإن تكلم بعدها بكلام من الدنيا أعيدت عليه بعد فراغه من كلام الدنيا وقضاء حاجته.
وفي تلقين الأموات أحوال: فبعضهم قد تخاف منه السآمة والضجر، وبضعهم لا تخشى منه شيئاً، بل إن بعضهم يفرح حين يجد من يلقنه التهليل ويستبشر، وتجد عليه الأنس والسرور، فهذا لا إشكال فيه.
أما إذا كنت تخشى منه الضجر أو تخشى منه السآمة فعليك أن تلقنه بطريق غير مباشر، كأن تذكر شيئاً من عظمة الله عز وجل، ثم تقول: لا إله إلا الله، أو تقولها بلسان خاشع وقلب خاشع إذا رأيت منه الغفلة؛ فإن هذا يدعوه إلى التأسي بك والاقتداء بك، فإن ذكر الله يحث على ذكره سبحانه وتعالى، ويشوق إلى ذكر هذه الكلمة الطيبة.
يتعاهد بل حلقه بالماء أو بالشراب إذا كان هناك عصير ونحو ذلك مما يعين على سهولة نطقه وحديثه.
وكذلك بل الحلق بالماء فيه فائدة ثانية، وهي أنه ربما يحتاج المريض إلى شيء، فإذا احتاج إلى هذا الشيء لا يستطيع أن يتكلم وحلقه جاف، وفي جفاف الحلق عسر عليه وأذية ومرض، فمن اللطف والرحمة به أن يبله، وهذا يدخل في عمومات الشريعة التي تدل على الرحمة والإحسان.
يقول المصنف رحمه الله: [وندي شفتيه بقطنةٍ].
قوله: [ويندي شفتيه بقطنة] كل ذلك من أجل أن يسهل عليه الكلام والحديث، وهو أيضاً أرفق؛ لأنه إذا اخشوشن حلقه ربما تضرر، وحصلت له المشقة إذا طلب شيئاً أو سأله، وربما تعذر عليه أن يتكلم بما يحتاج.
قال المصنف: [وتلقينه "لا إله إلا الله" (مرةً) ولا يزد على ثلاث، إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه برفقٍ].
هذه من علامات حسن الخاتمة، وقد تقدم الحديث عليها، ومنها أن يختم للإنسان بقول "لا إله إلا لله"، ومن قال: "لا إله إلا الله" في آخر حاله من الدنيا؛ فإن الله عز وجل يحجبه عن النار على أحد الأقوال.
وقال بعض العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) أي: أنه إذا كان عاصياً أو عنده كبائر ذنوب وأراد الله أن يعذبه، فإن الله لا يخلده في النار، وأن أمره سينتهي به إلى الجنة.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل أسعد اللحظات وأعزها لحظة الوقوف بين يديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
(77/13)
________________________________________
الأسئلة
(77/14)
________________________________________
تكرار عيادة المريض

السؤال
هل من السنة تكرار عيادة المريض، خاصةً إذا طال مرضه أثابكم الله؟

الجواب
لا يخلو تكرار عيادة المريض من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون المريض محتاجاً إلى هذا التكرار فلا إشكال في مشروعيته، وقد يتأكد، وقد يجب وذلك إذا كان المريض شديد القرابة كالوالدين والأبناء والبنات والإخوان والأخوات، فهؤلاء جرت العادة أن الإنسان يعودهم، بل قد تجري العادة في بعض الأحيان ألا يفارقهم إلا عند الحاجة والضرورة؛ فلذلك يتأكد على الإنسان أن يكرر عيادتهم ويتفقد أحوالهم.
الحالة الثانية: أن تكون تكرار عيادة المريض موجبة للسآمة والملل والضجر، فهذا ينبغي للإنسان أن يتقيه، وفيه مضرة وأذية للمريض، وأذية لأهل المريض، بل ينبغي على الإنسان أن يخفف عنهم، حتى في حال الزيارة لا يطيل القعود، ولا يطيل المكث، إلا إذا كان المريض يرتاح لذلك، وغلب على ظنك أنه يأنس بك، وأما إذا كان إنساناً ثقيلاً فإنه ينبغي عدم الإطالة، وإذا رأيت من المريض السآمة والملل، فإنه يشرع لك أن تقيم هذا العائد بأسلوب ليس فيه طرداً له، خاصةً إذا رأيت تعب المريض وضجره، فإن بعض الناس يمل ويثقل ويؤذي، وربما يدخل في العيادة بعض المشاكل أو بعض الفتن التي تقع بين القرابات أو تسبب خصومة، فمثل هذا يرى بعض العلماء أنه يشرع حجبه إذا كان في تكراره ما يوجب ذلك، أو يحصل به هذا المكروه؛ فإن درء المفاسد مطلوب، وما يتوقف عليه درء المفاسد يعتبر لازماً؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فدرء المفاسد واجب، وما لا يتم تحقيق هذا الواجب إلا به فهو واجب.
أما الحالة الثالثة: فهي أن يطول العهد بينك وبين المريض، أو تريد أن تطمئن عليه فلا ترتاح نفسك، كحبك وصديقك، فتريد أن تتفقد حاله؛ لأنك لا ترتاح حتى تراه وتطمئن عليه، فهذا تؤجر عليه، وهو -إن شاء الله- يعتبر من الإحسان الذي نُدب إليه، والله تعالى أعلم.
(77/15)
________________________________________
قياس أجر زيارة المريض بصاحب الهم والمصيبة

السؤال
هل تقاس زيارة المهموم وذي المصيبة على زيارة المريض من حيث ثواب الزيارة والعيادة أثابكم الله؟

الجواب
أما الثواب فهو أمرٌ غيبي لا يعلمه إلا الله علاّم الغيوب، ليس هناك نص معين يدل على مقدار ما للإنسان إذا واسى مصاباً أو عزى من له ميت، فهذا مما يسكت عنه ويوكل الأمر إلى الله جل جلاله، فقد يكون ثوابه أكثر من عيادة المريض، وقد يكون مساوياً له، وقد يكون أقل، فعلم ذلك إلى الله جل وعلا، وهذه الأمور يسميها العلماء بالأمور التوقيفية، ويسمونها بالسمعيات؛ لأنه يتوقف فيها، ولا يتكلم المفتي فيها إلا بحدود النصوص، وليس في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تحديد مقدار الأجر في ذلك، هل هو أكثر من العيادة أو مثلها أو دونها، ولذلك يتوقف في هذا الأمر، والظن بالله حسن والله تعالى أعلم.
(77/16)
________________________________________
نبش القبر إذا قبر الميت دون غسل

السؤال
هل ينبش قبر الميت ويغسل إذا قبر قبل غسله؟

الجواب
نعم، هذه من الأحوال التي تبيح نبش القبور، إذا أُمن التغير ودفن قبل أن يغسل أو قبل أن يكفن، فإنه في هذه الحالة يطلب نبش القبر وتغسيله وتكفينه والقيام بحقه، والسبب في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقيام بحق الميت من تغسيلٍ وتكفين، فقال -كما في الصحيحين من حديث ابن عباس - في الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماءٍ وسدر -هذا أمر، والأمر للوجوب- وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمّروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) فأمر صلوات الله وسلامه عليه بهذه الأوامر، ونهى عن هذه النواهي، وهذا يدل على اللزوم والوجوب.
وكذلك قال في ابنته: (اغسلنها بماءٍ وسدر) (اغسلنها): أمر، فذلك في الرجال وهذا في النساء، فهذا يدل على وجوب القيام بتغسيل الميت وتكفينه ورعاية حقه، فإذا قبر الميت قبل أن يغسل، أو قبل أن يكفن فإنه يشرع نبش القبر وتغسيله وتكفينه.
وهكذا إذا غسله ولم يتم تغسيله على الوجه الذي يحصل به القيام بالواجب، كأن يكون ترك عضواً من أعضائه، فحينئذ ينبش ثم يغسل مرة ثانية ويكفن وهكذا إذا قُبر عارياً بدون كفن، فإنه يشرع أن ينبش ثم يكفن ويقام بحقه على الوجه المعتبر والله تعالى أعلم.
(77/17)
________________________________________
حكم كشف وجه الميت في القبر

السؤال
هل يصح كشف وجه الميت في القبر أثابكم الله؟

الجواب
هذا ذكره العلماء في الكشف عن وجه الميت، قالوا: لأن التكفين إنما هو للجسد، ويكشف بمكان الحساب، ولا أحفظ في ذلك نصاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجرى به عمل الناس، ولكن لا يحكم ببطلانه إلا بدليل، خاصةً وأن بعض العلماء -رحمة الله عليهم- أشاروا إليه، وقالوا: إنه تحل عن الميت الأربطة، ويكون حل الأربطة في القبر لمكان الإقعاد، وفي الصحيح (يأتيان ملكان فيقعدانه) قالوا: فتحل الأربطة ويكشف عن الوجه؛ وذلك لمكان السؤال والحساب والله تعالى أعلم.
(77/18)
________________________________________
حكم صلاة الجنازة على المحدود في حد من حدود الله عز وجل

السؤال
ما حكم صلاة الميت على المقتول حداً، أو كان مقتولاً بحد الحرابة أثابكم الله؟

الجواب
الميت المسلم إذا قتل بحد، كأن يكون زانياً محصناً، ثم رجم حتى مات، أو قتل عمداً وعدواناً، ثم اقتص منه فقتل، أو قتل حرابةً؛ فإنه يشرع تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، ويُصلى عليه ويدعى له ويستغفر له ويترحم عليه؛ لأنه من المسلمين، وهو أحق بالاستغفار والترحم؛ لمكان حاجته إلى توبة الله عز وجل عليه، وإن كان قيام الحدود بالمذنبين كفارةٌ لهم في الدنيا، وكفارةٌ لهم في الآخرة، ولكن كونه على جرم أو كونه على فسق؛ أدعى أن يستغفر له الإنسان وأن يترحم عليه، وهكذا إذا كان مبتلى بالمسكرات والمخدرات يشرع أن يصلى عليه، وأن يعزى أهله، وليس هناك دليل يخرجه من الإسلام حتى يحكم بمعاملته معاملة الكافر.
فبعض من الناس -أصلحهم الله- يغلو، فتجده لا يعزي أهل الميت إذا مات في شرب خمر، أو مات في معصية من كبائر الذنوب، وهذا خطأ! فإن المسلم العاصي إذا لم تبلغ معصيته به إلى الكفر يشرع معاملته معاملة المسلم المطيع.
ولكن الذي ذكره العلماء رحمة الله عليهم: أنه لا يصلي الإمام العام ومن له تقدم كأهل الفضل، على أهل المعصية؛ زجراً للناس أن يفعلوا فعلهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز.
والصحيح: أنه يشرع أن يصلى عليه، وخاصةً إذا اعترف بذنبه وأقر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عمر: (أتصلي عليها وقد فعلت ما فعلت -المرأة التي زنت-؟! قال: والذي نفسي بيده! لقد تابت توبةً لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) وأثنى عليها عليه الصلاة والسلام، لأنها تابت وأقرت.
قالوا: كما أنها تابت وأقرت، كذلك من أقيم عليه الحد، فإنه في حكم ذلك، وهذا هو الصحيح، فإذا أقر بذنبه وأقيم عليه الحد شرع أن يصلي عليه حتى الإمام الراتب؛ لأنه تاب وخرج من ذنبه، فبقي على الأصل العام، بل إنه إذا صلى عليه الإمام الراتب، دعا أن يسلكوا مسلكه ليتوبوا إلى الله وينيبوا من ذنوبهم.
أما لو أقيم عليه الحد بدون إقرار منه، فبعض العلماء يقول: إنه لا يصلي عليه الإمام الراتب، زجراً للناس، فإن كان هذا المعنى -وهو الزجر- يتحقق، قد يشرع له على هذا القول، أما إذا كان لا يتحقق فإنه لا مانع أن الإمام يصلي عليه؛ لأنه يفوت على نفسه فضيلة القراءة في الصلاة عليه والاستغفار له والترحم عليه.
ولذلك يشرع أن يصلى على أموات المسلمين عموماً، وأن يقام بحقوقهم، وأن يدعى لهم، ويستغفر لهم، وكونهم أذنبوا فيما بينهم وبين الله لا يمنع أن نقوم بحقهم من الدعاء والاستغفار لهم؛ ولذلك قالوا عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: إنه كان يغبط الحجاج على أمرين -وكان الحجاج كثير المعصية لله عز وجل بما كان منه عمل- فكان عمر بن عبد العزيز يغبطه على أمرين: الأمر الأول: أنه كان يعتني بكتاب الله عز وجل، وكانت عنايته بالكتاب عجيبة.
وأما الأمر الثاني الذي غبطه عليه: أنه قال قبل أن يموت: اللهم اغفر لي؛ فإنهم يزعمون أنك لا تغفر لي.
أي: إن مغفرتك وحلمك وعفوك أوسع من هؤلاء، وإني أسألك -مع أنهم يقولون إنك لا تغفر لي- أن تغفر لي، فإن يقيني بك أنك ستغفر لي.
فغبطه على هذه الكلمة، حتى إن الحسن البصري رجا له الخير حينما سمع عنه أنه قال هذه الكلمة.
فالعصاة والمذنبون ربما يكون بينهم وبين الله عز وجل توبة، وقد يكون بينهم وبين الله عز وجل عمل، فيغفر الله لهم ما كان منهم.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المخطئين والمذنبين من الأئمة: (فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم -أي: عملكم الصالح- وعليهم -أي: خطؤهم عليهم-) فهذا مذنب وذنبه عليه، ولكن كونك أنت مسلم تحس بما بينك وبينه من حقوق، فلا يمنع أن تترحم عليه، وتستغفر له وتدعو له بالخير، ولعل الله عز وجل أن يرحمه بشفاعتك، فيكون هذا من الخير لك في دينك ودنياك وآخرتك؛ فإن الله عز وجل يرحم من عباده الرحماء، فيستغفر لهم ويترحم لهم، ويُذكرون بما كان منهم من صالح الأعمال، ويكف عن سيئاتهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(77/19)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الجنائز [2]
هناك أمور ومستحبات ينبغي فعلها عند من حضره الموت، منها ما يفعل عند معالجته للسكرات، ومنها ما يفعل بعد قبض روحه، كغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ويسن الإسراع في تجهيزه، وإنفاذ وصيته، وقضاء دينه.
(78/1)
________________________________________
من أحكام المحتضر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيقول المؤلف عليه رحمة الله: [ويقرأ عنده: يس].
لا زال المصنف رحمه الله يبين جملةً من المسائل والأحكام المتعلقة بالمحتضر؛ وذلك أن الفقهاء -رحمهم الله- من عادتهم أن يبينوا بعض السنن والآداب والأحكام المتعلقة بالمرضى والمحتضرين في باب الجنائز، وقد سبق بيان جملة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم في الشخص المحتضِر، وما ينبغي عليه من التهيؤ في قدومه على الله عز وجل، والمحافظة على حقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق عباده من الوصايا ونحو ذلك من الأمور التي سبق التنبيه عليها.
(78/2)
________________________________________
قراءة يس عند المحتضر
وهنا قال رحمه الله: (وتقرأ عنده (يس)).
وقد ورد بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسنه غير واحد من أهل العلم، وذكر بعض أهل العلم -رحمهم الله- أن السبب في ذلك: أنها تسهل خروج الروح من جهة كون الإنسان يسمع فيها ذكر الجنة، وما أعد الله عز وجل لعباده المحسنين من حسن الثواب والعاقبة، فيحب لقاء الله عز وجل، وكلما كان الإنسان في مثل هذا المقام يحسن الظن بالله عز وجل واليقين فيه سبحانه وتعالى، كان ذلك أرجى لرحمة الله له، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله).
فلهذا قالوا: لقد ورد الخبر بقراءة هذه السورة لاشتمالها على ذكر الجنة، وما فيها من إحسان الله عز وجل لعباده المؤمنين.
وأما بالنسبة لما قاسه بعض العلماء على هذه السورة، فقال بعض أهل العلم: يقرأ (الفاتحة) لفضلها، ويقرأ سورة (تبارك) لأنها المنجية.
والصحيح: أن تخصيص (الفاتحة) وتخصيص سورة (تبارك) لا أصل له في هذا الموضع؛ ولذلك لا يقاس على (يس) غيرها من السور، بل ينبغي أن يعبد العبد ربه بما شرعه له، فإن ثبت الخبر بـ (يس) اقتصر عليها.
وسورة الفاتحة لا شك أنها من أفضل القرآن وأعظمه وأجله، ولكن لا يخص هذا الوقت وهذا الزمان بفعلٍ ولا بقراءةٍ إلا بدليل شرعي، وعلى هذا يقتصر على قراءة (يس).
وأما قول بعض العلماء: إنه يقرأ سورة (تبارك)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بكونها منجية، فالخبر ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في قراءتها عند النوم: (أعرف في القرآن سورةً ثلاثون آية، ما زالت بصاحبها حتى أنجته من عذاب القبر) ثم ذكرها وهي {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك:1] فهذا يدل على تخصيصها في هذا الموضع، فيقرؤها في هذا الموضع، وأما ما عدا ذلك فإنه يقتصر على الوارد، وهذا هو الأصل والسنة وينبغي المحافظة عليه.
(78/3)
________________________________________
توجيه المحتضر إلى القبلة
قال رحمه الله: [ويوجهه إلى القبلة].
هذه الأمور -قراءة سورة (يس) والتوجيه- تتعلق بالشخص الذي عند المحتضر، ومن عادة العلماء أن يبينوا الأمور التي يقوم بها الإنسان في حق نفسه، وكذلك الأمور التي ينبغي على الغير أن يقوم بها في حق ذلك المحتضر، فذكروا بالنسبة للشخص الذي عند المحتضر فعليه أمران: أحدهما: قولي، وهو قراءة السورة.
والثاني: فعلي، وهو توجيه المحتضر إلى القبلة.
وللسلف رحمهم الله في توجه المحتضر قولان: قال جمهور العلماء بمشروعيته، وأنه يستحب أن يوجه عند الاحتضار.
وقال بعضهم: بأنه لا يوجه، وهو المأثور عن سعيد بن المسيب رحمه الله، وأنكره على ابن أخيه.
والصحيح: أنه يشرع؛ وكونهم فعلوه بـ سعيد بن المسيب رحمه الله دل على أنه كان معروفاً في زمانه، وقد قال عليه الصلاة والسلام في القبلة: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) وأفضل ما يوجه إليه هو القبلة، ومن هنا: لا حرج في تقبيل الميت وتوجيهه إلى القبلة، وهذا التوجيه يكون على صورتين: الصورة الأولى: أن يرفع صدره قليلاً، وتكون رجلاه إلى جهة القبلة، فيكون مستقبلاً للقبلة بصدره وبوجهه.
والصورة الثانية: أن يكون مستقبلاً للقبلة كحال من ألحد في القبر، بأن يضجع على شقه الأيمن على جهة القبلة.
والأرفق به الصورة الأولى: وهي أن يرفع صدره قليلاً، ثم يكون وجهه إلى جهة القبلة، على خلاف ما يفعله بعض العوام من وضع رأسه جهة القبلة، فإن هذا على عكس القبلة، وإنما التقبيل أن توضع قدماه أو رجلاه جهة القبلة، ويرفع صدره قليلاً، والدليل على ذلك: أن الإنسان إذا صلى وهو مضطجع، يصلي على هذه الحالة، ولذلك يكون التقبيل بهذا الوجه.
(78/4)
________________________________________
من أحكام الميت بعد قبض روحه
قال المصنف رحمه الله: [فإذا مات سن تغميضه].
(78/5)
________________________________________
تغميض عيني الميت
ذكرنا أنه إذا كان الإنسان في حالة الاحتضار والنزع يلقن "لا إله إلا الله"؛ لما فيها من الفضل، ولأن الإنسان إذا كان آخر كلامه من الدنيا "لا إله إلا الله" دخل الجنة، ومن هنا قالوا: يلقن هذه الكلمة، فإذا فعل مَنْ عند المحتضر ما ذكرناه من الأقوال والأفعال ومات الإنسان، فالسنة أن يبدأ أول ما يبدأ بإغماض عينيه، فتغميض عيني الميت من الآداب والسنن التي تفعل بالميت إذا مات.
بعد أن بين لنا رحمه الله الأمور التي تُفعل قبل الاحتضار في حال المرض، والأمور التي تفعل أثناء الاحتضار شرع رحمه الله في بيان الأمور التي تُفعل بعد خروج الروح، فإذا قضى الإنسان، وخرجت روحه، فهناك حقوق وواجبات وآداب وسنن ينبغي على من حضر الميت أن يفعلها، وهي من حق الميت على الحي: أولها: تغميض عينيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غمض عيني أبي سلمة، وكذلك جاء في حديث شداد بن أوس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإغماض العينين، وقال: إن الروح إذا قبضت تبعها البصر) فلذلك يشخص بصر الميت عادةً إلى السماء، فالسنة: أن يبدأ أول ما يبدأ بتغميض عينيه، فيطبق الجفنين على بعضهما.
(78/6)
________________________________________
لزوم الصبر على المصيبة
وبعد تغميضه للعينين يشرع أن يقول الوارد من الاسترجاع، وذكر الله عز وجل، وأن يبتعد عن التسخط والجزع، وأن يرضى بما أنزل الله به من بلاء، فإن الله تعالى يمتحن عباده بمثل هذا، فمن رضي في مثل هذه المواقف أرضاه الله عز وجل، وهي المواقف التي يسميها العلماء بمواقف الزلزلة؛ لأنه يزلزل فيها المؤمن، ويمتحن ويختبر ويبتلى.
فإذا أراد الله أن يلطف به ثبت قلبه، فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) أي: ما نحن إلا ملكٌ لله سبحانه وتعالى، ومآلنا ومصيرنا إليه جل وعلا، (إنا لله) أي: ملكٌ له، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يرد له قضاء سبحانه وتعالى، فإذا قال هذه الكلمة (إنا لله وإنا إليه راجعون) صلى الله عليه ورحمه وغفر له، ولربما أن الله عز وجل أعَظَم منه هذه الكلمة فبوأه بها درجة أو منزلة في الجنة؛ وذلك لعظم هذا الموقف؛ ولما فيه من ابتلاء الله سبحانه وتعالى لعباده، خاصةً إذا كان الميت عزيزاً عليه كوالديه أو ولده.
وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى إذا ابتلى عبده فحمده واسترجع، فإن الله سبحانه وتعالى يعظم له الثواب، ويخلف له خيراً مما فقد، كما في الصحيح من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما من عبدٍ تصيبه مصيبةٌ فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفني خيراً منها! إلا آجره الله في مصيبته، وأخلفه خيراً منها).
فأول ما ينبغي عليه: الصبر، والصبر أمرٌ يرجع إلى القلب، فهو عملٌ قلبي، وأعمال القلوب قد تفوق أعمال الجوارح الأخرى، وهي من أحبها إلى الله سبحانه وتعالى وأقربها إليه؛ لأنها تتصل بالعقيدة، فإذا رضي وصبر فهذه أول منزلة، وأول نعمة، ورحمة يرحم الله بها المبتلين بمثل هذه المصائب.
فيظهر أثر الصبر على لسانه، فيذكر الله عز وجل؛ لأن المؤمن إذا نزلت به المصيبة لا يتوجه إلاّ إلى الله، وهذا من كمال إيمانه، ولكن الكافر وضعيف الإيمان يتسخط ويجزع ولا يدري أين يذهب، فمن رحمة الله عز وجل بالمؤمن أن الله يثبته في مثل هذه المواقف، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويقول الوارد في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام.
(78/7)
________________________________________
الرضا بما قدر الله عز وجل
ثم بعد ذلك يصحب هذا الصبر الرضا، فإنه قد يعطى الإنسان الصبر ولا يعطى الرضا؛ أي أن الإنسان قد يصبر على كره ويبقى في نفسه متسخطاً جزعاً.
وينبغي أن يصحب صبره بالرضا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الترمذي وغيره: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضاء.
ومن سخط فعليه السخط) فالناس إما راضٍ وإما متسخط.
فالأمر الثاني الذي يصحب الصبر عمل قلبي وهو رضاه بما أنزل الله به من مصيبة، فلا يجزع ولا يتسخط.
قال العلماء: ومن الرضا عند المصيبة إحسان الظن بالله عز وجل، فالإنسان إذا فقد أباه سلط عليه الشيطان ابتلاءً واختباراً، فيقول له: قد فقد من يعولك! وقد فقد من يقوم عليك! وقد فقد كذا وكذا فإذا أراد الله أن يجعل له الرضا على أتم وجهٍ أحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فقال: ما هذا الأب إلا رحمة من الله عز وجل، وكما أن الله رحمني بأبي فسيرحمني بغيره، ولن يكلني إلى أحدٍ سواه، فيصبح فقري إلى الله وغنائي به، وكفى بتلك نعمة.
فإذاً لا بد من هذين الأمرين: أن يصبر ويرضى، ويظهر الأثر بذكر ما ينبغي من الاسترجاع، وذكر الله عز وجل، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر الثالث فقال: (إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) وذلك لما قبض أبو سلمة رضي الله عنه وصاح من في الدار، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأمرهم أن يقولوا خيراً، وبين أن الملائكة تشهد المؤمن، وأنها تؤمن على ما يقال.
فإذا رزق الله العبد الصبر والرضا عند المصائب التي لا تختص بالموت من مصائب الدنيا وفجائعها، فقال: اللهم ثبتني! اللهم ارحمني! اللهم وفقني! فدعا الله أمنت الملائكة على دعائه، وكان ذلك أدعى للإجابة، فإذا قال قال خيراً، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قبض أبو سلمة قال الدعاء المأثور: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين! وافسح له في قبره، ونور له فيه) وهذا هو الذي يفيد؛ وهو الكلمات الطيبة، والدعاء المأثور، وذكر الله سبحانه وتعالى الذي يعود بالخير على المتبلى، ويعود بالخير حتى على الميت وأهله.
فجمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدعوة الخير من جميع وجوهه، فهو يقول: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة) فهذا خيرٌ للميت، (وارفع درجته في المهديين) فجعل ما يقدم عليه أبو سلمة في الآخرة رفعة درجة، وهذا من أفضل ما يكون وما يرجوه الإنسان من ربه، وبقيت حاجة أبي سلمة التي يحزن عليها من فراق أهله، فقال: (واخلفه في عقبه في الغابرين) بمعنى أن يتولى الله ذرية الإنسان وما خلف وراءه، ثم قال: (واغفر لنا وله يا رب العالمين): لأن الإنسان إذا دعا لأخيه وأشرك نفسه معه في دعائه؛ فإنه يؤمن الملك على دعائه، فقوله: (واغفر لنا وله يا رب العالمين) أي: ليس أبو سلمة وحده الذي يحتاج إلى الدعاء، بل نحن أيضاً نحتاج إلى المغفرة والرحمة، فكما يدعو الإنسان لغيره يدعو لنفسه، فيعطي الحق لنفسه ولغيره.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (وافسح له في قبره، ونور له فيه) فهذا هو الدعاء المأثور عند نزع الروح، فإذا نزعت روح الإنسان، أو بُلِّغت خبر إنسان كريم أو إنسان من عباد الله المؤمنين توفي أو قضي أو حضرت موته قلت هذا الدعاء، وإذا كنت لا تعرف اسمه تقول: (اللهم اغفر له، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين) فتنال عدة أمور كما ذكر العلماء: أولاً: تصيب فضل الدعاء.
ثانياً: تصيب أجر الإحسان إلى أخيك بهذه الدعوة.
وثالثاً: أن الله سبحانه وتعالى يأجرك على الاتباع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قالوا: هذه الدعوة من أفضل الأدعية التي تقال عند قضاء الروح وبعد نزعها؛ لما فيها من التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذلك يشرع له إذا كان في الدار أناس ضعاف أو متأثرون أن يذكرهم ويعظهم ويثبتهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت آل أبي سلمة، فإذا كان من طلاب العلم، أو كان من الصالحين الأخيار ذكرهم بما عند الله من المثوبة، وأن البكاء والجزع والسخط لا يرد غائباً؛ ولذلك إذا قال هذه الكلمات أحسن إلى أهل الميت، وكان فيها خيرٌ له ولهم من جهة التواصي بالحق والأمر بطاعة الله عز وجل.
(78/8)
________________________________________
شد اللحيين
قال رحمه الله: [وشد لحييه].
إذا قبضت الروح قد يبقى فم الإنسان مفتوحاً، وحينئذٍ لا يؤمن من دخول الهوام، خاصةً إذا احتاج إلى وقت لكي ينقل ويغسل، فينبه العلماء على أمور هي من باب المحافظة على حرمة المؤمن، فشد اللحيين وإن لم يرد به نصٌ معين لكنه داخلٌ في الأصول العامة، والعلماء ذكروه ونبهوا عليه؛ لأن الميت إذا بقي فمه مفتوحاً فإنه يبقى حتى في قبره، وحينئذٍ تدخله الهوام ويؤذى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كسر عظم الميت ككسره حياً) أي: في الإثم، فجعل حرمته ميتاً كحرمته حياً؛ ولهذا قالوا: يرفق به.
وشد اللحيين يكون بإطباق الفم، ثم بعد ذلك يجعل عصابة تجمع اللحيين؛ لأنه بعد مضي فترة يصعب رد الفم إلى طبيعته، وقفله، ولذا يبادر بذلك بعد الوفاة مباشرة؛ لأن المفاصل لينة، وتستجيب أعضاء الميت لما يفعل به من قفل الفم.
(78/9)
________________________________________
تليين مفاصله
قال رحمه الله: [وتليين مفاصله].
لأنه يحتاج لذلك عند تغسيل الميت وتكفينه، وحينئذٍ إذا مات فإنه تُلين مفاصله، حتى يسهل عند التغسيل أن يدير الماء على جميع أعضائه، والمفاصل إذا لينت بعد الوفاة مباشرة لانت عند الغسل، ولكن إذا بقيت على حالتها يابسة لم تلن عند الغسل؛ ولذلك قالوا: يلين مفاصل الميت، فيبدأ -مثلاً- باليدين يجمعها من ساعده إلى عضده، ثم يردها حتى تلين، ثم بعد ذلك يضمها إلى صدره، وبعد أن ينتهي من مفاصله العليا يأخذ رجله فيلين مفاصل الرجلين، فيضم الساق إلى الفخذ، ثم الفخذ إلى الجنب، ثم يكرر ذلك مرتين أو ثلاثاً على حسب ما تقتضيه الحاجة، فإذا لانت مفاصله سهل غسله، وسهل تفقد المغابن والمواضع الخفية أثناء الغسل، وهذا يحقق -كما ذكرنا- مقصود الشرع من القيام بغسله على وجهه.
ولأنه لو ترك دون تليين فقد يكون منقبضاً أو منحنياً، فحينئذٍ يصعب تكفينه ووضعه على وضعه الطبيعي ممدوداً، لذلك لا بد من التليين حتى يبقى مستوي الأعضاء، ويمكن بعد ذلك حل ثيابه وتكفينه، والصلاة عليه، وإنزاله في قبره ووضعه بالصفة الشرعية التي ينبغي وضعه عليها في اللحد.
(78/10)
________________________________________
خلع ثيابه وستره
قال المصنف: [وخلع ثيابه وستره بثوب].
وبعد أن يغمض عينيه، ويشد لحييه، ويلين مفاصله يقوم بستره بثوب، ثم ينزع عنه الثياب؛ لأن الثياب إذا بقيت سَخُنَ الجسم، وحينئذٍ ينتن ويتفسخ، ولذلك تخفف الثياب التي عليه، فإذا أمكن نزع الثياب عنه نزعت ولا شيء في ذلك.
ثم يسجى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي سُجي ببرد حبرة، وهذه سنة، وفي هذا إكرامٌ للميت، فإن بقاءه مكشوفاً أمام الناس منظر غير حسن، وربما يكون أكمل وأستر وأولى له أن يغطى ويسجى، فإذا احتيج لكشف وجهه لتقبيل ونحو ذلك فلا حرج، فهذا أكمل في هيبته ورعاية حرمته.
وقد فُعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخذ العلماء من هذا دليلاً على سنية التسجية، وأنه لا يبقى مكشوفاً أمام الناس، ويوضع في مكان أرفق بجسمه وأبعد أن ينتن هذا الجسد ويتضرر بذلك النتن.
(78/11)
________________________________________
وضع حديدة على بطنه
قال رحمه الله: [ووضع حديدةٍ على بطنه].
لأن عادة الموتى أنه إذا تُرِك أحدهم ربما انتفخ، وهذا الانتفاخ يعيق في الغسل، وكذلك ربما يكون أسرع في نتنه، وتضرر من يحمله ويصلي عليه بوجود رائحة كريهة خاصة إذا انتفخ فماذا يفعل؟ يوضع شيء على بطنه، والمحفوظ عن أنس رضي الله عنه في الأثر أنه كان يأمر بوضع الحديدة، ومن هنا نجد بعض الفقهاء ينصون على أنه توضع الحديدة كمرآة ونحوها على بطنه، ولكن ذلك ليس بمقيد بالحديث، فلو وضع أي شيء يكون ثقيلاً نوعاً ما على بطنه فلا بأس.
(78/12)
________________________________________
وضعه على سرير الغسل متوجهاً منحدراً نحو رجليه
قال رحمه الله: [ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه].
فيوضع على سرير؛ وذلك أنه إذا وُضع على الأرض أسرعت إليه الهوام، وخاصةً في الزمن القديم، فإن الضرر أكثر، وإن كان في عصرنا -والحمد لله- قد يكون آمناً، ولكن لا يزال الجسم إذا وضع على حالةٍ معينة يتضرر، ولذلك قال تعالى عن أهل الكهف: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف:18] هذا التقليب لأنهم لو بقوا على حالةٍ واحدة لتآكل الجنب، ولكن الله سبحانه وتعالى قلبهم حتى لا يحدث التآكل في الجنب، وإن كان سبحانه وتعالى قادراً على أن يجعلهم على حالةٍ واحدة لا تآكل معها، ولكن هذا من باب الإشارة إلى الأسباب؛ ولذلك قالوا: يوضع على سرير، فلا يلي الأرض؛ لأنه ربما يحمي الجسد، ثم إذا سخن الجسد وليس ثم روح فيه تسارعت الأعضاء والأطراف والجلد إلى التلف؛ لأن الجسد يبقى بروحه، فإذا نزعت منه الروح ضعف عن مقاومة الأذية، والهوام ونحوها من الجراثيم التي تصيب الإنسان.
وكل هذا ليس بواجب وإنما هو من باب الكمالات، ولا يشترط التعيين في مثل هذه الأمور، إنما المراد الرفق، فلو كان على الأرض حديدٌ -مثلاً- يوضع عليه ويؤمن منها الضرر فلا حرج، ولو كانت الأرض طبيعية، فإذا وضع عليها أسرع إليه الهوام رفعناه عنها على بساط أو على مركبة أو نحو ذلك ولا حرج، فلا يشترط السرير بعينه، وإن كان صلى الله عليه وسلم سجي عليه، لكن كل ذلك من باب الأسباب، فليس بأمر إلزامي ولا واجب، خاصةً إذا كان غسله قريباً فالأمر فيه واسع والحمد لله.
ثم يرفعه فيجعل صدره مرتفعاً قليلاً إذا وضع على السرير ليسهل خروج ما في بطنه، ولذلك يجعله على هذه الحالة حتى يكون أدعى لخروج الفضلات الباقية، فيسهل غسله بعد ذلك ونقاؤه، فلا يتعب من يقوم بتغسيل الميت.
(78/13)
________________________________________
الإسراع بتجهيزه
قال رحمه الله: [وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأةٍ].
بعد هذه الأمور -إذا هيأ الإنسان الميت، وقام بحقهِ بعد قبض روحه بالأمور التي ذكرناها- ينبغي عليه أن يسرع بتجهيزه، وذلك بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة)، فأمر عليه الصلاة والسلام بالإسراع، ونص أهل العلم رحمةُ الله عليهم على وجوب ذلك، بمعنى: أن الأصل أن الإنسان يجب عليه أن يبادر بالميت، والسبب في هذا أن بقاء الميت مظنة أن يتغير وأن يتضرر جسمه، وأن يتضرر جسده؛ ولذلك قالوا: ينبغي أن يبادر ويحسم إليه في التغسيل والتكفين والقيام بحقه.
ومن هنا: لا يجوز حبسه وتأخيره إلا لضرورة وحاجة، فإن وُجِدت الضرورة والحاجة -كما في الحالات الاستثنائية- كأن يكون به أمر يحتاج إلى كشفه كما في الجرائم ونحوها، أو يحتاج إلى أن يؤخر حتى تعرف ملابسات الجريمة والاعتداء عليه، فلا حرج أن يؤخر، ويكون تأخيره بقدر الحاجة والضرورة.
كذلك أيضاً لو خشي أنه لو دُفن يتضرر من أقربائه، فيؤخر من أجل دفع المفسدة ولا حرج، أما أن يؤخر من أجل أن يحضر الأقرباء بدون وجود ضرورة ولا حاجة فلا؛ لأن حق الميت مقدمٌ على حقهم، وحينئذٍ ينبغي أن يُبادر بدفنه، ولأن حضورهم لا يزيد في الأمر ولا ينقص منه شيئاً، فقد نفذ القضاء ومضى قدر الله عز وجل، ولا يستطيعون أن يردوا من قدر الله عز وجل ما كان.
وعلى هذا: لا مصلحة في تأخير الميت، وفيه حديث -وقد تكلم في سنده- (لا يحل لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله) وهذا يعتبره العلماء ويقولون: متنه صحيح، والأصل أن أهل الميت ممنوعون من تأخير جنازة الإنسان بدون حق وضرورة، والتوسع في مثل هذه الأمور لا يخلو الإنسان فيه من تبعة ومسئولية أمام الله عز وجل.
فتأخير الموتى بدون حاجة يبقي لأهلهم الإثم والمسئولية أمام الله عز وجل؛ لما فيه من الإضرار بالميت، وعلى هذا لا يؤخر، بل ينبغي أن يسرَع في تجهيزه؛ فتبحث عن من يقوم بتغسيله، فتسرع بإحضار المغسل، وتحضر ما يحتاج إليه لكفنه، وكذلك أيضاً: تسرع بالقيام ببعض الأمور التي تتصل به من حقوقه قبل دفنه؛ من إخبار خاصة قرابته وإعلامهم حتى يشهدوه ويدعوا له بالمغفرة، وحينئذٍ إذا قام الإنسان بهذا على الوجه المطلوب فقد أحسن إلى الميت وأحسن إلى قرابته، وذلك مطلوبٌ ومرغوب.
وأما قوله: [غير فجأة]: فالذي يموت فجأة لا يؤمن أن يكون حياً، كما في حالة السكتات، فيموت في الظاهر ولكنه في الحقيقة لا يزال به حياة، فالاستعجال بتغسيله وتكفينه ودفنه ربما أفضى إلى قتله وهو حيّ، وعلى هذا إذا مات فجأة -بمعنى: أصابته سكتة، والعياذ بالله، أو جاءه شيء طارئ من فجعة ونحوها ظُن معها موته- فلا يبادر بتغسيله وتكفينه، بل ينتظر، والمَرَدُّ في هذا إلى أهل الخبرة كالأطباء ونحوهم، خاصةً في هذه الأزمنة التي تيسر فيها معرفة الموت بالعلامات الدقيقة.
فلا يبادر أهل الميت بدفن الميت إذا كان موته فجأة، وقد وقع حتى في زمن السلف رحمة الله عليهم قصص عجيبة في المبادرة بدفن من مات فجأة، حتى إن بعض من يقوم بنبش القبور وحفرها ربما يجد الميت جالساً في بعض الأحيان، وذلك إذا أصابته سكتة، ثم دفن، ثم بعد أن يفيق يجلس في مكانه ولا يجد أحداً فيموت جالساً في نفس القبر، وهذا أمر جد خطير! خاصة إذا حصل فيه التساهل والتسيب فإنه لا يؤمن معه من التبعة والمسئولية.
(78/14)
________________________________________
حكم الحياة على التنفس بالأجهزة بعد موت الدماغ
وهنا مسألة، وهي: مسألة موت الدماغ، فإنها حيرت الأطباء: هل إذا مات دماغ الإنسان يعتبرُ ميتاً أو ليس بميت؟ وهي التي يسمونها (الموت السريري) وقد عمت بها البلوى خاصةً في هذا الزمان، وصورة المسألة أن جذع الدماغ يموت، ويقرر الأطباء أن جذع الدماغ قد مات، فلا يتحرك الإنسان ولا يستجيب لأي حركة، حتى ولو غرز بالإبرة أو أوذي فإنه لا يتضرر ولا يحدث أي استجابة في جسمه، غاية ما في الأمر: أن قلبه ينبض، وأن نفسه ظاهر، يتنفس تنفس الحي بواسطة الأجهزة، حتى لو أن هذه الأجهزة سحبت عنه يموت من ساعته.
ف

السؤال
هل هذه النوعية من المرضى تعتبر ميتة، وينبني عليها ما ينبني على الحكم بموت الإنسان، من شرعية سحب الأجهزة والحكم بكونه ميتاً حتى يورث، ونحو ذلك من التبعات الفقهية المترتبة على الحكم بموت الإنسان، أم أنه ليس بميت؟ في الحقيقة هذه المسألة أولاً: تحتاج إلى بحث من جهة إثبات موت الدماغ، فالأطباء أنفسهم لم يتفقوا على صيغة معينة وشروط معينة تُبين أو تحدّد بالدقة الموت الحقيقي للدماغ، وهناك قرابة ثلاث مدارس للأطباء في حقيقة إثبات موت الدماغ، والمشكلة ليست هنا، المشكلة أن معرفة موت الدماغ، والتأكد أنه قد مات لا يمكن التوصل إليه في أقوى المدارس الطبية إلا بواسطة أجهزة دقيقة لا تتيسر في غالب الأمكنة.
ولذلك: فالاستعجال بالحكم، بكون هذا موتاً يحتاج إلى نظر، والأصل الشرعي يقتضي أن من به حركة يحكم بحياته؛ لأن الحركة دالة على الروح، والجسم كانت فيه الروح التي هي الحقيقة، وأثرها التي هي الحركة.
وعلى هذا فإننا نقول: (الأصل بقاء ما كان على مكان)، ولم أجد دليلاً شرعياً صحيحاً يدل على أن موت الدماغ يدل على موت الإنسان، بل وقعت حوادث تخالف هذا، حتى إن من الأمور التي حدثت بسبب هذه المسألة أنهم اختلفوا في امرأة، هل هي ميتة أو ليست ميتة في منطقة من مناطق الخارج، فحكم الأطباء بموتها، وأصر آخرون على أن موت الدماغ لا يجيز لهم سحب الأجهزة، واختلفت الكنائس في الخارج في الحكم بموت هذه الفتاة، حتى بقيت عشر سنوات تحت الأجهزة ثم أفاقت بعد عشر سنوات! وهذا أمر يؤكد أن الاستعجال في مثل هذه القضايا يحتاج إلى نظر؛ ولذلك فالأصل أنه حي، والأصل أنه لا يجوز الإقدام على سحب الجهاز عنه إلا بمبرر شرعي، فيبقى على هذه الحالة، فالذي تطمئن إليه النفس أنه حي.
وهناك مسألةٌ فقهية قديمة يمكن أن نخرج عليها هذه المسألة، وهذه المسألة تُعرف عند العلماء بالقاعدة التي نبه عليها الإمام النقري في القواعد، وكذلك غيره كـ الزركشي في المنثور، وهي القاعدة التي تقول: (الحياة المستعارة، هل هي كالعدم أو لا؟).
تكلم العلماء على هذه المسألة، في مسألة ما إذا ما هجم الذئب على شاةٍ أو غنمة فبقر بطنها، فإنه إذا بقر بطنها الغالب أنها ميتة، فلو أنك أدركتها قبل أن تموت وهي تتحرك -ترفس بقدميها- وأسباب موتها قد وجدت، فذكّيتها في هذه الحالة، فإن قلنا: الحياة المستعارة -يعني: التي هي في الأخير- حقيقية فذكاتك مؤثرة والشاة يجوز أكلها، وإن قلنا: إنها حياةٌ كالعدم؛ حينئذٍ ذكاتك في هذا الوضع لا تأثير لها.
فإذاً: كأنهم يفصلون على مسألة الحركة، فالذين يقولون: إنها حية، والذكاة مؤثرة يقولون: لا زالت الروح حية، فوقعت التذكية على حيّ، وكل تذكيةٍ لحيّ موجبة لحله إذا كان مما يحل أكله.
وبناءً على ذلك عندنا أصل من العلماء يعتبر الحياة المستعارة، وإن كان بعض أهل العلم خرج هذه المسألة على مسألة إنفاذ المقاصد، كأنهم يقولون: إن الذئب إذا قتل الشاة بالبقْر، فقد أُنفذت مقاتلها، بمعنى: أنها استنفذت بالهلاك بهذه الوسيلة، فيخرجها عن المسألة التي معنا، لكنها تصلح للاستشهاد.
والذي يعنينا: أن الميت الذي مات دماغه لا يزال محكوماً بحياته، خاصةً وأننا لو فتحنا هذا الباب تحت الأجهزة، وعلى هذا لا يتيسر معرفة موت الدماغ إلا بصعوبة وفي أماكن خاصة، وربما يفتح هذا الباب الإقدام -حتى عند بعض المتساهلين من الأطباء -على سحب الأجهزة- ممن لا يصل إلى درجة القطع بموت دماغه، وهذا أمر ينبغي أن يحتاط فيه لأرواح الناس كما هو الأصل الشرعي.
لكن هناك مسألة: لو فرضنا أن رجلاً كبير السن في آخر عمره وضع الجهاز عليه، أو رجلٌ شاب في شبابه لكنه أصيب بحادث أو نحو ذلك، والغالب أنه يهلك، وقد مات دماغه في كلام الأطباء، وجاءت حالة ثانية لإنسان ترجى حياته أكثر، وليس عندنا إلا جهازٌ واحد، فهل يشرع سحب الجهاز عن هذا الذي قد غلب على الظن هلاكه لكي نبقي هذه الروح أو لا يشرع؟

الجواب
نعم، يشرع أن يسحب منه في هذه الحالة، فهذه هي الحالة التي تعتبر مستثناة في سحب الأجهزة: أنه إذا وُجدت حالات أحوج يجوز حينئذٍ سحبها، وهذا مقرر على الأصل الشرعي في ازدحام الحقوق: أنه إذا ازدحم حقٌ يمكن تداركه مع حق لا يمكن تداركه أو مع مصلحة لا يمكن تداركها، قُدّمت المصلحة والحق الذي يمكن تداركه.
هذا بالنسبة لمسألة من مات فجأة، وموت الفجأة بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رحمة من الله بالمؤمن، ونقمة عاجلة من الله بالكافر، وموت الفجأة استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه؛ لأن موت الفجأة يحول بين الإنسان وبين خير كثير، يحول بينه وبين الوصية في أمور ربما تكون من فضائل الأعمال، يحول بينه وبين تنبيه أهله وذويه على أمور قد يكونون محتاجين إليها، خاصةً أن الأب إذا أوصى في آخر حياته كان لوصيته في قلوب أبنائه وبناته وقعاً كبيراً، فلذلك كان موت الفجأة يحول بين الإنسان وبين خيرٍ كثير، ومن هنا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه.
لكنه أخبر في الحديث الآخر أن موت الفجأة رحمة بالمؤمن؛ لأن الإنسان إذا مات ربما تألم وتأوه في مرضه وإن كان تأوهه وتألمه يرفعه درجة، حتى ورد في الحديث أن الله يشدد على العبد: (إذا أحب الله عبداً من عباده غفر له ذنوبه، فإذا بقيت له ذنوب خفف عنه بالبلاء قبل الموت) فشدد عليه في سكرات الموت، وشدد عليه في مرض الموت، حتى يوافي الله عز وجل بلا ذنبٍ ولا خطيئة.
فموت الفجأة رحمة من جهة كونه يحول بين الإنسان وبين الألم والضرر الذي في ظاهره عناءٌ وعذاب به، وأياً كان: إذا مات الإنسان يجب مراعاة هذه الأمور؛ لكن لو قرر الأطباء أنه ميتٌ فعلاً فحينئذٍ يحكم عليه بالموت.
(78/15)
________________________________________
إنفاذ الوصية
قال المصنف رحمه الله: [وإنفاذ وصيته].
أنفذ الشيء: إذا أتمه وقام به، وإنفاذ الأمر: المضي به، فقد يوصي الإنسان بحقوق عليه لله عز وجل وحقوق لعباده، فيعمل بهذه الوصية، وهناك وصايا معجلة لا تحتمل التأخير، كأن يقول مثلاً: إذا أنا مت فيتولى تغسيلي فلان من أهل العلم أو من أهل الصلاح والخير، فيأمر بأن يغسله، وهذا شيء درج عليه السلف رحمة الله عليهم، وقد أوصى أبو بكر أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وكذلك أوصى أنس بن مالك رضي الله عنه أن يغسله محمد بن سيرين الإمام الجليل من أئمة التابعين، فتكون هذه وصية فتنفذ.
وتقرأ وصيته قبل أن يغسل؛ لأنه ربما تكون هناك أمور ينبه عليها في تجهيزه، كأن يوصي أولاده بالصبر واحتساب الأجر، فَتُقرأ وصيته وينفذ ما يمكن تنفيذه عاجلاً خاصةً الحقوق التي ينبغي المبادرة إلى قضائها كالديون ونحوها، ولو أمكن أن تقضى ديونه قبل الصلاة عليه فهذا أولى، بل واجب إذا أمكن ذلك؛ لأنه لا يجوز تأخير ديونه، وهذا أمر يتساهل فيه كثير من الناس إلا من رحم الله، فيؤخرون ديون الأموات، وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي على الميت إذا كان عليه دين ولم يترك وفاءً؛ لعظم أمر الدين.
ولذلك لو توفي وعنده سيولة نقد وعليه دين، وتعلم أنه مكتوب لفلان ألف وللآخر ألف فينبغي أن تقوم بأخذ الألفين قبل أن تغسله أو تكفنه إذا أمكن، وتعطيها لأصحابها، إنفاذاً لوصيته، وهذا من أبلغ البر وأفضله؛ حتى يوافي الله عز وجل سالماً من حقوق عباده.
كذلك أيضاً وصاياه بالأقربين، من الإحسان المبادرة بها ولو بعد وفاته مباشرة، وإنفاذ وصيته بالحقوق التي لله عليه كالحج عنه والعمرة عنه، والصدقة عنه، إذا أوصى بها، فهذا كله ينفذ.
(78/16)
________________________________________
الإسراع في قضاء دينه
قال رحمه الله: [ويجب الإسراع في قضاء دينه].
ومن هنا يأثم الورثة بتأخير سداد الديون، فإذا مات الوالد أو القريب وقد ترك مالاً أو ترك بيتاً وعليه دين فيجب على الورثة أن يبيعوا البيت لسداد دينه، وهم يستأجرون أو يقومون بما يكون حفظاً لهم من الاستئجار أو الانتقال إلى مكانٍ آخر، أما أن يبقى الدين معلقاً بذمته وقد ترك المال والوفاء فهذا من ظلم الأموات، وإذا كان بالوالدين فالأمر أشد؛ وقد ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن نفس المؤمن معلقةٌ بدينه) قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا كان عليه دين فإنه يمنع عن النعيم حتى يؤدى دينه، ولذلك قال: (نفس المؤمن مرهونةٌ بدينه) وفي رواية (معلقةٌ بدينه) بمعنى: أنها معلقة عن النعيم حتى يُقضى دينه.
ويؤكد هذا حديث أبي قتادة رضي الله عنه في الصحيح، فإنه لما جيء برجلٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (هل ترك ديناً؟ قالوا: دينارين.
فقال: هل ترك وفاءً.
قالوا: لا.
قال: صلوا على صاحبكم.
فقال أبو قتادة: هما عليّ يا رسول الله! فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو قتادة: فلم يزل يلقني ويقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد.
حتى لقيني يوماً، فقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم.
قال: الآن بردت جلدته) فهذا يدل على عظم أمر الدين، فينبغي المبادرة بقضاء الديون وسدادها، خاصةً ديون الوالدين فالأمر في حقهم آكد.
والله تعالى أعلم.
(78/17)
________________________________________
الأسئلة
(78/18)
________________________________________
حكم قراءة يس بعد الدفن

السؤال
هل يقتصر قراءة سورة (يس) أثناء الاحتضار، أم يجوز قراءتها على قبره بعد دفنه، أثابكم الله؟

الجواب
السنة قراءتها عند الاحتضار، وأما بعد موته أو بعد دفنه فإن ذلك مما لا أصل له، وهو بدعة كما نص العلماء رحمهم الله على ذلك، فقراءة (يس) على القبر، أو قراءتها عند إنزاله في القبر، أو قراءتها أثناء تشييع الميت؛ كل ذلك مما لم يرد به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حدث وبدعة والله تعالى أعلم.
(78/19)
________________________________________
فضل تغسيل الميت

السؤال
هل ورد فضلٌ معين في تغسيل الميت أثابكم الله؟

الجواب
هناك أحاديث لكنها ضعيفة (ما من مسلم يقوم بغسل أخيه المسلم فيحسن غسله وتكفينه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ولكن هذا الحديث ضعيف، إلا أن القيام بهذا العمل يعتبر قربة وطاعة لله عز وجل؛ لأنه امتثال للأمر، وامتثال الأوامر يجعلها في مقام القيام بالواجبات، والواجبات لها فضل، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: (ما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إلي مما افترضته عليه) وهذا مما افترض الله، والقيام به قربة وطاعة وحُسبة، مع ما فيه من إحسان المسلم إلى أخيه المسلم خاصةً إذا كان من القرابة والله تعالى أعلم.
(78/20)
________________________________________
هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه

السؤال
كيف نوفق بين حديث: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) وبين قول الله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:15] أثابكم الله؟

الجواب
هناك وجوه: أولها: أن يكون الميت قد وصّى بذلك، وهذا كان من عادة أهل الجاهلية، وأشعارهم في ذلك مشهورة، وكانوا يوصون بالنياحة والبكاء والجزع، والإشادة بالفضائل وما كان عليه في حياته، فهذه الحالة لا إشكال عند العلماء رحمة الله عليهم أنه إذا وصى أنه يعذّب؛ لأنه تسبب، فيكون قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:15] أي: لو كان غير متسبب، فلما تسبب فإنه يتحمل مسئولية ما تسبب فيه.
الوجه الثاني: أن يكون عالماً أنهم سيفعلون ذلك فيرضى ولا ينهاهم، فالرضا بالشيء كفعله؛ ولذلك وصف الله بني إسرائيل بأنهم فعلوا المحرمات، مع أن الذي فعلها بعضهم، ولكن رضا الآخرين كأنه فعلٌ منهم؛ ولذلك قالوا: الرضا منزلٌ منزلة الفعل، ومن هنا قالوا: من علم أو غلب على ظنه أن أهله يفعلون ذلك، أو يتسخطون ويجزعون، أو ينوحون عليه، فسكت فإنه يعذب بهذا ويؤذى.
والوجه الثالث: صرفوا قوله: (يعذب) عن ظاهره، فقالوا: هو العذاب المعنوي وليس المراد به العذاب الحقيقي، فيعذب بمعنى: أن الله يسمعه بكاء أهله؛ فيتألم لهذا البكاء؛ لأن الإنسان يشفق على قريبه خاصةً أهله، والميت دائماً عنده الجزع والحزن كما قال تعالى عن أهل الإيمان: {أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا} [فصلت:30] لأن الإنسان يحزن على فراق أهله، فإذا كان الأهل يبكون أسمعه الله بكاءهم؛ ولذلك جاء في الخبر: أنه لما ذُكرت مآثر أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أغمي عليه بعد موته، فصارت المرأة تثني عليه، قال: فما زال الملك يغمزه ويقول له: هل أنت كذلك؟ هل أنت كذلك؟ فلما استيقظ قال لهم: إنه كان من أمركم كذا وكذا، فما زلت أغمز على كل ذكرٍ ذكرتموه.
قال العلماء: هذا عذابٌ معنوي، بمعنى أن الإنسان يُسمع بكاء أهله، لا أنه يعذب حقيقة، فتكون الآية: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:15] أي: في تحمله للعذاب، وهذا ليس بمتحمل لعذاب منفصل، إنما هو إسماعٌ من الله له لبكاء أهله فيتألم، كالشيء العارض الذي يكون في أمور الدنيا.
فهذه ثلاثة أوجه هي من أقوى ما ذكره العلماء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في تعذيب الميت ببكاء أهله.
(78/21)
________________________________________
الحزن لا ينافي الرضا بقضاء الله

السؤال
هل ما يجده الإنسان من الحزن وألم الفراق يكون من السخط وعدم الرضا أثابكم الله؟

الجواب
إن القلوب تحزن، ولا شك أن فراق الأحبة له وقع عظيم في القلوب، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه دمعت عيناه وقال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فدل هذا على أن ما يكون من الحزن، وما يكون من الشجى في النفس أنه أمرٌ جبلي لا يمكن للإنسان أن يدفعه، ولكن إذا كمل الإيمان، وقوي اليقين في الرحمن، وتذكر العبد ما عند الله من الإحسان؛ هان عليه المصاب، ورجا عند الله حُسن الثواب؛ فبدد الله أحزانه؛ وأذهب أشجانه؛ ورفع في الجنة مكانه.
ولذلك ينبغي للإنسان أن يستذكر في مثل هذه المواقف عظمة الله سبحانه وتعالى الذي فيه خلفٌ عن كل فائت، وفيه عوضٌ عن كل ذاهب، فإن الله سبحانه وتعالى إذا نظر إلى قلب الإنسان وقد توجه إليه وأقبل عليه عوضه خيراً مما فقد، فمهما كان الحبيب والصاحب والقريب فإنه لا يزن شيئاً أمام عظمة الله سبحانه وتعالى، وهو الذي القلوب بين إصبعين من أصابعه، فإن نظر الله إليك وأنت في حالة الحزن والشجى والأسى ولوعة الفراق تتجه إليه، وتعزي النفس بما عنده سبحانه وتعالى من حسن الجزاء والثواب، وما تنتظره من حسن القدوم إليه والمآب؛ أفرغ عليك الصبر، وثبتك وربط على قلبك، وكان ذلك من عاجل ما يكون من إحسانه ولطفه بعبده والله تعالى أعلم.
(78/22)
________________________________________
حكم الوقوف للجنازة

السؤال
هل يشرع الوقوف لجنازة الميت إذا أُتي بها للصلاة عليها؟ وكذلك لو شهدت جنازة الكافر فهل يوقف لها أثابكم الله؟

الجواب
هذه المسألة فيها خلافٌ بين أهل العلم رحمهم الله، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه سلم أنه وقف لمرور الجنازة، وقال: (إن للموت لفجعة) أي: أثرٌ وهيبة، والصحيح أن هذا القيام منسوخ، ولذلك مُر على النبي عليه الصلاة والسلام بجنازةٍ ولم يقم، وهذا صنيع بعض المحدثين رحمهم الله؛ فإنه ذكر الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام بالجنازة عند مرورها، ثم أتبعها بالأحاديث في نسخ ذلك، فدل هذا على أنه كان هذا أولّ الأمر والله تعالى أعلم.
(78/23)
________________________________________
حكم نقل الميت من بلد إلى بلد

السؤال
ما حكم نقل الميت من مدينةٍ إلى أخرى لدفنه، خصوصاً إذا أوصى بذلك؟

الجواب
لا يشرع انتقال الميت من مكان إلى مكان، فإذا قبضت روح الإنسان في مكان، شرع أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في ذلك المكان الذي مات فيه.
أما إذا كان المكان بلاد كفر لا يقام فيها بحق المسلم، وأراد أن ينتقل وأوصى أن ينقل من هذا المكان، فإنه ينتقل إلى أقرب بلاد المسلمين، تحصيلاً للأصل في المسارعة بالجنازة، وحينئذٍ يكون هذا هو الأصل المعمول به.
أما إذا كانت بلاد المسلمين عنه بعيدة، وكان ذلك يؤخر ذلك جنازته، فإنه لا يرخص إلا بقدر الحاجة، ويجتزأ بأقرب المواضع إليه من بلاد المسلمين، ولا يشرع النقل إلا في هذه الحالة، وهي: أن يتعذر وجود من يقوم بحقه من تغسيلٍ وتكفينٍ والصلاة عليه، فحينئذٍِ لا حرج أن ينقل، ولا مانع في هذه الحالة من تعاطي أسباب نقله، وما عدا ذلك تكلفٌ وخروج عن الأصل والسنن والله تعالى أعلم.
(78/24)
________________________________________
حكم الوضوء لمن حمل الجنازة والغسل لمن غسل ميتاً

السؤال
هل من السنة لمن حمل الجنازة أن يعيد وضوءه، ولمن شارك في غسل الميت أن يغتسل، أثابكم الله؟

الجواب
في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ).
وهذا الحديث اختلف العلماء رحمهم الله في صحته، والأقوى ضعفه، وإن كان قد حسن بعض العلماء إسناده، لكن هناك أحاديث أصح منه وأقوى تدل دلالة واضحةً على أن حمل الميت لا ينقض الوضوء.
وعلى هذا فلو قلنا بحسن الحديث -كما يميل إليه بعض المحدثين- فإننا نحمل الأمر على الكمال لا على الوجوب واللزوم والله تعالى أعلم.
(78/25)
________________________________________
ترك الغسل والتكفين لشهيد المعركة دون غيره

السؤال
هل الشهادة الواردة فيمن مات بالبطن أو الطاعون، تنزل منزلة الشهيد فلا يغسل، أم الأمر خاص بشهيد المعركة فقط أثابكم الله؟

الجواب
شهادة المبطون والطاعون والنفساء وغيرهم ممن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! الشهيد شهيد المعركة.
قال: إذاً إن شهداء أمتي لقليل، ثم ذكر عليه الصلاة والسلام المبطون والغريق وصاحب الهدم والحرقى والنفساء والطاعون) وهذا إنما هو في فضل الشهادة المطلق، أما بالنسبة لأحكام الشهيد فإنها تختص بشهيد المعركة، فشهيد المعركة هو الذي لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ لمكان الفضل، ولا يفتن في قبره، وله الفضائل التي وردت في السنن الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينها الله عز وجل في كتابه، وأثنى على أهل منازلها، وكل ذلك إنما هو خاصٌ بشهيد المعركة دون غيره.
أما المبطون فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويقبر، وكذلك بالنسبة للحرقى والهدمى، وإنما يختص الحريق إذا كان جلده لا يحتمل الغسل بأن ييمم، وأما بالنسبة لفضل الشهيد من كل وجه فهؤلاء لا يبلغون فضل الشهادة من كل وجه، وإنما لهم الفضل النسبي، وفرقٌ بين الفضل النسبي والفضل الكلي والله تعالى أعلم.
(78/26)
________________________________________
حكم الصلاة على الغائب

السؤال
هل تجوز الصلاة على الميت الغائب أثابكم الله؟

الجواب
أما الصلاة على كل ميت غائب فهذا مما لا أصل له، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أصحابه في مواضع متفرقة، وقد مات كثيرٌ منهم رضي الله عنهم وأرضاهم في حياته عليه الصلاة والسلام، وما صلى عليهم صلاة الغائب، إنما صلى صلاة الغائب على النجاشي؛ ولذلك قال العلماء: تشرع الصلاة على الغائب إذا أمر بها ولي أمر المسلمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أصحابه، وتكون لرجلٍ مات في موضعٍ لا يصلى عليه، كمن يموت في بلاد كفر؛ فـ أصحمة النجاشي مات في بلاد الحبشة وكانت بلاد نصارى.
كذلك -أيضاً- لمن له شأنٌ عظيم في المسلمين، كالإمام العادل، والعالم الفاضل، والعبد الصالح الذي له بلاء في الدين، يشرع أن يصلى عليه صلاة الغائب، وهذا خاصٌ بمن ذكرنا.
وأما تعميم الأمر والصلاة على كل أحد فذلك ليس من السنن، وعلى هذا يختص الحكم بما ذكرناه؛ إعمالاً للأصول والنصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنزالها منازلها والله تعالى أعلم.
(78/27)
________________________________________
بدعية رفع الصوت مع الجنازة بالتهليل والتكبير

السؤال
هناك من يشيع الجنائز، ويكثر من التهليل والتكبير أثناء التشييع، فما هو الحكم الشرعي في ذلك أثابكم الله؟

الجواب
نص العلماء على أنه لا يرفع الصوت بالذكر في الجنازة، وأن رفع الصوت بالتهليل والتكبير، وأَمْر الناس بذلك من البدعة والحدث، وإنما يشرع أن يمشي معها، ويلتزم الأصل الوارد من هديه عليه الصلاة والسلام دون تكلف، أما أمر الناس بتهليلٍ أو تكبيرٍ، أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو ذكر ألفاظ التفجع والتوجع ونحو ذلك كله من الحدث، وقد ذكر العلماء ذلك في كتبهم، ونبه الفقهاء والأئمة على أن ذلك مما لا أصل له، بل السنة أن يمشي معها، ويكون ذلك بالدعاء للميت والاستغفار له والترحم عليه، وقد ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا قبر الميت قال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) هذا هو المحفوظ من هديه صلوات الله وسلامه عليه، وأما رفع الصوت فمما لا أصل له والله تعالى أعلم.
(78/28)
________________________________________
وجوب التفريق بين المتراضعين إذا تزوجا

السؤال
لي ابنة عمٍ رضعت معي رضعات كثيرة أكثر من شهر، والحليب لوالدي، وقد تزوجها أخي من أبي وله منها أولاد، فما الحكم في ذلك أثابكم الله؟

