المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء رابع


gogo
10-19-2019, 01:33 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
مباحات الصلاة
(44/2)
________________________________________
رد المار بين يدي المصلي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وله رد المار بين يديه].
الضمير في (له) عائد إلى المصلي، سواء أكان في فرضٍ أم في نفل.
وقوله: [وله رد المار بين يديه] قال بعض العلماء: بل يجب عليه ذلك.
وقال بعض العلماء: لا يرد.
وهو قول طائفة من أهل الرأي، فقد كانوا يرون أن هذا من المنسوخ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اسكنوا في الصلاة)، والصحيح أنه ليس بمنسوخ، وأن الحكم باقٍ إلى قيام الساعة، وأنه لا يجوز أن تترك إنساناً يمر بين يديك، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (فليقاتله فإنما هو شيطان)، وقوله عليه الصلاة والسلام عن السترة أنها: (مثل مؤخرة الرحل، فلا يضره من مر وراء ذلك)، فإن قوله: (فلا يضره) يدل على أنه إذا مر بينه وبين قبلته ضرَّه.
قال العلماء: إن من صلَّى ومر المار بين يديه تضرر الاثنان، فيتضرر المصلي لأنه قُطِع عن خشوعه، وإذا سكَت عنه أعانه على الإثم والعدوان، ومن أعظم الإثم والعدوان إثم العبادات والاعتداء على حدود الله عز وجل في المقام بين يديه، فقالوا: يأثَم المصلي من هذا الوجه؛ لأنه أعانه وسكت عنه، ويأثم المار عند علمه؛ لأنه فعل ما نُهِي عنه شرعاً من المرور بين يدي المصلي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه).
قال أبو النضر: لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة.
ولذلك شدد الشرع في هذا المرور؛ لأنه يشوش على الناس في صلاتهم ويقطعهم عن الخشوع، وهو عبادة لا نعلم علتها الحقيقية، فمِن الله الأمر وعلى الرسول البلاغ وعلينا الرضا والتسليم، وليس هذا بكثيرٍ على أشرف العبادات، وأكمل المقامات وهي الصلاة.
والمار بين يدي المصلي لا يخلو المصلى معه من أحوال: الحالة الأولى: أن تشعر به قبل المرور، وهذا يتأتى حينما يكون الإنسان قد رمى ببصره إلى موضع سجوده فأحس بالمار من جهة يمينه أو من جهة يساره قبل أن يحول بينه وبين القبلة، فإن شَعَرت به قبل مروره مددت اليد، وهذا المد من باب التنبيه، ولا يجوز لك في هذه الحالة أن تبدأ بالمقاتلة، وهذا على خلاف ما يُرى من بعض الناس -أصلحهم الله- فإنه بمجرد أن يمر بين يديه يضربه، وهذا لا يجوز؛ لأن أذية المسلم والإضرار به محرَّمة، ولا تجوز إلا في الحدود الشرعية التي أَذِن الله بها ورسوله عليه الصلاة والسلام، وبناءً على ذلك لا يبتدئ الناس بالدفع أو ضربهم على صدورهم مباشرة، وإنما يمد مداً قوياً حتى يتنبه المار، فإذا أحسست أن ثبوت اليد يحول بينك وبينه أثبتّ اليد واكتفيت بالإثبات دون حركة، فإن انصرف فبها ونعمت؛ لأنه ربما يكون المار مشوشَ الذهن، وربما يكون شارد الذهن، وربما يكون غير منتبه لما أمامه، فإذا وضعت يدك تنبَّه، فحينئذٍ يرتدع، ولا شك أن ما أُبِيح للضرورة يُقدَّر بقدرها، فإن أصر على المرور في هذه الحالة دفعته، فإن أصر قاتلته، فلك حق الدفع، ولو كان ذلك على وجه الإضرار.
واختلف العلماء لو أنه دفعه وسقط وانكسر، أو أصابه ضرر، فقال بعض العلماء: أَذِن الشرع بالمقاتلة ودمه هدر، فإن مات فلا يلزم الدافع الضمان ولا يجب عليه القصاص.
وقال بعض العلماء: إنه ضامن، فلا إثم عليه في الدفع، ولكنه يضمن.
وهذا القول أقوى الأصول؛ لأن إسقاط الإثم عليه لا يستلزم إسقاط الضمان، وبناءً على ذلك تَردُّه وتدفعه، فإن حصل له ضرر فإنه من يدك، وابتلاءٌ ابتلاك الله به، كما يُبتَلى الرجل بالسقم في جسمه والبلاء في جسده فيضمن؛ لأن الأصل الضمان حتى يدل الدليل على الإسقاط، وليس هنا دليل يدل على إسقاط الضمانات، فالدليل عندنا في الإذن بالمقاتلة، لكنه لا يستلزم إسقاط الضمان، وفرقٌ بين قوله: (فليقاتله)، وبين قوله: (فليقتله)، فإن المقاتلة هي المدافعة، وهو أسلوب عام، أي أعم من أن يكون دالاً على الإسقاط.
واختلف العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (فليقاتله).
فقال بعضهم: ليس المراد أن يقاتل بمعنى أن يدافعه في الصلاة، وإنما المراد أن المار على حالتين: فإن دفعته فلا إشكال، وإن لم يندفع، وغلب فإنهم قالوا: فليدْع عليه في صلاته، فإن القتل يُستعمل بمعنى اللعن، وبمعنى الدعاء، ومنه قوله تعالى: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة:30]، وقوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس:17] أي: لُعِن، فقالوا: إنه بمعنى الدعاء عليه، فإذا غَلَب المكلَّف فحينئذٍ يدعو عليه لعظيم الضرر الذي أصابه.
ولكن القول الثاني -وهو أن المراد بالمقاتلة المدافعة- أقوى، وهو قول الجماهير، وليس المراد به استباحة دمه والخروج عن كونه مصلياً.
فإن كان المار قوياً، وكنت ضعيفاً وغلبك فحينئذٍ قالوا: الإثم على المار دون المصلي.
وفي بعض الأحيان في حال الجلوس بين السجدتين أو التشهد لا تستطيع المصلي أن يدفع إلا إذا كان الإنسان قوياً يستطيع أن يقاتل، فحينئذٍ لا حرج؛ فلقد رأيت رجلاً ضعيف البنية أمسك بساق رجل حتى كاد أن يموت الرجل بسبب ما أعطاه الله من القوة، لكن الإشكال إذا غلبه، فقالوا: إذا غلبه فالإثم على المار دون المصلي.
وقد ذكر العلماء حالات المرور بين يدي المصلي فقالوا: لا يخلو المصلي والمار بين يديه من حلالت، ففي حالة يأثمان، وحالة لا يأثمان، وحالة يأثم المار دون المصلي، وحالة يأثم المصلي دون المار.
فالحالة الأولى التي لا يأثمان فيها صورتها أن يكون المصلي كفيف البصر، ويمر المار وهو لا يدري أنه مارٌ بين يدي المصلي.
فسقط الإثم عن الأعمى؛ لأنه لا يرى، وهذا ليس بإمكانه، وسقط الإثم عن المار لكونه لا يعلم.
الحالة الثانية التي يأثمان فيها: أن يبصره وهو قادرٌ على دفعه ولا يدفعه، ويمر المار دون وجود عذر، مع علمه أنه مارٌ بين يدي المصلي، فيأثمان معاً.
الحالة الثالثة التي يأثم فيها المار دون المصلي: أن يكون المصلي كفيفاً والمار مبصراً عالماً، فيأثم المار دون المصلي.
وأما الحالة الرابعة التي يأثم فيها المصلي دون المار، كأن يكون المار كفيف البصر، أو لا يعلم فيمر دون أن يدفعه، فحينئذٍ يأثم المصلي دون المار.
فذكرنا أن السنة رد المار بين يدي المصلي، وعبَّر المصنف بهذا الرد على العموم، فيشمل كل ما مرّ بين يديك، سواءٌ أكان إنساناً أم حيواناً، فإذا مرَّ الشيء بين يديك فإنك تدفعه، خاصةً إذا كان مما يقطع الصلاة فإن الأمر فيه أشد، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه.
أما بالنسبة لغير الآدمي، وهي الحيوانات، فهي على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: ما يمكن ردُّه بمد اليد، كالبعير وكالبقرة إذا كانت مماثلة لموقف المصلي، فإذا مد يده تنبه البعير وانصرف عنه، وكذلك البقرة، وفي حكمها أيضاً الحمار والبغل ونحوه مما هو عظيم الجثة بحيث يماثل الإنسان حال قيامه.
الضرب الثاني: أن يكون مما لا يُمكن رده من الحيوانات، كالطائر إذا مر بين يدي الإنسان، فإنه يتعذر عليه أن يرده بيده.
الضرب الثالث: أن يكون مما يمكن رده في حال القيام مع حدوث الانتقال من ركنٍ إلى ركن، وذلك كالهره، فالهرة الصغيرة إذا مرَّت لا تستطيع أن تردها إلا إذا انحنيت إليها، وكذلك البهمة الصغيرة من الغَنَم كالسخلة ونحوها، فإنك تضطر إلى أن تنحني، فتنتقل من ركن القيام إلى ركن الركوع، وربما تُبالغ في الانحناء لردها كالقطة، فحينئذٍ هناك أوجه: قال بعض العلماء: يجوز له أن يدفعها ولو بالرَّمي، فينحني مسرعاً في انحنائه، أي: ينتقل بسرعة ويأخذها ويرميها، ثم يرجع إلى قيامه ويُغتَفر هذا الانتقال.
وهذا قال به بعض السلف.
القول الثاني: أنه يَرُد بقدمه، ولا يرد بيده، فينتقل الرد من كونه بيده إلى كونه بقدمه، فيدفعها بقدمه، فإذا جاءت تمر فإنه حينئذٍ يجعل قدمه في منتصف الهر ونحوه ثم يرمي به فيُغْتَفر هذا، ويكون كالمدافعة باليد.
القول الثالث: أنه يتقدم حتى يلتصق بالحائط أو بسترته، فتمر البهمة من ورائه، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله لذلك.
وأقوى هذه الأقوال وأعدلها والقولان الأخيران، فإما أن يكون الدفع بالقدم، وإما أن يكون الدفع بأن يتقدم حتى يلتصق ثم تمر هي من رواءه كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام.
والرد المشروع أن يكون قبل دخوله فيما بين الإنسان وبين سترته، أما لو جاوز هذا المكان ومر، فقال بعض العلماء: يردُّه.
وقال بعضهم: لا يرده؛ لأنه إذا رده حصل مروران بين يدي المصلي.
وهذا أقوى، أعني الأخير؛ فإنه إذا فات الإنسان ومر، فحينئذٍ قد سقط التكليف وأصبح من المتعذر؛ لأن الإخلالات تنقسم إلى قسمين: ما لا يمكن تداركه فلا تكليف، وما يمكن تداركه فإنه يُكلَّف به الإنسان، وهذا مما لا يمكن تداركه؛ فإن المرور قد فات، فحينئذٍ لا يُطَالَب برده، ولأن رده يتضمن مفسدةً من الانشغال مع حصول مرورٍ زائد، وبناءً على ذلك لا يشتغل برده ثانيةً.
الأمر الثاني الذي يُرَاد التنبيه عليه: أن يكون المرور فيما بين يدي المصلي، فلو مر من وراء سترته فإنه بالإجماع لا يُؤثِّر؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السيرة: (مثل مؤخرة الرحل، فلا يضره من مر وراء ذلك)، فدل على أن المرور وراء السترة لا يُؤثِّر، وثبتت في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقر حينما مرّ الناس من وراء السترة، فالسترة جُعِلت كغاية، فالدفع يكون فيما بينه وبين هذه الغاية، ولا يُشرع له الدفع فيما زاد عن هذه الغاية.
ويبقى النظر لو كان الإنسان يصلي إلى غير سترةٍ، أو كانت سترته بعيدة، فهل يُشرع له أن يتقدم حتى يَرُد؟
و
الجواب
السنة للإنسان أن تكون سترته على ممر الشاة من موضع سجوده، وهذا يأتي بأكثر من ذراع، فهذا القدر يتركه ويسجد، كما جاء في حديث سهل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (جعل هذا القدر ممر الشاة) قالوا: العلة في هذه -والله أعلم- أن لا يُشبِه عبدة الأ
(44/3)
________________________________________
عد الآيات أثناء الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [وعدّ الآي]، المراد بالعد: الحساب، والآي جمع آية، وهي آيات القرآن.
ومراد المصنف أن المصلِّي إذا أراد أن يعد الآيات في صلاته فلا حرج عليه في ذلك، وقد جاء حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كان يعقد أصابعه لعد الآي)، ورخَّص فيه بعض السلف رحمة الله عليهم، وجاء عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعلهم لذلك.
وقال العلماء: إنه اغتُفِر هذا الفعل لكونه يسيراً، وقد يحتاج الإنسان للعد لطلب فضيلةٍ، كما في قيام الإنسان بمائة آيةٍ وقيامه بألف آيةٍ في الليل، فبيَّن المصنف رحمه الله بهذه العبارة أن من اشتغل بعد الآي فلا حرج عليه، ولكن الأكمل والأفضل والأعظم أجراً أن يقتصر على التلاوة بالتدبُّر.
وأما عد الآي فإن حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه لم أعثر على من صحّحه وقال بثبوته، ولذلك يُبْقَى على الأصل، ولأن المصلي إذا عد الآي فإن ذلك يشوش عليه فكره، وكذلك قد يمنعه ويحول بينه وبين تدبر معاني الآيات، ولذلك قالوا: إنه خلاف الأولى على أقل درجاته.
(44/4)
________________________________________
الفتح على الإمام
قال رحمه الله تعالى: [والفتح على إمامه] إذا صلَّيتَ وراء إمامٍ وارتُج على هذا الإمام أو أخطأ فإنه يحق لك أن تفتح عليه، والفتح على الإمام يكون عند حدوث الخطأ، والخطأ يأتي على صور في تلاوة القرآن، فتارةً يكون الإمام واقفاً عند الآية لا يعرف ما بعدها، وتارةً يُردد الآية على سبيل اللبس مع آيةٍ أخرى، خاصةً في المتشابه من الآيات.
ففي هاتين الحالتين يُفَصَّل في حكمه، فإذا كان الإمام قد ارتُجَّ عليه فقرأ الآية ثم وقف ولم يكمل ما بعدها؛ فإنه حينئذٍ يحتمل أن يكون وقوفه لتدبرٍ أو تفكر أو اتعاظ، ويحتمل أن يكون وقوفه لمكان الخطأ وعدم معرفة ما بعد الآية على سبيل النسيان، فإن غلب على ظنك أنه قد وقف على هذه الآية على سبيل الخطأ جاز لك أن تبادره بالفتح وأن تعاجله به، وأما أن يبادر الإنسان مباشرة بالفتح فلا؛ لأن الأصل سكوت المأموم وعدم كلامه، وإنما أبيح لك أن تتكلم فاتحاً على الإمام عند وجود الحاجة، فلمّا تردد الحال بين كونه محتاجاً أو غير محتاج بُقِي على الأصل.
ولذلك قال العلماء: ليس كل سكوتٍ من الإمام في وسط الآيات أو عند ختم الآيات يدل على أنه قد التبس عليه، أو ارتج عليه، ولذلك هذا النوع من الوقوف ينبغي على الإنسان أن لا يتعجل فيه؛ لأنه ربما قرأ الإمام فأدركه خشوع الآية فقطع نصفها، وربما غلبته نفسه بالفكر والتأثر فوقف حتى يسترجع نفسه، وربما لم يستطع إكمال الآية لضيق نفسه، ونحو ذلك.
قالوا: ففي مثل هذه الصور لا يعاجل الإنسان بالفتح، وهذا إذا وقف الإمام على رأس الآية، أو وقف أثناء الآية، إلا أنهم قالوا: إن وقوف الإمام أثناء الآية أبلغ في الدلالة على كونه ناسياً منه إذا وقف عند آخر الآية.
أما وقوفه عند آخر الآية فلا شك أن مبادرتك بالفتح خلاف الأولى، وذلك أنه من المعهود في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من قراءته سكت، ثم كبر للركوع، فلربما سكت الإمام من أجل الركوع، فلذلك كان وقوفه على رأس الآي وتأخره في قراءة ما بعدها لا يدل على كونه ناسياً.
ومن هنا قالوا: من فقه الإمام إذا كان وقوفه على سبيل النسيان أن يكرر الآية التي وقف عليها، فإن تكراره يشعر من وراءه بالخطأ، فهذا إذا وقف على رأس الآيات.
أما الحالة الثانية: وهي أن يرتج على الإمام، والمراد به: أن تجده يكرر الآية على وجهين وهذان الوجهان لا أصل لهما، بمعنى أن أحدهما الصحيح والآخر خطأ، أما لو كررهما على وجهين يحتملان الصواب -كما هو الحال في القراءات المختلفة- فهذا ليس محل كلام العلماء رحمةُ الله عليهم.
فقولهم: (إذا ارتج) مأخوذ من رج الشيء إذا خض، والمراد بذلك أن الإمام يتردد في الآية.
أما إذا أخطأ فقرأ الآية على غير ما أُنزلت عليه، فحينئذٍ بمجرد خطئه تبادره بالفتح، ويختلف هذا الوجه عن الوجه الذي قبله بكون الوجه الذي قبله يتحرى فيه المأموم، وهذا الوجه يبادر فيه بالفتح.
وقوله: [على إمامه] تقييد فيه نوع من التخصيص؛ لأن الإضافة تقتضي التخصيص، فدل على أنه يُشرع له أن يفتح على إمامه دون إمامٍ آخر، ودون قارئ آخر.
ولذلك صور: الصورة الأولى: لو أن إمامين صلّيا بجوار بعضهما، فأخطأ أحد الإمامين وكنت وراء المصيب وسمعت بخطأ الثاني الذي لا تأتم به، قالوا: لا يفتح عليه؛ لأنه ينشغل عن صلاته خاصةً مع وجود من يفتح عليه.
الصورة الثانية: أن يقرأ بجوارك إنسان كتاب الله عز وجل فيخطئ، فهنا قال بعض العلماء: يجوز لك أن تفتح عليه، بخلاف الإمام.
ومن العلماء من قال: إنه لا يفتح عليه كالإمام الذي لا تأتم به، ومن رخص في الفتح عليه قال: إن هذا -أي الفتح- إنما شُرِع لإصلاح الخطأ في كتاب الله عز وجل، ولعظيم حرمة كلام الله عز وجل، فيُشرع للإنسان أن يبين خطأه، ويُغتفر هذا الكلام ويَقْصِد به الذكر، فخففوا في هذا، كأن يقرأ بجوارك قارئ فيخطئ، فلك أن تقرأ الآية التي يقرأها، وهذا على سبيل التعبُّد لا على سبيل الرد.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة -أعني إذا أخطأ الإمام- فهل من حقك أن ترد عليه أو ليس من حقك ذلك؟ وذلك على وجهين مشهورين عند العلماء رحمة الله عليهم، فذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الفتح على الإمام، وأن الإمام إذا أخطأ في قراءته كان من حقك أن تفتح عليه بالصواب، وذهب الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه إلى عدم جواز الفتح على الإمام وقال: إنه يلزم المأموم أن يسكت، وأما الإمام فإنه يتذكر، فإن تذكر فبها ونعمت، وإلا ركع وانتقل إلى موضعٍ آخر من كتاب الله عز وجل.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وذلك لما ثبت في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة يقرأ فيها، فالتبس عليه، فلما انصرف قال لأبي بن كعب: أصليت معنا؟ قال: نعم قال: فما منعك أن تفتح عليَّ).
قالوا: فهذا يدل دلالة واضحة على مشروعية فتح المأموم على إمامه، وأنه لا حرج على المأموم إذا تكلم بما يعين إمامه على صواب قراءته، وهذا المذهب لا شك أنه أَقرب المذاهب إلى السنة.
وأما ما يفتح فيه من الأخطاء فالصواب أنه يفتح في جميع الأخطاء، سواءٌ أأخطأ بإسقاط آية أم جملة أم كلمة أم حرف أم غير الشكل، وسواء أكان تغيير الشكل محيلاً للمعنى أم غير محيلٍ للمعنى؛ لأن المقصود إصلاح قراءته لكتاب الله عز وجل.
وعلى هذا فيُشرع الفتح على الأئمة في هذه الأحوال كلها، والإنسان مثابٌ على هذا الفتح ومأجورٌ عليه.
(44/5)
________________________________________
لبس الثوب أثناء الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [ولبس الثوب].
أي: وله لبس الثوب في الصلاة.
وهذا مبني على حديث مسلم، فقد جاء عن وائل بن حجر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر للصلاة والتحف بإزاره).
قال بعض العلماء: هذا يدل على مشروعية لبس الإنسان لثوبه أثناء الصلاة، ولكن قالوا: بشرط أن لا يكون بالحركة الكثيرة، فإن التحاف النبي صلى الله عليه وسلم بالإزار إنما كان على وجه ليس فيه كثير عبث وكثير حركة، بخلاف الدخول في الثوب الآن، فإنه يحتاج إلى كثير حركةٍ وكثير فعل، ولذلك يُفرَّق بين اللبس الذي فيه كثير الحركة، وما فيه يسير الحركة.
وبناءً على ذلك فله أن يصلح ثوبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أصلح إزاره، وصورة ذلك أن تكون العمامة على رأسه فيلفها، أو يرفع الغطاء -أعني غطاء القلنسوة- عن جبهته لكي يسجد عليها، ونحو ذلك، فهذا لا حرج فيه، أما ما كان من اللباس يحتاج إلى كثير عمل فإنه لا يفعله في صلاته.
(44/6)
________________________________________
لف العمامة
قال رحمه الله تعالى: [ولف العمامة].
أي: إدارتها؛ لأنها إذا سقطت أزعجته، ولذلك قالوا: لا حرج عليه في لفها؛ لأنه ربما انحلت العمامة فسقط كورها، خاصةً عند السجود؛ فإذا ارتفع من سجوده وأراد أن يعيد كورها فإنه لا حرج عليه في ذلك إلحاقاً بالتحاف النبي صلى الله عليه وسلم بالإزار.
ومن أهل العلم من قال: فرقٌ بين الإزار والعمامة ونحوها؛ لأن الإزار يتوقف عليه ستر العورة الذي من شروط صحة الصلاة، فكان أمره أشد من العمامة التي لا يُشترط فيها ما يُشترط في الإزار، فلذلك فرّقوا بين العمامة والإزار.
ولكن هذا التفريق محل نظر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كبر وقد ائتزر، وإنما مراد وائل شد الإزار، وشد الإزار لا شك أنه مرحلة فوق تغطية العورة، فخرج عن كونه مؤدياً لشرط الصحة إلى ما هو فضل أو معينٌ على الفضل.
(44/7)
________________________________________
قتل الحية والعقرب والقمل في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [وقتل حية وعقرب وقمل].
أي: وللمصلي أن يقتل الحية العقرب، وأن يقتل القمل.
أما قتله للحية والعقرب فقد جاء فيه حديث السنن من أمره عليه الصلاة والسلام بقتل الأسودين في الصلاة، أي: العقرب والحية.
وهذا يدل على سماحة الشريعة ويسرها، ووجه ذلك أن المصلي لو اشتغل بصلاته وجاءته العقرب فلدغته فإن ذلك مظنة أن يموت، وكذلك إذا لُدِغ من الحية، ولذلك يُعتبر هذا -أعني جواز القتل أثناء الصلاة- من باب ارتكاب أخف الضررين، ويَعتبره العلماء من باب تعارض المفسدتين، فعندنا مفسدة الفعل وهو القتل الذي يُخرِج المصلي عن كونه مصلياً، ومفسدة فوات النفس وحصول الضرر بلدغة الحية والعقرب.
فلذلك قالوا: كون الشريعة تأذن بقتل الحية وبقتل العقرب يدل على تقديم المفسدة العليا على المفسدة الدنيا، وهذا أصل في الشريعة، ومنه القاعدةٌ المشهورة: (إذا تعارضت مفسدتان أكبرهما)، وبعضهم يقول: (رُوعِي ارتكاب أخفهما بدفع أعظمهما) أي: لدفع الأكبر، ومن ذلك كَسْر السفينة، كما في قصة موسى مع الخضر، حيث علل الخضر عليه السلام كسرها بقوله فيما حكى الله تعالى عنه:: {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79]، فكسرها أفضل من أخذها بالغصب كلها، ولذلك قالوا: كسر السفينة مفسدة أهون من فوات السفينة بكاملها.
وعليه فرّع العلماء جواز أن يذهب ثلث الوقف لاستصلاح ثلثيه، ونحو ذلك من المسائل، فكون الشريعة تأذن بقتل الحية والعقرب في الصلاة من باب ارتكاب أخف الضررين؛ فإن الاشتغال بالقتل أولى من كون الإنسان يُلدغ، قالوا: لأنه إذا لُدِغ شوّشت عليه صلاته، ولم يستطع أن يصلي وربما مات، فلذلك قالوا: تقدم المفسدة العليا أعني فوات النفس.
ومما تفرع على هذا الأصل من المسائل: أنك لو خفت من شيءٍ يُفضِي بك إلى فوات نفسك فإنه يجوز لك في الصلاة أن تدفعه، فلو جاء الإنسان أسد وهو في صلاته شُرِع له أن يفر، أو يتخذ السلاح، أو يضربه بالسلاح درْءاً لمفسدة فوات النفس، وكذلك الحال بالنسبة لغيره، فلو رأيت أعمى يكاد يقع في حفرة جاز لك أن تقطع الصلاة لإنقاذه إن توقَّف إنقاذه على قطع الصلاة، وجاز لك أن تتكلم، وأن تصوِّت بصوت تمنعه من الوقوع إن كان ذلك يمكن، فقالوا: هذا من باب حفظ الأنفُس، ولا شك أنه مطلوبٌ شرعاً، بل هو أحد الضروريات الخمس التي راعتها الشرائع كلها.
ومن ذلك أيضاً: المرأة إذا كان معها صبيها الصغير فرأته قد اقترب من نار، أو خشيت عليه السقوط على وجهٍ يوجب تلف نفسه، أو ذهاب عضو من أعضائه، أو حصول الضرر عليه، قالوا يجوز لها أن تتحرك وتنقذه، فإن توقفت نجاته على الخروج من الصلاة شُرِع لها الخروج من الصلاة.
فكل هذه الأمثلة مخرَّجة على ما ذكرناه.
أما الأدلة التي دلت على مشروعيةِ تحصيل حفظ الأنفس بفوات الصلاة، فمنها حديث السنن الذي ذكرناه في قتل الحية والعقرب.
ومنها: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (جاءه الشيطان في الصلاة فتكعكع، فتكعكع الصف الأول، ثم لما سلّم عليه الصلاة والسلام سأله أصحابه، فقالوا: رأيناك تكعكعت فتكعكعنا -أي: رأيناك تأخرت فتأخرنا- فذكر أن الشيطان قد جاءه بشهابٍ فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أعوذ بالله منك)، وفي رواية: (أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله).
إلى أخر الحديث.
وقالوا: إن كونه يأتيه بشهابٍ من نار ثم يدفعه النبي صلى الله عليه وسلم يدل على دفع المفاسد التي هي دون القتل؛ فإن شهاب النار مُحرِق ولكنه لا يصل إلى درجة فوات النفس فجعلوا حديث الحية والعقرب فيما فيه فوات النفس، وجعلوا حديث النار فيما فيه الضرر البالغ على الإنسان.
ومن الأدلة أيضاً: مشروعية الصلاة حال القتال والمسايفة فإن الله أَذِن للعبد أن يصلي ويقاتل، وذلك حفظاً لنفسه، فدل على أنه يجوز للإنسان أن يتحرك تحصيلاً لهذا الأصل الذي ذكرناه.
وما الحية والعقرب فبعض العلماء يفرق بين الحية والعقرب، قالوا: إن شأن الحية أخف من شأن العقرب، والسبب في ذلك أن الحيّات لا يعترضن غالباً إلا من اعترضهن، وربما مرّت الحية على ساق الإنسان ولا تؤذيه، وربما مرت أمامه ولا تتعرض له، وإنما تتعرض لمن يتعرض لها.
فقالوا في هذه الحالة: هي أخف من العقرب، بخلاف العقرب فإن ضررها أبلغ وقصدها للأذية أبلغ، ففي حالة كونه يتضرر من الحية قالوا: يتريث ولا يعجل إذا غلب على ظنه أنه قد يأمن الشر، وإنما يجوز لك أن تقطع الصلاة، أو تقاتلها أثناء الصلاة إذا كان الفعل يسيراً، وغلب على ظنك كونها ضارةً لك وقال بعض العلماء: لا يُفَصَّل بهذا التفصيل؛ لأن الحية مأمورٌ بقتلها.
قال رحمه الله تعالى: [فإن أطال الفعل عرفاً من غير ضرورة وبلا تفريق بطلت ولو سهواً] بعد أن بين لنا رحمه الله أنه يُشرع للمصلي أن يفعل هذه الأفعال من قتل الحية وقتل العقرب بين لنا أنه إن طال فعله -أي للقتل ورد المار- بحيث يؤثر في صلاته استأنف الصلاة، وإلا بنى.
وهذه المسألة للعلماء فيها وجهان: فجمهور العلماء على الجواز، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد رحمة الله على الجميع، ووافقهم أهل الحديث وأهل الظاهر.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم مشروعية هذه الأفعال، فقال: إن الحركة في الصلاة نُسِخت، وذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث مسلم: (اسكنوا في الصلاة).
والصحيح أنه باق، وأنه لا حرج على الإنسان أن يفعل هذه الأفعال عند وجود أسبابها وموجباتها.
فإذا قلنا على مذهب الجمهور: إنه يُشرع لك أن تقتل الحية وأنت في الصلاة، سواء أكانت فريضةً أم نافلة، وأنه يشرع للإنسان أن يتسبب في نجاة غيره إذا كان في الصلاة، فحينئذٍ لا يخلو فعلك من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون فعلاً يسيراً.
والحالة الثانية: أن يكون فعلاً كثيراً.
فإن كان فعلاً يسيراً فإنه مغتفر عند الجمهور، ومثال ذلك أن يكون بجوار الإنسان عصا فأخذها ورفعها مباشرة وضرب بها الحية ثم رماها وألقاها، فهذا فعل يسير، أو كان بجواره رمح فأخذه وطعن به الحية فقتلها، فهذا أيضاً يسير مغتفر.
وإن كان فعلاً كثيراً، فهذا يوجب استئناف الصلاة، بمعنى أنه قد خرج عن كونه مصلياً وتُستثنى حالة المسايفة وهي القتال، فإن الكثير فيها والقليل على حدٍ سواء، فلو أن العدو نزل بالمسلمين في وقت الصلاة، فقاتلوه بحيث لم يبق إلا قدر أدائها، قالوا: يُقاتِل على حالته، ولو كان في حال ضربه بالسيف، فإنه يقاتِل ويصلي ولو ترك ركوعه وسجوده لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239].
وإذا ثبت أنه يُشرع لك أن تفعل هذه الأفعال، وقلنا: إن الكثير مؤثر، فللعلماء وجهان في هذه ضابط هذا الكثير المؤثر: فقال بعض العلماء: الكثير عندي يرجع إلى العرف ومراده بالعرف أنه لو نظر إليه شخصٌ وهو في حال أفعاله وحَكَم بكونه غير مصلٍ بطلت صلاته، وأما لو نظر إليه ورأى أن فعله يسيراً، ولا يخرج في العرف عن كونه مصلياً، فصلاته صحيحة، ويبني على ما مضى.
وقال بعضهم: الضابط ثلاث حركات، وبشرط أن تكون متتابعات، فإن فرق بينها لم يؤثر، فإذا تتابعت ثلاث حركات فأكثر حكم ببطلان صلاته، ويستأنف الصلاة.
وقوله: [فإن أطال الفعل عرفاً] دلّ على أن المصنف رحمه الله يميل إلى التقيِيد بالعرف، كما هو مذهب الشافعية ووافقهم جماعة على ذلك.
وذهب الحنفية إلى الضابط بالعدد وهو عندهم ثلاث حركات متتابعات.
والقول بالعرف من القوة بمكان، ولكن تعتبر الثلاث الحركات في بعض الصور.
(44/8)
________________________________________
قراءة أواخر السور وأوساطها
قال رحمه الله تعالى: [ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها].
أي: يباح لك إذا صليت أن تقرأ أواخر السور وأواسطها، ولا حرج عليك في ذلك؛ لأن هذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة:136]، إلى آخر الآية، وفي الركعة الثانية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران:64]، إلى قوله {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64]).
قالوا: فهذا يدل على جواز قراءة جزء السورة في ركعة وجزء السورة الثانية في ركعة ثانية، وهو من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن قالوا: الأفضل والأكمل أن يقرأ السورة كاملة، وذلك أفضل لكونه هدي النبي صلى الله عليه وسلم الغالب، ولاشتمالها على الموعظة، فإن إتمام السور أبلغ من اقتطاع أجزاء منها لكن قالوا: ربما احتاج الإنسان أن يذكر الناس بآيات، أو كانت قراءته تخشع في مواضع دون مواضع فحينئذٍ لا حرج عليه أن يتخير من كتاب الله عز وجل، ويقرأ بعض الآيات في ركعة ثم غيرها في ركعة أخرى، سواء من أواخر السور، كأواخر سورة البقرة أو أواخر سورة آل عمران، أم من أواسطها، كما جاء في حديث ابن عباس في صلاته عليه الصلاة والسلام في الرغيبة، فكل ذلك جائزٌ وسائغ.
أما الدليل على جواز ذلك فعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، فكونه يقرأ من وسط السورة أو آخرها هو الذي تيسر له، ولذلك لا حرج عليه في فعله هذا الوجه، لكن الأفضل والأكمل إتمام السور لما ذكرناه، ولأنه الهدي الغالب من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(44/9)
________________________________________
تسبيح الرجل وتصفيق المرأة في الصلاة للحاجة
قال رحمه الله تعالى: [وإذا نابه شيء سبح رجل، وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى].
قوله: [سَبّح] اختصارٌ لـ (سبحان الله) فقوله: [سبح رجلٌ] أي: قال: سبحان الله.
ويرفع بها صوته إذا نابه شيء، كأن يقرع عليه ضيف الباب، أو يتحرك عنده الطفل حركة غريبة ويخشى عليه فيقول له: سبحان الله.
حتى يتنبه.
أو كان هناك أمرٌ يحتاج إلى التنبيه عليه لجالسٍ بجواره، فإنه يقول: سبحان الله.
والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)، فدل هذا على مشروعية أن يسبِّح الرجال.
ومن ذلك أن ينوب الإنسان أمرٌ داخل الصلاة، فإنه من باب أولى وأحرى، كأن يسهو الإمام، فإذا سها الإمام في الأفعال تسبِّح له، فلو أن إماماً كبَّر للجلوس بين السجدتين فإذا به يحاول القيام، أو قام ووقف فإنك تسبح؛ لأن الجلوس بين السجدتين لا بد من الرجوع إليه، فهو ركنٌ من أركان الصلاة، وهكذا إذا فعل فعلاً يُحتاج إلى تنبيهه عليه، ولا حرج عليك في ذلك لعموم قوله عليه والصلاة والسلام: (إنما التسبيح للرجال).
وأما التصفيق فقد ثبت في جزء الحديث الثاني، وهو يختص بالنساء، والحديث في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)، وفيه دليل على أن النساء إذا عَلِمن بخطأ الإمام وسهوه وغفل الرجال عن التنبيه، أو صلت المرأة مع زوجها وسها فإنها حينئذٍ تصفِّق له، والتصفيق ينقسم إلى قسمين في الأصل: تصفيق مشروع في الصلاة، وتصفيق غير مشروع وهو تصفيق أهل اللهو والمجون.
ويكون التصفيق ببطن الكف إلى بطن الكف، وهو التصفيق المعروف والمعهود، سواء أوقع بالمقابلة الكاملة أم كان بجزئه، كأن يجعل أصابعه على بطن راحته فإنه يعتبر من التصفيق.
أما التصفيق المشروع الذي يكون في الصلاة فقيل: هو أن تضرب بظاهر الكفين على بعضهما.
وقال بعض العلماء: التصفيق المشروع في الصلاة أن تضرب ببطن إحدى اليدين على ظهر الأخرى.
وقيل: أن تَقْلِب فتجعل الظاهر على باطن الأخرى.
وسواء أفعلت هذا أم هذا فكل ذلك جائزٌ ومشروع، وفي هذا الحديث حجة لما ذهب إليه جمهور العلماء من أن صوت المرأة عورة، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صرفها من اللفظ إلى التصفيق، مع أن المرأة قد تصلي مع محارمها ولم يرد استثناء.
ولذلك قالوا: عُدِل عن التسبيح إلى التصفيق بالنسبة للنساء لمكان الافتتان بأصواتهن، والفرق بين قولنا: إن صوت المرأة عورة، وقولنا: ليس بعورة يظهر في مسألة محادثتها للرجال من دون حاجة، فإن القول بأنه ليس بعورة معناه أنه لا حرج أن يسمع الرجل صوت المرأة إذا أمِن الفتنة.
والأصل أن الغالب كالمحقق، ولذلك قالوا: الأصل فيه أنه عورة، ولا يُرخَّص إلا لحاجة كسؤالٍ واستفتاءٍ ونحو ذلك.
(44/10)
________________________________________
البصق في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [ويبصق في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه].
البصاق والبساق والبزاق ثلاث لغات، بالصاد والسين والزاي.
وقوله: [ويبصق في الصلاة عن يساره] لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المصلي أن يبصق قِبَل وجهه، ونهاه أن يبصق عن يمينه، وقال: (عن يساره تحت قدمه)، فإذا كان في بَرِّيةٍ فإنه يُشرع له أن يتفل عن يساره ويبصق عن يساره تحت قدمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك.
أما إذا كان في المساجد وكانت مفروشة فإنه لا يجوز له أن يبصق لا عن يمينه ولا عن يساره ولا قبل وجهه ولا وراء ظهره، فلا يجوز له بحال أن يبصق داخل المسجد، وفي القبلة أَشَد، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك وقال: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)، وهذا حينما كانت المساجد من التراب، وكان عليه الصلاة والسلام يدفنها، وثبت عنه في الحديث الصحيح أنه لما رأى نخامةً في قبلة المسجد حكّها، ثم طيب مكانها صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا يدل على تعظيم أمر المساجد، وأنه لا يجوز البصاق فيها، وقد ثبت في حديث مسلم أنها من خطايا أمته التي عرضت عليه صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض العلماء: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البصاق في المسجد لمكان الأذية والضرر فإن هذا يدل على أن كل شيء فيه أذيةٌ للمصلين وفيه إضرارٌ بهم لا ينبغي للمسلم أن يفعله في المسجد، فالأصل أن تُرفع المساجد وأن تُكرَم لظاهر آية النور في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36].
والمراد بها المساجد.
قال بعض المفسرين: معنى قوله تعالى: (أَنْ تُرْفَعَ): أي: تُصان عما لا يليق بها حساً ومعنىً، فما لا يليق بها حساً مثل البصاق ونحوه كالقاذورات، وما لا يليق بها معنىً كلغط أهل الدنيا ونحوه؛ فإنها لم تُبن لهذا، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا).
فقال العلماء: في هذا دليل على أنه ينبغي صيانة المساجد، ولذلك قالوا من دخل بنعليه على مسجدٍ مفروشٍ فإنه لا يخلو من الإثم؛ لأنه إنما شُرِعت الصلاة في النعلين في ما هو غير مفروش، أما إذا كان مفروشاً فإنها قد خرجت عن صورة السنة، ولا بد في صورة السنة من التأسِّي والاقتداء، فكونه يصلي على فراشٍ على خلاف ما أُثِر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان الفراش غير موجودٍ على عهده صلوات الله وسلامه عليه، ولم يصل على فراشٍ البتة، بل قام على حصير -كما في حديث أنس في الصحيحين- فلم يقم بنعليه صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا يدل على أن المعنى هو عدم أَذِيَّة المصلين، وعدم التسبب في الإضرار بهم، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام -وهو أصلٌ في الشرع- أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار)، وخرّج العلماء عليه القاعدةٌ المشهورة التي هي إحدى قواعد الفقه الخمس (الضرر يُزال)، فلذلك لا يُشرع للمصلي أن يتفل قِبَل وجهه، وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: (أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟!) أي: هل يرضى أحد أن يُستقبل من قبل وجهه بالنخامة؟! فالله أجل، ولله المثل الأعلى.
فإن كان في المسجد فإنه يبصق في ثوبه كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، ثم يدلك الثوب، أو كما هو موجودٌ الآن من المناديل التي يضعها المصلي في جيبه، فله الحق أن يُخرِجها من الجيب ويبصق فيها ولا حرج عليه في ذلك، لكن السنة والأولى له إذا بصق في المنديل أن يجعله في شقه الأيسر وأن لا يجعله في شقه الأيمن؛ لأن المعنى موجود.
ولا ينبغي أن نجعل الأواني التي تحفظ هذه الفضلة من هذه المناديل في قِبْلة المصلين، وهذا خطأ يشيع عند بعض الناس، فإنهم يجعلون هذه الأواني التي تحفظ بقايا النخامات قبل المصلين أمام وجوههم، ولذلك لا يُشرع مثل هذا، وإنما تُصرَف إلى مياسر الصفوف ونحو ذلك.
(44/11)
________________________________________
الأسئلة
(44/12)
________________________________________
حكم الرد على الإمام إذا أخطأ في التجويد

السؤال
هل يجوز لنا أن نرد على الإمام إذا أخطأ في حكم من أحكام التجويد؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: تجويد القرآن وترتيله أمرٌ لازم، وذلك لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل:4]، وهو مشروع؛ فإن القرآن إنما نزل على صورةٍ معيَّنة، وهذه الصورة تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل، وتلقاها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتناقلتها الأمة جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل على صورةٍ مخصوصة وهيئة مخصوصة عُرِفت بمصطلحٍ اصطلحوا على تسميته بالتجويد.
وهذا المصطلح يكاد يكون إجماع السلف رحمة الله عليهم ومن بعدهم على كونه مشروعاً في الأصل، فلم يُوجد في العصور المتقدمة بل إلى عهدٍ قريب من يقول: إن التجويد بدعة.
وذلك لأن القرآن واضح في الأمر بترتيل القرآن.
والمراد بترتيل القرآن إعطاء الحروف حقها ومستحقها، ولذلك قال الله عز وجل: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195]، فلم يقتصر على وصفه بكونه لساناً عربياً حتى أضاف إليه كونه مبيناً، قيل: مبيناً من جهةٍ كونه يبين الحق، وقيل: مبيناً من جهة اللفظ.
ولا مانع من الجمع بين المعنيين كما هو مُقرَّر في أصول التفسير أن اللفظ إذا احتمل المعنيين وكان يمكن أن يُطلَق عليهما معاً فإن الأصل حملُه على ذلك العموم المقتضي لهما معاً.
وقد اختَص أهل القرآن بتجويده وضبطه وإتقانه وتحريره، وكان لهم شرف هذا الضبط وهذا التحرير، وعُقِدت لهم مجالسهم في بيوت الله عز وجل وفي أماكن حِلَق الذكر والعلم، ولم يُنكر أحدٌ هذا العلم، بل قالوا في حكمتهم المشهورة: القراءة سنةٌ متبعة لا تؤخذ إلا من أفواه الرجال فكانوا يأخذون القرآن بالتلقي.
وأخذ المصاحف والقراءة بها فيها بالطريقة الموجودة اليوم ما عُرِف إلا في هذه الأزمنة الأخيرة، وإنما كان في القديم لا يقرأ الإنسان إلا عن طريق الشيخ صيانةً لكتاب الله عز وجل وحفظاً له من الخطأ والزلل.
ومن قال: إن التجويد بدعة فإن قوله محل إشكال عظيم؛ إذ لو قلنا: إن الإنسان يقرأ القرآن على ظاهره فكيف يقرأ قوله تعالى: (كهيعص)؟ فمن أين جاءتنا معرفة المدود لنقرأ: (كاف، ها، يا، عين، صاد)؟ ومن أين جاءتنا تلاوة هذه الحروف على هذا الوجه المعين؟ فما جاءنا إلا عن طريق الرواية، فكما أنه أُلزِم بهذه الرواية على هذا الوجه فكذلك الشأن في كتاب الله عز وجل في حروفه، ولذلك تجد التنوين والغُنَّة والإخفاء وغيرها من الأحكام تترتب عليها مسائل دقيقة في صِفَة الحروف.
وقد أُثِر عن علي رضي الله عنه أنه لما فَسَّر الترتيل فسَّرَه بإعطاء الحروف حقها من صفةٍ لها ومستحقها، ولذلك قرر العلماء رحمهم الله لزوم التجويد، ومرادهم بذلك التجويد الذي تنضبط به الحروف، وتنضبط به مخارج الحروف، أما الزائد على ذلك من التحبير والتحسين والإتقان الذي هو مرتبة الكمال فهو مرتبة فضل، وليس بمرتبة وجوب، ولذلك لا حرج في كون الإنسان يجهله، لكن إذا جاء إلى القدر اللازم مثل إخفاء الحرف، ومثل كون الحرف منوناً، والذي تبين به صفة الحروف، فهذا سنةٌ متَّبَعة، وينبغي التأسي فيها والاقتداء بسلف هذه الأمة ومن بعدهم، ولا شك أن هذا الأمر مما يكاد يكون مجمعاً عليه بين أهل العلم رحمة الله عليهم.
وعليه فإذا أخطأ الإمام في أحكام التجويد بما يُخِل، فلا شك أنه يُشرع الفتح عليه ويُلزَم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما لو أخطأ في الآية كلها، ولذلك يُشرع في مثل هذه الصورة أن يُفتح عليه، أما إذا كان في الكمال فإنه يغتفر، وخاصةً إذا كان من الأميين الذين يطول ردهم، والله تعالى أعلم.
(44/13)
________________________________________
حكم الفتح على الإمام بصوت عالٍ

السؤال
يلاحظ على بعض المأمومين في قضية الفتح على الإمام أنه إذا كان في مؤخرة المسجد يفتح على الإمام بصوت عالٍ يُسمع في أرجاء المسجد، فهل هذا الفتح يعتبر من العبث الذي يؤثر في صحة الصلاة؟

الجواب
هذه المسألة مهمة جداً، خاصةً في صلاة التراويح، فتجد الناس يمسكون المصاحف، وقد يكون أحدهم خارج المسجد، فإذا أخطأ الإمام رفع صوته ورد على الإمام، وهذا يُعتبر من الأمور التي يُنْهى عنها؛ لأنه لا حاجة إلى كلامه، وما أبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها.
ولذلك قال العلماء: إذا كان وراء الإمام من يتولى الرد عليه فإنه يُتْرك الأمر له؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يتكلم.
وقالوا: إنه لو أخطأ الإمام وأنت خارج المسجد، بحيث لا يمكن أن يبلغ الصواب الإمام فإنه حينئذٍ يُشرع ترك الفتح؛ لأنه يعتبر من العبث؛ إذ ليس فيه إلا التشويش على المأمومين، لكن لو كنت في طرف الصف أو بعيداً، ويغلب على ظنك أنك لو فتحت ربما نقل غيرك فَتْحَك للذي أمامه، والذي أمامه لمن أمامه حتى يصل إلى الإمام، فحينئذٍ لا حرج أن تفتح عليه لكي يُبَلّغ بصوتك، بل وترفع صوتك ولا حرج عليك في هذا.
أما لو وُجِد وراء الإمام من يفتح عليه وينبهه على الخطأ فحينئذٍ يلتزم الإنسان الصمت كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم المأموم وراء الإمام، فيُنصِت ويسكت؛ لأنه هو الأصل في المصلي، والله تعالى أعلم.
(44/14)
________________________________________
قتل القمل أثناء الصلاة

السؤال
ما حكم قتل القمل في الصلاة؟

الجواب
القمل له حالات: الحالة الأولى: أن يشوش على المصلي، كما لو كان في رأسه وبين شعره وآذاه وأزعجه، فقد شُرع له أن يقتله، ويكون ذلك كما هو معلوم بحركة الإصبع.
الحالة الثانية: أن يكون بعيداً عن الأذية، كأن يراه على ثوبه، فبعض العلماء يُعمِّم ويقول: يقتل القمل مطلقاً، فيدخل في هذه الحالة أن يقتله ولو كان على ثوبه؛ لأن الضرر في مظِنّة الوقوع فإذا كان في هذه الساعة على الثوب فربما بعد ساعات يكون على الجسد، ومن ثم قالوا: يُشرع له أن يقتله بناءً على العموم ولا تجد العلماء يفرقون بين كونه مُشوِّشاً في الصلاة أو غير مشوِّش، لكن لو أمكن الإنسان أن يصبر عنه حتى ينتهي من صلاته فهو أولى وأحرى وقتل القمل -كما يقول العلماء- حركته يسيرة وفعله يسير، ولذلك لا يُشدد فيه، وليس كقتل غيره، والله تعالى أعلم.
(44/15)
________________________________________
دعاء المصلي أثناء الصلاة إذا مر بآية عذاب أو رحمة

السؤال
إذا قرأ الإمام قول الله عز وجل: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:40] ونحوه، فهل يشرع أن يقول الإمام والمأموم: (سبحانك.
بلى)، أم لا يُشرع؟

الجواب
نعم.
فهذا فيه حديث في السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (سبحانك.
بلى) لما قرأ قوله تعالى:: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:40]، وهذا إنما يكون في النافلة، أما في الفرض فلا.
وكان عليه الصلاة والسلام في قيام الليل إذا مر بآية عذابٍ استعاذ، وإذا مر بآية رحمةٍ سأل الله من فضله، ولذلك ما حفظ عنه عليه الصلاة والسلام إلا في قيام الليل.
ولذلك يُعتبر هذا الأصل في صلاة النافلة، فلا حرج على المصلي أن يفعل ذلك؛ لأن أمرها أخف من أمر الفريضة، وأما في الفريضة فإنه يسكت لأنه الأصل، حتى يدل الدليل على جواز الكلام والنطق؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أنه لما نزل قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، قال الراوي: (أُمِرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام).
(44/16)
________________________________________
حكم تصفيق الرجال والنساء في الحفلات والأعراس

السؤال
ما حكم التصفيق للرجال في الحفلات ونحو ذلك، وما حكم التصفيق للنساء في غير الصلاة، كالأعراس ونحوها؟

الجواب
التصفيق من صنيع أهل اللهو؛ ولذلك لا يُشرع، ويُسقِط مروءة طالب العلم والعالم إذا فعلاه، وأما عوام الناس فيُنبَّهون على أنه من صنيع أهل اللهو ومن لا يؤبه له، أما طلاب العلم وأهل الفضل ومَن هم قدوة فلا يصفقون، وحَمَلوا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال:35] على هذا الوجه، والله تعالى أعلم.
(44/17)
________________________________________
حكم تغطية المصلي لفمه أثناء الصلاة

السؤال
ما حكم تغطية المصلي لفمه أثناء الصلاة؟

الجواب
تغطية المصلي لفمه أثناء الصلاة مَنْهِيٌ عنها.
فقد قال العلماء: نُهِي عنها.
واختلفوا في العلة، فقال بعضهم: لأنه تشبه باليهود، ولذلك لا يُغَطِّي فمه.
وقال بعض العلماء: نُهِي عن تغطية الفم في الصلاة لأنه لا يُحسن القراءة وإخراج الحروف، وأياً ما كان فلا مانع من تعليل النهي بالعلتين؛ لأن أصح الأقوال عند الأصوليين أنه يجوز تعليل الحكم بعلتين، وبناءً على ذلك نقول: إن تغطية الفم في الصلاة فيها محظور وهو صعوبة خروج الحروف من مخارجها مع ما فيها من التشبُّه، والله تعالى أعلم.
(44/18)
________________________________________
الواجب على المصاب بسلس البول إذا دخل وقت الصلاة

السؤال
شيخٌ كبير به سلس البول ولا يتحكم في بوله، فهل يجب عليه غسل ما وَصَل إليه البول من الثياب دائماً وخاصةً إذا كان بعيداً عن بيته؟

الجواب
من كان بهذه الحالة فإنه إذا دخل عليه وقت الصلاة يغسِل الأماكن المتنجسة من ثوبه الذي يلي فرجه وما أصابه البول، فإن شقّ عليه وعَسُر فحينئذٍ يمكنه أن يستبدله بثوبٍ آخر إذا كان يشق عليه غسله، كما هو الحال في أيام البرد، فإنه إذا غسل الثوب لا يستطيع أن يلبسه مباشرة، فإذا وجد مثل هذا فليتخذ له سروالين ونحوهما كما هو الأصل في الواجبات، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فقد أوجب الله عليه الطهارة للصلاة، وكونه يصلي على هذه الحالة مع القدرة على التخلي عن هذه النجاسة لا يباح له ولا يُرَخَّص له.
وأما مسألة تطهره للصلاةِ فإنه كلما دخل عليه وقت الصلاة يُشرَع له أن يتوضأ، ولا يضره خروج البول أثناء وقت الصلاة، كالمستحاضة.
لكن في مسألة تغيير الثوب وغسل البول، فإذا شق عليه، أو لم يمكنه ذلك، كالمريض الذي يكون طريح الفراش ولا يستطيع أن يجد الماء الذي يغسل به العضو، وحضره وقت الصلاة وخاف خروجه فحينئذٍ يجوز له أن يصلي ولو كان في ثوبه البول لمكان الضرورة، والله تعالى أعلم.
(44/19)
________________________________________
الأمر بغض الصوت للمرأة

السؤال
زوجي كثير الخروج بنا إلى منزل أهله، وإذا ذهبنا إلى منزلهم أجلس مع أهله جميعاً في مجلس واحد ويكون معهم أخوه البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، وأكون أثناء الجلسة متحجِّبة بالحجاب الإسلامي الكامل، إلا أنني أتحدَّث بصوتٍ مسموع مع والدة زوجي وأخواته، وأحياناً يتعدى الأمر إلى الضحك، وقد حاولت عدم التحدث بصوتٍ مسموع والإقلال من ذلك، لكني لم أستطع، فما الحكم في مثل هذه الحالة؟

الجواب
إذا كان الإنسان في مثل هذه الحالة يأمن الفتنة فلا حرج أن يجلس القرابات النسوة مع بعضهن ويتحدثن ويكون صوتهن عالياً، لكن إذا كان بجوارهن رجال وكانوا أجانب فإنه في هذه الحالة ينبغي عليهن الغض من الصوت وعدم إسماع الرجال الأجانب؛ لأن الرجل يُفتَن بصوت المرأة غالباً، واغتفَر العلماء صغار السن ومن هو قريب البلوغ إذا أُمِن منه أن يفتتن، والله تعالى أعلم.
(44/20)
________________________________________
حكم قصر الصلاة لمن كان عمله خارج مدينته

السؤال
رجلٌ يسكن في مكة وعمله خارجها، فهل يقصر الصلاة إذا خرج من مكة إلى مكان عمله، أو لا؟

الجواب
إذا خرج من مكة إلى مكان العمل ولم يكن له مستقرٌ في مكان العمل، كبيتٍ يسكنه ومزرعة يقوم عليها، أو ملك له فيها فإنه في هذه الحالة يقصُر بشرط أن لا يُقِيم أو ينوي الإقامة أربعة أيام فأكثر، فإن نوى الإقامة أربعة أيام فإنه ينتقل إلى حكم المقيم، ويلزمه إتمام الصلاة من أول يوم ينزل فيه في ذلك الموضع، والله تعالى أعلم.
(44/21)
________________________________________
حكم قراءة الآية من نصفها في الصلاة

السؤال
ما حكم القراءة في الصلاة من نصف الآية لا من أولها، علماً بأن المعنى مكتمل؟

الجواب
هذا خلاف السنة، فالسنة أن يبتدئ بأول الآية كما ذكرنا في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قراءته عليه الصلاة والسلام في ركعتي الفجر أما لو فعل ذلك فإن صلاته صحيحة، والله تعالى أعلم.
(44/22)
________________________________________
حكم الدعاء في القنوت بغير ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم

السؤال
هل يجوز للإنسان الدعاء بالأذكار التي فيها مواضع دعاء كأذكار الصباح والمساء والنوم أثناء القنوت وغيره، أو الاستغفار بسيد الاستغفار؟

الجواب
القنوت لا يُشرع فيه إلا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والحاجة الداعية إلى القنوت، فإذا قَنَت الإنسان فإنه يقتصر على الوارد كقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك)، وقوله: (اللهم لك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد) ونحو ذلك من الأدعية الواردة.
ثم يقتصر على أمرين: الدعاء على من فيه ضرر على المسلمين، والدعاء لمستضعفي المسلمين، فإن زاد عن هذين الموضعين -كأن يدعو بأمورٍ خارجةٍ عنهما- فقد حكم العلماء ببطلان صلاته؛ لأنه كلامٌ خارجٌ عن المشروع كما لو تكلَّم بكلامٍ أجنبي، ولذلك قال الإمام أحمد: إن زاد عن الوارد حرفاً واحداً فاقطع صلاتك.
تشديداً في هذا الأمر.
ومن البدع المحدثة الاستسقاء في القنوت، فهذا بدعة وليس له أصل، وينبغي تنبيه الأئمة على أنه ينبغي عليهم التأسِّي برسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتصار على الألفاظ التي ورَدت، فتدعو على من ظلم، وتدعو للمسلمين بالنُّصرة والتأييد، والزائد على ذلك يعتبر من البدعة والحدَث، والإمام يأثم ويتحمل مسئولية من وراءه، وينبغي على الأئمة إذا أرادوا أن يفعلوا أمراً وله أصلٌ من الشرع أن يسألوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأن لا يختلقوا من عندهم بالاجتهادات والاستحسانات.
ولذلك شدد العلماء رحمهم الله في القنوت، وعباراتهم فيها مشهورة، وينبغي التقيد بما ذكرنا، فإذا دعا بمثل هذا الدعاء فقنوته صحيحٌ ومشروع وأما إذا زاد عليه، وكانت الزيادة بما لم يُشرع فحينئذٍ تنوي المفارقة، أي: تنوي أنك منفرد، ولا حرج إذا خفت الفتنة أن تسجد مع سجوده، ثم إذا رفع ترفع معه، ولا تنو الاقتداء به.
وهذا أصل عند العلماء رحمة الله عليهم إذا طرأ في الإمام ما يوجب بطلان إمامته، والله تعالى أعلم.
(44/23)
________________________________________
الواجب على من فاتته تكبيرة من تكبيرات الصلاة على الميت

السؤال
كيف يصنع من فاتته تكبيرة من تكبيرات الصلاة على الميت؟

الجواب
إذا فاتت تكبيرة فأكثر من تكبيرات الصلاة على الميت، فإنه في هذه الحالة لا تخلو الجنازة من حالتين: الحالة الأولى: أن تدرك بقدرٍ يقضي فيه الإنسان ما فاته، فحينئذٍِ تُكَبِّر التكبيرة وتُتِم الأذكار الواردة فيها.
وأما الحالة الثانية وهي الموجودة الآن: أن ترفع مباشرة، فإذا رُفِعت مباشرة فإنك تُكَبِّر بدون دعاءٍ وذكر، ثم توالي بين التكبيرات، كأن يفوتك تكبيرتان، فتقول: الله أكبر، الله أكبر، السلام عليكم.
فهذا هو المشروع والذي عليه العمل عند أهل العلم رحمة الله عليهم، وإنما قالوا بالتفريق بين كون الجنازة حاضرة ومرفوعة لأن حضورها هو الذي شُرِعت فيه الصلاة، ولذلك لا يُصَلّى عليها قبل حضورها، فالصلاة عليها بعد رفعها كالصلاة عليها قبل حضورها، ولذلك قالوا إنما يُشرع القضاء وذكر الأذكار بين التكبيرات إذا كانت الجنازة ثَم.
والله تعالى أعلم.
(44/24)
________________________________________
قول الإمام للمؤذن أقم الصلاة

السؤال
هل من السنة قول الإمام للمؤذن أقم الصلاة؟ وهل للإمام أن يطيل في الركوع في الفريضة لكي يتسنى للداخل إدراك الركعة؟

الجواب
لا يقول الإمام للمؤذن أَقِم، ولا يتنحنح، ولا يفعل شيئاً.
فإذا كان الإمام يأتي من قِبَل المسجد والمؤذن يراه، فحينئذٍ يسكت الإمام ولا يقل: أقم، لكن لو كان المؤذن يأتيه الإمام من ورائه، أو يأتيه من مكان يريد أن ينبهه وينبه من أمامه حتى يمكنه أن يدخل إلى الصف الأول فلا حرج أن يقول: أقم.
خاصةً إذا كان الإمام لم يصلِّ تحية المسجد، ولذلك يُشدد في كلامه وذكره، فالأَولى والأفضل أن يكون دخوله على وجهٍ يتنبه به المؤذن لإقامة الصلاة.
والله تعالى أعلم.
(44/25)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - سنن الصلاة
كما أن للصلاة أركاناً وواجبات وشروطاً، فلها أيضاً سنن ينبغي المحافظة عليها، ومنها: السترة، والاستعاذة عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة، ونحوها.
(45/1)
________________________________________
سنن الصلاة
(45/2)
________________________________________
السترة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وتسن صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرجل] ذكر المصنف رحمه الله تعالى جملةً من الأحكام والمسائل التي كانت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، وشرع بعد بيان صفة الصلاة في بيان الأمور التي يسن للإنسان أن يحصلها في صلاته، ومنها السترة.
فيقول رحمه الله: [وتسنّ]، وهذا التعبير يَدل على أن جعلك للسترة إنما هو على سبيل الندب والاستحباب، بمعنى أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلّى صلّى إلى سترة.
والسترة أصلها: ما يستتر به الإنسان، ويشمل ذلك ما يستر عورته، أو يستره إذا كان في مكان، ولكن المراد بها هنا سترة مخصوصة حَكَم الشرع باعتبارها، فأنت إذا صَلَّيت تحتاج إلى حدٍ معين تمنع فيه الناس أن يمروا بينك وبينه، وهذا الحد وَضَعه الشرع على سبيل العبادة؛ لأن المكلَّف إذا خَلِي من مرور الناس بين يديه كان ذلك أدعى لخشوعه، وأدعى لحضور قلبه، ثم إن هذه الصلاة تكون لها حرمة، فيمتنع المار أن يمر بين يدي المصلي، وذلك إنما يكون بوضع حدٍ معين، وهو الذي وصف في الشرع بكونه سترةً.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في شأن السترة: (مثل مؤخرة الرحل، فلا يضره من مر وراء ذلك)، أي: مثل مؤخرة الرحل سترةً للمصلي، ثم لا يضره من مر وراء هذه السترة.
وأمر عليه الصلاة والسلام في غير ما حديث إذا صلى المصلي أن يجعل السترة تلقاء وجهه، ولذلك ذهب طائفةٌ من أهل العلم رحمة الله عليهم إلى أن جعل السترة أمام المصلي في صلاته أمر واجب، ولا شك أن هذا القول أقرب لظاهر السنة الثابتة في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إننا إذا تأمّلنا خطر المرور بين يدي المصلي وتشديد الشرع في أمره وترهيب المار من مروره فإنه يتضمن الدلالة على أن السترة واجبة.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لو يعلم المار بين يدي المصلي -أي ما في ذلك من الوعيد والعذابِ- لكان أن يقف أربعين أهون من أن يمر بين يديه).
قال أبو النضر: لا أدري أقال أربعين يوماً، أو أربعين سنةً، أو أربعين شهراً.
فأمر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول أمر عظيم يدل على عظم خطر المرور بين يدي المصلي، فإذا كان الأمر كذلك فإن من مقصود الشرع صيانة الناس عن هذا الخطر، وحفظهم عن الوقوع في هذا الضرر، وذلك إنما يكون بسبيل الإلزام، فإذا أُلزِم المصلي بجعل السُّترة كان ذلك أدعى لحفظ الناس من الوقوع في هذا المحظور.
والسترة تكون جداراً، وتكون جماداً، وتكون حيواناً، فلا حرج أن تستتر بظهر إنسان، ولا حرج أن تستتر بحيوان، فلو أنك دخلت المسجد وأردت أن تصلي تحية المسجد ولا تجد شاخصاً إلا ظهر إنسان أمامك فإنه لا حرج أن تصلي وراء ظهره، وقد جعلت في نفسك أن هذا الظهر بمثابة السترة لك، ويحق لك إذا وقع موقفك في الصف الذي يلي الصف أن تجعل الصف الأمامي بمثابة السترة.
وتكون السترة حيواناً، كأن يُنيخ الإنسان بعيره ثم يجعل أحد جنبي البعير سترةً له؛ لأنه لا يليق أن يجعل وجهه أمامه، وهكذا بالنسبة للرجل، حتى لا يُظَن أنه ساجدٌ للبعير أو ساجدٌ للإنسان، فسدّاً لذريعة السجود لغير الله عز وجل، لا تجعل الحي قبل وجهك، وإنما تأتي من قفاه إذا استُحسِن أن تكون في القفا، أو تأتي من جنبه، كالحيوان من بهيمةٍ أو إبلٍ أو بقرٍ أو غير ذلك، وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يُنيخ بعيره ويصلي إليه.
وكذلك تكون السترة جماداً، وهذا الجماد قد يكون حائلاً كالجدار وكالبناء، فهذا لا إشكال في كونه سترةً مؤثرة.
لكنه يكون في بعض الأحيان شاخصاً، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلى كلٍ منهما، فلما دخل الكعبة اقترب من جدارها وصلى إلى الجدار، وكذلك اعتبر الجماد الشاخص كما في حديث أبي جحيفة وهب ابن عبد الله السوائي رضي الله عنه وأرضاه في حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ثم ركزت له عنزة)، وهذا يدل على جواز الصلاة إلى الشاخص، كأن تغرز عوداً أو عصاً أو رمحاً أو نحو ذلك ثم تصلي إليه، أو تضع حجراً، لكنهم قالوا: إذا صليت إلى الحجر فاجعله عدة أحجارٍ حتى لا تشابه عبدة الأوثان، سداً لذريعة المشابهة لعبدة الأوثان؛ لأنه إذا جعل حجراً واحداً فكأنه يُشَابه أهل الأوثان بعبادتهم للأنصاب ونحوها، فقالوا: تجعل حجرين أو ثلاثة بجوار بعضها حتى تخرج من مشابهتهم.
وكذلك قالوا: السنة في الصلاة إلى الحجر أو الشاخص أن تجعل الشاخص إما على حاجبك الأيمن، أو على حاجبك الأيسر، ولكن لا تجعله أمامك مباشرة حتى لا تشابه عبدة الأوثان.
وفيه حديث أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عليه الصلاة والسلام إذا صلّى جعل السترة على جانبه الأيمن، أو على جانبه الأيسر، ولم يصمُد لها صمْداً، أي: ما جعلها أمامه كأنه يسجد لها كحال عبدة الأوثان.
قوله: [قائمة كمؤخرة الرحل] الرحل: هو ما يكون على ظهر البعير، ومؤخرته -كما ضبطها بعض العلماء- بقدر ذراع، وهي تحفظ الراكب من ورائه.
فإن كانت السترة صغيرة الحجم طلب ما هو أعلى منها، وذلك أن العالي أدعى لانتباه الناس له وتوقيهم المرور بين يدي المصلي.
ثم السنة في هذا الشاخص أن تجعل بين سجودك وبين مكانه قدر ممر الشاة، فمكن أن يكون قدر ذراع، وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان بين منبره والجدار قدر ممر الشاة قال بعض العلماء: الحكمة فيه -والعلم عند الله- أنه يمنع من مشابهة عبدة الأوثان؛ لأنه إذا كان بينك وبين السترة حائلاً دلّ على أنك لا تقصدها.
قال رحمه الله تعالى: [فان لم يجد شاخصاً فإلى خط].
الخط يكون في الأرض التي هي كالبرية، والتي يمكن وضع الخطوط فيها، وللعلماء في مشروعية هذا الخط قولان مشهوران: فقال الجمهور بعدم مشروعيته، وذلك لشدة الضعف في الحديث الذي ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: (فإن لم يجد فليخط خطاً)، فالضعف في الحديث قوي جداً، وأشار بعض العلماء إلى تحسينه كالحافظ ابن حجر وغيره، ولكن الكلام فيه قوي، لكن قال العلماء رحمةُ الله عليهم: لو لم يدل عليه الحديث لاقتضاه الأصل؛ لأن المقصود منع الناس، وليس المراد به أن يكون سُترةً.
ثم اختلفوا في صورة هذا الخط، فقال بعضهم: يجعله في أحد جانبيه كالحال في العصا.
وقيل: يجعل الخط من أمامه على آخر ما ينتهي إليه سجوده كالحال في الجدار المعترض.
وقيل: يجعله كالهلال.
أي: كالمحراب الذي يدخل فيه الإنسان، وأصح الأقوال أن الأمر واسع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فليخط خطاً) -على القول بثبوت الحديث- ولم يبين كيف يكون، فيبقى الأمر على إطلاقه إعمالاً للأصل.
قال رحمه الله تعالى: [وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط].
أي: تبطل الصلاة إن صليت إلى السترة بمرور كلبٍ أسود بهيمٍ، وهذا فيه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب)، فهؤلاء الثلاثة بأمر الشرع يقطعون الصلاة، أي أن الشرع دلّ على أنهم يقطعون الصلاة على سبيل العبادة، والله تعالى أعلم بعلة ذلك، وإن كانوا قد ذكروا في الكلب وخَصُّوه بالأسود لورود الخبر أنه شيطان.
وهذا القول -أعني القول بقطع الصلاة بمرور أحد هؤلاء الثلاثة- هو أصح الأقوال وأعدلها، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة من أهل الحديث، بمعنى أن المكلف يُطَالب باستئناف الصلاة، ومثال ذلك: لو قمت تصلي تحية المسجد، فجاءت امرأةٌ، أو مَرّ حمارٌ -أكرمكم الله- بينك وبين السترة، فهذا المرور لهذه الدابة يُوجِب قطع الصلاة، فلو صليت ركعةً من تحية المسجد فكأنك لم تصلِّ، فتسأنف الصلاة ولو كنت في التشهد الأخير، فمروره بين يديك في هذه الحالة يُوجِب انقطاع الصلاة من أصلها فتستأنف الصلاة، وكأنك في غير صلاةٍ، ولو كانت فرضاً، أي ولو كنت في فرض فإنك تستأنف الصلاة، وهذا على أصح أقوال العلماء.
وخَالَف الجمهور رحمةُ الله عليهم من الحنفية والمالكية والشافعية، فقالوا: لا يقطع الصلاة واحدٌ من هؤلاء الثلاثة.
قالوا: أما الحمار فلثبوت حديث ابن عباس في الصحيح أنه قال: (أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد).
ووجه الدلالة أن الأتان مرَّت بين المصلين فلم يوجب ذلك قطع صلاتهم، فدل على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة.
قالوا: وأما المرأة فلما ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح).
كانت حجرته عليه الصلاة والسلام صغيرة الحجم إلى درجة أنها لو نامت رضي الله عنها لا يجد مكاناً يسجد فيه صلوات الله وسلامه عليه، ولكنها وإن كانت ضيقة فهي واسعةٌ بما فيها من الإيمان والحكمة ونور القرآن، وبما فيها من خير النبي صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الآفاق صلوات الله وسلامه عليه.
قالوا: لو كان مرور المرأة يقطع الصلاة لامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على هذه الصورة.
وعند التأمل لهذه النصوص التي احتجّ بها جمهور العلماء رحمةُ الله عليهم فإننا نرى أن الدليل الذي دلّ على قطع الصلاة أرجح، وذلك لكونه نصاً في موضع النزاغ.
ثانياً: أن اعتراض أم المؤمنين عائشة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو اعتراض الجزء، والقاعدة في الأصول أن الجزء لا يأخذ حكم الكل، ولذلك لو حَلَفت وقلت: والله لا أدخل الدار، فأدخلت رجلاً ولم تدخل الأخرى لم تحنث؛ لأنه لا يَصْدُق عليك أنك قد دخلت إلا بالجرم كله، و
(45/3)
________________________________________
التعوذ عند آية وعيد والسؤال عند آية رحمة في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [وله التعوذ عند آية وعيدٍ والسؤال عند آية رحمة ولو في فرض].
قوله: [وله] أي: للمصلي، فلك إذا صليت نافلة أو فريضة وقرأت آية عذابٍ أن تسأل الله أن يُعيذَك منه، أو قرأت آية رحمةٍ أن تسأل الله من فضله.
والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام في قيام الليل من حديث حذيفة أنه ما مر بآيةٍ فيها ذكر رحمةٍ إلا وقف وسأل الله من فضله، ولا مر بآيةٍ فيها ذكر عذابٍ إلا استعاذ بالله عز وجل.
قالوا: فهذا يدل على مشروعية أن يسأل المكلف ربه من فضله إن مرّ بالرحمة، ويستعيذ به إن مر بالعذاب، ولا فرق عند القائلين بهذا القول بين الفرض والنفل.
والصحيح أنه يُفَرَّق في السؤال بين الفرض والنفل كما ذهب إليه الجمهور؛ فإنه -كما في الحديث الصحيح- لما نزل قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، قال الراوي: (فأُمِرنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام)، فدل على أن الأصل في المصلي أن يسكت، وقال عليه الصلاة والسلام في الإمام: (إذا قرأ فأنصتوا)، فالأصل عدم الكلام، فلما ثبتت السنة بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، ولم يثبت حديث صحيح واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل هذا في الفرض؛ إذ لا يُعقَل أنه يصلي بأصحابه صلوات الله وسلامه عليه هذا الردح من الزمان الطويل ولا يثبت عنه في فرضٍ واحدٍ أنه فعل ذلك، فحينئذٍ نقول: يجوز في النفل ما لا يجوز في الفرض، فيُشرع فعل ذلك في النفل دون الفرض، وهذا هو أعدل الأقوال وأقربها إلى السنة، فعلى المصلي إذا كان وراء الإمام أن ينصت ويمتنع عن الحديث، ويختص حكم هذه المسألة بالنفل دون الفرض.
ولذلك قال المصنف: [ولو في فرضٍ]، وكلمة (لو): تشير إلى الخلاف، ومعنى ذلك أن هناك من يقول بتخصيصه بالنفل دون الفرض، وهو مذهب الجمهور، وهو أقرب الأقوال وأعدلها، ولذلك ينبغي الاقتصار عليه في النوافل دون غيرها، أعني: الفرائض.
(45/4)
________________________________________
الأسئلة
(45/5)
________________________________________
حكم السترة في الحرم المكي

السؤال
ما حكم السترة في الحرم المكي؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: السترة في الحرم المكي وغيره حكمها واحد، وذلك لثبوت السنة على سبيل العموم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن الحرم، والقاعدة في الأصول أن العام يبقى على عمومه حتى يرد ما يُخصِّصه.
ولم يثبُت حديثٌ صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في استثناء مكة، فبقِيَت على الأصل.
لكن قالوا: إن اقترب من المطاف وآذاه الطائف وتعذر عليه منعه فإن هذا يُوسَّع فيه، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (يا بني عبد مناف: إن وليتم هذا الأمر فلا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار) قالوا: فكأنه يمنع.
هناك وجه ألطف من هذا الوجه في استثناء الطائف، قالوا: لأن الطائف في صلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (الطواف بالبيت صلاة).
فمروره أصلاً هو من الصلاة، فهذا التوجيه من أدق ما قيل في هذه المسألة، فالطائف عند مروره استثني وأما غيره فيبقى، ولذلك استثناؤه على هذا الوجه لا حرج فيه.
والدليل الذي يدل على أن مكة وغيرها على حدٍ سواء حديثُ أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه الثابت في الصحيحين أنه قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبةٍ حمراء من أدم -لأنه نزل بالمحصِّب بجوار الحجون بعد أن أتم ليالي منى فبات بها وتأخر ولم يتعجل عليه الصلاة والسلام- قال: ثم رُكِزت له عنزة.
وركز العنزة إنما يُقصَد به أن تكون سترةً له عليه الصلاة والسلام، فدلّ على أن مكة وغيرها على حدٍ سواء، خاصةً على القول الذي يقول: إن حرم مكة كله آخذٌ حكم مضاعفة الصلاة، وهو قولٌ من القوة بمكان، ولذلك يقوى أن يكون حرم مكة كله يمتنع فيه المرور بين يدي المصلي، والله تعالى أعلم.
(45/6)
________________________________________
منع الأطفال من المرور بين يدي المصلي

السؤال
عند الصلاة إلى سترة هل يمنع الأطفال من المرور بين يدي المصلي وكيف؟

الجواب
يمنع الطفل من المرور بين يدي المصلي، وإن كانت الصلاة نافلة وأزعج المرأة طفلها فإن لها أن تنحني وتتناوله وترفعه حتى لا يمر، وهذا من أرفق ما يكون إذا كان مما يصعب رده؛ لأن الانحناء في النافلة أوسع منه في الفرض، وقال بعض العلماء بجوازه في الفرض لحديث أمامة بنت أبي العاص رضي الله عنه، قالوا: إنه حَمَلَهَا النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن حديث أمامة فيه إشكال؛ لأن حديث أمامة لم ينتقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالانحناء، وإنما كان يرفعها وإذا سجد وضعها ثم حَمَلها عند رفعه، فما كان ينتقل بالانحناء؛ لأنه في الفرض لو انحنى انتقل من ركن القيام إلى ركن الركوع، ولربما اضطر إلى الجلوس، فلما كان النفل يجوز لك أن تجلس فيه مع القدرة على القيام وُسِّع في حملها في النفل دون الفرض، والله تعالى أعلم.
(45/7)
________________________________________
حكم المرور بين يدي المأمومين لغير حاجة.

