المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء ثاني


gogo
10-19-2019, 01:31 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
الأسئلة
(15/17)
________________________________________
اشتباه المني بالمذي

السؤال
ما الحكم إذا اشتبه على الإنسان المَذْي والمَنِي؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: هذا الاشتباه كما ذكره العلماء له صور منها: - أن يستيقظ الإنسان من نومه، فيجد بلَلاً أو أثر البلل، فيقع في شك، هل هو مَنِي فيغتسل، أو مَذْي فلا يجب عليه الغسل؟ فما الحكم؟ أولاً: يراعي أوصاف المَنِي والمَذْي: فالمَنِي: ماء أبيض ثخين بالنسبة للرجل، وأصفرُ رقيق بالنسبة للمرأة.
ثانياً: الرائحة: المَنِي رائحته ليست كالمَذْي، فإن المَنِي له رائحة كرائحة طلع النخل، كما عبر عنه بعض العلماء، وطلع النخل هو الوبار الذي يكون في فحول النخل، ويقول بعض العلماء: كرائحة العجين إذا عُجِن واشتد، فإذا وجد رائحة المَنِي فيه، أو وجد ثِخَن المَنِي فيه، فإنه يَحكم بكونه مَنِيَّاً يوجب الغُسل.
لكن لو أنه لم يستطع التمييز، والتبست عليه الأوصاف، ولم يجد ما يحسم الأمر له، هل هو مَنِي أو مَذْي فما الحكم؟ فالذي عليه جماهير العلماء -رحمة الله عليهم-: أنه مَذْي حتى يتيقن أنه مَنِي؛ لأن اليقين أنه مَذْي، والشك هل هو مَنِي فيجب الغُسل أو لا، فيبقى على اليقين وهو المَذْي، ولا يجب عليه الغسل حتى يستيقن أنه مَنِي.
والله تعالى أعلم.
(15/18)
________________________________________
حكم غسل الأنثيين عند خروج الودي والمذي

السؤال
هل يلزم الرجل إذا خرج منه وَدْي أو مَذْي غسل الأنثيين؟

الجواب
نعم، وهو ظاهر حديث علي: (وليغسل مذاكيره) فدل على أنه يغسل العضو والأنثيين، وهذا هو أصح الأقوال في هذه المسألة، خلافاً لمن قال: يغسل موضع الخروج، وهو رأس الإحليل، والصحيح أنه يجب غسل العضو والأنثيين، لقوله: (وليغسل مذاكيره).
والله تعالى أعلم.
(15/19)
________________________________________
حكم من يخرج منه المذي قبل الصلاة وفي أثنائها

السؤال
لقد ذكرتم -حفظكم الله- في المَذْي أنه يُتَوَضَّأ منه إن وُجد؛ ولكن ربما يتَوَضَّأ منه ويشرع في الصلاة ويعاوده مرة أخرى أثناء الصلاة، فماذا يجب عليه؟

الجواب
هذا فيه تفصيل: من بُلِي بالمَذْي فاسترسل معه، بحيث لا يستطيع إمساكه فترةً يستطيع أن يصلي فيها، فهذا حكمه حكم الاستحاضة، فكلما دخل عليه الوقت توضأ وصلى، ولو خرج منه المَذْي.
الحالة الثانية: أن يكون خروجُه بالقطرة والقطرتين، فيخرُج في المرة الأولى عند الملاعبة، ثم إذا مضى وقت قليل خرج مرة ثانية، فهذا يجب عليه غسل العضو وإعادة الوضوء كالحال في البول.
والله تعالى أعلم.
(15/20)
________________________________________
نجاسة المذي

السؤال
هل كون المَذْي ينقض الوضوء دليل على أنه نجس؟

الجواب
أمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم بغسله وغسل العضو حيث يقول: (انضح فرجك) والنضح يستعمل بمعنى الغَسل، هذا كله دال على أنه آخذ حكم البول، فهو نجس، وهذا هو المعتبر والذي عليه الفتوى.
والله تعالى أعلم.
(15/21)
________________________________________
خروج الطاهر من أحد السبيلين

السؤال
هل خروج الطاهر من أحد السبيلين يوجب الاستنجاء؟

الجواب
هذا ذكرناه وقلنا: إن الصحيح: أن خروج الطاهر لا يوجب انتقاض الوضوء، وبناءً عليه فإنه لا يلزم منه الاستنجاء ولا يأخذ حكم النجس الخارج، وذلك للفرق بينه وبين النجس الخارج، فإن النجس الخارج يؤثر في المحل، والطاهر لا يؤثر.
والله تعالى أعلم.
(15/22)
________________________________________
الأصل بقاء الوضوء ما لم يسمع صوتاً أو يجد ريحاً

السؤال
يتأكد لي أحياناً خروج الريح؛ ولكن بدون ريح ولا صوت، فهل الوضوء هنا يكون باطلاً؟

الجواب
أيتأكد بدون رائحة ولا صوت؟! هذا ليس بصحيح، هذا من الشيطان، ولذلك لا تلتفت إلى مثل هذا، وابقَ على اليقين، حتى تسمع صوتاً أو تجد ريحاً، فإن سمعت الصوت أو وجدت الرائحة أعدت الوضوء، وإلا فلا.
والله تعالى أعلم.
(15/23)
________________________________________
حكم الاغتسال لمن رأى في نومه أن يستمني

السؤال
لو أن رجلاً نام على طهارة ورأى في منامه أنه استمنى فما حكم طهارته؟

الجواب
من نام ورأى أنه احتلم أو أنه استمنى فإن العبرة بالحقيقة، فإن استيقظ ووجد الماء وجب عليه الغُسل، وإن استيقظ ولم يجد الماء لم يجب عليه غسل، وهكذا لو رأى موجب الغُسل مناماً كالجماع، فإنه لا عبرة بذلك كله والعبرة بحقيقة الخروج، أما دليل اعتبار الخروج نفسه وإلغاء اعتبار المنام: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد في الصحيح: (إنما الماء من الماء)، (إنما الماء) وهو: الغُسل، (من الماء) (من) سببية، أي: بسبب الماء وهو: خروج المَنِي، فدل على أن العبرة بالخروج، وأنه إذا خُيِّل له وهو نائم أنه خرج مني، واستيقظ ولم يجد شيئاً فإنه لا يجب عليه الغسل، والعكس: لو أنه نام ولم يذكر احتلاماً ثم استيقظ ووجد أثر الماء وجب عليه الغُسل؛ لأن العبرة بوجود الماء، وكونه يذكر أو لا يذكر هذا لا تأثير له؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) وهذا أصل عند جماهير العلماء -رحمة الله عليهم-: أن العبرة بالحقيقة، ولذلك قالوا: لا يؤثر ذكره للاحتلام، ففي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رُفِع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: النائم حتى يستيقظ) فدل على أنه لا عبرة بما خُيِّل له في نومه من أنه احتلم أو أنه جامع أو أنه أنزل، ما دام أنه في الحقيقة لم يكن منه شيء، ولذلك يعتبر العلماء وجوب الغسل مربوطاً بوجود الحقيقة لا بوجود الصورة في المنام.
والله تعالى أعلم.
(15/24)
________________________________________
حكم الصلاة في الثوب الذي احتلم فيه

السؤال
إذا احتلم الرجل ثم اغتسل؛ ولكنه صلى بالثياب التي احتلم فيها، فما حكم صلاته؟ وإذا كانت باطلة فماذا يفعل؟

الجواب
هذه المسألة مفرعة على خلاف العلماء -رحمة الله عليهم- في المَنِي، هل هو طاهر أو نجس؟ وأصح الأقوال: أنه طاهر، وقد جاء في حديث ابن عباس (إنما هو بمنزلة المخاط)، وجاء عن أم المؤمنين رضي الله عنها أنها كانت تفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يصلي فيه، وإن أثره لباقٍ فيه، فدل هذا على أنه ليس بنجس، وقد ثبت عنها رضي الله عنها أنها أنكرت على من أصبح وقد غسل ثوبه، فقالت: (إنما كان يكفيه أن يحُتَّه، لقد كنتُ أفعل ذلك بمَنِيِّ النبي صلى الله عليه وسلم) فدل هذا على أن المَنِيَّ ليس بنجس وأنه طاهر، وأنه يكفي فيه الحَتُّ والقرص، فمن صلى في ثوب فيه مَنِيٌّ فصلاته صحيحة ولا حرج عليه.
والله تعالى أعلم.
(15/25)
________________________________________
حكم انتقال المني مع عدم خروجه

السؤال
من أيقن وصول المَنِي إلى مخرجه ثم حبسه، هل يجب عليه الغسل أم لا بد من خروجه حقيقة؟

الجواب
هذه المسألة للعلماء فيها وجهان، وهي: لو أن إنساناً تحركت شهوته، وأحس بانفصال المَنِي من صلبه، ثم تأخر خروج المَنِيِّ ثم قذفه، فهل العبرة بوقت التحرك، أم العبرة بوقت الخروج؟ - فمن أهل العلم -رحمة الله عليهم- من يقول: العبرة بالخروج، وهذا هو الصحيح، والذي عليه العمل والفتوى، وصورة هذه المسألة: لو كان في الصلاة، فأحس بتحرُّك شهوته، ثم أمسك العضو، وقد بلغ المَنِيُّ العضوَ، ولم يخرج منه إلا بعد استتمام سلامه، قالوا: صلاته صحيحة، ولا يؤثر خروجُه من الصلب، ومسألة خروج المَنِي من الصلب، أو شعوره بتهيئه للخروج، كل ذلك لا تأثير له، والعبرة بالفضخ والخروج، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فقال: (إذا فضخت) ولم يعتبر مجاوزته للصلب، فدل على أن العبرة بخروجه لا بانتقاله، ولا يشكل على هذا إيراد العكس، فيما لو بقي منه شيء، فخرج بعد غُسله، فهذا فضلة باقية غير ما نحن فيه من كونه ماءً بأصله.
(15/26)
________________________________________
من عوامل الاستمرار في طلب العلم

السؤال
لقد قدمت إلى هذه البلاد لطلب العلم، وأسأل الله أن يجعل نيتي ونية كل مسلم خالصة صادقة، وما إن أحضر إلى حلق العلم والدروس حتى يأتيني الشيطان ويرغبني عن العلم، ويصرفني عنه، ويضعف عزيمتي، ويشغلني بما لا يفيد، فقسا قلبي، وانشغلت عن كتاب الله، وعن الاجتهاد في الطلب، واجتمعت عليَّ هموم وغموم، وأشعر بضيق شديد، فاشدُد من أزري بنصح منك -حفظك الله-، أسأل الله أن ينفعني وإخواني بما تقول.


الجواب
أما الوصية التي أوصيك بها أخي في الله! أن تعتمد على الله، فإنه نعم المولى ونعم النصير، وما نزل بك ما هو إلا بلاء من الله، إما بسبب ذنب بينك وبين الله، أو أن الله يريد أن يرفع درجتك، فسلَّط البلاء عليك، فإن كنت تريد النجاة فاستدِم الاستغفار، لعل الله أن يرحمك إن كنت عاصياً، وربما كان ذلك بسبب غرور في نفسك، فإن طالب العلم قد يبدأ طلب العلم فيُصاب بالغرور، أو يزل لسانه بكلمة، أو يحدث منه أمر يُغْضِب اللهَ عليه، فيسلب نعمة العلم والرغبة عنه على قدر ما أصاب من ذنب، قال سفيان رحمه الله: أذنبتُ ذنباً فحُرِمْتُ قيام الليل أربعة أشهر.
وأما الأمر الثاني فهو: أن تحسن الظن بالله، فلعل الله يريد أن يبلغك مرتبة لا تصل إليها إلا بامتحان وابتلاء، وقلَّ أن تجد طالبَ العلم طَلَبَ العلم إلا وجاءه ما ذكرتَ، بل وأشد مما ذكرتَ، والله يقول: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة:24] فالله يجعل العبد إماماً إذا صبر، ولذلك قال العلماء: إن الله عز وجل لَمَّا أوحى إلى نبيه أخذه جبريل فغطه حتى رأى الموت، ثم أرسله، ثم غطه، ثم أرسله، ثلاث مرات، قالوا: لكي يبين أن العلم لا يأتي إلا بعد امتحان وابتلاء.
فضاق قلبُك، ولعل هذا الضيق يكون ابتلاء كما ابتلي الحبيب صلوات الله وسلامه عليه عند الوحي، هذا إذا أحسنت الظن بالله، واشدد عزيمتك بالله، واستعن الله، فإنه نعم المولى ونعم النصير.
وكثير من طلاب العلم يأتيهم الهم ويأتيهم الغم ويأتيهم التثبيط من الناس، فمنهم من يقول: إلى متى تنتهي من دروسك، ولربما تجلس العشر سنوات والعشرين سنة وأنت في هذه الحلقة، أو عند العالم الفلاني، ولا تنتهي! كل ذلك ابتلاء، فإن صَدَقَ مع الله صَدَقَ معه، وكم وجدنا من المثبِّطين والمخذِّلين حتى خَذَّلَهم الله عز وجل عنا.
فتعلق بالله، واعلم أنك في جنة، وروضة من رياض الجنة، وهي العلم، فاستَدِم سؤال الله جل وعلا أن يثبت قدمك، وأن يحسن العاقبة لك.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا من العلم حلاوته وطلاوته، وأن يجعل لنا موجبات رحمته، وعلو درجاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
(15/27)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب نواقض الوضوء [2]
للوضوء نواقض ذكرها العلماء رحمهم الله، وقد دلت عليها النصوص الصحيحة، إلا أن العلماء قد اختلفوا في بعضها هل ينقض أم لا؟ ومما اختلفوا فيه: مس الذكر بدون حائل، وأكل لحم الجزور، والنوم.
(16/1)
________________________________________
انتقاض الوضوء بزوال العقل
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمة الله عليه: [وزوال العقل].
أي: من نواقض الوضوء زوال العقل سواءً كان بسبب مباح أو بسبب محرم، كأن يسكر الإنسان -والعياذ بالله- على وجه يعذر به، أو وجه لا يعذر به، فالوجه الذي يعذر به في السكر أن يشرب شراباً يظنه ماءً فيسكر، فإنه معذور في سكره للجهل، والوجه الذي لا يعذر كأن يشرب المسكر -والعياذ بالله- والمخدر عالماً به، ففي كلتا الحالتين لو شرب ما يزيل عقله من المسكرات والمخدرات -أعاذنا الله وإياكم منها- فإنه يحكم بانتقاض وضوئه.
والسكر له ثلاث مراتب ينبغي على طلاب العلم أن ينتبهوا لها: المرتبة الأولى: يسميها العلماء: الهزة والنشاط والطرب، وهي أول ما يكون لمن شرب الخمر والعياذ بالله! والمرتبة الثانية: أقصى درجات السكر، وهي أن يسقط كالمغشي عليه لا يعرف الأرض من السماء، ولا يعي ما يقول ولا ما يُقال له فهو كالمجنون.
والمرتبة الثالثة: وسط بين المرتبتين.
فاعلم -رحمك الله- أنه إذا بلغ السكران بداية السكر وهي الهزة والنشاط، فإنه مكلف إجماعاً؛ لأنه في حكم المستيقظ، فإذا فعل أي فعل في بداية سكره عند هزته ونشاطه، كأن يطلق امرأته أو يفعل أي فعلٍ فإنه يحكم بمؤاخذته؛ لأن الأصل فيه أنه مكلف حتى يؤثر فيه المؤثر، ولم يبلغ درجة يؤثر السكر فيها عليه.
أما إذا بلغ منه السكر غايته، كأن يسقط كالمجنون فهذا لا يؤاخذ إجماعاً من جهة طلاقه، وإذا طلق فيها فإنه كالمجنون لا ينفذ طلاقه.
وأما الحالة الثالثة المترددة بين الحالتين، فهي التي فيها الخلاف بين العلماء في السكران، هل هو مكلف أو غير مكلف؟ فإذا سكر -والعياذ بالله- المتوضىء، فإنه يحكم بانتقاض وضوئه، ويلزمه أن يعيد الوضوء.
(16/2)
________________________________________
حكم تأثير النوم اليسير على الوضوء
قال رحمه الله: [إلا يسير نوم من قاعدٍ أو قائم] (إلا): استثناء، أي: إذا زال العقل بيسير النوم -وهو القول الثاني في مسألة النقض بالنوم، وهو الفرق بين اليسير والكثير- واليسير كاللحظات ولو كان مذهباً للشعور، والكثير كأن ينام ساعة أو ساعة إلا ربعاً وهو يخفق رأسه، أو نصف ساعة وهو يخفق رأسه، فهذا يحكم بانتقاض وضوئه.
قوله: (من قاعد) استثنوا القاعد لحديث أنس: (كان الصحابة ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون).
قوله: (أو قائم) لأن اليسير من القائم في حكم اليسير من القاعد لا فرق بينهما، كما اختاره صاحب المقنع رحمه الله، وانتصر له في المغني.
(16/3)
________________________________________
ما ينقض الوضوء من المس
(16/4)
________________________________________
الخلاف في نقض الوضوء بمس الذكر
قال رحمه الله: [ومس ذكر متصل] أي: من مس الذكر فإنه ينتقض وضوءه، سواءً قصد الشهوة ووجد اللذة، أو لم يقصد الشهوة ولم يجد اللذة، فمن مس الذكر وجب عليه أن يعيد الوضوء؛ لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مس ذكره فليتوضأ) وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من مس الذكر مطلقاً.
وقال بعض العلماء: من مس ذكره فلا ينتقض وضوءه؛ لحديث طلق بن علي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني المسجد فسأله عن مس الذكر؟ فقال عليه الصلاة والسلام يجيب طلقاً: (وهل هو إلا بضعة منك) قالوا: إن هذا الحديث يدل على أن مس الذكر لا يوجب انتقاض الوضوء.
والصحيح أنه يوجب انتقاض الوضوء، ويجاب عن حديث طلق بن علي من وجهين: الوجه الأول: أنه منسوخ؛ لأن طلق بن علي قدم عند بناء المسجد كما جاء في الرواية، وحديث: (من مس ذكره فليتوضأ) رواه المتأخرون إسلاماً من الصحابة: كـ أبي هريرة رضي الله عنه، والقاعدة: أن تأخر إسلام الراوي مع تقدم المعارض يدل على النسخ أو يشعر بالنسخ.
الوجه الثاني: أن يجُمع بين حديث طلق بن علي وبين حديث: (من مس ذكره فليتوضأ) بأن سؤال طلق بن علي رضي الله عنه عن مس الذكر من فوق الثوب فقال له: (وهل هو إلا بضعة منك) أي: إذا مسسته بحائل كأنك لمست يداً أو نحو ذلك من الأعضاء.
وأما إذا لمسه مباشرة فإنه يحُمل عليه حديث: (من مس ذكره فليتوضأ).
وقد صحح غير واحد من أهل العلم حديث الأمر بالوضوء من مس الذكر منهم: الإمام أحمد، وأبو زرعة واستصوبه الإمام البخاري رحمه الله، فلذلك يقوى الحكم بأن مس الذكر يوجب انتقاض الوضوء.
إذا ثبت أن مس الذكر يوجب انتقاض الوضوء فيستوي في ذلك أمور: أولاً: أن يكون بشهوة أو بدون شهوة.
ثانياً: أن المراد بالمس باطن الكف، فلو أنه وقع على ظاهر الكف لم ينتقض الوضوء لقوله: (من مس) والمس: هو الإفضاء بباطن الكف.
واختلف العلماء فيما لو إذا مسه بين أصابعه، هل الذي بين الأصابع يأخذ حكم باطن الكف أو يأخذ حكم ظاهره؟ والأقوى أنه يأخذ حكم الباطن؛ للقاعدة: (أن ما قارب الشيء يأخذ حكمه).
ثالثاً: أن قوله: (من مس ذكره) أصل، ويُلحق به مس الدبر، فإذا مس حلقة الدبر انتقض وضوءه؛ وذلك لعموم قوله: (من مس فرجه) والفرج: يشمل القبل والدبر.
رابعاً: أن هذا الحكم يشمل الرجل والمرأة، فحُكِمَ به للرجال والنساء تبع، وكم من أحكام ترد في الرجال أصلاً والنساء فيها تبع، كما في قوله: (من مس فرجه) وهذا من صيغ العموم، فإن قوله: (مَنْ) من صيغ العموم عند الأصوليين، وقوله: (فرجه) يشمل الرجل والمرأة.
خامساً: أن هذا الحكم يستوي فيه أن يمس من نفسه أو يمس من غيره، ولذلك يعم الحكم بالنسبة للماس، سواءً كان لنفسه أو لغيره، بشرط أن يكون متصلاً بالغير.
سادساً: يشمل الصغير والكبير، فلو مست المرأة فرج صبيها أو صبيتها انتقض وضوءُها ولو تكرر ذلك؛ وذلك لعموم الخبر من جهة المعنى.
سابعاً: يخرج من هذا مس المنفصل، فقال بعض العلماء: لو قُطِعَ العضو فَمُسَّ لم يأخذ هذا الحكم.
ثامناً: أنه لو مس فرج الخنثى المشكل فإنه يأخذ حكم المرأة، فلو مس ذكره لم ينتقض وضوءُه؛ لأنه زائد، ولا دليل على إثبات كونه عضواً مؤثراً، فَيُبْقَى على الأصل وهو بقاء الطهارة.
وقال بعض العلماء بالانتقاض مطلقاً.
تاسعاً: قد علمنا حكم من مس، فهل الممسوس يأخذ حكم الماس؟ فقال بعض العلماء: إنه يأخذ حكم الماس من جهة المعنى، والذي اختاره بعض العلماء: أنه إذا وجد الممسوس الشهوة واللذة انتقض وضوءه وإلا فلا.
(16/5)
________________________________________
مس الذكر بظاهر الكف
قال رحمه الله: [أو قُبلٍ بظهر كفه أو بطنه] قوله: (أو قبل) للعموم، فهو يشمل الأنثى والخنثى.
قوله: (بظهر كفه أو بطنه) وهذا اختيار بعض العلماء، وإن كان الأقوى أن التأثير بباطن الكف؛ لأن الإفضاء يكون بباطن الكف لا بظاهر الكف، وفي قوله: (من مس) إشعار بالقصد، بخلاف ظاهر الكف، فإنه لا يمس العضو بظاهر الكف إلا على سبيل غير مقصود، ولذلك الذي عليه العمل عند بعض أهل العلم: أن العبرة بباطن الكف لا بظاهر الكف.
(16/6)
________________________________________
مس أعضاء الخنثى
قال رحمه الله: [ولمسهما من خنثى مشكل] أي: لمس العضوين من خنثى مشكل، فهذا يوجب انتقاض الوضوء كما ذكرنا.
قال رحمه الله: [ولمس ذكرٍ ذكره أو أنثى قبله] لما ذكرناه.
قال رحمه الله: [لشهوة فيهما] سواءً مَسّ أو مُسّ؛ لكن هنا في الحالة الأخيرة قال: (لشهوة) فجعل الحكم مرتبطاً بالشهوة، فإن لم توجد الشهوة فإنه لا يحكم بالانتقاض بالنسبة للممسوس.
(16/7)
________________________________________
الخلاف في نقض الوضوء بلمس المرأة
قال رحمه الله: [ومسه امرأة بشهوة] أي: ومن نواقض الوضوء أن يمس الرجل المرأة بشهوة، وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة: فمنهم من قال: لمس النساء كله ينقض الوضوء، سواءً كانت محرماً أو غير محرم، وسواءً وجد الشهوة أو لم يجد الشهوة، وصاحب هذا القول احتج بظاهر قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] قالوا: إن الله عز وجل حكم بانتقاض الوضوء بلمس النساء.
وقالت طائفة من العلماء: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يصلي بالليل وعائشة رضي الله عنها معترضة بين يديه، قالت: فإذا سجد غمزني) ولما ثبت أيضاً في الحديث الصحيح أنها قالت: (افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم فجالت يدي فوقعت على قدمه وهو ساجد، يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) قالوا: فهذا يدل على أن لمسها له ولمسه لها لا يوجب انتقاض الوضوء؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة وهي في حكم المرأة، فكان إذا أراد أن يسجد وضعها، وإذا أراد أن يرفع حَمَلَها وَرَفَعَها قالوا: ولم ينتقض وضوءه، ولما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من تقبيله بعض نسائه قبل خروجه إلى الصلاة، كما في حديث عائشة، واختلف في إسناده، قالوا: فمجموع هذه النصوص يدل على أن لمس النساء لا يوجب انتقاض الوضوء.
وجمع بعض العلماء بين القولين فقالوا: إن لمس النساء يوجب انتقاض الوضوء، إذا وجد الشهوة أو قصدها، ولا يوجب انتقاض الوضوء إذا لم يجد الشهوة وهذا هو الأقوى، ولذلك يحمل قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] على الجماع، والسباق والسياق محكم، وسباق الآية وسياقها يدل على أن المراد بـ (لامَسْتُمُ): الجماع؛ للقاعدة في اللغة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ ولأن السُّنة تصرف (لامَسْتُمُ) من ظاهرها إلى هذا المعنى الذي يقويه السياق والسباق مع قرينة اللغة.
إذاً لمس المرأة فيه تفصيل: إنْ لَمَسَ المرأة فوجد الشهوة انتقض وضوءُه، وإن لمس المرأة ولم يجد الشهوة لم ينتقض وضوءه، وبناءً على ذلك قالوا: وجود الشهوة والإحساس بها مظنة الحدث، فينزل منزلة الحدث.
وفرَّع بعض العلماء على هذا تفريعات، ولكن لا يقوى الدليل عليها، كقول بعضهم: إن مجرد النظر إلى المرأة -كزوجته- بشهوة ينقض الوضوء، بل هناك قول بأن النظر إلى الأمرد بشهوة يوجب انتقاض الوضوء، والحقيقة أن هذا محل نظر، والصحيح والأقوى أن العبرة بالانتقاض المؤثر، أو ما هو قريب من المؤثر لظاهر السُّنة: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فنبقى على الأصل من طهارته، وأما مظنات الحدث الضعيفة فإنه لا يقوى اعتبارها، وإن احتاط الإنسان بالوضوء فهو أولى.
أي: على الوجه الذي ذكرناه، فإذا مسته المرأة بشهوة فإنه يحكم بانتقاض وضوئها.
(16/8)
________________________________________
نقض الوضوء بمس حلقة الدبر
قال رحمه الله: [ومس حلقة دبر] لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أم المؤمنين: (من مس فرجه) قالوا: والدبر منزل منزلة القبل، ولذلك يحكم بانتقاض الوضوء بمسه، وظاهر قولهم أن القبل والدبر يختص بالآدمي، فلو مس فرج حيوان فإنه لا ينتقض وضوءه، وقال بعض السلف: إنه لو مس فرج بهيمة فإنه يحكم بانتقاض وضوئه، ولكنه مذهب ضعيف، والجماهير على أن النقض بمس الفرج يختص بالآدمي دون غيره.
(16/9)
________________________________________
لمس الشعر والظفر من المرأة
قال رحمه الله: [لا مس شعر وظفر] إذا قلنا: إن مس المرأة يوجب انتقاض الوضوء، فأعضاء المرأة تنقسم إلى قسمين عند العلماء: ما هو متصل، وما اختلف فيه هل هو في حكم المتصل أو المنفصل.
فإذا تقرر أن اللمس يؤثر، فيرد السؤال عن الأعضاء التي اختلف فيها العلماء كالشعر والظفر؟ فقال بعض العلماء: شعر المرأة في حكم المنفصل وليس في حكم المتصل، وهي قاعدة تكلم عليها الأئمة، ومنهم الإمام ابن رجب في القواعد الفقهية، في القاعدة الخامسة أو السادسة تقريباً.
فإذا قلت: إن شعر المرأة في حكم المتصل فإنه ينتقض الوضوء بلمسه من المرأة، وإن قلت: إن شعر المرأة في حكم المنفصل فلا ينتقض وضوء الرجل إذا لمسه من امرأة.
وتتفرع على هذا مسائل: إن قلت: إن شعر المرأة في حكم المنفصل، فلو غطت به وجهها في الإحرام وجبت عليها الفدية؛ لأنه منفصل عنها وليس بمتصل، ويتفرع عليه إن قلت إنه منفصل: ما لو لمسه المتوضئ فإنه لا يحكم بانتقاضه؛ لأنه في حكم المنفصل، أما لو قلت: إنه في حكم المتصل، وسدلت شعرها على وجهها حتى غطته عن الشمس، فإنه لا يوجب الفدية عليها، وإن قلت: إنه في حكم المتصل ولمسه الرجل، فإن اللمس يوجب انتقاض الوضوء، هذه فائدة كلامهم على الشعر: هل هو في حكم المتصل أو في حكم المنفصل، فدرج المصنف -وهو اختيار جمع من العلماء- على أن الشعر في حكم المنفصل وليس في حكم المتصل، ودليل الحس دال على ذلك: وهو لو أن إنساناً أحرق طرف الشعر لم يشعر بالألم في طرفه، ولذلك الشعر لا ينقل الإحساس، فإذا كان اللمس مركَّباً على الشهوة، فإن لمس شعر المرأة لا توجد به الشهوة، والرجل يراه منفصلاً فلا يجد به أثر الشهوة، ولذلك قالوا: إن لمس شعر المرأة -إذا قيل بانتقاض الوضوء بلمسها- يستثنى من ذلك لكونه منفصلاً لا متصلاً بها.
قوله: (وظفر) كذلك الظفر؛ لأن كلاً من الشعر والظفر الحياة فيهما حياة نمو وليست بحياة روح؛ لأن أعضاء الإنسان فيها ما حياته حياة روح كاليد والرجل، وفيها ما حياته حياة نمو كالشعر والظفر، فالشعر في الإنسان حياته حياة نمو وليست بحياة روح، ولذلك قالوا: إن لمس الظفر كلمس الشعر، فلو أحرقت ظفراً فإنه لا يسري الألم إلا بعد فترة، فدل على أنه ليست حياته حياة روح وإنما هي حياة نمو كالشعر.
(16/10)
________________________________________
لمس الأمرد وتأثيره في الوضوء
قال رحمه الله: [وأمرد] وكذلك الأمرد قالوا: إنه لا ينتقض وضوء من لمسه، وهذا أقوى من جهة الأصل لما ذكرنا؛ لأن الأصل طهارته حتى يدل الدليل على انتقاضها ولا دليل، وأما ما ذكروه من مظنة الحدث فيقوى اعتبارها إن قويت الشهوة وإلا فلا.
(16/11)
________________________________________
لمس المرأة مع وجود حائل
قال رحمه الله: [ولا مع حائل] أي: إذا وضعت الكف على المرأة وبينك وبينها حائل، كلباسها أو قفاز في اليد فلا يحكم بانتقاض الوضوء.
(16/12)
________________________________________
حكم وضوء الملموس بدنه مع الشهوة
قال رحمه الله: [ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة] وهو القول الثاني خلاف ما ذكرناه، والنظر إلى اعتبار العلة أقوى.
(16/13)
________________________________________
حكم وضوء من غسل ميتاً
قال رحمه الله: [وينقض غسل ميت] أي: من غسل ميتاً فإنه ينتقض وضوءُه؛ وذلك للحديث الذي في السنن عند البيهقي والدارقطني بسند ضعيف، ولا يصح فيه حديث كما قاله الإمام أحمد وغيره من أئمة الجرح والتعديل: ليس في انتقاض الوضوء بغسل الميت حديث صحيح، والصحيح أنه لو غسل ميتاً فإنه لا ينتقض وضوءه، وأنه يبقى على الأصل من كونه طاهراً.
(16/14)
________________________________________
حكم وضوء من أكل لحم الجزور
قال رحمه الله: [وأكل اللحم خاصةً من الجزور] كان في أول الإسلام إذا أكل الإنسان اللحم وجب عليه أن يتوضأ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (توضئوا مما مست النار) فأمر بالوضوء من كل شيء طُبِخَ في النار، ثم نسخ ذلك وبقي في الجزور؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) فنص عليه الصلاة والسلام على وجوب الوضوء من لحوم الإبل دون غيرها.
وذهب طائفة من العلماء إلى أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل منسوخ، وهو مذهب مرجوح، واحتجوا له بحديث جابر (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) وهذا الحديث الذي ذكروا أنه ناسخ محل نظر؛ لأن فيه علة في إسناده أشار إليها ابن أبي حاتم رحمة الله عليه في كتابه العلل في الجزء الثاني، وهو أن هذا الحديث أصله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) فرواه الراوي بالمعنى، ولذلك يبقى الحكم أن من أكل لحم الجزور فإنه يجب عليه أن يعيد الوضوء، وهذا الحكم خاص بلحم الجزور.
ويرد