الجواب
هذه أختٌ لأخيك من أبيك، وعلى هذا: يفرق بينه وبينها، والأولاد يعتبرون شرعيين، وحينئذٍ ينسبون إلى أخيك، ولكن ما بعد اليوم وما بعد علمه بأنها أخته من الرضاعة، لو وطئها فحكم ذلك حكم الزنا الذي حرمه الله ورسوله.
ولذلك: ما مضى يعذر فيه بالجهل، ويستأنف الحكم، وتعتبر أختاً له من الرضاعة، وحينئذٍ الأولاد ينسبون إلى أمه وينسبون إلى أبيهم، فهم أولاد شرعيون لمكان الجهل وعدم العلم بالحكم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(78/29)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الغسل والتكفين [1]
غسل الميت ودفنه وتكفينه فروض كفائية، وفي غسل الميت أحكام ينبغي معرفتها، كالترتيب بين الأقارب في استحقاق تولي الغسل، وكذا ما يجوز وما يمنع من غسل الرجال للنساء والعكس، وهناك شروط ينبغي توافرها في المغسل، كالعلم والثقة والأمانة.
(79/1)
________________________________________
الحقوق الواجبة على الأحياء تجاه الميت
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول رحمه الله: [فصلٌ: غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية].
تغسيل الميت من فروض الكفاية، أما كونه فرضاً فلورود الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (اغسلنها بماءٍ وسدر) وهذا أمر في ابنته لما توفيت رضي الله عنها وأرضاها.
وقال في الرجل الذي وقصته ناقته كما في حديث ابن عباس في الصحيحين: (اغسلوه بماءٍ وسدر) وهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب والفرضية.
وهذا الوجوب فرضٌ كفائي بمعنى: إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به البعض، فإنه يتعلق وجوبه بالجميع، بحيث يأثمون إذا قصروا جميعهم ولم يقم أحدٌ بتغسيله.
ويتولى التغسيل من يكون على علمٍ به، فلا يجوز أن يتولى تغسيل الميت من لا يُحسن تغسيله؛ لأن من لا يحسن التغسيل ولا يقوم بحقوق التغسيل كما ينبغي، فوجود تغسيله وعدمه على حدٍ سواء، ولربما ضيع أموراً واجبة وأخل بالغسل، ولذلك لا يلي التغسيل إلا من يعلمه.
ومن هنا يجب على طالب العلم ومن يبتلى بمثل هذه الأمور أن يكون على علم وإلمام بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم في تغسيل الميت، وأمره بالأمور التي ينبغي مراعاتها في هذا التغسيل.
الميت الأصل أنه يُغسّل؛ لكن يسقط تغسيل الميت في مواضع: أولها: إذا كان شهيداً كما سيأتي، فالشهيد لا يغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادفنوهم بدمائهم) فأمر بدفن الشهداء بدمائهم، وذلك لأن دماءهم شهادةٌ لهم بين يدي الله عز وجل، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من كلمٍ -يعني جرح- يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون دم والريح ريح مسك) فهو شهيدٌ له بين يدي الله.
ثم إن هذا الدم فضلة طاعة وقربة لا تشرع إزالتها، ومن هنا قالوا: إنه لا يغسل، ولا يعتبر داخلاً في هذا الأصل، لكن يختص هذا الحكم بشهيد المعركة، أي: الذي قتل في نفس ساحة المعركة، أما لو أنه خرج وفيه الحياة، وبقي بعد ضربه ثم توفي بأثر الجراح، فإنه يغسل ويكفن ويعامل معاملة الأصل؛ لأن سعداً رضي الله عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغسيله، فغسل وكُفّن وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أصيب في سبيل الله ثم مات بعد ذلك فشهيد المعركة لا يغسل.
ممن يستثنى في التغسيل: أن يكون الميت قد احترق، بحيث لو غسل نفط جلده، أو يكون به مرض كالجدري ونحو ذلك -أعاذنا الله وإياكم من الأدواء- فلو غسل لتضرر، أو يكون معه مرض لو قام مغسله عليه، لم يأمن بتضرره بتغسيله، بحيث إنه لا يمكنه أن يغسله؛ لأنه لو غسل انتقلت العدوى، أو به أشياء تنتقل بمباشرة التغسيل فهذه أحوال تستثنى من التغسيل.
أيضاً: سيذكر المصنف رحمه الله حالة الرجل بين النساء، فالرجل إذا توفي بين النساء وليست هناك زوجة له منهن ولا أمة؛ فإنه حينئذٍ ييمم ولا يغسل، كذلك العكس: لو أن المرأة توفيت بين الرجال، وليس لها زوجٌ منهم، ولم تكن أمة معها سيدها فحينئذٍ تيمم ولا تغسل.
هذه الأحوال هي التي تستثنى من هذا الفرض والأمر الواجب.
وتغسيل الميت المراد به: تعميم جسده بالماء، وهذا الحكم يشمل جميع أعضاء الجسد بالتفصيل الذي سيذكره المصنف رحمه الله.
قوله: [وتكفينه].
سيبين رحمه الله تفصيل التكفين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين) فقوله: (كفنوه) أمر، والأمر يدل على الوجوب، وكذلك أمره عليه الصلاة والسلام بتكفين ابنته، فأمر صلى الله عليه وسلم بتغسيلها فقامت النساء بتكفينها، ومن هنا يقول العلماء: إن حديث ابن عباس يدل على أن تكفين الميت واجب وفرض.
وهذا التكفين فرضٌ كفائي، لكن التكفين ليس كالغسل، فالغسل يكون بالماء وهو غالباً يتيسر؛ لكن -مثلاً- لو كان هذا التكفين يحتاج فيه إلى وجود النفقة التي يكون بها مئونة التكفين، وحينئذ تتصل بميراث الميت، وهي من الحقوق التي تخرج قبل قسمة التركة من تغسيلٍ وتكفين ونحوه، فهذه المئونة التي يحتاج لها لشراء الكفن تخرج من مال الميت، وتعتبر سابقة للميراث، وهذا حق من حقوق الميت في تركته.
أما لو كان الميت ليس عنده مال، فحينئذٍ ينظر إلى تجب عليه نفقته فيقوم بتكفينه، وإذا عجز فحينئذٍ يكون كفنه من بيت مال المسلمين، ولذلك يتعلق حقه بنفسه، ثم بمن يلي القيام عليه من حقوق النفقة، ثم بعامة المسلمين كما لو لم يكن له قريب وليس له مال.
هنا مسألة أيضاً: إذا تعذر الغسل وتعذر التكفين فإنه ينتقل من الغسل إلى التيمم، وتعتبر هذه الحالة تابعة للحالات التي ذكرناها مستثناة من الوجوب، وكذلك إذا لم يوجد الكفن إلا اليسير فإنه تغطى عورتاه إذا لم يجد ما يستر به إلا العورة، وإذا كان هناك فضل على العورة ستر بقية البدن على حسب الموجود من الفضل.
قوله: [والصلاة عليه].
الصلاة عليه أيضاً من الفروض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصلوا على أصحمة النجاشي رضي الله عنه وأرضاه لما توفي، وقال عليه الصلاة والسلام: (توفي اليوم عبدٌ صالح، ثم أمر الصحابة أن يخرجوا وصلى بهم)، فمن حق المسلم على إخوانه المسلمين أن يصلى عليه ويُدعى له بالمغفرة والرحمة، وعلى ذلك هديه صلوات الله وسلامه عليه.
ولذلك لما توفيت المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد فدفنوها ليلاً ولم يخبروه، وكأنهم تقالوا شأنها انطلق عليه الصلاة والسلام حتى وقف على قبرها -وهذا من خصوصياته- فصلى عليها وقال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) ووجه التخصيص قوله: (بصلاتي) كما في صحيح مسلم.
فهذا يؤكد أهمية الصلاة؛ ولذلك يقول العلماء: إن من فضائل الصلاة على الميت: أنها تذهب ظلمة القبر ووحشته، وذلك لقوله: (ينورها بصلاتي عليهم)، فكأنه يشير إلى العلة من الصلاة على الميت، ولذلك شُرعَ أن يدعى للميت بالرحمة والمغفرة، وقد ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما من ميتٍ يقوم عليه أربعون يشهدون أن لا إله إلا الله فيشفعون فيه إلا شفعهم الله)، وهذا إذا كان الدعاء بإخلاص وصدق، ولذلك أمر عليه الصلاة والسلام بالإخلاص، وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه الصلاة وكيفيتها، لكن المراد التنبيه على هذه الأمور: (تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه) فإنها فرض كفاية.
وعلى هذا: لو أن الميت لم يغسل ولم يكفن ولم يُصل عليه وقبر، فإنه يشرع نبشه ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه، لكن مشروعية النبش تتقيد بأن يؤمن تغيره، بمعنى: أن يغلب على ظننا أنه لا زال جلده قابلاً للغسل، أما لو مضت المدة التي يغلب على الظن إسراع الدود إليه وذهابه فحينئذٍ لا ينبش، وهذا طبعاً على قول جمهور العلماء رحمة الله عليهم: أنه إذا قُصّر في حق الميت ودفن دون تغسيله، أو دون تكفينه، أو دون الصلاة عليه، قالوا: يشرع أن ينبش ويغسل ويكفن ويصلى عليه، وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالقيام بهذا الحق، وأمر من كفن أخاه أن يحسن إليه.
[ودفنه فرض كفاية].
وهذا أيضاً مما يتبع ما سبق من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، فالأصل في الآدمي أن يقبر ويدفن: {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:31].
فلذلك يقول العلماء: إن الأصل يدل على أن الآدمي يقبر ولا يبقى عرضة للسباع ولا للهوام ولا للطيور تنبشه وتأكل من لحمه كسائر البهائم، فهذا من التفضيل والتكريم الذي فضل الله به بني آدم، ولذلك قال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] فمضت السنة على أنه يشرع قبر الميت الآدمي.
حتى ولو كان كافراً فإنه يوارى فلا يبقى في العراء؛ لأن بقاءه في العراء أذيةٌ للآدميين، وأبلغ في النتن، وأذهب لحرمته، فإن هناك حرمة عامة للآدمي؛ لأن الله لم يفرق بين آدمي كافر ومسلم في المواراة، ولذلك يقول العلماء: إن هذا التفضيل من جهة الآدميين، فيوارى الكافر؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لما أخبره علي أن أبا طالب قد مات، قال: (اذهب فواره)، ووارى عليه الصلاة والسلام قتلى بدر من المشركين في القليب، فدل على أن السنة قبر الميت، ولا يترك للسباع والهوام ونحوها كالطيور الجارحة تنهشه وتؤذيه.
(79/2)
________________________________________
الذي يتولى غسل الميت
قال رحمه الله: [وأولى الناس بغسله وصيه].
بعد أن بين لنا رحمه الله أن الغسل لازم، شرع في التفصيل، فذكر من يلي تغسيل الميت.
أولاً: ينبغي أن يكون الذي يلي تغسيل الميت عالماً بصفة التغسيل، فلا يجوز أن يتولاه الجاهل، فإذا كان الشخص عنده علم وإلمام بالطريقة التي يغسل بها الميت، فحينئذٍ يشرع له أن يتولى تغسيله، وأما إذا كان جاهلاً فلا يشرع له أن يقوم بهذا الأمر؛ لأن جهله ربما أوقعه في البدع، وربما أوقعه في الأمور التي يخل فيها بحق الميت في تغسيله وتكفينه؛ ولذلك قالوا: إنما يتعلق القيام بهذا الحق -أعني التغسيل- بمن يعلم لا من لا يعلم.
ثم هل يشترط أن يكون مكلفاً؟ المجنون لا يلي تغسيل الميت، واختلفوا في الصبي، فإذا كان مميزاً عالماً بطريقة الغسل ويمكن أن يقوم بحق الميت، قالوا: لا حرج أن يلي التغسيل.
وضيق بعض العلماء من جهة النية فقالوا: إن الصبي لا يلي الغسل لمكان نية الغسل، وسيأتي إن شاء الله التنبيه على النية، وإن كان الأقوى أن الصبي إذا عقل -وكان يحسن القيام بالتغسيل- أنه يلي التغسيل ولا حرج في قيامه، وهو مقدم لا شك خاصةً إذا لم يوجد الكبير، فإنه يلي تغسيله.
(79/3)
________________________________________
شروط المغسل
والأصل في المغسل أن يراعى فيه أمور: أولها: العلم.
ثانيها: الثقة.
ثالثها: الأمانة.
فهذه ثلاثة أمور لا بد من وجودها في المغسل.
أولاً: علمه بطريقة التغسيل ولو كان من عوام الناس، فيقدم ويكون أحق.
ثانياً: الثقة؛ لأن الإنسان قد يكون عالماً بطريقة التغسيل، ولكنه فاسق والعياذ بالله، والفاسق كما أنه جريء على حدود الله قد يجرؤ على ترك حق الميت، وقد يجرؤ على كشف عورته أو على أمورٍ لا تُحمد؛ ولذلك قالوا: لا يلي تغسيل الأموات إلا من عُرِف بالثقة، فيكون ثقة مأموناً، والسبب في ذلك أن ما يتصل بتغسيل الميت من الأمور التي لا تنبغي يجب أن يكون سراً، فلربما يطلع على أمور خفية، من البشائر الطيبة، والبشائر السيئة، فقد يكون الميت عبداً صالحاً، فيرى بشائر صالحة، من تهلهل وجهه وإشراقه، وهذا معروف ومألوف.
وأذكر أنني دخلت على أحد أهل الفضل -رحمة الله عليهم- فلم تمل العين النظر إلى وجهه وهو يغسل! وتراه بصفة هي أشرق وأجمل من حاله وهو حي، ولا ترى فيه وحشة الأموات، وهذه من عاجل بشرى المؤمن: أنك ترى وجهه مشرقاً، خاصةً في حالة النزع والتغسيل.
ربما تظهر أمور، وهذا أمرٌ متضافر ومشهور عند العلماء رحمة الله عليهم، ومضت به السنن من الله سبحانه وتعالى، وهو أن الأخيار يظهر في هذه المواطن لطف الله عز وجل بهم.
وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه يقول لأهل البدع: (بيننا وبينكم الجنائز)، أي: أن الأمور تنكشف في موت الإنسان، فيجعل الله له بعض البشائر عند موته، من ذكر الله عز وجل والختم بالخير، ويجعل له بعض البشائر في تغسيله وتكفينه حتى في قبره ودفنه؛ ولذلك ينبغي أن يكون الذي يلي التغسيل ثقة، فإذا حدّث الناس بالخير صدقوه، ويكون ذلك أدعى لانتشار الخير والإحسان إلى الميت بالترحم عليه وحسن الظن به.
كذلك أيضاً: لا يحدث بكذب، ولا يكذب على الميت ولا يسيء إليه.
مأموناً: أي مأمون النظر إلى عورة الميت، ومأمون التصرف.
فهذه أمور لا بد من توفرها في الغاسل: أن يكون عالماً بالغسل، وأن يكون ثقةً، وأن يكون مأموناً، فيؤمن منه النظر إلى العورة، ويؤمن منه المس للعورة، ويؤمن منه الإخلال بحقوق الميت.
كل ذلك مما ينبغي توفره فيمن يلي تغسيل الميت.
(79/4)
________________________________________
أولى الناس بتغسيل الميت
يقول المصنف رحمه الله: [وأولى الناس بتغسيله وصيه].
يبين رحمه الله بهذه العبارة أن أحق الناس بتغسيل الميت وصي الميت، وهذه الوصية مشروعة؛ وذلك لأنه ربما كان ذلك الشخص الموصى إليه معروفاً بالعلم والاستقامة والسنة، والحرص على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء بالخير؛ فيكون أفضل من غيره وأولى وأحرى، وخاصةً في الأماكن التي يكثر فيها الجهل أو توجد فيها البدع والأهواء، ويكون هناك من عرف بالاستقامة والحرص على سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فتكون الوصية لمثله آكد وأولى وأحرى.
وقد جاء عن أبي بكر رضي الله عنه أنه وصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس رضي الله عنها وأرضاها، وهذا يدل على مشروعية الوصية، وكذلك جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه وصى أن يغسله محمد بن سيرين، وكان مرهوناً في دين، فأخرج من سجنه لتغسيل أنس رضي الله عنه؛ لأنه وصى له بذلك.
فالوصي مقدمٌ على غيره؛ لأن الميت اختاره من دون الناس، خاصةً إذا وُجد المبرر -كما قلنا- من علمٍ واستقامة وحرصٍ على الخير.
وقوله: [ثم أبوه].
يلي الوصي الأب، فالأب أحق بتغسيل ابنه؛ وذلك لمكان عظيم الشفقة والقيام بحقه على أتم الوجوه.
وهذا إنما يكون إذا تنازع القرابة فقال الأخ: أنا أريد تغسيله، وقال الابن: أنا أريد تغسيله، واختصم الأقرباء، فحينئذٍ يحتاج الفقهاء إلى وضع ترتيب للأقارب بحيث يُبين من الذي يقدم من الأقارب، فقال رحمه الله: [ثم أبوه] أي: الأب هو أول من يقدم من قرابة الميت، والأمر واضح؛ فإن أحق الناس هم الوالدان، ولكن الأم يتعذر غسلها لابنها، فبقي الحق للأب على الأصل في تغسيل الرجل للرجل.
وقوله: [ثم جده].
الضمير عائد إلى الميت، أي: جدّ الميت: وهو أبو الأب، فالمراد جهة الأبوة، إذا قلت: يقدم الأب ستنظر إلى هذه الجهة، وتبدأ بالأب المباشر، ثم أبوه وإن علا، فيقدم الأب على الجد، والجد الأقرب على الجد الأبعد، فأبو الأب مقدم على جد الأب؛ وهذا لأن الجهة يقدم بها، فإذا تساووا في الجهة نُظِر إلى القرب: فبالجهة التقديم ثم بقربه وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا لو اختصم أبٌ وجد في تغسيل الابن فإنه يقدم الأب المباشر على الجد، وهكذا لو اختصم الجد وجد الجد، قدم الجد الأقرب على الجد الأبعد.
وقوله: [ثم الأقرب فالأقرب من عصباته]: الآباء ثم الأبناء ثم الإخوان، فإذا لم يوجد له أب ولا ابن -الذي هو الفرع- ينتقل إلى جهة الإخوة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (عم الرجل صنو أبيه) والعم أخٌ للأب، فجعل الأخ مع أخيه كالشيء الذي خرج من أصلٍ واحد، فبعد الأب يقدم الابن، ثم إذا لم يكن للميت ابن يقدم الإخوة الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم أبناء الإخوة الأشقاء، ثم أبناء الإخوة لأب، ثم الأعمام الأشقاء، ثم الأعمام لأب، ثم أبناء الأعمام الأشقاء، ثم أبناء الأعمام لأب، ثم بعد ذلك أقرب العصبات: فيقدم ابن ابنِ العم على ابن ابن ابنِ العم، على حسب الترتيب الذي سبق الإشارة إليه.
وقوله: [ثم ذوو أرحامه]: أي: فيقدمون على حسب منازلهم، كابن بنت الابن مع ابن بنتِ بنت الابن؛ فإنه يقدم الأقرب على الأبعد، وذوو الأرحام في الفرائض هم الذين ليس لهم فرضٌ ولا تعصيب، كابن الخالة، فإنه ليس له فرض ولا تعصيب، ولهم ميراث خاص سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في باب الفرائض.
وقوله: [وأنثى وصيتها].
بعد أن بين الرجال فقال: نقدم الآباء ثم آباءهم وإن علوا، ثم الأبناء وأبناءهم وإن نزلوا، ثم الإخوة، ثم أبناء الإخوة، ثم الأعمام، ثم أبناء الأعمام على الترتيب الذي ذكرناه؛ شرع في الإناث، فقال: الحكم في المرأة كالحكم في الرجل سواء بسواء، فقال: [وصيتها] فلو أوصت امرأة أن التي تلي تغسيلها هي فلانة، ولو كانت أجنبية فإنها تقدم على قريباتها.
وقوله: [ثم القربى فالقربى من نسائها]: أي: على نفس الترتيب، فتقدم الأم أولاً، فإذا وجدت الأم فهي أحق من يلي تغسيل ابنتها، ثم أمها وهي الجدة -أم الأم- وتقدم القربى على البعدى، فأم الأم مقدمة على أمّ أم الأم، وبعد جهة الأمومة ينتقل إلى البنوة، فالبنت إذا لم توجد أمها، أو كانت الأم لا تستطيع أن تلي التغسيل فننتقل إلى البنات، فبنتها أحق بتغسيلها، ثم بنت بنتها وإن نزلت، ثم بعد ذلك أختها الشقيقة، ثم أختها لأم، وقال بعض العلماء: أختها لأب.
وإن كان من جهة الأم قالوا: نقدم الأم، على خلاف الذكور، فإنا نقدم من جهة العصبة والرجل والذكر.
ثم بعد ذلك بنات الأخوات الشقيقات، ثم بنات الأخوات لأم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى العمات؛ ثم بنات العمات على حسب الترتيب الذي عكسه في الرجال.
(79/5)
________________________________________
مسائل في غسل الميت
(79/6)
________________________________________
جواز تغسيل كل من الزوجين لصاحبه
قال المصنف: [ولكل واحدٍ من الزوجين غُسل صاحبه] أي: من حقه أن يلي تغسيل صاحبه، حتى قال بعض العلماء: الزوج يقدم على جميع الأقرباء، والزوجة تقدم على جميع الأقرباء.
أما كون المرأة تلي تغسيل الرجل فهذا يكاد يكون كالقول الواحد عند العلماء رحمة الله عليهم.
وأما هل الرجل يُغسّل المرأة؟ فللعلماء قولان: الجمهور يرون أن للرجل أن يلي تغسيل امرأته، ولا حرج عليه في ذلك، وعصمة الزوجية باقٍ حكمها، ولا تنفسخ بالموت.
الحنفية رحمة الله عليهم لا يرون أن للرجل أن يغسل زوجته، ويرون أنه بمجرد أن تموت يحل له نكاح أختها، وكذلك أيضاً يحل له نكاحُ بديلٍ عنها إذا كانت هي الرابعة، قالوا: فحينئذٍ لا يلي تغسيلها؛ كأن العصمة شبه زائلة بالموت.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور؛ فإن حديث ابن ماجة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لـ عائشة: (لو أنك متّ فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ثم دفنتك) وهذا حديث حسنه غير واحدٍ من أهل العلم رحمة الله عليهم، وهو يدل على أن للرجلِ أن يلي تغسيل امرأته.
كذلك أيضاً فعل السلف الذي صار كالإجماع بين الصحابة؛ وذلك أن علياً رضي الله عنه تولى تغسيل زوجته فاطمة رضي الله عنها، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم ذلك، فصار كالإجماع السكوتي، ومن هنا قالوا: إن تغسيل الرجل لزوجته يعتبر مشروعاً، وهذا هو الصحيح.
وقوله: [وكذا سيدٌ مع سريته]: أي: وكذا السيد مع سراريه، فالنساء اللواتي يتسرى بهن -وهن الإماء- من حقه أن يلي تغسيلهن؛ فإنه لا يزول ذلك بالموت، كما أن من حقه أن يلي تغسيل زوجته، وكذلك للأمة غسل سيدها.
(79/7)
________________________________________
جواز تغسيل الرجل والمرأة لمن دون سبع سنين
وقوله: [ولرجل وامرأةٍ غسل من له دون سبع سنين فقط].
بعد أن بين لنا رحمه الله مراتب القرابة بالنسبة لتغسيل الميت، وحكم الزوجين، وحكم الإماء، شرع رحمه الله في مسألةٍ ثانية تتصل بولاية تغسيل الميت.
فالصبي الذي دون سبع سنين، إن وليته أمه أو وليه أبوه فلا حرج، وكذا لا حرج أن يلي تغسيله الرجال أو يلي تغسيله الإناث ولو أجانب، هذا بالنسبة للمولود دون سبع سنين.
وابتدأ بالأقل والأخف الذي لا خلاف فيه وأمره يسير -وهو الصغير- لكي يتدرج منه إلى من هو أكبر؛ وذلك لأن تغسيل الأموات يختلف بعد السبع السنين بالنسبة للرجال والنساء، فالأصل: أن الذي يلي تغسيل الرجال هم الرجال، والذي يلي تغسيل النساء هم النساء، ما عدا مسألة الزوجين والسراري والإماء؛ وعلى هذا شرع رحمه الله في بيان مسائل تتعلق بهذا المبحث، فقال: إن من كان دون السبع السنين -وهو الصبي، وكذلك الصبية- فإن أمرهما خفيف، ولا حرج حينئذٍ أن يلي تغسيله الرجال أو يلي تغسيله الإناث.
(79/8)
________________________________________
حكم تغسيل رجل مات بين نسوة والعكس
وقوله: [وإن مات رجلٌ بين نسوة أو عكسه يممت].
أي: وإن مات رجلٌ بين نسوةٍ وليس فيهن زوجة ولا أمه، أو ماتت امرأة بين رجال وليس فيهم زوج ولا سيد، فحينئذٍ تيمم المرأة وييمم الرجل، قالوا: ولا يلي الرجال تغسيل النساء إلا ما ذكرنا من الرجل مع زوجته وأمته، وأما ما عدا ذلك فإنه لا يغسل الرجل المرأة ولا تغسل المرأة الرجل، وإنما يلي الجنس الجنس، وذلك لعدم أمن الفتنة غالباً، لأن الرجل مفتون بالمرأة، والمرأة مفتونة بالرجل، وحينئذٍ يصار إلى الاحتياط، فلا يلي الرجال النساء ولا تلي النساء الرجال، وإنما ييمم الرجل إذا مات بين النساء، وتيمم المرأة إذا ماتت بين الرجال.
والتيمم: أن يضرب الحي بكفيه الأرض ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه، فإن وجد محرم فهو الذي يلي ذلك؛ لأنه سيحتاج إلى المس، وأما إذا لم يكن من أقاربها فقال بعض العلماء: إنه يرخص في هذا اللمس لوجود الحاجة والضرورة، ومسح الكفين والوجه أخف من غسله لها ومرور يده على بقية أجزاء جسمها، ولو ولي الرجل المرأة لخلا بها، والأصل يقتضي حظر خلوة الرجل بالمرأة وخلوة المرأة بالرجل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وهذا يدل على أنه لا يلي الرجل تغسيل المرأة، والمرأة لا تلي تغسيل الرجل.
(79/9)
________________________________________
حكم تغسيل الخنثى
قال المؤلف: [كخنثى مشكل].
الخنثى: هو الذي يكون له ما يدل على أنوثته ويدل على رجولته، وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: خنثى مميز، أي: تميز حاله بأن ظهرت فيه أمارة الفحولة والرجولة، فهو رجل وملحقٌ بالرجال، أو ظهرت به أمارات الأنوثة والنساء فهو امرأة، وحينئذٍ لا إشكال.
القسم الثاني: خنثى مشكل، ليس فيه أمارات تدل على فحولته ولا أمارات تغلب أنوثته، ولذلك لم يقتصروا على وصفه بكونه خنثى، وإنما أضافوا إليه وصف الإشكال، فأشكل أمره، أي: التبس، والشيء المشكل هو الذي أصبحت أشكاله كالشيء الواحد، فشكله امرأة وشكله رجل، -أي أن فيه شبهاً من الرجال وشبهاً من النساء، فهذا لا نستطيع أن نقول: يليه النساء؛ لخوفنا أن يكون ذكراً، ولا نستطيع أن نقول: يليه الرجال؛ لخوفنا أن يكون أنثى، فهذا الخنثى ييمم.
(79/10)
________________________________________
حرمة تغسيل المسلم للكافر أو دفنه
وقوله: [ويحرم أن يغسل مسلم كافراً أو يدفنه، بل يوارى لعدم].
بعد أن بين لنا رحمه الله أن الطفل الصغير يليه الرجال والنساء على حدٍ سواء، ثم الرجل بين النساء والمرأة بين الرجال ييممان، ثم الخنثى ييمم؛ لأنه نظير ملحقٌ بما تقدم، والعلة بينه وبين من فقدت منه ما ذكرنا من الرجال والنساء واحدة، شرع رحمه الله بذكر الحكم بالنسبة للكافر.
فلا يجوز للمسلم أن يغسل الكافر، فالكافر لا يغسل ولا يكفن وإنما يوارى جسده، وهذا فيه حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه علي بن أبي طالب وذكر له أن عمه أبا طالب قد توفي، قال: (اذهب فواره) وهذا الحديث متكلم في سنده، لكن أقوى منه ما فعله عليه الصلاة والسلام بقتلى بدر حيث أمر بهم في القليب، ولم يأمر بتغسيلهم ولا بتكفينهم، وحينئذٍ انعقد الإجماع على أن الكافر لا يغسل ولا يقام عليه كما يقام على المسلم.
(79/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الغسل والتكفين [2]
غسل الميت واجب على المكلفين، وصفته قد جاءت مفصلةً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك أحكامٌ ومستحبات متعلقة بغسل الميت، لابد من العلم بها حتى يكون المغسل ملتزماً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
(80/1)
________________________________________
أحكام غسل الميت
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: وقوله: [وإذا أخذ في غسله ستر عورته وجرده]: بعد أن بين لنا -رحمه الله- من الذي يلي التغسيل، ومن له حق التغسيل، وفصّل في الجنسين، وفي المسائل المترتبة على فقد الجنس المماثل، شرع رحمه الله في صفة الغسل.
وتغسيل الميت من المهمات التي ينبغي على الناس أن يكونوا على إلمام بها، فإن الرجل ربما فجع بقريبه ميتاً، وربما فُجع في سفرٍ بصاحبٍ له أو رفيقٍ له، فيحتاج أن يعرف أحكام غسل الميت، ولذلك كان بعض العلماء والمشايخ رحمةُ الله عليهم عندما يجلسون في المجالس مع العوام، بدلاً من أن يضيع الوقت دون فائدة يعلمون العوام صفة تغسيل الميت بالتطبيق الفعلي، ويطبقونها في المجالس؛ إحياءً لهذا الأمر اليسير، ولكن بعض الناس ربما يدخل عليه بعض التكلفات التي تجعل الناس يظنون أنه شاق، وأنه لا يليه إلا خاصةُ الناس، مع أن الأمر يسير والدين يسر، وهو رحمةٌ من الله عز وجل بعباده، وليس فيه حرج ولا مشقة.
فالأمور التي يتكلفها البعض في تغسيل الميت وإحداث صفةٍ معينة فيها كلفة ومشقة، فكلها أقرب إلى الاجتهادات والآراء التي لا تستند إلى حجة من الكتاب والسنة، وهي أمور لا أصل لها، وإنما يقتصر على سماحة الإسلام ويسره في ولاية أمر الميت وتغسيله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يسر أمر الغُسل سواء كان الميت رجلاً أو امرأة، وقد أثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في المحرِم: (اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا وجهه، ولا تغطوا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، وهذا أمر في غاية الاختصار واليسر والسماحة.
وكذلك أيضاً لما أمر بتغسيل ابنته زينب وتكفينها رضي الله عنها كما جاء في حديث أم عطية رضي الله عنها الذي هو أولى وأقوى من حديث ليلى الثقفية رضي الله عنها، وفيه يسر أيضاً، وإذا تأملته وجدت أن التغسيل وصفة التكفين كلها يسر، وليس بذاك الأمر الصعب الذي يظنه بعض الناس وأنه لا يتيسر إلا لخاصة طلاب العلم، بل الأمر على خلاف ذلك، فقد تجد من العوام من يُحسن ذلك لسهولته ويسره.
(80/2)
________________________________________
ستر عورة الميت قبل التغسيل
قال رحمه الله: [وإذا شرع في تغسيله ستر عورته وجرده].
بعد أن بينا من الذي يلي التغسيل ومن هو أحق بالتغسيل -وهذا من ترتيب الأفكار- وبينا من الذي يُغَسّله من الرجال والنساء، ومن الذي تغسله المرأة من الرجال والنساء، حينئذٍ يرد

السؤال
كيف نغسل؟ فقال رحمه الله: [وإذا شرع]-أي: أراد أن يغسل-[ستر عورته] أي: ستر عورة الميت وستر عورة الميتة، لأن الأصل أن عورات الأموات والأحياء حرمتها واحدة، ولا يجوز كشف السوءات والعورات لا من حيّ ولا من ميت، إلا ما وردت الرخصة والضرورة به من علاج ونحو ذلك، وأما بالنسبة لتغسيل الميت، فالأصل: أن من يريد أن يغسل الميت فعليه أن يستر عورته.
وبناءً على ذلك يكون ستر العورة على حالتين: الحالة الأولى: إما أن تدخل على ميتٍ عليه ثيابه، فحينئذٍ تخفف الثياب وتبقي عليه ما يستر عورته كالسراويل ونحوها؛ والسبب في ذلك أن درجة حرارة الجسم ترتفع، وإذا كانت الثياب على الميت فإنها تفسخ جلده، وخاصةً إذا كانت ثقيلة كما هو الحال في أيام البرد ونحوها.
أما دليل تخفيف الثياب والاقتصار على ما يستر العورة، فهو ما ثبت في الحديث الصحيح أن الصحابة قالوا: (أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجرد موتانا؟!) قالوا: إن هذا التجريد المراد به أن نزيل عنه جميع ما يلي بدنه، وتبقى العورة على الأصل من كونها محظوراً كشفها والنظر إليها.
بناءً على ذلك: يُبقى عليه سراويل أو إزار يستر عورته، فمواضع العورة تبقى مستورة، ويبقى صدره ورأسه ورجلاه وساقاه مكشوفة؛ ثم إذا كان عليه ثياب بعد أن يجرده هذا التجريد يهيئه للغسل.
الحالة الثانية: أن يكون الميت عارياً، وهذا يقع في بعض الأحوال، كما يحدث في بعض الأحيان إذا مات في المستشفى وعليه غطاء مسجى به، فحينئذٍ إذا أردت تغسيله بدأت بعورته، فلا تكشف الثوب عنه حتى تحتاط لعورته، فتلبسه ما يستر العورة، أو تضع على عورته ما يسترها، ثم تشرع في تغسيله.
(80/3)
________________________________________
ستر الميت عن العيون عند غسله
وقوله: [وستره عن العيون].
هناك أمران في الستر: الأمر الأول: الستر في الجسد نفسه، بأن تبقي على جسده ما يستر عورته على التفصيل الذي ذكرناه.
والأمر الثاني: أن تهيئ موضعاً أبلغ في ستره وعدم تغسيله أمام الأعين؛ فإن ذلك أحفظ لحرمته وأرعى لها وأصون، وصورة ذلك: أن يختار الإنسان الغرف ونحوها، فلا يغسله في فناء واسع، وخاصةً إذا كان هناك أشخاص ينظرون إليه، أو فناء مكشوف تطل عليه البيوت الأخرى أو نحو ذلك، فهذا فيه حط من قدر الميت ومنقصة لمكانته، وحينئذٍ لا يفعل به ذلك.
ثم في الغرف نفسها: فأضيقها مقدّمٌ على أوسعها ما لم يكن في السعة ما يعين على تغسيله، أو تكون هناك حاجة لإخراجه إلى مكان أوسع لكي يكون الماء قريباً منك، أو كان في الموضع الذي فيه الماء ولا تستطيع أن تنقله إلى موضعٍ آخر، فحينئذٍ لا حرج أن تغسله في ذلك الموضع ولو كان واسعاً.
فتختار له الغرف الضيقة والمستورة من أعلاها، وهناك حديث تكلم العلماء في سنده، وهو: النهي عن تغسيل الميت في غرفةٍ ليس لها سطح، ولكنه ضعيف، والصحيح: أنه لا حرج أن يُغسل وهو إلى السماء، بمعنى أن يكون في غرفة أو فناء أو نحو ذلك، ولكنه خلاف الأولى.
(80/4)
________________________________________
كراهة حضور غسل الميت إلا لمن احتيج إليه
قال رحمه الله: [ويكره لغير معين في غسله حضوره].
وهنا ننبه على أمر! فمع أن المنكشف من الميت غير عورته، وهو صدره وساقاه ونحو ذلك، فلا ينبغي أن يحضره إلا من يلي تغسيله، وهذا يدل على الحفظ الأكمل للإنسان، حتى وإن قلنا بجواز أن يرى الرجل ساق الرجل وأن يرى صدره، ومع ذلك نقول: إن حفظ هذه الأمور أولى وأحرى.
نفرع عليه المسألة المشهورة، وهي: أن بعض النساء -أصلحهن الله- يترخصن بقول بعض العلماء: إن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل، فيقولون: لا حرج أن تبدو المرأة كاشفة الساقين أو الفخذين -نسأل الله السلامة والعافية- وكاشفة الصدر؛ لأن عورتها المغلظة السوأتان والفخذان كالرجل مع الرجل.
ونقول: لو كشف الرجل عن عورته في مجامع الناس لسقطت عدالته وردت شهادته، وكذلك المرأة إذا جلست بين النساء مكشوفة الفخذين أو مكشوفة الساقين أو مكشوفة الصدر؛ فهي ساقطة العدالة ذاهبة المروءة -نسأل السلامة والعافية- ومثلها لا تقبل شهادتها، وهذا بإجماع العلماء: أعني أن من يرتكب ما يخل بالمروءة لا تقبل شهادته؛ لأنه ناقص العقل، والشهادة إنما تقبل ممن عنده عقل يعقله ويردعه.
لذلك يقول العلماء: لحفظ كرامة الميت ينبغي ألا يحضر تغسيله -مع كونه محفوظ السوأتين- إلا من احتيج إليه، كأن يكونوا أعواناً يقومون بمعونته، أو يكون عالماً من أهل العلم يرشد أو يبين، فحينئذٍ لا حرج أن يحضر، وأما من عدا ذلك فلا.
ورخص بعض العلماء في بعض القرابة للشفقة، كأن يكون ابنه فيحب أن يكون حاضراً لتغسيله، وقد يكون ذلك من بعض الأقرباء؛ حتى يكون أدعى لرضاه بقدر الله عز وجل، لأنه ربما رأى أمارات تبشره بالخير، ويكون ذلك أدعى لصبر الأقرباء، وهذا معروف: ربما غسل فظهرت أمارات طيبة في تغسيله، فتكون أدعى لصبر أقربائه واحتسابهم للأجر فيه.
(80/5)
________________________________________
رفع رأس الميت وعصر بطنه برفق عند غسله
قال المصنف رحمه الله: [ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه]: أي: بعد أن يهيئ الغاسل المكان الذي يريد أن يغسل الميت فيه، يختار بعض العلماء أن يكون الميت على سرير؛ لأنه إذا كان على الأرض يكون غسله من الصعوبة بمكان، ولذلك اختاروا أن يكون على سرير أو على شيء عالٍ؛ حتى يتيسر نزول الفضلات والأقذار؛ ويكون ذلك أدعى لسلامة الجسد منها، فيضعه على سريرٍ ونحو ذلك ويجعل صدرهُ مرتفعاً قليلاً، فيرفع صدره ورأسه حتى يتيسر خروج الخارج أثناء تغسيله.
وقوله: [ويعصر بطنه برفق]: أي: بعد أن يرفعه من جهة صدره ورأسه يقوم بعصر بطنه عصراً رفيقاً، فإن هذا الرفع والعصر يسهل خروج الفضلة الباقية في ذلك الموضع؛ فتخرج الفضلة، وذلك أدعى لنقائه.
ثم لا يعصر بمبالغة، ولا يضغط ضغطاً شديداً؛ وذلك لأن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً، كما ثبت في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عند ابن ماجة وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً في الإثم) قال العلماء: فيه دليل على أنه يأخذ الحرمة ميتاً كما كانت له حياً، وعلى هذا قالوا: لا يبالغ في عصره، ولا يبالغ في الإضرار به وأذيته.
وقوله: [ويكثر صب الماء حينئذٍ]: هذه أمور كلها من باب الاستعانة على النظافة، ليس فيها نص أنه يجب أو يلزم الإنسان عبادةً أن يكثر الماء، إنما المراد أنه يكثر الماء حينئذٍ؛ لأن التجربة أنه إذا عصر البطن خرج الخارج، وحينئذٍ ينتن رائحة يتضرر منها من يلي تغسيله ومن عنده، فإذا أكثر الماء كان أدعى لخروج هذه النجاسة، وكذلك أدعى لسلامة البدن منها، وسلامة البدن مقصودة، وكذلك أيضاً الرفق بمن حضر بزوال الرائحة والنتن مطلوبٌ.
(80/6)
________________________________________
تنجية الميت بخرقة
[ثم يلف عليه خرقة فينجيه].
إذاً: أول ما يبدأ بقضية إخراج الفضلات، وإخراج الفضلات يستلزم منك أمرين: الأمر الأول: أن تقوم برفع الجذع الأعلى من جسده حتى يتيسر نزول الفضلة والعصر الرفيق على بطنه، يتكرر ذلك على حسب الحاجة.
وبعد أن تعصر وتتأكد من خروج الخارج ويكون مع خروج الفضلات صبّ الماء حتى لا يؤذي برائحته، وأيضاً حتى لا يتضرر البدن ببقاء النجاسة، فكثرة صب الماء أثناء خروج الخارج أدعى لذهاب النجاسة والقذر، وهذا مطلوب شرعاً.
فهذان أمران: العصر ووضع الميت في حالة تعينه على خروج الخارج، ثانياً: كثرة صب الماء لنقائه وتنظيفه.
بعد هذا تكون مرحلة النقاء المقصودة، وذلك أن يأخذ خرقة فيلفها على يديه، ثم يصب الماء على السوءة ويبدأ بغسلها وإنقائها كالحي سواء بسواء، أي: كما أنه ينجي نفسه ينجي الميت كذلك.
لكن قال بعض العلماء: لو تيسر وجود أي حائل، حتى ولو كان بالأكياس الموجودة الآن فلا حرج، فإنما العبرة بأن يُنقَى الموضع، سواء كان الحائل خرقة أو غيرها.
(80/7)
________________________________________
حرمة مس عورة من بلغ سبع سنين
وقوله: [ولا يحل مس عورة من له سبع سنين]: هذا دقة الفقهاء رحمة الله عليهم! فإنه لما ذكر غسل الميت، كان من المناسب لذلك أن يذكر فيها مس عورة الأجنبي مع وجود الحاجة للغسل، فقال رحمه الله: (ولا يحل مس عورة من له سبع سنين).
والمس يكون بالمباشرة، أي: الإفضاء إلى الشيء بالشيء بدون وجود حائل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من مس ذكره) وإذا وجد الحائل فلا يقال: مس؛ وربما يقال: لمس، وإن كان بعض العلماء يقول: اللمس يقتضي عدم وجود الحائل، لقوله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام:7] فأياً ما كان: فالمس أن تباشر البشرة البشرة، لكن إذا وجد الحائل فلا يقال إنه مس، وإنما يقال: وضع يده، أو أدخل يده أو نحو ذلك.
وحينئذٍ يضع على يديه اللفافة وينجيه إذا كان ابن سبع سنين فما فوق، وإذا كان دون السبع السنين فلا حرج على أمه وأبيه أن يغسلاه، إلا أن بعض العلماء فرق فيما يكون فيه شبه الرجال كبعض الأبناء الذين يبرز مبكراً في سنه حتى يشابه الرجال، وقد تفتن به المرأة ولو كانت قريبة، فهذا يحتاط فيه، وكذلك بالنسبة للصغيرة المشتهاة أو التي تكون أشبه بالكبيرة وفيها فتنة، فهذه مسائل مستثناة، نص العلماء على استثنائها بأعيانها.
(80/8)
________________________________________
استحباب مس سائر الجسد بخرقة
قال رحمه الله: [ويستحب ألا يمس سائره إلا بخرقةٍ]: أي: سائر جسد الميت.
لقد بين لنا رحمة الله عليه أن أول ما يبدأ به الإنسان إنما هو إنقاء الموضع بعد خروج الخارج، وقال: إن هذا الإنقاء إذا كان الميت ابن سبع سنين فما فوق ينبغي أن يكون بحائل، فلما تكلم على الحائل من أجل العورة ناسب أن يذكر أن هذا الحائل الأفضل أن يكون هناك مثله لبقية الجسد؛ لكن ليس للعلة التي في العورة وإنما لعلة أخرى، وذلك أن وجود الخرقة يصبح بمثابة المعين على دلك الجسد ونقائه، بخلاف ما إذا باشرت اليد الجسد، فإنها لا تقوى على إزالة الوسخ والقذر كما لو كان بليفةٍ أو نحو ذلك من الأشياء.
فقال: (يستحب)، أي: يستحب في سائر البدن أن يكون هناك شيء من القماش أو نحوه على اليد، حتى إذا مرت اليد على الجسد كان ذلك أدعى لمكان الخشونة أن يزيل الأقذار أو ما علق بجسد الميت مما هو غريب عنه.
(80/9)
________________________________________
صفة وضوء الميت
قال المؤلف: [ثُمَّ يُوَضِّئْهُ نَدْباً].
(ثم) هنا جاءت للترتيب، والمصنف رحمه الله ذكر لنا أنك تبدأ بإنقاء العورة من الفضلات وغيرها، ثم بعد ذلك قال: وتكون هناك خرقة لغسل سائر البدن، فأدخل مسألة الخرقة لسائر البدن بعد الطهارة، فكأنها فاصل فقال: (ثم) ولم يقل: (و) كأنه يشير إلى أن مسألة الخرقة لسائر البدن مسألة مقحمة ذُكِرت لنظيرها، وإلا فالأصل بعد انتهائك من تغسيل عورته وإنقاء الموضع من النجاسة أن تنتقل إلى توضئة الميت، فننبه على الترتيب: فيبدأ الإنسان أولاً بإنقاء الموضع من النجاسة، ثم يبدأ بتوضئة الميت، فبعد أن ينجيه كما ينجي الحي نفسه من النجاسة، ويرى حينئذٍ أنه قد انقطع الخارج النجس، وأن النجاسة قد زالت عن الموضع؛ ينتقل إلى الوضوء، وهذه هي السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما اغتسل بدأ صلوات الله وسلامه عليه بإزالة الأذى، قالت أم المؤمنين: (فغسل الأذى، ودلك بيديه الأرض بعد أن غسل الموضع)، وهذا يدل على أن السنة في غسل الميت كالحي: أن يبدأ بإزالة النجاسة ثم الوضوء.
وتوضئة الميت هي أول ما يكون في غسله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أمر النساء أن يغسلن بنته: (ابدأن بميامينها -يعني: جهة اليمين- وبأعضاء الوضوء منها)، فدل على أن السنة البدء بالوضوء، وكان عليه الصلاة والسلام: (إذا اغتسل ابتدأ بالوضوء)، فغسل كلتا يديه، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وبعد ذلك أخر غسل رجليه إلى آخر غسله؛ لكن هنا في الميت قالوا: لا يؤخر؛ لأن العلة التي في الحي ليست موجودةً في الميت، فيبتدأ بتوضئة الميت.
وقوله: [ولا يُدخل الماء في فيه ولا في أنفه]: بعد أن بين لنا أن نوضئ الميت، قال: (ولا يدخل الماء في فمه ولا في أنفه) وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بتغسيله، وإنما يقتصر على غسل الشفتين، ولذلك قالوا: يبل يديه ثم يمر بهما على شفتيه؛ لأنهما من الخارج، وذلك يغني عن إدخال الماء إلى الداخل، وهكذا بالنسبة لمنخريه، قالوا: إنه يبل يديه ويدخلهما في المنخرين كأن الماء قد دخل، وإن كانت الصورة أشبه بالمسح؛ لكنهم قالوا: إن صب الماء على اليد ثم إدخالها أقرب إلى الغسل، فصار المسح أخف من الصورة التي ذكرناها، فكأن الصورة أقرب إلى الغسل.
وعلى هذا: فبدلاً أن يمضمض الميت ويدخل الماء في أنفه يقوم بوضع الماء على شفتيه، بوضع إصبعيه مبلولتين على شفتيه، وإدخالهما في منخريه أيضاً، وهذا ما ذكره المصنف رحمه الله بقوله: [ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظفهما، ولا يدخلهما الماء]: أي: لا يدخل الماء في فمه ولا أنفه.
إذاً بهذا نكون قد بينا أن السنة توضئة الميت.
(80/10)
________________________________________
حكم البسملة والنية عند غسل الميت
قال رحمه الله: [ثم ينوي غسله ويسمي].
قوله: (ثم ينوي غسله): هذا فيه خلاف بين العلماء: فالحنفية لا يرون نية الغسل، والجمهور يرون نية الغسل وهو الصحيح، وأصل المسألة مفرعة على غسل الحي أيضاً؛ والصحيح وهو مذهب الجمهور: أنها تشترط، ولا يصح الغسل من الجنابة لحي إلا بنية، وقد قدمنا هذه المسألة وذكرنا الأدلة وخلاف العلماء والراجح فيها، فالصحيح أنك تنوي.
وبناءً على ذلك: ما فائدة أن نقول: إنه لا بد من النية؟ فائدة ذلك: أنه لو أُخِذَ الميت ووضع في موضع عُممَ الماءَ على بدنه، كأن يوضع في بركةٍ صغيرة -بطريقة أو بأخرى- ويكون عالي الصدر، ويمر الماء على سائر جسده بقصد التنظيف، أو صبّ الماء عليه بقصد تنظيفه لا بقصد القيام بحق الغسل، فحينئذٍ نقول: هذا الغسل ليس تعبدياً؛ لأنه لم ينو، فحينئذٍ يلزم أن يعاد الغسل مرةً ثانية، هذا هو وجهه.
وأما الدليل على اشتراط النية فقد قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] وقال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر:2] فأمر سبحانه وتعالى بإخلاص الدين له، والغسل من الجنابة دينٌ وعبادة، ولا يمكن للإنسان أن يقصد القربة بهذا العمل -أعني: الغسل- إلا بالنية؛ لأن الغسل يقع على صورة العبادة ويقع على صورة العادة، فيقع على صورة العبادة كما في غسل الجنابة وغسل النفساء، ويقع على صورة العادة كالغسل للاستحمام، فلما كان الفعل في حد ذاته صالحاً للعادة وصالحاً للعبادة؛ فإنه لا يمكن تميز العادة عن العبادة إلا بالنية، فأصبحت واجبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) والغسل عمل.
وقوله: (ويسمي) أي: يقول: (باسم الله) عند تغسيله.
وقوله: [ويغسل برغوة السّدْر رأسه ولحيته فقط]: وذلك بأن يأخذ إناءً مخصوصاً ويضع السدر فيه ويضربه فيه حتى تصير له رغوة كرغوة الصابون، فيأخذ هذه الرغوة النقية من السدر ويغسل بها رأسه وشعر وجهه، والأصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماءٍ وسدر).
(80/11)
________________________________________
الشروع بتغسيل الشق الأيمن ثم الأيسر
وقوله: [ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر]: يغسل شقه الأيمن؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (ابدأن بميامينها) ثم شقه الأيسر، إن كان مضطجعاً ووجهه إلى السماء فتبدأ بالشق الأيمن للميت لا للغاسل.
وهذه المسألة لها نظائر، منها: لو أحرمت بعمرة وأردت أن تتحلل بعد انتهائك منها، أو بحج وأردت أن تتحلل منه، فهل السنة إذا جاء الحلاق ووقف قبالة وجهك أن يبدأ بيمينه الذي هو يسار لك، أو بيساره الذي هو يمينٌ لك؟ الصحيح: أن العبرة بك أنت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ناول الحلاق شقه الأيمن، فلما قال: ناول الحلاق شقه الأيمن؛ دل على أن العبرة بالميت الذي يُغسَّل، فيبدأ بيمين الميت لا بيمين الغاسل؛ لأنه ربما وقف الغاسل فكان يمينه يسار الميت، وكان يساره يمين الميت، فحينئذٍ العبرة بالميت نفسه؛ لأن الغسل متصل به، والعبادة كذلك متصلةٌ به، فحينئذٍ يُبدأ بيمين الميت، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ابدأن بميامينها) فأسند اليمين إليها، والإضافة تقتضي التخصيص.
وعلى هذا: تكون اليمين للميت لا للغاسل، فإن كان مضطجعاً إلى السماء تأتي إلى الناحية اليمنى وتصب الماء عليها، وتغسل أعلاه ثم أسفله، بأن تقلبه حتى يعطيك قفاه، فتغسل الجهة التي تلي الظهر من اليمين؛ تبدأ بهذا ثلاثاً.
وبعض العلماء يرى: أنه عليك أن تبدأ بالغسلة الأولى بالشق الأيمن، ثم تقلبه على شقه الأيسر وتغسل الأيسر، ثم تعود ثانية إلى الأيمن، ثم تعود ثالثة بنفس الطريقة؛ كأنه يرى أن الغسلة تتم بالجمع بين اليمين واليسار، ولكنهم قالوا: الأرفق والأولى أن يبدأ باليمين فينتهي منه كليةً، فيغسله ثلاثاً، ثم بالشمال ويغسله ثلاثاً فينتهي منه بعد انتهائه من اليمين.
(80/12)
________________________________________
عدد الغسلات في غسل الميت
وقوله: [ثم كله ثلاثاً].
أي: كل جسده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح بدأ بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر، وقالت أم المؤمنين: (ثم أفاض الماء على رأسه -وفي رواية- على جسده).
، فهذا يدل على أن الإفاضة تكون بعد البدء بالشق الأيمن؛ تشريفاٌ لليمين، ثم انتهائه من الأيسر.
وقوله: (يفيض الماء على جميع جسده)؛ لا بأس باستعمال الوسائل التي يستعان بها في صب الماء كخرطوم المياه ونحو ذلك، فإن شئت أن تصب الماء عليه وتدلك بيديك فابدأ بشقه الأيمن، ثم اقلبه على الأيسر وادلكه بيدك، ثم عمم سائر الجسد، ويكون غسلك لسائر الجسد ثلاث مرات، والثلاث المرات أن تبدأ بأعلاه وتنتهي بأسفله؛ ثم تبدأ بأعلاه وتنتهي بأسفله؛ حتى يكون أدعى لضبطك؛ لأنك لو فرقت بدون إمعان ربما تكررت الثلاث متفرقة على البدن، فتكون غسلت بعض البدن ثلاثاً وبعضه مرتين وبعضه مرة.
فالأولى: أن تبدأ بترتيب جسده، فتبدأ بأعلاه فتعتني بكتفيه وجهة رأسه، ثم إلى صدره ثم إلى ظهره، ثم بعد ذلك على ما أقبل من أسافل رجليه ثم ما أدبر.
وبعض العلماء يقول: إنما يبدأ بالأعلى وهو منقلب على وجهه إلى السماء، فتبدأ بأعلاه ثم إلى أسفله، ثم تقلبه وتبدأ بأعلاه وهو مقلوب إلى أسفله.
والأمر واسع، والعبرة أن الماء يعم الجسد سواء بهذه الطريقة أو بتلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلوه) ولم يحد في ذلك حداً معيناً.
وقوله: [يمر في كل مرة يده على بطنه]: أي: يمر في كل مرة يده على بطنه برفق؛ حتى إذا كان هناك خارج يخرج ويبقى نظيفاً نقياً كما هو المقصود من غسله وتنظيفه.
وقوله: [فإن لم ينق بثلاث زيد حتى ينقى ولو جاز سبعاً].
أي: فإذا كان بعد الثلاث قد نقي فلا إشكال، وإن لم تنقه الثلاث زيد وتراً، فيكون بخمس ويكون بسبع على حسب الحاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن) فهذا يدل على أن الأمر مرتبط بالنظافة؛ ولذلك يختلف الوضع في الصيف والشتاء، فقد يكون في الصيف أسهل وفي الشتاء أصعب، وقد يكون بعض الأجساد به من النتن والقذر ما يحتاج إلى غسله سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة مرة؛ فالعبرة في هذا الأمر بتنظيفه وإنقائه.
(80/13)
________________________________________
وضع الكافور في الغسلة الأخيرة
وقوله: [ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً]: أي: لقوله عليه الصلاة والسلام: (واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور) والكافور ميزته أنه يطرد الهوام، فإذا وضع في قبره فإن الهوام لا تبادر بالهجوم على جسد الميت، وذلك أدعى لبقاء الجسد أكثر مدة، وقوله عليه الصلاة والسلام: (واجعلن في الآخرة كافوراً) يدل على أنه من السنة.
(80/14)
________________________________________
حكم استعمال الأشنان في الغسل
وقوله: [والماء الحار والأشنان، والخلال يستعمل إذا احتيج إليه]: الماء الحار على ضربين: حرارة نسبية معقولة يستعان بها على خفة الماء على الجسد وسهولته، وكذلك تأثيره على القذر الموجود على ظاهر جسد الإنسان.
وحرارة شديدة يتفسخ معها الجسد أو يتضرر منها الجلد.
والعلماء رحمهم الله لا يعنون بالحرارة النوع الثاني الذي يضر بالبدن ويؤذيه، إنما المراد الماء الحار الذي يقصد به الرفق بالبدن، وسهولة إخراج القذر منه، والسبب في ذلك أن الجلد إذا غُسِل بماءٍ حار سهل إخراج ما علق به من الأوساخ والأقذار.
فذكر رحمه الله أن الأصل أنه يغسل بماءٍ عادي غير حار ولا بارد ينفع الجسد بإنقائه وتطهيره وإزالة القذر الذي عليه، ولكن إذا وجدت الحاجة لوجود أوساخ أو أقذار عالقة بالبدن؛ فحينئذٍ يصب الماء الحار، ولكن بشرط ألا تكون حرارته شديدة بحيث تؤذي البدن وتضر به.
و (الأشنان): كالصابون ونحوه، فيمكن أن يغسله بالصابون إذا احتيج إليه كما إذا كان شديد القذر، فبعض الموتى يكون على حالة يحتاج معها إلى وجود الطيب أكثر، كأن يغسل بالصابون وما في حكم الصابون من رغوة الأطياب الموجودة في عصرنا الحاضر، فحينئذٍ يوضع في الماء ويغسل برغوة الصابون ونحوه، وهو الذي يسميه العلماء بالأشنان.
(والخلال): وهو تخليل أسنانه ومواضع الأذى بالأعواد، لكنها في الأصل تكون في الأسنان، ولو احتيج لتخليل الأسنان كأن يكون بينها أقذار أو أوساخ، كما يقع في بعض الحوادث، أو يكون هناك فضلة دم في الفم، فلا يستطيع أن يزيلها إلا بشيء من الأعواد الصغيرة التي تستعمل لتخليل المنافذ الموجودة بين الأسنان، فهذه تستعمل إذا احتيج إليها، وإلا فالأصل أنها لا تستعمل.
(80/15)
________________________________________
حكم قص شعر الميت وتسريحه وقص أظافره
وقوله: [ويقص شاربه ويقلم أظفاره]: أي: إذا أراد أن يغسل الميت يقص شاربه؛ لأن السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قص الشارب، وهي من الفطرة كما في الصحيح في حديث: (خمسٌ من الفطرة، ومنها: قص الشارب) والشارب للعلماء فيه كلام من ناحية إحفائه وقصه، فبعض العلماء يرى أن العبرة في القص أن يبدو إطار الشفة؛ لأنه إنما ندب وعُدّ من الفطرة أن يقص الشارب؛ لأنه إذا نزل الشارب على الفم أنتن وتعلقت به فضلات الطعام، والأطباء يمدحون ويفضلون تخفيف الشارب؛ لأنه قد يضيق نفس الإنسان بكثرة وجود الفضلات المنتنة على شاربه وقد يتضرر، وسيأتي الكلام -إن شاء الله- على هذه الخصال.
فلو كان شاربه طويلاً متدلياً على فمه، فتقص أطراف الشارب، وهذا من السنة، وذهب بعض العلماء إلى أن الميت لا يُقَصّ منه شيء؛ لأن أجزاءه تحفظ كما هي، وهذا القول هو الأقوى وهو الصحيح، أي: أنه لا يمس شيء منه إلا إن وجدت الضرورة والحاجة لإزالته بحيث يحكم بجوازه، كأسنان الذهب إذا أمكن إزالتها بدون ضرر، إما إذا وجد ضرر فتبقى.
فلا يزال من جسده إلا ما دل الدليل على حرمة بقائه، وأما ما عداه فيبقى على الأصل، وإنما يكلف بقص شاربه لو كان حياً، أما وقد مات فقد انتهى التكليف، فلسنا مطالبين إلا بما قاله عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبين) فنحن مطالبون بالغسل والتكفين، وأما بالنسبة لقص الأظفار والشعر فلا.
وقال بعضهم: إذا قصت أظفاره وضعت في الكفن، وإذا قص شيءٌ من شعره وضع في الكفن، كأنهم يرون أن الأصل أن يحافظ على كامل الجسد بما فيه، فهم يسلمون بهذا الأصل.
ولذلك نقول: إن قص الشارب والأخذ من الأظفار الأولى تركه؛ فإن فعله أحد لم ينكر عليه، وله أجر إن شاء الله؛ لأن هذا أمر اجتهد فيه بعض العلماء، ورأوا ذلك من الإحسان إلى الميت، وإن كان الذي تميل إليه النفس وتطمئن إليه -بدلالة النصوص- عدم مس شيء من هذا.
وقوله: [ولا يسرح شعره].
أي: ولا يسرح شعره خوف التساقط؛ ولذلك كرهه بعض الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا غلب على ظنك تساقط شعره فلا تسرحه؛ لأنه سبب في زوال جزء من البدن.
وقوله: [ثم ينشف بثوب]: بعد أن بين رحمه الله صفة الغسل وطريقة الغسل، ذكر أنه إذا تم الغسل، فإنه ينشف بثوب، فيؤخذ شيء من المناديل الكبيرة وتوضع عليه، وتمر على أعلى بدنه ثم على أسفله، حتى يتم تنشيف جميع البدن، ولا يوضع مباشرة بعد التغسيل في الكفن؛ لأنه لو وضع مبلولاً على الكفن قد ينتن؛ ولذلك ينشف حتى يكون أدعى لمس الطيب له وحصول المقصود من بقاء الكفن عليه دون وجود ضرر البلل.
وقوله: [ويظفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل وراءها].
(ويظفر شعرها) أي: المرأة، (ثلاثة قرون) كما ورد في تغسيل زينب رضي الله عنها من حديث أم عطية رضي الله عنها.
(ويرمى وراءها) أي: وراء المرأة ولذلك قالوا: إن هذا يؤكد أن المعروف في النساء إنما هو ظفر الشعر ورده إلى الخلف، وأما القصات الموجودة ونحوها مما يكون في تفصيل الشعر فهذا مما أخذه بعض الناس من العادات الواردة عليهم، ولكن يقول العلماء: إنه يظفر ويسدل وراءها، وهذا أفضل ما يكون في المرأة في تسريحها لشعرها.
(80/16)
________________________________________
حكم خروج شيء بعد الغسلة السابعة
وقوله: [وإن خرج منه شيء بعد سبع حُشي بقطنٍ، فإن لم يتماسك فبطين حر].
بعد أن بين صفة الغسل، فبعد الفراغ من الغسل بتجفيفه وتهيئته للتكفين، ترد مسألة يعتني العلماء بها وهي: لو خرج شيء بعد تغسيله سبعاً فالحكم فيها: أن يحشى الموضع -وهو الدبر- بقطن، لكي يتماسك ويمنع الخارج، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للمرأة المستحاضة لما غلبها الدم: (أنعت لك الكرسف -والكرسف: هو القطن، أي: ضعيه في الموضع حتى يمنع خروج الدم- قالت: يا رسول الله! هو أشد من ذلك.
قال: تلجمي).
فإن لم يتماسك قالوا: فبطينٌ حر، كل ذلك من باب الأسباب التي تعين على حفظ طهارته.
وقوله: [ثم يغسل المحل ويوضأ]: أي: ثم يغسل محله ولا يعاد الغسل.
فإذا غسلته سبعاً وانتهيت منه، ثم بعد ذلك خرج الخارج فلا تعد الغسل، بل إذا انتهى الغسل بالسبع وخرج منه الخارج فإنك تحشي الموضع بالقطن، فإن لم يتماسك فبطين حر، ثم تغسل النجاسة الموجودة في الموضع نفسه، ولا تطالب بالزائد على ذلك.
وقوله: [وإن خرج منه بعد تكفينه لم يعد الغسل].
أي: لا تلزمه إعادة الغسل، حتى قال بعض العلماء: إذا خرج بعد التكفين فإنه لا يلتفت إليه ولا يشتغل به ولا حتى يغسل؛ لأنه قد فعل ما وجب من تغسيله وتكفينه، وذلك يشبه ما لو وضع في قبره فإنه آيل إلى الفناء والتلف؛ فلو خرج الخارج لم يؤثر.
(80/17)
________________________________________
الأسئلة
(80/18)
________________________________________
تحديد وقت نية الغسل

السؤال
هل تكون النية بعد غسل أعضاء الوضوء أم تكون قبل غسل أعضاء الوضوء، علماً بأن المصنف رحمه الله ذكرها بعد غسل أعضاء الوضوء؟

الجواب
النية تكون عند بداية توضيء الميت، وأما بالنسبة لإزالة نجاسته وقذره فلا تشترط له نية؛ لأن إزالة النجاسة من الوسائل، وإنما تشترط النية في المقاصد لا في الوسائل، فلو أن إنساناً- مثلاً- دخل إلى دورة المياه وقضى حاجته، ثم بعد ذلك غسل الموضع الذي خرج منه الخارج ولم ينو هذا الغسل للصلاة أجزأه؛ لأن مقصود الشرع تنظيف هذا الموضع بغض النظر عن كونك ناوياً للصلاة أم لا، فعلى هذا تكون النية عند ابتداء توضيء الميت إذا كان يريد أن يوضئه، وإذا كان يريد أن يغسله مباشرة فإنه يكون عند ابتداء غسله والله تعالى أعلم.
(80/19)
________________________________________
حكم خروج فضلات بعد إتمام الغسل

السؤال
لو أنه بعد غسل الميت وعند القرب من الانتهاء ولكن دون سبع غسلات خرجت منه فضلات، هل يعيد الغسل من الأول أم يبني في عدد الغسلات؟

الجواب
هذا فيه خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، منهم من يحد الثلاث، ومنهم من يحد الخمس، ومنهم من يحد السبع كحدٍ أعلى؛ فالذي يحد السبع يقول: إذا كان قبل السبع يعود ويغسل حتى يصل إلى السبع؛ فإن وصل إلى السبع فهي أقصى ما يصل إليه، وحينئذٍ لا يلزمه أن يعيد بعد هذا غسله، وإنما يغسل الموضع ويقتصر عليه.
(80/20)
________________________________________
حكم غسل العبد لسيدته

السؤال
هل يغسل العبد سيدته؟

الجواب
العبد لا يغسل سيدته، وإنما يغسلها زوجها، وتغسل الأمة سيدها، والحكم مختصٌ بالسيد مع أمته لا بالسيدة مع عبدها والله تعالى أعلم.
(80/21)
________________________________________
حكم من أوصي إليه بالغسل وهو جاهل به

السؤال
إذا أوصى الميت بأن يغسله شخص، وهذا الشخص معروفٌ بالجهل، هل يعمل بالوصية أم لا؟

الجواب
هذا فيه تفصيل: إن أمكن تعليم هذا الشخص، أو أن يكون بجواره من يعلمه الغسل، فهذا أبلغ في إنفاذ وصية الميت، وأما إذا لم يمكن، وأصر أن يغسله وحده فلا عبرة بتغسيله إذا كان لم يؤمن معه الإخلال بالواجبات والأمور المطلوبة، وحينئذٍ تكون الوصية في غير محلها، ويعتد بغسله على الوجه المعتبر والله تعالى أعلم.
(80/22)
________________________________________
مسألة في تغسيل ذوي الأمراض المعدية

السؤال
أشكلت علي مسألة، وهي ترك غسل من به جدري أو مرضٌ يخاف انتقال العدوى من الميت إلى المغسل وفي الحديث حديث (لا عدوى ولا طيرة) أثابكم الله.