السؤال
إذا مر الرجل بين المأمومين لغير حاجة، فهل ينبغي له هذا، وهل عليه حرج؟

الجواب
لا يُمَر بين يدي المأمومين إلا من حاجة، أما إذا لم توجد الحاجة فلا، وأذكر من أهل العلم رحمة الله عليهم من مشايخنا من يقول: يُشرَع دفعه إذا مر للتشويش والأذية؛ لأنه ينشغل الواحد بدفعه لمصلحة الكل، فيجوز أن تُرتَكب المفسدة الدنيا لجلب المصلحة العليا، فلذلك قالوا: يُشرع أن تدفعه فتنشغل وحدك تحصيلاً لمصلحة الكل، ومنع بعض العلماء من دفعه، وقالوا لأنه إذا اندفع انشغل وهو مكلَّف بمصلحته والعذر متعلقٌ بمصلحة الغير، فلا يسوغ؛ لأنه لا إيثار في القُرَب.
(45/8)
________________________________________
المقصود بالكلب الذي ورد أنه يقطع الصلاة

السؤال
قول المصنف رحمه الله: (بمرور كلبٍ أسود) هل المراد به هذا الكلبٌ المعهود، أم أنه يطلق على السباع وغيرها؟

الجواب
يختص بالكلب المعروف، أما السباع كالأسد والنمر ونحوه فلا يدخل في هذا، وأما في الصيد فإنه يدخل فيه لقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة:4]، فوصف الجارحة مع الكَلَب يدل على أنه يجوز أن تُعَلِّم أسداً الصيد وتصيد به، وهكذا لو علمت نمراً أو غيره من السباع العادية؛ لأنه يصدق فيه وصف الجارحة والكلب لكن (ال) في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الكلب) عهدية، فيشمل كلب البادية وكلب الحاضرة.
والكلاب التي تكون في البادية للصيد معروفة، وهي صغيرة الحجم، فهذا الذي يقطع الصلاة، فنقول بالعموم في جنس الكلاب، بخلاف الكَلَب فهناك فرق بين الكَلْب والكَلَب، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية الأسد في قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم سلِّط عليه كلباً من كلابِك) حين دعا على عتبة بن أبي لهب، ثم لما خرج في تجارته إلى الشام قال: إني أخاف دعوة محمد.
فكان إذا نام ينام بين أصحابه، فلما كان على تخوم الشام جاء الأسد وافترسه من بين أصحابه.
فأخذ العلماء من قوله صلى الله عليه وسلم (.
كلباً من كلابك) أنه وصف الأسد بكونه كلباً، فدل على أنه في عرف الشرع قد يُطلق الكلْب ويراد به الأسد أو كل جارح؛ لأنه مأخوذ من الكَلَبِ، وهذا كما نبّه عليه ابن منظور رحمة الله عليه في (لسان العرب) فالصيد يكون بأي نوع من الحيوانات المفترسة من السباع، وقد كان عَدِي يصيد بالسباع على اختلافٍ بالكلاب وغير الكلاب، وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فقال: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها؟ والباز هو الصقر.
فأجاز له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم ينكر عليه.
فنقول: بعض العلماء يقول: اسم الكلب عام كما جاء في الصيد، ونقول: الصيد شيء، والكلْب في الصلاة شيءٌ آخر؛ لأنه في الصلاة أمر تعبدي، وفي الصيد من جانب الكلب والقوة، والمقصود تحصيل الرفق بالناس في الصيد.
فجاز في الصيد على سبيل العموم رفقاً بالناس، ولذلك يقال هنا بخصوصه في الكلب المعهود دون غيره، والله تعالى أعلم.
(45/9)
________________________________________
حكم دعاء القنوت

السؤال
هل دعاء القنوت خاصٌ بالفريضة دون النافلة؟

الجواب
نعم.
القنوت قنوتان: قنوت فرض، وقنوت نفل.
فقنوت الفرض مثل الدعاء في النوازل، فالدعاء في النوازل يُقتصر فيه على الوارد مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك)، وكذلك قوله: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق)، ثم بعد أن تنتهي من هذا التمجيد الوارد في هذين الخبرين تدعو على من ظَلَم من الكفار، وتدعو بالنصرة للمسلمين، وتقتصر على ذلك لا تزيد، فلو دعا بالاستسقاء كان بدعة، ولو دعا بنجاح الطلاب في الاختبار كان بدعة، وهذا مما يحدث الآن، فبعضهم يدعو بنجاح الطلاب في الاختبار، وبعضهم يدعو بعموم الأدعية، وهذا لا يجوز، فالصلاة لا يجوز فيها الكلام إلا بقدر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلُح فيها شيء من كلام الناس)، فما ورد في القنوت يُقتَصر عليه، ولذلك قال الإمام أحمد: إن زاد على الوارد حرفاً واحداً فاقطع صلاتك.
يعني أنه قد خرج عن كونه مصلياً.
ولذلك ينبغي على الإمام أن يحتاط لصلاة الناس فيدعو بالوارد، ويدعو بنصرة المؤمنين بجوامع الدعاء، مثل (اللهم انصر المستضعفين) ونحو ذلك من جوامع الدعاء، ولا داعي للإطالة والخروج عن المعهود والتكلُّف، فلذلك يقتصر على جوامع الدعاء، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يدعو بالنصرة للمسلمين وهلاك على الكافرين، ثم يختم ويسجد.
أما بالنسبة لقنوت النافلة وهو قنوت الوتر فيدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الفضل، لا على سبيل الفرض، فلو دعا بغير هذا الدعاء جاز، ولو زاد على الوارد جاز، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الحسن، والحسن كان صغير السن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان الدعاء لازماً بالقيد لعلمه الصحابة، ولألزم الصحابة بهذا الدعاء في الوتر على سبيل الخصوص، ولأن الوتر رِفقٌ بالناس ليسأل المصلِّي فيه حاجته في ليله فوُسِّعَ على الناس أن يسألوا من حوائج الدنيا والآخرة ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم، والله تعالى أعلم.
(45/10)
________________________________________
بيان الترتيب فيما يكون سترة للمصلي

السؤال
في الحديث: (فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً)، فهل هذا على الترتيب أم على التخيير؟

الجواب
قوله: (إن لم يجد) دليل على الترتيب، وهذا أصل، فإن وردت في الكتاب فهي على الترتيب، ففي كفارة اليمين قال تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة:89]، وفي قراءة ابن مسعود: (متتابعات)، فاشترط في جواز الصيام وإجزائه في كفارة اليمين أن لا تستطيع الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة.
وبعض العامة هداهم الله إذا حلف اليمين وحنث ينتقل مباشرة إلى الصوم، وهذا لا يُجزيه لإجماع العلماء على أن كفارة اليمين بالصيام شرطها عدم الوَجْد، أي: عدم القدرة.
وهكذا قالوا: لو أن إنساناً وجبت عليه الرقبة في الظهار، أو الجماع في نهار رمضان، أو في القتل فانتقل -وهو قادر على أن يشتري رقبة- إلى صيام شهرين متتابعين لم يُجزِه، فكأنه لم يَصُم ويصبح صومه نافلة؛ لأنه شرط مقيد بنص الشرع: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المجادلة:4]، {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ} [المجادلة:4]، فالذي لم يجد له حكم، والذي لم يستطع له حكم، أما أن ينتقل إلى درجة ما بعد الشرط و {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المجادلة:4]، مع القدرة والوَجْد فهذا خارجٌ عن الحد المعتبر.
فلما قال: (فإن لم يجد) دلّ على الترتيب لا على التخيير، ولذلك يُبتدأ بالشاخص ثم بالعصا ثم بعد ذلك بالخط كما ورد في الخبر على القول بثبوته، والله تعالى أعلم.
(45/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - فصل: أركان الصلاة [1]
للصلاة أركان دلت عليها الأدلة من الكتاب والسنة، ومن تركها عمداً بطلت صلاته، ومن تركها سهواً فإن أمكنه أن يعود عاد وأداها، وإن لم يمكنه فإنه يقضي الركعة كاملة، وهي: القيام، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدال عن الركوع، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال عن السجود، والجلوس بين السجدتين وغيرها.
(46/1)
________________________________________
أركان الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصلٌ أركانها].
ركن الشيء: دعامته وعمدته التي يقوم عليها، وقد دلت النصوص الصحيحة الصريحة في الكتاب والسنة على أركان الصلاة، وهذه الأركان من تركها عامداً بطلت صلاته، ومن تركها ساهياً فإن أمكنه أن يعود إليها عاد وجبرها، وإن لم يمكنه العود إليها فإنه يقضي الركعة كاملة.
فمن ترك قراءة الفاتحة عامداً وهو يرى رُكنيتها بطلت صلاته، ولو في ركعةٍ واحدة، ومن تركها ساهياً، كما لو صليتَ فابتدأت الصلاة مباشرة، وقرأت دعاء الاستفتاح، ثم سهوت فقرأت: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين:1]، فابتدأت بالسورة قبل أن تبدأ بالفاتحة، فلما كنت في أثنائها تنبهت أو ذكّرك من وراءك إن كنت إماماً، فإنك ترجع وتقرأ الفاتحة وتتدارك الركن؛ لأنه يمكن التدارك حيث لم تدخل في ركنٍ بعدي، أما إذا كان لا يمكن التدارك كأن تكون دخلت في الركعة الثانية فتذكَّرت أنك في الركعة الأولى لم تركع أو لم تسجد، وقمت إلى الركعة الثانية فإنه حينئذٍ يلزمك قضاء الركعة الأولى، على تفصيل في كونك تلغي الركعة وتلفِّق، أو تبني الصلاة وتعيد الركعة من موضعها؟
(46/2)
________________________________________
الأدلة من السنة على أركان الصلاة
الأركان هي أهم شيءٍ في الصلاة، والأصل فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً ذات يومٍ مع أصحابه في المسجد، فدخل رجلٌ فصلَّى واستعجل في صلاته، فلم يحسن ركوعه ولا سجوده ولا جلوسه، فلما فرَغ من الصلاة قَدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ مع أصحابه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصلّ)، فرجع الرجل وصلى كحاله أولاً، ثم أتاه فسلم فرد عليه، فقال: (ارجع فصلّ؛ فإنك لم تصلّ)، فلما كانت الثالثة قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).
فهذا الحديث بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فيه الأركان التي لا تصح الصلاة إلا بها، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (فإنك لم تصلّ)، فيكون بيانه هنا بياناً للأركان، ولذلك ذكر غير واحدٍ من أهل العلم رحمةُ الله عليهم أن حديث أبي هريرة هذا الذي يسميه العلماء: (حديثُ المسيء صلاته) قد جمع التنبيه على أركان الصلاة، فلذلك اعتنى علماء الإسلام رحمهم الله بهذه الكلمة، وهي مصطلح الأركان والواجبات والسنن.
وهذه المصطلحات ليست ببدع كما يظن بعض من ليس عنده إلمام بالعلم وضبطه، فيظن أن هذه أمور محدثة، فيقول: من أين جاءنا الركن أو الواجب أو السنة؟ فإنا نظرنا في الشرع فوجدناه تارةً يقول: إذا فات هذا الشيء بطلت الصلاة، أو: يجب قضاء الركعة، ووجدناه تارةً يبين أن الشيء الذي فات يمكن جبره بالسجود، ووجدناه يُرخِّص في ترك شيءٍ، فعلمنا أن أعمال الصلاة ثلاثة أشياء: شيءٌ تبطل الصلاة بعدم وجوده، وشيءٌ يمكن جبره بالسجود، وشيءٌ يُتسامح فيه فلو تركه الإنسان ولو متعمداً صحت صلاته.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى ركعتين ثم سلمّ -كما في قصة ذي اليدين- فقال له ذو اليدين: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: كل ذلك لم يكن.
فقال: بلى.
قد كان بعض ذلك.
فسأل الصحابة: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم.
فرجع فصلى ركعتين)؛ وكان قد قام من مصلاه كما في الصحيح، قال الراوي: وأنبئت أن عمران قال: ثم سجد سجدتين وسلم.
فدل هذا على أن الأركان لا تُجبر إلا بالفعل وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر السهو موجباً لإسقاط الركن، بل تعتبر الركعة بمثابة الركن في الصلاة الجامع للأركان، فهي أصل في الصلاة، فكما أن الظهر قائمة على أربع ركعات كذلك كل ركعة قائمةً على أركانها.
ثم وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم تفوته أشياء من أفعال الصلاة ويجبرها بالسجود، فقد صلى عليه الصلاة والسلام إحدى صلاتي العشي، فسجد السجدة الثانية من الركعة الثانية ولم يجلس للتشهد، بل استوى واعتدل قائماً، فلما كبر سبح له الصحابة ليعود إلى جلسة التشهد، فأشار إليهم بيديه من وراء ظهره أن: قوموا.
أي: إني لستُ براجعٍ وقد لَزِمَكم الركن البعدي الذي هو القيام للركعة الثالثة، فقام الصحابة، فأتم بهم الركعتين ثم سجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فهنا فات شيء من أفعال الصلاة، ولكنه اعتبره مجبوراً بالسهو، فعلمنا أن مرتبة هذه الأفعال دون مرتبة الأفعال التي قبلها.
وكذلك أيضاً وجدناه عليه الصلاة والسلام يرى بعض الأقوال في الصلاة لازمة.
وبعضها غير لازمة، فقال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فلم يعتد بالصلاة ولم يعتبرها عند عدم وجود الفاتحة، ووجدناه يسامح في ترك دعاء الاستفتاح، فقد قال له أبو هريرة: (يا رسول الله! بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي).
فقد ثبت قطعاً أن الصحابة لم يعلموا ما الذي يقول، فلو كان هذا الدعاء حتماً كالفاتحة لألزَمهم به وعلّمهم إياه، فدل على أن هناك أموراً تلزم في الصلاة وأموراً لا تلزم، ولذلك قلنا: إن مثل هذا سنة.
فأصبحت القسمة عندنا بتتبع واستقراء الشرع تنقسم إلى هذه الثلاثة الأقسام، فوجدنا ما هو ركنٌ وما هو واجبٌ وما هو سنةٌ.
فلو قال قائلٌ: إن هذا بدعة نقول: إن الأسماء في ظاهرها بدعة -أي: لا نعرفها في القديم- ولكنها في الحقيقة موجودةٌ في حكم الشرع، ولا مشاحةً في الاصطلاح أن تسمي الشيء بأي اسم ما دام أن الشرع قد ترك لك التسمية والحكم موجود.
فإنك لو قلتَ: جميع أقوال الصلاة وجميع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لازم لتناقضت النصوص، ولو قلتَ: إن جميع ما قاله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصلاة ليس بلازم لتناقضت النصوص.
فإذاً لا بد من التفريق بين اللازم وغير اللازم، وذلك هو مصطلح العلماء بالأركان والواجبات والسنن.
وقوله: [فصلٌ] يبين دقته رحمه الله تعالى، حيث ذكر صفة الصلاة كاملة، ثم جاء يبين ما الذي يَلزَم وما الذي لا يَلزَم، ثم الذي يَلزَم منه ما هو ركنٌ تتوقف الصلاة عليه، ومنها ما ليس بركنٍ وهو الواجب الذي لا تتوقف صحة الصلاة عليه، بحيث لو تركه الإنسان سهواً أمكنه أن يجبره بسجود السهو.
فابتدأ رحمه الله بالأركان، اعتناءً بالأهم، وهذا من باب التدرج من الأعلى إلى الأدنى؛ لأن أهم ما في الصلاة أركانها، ولذلك ابتدأ، فقال: [أركانها].
والضمير عائدٌ إلى الصلاة.
(46/3)
________________________________________
الركن الأول: القيام
قال رحمه الله تعالى: [أركانها: القيام].
القيام ضد القعود، يقال: قَام إذا انْتَصَب عوده، أي: استَتَم.
وقوله: [القيام]، أي: أول ركنٌ من أركان الصلاة القيام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6]، وقال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر).
هذه النصوص دلت على وجوب القيام ولزومه على سبيل الركنية والفرض، ولذلك ذهب إلى هذا الحكم جماهير أهل العلم رحمةُ الله عليهم، لكنهم قالوا: الصلاة لا تخلو من حالتين: إما أن تكون فريضة أو نافلة، فإن كانت فريضةً وصلى جالساً مع القدرة على القيام بطلت صلاته؛ لأنه لم يُصلِّ كما أمره الله بالقيام، لكن لو كان في نفلٍ صحَّ له أن يصلي جالساً لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)، وهذا إنما هو في النفل.
والظاهرية حملوا قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم) على الفريضة بالنسبة للمعذور، وقولهم مردود؛ لأننا لو حملنا هذا الحديث على الفريضة بالنسبة للمعذور لردت نصوص الشريعة التي تدل على أن كل مريضٍ ومعذورٍ أجره كامل كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)، فحينئذٍ بتناقض النصوص، فدلّ هذا الحديث على صرف عموم الحديث الذي معنا عن ظاهره، وأن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم) النافلة دون الفريضة، ووجدنا أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السفر يُصلِّي على دابته غير المكتوبة.
ومن هنا قلنا: إنه يجوز في النفل ما لا يجوز في الفرض، بدليل أنه في السفر يصلي على الدابة حيثما توجهت، وهذا في النافلة دون الفريضة.
وعليه فيلزمك القيام لصحة الصلاة المفروضة، لكن بشرط أن توجد القدرة، وذلك لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وقوله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، فالعاجز عن القيام معذور.
وقد أثبت المصنف أن القيام مع القدرة ركن.
وأما ضابط القيام فقالوا: الضابط في القيام أن لا تصل كفَّاك إلى ركبتيك، فلو انحنيت بحيث تصل الكفان إلى الركبتين فقد خرجت عن كونك قائماً إلى كونك راكعاً ومنحنياً.
ويتفرع على هذا مسائل: المسألة الأولى: لو أن إنساناً يكون جالساً فيكبر الإمام تكبيرة الإحرام، فيقوم فيستعجل فيكبر تكبيرة الإحرام قبل أن يستتم قيامه، فلا تنعقد تكبيرة الإحرام؛ لأن من شروط انعقادها أن يكون قائماً كما أمر الله عز وجل، فإذا كان أثناء قيامه وانتصابه رفع يديه وكبّر ولم يستتم، بحيث أمكن لليدين أن تنال الركبتين، وهو الانحناء المؤثِّر، فهذا لا يُعتد بتكبيره؛ لأن هذا الركن -وهو تكبيرة الإحرام- يُشترط فيه أن يكون في حال القيام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر).
فدل على أن القيام يسبق التكبير، ومن فعل هذا الفعل فقد سبق تكبيره القيام، فلم يصلِّ كما أمره الله.
المسألة الثانية: المعذور الذي لا يستطيع القيام يصلي قاعداً، وهيئة القعود تختلف، فبعض الأحيان لا يستطيع أن يصلي قاعداً إلا على علو ونَشَز، كأن يجلس على دكةً أو سرير أو كرسي، فهذا الجلوس ينبغي أن يُفَصَّل فيه، فإن كان قادراً على القيام في تكبيرة الإحرام، فلا يأتي ويجلس مباشرة ويكبر، وإنما يكبر قائماً؛ لأنه بإمكانه أن يكبر في حال القيام، ثم يجلس إذا كان يشق عليه أن يقوم، وإن كان يمتنع أو يصعب عليه أن يقوم، كالحال في المشلول، فإنه يكبر وهو جالس، أما إذا كان يمكنه أن يقف فإنه يقف ويجعل الكرسي وراءه ولا حرج، فإن أدركته المشقة رجع فجلس، كما هي القاعدة في الفقه أن الضرورة تقدر بقدرها، ويتفرع عنها أن ما أبيح للحاجة يُقَدَّر بقدْرِها.
فلما كانت ضرورته أن القيام يشق عليه نقول: كبِّر قائماً ثم اجلس.
لكن لما كانت الضرورة أن يتعذر عليه القيام قلنا: كبِّر جالساً ولا حرج.
فهذا له قدره وهذا له قدره، فيُنَبَّه الناس؛ لأنك قد ترى الرجل يكبر وهو جالس مع أنه يستطيع أن يقف، وقد يقف ويتناول الكرسي ويخرج به وهو حاملٌ له، فمثل هذا لا يُرَخَّص له أن يؤدي الركن وهو تكبيرة الإحرام في حال قعوده، فهذا يُنَبَّه عليه، فإن تعذر عليه القيام قلنا: يجلس.
وهذا الجلوس جلوسان: جلوس على هيئة شرعيةٍ، وجلوس على غير الهيئة الشرعية.
فجلوس الهيئة الشرعية كأن يجلس الإنسان متربعاً أو مفترشاً أو متورِّكاً، ووجه كونها شرعية أنها جلسة اعتبرها الشرع للتشهد وللجلسة بين السجدتين، فإذا كان جلوسه على هذه الهيئة فحينئذٍ لا إشكال عليه لو جلس بهذه الصفة.
لكن الإشكال إذا جلس الجلسة الثانية، وهي غير الهيئة الشرعية، كأن يجلس على سريرٍ أو كرسي، فإنه بجلوسه على السرير والكرسي في حال القيام يُعذَر، لكن عند التشهد لا يكون ملاصقاً للأرض، ومقصود الشرع أنك عند التشهد أو بين السجدتين تكون قريباً من الأرض، فحينئذٍ يكون ارتفاعه على الأرض خلاف ما ورد في الشرع من كونه ملتصقاً بالأرض.
قال العلماء: إن تَعذَّر عليه أن يجلس انتقل بالانفصال هذا لكونه متصلاً بالأرض عن طريق الكرسي، فكان في حكم الجالس، وأبيح له أن يصلي على هذه الهيئة، أما لو كان بإمكانه أن ينزل ويجلس جلسة المفترش، أو جلسة المتربِّع فإنه يلزمه ذلك ولا يجلس على كرسيّ ونَشَز؛ لأنه يفوِّت صفة الصلاة.
وفي جلوسه متربعاً أو مفترشاً وجهان للعلماء، وأشار إلى ذلك الطبري وابن المنذر في الأوسط.
فقال بعض العلماء -وهو مأثور عن بعض الصحابة-: يجلس جلسة التشهد.
وهذا أقوى، وذلك لأنها هيئة أقرب لهيئة الصلاة.
وقال بعضهم: يجلس متربعاً لأنه أَرفق.
وهذا مأثور عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
والأمر واسع فإن كان الأرفق له أن يجلس متربعاً جلس، وإن كان على جلسة المتشهد جلس، لكن ينبغي أن يُنَبَّه على إعانته على السجود؛ فإن جلوسه كجلسة المتشهد أبلغ في إعانته على السجود من هيئته إذا كان على هيئة المتربِّع؛ لأنه عند التربع يحتاج إلى كلفة حتى يتمكن من السجود.
ودليلنا على الترخيص أن يصلي جالساً ما ثبت في حديث عمران رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان عمران مبتلى بالبواسير، فشكى ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، فوسَّع النبي صلى الله عليه وسلم للمعذور؛ لأن من به بواسير فإنه يشق عليه في هيئات الصلاة أن يقوم، ولربما أضرَّه القيام، ولذلك رخَّص له صلوات الله وسلامه عليه، فدلّ على التوسعة في حال وجود العذر، وأنه عند وجود الرُّخصة والعذر لا حرج، وقد قال تعالى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286]:.
(46/4)
________________________________________
الركن الثاني: تكبيرة الإحرام
قال رحمه الله تعالى: [والتحريمة].
المراد بالتحريمة تكبيرة الإحرام، فالركن الأول: القيام مع القدرة، والركن الثاني: تكبيرة الإحرام.
فبعض العلماء يختصر ويقول: التحريمة.
ومراده تكبيرة الإحرام.
ووُصِفت بكونها تحريمه أو تكبيرة إحرام لأن المكلف إذا جاء بها دخل في حُرُمات الصلاة، ولا يمكن أن يُحكم بكونه مصلياً إلا بعد إتيانه بها.
والتكبير للدخول في الصلاة يُعتَبر ركناً من أركان الصلاة، والدليل على ركنيته قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، فأمره بالتكبير.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر تكبيرة الإحرام في أكثر من ستين حديثاً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك بلغ مبلغ التواتر.
وأما إلزام المكلف بها بحيث لو لم يأت بها لم تصح صلاته فلقوله عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فقوله في هذا الحديث: (تحريمها التكبير)، أي أن دخول المكلف في حرمات الصلاة يتوقف على شيءٍ وهو تكبيرة الإحرام.
فإن وُجِد هذا الشيء حكمت بكونه مصلياً وقد دخل في الحرمات، وإن لم يوجد حكمت بكونه غير مصلٍ، ولذلك قالوا: هي ركن من أركان الصلاة.
وتكبيرة الإحرام للعلماء -رحمهم الله- فيها ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكبيرة الإحرام لا تنعقد إلا بلفظ: (الله أكبر) بخصوصه، كما هو مسلك المالكية والحنابلة من حيث الجملة.
الوجه الثاني: يصح للمكلف أن يقول: (الله أكبر) وما اشتُق من هذا اللفظ، كأن تقول: (الله كبير)، وتنعقد تحريمته، وهو قول الشافعية.
الوجه الثالث: يصح للمكلف أن يدخل في الصلاة بكل لفظ دال على التعظيم، فإن قال: (الله العظيم) أو (الله الجليل) صح ذلك وأجزأه واعتبر داخلاً في حرمات الصلاة، وهو قول الحنفية.
والصحيح أنه لا بد من قول المكلف: (الله أكبر)، وأنه لو غيَّر في هذه الصيغة ولو بالذكر العام فإنها لا تنعقد تحريمته ولا يعتبر داخلاً في حرمات الصلاة.
فإن كان القيام ركناً فلا تصح تكبيرة الإحرام إلا بعد أن يستتم المكلف قائماً، وإن كان القيام موسعاً فيه كصلاة النافلة فيصح أن يكبر وهو جالسٌ تكبيرة الإحرام، ويصح أن يكبر أثناء قيامه، ويصح أن يكبر بعد أن يستتم قائماً.
وبناءً على هذا فإن من الأخطاء التي يفعلها بعض الناس في الصلاة المفروضة أن تُقَام الصلاة فيستعجل الشخص في القيام، فقبل أن يستتم قائماً يكون قد كبَّر.
فلا ينعقد تكبيره إلا بعد ثبوت القيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، فجعل التكبير مرتباً على القيام، ولذلك لا بد من سبق القيام للتكبير، ولا يصح أن يُكبِّر قبل أن يستتم قائماً، فتلازم القيام والتكبير.
(46/5)
________________________________________
الركن الثالث: قراءة سورة الفاتحة
قال رحمه الله تعالى: [والفاتحة].
هذا هو الركن الثالث، أي: قراءة سورة الفاتحة.
وهذا الركن دليل لزومه قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج) أي: ناقصة.
وهذان الحديثان صحيحان ثابتان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن صلَّى ولم يقرأ الفاتحة فإن صلاته لا تصح.
وفي قراءة الفاتحة مسائل: المسألة الأولى: أن قراءة الفاتحة لازمة، وأنها ركن من أركان الصلاة لظاهر السنة.
وهذا الركن يجب في الصلاة في كل ركعة، ولا يختص بجزء منها؛ لأن العلماء اختلفوا، فمنهم من يقول: من قرأ الفاتحة في ركعة صحت صلاته، ولو تركها في بقية الركعات.
وقال الإمام مالك رحمه الله -في إحدى الروايات عنه-: لو ترك الفاتحة في ركعة من رباعية صحت صلاته.
والصحيح أنه لا بد من قراءتها في كل ركعة، وذلك لدليلين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، الثاني: قوله تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل ... ) الحديث، فذكر القراءة وهي واقعة في الركعة، فصح أن يصدق على الركعة أنها صلاة، وأن جزء الصلاة الذي هو الركعة يُعتبر صلاةً، لأن الذين قالوا: يجوز أن تقرأ الفاتحة في ركعة وتجزيك، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صلاة لا يقرأ فيها)، وأنت قد قرأت.
فيقولون: يصح أن تقرأها في ركعة، ويصح أن تقرأها في ركعتين، وتقتصر على هذا.
والصحيح أنه لا بد من قراءتها في كل ركعة، ويقوي هذا حديث المسيء صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره بالقيام والقراءة في الركعة الأولى ووصفها قال له بعد القراءة: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع) ثم ذكر السجود، ثم قال له بعد السجدة الثانية: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، فدل على أن هذا الموصوف الذي ذكره وألزم فيه بالقراءة في الأولى أنه يسري حكمه إلى غيره كما هو ثابت فيه، وبناءً على ذلك يُلزَم المكلَّف بقراءة الفاتحة في كل ركعة.
وكان بعض العلماء يقول: إن الأخريين من صلاة الظهر لا يُقرأ فيهما، والصحيح أنه يُقرأ، وكانوا يقولون: إنه يرخص للمكلف أن يترك الفاتحة فيهما، واحتجوا بما أُثر عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما أنهما رخصا في ترك الفاتحة، كما روى ذلك مالك عن عمر في الموطأ.
والصحيح أن الحجة في السنة، ويعتذر لـ عمر -إن ثبت عنه، وإن كان الأثر عنه غريباً- بأنه لم يبلغه الحديث، والصحيح ما ذكرناه لظاهر السنة، وهو الذي يجب على المكلف التزامه في كل ركعة.
المسألة الثانية: قراءة الفاتحة للمنفرد والإمام والمأموم: أما المنفرد والإمام فنلزمهما قراءة الفاتحة وجهاً واحداً.
وأما المأموم فللعلماء فيه أقوال: فبعض أهل العلم رحمة الله عليهم يرون أن المأموم يَحْمِل الإمام عنه قراءة الفاتحة، فمذهب الحنفية وإحدى الروايات عن الإمام مالك أنه إذا قرأ الإمام -خاصة في الجهرية- سقط عن المأموم قراءة الفاتحة، ولزمه الإنصات والاستماع.
والصحيح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ووافقهم الظاهرية وبعض أهل الحديث أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة وراء إمامه، وذلك لأمور: أولها: أن الحديث الذي دل على وجوب الفاتحة ولزومها عام شامل لحال المنفرد والمأموم، ولا مخصص له.
ثانيها: أنه ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى بالناس الفجر فارتج عليه، فقال: (إنكم تقرءون خلف إمامكم! قالوا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، فإن هذا نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن المأموم ملزم بالقراءة وراء الإمام، فإن قوله: (إلا بفاتحة الكتاب) استثناء، والقاعدة في الأصول أن الاستثناء إخراجٌ لبعض ما يتناوله اللفظ، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، وقال: (فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، أي: بفاتحة الكتاب افعلوا.
فألزم النبي صلى الله عليه وسلم بقراءتها وراء الإمام، فدل على أن المأموم وراء الإمام يلزمه أن يقرأ الفاتحة.
وأما من قال بعدم لزومها فاحتج بحديث جابر: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، وهذا الحديث ضعفه جماهير أهل الحديث، والضعف فيه من القوة بمكان، وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر وغيره، لكن هناك من أهل العلم من حسن الحديث، وحَسّن إسناده لشواهد.
فعلى القول بتحسين هذا الحديث قالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) يدل على سقوط الفاتحة.
وهذا الحديث يُجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) المراد به قراءة الإمام التي يختارها بعد الفاتحة، ولذلك نسبها إليه، أي: لو أن الإمام قال: (ولا الضالين) وقلت: آمين، ثم قرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، فلا تقرأها، فقراءة الإمام بـ (سبِّح) لك قراءة، فكأنك قد قرأتها.
فيكون قوله صلى الله عليه وسلم: (فقراءة الإمام له قراءة) أي: فيما كان من غير الفاتحة، وهذا هو الذي ورد فيه الحديث.
الوجه الثاني: أن من قال: إن هذا الحديث متأخر عن حديث: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب).
يجاب عنه بأنه ليس هناك دليل صحيح يدل على تأخر هذا عن تاريخ الذي قبله، وقد تقرر في الأصول أن ادعاء النسخ ليس بحجة؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، فلو قال أحد: إن هذا الحديث متأخر عن الذي قبله لا يُقبل قوله حتى يأتي بالدليل على تأخره، وأنه قد وقع بعده لكي يكون ناسخاً.
ولذلك فالأحاديث التي تدل على وجوب قراءة الفاتحة على العموم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وكذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) كلها نصوص صحيحة تدل على أنك إذا كنت وراء الإمام فإن قراءة الفاتحة تلزمك.
وهذه الركنية شاملة للمنفرد وللإمام وللمأموم، ويستوي في هذا أن تكون الصلاة جهرية أو سرية، فأما الجهرية فقراءة الفاتحة بالنسبة لك ركن، واستماعك لقراءة الإمام لما بعد الفاتحة أعلى درجاته أنه واجب على القول بظاهر الآية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف:204]، فنقول: إنه قد تعارض الركن والواجب فيقدم الركن على الواجب.
ولو أن قائلاً قال: إن إثبات الركنية إنما هو بالاجتهاد.
فلو سُلِّم هذا جدلاً فإننا نقول: هب أنهما واجبان، واجب متصل وواجب منفصل، والقاعدة أنه إذا تعارض الواجب المتصل بعبادة المكلف مع الواجب المنفصل فإن الواجب المتصل الذي أُمِر به إلزاماً يقدم على ما انفصل عنه على سبيل المتابعة للإمام.
وقوله: [الفاتحة] يخالفه فيه بعض العلماء فيقول: قراءة الفاتحة.
وهذا أدق، فالتعبير بالقراءة إسقاط لما في السِّر، فلا يجزئ الإنسان أن يقفل فمه؛ لأن بعض الناس يكبر تكبيرة الإحرام ويقفل فمه فتجده كالصامت وهو يقرأ في داخل نفسه، فهذه القراءة لا تجزيه، ولا تصح منه حتى ينطق، وقالوا: يُسمِع نفسه.
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ) والقراءة إنما تكون باللفظ، وأما ما كان في النفس فليس بقراءة ولا في حكم القراءة.
المسألة الثالثة: إذا ثبت أن المأموم مأمور بقراءة الفاتحة فإنه يستثنى من هذا إذا أدرك الإمام راكعاً، فإنه تسقط عنه الفاتحة لظاهر حديث أبي بكرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجود، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة)، وهذا نص، وبناءً على هذين الحديثين نقول: إن هذا استثناء لهذه الحالة بعينها، فمن أدرك الإمام راكعاً سقطت عنه الفاتحة؛ لأنه لم يُدرِك وقتاً يمكنه فيه القيام بركنها.
أما إذا أدركه قبل الركوع فحينئذ لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يدرك وقتاً يتسنى له أن يقرأ فيه الفاتحة فيقصِّر أو يشتغل بدعاء الاستفتاح، فحينئذٍ يلزمه قضاء الركعة إن لم يقرأ الفاتحة، لأنه كان بإمكانه أن يقرأ.
الضرب الثاني: أما لو أدرك وقتاً لا يمكن معه قراءة الفاتحة، فبمجرد أن كبَّر وقبض يديه وشرع في الفاتحة كبَّر الإمام للركوع، فتسقط عنه الفاتحة؛ لأنه لم يدرك وقتاً يُلزَم في مثله بالقراءة.
المسألة الرابعة: الأصل وجوب قراءة الفاتحة باللفظ، ويستثنى المريض الذي تكون في لسانه عاهة، ولا يمكنه التحريك، فإنه يجزيه أن يقرأ في نفسه؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، وهذا ليس بإمكانه أن يقرأ إلا على هذا الوجه، فسقط عنه اللفظ وتحريك اللسان وبقي على الأصل.
وفي حكم هذا من كان في لسانه جراح بحيث يصعب عليه، أو يتألم عند تحريك اللسان، فإنه يجزيه لو أطبق الشفتين وقرأ في نفسه، وتصح منه القراءة ويعتد بها.
(46/6)
________________________________________
الركن الرابع: الركوع
قال رحمه الله تعالى: [والركوع].
الركن الرابع الركوع، ودليل ركنيته قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77]، فقوله تعالى: (اركعوا) أمر، ودلت السنة على ثبوت ذلك ولزومه، كما قال عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)، فدل على لزوم الركوع، وأنه ركن في الصلاة، والركوع يتحقق بوصول اليد إلى الركبة، فإذا وصل الكف إلى الركبة فقد ركع.
وبناءً على ذلك لو انحنى فلم تصل الكف إلى ركبته فإنه لا يعتبر راكعاً ولا يجزيه ذلك، ولو انحنى فوصلت كفاه إلى ركبتيه ولكنه لم يهصر ظهره فإنه حينئذ يُجزيه الركوع وفاتته السنة؛ لأن السنة أن يهصر ظهره، كما جاء في حديث عائشة: (ثم هصر ظهره)، فإذا هصر الظهر واعتدل الظهر فهذه مرتبة الكمال، وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن حصل منه قدر الإجزاء -وهو بلوغ الكفين إلى الركبتين- صح ركوعه، ولكن فاته الكمال، فإن وُجِد عذرٌ من مرض أو ضيق مكان كتب له أجر السنة كاملاً لوجود العذر.
فمن كان مريضاً على وجهٍ لا يتسنى له أن يركع، فحينئذٍ يُجزيه أن ينحني بالقدر الذي يصل إليه على حالةٍ لا يشق عليه فيها، أو لا يبلغ فيها بنفسه درجة المشقة، فإذا انحنى بهذا القدر من الانحناء الذي يستطيعه ويطيقه فقد أجزأه وانعقد ركوعه، ويستثنى من كمال الانحناء لانعقاد هذا الركن.
كذلك يستثنى من ركنية الركوع أن يكون الإنسان على دابته في السفر ويصلي النافلة، فإن الركوع يعتبر ركناً، بمعنى أنه يُطلب فعلُه، ولكنه ركن باعتبار، فينحني ويكون انحناؤه أقل من انحناء السجود، أما انحناء السجود فإنه يكون أبلغ، فينحني انحناءً بقدر، فإذا حصل هذا الانحناء صدق عليه أنه ركع وأجزأه وتحقق الركن من صلاته النافلة.
(46/7)
________________________________________
الركن الخامس: الاعتدال من الركوع
قال رحمه الله تعالى: [والاعتدال عنه].
الركن الخامس الاعتدال عن الركوع، والاعتدال: هو الذي لا اعوجاج فيه.
فلما كان المكلَّف في حال الركوع ينحني ظهره، فإنه يخرج عن هذا الركن إلى الركن الذي بعده بوجود الاعتدال، والاعتدال: هو أن يستتم قائماً.
ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كان إذا رفع رأسه من الركوع اعتدل حتى يرجع كل فقار إلى موضعه)، والمراد بقوله: (كل فقار) أي: فقرات الظهر؛ لأن ظهر الإنسان فيه فقرات، فإذا انحنى تباعد ما بين الفقرات، لكنه إذا اعتدل كأنها رجعت إلى حالتها الطبيعية، وهذا الحديث يدل على هديه في الاعتدال.
أما كون الاعتدال ركناً فدليله قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ارفع -أي: من الركوع- حتى تعتدل قائماً)، فإذا حصل الاعتدال قائماً أجزأه وتحقق الركن، لكنه لو رفع من الركوع وقبل أن يستتم قائماً انحنى ساجداً أو خرَّ ساجداً فإنه لا يُجزيه ولا يصح منه ذلك، وإذا لم يتداركه وجب عليه قضاء الركعة، فإن لم يقضها بطلت صلاته؛ لأنه لا بد من ركن الاعتدال، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده)، فلا بد من أن يستتم قائماً، فلو أنه قال: (سمع الله لمن حمده) ولم يستتم قائماً وبادر بالسجود فإنه حينئذ يُحكم بأنه لم يقم صلبه.
ويستثنى من هذا الذي لا يستطيع أن يستتم قائماً كالمريض، أو الشيخ الهرم إذا كان منحني الظهر، فإن ركوعه يكون بالقدر، ويكون رفعه من الركوع على القدر الذي يستطيع تحصيله في حال قيامه.
(46/8)
________________________________________
الركن السادس: السجود على الأعضاء السبعة
قال رحمه الله تعالى: [والسجود على الأعضاء السبعة].
من أركان الصلاة أن تسجد على الأعضاء السبعة.
أما دليل ركنية السجود فقوله سبحانه وتعالى في آية الحج: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77]، فإن قوله سبحانه وتعالى: (اسجدوا) أمر، والأمر يدل على اللزوم والوجوب.
وقال عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)، فدل على أن السجود ركن من أركان الصلاة.
ويتحقق السجود على الكمال في كونه على الأعضاء السبعة، وقد بيّنا ذلك، وبينا دليله من حديث ابن عباس الثابت في الصحيح: (أمرت أن أسجد على سبعة آراب)، أو: (على سبعة أعظم)، كما في الرواية الثانية.
فإذا سجد فكان سجوده على الأعضاء السبعة فإنه تم ركنه، وأجزأه بمماسة الأرض، ثم يبقى شرط الطمأنينة الذي يأتي ذكره.
ويُستثنى من هذا من كان مريضاً بحيث لا يمكنه الهوي للسجود ولا السجود، حتى ولو كان يخشى ضرراً بعضو أو نفس، كمن أجريت له عملية في عينه، فإنه قد يُمنع من السجود خشية ذهاب البصر، فأصح الأقوال -وهو قول جماهير السلف رحمة الله عليهم والعلماء- أنه يُرخص للإنسان إذا خاف على بصره بطب ونحوه أن يترك السجود.
وشدَّد في ذلك بعض السلف ومنهم ابن عباس، رضي الله عنهما، فقد قال العلماء عن ابن عباس إن سبب إصابته بالعمى أنه كان مريضاً في عينه، فنصحه الطبيب أن لا يسجد، فلم يرض ابن عباس بذلك وسجد فكُفّ بصره رضي الله عنه.
وإن كان الذي ذكره غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم أن ابن عباس ابتلِي بذهاب البصر لأنه قل أن يرى أحدٌ الملائكة إلا عمي بصره، وكان ابن عباس قد رأى الملائكة -كما جاء في الحديث الصحيح- لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبوه العباس، فلما دخل سلّم العباس فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه إذ كان مشغولاً بالوحي، وكان جبريل عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فسلّم وكرر السلام فلم يرد عليه فانصرف العباس وفي نفسه شيء، وخاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجِد عليه، فلما انصرف علم عبد الله من أبيه ما علم، فقال: يا أبتِ! إنه قد شغل بمن معه، وكان قد رأى جبريل، فلما قال ذلك رجع العباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم: (هل رأيته يا عبد الله؟ قال: نعم.
قال: ذاك جبريل)، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لو كان معي بصري لأريتكم الغار الذي نزلت منه الملائكة يوم بدر) أي: يوم القتال، وقد ذكر عن بعض الصحابة ومن غير الصحابة أنهم رأوا الملائكة فكُفّت أبصارهم، فيقولون: إن هذه سنة كونية من الله عز وجل أنه لا يبقى له البصر لقوة ما رآه.
ولكن هذا قد يستثنى منه الأنبياء ونحوهم مما أُعطوا بإقدار الله عز وجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى جبريل على حقيقته.
والمقصود أن هناك من العلماء من يقول: إن ابن عباس كان مذهبه أنه يشدد في ذلك، حتى إنه حين نهاه الطبيب خشية أن يكف البصر لم يرخص لنفسه.
ولهذا قال بعض العلماء: إن الخوف على العضو أو الخوف من الزيادة في المرض لا يرخِّص به في السجود.
والصحيح أنه يرخص به، فمن كان قد تعاطى علاجاً أو عملية جراحية في صلبه أو ظهره، وخُشِي أنه لو سجد يتضرر أو يذهب عضو من أعضائه فإنه يُرخَّص له في ترك السجود، ولا حرج عليه أن يسجد بالقدر الذي يصل إليه.
فإن صلّى على مرتفع أو نشز كالكرسي ونحوه فسجوده أخفض من ركوعه، بمعنى أن يكون انحناؤه أبلغ ما يكون في السجود، ويكون الركوع أرفع منه قليلاً، وهذا إذا كان على نشز، أما لو كان على الأرض كأن يجلس جلسة التشهد، فإن سجوده أن ينحني إلى القدر الذي يستطيع تحصيله دون ضرر، فإذا بلغ هذا القدر فإنه يُعتبر ساجداً، لكن ينبغي أن يُنبه على كيفية السجود، فبعض الناس يكون مريضاً ولا يستطيع السجود، فتجده إذا سجد وضع كفيه على فخذيه وانحنى، وهذا لا يصح، بل ينبغي أن ينزل الكفين إلى الأرض، لأنه مأمور بالسجود على السبعة الآراب (الأعضاء)، فكونه عاجزاً عن إيصال الجبهة أو الرأس إلى الأرض لا يُوجِب ذلك الترخيص بترك مماسة اليدين للأرض؛ لأن القاعدة أن الضرورة تقدر بقدرها، فضرورته أن لا يصل رأسه إلى الأرض، والزائد على الضرورة من كونه يترخص بسحب اليد ووضعها على الفخذ لا موجب له، فيبقى على الأصل الموجب لتحصيل السجود به.
(46/9)
________________________________________
الركن السابع: الاعتدال من السجود
قال رحمه الله تعالى: [والاعتدال عنه].
أي: الاعتدال عن السجود، والمراد بذلك أن يحصِّل القَعْدة وذلك بالرفع من السجود، فإذا اعتدل من السجود حصل الركن، وهذا الاعتدال أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته فقال له: (ثم ارفع حتى تستوي جالساً)، فدل على ركنية هذا الرفع من السجود وأنه يُلزم به، وقد ذكره في موضعين: في السجدة الأولى وفي السجدة الثانية، فقال: (حتى تستوي جالساً)، وقال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)، فدل على ركنين: الركن الأول: الرفع من السجود أو الاعتدال عنه.
والركن الثاني: الجلسة بين السجدتين.
(46/10)
________________________________________
الركن الثامن: الجلوس بين السجدتين
قال رحمه الله تعالى: [والجلوس بين السجدتين].
من دقة المصنف وتحرِّيه وفقهه جعل الاعتدال من السجود والجلوس بين السجدتين ركنين، وليس ركناً واحداً؛ لأن هناك فرقاً بين الجلوس بين السجدتين والاعتدال من السجود؛ لأن الاعتدال يقع بالجلوس ويقع أيضاً بعد الجلوس، كما لو سجد السجدة الثانية، فمن دقة المصنف أن قال: (الاعتدال عنه)، حتى يشمل ما بعد السجدة الثانية.
ويكون والجلوس بين السجدتين ركن منفصل؛ لأنه يختص بما بين السجدتين، فلو قال: [الاعتدال عنه] وسكت، فإنه لا يتضمن ذلك الجلسة بين السجدتين، ولو قال: [الجلوس بين السجدتين] وسكت، فإن هذا لا يشمل الرفع بعد السجدة الثانية، ومن هنا كان من فقهه رحمة الله عليه أن جعلهما ركنين، وهذا هو الصحيح، ولذلك تعقُّب بعض الشراح على المصنف رحمه الله ليس في محله، بل من دقته أن هذا ركن وهذا ركن؛ لأنك لو قلت: (الجلسة بين السجدتين) فحسب لم تنبه على ركن الرفع من السجدة الثانية، فإن الرفع من السجدة الثانية ليس فيه جلوس بين السجدتين كما هو معلوم، ولو قلت: (الرفع من السجود) فحسب فإن الرفع من السجود مطلق لا يستلزم جلوسك بين السجدتين؛ لأن من رفع ولم يجلس صدُق عليه أنه قد حصل الركن.
والجلوس بين السجدتين يتحقق بحصول الجلسة، والجلسة بين السجدتين تكون بالافتراش بأن يرفع الإنسان رأسه حتى يستوي جالساً وتحصل له طمأنينة الجالس، لكن لو أنه رفع من السجود وقبل أن يستوي جالساً كبّر للسجدة الثانية فإنه لا يجزيه، ولم يتحقق ركن الجلوس بين السجدتين، فيلزمه أن يرجع مرة ثانية ويستقر جالساً؛ لأنه قال: [والجلوس بين السجدتين] وهذا لم يجلس.
ويتحقق الجلوس بالتصاق الإلية بالعقب، أو إذا فرش رجله اليمنى للإليتين، فإذا حصل هذا فقد جلس، لكن لو أنه قبل أن يرجع وتصل الإلية إلى العقب قال: الله أكبر.
لم يصح ذلك ولم يُجزه، ويلزمه أن يعيد الجلوس بين السجدتين، وتُلغى السجدة الثانية التي سجدها، ويسجد لها سجود الزيادة.
(46/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - فصل: أركان الصلاة [2]
من أركان الصلاة: الطمأنينة في جميع أركان الصلاة وهيئاتها، والتشهد الأخير والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والترتيب بين أركان الصلاة، والتسليم، وبه يخرج المصلي من صلاته.
(47/1)
________________________________________
تابع أركان الصلاة
(47/2)
________________________________________
الركن التاسع: الطمأنينة في الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والطمأنينة في الكل].
الطمأنينة: هي الوقت الكافي الذي يصدق به تحصيل الركن، ففي القيام لا إشكال أنه سيقرأ الفاتحة فيحصِّل الطمأنينة المعتبرة، فإن وقت قراءة الفاتحة قدرٌ للطمأنينة.
لكن بحث العلماء في الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع من الركوع والرفع من السجود.
أولها: إذا ركع، لأنه في القيام سينشغل بالقراءة، فلو ركع فإن الواجب عليه تسبيحة واحدة، فإذا ركع ثم رفع مباشرة ولو قال: (سبحان ربي العظيم) اختطافاً فإنه حينئذ لا يُجزيه هذا الركوع؛ لأنه لم يطمئن، وهذا هو الذي وقع من المسيء صلاته، وهو الذي من أجله نبهه النبي صلى الله عليه وسلم على صفة الصلاة؛ لأن هذا الرجل -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - صلى ولم يحسن الصلاة، والمراد بعدم إحسانه الصلاة استعجاله فيها.
فالطمأنينة إذا ركع أن ينتهي إلى الركوع الكامل، فإذا انتهى إلى الركوع الكامل يقول: (سبحان ربي العظيم)، وقدر قوله: (سبحان ربي العظيم) يعتبر تحصيلاً للطمأنينة، فلو أنه خطف الكلام، أو أنه ركع ونسي أن يقول: (سبحان ربي العظيم) ورفع مباشرة، فإنه في هذه الحالة يبطل ركوعه، ويلزمه أن يعيده، فيقول: (الله أكبر)، راكعاً، ويقول: (سبحان ربي العظيم)، ويُحصِّل قدر الطمأنينة ثم يرفع، ويبقى ما بين الركنين من كونه ركع ورفع لاغياً؛ لأنه ركوع لم يَعتَد به الشرع، فيسجد له السجود البعدي المتعلق بالزيادة.
(47/3)
________________________________________
الركن العاشر: التشهد الأخير
قال رحمه الله تعالى: [والتشهد الأخير].
التشهد تشهدان إذا كانت الصلاة رباعية أو ثلاثية، أما إذا كانت ثنائية، أو كانت وتراً فالتشهد واحد، فإذا قالوا: التشهد الأخير.
فالمراد به الذي يحصل بعده السلام.
وهذا التشهد يعتبر ركناً من أركان الصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد الإنسان للتشهد.
فلو أن إنساناً سجد السجدة الثانية من الركعة الثانية ثم مباشرة سلَّم فإنه يُحكم ببطلان صلاته، فلا بد من التشهد.
والمراد بقوله: [التشهد] أي: اللفظ الذي هو ذكر التشهد، والأحاديث الواردة فيه وهي حديث ابن مسعود، وحديث عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن عباس، وحديث عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري رضي الله عن الجميع.
والركن في التشهد الأخير ينتهي عند قولك: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، فلو أن مصلِّياً قرأ (التحيات لله) حتى بلغ قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) واحتاج أن يقطع الصلاة فسلَّم صَحَّت صلاته؛ لأن الزائد ليس بركن، فما بعد التشهد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء ليس بركن على أصح أقوال العلماء.
وبناءً على ذلك لو وقف عند آخر جملة من التشهد -أي: عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) - وسمع أمر خطيراً أو أمراً أفزعه فأراد أن يُدركه فسلم صحت صلاته وأجزأته.
(47/4)
________________________________________
الركن الحادي عشر: الجلوس للتشهد الأخير
قال رحمه الله تعالى: [وجلسته].
أي: من أركان الصلاة الجلوس للتشهد الأخير، فلو قرأ التشهد الأخير وهو واقف فإنه لا يُعتَد بقراءته إلا أن يكون معذوراً، أو قرأ التشهد الأخير قبل أن يستتم جالساً، كما لو رفع من السجدة الأخيرة وانحنى فلم يستتم جالساً وقرأ التشهد بسرعة وسلم فإنه لا يجزيه، فلا بد من أن يستتم جالساً ويقرأ التشهد بكماله إلى القدر الذي ذكرنا، ثم بعد ذلك إن سلَّم لحاجة فحينئذٍ تصح صلاته وتعتبر.
(47/5)
________________________________________
الركن الثاني عشر: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير
قال رحمه الله تعالى: [والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه].
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركن على هذا القول، والحقيقة أنه ليس هناك دليل قوي على ركنية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، بل هي سنة ثابتة ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُشك في هذا، لكن القول بأنها ركن لو تُركت تبطل بها الصلاة ليس عليه دليل صريح.
واحتج من يقول بركنيتها بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب:56] وهذا عام، ومثل هذا لا يصلح حجة على الإلزام، ولو قلنا بأنه يصح حجة لقلنا: غاية الأمر أن يكون واجباً لا ركناً؛ لأن الركنية توجب بطلان الصلاة.
والأمر الثاني: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جاءت أشبه ما تكون من أجل الدعاء، ولذلك شرعت الأدعية أن يكون فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة أشرف مواضع الدعاء، فهي مناسبة من أجل الدعاء.
فإذا كان الأصل ليس بواجب فمن باب أولى ما يُقصد له، فإن الدعاء نفسه ليس بواجب، وبناءً على هذا يكون ما شُرِع له ليس بواجب من باب أولى وأحرى.
ولذلك ليس هناك حديث أو آية تدل صراحة على كون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركناً في الصلاة.
واحتجوا أيضاً بحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في تعليمه صلى الله عليه وسلم الصحابة الصلاة عليه بقوله: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد) قالوا: هذا أمر، ويدل على ركنية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة.
ويجاب عنه بأنه مبني على بيان، وذلك أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، والسؤال معادٌ في الجواب، فيكون قوله: (قولوا) من باب البيان.
ألا ترى لو أن إنساناً قال لعالم: كيف أصلي ركعتين نافلة؟ فقال له: قم وافعل كذا وكذا وكذا، فإننا لا نقول: إن هذا لازم عليه.
وإنما يكون من باب البيان المرتب على السؤال الذي لا يقتضي الإلزام، وإنما يكون إلزاماً أن يقول عليه الصلاة والسلام: إذا صليتم فصلوا علي.
وأيضاً فإن حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الذي فيه التعليم لصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه دليل على تخصيصه بالصلاة.
وبناءً على ذلك فإننا لو سلمنا أن دلالة: (قولوا) للوجوب، فإننا نقول: إن هذا على سبيل العموم، ومسألتنا على سبيل الخصوص، وإذا كان الدليل أعم من موضع النزاع فإنه لا يقوى على إفادة المراد.
وبناءً على هذا، فالذي يترجح -والعلم عند الله- أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست بركن، بمعنى أن من تركها لا تبطل صلاته، ولكن لا شك أن الأكمل والأحرى والأولى بالمصلي أن لا يسلم إلا وقد صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم.
(47/6)
________________________________________
الركن الثالث عشر: الترتيب بين أركان الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [والترتيب].
الترتيب: مأخوذ من رتّب الشيء على الشيء إذا جعله عليه، بمعنى أن وجود الثاني بعد الأول، والثالث بعد الثاني.
ومراد المصنف بالترتيب هنا أن يُوقِع هذه الأركان مرتبة على الصورة التي وردت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبناءً على ذلك فإن المكلَّف لو فعَل جميع هذه الأركان بأن جاء وكبَّر، فلما قام ركع مباشرة، وبعد الركوع رفع من الركوع وقرأ الفاتحة، فإنك إذا نظرت إلى الصلاة وجدت الأركان جميعها موجودة، لكنها ليست مرتَّبة على الصفة التي وردت في السنة، فنقول: هذا غير معتبر، فالركن ومحل الركن لا بد منه، ودليلنا على الإلزام بالترتيب قوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع) الحديث.
فالعطف بـ (ثم) يفيد الترتيب، وقد وقع هذا العطف بين هذه الأركان، فدل على أنه لا يصح إيقاع بعضها سابقاً على بعض.
(47/7)
________________________________________
الركن الرابع عشر: التسليم
قال رحمه الله تعالى: [والتسليم].
التسليم وهو الركن الأخير، والمراد بذلك أن يقول: السلام عليكم، وهذا أقل قدر يصح به التسليم.
فلو أن مصلياً قال: (السلام عليكم) تسليمةً واحدة، فإنه يُجزيه وتتم صلاته.
وهناك صفات أُخرى في التسليم، منها: الصفة الأولى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله.
الصفة الثانية وهي المشهورة: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.
الصفة الثالثة: السلام عليكم ورحمة الله (عن اليمين) السلام عليكم (عن اليسار).
الصفة الرابعة: السلام عليكم عن اليمين فقط.
وهذه أربع صفات من فعل واحدة منها فإنه قد خرج من صلاته.
وقوله: [التسليم] المراد به التسليمة الأولى، فلو أنه سلَّم التسليمة الأولى ثم أحدث فإن صلاته تصح وتجزيه، ولو أنه سلم التسليمة الأولى فمرت بين يديه امرأة قبل أن يسلم التسليمة الثانية فإن صلاته صحيحه؛ لأن التسليم قد حصل بالأولى، والثانية تعتبر سنةً وليست بواجبة.
أما دليلنا على أن التسليم ركن فقوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وفائدة كونك تجعل التسليم ركناً تظهر عند حصول الموجِب لبطلان الصلاة قبل التسليم.
فلو أن إنساناً تشهد وقبل أن يسلِّم انتقض وضوؤه فإنه حينئذٍ تبطل صلاته؛ لأنه بقي ركن من أركانها، وهكذا لو أنه صلى وفي التشهد مرت امرأة، أو مر حمار أو كلب -أكرمكم الله-، فعلى القول بأن هؤلاء يقطعون الصلاة فإننا نحكم بأن صلاته قد بطلت؛ إذ لا بد من وقوع التسليم قبل وجود المُخِل، فما دام أن التسليم ركن فإن الصلاة لا تصح.
وقد خالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فإنه يرى جواز الخروج من الصلاة بصنعة، فلو أن إنساناً التفت وقصد بهذا الالتفات الخروج فإنه يخرج من صلاته، وهكذا لو صنع أي شيء يُخِل بالصلاة قاصداً به الخروج من الصلاة فإنه يجزيه ويعتبر خارجاً من الصلاة.
والصحيح أن الخروج من الصلاة عند تمامها، أو قبل تمامها -كأن تُقام الصلاة وأنت في الركعة الأولى وتريد أن تخرج منها- أن تخرج بالتسليم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، ولم يفصِّل صلى الله عليه وسلم بين كمالها وبين نقصانها.
فلو قال قائل: قوله صلى الله عليه وسلم: (وتحليلها التسليم) المراد به أن يكون بعد تمام الصلاة.
قلنا: هذا تخصيص بدون دليل يدل على التخصيص، بل إن ظاهر الحديث في سياقه يدل على أن التسليم مطلق، وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها) يدل على أنك قد دخلت في الحرمات، وأن هذا الخروج من الحرمات يفتقر إلى شيءٍ تخرج به، فقال: (وتحليلها التسليم)، فالمقابلة تقتضي الملازمة، بمعنى أنك إذا دخلت في الحرمات لا تخرج من هذه الحرمات إلا بتسليم.
ومن الفروق بين قولنا: يخرج بتسليم، وقولنا: يخرج بدون تسليم أنك لو كنت ترى أن التسليم معتبر للخروج من الصلاة، فكبَّرت وقرأت الفاتحة وقرأت السورة فأُقِيمت الصلاة، وغلب على ظنك أن الصلاة ستفوتك لو استمررت في هذه النافلة، فأردت قطع هذه الصلاة فقطعتها بفعلٍ ولم تقطعها بتسليم فحينئذٍ لا أجر لك فيما مضى؛ لأنك أبطلت الصلاة بهذا الفعل؛ لأنه فعل غير شرعي، وخرجت به عن كونك مصلياً، لكن لو سلّمت معتداً بالأصل الشرعي، بأن دخلت بالتكبير وخرجت بالتسليم فإنه يكتب لك أجرها، وهذا إذا كنت ترى أن التسليم لازم.
وأما الحنفية فيرون أنه يجوز له أن يخرج بصنعة، ويقولون: إذا أقيمت الصلاة فله أن يلتفت، وله مباشرة أن ينوي القطع في قلبه ويُكبِّر للفريضة، فلو قال: (الله أكبر) تكبيرة الإحرام الثانية تنعقد الفريضة؛ لأنه قد قطع النافلة بنيته.
وهذا ضعيف مخالف لظاهر العموم؛ لأن الخروج من الصلاة جمع الشرع فيه بين الظاهر والباطن، فخروجه بمجرد نيته إنما هو خروج بالجزء؛ لأن الشرع في الصلاة المعهودة أن تخرج بالفعل الذي هو التسليم، أي: القول والفعل.
فقولهم: نيته كافية في الخروج إنما هو اجتزاء ببعض المطلوب مع أن الشرع اعتبر للخروج من هذه العبادة دلالة الظاهر، فلا وجه للاقتصار على دلالة الباطن وهي النية.
ولذلك يقوى مسلك الجماهير أنه لا بد من التسليم.
(47/8)
________________________________________
الأسئلة
(47/9)
________________________________________
مواطن قراءة الفاتحة للمؤتم

السؤال
متى يقرأ المكلَّف الفاتحة خلف الإمام، خاصة إذا لم يترك له الإمام فرصة للقراءة؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن قراءة الفاتحة وراء الإمام تكون في السكتات، كسكوت الإمام ما بين قراءة الفاتحة وقراءة السورة، وقد جاء هذا عن سعيد بن المسيب، وهذا الأثر وإن كان مرسلاً فإنه يدل على أن أقل درجاته أنه كان معهوداً عند السلف الصالح رحمة الله عليهم، ومعلوم مكانة سعيد بن المسيب، فهو قريب إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يقال: إن المدينة إلى عهد مالك لم تدخلها بدعة.
فكيف بعهد سعيد بن المسيب الذي كان من أقرَب الناس إلى عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم?! ولذلك يسكت الإمام هذه السكتة، وهي من فعل السلف، ويعطي للمأموم مجالاً أن يقرأ، فإذا أمكنته قراءتها فالحمد لله، وإذا لم يمكنه أن فليقرأها يستمر، ولو استمر الإمام في قراءته؛ لأننا قلنا: يتشاغل بالركن عن الواجب، على القول بوجوب الإنصات لقراءة الإمام.
ولذلك أمر بها أبو هريرة، فقد روى البيهقي عنه بالسند الصحيح في جزء القراءة خلف الإمام أنه أمر بها، وقال: (حتى ولو قرأ الإمام).
ولذلك فإنه يقرأ الفاتحة ولو لم يعطه الإمام مجالاً لقراءتها؛ لانشغاله بما هو ركن تنعقد به الصلاة ولا تصح بدونه، والله تعالى أعلم.
(47/10)
________________________________________
قراءة القرآن

السؤال
ما حكم قراءة الفاتحة للمأموم خلف إمامه في صلاة النفل؟

الجواب
الحكم في ركنية الفاتحة شامل للفرض والنفل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُفصِّل في الصلوات، ولم يفرِّق بين حال الائتمام والانفراد والإمامة، فيبقى هذا العموم على ظاهره، ويُلزم المكلف بالقراءة على كل وجه، سواءٌ أكان في فريضة أم نافلةٍ، ولا وجه للتخصيص لعدم ثبوت دليل يخصص، والله تعالى أعلم.
(47/11)
________________________________________
بم تدرك الركعة؟

السؤال
مصلٍ كبَّر تكبيرة الإحرام وانتهى منها في الركوع أو في أثناء الركوع، فهل تجزيه؟

الجواب
إذا جئت متأخراً والإمام راكع، فكبّرت، ثم رفع الإمام، أو كبرت وأثناء التكبير رفع الإمام، فهذه المسألة على صورتين: الصورة الأولى: أن تُكبِّر لركوعك وتنتهي من التكبير بكماله، أي: بعد انتهائك من حرف (الراء) من قولك: (أكبر) قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) فأنت مدرك للركوع، وأيضاً قبل أن يتلفظ الإمام بـ (السين) من: (سمع الله لمن حمده)، ولو رأيته بالفعل؛ لأن العبرة بالقول وليس بالفعل، وبناءً على ذلك فلو رأيته تحرك ثم مباشرة أدركت التكبير وكبّرت، فإنه يجزيك وتُعتبر مدركاً للركوع وتسقط عنك الركعة.
الصورة الثانية: أن يرفع الإمام، أو أن يُسمِّع الإمام في أثناء تكبيرك أو قبل تكبيرك، فحينئذٍ لا تُعتبر مدركاً للركوع، فإذا قلت: (الله أكبر) وما بين لفظ الجلالة وأكبر قال: (سمع الله)، فحينئذٍ تتم تكبيرك وتبقى قائماً، فقد أدركت ركن القيام ولم تدرك ركن الركوع.
وبناءً على هذا يلزمك أن تقضي هذه الركعة لعدم إدراكك لركوعها، والله تعالى أعلم.
(47/12)
________________________________________
انتظار الإمام الداخل إلى الصلاة أثناء الركوع

السؤال
هل للإمام إذا كان راكعاً أن ينتظر الداخل إلى المسجد لإدراك الركعة؟

الجواب
هذه المسألة اختلف فيها السلف رحمة الله عليهم، فكان بعض العلماء يقول: إذا ركع الإمام وسمع رجلاً يدُّب إلى الصف فإنه لا ينتظره؛ لأن الصلاة لله وليست للناس؛ لأنه إذا انتظره وأطال القيام أساء من وجوه: أولها: أنه قصد الداخل ولم يقصد العبادة، وبناءً على ذلك قالوا: هذا يُخِل في قصده ونيته، والمساجد لله وليست للناس.
ثانيها: أنه يشق على الجماعة من أجل الفرد، والأصل تقديم ضرر العامة على ضرر الخاصة، فإن إطالة الركوع مشقة لمن ركع وهم الجماعة، وكونه يرفع من الركوع مشقة على المنفرد وهو المسبوق، فقالوا: إنه يلزمه أن يعتد بركوعه المعتاد، فإن بلغ القدر الذي في مثله يرفع رفع.
وقالت طائفة من العلماء بالتفصيل: فإن كان يشق الانتظار على المأمومين فلا ينتظر، كالمساجد الكبيرة التي يكون فيها فسحة والمكان بعيد بين بابها وبين آخر الصفوف؛ لأنه إذا انتظر شق على المأمومين، وأما إذا كان لا يشق عليهم فإنه ينتظر، وذلك لعموم الأوامر، ولثبوت السنة بما يشهد بهذا، فقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (كان يصلي في الظهر حتى لا يُسمع قرع نعال)، والمراد بذلك إطالته للقيام لكي يدرك المأمومون الصلاة.
وقالوا مجيبين عن الأولين: أما قولكم: فإنه يطيل من أجل الناس فإن الصورة ليست مقصودة، وإنما المقصود معنى الصورة، فإنه لما أطال ليس لذاك الرجل، بدليل أنه لا يعرف من الداخل، وإنما أطال تحصيلاً للقربة، فكان ثواباً للجماعة وثواباً للداخل، فالمأمومون يحصلون الخير فيسبحون أكثر، وتطول صلاتهم، وليس هناك مشقة.
فقالوا: إنما أطال تحصيلاً للقربة؛ لأنه إذا أطال كان أعظم لأجرهم وعوناً للمكلف أن يدرك الفضل، فليس ثمّ إخلال.
ومن هنا نفهم عبارة بعض العلماء الذين يقولون بهذا القول، قالوا: فإن كان الذي دخل يعرفه أنه من ذوي الشرف أو ذوي الجاه حرُم عليه.
وقال بعض العلماء: تبطل صلاته إن كان قصد مثل هذا الرجل، أي أنَّ قصده بإطالة الركوع هو مُدَاهنة هذا الرجل أو محبته أو تأليفه، أو نحو ذلك مما ليس بمقصد شرعي.
والمقصود أن أصح الأقوال أنه إذا كان لا يشق على المأمومين ونية الإمام صالحة فلا حرج لظاهر السنة في حديث الظهر، ولعموم الأدلة التي دلَّت على معونة الناس في تحصيل الخير، والله تعالى أعلم.
(47/13)
________________________________________
حكم صلاة راتبة العشاء خلف من يصلي التراويح

السؤال
إذا كان المأموم خلف إمامه في صلاة التراويح، فهل له في ركعتين منها أن ينوي سنة العشاء؟

الجواب
لا حرج على المأموم أن ينوي الراتبة (سنة العشاء) مع الإمام في صلاة التراويح، وكان بعض العلماء يستحب غير هذا فيقول: أستحب أن يدخل وراء الإمام بنية التراويح ولا يقلبها راتبة، حتى إذا انتهى من الوتر صلى ركعتين؛ لأنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (صلى ركعتين بعد الوتر).
قالوا: لأنه إذا فعل هذا فقد حصَّل فضل قوله صلى الله عليه وسلم (من قام مع إمامه حتى ينصرف ... ) الحديث.
قالوا: لأن الركعتين الأوليين من التراويح إنما هي من القيام، أي: من إحياء الليل، فلو نوى بها راتبة العشاء خرج عن كونه مقتدياً بالإمام لاختلاف النيتين.
والأولون يقولون: يدخل بنية الراتبة من أجل قوله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، قالوا: لأنه سيحتاج بعد هذا أن يشفع بعد الوتر فيفوته هذا الفضل.
والذي تميل إليه النفس أن لا ينوي، وإنما يصلي حتى يُوتِر، ثم بعد الوتر يصلي ركعتين؛ لثبوت فعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، ويكون قوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) على سبيل الاختيار، وهذا لا اختيار له لمكان ضيق الوقت، والله تعالى أعلم.
(47/14)
________________________________________
توجيه إشكال في قراءة الفاتحة للمؤتم

السؤال
أشكلت عليَّ حديث: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، فقد قرأت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ما لي أنازع ... ) الحديث.
فقال أبو هريرة: فانتهى الناس عن القراءة والفاتحة أيضاً.
فما قولكم في هذا الإشكال؟

الجواب
هذا يحتاج إلى نظر، فـ أبو هريرة بنفسه أمر بها، وقد روى ذلك عنه البيهقي في جزء (القراءة خلف الإمام) بالسند الصحيح، فأين ثبت قوله: (والفاتحة أيضاً) بهذا اللفظ؟ إلا إذا كان السائل فهمه من قوله: (فانتهى الإمام عن القراءة وراء الإمام).
فـ أبو هريرة رضي الله عنه أخبر أنهم كانوا يقرءون، فإذا قرأ الإمام مثلاً: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1] فالناس خلفه يقرءون: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]؛ لأنهم كانوا يرون أن الإمامة تقتضي المشاركة، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الجزء الزائد، ولذلك قال: (فقراءة الإمام).
لأن الإمام يختار في هذا الموضع، لكن الفاتحة ليس باختياره، وإنما هي قراءة للكل.
فقوله: (فقراءة الإمام له قراءة) أي: ما يختاره من السور ويعيِّنه فهو له قراءة.
أي: تجزئ المأمومَ.
ولو فرض غير هذا فإن حديث:: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نص على قراءة الفاتحة صراحة، وقول أبي هريرة (فانتهى الناس) متردد بين ما ذكرناه فهو محتمل، فالتشريع للأمة في قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، وكون الناس انتهوا أو لم ينتهوا هو جزء الحكاية، ولا يعتبر حجة.
ثم إن أبا هريرة نفسه بيَّن أنه تلزم قراءة الفاتحة، فلا يُعقل أنه يروي أن الناس انتهوا عن القراءة، ثم يروي إلزاماً المأموم بقراءة الفاتحة إلا ومراده ما زاد عن الفاتحة وليس الفاتحة نفسها.
فهذا أمر ينبغي التنبه له، ولذلك أوصي طالب العلم بالتحفظ، خاصة في حكاية سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فبعض الأحيان قد تجد في بعض فتاوى العلماء، أو قد تجد في كتبهم أنهم حينما يصفون شيئاً على هدي النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: من السنة كذا وكذا.
ويكون ذلك من السنة المفهومة، وليس بالصريح، فينبغي أن يفرق بين حكاية النص، وبين فهم مدلول النص، فالفهم شيء والنص شيء آخر.
فإذا جئت تحكي شيئاً عن السنة وتثبته، بمعنى أن تقول: وكان كذا وكذا، أو قال أبو هريرة كذا وكذا، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فينبغي أن تتقيد فيه باللفظ ولا تراعي فيه ما ترى، ولا تراعي فيه المذهب؛ لأن هذا أمانة لا بد فيه من الحيطة والحذر، خاصة طلاب العلم، ولذلك ما رأيت شيئاً يَكمُل به طالب العلم في فقهه وفهمه وفتواه وقضاءه وحكمه بعد توفيق الله عز وجل مثل الأمانة والتحفظ.
فلتتحفظ في فهمك، ولا تتجاوز في فهم الشيء أكثر مما دل عليه النص، ولا تتجاوز في بيان ما دلَّت عليه النصوص.
فكونك ترى شيئاً فتأتي وتقول: السنة كذا وكذا.
بمعنى أنك تحكي السنة، وتقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو: فعل كذا وكذا، وأنت تفهم الشيء فتحكيه قولاً، أو تحكيه سنة، فهذا أمر من الصعوبة بمكان، إلا في حالة واحدة رخص فيها العلماء، وهي بيان الهدي الذي يكون على سبيل السياق، مثل أن يحكي الإنسان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العموم، لكن يحتاط في المواضع.
ولذلك كان من دقة العلماء المتقدمين أنهم يقولون: وكان من هديه عليه الصلاة السلام كذا وكذا.
فيذكرون الهدي المنصوص عليه، فإذا جاءوا إلى مواضع الخلاف، لا يقولون: وكان من هديه كذا وكذا.
وإن كان الواحد منهم يرى أنه من الهدي، لكن يقولون: وقال عليه الصلاة والسلام كذا وكذا.
فيكون القول محتمل الوجهين، فلا تجد أحدهم ينص صراحة بناءً على مذهبه، أو يقول: وكان من هديه كذا وكذا على أصح قولي العلماء لقوله عليه الصلاة والسلام كذا وكذا.
وهذا موجود خاصة عند المتقدمين، وهذا من الورع والتحفظ.
وهذا على خلاف حالنا اليوم، فإنك تجد الرجل إذا رأى قولاً أو رأياً، أو اعتبر قولاً فهو يرى أنه السنة التي لا جدال فيها، وقد تكون هذه السنة بنصوص محتمِلة، وقد تكون بأحاديث ضعيفة حُسِّنت بالشواهد والاعتبار، فيأتي ويحكم بكونها السنة الثابتة التي لا تقبل نقاشاً، وأن دلالتها صريحة لا تحتمِل قولاً ثانياً، فلا يجوز أبداً أن إنساناً يحكي ما ليس صريحاً على وجه الصراحة، ويحكي المحتمِل على وجه غير محتمِل، فهذا ليس من الأمانة؛ لأن العلم أمانة وتحفُّظ.
فعلى الإنسان أن ينقل العلم للناس مثل ما هو عليه لا يزيد فيه بفهمه ولا ينقص منه برأيه، وهذه هي الأمانة، ومن فعل ذلك بارك الله له في علمه، وغالباً لن تجد طالب علم يتحفظ، ويتقيد في أخذه للعلم وفهمه، وإفهام الناس وبيان الفتوى لهم إلا وَجدت الله عز وجل قد وضع له القبول في فتاويه وفي علمه.
لأنه من الصعوبة بمكان أن يترجَّح عندي قول في مسألة فيها حديث محتمِل، وهناك نصوص أخرى عارضته، فآتي وأغرس في نفوس طلاب العلم أن هذه هي السنة وحدها، فيصبح كل من خالفه من أهل العلم كأنه مرتكب لما خالف السنة، فهذا لا ينبغي، إنما ينبغي أن أقول: ترجح، أو ظهر لي، أو: هذا هو السنة على ما ظهر، أو: على أصح أقوال العلماء، أو: هناك قول آخر لقوله تعالى، أو لقوله عليه الصلاة والسلام، أو: لكن الصحيح كذا وكذا.
فإذا رأيت من خالفك تعلم أن عنده سنة وأن عنده حجة فلا تبالغ في الإنكار عليه، ولا تستعجل في استهجانه، وقد يكون الحق معه، وكان السلف يقولون: (قولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب)، وهذا في النصوص المحتمِلة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يجاوز دلالة النصوص، بل ينبغي عليه أن يتقيَّد، فالشيء المحتمِل يقول عنه: محتمِل.
فهذه فائدة عارضة، وأوصي بها طلاب العلم كثيراً، خاصة في هذا الزمن الأخير، ولذلك كان الوالد رحمة الله عليه كثيراً ما يوصيني ويقول لي: أي علم تستطيع أن تأخذه من الأوائل فابدأ به؛ لأنه ليس من السائغ أن يبدأ الإنسان بعلمه من الأواخر.
ولا يعني هذا هجران العلماء الموجودين، إنما المراد أن تلتزم بمنهج الأوائل وطريقة سلفك الصالح رحمة الله عليهم، فكنت كثيراً ما أرجع إلى كتب الأولين، فأجد المسألة تُعرض بشيءٍ من الأمانة والتحفظ، ووالله إن بعض العبارات في الفتاوى وفي الشروحات تلمس فيها من العالم من خلال كلامه خوفه من الله عز وجل، وتلمس ورعه وتحفظه وصيانته.
ولذلك لو جئت تجمع فتاوى المتقدمين قد تجدها لا تتجاوز جزءاً واحداً، فتجد السؤال وجوابه بكل تحفظ وحذر من الزيادة عما دلت عليه النصوص الشرعية، وهذا هو العلم، فمن سلك هذا المسلك فقد علم وفهم.
ولكن إذا جئت اليوم إلى إنسان في مسألة تريد أن يبين لك فيها حكماً قال لك: هذه مسألة خلافية سبق الكلام فيها بين العلماء، ويكتب رسالة، أو يجيب عن سؤال فتجده يبيِّن لك المسألة ويبين لك دليلها، وقد يكون هذا الدليل حديثاً اختلف في إسناده، أو يكون دليلاً صحيحاً ثابتاً في الكتاب والسنة ولكن دلالته محتمِلة، فيأتي ويذكر الحديث، فلا ينتهي منه حتى يقول: قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، ويملي عليك خطبة في حجية السنة، بمعنى: إن خالفتني فقد خالفت السنة، وإن تركت قولي فأنت على غير محجَّتي، وعلى هلاك.
وهذا لا ينبغي؛ لأنك إذا أصبحت تحجر الناس كلهم على رأيك وفهمك، فإنك ستأتي إلى الأقوال المخالفة وتستهجن آراء العلماء، وتبالغ في ذم الرجال، وتعتبر شيخك هو الوحيد الذي ينبغي قبول السنة منه، وأنه إن خرج أحد عن الذي في كتاب فلان فليس من أهل السنة والجماعة، ويصل بك الأمر إلى أنك تجد أقوالاً للسلف الصالح رحمة الله عليهم -إذ الخلاف قديم وموجود بين أئمة العلم- فتحتقر هذه الأقوال وهي لأئمة وعلماء، وقد يكون الذي رجّحه مشايخك من أقوال الشذاذ والأفراد، فتأتي وتقول: سبحان الله! جماهير أهل العلم خالفوا السنة! إي نعم لا تعتد بالرجال إنما اعتد بالدليل.
وقد تجد أقوال أفراد من التابعين أو الصحابة نُسيت وتركت، وأصبح العمل في القرون كلها على قول انتشر وذاع، فهل أصبحت هذه الأمة كلها على ضلالة، وهي أمة معروفة بالعلم والورع والصلاح والإخلاص لله عز وجل، أفكل هؤلاء ما أصابوا الجادة?! فهذا أمر يحتاج إلى تَنبُّه، فإنك تجد بعض طلاب العلم اليوم يفرحون ببعض الأقوال المنفردة، فبعض طلاب العلم قد يفرح عندما يجد أن هذا القول لا يقول به إلا الأفراد، وهذا موجود وملموس في طلاب العلم، ولذلك ينبغي التأنِّي والتريُّث وأخذ العلم عن أهله، والتحفظ في ضبط العلم وتحريره، فإذا قال لك العالم: هذا القول هو الصواب، وظهر لي منه كذا فعليك أن تفتش وتنقب؛ إذ ليس قوله هو الغابة، وليس هو النهاية، فقد سبقه رجال فحول وأرباب في العلم، وأناس لهم فهمهم وعلمهم وورعهم وقدمهم الراسخة، فينبغي الرجوع إليهم والاعتداد بأقوالهم، والتنبه لكون الأمر مجمعاً عليه أم أن فيه خلاف، وهل الدلالة مسلمة أم لا.
فكثير من الطلاب يغتر بمثل هذا، إذ يأتيني طالب علم قرأ رسالة ما لمتأخر وهو مقتنع اقتناعاً كاملاً أن الحق في هذه الرسالة، وكأن صاحبها هو المعصوم؛ لأن أسلوب الرسالة يحمل هذا الطالب على أنه لا يحيد عنها؛ لأن صاحبها ابتدأها بالسنة وأهمية السنة وحجية السنة، وكأنه يقول: إنني قد أصبتها فإياك أن تحيد عنها.
وهو وإن أصاب شيئاً لكنه محتمل، فليس هذا من الأمانة، فينبغي التحفظ والصيانة، خاصة في المسائل الخلافية.
فإذا جاء الطالب قلت له: هذا القول الذي تقوله يستدل بحديث كذا وكذا، وهذا الحديث دلالته مختلف فيها حتى بين الأصوليين؛ لأن دلالته معارضة بما هو أقوى منها، أو هذا الحديث ضعيف، وتحسينه قول لبعض العلماء، وهناك حديث أصح منه، فتجد الطالب مقتنعاً اقتناعاً كاملاًلا يرضي أن يتركه.
وفي بعض الأحيان نجد الطالب لا يحفظ
(47/15)
________________________________________
حكم صلاة الجالس القادر على القيام

السؤال
بعض النساء -هداهن الله- يعملن في البيوت طوال الوقت، فإذا جاء وقت الصلاة صلَّين وهنّ جالسات بحجة أنهن متعبات لا يستطعن القيام، فما حكم هذا، وما هو توجيهكم لهؤلاء النسوة؟

الجواب
إذا كانت الصلاة فريضة وصلّت المرأة جالسة وهي قادرة على القيام، فعليها أن تعيد صلاتها، ولو جلست مائة سنة بهذهِ الحال لا تجزيها الصلاة، وينبغي عليها أن تعيد صلواتها مدة حياتها إذا لم يكن ثم عذرٌ؛ لأنها لم تصلِّ كما أمرها الله، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته أن يرجع ويصلي لفوات ركن الطمأنينة، فكيف بركن القيام، ولذلك يلزمهن الإعادة لهذه الصلوات.
وأما إذا كان التعب عُذْراً بيِّناً، كما يكون في بعض النساء الحوامل، وقد تكون بعض النساء ضعيفة البنية، فيحصل لها إرهاق شديد، خاصة مع شدة السهر أو نحوها، وتخشى السقوط في صلاتها، أوتخشى الضرر فلا حرج أن تصلي جالسة، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وهكذا إذا كانت مريضة كما ذكرنا.
أما الترَخُّص والتوسُّع في هذا فإنه يوجب بطلان الصلاة، والله تعالى أعلم، لكن ينبغي أن يُنصَح الرجال بالتخفيف على النساء، حتى لا يضطررن إلى ذلك، فالحكمة تقتضي تخفيف أعباء البيوت حتى لا تصبح معونة على تركهن لفريضة الله عز وجل.
(47/16)
________________________________________
حكم تقييد الصلاة على الراحلة

السؤال
هل الصلاة على الراحلة مقيَّدةٌ بصلاة الوتر كما ثبت في الحديث الصحيح، أم أنها مطلقة في جميع صلاة النفل بما فيها السنن والرواتب؟

الجواب
صيغة السؤال تفيد أنه ورد حديث يقول: (لا تصلوا النافلة في السفر إلا إذا كانت وتراً على الدابة).
وهذا لم يرد، ولهذا فلينتبه طالب العلم، وليحذر من الكلمات في التعبير، فينبغي أن تنتبه لمنطوق اللفظ ودلالة المفهوم؛ لأنك غداً ستكون المعلم والمربي والمفتي والقاضي، فينتبه الإنسان في العبارات، ولتكن عنده دقة، ولا يُحمِّل النصوص في دلالتها ما لا تحتمل، فانتبه رحمك الله وقل: هل هي مقيدة بالوتر، أو ليست مقيدة بالوتر؟ أمَّا النصوص فهي تدل على العموم، كما في حديث ابن عمر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض)، وهذا في الصحيح.
وكما في حديث أنس، حيث يقول ابن سيرين: (خرجنا فاستقبلناه بعين التمر، فلقيناه يصلي على حماره ووجهه من ذا الجانب، فقلنا: رأيناك تصلي إلى غير قبلة! قال: لولا أني رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله ما فعلته).
فالمهم أن النصوص الواردة ورد فيها في الوتر، ووردت نصوص أنه أوتر على بعيره، لكن هذا ليس على سبيل التقييد.
والقاعدة في الأصول أن ورود الخاص بخصوصه لا يقتضي حمل العام عليه ما لم تُفهم القرائن أو تَدُل الأصول على اعتبار هذا الحمل.
ولذلك فالذي يقوي العموم في النوافل قوله: (إلا الفرائض)، ويشمل هذا الوتر، وهكذا لو توضأ وأراد أن يصلي ركعتي الوضوء، أو ركعتي استخارة، أو يتَنفَّل طاعةً وقربة لله في سفره، فلا حرج عليه أن يصلي على دابته حيث توجهت به.
(47/17)
________________________________________
حكم تكبيرة الانتقال إذا دخل المصلي والإمام راكع

السؤال
رجلٌ دخل المسجد والإمام راكع، فدخل معهم في الصلاة، وجعل تكبيرة الإحرام والركوع تكبيرة واحدة، فهل هذا يجزئه؟