السؤال
هل إذا شرب لبن الجزور يجب عليه أن يعيد وضوءه؟

الجواب
لا.
وحديث الأمر بالوضوء من لبن الجزور ضعيف، والصحيح أنه خاص بلحم الجزور.
واختلف في الكبد والسنام؟ فقال بعض العلماء: إنه يتوضأ منها وهو أحوط، وقيل: إنه لا يتوضأ منها، وهو أقوى من جهة النص، فإن السؤال ورد على النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ فنص على اللحوم ولم يذكر الكبد ولا بقية أجزاء الإبل كالسنام ونحوه، فإنه ليس بلحم وإنما هو شحم، فمن أكل سنام البعير لا يدخل في هذا الحكم، وهكذا من شرب لبن الإبل فإنه لا يحكم بانتقاض وضوئه؛ لأن الأصل الطهارة حتى يدل الدليل على انتقاضها ولا دليل، والدليل إنما ورد في اللحم فيبقى الحكم مقصوراً عليه.
وهنا مسألة: قال بعض العلماء: يجب الوضوء من لحوم الإبل؛ لأن فيها زهومة وفيها قوة، فلو أكل لحم السباع وجب عليه أن يتوضأ؛ لأن فيها ما في الإبل من القوة.
وقد يرد السؤال: كيف يأكل لحم السبع وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم أكل كلِّ ذي ناب من السباع؟ والجواب: تتأتى صورة المسألة فيما لو كان الإنسان في سفر فأصابته مخمصة أي: مجاعة، فاضطر إلى أكل لحم أسد أو سبع، فحينئذٍ يرد السؤال: هل انتقض وضوءه كالحال في لحم الإبل أو لم ينتقض؟ وأصح الأقوال: أنه لا ينتقض وضوءه.
(16/15)
________________________________________
موجبات الغسل موجبات للوضوء إلا الموت
قال رحمه الله: [وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت] هذا قول بعض العلماء: إن انتقاض الطهارة الكبرى يوجب انتقاض الطهارة الصغرى، ومن ذلك خروج المني، قالوا: يوجب انتقاض الوضوء، ولو جامع أهله انتقض وضوءه وأوجب عليه الغسل، فكل ما أوجب الطهارة الكبرى يوجب الطهارة الصغرى، وبناءً على ذلك قالوا: يجب عليه الوضوء من موجبات الغسل، إلا الموت فإنه لا يوجب الوضوء، فإذا مات الميت فلا يجب أن يُوضّأ؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرجل الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبيه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) قالوا: فدل هذا على أنه لا يجب أن يُوضّأ الميت، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غسل ابنته زينب: (ابدأن بميامنها وبأعضاء الوضوء منها) وهذا يدل على الاستحباب لا على الحتم والإيجاب.
(16/16)
________________________________________
حكم من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو العكس
قال رحمه الله: [ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين] من تيقن الطهارة وشك في الحدث، مثلاً: لو توضأت قبل صلاة المغرب ثم شككت هل خرج خارج من ريح أو لم يخرج؟ أو هل دخلت بعد المغرب لقضاء الحاجة أو لم تدخل؟ تقول: إني على يقين أني متوضئ، ولا عبرة بالشك حتى أَستيقِنَ انتقاض الوضوء كما استيقنت وجوده، فتبقى على الوضوء.
وهنا مسألة: اليقين والشك، فاليقين هو الأصل، والشك هو الذي يكون مستوي الطرفين، هل خرج أو لم يخرج؟ هل دخلت إلى الدورة فقضيتُ الحاجة أو لم أدخل؟ فهذا شك.
دليل هذا الحكم: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن زيد: (شُكي إليه الرجل يخيّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) فمن رحمة الله عز وجل بالعباد أنه قطع الوساوس وقطع الشكوك، ولو فتح باب الوسوسة والشك لتعذب الناس، ولحصل من الضرر ما الله به عليم، فلو أن الإنسان بمجرد الوسوسة ينتقض وضوءه لما استطاع أحد أن يصلي؛ لأنه بمجرد أن يدخل في العبادة أو يتلبس بالوضوء يتسلط عليه الشيطان بوساوسه، ولذلك جزم الشرع باعتبار الأصل وألغى الشك، وتفرع على هذا قاعدة مشهورة عند أهل العلم وهي قولهم: (اليقين لا يزال بالشك)، وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الكلية الخمس.
وتفرع على هذه القاعدة قاعدة تختص بمسألتنا وهي قولهم: (الأصل بقاء ما كان)، فأنت إذا شككت في الحدث فالأصل بقاء الوضوء على ما كان عليه، فتقول: أنا متوضئ حتى أستيقن انتقاض وضوئي، والعكس فلو أن إنساناً قضى حاجته قبل صلاة المغرب، وشك هل توضأ بعد ما قضى حاجته أو لم يتوضأ؟ فنقول: اليقين أنه محدث والشك أنه متوضئ فيطالب بفعل الوضوء؛ لأن اليقين أنه محدث.
(16/17)
________________________________________
تيقن الطهارة والحدث مع جهل السابق منهما
هنا مسألة: وهي لو أنك تيقنت الوضوء وشككت في الحدث فتعتبر نفسك متوضئاً، ولو تيقنت الحدث وشككت في الوضوء فإنك تعتبر نفسك محدثاً، فلو أن إنساناً قال لك: أنا متأكد أنني توضأت، ومتأكد أنني أحدثت، ولكن لا أدري أيهما السابق؟ أهو الوضوء السابق أم الحدث؟ فما الحكم؟ إذا كانت القاعدة تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأنا على يقين أنني توضأت قبل المغرب وعلى يقين أنني دخلت لقضاء حاجتي وأحدثت، وأشك هل الذي سبق هو الوضوء والآن أنا محدث، أو الذي سبق هو الحدث وأنا الآن متطهر؟ هذه المسألة أصح الأقوال فيها: أننا نطالبه بالتذكر قبل الحدث والوضوء، فإذا تذكر شيئاً جزم بعكسه، فنقول له: قبل أن تدخل وقبل أن تقضي حاجتك وتتوضأ ما الذي تذكر؟ قال: أذكر أنني قضيت الحاجة.
إذاً تيقنا حدثاً قبل الاثنين، وتيقنا بعد ذلك الحدث طهارة، فنقول: أنت على يقين من كونك متطهراً حتى نجزم بأن الحدث المصاحب لاحق لا سابق.
توضيح أكثر: الرجل يقول: قبل الظهر تيقنت بأنني دخلت لقضاء الحاجة، وقبل الظهر أذكر أنني توضأت وانتهيت من طهارتي، إذاً هو يجزم بكونه متوضئاً ويجزم بكونه محدثاً، فإذا جئت تقول له: الأصل بقاء ما كان على ما كان، يقول لك: أي الأصلين أعتبر؟ أنا على يقين من الطهارة وعلى يقين من الحدث؟ ولكن لا أدري أيهما السابق؟ نقول له: ما الذي كنت عليه قبل هذا الشك، أي: قبل الحدث والوضوء المتأخر؟ ماذا كنت عليه وقت الضحى؟ قال: في الضحى أجزم بأنني كنت متوضئاً لصلاة الضحى.
إذاً: معنى ذلك أنه في الضحى كان على طهارة، ثم حصل عندنا وضوء وحدث، فتيقنا حدثاً بعد طهارة الضحى، إذاً نحن على يقين من أن طهارة الضحى قد انتقضت بالحدث المصاحب للطهارة، ونشك في كون الطهارة وقعت بعد الحدث الثاني أو لا فنلغيها، ونبقى على اليقين.
هذا معنى قولهم: يؤمر بالتذكر قبل الحدث والطهارة فيأخذ بالعكس، ولو قال: أتذكر قبلهما حدثاً وطهارة أيضاً، أي: أنا على يقين أنني قبل الظهر قضيت الحاجة وتوضأت، ولا أدري السابق، وعلى يقين أنني توضأت للضحى وأنني أحدثت، ولكن لا أدري أقبل صلاة الضحى أو بعد صلاة الضحى، نقول: يأخذ نفس الحكم، فيؤمر بالتذكر قبل الاثنين، أي: قبل الشك الأول وقبل الشك الثاني ثم يأخذ بالمثل، فإذا كان قبلهما قد تيقن وقال: كنت عند شروق الشمس على طهارة صلاة الفجر وصليت ركعتي الإشراق، فنقول: قد تيقنت بعد ذلك الوضوء حدثاً، وهو الحدث الأول، وتيقنت طهارة في الشك الثاني، وشككت في تأثير الحدث عليها، إذاً: فأنت الآن متطهر، ومن ثم قالوا: في الأوتار يأخذ بالعكس، وفي الأشفاع يأخذ بالمثل، أي: يؤمر بالتذكر، فإن كانت الحالات شفعية يأخذ بالمثل، وإن كانت وترية يأخذ بالعكس، فلو قال: أتذكر وضوءاً وحدثاً قبل الآن، نقول له: أنت على عكس ما تذكر قبل الوضوء والحدث، هذا في الوتر، وإن قال: أذكر اثنين: وضوءاً وحدثاً ثم وضوءاً وحدثاً، فنقول: تذكر ما قبلهما وخذ بالمثل؛ لأنه تذكر أنه متطهر فثبت له حكم الانتقاض بالشك الأول، وحكم الطهارة بالشك الثاني، فيأخذ بالمثل في الأشفاع ويأخذ بالضد في الأوتار، ولو بلغت أربعاً كأن يقول: أنا متأكد أنني في الضحى كنت على حدث وطهارة، وكذلك أيضاً عند الإشراق كنت على حدث وطهارة، وكذلك عند الفجر كنت على حدث وطهارة، فإنه يأخذ بالعكس كما قلنا في الأوتار، وبالمثل في الأشفاع، وهذا معنى قولهم: (الأصل بقاء ما كان على ما كان).
(16/18)
________________________________________
ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر
(16/19)
________________________________________
حكم مس المصحف للمحدث
قال رحمه الله: [ويحرم على المحدث مس المصحف] ويحرم على المحدث مس المصحف وهو القرآن، ودليل ذلك ظاهر القرآن -على نزاع- في قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] وإن كان الصحيح: أن المراد به اللوح المحفوظ، وأنه لا يمسه إلا الملائكة، لكي ينفي الله جل وعلا تسلط الشياطين على الوحي كما قال تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء:210 - 211] فالصحيح: أن الآية محمولة على اللوح المحفوظ، لكن فيها وجه عند أهل العلم بحملها على المصحف.
أما الدليل الثاني: فحديث عمرو بن حزم وقد تلقته الأمة بالقبول، وفيه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) وقوله: (إلا طاهر) أي: إلا متوضئ، وقال بعض العلماء: (إلا طاهر) يعني: مسلم وليس بمشرك، وهذا قول ضعيف، وحجتهم أنهم قالوا: إن المسلم متطهر، فلا يقال: إن قوله: (طاهر) المراد به: المسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لـ أبي هريرة: (إن المسلم لا ينجس)، وأصحاب هذا القول التبس عليهم الأمر؛ فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المسلم لا ينجس) لا يقتضي التطهير؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إني كنت على غير طهارة) وقال لـ أم سلمة -كما في الصحيح في غسل الجنابة-: (ثم تفيضين الماء على جسدك فإذا أنت قد طهرت) وقال الله في التنزيل: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة:222] معنى ذلك: أن الطهارة ما كانت موجودة، ولذلك فرق بين قوله: إنه طاهر، وبين قوله: إنه لا ينجس، فالنفي الذي ورد في حديث أبي هريرة (فانتجست) (فانبجست) (فانخنست) كلها روايات ظن فيها أبو هريرة أنه نجس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) أي أنه إذا أجنب لا يحكم بكونه نجساً، هذا أمر منفصل عن حديث عمرو بن حزم فليتنبه طلاب العلم إلى ذلك، فإن بعضاً من شراح الحديث عتبوا على جمهور العلماء، وقالوا: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) المراد به أن لا يمسه كافر، وأن الطاهر هو المسلم، وهذا ليس بصحيح؛ وأما الحديث الوارد من أنه: (لا ينجس) ففرق بين نفي النجاسة وبين إثبات وصف الطهارة، فإن النصوص في الكتاب والسُّنة تدل على جواز نفي الطهارة عن المؤمن، كقوله عليه الصلاة والسلام: (إني كنت على غير طهارة فكرهت أن أذكر الله).
الدليل الثالث -وهو من القوة بمكان-: هدي السلف الصالح فقد روى مالك في الموطأ: أن ابناً لـ سعد بن أبي وقاص كان يقرأ عليه القرآن والمصحف بين يديه، فيقول ابنه: (فتحسّست أو تحككت، فقال لي أبي: لعلك لمست -أي: لمست العضو- قال: نعم.
قال: قم فتوضأ)، فدل على أنه كان معروفاً ومعهوداً عند الصحابة أن مس المصحف لا يكون إلا لمتوضئ، ولذلك يعتبر التطهر من أجل مس المصحف من الأمور التي يختص بها كتاب الله تشريفاً له وتكريماً.
(16/20)
________________________________________
حكم الصلاة لمن كان محدثاً
قال رحمه الله: [والصلاة] لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وأصله في التنزيل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة:6].
(16/21)
________________________________________
حكم طواف المحدث
قال رحمه الله: [والطواف] والطواف بالبيت يجب له الوضوء؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف بالبيت صلاة) فأعطاه حكم الصلاة، فدل على أنه يجب له الوضوء، وهو مذهب جمهور العلماء في أن الطواف بالبيت تشترط له الطهارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه حكم الصلاة، فيؤمر بالوضوء له كما يؤمر للصلاة.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه لا تشترط الطهارة للطواف، وهو مذهب مرجوح.
ومن الأدلة على اشتراط الطهارة، ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ عائشة لما حاضت: (اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) فدل على أن الطواف بالبيت تشترط له الطهارة.
(16/22)
________________________________________
الأسئلة
(16/23)
________________________________________
حكم مس المصحف من غير وضوء

السؤال
ما حكم مس المصحف من غير وضوء؟

الجواب
ما شاء الله! ما أدري أعاتب من؟ يحكون أن رجلاً أفلس فأمر القاضي أن يحمل على دابة -وكان في القديم إذا أفلس الرجل وحكم بالحجر عليه، يأمر القاضي بأن يُركب على دابة ثم يطاف به في الأسواق، حتى لا يعامله أحد فيعذر القاضي إلى الناس- فُحِمل ذلك الرجل على دابة وطيف به في الأسواق، وقال منادي القاضي: إن القاضي يأمركم أن لا تعاملوا فلان بن فلان، فمن عامله بعد اليوم فلا يلومنَّ إلا نفسه، فلما انتهى من الطواف به في آخر اليوم وأنزله عند بيته، قال له صاحب الدابة: أعطني الأجرة، قال: سبحان الله! ما الذي كنا فيه من اليوم؟! فنحن نتحدث عن مس المصحف للمحدث، والسؤال عن مس المصحف!!
(16/24)
________________________________________
حكم دفن الشعر والأظفار بعد القص

السؤال
هل يستحب دفن الأظافر والشعر إذا قيل بأنهما جزء من الإنسان بعد إبانتهما؟

الجواب
أظفار الإنسان جزء منه، وإذا أُبينت منه قالوا: يستحب دفنها؛ لأن الله عز وجل يقول: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] والأصل في أجزاء الإنسان أنها إذا قطعت أو بترت أو فصلت أنها تدفن، فلو قطع من إنسان يده أو نحو ذلك فإن هذه اليد تدفن تكريماً من الله لبني آدم، ولذلك قالوا: إذا قلَّم الأظفار دفن أظفاره، وورد في بعض الأحاديث أنه فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قيل: إن ذلك خوفاً من السحر؛ ولكن الأصل في الأمر بدفن الأظفار إنما هو من أجل أنها جزء من الإنسان فتدفن لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
(16/25)
________________________________________
إلحاق الممسوس بالماس إن وجدت شهوة

السؤال
هل كون الممسوس ينتقض وضوءُه إذا وجد شهوة، مستنده القياس أم له دليل آخر؟

الجواب
نعم.
هو القياس، إذ اتحدت فيه العلة ووجدت في الفرع كما هي في الأصل، فالحكم مستو من جهة المعنى، والشرع ينبه بالنظير على نظيره لكي تلحق الأشياء بأشباهها كما قال عمر لـ أبي موسى الأشعري: (عرف الأشباه والنظائر)، أي: لأجل أن تقيس، فالقياس الصحيح حجة شرعية عند جماهير أهل العلم -رحمة الله عليهم-، فعندما يجد الممسوس الشهوة يكون في حكم الماس نفسه، وقوي إلحاقه بمن مس نفسه، والله تعالى أعلم.
(16/26)
________________________________________
اندراج الوضوء تحت غسل الجنابة

السؤال
إذا اغتسل الإنسان من الجنابة وأراد أن يصلي، فهل يجب عليه أن يتوضأ أم يكفيه الغسل؟

الجواب
إذا اغتسل الإنسان من الجنابة فإنه لا يجب عليه أن يتوضأ، خاصةً إذا توضأ أثناء غسله، وقد ثبت من حديث عائشة أنه: (أنه عليه الصلاة والسلام ما توضأ بعد غسل) ولذلك لا يجب الوضوء بعد الغسل إلا إذا لمس العضو بعد غسله، وأما إذا كان قد بقي على طهارته، فإن الطهارة الصغرى تندرج تحت الطهارة الكبرى، والله تعالى أعلم.
(16/27)
________________________________________
حكم مس المحدث للمصحف لأجل إبعاده عن الإهانة

السؤال
ما حكم إخراج المصحف من الجيب عندما يريد الإنسان دخول الخلاء وهو محدث؟

الجواب
استثنى بعض العلماء مس المحدث للمصحف لإكرامه أو خوف إهانته، فقالوا: لو رأى المصحف وخشي عليه أن يحترق جاز له أن يأخذه ولو كان محدثاً، ولو رآه ساقطاً فمد يده حتى لا يسقط على الأرض إكراماً له وهو محدث جاز له ذلك، فوضعه أيسر من حمله عند قضاء الحاجة، والأصل في الشريعة أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما، والله تعالى أعلم.
(16/28)
________________________________________
معنى: الشك، والظن، والوهم

السؤال
ما معنى قول العلماء: ما استوى طرفاه فشك، وما اختلفا فالراجح ظن والمرجوح وهم؟

الجواب
مراتب العلم أربعة يحفظها طلاب العلم وينبغي التركيز عليها: المرتبة الأولى: تسمى عند العلماء: اليقين.
المرتبة الثانية: وهي الظن.
المرتبة الثالثة: وهي الشك.
المرتبة الرابعة: وهي الوهم.
فهذه أربع مراتب للعلم: فمرتبة اليقين (100 %)، وهي المرتبة التي يصل فيها علمك بالشيء إلى درجة لا يدخلك فيها أي شك البتة، كأن ترى رجلاً في المسجد تعرفه باسمه ولونه ووصفه فتقول: محمد في المسجد الآن، وأنت تراه أمامك، فهذا يعتبر علم يقين لا يدخل الإنسان فيه أي شك.
ومرتبة الظن: أن يكون ما بين (51 %) إلى (99 %)، والغاية داخلة في المغيا، فإذا بلغ علمك بالشيء إلى درجة أن واحداً بالمائة يحتمل الضد، فحينئذٍ يقال: غالب الظن، أو يقال: الظن، أو يقال: الراجح.
مثال ذلك: عهدك بأخيك محمد أنه في البيت، ثم سألك سائل بعد ما خرجت من البيت بنصف ساعة أو بربع ساعة، وقال لك: محمد في البيت؟ وأنت تجزم بأن محمداً في البيت؛ ولكن يحتمل أنه خرج بعد خروجك، والاحتمال ضئيل، فتقول: غالب ظني أنه موجود، والمراد بذلك: غلبة العلم بوجوده مع وجود احتمال أنه غير موجود أو أنه خرج بعد خروجك، فهذه يسمونها: مرتبة الظن أو الراجح أو غالب الظن، وكله بمعنى.
ومرتبة الشك هو (50 %) فيكون علمك بالشيء إثباتاً ونفياً بمرتبة واحدة سألك سائل: زيد في مكتبه؟ وأنت لا تدري أهو في مكتبه أم لا، فتقول: يمكن أن يكون موجوداً ويمكن أن لا يكون موجوداً، هذا يسمونه: الشك، أي: يحتمل أنه موجود ويحتمل أنه غير موجود.
ومرتبة الوهم تبدأ من (1 %) إلى (49 %) فإذا كان غالب ظنك أنه موجود فضده النادر، وهو أنه غير موجود، فالنادر يسمى: وهماً، وغالب الظن يسمى: ظناً راجحاً.
هذا معنى ما ذكره السائل من قولهم: ما استوى طرفاه شك، وما رجح أحد الطرفين فالراجح ظن والمرجوح وهم.
(16/29)
________________________________________
حكم وضوء من شرب مرق الجزور

السؤال
ما حكم مرق لحم الجزور، هل ينقض الوضوء أم لا؟

الجواب
مرق لحم الجزور فيه خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم: منهم من يقول: زهومة اللحم في المرق وقوتها قوة اللحم نفسه.
ومنهم من يقول: أعتبر لفظ الحديث: (أنتوضأ من لحوم الإبل؟) فما كان من اللحم نفسه نقض وما كان من مرقه لم ينقض، والأقوى أن الإنسان يتوضأ منه.
(16/30)
________________________________________
وضوء المصاب بسلس الريح

السؤال
أنا مصاب بمرض سلس الريح فهل يلزم علي أن أتوضأ عند كل صلاة؟

الجواب
هذا فيه تفصيل: إذا استمر خروج الريح مع الإنسان بحيث لا يبقى له وضوء بقدر ما يصلي، فإنه يتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، ثم يصلي ولو خرج الريح معه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك المستحاضة.
أما لو كان الريح يخرج ثم يبقى ثلث ساعة أو ربع ساعة أو عشر دقائق لا يخرج، بحيث يمكنه أن يصلي، فحينئذٍ يتوضأ ثم يصلي حتى يتدارك ما قبل خروجه، ولو أدى ذلك إلى تركه للجماعة في المسجد فلا حرج عليه؛ لأن مراعاة شرط الطهارة مقدم على الواجب المنفصل من شهود الجماعة، وهذه الحالة يستثنى فيها وجوب الجماعة فيحكم بسقوطها عن الإنسان إذا كان معه سلس، بحيث يستطيع أن يصلي؛ ولكن في وقت ضيق لا يسعه معه أن يمكث في المسجد {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
والله تعالى أعلم.
(16/31)
________________________________________
الجمع بين الأحاديث الواردة في الوضوء من مس الذكر

السؤال
كيف الجمع بين الحديثين الصحيحين: (من مس ذكره فليتوضأ) و: (وإنما هو بضعة منك) هل الأول يكون فيمن مس ذكره بشهوة والثاني فيمن مسه بدون شهوة؟

الجواب
ما سألت عنه من تعارض حديث طلق بن علي، وحديث أبي هريرة وبسرة بنت صفوان رضي الله عنها، فأنسب الأجوبة أن حديث طلق منسوخ؛ لأنه قال: (قدمت والنبي صلى الله عليه وسلم يبني مسجده).
والأمر الثاني: أنه سأل عن مس الذكر فيحمل على وجود الحائل، والحديث الآخر يحمل على المباشر، وهذا الجمع أقوى من التفريق بين المس بشهوة وبدون شهوة؛ لأنك لو جمعت بين الحديثين بالتفصيل في وجود الشهوة وفقد الشهوة أشكل عليك العموم في قوله: (من مس) ولكن حملك على مس بوصف وهو عدم وجود الحائل، ومس بدون وصف وهو وجود حائل أقوى وأبلغ، ثم وجود الشهوة وعدم وجود الشهوة في الحائل وبدون حائل فيه اعتبار، فدخل هذا الجمع تحت الجمع الذي ذكرناه، من كونه بحائل أو بدون حائل، فإن الإنسان إذا مس بحائل يضعف تأثير الشهوة، بخلاف ما إذا لو مسه بدون حائل، والله تعالى أعلم.
(16/32)
________________________________________
الفرق بين علم اليقين وعين اليقين