الجواب
مسألة العدوى وانتقال العدوى هذه فيها نصوص تكلم العلماء رحمهم الله عليها، وظن أنها متعارضة، وإن كان ظاهرها يوهم التعارض، فالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة) وصحت عنه الأحاديث بإثبات العدوى، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قال -كما في الصحيح-: (إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تقدموا عليها، وإن وقع بأرضٍ فلا تخرجوا منها) وقال أيضاً: (فر من المجذوم فرارك من الأسد).
فللعلماء في هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض أوجه: منهم من يقول: العدوى منفية، ويستثنى من ذلك المجذوم والطاعون؛ لأن التعارض ليس من كل وجه، فيقولون: تنتقل العدوى في الأمراض التي فيها عدوى، ويكون المجذوم والطاعون أصلين وما مثلهما ملتحقٌ بهما، فالمجذوم في الجلد والطاعون في داخل البدن، فكأنه ذكر أصل الأمراض المعدية الظاهرة، والأمراض المعدية الباطنة.
وهذا هو أقوى الأقوال جمعاً بين النصين، ويكون قوله: (لا عدوى)، أي: أنها لا تضر بنفسها كما كانت العرب تظن وتعتقد في الجاهلية أن العدوى بذاتها مضرة، ويُغْفِلون مسبب الأسباب ورب الأرباب سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل هو الذي سبب كونها معدية، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاعتقاد بقوله: (فمن أعدى الأول؟) فكأنه يقول لهم: لو كانت العدوى بذاتها لكانت أشبه بالأمور الطبيعية، فلا إله والحياة طبيعة؛ لكنه قال: (من أعدى الأول؟) أثبت أن الأول به عدوى، وأن العدوى قد وضعها الله عز وجل، ولم ينكر عليهم دخول الإبل المريضة على الإبل الصحيحة وعدواها، وقد قال: (لا يورد ممرضٌ على مصح).
فإذاً: كأن الحديث ليس على ظاهره: (لا عدوى)، فليس المعنى أنها لا عدوى بالكلية، والنفي من النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون على ظاهره في أحاديث كثيرة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (لا إيمان لمن لا أمانة له) أي: لا إيمان كاملاً، وليس المراد: النفي الكامل من كل وجه الذي يقتضي نفي صحة الإيمان والحكم بالكفر.
فإذاً: النفي يكون مسلطاً على العموم، ويراد به أمرٌ معين يقصده عليه الصلاة والسلام لاعتقاد ونحوه، فيكون قوله: (لا عدوى) راجع إلى العقيدة، أي: لا تظنوا أن العدوى بذاتها تؤثر، وهذا الصحيح؛ فإن الناس في العدوى على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول يقول: لا عدوى بالكلية، وينفيها كليةً، ويخالف الحس والواقع الذي يشهد بوجودها.
ومنهم من يقول: العدوى ثابتة وهي بنفسها تضر، كما كان عليه أهل الجاهلية.
وجاء الشرع وسطاً بين الأمرين، فقال: العدوى موجودة؛ ولكن لا تضر بنفسها، فتوسط بين الإفراط والتفريط، فإن الحس شاهدٌ لانتقال العدوى؛ ولذلك قال: (لا يورد ممرض على مصح) وعلى هذا يكون الأمر في قوله: (لا عدوى) راجع إلى العقيدة، أي: اعتقاد أن العدوى تؤثر بنفسها.
ولذلك ترى الرجل من قوة إيمانه ربما ورد على المريض -وهو قوي اليقين بالله سبحانه وتعالى- رغم أن مرضه معدٍ ولا ينتقل إليه، والعكس: أنه قد ينتقل من إنسان متحفظ خائف يتعاطى الأسباب، ومع ذلك ينقل الله إليه المرض، وقد أشار الله إلى هذا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة:243] قال الله لهم: (موتوا) لأنهم ظنوا أن الخروج من أرض الوباء نجاة، وأنهم يسلمون من الهلاك بالسبب نفسه، وهذه العقيدة يهدمها دليل الكتاب والسنة، وهي الغلو في الأسباب، والإسلام وسط يقرر الأسباب لكن يعطيها حقها دون إفراط ودون تفريط.
فأنت تقول: العدوى مضرة وموجودة وثابتة، والحس شاهد، والله سبحانه وتعالى قد جعل الأسباب والمسببات، وسبحان من قدر وحكم وعدل، وهو أعلم وأحكم سبحانه، لكن لا نغلو في هذا الشيء.
ومن هنا ترى أن بعض الذين يغلون في العدوى -كبعض الأطباء- يبالغ فيها حتى يعتقد أنه لو دخل إنسان صحيح على إنسان مريض فإنه سيصاب بالعدوى لزاماً، ويُغفل قضية العقيدة، وهو أنه مهما كان الأمر ومهما كان السبب فإن لله عز وجل قدرة تفوق هذا الأمر كله؛ ولذلك قال الله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69].
فالنار لو ألقي فيها الحي احترق وصار فحماً ورماداً، فقلبها الله لإبراهيم برداً وجعل بردها سلاماً، ولم يجعل بردها هلاكاً؛ ولذلك قال بعض العلماء: لو قال الله: (برداً) لأهلكته من البرد، ولكن الله سبحانه قال: (بَرْدًا وَسَلامًا).
فالمقصود أن نكون وسطاً، ولا نقول لا عدوى بالكلية، ولا نبالغ في العدوى، فتجد الإنسان إذا دخل على صاحب مرض معد، ربما دخل والخوف يرجف في قلبه، وتجد عنده غلو في مثل هذه الأمور كما هو شأن بعض الأطباء أصلحهم الله، حتى يصير طبه وبالاً عليه، ولا تكون عنده العقيدة القوية في الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك ينبه العلماء على أنه لا ينبغي المبالغة في الأسباب.
انظر الآن إلى أهل البادية: ربما جاء الرجل منهم على الأرض، وتجد الأرض مليئة بالتراب، والماء مليء بالتراب، وفيه من النتن ما فيه، ومع ذلك يشربه متوكلاً على الله معتمداً عليه ولا يضره، وتجد الرجل في الحضر، والماء نقي وفيه من وسائل المحافظة ما الله به عليم، ومع ذلك تجده خائفاً من كثرة ما يقولون في العدوى، حتى بالغوا في الأشياء وأصبح الإنسان لا يأمن في شيء يأكله أو يشربه، وهذا هو المحظور.
المحظور أن يبالغ في الأسباب وتعد أنها هي المعوّل عليها، وأنها هي المؤثرة وهذا لا ينبغي، بل ينبغي ربط قلوب الناس بالله سبحانه وتعالى.
فالمريض مرضاً جدرياً أو معدياً إذا قلنا للحي: اغسله.
يقول العلماء: تعارضت مصلحتان: مصلحة حيٍ ومصلحة ميت، فمصلحة الميت بتغسيله، ومصلحة الحي بسلامته من ضرره، فإن قلنا له: اغسله.
تعرض للضرر في الغالب، والغالب كالمحقق، والله تعبدنا بغلبة الظن، فقال: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة:10] فغالب الظن علم.
ونحن بغالب ظننا بالاستقراء والتجربة أنه لو دخل ابتلي؛ فحينئذٍ نبني على هذا الغالب ونقول: فلو غسله، فقد حصلنا مصلحة الميت وفوتنا مصلحة الحي، فقالوا: ننظر في مصلحة الحي، فلو قلنا له: ييممه؛ فإنه يسلم من ضرر تغسيله؛ لأنه ربما علق به ما يؤدي به إلى الضرر، فينتقل إلى التيمم؛ لأن تغسيل الميت له بدل، وفوات روح الحي أو تعرضه للمرض المعدي لا بدل له، والقاعدة: أنه إذا تعارضت مصلحتان، مصلحة لها بدل ممكن أن تحقق به، ومصلحة لا بدل لها، دفعت المصلحة التي لا بدل لها بالمصلحة التي لها بدل.
فنقول: ييممه؛ لأن التيمم بدل عن الغسل، وكما أن الذي لا يمكن غسله كالمحروق نظرنا فيه إلى مصلحة الميت، وكذلك أيضاً من باب أولى وأحرى أن ينتقل المرض إلى الحي كالأمراض الجلدية المعدية، وكذلك أيضاً الأمراض الوبائية التي تكون في أجهزة الإنسان، كل ذلك مما يشرع فيه أن ينتقل إلى التيمم، لكن إذا وجدت وسائل الحفظ فيجب تغسيله مع تعاطي هذه الأسباب، والله تعالى أعلم.
(80/23)
________________________________________
علة تخصيص غسل الرأس واللحية برغوة السدر

السؤال
لماذا خص المصنف غسل الرأس واللحية برغوة السدر دون سائر الجسد؟

الجواب
أشار بعض العلماء رحمة الله عليهم وبعض المعاصرين أيضاً إلى أن تفل السدر لو أنه غسل به وجه هذا لعلق في شعره؛ ولذلك يقتصر على رغوة السدر حتى لا تتخلل في الشعر فيصعب إخراجها ويتضرر الإنسان، والمعروف أن رغوة السدر تكون سالمة من تفل السدر؛ لأن السدر سيدق، ثم بعد ذلك يوضع في الماء، وهذا السدر لو أنه خلطه وحرك الماء وغسل الوجه به لعلقت فضلات السدر في الشعر وفي مغابن الوجه، ولذلك قالوا: لا يغسله إلا بالرغوة، فيأخذ السدر ويضربه بيده حتى تكون له رغوة، فيجمعها ثم بعد ذلك يغسل بها الوجه، والمقصود يتحقق بهذه الرغوة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
(80/24)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الغسل والتكفين [3]
من مات وهو محرم فإنه يعامل كما لو كان حياً محرماً، فلا يُطيب، ولا يلبس مخيطاً، ولا يغطى رأسه.
إلى غير ذلك من محظورات الإحرام، ومن قتل شهيداً في أرض المعركة فإنه يدفن بثيابه التي قتل فيها، ولا يغسل ولا يصلى عليه؛ لعلو منزلته، ورفعة شأنه، ومن تعذر غسله كالمحروق والمجذوم فإنه ييمم، وأما من مات غير مقتولٍ ولا مدفوع من الكفار -حتى وإن كان في أرض المعركة- فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.
(81/1)
________________________________________
أحكام غسل من مات محرماً وتجهيزه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف عليه رحمة الله: [ومحرم ميت كحي، يُغسل بماء وسدر]: تقدم بيان الأحكام المتعلقة بغسل الميت، وبعد أن بين المصنف رحمه الله صفة الغسل وهي الصفة التي يمكننا أن نصفها بأنها عامة، شرع رحمه الله في بيان الصفة التي تتعلق بالنوع المخصوص، وهو المحرم، والمراد بالمحرم: من تلبس بالإحرام، فدخل في أحد النسكين، الحج أو العمرة.
ثم إن المصنف رحمه الله لما بدأ بالصفة العامة، وأتبعها بالصفات الخاصة دلنا ذلك على المنهج الفقهي، وهو أن الإنسان إذا أراد أن يبين أمرين: أحدهما عام، والثاني خاص، أن يبين القاعدة العامة أولاً، ثم بعد ذلك يبين ما استُثني من هذا العموم، أو هذه القاعدة.
فبعد أن بين لنا صفة الغسل عموماً قال رحمه الله: (والمحرم كحي) أي: أن المحرم حكمه حكم الحي إذا مات، وذلك من جهة كونه يُمنع من الطيب ويُمنع من إلباسه المخيط، كما سيأتي -إن شاء الله- تفصيله.
قوله: [ومحرم ميت كحي]: المحرم وصف إنما يصدق على الإنسان إذا تلبس بأحد النسكين وهما الحج أو العمرة، ولذلك يقال: أحرم بالشيء إذا دخل في حرماته، كما يقال: أنجد إذا دخل نجداً، وأتهم إذا دخل تِهامة.
فالعلماء -رحمهم الله- يقولون: أحرم إذا نوى أحد النسكين أو هما معاً.
بناءً على ذلك: لو أن الإنسان نوى العمرة أو نوى الحج فخرج دون أن يصل إلى الميقات، أو قبل أن يصل إلى الميقات ثم توفي، أو كان في الميقات واغتسل من أجل أن ينوي، ثم توفي، فإننا نعامله معاملة الحي الذي ليس بمحرم، ونغسله بالصفة التي تقدمت، ولا يحضر علينا أن نمسه بالطيب وغيره من محظورات الإحرام.
فيشترط أن يكون المحرم قد تلبس بالنسك، فلو خرج لأجل العمرة كأن يخرج من مكة إلى الحل سواءً التنعيم أو غيره، ثم في الطريق توفي، فإننا نعامله معاملة الحلال، والعكس بالعكس، فلو أنه نوى ثم بعد النية مباشرة توفي، كما إذا لبى بأحد النسكين أوهما معاً فقال: لبيك حجاً، أو: لبيك عمرةً، أو: لبيك عمرةً وحجاً، ثم توفي فإنه بعد دخوله في نسك الإحرام نحكم بكونه يعامل معاملة المحرم سواءً بسواء، كذلك أيضاً لو مضى فأتم عمرته، وقبل أن يتحلل ولو بلحظة واحدة توفي، كأن يكون طاف وسعى بين الصفا والمروة، ثم توفي قبل أن يحلق أو يقصر فإنه لا زال في حكم المحرم، ونعامله معاملة المحرم، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
ولو أنه في الحج رمى جمرة العقبة ثم توفي ولم يتحلل، أو توفي عشية عرفة كما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو ليلة العيد، فإننا لا نحكم بمعاملته معاملة الحلال، بل نبقيه على حكم المحرم، ونحكم بالمحظورات في حقه كما نحكم بها في حق الحي.
يقول رحمه الله: [ومحرم ميت]: يعني إذا مات المحرم.
[كحي]: أي: حكمه حكم المحرم الحي، فلا نمسه بالطيب، ولا يخمر وجهه، ولا يغطى رأسه، وكذلك بقية المحظورات، والأنثى والرجل في المحظورات كل على تفصيل.
والأصل في هذا الحكم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان واقفاً بعرفة، ووقف معه أصحابه رضي الله عنهم فسقط رجل من على دابته فوقصته فقتلته، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبره، فقال عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا وجهه، ولا تغطوا رأسه) وفي رواية السنن: (ولا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) فلما قال عليه الصلاة والسلام: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) اعتبرها الأصوليون رحمة الله عليهم بمثابة التعليل، أي: أمرتكم أن تنزلوه بهذه المنزلة، وأن تحظروا عليه هذه الأمور؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، فكأنه يقول لهم: حكمه حكم المحرم سواءً بسواء.
فلذلك قال المصنف رحمه الله يجمل هذه الأحكام: [ومحرم ميت كحي] أي: في تغسيله وما يُحظر عليه كالحي.
وقوله: [يغسل بماء وسدر]: لأنها السنة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماء وسدر)، وللسدر خاصية في طرد الهوام وكذلك في جلد الإنسان وظاهر بدنه.
قوله: [ولا يُقَرَّب طيباً]: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تمسوه بطيب) فهذا يدل على أنه لا يطيب، ولأن المحرم يحظر عليه الطيب، وهذا نص حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) فنهى عليه الصلاة والسلام عن الطيب في البدن والطيب في الثياب.
وقوله: [ولا يُلْبَسُ ذكرٌ مخيطاً]: ولا يلْبس الذكر المخيطَ، فالذكر محظور عليه المخيط، والمخيط: ما أحاط بالعضو، وليس المراد به أنه يُخاط، كما سيأتي تفصيله في الحج، فبعض الناس يظن أن المخيط: ما فيه خيط، وهذا خطأ، فما من ثوب إلا وفيه خيوط، وإنما المراد بالمخيط: ما أحاط بالعضو، ودليلنا على هذا الأمر الذي نص عليه جماهير العلماء أن المخيط أو الثوب الذي يحيط بالعضو محظور: أن النبي صلى الله عليه وسلم حظر إحاطة العضو في أعلى البدن، وإحاطته في أوسطه، وإحاطته في أسفله، وإحاطته كله، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تلبسوا القمص -والقميص كان لأعلى البدن- ولا العمائم -وهي تحيط بالرأس- ولا السراويلات)، فمنع من إحاطة أسفل البدن بقوله: (السراويلات) وأعلى البدن بقوله: (القمص)، وأعلى أعلاه بقوله: (العمائم)؛ لأن العمامة ليست مخيطة، وإنما تحيط بالرأس وتغطيه، ومن ثم قال العلماء: إنه إذا أحاط بالعضو فإنه يأخذ حكم المخيط، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ولا البرانس)، وهذا من دقته عليه الصلاة والسلام في اختيار المناسب للحكم، وهو من أمثل ما يكون في الشمولية في منهج التشريع.
ووجه ذلك: أن الثياب منها ما يتعلق بأعلى البدن، ومنها ما يتعلق بأسفله، ومنها ما يجمع الجميع؛ فالبرنس فيه غطاء للرأس، وفيه غطاء لجميع البدن، ففصل كل جهة.
وعلى هذا فإن من الأخطاء الشائعة الذائعة الآن والتي أصبحت تنتشر: تفصيل ثياب الإحرام بوجود ما يجعلها في حكم الفوط، وهذا النوع الذي انتشر الآن يُجعل له أزارير، فيأتزر بإحرامه ثم يظن أن هذا خارج عن المخيط، فوضعوا له زراً من الحديد، وهذا من وهمهم، فيظنون أن المخيط ما كان فيه خيط، والواقع أن المراد بالمخيط: ما أحاط بالعضو.
ومن لبس المخيط فإن عليه الفدية، ومن لبس هذه الأزر التي يكون فيها الحديد فإنها تأخذ حكم ما فصل للبدن؛ لأنها تعتبر كالمحيطة بالبدن، لأنها فصلت على البدن تفصيلاً لا على سبيل الإزار المعهود المعروف.
وقوله: [ولا يُغطى رأسه]: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس العمائم، والعمامة تغطي الرأس، وسميت عمامة لأنها تعم الرأس بالغطاء.
[ولا وجه أنثى]: هذا على الأصل في الإحرام في حديث عبد الله بن عمر في صحيح البخاري: (ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) على أن المرأة في الإحرام إحرامها في وجهها وكفيها، فإذا رأت الرجال الأجانب سدلت، كما في حديث أسماء رضي الله عنها وكذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وحديث أسماء أقوى من حديث أم المؤمنين عائشة: (أنهن كن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا مر بهن الركب سدلت إحداهن خمارها)، فدل على أن السدل يستثنى من هذا، وعلى هذا فإنه لا يُغطى.
وقوله: [ولا يغسل شهيد]: شرع رحمه الله في بيان الأحكام الخاصة بالشهيد، والمناسبة بين الشهيد والمحرم، أن كلاًّ منهما فضله الله عزَّ وجلَّ، وشرفه وكرمه وخصه بهذه الخصائص.
فالمحرم لا يعامل معاملة الحلال، تشريفاً له وتكريماً وعاجل بشرى، ولذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) أي: يبعث على هذا الخير، وعلى هذه الطاعة التي قبض الله روحه وهو متلبس بها.
كذلك فإن الشهيد به آثار طاعة، وآثار قربة هي من أحب القربات وأجلها عند الله تبارك وتعالى، وهي الشهادة في سبيل الله عزَّ وجلَّ.
والشهيد سمي شهيداً: قيل: لأن الملائكة تشهده، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جابراً رضي الله عنه لما قتل أبوه يوم أحد جعل يكشف الثوب عن وجه أبيه ويبكي، فما زال يبكي، فقال له: (ابكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله حتى رفعته إلى السماء)، فقالوا: إنه لفضله سمي شهيداً.
وقيل: لشهادة الخير له.
وقالوا: إنه سمي شهيداً لأن الملائكة تشهده، بمعنى تحضره، ويقال: شهد الشيء إذا حضره، قال تعالى: {وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [القصص:44] أي: من الحاضرين، فشهود الشيء: الحضور.
(81/2)
________________________________________
حكم تغسيل الشهيد
وقوله: [ولا يغسل شهيد]: الشهيد هو شهيد المعركة، ولذلك خصه المصنف رحمه الله بشهيد المعركة، أي: الذي قتل في المعركة، لأن هناك من هو في حكم الشهيد، كالمبطون والغريق والحريق والهدمى والنفساء والطاعون، وغيرهم ممن سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كمن قتل دون ماله أو عرضه أو أهله.
فالشهادة من حيث هي -كما يقول العلماء رحمهم الله- مراتب، أشرفها وأكرمها وأقدسها: الشهادة في سبيل الله عزَّ وجلَّ بالقتل؛ لأن صاحبها قد باع أعز ما يملكه وهي نفسه التي بين جنبيه، ولذلك بشر أهل هذه الصفقة فقال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة:111].
فالمقصود أن الشهيد هنا شهيد المعركة، وهو الذي يقتل في المعركة، ويشمل ذلك: أن يكون قد بقيت منه أجزاء أو بقي كاملاً، فيكون قد طُعن، أو بُقرت بطنه، أو ضرب في مقتل فمات، أو ذهبت أشلاء أو أعضاء منه وبقي جزء من بدنه، فالحكم كله سواء، سواء بقي البدن كاملاً أو بقي أكثر البدن، أو جزء من البدن، وكل ذلك يعامل هذه المعاملة، فلو أنه انفجر وبقيت منه أشلاء وأعضاء، فإنها تجمع كما هي، ثم تدفن بحالها، وهذا على الأصل في الميت أنه إذا تلف بحرق أو نحو ذلك، فإنه يؤخذ ما بقي من بدنه ثم بعد ذلك يعامل معاملة بقية الجسد، على تفصيل عند العلماء رحمة الله عليهم من حيث الغسل وعدم الغسل بالنسبة لغير الشهيد، وشهيد المعركة هو الذي يموت في ساحة المعركة.
وعلى هذا فشهيد غير المعركة فيه تفصيل، فهناك الشهيد الذي يقتل دون ماله، ودون عرضه، ودون نفسه، والمقتول ظلماً كأن يعتدى عليه، فهؤلاء لهم أحكام تخصهم، وهم في حكم الشهداء.
والشهادة أصلاً لا تكون إلا في القتال بين المسلمين والكافرين؛ لكن لو أن طائفتين من المسلمين وقع بينهما قتال تأويل وشبهة، كما وقع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في معركتي صفين والجمل، فإنه يعامل معاملة الشهيد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين).
أما بالنسبة لفئة الجماعة، وهي التي تكون مع إمامهم، فإن من قتل مع إمامهم فهو شهيد بدون خلاف بين العلماء، ويعامل معاملة الشهيد.
(81/3)
________________________________________
حكم تغسيل من قتل في فئة باغية
ولكن اختُلِف في الفئة الباغية، لو أن قوماً خرجوا وقُتِلوا هل يعاملون معاملة الشهداء، بمعنى: أنهم لا يغسلون ولا يكفنون؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، والذي مال إليه جمع من المحققين: أنهم يأخذون حكم الشهداء، والدليل على ذلك: إجماع الصحابة ومن حضر من التابعين في قضية صفين والجمل، فإنهم لم يغسلوا أحداً ممن قتل فيها، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عمار: (تقتله الفئة الباغية)، كما في الحديث الصحيح، فوصف فئة معاوية بأنها باغية، ومذهب أهل السنة والجماعة أن الحق مع علي رضي الله عنه وأرضاه، وأن معاوية معذور في اجتهاده وله أجر واحد، ولـ علي رضي الله عنه الأجران، وعلى هذا فإن الصحيح أن من قُتِل في الفئة الباغية فإنه يعامل معاملة الشهيد، فلا يغسل ولا يكفن، وهذا اختاره جمع من المحققين، ومنهم الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني.
وقوله: [ولا يغسل شهيد معركة ومقتول ظلماً إلا أن يكون جنباً]: قال العلماء: السبب في ذلك أن شهيد المعركة دمه وجراحه تشهد له بين يدي الله عزَّ وجلَّ.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما مِنْ كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون دم، والريح ريح مسك).
أي: ما من إنسان يُطعن ولا يُجرح ولا يُخدش، قليلاً كان ذلك الكلم أو كثيراً.
(إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً): أي: كأنه قتل من ساعته.
وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في السنن أنه قال في شهداء أحد: (زملوهم بدمائهم فإني شهيد لهم) أي: أشهد لهم بين يدي الله عزَّ وجلَّ أنهم قتلوا في ثيابهم، ولم يأمر عليه الصلاة والسلام بغسل شهداء أحد، فدلت هذه النصوص على أن السنة في الشهيد أنه لا يغسل، ولذلك يترك على حاله إلا إذا كانت به نجاسة، فلو أنه أثناء المعركة أصابته نجاسة أو بعد أن قتل جاءت النجاسة على طرف من أعضائه أو يده أو نحو ذلك، فإنها تغسل، فلو أنه قاتل كافراً ثم خرج عليه دم الكافر، ثم قتله الكافر، وأصبح أثر دم الكافر على يده، فإنا نغسل يده غسل تطهير من النجاسة، وليس المراد به غسل الميت المعهود.
(81/4)
________________________________________
حكم تغسيل من قتل ظلماً
وقوله: [ومقتول ظلماً]: أي: وهكذا المقتول ظلماً، هذا أحد القولين عن العلماء، كأن يُعتدى على إنسان في عرضه فدافع فقتله الباغي، فإذا قتل دون العرض فهو شهيد، وهو مقتول ظلماً، وهكذا لو أنه اعتدي عليه فلم يشعر إلا بإنسان قد هجم عليه يريد أخذ ماله أو يريد قتله، وفي الحديث: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: هو في النار، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت في الجنة).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد) فالمقتول ظلماً هو الذي يقتل بدون حق، فإذا قُتِل بدون حق فللعلماء فيه قولان: قال طائفة من العلماء: المقتول ظلماً في غير ساحة المعركة يعامل معاملة الميت طبيعياً، فيغسل ويكفن ويصلى عليه.
والقول الثاني: أنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وإنما يدفن بجراحه كالشهيد.
والصحيح: القول الأول؛ لأن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قتل، فغسلته أمه أسماء رضي الله عنه وعنها، فدل هذا على أن المقتول ظلماً باقٍ على الأصل، ولأن القاعدة في الأصول: (إعمال الأصل حتى يدل الدليل على الاستثناء)، فالأصل عندنا في كل ميت أنه يغسل حتى يدل الدليل على الاستثناء، فاستثنى الدليل الشهيد ولم يرد دليل باستثناء من قتل ظلماً.
وإنما قاس بعض العلماء من قتل ظلماً على الشهيد، بجامع كون كل منهما فاتته نفسه بدون حق؛ ولكن هذا القياس محل نظر، وذلك لأن القياس في العبادات ضيق، فقد يكون في الشهيد معنىً ليس بموجود في المقتول ظلماً، ولذلك قالوا: إنه يختص الحكم بالشهيد في المعركة دون غيره.
وهذا هو الصحيح، وعلى هذا يكون تشريك المصنف -رحمه الله- بين المقتول ظلماً مع الشهيد على المرجوح، والراجح أن المقتول ظلماً يغسل ويكفن ويصلى عليه.
(81/5)
________________________________________
حكم تغسيل الشهيد أو المقتول ظلماً إذا كان جنباً
وقوله: [إلا أن يكون جنباً]: أي: إذا كان الشهيد والمقتول ظلماً عليه جنابة، فحينئذٍ يغسل، وللعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: أن الشهيد إذا كان جنباً أنه يغسل، بناءً على أن الجنابة قد وجبت عليه.
والقول الثاني: أنه لا يغسل، وهذا مذهب الجمهور.
وهكذا المرأة إذا قتلت في المعركة وكانت شهيدة، فإنها لا تغسل، وكذا لا تغسل غسل الجنابة إذا قتلت وهي جنب، أو قتلت وقد طهرت من حيضها لكنها لم تتمكن من الغسل، فالصحيح في هؤلاء كلهم أنه لا يغسلون، وذلك إعمالاً للأصل.
وأما من قال بأنهم يغسلون فقد استدل بحديث حنظلة غسيل الملائكة، وذلك أنه رضي الله عنه: (لما سمع الهيعة -وهي: الصيحة- خرج إلى القتال فقُتِل، وكان قد جامع أهله، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم الملائكة تغسله، فأمرهم أن يسألوا أهله، فقالوا: إنه كان على جنابة، فسمع الهيعة فترك أهله -أي: لم يغتسل من الجنابة- ثم انطلق حتى قتل في سبيل الله شهيداً).
قالوا: لما غسلت الملائكة حنظلة دل على أن من قتل في سبيل الله شهيداً أنه يغسل إذا كان جنباً، والصحيح: أنه لا يغسل؛ لأن حديث حنظلة حجة لنا لا علينا، فإنه يدل على أنه لا يغسل، حيث إنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة غسلته، ولم يأمر الصحابة أن يغسلوه، فدل على أن الأصل باقٍ في أن الشهيد لا يغسل، وأنه يُلَفَّفُ في ثيابه على الأصل الذي قررناه في كل شهيد.
(81/6)
________________________________________
حكم دفن الشهيد بثيابه التي قتل فيها
وقوله: [ويدفن في ثيابه بعد نزع السلاح والجلود عنه]: أي: سواء كانت الثياب يسيرة أو غالية، فالحكم واحد أنه يدفن في الثياب التي قتل فيها، وإذا لم يكن له ثوب قال العلماء: إذا جرد عن ثيابه أو احترقت ثيابه، أو نزعت عنه، فأصبح عارياً، قالوا: يشرع حينئذٍ أن يوضع شيء على عورته ثم يُنزل إلى قبره ويلحد، دون أن يكفن الكفن المعروف، وهذا على الأصل الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (زملوهم في ثيابهم)، فأمر في الشهداء أن يزمَّلوا في ثيابهم، وأن يكونوا بنفس الثياب التي لقوا بها العدو، لا يزاد عليها ولا ينقص منها.
لكن يؤخذ من الثياب السلاح ونحوه، كمحامل الأسلحة ونحوها، ويؤخذ بثيابه ثم يلف فيها، قال صلى الله عليه وسلم في مصعب رضي الله عنه، وقد كانت له شملة إذا غطوا بها وجهه بدت قدماه وإذا غطوا قدميه بدا وجهه:: (غطوا بها وجهه، واجعلوا على رجليه إذخراً أو شيئاً من الإذخر)، وهذا فيه دليل على أنه إذا كانت ثيابه تسع أعلى البدن دون أسفله فإنه حينئذٍ يقدم ويشرف أعلى البدن ثم يترك الأسفل مكشوفاً، فإذا كان هناك إذخر فإنه يُستر بالإذخر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (واجعلوا على رجليه إذخراً أو شيئاً من الإذخر)، فدل على استثناء الإذخر وحده دون غيره.
(81/7)
________________________________________
حكم من قتل شهيداً ثم سلبت ثيابه
وقوله: [وإن سلبها كفن بغيرها]: قال بعض العلماء: تستر عورته.
وقال بعضهم: بل يكفن الكفن الذي يكون ستراً لسائر بدنه، وهذا قول من يُعمِل الأصل، ويقول: إن الأصل أنه يحسن الإنسان في كفن أخيه المسلم، فلما كان الشهيد قد فاتت ثيابه واحترقت، أو زالت أو سلبها العدو أو أخذها، قالوا: حينئذٍ يُزَمَّل في ثياب ولو كانت جديدة، ثم بعد ذلك يدفن.
(81/8)
________________________________________
حكم الصلاة على الشهيد
وقوله: [ولا يُصَلِّى عليه]: هذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد، فإنه لم يصل عليهم، وهذا يدل على فضل الشهادة في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فإن الصلاة على الميت فيها من الفضل والخير للأحياء والأموات ما الله به عليم، ولذلك: (ما من مسلم يقوم عليه أربعون يشهدون أن لا إله إلا الله، فيشفعون له إلا شفعهم الله فيه)، وهذا يدل على فضل الصلاة على الميت والدعاء له، فجعلها الله فضلاً للأحياء والأموات، أما الأحياء فجعل فيها القراريط من الأجر، وما يكون لهم من أجر الدعاء للميت.
وأما الأموات فلأنه خير يكون لهم قبل أن يلقوا الله عزَّ وجلَّ بدعاء إخوانهم وسؤال الرحمة، وقد يتجاوز الله عن سيئات الميت بسبب خالص دعاء الأحياء، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخلاص الدعاء للأموات، وأن على الإنسان إذا دعا لأخيه الميت فعليه أن يخلص في الدعاء ويجتهد، فلما كانت الشهادة يُرجى لصاحبها من الخير والفضل ما يرجى، صار كأنه ارتفع عن هذا كله، لعظيم ما له عند الله من المنزلة، والدرجة، مع أن الصلاة فيها دعاء واستغفار له، فكأنه قد جاوز ذلك إلى رحمات وجنات وفضائل من الله سبحانه وتعالى تغنيه عن الدعاء.
ولذلك لما سئل عليه الصلاة والسلام عن فتنة الشهيد في قبره: هل يُسأل الشهيد في قبره ويفتن بالفتان؟ قال عليه الصلاة والسلام: (كفى ببارقة السيوف فتنة)، أي: كفى ببارقة السيوف على رقبته فتنة، وذلك لأنه قتل في سبيل الله مقبلاً غير مدبر بائعاً نفسه لله عزَّ وجلَّ، فكأنه قد أقبل على الله سبحانه وتعالى بخير عظيم.
ولذلك ورد في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (تكفل الله.
وفي رواية: تضمن الله) والضمانة والحمالة والكفالة من الله سبحانه وتعالى تدل على ما له عند الله سبحانه وتعالى من الفضل العظيم والثواب الجزيل.
وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة، تشرب من أنهارها، تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش) وهذا يدل على فضل الشهادة في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فلا يصلى عليه، لأنه في رحمة منذ أن تقبض روحه ويقتل في سبيل الله عزَّ وجلَّ.
والشهيد لا يجد من قبض الروح وفتنة السكرات كقرصة النحلة، وتؤخذ روحه -كما يقول بعض العلماء- كأنه أشبه بطرفة العين، تؤخذ منه كأحسن ما يكون من سلت الروح دون أذى ودون ضرر، ثم ما إن تقبض روحه حتى يكون له الفضل الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر).
وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه ذكر شهداء أحد وأنهم لقوا الله عزَّ وجلَّ فرضي عنهم ورضوا عنه).
وفي الحديث الصحيح أن جابراً رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! أخبرني عن أبي، إن كان في الجنة صبرت، فقال له: يا جابر! إنها جنان، وإن أباك قد أصاب الفردوس الأعلى منها) وهذا يدل على فضل ما يكون للشهيد، وكلما أخلص وصدق مع الله، وكلما كان بلاؤه في الجهاد أعظم؛ كانت شهادتُه أرجى.
وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إن الله لا يكلم أحداً إلا من وراء حجاب إلا ما كان من أبيك فقد كلمه كفاحاً، وقال: تمن عبدي، فقال: أتمنى أن أعود فأقتل في سبيلك ثانيةً) مما رأى من فضائل الشهادة.
فتبين أنه لا يصلى على الشهيد لعظيم ما له عند الله من الفضل والمثوبة.
نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبلغنا هذا الفضل الكريم.
(81/9)
________________________________________
حكم من سقط من دابته في المعركة
فقوله: [وإن سقط من دابته، أو وجد ميتاً ولا أثر به، أو حُمِل فأكل، أو طال بقاؤه عرفاً؛ غُسِّل وصُلِّي عليه]: هذه الصور تستثنى من الأصل في الشهيد، فعندنا أصل عام، وهو تغسيل كل ميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وعندنا ما استُثني الشهيد من الأصل العام في تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، بقي دفنه، ثم هذا الشهيد يفصل فيه، فلا يقال: إن كل من قتل أنه يحكم بكونه يعامل هذه المعاملة، بل الأمر فيه تفصيل، فالشهيد الذي لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه هو الذي تقبض روحه في أرض المعركة، وشرط ذلك أن يكون مقتولاً، بمعنى: أن نفسه تفوت بسبب القتل.
فلو سقط من على دابته فإن السقوطَ قتل، ولكن لم يقتل شهيداً في هذه الحالة، وإن كان له فضل ومنزلة، وما من عبد يسأل الله الشهادة أو يأخذ بأسبابها -ولا تكون له- إلا بلغه الله منازل الشهداء.
هذا من جهة الفضل؛ لكن من جهة الحكم شيء آخر، فإنه لو زلت به دابته فسقط، أو كان في المعركة ثم حصل أمر فاتت به نفسه دون قتل، فإنه وإن فاتت نفسه في أرض المعركة؛ لكن بغير شهادة، فحينئذ يعامل معاملة غير الشهداء؛ كما إذا سقط من دابته، أو قتل أو لم يوجد به أثر، كأن وجد بكامل أعضائه دون أن يوجد فيه ضرب أو طعن مما يدل على أنه قتل، فحينئذ يحتمل أن يكون مات قدراً، كأن يكون مات من فجعة أو صدمة، فيبقى على الأصل.
فإننا متحققون أن الأصل فيه أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن؛ لكن لما شككنا هل مات بالشهادة أو مات بغيرها ولم توجد دلالة ظاهرة، قدم الأصل على الظاهر، وهذا من تقديم الأصل على الظاهر؛ لأنه ليست به علامة ولا أمارة ولا دليل يدل على أنه مات بسبب القتل، وبناءً على ذلك يحتمل أن يكون مات من فجعة أو صدمة، أو وافق قدراً فتوفي في أرض المعركة، أو رأى عزيزاً عليه قتل، أو رأى حالة قتل ففُجع بها ومات، وهذا محتمل، ولذلك قالوا: دلالة الظاهر من كونه في أرض المعركة، لا تكفي في الخروج والعدول عن الأصل، بل نبقى على هذا.
لكن لو أنني رأيته بعيني أو رآه من يوثق بخبره أنه دفعه عدو من على دابته، فسقط بدفع العدو ومات، فإنه في حكم الشهيد، وحينئذٍ قالوا: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه.
وقال بعض العلماء: بل يغسل ويكفن ويصلى عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زملوهم بدمائهم).
فامتنع التغسيل عند أصحاب القول الثاني لمكان الدم، فإذا كان موته بدون جرح، كأن يكون دفع أو رُضَّ فمات بالرض، قالوا: إنه لا يعامل معاملة الشهيد، وهذا بناءً على أن منع التغسيل لأثر الدم، وليس المراد به للشهادة بذاتها.
والقول الأول له وجهه من جهة الأصل من كونه شهيداً.
هذا بالنسبة للصور التي ذكرها.
بقيت معنا صورة.
إذاً: عندك حالتان: الحالة الأولى: أن يوجد ميتاً في أرض المعركة ليس به دليل ولا عليه أمارة تدل على أنه قتل، فحينئذٍ تبقى على الأصل من كونه يحتمل أنه مات قدراً أو مات بفجعة أو بدفعة أو نحو ذلك، فحينئذٍ تغسله وتكفنه وتصلي عليه، وتعامله معاملة الأصل.
(81/10)
________________________________________
حكم من أكل أو شرب بعد طعنه الذي مات به
الحالة الثانية: أن تجد به أثر القتل كأن يطعن أو -مثلاً- يكون به جراح ثم يحمل من أرض المعركة، لكنه يأكل أو يشرب، فحينئذٍ يعامل معاملة الأصل، فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن.
أما بالنسبة لحالة كونه يأكل ويشرب، فإنهم يقولون: إذا أكل أو شرب بعد الطعن وبعد الأثر الذي كان به من الضرب، فإننا في هذه الحالة قد تحققنا حياته بعد طعنه، فيخرج عن حكم الشهيد، وموته بعد ذلك وإن كان بأثر القتل؛ لكنه تبع لا أصل، والموت وإن كان بأثر الضربة في سبيل الله عزَّ وجلَّ فإنه شهيد في الأصل؛ لكنه لا يعامل معاملة الشهيد.
والدليل أن سعداً رضي الله عنه وأرضاه ضرب في أكحله، فسأل الله عزَّ وجلَّ أن يؤخر موته حتى يقر عينه من بني قريظة؛ لأنهم خانوا الله ورسوله، وهذا من شدة غَيرته رضي الله عنه وأرضاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى دين الله، وهو من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فسأل الله عزَّ وجلَّ ألَّا يموت حتى يقر عينه بما يشفي غيظه ويروي غليله فيهم، فكان الحاكم فيهم رضي الله عنه وأرضاه.
فلما ضُرب في أكحله أخر الله أثر الجرح، وهذه آية من آيات الله عزَّ وجلَّ، فسلم رضي الله عنه حتى حُمل إلى بني قريظة في قصة التحكيم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم فقال: (أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لقد حكمت فيهم بحكم الجبار من فوق سبع سماوات).
ثم انتقض عليه جرحه، فمات رضي الله عنه وأرضاه فغسله النبي صلى الله عليه وسلم وكفنه وصلى عليه، وعامله معاملة الأصل، مع أن الجرح الذي مات بسببه هو في الأصل من المعركة.
فلذلك قال العلماء: لما حيَّ حياةً مستقرة بعد الجرح نُزِّل منزلة الأصل، فصار الحكم خاصاً بمن قبض في أرض المعركة، دون من جُلِب عن أرض المعركة، ودون من أكل أو شرب بعد طعنه وضربه الذي فاتت به نفسه.
(81/11)
________________________________________
حكم من طعن فطال بقاؤه عرفاً ثم مات
وقوله: [أو طال بقاؤه عرفاً؛ غُسِّل وصُلِّي عليه]: من طال بقاؤه عرفاً فماله مما يُحتكم فيه إلى العرف، فإن قال أهل الخبرة والأطباء: إن حياته مستقرة، فحينئذٍ لا يعامل معاملة الشهيد، فيُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصَلَّى عليه ويُدْفَن، أما لو قَصُرت مدته وبقي بعد الطعنات ينزف في أرض المعركة، ثم فاتت نفسه، فإنه شهيد، وعلى هذا: فالشهيد يستوي فيه أن يُضرب فيُقتل من ساعته، أو يُضرب ثم تسيل دماؤه فينزف وينزف لمدة ساعة أو ساعتين فإن هذا ليس بطول؛ لأن النزف القاتل يشمل مثل هذا، فحينئذٍ يعامل معاملة الشهيد، فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه.
(81/12)
________________________________________
حكم تغسيل السقط والصلاة عليه
قال رحمه الله: [والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصُلي عليه]: السقط: هو الذي تسقطه المرأة الحامل جنيناً، سواء كان ذكراً أو أنثى، هذا السقط إذا بلغ أربعة أشهر، (مائةً وعشرين يوماً)، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه: (يُجْمَع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الملك فيؤمر بكتابة أربع كلمات، عمرِه وأجلِه وعملِه، وشقي أو سعيد)، فهذا يدل كما يقول العلماء رحمة الله عليهم على أنه يُنفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، وهذا ما تقرر على ظاهر الحديث، ويقولون: إذا بلغ هذا القدر فإنه يعامل معاملة الطفل الحي، فيُغسل ويكفن ويصلى عليه ويسمى -أي: يسميه أبوه- سواءً كان ذكراً أو كان أنثى.
(81/13)
________________________________________
التيمم لمن تعذر غسله
وقوله: [ومن تعذر غُسلُه يُمِّم].
بعد أن بين لنا حكم غسل المحرم، وحكم تغسيل الشهيد، وما يستثنى من الشهداء، شرع رحمه الله في بيان المسائل التي تلتحق بهذا.
والمناسبة بين هذه المسائل وبين الشهيد والسقط ومَن تقدم، أن الجميع خارجون عن الأصل، فلهم حكم خاص يستثنى من الأصل.
والذي لا يمكن تغسيله يشمل أصنافاً من الناس، منهم المحروق، فإن المحروق إذا غسل ينتفط جلده ويصعب في هذه الحالة أن يحصل النقاء الذي هو مقصود الشرع، بل إن صب الماء عليه فإنه يزيده ضرراً، وحرمة الميت المسلم ميتاً كحرمته حياً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (كَسْر عظمِ المؤمن ميتاً ككسره حياً في الإثم)، فجعل للميت المسلم حرمة، فلو أننا غسلناه أنتن جسده وأنتن جلده ونَفَط، وحصل من الضرر الشيء الكثير.
كذلك لو كان به مرض في جلده بحيث إذا صُب عليه الماء نَفَط، وكما في المجدور فإنه لو غُسل فإنه يتضرر جلده.
وكذلك أيضاً إذا كان توقع لحوق ضرر بمن يغسله، كما هو الحال في الأمراض المعدية إذا لم يمكن تغسيل أصحابها بطريقة يسلم بها المغسل من العدوى؛ ففي هذه الأحوال كلها استثنى العلماء رحمهم الله هؤلاء من الأصل وقالوا: إنهم لا يُغسلون، وإنما يُيَمَّمون.
وهكذا لو فقد الماء فلم يوجد، كأن يموت شخص بالصحراء، فحينئذٍ ييمم؛ لأن الشرع جعل طهارة التراب قائمة مقام طهارة الماء، فهذا أصل، فإذا وجبت طهارة الماء ولم يمكن القيام بها عُدِل إلى البدل الشرعي وهو التراب، فيُيَمَّم الميت، والتيمم أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تمسح بهما وجه الميت وكفيه، فإذا فعلت ذلك فإنه حينئذٍ يحصل المقصود، كما تقدم معنا في صفة التيمم الشرعية.
(81/14)
________________________________________
ما يجب على من يغسل ميتاً
وقوله: [وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً]: شرع رحمه الله في الآداب التي ينبغي على من قام بتغسيل الموتى أن يراعيها، فعلى الغاسل ستر ما رآه إذا لم يكن حسناً، فإن تغسيل الأموات تحصل فيه أمور غريبة، فربما غسل الإنسان ميتاً، فرأى من آثار وبشائر الخير ما يكون عاجل بشرى له في الدنيا قبل الآخرة.
وقد يرى أموراً فظيعة تقع في وجهه وحاله أثناء تغسيله، فنسأل الله السلامة والعافية وأن يتولى أمورنا بالستر الجميل.
ولذلك قالوا: على الغاسل أن يحسن إلى الميت، فإن وجد عورة سترها، كأن يرى وجهه بحالة لا تسر، أو يراه تغيَّر وجهُه، وإن رأى خيراً نشره، فإن بعض الأخيار إذا غسلته رأيت في وجهه من النور والبهاء ما لا ترى معه وحشة الأموات، وقد رأينا ذلك وهو أمر مجرب، وكثيراً ما يقع للعلماء والأخيار والصالحين أن ترى بشائر الخير عليهم في تغسيلهم.
فما رأى من الخير نشره؛ لأن هذا يعين على الطاعة، كأن يكون عالماً أو صاحب سنة أو إنساناً له فضل على المسلمين، أو إنساناً فيه استقامة، أو عُرف بخَصلة من خصال الخير كالصدقات أو صلة الرحم أو القول بالمعروف والأمر بالطاعات، فمثل هذا إذا نُشر ما وقع أثناء تغسيله من البشائر يعين الناس على حب الخير، ويعينهم على إحسان الظن بأخيهم، وهو أدعى للترحم عليه وذكره بالجميل، والاقتداء به، وكل ذلك مقصود شرعاً.
ومن هنا إذا رأى المغسل بشائر طيبة ذكرها لما فيها من الخير ولما فيها من الدعوة إلى الخير، وهذا يحقق مقصود الشرع.
وإذا رأى غير ذلك ستره؛ إلا أن يكون صاحبُ هذا الأمر صاحبَ بدعة وسوء وشر، كأن يكون إنساناً معروفاً بأذية المسلمين والتربص بهم، فمثل هذا إذا نُشر ما وقع له من الشر انزجر الناس وخافوا وارتدعوا من فعله، أو كان صاحبَ بدعة وهوى، أو كثير الإعراض عن أوامر الشرع، أو فاسقاً متهتكاً مستخفاً بحدود الله؛ فحينما يُذكر ما يكون له من الأمور السيئة، فإنه يكون قد زجَرَ الناس وخوَّفَهم وردَعَهم، وكان عاجل بشرى الشر له، ولِمَا ينتظره عند الله عزَّ وجلَّ من العقاب وأعظم، إلا إذا رحمه الله برحمته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الخير والشر ببشارة، (.
فمُرَّ عليهم بجنازةٍ فأُثني على صاحبها خيراً فقال: وجبت.
ثم مُرَّ بجنازةٍ فأُثني على صاحبها شراً، فقال: وجبت.
فقال عمر: يا رسول الله! مُرَّ بجنازة فأُثني على صاحبها خيراً فقلت: وجبت.
ثم مُرَّ بالثانية فأُثني عليها شراً فقلت: وجبت، فما وجبت؟ قال: أما الأول فأثنيتم عليه خيراً؛ فقد وجبت له الجنة، وأما الثاني: فأثنيتم عليه شراً؛ فقد وجبت له النار، أنتم شهداءُ الله في الأرض).
فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وَجبت وجبت) فنَشَرَ الخير ونَشَرَ الشر، فنَشَرَ الخير لما ظهر عليه من آثار الخير من ثناء الناس عليه، وذكرِ ما يكون للآخر من عاجل العقوبة عند الله عزَّ وجلَّ على ما ذكر عليه بالسوء والشر، فقال: (أنتم شهداء الله في الأرض).
فما وقع من الأمارات والعلامات على الميت إن خيراً ذُكر، وإن كان شراً سُتر؛ ولذلك قال العلماء رحمة الله عليهم: ينبغي أن يكون الغاسل ينبغي أن يكون أميناً؛ لكي يحفظَ الأسرار ولا يبثَّها، ولا يذكرَ ما يكون له من الأمور الغريبة في تغسيل الميت.
(81/15)
________________________________________
الأسئلة
(81/16)
________________________________________
حكم الصلاة على الميت في المقبرة

السؤال
ما حكم الصلاة على الميت قبل الدفن أو بعده في المقبرة؟

الجواب
الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في القبور، والعلماء رحمهم الله يقولون: إن الأصل أن لا يصلى في القبر.
ومذهب جمهور العلماء رحمة الله عليهم أن الصلاة في القبر من خصوصياته عليه الصلاة والسلام؛ لما ثبت في صحيح مسلم: (لما توفيت المرأة السوداء ولم يخبروه بشأنها ودفنوها ليلاً، فأمر عليه الصلاة والسلام أن يُدَلَّ على قبرها، فدُلَّ على قبرها فوقف عليه وصلى، ثم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) فقوله: بصلاتي، يدل على التخصيص؛ ولذلك قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم اختُصَّ بهذه الخاصية، وهذا مذهب طائفة من أهل العلم رحمهم الله.
وذهب جمعٌ من العلماء إلى أنه يجوز للإنسان أن يصلي على الميت إذا كان على نعشه في المقبرة، ويصلي على قبره أيضاً إلى أربعة أشهر، ومنهم من يقول: إلى شهرين، ومنهم من يقول: ما لم يتغير أو يغلب على الظن تغيُّرُه.
فهذه ثلاثة أقوال في المسألة، وإن كان الأقوى والذي تطمئن إليه النفس أنه لا يصلى عليه، وأن من شهده وصلى عليه فإنه يجزئ؛ لأنه لو فتح هذا الباب فما من جنازة تشيع إلا وفيها أقوام قد تكون فاتتهم الصلاة عليه، فيسترسل الناس في هذا، وكلما جاء إنسان يعيد الصلاة عليه حتى يتأخر في دفنه؛ ولذلك إذا صلي عليه في قبره فإنه يحبس ويؤخر عن دفنه، والمشروع في السنة: أنه بعد الانتهاء من الصلاة الصلاة العامة عليه فإنه يبادر بدفنه، كما في الحديث: (أسرعوا بالجنازة).
ولذلك: فالذي تطمئن إليه النفس أن يبادر بالدفن، ولا يؤخر من أجل الصلاة عليه، وإنما يصلى عليه الصلاة العامة، فمن أدركها فالحمد لله، ومن فاتته فإنه لا يفوته أن يدعو له ويستغفر ويترحم عليه، ومن صلى فلا حرج إذا كان يتأول القول الذي يرى الصلاة عليه؛ لكن الأصل: أن المقابر تحفظ عن الصلاة، ويمنع من الصلاة فيها إعمالاً للأصل؛ لما ذكرناه من الأدلة التي دلت على حظر الصلاة في القبور، وتخصيصها بصلاةٍ دون صلاة محل نظر، خاصةً وأن اللفظ عام، والله تعالى أعلم.
(81/17)
________________________________________
مسألة الصلاة على شهداء أحد

السؤال
ذكرتم -حفظكم الله- أن الشهيد لا يصلى عليه، وقد أشكل عليَّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد؟

الجواب
النبي عليه الصلاة والسلام صلى على شهداء أحد كالمودع، ما صلى عليهم بعد المعركة، ولم يثبت نصٌ صحيح أنه صلى عليهم بعد المعركة، إنما ثبت في الصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام صلى عليهم بعد سنين، وكان -كما ذكر العلماء- كالمودع لهم عليه الصلاة والسلام، ومعنى الخصوصية فيه قوي؛ وللنبي عليه الصلاة والسلام من الخصوصيات ما ليس لغيره، ومن هنا يقوى القول الذي يقول: بأن هذا النص مما خرج عن الأصل، خاصة وأنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل هذا مع غيرهم، ولذلك لم يفعله مع شهداء بدر ولم يفعله مع غيرهم، ويختص هذا الحكم بشهداء أحد.
يقوي طائفة من العلماء أنه صلى كالمودع لهم، وإن كان ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه زارهم، وكانت زيارته مودعاً لهم كما في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام، ويرون أن هذه الصلاة من جنس التوديع كزيارته لهم عليه الصلاة والسلام؛ لكن كونه يدل على مشروعية الصلاة على الشهداء هذا محل نظر، فالنصوص واضحة في عدم مشروعية الصلاة على الشهداء.
وجاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم وغيره في قصة الصحابي جليبيب الذي كان معه في الغزوة رضي الله عنه، أنه قُتل فقده النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إني أفقد جليبيباً فابحثوا عنه، فطلبوه فوجدوه مقتولاً، فدفنه عليه الصلاة والسلام ولم يصل عليه، وقال: إني شهيد له يوم القيامة)، فهذا يدل على عدم مشروعية الصلاة على الشهداء، وهو يؤكد ما قرره جماهير العلماء من أنه لا يشرع أن يصلى على الشهداء؛ وإنما شذ الحسن وسعيد بن المسيب فقالا: يشرع أن يغسل الشهيد ويصلى عليه، وهذا القول من مفردات المسائل، ويحتمل أنهما لم يطلعا على النصوص التي دلت على عدم تغسيل الشهيد وعدم الصلاة عليه، والله تعالى أعلم.
(81/18)
________________________________________
غسل وتكفين من وقصته دابته وإن كان مجاهداً

السؤال
الذي يكون في المعركة ثم سقط عن دابته أو وُجِد ميتاً ولا أثر للجراح به، لماذا لم يأخذ حكم الشهداء، والقاعدة: أن ما قارب الشيء أخذ حكمه، حيث إنهم خرجوا للجهاد وقاتلوا ولكنهم قتلوا بالسقوط ونحوه، فلماذا لم يأخذوا حكم الشهداء؟

الجواب
هم آخذون منزلة الشهداء، ومنازلُ الشهداء تختلف؛ لكن مسألة أنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن، هذه تختص بما ورد، وذلك نظراً لأن الجراح فيها دماء والبلاء بها أعظم، والشهادة فيها أكثر أذيةً وضرراً وبلاءً في الغالب؛ فإنه يختص الحكم بمن كانت فيه الجراح وقتل بجراحه، وأما من قتل بالصعق وبغير جرح فهذا لا يشمله الحكم، وقد نص على هذا جماهير العلماء كما ذكرناه في المسألة التي تقدمت؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زملوهم بثيابهم) ونهى عن تغسيلهم، وهذا يدل على أن المراد الدم، وفي نفس الحديث الذي أمر بتزميل الثياب قال عليه الصلاة والسلام: (فإنه ما من جرحٍ يجرح في سبيل الله ... ).
فقوله: (فإنه) جملةٌ تعليلية، أي: أمرتكم بتزميلهم في ثيابهم؛ لأن جراحهم تشهد لهم؛ وهذه من العلل المنصوصة؛ لأنه أشار إليها بالنص، وإن كان العلماء رحمة الله عليهم استنبطوها بالمعنى، فإنه لما قال: (زملوهم) ثم قال: (فإنه) يدل على التعليل؛ لأن قوله: (فإنه) بمثابة تعليل لما قبلها، والجمل التعليلية تعتبر حجة في التعليل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يديه) أي: أمرتكم بهذا لأن أحدكم لا يدري أين باتت يده.
وقال في الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) أي: أمرتكم بهذا، فانظر إلى قوله: (لا تمسوه بطيب) وقوله: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) تجده دليلاً على أن هذه الجمل بمثابة التعليل؛ فكأنه يقول: لا تغسلوا الشهداء إذا جُرِحوا؛ لأن جراحهم تشهد لهم، والله تعالى أعلم.
(81/19)
________________________________________
حكم ستر العورة عن الزوج أو الزوجة عند التغسيل

السؤال
هل يجب ستر العورة إذا غسل الرجل امرأته أو غسلت المرأة زوجها؟

الجواب
إن نَظَرَ كلٍّ من الزوجين لعورة الآخر في الحياة إنما قُصِد به أن يحفظ الإنسان نفسه من الفتنة، وأن يكون سبباً لعصمته بإذن الله عزَّ وجلَّ من الوقوع في الحرام، وهذا المعنى ليس موجوداً في تغسيل الميت؛ ولذلك يقتصر على تغسيلها بالقيام بحقها دون نظرٍ إلى هذه الأمور؛ خاصةً وأنه لا يأمن من الوقوع فيما يحظر عليه.
والله تعالى أعلم.
(81/20)
________________________________________
حكم إلقاء الميت في البحر

السؤال
ما حكم إلقاء الميت في البحر، والسفينة تبعد مسافةٍ طويلة عن جميع الموانئ؟

الجواب
يقول بعض العلماء في هذه المسألة: إنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ثم يرمى في البحر.
وهذا نوع من القبر له؛ لأن البحار تطوي من بها وتستره، والمقصود من دفن الميت: ستره؛ ولذلك جاء في كتاب الله: {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} [المائدة:31] فإذا رُميَ في البحر ستره البحر، وأُمن من النظر إلى عروته، وعلى هذا قال العلماء: إذا تأخر وصول السفن ونحوها كالبواخر الموجودة الآن إلى البر فإن البحر يكون مقبرةً له.
وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه ذكر شهداء البحر: (أنه نام عند أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها وأرضاها، فاستيقظ وهو مسرور يضحك صلوات الله وسلامه عليه، فعجبت من أمره وذكرت له ذلك فقال لها: لقد رأيت أقواماً من أمتي ملوكاً على الأسرة -أو كالملوك على الأسرة- يغزون ثبج البحر -أي: أنهم شهداء البحر- فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم.
فقال صلى الله عليه وسلم: أنتِ منهم)، فتوفيت رضي الله عنها حينما غزت، ونزلت بطرف لبنان إبان غزو الصحابة رضي الله عنهم للشام، فلما نزلت وقصتها دابتها فماتت رضي الله عنها، فتحققت فيها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا يدل على أن البحر قد يكون قبراً لصاحبه؛ لأن المقصود من البر أن تتوارى العورة، والقبر يحقق هذا المقصود.
أما إذا غلب على الظن الوصول قبل أن يتغير فبعض العلماء يقول: إنه يبقى على الأصل؛ لأن الأصل أن يوارى في التراب، ويكون حينئذٍ مما يستثنى من التعجيل في دفن الميت، والله تعالى أعلم.
(81/21)
________________________________________
حكم كشف رأس ووجه الميت

السؤال
في قول المصنف رحمه الله: [ولا يغطى رأسُه ولا وجهُ أنثى] هل يُفهم من ذلك أن يظل رأسُ ووجهُ الميت مكشوفاً ينظر إليه أثناء حمل الجنازة والصلاة عليها وقبرها؟ أثابكم الله.


الجواب
هذا هو الأصل، نص عليه العلماء رحمة الله عليهم، ولذلك قالوا: ولا حرج أن يظلل بشمسيةٍ ونحوها، ويبقى وجهه مكشوفاً ولا يغطى الوجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تخمروا وجهه ولا تغطوا رأسه) فهذا نص يدل على أنه لا يغطى ويصلى عليه وهو مكشوف الوجه، وقالوا: لا حرج أن يظلل عن الشمس بشمسية ونحو ذلك كالحال في الحياة، هذا استثناه بعض الفقهاء؛ لكن الأصل أنه لا يستر وجهه، والله تعالى أعلم.
(81/22)
________________________________________
حكم الغلو في الخوف من القبر وعذابه

السؤال
هل الخوف على الميت من عذاب القبر وما آل إليه من نعيمٍ أو عذاب يُعَد من عدم الصبر والرضا؟ أثابكم الله.