الجواب
قال بعض العلماء: لا بد من التكبيرتين.
وقال بعضهم: تجزيه تكبيرة واحدة.
وهذا هو الصحيح.
وهذا ظاهر؛ فإن النصوص لم يرد فيها الإلزام بالتكبيرتين، لكن الذين قالوا بالإلزام قالوا: لأنه يكبر التكبيرة الأولى للإحرام، والثانية: للركوع.
وهذا محل نظر؛ لأنه لو جاء والإمام ساجد فإن قالوا: يُكَبِّر أيضاً تكبيرتين، فحينئذٍ نقول: إنه ليس في حال قيام؛ لأن تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة وللقيام، فلذلك ليس ثم ركن قيام إذا كان ساجداً.
وبناءً على ذلك قال بعض العلماء الذين يقولون بالتكبيرة الواحدة: لو كبَّر تكبيرتين لم يجزه؛ لأنه إذا كبر في القيام لزمته القراءة، وهو لم يقرأ ويريد أن يركع، ولذلك قالوا: لا يصح منه.
والصحيح: أنه يجزيه؛ لأنه كبَّر للقيام في وقتٍ لا يتسنى له فيه قراءة الفاتحة فسقطت للعجز فأجزأه أن يُكَبِّر، فمن فعل هذا فلا حرج، ومن فعل هذا فلا حرج، لكن الأشبه والأقوى أن يُكبِّر تكبيرةً واحدة، وهذا أصل خَرَّجَهُ العلماء على القاعدة الشرعية: (اندراج الأصغر تحت الأكبر)، وهذا له ضوابط كثيرة، فالأصغر هو تكبيرة الركوع، والأكبر تكبيرة الإحرام، فاندرج الأصغر تحت الأكبر.
ولذلك لو جئت وأنت متأخر والإمام في الركعة الثالثة واقف فإنك تكبر تكبيرةً واحدة مع أن الإمام تعتَبر صلاته في الثالثة، فإذا كان كذلك فمعناه أن عليك تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام للثالثة؛ لأنه قام لها الإمام ولها تكبيرة خاصة.
فقالوا: أصل الاندراج يَدُلُّ عليه.
وله نظائر في العبادات والمعاملات، ومن نظائره في المعاملات أن يسرق الإنسان -والعياذ بالله- ويزني ويقتل، فقالوا: إن حد القتل يأتي عليها جميعاً.
فلو كان محصناً فزنى وقتل فإنه يُقتَل بالقصاص، فيُعتَبر قتله قصاصاً يندرج تحته قتله بالرجم، ولا حاجة أن يُرجَم، ولذلك يقولون: يندرج الأصغر تحت الأكبر؛ لأن حَدَّ القتل أعظم من حد الزِّنا في الأصل، بدليل تنوع حد الزنا وعدم تنوع حد القتل، قالوا: فاندرج الأصغر تحت الأكبر.
وهو مذهب بعض الصحابة رضوان الله عليهم الذين يقولون بالاندراج.
وتتفرع على هذه القاعدة فروع منها هذه المسألة، وهي أنه لو قدم والإمام راكع، فقالوا: يُكَبِّر تكبيرةً واحدة، فتندرج تكبيرة الركوع تحت تكبيرة الإحرام.
نسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وموجباً لرضوانه العظيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(47/18)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - واجبات الصلاة
الواجب في الصلاة: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، ومن تركه عمداً بطلت صلاته، وإن تركه سهواً جبر بسجود السهود على تفصيل في ذلك، وواجبات الصلاة هي: لفظ التكبير عند الانتقال من ركن إلى ركن، وقول سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد، والتسبيح في الركوع والسجود، والتشهد الأول والجلوس له.
(48/1)
________________________________________
واجبات الصلاة
(48/2)
________________________________________
تكبيرة الانتقال
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وواجباتها التكبير غير التحريمة] الواجبات: جمع واجب، والضمير عائد إلى الصلاة، أي: واجبات الصلاة، فعَطَفَ رحمه الله الواجبات على الأركان، أي: إذا علمت أحكام الأركان فاعلم أن هناك أموراً واجبة، وأن للصلاة واجبات، ثم شرع في بيان هذه الواجبات، وهذا -كما يسميه العلماء- من باب التدرج من الأعلى إلى الأدنى.
وهذه والواجبات لها أحكام: الحكم الأول: أنه يثاب فاعلها.
الثاني: يعاقب تاركها.
الثالث: من تركها متعمداً بطلت صلاته.
الرابع: أن من ترك هذا الواجب ساهياً فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون منفرداً أو إماماً، أو يكون مأموماً، فإن كان منفرداً أو إماماً وجب عليه أن يجبر هذا الواجب بسجود السهو، وأما إذا كان مأموماً فإن الإمام يَحمِل عنه الواجب، وبناء على ذلك اتفقت الأركان والواجبات في كون كل منهما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وانفردت الواجبات بأن تركها نسياناً يُجبر بسجود السهو، والأركان إذا تركت نسياناً وجب جبرها بالفعل، فالواجبات تجبر بسجدة السهو والأركان لا تجبر، بل لابد من فعلها.
ثم إن الواجبات يحملها الإمام إذا نسيت أو سهيت أو لم يمكنك فعلها، ولكن الأركان لا يحملها الإمام عنك البتة، بل ينبغي عليك فعلها، وإن لم تفعلها وجب عليك قضاء الركعة كاملة، فهذا بالنسبة للفرق بين الواجبات وبين الأركان في الصلاة.
قوله: [التكبير غير التحريمة] أي: من الواجبات التي أوجبها الله عز وجل في الصلاة التكبير غير التحريمة، والتكبير لفظ: (الله أكبر)، وهذا التكبير يسميه العلماء بتكبير الانتقال، أي: يجب على المصلي أن يُكبر عند انتقاله من ركن إلى ركن، فإذا أراد أن ينتقل من القيام إلى الركوع قال: الله أكبر.
وإذا أراد أن ينتقل بعد رفعه من الركوع إلى السجود قال: الله أكبر.
وإذا أراد أن ينتقل من سجوده إلى الجلسة بين السجدتين كبَّر.
وإذا أراد أن ينتقل منها إلى السجود كبر، وهكذا، فهذا التكبير الذي يقع بين الأركان لكي تنتقل به من ركن إلى ركن يسميه العلماء تكبير الانتقال.
وقوله رحمه الله: [التكبير غير التحريمة] المراد بالتحريمة تكبيرة الإحرام، وهي ركن وليست في مرتبة الواجبات، وإنما هي في مرتبة أكبر، فالتكبير من غير تكبيرة الإحرام واجب.
فلو أن إنساناً كان يصلي لوحده فقرأ الفاتحة، ثم قرأ السورة، ثم ركع ونسي أن يكبر فإنه يجبره بسجود السهو لأنه واجب عليه، فإن تعمد فركع دون أن يكبر قاصداً ترك التكبير بطلت صلاته فرضاً كانت أو نفلا.
فهذا معنى قولهم: (التكبير غير تكبيرة الإحرام) أي: يلزمك إذا صليت فريضة أو نافلة أن تكبر تكبيرة الانتقال، فلا تنتقل من ركن إلى ركن إلا بهذا التكبير، فلو حصل أن تركت هذا التكبير قاصداً ومتعمداً بَطَلت صلاتك نفلاً أو فرضاً، ولو حصل أن تركته سهواً قلنا: إن كنت منفرداً تجبره بسجدتي السهو قبل السلام لمكان النقص، وإن كنت مع الإمام حَمَل الإمام عنك هذا السهو لقوله عليه الصلاة والسلام: (الإمام ضامن) كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد في مسنده، فقد دل هذا الحديث على أن الإمام ضامن، والمراد بضمانه ضمان صلاة من وراءه، وذلك بحمل الواجبات دون الأركان، كما هو معلوم ومقرر عند العلماء.
وهكذا الحكم لو أن إنساناً بدلاً من أن يكبر للركوع قال: سمع الله لمن حمده، فأبدل ذكراً مكان ذكر في الانتقال، أو أراد أن يسجد فقال: (ربنا ولك الحمد) سهواً، فإنه حينئذٍ يمكنه التدارك إن أمكنه، وإن لم يمكنه التدارك فإنه لابد وأن يأتي بسجدتي السهو على التفصيل الذي ذكرناه.
أما دليل وجوب التكبير فقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا كبر فكبروا)، وهذا أمر، وشمل تكبيرة الإحرام وغيرها للإطلاق، ولكن خُصَّت تكبيرة الإحرام بالزيادة لورود النصوص فيها، كقوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير)، ونحوه من النصوص التي ذكرنا، ودلت السنة على وجوب تكبير الانتقال، وبناء على ذلك فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بالتكبير يوجب علينا التكبير.
(48/3)
________________________________________
قول: سمع الله لمن حمده
قال رحمه الله: [والتسميع] أي: الواجب الثاني من واجبات الصلاة التسميع.
والتسميع على وزن (تَفْعِيل) والمراد به قول المكلف: سمع الله ولمن حمده أي: استجاب الله دعاء من حمده، وقيل: معناهنا: سمع الله على الحقيقة من أثنى عليه سبحانه وتعالى، فلا يخفى عليه شيء وهي جملة متصلة ببعضها، فلو قال: (سمع الله) لم يُجزِه، بل لا بد من تمام الذكر، فلا يُنقص منه ولا يزاد عليه، فلا يقال: سمع الله الجبار المتكبر من حَمِده.
فلا تُشرع الزيادة، ولا يُشرع النقص كأن يقول: (سمع الله)، ويسكت، أو يقول: (سمع الله مَن)، ويسكت، فكل هذا لا يجزي، بل لا بد من تمام الجملة؛ لأنه ذكر توقيفي، فوجب البقاء على حدِّه دون زيادة ولا نقصان.
(48/4)
________________________________________
قول: ربنا لك الحمد
قال رحمه الله: [والتحميد] التحميد على وزن (تَفْعِيل) من الحمد، أي قولك: (ربنا ولك الحمد)، أو (ربنا لك الحمد)، فكلاهما وارد ومأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قلت: (ربنا ولك الحمد)، أو: (ربنا لك الحمد)، فقد فعلت ما أوجب الله عليك من التحميد.
والتحميد يتعلق بالمأموم، والتسميع يتعلق بالإمام والمنفرد فيجمعان بين التسميع والتحميد، أما المأموم فيقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد.
أما دليل الوجوب فما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: (وإذا قال -أي الإمام- (سمع الله لمن حمده) فقولوا: (ربنا ولك الحمد))، فقوله: (فقولوا) أمر، والأمر يدل على الوجوب، وقد قاله عليه الصلاة والسلام في معرض التقسيم، وكونه يقوله في معرض التقسيم فقد خص الإمام بالشرط في قوله: (إذا قال)، فإذا كان التحميد واجباً كان موجبه واجباً، فأصبح التسميع والتحميد واجبين من واجبات الصلاة، فلابد من قول المكلف: (سمع الله لمن حمده.
ربنا ولك الحمد) إن كان إماماً أو منفرداً، أما إذا كان مأموماً اقتصر على قوله: (ربنا لك الحمد).
ومكان هذا التسميع والتحيمد مختص بما بعد الرفع من الركوع، فيقول: (سمع الله لمن حمده) في حال الرفع، فإذا استتم قائماً قال: (ربنا ولك الحمد)؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يُشرع له أن يقول: (ربنا ولك الحمد) قبل أن يَستتم قائماً، وإنما يقول: (ربنا ولك الحمد) إذا انتصب عوده واستقام ظهره، وبناءً على ذلك فإن السنة أن يبتدئ بالتسميع عند ابتداءِ الرفع حتى إذا استتم قائماً قال كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أم المؤمنين عائشة قال: (ربنا ولك الحمد)، وقاله عليه الصلاة والسلام وهو قائم.
قال العلماء: في هذا فائدة لطيفة، وهي أن التسميع ذكر الانتقال من الركوع إلى القيام الذي هو الوقوف، فيُشرع له الذكر المقارن كالتكبير، ثم إذا استتم قائماً كان ذكر ما بينهما -أي: ما بين الرفع وبين سجوده- أن يقول: (ربنا ولك الحمد)، كما هو الحال فيما بين السجدتين، فتقول التكبير عند الانتقال من السجود إلى الجلوس، فإذا جلست قلت: (رب اغفر لي).
بين السجدتين، كذلك هنا يكون تسميعك عند الانتقال وقولك: (ربنا ولك الحمد)، عند استتمامك قائماً، كأنهم نظروا أن التحميد ذِكرٌ لما بين الركنين، والتسميع ذكر انتقال.
(48/5)
________________________________________
تسبيحتا الركوع والسجود
قال رحمه الله: [وتسبيحتا الركوع والسجود] هذان واجبان، أي: قوله: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وقوله: (سبحان ربي الأعلى) في السجود، وأما دليل وجوب التسبيح في الركوع فإنه لما نزل قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74] قال عليه الصلاة والسلام: (اجعلوها في ركوعكم)، فإن قوله: (اجعلوها) أمر، والقاعدة تقول: الأمر يدل على الوجوب إلا إذا قام الدليل على صرفه.
فوَجَب على المكلف أن يمتثل هذا الأمر على سبيل اللزوم، وبناءً على ذلك فإذا ترك التسبيح لا يخلو من حالتين: إما أن يتركه ناسياً، وإما أن يتركه متعمِّداً، فإن ترك تسبيح الركوع أو تسبيح السجود متعمداً فإنه تبطل صلاته إماماً كان أو منفرداً أو مأموماً، سواءٌ أكان في فريضة أم نافلة، وإن تركه ناسياً فإنه إن كان وراء إمام قلنا: حمل الإمام عنه التسبيح، كأن يكون نسي، أو اقتصر على تعظيم الله عز وجل بغير التسبيح سهواً ونسياناً، أو ركع ولم يتكلم لمكان السهو، فرفع الإمام ولم يتدارك التسبيح، فحينئذٍ نقول: هذا السهو وراء الإمام يَحمِله الإمام عنه؛ لأن الإمام ضامن، وإن كان إماماً أو منفرداً فإنه يسجد للسهو.
وأما التسبيح في السجود فالدليل على وجوبه في السجود ما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما نزل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1] قال: (اجعلوها في سجودكم)، فدل قوله: (أجعلوها) على الأمر، والأمر يقتضى الوجوب، وبناءً على ذلك يجب على المكلف أن يقول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود، وأن يقول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، فلو أبدل اللفظين فجعل (سبحان ربي الأعلى) في ركوعه، و (سبحان ربي العظيم) في سجوده، فإنه إن تَقصَّد وتعمَّد فقد أساء، وذلك لمخالفته للسنة.
وأما بطلان صلاته فالذي يظهر أن التسبيح قد حصل، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم في ركوعه يقول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، فدل على أن قوله: (أما الركوع فعظموا فيه الرب) يشمل التسبيح الذي يكون للسجود، ويكون اختلاف التسبيحين تنوعاً لا يُوجِب بطلان الصلاة بترك التسبيح المأمور به في الأصل، وبناءً على ذلك يجزيه، ولكن لا يخلو من الإثم لمكان التعمد بالعصيان، وأما لو تَرَك ذلك سهواً فإنه يُجزيه ويصح منه، ولا يُلزَم بسجود السهو، وإن سجد للسهو فحسن.
(48/6)
________________________________________
سؤال الله تعالى المغفرة بين السجدتين
قال رحمه الله: [وسؤال المغفرة مرة، مرة ويسن ثلاث] التسبيح في الركوع والسجود الواجب منه مرة، ولا حرج أن يزيد المكلف، فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يزيد، وكان يقول: (سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى)، وكان يُسمَع تسبيحه صلوات الله وسلامه عليه في صلاته.
وقوله: [وسؤال المغفرة مرة مرة]، أي: بين السجدتين، وهذا واجب آخر، أي: ويجب على المكلف أن يقول: (رب اغفر لي بين السجدتين)، وقد صح عنه أنه قال: (رب اغفر لي رب اغفر لي)، قاله مرتين صلوات الله وسلامه عليه بين السجدتين، فدل على مشروعية التكرار.
وهذا الذكر الذي بين السجدتين يعتبر واجباً بناءً على الأصل؛ لأننا عهدنا من الشرع أنه جعل الأذكار المتخللة بين الأركان واجبة فأُلحِق النظير بنظيره، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، فقوي إلحاقه بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فأُلحِق بالواجبات، فصار ذكراً لما بين السجدتين، وأُلزِم به المكلف تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلو صلى المصلي ونسي أن يقول بين السجديتن: (رب اغفر لي)، وقال أي ذكر آخر، فحينئذٍ لا يخلو إما أن يكون منفرداً أو مأموماً، فإن كان منفرداً وتعمَّد بطلت صلاته، وإن كان منفرداً ونسي سجد للسهو، وإن كان مأموماً فإن تعمد بطلت، وإن سها حَمَل عنه ذلك الواجب الإمام.
(48/7)
________________________________________
التشهد الأول والجلوس له
قال رحمه الله: [والتشهد الأول وجلسته] التشهد الأول وجلوسه كلاهما واجب، أما دليل الوجوب فما ثبت في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم).
وهذا الحديث في الصحيح، ومثله حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في كونه رضي الله عنه وقع في نفس السهو، ولما سبحوا له أشار إليهم أن قوموا، ثم سجد قبل أن يسلم سجدتين، ثم رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعل.
فهذان الحديثان يدلان دلالة واضحة على أن هذا الجلوس واجب، أما دليل وجوبه فكون النبي صلى الله عليه وسلم جبره بسجدتي السهو، فدل على أنه دون الأركان؛ لأنه لو كان ركناً لرجع له النبي صلى الله عليه وسلم، فكونه لم يرجع له يدلّ على أنه ليس بركن، وكونه يَجبُره بالسجدتين يدلّ على أنه من الواجبات وليس من السنن والمستحبات، وبناءً على ذلك ارتقى عن درجة السنن والمستحبات، ونَزَل عن درجة الأركان، فأصبح واجباً من واجبات الصلاة.
ولما كان هذا الموضع يشتمل على فعل وقول قالوا بوجوب كل منهما؛ لأن الجبر وقع لهما معاً، واستُدِل به على أن الواجبات تتداخل، فمن ترك أكثر من واجب جبره بسجدتين وكان ذلك كافياً له ومبرِئاً لذمته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الواجب الفعلي وهو الجلوس، وترك الواجب القولي وهو قراءة التشهد.
فأصبح عندنا واجبان: الواجب الأول: الجلوس للتشهد بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثانية.
الثاني: قراءة التشهد.
فإن تركهما جبرهما بسجود السهو، وإن ترك واحداً منها كأن يجلس وينسى أن يقول الشهد ثم يقوم، فإن كان وراء الإمام حمل الإمام عنه الذكر القولي، وإن كان منفرداً ومتعمداً بطلت صلاته، وإن كان ناسياً جَبَره بسجود السهو.
(48/8)
________________________________________
سنن الصلاة
قال رحمه الله: [وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة] تقدَّم معنا ذكر المصنف شروط الصلاة من النية والوقت والطهارة، واستقبال القبلة، وغيرها مما ذكر من الشروط، وذكر لنا الأركان الأربعة عشر التي ذكرناها، وذكر لنا الواجبات الثمانية التي كنا بصددها.
وعليه فما عدا هذه الأركان والواجبات والشروط فهو سنن، ومستحبات يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، ولو تركها عمداً فإن الشرع لم يُلزِم بها، والأصل أننا نعتبر ما اعتبره الشرع، فإن كان اعتباره على سبيل اللزوم ألزمنا، وإن كان اعتباره على سبيل عدم اللزوم رخَّصنا وقلنا: الناس في سعة، فإن فعلوا أثيبوا، وإن تركوا فلا حرج عليهم.
ومن هذه السنن المستحبات قوله: (ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد) إلخ بعد قوله: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد).
فهذا الذكر من المستحبات، وليس بواجب ولا لازم، ولو قال بين السجدتين: (اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني وارزقني واهدني وعافني)، فهذا الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة وليس بواجب.
(48/9)
________________________________________
حكم ترك بعض شروط الصلاة غير النية
قال رحمه الله: [فمن ترك شرطاً لغير عذرٍ غير النية فإنها لا تسقط بحال] قوله: (فمن ترك) الفاء للتفصيل، فبعد أن ذكر الشروط والأركان والواجبات شَرَع رحمه الله في حكم ترك هذه الأمور، فابتدأ بالشروط، وقد سَبق أن ذكر الشروط قبل الأركان، والسبب في هذا أن شروط الصحة والوجوب تكون قبل الأركان في غالب صور المصلي وأحواله، فإن الإنسان يتوضأ قبل الصلاة وقبل فعل أركان الصلاة، وهكذا بالنسبة لاستقباله القبلة يكون قبل تكبيره حتى يقع تكبيره وفعله للأركان في حالة استقباله للقبلة، وهكذا طهارته من الحدث وطهارته من الخبث.
فلذلك ابتدأ بحكم ترك الشروط، فالتارك للشرط إما أن يتركه معذوراً فحينئذٍ يسقط عنه لمكان العذر، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، إلا شرطاً واحداً من شروط الصحة وهو النية.
فلو ترك المكلف الوضوء والتيمم لعدم وجود الماء وعدم وجود ما يتيمم به -وهي مسألة فاقد الطهورين- فإنه تصح صلاته وتجزيه؛ لأنه ليس بإمكانه إلا ذلك، والقاعدة تقول: (التكليف شرطه الإمكان) لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
فإذا كان المكلَّف عاجزاً عن تحصيل الشرط الذي هو طهارة الحدث فإننا نعذره ونقول: صلاته صحيحة، والدليل على ذلك ما ذكرناه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمستحاضة أن تُصَلِّي والدم يجري معها، فدل على أنها معذورة، وأن من كان في حكمها معذوراًَ أنه يرخص له في صلاته.
ولأنه عليه الصلاة والسلام أقر الطائفة التي صلت قبل فرضية التيمم بدون وضوء، مع أن الوضوء كان لازماً، وقد ثبت اعتبار لزومه بالشرع، ومع هذا صحَّح صلاتهم ولم يأمرهم بالإعادة، وذلك لعدم إمكانهم أن يتوضأوا، فدلنا ذلك على أن من ترك الطهارة من الحدث لوجود العذر فصلاته صحيحة.
ولو ترك شرط طهارة الخبث لعذر فالحكم كذلك، كأن تَرَكه نسيان، كما لو صلَّى ولم يعلم أن بثوبه نجاسة، فلما سلَّم اطلع على النجاسة فإن صلاته صحيحة، والدليل حديث أنس في الصحيح (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله! رأيناك خلعت فخلعنا فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد الصلاة من بدايتها؛ لأنه فعل أركاناً كتكبيرة الإحرام، وربما قرأ الفاتحة، وقد يكون ركع عليه الصلاة والسلام، أو فعل أكثر من ركعة، ومع هذا لم يُعِد ولم يستأنف الصلاة، وإنما اعتبر الأركان السابقة، وذلك بسبب وجود العذر من النسيان.
فدلّ على أن من ترك طهارة الخبث لمكان النسيان أنه معذور وصلاته صحيحة، وهكذا لو ترك استقبال القبلة لعذر يُعذر به شرعاً، ألا ترى المسافر عذره الشرع في استقبال القبلة، فلو اجتهد ثم تبين له أن اجتهاده خاطئ فإن صلاته صحيحة، فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان مع الصحابة في ليلة مغيمة، فصلّوا وهم على غير قبلة، فلما أصبحوا تبينوا أنهم على خطأ، فقال عليه الصلاة والسلام: (قد مضت صلاتكم)، فدل على أن من فقد هذا الشرط معذوراً -وهو استقبال القبلة- الذي يُشترط لصحة الصلاة أنه يعذر وتصح صلاته.
ويستثنى من سقوط الشروط بالعذر النية؛ فإنه لا تصح الصلاة إلا بها، والدليل على هذا أن النية دلّ الشرع على عدم الاعتداد والاعتبار بالعبادات إلا بها، فدل على أن الأصل عدم صحة العبادة إلا بالنية.
أما الشروط الأخرى فقد جاءت النصوص تستثني بعضها، كاستقبال القبلة، والطهارة من الحدث والخبث، ونحوها من الشروط، فتلك الشروط من تركها لعذر عذرناه لورود النصوص بالاستثناء، وبقي شرط النية على الأصل الموجب لعدم الاعتداد بالعبادة إلا بها.
(48/10)
________________________________________
حكم ترك ركن أو واجب من الصلاة عمداً
قال رحمه الله: [أو تعمد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته بخلاف الباقي] أي: كذلك لو تعمّد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته بخلاف البواقي، إلا إذا كان لعذر فيُعذر.
فمن ترك ركناً متعمداً، كما لو لم يقرأ الفاتحة وهو ذاكر ومتعمِّد بطلت صلاته، أو قرأ الفاتحة وسورة، ثم قال: بدلاً من أن أركع أسجد.
فسجد مباشرة، فإنه حينئذٍ يكون قد ترك ركن الركوع والرفع من الركوع فتبطُل صلاته إذا تعمد.
فهذا بالنسبة للأركان وهو بالإجماع.
وهكذا لو ترك الترتيب بين الأركان، كما لو قال: أسجد ثم أقوم وأركع.
فإنه حينئذٍ تبطل صلاته؛ لأن الترتيب يُعتبر من فرائض الصلاة، ولا تصح إلا به.
(48/11)
________________________________________
أحكام السنن
قال رحمه الله: [وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال] ذكر لنا رحمه الله الصلاة مجملاً، ووصف لنا الصلاة بصفتها الكاملة، ثم قال: ما عدا الأركان والواجبات والشروط فسنن، سواءٌ أكانت من الأقوال أم من الأفعال، فلا تبطل الصلاة بتركها، فمن فعلها فقد أُثِيب وأَحْسَن، ومن تركها فلا إثم ولا حرج عليه.
قال رحمه الله: [ولا يشرع السجود لتركه، وإن سجد فلا بأس] أي: ولا يشرع سجود السهو بترك هذا المسنون قولاً كان أو فعلاً، فإن سجد فلا بأس.
وبعض العلماء يقول: إذا كان الإنسان ترك سنة يسجد لها، ولا يُفرق بين الواجبات وغيرها.
وهذا القول مذهبٌ والعمل على خلافه عند أهل العلم رحمة الله عليهم، والصحيح أن السنة لا يجب جبرها؛ لأنها ليست بلازمة، ولو كانت لازمة لنُزِّلَت منزلة الواجبات، فيكون رفعة لها عن مرتبتها التي نص الشرع أو دلّ دليل الشرع، على كونها فيها، وبناءً على ذلك لا تُنَزَّل السنن منزلة الواجبات، فحيث ترك سنة نقول: إنه لا حرج عليه، ولكن فاته الأكمل والأفضل.
والدليل على ذلك أن الصحابة كانوا يصلون وراء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم سنن، ومع ذلك لم يُلزِمهم بسجود السهو لعدم إتيانهم بهذه السنن.
ألا ترى دعاء الاستفتاح لم يطلع عليه أبو هريرة إلا بعد أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستفتح بهذا الدعاء، فدلّ على أن السنن لا يجب جبرها بسجود السهو، وإن فعل ذلك فقد قال بعض العلماء: لا حرج أن يسجد للسهو.
لكن بعض أهل العلم يقول: لو أن الإنسان ألف السنة -أي: أعتادها-، وداوم عليها ثم أتاه الشيطان فنسيها، فلو جبرها بسجود السهو فإنه حسن أي أنه يُفرِّق بين السنة التي يداوم عليها والسنة التي لم يداوم عليها، فإن كان مداوماً على الدعاء الذي بعد التحميد، وهو قوله: (ملء السماوات وملء الأرض ... ) إلخ، أو مداوماً على دعاء الاستفتاح وتركه ناسياً قالوا: يسجد للسهو، وحسنٌ منه أن يفعل ذلك.
(48/12)
________________________________________
الأسئلة
(48/13)
________________________________________
مناسبة تقديم المصنف للمكروهات قبل الأركان والواجبات

السؤال
أشكل عليَّ تقديم المصنف رحمه الله للمكروهات على الأركان والواجبات فهل هذا هو الأولى؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهذا من الدقة بمكان، لأن الإنسان إذا جاء يصلي فإنك تحذِّره مما يكره قبل أن يشرع في الصلاة؛ لأن التحذير يقع قبل التلبس بالشيء لا بعده، ولذلك تقديمه على الأركان والواجبات له وجه من جهة التحذير ومن جهة والبيان، حتى يكون الإنسان على بينة من أمره، وهذا اعتذارٌ للمصنف، وإلا فإنه يستقيم لو أنك ذكرت الشروط، ثم الأركان، ثم الواجبات، ثم السنن والمستحبات، ثم المخالفات وهي المكروهات، وهذا أيضاً له وجهه، ويفعله بعض العلماء رحمة الله عليهم، فهذا له وجهه وهذا له وجهه، والله تعالى أعلم.
(48/14)
________________________________________
وجوب التلفظ بجميع أذكار الصلاة وضابطه

السؤال
إذا كانت قراءة الفاتحة يجب التلفظ بها، فهل يُقاس على ذلك بقية أذكار الصلاة؟

الجواب
نعم، فلا بد لمن كبر أن يتلفظ بالتكبير، فلو تلفظ في نفسه لم يقم بالواجب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وقوله: (إذا كبَّر فكبروا)، ولا يصدق على الإنسان أنه كبَّر إلا إذا تلفَّظ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا)، والقول إنما يكون باللفظ، والكلام النفسي لا يعتبر قولاً، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً لمن يقول: إن الكلام النفسي كلام.
وبناءً على ذلك لا بد وأن يتلفظ، واللفظ يكون بتحريك الشفتين واللسان وحصول الحروف على الوجه المعتد به، والله تعالى أعلم.
(48/15)
________________________________________
حكم متابعة الإمام في السنن

السؤال
ما هو حكم متابعة الإمام في السنن، وهل تضر مخالفته عند تركها؟

الجواب
متابعة الإمام في السنن ليست بواجبة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم -كما ذكرنا في حديث أبي هريرة -كان يفعل السنن وهي خافية على الصحابة، فدل على أنها ليست بواجبة ولا لازمة.
ومن الأدلة على عدم وجوبها حديث أنس في الصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ثم فصَّل وبين، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قوله: (فإذا كبر فكبروا) تفصيل لإجمال وهو قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فبين صلوات الله وسلامه عليه ذلك الإجمال بقوله: (إذا كبروا فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) فقولوا: (ربنا ولك الحمد))، وفي الرواية الثانية: (إذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: (وَلا الضَّالِّينَ) فقولوا: (آمين)) فهذا كله يدل على ما يجب وما هو ركن، وأن ما ليس مذكوراً في هذا من السنن فالأمر موسَّع فيه.
فلا يجب على المكلف أن يتابع إمامه في السنن، فلو أن الإمام جلس جلسة الاستراحة وأنت لم تجلس فلا حرج.
وهذا إذا كانت سنة فعلية، وفي حكمها السنة القولية، فلو أن الإمام قرأ دعاء الاستفتاح ولم تقرأه فإنه لا حرج عليك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ دعاء الاستفتاح ويتركه بعض الصحابة ولم يُنكِر عليهم، وكذلك كان يزيد في قوله: (سمع الله لمن حمده) قوله: (ربنا ولك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض ... ) إلخ، وكان يخفى على كثير من أصحابه، ومع ذلك لم يُلزِم به، فدلّ على أنه على سبيل النفل لا على سبيل الوجوب، وأن المكلف لو ترك هذه السنن فلا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
(48/16)
________________________________________
حكم من صلى بغير طهور ثم ذكر بعد خروج وقت الصلاة

السؤال
صلى رجل وهو محدث وكان ناسياً، ولما خرج وقت الفريضة تذكر أنه صلى بغير وضوء، فما الحكم؟

الجواب
لا تصح الصلاة إلا بطهور كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وبناءً على ذلك فإنه إذا تذكر داخل الوقت، أو تذكر بعد خروج الوقت فإنه يُلزَم بقضاء الصلاة، ولو تذكر بعد أيام، ولو تذكر بعد شهور، بل ولو تذكر بعد أعوام فإنه يلزم بقضاء الصلاة؛ لأنه لا تُقبل منه صلاة إلا بطهور كما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
(48/17)
________________________________________
الفرق بين من صلى وفي ثوبه نجاسة وبين من صلى تاركاً للطهارة

السؤال
أشكل عليَّ فهم مسألتين: الأُولى: صلى وفي ثوبه نجاسة ناسيا فصحت صلاته، والثانية: صلى ونسي أنه ليس بمتوضئ فلم تصح صلاته، وهل المسألتان من باب واحد؟

الجواب
الطهارة نوعان: طهارة حدث وطهارة خبث، وينبغي في الأصل أن يتساويا في الحكم؛ لأنه يقال: كيف إذا صلى وعليه نجاسة ناسياً وتذكّر بعد الصلاة تصح صلاته، وإذا صلى وهو ناسٍ للوضوء، أو ناسٍ للغُسل يُلزم بالإعادة؟! والجواب: أن الفرق واضح وظاهر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وجاء دليل الشرع بالأمر بطهارة الخبث، فلما جاءت السنة تستثني في حديث النعلين طهارة الخبث بقيت طهارة الحدث على الأصل الذي يُوجِب عدم صحة الصلاة إلا بفعلها.
وهناك مخرج آخر لبعض الفقهاء، حيث يقولون: إن طهارة الخبث من التروكات، وطهارة الحدث من الأفعال والواجبات، فيُغتفر في التروكات ما لا يُغتفر في الواجبات، فالتروكات الأمر فيها أوسع من الواجبات، فصحَّت صلاته في التروكات ولم تصح في الواجبات، والله تعالى أعلم.
(48/18)
________________________________________
لزوم مقارنة تكبيرات الانتقال للأفعال

السؤال
هل يكبِّر المصلي ثم ينتقل إلى الركوع، أم يكبر أثناء الانتقال، أم يكبر بعد الانتقال؟

الجواب
الأولى والأحرى أن يكون التكبير مقارناً؛ فإن بعض السنن تشير إلى ذلك، كما في صحيح البخاري من حديث خباب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني قد بدنت)، فقد دل ذلك على أن قوله كان مُصاحباً لفعله، فلو كان فعله يسبق قوله لما شعر به الصحابة، ولما كانوا سابقين له، لكن لما أقترن قوله بفعله دل على أن الصحابة يشعرون بالانتقال فتكون خفتهم موجبة للسبق فقال: (لا تسبقوني فإني قد بدنت)، فدل هذا الحديث -كما قرر غير واحد من الأئمة- على أن الأولى بالإمام والمنفرد والمأموم أن يجعل الذكر مقارناً، إلا ما دل الشرع على تأخيره، كالتحميد بعد انتهائه من الرفع، فقد قالت عائشة: ثم قال وهو قائم: (ربنا ولك الحمد)، فهذا يشرع بعد تمام القيام.
أما التكبيرات فتشرع عند الانتقال، خاصة الإمام.
قال بعض العلماء: في تخصيص الأئمة حكمة لطيفة، وذلك أن المأمومين منهم من يرى الإمام ولا يسمع صوته، ومنهم من يسمع صوته ولا يرى شخصه، فلو سبق القول الفعل أو الفعل القول فإن هذا يحدث الاختلاف، فإن الأعمى يسمع الصوت ولا يرى الشخص، فلربما سبق بالفعل إذا كان الإمام يسبق بالقول، وكذلك الحال لو كان يرى شخصه ولا يسمع صوته كالحال في الصفوف البعيدة جداً التي يرى فيها الإمام ولا يسمع فيها صوته، فلو كان الإمام بمجرد قيامه من التشهد يقوم ولا يكبر إلا إذا وقف، فإنك إذا كنت في الصف الأخير ولا تسمع صوته، فإنه مظنة أن تراه يتحرك فتتحرك مع أنه لم يكبر للانتقال، قالوا: فهذا يؤدي إلى سبق المأموم للإمام.
ولذلك قالوا: يُحتاط بالمقارنة فهذا أولى وإن كان بعض السنة يُفهم منه سبق القول للفعل، والله تعالى أعلم.
(48/19)
________________________________________
عمرة أهل مكة في رمضان

السؤال
هل لأهل مكة عمرة، خصوصاً في رمضان؟

الجواب
لا حرج على أهل مكة أن يعتمروا، فإن الترغيب في العمرة خاصة في رمضان النص فيه عام، وليس هناك دليل في الكتاب والسنة يُحرِّم على أهل مكة أن يعتمروا، ولو نقل المنع عن بعض السلف فإن هذا لا يقوى على التحريم.
فالتحريم والمنع يحتاج إلى دليل ينص على أنهم لا يعتمرون، وفي حديث ابن عباس في الصحيح قال صلى الله عليه وسلم في المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك -أي دون المواقيت- فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة).
فدل على أن لأهل مكة أن يُهِلوا، ويشمل ذلك تلبيتهم بالحج والعمرة، خصوصاً أن مذهب طائفة من العلماء أن العمرة واجبة، ولذلك لا يُفرَّق بين أهل مكة وغيرهم، ولكن كان بعض العلماء رحمة الله عليهم يقول: لا ينبغي للمكي أن يذهب للعمرة ويُفَوِّت فضل الطواف بالبيت، وأُثر عن بعض أصحاب ابن عباس أنهم كانوا يقولون: عمرة أهل مكة الطواف بالبيت.
ووجه ذلك أنهم خرجوه على النظر، فقالوا: لأنهم إذا خرجوا إلى التنعيم تكلَّفوا الخروج، فما دام أن العمرة يقصد منها الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فإن هذه الخطوات التي يذهب بها إلى التنعيم ويرجع منه الأولى أن تُستغل في الطواف بالبيت.
أي: بدلاً من أن يذهب إلى التنعيم ويتكلَّف الذهاب فليطُف بالبيت، فمن هنا تخرَّج قولهم: عمرة أهل مكة الطواف بالبيت.
إلا أن هذا إنما يكون لأُناس معروفين بالمرابطة عند البيت، فتجدهم لا يفرطون في مكة، ولا يفرطون في الصلاة في الحرم، ولا يفرطون في الطواف، بحيث إذا خرج من مكة ضاع عليه وقته في الذهاب، فيكون فيه نوع من الاشتغال بالمفضول عن الأفضل، لكن إذا كان مثل حالنا ولا حول ولا قوة إلا بالله، حيث تجد الإنسان في مكة وعهده بالبيت منذ أسابيع أو شهور، وبعضهم ربما تمر عليه فترة طويلة وهو لا يرى البيت، لأنه يرى قول من يقول إن الصلاة بمكة كلها مضاعفة، فتَرَخَّص في هذا القول، وإذا قيل له: انزل وطُف بالبيت قال: فيه فتن.
فيُضيِّع الشيطان على كثير من الأخيار الخير بسبب ما يكون من هذه الأعذار والعلل العقلية، ففي هذه الحالة الأولى له أن يعتمر، فالطواف بالبيت له فضله، فإذا كان الشخص قائماً بمكة كثير العبادة في الحرم فلا شك أن الأفضل أن يشتغل بالطواف، ومن أراد أن يُصيب فضل العمرة في مكة تحصيلاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة في رمضان فإنه لا حرج عليه، وليس هناك دليل يمنع، ومَن مَنع يُطالَب بالدليل، لكن الاستكثار من الخروج والرجوع وتكرار العمرة للمكي وغير المكي بدون موجب لا أصل له، فإذا وجد الموجب فلا حرج، كرجل قدم من الآفاق فاعتمر، ثم أراد أن يعتمر عن أبيه الذي لم يعتمر، أو عن أمه التي لم تعتمر فلا حرج، لكن لو أراد هذا الآفاقي بعد إتيانه بالعمرة أن يأتي إلى التنعيم ويعتمر نقول له: طف بالبيت؛ لأن الآفاقي الأفضل له أن يشتغل بالطواف بالحرم؛ لأن المقصِد أولى من الوسيلة، فإن خروجه إلى العمرة مآله إلى الطواف بالبيت، فالأفضل منه أن يشتغل بالطواف بالبيت، وهذا هو الذي ذكره غير واحد من أهل العلم رحمة الله عليهم، وإلا فالأصل الجواز، والبقاء على الأصل معتبر حتى يدل الدليل على الزوال عنه، والله تعالى أعلم.
(48/20)
________________________________________
حكم طواف الوداع للمعتمر

السؤال
ما حُكم طواف الوداع للمعتمر؟

الجواب
هذه مسألة خلافية، فمن العلماء من قال بوجوبه لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه يعلى بن أمية رضي الله عنهما وأرضاهما أنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي عليه جبة عليها صفرة من أثر الطيب، وهو معتمر بالجعرانة فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه ما ترى؟ قال: فأُوحِي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يغط كغطيط البكر، فلمّا سُرِّي عنه قال: أين السائل؟ قال: أنا.
قال: انزع عنك جبتك، واغسل عنك أثر الطيب، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك).
قالوا: وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك).
فهذا يدل على أن العمرة تأخذ حكم الحج، فإن كان طواف الوداع واجباً في الحج فيلزمكم أن تقولوا بوجوبه في العمرة.
وذهب طائفة من العلماء إلى أنه لا يجب طواف الوداع في العمرة.
وهذا هو الصحيح؛ لأنه الأصل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عائشة أن تطوف طواف الوداع بعد فراغها من عمرتها بعد الحج، ولأن الدليل الذي استدلوا به إنما هو أشبه بالتروكات لا بالأفعال، ووجه ذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) المراد به حسب السياق الذي ورد في القصة: اصنع في عمرتك هذه ما أنت صانع في حجك من الانكفاف عن المحظورات؛ إذ لو كان المراد به الأفعال لوجب عليه أن يخرج إلى عرفة، وأن يبيت بمزدلفة، وأن يفعل ما يفعله الحاج في الأفعال، فدل على أنه في مقام التروكات، وليس في مقام الأفعال.
فبما أن قوله: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) تخرج منه أفعال الحج، فإن طواف الوداع من أفعال الحج، وتأكّد هذا من جهة النظر في معنى طواف الوداع، ففي حديث عائشة في طواف الوداع في الصحيح قالت رضي الله عنها: (كان الناس يصدرون من فجاج منى وعرفات) بمعنى أنهم يكون آخر عهدهم بمنى وعرفات، قالت: (فأُمِروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً)، والسبب أنهم كانوا يطوفون يوم النحر فيبعد عهدهم بالبيت، فشُنِّع على الحاج أن يصدُرَ من حجه دون أن يطوف بالبيت، قالت: (فأُمِروا -وهذا تخصيص واضح بالحاج- أن يجعلوا آخر عهدهم -أي: عهد الحاج- بالبيت طوافاً)، فصار من واجبات الحج، ولم يصر من واجبات العمرة، ويتأكد هذا بأن عائشة بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بطواف الوداع في الحج لم يأمرها أن تطف طواف الوداع في عمرتها، وإلا كانت ستقول: أُمِر الناس إذا صَدَروا من مكة أن يطوفوا؛ لأنه يشمل المعتمر وغير المعتمر.
ولذلك الذي تميل إليه النفس أنه لا يصح الاستمساك بقوله عليه الصلاة والسلام: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) بوجوب طواف الوداع.
وذلك لأنه ثبت بدليل الشرع أن المراد به ترك المحظورات، فإن كان لا يشمل أفعال الحج الواجب من رَمْي الجمار والمبيت بمزدلفة ونحوها من الواجبات، فكذلك لا يشمل طواف الوداع الذي هو من خصوص الحج، لكن الأولى والأحرى إذا أحب الإنسان أن يخرج من الخلاف أن يطوف للوداع.
ومن الأدلة أيضاً التي تدل على ضعف قول من يقول بطواف الوداع في العمرة قول: بعض العلماء -وهو استنباط جيد-: إن الذين قالوا بوجوبه على المعتمر اضطربت أقوالهم، فقال بعض العلماء: يجب على المعتمر بمجرد انتهائه من عمرته.
أي: بعد أن ينتهي من العمرة ينزل ويطوف.
وقال بعضهم: لا.
بل أجمعوا على أن المعتمر إذا طاف وسعى ومشى مباشرة ليس عليه طواف وداع.
فاضطربت أقوالهم في المعتمر الذي يَصدُر مباشرة، ثم اضطربت في المعتمر الذي يجلس، قال بعضهم: إن جلس ساعة وجب عليه طواف الوداع.
وقال بعضهم: إن جلس فرضاً وجب عليه طواف الوداع.
وقال بعضهم: إن جلس خمسة فروض، أو يوماً كاملاً وجب عليه طواف الوداع.
فلو كان طواف الوداع واجباً على المعتمر لما تُرِك على هذا الاختلاف، ولحَدّ الشرع فيه حداً معيناً يُنتَهى إليه، ولذلك يَقوى أنه اجتهاد، والأصل براءة الذِّمَم، وإن احتاط المكلف فلا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
(48/21)
________________________________________
حكم التقبيل والمداعبة للصائم

السؤال
هل يجوز التقبيل والمداعبة للصائم إذا لم يُنزل، وما الحكم إذا أنزل دون جماع؟

الجواب
أما التقبيل فلا حرج فيه على الصائم، فقد جاء في حديث عمر رضي الله عنه في تقبيل الصائم أنه كالمضمضة، ولكن إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أنه يقع في المحظور فإن الوسائل آخذة حكم المقاصد فيَتَّقي ويَمتَنع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أملك الناس لإربه كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد قال العلماء: أكمل الناس أجراً في الصيام من اتقى الرفث واللغو، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو لبيان الجواز وتوسِعةً على الأمة، ولكن الأفضل والأكمل تركه.
ولذلك قال بعض العلماء: إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم المفضول كان أفضل في حقه.
ولا يُشكِل على هذا أن يقول قائل: لو كان الأفضل ترك التقبيل فلماذا لم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإنهم قالوا: فعله تشريعاً، ولم يفعله على سبيل القصد.
وفرقٌ بين التشريع والقصد، ومن هنا يتخرَّج قولهم: إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما قد نهى عنه فهذا الفعل يصرف النهي إلى الكراهة.
فحين يقول قائل: كيف يصير هذا الشيء مكروهاً مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله؟ عندئذ تقولون: لأن المقام مقام تشريع، ولا يسري عليه ما يسري على عموم الأمة.
فنسأل الله العظيم أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، وأن يجعل ما تعلمناه وعلّمناه خالصاً لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
(48/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب سجود السهو [1]
شرع الله السهو جبراً للنقص وإبطالاً للزيادة، ويشرع كذلك لأجل الشك في الصلاة، وهو سجدتان يسجدهما المصلي قبل السلام أو بعده على تفصيل معلوم في ذلك، ولا يسجد للسهو إلا من نسيان أو شك، أما العمد فليس فيه سجود سهو.
(49/1)
________________________________________
أحكام سجود السهو
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب سجود السهو].
أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بالسهو في الصلاة، ويعبِّر عنه العلماء بـ (باب سجود السهو)، والأصل أن يقال: باب السهو.
لكن لما كان هذا السهو يترتب عليه الأمر بسجدتي السهو قالوا: (باب سجود السهو)، و (باب سجدتي السهو) كما يعبر عنه بعض العلماء، وبعضهم يقول: (باب السهو في الصلاة)، أو (أحكام السهو في الصلاة)، فيجعل الباب عاماً، لكن لو جُعِل خاصاً فإن هذا هو الأصل الذي ورد الدليل فيه.
فمن عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يذكروا ما يشرع له سجود السهو في هذا الموضع، ويذكرون أحكام السهو العامة، فمن يعبر ويقول: (باب أحكام السهو في الصلاة)، يُعبر بالعموم، ومن يعبر فيقول: (باب سجود السهو)، يُعبر بالخصوص، ثم يتبع بالخاص الذي ورد الدليل فيه بقية الأحكام لمكان المجانسة؛ لأن من عادة الفقهاء أن يذكروا أجناس الأحكام المتقاربة مع بعضها في أبوابها أو فصولها ومباحثها.
وسجود السهو المراد به سجدتان، وهاتان السجدتان تكونان قبلية وتكونان بعدية، على التفصيل الذي سنذكره إن شاء الله، وتُشرع هاتان السجدتان بتكبير للسجدة الأولى ورفع، ثم تكبير للثانية ورفع، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسلِّم من هذا السهو كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(49/2)
________________________________________
خلاف العلماء في التشهد بعد سجدتي السهو
للعلماء وجهان في التشهد بعد سجود السهو إذا وقع بعد السلام: قال بعض العلماء: إذا سجد بعد السلام سجدتي السهو تشهد، وفيه حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما في قصة ذي اليدين أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فرجع إلى مقامه فصلى ما تركه، ثم سلم، ثم كبر فسجد، ثم تشهد، ثم سلم)، لكن زيادة (تشهد) انفرد بها أشعث عن أصحاب ابن سيرين الحفاظ، ولذلك قالوا بأنها شاذة.
والعمل عند طائفة من المحققين من أهل الحديث على شذوذ ذكر التشهد، وإن كان الحافظ ابن حجر يقول: لو قال قائل بتحسين الحديث لوجود شواهد أخرى تقويه فإنه له وجه وقوَّى ذلك العلائي أيضاً فقال: إن التحسين له وجه، خاصة وأن ابن مسعود فعله، فقد جاء عنه بسند صحيح كما روى ابن أبي شيبة في المصنف.
وعلى ذلك فلو فعل الإنسان التشهد خروجاً من الخلاف فلا حرج عليه خاصة وأن له أصلاً، ولو تركه فلا حرج عليه.
(49/3)
________________________________________
حكم سجود السهو
للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: سجود السهو جميعه زيادةً ونقصاً واجب.
وهذا قول الحنفية والحنابلة رحمة الله على الجميع، وبناءً على ذلك لو أن المكلف زاد في الصلاة أو نقص منها، وتذكَّر أنه زاد أو نقص فلم يسجد للسهو فإنه يُحكم ببطلان صلاته إذا تركه متعمداً، فعند أصحاب هذا القول أنه واجب من واجبات الصلاة، فلو قلت للإمام: إنك زدت.
فقال: علمت أني زائد.
فقلت له: اسجد للسهو.
فقال: لا أريد أن أسجد.
وتركه متعمداً بطلت صلاته وصلاة من صلى وراءه لتركه متعمداً.
القول الثاني: سجود السهو سنَّة، وبه قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه، فعنده إن فعل فقد أحسن، وإلا فإن الصلاة يُحكم بصحتها والاعتداد بها.
القول الثالث: التفصيل، وهو مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمة الله عليه، قال: إن كان السجود سجود نقص فواجب؛ لأنه يجبر نقصاناً في الصلاة فكأنه من الصلاة، فحل محل الواجب من الصلاة، وإن كان السجود لزيادة فسنة، ولا يحكم ببطلان صلاة المكلف؛ لأنه قد جاء بالصلاة كاملة.
والصحيح أن سجود السهو واجب، وذلك لما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)، فإن أمره بالسجود يدل على الوجوب، وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً.
فثنى رجليه وسجد سجدتين ... )، ثم ذكر الحديث وفيه: (فليسجد سجدتين قبل أن يسلم).
فهذه أوامر، والقاعدة في الأصول أن الأمر للوجوب حتى يدل الدليل على صرفه.
فلما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسجد سجدتي السهو دلّ ذلك على وجوبها ولزومها، وأنه إذا تَركها المكلَّف فقد ترك الواجب، وحكمه حكم تارك الواجب سواءً بسواء.
وإذا قلنا بالوجوب وأنه هو الصحيح، فإنه لو أن إنساناً صلَّى ونسِي واجباً من واجبات الصلاة، ثم سلَّم وقام من مصلاه وهو في المسجد إلى حلقة علم، أو قام إلى موضع ثانٍ، وتذكَّر بعد قيامه فعلى القول بالوجوب يلزمه أن يستقبل القبلة وأن يكبر ويسجد، وذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث عبد الله بن مسعود قال: (فثنى رجليه وسجد سجدتين) الحديث، فإنه عليه الصلاة والسلام تداركه حين كان في المسجد، فلذلك إذا تذكر السجديتن وهو في المسجد يقضي، وهكذا لو كان في بيته في مكان الصلاة، أما لو خرج من المسجد وتذكَّر بعد خروجه فإنه لا يُلزَم بالرجوع، وقد مضت صلاته وصحَّت، وتسقط عنه السجدتان لمكان العذر؛ لأن المكان قد فارقه المكلف، ولا يمكن بمفارقته التدارك فتصح صلاته وتجزيه.
(49/4)
________________________________________
الحكمة من سجود السهود في الصلاة
شرع الله عز وجل السهو جبراً للنقص وإبطالاً للزيادة، يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد في الصحيح: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان).
فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أحكاماً، منها أن سجود السهو إن كان لزيادة أبطل الزيادة، فكأن المصلي لم يفعلها.
وقال بعض العلماء: في سجود الزيادة إغاظة الشيطان، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان)، وبناءً على ذلك قالوا: إن السهو كان من الشيطان، فكونه يسجد أبلغ في رد الأذية التي كانت من الشيطان.
ولذلك ثبت في الحديث أنه: (إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار)، فيكون ذلك أبلغ في الأذية والتحقير والإرغام له.
ومن حكم الله تعالى في تشريعه لهذا السجود الرفق بالمكلف؛ فإنه لو قيل: إن المكلف إذا نقص من صلاته فصلاته باطلة، وإذا زاد في صلاته فصلاته باطلة، فكيف سيكون حال الناس؟ فإن الإنسان ضعيف، فربما دخل الصلاة وهو مشوّش الفكر بهمٍّ في نفسه أو أهله أو ولده أو ماله أو تجارته، ومن مظان ضعفه أن يضعف أمام الوساوس والخطرات، فالسهو لا بد منه، ولا بد وأن يقع، وقل أن تجد إنساناً يسلم من هذا السهو، وقد حصل لنبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه وهو أكمل الناس خشوعاً وتقوى لله عز وجل، فما بالك بغيره صلوات الله وسلامه عليه؟! فلو أن الشريعة حكمت على كل من زاد في صلاته أو نقص ساهياً ببطلان صلاته فكيف ستكون صلاة الناس؟ وكيف يكون حالهم؟! خاصة من ابتلي بالوسوسة أو كان عنده شك، فإنه تضيق به الأرض، وتصعُب عليه عبادته حتى يكون أصعب ما يكون عليه أن يصلي، أو يقف بين يدي الله عز وجل، مع أن الصلاة طمأنينة القلوب، وفيها انشراح الصدور وحصول الخير للإنسان بوقوفه بين يدي ربه، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقول: (يا بلال! أرحنا بالصلاة)، فتنقلب الصلاة هماً على المكلف بدلاً من كونها انشراحاً لصدره ورحمة به.
(49/5)
________________________________________
التفصيل في محل سجود السهو
المسألة الأخيرة في سجود السهو: السهو يكون بالزيادة ويكون بالنقص، وبعض السجود يكون قبل السلام وبعضه بعد السلام، فهل المكلف مطالب بالسجود على وتيرة واحدة، بمعنى أنه يسجد السجود كله بعد السلام، أو كله قبل السلام، أو فيه تفصيل؟ للعلماء رحمة الله عليهم ثلاثة أقوال في محل السجود: القول الأول: أن السجود جميعه بعد السلام.
وهذا القول مأثور عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود فجميع السجود عندهم يكون بعد السلام، وبهذا القول قالت الحنفية رحمة الله عليهم، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، ومروي عن عمار بن ياسر، سواءٌ أكان لنقص أم لزيادة، وحكاه بعض العلماء عن سعد بن أبي وقاص.
وعند هؤلاء أيضاً أنك إذا سجدت للسجدتين فإنك تتشهد، فيقولون بالتشهد بعد السلام أيضاً، لما ذكرناه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
القول الثاني: أن السجود كله يكون قبل السلام، وهذا القول مروي عن أبي هريرة، وبه قال الليث بن سعد فقيه مصر رحمة الله عليه، وهو مذهب الأوزاعي، ومذهب الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع، فيقولون: جميع السهو يكون قبل السلام سواءٌ أكان المكلف قد زاد في صلاته أم نقص منها، لكن استثنى الحنابلة أنك لو سلمت ونسيت السجود قبل السلام فإنك تسجد بعد سلامك ولا حرج عليك.
القول الثالث: التفصيل بين النقص والزيادة، فقالوا: إن سها بنقص فالسجود قبل السلام، وإن سها بزيادة فسجوده بعد السلام، وهذا هو مذهب المالكية رحمة الله على الجميع.
فعندنا في المسألة ثلاثة أقوال: قول بأن السجود كله يكون بعد السلام، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص، وبهذا القول يقول فقهاء الحنفية رحمة الله عليهم.
وقوله: أن السجود كله يكون قبل السلام، وبه يقول فقهاء الشافعية والحنابلة، ومروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.
وقول: بالتفصيل، إن كان نقصاً فقبل السلام، وإن كان السهو زيادة فبعد السلام، وهو مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمة الله على الجميع.
واحتج الذين قالوا: جميع السجود يكون قبل السلام بأحاديث: أولاً: حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)، قالوا: فقوله صلى الله عليه وسلم: (فليسجد سجدتين قبل أن يسلم) أمر، والأمر يدل على اللزوم والوجوب، وكونه قبل أن يسلم يدل على ظرفية الأمر وهو كونه واقعاً قبل السلام.
ثانياً: حديث ابن عباس، وهو بنحو حديث أبي سعيد، وأصله في الصحيح.
ثالثاً: حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه وأرضاه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من الثنتين من الظهر ولم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم)، وهذا حديث أيضاً في الصحيح.
ومثله ما أخرجه الترمذي وصحَّحه أن المغيرة صلى بالناس وسها فلم يجلس في التشهد الأول، فسبحوا له فأشار إليهم أن: قوموا.
فلما فرغ من تشهده سجد السجدتين ثم سلم) ورفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل مثل ما فعل.
قالوا: هذه الأحاديث كلها تدل على أن السجود كله يكون قبل السلام، سواءٌ أكان لنقص أم لزيادة، فهذا مذهب الشافعية والحنابلة كما قلنا.
وأما الذين يرون أن السجود كله بعد السلام -وهم الحنفية- فقد احتجوا بأحاديث: أولاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي -أي: الظهر أو العصر- فسلَّم من ركعتين، ثم قام وشبك بين أصابعه واستند إلى الجذع، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاب الناس أن يكلموه، وكان رجل من بني سلمة يقال له ذو اليدين -واسمه الخرباق - فقال: يا رسول الله: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، قال: فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع).
ووجه الدلالة أن السجدتين وقعتا من النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام، ثانياً: حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وهذا الحديث مثل حديث أبي هريرة في قصة التسليم من الركعتين، وأنه بعد أن أتم الصلاة وسلَّم كبر فسجد ثم رفع، قال الراوي: (وأُنبِئت أن عمران قال: (ثم سجد سجدتين بعدما سلم).
ثالثاً: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه -وهو في الصحيح أيضاً ورواه الجماعة- قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمساً، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟! قالوا: صليت خمساً، فثنى رجليه وسجد سجدتين).
ووجه الدلالة أن هذا الحديث وقع فيه سجود النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام، فدل على أن السهو كلَّه يكون بعد السلام، ولا يكون قبله.
وأما أصحاب القول الثالث فجمعوا بين النصوص فقالوا: تأمَّلنا هذه الأحاديث فوجدنا حديث أبي سعيد الخدري في الشك، والشك خارج عن أصل المسألتين؛ لأن مسألة الشك تُستثنى، والكلام عن الزيادة والنقص.
قالوا: وحديث عبد الله بن مالك بن بحينة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الجلسة التي للتشهد، فهذا نقص، فسجد عليه الصلاة والسلام قبل السلام، وحديث ذي اليدين زاد فيه التسليم، فحينما صلى ركعتين وسلم قام ثم سجد بعد السلام، وأكَّده حديث عبد الله بن مسعود أنّه صلَّى خمساً فاتجه إلى القبلة فسلَّم، فاتفقت عندنا الأحاديث؛ لأنها كلها من مشكاة واحدة، فوجدناه يسجد للنقص قبل السلام، ووجدناه يسجد للزيادة بعد السلام.
ولما كانت حالة الشك مترددة بين النقص والزيادة أُلحِقت بالنقص لأنه الأصل لاحتمال أن تكون ناقصةً، فلذلك قالوا: حينئذٍ نقول: إن نقص من الصلاة فقبل السلام، وإن زاد في الصلاة فبعد السلام، فوجدنا النظر يُقوي الأثر، وذلك أن النقص من الصلاة سيُجبر في الصلاة، والزيادة خارجة عن الصلاة، فيكون ترغيم الشيطان بها بعد الصلاة، فقالوا: نجمع بين النصوص على وجهٍ لا تعارض فيه.
وبهذا يكون مذهبهم قد أخذ بهذه النصوص كلها؛ لأنك إن قلت: السجود قبل السلام عارضتك أحاديث ما بعد السلام، وإن قلت: السجود بعد السلام عارضتك أحاديث ما قبل السلام، مع أن القاعدة أنه لا يعارض بين الأحاديث إلا باتحاد موردها، فوجدنا المورد مختلفاً، وأنا أميل إلى هذا القول، فما كان من نقص فقبل السلام، وما كان من زيادة فبعد السلام، على التفصيل الذي يميل إليه أصحاب هذا القول.
(49/6)
________________________________________
مشروعية سجود السهو
قال المصنف رحمه الله: [يشرع لزيادة ونقص وشك].
قوله: (يشرع) الضمير فيه عائد إلى سجود السهو، أي أن سجود السهو شرعه الله عز وجل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيادة ونقص وشك.
وقوله: (لزيادة) أي: من أجل الزيادة.
وقوله: (ونقص) معطوف على الزيادة، أي: يشرع سجود السهو للنقص كما يشرع للزيادة، فإن وقع سجود السهو لزيادة ألغى الزيادة، فلو أن إنساناً صلى الصبح ثلاث ركعات ثم علم بعد انتهائه منها أن الذي صلاه إنما هو ثلاث، فإنه بفعله للسجدتين يلغي الركعة الزائدة، وهكذا لو زاد ركوعاً أو سجوداً أو ركناً قولياً، كأن يكرر الفاتحة مرتين، فإن قوله: (لزيادة) معناه أن الله شرع هاتين السجدتين إذا زاد المكلف في صلاته، سواءٌ أزاد واجباً، أم زاد ركناً، أم ركعة متضمنة للأركان، فمن زاد في صلاته وسجد هاتين السجدتين فإنها تلغى الزيادة، وهذا محله إذا زاد في صلاته سهواً لا قصداً.
وقوله: (ونقص) أي: ويشرع سجود السهو للنقص، والانتقاص من الشيء الأخذ منه، فلما كان الله عز وجل قد حدّ في الفرائض حدوداً فجعلها على عدد معين، فإن المكلف ينتقص إما من أركانها وإما من واجباتها، فإن انتقص الأركان فلا بد من الإتيان بها، لكن إن انتقص الواجبات فإن انتقاصه للواجبات يوجب جبره لها بسجدتي السهو، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وشك) أي: ويشرع سجود السهو لمكان الشك، والشك مأخوذٌ من: شك في الشيء: إذا تردد بين الأمرين، تقول: أشك في وجود محمد.
أي أنك متردد بين كونه موجوداً أو غير موجود، فالشك استواء الاحتمالين.
فالإنسان إذا صلى لا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن يتم صلاته ويجزم بتمامها.
الحالة الثانية: أن يزيد في صلاته ويجزم بالزيادة.
الحالة الثالثة: أن ينتقص منها ويجزم بالنقص.
الحالة الرابعة: أن يتردد بين كونه قد صلى على التمام، أو أن صلاته ناقصة أو زائدة.
فهذا الشك هو استواء الاحتمالين، فيتردد بين كونه قرأ الفاتحة أو لم يقرأها، وكونه ركع أو لم يركع، وكونه سمع أو لم يسمع، وكونه حمد أو لم يحمد، ونحو ذلك مما يعتري الإنسان من الشك.
فيشرع سجود السهو إما لزيادة في الصلاة، أو نقص فيها، أو شك يحدث للمكلف في أعداد الركعات، أو في أركانها، أو في واجباتها.
(49/7)
________________________________________
أدلة مشروعية سجود السهو للزيادة
ثبت في سجود السهو للزيادة أحاديث: منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين في قصة ذي اليدين المشهورة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي -إما الظهر وإما العصر- فسلم من ركعتين، ثم قام كالغضبان -صلوات الله وسلامه عليه- وشبّك بين أصابعه واستند إلى الجذع، فهاب أصحابه رضي الله عنهم أن يكلموه، ورأوا الغضب في وجهه -وكان صلوات الله وسلامه عليه مهاباً بينهم- فلما هابوه قال رجل في القوم يقال له ذو اليدين: يا رسول الله: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ما كان شيء من ذلك، قال: بلى قد كان شيء من ذلك، فسأل الصحابة: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فرجع وأتم الركعتين، قال الراوي: وأنبئت أن عمران قال: ثم سجد سجدتين بعدما سلم) وهذا الحديث فيه زيادة؛ لأنه لما جلس للتشهد الأول صلوات الله وسلامه عليه زاد أمرين: الأمر الأول: الدعاء؛ لأنه ظن أنه في التشهد الأخير.
الأمر الثاني: التسليم، فسلم من الصلاة، والتسليم ركن.
فهذه الزيادة للدعاء والسلام اقتضت أن تجبر بسجدتين، فسجد بعد سلامه صلوات الله وسلامه عليه، فدل هذا الحديث على مشروعية السجود للزيادة.
ومما يدل على مشروعية السجود للزيادة حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم)، وأصل الحديث في الصحيح.
فدل هذان الحديثان الصحيحان على أن الزيادة في الصلاة يشرع لها سجود السهو.
(49/8)
________________________________________
أدلة مشروعية سجود السهو للنقص
وأما السجود للنقص ففيه أحاديث، ومن أشهرها ما ثبت في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه وعن أبيه وعن أمه، فكلهم صحابة رضوان الله عليهم، فقد ذكر هذا الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى فقام في الركعتين، فسبحوا فمضى، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم)، فدل هذا الحديث على أن فوات الواجب يجبر بسجود السهو، ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك الركعتين -كما في الحديث السابق- رجع وفعلها، ولما ترك الواجب هنا -وهو التشهد الأول- جبره بسجود السهو، فدل على أن الأركان في النقص لا تجبر إلا بالفعل إذا أمكن التدارك.
وأما الواجبات فإنها تجبر بسجدتي السهو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على السجدتين جبراناً للنقص الحاصل من كونه لم يجلس في التشهد الأول، فدل هذا الحديث على مشروعية سجود السهو للنقص.
ومن أدلة السجود للنقص: حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه، حيث صلى بأصحابه، فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس، فسبّح من خلفه، فأشار إليهم أن: قوموا.
فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم، وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم).
فالحديث الأول -وهو حديث عبد الله بن مالك بن بحينة - عند النسائي وغيره، والثاني -وهو حديث المغيرة - عند الترمذي، وصححه غير واحد من أهل العلم.
فهذان الحديثان الثابتان يدلان على أن نقص الواجبات يجبر بسجدتي السهو، وأما الأركان فلابد وأن تأتي بالركن، فإن فات تدارك الإتيان بالركن فإنك تقضي الركعة كاملة.
(49/9)
________________________________________
أدلة مشروعية سجود السهو للشك
وأما السجود للشك ففيه حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)، وهذا الحديث في الصحيح، ونفهم منه أن الإنسان إذا شك فإنه يبني على الأقل، وأنه ببنائه على الأقل يلزم بالإتيان بما يوجب الكمال والتمام، فإذا فعل هذا -أعني: الإتيان بما يوجب الكمال- أُلزم بالسجدتين قبل أن يسلم، وهاتان السجدتان اللتان تشرعان في حال الشك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكمة منهما، فإنك إن صليت الفجر وشككت هل الركعة التي تصليها الأولى أو الثانية، فإنك تبنى على أنها الأولى، ثم تضيف ركعة، ثم تسجد قبل أن تسلم سجدتين، فإن كانت الركعة التي أضفتها توجب تمام عدد الفجر، بمعنى أنك فعلت الصحيح وأنك لم تزد في صلاتك، كانت السجدتان ترغيماً للشيطان؛ لأن الشيطان إذا رأى ابن آدم يسجد يتولى يبكي، ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار.
وكلما رأى ابن آدم يسجد كلما ازداد غيظاً، وكان ذلك أبلغ في إرغامه.
وإن كان الذي صليت زيادة فالسجدتان تلفيان الركعة الثالثة، فكأنها لم تكن، وتكون الصلاة تامة كاملة من هذا الوجه.
فدل هذا الحديث على مسائل: أولاً: مشروعية السجود للشك، وهذا هو المطلوب.
ثانياً: أن هذا السجود يكون ترغيماً للشيطان إن كان الذي فعلته على التمام، ويكون إلغاء للزيادة إن كان الذي فعلته زائداً.
ومثل حديث أبي سعيد رضي الله عنه حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو في الصحيح.
فهذان الحديثان الصحيحان يدلان على مشروعية سجود السهو في الحالة الثالثة وهي حالة الشك.
فقول المصنف: (يشرع لزيادة ونقص وشك) من باب ترتيب الأفكار، حيث بيّن محل سجود السهو، وبيّن مشروعيته في قوله: (يشرع) أي: يشرع سجود السهو، ومن عادة الفقهاء والعلماء رحمة الله عليهم أنهم إذا تكلموا على أمر أن يبينوا موقف الشرع منه، فقال: (يشرع)، فالأصل في سجود السهو أنه مشروع، لكن مشروعية هذا السجود لموجب، أي: ليست مشروعية مطلقة، وذلك لقوله: (يشرع لزيادة ... )، أي: أنها مشروعة في حد، أو في مكان معين، ولذلك يكون ابتداؤه رحمه الله بذكر الزيادة والنقص والشك من باب بيان المحل الذي يشرع فيه فعل هاتين السجدتين.
(49/10)
________________________________________
حكم سجود السهو في حال التعمد
قال رحمه الله تعالى: (لا في عمد).
أي أن سجود السهو إنما يشرع في حال النسيان والشك، أما في حال التعمد والقصد فلا يشرع.
كما لو صلى الظهر فزاد قراءة الفاتحة مرتين متعمداً، فهذه زيادة ركن قولي، أو زاد ركوعاً مع الركوع الذي شرعه الله في أي ركعة من ركعات الظهر، وهذه زيادة ركن فعلي.
ففي هاتين الحالتين تبطل صلاته، ويكاد يكون بإجماع العلماء أن من زاد في صلاته ركناً واحداً متعمداً فقد أحدث وابتدع وترتب عليه أمران: الأمر الأول: أنه آثم لإحداثه في دين الله وابتداعه، ومعلوم ما للبدعة من سوء عاقبة والعياذ بالله، فإن صاحبها يفتن، كما قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور:63] ويصرف عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فالمبتدع لا يسقى من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يزيد ركعة، أو يحدث في صلاته ركناً زائداً، أو واجباً زائداً، فإنه قد أحدث في دين الله ما لم يأذن الله عز وجل به، ويحكم ببطلان صلاته؛ لأنه لم يصل كما أمره الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام -وهو يبين تأقيت الصلاة وتحديدها وأنها عبادة لا مجال فيها للرأي والاجتهاد-: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أي: لا تجتهدوا من عند أنفسكم.
أما لو اجتهد العالم في إثبات حكم في الصلاة بناءً على كتاب أو سنة فلا حرج؛ لأنه من الدين، أما أن يأتي إنسان ويقول: أصلي الظهر بدل ركعتين ثلاثاً.
فقد حبط عمله وكان من الخاسرين، فصلاته رد عليه.
الأمر الثاني: قال بعض العلماء: زيادة الأركان وزيادة الركعات استهزاء واستخفاف -والعياذ بالله-، والاستخفاف بهذه الشعيرة أمره عظيم، ولذلك يخشى على صاحبه.
فقوله: (لا في عمد) أي: أن سجود السهو لمكان السهو والنسيان، وذلك أن الله سبحانه وتعالى علم ضعف الإنسان، وأنه لا بد أن يعتريه ما يعتري هذا البشر الناقص من الخلل والنسيان، فانظر رحمك الله لو أن الله أوجب علينا أن لا نؤدي الصلاة إلا كاملة، وأن من شك في أقل شك ينبغي عليه أن يعيد صلاته، كيف يكون حال الناس، خاصة وأن الإنسان ربما دخل في صلاته مهموماً بكرب في نفسه أو في جسده أو في أهله أو في ولده أو في ماله، فيتشتت ذهنه، وقد قال عليه الصلاة والسلام في انبجانية أبي جهم التي أهداها إليه: (فإنها ألهتني عن صلاتي آنفاً)، والانبجانية: الخميصة التي لها الأعلام.
فالإنسان بشر يعتريه ما يعتري البشر، فلو أن الله سبحانه وتعالى ألزم المكلف أن يوقع الصلاة كاملة لحصل له من الضنك ما الله به عليم، فسجود السهو لا يشرع إلا عند السهو والنسيان، أما عند التعمد والقصد فلا.
(49/11)
________________________________________
سجود السهو للفريضة والنافلة
قال رحمه الله: [في الفرض والنافلة].
أي: أن سجود السهو يشرع لك أن تفعله في زيادة ونقص وشك، سواءٌ أكانت الصلاة مفروضة أم نافلة، فهو لا يختص بالنوافل دون الفرائض، ولا بالفرائض دون النوافل، وإنما حكمه على العموم، ولذلك من سها في فريضة كمن سها في نافلة، ولذلك يعمم العلماء رحمهم الله في أحكام سجود السهو، فيشمل حكمه النافلة والفرض على حد سواء، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى أحدكم) ولم يقل: نافلة ولا فرضاً، والحديث ثابت في الصحيحين من حديث أبي سعيد وابن عباس رضي الله عن الجميع.
وقوله رحمه الله: (في الفريضة والنافلة) فيه فائدة، وذلك أنه لما قال: (والنافلة) عمم، فشمل أي نافلة، وهذا قد يشمل النافلة التي ألزم الشرع بها على الكمال، أو أوجب فيها بعض الأفعال فانتقص منها بعض أفعال الناس المعهودة، كصلاة الجنائز على أنها سنة مؤكدة.
فإن صلاة الجنائز إذا سها الإنسان فيها فمن العلماء من يرى أن السهو في صلاة الجنائز يجبر بسجود السهو، وظاهر كلام المصنف العموم، فيشملها من هذا الوجه، وهو اختيار بعض العلماء، ولكن لا يسجد والجنازة أمامه، وإنما يسجد بعد رفعها في قول بعض العلماء، وإن كان قد استحب طائفة من العلماء أن السجود يكون عند وجودها أمامها.
وهذا أقوى؛ لأنه لا يعتبر ساجداً لها إلا إذا كانت أمامه كالسترة التي تكون أمام المصلي؛ فإنه حينئذٍ يسجد جبراناً لواجبها على القول بأن سجود السهو يشرع حتى في صلاة الجنائز.
(49/12)
________________________________________
حكم زيادة أقوال أو أفعال في الصلاة عمداً أو سهواً
قال رحمه الله تعالى: [فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت، وسهواً يسجد له].
قوله: (فمتى) الفاء للتفريع؛ لأنه إذا أثبت لك الأصل والقاعدة فإنه بعد ذلك يفصل، فبعد أن بيّن أن سجود السهو يشرع للزيادة وللنقص وللشك شرع الآن في التفصيل.
وابتدأ بذكر الزيادة قبل النقص؛ لأن الإنسان إنما يراعى فيه حال أدائه للصلاة على الكمال، والزيادة زيادة على الكمال، فيبتدأ بأحكام الزيادة أولاً ثم بأحكام النقص.
وقوله: (فعلاً) لأن الزيادة تكون أقوالاً وتكون أفعالاً، فالأقوال كأن يكبر مرتين، أو يُسَمِّع مرتين، فيقول: (سمع الله لمن حمده، سمع الله لمن حمده)، أو يزيد فعلاً مرتين، كأن يركع مرتين، فيركع ويرفع، ثم يسهو ويظن أنه قائم فيركع ثانية ويرفع، فيتذكر أنه قد ركع مرتين، أو يسجد ثلاث سجدات في الركعة الواحدة أو أربع سجدات، وقس على هذا، فهذا من الزيادة في الأقوال والزيادة في الأفعال، وهذه الزيادة إذا وقعت في الصلاة لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يزيد شيئاً مشروعاً أصله في الصلاة، كأن يقرأ الفاتحة مرتين، أو يكبر مرتين، أو يسمع مرتين، وهذا في الأقوال، أو يركع ركوعين أو ثلاث سجدات، وهذا في الأفعال، فكونه يزيد فيقرأ الفاتحة مرتين فإن الفاتحة التي زادها من جنس ما شرع في الصلاة، فإن قراءة الفاتحة مشروعة في الصلاة، وكونه يزيد الركوع فإنه بزيادته للركوع مرتين في الصلاة قد زاد فعلاً أصله مشروع في الصلاة.
الحالة الثانية: زيادة شيء من خارج الصلاة قولاً أو فعلاً، فالقول كقوله: أف، أو يتأوه فيقول: آه، أو يتنحنح، فهذا كله ليس من جنس الصلاة.
وأما زيادة الفعل الخارج عن الصلاة فكأن يتناول كتاباً، أو يرفع شيئاً، أو يضع شيئاً، أو يدخل يده في جيبه، أو يعبث بساعته، فهذه زيادة أفعال ليست من جنس الصلاة.
فإذا ثبت أن الزيادة لها حالتان فإن من عادة العلماء أن يبتدئوا بالشيء الذي هو من جنس الصلاة، فابتدأ رحمه الله بقوله: [فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت].
فقوله: (فعلاً) نكرة يشمل أي فعل.
وقوله: (من جنس الصلاة قياماً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت) هذا تفصيل لقوله: (لا في عمد)، أي: إذا علمت رحمك الله أن سجود السهو محله أن يكون في سهو ونسيان فاعلم أنه لو زاد فعلاً من ركوع أو سجود أو قيام عمداً فإن صلاته تبطل، فيكاد يكون بإجماع أهل العلم رحمة الله عليهم أن من زاد متعمداً عالماً فصلاته باطلة.
قوله: [وسهواً يسجد له] أي: إن زاد في صلاته الركوع والسجود والقيام سهواً سجد لمكان هذه الزيادة.
وقلنا: إن هذا السجود قد بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة بكمالها، فإذا كان السجود يلغي الركعة بكمالها فلأن يلغي جزء الركعة من باب أولى وأحرى؛ لأن الشرع ينبه بالأعلى على الأدنى، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن لنا أن من زاد ركعة كاملة في صلاته وسجد للسهو، -أي: سهو الزيادة- أن هذا السجود يرفع هذه الزيادة، فلأن يرفع السجود زيادة الركن الذي هو جزء الركعة من باب أولى وأحرى.
(49/13)
________________________________________
الأسئلة
(49/14)
________________________________________
حكم نسيان السجدة الثانية من الركعة الأخيرة في الصلاة

السؤال
كُنت إماماً فنسيت السجدة الثانية في آخر ركعة، ثم جلست للتحيات وقرأتها، وكنت أظن أنها الجلسة الأخيرة، ثم تبين لي أنها الجلسة بين السجدتين، فكيف العمل وقتئذٍ إن تذكرت في أثناء الصلاة، أو إن تذكرت بعد الصلاة؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهناك إشكال في السؤال؛ لأنه وصف نفسه بأنه في السجدة الأخيرة لقوله: (كنت إماماً فنسيت السجدة الثانية من آخر ركعة).
وهذا يقتضي أنه إذا جلس بعدها تكون الجلسة للتشهد الأخير، ثم قال: (ثم جلست للتحيات وقرأتها وأظن أنها الجلسة الأخيرة).
فظنك في محله لأنك تقول: (نسيت السجدة الثانية من آخر ركعة)، فمعنى ذلك: أن هذا التشهد هو التشهد الأخير.
وبناءً على ظاهر كلامك لا يستقيم هذا، وذلك في قولك: (ثم تبين لي أنها الجلسة بين السجدتين، فكيف العمل وقتئذٍ؟) فإذا نسي الإنسان السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، وسلّم وهو ظان أنه في الجلسة الأخيرة فللعلماء فيه وجهان: فبعضهم يرى أنه يلزمه أن يسجد سجدة بعد سلامه، وينوي بهذه السجدة السجدة الثانية التي نسيها، ثم يتشهد، ثم يسلم، ثم يسجد بعد السلام للزيادة.
وهذا هو أصح الأقوال.
وهناك قول يرى الإلغاء، فحينئذٍ لا يعتد بركعته ويستأنف ركعة مكان الركعة التي أخلّ فيها ما دام أنه سلم.
والصحيح أن يعتبر نفسه كأنه لم يقرأ التشهد، وكأنه لم يسلم، فيسجد السجدة الثانية التي نسيها، ثم يتشهد بعد ذلك، ثم يسلم، وإن كان يرى أن السجود كله قبل السلام يسجد قبل سلامه سجدتي السهو، وإن كان يرى أن الزيادة بعد السلام يسلم ثم يسجد للسهو، فهذا هو أصح أقوال العلماء.
والدليل على ذلك أنه لما رفع رأسه من السجدة الأولى ظاناً أنه في السجدة الثانية فإنه في هذه الحالة يلزمه أن يذكر أذكار السجدتين، كقوله: (رب اغفر لي) -كما في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام- فعدل إلى التحيات، فحينئذٍ يرجع وإن كان في جلسة التشهد ثم يقول: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) لكي يأتي بالذكر الواجب، ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يتم على الصفة التي ذكرناها.
والله تعالى أعلم.
(49/15)
________________________________________
حكم سجود المؤتم إذا ركع الإمام عند وقوفه عند آية سجدة

السؤال
إذا صلى وقرأ آيات وكان آخر آية في السورة سجدة فكبر وركع، وظن المأموم أنه سجد للتلاوة فنزل للسجود، فرفع الإمام من الركوع، فتبين للمأموم أن الإمام ركع وسجد للتلاوة، فماذا عليه في هذه الحال؟

الجواب
هذا السؤال تعم به البلوى، وفيه جوانب: الجانب الأول: أن بعض العلماء رحمة الله عليهم نبهوا إلى أن الإمامة لها فقه وآداب، فلا يكفي طالب العلم أن يكون على علم بأفعال الصلاة ليأتي ويؤم الناس، بل ينبغي أن يعرف فقه الخلاف، والنوازل التي تطرأ على الأئمة، وفقه الإمامة.
ومن الأمور التي ذكروها في فقه الإمامة أنهم قالوا: لا ينبغي للإمام أن يتسبب في أمر يوجب اختلال صلاة الناس.
ومن ذلك ما ذكر في السؤال: أن يقرأ سورة في آخرها سجدة.
قالوا: إذا قرأ السورة التي في آخرها سجدة فإنه يسجد ولا يركع؛ لأن الناس لا شك أنهم سيسجدون، وبناءً على ذلك يعمل بالأصل فيسجد، فإن كان ليس عنده نية أن يسجد فحينئذٍ لا يقف على السجدة، وإنما يقف إما قبل السجدة، أو يصل السورة بالتي بعدها ويستفتح بآية أو آيتين ويركع.
فيعلم الناس أنه بدخوله في السورة الثانية قصد أن لا يسجد، وحينئذٍ تحفظ صلاة المأمومين من الاختلاج، ولذلك قال الأئمة: إنه مما يكره تخيّر آيات السجدة لمن لا يريد السجدة، كأن يقرأ سورة (اقرأ باسم ربك) في صلاة المغرب وهو لا يريد أن يسجد، فإنه إذا مر بالسجود وقال: (الله أكبر) فإن من لا يراه، كالنساء سيسجد مباشرة، كذلك من هو بعيد عن الإمام، خاصة في المساجد الكبيرة.
فمن فقه الإمامة التنبه لمثل هذا، ولذلك لا ينبغي فعل مثل هذا، فإن أراد الإمام أن يقرأ السجدة ويسجد فلا حرج، وقد أصاب السنة، أما إذا لم ينو السجود فلا يقرأ، أو يقرأ ما بعدها من آيات لكي يبين أنه غير قاصد للسجود.
فهذا بالنسبة لما يتعلق بالإمام.
أما بالنسبة لما يتعلق بالمأمومين فإذا كبّر الإمام وركع فمن الناس من يسجد، ومنهم من يركع، أما من ركع فلا إشكال، ولكن من سجد فلا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن يسجد ويتنبه أن الإمام راكع أثناء سجوده أو أثناء الهوي، أو يتنبه بعد سجوده أن الإمام لم يسجد، أو يتنبه بمن بجواره، أو يتنبه برؤية الإمام أثناء الهوي أنه ركع ولم يسجد، فحينئذٍ إذا تنبه رجع مباشرة؛ لأنه مطالب بالاقتداء، وزيادة هذا الفعل حصلت لما كان الأمر في الآية بالسجود، ولا عبرة بالظن الذي بان خطؤه، فيلغى فعله، والإمام يحمل عنه هذا الخلل، فهذا إذا تنبه ورجع.
الحالة الثانية: أن لا يتنبه إلا بعد تسميع الإمام، وحينئذٍ لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون ساجداً، فيقول الإمام: (سمع الله لمن حمده)، فإن قام واستتم قائماً وركع وأدرك الإمام في الرفع من الركوع أو في السجدة صحت صلاته وأجزأته، وقد فاته الركن وتدارك، ويكون تأخره للعذر، فيجبره بالتدارك، وهذا إذا قام وركع.
الحالة الثانية: أن يجهل الحكم فيقوم ولم يركع، لكون الإمام قد وقف، فاجتهد لحظ نفسه، فحينئذٍ إذا لم يركع يلزمه أن يأتي بركعة بعد سلام الإمام، كمن فاتته ركعة وراء الإمام، وكمن لم يقرأ الفاتحة وراء الإمام، أو لم يركع أو يسجد لسهو وراء الإمام، فيلزمه أن يأتي بركعة تامة؛ لأن الركوع لا يجبر إلا بالركعة التامة، وحينئذٍ إذا جاء بالركعة الثانية صحت صلاته تامة، لكن لو فرض أنه لم يفعل شيئاً من هذا، كأن قام ووقف مع الإمام وسجد وسلم مع الإمام، ثم خرج من المسجد ولم يقضِ هذه الركعة فقد بطلت صلاته ولزمته الإعادة.
فهذا حاصل ما يقال في هذه المسألة التي يكون فيها سجود المأموم وركوع الأئمة، وقس على هذا بقية الأركان التي يحصل فيها الاختلاج بين الأئمة والمأمومين.
والله تعالى أعلم.
(49/16)
________________________________________
كيفية الفتح على الإمام إذا لم يفهم المقصود بالتسبيح

السؤال
إذا سبح الثقات للإمام، ولكن الإمام لا يعلم هل زاد أم نقص، فما الحكم في ذلك؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإذا كنت وراء إمام وسبحت له ولم يفهم مقصودك فإنه يشرع في هذه الحالة أن تخاطبه، وتبين له ما ينبغي عليه فعله، وهذا الكلام الذي تخاطبه به دلت السنة على مشروعيته في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فإن ذا اليدين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أقصرت الصلاة، أم نسيت؟) فباشره ببيان الحال.
فأخذ العلماء من هذا دليلاً على أن الإمام إذا لم يفطن، أو غلب على ظنك أنك لو سبحت له أنه يرتبك ولا يعرف ماذا يصنع، فحينئذٍ تباشره بالكلام وتقول له: اركع.
أو: فاتت ركعة.
أو: فاتت سجدة.
أو: اقرأ الفاتحة.
فلو أن إماماً كبر وابتدأ القراءة بـ (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ)، فإنك إذا سبحت له ظن أنك تسبح لخلل في قراءته فيرجع ويقول: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين:1] فحينئذ تقول له: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] قال بعض العلماء: تذكر الآية حتى تكون من جنس القراءة، ويكون فتحاً عليه.
وهذا أولى وأنسب، فإن لم يفهم ولم يتفطن فلك الحق أن تقول: اقرأ الفاتحة، أو: فاتت الفاتحة، فإن الفتح على هذا الوجه لعذر، وإذا كان الكلام لعذر، لمصلحة الصلاة فإنه جائز ولا حرج فيه.
والله تعالى أعلم.
(49/17)
________________________________________
حكم سجود المؤتم للسهو إن لم يسجد الإمام

السؤال
نرى بعض الناس بعد تسليم الإمام يسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، فما حكم هذا؟

الجواب
لا يشرع للمأموم أن يسجد بعد تسليم الإمام لما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود وأحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)، وبناءً على هذا الحديث قالوا: يحمل الإمام عن المأموم سهوه بالنقص في الواجبات، ولا يحمل عنه سهوه في الأركان، وبناءً على ذلك فإن الأركان لا تجبر إلا بالفعل، وعليه فإذا سها المأموم وراء الإمام في غير الأركان فإن الإمام يتحمل عنه السهو، وقد خرّج العلماء على هذا أن المأموم لا يشرع له سجود السهو وراء الإمام، إلا في مسألة ما إذا كان المأموم مسبوقاً، كما لو أدركت الإمام في الفجر في الركعة الثانية فقمت بعد سلام الإمام بالركعة الثانية بالنسبة لك وفي قيامك بها حصل خلل، فإن نسيت أن تقول: (سمع الله لمن حمده)، أو غيره من الواجبات، فحينئذٍ يشرع لك أن تسجد للسهو، لكن هذا بعد الانفصال وليس قبل الانفصال، أما وأنت وراء الإمام وسلامك بسلام الإمام فلا يشرع لك أن تسجد وراء الإمام سجود السهو، وينصح مثل هذا.
والله تعالى أعلم.
(49/18)
________________________________________
حكم سجود السهو مع الإمام إذا زاد في صلاته وقد فارقه المؤتم

السؤال
قام الإمام إلى الركعة الخامسة ولم يرجع، فجلسنا للتشهد حتى أتم الصلاة ثم سلمنا معه، ثم قيل له بعد الصلاة: إن الصلاة زائدة فهل نسجد معه سجود السهو؟