السؤال
ما الفرق بين علم اليقين وبين عين اليقين؟

الجواب
علم اليقين متعلق بالإدراك، وأما عين اليقين فمتعلق بالحاسة التي تُوِصِّلَ بها إلى الإدراك، قال تعالى: {ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر:7] أي: ترونها على وجه لا يمكن أن يدخل الإنسان فيه شك؛ لأن الكفار امتروا وكذّبوا بالآخرة، فأخبر الله جل وعلا: أن الفصل بين من صدق بالآخرة وكذب بها أن يرى الناس ذلك في عرصات يوم القيامة، حيث قال سبحانه: {ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر:7] فالمقصود: أن هذا متعلق بالإحساس وهذا متعلق بالإدراك وكل منهما له معناه.
(16/33)
________________________________________
حكم مس المصحف لمن به سلس

السؤال
ما حكم مس المصحف لمن كان مصاباً بمرض السلس؟ من كان به سلس البول فإنه يجوز له أن يتوضأ في بداية دخول الوقت ثم يمس المصحف حتى ينتهي الوقت، ويتوضأ من جديد، ولا حرج عليه أن يمس المصحف ولو خرج منه الخارج؛ لأنه معذور في انتقاضه، والله تعالى أعلم.
(16/34)
________________________________________
حكم الوضوء من مس الخصية

السؤال
هل مس الخصية ينقض الوضوء؟

الجواب
هذه المسألة للعلماء فيها قولان: فجماهير السلف والخلف على أن مس الأنثيين لا يوجب انتقاض الوضوء.
وذهب عروة بن الزبير -رحمه الله- إلى القول بأن مس الأنثيين يوجب انتقاض الوضوء.
والصحيح أن مسهما لا يوجب انتقاض الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص الحكم بالذكر دون الأنثيين.
وأما قوله من: (من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه) فهي زيادة مدرجة من قول عروة لأنها مذهبه، والله تعالى أعلم.
(16/35)
________________________________________
حكم الوضوء من غسل الميت

السؤال
هل من الممكن إعادة القول في غسل الميت هل ينقض الوضوء أم لا؟

الجواب
للعلماء -رحمهم الله تعالى- في غسل الميت قولان: منهم من يرى أنه ينقض.
ومنهم من لا يرى انتقاض الوضوء به.
فالذين قالوا بعدم انتقاض الوضوء قالوا: إن الأصل طهارة الغاسل حتى يدل الدليل على الانتقاض، وليس ثَمَّ دليل صحيح يدل عليه، ولذلك نبقى على هذا الأصل ونستصحب حكم الطهارة، وهو أولى القولين بالصواب، وقد تكلم الإمام الدارقطني -رحمه الله- في كتابه العلل على علة حديث الأمر بالغسل والوضوء من غسل الميت وحمله، والله تعالى أعلم.
(16/36)
________________________________________
معنى: (مذهب راجح) و (مذهب مرجوح)

السؤال
قولكم: هذا مذهب راجح وهذا مذهب مرجوح، ما معنى ذلك؟

الجواب
إذا قوي دليل أحد القولين فإنه يحكم برجحانه؛ لوجود القوة إما سنداً أو متناً، فإن قويت دلالة النص فالرجحان من جهة المتن، وإن قوي سنده فالرجحان من جهة الثبوت، فإذا قوي الاثنان ثبوتاً ودلالة فحينئذٍ لا إشكال، فإذا قيل: إنه الراجح، فالمراد: أنه أقوى القولين دليلاً، إما من جهة الثبوت وإما من جهة الدلالة، وإما من جهتهما، والله تعالى أعلم.
(16/37)
________________________________________
مسافة القصر بين جدة ومكة والمشاعر وما يترتب عليها من أحكام

السؤال
هل المسافة من جدة إلى مكة مسافة قصر؟ وإذا كانت ليست مسافة قصر فهل من أحرم بالعمرة في أشهر الحج وهو من أهل جدة متمتع؟ وهل يصح له القصر في مكة ومنى وعرفة ومزدلفة؟

الجواب
أما بالنسبة للمسافة بين جدة ومكة فقد كانت في القديم تبلغ مسيرة اليوم والليلة، ولذلك لما سئل ابن عباس عن قصر الصلاة للجموم قال رضي الله عنه: (لا، وإنما إلى جدة وعسفان)، فأثبت القصر في هذين الموضعين، ولكن عندما اتصل العمران -كما هو الحال الآن- قصرت المسافة عن حد السفر، ولا تبلغ الحد المعتبر للحكم بالقصر، ولذلك إذا قصد من جدة إلى مكة فإنه لا يأخذ حكم المسافر؛ ولكن إذا نوى الحج من جدة فإنه يحكم بكونه مسافراً؛ لأنه قاصد إلى المشاعر، والمشاعر تتمِّم النقص في المسافة، فيقصر الصلاة ويأخذ حكم المسافر؛ لأن عرفات تبعد عن البيت بأكثر من (8 كم)، وهذا يجبر النقص الموجود في المسافة التي بين جدة ومكة، وبناءً على ذلك تبلغ المسافة غاية السفر، فغايته إذا حج من جدة إلى عرفات، فيحكم بكونه مسافراً، فيقصر الصلاة إذا قصد الحج، وأما إسقاط الدم عن أهل جدة إذا رجعوا فإنه مبني على الاجتهاد، والأقوى أنهم ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وإنما هم في حكم الخارج عن الحرم وآخذون حكم الآفاقيين، ويجب عليهم دم إن تمتعوا؛ لأنهم ليسوا في حكم حاضري المسجد الحرام، والله تعالى أعلم.
(16/38)
________________________________________
علة القصر في المشاعر

السؤال
هل القصر من أجل السفر أم من أجل النسك؟

الجواب
القصر من أجل السفر، وأما أهل مكة فأصح الأقوال أنهم لا يقصرون؛ وذلك أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن القصر لا يقتضي الحكم بكونهم مسافرين، فقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالقصر، وإذا ثبت هذا فإنه يجاب عن سكوته بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أهل مكة بقوله: (أتموا الصلاة فإنا قوم سفر) وسكت في المشاعر عن أمرهم بالإتمام؛ لسبق التنبيه لهم على ذلك.
وقال بعض العلماء: بل القصر من أجل النسك، وأنه يشرع لهم أن يقصروا من أجل النسك، ولذلك يَجْمَعون؛ وعلى هذا القول فلا إشكال إذا خرج المكي أن يقصر ولا حرج عليه في ذلك، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(16/39)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الغسل [1]
حرص الشرع على طهارة الإنسان ونقائه، وأمره بالتخلي عن الأقذار والتطهر من الأحداث، إلا أن بعض الأحداث يكون تأثيرها كبيراً على البدن، فلهذا أمر الشرع بالاغتسال منها؛ كالجنابة والحيض والنفاس، ولم يكتفِ فيها بمجرد الوضوء.
(17/1)
________________________________________
تعريف الغسل وحكمه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الغسل]: الغسل في اللغة: هو صبّ الماء على الشيء، واختلف العلماء -رحمهم الله- هل من شرط الغسل أن تمر يدك على الشيء، أم ليس من شرطه؟ فقال بعض أئمة اللغة: كل من صب الماء على الشيء وأصاب ذلك الشيء فقد صدق عليه أنه قد غسله.
وقال بعضهم: لا بد من إمرار اليد على الشيء المغسول.
وأصح الأقوال: أن الغسل لا يشترط فيه أن تمر يدك على المغسول، وأن الشيء إذا صببت عليه الماء فقد غسلته.
والمراد بالغسل في الشرع: تعميم البدن بالماء مع نية مخصوصة، وهي: قصد القربة لله جل وعلا، فخرج من عمَّم بدنه بالماء بقصد النظافة أو السباحة والاستحمام، فإنه لا يعتبر غسلاً شرعياً.
والغسل عبادة شرعية، شرعها الله جل وعلا وأوجبها على الجنب والحائض والنفساء ومن في حكمهم ممن هو مأمور بالغسل، والعلماء -رحمهم الله- من عادتهم أنهم يذكرون باب الغسل في كتاب الطهارة؛ والسبب في ذلك: أن الغسل طهارة كبرى، فبعد أن بين -رحمه الله- الوضوء -وهو الطهارة الصغرى- شرع في بيان أحكام الطهارة الكبرى وهي الغسل.
وقد يسأل سائل ويقول: أليس الغسل طهارة كبرى، والوضوء طهارة صغرى؟ فنقول: نعم، فيقول: إذا كان الغسل طهارة كبرى والوضوء طهارة صغرى فقد كان الأنسب أن يبدأ بالكبرى قبل الصغرى؛ لأن الصغرى قد تندرج تحت الكبرى.
وأُجيب عن ذلك بأن الوضوء أكثر من الغسل، بمعنى: أنك تتوضأ في اليوم أكثر من مرّة والغسل لا يقع إلا عند موجبه من جنابة أو غيرها.
وقد يجلس الأعزب سنة كاملة لا يجنب ولا يغتسل إلا مرة واحدة، فلما كان الوضوء أكثر وقوعاً، أو كما يقول العلماء: أعم بلوى، ابتدأ العلماء رحمهم الله بالوضوء ثم ثنّوا بالغسل، هذا من جهة النظر.
وبعبارة مختصرة نقول: قُدم الوضوء لعموم البلوى به وشدة الحاجة إليه، وأُخّر الغسل لندرة وقوعه أو قلة وقوعه بالنسبة للوضوء.
الأمر الثاني: أن الفقهاء والمحدثين -رحمة الله عليهم- يقدمون الوضوء على الغسل مراعاة لترتيب القرآن، فإن الله عز وجل في آية المائدة بيّن حكم الوضوء ثم أتبعه بالغسل.
أما مناسبة الغسل للطهارة: فلأنه نوع من أنواعها، فمن المناسب أن يذكر ما يتعلق به من أحكام.
(17/2)
________________________________________
موجبات الغسل
(17/3)
________________________________________
الغسل من خروج المني
قال رحمه الله: [وموجبه: خروج المني دفقاً بلذة].
(وموجبه) الموجب هو: المتسبب، أي: أن هذا الغسل يوجبه أو يتسبب في لزومه على المكلف خروج المني دفقاً بلذة، أي: إذا خرج المني من الإنسان دفقاً وبلذة لزمه الغسل.
أما الخروج: فهو ضد الدخول كما هو معلوم، ومراد العلماء بخروج المني أن يجاوز رأس الإحليل وهو المجرى من العضو، فإذا بلغ المني ذلك الموضع -بمعنى: أنه قذفه العضو- فقد وجب الغسل، فهذا المراد بالخروج، ولما قال المصنف: (خروج) فهمنا من ذلك: أنه لو لم يخرج وإنما حصل الانتقال، بأن شعر به قد خرج من صلبه ولكن لم يقذف، فهل يجب عليه الغسل؟

الجواب
لا، لأن الغسل مرتبط بالمجاوزة، ففائدة تعبير الفقهاء بكلمة: (خروج)، أنك لو سئلت عن رجل حصل منه تحرك الشهوة ونزع المني من الصلب أثناء الصلاة فأمسك العضو حتى سلّم فصلاته صحيحة ولا يحكم عليه بوجوب الغسل إلا بعد تحقق الخروج، فإذاً: الوصف بالخروج معتبر، ومفهومه: أنه إذا لم يخرج لم يجب الغسل، وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء) أي: إنما الماء -وهو الغسل- (من) سببية، أي: بسبب الماء، وهو خروج المني، فإذا خرج المني وجب الغسل، فإذا لم يحصل الخروج لم يحصل الماء، ولذلك لا يجب الغسل.
قال رحمه الله: (خروج المني) المني: هو الماء الأبيض الثخين بالنسبة للرجل، والأصفر الرقيق بالنسبة للمرأة، ورائحته كطلع النخل، يخرج دفقاً عند وجود الشهوة أو اللذة الكبرى.
(17/4)
________________________________________
حكم الغسل من المني الخارج بغير تدفق
(دفقاً) والدفق: وصف معتبر اشترطه الفقهاء -رحمهم الله- لقوله تعالى: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق:6] فوصف الله جل وعلا مني الإنسان بكونه دافقاً، ولذلك قالوا: إذا خرج المني دفقاً وجب الغسل.
وهنا مسألة: لو أن إنساناً خرج منه المني على قطرات دون أن يخرج دفقاً، فهل يجب عليه الغسل؟ قولان للعلماء: القول الأول: إذا خرج المني دفقاً وجب الغسل، وإن خرج بدون دفق فلا غسل عليه؛ لأن الله وصف المني بكونه دافقاً، فإن خرج على هيئة قطرات فهو مرض واعتلال في الصّحة لا يوجب الغسل، ولذلك لا يجب من مثله غسل.
القول الثاني: إنه يجب الغسل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء).
وأصح القولين -والعلم عند الله-: أنه إن خرج المني على قطرات مع الشهوة وقصدها أوجب الغسل؛ لوجود المعنى الموجب، وإن خرج قطرات على سبيل المرض أو الاعتلال لم يوجب الغسل؛ لأن العلة التي ذكروها من كونه خارجاً عن وصف القرآن بسبب المرض لا تتحقق إلا في آحاد الصور، وإذا كانت العلة لا تتحقق إلا في آحاد الصور فيجب تخصيصها بما ذكر، ولذلك نقول: الأصل في خروج المني أنه يوجب الغسل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) فإن حصل للإنسان مرض وخرج منه قطرات، أو أصاب العضو مرض وأخرج منيه على هيئة قطرات دون قصد الشهوة ولم يكن ذلك بها فإنه لا يوجب الغسل، وهذا هو أعدل الأقوال في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: تجد عند بعض المرضى -كمن استؤصلت منه البروستات أو ما يجري في مسألة غدة المسالك- يخرج المني مع البول، وقد يخرج بكثرة وهو دافق، فهل نعطيه الحكم؟ فنقول: مثله لا يوجب الغسل؛ لأنه ليس في حكم الغالب المعتاد، وهو نادر، ويحصل بسبب اعتلال الصّحة؛ فيأخذ حكم المرض، وبالنظر للأصول العامة في الشريعة: فإننا لو أوجبنا الغسل على مثل هذا لكان فيه حرج ومشقة، والشريعة لا حرج فيها ولا مشقة، وهذا حاصل ما ذكر في قولهم: خروج المني دفقاً.
(بلذّة) اللذّة: وصف معتبر، قالوا: إنه يخرج دفقاً مصحوباً باللذّة، وهي اللذّة الكبرى، وخرج بقولهم: اللذة الكبرى، ما يخرج باللذّة الصغرى وهو الذي يسمى: المذي، وهو قطرات يسيرة لزجة تخرج عند بداية الشهوة، فمثل هذه القطرات لا تأخذ حكم المني، والمني يختص باللذّة الكبرى والشهوة الكبرى، وهذا هو الموجب الأول.
يقول المصنف رحمه الله: (خروج المني دفقاً بلذّة) أي: إذا خرج المني من المكلّف بهذه الصورة الجامعة للوصفين: دفقاً وبلذّة، وجب الغسل.
والدليل على ما سبق: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فدل على وجوب الغسل من خروج المني بالصفة التي ذكرناها، وظاهر قول المصنف: (خروج المني) العموم، أي: سواء خرج المني في يقظة أو خرج في منام، فإن خرج في اليقظة فيستوي فيه أن يكون بجماع أو بغير جماع، وإن خرج في المنام فيستوي فيه أن يتذكر الاحتلام أو لم يتذكر الاحتلام.
أما الدليل على وجوب الغسل بمجرد خروج المني في يقظة أو منام على هذا الإطلاق فحديث صحيح مسلم، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الماء من الماء) فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن وجوب الغسل من الجنابة مبني على وجود الماء وهو المني، فكلما وجدنا الماء -وهو المني- حكمنا بوجوب الغسل، وعلى هذا لو أن إنساناً نام ثم استيقظ فوجد أثر المني في ثوبه، فهل يجب عليه الغسل حتى وإن لم يتذكر الاحتلام؟