الجواب
إذا مات الميت وهو على إحسان وطاعةٍ وبرٍ لله عزَّ وجلَّ؛ فإنه يرجى له الخير والرحمة، والله تعالى يقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:223] فهو يقول لك: ستلقاني وأبشر؛ فالظن به حسن سبحانه وتعالى، ولو رأيت المؤمن وهو في سكرات الموت يرى ما عند الله من البشائر ومن الخير، فلو خُيِّر ساعتها بين أهله وماله وولده والناس كافة، وبين إقباله على ربه لاختار ما عند الله عزَّ وجلَّ؛ لما يرى من رحمته، والناس تفزع من هذا، ولكن هذا كله ضعف إيمان بالله سبحانه وتعالى، وإلا لو علم الإنسان مقدار رحمة الله وحلمه ولطفه بعباده سبحانه وتعالى، لكان أشد شوقاً إلى ربه من شوقه إلى أهله وولده.
ولذلك لما قدم سليمان بن عبد الملك رحمه الله على المدينة قال: يا أبا حازم! كيف القدوم على الله؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، فلو غاب الإنسان عن أهله وجاء من غربة وقدم عليهم فهو قدوم البشر والسرور والفرح والحبور، وما عند الله أجل وأسمى؛ فإن الله وصف الجنة ونعيمها وسرورها ولذة أهلها وبهجتهم، وما هم فيه من الرحمة والغفران من ربٍ راضٍ عنهم غير غضبان، ومع هذا كله يقول: (أعددت لعبادي ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
مع هذا كله ومع ما وصف الله في كتابه سبحانه وتعالى من الصفات العظيمة والمنازل الجليلة الكريمة يقول: (ولا خطر على قلب بشر)، فمعنى ذلك أن عنده من الرحمات والفضائل ما الله به عليم؛ ولذلك كان شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن بعض المنامات التي تقوي أصول الشرع كان السلف الصالح يذكرونها لحسن الظن بالله عزَّ وجلَّ، وقد ذكر هذا في الجزء الثامن عشر من مجموع الفتاوى، قال: كانوا يتسامحون في بعض المنامات التي لا تعارض أصول الشرع.
وقد ذكر الإمام أبو نعيم في الحلية عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه مات ورئي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: ما وجدت بعد الإيمان أفضل من حسن الظن بالله عزَّ وجلَّ.
فإن الإنسان إذا أحسن ظنه بالله فإن الله لا يخيبه، فإن العبد يقدم على الله وهو ضعيف فقير أسير، تخلى عن أهله وماله وولده وحوله وقوته، والله عزَّ وجلَّ أرحم بالعبد من نفسه بنفسه.
فكيف يكون الظن إذا كان الإنسان يقدم وهو يحس أنه فقير إلى رحمة الله، وأنه فقير إلى عفوه ولطفه، أفيخيبه سبحانه؟! حاشاه، فهو سبحانه يرحم من لم يسأله، فكيف بمن سأله ورجاه! ولذلك ينبغي على أهل الميت أن يحسنوا الظن بالله عزَّ وجلَّ، وأن يعلموا أن ما قدم عليه ميتُهم من رحمة الله وعفوه ما دام مؤمناً مطيعاً لله سبحانه وتعالى أسمى وأسنى، ويصبح انصبابُ جهدِهم إلى ما هو أهم وهو الدعاء له بالمغفرة، فإنه ولو مات وهو على أفجر ما يكون ما لم يكن كافراً؛ فقد يدركه الله قبل موته -ولو بساعات ما لم يغرغر- بحسن الظن بالله؛ قال الحجاج لما حضرته الوفاة: (اللهم اغفر لي؛ فإنهم يزعمون أنك لا تغفر لي)، قال عمر بن عبد العزيز: والله ما غبطته إلا على أمرين: أحدهما: عنايته بكتاب الله.
أي: حبه للقرآن وعنايته به، فقد كان الحجاج محباً للقرآن معتنياً به.
وأما الثانية: فقوله عند موته: (اللهم اغفر لي؛ فإنهم يزعمون أنك لا تغفر لي).
فالإنسان إذا أحسن الظن بالله عزَّ وجلَّ قد يدركه الله عزَّ وجلَّ بحسن ظنه، فيغفر الله له ذنوبه، ولا يستطيع أحدٌ أن يدخل بين العبد وربه، فقد ترى الإنسان وهو على فسق وفجور ويرحمه الله قبل موته وقبل سكرات موته.
وأصدق شاهد على ذلك حديث أبي هريرة الذي فيه قصة الرجل الذي قتل مائة نفس وآخرها الرجل العابد، فهذا أمر من أشنع ما يكون من الإجرام والعتدي لحدود الله والأذية لعباده، ومع ذلك ما خاب ظنه بالله عزَّ وجلَّ، فغبر قدميه في آخر عمره مقبلاً على الله، فقبض روحه مع الصالحين.
فما خاب ظنه بالله حينما قال له العالم: وما يمنعك من التوبة؟! يعني: من يحول بينك وبين الله؟! ومن يحول بينك وبين رحمة الله؟! فخرج إلى ربه تائباً منيباً، فكان تغبيره لهذه الأقدام عزيزاً عند الله سبحانه وتعالى، عظمت عند الله هذه الأقدام حينما تاب بنفسه وبفعله، فاجتمعت له توبة الظاهر والباطن، فتوبته ظاهرة حينما خرج إلى قرية الصالحين؛ لأنه ما خرج لقرية الصالحين إلا وهو يريد الصلاح، وما خرج لقرية المفلحين إلا وهو يريد الفلاح.
فلما فعل هذا عظم عند الله عزَّ وجلَّ، فكيف إذا كانت من الإنسان الحسنات والخيرات؟! والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب:45 - 47] و (كبيراً) من الله ليست بالهينة! {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب:47].
ويقول عن أهل الجنة: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر:35].
فالإنسان إذا أحسن الظن بالله عزَّ وجلَّ، وأخذ بأسباب الإنابة إلى الله تعالى؛ فإن الله لا يخيبه.
فينبغي على أهل الميت -ولو كان الميت على معصية- أن يستغفروا له، وأن يترحموا عليه؛ فإن الله ينفع الأموات، ولو مات وهو على المخدرات وعلى المعاصي والمنكرات، فإنه أحوج ما يكون إلى دعائك.
بل إن من كان على المعصية قد يكون أشد حاجة لأن تدعو الله أن يغفر له ويرحمه، فهذا شيء من رحمة الله عزَّ وجلَّ ومما أبقاه الله من حسنات الإيمان للمؤمن بعد موته كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الله رحم المؤمن بإيمانه حتى بعد موته، ولذلك كانت الصلاة عليه والدعاء له بسبب إيمانه، فلولا أنه مؤمن لما صلي عليه ولما دعي له، فما دام أنه مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم يأت بما يخرجه من ملة الإسلام، فهو إن شاء الله من أهل الجنة؛ لكن ما كان منه من زلات وهنات فإن عذبه الله فبعدله، وإن عفا عنه فبمحض فضله: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23].
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن ظننا فيه، وأن يجعل لنا من رحمته وعفوه ومغفرته ولطفه ما لم يخطر لنا على بال.
نسأل الله العظيم أن يتلقانا برحمته أحياءً وأمواتاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(81/23)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الغسل والتكفين [4]
لقد كرم الله سبحانه وتعالى عباده المسلمين أحياءً وأمواتاً، ومن تكريمه جل وعلا لمن مات من المسلمين: أن يغسل ثم يكفن ثم يصلى عليه، وتكفين الميت أمر سهل، لكنه يحتاج إلى تعلم؛ وقد ذكر الفقهاء صفة الكفن، وكيفية تكفين الرجل والمرأة، وعلى من تكون قيمة الكفن، وغير ذلك من الأحكام التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم.
(82/1)
________________________________________
تقديم الكفن على قضاء الدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيقول المؤلف عليه رحمة الله: [فصلٌ: يجب تكفينه في ماله].
فهذا الفصل يعتبر هو المقام الثالث الذي انتقل المصنف به إلى بعض الأحكام المتعلقة بالميت، وقد تكلم في الموضع الأول عن حكم عيادة المريض، وما ينبغي أن يصنع بالمحتضر إذا حضرته الوفاة، ثم ما ينبغي به أن يهيأ به لتغسيله، هذه هي الجزئية الأولى التي تحدثنا عنها في الموضع الأول.
ثم أتبع ذلك بفصل خصه بصفة تغسيل الميت، ثم أتبعه بهذا الفصل والذي يتعلق بصفة تكفين الميت، وهذا كله من ترتيب الأفكار، فالأصل أن الإنسان إذا احتضر أن يبدأ بأحكام الاحتضار، ثم ما يتبع ذلك من أحكام غسل الميت، ثم تكفينه؛ لأن التكفين يقع بعد التغسيل، فبين رحمه الله أنه يجب تكفين الميت.
وهذه العبارة دلت على أن تكفين الميت يعتبر فرضاً على ورثته؛ وكذلك على عموم المسلمين الذين يحضرون الميت.
أما بالنسبة لوجوبه: فالأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي وقصته دابته يوم عرفة (اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين) فقوله عليه الصلاة والسلام: (كفنوه في ثوبين) أمر يدل دلالة واضحة على أن الكفن واجب، وأنه لا يجوز قبر الأموات بدون كفن.
ومن هنا أخذ العلماء أنه لو وضع الميت في قبره بدون كفن فإنه يشرع نبش قبره وتغسيله ثم تكفينه، والقيام بحقه من الصلاة عليه، ثم دفنه، فهذا يؤكد على أن تكفين الميت لا بد منه.
هذا الكفن يحتاج إلى مال، وهذا المال الذي يستحق دفعه في كفنه يكون من ماله، وهذا هو الأصل؛ وبذلك إذا مات الميت فإن مئونة التجهيز تؤخذ من ماله قبل قسمة تركته، فهذه من الحقوق المقدمة، ويعتبرها العلماء من الحقوق العاجلة التي ينبغي أن يبادر بها في أموال الموتى، وأهل الفرائض رحمة الله عليهم من الفقهاء حينما يتكلمون عن أحكام الفرائض، يقولون: من بعد القيام بحقه من تجهيزٍ.
فمئونة التجهيز يدخل فيها المال المحتاج إليه للكفن، فلو أنه احتيج إلى لفافتين لتكفينه، وهاتان اللفافتان تكلفان مبلغاً، فإنه يؤخذ هذا المبلغ من ماله ولو ترك ورثة من أيتام وغيرهم، فهذا حق للميت في ماله.
ثم لو أن هذا الميت كان عليه دين، وأصبح هناك ضيق بين أن نقضي دينه وبين أن نكفنه، قالوا: يقدم تكفينه على دينه، وحينئذٍ يكفن ثم ينظر الباقي فيقسم على أصحاب الديون على قدر حصصهم من أصل الدين كما سيأتي إن شاء الله في الوصايا.
فالمقصود: أن تكفين الميت واجب، وأن هذا الوجوب يتعلق بمال الميت إن وجد، فإذا كان الميت ليس عنده مال يشترى منه الكفن وما يحتاج إليه في مئونة تجهيزه، فحينئذٍ ينتقل إلى الذي يجب عليه نفقة الميت، فإذا كان هناك والد أو ولد أو أخ عاصب أو نحو ذلك من القرابة الذين يقومون بحقوق النفقات، فإنه حينئذٍ يتعين على الموجود منهم أن يدفع مئونة التجهيز، فإذا لم يوجد عند قرابته انتقل الوجوب إلى بيت مال المسلمين.
ويجب على من حضر أن يقوم بهذا الحق، فيكفنوه كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويحسنوا إليه في كفنه، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث.
وقوله: [مقدماً على دينٍ وغيره].
أي: تقدم مئونة التكفين على الديون التي للناس، وغيرها من الحقوق الأخرى، فلو مات ميت ولم يحج، واحتيج لحجه إلى ألفين وترك ألفين، فحينئذٍ إن أردنا أن نكفنه ربما نقص المال عما يقام به الحج عنه، فحينئذٍ يقولون: يقدم التجهيز، ويؤخذ من هذا المبلغ ولو كان سبباً لعدم السداد والوفاء بحق الحج عنه.
(82/2)
________________________________________
من يلزمه تكفين الميت إذا لم يكن عنده مال
وقوله: [فإن لم يكن له مالٌ فعلى من تلزمه نفقته إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته].
أي: فإن لم يكن لهذا الميت مال فعلى من تلزمه نفقته، أي: أنه يجب تكفينه على الشخص الذي تلزمه نفقة ذلك الميت؛ لأن الأصل أن العبرة بالغرم؛ ولذلك الذي يلي النفقات من الورثة ويكون عاصباً يقوم بدفع المال المحتاج إليه لتكفين قريبه، فيكفن الوالد ولده، والولد والده، والأخ أخاه، ونحو ذلك من القرابات الذين يجب عليهم القيام بالنفقات.
واختلف في الزوجة، فقال بعضهم: الموت يقطع حق النفقة على الزوج، فلا يجب على زوجها أن يشتري الكفن لها إذا توفيت، ومنهم من قال: إن الموت لا يقطع حق النفقة، وتسامح بعض العلماء وقال: إن العشرة بالمعروف تقتضيه، ولكن إذا نُظِر إلى الأصل، فالأصل يقتضي أن النفقة قائمة مقام الاستمتاع، لقوله سبحانه وتعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فهذا هو الأصل، وبناءً على ذلك يقولون: بالموت ينقطع الحق بالموت كما لو نشزت فإنها لا تستحق النفقة، وهذا يؤكد أن النفقة مرتبة على الاستمتاع كما سيأتينا إن شاء الله في باب الحقوق الزوجية، وحينئذٍ إذا قلنا: إن الزوجية تنفصل؛ فإنه ينتقل إلى بيت مال المسلمين، وإذا قلنا: إنها لا تنفصل؛ فينتقل إلى الزوج.
فقوله: (إلا الزوج): استثناه لأن الذين تجب عليهم النفقة، منهم من تجب نفقته من باب القرابة: كالأب مع ابنه، والابن مع أبيه، والأخ مع أخيه، ومنهم من تجب نفقته لسبب كالزوجية؛ فإن الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته لمكان الزوجية، والدليل ما ذكرناه من الكتاب، وكذلك من السنة في أمره عليه الصلاة والسلام بإطعامها إذا طعمت، وكسوتها إذا اكتسيت، كما في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام.
إذا ثبت هذا -وهو أن الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته- فحينئذٍ إن قلنا: إن الموت يقطع الزوجية فلا تجب عليه النفقة، وإن قلنا: إن الموت لا يقطع حق النفقة بالزوجية فيجب عليه أن يكفنها، واختار المصنف سقوط النفقة عنه، فقال: (إلا الزوج)؛ لأنه عندما قال: (فعلى من تلزمه نفقته) أدخل الزوج بهذه العبارة؛ لأن الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته، فلما أدخل الزوج احتاج أن يخرجه بالاستثناء بقوله: (إلا الزوج)، أي: فلا يجب عليه أن ينفق على زوجته إذا ماتت بتكفينها.
وهذا هو الأقوى بظاهر النص، ولكن العشرة بالمعروف -كما ذكرنا- وعوائد النفس المحمودة تستبشع وتستبعد ألا يقوم الزوج بحق زوجته في تكفينها، إلا إذا كان عليه ضرر وكلفة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
(82/3)
________________________________________
صفة تكفين الميت
[ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض].
بعد أن بين لنا رحمه الله حكم الكفن، وأنه يجب عليك أن تكفن أخاك المسلم إذا مات، شرع في بيان ما يحصل به الكفن، وهذا يختلف باختلاف الجنسين، فالرجال لهم حكم والنساء لهن حكم.
فالرجال لهم حكم يختص بهم لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قدر ما يكفن به المسلم، والنساء لهن حكم فيما يكفَّن به، فابتدأ بالرجال، فقال رحمه الله: (ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض)، وهذه الجملة مبنية على ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أم المؤمنين في الصحيحين: (كُفّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة).
والثلاثة الأثواب لها صور: إما أن تمد لفائف ويوضع الميت عليها، ويكون القميص والعمامة فضلٌ عن الثلاث في الأصل، فحينئذٍ تكون مجموع ما يكفن به خمسة في الحقيقة وثلاثة في الصورة، وذلك لأن القميص والإزار كانا عليه عليه الصلاة والسلام؛ ولم يجرد عليه الصلاة والسلام منهما، وبالنسبة للأكفان الثلاثة تبسط بالصورة التي سنذكرها، فيكون المجموع: القميص ثوب، والإزار ثوب، والثلاث لفائف ثلاثة أثواب؛ فأصبح المجموع خمسةً، هذا بالنسبة للأكمل والأفضل في تكفين الرجل.
قال بعض العلماء: إنه يكفن في ثلاثة أثواب، ويكون منها القميص والإزار، فيكون القميص لأعلى البدن، والإزار لأسفل البدن، فحينئذٍ يكون كل منهما يعتد به ثوباً، فيصبح المجموع ثوبين، والثوب الثالث هو اللفافة التي تلف عليه، فتكفين الميت في ثلاثة أثواب له هاتان الصورتان: إما أن يكفن بقميصٍ وإزارٍ ولفافة، فالمجموع ثلاثة، أو يكفن بثلاثة أثواب فضلاً عن القميص والعمامة.
وهذا التكفين على سبيل الاستحباب، وإلا فالأصل أنه لو تعذر تكفين الميت بحيث لم نجد إلا ثوباً واحداً يستر عورته فإنه يجزئ، ويكون محصلاً للواجب وموجباً لبراءة الذمة، فلو أنه كفن في ثوبٍ واحد يستر بدنه ويستر عورته أو يستر أغلب بدنه ومنه العورة؛ فإنه يجزئه.
فلو أن قوماً مات عليهم رجل في صحراء، وليس عندهم ما يكفنونه به، ولكن هذا الرجل عليه قميصه وإزاره وثوبه الذي فوقه، فغسل ثم لبس ثوبه وصار كفناً له، قالوا: يعتد بذلك ويجزئ؛ لأن المقصود هو ستره.
والدليل على أن العدد لا يشترط، وأن المقصود هو ستر الميت: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه قُتِلَ يوم أحد وليست له إلا شملةٌ واحدة، إن غطوا بها قدمه بدا وجهه، وإن غطوا بها وجهه بدت قدماه، فقال صلى الله عليه وسلم: (غطوا بها وجهه، واجعلوا على قدميه شيئاً من الإذخر) فكونه عليه الصلاة والسلام يكتفي بثوب واحد يدل على أن مقصود الشرع هو ستر الميت وستر عورته، فإذا ضاق الحال ولم يتيسر إلا ثوب واحد كفاه.
ولذلك كان عتبة بن غزوان رضي الله عنه إذا أراد أن يضرب المثل بفقر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من الشدة في عهده صلى الله عليه وسلم، ذكر قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه، وقال: (فمنا من مات ولم يهدب ثمرته، منهم مصعب من عمير، كانت له شملة إذا غطوا بها وجهه بدت قدماه، وإذا غطوا قدميه بدا وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم: غطوا بها وجهه ... ) الحديث.
فهذا يدل عل أن الثوب الواحد يكفي، ولذلك قال المصنف: (يستحب) فدل على أن الثلاثة ليست بواجبة، وإنما هي السنة والأفضل.
(82/4)
________________________________________
تجمير اللفائف وجعل الحنوط فيما بينها
وقوله: [تجمر ثم تبسط بعضها فوق بعض، ويجعل الحنوط فيما بينها].
تجمر هذه الثلاثة الأثواب بالند والعود أو بأي طيب، وذلك مبني على أمره عليه الصلاة والسلام بإحسان كفن المسلم، وقد أمر من ولي تكفين أخاه المسلم أن يحسن في كفنه.
فيبدأ بتطييب هذه الثلاثة الأثواب، ثم يبسط الأولى ويكون أجملها وأفضلها مما يلي الناس؛ لأن حال الإنسان أنه يجعل الزينة في الظاهر، فيجعل أجمل الثلاث اللفائف مما يلي الناس، وهي الأولى تبسط على الأرض، ثم بعد أن يجمرها يجعل حنوطاً فوقها، ثم يأتي بالثانية ويبسطها فوق الأولى، ويجعل الحنوط فيها.
والحنوط: هو أخلاطٌ من الأطياب التي توضع في الكفن لدفع الهوام وطردها عن جسد الميت، ولإبقاء الجسد مدة أطول، فيوضع الحنوط على الثوب الأول، ثم يوضع على الثوب الثاني، ثم تبسط اللفافة الثالثة ولا يوضع عليها شيء؛ ولذلك كره الصحابة رضي الله عنهم وضع الحنوط على اللفافة الثالثة، فاللفافة الثالثة لا يوضع عليها حنوط، وإنما تبقى على ما هي عليه، ثم بعد ذلك ينقل الميت إليها بعد الغسل.
(82/5)
________________________________________
استخدام القطن للميت في عدة مواضع
وقوله: [ثم يوضع عليها مستلقياً].
أي: ثم يوضع الميت على هذه الثلاث اللفائف مستلقياً، وجهه إلى السماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُدرج فيها إدراجاً، فهذه هي السنة: أن يوضع في وسطها، ويكون نصفها عن يمينيه ونصف اللفافة عن يساره، والثلاث كلها مبسوطة إلى الأرض.
وقوله: [ويجعل منه في قطنٍ بين إليتيه].
أي: ويجعل من الحنوط في قطن، ويكون القطن هذا لسد المنافذ إذا خرج شيء من النجاسة أو القذر فإنه يعالجه، ويكون أيضاً أنفع لدفع النتن إذا حُمِل أو أُريد وضعه في قبره، فيجعل الحنوط في قطنة وتكون بين الإليتين.
[ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان تجمع إليتيه ومثانته].
هذه الصفة يذكرها العلماء من باب الكمال، وليست تشريعية توقيفية يلزم فعلها، وذكر العلماء رحمة الله عليهم لها مندرج تحت أصل عام وهو إحسان الكفن، وليس بأمر متعين بحيث إن الإنسان لو تركه يأثم، إنما ذكره العلماء رحمة الله عليهم على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض.
وتجعل كالتبان، التبان: السروال القصير الذي يصنع للملاحين ونحوهم، والمعنى: أنه تشق على صورة السراويل القصيرة تشد ما بين الفخذين وتمنع خروج الخارج، وذلك لتمنع النتن والرائحة أن تؤذي من يقترب من الميت فيتضرر بذلك إذا حمله أو أراد أن ينزله في قبره، فهذا كله -كما ذكرنا- على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض، وهذه الأمور لا يقصد منها سوى الإحسان إلى الميت، فمن تيسر له فِعْلُها فعَلَها، ومن صعب عليه ذلك أو لم يجد الحنوط فله أن يستبدل بطيب آخر يطيب به الميت، ولا يشترط أن يوضع بين الفخذين بالصورة التي ذُكِرت، وإنما هو على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض كما ذكرنا.
وقوله: [ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده، وإن طيب كله فحسن].
أي: ويجعل الباقي من الحنوط والطيب على منافذ جسده، مثل الأنف، والمنفذ: هي الفتحة الذي ينفذ منها إلى البدن، ويشمل ذلك: الأنف والفم وجهة العيون ونحوها، فيجعل الحنوط عليها حتى يكون أدعى لدفع الهوام عن الدخول إلى البدن؛ لأن الهوام لا تقوى على رائحة الطيب؛ فيكون ذلك أدعى لبقاء البدن أو الجسد أكثر مدة وأطول، وهذا من الإحسان إلى الميت.
فيجعل في منافذ بدنه، ومواضع سجوده، وإن طيب كله فلا حرج، وقد أثر عن بعض السلف الصالح أنه لما حضرت أنس الوفاة أوصى أن يغسله الإمام الجليل محمد بن سيرين، وكان محمد رحمه الله عليه دين ومسجوناً في دين، فأُخرج من سجنه للقيام بتغسيل أنس، فطيب أنساً كله.
وهذا قد فعله بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه.
لكن لو كان الطيب قليلاً أو لم يتيسر من الحنوط إلا اليسير، فإنه يوضع في أشرف المواضع، وهي مواضع السجود؛ تكريماً لها، وكذلك أيضاً المغابن، وهي مواضع النتن من الإنسان كالإبطين؛ وكذلك أيضاً المغابن التي تكون في أسفل باطن الركبتين، فهذه يوضع فيها الحنوط لأن الفساد يسرع إليها أكثر من غيرها.
(82/6)
________________________________________
كيفية لف اللفائف على الميت
وقوله: [ثم يُرَد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن].
بعد أن يوضع الميت على الثلاث اللفائف في وسطها كما ذكرنا، يرد طرف اللفافة على شقه الأيمن تشريفاً وتكريماً لليمين، لأنه إذا لبس الإنسان يشرع له أن يقدم اليمين، فيفعل به كما كان يفعل حياً، وقد قال عليه الصلاة والسلام في تغسيل بنته: (ابدأن بميامينها وبأعضاء الوضوء منها) فشرف اليمين وشرف أعضاء الوضوء؛ ولذلك لما ذكروا عن مواضع السجود أنها تطيب فذلك لشرفها شرعاً.
فحينئذٍ يبدأ بشقه الأيمن ويقلب طرف اللفافة العليا، فإذا غطى شقه الأيمن قلب من شقه الأيسر بعد ذلك على لفافة الأيمن ويردها عليه؛ ثم اللفافة الثانية يبتدئ بجهتها اليمنى بالنسبة للميت ويقلبها على شقه الأيمن، ثم يأخذ يسراها ويقلبها على يساره، ثم الثالثة كذلك، فهذا من إدراج الميت في الكفن وهو سنة، ولما فيه من التيمن الذي فضله الشرع وثبتت به النصوص الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال المصنف رحمه الله: [ويرد طرفها الآخر من فوقه، ثم بالثانية والثالثة كذلك، ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه]: وقوله: (ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه) وذلك لكونه أبلغ في ستره وتشريفاً له؛ أما الدليل على أننا نجعل الفاضل جهة الرأس: فعندنا جهتان: إما أن نجعل الفاضل من جهة القدم أو جهة الرأس، فلما قال عليه الصلاة والسلام في الشملة: (غطوا بها وجهه، واجعلوا على قدميه شيئاً من الإذخر) دل على تشريف أعلى البدن وتفضيله على أسفله، ومن هنا قالوا: إنه يجعل الفاضل من جهة الرأس ولا يجعل من جهة القدم، ويتفرع على ذلك فوائد، منها أنه لو وجدت لفافة، ولكن هذه اللفافة تسع أكثر البدن، ولا تسع البدن كله، فإنها تلف عليه ويجعل النقص من جهة الأقدام لا من جهة أعلى البدن؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث مصعب رضي الله عنه وأرضاه.
وقوله: [ثم يعقدها وتحل في القبر].
(ثم يعقدها): أي يربطها، والضمير عائد إلى اللفافة، فيعقد من رأسه ويعقد من وسطه؛ وكذلك من جهة قدميه على حسب ما يقتضيه الحال، والسبب في هذا هو خوف انتشار الثياب وانكشاف عورة الميت، خاصةً إذا دُلي في قبره، فإنه في هذه الحالة يحتاج إلى أن تكون اللفافة مربوطة، فلربما انسل من اللفائف إذا لم يكن مربوطاً فانكشفت العورة وحصل ما لا يحمد خاصة مع النساء؛ فلذلك جاءت الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم بهذه الأربطة، وأنها تحل في القبر.
وقوله: [وإن كُفِّن في قميص ومئزر ولفافة جاز].
(وإن كُفن في قميص): القميص يكون لأعلى البدن، كـ (الفنيلة) فهذه أشبه بالقميص، وفي حكمها الصدرية، وهكذا الجبة ونحو ذلك، كل ذلك يعتبر من ستر أعالي البدن ويعتد به ثوباً.
ثم يجعل لأسفل البدن ثوباً أو إزاراً؛ لأن العرب تسمي ما يغطي الأعلى دون أن يكون مستحكماً رداءً، والذي للأسفل يسمونه إزاراً، وأوضح ما يكون هو يلبسه الإنسان في حجه وعمرته من ثوبي النسك، الأسفل منهما يسمى إزاراً والأعلى منهما يسمى رداءً.
فلو أن إنساناً وجد له قميصاً وإزاراً ولفافة، فلا حرج، ويكون القميص ثوباً والإزار ثوباً، وتكون اللفافة ثوباً ثالثاً.
(82/7)
________________________________________
تكفين المرأة في خمسة أثواب
وقوله: [وتكفن المرأة في خمسة أثواب]: تكفن المرأة في خمسة أثواب؛ لأن عورتها أشد فحشاً من الرجل، وفي ذلك حديثان: أما الحديث الأول: فحديث ليلى بنت قائف الثقفية، وهو متكلمٌ في سنده، وضعفه غير واحد من الأئمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهن بتغسيل ابنته وتكفينها، وكانت هي التي تولت غسلها، فذكرت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما ناولها حقوه، وهو ما يكون لأسفل البدن كالإزار كما ذكرنا، ثم بعد ذلك أعطى صلوات الله وسلامه عليه الدرع، وهو لأعلى البدن، ثم ناولها الخمار وهو للرأس، ثم الملحفة، وهو ما تلتحف به المرأة، وهو يشمل الأعلى والأسفل؛ ثم أُدرجت في الثوب الآخر، فهذه خمسة أثواب، جاءت مفصلة في حديث ليلى المتكلم في سنده، ولكنها جاءت مجملة في حديث أم عطية الذي هو أصح سنداً من حديث ليلى؛ فإن حديث أم عطية أنها كفنت في خمسة أثواب، لكن حديث ليلى بنت قائف الثقفية رضي الله عنها فصل هذه الأثواب، وهو يدل على أن السنة إذا ألبست المرأة الخمسة الأثواب أن يبتدئ بستر الأسفل أولاً؛ لما فيه من غلظ العورة وعظم الحق فيه؛ ثم بعد ذلك أعلى البدن، ثم الخمار للرأس، ثم الملحفة التي تعم أعلى وأسفل البدن، ثم بعد ذلك أدرجت في الثوب الآخر، وهو خامس الأثواب، وهي اللفافة التي تلف فيها الميتة.
وقوله: [إزار وخمار وقميص ولفافتين]: الإزار لأسفل البدن، والقميص لأعلى البدن، والخمار للرأس، وبالنسبة للفافتين لعموم البدن، وعلى هذا لو أن امرأة تيسر لها ثلاثة أثواب فإنه لا حرج أن تكفن فيها؛ فتبسط الثلاثة الأثواب وتوضع الميتة فيها على الصفة التي ذكرناها في الرجل، وترد عليها وتكون كفناً لها.
(82/8)
________________________________________
الواجب في الكفن ثوب واحد يستر الميت
وقوله: [والواجب ثوب يستر جميعه].
والواجب في تكفين الميت ثوبٌ يستر جميعه، وهذا من دقة المصنف، فبعد أن ذكر لك صفة الكمال شرع يبين لك ما هو اللازم؛ لأنه بعد أن بين ما هو الأفضل والأكمل ذكر أن الواجب ثوب واحد وأن ما عدا الواجب فضلٌ لا فرض، إن فعلته أحسنت وأجرت وإن تركته فلا حرج.
(82/9)
________________________________________
الأسئلة
(82/10)
________________________________________
حكم غسل من مات وهو جنب

السؤال
لو مات الإنسان وهو جنب هل يغسل غسل الجنابة أم يكتفي بالغسل المعهود؟

الجواب
إذا مات الميت وهو جنب فإنه لا يغسل غسل الجنابة؛ لأن التكليف قد انقطع، وحينئذٍ يغسل وينوى في غسله غسل الميت ولا ينوى غسل الجنابة، وهذا هو الأصل على ظاهر الحديث الذي ذكرناه في حنظلة الغسيل، فإن حنظلة -رضي الله عنه وأرضاه- لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يغسل أمرهم أن يسألوا، فسألوا امرأته فقالت: إنه سمع الهيعة والصيحة فخرج رضي الله عنه فقتل شهيداً قبل أن يغتسل من الجنابة، فهذا الحديث يقلب على من يقول: إنه يغسل، ويدل على أنه لا يغسل؛ لأنه غسل في الآخرة ولم يغسل غسل الدنيا، ولو كان غسل الجنابة واجباً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغسيله، فالظاهر أنه لا يغسل والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
(82/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الصلاة على الميت [1]
صلاة الجنازة فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، ولها فضلٌ عظيم، ولها كيفيةٌ خاصة، وأحكامٌ لابد من تعلمها.
ويفرق بين الصلاة على الصبي والكبير من حيث الدعاء فقط، ويتفرع عن هذه المسألة: حكم أطفال المشركين، وهي مفصلة في هذه المادة.
(83/1)
________________________________________
صفة صلاة الجنازة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: يقول رحمه الله: [فصل: السنة أن يقوم الإمام عند صدره، وعند وسطها].
لقد بين رحمة الله عليه صفة التكفين، وهي يسيرة، وليست كما يظن بعض الناس أن تكفين الميت يحتاج إلى شيء من الدقة ويحتاج إلى شيء من الكلفة، وهذا ولله الحمد من رحمة الله بهذه الأمة، وقد أشار الله إلى هذه الرحمة العامة فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] فتكلف بعض الناس في بعض صفات التكفين وإلزامهم الناس بصفة معينة خطأ، لأنها ليست واجبة في أصل الشرع بحيث يعد أن من لم يفعلها كأنه أساء إلى الميت، فهذا مما لا أصل له.
وشرع رحمه الله في بيان صفة الصلاة على الميت؛ لأنه بعد أن يفرغ من تكفين الميت يتجه الأمر بالصلاة عليه، وهذا هو الحق الثالث للميت، فأولاً: يغسل، وثانياً: يكفن، وثالثاً: يصلى عليه.
أما الصلاة عليه فإنها واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا على صاحبكم) فهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب، ولذلك قالوا: من مات ودُفِنَ ولم يصل عليه ولم يكفن، شُرِع أن ينبش قبره ويخرج ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه؛ قياماً بحقه.
والصلاة على الميت لها صفةٌ مخصوصة واردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان من هديه أنه إذا جيء بالميت فإن كان رجلاً قام عند رأسه، وإن كانت امرأةً قام عند وسطها.
وللعلماء تعليلان: بعضهم يقول: هذه السنة سببها أن فتنة الرجل أكثر ما تكون في قلبه بالوساوس والخطرات، فيقوم حيال صدره كما ورد في الحديث، والمرأة أكثر فتنتها تكون في الفرج والشهوة فيقوم عند وسطها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) فهم يقولون: إنها لفتنة المرأة في الشهوة.
وقال بعض العلماء: إن السبب في ذلك أنه إذا قام في وسط المرأة كان أبلغ في سترها، وكأنه يسترها عن المأمومين؛ ويكون ذلك أدعى لتفرغ الناس للدعاء وبعدهم عن الفتنة؛ لأن الذي وراءه يباشر هذا الموضع لو أنه قام عند صدرها أو حيال رأسها.
لكن الأولى: أن يتوقف في هذا؛ لأنه لا ينبغي تعليل الأحكام دون أن يكون هناك دليل يدل على تلك العلة صراحةً أو ضمناً، أما أن يتكلف استنباط العلل بالصورة التي ذكرناها فهذا محل نظر؛ ولذلك فالأفضل أن يقال: هذا شيء تعبدنا الله به وهو أعلم بعلته، ولا يسأل عن مثل هذه الأمور؛ لأن السؤال عنها من التكلف، وقد كان بعض مشايخنا رحمة الله عليه يسألون عن مسائل من هذا النوع فكان يطرد السائل في بعض الأحيان، وربما ينتهره ويعنفه إذا كان من طلابه؛ لأنها من التكلف، وهذه المسائل التي يكون فيها تكلف وتنطع قد نهي عنها.
فالإنسان إذا جاءه الأمر في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا يسعه إلا السمع والطاعة والامتثال، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].
فإذاً: لا بد من التسليم، يقوم بهذه الصفة التي ذُكِرت لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، وثبت فعله عليه الصلاة والسلام لها في حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه لما قام حيال صدر الرجل ووسط المرأة فسئل عن ذلك فقال: إنها السنة؛ فدل ذلك على أنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(83/2)
________________________________________
قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة
وقوله: [ويكبر أربعاً يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة]: (ويكبر أربعاً): هذا ثابت في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه كبر على النجاشي أربع تكبيرات) وكان بعض العلماء يقول: هي التي داوم عليها عليه الصلاة والسلام، وما جاء من غيرها فإنما يكون في بعض الأحوال، والأفضل المداومة على الأربع؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي داوم عليه.
والخمس وردت عنه عليه الصلاة والسلام، وكان بعض العلماء يمتنع منها؛ لأنه حافظ عليها بعض أهل البدع، فكانوا العلماء يرون أن هذا الأفضل فيه المحافظة على الأربع؛ لأن الخمس ثبتت في صور الأفراد، والزيادة إنما ثبتت في قضية شهداء أحد مع أن الصلاة عليهم نفسها خارجةٌ عن الأصل، ومن هنا قال العلماء: إن الأفضل أن يداوم على الأربع، وهي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الغالب.
وصلاة الميت ليس فيها ركوع ولا سجود، وهذا بالإجماع كما حكاه الإمام ابن حزم الظاهري رحمة الله عليه بل يقف فيها المصلي ويقوم على الصفة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى دون أن يكون هناك ركوعٌ أو سجود، لكن اختلف في سجود السهو لها في الواجبات التي سنذكرها بعد.
قال: (يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة) هذا فيه فوائد: الفائدة الأولى: أن دعاء الاستفتاح ليس بمشروع في الصلاة على الميت، فصلاة الميت يكاد يكون بالإجماع أنه لا يشرع لها دعاء الاستفتاح؛ لكن بعض المتأخرين كان يقول: يستفتح في صلاة الميت لأن أم المؤمنين عائشة تقول: كان إذا استفتح الصلاة يقول.
والصحيح أنه لا يشرع دعاء الاستفتاح في الصلاة على الميت، وإنما يقرأ مباشرةً، ويكون هذا من باب الفرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وبين صلاة الجنائز.
قوله: (بعد التعوذ) لعموم قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98] فالأفضل أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو لفظ سورة النحل، وأما غيره من الألفاظ الأُخر فهو سنة ولا حرج فيه، مثل: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) لكن الأفضل أن يقول الذي أُمر به في الكتاب لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98].
قال بعض الفضلاء: ولفظه المختار ما في النحل وقد أتى الغير عن اهل النقل (ولفظه المختار ما في النحل) أي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ثم بعد ذلك يقرأ الفاتحة، وللعلماء في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة قولان: منهم من يقول: يشرع أن تقرأ سورة الفاتحة، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وطائفة من أهل الحديث، والدليل على ذلك عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
الحديث) فإنك إذا تأملت هذا اللفظ وجدته من صيغ العموم، فقوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، والقاعدة: أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم.
(أيما صلاةٍ) أيضاً يدل على العموم؛ لأن (أي) عند الأصوليين من صيغ العموم، فلما قال: أيما صلاةٍ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فقد عمم ولم يفرق بين صلاة الجنازة ولا غيرها، فدل على أن صلاة الجنازة يجب أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
وتأكدت هذه العمومات بحديث ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى على الجنازة وجهر بالفاتحة؛ لكي يعلم الناس أنها سنة، فدل هذا على أن السنة أن يقرأ الفاتحة على الميت.
وخالف في ذلك الحنفية والمالكية رحمة الله عليهم، وقالوا: إنه يقتصر على الدعاء، لآثار وردت عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة على الميت، ذكر فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء، قالوا: فهذا يدل على أنه لا تقرأ الفاتحة.
والجواب عن ذلك: أن المرفوع مقدمٌ على الموقوف، ويحمل كلام الصحابة على أن المقصد الأسمى والأعلى في الصلاة على الميت: أن يدعى له، فذكروه وتركوا غيره للعلم به بداهة، هذا مما يعتبر به.
وأيضاً: يحتمل أنه لم يبلغهم النص بقراءة الفاتحة، وقد يخفى على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من السنن ما لم يطلع عليه؛ ولذلك يُعمل بما ورد عنه عليه الصلاة والسلام ويقدم على غيره.
(83/3)
________________________________________
الصلاة الإبراهيمية في صلاة الجنازة
قال رحمه الله: [ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية كالتشهد].
أي: يكبر بعد ذلك التكبيرة الثانية، ويصلي فيها على النبي صلى الله عليه وسلم كصلاة التشهد، وهي الصلاة الإبراهيمية المعروفة، وقد ثبت في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك آثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن صلاة الميت يصلى فيها على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال العلماء: من فائدة ذلك أن صلاة الميت مشتملة على الدعاء والشفاعة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء مظنة الإجابة، والأحاديث في ذلك معروفة، أي: أن من أسباب قبول الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك شرعت الصلاة قبل الدعاء لما فيها من الخير العظيم؛ ولأنها سببٌ في رحمة الله للعبد، فهو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مرة فتأتيه من الله عشر صلوات، ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً، فَيُرحم بهذه الرحمة العظيمة ويكون أرجى لقبول دعائه.
(83/4)
________________________________________
الدعاء المأثور في صلاة الجنازة وشرحه
قال رحمه الله: [ويدعو في الثالثة فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيءٍ قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار، وافسح له في قبره ونور له فيه].
هذه الجمل التي ذكرها رحمه الله تشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: أن السنة في التكبيرة الثالثة أن يدعو، وهذا سببه أن الصلاة إنما شرعت من أجل الدعاء للميت والاستغفار له والترحم عليه، وهذه رحمةٌ من الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث جعل للأموات حظاً عند الأحياء أن يذكروهم بصالح الدعوات.
ولا شك أنه ليس هناك مسلم إلا وهو محتاج إلى من يدعو له، ولو كان عبداً صالحاً؛ فإن الصالح يزداد من رحمة الله عز وجل، وأما غيره فأمره أشد وحاجته أعظم أن يترحم عليه ويستغفر له، فمن رحمة الله عز وجل أن شرع هذه الصلاة، ولقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم يقوم عليه أربعون يشهدون أن لا إله إلا الله، ويشفعون له إلا شفعهم الله فيه، وما من مسلمٍ يقوم عليه مائة يسألون الله له إلا وجبت) كما في صحيح مسلم، قيل: وجبت دعوتهم أو وجبت شفاعتهم، وهذا فضلٌ عظيم، فكيف إذا قام عليها الألوف؟! ومن هنا: يستحب كثرة المصلين على الميت؛ لكثرة الدعاء وسؤال الله عز وجل رجاء الإجابة، خاصةً إذا وُجدَ فيهم من هو حافظٌ لحدود الله، فهو أرجى أن يقبل الله عز وجل دعاءه.
والسنة أن يكون عددهم كثير، فإذا نقص عددهم يُسن ألا يقلوا عن ثلاثة صفوف، فيجزؤهم الإمام ثلاثة صفوف، وفي ذلك حديث مالك رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ثلاثة صفوف: (أنهم إذا شفعوا للميت شُفِّعوا) وكان مالك رضي الله عنه إذا استقل العدد جزأهم ثلاثة صفوف، حتى ولو كانوا ستة جعل كل اثنين صفاً، كل ذلك لفضل كثرة الصفوف على الميت.
فهذا الدعاء كلما كان من عددٍ أكبر؛ كلما كان أفضل وأرجى.
وعلى هذا قالوا: إنه يختار المساجد التي هي أكثر عدداً؛ لكثرة الشفعاء وكثرة المصلين والداعين له.
وأما الأدعية التي ذكرها: فإنه نوع رحمه الله في الأدعية وأدخل بعضها في بعض، والمحفوظ عنه عليه الصلاة والسلام في حديث مسلم: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار -على رواية الشك- عذاب القبر أو عذاب النار) قال الصحابي: حتى تمنيت أن أكون ذلك الرجل.
فإن كانت امرأة يقول: أبدلها أهلاً خيراً من أهلها، ولا يقول: زوجاً خيراً من زوجها؛ لأن المرأة لزوجها في الآخرة إذا ماتت عنه وهي في عصمته، أما لو تزوجت أكثر من زوج وتوفيت فقد سألت أم سلمة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي يكون لها أكثر من زوج لمن تكون يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (هي لأحسنهم خُلقاً) ولذلك يقولون: لا يقال في المرأة: (وأبدلها زوجاً خيراً من زوجها)؛ لأنها قد تكون لزوجٍ واحد، وإنما يكون الزواج للرجال، فيقال: (أبدله أهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه) إشارة إلى الحور العين، وما جعل الله من الكرامة فيها، وهو حكم الله الذي لا يعقب.
وأما قوله: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وكبيرنا وصغيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا -إلى قوله:- إنك على كل شيءٍ قدير) زيادة (إنك على كل شيء قدير) ليست واردة، الوارد إلى قوله: (إنك تعلم متقلبنا ومثوانا) وهذا فيه مناسبة الحال، وهو أيضاً دعاءٌ محفوظ.
وأما المقطع الأخير الذي ذكره رحمة الله عليه: (اللهم افسح له في قبره ونور له فيه) فهو قطعة من دعائه صلوات الله وسلامه عليه لـ أبي سلمة؛ فإنه لما دخل على أبي سلمة رضي الله عنه وقد جاد بنفسه فسمع صوت الصائح فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصياح، وقال: (لا تدعوا على أنفسكم فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) أي: هذه الساعة تؤمن الملائكة على ما يقال- ثم قال عليه الصلاة والسلام: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه) وذلك إشارة إلى حال السعداء إذا نزلوا القبور، وذلك أن المؤمن يفسح له في قبره مد البصر؛ لأن إفساح القبر يزيد في فُسحة الصدر، وفسحه القبر.
والقبر يضيق على الكافر والمنافق حتى تختلف أضلاعه، ومن هنا كان من رحمة الله بالمؤمن أن يفسح له في القبر.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء للميت: (افسح له في قبره) دليل على أن القبور تنفسح وتضيق، وأن هذا من عالم الغيب الذي لا يمكن للعقول أن تدرك كيفيته؛ فإنك لو نظرت إلى القبور رأيتها متجاورة، وقد يكون الكافر بجوار المسلم والمنافق بجوار الموقن، وكذلك الصالح بجوار الطالح، ولكن الله سبحانه وتعالى أعلم بما بينها من الدرجات والدركات، فكم من قبورٍ تراها في كهوفٍ مظلمة قد ملئت أنواراً ورحمةً على أهلها، وقد تكون في الفيافي والقفار الموحشة ولكن الله يؤنس أهلها بالفسحة والسرور، نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى أن يجعلنا وإياكم من أهل هذه القبور.
وأما القسم الثاني فهم الذين تضيق عليهم قبورهم، فكم من قبور وهي في الضياء، والناس حولها يسرحون ويمرحون، ولكن أهلها في عذابٍ ونكد، حتى يأذن الله عز وجل ببعث الأرض ومن فيها.
وأما المقطع الصحيح الذي أشرنا إليه: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه)، دعا له المغفرة؛ لأن الإنسان لا يأتيه الشر في آخرته ولا في دنياه إلا بذنبه؛ فإن غفر الله الذنب لم يؤاخذ العبد، وذهب عنه شؤم معصيته، وقد سميت السيئة سيئة لأنها تسيء إلى صاحبها في الدنيا؛ فإن سلمه الله من شرها في الدنيا فإنها تسيء إليه في القبر، فإن سلم من الدنيا والقبر فإن الله قد يجعل نكالها مجموعاً عليه في الآخرة؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر له) فجعلها مغفرةً قبل دخوله لقبره، وقبل معاينته لصالح عمله وطالحه، وكونه يسأل المغفرة قبل أن يدخل في قبره من الشفاعة له بألا يرى ما يسوؤه وهو قادمٌ على عمله؛ خاصةً ما يكون منه من المعاصي في أقواله وأفعاله.
قوله: (اللهم اغفر له) فإن غُفِر للعبد أصابته الرحمة، ولذلك قال: (وارحمه) فإن الإنسان قد يغفر له ولكنه يحتاج إلى الرحمة، ثم قال: (وعافه) لأن القبور فيها فتن وأهوال وشدائد، فيحتاج الإنسان أن يعافى منها، والعافية: السلامة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يا عم رسول الله! سل الله العافية، يا عم رسول الله! سل الله العافية) وفي الحديث الصحيح: أنه كان إذا أمسى وأصبح يقول: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وآخرتي) فهذا يدل على فضل سؤال العافية.
(وعافه واعف عنه) هذا بالنسبة للحقوق التي لله سبحانه وتعالى.
(وأكرم نزله) وهذا يدل أن في القبر نزلاً، وقيل: المراد (أكرم نزله) أي: في الآخرة، وهذا إشارة إلى حال السعداء.
(ووسع مدخله): أي في القبر.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم افسح له في قبره، ووسع مدخله، واغسله بماءٍ وثلجٍ وبرد) فيه فوائد منها: أن الماء هو الأصل في التطهير، وبناءً على ذلك قالوا: الاستنجاء بالماء أفضل من الاستجمار بالحجارة؛ لأنه هو الأصل في التطهير، وفيه دليل على أن المائع هو الأصل في الإنقاء (واغسله بماء وثلجٍ وبرد).
أما حقيقة الغسل فللعلماء وجهان: منهم من يقول: اغسله حقيقةً، فالميت يغسله الله جل وعلا على صفةٍ لا نعلمها، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغسل.
ومنهم من يقول: (اغسله بالماء والثلج والبرد) كنايةٌ عن المغفرة، فيجعل الأمر على المجاز لا على الحقيقة.
والصحيح: أن (اغسله) على حقيقته، وأن حقيقة الغسل ترد إلى الله سبحانه وتعالى علام الغيوب.
وأخذ بعض العلماء من قوله: (والثلج) أن الثلج يمكن أن يتوضأ به؛ وذلك أنه وصف الثلج بأنه يُغسل به؛ فدل على أنه لو أخذ الثلج ومر به على أعضاء الوضوء، وأصاب بلل الثلج الأعضاء ووجد بلله عليها فإنه قد توضأ.
وبناءً على ذلك: لو وجد الثلج ولم يجد الماء فإنه لا يعدل إلى التيمم، وفي حكم الثلج البرد، لقوله: (واغسله بالماء والثلج والبرد).
والذين يقولون: إن الثلج والبرد لا يغتسل بهما ولا يتوضأ بهما، يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسله بالماء) وأما الثلج والبرد فزيادة نعيم له، كما أن الكافر يعذب بزيادة الجحيم فالمؤمن ينعم بزيادة النعيم، فجعلون الثلج والبرد تبعاً للماء ولم يجعلوه أصلاً.
والأصل في الرواية أنها تقصد الجمع؛ ولذلك يقوى قول من قال: إنه لو مر بالثلج على يده فقد حصلت الطهارة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) في رواية: (ونقه من الخطايا).
بعض العلماء يقول: هناك فرق بين الذنب والخطيئة، ومنهم من يقول: لا فرق بين الذنب والخطيئة، وهناك كلام فيه تكلف في هذه المسألة؛ فأحياناً تُجعل الخطايا دون الذنوب، وأحياناً الذنوب أعظم من الخطايا، وهذا في مذهب طائفة من العلماء رحمة الله عليهم.
والتنقية من الذنوب والخطايا فيه إشارة إلى أن من يفعل الذنب فإن الذنب يتعلق ببدنه، وهذا له أصل، وهو الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أن العبد المؤمن إذا توضأ خرجت كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه من
(83/5)
________________________________________
مصير أطفال المسلمين والمشركين
وقوله: [وإن كان صغيراً قال: اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفرطاً وشفيعاً مجاباً، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم].
هذا الدعاء مقتبس، وليس باللفظ الوارد.
أولاً: هناك أطفال المشركين وهناك أطفال المسلمين؛ أما أطفال المسلمين فحكى طائفة من العلماء أن الإجماع على أنهم يبقون على حكم المسلمين وأنهم في الجنة، والحديث الصحيح يقوي هذا، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح: ذكر فضل المرأة التي يموت لها ثلاثة، ثم قامت له امرأة وقالت: يا رسول الله! واثنين؟ قال: واثنين.
وأن الله سبحانه وتعالى يجعلهما حجاباً لها من النار.
وسأل الرجالُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كما سأله النساء: هل لهم فضل مثل ما للنساء في موت أبنائهم، وسألوه عن صغار أبنائهم، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أولئك دعاميص الجنة، لا يزال أحدهم يأخذ بأبيه حتى يدخله الجنة) أي: يقول: يا رب! أبي أبي، فيأخذ بيده ويشفع له حتى يدخله الجنة، فهذا يدل على أنه يشفع، وأنه فرط لأبيه، والفرط: هو السابق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أنا فرطكم على الحوض) فالفرط: هو السابق؛ ففرطه على الجنة بمعنى: أنه يسبق أباه إلى الجنة.
وأما أطفال الكفار ففيهم خلاف مشهور: فمن العلماء من قال: إنهم في النار، وهذا من أضعف الأقوال، قالوا لقوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه، فمآله إلى دين أبيه).
أطفال الكفار لهم حالتان: الحالة الأولى: أن يكونوا دون البلوغ وهم أحياء، فهؤلاء حكمهم حكم آبائهم، فأنت لو دخلت بلاد كفار وعندهم أطفال، فالأصل في هذا الطفل أنه يعامل معاملة أبيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يهودانه أو يمجسانه) والعلماء يقولون: هذا من باب التقدير، وقد أشار إلى هذه القاعدة العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه النفيس "قواعد الأحكام" قال: التقدير يكون بتقدير المعدوم مكان الموجود، وينزل منزلة الموجود، والموجود مكان المعدوم، وهذا له نظائر.
فتقدير المعدوم مكان الموجود من أمثلته أطفال الكفار، فإنهم في الحقيقة لم يكفروا؛ فقُدّر المعدوم فيهم وهو الكفر ونزّل منزلة الموجود، فهذا من تقدير المعدومات؛ لأن أطفال الكفار لا بد فيهم من حكم؛ ولذلك حكم سعد رضي الله عنه في أولاد يهود بني قريظة أن تسبى ذراريهم، فجعل السبي على الذراري؛ وذلك بإلحاق الأطفال بآبائهم، وهذا من حكم الشريعة؛ لأنه لابد للشريعة أن يكون لها حكم للصغير والكبير.
فلو أن صبياً أبواه كافران فجئت به لكي يصلي معك: هل تصح صلاته أم لا؟ إن قلت: إنه على الأصل والفطرة، فقد صح أن يصلي معك وانعقدت صلاته، ولكن إذا كان على الكفر ولم يعلم الإسلام ولم يشهد؛ فإننا نقول: إنه على الأصل وآخذ حكم والديه.
وهكذا في الجزية وأحكامها، فكلها مسائل تتفرع على الحكم بأنهم تبعٌ لآبائهم؛ للنص الذي يقول: (فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) ولما حكم سعد رضي الله عنه في ذراري اليهود أن يسبوا، وعاملهم معاملة آبائهم الذين كانوا على الكفر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الجبار من فوق سبع سماوات) فقُدّر المعدوم -وهو الكفر- بمنزلة الموجود.
ومن تقدير المعدوم بمنزلة الموجود: إذا نام المؤمن فإنه ليس في حالة إيمان؛ لأنه ليس معه عقل ولا معه إدراك، فتقول: يقدر المعدوم موجوداً ونحكم بكونه مؤمناً، وهكذا لو كان مؤمناً ثم جنّ فإننا نقول: إنه مؤمن؛ استصحاباً للأصل، فقدر المعدوم بمنزلة الموجود، وهكذا في أطفال الكفار قدّر المعدوم موجوداً، وهكذا أطفال المسلمين يقدر المعدوم -وهو الإسلام- موجوداً بالتبعية.
فعلى القول بأنهم كفار لا إشكال أنه لا يصلى عليهم، ولا يأخذون الأحكام الشرعية، وحكمهم حكم آبائهم إذا ماتوا.
القول الثاني: أنهم على الإسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل مولود يولد على الفطرة) وهذا القول من القوة بمكان، فالأصل فيهم الإسلام من حيث الحكم في الآخرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب بدون أن يكون هناك عمل من العامل يقتضي تعذيبه كما دلت النصوص من الكتاب والسنة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] أي: حتى تقام الحجة، فالأصل في هذا الولد أنه على الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولودٍ يولد على الفطرة) فجعل قوله: (فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) بعد عقله وإدراكه، ومن هنا يقولون: إن الأصل فيه الإسلام.
وهناك قولٌ ثالث: أنهم خدم المؤمنين في الجنة.
وهناك: من توقف فيهم فقال: لا يحكم لهم بإسلامٍ ولا كفر، ولكل هذه الأقوال وجه، فكما ترون كلٌ منهم يتمسك بأصلٍ يدلّ على قوله.
فإذا قلنا: إن أطفال الكفار مسلمون؛ فحينئذٍ لو أُسقط أو توفي وهو صغير فإنه يصلى ويعامل معاملة المسلم، وهكذا لو أن نصرانيةً توفيت وفي بطنها جنين، فإنه يجعل وجهها لغير القبلة وظهرها إلى القبلة؛ لأن الجنين يكون وجهه إلى ظهره أمه، فتحول أمه عن القبلة ليتوجه إليها هو، فينزل بمنزلة الأصل ويعامل بهذه المعاملة.
قال بعض العلماء: إن أطفال الكفار الله أعلم بما يكون منهم من الخير والشر، واحتجوا لذلك بما ثبت بظاهر القرآن، وذلك بقوله سبحانه وتعالى: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف:80] فأخبر سبحانه وتعالى أن مآله سيكون إلى الأذية والضرر والكفر والبغي، ومن هنا قالوا: إنه لا يمتنع أن يكون حاله إلى خيرٍ أو شر، وعلى ذلك قرروا أن يتوقف في الحكم عليه لاحتمال أن يكون شقياً أو سعيداً.
والصحيح: أن الطفل لا بد من الحكم عليه إما بخيرٍ أو شر، أو الحكم عليه بإيمانٍ أو كفر؛ لأن النص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث عبد الله بن مسعود: (أنه يؤمر الملك بكتابة أربع كلمات)، وهذا دليل على أنه لا يخرج مولود من بطن أمه بعد نفخ الروح فيه إلا وقد كتبه سعيداً أو شقياً، وبناءً على ذلك: كونه يموت قبل البلوغ لا يمنع من الحكم عليه بالسعادة أو الشقاء؛ لأن الله أعلم بما يكون إليه أمره من سعادةٍ أو شقاء.
وجعل بعض العلماء الصغار في حكم الممتحنين، وإن كان الأصل في ذلك أنه لأهل الفترة ومن في حكمهم كالمجانين والذين لم تبلغهم الدعوة، فإن الله يمتحنهم، والامتحان كما ثبت في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إنهم يحتجون على الله عز وجل، فيأمر الله عز وجل بعنق من نار، ويقول لهم: ادخلوه.
فمن دخل الموضع -وهو العنق من النار- قلبه الله عليه جنة ونعيماً، ومن امتنع وتلكأ يقول الله تعالى له: ها قد عصيتم، كيف لو جاءتكم رسلي؟! فترسل عليهم النار فيعذبون بها) فالله أعلم بما يكون من مآلهم.
(83/6)
________________________________________
الوقوف قليلاً بعد التكبيرة الرابعة ثم التسليم
وقوله: [ويقف بعد الرابعة قليلاً].
أي: بعد التكبيرة الرابعة يقف قليلاً، وهي السنة، وقال بعض العلماء: كان بعض الصحابة يفهم من هذا أن وقوفه عليه الصلاة والسلام قليلاً بعد الرابعة لأجل أن يسمع التكبير منه عليه الصلاة والسلام، ولكي إذا انتهوا من التكبير سلّم صلوات الله وسلامه عليه، وهي التكبيرة الأخيرة، ومن هنا قالوا بعدم الدعاء بعدها.
وقوله: [ويسلم واحدة عن يمينه].
وهي السنة: أن يسلم ويخرج الإنسان من الصلاة بالتسليمة الأولى، وقد ذكرنا أحكام التسليم في الصلاة مبسوطاً.
وقوله: [ويرفع يديه مع كل تكبيرةٍ].
في هذه المسألة قولان للعلماء: منهم من يقول: يرفع يديه في جميع التكبيرات، وهو مذهب الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع.
ومنهم من يقول: إنه لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام، وهو مذهب المالكية والحنفية رحمة الله على الجميع.
والأقوى: أنه لا يرفع؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح أنه رفع يديه بالتكبير على الجنازة؛ ولكن لو رفع الإنسان تأسياً بـ ابن عمر، أو قوي عنده أن ابن عمر وهو المعروف بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم مخالفته فرفع يديه؛ لأنه يعتقد أن ابن عمر لا يفعلها في الغالب إلا وله أصل، فلا حرج عليه في ذلك، فلا ينكر على من رفع ولا ينكر على من لم يرفع، وكلٌ على سنةٍ وخير.
(83/7)
________________________________________
الأسئلة
(83/8)
________________________________________
حكم صلاة النساء على الجنازة

السؤال
إذا أراد نساء من أهل الميت أن يصلين على ميتهن قبل خروجه إلى المصلى، فهل يجوز ذلك؟

الجواب
لا حرج في صلاتهن على الميت إذا كُنّ في الدار، ولكنه لم يجر عليه فعل السلف، والأولى تركه، أما من حيث الأصل من جواز صلاة النساء والرجال على الجنازة فلا حرج فيه والله تعالى أعلم.
(83/9)
________________________________________
مكان وقوف الإمام للصلاة على الطفل