الجواب
من كان مع الإمام متصل الصلاة وانتظر تسليم الإمام فإنه لم يفارقه، والذي لم يفارق يسجد مع الإمام لسهو الإمام؛ لأنه متصل بصلاته، كما لو سها الإمام في ركعة لم تدركها، أو سها قبل أن تدركه في الركعة، فحينئذٍ يشرع لك أن تسجد وراءه، ولا يشترط في متابعة الأئمة أن يكون سهوك كسهوه، ألا ترى في صلاة الظهر لو أنه نسى واجباً من الواجبات كقراءة التشهد الأول وقام وأنت قرأت التشهد الأول فإنك تسجد وراءه، مع أنك لم تحدث النقص.
وبناءً على ذلك فلو أنك انتظرته حتى أتم الركعة ثم جلس للتشهد وسجد بعد السلام للزيادة فإنك تسجد وراءه، أو سجد قبل سلامه سجدت وراءه على الأصل الذي ذكرناه.
والله تعالى أعلم.
(49/19)
________________________________________
ضوابط بيع الذهب بغيره

السؤال
أنا تاجر ذهب في محلٍّ صغير آخذ الذهب من التجار الكبار بدون مبلغ أحياناً، ثم أبيعه وأعطيهم الثمن بعد ذلك، فهل في هذا شيء؟

الجواب
لا يجوز التعامل في الذهب والفضة إلا يداً بيد، مثلاً بمثل عند اتحاد الصنف لما ثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير والملح بالملح، مثلاً بمثل يداً بيد)، فبيع الذهب بالفضة لا يجوز إلا يداً بيد لقوله في نفس هذا الحديث: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، فإذا اشتريت ذهباً فإنه لا يجوز لك أن تفارقه حتى تعطيه قيمة الذهب، فلو قلت له: هذه خمسون، وتبقى علي مائة، أو: يبقى ريال واحد.
فإنه يحكم بكونه ربا النسيئة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في التعامل في الذهب مع الفضة في البيع أن يكون يداً بيد.
والله تعالى أعلم.
(49/20)
________________________________________
الاستدلال بحديث المسيء صلاته على عدم وجوب السترة

السؤال
القاعدة الأصولية تقول: (لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة)، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر المسيء صلاته عن السترة، فهل يدل ذلك على أنه صارف لوجوب السترة إلى الندب؟ وإذا كان ترك الواجب عمداً يبطل الصلاة وسهواً يجبر بالسجود، فهل يكون كذلك في ترك السترة؟

الجواب
هذا اعتراض على مسألة وجوب السترة، والاعتراض بحديث المسيء صلاته غير وارد، وذلك لأن المسيء صلاته حدثه النبي صلى الله عليه وسلم عمَّا هو متعلق بذات الصلاة -أي: بجنسها-، مع أن لقائلٍ أن يقول: إنما نبهه على الخلل -وهو حصول عدم الطمأنينة- وارتبطت به الواجبات التي ذكرت تبعاً، ولذلك قال العلماء رحمهم الله عند ذكرهم لهذا الحديث: أجمعوا على أنه تضمن أركان الصلاة والتنبيه على الأركان.
ولذلك فما ورد إلا في روايات الآحاد والأفراد مسألة: (استقبال القبلة)، ورواية: (توضأ)، وإلا فإن الرواية المشهورة ذكرت الأركان التي حصل الخلل فيها.
ولذلك قالوا: هذا منفك؛ فإنك توجب الأذان ولا تستطيع أن تسقطه بحديث المسيء صلاته؛ لأن حديث المسيء صلاته منصب على شيء معين حصل الإخلال فيه، مع أنه يمكن أن يعترض على من اعترض بحديث المسيء صلاته، فيقال له: يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه اقترب من السترة وكبّر فنبهه على الإخلال في الأركان ولم ينبهه على السترة، فهذا محتمل، والقاعدة تقول: (ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال)، وإنما يستقيم الاستدلال به لو رآه عليه الصلاة والسلام يصلي إلى غير سترة ولم يأت في الحديث ذكر السترة، فإنه حينئذٍ يكون دليلاً صريحاً يقوى على معارضة الصريح من الأمر بالسترة، أما إذا كان الدليل متردداً يحتمل أنه صلى إلى سترة ويحتمل أنه صلى إلى غير سترة فلا؛ لأنه لا يستقيم استدلاله بالحديث إلا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رآه يصلي إلى غير السترة وسكت عنه، أما لو رآه يصلي إلى السترة فإنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن الرجل يعلم وجوب السترة، فلا يحتاج إلى أن ينبهه عليها.
الأمر الثاني: أنه يمكن أن يقال: إنه لا تعارض بين هذا وهذا لورود الأمر بالسترة منفصلاً عن حديث المسيء صلاته، وإنما يستقيم الاستدلال بحديث المسيء صلاته إذا جاء بأسلوب القصر والحصر الذي يدل على أن ما عدا ما ذكر من المستحبات والمندوبات.
وأما بالنسبة لجبرها بسجود السهو فليست السترة من جنس الأفعال والأقوال المتعلقة بالصلاة التي يعتبر تركها مجبوراً بسجود السهو، فهي عبادة هيئة إن وجدت حصل المقصود، وإن لم توجد أثم التارك لها متعمداً، ولا يجبر تركها بالسجود.
والله تعالى أعلم.
(49/21)
________________________________________
حكم قصر الصلاة لمن يظن أنه سيصل إلى بلده ويدرك الوقت

السؤال
هل يجوز القصر لمن يستطيع أن يدرك الفريضة في المدينة التي يريد أن يسافر إليها؟

الجواب
لو كنت من أهل مكة وجئت من المدينة في الساعة الثالثة والنصف أو الرابعة، وأذّن المؤذن أذان العصر وأنت في الجموم أو في عسفان، ويغلب على ظنك أنك ستصل إلى مكة قبل غروب الشمس فأنت مدرك للوقت، فلك أن تأخذ بالرخصة وتصلي قصراً، مع علمك أنك تصل قبل انتهاء الوقت.
وذلك لأن الخطاب توجه عليك بدخول الوقت بركعتين، فأنت مطالب بهما على الأصل.
أما إدراكك للمحل الذي تريده قبل غروب الشمس فمظنون فإذا لطف الله وصلت، وإذا لم يلطف الله عز وجل فلو بلغت شق الأنفس لن تبلغ، وبناءً على ذلك تبقى على الأصل، فيجوز لك أن تصلي؛ لأن الخطاب متوجه عليك بركعتين، فإذا صليت الركعتين فقد برئت ذمتك.
وهذا على أصح أقوال العلماء، فمن صلى مسافراً في أول الوقت وأدرك آخر الوقت في الحاضرة لا يلزم بالإعادة؛ لأن ذمته برئت.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(49/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب سجود السهو [2]
من زاد في صلاته ركعة فلم يعلم بها إلا بعد إتمامها فإنه يسجد للسهو، وإن سها الإمام فزاد في الصلاة فعلى من خلفه أن يسبحوا، فإن سبحوا ورجع فبها، وإلا بطلت صلاته وصلاة من تبعه إن كان عالماً.
ومن أكثر الحركة في الصلاة من غير جنسها فإن صلاته تبطل، وإن كانت الحركة يسيرة فلا تبطل بها الصلاة، ولا يشرع لها سجود سهو.
وهناك أحوال لا يشرع فيها سجود السهو مفصلة في موضعها.
(50/1)
________________________________________
أحكام سجود السهو
(50/2)
________________________________________
حكم زيادة ركعة في الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد].
الزياة في الصلاة إما أن تكون عمداً أو سهواً، فإن كانت عمداً فإنها توجب البطلان، وإن كانت سهواً، كأن زاد فعلاً أو أفعالاً من جنس الصلاة ساهياً سجد، فالزيادة مع السهو تجبر بسجدتي السهو، ولذلك قال المصنف: [وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد].
فلو أنّه صلى الصبح فقام إلى الركعة الثالثة وهو يظن أنه في الثانية، فلما سجد الثانية من هذه الركعة الزائدة، أو كان في التشهد تذكر أنه قد زاد وأنه قد صلى ثلاثاً، فلا إشكال أنه يسجد بعد السلام سجدتين.
قال رحمه الله تعالى: [وإن علم فيها جلس في الحال، فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد وسلم].
قوله: (وإن علم فيها) أي: بأن قام للركعة الزائدة ناسياً فقرأ الفاتحة وأتمها، أو قرأ نصف الفاتحة، أو قبل ابتدائه بالفاتحة وبعد أن استتم قائماً فذكر أنه زاد ركعة فعليه أن يجلس مباشرة، سواء أذكر عند بداية الركعة بمجرد وقوفه، أو تذكر بعدما وقف وقرأ الفاتحة، أو تذكر بعدما وقف وقرأ الفاتحة وشرع في السورة، أو قرأ الفاتحة وقرأ السورة وأراد أن يركع فتذكر أنها زائدة، أو قرأ وانتهى من القراءة وركع وأثناء الركوع تذكر، أو قرأ وركع ورفع من الركوع وقبل سجوده تذكر، ففي هذه الأحوال كلها يلزمه أن يرجع مباشرة، ولا يجوز له أن يبقى لحظة واحدة بعد العلم متلبساً بهذه الحالة الزائدة، فإن بقي لحظة واحدة بعد العلم وكان متعمداً بطلت صلاته؛ لأنها زيادة قيام وركن.
وهنا أحكام: الحكم الأول: أنه يلزمه قطع الأقوال والأفعال مباشرة، فلو قلت: (الله أكبر)، وقمت واستتمت قائماً، فقلت: (الحمد لله رب العالمين)، ثم تذكرت مباشرة فإنك تجلس.
الحكم الثاني: أن انتقالك من القيام إلى الجلوس بعد أن علمت أنك زدت لا تتكلم فيه ولا تكبر؛ لأنك في هذه الحالة مأمور بالجلوس للتشهد، وبمجرد رفعك من السجدة الثانية قد كبرت للتشهد الأخير، فلا تحدث أي قول، بل تجلس مباشرة وأنت ساكت، وإن كنت إماماً جلست وأنت ساكت والناس معك سكوت.
ثم إن كنت في مثل صلاة الفجر، فقمت إلى الركعة الزائدة، ثم تبين لك بعدما قمت أنك زدت، وكنت قد قرأت التشهد، فحينئذٍ إذا رجعت لا تقرأ التشهد؛ لأنك قد قرأته، فتتم بالدعاء ثم تختم بالتسليم، فهذا إذا تذكرت بعد أن كنت قد قرأت التشهد.
أما لو أنك بعد سجدتك الثانية قمت إلى الركعة الثالثة الزائدة، فتذكرت فإنك تجلس مباشرة، ثم تشرع في قراءة التشهد؛ لأنك مخاطب في هذه الحالة بقراءة التشهد، فتتشهد وتتم صلاتك، ثم تسجد بعد السلام للزيادة؛ لأنك لما وقفت هذه الوقفة كان ركناً زائداً جبر بسجدتي السهو بعد السلام.
فقوله: (جلس في الحال) هذا هو الحكم الأول، وقوله: (فتشهد إن لم يكن تشهد) حكم ثان في حالة ما إذا صليت الظهر أربع ركعات ثم جلست للتشهد، ثم شككت بعد أن انتهيت من التشهد بكماله، في كون الركعة التي أنت فيها الثالثة أو الرابعة، فالشك إذا حصل للإنسان قبل سلامه فإنه يلزمه أن يأتي باليقين على ظاهر حديثي ابن عباس وأبي سعيد رضي الله عنهما، فإن قمت ظاناً أنك في نقص، فلما وقفت تذكرت أن الذي أنت فيه إنما هو التمام والكمال، فإنك تجلس مباشرة، وحينئذٍ لا تقرأ التشهد، وكونك أحدثت قياماً بعد تشهدك لا يلغي التشهد الأول لمكان إذن الشرع بالتمام، فألغي بعد العلم، وصار وجوده وعدمه على حد سواء، فإن شئت أتممت الدعاء، وإن شئت جلست مباشرة وسلمت.
وقوله: (وسجد ثم سلم) هذا على ما اختار رحمة الله عليه -وهو أحد أقوال العلماء- أن سجود السهو كله قبل السلام، والراجح للنصوص الواردة أن الزيادة يسجد لها بعد السلام، والنقص والشك قبل السلام.
(50/3)
________________________________________
حكم إلزام الإمام بتسبيح المؤتمين إن سها في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [وإن سبح به ثقتان فأصرو لم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته وصلاة من تبعة عالماً لا جاهلاً أو ناسياً].
أي: قالا: (سبحان الله).
وهو اللفظ الذي يشرع عند حصول الخلل من الإمام، أو يكون لعارضٍ يريد أن ينبه الإنسان به غيره، كما لو رأى إنسان غيره يريد أن يقع في ضرر أو شيء ما فإنه يقول: (سبحان الله).
وأما الدليل على اشتراط الثقتين فحديث ذي اليدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سلم من الركعتين وقام كالغضبان، قال ذو اليدين: (يا رسول الله! أقصرت الصلاة، أم نسيت؟) فالنبي صلى الله عليه وسلم بنى على ظنه واجتزأ بهذا الظن وسلم بالمأمومين، فدل على أن الإمام يعمل بظنه، فلما قال له ذو اليدين: (يا رسول الله: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال: ما كان شيء من ذلك.
فقال: بلى قد كان شيء من ذلك) فلم يرجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى قول ذي اليدين وحده.
فدل على أن قول الثقة وحده لا يكفي؛ إذ لو كان كافياً لعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن صواب نفسه إلى قول ذي اليدين، وإنما قال عليه الصلاة والسلام للصحابة: (أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم).
فدل على أنه لا بد من تمام البينة والشهادة، وذلك إنما يكون في أصل الشرع بشهادة ثقتين، فإذا قال أحد المأمومين: (سبحان الله).
وهو وحده، وأنت على غلبة ظنك أنه لابد من ركعة، فإنك تقوم، فإن سبح اثنان ثقتان وراءك فحينئذٍ ترجع إلى قوليهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألغى ظنه ورجع إلى ظن الثقات، فدل على أنه إذا كمل النصاب رجع إلى قول الثقات، وهذه من المسائل التي يقدم فيها قول الثقتين على ظن النفس.
ولها نظائر، منها: لو أن القاضي شهد عنده عدلان أن لفلان على فلان ألفاً، وهو يعلم أن فلاناً قد سدد هذا الألف، ولكن ليست عنده بينة، فلا بد أن يحكم بشهادة الشهود، ولا يعتبر بعلم نفسه، قالوا: يحكم بما قال الشهود، ثم يخبر صاحب الحق أنه سيشهد له، فيقيم صاحب الحق دعوى عند غيره ويكون القاضي شاهداً بحقه.
ولذلك قال: وعدل إن أدى على ما عنده خلافه منع أن يرده وحقه إنهاء ما في علمه لما سواه شاهداً بحكمه فهذه من المسائل التي تقدم فيها شهادة الشهود على ظن نفسك، وإلا فإن الأصل يقتضي أن يقين نفسك لا تعدل به إلى ظن غيرك.
لكن قالوا: إنما اشترط العدلان لأنه حينما يقول لك رجل: (سبحان الله) فأنت على يقين في نفسك، وهو أيضاً على يقين في نفسه، فحينئذٍ ليس من حقك أن تعدل عن يقين نفسك إلى يقين غيرك؛ لأن الله كلفك بيقين نفسك، ومن هنا قالوا: لا يجوز للمجتهد أن يعدل إلى اجتهاد غيره، ما دام أنه قد تبين له الحق في اجتهاد نفسه.
وقالوا: يحرم على المجتهد أن يقلد؛ لأنه على بينة في قرارة نفسه والله تعبده بظنه.
فالإمام إذا سُبِّح له وهو على يقين من نفسه، وقال الذي وراءه: (سبحان الله) فهذا ظن غيره، فلما اكتملت الشهادة ضعف جانب الإمام وحده، ووجب عليه الرجوع إلى قول هؤلاء العدول.
وقوله: [سبح به] الباء لها معانٍ تقرب من عشرة معانٍ، وقد أشار إليها ابن مالك بقوله: تعد لصوقاً واستعن بتسبب وبدَّل صحاباً قابلوك بالاستعلاء فقوله: (سبح به الثقتان) بمعنى: أعلموه بالزيادة التي هو فيها، فهو قائم وهم جلوس، فسبحوا له أن: ارجع إلى التشهد.
فإن لم يكن على يقين نفسه، وأصر على القيام ولم يكن جازماً في قرارة نفسه فحينئذٍ (بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً)؛ لأنه إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأمومين على هذا الأصل المقرر عند فقهاء الحنابلة والحنفية.
قالوا: لأنه لما سبح به الثقتان ولم يكن عنده يقين نفسه فإنه في هذه الحالة مأمور بالرجوع إلى قول الثقتين، وكونه لم يرجع إلى قول الثقتين يكون قد ترك واجباً من واجبات الصلاة، ومن ترك الواجب متعمداً فصلاته باطلة، ولذلك يقولون: دليل الوجوب هدي النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وأما كونهم اشترطوا الجزم فلأن ذا اليدين لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (بلى قد كان شيء من ذلك) شك عليه الصلاة والسلام فقال: (أصدق ذو اليدين؟)، فدل على أنه ليس على يقين من نفسه، وبناءً على ذلك فإذا كان الإمام على يقين من نفسه فحينئذٍ يعمل بيقين نفسه.
وقوله: (عالماً) أي: بالزيادة.
وقوله: (لا جاهلاً أو ناسياً) هذا على العذر بالجهل والنسيان، وفيه حديث معاوية بن الحكم المشهور.
وبعض العلماء يقولون في مسألة العذر بالجهل: إذا استقرت الأحكام فلا يعذر بالجهل، وإنما يعذر بالجهل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وحملوا عليه حديث الأعرابي في عمرة الجعرانة، وحديث معاوية بن الحكم في الكلام، فقالوا: إن الأحكام لم تستقر، ولذلك يعذر، ويعتبر هذا موجباً لعذره.
ومنهم من يقول: إن العذر يكون لعدم العلم بالناسخ، خاصة في الكلام، وسيأتي إن شاء الله ذكره، وهو قول بعض العلماء، منهم أبو الخطاب، حيث يخرجها على المسألة الأصولية المشهورة: (إذا لم يعلم بالناسخ فإنه يعذر بفعل المنسوخ).
وبناءً على ذلك يكون كأنه متعبد لله عز وجل بأصل، فيعتبرون الجهل في هذا موجباً لعدم بطلان صلاته، وموجباً للعذر.
(50/4)
________________________________________
أحكام مفارقة المؤتم للإمام إذا سها في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [ولا من فارقه].
إذا كنت وراء الإمام وصلى الإمام الظهر خمساً وقام إلى ركعة وأنت على يقين من أنها خامسة، فإن الذي يلزمك شرعاً -إذا علمت أنه قد زاد الركعة- أن تبقى في مكانك وتتشهد، ولا يجوز أن تتابعه على الزيادة، ولك هنا حالتان: الحالة الأولى: قال بعض العلماء: تتشهد وتتم لنفسك وتفارقه لمجرد زيادته.
الحالة الثانية: تبقى تتشهد وتنتظر حتى ينتهي من الركعة؛ لأنه معذور فيها فله حكمه على ظنه، وأنت معذور بترك الائتمام، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، إذ جلست الطائفة الأولى وقام للطائفة الثانية بالركعة، فأتمت لنفسها وسلم بالجميع.
قالوا: فيتخرج على هذا أنه يعذر المأموم في ترك الاقتداء لمكان الزيادة، ثم يبقى يتشهد، ثم يكثر من الدعاء والاستغفار وسؤال الله من فضله حتى يتم الإمام ركعته، ثم يسلم معه.
وهذا المذهب أقوى؛ لأن الأصل المتابعة حتى يدل دليل على الخروج من الصلاة.
وبناءً عليه، فلو صلى إمام الحي الصبح ثلاثاً، فإذا قام للثالثة تجلس وتتركه حتى يتم إذا أصر على رأيه ويقينه، ثم إذا تشهد تبقى تتشهد حتى ينتهي من الركعة بكمالها، ثم تسلم معه.
وإذا زاد إمام الحي بأن قام للثالثة في صلاة الفجر، أو الخامسة في صلاة الظهر أو العصر، أو الرابعة في المغرب، أو الخامسة في العشاء، فالمأمون على حالات: الحالة الأولى: من تبعه منهم ظاناً أنه على حق وصلاته صحيحة، كأن يقوم الإمام في الفجر إلى الثالثة والمأموم يعتقد أنها الثانية، فصلاته وصلاة الإمام صحيحة؛ لأن الله تعبدهما بهذا الظن.
الحالة الثانية: أن تعلم أنها زائدة، فثبت على الحالة التي ذكرناها وسلمت مع الإمام، أو فارقته على مذهب من يرى المفارقة، فصلاتك صحيحة.
الحالة الثالثة: أن تعلم أنها زائدة وتقوم معه متعمداً عالماً بزيادته لكنك جهلت الحكم، فحينئذٍ تعذر بالجهل عند من يرى العذر بالجهل، والدليل على ذلك أن الصحابة سلموا وراء النبي صلى الله عليه وسلم -كما في قصة ذي اليدين - ظانين أن الصلاة قد قصرت بدليل الحديث: (فقام السرعان من الناس يقولون: قصرت الصلاة.
قصرت الصلاة)، فسلم أبو بكر وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سلم وأن هذا السلام ليس في موضعه، لكنه جاهل بالحكم، ويظن أن الصلاة قد نسخت.
فلذلك قالوا: (الجهل بالحكم والظن بالتشريع في مرتبة واحدة)، فيعذر هذا كما يعذر هذا، وبناءً على ذلك فمن قام من العوام مع الإمام يظن أنه يتابعه وهو يعلم أنه قد زاد فحينئذٍ يحكم بصحة صلاته من هذا الوجه.
وقالت طائفة من العلماء: تبطل صلاتهم.
وهذا على مذهب من يقول: إن العذر بالجهل خاص بزمان النبي صلى الله عليه وسلم.
وهو أقوى المسلكين من مسالك الأصوليين رحمة الله عليهم.
(50/5)
________________________________________
حكم كثرة الحركة في الصلاة من غير جنسها
قال رحمه الله تعالى: [وعمل مستكثر عادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه].
وصف المصنف العمل بكونه مستكثراً، أي: كثيراً، فخرج العمل القليل، كأن يصلح عمامته أو يصلح ثوبه، فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حينما جر ثوبه وهو في الصلاة والتحف به، فهذا عمل يسير.
وللعلماء قولان في ضابط العمل الكثير: القول الأول: أنه يضبط بالعدد، فإذا فعل ثلاث حركات متتابعات بدون فاصل فهذا عمل كثير ويوجب بطلان الصلاة، وهذا قول الحنفية.
القول الثاني: لا حد بالعدد، وإنما يحد بالعادة والعرف؛ لأن ما أطلق في الشرع فإنه يبقى على إطلاقه.
فيعرف الكثير من العمل في العادة بأنه لو رآه رجل من بعيد يفعل هذه الأفعال لقال: هذا غير مصلٍ.
فبناءً عليه فرقوا بين القليل والكثير بضابط العادة، وهذا قول الجمهور، ومنهم الشافعية والحنابلة، ودرج عليه المصنف فقال: [عادة]، والقاعدة أن ما أطلقه الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف والعادة.
فعمل المستكثر عادة يعتبر من موجبات بطلان الصلاة؛ لأن الإنسان إذا فعل الأفعال الكثيرة التي لا تتعلق بالصلاة خرج عن كونه مصلياً، وبناءً على ذلك يحكم ببطلان صلاته، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إن في الصلاة لشغلاً)، والتعبير بهذا الأسلوب يدل على أنه شغل، أي: ينبغي للمكلف أن يستجمع نفسه لهذه الصلاة فلا يشتغل بأي أمر خارج عنها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، فهي عبادة مخصوصة تقع على هيئة مخصوصة، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
فالأفعال التي هي من جنس الصلاة إن كانت عمداً فالصلاة باطلة، وإن كانت سهواً جبرت بسجود السهو.
وهذا هو النوع الأول من الأفعال الزائدة.
والأفعال الزائدة من غير جنس الصلاة يفرق بين قليلها وكثيرها، فإن كان الفعل كثيراً بطلت، وإن كان يسيراً لم تبطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فتح الباب وهو في الصلاة، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه حمل أمامة في الصلاة ووضعها، وصعد المنبر ونزل عنه عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك لم يوجب بطلان صلاته صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: (يبطلها عمده وسهوه).
أي أن الأفعال المستكثرة التي ليست من جنس الصلاة يبطلها العمد والسهو، فلو أن إنساناً نسي أنه في الصلاة فتحرك حركات كثيرة، ثم تذكر أنه في الصلاة ورجع إليها؛ فإنه يحكم ببطلان صلاته، ويستوي في ذلك أن يكون متعمداً أو ناسياً، ولذلك يعتبرون النسيان في مثل هذا الحال لاغياً.
فإن قال قائل: كيف نجيب عن قول الله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]؟ قلنا: نسيانه وذهوله يوجب سقوط الإثم عنه، ولا يوجب سقوط الحق عنه، ولذلك فإن النسيان لا يسقط الحقوق، فلو كان لرجل على إنسان دين ونسيه ثم تذكره وجب عليه أن يقضي الدين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فدين الله أحق أن يقضى)، فحق الله لا يسقط بالنسيان، وهذا على الأصل وإن كان هناك استثناءات دلت النصوص عليها، ولذلك يعبر الأصوليون بعبارة أدق فيقولون: يسقط عنه الإثم من باب الحكم، ويلزم بإعادة صلاته واستئنافها إعمالاً للأصل.
(50/6)
________________________________________
يسير الحركة في الصلاة
قال المصنف رحمه الله: [ولا يشرع ليسيره سجود].
أي: إذا عمل عملاً كثيراً حكم ببطلان صلاته، أما لو عمل شيئاً يسيراً فإنه لا يشرع له أن يسجد سجود السهو، فلا يسجد لليسير من الأفعال سجود السهو جبراً للخلل، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل بعض الأمور اليسيرة التي ليست من مقصود الصلاة ولم يسجد لها، كفتحه للباب لما قُرع عليه، ورده السلام حينما سُلم عليه وهو في الصلاة، فهذه الأعمال اليسيرة لا يحكم فيها ببطلان الصلاة، ولا يشرع لها سجود سهو، وإنما تغتفر سماحة ويسراً من الشرع.
(50/7)
________________________________________
الأكل والشرب في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [ولا تبطل بيسير أكل وشرب سهواً].
لأن الأكل والشرب يخالف مقصود الصلاة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الصلاة لشغلاً)، فالأصل في المصلي أن يشتغل بذكر الله عز وجل، وعمل الأعمال التي أمر الله بعملها حال الوقوف بين يديه، فإذا أكل أو شرب فقد خرج عن كونه مصلياً.
ومذهب كثير من العلماء أن من أكل أو شرب اليسير أو الكثير عمداً أو نسياناً فصلاته باطلة، وهذا القول أشبه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن الصلاة فيها شغل، وليس من شغل الصلاة الأكل والشرب، بل هو متضمن للإعراض عن الله عز وجل بالالتهاء بشهوة البطن، سواءٌ أكان أكلاً أم شرباً، كثيراً أم قليلاً، إلا أن هؤلاء منهم من استثنى اليسير الذي يكون بين الأسنان، وهكذا طعم الطعام، كأن يكون شرب لبناً فبقي شيء من طعمه في ريقه، أو بقيت رائحته في فمه فاستطعم ذلك الطعم، فقالوا: لا تبطل صلاته لما في ذلك من المشقة؛ إذ يصعب على الإنسان -خاصة أثناء صيام رمضان إذا كان حديث عهد بالسحور وجاء لصلاة الفجر- أن يدفع مثل هذا اليسير، ثم هو شيء قليل لا يقصد عادة فاستثنوا مثل هذا اليسير الذي يكون بين الأسنان، أو يكون داخل الفم من رائحة قوية للطعام لم تزل بالمضمضة.
وفصّل بعض العلماء فيما يكون بين الأسنان فقال: إن اشتغل بقلعه أثناء الصلاة ووضعه بين أسنانه كحال الطاعم والعاض فإنه يحكم ببطلان صلاته؛ لأنه في صورة الآكل.
أما لو أنه استخرجه مباشرة فإنه لا يحكم ببطلان الصلاة لكونه لم يطعم.
ولا شك أن الأكل والشرب لا وجه لاستثنائه يسيراً كان أو كثيراً، إلا ما أثر عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه شرب الماء في صلاة النافلة، وبعض العلماء يشكك في ثبوت الخبر، ولكنهم قالوا: إن هذا لا يقوى على معارضة السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل على أن المصلي ينبغي عليه أن يشتغل بمقصود الصلاة.
وبناءً على هذه السنة فإنه لا يقوى على تخصيصها إلا ما هو في مثلها في القوة أو أقوى منها، كأن يكون نصاً قطعياً متواتراً، فلا يقوى مثل هذا على الاستثناء، ويتأول لـ ابن الزبير لو صح عنه، فإذا قيل بهذا فإنه يُبقى على الأصل الذي يوجب الحكم ببطلان الصلاة.
واستنثى المصنف رحمه الله حالة السهو إذا أكل أو شرب يسيراً، وقد قال بعض العلماء: يغتفر له وتصح صلاته.
والصحيح ما ذهب إليه طائفة من أهل العلم أنه يستوي في ذلك العمد والسهو، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر برفع المؤاخذة عن الساهي، فيقولون: يسقط عنه الإثم لمكان السهو ويحكم ببطلان صلاته ولزوم استئنافها.
وهذا له أصل، فلو احتاج لإنقاذ نفس، كأن رأى صبيه يوشك أن يقع في الهلاك، فقد قالوا: لو قطع صلاته واشتغل بإنقاذه فخرج عن الصلاة بالعبث الكثير لإنقاذه، فإننا نحكم بسقوط الإثم لمكان الضرورة، ونحكم بوجوب الاستئناف لكونه قد خرج عن الصلاة ومقصودها.
وكذلك قالوا هنا: يسقط عنه الإثم لمكان السهو، ويؤمر باستئناف صلاته وابتدائها.
قال رحمه الله تعالى: [ولا نفل بيسير شرب عمداً].
أي: ولا يبطل النفل بيسير شرب عمداً، فإذا كان شربه للماء قصداً في النفل قالوا: إن صلاته لا تبطل.
وهذا مبني على مذهب من يقول من الأصوليين: إن قول الصحابي وفعله حجة.
وهذا لا شك أن له وجهاً عند من يقول به، ولكن نظراً لمعارضته للأصل الذي يدل على وجوب اشتغال المصلي بما هو من مقصود الصلاة فإنه لا يقوى تخصيص هذا الأصل بالأثر الوارد عن ابن الزبير لو صح عنه ذلك.
(50/8)
________________________________________
نقل الذكر المشروع في الصلاة إلى غير موضعه
قال رحمه الله تعالى: [وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة في سجود وقعود، وتشهد في قيام، وقراءة سورة في الأخيرتان لم تبطل ولم يجب له سجود، بل يشرع].
قوله: (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه) مثاله: أن يصلي إنسان الظهر، فعندما قام للركعة الثانية فبدل أن يقرأ الفاتحة قرأ التشهد سهواً لا قصداً، أو ركع فسها فقرأ القرآن راكعاً، أو سجد فقرأ الفاتحة ساجداً، أو جلس للتشهد فسها فقرأ الفاتحة وهو في التشهد.
فالفاتحة مشروعة في الصلاة، والتشهد مشروع في الصلاة، فهو متلفظ بلفظ مشروع في الصلاة، ولكن الموضع الذي تلفظ فيه لا يشرع إيقاع هذا الذكر فيه.
فسواءٌ أكان في حال القراءة أم حال الرفع من الركوع، أم تشهد بين السجدتين في جلسته بينهما، فكل هذا إذا سها فيه فقد قال رحمه الله: (لم تبطل، ولم يجب له سجود، بل يشرع).
وهذا النوع من الأقوال يعتبر متردداً في القياس، أي: يعتبر قياسه قياس شبه، وهو عند الأصوليين (أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفين في الحكم)، فأنت إذا نظرت إليه وقلت: إن هذا القول مشروع في أصله.
فإن زيادته في الصلاة توجب سجود السهو، كما لو زاد في الصلاة ذكراً في موضع لا يشرع أداء ذلك الذكر فيه، كأن يتشهد مرتين في موضع التشهد فإنه يسجد للسهو، فحينئذٍ إن قسته على من تشهد مرتين أو قرأ الفاتحة مرتين قلت: يسجد للسهو؛ لأن الذكر مشروع في أصله، ولأن إيقاع التشهد الثاني وقراءة الفاتحة مرة ثانية واقع في غير موقعه، فهذا إذا قلت: إنه يسجد للسهو.
وإن قلت: لا يجب عليه سجود السهو فذلك لأن المكان ليس بمكان هذا الذكر، فأشبه الفعل الخارج عن الصلاة والقول الخارج عن الصلاة، فلذلك تقول: إنه قول زائد عن الصلاة، فلا يشرع سجود سهو له، كما لو فعل اليسير من الأفعال فلا يجب عليه أن يسجد سجود السهو.
فتوسط أصحاب هذا القول بين الأصلين وقالوا: لا يجب عليه سجود السهو؛ لأن الموضع ليس بموضع الذكر، ويشرع له، أي: لو سجد لشرع له لمكان الأصل الذي يلتحق به، كما لو كرر الفاتحة أو كرر التشهد.
فالمصنف رحمه الله ذهب إلى هذا القول المتوسط فرأى أنه لا يجب عليه سجود سهو، ولكن لو سجد فلا حرج، وهذا معنى قوله: (بل يشرع) أي: له أن يسجد.
فلو سألك سائل وقال: أنا قرأت التشهد قائماً، قلت له: لا يجب عليك أن تسجد، وإن سجدت فلا حرج.
ولو سألك وقال: قرأت الفاتحة ساجداً، أو حال التشهد، أو بين السجدتين تقول: لا يجب عليك أن تسجد للسهو، وإن سجدت فلا حرج.
(50/9)
________________________________________
التسليم قبل إتمام الصلاة عمداً أو سهواً
قال رحمه الله تعالى: [وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت، وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد].
قوله: (وإن سلم) أي: الإمام أو المأموم أو المنفرد، (قبل إتمامها) أي: إتمام الصلاة (عمداً بطلت) أي بطلت صلاة الجميع.
فلو أن شخصاً صلى الصبح، فلما انتهى من الركعة الأولى سلم، وهو عالم أنه في الركعة الأولى وأن صلاته لم تتم فإن صلاته تبطل بالإجماع، أو سجد السجدة الثانية الأخيرة، وقبل أن يقرأ التشهد سلم فقد بطلت صلاته، إلا عند من لا يرى وجوب التشهد ولزومه.
فمن سلم من الصلاة قبل كمالها وتمامها عالماً أن صلاته لم تتم، فصلاته باطلة؛ لأنه لم يصل على الصفة المعتبرة شرعاً، وقد ثبت في الحديث الصحيح من حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فدل على أنه لما سلم أثناء الصلاة فقد حل منها، وبناءً على ذلك يكون تسليمه قبل انتهاء صلاته خروجاً من الصلاة، وقد خرج من الصلاة قبل كمالها فبطلت، وهذه المسألة تدل على أن من أراد أن يقطع الصلاة إذا أقيمت الصلاة فعليه أن يسلم حتى يصدق عليه أنه صلى، ولذلك قالوا: من سلم قبل تمام الصلاة بطلت صلاته.
وهذا يدل على أنهم معتبرون للتسليم، وأن التسليم يوجب الخروج من الصلاة، وكل هذا إذا بقي له ركن، أما لو سلم قبل الكمال الذي هو بمنزلة الفضل، كأن يكون سلم قبل الدعاء الأخير، فإن صلاته صحيحة؛ لأن الدعاء الأخير لا يعتبر ركناً ولا واجباً ولا شرطاً في صحة الصلاة، فلو أنه قرأ التشهد وأكمله وكان مستعجلاً وسلم صحت صلاته وأجزأته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: (إذا فعلت هذا -أي: الأركان- فقد تمت صلاتك).
وقوله: (وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد) مثاله: أن يسلم من ركعتين في الرباعية، كما لو صلى الركعتين الأوليين من الظهر وجلس للتشهد، ثم ظن أنه في الركعة الأخيرة فسلم، أو صلى الفجر ركعة ثم جلس يظن أنه في الأخيرة وتشهد وسلم، فكل هذه الصور داخلة تحت هذا الأصل الذي ذكره المصنف، وهذا الحكم مبني على حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين أنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدمة المسجد فوضع يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة، فقام رجل يقال له: ذا اليدين فقال: يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: بلى، قد نسيت، فسأل الصحابة: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم.
فصلى ركعتين، ثم تشهد، ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعدما سلم) صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الحديث يدل على مسائل، منها: أن من سلم من صلاته ساهياً يجوز له أن يرجع فيتم ما فاته ويستدركه، وأنه يسجد للسهو لمكان الزيادة، وبناءً على ذلك فمن صلى الصبح ركعة وسلم فإنه يرجع، وإذا رجع يجلس كحال المتشهد ليأتي بصفة القيام من الجلوس إلى القيام، فيقوم ويقرأ الفاتحة ويتم الركعة، ثم يجلس للتشهد ويسلم، فإذا سلم سجد بعد السلام سجدتين، وهاتان السجدتان لمكان الزيادة، ووجه الزيادة أنه زاد في تشهده، ثم زاد السلام بعد التشهد، وهذه الزيادة التي وقعت وهي من جنس الصلاة شرع لها جبر، وذلك بسجوده بعد السلام.
فإذا ثبت أن من سلم من نقص يلزمه التمام، فهل كل من ذكر النقص في الصلاة يرجع ويتمها؟

الجواب
هذه المسألة فيها تفصيل، فلو أن إنساناً صلى الركعتين وسلم بعد انتهائه منها وبقيت له ركعتان، كأن يكون في الظهر أو العصر أو العشاء، فإن تذكر في المسجد فإنه يشرع له أن يرجع ويتم الصلاة، سواء أطال الوقت أم قصر، ويستوي في هذا أن يكون في مكان صلاته، أو يكون في غير مكان الصلاة.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من مكان الصلاة وانتقل إلى جوار الجذع، فخرج عن المكان الذي صلى فيه، لكنه داخل المسجد، فاشترط أن يكون ذكره حال كونه داخل المسجد، فلو خرج من المسجد انقطع التدارك ولزمه الاستئناف.
وقال بعض العلماء: إن طال الزمان بين تسليمه من الركعتين وذكره يلزمه أن يستأنف.
واختلفوا في قدر الطول والقصر على تفصيل.
ولكن الأشبه والأقوى أن يرجع إلى المصلى ولو طال الزمان ما دام أنه في المسجد، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع، فدل على أنه في حال المصلي، مع وقوع الكلام الأجنبي الذي ليس هو من ألفاظ الصلاة كقوله: (ما نسيت ولم تقصر)، وقوله: (أصدق ذو اليدين؟)، فهذا كله كلام ليس من أذكار الصلاة، وإن كان مشروعاً لمصلحة الصلاة.
فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى الصلاة، واعتبر هذا الفاصل مع وجود الكلام غير مؤثر في الصلاة، وعلى هذا فيشرع للإمام والمنفرد أن يرجعا إلى صلاتهما ويتما على الصورة التي ذكرنا.
أما لو أنه خرج من المسجد فإنه يستأنف الصلاة، سواءٌ أطال الوقت أم قصر، فلو أنه سلم من ركعتين وخرج من المسجد مباشرة فإنه حينئذٍ لا يتدارك، وإنما يرجع ويستأنف الصلاة؛ إذ قد بطلت صلاته الأولى بالخروج من المحل، فاعتبر المحل لتصحيح بنائه على صلاته الأولى.
وبناءً على ذلك فلو أوقع شخص صلاة بين الركعتين الأوليين من الظهر والركعتين الأخريين، كأن صلى الظهر ثم سلم من ركعتين ساهياً، ثم قام وصلى ركعتين نافلة، ثم بعد أن صلى الركعتين تذكر أنه سلم من اثنتين فعليه أن يرجع ويتم الصلاة، وذلك لأن الصلاة التي أوقعها من جنس الصلاة، وهذا ظاهر.
ومثله لو طاف إنسان شوطين، ثم أقيمت الصلاة المفروضة فصلى، ثم رجع وبنى فهو من جنس الطواف، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الطواف بالبيت صلاة)، فلم يجعل دخول الصلاة بين الأشواط الأولى والأشواط الأخيرة فاصلاً؛ لأنه من جنس الطواف من جهة كونه صلاة.
وهكذا لو أوقع نافلة بين الصلاتين المفروضة فيعذر لمكان السهو، وتصح صلاته لمكان الكمال والتمام.
(50/10)
________________________________________
من فاته شيء في الصلاة ثم ذكر بعد السلام
قال رحمه الله تعالى: [فإن طال الفصل، أو تكلم لغير مصلحتها بطلت ككلامه في صلبها، ولمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل].
في هذه المسألة مذاهب، فبعض العلماء يقول: أعتبر في الفاصل بين الركعتين الأوليين والأخريين وجود الوقت الطويل، ويعبرون عنه بالفاصل كما درج عليه المصنف.
وطائفة من العلماء يقولون: لا عبرة عندنا بالفاصل، ما دام أن المكان لم يغادره المصلي إعمالاً لظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ظاهر السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى مصلاه وهو في المسجد، فقالوا: نعتبر الحال والهيئة.
وهذا المذهب أشبه من جهة دلالة حال النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكروه.
قوله: (أو تكلم لغير مصلحتها بطلت ككلامه في صلبها) أي: إذا تكلم بكلام أجنبي، كأن يسلم من ركعتين فيسأل الذي بجواره عن حاله، أو يكلمه في أمر ما من الأمور، أو سئل عن مسألة فأجاب، أو تكلم بكلام أجنبي ليس من ذكر الله عز وجل وليس من الصلاة، فإنه يستأنف الصلاة على هذا المذهب.
والذي يختاره بعض العلماء أنه إذا تكلم بكلام أجنبي نزل منزلة الساهي، كمن تكلم ناسياً كونه في الصلاة، قالوا: فإذا كان كلامه كثيراً فإن صلاته باطلة، وأما إذا كان يسيراً فلا تبطل الصلاة.
قوله: [ولمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل].
أي: إن كان الكلام يسيراً لمصلحة الصلاة لم تبطل، فلو سلمت من ركعتي الظهر فقال رجل بجوارك: يا هذا: إن صلاتك لم تتم لأنك صليت ركعتين، فقلت له: لم أصل ركعتين.
أو سألته متأكداً من قوله فحينئذٍ إذا رجعت مباشرة صحت صلاتك، وذلك أن سؤالك على سبيل الاستيقان والتثبت، كسؤال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصدق ذو اليدين؟)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطبه ذو اليدين فراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى تأكد وتحقق، فأخذ العلماء من هذا دليلاً على أن الكلام لمصلحة الصلاة ولتصحيحها لا يوجب البطلان.
وفرعوا على هذا لو كنت وراء إمام أخطأ في صلاته بحيث لو سبحت له ازداد في الخطأ، قالوا: يشرع أن تكلمه، فتخاطبه بالذي يفعله، ولا حرج عليك؛ لأن ذا اليدين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يفعله، ولم يوجب ذلك الحكم ببطلان صلاته.
(50/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب سجود السهو [3]
ينتاب العبد في صلاته أمور كثيرة، منها ما قد يوجب إعادة الصلاة، ومنها ما يوجب نقصانها وجبرها بسجود سهو وغير ذلك، وكل حال من الأحوال التي تعرض للعبد في صلاته فإن لها أحكاماً نصت عليها أدلة السنة النبوية وبينها أهل العلم في مصنفاتهم، وفي هذه المادة كثير من تلك المسائل التي تتعلق بسجود السهو.
(51/1)
________________________________________
تابع أحكام سجود السهو
(51/2)
________________________________________
حكم القهقهة والنفخ والانتحاب والتنحنح
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وقهقهة ككلام].
القهقة: هي الضحكة المعروفة، والقهقهة للعلماء فيها قولان إذا وقعت في الصلاة: فمنهم من يقول: من ضحك في صلاته فإن صلاته باطلة ويلزمه أن يعيد الوضوء.
وهذا مذهب الحنفية.
ومنهم من يقول: من ضحك في أثناء صلاته فصلاته باطلة ووضوءه صحيح، وهذه هو مذهب الجمهور.
واستدل الحنفية بحديث ضعيف وهو: (أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا وراء النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا أعمى تردى فضحكوا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الوضوء والصلاة).
وهذا حديث ضعيف السند والمتن: أما ضعف سنده فالكلام فيه، وأما ضعف متنه فلأن الصحابة أورع وأتقى لله وأخشى من أن يروا أعمى ويضحكون عليه، خاصة وأنهم وقوف بين يدي الله عز وجل، بل إنهم أبعد من أن يضحكوا لو سقط الأعمى في غير صلاة، فكيف وهم واقفون بين يدي الله عز وجل؟!! فهذا حديث ضعيف لا يعول على مثله في بناء الأحكام عليه.
وبناءً على ذلك فإذا قهقه أو ضحك في الصلاة فإن صلاته باطلة لخروجه عن كونه مصلياً، ولا شك أن الضحك في الصلاة يعتبر من الآثام، أما لو غلب الإنسان عليه، كأن ذكر أمراً لم يستطع دفعه فهذا له حكمه، لكن أن يضحك قاصداً متعمداً فهذا على خطر، ولذلك يخشى عليه أن يكون مستهزئاً، ومعلوم ما للمستهزئ بالدين من حكم، فالضحك في الصلاة على سبيل العبث واللهو واللعب أمر خطير، ولذلك قال الله عز وجل: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} [الأنعام:70]، فلذلك لا يجوز للإنسان أن يتشبه بأمثال الكفار الذين قال تعالى عنهم: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة:58]، فالاستهزاء في داخل الصلاة أمره عظيم، وهو من صنيع أهل النفاق والكفر، والعياذ بالله.
ولا يقع من إنسان إلا إذا كان في قلبه مرض -نسأل الله السلامة والعافية-، أما لو غُلِب على ذلك فإنه يدل على ضعف إيمانه؛ لأنه لو استشعر مقامه بين يدي الله عز وجل، ووقوفه بين يدي الله ملك الملوك وجبار السموات والأرض، وأن الله مطلع عليه حال وقوفه لما ضحك، خاصة وأنه يتدبر ويتأمل الآيات، فإنه في هذه الحالة أبعد من أن يضحك، ولو تذكر ما يضحك الإنسان فإنه لشدة الهيبة والمقام بين يدي الله يستطيع أن يتماسك ويمتنع من الضحك.
فنسأل الله العافية من هذا البلاء، ونسأل الله أن لا يبتلينا بالاستخفاف بعظمته وهيبة المقام بين يديه.
وقد قال بعض العلماء مستنداً إلى بعض الأحاديث، وإن كان قد تكلم في سندها: (إن مقام الناس بين يدي الله يوم القيامة على قدر خشوعهم في الصلاة).
فيقف الإنسان بين يدي الله يوم القيامة على قدر ما كان منه من حال أثناء صلاته، فإن كان أثناء وقوفه بين يدي الله في الصلاة يعظمه ويجله كان مقامه بين يدي الله يوم القيامة على أكمل المقامات وأتمها وأحبها إلى الله، ويكون حاله على حال السعداء، وإن كان حاله على الاستخفاف والتلاعب والتشاغل فهو بحسبه، نسأل الله السلامة والعافية.
قال رحمه الله تعالى: [وإن نفخ، أو انتحب من غير حشية الله تعالى، أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت].
وقوله: (وإن نفخ) النفخ في الصلاة هو إخراج الهواء من الفم، ويكون في بعض الأحوال متضمناً لبعض الحروف والكلمات، خاصة إذا كان نفخه فيه شيء من التأوه والتألم والتضجر والسآمة، فإنه في هذه الحالة يخرج شيء أشبه بالأصوات، فقد يقول: آه.
فإن فيه الهمز والهاء، وهذان حرفان.
وقوله: (أو انتحب من غير خشية الله) أي: بكى، وذلك كالشخص الذي يكون حزيناً لأمر، فيدخل في الصلاة وهو حديث عهد بالحزن، فيبكي في صلاته لحزنه لا لخشية الله، فهذا البكاء إذا كان فيه نحيب وصوت فإنه يوجب بطلان صلاته.
وقوله: (أو تنحنح لغير حاجة) التنحنح استثناه بعض العلماء لحاجة، كأن يجد في صدره ما يوجب التنحنح، أو يتنحنح للتنبيه، فقالوا: إنه يكون في حكم التسبيح، وقد جاء عن علي رضي الله عنه أنه: (كان إذا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بالليل تنحنح له عليه الصلاة والسلام)، فهذا يعتبره العلماء بمثابة التسبيح؛ فإن التسبيح فيه حروف وجمل، فإن (سبحان الله) جملة، وبناءً على ذلك قالوا: لا تبطل الصلاة إذا وجدت الحاجة الداعية إلى أن يتنحنح، خاصة لورود حديث علي رضي الله عنه في السنن.
أما إذا انتحب -وهو الصوت الذي يكون مع البكاء-، وكان نحيبه من خشية الله فبعض العلماء يقول: إذا أصدر الأصوات وأزعج فإن صلاته تبطل، وخرج عن كونه مصلياً، وقد أثر عن عمر رضي الله عنه أنه: (كان يسمع نشيجه وبكاؤه من آخر الصفوف)، لكن هذا النحيب من عمر وأمثال عمر إنما هو من مغلوب عليه، أما أن يتكلف الإنسان ويحاول أن يغلب نفسه لكي تبكي، ويرفع صوته بذلك فلا شك أن هذا يوجب بطلان صلاته، خاصة إذا علت الأصوات وشوش على المصلين، ولا يأمن على صاحبه من الرياء، نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك تجد بعض العلماء والأخيار والصالحين يغالب نفسه في البكاء، ويحاول أن لا يبكي حتى يغلب، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه الله برحمته الواسعة (إذا خطب في الناس وبكوا قطع الخطبة وجلس خوف الرياء).
فإذا كان الإنسان مغلوباً على البكاء فلا حرج، خاصة إذا كان من خشية الله عز وجل، أما إذا كان بكاؤه تكلفاً ويغالب به نفسه وحصلت من الأصوات الحروف فإنه يحكم ببطلان صلاته وخروجه عن كونه مصلياً.
(51/3)
________________________________________
ترك الركن وغاية تداركه
قال المصنف رحمه الله: [فصل: ومن ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه فيها].
من ترك ركناً فإما أن يكون تكبيرة الإحرام، وإما أن تكون غيرها، فمن ترك تكبيرة الإحرام بطلت صلاته؛ لأن الصلاة لا تنعقد بغير تكبيرة الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث علي: (تحريمها التكبير)، وهو حديث صحيح، فلو أن إنساناً وقف ظاناً أنه كبر تكبيرة الإحرام وقرأ الفاتحة وركع وسجد، ثم تذكر أنه لم يكبر تكبيرة الإحرام فصلاته لم تنعقد أصلاً، فتكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة بغيرها.
أما بالنسبة لغير تكبيرة الإحرام، كأن ترك قراءة الفاتحة، بأن كبّر ثم سها فقرأ السورة التي بعد الفاتحة، ثم ركع، فتذكر وهو في الركوع أو بعد الركوع، فحينئذٍ قال بعض العلماء: من نسي ركناً وشرع في الركن الذي يلي الركن الذي بعده فإنه يلزمه قضاء الركعة؛ لأنهم يرونه بدخوله في الركن البعدي قد ابتعد ولم يمكنه التدارك؛ لأنه قد اشتغل بركن غير الركن الذي هو فيه، فلا يرجع.
وقال بعضهم: العبرة بأربعة أركان، فإن دخل في الركن الرابع لم يرجع للذي قبله؛ لأنه في الركن الأول والثاني والثالث يمكنه أن يتدارك، أما فيما بعد الأركان الثلاثة بدخوله للرابع فإنه لا يمكنه التدارك.
وقال بعضهم: إن دخل أو شرع في قراءة الركعة التي بعد الركعة التي سها فيها فحينئذٍ قد خرج عن التدارك، وإن كان قبل ذلك يتدارك.
وهذا هو الذي درج عليه المصنف، وهو الأقوى والأرجح إن شاء الله، فمن نسي ركناً وتذكر هذا الركن قبل أن يدخل في قراءة الركعة التي تلي الركعة التي سها فيها فإنه يرجع ويتدارك الركن، فلو نسي الفاتحة فركع وتذكر وهو راكع فإنه يرفع رأسه بدون ذكر، ويقرأ الفاتحة ويقرأ السورة التي تليها، ويتم الصلاة على سننها وطريقتها، ثم يسجد بعد السلام؛ لأنه زاد ركن الركوع قبل أن يفعل ركن القراءة.
وكذلك لو تذكر في ركن ثان، كأن نسي قراءة الفاتحة وركع ثم رفع من الركوع، فإذا تذكر في حال الرفع من الركوع فإنه يقرأ الفاتحة ثم ما بعدها من سورة، ثم يتم الصلاة على سننها ويسجد للزيادة.
وكذلك لو تذكر أنه لم يقرأ الفاتحة وهو في السجدة الأولى، أو بين السجدتين، أو في السجدة الثانية من الركعة التي نسي فيها، فإنه يقوم مباشرة بدون ذكر ويقرأ الفاتحة والسورة التي تليها، ويتم الصلاة على سننها ويسجد للزيادة.
والسبب في هذا أنه بمجرد تركه للركن لا يزال خطاب الشرع عليه بقراءة الفاتحة، فلما ركع أوقع الركوع في غير موقعه؛ لأن الركوع في هذه الركعة لا يصح إلا بعد قراءة الفاتحة، فكأنه فعل شيئاً خارجاً عن الصلاة، فلم يعتد بوقوع ذلك الشيء ورجع للتدارك، وهكذا لو رفع أو سجد أو كان بين السجدتين، ففي الجميع قد توجه عليه الخطاب أن يقرأ الفاتحة فيرجع تداركاً لأمر الشرع، ويكون انتقاله لهذه الأركان مغتفراً لمكان السهو، ويلزم بسجود السهو البعدي لمكان الزيادة، فقد زاد شيئاً من جنس الصلاة، فهذا وجه كونه لم يرجع ما لم يدخل في ركعة ثانية.
أما لو دخل في الركعة الثانية، كما لو نسيت الفاتحة فركعت ورفعت وسجدت، ثم سجدت السجدة الثانية، ثم قمت إلى الركعة الثانية وقرأت الفاتحة، فقد دخلت في ركعة جديدة، وألغيت ركعتك الأولى، وحينئذٍ وقع الخلاف في كونه يلفق أو يلقي: فقال بعض العلماء: يلغي الركعة الأولى كأنها لم توجد؛ لأن هذه الركعة وجودها وعدمها على حد سواء.
وقال بعضهم: يقضي ركعة بعد انتهائه من الصلاة.
وفائدة الخلاف: أنك لو صليت الركعة الأولى ونسيت فيها الفاتحة، ثم قمت إلى الركعة الثانية وشرعت في قراءة الفاتحة، فبعد انتهائك من الركعة الثانية فإنك على أحد القولين تقوم بناءً على أن الركعة الأولى ألغيت وأنت في الثانية، وهو الأقوى والأصح إن شاء الله.
وعلى القول الآخر تجلس للتشهد، ثم تأتي بالركعتين الأخريين، ثم تقضي ركعة كاملة.
والأقوى ما ذكرناه؛ لأن الأولى تلغى لكونها غير معتدٍ بها، ويلزمه أن يأتي بالركعة الثالثة بعد الركعة الثانية على الصورة المعهودة في الصلوات.
قال رحمه الله تعالى: [وقبله يعود وجوباً فيأتي به وبما بعده].
أي: قبل أن يشرع في الركعة الثانية يرجع ويتدارك وجوباً، كما لو نسي الفاتحة وتذكرها وهو راكع فإنه يرجع مباشرة، وهكذا لو تذكرها وهو ساجد، وقس على هذا.
قال رحمه الله تعالى: [وإن علم بعد السلام فكترك ركعة كاملة].
ذلك بأنه إذا لم يقرأ الفاتحة في الأولى، أو الثانية، أو في الثالثة، أو الرابعة فكتركه لركعة، أي: يلزمه أن يرجع إلى مصلاه، أو يستقبل القبلة إن بعد عنه المصلى ويتم ركعة كاملة.
فكأنه يقول: ابن الحكم في هذه المسألة على المسألة التي تقدمت معنا فيمن سلم من ركعتين، فلو أنك سهوت عن الفاتحة ولم تتذكر إلا بعد السلام، فإن طال الفصل فإنك حينئذٍ تستأنف الصلاة وتعيدها كاملة، وإن لم يطل الفصل فحينئذٍ تأتي بركعة كاملة.
فهذا وجه تشبيهه؛ لأنه كتركه لركعة، وبناءً على ذلك فإن طال فصله فعلى مذهب المصنف رحمه الله يستأنف الصلاة وتبطل صلاته الأولى، وإن لم يطل الفصل فإنه يبني ويأتي بركعة كاملة قضاءً لهذه الركعة التي اختلت بفوات ركنها.
وأما على المذهب الذي قلنا: إنه أقوى فعلى ظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن تذكر أنه لم يقرأ الفاتحة وهو داخل المسجد فإنه يستقبل القبلة ويتم صلاته على الصورة التي ذكرناها.
(51/4)
________________________________________
ترك التشهد الأول ومتى يتدارك حال النسيان
قال رحمه الله تعالى: [وإن نسي التشهد الأول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً].
هذه المسألة تتعلق بنسيان الواجبات، والمسألة الأولى في نسيان الأركان، فذكر لك رحمه الله حكم ما إذا نسي الركعة بكاملها، وفصّل لك بين أن يطول الفصل وألا يطول، ثم إن نسي جزء الركعة، وفصّل بين أن يتذكر داخل الصلاة أو بعد الفراغ من الصلاة، ثم انتقل إلى نسيان الواجبات، كأن ينسى التشهد الأول ويقوم إلى الركعة الثالثة، فإذا نسي التشهد الأول، كما لو صلى الركعة الأولى والثانية، ثم بدل أن يجلس للتشهد انتصب قائماً، فحينئذٍ إذا انتصب قائماً فإنه انتصب عوده واستتم قائماً فإنه لا يرجع إلى التشهد، ويسقط عنه التشهد لحديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، وسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم)، ومثله حديث المغيرة بن شعبة حينما كان أميراً على الكوفة، فإنه سها وقام ولم يجلس في التشهد الأول، فسبحوا له، فأشار إليهم أن: قوموا.
ورفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل فدل هذا على أن من نسي التشهد الأول واستتم قائماً أنه لا يرجع، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام تداركاً لهذا الواجب الذي تركه.
وهناك أقوال أخر للعلماء في هذه المسألة: فقد قال بعضهم: بمجرد مفارقته للأرض لا يعود.
- وقال بعضهم: إذا استتم قائماً وشرع في الفاتحة.
- وقال بعضهم: ما لم يركع.
فهذه كلها أقوال للسلف رحمهم الله.
وأقواها أنه يعود ما لم يستتم قائماً؛ لأنها صورة حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه انتصب قائماً، ولم يذكر الراوي شروعه في الفاتحة، ولا قدر الشروع في الفاتحة، والذي يظهر أن الصحابة رفعوا رءوسهم مباشرة، وأنت إذا تأملت حاله فالغالب أنه إذا كبّر عليه الصلاة والسلام فتكبيره كان مقارناً بقيامه، فإذا تأملت حال الصحابة أنهم رفعوا رءوسهم سيكون تسبيحهم بمجرد استتمامه قائماً، ولا شك أنه يقوي القول بأنه قبل قراءته للفاتحة، وأن العبرة باستتمامه قائماً، فكما أنه قوي من جهة الأثر فإنه قوي من جهة النظر؛ لأنه إذا استتم قائماً قد دخل في الركعة التي تلي واجب التشهد، فيقوى حينئذٍ اشتغاله بالركن عن الرجوع إلى الواجب.
وعليه فيقوى أن يقال: إنه يتم بناءً على وقوفه، ولا يشترط قراءته للفاتحة.
قال رحمه الله تعالى: [فإن استتم قائماً كره رجوعه وإن لم ينتصب لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع وعليه السجود للكل].
المصلي إذا يستتم قائماً، كأن تحرك أو وثب فلما وصل إلى درجة الركوع سبحوا له فإنه يلزمه الرجوع؛ لأنه لا يعتبر متلبساً بالركن ولا داخلاً فيه إلا عند استتمامه بالقيام، ويلزمه حينئذٍ الرجوع، وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مفاد قوله: (وإن لم ينتصب لزمه الرجوع) وحينئذٍ إذا تركه متعمداً بطلت صلاته، فلو أنه تحرك للقيام فسبحوا له وعلم أنه قد ترك التشهد فقام عالماً متعمداً، ولم يتأول مذهب من يقول بمفارقة الأرض، فحينئذٍ يحكم ببطلان صلاته؛ لأن من ترك واجباً من واجبات الصلاة متعمداً بطلت صلاته.
قوله: [وإن شرع في القراءة حرم الرجوع] أي: حرم عليه أن يرجع إلى التشهد، فبين لك رحمه الله متى يلزم بالرجوع للتشهد، ومتى يلزم بالبقاء وإتمامها، فقال: إن فارق الأرض ولم يستتم قائماً وجب عليه أن يرجع؛ لأن الخطاب متوجه عليه بالجلوس للتشهد، وإن استتم قائماً لزمه إتمام الركن؛ لأن الخطاب متوجه عليه بإتمام الركعة، وحينئذٍ لا يرجع للتشهد، فلو رجع فقد حكم بعض العلماء ببطلان صلاته؛ لأنه زاد ركن القيام.
وقال بعضهم: يحكم ببطلان صلاته؛ لأنه زاد التشهد بعد سقوطه عنه.
وكلا القولين والتخريجين صحيح.
وقال بعض العلماء بالتفريق بين الجاهل وبين العالم على الأصل الذي يسلكه بعض الأصوليين في العذر بالجهل، وكون الجاهل يعذر بالجهل بعد استقرار الأحكام أو لا يعذر مسألة معروفة عند الأصوليين.
وقوله: [وعليه السجود للكل].
فيه صورتان: الأولى: أن يستتم قائماً ويقرأ الفاتحة ولا يرجع، فيكون سجوده عن نقص، ويكون قبل السلام.
الثانية: أن يكون قد ارتفع من الأرض ولم يستتم قائماً ورجع فيكون سجوده للزيادة؛ لأنه زاد الحركة -التي هي قيامه ومفارقته للأرض قبل استتمامه- ما بين جلوسه وما بين استتمامه قائماً، وهذه الحركة زائدة؛ لأنه مطالب أن يجلس للتشهد، فكونه يزيد الوقف أو التحرك للوقوف فإنه يطالب بسجدتي السهو جبراً لهذه الزيادة.
ولما كان المذهب لا يفرق بين الزيادة والنقص قال: (وعليه السجود) للكل وسكت، لكن من يفصل يقول: يسجد للزيادة إن كان قد رجع، ويسجد للنقص إن كان قد استتم قائماً.
(51/5)
________________________________________
الشك في الركعات والأركان
قال رحمه الله: [ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل، وإن شك في ركن فكتركه].
بعد أن بيّن لنا رحمه الله النقص والزيادة وأحكامها في سجود السهو شرع بإلحاق مسائل ملتحقة بهذا، وهي تصرف الإنسان في حال الشك.
والشك: هو استواء الاحتمالين، فلو صليت الصبح ولم تدر هل صليت الركعة الثانية، أم صليت ركعة واحدة فحينئذٍ كأنك لم تصل الثانية إذا استوى عندك الاحتمالان، أما لو ترجح عندك أو غلب على ظنك رجحان أحد الاحتمالين فحينئذٍ تبني على غالب ظنك، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سلم من اثنتين، بناءً على ظنه الغالب.
وقال بعض العلماء: الشك والتردد يوجب البناء على الأقل مطلقاً.
والأقوى أنه يتحرى الصواب ويبني على غالب ظنه.
والبناء على غالب الظن هو أن توجد قرائن تدل على أنه ليس في الركعة الثانية، كأن يحس أن الوقت قصير جداً بحيث لا يتسع لصلاة ركعتين، فحينئذٍ يبني على واحدة، أما لو أحس بطول الزمان، وقراءته قليلة، وغلب على ظنه أنه صلى الركعتين فحينئذٍ يبني على أنه أتم الصلاة ولا يأتي بالركعة الثالثة.
والأصل في هذا حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح أن النبي صلى قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى تماماً كانتا ترغيماً للشيطان)، فدل على أنه مطالب بالأخذ بالأقل، وهذا مفرّع على القاعدة المشهورة: (اليقين لا يزول بالشك)، فمن كان شاكاً: هل صلى واحدة أو اثنتين فهو على يقين من واحدة وشك من اثنتين، واليقين أنه مأمور بركعتين، فحينئذٍ لا تبرأ ذمته إلا بيقين، فيلزمه حينئذٍ أن يأتي بالركعة الثانية، ويقاس على هذا تكبيرات الجنائز، فلو شك هل كبّر واحدة أو اثنتين فإنه يبني على واحدة، ولو شك في أشواطه في طوافه بالبيت فإنه يبني على الأقل، وهكذا السعي بين الصفا والمروة، فكل هذا يبني فيه على الأقل، وفي الصلاة يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من هاتين السجدتين، فقال: (إن كان صلى تماماً -يعني: أربعاً- كانتا ترغيماً للشيطان)، وذلك أن الشيطان يتألم من سجود ابن آدم، فإذا رأى ابن آدم ساجداً تولى يصيح: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار.
فإن كنت صليت تماماً فيكون بناؤك صحيحاً واعتبارك لليقين صحيحاً، وتكون السجدتان ترغيماً للشيطان؛ لأنه أدخل عليك الوسوسة بالشك فيؤذى بالسجود، وأما إن كانت صلاتك زائدة وكانت الركعة التي صليتها ركعة خامسة في رباعية، أو رابعة في ثلاثية، أو ثالثة في ثنائية، فإن السجدتين تشفعان هذه الركعة، فتلغيانها كأنها لم توجد، وصلاتك صحيحة ومعتبرة.
وقوله: [وإن شك في ترك ركن فكتركه]، أي: إذا شك في ترك الفاتحة أو عدم تركها فإنه كما لو تركها، ويلزمه أن يقرأ الفاتحة، وهكذا أي ركن سواها.
(51/6)
________________________________________
حكم الشك في ترك واجب
وقوله: [ولا يسجد لشك في ترك واجب أو زيادة].
فرق العلماء بين الواجب والركن لوجود الأصل في الركن الذي دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثاً فليبن على اثنتين)، فاعتبر عليه الصلاة والسلام في الأركان الأقل، وبقي الواجبات على الأصل، وبناءً على ذلك فإنه يلزم بسجود السهو إذا تيقن أن شكه باطل، سواء أتيقن أثناء أدائه أم تيقن بعد انتهائه.
مثال ذلك: لو قام إلى الركعة الخامسة ظاناً أنه قد صلى ثلاثاً، وأن هذه التي قام لها هي الرابعة، فإنه إذا تذكر أثناء صلاته للركعة الخامسة وأدائه لها لزمه أن يجلس مباشرة، وحينئذٍ يسجد بعد السلام لمكان الزيادة بالقيام والقراءة إن وجدت.
وكذلك الحال لو تذكر أنه لم يفعل واجباً ثم تبين له أنه فعله، كما لو رفع رأسه من الركوع فقال: (سمع الله لمن حمده)، ثم شك: هل قال أو لم يقل، أو شك هل كبر للسجود أو للركوع أو لم يكبر؟ هذه الواجبات إذا شك في وقوعها فإنه حينئذٍ يتدارك إذا أمكنه التدارك، وأما إذا لم يمكنه التدارك فإنه حينئذٍ يسجد للسهو قبل السلام، على الأصل الذي ذكرناه: أن نقص الواجبات يجبر بسجود السهو.
(51/7)
________________________________________
ما يحمله الإمام عن المأموم
قال رحمه الله تعالى: [ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإمامه].
وهذا مبني على أن الإمام يحمل عن المأموم نقص الواجبات، ولا يحمل عنه نقص الأركان، ويحمل عن مأمومه الزيادة، فإذا زاد المأموم وراء إمامه سهواً فإن الإمام يحمل عنه هذه الزيادة.
فلو أنك كنت وراء الإمام، فسهوت وركعت ظاناً أن الإمام راكع، أو قرأ الإمام فاختلجت عليك القراءة فظننت أنه يكبر فكبرت راكعاً، فهذه زيادة وراء الإمام، وهي ركن، فالإمام يحمل عنك هذا الركن الذي زدته.
وكذلك لو زدت واجباً وراء الإمام، فعلى القول بأن المأموم يقتصر على قوله: (ربنا ولك الحمد) فإن قلت وراء الإمام ساهياً: (سمع الله لمن حمده) فزدت واجباً، فإن الإمام يحمل عنك هذا الواجب الذي زدته سهواً.
والدليل على أن الإمام يحمل عن المأموم الواجبات ظاهر حديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن)، وهذا الضمان فسره غير واحد من أهل العلم أنه حمل الإمام عن المأموم.
وبناءً على ذلك فيحمل عن المأموم الواجبات إذا نسيها، ويحمل عنه زيادة الأركان، فيعتبر كأنه لم يزد في صلاته إذا كان وراء إمامه.
(51/8)
________________________________________
حكم سجود السهو
قال رحمه الله تعالى: [وسجود السهو لما يبطل عمده واجب].
أي أن سجود السهو لجبر الواجبات وجبر الأركان واجب.
وقد اختلف العلماء في حكم سجود السهو: فمنهم من قال: إنه واجب.
ومنهم من قال: إنه سنة.
ومنهم من يفصل بين سجود الزيادة وسجود النقص، فيوجبه في النقص ولا يوجبه في الزيادة.
والصحيح وجوبه على العموم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فليسجد سجدتين)، فهذا أمر والأمر ظاهره الوجوب، ولا دليل يدل على صرف هذا الأمر عن ظاهره.
فالأصل في سجود السهو أنه للوجوب، لكن هذا الوجوب يتقيد في جبر الواجبات؛ والأركان لا تجبر إلا بفعلها.
وبناءً على ذلك فإن سجود السهو لجبر الواجبات واجب، أما لو سها في صلاته بزيادة ذكر في غير موضعه كقراءة الفاتحة في حال الركوع أو السجود فإنه يشرع ولا يجب، على التفصيل الذي ذكرناه عند كلام المصنف رحمه الله على زيادة الأقوال المشروعة في غير موضعها.
قال رحمه الله تعالى: [وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط وإن نسيه وسلم سجد إن قرب زمانه].
سجود النقص إذا تركه متعمداً بطلت صلاته إذا كان السجود قبل السلام، أما عند من يقول بالسجود بعد السلام فإنه يمكن أن يتدارك بعد سلامه، فلو تعمد ترك السجود عند من يقول بوجوبه فهو كترك واجبات الصلاة، وهذا المذهب صحيح، فمن ترك واجباً كالتسميع والتحميد وتكبيرات الانتقال، ثم علم أنه ترك هذا الواجب ناسياً، وتعمد ترك سجود السهو قبل السلام بطلت صلاته كما لو ترك واجباً متعمداً، وذلك أن سجدتي السهو جبر، لهذا الواجب، فكونه يترك سجدتي السهو متعمداً كما لو تعمد ترك هذا الواجب أصالة، وبناءً على ذلك تبطل صلاته بترك سجود السهو من هذا الوجه.
وقوله: [وإن نسيه وسلم سجد إن قرب زمانه] أي: إن نسي سجود السهو جبره إن قرب زمانه، كالحال في الأركان، فإذا كانت الركعات يمكن تداركها مع قرب الزمان فإن الواجبات من بابٍ أولى وأحرى.
مثال ذلك: لو صليت فنسيت تكبيرات الانتقال أو التسميع أو التحميد، أو نسيت التشهد الأول، ثم صليت وسلمت ونسيت أنك قد نسيت هذا الواجب فلم تسجد للسهو، ومكثت في مصلاك، ثم تذكرت قبل أن يطول الفصل فإنك تسجد سجدتي السهو وتسلم، ولا يلزمك شيء.
وكذلك الحال لو أنه قام من مصلاه -على القول بأنه ما دام في داخل المسجد- ثم تذكر، فإنه يستقبل القبلة ويسجد سجدتي السهو، ويصح ذلك منه ويجزيه.
(51/9)
________________________________________
تكرار السهو في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [ومن سها مراراً كفاه سجدتان].
أي: من ترك أكثر من واجب فإنه تكفيه سجدتان، ويدل على ذلك ظاهر السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك التشهد الأول كان التشهد مشتملاً على الجلوس للتشهد، وعلى تشهده، وعلى التكبير الجلسة؛ لأن تكبيره الذي قام فيه للركعة واقع بعد التشهد.
وبناءً على ذلك فقد حصل هنا أن ثلاثة واجبات قد تركت، فتداخلت في سجود النبي صلى الله عليه وسلم، واعتبرها بمثابة الواجب الواحد، فهكذا الحال لو ترك واجبات متفرقة فيسجد لها سجدتين وتجزيه، ويتداخل السهو في هذه المسألة.
(51/10)
________________________________________
الأسئلة
(51/11)
________________________________________
حكم تكرار قراءة الفاتحة في الركعة الواحدة

السؤال
رجل صلى الفجر، وفي قراءة السورة التي بعد الفاتحة سجد للتلاوة، ثم بعد الرفع سها وقرأ الفاتحة وسورة بعدها وتذكر قبل التسليم، فما الحكم في ذلك؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن هذا قد زاد ركناً قولياً وهو قراءته للفاتحة بعد قيامه من سجود التلاوة، ويلزمه أن يسجد بعد السلام، على القول بأن سجود الزيادة بعد السلام، وصلاته صحيحة إن شاء الله.
والله تعالى أعلم.
(51/12)
________________________________________
حكم استئناف الصلاة من جديد إن علم نقصانها بعد الصلاة

السؤال
رجل صلى الفجر وسلم بعد ركعة واحدة، وأخبر قبل أن يبرح من مكانه، ولكنه لم يتم بل استأنف الصلاة من جديد، فما هو الحكم؟

الجواب
هذا الفعل خلاف السنة، وبناءً على ذلك فلا شك أنه لو علم بالسنة وتعمد هذا الفعل فقد خالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدث وتنطع، وذلك أنه لم يجتزئ بالرخصة التي وسّع الله على عباده؛ لأنه كان يكفيه أن يستقبل قبلته ويتم ركعة واحدة، فتنطع واعتقد عدم الإجزاء فزاد على الشرع، ولذلك يعتبر فعله هذا من الحدث والابتداع، أما لو كان جاهلاً ولم يعلم الحكم وأحب أن يحتاط ويستبرأ فحينئذٍ يجزيه فعله، ولا حرج عليه.
إلا أن بعض العلماء قال: إنه يعتبر منتهياً من الصلاة بالركعة الأولى من الركعتين الأخيرتين؛ لأنه لما قام وجاء بركعة تمت صلاته الأولى فيسجد حينئذٍ للسهو، وتجزئه صلاته في هذه الحالة لمكان العذر بالجهل، كما لو سها وزاد ركعة على صلاة ثنائية فصلاها ثلاثاً، فبهذا يكون قد صلى مرة واحدة على هذا القول، لكن القول الثاني يرى أنه قد صلى صلاتين: الصلاة الأولى لاغية والصلاة الثانية مستأنفة.
والله تعالى أعلم.
(51/13)
________________________________________
موضع سجود السهو في الزيادة والنقص

السؤال
صليت الظهر وأدركت مع الإمام الركعة الأخيرة، فلما سلم أكملت الصلاة، فلما قمت من الركعة الثانية نسيت التشهد، ثم في الركعة الثالثة جلست للتشهد سهواً، ثم قمت للرابعة، فهل السجود هنا قبل السلام أم بعده؟

الجواب
هذه المسألة اجتمع فيها سجود السهو للزيادة والنقص، أما النقص فلكونك قمت بعد الركعة الأولى من قضائك؛ لأن الأصل أنك بعد الركعة الأولى من القضاء تجلس للتشهد؛ لأن أصح أقوال العلماء أن من فاته شيء مع إمامه أنه يبني على صلاته على ظاهر حديث أبي هريرة في الصحيح، فكان يلزمك أن تجلس لهذا التشهد الأول، ويعتبر هذا تشهداً أولاً بالنسبة لك، وقد سهوت وأنت ترى هذا القول، فتكون قد تركت واجباً، فهذا هو النقص في صلاتك، ثم لما قمت إلى الركعة الثانية من القضاء والثالثة بالنسبة للصلاة كان يلزمك بعد سجدتها الثانية أن تقوم للركعة الرابعة، ولكنك جلست ساهياً على سبيل السهو، فحدثت زيادة التشهد بين الركعتين الأخريين، وليس في الأخريين من الظهر أو العشاء أو العصر تشهد بينهما، فهذا هو مكان الزيادة في صلاتك، فاجتمع في صلاتك وصف الزيادة ووصف النقص، فبعض العلماء يقول: إذا اجتمعت الزيادة والنقص اجتزأ بسجدتين قبل السلام، خاصة على مذهب المصنف ومن وافقه في كون السجود كله قبل السلام، وأما على مذهب من يرى التفصيل فهذا هو الذي يقع فيه الإشكال، فهل يغلب النقص فيسجد قبل السلام، أم يغلب الزيادة فيسجد بعد السلام، أم يجمع بينهما فيسجد قبلياً وبعدياً؟ فالوجه الأقوى عندهم: أنه يغلب جانب النقص لاتصاله بالصلاة ويسجد السجدتين، وتكون بهذا صلاته تامة صحيحة.
والله تعالى أعلم.
(51/14)
________________________________________
صلاة من لا يجيد قراءة الفاتحة

السؤال
هناك امرأة كبيرة في السن ولا تعرف أن تصلي بغير الفاتحة، وقد لا تجيد الفاتحة كذلك، ولا تحسن الحفظ لكبر سنها، فما هو العمل مع هذه المرأة الكبيرة؟

الجواب
إذا كان الشخص لا يستطيع أن يُعلّم الفاتحة لمكان صمم أو نحو ذلك أو لا يستطيع أن يضبط الفاتحة لكبر سنه وضعف ذاكرته، فإنه يحفظ قدر ما يستطيع، ويجزيه ذلك القدر الذي يمكنه حفظه ولو آية من الفاتحة، فإذا حفظه أجزأه.
ثم قال بعض العلماء: يسبح ويكبر ويذكر الله عز وجل على قدر ركن الفاتحة؛ لأن الله أوجب عليه أمرين: الأمر الأول: قراءته للفاتحة.
الأمر الثاني: إن تعذر عليه أن يقرأ الفاتحة في الوقت المستغل للفاتحة فعليه أن يقرأ قدر ما يستطيع من الآيات، ثم يذكر الله بقدر قراءة الفاتحة، ثم يركع، ثم يفعل ذلك في بقية الركعات الأخر.
والله تعالى أعلم.
(51/15)
________________________________________
تحية المسجد لمن فارق المسجد بنية الرجوع إليه

السؤال
من خرج من المسجد وفي نيته الرجوع كمن أراد الوضوء، فهل تجب عليه تحية المسجد، أثابكم الله؟

الجواب
جماهير أهل العلم على أن من خرج من المسجد ولو خطوة واحدة يلزمه أن يصلي ركعتي التحية، وهذا القول هو الذي دلت عليه السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين)، فقوله: (إذا دخل) يعيد ذلك، فإن الإنسان بمجرد خروجه من الباب ورجوعه ثانية يصدق عليه أنه دخل، وبناءً على ذلك يستوي أن يطول الزمان أو يقصر.
أما القول بأنه إذا كان في نيته أن يرجع فلا يصلي تحية المسجد فهذا القول محل نظر؛ لأنه ما من إنسان صلى فرضاً من الفروض إلا وفي نيته أن يرجع ليصلي الفرض الذي بعده، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابي: (قم فاركع ركعتين) وأمره أن يترك الاستماع للجمعة من أجل هاتين الركعتين لكونه دخل المسجد، ولم يقل له: هل كان في نيتك أن تعود إلى المسجد، أو لم يكن في نيتك؟ ثم إن التفصيل بأنه إذا قرب العهد كما لو ذهب ليتوضأ ورج لا يصلي، وإن طال العهد يصلي، تفصيل وتفريق بدون دليل؛ لأن الطول والقصر يحتاج إلى دليل باعتبار الأصل، والأصل لم يقم عليه دليل، فلا وجه للتفريق بين طول الزمان وقصره؛ لأنه استحسان، والاستحسان لا يعارض العموم، فإن عموم النص: (إذا دخل أحدكم المسجد) يلزم المكلف بأداء هذه الصلاة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم كل داخل إلى المسجد، وهذا القول لا شك أنه قول جماهير العلماء، وهو أولى بالصواب لدلالة السنة عليه.
وبعض العلماء يستثني النية، وهذا مذهب مبني على تغليب الباطن على الظاهر، فيقولون: في الظاهر أنه دخل، لكن كونه في نيته أن يعود فإنه في حكم الجالس في المسجد.
وهذا محل نظر؛ فإنه بخروجه عن المسجد لا يعطى حكم المصلي، فخرج عن كونه في المسجد أصلاً، ولذلك لو فعل الأفعال التي تخالف مقصود المسجد من بيع وشراء صح منه ذلك وأجزأه، ولا عتب عليه ولا ملامة؛ لأنه خارج عن كونه في المسجد، وتغليب الباطن على الظاهر لا يقع إلا في صور، وليست هذه الصور منها، أي: كونه في نيته أن يرجع، فهذا تغليب للباطن على الظاهر، ولا شك أن إعمال الظاهر الذي دلت عليه السنة أقوى وأولى.
والله تعالى أعلم.
(51/16)
________________________________________
الأحكام المترتبة على سقوط الجنين وهو ابن ثلاثة شهور

السؤال
ما هي الأحكام المترتبة على سقوط جنين عمره نحو ثلاثة شهور، لم تتضح أعضائه، وذلك فيما يتعلق بصيام المرأة التي أسقطت وصلاتها؟