الجواب
نعم؛ لظاهر الحديث، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الغسل دون نظر إلى كونه ذاكراً أو غير ذاكر، وبناءً على ذلك فالعبرة بوجود المني سواءً شعر بكونه احتلم أو لم يشعر.
(17/5)
________________________________________
الشك في البلل الموجود على الثوب
الأمر الأخير الذي نريد أن ننبه عليه: لو شك الإنسان في ماءٍ فاستيقظ من نومه فوجد بللاً في ثوبه ثم لم يدر هل هو مني فيغتسل، أو مذي حكمه حكم البول؟ نقول: يميز هذا الماء، فإن وجد علامة المني وهي رائحة المني التي هي كطلع النخل، أو وصف المني بيبسه إذا كان طال عهده بالمنام، كأن ينام بعد صلاة الفجر ثم يستيقظ بعد شروق الشمس ويسهو عن نفسه، ثم لما أراد أن يصلي الظهر وجد الماء في ثيابه يابساً، فحينئذٍ يعمل بالأوصاف من ثخن المني ورقة المذي، فإن وجد ثخن المني أو رائحته -لأنه إذا طال وقته كانت رائحته كرائحة البيض، وإن كان طرياً تكون رائحته كطلع النخل، وطلع النخل هو الوبار الذي تُؤبَّر به النخل- فإذا وجده بصفة المني حكم بكونه منياً واغتسل، وإن لم يجد الصفة أو وجد قطرات يسيرة فمثلها ليس بمني؛ لأن المني كثير، وحينئذٍ يبني على أنها مذي وهو الذي يكون عند بداية الشهوة، فإن وجد علامة المني أو علامة المذي حكم بما وجد من علامة، وإن لم يستطع التمييز رجع إلى اليقين من كونه مذياً حتى يستيقن أنه مني فيجب عليه الغسل.
فنقول لمن شك في هذا الماء الموجود في الثوب هل هو مني فيغتسل، أو مذي فيغسله ويتوضأ؟ نقول: هو مذي حتى تستيقن أنه مني، ولا يجب عليك الغسل بالشك.
قال رحمه الله: [لا بدونهما من غير نائم].
(لا بدونهما): لا: نافية، أي: لا يجب الغسل بمني خرج بدون دفق أو بدون لذة أو بدونهما، وقيل بالترابط بين الدفق واللذة لأنه لا توجد اللذة إلا مع الدفق، وبناءً على ذلك قلنا: هذان الوصفان إذا لم يوجدا لم يحكم بوجوب الغسل من المني.
(17/6)
________________________________________
حكم الغسل من خروج المني من النائم
قال رحمه الله: [من غير نائم].
(من غير نائم) وهو المستيقظ، فلو أن إنساناً كان مستيقظاً وخرج منه المني بدون دفق ولا لذة، فما الحكم؟ نقول: لا يجب عليه؛ لظاهر القرآن على التفصيل الذي بيناه، لكن لو كان نائماً فلم يشعر بلذة ولا بتدفق فما الحكم؟ قالوا: يجب عليه الغسل؛ لعموم قوله: (إنما الماء من الماء) والسبب في استثناء النائم أن النائم لا شعور عنده ولذلك لا يشعر باللذة، والنائم قد يحتلم ويستيقظ ولا يذكر أثر الاحتلام من وجود الشعور باللذة، وبناءً على ذلك أسقطت اللذة في حكمه وأُعمل عموم النص في قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء) ولذلك لما سئل عليه الصلاة والسلام: (عن المرأة ترى ما يرى الرجل، فهل عليها من غسل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، إذا رأت الماء، إنما هن شقائق الرجال).
(17/7)
________________________________________
حكم الغسل من انتقال المني دون خروجه
قال رحمه الله: [وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له].
هذا هو الوجه الثاني الذي أشرنا إليه، فقد قال بعض العلماء: إذا شعر بانتقاله دون أن يقذفه فإن العبرة بالانتقال لا بالخروج.
قال رحمه الله: [فإن خرج بعده لم يعده].
وهذا على صورتين: الصورة الأولى: التي ذكرناها، والصورة الثانية: أن يخرج المني من جماع أو من احتلام ثم تبقى قطرات فيغتسل الرجل، وبعد أن يغتسل إذا بهذه القطرات أو فضلة المني قد نزلت ولو دفقاً، فهل العبرة بالسابق الذي هو الأصل أم العبرة باللاحق؟ إن قلت: العبرة بالسابق، فإن هذا اللاحق لا يؤثر في إيجاب الغسل، ولذلك قال: التابع تابع، فيعتبر تابعاً لما قبله، وإن قلنا: إن العبرة باللاحق؛ فحينئذٍ يجب عليه أن يعيد غسله؛ لأن الحكم مترتب على اللاحق لا على السابق، والصحيح: أن العبرة بالسابق، وأنه إذا اغتسل للأول فلا يجب عليه إعادة الغسل لفضلة المني الباقية التي خرجت بعد غسله، وهو اختيار طائفة، وهو مذهب الحنابلة والمالكية ومن وافقهم.
(17/8)
________________________________________
الغسل من إيلاج الفرج في فرج
قال رحمه الله: [وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً].
السبب الثاني الذي يجب به على المكلف أن يغتسل: تغييب حشفة أصلية، والتغييب: هو المواراة، تقول: غَيَّبَ الشيء في التراب إذا واراه فيه، والغائب هو: المتواري عن الأنظار، وتغييب الحشفة: الحشفة هي رأس الذكر، والمراد بالتغييب: أن يحصل الإيلاج، فبعض العلماء يقول: إيلاج، وبعضهم يقول: تغييب، والمعنى واحد، فلما قال: (تغييب الحشفة) فهمنا من ذلك: أنه لو ألزق رأس العضو برأس العضو فلا يجب الغسل، سواء كان من قبل أو دبر فإنه لا يترتب عليه الحكم الشرعي المترتب على الإيلاج، وهذا يكاد يكون بالإجماع.
فالتغييب شرط معتبر، ولذلك أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا ألزق الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل) فكنى صلوات ربي وسلامه عليه عن الإيلاج بقوله: (إذا ألزق) فإن هذا لا يحصل إلا بإيلاج رأس العضو، قالوا: لا يحصل ذلك إلا إذا وقع الإيلاج، وبناءً على ذلك فشرط هذا الموجب الثاني أن يحصل تغييب لرأس العضو أو قدر رأس العضو من مقطوع رأس العضو، فلو سئلت عن حكم مواراة رأس عضو مقطوع، فتقول: بتغييب قدر رأس العضو أي: حشفته.
(تغييب الحشفة في فرج أصلي) في الفرج: يشمل ذلك الأنثى والذكر، والحي والميت، والحيوان والإنسان، فإذا حصل إيلاج على هذه الصورة في فرج آدمي ذكراً كان أو أنثى، أو كان من بهيمة، أو كان من حي أو ميت وجب الغسل، وهذا فيه أصل وفيه مقيس على الأصل: أما الأصل في إيجاب الغسل بالإيلاج فهو الجماع، وهذا بنصوص الأحاديث كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: (إذا ألزق الختان الختان ... ) وقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مس الختان الختان ... )، وقوله: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) فهذه النصوص الصحيحة تدل على أن العبرة بإيلاج رأس العضو، وهذا منصوص جماهير السلف والخلف من أهل العلم رحمة الله عليهم.
أما بالنسبة للملحق بهذا الأصل ففرج الدبر سواء كان من امرأة أو من رجل أو كان من بهيمة -وهو محرم وطؤه- فإن كل ذلك يعتبر آخذاً حكم ما ذكرناه بالقياس؛ لأن الشرع ينبه بالنظير على نظيره، وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وخالف بعض أهل العلم فقال: لا يجب إلا إذا حصل الإيلاج في عضو الأنثى بالجماع، وأما غيرها فلا يجب فيه غسل، ولكن الصحيح ما ذكرناه.
(تغييب حشفة في فرج أصلي) هذا التغييب ظاهره سواء كان في يقظة أو منام، فإن التكليف بوجوب الغسل مبني على الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي، بمعنى: أنه متى ما حصل الإيلاج فالحكم بوجوب الغسل حاصل بغض النظر عن كونه في يقظة أو منام.
(تغييب حشفة في فرج أصلي) خرج من هذا الفرج الغير الأصلي، ومثل له العلماء بالخنثى المشكل، فقال بعض العلماء -رحمهم الله- وهو يكاد يكون مذهب الجمهور: إنه إذا جامع الخنثى وكان مشكلاً فإنه لا يحكم بوجوب الغسل عليه، وهي مسألة فيها خلاف، وأنا متوقف فيها، فبعض العلماء يرى أن العبرة بالفرج الأصلي؛ قالوا: لأن الخنثى إذا لم يتبين أهو ذكر أم أنثى فإننا نعمل بقاعدة: (اليقين لا يزال بالشك)، فاليقين أن المجامع يعتبر طاهراً، وشككنا في هذا الفرج: هل الخنثى رجل فيكون بمثابة وطء فرج غير أصلي فحينئذٍ لا يجب الغسل، أو هو أنثى فيكون جماعاً صحيحاً موجباً للغسل؟ فرجعنا إلى اليقين، هذا وجه إسقاط الغسل، يقولون: إن المجامع الأصل فيه الطهارة وشككنا في هذا الجماع: أيوجب الغسل أو لا يوجبه؟ والأصل براءة الذمة، فلا يجب غسل بجماع خنثى مشكل، هذا بالنسبة لكلام العلماء رحمة الله عليهم.
قال رحمه الله: [قبلاً أو دبراً].
(قبلاً أو دبراً) هذا للتنويع، سواء وقع في قبل أو دبر، يخرج من هذا الفرج غير الأصلي كما ذكرنا في الخنثى المشكل، أو يكون مصنّعاً، فكل ذلك لا يوجب الغسل.
قال بعض العلماء: الإيلاج يوجب الغسل للمولج فيه، سواء كان المولَج عضواً أو غيره، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعية وغيرهم، ومنها: ومسألة المناظير الطبية الموجودة التي تولج من الدبر، فإذا احتاج المريض لكشف مرض جراحي أو للتأكد من وجود قرحة أو القسطرة التي تكون -مثلاً- في الإحليل، فقال بعض العلماء: إيلاج أي شيء في الفرج سواءً كان مخلوقاً حياً أو كان غير حيّ كالآلات الحديديّة الموجودة الآن من مناظير ونحوها يوجب الغسل، فيتفرّع على هذا لو سأل سائل عن إدخال المناظير أيوجب الغسل أم لا؟ فحينئذٍ نقول على هذا القول: يجب عليه أن يغتسل، والصحيح: أنه لا يجب الغسل بإيلاج غير الأعضاء المعتبرة.
قال رحمه الله: [ولو من بهيمة أو ميت].
أي: لو وقع الإيلاج في بهيمة أو ميت.
(17/9)
________________________________________
حكم الغسل لمن جامع زوجته ولم ينزل
وبالنسبة للإيلاج ففيه مسألتان: المسألة الأولى: كان بعض السلف يقول: إذا جامع الرجل ولم يُنزل لا يجب الغسل، أي: أنهم لا يرون أن مجرد الإيلاج يوجب الغسل، وذهب الجماهير من الصحابة رضوان الله عليهم إلى أنه يجب الغسل، سواء حصل الإنزال في الجماع أو لم يحصل، إنما هذا كان في أول التشريع في الإسلام، أن الرجل إذا جامع ولم ينزل فلا يجب عليه الغسل، وفيه أحاديث صحيحة، منها: ما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) أي: إنما الماء -وهو الغسل- بسبب الماء -وهو المني-، فإذا جامع أهله ولم ينزل فلا غسل عليه، هذا مفهوم الحديث.
ومما دل عليه أيضاً: ما ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم زار رجلاً من الأنصار، فقرع عليه الباب فخرج الرجل مسرعاً كأنه كان مع أهله، فقال عليه الصلاة والسلام: لعلنا أعجلناك، إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك) (أعجلت) بمعنى: أن الإنسان نزع قبل أن ينزل في الجماع، (أو أقحطت) أي: لم يحصل إنزال أثناء الجماع (فلا غسل عليك)، فظاهر هذا النص أن العبرة بحصول المني.
وجاء في الحديث الثالث أيضاً ما يؤكد هذا في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فكانت هذه رخصة في أول الإسلام، أنه لا يجب الغسل بمجرد الجماع، ثم جاء الأمر من الله عز وجل بإيجاب الغسل بالجماع في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل) وفي رواية: (أنزل أو لم ينزل).
وعندما اختلف الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه كان بعض الصحابة يحفظ الفتوى الأولى ويحفظ التشريع الأول، وكان بعضهم يحفظ النسخ، فاختلفوا واختصموا إلى عمر رضي الله عنه، فبعث عمر رضي الله عنه إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها فأخبرته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من ورع الصحابة وكمال عقلهم وفضلهم أنهم كانوا ينزلون العلم بأهله.
فانظر إلى عمر رضي الله عنه الخليفة الراشد والإمام العدل رضي الله عنه وأرضاه، لما أعْيَته المسألة ما حكم وبتّ الأمر واختار أحد القولين وحسم، بل رجع إلى أم المؤمنين، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن نافلته عليه الصلاة والسلام في السفر قالت: (سل عبد الله بن عمر فإنه أعلم بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره مني) فهذا هو شأن أهل الفضل، والمنبغي بين طلاب العلم وأهله، أنك إذا علمت أن هناك من هو أعلم منك في فن أو علم فعليك أن تحيل إليه المسألة، فلما اختلفوا في هذه المسألة رجعوا إلى أمهات المؤمنين، وقد كانوا إذا خفي عليهم شيء من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور البيت والنساء وأحكامها رجعوا إلى أمهات المؤمنين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، فأخبرته أم المؤمنين بالحديث فقال عمر رضي الله عنه: (من خالف بعد اليوم جعلته نكالاً للعالمين) أي: عزرته، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نسخ الحكم الذي كان في أول الإسلام بالتخفيف، فوجب الغسل سواء حصل الإنزال أو لم يحصل الإنزال.
وجاء أبو سلمة رضي الله عنه -الإمام المشهور تلميذ ابن عباس - إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها -وحصل تشكيك في هذه المسألة في عهد التابعين- وذكر القول الذي يقول بإسقاط الغسل عن من جامع ولم ينزل، فسأل أم المؤمنين فقالت: (يا أبا سلمة! إنما مثلك مثل الفُرُّوج سمع الديكة تصيح فصاح بصياحها) أي: ما أنت إلا تبع للناس، وينبغي أن يؤخذ العلم عن أهله، ثم ذكرت له الحديث، فهذا يدل على شدة أم المؤمنين رضي الله عنها في المسألة، وأن الأمر منسوخ ومنتهٍ، ولذلك يقول بعض العلماء: حصل الإجماع بعد الصحابة على أن مجرد الجماع يوجب الغسل سواء حصل الإنزال أو لم يحصل.
(17/10)
________________________________________
حكم الغسل من الإيلاج بحائل
المسألة الثانية: ذكرنا أن الإيلاج يوجب الغسل، فالإيلاج يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون بدون حائل، وهذا بالإجماع معتبر بالأوصاف التي ذكرناها.
الصورة الثانية: أن يكون بحائل، فلو حصل الإيلاج بالحائل فهل يجب الغسل، أو لا يجب؟ فللعلماء ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قال بعض العلماء: لا يجب الغسل إذا وجد الحائل.
الوجه الثاني: وقال بعضهم: يجب الغسل سواء وجد الحائل أو لم يوجد.
الوجه الثالث: وقال بعضهم: إن كان الحائل رقيقاً وجب الغسل، وإن كان ثخيناً لم يجب الغسل.
والأقوى: أن الحائل لا يجب معه الغسل، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مس الختانُ الختانَ) فعبّر بالمس، ولا يكون المس مع وجود الحائل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (من مس ذكره فليتوضأ) وقد قالوا: إنه لا بد أن يكون بإفضاء دون وجود حائل، فأصح الأوجه -والعلم عند الله-: أن وجود الحائل لا يجب الغسل معه، لكن الاحتياط والأورع أن يغتسل سواء وجد الحائل أو لم يوجد.
(17/11)
________________________________________
الغسل عند الدخول في الإسلام
قال رحمه الله: [وإسلام كافر].
أي: إذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل، وفيه حديث قيس -واختلف في إسناده وحسنه بعض العلماء، وقال به بعض أئمة السلف- حيث قال عليه الصلاة والسلام: (ألق عنك شعر الكفر واغتسل) وقالوا: إن الكافر يجب عليه الغسل، وللعلماء أوجه في هذه المسألة: فقال بعضهم: يجب الغسل على الكافر مطلقاً.
وقال بعضهم: يجب الغسل على الكافر إن كانت منه جنابة في حال كفره، ولا يجب إذا لم تكن منه جنابة.
وقال بعضهم: لا يجب الغسل على الكافر مطلقاً، وهذا مذهب الجمهور، أما القول الثاني فهو مذهب الحنفية، والقول الأول هو قول الحنابلة وطائفة من أهل الحديث، والحقيقة أن مدار هذه المسألة يتوقف على صحة الحديث.
(17/12)
________________________________________
وجوب غسل الميت
قال رحمه الله: [وموت وحيض ونفاس].
(وموت) أي: إذا حصل الموت وجب غسل الميت، لكنه متعلق بالمكلفين، والدليل على ذلك: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما وقف بعرفة وأُخبر بخبر الرجل الذي وقصته دابته، قال عليه الصلاة والسلام: اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه، ولا تحنّطوه ولا تخمروا وجهه ولا تغطّوا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) ومحل الشاهد قوله: (اغسلوه) فوجّه الخطاب للمكلفين؛ فدل على وجوب غسل الميت، ولكن هذا متعلق بالمكلفين.
الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما توفيت ابنته زينب رضي الله عنها وأرضاها، قال عليه الصلاة والسلام: (اغسلنها بماء وسدر) فهذا يدل على وجوبه أيضاً على الأنثى، فالأول للذكر، والثاني للأنثى، وبناءً على ذلك يجب غسل الميت من المسلمين ذكراً كان أو أنثى.
وهنا مسائل: لو أن الميت مات وليس هناك ماء؟ قالوا: يسقط الغسل، واختار بعض العلماء أن يُيمم.
والمسألة الثانية: لو حكمنا بوجوب غسل الميت، فهل هذا الوجوب مطلق أم مقيد؟ نقول: هو مقيد بالحالات الاستثنائية، فلو أن الميت كان محروقاً أو به مرض الجدري -والعياذ بالله- فكان غسله فيه ضرر على الميت كالمحروق، أو فيه ضرر على مغسله كالمريض بالجدري، فحينئذ إذا وجد ضرر يتعلق بالميت أو يتعلق بالحي سقط تغسيله، فلا يجب تغسيله، مثله الذي به جراحات كبيرة، كما يقع في بعض الحوادث -أعاذنا الله وإياكم- فترى الجسد مجروحاً أو مخدوشاً خدشاً شبه كلي، فمثل هذا لو غسل حصل له من الضرر ما الله به عليم، والتغسيل تكريم له، ولكنه على هذا الوجه يكون أذّيةً وإضراراً به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً في الإثم) فلا ينبغي أن يتسبب في إتلاف أجزاء الميت والإضرار به، ولذلك قالوا: حتى لو قص من شعره فإنه يوضع في كفنه حفاظاً على كمال جثته التي توفي بها، فبناءً على ذلك: لو كان الميت محروقاً أو به أمور تمنع من تغسيله جاز تكفينه دون أن يغسل وسقط هذا الحكم بتغسيله.
(17/13)
________________________________________
الغسل من الحيض والنفاس
قال رحمه الله: [وحيض ونفاس].
أي: أن الحيض والنفاس يوجبان الغسل، أما الحيض فبالإجماع، والأصل فيه حديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها -في المرأة المستحاضة- فإذا هي خَلّفت ذلك -يعني: أيام العادة- فلتغتسل ثم لتصلي) فقوله عليه الصلاة والسلام: (لتغتسل) أمر، فدل على أن الحيض يوجب الغسل، والله عبّر عن ذلك في قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222] فقال: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] فنسب الطهر إليهن، ووصفهن بكونهن طاهرات أي: بعد انقطاع (فإذا تطهرن) فنسب التطهر إليهن، أي: فعلن الاغتسال، فالأصل في الحائض أنها تغتسل، ويجب عليها الاغتسال عند انقطاع دمها.
(ونفاس) وكذلك النفاس، وهذا كله بالإجماع، ويكون النفاس بأن يجري معها الدم ثم ينقطع سواء طال أمده أو قل.
(17/14)
________________________________________
حكم الولادة من غير دم
قال رحمه الله: [لا ولادة عارية عن دم].
أي: لو أنها وضعت جنينها دون دم لم يجب عليها الغسل؛ لأن العبرة بالدم، وقد يقول لك قائل: العبرة بخروج الولد، فنقول: لو كانت العبرة بخروج الولد لكان الغسل يجب بمجرد الولادة، لكن كون المرأة النفساء تنتظر حتى ينتهي وينقطع الدم ثم تغتسل بعد انقطاع الدم دلّ على أن حكم وجوب الاغتسال معلق بوجود الدم، والأصل أن الحكم يدور مع موجبه، وما دام أن الدم موجب للغسل، فلا يجب الغسل إذا لم يكن هناك دم، وهي ولدت بدون دم، وهذا موجود الآن، فإذا ولدت امرأة بعملية قيصرية، وأُخرج الجنين منها ولم يجر معها دم لم يجب عليها الغسل.
(17/15)
________________________________________
ما يحرم على من يلزمه الغسل
قال رحمه الله: [ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن].
الشيخ: (ومن لزمه الغسل) أي: من كانت عليه جنابة أو حيض أو نفاس حرم عليه قراءة القرآن، وفيه حديث علي رضي الله عنه وحديث عائشة رضي الله عنها: (أما الجنب فلا ولا آية)، وقوله: (كان لا يمنعه من القرآن إلا الجنابة) والحديثان مختلف في ثبوتهما، ومن أهل العلم من حسن الحديثين، لكن ثبت في الحديث الصحيح عند النسائي وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر عليه الرجل وكان قد قضى حاجته أو بوله فسلّم عليه، تيمم على الجدار، وقال: إني كنت على غير طهارة فكرهت أن أذكر الله عز وجل) فدل هذا الحديث على أن الأصل في الذكر أن يكون على طهارة، ولذلك ينبغي صيانة القرآن عن تلاوة الجنب، وهذه من الأمور التي يفرق فيها بين القرآن وبين الحديث القدسي كما قال بعض الفضلاء بقوله: ومنعه تلاوة الجنب في كل حرفٍ منه عشراً أوجبِ أي: أن القرآن يمنع الجنب من تلاوة القرآن الذي في كل حرف منه عشر حسنات، بخلاف الحديث القدسي.
قال رحمه الله: [ويعبر المسجد لحاجة ولا يلبث فيه بغير وضوء].
(ويعبر المسجد لحاجة)؛ لقوله تعالى: {وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء:43] وقوله: (إلا عابري سبيل) فيه تقدير وهو: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وهذا أحد الأقوال.
وقال بعض العلماء: إن قوله: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء:43] راجع إلى التيمم في السفر، وبناءً على هذا الاستثناء قالوا: يجوز للجنب أن يمر بالمسجد، وهو قول طائفة من السلف رحمة الله عليهم، ولكن ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ المساجد طرقات، ولذلك لا يعبر المسجد ولا يتخذ طريقاً.
وأقول بهذا القول لظاهر السنة بالمنع، فلعل هذا كان في أول الإسلام، وهناك آثار عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يعبرون من المساجد، ولكن يحمل الحديث على أنه متأخر، والأصل: (أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح قدم الحاظر على المبيح)، ولا شك أن النفس تميل إلى أن النهي متأخر؛ لأن الأشبه في مثل هذا -كما هو معلوم في مسالك الأصوليين-: أن الحظر فيه متأخر عن الإباحة، فيقوى القول بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد طرقات حتى للطاهر، ولو كانت لك حاجة في طرف المسجد وأنت في الطرف الآخر فتستطيع أن تأتي من خارج المسجد، ويحظر أن تجتاز من داخل المسجد، وكان يقول الإمام أحمد -رحمة الله عليه- وبعض السلف: لا يتُخذ المسجد طريقاً، وهذا الذي تميل النفس إليه، والأحوط أنه لا يمر ولو كان عبوراً.
(17/16)
________________________________________
من يسن لهم الغسل
قال رحمه الله: [ومن غسل ميتاً أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سُن له الغسل].
(17/17)
________________________________________
حكم الغسل لمن غسل ميتاً
(ومن غسل ميتاً) أي: قام بتغسيله، ويكون ذلك على صورتين: الصورة الأولى: أن ينفرد بتغسيله.
والصورة الثانية: أن يكون مع غيره، فإن انفرد بتغسيله فقول واحد -عند من يقول بوجوب الغسل عليه أو باستحبابه- وهو: أن عليه أن يغتسل، أما لو كان مع غيره فإنه يأخذ حكم الأصل؛ لأنه يصدق عليه أنه غسله؛ وبناءً على ذلك فإنه إذا غسل الميت منفرداً أو مشتركاً مع غيره فيجب عليه أن يغتسل على قول من يقول بالوجوب، لكن المصنف يميل هنا إلى القول بالسُّنية والاستحباب، وهو أصح الأقوال في هذه المسألة، وفي ذلك حديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يثبت في هذا شيء، والحديث ضعيف، وقد تكلم عليه الإمام الدارقطني -رحمه الله- في العلل، وتكلم عليه الحفاظ، والصحيح عدم ثبوته، وإن كان بعض العلماء قد يحسنه، لكن الضعف فيه من القوة بمكان، ويكاد يكون الجماهير على ضعفه، وخاصة المتقدمين منهم، فإنهم يقولون: إنه ضعيف، لكن على القول بثبوته أو أنه حسن فيحمل على الندب والاستحباب والأفضل، أي: من غسّل ميتاً فله أن يغتسل على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب.
(17/18)
________________________________________
حكم غسل من أفاق من جنون أو إغماء
قال رحمه الله: [أو أفاق من جنون أو إغماء].
اختلف العلماء في المجنون: فقال بعض العلماء: المجنون إذا أفاق وجب عليه أن يغتسل، وكذلك المغمى عليه.
وقال بعضهم: لا يجب على المجنون غسل، والقول بوجوب الغسل على المجنون من القوة بمكان إذا تأتى منه خروج المني، أما إذا لم يتأتَّ منه خروج المني فيقوى القول بعدم الوجوب؛ لأنه لم يثبت فيه نص صحيح بالوجوب، ولذلك يقولون: إن المجنون إذا جنّ أو فقد عقله لم يأمن أن يخرج منه مني وهو لا يشعر، كما أن النائم إذا نام لم يأمن أن يخرج منه ريح وهو لا يشعر، فكما أن الشرع طالب النائم بإعادة وضوئه لوجود النوم الذي هو مظنة أن يكون فيه حدث، كذلك أيضاً الجنون أخذ حكم النوم في الإيجاب، هذا في الطهارة الصغرى وهذا في الطهارة الكبرى، لكن لماذا فرقنا بين كونه يتأتى منه أم لا؟ هذا مبني على نفس الدليل الذي استدل به، فإنك إذا قست الجنون على النوم في إيجاب الطهارة الكبرى قياساً على الإيجاب بالطهارة الصغرى فإنه يتعذر في النائم العلم بعلامة الريح، فلو خرج منه ريح لم يعلم، فوجب عليه الوضوء مطلقاً إذا نام، بخلاف المجنون فإن الخارج وهو: المني، له علامة وأمارة، ولذلك يفرق بين من كان يتأتى منه خروج المني ومن لا يتأتى فيه خروج المني، ويُنَزَّل المغمى منزلة المجنون.
قال رحمه الله: [بلا حلم سن له الغسل].
(بلا حلم) أي: بلا احتلام، (سن له الغسل) أي: لا يجب عليه، وهذا كما تقدم أن المجنون يغتسل -على القول بأنه يغتسل- فينزل السكران منزلة المجنون، فإذا قلنا: إن المجنون يغتسل فالسكران كذلك عليه الغسل، وفي حكم السكران من خُدِّر التخدير العام؛ لكن التخدير الموضعي لا يأخذ حكمه، والعلة في هذا كله زوال العقل.
(17/19)
________________________________________
الأسئلة
(17/20)
________________________________________
حكم وضوء من أمسك ذكره خوف نزول المني

السؤال
ذكرتم أن المصلي إذا أمسك ذكره خوفاً من نزول المني أن صلاته صحيحة، فهل إذا أمسك الرجل ذكره في حالة الانتصاب ينتقض الوضوء أم لا؟

الجواب
إمساك العضو على الصورة التي وردت في السؤال لا يجب بها الوضوء، وإن كان بعض المتأخرين يقول: إذا وجد اللذة والشهوة فيجب عليه أن يتوضأ، لكنه قول شاذ لا أعرف له أصلاً، والصحيح أنه لا يجب الوضوء بمجرد إمساكه الذكر، لما ثبت في حديث طلق بن عدي أنه لما سئل عليه الصلاة والسلام عن لمس الذكر -على القول بأن هذا إذا كان بحائل- قال: (وهل هو إلا بضعة منك) قالوا: إنه محمول على وجود الحائل، وبناءً على ذلك فلا يجب عليه الوضوء سواءً وجد اللذة أو لم يجدها.
والله تعالى أعلم.
(17/21)
________________________________________
حكم من احتلم ولم يجد بللاً

السؤال
إذا رأى الرجل ما يوجب الغسل في نومه ولكنه لم يخرج شيئاً، فهل عليه غسل؟

الجواب
من رأى ما يوجب الغسل أو تهيأ له أنه احتلم ثم استيقظ ولم يجد أثر الاحتلام فلا يجب عليه الغسل؛ لما ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) فقد دل هذا الحديث على أن وجود الماء يوجب الغسل، ومفهومه: أنه إذا لم يوجد الماء فلا يجب الغسل، والله تعالى أعلم.
(17/22)
________________________________________
حكم وضوء المستحاضة لكل صلاة

السؤال
هل المستحاضة تتوضأ لكل صلاة؟ وهل هذا الوضوء على الاستحباب أم على الوجوب؟

الجواب
المستحاضة إذا جرى معها الدم فإنها تتوضأ لكل صلاة، فإذا خرج وقت الصلاة الأولى توضأت لدخول وقت الصلاة الثانية؛ والسبب في ذلك حديث تكلم العلماء في سنده، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (توضئي لكل صلاة) وفي رواية: (تغتسل) لكنها ضعيفة، والقول بضعفها هو المعتبر، واختلف في قوله صلى الله عليه وسلم: (توضئي لكل صلاة) فيقولون: المعذور يُعذر في حد الوقت، فإذا انقطع الوقت عنه طولب بالعبادة بدليل مستأنف، وسقطت الرخصة بالصلاة السابقة، فيجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة عند دخول وقتها، وهذه مسألة فيها خلاف، لكن الصحيح: أنها تتوضأ لكل صلاة -وهكذا من به سلس البول- لكن بشرط: أن يجري معها الدم، أما لو انقطع عنها الدم ثم جرى معها الدم في صلاة الظهر، ثم انقطع، فتوضأت وصلت الظهر ولم يجر معها الدم حتى دخل وقت العصر فوضوؤها معتبر، فمحل الكلام إذا جرى معها الدم، وهذا ينبني على مسألة فقهية قالوا: إنها بمجرد أن يخرج منها الدم ينتقض وضوؤها كالبول، فلما خرج منها الدم مستمراً رخص لها في الوقت، فإذا انتهى الوقت طولبت بدليل جديد أن تتوضأ وتصلي؛ لأنه بدخول الوقت يأتي الخطاب بالصلاة المستأنفة الجديدة فيسقط الترخيص في السابقة.
(17/23)
________________________________________
إعادة مسألة الغسل من الإيلاج بحائل

السؤال
يا حبذا لو تعيد مسألة: (بلا حائل)؟

الجواب
أما بالنسبة لما سألت عنه وهو قوله: (بلا حائل) فالحائل هو الفاصل بين الشيئين، والمراد بالحائل الذي ذكرناه: أن يكون بين العضو المولج والعضو المولجَ فيه حائل من قماش، سواءً كان ثخيناً أو رقيقاً، فإن قيل بقول التفصيل فيختلف الحكم باختلاف نوعية الحائل، لكن قلنا: الصحيح أن الحائل سواءً كان رقيقاً أو ثخيناً فإنه لا يوجب حكماً، ولذلك يعتبر شبهة، فلو أن رجلاً أولج في امرأة بحائل قد يعتبر شبهة توجب درء الحد عنه، وسنتكلم على هذا في باب الزنا، ولكن المنصوص عند العلماء -رحمة الله عليهم- تعليق الحكم بالإيلاج، ولم يفصلوا هل هو بحائل أو بدونه، والذي اختاره بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم-: أن الحائل مؤثر، قال عليه الصلاة والسلام: (ادرءوا الحدود بالشبهات) فلذلك قالوا: لا يأخذ حكم المتصل.
(17/24)
________________________________________
حكم غسل من أسقطت جنيناً

السؤال
إذا أسقطت المرأة، فهل يجب عليها غسل السقط؟

الجواب
إذا أسقطت المرأة الجنين فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يكون الجنين الذي أسقطته فيه خلقة أو صورة الخلقة، فإن أسقطت جنيناً كامل الخلقة أو فيه جزء من الخلقة كالوجه أو صورة الوجه أو الرأس أو الرجل أو اليد، فالأصح عند المحققين أنها تأخذ حكم النفاس، وحينئذٍ إن جرى معها الدم أخذت حكم النفساء.
الحالة الثانية: أن تسقط قطعة لحمٍ لا خلقة فيها، فحينئذٍ لا يجب عليها الغسل، ولا تأخذ حكم النفساء؛ بل تعتبر استحاضة، وتأخذ حكم الاستحاضة، وهذا تجعله أصلاً عندك، لأن هذه المسألة أشكلت عند العلماء.
فالضابط المعتبر عند بعض المحققين أن العبرة بوجود صورة الخلقة، فإن وُجِدَت حُكِمَ وإلا فلا.
(17/25)
________________________________________
حكم الغسل من العادة السرية

السؤال
هل يجب الغسل في العادة السرية، رغم أن الذكر لم يلج في فرج أصلي؟

الجواب
العادة السرية إذا حصل بها إنزال، أي: أمنى وجب الغسل، وإن لم يمن لم يجب الغسل، فمقصود السائل: أنه إذا وضع العضو بين أصابعه أو في موضع مثلاً ليس بفرج ولم يمن فلا يجب عليه الغسل، لكن لو حصل منه إمناء وجب عليه الغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الماء من الماء) ولم يفرق بين كونه يخرج بحلال أو بحرام، والعادة محرمة سواء كانت بيدٍ أو بغيرها، والله تعالى أعلم.
(17/26)
________________________________________
حكم التنفل في المسجد الحرام

السؤال
هل الانتقال في المسجد الحرام يعتبر من المرور في المسجد؟

الجواب
لا، الحكم واحد، فإذا أراد -مثلاً- أن يقطع المسجد من الشرق إلى الغرب لحاجة ما وهو لا يريد أن يصلي فيه، فلا يجوز له ذلك، لكن لو مر وصلى فيه -ولو ركعتين- ثم يمر فلا حرج عليه، لكن أن يتخذه طريقاً فلا، والنهي عام في المساجد، والمسجد الحرام أحقها وأشرفها وأكرمها عند الله عز وجل.
وأظن أن السائل قد يقصد: أن ينتقل من جهة الصفا إلى جهة أخرى في الحرم فهل يعتبر ماراً أم لا؟ أما بالنسبة للصفا فكنت أقول: إنها من الحرم، لكن ظهر لي أخيراً أنها ليست من الحرم، وهو اختيار بعض العلماء من المتأخرين ومن مشايخنا -رحمة الله عليهم- ولذلك إذا انتقل من الصفا من جهة المسعى ودخل إلى داخل المسجد فيعتبر آخذاً لحكم من دخل المسجد، وإذا كان العكس، مثلاً خرج من الحرم إلى الصفا، فالصفا خارج المسجد ويجوز فيها المرور، كأن يقطع من طرفي الأشواط، والله تعالى أعلم.
(17/27)
________________________________________
حكم منع تدفق المني

السؤال
إذا أحس الشخص بالتدفق فقام من نومه ولم يجعله يتدفق ولم يخرج سوى بعض القطرات، فهل يغتسل أم لا؟

الجواب
هذا لا يجوز؛ لأن الأطباء ينصون على أنه ضرر وأذية، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يفعل هذا، ولا يشك أن الشريعة تحرم على المكلف أن يتعاطى أسباب الضرر بنفسه؛ ولذلك حرمت العادة السرية -مع وجود ظاهر القرآن الذي يدل على تحريمها- لوجود الأضرار بشهادة الأطباء.
فالمقصود: أن كونه يمنع خروج المني هذا فيه ضرر بالغ، وقد قرأت بعض البحوث الطبية وتقول هذه البحوث: إنه يضر ضرراً بالغاً، ولربما يبقى ضرره معه إلى الأبد، فمسألة حبس المني والتلاعب به أثناء خروجه لا تجوز، والله يقول: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق:6]، فعليه أن يتركه على خلقة الله عز وجل حتى لا يضر بنفسه، وهذا أصل في الشريعة: أنه لا يجوز للمسلم أن يتعاطى الأسباب التي تتسبب في الإضرار بنفسه أو بجسده، فلو حصل هذا وخرج منه المني فإن الصفة الأصلية له: التدفق، واعتبار العارض بتعاطي أسباب عدم تدفقه احتيال على الشرع، والقاعدة أن مثل هذا يعامل بنقيض قصده، فلا يعتد بتلاعبه ويعتبر منياً؛ لوجود الإمناء وهو الكثرة، وصورة التدفق، والتحكم فيها لا يؤثر ولا يلغي حكم الشرع بوجوب الغسل، والله تعالى أعلم.
(17/28)
________________________________________
خروج مني الرجل من فرج المرأة بعد غسلها

السؤال
قد يخرج من المرأة بعد الغسل قطرات وهي تصلي، وقد تكون هذه القطرات مني الرجل، فما الحكم؟

الجواب
بالنسبة للخارج من الفرج، هذه مسألة اختلف العلماء -رحمة الله عليهم- فيها وهي مسألة رطوبة فرج المرأة: فمن أهل العلم من يقول: إن الخارج منها نجس ويوجب انتقاض الوضوء.
ومنهم من يقول: إنه طاهر.
والذي دلت عليه السُّنة أنه نجس، أي: بالنسبة للخارج -أي: الرطوبة- سواءً كانت قطرات أو كانت سائلة، حتى إن كانت من مني الرجل، فإنها تعتبر آخذة حكم الرطوبة بالكثرة والمغالبة؛ لأنه إذا كان منياً غلبه رطوبة الفرج الموجودة، ودل على نجاسة رطوبة فرج المرأة ما ثبت في الحديث الصحيح -عندما كانت الرخصة في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع امرأته ولم ينزل فلا يجب عليه غسل- الذي قال عليه الصلاة والسلام فيه: (ليغسل ما أصابه منها) فقوله: (ليغسل ما أصابه منها) يدل على أن الرطوبة نجسة، وهذا لا شك أنه أقوى الأقوال، ودليله صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أشار إليه الإمام النووي -رحمة الله عليه- في المجموع، وبناءً على هذا فإن هذه القطرات آخذة حكم الناقض سواءً بسواء، ويجب عليها أن تتوضأ عند خروجها، فإن غلبتها واستمرت مع المرأة طيلة وقت الصلاة فلتتلجم كما ثبت في المستحاضة (تلجمي) فتضع قطعة قطن، أو تتلجم وتشد الموضع، فإن غلبها مع التلجم والقطن فتصلي على حالتها كالمستحاضة سواءً بسواء، وتتوضأ بدخول وقت كل صلاة، والله تعالى أعلم.
(17/29)
________________________________________
حكم تنبيه المستيقظ للنائم لشيء حدث منه في نومه

السؤال
لو رأى الإنسان شخصاً ما يحتلم، فهل يجب عليه إخباره بذلك بعد استيقاظه أم يسكت عنه خشية الإحراج؟