السؤال
أين يقف الإمام بالنسبة للطفل؟

الجواب
بالنسبة للطفل قالوا: له حكم الرجل إذا كان ذكراً، وحكم الأنثى إن كانت طفلة، ولكن المعروف أن الأطفال فيهم من ضيق الحجم ما ليس في الكبار؛ ولذلك أمرهم أوسع من أمر الكبار.
(83/10)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الصلاة على الميت [2]
الصلاة على الجنائز فرض كفاية، ولها أركان، وتتعلق بها مستحبات وأحكام، وللعلماء رحمهم الله خلاف في الصلاة على الغائب، والصلاة على القبر، وكذا في الصلاة على أصحاب الكبائر.
وفي هذه المادة ذكر الشيخ ما يتعلق بذلك مدعماً بالأدلة، مرجحاً للصحيح من الأقوال.
(84/1)
________________________________________
واجبات صلاة الجنازة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: قوله رحمه الله: [وواجباتها: قيامٌ وتكبيرات أربع].
(قيامٌ مع القدرة وتكبيرات أربع): أما القيام فلأصل الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: (صلِّ قائماً) فالأصل: أن يصلي الإنسان قائماً.
وقال بعض العلماء: صلاة الجنازة من النوافل؛ ولذلك لو صلى الإنسان فإنه يصلي نافلة، فيجوز له أن يصلي وهو قاعد، وهذا القول لم يخل من نظر؛ لأننا قلنا إن ظاهر قوله: (صلوا على صاحبكم) يقتضي الوجوب، لأنه أمر، والأمر يدل على الوجوب ما لم يصرفه الصارف، ولا صارف.
وقوله: [وتكبيرات أربع]: وهي واجبة، فإذا ترك التكبيرات الأربع لم تصح صلاته إذا تركها عمداً، وإذا نسي ومن عادته أن يكبر أربعاً فكبر ثلاثاً ونسي الرابعة وسلم، فللعلماء وجهان: منهم من يقول: يبادر بسجود السهو، ومنهم من يقول: صلاة الجنازة لا سهو فيها، أي: لا يسجد فيها لسجود السهو.
وقوله: [والفاتحة]: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
وقوله: [والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم]: أي: إعمالاً للأصل في الصلاة، وقد تكلمنا على مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والتشهد، وبينا هناك أرجح الأقوال من العلماء.
(84/2)
________________________________________
الدعاء للميت من واجبات صلاة الجنازة
وقوله: [ودعوة للميت].
هذا مذهب من يقول بالتنويع في الدعاء، لأن المقصود من الصلاة عليه الدعاء؛ ولذلك إذا وجبت الصلاة وجب الدعاء؛ لأنه المقصود من الصلاة وهو المعتبر، وعلى هذا قالوا: يجب أن يدعو للميت.
والذين يقولون بعدم وجوب الفاتحة يقولون: إنه يدعو أقل الدعاء، يعني يدعو بأقل ما يسمى دعاءً، فلو قال: اللهم اغفر له، وكبر وسلم؛ صح، ولو قال: اللهم ارحمه، وكبر وسلم؛ صح، ولكن ينبغي أن يجتهد في الدعاء؛ لأن السنة أن يدعو ويجتهد، وأن يكون الدعاء مصحوباً بالإخلاص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من صلى على الميت أن يخلص في الدعاء.
ومن الأسباب التي تعين على الإخلاص في الدعاء للميت: تنزيل الإنسان نفسه منزلة الميت، وكذلك رؤية حال الميت وما هو عليه من الإقبال على الآخرة وافتقاره؛ فإن هذا يعين الإنسان على الشفقة عليه والرحمة به.
ومما يعين: تذكرك أن الله سبحانه وتعالى يجزي المحسن بإحسان، فكما أخلصت الدعاء لأخيك في هذه الحالة فإن الله سيقيض لك من يخلص لك الدعاء إذا ما مت غداً.
إذا علمت أنك إن أخلصت لأخيك المسلم في الدعاء فإن الله سيسخر لك من يخلص لك في الدعاء، فإن ذلك أدعى أن تدعو له، وهذه من الأمور التي تعين على الإخلاص في الدعاء وكثرة الدعاء لموتى المسلمين والترحم عليهم، وذلك أن الإنسان إذا تذكر أنه سيئول إلى مآلهم، وأن الله سيجزيه ويشكر له إحسانه، ويقيض له من يدعو له ويستغفر له ويترحم عليه كما ترحم على أموات المسلمين؛ فإن هذا يدعو إلى كثرة الترحم عليهم والدعاء لهم سواء في الصلاة عليهم أو في غيرها.
ولذلك ينبغي على الإنسان ألا ينسى هذا الفضل، وهو أنه يقيض له من يفعل به مثل ما فعل بإخوانه؛ لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30] فهو يجزيك في الدنيا والآخرة، فإنك إن أحسنت لإخوانك المسلمين بدعائك لهم حياً سيحسن الله لك بإحسان إخوانك إليك -أيضاً- في حال موتك.
والعكس بالعكس: فإذا أصبحت صلاة الموتى شيئاً يغفل الإنسان عن معناه وعن مقصوده، ويدعو وهو غافل ساه لاهٍ؛ فإنه أحرى إذا صُلي عليه أن يصرف الله القلوب فلا تخلص له في الدعاء، فمثلما كان يقف على إخوانه المسلمين خاوي القلب ساهياً لاهياً يفكر في أمور الدنيا بعيداً عن الترحم عليهم والشفقة عليهم، والنظر إلى حالهم وهم في هذه الحالة أفقر ما يكونون إلى دعوة صالحة منه؛ فإن الله يقيض له أن يفعل به مثلما فعل بإخوانه، فإن الله سبحانه وتعالى يجزي الإنسان على قدر ما يكون منه من العمل.
وينبغي للإنسان إذا مر على القبور أن يخلص في الدعاء لأهلها، وإذا ذكر أموات المسلمين خاصةً العلماء، فلا يقل: قال العلماء فقط، وإنما يقول: قال أهل العلم رحمهم الله.
وإذا ذكر ميتاً من أهل العلم قال: قال العالم فلان رحمه الله.
تصور إذا قلت: قال الحنفية رحمهم الله أو المالكية رحمهم الله أو الشافعية رحمهم الله، أو قلت: قال أهل الحديث رحمهم الله، أو أهل العلم رحمهم الله؛ يكون في ميزان حسناتك ملايين الحسنات؛ لأنك تترحم على أمم لا يعلم عددها إلا الله سبحانه وتعالى.
فكيف إذا أمسيت وأصبحت وأنت تقول: رب اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، كيف إذا أمسيت وأصبحت وأنت تذكر أموات المسلمين وأحياءهم بالرحمة، كم لك من الأجور! وكم من الرحمات ستغشاك إما عاجلاً أو آجلاً! ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الراحمون يرحمهم الله) فهذا من رحمة المسلم بأخيه المسلم، وأما الغفلة عن حقوق الأموات والدعاء لهم والترحم عليهم فسيبتلى صاحبها بمثلها، نسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل.
وقوله: [والسلام].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) فالتسليم منها واجب للخروج منها، أي: الخروج من حرمتها، فيسلم تسليمةً واحدة يخرج منها.
(84/3)
________________________________________
حكم من فاته شيء من التكبيرات
وقوله: [ومن فاته شيءٌ من التكبير قضاه على صفته].
هذه المسألة تأتي على صورتين: إما أن تكون الجنازة موجودة، وإما أن تحمل مباشرة وترفع؛ فإن كانت الجنازة باقية قضيت ما فاتك من الدعاء والأذكار، وللعلماء وجهان: بعضهم يقول: إذا دخلت في صلاة الجنازة تبدأ بصلاتك مرتبة.
وبناءً على هذا القول: لو دخلت والإمام يدعو فإنك تقرأ الفاتحة، وكذلك لو دخلت وهو في التكبيرة الثانية أو وهو يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فإنك تقرأ الفاتحة، فحينئذٍ يرون أنه يعتد بصلاته مبتدئاً، بحيث إذا صار في آخر الصلاة صار إلى الدعاء.
ومنهم من يقول: يدخل مع الإمام حيث كان، وهو أقوى، وهذه المسألة لها نظائر، منها: لو دخلت في صلاة ما فأدركت الركعة الأخيرة أو الركعتين الأخيرتين من الظهر فصليت وراء الإمام، فهل تقرأ الفاتحة وسورة بعدها؟ لأن السنة في صلاة الظهر أن تقرأ بعد الفاتحة سورة أما في صلاة العصر فلم يرد نص، وإن كان بعض الفقهاء قال: تقرأ سورة بعد الفاتحة، لكن الأفضل التأسي بقراءة الفاتحة وحدها.
وهل العبرة بك أم بالإمام؟ فإن قلنا: العبرة بك، فإنك تقرأ الفاتحة وسورة بعدها؛ لأنها أول صلاتك، فإذا جلست للتشهد فإنك تتشهد التشهد الأول والإمام يتشهد التشهد الأخير، ولا تزيد في تشهدك على الصفة الواردة في التشهد الأول.
والقول الثاني وهو الأقوى والأصح: أنك تعتد بحالتك كحالة الإمام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ويتفرع على هذا العمل في الأفعال كما في الأقوال، فلو أنك دخلت وراء الإمام -مثلاً- في صلاة المغرب، وهو في التشهد الأول، فقام إلى الركعة الثالثة، فعند ذلك سيرفع يديه -لأنه سيقوم إلى الثالثة- فهل ترفع يديك أم لا؟ قالوا: لا ترفع يديك إذا كنت تعتد بحالك، وترفع يديك إذا كنت تابعاً للإمام، وهو الأقوى والأصح، أنك إذا كنت وراء الإمام فعليك أن تعتد بحاله، لقوله: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به) قولاً وفعلاً، فعلى هذا القول تقرأ التشهد كاملاً، وتدعو وتستغفر كأنك في آخر الصلاة، حتى إذا ما سلم قمت لتتم ما فاتك من الصلاة، فأنت وراءه في ركنه متابعةً، وأنت منفردٌ مستقل إذا سلم الإمام وانفصلت عنه.
أما بالنسبة لمن فاتته تكبيرة الجنائز: فإذا فاتتك التكبيرة على الجنازة فتنظر: إذا كانت الجنازة تترك قليلاً قضيت ما فاتك فتدعو وتترحم على الميت، وأما إذا رفعت مباشرة فعليك أن توالي بين التكبير ولا تدعو، فلو فاتتك تكبيرتان وقال الإمام: السلام عليكم، فقل حينئذٍ: (الله أكبر، الله أكبر، السلام عليكم).
فهذا يعتبر من التأسي بالنسبة لحال الصفة في الصلاة، فإن الصلاة لا تصلى إلا على الجنازة الحاضرة ولا يصلى عليها قبل حضورها، فكما أنك لا تصلي على الجنازة قبل أن توضع، فلا تصلي عليها بعد أن ترفع.
ومن هنا فالجماهير على أنك لا تقول الأذكار إذا رفعت مباشرة، وفرق بعض العلماء بين أن ترفع وتبقى تجاهك، وبين أن ترفع وتتوارى عنك، وهذا التفريق ذكره القرافي رحمه الله في "الفروق"، وفي "الذخيرة" وغيره من العلماء رحمة الله عليهم، لكن لا أحفظ له دليلاً؛ لكن كأنه يرى أنك إذا كنت ترى الجنازة أمامك ولو كانت خارجة كأنها أمامك، ولكن القول لا يخلو من نظر، ولكن الأقوى أنها إذا رفعت أنه لا يصلى عليها، كما أنها قبل أن توضع لا يصلى عليها والله تعالى أعلم.
(84/4)
________________________________________
حكم الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت
يقول المصنف رحمة الله: [ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر].
بعد أن بين المصنف رحمه الله صفة الصلاة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، شرع رحمه الله في بيان حكم من فاتته الصلاة على الميت في المسجد، فقال رحمه الله: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر).
وهذه المسألة اختلف العلماء رحمهم الله فيها، هل يشرع له ذلك أو لا يشرع؟ ولها نظائر، منها: لو كان الإنسان مسافراً، ثم قدم بعد وفاة قريب له أو إنسان يعرفه، وأحب أن يصلي عليه بعد دفنه، فهل يشرع ذلك أو لا يشرع؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: يشرع لمن فاتته الصلاة على الميت أن يصلي على قبره.
وهذا القول يقول به فقهاء الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع، وهو مروي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فروي عن علي وعبد الله بن عمر وأبي موسى الأشعري رضي الله عن الجميع.
القول الثاني: لا تشرع الصلاة على القبر، وإنما تختص الصلاة بالصفة المعهودة التي تكون قبل دفن الميت، ولا يشرع لأحدٍ أن يصليها على أحدٍ بعد قبره إلا في حالة ما إذا لم يصل عليه، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية رحمة الله على الجميع.
فتحصل معنا أن العلماء -رحمهم الله- ينقسمون إلى طائفتين: طائفةٌ تجيز الصلاة، وطائفة تمنع، ومن الذين يمنعون من يستثني حالة ما إذا لم يصل على الميت، فيجيز الصلاة على الميت إذا لم يصل عليه.
وبناءً على ذلك يكون محل الخلاف إذا صُليّ عليه قبل دفنه، أما إذا لم يصل عليه قبل دفنه فكلهم يقولون بجواز الصلاة عليه بعد قبره.
أما بالنسبة للأدلة فقد استدل الذين قالوا بجواز الصلاة على الميت بعد دفنه، بحديث المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد -تنظفه وتكنسه- فإنها توفيت في الليل، ولم يُعلم النبي صلى الله عليه وسلم بها، ثم إنه افتقدها صلوات الله وسلامه عليه، فسأل عنها رضي الله عنها، وكانت تسمى أم محجن، ثم إنه لما أخبر عليه الصلاة والسلام أنها توفيت، وأنهم صلوا عليها بالليل، قال: هلا آذنتموني؟! ثم انطلق إلى قبرها وقال: دلوني على قبرها، فدلّ صلوات الله وسلامه عليه على قبرها، فقام على قبرها وصلى.
في هذا الحديث دليل على مشروعية الصلاة على الميت بعد دفنه، فأصحاب هذا القول يقولون: لو كانت الصلاة على الميت بعد دفنه ممنوعة لما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، واستدلوا كذلك بحديث في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد، وذلك أنه قدم المدينة بعد وفاتها فقام على قبرها وصلى عليها رضي الله عنها وأرضاها، قالوا: فبهذه النصوص يتبين أنه يشرع أن يصلى على الميت بعد دفنه.
وهناك حديث ثالث أشار إليه البخاري رحمه الله، وهو حديث عبد الله بن عباس، وقد قيل إنه في الأصل حديث طلحة بن البراء رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان بقباء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد زاره وهو مريض، فقال لأهله: (ما أظن طلحة إلا قد نزل به الموت، فإذا مات فآذنوني) يعني: أعلموني- فلما ذهب عليه الصلاة والسلام قال طلحة رضي الله عنه لأهله: إذا أنا متّ فلا تؤذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أخاف عليه اليهود أن يمسوه بسوءٍ، ففعل أهله ما أمرهم به، فلم يخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فأُخبِر صلوات الله وسلامه عليه بعد دفنه، فذهب إلى قبره فقام عليه ودعا، حتى جاء في دعائه: (اللهم الق طلحة، تضحك إليه ويضحك إليك).
فحمل بعض العلماء حديث ابن عباس في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: صلى على قبرٍ بعدما دفن) وفي روايةٍ: (على قبرٍ منبوت) -وهي الرواية المرسلة التي أشار إليها البخاري في صحيحه- على قصة طلحة، وقالوا: إن هذا يدل على مشروعية الصلاة على الميت بعد قبره، وبمجموع هذه الأحاديث يقول هؤلاء العلماء رحمةُ الله عليهم: إنه لا حرج إذا جئت بعد الصلاة على الميت أن تقوم على قبره وتصلي عليه.
وذهب الحنفية والمالكية إلى عدم مشروعية الصلاة على القبر، وأن من خصوصياته عليه الصلاة والسلام: أن يصلي على الميت على قبره بعد دفنه إذا صُليّ عليه، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى على المرأة التي كانت تقم المسجد قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) قالوا: فهذا نص من لفظه عليه الصلاة والسلام يفسر ما كان من فعله، ويدل دلالة واضحة على معنى الخصوصية؛ قالوا: ولذلك ما وقع منه صلى الله عليه وسلم هذا إلا في أحوالٍ مخصوصة، فصلى على أم سعد، تطييباً لخاطر سعد وذلك لمكان سعد وعظيم بلائه في الإسلام، كما صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي سلول تطييباً لخاطر ابنه عبد الله، وكما فعل في المرأة التي كانت تقم المسجد، ومع هذا قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم).
فكأن النبي صلى الله عليه وسلم له خصوصية الصلاة، فكانت إعادة الصلاة منه عليه الصلاة والسلام لمعنىً يختص به، لا يشاركه فيه غيره من الصحابة، وقالوا: إن ما سبق في الحديث يؤكد هذه الخصوصية.
ولكلا القولين وجهه، وإن كان التعليل الذي ذكره أصحاب القول الثاني من القوة بمكان، خاصةً وأنه لم يقع إلا في الأفراد، وهذا من كلامه عليه الصلاة والسلام الذي يدل دلالة واضحة على التخصيص؛ فإن قوله: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) نصٌ صحيح وصريح، والعلة إذا جاءت منصوصة من كلامه لا بد من اعتبارها.
ومن الأدلة التي تقوي القول الذي يقول بمنع الصلاة عليه: عموم النهي عن الصلاة في المقبرة، فإن الأصل عدم الصلاة في المقبرة، وذلك يشمل مطلق الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فرق بين صلاةٍ وأخرى، ولذلك قالوا: لو فتح هذا الباب لاسترسل الناس، وأصبح كلما فاتت الصلاة على إنسان جاء ووقف على القبر وصلى، مع أن الشرع قد أعطى البديل عن ذلك، بالترحم عليه والدعاء له والاستغفار له.
قالوا: فلما وجد البديل الذي لا شبهة فيه؛ فإنه يبقى على الأصل الذي يقتضي حظر الصلاة في داخل المقابر، خاصةً وأن السنة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة في المقبرة وفي الحمام.
وإذا قلنا: إنه يشرع أن يصلى على الميت بعد قبره، فما هو الأمد الذي يشرع للإنسان أن يصلي في حدوده، فإذا جاوزه لم يجز له أن يصلي على الميت؟ للعلماء أقوالٌ في هذه المسألة: القول الأول: أنه إلى ثلاثة أيام، وهو وجهٌ يختاره بعض أصحاب الإمام الشافعي رحمه الله كما درج عليه الخراسانيون من أصحابه، وعليه الفتوى عندهم.
والقول الثاني: أنه إلى شهر؛ وذلك على ظاهر حديث أم سعد رضي الله عنها، أنه صلى عليها بعد شهر.
والقول الثالث: ما لم يتغير، فيشرع أن يصلى على الميت ما دام يغلب على الظن أنه لم يتغير وأنه باق، وهذا مبني على النظر؛ لأن الصلاة شرعت على الميت، فإذا كان موجوداً صُلّيَ عليه، وإن كان متحللاً.
قد فني فإنه لا يصلى عليه كمن أكله السبع.
والوجه الرابع: أنه إلى الأبد، وهذا من أضعف الأقوال عند العلماء رحمة الله عليهم.
(84/5)
________________________________________
حكم الصلاة على الغائب
قال المصنف رحمه الله: [وعلى غائب بالنية إلى شهر].
(وعلى غائبٍ) أي: يشرع أن يصلى على الميت الغائب، والميت الغائب: هو الذي يتوفى في بلدٍ غير بلده، وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يشرع لك أن تصلي عليه صلاة الغائب أو لا يشرع؟ وهذه المسألة من المسائل القديمة، والخلاف فيها مشهور، فمن أهل العلم رحمة الله عليهم من قال: لا تشرع الصلاة على الميت الغائب، وهو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله.
والقول الثاني: تشرع الصلاة على الميت الغائب، وبه يقول بعض أصحاب الإمام الشافعي وهو مذهب الحنابلة.
ومن أهل العلم من توسط بين القولين، فقال: إذا كان الميت الغائب قد مات في بلدٍ لم يصل عليه فيها، كأن يموت في بلد كفار، أو كان ممن له بلاءٌ في الإسلام كالعالم العظيم الأثر، والوالي الذي عُرفَ بصلاحه وبلائه للمسلمين، فإنه يُشرع أن يُصلى عليه صلاة الغائب، وأما من عدا ذلك من أفراد الناس وآحادهم فلا يشرع أن يصلى عليهم صلاة الغائب.
أما الذين قالوا بالجواز فاحتجوا بما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نعى النجاشي - أصحمة - رضي الله عنه وأرضاه يوم توفي، وقال: توفي اليوم عبدٌ صالح، ثم خرج صلوات الله وسلامه عليه بأصحابه وصفهم، ثم كبر وصلى عليه).
قالوا: فهذه صلاةٌ على ميت غائب، لأن النجاشي توفي بالحبشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فدل هذا على مشروعية الصلاة على الميت الغائب.
والذين قالوا بالمنع قالوا: إن قضايا الأعيان لا تصلح دليلاً على العموم، وهذا أصل اعتبره العلماء رحمة الله عليهم؛ لكن عندهم خلاف في تطبيق القاعدة.
وقضايا الأعيان: هي الصور التي ورد الشرع بآحادها، وفُهم من الشرع قصده لهذه الآحاد، فلذلك يقولون: قضايا الأعيان لا تصلح دليلاً للعموم.
وضابط هذه القاعدة: أن يكون الأصل على خلاف ما ورد به النص، فالأصل عندنا: أن الميت لا يصلى عليه إلا بحضوره، ولذلك لو غسل وكفن ولم يشهد في المسجد لم يشرع لك أن تصلي عليه، فهكذا إذا كان غائباً، قالوا: لا يصلى على ميت قبل حضوره وشهود الإنسان للصلاة عليه، وبناءً على ذلك قالوا: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضية أصحمة يعتبر خاصاً به.
فمنهم من يقول: إنه خاص؛ لأن النجاشي كان ببلدٍ ليس فيه مسلمون، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى عليه، وكانت صلاته بمثابة العوض عن المسلمين الذين يصلون على الميت حال حضوره.
ومنهم من يقول: إنه تخصيص لفضل هذا الرجل، وعظيم بلائه في الإسلام، ولا شك أنه رضي الله عنه وأرضاه وقف مع المسلمين موقفاً عظيماً حتى ضحى بولايته في سبيل نجاة المسلمين، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا بالحبشة، ولذلك شُرّف بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وثنائه عليه، حتى قال: (توفي اليوم عبدٌ صالح) وهذه تزكية من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، ويعتبر من الصحابة على مذهب من يقول: إنه لا تشترط الرؤية؛ فإنه آمن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيعتبر صحابياً من هذا الوجه، ومنهم من يقول: إنه كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يوصف بكونه صاحباً مع كونه مؤمناً به، فيلغزون به ويعنون به النجاشي رضي الله عنه وأرضاه.
أما القول الثالث فقال أصحابه: الأصل أن لا يصلى على الغائب، فلما جاءت واقعة النجاشي نظرنا فيها، فوجدنا أن النجاشي فيه معان: إما أنه عظيم البلاء في الإسلام؛ فيلحق به كل من كان مثله، فتكون مشروعية الصلاة على أمثال هؤلاء ليقتدى بهم في الخير، فإذا كان عالماً فإن ذلك يدعو غيره من العلماء أن يبلوا كبلائه، وهو من باب الوفاء له لما قدم من جميل الإحسان للمسلمين، وهكذا إذا كان والياً وكان له بلاءٌ على المسلمين؛ فإنه يشحذ همة غيره من الولاة أن يسيروا بسيرته وأن يقتفوا بأثره، وهكذا إذا كان مجاهداً.
فقالوا: إن أصحمة النجاشي كان ممن له فضل على المسلمين؛ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه صلاة الغائب لكي يرفع من منزلته؛ ويجل شأنه لما كان منه من نصرة الإسلام والمسلمين، فحفظ له هذا الفضل والجميل، فصلى عليه صلوات الله وسلامه عليه صلاة الغائب.
ومن أهل العلم من قال: تشرع الصلاة على الميت الغائب إذا أمر بها ولي الأمر، وإذا لم يأمر بها فإنه لا يفعلها الأفراد، وهذا على ظاهر السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصلوا عليه، فدل على أنهم إذا أُمِروا فإنه يشرع أن يصلى على الميت الغائب، ولا يشرع لآحاد الناس وكل من هب ودب أن يقوم ويصلي على الميت الغائب، هذا عند أصحاب هذا القول.
وفي الحقيقة أن هذا التفصيل من القوة بمكان، فيقال: من كان عظيم البلاء في الإسلام صُلِّي عليه، أو إذا أمر ولي الأمر فيصلى عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة فصلوا.
أما أن يقال: بجواز الصلاة على كل ميتٍ غائب، وكل من مات له قريب في بلد يصلي عليه، فهذا محل نظر، ألم تر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي أصحابٌ له في المدينة، وهو في غزواته وأسفاره، ومع ذلك ما صلى على واحد منهم صلاة الغائب، وبذلك يقوى القول: أن في النجاشي خصوصية من جهة المُصلي ومن جهة الأمر بالصلاة عليه، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة عليه، أو له فضل أو له مزية؛ فإنه حينئذٍ يشرع أن يصلى عليه صلاة الغائب، وأما أن يصلى على كل غائب فهذا مرجوحٌ من جهة النظر في الأدلة.
قال المصنف رحمه الله: [بالنية إلى شهرٍ].
قوله: (بالنية إلى شهر)، أي: لأن الميت الغائب ليس بحاضر، وشرط ذلك أن يكون في بلدٍ غير بلد المصلي، أما لو كان معك في نفس المدينة فإنه يشرع أن يذهب الإنسان إلى مسجده، ويُصلى عليه في مسجده الذي يصلى عليه، أما لو صلى أهل حيّ على ميتٍ في بلدهم ينوون به صلاة الغائب فإن ذلك غير مشروع.
(84/6)
________________________________________
حكم الصلاة على الغال
قال المصنف رحمه الله: [ولا يصلي الإمام على الغال].
(الإمام) يطلق بمعنيين: إما أن يقصد به الإمامة الكبرى، وهي: أن ولي أمر المسلمين لا يصلي على الغال.
والغال: هو الذي غلّ من الغنيمة.
والغلول: هو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، ويكون أشبه بالسرقة، فيسرق من الغنيمة ويأخذ منها قبل قسمتها، وهذا هو الذي توعده الله، فقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران:161] فأخبر أنه يفضح على رءوس الأشهاد يوم القيامة.
وأجمع العلماء على أن الغلول من الغنيمة من كبائر الذنوب التي توجب فسق صاحبها وسقوط عدالته ورد شهادته، وتوجب تعزير صاحبه، فلا يصلي الإمام العام عليه.
والمعنى الثاني للإمام: الإمام الخاص، وهي التي يسميها العلماء الإمامة الصغرى، وهي إمامة الصلاة، ولا شك أن الإمام الراتب وإمام الحي ينزل منزلة الإمام العام، فإذا توفي في الحي من عُرف بفسقه وفجوره، وفيه هذا المعنى الذي هو الغلول أو ما هو مثله من المعاصي الكبيرة، فإنه لا يشرع أن يصلى عليه أهل الفضل كالعلماء ونحوهم ممن لهم فضل؛ زجراً للناس أن يكونوا على حالتهم.
أما الدليل على عدم الصلاة على الغال فما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه أتي برجل ليصلى عليه، فامتنع عليه الصلاة والسلام وقال: صلوا على صاحبكم! فتغيرت وجوه القوم، فقال: إنه غلّ، ففتش رحله فوجدت فيه خرزات من خرز اليهود) وهذا يوم خيبر، وكانت الخرز لا تساوي درهمين، فحُرِم بسببها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، ودعاؤه واستغفاره له.
وقال بعض العلماء: كل من اقترف الكبائر، وكان في حكم الفساق فإنه لا يصلي عليه الإمام، وعليه بعض فقهاء الحنابلة رحمهم الله إلحاقاً له بمن غل في الغنيمة، قالوا: لأن المعنى واحد، وإن كان الأقوى أنه يصلى عليه إعمالاً للأصل، ويستثنى من ورد النص باستثنائه وهو من غل من الغنيمة ومن قتل نفسه.
(84/7)
________________________________________
حكم الصلاة على قاتل نفسه
قال المصنف رحمه الله: [ولا على قاتل نفسه].
أي: ولا يصلى على من قتل نفسه، وهو المنتحر، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (أنه أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فامتنع من الصلاة عليه، فصلى عليه الصحابة) وفي هذا دليل على أنه يترك ليصلي عليه الناس، أما الإمام -الذي هو إمام المسجد أو الإمام العام- فإنه لا يصلي عليه؛ زجراً للناس عن فعله.
والقاتل لنفسه ثبت النص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعذب بما قتل به نفسه، فقال عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح البخاري-: (من تحسى سماً فمات منه؛ فهو في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها، ومن طعن نفسه بحديدة فمات فهو يجأها في نار جنهم خالداً مخلداً فيها، ومن صعد إلى شاهق فتردى منه فمات، فهو في نار جنهم يتردى خالداً مخلداً فيها) نسأل الله السلامة والعافية.
والخلود هنا للمستحل الذي استحل هذا الفعل، ولا شك أن الإقدام على الانتحار إنما يكون لضعف الإيمان، ولذلك ينبغي للمسلم أن يسعى في زيادة إيمانه، وأن يعود نفسه كلما ضاقت عليه الدنيا أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن كثرة الضيق وكثرة الهموم والغموم توجب على المؤمن التسلح بالتعلق بالله عز وجل أضعاف ما نزل به من البلاء، وكلما كان التجاء العبد إلى الله أصدق، ويقينه بالله سبحانه وتعالى أكمل؛ كلما كان الفرج أقرب إليه من حبل الوريد، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة:118] فلما بلغ الأمر مبلغه، ووصلوا إلى قوله: {وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة:118]، جاء الفرج عند قوة اليقين أنه لا ملجأ ولا منجى ولا مفر ولا مهرب من الله إلا إلى الله؛ فإن بلغ العبد هذا المبلغ فقد نعمت عينه في البلاء، وهذا هو مقام اليقين في حال الكرب.
فإن الإنسان تنتابه الهموم في نفسه وأهله وماله وولده، فإذا اطرح بين يدي الله عز وجل داعياً ضارعاً شاكياً مبتهلاً متضرعاً متخشعاً فإن الله يحب منه ذلك، ولعل الله أن يجعل هذا الابتهال والتضرع سبباً في زيادة قربه منه؛ لأنه كلما ابتهل وتضرع لله سبحانه وتعالى وصدق في يقينه كلما زاد قربه من الله، وكم من إنسان نزلت به المصيبة فكانت سبباً في قربه من الله جل وعلا، وهذا الذي يسميه العلماء: تحول النقمة إلى نعمة، أي: أنها نقمة في الظاهر لكنها آلت إلى نعمة في الباطن.
فينبغي على المؤمن ألا يقدم على هذه النهاية التي هي أسوء النهايات، وهي من علامات سوء الخاتمة، والله عز وجل جعل النفس أمانةً في عنق كل الإنسان، فقال الله سبحانه وتعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29].
يقول بعض العلماء: إن الله قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} ثم قال بعدها: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} كأنه يقول: أبشروا، مهما أصابكم من الهم والغم فإني رحيمٌ بكم، ولا يحتاج الإنسان لتفريج همه وإزالة غمه أن يقدم على تعذيب نفسه، بل عليه أن يقبل على الله سبحانه وتعالى، وأن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى الذي لا ملجأ للعبد ولا منجى منه إلا إليه سبحانه وتعالى، وقد ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام من دعائه عند النوم أن يقول: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك).
فإذا فوّض العبد أمره إلى الله ذاق حلاوة الإيمان ولذة العبودية، وصعدت كلماته ودعواته وابتهالاته ومناداته إلى الله سبحانه وتعالى، كلمات تفتح لها أبواب السماوات؛ لأنها تخرج من قلبٍ صادق متعلق بالله جل جلاله؛ فيرحمه الله عز وجل، ولكن إذا أراد الله أن يشقي عبداً أسلمه إلى الشيطان، وأسلمه إلى سوء الظن بالرحمن، فأصبحت تضيق عليه نفسه التي بين جنبيه، فأول ما ينزل به من الكرب في نفسه وماله وولده، تضيق دائرته عليه ويتسخط على القضاء والقدر، ولربما يتسخط على ربه، ويذكر الكلمات التي لا تليق بالله سبحانه وتعالى، وأن الله ظلمه، وأن الله نكد عيشه وأن الله، وأن الله، فلا يزال ربك يضيق عليه حتى يضيق من نفسه التي بين جنبيه، فيتسلط عليه الشيطان، فيقدم على قتلها وينتحر والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية.
فهذا لا يكون إلا مع ضعف الإيمان، فمن قتل نفسه وأقدم على الانتحار فإنه لا يصلى عليه؛ لكن بشرط: أن يكون إقدامه على قتل النفس والانتحار بغير عذر، أما لو انتحر بعذر كإنسان مجنون رمى نفسه من شاهق، فإنه يصلى عليه ويترحم عليه، ويدعى له، وهو على خير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة السوداء التي كانت تصرع: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يشفيك.
قالت: أصبر ولي الجنة).
فمثل هذا إذا ابتلي ببلاء في نفسه من سحرٍِ أو مسٍ أو جنون فانتحر؛ فإن الله عز وجل يؤجره على ما كان منه، ويغسل ويكفن ويصلى عليه ويترحم عليه، لما له من الأصل، ويكون فعله هذا معذوراً به على حاله الذي بلي به.
وهكذا يقول العلماء: لو شرب المسكر غير عالم به، ثم قتل نفسه؛ فإنه لا يكون في حكم المنتحر، كإنسان أعطي شراباً يظنه عصيراً أو ماءً فشربه، فإذا به مسكر، فسكر وقتل نفسه؛ فإن مثل هذا يصلى عليه؛ لأن سكره كان بعذر، وهكذا لو خدر في جراحةٍ ونحوها، وحصل منه شيء عند زوال إدراكه وعدم وعيه حتى مات وتَلِفت نفسه؛ فإنه في هذه الحالة يعتبر معذوراً، كما لو أقدم على سل شيء من نفسه لنفسه ونحوه فمات بسبب عدم وجود النفس؛ فإنه في هذه الحالة يعذر ويصلى عليه، ويصلي عليه الإمام، ويدعى له ويستغفر له.
أما بالنسبة لغير هؤلاء من عموم العصاة فللعلماء فيهم قولان: من أهل العلم من يقول: كل من ارتكب الكبائر -خاصةً من يجاهر بها- فإنه يمنع من الصلاة عليه، أي: لا يصلي عليه الإمام، أما أفراد الناس فيصلون عليه، والسبب في ذلك: أنهم مطالبون بالصلاة على الميت، إضافةً أنهم يؤجرون عليها، فلا وجه أن تحرم نفسك القيراط في الصلاة عليه.
فيصلى عليه.
لكن بالنسبة للإمام فلا يصلى على هؤلاء للاستثناء الذي ذكرناه، والقول: بأنه يختص بما ورد من قاتل النفس والغال من القوة بمكان، ويبقى ما عداهم على الأصل الموجب لصلاة الإمام وغيره عليهم.
(84/8)
________________________________________
حكم الصلاة على الميت
قال المصنف رحمه الله: [ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد].
(ولا بأس): أي لا حرج ولا جناح أن يصلى على الميت في المسجد، والضمير في قوله: (عليه) ليس عائداً على القاتل نفسه ولا على المنتحر، إنما هو عائد على الميت، وهي مسألة خلافية: هل يجوز أن تدخل الجنازة إلى المسجد أو لا يجوز؟ بعض العلماء يمنع من إدخال الجنائز إلى المسجد، وكان هذا القول يقول به بعض الصحابة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما أرادت عائشة رضي الله عنها أن تصلي على سعد -رضي الله عن الجميع- أمرت أن يدخل إلى المسجد فأنكر الناس ذلك، فقالت: (سبحان الله! سرعان ما نسي الناس، ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء إلا في المسجد).
فأخذ العلماء من هذا دليلاً على أنه يجوز إدخال الجنائز إلى المساجد للصلاة عليها، وخالف في ذلك أصحاب مالك رحمة الله عليهم، ووافقهم بعض الحنفية فقالوا: لا تدخل الجنائز إلى المساجد، وإنما يكون للجنائز مصلى، وقد كان للجنائز مصلىً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا على سبيل الأفضل، وأما دخولها إلى المسجد فلا حرج فيه، وهذا الذي عناه المصنف بقوله: ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد، أي: لا جناح ولا حرج؛ خلافاً لمن قال من أهل العلم رحمة الله عليهم: إنه لا تدخل الجنائز إلى المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل مصلى يصلى فيه على الجنائز؛ لكن الصحيح أنه لا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سهل في المسجد، وهذا حديث صحيح ثابت عنه عليه الصلاة والسلام.
(84/9)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - تشييع الميت ودفنه
للجنائز أ؛ كام متعلقة بتشييعها وحملها، ومن ذلك: صفة المشي بها، وكيفية حملها، وما يسن في المشي بها، وما يكره أو يحرم، ونحو ذلك، وهناك أحكام متعلقة بالدفن، منها: كيفية إدخال الميت إلى القبر، وأيهما أفضل الشق أم اللحد، وغيرها من الأحكام.
(85/1)
________________________________________
صفة حمل الجنازة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول رحمه الله: [فصلٌ: يُسَنُّ الترْبِيع فِي حَمْلِهِ].
في الواقع أن الحمل قد يسبق الصلاة؛ لأن الإقبال بالميت إلى المسجد يحتاج إلى حمل، وتأخير المصنف للحمل له وجه، فبعض العلماء يقدم أحكام الحمل على الصلاة، وبعضهم يؤخر أحكام الحمل عن الصلاة.
فيكون وجه من قدم أحكام الصلاة على الحمل: أن الصلاة واجبة؛ فألحقت بالواجبات المتقدمة من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه؛ فألحقت بالنظير من جهة مرتبة اللزوم.
ثم الحمل بعد ذلك؛ لأنه يكون بعد الصلاة.
وحمل الميت فيه فضيلة؛ وذلك أنه عملٌ يقصد به القربة، ويعتبر من الحسنات، أي: أن الإنسان يثاب إذا قصد به وجه الله عز وجل، والعلماء رحمة الله عليهم يتكلمون عليه ويبينون أحكامه؛ لورود السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الميت، وكذلك الآثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا اعتنى المصنف رحمه الله ببيان هذه الأحكام والمسائل، فقال رحمه الله: (يسن التربيع في حمله).
(85/2)
________________________________________
التربيع في حمل الجنازة
فقوله: (يسن التربيع): من المعلوم أن سرير الميت يكون على أربعة أعمدة يحمل الميت بها: عمودان في مقدمة الجنازة، وعمودان في مؤخرة سرير الجنازة؛ والأفضل والأكمل للإنسان أن يكون حمله من هذه الجهات الأربع، وفيه أثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ولكن فيه انقطاع، ولذلك يعتبر مرسلاً، لأن أبا عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
والتربيع: أن يبدأ بمقدمة الجنازة ويأخذ باليمين؛ لفضل اليمين وشرفها؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن، ثم بعد ذلك ينتقل إلى المؤخرة في نفس جهة اليمين، ثم بعد ذلك يرجع إلى المقدمة فيحمل بالأيسر، ثم يتأخر المؤخرة للأيسر، فيكون قد ربع.
هذا هو الذي يقصده العلماء من التربيع.
أي: أن يكون حمل الإنسان للجنازة من جهات السرير الأربع، ولا يقتصر على جهةٍ دون جهة؛ للحديث الذي ذكرنا، ولو صح لا شك أنه يعتبر دليلاً على الفضيلة، لكن الأمر واسع إن شاء الله تعالى، ولا حرج أن يحمل الإنسان من أي جهة، ولا شك أن أن يبدأ بجهة اليمين تأسياً بتفضيل اليمين.
فإن شق عليه لمكان الزحام وضرر الناس، بحيث يصعب عليك أن تنتقل إلى جهة اليسار، أو صعب عليك أن تتقدم حتى تنال المقدمة فالأمر واسع.
وقال بعض العلماء: الأفضل أن يحمل بعمودي السرير، أي: أن يكون وسطاً في مقدمة السرير، ويرون هذا في المقدمة لا في المؤخرة، وتوضيح ذلك: أنه في المقدمة يمكن أن يرى من أمامه، فيحمل بطرفي عضادتي السرير، وفي ذلك حديث وراد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمله لـ سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، فقالوا: إن هذا يدل على أن الأفضل أن يأخذ بهما.
والذي يظهر أن الأمر واسع، خاصةً قي حال الزحام، ولأنه ربما أضر بغيره، وربما أجحف به، وربما لا يصل إلى الجهات على الطريقة التي ذكرناها إلا بأذية.
أما بالنسبة للتثنية وحمل طرفي السرير من آخر السرير فهذا من الصعوبة بمكان؛ لأنه إذا حمل من مؤخرة السرير لا يأمن أن يطأ أحداً أمامه أو يؤذيه، وربما تكون هناك حفرة أو يكون هناك شيء لا ينتبه له؛ لأنه لا يرى الذي أمامه، فضيقوا في المؤخرة، بخلاف المقدمة فإنهم وسعوا فيها وقالوا: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أثر في المقدمة.
يفرق بين التربيع وبين التثنية: أن التثنية تكون من مقدمة السرير دون المؤخرة، وأما التربيع فإنه لابد فيه أن يكون من الأربع الجهات.
وفي التثنية لا يشترط أن يضع طرفي السرير على كتفيه، بمعنى: أن يجعل الطرف الأيمن على عاتقه الأيمن، والطرف الأيسر على عاتقه الأيسر، إنما يعتبر أن يحمل، فإذا حصل الحمل فهو المقصود؛ لأنه في بعض الأحيان لا يتيسر لك إذا كان طرفا السرير متباعدين، فإن تيسر ذلك كما إذا كان للسرير حمالات ونحوها، فيمكن أن يضعهما على كتفيه؛ لكن هذا أمرٌ من الصعوبة بمكان، فيما لو كان السرير من الخشب كما هو موجود في حالنا ليوم، فحينئذٍ يخرج بطرفي السرير بيديه كأنه حامل، وينبغي عليه أن لا يؤذي الناس.
(85/3)
________________________________________
التداول في حمل الجنازة
وهناك مسألة وهي: لو أنك حملت على طرفي السرير، وجاء رجلٌ لكي يحل محلك، فهل تبتعد تمكيناً له من الفضل أو تصر وتبقى؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: كان بعض مشايخنا يقول: تبقى؛ لأنه لا إيثار في القربات، فتبقى ممسكاً به لفضيلة الحمل، ولا تتركه لغيرك حتى تعيا، أو لا تستطيع أن تقوى؛ فحينئذٍ تترك لغيرك؛ فيرون أن الأفضل أن يتمسك الإنسان به حتى يصيب أكثر الأجر ولا يؤثر غيره بالفضل.
ومن هنا قالوا: لا يجوز أن يقوم الإنسان من الصف الأول إلى الصف الثاني ولو لكبير سن؛ واختلفوا في الوالد، وإن كان الأقوى والأصح أنه يجوز أن تتأخر لوالدك؛ لأنك إذا تأخرت نلت مرتبة البر، وهي أفضل، وهذا له وجه، يعني يستثنى في الإيثار في القرب والطاعات أن يكون فيه بر للوالد.
فهنا: لو كان إنسان له حق عليك كالعم والخال ونحوه ممن له حق القرابة، فيمكن أن تؤثر لمكان صلة الرحم، وأما غيرهم من عامة الناس فلا، فيصبح الأمر أشد إذا كان المحمول والداً أو قريباً، فيكون من البر أن تصر على البقاء ما لم تضعف، فيكون فيه الوجهان: كونه من بالغ البر، وكونه أيضاً يحصل عظيم الأجر؛ فيبقى قدر استطاعته في ذلك المكان ولو زاحمه غيره فيه؛ تحصيلاً لهذا الأجر والثواب.
قوله: [ويباح بين العمودين].
فيه ما ذكرناه من حديث سعد.
(85/4)
________________________________________
صفة المشي بالجنازة
قال المصنف رحمه الله: [ويسن الإسراع بها].
(85/5)
________________________________________
الإسراع بالجنازة
يعني: بالجنازة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة) وهو حديث تكلم العلماء في سنده، وفيه مسائل: الأولى: أن قوله: (أسرعوا بالجنازة) فيه دليل على أن السنة أن يكون المشي بها رملاً وإسراعاً، وهذا هو الأفضل، وقد جاء حديث آخر صحيح يدل على أن الصحابة كانوا يرملون بالجنائز، وهذا أفضل من المشي.
وفيه دليل على خطأ بعض العامة الذين ينكرون على الناس إذا أسرعوا بالجنازة.
وفيه أنه يرمل بها تحصيلاً لفضيلة ما ذكرناه من التأسي وإصابة السنة.
والمسالة الثانية: أن السنة ألا تبقى الجنازة وأن يبادر بها، ولذلك لا تؤخر إلا لأمر ضروري، أو وجود ما يدل على استثناء شرعي يجيز لنا أن نؤخر الجنازة، وإلا فالأصل أن يبادر بها، ولا يجوز للأهل أن يؤخروا الجنازة إلا لوجود عذرٍ شرعي؛ لأنه أُمِر بالإسراع بها.
فقوله: (أسرعوا بالجنازة) يشمل الإسراع في تغسيله، بمعنى أن نهيئ تغسيله في أقرب وقت، وليس المراد أن نعجل أثناء التغسيل؛ لأنه ربما إذا عجل أثناء التغسيل أضاع حقوقاً واجبة، وإنما المراد أن يسرع بالتغسيل.
ويشمل الإسراع في تكفينه، فلا يتركه بعد تغسيله ممدداً في الفناء، بل يعاجل بتكفينه، ثم يسرع في حمله ثم الصلاة عليه، ثم يسرع في دفنه، فهذا معنى الإسراع بالجنازة.
والمراد بالإسراع في الحديث إسراع المشي؛ لأنه هو السنة، ولأن الجنازة إذا كانت صالحة تقول: قدموني، قدموني.
وهذا ثابتٌ في الصحيح، فكأننا إذا أسرعنا بالجنازة حققنا مقصود الشرع، وأرفقنا بالميت إن كان صالحاً.
وإذا كان حديث: (أسرعوا بالجنازة) ضعيفاً، فإننا نقول: إن حديث الصحيحين (قدموني، قدموني) يدل على مشروعية الإسراع بالجنازة؛ لأنه يحقق مقصود الشرع من التعجيل بها، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى إلا لشرف تقديم المسلم من الأحياء على قبره والعجلة في ذلك.
(85/6)
________________________________________
موقع المشاة والركبان من الجنازة
قال المصنف رحمه الله: [وكون المشاة أمامها والركبان خلفها].
قوله: (وكون المشاة أمامها) السنة أن يُمشى أمام الجنازة، وأن يكون الركبان وراءها، وفي ذلك الحديث المشهور عن ابن مسعود رضي الله عنه.
ويقولون: إن الركبان يكونون في الخلف حتى لا يؤذى الناس؛ لأنهم إذا كانوا في الأمام أضروا بالناس وأجحفوا بهم، وفي حكم الركبان المركبات الموجودة الآن كالسيارات ونحوها؛ لأنها إذا كانت في الأمام ربما عطلت الجنازة عن المضي؛ فتكون في الخلف ليمكن المشي بالجنازة؛ وهو الأفضل.
فإذا كانت الجنازة محمولة في المركبات كالسيارات ونحوها فحينئذٍ لا إشكال فإن الحكم أن يكونوا وراءها، لأنه لا يتيسر للمشاة أن يرافقوها، وإنما يكونون وراءها، ثم يبادر بها على الصفة المعهودة الآن.
قال: [ويكره جلوس تابعيها حتى توضع].
فقد ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس حتى توضع، وهناك روايتان: رواية: حتى توضع على الأرض، ورواية: حتى توضع في القبر، فإذا خرجت في تشييع جنازة ودخلت المقبرة ثم وضع السرير، فعلى الرواية الأولى بل والثانية لا يجوز لك أن تجلس حتى يوضع السرير، وعلى الرواية الثانية: حتى ينزل الميت إلى القبر.
والأقوى: أنه لا يجوز حتى توضع على الأرض؛ لأن رواية (على الأرض) أقوى من رواية (في القبر) ولأنه ثبت في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وهو حديث مشهور: (إن العبد المؤمن إذا احتضر حضرته ملائكةٌ بيض الوجوه معهم كفن من الجنة ... ) إلى آخر الحديث.
في هذا الحديث يقول البراء: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة أنصاري، فجلس عليه الصلاة والسلام وجلسنا حوله حتى يلحد له) أي: حتى يحفر القبر ويلحد، فدل على جلوس النبي صلى الله عليه وسلم قبل وضع الرجل في قبره، وهذا يدل على أنه يشرع أن يجلس من شيع الجنازة قبل أن يوضع الميت في القبر، فإذا وضعت على الأرض جاز لك أن تجلس.
(85/7)
________________________________________
حكم تسجية قبر المرأة والرجل
قال: [ويسجى قبر امرأة فقط].
أي: لأنه أمكن للستر، وأثر ذلك عن بعض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وأنكر بعض الصحابة تغطية القبر للرجال.
والتسجية: أن يؤخذ بغطاء الجنازة أو يؤخذ لحاف ثم يوضع فوق القبر، أي: يغطى أثناء عمل الملحد للميت وقيامه على شأنه.
فالتسجية: أن يغطى القبر.
والتسجية تكون على حالتين: الحالة الأولى: أن تكون للنساء، فالمرأة إذا دُليت في قبرها شرع أن تغطى؛ لأنه أدعى لسترها وحفظ عورتها، لأنها وإن كانت ملفوفة في كفنها لكن جرمها وجسمها واضح أمام الناس من جهة تقاطيع الجسم، خاصةً في الأكفان؛ ولذلك تدلى حتى ولو وضعت في سرير حتى يكون أبلغ في سترها، وأبعد عن الفتنة بها، فتدلى في القبر ويسجى القبر، أي: يغطى ويترك بقدر الهوي ونحوه، فيوضع الساتر ويمسك الناس بأطرافه، ولا حاجة أن ينظروا إليها أثناء وضعها في لحدها.
الحالة الثانية: أن يسجى القبر لشدة الحر والظهيرة ونحوها في الرجال، أي: إذا وُجِد الموجب في الرجال، فإذا كان في شدة ظهيرة أو كان المطر نازلاً وأريد تسجية الميت، فإنها ليست لستر العورة وإنما هي لدفع الضرر، وحينئذٍ لا حرج أن تكون التسجية لمعنى؛ وبعض طلاب العلم لا يفرق فينكر ذلك إطلاقاً، والواقع: أن فيه تفصيلاً: فإن كانت التسجية بمعنى الرفق بمن هو داخل القبر، من دفع حر الشمس عنه، فحينئذٍ لا حرج أن يغطى، بمعنى أنه يستر حتى يقيه حر الشمس وضررها، وأما إذا كان بمعنى التسجية فإنه بدعة، وقد أنكره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: مع عهدنا ذلك إلا في النساء، فدل على أنه يشرع في النساء دون الرجال.
(85/8)
________________________________________
أفضلية اللحد على الشق
قال المصنف رحمه الله: [واللحد أفضل من الشق].
اللحد كان في المدينة، والشق كان بمكة، وللقبر صورتان: إما أن يلحد، وهو أن يوضع الميت ويحفر له في جانب القبر.
وإما أن يشق وتحفر له الحفرة في وسط القبر، فيوضع فيها على جنبه.
واللحد أفضل؛ لأن الله اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لما توفي عليه الصلاة والسلام اختلف الصحابة هل يلحد له أو يشق، وكان أبو عبيدة يشق، وكان أبو طلحة يلحد، فأرسلوا إليهما فسبق الذي يلحد، فعلموا أنه اختيار الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، فكان اللحد أفضل لذلك، لأنه أمكن في الستر.
الشق يكون في الجدار ونحوها كالأماكن الصلبة التي يصعب فيها حفر اللحود؛ لأنه أرفق وكذلك إذا كان في كهف فيشق، فلو أن الأرض كانت جبلية وتوفي الميت، وليس هناك مكان يمكننا أن نحفره، فحينئذٍ لا حرج إذا وجد كهف أو شق في جبل -صدع- وأمكن أن يوضع ثم يرص عليه، فإنه يفعل به ذلك، ويعتبر بمثابة القبر.
(85/9)
________________________________________
مشروعية وحكمة الدفن
والدفن واجب ولازم، وقد شرعه الله عز وجل بكتابه وبهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، والأصل في مشروعيته من الكتاب قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:31].
وهذه قضية قابيل وهابيل؛ فإن قابيل لما قتل أخاه هابيل، وهو أول قتلٍ من بني آدم وقع في الأرض، أرسل الله الغراب يبحث في الأرض، أي: يحفر ليدفن حاجته، كأنه يشير له إلى ما ينبغي أن يفعله لأخيه من ستر عورته، فقال: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} [المائدة:31] فهذا دليلٌ على شرعية الدفن، وهي أول قضية دفن كما يقول المفسرون رحمة الله عليهم.
وقال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] فدل على مشروعية القبر.
وثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من هديه بالقول والفعل.
ويشرع قبر الموتى سواء كانوا كفاراً أو كانوا مسلمين، فلو أن كافراً مات فإنه يشرع أن يقبر، ولا يجوز أن تترك جثته هكذا؛ لأن الله كرم بني آدم فقال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] وهذا يسميه العلماء التكريم العام الذي يشمل المسلم والكافر، فمن إكرام الله للآدمي أنه إذا مات فإنه يقبر وتحفظ عورته، بخلاف البهائم والوحوش والسباع وغيرها، فإنها تنبذ بالعراء، ومن هنا قالوا: إنه يقبر ولو كان كافراً، لكنه لا يقبر على صفة المسلم، بمعنى: أنه لا يلحد ولا يشق، وإنما يوارى، فتحفر له الحفرة ثم تواريه دون أن تراعي في ذلك شقاً ولا لحداً؛ لأنه لا كرامة له.
وإنما يشرع أن يقبر الميت مسلماً كان أو كافراً، لحديث قتلى بدر، فإنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقليب فرموا فيه، فووريت أجسادهم، وعلى هذا لا حرج أن يوارى الكافر إذا مات، وأما المسلم فإنه يوارى بالصفة المخصوصة التي ذكرناها.
وفي القبر حكمٌ عظيمة منها: أن الله سبحانه وتعالى دفع ضرر الأموات عن الأحياء؛ فإن الأحياء يستضرون برائحة الموتى، ويستضرون برؤية قراباتهم وذويهم أمواتاً أمامهم، ويحصل لهم من الهول والفاجعة ما الله به عليم، فإن بقاء الأموات فيه فزع، ورؤية الأموات تحدث في النفوس الفزع والخوف والرعب، ولربما يتنكد عيش الإنسان خاصةً إذا فقد العزيز والكريم عليه فرآه أمامه عشيةً وصباحاً، ولذلك رحم الله الناس بهذا، وجعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً، فجعل الأرض ستراً لهم، وفيها أيضاً رحمة بالأموات؛ لأن عوراتهم تحفظ وسوآتهم تصان، عندما ينزلون في القبور.
والأصل أن الإنسان بالنسبة للقبر له أحوال: بالنسبة للأنبياء فإن قبورهم في أماكن موتهم، كما ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قبر عليه الصلاة والسلام في حجرة عائشة لما قبض فيها، أما من عداهم فإنهم يقبرون في مقابر المسلمين العامة التي أوقفت.
والقبر في مقابر المسلمين أفضل من أن يكون الإنسان في موضعٍ خاص؛ لأنه إذا كان في موضع خاص لا يؤمن أن ينبش، وإذا كان في موضع خاص وكان ملكاً له كأرضه أو مزرعته ونحو ذلك، فلا حرج أن يحفر له قبر ويدفن فيه، أما إذا كانت أرضاً لغيره فلا يجوز أن يحفر له فيها قبر إلا بإذن مالك الأرض؛ لأنها في أصل الشرع ملكٌ لأهلها، فلا يجوز لأحدٍ أن يقبر فيها أحداً بدون إذن أهلها، ولذلك لو قبر الإنسان في أرضٍ يملكها الغير وشرع للغير أن يطالب أهله بإخراجه فإنه يحرم عليه ذلك لمكان الغصب كما يقول العلماء، وفي حكم هذا أن يقبر في مسجد، فإن المسجد لا يملكه أحد؛ لأنه لله عز وجل، ولا يجوز أن يقبر أحد فيه حتى ولو كان صاحب المسجد؛ لأنه لما أوقفه للصلاة فيه فقد خرج عن ملكه، ولذلك من أوقف مسجداً فليس من حقه أن يملك هذا المسجد أو يبيع شيئاً منه؛ لأنه خرج عن ملكيته.
ومن هنا لا يجوز أن يدفن فيه، مع أن الأصل الشرعي يقتضي حرمة أن تتخذ القبور مساجد، أو يكون القبر في مسجد، وهذا مجمعٌ عليه بين العلماء وهو من كبائر الذنوب كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها في قصة الكنائس التي كانت في الحبشة، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يفعله النصارى بعظمائهم من البناء على قبورهم.
(85/10)
________________________________________
كيفية إدخال الميت القبر
قال المصنف رحمه الله: [ويقول مُدخِلهُ: باسم الله وعلى ملة رسول الله].
السنة المحفوظة أن يسل الميت، بمعنى: أنه ينزل إلى القبر من رأسه.
فالمكان الذي فيه الميت إن كان لحداً أو شقاً فإنه يُسَل، فيدخل من عند رجل القبر إلى أن يصل إلى موضع الرأس، فينزل شيئاً فشيئاً، على هذا يكون أول ما ينزل أعلاه -لشرف الأعلى- ثم بعد ذلك أسفله.
ولا يدلى: بمعنى أن تُنزل رجلاه قبل رأسه؛ فيجعل السرير أو النعش عن يسار القبر، ثم بعد ذلك يدلى.
وهناك وجهٌ آخر: وهو أن يجعل السرير في القبلة، ثم ينقل بعد ذلك إلى داخل القبر، وكلاهما جائز، فيأخذه اثنان من النعش ويناولان من بداخل القبر، فهذه صورة ثانية؛ لكن الأفضل السلّ، وهو الذي وردت به السنة.
فإذا أراد أن يضعه يقول مُدخله: (باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص؛ لأنه لفظ مخصوص في موضع مخصوص، لا تشرع الزيادة فيه ولا النقصان منه.
اسم الله بركة، وهو فاتحة الخير، ولذلك قال تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن:78] وهو أدعى لرحمة الله بالعبد، ومعنى: (باسم الله وبالله) أي: مستعينين بالله، فالباء للاستعانة.
قال بعض الفقهاء: التقدير: باسم الله أنزلك، وعلى ملة رسول الله أخلفك، ونحو ذلك من التأويلات، وهذا كله لم يرد به وجه صحيح، لكنه ذكرٌ مخصوص مناسبٌ للمقام؛ أي أن الإنسان قد وضعه على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أفضل الملل وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، والملة التي لا يقبل الله ملة دونها ولا غيرها، وهي ملة الإسلام، وهي الحنيفية التي لا نجاة للعبد إلا بها.
(85/11)
________________________________________
كيفية وضع الميت داخل القبر وحال الناس من حوله
قال المصنف رحمه الله: [ويضعه في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة].
قبل أن ينزله في القبر يكون هناك على الأقل شخصان، وهذا أرفق بالميت: أحدهما يكون عند رجليه، والثاني عند رأسه.
والسنة أن يوسع من جهة الرأس ومن جهة الرجلين، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بتوسيعه، فلا يكون اللحد ضيقاً بمقدار ما يسع جسد الإنسان، بل الأفضل أن يوسع الحفر في جانب القبر من جهة الرأس ومن جهة الرجلين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك.
ثم يوضع على شقه الأيمن مستقبل القبلة، ففي الحديث الصحيح عن البراء: (إذا أويت إلى مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: باسم الله ... ) الحديث.
قالوا: والنوم هو الميتة الصغرى، وأما استقبال القبلة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) فهذا يدل على أن السنة أن يوضع الميت مستقبل القبلة، وهذا بالنسبة لمن مات من أهل الإسلام.
وأما بالنسبة للكافر فإنه يوضع على حاله، إلا إذا كانت المرأة كافرة وفي بطنها جنين، فإنها توضع على شقها الأيسر؛ حتى يكون جنينها إلى القبلة، على القول بأن أولاد الكفار على الفطرة، وحينئذٍ يكون جنينها في هذه الصورة على شقه الأيمن مستقبلاً القبلة؛ لأن الجنين يستقبل ظهر أمه.
وأما غير ذلك من أحوال الكفار فإنهم يوارون، ولا يقبرون على الصفة التي شرف الله بها أهل الإسلام.
وإذا فرغ من وضعه في قبره فإنه ينصب اللبن عليه كما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن ينتهي من نصب اللبن يمكن الناس من دفنه وإهالة التراب عليه.
وينبغي للإنسان في هذه الحالة أن يكون أقرب إلى الاعتبار والاتعاظ، فإن بعض العلماء رحمهم الله يقول: إن ورود القيراطين على الصلاة وشهود الدفن كائن لما فيه من المصالح العظيمة من التذكير بالآخرة، وذلك لأن شهود الدفن يذكر الإنسان بحاله، ويدعوه إلى الاتعاظ والاعتبار بغيره، فإذا وضع الميت في قبره فالأفضل للإنسان أن يكون قريباً من القبر، على خلاف ما ألفه بعض الناس من البعد عن القبر.
الأفضل الاقتراب من القبر، لقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن شهدها)، و (شهد) بمعنى: حضر.
والأفضل أن ينظر إلى حال المقبور؛ لأنه أدعى لشفقتك عليه وترحمك عليه؛ فإن الإنسان إذا نظر إلى أخيه المسلم وهو يدلى في القبر، ونظر إلى قرابته كأبنائه وإخوانه وعشيرته، وما عليهم من الحزن وأمارات التفجع والتوجع؛ دعاه ذلك إلى أن يستغفر له وأن يترحم عليه؛ وتأثر تأثراً بليغاً حتى لربما تذكر أولاده من بعده وقرابته إذا نزل به مثل ما نزل بأخيه.
فكونه يكون بعيداً عن القبر يفوت هذه المصالح العظيمة.
وأما ما ورد من حديث البراء من كونهم تحلقوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا ليس فيه أنه دفن؛ لأنهم كانوا يحفرون القبر، وفرقٌ بين حفر القبر وبين التدلية للقبر.
ومن كان قريباً من القبر، ناظراً إلى حال الميت متفكراً معتبراً، فإنه يكون أكثر حضوراً للقلب، وأكثر خشوعاً وأكثر تأثراً، وأكثر دعاءً واستغفاراً للميت وترحماً عليه.
والعكس بالعكس: فإنه إذا ابتعد عن القبر ربما جاءه إنسان من أهل الدنيا، وشغله بفضول الأحاديث، ولربما تكلم في شيء من الدنيا يخرجه عن المقصود من شهوده للجنازة، وعلى هذا فإن الأفضل والأكمل أن يكون الإنسان مطلعاً على القبر قريباً من القبر، ولو أدى ذلك إلى زحام لا ضرر فيه، بل حتى ولو كان فيه ضرر على الإنسان فإنه يصبر؛ لأنه باب المزاحمة على الخير، وهي مشروعة، أي: كون الإنسان يزاحم ولا يؤذي غيره ولكن غيره يؤذيه، فإنك إذا لم تؤذ أحداً وتضررت بالزحام أجرت؛ ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنه، يقف عند الحجر ولا يجاوزه حتى يقبله، ولربما يضرب من الناس ويرعف ثلاث مرات كما ورد في الروايات عنه رضي الله عنه.
ولا شك أن الإنسان كلما أوذي في الطاعة كلما كان أعظم أجراً، وكان السلف الصالح رحمهم الله يحبون مثل هذه المقامات التي يستوي فيها رفعاء الناس ووضعاؤهم.
أثر عن عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه دنا إلى بئرٍ يريد أن يستقي، فقال له أصحابه: هلا كفيناك؟ فامتنع رضي الله عنه، فلما دخل في الزحام لكز وأوذي وضر في جسده وفي ثيابه، فلما خرج قيل له: ألم نقل لك: نكفيك هذا الأمر؟ قال: هكذا طاب لي العيش، دخلت وأنا ابن المبارك، وخرجت وأنا ابن المبارك.
فالإنسان إذا دخل بين الناس وشعر أنه كواحدٍ منهم، وتأذى في الطاعة أو في الخير، فإن الله يؤجره.
فإن رؤيتك لهذه الحال صلاح لك في دينك وأجرٌ لك في آخرتك، ولقد قصر البعض، خاصةً من طلاب العلم في مثل هذه المواقف، ولربما تجد بعض العوام في بعض المواقف أبلغ تأثراً من طلاب العلم، فإنك تجد من العوام من يبكي على القبر ويتأثر برؤية هذه المشاهد، ولكن ربما تجد طالب العلم بعيداً عنها، وربما يقف بمنأى عن القبر، وينتظر حتى يفرغ الناس، ثم يأتي ويحثو الحثوات دون أن يتعظ ويرى هذه المشاهد المؤثرة، والإنسان الذي يشهد هذه المواقف ولا يتأثر بها؛ فلأنه لم يجد من نفسه ما يدل على صدق رغبته في التأثر، ولو هيأ نفسه لذلك فخرج وهو يشعر أنه كواحد من المسلمين ودخل في حطمة الناس، فإنه سيشعر أنه كواحد من عوامهم ولو كان عالماً.
وإنك لتعجب عندما يطوف الناس وتسمع عوام الناس يبكون ويخشعون في طوافهم، حتى إن الإنسان في بعض الأحيان يبكي على نفسه في علمه عندما يجد في عوام الناس من الخشوع في العبادات ما لا يجده من خاصة طلاب العلم، ولكن نسأل الله برحمته الواسعة أن يرحم قلوبنا من قسوتها وغفلتها، وأن يجيرنا من هذا البلاء العظيم.
فإن الإنسان إذا حرم التأثر بالطاعة فقد حرم خيرتها وبركتها، فإن أفضل ما يكون في الطاعة أن تتأثر بها، وأعظم الناس أجراً في شهود الجنائز من رجع منكسر القلب خاشعاً، وقد أثر فيه المشهد والمنظر كأن ذلك الميت قريبه، وتجد بعض الناس من كمال خشوعه أبلغ تأثراً من أهل الميت؛ وذلك لأنه لا ينظر إلى فقد هذا الميت ولكن ينظر إلى فقده وحاله الذي نزل به.
فينبغي لطالب العلم أن يهيأ نفسه إذا شهد الجنائز أن يكون في منظره وسلوكه ودله وحاله ما يدل على صدق تأثره بما يرى؛ حتى يكون علمه مترجماً بالعمل، فإذا رآه العامي أحس بأثر العلم في عمله، وأثر العلم في عبادته، ولا ينبغي له أن يكون في بعدٍ عن الأسباب التي تهيئ من خشوع القلب وفي مثل هذه المواضع التي كلما كان الإنسان فيها خاشعاً كلما كان أعظم أجراً، وكان أدعى لقبول سعيه في طاعته لله عز وجل.
فإذا قبر الميت وأهيل عليه التراب؛ فإن السنة أن يهيل من حضر عليه التراب، والسنة أن يحثُو عليه ثلاث حثيات إذا لم يشارك في دفنه؛ والأفضل أن تشارك في دفنه؛ وجميل من طالب العلم أو من العالم إذا ساوى عوام الناس وأخذ بالآلة ودفن معهم، خاصةً إذا كان المدفون من أهل العلم والفضل، أو من له حقٌ عليك كقريبك؛ فإن مثل هذه المواقف تدل على التواضع، وتدل على البساطة والبعد عن العلو، وتدل على الحرص على الخير؛ فإن الناس إذا رأوا طالب العلم يدعوهم إلى الخير، ورأوه في هذه المواقف يشارك الناس في حصول الخير وينافسهم ويحرص عليه؛ فإن ذلك أدعى لقبول دعوته وحبه والتأثر به.
وقد يكون داعياً بفعله دون أن يتكلم، وهذه هي الدعوة الصادقة التي يجمع الله للإنسان فيها بين دعوة الكلام والفعل.
ومن فعل ذلك أجر مرتين: الأجر الأول: على الطاعة والفعل.
والثاني: على تأثر الناس واقتدائهم به في ذلك؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل فعلاً، اقتتل الصحابة على ذلك الفعل من تأثرهم به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يدل على أنه ينبغي للداعية أن يكون قدوة.
أما لو كان الإنسان عالماً وشغل بسؤال الناس، أو رأى أنه لو جلس فإنه يتأثر بالنظر وبحال الناس وهم يهيلون التراب عليه، وأنه أبلغ، أو كان به مرض يخشى أن يتضرر لو اقترب من الغبار، فهذا شيءٌ آخر، لكن انوِ في قلبك أنه لولا هذا البلاء لكنت مشاركاً لهم؛ حتى يبلغك الله منزلتهم؛ فإن الإنسان ربما يدخل الجنة بحسنةٍ واحدة؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [المؤمنون:102] فلربما استوت حسنات الإنسان وسيئاته بسبب مظالم الناس، فأخذ من حسناته حتى تستوي الحسنات والسيئات، فتأتي حسنة واحدة وربما هو التراب الذي تهيله على الميت فتنجيك من النار؛ ولذلك كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يبحثون عن رحمة الله في كل عملٍ صالح، من قول أو فعل، ظاهر أو خفي، فإن فاته الفعل نواه بقلبه، فإن الإنسان لا يدري لعل الله أن يجعل نجاته في حسنة، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً مر على غصن شوك فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين.
فزحزحه؛ فزحزحه الله به عن نار جهنم).
نقول هذا لأن مثل هذه المواقف مهمة جداً، خاصة لطلاب العلم، وفيها تربية، فقد كنا نتأثر بعلمائنا ومشايخنا حينما نراهم مع عوام الناس، ونرى الرجل منهم يحضر جنازة العامي، ولقد رأينا من مشايخنا رحمة الله عليهم من يشهد جنازة الرجل الذي لا يؤبه به لفقره، أو ضعف نسبه، فتجد من الحزن والبكاء عليه كأنه واحدٌ من قرابته، وهذا لا شك أنه يدل على كمال الإيمان وصلاح القلوب.
فنسأل الله بعزته وجلاله أن يبلغنا ما بلغوه، وأن يزيدنا من فضله العظيم والله تعالى أعلم.
(85/12)
________________________________________
الأسئلة
(85/13)
________________________________________
عرض الأديان على الميت

السؤال
ما صحة القول بعرض الأديان على الميت، وهل يحصل هذا العرض لكل شخص أثابكم الله؟

الجواب
السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن فتنة القبر تكون بالسؤال: (من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟).
فعند أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب: (إن العبد المؤمن إذا احتضر نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يأتي ملك الموت ويقول: يا أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى رحمةٍ من الله ورضوان.
فتسيل روحه كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، فلا يدعونها معه طرفة عين حتى يضعونها في ذلك الكفن، فتخرج منها كأحسن نفحة مسكٍ وجدت على وجه الأرض؛ ثم يصعدون بها إلى السماء، فلا يمرون بنفرٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ قالوا: روح فلان بن فلان بأحب أسمائه إليه، حتى تنتهي إلى ما شاء الله أن تنتهي إليه، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ثم ردوه إلى الأرض فإني منها خلقته وفيها أعيده، ومنها أخرجه تارةً أخرى، فترجع روحه، فيأتيه ملكان فيقعدانه) ثم ذكر عليه الصلاة والسلام الفتنة، وقال: يسألانه عن ربه، ويسألانه عن دينه، ويسألانه: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً قال: هو عبد الله ورسوله، وشهد بالإيمان، وإن كان منافقاً قال: ها ها لا أدري -وفي رواية- فيقال له: لا دريت ولا تليت؛ لأن الإنسان ينال العلم بإحدى طريقتين: إما أن يدري لنفسه فيكون عالماً بالشيء، أو يتلو، فيتعلم، فقيل له: (لا دريت ولا تليت)، أي: ليس بك علم، لا بدراية ولا بتلاوة.
قال: (ثم يضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة فيسمعه جميع خلق الله إلا الجن والإنس، ولو سمعوه لصعقوا)، أي: ماتوا من ساعتهم، وهذه هي الفتنة التي تكون في السؤال، وهي الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.
(85/14)
________________________________________
حكم التلقين على القبر

السؤال
ما حكم التلقين على القبر أثابكم الله؟

الجواب
تلقين الميت بعد قبره، فيه حديث معاذ رضي الله عنه: (إذا وضع أن يقوم على قبره الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة: اذكر ما كنت عليه في الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ نبياً، فيقول الملك: ما لك في رجلٍ يلقن حجته من حاجة، فيقومان عنه) وهذا الحديث ضعيف، وهو معارض لما هو أصح منه، فإن حديث البراء بن عازب ذكر المؤمن، ولا شك أن الله لا يظلم عبده، فإن المحسن سيجيب والمسيء لا يجيب ولو لقنه من في الأرض جميعاً، فمن مات على التوحيد والإيمان فإن الله هو الذي يثبته وهو الذي يلقنه، كما قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27].
ثبت في تفسيرها كما جاء في حديث البراء أنه قول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمدٌ صلى الله عليه وسلم، عند جوابه بهذه الأجوبة الثلاثة، فهذا من تثبيت الله؛ لأنه إذا رأى الملكين فزع، وهاله المطلع في مكانٍ لم يعهده ولم يألفه، وهي أول ساعةٍ وأول منظرٍ يراه؛ فيكون من أشد الهول على العبد، وهي أول منازل الآخرة التي يفزع فيها العبد، فإن كان مؤمناً ثبت الله قلبه، وذلك على قدر ما فيه من الإيمان والخير؛ فإن كان على كمالٍ من الإيمان وكمالٍ من الصلاح فإن الله سبحانه وتعالى يثبته تثبيتاً كاملاً، ولا يخذله، والله عز وجل يوفق عبده ولا يظلمه.
فلا داعي أن يلقن الإنسان، فإن الله عز وجل سيلقنه حجته، ويبين له سبيله ومحجته؛ فإن الله سبحانه وتعالى لطيفٌ بأوليائه المؤمنين: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس:62 - 64].
فالإنسان الذي يموت على الإيمان لا يضيعه الله عز وجل، والله تعالى يقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:223] فالمؤمن لا حاجة له إلى أن يُلقن.
ولذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لقن ميتاً؛ فيقتصر على هذا الوارد، وهو السنة المحفوظة.
وأما حديث معاذ فضعيف كما تكلم العلماء رحمة الله عليهم على سنده وبينوا ضعفه والله تعالى أعلم.
(85/15)
________________________________________
حكم قول الحاضرين عند إنزال الميت: باسم الله وعلى ملة رسول الله