الجواب
إذا أسقطت المرأة وكان الذي أسقطت ليس فيه صورة الخلقة واسترسل معها الدم، فإن هذا الدم دم استحاضة وليس بدم نفاس على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم، فالعبرة بالتخلق، فإن وجد في هذا الذي سقط منها صورة الآدمي، أو صورة أعضائه وأجزائه أخذت حكم النفاس وامتنعت مما تمتنع منه النفساء.
أما لو لم تكن فيه صورة الخلقة فإن هذا الدم لا يعتبر دم نفاس ما لم تميزه، فإن ميزت أنه دم حييض دخلت في حكم الحيض، كأن يجري معها يومين أو ثلاثة أيام ثم ترى أوصاف دم الحيض، فتكون قد انتقلت من الاستحاضة التي كانت عقب الإسقاط إلى الحيض الذي دخلت فيه بصفته.
والله تعالى أعلم.
(51/17)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة التطوع [1]
صلاة التطوع هي الصلاة النافلة غير الواجبة، وتنقسم إلى: قسم محدد مقيد، وقسم مطلق غير مقيد، فمن الأول: الكسوف، والاستسقاء، والتراويح، والوتر، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، وينبغي على المؤمن الحرص على النافلة قدر المستطاع.
(52/1)
________________________________________
صلاة التطوع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [باب صلاة التطوع].
تقدم تعريف الصلاة، وأما التطوع فهو تفعُّل من الطاعة، يقال: تطوع الرجل: إذا تبرع بالشيء، وأصل التطوع: النافلة التي ليست بواجبة على المكلف، ولذلك يوصف كل شيءٍ فعله الإنسان من العبادات دون أن يكون لازماً عليه على سبيل القربة والطاعة لله عز وجل بكونه تطوعاً، فيقال: هذه صلاة تطوعٍ، وهذه صدقة تطوعٍ.
ونحو ذلك، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة:79]، فالمراد بهم المتبرعون بصدقاتهم الذين دفعوها ولم تكن لازمةً عليهم.
ومن فوائد هذه النوافل أنه إذا كان هناك نقص في الفرائض فإنها تجبر بما كان من النوافل، وهذه النوافل فيها حِكَم، خاصةً إذا كانت قبل العبادات المفروضة، فإنها تهيئ المكلف لفعل العبادة المفروضة، فإذا دخل الإنسان إلى العبادة المفروضة وكان قد تنفل قبلها قويت نفسه على العبادة المفروضة لحدث عهده بالطاعة، وتوضيح ذلك أن الإنسان إذا دخل مباشرةً إلى الفريضة يكون إقباله على الله في حال أضعف من حاله إذا سبق الفريضة بنافلة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)، إذا سبق الفريضة بنافلةٍ فإن نفسه تقوى على أداء الفريضة أكثر، ويكون أكثر انشراحاً صدره، وأقوى لفهم آيات ربه.
(52/2)
________________________________________
أقسام صلاة التطوع
الصلاة التي توصف بكونها تطوعاً تنقسم إلى قسمين: قسم محدد ومقيد، وقسم مطلق غير مقيد، ولا شك أن المحدد يعتبر أفضل من المطلق، وذلك أن تحديد الشرع له يدل على عنايته به، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن فضل النوافل المقيدة بأحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها).
وإخباره عن الله تعالى في الحديث القدسي أنه قال: (يا ابن آدم اكفني أربع ركعات في أول اليوم أكفك آخره).
ففي هذه النوافل المقيدة كصلاة الضحى وركعتي الفجر فضل وعلو درجة على النافلة المطلقة، وأفضل الصلوات صلاة الليل، فصلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ لأن الليل مظنة أن يكون الإنسان مجهداً من عناء النهار، فكونه يتقرب إلى الله عز وجل مع أنه وقت راحته وسكونه واستجمامه وأنسه بأهله فإن ذلك أبلغ وأعظم في تقربه إلى الله عز وجل.
ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد يقوم من الليل، فإذا قام وصلى قال الله تعالى: يا ملائكتي: عبدي ما الذي أقامه من حبه وزوجه؟)، فيكون نائماً بجوار زوجته فيذكر الجنة والنار فيتوضأ ويصلي بالليل، فيقول الله: (يا ملائكتي! عبدي ما الذي أقامه من حبه وزوجه؟ قالوا: إلهنا: يرجو رحمتك ويخشى عذابك.
قال: أشهدكم أني قد أمنته من عذابي وأدخلته في رحمتي)، فصلاة الليل أفضل من صلاة النهار، ولأن صلاة الليل فيها إخلاص، فإنها بعيدةٌ عن أنظار الناس، وبعيدة عن اطلاع الغير، ولذلك يكون الإنسان فيها أقرب، ولأن الليل فيه الثلث الذي ينزل فيه الله عز وجل، ويقول: (هل من داعٍ فأستجيب له)، فلذلك فضّل العلماء هذا النوع من النوافل.
أما النوافل المقيدة فإنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما شرعت له الجماعة، كصلاة العيدين والاستسقاء والخسوف والكسوف والتراويح والتهجد ونحوها من الصلوات التي شرعت جماعةً.
القسم الثاني: ما يقع فرادى، كصلاة الضحى وغيرها.
فهذا نوع وهذا نوع، وكلٌ قد ثبت الشرع بجواز أدائه على حاله، إن كان يصلى جماعةً فجماعة، وإن كان يصلى فرادى ففرادى.
فقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة التطوع] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام المتعلقة بصلاة التطوع.
(52/3)
________________________________________
آكد صلاة التطوع
[آكدها كسوف].
آكد الصلاة النافلة صلاة الكسوف، وهي الصلاة التي تكون بسبب ذهاب ضوء الشمس كله أو بعضه، فإن ذهب ضوء الشمس كله فإنه حينئذٍ يقال: كسوف كلي، وإن ذهب بعضه فإنه يقال: كسوف جزئي، وكذلك صلاة الخسوف، والخسوف: هو ذهاب ضوء القمر كله أو بعضه، وقد يطلق الخسوف على غياب الشمس، كما في حديث أم المؤمنين: (خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وصلاة الكسوف إنما فضلت على بقية الصلوات التي هي من النافلة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، حيث ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس على عهده قال الناس: كسفت لموت إبراهيم، وكان الناس في الجاهلية يعتقدون أن الشمس لا تنكسف إلا لموت عظيم أو لولادة عظيم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ونادى: الصلاة جامعة.
فاجتمع الناس، فصلى بهم عليه الصلاة والسلام وأطال قيامه على الصفة التي ستأتي إن شاء الله في صلاة الكسوف، ثم لما سلم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ثم قال: فإذا رأيتم ذلك -أي: كسوف الشمس- فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، فقوله: (فصلوا) أمر قالوا: فورد بها الأمر فكانت أعلى مراتب صلاة التطوع، ولأن هذا الأمر ورد على سبيل الجماعة على ظاهر النص.
(52/4)
________________________________________
الخلاف في أفضل الطاعات
صلاة التطوع فيها مسألة ذكرها العلماء رحمة الله عليهم وهي: هل صلاة التطوع أفضل الطاعات، أم هي دون غيرها من الطاعات الأخر؟ فمن المعلوم أن العبد إذا تقرب إلى الله إمّا أن يتقرب بواجب لازمٍ عليه، فهذا الذي اصطلح عليه بالفرائض، وإما أن يتقرب بالنوافل التي لا تجب عليه.
فاختلف العلماء في الأفضل من النوافل الذي ينبغي للعبد أن يكثر منه، فهل الأفضل أن يكثر الإنسان من الصلوات، أم الأفضل أن يكثر من الصيام، أم الأفضل أن يكثر من الذكر، أم الأفضل أن يكثر من الجهاد في سبيل الله، أم من الدعوة، أم من العلم؟ فقال الجمهور: أفضل الطاعات وأشرفها وأزكاها وأعظمها نفعاً للعبد في الدنيا والآخرة طلب العلم وتعليم الناس، ويعبرون عنه بقولهم: العلم.
فهو أفضل الطاعات وأشرف القربات لورود النصوص في الكتاب والسنة الدالة على عظيم منزلة أهله وشرفهم وعلوّ درجتهم وعظيم بلائهم، قال الله عز وجل في كتابه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9]، وهذا الاستفهام يدل على أنهم لا يستوون، فهذا نصٌ من كتاب الله يدل على أنه لا يستوي العالم والجاهل.
ثم إنَّ الله سبحانه وتعالى قد قرن العلم بالإيمان، وأخبر عن رفعة درجة أهل العلم والإيمان، فقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]، وقال: [درجات] ولم يقل: درجة.
والتعبير بالنكرة بصيغة الجمع يدل على أنها كثيرةٌ بإذن الله عز وجل.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين فضل رباط طالب العلم وصبره على طلب العلم وتحمله لمشاق العلم، وكذلك تحمله لمشاق العمل بهذا العلم، ومجاهدته للنفس والشيطان والهوى حتى يبلغ مرتبة العلم والعمل، فإذا بلغ مرتبة العلم والعمل جاءت مرتبة الدعوة إلى الله عز وجل بتعليم الناس، فهذه المراتب الثلاث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن علو درجتها، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، قال بعض السلف: في هذا دليل على أن من حُرم الفقه في الدين فقد حُرِم خيراً كثيراً.
فقوله: (من يرد الله به خيراً) يدل على أن الله أراد لأهل العلم خيري الدنيا والآخرة؛ ولذلك هم أنفع الناس وأصلح الناس، وأقربهم إلى الخير وأدعاهم إليه، وبهم تشحذ الهمم إلى الطاعات، ويتنافس الناس في الخيرات.
وأيضاً ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، ولذلك قالوا: إن المراد بهذا الحديث أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم وهو يغدو إلى مجالس العلم لشرف هذه العبادة وعظيم منزلتها، فالدين لا يصان ولا يحفظ إلا بطلب العلم، ولذلك إذا كثر العلماء انتشر الدين بين الناس وانتشر الخير، وحمل الناس على الطاعات والخيرات، وإذا قلّ العلم كثر الجهل وعظمت المصائب والبلايا بين الناس، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة فشو الجهل وقلة العلماء، وكان ابن عباس رضي الله عنه من تلامذة زيد بن ثابت، فلما توفي زيد قام على قبره وبكى، وقال: (ألا من سره أن ينظر كيف يقبض الله العلم فلينظر هكذا، ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهّالاً فسُئِلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا)، فصلاح الأمة موقوف على كثرة العلماء العاملين، وعلى وجود العلماء العاملين المخلصين في الدعوة إلى الله عز وجل.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن أفضل الأعمال فقال: أفضلها طلب العلم.
وفي رواية عنه: أفضلها العلم إذا صحت فيه النية.
قالوا: كيف تصح نيته؟ قالوا: ينوي أن يتواضع فيه، وأن يعلمه الناس.
أي: ينوي أن يجعل علمه للآخرة، كما قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص:83]، فينوي أن يصحح نيته، فهذا بخير المنازل عند الله عز وجل.
فهذا هو قول جمهور العلماء، ومن تأمل الواقع وتأمل الحال فإنه لا يشك أن طلب العلم هو أفضل القربات وأجلها وأعظمها.
فالمقصود أنه ظهر من ظاهر دليل الكتاب والسنة أن طلب العلم والعمل به وتعليمه للناس أفضل وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، وإذا تعارضت عند الإنسان الأعمال الخيرية فليبدأ بطلب العلم، ثم انظر إلى دليل العقل والنظر، فإنك إذا تأملت كثيراً من المشاكل والنوازل والمعضلات والمشكلات تجد أنها لا تحل إلا بالعلم، ولا يمكن للناس أن يجدوا من يحل لهم المشكلات ويرفعها عنهم بإذن الله عز وجل إلا العالم العامل، فالرجل يأتيك في جوف الليل لا يدري هل امرأته تحل له أو لا تحل له، حيث قال لها: أنت طالق، فقال كلمةً لا يدري أهي بها حرام أم حلال.
ويأتيك الناس وقد عظمت الفتن والخصومات بينهم في الأراضي والأموال، ويحتاجون إلى من يفصل بينهم.
بل قد تجد العالم مشلول الجسد لا يستطيع أن يبرح مكانه، وقد تجده مشوه الخلقة، ولكن عنده لسان ينبئ به عن حكم الله عز وجل، فتضعه الناس فوق رؤوسها بهذا العلم، لشرفه وعلو منزلته وعظيم بلائه.
فالمقصود أنه لا يشك أحد في عظيم فضل هذا العمل، ولو تأملت العالم وهو يسهر الليالي فيجيب الناس عن المشكلات والمسائل فإنك لا تشك أن طلب العلم وتعليمه أفضل.
وقال بعض العلماء: إن الجهاد أفضل لما فيه من إعلاء كلمة الله عز وجل، وكسر بأس الذين كفروا، وصد العدو.
وهذا إنما يراد به جهاد النفل وليس جهاد الفرض؛ لأنهم اتفقوا على أن الفرائض ليست بداخلة في هذا الخلاف، فإذا تعين العلم أو تعين الجهاد فلا يدخلان في هذا الخلاف، إنما الكلام هنا على النافلة، أي: جهاد النفل، وهو جهاد الطلب، واحتج هؤلاء الذين قالوا: إن الجهاد أفضل فقالوا: إن إعلاء كلمة الله عز وجل ونشر دين الله متوقفان على الجهاد، ويفتقران إلى مجالدة أعداء الله عز وجل، حتى ينتشر التوحيد، وترفع راية الإسلام، ويكون في ذلك الخير لأهل الأرض جميعاً، فلذلك يكون الجهاد هو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل.
وهذا القول يقول به الإمام أحمد، ففي رواية عنه أن الجهاد أفضل الطاعات.
وهناك قول ثالث في المسألة أن أفضل الطاعات وأشرفها الصلاة، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، ولما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول: ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (من سعادة المؤمن كثرة الصلاة، وكثرة الصيام، وصحبة الفقيه).
فقالوا: إن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل الصلاة، ولأنها في أصلها عماد الدين، فتشرف بشرف أصلها.
وأصح هذه الأقوال كما ذكرنا هو القول بأن طلب العلم والعمل به والدعوة إليه أفضل وأشرف وأكمل هذه الطاعات كلها، بل إن ما ذُكِر من الأعمال الصالحة من الصلاة والجهاد يفتقر إلى العلم، فإذا نظرت إلى الجهاد فإن ثغور الجهاد لا تملأ ولا يمكن أن تقوى عزائم المجاهدين إلا بالعلم، وابحث عن ثغرٍ فيه طالب علمٍ يذكر الناس ويعظ الناس فستجد نفوسهم معلقة بالله سبحانه وتعالى، وتجدهم أقوى شكيمة وأشد بأساً وأعظم حميةً، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا مع أعلم من على وجه الأرض صلوات الله وسلامه عليه، فكيف يخرج الناس للنفير وتسد الثغور بغير العلماء؟ فالعلم هو أفضل الأعمال.
ثم إن الصلاة إذا تأملتها وجدتها تفتقر إلى علم، وتفتقر إلى معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومعرفة ما يطرأ في الصلوات.
(52/5)
________________________________________
ترتيب بقية النوافل في الفضيلة
قال رحمه الله تعالى: [ثم استسقاء].
ذكرنا أنَّ أول النوافل فضلاً وأعلاها وآكدها صلاة الكسوف لما فيها من الدعاء برفع البلاء، ولذلك قالوا: إنها آكد مع ورود أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، فتأكد فضلها وتأكد القيام بها.
ثم تليها صلاة الاستسقاء.
والاستسقاء: استفعالٌ من السقي، والمراد به هنا: طلب السقيا، أي: طلب الغيث من الله عز وجل، وأن يمطر العباد والبلاد، وإنما فضل الاستسقاء لما فيه من رفع البلاء عن الناس، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وسنه للأمة، وسيأتي إن شاء الله بيان صفة هاتين الصلاتين، صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء، وسنبين إن شاء الله هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيهما، والأحكام المتعلقة بهما.
قال رحمه الله تعالى: [ثم تراويح].
التراويح: قيل: إنها مأخوذ من الراحة، والسبب في ذلك أنهم كانوا يرتاحون بين كل تسليمتين، فقد كانوا يطيلون حتى اعتمدوا على العصي، كما في الأثر حين جمع عمر الناس لصلاة التراويح وجعل أبياً الإمام، فقالوا: إنها سميت بذلك لمكان الاسترواح والراحة في أثناء هذه الصلاة والتراويح المراد بها: القيام جماعةً في ليالي رمضان، وقالوا: إنها من آكد السنن.
وإذا قيل: سنةٌ مؤكدة فإنها تقارب الوجوب، لكن ليست بواجبة ولا لازمة، والنص في هذا واضح، كما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: (خمس صلواتٌ كتبهن الله في اليوم والليلة)، فالفرض الخمس المعروفة، والكسوف والاستسقاء والتراويح كلها زائدة عن هذه الفرائض.
(52/6)
________________________________________
حكم صلاة الوتر
قال رحمه الله تعالى: [ثم وتر يفعل بين العشاء والفجر].
قوله: (ثم وتر) أي: آكد النوافل بعد الصلوات التي شرعت لها الجماعة الوتر، والوتر المراد به الواحد في الأصل، ويعبر به عن كل ما لا يقبل القسمة على اثنين فيقال: إنه وتري فيشمل ذلك الواحد والثلاثة والخمسة إلخ.
والوتر من آكد النوافل، لقوله عليه الصلاة والسلام: (الوتر حق، ومن لم يوتر فليس منا)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد زادكم صلاةً هي خيرٌ لكم من حمر النعم، جعلها لكم ما بين العشاء والفجر)، وقال الإمام أحمد رحمةُ الله عليه فيمن ترك الوتر: هذا رجل سوءٍ لا ينبغي أن تقبل شهادته.
وهذا يدل على تأكد الوتر، ولذلك جعله العلماء رحمهم الله سنةً مؤكدة.
واختلف العلماء رحمهم الله في الوتر على قولين مشهورين: فمذهب جمهور السلف رحمة الله عليهم أن الوتر سنةٌ وليس بواجب، وبهذا القول قال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث، فلو ترك الإنسان الوتر فإنه لا يأثم، ولو فعله فإنه يثاب.
وذهب غيرهم إلى أن الوتر واجب، وبهذا القول قال الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه وأصحابه.
واستدل الذين قالوا: إن الوتر ليس بواجب بأدلة منها: أولاً: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، ووجه الدلالة أن الله عز وجل قال: {وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]، فدل على أن الصلاة التي أُمر بالمحافظة عليها وهي واجبةٌ على المكلف وترية، ولو قيل بوجوب الوتر لصارت الصلوات ستاً، فيكون العدد شفعياً لا وسط فيه؛ لأن قوله: {وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238] يدل على أن العدد وتري؛ لأنها خمس، ونصف الخمس معناه أنه يكون في وسط الخمس واحدة، فيكون المقابل لها اثنتان واثنتان، فيكون العدد بهذا وترياً.
ثانياً: ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أُسْري به وعرج صلوات الله وسلامه عليه، قال الله له في آخر المرات حينما راجع ربه في الصلوات المفروضة: هي خمسٌ وهنّ خمسون)، فقوله تعالى: (هي خمس) أي: الصلوات التي كتبتها عليك يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- وعلى أمتك هي خمس، (وهن خمسون) أي: في الأجر والثواب تفضلاً من الله عز وجل، ثم قال تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ)، فثبت أنها خمس إلى قيام الساعة لقوله تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) أي أنه لا يكون هناك تشريعٌ بزيادة.
الدليل الثالث: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما سأله الأعرابي عن الصلوات التي فرضها الله عليه، قال له: (خمس صلوات في كل يوم وليلة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا.
إلا أن تطوع)، فدلّ على أن الوتر ليس بواجب؛ لأن الوتر غير الصلوات الخمس، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بواجبٍ عليه.
الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلة)، فهذا الحديث -إذا تأملته- من آخر ما كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً في آخر حياته، ومع هذا قال له: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)، فلو كان الوتر واجباً لقال: افترض عليهم خمس صلواتٍ ووتراً.
فالمقصود أن هذه الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن الوتر ليس بواجب.
أما الذين قالوا: بالوجوب فقد استدلوا بأحاديث السنن: أولها: قوله عليه الصلاة والسلام: (أوتروا يا أهل القرآن).
ثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: (الوتر حقٌ، ومن لم يوتر فليس منا).
ثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد زادكم صلاةً هي خيرٌ لكم من حمر النعم، وهي الوتر).
قالوا: أما الحديث الأول: (أوتروا) فهذا أمر، والأمر للوجوب، وأما الحديث الثاني: (إن الله قد زادكم صلاةً) فإنه يدل على أنها زائدة على الصلوات الخمس، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (من لم يوتر فليس منا) فإنه ذم، والذم لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم، فثبت أن الوتر واجب.
فهذا حاصل أدلة القائلين بالوجوب.
والذي يظهر والله أعلم أن الوتر ليس بواجب، وذلك لصحة دلالة الكتاب والسنة على هذا القول.
أما استدلال من قال بالوجوب بقوله: (الوتر حق) فالجواب عنه بأن الحق معناه: الثابت، تقول: هذا حقي.
أي: ثابتٌ في ملكي، فالحق يعبر به بمعنى الثابت، فمراد النبي صلى الله عليه وسلم أن الوتر سنة من هديه، أي ثابتٌ في الشرع ومسنونٌ فعله.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (من لم يوتر فليس منا) فمعناه: ليس على هدينا الكامل، وليس المراد به الهدي اللازم الذي يعتبر من تركه وأخل به مذموماً.
وأما قولهم: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد زادكم صلاةً) يدل على الوجوب، فيجاب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم قد قال مثل هذا في ركعتي الفجر، وأنتم لا تقولون بوجوبها، أي أنه عبر بالزيادة في ركعتي الفجر، ومع هذا لا يقول الحنفية بوجوبها، فكما أنهم رأوا أن صيغة الخبر هناك لا تدل على الوجوب فيلزمهم القول هنا بأن صيغته لا تدل على الوجوب.
فأصح ما يقال في الوتر أنه مسنون وفيه فضيلة، ومن فضائله أنه يسن فيه الدعاء، وهو خاتمة صلاة الليل، فتشرع صلاة الوتر بالليل.
وأما صلاة الوتر بالنهار تنفلاً لا قضاءً، كما لو دخل المسجد وصلى ركعتين، ثم قال: أحب أن أتنفل بركعةٍ ركعة فقد أُثِر عن بعض الصحابة أنه فعل هذا، ومذهب جماهير العلماء رحمة الله عليهم أنك لا تسلم إلا من ركعتين إلا في الوتر وحده، على أن السنة والذي ينبغي للمصلي أن يصلي ركعتين ركعتين ولا يسلم من واحدة، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: (صلاة الليل مثنى مثنى)، وفي حديث آخر: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، فدل على أنه لا يسلم من واحدة، وما أثر عن الصحابي مردود إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يختص الوتر بأنه من صلاة الليل، والسنة فيه أن يكون في آخر الليل، كما سيأتي إن شاء الله بيان أحكامه.
(52/7)
________________________________________
وقت صلاة الوتر
قال رحمه الله تعالى: [يفعل بين العِشاء والفجر].
العِشاء من العشي، وسميت بذلك لأنها تقع في وقت العشي بعد ذهاب الشفق الأحمر على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فتبدأ صلاة العشاء بمغيب الشفق الأحمر، ويستمر وقتها إلى طلوع الفجر الصادق.
وقد اختلف العلماء في كون العبرة في وقته بصلاة العشاء أم بوقت العشاء: فبعض العلماء يقول: العبرة بصلاة العشاء، فإن صلى العشاء شُرِع له أن يصلي الوتر ولو لم يدخل وقت العشاء.
وقال بعض العلماء: العبرة بوقت العشاء لا بفعل العشاء.
والذي ينبني على هذا الخلاف أن العشاء لها حالتان: الحالة الأولى: أن تصليها في وقتها، وحينئذٍ بالإجماع يجوز لك بعد أن تصلي العشاء أن توتر.
الحالة الثانية: أن تجمع العشاء مع المغرب، كالحال في ليلة مزدلفة، فإذا أقبلت على مزدلفة في أول الوقت وأدركت صلاة المغرب فصليت المغرب والعشاء، فإنك إن قلت: العبرة بصلاة العشاء فحينئذٍ توتر ولا حرج، وإن قلت: العبرة بدخول وقت العشاء نفسه فحينئذٍ لا بد وأن يكون وترك بعد مغيب الشفق الأحمر كما ذكرنا.
ومذهب الجمهور أنه لابد من مغيب الشفق، وأنه لا يصلى الوتر قبل دخول الشفق؛ لأن تقدم العشاء على خلاف الأصل، وإنما شُرِع على سبيل الرخصة فاقتصر فيها على موضعها، ولذلك جاء في الرواية الأخرى: (ما بين صلاة العشاء والفجر)، ويدل التعبير بقوله: (صلاة العشاء والفجر) على الوقت المعهود، وكذلك تعبيره: (ما بين العشاء والفجر) يدل على أن العبرة بالوقت نفسه كما في رواية السنن، فأقوى الأقوال أنه لا يصلي الوتر إلا بعد دخول وقت العشاء.
وقوله: (يفعل بين العشاء والفجر) أي: يفعله المكلف ما بين العشاء إلى الفجر، فإذا دخل وقت الفجر فحينئذٍ لا يصح إيقاع الوتر بعد تبين الفجر الصادق من الكاذب بعد الأذان.
وقال بعض الصحابة: يشرع أن يصلي الوتر ما بين الأذان والإقامة من صلاة الفجر، وهو مذهب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
والصحيح أنه إذا أذن المؤذن لصلاة الصبح فإنك تمسك عن الوتر، وتنتظر إلى طلوع الشمس، ثم تقضيه بعد طلوع الشمس وتشفع الوتر بركعة، فإذا كنت صليت بالليل عشر ركعات، فلما كبرت ودخلت في صلاة الوتر أذن المؤذن لصلاة الفجر، فحينئذٍ تنوي أن هذه الصلاة شفعية، وتقلبها من الوتر إلى الشفع؛ لأن الوقت قد زال، ويجوز الانتقال في هذه الحالة من الوتر إلى الشفع، ثم إذا انتهيت من هاتين الركعتين انتظرت حتى طلوع الشمس، فإن طلعت الشمس صليت الوتر ركعة وشفعته بركعةٍ معه، فتصلي ركعتين إن كان وترك ركعة، وإن كان وترك بثلاث صليت أربعاً؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فاته حزبه من الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة)، وكان حزبه من الليل إحدى عشرة ركعة، فلما قالت: (صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة) دل هذا على أن وتر الليل قد شُفع بركعةٍ واحدة.
ثم إن وتر النهار قضاءً فيه أحكام: أولها: أن تشفع الوتر ولا تتركه على حاله.
ثانيها: أن لا تدعو بعد الركعة الأولى، فوتر الليل فيه دعاء ووتر النهار لا دعاء فيه.
ثالثها: أن صلاته في النهار سرّية، وصلاة الليل جهرية.
(52/8)
________________________________________
عدد ركعات صلاة الوتر وهيئاتها
قال رحمه الله تعالى: [وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشر ركعة مثنى مثنى، ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة ويتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم].
قوله: (وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة) ثبت في عدد ركعات الوتر أحاديث مختلفة، أما الركعة -وهي أقله- فقد ثبت فيها الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة).
وأما الوتر بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (الوتر حقّ، فمن شاء أن يوتر بثلاث أو بخمس أو بسبع أو بتسع ... ) الحديث.
كما ثبت الوتر بخمس في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أنه صلى الوتر خمساً).
وثبت الوتر بسبع كذلك في حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر في الوتر بسبع).
وثبت الوتر بالتسع كذلك في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بتسع، ولم يقعد إلا في الثامنة، ثم قام -أي: نهض عليه الصلاة والسلام- ولم يسلم، فصلى التاسعة -وهي الوتر- ثم سلم) صلوات الله وسلامه عليه.
وأما الوتر بإحدى عشر ركعة، فهو أكثره كما ذكر المصنف رحمه الله، وللوتر بإحدى عشرة ركعة صور: الصورة الأولى: أن تجعل صلاتك مثنى مثنى، وتجعل الحادية عشر ركعةً مستقلة، وهي الصورة التي فيها حديث ابن عمر.
الصورة الثانية: أن تصلي أربعاً بتسليمة واحدة، ثم أربعاً بتسليمة واحدة، ثم توتر بثلاث، فيكون العدد إحدى عشرة ركعة، لما أخرجه النسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (.
فمن شاء منكم أن يوتر بثلاث)، وكذلك ثبت في حديث أبي بن كعب في صلاته صلى الله عليه وسلم.
الصورة الثالثة: أن تصلي ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم خمساً متصلة، فهذه إحدى عشرة ركعة، ويكون وترك بخمس في الإحدى عشرة ركعة.
قال رحمه الله تعالى: [وإن أوتر بخمسٍ أو سبعٍ لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة ويتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم] هذا الذي ذكره المصنف ثبت فيه حديث أم سلمة رضي الله عنها في السنن، فالسنة أن تصلي الخمس متصلة وتجلس في آخرها ثم تسلم، وإن أوترت بالسبع فكذلك، فتصلي السبع ثم تجلس في آخرها، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه فعل في التسع خلاف ما فعل في الخمس والسبع، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام صلى ثماني ركعات متصلة ثم جلس عليه الصلاة والسلام في الثامنة، ثم قام إلى التاسعة ولم يسلم، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم، فهذا يدل على مشروعية الجلوس في وتر التسع قبل الأخيرة، فيجلس للتشهد في الركعة الثامنة ولا يسلم منها ويقوم للركعة التاسعة ثم يجلس، فيكون وتره بالتسع فيه جلستان في آخر الصلاة على ظاهر حديث عائشة.
وقد جاءت رواية أخرى تدل على خلاف ما اختاره المصنف في السبع، وذلك أنه جلس عليه الصلاة والسلام في السبع قبل تسليمه عليه الصلاة والسلام ثم أوتر بواحدة، وهذا يدل على أن الأمر واسع، لكن حديث عائشة رضي الله عنها الذي فيه الجلوس في الثامنة قالت فيه: (فلما كبر وضعف) عليه الصلاة والسلام، فدل على أنه لم يستطع أن يصلها ببعضها صلوات الله وسلامه عليه، فأوتر على هذه الصورة التي ذكرناها، وهذا كله من باب التوسعة.
وأما السبب في مشروعية الوصل فقد ذكروا أنه لذلك حكماً عظيمة، ومنها أن المصلي يقوى على طول القيام؛ إذ إنّ للعلماء رحمهم الله تعالى في كون الأفضل في صلاة الليل كثرة الركعات أو طول القيام مذهبان: فبعض العلماء يقول: الأفضل في صلاة الليل أن يكثر العدد ويكثر السجود.
وقال بعضهم: الأفضل أن يطيل القيام ولو قلّ السجود.
واحتج من قال: إن الأفضل أن يكثر من السجود بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ربيعة أنه لما كان يعد للنبي صلى الله عليه وسلم طهوره بالليل قال له صلى الله عليه وسلم: (سلني حاجتك؟ قال: أسألك مرافقتك في الجنة.
قال: أو غير ذاك؟ قال: هو ذاك.
قال: أعني على نفسك بكثرة السجود) قالوا: فهذا يدل على أن الأفضل أن تكثر من السجود، وهذا يدل على مشروعية الزيادة على إحدى عشرة ركعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، ولم يقيد ذلك بالليل ولا بالنهار، وإنما أطلق.
وأما الذين قالوا: إن الأفضل طول القيام في الليل فاحتجوا بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر أنه لما سئل صلى الله عليه وسلم: (أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت)، أي: طول القيام في القراءة.
وهذا المذهب الثاني أرجح، فإن الأفضل أن يصلي إحدى عشرة ركعة يطيل القراءة فيها، وذلك لدليلين: أحدهما: أنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يختار الله لنبيه إلا الأفضل والأكمل.
الثاني: أن الشخص إذا صلى إحدى عشرة ركعة وسجد في كل ركعة سجدتين فإنه يوصف بكونه قد أكثر من السجود؛ لأنه تكون له قرابة اثنتين وعشرين سجدة، ولذلك يكون موصوفاً بكونه قد أكثر من السجود، وعلى هذا فالأفضل طول القنوت، ولأن طول قنوتك ووقوفك فيه كثرة قراءة للقرآن، وكثرة القراءة يصحبها التدبر والتأمل والتأثر، وهذا هو المقصود من قيام الليل، وهو أن الإنسان يتأثر بالقراءة في وقتٍ لا شغل فيه، فلذلك قالوا: إن هذا كله يرجح مذهب من يقول بطول القنوت.
وفائدة الخلاف أنه لو كان رجلٌ عامي يحفظ سوراً قصيرة فالأفضل له أن يقرأ هذه السور، ولو بالتكرار ولا حرج عليه؛ لأن المراد شغل الركن الذي هو القيام بالقراءة.
فلو قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين كراهية تكرار الفاتحة؟ قلنا: إن الفاتحة ركن، وتكرار الأركان محظور، ولكن السنن التي هي القراءات ونحوها لا حرج فيها، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كرر سورة الزلزلة في ركعتين، فقرأها في أولى الفجر وثانيتها)، وكذلك ثبت عنه أنه أقر الصحابي على قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة، فالأفضل لمثل هذا أن يكثر من القراءة حتى يطول قنوته وقيامه.
وعلى القول الثاني: يقرأ قصار السور ويكثر من السجود، فيعوض ما عنده من نقص في حفظ القرآن بكثرة السجود، والأرجح ما ذكرناه.
[وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين، يقرأ في الأولى بـ (سبح)، وفي الثانية بـ (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة بالإخلاص].
ثبت في حديث أبي بن كعب وحديث ابن عباس رضي الله عن الجميع في وتره عليه الصلاة والسلام أنه: (أوتر بثلاث، قرأ في الأولى بـ (سبح)، وفي الثانية بـ (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة بسورة الإخلاص)، وورد عنه أنه قرأ في الثالثة بالمعوذات مع سورة الإخلاص، فهذا يدل على أدنى الكمال الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ثلاث.
ثم إن في صلاتها ثلاث ركعات ثلاث صور: الصورة الأولى: أن تصلي الثلاث متصلة وتجلس في آخرها وتسلم.
الصورة الثانية: أن تصلي ركعتين وتسلم، ثم تقوم للثالثة وتسلم، فتكون ثلاث ركعات.
الصورة الثالثة: أن تصلي الركعتين وتجلس للتشهد، حتى إذا فرغت من التشهد الأول قمت ولم تسلم وأتيت بالركعة الثالثة، فهذه ثلاث صور.
فالصورة الأولى -وهي صلاة جميع الركعات بدون وجود فاصل- لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا في وتره عليه الصلاة والسلام بالخمس والسبع.
وأما إذا صلى ركعتين ثم سلم ثم قام إلى الثالثة فمذهب الجمهور أنه الأفضل، وأنه هو المعتبر، وأنه كذلك لا يفعل الصورة الثالثة، وهي أن يصل الثلاث بتسليمة واحدة، فيتشهد في الثانية، ثم يقوم ولا يسلم إلا في الثالثة.
وذهب أبو حنيفة إلى جواز أن تصل الثلاث في الوتر، فتجلس بعد الركعة الثانية للتشهد ولا تسلم، كصلاة المغرب سواءً بسواء، وقد جاء في حديث السنن: (لا تشبهوا بالمغرب)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر بثلاث تشبهاً بالمغرب.
والصحيح أنه يمنع، فلا يصليها ثلاثاً على صفة صلاة المغرب، والأفضل أن يسلم من ركعتين، وأن يقوم للركعة الثالثة كما ثبت في الحديث الذي ذكرناه.
(52/9)
________________________________________
حكم القنوت في الوتر ومحله
قال رحمه الله: [ويقنت فيها بعد الركوع].
قوله: (ويقنت) أي: يدعو.
والقنوت في الوتر سنة، وقد اختلف العلماء والسلف رحمة الله عليهم في هذا الدعاء في الوتر: فمنهم من يقول: يشرع مطلقاً.
أي: في جميع الوتر في سائر السنة.
ومنهم من يقول: إن السنة في دعاء الوتر أن يكون في آخر رمضان.
أي: في النصف الثاني من رمضان دون النصف الأول.
ومنهم من يقول: في رمضان كله، فيخصه برمضان.
ومنهم من يقول: يقنت أحياناً ويترك أحياناً، وهذا القول هو أعدل الأقوال وأقربها إلى السنة، واختاره غير واحدٍ من أهل العلم رحمة الله عليهم، وإن داوم عليه فلا حرج، لكن لو علّم الناس السنة فترك القنوت في ليلة من ليالي الشهر فلا حرج، لكن في رمضان استحبوا أن يستديم القنوت؛ لأن هناك قولاً للسلف في استدامة القنوت في كمال رمضان خاصة، وذلك لما فيه من حصول البركة باجتماع الناس، كما ثبت في الحديث الصحيح اعتبار هذا النوع من الخير، ففي حديث العيد ذكرت أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر النساء بالخروج إلى المصلى، وقال في شأن الحيض: (يشهدن الخير ودعوة المسلمين) فاجتماع الناس في الدعاء فيه خيرٌ كثير؛ لأنه اجتماعٌ مشروع، وليس باجتماع بدعةٍ ولا حدث، بل هو اجتماع مشروع وله أصلٌ في الشرع، فمثل هذا الاجتماع إذا اغتنم في الدعاء للناس بخيري الدنيا والآخرة فلا شك أنه أفضل، فاستحب بعض العلماء أن يُخرج قنوت رمضان من الخلاف لما فيه من الفضائل ولما ذكرناه.
والقنوت له صورتان: الصورة الأولى: أن يكون قبل الركوع.
الصورة الثانية: أن يكون بعد الركوع.
وكل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قنت قبل الركوع فقد فعل سنة، فلو أن إماماً قرأ سورة الإخلاص، أو قرأ سورة الإخلاص والمعوّذات ثم ابتدأ الدعاء فلا حرج عليه في ذلك، وهو على سنة وخير، ولا ينكر عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه في حديث أبي ذلك، وإن ترك قنوته إلى ما بعد الركوع فكذلك هو على سنةٍ وخير، وهذا النوع من الخلاف يسميه العلماء خلاف التنوع، وليس بخلاف التضاد الذي يوجب التبديع أو المنع من إحدى الصورتين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا مرة وفعل هذا مرة، وكلٌ جائز ولا حرج فيه.
(52/10)
________________________________________
شرح دعاء القنوت
قال رحمه الله تعالى [ويقنت فيها بعد الركوع فيقول: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت)].
هذا حديث الحسن بن علي رضي الله عنه في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه هذا الدعاء:: (اللهم اهدني فيمن هديت) وأصل (اللهم): يا الله، فحُذف حرف النداء (الياء) وعوّض عنه (الميم) فقيل: اللهم.
ولذلك لا يقال: يا اللهم، إلا في القريض والشعر، كما قال الناظم: والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض أي: في الشعر.
ومنه قول الشاعر: إني إذا ما حدثٌ ألمّا ناديت يا اللهم يا اللهما وهذا خاص بالشعر، أما في النثر فإنه يقال: (اللهم)، ولا يقال: يا اللهم.
وقوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) الهداية: الدلالة.
يقال: هداه: إذا دله.
والهداية تكون بمعنى التوفيق، وهذه خاصةٌ بالله سبحانه وتعالى، فهو يوفق من يشاء إلى رحمته بفضله سبحانه وتعالى، وتكون بمعنى الدلالة، فإن كانت بمعنى الدلالة فإما أن تكون دلالةً على خير، وإما أن تكون دلالةً على شر، فيقال: هداه إلى الشر.
بمعنى دله عليه، وهداه إلى الخير، بمعنى دله عليه، وقد تكون دلالةً على مصالح الدنيا، ومنه قوله تعالى: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] أي: هدى كل مخلوقٌ إلى ما فيه صلاحه في معاشه، فتجد النملة تغدو لرزقها، وتجد الطير تغدو إلى أرزاقها، وتُهدى كيف تبني أعشاشها وأكنانها، وكيف تقضي مصالحها وتربي أطفالها، فهذا كله من الهداية، والله هو الذي هداها لذلك، فهذه هداية إلى مصالح الدنيا، أما الهداية إلى مصالح الدين فإنها على نوعين: النوع الأول: التوفيق، وهي مختصة بالله عز وجل، والنوع الثاني: الدلالة والإرشاد، فهذه تكون لله، وتكون لأنبيائه ورسله، ولذلك نفى الله هداية التوفيق عن نبيه فقال سبحانه: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]، وأثبت له هداية الدلالة فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]، فهنا الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد.
والمراد بالهداية في قوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) هداية التوفيق، أي: اجعلني على صلاحٍ وخير، وهذا فيه تعطشٌ لرحمة الله عز وجل، وإظهارٌ للفقر، وأنك بحاجة إلى رحمة الله أن يرحمك بالاستقامة على دينه، وفيه استرحامٌ من العبد لربه أن لا يجعله محروماً؛ لأنه لما قال: (اهدني فيمن هديت) فمعناه: لا تصب الناس بهدايتك وتجعلني محروماً من هذه الهداية.
قوله: وعافني فيمن عافيت.
المعافاة: السلامة، والمعافى: هو السليم، وعافاه الله: سلّمه الله من شر دين، أو شر دنيا، أو منهما معاً، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عافني) فيه إطلاق يشمل عافية الدين وعافية الدنيا، ولذلك لما جاء العباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا عم رسول الله! سل الله العافية.
يا عم رسول الله! سل الله العافية.
يا عم رسول الله! سل الله العافية)، فإذا عافاك ربك فقد صلح لك دينك، وصلحت لك دنياك، وصلحت لك آخرتك، فأكثر المصائب تأتي من البلاء، حين يبتلى الإنسان -نسأل الله السلامة والعافية- ولا يرزق التوفيق للصبر على هذا البلاء.
قوله: (وتولني فيمن توليت) الولاَية بالفتح تكون بمعنى النصرة، وتكون بمعنى التأييد، وولي الله عز وجل وصفه الله عز وجل بصفتين، فقال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس:62 - 63]، ولا يوصف الإنسان بكونه ولياً لله عز وجل إلا إذا كان مؤمناً تقياً، ولذلك لما توسع الناس في هذا ضل فئام وحارت أفهام حينما تُرِك هذا الأصل الذي دلّ عليه دليل الكتاب، فولي الله عز وجل هو المؤمن التقي، فأصبحت الولاية تطلق على أناس هم أبعد ما يكونون عن دين الله عز وجل من أهل الأهواء والبدع والضلالات -نسأل الله السلامة والعافية-، حتى أصبحت الولاية في لبس الخرق، وإظهار رثاثة الحال، والخروج عن سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وتحريم الحلال، وغير ذلك من الأمور المنكرة التي أحدثها الناس، وأصبحت الولاية إنما تكون للإنسان المجتهد في أذية الناس والتعرض لهم، فيوصف بكونه ولياً -نسأل الله السلامة والعافية-، وهذا كله من الضلال والبدع والأهواء التي أصابت الناس فأضلتهم عن سبيل الله، فالولاية لا تكون إلا بهذين الأمرين: الإيمان والتقوى.
قوله: (وبارك لي فيما أعطيت).
البركة: الزيادة والنماء والخير؛ لأن الله قد يعطيك شيئاً ولا يبارك لك فيه -نسأل الله السلامة والعافية-، فقد يعطى الإنسان علماً ولا يبارك له فيه، وقد يعطى دنيا ولا يبارك له فيها، فربما رأيت الرجل العالم لا ينصح، ولا يُذَكِّر بالله تعالى، ولا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، بل قد تجد الرجل يدخل إلى المسجد وبجواره رجلٌ يقرأ القرآن يحرّف كلام الله عز وجل ويخطئ في آياته ولا يرد عليه بحرفٍ واحد، ويقول: أنا الذي أخذت الدكتوراه فكيف أجيب على هذا فأشتغل به؟!! فهذا من محق البركة -نسأل الله السلامة والعافية- لنظره إلى علو مرتبته في نفسه، أو بسبب موت قلبه عن استشعار مسئوليته أمام الله عز وجل، لكن الله إذا أحب عبداً وأعطاه نعمة بارك له فيها، ولذلك فدائماً سل الله البركة فيما أعطاك.
والبركة كما تكون في أمور الدين تكون في أمور الدنيا، فقد تجد إنساناً عنده المال القليل توضع له البركة فيه، فإذا به مالٌ كثير.
وقد تجد الرجل عنده الولد الواحد فيقوم بمصالحه ويقضي حوائجه، ويكون قرة عينٍ له في الدنيا والآخرة، فإن كان في الحياة خدمه وأحبه وأكرمه، وإن توفي رفع كفاً إلى الله عز وجل لا تخيب بصالح الدعوات، فجعل الله له فيه خيراً كثيراً، فهذا من البركة في الولد، وقد تجد الرجل عنده العشرة من الولد وأكثر من ذلك لكنهم أصحاب مصائب، لا يجني منهم إلا سوء السمعة والأذية والبلية والإضرار، ويتمنى موتهم بدل حياتهم -نسأل الله السلامة والعافية-، وهذا من محق بركة الولد.
كما تكون البركة تكون في الزوجات، وتكون في الأموال.
والدعاء هنا بوضع البركة إنما هو الدعاء بالخير، فقوله: (وبارك لي فيما أعطيت) أي: اجعل فيما أعطيتني وأوليتني بركة وخيراً، فنسأل الله العظيم أن يبارك لنا فيما أعطانا.
قوله عليه الصلاة والسلام: (إنه لا يذل من واليت).
الذلة: ضد العزة، فقوله: (إنه لا يذل من واليت) أي: لا يذل من كنت ولياً له، وهذا كأنه تعليل لسؤال الولاية.
وقوله: (ولا يعز من عاديت) يفيد أن الولاية طريق إلى العزة، كما قال الله عز وجل: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:8]، فجعل الله العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه، فإذا كان الإنسان مطيعاً لله فإن الله يعزه، يقول بعض العلماء: إن سؤال الأثر أو المسبب يتضمن ما يكون سبباً في وجوده، فكأنه لما يسأل الله عز وجل أن يكون على هذه الحال من كونه ولياً لله عز وجل فقد حصل العزة.
وفي هذا الدعاء تنبيه على أن الناس إذا أسلموا وأطاعوا وكانوا من أتباع هذا النبي الكريم وأصابتهم الذلة فإنها تكون بسبب ضعف الولاية لله عز وجل، فإذا رأيت المسلمين في ضعفٍ وخور وذلة ومهانة واحتقار من الأعداء فاعلم أن بينهم وبين الله أموراً، وهذه الأمور هي معاصي الله وانتهاك حدود الله عز وجل، فإذا عظّموا الله وكانت ولايتهم لله أعزهم الله عز وجل.
فقوله: (لا يعز من عاديت) أي: لا يكون من عاديته عزيزاً، وهذا فيه إطلاق يشمل عزة الدنيا وعزة الآخرة، ولذلك جعل الله أهل الكفر في ذلةٍ وحقارة كما قال تعالى: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ} [الأنعام:124]، فلا يكتب لأحد عصى الله عز وجل عزة ما دام على معصية -نسأل الله السلامة والعافية-، فلذلك ضرب الله الذلة والمهانة على اليهود لما قتلوا أنبياء الله واعتدوا حدود الله عز وجل.
(تباركت ربنا وتعاليت).
(تبارك) تفاعلٌ من البركة، فأعظم ببركته سبحانه وتعالى.
وقوله: (وتعاليت) مأخوذ من العلو، وهذا فيه ثناء على الله عز وجل، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء بين الثناء وبين المسألة، فمن أبلغ ما يكون أن تجمع بين الثناء على الله عز وجل والمسألة.
قال عليه الصلاة والسلام: (وقني شر ما قضيت) قوله: (قني): مأخوذ من الوقاية.
وهذا الدعاء يشمل الوقاية من شرور القضاء، سواء أكانت في أمور الدين أم أمور الدنيا.
والله عز وجل قد كتب ما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائنٌ وما يكون إلى قيام الساعة)، فكتب الله عز وجل المقادير، وقضى بها سبحانه وتعالى، ولا شك أن ما كتبه لا بد أن ينفذ، فيسأل العبد ربه أن يكفيه وأن يقيه شر ما قضى، وليس المراد بهذا ما قد كتب على العبد، فإن الذي يكتب على العبد لا بد من مضيه ولا بد من نفاذه، ولكن المراد من هذا أن يسأل الله عز وجل العافية والسلامة مما يكون من البلاء على العباد، أي: من سواه من العباد، وقد يقول قائل: إذا كان الله عز وجل لم يكتب عليه فكيف يدعو وهو سالم من هذا القضاء؟ فقالوا: لأنه يثاب على هذا الدعاء ويؤجر، وثانياً: لأنه لم يطلع على الذي كتب، ولذلك هو يسأل على ما ظهر له، وهذا هو الأصل في قضايا القضاء والقدر.
وقوله: [(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك،
(52/11)
________________________________________
مسح الوجه باليدين بعد الدعاء
قال رحمه الله: [ثم يمسح وجهه بيديه].
المسح: هو إمرار اليد أو الكف على الشيء، ويستدل لهذا المسح بحديث عمر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه)، وهذا الحديث تكلم العلماء على سنده، والأقوى أنه ضعيف، وإن كان الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه أشار إلى أن للحديث طرقاً يقوي بعضها بعضاً، وأنه يرتقي إلى درجة الحسن، وتضعيف الراوي موقوف على كلام الحافظ ابن حجر نفسه الذي نقله في التهذيب وأشار إليه في التقريب، فإذا كان الحافظ ابن حجر الذي كتب وبيّن وأرشد إلى الكلام في هذا الراوي، يقول: إن مجموع طرقه تقوّي الحديث وتشهد بأصله، فإنه حينئذٍ لا ينكر على من فعله، لكن الأولى والأكمل أن يقتصر على رفع اليدين، وإن مسح وجهه فلا ينكر عليه؛ لأنه فقد ثبت الحديث: (أنه رفع يديه في القنوت)، وهو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وحسنه الحافظ ابن الملقن في تحفة المحتاج في تخريجه لأحاديث المنهاج، حيث ذكر حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قنت رفع يديه)، وهو أصل عند العلماء في رفع اليدين في القنوت، فإذا ضممت حديث أنس مع حديث عمر الذي ذكرناه: (أنه كان إذا رفع يديه لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه) فحينئذٍ لا ينكر على من مسح، لكن الأسلم والأولى -نظراً للكلام في الحديث، ولعظيم شأن الصلاة وشدة أمرها، وأنه لا ينبغي أن يفعل الإنسان إلا ما ثبت وتقرر- أن يقتصر على الرفع دون المسح، ومن مسح فإنه لا ينكر عليه إذا تأوّل الحديث وكان يرى تحسينه، أو يرى اعتبار قول من يقول بالحسن، على الأصل المقرر عند العلماء أنه لا إنكار إذا اختلفت النصوص صحةً وضعفاً، فكما أنك تقول بصحة حديث لتصحيح من ترى علمه، وتقول بضعف غيره للقول الذي يقوله هذا العالم، فكذلك غيرك يرى، والكل بشر يحتمل قوله الصواب والخطأ، ولذلك لا ينكر على من فعله إذا كان يتأول، وإنما يُدل من فعله على الأفضل، فيقال له: الأفضل أن تقتصر على الرفع ثم تضع يديك، وهكذا في الدعاء العام، فإذا جلس ورفع كفيه يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة فإنه يقال له: لا تمسح وجهك.
ويُدل على الأفضل، ويقال: إن الحديث ضعيف.
لكن لو قال: إنني أقول بحديث عمر، وفيه كذا وكذا.
فلا حرج، كما قال الناظم: واقبل لإطلاق لصحة السند أو حسنه إن كان ممن يعتمد أي: ما دام أن هذا التحسين والتضعيف من أئمة وأناس شهد لهم بالأهلية فإنه يقبل، ويكفيك بالحافظ ابن حجر رحمة الله عليه علماً وفهماً ودرايةً بأصول التصحيح والتضعيف، فلا شك أن مثل قوله له وجه.
وعلى العموم يُدَل الناس على الأفضل، ويقال لهم: الأفضل والأكمل أن لا يُمسح.
لكن الذي نعتقده وندين الله عز وجل به -لضعف الحديث- أنه لا يثبت المسح في الدعاء العام ولا في الدعاء الخاص، وأما أمر الصلاة فهو أعظم.
وعلى القول بحديث عمر رضي الله عنه أنه كان يمسح بهما وجهه، فقد اختلف العلماء في تعليل هذا الفعل، ومن التعليلات ما ذكره بعضهم -وأشار إليه الصنعاني رحمة الله عليه في السبل- أن هذا الحديث إنما خُرّج على أن الإنسان يقوى يقينه بالله من باب الفأل، والشرع يستحب الفأل، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل، فكأن الداعي اعتقد أن الله لا يخيبه وأنه سيعطيه سؤله، ولذلك مسح أشرف المواضع كأنه مصيبٌ لحاجته من قوة يقينه بالله.
فعلى القول بثبوت هذا الحديث فإنه يُخرّج على هذا التعليل.
وأما ما يفعله بعض الجهال بعد الانتهاء من مسح الوجه حيث يجعل مسحه جميع الجسد فهذا لا أصل له، ويعتبر بدعةً وحدثاً، وهذا في الصلاة أشد؛ لأنه فعلٌ خارج عن هيئات الصلاة لا يشرع إلا بدليل، ولا دليل.
(52/12)
________________________________________
الأسئلة
(52/13)
________________________________________
كيفية قضاء الوتر لمن لم يكن له حزب محدد

السؤال
إذا كان الإنسان يصلي الوتر مرة ثلاثاً ومرة خمساً ومرة سبعاً، فكيف يقضي إذا فاته الوتر؟

الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإذا كان يوتر بخمسٍ أو بسبع فحينئذٍ يشفع وتره، فيكون وتره ستاً إن كان يوتر بخمس، وإن كان يوتر بسبع فيكون وتره ثماني ركعات، يشفع وتر الركعة السابعة بالثامنة.
أما لو اضطرب حاله، فتارةً يوتر بسبع وتارةً يوتر بخمس، فهذا مما لا أحفظ فيه نصاً عن العلماء، ولذلك أتوقف في حكمه.
والله تعالى أعلم.
(52/14)
________________________________________
حكم من أوتر في النهار سهواً

السؤال
رجلٌ صلى صلاة النافلة في النهار فسها وصلى وتراً، ثم تذكر بعد سلامه، فماذا يصنع؟

الجواب
هذا فيه تفصيل: فإن كان تذكر في نفس المكان الذي صلى فيه قبل خروجه منه فإنه يستقبل القبلة ويجلس كحال المتشهد حتى يأتي بالقيام، ثم يقوم للركعة التي فاتته ويتمها كأنه لم يسهُ، ثم يسجد سجدتين بعد السلام، على ظاهر حديث ذي اليدين في الصحيحين، فحينئذٍ يجبر هذه الركعة التي فاتته ما دام أنه لم يخرج من المسجد، أو لم يخرج من الغرفة التي صلى فيها.
أما لو خرج من الغرفة أو خرج من المسجد فإن كانت الصلاة التي صلاها ركعةً واحدة مفروضة فإنه يلزمه قضاؤها وفعلها تامةً على الصفة المشروعة، وقد بطلت بخروجه من المسجد وبخروجه من الغرفة، أما لو كانت الصلاة نافلة ففيها قولان للعلماء: فمن يقول: إن النوافل إذا شرع فيها المكلف وجبت عليه، فإنه يوجب عليه القضاء.
ومن يقول: إن الشروع في النافلة لا يصيرها فرضاً، فحينئذٍ لا يوجب عليه القضاء.
وتوضيح ذلك أن بعض العلماء يقول: إذا كبّرت في نافلةٍ، أو أنشأت صيام تطوعٍ وجب عليك أن تتم النافلة وأن تتم الصيام، فإذا قطعته بدون عذر أثمت، وإذا قطعت الصلاة النافلة بدون عذرٍ أثمت، واحتجوا بقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، قالوا: نهى الله تعالى عن إبطال العمل، والصلاة عمل، بل هي من خير العمل، وهكذا في بقية النوافل.
والذين قالوا: إن الشروع في النوافل لا يصيرها فرائض قالوا: إنها ليست بواجبةٍ في أصل الشرع، فإذا قلنا: إنها تصير فريضةً فقد زدنا على أصل الشرع الذي دلّ على عدم لزومها، وقاسوا النظير على نظيره، فقالوا: هي ليست بواجبةٍ بعد الشروع كما أنها ليست بواجبةٍ قبل الشروع، وأما قوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] فإنما هو في الأعمال التي هي على سبيل اللزوم، وأما بالنسبة للأعمال التي هي على سبيل الخيار فالمكلف مخيرٌ بأصل الشرع.
وبناءً على هذا فلو أنشأ نافلة، كأن يقوم في غرفته ليصلي ركعة في النهار ثم سلّم منها ظاناً أنه صلى ركعتين فحينئذٍ إن قلنا: النوافل تصير فرائض بالشروع فإنه يلزمه أن يتم هذه الركعة الباقية، وإن قلنا: النوافل لا تصير فرائض بالشروع فإننا نقول له: أنت بالخيار، فإن أحببت أن يثيبك الله وأن يتم لك أجر الركعتين فأتمها، وإن لم تحب فحيئنذٍ لا حرج عليك؛ لأن النوافل لا تصير مفروضةً؛ إذ هي نافلةٌ في أصل الشرع، وليست بفريضةٍ واجبة.
(52/15)
________________________________________
نصائح وتوجيهات لطلبة العلم

السؤال
هل من وصيةٍ لطالب العلم عن كيفية مراجعة الدروس؟

الجواب
طلب العلم فيه سآمةٌ وملل، وفيه تعبٌ ونصب، وطالب العلم لا بد أن تمر عليه ساعات وأيام وأعوام يجد فيها بعض السآمة والملل والظروف والمصائب والمتاعب، ولذلك ينبغي لطالب العلم دائماً أن يستشعر الإخلاص؛ فإنه لا يبدد هذه الهموم والغموم شيءٌ غير توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم وجود نيةٍ خالصة بين العبد وبين ربه، وهذا هو الذي صبر به الأولون وسار على نهجه الأخيار الصالحون، فبارك الله في علمهم وتعلمهم ونفعهم للعباد، فإذا استشعرت دائماً حب الله في هذا العلم وحب الله لك في هذا التعلم والسعي لإنقاذ نفسك وإنقاذ الأمة بهذا العلم المبارك فإن الله سبحانه وتعالى يرحمك ويوفقك ويذهب عنك كل ما يحول بينك وبين رحمته، فهذا الأمر الأول.
والأمر الثاني الذي يوصى به طالب العلم حتى يثبت في طلب العلم ويقوى على تحصيل العلم وضبطه: أن يجمع في علمه بين العلم والعمل، فأي سنة يتعلمها يطبقها، وأي نافلةٍ يُدعى إليها يعمل بها ولو مرة، وقد قالوا: اعمل بالحديث مرةً تكن من أهله، فتلقى الله يوم تلقاه وقد عملت به ولو مرةً واحدة، حتى إذا قلت للناس: إن هذا الحديث يدل على الخير، تكون لك قدم سابقة عند الله عز وجل، وتكون لك قدم صدق أنك فعلت وعملت بهذا الذي دعوت إليه، ولذلك أوصي طلاب العلم خاصة في مرحلة الطلب أن يكثروا من العبادة والعمل بالعلم؛ فإن لهذا أثراً عظيماً فيما يكون في مستقبلهم، وأن لا يشتغلوا بالقيل والقال وإضاعة الأوقات فيما لا ينفع، وإنما يشتغلون بهذا العلم، وطالب العلم إذا أقبل عليه يقبل بكله ولا يقبل بجزئه، فتقبل على هذا العلم إقبالاً صادقاً، وتجعله ليلاً ونهاراً أنيسك وجليسك الذي تسعد به وترتاح إليه وتأنس به، ويكون أفرح ما عندك أن تظفر بالفائدة والحكمة والمقولة التي تستنير بها وتضيفها إلى علمك، فإذا بلغت إلى هذه المرتبة -وهي التفاني في تحصيل هذا العلم مع العمل- فإن الله سبحانه وتعالى يبلغك أعالي درجات العلماء بإذنه سبحانه وتعالى، وإذا جمعت بين العلم بالعمل والتفاني في تحصيله فإن الله عز وجل سيجعل العاقبة لك محمودة، ولذلك تجد بعض طلاب العلم يطلبون العلم سنة ويملون، أو سنتين ويسأمون، أو ثلاث سنوات ويتركون، والسبب في هذا -والله أعلم- أنهم يضعون العلم أحمالاً على ظهورهم، فلا يعملون بما علموا، وتجد طالب العلم يجمع الأقوال ويجمع المسائل ويجمع الردود والمناقشات، وهذه أمور قد يقسو القلب بسببها إذا كثر الاشتغال بها، وكان اشتغالاً جامداً عارياً عن العمل، وقد تخرج الإنسان عن المقصود الأعظم، ولكن الإنسان إذا عُرضت عليه المسألة فتأملها ونظر الحق الذي فيها عجب من فتح الله على العلماء، وأدرك فضل الله على هذا العالم في فهمه، وأدرك فضل الله عز وجل على هذا العالم في استنباطه ومناقشته ومراجعته، فيقول: يا رب أسألك أن تفتح عليّ كما فتحت عليه.
وينظر إلى دواوين السلف التي زخرت بهذه المسائل فيزداد حباً لها ويقول: يا رب كما وفقتهم وفقني، فحين يكون علمه في مثل هذا الارتباط بينه وبين الله عز وجل يجد أنه كلما ازداد علماً كلما ازداد قرباً من الله تعالى.
وشوب العلم بالعمل له بركة عظيمة، ولذلك قالوا: إن أول العلم طفرة وآخره انكسار وخشية لله عز وجل.
فهذا هو العلم المبارك الذي يهتدي الإنسان به إلى الله، بل قال بعض العلماء: إذا أراد الإنسان أن يعرف أن علمه نافع فلينظر إلى كسر هذا العلم لقلبه لله، فإن وجد أنه يزداد خشية لله ومعرفة بالله سبحانه وتعالى فليعلم أن علمه نافع بإذن الله عز وجل، وأنه علمٌ مبارك، فهذا العلم النافع الذي تحس أنه يكسر قلبك لله عز وجل ويذهب عنك طفرة الغرور لا يكون إلا بشوب العلم بالعمل والخشية لله عز وجل، قال الإمام أحمد رحمه الله: أصل العلم خشيةُ الله.
كما أن العلم بحاجة إلى أشياء كثيرة بجانب خشية الله تعالى، منها: حب الله، والتعلق بالله سبحانه وتعالى، والقرب من الله عز وجل، واستشعار أن هذا العلم بفضل الله وحده، لا أنه بفضل الذكاء والفهم، فالذين حفظوا لم يحفظوا لأن أذهانهم كانت حافظة، وإنما هو فضل الله سبحانه وتعالى، فكم من مسائل تنزل على المفتي يفتح عليه في جوابها، ووالله لو أعمل فكره ليلاً ونهاراً على أن يصل إلى هذا الفتح الذي فتح الله عليه لما وصل إليه، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فمن الأمور التي تعين على الجد والاجتهاد في تحصيل العلم الإخلاص وكثرة العبادة مع العلم، وقرن العلم بالعمل والتزكية والخشية والقرب من الله عز وجل والحب لله سبحانه وتعالى، وتجعل كل مجلس علم تجلسه لا تقوم منه إلا وأنت تثني على الله، وتسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الذي تعلمته خالصاً لوجهه الكريم.
فطلاب العلم بحاجة إلى مثل هذه المواقف الكريمة التي يحسون فيها بلذة العلم، فكم من مجلس علم جلسته وانتفعت فيه!! فقل لي بربك: هل جلست مجلس علمٍ، وبعد أن انتهيت منه دمعت عيناك من خشية الله، وقلت: يا رب علمتني ما لم أكن أعلم وكان فضلك عليّ عظيماً.
فتأملوا إلى هذه النعم، فكم من أناسٍ في دياجير الجهل والظلمات بعيدين عن الله سبحانه وتعالى هم أحوج ما يكونون إلى كلمةٍ تنقذهم، وكم من إنسان مشغول يتمنى أن يجلس هذا المجلس، وكم من مريض يتمنى أن يجلس هذا المجلس، فهذه النعمة العظيمة إذا شبتها بالشكر لله والثناء على الله عز وجل أحبك وبارك فيك، وإذا شكرت هذا المجلس بورك لك في المجلس الثاني، فبدل أن تعلم ربع العلمٍ يعطيك الله نصف العلم، ثم ثلاثة أرباع العلم، حتى تبلغ من العلم خيراً كثيراً.
فالارتباط بالله في هذا العلم مهم، وليست القضية أن نحمل الكتب ونذهب إلى المجالس ونرجع وحالنا هو الحال، بل إن بعض طلبة العلم قد يفتن بعلمه، فنريد أن نشوب علمنا بالورع وبالعمل وبالطهارة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل علمنا نافعاً، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم.
اللهم إنا نسألك علماً يقربنا إليك، وأن تهب لنا رحمةً من لدنك إنك أنت الوهاب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(52/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة التطوع [2]
من صلوات التطوع: صلاة الوتر، ويشرع فيها القنوت، وكذلك يشرع القنوت إذا نزلت بالمسلمين نازلة، فيقنت في جميع الصلوات، ومن الصلوات المسنونة المؤكدة: صلاة التراويح في رمضان، وهي إحدى عشرة ركعة، ولا بأس بالزيادة، وتصلى جماعة مع الإمام حتى ينصرف.
(53/1)
________________________________________
أحكام القنوت
(53/2)
________________________________________
محل القنوت
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [ويكره قنوته في غير الوتر إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض].
تقدم معنا بيان مشروعية القنوت في الوتر، وذكرنا تعليم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء للحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه.
وهنا شرع المصنف رحمه الله في التنبيه على مسألة القنوت في غير الوتر التي تعتبر من مسائل الخلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، فهذا القنوت -وهو الدعاء الذي يكون بعد الركوع، أو يكون قبل الركوع- هل يشرع في غير الوتر، أو لا يشرع؟ فمذهب طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم أن دعاء القنوت في الفريضة يعتبر سنة.
وبهذا القول قال الإمام مالك والشافعي عليهما رحمة الله، وقال الإمام أبو حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما: إن المداومة على دعاء القنوت في الفريضة ليست بسنة، ثم اختلفوا على قولين: فقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: إنما يشرع في النوازل.
ومنع الإمام أبو حنيفة القنوت مطلقاً.
فأما الذين قالوا بمشروعية دعاء القنوت فقد استدلوا بأحاديث صحيحة ثابتةٍ عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أنه قنت ودعا، ومن أصحها ما ثبت عنه: (أنه قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله)، وكان يدعو بالنجاة للمسلمين، فكان يدعو أن ينجي الله الوليد بن الوليد، وكذلك دعا عليه الصلاة والسلام بنجاة عياش بن أبي ربيعة رضي الله عن الجميع، فأخذ العلماء من هذا دليلاً على مشروعية القنوت، وأكدوا هذا بحديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا).
وأما الذين قالوا: إنه لا تشرع المداومة على القنوت، وإن المداومة عليه بدعة فقد استدلوا بما ثبت في حديث لـ مالك الأشجعي رضي الله عنه وأرضاه أنه سأل أباه رضي الله عنه فقال: يا أبت: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فهل كانوا يقنتون؟ قال: أي بني: إنه مُحْدث.
وهو حديثٌ رواه أصحاب السنن، قالوا: فهذا يدل على أن المداومة على القنوت تعتبر بدعة.
وقالوا: إن الأحاديث التي دلت على أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الفجر إنما كانت في أول الأمر، ثم نسخ ذلك.
وأجابوا عن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بالطعن في سنده، وهو حديثٌ متكلمٌ في سنده، رواه البيهقي وغيره.
ولذلك فالذي يظهر من هذه المسألة أحد أمرين: الأول: ما اختاره جمعٌ من المحققين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل القنوت أحياناً ويتركه أحياناً.
وهذا مسلك يسلكه بعض العلماء رحمة الله عليهم في الجمع بين النصوص.
والمسلك الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت لحاجة، فيعتبر القنوت سنة إذا وجدت الحاجة.
وهذا القول الأخير هو أحوط الأقوال وأولاها بالصواب إن شاء الله؛ لأن الصلاة شأنها عظيم، وقد حصل التردد بين كون القنوت باقياً وبين كونه منسوخاً، ولا شك أن الأدلة على نسخه أقوى، أي: نسخ المداومة عليه، فإن الله عز وجل أوحى إلى نبيه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128] فكفّ عليه الصلاة والسلام.
وجاء في الحديث الآخر: (أنه لما قنت يلعن رعلاً وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله، وقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف أوحى الله إليه: يا محمد: إنا لم نجعلك نكالاً، وإنما جعلناك رحمةً للعالمين) -صلوات الله وسلامه عليه- وكان فيما أنزل عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128] أي: لا تدعُ عليهم، فلعلّ الله أن يتوب عليهم، ولذلك فالفاسق والمجرم والكافر المعين لا يدعا عليه، وإنما يدعا بتوبته، ويدعى بكف بأسه عن المسلمين، ومنه أخذ جمعٌ من أهل العلم تحريم لعن الكافر المعين، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نُهي عن ذلك، أما الدعاء على الكافر فإنه يشرع ولا حرج، ولكن الأفضل والأكمل أن يدعا بصلاحه وبهدايته إن أمكن ذلك.
وبناءً على هذا فالقنوت يشرع عند وجود النوازل، والنوازل المراد بها المصائب والنكبات، كأن يعتدى على أعراض المسلمين، أو على دمائهم، أو يضيق بهم الحال في كربٍ أو خطب، فيلجأون إلى الله بالدعاء، وهذا هو الأصل الذي دعا الله إليه عباده فقال: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43]، والمسلمون (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
ولا يبلغ المسلم حقيقة الإسلام، ولا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان إلا إذا بلغ به الحال أنه إذا بلغه ضرر بأخيه المسلم أحس به كما يحس به أخوه المسلم أو أشد، ولذلك كان بعض العلماء رحمة الله عليهم إذا بلغه المصاب في المسلمين، أو النكبة تحل بالمسلمين تأثر، وربما مرض حتى يعاد في بيته، وهذا من كمال الإيمان، ومما جعله الله عز وجل وشيجة بين المؤمنين، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد).
فإذا نزلت المصيبة بالمسلمين هنا أو هناك شرع أن يقنت، وأن يدعا بالنجاة والسلامة لمن ابتلي، وكذلك يدعا بكفّ بأس الذين ظلموا عن المسلمين، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك فهذا القول يعتبر أعدل الأقوال، وفيه جمع بين النصوص، خاصةً وأنه أعمل السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحالة التي فعل فيها النبي صلى الله عليه وسلم القنوت.
وبناءً على ذلك يشرع القنوت للنوازل في دفع ضرر عام أو خاص على بلاد المسلمين.
(53/3)
________________________________________
السنة في القنوت
وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت، منها دعاؤه المشهور: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونهجر من يفجرك، اللهم لك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق)، وقد كانت سورة تتلى من سور القرآن، وكان يقنت بها في دعاء القنوت.
فالسنة أن الإمام إذا دعا في القنوت أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما في هذا الدعاء الوارد من إظهار الفاقة والحاجة إلى الله سبحانه وتعالى، والاعتراف له بالعبودية، والإسلام له سبحانه وتعالى.
ثم إنه يقتصر على أمرين: الأول: أن تدعو بكف بأس الذين ظلموا، فتدعو على الكافرين أن يستأصل الله شأفتهم، وأن يكفّ بلاءهم عن المسلمين.
الثاني: الدعاء للمسلمين أن يرحمهم الله، وأن يغاثوا، وأن يعجل لهم بالنصر إن كانوا في ضائقة.
وأما الزائد على ذلك من الأدعية الأخرى فلا يشرع في هذا الموضع؛ لأنه كلام أبيح للضرورة، ولا يجوز فيما أبيح للضرورة والحاجة أن يزاد فيه على الوارد، فإن هذا القنوت إنما شرع للنازلة، فيتقيد الإمام فيه بالوارد، حتى قال الإمام أحمد: إن زاد حرفاً واحداً -أي: عن الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- فاقطع صلاتك.
أي: لا تأتم به إذا خرج عن السند والسبب في هذا أنه إذا زاد كلاماً آخر فإنه قد خرج عن كونه قانتاً إلى كونه مُحدثاً، نسأل الله السلامة والعافية.
فينبغي على الأئمة أن يتقيدوا بما ورد، وأن لا يزيدوا على هذه السنن الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالوارد موصوف بهذين الوصفين: أولهما: ما ورد من الثناء على الله عز وجل في هذه الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: (اللهم لك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق) إلى آخره.
الثاني: الدعاء بالنجاة للمسلمين والهلاك على الكافرين، ولا حرج أن يعمم في دعائه أو يخصص قوماً؛ فإن تخصيص القوم جائز إذا كان لا يعني منهم شخصاً معيناً، ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رعلٍ وذكوان وعصية عصت الله ورسوله، فلا حرج إذا دعا على طائفة أن يكون دعاؤه على هذا الوجه لثبوت السنة به، وقال بعض العلماء: إذا سمى طائفةً أو سمى جماعةً بعينها فإنه يعتبر داخلاً في نهي الله عز وجل لنبيه؛ لأن سبب نزول الآية إنما ورد في دعائه عليه الصلاة والسلام على مضر في قوله: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)، قالوا: فخصص، وتعتبر مضر بطوناً كثيرة، ومع ذلك نهاه الله عز وجل.
وهذا القول لا شك أنه من القوة بمكان، فلو دعا على الكافرين فإنه يعمم، ولذلك كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: (اللهم قاتل الكفرة من أهل الكتاب الذي يصدون عن سبيلك)، فعمم صلوات الله وسلامه عليه، ولم يخص منهم طائفة دون أخرى.
(53/4)
________________________________________
قنوت النازلة وموضعه
قال: [إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض].
قوله: (إلا أن تنزل) استثناء، والاستثناء -عند أهل العلم رحمة الله عليهم-: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ.
فكأنه يقول: إنه لا يشرع أن يقنت إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة، وقد ذكرنا ذلك.
قوله: (غير الطاعون) الطاعون: مرض يصيب الجوف، ويعتبر شهادةً، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أصابه الطاعون فمات منه -والعياذ بالله- يعتبر في حكم الشهيد.
ويقول بعض العلماء: إنه هو المرض المعروف اليوم بالكوليرا فتعتبر هي الطاعون، ومن مات بها فإن هذا الموت يعتبر شهادة، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الطاعون: (أنه رحمةٌ بالمؤمن، ونقمةٌ على الكافر)، فإذا انتشر بين المسلمين فإنه رحمةٌ يريد الله أن يرحم بها عباده المسلمين، وإذا انتشر بين الكافرين فيعتبر عاجل نقمة عجلها الله لهم في الدنيا قبل الآخرة، ولا يشرع إذا نزل هذا المرض أن يدعا أو يقنت، قالوا: لما فيه من معنى الرحمة، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم طُعنوا كما في طاعون عمواس في عهد أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم أجمعين، فلم يقنت رضي الله عنه، ولم يسأل الله رفعه، ولذلك قالوا: لا يشرع في هذا أن يدعا برفع البلاء.
قوله: [فيقنت الإمام في الفرائض].
قد جاءت أحاديث تدل على هذا، وقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من يخص القنوت بالفجر، وهذا لا شك أنه لا شبهة فيه ولا إشكال، ومن أهل العلم من قال بالعموم في الصلوات.
والسبب في هذا الخلاف ورود أحاديث اختلف في تصحيح أسانيدها، فمن يصحح أسانيدها يقول بمشروعية القنوت في الصلوات الخمس، وأنه لا فرق بين السرية والجهرية، وأنه في السرية يقنت ويكون قنوته سرياً، ويعتبر هذا تابعاً للسنة كما ذكرنا.
ومن أهل العلم من خصه بالجهرية دون السرية، وقال: إنما يشرع القنوت في الجهرية دون السرية، ولذلك فعله النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر.
(53/5)
________________________________________
صلاة التراويح
التراويح: تفاعيل من الراحة، وسميت التراويح بهذا الاسم لأنهم كانوا يتروحون ويرتاحون بين كل أربع ركعات، فكانوا يرتاحون لطول القيام، وقد اختار عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب أن يصلي بالناس بعد صلاة العشاء، وكان أبي رضي الله عنه من حفّاظ كتاب الله عز وجل، وكان من الصحابة القلائل الذين جمعوا حفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفاه شرفاً وفضلاً ونبلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلاة وارتج عليه، فلما سلم قال: (أفي الناس أبي؟ قال: نعم.
قال: ما منعك أن تفتح عليّ آنفاً؟)، فاختاره من بين الصحابة.
وثبت في الحديث الصحيح: (أن الله أوحى إلى نبيه أن يقرأ القرآن على أبي، فقال أبي: وسماني لك؟ قال: نعم.
فبكى -رضي الله عنه وأرضاه-)، فلما قام بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أطال قيامه، فقام بهم من بعد صلاة العشاء وأطال بهم القيام، فكان يروح أو يرتاح بهم بين الأربع، فلذلك سميت التراويح بهذا الاسم.
(53/6)
________________________________________
أصل مشروعية صلاة التراويح
صلاة التراويح من أهل العلم من يقول: إنها شرعت بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنهم من يقول: إنها شرعت في أصلها بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شرعت بوصفها بسنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهذا القول الثاني أدق، ووجه ذلك أن الصحابة اجتمعوا وصلّى بهم النبي صلى الله عليه وسلم الليلة الأولى، ثم كثروا في الليلة الثانية، ثم كثروا في الليلة الثالثة، فلم يخرج إليهم عليه الصلاة والسلام، حتى حصبوا الخيمة التي كان فيها ليشعر، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (إنه لم يخف عليّ مكانكم البارحة، ولكني خشيتُ أن تفرض عليكم)، فامتنع من الخروج والصلاة بهم خوف أن تفرض هذه الصلاة على الأمة، وكان عليه الصلاة والسلام من رحمته وشفقته ورفقه بالمؤمنين يخشى أن ترهقهم التكاليف، فيعجزون أو يمتنعون عن فعلها فتكون فتنةً عليهم، فكان صلى الله عليه وسلم ممتنعاً من أجل هذا المعنى، فلما توفي صلّى الناس قيام رمضان في المسجد، فصار هذا يشوش على هذا، وتجدهم أوزاعاً كلهم يصلي، وصلاة الليل فيها نوع من الجهر، فلا يجهر بها جهراً كاملاً ولا يخافت، فلما صار بعضهم يشوش على بعض جمعهم عمر رضي الله عنه -وهو المحدّث الملهم- على أبي، فكانت سنةً حسنةً منه، فكان أصلُ الجمع مستنداً إلى السنة من فعله عليه الصلاة والسلام، لكن الوقت الذي اختاره من كونها بعد صلاة العشاء لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فاستند إلى الأصل في قيام الليل، وكانت الصفة من كونها في أول الليل من سنة عمر، ولذلك لو اعترض معترضٌ على فعل التراويح والتهجد في آخر رمضان أجيب بهذا الجواب، وقيل له: إن التراويح شرعت سنةً عمرية، أي أنها سنة، وحصل الإجماع عليها، وأما التهجد فيكون بعد الهجود؛ لأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تهجده إنما كان بعد اضطجاعه، فسمي التهجد تهجداً لأنه بعد الهجود، وهو أكمل وأفضل وأعظم ما يكون لكونه بعد الراحة والاستجمام، كما أشار الله إلى ذلك حينما أمر به نبيه فقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء:79].
فكان هذا القول أدق من هذا الوجه، فتكون سنةً عمرية من جهة الوقت، أي: كونها في أول الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جمع الصحابة في آخر الليل.
(53/7)
________________________________________
عدد ركعات صلاة التراويح
قال رحمه الله تعالى: [والتراويح عشرون ركعة] في القرون المفضلة كانوا يقومون بعشرين ركعة، وفي هذا العدد حديثٌ عن ابن عباس مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه حديث ضعيف، فيه إبراهيم بن عثمان، وهو ضعيف باتفاق المحدثين.
وفيه كذلك أثر السائب بن يزيد في قيام أبي بن كعب، وتكلم العلماء فيه، فمنهم من صححه كالإمام النووي وغيره، ومنهم من ضعفه، وكانت عشرين على عهد عمر رضي الله عنه، واستمر هذا في عهد السلف الصالح، فقد كان في عهد مالك رحمة الله عليه، وكذلك أدركه الأئمة كالإمام أحمد رحمة الله عليه، وهذا يدل على أن له أصلاً، ومن المعلوم أن المدينة إلى عهد مالك -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - لم تدخلها بدعة واحدة، ولذلك رأى الإمام مالك أن العمل بقول أهل المدينة حجة إذا كان من الأمور الظاهرة، وقد فصّل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالةٍ نفيسة في إجماع أهل المدينة.
فكون التراويح تصلى بعشرين ركعة إلى عصر مالك -كما نقل في الموطأ ما يدل عليه ويشهد له- يقوي أن هذا العدد له أصل، لكن اعتقاد أن هذا العدد بمثابة اللازم، والمحافظة عليه على وجهٍ يُظَنّ أنه لازم لا تشرع الزيادة عليه ولا النقص منه لا أصل له، ولذلك ينبه على أن فعله من حيث الأصل جائز؛ لأنه داخل تحت الأصل الذي يطلق قيام الليل، لكن إذا اعتقد الشخص أنه لا تجوز الزيادة على ثلاث وعشرين، أو أنه لا يجوز النقص عن ثلاث وعشرين، وتقيد بذلك والتزم فقد أحدث، ووجه الإحداث فيه أنه ظن ما ليس بلازمٍ لازماً، واعتقد فضل الثلاث والعشرين بعينها دون ورود نص بالتحديد، فكان تبديعه من هذا الوجه، أما لو صلّى ثلاثاً وعشرين على أصل أنه كان محفوظاً، وأراد بذلك التخفيف، كالإمام يريد أن يخفف على كبار السن ونحوهم، فيجعل طول القيام لأجل أن يكون أرفق بهم فلا حرج في ذلك، والهدي الأكمل والأفضل والأعظم أجراً اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاقتصار على إحدى عشرة ركعة، فهي الثابتة في حديث أم المؤمنين عائشة، وإن زاد إلى ثلاث عشرة ركعة فلا حرج؛ فإنها سنة كما في الحديث الآخر، وكذلك إلى خمس عشرة ركعة، كما هو حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه في السنن، فكلٌ على سنةٍ وخير، ولا يجوز لأحدٍ أن يقول: إن الإحدى عشرة ركعة واجبة، فمن زاد عليها يعتبر مبتدعاً.
فليس هناك أحدٌ من أئمة السلف رحمة الله عليهم يقول: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة؛ لأنك إذا قلت: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة فمعناه أنه يجب على من قام الليل أن يلتزم بإحدى عشرة ركعة، ولكن تقول: الهدي الأكمل والأفضل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المحافظة على إحدى عشرة ركعة، أما أن يعتقد أن من زاد على إحدى عشرة ركعة أنه مبتدعٌ فلا، ويأبى الله ويأبى رسوله عليه الصلاة والسلام ذلك؛ لثبوت الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية الزيادة على إحدى عشرة ركعة.
أما الدليل الأول على إطلاقها فقوله سبحانه وتعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]، فأطلق ولم يقيد، ولم يلزم بعددٍ معين.
وقال سبحانه وتعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ} [الزمر:9]، فأطلق ولم يقيد.
وقال تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:2]، فأطلق ولم يقيد.
وقال سبحانه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء:79]، فأطلق ولم يقيد.
فدليل الكتاب صريحٌ في عدم الإلزام بعدد معين.
ثم انتقلنا إلى السنة فوجدناها قد دلت على هذا قولاً وفعلاً وإقراراً: أما القول فقد وجدنا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما سأله السائل -كما في الصحيحين من حديث ابن عمر - عن صلاة الليل كان الجواب من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة)، فلم يبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الليل يلزم فيها بإحدى عشرة ركعة، وإنما أطلق له، وثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل).
وأقوى الأدلة دلالةً على عدم الإلزام بإحدى عشرة ركعة ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن سلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما دخل إلى المدينة خاطب أهل المدينة -وهم لم يروه يقوم الليل- خاطبهم بقوله: (أيها الناس أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام)، فلو كانت هذه الإطلاقات مقيدة بالفعل فكيف يفهم أهل المدينة في أول لحظة يلقون النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنهم مطالبون بإحدى عشرة ركعة، وهو يخاطبهم ويقول: (صلوا بالليل والناس نيام)؟ فأطلق لهم، ففهمنا من هذه الأدلة في الكتاب والسنة أن قيام الليل على الإطلاق، ثم جاء فعل النبي صلى الله عليه وسلم فوجدناه على صورتين: فصورة إحدى عشرة ركعة ترويها عائشة، وصورة في الزيادة على إحدى عشرة ركعة يرويها ابن عباس وغيره، وبناءً على ذلك فإنك لو قلت: احملوا المطلق على المقيد من فعله عليه الصلاة والسلام يرد الإشكال: أنحمله على إحدى عشرة ركعة، أو على ثلاث عشرة ركعة، أو على خمس عشرة ركعة؟ ثم إن مسلك حمل المطلقات على المقيدات في مثل هذا ضعيف، ولا يتأتى بحال؛ لأنك لو قلت بهذا لزمك أن تقول: إن صلاة النهار المطلقة مقيدة بما ورد؛ لأنه كما قيدت في صلاة الليل تقيد في صلاة النهار، فتعتبر من زاد على ما ورد في صلاة النهار مبتدعاً ولا قائل بذلك، فعلى العموم لو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد ينهى عن الزيادة على إحدى عشرة ركعة ما حل لمسلمٍ أن يجاوزه، ثم إننا لم نجد في عصر القرون المفضلة التي شهد لها بالخيرية إماماً واحداً من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم يقول: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة.
ومن وجد أحداً من السلف الصالح من الأئمة الذين هم أهل الفضل والعلم في القرون المفضلة يقول بذلك فإنها فائدةٌ عظيمة وليتحفنا بها، لكن الذي يظهر من أدلة الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من هذه الأمة أن الأمر موسّع فيه، وأنك إذا أردت أن تلتزم السنة تقول: الأفضل والأكمل أن يصلى كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ركعة، فتكون ملتزماً بدليل النص.
ثم لو قلت: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة فاعلم أنك تقول ذلك بالاجتهاد، ووجه الاجتهاد أنك حملت مطلق النص على المقيد، وهذا -كما هو معلوم- ليس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يقوى على ترك النصوص المطلقة التي هي من كلامه، كقوله: (صلوا بالليل والناس نيام)، وكذلك التي من نص القرآن، فضلاً عن أن حمل المطلق على المقيد فيه النزاع المعروف بين الأصوليين، فالتزام نصوص الكتاب والسنة الواردة أولى من الميل إلى هذا الاجتهاد في حمل المطلق على المقيد مع ضعفه من جهةٍ أصولية؛ لأن فقه الأصول في حمل المطلق على المقيد أن يكون الأصل دالاً على التقييد، أما إذا كان الأصل دالاً على الإطلاق فإنه لا يقوى حمل المطلق على المقيد في مثل هذا، فهذا الذي ظهر والله تعالى أعلم.
فإذا ثبت هذا فهل الأفضل لو صلّى الإمام ثلاثاً وعشرين ركعة أن تنصرف من عشر ركعات تتأول السنة، أو تبقى معه إلى تمام قيامه؟ والجواب أنه إن انصرف من عشر ركعات فإنه يكون على الحال المفضول، وإن انصرف من ثلاث وعشرين ركعة فلا شك أنه يكون على الأفضل، وذلك لثبوت النص في قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع إمامه حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة).
وإذا قال قائل: إنه الإمام الأول فهذا ضعيف؛ لأنه إذا قيل بأنه الإمام الأول الذي ينصرف من خمس تسليمات فمعنى ذلك أنك تخالف معنى النص؛ لأن النص إنما جاء من أجل شحذ همم المأمومين للبقاء مع الأئمة، فقصد الشرع من قوله: (من قام مع إمامه حتى ينصرف) أن يبين فضل معونة الأئمة على البقاء، فإذا قال: إنه الإمام الأول خالف المقصود.
ثم إن الإمام الأول إذا انصرف فإنه لم ينصرف حقيقةً، وإنما بقي كما هو معلومٌ ومعهود، وبناءً على ذلك فلا يسلم الانصراف لا من جهة معنى النص، ولا من جهة دلالة ظاهر الحال، فلا يشك أن البقاء إلى انتهاء التراويح بكمالها أقرب إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرب إلى هديه، فهو أكمل من وجوه: أولها: أنه ظاهر قوله: (من قام مع إمامه حتى ينصرف)، فلم يفصّل النبي صلى الله عليه وسلم بين إمامٍ يلتزم الإحدى عشرة ركعة أو يزيد.
ثانياً: أنه إذا بقي مع الإمام حتى ينصرف فإن هناك فضائل كثيرة لا يشك أنه مثابٌ عليها، منها: سماعه للقرآن، ومنها: قيامه بين يدي الله راكعاً ساجداً، ومنها: ما يكون من مشقة ومؤنه العمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثوابك على قدر نصبك)، أي: على قدر تعبك.
وقال الله تعالى: {أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران:195]، فلا شك أنه لو بقي إلى تمام التراويح فهو أفضل وأعظم أجراً، وأضف إلى ذلك أن آخر التراويح فيه الوتر، خاصةً في الثلثين الأولين من الشهر، وهذا الوتر فيه دعوة المسلمين، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحائض أن تشهد صلاة العيد وتعتزل المصلى، مع أن عندها العذر وممنوعةٌ من الصلاة، فقال: (وأما الحيّض فليعتزلن الصلاة وليشهدن الخير ودعوة المسلمين)، فلا شك أنه لو بقي إلى انصراف الإمام الأخير أصاب هذه الفضائل التي دلت عليها السنن، وبناءً
(53/8)
________________________________________
حكم الجماعة في صلاة الليل
قال رحمه الله تعالى: [تفعل في جماعة].
صلاة التراويح مما تشرع له الجماعة، وهنا مسألة، وهي: لو أن قوماً خرجوا ذات يومٍ، أو ذات ليلة ثم قام رجلٌ منهم يصلي، فصلوا معه جماعة في غير رمضان، فهل تشرع الجماعة في غير التراويح في قيام الليل؟
و
الجواب
هذه المسألة لها صورتان: الصورة الأولى: يسميها العلماء الجماعة قصداً.
والثانية: أن تكون اتفاقاً.
أما الجماعة قصداً فصورتها أن يقول قائل: إذا سافرنا أو بتنا الليلة نقوم الليل جماعة، فمعنى ذلك أنهم قصدوا القيام.
والحالة الثانية: أن تكون اتفاقاً، كأن تقوم في المسجد فيأتي رجلٌ ويأتم بك، أو تكون مع جماعة في السفر فتتوضأ وتقوم تصلي بالليل فيراك أخوك فيأتي بجوارك، ثم يأتي الثاني والثالث حتى تصير جماعة، لكن اتفاقاً لا قصداً، أي: موافقةً دون أن يكون ذلك بترتيب معين.
فإن كانت قصداً فقد منع منه طائفة من العلماء، وأشار إلى ذلك غير واحد من محققي أهل العلم، فلا تشرع الجماعة في قيام الليل في غير رمضان، وهذا الذي أشار إليه المصنف رحمة الله عليه بما ذكر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم مع سفره وكثرة خروجه وحصول الجماعة له حتى في بيته -كما في حديث ابن عباس وابن مسعود - فإنه لم يطلب منهم أن يكونوا معه جماعة، فلم يحدث الجماعة على سبيل القصد.
أما الحالة الثانية، وهي أن تكون الجماعة اتفاقاً، كأن تقوم تصلي ويأتي رجل بجوارك ويصلي معك، أو يكون هناك إنسان عرف بقيام الليل فرأيته فقمت معه فهذه سنة؛ لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود وحديث عبد الله بن عباس، قال رضي الله عنه -أعني ابن عباس -: (بِتُّ عند خالتي ميمونة، وبتّ في عرض الوسادة، فلما كان هوياً من الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح النوم من عينيه، ثم تلا الآيات من آخر سورة آل عمران، ثم قال: ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن، ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن، قال: فتوضأ، ثم قام فكبر، فقمتُ فصنعت مثل ما صنع، فقمت عن يساره فأدارني عن يمينه)، ووجه الدلالة أن ابن عباس تبع النبي صلى الله عليه وسلم في فعله، فوقعت جماعة ابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقاً لا قصداً، بمعنى أنه لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قمتُ فقم معي وكذلك الحال في قيامه عليه الصلاة والسلام مع بقية الصحابة.
وعلى هذا فإنه تشرع الجماعة اتفاقاً لا قصداً، فلو قال جماعة في رحلة أو نحوها: سنصلي بالليل.
وألزموا من معهم أن يصلوا معهم جماعة فإن هذا يعتبر مضيقاً فيه عند العلماء رحمة الله عليهم، خاصةً وأن قيام الليل كما هو معلوم أمرٌ أقرب إلى الإخلاص، وأقرب إلى معاملة الله سبحانه وتعالى بالسر، فإذا رتب لها، أو أمر بها إنسانٌ كانت أشبه بالفريضة، ولذلك لا يدعا الناس إلى مثل هذا إلا بسنة أو بدليل من الشرع ولا دليل، فهذا بالنسبة لقوله: [تفعل في جماعة]، فقيام الليل جماعة إنما يفعل في التراويح، أو يفعل على سبيل الاتفاق لا القصد.
(53/9)
________________________________________
وقت التراويح ووقت الوتر في لياليها
قال رحمه الله تعالى: [تفعل في جماعةٍ مع الوتر بعد العشاء في رمضان].
أي أنه يقوم بهم ويوتر، ولذلك يوتر بهم في التراويح، فإذا جاءت أواخر رمضان وأرادوا أن يقوموا في التهجد فلا شك أن الأفضل انصرافهم بدون وتر؛ لما يحدثه قيامهم بالوتر في أول الليل وآخر الليل ما هو معروف من اللبس على الناس، مع أن أكثرهم يحضرون ويشهدون التهجد، ولذلك يوتر وتراً واحداً، خروجاً من مخالفة حديث الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام في قوله: (لا وتران في ليلة) وعلى هذا فالسنة في إيقاع صلاة جماعةً على هذا الوجه يختص بها شهر رمضان، والسبب في هذا أن رمضان نُدِب إلى إحيائه، وثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم النصوص بمشروعية هذه الجماعة في رمضان دون غيره، والأصل أن يتقيد بالوارد، فكانت السنة في قيام رمضان بالتراويح في أول الليل خاصة برمضان دون غيره من سائر الشهور.
وقوله: (بعد العشاء) أي: بعد صلاة العشاء، ويكون هذا -كما هو معلوم- بعد أن تصلى سنة العشاء، ولذلك يبتدأ بسنة العشاء، ويترك للناس وقت ليصلوا سنة العشاء، ثم يبتدأ بصلاة التراويح، وتعتبر صلاة التراويح في الأصل قياماً لأول الليل، وصلاة التهجد قياماً لآخر الليل، والقيامان بينهما فرق، فقيام التهجد أفضل من قيام التراويح، فإذا كان الشخص لا يستطيع أن يقوم الاثنين معاً فإن الأفضل والأكمل أن ينتظر إلى قيام التهجد؛ لما فيه من هجر النوم والكرى، وهذا أبلغ في الطاعة والعبودية، وأكثر عناءً ونصباً وتعباً، ثم إن فيه إحياءً لآخر الليل الذي ثبتت فيه النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل إحيائه، وأنه أفضل ما تكون فيه صلاة العبد، كما قال عليه الصلاة والسلام للصحابي في شأن جوف الليل الآخر: (وإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) أي: في جوف الليل الآخر.
[ويوتر المتهجد بعده].
أي: بعد صلاة التهجد.
وهذا هو الأصل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، فالسنة في الوتر أن يجعل بعد التهجد، أي: في آخر التهجد، وهذا فيه حكم: منها: أن يكون وتراً للصلاة على ظاهر ما ورد في السنة.
وثانياً: أنه يصيب السَحَر، أو يقارب السَحَر الذي يكون فيه الدعاء أسمع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن دعاء السحر أسمع، ففي الحديث الصحيح أن الله تعالى ينزل كل ليلة في الثلث الآخر، ويقول: (هل من داعٍ فأستجيب دعوته، هل من مستغفرٍ فأغفر له ... ) الحديث.
فهذا يدل على فضل الدعاء في مثل هذه الساعات، ولذلك يكون الوتر آخر الليل، وفي الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهى وتره إلى السحر)، فمن صلّى التهجد فإنه يجعل وتره في آخر التهجد، وهذه هي السنة.
(53/10)
________________________________________
الجمع بين أكثر من وتر في ليلة
قال رحمه الله تعالى: [فإن تبع إمامه شفعه بركعة].
قوله: (فإن تبع إمامه) أي: في التراويح طلباً للفضل، فإذا صليت التراويح وأوتر الإمام فللعلماء أوجه: قال بعض العلماء: لا توتر معه، حتى لا يكون وتران في ليلة، إذا كنت تريد أن تتهجد وتوتر.
وقال بعضهم: توتر معه، وتوتر في التهجد، وتوتر بعدهما.
وقال بعضهم: توتر في التراويح، ثم تصلي التهجد، وتترك وتر التهجد بناءً على أن الفضل للأول منهما والأسبق.
والذي يظهر والله أعلم أن الأفضل والأولى أن توتر في التراويح لكي تحصل ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع إمامه حتى ينصرف)، فإن انصراف الإمام -كما هو معلوم- إنما يكون بعد الوتر لا قبل الوتر، فتوتر معه في التراويح، ثم إذا قام للتهجد فإنك تصلي ركعةً قبل التهجد تنقض بها الوتر الذي أوترته مع الإمام، ثم تصلي ركعتين ركعتين، ثم تجعل وتر الإمام هو وترك، فهذه هي أسلم وأفضل الصور، وهي مأثورةٌ عن عبد الله بن عمر.
أما دليل فضلها فلكونك تدرك فضل القيام مع الإمام في التراويح إلى الانصراف، وقد ثبت النص بتفضيل هذه الحالة، وأنها كقيام الليل.
وأما نقض الوتر الأول بركعة فيدل له قوله: (لا وتران في ليلة)، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) ونهيه عن إيقاع الوترين في ليلة يدل على أن أحدهما ناقضٌ للآخر؛ لأن العلة في النهي عن الوترين في الليلة أنه يجعل العدد شفعاً، ويصير مثنى، وقد قصد الشرع أن تختم صلاة الليل بالوتر، وهذا يكون مؤكداً لما ذكرناه من أن الركعة المنفصلة ناقضةٌ للركعة التي وقعت في التراويح، فإن قوله: (لا وتران) يدل على أن الوتر الثاني يؤثر في الوتر الأول؛ إذ لو لم يكن مؤثراً في الوتر الأول لما قال: (لا وتران في ليلة).
والأمر الثالث في هذا الفضل أنه يدرك أيضاً الإيتار مع الإمام في التهجد، فهو أفضل من القول بتركه، ولا شك أن وتر التهجد أفضل؛ لما فيه من إصابة السنة التي ذكرناها من كونه يقع في هذا الوقت الذي يكون فيه الدعاء أسمع، ولكونه مطابقاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأضف إلى هذه الفضائل كلها أنه قد جاء عن عبد الله بن عمر فعل ذلك.
ويتخرّج على هذا أن من أوتر ثم نام ثم استيقظ فهو على حالتين: الحالة الأولى: أن يريد أن يصلي ركعتين ويقتصر عليهما، فهذا السنة له أن يصلي الركعتين، ولا ينقض الوتر الأول، ولا يوتر بعد الركعتين، لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى ركعتين بعدما أوتر)، وألف الحافظ ابن حجر في هذا رسالة أثبت فيها الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وفي السنن التي تدل على شفعه بعد الوتر، وأنه فعل ذلك على سبيل الجواز لكي يبين الجواز للأمة.
الحالة الثانية: أن يكون قصده أن يصلي أكثر من ركعتين، وأن يقوم آخر الليل، فهذا الأفضل له أن ينقض الوتر الأول بركعة كما ذكرنا، لحديث الترمذي: (لا وتران في ليلة)، ثم يصلي شفعاً شفعاً، ثم يوتر لقوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، فيصيب هذه السنة، خاصةً وأنها جاءت بالأمر المشتمل على الحث والحض، فيطابق السنن من هذه الوجوه كلها.
أما إذا صلى مع الإمام الوتر وقام ليشفع بركعة ففيه وجهان للسلف: قال جمهور العلماء: إنه يسلم مع الإمام.
وهذا على ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به).
قالوا: فلا يحدث الركعة الزائدة، وذلك لأن الأصل فيه أن يتابع الإمام، فليست هذه الركعة الزائدة واجبةً عليه حتى يتكلف القيام لها ويأتي بالشفع.
والقول الثاني: أنه يأتي بركعةٍ شفعية.
وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد في هذه المسألة، فينقض وتره مع الإمام بركعة بعد سلام الإمام.
والقول الأول بأنه يسلم مع الإمام على ظاهر السنة، وأما القول بالشفع فإن أقل درجاته أنه خلاف الأولى لأمور: أولها: أنك إذا صليت مع الإمام وشفعت بعد سلامه خالفت ظاهر الحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
ثانياً: أنك تستبيح الدعاء في الركعة الأولى مع أنك تريد الشفع، ولا يعرف في الشرع صلاة شفعية يكون الدعاء في الركعة الأولى منها، وإنما يكون الدعاء في الشفعية في الثانية كالفجر، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا شفعت وترك كنت قاصداً لركعتين مستبيحاً للدعاء في أولهما، ولا صورة في الشرع لمثل هذه الصلاة.
ثالثاً: أنه يُحدثُ جلوساً بين ركعتين شفعيتين، ولا يعرف في الشرع صلاة شفعية يجلس فيها بين الأولى والثانية للتشهد، فإنه سيستبيح الجلوس في التشهد والدعاء والذكر بعد انتهائه من السجدة الثانية من الركعة الأولى.
رابعاً: أنه -خاصةً في أول الشهر- إذا صلى مع الإمام وقام أمام الناس لكي يأتي بركعة فكأنه يشير وينبه على أن له حظاً من قيام الليل في آخره، ولذلك يكون في هذا شيءٌ من الإظهار للعبادة، فإذا سلم مع الناس كسائر الناس خفيت عبادته، لكن لو قام أمام الناس فإن هذه ينبه على أن عنده ورداً في آخر الليل، وكأنه يشعر بهذه الصلاة التي سيصليها، والتي الأولى فيها والأحرى أن تكون سرية بين العبد وبين الله، لذلك فالأفضل والأكمل أن يسلم مع الإمام حتى يصيب ظاهر الحديث، ثم بعد ذلك إذا أراد أن ينقض الوتر نقضه قبل دخوله في التهجد، أو يوتر ويجعل وتر التهجد ناقضاً لوتر التراويح، ثم يصلي بعد ذلك ما شاء الله، ثم يوتر لظاهر قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً).
(53/11)
________________________________________
التنفل بين التراويح
قال رحمه الله تعالى: [ويكره التنفل بينها لا التعقيب بعدها في جماعة].
أي: يكره التنفل بين التراويح، فإذا صلى الإمام التراويح وجلس بين الركعات، كأن صلى تسليمتين، ثم جلس لكي يخفف على الناس ويرتاح الناس، فقام الإنسان يتسنن، فإنهم قالوا: يكره والسبب في هذا أنه أثر عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه أنكر ذلك، وقال لمن فعل ذلك: أتتنفل وإمامك أمامك؟! ولذلك قالوا: إنه لا يتنفل بينها، ولو تنفل جاز له ذلك، لكن مشى المصنف رحمه الله على مذهب بعض الأصوليين الذين يقولون: إن قول الصاحب حجة، فحكم بالكراهة، مع أنه لو صلى فلا حرج عليه؛ لأنه داخل في ظرفٍ شرع فيه أن يصلى فرادى وأن يصلى مع الجماعة، ألا ترى أنك لو انصرفت عن الإمام وصليت لوحدك لما أنكر عليك، وعلى هذا فإنه لا حرج أن يتنفل، والمصنف رحمه الله إنما حكم بالكراهة لما أُثِرَ عن زيد رضي الله عنه، والكراهة حكمٌ شرعي تحتاج إلى دليل، وليس عندنا دليل مرفوع؛ ولذلك لو بقي المصنف على الأصل لكان أولى وأحرى.
قوله: [لا التعقيب بعدها في جماعة].
أي: لا حرج عليه أن يعقب بعدها في جماعة، كأن يصلي في تهجد ونحو ذلك.
(53/12)
________________________________________
الأسئلة
(53/13)
________________________________________
صلاة الرجل بامرأته ليلاً