الجواب
هذه مسألة أشكلت عند العلماء -رحمة الله عليهم- يقولون: أحدهم مكلف، والثاني غير مكلف، فإذا نُظر -مثلاً- إلى الشخص النائم لو استيقظ وصلى فصلاته صحيحة وعبادته معتبرة؛ لأن الله كلّفه بالعلم وبما وسعه ولم يكلفه ما ليس بوسعه، وهذا ليس بوسعه؛ لأنه ليس بوسعه أن يعلم ما لم يكن.
وقال بعض العلماء: يعلمه من اطلع على ذلك واختلفوا هل يجب أم لا؟ فقال بعضهم: يجب؛ لأنه لو لم يخبره لأدى إلى الإخلال بالشرع باستباحة الصلاة على غير طهارة، وقال آخرون: هذا ليس بمستبيح للصلاة على غير طهارة؛ لأنه معذور في حكم الله جل وعلا، مثل الإمام الذي يقع منه الخلل بما يفسد الصلاة ولا يعلم المأمومون بذلك، فإن صلاتهم صحيحة؛ لأن الله ما كلفهم علم ما لم يعلموا، وهذا وجه من يقول بأنه لا شيء عليه إذا سكت.
والذين يقولون: يجب عليه أن يخبره، يستدلون بقولهم: عهدنا من الشرع أنه يربط التكليف بالمكلف مع سقوطه عن غير المكلف، ألا تراه أمر أن يؤمر الصبي بالصلاة، والذي يأمره وليه، مع أن الصبي غير مكلف، قالوا: فكلف المكلف بغير المكلف، فلزم أو وجب عليه أن يعلمه؛ صيانة للشرع، لكن لو سكت عنه فهل يأثم أم لا؟ فعلى القول بأنه يجب عليه: يأثم، وعلى القول بأنه لا يجب عليه: لا يأثم، لكن الأحوط أن يخبره، ثم ليس هناك إحراج لو أخبر أخاه بما فيه من خلل، أما بالنسبة للعبادة فهي صحيحة، وبالنسبة للمكلف فغير مؤاخذ.
(17/30)
________________________________________
حكم مقابلة المرأة لأبناء زوجها من الرضاعة

السؤال
هل يجوز لزوجتي مقابلة أبناء زوج أمها من الرضاعة، وكذلك أبناء هذا الزوج من زوجة أخرى؟

الجواب
هذه المسألة فيها خلاف: هل التحريم بالمصاهرة -مثل: أم الزوجة وكذلك زوجة الأب من الرضاعة- هل يأخذ حكم التحريم بالنسب؟ الاحتياط ألا تقابلهم، وقد كنت أقول: لها أن تقابلهم؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) لكن في الأخير قوي القول بأن تحتاط فيها؛ لأن التغليب لجانب المحرمية وأصول الشرع يقتضي تقوية عدم الإلحاق.
والله تعالى أعلم.
(17/31)
________________________________________
حكم تناول الرياضي للمنشطات

السؤال
ما هو حكم استعمال الرياضي للبروتينات والمنشطات التي تساعده في البروز بسرعة في المجال الذي يمارسه؟

الجواب
استعمال المنشطات والمقويات فيها شبهة؛ لأن بعض التركيبات الموجودة فيها قد تعتمد على بعض المواد المخدرة، وبعض تركيبات المخدرات، والدكتور محمد علي البار له بحث جيد في المخدرات، نبّه فيه على أن بعض المنشطات فيها نسبة من المواد المخدرة، ولذلك مثل هذا يقتضي الحظر والتحريم، إلا إذا وجدت الضرورة والحاجة للاستعمال، وهذه ليست بضرورة وليست بحاجة، وعلى العموم: يبقى على الأصل من عدم جواز استعمال مثل هذه المنشطات التي فيها شبهة والتي فيها نسبة من المخدرات، ويرجع هذا الأمر إلى أهل الخبرة والذين لهم علم بتركيبات الأدوية في هذا، والله تعالى أعلم.
(17/32)
________________________________________
حكم ترك المبيت في منى

السؤال
امرأة حجت هذا العام، وخرجت من منى بعد رمي جمرة العقبة، وذلك بتوكيل أحد الأشخاص، وطافت طواف الإفاضة مع طواف الوداع، فماذا عليها بتركها الإقامة بمنى؟

الجواب
أولاً: أوصي السائلة ونفسي بتقوى الله عز وجل، وأنه لا ينبغي لمن حج بيت الله الحرام أن يتلاعب أو يتساهل في الواجبات والأنساك، فمن حج فعليه أن يتقي الله عز وجل، ولذلك قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196] (أتموا الحج) يعني: إذا حججتم فليكن حجكم كاملاً، أتموه لله بفعل أركان الحج وواجباته وأدائها على الوجه المعتبر.
أما أن يتساهل الإنسان في الواجبات والفرائض ويوكّل غيره في الرمي ويترك المبيت، فهذا لا يجوز، وبناءً عليه: فالذي يظهر من السائلة أنه لا عذر لها في ترك المبيت وترك الرمي، وعليها دم بترك هذه الواجبات، وكل واجب منها عليها فيه دم، واختلف العلماء: قال بعضهم كل مبيت ليلة نسك، وقال بعضهم: المبيت كله نسك، وأصح الأقوال: أن كل ليلة فيها دم -وهو القول بالتجزئة- وكذلك الحال في الرمي، فعليها دم لمبيت ليلة إحدى عشر، وليلة الثاني عشر وعليها أيضاً دم برمي الحادي عشر ورمي الثاني عشر، ويكون عليها أربعة دماء.
والله تعالى أعلم.
(17/33)
________________________________________
الإشارة للحجر الأسود عند الانتهاء من آخر شوط

السؤال
إذا انتهى الرجل من الشوط الأخير من الطواف فهل يشير ويكبر أم لا؟

الجواب
هذه مسألة خلافية، وفيها وجهان: قال بعض العلماء: يشير، وقال بعضهم: لا يشير.
والسبب في الخلاف: أنهم اختلفوا: هل هذه الإشارة والتكبير من أجل محاذاة الحجر، أم من أجل استفتاح الطواف؟ فمن قال: إنها من أجل محاذاة الحجر يقول: يكبر في الآخر ويشير؛ لأنه حاذى الحجر، ومن قال: إنها لاستفتاح الطواف قال: ليس هناك شوط ثامن حتى يستفتح فلا يشير.
وأصح القولين -والعلم عند الله-: إنها لمحاذاة الحجر؛ لأن جابر رضي الله عنه قال: (استلمه فإن عجز أشار إليه)، فدل على أن العبرة بالمحاذاة وليس من أجل الاستفتاح.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(17/34)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الغسل [2]
جاءت النصوص الشرعية مبينة لكيفيات العبادات، ومن ذلك: الغسل، فقد بينت النصوص كيفيته وصفته، سواء كان هذا على سبيل الكمال أو على سبيل الإجزاء، وفصَّل العلماء في أحكامه بناءً على هذه النصوص.
(18/1)
________________________________________
صفة الغسل الكامل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [والغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي].
كان الحديث عن موجبات غسل الجنابة، أي: الأسباب التي توجب الغسل من الجنابة، وهنا -إن شاء الله- سيكون الحديث عن صفة غسل الجنابة، وهذا الترتيب يعتبر مراعياً للأفكار -أي: ترتيب الأفكار- فبعد أن تنتهي من الأسباب تصف الشيء، وبعد أن تبين للمكلف ما هي الأمور التي تتسبب في غُسل الجنابة يأتيك

السؤال
كيف أغتسل من الجنابة؟ فأولاً: نبين موجبات الغسل وأسبابه، ثم نتبع بعد ذلك بالحديث عن صفة الغسل.
فقال رحمه الله: [والغسل الكامل] الواو: للاستئناف، والغسل له حالتان عند العلماء: الحالة الأولى: يسميها العلماء حالة الإجزاء.
والحالة الثانية: يسمونها حالة الكمال.
والفرق بين الإجزاء والكمال: أن الإجزاء يتحقق به المأمور شرعاً، بمعنى: أنك إذا أوقعت الغسل على صفة الإجزاء عليه فقد أديت ما أوجب الله عليك، وأما بالنسبة للكمال فإنه يراعى فيه ما فوق الواجب واللازم، بمعنى: أن يصف لك الغسل وصفاً على أتم وجوهه وأكملها، وبناءً على ذلك: انقسم الغسل إلى غسل إجزاء وغسل كمال، فلو أخل المكلف بغسل الإجزاء فقد يحكم بعدم صحة غسله، لكن لو أخل بغسل الكمال في غير الإجزاء تقول: فاته الأفضل والأكمل، وغسله صحيح.
يقول رحمة الله: (والغسل الكامل) أي: الغسل الذي هو على أعلى مراتب الغسل هو أن ينوي ثم يسمي، ومن عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يذكروا حالة الإجزاء وحالة الكمال، والمصنف هنا ابتدأ بصفة الكمال، وغيره ابتدأ بصفة الإجزاء، فطريقة المصنف رحمه الله حينما ابتدأ بغسل الكمال تدرج فيها من الأعلى إلى الأدنى، وطريقة غيره ممن ابتدأ بالأجزاء ثم أتبعه بالكمال تدرج من الأدنى إلى الأعلى، وكلتا الطريقتين لها وجه.
أما طريقة المصنف بأن يبتدئ بالكمال ثم يبين لك غسل الإجزاء فهي أنسب؛ لأنه إذا فعل ذلك ترك التكرار، فإنك إذا ذكرت الغسل الكامل ثم قلت: والواجب منه كذا وكذا، أفضل مما لو قلت: الغسل الواجب كذا، ثم أتبعت صفة الكمال وذكرت ضمنها الواجبات، فطريقة المصنف في ذكر الكمال ثم إتباعه بالإجزاء أولى من طريقة غيره ممن ابتدأ بالإجزاء ثم أتبعه الكمال.
هذه الصفة التي يسميها العلماء: صفة الكمال، ثبتت بها أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها: حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وحديث ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، وكلا الحديثين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، فقد وصفت كل منهما غسل النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهما من فصلت في شيء وأجملت في شيء، ومنهما من فصلت في شيء آخر وأجملت في غيره، وقد راعى العلماء رحمهم الله في صفة الكمال ما تضمنه حديث عائشة وحديث أم المؤمنين ميمونة رضي الله عن الجميع.
يقول رحمه الله: (أن ينوي) أي: ينوي الغسل، والنية: القصد، والمراد بها كما يقول العلماء: العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى، كما ذكر هذا التعريف البعلي في المطلع، وكذلك غيره، ومعنى (العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى): أن تعزم على عبادة أو معاملة، والهدف من ذلك والقصد من ذلك وجه الله عز وجل، سواءً كانت عبادة أو معاملة، فالعبادة: كأن تصلي فتفعل القيام والركوع والسجود وغيره من أفعال الصلاة وفي نيتك وجه الله جل وعلا، أما المعاملة: كأن تعطي ابنك المال قاصداً بذلك مرضاة الله عز وجل، فإنها عادة ولكنها صارت عبادة بالقصد.
بعض العلماء يقول: العزم على فعل الشيء، وبعضهم يقول: قصد فعل الشيء قربة لله، والتعبير بالقصد أنسب من التعبير بالعزم؛ لأن من العلماء من فرق بين القصد والعزم فقال: القصد: ما يكون عند توجه النية، والعزم: يكون متراخياً عن ذلك التوجه، ولذلك قالوا: التعبير بالقصد أدق، خاصة وأن الحقيقة اللغوية للنية عرفوها بالقصد، فيكون فيه اشتراك بين التعريف اللغوي والشرعي من هذا الوجه.
(18/2)
________________________________________
حكم النية في الغسل
(أن ينويه) يعني: أن ينوي الغسل، صورة ذلك: أن يدخل الإنسان مكان الاغتسال وفي نيته أن يعمم بدنه لرفع الجنابة، وهكذا المرأة لإزالة الجنابة، فإذا حصل هذا القصد فقد نوى العبادة وقصدها تقرباً لله عز وجل، وخرج من هذا أن ينوي فعل الشيء لغرض غير وجه الله، مثل أن يدخل مستحمه للتبرد أو للسباحة، فلو غسل جسمه كاملاً للسباحة لم يكن غسلاً شرعياً، وإنما هو غسل عادة وليس بغسل عبادة، ولذلك قالوا: النية تفرق بين العادة والعبادة.
فقوله: (أن ينوي الغسل) أي: ينوي رفع الحدث، فإذا نواه فقد أجزأه، والأصل في النية أن تكون مقاربة لزمان الفعل فلو أنه قال: أريد أن أغتسل من الجنابة وجلس من الساعة الثانية ظهراً إلى الساعة الثالثة، ثم عزبت عنه هذه النية، ثم دخل إلى مستحمه وسبح وقد عزبت عنه النية، فنقول: إن هذا لا يجزئ، إنما المعتبر أن تكون النية مصاحبة، قال بعض العلماء: حتى ولو في طريقه إلى السباحة جرى في نفسه أن يغتسل من الجنابة أجزأه؛ لكن لو كانت النية للنظافة أو للتبرد في الصيف فكل ذلك لا يجزئه.
وهذه النية واجبة وفرض في قول جماهير العلماء خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، والصحيح مذهب الجمهور؛ لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] وجه الدلالة: أن الله أمر بإخلاص الدين والعبادة، ولا إخلاص إلا بنية، إذاً: النية واجبة، والغسل عبادة؛ إذاً: النية فيه واجبة، كذلك أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات) فقد علق صحة الأعمال على النية والغسل من الجنابة عمل، فلا غسل إلا بنية.
(أن ينويه) هذا هو الأصل؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يغتسل فإنه يبتدئ أول شيء بنية القلب، ثم بعد ذلك يكون منه الفعل المأمور شرعاً.
(18/3)
________________________________________
حكم التسمية عند الغسل
قال رحمه الله: [ثم يسمي].
(ثم) للعطف مع التراخي، أي: يقول: باسم الله، وهذه التسمية استحبها بعض العلماء، ومن العلماء من قال بوجوبها في الغسل، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- وأن الصحيح: عدم وجوبها، ولكن قال بعض العلماء: تستحب التسمية في العبادات وفي مبتدئها؛ لإطلاق الشرع.
ويسمي إذا كان المكان مهيأ لذكر الله، كأن يكون في بركة أو يكون في حمام معد للاغتسال لا لقضاء الحاجة، أما لو كان المكان مهيأ لقضاء الحاجة فإنه لا يذكر اسم الله عز وجل فيه، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني كنت على حالة كرهت أن أذكر اسم الله عليها) فإذا امتنع أن يذكر اسم الله في حال حدثه فمن باب أولى أن يمتنع في مكان الحدث، ولذلك لا يسمي جهرة في أماكن قضاء الحاجة، وهذا هو المعهود شرعاً من عموم قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] واسم الله عز وجل لا شك أنه من أكبر الأشياء وأعظمها كما قال تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45] فالإجلال لاسم الله عز وجل من شعائر الله، فلا يذكر اسم الله جهرة، ولكن يسمي في نفسه على قول بعض العلماء، أي: أنه يجري في نفسه ذكر التسمية دون أن يتلفظ باللسان.
(18/4)
________________________________________
محل غسل الكفين في الغسل
قال رحمه الله: [ويغسل يديه ثلاثاً وما لوثه].
أولاً: ينوي، ثم يسمي، ثم يغسل يديه ثلاثاً، واليدان مثنى يد، والمراد بهما: الكفان، واليد تطلق ويراد بها جميع اليد إلى المنكب، وقد يراد بها إلى المرفق، وقد يراد بها إلى الزندين، وأقل ما يصدق عليه اليدان: الكفين، وسمي الكف كفاً؛ لأنه تكف به الأشياء، فالمراد أن يغسل كفيه ثلاثاً، والمصنف هنا قال: (يغسل يديه ثلاثاً) ثم أجمل، والحقيقة أن غسل اليدين أو الكفين في الغسل من الجنابة له حالتان: الحالة الأولى: غسل الكفين قبل تعميم البدن.
والحالة الثانية: غسل الكفين بعد غسل الفرج تهيأً للوضوء، فأما الحالة الأولى: وهي غسل الكفين عند الابتداء بالغسل، فقد ثبت في الصحيحين كما في حديث أم المؤمنين عائشة التصريح بهذا: (بدأ فغسل كفيه) وفي رواية مسلم: (يغسل كفيه) لكن ليس فيه التصريح بالتثليث، وفهم التثليث من مطلق هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الغسل كقوله: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً) وكذلك حديث حمران مولى عثمان عن عثمان، وحديث عبد الله بن زيد رضي الله عن الجميع في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وكلهم ذكر التثليث قبل ابتداء الوضوء، أي: عند غسل الكفين في ابتداء الوضوء.
قال العلماء: التثليث مناسبته: أنك إذا أزلت الأذى بالغسلة الأولى، فالغسلة الثانية تبرئ الموضع، بمعنى: أنك ربما تغسل ويكون الشيء عالقاً باليد، فالغسل الثاني آكد في إزالة العين، والغسلة الثالثة آكد وأبلغ للاستبراء، فلذلك قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل ثلاثاً، ولكن لم يرد التصريح في حديث أم المؤمنين عائشة وميمونة في ابتداء الغسل، ولكن ورد التثليث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل ثلاثاً في حديث ميمونة لما غسل فرجه صلوات الله وسلامه عليه، فإنها قالت: (مرتين أو ثلاثاً)، على الشك لا على الجزم بالثلاث.
والغسل للكفين في ابتداء الغسل من الجنابة مناسبته -كما يقول العلماء- أن اليدين ناقلتان للماء ولما كان الماء هو الذي يقصد به الطهارة فينبغي أن يكون طهوراً، وينبغي أن تكون آلته محافظة على الطهورية، فإذا كانت اليد نظيفة بقي الماء على أصل الطهورية، وإذا كانت اليد ليست بنظيفة فإن ذلك أدعى لخروج الماء عن وصفه بالطهورية، خاصة وأن الكف تنقل ماءً يسيراً، ولذلك أُمر بغسلها قبل الوضوء لمن استيقظ من نومه، أما الغسلة الثانية للكفين فإنها تكون بعد غسل الفرج.
قال المصنف: (يغسل يديه ثلاثاً وما لوثه) اللوث يطلق بمعنى: التلطيخ، يقال: لوث الماء إذا لطخه، وقد يطلق بمعنى: المرض والعاهة في العقل، ومنه قولهم: اللوثة الحمق وذهاب العقل -نسأل الله السلامة والعافية- وقد يطلق بمعنى: حاجة الإنسان.
فالتلويث في قوله: (وما لوثه) يعني: ما أصاب يده من القذر، وهذا يدل على أن المراد بغسل الكفين ما يكون بعد إزالة الأذى عن الفرج، فكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبتدئ فيصب الماء على يمينه ثم يفرغ على يساره، وبعد غسل كفيه صلوات الله وسلامه عليه يفرغ بيمينه على يساره ويأخذ الإناء بيمينه ويفرغه على يساره، ثم يغسل فرجه صلوات الله وسلامه عليه ومواضع الأذى، كما في حديث ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، فابتدأ بغسل الكفين ثم ثنى بغسل الأذى على الفرج وما جاوره كالفخذين ونحوهما.
ولما انتهى عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين من حديث ميمونة -: (من غسل فرجه وأزال الأذى، دلك يديه في الأرض دلكاً شديداً) كما قالت أم المؤمنين رضي الله عنها، ولذلك قال العلماء: يبتدئ بغسل الكفين، ثم يثني بالفرج، ثم يدلك يديه للغسلة الثانية، وهذه الغسلة الثانية آكد من الأولى، فإن الأولى قد تكون اليدان طاهرتين ولا يحتاج فيها إلى تجديد غسل، ولكن في الثانية لمكان الأذى وتلطخ اليدين بما هناك من الكدر ناسب أن يدلكها عليه الصلاة والسلام، قال العلماء: السنة لمن اغتسل في أرض ترابية أن يدلك يديه على الأرض الترابية، فالتراب يطهر يابساً أو مخلوطاً بالماء، أما يابساً فدليله: التيمم، وأما مخلوطاً بماء فدليله: حديث ولوغ الكلب، وقد ثبت ذلك طبياً، فناسب أن يدلك عليه الصلاة والسلام يده بالأرض، وورد في الحديث أنه ضرب بها الحائط، ولذلك قال بعض العلماء: إذا كانت الأرض صلبة وكان الحائط من طين فإنه يضرب بيديه الحائط.
وللعلماء في ضربه عليه الصلاة والسلام على الأرض وضربه الحائط في غسله من الجنابة وجهان: الوجه الأول: أنها عبادة معللة تكون إذا وجدت علتها، بمعنى: أن الإنسان يضرب الحائط ويدلك الأرض إذا كان الحائط أو كانت الأرض ترابية أو من طين، لكن لو كانت الأرض صلبة وكان الحائط صلباً -كما هو موجود- فإنه على هذا القول تكون السنة الغسل بالصابون وما يحل محل الطين، قالوا: لأن العلة التنظيف، فكما أنه تحصل الطهارة بالطين فعند فقده تحصل بما يناسبه مثل الصابون.
الوجه الثاني: أنها عبادة، ويقتصر فيها على الصورة، فيكون وجود التطهير بالطين تبعاً لا أصلاً، وعلى هذا القول فإنه يسن للإنسان ولو كان الجدار أملس أن يضرب به يده -كما يقول بعض العلماء رحمة الله عليهم- وإذا كانت الأرض ليس فيها من فضلات النجاسة أو القذر فإنه يضرب يده أو يدلكها بها.
والصحيح: أنه عبادة معللة، فيضرب الجدار إذا كان من طين، وتدلك الأرض إذا كانت ترابية، وأما على حال اليوم فإنه لا يتأتى لقول أم المؤمنين: (دلك بيده الأرض دلكاً شديداً) والدلك الشديد لا يقصد به إلا الإزالة والتنظيف، ولذلك قالوا: إنها عبادة معللة، وهذا هو أصح الأوجه، ويكاد يكون قول جمهور العلماء رحمة الله عليهم.
(18/5)
________________________________________
محل الوضوء عند الغسل وكيفيته
قال رحمه الله: [ويتوضأ] إذا فرغ من غسل يديه وأنقاها بالطين أو بالصابون فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة، ولكن يؤخر غسل رجليه، كما ثبت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، قالت أم المؤمنين عائشة: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) وذكرت مثلها أم المؤمنين ميمونة، لكن صرحت بتأخيره لغسل رجليه، فمن العلماء من قال: يتوضأ وضوءاً كاملاً ويغسل رجليه، ومنهم من قال: يتوضأ ويؤخر غسل الرجلين، ومنهم من قال بالتفصيل، فقال: إن كان المكان طاهراً نقياً كالموجود الآن من البلاط، فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة كاملاً، وإن كان المكان فيه طين فإنه يحتاج فيه إلى تجديد غسله لرجليه بعد غسله لبدنه مع تطاير الطين فقالوا: يؤخر غسل الرجلين حتى لا يكون ضرباً من الإسراف في استعماله للماء، ومنهم من فصل من وجه ثانٍ فقال: إن كان الماء كثيراً غسل رجليه، وإن كان قليلاً فإنه يؤخر غسل الرجلين على ظاهر حديث أم المؤمنين ميمونة.
والذي يظهر -والعلم عند الله- أن الأقوى والأشبه أن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم لغسل الرجلين قصد به الأذى، وهذا يعرفه كل من اغتسل في مكانٍ ترابي، فإنه مهما فعل وغسل رجليه فإنه بمجرد أن يفيض الماء على بدنه فإن رذاذ الطين يتطاير على الرجل، وأيضاً ثبوت الرجلين على الطين يحتاج به إلى غسل جديد للرجلين، فالأشبه أنه أخر وضوءه عليه الصلاة والسلام لمكان الطين في الموضع.
(18/6)
________________________________________
الخلاف في الوضوء عند الغسل هل هو مقصود أم لا
المسألة الثانية: لو أن إنساناً أراد أن يتوضأ، فهل هذا الوضوء مقصود للغسل أو مقصود لذاته؟ للعلماء وجهان: منهم من قال: يتوضأ وضوءه للصلاة وهو عبادة مقصودة، أي: أنها طهارة مقصودة، ومنهم من قال: لا، وضوءه للصلاة لشرف أعضاء الوضوء، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما اغتسل من الجنابة وبدأ بالوضوء راعى فضل أعضاء الوضوء، وأقوى الوجهين القول الثاني: أنه توضأ لشرف أعضاء الوضوء فقدمها على غسل سائر البدن، يشهد لذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ أم عطية في غسلها لابنته غسل الموت قال: (ابدأن بميامينها وبأعضاء الوضوء منها) وذلك لما أمر بتوضئتها، يعني: إعطاء أعضاء الوضوء الأسبقية، ففهمنا أن هذا لشرف أعضاء الوضوء وليس وضوءاً مقصوداً.
فائدة الخلاف: إن قلنا: إنه وضوء مقصود أو وضوء غير مقصود تتفرع عليه مسائل، فمن العلماء الذين قالوا: إنه وضوء مقصود، قالوا: إن خروج المني يؤدي إلى الحدث الأصغر والأكبر فيكون وضوءه لرفع الحدث الأصغر ويكون غسله لرفع الحدث الأكبر، فيصبح خروج المني يؤدي إلى انتقاض الطهارة الصغرى والكبرى، وفائدة معرفة ذلك في القياس، فلو أن إنساناً خرجت منه حصاة فالذين يقولون: إن خروج الحصاة يوجب انتقاض الوضوء يقولون: الحصاة طاهرة، فتنقض الوضوء كما أن المني طاهر وينقض الوضوء، ولذلك وجب الوضوء والغسل.
فيستفاد مما سبق في الأقيسة في اعتبار الأصل الشرعي، فإذا اعتبرت أن هذا الوضوء للطهارة الصغرى وأن المجنب بخروج المني عليه طهارتان فيتفرع منها: أن خروج الطاهرات يوجب انتقاض الحدث كما ذكرنا في باب نواقض الوضوء.
(18/7)
________________________________________
إيصال الماء إلى أصول الشعر في الغسل
قال رحمه الله: [ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه] ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعد أن انتهى من وضوئه حثا على رأسه ثلاث حثيات، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وحديث ميمونة -وهذان الحديثان يعتبران أصلاً عند العلماء رحمة الله عليهم في باب الغسل من الجنابة- وقد ذكرت ميمونة التعميم وذكرت عائشة رضي الله عنها كذلك التعميم في موضع والتفصيل في موضع ثانٍ، فقد بينت أن هذه الثلاث حثيات كانت من النبي صلى الله عليه وسلم؛ الأولى منها: لشقه الأيمن صلوات الله وسلامه عليه، والثانية: لشقه الأيسر، ولذلك فالسنة لمن توضأ في الغسل من الجنابة أن يبدأ فيأخذ حثية إلى شق رأسه الأيمن، فيحثي عليه، ويروي بهذه الحثية الأولى شعر رأسه قالت أم المؤمنين عائشة: (حتى إذا ظن أنه روى أصول شعره).
فالمقصود من هذه الثلاث حثيات: أن الشعر يكون كثيفاً، وخاصة أن شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيفاً، وربما إذا رجّله وصل إلى منكبه، وكانوا في القديم قليلي الحلاقة، ولذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج قال: (سيماهم التحليق) فكانت الحلاقة قليلة في ذلك الزمان، فكان الإنسان إذا اغتسل من الجنابة يخاف من الشعر؛ لأن إنقاء البشرة مقصود في الجنابة، ولذلك قال علي رضي الله عنه: (فمن ثم عاديت شعري)، يعني: خوفاً من الجنابة عاديت الشعر، فكان يحلق رضي الله عنه ويكثر منه، وكل ذلك خوفاً من التقصير في تروية أصول الشعر أو البشرة في الغسل من الجنابة.
فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ الحفنة الأولى ويروي بها أصول الشعر، فإذا بلغ الماء أصول الشعر في الشق الأيمن والشق الأيسر حثا عليه الصلاة والسلام الحثية الثالثة التي يقصد بها التعميم، فإذا عمم رأسه تفرغ لبدنه، قالت أم المؤمنين رضي الله عنها: (ثم أفاض على جسده)، وفي رواية: (على سائر جسده الماء).
قال بعض العلماء: يستحب قبل التعميم أن يتفقد الإنسان المواضع الخفية في البدن كالإبطين فيبدأ بإيصال الماء إليها، كما أوصل عليه الصلاة والسلام الماء لشئون رأسه؛ لأنه عند تعميم الماء لسائر الجسد قد يغفل عن هذه المواضع، ولذلك قالوا: تفقد عليه الصلاة والسلام شعر رأسه، وهذا أصل في تفقد المواضع التي قد تكون بعيدة عن الماء إذا عمم.
(18/8)
________________________________________
تعميم البدن ثلاثاً أثناء الغسل
قال رحمه الله: [ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً] (يعم البدن) بمعنى: أن يصب على جسده الماء صبة يعممه بها، وهذا التعميم قال فيه عليه الصلاة والسلام لـ أم سلمة: (ثم تفيضين الماء على جسدكِ فإذا أنتِ قد طهرتِ) والإفاضة: التعميم، والأصل في تعميم البدن قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] وكذلك حديث أم سلمة (ثم تفيضين الماء على جسدك) وقول عائشة رضي الله عنها: ثم غسل سائر جسده، فيعمم البدن بالماء.
وقال المصنف: (ثلاثاً) أي: ثلاث مرات، وهذا فيه خلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: السنة أن يعم البدن بغسلة واحدة، ولا يزيد إلى الثلاث، وهو قول طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وممن روي عنه هذا القول الإمام مالك، وكذلك جاءت عن الإمام أحمد رواية بهذا، وشددوا في الغسلة الثانية والثالثة، وقالوا: لأنه يفعلها معتقداً الفضل ولم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه ثلث في الوضوء، ومن ثم قالوا: التثليث في الغسل بدعة، وشددوا في أن يغسل ثلاثاً بقصد العبادة.
لكن لو أنه غسل الغسلة الأولى قاصداً رفع الجنابة، ثم غسل المرة الثانية والثالثة للمبالغة في التنظيف كما هو الحال الآن، فالإنسان قد يغتسل بالصابون فيحتاج إلى صبة ثانية وثالثة، فلا حرج؛ لأنها خرجت إلى قصد النظافة لا إلى قصد العبادة وفرق بين قصد العبادة وبين قصد النظافة، أما لو ثلث بدنه قاصداً العبادة فهذه بدعة في قول طائفة من السلف كما ذكرنا، وهذا القول هو الصحيح، فإن الناظر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في غسله كلها يجد أنها نصت على أنه أفاض إفاضة واحدة عليه الصلاة والسلام، ولم يثنِ ولم يثلث -بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام- ولو كان الفضل في التثنية والتثليث لما تركه عليه الصلاة والسلام، وهناك رواية عن الإمام أحمد -وهو قول لبعض الشافعية رحمة الله عليهم وبعض العلماء- تقول: إنه يستحب التثليث في الغسل، ولكن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
(18/9)
________________________________________
حكم الدلك عند الغسل
قال رحمه الله: [ويدلكه] أي: يدلك البدن مبالغة في الإنقاء والتطهير وإيصال الماء إلى البدن، والدلك للعلماء فيه قولان: فمن أهل العلم رحمة الله عليهم من يقول: الدلك واجب، ومن اغتسل ولم يدلك بدنه لم يصح غسله، والقول الثاني: أن الدلك مستحب وليس بواجب، وهو قول الجمهور، والقول الأول لـ مالك رحمة الله على الجميع، والصحيح: مذهب الجمهور، وهو أن الدلك ليس بواجب وإنما هو مستحب، والدليل على عدم الوجوب ما ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات) انظر قوله: (إنما يكفيكِ -أي: يجزئك) وهذا الإجزاء لا يكون إلا في الواجبات، (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء على جسدكِ فإذا أنتِ قد طهرتِ -وفي رواية: فإذا أنتِ تطهرين-) ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالتعميم ولم يبين لها وجوب الدلك وقال لها: (تفيضين) والإفاضة: الصب، ولذلك صح قول من قال: إن المقصود صب الماء دون الدلك، ولذلك يظهر أن هذا القول هو أعدل الأقوال وأولاها بالصواب.
لكن الإمام مالك رحمة الله عليه انتزع وجوب الدلك من حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل بالصاع، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربعة من الرجال، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان عليه الصلاة والسلام وسطاً من الرجال، فالإمام مالك يقول: لا يعقل أن الصاع يغسل هذا القدر إلا بالدلك، وهو من ناحية الاستنباط صحيح، والأعدل أن يقال: الدلك ليس بواجب، لكن إذا كان الماء قليلاً وتوقف وصول الماء لجميع البدن على الدلك فإنه واجب من جهة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
والاستثناء بالصور المخصوصة لا يقتضي التعميم في جميع الأفراد، وبناءً على ذلك: فإنه ينظر في الماء الذي تغتسل به، فإن كان هذا الماء تستطيع إيصاله إلى جميع البدن دون أن يكون منك دلك فإن هذا هو القدر الذي أوجب الله عليك، وإن كان هذا الماء لا تستطيع إيصاله إلى جميع البدن إلا إذا دلكت فحينئذٍ يلزمك الدلك من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا أنه واجب أصالة، وهذا هو أعدل الأقوال، وعلى قول المالكية بالوجوب يحصل إشكال في الموضع الذي لا تستطيع أن توصل إليه يدك، كأن يكون مثلاً: وراء الظهر، فقالوا: إذا شق عليه الدلك استخدم الليفة وحك بها ظهره.
وصل لما عسر بالمنديل ونحوه كالحبل والتوكيل أي: الذي يعسر عليك الوصول إليه باليد فإنك تستخدم واسطة، حتى لو تأخذ قطعة من القماش وتضعها في خشبة وتحك بها الظهر؛ لأنهم يرونه واجباً على جميع أجزاء البدن، والذي يظهر أن الواجب هو تعميم البدن، فلو أنك انغمست في بركة دون أن تمر يدك على سائر البدن أجزأك ذلك.
(18/10)
________________________________________
التيامن أثناء الغسل
قال رحمه الله: [ويتيامن] يعني: يبدأ باليمين قبل اليسار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في غسل الميت: (ابدأن بميامنها وبأعضاء الوضوء منها) قال رحمه الله: [ويغسل قدميه مكاناً آخر].
هذا الذي سبقت الإشارة إليه، وقلنا: التفصيل هو أعدل الأقوال، فإن كان الموضع نظيفاً فلا حاجة إلى تأخير غسل الرجلين، وإن كان غير نظيف فإنه يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل، إصابة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
(18/11)
________________________________________
صفة الغسل المجزئ
قال رحمه الله: [والمجزئ أن ينوي ويسمي ويعم بدنه بالغسل] قوله: (والمجزئ) أي: من هذا الذي تقدم، وهذه فائدة تقديم الكمال قبل الإجزاء: أنه يأتيك بعد الكمال ويقول: المجزئ كذا وكذا فيأمن التكرار، لكن لو قدم الإجزاء وأتبعه بالكمال لكرر.
(المجزئ) أي: الذي ذكرته لك من الصفة الماضية الواجب عليك منه والفرض هو كذا وكذا؛ وينبغي أن يتنبه طالب العلم إلى أن الإجزاء يقوم وعلى الواجبات على الفرائض والأركان، وقد يدخل في الإجزاء أيضاً شروط الصحة، فقال: (والمجزئ) أي: الغسل الذي إذا فعلته كفاك وأجزأك لعبادتك.
(أن ينوي) يعني: النية.
(ويسمي) هذا على القول بوجوب التسمية، والصحيح: أنها ليست بواجبة، فليس هناك حديث صحيح يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب التسمية، وإنما أوجبها من أوجبها في الغسل قياساً على الوضوء، وهذا القياس فيه نظر، إذ يعترض عليه أولاً: بفساد الاعتبار، وهو أحد القوادح الأربعة عشر في القياس، وفساد الاعتبار: أن يكون القياس في مقابل نص من الكتاب والسنة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص أنه قال: (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات) ولم يذكر التسمية، وقال الله في كتابه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] ولم يأمر بالتسمية، وقد أمر بالتسمية للأكل: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:118]، فهذا القادح الأول: فساد الاعتبار.
القادح الثاني: أن هذا القياس يعتبر من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه، فلك أن تقول لمن يستدل بهذا القياس: أنا أنازعك في الأصل الذي تحتج به -وهو وجوب التسمية في الوضوء- فكيف تقيس على أصل اختلفنا فيه؟ أي: أنا لا أسلم لك أن الوضوء تجب فيه التسمية، فكيف تلزمني بالغسل قياساً على الوضوء؟ ويقولون: هذا من باب رد المختلف فيه -وهو الفرع الذي هو الغسل- إلى المختلف فيه -وهو الأصل-، ومن شرط صحة القياس بالنسبة للإلزام أن يكون المحتج عليه بالقياس مسلماً بحكم الأصل، فإن كان الأصل مختلفاً في حكمه فيكون القياس من باب الالتزام لا الإلزام، أي: أنه يلزم من يحتج به لنفسه؛ لأنه يرى وجوب التسمية في الوضوء، فيقول: أنا أوجب التسمية في الغسل كما أوجبها في الوضوء من باب إلحاق النظير بنظيره.
وقوله: (ويعم بدنه بالغسل مرة).
إذا حصل في الغسل ثلاثة أمور، أولها: النية، ثانيها: التعميم للبدن، وثالثها: المضمضة والاستنشاق إذا اعتبرناهما من جنس واحد وإلا كانت أربعة أمور، فهذه هي الواجبة واللازمة، فمن دخل إلى بركة -مثلاً- وانغمس فيها غمسة واحدة قاصداً الطهارة من الجنابة، أو قصدت المرأة طهارتها من حيض أو نفاس ثم تمضمض واستنشق أجزأه وتم غسله؛ لأنه عمم البدن ومضمض واستنشق، والفم والأنف من خارج البدن، فيجزئه هذا.
(18/12)
________________________________________
مقدار الماء الذي يغتسل به
قال رحمه الله: [ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع] بعد أن بين رحمه الله صفة الغسل الكاملة والمجزئة، انتقل ليبين هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدر الماء الذي يغتسل به فقال رحمه الله: (ويتوضأ بمدٍ ويغتسل بصاع).
فقوله: (يتوضأ بمد) المد: هو ضرب من المكاييل التي كانت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، والمد أصغرها، وضابطه عند العلماء: ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، أي: أوسط الرجال لو حفن حفنة ملأت هذا المد، وهذا المد لازال موجوداً إلى الآن في المدينة، ويتوارثه الناس جيلاً فجيل، ويعتبر حجة؛ لأنه من نقل الكافة عن الكافة، وهو ربع صاع بالنسبة لمد المدينة، وعرف المدينة باقٍ على الأصل، وقد حررت ذلك بنفسي على كبار السن، وعندهم أنه إذا صنع الصانع المد فلابد أن يحرر، والتحرير: أنهم يأخذون صاعاً قديماً حرر على أقدم منه وهكذا حتى يضبطونه؛ لأنه في بعض الأحيان الصانع يوسع المد، فلم تكن عندهم المعايير منضبطة مثل ما هو الآن في المصانع، فالصانع ربما وسعه وربما ضيقه، ففي بعض الأحيان يقول لك: هذا المد مسح، بمعنى: إذا امتلأ الطعام فيه فمسحته تم المد، وبعض الأحيان يقول لك: حتى يتساقط، يعني: تملأه بالطعام حتى يتناثر، وبعض الأحيان يقول لك: نصف ملء، بمعنى: أنك تملؤه ولا يتناثر كمال التناثر ولكن إلى نصفه وهكذا، فالمد هذا يعدل ربع الصاع، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، أي: من المد الذي هو ملء اليدين المتوسطتين، فلو ملأت بها أربع مرات أو حثيت بها أربع مرات طعاماً أو تراباً ملأت الصاع، وهذا الصاع كما قيل: إنه وحدة من الكيل فوق المد.
وأحياناً يقولون للمد الصغير هذا: صاعاً نبوياً، ولكن المشهور أن الصاع هو الكبير، وهذا الصغير يعد ربع صاع، وكذلك أيضاً هناك وحدة ثالثة وهي: المد الكبير، والمد الكبير ثلاثة أضعاف الصاع، أي: ثلاثة آصع تملأ المد الكبير، فأصبح المد الكبير فيه اثنا عشر مداً صغيراً، فيفرق بينهما، وفي الأعراس قد تسمعهم يقولون: هذا مد كبير أو هذا مد صغير فتفرق بينهما بهذا.
يقول: (يتوضأ بمدٍ) وهو المد الصغير، (ويغتسل بصاع)، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة، وورد عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه اغتسل بإناء قدر الحلاب) والمراد بقدر الحلاب أي: الإناء الذي يسع حليب الناقة، فلو حُلبت ملأته، وهذه ضوابط العرب؛ لأنهم في القديم ما كان عندهم وحدات، فأحياناً يقدرون بمثل هذا وأحياناً يقدرون بشيء تقريبي، وورد عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه اغتسل إلى خمسة أمداد) من المد الذي ذكرناه، وكل هذا على التخيير.
وهدي النبي صلى الله عليه وسلم ليس ملزماً؛ لأنه دلالة فعل، بمعنى: لا يلزمك ولا يجب عليك أن تغتسل بالصاع، بل إن في بعض الأحيان لو اغتسل الإنسان بالصاع ربما أخل، فلا تُطلب السنة بضياع الفرض، وإنما يغتسل بالصاع من يضبط الماء، ويحسن صبه على البدن وحفظه، وهذا موجود، وإن كان بعض العلماء يقول: كان الشيء مباركاً فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زمانه، ثم نزعت البركة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه: (إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام -كما في صحيح مسلم وغيره من أحاديث الرقائق- أنه توضع البركة، حتى أن الشاة يطعمها أربعون) الشاة الواحدة تكفي أربعين شخصاً من البركة، وقد نزعت البركة من الأشياء، فربما لو قلت لإنسان الآن: اغتسل بصاع، قد لا يستطيع، بل حتى في عصر التابعين، قال ابن الحنفية: (ما يكفيني)، فرد عليه الراوي: (قد كان يكفي من هو أكبر منك جسداً وأوفر شعراً)، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالمقصود: إذا تيسر للإنسان أن يصيب هذه السنة فليصبها، وإذا لم يتيسر له فإنه لا حرج عليه.
(18/13)
________________________________________
حكم الغسل بأقل من صاع
قال رحمه الله: [فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ].
قوله: (فإن أسبغ بأقل) (أسبغ) بمعنى: عمم أو استوعب أعضاء الفرض، فمثلاً: الصبي الذي هو في الخامسة عشرة من عمره أو الإنسان صغير الحجم، قد يستطيع بأقل من الصاع أو بقدر يقارب الصاع أن يعمم بدنه، فليس مراده أن يغتسل بالصاع إلزاماً، فجاء بهذه العبارة حتى يفيد أنه للندب والاستحباب لا للحتم والإيجاب.
(18/14)
________________________________________
حكم من نوى بغسله رفع الحدثين
وقوله: (أو نوى بغسله الحدثين أجزأ) إذا اغتسل الإنسان من أجل أن يصلي فإنه يستبيح الصلاة مباشرة، وقال بعض العلماء: إنه يجزئه مطلقاً سواءً نوى أو لم ينو، والأقوى أنه إذا نوى يجزئه، وهذا بالإجماع: أن من اغتسل فإن هذا يجزئه لكلا العبادتين، وإذا وقع الوضوء في الغسل أجزأه قولاً واحداً، لكن عند أبي ثور أنه يجب عليه أن يتوضأ أثناء الغسل، وهذا قول يعتبر من مفردات أبي ثور -وهو الإمام الفقيه إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي رحمة الله عليه، كان من أصحاب الشافعي ثم اجتهد، وكان له مذهب مستقل، يقول عنه الإمام أحمد: أعرفه بالسنة منذ ثلاثين عاماً رحمة الله عليه- فهذا الإمام الجليل يرى أن الوضوء في الغسل واجب، ولكنه قول مرجوح لظاهر القرآن: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] ولم يوجب الله الوضوء، وما ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة الذي ذكرناه: (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات) وهذا الحديث من أهم أحاديث الغسل، ولذلك أقول: رضي الله عن أم سلمة وأرضاها، ونسأل الله العظيم أن يعظم أجرها بهذا الحديث، وهذا الحديث دفع إشكالات كثيرة في الغسل من الجنابة، وأزال اللبس في كثير من الأمور التي قيل بوجوبها وهي ليست بواجبة، وما كان هناك مخرج إلا بهذا الحديث، وهذه هي فائدة سؤال العلماء، فقد سألت أم سلمة رضي الله عنها وقالت: (يا رسول الله! إني امرأة أشد ظفر شعر رأسي، أفأنقضه إذا اغتسلت من الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء على جسدكِ فإذا أنتِ قد طهرتِ) وهذا الحديث يستفاد منه فيما لا يقل عن عشرين مسألة من مسائل الغسل من الجنابة، رضي الله عنها وأرضاها.
قال رحمه الله: [ويسن لجنب غسل فرجه].
إذا وقعت الجنابة من جماع أو استيقظ وهو جنب فيسن له أن يغسل فرجه، لظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وحديث عمر في الصحيحين، أما حديث عائشة فقالت:: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً وأراد أن ينام أو يأكل غسل فرجه وتوضأ)، وأما حديث عمر في الصحيحين قال: (يا رسول الله! أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، ثم قال عليه الصلاة والسلام: توضأ واغسل فرجك ثم نم) فقالوا: (اغسل فرجك) دل على مشروعية غسل الفرج، حتى أن بعض الأطباء يعتبره من الأمور الطيبة، ويقولون: إنه لا يؤمن أنه إذا تأخر المني في موضعه أن تتولد منه بعض الجراثيم، وقد ينشأ منها بعض الأمراض، ولذلك قالوا: ربما لو يبس على العضو ربما حدث بعض الضرر، فلذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يغسل موضع الجنابة.
وقوله: (لجنب).
يشمل الذكر والأنثى، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: توضأ واغسل فرجك).
(18/15)
________________________________________
حكم وضوء الجنب لأكل ونوم ومعاودة جماع
قال رحمه الله: [والوضوء لأكل ونوم] قد ثبت في حديث أم المؤمنين عائشة عند أحمد ومسلم في صحيحه رحمة الله عليهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً وأراد أن ينام أو يأكل توضأ) ومن العلماء من قال: هذا الوضوء وضوء الجنب، وهذا الوضوء لا ينتقض، فلو توضأ ثم خرج منه ريح فإنهم يقولون: لا ينتقض وضوءه بل يبقى على وضوئه، وهو الوضوء الذي يلغز به بعض الفقهاء فيقولون: متوضئ لا ينتقض وضوءه لا ببول ولا غائط ولا ريح، فقد تقول: المستحاضة، فيقال: هذه معذورة، لكن هذا غير معذور، فيكون