السؤال
هل يقول الحاضرون أيضاً مع مدخل الميت: (باسم الله وعلى ملة رسول الله)؟

الجواب
المحفوظ أن يقوله من يدخله ومن يضعه في قبره، أما بالنسبة للحاضرين الذين يشهدونه فإنهم يسكتون، ويقتصرون على الدعاء له والترحم عليه، وسؤال الله التثبيت، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد دفن الميت: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) ولذلك كان الأفضل والأكمل بعد دفن الميت ومواراته أن يقتصر على سؤال الثبات في تلك اللحظة التي تلي الدفن، ويقتصر على سؤال الله له الثبات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)، فيستغفر له لأنه يبتلى بذنوبه، فإذا غفرت ذنوبه أمن من البلاء في قبره، وقوله: (واسألوا له التثبيت) من دعاء المناسبة.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ووجهه الكريم؛ أن يجعل أسعد اللحظات وأعزها لحظة الوقوف بين يديه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(85/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - أحكام القبور وأحكام أهل الميت
إن كثرة البدع التي تشاهد في المقابر، ومخالفة السنن والآثار في تلك المواطن تحتم معرفة أحكام القبور على الخاصة والعامة، ومن تلك الأحكام: حكم رفع القبر من الأرض، وحكم تجصيصه والبناء والكتابة والجلوس والاتكاء والوطء عليه، وحكم دفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد، وحكم قراءة القرآن عند الدفن، وحكم إهداء الثواب للميت، وحكم صنع الطعام من أهل الميت أو لأهل الميت.
(86/1)
________________________________________
الأمور المنهي عن فعلها بالقبر
(86/2)
________________________________________
حكم رفع القبر قدر شبر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف عليه رحمة الله: [ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً].
ذكر المصنف رحمه الله الأحكام المتعلقة بدفن الميت؛ ثم شرع في بيان ما ينبغي أن يُفعل بظاهر القبر، فبين رحمه الله بهذه الجملة أن القبر يرفع شبراً، بمعنى: أن القبور لا ينبغي أن تكون مستوية بالأرض؛ لأن استواءها بالأرض يوجب الجهل بها، وعدم الرعاية لحرمتها، فكلما كانت معروفةً بينة كان ذلك أدعى لحفظها بعدم الوطء والجلوس عليها والصلاة إليها، وأما إذا كانت مستويةً بالأرض فالأمر على خلاف ذلك.
وقوله: (شبراً): الشبر: من أعلى الإبهام إلى أعلى الخنصر، فهذا القدر يوصف في لغة العرب بكونه شبراً كما ذكر صاحب اللسان.
وقد يطلق (الشبر) بمعنى العطية والهِبة، ومنه: تسمى المرأة الكريمة (مشبورة).
وقوله: (يرفع شبراً) مأخوذٌ من السنة؛ لأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم كان مرتفعاً عن الأرض، فلم يكن لاصقاً بالأرض ولا مبالغاً في رفعه؛ بل كان مرفوعاً قدر شبر كما ورد في بعض الروايات، وهذا القدر هو المأذون به: وهو ما يقارب الشبر؛ يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً؛ لأنه تتحقق به الحاجة من العلم بالقبر، فلا يصلى ولا يجلس ولا يوطأ عليه، وغير ذلك من الأحكام التي ذكرناها.
ومما يدل على مشروعية رفع القبر: ما ثبت في الصحيح من حديث علي رضي الله عنه: أنه قال لـ أبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع صورةً إلا طمستها، ولا تمثالاً إلا كسرته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) فدل هذا الحديث على أن السنة: ألا يترك القبر مشرفاً، وهو: أن يبالغ في رفعه على الأرض، وكذلك أيضاً لا يترك مستوياً بالأرض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص الإزالة بالمشرف، فدل على أن القبر غير المشرف، وهو الذي ارتفع ارتفاعاً معقولاً دون أن يكون فيه مبالغة؛ يترك على حاله.
وكذلك ورد في صحيح البخاري عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم حينما كُشِف لبعض التابعين رحمهم الله، أنه كان مرتفعاً عن الأرض، لهذا كله نص العلماء على أن السنة في القبور أن ترفع عن الأرض، وذكروا هذا القدر -قدر شبر- كما ورد في بعض الروايات في قبره صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: (مسنماً) تسنيم الشيء رفعه، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين:27 - 28] فقوله: (من تسنيم) قيل: إنها عين تأتي من أعلى الجنة، فلا يتكلف الإنسان في طلبها فأنهار الجنة تكون حاضرة للإنسان حتى إنها تصب عليه من علوٍ، فإذا اشتهاها وأرادها كانت أقرب ما تكون إليه، وهذا على أحد الأقوال في تفسيرها.
وسنم الشيء إذا رفعه وأعلاه، وقوله: (مسنماً) أي: غير مسطح، وقد عرف أهل اللغة كما ذكر الإمام ابن منظور رحمه الله في لسان العرب: أن التسنيم ضد التسطيح، وكأنه رفع القبر، وذلك يكون باجتماع طرفيه، وقد ورد ذلك في حديث التمار بن التمار، كما أشار إليه البخاري رحمه الله في صحيحه: أنه لما كُشِفَ له عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم رآه مسنماً، ورأى قبر صاحبيه على هذه الصفة، ثلاثة قبور غير لاصقة بالأرض ولا مرتفعة، وهي مسنمة، وهذه هي السنة: أن يكون القبر مسنماً خلافاً لمن قال من العلماء: إن السنة أن يكون مسطحاً.
فالتسنيم اجتماع الطرفين كسنام البعير.
(86/3)
________________________________________
حكم تجصيص القبر
قال المصنف رحمه الله: [ويكره تجصيصه].
الكراهة تطلق عند العلماء على معنيين: الكراهة التحريمية، بمعنى: أنه لا يجوز فعل الشيء المكروه، ومن فعله أثم، ومن تركه أثيب.
والكراهة التنزيهية، وهي التي يثاب تاركها ولا يعاقب فاعلها.
فقوله: (ويكره) مترددٌ بين كراهة التحريم وكراهة التنزيه، والأكثر في تعبيرات السلف الصالح رحمةُ الله عليهم حمل الكراهة على التحريم، فقد تجد الأئمة كالإمام أحمد ومالك رحمة الله على الجميع يقول: هذا شيءٌ أكرهه، ومراده: أنه حرام، وإنما اتقى ويتقي كل منهم التعبير بالحرمة ورعاً وخوفاً من الله سبحانه وتعالى من التصريح بالحرمة، فيقول: أكرهه، فعبر رحمه الله بكراهية البناء على القبر، والكراهة تحريمية.
وقوله: (ويكره تجصيصه) أي: تجصيص القبر، وهو وضع الجص فيه، وذلك يكون ببناء داخله، وهكذا يكون بتزويقه وتجميله ووضع الرخام ونحو ذلك في داخل القبر، فكل ذلك مكروهٌ كراهة تحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبر كما ثبت في حديث جابر وغيره، وهذا النهي الأصل أنه للتحريم حتى يدل الدليل على ما دون التحريم وهو الكراهة، ولا دليل يدل على أنه مكروهٌ كراهة تنزيه، فهو مكروهٌ كراهةً تحريمية.
وعلى هذا: فإنه يعتبر من المحرمات، فلا يجوز تزويق القبور ولا تبطين داخلها ولا تطيينه ولا تجصيصه، وإنما يكون على حال الأرض وعلى هيئتها؛ إلا في أحوال مستثناة يشد فيها القبر كما في المواضع التي فيها الرمال ونحوها، فقد رخص بأشياء قدر الحاجة والضرورة على سبيل أن يثبت القبر على المقبور فلا ينهدم عليه، وليس على سبيل البناء.
فقوله: (ويكره تجصيصه) شرع رحمه الله في الأمور التي لا يجوز فعلها بالقبر، فبعد أن بين ما هي السنة في القبر، وأنه يرفع ولا يترك مستوياً على الأرض، وأنه يسنم، فابتدأ بالتجصيص الذي يكون من الداخل، ثم سيذكر ما بعد ذلك من البناء والكتابة عليه، وهي تكون في الظاهر، وكل ذلك من ترتيب الأفكار وتتابعها على النسق المعروف، وابتدأ بالتجصيص؛ لأنه أول ما يكون بعد وضع الميت.
(86/4)
________________________________________
حكم البناء على القبور
قال المصنف رحمه الله: [والبناء عليه]: أي: أن البناء على القبر محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء على القبور، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه عتب على اليهود والنصارى بناء الكنائس على العبد الصالح إذا مات منهم، وقال: (أولئك شرار الخلق) فعدهم من شرار الخلق، والسبب في هذا: أن أعظم الأمور وأجلها عند الله سبحانه وتعالى، والتي أنزل من أجلها كتبه وأرسل رسله، هي التوحيد وإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى.
والبناء على القبور مفضٍ إلى التعظيم، وإلى الاعتقاد فيها والتعلق بأهلها وأصحابها؛ ولذلك كان البناء من كبائر الذنوب المحرمة التي لا يجوز فعلها، ولا شك أن الحي أولى بالبناء من الميت؛ أما الميت فعمران داره بالعمل الصالح، وبما يكون منه من الخير وما قدم لآخرته، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، أما البناء فإنه لا ينفعه بشيء.
ولذلك لما افتتن الناس بالبناء على القبور حصلت الأمور المحظورة، فكان الأولون يبنون، ثم خلف من بعدهم خلوف اعتقدوا تعظيم القبور، ثم خلف من بعدهم خلوف طافوا بها واستغاثوا بأهلها واستجاروا بهم، حتى صرفوا ما لله لعباد الله، وكل ذلك من أعظم الأمور وأشدها؛ لأنه يمس عقيدة الإنسان وإيمانه بالله سبحانه وتعالى، ويفضي إلى الشرك بالله عز وجل.
وقد أجمع العلماء والفقهاء رحمهم الله على اختلاف مذاهبهم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية على تحريم البناء على القبور، وأن هذا الفعل من كبائر الذنوب، وأنه لا يترك البناء على القبر لما فيه من فتنة الحي وصرفه إلى تعظيم المقبور، وهذا كما هو محل إجماعٍ بين العلماء رحمة الله عليهم، فالنص أيضاً ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم البناء على القبر.
(86/5)
________________________________________
حكم الكتابة على القبور
قال المصنف رحمه الله: [والكتابة]: أي: والكتابة على القبر، فقد ورد في الترمذي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكتابة على القبر)، والكتابة على القبر نوعٌ من الإعلان، والكتابة تأتي على صور: الصورة الأولى: الكتابة على القبر من باب المدح والثناء كما كان يفعله أهل الجاهلية، فيكتبون على قبور بعضهم بما فيه ثناء على صاحب القبر، وقد يكون ذماً له وتوبيخاً له، وقد تكون فيها شماتة، كأن يكتب أبياتاً على عظيمٍ لكي يشمت به بعد موته، وهذه الأحوال كلها محرمة؛ لأنه لا مصلحة في هذه الكتابة، بل الشماتة بالميت معتبرة، وكذلك مدحه لا يفيده، ولربما ضر كما في حديث الصحابي لما نُدِب، فلا خير في كتابتها مدحاً ولا ذماً.
الصورة الثانية: الكتابة للإعلام وهي: أن يكتب اسم الشخص، وللعلماء فيها وجهان: من أهل العلم من يرى أن عموم النهي يشملها، وأنه لا يجوز كتابة اسم المقبور على قبره، وأنه يترك كسائر الخلق، حتى يكون ذلك أدعى للاتعاظ والاعتبار، وإذا زار الإنسان قريبه سلم عليه؛ فإن السلام يبلغه، فليس ثم حاجة لتخصيصه بالإعلام.
ورخص بعض أهل العلم رحمهم الله في الكتابة فقالوا: إن المنهي عنه إنما هو الكتابة من أجل الذم والمدح، فخصصوا النهي ولا مخصص، وإنما خصصوه بما عرف في عادة الجاهلية.
والذي يظهر أن المنع مطلقاً أولى، وأنه لا يشرع الكتابة على القبر لا إعلاماً ولا ندباً ولا مدحاً ولا ذماً، وإنما يفعل كما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالخلفاء الراشدين من بعده، فتترك القبور دون حاجة إلى ذكر الأسماء أو الإعلام بعلامات.
الصورة الثانية: وضع علامة يتميز بها القبر لكي يزور الإنسان قريبة أو يدفن الأقارب بجانب هذا الميت، وقد ورد ما يدل على ذلك في حديث عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبره أمر بحجرٍ عليه حتى يُعلّم، قال: فأدفن إليه أهل بيته أو قرابته.
قال العلماء: في هذا دليل على مشروعية تعليم القبر للحاجة، حتى يدفن إليه القرابة، وفرقٌ بين التعليم وبين الكتابة، فالكتابة شيءٌ والتعليم شيءٌ آخر، ولا شك أن الكتابة فيها نوع من الإجلال والتمييز لهذا القبر عن بقية القبور، أما وضع العلامة التي لا تكلف فيها، فإنه لا حرج فيها إذا كانت على السنة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: حتى يدفن الإنسان إليه قرابته، كأن يكون والداً له أو ولداً، ويريد أن يدفن إليه قرابة فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك وفعله، فدل على أنه لا حرج أن يدفن الإنسان عنده قرابته بأن يضع علامةً على قبره.
ومن هنا قالوا: حديث عثمان رضي الله عنه فيه دليلٌ على مسائل: المسألة الأولى: فضيلة عثمان وما له من منقبة؛ حيث خصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الفضيلة إذ أضاف إليه قبر قرابته.
والمسألة الثانية: أن فيه دليلاً على مشروعية إعلام القبر، وهي أن تضع علامةً عليه دون أن تكون شاخصةً بينة تصل إلى الحد الممنوع؛ بل تكون علامة واضحة بقدر، كالحجر الذي يوضع على رأس الرجل من باب الإعلام.
والمسألة الثالثة: مشروعية الدفن بجوار الخير والصالح، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على ورود السنة به؛ فإن أبا بكر طلب أن يدفن إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر طلب أن يدفن إلى جوار صاحبيه، ومن هنا نص بعض العلماء على استحباب أن يكون الإنسان مقبوراً إلى جوار العلماء ونحوهم ممن عرف بالفضل والتمسك بالسنة والاستقامة على الطاعة، وهذا عُرِفَ من حال السلف رحمة الله عليهم، ونص شيخ الإسلام رحمةُ الله عليه على أنه درج على ذلك فعل السلف رحمهم الله، دون غلو ودون أن يعتقد أنهم ينفعوه أو يكون هناك غلو في الاعتقاد فيهم؛ وإنما يفعل هذا تأسياً بـ عمر؛ لأن عمر استأذن عائشة رضي الله عنها أن يدفن إلى جوار صاحبيه؛ فإذا كان قصد الإنسان أن يصيب ذلك فإنه لا حرج فيه.
ولذلك قالوا: إنه لا حرج أن يطلب الدفن إلى جوار العالم ونحو ذلك ممن عُرِف بالتمسك بالسنة، وهكذا الشهداء من كانت خاتمته على الشهادة.
وهكذا الأرض المقدسة التي لها فضل؛ ولذلك ثبت في صحيح البخاري أن موسى عليه السلام سأل الله أن يقربه إلى الأرض المقدسة؛ لأن القرب من الأرض المفضلة أولى من البعد منها، والدفن في المواضع المفضلة كبقيع الغرقد ونحوه من الأرض التي شُهِدَ بفضلها أولى من الدفن بغيرها، وهذا بالإجماع؛ فإن الدفن في البقيع أفضل لورود النصوص في تفضيله على غيره.
وأما بالنسبة لضم القرابة بعضهم إلى بعض: فحديث عثمان واضح في الدلالة على هذا؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: (حتى أدفن إليه قرابتي).
(86/6)
________________________________________
حكم الجلوس على القبور
قال المصنف رحمه الله: [والجلوس].
أي: ويحرم الجلوس على القبر، وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (لأن يجلس الرجل على جمرة من نار فتحرق ثيابه وتخلص إلى جسده، أهون من أن يجلس على قبر) وقال: (لا تؤذه)، كما في حديث عامر بن حزم لما اتكأ على القبر، (فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن الاتكاء وقال: لا تؤذه) أي: لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك.
ومن هنا نص العلماء رحمهم الله على حرمة الجلوس على القبور، وحرمة الاتكاء عليها، وحرمة النوم عليها، وهذه من الحرمة التي تتعلق بالقبر، وألحقوا بذلك الامتهان: كالبول وقضاء الحاجة بين القبور، ووطئها بالنعال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (انزع يا ذا السبتيتين فقد آذيت)، وأما حديث: (إنه ليسمع قرع نعالهم) فهو إخبار، وقد كانت القبور على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليست محوطة ولا محسورة؛ ولذلك يسلكون الفجاج بعد دفنهم.
فقوله: (إنه ليسمع قرع نعالهم) فيه إشارة إلى السماع الخالي عن حكم القرع بالنعال على القبر، وفرقٌ بين الإشارة إلى حكم السماع وبين الحكم بجواز المشي بالنعال على القبور، فنهيه عليه الصلاة والسلام كما في السنن والمسند يدل على تحريم المشي على القبور بالنعال، إلا في أحوال مستثناه، ومن ذلك: أن يكون الحر شديداً يؤذي الإنسان، أو تكون الأرض فيها ضرر من شوك ونحو ذلك؛ يضطر الإنسان معه إلى لبس حذاءٍ ونحو ذلك، فلا حرج في هذه الحالة أن يلبس حذاءه، وأما ما عدا ذلك فإنه لا يشرع أن يمتهن القبر ولا أن يطأه بنعاله، وهذه من حرمة القبور وحرمة أهلها، فلا يشرع أن يسير بينها بالنعال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (انزع يا ذا السبتيتين فقد آذيت) فنص على وجوب نزع السبتية.
وقال بعض العلماء بتخصيص الحكم بالنعال السبتية التي لا شعر فيها، فيختص الحكم بهذا النوع من النعال.
والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه بوصفها، لا أن الحكم مختص بالسبتية، لقوله: (فقد آذيتَ)، فدل على أن العبرة بالمرور بالنعال بين القبور، لا أن الحكم متعلقٌ بنعلٍ مخصوص دون غيرهِ.
وعلى هذا فإنه يحرم المشي بالنعال على القبور، ووطؤها بالنعال أشد، وإنما ينصح بحمل نعاله معه أو خلعه قبل دخول المقبرة.
وأما الطرقات التي بين القبور: فإن كانت خالية من المقابر فيجوز أن يمشي بنعله فيها؛ لأن الحكم يختص بالقبور، وأما بالنسبة للتحريم فيختص في حالة ما إذا دخل بالجنازة بين القبور، أو أراد أن يقبرها بين قبرين، فإنه يشرع أن يخلع حذاءه قبل أن يدخل في هذا الموضع أو يمر عليه.
(86/7)
________________________________________
حكم وطء القبر والاتكاء عليه
قال المصنف رحمه الله: [والوطء عليه والاتكاء إليه].
أي: على القبر، وهذه من الأمور السمعية الغيبية، التي لا يستطيع الإنسان أن يعرف حكمتها وعلتها، فما على الله إلا الأمر، وما على رسولنا صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ، وما علينا إلا الرضا والتسليم، والله أعلم بحقيقة الأمر.
فقد يقول قائل: هذا ميتٌ مقبور، كيف يتضرر ويتأذى بالوطء على قبره؟ فهذا أمرٌ لا يبحث فيه بالعقل، فالعقل يقف عند حدٍ معين، والله سبحانه وتعالى لم يكشف لنا حقيقة هذه الأذية ولا كيفيتها ولا صفتها، فيتوقف المؤمن عند الحكم، ونقول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285] لا يزيد المؤمن على الامتثال؛ أما كيف يتأذى ويتضرر إذا وُطئ على قبره أو اتُكئَ عليه ونحو ذلك، فهذا أمرٌ لا يبحث فيه ولا يسأل عنه، وإنما يفوض علمه إلى الله علاّم الغيوب.
(86/8)
________________________________________
حكم دفن اثنين فأكثر في قبر واحد
قال المصنف رحمه الله: [ويحرم فيه دفن اثنين فأكثر إلا لضرورة].
أي: ويحرم في القبر دفن اثنين فأكثر إلا لضرورة؛ لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، وهدي السلف الصالح؛ مضت على قبر المقبور في قبره دون أن يدخل عليه أحد أو يُجمع معه أحد، وهذا هو الأصل؛ فيكون القبر للمقبور وحده دون أن يُجعل معه آخر، ولو كان قريباً له.
أما الضرورة فتقع في حالة الحروب والقتال، كما وقع في غزوة أحد، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قبر شهداء أحد الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، والسبب أنه كانت تفنى الأنفس في الحروب في القديم، ولربما وصل القتل في بعض الوقائع إلى مائة ألف، وفي هذه الحالة يصعب أن يحفر لكل شخصٍ قبر، ولربما جلسوا أياماً وهم لا يستطيعون أن يواروا هذه الأجساد، فيضطروا إلى جمع الاثنين والثلاثة في القبر، وحينئذٍ يشرع أن يوسع القبر من داخل؛ حتى يصلح لجمع هؤلاء ولا يضيق؛ بمعنى أن يُجعل القبر الذي للواحد للاثنين والذي للثلاثة للأربعة أو الخمسة، فإن للأموات حرمة، فيختص التوسيع بقدر الحاجة رفقاً بالأموات، فيجعل القبر للاثنين إذا وسعهما وللثلاثة إذا وسعهما، على حسب ما ذكرنا.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه جمع شهداء أحد رضي الله عنهم وأرضاهم الرجلين والثلاثة، وإذا جُعل الاثنان والثلاثة والأربعة في القبر فالسنة أن يبدأ بأحفظهم لكتاب الله عز وجل وأعلمهم، فيُجعل من جهة القبلة لشرف البداية وشرف الجهة، فيقدم على غيره، ويكون ظهره إلى غيره لا ظهر غيره إليه، فيشرّف لأن الله شرفه بالعلم، وهذا يدل على فضل العلم والعلماء، وأن الله سبحانه وتعالى يكرم أهل العلم حتى بعد موتهم؛ فقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه كان إذا أراد أن يقبر الشهداء يوم أحد سأل عن أكثرهم قرآناً فقدمه في اللحد).
وهذا كما يدل على فضيلة أهل العلم، فهو يدل على أنه ينبغي للناس أن يأتسوا بهذا، فإذا اجتمع القوم وفيهم من هو أحفظ لكتاب الله قدم وشرف بشرف العلم؛ حتى يكون ذلك أدعى لتعظيم شعائر الله عز وجل.
وكذلك الحافظ للسنة، فلو كان أحفظ لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره فإنه يقدم، وكذا إذا كان أعلم بالأحكام الشرعية، أو كان أكثر بلاءً وجهاداً ودعوةً وتضحيةً، أو كان رجلاً معروفاً بالكرم والجود والإحسان إلى الناس وستر عورات المسلمين ونحو ذلك من الفضل؛ لأن تقديمه يدعو غيره إلى التأسي والاقتداء به؛ ولأنه تعظيمٌ لشعيرة الله عز وجل من جهة كون ما تخلق به واتصف عملاً صالحاً فإذا قُدّم قدم من أجله، فكأننا نعظم العمل الصالح وما كان منه من خير، وهذا أدعى لدعوة الناس إلى الائتساء والاقتداء به، مع ما فيه من الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به.
وإذا كان يحرم أن يُجمع الاثنان في قبرٍ واحد، فذلك يأتي على صورتين: الأولى: إما أن يدخلهما معاً، أي: ندخل أحدهما ثم ندخل الآخر في نفس الوقت، فالحكم التحريم إلا من ضرورة وحاجة.
الثانية: أن تدخل الأول فتقبره اليوم، ثم بعد ساعة أو ساعتين أو ثلاث، أو يوم أو يومين أو ثلاثة، أو أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة، يؤتى ميت آخر فيفتح القبر الأول لدفنه فلا يجوز.
فالحكم يستوي فيه أن يدخلهما معاً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بشهداء أحد، فلا يجوز أن يجمع بين الاثنين على هذه الصورة، وكذلك فتحه ونبشه للقبر لكي يقبر ميتاً فيه.
وعلى هذا: لا يجوز إدخال ميتٍ على ميت، فلا يجوز إدخال الثاني على الأول، ولا الثالث على الثاني إلا بعد أن تبلى عظام المتقدم، وللعظام حُرمة، فما دام عظم الميت في القبر فإن الأرض موقوفة عليه مسدلة عليه محبوسة له، لا يجوز أن يقدم أحد على نقل عظامه ولا على إخراجها، إلا قبور المشركين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبورهم فنبشت، ثم بنى مسجده صلوات الله وسلامه عليه، كما في الصحيحين.
أما المسلم فلعظامه حرمة تدل على بقاء حرمة قبره، وحينئذٍ لا يجوز أن ينبش، ولا يجوز أن يدخل عليه غيره، ولا يجوز أن يبنى عليه وعظامه باقية، ولا يجوز أيضاً أن تتخذ الأرض مزرعة أو نحو ذلك ما دامت العظام ورمم الأموات باقية، فإنها دليل على تسبيل ذلك الموضع لهؤلاء الأموات، والميت أحق بقبره ما دام فيه، أي: ما دام ما يدل عليه باقٍ.
لكن لو استحال الميت تراباً وفنيت عظامه وبلي، فحينئذٍ قال بعض العلماء: تذهب الحرمة، فيجوز أن ينبش وأن يدفن غيره في مكانه، وعلى ذلك درج عمل السلف الصالح رحمة الله عليهم، كما في قبور البقيع، فإنها نبشت، ومضى على ذلك هدي الصحابة رضوان الله عليهم، ودفن فيها الجديد من الموتى بعد أن بلي القديم.
والنبش يشرع إذا بلي الميت أو غلب على الظن أن العظام بليت، ويستثنى من هذا أن يكون المكان ضيقاً كما في قبور مكة فإذا بقي شيءٌ قليل من العظام، فإنهم اغتفروها لمكان الضرورة؛ فقد نص بعض العلماء على استثنائها لصعوبة الحفر فيها وتعذر ذلك في الغالب.
وإذا كان الموضع يشق كالمواضع السهلة التي بها الطمي والطين أكثر، ويصعب فيها وجود القبور، ويتعذر وجودها إلا بندرة، قالوا: إذا فنيت وبقي شيءٌ من العظام تغتفر، ويجوز قبر الثاني مع وجود بقيةٍ من عظام الأول إذا كانت يسيرة.
أما والعظام باقية فالدليل يقتضي تحريم قبر الثاني على الأول وإدخاله عليه، وكذلك يحرم التصرف في هذا القبر بالبناء عليه أو الزارعة فيه أو نحو ذلك من التصرفات، وما فيه من التصرف فإنه لاغٍ، فلو أنه زرع على قبورٍ لا زالت باقية، أو غلب على ظننا بقاء الجثث فيها، فإن إحياءه باطل؛ لأنه إحياءٌ لمسبلٍ وموقوف وملك للغير، وإحياء المملوك للغير ليس بإحياء شرعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الصحيح: (من أحيا أرضاً ميتةً فهي له) فنص على كونها ميتة، فإذا كان فيها الميت فإنها ليست بميتة؛ لأنها قبر، وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم داراً، فقال: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين) فهي حية بوجود الأجساد فيها، وإن كانت ميتة في الظاهر، لكنها في حكم الدور وكأنها معمورة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف القبور بكونها دوراً.
قال: [ويجعل بين كل اثنين حاجزاً من تراب].
أي: فإذا وجدت الضرورة لقبر الاثنين، فيجعل بين كل اثنين حاجزاً؛ حتى يكون أشبه بالفصل، قالوا: درج على ذلك عمل السلف رحمة الله عليهم، فكأنه فصل الموضع الأول عن الموضع الثاني، وحينئذٍ كأنه تعدد القبر كما لو قبروا بجوار بعضهم مع وجود الحائل من التراب.
(86/9)
________________________________________
حكم القراءة على القبر
قال المصنف رحمه الله: [ولا تكره القراءة على القبر].
المراد بالقراءة: قراءة القرآن، وجمهور العلماء من السلف رحمة الله عليهم كالحنفية والمالكية والشافعية وطائفة من أصحاب الإمام أحمد -وهي الرواية الثانية عنه- على أنه لا تشرع القراءة على القبور؛ وأنها من الحدث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ على قبور أصحابه، ولا قرأ أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا من بعدهم من السلف الصالح من الأئمة ومن أُمرنا بالائتساء بهم، فحينئذٍ فإن هذا الفعل يعتبر من البدعة والحدث.
وجاءت رواية عند الإمام أحمد أنه رخص في ذلك، وفي ذلك ما يحكى عن ابن عمر رضي الله عنهما.
والصحيح مذهب الجمهور: أنه لا تشرع القراءة على القبر؛ فإن وقعت إجارةً كأن يستأجر مقرئاً يقرأ على القبر، فالإجماع قائم على المنع والتحريم، وإنما الخلاف في المحتسب، وهو الذي يقرأ على القبر تبرعاً، أما من استؤجر للقراءة فإن الإجماع منعقد على أنها إجارة باطلة، وفي ذلك حديث (يس)، أنه إذا قرئ على القبور (يس) أنه يخفف عنه ذلك اليوم، ويكون له من الحسنات والأجور على عدد الموتى، وهو حديثٌ ضعيف.
والصحيح الذي هو من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن السنة إذا قُبِر الميت أن يقام على قبره، وأن يدعى له؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما انتهى من دفن الميت: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) فدل على أن المشروع هو الدعاء، وهذا هو ظاهر التنزيل في قول الحق تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر:10] فدل على أن المشروع هو الدعاء، والدعاء أنفع وأصلح للميت والحي: أما للميت فلأنه رحمة جعلها الله للأموات عند الأحياء؛ ولما يكون بسبب هذا الدعاء من الخير له؛ فيفسح له في القبر وينور له فيه، خاصةًَ إذا كان الداعي مخلصاً لله عز وجل.
وفيه مصلحةٌ للحي؛ لأن الحي يكتب الله أجره بإحسانه لأخيه المسلم ودعائه وترحمه واستغفاره له؛ ولذلك وصف الله الأخيار بأنهم يترحمون على إخوانهم الأموات الذين سبقوهم بالإيمان، ومن حق المسلم على المسلم بعد موته أن يترحم عليه وأن يدعو له وأن يستغفر له.
أما بالنسبة للقراءة فقلنا: إن الصحيح أنها لا تشرع، لا تخصيصاً بسورةٍ معينة ولا تشرع عموماً، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتأمل لفعله صلوات الله وسلامه عليه وهديه يعلم علماً واضحاً بيناً أنه لا يشرع أن يقرأ على القبر؛ لأنه لو كان مشروعاً لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفعله من بعده من الخلفاء الذين أمرنا بالاستنان بسنتهم، فحيث لم يفعل ذلك لا من رسول صلى الله عليه وسلم ولا من الخلفاء الراشدين، فإنه يبقى على الحظر؛ لأن أمور العبادة توقيفية، ولا يجوز لأحدٍ أن يجتهد فيها ولو كان الأمر مستحسناً.
(86/10)
________________________________________
حكم إهداء ثواب القربات لميت أو لحي
قال المصنف رحمه الله: [وأيّ قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك].
القربة: ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، ويشمل ذلك الطاعات، سواء كانت قولية أو فعلية، ظاهرة أو باطنة، لأن العبد إذا فعلها فإنه يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا تقرب إلى الله سبحانه وتعالى أحبه ووفقه وسدده، وأحسن له العاقبة في الأمور.
فكلما كان العبد أقرب لله كلما كان أقرب لرحمة الله وعفوه وتيسيره ولطفه له في الدنيا والآخرة؛ ولذلك فالوصف بالقربة وصفٌ شرعي، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن الله تعالى: (ما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) فهذا يدل على أن العبد يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ويزداد قرباً من الله عز وجل على حسب ما يكون منه من الخير والطاعة والبر.
(86/11)
________________________________________
أقسام القربات في إهداء الثواب
فالقربات تنقسم إلى ثلاثة أقسام -قسمين يقبلان للانقسام إلى ثلاثة-: النوع الأول: القربة البدنية المحضة.
النوع الثاني: القربة المالية المحضة.
والنوع الثالث: القربة الجامعة بين البدن والمال.
فأما القربة البدنية المحضة: فكالصلوات وكقراءة القرآن وكالصيام.
وأما القربة المالية المحضة: فالصدقات، كأن يتصدق ذو مال على فقير أو معسر أو نحو ذلك، أو يذبح شاةً ينويها صدقة على أمواته، أو يضحي أضحية ينويها عن والده أو والدته، فهذه قربةٌ ماليةٌ محضة.
والقربة الجامعة بين البدن والمال: الحج والعمرة؛ فإن الذي يحج يجمع في حجه بين عبادة البدن وعبادة المال: أما عبادة البدن: فبفعل المناسك والشعائر.
وأما عبادة المال: فإنفاقه للوصول إلى هذهِ المناسك وبلوغ هذه المشاعر.
فأما ما كان من القرب البدنية المحضة فإن الجماهير على أنه لا يشرع فعل قربةٍ بدنيةٍ للميت إلا ما استثنى الشرع، فلا يجوز أن يصلي الحي عن الميت، ولا الحي عن الحي، ولا أحدٌ عن أحد؛ لأنها قربةٌ بدنية لا تصح إلا من المكلف نفسه، وعلى هذا فلو صلى عن والديه ما صلى فإنها لا تصح أن تكون قربة للغير.
وذهب إسحاق بن راهويه رحمه الله إلى القول بجواز أن يصلي الحي عن الميت، وينوي هذه الصلاة عن الميت سواء كانت فريضة أو نافلة، واحتج بدليلٍ دقيق وهو: مسألة الحج عن الميت، فإنه لما أنكر عليه: كيف تقول بجواز الصلاة عن الميت مع أنها قربة بدنية يكاد الإجماع يكون على منعها؟ قال: أرأيتم لو حج حيٌ عن ميت أيجوز ذلك؟ قالوا: نعم.
قال: أرأيتم لو طاف أيصلي؟ قالوا: نعم.
قال: أليست الصلاة عبادة بدنية؟ قالوا: بلى.
فكأنه يرى أن ركعتي الطواف لما أذن بها الشرع عن الميت، دل على مشروعية الصلاة عنه؛ لأنه سيصلي عنه ركعتي الطواف، وركعتي الطواف من العبادات البدنية.
والجواب عن هذا الدليل: بأن إجازة العبادة البدنية -أعني: ركعتي الطواف- جاء تبعاً ولم يأت أصلاً، وفرقٌ بين العبادة المقصودة وبين العبادة التبعية التي تقع تبعاً للشيء، ولهذا نظائر في الشرع، ولذلك يقولون: يجوز في التابع ما لا يجوز في الأصل، ألا ترى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع نخلة قد أُبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع)، فجعلها للمبتاع بالشرط، مع أنها بعد التأبير لم يبد صلاحها، وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه)، قالوا: ففي حديث ابن عمر: (من باع نخلة قد أبرت ... ) وقعت الثمرة تبعاً للأصول، فجاز الشيء تبعاً ولم يجز أصلاً، فالصلاة أصلاً لا تصح، لكنها تبعاً تصح، هذا مع وجود الخلاف فيما إذا صلى ركعتي الطواف، هل يقصدها على الميت أو يقصدها عن نفسه أصالةً ويكون ثوابها للميت.
فهذا حاصل ما ذُكر؛ والصحيح أن العبادة البدنية لا تصح عن الميت، إلا ما استثناه الشرع من صيام النذر، قالت: (يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية عنها؟ قالت: نعم.
قال: فدين الله أحق أن يقضى) فأجاز لها عليه الصلاة والسلام أن تفعل العبادة البدنية المحضة من الصيام عن أمها، وجعل ذلك بمثابة قضاء الدين، فدل على مشروعية فعل هذه العبادة البدنية عن الميت إذا مات ولم يفعلها.
وهل تلتحق بذلك الكفارات كصيام الكفارات وصيام رمضان أو لا يلتحق؟ وجهان للعلماء: منهم من خصه بما ورد به النص.
ومنهم من قال: النص على النذر معللٌ بعلةٍ نصية، وهي قوله: (أرأيت لو كان على أمك دينٌ) وهذه العلة النصية يستوي فيها سائر الواجبات، وهو الصحيح؛ أعني أن سائر الصيام الواجب يشرع لك أن تصومه عن الميت.
هذا بالنسبة لما استثناه الشرع: استثنى ركعتي الطواف تبعاً من العبادات البدنية، واستثنى صيام الفريضة في النذر ورمضان والكفارات ونحو ذلك، وأما صيام النافلة عن الميت فلا؛ لأن الأصل الحظر في العبادة البدنية.
وأما بالنسبة للعبادة المالية المحضة: فالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشروعية ذلك كما في الصحيح من حديث سعد، قال: (يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها وما أراها لو بقيت إلا أوصت)، والشيء الذي ينفلت زمامه من الإنسان لا يتداركه، بمعنى: أن الموت نزل بها قبل أن تدرك نفسها فتتصدق، وهذا أشبه بموت الفجأة، فموت الفجأة لا يستطيع الإنسان أن يتدارك فيه، قال: أفأتصدق عنها؟ فأذن له صلوات الله وسلامه عليه أن يتصدق عنها، فتصدق بحائطه المخراف، وكان من أفضل بساتينه رضي الله عنه وأرضاه؛ وذلك لأنه من البر؛ ولعظيم حق الأم، فدل على مشروعية الصدقة عن الميت.
وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وقال في أحدهما: اللهم هذا عن محمدٍ وآل محمد، وقال في الثاني: عمن لم يضح من أمة محمد) ومعلوم أن الذين لم يضحوا من أمة محمد فيهم أموات، منهم من مات قبل أن يضحي صلوات الله وسلامه عليه، كأصحابه الذين ماتوا من قبل، فوقعت هذه الأضحية عن الميت.
فدل هذا الحديث كما نص العلماء والمحققون على مشروعية التضحية عن الميت، ولا حرج أن يضحي الإنسان عن والده ووالدته، وأن يتقرب إلى الله عز وجل في ذلك اليوم المفضل بالأضحية، فيريق الدم قربةً إلى الله عز وجل وصدقةً عن أمواته بالتشريك والإفراد؛ بالتشريك كأن تقول: هذه عن والدي وعن والد والدي إلى المنتهى مثلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرك بين أمواتٍ عديدين، فقال: (عمن لم يضح من أمة محمد) صلى الله عليه وسلم.
وبالإفراد كأن يقول: هذه عن أبي، أو هذه عن أمي؛ فإنه إفراد.
فإن أوصى الميت فلا إشكال وتكون واجبة، وأما إذا لم يوص فإنه إذا أحب الإنسان أن يتنفل بالصدقة عنه فلا حرج، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه اشتكى إليه صحابي أن أمه ماتت، وأنه يريد أن يتصدق فقال: (نعم، وعليك بالماء) ففضل له الصدقة بالماء، كسقي الظمآن، لما في ري الظمآن من الأجر، كما في الحديث الصحيح: (أن امرأةً زانية من بغايا بني إسرائيل مرت على كلبٍ يأكل الثرى، فنزلت فملأت موقها وسقته، فشكر اللهُ لها) أي: أن الله عظم منها هذه الحسنة والرفق بهذا الحيوان الضعيف؛ فشكر الله لها هذا الفعل فغفر لها زناها وذنوبها.
وفي رواية: (فشكر اللهَ لها)، يعني: الكلب سأل الله أن يشكرها؛ لأنه لا يستطيع أن يوفي لها حسنةً أنقذته من الموت؛ فغفر الله لها ذنوبها، قالوا: فمن أفضل الأعمال سقي الظمآن، ففي ذلك إزالة لريه، فإطفاء حر الأكباد من شدة الظمأ والعطش، بحفر الآبار في البوادي والقرى والأماكن النائية التي يشق على أهلها جلب الماء إليهم؛ من أفضل القربات والطاعات، بل إن بعض العلماء قد يفضل هذا الأمر على بناء المسجد إذا كان إنقاذاً للأنفس، ويقولون: إن بهذا الأمر بقاء الصدقة والبر؛ لأنهم إذا شربوا تقووا على طاعة الله عز وجل، لأن البلاء بالعطش أعظم، فكان الرفق بعمل ما يدفعه أعظم في الأجر عند الله، فيفضلون مثل هذه القربات، فيقولون: لو تصدق عن الميت بماءٍ، كحفر بئرٍ وتسبيله فهو أعظم في المثوبة.
ولو برد الماء فيما يوجد في عصرنا هذا من البرادات ونحوها ففيه تفصيل: إن كان قد اشتراه وبرده، فهو مأجورٌ على الاثنين: على الماء بعينه، وعلى تبريده وإطفاء ما في الأكباد من حر الظمأ بهذا الماء البارد.
وأما إذا كان الماء من غيره، وهو قائم على تبريده، فيكون له أجر التبريد، وعين الماء المتصدق به لصاحبه الأصلي إن رضي بذلك.
هذا بالنسبة للصدقة بالأموال، ويشمل ذلك الذبح، وإطعام الجائع، وغير ذلك من القربات المالية المحضة، وكذلك التصدق بالمال، فلو أخذ عشرة أو مائةً فنوى في قلبه أنها صدقةً عن أبيه، فهذا من البر الذي يبقى بعد الموت؛ ولذلك شرعه النبي صلى الله عليه وسلم وأجازه حينما سأله الصحابي.
ومن هذا ما ورد النص فيه كالبساتين، فالتصدق بثمار البساتين يعتبر من القرب المالية المحضة؛ لأن البلح والرطب والتمر يعتبر مالاً، ومن هنا يقولون: لا حرج أن يتصدق بالأموال سواءً كانت عينية أو كانت أطعمة أو كانت أسقية.
وهكذا الكساء، فلو أنه جلب كساء لبردٍ أو حرٍ فجعله ليتيم أو أرملةٍ أو نحو ذلك، ونواه صدقةً عن ميته، فهذا من القربات، حتى ولو زاد عن حاجة الإنسان، كأن تكون عند الإنسان ثيابٌ فاضلة يتصدق بها عن أمواته؛ فإنها من الحسنات، وهي من البر، كأن ينويها عن أبيه أو عن أمه؛ لأن النص ورد بإجازة هذا النوع من الصدقات.
(86/12)
________________________________________
إهداء الثواب للحي
قوله: [أو حيّ نفعه ذلك].
الأصل: أن الإنسان يتصدق عن نفسه، ويكون ذلك من باب الإيثار للنفس بالقرب والطاعات، أما بالنسبة للميت فقد يكون ذلك لعظيم حقه كالوالدين والقرابة، وقد يكون صديقاً بينك وبينه الود والمحبة، فتحب أن تحسن إليه بعد موته بالصدقة عنه، لعل الله أن يجعل في هذه الصدقة رحمةً تغشاه في قبره، أو تجعلها صدقةً عامةً للمسلمين، فكل ذلك مما لا حرج فيه.
وأما أن يكون من حي لحيٍ فهذا لا يحفظ فيه أصل، لكن بعض العلماء أجازه بالقياس، بإلحاق النظير بنظيره، وحكى بعضهم أنه لا خلاف فيه، ولكن لا أحفظ لهذا الإجماع مستنداً، فيتوقف في صدقة الحي عن الحي، بمعنى أن ينوي بأعماله الصالحة أن يكون ثوابها للحي.
وأما بالنسبة لنية الأعمال الصالحة عن الأموات إذا قلنا بمشروعيتها، فإنه يستثنى من ذلك هبة ثواب الصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي مسألة منع منها العلماء رحمةُ الله عليهم، وبعض الناس يفعلها جهلاً، فيقول: إن هذه الصدقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا باطل ولا أصل له، والسبب في ذلك أن حسنات الأمة كلها للنبي صلى الله عليه وسلم، سواء نويت أو لم تنو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدىً كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئاً) سواء كانت عبادات بدنية أو مالية أو جامعةً بينها، فأجور الأمة كلها في ميزان حسناته بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، وهو ليس بحاجة إلى أن يتصدق أحدٌ أو ينوي صدقته عنه صلوات الله وسلامه عليه، فهو في مقام عظيم وفي منزلٍ كريم بأبي وأمي هو صلوات الله وسلامه عليه.
(86/13)
________________________________________
صنع الطعام لأهل الميت
قال المصنف رحمه الله: [ويسن أن يصنع لأهل الميت طعامٌ يبعث به إليهم].
أي: لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصنع لأهل الميت طعامٌ يبعث به إليهم، وهو محفوظٌ عنه في يوم موت جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، ففي السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً؛ فقد أتاهم ما يشغلهم) والسبب في ذلك: أن أهل الميت يفجعون بميتهم، فيشتغلون بالفاجعة والمصيبة عن تهيئة الطعام ونحو ذلك، فحينئذٍ كان من الرفق أن يصنع لهم الطعام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (فقد أتاهم ما يشغلهم)، والمحزون والذي فجع بفاجعةٍ في ولده أو قريبه يذهل عن طعامه وشرابه، ولربما وضع الطعام بين يديه فلم يستسغه، وكذلك ربما وضع الشراب بين يديه فلا يستسيغه؛ مما يكون في كبده من ألم الفراق ولوعة الحزن وشدته عليه في نفسه، ولذلك يرفق به بصنع الطعام.
وينبغي أن يكون صنع هذا الطعام من باب التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم لا من باب الرياء ولا المباهاة؛ وإنما يقصد به وجه الله تبارك وتعالى، حتى يثاب صاحبه ويؤجر.
قوله: (يصنع لهم) للعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: يصنع لهم يوماً واحداً، وهو يوم المصيبة والفاجعة، وأما اليوم الثاني والثالث فلا يصنع.
ومنهم من يقول: الثلاثة الأيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحداد ثلاثة أيام؛ فلما سوغ لأهل الميت أن يحدوا على ميتهم ثلاثة أيام، فمعناه أنهم مشغولون في الثلاثة الأيام أكثر من غيرها، فيشرع أن يصنع لهم الطعام في الثلاثة الأيام، والأمر محتمل، لكن الوارد عنه عليه الصلاة والسلام أنه أطلق، فقال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد آتاهم ما يشغلهم) فإن قيل باليوم فهو الأصل وهو الأقوى، وإن قيل بالثلاثة الأيام فله وجه؛ لأنه قال: (فقد أتاهم ما يشغلهم) فقد يكون شغلهم في الثاني والثالث كشغلهم في الأول، بل قد يشتد حزنهم أكثر في الثاني والثالث.
وعلى العموم: الأقوى أن يقتصر على اليوم الأول.
(86/14)
________________________________________
ليس على أهل الميت إطعام الناس
والسنة: أن يصنع لهم الطعام لا أن يصنعوه للغير، فتكليف أهل الميت بصنع الطعام خلاف السنة، وهو إلى البدعة أقرب، بل قد يكون حراماً إذا كان من أموال اليتامى والقصار كما يفعله بعض الجهال، حيث يقدمون على تركة الميت التي فيها حق اليتامى والأرامل، ويأخذون منها الأموال لوضع الفرش والبسط وكلفة العزاء وكأنه حدث عرس، فيتكلفون في ذلك ويضرون بآل الميت، فيكون هذا الطعام من أكل أموال اليتامى ظلماً، والفاعلون لذلك وصفهم الله بأنهم: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10] نسأل الله السلامة والعافية.
فلذلك: لا يشرع أن يصنع أهل الميت للناس طعاماً، وإنما يصنع الناس لهم طعاماً، إلا أن هنا مسألة عمت بها البلوى، وهي مسألة الضيف إذا نزل على آل الميت، فإذا كان هناك ضيف، خاصةً من القرابات: كأبناء عمٍ أو إخوانٍ نزلوا وجاءوا من سفر ونزلوا على الإنسان، وهم ضيوف لهم حق الضيافة، فذبح لهم لا لأجل الموت ولا صدقةً على الميت، بل إكراماً للضيف فلا حرج؛ لأن هذا منفكٌ عن أصل مسألتنا، فليس من العزاء ولا هو متعلق بالعزاء، وإنما هو من باب إكرام للضيف الذي أمر الله به ورسوله، فيكرم الضيف ولا حرج.
لكن الأولى ألا يكون في بيت الميت، وإنما ينتقل إلى بيوت الجيران أو نحو ذلك، والأولى أن يكون الجيران هم الذين يتولون شأن الضيوف، وهكذا القرابات كأبناء العم ونحوهم؛ لأن آل الميت مشغولون.
وضيافة الضيف تكون على المستطيع القادر، إذا كان أهل الميت في شغل فإن ضيافة الضيوف تكون على قرابتهم أو جيرانهم، وهذا هو المنبغي أدباً وعُرفاً.
ولو صنع أهل الميت الطعام لقرابتهم أو لضيوفهم الذين قدموا من سفر، فهذا لا حرج فيه؛ لأنه لا يقصد به العزاء، ولا يقصد به إقامة المأتم، ولا يقصد به المحظور، وإنما هو مبني على أصلٍ شرعي، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إنما الأعمال بالنيات) فهذا قد نوى إكرام الضيف، ولم ينو به الصدقة عن الميت، ولم ينو به إحياء العزاء، فهو باقٍ تحت أصلٍ شرعي يوجب الحكم باعتباره حتى يدل الدليل على إلغائه، ولا يوجد دليل يلغيه.
فتبين أنه لا يشرع لهم أن يصنعوا للغير إلا في هذه الحالة، وما عداها فإنه ينص على أنه من البدعة والحدث، وفي حديث جرير أنهم كانوا يعدون الجلوس في بيت الميت وصنع الطعام فيه من النياحة، يعني: مما حظر الله من النياحة التي هي من كبائر الذنوب.
قوله: (يبعث به إليهم): أي فلا يجتمع الناس عند أهل الميت، فإذا بعثنا بالطعام إليهم فلا يُجمع الناس على هذا الطعام، إنما يختص بآل الميت؛ والناس اليوم يشقون على أنفسهم ويخرجون من سماحة الإسلام ويسره، إلى كلفة ما أنزل الله بها من سلطان، فتجد أيام العزاء أثقل ما تكون على آل الميت، فهم ما بين داخل وخارجٍ في قيامهم على الضيوف الذين يتكرر توافدهم على البيت، ولربما يبقى الواحد منهم من الصباح إلى العشيّ ولا يفارق آل الميت، فيكون كلاً وعناءً عليهم، وهذا لا شك أنه لا يجوز؛ لما فيه من الضرر والأذية ولأن جلوسهم في بيت الميت عبء على أهل الميت؛ لأنهم سيضطرون إلى ضيافتهم.
ثم هذا الجلوس قد يصحبه المحظور من الكلام في فضول الدنيا، وشغل آل الميت عما هم فيه من الحزن على ميتهم، وقد أذن الشرع لهم بالحداد ثلاثاً؛ حتى يذهب ما في النفس من لوعة الفراق وحزنها، فيطفأ ما في الأكباد من حرارة الفراق وألمه ولوعته، فيأتي هذا لكي يتحدث في فضول الدنيا، وقد يقصد من ذلك تسلية أهل الميت، فيكون قصداً مخالفاً للشرع؛ لأن الإنسان إذا فجع بقريبه ربما تاب من ذنبه، واعتبر بفراق القريب، وأحس أنه لاحق به إما عاجلاً أو آجلاً؛ فدعاه ذلك إلى الإحسان وإلى إمعان النظر، لكن إذا جاء هذا وشغله بحديث الدنيا ألهاه عن التفكر والاعتبار، وعن الاشتغال بما هو مقصود وبما هو أهم؛ ولذلك لا يشرع مثل هذا من الجلوس في بيت الميت، إنما يأتي الإنسان ويعزي.
(86/15)
________________________________________
جلوس أهل الميت لتلقي العزاء
وهل يشرع لآل الميت أن يجلسوا في بيتهم يتقبلون العزاء؟ كان السلف يمنعون ذلك، وكان الإمام مالك رحمة الله عليه يشدد في ذلك كثيراً ويمنع منه، وعلى ذلك درج فعل السلف، لكن أفتى المتأخرون من العلماء والفقهاء أنه لا حرج في هذه العصور المتأخرة.
والسبب في ذلك: أن العصور المتقدمة كان الناس قليلين، ويمكنك أن ترى آل الميت في المسجد، وأن تراهم في الطريق وأن تراهم في السابلة وتعزي، وكان الأمر رِفقاً، بل قل أن يموت ميت إلا وعلم أهل القرية كلهم وشهدوا دفنه، فكان العزاء يسيراً، لكن في هذه الأزمنة اتسع العمران، وصعُب عليك أن تذهب لكل قريب في بيته، ويحصل بذلك من المشقة ما الله به عليم، وفيه عناء؛ لذلك لو اجتمعوا في بيت قريبٍ منهم كان أرفق بالناس وأرفق بهم، وأدعى لحصول المقصود من تعزية الجميع والجبر بخواطر الجميع؛ ولذلك أفتوا بأنه لا حرج -في هذه الحالة- من جلوسهم، ولا يعتبر هذا من النياحة، بل إنه مشروع لوجود الحاجة له.
فإذا وجدت الحاجة والضرورة جاز استثناؤها من الأصل، وقد يكون الشيء محظوراً ويستثنى لوجود الضرورة والحاجة، فلو أن امرأةً أصابها ألم واضطرت للكشف عن ساقها أو عن ساعدها أو عن صدرها للطبيب، فإنه ليس عندنا دليل يدل على مشروعية كشفها عن ساقها أو ساعدها للطبيب، لكن لما وجدت الضرورة والحاجة أُذِنَ لها في ذلك، فهو ليس بنصٍ عيني على المسألة، لكنه أصلٌ شرعي يُطرد في هذه المسائل.
فإن وجدت ضرورة وحرج للناس فإن الله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] فلو قلنا للناس: عزوا كل إنسان في بيته، لتفرق الناس في ثلاثين بيتاً، ولربما حدث في المدن الكبيرة من ذلك فيه حرج ومشقة، ولربما لا تستطيع أن تستغرق عزاءهم خلال الثلاثة الأيام، وقد يكون بعضهم أحوج ما يكون أن تأتيه في اليوم الأول عند الصدمة الأولى، ولذلك لا شك أنه من الحرج أن نقول: إنهم لا يجلسون في مكانٍ معين، فلذلك رخص بعض المتأخرين في جواز جلوس آل الميت عند قريب منهم ويعزون؛ دفعاً للضرر عن الناس وعنهم.
لكن بشرط: ألا يشتمل هذا الجلوس على محظور مما ذكرناه من المباهاة، أو وضع علامات معينة على البيت أشبه ما تكون بعلامات الزواج، أو نحو ذلك من الأمور المحدثة التي لا أصل لها، وإنما يكون الجلوس على السنن، ويدخل إلى آل الميت يسلم عليهم ويجبر بخاطرهم، ثم ينصرف المعزي.
ولا يجلس أكثر من الحاجة، إنما يشرع له أن يدخل ويعزي، فإن كانوا بحاجة إلى كلمةٍ منه تسلي قلوبهم سلاهم، كالعالم وطالب العلم والحبيب والصديق المحب، الذي تعظم منه الكلمة ويكون لها أثر، ويكون لها قبول عند من يعزيه، فهذا لا حرج أن يجلس ليجبر بخاطر آل الميت، ولكن يعجل بالانصراف.
وكان العلماء والأجلاء لا يجلسون في هذه المجالس ولا يطيلون المكث فيها إلا من حاجة، مثال الحاجة: كأن يحتاج آل الميت أن يستفتوك عن بعض المسائل، فتطيل اللبث عندهم لبيان السنة والهدي، ولكي تنصحهم فيما يجوز لهم وما لا يجوز، وأن تبين لهم بعض الحقوق التي يحتاجونها بعد وفاة الميت، وتوصي كبيرهم بصغيرهم، وتوصيهم بالأيتام وبالوالدين ونحو ذلك من الضعفاء، كل هذا لا حرج فيه، ويرخص فيه بقدر الحاجة والضرورة كما ذكرنا.
(86/16)
________________________________________
صنع أهل الميت طعاماً للضيف
قال المصنف رحمه الله: [ويكره لهم فعله للناس].
أي: فعل الطعام للناس، وهذا يستثنى منه ما ذكرناه من ضيافة الضيف، فإنه لا حرج أن يدفعوا للضيف طعاماً، وينبغي على الضيوف أن يترفقوا بآل الميت، وألا يحملوا ما لا يطيقون، خاصةً وأنهم مشغولون بما هم فيه من العزاء وتحمل المصيبة وعنائها، لكنهم لو صنعوه للضيف فلا حرج، ويستثنى إذا كان بالمعروف.
وأما بالنسبة لصنع الطعام من أهل الميت صدقةً عن موتاهم أو نحو ذلك مما ابتلي به بعض الناس في هذا الزمان فهذا هو الذي قال عنه العلماء: إنه لا يشرع، وإذا كان من أموال اليتامى فإنه أشد حرمة، ويجب على الولي أن يضمن المال الذي أنفقه، فإذا أنفق من مال اليتيم في مثل هذه الأمور فإنه يجب عليه الضمان؛ لأن اليتيم غير مسئول عن هذا الطعام، ولا يجوز أن يحمّل ماله هذه النفقة التي لا وجه لها في الشرع، فيجب على المنفق ضمان المال وعزمه.
(86/17)
________________________________________
الأسئلة
(86/18)
________________________________________
حكم رفع اليدين عند الدعاء والاستغفار للميت

السؤال
عند الدعاء والاستغفار للميت هل يشرع رفع اليدين؟ وكيف يدعو: هل يتوجه إلى القبلة أم ماذا؟

الجواب
الدعاء للميت له صورتان: الصورة الأولى: أن يكون بعد دفنه مباشرة.
والصورة الثانية: عند زيارة المقابر.
أما إذا كان دعاؤه بعد دفنه مباشرة، فالسنة ألا ترفع اليد، كما نص على ذلك جمعٌ من العلماء رحمهم الله، وإنما يدعى له ويستغفر ويترحم عليه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عنه: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) ولم يرفع يديه صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك درج عليه فعل السلف، إلا أنه أثر ذلك عن ابن عمر، لكن لم أطلع على من صحح الرواية عنه في ذلك.
أما بالنسبة لرفع اليدين عند الزيارة، كأن تزور القبور وتريد أن تدعو لأهلها، أو تزور قبراً معيناً كوالدٍ ووالدةٍ وقريب وصديق ونحو ذلك، فلا حرج أن ترفع يديك، بل هو السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أنه لما خرج بالليل قام على القبور قياماً طويلاً ورفع يديه واستغفر لهم ودعا لهم) وحينئذٍ يستقبل القبلة ويدعو للميت، ويترحم عليه، وعند السلام يستقبله من وجهه كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فيأتي للقريب من وجهه ويسلم عليه، ثم يتوجه إلى القبلة ويدعو ويترحم على ميته وأموات المسلمين، هذا هو السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه من المواضع التي ورد فيها النص بمشروعية رفع اليدين في الدعاء.
وأما ما ذكرناه في حال الدفن فلا يُحفظ فيه نصٌ صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.
(86/19)
________________________________________
حكم التعزية بعد الدفن في المقبرة

السؤال
ما حكم وقوف أقارب الميت في المقبرة بعد الدفن لتعزية الناس لهم، أثابكم الله؟

الجواب
لا حرج أن يعزى أقارب الميت عند القبر، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه عزّى عند القبر كما في الحديث الصحيح: (أنه صلى الله عليه وسلم مرّ على امرأةٍ وهي تبكي على قبرٍ، فقال: يا أمة الله! اصبري.
فقالت: إليك عني، فلست أنت المصاب.
فلما ولى قيل لها: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجاءت تعتذر إليه، فقال صلوات الله وسلامه عليه: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) فكان عزاؤه عند الصدمة الأولى، أي: لما صدمت وفجعت وبكت على ميتها، فعزّاها صلوات الله وسلامه عليه فقال: (يا أمة الله! اصبري)، فلا حرج أن يعزى في القبر.
ولذلك أخذ بعض العلماء من هذا دليلاً على مشروعية التعزية عند القبر، وفيه رفقٌ بالناس؛ لأنهم يتكلفون الحضور إلى بيت الميت ثانياً، فالأولى أن يعزوا عند القبر؛ ولأن آل الميت أحوج ما يكونون إلى التعزية في مثل هذا الموضع الذي يشتد فيه حزنهم ويعظم فيهم مصابهم؛ لأنهم يرون أن الميت قد ووري وغاب عنهم، وحينئذٍ تكون الفاجعة به أشد، لكنه قبل دفنه يكون كأنه موجودٌ أمامهم يرونه فيتسلون برؤيته، ولربما تسلت الأم برؤية ابنها، وتسلى الأب برؤية ابنه، لكنه إذا دفنه وتحقق عندها موته؛ فإنه تكون الفاجعة به أشد.
ولذلك يعتري كثير من الناس من الحزن والفاجعة في مثل هذا الوقت ما لا يكون بعده، ففي هذه الحالة يشرع أن يعزوا في القبر لشدة ألمهم، وما يجدونه من الحزن والوجد على فراق أقاربهم.
ويعزى أهل الميت إذا عُرِفوا، وخفف بعض العلماء وتسامح في كونهم يقفون مصفوفين حتى يعلم الغريب أنهم قرابة للميت فيعزيهم، أما لو كانوا لا يتميزون؛ فإنه من الصعوبة بمكان أن يعرفهم الغريب؛ ولذلك رخص بعض المتأخرين من العلماء في هذا فقالوا: الأمر فيه واسع، لكن لا يعتقد أنه من السنة، إنما يقال: يفعل للحاجة، ولا يعتقد أنه لو تركه أحد أن يقال: إنه أساء؛ لأنه أمر فعل للحاجة، فلو تميز آل الميت وعُرِفوا فتركه أولى.
أما إذا وجدت قرابة من الميت وهم بحاجة إلى أن يواسوا ويعزوا فاصطفوا لذلك، فهذا درج عليه كثير من العلماء ولم ينكروه؛ لأنه يحتاج إليه خاصة في هذا الزمان عند اتساع المدن، وقد يشهد الجنازة من لا يعرف أهلها، ولا يعرف قرابتها، فلو قيل له: اذهب وتخيّرهم بين الناس لصعُب، خاصةً إذا كان الميت قد شهد جنازته كثير، وقد تعرف الصديق والقريب ويخفى عليك قرابته، ويخفى عليك أهله وجماعته؛ فحينئذٍ تحتاج إلى من يميزهم.
فمثل هذا ليس بعبادةٍ مقصودة، أعني: إذا اصطفوا ووقفوا، أنهم لا يفعلون ذلك بقصد العبادة، إنما بقصد أن يعرفوا ويميزوا، فخفف فيه بعض المشايخ رحمةُ الله عليهم ممن أدركناهم من أهل العلم من هذا الباب.
أما لو اعتقد أنه من السنة، أو أنه لا بد من الوقوف، وأنه يكون على حالة معينة أو مخصوصة فهذا من البدعة والحدث الذي لا أصل له والله تعالى أعلم.
(86/20)
________________________________________
حكم شد الرحال للعزاء

السؤال
ما حكم شد الرّحال للعزاء أثابكم الله؟

الجواب
شد الرحال للبقع نُهي عنه لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فلا تشد للقبور ولا للمشاهد، لكن إذا كانت الأعمال الصالحة: كبر الوالدين، وطلب العلم، والحج والعمرة، فتشد لها الرحال؛ لأنها أعمال وليست بأماكن، وفرقٌ بين المكان وبين العمل، فإذا أراد أن يشد الرحل للعزاء فهذا فيه تفصيل: إن كان الميت قوي القرابة من الإنسان كأبيه، فكان يريد أن يشد الرحل إلى أهله وإخوانه وأخواته ليكون معهم ويثبتهم ويواسيهم ويصبرهم، فهذا لا إشكال أنه من صلة الرحم، وأنه لا حرج عليه أن يسافر من أجل أن يصبر أمّه ويصبر إخوانه وأخواته وأقاربه.
أما أن يسافر لصديقه ويتكلف السفر لصديقه ونحو ذلك من المجاملات، فهذا لا أصل له، بل إنه قد يكون عبئاً وثقلاً عليه، والأحسن أن يعزيه بالاتصال هاتفي، خاصةً مع تيسر وسائل الاتصال الآن، أو يكتب له رسالة أو يبرق له، فيشعره بتأثره بما نزل به من بلية، وفي هذا الكفاية وفيه الخير والله تعالى أعلم.
(86/21)
________________________________________
حكم دفن الوالدة مع ولدها إذا ماتا معاً