السؤال
إذا كانت الجماعة لا تستحب إلا في رمضان، فكيف يمكن الجمع بين هذا والحديث الذي يحث على قيام الزوج مع زوجته؟ وهل يصح أن يصلي مع زوجته قيام الليل والوتر؟

الجواب
أما حديث قيام الرجل مع زوجه فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رحم الله امرأً قام من الليل فصلى وأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء)، وليس فيه التصريح بصلاتهما معاً، وهو أعمّ من أن يكون جماعةً أو يكون فرادى.
الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه جمع بأهله، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان، فهو ما صلى بنسائه، ولا حفظ عنه في حديث واحد أنه صلى بأهله صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يقول فيه العلماء: إنه من السماحة، فكانت أم المؤمنين عائشة وأمهات المؤمنين ربما أوترن أول الليل وعجزن عن القيام آخر الليل، وهذا أمر يحتاج إلى صبر ومكابدة، فليست كل زوجة تستطيع أن تفعله، وإنما دلّ النبي صلى الله عليه وسلم على نضح الماء في وجه المرأة على سبيل الأفضلية، وعلى سبيل السنية والاستحباب، ولكن لا يستلزم ذلك وجود جماعةٍ بينهما، فإنه لم يثبت في هذا ما يدل عليه، وليس في نفس الحديث ما يدل عليه، ولا يعتبر معارضاً للأصل الذي ذكرناه.
والله تعالى أعلم.
(53/14)
________________________________________
اقتداء المسافر في صلاة المغرب بمن يصلي العشاء

السؤال
رجل مسافر أخر صلاة المغرب إلى العشاء ليجمع جمع تأخير، وحين نزوله إلى المسجد وجد المصلين يصلون العشاء، فماذا يصنع؟

الجواب
إذا نوى الإنسان أن يؤخر صلاة المغرب والعشاء ويجمع بينهما فإنه في هذه الحالة إذا دخل المسجد فإنه يدخل وراء الإمام بنية النافلة، ثم إذا انتهى من صلاته نافلةً أقام لصلاة المغرب ثم صلاها وصلى بعدها العشاء، والسبب في كونه لا يتابع أن صلاة العشاء والمغرب ليس بينهما اتفاق في الصورة، وشرط اقتداء المأموم بالإمام عند اختلاف نية الصلاتين أن تتحد صورتهما، والصورة هنا مختلفة، فالثلاث لا تصلى وراء الأربع، ولا يمكن بحال أن تتحقق المتابعة على الصورة المعتبرة شرعاً، وإن كان بعض العلماء -وهو وجهٌ ضعيف شاذٌ يحكى ولا يعول عليه قال به بعض فقهاء الشافعية قياساً على صلاة الخوف- قالوا: يجوز له أن يدخل وراء من يصلي العشاء، ثم إذا انتهى الإمام من الركعة الثالثة جلس، وترك الإمام يتم الركعة الرابعة قياساً على صلاة الخوف.
وهذا محل نظر؛ لأنه قياس في صورة التعبد، وفيما هو تعبدي يفتقر إلى نص يدل على مشروعية هذه الصورة وجوازها.
ثانياً: أن نفس القياس معارض بأنه قياسٌ على الخارج عن الأصل، والقاعدة أن ما خرج عن الأصل لا يقاس عليه.
توضيح ذلك أن صلاة الخوف خارجة عن الأصل، ولذلك الإمام في بعض الصور يصليها أربعاً والمأمومون يصلون ركعة ويفارقونه، والطائفة الثانية تصلي ركعة وتفارقه، وهذا لا يعرف في سنن الصلاة أو الجماعة الأصلية، ولذلك قالوا: إن ما عدل عن سنن القياس -أي: عن الأصل- فغيره عليه لا ينقاس.
كما لو قال قائل -مثلاً-: أقيس الأخ لو قذف أخاه -والعياذ بالله- بالزنا على الزوجة، فيشرع بينهما اللعان قياساً على لعان الزوج لزوجته.
فيكون القياس باطلاً؛ لأن أصل اللعان الذي وقع بين الزوجين خارجٌ عن الأصل؛ لأن الأصل: (البينة أو حدٌ في ظهرك)، فشرع للزوجين على سبيل الخصوص، فكذلك أيضاً متابعة الإمام في الأصل واجبة على المأموم، فجاءت صلاة الخوف بعينها واستثنيت، فلا وجه لأحدٍ أن يقيس على هذا المستثنى.
لكن هنا مسألة، حيث قالوا: لو أدركه في الأخيرتين من صلاة العشاء، أو أدرك إماماً مسافراً يصلي ركعتين، فقد اختار بعض العلماء أنه يدخل وراءه في ركعتين ناوياً بها المغرب، فإذا سلم الإمام قام وجاء بركعة، وهذا أخف من الذي قبله؛ لأن الذي قبله فيه اختلاف، وأما هذا فلا اختلاف في صورته، وغاية ما فيه أنه كالمسبوق يقوم ويتم لنفسه.
والأحوط والأفضل ما ذكرناه من كونه يدخل متنفلاً، ثم بعد ذلك يقيم لصلاة المغرب، ثم يقيم بعدها لصلاة العشاء، أما لو نوى الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وأخرهما فدخل ووجد إماماً يصلي العصر فإنه يدخل وراءه بنية الظهر، ثم إذا سلم الإمام أقام لصلاة العصر وصلاها؛ لأن الظهر والعصر صلاتان متفقتان في الصورة، والله تعالى أعلم.
(53/15)
________________________________________
حكم المسبوق إذا سجد إمامه للسهو بعد السلام

السؤال
إذا زاد الإمام في الصلاة وسجد سجود السهو بعد السلام وبعض المأمومين فاتته الركعة الأولى، فقاموا بعد سلام الإمام مباشرة، ولم يسجدوا معه للسهو، فهل يرجعون ليسجدوا للسهو، أم يتمون صلاتهم ثم يسجدون للسهو؟

الجواب
إذا دخلت المسجد وقد فاتتك ركعة، وكان الإمام قد سها في صلاته، سواءٌ أدركت السهو، كأن يقع سهوه بزيادة في ركعةٍ خامسة، أو يقع سهوه بزيادة سجدة في الركعة الرابعة، وقس على هذا، أم لم تدرك السهو، كأن يكون في الركعة التي لم تدركه فيها قد زاد شيئاً، فحينئذٍ للعلماء وجهان: قال بعض العلماء: تثبت في مكانك وتسجد معه بعد سلامه دون أن تسلم، وهذا إذا علمت أنه سيسجد، كأن تكون قد اطلعت على زيادته، فتثبت في مكانك ولا تقوم للإتمام، وذلك لأنك مطالب بالمتابعة، وإنما تنفصل عنه بعد سلامه الكلي لا سلامه الجزئي الذي يكون قبل إتيانه بسجدتي السهو، فتثبت في مصلاك، ثم تكبر وراءه ساجداً السجدتين لمكان المتابعة، ولا يضر وقوع هاتين السجدتين قبل إتمامك للصلاة؛ لأن النص استثناهما بالأمر بالمتابعة.
الوجه الثاني يقول: تقوم وتتم لنفسك، ثم بعد سلامك تقضي ما فاتك من السجدتين.
وكلا الوجهين صحيح، فلو أنك انتظرت وسجدت معه ولكن لم تسلم فلا حرج، ولو أنك -وهو أقوى وأولى- قمت بعد سلامه مباشرة لقوله صلى الله عليه وسلم: (وما فاتكم فأتموا) فحينئذٍ لا حرج عليك، وتسجد سجدتي الزيادة بعد سلامك من الصلاة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(53/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة التطوع [3]
السنن الراتبة التي تصلى قبل الصلوات المفروضة وبعدها من أفضل صلاة التطوع، وقد شرعت لحكم عظيمة، منها: الاستعداد لأداء الفريضة، وجبر النقص الواقع في الفريضة، وهي ركعتان قبل الفجر وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء، ومن فاته شيء منها سن له أن يقضيه.
ومن أفضل صلاة التطوع صلاة الليل، وخاصة في الثلث الأخير منه.
(54/1)
________________________________________
السنن الراتبة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ثم السنن الراتبة].
السنن الراتبة: مجموعةٌ من الصلوات ثبت في الشرع الحث والحض عليها، وسميت راتبة؛ لأن الشرع رتبها، وهذه السنن الراتبة تفعل مع الفرائض إما قبل، وإما بعد، وإما قبل وبعد، ولذلك قسّم الشرع هذه السنن بهذا الترتيب، فجعل لبعض الصلوات المفروضة سنناً قبلها ولم يجعل لها شيئاً بعدها كالفجر، وجعل لبعضها سنناً بعدها ولم يجعل لها سنناً راتبة قبلها كما في المغرب والعشاء، فإن السنة الراتبة فيهما بعد وليست قبل، وجعل للظهر سنة راتبة قبل وسنة راتبة بعد، وجعل لبعض الصلوات رواتب ولم يجعل لبعض الصلوات لا قبلية ولا بعدية على سبيل الترتيب وهي العصر، وإن كان للعصر سنة عامة، وهي داخلة في السنن العشرين، فهناك السنن العشر الراتبة التي ذكرت هنا، وبعضهم يجعلها اثنتي عشرة ركعة على تفصيل سنذكره، وهناك السنن المطلقة التي رتبت لكن لم تكن على سبيل التقييد بالوصف الذي ذكرناه، ويجعلونها عشرين ركعة، وهي: الأربع قبل الظهر والأربع بعدها، والأربع قبل العصر، والأربع بعد المغرب، والأربع بعد العشاء، فهذه عشرون ركعة وردت بها الأحاديث وصحت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(54/2)
________________________________________
حكمة مشروعية السنن الراتبة
والسنن الراتبة هذه شُرعت لفضائل وحكم عظيمة؛ فإن المصلي إذا دخل إلى الفريضة مباشرة يكون في حالة أدنى من الخشوع والخضوع واستحضار القلب مما لو سبق الفريضة بسنة قبلية، كما هو الحال في صلاة الظهر، فإن الناس في الظهر يكونون على عناء العمل وشظف طلب العيش، فإذا دخلوا إلى الصلاة وهم حديثو عهد بالتجارات ونحوها فإنهم يكونون أقل خشوعاً مما لو قدموا بسنة ثم دخلوا الفريضة بعد السنة، فإن الطاعة تشرح الصدر وتيسر الذكر، وهذا محفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لما أراد أن يقوم الليل عليه الصلاة والسلام استفتح بركعتين خفيفتين، قالوا: لأن هذا الاستفتاح يهيئ النفس للإطالة، وللاستحضار وللخشوع، فكان في السنة الراتبة نفس المعنى، وهذا مجرب في الشخص الذي يأتي متأخراً في الصلوات، أو يأتي مع الإقامة، فإنه إذا دخل لا تجده في الخشوع كحالته حين يدخل بين الأذان والإقامة فيصلي الراتبة ويذكر الله، فإن الحسنة تدعو إلى أختها، فتجده بعد انتهائه من الراتبة أشرح صدراً وأكثر طمأنينة في قلبه، فهذا يقوّيه على فعل الفريضة بنفس أقوى وحضور أبلغ، وهذا إذا كانت الراتبة قبلية، وكذلك الحال إذا كانت بعدية، فإن فيها كمال خضوع وكمال تعلق بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الرواتب ليست بواجبة، فكونه بعد فراغه من الفريضة يتعلق بربه سبحانه وتعالى وينيب إليه بقيامه بهذه الصلاة الراتبة البعدية فهذا فيه كمال ذكر وكمال إنابة إلى الله عز وجل أبلغ مما لو انصرف إلى أمور دنياه بعد انتهائه من فريضته.
(54/3)
________________________________________
عدد السنن الراتبة
ثبت عن عبد الله بن عمر في الصحيح أنه حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
فهذه في الأوصاف خمس ركعتان ركعتان، وعددها عشر، وهي ثابتة وصحيحة.
وحمل بعض العلماء هذه الرواتب على حديث أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى لله في كل يوم ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً)، وفي رواية: (بني له بيت في الجنة)، قالوا: إنها هي الرواتب.
وأضافوا إليها الأربع قبل الظهر، فتكون أربعاً قبل الظهر وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، فيكون المجموع ثنتي عشرة ركعة.
(54/4)
________________________________________
مسائل في راتبة الفجر
المسألة الأولى: أفضل هذه الرواتب وآكدها راتبة الفجر، وهي التي تسمى بالرغيبة، وكان من هديه صلوات الله وسلامه عليه أنه يصليها ويخفف فيها صلوات الله وسلامه عليه، حتى كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: (لا أدري أقرأ فيهما بفاتحة الكتاب أو لم يقرأ).
وقال بعض أهل الظاهر وبعض أهل الحديث: إنه لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب والصحيح أنه يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (أيما صلاةٍ)، وقولها: (لا أدري) لا يعتبر نافياً للأصل، ولذلك يبقى على الأصل، ويحمل قولها: (لا أدري) على التجوّز؛ فإن قول عائشة لا يقوى على معارضة النص بالإلزام بالفاتحة.
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقوم الليل فإذا بلغ السحر أوتر، ثم يترك السحر للاستغفار والراحة عليه الصلاة والسلام، فإن كانت له حاجةٌ إلى أهله فعل، وإن كانوا مستيقظين حدّثهم صلوات الله وسلامه عليه حتى يؤذن المؤذن بالصبح، ثم يصلي ركعتين وهما رغيبة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن صلوات ربي وسلامه عليه، قال العلماء: إنما اضطجع على شقه الأيمن لأجل أن يرتاح من قيام الليل وعناء الليل.
فقد كان يقوم حتى تفطرت قدماه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يضطجع هذه الضجعة على شقه الأيمن، ولا ينام فيها، وإنما هي ضجعة، ولذلك سنّ فعل هذه الضجعة لمن قام آخر الليل، أما من كان نائماً ثم أذن عليه الصبح فإنه لا يعتبر فيه المعنى الذي كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وثبت عنه أنه قرأ في ركعتي الفجر بسورتي الإخلاص، وقرأ فيهما آيتين: أولاهما من البقرة وهي قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة:136]، والثانية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ.
} [آل عمران:64]، فهذا بالنسبة لهديه عليه الصلاة والسلام في القراءة فيها، وكان يخفف فيهما عليه الصلاة والسلام، ويتجوّز فيهما، ولكن مع إتمام الأركان من الركوع والسجود.
المسألة الثانية: السنة في هذه الرغيبة أن تقع بين الأذان والإقامة، فإذا أقيمت الصلاة فلا يجوز فعلها بعد الإقامة، ووردت في فعلها بعد الإقامة بعض الأحاديث الضعيفة، ولا تصلح للاستمساك بها في معارضة النص الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وهذا النص ورد في صلاة الفجر، ولذلك لما رأى رجلاً يتنفل بركعتين بعد الإقامة، قال: (يا هذا! بأي الصلاتين اقتديت: أبصلاتك معنا، أم بصلاتك وحدك؟!)، وفي الحديث الآخر عن أنس قال عليه الصلاة والسلام: (يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً)، فلا وجه لإنشاء هاتين الركعتين بعد الإقامة، أما لو أقيمت الصلاة وأنت في الرغيبة فأنت على حالتين: فإن كنت قريباً من السلام، أو تستطيع أن تتمها وتدرك الإمام قبل تأمينه حتى تحصل فضيلة التأمين فحينئذٍ تتم، على ظاهر قوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33].
وأما إذا غلب على ظنك فوات الركعة فإنك تقطع الرغيبة، ويكون قطعك بالسلام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وإذا قطعتها بسلام كتب لك الأجر كاملاً؛ لأنك قطعت بعذرٍ على صورةٍ شرعية، فيكون تسليمك في موضعه، كأنك سلمت من الصلاة بعد كمالها في الحكم من ناحية الفضل، أما إذا قطعتها بدون تسليم فإنه لا يكون لك أجر العمل السابق، وذلك لأنه بمثابة الإلغاء للركعتين.
وكان عليه الصلاة والسلام لا يدع هاتين الركعتين حضراً ولا سفراً، بل كان عليه الصلاة والسلام إذا نام عن صلاة الفجر قضى هاتين الركعتين قبل أن يفعل صلاة الفجر، ففي الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه أنه لما عرّس عليه الصلاة والسلام ونام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في الوادي، في مقفله إلى المدينة، وقام وقد ارتفعت الشمس أمر بلالاً فأذن، فصلى ركعتين -وهما رغيبة الفجر- ثم أمره فأقام فصلى الصلاة.
وفي هذا دليل على مسائل: الأولى: أنه يجوز لك أن تتنفل قبل أن تفعل الفرض إذا كان وقت قضاء الفرض موسعاً، ومن هنا تخرّج قول من يقول: يجوز أن يصوم ستاً من شوال ثم يقضي رمضان بعد ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استيقظ من نومه كان في الأصل مخاطباً بصلاة الفجر، وفي ذمته فريضةٌ هي صلاة الفجر، فاشتغل بالنافلة قبل القضاء؛ لأن الصورة صورة قضاء، فكذلك يجوز لك أن تشتغل بالنافلة بستٍ من شوال مع تعلق الذمة بقضاء رمضان لمكان التوسع في القضاء.
المسألة الثالثة: أن قضاء الفجر موسع إذا كان بعد طلوع الشمس، ووجه ذلك أنه يجوز لك أن تؤخر القضاء، وذلك لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه تحول من الوادي إلى موضع آخر وقال: (إنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان)، وصلى رغيبة الفجر وهذا نوع تأخير، فأخذ منه بعض العلماء دليلاً على أن من استيقظ بعد طلوع الشمس وكان عنده أمرٌ ضروري واحتاج أن يفعله مع أنه عازمٌ على أن يفعل الصلاة بعد انتهائه من هذا الأمر ما لم يدخل وقت الظهر فلا حرج عليه في ذلك، على ظاهر هذا الحديث، ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من الوادي لكونه حضره فيه الشيطان، وهذا على سبيل الفضل وليس على سبيل اللزوم والوجوب، ولذلك أجمعوا على أن من نام في موضعٍ لا يجب عليه أن يتحول عن ذلك الموضع ليصلي.
المسألة الثالثة: لو فرض أنك استيقظت على قربٍ من طلوع الفجر، بحيث لو صليت الرغيبة خرج وقت الفجر وطلعت الشمس فحينئذٍ يجب عليك أن تبتدئ بالفجر، وأن تلغي ركعتي الرغيبة وتجعلهما من بعد طلوع الشمس.
المسألة الرابعة: أنه يُسنّ قضاء رغيبة الفجر، وقضاء رغيبة الفجر لا يخلو من حالتين: إما أن لا يمكنك أن تصليها قبل الفجر، كأن تستيقظ عند الإقامة، فتأتي ولا يمكنك أن تصلي قبل صلاة الفجر، أو تخشى فوات الجماعة، ففي هذه الحالة هل بعد سلامك مع الإمام تقوم وتأتي بالرغيبة، أو تنتظر إلى طلوع الشمس؟ فأقوى ما دلت عليه النصوص أن تنتظر إلى طلوع الشمس؛ لورود المعارض من قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
فإن صليت بعد الفجر ففيها أحاديث اختلف في أسانيدها، وإن كان تحسينها مقبولاً عند جمع من المحققين رحمة الله عليهم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر من قضى ركعتي الفجر بعد صلاة الفريضة.
والأفضل والأولى أن تصلي بعد طلوع الشمس، لكن إذا كان عند الإنسان عمل، أو غلب على ظنه أنه لو أخر القضاء إلى بعد طلوع الشمس فربما لا يتمكن من القضاء لوجود المشاغل، فحينئذٍ لا حرج عليه أن يصليها بعد صلاة الصبح، ولكن بشرط أن لا يكون ذلك في حال طلوع الشمس؛ فإنه في حال طلوع الشمس لا يجوز إيقاع النوافل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة)، وثبت في الحديث الصحيح: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا، ثم ذكر منها: إذا طلعت الشمس)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا طلعت فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان)، فهذا بالنسبة لرغيبة الفجر وما فيها من أحكام.
(54/5)
________________________________________
راتبة الظهر
قال رحمه الله: [ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها].
السنة أن تصلي أربعاً قبل الظهر، وهي المذكورة في الحديث: (من حافظ على أربع قبل الظهر حرمهُ الله على النار)، وهذا فيه فضل، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى قبل الظهر أربعاً، وسألته أم المؤمنين فقال عليه الصلاة والسلام: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عملٌ صالح)، قال بعض العلماء: إن مراد عائشة: بقبل الظهر أي: فيما بين الأذان والإقامة، أي: قبل فعله لصلاة الظهر، وقال بعض العلماء: (قبل الظهر) أي: وقت الضَحَى، أي: قبل أن يدخل وقت الظهر، وكلاهما وجهان للعلماء.
(54/6)
________________________________________
التنفل قبل الجمعة
الركعتان اللتان هما قبل الظهر في غير الجمعة، أما في الجمعة فليس للجمعة قبلية، وإنما يسن لك إذا مضيت إلى الجمعة أن تتنفل، وأن تستكثر من النوافل؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل التبكير إلى الجمعة أنه قال: (من غسّل واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ثم صلى ثم دنا وأنصت ... ) الحديث، قالوا: فقال: (صلى)، فدل على أن الأفضل أنك إذا دخلت المسجد في الجمعة أن تستكثر من الصلاة، حتى يأتي وقت الخطبة، ولا حرج عليك أن تصلي في حال الأذان الأول أو بين الأذان الأول والثاني، فهذا لا حرج فيه، لكن لو كنت جالساً وقصدت أن تصلي بين الأذان الأول والثاني فحينئذٍ للعلماء وجهان: قال فقهاء الشافعية: لا حرج -أو يسن- أن يصلي بين الأذان الأول والثاني.
واستدلوا لهذا بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (بين كل أذانين صلاة)، قالوا: والأذان الأول أذان مشروع؛ لأنه سنةٌ راشدة ثبت النص باعتبارها؛ لأنه فعلها عثمان، وعمل السلف الصالح رحمة الله عليهم بها دون أن ينكرها أحد، وأجمعت الأمة على هذا الأذان الثاني.
ومن قال: إنه بدعة فقوله لم يسبق إليه، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له؛ فإن هذه السنة فعلها خليفة راشد أمر باتباعه، وعلماء الأمة كلهم ليس فيهم واحد يقول: إنها بدعة، فلا شك أنه أمرٌ من السنة بمكان، وأثرٌ يتعين اقتفاؤه ولزومه، ولا شك أن اعتبار قول هذه الطائفة من المؤمنين التي تتابعت جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل أنه أولى وأحرى من حيث الأصل في الأذان الثاني، ولا يحكم ببدعيته في أي زمان، وذلك لأن السلف الصالح رحمة الله عليهم أقروا ذلك، ولم ينكروه، ولم يوجد عالم من علماء السلف رحمة الله عليهم يقول: إن الأذان الثاني بدعة، إنما هو سنة ثابتة، ولا إشكال في ثبوتها، وأما قصد الصلاة فقلنا: إن بعض فقهاء الشافعية يرى ذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين)، قالوا: الأذان الأول ثبتت مشروعيته بالسنة؛ لأن الشرع وصف سنة الخلفاء الراشدين بكونها سنة، فإذا ثبت أنه أذان مسنون، وأجمعت الأمة على اعتباره فإنه يصدق عليه ظاهر الحديث: (بين كل أذانين صلاة).
وقال الجمهور: إنه لا يسن التنفل بين الأذان الأول والثاني.
وهذا هو الأرجح بمعنى: لا يسن أن يقصد الإنسان التنفل قصداً، لكن لو أنك قمت تصلي وأطلت الصلاة بحيث استغرقت الأذان الأول ووقعت صلاتك بين الأذان الأول والثاني اتفاقاً لا قصداً فإن ذلك مشروع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فصلى ثم دنا وأنصت)، فإن قوله: (فصلى ثم دنا وأنصت) يدل على مقاربة الصلاة للخطبة، ولذلك قالوا: إنه وقت فضيلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى الاستكثار من النافلة يوم الجمعة، وقال: (فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي ... ) الحديث، قالوا: فهذا يدل على أن الشرع قصد الاستكثار من النافلة في هذا اليوم، وبناءً على ذلك لا حرج أن يستطيل الإنسان في قيامه حتى يصيب هذا الفضل، ويخرج أيضاً من الخلاف، ولا شك أن مذهب الجمهور، أنه لا يسن قصد فعل ركعتين بين الأذان الأول والثاني، أما فعل النوافل المطلقة فلا حرج.
وبناءً على ذلك يكون قوله: (ركعتان قبل الظهر) في الأصل في الظهر، وعلى هذا فالمريض لو ترك الجمعة شُرِع له أن يصلي قبل ظهره ركعتين وأربعاً على الصورة التي ذكرناها.
(54/7)
________________________________________
راتبة المغرب
قال رحمه الله: [وركعتان بعد المغرب].
قد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلهما، وكان يفعلهما في بيته صلوات الله وسلامه عليه، فيدخل إلى بيته ويصلي هاتين الركعتين بعد صلاة المغرب، والتنفل بعد صلاة المغرب جعله بعض العلماء من قيام الليل، وإن كان الصحيح أنه ليس من قيام الليل، وحملوا عليه قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]، قالوا: إنها نزلت في جمع من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا فرغوا من أعمالهم في المغرب أصابهم الجهد والنصب، فإذا صلوا المغرب قاموا يتنفلون حتى يقووا على الصبر والمكابدة إلى صلاة العشاء، فأنزل الله فيهم: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]، وعدّ -كما ذكرنا- بعض العلماء هذا الوقت وقتاً من قيام الليل.
والصحيح أن قيام الليل إنما يبتدئ بعد صلاة العشاء على الأصل الذي دلّت عليه النصوص من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(54/8)
________________________________________
راتبة العشاء
قال رحمه الله: [وركعتان بعد العشاء].
هذه سنة بعدية، فتجتمع العشاء والمغرب في كون كل منهما السنة فيها بعدية، ولكن كان عليه الصلاة والسلام إذا جمع بين صلاة المغرب والعشاء بجمعٍ لم يسبح بينهما، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين: (أنه -عليه الصلاة والسلام- جمع بين المغرب والعشاء ولم يسبح بينهما)، وهذا أصل عند العلماء، وهو أن السنة الراتبة تترك في السفر، وهكذا بالنسبة للظهر؛ حيث ثبت في حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نزل وصلى بالمحصب -وذلك حينما ركزت له العنزة- لم يتنفل قبل الظهر.
والركعتان بعد العشاء راتبة، وتقدم على التراويح، وإن أخر العشاء فإنه يؤخر راتبة العشاء بعده، فإذا أخرها إلى آخر وقتها لكي يصيب فضيلة تأخير العشاء كما في حديث عائشة في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم بالعشاء، فخرج عمر يقول: الصلاة يا رسول الله! فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)، فإذا طلب الإنسان هذه الفضيلة وأخر العشاء إلى آخر وقتها فإنه يجعل كذلك الراتبة مؤخرة، فراتبة العشاء تكون بعدية في الصورة والحقيقة، فلا تقع راتبة العشاء بمجرد دخول وقت العشاء، فهي راتبة بعدية.
(54/9)
________________________________________
تأكد راتبة الفجر على غيرها
قال رحمه الله: [وركعتان قبل الفجر وهما آكدها].
أي: هاتان الركعتان آكدهما وذلك للأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان فضل هاتين الركعتين، حتى قال في الحديث الحسن: (لهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها)، أي: هاتان الركعتان رغيبة الفجر القبلية، وقال في اللفظ الآخر: (ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها)، وجاء في الحديث الثالث -وإن كان ضعفه من القوة بمكان-: (لا تتركوها ولو طلبتكم الخيل)، وفُهِم تأكدهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركهما حتى في السفر، كما ذكرنا في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه أنه لما فاتته عليه الصلاة والسلام صلاة الفجر قضى هاتين الركعتين وحافظ على قضائهما، فدلّ على تأكدها، وهذا يدل على عظيم شأنها وفضيلتها.
(54/10)
________________________________________
حكم قضاء الفوائت
قال رحمه الله: [ومن فاته شيء منها سن له قضاؤه].
أي: من فاته شيءٌ من هذه السنن سنّ له قضاؤه؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى، فيسن لك -مثلاً- أن تقضي راتبة الظهر القبلية، فإذا دخلت والإمام قد دخل في الصلاة فإنك تدخل معه، وبعد السلام تقوم وتصلي ركعتين تنوي بهما القبلية إن كانت قبليتك اثنتين، وإن كانت قبليتك أربعاً فتقضي أربعاً، وهكذا الحال لو نسي الإنسان راتبة المغرب، فإنه حينئذٍ لو تذكرها بعد العشاء شرع له أن يصليها.
وقال بعض العلماء: إنه لا حرج في تداخل الصلوات، بمعنى أن يجعل الراتبة البعدية من الأولى تُصلى قبل الراتبة البعدية من الثانية، ومثال ذلك: صلاة العشاء والمغرب، فقال بعض العلماء: لا حرج أن تؤخر راتبة المغرب إلى ما بعد العشاء، فتصلي راتبة المغرب أولاً ثم راتبة العشاء ثانياً.
والذي يظهر أن هذا ليس من السنة إذا قصده قصداً، لكن لو أنه شُغِل ونسي، أو جاءه شغل لا يستطيع معه أن يصلي الراتبة فأخرها إلى ما بعد العشاء فصلاها ثم صلى راتبة العشاء فإنه لا حرج عليه في ذلك.
(54/11)
________________________________________
صلاة الليل وأفضل وقتها
يقول المصنف عليه رحمة الله: [وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار].
فبعد أن ذكر رحمه الله النوافل التي يسن للمكلف فعلها، وبيّن أنواع هذه النوافل من حيث ما تسن له الجماعة وما يوقعه المكلف حال انفراده شرع رحمه الله في بيان فضل صلاة الليل، فإن أفضل النوافل وأحبها إلى الله عز وجل وأعظمها أجراً صلاة الليل، وهذا بالنسبة للمقابلة بين صلاة الليل والنهار، والأصل في تفضيل صلاة الليل على صلاة النهار ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل)، وقد امتدح الله عز وجل أهل الليل الذين يتهجدون، خاصةً إذا كان تهجدهم في دياجير الظلمات، أعني الثلث الأخير من الليل، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه انتهى وتره إلى السحر)، فكان قيامه أكمل القيام، وإحياؤه الليل أكمل الإحياء.
وقد جاءت الآيات في كتاب الله عز وجل والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبيّن فضل قيام الليل، وأنه لا يحافظ عليه إلا مؤمن يخاف الله ويرجو رحمته، قال الله عز وجل: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ} [الزمر:9]، قال العلماء: في هذه الآية دليل على أنه لا يحافظ على قيام الليل إلا من خاف الله عز وجل ورجا رحمة الله سبحانه وتعالى، وأكد الله هذا المعنى بقوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة:16].
وفي قيام الليل الفضائل والنوائل، ولذلك قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79]، أي: مقاماً يحمدك عليه الأولون والآخرون.
وهذا إنما ذكره الله بعد أمره لنبيه صلى الله عليه وسلم بقيام الليل.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قيام الليل دأب الصالحين وشأن عباد الله الأخيار المتقين، كما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين من قبلكم)، فدلت هذه النصوص من كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على فضيلة قيام الليل، ونظراً لكون قيام الليل فيه المشقة وفيه العناء وفيه الجهد أثنى الله عز وجل عليه، وأخبر أنه أجلّ وأكرم، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل:6]، وناشئة الليل إنما تكون بعد الليل وبعد الضجعة، فأفضل قيام الليل ما كان في آخر الليل، وكان بعد نوم وهجود، فحينئذ يصدق على الإنسان أنه متهجد، والسبب في هذا أنه إذا اضطجع ونام وذاق لذة النوم والكرى فإنه لا ينبعث من فراشه إلا بقوة إيمان وخشية لله عز وجل ورجاء في رحمته، وفي الحديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد إذا قام من الليل يتهجد من بين زوجه وحِبّه قال الله: يا ملائكتي! عبدي ما الذي أقامه من حِبّه وزوجه؟ قالوا: إلهنا: يرجو رحمتك ويخشى عذابك.
فيقول الله: أشهدكم أني قد أمنته من عذابي وأصبته برحمتي)، فقيام الليل فيه فضلٌ عظيم.
وإنما قال العلماء بتفضيله لورود النصوص في الكتاب والسنة بالثناء على أهله وبيان عظيم فضله، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: أفضله وأكمله أن يكون في آخر الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الدعاء أسمع في آخر الليل، وأن أفضل ما يكون من الصلاة في جوف الليل الآخر، فقال عليه الصلاة والسلام يخاطب الصحابي: (إن أحببت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)، أي: إن أحببت واستطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن.
أعني: الثلث الأخير من الليل.
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ يسأل الله خيراً من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه)، فهذا فضلٌ عظيم، وقد قرر العلماء رحمهم الله أن أفضل قيام الليل الثلث الآخر، ولكنهم استحبوا أن يكون السحر للاستغفار، والسحر يوافق سدس الليل الأخير، فيجعل ما قبل السدس للتهجد والعبادة وتلاوة القرآن تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يقوم ثلث الليل الآخر، فكان يصلي ما شاء الله له أن يصلي، ثم إذا فرغ جعل بينه وبين صلاته وأذان الفجر وقتاً كما ثبت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولذلك قال العلماء: الأفضل في آخر الليل -أعني السدس الأخير من الليل- أن يتفرغ للاستغفار، حتى قال بعض العلماء: هو أفضل من تلاوة القرآن؛ لأن الله يقول: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:18]، فأثنى على من استغفره سبحانه في هذا الوقت -أعني السحر-، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن الله تعالى ينزل في كل ليلة في الثلث الآخر من الليل)، كما ثبت في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام، ولذلك استحب العلماء أن لا يصل قيام الليل إلى السحر، وإنما يكون وتره عند ابتداء السحر، وهذا أفضل الهدي وأكمله؛ لما فيه من الراحة للنفس قبل الفجر، فإنه إذا جلس للاستغفار هدأت أعضاؤه وسكنت من عناء قيام الليل؛ لأن الإنسان بشر، وربما أنه لو واصل قيام الليل إلى الفجر ضعف عن الصلاة المفروضة ولم يخشع فيها، فكان مشتغلاً بفضل نافلة عن فضيلة فريضة، والفريضة أفضل من النافلة.
وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن قيام الليل أفضل من صلاة النهار تطوعاً.
قال رحمه الله: [وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه].
أي: أفضل قيام الليل ثلث الليل بعد نصفه، أي: الثلث الآخر كما يعبر عنه العلماء رحمة الله عليهم.
قال العلماء: فضلت صلاة الليل على صلاة النهار من وجوه: أولها: ثناء الله على أهل هذه الصلاة في كتابه العزيز، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث.
ثانياً: لأنها صلاة خفية لا يعلمها إلا الله عز وجل، وذلك أن ساعة الليل ساعة تهدأ فيها العيون، وتسكن فيها الجفون، ولا يرقب فيها أحد أحداً، حتى إن الرجل ربما قام يصلي وأهله الذين هم أقرب الناس منه لا يشعرون بقيامه، ولذلك قالوا: لمكان الإخلاص وكون هذه العبادة خفية لا يعلمها أحد كانت أفضل من غيرها، بخلاف صلاة النهار، فإن الغالب فيها أن يطلع عليها الناس، وأن يعلم بها الناس.
ثالثاً: لأن الناس في الليل يحتاجون إلى النوم ويحتاجون إلى الراحة، فإن قام أول الليل فإنه يقوم بعد عناء وتعب ونصب وهو أحوج ما يكون إلى النوم، فكونه يؤثر الصلاة على النوم فذلك أبلغ ما يكون في العبادة والطاعة، وإن صلاها بعد نومه كان أبلغ وأبلغ؛ لأنه إذا ذاق لذة النوم والكرى وحلاوة الفراش ثم قام من ذلك كله فهو مؤثر مرضاة الله عز وجل.
فلأجل هذه الفضائل كلها فضلت صلاة الليل على صلاة النهار.
(54/12)
________________________________________
كيفية تطوع الليل والنهار
قال رحمه الله: [وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى].
أي: إذا صليت تطوعاً بالليل، أو صليت تطوعاً بالنهار فصلّ مثنى مثنى، أي: سلم من ركعتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عمر -وأصله في الصحيحين-: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) فقوله: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، أخذ منه الإمام أحمد رحمة الله عليه وطائفة من أهل العلم أنه لا يسلّم المصلي من ركعةٍ واحدة في الليل والنهار إلا في الوتر.
ولذلك قال العلماء: من أراد أن يتطوع في النهار فلا يصلي ركعة واحدة إلا في الوتر، وأما في غير الوتر فإنه يسلم من اثنتين، وإن شاء سلم من أربع، وإن شاء سلم من ست، وإن شاء سلم من ثمان، فقالوا: إنما يسلم من شفع ولا يسلم من وتر؛ لما ذكرناه في الحديث السابق.
قال رحمه الله: [وإن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس].
أي: لا حرج عليه، وأخذ العلماء هذا الحكم مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (رحم الله امرأً صلى قبل الظهر أربعاً)، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأربع، وإن كان مذهب بعض العلماء أن هذا المطلق محمول على المقيد في قوله: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، ولكن أجيب بأن قوله: (مثنى مثنى) أي: يسلم من شفع، فتدخل الأربع في هذا، ولذلك لو صليت أربعاً وجلست في آخر الأربع فلا حرج وإن صليت أربعاً وجلست جلستين أو تشهدت تشهدين فلا حرج، على أصح أقوال العلماء، ولذلك قال: [كالظهر] أي: يصليها كالظهر.
وقد أسقط النبي صلى الله عليه وسلم التشهد الأول في قيام الليل، كما في حديث عائشة: (يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن)، فقالوا: أسقط التشهد لكي يكون قيامه أطول، فكان يريد أن يجعل وقت التشهد لقراءة القرآن، وذلك أفضل؛ لقوله: (أفضل الصلاة طول القنوت).
ومن هنا قال العلماء: الأفضل إذا صليت أربعاً أن تصلها؛ لأن الوقت الذي تأخذه في الجلوس للتشهد ستستغله في قراءة القرآن؛ لأن طول القيام أفضل من وجود التشهد؛ لما ثبت في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئِل عن أفضل الصلاة؟ قال: (طول القنوت) أي: طول القيام بالقراءة.
(54/13)
________________________________________
أجر صلاة القاعد
قال رحمه الله: [وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم].
هنا مسألتان: الأولى: الأصل عندنا صلاتان: صلاةٌ مفروضة، وصلاة نافلة، فأما الصلاة المفروضة فمذهب جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم أنه لا يجوز لك أن تصليها قاعداً إلا من عذر.
وذهب الإمام داود الظاهري وأصحابه إلى أنه يجوز لك أن تصلي جالساً وأجرك على النصف من أجر القائم، وهذا إذا كان عندك العذر.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أنه لا يجوز لك أن تصلي الفريضة قاعداً إلا من عذر، فإن صليت قاعداً من عذر في الفريضة فأجرك كامل.
والإمام داود الظاهري ومن معه يقولون: يصلي قاعداً للعذر ويكون أجره على النصف.
فطبّقوا هذا الحديث على عمومه.
وأصح الأقوال في هذه المسألة أنك إن صليت في الفريضة قاعداً من عذر فأجرك كامل؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له عمله)، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن بالمدينة رجالاً ما سلكتم شعباً ولا قطعتم وادياً إلا شركوكم في الأجر)، وقال هذا الكلام وهو في تخوم الشام صلوات الله وسلامه عليه في غزوة تبوك غزوة العسرة، فقالوا: (يا رسول الله! كيف وهم في المدينة؟ قال: حبسهم العذر)، فدلت هذه الأحاديث الصحيحة على أن المعذور أجره كامل، ولذلك إذا كان الإنسان مريضاً فصلى الفريضة قاعداً فإن أجره على الكمال والتمام.
المسألة الثانية: يجوز لك أن تصلي النافلة قاعداً، ويجوز لك أن تصليها قائماً، ولا إلزام في ذلك.
فإن صليت النافلة قاعداً وأنت قادرٌ على القيام انطبق عليك الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)، وذلك أن القعود أقل عناءً وأقل تعباً، ولذلك كان أجره على النصف من أجر القائم.
وجمهور العلماء على أن المراد بهذا الحديث النافلة لا الفريضة، خلافاً لـ داود الظاهري الذي يحمله على الفريضة في حال وجود العذر.
والصحيح أن هذا الحديث الذي يدل على أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم إنما هو في النافلة، فالإنسان مخيرٌ، فلو رأيت إنساناً -كما يفعله بعض الناس بعد صلاة الفريضة- كبّر للسنة وصلاها قاعداً فإنه لا ينكر عليه؛ لأنه مخيّر بين أن يصلي قائماً أو يصلي قاعداً، فإن صلّى قاعداً فأجره على النصف، إلا أنه إذا كان الإنسان معذوراً أو يشق عليه القيام فإن الأفضل له أن يجلس حتى إذا قارب الركوع قام ووقف وأتم قراءته ثم ركع، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه من طول القيام، وذلك لأنه أخذه اللحم صلوات الله وسلامه عليه في آخر عمره وبدن، فكان يثقل على بدنه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا طال القيام عليه كان عبء الجسد على القدمين حتى تتفطر، قالوا: تفطرها أن تتشقق كاللحم يتمزع عن بعضه من طول قيامه صلوات الله وسلامه عليه، فلما ثقل عليه طول القيام كان يصلي قاعداً، تقول عائشة: (حتى إذا بلغ مائة أو قدر مائة آية قام -صلوات الله وسلامه عليه- فأتمهن قائماً ثم ركع).
فهذا أفضل، فلو صليت في التهجد وكنت على تعب أو نصب وأردت أن تجلس فالأفضل أن تجلس حتى إذا قارب الإمام الركوع تقوم وتتم معه حتى تصيب فضيلة القيام ولو في بعض أجزاء ركن القيام.
(54/14)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة التطوع [4]
من الصلوات المسنونة: صلاة الضحى، فقد ورد في فضلها أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووقتها من بعد طلوع الشمس إلى قبل الزوال، ومن النوافل: صلاة الاستخارة، وصلاة الشروق، وصلاة الهم والحاجة، ويسن كذلك سجود التلاوة، وسجود الشكر.
(55/1)
________________________________________
نوافل الصلاة
(55/2)
________________________________________
صلاة الضحى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وتسن صلاة الضحى].
من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصلى صلاة الضحى، وصلاة الضحى هي إحدى الصلوات التي أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسميت بهذا الاسم من باب تسمية الشيء بزمانه الذي يقع فيه، كالأضحية سميت أضحية لأنها تذبح أضحى يوم النحر، فقالوا: صلاة الضحى من إضافة الشيء إلى زمانه، وهذه الصلاة جماهير السلف رحمة الله عليهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومنهم الأئمة الأربعة على أنها سنة، وقد ثبتت فيها الأحاديث الصحيحة، وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم ينكرون هذه الصلاة، ومنهم عبد الله بن عمر، فكان إذا رأى من يصليها في المسجد حصبه بالحصباء منكراً عليه وكأنه يراها بدعة، إلا أنه أجيب عن فعل ابن عمر هذا من وجهين: الوجه الأول: أن ابن عمر رضي الله عنهما يحتمل أنه لم يبلغه النص بثبوت صلاة الضحى، فرأى كأنهم يفعلون أو يتكلفون فعلاً لا أصل له، وقد كان حريصاً على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر على حسب علمه.
والوجه الثاني -وهو أقوى-: أن ابن عمر إنما أنكر على الناس قصدهم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الضحى، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلف فعلها في المسجد، فحينئذٍ يكون كأنه يوافق في أصل المشروعية ولكن ينكر صفة الإيقاع، وقد يكون الشيء مشروعاً بأصله ولكنه غير مشروع بوصفه، ومن أمثلته هذا، فحمل إنكار ابن عمر رضي الله عنه على الناس أنهم تكلفوا المجيء إلى المسجد، مع أن صلاة الضحى تفعل في البيوت.
وقد ثبتت في صلاة الضحى أحاديث: منها ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يصبح على كل سلامى من الناس في كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة، فبكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى)، (فقوله: على كل سلامى) أي: مفصل، فهذه المفاصل الثلاثمائة والستون في الإنسان إذا أصبحت سليمة وأنت معافى بنعمة الله عز وجل ثبت أداء شكرها، فمن شكر هذه النعمة التي أنعم الله بها عليك من سلامة أعضائك أن تفعل الخير، فتكثر من التسبيح والتحميد حتى تبلغ عدد هذه الأعضاء، فتسبح وتحمد وتكبر وتهلل، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعين الرجل على دابته فتحمل له متاعه عليها أو تحمله عليها، حتى تبلغ من الصدقات والنوافل قدر هذه النعمة التي أنعم الله عليك بها وهي الثلاثمائة والستون مفصلاً، فكأنها صدقة الأعضاء، فقال عليه الصلاة والسلام: (ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى)، وفي هذا دليل على فضيلة هاتين الركعتين اللتين بلغتا شكر نعمة الله عز وجل على سلامة البدن كاملاً، وهذا يدل على فضل الصلاة.
وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى يقول: (يا ابن آدم! اكفني أربع ركعات أول النهار أكفك آخره)، أي: إن صليت أربع ركعات قربة ونافلة أول النهار كفيتك همّ يومك كله، سواء همّ دِين أم دنيا أم آخرة، فتكفاه إلى نهاية هذا اليوم بالأربع ركعات.
وكذلك ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه يوم الفتح اغتسل صلوات الله وسلامه عليه، وسترته فاطمة، فدخلت عليه أم هانئ يوم الفتح وهو يغتسل، فلما انتهى من الغسل التحف عليه الصلاة والسلام بردائه فكبّر وصلى ثماني ركعات)، ومذهب طائفةٌ من السلف أن المراد بها ركعات الضحى، ولذلك تسن هذه الصلاة.
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بثلاث، ومنها صلاة الضحى.
فصلاة الضحى سنة، والأحاديث فيها صحيحة وثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقوله: (تسن) أي: فعلها سنةز واختلف العلماء: هل الأفضل أن يداوم عليها، أو يفعلها أحياناً ويتركها أحياناً؟ وأصح الأقوال -والعلم عند الله-: أن الأفضل المداومة عليها، وكونه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه داوم عليها لا يمنع المداومة عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دلّ على فضلها بالسنة القولية، وقد كان يترك فعل الشيء وهو يحب أن يفعله خشية أن يفترض على الأمة، مع أن عدم النقل لا يدل على عدم الوجود، ولهذا الأفضل أن يداوم على ركعات الضحى.
قال رحمه الله تعالى: [وأقلها ركعتان وأكثرها ثمان].
هذه الركعات أقلها ركعتان، وأكثرها فيه للعلماء وجهان: فقيل: ثمان ركعات.
وقيل: اثنتا عشر ركعة.
وهو الأقوى.
أما كونها تصلى ركعتان فلما ثبت في حديث أبي هريرة: (ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى).
وأما كونها تصلى أربعاً فلما ثبت في الحديث الصحيح الذي ذكرناه: (ابن آدم اكفني أربع ركعات من أول اليوم أكفك آخره).
وأما كونها تصلى ست ركعات فلحديث أنس -وقد ذكره الترمذي في الشمائل-: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ست ركعات).
وأما كونها تصلى ثماني ركعات فلما ثبت في الصحيح من حديث أم هانئ: (أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وفاطمة تستره بثوب وهو يغتسل، وفيه قالت: فالتحف، ثم صلى ثماني ركعات)، وحديث أم هانئ هذا فيه وجهان للعلماء: فبعض العلماء يقول: هي صلاة الضحى.
وكانت أم هانئ تفعل ذلك، وكان ابن عباس لا يرى الضحى، حتى دخل على أم هانئ فوجدها تصليها فاعتبر صلاة الضحى لما رآها تصلي هذه الثمان.
فمذهب طائفة أن هذه الصلاة صلاة الضحى.
وهناك وجه ثانٍ أن هذه الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يوم الفتح إنما هي صلاة الفتح، صلاها شكراً لله عز وجل أن فتح له مكة، وبلّغه هذا اليوم الذي أعزّ فيه جنده وأعلى فيه كلمته ونصر فيه عبده، فكانت شكراً لله على الفتح، ولذلك لما فتح سعد بن أبي وقاص إيوان كسرى صلى فيه هذه الثمان الركعات، كانوا يستحبون لأمراء الجيوش والقادة أن يصلوها عند الفتح شكراً لله عز وجل على الفتح، فهذا أحد الوجهين فيها، وعلى القول بأنها صلاة الضحى تصبح صلاة الضحى ثماني ركعات.
وتصلى اثنتي عشرة ركعة، وفيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى ركعتين كان من العابدين ... ) الحديث، وذكر فيه من صلى اثنتي عشرة ركعة.
ولذلك قالوا: أقل الضحى ركعتان وأكثر الضحى اثنتا عشرة ركعة.
وقيل: ثمان.
وقيل: يصلي ما شاء الله.
وفي هذا حديث أم المؤمنين عائشة: (أنها لما سُئِلت عن صلاة الضحى قالت: (كان يصلي أربعاً، ويزيد ما شاء الله)، فهذا يدل على أن فيها أدنى الكمال وأعلى الكمال.
فأفضل ما يكون أن تصلى اثنتي عشرة ركعة، وحملوا عليه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من صلى لله في يومٍ ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة)، فحملوه على هذه الركعات التي تكون في صلاة الضحى.
(55/3)
________________________________________
وقت صلاة الضحى
قال رحمه الله: [ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال].
قوله: (ووقتها) الضمير عائد إلى صلاة الضحى، فبعد أن عرفنا أنها سنة وعرفنا عدد ركعاتها، يجئ الكلام على وقتها.
فوقتها يبتدئ بابتداء وقت صلاة العيد، ويكون بعد انتهاء وقت النهي، ووقت النهي يبتدئ بصلاة الفجر، ويستمر من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ثم من بعد الطلوع حتى ترتفع قيد رمح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى صلاة عيد الأضحى صلاها والشمس على قيد رمح، ولما صلى صلاة عيد الفطر صلاها والشمس على قيد رمحين، فعجّل الأضحى وأخر الفطر، فعجّل الأضحى لأن الناس تحتاج إلى وقت الضحى من أجل الأضحية، فعجّل صلاة الضحى وأوقعها بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وأخّر صلاة الفطر لأن الناس يحتاجون لهذا الوقت من أجل إخراج زكاة الفطر حتى تكون زكاة مقبولةً إن شاء الله، فأول وقت الجواز بعد طلوع الشمس حين ترتفع قيد رمح، فهذا هو وقت بداية صلاة الضحى، ثم ينتهي وقت صلاة الضُّحى في الضَّحى، أي: في دخول وقت الضَّحى، فهناك وقت يسمى وقت الإشراق، وهو ما بعد طلوع الشمس بقيد رمح، ثم يدخل وقت الضُّحى، وذلك عند تجلي الشمس بارتفاعها، وهناك وقت الضَّحى، وهو ما قبل الزوال بما يقرب من ساعة ونصف إلى ساعتين إلا قليلاً، وهو الذي ورد فيه الحديث الصحيح: (فنرجع إلى بيوتنا -يعني يوم الجمعة- فنقيل قائلة الضَّحى)، فالضَّحى ما قبل الظهر بقرابة ساعتين إلا ربع فما دون، فهذا الوقت يسمى، وقت الضَّحى، أي: قرب الزوال.
فإذا دخل وقت الضَّحى -أي: قبل صلاة الظهر بساعة ونصف إلى ساعتين إلا قليلاً- فهذا الوقت ينتهي فيه وقت صلاة الضُّحى.
ثم إن هذا الوقت الذي هو وقت صلاة الضُّحى فيه وقت فضيلة، فأفضل أوقات صلاة الضُّحى إذا ارتفعت الشمس قليلاً، أي: بعد ارتفاعها قيد رمح، ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه: لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أوّاب.
وقد قال الله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:25]، فالذي يحافظ على هذه الصلاة أوّاب، وعندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة قال: (صلاة الأوّابين حين ترمض الفصال)، كما في الصحيح.
أي: صلاة الضحى.
,الفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة الصغير، ومعنى: (تمرض) أي: يدركها حرّ الرمضاء.
فالفصيل يسرح بجوار أمه حتى إذا ارتفعت الشمس وابتدأ وهيج الشمس دخل تحت أمه، أو أوى إلى ظل الشجر، فهذا الوقت -الذي هو ما بعد طلوع الشمس إلى ساعتين، أو ساعتين وقليل- هو أفضل أوقات صلاة الضحى، والسبب في فضله ما ذكره العلماء في كلامهم على حديث مسلم: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، حيث قالوا: إنما فُضّل هذا الوقت لأنه وقت غفلة.
ولذلك أشد ما تكون عليه السوق في هذا الوقت، فالناس مشتغلون بالتجارة ومشتغلون بالبيع والشراء، ومشتغلون بمصالحهم وأمورهم الدنيوية، ثم إنك قلّ أن تجد فراغاً في هذا الوقت، فكون الإنسان يعرض عن لغط الدنيا في ساعة غفلة الناس فهذا من أبلغ ما يكون في القربة إلى الله، كصلاة الليل إذا نام الناس وهجدوا فضلت لإعراض الناس عن العبادة سكوناً إلى الراحة وخلوداً إليها، كذلك أيضاً في حال الغفلة، فلما غفل الناس في أول النهار بطلب معايشهم وطلب أمورهم كان وقت الفضيلة عند اشتداد النهار قبل الضَّحى، فهذا هو أفضل الأوقات، وكلما تأخّر قليلاً إلى ما قبل الضَّحى كان أبلغ، إلا أنه إذا كان الإنسان يخشى الانشغال فليصلها في أول وقتها ولا حرج عليه، وكان بعض العلماء يستحب أن تكون في أول اشتداد النهار؛ لقوله: (يا ابن آدم اكفني أربع ركعات من أول النهار)، فقالوا: كلما قرب من أول النهار كان ذلك أفضل وأكمل.
(55/4)
________________________________________
نوافل لم يذكرها المصنف
وهناك نوافل أخرى لم يذكرها رحمة الله عليه ورضوانه، ومن هذه النوافل ركعتا الوضوء، وفيها أحاديث صحيحة:
(55/5)
________________________________________
ركعتا الوضوء
منها: حديث عثمان رضي الله عنه، فعن حمران مولى عثمان أن عثمان دعا بطهور، فتوضأ فأكفأ على يديه، فغسلهما ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً -أي: توضأ وضوءاً كاملاً، وهو وضوء الإسباغ-، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهذا يدل على فضيلة ركعتي الوضوء.
ومنها: حديث بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إني سمعت خشخشة -أو دف- نعليك في الجنة، فأخبرني عن أرجى عمل عملته؟ قال: يا رسول الله! ما أحدثت إلا توضأت، ولا توضأت إلا صليت ما كتب لي)، قالوا: فلذلك يحافظ الإنسان على ركعتي الوضوء.
وقال بعض العلماء رحمة الله عليهم: الأفضل في ركعتي الوضوء أن تكون بعد الوضوء مباشرة، حتى قال بعض العلماء: قبل أن تجف الأعضاء؛ لما فيه من وصل الطاعة بالطاعة.
وهذا أبلغ ما يكون في القربة والانكسار لله عز وجل، حتى لا يدخل بينهما غيبة ونميمة، أو شيء من أمور تغفل قلبه عن ذكر الله؛ لأنه بمجرد انتهائه من الوضوء تتحات عنه الذنوب، فيكون أشرح صدراً، فربما لو أخرها اغتاب أحداً أو وقع في محرم فصرف عن الخشوع، والخشوع هو المعين على المغفرة في ركعتي الوضوء.
(55/6)
________________________________________
صلاة الاستخارة
ومن النوافل: صلاة الاستخارة، جعلها الله عوضاً عما كان عليه أهل الجاهلية من البدع والخرافات، فيقدمون على أمورهم ومصالحهم الدنيوية ويحجمون عنها بالاستقسام بالأزلام، وبتحريك الطيور والنظر إلى جهاتها، فعوض الله المسلمين بركعتي الاستخارة، فإذا أهمك أمر ولم تدر تقدم عليه أم تحجم، فحينئذ إذا هممت به وأردت أن تعزم عليه بعد استشارة الناس فإنك تستخير.
وهنا أمر يخطئ فيه كثير من الناس، فبعض الناس يجعل الاستخارة قبل الاستشارة، وهذا خطأ، بل الذي ينبغي أن تكون الاستخارة بعد أن تهتم النفس بالشيء، وبعد أن يشاور الناس فيجد من يعينه ومن يثبطه؛ لأنك إذا استخرت فلا تستشر أحداً بعد الله عز وجل، ولذلك قالوا: تكون الاستخارة هي آخر الأمر، بمعنى: أنه التبس عليك الأمر، فوجدت هذا يقول لك: أقدم، وهذا يقول لك: أحجم، وهذا يقول لك: هذا فيه خير، والثاني يقول: فيه شر، فحين تتردد نفسك وتهتم بالأمر فإنه تستخير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا همّ أحدكم بالأمر)، فمعناه: أن يكون عنده الاهتمام، ومعنى ذلك أنه قد وجد من مشورة الناس ومن حديث النفس ما يجعله يتردد، فحينئذٍ يصلي ركعتين من غير فريضة، ثم يقول الدعاء المأثور: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك؛ فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه- فيه خيرٌ لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فيسره لي وسهله لي، وإن كنت تعلم أن فيه شراً لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم اقدر لي الخير حيثما كنت، ثم رضِّني به)، فأي شيء بعد هذه الاستخارة تفعله هو خير مهما كان هذا الشيء، ولذلك بعد الاستخارة سلّم الأمر لله، حتى ولو وجدت الأمر في أوله يسوؤك فإن عواقبه خيرٌ لك في الدنيا والآخرة، وقد يكون الشيء في أوله حزن ولكن آخره سرور، وقد يكون أوله نكبة ولكن آخره صلاح وفلاح وخير لك في الدنيا والآخرة، ولذلك إذا استخرت الله عز وجل فحينئذٍ تنشرح نفسك، ولا تجعل في قلبك من هذا الأمر أي هم، إن تيسر فعله فافعل، وإن تيسر تركه وصرفت عنه فهو الخيرة من الله عز وجل، وهذه رحمة من الله عز وجل.
وأما هل يفعل الدعاء في آخر الصلاة، أو يفعله بعد السلام فأصح الأقوال أنه يفعله داخل الصلاة.
وقال بعض العلماء: إذا فعله داخل الصلاة أو بعد السلام فلا حرج عليه.
ولكن الأولى والأكمل أن يكون عقب تشهده وقبل السلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن بعد الفراغ من التشهد: (ثم ليتخير من المسألة ما شاء)، وهذه مسألة، وشرعت الصلاة من أجل هذه المسألة، فالذي يظهر إيقاع السؤال والاستخارة قبل السلام.
(55/7)
________________________________________
صلاة الإشراق
ومن الصلاة النافلة: صلاة الإشراق، وهي تكون بعد جلوس الإنسان في مصلاه بعد صلاة الفجر في جماعة، فقد ثبت في الحديث عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى الفجر في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع عليه الشمس ثم صلى ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامةٍ تامة).
وهذا الفضل له شروط: أولها: أن يصلي الفجر في جماعة، فلا يشمل من صلى منفرداً، وظاهر الجماعة يشمل جماعة المسجد وجماعة السفر وجماعة الأهل إن تخلف لعذر، كأن يصلي بأبنائه في البيت فيجلس في مصلاه.
ثانياً: أن يجلس يذكر الله، فإن نام لم يحصل له هذا الفضل، وهكذا لو جلس خاملاً ينعس فإنه لا يحصل له هذا الفضل، إنما يجلس تالياً للقرآن ذاكراً للرحمن، أو يستغفر، أو يقرأ في كتب العلم، أو يذاكر في العلم، أو يفتي، أو يجيب عن المسائل، أو ينصح غيره، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن جلس لغيبة أو نميمة لم يحز هذا الفضل؛ لأنه إنما قال: (يذكر الله).
الأمر الثالث: أن يكون في مصلاه، فلو تحول عن المصلى ولو قام يأتي بالمصحف فلا يحصل له هذا الفضل؛ لأنه فضلٌ عظيم، وهو حجةٌ وعمرة تامة تامة، فهذا فضل عظيم، والمراد به الرباط؛ لأنه قال: (ثم جلس في مصلاه)، فهذا يدل على أنه لا يبرح المصلى، ومن قام من مصلاه لسلام أو تحية أو طلب حاجة فإنه لا يصدق عليه هذا الشرط، وهو قوله:.
(ثم جلس في مصلاه)، فلذلك يلزم المصلى؛ لأنه فضل عظيم، وتحصيل الفضل العظيم يكون أكثر عناءً وأكثر نصباً، فيحتاج إلى أن يتكلف العبد في إصابة ظاهر هذه السنة، فيجلس حتى تطلع الشمس، ثم يصلي ركعتين.
رابعاً: أن يصلي ركعتين.
وهاتان الركعتان هما ركعتا الإشراق، وهناك من يطلق ركعة الإشراق على الركعة التي تكون بعد ارتفاع الشمس بين الضحى وبين طلوع الشمس، أي: بعد ارتفاعها قيد رمح.
وأثر عن ابن عباس في التسبيح بالإشراق، قال في قول الله عز وجل: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} [ص:18]: ما كنت أعلم التسبيح بالإشراق حتى سمعت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها تذكره.
فحملوه على الركعتين ركعتي الإشراق، وجعلوها صلاةً تكون في أول النهار.
(55/8)
________________________________________
صلاة الهم والحاجة
وهناك أيضاً صلاة الهمّ والحاجة، كأن ينزل بالإنسان كرب، أو -لا قدّر الله- فاجعة أو مصيبة، فإذا نزل به أمر ضاق به صدره، أو جاءته مصيبة، أو بلغه خبر يحزنه أو يفجعه، أو أهمه أمر فالسنة له أن يتوضأ ويصلي ركعتين؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزّ به أمرٌ -وفي رواية: إذا حزبه أمر- فزع إلى الصلاة) فقولها: (فزع إلى الصلاة) أي: ناجى الله عز وجل وصلّى، فالأفضل للإنسان إذا نزلت به كربة أو مصيبة أن يصلي، ولذلك أخبر الله عز وجل أنها معونة للعبد، فقال سبحانه وتعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]، وذكر الصلاة مع الصبر، فمعناه: أن يستعان بالصلاة عند وجود الشدائد والأهوال، وهذا أبلغ ما يكون في العبودية؛ لأن الله يحب من عبده إذا نزلت به المصائب أو نزلت به البلايا أن يضرع إليه، قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43]، أي: فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، وأبلغ الضراعة الصلاة، ولذلك قالوا: يشرع أن يصلي إذا نزلت به مصيبة، أو ألمت به حادثة، أو أصبح عنده أمرٌ يهمه ويقلقه، فينزل حاجته بالله جل جلاله الذي تنزل به الحاجات ومنه تفرج الكربات، فهذا من أفضل ما يكون عند نزول الشدائد بالعبد.
(55/9)
________________________________________
أحكام سجود التلاوة
قال رحمه الله: [وسجود التلاوة صلاة].
بعد أن فرغ رحمه الله من النوافل التي تكون بفعل الصلاة شرع في النوافل التي هي أجزاء من الصلاة، كسجود التلاوة، وهو آخذٌ حكم الصلاة من حيث الطهارة واستقبال القبلة والتكبير والتسليم.
فسجود التلاوة يأخذ حكم الصلاة، وقال بعض العلماء: يجوز له أن يسجد ولو لم يكن متوضئاً، بل قال بعضهم: يسجد ولو لغير القبلة، وهذا القول من أضعف الأقوال أي: أن يسجد لغير القبلة، وذلك لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) يعني الكعبة، وهذا نصٌ عام، ولذلك شرع في الميت إذا وضع في قبره أن يقبّل للقبلة، وهكذا إذا كان عند الاحتضار، فقال: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً)، ومن هنا أخذ العلماء رحمة الله عليهم أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأراد السلام عليه عند الدعاء أن يستقبل القبلة، وذلك لأن القبلة تقصد عند الدعاء وعند السجود، ولذلك لا يقال بالتوسع بحيث يسجد لأي جهة، ومن قال بالسجود لغير القبلة فهو مطالبٌ بالدليل، ومطالب بأن يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد لغير قبلة، ونحن لا نحفظ ذلك عنه عليه الصلاة والسلام في صلاة فريضة ولا نافلة، بل حتى في سجود التلاوة ما حفظ عنه نصٌ واحد أنه استقبل غير القبلة وسجد، ولذلك لا بد من استقبال القبلة، ولا يعتبر ساجداً إلا إذا استقبل القبلة التي سنّ الله عز وجل للصلاة، وما في حكم الصلاة -أعني: سجود التلاوة-، وبناءً على هذا فسجود التلاوة يشرع لأن الله عز وجل ذكره في كتابه، وامتدح أهله، وكذلك فعله النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ آية السجدة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا موضعاً يضع فيه جبهته)، وهذا دليل على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في السجود.
(55/10)
________________________________________
الخلاف في وجوب سجود التلاوة
وسجود التلاوة للعلماء فيه وجهان: أحدهما: أنه عزيمة وواجب.
وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، واستدل بالأوامر في القرآن، حيث جاءت أكثر آيات السجدة بالأمر بالسجود في مواضع متعددة، فقال: هو واجب ولازم.
وذهب الجمهور إلى أنه ليس بواجب، واحتجوا بحديث أبي داود بسند صحيح أنه عليه الصلاة والسلام: أنه لما قرأ السجدة وتهيأ الصحابة أن يسجدوا قال: (على رسلكم، إنها ليست بعزيمة)، ولما رآهم تهيأوا للسجود نزل فسجد تطييباً لخواطرهم صلوات الله وسلامه عليه، فدل على أنها ليست بعزيمة.
ومما يؤكد هذه الآثار الصحيحة ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد روى عنه مالك في الموطأ أنه قرأ السجدة وهو في الخطبة أي: قرأ آية السجدة-، فنزل فسجد في أصل المنبر، فسجد الناس معه، ثم لما كانت الجمعة الثانية قرأها فتهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إنها ليست بعزيمة -أي: سجود التلاوة ليس بعزيمة- وإنما هو فضل لا فرض)، ولذلك قال جمهور العلماء: إنه فضيلة وليس بفريضة.
أما استدلال الإمام أبي حنيفة رحمة الله ورضوانه عليه بما ورد من الأوامر بالسجود في الآيات فهو مردود بورود حديث السنة الذي يدل على صرف الأمر عن ظاهره من الوجوب إلى الندب.
كما أنه لو قيل بهذا الاستدلال -كما أجاب بعض العلماء- للزم المصلي أن يصلي عند كل آيةٍ فيها أمر بالصلاة، كقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2]، ولا قائل بهذا، فدل على أن الأمر بالسجود غير واجب كما أن الأمر بالصلاة غير واجب عند تلاوته الأمر بها.
فسجود التلاوة يشرع عند تلاوة الآية التي فيها سجدة.
(55/11)
________________________________________
سجود التلاوة للمستمع واقتداؤه بالقارئ
قال رحمه الله: [يسن للقارئ والمستمع دون السامع].
أي: يسن سجود التلاوة لمن قرأ ولمن استمع، أي: حضر مجلس القراءة وكان مع القارئ في نفس المجلس، أما لو سمعه بالمبلّغ الذي لا يجتمع معه في المكان، أو سمعه في الأجهزة من مسجلٍ ونحو ذلك فإنه لا يشرع له أن يسجد معه، وذلك لأنه ائتمام، وحكمه حكم الائتمام في الصلاة، وحينئذٍ لا يسجد معه، كما أنه لا يصلي وراءه ولا يركع ولا يسجد بالتبليغ بالجهاز دون التبليغ الحقيقي الذي يكون فيه مجتمعاً معه في المكان، وعلى هذا فلا تسجد إذا كنت مستمعاً إلا إذا كان المكان متحداً، ولذلك بعض العلماء يضيف قيد المجلس، ولا يقتصر على كونه مستمعاً، وإنما يضيف قيد المجلس، وهو اتحاد القارئ والمستمع في المجلس؛ لأنه ربما حصل الاستماع بدون حضور المجلس، كأن يعلو صوته من بيته وأنت في بيتك فتسمعه، أو تسمعه من غرفته وأنت في غرفتك، فحينئذٍ قالوا: إنه لا يشرع السجود لمكان عدم صحة الاقتداء.
وأما السامع فإنه لا يسنّ له السجود، وهناك فرق بين السامع والمستمع، ففضل الاستماع أكثر من فضل السماع؛ إذ السامع هو الذي لا يقصد، ولذلك قالوا: لو مررت على صوت غناءٍ وسمعته ولم تستمع له لم تأثم، ومن هنا خرّجوا أثر ابن عمر الوارد عنه حينما كان معه مولاه نافع، فمر بالسوق فسمع صوت الغناء فوضع أصبعيه في أذنيه، فما زال يسأل نافعاً: أنتهى الصوت؟ فيشير له: لا بعد.
حتى أشار له أنه قد انقضى.
فاستشكل العلماء: كيف ابن عمر يضع أصابعه ولا يأمر نافعاً أن يضع أصبعه في أذنه؟ فقالوا: وضعها ابن عمر ورعاً وكمالاً في البعد والهجر لمعصية الله، وبقي نافع على الأصل من الرخصة.
ولذلك قد تغلب على سماع شيءٍِ وأنت لا تريده، فإذا سمعته ولم تستمع له -بمعنى: لم تصغ إليه- لم تأثم، وهكذا إذا سمعت القرآن ولم تستمع له لم تؤجر، وبناءً على ذلك فرقوا بين السماع والاستماع من هذا الوجه، وهذا مذهب طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم، ونبه عليهم علماء محققون، منهم الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه في المغني.
قال رحمه الله تعالى: [وإن لم يسجد القارئ لم يسجد].
أي: إذا لم يسجد القارئ لا تسجد لمكان الاقتداء، وقد جاء فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه آثار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لم يسجدوا، حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه أمر تميماً رحمة الله عليه فقال له: اسجد حتى نسجد معك.
فدلّ على أن سجود المستمع متوقف على سجود القارئ، ولذلك قالوا: لا يسجد المستمع دون أن يسجد القارئ.
(55/12)
________________________________________
عدد سجدات التلاوة
قال رحمه الله: [وهو أربع عشرة سجدة].
أي: سجود التلاوة أربع عشرة سجدة.
أولها سجدة الأعراف، ثم تليها سجدة الرعد، ثم النحل، ثم الإسراء، ثم مريم، ثم في الحج سجدتان، ثم الفرقان، ثم النمل، ثم السجدة، ثم سجدة حم فصلت ثم سجدة النجم، ثم الانشقاق، ثم العلق، فهذه أربع عشرة سجدة، ومذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه وطائفة من السلف أنها كلها من عزائم السجود.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يسجد في المفصّل، كما هو مذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمة الله عليه، فقال: إنه لا يسجد في المفصل، واستدل بحديث ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سجد في المفصل بعد الهجرة)، ولكنه حديث منكر كما بيّن العلماء رحمة الله عليهم، ومنهم الحافظ ابن عبد البر الذي بيّن أنه حديث ضعيف.
والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في المفصل، وعلى هذا يشرع السجود في المفصل، ولا حرج على الإنسان، وتكون السجدات أربع عشرة سجدة.
واختلف العلماء في سجدة الحج الثانية، وأما الأولى منهما فعزيمة، والثانية وهي قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77] فيها خلاف.
ومذهب طائفة كـ الشافعي وأحمد رحمة الله عليهما السجود فيها، وثبت فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على صحة القول بالسجود فيها.
وأما سجدة (ص) فالصحيح أنها ليست من عزائم السجود، وجاء فيها حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (إنها ليست بعزيمة، إنما كانت توبة من نبي من أنبياء الله)، فيكون الاقتداء به على سبيل الاستنان العام بهدي الأنبياء، ولذلك ابن عباس لما قيل له في سجدة (ص) قرأ قول الله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، فسجد نبي الله داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فنحن نسجد من باب الاستنان العام، لكنها ليست من عزائم السجود، والفرق بين قولنا: إنها تسجد من باب الاستنان العام وكونها من عزائم السجود أنه لو سجد الإمام بها في الصلاة فلا تتابعه؛ لأنها ليست من عزائم السجود، فتكون فعلاً زائدة.
وبناءً على ذلك لا يسجد وراء الإمام إذا سجدها، وهذا إذا كان الإنسان لا يراها عزيمة، أما إذا كان يراها من عزائم السجود -كما هو مذهب بعض السلف رحمة الله عليهم- فحينئذٍِ لا حرج أن يسجد وراء الإمام إذا سجدها.
قال رحمه الله: [في الحج منها اثنتان].
أشار إلى الخلاف رحمة الله عليه، أي أنه يرى القول الذي يقول بالسجدة الثانية من الحج، وهي التي تكون في آخر سورة الحج، أما الأولى منهما فيكاد يكون بالاتفاق أنها من عزائم السجود.
(55/13)
________________________________________
التكبير والتسليم والقيام في سجود التلاوة
قال رحمه الله: [ويكبر إذا سجد وإذا رفع ويجلس ويسلم ولا يتشهد].
قوله: (ويكبر إذا سجد وإذا رفع) هذا هو المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح أنه كبّر لسجوده، وفي حديث أبي داود أيضاً ما يؤكد ذلك حينما سجد عليه الصلاة والسلام، فكان يكبّر لسجوده ورفعه من السجود.
وقوله: [ويجلس ويسلم ولا يتشهد].
أي: يجلس ثم يسلم، ولا يتشهد في جلوسه.
وللعلماء في الأفضل في كيفية الابتداء في هذا السجود وجهان: فاختار بعض العلماء من الحنابلة والحنفية رحمة الله عليهم أن الأفضل في سجود التلاوة أن تقوم ثم تخر ساجداً؛ لأن الله أثنى على من خرّ ساجداً فقال تعالى:: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107]، فالخرور قالوا: من أعلى إلى أسفل.
فإذا وقف كان هذا أبلغ؛ لأن فيه تكلف الفعل، ووجود المشقة فيه أكثر مما لو سجد وهو جالس، ثم إنه مطابقٌ لوصف الآية.
وقال بعض العلماء: لا فضيلة في القيام، وإنما يجلس ويسجد وهو جالس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه تكلف القيام.
وهذا القول الثاني فيه قوة ووجاهة، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه أنه قام ثم خرّ ساجداً، لكن لو خرّ الإنسان وسجد فلا حرج عليه ولا بأس.
(55/14)
________________________________________
سجود الإمام للتلاوة في الصلاة السرية
قال رحمه الله تعالى: [ويكره للإمام قراءة سجدة في صلاة سر وسجوده فيها].
هذا لأنه إذا قرأ سجدة -مثلاً- في صلاة الظهر وهي صلاة سر ثم سجد فإنه يشوش على المأمومين، وهذه من آداب الإمامة، ولذلك ينبغي للإمام أن يكون ملماً بفقه الإمامة، فمن فقه الإمامة هذه المسألة.
وذكروا مسألة ثانية في سجود التلاوة، وهي إذا قرأ آية السجدة وكانت في آخر قراءته، كما في سورة العلق، فحينئذٍ قالوا: إذا كان لا يرغب في السجود فليقرأ بعد فراغه من آخر السورة آيات أو سورة حتى ينبه من وراءه أنه لا يريد السجود؛ لأنه لو كبّر راكعاً في هذه الحالة سيخرّ الناس سجداً، وحينئذٍ يحصل الاختلال في صلاة الناس، فعدوا من فقه الإمام أن يتفطن لمثل هذا، فلا يركع عند آية السجدة؛ لأنه إذا ركع لبّس على الناس، خاصةً في الفريضة فإن الأمر أشد، فتجد هذا قائماً وهذا راكعاً وهذا ساجداً؛ لأن الناس يلتبس عليهم الأمر.
ولذلك قالوا: لا يقرأ آية السجدة عند الركوع، إلا إذا كان يريد أن يسجد فحينئذٍ يقرؤها.
ومن ذلك أن يقرأ السجدة في السرية، فكره بعض العلماء أن يقرأها، ولكن ورد ما يدل على مشروعية قراءتها في السرية وسجوده فيها، وعلى هذا فلا حرج أن يفعل ذلك، لكن يقول بعض العلماء: لو أنه رفع صوته قليلاً بآية السجدة قبل أن يسجد في السرية فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الصلاة السرية يرفع صوته أحياناً يُسمِّع بالآية، قالوا: فإذا ثبت التسميع بالآية وهو مشروع فليفعل ذلك قبل سجوده حتى ينبه الناس أنه يريد أن يسجد، وإنما كره من كره من العلماء أن يقرأ آية السجدة في السرية لأنه إذا ترك السجود ترك السنة، وإن سجد ظن الناس أنه وهِم، فبدل أن يركع سجد، فيلتبس على الناس فعله، ولذلك قالوا: لا يقرأ في الصلاة السرية السجدة.
والصحيح أنه لا حرج عليه أن يقرأ السجدة لثبوت ما يدل على مشروعية ذلك، والأصل العام يقتضيه.
قال رحمه الله: [ويلزم المأموم متابعته في غيرها].
أي: إن شاء سجد وإن شاء لم يسجد، فيلزمه متابعته على الأصل في حديث أنس بن مالك في الصحيح: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا)، فأمر المأموم بمتابعة إمامه، ولذلك يلزم المأموم في الأصل بمتابعة الإمام، وسيأتي إن شاء الله الكلام على المتابعة وأحكام الاقتداء في باب صلاة الجماعة بعد هذا الباب.
(55/15)
________________________________________
مشروعية سجود الشكر
قال رحمه الله: [ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم].
استحباب سجود الشكر هو مذهب طائفة من السلف رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، قالوا: إنه يستحب للمسلم إن أصابته نعمة أن يسجد شكراً لله عز وجل؛ لأن داود عليه السلام أناب إلى ربه وخر راكعاً، حينما تاب الله عز وجل عليه، فقالوا: يستحب للإنسان إذا نزلت به النعمة أو اندفعت عنه الشدة والنقمة أن يستقبل القبلة ويسجد لله عز وجل شكراً.
وسجود الشكر كسجود التلاوة، لكن خصص بعض العلماء الطهارة له، فقالوا: إنه لو سجد على غير طهارة صح منه سجوده ولا حرج عليه.
ويكون سجود الشكر في موضعين: الأول: حصول النعم، كأن يأتي خبرٌ سار بحصول الخير، فأول ما تستقبل الخبر تشكر الله عز وجل فتسجد، وقد تأذن الله بالزيادة لمن شكر.
الثاني: اندفاع النقم، كزوال بلية أو مصيبة، عامة كانت أو خاصة، فلو بلغه أن كربة فرجت عن المسلمين، أو ضائقة زالت عنهم سجد شاكراً لله عز وجل، وهكذا إذا بلغه أن نعمة أصابت إخوانه المسلمين خرّ ساجداً شاكراً لله عز وجل، فكل ذلك مما هو مشروعٌ، ولا حرج على المكلف في فعله.
قال رحمه الله: [وتبطل به صلاة غير جاهل وناسٍ].
هذه مسألة العذر بالجهل، قالوا: إنه يعذر إذا كان جاهلاً ويعذر إذا كان ناسياً.
والسبب في ذلك أن الله عز وجل رفع المؤاخذة عن الناس، فقد جاء في الحديث الصحيح في قوله سبحانه وتعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، أن الله تعالى قال:: (قد فعلتُ)، أي أني لا أؤاخذكم إذا نسيتم أو أخطأتم، فقالوا: إذا كان الإنسان جاهلاً بالحكم عذر؛ لحديث معاوية رضي الله عنه عندما تكلم في الصلاة فقال: واثكل أمياه وكذلك أيضاً إذا كان ناسياً فتابعه فيها وهي زيادة فعل، فحينئذٍ يقولون: إنه لا تبطل صلاته لمكان الجهل والنسيان
(55/16)
________________________________________
الأسئلة
(55/17)
________________________________________
اندراج ركعتي الإشراق والضحى في ركعتي الطواف