الجواب
هو وضوء الجنب، كما أشار إلى ذلك السيوطي بقوله: قل للفقيه وللمفيدِ ولكل ذي باعٍ مديدِ ما قلت في متوضئٍ قد جاء بالأمر السديدِ لا ينقضون وضوءه مهما تغوط أو يزيدِ فهذه من ألغاز الفقهاء، فلو أن إنساناً أراد أن ينام فغسل فرجه ثم توضأ، وقبل أن ينام خرج منه ريح، فيقول: ما دام النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتوضأ في الجنابة قبل النوم، إذاً فقد انتقض الوضوء، مع أنه يكاد يكون إجماعاً أنه لا ينتقض هذا الوضوء بخروج الخارج؛ لأن المراد به -كما يقولون-: أنه أرفق بالأعضاء، والغالب أن الإنسان إذا حصل منه الإنزال ضعف بدنه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الغسل عند معاودة للوطء: (فإنه أنشط للعود) وسبحان الله! ما أكرم الله علينا بهذه الشريعة! فنحمد الله تبارك وتعالى على هذه النعم الظاهرة والباطنة، ولهذا فالخير الكثير والرحمة المهداة والنعمة المسداة التي أكرمنا الله عز وجل بها في هذه الشريعة السمحاء، نسأل الله العظيم أن يحيينا عليها وأن يرزقنا طهارتها وأن يميتنا عليها.
وعندما تنظر إلى الكفار ترى الواحد منهم ربما أقبل عليك فلا تستطيع أن تتحمل نتنه وقذارته؛ لأنهم لا يغتسلون ولا يزيلون الحدث، حتى ذكر بعض المؤرخين والمتأخرين أن أوروبا عاشت إلى قرون قريبة -إلى قبل القرن العاشر بيسير- وهم لا يعرفون الغسل، ولا يحسنون تنظيف أبدانهم، وهم الذين يقولون: إنهم أهل الحضارات، وما عرفوا الحضارة إلا من الإسلام، ولا عرفوا الطهارة ولا النقاء إلا من هذه الأحاديث النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي ما تركت قليلاً ولا كثيراً، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين؛ والله أخبر أنه يريد أن يطهرنا، فطهرنا سبحانه حساً ومعنى، وهذا من سماحة الشريعة ومن يسرها وفضلها.
وقوله: (والوضوء لأكل) لحديث عائشة.
(ونوم) لحديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين، وكذلك في حديث عائشة [(ومعاودة وطء) أي: معاودة الجماع، فلو أن إنساناً جامع أهله ثم أراد أن يعود فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا جامع أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ) فعندنا الآن: الوضوء للنوم، والوضوء للأكل، والوضوء لمعاودة الجماع.
وظاهر الأحاديث الأمر: (فليتوضأ) (توضأ واغسل فرجك ثم نم) كلها أوامر، فهل هذا الوضوء واجب؟ وجهان للعلماء: وأصحهما قول الجمهور: أن الوضوء ليس بواجب على الجنب، لا للأكل ولا للنوم ولا للجماع، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أمرت بالوضوء للصلاة) وهذا هو ظاهر القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] فدل على أن لزوم الوضوء إنما يكون عند إرادة الصلاة، وفرع من هذا عدم الوجوب لغير الصلاة، وفيه حديث عمار أنه رخص للجنب، يعني: في ترك وضوئه عند إرادته الأكل أو النوم، ولكنه متكلم في سنده، لكن الأقوى: (إنما أمرت بالوضوء للصلاة).
إذا ثبت هذا: فالأمر بالوضوء للجنب على الاستحباب والندب لا على الوجوب والحتم، فلو أنه ترك هذا الوضوء لم يجب عليه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم سنية الوضوء لمعاودة الجماع، وقال عليه الصلاة والسلام في بيان العلة: (فإنه أنشط للعود) فقوله: (إنه أنشط للعود) يخرج النص عن الوجوب إلى الندب والاستحباب، وهي قرينة تصرف الحديث من الأمر إلى الندب، ففي هذا الحديث ذكرها العلماء، لكن أظهرها قولهم: أنه للندب والاستحباب لا للحتم والإيجاب.
(18/16)
________________________________________
الأسئلة
(18/17)
________________________________________
حكم المضمضة والاستنشاق عند الغسل

السؤال
إذا اغتسل الإنسان غسل إجزاء ولم يتمضمض ولم يستنشق، فهل غسله باطل؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: اختلف العلماء رحمهم الله في المضمضة والاستنشاق للغسل من الجنابة على قولين: فقال الإمام أبو حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما بوجوب المضمضة والاستنشاق، وقال غيرهم بالاستحباب، والصحيح: أنهما واجبان ولا يصح الغسل بدونهما؛ لأن الله أمر بتطهير ظاهر البدن، والفم والأنف من ظاهر البدن لا من داخله، بدليل أن الصائم إذا تمضمض أو استنشق لم يفطر من صومه، وبناءً على ذلك: فإن أصح الأقوال: أن المضمضة والاستنشاق لازمتان للغسل من الجنابة، فمن لم يتمضمض ولم يستنشق يكون كأنه ترك عضواً من الأعضاء التي أمر بغسلها.
والله تعالى أعلم.
(18/18)
________________________________________
حكم من أحدث أثناء الغسل

السؤال
إذا أحدث الشخص أثناء الغسل، هل يعود ويبتدئ من الأول أم يستمر؟

الجواب
إذا أحدث الإنسان أثناء الغسل فحدثه على ضربين: إذا أحدث حدثاً أصغر فإنه لا يؤثر في غسله من الجنابة، ولكن لا يستبيح به الصلاة إلا إذا عمم بدنه بالماء بعد خروج ذلك الخارج، مثال ذلك: لو أن إنساناً -أثناء اغتساله- بعد أن غسل كفيه وتوضأ وضوءه للصلاة وغسل شقه الأيمن خرج منه ريح أو مس فرجه، فحينئذٍ إذا غسل باقي البدن وعمم -بعد انتهائه من الجزء الأيسر- على سائر البدن وتمضمض واستنشق فإنه يجزئه، ويعتبر تعميم البدن بعد خروج الخارج بمثابة الوضوء بعده، أما لو أنه خرج منه الخارج بعد تعميم البدن، كأن يكون مثلاً: عمم بدنه بالماء وقبل أن يغسل رجليه خرج منه الريح أو بال، فإنه في هذه الحالة يعتبر منتقضاً لوضوئه، وأما غسل الجنابة فلا يؤثر فيه الحدث الأصغر.
أما لو خرج منه مني فعلى حالتين: إما أن يكون فضلة مني سابقة، كأن يكون مثلاً: خرج منه المني وبقي شيء في المجاري لم يقوَ خروجه إلا عند برود جسده، فلما برد جسده بالماء قويت القوة الدافعة على إخراج ما تم، فخرجت فضلة المني الأول على شكل قطرات فإن هذه تنقض الوضوء ولا تنقض الغسل -على القول بأن خروج المني ناقض للوضوء- وبناءً على ذلك: فإن هذا المني يعتبر لاحقاً للمني الأول، والتابع تابع، لكن لو أن هذا المني كان منياً مستأنفاً فحينئذٍ يلزمه أن يعيد غسله من الجنابة، ولا يصح منه إلا بعد أن يعمم بدنه بالماء، والله تعالى أعلم.
(18/19)
________________________________________
حكم الاغتسال بالماء والصابون في غسل الجنابة

السؤال
إذا اغتسل الإنسان بالماء والصابون ونوى به غسل الجنابة، فهل يجزئه ذلك أم أن الماء يعتبر طاهراً؟

الجواب
لا ما يمكن؛ لأنه إذا اغتسل بالماء والصابون، وعمم بدنه بالصابون، ثم صب الماء، فالماء طهور، فورود الطهور على الطاهر يطهر، لكن لو كان الماء مخلوطاً بصابون واغتسل بماء وصابون فهل يبقى بالماء والصابون على بدنه؟ ما يمكن هذا، وما يتأتى، فلابد أنه بعد الصابون سيصب صبة مستقلة، فإذا صب الطهور بعد الطاهر أجزأه، أما أن يغتسل بالماء والصابون ويخرج فما أظن هذا حاصلاً؛ لأنه لا يستطيع أن يصبر على أذى الصابون، وبناءً على ذلك: فالمسألة فرضية أكثر من أنها حقيقية، وهي سؤال جيد كمسلك فقهي، أي: هل يؤثر أو لا؟ وهي مفرعة على قوله عليه الصلاة والسلام: (اغسلنها بماء وسدر) قالوا: هل ينفصل، أو يكون مع الماء الطهور، أو يغسل بالماء أولاً ثم يدلك بالسدر ثم يصب الماء الطهور بعد ذلك؟ فالأحوط دائماً: أن تجعل بعد الصابون غسلة مستقلة.
فلو كان الماء فيه رائحة الصابون وطعم الصابون فهو طاهر وليس بطهور، وفي هذه الحالة لا يرفع حدثاً أصغر ولا حدثاً أكبر، لأنه طاهر غير طهور.
(18/20)
________________________________________
عصر الذكر عند الغسل من الجنابة

السؤال
هل يجب على الإنسان عند غُسله من الجنابة أن يعصر ذكره حتى يخرج ما تبقى من المني؟

الجواب
لا، تكلف عصر العضو في الخارج سواءً كان منياً أو كان غير مني هذا لا أصل له، ولكن ذكر العلماء أنه إذا حصل عند إنسان مرض ولم تستطع القوة على إخراج الفضلة وتوقف على السلت، قالوا: يسلت من باب: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولكنها حالة مستثناة، والأفضل والأولى أن لا يفعلها الإنسان ولا يعتاد هذا، وأما هل يجب عليه؟ فلا يجب على أحد أن يعصر ولا أن يتكلف ذلك، وقد يدخل الإنسان على نفسه الوسوسة، وقد يتسلط عليه الشيطان ويقول له: بقي شيء، ويقولون: إن العضو كالضرع كلما حلب در، ولذلك قالوا: كلما اشتغل المكلف بعضوه من ناحية نقاء البول أو المني أو المذي فإنه يدخل على نفسه باباً من الوسوسة يتعب منه كثيراً، ولذلك استحبوا أن الإنسان يقتصر على رحمة الله به ولطفه، فما كلف الله المكلف إلا ما أمامه، فإذا غسل العضو غسلاً عادياً دون أن يتكلف فيه فقد أجزأه وبرئت ذمته، والله تعالى أعلم.
(18/21)
________________________________________
كيفية الاغتسال وفق السنة تحت الدش