السؤال
إذا ماتت الوالدة في ولادتها هي وولدها، فهل يشرع دفنهما سوياً أثابكم الله؟

الجواب
الجمع بين الاثنين في قبر لا يشرع إلا من حاجة، والأصل أن الأطفال الصغار يقبرون على حدة، فإن وجدت حاجة من كثرة عددهم وصعوبة دفنهم منفردين فلا حرج أن يجمعوا، سواء جُمِعوا مع كبيرٍ بالغ أو مع صغارٍ مثلهم، ففي هذه الحالة لا حرج أن يقبر مع أمه.
وأما ما يعتقده العامة من أن هذا الصغير يخفف العذاب عن الكبير فباطل ولا أصل له، والله تعالى لا يظلم عباده شيئاً، وهو سيتولى العبد بإحسانه إن كان محسناً، وبعدله إن كان مسيئاً، أو بفضله ورحمته وعفوه وكرمه إذا أحب أن يعفو عن إساءته.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرحمنا برحمته، وأن يشملنا بواسع لطفه وحلمه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(86/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - زيارة القبور
نهى النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر عن زيارة المقابر، ثم أمر به واستحبه، وبين العلة من ذلك وهي أنها تذكر بالآخرة، فينبغي على المسلم أن يزور المقابر بين الفينة والأخرى، وأن يكون ملماً بالأحكام المتعلقة بها، كحكم زيارتها، وتعظيم خطر الغلو في القبور وما أحدث فيها من البدع، وحكم زيارة النساء للمقابر، ومعرفة آداب زيارة القبور وما يقال عند زيارتها.
(87/1)
________________________________________
حكم زيارة القبور
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد بين المصنف رحمه الله الأحكام المتعلقة بالميت، حتى فرغ من بيان أحكام الدفن، وما يتبع ذلك من المسائل المتعلقة بالقبور، ثم شرع رحمه الله في هذا الفصل في بيان بعض الأمور المتعلقة بما بعد الدفن، فقال رحمه الله: [فصل: تسن زيارة القبور].
هذه السنية تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، فأما القول: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في حديث ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وأنس وعائشة رضي الله عن الجميع: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة).
ولما سألته أم المؤمنين ماذا تقول إذا زارت القبور؟ فقال: (قولي: السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين ... ) الحديث.
وأما الفعل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم زار القبور ودعا لأهلها واستغفر، وأقر زيارتها، ففي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه قام في جوف الليل، وتبعته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فقام قياماً طويلاً ودعا لأهل القبور واستغفر، ثم رجعت قبله صلوات الله وسلامه عليه)، فدل هذا على مشروعية زيارة القبور.
وللعلماء تعبيران في هذه المسألة: فمنهم من يعبر ويقول: تُسن، ومثل هؤلاء أيضاً من يقول: يباح، ومنهم من يقول: تشرع، فهذهِ ألفاظٌ متقاربة وهناك قولٌ آكد وأقوى، وهو التعبير الثاني: تستحب.
فأما من قال: إن زيارة القبور مباحة؛ فإنه نظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) فقال: إنه أمرٌ بعد الحظر، والأمر بعد النهي والحظر يقتضي الإباحة عند هؤلاء.
وأما من قال بالاستحباب والتأكد فقال: إنه أمرٌ مصروفٌ عن ظاهره الدال على الوجوب إلى الندب والاستحباب.
فأما الذين قالوا: إنه أمرٌ بعد حظر، فإنه إذا ورد نهيٌ في الكتاب والسنة، ثم جاء بعده أمرٌ بذلك المنهي عنه فللعلماء أقوال: قال بعض العلماء: كل أمر بعد الحظر محمولٌ على الإباحة، وهذا يختاره جمعٌ من فقهاء الشافعية والحنابلة وكذلك المالكية رحمة الله على الجميع.
والقول الثاني يقول: كل أمرٍ بعد الحظر محمولٌ على الوجوب، وهو مذهب الظاهرية.
والقول الثالث: كل أمرٍ بعد الحظر محمولٌ على حالته قبل النهي.
توضيح ذلك بالمثال: صيد البر حرمه الله على المحرم، ثم قال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2] فوقع قوله: (فاصطادوا) بصيغة الأمر التي هي بعد الحظر والتحريم، فهل نقول: إن الصيد واجب أو مندوبٌ أو مباح؟ فهذه هي مذاهب العلماء.
فمن يقول: إنه للوجوب، يقول: لأنه أمر، حتى أن بعض الظاهرية يوجبون الصيد على ظاهر الآية، وهو من أغرب الأقوال وأكثرها شذوذاً.
والذي قال: إنه للندب والاستحباب يقول: إن الأمر رفع النهي، فأصبح مصروفاً عن ظاهره المقتضي للوجوب إلى ما هو دون ذلك وهو الندب والاستحباب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9]، فقوله: (وَذَرُوا الْبَيْعَ): نهي وتحريم وحظر، جاء بعده قوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] فقوله: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) أي: بالتجارة، كقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198] فإنها نزلت فيمن يريد الحج والتجارة.
فهل قوله: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) محمولٌ على ظاهره من الوجوب أو للندب والاستحباب، أو للإباحة التفاتاً إلى ما كان عليه الحال قبل ورود النهي؟ فأصح الأقوال في هذه المسألة: أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى حالته قبل الحظر، فيرفع الأمرُ النهي، ويبقى الحكم للأصل، فلما كان الصيد في الأصل تعتريه الأحكام الخمسة: فيكون مكروهاً، ويكون مندوباً، ويكون واجباً ويكون حراماً، ويكون مباحاً؛ فإن الأمر بالتحلل في قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2] يرفع الحظر والتحريم، ويرجع حكم الصيد إلى التفصيل وهي الأحكام التكليفية الخمسة: إن كان صيداً لمحرم فمحرم، وإن كان صيداً لمكروه فمكروه، وإن كان صيداً لإنقاذ نفسٍ فواجب، وإن كان من أجل أن يتقوى به على طاعة الله فمستحب، وإن خلي من الدوافع والموانع فهو مباح.
كذلك أيضاً في قوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} [الجمعة:10] فلما كانت التجارة من المباحات التي ليست بواجبة ولا لازمة على المكلف، ولا بمحرمةٍ على الإطلاق، وإنما تحظر أحياناً وتباح أحياناً؛ فإن أمر الله عز وجل بالبيع والشراء بعد صلاة الجمعة يرفع الحظر الذي كان موجوداً أثناء الصلاة، ويبقى حكم التجارة على الأصل.
فقوله عليه الصلاة والسلام: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) فالذين يقولون: تباح الزيارة ولا يعبرون بالاستحباب يلتفتون إلى هذا الأصل، فيقولون: إنه أمرٌ بعد حظر؛ فيرجع إلى الإباحة، والذين يقولون: إنه للندب والاستحباب، يقولون: الأمر في قوله: (فزوروها) رفع التحريم، وبقيت زيارة القبور مستحبة، خاصةً وأن في الحديث كلمة تدلّ على الاستحباب والندب بقوله: (فإنها تذكر الآخرة) فقوي هذا المذهب، ولذلك كان التعبير عند بعض العلماء بقوله: (وتستحب زيارة القبور) أقوى من التعبير بقوله: (تسن).
والإجماع منعقد من حيث الجملة على أن الزيارة سنة بالنسبة للرجال، أما بالنسبة لفضلها فإنها تستحب، والسبب في ذلك: أن الوسائل آخذة حكم مقاصدها، فما كان وسيلةً لواجبٍ فواجب، وما كان وسيلةً لحرام فحرام، وما كان وسيلة لمندوبٍ فمندوب، فلما كان تذكر القبور واستشعار الآخرة، وكون المكلف دائماً يستحضرها في قلبه مما يعينه على طاعة الله، ويقوي عزيمته على الخير، ويكفه عن كثيرٍ من الشر والمحارم والحدود، ويهذب أخلاقه ويقوّمُ سلوكه؛ كان هذا من جنس المستحبات لما له من الأثر العظيم.
ويبقى النظر بالنسبة لزيارة القبور: هل هي لمصلحة الزائر، أو لمصلحته ومصلحة المزور وهو المقبور الذي يزار؟ فإن كانت لمصلحة الزائر فظاهر قوله: (فإنها تذكر الآخرة) متعلق بالزائر، وحينئذٍ تكون الزيارة لمصلحة الحي.
والصحيح: أنها لمصلحة الحي والميت، أما الحي: فإنه ينتفع بالاتعاظ والادكار، خاصةً إذا صحب الزيارة حضور القلب، وهذا هو المقصود من قوله عليه الصلاة والسلام: (فإنها تذكر الآخرة) فهو ينظر إلى القبور متقاربة، ولكنها في الأجور والحسنات والنعيم والجحيم متباعدة، فقد يكون القبر إلى جوار القبر، ولكن هذا في غاية النعيم، وهذا في درك الجحيم، نسأل الله السلامة والعافية! وتراهم وهم جيران قربٍ لا يتزاورون، وغرباء سفرٍ لا ينتظرون، قد حيل بينهم وبين ما يشتهون.
فإذا نظر الإنسان إلى حال القبور، خاصةً إذا كان على علمٍ بأهلها، فيعلم أهلها وأصحابها، وبالأخص إذا كانوا من الأقرباء والأصحاب والأحباب؛ فإن وقع ذلك في القلوب بليغ، ولذلك يتأثر الإنسان من مثل هذه الزيارات، ويصبح قصير الأمل في الدنيا، وإذا قصر أملُ الإنسان في الدنيا خشع قلبه، وإذا خشع قلبه صلُح، وإذا صلح القلب صلح سائر الجسد كما في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) فلا شك أنها لمصلحة الحي من هذا الوجه، حيث تعينه على ذكر الآخرة، وتكسر كثيراً من الغرور، وتحول بينه وبين كثيرٍ من الشرور؛ فلربما زار قبر إنسان مسرف على نفسه كثير العصيان فنظر إلى حاله فاتعظ وادّكر، وكره عمله وما كان عليه من حال، وإذا زار عبداً صالحاً مستقيماً على طاعة الله عز وجل؛ فإنه يحمد ما كان منه من طاعة وبر؛ فيكون حريصاً على التشبه به والتخلق بأخلاقه؛ لعل الله أن يبلغه منزلته، ولذلك جاء في دعاء المقابر: (اللهم لا تحرمنا أجرهم) أي: لا تحرمنا ما كانوا فيه من الخير والبر والطاعة والاستقامة؛ حتى نكون مثلهم أو خيراً منهم.
وقوله: (تسن زيارة القبور) هذا بالنسبة للتعبير العام، وإلا فالحكم يستوي أن تزور قبراً معيناً أو قبوراً، فلو أن إنساناً أراد أن يزور قبراً معيناً بدون أن يشد له الرحل، فزاره ووقف عليه وسلّم على صاحبه، ودعا له بخير؛ فإن هذا له أثر، لأن العلة واحدة، سواء زرت الجماعة أو زرت الفرد؛ ولذلك لما قال عليه الصلاة والسلام: (فإنها تذكر الآخرة) فهم العلماء من هذا أنه لا فرق بين زيارة قبر أو قبور، فكون الإنسان يزور قبراً ليتعظ لا شك أنه سيكون لمصلحته.
بقي أن ينظر في مصلحة الميت المزور، فمصلحته بالدعاء والاستغفار له والترحم عليه؛ فمن زار المقابر وترحم على أهلها لا شك أنه سينال أجر هذه الدعوة الصالحة، فلربما مررت عليهم في ساعة يعذب فيها أقوام، فسألت الله لهم الرحمة فرحمهم الله، ورفع عنهم ما هم فيه من العذاب، وقد يكونون أمم لا يحصون، فيكون لك كأجرهم؛ لأنك نفست عنهم هذه الكربة العظيمة، لأنهم انقطعوا عن أعمالهم، فإذا دعوت لهم بالخير وترحمت عليهم، وسألت الله أن يفسح لهم في قبورهم وأن ينور عليهم؛ فإن الله عز وجل يثيبك على هذه الدعوة الصالحة: (ولك بمثل)؛ لأنك تدعو لأخيك بظهر الغيب.
ومن هنا يعظم أثرها على الزائر ويتأكد ذلك في حق الوالدين والأرحام والقرابات والشيخ ونحوه ممن له فضل على الإنسان من العلماء والدعاة، ونحوهم ممن لهم فضلٌ على الأمة وفضلٌ على المسلمين؛ فهؤلاء لا شك أن زيارتهم أكثر خيراً في الدعاء لهم والترحم عليهم، ورد شيءٍ من جميلهم على الإنسان كالوالدين والأقرباء الذين لهم حقٌ عليه.
(تُسنّ زيارة القبور): هذه الزيارة المقصود منها -كما قلنا- أن يصلح ا
(87/2)
________________________________________
حكم زيارة النساء للقبور
قال المصنف رحمه الله: [تسن زيارة القبور إلا للنساء].
النساء اختلف فيهن على قولين: القول الأول: تشرع زيارة القبور للنساء كما تشرع للرجال، وهو مذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
القول الثاني: تحرم زيارة القبور على النساء، ويختص الجواز بالرجال دون النساء، وهؤلاء انقسموا على طائفتين: فمنهم من يقول: إنها محرمة وليست بكبيرة إلا إذا صحبها التكرار والعود؛ لقوله: (زوارات القبور).
ومنهم من يقول: هي كبيرة مطلقاً.
أما الذين قالوا: إن الزيارة مشروعة للنساء، فقد استدلوا بما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) قالوا: وهذا عام، والقاعدة في الأصول: (أن الأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه).
قالوا: ومن استدل بالتحريم بقوله: (لعن الله زائرات القبور)، فإن هذا الحديث ورد أثناء التحريم، وأما حديث: (قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور) فإنه نصٌ صحيح صريح، يدل على أن هذه الإباحة سبقها تحريم؛ ولذلك قالوا: إن ما ورد من التحريم محمولٌ على الزمان المنسوخ، وهذا بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (كنت قد نهيتكم) فلو كان النساء خارجين من هذا الحكم لقال: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها إلا النساء)، ولنص عليه الصلاة والسلام على استثناء النساء؛ فبقي التحريم منسوخاً.
واعترض عليهم بأن هذا الحديث: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها) لا يعارض حديث: (لعن الله زائرات القبور) فقوله: (فزوروها) هذا خاصٌ بالرجال، والتحريم للنساء ورد به النص، قالوا: ولا يوجد دليل يدل على النسخ.
وهذا الاعتراض أجيب عليه من وجهين: الوجه الأول: أن دلالة النسخ في النص ظاهرة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله: (كنت قد نهيتكم) وهذا عام، ثم قال: (فزوروها) وهذا أيضاً عام، فدل على أنه نهي تحريم في الأول، وإباحةٌ في الثاني، فالأول عام، والثاني عام، فلا وجه للتخصيص بدون مخصص.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه نص على النسخ، فقال: (كنت) ثم قال: (فزوروها) وهذه هي صيغة نص واضحة.
أما الدليل الثاني: فقالوا: إن أم المؤمنين عائشة زارت قبر أخيها عبد الرحمن -كما في الأثر الصحيح عنها- بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا لها: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله زائرات القبور)؟ فقالت رضي الله عنها: لكنه قال بعد: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها).
وهذا الحديث ليس من كلام عائشة، إنما يكون أثراً عن عائشة يقدم عليه الحديث المرفوع لو كانت عائشة فهمت شيئاً، أما هنا فإنها تنقل النسخ بقولها: (لكنه قال بعد) فقد حضرت تحريماً وحضرت إباحة، ونصت على أن التحريم سابق والإباحة لاحقة، فمثل هذا لا إشكال في دلالته على النسخ وجهاً واحداً عند الأصوليين؛ لأنها حفظت الزمان، وحفظ الزمان في أصله تشريع، بخلاف ما لو اعترضت برأيها كقولها مثلاً: (بئس ما عدلتمونا به) في حديث الكلاب والحمير، فذلك واضح أنه اجتهاد.
ثم إنها رضي الله عنها من أفقه الصحابة وأعلمهن بأحكام النساء، وما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يختلفون في أمرٍ من أحكام النساء إلا رجعوا إليها، ولا أفتت بحكم فراجعها أحد، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما اختلف الصحابة في مسألة الإنزال المشهورة، بعث إلى أم المؤمنين عائشة فحدثته بالحديث، فقال: (من خالف بعد اليوم جعلته نكالاً).
ونحن نفهم النسخ من ظاهر قوله: (كنت قد نهيتكم) وهو نصٌ مرفوعٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تأكد هذا بدلالة الصحابي، حيث يعضد ذلك بالبيان في قولها رضي الله عنها: (لكنه قال بعد).
وقد فعلت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قال الجمهور: فهذا يدل على جواز زيارة النساء للقبور.
واستدل الذين قالوا بالتحريم بقوله عليه الصلاة والسلام: (لعن الله زائرات القبور -وفي روايةٍ: زوارات القبور-) قالوا: إن اللعن لا يكون إلا على فعل حرامٍ أو ترك واجب؛ وبناءً على ذلك: تكون الزيارة بالنسبة للمرأة محرمة؛ وقوله: (زائرات القبور) يقتضي تخصيص الحكم بالإناث دون الرجال.
ثم أكدوا ذلك من جهة النظر والمعنى، فقالوا: إن المرأة ضعيفة القلب، فلا تأمن إذا دخلت إلى القبور أن تتغير، ولربما تصرخ وتتكشف، خاصةً إذا زارت أقاربها، فإنها لا تأمن من شدة الفاجعة أن تذكر شيئاً أو تنظر إلى أحوال الميت، فيصدر منها الصوت أو يصدر منها الفعل على وجه محرمٍ محظور.
قالوا: بناءً على ذلك فإنه لا يشرع لها أن تزور المقابر، سواء كانت قبوراً عامة أو قبوراً خاصة، لكنها لو مرت بالقبر مروراً وسلمت فلا حرج عليها في ذلك.
والناظر في هذين القولين وأدلتهما يرى أن من قال بالتحريم له وجهٌ بالترجيح من جهة الأصول، والقائل بالجواز له وجهٌ وقوة من جهة الأدلة.
أما الذين قالوا بالتحريم؛ فإن القاعدة في الأصول: (إذا تعارض حاظر ومبيح، يقدم الحاظر على المبيح) ولذلك يقوى قول من قال بالتحريم على قول من قال بالجواز من جهة وجود هذا الأصل؛ لأنه لو قلنا للمرأة الآن: لا تزوري المقابر.
فإنه في هذه الحالة يفوتها فضل الزيارة الذي يمكن أن تعوضه بالدعاء والاستغفار للميت والترحم عليه؛ لكننا لو قلنا لها: زوري المقابر.
فإننا لا نأمن أن تكون قد أصابت المحظور، أو على الأقل شيئاً مكروهاً؛ ولذلك يكون تغليب باب الحظر من هذا الوجه أقوى وأولى.
ثم إذا نظرنا إلى واقع الناس وحالهم اليوم، وعدم انضباط كثير من النساء بالحدود والضوابط الشرعية؛ فإنه يقوي قول من قال بالحظر.
واتفق العلماء على أنه لا تجوز زيارة المقابر إذا كانت المرأة ضعيفة أو لا تتمالك نفسها أو غلب على الظن أنها تفعل المحظور عند القبر، وإذا كانت شابةً فاتنة وذهبت إلى القبر فتنت غيرها أو فتنت نفسها أو جمعت بين الفتنتين فلا تجوز بالإجماع، فليست هذه مسألة خلافية، إنما الخلاف يكون في امرأة عاقلة حكيمة الغالب على الظن أنها تضبط نفسها، وتريد أن تتعظ؛ فهذا هو الذي يجيزه جمهور العلماء لها من الزيارة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر على المرأة وهي تبكي عند القبر لم يقل لها: لعن الله زائرات القبور، ولم يحظر عليها ذلك، قالوا: فقد أقرها عليه الصلاة والسلام؛ لكن الناظر في حال الناس اليوم قد يجد أغلب النساء -إلا من رحم الله- أنهن لا يطقن الزيارة، مع أنه بإمكانهن أن يعوضن هذا الأمر المشتبه فيه إلى أمرٍ لا شبهة فيه بالدعاء والاستغفار للموتى.
(87/3)
________________________________________
ما يقال عند زيارة القبور
قال المصنف رحمه الله: [ويقول إذا زارها أو مر بها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم].
هذا هو الدعاء المسنون عن النبي صلى الله عليه وسلم والوارد عنه، وهو من رحمة الله عز وجل بعباده المؤمنين حيث جعل للأموات دعاءً عند الأحياء، وجعل للمسلم على أخيه المسلم أن يذكره بعد موته بالدعوة الصالحة، فإذا مرّ على هذه القبور أو دخلها يقول: السلام عليكم.
السبب في هذا: أنه لما نُزّل الميت منزلة الحي، ودل النص على مشروعية السلام عليه؛ أخذ هذا السلام الأصل الشرعي، فأنت تسلم على من مررت به ومن جئته وجلست معه، فيشرع أن تسلم مارّاً ويشرع أن تسلم داخلاً.
قوله: (السلام عليكم) المراد به السلامة من الآفات والشرور، وهو اسمٌ من أسماء الله تعالى، لكنك إذا قلت: (السلام عليكم) لا تقصد هذا الاسم، وإنما تقصد معناه، أي: سلمكم الله من الآفات والشرور وغيرها من المصائب.
وأما بالنسبة للأموات فإن الأموات لا يأمنون في قبورهم من الفتن وعذاب القبر، وما في القبر من الأهوال والشدائد، نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا منها، وأن يلطف بنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
فشُرِع أن تقول: السلام عليكم، أي: سلمكم الله، فإن كانوا معذبين سلمهم الله بدعائك، وإن كان ينتظرهم العذاب فإن الله سبحانه وتعالى يقيهم بصالح دعائك.
قوله: (دار قومٍ مؤمنين) فيه فوائد: الفائدة الأولى: وصف القبور بكونها داراً، فيدل على أن الدور ثلاثة، كما هو مذهب السلف الصالح رحمة الله عليهم: الدنيا، والآخرة، والبرزخ.
وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك، أما الدنيا والآخرة فواضح، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص:83] فجعلها آخرة وجعل الدنيا للعمل، وكذلك أيضاً قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى:16 - 17] فذكر دارين.
أما الدار الثالثة -وهي البرزخ-: فقد أشار إليها: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:100] فدل على أن البرزخ دار، وذلك في قوله: السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين.
الفائدة الثانية: أنه لما قال: (دار) أخذ منه بعض العلماء أنه لو حلف وقال: والله لا أدخل داراً، فدخل القبر أنه يحنث، وقال بعض العلماء: لا يحنث؛ والسبب في هذا: أن الدار في العُرف هي الدار المعروفة ولا تشمل القبور؛ فانصرف هذا اللفظ اللغوي إلى المعروف عرفاً، وهذا من باب تعارض الحقيقة اللغوية مع الحقيقة العرفية.
فإن قيل: إنه يؤاخذ على وصفه بالدار فيستقيم قول من قال: إنه يحنث؛ لأنه المقابر وصفت بكونها داراً.
ومدة هذه الدار من يوم دفن الإنسان إلى أن يبعثه الله عز وجل؛ ولذلك ورد في حديث البراء (هذا مقامك حتى يبعثك الله) وبناءً على ذلك يقولون: حتى لو أن هذا الرفات نقلته الريح، وأشلاءه وأعضاءه أخذتها السباع ونحو ذلك فلا يزال الحكم للقبر الذي قُبِرَ فيه، ولذلك يقول بعض العلماء: إن العبرة بالقبر نفسه؛ لأنه داره ولو قُبر فيه الملايين.
ثم لو قبر ملايين الصالحين في مكانٍ واحد لأفسح الله لكل صالح مد البصر، ولا يعجزه سبحانه وتعالى شيء، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] وهذه من الغيبيات والسمعيات، التي لا يخاض فيها بالعقل؛ لأن العقل لا يمكن أن يدرك هذه الأشياء، ولا يمكنه أن يدخلها، ولما دخل فيها الفلاسفة بالعقل والمنطق وقعوا في الحيرة والظلام، ووقعت منهم زلات وأخطاء عظيمة، حتى أن بعضها تمس اعتقاد الإنسان، حتى إن بعضهم يقول: إن هذه تخيلات -أي: لا حقيقة لها-!! حسبنا الله ونعم الوكيل، نسأل الله السلامة والعافية.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب يوم القيامة) وهو آخرك الذي تراه مثل الدائرة، فإنه إذا أذن الله عز وجل ببعث الناس تركب المخلوق وابتدأ خلقه من عجب الذنب، وقامت عليه أعضاؤه، فإذا هو قائمٌ بين يدي الله عز وجل.
وقوله: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين): فالدار دار قومٍ كافرين، ودار قوم مؤمنين، ومن هنا نفهم أن الزيارة تختص بمقابر المسلمين، فلما قال: (دار قومٍ مؤمنين) فهمنا أنه لا تشرع زيارة قبور الكفار؛ لكن إذا زارها الإنسان للاتعاظ لا للدعاء ففي هذه الحالة التي أشار إلى العلة فيها: أنه إذا كانت لمصلحة الحي جاز له أن يمر بها متدبراً متأملاً، ويبشرهم بما عند الله من العذاب والعقوبة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من مر بقبور الكفار أن يبشرهم بما عند الله من العذاب والنكال؛ حتى يزدادوا غماً إلى غمهم وهماً إلى همهم، نسأل الله السلامة والعافية.
فالزيارة تختص في الأصل بقبور المؤمنين، لكن بالنسبة لقبور الكفار: فإنه إذا نظر إليها متعظاً متدبراً أو موبخاً مبكتاً -كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قليب بدر- فلا حرج في ذلك، أما لمصلحة المزور فلا، وهذا مما تختص به قبور المسلمين عن قبور الكافرين؛ قوله: (من المسلمين والمؤمنين) من باب التنويع؛ فإنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا ذُكر أحدهما شمل الآخر.
وقوله: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين) المراد بذلك أهل الإسلام، سواءٌ كانوا من المؤمنين أو في درجة الإسلام أو الإحسان، فالكل داخل في هذا العموم، وأما رواية (من المؤمنين) فإنها عامة بالنسبة لأهل الإسلام.
قوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) أي: متى شاء الله، وهذا تعليق بالزمان، ويجوز التعليق بالزمان، مثل: متى شاء الله أزرك، ومتى شاء الله آتك، ومتى شاء الله أعطك فهذا تعليقٌ بالزمان، ولذلك يقسم العلماء (إن شاء الله) إلى تحقيقية وتعليقية: فالتحقيقة: كقولك: (إن شاء الله أزرك) أي: أنك جزمت بأنك زائر فقصدت التحقيقية، كقولك: أنا إن شاء الله فاعلٌ كذا.
بقصد أنه واقعٌ منك ولا بد بعد قدرة الله عز وجل لك.
وأما التعليقية: فهي التي يعلق بها المكلف الفعل فيما يستقبل من الزمان.
وهذا النوع الثاني -وهي التعليقية- تحظر في الدعاء، كأن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، لأنه يعلق مغفرة الله على مشيئة الله، فإن الله لا مستكره له، بل عليه أن يعزم المسألة ويقول: اللهم اغفر لي وارحمني.
فتشرع التحقيقية بأن يقولها الإنسان تحقيقاً للأمور كقوله: إن شاء الله سآتيك، ويقصد التحقيق والتعليق.
وهذا الحديث: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) تُحمَل فيه على التحقيقية إذا قُصِد بها الموت، فإنه لا محالة أننا ميتون؛ لأن الله يقول: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30] فأخبر أن الإنسان ميت، وأنه لاحق بهؤلاء القوم إما عاجلاً أو آجلاً، وكل ما هو آتٍ قريب؛ ولذلك يقول: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) أي: إن لحقونا بكم مؤكد، فلا يحول بين الإنسان والموت إلا عدم حضور أجله، وإلا فهو ميتٌ، إذا ثبت هذا على هذين الوجهين يكون التعليق لا إشكال فيه.
وقوله: (لاحقون): اللاحق هو الذي يأتي تبعاً للإنسان، فلما تأخر موت الزائر عن المزور وصف نفسه بكونه لاحقاً له.
قوله: (يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين) وفي بعض الروايات: (يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين).
(المستقدمين): تَقدُّم الشيء على الشيء معلوم ومعروف، وقوله: (المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين) هذا عموم بذكر أفراد العام، حيث قسم الناس إلى متقدم ومتأخر، والناس إما سابق وإما لاحق، فقال: (يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين).
ثم إن قوله: (يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين) هذه دعوة عامة تشمل الأحياء والأموات، فالأموات متقدمون والأحياء متأخرون.
(اللهم) أي: يا ألله، والميم تأتي عوضاً عن حرف النداء (يا) ولذلك لا يصح أن يقال عربية: (يا اللهم) إلا في قريض الشعر؛ لأنه لا يجمع بين البدل والمبدل، وقد أشار ابن مالك إلى ذلك بقوله -رحمه الله-: والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض ومن هذا الشاذ الذي يكون في القريض والشعر قول الشاعر: إني إذا ما حدث ألم ناديت يا اللهم يا اللهم أي: يا ألله يا ألله.
وقوله: (اللهم لا تحرمنا أجرهم) أي: لا تحرمنا ما كانوا فيه من الخير، والسبب في ذلك: أن الإنسان مع الميت على إحدى حالتين إذا كان الميت صالحاً؛ لأنك إذا زرت المؤمنين فالأصل أنهم توفوا على الإيمان فقد نجوا من الفتنة -أعني فتنة الكفر والخلود في النار- فإذا زارهم الزائر لا يخلو بعدهم من حالتين: إما أن يكون بقاؤه بعدهم لخيرٍ يزداد منه، وإما أن يبقى لشرٍ يزداد فيه، أو لفتنة تنتظره يكون بها شقاؤه نسأل الله السلامة والعافية.
فإن بقي لخيرٍ فهو أفضل، حتى ورد في الحديث الصحيح في الرجلين الأخوين اللذين كان أحدهما أصلح من الثاني، فمات الصالح وتأخر من هو أقل صلاحاً أربعين يوماً فاختلفوا: أيهما أصلح؟ فخرج النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وما يدريكم ما الذي تبلغ به صلاة أربعين يوماً) فلا شك أن الإنسان إذا بقي بعد الميت ولو يوماً واحداً فإن الله قد يبلغه في هذا اليوم ما لم يبلغه في سنوات ودهور، كما في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم الرجل ثم حمل على القوم فقُتل شهيداً، قال صلى الله عليه وسلم: (عمل قليلاً وأُجر كثيراً).
ومن هنا كان الأمران، فقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم لا تحرمنا أجرهم) أي: أحينا بعدهم حياةً طيبةً تبلغنا إن كانوا صالحين ما هم فيه من الصلاح، وزدنا من فضلك.
فقوله: (لا تحرمنا أجرهم) أي: ما بلغوه من الخير والفضل.
وقوله: (ولا تفتنا بعدهم) أي: لا تجعل بقاءنا بعدهم إلى فتنة ولا
(87/4)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - تعزية أهل الميت
التعزية لمن أصيب قريب أو حبيب؛ جبراً لخاطره، وتسلية له، وليس لها لفظ مخصوص، بل تصح بكل لفظ يدل على التعزية، وهناك أمور مبتدعة محرمة لا يجوز فعلها عند التعزية، ويحرم على أهل الميت النوح والشق ولطم الخد وغيرها من أمور الجاهلية التي كانت تفعل عند الموت.
(88/1)
________________________________________
حكم التعزية لأهل الميت
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [وتسن تعزية المصاب بالميت].
التعزية: سلوان من العزاء، وهي كلمات يقولها الإنسان للمصاب يحدث بها طمأنينة قلبه وقوة يقينه وحسن ظنه بالله عز وجل؛ فيصبر بعد أن كان جزعاً، ويطمئن بعد أن كان قلقاً.
والتعزية مسنونة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة لما مر عليها وهي تبكي عند القبر: (يا أمة الله! اصبري.
فقالت: إليك عني، فلست أنت المصاب) فدل على مشروعية التعزية للمسلمين وأنها سنة.
وتكون التعزية للمرأة الأجنبية والقريبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عزى هذه المرأة وهي أجنبية، فقال لها: (يا أمة الله! اصبري) ولكن بشرط: أن تؤمن الفتنة عند تعزية المرأة الأجنبية.
ومن الأدلة أيضاً على مشروعية التعزية قوله عليه الصلاة والسلام: (إن لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيءٍ عنده بمقدار، فمرها فلتصبر ولتحتسب).
والتعزية تكون قبل الدفن وبعد الدفن، فتكون قبل الدفن من باب التسلية كقوله لابنته حين أرسلت إليه وابنها يقضي ليأتيها فقال للرسول الذي جاءه هذه الكلمات: (مرها فلتصبر ولتحتسب، إن لله ما أعطى وله ما أخذ) إلى آخر الحديث.
فهذا يدل على مشروعية الكلمات التي يعزى بها الإنسان قبل الدفن، لكنها في الأصل تكون بعد الدفن؛ لأنه بعد الدفن يتحقق من موت الإنسان، فلربما حدث له ما يظن معه موته كسكتةً قلبية ثم يزول عنه ذلك فيشفى ويقوم من بلائه، وحينئذٍ يقولون: لا يعزى إلا بعد الدفن؛ لأنه بعد الدفن قد تحقق من وفاته، وحينئذٍ يكون مصابه أشد؛ فإن الناس يفجعون بعد الدفن أشد من فجعهم قبل الدفن، فإن مناظر القبور والفراغ من دفن الميت يقطع الأمل فيه، بخلاف ما إذا كان قبل ذلك؛ فإنه لا يمنع أن يكون به سكتة ثم بعد ذلك يحيا أو يقوم، فهذا هو الذي جعل بعض العلماء يقولون: التعزية تكون بعد الدفن.
وهذا هو الأصل والغالب؛ لكن إذا احتاج إليها فلا بأس أن يعزي أخاه المسلم قبل الدفن عند وجود الحاجة، كأن ترى أخاً لك أو قريباً أو زوجةً شديدة التفجع والتوجع، فتذكرها بالله عز وجل، وتصبرها بالّتي هي أحسن.
وينبغي على من يعزي أن يترفق بمن يعزيه، وألا يكون شديداً عليه، وألا تكون عباراته فظة غليظة، فبعض الناس إذا جاء يعزي كأنه يوبخ من يبكي ويقرعه، وهذا لا ينبغي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان هديه الرفق؛ ولذلك لما أراد عمر أن يضرب النساء -كما في حديث السنن- نهاه عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وأخبر أن الله لا يعذب إلا باللسان، يعني: بما يكون من النياحة ونحو ذلك من الأمور المحرمة، كشق الجيوب وغير ذلك من أفعال الجاهلية، فلا ينبغي أن تأتي لأخيك المسلم قد فجع بقريبه فتقول له: لا تبك كالمرأة.
أو نحو ذلك من الألفاظ التي لا تجوز لما فيها من كسر الخواطر، وإهانة الميت؛ لأن هذا يدل على أنه ينبغي ألا تكون للميت عنده مكانة، لأن الإنسان يبكي على عزيزه كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فالله سبحانه وتعالى خفف عن عباده أن يكون منهم هذا البكاء حتى يخرج ما في القلوب من أثر الحزن؛ وهذا مما يعتبر من إعجاز الشريعة: أنها جمعت بين طب الأرواح وطب الأجساد؛ فإن الإنسان إذا كُظم حزنه وتوالت عليه الأحزان، ومنع من إبداء أثر الحزن، فإن ذلك يؤثر عليه كثيراً، وربما يأتي على نفسه، ولذلك قال تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف:84] وهو نبي من أولي العزم، فالإنسان قد يستطيع الكظم، وقد لا يستطيع أن يكظم، ولما عاتبوه {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:85 - 86] فالإنسان في حال المصيبة يحتاج إلى من يترفق به ويحسن إليه، وتكون يده رفيقة وكلماته رقيقة، تخالج قلبه فتقوي يقينه، وتبعثه على الصبر والسلوان.
وأما الجفاء والغلظة فلا يأتيان بخير، حتى أن بعض الناس يعتقد أن من بكى على ميته كأنه يعتبر ساقط الرجولة، وأنه ليس برجل، وأن من الرجولة أن تكون عصيّ الدمع، وألا تبكي على القريب، وبعضهم يعتقد أن البكاء على النساء كالأم والأخت والبنت أنه من العيب ومن الحرج، ولربما تجد أبناء العم يعتبون على ابن عمهم أنه بكى على بنته أو بكى على أخته! هذه من أفعال الجاهلية: أنهم ينتقصون النساء، ولا يقيمون للمرأة وزناً! وهذا لا يجوز، وينبغي نصح الناس وتذكيرهم في ذلك، كالخطيب يخطب خطبة يبين فيها أمور الحزن المشروعة على الأموات وأن التفريق بين الذكور والإناث من أدران الجاهلية الباقية، فإن العرب في جاهليتهم الجهلاء ما كانوا يقيمون للمرأة وزناً؛ ولذلك كانوا يدفنونها وهي حية، نسأل الله السلامة والعافية.
فمن أدران الجاهلية: أنها لو ماتت وبكى عليها؛ فإن هذا نوع من الحط من مكانة الرجل! ولذلك لا يجوز مثل هذا الاعتقاد، وهو من اعتقاد الجاهلية؛ فإن الأخت ربما تكون عزيزة على الإنسان وقريبة إلى قلبه، وقد تكون صالحة، وقد يكون فيها من الخير ما لا يكون في رجال كثير، وقد تكون بنتك بنتاً صالحة، وقد تكون أمك، والأم لا يجحد فضلها ولا ينسى معروفها؛ فلذلك لا يجوز مثل هذه العقائد والأدران الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وينبغي على طلاب العلم أن ينتبهوا لمثل هذه الآفات في المجتمعات التي لا زالت فيها مثل هذه العقائد أو هذه الأفعال التي تخالف شرع الله عز وجل.
فكون الإنسان يبكي ويحتاج إلى من يعزيه في امرأة أو في رجلٍ فإنه يشرع له ذلك، ولكن إذا وصل إلى حد الجزع والتسخط فحينئذٍ ينهى ويغلظ عليه؛ حتى يتقي الله عز وجل في نفسه ولا يذهب عليه أجره.
وأعظم ما يكون الصبر عند الصدمة الأولى، وهو أحبه وأكمله، وأعظمه ثواباً عند الله سبحانه وتعالى، وكلما صُدِمَ الإنسان بالمصيبة فتلقاها بالصدر الرحب واللسان الصادق فقال خيراً؛ فإن الله يحمد منه ذلك الأمر، ولربما أن الله عز وجل يجمع له بين عوض الدنيا والآخرة، في الدنيا من عاجل ما كان له من ثواب العمل الصالح، ولما ينتظر عند الله أعظم.
فإن الإنسان يفجع بابنه، أو الأم تفجع ببنتها، والأخ يفجع بأخيه، فإذا رضي بقضاء الله وقدره، وتلقاها بالصدر الرحب، وقال: الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار، إنا لله وإنا إليه راجعون.
فإن هذا من خير المنازل عند الله في المصاب، وإن الله تعالى يقول: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} [ص:44] فمن أراد أن ينعم الله عليه فليصبر عند المصيبة، ويحتسب الثواب عند الله سبحانه وتعالى، وكلما كان المصاب أشد والصبر أعظم كلما كان الثواب أكثر، كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10].
(88/2)
________________________________________
حكم تعزية المصاب
يقول المصنف رحمه الله: (وتسن تعزية المصاب): أي: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعزي المسلم أخاه المسلم إذا أصيب بميته، بأن يذكر له ما عند الله عز وجل من الثواب إن صبر واحتسب الأجر، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه صبّر ابنته فقال: (مرها فلتصبر ولتحتسب) وهذا يدل على أن من السنة أن يكون في تعزية الإنسان ما يقوي نفس المصاب؛ فإن الإنسان عند المصيبة يعزب عنه رشده وتضعف نفسه، ولربما يتسلط عليه الشيطان بالخواطر الرديئة، فإذا وجد من أخيه المسلم كلمةً تثبته أو كلمةً تقوي إيمانه، فإن ذلك يعود عليه بالخير؛ لأن الصبر عند الصدمة الأولى، فيقول له: أعظم الله أجرك، وغفر لميتك، وأحسن عزاءك.
ونحو ذلك.
قال العلماء: ألفاظ التعزية موسعٌ فيها؛ لأن الشرع لم يأمرنا بلفظ خاص، والقاعدة في الشريعة: (أن ما أطلقه الشرع يبقى على إطلاقه)، فكل لفظٍ يقوي نفس المصاب، ويجعله على حسن ظنٍ بالله عز وجل فإنه يعتبر من التعزية، ما لم يشتمل على محظور شرعي، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه عزى امرأة فقال: يا أمة الله! اصبري) فقوله: (يا أمة الله! اصبري) يعتبر تعزية، ونحو ذلك من الكلمات والجمل، وقد حُفظ عنه عليه الصلاة والسلام قوله: (إن لله ما أعطى وله ما أخذ، وكل شيءٍ عنده بمقدار، مرها فلتصبر ولتحتسب) فهذه أيضاً يعتبرها بعض العلماء من الألفاظ الواردة في التعزية، والأمر في ذلك -كما قال أهل العلم- واسع، فليس هناك لفظٌ مخصوص يلزم الإنسان به.
(88/3)
________________________________________
حكم البكاء على الميت
قال المصنف رحمه الله: [ويجوز البكاء على الميت].
لأن الله لا يعذب بدمع العين، فإذا كان الإنسان قد أصيب بعزيز من والد أو ولد أو أخ أو صديق حميم، فلا حرج أن يبكي وأن تدمع عينه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فأثبت صلوات الله وسلامه عليه أن العين تدمع.
وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه لما وضع إبراهيم دمعت عيناه، فقيل: ما هذا يا رسول الله؟! قال: رحمة أسكنها الله في قلوب عباده).
فالإنسان إذا تأثر بفراق العزيز ودمعت عينه، فإنه لا يلام على هذا الدمع، بل إنه يكون من دلائل المحبة والرحمة التي أسكنها الله في قلبه، ولا شك أن الإسلام وسط بين الغلو والتقصير والإجحاف، فالإنسان الذي يموت له والد أو تموت له والدة ولا تدمع له عينه، فإنه قاسي القلب، جبار لا رحمة في قلبه.
وكذلك أيضاً إذا بالغ وصاح وناحَ فإنه قد أسرف في هذا الأمر، وتجاوز الحدود في الحزن.
فالشرع جاء وسطاً، فيخرج المصاب ما في قلبه من الألم بدمع العين؛ لأن هذا البكاء يخفف الألم الموجود في القلب، وهذا من رحمة الله بالعباد؛ فإن الإنسان إذا بكى خف وطء المصيبة على قلبه؛ وأصبح أثرها خفيفاً على نفسه؛ ولذلك لم يعاتب المسلم ولم تكن عليه الملامة إذا دمعت عيناه؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن العين لتدمع) وثبت عنه: (إن الله لا يعذب بدمع العين)، فدمع العين ليس به عذاب، ولا يعتبر الإنسان مقصراً إذا دمعت عيناه لفراق عزيزٍ عليه.
(وإن القلب ليخشع)، أي: من أثر هذه المصيبة ووقعها فيه، وقد قال الله تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف:84].
فالإنسان إذا بكى لا حرج عليه؛ لأن الله يخفف عنه بالبكاء بعض الحزن الذي يجده في قلبه، ولو أن إنساناً أصابته المصيبة ومنعته من البكاء؛ فإنه يتضرر، ولربما يصل إلى درجة لا يتمالك فيها نفسه، وقد يفقد عقله والعياذ بالله، فإنه إذا منع من البكاء كتم الحزن وكظمه، حتى تأتي ساعة لا يستطيع أن يسيطر فيها على نفسه، فيفقد عقله أو يتأثر أثراً بليغاً في نفسه، ولذلك: لا عتب على من يبكي، بشرط أن لا يكون بكاؤه على وجهٍ محظورٍ مشتمل على نياحة ونحو ذلك من المحرمات.
(88/4)
________________________________________
ما يحرم عند نزول المصيبة
قال المصنف رحمه الله: [ويحرم الندب والنياحة].
ومن الندب: واسنداه! واعضداه! ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها ندبٌ للميت.
وكذلك النياحة: وهي ذكر محاسن الميت.
فكل ذلك مما حرم الله عز وجل، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم النياحة وقال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية).
وقد كانت المرأة في الجاهلية تنوح على زوجها، وتنوح على قريبها كأخيها ونحو ذلك؛ فحرم الله عز وجل النياحة، وهو أن المرأة إذا فُجِعت بزوجها أو ابنها صاحت بحزن، فهذا الصوت حرمه الله عز وجل، وهو الذي يعذب الله به من لفظ اللسان.
قال المصنف رحمه الله: [وشق الثوب].
فقد كانوا إذا أصابتهم مصيبة لطموا الخدود وشقوا الجيوب، وذكروا المحاسن، وأثنوا على الميت وبالغوا فيه، وكل ذلك مما حرمه الله عز وجل، وجعل قلب المؤمن قوياً أمام المصيبة، فأوصاه بتحملها والصبر عليها، وعدم إظهار هذه الأمور؛ فإن النياحة وشق الجيوب ولطم الخدود يزيد من أثر المصيبة، ويحرك الغير للبكاء وللتأثر، ويكون من باب التحريض على التفجع.
ومقصود الشرع: الصبر على المصائب؛ لأن المصيبة قضاء وقدر من الله عز وجل، فإذا تفكر المؤمن وتدبر ونظر أن الله هو الذي ابتلاه؛ رجع إلى عقيدته من حسن ظنه بالله عز وجل، وأن الله سيخلف عليه خيراً مما فقد، وأن الله سيكتب له الأجر في الآخرة؛ فاطمأنت نفسه واطمأن قلبه، وارتاح إلى ما عند الله عز وجل من حسن الثواب، فأصبح أثر المصيبة خفيفاً على نفسه.
لكن لو سمح للناس بالنياحة والندب، وشق الجيوب ولطم الخدود؛ لتفجع الناس، وإذا رأى الإنسان إلى أمه وأخته وابنته وهي تلطم وجهها وتشق جيبها وتنوح، ربما لم يستطع أن يصبر بسبب ما يرى من أثر الحزن على أهله، خاصةً من النساء، فإن هذا فيهن أكثر؛ ولذلك حرم الله عز وجل هذه الأمور لكي يستقيم للعباد حسن ظنهم بالله عز وجل، ويقوى يقينهم في حسن الخلف من الله عز وجل وحسن الثواب في الآخرة.
قال المصنف رحمه الله: [ولطم الخد ونحوه].
وهذه لا تختص بالموت، فبعض النساء إذا أصابتهن المصيبة لطمت خديها بكلتا يديها أو لطمت أحد الخدين، وهذه من صنيع أهل الجاهلية التي نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها؛ لأنها لا تليق بالمؤمن الذي قوي يقينه بالله عز وجل وخلص توحيده لله سبحانه وتعالى، فإذا رأى مثل هذه المصائب فإنه يتحملها؛ لكن لطم الخدود لا شك أنه يدل على عدم الرضا بقضاء الله وقدره وهو من صنيع أهل الجاهلية.
والله تعالى أعلم.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا من اليقين أضعاف ما ينزل علينا من البلاء، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
(88/5)
________________________________________
الأسئلة
(88/6)
________________________________________
حكم الوصية فيما لا يملك

السؤال
لقد توفي في بلدنا رجل وأوصى قبل موته بأن يدفن في الأرض التي ورثها هو وإخوانه من أبيه، وتصبح تلك الأرض مقبرة للمسلمين دون موافقة إخوانه؛ لأنهم لم يكونوا معه، فما حكم تلك الوصية أثابكم الله؟

الجواب
إن كانت هذه الأرض ملكاً له فإنه يجوز أن يُدفن فيها، وإذا امتنع الورثة نظر إلى قدر ما يدفن فيه من الثلث، فإن كان قد أوصى بثلثه فإنه تكون وصيته بعد الموت قد خرجت عن حد الثلث راجعةً إلى رضا الورثة، فمن برهم له أن يرضوا، وإن شاءوا صرفوه إلى المقابر العامة، فهذا من حقهم؛ لكنه يفوتهم البر.
وأما إذا أوصى بأرضٍ هي ملكٌ لغيره فإن وصيته موقوفةٌ على حكم الغير؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يستبح مكانه من حجرة أم المؤمنين رضي الله عنها إلا بعد أن استأذنها، وخشي أن تكون أذنت له في حياته حياءً وخجلاً منه رضي الله عنه وأرضاه، فأمر ابنه عبد الله أن يستأذن بعد موته، وبعد أن يصلى عليه يقف على الباب ويستأذنها حتى يزول ما يكون في حال حياته من هيبته وخشيته، فقال: إن أذنت لك فادفني مع صاحبي، وإن لم تأذن فاصرفني إلى البقيع.
فدّل هذا على أن من أوصى أن يُدفن في أرضٍ هي ملكٌ للغير استأذن الغير؛ فإن أذن له فبها ونعمت، وإن لم يأذن له فإنه يصرف إلى مقابر المسلمين والله تعالى أعلم.
(88/7)
________________________________________
حكم تكرار دعاء زيارة القبور لكل قبر في المقبرة

السؤال
إذا دخل الزائر إلى المقابر فإن القبور تأتيه تلو القبور، فهل له أن يكرر الدعاء المأثور كلما مر على مجامع القبور؟

الجواب
السلام على القبر يكون عند دخول المقابر، ويشمل ذلك جميع من قبر في المقبرة، فلو أنه دخل على بقيع الغرقد -مثلاً- فإنه يشرع أن يكون دعاؤه عند دخول الباب، فيسلم على جميع من في المقبرة، ولا حاجة أن يكرر ذلك لكل فرد بعينه.
فإذا زار قبر إنسان معينٍ من بين هذه القبور وكان قد سلم عليهم جميعاً، وخص قبراً بدعاء فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص قبر المرأة السوداء بالدعاء وبالصلاة عليها، وفرقٌ بين الصلاة وبين مطلق الدعاء، فالصلاة فيها وجهٌ بالتخصيص، وأما بالنسبة لكونه يقوم على القبر فلا حرج في القيام على قبور المسلمين، إنما يحظر أن يقام على قبور الكفار والمنافقين، لقوله تعالى: {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة:84] وأما إذا كان مسلماً فإنه يقام على قبره ويدعى له، كالوالد والوالدة والقريب والابن والبنت.
ونحو ذلك من القرابات، لا حرج أن يخصه ويأتي إليه ويسلم عليه ويدعو له.
وإن شاء جمع الجميع بسلامٍ واحدٍ.
ولو مر على قبرين أو على ثلاثة قبور يعرف أصحابها فهو بالخيار: إن شاء سلم سلاماً عاماً على الثلاثة القبور، وإن شاء سلم سلاماً خاصاً لكل مقبور بعينه؛ لأن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا مر بالقبر سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته، ثم قال: السلام عليك يا أبتاه ورحمة الله وبركاته.
ثم انصرف، فخص كل واحدٍ منهم بسلام.
فلا حرج إن كانت القبور معددة أن يخص كل قبرٍ بسلام، وأما إذا كانت قبوراً كثيرة فإن سلامه الأول يغني عن تكراره للجميع والله تعالى أعلم.
(88/8)
________________________________________
أهل الميت يعرف زائره يوم الجمعة

السؤال
قال صاحب الروض رحمه الله: ويعرف الميت زائره يوم الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشمس، فما صحة هذا التحديد؟

الجواب
ليس في هذا حديثٌ صحيح، وإنما فيه ما تُكلّم في سنده، وكذلك أيضاً منامات وقصص لا تقوى على هذا الحكم، فالأحكام التوقيفية لا بد فيها من نصوص إما في كتاب الله وإما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان إذا أفتى بذلك حاسبه الله عز وجل بين يديه، فلا يجوز للإنسان أن يأتي في مثل هذه الأمور الغيبية ويفتي بمشروعية شيءٍ إلا وعنده حجة؛ لأن الناس تأتمنه على دينِ الله عز وجل؛ فلا يجوز أن يخصص زماناً ولا وقتاً ولا ساعة إلا بحجة، وإذا وقف بين يدي الله حافياً عارياً يسأله: كيف أفتيت الناس وأمرتهم بذلك؟ يقول: قلت في كتابك أو قال نبيك صلى الله عليه وسلم.
فهذه هي البينة والأثارة {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} [الأنعام:57] فليست من منام الإنسان ولا من رؤياه ولا من أحلامه ولا من كلام زيدٍ أو عمرو.
فمن أراد أن يقف بين يدي الله عز وجل ببينة فليجعل أمامه كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وليس فيما ذكر شيء صحيح، ولو صح لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأموات مشغولون بما هم فيه؛ ولذلك لا فائدة في كونه يعرف من زاره أو لا يعرفه؛ إنما المقصود والأهم، والذي ينبغي أن تشتغل به النفوس وأن تصرف إليه الناس: أن يدعوا للأموات بقلوب خالصة، وأن يترحموا عليهم، وأن يعتبروا بحالهم.
ليست زيارة القبور أن يعرفك أو لا يعرفك، حتى لو عرفك ما الذي يستفيده وما الذي تستفيده؟! المقبور أحد رجلين: إما منعم، فما فيه من النعيم والرضا المقيم فهو أعظم من أن ينظر إليك أو يلتفت إليك.
وإن كان معذباً فما فيه من الجحيم والعذاب أحرى ألا يصرف معه إلى زيدٍ أو عمرو.
ولذلك ينظر الإنسان إلى الأصل، وهو أنك تزور القبر لأمرين: مصلحتك في الدعاء وحصول الأجر والثواب والاتعاظ، وكذلك مصلحة الميت والترحم عليه والدعاء له والاستغفار له.
وقد ورد حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الإنسان إذا زار الميت يأتيه من قبل وجهه، وحسن بعض العلماء إسناده، ويفتي بعض العلماء رحمة الله عليهم بذلك، حتى من مشايخنا من يفتي أنه من جاء يسلم على والده أو على قريبه فليأته من قبل وجهه، ولا يأتيه من وراء ظهره أو يأتيه من رجل القبر أو يأتيه من رأس القبر، وإنما يأتيه من جهة القبلة، يسلم عليه ويترحم عليه، وهذا لا حرج فيه.
أما أن يخص زماناً معيناً من بعد صلاة الفجر في يوم جمعة، أو من بعد صلاة العصر أو بعد صلاة العيد أو نحو ذلك، فكل ذلك لا نحفظ فيه دليلاً من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والشرع اتباع لا إحداث بالآراء واستحسان للأهواء والله تعالى أعلم.
(88/9)
________________________________________
اعتبار زيارة قبر الوالدين من البر بهما

السؤال
هل زيارة قبر الوالدين من البر؟ وهل لها مدةٌ محدودة؟ ومن كان يكثر من الدعاء لوالديه ولكن لا يزور قبريهما، فهل هذا من العقوق؟

الجواب
زيارة القبور كقبور الوالدين والدعاء والاستغفار لهما، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استأذن ربه في زيارة قبر والدته فأذن له، فلا حرج أن يزور الإنسان قبر والده ويسلم عليه؛ لأنه إذا زار قبر والده كان أدعى أن يترحم عليه وأن يحسن إليه بالدعاء الصالح، ولا شك أن الدعاء له وهو غائب ليس كدعائه وهو واقفٌ على قبره يتذكر إحسانه وفضائله.
وهكذا إذا زار قبر الوالدة ووقف عليها، وتذكر ما لها من الحسنات والفضائل، وما كان لها عليه من الفضل، وترحم عليها واستغفر لها؛ فإن هذا له أثر كبير في النفس، ويكون الدعاء فيه بقلب أكثر خشوعاً وأكثر تأثراً.
فلا حرج أن يزور الإنسان قبر والده ووالدته ويسلم عليهما ويدعو ويستغفر لهما ويترحم عليهما وهو من البر؛ لما فيه من الاشتمال على الدعاء والاستغفار والترحم، وقد عدّ النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء للوالدين والاستغفار لهما من البر، وفي الحديث: (يا رسول الله! هل بقي من بري لوالدي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما).
وقوله: (الصلاة عليهما) لا شك أن الدعاء عند وقوفه على القبر أبلغ تأثراً، وأبلغ حضوراً للقلب واستشعاراً لحاجة الميت للدعاء، بخلاف ما إذا ذكره وهو بعيدٌ عن قبره، فلا حرج إذا زار أو خص قبر الوالد والوالدة بالزيارة والسلام عليه والدعاء له، وهو إن شاء الله مأجورٌ على ذلك والله تعالى أعلم.
(88/10)
________________________________________
نصيحة لطالب علم

السؤال
إن طلب العلم طريق طويلٌ شائك، قد تنتاب الطالب وهو في طريقه وسيره الآفات من الغرور والفتور وغيرها، فهلا تفضلتم بكلماتٍ علاجية؟

الجواب
إذا وفق الله الإنسان لطلب العلم فإن الله سبحانه وتعالى يرزقه الشكر إذا أراد الله أن يزيده من فضله، فمن أهم الأمور التي يوصى بها طلاب العلم: كثرة شكر الله عز وجل، ولا تقوم من مجلس إلا وأنت تحمد الله عز وجل على ما سمعت فيه من الخير من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله قرن المزيد بالشكر.
فمن أراد أن يزيده الله من العلم، فعليه أن يكثر من شكر الله عز وجل وحمده، والثناء عليه سبحانه بما هو أهل، ولو كان مجلساً واحداً من الذكر، بل لو مررت على حلقة علمٍ فسمعت فيها آية أو حديثاً وفهمته، فإنه خيرٌ ترفع به درجتك؛ لأن الله يرفع أهل العلم درجات على قدر ما نالوا من العلم.
فهذا المجلس الذي تجلسه وتسمع فيه الآيات والأحاديث، ويوفقك الله لمعرفة السنن والآثار؛ تحمد الله عليه وتشكره؛ فيتأذن الله لك بالمزيد.
ومن آثار المزيد الذي يتأذن الله به لطالب العلم في بداية طلبه للعلم: أن يوفقه للعمل، فقل أن تجد طالب علم كلما قام من مجلسه حمد الله على ما سمع من الذكر والعلم النافع، وأثنى على الله بما هو أهل، إلا وجدته يوفق للعمل، ويعان على القيام بحق هذا العلم، ويوفق للدعوة إليه؛ لأنه يشكر نعمة الله عز وجل، فمن شكر تأذن الله له بالمزيد.
ومن الأمور التي يجب أن يتنبه لها طالب العلم: غفلته عن الشكر، وغفلته عن ذكر نعمة الله عز وجل عليه، فلا يزال يغفل عن نعمة الله حتى ينسى فضل الله وفضل عباد الله، حتى إنه يجلس المجلس ويقوم منه لا يذكر لله فضلاً ولا لعباده خيراً، ولربما لا يبالي بمن أسدي إليه من الخير والمعروف، ولربما يقوم من المجلس لكي يغتاب من استفاد من علمه، نسأل الله السلامة والعافية! فهذه من الآفات التي تكون بسبب الغفلة عن ذكر الله، ولذلك جعل الله ذكرهُ مقروناً بذكره سبحانه، فقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] فمن شكر الله وذكره بعد الاستفادة من العلم والعلماء، وأخذ الحكم وفهمها وفقهها، وقال: الحمد لله الذي علمني ما لم أكن أعلم وأسدى إلي الفضل العظيم، الحمد لله على هذا الخير، الحمد لله الذي جعل هذه الساعة في ذكره وشكره، حفتنا الملائكة، ونزلت علينا الرحمة، وذكرنا الله فيمن عنده، ما كنا على حرام ولا على فجورٍ ولا على آثام، ويحمد الله على هذا الفضل؛ يوفقه الله للخير الكثير.
فمن أعظم الأسباب التي ينبغي لطالب العلم أني يستشعرها دائماً، وأن يستحضرها بعد جلوسه في مجالس الذكر والعلم: أن يحمد الله على فضله، وإذا كان عندك الشعور بفضل الله عليك بهذا العلم أحسست بقيمته وأحسست بفضله فحفظته؛ فدعاك ذلك إلى أن تصونه وأن تراجعه وأن تضبطه، وأن تعطيه حقه من العناية والرعاية والتفقد؛ لأنك عرفت قدره بالشكر.
ثم بعد ذلك تعرف قدره بالعمل، وتعلم أنه لا مكانة لك عند الله في علمك إلا إذا عملت به، فتكون عالماً عاملاً.
فإذا علمت وعملت رضي الله عنك فوفقك للدعوة إليه، ووضع لك القبول بين العباد والحب بين الناس، وجعل لفتاويك وعلمك وأثرك وسمتك ودلك أثراً في قلوب الناس، وانتشر ذكرك بين الناس بما يعين على قبول علمك والعمل به وحبه والدعوة إليه بما تنال به من الأجور والحسنات.
ولذلك: لا خير للإنسان في علمه إلا بقدر ما يضع الله له من القبول في الخلق، فإنه إذا وضع القبول للإنسان انتشر علمه، وكثر خيره وبره، وصارت له حسنات بين الخلائق والدعاء الصالح بين الناس، ولا شك أن في هذا من الخير الكثير.
أما ما ذُكِر من خوف الآفات التي من أعظمها الغرور، فإن الغرور في طلب العلم لا يأتي إلا بسبب الجهل بالله سبحانه وتعالى، فإن المغرور جاهلٌ بنفسه جاهلٌ بربه، ومن أعظم الأمور التي تكسر الغرور من قلب الإنسان: كثرة ذكره للآخرة، وسؤال الله وحسابه له عن العلم؛ فإنك إذا علمت أن العلم مسئولية، وأنه أمانة، وأنه حقٌ لله عندك ينبغي أن تعلمه وتعمل به وتدعو إليه؛ خفت منه وهبته؛ فانكسر قلبك بدل أن تغتر به، وبدل أن تتباهى به، تصبح مشفقاً على نفسك، تعمل به وتعلمه وتنفع به الناس حتى تصيب الخيرية، قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
ولا يأتي الغرور إلا بسبب الحرمان، فإذا أراد الله أن ينزع البركة من علم الإنسان ابتلاه بالغرور.
فإذا كان الإنسان كلما جلس في مجلس اغتر بعلمه واغتر بفهمه، محق الله بركة علمه؛ ولذلك قل أن تجد إنساناً مغروراً مباركاً له في علمه، بل تجد القلوب منصرفةً عنه، كلما تذكرت عجبه واختياله بنفسه كرهت العلم الذي يكون منه، وهذا من عاجل نقمة الله للعبد في الدنيا.
فمن الآفات التي يبتلي الله بها المغرور أن الله لا يزال يسلط عليه الشيطان فيغتر بنفسه؛ حتى لا يجني الخير من علمه، فقل أن تجده يبارك له في العلم فينال منه حسنةً واحدة، بل إنه ربما اغتر حتى تجده يوماً من الأيام يتطاول على من علمه وفهمه؛ لكي يستدرك ويبدي الملاحظات ويأتي بالمناقشات، ويسيء الأدب، حتى يمحق الله البركة من علمه.
لكن إذا أراد الله الرحمة بطالب العلم رأيته موطأ الكنف، وجدته أليفاً رحيماً رقيقاً رفيقاً قريباً من العلماء، ومن أسدى إليه الخير كان قريباً منه، يتأدب معه ويستفيد منه ويتلطف، وتجده يتحمل كثيراً من المشاق والمتاعب من أجل هذه الرحمة التي أسكنها الله في قلبه.
لكن إذا أراد الله أن ينزع منه الرحمة جعله قاسي القلب، فتجده يغتر بنفسه، حتى إنه يجلس في المجلس لكي يتتبع العثرات والأخطاء، ولكي يحفظ أن فلاناً حدث بهذا الحديث الضعيف، أو أن الشيخ قال كذا أو فعل كذا، وقد لا يلتفت إلى عذر من حدثه بكونه يرى صحة ما يرى ضعفه، أو يرى حسن ما يرى عدم ثوبته.
فلذلك: ينبغي للإنسان أن ينتبه، وأن يتقي الله في نفسه، وأن يحفظ حرمة هذا العلم، وأن يعلم أن هذا العلم قد يكون وبالاً على صاحبه؛ فإن إبليس عليه لعنة الله لما اغتر بعلمه أهلكه الله ومقته، وجعله نسأل الله العافية في سفال، وأحل عليه اللعنة إلى يوم الدين، فأشقاه وأشقى من تبعه ومن سلك سبيله ونهجه.
فمن اغتر بعلمه حاق به ما كان به يستهزئ، والذي يتطاول على العلماء وعلى السلف الصالح من الأئمة الماضين، وتجده إذا جلس في مجلس العلم يجلس لكي يتتبع أخطاء الكتاب أو أخطاء المتن، ويتتبع عثرات العلماء الذين يستمع منهم، فإنه ممحوق البركة ونسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بالله من هذه الشرور والآثام.
والوصية بتقوى الله؛ فإن جماع الخير كله في تقوى الله عز وجل، والله ثم والله ما احتقرت نفسك إلا رفع الله شأنك، وإذا وكلت أمرك إلى الله فلم تتكل على حفظك ولا على فهمك ولا على ذكائك، وقلت: أنا مقصر، ومن أنا؟ وما الذي عندي؟ فأصبحت تنظر إلى نفسك بالنقص؛ فإذا بالله يكمل نقصك، ويجبر كسرك ويستر عيبك؛ فإن الله إذا نظر إلى العبد نظر إلى قلبه، فإذا وجد في القلب اللين والرحمة والإشفاق على النفس؛ بلغه من الخير ما يأمله، وزاده من فضله سبحانه وتعالى.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل.
والله تعالى أعلم.
(88/11)
________________________________________
هل الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟

السؤال
كيف نجمع بين الحديث الذي في صحيح مسلم: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) وبين قول الله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]؟

الجواب
حديث الصحيح (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) للعلماء فيه أوجه: الوجه الأول: أن المراد بقوله: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) إذا وصى بذلك، فإذا وصى بذلك فإنه يعتبر من كسبه وسعيه، فتكون الآية مستقيمة على هذا المعنى؛ لأنه تسبب في البكاء عليه بالوصية، وكان هذا البكاء من وزره وسعيه، ولا تعارض بين الآية والحديث من هذا الوجه.
الوجه الثاني: أن يكون الشخص عالماً أن أهله سيبكون عليه ويبالغون في هذا البكاء، فيقرهم على ذلك ويحفزهم عليه، ولا يوصي بامتناعهم عن ذلك، قالوا: فحينئذٍ يكون قصر وألزم بعاقبة تقصيره.
الوجه الثالث: ليس المراد عذاب العقوبة، وإنما المراد به عذاب الحزن والوجد، بمعنى: أن الله يسمعه بكاء أهله عليه فيتألم لذلك ويكون له نوعٌ من العذاب، وليس العذاب الحقيقي، والنبي صلى الله عليه وسلم قد سمى العذاب الذي ليس مشتملاً على العقوبة بعذاب، وهو الألم النفسي كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (السفر قطعةٌ من العذاب) مع أنه ليس بعذاب عقوبة، وإنما هو عذابٌ في النفس كما فسره بقوله: (يمنع أحدكم طعامه وشرابه وراحته، فإذا قضى نهمته فليرجع) فدل على أن قوله: (السفر قطعة من العذاب) أي: عذاب النفس وعنائها، فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) أي: أنه يجد الحزن والألم حينما يسمعه الله بكاء أهله عليه، وقد جاء في بعض الآثار عن بعض الصحابة ما يشهد لذلك: (أنه لما احتضر جعلت امرأته تثني عليه وتزكيه، فلما أفاق قال: إنه لكزني -أي: الملك- وقال: أأنت كذلك؟ أأنت كذلك؟ ما قلت شيئاً إلا لكزت عليه)، وقالوا: إن هذا إنما هو الألم النفسي.
وهذا الجواب الأخير هو أقوى الأجوبة؛ أن المراد به أنه يسمعه الله بكاء أهله عليه فيتألم ويحصل له من الحزن والوجد ما يكون نوع عذاب نفسي، لا أنه عذاب عقوبة وألم جسد.
ثم يليه في القوة: إذا وصى بذلك وأقر عليه؛ فإنه يقوى حينئذٍ أن يكون متحملاً لوزره، ولا تعارض بين الآية والحديث والله تعالى أعلم.
(88/12)
________________________________________
حكم إقامة العزاء في أكثر من بلد بعد موت الميت

السؤال
ما حكم إقامة العزاء في أكثر من بلد، خاصةً إذا مضى زمن على موت الميت؟

الجواب
هذا من البدع، العزاء لا يكون إلا لأهل الميت، والزائد على ذلك لا أصل له، ويكون العزاء بتحري السنة والبعد عن البدع والمبالغة في العزاء، من إحضار الأشياء التي تكون أشبه بالعرس منه بالعزاء والحزن، كل ذلك من البدع التي أحدثها الناس، وإقامة العزاء على صور وأشكال معينة ما أنزل الله بها من سلطان، كل ذلك من المبالغات، إنما يكون العزاء لآل الميت، والزائد على ذلك كله لا أصل له، ولا يشرع فعله وإقامته والله تعالى أعلم.
(88/13)
________________________________________
الجمع بين تحريم ذكر مساوئ الميت وحديث الثناء على الجنازة بالشر