السؤال
هل تجزئ ركعتي الطواف عن ركعتي الإشراق أو الضحى؟

الجواب
مذهب طائفة من العلماء أنه يحصل الاندراج في مثل هذا، ولكن بما أن الأمر متوقف على ركعتين فاركع لطوافك واركع لإشراقك، وهذا خير كثير ونعمة عظيمة.
أما في الإشراق فلا يحصل هذا؛ لأن الإشراق -كما هو معلوم- متصل بجلوسه، فإذا فصل بالطواف فصل بأمرٍ أجنبي عن الذي من أجله قصد الصلاة التي هي ركعتا الإشراق، وعلى هذا فلا يحصل الاندراج.
فالذي يظهر أن الإنسان يركع ركعتي الإشراق أولاً، ثم بعد ذلك يطوف، ثم يصلي ركعتي الطواف على الأصل المعروف الذي وردت به السنة.
والله تعالى أعلم.
(55/18)
________________________________________
قراءة الإمام للقرآن بعد الرفع من سجود التلاوة

السؤال
إذا قام الإمام من سجود التلاوة فهل له أن يركع، أم لا بد أن يقرأ ما تيسر؟

الجواب
ذكر بعض العلماء أنه يستحب له أن يقرأ، حتى لا يكون هناك وصل بين السجود وبين الركوع، ولا يحفظ في هذا أصل، وإنما استحبه بعض العلماء.
والله تعالى أعلم.
(55/19)
________________________________________
حكم تكرار صلاة الاستخارة

السؤال
هل يشرع تكرار صلاة الاستخارة إذا لم يحصل انشراح الصدر من أول مرة؟

الجواب
لا يشرع هذا فمن الحدث والبدعة تكرار صلاة الاستخارة، أو سؤال غير أن يصليها، أو ادعاء أنه يرى في النوم ما يسر وما يزعج، فكل هذا من البدع، فإن صلاة الاستخارة إنزال للأمر بباب الله جل وعلا الذي تنزل به الأمور، وبه تتيسر الأمور، ويستفتح المغلق، ويزال الهم والغم، فلذلك إذا صليت هاتين الركعتين فحسبك، وخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإياك والحدث، ولا تلقَ الله عز وجل وقد زدت في دين الله ما ليس منه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فليركع ركعتين من غير الفريضة)، فلا تزد على هذا الحد الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون لك في ذلك الخير والفلاح والصلاح والنجاح.
أما تكرار الاستخارة وتعلق القلب برؤيا ونحوها فكل ذلك مما لا أصل له، فإن أصابك الهم فأكثر من ذكر الله عز وجل حتى يأتيك الفرج من الله، فإنك إن صليت هاتين الركعتين فقد قضي الأمر وفرغ من الأمر، فإن وجدت هماً وعيق بينك وبين الأمر بهذا الهم فاعلم أنه صرفٌ من الله صرفك الله به عن هذا الأمر بالهم، وإن حصل انشراح ولو بعد حين فهو خيرة الله عز وجل، فيكون ما سبق من الهم نفث من الشيطان نفثه في قلبك فعوضك الله به تيسير الأمر، وقد يسلط الله على المستخير هماً بمجرد انتهائه من الاستخارة، فيبقى اليوم واليومين والأسبوع والشهر والشهرين والثلاثة ثم يجد الانشراح؛ لحكمةٍ من الله، فهو يعلم أنه لو فعل هذا الأمر خلال هذه الأيام فإنه لا يكون له خير، ولذلك أَنْزِل الأمر بالله عز وجل، ولا تنتظر شيئاً غير أن يأتيك الفرج بإذن الله عز وجل، أما أن ينتظر الإنسان رؤيا في المنام، أو يأمر غيره أن يصلي له، ويكثر الاستخارة ويقول: ما تبين لي شيء فكل هذا من حدث الناس، وهو غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى المسلم الاتباع ونبذ الابتداع.
والله تعالى أعلم.
(55/20)
________________________________________
اشتراط الطهارة لسجود التلاوة

السؤال
هل تشترط الطهارة لسجود التلاوة؟

الجواب
هذا هو المحفوظ: أن السجود أُمِر فيه باستقبال القبلة والتكبير وما ورد من صفات الصلاة مما يدل على أنه آخذ حكمها، والنظر الصحيح دال على صحة هذا القول، ووجه ذلك: أن صلاة الجنازة تشتمل على القيام، وتشتمل على القراءة، وهذه أركان، ويشابهها سجود التلاوة؛ فإن سجود التلاوة فيه ركن السجود، والرفع من السجود مع وجود الذكر من تسبيح وسؤال الله عز وجل الخير، كما ورد في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول في سجود تلاوته: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)، وفي الحديث الآخر: (اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك ونبيك داود)، فهذا ذكر، ولذلك خصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الذكر، فيقوى إلحاق سجود التلاوة بصلاة الجنازة، وصلاة الجنازة قال الجمهور رحمهم الله بوجوب الوضوء فيها لحديث أبي هريرة: (لا صلاة بغير طهور)، وبناءً على ذلك فإذا كانت صلاة الجنازة مع اشتمالها على هذا القيام والتكبير الذي لا سجود فيه فإن في حكمها سجود التلاوة؛ لأنه مشتمل على جزء الصلاة، ولا فرق بين هذا وهذا من جهة النظر الصحيح.
والله تعالى أعلم.
(55/21)
________________________________________
تكرار السجود بتكرار قراءة السجدة لمن يحفظ القرآن

السؤال
إذا كان الإنسان يحفظ ومرت به سجدة التلاوة فهل يسجد عند كل إعادة؟

الجواب
إذا كان الإنسان يكرر آية السجدة فما أحلى وما أجمل وما ألذ تكرار السجود؛ لأنه من الذي يشرع له أن يكرر السجود غيره؟ فما يشرع لأحد أن يكرر السجود إلا بتكراره بالتلاوة، وهذا على سبيل الحفظ، ولذلك قالوا: لو قرأ وسجد ثم رجع مرة ثانية يقصد تكرار السجود كان مبتدعاً لكن هذا معذور لمكان الحفظ، فما ألذه من سجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة وكتب لك بها حسنة، فهذه نعمة عظيمة من الله عز وجل، وهذا هو الأفضل والأكمل.
أما لو أخذ بقول جماهير العلماء، فجمهور العلماء يقولون: من حفظ وكرر فإنه يجزيه السجود لأول مرة، فيسجد السجدة الأولى ثم التكرار الباقي تبع للسجدة الأولى؛ لأنه لم يقصده، وقصده إنما وقع على سبيل التبع، والقاعدة أن المشقة تجلب التيسير والأمر إذا ضاق اتسع، قالوا: فيضيق عليه أنه كلما قرأ يسجد، لكن إذا كان لا مشقة عليه وكان يمكنه أن يكرر السجود فلا حرج، وهو حسن، وهو مأجور على ذلك.
والله تعالى أعلم.
(55/22)
________________________________________
حكم من أحدث وهو ينوي الجلوس إلى الشروق

السؤال
إذا أحدث الإنسان فهل يخرج من المسجد للوضوء، ثم يرجع إلى مصلاه، أو يبقى حتى تطلع الشمس ثم يخرج ويتوضأ ثم يصلي الركعتين؟

الجواب
استحب بعض العلماء إذا أحدث أن يبقى حتى تطلع الشمس، ويجلس في ذكر حتى يصيب فضيلة: (جلس يذكر الله)، ثم يعذر في صلاة الركعتين لوجود الحدث، فيتوضأ ويصلي ركعتيه، فتقع حينئذٍ بعد انتهاء جلوسه، فكانت كما لو جلس ولم يحدث.
والله تعالى أعلم.
(55/23)
________________________________________
نصيحة وتوجيه في صلة الأرحام

السؤال
إلا لم أصل الأرحام بالزيارات ووصلتهم بالكلام معهم عبر الهاتف هل أعتبر قاطعاً للرحم؟

الجواب
الله المستعان وإلى الله المشتكى.
صلة الرحم من أحب الأعمال وأفضلها عند الكبير المتعال، ولذلك عظّم الله شأنها ورفع الله قدرها، وأمر عباده أن يتقوه فيها: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء:1]، فالأرحام أمرهم عظيم وشأنهم كبير، وصلة الرحم منسأةٌ في الأثر، وزيادة في العمر، وبسطٌ في الرزق، وتيسيرٌ في الخير، وقلّ أن يصل عبدٌ رحمه إلا خرج مسرور النفس منشرح الصدر قوي العزيمة على طاعة الله عز وجل، فمن أحب الأعمال بعد توحيد الله وبر الوالدين صلة الأرحام، ودخل صلوات الله وسلامه عليه المدينة فكانت أول الكلمات التي قالها: (أيها الناس! أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا جنة ربكم بسلام)، فمن وصل الرحم وصله الله، ففي الحديث القدسي: (إني أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فأنا الرحمن وهي الرحم، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته)، فمن قطعه الله عز وجل فبئس -والله- حاله، ولذلك أخبر الله عز وجل أن من قطعها ملعون، وأنه لا ينتفع بخير ولا ذكر، قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:22 - 23]، قال بعض العلماء: أصمهم فإذا سمعوا موعظةً لا ينتفعون بها، (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) فإذا رأوا خيراً لا يهتدون إليه -والعياذ بالله- ولذلك تجد بعض الناس إذا ذكّرته بالله لا يتذكر، فهو قاسي القلب يتمنى أن يكون خاشعاً، وقد حالت الرحم بينه وبين الله عز وجل، فالرحم أمرها عظيم.
وأوصيكم ونفسي -وخاصةً طلاب العلم- أن نتقي الله في الرحم، فكم من طالب علم يجد في قلبه الظلمة ويجد في نفسه الوحشة، وقد يبتلى ببعض الذنوب، وقد يبتلى ببعض المعاصي بسبب لعنة أصابته بقطيعة الرحم، فسل نفسك كلما مر عليك أسبوع متى عهدك بالرحم، ومتى عهدك بالعم، ومتى عهدك بالعمة، ومتى عهدك بالخال، ومتى عهدك بالخالة، ومتى عهدك بهذا القريب الضعيف، ومتى عهدك بذلك القريب المحتاج، وإذا وصلتهم أعظم الله أجرك، قال صلى الله عليه وسلم: (من أحب منكم أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه)، فهذه نعمةٌ عظيمة، ولذلك كان الناس بخير، وكنت تجد كبار السن فيهم الرحمة، وتجدهم دائماً يعصمون من كثير من الشرور والبلايا؛ إذ تجدهم من أوصل الناس للرحم.
واليوم نشأت الناشئة ونشأ الشباب بعيدين عن الأرحام، حتى تجد الإنسان عهده بعمه في العيد، وهذا إذا كان يأتيه في العيد، بل إنه لا يكاد يعرف عمه إلا في المناسبات -نسأل الله السلامة والعافية-، بل إن بعضهم يستحي في المناسبات أن يسلم على عمه وخاله، فتكمل له القطيعة حتى تكمل عليه لعنة الله والعياذ بالله.
والله عز وجل يقطع من قطع الرحم ولو كان أقرب الناس منه، فإن قطيعة الرحم أمرها عظيم، ولقد توعد الله عز وجل من يقطعها أن يقطعه، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لهذا الأمر، وقد تجد الرجل صالحاً لكنه قاطع للرحم من حيث لا يشعر، فهذا أمر يحتاج طالب العلم دائماً أن يضعه في حسبانه، ويسأل نفسه دائماً عن عهده بالعم والعمة والخال والخالة، والأقارب والأرحام، خاصةً إذا كانوا محتاجين، وإذا وصلت الرحم وكان له حقٌ عليك -كأن يكون كبير سن- فعظمه وأجله، فقد دخل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقام له يجر رداءه صلوات الله وسلامه عليه، فالتزمه وقبّل بين عينيه.
فمن آداب الإسلام وشعائر الإسلام إجلال ذي الرحم، خاصةً إذا كان كبير سن، أو كان من أهل العلم والفضل وبينك وبينه رحم فينبغي أن توصل، بل إن الرحم قد تكون من أجل المصاهرة، ولو كانت في طبقة عالية، فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط -وهي مصر-، فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم رحماً)؛ لأن أم إسماعيل منهم، وكذلك مارية أم إبراهيم منهم، فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بها لوجود الرحم البعيد، فكيف بالرحم القريب كالعم والخال؟! فلذلك ينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على صلة رحمه، وإذا دخلت على العم فقبّل بين عينيه، ولو كان أصغر منك سناً عظمه وأجله؛ فإن جعفراً دون النبي صلى الله عليه وسلم في الفضل، ومع ذلك قبّل النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه؛ لكي يرسم للأمة المنهج في صلة الرحم، وينبغي عليك مع صلة الرحم أن تعوّد أبناءك وبناتك وتأخذهم معك، فيا لها من نعمةٍ عظيمة إذا نشأت أبناءك على صلة الرحم، ووالله ما خرجت بابنك إلى صلة عم أو عمة أو خال أو خالة فاغبرت قدمه إلا كان لك أجره، ولن يحافظ من بعد موتك على صلة رحم إلا أجرت كأجره؛ لأنه ما عرف صلة الرحم إلا بك، فإذا نشأت أبناءك على هذا الخير وعودتهم على صلة الرحم وجعلت فيهم حب القرابة والميل إلى القرابة آجرك الله وعظّم ثوابك، وفتح لك أبواب الخير، بل يسعدك حتى في هذا الابن؛ لأن الابن الذي ينشأ على صلة الرحم يكون فيه رحمة من الله عز وجل، فينبغي التواصي بهذا الأمر، ولذلك لما سأل هرقل أبا سفيان: بماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبد الله ولا تشركوا به شيئاً.
ويأمرنا بصلة الرحم، فكانت من الأمور الهامة التي اعتنى بها النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته صلة الرحم.
وينبغي دائماً على طلاب العلم أن يحيوا هذا الأمر في المساجد في كلمة بعد الصلاة تذكر فيها الناس بصلة الرحم، وكذلك الأئمة والخطباء، ولو بكلمة عابرة في الشهر، أو على الأقل في العام تذكر فيها بحق الرحم؛ حتى تنشأ الناس على التواصل والرحمة.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(55/24)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - أوقات النهي في الصلاة
جاء النهي عن الصلاة في خمسة أوقات: بعد صلاة الفجر، وعند طلوع الشمس، وعند انتصاف الشمس في السماء، وبعد صلاة العصر، وعند الغروب، وهذا النهي يتعلق بالنوافل، واختلف في إيقاع بعض النوافل في وقت النهي، وكذلك قضاء الفرائض.
(56/1)
________________________________________
أوقات النهي عن صلاة التطوع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [وأوقات النهي خمسة].
بعد أن بيّن لنا رحمه الله أنواع النوافل شرع في بيان الأوقات التي يمنع فيها الإنسان من فعل النافلة؛ لأن الكلام عن الصلاة يستلزم بيان مواقيتها، ولذلك يقول العلماء: إن لصلاة النافلة ميقاتاً، يعنون بذلك ألا تقع في وقت النهي.
والوقت: مأخوذ من وقّت الشيء يؤقته تأقيتاً إذا حدده فإما أن يحدد بالزمان أو يحدد بالمكان، فالحدود الزمانية مواقيت، والحدود المكانية مواقيت، ومواقيت الصلاة التي ذكرها هنا مواقيت زمانية.
قوله: [وأوقات النهي] أي: الأوقات التي ينهى فيها عن الصلاة، وهذا راجع إلى الزمان، وجمعها رحمة الله عليه لأنها أكثر من وقت، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيقاع الصلاة فيها، وهي على التفصيل الآتي: الأول: من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، الثاني: من بعد طلوعها حتى تبلغ قيد رمح، الثالث: حين يقوم قائم الظهيرة -أي: حالة انتصاف الشمس في كبد السماء كما سيأتي-، والوقت الرابع: من بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، الخامس: من الغروب حتى يتم الغروب، فهذه خمسة مواقيت ينهى فيها عن صلاة النافلة، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين قال رضي الله عنه: (شهد عندي رجال مرضيون -وأرضاهم عندي عمر - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس)، وفي الحديث الصحيح قال: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس، وحين تغرب، وحين يقوم قائم الظهيرة)، وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (فإذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأوقات الثلاثة -التي تنقسم بالتفصيل إلى خمسة- عن إيقاع الصلاة، والمراد بهذا صلاة النافلة.
(56/2)
________________________________________
حكم قضاء الفريضة في وقت النهي
لو أنك نمت عن صلاة الفجر، واستيقظت فتوضأت ثم صليت فأوقعت ركعة قبل الطلوع، ثم أثناء أدائك للركعة الثانية طلعت عليك الشمس، فهل تتم الصلاة، أو تقطعها؟ في هذا قولان للعلماء: فمذهب جمهور العلماء أن النهي لا يشمل الفرائض، وأن الفريضة مستثناة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إدراكك للركعة قبل الطلوع يوجب إدراكك لصلاة الصبح، وكذلك إدراكك لها قبل الغروب يوجب الحكم بكونك مدركاً للعصر، وهذا لا يتّأتى إلا إذا أتممت الصلاة؛ لأنك لو قطعتها لكنت كمن أداها بعد الطلوع وبعد الغروب.
وبناءً على هذا الحديث الصحيح ثبت أن من طلعت عليه الشمس أثناء أدائه لصلاةٍ مفروضة فإنه يتم الصلاة ولا يقطعها.
وذهب الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه إلى أنه إذا طلعت عليك الشمس وأنت في صلاة الصبح، أو غربت عليك وأنت في صلاة العصر، أو في غيرهما من الفرائض فإنك تقطع الصلاة لظاهر الحديث الذي تقدم: (لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس).
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ فإن الحديث نصٌ في موضع النزاع، وهو دال على أن من أدرك الركعة قبل الطلوع فقد أدرك الصبح، ومن أدركها قبل الغروب فقد أدرك العصر.
وهنا أيضاً مسألة ثانية في قوله رحمه الله: [وأوقات النهي] حيث تقيد بالنافلة ولا تشمل الفرائض، والنوافل على قسمين: نافلة لها سبب، ونافلة لا سبب لها، ثم النافلة ذات السبب على صور، وسيأتي إن شاء الله الكلام على أحوال الأسباب المتقدمة والمصاحبة والمتراخية.
من العلماء من يقول: إن النهي يتبدئ من صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.
ومنهم من يقول: من طلوع الفجر الثاني.
والفرق بين القولين يظهر في مسألة خلافية، وهي: لو أذن أذان الصبح هل يجوز لك أن تتنفل غير راتبة الصبح؟ فذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا يصلي الإنسان بعد أذان الصبح إلا راتبة الصبح، حتى قالوا: إذا دخل المسجد فإنه ينوي تحية المسجد تحت راتبة الصبح.
كل ذلك تشديدٌ لمنع غير الراتبة بين الأذان والإقامة في الصبح، وهذا فيه الحديث الصحيح: (لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتي الفجر)، قالوا: إنه يحمل على هذا.
وبناءً على ذلك قالوا: إنه لا يصلي بعد أذان الصبح إلا راتبة الفجر، وأما غيرها فلا يصليها.
وذهب الجمهور إلى أنه يجوز للإنسان أن يصلي بعد أذان الفجر بين الأذان والإقامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا صليت العشاء فصلّ فإن الصلاة حاضرة مشهودة حتى تصلي الصبح، فإذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس) الحديث، وهو حديث صحيح، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للصحابي أن يتنفل بعد العشاء ما لم يصلّ الفجر، فدل على أن ما بين الأذان والإقامة من الفجر وقت نافلة.
أما الذين قالوا: إنه لا يتنفل فقد احتجوا بالحديث الذي فيه النهي، وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الفجر -التي هي الرغيبة- ثم اضطجع ولم يصلّ، فدل على أنه ليس بوقت نافلة.
لكن أجيب عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متهجداً، وأراد أن يتقوى على الفريضة؛ لأن تهجده عليه الصلاة والسلام كان طويلاً حتى تفطرت قدماه فيه، فكان يصلي بالبقرة وآل عمران والنساء في ركعةٍ واحدة، فهذا يأخذ من الجهد شيئاً كثيراً، ويحتاج بعد الأذان أن يستجم حتى يقوى على الصلاة، خاصة أنه كان يقرأ في صلاة الصبح -كما في حديث أبي برزة في الصحيح- من الستين إلى المائة آية، فاضطجاعه بين الأذان والإقامة ليس لتحريم الصلاة، وإنما ليتقوى على صلاة الفجر.
فالذي يترجح أنه لا حرج في إيقاع النوافل بين الأذان والإقامة؛ لأن الأصل جواز ذلك، وأما حديث: (لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتي الفجر) فالمراد بذلك على أحد الوجهين أنه يقضي رغيبة الفجر بعد صلاة الصبح، وفي ذلك أحاديث أخرى صحيحة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص في استثناء ركعتي الرغيبة بعد صلاة الصبح.
(56/3)
________________________________________
حكم قضاء الرغيبة وقت النهي
المسألة الثانية: من نام حتى سمع الإقامة، أو نام حتى سمع الأذان، وأثناء تهيؤه لصلاة الفجر أقيمت الصلاة، فلم يتمكن من الرغيبة، فهل يصلي الرغيبة بعد صلاة الصبح، أم ينتظر إلى طلوع الشمس؟ للعلماء وجهان: فذهب الجمهور إلى أنه ينتظر إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قضى رغيبة الفجر.
وفي ذلك أحاديث صحيحة، منها ما صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بتأخيرها إلى ما بعد طلوع الشمس، ومنها -أيضاً- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن حزبه من الليل فقرأه ما بين طلوع الشمس وزوالها -أو صلاة الظهر كما في الرواية الثانية- كتب له كأنما صلاه من ساعته) قالوا: فإذا كان هذا في صلاة الليل فمن باب أولى في رغيبة الفجر التي هي بين أذان الفجر وإقامته وهذا القول هو أحوط الأقوال، لكن لو كان الإنسان يخشى أن ينسى رغيبة الفجر، أو يخشى أن تفوته فحينئذٍ لو صلاها بعد صلاة الفجر فلا حرج عليه إن شاء الله.
(56/4)
________________________________________
النهي عن النافلة في الساعات الثلاث
المسألة الثالثة: أجمعوا على أنه أثناء الطلوع وأثناء الغروب وأثناء بقاء الشمس في كبد السماء لا تصلى النوافل، وهذا الإجماع يحكيه طائفة من علماء الإجماع، حتى ذوات الأسباب لا تصلى؛ لأن النص فيها صريح، وهو قوله: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس، وحين تغرب، وحين يقوم قائم الظهيرة)، فهذه الثلاث الساعات نهي عن الصلاة فيها، قالوا: فلا تصلى النافلة في أثناء الطلوع وأثناء الغروب وأثناء انتصافها في كبد السماء، خاصةً في أثناء انتصافها في كبد السماء؛ لأنها ساعة عذاب وليست بساعة رحمة -والعياذ بالله- ولذلك نهى عن قبر الموتى فيها، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة السلام أنه قال: (فإذا انتصفت الشمس في كبد السماء فأمسك عن الصلاة؛ فإنها ساعةٌ تسجر فيها جهنم).
قال رحمه الله: [من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح].
دل حديث ابن عباس المتقدم على النهي عن الصلاة من بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
والعبرة بصلاتك لا بصلاة الناس، توضيح ذلك: لو أنك دخلت المسجد بعد انتهاء الجماعة فصليت رغيبة الفجر، أو صليت تحية المسجد، ثم أقمت للصبح فلا حرج؛ لأنه قال: (لا صلاة بعد صلاة الصبح)، فلذلك العبرة بفعلك لصلاة الصبح، وعلى هذا: فلو أوقعت النافلة قبل أدائك لصلاة الصبح فلا حرج.
وقوله: [ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح] دلّ عليه حديث العيدين: (كان صلى الله عليه وسلم يصلي الأضحى والشمس على قيد رمح، ويصلي الفطر والشمس على قيد رمحين)، وقد بينا فيما سبق أنه أخّر الفطر وعجّل الأضحى؛ لأن الناس يحتاجون في عيد الأضحى إلى الوقت حتى تقع الأضحية في الضحى، وفي صلاة الفطر الناس يحتاجون إلى الوقت لإخراج زكاة الفطر، فأخّر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفطر إلى قيد رمحين، وقدم صلاة الأضحى إلى قيد رمح، فأخذوا من كونه عليه الصلاة والسلام يوقع صلاة الأضحى على قيد رمح أن وقت النهي ينتهي بارتفاع الشمس قيد رمح.
(56/5)
________________________________________
تسعير جهنم عند انتصاف الشمس في السماء
قال رحمه الله: [وعند قيامها حتى تزول].
قوله: [وعند قيامها] أي: انتصافها في كبد السماء؛ لأن الشمس تسير من المشرق إلى المغرب، فإذا جاءت في منتصف السماء الذي هو منتصف النهار وقفت لحظات، وبعض العلماء يقول: من ثلاث دقائق إلى خمس دقائق تقف ولا تتحرك، وهذا الوقوف تسعر عنده -والعياذ بالله- جهنم، وعلى صفة الله أعلم بها، وهذا أمر يرد غيبه إلى الله عز وجل، وقد تجد من أهل الفلسفة والعقل من لا يتصور ذلك، ويقول: كيف هذا، وهي تسير على الأرض كلها، فما من فترة إلا وهي تقف فيها؟ فنقول: هذا أمرٌ مردهُ إلى الله، كالنزول في الثلث الآخر من الليل، فهذه أمور نسلم ونؤمن بحقيقتها، والله أعلم بالكيفية التي تقع عليها، فتسعير جنهم مردهُ إلى الله عز وجل، لكن نؤمن بأنها تسعر كما أخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، ولذلك قال العلماء: إنها ساعة عذاب وليست بساعة رحمة، ولذلك يمسك عن الصلاة في وقتها.
ومن هنا قال بعض العلماء: إن مواطن العذاب لا يصلى فيها، فكما أن ساعات العذاب لا يصلى فيها فكذلك مواطن العذاب لا يصلى فيها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لما مر على ديار ثمود التي تسمى مدائن صالح: (لا تدخلوها إلا وأنتم باكون أو متباكون، لا يصيبكم ما أصابهم) وضرب دابته وأسرع، حتى إنه أرخى عليه الصلاة والسلام رداءه على عينيه، كأنه يقول: إني مؤمن ولو لم أر.
وهذا يدل على أن مواطن العذاب لا ينبغي الجلوس فيها، كذلك قالوا: ولا يصلى فيها حتى قال بعض العلماء ببطلان الصلاة فيها كمواطن الغصب.
(56/6)
________________________________________
النهي عن التطوع بعد صلاة العصر إلى الغروب
قال رحمه الله: [ومن صلاة العصر إلى غروبها].
أي: غروب الشمس، لحديث ابن عباس المتقدم.
قال رحمه الله: [وإذا شرعت فيه حتى يتم].
أي: وإذا شرعت الشمس في الغروب حتى يتم، أي: حتى يتم غروبها.
بمعنى: تتوارى في الحجاب فإذا توارت الشمس في الحجاب فحينئذٍ تم غروبها، قال بعض العلماء: العبرة بتواريها في الحجاب، وذهاب الحجاب ليس بشرط ومن أهل العلم من قال: ذهاب الحجاب شرطٌ لصلاة المغرب وبناءً على ذلك طردوا النهي فيه، فقالوا: يمسك بعد غروبها إلى قدر ما تتوارى بالحجاب والصحيح أنها إذا توارت بالحجاب وسقطت فقد حل إيقاع الصلاة، ويجوز للإنسان أن يتنفل بين الأذان والإقامة في ذلك الوقت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، وقال في الثالثة: لمن شاء).
وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (ولقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري -أي: يسرعون إلى السواري لأجل أن يجعلوها سترة- حتى لو دخل الداخل ظن أن الصلاة قد أقيمت)، من كثرة من يصلون.
قال رحمه الله: [ويجوز قضاء الفرائض فيها].
إذا استيقظت بعد صلاة العصر ولم تصل الظهر فيجوز لك أن تقضيها وتصليها في هذا الوقت.
(56/7)
________________________________________
حكم إيقاع ركعتي الطواف وقت النهي
وأما ركعتي الطواف فاختُلف في إيقاعها في الأوقات المنهي عنها: فقال بعض أهل العلم رحمة الله عليهم: يجوز فيها إيقاع ركعتي الطواف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أي رجلٍ طاف بهذا البيت وصلى أي ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهار)، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم عمم، ثم قالوا: إن ركعتي الطواف لهما سبب، وكل ما له سبب يجوز إيقاعه بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، ولا حرج في فعل هذا، وهذا القول هو منصوص الشافعية والحنابلة رحمة الله عليهم.
وذهب طائفة من أهل العلم -وهو مذهب الحنفية والمالكية، وبعض أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليهم- إلى أن ركعتي الطواف لا تفعل بعد صلاة الصبح ولا بعد صلاة العصر ولا حين يقوم قائم الظهيرة، وذلك لأنهم قالوا: إن العموم مخصص، ولأن النهي عن فعل الصلاة في هذا الوقت نصٌ في موضع النزاع، ولأن القاعدة في الأصول أنه إذا تعارض نصان أحدهما نهيٌ والثاني أمر يقدم النهي على الأمر.
فركعتا الطواف أبلغ ما فيها إذا كانت عن طواف واجب أنها واجبة، فتعارض النهي عن فعل الصلاة والأمر بفعلها فيقدم النهي.
والوجه الثاني للترجيح: أنه إذا تعارض نصان وعمل الخلفاء الراشدون أو واحد منهم بواحد من النصين كان مرجحاً، فلما تعارض حديث يدل على جواز فعل ركعتي الطواف على العموم وحديث أوقات النهي قلنا: نرجع إلى الخلفاء الراشدين، فنجد عمر رضي الله عنه كان يؤخر ركعتي الطواف حتى تطلع الشمس وحتى تغرب.
وفي الأثر الصحيح عنه الذي رواه مالك في الموطأ: أنه طاف طواف الوداع بعد صلاة الصبح، فأخر ركعتي الطواف إلى ذي طوى وهذا بمحضرٍ من الصحابة وباطلاعٍ منهم ولم ينكر عليه أحد، فكان هذا مرجحاً.
والوجه الثالث لرجحان مذهب من يقول بالمنع: أنَّ حديث: (يا بني عبد مناف) عام دخله التخصيص، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وبناءً على ذلك لو أنه استأنف الصلاة بعد المكتوبة لمنع، فدخل العموم التخصيص، ولذلك قالوا: إنه إذا دخل النص العام التخصيص لم يصح الاستدلال بعمومه، مع أنهم يقولون: إنه عام ويخص بالأوقات والقاعدة: (لا تعارض بين عام وخاص)، فقوله: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار)، نقول هذا عام، وجاءت أحاديث المواقيت خاصة، فيخص العموم للقاعدة: لا تعارض بين عام وخاص.
وهذا المذهب لا شك أنه أحوط وأسلم، خاصةً أنه لو أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد الطلوع أو الغروب خرج من الخلاف ولم يحصل له محظور، لكن لو فعلها في وقت النهي شك هل تجزيه أو لا تجزيه.
وبناءً على ذلك يحتاط الإنسان لإيقاعها بعد الطلوع وبعد الغروب، والله تعالى أعلم.
(56/8)
________________________________________
حكم إعادة الجماعة وقت النهي
قال رحمه الله: [وإعادة جماعة].
هذه المسألة ثبت فيها الحديث الصحيح، ولكن المقصود بها أعلى، حتى قال بعض العلماء: إن إعادة الجماعة واجبة.
صورة ذلك: لو أنك صليت الصبح في بيتك، ثم طلبت رجلاً في مسجد فدخلت فإذا الناس يصلون صلاة الصبح، فإنه يجب عليك أن تدخل معهم، وذلك لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى بالناس الفجر في الخيف -خيف منى-، فرأى رجلين لم يصليا فقال: عليّ بهما فأتي بهما ترعد فرائصهما من الخوف، قال: ما منعكما أن تصليا معنا ألستما بمسلمين؟ قالا: يا رسول الله! صلينا في رحالنا قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا فإنها لكما نافلة)، ووجه الدلالة أنه قال: (فصليا) فأمر، فقالوا: إن الوجوب فيها آكد من الوجوب في ركعتي الدخول إلى المسجد، قالوا: لأن الإسلام منع من الشذوذ، وجواز عدم الصلاة مع الجماعة فيه فتح بابٍ ليدخل الرجل ويجلس والجماعة تصلي، ولذلك حارب الإسلام هذا الشذوذ، وأمر من دخل المسجد ولو كان قد صلى أن يصلي مع الجماعة، ولذلك قال: (ألستما بمسلمين؟)، فأمر بالدخول في جماعة المسلمين، ولذلك قالوا: شدد في هذا وعلى هذا قالوا: تعاد الجماعة، واختلف العلماء في إعادة الجماعة: فمنهم من يقول: تعاد الجماعة في كل الصلوات، فإذا دخلت المسجد وقد صليت تعيد في جميع الصلوات، سواءٌ أدخلت في صبح أم ظهر أ/ عصر أم مغرب أم عشاء لظاهر هذا الحديث: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا)، فهذا عام، والأصل في العام أن يبقى على عمومه.
ومنهم من قال: لا تعاد أي صلاة صلاها المكلف، وقالوا: إن هذا الحديث منسوخ بحديث ميمونة: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعاد الصلاة مرتين).
والقول الثالث يقول: تعاد في جميع الصلوات ما عدا صلاة الصبح وصلاة العصر، للنهي عن النافلة بعد الصبح وبعد العصر.
ومنهم من قال: تعاد في جميع الصلوات إلا صلاة الصبح والعصر والمغرب؛ لأن المغرب وترية، ولا وتران في ليلة.
فحاصل أقوال العلماء رحمة الله عليهم في المسألة تتلخص في هذه الأربعة الأقوال.
وأصحها -والعلم عند الله- أن الصلوات جميعها تعاد، وذلك لصحة دلالة النص الذي معنا، حيث إنه نصٌ في موضع النزاع، أما من قال باستثناء الصبح والعصر فجوابه أن الحديث ورد في صلاة الصبح، وهو نصٌ في وقتٍ منهي عنه، وفيه الأمر، ولذلك يعتبر مستثنى.
أما من قال: بالنسخ فالقاعدة أن النسخ لا يثبت إلا بإثبات أن الناسخ متأخر عن المنسوخ ولا دليل هنا، بل لو قال: إن الأمر بإعادة الصلاة آخر ما كان لكان أقوى؛ لأنه وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ومعلوم أن حجة الوداع توفي النبي صلى الله عليه وسلم بعدها بفترة وجيزة، ولذلك الذي يقوى أن حديث الأمر بإعادة الصلاة لم يدخله النسخ، ويقوي هذا حديث أبي ذر: (كيف بك إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى؟ قال: فما تأمرني يا رسول الله! قال: صلّ الصلاة لوقتها، ثم صلها معهم)، والقاعدة في الأصول: (النسخ لا يثبت في الأخبار)، فقال له: (صلها معهم)، فأعطاه حكماً إلى ما بعد وفاته، فدلّ على أن هذا الحكم غير منسوخ، ولهذه الأوجه يقوى القول بأنها تعاد الصلوات كلها، ويبقى الإشكال: كيف نجيب عن حديث: (نهى أن تعاد الصلاة مرتين)؟ فيجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إعادتها لمن يعتقد أن كلتا الصلاتين فرض، بمعنى: يعيد الصلاة الثانية على أنها فرض أيضاً، فيحتسب أجر الأولى فريضة والثانية فريضة، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة على أن الثانية نافلة، والقاعدة في الأصول: لا تعارض بين نصين إلا إذا اتحد موردهما، وهنا النصان اختلف موردهما، فالنهي وارد لمن يعتقد الفريضة في الاثنتين، والأمر بالإعادة لمن يعتقد النافلة في الثانية، فلا تعارض بينهما، وهذا جمع بين النصين.
(56/9)
________________________________________
حكم فعل ذوات الأسباب وقت النهي
قال رحمه الله: [ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب].
هذا مذهب الجمهور، وهو أنك لا تصلي بعد العصر وبعد الصبح حتى ذوات الأسباب، والصلاة التي لها سبب ينقسم سببها إلى ثلاثة أقسام: السبب السابق، والسبب المصاحب، والسبب المتراخي، فيكون السبب سابقاً كدخول المسجد، فإن تحية المسجد وجبت لسبب سابق وهو دخولك المسجد، ولذلك قالوا: إن السبب إذا كان سابقاً أثّر وإذا كان مقارناً أثر، وأما إذا كان لاحقاً فإنه لا يؤثر، فإن كان السبب سابقاً كالدخول للمسجد وركعتي الطواف فإنهم قالوا: تصلي.
أما إذا كان السبب مصاحباً كما لو كسفت الشمس واستمر كسوفها إلى ما بعد صلاة العصر فإنك تصلي صلاة الكسوف، وعند الجمهور لا تصلي، والسبب المتراخي يكون بعد الصلاة، فتشرع الصلاة لسبب بعدها، ومن أمثلته: الاستخارة، فهنا لا يجوز لك أن تصلي بعد الصبح وبعد العصر بالإجماع قولاً واحداً، فهذه أحوال السبب الثلاثة، وهي: أن يكون سابقاً كتحية المسجد وركعتي الطواف، وأن يكون مقارناً كالكسوف، وأن يكون متراخياً كمسألة الاستخارة.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(56/10)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجماعة [1]
فرض الله تعالى على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة، وأوجب عليهم أن يؤدوها جماعة مع المسلمين، فصلاة الجماعة واجبة على الرجال دون النساء، ولها حكم وفوائد عظيمة، وأحامها معلومة في بابها، ومنها: حكم صلاة الجماعة في البيت، وصلاة أهل الثغور في المسجد الجامع وغيرها.
(57/1)
________________________________________
أحكام صلاة الجماعة
(57/2)
________________________________________
مشروعية صلاة الجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة الجماعة].
وهذه الترجمة تشتمل على مضاف ومضاف إليه، وذلك في قوله [صلاة الجماعة]، وقد تقدم معنا تعريف الصلاة لغة واصطلاحاً.
وأما الجماعة فإنها مأخوذة من قولهم: جمع الشيء إلى الشيء إذا ضمه إليه، فأصل الاجتماع الانضمام، وسميت الجماعة جماعة لانضمام أفرادها بعضهم إلى بعض.
وقد ائتسى العلماء والفقهاء رحمة الله عليهم في هذه الترجمة برسول الله صلى الله عليه وسلم في تسميته لهذا النوع من الصلوات التي تقع على صورة الاجتماع، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين) وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة)، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة بهذا الوصف، فمن الفقهاء من يقول: (باب صلاة الجماعة) مراعاة لهذا الحديث، ومنهم من يقول: (باب الإمامة) وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح لـ مالك بن حويرث وأخيه الذي كان معه من قومه: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وليؤمكما أكبركما)، فقال: (وليؤمكما)، وقال كما في الصحيح من حديث ابن مسعود: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فعبر بالإمامة.
فبعض العلماء يقول: (باب صلاة الجماعة)، وبعضهم يقول: (باب الإمامة) والمعنى واحد، أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بصلاة الجماعة، وتقوم الجماعة على ربط المأموم صلاته بالإمام، فيتابعه قولاً وفعلاً كما يتابعه مكاناً، فلا يتقدم على الإمام من جهته، وذلك مراعاة لهذا الائتمام.
والإمامة مأخوذة من أمَّ الشيء يؤمه إذا قصده.
وهي هنا: ربط المأموم صلاته بالإمام، ويقع هذا الربط بصورة مخصوصة بيّن الشرع حكمها كما في دليل الكتاب في صلاة الخوف، وكذلك أدلة السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد شرع الله صلاة الجماعة في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وبفعله عليه الصلاة والسلام، وكذلك أجمع العلماء رحمة الله عليهم على مشروعيتها.
أما دليل الكتاب على مشروعية هذا النوع من الصلاة فقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء:102]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن الله تبارك وتعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقوم بالطائفة، وذلك في صلاة الخوف، وإذا كانت الجماعة مشروعة في حال الخوف فمن باب أولى وأحرى أن تشرع حال الأمن والطمأنينة، ولذلك دلت هذه الآية الكريمة على مشروعية صلاة الجماعة، كما يقول العلماء، واحتج بعض أهل العلم بدليل الكتاب في قوله سبحانه: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43]، ووجه الدلالة أن هذه الآية الكريمة أمرت بني إسرائيل أن يركع بعضهم مع بعض، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهنا ورد شرعنا بما يوافقه.
وأما دليل السنة فأحاديث صحيحة، منها حديث ابن عمر في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم مشروعية صلاة الجماعة، وأنها أفضل من صلاة الفذ، وذلك لما ذكر من الدرجات، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث مالك بن حويرث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكما أحدكما، وليؤمكما أكبركما)، فدلت هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الصحيحة على مشروعية صلاة الجماعة، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماعة، بل إنه حين وطئت قدمه طيبة الطيبة بعد نزوله من قباء كان أول ما فعل أن اختط مسجده صلوات الله وسلامه عليه تأكيداً لأهمية الصلاة في المساجد وفي بيوت الله عز وجل.
فالصلاة إذا ثبتت مشروعيتها، وتبين لنا أنها مشروعة بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فينبغي أن يعلم أنه قد أجمع العلماء رحمة الله عليهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على مشروعيتها.
وهذه المشروعية لها فضائل ونوائل تعود على الإنسان بالخير في دينه ودنياه وآخرته، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: شرع الله صلاة الجماعة وجعل فيها الخير للفرد وللمجتمع وللأمة كلها، وهذا الخير لا يقتصر على خير الدين بل يشمل حتى خير الدنيا، ويقولون: إن صلاة الجماعة تعود على الإنسان بالخير في دينه، فمن خيراتها في دينه أن الله يكفر بها سيئاته ويرفع بها درجاته، والدليل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ كثرة الخطا إلى المساجد)، وإنما يأتي الإنسان إلى المساجد تحصيلاً لصلاة الجماعة، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل في مسجده تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لم يخط خطوة إلا كتبت له بها حسنة، ورفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الفضل من كونها تكفر خطايا العبد وترفع درجاته، وكفى بذلك فضلاً ونبلاً للإنسان، مع أن فيها إيماناً واهتداءً، ولذلك يعمر المسلم بيوت الله بشهود صلاة الجماعة، وأثنى الله عز وجل على من كان متخلقاً بذلك ومتصفاً به بقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه من أهل الإيمان، وأن مآله إلى الاهتداء، وكان العلماء رحمة الله عليهم إذا لمسوا من الإنسان ضعفاً في دينه سألوه عن الصلاة مع الجماعة.
فصلاة الجماعة جعل الله فيها هذه الخيرات الدينية للفرد والمجتمع، فبها يتواصل الناس ويتراحمون؛ لأن الإنسان إذا غاب عن المسجد لمرض أو عاهة أو بلاء علم الناس ذلك واطّلعوا عليه وأدركوه بتخلفه عن الصلاة مع الجماعة، خاصة إذا كان من المحافظين والمداومين عليها، ومع ما فيها من جوار لله عز وجل، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي)، فهذه نعم عظيمة وخيرات كثيرة، وبشهود الناس لصلاة الجماعة تتحقق أواصر المحبة للمجتمع، فهذا يلقى أخاه يسلم عليه، ويسأله عن حاله، ويعين الضعيف، ويفرج كربة المكروب، إلى غير ذلك من الخيرات التي جعلها الله عز وجل في هذه الصلاة.
(57/3)
________________________________________
حكم صلاة الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تلزم الرجال للصلوات الخمس لا شرط].
قوله: (تلزم) الضمير عائد إلى صلاة الجماعة، أي: تجب.
والمراد بالتعبير باللزوم الدلالة على أنها واجبة لازمة في ذمة المكلف، لكنه قال: (تلزم الرجال)، ومفهوم قوله: (الرجال) أنها لا تلزم النساء، وهذا بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، ولذلك كان من تعبير العلماء أن قالوا: ليس على النساء جمعة ولا جماعة.
أي: ليس على النساء أن يشهدن الجمعة ولا الجماعة، وهذا من باب درء المفاسد؛ إذ إنه لو أذن للنساء كلهن بالخروج لكان في ذلك مفاسد عظيمة وأضرار كثيرة لوجود العبء عليهن بالخروج.
وقوله: (تلزم الرجال) هذه الجملة ظاهرها أن كل مسلم بالغ من الرجال يجب عليه أن يشهد الصلاة مع الجماعة، والمراد بذلك الصلوات الخمس، وهذا الحكم اختلف العلماء رحمة الله عليهم فيه على قولين: فذهب الإمام أحمد وداود الظاهري -وهو قول مأثور عن جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان- إلى أن صلاة الجماعة واجبة على كل بالغٍ ذكر، وأنه إذا تخلف عنها من غير عذر يعتبر آثماً.
ووافقه على هذا القول بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة والشافعي رحمة الله على الجميع، فعند أصحاب هذا القول أن صلاة الجماعة لازمة، ولا يجوز للمسلم أن يتخلف عنها إلا إذا وجد عنده عذر من مرض يحبسه أو نحو ذلك.
القول الثاني: أن الصلاة ليست واجبة على الرجل.
وبهذا قال جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية رحمة الله على الجميع.
وقد استدل أصحاب القول الأول الذين قالوا بالوجوب بدليل الكتاب والسنة والأثر: أما دليلهم من الكتاب فقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء:102]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن الله عز وجل قال: (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) وهذا أمر، والأمر للوجوب، ثم أمر الطائفة الثانية التي تخلفت بالشهود فقال تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء:102]، قالوا: فدلت هذه الآية الكريمة على وجوب صلاة الجماعة، وذلك في حال الخوف، فلأن تجب في حال الأمن والسلامة من باب أولى وأحرى.
وكذلك استدلوا بدليل السنة، وذلك بأحاديث: الأول: حديث أبي هريرة رضي الله الثابت في صحيح مسلم: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد.
فرخص له، فلما ولّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم.
قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة) رواه مسلم.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن هذا الرجل الأعمى مع وجود المشقة والعناء عليه بشهود الجماعة أمره النبي صلى الله عليه وسلم بها، فدل على أنها واجبة لازمة، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (فأجب)، وهذا أمر، والأمر للوجوب، وقال: (فإني لا أجد لك رخصة)، فدل على اللزوم، وأن من تخلف عن الجماعة آثم.
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الجماعة فأحرّق عليهم بيوتهم).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم بين في هذا الحديث أنه سيعاقب من تخلف عن الجماعة، وأنه همَّ بمعاقبة من لا يشهد هذه الصلاة، ولا ترد العقوبة إلا على ترك واجب أو على فعل محرم، فدل على أن شهود الجماعة واجب، وأن التخلف عنها من غير ضرورة ولا عذر محرم.
الدليل الثالث: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) رواه ابن ماجة وغيره.
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم بين في هذا الحديث أن من لم يشهد الجماعة فلا صلاة له إلا من عذر، فدل على أنها واجبة لازمة، فهذا حاصل ما احتج به أصحاب القول الأول من دليل الكتاب والسنة.
وأما دليلهم من الأثر فما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو تركتموها لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين فيقام في الصف.
ووجه الدلالة من هذا الأثر أن هذا الصحابي الجليل الموسوم بالفقه والعلم والعمل أخبر عن أهمية هذه الصلاة، وأنها بمثابة اللازم الواجب الذي لو ترك لضل العبد بتركه، وهذا كله يؤكد وجوبها ولزومها؛ لأنه لا يوصف بالضلالة إلا على ترك الهدى اللازم والواجب على المكلف.
فهذا حاصل ما استدل به أصحاب القول الأول القائلين بالوجوب.
أما من قال بعدم الوجوب فقد استدلوا بحديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين)، وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر كلتا الصلاتين، وجعل لصلاة الفرد فضلاً، فدل على أن صلاة الجماعة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبة لما ورد الفضل لضدها، أعني صلاة الفرد.
والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بوجوب صلاة الجماعة، وذلك لصحة دلالة الكتاب والسنة على هذا القول.
وأما ما استدل به من قال بعدم الوجوب فإن حديث ابن عمر رضي الله عنهما غاية ما دل عليه إثبات الأجر لصلاة الفذ، وذلك لا يستلزم عدم وجود الإثم المترتب على التخلف عن صلاة الجماعة.
ووجه ذلك أن يقال: إن الأحاديث التي أمرت بصلاة الجماعة دلت على وجوبها، وحديث أبي هريرة دل على المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفذ، فكأن حديث أبي هريرة خرج عن موضع النزاع؛ لأن موضع النزاع في الدلالة على الوجوب أو عدم الوجوب، وكون الأجر يرد على هذا أقل من غيره، أو يرد على هذا أكثر من غيره فهذا خارج عن موضع النزاع، والقاعدة في الأصول أن النص إذا خرج عن موضع النزاع لم يصلح دليلاً على عين المسألة المختلف فيها.
وبهذا يترجح القول القائل بالوجوب.
وقوله: [للصلوات الخمس] أي: تلزم في الصلاة المكتوبة، وهي الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولذلك قيد المصنف رحمه الله إطلاق الوجوب واللزوم بهذه الصلوات الخمس على ظاهر النصوص؛ لأنها إنما وردت في الصلاة المفروضة والمكتوبة، وأما جماعة النوافل كصلاة التراويح والصلاة على الجنازة إذا كانت جماعة فهذه ليست بلازمة ولا واجبة على المكلف.
وقوله: [لا شرط] أي: صلاة الجماعة شهودها مع الجماعة واجب ولازم، ولكن ليس شرطاً في صحة الصلاة.
ونحن ذكرنا أن العلماء رحمة الله عليهم -الظاهرية والحنابلة وبعض الحنفية والشافعية- الذين قالوا بوجوب صلاة الجماعة انقسموا إلى طائفتين: فطائفة أوجبت صلاة الجماعة، وقالت: لو صلى لوحده صحت صلاته.
وطائفة قالت بوجوب صلاة الجماعة، وقالت: لو صلى فرداً من دون عذر لم تصح صلاته.
وإذا ثبت أن صلاة الجماعة واجبة، فهل وجوبها وشهودها شرط في صحة الصلاة أو ليس شرطاً؟ في المسألة قولان عند من يقول بالوجوب: قال الحنابلة، والحنفية والشافعية الذين يوافقونهم على وجوب صلاة الجماعة: إنها ليست بشرط في صحة الصلاة، فمن صلى منفرداً صحت صلاته وأجزأت ويأثم؛ لأنه لم يشهد الجماعة.
وقال الظاهرية -وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع- إنها واجبة وشرط في الصحة.
فلو صلى منفرداً بدون عذرٍ فإن صلاته باطلة على هذا القول.
وقد استدل الذين قالوا بالوجوب وأنها ليست بشرطٍ في الصحة بأدلة الوجوب التي ذكرناها؛ لأن الأصل أن من أدى صلاته كاملة بأركانها وشرائطها وواجباتها فصلاته صحيحة حتى يدل الدليل على البطلان.
فلو سألك سائل: ما الدليل على أن الأصل فيمن أدى الصلاة بأركانها وواجباتها أن يحكم بصحة صلاته تقول: حديث المسيء صلاته؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بين له ما يجب في الصلاة قال له: (إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)، فإذا صلى المنفرد وأدى الصلاة بأركانها وواجباتها انطبق عليه ما ورد في هذا الحديث.
أما فقهاء الظاهرية ومن وافقهم فقد استدلوا على بطلان صلاة المنفرد بدون عذر بما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) رواه ابن ماجة، وهذا الحديث مختلف في إسناده وفيه كلام، ولكن على القول بصحته، قالوا: إن قوله: (فلا صلاة له) أي: فلا صلاة صحيحة.
فدل هذا الحديث على بطلان صلاة المنفرد؛ لأنه صلى بدون عذر.
وأما الذين قالوا بصحتها فإنهم يقولون: إن قوله: (فلا صلاة له) أي: كاملة، والذين يقولون بعدم صحتها يقولون: فلا صلاة صحيحة، فأصبح حديث ابن عباس متردداً بين نفي الكمال ونفي الصحة.
والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بصحة صلاة المنفرد ولو كان تاركاً للجماعة بدون عذر، وذلك لما يلي: أولاً: لصحة ما احتج به أصحاب هذا القول.
ثانياً: أن استدلال أصحاب القول الثاني بحديث ابن عباس يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: من جهة السند، فإنه معارض لما هو أصح منه، مع ما فيه من الطعن في روايته.
الوجه الثاني: من جهة المتن، فإن قوله عليه الصلاة والسلام: (فلا صلاة له) يتردد بين نفي الصحة ونفي الكمال، وال
(57/4)
________________________________________
صلاة الجماعة في البيت
قال رحمه الله تعالى: [وله فعلها في بيته].
قوله: (وله) أي: للمكلف، (فعلها) أي: فعل صلاة الجماعة في بيته، بأن يجمع أهله، فيصلي بامرأته أو ببناته، أو يصلي بإخوانه وأخواته، أو يصلي بأبنائه وبناته، وقس على هذا، فلا حرج عليه على هذه الرواية.
ومن الأصحاب من قال: إن كان تخلفه عن المسجد لا يؤدي إلى ضعف الجماعة فإنه يجوز له أن يتخلف ويصلي مع جماعته في المنزل، واحتجوا بحديث الرحل -وهو ثابت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام-: أنه صلى بالناس بخيف منى، فرأى رجلين لم يصليا، فقال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا.
قال: فلا تفعلا.
إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه؛ فإنها لكما نافلة).
ووجه الدلالة أنهما تركا جماعة المسجد لجماعة الرحل والبيت، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهما ذلك.
وهناك من العلماء من قال: إن هذا لا يشمل صلاة الرجل في أهله، وإنما هو وارد في صلاة السفر، والجماعة في السفر ساقطة عن المسافر لهذا الحديث، فلا تشمل من جمع في أهله.
وهذا القول من القوة بمكان، أعني أنه لا يشرع للإنسان أن يتخلف عن الصلاة مع الجماعة ويجمع بأهله؛ لأنه لو فتح هذا الباب لفات كثير من مقاصد الشريعة بإيجاب الجماعة، ولذلك يحمل حديث الرحل على المسافرين؛ لأنهما كانا بخيف منى فكانا في حكم المسافرين، ولذلك صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قصراً، فالحديث وارد في المسافرين، وأحاديث الجماعة إنما هي في المقيم، وعلى هذا نقول: إن المسافر لا تجب عليه الجماعة إن كان يصلي في رحله رفقاً وتوسعةً من الله عز وجل على هذا النوع من المكلفين.
(57/5)
________________________________________
صلاة أهل الثغور في مسجد جامع
قال رحمه الله تعالى: [وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد].
أهل الثغور: هم الذين يكونون في الجهاد، ويوصف الجهاد بكونه ثغراً، فيقال: ثغور الإسلام؛ لأنها منافذ يدخل منها على المسلمين، ويقف المجاهدون المرابطون عليها صيانة لثغور الأمة.
فيستحب لأهل الثغر -أي: الذين يكونون في الجهاد -أن لا يتفرقوا في جماعات متعددة؛ لأنهم إذا اجتمعوا في جماعة واحدة كان أمكن في إظهار هيبة الإسلام وعزة أهله وتآلف أصحابه، وإذا رآهم العدو وهم بهذه الكثرة العظيمة يصلون مع بعضهم ويركعون وراء إمام واحد وينضبطون انضباطاً كاملاً كان ذلك أبلغ في الهيبة، حتى إن الأوزاعي قال: لقد هممت أن أحرق المساجد في الثغور من أجل أن يجتمع المجاهدون على إمام واحد، وهذا لا شك أنه أبلغ في الجماعة، وفي الألفة والمحبة، وفي قوة الأخوة وتحقيق الأواصر، وأبلغ في النكاية بالعدو وإرهابه من شوكة المسلمين، فلذلك استحب العلماء أن تكون جماعتهم واحدة، ولكن نظراً لأن الثغور يعتريها ما يعتريها من وجود التفرق خوفاً من دهم العدو ومباغتته فلا حرج أن تكون هناك أكثر من جماعة، ولا حرج أن يتفرقوا جماعات، ويكون الأمر مرتبطاً بمصلحة الجهاد على حسب ما يراه إمامهم.
(57/6)
________________________________________
صلاة الرجل في المسجد القريب منه
قال رحمه الله تعالى: [والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره ثم ما كان أكثر جماعة].
بعد أن بين لنا لزوم الجماعة ووجوبها، وأنها ليست شرطاً في الصحة شرع الآن في بيان أفضل الجماعات.
فمنها: أن الرجل الذي تتوقف الجماعة عليه في مسجده، ويكون مسجده محتاجاً إليه لحصول الكثرة، فهذا الأفضل له أن يصلي في جماعة مسجده.
مثال ذلك: أن يكون لحيك جماعة، وهذه الجماعة قليلة العدد، وبشهودك يكثر العدد ويعرف الناس هذا المسجد ويقبلون عليه وتقوى جماعتهم، فحينئذ تصلي معهم، ولا تنصرف إلى غيره؛ لما فيه من تقوية هذه الجماعة ودعوة الناس لشهودها، وهذا يحقق مقصود الشرع.
قال: (ثم ما كان أكثر جماعة).
إن كان مسجدك لا تتوقف جماعته عليك يرد

السؤال
لو أن عندك أكثر من مسجد، فهل الأفضل أن تصلي في هذا المسجد، أو في ذاك المسجد؟
و
الجواب
أن المساجد قد فاضل الشرع بينها، فما كان من المساجد منصوصاً على فضله فمقدم على غيره، فيقدم المسجد الحرام على سائر المساجد على وجه الأرض، فمسجد الكعبة أفضل المساجد على الإطلاق، والصلاة فيه أشرف وأكمل وأعظم أجراً وحظاً، وذلك من كل الوجوه، خاصة وجود المضاعفة التي تصل إلى مائة ألف صلاة، وكذلك الجمعة فإنها آكد، والحض عليها في مسجد الكعبة آكد، ولو كان الإنسان يرجح القول الذي يقول: إن كل مكة يعتبر من المسجد الحرام فلا ينبغي له أن يذهب الفضل بعدم شهود الصلاة في المسجد الحرام؛ فإن دخوله وشهوده وتكثير سواد المسلمين فيه من الخير بمكان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن صلاة الرجل مع الرجل أفضل وأزكى من صلاته وحده، وأنها مع الثلاثة أزكى من الاثنين، وما كان أكثر كان أفضل، كما في حديث أحمد، فصلاة الجماعة في المسجد الحرام فيها فضيلة المكان، وفضيلة العدد -الكثرة-، وفضيلة القدم؛ لأن الله يقول: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108]، فقدم هذا المسجد، وشهود الله عز وجل بقدمه يدل على فضله وبركة الصلاة فيه؛ لأن كل شيء شهد الشرع بفضله فهو مبارك.
ويلي ذلك المسجد النبوي، وذلك لشهود النبي صلى الله عليه وسلم له بالفضل في قوله: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصلاة فيه أفضل، ثم يليه المسجد الأقصى، فإنه بخمسمائة صلاة فيما سواه إلا ما ذكرنا من المسجدين، فهذه المساجد الثلاثة هي أفضل المساجد على وجه الأرض، والصلاة فيها أكمل وأعظم أجراً، ويليها مسجد قباء، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان له كأجر عمرة) رواه النسائي وغيره بسند صحيح.
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الفضل لمسجد قباء، وأما الصلاة فيه فمطلقة، سواءٌ أكانت نافلة أم فريضة، وأما رواية: (فصلى فيه ركعتين) فضعيفة، لكن الرواية القوية: (فصلى فيه) بإطلاق، ولذلك لو صلى فيه فريضة أو نافلة فإنه ينال أجر العمرة.
فهذه المساجد أفضل، وشهود الجماعة فيها أكمل، وفي مكة لا شك أن الإنسان ينبغي له الحرص على الصلاة في المسجد الحرام، خاصة في يوم الجمعة؛ فإن الجمعة فيه بمائة ألف جمعة، فهي الفضل بمكان، ولو أن الإنسان حسبها لوجدها تعادل قروناً من العمر، فهذا فضل عظيم خص الله عز وجل به أهل مكة، فلا ينبغي -خاصة لأهل العلم وطلاب العلم- البعد عن هذا الفضل، خاصة وأن المسجد الحرام -مع ما في شهوده من الخير- فيه تعليم الجاهل وإحياء السنة؛ لأنه إذا كثر شهود أهل السنة الصلاة في هذا المسجد ائتسى الناس، وأحييت السنن، وكان في ذلك من الخير ما الله به عليم، ولذلك ينبغي الحرص على هذه الفضيلة.
وبعد هذه المساجد للعلماء تفصيل في تفضيل الجماعات: - فمنهم من يقول: يلي هذه المساجد أقدم المساجد، فلو كان عندك مسجدان، أو جماعتان إحداهما مسجدها أقدم فإنه تقدم الجماعة على المسجد الذي يلي ذلك المسجد في القدم، واحتجوا بقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108]، فقد أخبر الله تعالى أن قدم المسجد دال على فضله، فأثبت الأحقية للأقدم، وعلى هذا كلمة جماهير العلماء، فالمسجد القديم أفضل من المسجد الجديد وأحق، حتى قالوا: لو وجد مسجد قديم ثم جاء إنسان وأحدث مسجداً جديداً من دون حاجة لصلاة جماعة وإنما لقصد جذب الناس إلى مسجده فإنه يعتبر مسجد ضرار، ولو أُحدث مسجد للجمعة بعد مسجد قديم فإن العبرة في الجمعة بالمسجد القديم، ولا تصح الجمعة في المسجد الجديد إذا لم توجد حاجة، وهذا على ظاهر آية التوبة التي ذكرناها.
وعلى هذا جمع من أهل العلم رحمة الله عليهم من الفقهاء، فالمسجد القديم أحق لنص كتاب الله عز وجل على تفضيله، ولأنه أكثر طاعة وشهوداً للخير، وذلك لفضل الزمان الذي امتاز به على المسجد الذي هو دونه في الزمان.
فقوله: [ثم ما كان أكثر جماعة] أي: ثم ينظر إلى المسجد الذي هو أكثر جماعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أفضل)، وهذا الحديث المسند يدل على أن الجماعة الأكثر عدداً أفضل من الجماعة الأقل عدداً.
قال رحمه الله تعالى: [ثم المسجد العتيق].
اختلف العلماء فيما لو كان هناك مسجدان أحدهما قديم وجماعته قليلة، والثاني جديد وجماعته أكثر، فهل الأفضل أن تشهد القديم مع قلة الجماعة، أو تشهد الجديد مع كثرة الجماعة؟ فمنهم من يقول: أقدم فضيلة المكان -أي: فضيلة المسجد القديم-، وذلك لورود النص بها من القرآن.
ومنهم من قال: أقدم فضيلة الجماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين مسجد قديم وجديد، والذي يظهر -والله أعلم- أن المسجد القديم ولو كان أقل جماعة أفضل؛ وذلك لأن حديث النسائي فيه كلام في سنده، ودلالة نص الآية أقوى من دلالة السنة.
قال رحمه الله تعالى: [وأبعد أولى من أقرب].
أي أن أبعد المساجد أفضل من أقربها.
فلو كان عندك جماعة بعيدة وجماعة قريبة، فالجماعة البعيدة أفضل؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) أي: الزموا دياركم تكتب آثاركم.
وذلك لأنهم أرادوا أن يتحولوا إلى جوار المسجد، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى)، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن أعظم الناس أجراً في صلاة الجماعة أبعدهم إليه ممشى، فدل على أن المسجد البعيد أفضل من المسجد القريب، ولذلك قالوا: الأفضل أن يذهب إلى ما هو أبعد لما فيه من المشقة والعناء.
وفي الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلاً كانت لا تخطئه صلاة في المسجد، فقيل له: لو أنك اتخذت دابة تقيك حر الرمضاء وهوام الليل؟ فقال: ما أحب لو أن بيتي معلقاً بطنب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إني أحتسب أن يكتب الله لي الأجر في ذهابي ورجعتي.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد جمع لك بين ذلك)، فمن كان بعيداً واحتسب الخطا إلى المسجد فإن ذلك أفضل وأكمل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ كثرة الخطا إلى المساجد، وإسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، فدل هذا على أن من كان أبعد فهو أفضل ممن كان أقرب، ولذلك قالوا: إذا وجد مسجدان أحدهما أبعد والثاني أقرب فإن الأبعد أحب وأفضل من الأقرب.
(57/7)
________________________________________
الأسئلة
(57/8)
________________________________________
حكم صلاة الجماعة للمسافر

السؤال
هل يعتبر السفر عذراً في سقوط الجماعة عن المسافر ولو سمع النداء؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فظاهر حديث الخيف أنه إذا صلى المسافران أو المسافرون في رحلهم سقطت عنهم الجماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من الرجلين: أسمعتما النداء أو لم تسمعا.
والقاعدة في الأصول: (ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال)، فكأنه إذن بالعموم، سواءً أسمعوا أم لم يسمعوا، وهذا هو الذي يترجح من ظاهر السنة.
والله تعالى أعلم.
(57/9)
________________________________________
الترخص برخص السفر لمن نوى السفر وهو لا يزال مقيماً

السؤال
نويت السفر، وأثناء الاستعداد للرحيل نودي لصلاة الظهر، فهل الجماعة واجبة في هذا الظرف، أم أصلي بأهلي ثم أسافر؟

الجواب
إذا سمعت النداء وأنت تنوي السفر فحكمك حكم المقيم، ولا يأخذ المسافر رخصة المسافر إلا إذا أسفر وخرج من آخر العمران، فإذا أسفر فقد سافر، وحينئذٍ لا حرج عليه أن يأخذ برخص السفر من قصر الصلاة والفطر ونحو ذلك مما يشرع للمسافر أن يترخص به، أما وأنت لا زلت مقيماً وتسمع النداء فإنه يجب عليك شهود هذه الجماعة، إلا إذا كنت مسافراً واضطررت بحيث يتوقف على تعجيلك أمور مهمة ويكون في تأخرك ضرر عليك، فحينئذ ينزل هذا منزلة العذر، كالعذر في حال الإقامة، ولا حرج عليك أن تبرد وتسافر.
والله تعالى أعلم.
(57/10)
________________________________________
حضور صلاة الجماعة لمن سمع النداء وهو في نزهة

السؤال
نحن مجموعة من الشباب نخرج إلى نزهة ونصلي الجماعة في المكان الذي نحن فيه، ونسمع النداء في المكان المجاور لنا، فما حكم صلاتنا؟

الجواب
إذا كنتم تسمعون النداء بدون وسائل التكبير الموجودة الآن فإنه يجب عليكم شهود الجماعة، وذلك لنص النبي صلى الله عليه وسلم على شهودها لمن سمع النداء، ولا عذر لكم.
والله تعالى أعلم.
(57/11)
________________________________________
تعدد صلاة الجماعة في أيام الحج

السؤال
ما حكم تعدد الجماعات في وقت واحد في أيام الحج، وما الواجب عليّ فعله أثناء تواجدي في ذلك المكان؟

الجواب
الأصل أن يجتمع الناس على إمام واحد تحقيقاً لمقصود الشرع، فإن كان المنزل الذي نزلته فيه مكان قد هيئ لصلاة الجماعة فإنه أحق، وجماعته هي الجماعة، فالزمها واحرص عليها، وأنت مأجور بشهودها أكثر من غيرها، وأما إذا كان منزلاً يستوي فيه الناس، كأن يكون في أطراف المناسك -كما يحصل في عرفات وفي مزدلفة وفي منى- فحينئذ تصلي في أقرب الجماعات إليك إن أردت اللزوم، وأما إن أردت الفضل فانظر إلى أكثرها عدداً وأكثرها جماعة؛ فإن شهودها أفضل.
والله تعالى أعلم.
(57/12)
________________________________________
اللحن الذي تبطل به الصلاة

السؤال
ما هو اللحن الذي تبطل به الصلاة، وهل لي أن أعلم جماعة المسجد بذلك؟

الجواب
اللحن الذي يبطل الصلاة أن يكون لحناً يحيل المعنى، كأن يقول: (أهْدِنَا)، فإن (اهدنا) غير (أهْدِنَا)، ولذلك يقولون: إذا لحن هذا اللحن الموجب لخروج المعنى من الدلالة فإنه حينئذ تبطل صلاته وصلاة من وراءه إذا كان من وراءه يحسن الفاتحة، أما إذا كان هذا الرجل لا يحسن الفاتحة ومن وراءه مثله أو أسوأ منه، فإن صلاته صحيحة، وتصح صلاته ولا يأثم إلا إذا فرط في التعلم.
والله تعالى أعلم.
(57/13)
________________________________________
إتمام الصلاة لمن فاته بعضها

السؤال
من أعاد صلاة في مسجد آخر وقد سبقته الجماعة الثانية بركعة فأكثر هل يتم ما فاته؟

الجواب
من صلى وراء إمام فإنه يتم ما فاته؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمام والكمال، إلا إذا كان مسافراً ودخل وراء المقيم في الركعتين الأخريين من الرباعية.
فإنه يشرع له أن يسلم بسلام الإمام والله تعالى أعلم.
(57/14)
________________________________________
نصيحة لمن يتخلف عن صلاتي الفجر والعصر

السؤال
كثير من الناس في هذا الزمن يتخلفون عن الجماعة في صلاتي الفجر والعصر بحجة غلبة النوم، فما توجيهكم لهؤلاء؟

الجواب
على المسلم أن يأخذ بالأسباب، وذلك إذا كان شديد العناء شديد التعب، فإنه يوصي من يوقظه، أو يضع بجواره من الآلات ما يعينه على الاستيقاظ، فإن تعاطى أسباب إيقاظه وغلبه النوم فإنه يعذر، أما إذا لم يأخذ بالأسباب فإنه يعتبر آثماً؛ لأن تعاطي الأسباب واجب عليه، وتركها أوقعه في محظور التخلف عن الجماعة، فيعتبر آثماً من هذا الوجه، أما لو تعاطاها واحتاط لنفسه فإنه لا يأثم؛ لظاهر حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه حينما عرس النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمه من غزوة تبوك إلى المدينة.
وأما تساهل الناس في شهود هاتين الصلاتين فإنه لا يجوز للناس أن يتعاطوا أسباب التقاعس عن هاتين الصلاتين وشهودهما مع الجماعة، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل شهودهما مع الجماعة، فقال في الحديث الصحيح: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله)، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وشهود الصلاة فيه خير كثير على الإنسان، من استفتاح يومه بالعمل الصالح، واستفتاحه بسماع كلام الله وكتاب الله عز وجل، خاصة إذا كان الإمام قد أعطى كتاب الله حقه من الترتيل والتجويد؛ فإن في ذلك أثراً عظيماً على النفس، من انشراح الصدر وطمأنينة القلب وقوة النفس واستجمامها وإقبالها على الخير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأصبح طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، نسأل الله المعونة وكفاية المئونة.
والله تعالى أعلم.
(57/15)
________________________________________
إمامة المتنفل بالمفترض

السؤال
إذا صليت في جماعة ثم أتيت إلى مسجد آخر وقد أقيمت الصلاة فهل لي أن أصلي بهم؟

الجواب
من صلى الفريضة في جماعة ثم قدم على جماعة ثانية، فإن وجد غيره ممن هو أهل للإمامة فإن الأفضل له أن لا يتقدم؛ لأن العلماء رحمهم الله اختلفوا في إمامة المتنفل بالمفترض، وإن كان الصحيح جوازها، ولكن صيانة صلاة الناس والخروج من خلاف العلماء رحمهم الله أولى وأحرى، ولذلك تقدم غيرك، إلا إذا لم يكن هناك إمام سواك، فتتقدم بهم ولا حرج عليك.
والله تعالى أعلم.
(57/16)
________________________________________
الصلاة في المسجد لمن فاتته صلاة الجماعة

السؤال
لو جئت إلى المسجد وقد انتهت الصلاة، فهل الأفضل أن أصلي في المسجد أم أرجع إلى البيت؟