السؤال
كيف يتحقق غسل الجنابة على السنة مع ما يسمى هذه الأيام بالدش؟

الجواب
يبدأ الإنسان بغسل كفيه أولاً، ثم يغسل فرجه ومواضع الأذى، ثم يفرغ بيمينه على يساره، فإذا كان عنده صنبور فإنه يفتح الصنبور ويأخذ باليسرى، ويغسل الفرج ومواضع الأذى، ثم يرجع ثانية ويفتح الصنبور ويغسل كفيه حتى يظن أنه أنقاها بالصابون أو نحوه، فإذا حصل النقاء للكفين فإنه يبدأ ويتوضأ وضوءه للصلاة، وبعد أن ينتهي من مسح رأسه -على القول بتأخير الرجلين- يغسل رجليه، ثم يقوم ويقف -وهذا أفضل- ويجعل شقه الأيمن للدُش.
فإذا أصاب الشق الأيمن فإنه يدلك شعره، ويبدأ أول شيء بدلك الشعر بحيث يروي أصوله، ثم يجعل شقه الأيسر للدُش، ثم يعمم سائر بدنه، والسنة والأولى -على القول بالتفصيل في غسل الرأس- أن يبدأ بغسل الكفين ثم بغسل الفرج ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ كفاً من ماء ويصبها على رأسه ويروي بها أصول الشعر اليمنى، ثم يروي أصول الشعر ثم يقف، ويصب على شقه الأيمن ثم الأيسر، لكن التيامن والتياسر مشكلة في البركة.
فقد يكون الإنسان حريصاً على السنة، فكيف، يفعل في البركة؟ ممكن أن الإنسان، يبدأ بنفس الطريقة، ثم يفيض على شقه الأيمن ثم شقه الأيسر، بل حتى لو وقف في البركة وأصاب الماء منتصف جسده أو إلى صدره ثم أفاض -وهو واقف- يبدأ ويفيض على شقه الأيمن ثم على شقه الأيسر ثم ينغمس في البركة فإن هذا يجزئه.
(18/22)
________________________________________
حكم نقض المرأة شعرها في غسل الجنابة والحيض والنفاس

السؤال
هل يجب على المرأة أن تنقض شعر رأسها في الغسل من الجنابة أم هو خاص في الحيض والنفاس فقط؟

الجواب
ظاهر حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (إني امرأة أشد ظفر شعر رأسي، أفأنقضه إذا اغتسلت من الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء على جسدكِ؛ فإذا أنتِ قد طهرتِ) قال بعض العلماء: لا يلزمها نقض شعرها مطلقاً، لا في غسل جنابة ولا في غسل حيض أو نفاس، ووجه ذلك أنهم قالوا: إنها سألت عن الجنابة، والسؤال عن الجنابة منبهٌ على النظير وهو: الحيض والنفاس، وقال بعض العلماء: يكون الحكم خاصاً بالجنابة، ويبقى الحيض والنفاس على ظاهر القرآن من الأمر بالتطهير، والأقوى: أن الحكم عام وشامل للجنابة والحيض والنفاس.
ولذلك: السؤال عن أحد أفراد العام لا يقتضي التخصيص به إذا كان المعنى يقتضي التعميم، وإن كان بعض العلماء ينازع في هذا ويقول: إنه قد يخفف من جهة الجنابة للكثرة ويكون الحيض والنفاس باقٍ على الأصل للقلة، أي: لقلة الحيض والنفاس، حيث يكون مرة في الشهر، ولكن الجنابة قد تكون مرة في اليوم وقد تكون مرات، فقالوا: خفف عليها في الجنابة، وبقي الحيض والنفاس على الأصل الموجب لسائر البدن، والذي يظهر أنه يجزئها في الحيض والنفاس، ولكن الأحوط والأفضل: أن تنقض شعرها في غسلها من الحيض والنفاس، وتبقى في الجنابة على الرخصة، ولكن لو عملت بالرخصة في الجميع أجزأها، والله تعالى أعلم.
(18/23)
________________________________________
حكم مسح الجسم بالماء دون إفاضة الماء

السؤال
هل يجزئ مسح الجسم بالماء بدل الإفاضة بسبب قلة الماء أو برودته؟

الجواب
المسح لا يجزئ، لكن لو صب الماء ثم دلك الجسد والماء عليه أجزأ، وهناك فرق بين المسح وبين الغسل، فإن الله أمر بالتطهر بالماء، ولا يتحقق ذلك إلا بالغسل، والفرق بين المسح وبين الغسل: أن مادة الماء موجودة على الجسم أثناء إمرارك لليد، لكن المسح يكون بفضلة الماء الموجودة على الكف الذي تمسح به، ويكون ظاهر البشرة لا ماء فيه، فإن كان الماء موجوداً في اليد الماسحة دون اليد الممسوحة فهذا مسح، وأما إذا كان الماء موجوداً على اليد المغسولة ومر نفس الماء على يده فإن هذا غسل وليس بمسح، وهي مسألة تشكل على الكثير، وقد تحدث بسببها وسوسة للإنسان، فخذ هذا الضابط: إذا كان الماء جارياً على البدن، وجرفت الماء بجريان أصابع يدك عليه، والماء موجود على نفس العضو الذي جرت عليه اليد فهذا غسل، أما إذا كان الماء موجوداً في اليد التي تجري دون اليد التي تُغسل فإنه يكون مسحاً ولا يكون غسلاً، والله تعالى أعلم.
(18/24)
________________________________________
حكم استباحة فريضة بوضوء نافلة

السؤال
إذا توضأت لصلاة نافلة وبقيت على ذلك الوضوء حتى دخل وقت فريضة، فهل أصلي بذلك الوضوء، علماً أنني نويت بوضوئي صلاة النافلة فقط؟

الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من يقول: من توضأ لنافلة صلى ما شاء الله، ولا يفرق بين النافلة والفريضة، ومنهم من قال: إن من توضأ لنافلة فلا يصلي بها ما هو أعلى منها وهي الفريضة؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عمر: (إنما لكل امرئ ما نوى) فمن نوى الأقل لا يستبيح به الأعلى، كمن صلى نافلة وأراد أن يقلبها ظهراً فبالإجماع أنها لا تنقلب، ولذلك قالوا: إذا نوى أن هذا الوضوء للنافلة فإنه يستبيح صلاة النافلة دون الفرض، وهذا هو الأحوط لظاهر قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) فقال العلماء قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) يدل على أن من نوى الشيء حصل له، وأن من لم ينوه -من باب المفهوم- لا يحصل له، وهذا هو الأحوط، فيعيد وضوءه، والأفضل والأحسن أن الإنسان إذا أراد أن يتوضأ أو يغتسل أن ينوي رفع الحدث، ولا ينوي صلاة معينة، فإنه إذا نوى رفع الحدث الأصغر والأكبر أجزأه، وقد أشار بعض الفضلاء إلى هذا المعنى في قوله: ولينوِ رفع حدثٍ أو مفترض أو استباحة لمن معاً عرض فهذه ثلاثة أحوال للنية، (ولينوِ رفع حدثٍ) أي: ينوي مطلق رفع الحدث، وهذا بالإجماع أنه يستبيح به ما شاء مما يمنعه الحدث.
(أو مفترض) يعني: صلاة فرضها الله كالظهر والعصر، (أو استباحة لمن معاً عرض) أي: هو محدث فيمتنع عليه أن يطوف فتوضأ للطواف، أو يمتنع عليه حمل القرآن فتوضأ لحمل القرآن، والأولى والأحسن للإنسان أن ينوي رفع الحدث، وإذا نوى رفع الحدث الأصغر والأكبر فإنه يستبيح ما شاء الله أن يستبيح، والله تعالى أعلم.
(18/25)
________________________________________
حكم جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة للمسافر

السؤال
هل يجوز للمسافر أن يجمع بين العصر والجمعة جمع تقديم كما يجمع بينه وبين الظهر؟

الجواب
هذه المسألة فيها إشكال عند العلماء، ومذهب طائفة من أهل العلم أنه لا يجمع بين الجمعة والعصر، وذلك لأن الجمعة لا تكون للمسافر، والجمع إنما يتأتى إذا قُصرت الصلاة مع الصلاة الثانية، وإن كانت قضية القصر ليست هي العلة الأقوى في هذا؛ لظاهر حديث المناسك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين صلاتين: الأولى تامة والثانية مقصورة وهما: المغرب والعشاء، فإن الأولى تامة والثانية مقصورة، ولذلك قال بعض العلماء: إنه يصح الجمع بين الجمعة والعصر، وقال بعضهم بعدم صحة الجمع بين العصر والجمعة، والأحوط أن الإنسان لا يجمع، لكن لو احتاج وجمع فيقوى القول بأنه يجوز له ذلك ولا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
(18/26)
________________________________________
الخلاف في تحريم زوجة الأب من الرضاع

السؤال
قال تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:22] هل زوجة الأب من الرضاع تحرم على ابنه من الرضاع فتكون داخلة في عموم هذه الآية؟