السؤال
كيف نوفق بين تحريم ذكر مساوئ الميت، وبين الحديث الذي ذكر سيئات جنازة عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (وجبت)؟

الجواب
الناس يثنون بالخير والشر، بمعنى: أنهم يذكرون المحاسن والمساوئ، وهذا لا يستطيع أحد أن يحكم الناس فيه، فإن الناس بالجبلة والفطرة، إذا مات الميت سيذكرون محاسنه ومساوئه، فيكون كلام الصحابة بذكرهم لمحاسن المحسن ومساوئ المسيء خرج على أصل الفطرة؛ ثم جاء تعليق الشرع: بأن من أثني عليه خير فهو إلى خير، ومن أثني عليه شر فهو إلى شر.
الوجه الثاني: أن المسيء يكون ظالماً لغيره، فيجوز للغير أن يتحدث بمظلمته لقوله تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء:148] فلو أن ميتاً أكل مالك أو أخذ حقك أو ظلمك في أمر، فلما توفي قلت: فلانٌ ظالم، فإنه من حقك أن تقول هذا؛ لأنك مظلوم.
فإذا تحدث الإنسان بمظلمته فإنه مستثنىً من هذا، وأما المراد بقوله: (أن يكف عن مساوئ الميت)، فهو حديث الفضول الذي لا مصلحة فيه والله تعالى أعلم.
(88/14)
________________________________________
حكم إنزال الرجل للمرأة الأجنبية إلى القبر

السؤال
ما حكم إنزال المرأة الأجنبية إلى قبرها من قبل الرجل؟

الجواب
المرأة يشرع أن يليها أقاربها؛ لأنه أبعد عن الفتنة وأصون للمرأة، وأحفظ لها أن يليها أخوها وأبوها وزوجها وقرابتها كابنها ونحو ذلك من القرابات؛ لأنه أصون للمرأة وأحفظ وأبعد من فتنة الغير، فإن نزل الأجنبي في قبرها وأراد أن يتولى دفنها، وأمنت الفتنة فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفنت بنته قال: (أيكم لم يقارف أهله الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله.
فأمره أن ينزل) مع أنه أجنبي، وقد كان عثمان رضي الله عنه زوجاً لها ولم يأمره أن ينزل، فدل هذا -كما يقول العلماء- على أنه لا حرج أن يلي الأجنبي دفن المرأة، خاصةً في بعض الظروف التي لا يحسن أقرباء المرأة ما يُصنع بالميت في قبره.
فمثلاً: لو كان للمرأة ابن أو أب أو أخ من محارمها، ولكنه لا يحسن طريقة وضعها في القبر، ولا يحسن إعداد أو إصلاح حالها في القبر؛ فإنه حينئذٍ قد يكون الأجنبي الذي خُصص لهذا الأمر أقدر على هذا الشيء وأقوى عليه، فنقول حينئذٍ: لا حرج أن ينزل، ولا حرج أن يقوم بتهيئتها ووضعها في لحدها، وليس ثم محظور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لـ أبي طلحة أن يتولى بنته مع أنه أجنبي عنها والله تعالى أعلم.
(88/15)
________________________________________
حكم حلق شعر العانة والإبطين من الميت

السؤال
هل يجب عند تغسيل الميت حلق شعر العانة والإبطين؟

الجواب
هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمة الله عليهم: هل إذا مات الميت ولم يُنتف شعر إبطه، ولم تُقلم أظفاره، هل يجوز أن يقلم المغسل أظفاره وينتف شعر إبطه أو يحلقه؟ قال بعض العلماء: يشرع ذلك، وإن فعله وضعه في كفن الميت.
وقال جمعٌ من أهل العلم: إنه لا يشرع أن يتصرف بجسده، فلا يقلم أظفاره ولا يقص شعره، وإنما يغسله بهيئته التي هو عليها.
وهذا هو الصحيح: أنه يترك على حالته، ولا يتعرض لهذه الأشياء؛ لأن التكليف قد زال عنه، وأنت لست بمكلفٍ به، وإنما هو مكلفٌ في نفسه، وبناءً على ذلك فإنه يشرع تركه، فلو قلمت أظفاره وحلقت شعر إبطه فلا حرج.
أما العانة فأمرها أشد؛ لأن موضعها ليس كموضع الإبطين؛ ولذلك قالوا: لو مات غير مختون، فلا يشرع أن يختنه؛ لأن التكليف قد زال.
والصحيح: أنه لا يتعرض له، وإنما يغسل ويكفن بحالته التي مات عليها والله تعالى أعلم.
(88/16)
________________________________________
حكم دفن ميت مكان آخر قد بليت عظامه

السؤال
من المعلوم أن عجب الذنب لا يبلى، فهل يدفن ثم يوضع ميت آخر في نفس القبر؟

الجواب
إذا ذهبت العظام وتلاشت ولم يبق إلا عجب الذنب؛ فإنه يشرع أن يوضع في القبر ميتٌ آخر، ولا يعتبر وجوده مانعاً من قبر الغير فيه، والذي نص عليه الأئمة رحمة الله عليهم: أن عظام الميت ما دامت موجودة في القبر فلا يزال مالكاً لقبره، لا يجوز أن يقبر عليه الغير، ولا يجوز أن يزرع أو يبنى عليه، ولا تملك أرضه للغير، فتعتبر لهذا الميت لحرمته، فلا يجوز البناء عليه، ولا يجوز أيضاً حفر القبر ولا نبشه؛ لأن وجود العظام كوجوده هو؛ فهذه من حرمة المقابر.
أما لو أنها فنيت وذهبت وبقي عجب الذنب، فلا حرج حينئذٍ أن يقبر الغير عليه والله تعالى أعلم.
(88/17)
________________________________________
حكم قراءة سورة أخرى بعد الفاتحة في صلاة الجنازة

السؤال
هل يشرع في الصلاة على الميت أن يقرأ المصلي بعد الفاتحة سورة أخرى، أم يقف عند قراءة الفاتحة فقط؟

الجواب
السنة كما في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة)، ولذلك لا يشرع أن يقرأ سورةً مع الفاتحة، وإنما يقتصر على قراءة الفاتحة.
(88/18)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الزكاة
الزكاة فريضة من فرائض الله عز وجل، وهي الركن الثالث بعد الشهادتين والصلاة، وقد أوجب الله الزكاة وفرضها على عباده في كتابه المبين، وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، وأجمعت الأمة على فرضيتها، وما فرضها الله إلا طهرة للأنفس والأموال، وتفريجاً وإحساناً إلى الفقراء والمساكين ومن كان من أهل مصارفها.
(89/1)
________________________________________
تعريف الزكاة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [كتاب الزكاة].
الزكاة: أصلها من زكا الزرع والمال إذا نما وكثر، يقال: زكا الشيء إذا نما وكثر خيره، وقالوا: سميت الزكاة بهذا؛ لأن الله ينمي المال بها ويضع فيه البركة، فما نقصت صدقةٌ من مال، بل تزيده، والله عز وجل يجعل هذه الصدقة سبباً في حصول الخير في مال العبد.
وقيل: إنها مأخوذةٌ من زكا الشيء إذا صلح، والعبد الزكي هو الصالح المستقيم على طاعة الله عز وجل البعيد عن الذنوب، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} [الكهف:74] أي: لا ذنب لها فهي صالحة؛ لأن الصغار الأصل فيهم أنهم لم يبدر منهم الشر.
وكذلك تطلق الزكاة بمعنى الطهارة والحرص على الخير، والبعد عن كل دنس وعن كل ما يشين الإنسان، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:7 - 10].
فقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} قالوا في تفسيره: طهرها بالخير والاستقامة على الطاعة والبر فهذه من معاني الزكاة.
وسميت هذه الفريضة بهذا الاسم -من ناحية هذا الاشتقاق اللغوي- لأن الله يطهر بها المال، ويطهر بها نفس المزكي من الشح والبخل، فيؤدي الزكاة طيبةً بها نفسه، ومستجيباً لأمر الله عز وجل، فيكون أرفع من أن يملكه المال؛ فيصبح بذلك قوي النفس على إنفاق المال في وجوه الخير والطاعة والبر.
والزكاة حقٌ واجبٌ في المال، ويعرفها بعض العلماء بقولهم: حقٌ مخصوص في شيءٍ مخصوص على صفةٍ مخصوصة في شخصٍ مخصوص.
فالحق المخصوص قدره الله عز وجل بالمقادير، فيكون عشر المال، ويكون ربع العشر كما سيأتي إن شاء الله في قدر الواجب من الزكاة.
وقولهم: في مالٍ مخصوص؛ وهي الأموال التي أوجب الله فيها الزكاة؛ ومن ذلك السائمة من بهيمة الأنعام، والنقدان وعروض التجارة، ونحوها من الأموال التي خص الشرع الزكاة بها.
ولشخصٍ مخصوص: وهي الأصناف الثمانية الذين سماهم الله عز وجل بحيث تدفع الزكاة إليهم لا إلى غيرهم.
في وقتٍ مخصوص: وهو الذي اعتبره الشرع من حولان الحول، أو إذا كان من الزروع ونحوها عند الحصاد.
(89/2)
________________________________________
مكانة الزكاة وحكمها
الزكاة فريضة من فرائض الله عز وجل، وهي ركنٌ من أركان الإسلام، وهي الركن الثالث بعد الشهادتين والصلاة، وقد أوجب الله عز وجل الزكاة وفرضها على عباده في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، وأجمعت الأمة على فرضيتها، ففي الكتاب في أكثر من آية قال سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] ولذلك قرنها مع الصلاة التي هي عماد الدين؛ إشارةً إلى علو شأنها وعظم أمرها، وقد رتبها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة مباشرة، كما في الصحيح من حديث معاذ رضي الله عنه: (فإن هم أطاعوك لذلك -يعني: للصلوات الخمس- فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).
وكذلك أيضاً وردت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالزكاة وبين مجمل القرآن فيها، فذكر النصاب وقدره؛ وكذلك القدر الواجب في الأموال، وأرسل السعاة والمزكين إلى الناس فأخذوا الزكاة منهم، وكانت سنته صلوات الله وسلامه وهديه على ذلك، وفي الصحيح عنه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ... ) وحديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه لما بعثه إلى اليمن -وكان في آخر حياته- (فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).
وهي حقٌ لله عز وجل جعله في مال الأغنياء، وأجمع المسلمون على وجوبه ولزومه.
(89/3)
________________________________________
حكم من أنكر الزكاة
ومن أنكر وجوب الزكاة فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون عالماً بوجوبها وفرضيتها وينكر، فهذا كافر مرتد بإجماع العلماء رحمة الله عليهم؛ لأنه أنكر المعلوم من دين بالله بالضرورة، فمثلاً: لو قيل لرجلٍ: زك، فقال: ليس هناك زكاة، أو أنكر أن في الإسلام زكاة، وقال: الزكاة ليست بواجبة، وليس في دين الله زكاة، فهذا كفرٌ وردة، نسال الله السلامة والعافية.
أما إذا كان جاهلاً، والجاهل له أمثلة: كرجلٍِ أسلم من الكفار، فلما أسلم أُمرَ بالصلاة فصلى، ثم قيل له: زك، قال: ما هناك زكاة، فأنكر الزكاة لجهله وعدم علمه؛ فهذا لا يكفر، وإنما يعلم وتقام عليه الحجة، ثم بعد ذلك إن جحد بعد تعليمه وإقامة الحجة عليه فهو كافر؛ فيعذر في هذه الحالة بجهله، وهي من مسائل العذر بالجهل.
وهكذا لو كان في بادية بعيداً عن العلم وبعيداً عن العمران، فليس ثم عنده علماء يسألهم، فيعلم منهم أن هذه الزكاة فريضة من فرائض الله، فَسُئِلَ عن الزكاة أو أُمِرَ بالزكاة فقال: ليس هناك زكاة؛ عن جهلٍ منه؛ فإنه لا يكفر، وإنما يعلم وتقام عليه الحجة، ثم يحكم عليه بعد ذلك.
واختلف العلماء -رحمة الله عليهم- في أهل الردة الذين منعوا الزكاة على عهد أبي بكر رضي الله عنه وقتال أبي بكر لهم، فأهل الردة فيهم ما يدل على جحدهم للزكاة، وهو يقتضي الحكم بكفرهم، ويظهر ذلك من قولهم: مات الذي أمرنا الله بأداء الزكاة إليه، وقال بعضهم: قد كانت صلاة النبي عليه الصلاة والسلام لنا سكناً، وصلاة أبي بكر ليست لنا بسكن، يعنون بذلك قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة:103] فقالوا: إن نص الآية يدل على تخصيص دفع الزكاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ليس داخلاً في هذا الحكم، فكأنهم بهذه المثابة قد أنكروا الزكاة وأنكروا فرضيتها؛ فاستقام تكفير الصديق رضي الله عنه لهم وقتالهم على هذه الردة.
وقيل: إن الصحابة لم يحكموا بكفرهم بناءً على وجود التأويل.
وإن كان الظاهر أن فيهم من أنكر الزكاة، فيحكم بكفره على ما ذكرناه من إنكار وجوب دفع الزكاة إلى أبي بكر الصديق، واعتقادهم أن الزكاة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم من منعها عناداً، وكلٌ منهما أخذ حكمه، وقد ذكر الأئمة رحمة الله عليهم أنه لما عضتهم الحرب ووجدوا حرها، قالوا: ندفع الزكاة، فامتنع أبو بكر أن يقبل منهم ذلك -كما ذكر الإمام ابن قدامة في "المغني"- حتى يشهدوا أن قتلاهم في النار وقتلى المسلمين في الجنة، فشهدوا بذلك، فقالوا: إن هذا يدل على أنهم كفار.
وأجاب بعض العلماء: بأن كونه يحكم بكونهم في النار لا يقتضي الحكم بكفرهم؛ لأنه قد يعذب تارك الزكاة ومانعها بالنار كما في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم لارتكابه للكبيرة.
فالحاصل: أن من أنكر الزكاة وقال: ليس في دين الله زكاة، أو ليست الزكاة بواجبة، فإنه حينئذٍ يحكم بكفره؛ لأنه أنكر المعلوم من الدين بالضرورة إذا كان عالماً، وأما إذا كان جاهلاً فلا.
(89/4)
________________________________________
مقاصد الشريعة من فرضية الزكاة
يقول رحمه الله: [كتاب الزكاة].
أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بفرضية الزكاة.
والله تعالى قد أمر بالزكاة في كتابه وأجمل، حيث لم يبين ولم يفصل أحكام الزكاة، وإنما فصلتها السنة، ولذلك يعتبر الأصوليون رحمة الله عليهم الأمر بالزكاة في القرآن من المجملات، ويعتبرون أدلة السنة مبينة، ويذكرون من أمثلة المجمل إجمال القرآن للزكاة وتفصيل النبي صلى الله عليه وسلم لأنصبتها وشرائطها وأركانها مما يلزم للحكم بها؛ فلذلك يقولون: إن القرآن أجملها والسنة بينتها.
لقد أوجب الله سبحانه وتعالى الزكاة وفرضها لحكمٍ عظيمة، ففيها الخير لمن يزكي ولمن تؤدى إليه، ولا يقتصر الخير عليهما، بل يشمل المجتمع كله، ففيها خير للإنسان الذي يزكي، إذ هي زيادة قربةٍ وامتثالٍ وطاعةٍ لله عز وجل، فإذا أداها زاد خيره وعظم أجره بالامتثال.
ثانياً: أنها تقوي يقينه بالله سبحانه وتعالى من جهة كونه يُحسن الظن بأن الله سيخلف عليه، وأن الله سيعوضه خيراً.
ثالثاً: أنها تطهر نفسه من أدران الشح والبخل، ومالك المال إذا جاد به وأنفقه وأحسن به إلى الناس أخرجه الله من رقه، فأصبح مالكاً للمال، ولم يكن المال مالكاً له، وإذا تعوّد الإنسان الإنفاق من ماله قوي على هذا المال، وإذا تعود على كنزه وحفظه، فإن المال يأسره -نسأل الله السلامة والعافية- حتى يأتي عليه يوم لا يستطيع أن ينفق من هذا المال حتى لصحته وصحة أبنائه وأطفاله وزوجته، كل ذلك لأن المال أسره، وحب المال -والعياذ بالله- فتنه، فإذا أدى الزكاة تعود أن يخرج من رق المال ومن أسر المال له.
وكذلك أيضاً فيها خير له من جهة أن الله عز وجل يضاعف له المال وينميه، ولا تنقص هذه الزكاة من ماله، بل إن الله عز وجل يعوضه في هذا المال حساً ومعنى: يعوضه حساً، فتربح تجاراته وتعظم أمواله؛ ولذلك تجد المزكين بخير الأحوال ولربما يعوضه معنى، فيجعل البركة في ماله؛ فإذا كانت تجارته أقل من تجارة الغير عدداً فإنها أكثر بركةً، والعبرة بالبركة، فإن الله سبحانه وتعالى قد يغدق المال الكثير على العبد وينزع منه البركة؛ فيصبح كأفقر الناس -نسأل الله السلامة والعافية- ولربما تجد الإنسان قليل المال، ولكن وضع الله له فيه البركة، فيعود عليه بالخير كما لو كان عندهُ أضعاف هذا المال، ولذلك يقول العلماء: ليس المهم أن يجد الإنسان الخير في الدنيا، ولكن الأهم أن يضع الله له البركة فيما وهبه من خير الدنيا.
فمثال ذلك: قد تجد عند الرجل التسعة والعشرة من الأولاد، ولكن الله ينزع منهم البركة، فيجد فيهم العقوق والأذية والضرر حتى يتمنى أنه عقيم لا ولد له -نسأل الله السلامة والعافية- فنزع الله منهم البركة، وجعلهم شقاءً عليه.
ومن الناس من تجد عنده الولد الواحد ذكراً أو أنثى، قد وضع الله فيه سعادة الدنيا، فيكفي أباه همه، ويقوم على شأنه، ويجده في الشدائد عوناً بعد الله سبحانه وتعالى، فيجد فيه من الخير ما لا يجده صاحب العشرة والعشرين من الولد مما وضع الله من البركة في هذا النسل أو هذا العقب.
فالعبرة في خير الدنيا الذي يهبه الله من الأموال والأولاد والتجارات ونحوها: أن يضع الله البركة فيها، وقد تجد الإنسان يملك الملايين ولكنها تذهب سداً، وقد تجده يملك مئات الألوف ولكن الله ينزع منها البركة، فزوجته مسرفةٌ في إنفاقها وأولاده يسرفون، فلا يجد بركةً لماله، خاصةً إذا اكتسب المال من الحرام؛ فإن أول شؤم الحرام أن ينزع الله منه البركة، فالزكاة سبب للبركة في الأموال، ويصلح الله بها حال المال، ولذلك تجد المزكي على خير دائمٍ في ماله وطمأنينة وانشراح صدر مع ما في الزكاة من دفع البلاء عن المال؛ فإن الله سبحانه وتعالى إذا وفى العبد له بحقه حفظ له ماله وبارك فيه.
كذلك أيضاً فيها خير لمن تؤدى إليه الزكاة، فالفقراء والضعفاء ينجبر كسرهم وتفرج كرباتهم، والمديون يُقضى دينه، وغير ذلك مما يحصل من الخير للضعفاء والمساكين.
هذا الضعيف والمسكين يرتاح قلبه بأداء الزكاة إليه؛ فتندفع نفسه عن التفكير في الحرام، وكذلك الحقد على إخوانه الأغنياء من المسلمين، فإذا وجدهم يحسنون إليهم أحبهم، وبناءً على ذلك يبتعد عن كثير من المفاسد، مع ما يحصله من المصالح، فيها خيرٌ للمجتمع؛ لأنها تقوي أواصر المحبة، فطبقة الأغنياء والفقراء لا بد منها؛ لأن الله رفع بعضنا على بعض وفضل بعضنا على بعض، وجعل بعضنا فوق بعض درجات ليتخذ بعضنا بعضاً سخرياً، ابتلاءً للأغنياء وللفقراء، فالأغنياء يبتلون كيف يعاملون الفقراء والضعفاء، والضعفاء يبتلون كيف يصبرون على أذية الأغنياء وإذلالهم لهم.
فهذا الابتلاء من لازم وجود الأغنياء والفقراء أن يحصل التنافس بينهم، فلربما يحقد الفقراء على الأغنياء، حتى تأتي الساعة التي تسرق فيها الأموال وتغتصب، وذلك بسبب منع الأغنياء لأموالهم، فلو أن الله لم يفرض الزكاة وأصبح الفقير فقيراً فسيحقد الفقراء على الأغنياء؛ لأنهم يجدون أنهم في ضيق وشدةٍ؛ هذا الغني يتمتع بملاذ الحياة، والفقير لا يجد قوام عيشه فضلاً عن أن يتمتع في حياته، فيحقد الضعيف على القوي، ويحقد الفقير على الغني.
فإذا جاء الغني وأعطى الفقير زكاة ماله، وأشعره كأنه شريكٌ له في هذا المال؛ اطمأنت نفسه، ودعا له بالخير والبركة، ولذلك تجد الفقراء يحبون الأغنياء بحسناتهم وصدقاتهم ويدعون لهم بالخير، حتى إنهم إذا سمعوا بالنكبة لهذا الغني دعوا الله أن يفرج عنه وأن يخفف عنه، فكم من بيوتٍ تقوم على إحسان الأغنياء، قد جعل الله هذا الإحسان سبباً في دفع البلاء عن هؤلاء الأغنياء، فترفع لهم الأكف آناء الليل وأطراف النهار بأن يحفظ الله أموالهم، وأن يحفظ الله أبناءهم وذرياتهم؛ فيعود الخير على أفراد المجتمع وتجتمع القلوب.
إضافةً إلى أن السرقات والغصوبات ونحوها مما تكون بسبب الفقر لا تنتشر بين المسلمين؛ لأن الفقير يعطى من الزكاة نفقة العام كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه، فكأنه كُفي، وبناءً على ذلك فإن انتظام الزكاة من صالح الأفراد والجماعات.
ونظرة الإسلام إلى المال وسطية، لأن هناك نظرة مادية تعظم المال حتى كادت أن تعبده، كما هو منهج الرأسمالية، وهناك نظرة تنظر إلى المال كأنه لا قيمة له إلى درجة سوت بين الأغنياء والفقراء كما هي نظرة الاشتراكية، فجعلت الفقير يشارك الغني في كده وتعبه ونصبه وشقائه فظلمت الغني، وأولئك ظلموا الفقراء، والشريعة عدلت بين الفقراء والأغنياء، فجعلت في أموال الأغنياء حقاً معلوماً للسائل والمحروم، فبذلك حفظت الغني من بطره وأشره واكتنازه لماله، مع ما أعد الله للغني من الثواب في الآخرة.
فجاءت نظرة الإسلام وسطية بين تعظيم الأموال والنظرة إليها أنها هي كل شيء كما هو منهج الرأسمالية، وبين إهانة المال والاعتداء على الملكية الفردية كما هي نظرة الاشتراكية، فأتى الإسلام بالوسطية: فجعل للمال حقه، وجعل للغني يده، ولم يظلمه في تعبه، فكيف يسوى بين الذي يتعب ويكدح آناء الليل وأطراف النهار، ويحصل الأموال بكده وتعبه -بعد توفيق الله عز وجل- وبين العاجز الخامل؟! فلو أنه سويّ بين الغني والفقير -كما يقال في مذهب الاشتراكية- فإن هذا يجعل المجتمع في بطالة، ويقوي على البطالة ويعين عليها، ولكن الإسلام لا ينظر إلى هذا، يقول: أعط الفقير، ولكن بشرط أن يكون عاجزاً عن الكسب، يكون قد ضاقت يده في ظروفٍ معينة وحدودٍ ضيقة، وكذلك أيضاً ملَّك الغني ماله، فأعطى كل ذي حقٍ حقه، وما ظلم الله عز وجل لا الأغنياء ولا الفقراء، مع أنه سبحانه وتعالى هو مالك الأموال ومن ملكها، ولو قال الله عز وجل لنا: أدوا أموالكم كاملة لأديناها؛ لأنها ما كانت لنا ولم تكن إلا بفضله سبحانه وتعالى، هو الذي أنفق على عباده وأغنى الغني بفضله وكرمه.
يقول المصنف رحمه الله: [كتاب الزكاة].
من عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يرتبوا مؤلفاتهم الفقهية، فهم يبدءون بكتاب الصلاة، وحين يبدءون بكتاب الصلاة يهيئون له بكتاب الطهارة، فيبينون الشروط المعتبرة للصلاة ومنها الطهارة، وبعد بيانهم للصلاة وما يتعلق بها يقولون: كتاب الزكاة.
فبعد أن فرغ رحمه الله من كتاب الصلاة شرع في كتاب الزكاة، وعبر بـ (كتاب) ولم يقل: (باب)؛ لاشتمال هذا الكتاب على أبواب عديدة ومباحث متعددة تحتاج إلى تفصيل، ومسائل مختلفة تحتاج إلى بيان؛ ولذلك قال رحمه الله: كتاب الزكاة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه جمعين.
(89/5)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب شروط وجوب الزكاة
من شروط الزكاة حولان الحول، لكن هناك أموال لا يشترط فيها الحول، كالحبوب والثمار ونحوها، وهناك مسائل متعلقة بالزكاة، منها: زكاة الدين ومتى تجب فيه الزكاة ومتى لا تجب، وزكاة الشيء المغصوب، وزكاة من ملك مالاً ونسي موضعه، وزكاة من ملك نصاباً وعليه دين، والأحوال التي تسقط فيها الزكاة، وهل تجب الزكاة في عين المال أم في الذمة.
(90/1)
________________________________________
شروط وجوب الزكاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [تجب بشروط خمسة].
تجب -أي: الزكاة- بشروط خمسة لا بد من توفرها للحكم بوجوبها ولزومها، وقوله: (خمسة) إجمالٌ قبل البيان والتفصيل، من فوائده: تهيئة السامع، وتشويقه إلى العلم بها أو بتفصيلها.
قوله: [حرية].
الشرط الأول في وجوب الزكاة الحرية، والعبد بالإجماع لا تجب الزكاة عليه من حيث الجملة، فلا تجب الزكاة في أموال العبيد، وإنما تجب على الأحرار.
أما الدليل على أنها لا تجب على العبد: فما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع عبداً وله مال؛ فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع).
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخلى يد العبد من الملكية، فقال: (من باع عبداً وله مالٌ -أي: للعبد مال- فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فدلّ على أن العبد لا ملك له للمال، وإذا كان العبد لا يملك المال فإنه لا يتوجه إليه الخطاب بزكاته، وإنما يتوجه إلى سيده.
وعلى هذا: فزكاةُ مال العبد واجبةٌ على السيد، وهذا مذهب الجمهور.
وقال مالك رحمة الله عليه: لا تجب لا على السيد ولا على العبد، فأسقط الزكاة عنهما، وظاهر حديث ابن عمر يدل على أن الزكاة تتعلق بالسيد، وأنه تجب زكاة مال العبد لكن على سيده لا على العبد؛ وذلك لأنه مال، فهو داخلٌ في عموم الأدلة التي أمرت بأداء الزكاة.
والعبد له أحوال: إما أن يكون مملوكاً بكامله لزيدٍ من الناس، أو يكون بعضه حر وبعضه عبد، فإذا كان نصفه حراً ونصفه عبداً فما الحكم؟ قالوا: تجب الزكاة بقدر ما فيه من حرية، وحينئذٍ يكون مالكاً لنصف ماله، فتجب عليه الزكاة في هذا النصف بما فيه من الحرية.
المسألة الثالثة: إذا كان العبد مكاتباً -وهو الذي يسعى لحريته- فهل تجب عليه الزكاة أو لا تجب؟ للعلماء قولان: أبو ثور وداود الظاهري يوجبان على العبد المكاتب الزكاة، والجمهور لا يوجبون عليه الزكاة؛ لأنه لم تثبت حريته بعد؛ لأنه إذا عجز عن أنجم الكتابة رجع رقيقاً، فدلّ على أنه أثناء أدائه لثمن الكتابة لا يزال رقيقاً، وعلى هذا: فالمكاتب لا تجب الزكاة عليه، وإنما تجب على سيده.
قوله: [وإسلام].
أي: ومن شروط وجوبها الإسلام، فلا تجب الزكاة على كافر؛ فمثلاً: لو أن اليهود والنصارى كانوا أهل ذمة عند المسلمين، فلا نأتي ونقول لهم: أدوا الزكاة؛ إذ لا تجب الزكاة على الذمي؛ لأنه كافر، أما لو كان مسلماً ثم بعد ذلك ارتد، فإنه لا تجب عليه الزكاة، لكنه يطالب بالزكاة الواجبة عليه أثناء إسلامه، فلو أنه وجبت عليه الزكاة مائة ألف، فارتد بعد وجوبها ولم يؤدها بعد، فمن حق الإمام أن يأخذ من ماله قدر المائة الألف؛ لأنه إذا ارتد حُبِسَ ماله في بيت مال المسلمين، يحفظه الوالي، ثم يؤخذ منه بقدر ما عليه من الزكاة قبل أن يرتد، هذه هي الحالة التي تجب فيها الزكاة في مال المرتد، أما إذا كان في حال ردته فإنه لا يطالب بزكاة ماله.
واختلف في نصارى بني تغلب، وفيهم حكمٌ خاص قد يأتي إن شاء الله الإشارة إليه.
قوله: [ومُلك نصاب].
ملكية النصاب شرط لوجوب الزكاة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة) وقال: (ليس فيما دون خمسٍ ذودٍ من الإبل صدقة) فجعل للصدقة حداً سماه العلماء بالنصاب، وهي العلامات؛ لأنها تنصب علامةً على الشيء، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة) كأنه يقول: هذه علامة الوجوب، وما دونها لا تجب فيه الزكاة من الأموال، وما فوقها تجب فيها الزكاة.
وقوله: (ملكية النصاب): أن يكون مالكاً للنصاب، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة) (ليس فيما دون خمسٍ ذودٍ من الإبل صدقة) (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) هذا كله يدل على أن النصاب معتبر، وأن ما دون النصاب لا تجب فيه الزكاة بإجماع العلماء، فالزكاة لا تجب في كل مال، وإنما تجب في أموال مخصوصة؛ بشرط أن يكون الإنسان مالكاً لهذا الحد الذي نصبه الشرع وجعله علامةً على لزوم الزكاة.
قوله: [واستقراره].
أي: واستقرار الملك، وكون المال ليس مستقراً كالوقف على غير معين، فلو أن شخصاً -مثلاً- أوقف بستانه بغلته على الفقراء والمساكين؛ فإن هذا المال مال، لكن ليس له يدٌ مستقرة، فيكون للفقراء في زماننا، وإذا ماتوا وجاء فقراء غيرهم فهو لهم، فيد الملكية ليست بمستقرة.
إضافةً إلى أنه يكون وقفاً على فقراء، ثم هؤلاء الفقراء لو أنهم صاروا أغنياء انتفت عنهم الملكية، وانتقلت إلى غيرهم من الفقراء؛ فهو وإن كان موقوفاً عليهم لكنهم لا يملكونه، وإن كانت غلته يملكونها إذا أخذوها ولكنها ليست بمستقرة، وليست هناك يدٌ ثابتة على هذا المال، ولذلك من أوقف ماله فقد خرجت ملكية المال عنه لله سبحانه وتعالى.
وعلى هذا قالوا: لو أنك بنيت مسجداً، وأوقفته صار ملكاً لله عز وجل، وليس من حقك بعد بناء المسجد أن تقول: لا يصلي فيه إلا فلان، ولا يدخل إلا فلان، ولا تفعلوا إلا كذا، أو اسمعوا كذا.
لأنه ليس ملكاً لك؛ فهو بالوقفية خرج عن ملكية الإنسان، وأصبح وقفاً لله -أي سبيلاً لله- عز وجل، فملكيته لله سبحانه وتعالى بالنسبة؛ وإن كان في الأصل أننا وما ملكنا ملكٌ لله عز وجل.
فالزروع وسائر الأشجار إذا نبتت في الفيافي، لو أن الشجر نبت في الفيافي والبراري فإنها أموال، لكن ليس هناك مالكٌ معينٌ لها، فلا تجب فيها الزكاة، وإن كانت مالاً وقد تبلغ النصاب، وقد يكون فيها خمسة أوسق من الحبوب، كأن يصيب الغيث أرضاً فتنبت الحب ويكون منها الخير، فإننا لا نوجب الزكاة؛ لأن الملكية هنا ليست بمستقرة وليست بثابتة على المكلف المخاطب بوجوبها.
قوله: [ومضي الحول].
(ومضي الحول) الحول: هو العام الكامل مأخوذٌ من الحال، وشرطه: أن يكون بالسنة القمرية لا بالشمسية، فالحساب في الشرع بالقمرية لا بالشمسية، فمن ملك في يوم، فلا بد أن يعتبر سنة قمرية لهذا اليوم حتى يأتي مثلها في السنة القادمة، والإنسان إذا مكث سنة كاملة يتغير من حالٍ إلى حال، فسمي الحول حولاً لأن الناس تتغير أحوالهم بمضيه.
ولا بد من مضي الحول، فلو أن المائة ألف التي معك ملكتها في اليوم العاشر من رمضان، وجاء اليوم العاشر من السنة القادمة من رمضان وهي معك فإنه تجب عليك الزكاة، فلو أنك قبل اليوم العاشر من رمضان في اليوم التاسع تلف هذا المال أو أوقفته، أو حصل له عارضٌ تزول به ملكيتك أو نقص عن قدر النصاب؛ فإنه تسقط عنك الزكاة ولا تجب ولو قبل غروب الشمس بلحظة واحدة، فلا بد من مضي السنة الكاملة على هذا النصاب.
قال: [في غير المعشر].
قوله: (في غير معشر) أي: الزروع والثمار والحبوب ونحوها مما أوجب الله زكاته حال الحصاد؛ لأن الله تعالى يقول: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141] فأوجب علينا في الجنات والزروع والنخيل أن نؤدي الزكاة إذا حصدنا، فدل على أنها قبل الحصاد لا تجب، ومن المعلوم: أنك لو حصدت الحب قد يكون مضى عليه أشهر ولم يمض عليه حولٌ كامل، فدل على أن زكاة الحبوب والثمار مستثناة من الحول، والإجماع منعقد على مضي الحول -وفيه حديث عند أبي داود وحسنه العلماء-: أنه ليس في الأموال زكاة حتى يحول عليها الحول؛ لكن هذا النوع من الأموال -الذي هو الزروع والثمار- أوجب الله زكاتها ولو لم يحل عليها الحول، فجعل الزكاة بالحصاد، فإذا حصد الحب وجلبه إلى مسكنه وبيدره، فإنه حينئذٍ يؤدي زكاته بالقدر الذي أوجب الله وسمى في زكاة الحبوب والثمار.
قال المصنف رحمه الله: [إلا نتاج السائمة وربح التجارة].
قوله: (إلا نتاج السائمة) البهيمة: تكون -مثلاً- عندك أربعون شاة، الأربعون بلغت النصاب، هذه الأربعة نمت أثناء العام، والعبرة بمجيء الساعي في حولها، فإذا كانت عندك طيلة السنة مثلاً مائة وعشرون شاة، فيها شاةٌ، وفي الليلة التي جاء فيها الساعي ولدت شاة، فأصبحت مائةً وإحدى وعشرين، فتجب عليك شاتان، فالذي حال عليه الحول تجب فيه شاة واحدة، لكن هذا النتاج تابعٌ لرأس ماله وأصله؛ فحينئذٍ تجب عليك الزكاة بشاتين، ويسمونها الشاة المشئومة من باب الكناية؛ لأنها شاة صغيرة ولكن ضيعت ما هو أكبر منها.
فلو ولدت شاة قبل مجيء الساعي -ولو بيوم واحد أو ليلة واحدة- وأصبح العدد مائة وإحدى وعشرين، وجبت عليك شاتان، فتلزم بدفع شاتين، مع أن الأصل أن في المائة والعشرين شاة واحدة.
فلا يشترط حولان الحول على النتاج.
وبناءً على ذلك قاس بعض العلماء الرواتب وما في حكمها.
يقولون: في الأصل لك الحق أن تجعل الراتب كل شهر تجعل حوله بحوله، فشهر محرم تكتب عليه شهر محرم، وتنتظر إلى السنة القادمة تنفق من شهر محرم، إلى أن يأتي شهر محرم من العام القادم، فإن بقي من هذا الراتب شيء زكيته إذا بلغ النصاب، وإن لم يبق ما يعد به قدر النصاب لا تجب عليك الزكاة، هذا الأصل: أن كل راتبٍ تجعله بحوله المستقل.
لكن إذا صَعُب عليك هذا، ولا شك أنه يفتح باب الوسوسة، ويؤدي إلى حصول الشكوك عند الإنسان وفيه ضيق على الإنسان أن يكتب على كل مبلغ وأن يجعله عنده بأرقامه وكتاباته، فهذا فيه عسر وتعب وعناء، قالوا: إذا لم يرد هذه الطريقة يزكي كسائمة بهيمة الأنعام.
فنقول له: انظر إلى أول شهرٍ استلمت فيه الراتب فتنتظر إلى مثله في العام القادم وتجمع ما عندك، حتى ولو كان من شهر ذي الحجة الذي قبلها بأيام أو بشهر، يجب عليك أن تزكيه على الأصل، هذا بالنسبة إذا كنت تختار الحول لشهر واحد.
أما الطريقة الأولى: فهي الأصل: أن كل راتب شهر بحسبه؛ لكن لو أحببت أن ترتاح، وأن تجعل حول رواتبك حولاً واحداً، في بداية المحرم -مثلاً- استلمت هذا الراتب الذي به يكون قدر الن
(90/2)
________________________________________
ذكر ما يستثنى منه الحول في إخراج الزكاة
قال المصنف رحمه الله: [ومضي الحول في غير معشّر إلا نتاج السائمة وربح التجارة ولو لم يبلغ نصاباً، فإن حولهما حول أصليهما إن كان نصاباً وإلا فمن كماله].
ذكر المصنف رحمه الله جملة من الشروط التي ينبغي توفرها للحكم بوجوب الزكاة، فإذا وجدت هذه الشروط فإن المكلف ملزمٌ بالزكاة، وإذا تخلفت هذه الشروط أو واحد منها، فإنها لا تجب، فما زال رحمه الله يبين لنا هذه الشروط، وكانت خاتمتها اشتراط الحول، وقد تقدم الكلام على هذا الشرط، وقد بيّنا أن إجماع العلماء رحمهم الله على أن الحول معتبر لوجوب الزكاة، ويستثنى من ذلك المعشّر؛ وهو الذي أوجب الله فيه العشر، والمعشّرات هي الزروع والثمار، والدليل على هذا الاستثناء أن الله سبحانه وتعالى قال في زكاة الزروع والثمار: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141]، ومن هنا نفهم أن من الأموال التي تجب فيها الزكاة ما يشترط فيه الحول كالذهب والفضة، ومنها ما لا يشترط فيه الحول كالزروع والثمار، فلو أن إنساناً زرع شعيراً، ثم كان القدر الذي استحصده منه بالغاً خمسة أوسق، فإننا نوجب عليه الزكاة إذا حصده وضمّه إلى البيدر، مع أنه لم يمض العام الكامل عليه، ولذلك يقال: إن هذا النوع من الأموال لا يشترط فيه حولان الحول، وحولان الحول أصل لكن له مستثنيات، منها ما ذكر المصنف رحمه الله.
قوله: (إلا نتاج السائمة) ذكرنا أن النتاج: هو ما يكون من نتاج بهيمة الأنعام -وهو صغارها- فلو أن إنساناً ملك مائة وعشرين شاةً، فإن الله أوجب عليه فيها شاة واحدة، ولا يجب عليه أكثر منها، فلو فرضنا أنه طيلة العام كانت عنده مائة وعشرون شاةً، فلما كانت ليلة الساعي ولدت إحداهن شاةً، فأصبح الذي عنده مائة وإحدى وعشرين شاة، ففيها شاتان، ولا نقول: إنه يجب أو يشترط أن يحول الحول على هذا النتاج الذي لم يبلغ السنة الكاملة، وبناءً على ذلك نقول: إن نتاج السائمة لا يشترط فيه حولان الحول.
أما لو اشترى غنماً وضمها إلى الغنم الأولى، فقال بعض العلماء: إنه يستأنف لهذه الغنم الجديدة الحول، ومنهم من يقول: إنها مضمومة إلى رأس ماله، ولهذا القول من الوجاهة قوة.
قوله: (وربح التجارة).
فلو كانت عند الإنسان مائة ألف اشترى بها تجارة من قماش أو غذاء أو غير ذلك، وعرضها للبيع، فإن هذه المائة الألف التي دخل بها للتجارة، إذا مضى الحول عليها فإنها تزكّى؛ فيجمع ما في الدكان أو البقالة أو المتجر ثم بعد ذلك يقدره بقيمته يوم تمام حوله ويخرج زكاة القيمة؛ فلو فرضنا أن هذه المائة ألف قامت على تجارة أكسية اشترى بها القماش، وما زال يبتاع ويشتري في هذا القماش، إذا برأس ماله الذي هو المائة ألف قد أصبح مائة وعشرين، فعنده نتاج وهو ربح لرأس المال وهو العشرون ألفاً؛ فإذا حال الحول فإنه يجمع المال كله فيؤدي زكاة مائة وعشرين، مع أن المائة والعشرين: منها ما حال عليه الحول وهو المائة ألف، ومنها ما لم يحل عليه الحول وهو العشرون التي تعتبر ربحاً للمائة، فهذا الربح لم يحل عليه الحول، ولكن الفرع تابع لأصله، فأصبح تابعاً لذلك الأصل الذي أنميته بالتجارة، فصارا كالشيء الواحد، وتزكيه زكاة واحدة.
بناءً على هذا يقول الفقهاء: يشترط حولان الحول في المال الذي تجب فيه الزكاة إلا إذا كان ربح تجارة، فاستثنوا المعشّرات ونتاج السائمة وربح التجارة.
فلو سألك تاجر وقال: قد ملكت كذا وكذا ألفاً وتاجرت بها السنة كاملة، وقبل نهاية السنة بيوم أو بأسبوع أو بشهر ربحت مثلها؛ فأصبحت المائة مائتين أو أصبحت العشرة عشرين، فهل في هذه الحالة يجب عليَّ زكاة الأصل وهو العشرة آلاف أو المائة ألف- أو زكاة الجميع؛ أعني مع ما حصل عليه من الربح؟ فالجواب أن تقول: عليك زكاة رأس مالك وكذلك نتاج رأس المال وهو الربح؛ لأنه تابع للأصل.
هذا هو مراده رحمة الله عليه، وعليه نقول: إنه يجب على الإنسان أن يراعي الحول في ماله الذي وجبت فيه الزكاة إلا إذا كان من المعشّرات أو نتاج سائمة أو ربح تجارة.
وقوله: (ولو لم يبلغ نصاباً).
ربح التجارة في بعض الأحيان قد يبلغ النصاب، وأحياناً أخرى لا يبلغ النصاب، فلو أنه ربح مع المائة ألف مائة ألف أخرى، فقد بلغت النصاب قطعاً، ولو ربح خمسين ريالاً فإنها دون النصاب، فحينئذٍ نقول: ربحك لما بلغ النصاب ولما دون النصاب الحكم فيه سواء فتضمه إلى أصله، وتطرد القاعدة أن الفرع تابع لأصله، فزكاة الأرباح زكاة رءوس أموالها، ويستوي في ذلك أن تكون بالغة النصاب أو دون النصاب.
قال المصنف رحمه الله: [فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً وإلا فمن كماله].
قوله: (فإن حولهما) يعني: حول الربح حول رأس ماله، فحينئذٍ تعتبر حولهما واحداً، فلو دخلت في التجارة من بداية محرم واكتسبت الربح في شوال مثلاً أو في رمضان، فإنك حينئذٍ تعتبر هذا الربح الطارئ في رمضان تابعاً لرأس المال الذي هو في محرم، ولا تقول: إنه ينبغي أن أستقبل به رمضاناً قادماً؛ لأنه في هذه الحالة يعتبر تابعاً للأصل.
وقوله: (وإلا فمن كماله) هذا الحكم الذي ذكرناه وهو كونك تتبع الربح لرأس المال يكون شرطه أن يكون رأس المال قد بلغ النصاب، فلو كانت عندك خمسون ريالاً، وهذه الخمسون دون النصاب المعتبر كما سنبينه إن شاء الله في زكاة النقدين، لكنك دخلت بها في التجارة، فما زلت تربح حتى بلغت النصاب، مثلاً ثلاثةً وخمسين أو أربعةً وخمسين على جبر الكسر الذي فوق الثلاثة وخمسين، فإذا بلغت أربعةً وخمسين في ربيع، فإن حولها من ربيع، وحينئذٍ يكون هذا الزائد وهو الثلاثة أو الأربعة التي بلغ بها النصاب هو بداية الحول، وحينئذٍ تعتبر حولهما واحداً وتضمهما لتزكيهما زكاة مال واحد.
(90/3)
________________________________________
أحكام زكاة الدين
قال المصنف رحمه الله: [ومن كان له دين أو حق من صداق أو غيره على مليء أو غيره أدى زكاته إذا قبضه لما مضى].
هذه المسألة مسألة يحتاج إليها الناس وتعم بها البلوى، وهي زكاة الديون، فأنت عندك مال أخذه منك إنسان، وحينئذٍ لا تبحث عن هذه المسألة إلا إذا أمضى حولاً كاملاً، أو مرّ حول مالك الأصلي والدين عند الشخص الذي أعطيته إياه، فلو فرضنا مثلاً: أنك أعطيت رجلاً مائة ألفٍ ديناً، أعطيته إياها في محرم، فهذا الدين لا يخلو من صور: الصورة الأولى: أن يحل أجله، فقلت له: هذا الدين توفيني إياه أو تعطيني إياه في نهاية رمضان، فهو سيوفيك المائة ألف قبل دخول الحول أو قبل بلوغ الحول، فإن كان أجل الدين قد دخل في الحول، فحينئذٍ تبحث عن حكم زكاته إذا لم يؤد الدين بعد تمام المدة، فأنت اشترطت عليه في نهاية رمضان أنه يعطيك المال، ولكن جاء رمضان وقال: لا أستطيع السداد، فبقي الدين عنده حتى شاء الله عز وجل ومضى إلى بداية حولك الذي هو محرم، فحينئذٍ إذا جاء محرم سألت: هل هذا الدين الذي لي على الرجل تجب علي الزكاة فيه، أو لا تجب؟ هذا الدين لا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن يكون الشخص الذي أعطيته الدين قادراً على السداد، وهو الذي يعبر العلماء عنه بالمليء، فإذا كان قادراً على السداد فحينئذٍ لا تخلو من حالتين: إما أن تستطيع مطالبته به ويعطيكه فحينئذٍ تجب عليك الزكاة؛ لأن الذي منعك من طلبه إنما هو الحياء، فقد يكون بينك وبينه مودة، أو قد يكون بينك وبينه معاملة فتترك الدين عنده، أو تريد أن يكون المال عنده؛ لأنه أحفظ لمالك؛ لأنه رجل أمين وتثق به، والسبب في وجوب الزكاة في هذه الحالة أن المال إذا كان على غني مليء بحيث لو طالبته أعطاك كأنه بيدك، فالمال وإن لم يعطِك إياه فإنه في حكم المال الذي بيدك، وتجب عليك زكاته، هذا إذا كان مليئاً وكنت قادراً على مطالبته ولا يماطل؛ بل يعطيكه في أي وقت تطلبه، ففي هذه الحالة يجب عليك زكاة المال، ووجه وجوبها أن المال وإن كان عند المدين، لكنه في حكم المال الذي بيدك، وعلى هذا الأصحاب فيما بينهم من مودة ومجاملات ربما يتركون الأموال عند بعضهم، وربما يغلبه الحياء عن مطالبته، فإذا كان الشخص تستطيع مطالبته ويوفيك عند المطالبة وهو قادر، فعليك زكاة مالك؛ لأنه وإن كان ديناً، ففي حكم المال الذي في يدك، هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: إذا حلّ الأجل أن يكون عاجزاً على السداد، وعدك نهاية رمضان وجاءت نهاية رمضان، ولكنه لم يستطع السداد؛ لفقره وعجزه، فإذا كان فقيراً أو عاجزاً عن السداد أو طرأت له ظروف، ولكنه لا يستطيع أن يعطيك، فحينئذٍ للعلماء قولان: منهم من يقول: عليك زكاته، فتجب عليك الزكاة في كل سنة؛ فلو بقي عنده الدين خمس سنوات؛ عليك زكاة خمس سنوات، ففي كل سنة تحسب هذا المال سواء كان على فقير أو غني لا يفرقون، ويجب عليك أن تزكي، هذا هو القول الأول.
القول الثاني أنه إن كان عاجزاً عن السداد ولو طالبته بالدين لا يستطيع أن يوفيكه، فإنه لا تجب عليك زكاة المال، وهذا هو الصحيح؛ لأن المال غير موجود، وهو في هذه الحالة في حكم المفقود؛ فهو ليس بيدك، ولا تجب عليك زكاته، وإنما تنتظر، فلو جلس عشر سنوات أو عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وبعد ثلاثين سنة جاء يوفيك فتزكيه لسنة واحدة، وبذلك أفتى علي وعائشة وعبد الله بن عمر رضي الله عن الجميع؛ لأنه لم يصل المال إلى يدك إلا في تلك السنة، واليقين أنك مطالب بتلك السنة وغيرها شك؛ لأن المال كان غير موجود، وحينئذٍ لا تجب عليك الزكاة للسنوات التي مضت، هذا إذا كان عاجزاً عن السداد.
الخلاصة لهذه المسألة: أنه إذا حلّ الأجل وكان عاجزاً عن السداد، ولا تستطيع أن تأخذ المال منه، فحينئذٍ لا تجب عليك الزكاة، ثم ننظر؛ فلو وفاك بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة، فلا تجب عليك إلا زكاة سنة واحدة فقط وغيرها لا تجب؛ لأن المال في حكم المفقود، وهذا الرجل الذي هو معسر -ولا يستطيع السداد طيلة السنوات التي كان المال في ذمته- لم يكن المال موجوداً عنده، ولا تجب زكاة المال المفقود، وحينئذٍ لا تجب عليك إلا زكاة سنة واحدة.
فإذا قبضت المال منه ولو بعد عشر سنوات أو عشرين سنة تزكيه لسنة واحدة، فإذا كان المدين غنياً بَيَّنَّا حكمه، وإذا كان فقيراً بَيَّنَّا حكمه.
الحالة الثالثة: أن يأتي الأجل ثم تطالبه وإذا به قادر على السداد ولكنه يمتنع، فيكون مليئاً غنياً ولكنه يماطل، وهذا ما يسميه العلماء بالمماطل -الغني القادر على السداد المماطل- فلا تخلو حينئذٍ في هذا المماطل من حالتين: إما أن تستطيع أن تقهره وتأخذ الحق منه سواء عن طريق القضاء أو عن طريق غيره من الناس ممن تستطيع أن تكلمه حتى يأخذ بحقك منه، فتجب عليك الزكاة؛ لأنه وإن كان مماطلاً لكنه في حكم من أنت قادر عليه والمال موجود عنده، فكونك تقصر في أخذ المال يلزمك بزكاته، هذا إذا امتنع عن السداد، وكان عندك قدرة على أخذه، فحينئذٍ يجب عليك زكاته.
أما لو امتنع، ولا تستطيع أن تأخذه منه؛ لقهره إياك، أو تخشى منه الضرر والأذية، أو ليس عندك شهود على المال ولا تستطيع إقامة القضاء عليه، فحينئذٍ تنتظر ولو مائة سنة، فإن قدرت ولو بعد مائة سنة تزكيه لسنة واحدة؛ لأنك ما قدرت على مالك إلا في تلك السنة، ولا تجب عليك إلا زكاة سنة واحدة، وأما بقية السنوات فالمال وإن كان مالك لكنه في حكم المعدوم لعدم القدرة عليه.
فإذا كان قادراً على السداد ويمتنع من السداد، فلا يخلو: إما أن تقدر على قهره، فتجب عليك الزكاة، وإما ألا تستطيع قهره، فحينئذٍ لا تجب عليك الزكاة إلا لسنة واحدة على التفصيل الذي ذكر.
الحالة الرابعة: أن يكون المدين قادراً على السداد لكنه ينكر ويجحد مالك، وهذا يسمى بالجاحد -مثلاً: جاء الأجل وهو رمضان فقلت: يا فلان وفني حقي، فما بيني وبينك هو نهاية رمضان، فقال: لا شيء لك عندي، أو قال: ليس لك مال عندي- يقول: ليس لك عندي شيء، فالجاحد إذا جحد مالك يعتبر في حكم الغاصب، فلا تخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: أن تكون لديك بينة أو شهود أو تستطيع قهره وقسره على إعطائك الحق، فتجب عليك الزكاة؛ لأن المال في يدك.
الحالة الثانية: ألا تستطيع إقامة القضاء عليه فيه، لخوف ضرر عليك أو لأنه غصبه بقوة وقهر، فحينئذٍ لا تجب عليك الزكاة، وتنتظر إلى أن تتمكن، فمتى ما تمكنت من مالك المغصوب أو مالك المجحود تجب عليك الزكاة لسنة واحدة؛ لأن المال في حكم المفقود، وإنما ملكت مالك حينما قدرت عليه، فإن لم تقدر عليه فإن الله لا يكلفك بزكاته.
هذا حاصل ما يقال زكاة الدين إذا حلّ الأجل، فإذا حلّ الأجل فإن كنت قادراً، على أخذ المال وأخرّت المال عنده لمودة أو ثقة، وجبت عليك الزكاة، وإن كان غير قادر فلا تجب عليك الزكاة، وتنتظر حتى يسدد فتزكي لسنة واحدة، وإن كان قادراً على السداد ومطل أو جحد أو غصب، فإن كنت قادراً على إقامة الحق عليه، فتجب عليك الزكاة، وإن كنت غير قادر على إقامة الحق عليه، فلا تجب فيه الزكاة.
إذاً: فقه المسألة في القدرة على المال، فإن كان المال كأنه بيدك وجبت الزكاة، وإن كان المال كأنه مفقود، أو كأنه غير موجود لعوزٍ وضيق يد أو جحدٍ مع عدم القدرة على المطالبة بالحق، فحينئذٍ لا زكاة عليك، ومتى ما سددك أو قدرت على حقك زكيته لسنة واحدة هذا حاصل ما يقال في الديون إذا حلّ أجلها.
الصورة الثانية: ألا يحل الأجل، يأخذ منك الدين لعشر سنوات، فإنه في خلال العشر سنوات ليس من حقك أن تطالبه بهذا الدين، فالمال ليس بمالك، أو كأنه ليس بمالك ويعتبر مالاً له، وقد يأخذ منك المائة ألف أو المائتي ألف وينفقها، فلا تكون موجودة، فأنت تستحق المطالبة بعد عشر سنوات، فلا تبحث ولا تسأل عن زكاة هذا الدين إلا بعد العشر سنوات، فإذا مضت العشر سنوات، وحل الأجل، رجعنا إلى التفصيل الذي ذكرناه.
إذاً: عندنا في الدين حالتان: حالة يحلّ فيها الأجل ونفصِّل فيها بين كون المال في حكم المال الذي في اليد؛ لقدرةٍ ومحبة ومودةٍ، فحينئذٍ تجب الزكاة، أو يكون في غير حكم المال الذي في اليد؛ لعوزٍ أو جحودٍ وعدم قدرة على مطالبة، فحينئذٍ لا زكاة، فإن قدرت زكيت لسنة واحدة.
وأما إذا لم يحلّ الأجل، فالمال ليس لك؛ لأنك قد تنازلت عن هذا المال، وزكاته كونك قد أدنته وأعطيته إياه وفرجّت كربته، فذلك من زكاة المال، وهو من الخير الذي جعله الله لك في هذا المال، بل قال بعض العلماء: إن مسامحة المديون والعفو عنه والتيسير عليه والإنظار له من أفضل القربات وأحبها لله عز وجل، وقد جاءت الأحاديث في الترغيب فيها، والله يقول في كتابه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، (فنظرة) أي: فانتظار، (إلى ميسرة) أي: إلى اليسار والغنى والقدرة على السداد، وعلى هذا فإن الديون لا يبحث فيها إلا إذا حلّ أجلها، وكان الذي عليه الدين قادراً على السداد وأنت تستطيع مطالبته بالدين، على التفصيل الذي ذكرناه.
(90/4)
________________________________________
صور الصداق وأحكام زكاته
قال المصنف رحمه الله: [ومن كان له دين أو حق من صداق أو غيره].
قوله: (من كان له دين أو حق من صداق أو غيره) الدين شيء والحق من الصداق يختلف، الصداق للمرأة، وقد يقع الصداق ديناً، فيشبه الدين ويأخذ حكم الدين إذا كانت المرأة قد طالبته بالسداد، مثلاً إذا قال: زوجتك بنتي بعشرة آلاف مثلاً، فقال: قبلت، ثم بُتّ النكاح على أن العشرة آلاف تكون حالّة، فيكون الزوج مطالباً بالعشرة آلاف حالة، فقال الزوج: هذه خمسة آلاف، وإذا يسّر الله الباقي أعطي الباقي، فالدين الذي عليه خمسة آلاف، فحينئذٍ في هذه الحالة، يكون الزوج مديوناً للزوجة مطالباً بالوفاء عند القدرة، متى؟ إذا كان قد بتّ.
وألزمه بالمهر بالعقد، فحينئذٍ قال: أنا عاجز الآن، ولكن إذا يسّر الله، هذا ثلث الصداق، هذا ربعه، هذا جزءٌ منه، هذا نصفه، فإن يسّر الله السداد أعطيتك، ففي هذه الحالة يكون في حكم الدين، إن كان الزوج قادراً على السداد والمرأة قادرة على مطالبته وقد تركت مالها لثقتها ببعلها وزوجها، فتزكيه لكل سنة؛ لأنه في حكم المال الذي في اليد، وكأنه مودع ومحفوظ عند الزوج، والودائع تزكّى، هذا إذا كان الزوج قادراً على السداد، والمرأة تستطيع أن تطالبه في أي وقت.
لكن لو أن الزوج بعد دخوله بالزوجة قد أعطى نصف المهر، ثم إنه افتقر ولم يستطع أن يسدد النصف الباقي، فحينئذٍ نقول: إن هذا النصف الذي بقي يأخذ حكم المديون المعسر، فلا يجب على المرأة أن تزكي هذا الدين الذي لها على زوجها حتى يسددها الزوج ولو بعد مائة سنة، فإذا سددها ولو بعد عشر سنوات أو عشرين سنة فإنها تزكي لسنة واحدة، على التفصيل الذي ذكرناه، لماذا؟ لأن الزوج لما عجز عن السداد كانت العشرة آلاف التي هي دين عليه كأنها مفقودة، فهي وإن كانت ديناً للزوجة على زوجها لكنها في حكم المفقود، فلا يجب عليها أن تزكي حتى يستطيع السداد، فإذا استطاع السداد وطالبته وأعطى وسدد ولو بعد عشر سنوات وجبت عليها زكاة سنة واحدة، على الأصل الذي قررناه، فلو أنها بعد عشر سنوات تمكن الزوج من السداد، فقالت له: اترك العشرة عندك مثلاً، فمن حين قولها: اتركها عندك حينئذٍ تستقبل الحول، كل حول يأتيها يجب عليها الزكاة؛ لأن المال أصبح وديعة أو شبه وديعة عند الزوج، ولما كان الزوج قادراً على السداد كان المال وإن لم يكن بيد الزوجة لكنه في حكم الذي بيدها، نظراً لوجود الغنى والقدرة على السداد هذه حالة أولى للمهر.
الحالة الثانية: أن لا يبتّ الزوج وإنما يعلق بقية الصداق على الطلاق والفراق، فيقول له: زوجتك بنتي بعشرين ألفاً، عشرٌ منها حالة ويجب عليك سدادها وإعطاؤها، وعشرٌ منها إذا طلقتها، فحينئذٍ تكون العشر الحالّة لا إشكال فيها، وحكمها حكم الأصل، حتى لو أنه عجز عنها يكون حكمها حكم ما ذكرناه من التفصيل السابق، لكن لو قال له: إذا طلقتها، فهذا فيه نظر، وهو: هل صداق المرأة مستحق بالعقد أو بالدخول؟ فإن قلنا: مستحق بالعقد أو بالدخول فقد وجب هذا الدين، وثبت على الزوج بمجرد دخوله بها أو بمجرد عقده عليها، ويسري فيه التفصيل الذي ذكرناه، ويكون الإنظار إلى الطلاق أشبه بالوديعة، كأنه تركه وديعة عنده، فتزكيه لكل سنة.
وإن قلنا: إن بقية الصداق في حكم الدين المؤجل، فلا يجب عليها أن تزكي إلا إذا وقع الطلاق، فإن وقع الطلاق استقبلناه، فإن كان قادراً على السداد وجب عليها أن تزكيه، وإن كان غير قادر على السداد فإنها لا تزكي، حكمه حكم الدين سواءً بسواء، هذا من التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه.
إذاً: الصداق له حالتان: إما أن يبتّه ولي المرأة ويكون لازماً على الزوج بمجرد العقد، فحينئذٍ إذا بقي شيءٌ منه فهو دين وحكمه حكم الدين، إن كان الزوج قادراً على الإعطاء والوفاء، والزوجة تستحي أو لا تستطيع مطالبته بسبب الحياء، فحينئذٍ تجب عليها الزكاة؛ لأن الدين في حكم المال الذي بيدها، والمهر كأنه بيدها.
وأما إذا كان هذا المال واجباً على الزوج، والزوج لا يستطيع وفاءه؛ لعوز ودين وفاقة؛ فلا يجب على الزوجة أن تزكيه حتى يصير الزوج قادراً على السداد، وتستقبل فيه حكم ما ذكرناه وهو القادر على السداد.
وأما إذا كان المهر أو الباقي منه قد علّقه الولي على طلاق أو فسخ أو على أمد معين، فحكمه حكم الدين المؤجل على أحد الوجهين، وعلى الوجه الآخر يسري فيه ما يسري على الديون الحالة من جهة كونه غنياً قادراً على السداد أو غير قادر على السداد.
(90/5)
________________________________________
كيفية إخراج زكاة المال المغصوب والمفقود
قال المصنف رحمه الله: [أو حق من صداق أو غيره].
قوله: (أو غيره) هناك مسائل أخرى تلتحق بمسائل الدين، منها: لو أن رجلاً جاء وغصبك مزرعتك، وهذه المزرعة فيها حبوب وثمار وزروع، فهي من جنس الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومن اغتصبها منك أو أخذها قهراً، فهو يدخل تحت قول المصنف: (حقٌ على غيره)، فيكون قوله: (كصداق) مثال، فيدخل في ذلك المال المغصوب.
فلو أن إنساناً اغتصب منك أرضاً زراعية فيها نخل أو حب، أو اغتصب منك ذهباً أو فضة، أو أخذ منك مائة ألف اغتصاباً، أو شخص سرق منك مالاً وعرفته، وتبين لك أنه سرق منك هذا المال، فلا يخلو من حالتين: إن كان هذا الغاصب تستطيع أن تنتزع حقك منه ببينة وشهود وقضاء، فحينئذٍ يجب عليك أن تزكي هذا المال.
وإن كنت لا تستطيع أن تأخذ حقك، أو تخشى ضرراً أعظم، وأنت في حكم المكره، وانطبقت عليك شروط الإكراه، سقطت عنك الزكاة، حتى إذا ملكت هذا المال، ورجع إليك، زكيته لسنة واحدة.
ويسري الحكم لبقية الأموال من ذهب أو فضة وحلي إذا غُصبت.
وقد ألحق بعض العلماء بهذه المسائل مسألة لطيفة، وهي: لو أن إنساناً كانت عنده مائة ألف، فأراد أن يخبئها في مكان، ثم نسي المكان الذي خبأ فيه المائة ألف، فهذا مال، وهو ملك له، ولكن هذا المال لا يستطيع أن يصل إليه، ولا يستطيع أن يهتدي إلى مكانه، فبعض العلماء يقول: إن نسي مكانه، أُلزم بزكاته، ووجبت عليه الزكاة كل سنة؛ لأنه فرّط على نفسه وقصر، وهذا التفريط لا يضيع حق الفقراء والمساكين، والأصل أنها واجبة عليه.
وقال بعض العلماء: لا؛ لأن هذا خلاف الشرع؛ لما فيه من الحرج والمشقة وتكليف الإنسان ما لا يطيق، فقد لا تكون عنده إلا هذه المائة ألف، والمال وإن كان ماله لكنه في حكم المفقود، ألا ترى من غُصب على ماله، ومن كان ماله على معسرٍ لا يستطيع سداده، قالوا: الناسي يستوي معه في الحكم، بل أشد منه ضرورة وأعظم منه بلية؛ لأنه إذا كان ماله على مدين فقير فإن يرجى له أن يجده، ولكن هذا ربما استغرق في النسيان إلى درجة لا يستطيع أن يتذكر موضع ماله، فقالوا: إنه لا تجب عليه الزكاة.
والنفس تميل إلى أنه لا تجب عليه الزكاة، فإن تذكر المكان ولو بعد سنوات زكّى لسنة واحدة.
وقوله: (على مليء أو غيره)، المصنف هنا اختار هذا القول.
وقوله: (أدى زكاته إذا قبضه لما مضى) وقد أُثر عن علي بعض الروايات يفهم منه هذا، أن الدين لا تجب عليك زكاته إلا عند قبضه، ولا يفصلون التفصيل الذي ذكرناه، ولا يفرقون بين المليء ولا غير المليء، ويقولون: إن هذا المال يعتبر كمال غيرك، فهو سيزكيه، فلا تزكيه أنت، حتى لا يزكى المال مرتين، وحينئذٍ قالوا: لا تزكيه إلا إذا قبضته، فإذا قبضته وجبت عليك زكاة سنة واحدة.
والصحيح: ما ذكرناه من التفصيل؛ لأن فقه المسألة يدور حول كون المال في يدك وفي حكم المال الذي في يدك، وبين كونه في يد الغير وفي حكم المال الذي للغير، وعلى هذا يكون التفصيل الذي اخترناه هو الأقرب والأولى بالصواب إن شاء الله تعالى.
(90/6)
________________________________________