الجواب
الأفضل أن تصلي في المسجد، وذلك لأن صلاتك في المسجد فيها فضيلة إتيان غيرك إليك، فإنه ربما رآك إنسان متخلف وصلى معك فأصبت وإياه الجماعة، ثم قد يصلي معك إنسان ممن صلى فيتصدق عليك ويثاب وتثاب أيضاً فتحصل فضيلة الجماعة، أما الرجوع إلى البيت فهذا قول شاذ ضعيف قال به بعض العلماء في المتخلف وراء الصف، حيث قالوا: من دخل ووجد الصفوف مكتملة فإنه يقف وينتظر، فإذا لم يأتِ أحد فإنه يرجع إلى بيته ويصلي.
وهذا القول من الشذوذ بمكان؛ لأن معناه أو مبناه على أن صلاته في المسجد غير صحيحة، فأين الدليل الذي يدل على أنه لو صلى لا تصح صلاته؟! وبناء على ذلك لا تصح صلاته إلا إذا صلى منفرداً خلف الصف، أما لو صلى منفرداً بعد الجماعة فعلى الأقل يقال: إنه يصلي، فإن جاء أحد معه فبها ونعمت، وإن لم يأتِ أحد معه استقبل الصلاة.
أما أن يرجع بعد أن أمره الله عز وجل بالشهود والحضور فهذا قول ضعيف قال به بعض العلماء رحمة الله عليهم، ووصفه جمع من العلماء رحمة الله عليهم بالشذوذ، أعني القول الذي يقول: إنه لو جاء والصف قد اكتمل ولم يجد من يصلي معه فإنه ينصرف ويرجع إلى بيته ولا يصلي في المسجد.
والله تعالى أعلم.
(57/17)
________________________________________
كيفية إحرام من دخل مكة لغرض العمل ثم غير نيته

السؤال
ما حكم رجل يقيم في جدة، وخرج إلى مكة بنية العمل فغير نيته إلى نية الحج، فحج من مكانه؟

الجواب
من كان من أهل جدة وبعد أن خرج إلى مكة للعمل طرأت عليه النية في الطريق أو في مكة ففيه تفصيل: فإن طرأت عليه النية في الطريق فمن المكان الذي طرأت عليه يجب عليه الإحرام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ)، فإذا أنشأ نية الحج وهو في طريقه بين مكة وجدة يلزمه أن يحرم من المكان الذي جددت فيه نيته، ولذلك أحرم عبد الله بن عمر رضي الله عنه من وادي الفرع، وذلك من مزرعته التي كانت هناك، وهذا يدل على أن من طرأت عليه النية أحرم من حيث طرأت عليه النية، وعلى ذلك جماهير العلماء رحمة الله عليهم.
أما لو طرأت عليه النية بعد أن دخل مكة، أو بعد أو وصل إلى منى فيحرم من موضعه ولا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
(57/18)
________________________________________
حكم من جامع زوجته بعد التحلل الأول

السؤال
ما حكم رجل جامع زوجته بعد التحلل الأول، وهل على الزوجة شيء؟

الجواب
هذه المسألة قضى فيها بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن حجه صحيح.
وعلى هذا جماهير العلماء رحمة الله عليهم، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة)، ولكن يلزمه أن يذهب إلى التنعيم ويأتي بعمرة حتى يقع طواف الإفاضة في نسك صحيح؛ لأنه بجماعه قد أفسد نسكه -أعني فيما يستقدم-، فيمضي إلى التنعيم ويحرم بعمرة، ثم يطوف طواف الإفاضة قبل العمرة، ثم يعتمر بعد ذلك، ثم يرجع ويتم مناسكه وعليه الدم.
والله تعالى أعلم.
(57/19)
________________________________________
صلاة الحاج من أهل مكة

السؤال
هل الحاج من أهل مكة في الحج بين المشاعر يقصر الصلاة أو يتمها؟

الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم -أعني مسألة أهل مكة-، وبعض العلماء يرى أن أهل مكة في حكم المسافر، وإذا خرجوا إلى عرفات أو منى يقصرون؛ لأن أصحاب هذا القول لا يرون أن للسفر حداً، وعلى هذا فإن قليل المسافة وبعيدها سفر، وبناء عليه يشرع لهم الجمع لا للنسك ولكن للسفر، وذهب جمع من العلماء رحمة الله عليهم إلى أنهم يأخذون حكم المقيم إعمالاً للأصل، ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) صح عنه في مكة، ولم يصح عنه في عرفة، قالوا: إنما سكت في عرفة؛ لأنه سبق وأن أعلن أهل مكة بمكة.
وهذه المسألة مشكلة حتى على القول بأنهم قد خرجوا، فالمشكلة الآن أنه اتصل البناء، فأصبحت الأرض سكناً لأهل مكة، ولذلك أرى أن يحتاط وأن يخرج من خلاف العلماء رحمة الله عليهم، وإن جمعوا تجمع للنسك في يوم عرفة، وتجمع للنسك أيضاً ليلة مزدلفة لورود السنة بها، فإذا جمعت للنسك فلا حرج، لكن إتمام الصلاة يعتبر خروجاً من الخلاف.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(57/20)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجماعة [2]
لصلاة الجماعة أحكام ومسائل متعلقة بها، منها: حكم إمامة الشخص في المسجد مع وجود الإمام الراتب، وحكم إعادة الصلاة لمن صلاها ثم حضر جماعة يصلون نفس الصلاة، وحكم تكرار الجماعة في المسجد، وحكم النافلة إذا أقيمت الصلاة، وبماذا تدرك الجماعة ونحوها من المسائل.
(58/1)
________________________________________
تابع أحكام صلاة الجماعة
(58/2)
________________________________________
التقدم للإمامة مع وجود الإمام الراتب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره].
قوله: [ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه] أي: يحرم على المكلف أن يؤم غيره في المسجد الذي له إمام راتب إلا بإذنه.
أي: بإذن الإمام الراتب.
فلا يجوز للإنسان أن يتقدم للإمامة إذا وجد الإمام الراتب إلا بعد إذنه، وذلك لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه تخلف للصلح بين حيين من بني عوف، فلما تأخر جاء بلال فآذن أبا بكر بالصلاة، فأقام وتقدم أبو بكر يصلي بالناس، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فنبه الناس أبا بكر رضي الله عنه، فالتفت فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب يتأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأتم، وتأخر أبو بكر.
ووجه الدلالة: -كما يقول العلماء- أن أبا بكر تأخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأحقية النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة، وذلك لمكان الرسالة من وجه، ولمكان الإمامة من وجه؛ ولذلك قالوا: إن هذا الحديث سنة، فلو قدم الإمام الراتب أثناء الصلاة وقد تقدم غيره، وأراد أن يؤخره ويتقدم صح ذلك وأجزأه، وبه أفتى جمع من العلماء رحمة الله عليهم، والسنة دالة على هذا.
والسبب في ذلك أنه أحق، والشرع قد أعطاه ذلك إن تعيّن من الإمام، أو من ينوب منابه، كما هو الحال لو عُين إمام راتبا لمسجد، فهذه الأحقية من جهة الولاية لا يجوز لأحد أن يتقدم عليها إلا بإذن من الشرع، وأذن لك الشرع أن تتقدم إماماً بدل الإمام الراتب عند عدم وجوده، فأما لو وجد فإن التقدم عليه يعتبر طعناً فيه وأذية له، وتقدماً من دون حق، وقد قال صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث عنه-: (من زار قوماً فلا يؤمهم)، فنص عليه الصلاة والسلام على أن لا يتقدم على إمامهم، ولذلك قال جماهير العلماء: الإمام الراتب أحق، ولا يجوز لأحد أن يتقدم عليه، وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل أن يؤم الرجل في سلطانه، والإمام الراتب سلطان في مسجده.
وقالوا: هو في حكم الرجل في بيته وفي سلطانه، فلا يجوز التقدم عليه، ومن هنا لا يشرع للإنسان أن يتقدم للإمامة مباشرة، وإنما يتقدم إذا لم يوجد الإمام الراتب، أو وجد إمام راتب وأذن له أن يتقدم، كأن يكون أعلم وأحق وأولى لعلم وفضل ونحو ذلك، فإنه يشرع للإمام أن يقدمه إظهاراً لفضله وإظهاراً لنبله ولذلك تأخر أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لعظيم حقه صلوات الله وسلامه عليه، فإن تأخر له فحينئذ يتقدم.
فإذا لم يوجد الإمام الراتب ولم يوجد له نائب فحينئذ يجوز لك أن تتقدم إذا كنت أهلاً للإمامة، أو جد إمام راتب لكنه يلحن في الفاتحة لحناً يوجب بطلان صلاة من وراءه، فحينئذ يشرع لك أن تتقدم، وذلك صيانة لصلاته وصلاة من وراءه، فحينئذ لا حرج عليك أن تتقدم، إلا إذا وجدت مفسدة أو ضرر فحينئذٍ لا تعتد بصلاتك وراءه.
وقوله: [أو عذره].
أي: وجود العذر.
وإذا تأخر الإمام عن المسجد فحينئذٍ يرسل إليه إذا كان بيته قريباً، ولا حرج أن يطلب من الأئمة إذا تأخروا أن يحضروا، فإن عمر رضي الله عنه لما أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة العشاء خرج يصرخ ويقول -كما في الصحيحين-: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والصبيان.
فإذا كان تأخير الناس في انتظار الصلاة يحصل به المشقة والضرر فلا حرج أن يرسل إلى الإمام ويقال له: بادر إلى الصلاة.
فإن كان.
عنده عذر، أو طرأ عليه عذر فقال لهم: صلوا.
وأذن لهم بالصلاة، فحينئذ يقدمون من رضوه لإمامتهم ويصلي بهم.
(58/3)
________________________________________
إعادة الصلاة لمن صلى ثم حضر جماعة يصلون
قال رحمه الله تعالى: [ومن صلى ثم أقيم فرض سن أن يعيدها إلا المغرب] قوله: [ومن صلى] أي: الفريضة.
[ثم أقيم فرض] أي: لنفس الفريضة التي صلاها، كأن تصلي العصر في مسجد، ثم تذهب إلى مسجد آخر تطلب أخاً أو تريد حاجة، فدخلت في هذا المسجد فأقيمت الصلاة، فإنه يجب عليك أن تدخل مع هذه الجماعة الثانية، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: من صلى صلاة ثم دخل المسجد وأقيمت نفس الصلاة فلا يصليها ولا يعيد.
واحتجوا بحديث ميمونة: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تعاد الصلاة مرتين).
والقول الثاني: يعيد جميع الصلوات بدون استثناء وهو مذهب بعض أهل الحديث وأهل الظاهر، وذلك لظاهر حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (صل الصلاة لوقتها، ثم صلها معهم، ولا تقل: إني صليت)، وحديث الخيف بمنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا؛ فإنها لكما نافلة).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإعادة الجماعة، وهذا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أن الصلاة تعاد في المسجد مطلقاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إلا المغرب، أو العصر، أو الفجر، وإنما قال: (فصليا؛ فإنها لكما نافلة).
ومنهم من قال: يعيد جميع الصلوات إلا صلاة الفجر والعصر.
ومنهم من قال: يعيد جميع الصلوات إلا المغرب، كما اختاره المصنف.
ومنهم من قال: يعيد جميع الصلوات إلا صلاة الفجر والعصر والمغرب.
والسبب في استثناء المغرب -كما درج عليه المصنف- أن المغرب وتر، وإذا صلاها فإنه يكون موتراً وترين في ليلة، وفي حديث الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا وتران في ليلة).
والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- أنه يشرع له أن يعيد جميع الصلوات بدون استثناء، وذلك لما يلي: أولاً: لصحة حديث أبي ذر في الصحيحين أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (صل الصلاة لوقتها، ثم صلها معهم، ولا تقل: إني صليت)، ولم يقل: إلا المغرب.
بل أطلق، والقاعدة في الأصول: (المطلق يبقى على إطلاقه حتى يرد ما يقيده)، ولا مقيد له هنا.
وكذلك حديث الخيف، حيث قال للرجلين: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا)، ولم يقل: إلا المغرب، أو الفجر، أو العصر.
وهذان النصان مطلقان.
أما استثناء المغرب لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) فيجاب عنه بأن الوتر يبتدئ وقته من بعد صلاة العشاء، وإذا صلى المغرب فإنه لم يدخل بعد وقت العشاء، فيكون هذا الوتر غير معتدٍ به ولا مؤثر.
ثانياً: أن نقول: إنه بعد سلام الإمام يقوم ويشفع صلاته بركعة، جمعاً بينه وبين حديث: (لا وتران في ليلة)، وعلى هذا فلا تعارض بين هذه النصوص، وكل من صلى ثم دخل المسجد فإنه يعيد صلاته مع الجماعة الثانية.
وهذا -كما يقول العلماء- فيه نكتة لطيفة، وهي أن الإسلام حرص على الجماعة ونهى عن الشذوذ؛ لأن الشذوذ عن الجماعة شر وبلاء، ولذلك من خرج عن جماعة المسلمين العامة مات ميتة جاهلية والعياذ بالله، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج عن الجماعة، حتى قال: (من مات وليس في عنقه بيعة فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً)، فالخروج عن جماعة المسلمين هلاك، فأدب الله عز وجل عباده المؤمنين في أهم أركان الدين وهي الصلاة أن يكونوا على وتيرة واحدة ولا يشذون، ولأنه لو فتح باب التخلف عن الجماعات لفتح لأهل الأهواء والبدع أن يتخلفوا عن أهل السنة، ولذلك جمع الله شمل المسلمين بهذه الصورة، فإذا دخل الإنسان إلى المسجد فإنه يلتزم بجماعة المسجد، حتى نص جماهير العلماء على أنه لو دخل قبل تسليم الإمام ولو بلحظة وأمكنه أن يكبر يجب عليه أن يكبر، ولا ينتظر، ولا يحدث جماعة ثانية، وذلك للنص الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فإذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا) أي: ما أدركتموه مع الإمام فصلوا، قالوا: فهذا مطلق يشمل جميع ما يدرك، وإذا أراد أن يحدث جماعة ثانية يقول لمن معه: ندخل في التشهد، فإذا سلم الإمام فائتم بي.
فإن كل هذا تعظيم لأمر الجماعة، ولذلك قالوا: من دخل وقد صلى فإنه يصلي ويدخل مع الجماعة ويعيد، وتعتبر هذه الإعادة لازمة وواجبة؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها دون استثناء لفرض.
(58/4)
________________________________________
حكم تكرار الجماعة في المسجد
قال رحمه الله تعالى: [ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجد مكة والمدينة].
أي: لا حرج في استحداث جماعة ثانية بعد الجماعة الأولى، وذلك لأدلة: أولها: أنه قد ثبتت النصوص في الكتاب والسنة باعتبار المساجد للجماعات، وأن الأصل في المساجد أنها للجماعة.
ثانيها: أنه ثبت في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس جماعة، ثم لما انفتل من صلاته رأى رجلاً يصلي وحده، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يتصدق على هذا؟) فقام أبو بكر فصلى معه.
ووجه الدلالة أن هذا الرجل دخل لوحده، وأبو بكر كان قد صلى، ولم يوجد مع الرجل رجل ثانٍ، فندب النبي صلى الله عليه وسلم من كان صلى أن يصلي معه.
قالوا: عرف منه الشرع أنه ينبه بالأدنى على الأعلى.
وقالوا: فإذا شرعت الجماعة في المسجد بعد الجماعة الأولى لمتنفل مع مفترض، فلأن تشرع لمفترض مع مفترض من باب أولى وأحرى.
ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لو وجد معه رجلاً لم يقل للناس: (من يتصدق على هذا)، فكأن مقصود الشرع الرفق بالناس، ونفهم من قوله: (من يتصدق على هذا) أن مقصود الشرع حصول الجماعة بأية وسيلة ولو بإعادة الصلاة مرة ثانية، فإذا علمت أن مقصود الشرع هو حصول الجماعة من جهة قوله: (من يتصدق) دل قوله: (من يتصدق) على العموم، أي أن مقصود الشرع أن تحصل الجماعة الثانية، بدليل قوله: (من يتصدق) أي: من يجعل صلاة هذا صلاة جماعة، فإذا كان مقصود الشرع أن يتصدق على هذا، وأن تكون الصلاة بالرجل صلاة جماعة فلا فرق أن تقع الجماعة الثانية بمفترض مع مفترض، أو بمفترض مع متنفل، والقول بأن هذا خاص بالمتنفل تخصيص بدون مخصص، ولا يستقيم هذا القول.
فلو قال قائل: إن هذا يختص بمتنفل مع مفترض، فهذا قول ضعيف؛ لأن مسلك التخصيص عند الأصوليين شرطه أن يكون الأصل خلاف ما ورد به النص، بمعنى أن يأتي أصل نص صريح يدل على أنه لا تجوز الجماعة الثانية، وليس عندنا نص صريح بل غاية ما فيه حديث ابن مسعود، وحديث تأخر النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح بين حيين بقباء، فقدم المسجد فوجدهم قد صلوا، فلم يعرج على المسجد بل مضى إلى بيته، فهذا الحديث لا يدل على المنع من الجماعة الثانية -كما يقول الإمام مالك ومن وافقه-؛ لأن حديث الصلح يجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم مضى إلى بيته، ودعوى أصحاب هذا القول أنه: لا تشرع الجماعة الثانية -أي: نهي ومنع وتحريم- تحتاج إلى صريح نص، ولذلك يقولون: دلالة الفعل لا تدل على التحريم، فيقول الجمهور: لا مانع أن ينصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته لئلا يكسر خواطر أصحابه؛ لأنه لو دخل المسجد لانكسر خاطر من صلى بهم، وقد كان عليه الصلاة والسلام من أرحم الناس بأصحابه، وغاية ما فيه أن يقال: إنه خارج المسجد، وخلافنا في داخل المسجد، والقاعدة في الأصول: (لا يحكم بالتعارض بين نصين إلا إذا اتحدا مورداً ودلالة).
وقد جاءنا حديث أبي بكر في داخل المسجد، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في خارج المسجد، مع وجود صريح اللفظ في حديث أبي بكر، ووجود دلالة فعل محتملة في حديث الصلح، فبقي قول من قال بمشروعية التكرار أقوى وأوجه وأولى بالاعتبار، ولذلك كان أرجح القولين، والعلم عند الله عز وجل.
وقوله: [في غير مسجدي مكة والمدينة].
أي أن مسجدي مكة والمدينة لا يشرع تكرار الجماعة فيهما، وهذا توسط بين القولين اللذين ذكرناهما، وإلّا فإن الخلاف بين العلماء رحمة الله عليهم عام في المساجد كلها، وكان الإمام مالك رحمة الله عليه ومن وافقه من السلف يشددون في الجماعة الثانية من باب سد الذرائع، ومن أصول المالكية سد الذريعة؛ لأن عصورهم كان فيها أهل بدع وأهواء يتخلفون عن جماعة أهل السنة ويحدثون الجماعة الثانية، فخشي أن يفتح لأهل البدع والأهواء ما يفعلونه من التخلف عن الجماعة واستحداث جماعة ثانية حتى تكون شعاراً لهم، قالوا: ولأنه لو حدثت الجماعة الثانية لتقاعس الناس عن الجماعة الأولى، وهذه كلها علل عقلية لا تصادم النص الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من يتصدق على هذا)، ولا تصادم النصوص التي دعت إلى إحياء الجماعة، وغاية ما نقول: إن الجماعة الثانية لو تخلف الإنسان لها فقد فاته فضل الجماعة الأولى، فبقي مشدود الهمة للجماعة الأولى تحصيلاً لفضيلة أول الزمان وفضيلة أولى الجماعتين.
(58/5)
________________________________________
حكم صلاة النافلة إذا أقيمت الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها] هذه العبارة تعتبر جملة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح، وأصله قصة وقعت لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة فأقيمت الصلاة فكبر رجل ودخل في الصلاة، فلمّا سلّم النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: (يا هذا بأي الصلاتين اقتديت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟) وفي الحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام: (يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً)، وهذا الحديث يتضمن النهي عن الدخول في صلاة النافلة إذا أقيمت الصلاة المفروضة.
فقوله: [إذا أقيمت الصلاة] معناه: إذا كان الإنسان في المسجد وأقيمت الصلاة الحاضرة [فلا صلاة] أي: لا يجوز له أن يبدأ في صلاة إلا المكتوبة التي أقيمت.
وبناءً على ذلك فلو كان يريد التنفل، كأن يصلي الفجر القبلية ويكون ذلك عند الإقامة أو بعد الإقامة فإنه ينهى عن ذلك، ويعتبر فعله هذا محرماً ومنهياً عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فلا صلاة إلا المكتوبة)، والنفي في قوله: (فلا صلاة) يتضمن النهي؛ إذ لم يفرق بين صلاة وأخرى.
وهناك فائدة ثانية، وهي أن هذا الحديث دلنا على أن التعارض بين الواجب وغير الواجب الذي هو أدنى منه يوجب تقديم الواجب لعلو مرتبته في الشرع، ووجه ذلك أنه إذا أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فإنك مخاطب بواجب حاضر وهو الصلاة مع الجماعة، والتنفل دون هذا الواجب، وبناءً على ذلك تقطع هذه النافلة وتدخل في الفريضة مع الجماعة.
وفيه دليل على فائدة ثالثة، وهي أن الإسلام يريد من المسلمين أن يكونوا جماعة واحدة، ولا يريد التفرق حتى في أشرف العبادات وهي الصلاة، ولذلك منع المصلي أن ينفرد عن الجماعة في المسجد، وكما أنه في الابتداء يدخل مع الجماعة فكذلك عند الانتهاء، فلو دخلت قبل تسليم الإمام ولو بلحظة فإنك تدخل مع الجماعة، وحينما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أنه سيكون عليهم أئمة يؤخرون الصلاة قال الصحابي: ماذا أفعل؟ قال: (صلِّ الصلاة لوقتها، ثم صلها معهم) أي: لا تشذ عن الجماعة، وقال للرجلين لمّا صليا بعد يوم النحر بمنى ثم جاءا إلى ناحية من المسجد فلم يصليا: (ألستما بمسلمين؟) أي: لو كنتما مسلمين لكنتما مع جماعة المسلمين قالا: بلى يا رسول الله.
ولكنا صلينا في رحالنا.
قال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا؛ فإنها لكما نافلة) يقول العلماء رحمة الله عليهم: وهذا كله يؤكد أمر ولزوم جماعة المسلمين ما أمكن، حتى في أشرف المواطن وأعظمها وهي الصلاة.
فلو فتح للناس أن يتنفلوا أثناء الفريضة لتفرقت جماعة المسلمين، وأصبح هذا يصلي الرغيبة وهذا يصلي تحية المسجد، فلا يدري الإنسان وهو داخل عن حال الجماعة، لكنهم إذا صلوا وراء إمام واحد، واقتدوا بإمام واحد كان ذلك أبلغ في الاجتماع والاتئلاف، وهذا هو مقصود الشرع من صلاة الجماعة.
وللإنسان عند إقامة الصلاة حالتان: الحالة الأولى: أن تقام الصلاة ثم يبتدئ النافلة، وهذا محرم بالإجماع، فلا يشرع في النافلة بعد إقامة الصلاة، سواءٌ أكانت في أول الإقامة أم بعد الانتهاء من الإقامة، أم في أثنائها، فإذا قال المؤذن: (الله أكبر)، يقيم الصلاة فإنه يحرم على الإنسان أن يكبر لنافلة أو غيرها.
وقد استثنى بعض فقهاء الحنفية المتأخرين رحمة الله عليهم رغيبة الفجر، فتجدهم ينفردون يصلون ولو كان الإمام في الأولى، واحتجوا بحديث ضعيف: (إلا رغيبة الفجر)، ولكنه لا يقوى على استثناء هذا النص الصحيح الصريح، وبناءً على ذلك فإن العمل على ما عليه جماهير العلماء من أنه لا يجوز إذا أقيمت الصلاة أن يبتدئ المصلي بصلاة نافلة أياً كانت هذه النافلة.
الحالة الثانية: أن تقام الصلاة وأنت في أثناء الصلاة، فإن غلب على ظنك أنك سوف تتم الصلاة قبل أن يركع الإمام ويمكنك أن تدرك الركعة معه فحينئذ تتم الصلاة على قول جماهير العلماء، خلافاً للظاهرية وأهل الحديث، حيث قالوا: إذا أقيمت الصلاة -حتى ولو غلب على ظنك أنك تدرك الإمام في ركوعه- فإنك تقطع هذه الصلاة، ولو كنت في آخرها؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا صلاة إلا المكتوبة) والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن الله يقول -كما في التنزيل-: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، فنهانا عن إبطال العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن خير أعمالكم الصلاة)، فنهانا الله عن إبطال العمل، والصلاة عمل، فلا نبطلها إلا بوجه بين، فإنه إذا غلب على ظنك أنك مدرك للركعة جمعت بين الأمرين، والقاعدة: (الجمع بين النصين أولى من العمل بأحدهما وترك الآخر).
ثم إننا نقول: إن قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة) هو نص في ابتداء الصلاة، وليس المراد به إلغاء الصلاة التي من قبل، وبناءً على ذلك فإنه يقوى أن يكون المعنى: (فلا صلاة ابتدءاً)، ويؤخذ المعنى منسحباً إلى كل صلاة تؤدي إلى فوات جزء الصلاة ركعة فأكثر.
وقوله: [فلا صلاة إلا المكتوبة].
المكتوبة هي المفروضة؛ لأن الكَتْب يطلق بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] أي: فرض ووجب ولزم عليكم الصيام، فالكتب هو الفرضيّة والوجوب، فمن هنا يكون قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) أي: المفروضة الحاضرة.
وقوله: [فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها]: أي: إن كان في نافلة فإنه يتمها إن وسعه الإتمام دون أن تفوته الركعة، وأما إذا كانت الركعة سوف تفوته فإنه يقطعها ويدخل في الجماعة.
(58/6)
________________________________________
ما تدرك به فضيلة الجماعة
قال رحمه الله تعالى: [ومن كبر قبل سلام إمامه لحق الجماعة].
إذا دخلت إلى المسجد والإمام في التشهد الأخير ففي هذه الحالة تعتبر غير مدرك للركعة؛ لأن من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة، وهناك أمران عند العلماء: أحدهما: حكم الصلاة مع الجماعة.
وثانيهما: فضل الجماعة.
فهناك فرق بين الحكم وبين الفضل، يُقال: أدرك الفضل.
ويقال: أدرك الحكم.
وإدراك الحكم شيء، وإدراك الفضل شيء آخر، فإذا كان الإنسان قد أدرك ركعة فأكثر مع الإمام فقد أدرك الصلاة، فلو أدركت ركعة فأكثر، كأن دخلتَ في صلاة الظهر فأدركت الإمام في الركعة الأخيرة، وكبرت وركعت معه فأنت مدرك للصلاة، وكذلك الحال لو أدركته يوم الجمعة في الركعة الأخيرة، فأنت مدرك للجمعة، وحكمك حكم المجمّع.
الحالة الثانية: إدراك الفضل، وهو على صورتين: الأولى: إدراك الفضل الحقيقي بالدخول مع الجماعة الأولى الذي يتضمن إدراك فضلها وقتاً.
الثانية: إدراك فضلها ثواباً، ولكن دون ثواب من أدركها كاملة، وهناك إدراك فضلها بمطلق الخروج.
فأما إدراك فضلها الذي يكون دون إدراك الحكم فكما لو أدركته قبل التسليم وقلت: (الله أكبر)، فانتهيت من تكبيرة الإحرام قبل أن يسلم فقد أدركت فضل الجماعة، وبناءً على ذلك قال بعض العلماء: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة) محمول في رواية السبع والعشرين على من أدركها من أولها، وأجر الخمس والعشرين لمن أدرك آخر أجزائها، فيكون أقل ما يدركه الإنسان في فضل صلاة الجماعة الخمس والعشرين جزءاً، وإذا أدركها من ابتدائها فيدرك سبعاً وعشرين درجة، ويتردد بين الفضيلتين، فهذا بالنسبة لإدراك الفضيلة.
وتوضيح هذين الأمرين يتضح بصلاة الجمعة، فلو أن إنساناً أدرك الإمام في يوم الجمعة في الركعة الأخيرة فقد أدرك الجمعة، ويتم ركعة واحدة، لكنه لو أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع ولم يدرك الركعة الأخيرة نقول: أدرك فضيلة الجمعة ويتمها ظهراً؛ لأنه لم يدرك الحكم، فهناك فرق بين حكم الجمعة وبين فضلها، وبين حكم الجماعة وبين فضلها.
وبناءً على هذا فمن أدرك الإمام قبل تسليمه ولو بلحظة فكبر فإنه مدرك للفضيلة، وبناء على ذلك لو دخلت ولو قبل تسليم الإمام بلحظة فإن الجماعة الأولى التي تدركها أفضل من الجماعة الثانية التي ستصلي معها، خلافاً لمن اختار من بعض الأئمة أنه ينتظر ويقيم جماعة ثانية، وهذا فيه إشكال من وجوه أشهرها وجهان: الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (فما أدركتم فصلوا)، وهذا عموم؛ حيث لم يفرق بين إدراك الحكم وإدراك الفضيلة، وهذا نص لا يحتاج إلى اجتهاد، ولم يقل: إلا أن يكون قبل السلام بلحظة فجمعوا، وإنما قال: (فما أدركتم فصلوا).
الوجه الثاني: أنك لو دخلت مع الجماعة الأولى أدركت فضيلة الجماعة الأولى في الوقت، ولكن لو تأخرت وأحدثت جماعة ثانية فقد فاتك من الفضائل ما الله به عليم؛ لأنه ربما تكون اللحظة بين أول وقت الصلاة وبين التي تليها كما بين السماء والأرض.
وفي الحديث: (إن العبد ليصلي الصلاة وما يصليها في وقتها -أي: الكامل- ولما فاته من وقتها خير من الدنيا وما فيها)، فربما أن الجماعة الأولى ستأخذ الركعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة فيها أجزاءً من الوقت، وقد تطول الصلاة، فعندما تدخل مع الإمام قبل تسليمه ولو بلحظة فقد أدركت فضيلة الوقت، وكان لك حكم الجماعة الأولى التي أدركت من فضل الوقت ما لم تدركه الجماعة الثانية.
ومن هنا ترجح قول الجماهير أنه يدخل مع الجماعة الأولى، ولكن استحب بعض العلماء أنه لو دخل بجواره من يفقه ويعلم أن يقول له إذا دخل بعد الركعة الأخيرة: إذا سلم الإمام فائتم بي.
فإذا سلم الإمام فإنه يقتدي هذا المتأخر بالمتأخر، ولو كانا اثنين دفعهما وراءه ثم صلى بهما، أما لو أدرك ركعة فأكثر فلا يحدث جماعة ثانية، فيكون مدركاً لفضيلة الجماعة الثانية ومدركاً لفضيلة الجماعة الأولى، وهذا أنسب الوجوه وأحبها عند طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم.
قال رحمه الله تعالى: [وإن لحقه راكعاً دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة].
الضمير في [وإن لحقه] راجع إلى الإمام، فإن لحق الإمام راكعاً أدركه، أي: إذا كبر تكبيرة الإحرام فإنه يعتبر مدركاً لتلك الركعة ما لم يرفع الإمام رأسه، وبناء على ذلك فإن أصح أقوال العلماء -وهو مذهب الجمهور- أن من أدرك الإمام راكعاً وركع معه فإنه يعتبر مدركاً للركعة وتسقط عنه الفاتحة.
وهناك حديث في ذلك صحيح قوي، وهو حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أنه انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ)، فروي بلفظ: (ولا تَعْدُو)، ولفظ: (ولا تُعِد)، وأصحها: (ولا تَعُد) أي: لا تعد إلى التأخر عن الجماعة حتى تضطر إلى هذا الفعل.
وقيل: (لا تَعُد) بتكبير دون الصف والمشي؛ لأنه حركة في أثناء الصلاة، وأما رواية: (لا تعْدُ) فلأن المساجد القديمة المفروشة بالحصى إذا أسرع الإنسان فيها شوش بصوت الحصى، وهذا موجود إلى الآن، فقال: (لا تعدُ)؛ لأن الصلاة تحتاج إلى سكينة.
وأما رواية: (ولا تُعِد) أي: لا تعد الركعة فقد أجزأتك، والروايتان الأخيرتان أضعف من الرواية الأولى، وهي: (ولا تَعُد)، أي: لا تعد إلى هذا التأخير الموجب لفوات الفضل عليك.
و (راكعاً) في قوله: [وإن لحقه راكعاً] حال، أي: حال كونه راكعاً، وبناءً على ذلك فأنت حينما تدرك الإمام راكعاً فأنت على أحوال: الحالة الأولى: أن تنتهي من التكبير والانحناء قبل أن يُسمّع الإمام ويرفع رأسه؛ لأن هنا شيئين: شيئاً يصدر منك وهو التكبير، وشيئاً يصدر من الإمام وهو التسميع والرفع من الركوع.
فعندنا أمران لا بد من بيانهما لتفصيل أحكام الإدراك، فالذي يفعله المكلف التكبير والانحناء لكي يدرك الركوع، والذي يفعله الإمام التسميع والرفع من الركوع، فالذي يدرك الإمام راكعاً إما أن يقول التكبير ويفعل الانحناء، بمعنى أن يركع قبل أن يتلفظ الإمام ويرفع رأسه، وبناءً على ذلك تكون قد أدركت القول والفعل قبل أن يكون من الإمام القول والفعل، فحينئذٍ لا إشكال أنك مدرك للركوع عند من يقول: إن إدراك الركوع يوجب إدراك الركعة.
الحالة الثانية: أن تدرك القول ولا تدرك الفعل قبل رفعه، بأن تقول: (الله أكبر)، ثم يقول الإمام: (سمع الله لمن حمده) قبل أن تحني رأسك، أو قبل أن تركع، ففي هذه الحالة إذا انتهيت من راء (أكبر) قبل أن يبتدئ الإمام بالسين من (سمع الله لمن حمده) فأنت مدرك للركعة؛ لأنك بتكبيرك قد دخلت، وتسقط عنك التكبيرة الثانية؛ لأنها داخلة في الأولى، وبناء على ذلك يجزئ المكلف في قول الجماهير تكبيره واحدة لإدراك الركعة، كما اختاره المصنف ودرج عليه.
وبناءً على هذا فالعبرة بانتهائك من قولك: (الله أكبر)، فإن ابتدأ الإمام بالسين من (سمع) أثناء تكبيرك، أو قبل ابتدائك التكبير فتبقى واقفاً؛ لأنك لم تدرك الركوع، وقد أدركت الرفع من الركع، فتبقى واقفاً لم تدرك الركعة ويلزمك قضاءها.
الحالة الثانية: أن تبتدئ بالتكبير وترى الإمام أمامك رافع الرأس قبل أن يسمع كما يفعل بعض الأئمة، فيسبق الفعل القول، فأنت تراه أمامك قد رفع رأسه، فإذا رفع قلت: (الله أكبر)، قبل أن تسمع منه الصوت فحينئذ أنت مدرك ولا عبرة بالفعل؛ لأن العبرة بالانتقال الذي هو التسميع، قال صلى الله عليه وسلم: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجود، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة)، وأمر عليه الصلاة والسلام من أدرك الإمام على حالة أن يدخل معه عليها، وقوله: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجود، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة) نص في أن إدراك الركوع يوجب ثبوت إدراك الركعة، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فإنه عموم مخصص بالنصوص السابقة، كحديث أبي بكرة الصحيح، وحديث: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجود، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة)، ثم إننا نقول: إن إيجاب قراءة الفاتحة محله إذا وسع الوقت لقراءتها، وهذا لم يسع الوقت له بالقراءة، وبناء على ذلك لا يجب عليه أن يقرأ الفاتحة ولا يلزمه ذلك، وتسقط عنه، والركعة مجزئة.
(58/7)
________________________________________
الأسئلة
(58/8)
________________________________________
كيفية قطع النافلة إذا أقيمت الصلاة

السؤال
إذا شرع المصلي في نافلة، ثم أقام المؤذن للصلاة، فكيف يكون القطع لصلاة النافلة؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمن دخل في صلاة ثم أقيمت الصلاة وأراد أن يقطع فمذهب جمهور العلماء أن قطعها يكون بالتسليم، وذلك لحديث علي الصحيح في الصلاة قال (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، فلم يفرق بين التحليل الذي يكون أثناء الصلاة أو بعد الصلاة، والقاعدة أن النص العام يبقى على عمومه.
وذهب الحنفية رحمة الله عليهم وأهل الرأي إلى أنه ما دام سيقطع الصلاة فلا يحتاج إلى تسليم، فقالوا: لو التفت أي التفات، أو فعل أي فعل فإنه يخرج به عن الصلاة ويجزئه ذلك.
وقال بعضهم: لو نوى الخروج بقلبه أجزأه.
وكلا القولين ضعيف للآتي: أولاً: أنه اجتهاد في مقابل النص؛ فإن النص: (وتحليلها التسليم) عام، والأصل في العام أن يبقى على عمومه.
ووجه هذا العموم أنه قال: (تحريمها) بمعنى أنه دخل في الحرمات بالتكبير، فدل على أنه أثناء الصلاة في حرمة، ولا يخرج إلا بما يخرج من الحرمة وهو التحليل، فقال: (وتحليلها التسليم)، وبناء على ذلك يبقى هذا العام على عمومه، كما هو مذهب الجمهور.
أما قولهم: إنه يخرج بنيته فهذا محل نظر؛ لأن الشريعة فيها ثلاثة أوجه: الأول: ما انحصر فيه الحكم في الباطن.
الثاني: ما انحصر فيه الحكم في الظاهر.
الثالث: ما اجتمع فيه الحكم بينهما، أي: بين الظاهر والباطن.
فهناك أمور تجزئ فيها النية -الباطن- ولا يحتاج إلى ظاهر، وهناك أمور يجزئ فيها الظاهر ولا يحتاج فيها إلى نية، وهناك أمور يجمع فيها بين الأمرين.
فما كان فيه حكم للظاهر فإنه لا يقتصر فيه على الباطن، وما كان الحكم فيه للباطن لا يقتصر فيه على الظاهر؛ لأن الشريعة أعطت كل شيء حقه وحظه، فلما كانت الصلاة أفعالاً قائمة على الظاهر والدخول فيها راجع إلى النية فإنه كما أنه لا يصح أن يصلي بنية خالية عن الفعل كذلك لا يصح أن يبطل الصلاة بنية خالية عن الفعل، ولذلك فإن الخروج من الصلاة في حكم الشرع وفعل الشرع إنما يكون بالفعل مع النية المصاحبة، فلو سلم ساهياً لم يجزه السلام وعليه أن يعيد السلام؛ لأن الشرع اعتبر الظاهر مع الباطن، فكذلك هنا، وهذا إذا جئنا إلى العقل والرأي.
أما إذا جئنا إلى النص الذي ينبغي أن يحتكم إليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (وتحليلها التسليم)، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس: من كبر في صلاة فقد دخل في حرمات الصلاة.
ولذلك سميت التكبيرة بتكبيرة الإحرام، فمن دخل في حرمات الصلاة لا يخرج إلا بتحليل، ولذلك قال: (تحليلها التسليم)، وقال: (تحريمها التكبير)، فكل من كبر فقد أحرم، ومن أحرم لا بد وأن يخرج بحل وإذن من الشرع.
فالذي يظهر أنه لا بد وأن يسلم، ويجزئه أن يسلم تسليمة واحدة عن يمينه يقول: (السلام عليكم)، فيكون قد خرج من صلاته، ويدخل في الفريضة بعد ذلك.
والله تعالى أعلم.
(58/9)
________________________________________
قراءة الفاتحة لمن يخشى فوات الركعة

السؤال
إذا دخلت مع إمام في سرية، وبعد شروعي في قراءة الفاتحة ركع الإمام، وإذا علمت أني لو أكملت قراءة الفاتحة فلن أدرك الركعة مع الإمام فماذا أفعل؟

الجواب
من أدرك الإمام قبل أن يركع فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تدرك قدراً يمكنك معه قراءة الفاتحة فحينئذ يجب عليك قراءة الفاتحة، وتتم الفاتحة ثم تركع، وتدرك الإمام.
الحالة الثانية: أن تكون غير مدرك للقدر الذي يمكن معه قراءة الفاتحة، فعند تكبير الإمام لو قرأت آية أو آيتين، وغلب على ظنك أنك لو أتممت الفاتحة أن الإمام سيرفع فإنك تقطع الفاتحة وتركع؛ لأن الذي وجب عليك قراءة الآيتين اللتين أدركت وقتهما، وما بعدهما ليس بواجب عليك؛ لأن الوقت الذي أدركته ليس كافياً لوجوب الفاتحة عليك، فكأنك أدركت الإمام راكعاً فتسقط عنك قراءة الفاتحة، وتعتبر قراءة ما قرأته حداً مجزئاً أو كافياً في براءة الذمة، والله تعالى أعلم.
أما لو أدرك قدراً يمكن معه قراءة الفاتحة وتساهل أو تشاغل، ثم ركع الإمام وغلب على ظنه أنه سوف يرفع فترك الفاتحة وركع مع الإمام فإنه يلزمه قضاء هذه الركعة؛ لأنه فرط، والمفرط ملزم بسبب تفريطه، والله تعالى أعلم.
(58/10)
________________________________________
الائتمام بالمسبوق بعد ما يفارق الإمام

السؤال
من أدرك الإمام قبيل السلام فهل يشترط أن يخبر من بجواره أن يأتم به، أم لا حرج ولو ائتم به دون قصد مسبق؟

الجواب
لا حرج عليه، سواء أطرأ القصد أم كان سابقاً؛ لكن ينبغي أن لا يقف قبل وقوفك، فإن وقف قبل وقوفك فإنه لا يدخل معك؛ لأنه ينتقل من الإفراد إلى الائتمام، لكن لو أنك أخبرته قبل أن تدخل مع الإمام فقلت: إذا سلم الإمام فائتم بي فهذا هو الذي ينبغي، وهو الأفضل والأحرى، وخاصة لكثرة جهل الناس بمثل هذا، فتخبره قبل أن يسلم الإمام حتى يكون على بينة، ثم تنال فضل الجماعتين على الصورة التي ذكرناها.
والله تعالى اعلم.
(58/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجماعة [3]
أحكام صلاة الجماعة كثيرة ومتنوعة، ينبغي على المسلم أن يعلمها ويلم بها، ومنها: حكم القراءة للمأموم، سواء في الجهرية أم في السرية، وحكم متابعة المأموم لإمامه، ومشروعية التخفيف في صلاة الجماعة، وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية، ومنها: حكم خروج المرأة إلى المسجد وغيرها من المسائل.
(59/1)
________________________________________
تابع أحكام صلاة الجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ولا قراءة على مأموم].
هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم: - فمن أهل العلم من يرى وجوب قراءة الفاتحة على المصلي، سواءٌ أكان منفرداً أم كان في جماعة، وذلك لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)، والقاعدة في الأصول أن (أي) من ألفاظ العموم؛ حيث لم يفرق بين المأموم والمنفرد.
وذهبت طائفة من العلماء إلى سقوط الفاتحة وراء الإمام مطلقاً في السرية والجهرية.
وذهبت طائفة ثالثة إلى وجوبها في السرية على المأموم دون الجهرية؛ فإن الإمام يحملها عنه في الجهرية، كما درج على ذلك المصنف رحمه الله، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليه.
أما الذين قالوا بسقوطها عن المأموم وراء الإمام فيحتجون بحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، كما هو مذهب الحنفية ومن وافقهم، ويحتجون أيضاً بما رواه أبو داود وأحمد في مسنده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن) قالوا: الضمين: هو الحميل الذي يضمن الشيء ويتحمله، فهو يحمل عن المأموم، وبناءً على ذلك لا تلزم المأموم قراءة الفاتحة، فهذا مذهب من يرى الإسقاط، سواءٌ في جهرية أم سرية.
وهناك من يرى التفصيل فيقول: إن كانت جهرية سقطت القراءة؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204]، وفي السرية يقرأ لحديث: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)، الحديث، وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فعملوا بالنص في السرية، وأما في الجهرية، فقالوا: إنه مأمور بالإنصات، فيلزمه الإنصات ولا يقرأ.
والذي يترجح -والعلم عند الله- القول بوجوبها مطلقاً، سواءٌ أكانت الصلاة سرية أم جهرية، في جماعة أم منفرداً، وذلك لما يلي: أولاً: لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ... ) الحديث، ولم يفرق.
كما أن الصلاة في قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ) نكرة في سياق النفي، والقاعدة أنها تفيد العموم.
ثانياً: النص الصحيح الصريح القوي في هذا، وهو أنه لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه فارتج عليه قال: (لعلكم تقرءون وراء إمامكم؟ قالوا: نعم.
قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، وقد قال بعض العلماء المتأخرين: إن هذا الحديث منسوخ بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، وهذا القول ضعيف من وجوه: الوجه الأول: أن حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ضعيف عند جماهير المحدثين، والضعف فيه من القوة بمكان.
الوجه الثاني: أنه لو قيل بتحسينه فهناك قاعدة في الأصول تقول: (إن النسخ لا يثبت بالاحتمال)؛ لأنا لا ندري أي الحديثين أسبق.
الوجه الثالث: أن متن هذا الحديث وهو: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) لا يقوى على معارضة متن: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)؛ فإن قوله: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) دل على أن هناك قراءتين: قراءة الفاتحة، وقراءة ما بعد الفاتحة التي هي السورة، فقال: (لا تفعلوا -أي: في السورة- إلا بفاتحة الكتاب)، فاستثناها، وفي الحديث الآخر لم يقل: فكل قراءة الإمام له قراءة.
وإنما قال: (فقراءة الإمام له قراءة)، والقراءة إنما تكون لما بعد الفاتحة، وتبقى الفاتحة على الأصل.
وهذا أنسب الوجوه عند جمع من العلماء؛ لأنه يجمع بين النصين، ولذلك يقولون: لا يقوى التخصيص ولا المعارضة إلا إذا استويا دلالة وثبوتاً، فحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) أضعف ثبوتاً؛ لأن غاية ما قيل فيه: إنه حسن لغيره، وحديث (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) وحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وكذلك حديث: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) أقوى صحة من هذا الحديث، فهذا من جهة السند.
أما من جهة المتن فعمومات صريحة، حتى إن بعض العلماء يرى أن النص العام قطعي الدلالة على أفراده ثم إن القاعدة في الأصول أن صورة السبب قطيعة الدخول في الحكم.
وصورة السبب وردت في صلاة الفجر وهي جهرية، وبناءً على ذلك تعتبر الصلاة الجهرية قطعية الدخول في هذا الحكم: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، وحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) متردد، فلا ندري أقراءة الفاتحة هي المرادة به أم قراءة ما بعد الفاتحة، فهو لا يقوى على المعارضة.
وبناءً على ذلك فالذي تطمئن إليه النفس القراءة، ولذلك فقد روى البيهقي بسند صحيح في كتابه النفيس: (القراءة وراء الإمام) أن أبا هريرة سئل: متى أقرأ إذا عجل الإمام؟ قال: اقرأها في سكتات الإمام قال: فإن عجزت؟ قال: اقرأها وقول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204] عموم تستثنيى منه الصلاة؛ لأن القرآن إذا قرئ فالاستماع له واجب، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) يدل على الوجوب واللزوم ويدل على أنه ركن من أركان الصلاة، كما هو قول من يقول باعتبار الفاتحة، فوجوب الفاتحة آكد من وجوب الاستماع.
وثانياً: أن الاستماع منفصل ووجوب الفاتحة متصل، والقاعدة أن الواجبات أو الفروض إذا تعارضت ينظر إلى جهاتها، فيقدم باختلاف الجهات، فلما كانت عين الفاتحة على المأموم متصلة به، والاستماع إلى غيره منفصل عنه قدم المتصل بوجوبها على المنفصل، ولذلك ترجح القول بالوجوب على العموم.
(59/2)
________________________________________
حكم قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام
(59/3)
________________________________________
استحباب قراءة الفاتحة للمأموم أثناء سكوت الإمام أو إسراره
قال رحمه الله: [وتستحب في إسرار إمامه وسكوته وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش]؛ لأنهم لا يرون وجوبها.
قوله: [في إسراره] أي: في الصلاة السرية.
وقوله: [وسكوته] أي: في حال سكتات الإمام، فإذا أراد أن يقرأ الفاتحة فلا يقرأها في الصلاة الجهرية على مذهب من يرى أنها لا تقرأ في الصلاة الجهرية.
وقوله: [وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش].
كأن هذا المذهب قائم على كونه يسمع قراءة الإمام، ولذلك يعتبر الاستشهاد بالآية أضعف من الاستشهاد بالحديث الذي هو نص في موضع النزاع، فقالوا: لما كان وجوب أو إسقاط الفاتحة مبنياً على سماع قراءة الإمام فإنه لو كان بعيداً لن يسمع؛ لأنه في القديم لم تكن هناك وسائل تعين على نقل الصوت مثل الأجهزة الموجودة الآن، فكان الصف قد يصل إلى مائتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة أحياناً فلا يسمع الصوت، ولذلك اختلفوا فيما لو أن إنساناً أراد أن يصلي الفجر والصف طويل وليس هناك مكبر صوت، فإذا اقترب من الإمام يسمع القراءة سيكون في الصف الثاني أو الثالث، فهل الأفضل أن يكون في الصف الأول مع عدم سماع القراءة، أم يكون قريباً من الإمام مع تخلفه في الصف؟ فهذا مسألة خلافية في صلاة الفجر، فبعضهم يرى أن استماعه للقرآن وتأثره به لفضل القراءة في صلاة الفجر أفضل؛ لقوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] فيستثنون صلاة الفجر.
وبناءً على ذلك قالوا: إذا كان بعيداً لا يسمع الإمام لا لطرش -والأطرش: هو ثقيل السمع- فمثل هذا يبقى على الأصل، أما من لا يسمع لبعد فيستحب له القراءة.
(59/4)
________________________________________
دعاء الاستفتاح
قال رحمه الله: [ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه].
قوله: [ويستفتح] أي: يقرأ دعاء الاستفتاح.
وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، قالوا: فيسن أن يقرأ دعاء الاستفتاح ولذلك لما سأل أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعاء الاستفتاح علمه، ولم ينكر عليه ذلك، ولم يقل: هذا خاص بي.
وهنا مسألة مهمة، وهي أنه: إذا قلنا بمشروعية الاستفتاح وراء الإمام فلو جئت في صلاة الظهر أو العصر، أو أي صلاة والإمام قبل الركوع بقليل، بحيث يغلب على ظنك أنك لو قرأت الاستفتاح لم تستطع قراءة الفاتحة فحينئذٍ تترك الاستفتاح، وبمجرد تكبيرك تبدأ بقراءة الفاتحة؛ لأننا عهدنا من الشرع تقديم الواجب على ما هو دونه، كما في الحديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فعلمنا أن الشرع يقدم الأهم على المهم، وبناءً على ذلك فإنه يقدم قراءة الفاتحة ويشتغل بها، قال بعض العلماء: لو كبر وقرأ الاستفتاح وركع الإمام ولم يقرأ الفاتحة ولم يتمكن منها لم تجزه الركعة، وعليه قضاؤها؛ لأنه حينما أدرك القدر الذي تقرأ فيه الفاتحة فوجبت عليه قراءتها، وهذا إذا أدرك وقتاً يغلب على ظنه أنه لو قرأ الاستفتاح وراء الإمام فاتته الركعة، فتسقط عنه من هذا الوجه.
فإذا كان الأصل في إسقاط القراءة عن المأموم الاستماع في الجهريات أو غير الجهريات بناءً على أن الإمام يتحمل قالوا: يبقى دعاء الاستفتاح على ما هو عليه، ويبقى التعوذ، فيستفتح ويستعيذ بالله عز وجل من الشيطان، ثم يبقى ساكتاً منصتاً لقراءة الإمام إذا كان يقرأ، أو ينتظر تكبير الإمام، وإذا قرأ على الاستحباب فلا حرج عليه، لا على الحتم والإيجاب.
(59/5)
________________________________________
سبق الإمام بالركوع أو السجود
قال رحمه الله: [ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرجع ليأتي به بعده].
ذلك لأن الله عز وجل أوجب على المأموم متابعة الإمام، ويحرم على المأموم أن يسابق إمامه، ويكره له أن يوافقه، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ... ) الحديث.
أي: إنما شرع الله الإمام من أجل أن يؤتم به، فقوله: (ليؤتم به) بمثابة التعليل، كقوله: (إنما فعلت هذا لتأتموا بي)، فاللام تعليلية، أي: إنما شرع الله الإمامة في الصلاة لكي يكون الإمام بمثابة القدوة لمن بعده، فيوقع فعله بعد فعله، ولا يوقعه قبله.
وقال أئمة اللغة: الإمام: مأخوذ من الأمام والأمام هو الخط الذي يخط في أول الباب عند البناء؛ لأنه يعول عليه ويبنى عليه، فصلاة المأموم لما كانت واقعة وراء الإمام كأنها بنيت على صلاة إمامه، ولذلك لا يجوز للمأموم أن يسبق الإمام، فإن سبقه أعاد.
قال رحمه الله: [فإن لم يفعل عمداً بطلت].
أي: إن سبقه في ركن فركع قبله، ولم يرجع لكي يتابع الإمام ويكبر ويركع بعده بطلت صلاته، وحينئذٍ يلزمه أن يستأنف الصلاة، لكن لو أنه ركع قبل الإمام ولم يشعر، إما لغلبة هم أو حزن عليه، أو فرح، أو انشغال ذهن، فلم يشعر إلا وقد كبر وركع، فلم يفاجأ إلا والإمام قال: (الله أكبر) وركع، فقالوا في هذه الحالة يرجع ويكبر وراء الإمام ويدركه في الركوع، وهكذا الحال لو شعر قبل أن يكبر الإمام.
فإنه يرجع مباشرة إلى حالته مع الإمام، ولا يبقى على حالة السبق والتقدم؛ لأن ذلك مما نهى الله عز وجل عنه.
ومن الأدلة التي تدل على عظم هذا الأمر قوله عليه الصلاة والسلام: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار)، والقاعدة في الأصول أنه إذا ورد الوعيد بعقوبة دينية أو دنيوية أو أخروية فإن هذا مشعر بالإثم وبكون الفعل ذنباً وهذا من دلائل المنهيات وأنها تدل على التحريم، ويعتبر العلماء رحمة الله عليهم سبق الأئمة بالأركان كبيرة من الكبائر؛ لورود الوعيد على من سبق الإمام، واختص الرفع من الركوع لكثرة البلوى به؛ لأن الانحناء في الركوع غالباً ما يكون فيه مشقة، فالركوع ليس كالسجود، ولذلك يعجل الناس في مثله لقربهم من الاعتدال، ولخفته عليهم، فخص الركوع بهذا، فلذلك يقولون: لا فرق بين ركن الركوع وغيره من سائر الأركان، فالشرع قصد أن يرتبط المأموم بإمامه، وكونه يورد هذا الوعيد على هذا الفعل يدلنا على أنه كبيرة من كبائر الذنوب، ولذلك عده جمع من الأئمة والعلماء -منهم صاحب الزواجر- أنه من كبائر الذنوب وهذا بناءً على ثبوت ضابط الكبيرة فيه.
قال رحمه الله: [وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عمداً بطلت].
أي: بطلت صلاته، سواءٌ أتم الركعة ورفع قبله أم ركع عامداً ولم يرفع أو ينتظره حتى رفع، فكل ذلك يوجب بطلان صلاته بالعمد.
قال رحمه الله: [وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعة فقط].
يعذر بالجهل -عند من يقول بالعذر بالجهل- أن يكون جاهلاً بالاقتداء، وبعد ذلك رأى الناس يتابعون الإمام فرجع إلى المتابعة، فإنه في هذه الحالة يعذر عند من يقول بعذره، وهذا خاصة في الناس الذين هم حديثوا عهد بإسلام، فمثلاً شخص قيل له: صلِ مع الجماعة وعرف أنه يقرأ ثم يركع ثم يرفع، فجاء وسبق الإمام في الركوع، فرأى أن أصحابه لم يركعوا، فعلم أن الذي فعله خطأ، ثم رجع والتزم مع الإمام، فإن هذا يعتبر عذراً عند طائفة وجمع من أهل العلم رحمة الله عليهم.
وقوله: [أو ناسياً].
أي: أو ناسياً كونه مع الإمام، فيظن أنه لوحده، وهذا يحصل مع غلبة الفرح، أو غلبة الترح، أو الحزن، أو يكون منصرف الذهن -نسأل الله السلامة والعافية- فيسهو عند الانتهاء من القراءة، فلا يفاجأ إلا وهو راكع يظن أنه لوحده، ثم يتذكر أنه مع الإمام، فإنه يرجع ويتابع الإمام على الصورة التي ذكرنا.
قال رحمه الله: [وإن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه بطلت إلا الجاهل والناسي].
ومن فعل هذا يلزمه في هذه الحالة قضاء هذه الركعة بعد سلام الإمام، كأنه لم يدرك الإمام في هذه الركعة، فإن كان قد صلى مع الإمام أربع ركعات -كصلاة الظهر- فإنه يلغي هذه الركعة، ويصبح حاكماً على نفسه بأنه مدرك لثلاث ركعات، كأنه سبق بركعة كاملة؛ لأنه إذا سبق الإمام في الأركان الثلاثة فقد سبقه في أغلب الركعة، فحينئذ تلغى هذه الركعة، ويلزمه قضاؤها كاملة.
قال رحمه الله: [ويصلي تلك الركعة قضاء].
أي: بعد سلام الإمام يقوم ويأتي بهذه الركعة قضاء، والفرق بين قولك: إنه يتمها، وقولك: يقضيها هو أنه إن قلت: يتمها ففي هذه الحالة -إذا كان في الظهر- يأتي بالفاتحة وحدها، لكن إذا قلت: يقضيها وكان في الركعات الأول فإنه يأتي بالفاتحة والسورة؛ لأن القضاء يحكي الأداء، فكأنه لم يفته شيء مع الإمام، ويعتبر كأنه يؤديها حال قضائه على الصورة المعتبرة حال متابعته للإمام.
(59/6)
________________________________________
مشروعية التخفيف بالمصلين
قال رحمه الله: [ويسن لإمام التخفيف مع الإتمام].
من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف، والتخفيف ضد التطويل، والمراد به الرفق بالناس؛ لأن شريعتنا شريعة رحمة ويسر، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)، وقال: (أنا رحمة مهداة)، وفي التنزيل قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وهذا يتضمن أن الشعائر والشرائع التي بعث بها صلوات الله وسلامه عليه فيها رحمة، وليس فيها عنت ولا عذاب، ولذلك ثبت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الأفضل والأكمل والأصل التخفيف من قبل الإمام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)، فهذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على أن السنة والأصل هو التخفيف على الناس؛ لأن التطويل عليهم ينفرهم من الصلاة مع الجماعة، وقد حدث هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم أفضل الأمة، فقد أخبر رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يتأخر عن الصلاة بسبب تطويل إمامهم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فوعظ موعظة -قال الراوي: ما رأيت أشد منه في تلك الموعظة- وقال: (إن منكم منفرين)، وقال لـ معاذ لما اشتكاه الرجل في تطويله لما صلى بالناس البقرة في العشاء قال: (أتريد أن تكون يا معاذ فتاناً)، أي: هل تريد فتنة الناس عن دين الله؟! وصرفهم عن دين الله! فالدين يسر والشريعة شريعة رحمة، فعندما يأتي الإمام ويطول على الناس، وإذا دخل المحراب لا يشعر بالضعيف ولا بكبير السن، ولا يشعر بالسقيم والمريض وذي الحاجة، فهذا يدل على غفلته وعدم فقهه بسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من هديه أنه كان يطيل فما يمل من إطالته، ويخفف فما يخل في تخفيفه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك قال أنس: ما صليت وراء أحد أتمّ ولا أخف صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودخل في صلاة الفجر - وكان يقرأ من الستين إلى المائة آية، كما في الصحيح من حديث أبي برزة وجابر في صلاة الفجر- فلمّا سمع بكاء صبي قرأ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1]، فلما سلم قال: (إني سمعت بكاء صبي فأشفقت على أمه)، وهكذا الحال إذا صلى الإمام بالناس ورأى أن الوقت وقت إزعاج، وأنهم في حالة من التعب والإعياء فليخفف عنهم، كأن يكونوا في سفر، ونزلوا بعد عناء السفر، فيجب على الإمام أن يخفف ويقرأ قراءة محببة إلى النفوس، وتكون إمامته بهم تدل على رحمته وشفقته، فهذا من خيرية الإمامة، ولذلك يرزق أمثال هؤلاء القبول وحب الناس والدعاء بظهر الغيب، وترى الناس يقبلون على مواعظهم، ويتأثرون بهم؛ لأنهم يحسون أنهم يريدون الخير ويتلمسون أحوال الناس، بل والغريب أن الإنسان إذا تعود التخفيف على الناس بدون أن يكون تخفيفاً زائداً عن الحد، ثم أطال في بعض صلواته لتطبيق السنن في التطويل في بعض المناسبات فلن تجد أحداً يكرهه؛ لأنه يعلم أنه يحب الرحمة والتيسير، وأنه إنما فعل هذا على سبيل التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيحب السنة، لكن إذا ألف التطويل على الناس ولو جاء بسنة نفروا منه، وتجدهم لا يحبون ذلك منه، وأشد ما يكون هذا في الخطب؛ فإن الخطب إذا كانت طويلة جداً ومزعجة فإن الناس لا تتيسر لهم الاستفادة، وربما ينفرون، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر الخطبة، ولو جئت إلى بعض خطبه المأثورة عنه عليه الصلاة والسلام تجده لم يتجاوز الصفحة، ولو تتبعت المرويات في خطبة حجة الوداع التي بين فيها شرائع الإسلام وشعائره فإنها لا تتجاوز صفحة ونصف صفحة، وهكذا الأئمة وغيرهم كانوا على هذا الحال، فخير الكلام ما قل ودل، وكان آخذاً بمجامع قلوب الناس موجباً لحبهم لهذا العلم الذي يكون في الخطب والمواعظ، نسأل الله العظيم أن يرزقنا الائتساء والاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: [مع الإتمام]؛ لأن التخفيف على حالتين: الحالة الأولى: التخفيف مع التقصير.
الحالة الثانية: التخفيف مع الإتمام، كأن يقرأ فيهز بقراءته القلوب، فيعطي الحروف حقها من صفة لها ومستحقها، ويعرب كتاب الله ويفصله ويبينه، فيقرأ السور المناسبة، ثم إذا ركع سبح ثلاث تسبيحات تدل على طمأنينته، كذلك إذا رفع من الركوع قرأ هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأذكار وحافظ عليها، وما تقوم به الأركان، فهذا كله من الكمال، فيخفف مع التمام والكمال؛ لحديث أنس: (ما صليت وراء أحد أتم ولا أخف صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم).
(59/7)
________________________________________
تطويل الركعة الأولى على الثانية
قال رحمه الله: [وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية].
من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف، وقال بعضهم: الأصل التطويل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالأعراف في صلاة المغرب، كما كان يقرأ المرسلات والطور صلوات الله وسلامه عليه.
ولكن هذا محل نظر؛ فإن المفردات لا تدل على العموم، ولذلك ولو سُلِم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا فإن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قراءة مرتلة لا يشعر الناس معها بالملل ولا بالسآمة، وكان عليه الصلاة والسلام لا يُمَلُّ في إطالته، ولو سلم هذا فإن له خصوصيات عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما صلى معه الصحابي في الركعة الواحدة في قيام الليل قرأ البقرة والنساء والمائدة في ركعة واحدة، وهذا إنما يكون بقوة نفسه عليه الصلاة والسلام، أما كون الإنسان يأتي يريد أن يقرأ سورة الأعراف، ويحاول أن يتكلف في أحكام التجويد، أو يقرأ -مثلاً- سورة المرسلات ويتكلف فيها، أو يقرأ فجر يوم الجمعة سورة السجدة والإنسان بالتجويد، ويحاول أن يتكلف ويتقعر ويترنم ويشق على العجزة وعلى المسلمين وكبار السن فهذا ليس من السنة، إنما السنة أن القراءة إذا كانت لجزء طويل فيرتل، والدليل على هذا واضح؛ إذ القراءة على مراتب معروفة، وهي التجويد والتدوير والترتيل والحدر، كما قال الناظم: إن القراءة على مراتب أربع قد فصلت للراغب ترتيلنا والحدر والتدوير كذلك التجويد يا فصيح فلو جاء يجود سورة الأعراف وقت المغرب فيخرج الوقت وما انتهى من الأعراف، ولذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم مناسبات في القراءة، فمن كانت عنده قدرة على القراءة بحيث يقرأ للناس في فجر يوم الجمعة ويرتل وتكون قراءته بالحدر الذي يعطي به أيضاً للقرآن حقه من التأثر بالآيات فهذا شيء طيب، ولذلك تجد الناس يرتاحون إذا قرأ الإمام بالحدر وأعطى الآيات حقها من التأثر، هذا من أفضل ما يكون؛ لأنه لا يشق على الناس، ويطبق السنة، ويتأثر بكتاب الله، أما لو جاء يتكلف بالإتيان بأحكام التجويد، ويحاول أن يتقعر في الآيات ويبالغ فيها فهذا يشق على الناس كثيراً، ولذلك ينبغي أن نطبق السنة من جميع وجوهها، فعندنا سنة قراءة السجدة والإنسان في الجمعة -مثلاً- أو قراءة الأعراف في المغرب لكن عندنا قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف)، وهذا أمر والأمر للوجوب، ويدل على اللزوم، خاصة وأن هناك مفاسد، فلذلك ينبغي الالتزام بمثل هذه السنة، فيفعل هذه السنن دون أن يؤدي إلى إحراج الناس أو الإضرار بهم.
ومن السنة -ونبه عليه المصنف- تطويل الركعة الأولى وتقصير التي بعدها، فهذا من السنة، والتطويل للأولى والتقصير في الثانية من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن ينبغي أن ينبه على أمر، فإن العبرة بالآيات لا بعدد الآيات، فقد تكون السورة آياتها قليلة ولكن قراءتها تأخذ وقتاً، ولربما تكون السورة كثيرة الآيات ولكنها سهلة تقرأ بسرعة، ويمكن للإنسان أن يقرأها في وقت أقل من التي هي أطول منها، فإذا نظرت إلى سورة الأعلى مع الغاشية فإنك تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما، فإنك إذا نظرت إلى سبح تجد في آياتها ما يحتاج إلى التأخر، ولكن الغاشية تجد فيها سهولة في الانسياب في الآيات، وهذا يختلف باختلاف الحروف ومخارجها كما هو معروف، وكذلك تجد -مثلاً- سورة الليل إذا قرنتها بسورة الشمس، وقد تجد سورة أقل في الآيات ولكنها تحتاج إلى معالجة مثل العاديات، بحيث يطول وقتها أكثر، فقال العلماء: العبرة بالوقت والقدرة على الأداء، وليست العبرة بالقدر، فإن كان في قراءة الأولى مسترسلاً بحيث يستطيع أن يقرأ القدر الأكثر فحينئذ يؤخر، وإذا كانت الثانية أقل فإنه يجعل القليل للثانية والكثير للأولى.
ويجوز له أن يجمع في الوقت بين الأولى والثانية، فلو جعل وقت الأولى والثانية متناسباً فإنه لا حرج عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1] في الركعة الأولى، وقرأ في الركعة الثانية: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1]، فأخذ العلماء منه دليلاً على مسألتين: المسألة الأولى: جواز تكرار السورة في الركعتين.
المسألة الثانية: جواز العدل بين الركعتين، بحيث تكون الأولى والثانية بقدر واحد، وبناء على ذلك قالوا: لو كانت السورة ثلاثين آية فإنه يقرأ في الركعة الأولى خمس عشرة آية، وفي الركعة الثانية خمس عشرة آية.
فبناءً على ذلك يكون قد عدل بين الركعتين، ولو جعل للركعة الأولى عشرين آية وللثانية عشر آيات فحسن، ولا حرج عليه، والأمر واسع في هذا كله.
ومن السنة أيضاً أن يطيل الأوليين ويخفف الأخريين؛ فإن سعداً رضي الله عنه وأرضاه الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ارم فداك أبي وأمي)، وكان من المبشرين بالجنة، اشتكاه أهل الكوفة إلى عمر، حتى قالوا: إنه لا يحسن كيف يصلي وهذا يدل على أن الإنسان لا يسلم من الناس، فلما جيء إلى عمر وبلغت الشكوى، أمر محمد بن مسلمة أن يأتي به إلى المدينة، فجاء إلى المدينة، فقال له: لقد قالوا: إنك لا تحسن أن تصلي.
قال: والله ما كنت آلوا أن أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أطيل في الأوليين، وأركض في الأخريين.
فدل على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم تطويل الركعتين الأوليين وتخفيف الركعتين الأخريين.
قالوا: لأنه كان يقرأ فيهما بالفاتحة وحدها، كما في حديث ابن عباس، وكان أحياناً ربما قرأ بالفاتحة وسورتي: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، كما كان يفعل ذلك في صلاة الظهر، وثبت وصح عنه ذلك.
قال رحمه الله: [ويستحب انتظار داخل ما لم يشق على مأموم].
هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فإذا كنت راكعاً وأنت إمام فسمعت الداخل فهل تنتظر هؤلاء الداخلين أو لا تنتظر؟ فللعلماء أقوال في هذه المسألة أشهرها قولان: القول الأول: ينتظر؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى واستدلوا بالعمومات التي فيها الرفق والتيسير، وقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم من ولي من أمور المسلمين شيئاً فرفق بهم فارفق به).
قالوا: فهذا من الرفق.
القول الثاني: لا ينتظر؛ لأنه أطال الصلاة من أجل الداخل لا لله جل وعلا.
وبناء على ذلك قالوا: لا يشرع هذا.
ولأنه يفتح باب المحاباة، ويعين على التكاسل عن الصلاة.
إلى غير ما ذكروا من العلل.
والذي يظهر أنه لا حرج أن يطيل قليلاً إذا رأى أكثر الناس يأتون، فيزيد في القراءة لا في الركوع؛ لأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صلاة الظهر- أنه: (كان يصلي حتى لا يسمع قرع النعال)، فدل على أنه كان يراعي حال الناس، فيكون التطويل في القراءة، فإذا ركع بعد تطويله في القراءة فالأفضل إذا كان لا يوجد مشقة على الناس وأحب أن ينتظر ولا حرج، وإن وجدت مشقة فإنه لا ينتظر.
(59/8)
________________________________________
حكم خروج المرأة إلى المسجد
قال رحمه الله: [وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كُرِهَ منعها، وبيتها خير لها].
الاستئذان استفعال من الإذن، والإذن: هو السماح بالشيء، يقال: أذن له إذا أحل له الشيء وسمح له به، واستأذنت، أي: طلبت الإذن.
فالحل للمرأة أن يسمح لها زوجها بالخروج، وهذا فيه دليل وهو حديث ابن عمر في الصحيح: (إذا استأذنت أحدكم امرأته المسجد فلا يمنعها)، وقال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وفيه دليل على مسائل: المسألة الأولى: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها؛ لأنها إذا كانت وهي خارجة إلى الصلاة تستأذن فمن باب أولى إذا خرجت لأمور الدنيا، وهذا أمر يقصر فيه كثير من النساء، فلا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها، وينبغي على المرأة أن تسمع وتطيع، فلو قال لها زوجها: لا تخرجي فلا تخرج، ولا تراجع ولا تحاول؛ لأن الزوج ربما كانت عنده أعذارٌ، لا يستطيع أن يبينها، كما قال الإمام مالك رحمه الله: ليس كل الناس يستطيع أن يبين عذره.
وقد تكون عنده حمية أو يريد لها الخير، كما قالت فاطمة رضي الله عنه: خير للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال.
المسألة الثانية: من سماحة الشرع أنه جعل الأمر للزوج، ولكن قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فإذا قالت له: أريد أن أصلي، أو أريد أن أشهد التراويح أو التهجد فإنه يعينها على الخير، وينبغي للزوج أن يكون حكيماً؛ لأن الشيطان ربما دخل عليها وقال لها: هذا يمنعك من الخير، فيزين لها أن زوجها أحد رجلين: الأول: أنه إنسان يشك فيها والعياذ بالله؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، يقول العلماء: إنه يدخل الشك والوساوس على المرأة والمرأة ضعيفه، فإذا منعها من الخير قالت: الصلاة لا أحد يمنع منها، فليس هناك سبب إلا الشك فيدخلها الشيطان من هذا الباب، فكان من حكم الشرع: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
الثاني: أنه إذا ضعيف الإيمان؛ لأنه لو كان قوي الإيمان لأحب لها الخير كما يحبه لنفسه، ولذلك منع الشرع من منعهن، ولما قال بلال بن عبد الله بن عمر: والله لنمنعهن أقبل عليه ابن عمر فسبه سباً سيئاً، قال الراوي: ما سمعته سبه مثله قط، قال: أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن.
أي: تجرأ على السنة! فهذا يدل على أن المسلم ملزم باتباع السنة.
ولكن يجوز للزوج أن يمنعها إذا علم أو غلب على ظنه الوقوع في الفتنة والمحظور، كأن يغلب على ظنه وجود الفساق والفجار، وأنها قد تتعرض لما لا يحمد عقباه، فمن حقه أن يمنعها؛ لأن الله لم يجعل الأمر بيده إلا لكي يتقي الله عز وجل، ومن تقوى الله سبحانه وتعالى منعها عند وقوع الفتن، ولذلك أثر عن عمر رضي الله عنه أنه ضرب عجيزة امرأته لما خرجت إلى الصلاة، وقال: إن الناس قد تغيروا، فأصرت عليه أن تخرج فتركها، فلما كانت الليلة الثالثة ضرب عجيزتها، أي: ضربها على عجيزتها وهي مارة، وكانت النساء على حياء وخجل، وكانوا يعرفون أن المرأة الحرة، فيقولون: لو ضربت بالسوط على ظهرها لم تلتفت من كمال عفتها وحيائها.
حتى إن العلماء لما تكلموا على توبة الزانية من الزنا قالوا: توبتها أن تترك ماشية، ثم يصاح وراء ظهرها، فإن التفتت فما زالت في ضعف العفة؛ لأن من كمال عفة المرأة الحية أنها لا تلتفت ولا تنظر إلا في أرضها، وقد يبلغ بها أن تتعثر وتسقط، ولكن سقوط الجسم أهون من سقوط الهوى والردى، ولذلك كن بهذه المثابة.
وإذا أذن لها فعليها أن تخرج تفلة، بمعنى أنها لا تخرج متعطرة ولا متبرجة، وإلا منعها وأخذ على يدها، فإن لم يفعل فهو آثم، وبناءً على ذلك فمن حقه أن يمنعها في مثل هذه الأحوال، وكذلك الحال إذا كان طريقها غير آمن، فإنها قد تكون صالحة ولكن غيرها غير صالح، فيشرع للزوج أن يحبسها.
وقوله: [وبيتها خير لها] لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاتها في مخدعها خير لها من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في مسجد حيها، وصلاتها في مسجد حيها خير لها من صلاة المسجد الجامع)، وهذا مبالغة في ستر المرأة.
(59/9)
________________________________________
الأسئلة
(59/10)
________________________________________
التطويل في الركعتين الأوليين ليس خاصاً بالقراءة فقط

السؤال
هل التطويل في الركعتين الأوليين مختص بالقراءة فقط كأم هو عام في سائر الأركان كالركوع والسجود؟

الجواب
المحفوظ من هديه -بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه- أن قراءته وركوعه وسجوده ورفعه من السجود كل ذلك كان قريباً من المساواة، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك وصفت صلاته بالتمام، فإذا فعل الإنسان هذا ووسعه ذلك فإنه يفعل، لكن إذا كان فيه مشقة على الناس فإنه يقتصر على حد الإجزاء، ففي التسبيح يقتصر على ثلاث، وكذلك أيضاً في الرفع من الركوع يقرأ الدعاء المأثور: (ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) إلى آخره، ويجعل صلاته موزونة حتى يدرك السنة بصورتها إن لم يدرك حقيقتها، فإنه يدرك فضل صورة السنة، فيكون مدركاً للسنة من وجه؛ لأن الله لا يضيع عمل العامل، فهذا من إدراك جزء السنن كما يقرره جمع من الأصوليين رحمة الله عليهم.
والله تعالى أعلم.
(59/11)
________________________________________
دعاء الاستفتاح لمن دخل والإمام يقرأ الفاتحة

السؤال
من أدرك الإمام وهو يقرأ الفاتحة فهل ينصت، أم يقرأ دعاء الاستفتاح؟

الجواب
إذا أدركت الإمام وهو يقرأ الفاتحة تنصت، ويسقط دعاء الاستفتاح لفوات المحل والانشغال بالواجب؛ فإن مرتبة دعاء الاستفتاح دون مرتبة وجوب الإنصات، وبناء على ذلك يسقط دعاء الاستفتاح لمكان المتابعة، ولوجود قراءة، ويشتغل الإنسان بالاستماع على ظاهر النص.
والله تعالى أعلم.
(59/12)
________________________________________
حكم صلاة الراتبة بعد السلام من الفريضة

السؤال
ما حكم صلاة الراتبة بعد السلام من المكتوبة مباشرة؟

الجواب
هذا فيه حديث في يوم الجمعة، حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن يصل الصلاتين ببعضهما حتى يتكلم أو ينصرف على الأقل من مكانه، لا أن تقوم مباشرة بعد سلامه من صلاة الجمعة، فهذا هذا منهي عنه في حديث معاوية رضي الله عنه وأرضاه.
فالسنة أن يأتي بالأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يتسنن ويتنفل بما شاء، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام الاستغفار وقول: (اللهم أنت السلام ... ) إلى آخره، وكذلك أيضاً: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) كما في حديث معاذ، ثم يشرع في الأذكار والمعقبات التي لا يخيب قائلهن، ثم إذا انتهى من المعقبات وقال تمامهن: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على شيء قدير، بعد ذلك يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت.
ثم بعد هذا يتسنن إذا أحب ذلك، والأفضل أن يؤخر السنة إلى بيته.
وقال بعض الحفية: إنه يصل الصلاة بالصلاة.
ولهم في هذا حديث ضعيف: (صلاتان لا لغو بينهما)، والحديث ضعيف، لكن لو صح فإنه يجاب عنه بأن قوله: (صلاتان) المراد به صلاة فريضة وفريضة، كصلاة الظهر والعصر، وقوله: (لغو بينهما) أي: لا يغتاب الناس، ولا يقول النميمة، ولا يسب، ولا يشتم، ولا يفعل الحرام؛ لأنها موجبة للرحمة وللخير، فيشمل الفريضة مع الفريضة، وهذا يدل على أن صلاته الأولى مقبولة؛ لأن الرجل إذا كان يصلي الصلاة ويتبعها بالصلاة الثانية لا ذنب بينهما فإن هذا -كما يقول جمع من العلماء- من علامات القبول، وأن صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وهذا بأفضل المنازل عند الله سبحانه وتعالى، فمن أفضل المنازل أن يصل إلى درجة أن تكون صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ومن دلائل ذلك أن تجده يصلي الصلاة ويعقبها بالصلاة لا لغو بينهما، فهذا يدل على أنه بخير المنازل، وأن صلاته نهته عن الفحشاء والمنكر، نسأل الله العظيم أن يبلغنا هذه المنزلة، وأن يجعلنا من أهلها بمنه وكرمه.
والله تعالى أعلم.
(59/13)
________________________________________
قراءة آيات معينة في صلاة العشاء

السؤال
هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة سور أو آيات معينة في صلاة العشاء؟

الجواب
نعم ورد عنه.
وأخذوا من قول النبي صلى الله عليه وسلم لـ معاذ: (هلا قرأت بهم بـ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، و (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، و (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)) على الروايات التي وردت، ولذلك يقولون في هذه السور: هذا هو الذي يقرأ في صلاة العشاء؛ لأن الشكوى كانت من معاذ في صلاة العشاء، وأمره أن يقرأ هذه السور في صلاة العشاء، فدل على أنها السنة، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) كما جاء من حديث البراء رضي الله عنه وأرضاه، فالأمر في هذا واسع، والناس يختلفون، فقد يصلي الإنسان العشاء مع جمع لكن على حرج ومشقة، وقد يصلي بجمع على سعة وجلد، كشباب وراءهم عمل ولا شغل، ويكونون متهيئين للإطالة فيطيل بهم، فهذا من الأفضل.
ومن أفضل ما تكون الصلاة إذا طولت القراءة فيها، فإن بعض العلماء يقول: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) المراد به أن السبع والعشرين درجة للصلاة الجهرية؛ لأن فيها قراءة للقرآن وتأثر الناس به، وكلما كان استماع الإنسان مع التأثر وحضور القلب والخشوع وحب هذه الآيات المنزلة من الله سبحانه وتعالى وحبه للعمل بها والتأثر بها كلما كان أرفع درجة وأعظم حظاً، ولذلك يرى بعض العلماء أن السبع والعشرين مختصة بالصلاة الجهرية، كصلاة الفجر وصلاة العشاء وصلاة المغرب كله لمكان القراءة.
وعلى العموم فإن قراءة العشاء تكون على الوصف الذي ذكرناه، ولكن إذا كان هناك مجال للإطالة، كأن يكون الإنسان مع جمع ورفقة تحب الإطالة وترتاح لقراءته، ويرى أن هذا فيه خير لهم، فإنه يطيل، ونعم الإطالة أن يشتغل الإنسان بكتاب الله عز وجل، فلا يزال بخير ما وقف بين يدي الله عز وجل، نسأل الله العظيم أن يوفقنا لحسن الصلاة وكمالها.
(59/14)
________________________________________
حكم من أفطر رمضان جاهلاً بوجوبه عليه

السؤال
امرأة لما بلغت كانت تجهل وجوب الصيام عليها، ولم تصم طيلة عامين، فماذا عليها، وهل تعذر بالجهل؟

الجواب
يجب عليها قضاء الشهرين، قضاء الشهر من السنة الأولى وقضاؤه من السنة الثانية، وفي هذا تفريط ولو ادعت الجهل، خاصة في هذه الأزمنة الذي أمكن فيها سؤال العلماء والرجوع إليهم.
وكون المرأة تجلس هكذا لا تسأل ولا تراجع العلماء، وتبلغ ولا تبحث عن أحكام دينها ولا تسأل، ثم تقول: إنها جاهلة فمثل هذا الجاهل يلزم بعاقبة التقصير، ويقال له: تقضي ما فاتك.
فليس هذا الجهل بعذر؛ لأنه يمكنها أن تسأل وقد قصرت، والواجب على من أسلم أن يعلم شعائر الإسلام، وأن يتفقه كما ندب الله عباده إليه، فقال سبحانه وتعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة:122]، فندبهم إلى هذا، قال العلماء: يتعين طلب العلم على من بلي بالعبادة والمعاملة، فمن أراد أن يصلي صار فرضاً عليه أن يسأل عن أحكام الصلاة، ومن أراد أن يزكي صار فرضاً عليه أن يسأل عن أحكام الزكاة.
أما أن يجلس ويترك الزكاة السنة والسنتين والثلاث، ولا يسأل وهو يعلم أن هذا من دينه فإنه في هذه الحالة يلزم بعاقبة تقصيره، ويتحمل وزر ذلك.
والله تعالى أعلم.
(59/15)
________________________________________
ضابط الموالاة في الوضوء

السؤال
ما هو ضابط الموالاة في الوضوء؟

الجواب
الموالاة: وقوع الشيء وهو يلي الشيء الذي قبله.
والضابط عند العلماء رحمة الله عليهم في الموالاة: أن تغسل يدك -مثلاً- ثم بعد غسل اليد مسح الرأس، قالوا: يشترط في صحة مسح الرأس أن لا تنشف اليد، والتنشيف يختلف باختلاف الصيف والشتاء، فقالوا: ننظر للزمان المعتدل، فلو أن إنساناً توضأ وغسل كفيه فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه، ثم غسل يديه فانقطع الماء من الصنبور، أو انتهى الماء الذي معه فنزل من دور إلى دور يبحث عن الماء، أو ذهب يبحث عن الماء، أو ذهب إلى مكان آخر فيه ماء، والمسافة التي بين المكان الأول للذي يتوضأ فيه والمكان الثاني الذي يوجد فيه الماء يسيرة جداً بحيث تبقى نداوة العضو، ويبقى أثر الماء عليه، فحينئذ شرط الموالاة لم يذهب، ويصح منه أن يبتدئ من الموضع الذي انتهى إليه فيغسل ما بعده.
وبناء على ذلك يكون شرط الموالاة أن لا ينشف العضو في الزمان الواحد، لكن لو فرض أنه في شدة البرد ينشف بسرعة، وفي شدة الحر يكون فيه شيء من الرطوبة والنداوة للجسم، خاصة إذا لم ينشف، فيتأخر في الصيف ويبادر في الشتاء، قالوا: في هذه الحالة ننظر إلى الزمان المعتدل، فمثلاً: الزمان المعتدل دقيقتان إلى ثلاث دقائق فنقول: لو كان في شدة الصيف أو شدة الشتاء فالعبرة بثلاث دقائق، أو العبرة بالدقيقين.
وهذا يرجع إلى غلبة ظن الإنسان، أما العضو فما زال الماء عليه.
والله تعالى أعلم.
(59/16)
________________________________________