الجواب
هذا التحريم يسمى التحريم بالمصاهرة في الرضاع والتحريم بالمصاهرة اختلف العلماء فيه، هل يستوي النسب والمصاهرة في التحريم بسبب الرضاع أو لا يستويان؟ والحقيقة أن هذه المسألة أنا متوقف فيها، وكنت أقول: إن التحريم بالمصاهرة في الرضاع ينزل منزلة التحريم بالنسب في الرضاع لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ولكن الإشكال أن التحريم هنا بالمصاهرة، وهي مسألة توقف فيها عدد من العلماء رحمة الله عليهم من المتقدمين، وأنا أرى أن الإنسان يحتاط، فلا يتزوجها ولا يختلي بها، أي: يحتاط في الذي هو مسلك الشبهة، فأقل درجاتها الشبهة، فلا يتزوجها ولا يختلي بها إعمالاً للأصل في الاستبراء في كلا الأمرين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(18/27)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب التيمم [1]
شرع الله سبحانه التيمم في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وأجمع العلماء كذلك على مشروعيته، وهو رخصة من الله سبحانه لعباده المسلمين؛ ليزيل عنهم المشقة والضرر، وله أسباب تبيح الأخذ برخصته، وكذلك له ضوابط نص عليها العلماء وبينوها حتى تكون الرخصة في محلها.
(19/1)
________________________________________
تعريف التيمم لغة واصطلاحاً
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب التيمم].
التيمم مأخوذ من قولهم: تيمم الشيء إذا قصده، ومنه قوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267] أي: ولا تقصدوا رديء التمر والخارج من الأرض لتنفقوا منه زكاة أموالكم، ومن ذلك قول الشاعر: تيممتها من أذرعات وأهلُها بيثرب أدنى دارها نَظَرٌ عالي أي: قصدتها.
فالتيمم القصد.
وأما في الاصطلاح: فإنه القصد إلى الصعيد الطيب بضرب اليدين ومسح الوجه والكفين بنية استباحة الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
والمراد بالصعيد الطيب: ما على وجه الأرض، سواءً كان تراباً أو غيره، وسواء كان جامداً -كالحجارة ونحوها- أو كان غير جامد.
فقولهم: القصد إلى الصعيد الطيب، المراد به كل ما صعد على وجه الأرض، والعلماء -رحمهم الله- اختلفوا في هذه المسألة، فمنهم من يقول: لا يقصد إلا إلى شيء مخصوص، وهو التراب إذا كان له غبار، وأما إذا لم يكن له غبار فإنه لا يتيمم به.
وقالت طائفة من العلماء: إنه يتيمم بكل ما على وجه الأرض، من الجامد، وغير الجامد كالنباتات التي تغتذي بالماء، قالوا: يجوز أن يتيمم بها ما دامت متصلة بالأرض، كما هو مذهب مالك رحمه الله.
ومنهم من خصّ التيمم بكل ما على وجه الأرض، لكن خصه بما كان من جنس الأرض، فيشمل الحجارة والطين والجصّ والنورة وغير ذلك.
(بضرب اليدين) أي: يقصد إلى الصعيد الطيب مع ضربه اليدين على ذلك الصعيد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لـ عمار: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا) ثم ضرب عليه الصلاة والسلام بكفيه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه، فدل هذا على أنه يشرع التيمم على هذه الصفة، فقولهم: القصد إلى الصعيد الطيب بمسح الوجه والكفين: المراد به قصد مخصوص، وقولهم: بنية استباحة الصلاة، هو أحد أقوال العلماء، والقول الثاني: بنية رفع الحدث، والقول بنية استباحة الصلاة هو الأقوى؛ لأن التيمم مبيح وليس برافع.
(19/2)
________________________________________
أدلة مشروعية التيمم
شرع الله التيمم في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] في آيتي النساء والمائدة، وشرعه عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن عماراً لما خرج في السرية -وكانت في زمان بارد- وأصابته الجنابة قال: فتمعكت كما تمعك الدابة -وكان يخشى على نفسه لو اغتسل أن يموت- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ما صنع.
فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه).
وثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل لم يصلِّ في القوم، فقال: ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء.
فقال عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد الطيب، فإنه يكفيك) وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين) وفي الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي -ومنها قوله:- وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فدلت هذه الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن التيمم مشروع.
وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية التيمم.
أما بالنسبة لمناسبة هذا الباب لما قبله: فقد كان المصنف رحمه الله في باب الغسل ثم شرع في باب التيمم، فما هو الرابط بين باب الغسل وباب التيمم؟ تكلم المصنف رحمه الله في الباب السابق عن الغسل والوضوء ونواقض الوضوء، فجمع بذلك بين الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى، ولكن كان حديثه عن الطهارة بالماء التي هي أصل، ثم شرع هنا في طهارة التراب التي هي بدل، ولذلك قالوا: إن الكلام عن البدل مفرّع عن الكلام على المبدل منه، فبعد أن بين رحمه الله حكم الطهارة بالأصل -وهو الماء- شرع في بيان حكم الطهارة بالبدل، وهو التراب.
(19/3)
________________________________________
التيمم بدل عن الطهارة الصغرى والكبرى وطهارة الخبث
قال رحمه الله: [وهو بدل طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة].
(وهو) أي: التيمم.
(بدل طهارة الماء) أي: أنه ليس بأصل، وإنما شرع على صورة مخصوصة، وفي أحوال مخصوصة، ولذلك يمكن للفقيه أن يقول للمكلف: تيمم إذا وجد موجبات الرخصة، وممكن أن يقول له: لا تتيمم إذا لم تتوفر موجبات الرخصة، ولذلك قال: وهو بدل، والبدل يحتاج منك إلى أن تعرف شروطه والقيود التي وضعها الشرع لجواز هذا البدل عن المبدل منه، فالتيمم بدل عن طهارة الماء، وهذه البدلية تشمل الطهارة الصغرى -وهي الوضوء- والطهارة الكبرى -وهي الغسل من الجنابة- فيقع التيمم بدلاً عن الوضوء ويقع بدلاً عن الغسل من الجنابة، وللمكلف إذا تيمم أن يستبيح الصلاة مباشرة، ويقع التيمم بدلاً عن طهارة الخبث كما هو قول طائفة من العلماء، فمن وقعت عليه نجاسة ولم يجد ماء يغسل به تلك النجاسة يتيمم لوجود النجاسة ببدنه، فجعلوا التيمم بدلاً عن الطهارة بنوعيها: طهارة الحدث وهذا بالإجماع، فيقع بدلاً عن الطهارة الصغرى وهي الوضوء والطهارة الكبرى وهي الغسل وطهارة الخبث، فإذا سئلت عن بدليته فقل: عن ثلاثة: عن الوضوء والغسل وطهارة الخبث.
أما على القول الثاني الذي يقول: إن من لم يجد الماء ووقعت عليه النجاسة فإنه لا يتيمم، فيصبح التيمم بدلاً عن الطهارة الصغرى والكبرى فقط.
(19/4)
________________________________________
أسباب الأخذ برخصة التيمم
قال رحمه الله: [وهو بدل طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة].
وقوله: (وهو بدل طهارة الماء) عمم المصنف فقال: هذا التيمم بدل عن طهارة الماء، فشمل طهارة الحدث -أي: طهارة الوضوء وطهارة الغسل- وشمل طهارة الخبث، فأصبح بدلاً على العموم.
(19/5)
________________________________________
حكم التيمم للفريضة قبل دخول وقتها
(وهو بدل عن طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة) إذا دخل: هذا شرط، والشروط في المتون الفقهية يعتبر مفهومها، وإن كان بعض العلماء له مصطلح في المفاهيم التي يذكرها في متنه.
ومعنى قولنا: إن الشروط تعتبر مفاهيمها، أنه مثلاً: إذا قال لك: إذا دخل وقت فريضة، فمفهومه أنه إذا لم يدخل وقت الفريضة فإنه لا يتيمم لها، لكن لو تيمم لغير الفريضة كأن يتيمم لمس مصحف إذا كان جنباً أو يتيمم للطواف بالبيت فلا حرج عليه.
إذاً: قوله: (إذا دخل وقت فريضة) أي: أنك تتيمم وتستبيح رخصة التيمم للفريضة بشرط أن يدخل وقتها، فلو أن إنساناً سألك وقال: لم أجد الماء فتيممت قبل أذان الظهر ثم دخل وقت الظهر فصليت؟ فتجيب: لا يصح التيمم ولا يستباح بهذا التيمم فعل الصلاة؛ لأن شرط التيمم أن يدخل وقت الفريضة.
هذا بالنسبة لمعنى العبارة.
أما الدليل الذي يدل على اشتراط دخول الوقت للتيمم، فقالوا: إنه الأصل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] إلى أن قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] هذه الآية وجه دلالتها على اشتراط دخول الوقت -وهذا يحتاج إلى دقة في الفهم والتركيز- أنه في أول الإسلام كان يجب على المكلف إذا دخل وقت الفريضة أن يتوضأ، حتى ولو كان متوضئاً، وكانوا يصلون كل فريضة بعد دخول وقتها بوضوئها، أي: في الوقت، ثم نسخ ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أهل العلم من قيّد النسخ بفعله عليه الصلاة والسلام في غزوة الخندق، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه لم يصلِّ العصر حتى غربت الشمس، كما في الصحيحين من حديث عمر: (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال عليه الصلاة والسلام: والله ما صليتها، قوموا بنا إلى بطحان، قال: فتوضأ ثم صلى العصر والمغرب والعشاء) قالوا: هذا نسخ وجوب الوضوء عند دخول الوقت، ودل على أنه يشرع للمكلف أن يجمع بوضوء واحد بين عدة صلوات ولا حرج عليه في ذلك، فأصبح الوضوء رافعاً للحدث، وبناءً على ذلك قالوا: نُسخ الحكم في الوضوء وبقي التيمم على الأصل من كونه مطالباً بالتيمم عند دخول الوقت، وهذا صحيح؛ لأنه إن ورد النص على العموم إلا أن سياق الآية يقيد الطهارة بدخول الوقت {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] ولا يقام لفعل الصلاة المفروضة إلا بعد دخول وقتها، فلما جاء الناسخ في الوضوء بقي غيره على الأصل، قالوا: فبقي التيمم على الأصل، ومن هنا لا يتيمم إلا عند دخول وقت الفريضة، وتفرّع على هذا أن التيمم مبيح لا رافع، أي: أن التيمم يبيح لك فعل الصلاة لا أنه يرفع الحدث، إذ لو كان رافعاً للحدث لما احتجت بعد تيممك الأول إلى تجديده بدخول وقت الفريضة الثاني.
(19/6)
________________________________________
مسألة: التيمم رافع أم مبيح
وهذه مسألة خلاف: هل التيمم مبيح أم رافع؟ أصح القولين عند العلماء رحمهم الله: أن التيمم مبيح، ويشهد لذلك -كما قلنا- ظاهر التنزيل، وأيضاً ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رأى رجلاً لم يصلِّ -وفي رواية: أنها صلاة الفجر، كما في حديث عمران في الصحيحين- فقال: ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك) وفي رواية: (ثم وجد الماء فبعث به إلى الرجل) فوجه الدلالة: أن الرجل حينما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (عليك بالصعيد الطيب) سيتيمم للصلاة مباشرة، ولا شك أن تيممه قد وقع قبل وجود الماء؛ لأن الوقت الذي وقع بين وجود النبي صلى الله عليه وسلم للماء وبين فراقه للرجل وقت كافٍ للتيمم قطعاً، وقد توجّه عليه الحكم أن يتيمم، فتيمم الرجل لإدراك الفريضة الواجبة عليه، فلما تيمم قال: (فبعث به إلى الرجل) وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن التيمم يبيح فعل الصلاة لا أنه رافع للحدث فيصح فعل الصلاة مطلقاً.
(19/7)
________________________________________
التيمم لأداء نافلة
قال رحمه الله: [أو أبيحت نافلة].
عندنا صلاتان: الصلاة المفروضة، والصلاة النافلة، فإن قلت: إن التيمم لا يكون إلا عند دخول وقت الصلاة، فقيده بصلاة الفريضة بوقتها، فتقول: يتيمم لصلاة الظهر بعد زوال الشمس، ويتيمم لصلاة المغرب بعد غروب الشمس.
إلخ، وإن كانت الصلاة نافلة اعتبرت فيها الأوقات المنهي عنها، فتقول: يتيمم في وقت تباح فيه النافلة، فلو أنه تيمم بعد صلاة الصبح أو بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس لِفِعْلِ نافلة مطلقة؛ فإنه لا يصح تيممه لوقوعه في غير الوقت المعتبر لإجزاء التيمم في الصلاة.
(19/8)
________________________________________
التيمم عند انعدام الماء
قال رحمه الله: [وعَدِمَ الماء أو زاد على ثمنه].
(وعدم الماء) هذا شرط؛ دل عليه قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] فمن عدم الماء كأن يسافر سفراً ثم ينتهي الماء الذي معه ولا يجد ماء لا لغسل جنابة ولا لوضوء، فإنه في هذه الحالة يعتبر فاقداً للماء.
(عَدِمَ الماء) للعلماء في عدْم الماء قولان: منهم من يقول: عدم الماء يبيح التيمم كلياً، أي: على العموم سواءً وقع ذلك العدم في سفر أو وقع في حضر، فكل من لم يجد الماء في سفر أو حضر أبيح له أن يتيمم، ومنهم من قيده بالسفر، والصحيح: أن الحكم عام يشمل من كان عادماً للماء في السفر أو في الحضر.
وعدم الماء يتحقق بأمرين: الأمر الأول: إما يقين تقطع فيه بعدم وجود الماء، وهذا بلا إشكال أنه يعتبر مبيحاً لك أن تتيمم، مثال ذلك: أن يخرج الإنسان إلى مكان يعلم أنه لا يوجد فيه ماء أصلاً، ولا يشك أبداً أن الماء غير موجود، فهذا يقين من المكلف بفقد الماء، فيستبيح التيمم مباشرة.
الأمر الثاني: أن يغلب على ظنه الفقد، بمعنى: أن يكون احتمال وجود الماء ضئيلاً، فإذا كان احتمال وجود الماء ضئيلاً فإن العبرة بغالب الظن لا بنادر الظنون؛ لأن الشريعة معلقة على الغالب لا على النادر، ومن قواعدها: (النادر لا حكم له)، ومن قواعد الفقه: (الغالب كالمحقق)، فلما كان غالب ظنك أن الماء غير موجود في هذا الموضع أو في هذا المكان؛ فإنه يعتبر كالقطع بعدم وجوده، فينزل غالب ظنك منزلة يقين عدم الوجود؛ وبناءً على ذلك تستبيح التيمم باليقين وبغلبة الظن، وتبقى لدينا حالة وهي: أن تشك في وجوده، أي: يستوي عندك احتمال وجوده وعدم وجوده، مثال ذلك: نزلت في موضع وأنت مسافر، ولا تدري هل الموضع هذا فيه ماء أو لا ماء فيه، فإن مثل هذه يعتبر شكاً، حيث إن احتمال وجود الماء كاحتمال فقد الماء، ففي هذه الحالة تطالب بالبحث والتحري حتى تصل إلى غالب الظن بالفقد، أو إلى القطع بالفقد فحينئذٍ تأخذ حكم الرخصة ويباح لك أن تترخص بالتيمم.
(19/9)
________________________________________
التيمم عند تعسر شراء الماء
قال رحمه الله: [أو زاد على ثمنه كثيراً أو ثمن يعجزه].
(أو زاد على ثمنه) أما إذا لم يجد الماء فقول واحد عند العلماء أنه يتيمم، وإن كان هناك خلاف في التفريق بين السفر والحضر، لكنه خلاف ضعيف، فإذا فقد الماء فإنه يتيمم لدليلين: الدليل الأول: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] وكذلك من السنة: (الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين) فهذان النصان من الكتاب والسنة نصّا على استباحة رخصة التيمم عند فقد الماء.
الدليل الثاني: أنه إذا فقد الماء تعذّر عليه أن يغتسل أو أن يتوضأ، والتكليف إنما يكون بما يمكن، أي: أن الله يكلف المكلف بما في وسعه لا بما ليس في وسعه، فلما كان ليس بوسعه أن يوجد ما ليس بموجود سقط عنه التكليف بطلب الماء، وأصبح مرخصاً له أن يتيمم.
وقوله: (أو ثمن يعجزه).
في هذه المسألة: الماء موجود، ولكنه لا يبذل للمكلف إلا بمبلغ كبير، كأن يقال له: هذه الزجاجة من الماء ثمنها مائة ريال، فإن المائة قد تعجزه، ولا يستطيع دفع هذا المبلغ الذي هو قيمتها، أو يستطيع دفع المبلغ لكنه يعتبر ثمناً كثيراً في مقابل الماء، فعندنا حالتان في قيم الماء: الحالة الأولى: أن يكون الماء موجوداً وقيمته باهظة، ولكن عنده القدرة على الشراء كأن يكون ثرياً غنياً.
الحالة الثانية: أن يكون الماء موجوداً، ولكن القيمة التي يباع بها هذا الماء سواءً كانت باهظة أو غير باهظة ليست موجودة عنده، فإن فقد القيمة وكانت غير موجودة عنده فهو كالفقد الحسي للماء، ويسمونه الفقد الحكمي، قالوا: فلما كان عاجزاً عن شرائه فكأنه ليس بيده، فهذا لا إشكال في أنه يتيمم ويعدل إلى التيمم.
أما الحالة الأولى لو قال له البائع: لا أعطيك هذا الماء أو هذه الزجاجة من الماء إلا بمبلغ كبير، فقال بعض العلماء: إن إجحافه بالمال ينزل منزلة الفقد، وهذا قول مرجوح، والصحيح: أنه إذا كان ثرياً قادراً على دفع المال فيجب عليه دفعه، فإن أمر الصلاة أمر عظيم، ولا يستكثر أن يدفع المكلف مقابل ركن من أركان دينه هذا المبلغ من المال، ولذلك تقدّم مصلحة الصلاة على مصلحة المال، ولا يعتبر هذا الإجحاف عذراً شرعياً؛ لأن الله عز وجل قال: {فَلَمْ تَجِدُوا} [المائدة:6] وهذا ليس بفاقد للماء، لا حكماً ولا حقيقة.
(19/10)
________________________________________
التيمم عند خوف الضرر من استعمال الماء
قال رحمه الله: [أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه].
(أو خاف باستعماله ضرر بدنه) صورة ذلك: أن يكون الإنسان مريضاً، فإذا اغتسل أصابته الأمراض أو زاد عليه مرضه، أو أن يكون في زمان شديد البرد، فلو اغتسل خاف على نفسه المرض أو الموت أو الهلاك؛ ففي هذه الحالة يرخص له أن يعدل من الغسل إلى التيمم، وهكذا لو كان الوضوء يضر به وينتهي به إلى تلف نفسه أو حصول ضرر بجسمه جاز له أن يعدل إلى التيمم، وهذا اختيار المحققين، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية فقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لو زاد به الزكام أو حصل له الزكام فمن حقه أن يعدل إلى التيمم؛ لما فيه من وجود الضرر، والله عز وجل كلّف العباد بما لا ضرر فيه، لا بما ينتهي بهم إلى ضرر أنفسهم أو أجسادهم، ولذلك قالوا: إذا كان استعماله للماء يفضي إلى تلف النفس أو حصول ضرر بالنفس أو زيادة سقم ومرض جاز له أن يعدل إلى الرخصة ويتيمم، وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز له ذلك إلا إذا خاف الهلاك على نفسه.
فأما دليل الترخص عند خوفه على نفسه وخوفه على جسده فحديث عمار رضي الله عنه وأرضاه وفيه: (أنه كان في زمان برد قال: فخفت على نفسي أو خشيت على نفسي فتيممت) فلذلك قالوا: إن هذا يدل على مشروعية التيمم للبرد الشديد، وظاهر الروايات أنه لم يجد الماء.
والضرر يتحقق بنشوء المرض، سواءً كان نشوء المرض ابتداءً أو بالزيادة فيه، كأن يكون مريضاً بالزكام مثلاً، فلو اغتسل زاد عليه زكامه، فحينئذٍ قالوا: إذا كان مفضياً إلى الزيادة فيستبيح به رخصة التيمم.
(19/11)
________________________________________
التيمم عند خوف الضرر على الرفقة في حال استعمال الماء
قال رحمه الله: [أو على رفيقه].
كذلك أيضاً إذا خاف على رفيقه من استعمال أو طلب، مثال ذلك: أن يكون الإنسان عنده ماء وهو محدث، وهذا الماء لو توضأ به احتاج إليه رفيقه لشرب، فحينئذٍ قالوا: لو قلنا له: توضأ بهذا الماء أو اغتسل بهذا الماء هلك رفيقه، أو تضرر رفيقه بعدم وجود الماء، فقالوا: يحل له إذا خاف على رفيقه الهلاك أن يعدل عن الاغتسال بالماء والوضوء به إلى التيمم، وهذا يسمى: فقداً حكمياً، فإن الماء موجود، ولكنه في حكم المفقود؛ نظراً لما يترتب على استعماله من وجود الضرر بالنفس المحرمة.
وكذلك أيضاً إذا خفت على رفقتك، كأن تكون معك جماعة، وهذا الماء الموجود هو سقاؤهم، فلو أنك اغتسلت بهذا الماء الموجود فإن غالب ظنك أن رفاقك سيتعرضون للهلاك؛ فحينئذٍ نقول: تعدل عن اغتسالك أو وضوئك إلى تيممك؛ لأن خوف هلاك الأنفس المحرمة كخوف الإنسان هلاك نفسه، ولذلك يباح له أن يترخص.
وقوله: (أو طلبه).
الماء قد يكون موجوداً، ولكن يحتاج منك إلى أن تبحث عنه، وعندك رفاق -سواء كانوا من الرجال أو النساء أو الصبيان الضعفة، ولو غبت عنهم خشيت عليهم الضرر، كأن تكون في أرض لا تأمن فيها عدواً أو فاسقاً، فحينئذٍ يكون الخوف على العرض أو على الأطفال من الضرر يوجب الرخصة التي تعدل بها إلى التيمم.
فلو غلب على ظنه أن طلب هذا الماء يحتاج إلى أربع ساعات أو خمس ساعات يغيب فيها عن أهله أو حتى يحتاج إلى ساعة أو نصف ساعة والأرض غير مأمونة الضرر بسبب السباع أو الهوام أو ما شابه ذلك؛ فحينئذٍ يتحقق العذر الذي يبيح للمكلف أن يترخص بالتيمم.
(19/12)
________________________________________
التيمم عند العجز عن تحصيل الماء خوفاً على العرض والمال
قال رحمه الله: [أو حرمته أو ماله].
يكون الماء موجود، ولكن يحتاج إلى أن يذهب لجلبه، ويترك سيارته أو صندوقه أو غنمه، حيث لا يستطيع أن يأخذها معه إلى مكان الماء، فحينئذٍ نقول: الخوف على المال يبيح له أن يعدل إلى رخصة التيمم.
قال رحمه الله: [بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه].
كل هذه رخص، فإذا خِفت عليهم الهلاك، أو اعتداء مفسد أو سارق، أو خفت عليهم الضرر من السباع والهوام، فكل هذه من الرخص التي تبيح لك أن تعدل إلى رخصة التيمم.
(ونحوه) أي: أن هذه أصول، ويمكن أن تقيس عليها صوراً من النظائر، فالفقهاء رحمة الله عليهم أعطوك الأصل الذي هو: خوف الضرر على النفس أو على الرفقة أو على المال، وبناءً على ذلك: يجوز للإنسان أن يعدل إلى رخصة التيمم لوجود هذه الأعذار، سواء كانت بالصور الموجودة في زمان العلماء أو بصور جديدة في زماننا هذا.
(19/13)
________________________________________
التيمم عند عدم وجود ما يكفي من الماء للطهارة
قال رحمه الله: [ومن وجد ماء يكفي بعض طهره تيمم بعد استعماله].
هذه المسألة من المسائل التي اختلف العلماء رحمهم الله فيها، وهي: عندك ماء لا يكفي لغسل جميع البدن في طهارة الغسل أو لا يكفي لغسل جميع أعضاء الوضوء في طهارة الوضوء، فالماء موجود ولكنه غير كافٍ لاستيعاب محل الفرض، فقال بعض العلماء: من كان الماء عنده قليلاً بحيث لا يمكن استيعاب محل الفرض به فإنه يعدل إلى التيمم مباشرة.
وقال بعض العلماء: من كان عنده ماء يكفي لبعض الأعضاء دون بعضها؛ غسل البعض ثم تيمم بنية ما بقي، وهذان قولان مشهوران عند أهل العلم.
فالذين قالوا بالعدول إلى التيمم مباشرة، قالوا: لا نعرف في الشريعة الإسلامية الجمع بين الوضوء والتيمم وبين الغسل والتيمم، فالله عز وجل أمرنا بغسل أو تيمم، وأمرنا بوضوء أو تيمم، أما الجمع بينهما فلا نعهده شرعاً، وليس في نصوص الكتاب والسنة ما يدل على الجمع بينهما، ولا يصح لنا أن نجزّئ أعضاء المأمور به، فنقول: يغتسل لبعض ويتيمم لبعض؛ لأن الشريعة جاءت بغسل للجميع وبتيمم عن الجميع، ولا يستطيع أن يحدث الفقيه صورة تجمع بين الأصلين، فيقال له: اغتسل للبعض وتيمم للبعض، ثم قالوا: إن الدليل الذي استدل به على الجمع بينهما إما ضعيف كحديث الشجّة التي تكلم عليه الحافظ الدارقطني في الرجل الذي أصابته شجة، فأشار عليه البعض بأن يغتسل، فمات من ذلك الغسل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا) ثم بيّن عليه الصلاة والسلام أنه كان عليه أن يجمع بين غسله لما استطاع أن يغسل من بدنه وتيممه على جراحه، قالوا: هذا يدل على الجمع بينهما، لكنه حديث ضعيف، ثم أيضاً قالوا: العمومات التي استدل بها لا تصلح أن تكون دليلاً في صور الطهارة المخصوصة، فإن صور الطهارة المخصوصة إما تيمم وإما غسل أو وضوء، فاستحداث صورة ثالثة بالعموم لا يتأتى، ومن العمومات التي استدل بها قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] قالوا: إن هذا بإمكانه أن يغسل بعض الأعضاء ويتيمم للبعض، فيتقي الله بغسل ما استطاع غسله ويتيمم لما بقي.
والذين قالوا بمشروعية الجمع بين التيمم وبين الغسل -كما درج عليه المصنف رحمه الله- يستدلون بظاهر الحديث الذي تكلم في سنده، ثم أيضاً قالوا: إن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] وهذا باستطاعته أن يمس بدنه الماء ويتيمم لما عجز، وقالوا أيضاً: إن الله عز وجل يقول: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] فإذا تيمم مع وجود الماء لم يتحقق فيه الشرط الشرعي لاستباحة الرخصة، فنقول: لا بد -أولاً- أن يستعمل الماء حتى يتحقق فيه شرط فقده.
هذه أوجه من قال بالجمع بين التيمم والغسل على ما درج عليه المصنف، وإن كان كلا القولين له وجهه، فإن القول بالجمع بينهما له وجه، ويمكن الجواب عن دليل المخالف، والقول بأنه لا يجمع ويقتصر على التيمم له وجه أيضاً.
فالقول الذي يقول بأنه يجمع بينهما تقويه الأصول، ووجه ذلك: أنه إذا توجه الخطاب بمأمور ولم يتأتّ في الكل توجه بقدر ما يستطيع المكلف، وهذا ظاهر قوله تعالى:: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ثم يبقى ما لا يستطاع تحت موجب الرخصة، فتستباح الرخصة، وتكون الصورة الغير معهودة خارجة لندرة الوقوع، يعني: أن الشريعة لم تنص على هذه المسألة -وهي أن يجد ماء لا يكفيه لبعض أجزائه- لندرة وقوعها وأما بالنسبة للقول الذي يقول بأنه لا يجمع فيقويه أن الطهارة عبادة متصلة لا تتجزأ، وبناءً على ذلك يقوى أصلهم بأنه يتيمم مباشرة ويلغي الماء الموجود.
والأحوط أنه يغسل الأعضاء حتى يخرج من تبعة ترك الغسل للمأمور بغسله ثم يتيمم لما بقي بنية استباحة الصلاة.
(19/14)
________________________________________
التيمم للجروح
قال رحمه الله: [ومن جُرح تيمم له وغسل الباقي].
(ومن جرح تيمم له) الضمير في (له) عائد إلى الجرح، (وغسل الباقي) أي: باقي جسده، ووجه ذلك: أنه يستطيع غسل باقي جسده فبقي على الأصل، والجرح لا يمكنه أن يغسله فرخص له بالتيمم من أجله.
وهذه المسألة يصفها العلماء بالجمع بين البدل والمبدل، ويقول بها فقهاء الحنابلة ويوافقهم الشافعية وغيرهم، ويلغز العلماء فيها فيقولون: ما هي صور الجمع بين البدل والمبدل؟ لأن الأصل في البدل والمبدل ألا يجتمعا؛ لأن الضدين لا يجتمعان، فما تستطيع أن تقول: هذا حلو مر، فإما أن تقول: هذا حلو، وإما أن تقول: هذا مر، وبناءً على ذلك قالوا: إن البدل والمبدل كالضدين، فالتيمم لا يستباح إلا عند عدم الماء أو عدم طهارة الماء، وبناءً على ذلك قالوا: لا يجمع بين البدل والمبدل على القاعدة المقرَّرة، إلا في صور تخرج من هذا الأصل، منها هذه المسألة، أي: أن يكون مجروحاً.
وقال بعض العلماء: إذا أمكنه أن يبلّ يده ويمرها على الجرح مبلولة، فإنه يجزئه ذلك ولا حرج عليه فيه، ولا يطلب منه أن يتيمم للجرح إذا أمكنه إمرار يده مبلولة.
(19/15)
________________________________________
حكم طلب الماء للطهارة
قال رحمه الله: [ويجب طلب الماء في رحله وقربه].
بعد أن بيّن رحمه الله التيمم من كونه بدلاً عن الماء، ومتى يرخص للإنسان أن يستبيح التيمم، شرع في بعض الأحكام المفرّعة على تقرير هذا الأصل، من قوله: (ويجب طلب الماء) أي: أنه يلزم المكلف عند دخول الوقت أن يطلب الماء للفريضة، وهذا بناءً على الأصل؛ لأن الأمر بالشيء أمر بلازمه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فقد يقول قائل: إن الله أوجب علينا أن نتوضأ ونغتسل، فما الدليل على إيجابكم على المكلف أن يطلب الماء؟ قالوا: الدليل على ذلك أنه مأمور بالطهارة بالماء، وهذه الطهارة بالماء تفتقر أو تحتاج إلى طلب، فتوقف تحقيق المأمور -وهو الوضوء والغسل- على طلب هذا الماء؛ فكان مما لا يتم الواجب إلا به، والقاعدة تقول: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
(في رَحْلِه) لو أن إنساناً سافر فإنه يطلب الماء في رَحْلِه ويبحث عنه، فإن لم يجده في رحله طلبه في رفقته الذين معه، فإنه إذا لم يكن عنده ماء وجب عليه أن يسأل من معه.
(وقربه) يعني: قرب الرحل، أي: يطلبه في ما كان قريباً منه، وهذا بناء على القاعدة المعروفة: (أن ما قارب الشيء أخذ حكمه)، فلما كان مطالباً أن يبحث في رحله وفي جماعته والمكان الذي هو نازل فيه، صار ما قرب منه داخلاً في حكم الأصل من وجوب الطلب، فيلزمه أن يطلبه في قرب المكان النازل فيه، لكن لو كان بعيداً ففيه تفصيل: إن كان طلبه للماء البعيد لا يضر طَلَبَه، ووجب عليه طَلَبُه، وأما إذا كان وقت الصلاة لا يسع، كأن يكون -مثلاً- بعد غروب الشمس ويخشى ذهاب وقت المغرب، فإنه حينئذٍ لا يجب عليه الطلب ولو كان ذلك قريباً؛ لأنه قد يفوت وقت الفريضة.
قال رحمه الله: [وبدلالة].
أي: عليه أن يسأل الناس، فيسأل أهل القرية التي نزل بها، ولذلك يقولون: من آداب السفر: أن الإنسان إذا نزل في موضع فعليه أن يسأل عن مكان الماء حتى يتوضأ ويغتسل، وأن يسأل عن اتجاه القبلة، ويسأل كذلك عن موضع قضاء حاجته، قالوا: هذه من الأمور التي يراعيها المسافر، وكانوا يستحبون للضيف إذا نزل أن يدله مضيفه على هذه الأمور قبل أن يبتدئ بالسؤال عنها، فكانوا يعدون ذلك من إكرام الضيف، فينبغي عليه أن يشعره بتعظيم شعائر الله عز وجل، فيبتدئه بقوله: القبلة بهذا الاتجاه، وقضاء الحاجة هنا، والماء إذا أردته هنا.
فقوله: (وبدلالة) مأخوذة من الدليل، والدلالة، أي: الأمارة والعلامة، والدلالة: أن يسأل الناس أن يدلوه، ويتفرع على هذا أنه إذا ثبت وجوب طلب الماء فيجب على الإنسان أن يبحث ويسأل عنه؛ والعلماء نصوا على هذه الجمل؟ نصوا على هذه الجمل لوقوعها، فإذا سئلت -وأنت طالب علم- فسألك سائل وقال: نزلت بقرية ولم يكن عندي ماء، ثم انتظرت لعلهم أن يأتوني بالماء حتى كاد الوقت أن يخرج، فتيممت قبل خروج الوقت وصليت، فما الحكم؟ فعليك أن تسأله بقولك: هل طلبت الماء؟ فإن أجاب وقال: لا، لم أطلب الماء؟ فتقول له: أنت آثم، فقد كان ينبغي عليك أن تطلب الماء؛ لأن الله عز وجل أوجب عليك أن تتطهر بالماء أصلاً، وتطهرك بالماء يفتقر إلى وجوده، ووجوده يفتقر إلى طلبه، فأنت بذلك مأمور بطلبه، وبناءً على ذلك أنت آثم بتفريطك في سؤال الناس عنه، وكذلك قال العلماء: لو أن إنساناً في قرية وهو في طريق سفره، وكان بإمكانه أن يسأل عن جهة القبلة ولكنه لم يسأل وصلى، ثم تبين له أنه على غير القبلة، لزمه أن يعيد الصلاة؛ لأن بإمكانه أن يسأل عن القبلة ويعرف اتجاهها، وكذلك هنا كان بإمكانه أن يجد الماء، فلما فرط؛ أُلزم بعاقبة تفريطه، وحكم بإثمه وتحمله لتبعة ذلك التفريط.
(19/16)
________________________________________
حكم تيمم من كان قادراً على تحصيل الماء ونسي قدرته
قال رحمه الله: [فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد].
(فإن نسي قدرته عليه) لو أن إنساناً -مثلاً- نزل في موضع، وكان بالإمكان أن يذهب إلى بئر قريب من الموضع الذي نزل فيه، ثم سأل نفسه: هل أستطيع الذهاب أم لا؟ فأجاب على نفسه بقوله: لا أستطيع، وحكم بأنه لا يقدر؛ لأنه تصور أن هذا المكان قد يكون بعيداً، ثم تذكر أن المكان قريب، فهو قد نسي أنه قادر على أن يأتي لهذا الموضع، فاختلق لنفسه الأعذار وقال: الماء بعيد، ولذلك أتى المصنف بصورة النسيان؛ لأن صورة النسيان تتفرع منها صورة الأعذار، ودائماً الفقهاء يذكرون حكم الأصل ويتبعونه بالأعذار، فلو قال لك قائل: قد عرفنا أنه يجب عليه أن يطلبَ الماء ولم يطلبه؟ قلنا: يأثم.
فإن قال: إذا كان قادراً على طلبه ونسي قدرته على الطلب ثم تبين بعد تيممه أنه كان بإمكانه أن يطلب الماء وأن يتحصل عليه، فما الحكم؟ نقول له: يعيد الصلاة، لأنه لا يستباح له أن يتيمم؛ لأن الماء في حكم الموجود، وكان ينبغي عليه أن يطلبه، فيلزم بعاقبة تفريطه، والعلماء الذين يفرعون ذلك يفرعونه من قاعدة معروفة أشار إليها ابن نجيم والسيوطي رحمة الله عليهما في الأشباه والنظائر وهي: (لا عبرة بالظن البين خطؤه)، فما معنى هذه القاعدة؟ يعني: إذا ظننت أمراً ثم تبين لك خلافه وأنك أخطأت في ظنك وجب عليك الضمان، ولها فروع، ومنها هذه المسألة، ومن فروعها: لو أنك قمت في آخر الليل وأنت تظن أن الفجر لم يطلع فأكلت وشربت، ثم تبين أنه طلع، فلا عبرة بالظن البين خطؤه، أيضاً: ظننت أنك لا تستطيع الوصول إلى الماء، ثم تبين لك أنك تستطيع، وأنك كنت ناسياً قدرتك، أو كنت ظاناً أنك لا تستطيع الوصول إليه فتبين خطؤك؛ قالوا: يلزم بالضمان لحق الشرع.
(19/17)
________________________________________
حكم رفع عدة أحداث بتيمم واحد
قال رحمه الله: [وإن نوى بتيممه أحداثاً].
هذا مثل ما يقع في طهارة الماء، يجمع بين حدثين في طهارة واحدة، فإنه يجزئه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فبين صلى الله عليه وسلم أن من نوى شيئاً كان له، وقد نوى فصحت نيته.
قال رحمه الله: [أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها].
من أمثلتها عند العلماء: الدم إذا تجلط على موضع الجرح، وقال الأطباء: إن البدن يتضرر بإزالته -كما في بعض الجراحات التي يصعب فيها إزالة هذا الدم المتجلط- فعلى قول الجماهير بنجاسة الدم فإن هذا الدم لا يمكن أن يغسله، فطهارة الماء شبه متعذرة فيه، وبناءً على ذلك قالوا: ينتقل إلى التيمم، وينزل طهارة الخبث منزلة طهارة الحدث، فيتيمم من أجل هذه النجاسة.
قال رحمه الله: [أو عدم ما يزيلها].
كما قلنا في الماء.
قال رحمه الله: [أو خاف برداً].
(أو خاف برداً) إذا اغتسل يخاف البرد.
قال رحمه الله: [أو حبس في مصر فتيمم].
الأمصار والمدن يمكن أن يوجد فيها الماء، وقال بعض العلماء: إنه إذا تيمم في المدن يلزمه أن يُعيد؛ وذلك لأن فقد الماء فيها نادر، ورُخَص الشرع لا تتعلق بالصور النادرة، وهذا أصل لبعض العلماء.
(19/18)
________________________________________
صلاة فاقد الطهورين
قال رحمه الله: [أو عَدِمَ الماء والتراب صَلّى ولم يعد].
قال بعض العلماء: يصلي متيمماً ويعيد، وقال بعضهم: لا يصلي ولا يعيد.
وقال بعضهم: يصلي ولا يعيد، وقال بعضهم: يقضي ولا يصلي.
هذه المسألة تسمى مسألة فاقد الطهورين، فمثلاً: رجل حبس في غرفة، وكتفت يداه ورجلاه، فلا يستطيع أن يتوضأ ولا أن يتيمم، فهذه المسألة تسمى: مسألة فاقد الطهورين، إما أن يفقده حقيقة، مثل نزوله في موضع ليس فيه ماء ولا تراب، كأن يكون في طائرة والموجود بداخلها ليس من جنس ما يتيمم به -أي: ليس من جنس ما هو على الأرض- وقد ضاق الوقت بحيث أنه لو انتظر إلى النزول فسوف يخرج وقت الصلاة، فالقول الأول: أنه لا يصلي، وإنما ينتظر إلى أن يجد الماء أو يتمكن من استعماله فيعيد الصلاة؛ لأن الصلاة تكون بوضوء أو بتيمم، وهذا دليلهم، فيقولون: إنه لا يصلي إنما عليه الإعادة فقط، ولو استمر على ذلك أياماً أو أسابيع أو شهوراً؛ لأن الله أمره باستباحة الصلاة إما بوضوء أو غسل أو تيمم، وهذا لم يتحقق فيه لا الوضوء ولا الغسل ولا التيمم، فلا يصح منه أن يصلي ولا يطالب بالصلاة في وقتها؛ لأنه غير مكلف بها، ثم يتأخر الحكم في حقه إلى ما بعد القدرة على الاستعمال أو بعد الوجود، وهذا هو القول الأول: أنه لا يصلي وتلزمه الإعادة.
القول الثاني: يصلي ولا يعيد، وأصحاب هذا القول ينظرون إلى عمومات الشريعة ورخصها؛ مثل: قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] وقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] وقوله جل وعلا: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة:6] فقالوا: دخل عليه وقت الصلاة وتوجه الخطاب إليه، وبالإجماع أنه مطالب بفعل الصلاة، وليس بوسعه لا أن يتوضأ ولا أن يغتسل ولا أن يتيمم، وإنما الذي باستطاعته فعل الصلاة، فيفرعونها على تجزؤ المأمور، فهو لا يجد الطهور، ولكنه يستطيع فعل الصلاة، فنأمره بفعل الصلاة؛ لأنه جزء من المأمور به، وبإمكانه أن يفعل الصلاة ويسقط عنه التكليف بالوضوء وبالغسل وبالتيمم؛ لعدم القدرة على الوضوء والغسل والتيمم، وهذا هو القول الثاني، فالقول الأول: أنه يعيد ويقضي ولا يصلي، والقول الثاني عكسه: أنه يصلي ولا يعيد.
القول الثالث: أنه لا يصلي ولا يعيد، أي: أن الصلاة سقطت عنه؛ لأن الصلاة بأدلة الشرع لا تستباح إلا بطهور: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وهذا ليس بمتوضئ ولا في حكم المتوضئ فلا يطالب بالصلاة، ثم سقطت عنه الإعادة؛ لأن الإعادة شرطها أن يكون مكلفاً بالأصل، فلما جاء وقت الأصل وهو غير مكلف بالصلاة سقطت الإعادة، فالقول الثالث: أنه لا يصلي ولا يعيد.
القول الرابع: أنه يصلي ويعيد، وهذا القول عكس القول الثالث، أما كونه يصلي الصلاة: فلأنه قادر على أفعال الصلاة، وإنما سقطت عنه الطهارة لعدم القدرة، وبقي فعل الصلاة فهو مطالب به، وتلزمه الإعادة؛ لأنه لما وجد الماء نقض حكم الرخصة ووجب عليه أن يعيد الصلاة.
وأقوى الأقوال: أنه يصلي على حالته ولا يعيد؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة من غزواته -وقيل: إنها غزوة المريسيع- ونزل بذات الجيش -وهي الأرض التي تلي البيداء التي بعد ميقات ذي الحليفة من جهة مكة- فُقِدَ عقد لـ عائشة وأصله لـ أسماء -من جذع ظفار- فطلبه بعض الصحابة فانحبس الناس) وهذا قبل التيمم، بمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب هذا العقد الذي لـ عائشة، فأخذ الناس يبحثون عنه فانحبس الجيش من أجل البحث عن هذا العقد، ففي هذا الحديث: أن أناساً طلبوا العقد فانقطعوا ولا ماء معهم، فحضرتهم الصلاة فصلوا في موضعهم، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروج الوقت، فلم يأمرهم بالإعادة، وَصَوَّب فعلهم.
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن هؤلاء فاقدون لطهارة الماء وفاقدون للتيمم -لأن التيمم لم يشرع بعد- فيكون فقد الماء أصالة، وفي حكمه فقد التيمم، فكون النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على صلاتهم بدون طهارة ولم يأمرهم بالإعادة بعد الوقت، يدل على أن من فقد الطهورين لا يلزم بالإعادة وأنه يصلي على حالته، وبناءً على ذلك: لو كُتِّفَ إنسان أو رُبِطَ أو كان الرجل مقطوع اليدين، فلم يستطع أن يتيمم ولا أن يتوضأ فيصلي على حالته ولا حرج عليه ولا تلزمه إعادة الصلاة.
(19/19)
________________________________________
الأسئلة
(19/20)
________________________________________
حكم نفخ الغبار بعد ضرب اليد على الأرض في التيمم

السؤال
هل يشرع نفخ الغبار بعد ضرب اليد في الأرض؟

الجواب
النفخ سنة جاء ذكرها في حديث عمار رضي الله عنه، ولا حرج في فعله.
(19/21)
________________________________________
حكم التيمم للنافلة

السؤال
قال المصنف رحمه الله: (إذا دخل وقت فريضة) فمفهومه: أنه إذا لم يدخل وقت الفريضة لم يبح له التيمم، فهل يعني ذلك أن التيمم يكون للفرائض ولا يباح للنوافل؟

الجواب
نعم، هذا بالنسبة لهذه العبارة، فقد ذكرها في الفرائض، ثم أتبعها بالنوافل، فكلامه متصل، يعني: أنه ذكر الفرائض أولاً ثم أتبعها بالنوافل، فليس مراده التقييد بالفرائض، ولكن قيد الحكم بالفرائض إذا كنت تريد أن تتيمم لفريضة، أما بالنسبة للتيمم للنافلة فقد بين أنه يباح إذا كان غير وقت منهي عنه، وقد بينا ذلك، ولا يتقيد التيمم بالفرائض، وإنما هو للفرائض والنوافل وغيرها كلمس المصحف عند من يشترط الطهارة للمسه.
(19/22)
________________________________________
تعريف السبخة وكيفية التيمم بها

السؤال
ذكر الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في الزاد أن التيمم يكون بالسبخة، فما هي السبخة؟ وكيف يتيمم بها؟

الجواب
السباخ -عادة- هي الأرض المالحة، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف المدينة بكونها سبخة، وجاء في حديث الدجال: (أنه ينزل بالسبخة من الجرف) ففي بعض المناطق إذا نزل المطر بها -خاصة في البرد- يعلوها مثل الملح الأبيض، فهذه هي السباخ، وبعضهم يتجوز في السباخ ويقول: إنها مطلق الأرض حتى ولو كان يُزرع عليها، لكن السبخة هي الأرض التي لا تنبت، بمعنى: أنك لو وضعت فيها البذر لا ينبت.
وهذه السبخة اختلف العلماء فيها: فمن العلماء من يقول بمشروعية التيمم بها، وهذا هو الصحيح، وقد استنبط العلماء دليلاً عجيباً في إثباتها، قالوا: إن الله تعالى يقول: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] فوصف الصعيد بكونه طيباً، والمدينة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (أُريت دار هجرتكم أرضاً سبخة) ثم قال في حديث الدجال: (هذه طابة هذه طابة) فوصفها بالطيب مع كونها سبخة، وفي الآية أمر بالتيمم من الصعيد الطيب؛ فدل على مشروعية التيمم بالسباخ، وهو قول صحيح واستنباط وارد، وقد أشار إليه الماوردي في كتابه النفيس: الحاوي للأحكام.
(19/23)
________________________________________
حكم تيمم من لم يستطع نزع الماء من البئر

السؤال
ماذا لو وجدت الماء في بئر ولكن ليس لديّ ما أنزع به هذا الماء، ووقت الصلاة قد دخل، فهل أتيمم أم أنتظر من يأتي حتى أجد معه ما أنزع به الماء؟

الجواب
هذا يعتبر في حكم الفقد، فإذا كان الوصول إلى الماء يؤدي إلى ضرر أو لا يتمكن الإنسان منه أصلاً، قالوا: يعدل إلى التيمم، لكن يجلس إلى أن يغلب على ظنه عدم وجود الآلة والوسيلة، ومن صور هذه المسألة: لو أنه كان على البئر حية، ويغلب على ظنك أنك لو جئت لتأخذ الماء أنها ربما أضرت بك، فيجوز أن تعدل إلى التيمم، وكذلك أيضاً: لو فقد الحبل الذي يجلب به الماء من البئر أو فقد الدلو الذي يغرف به الماء، فهذا كله في حكم الفقد للماء، لكن يرجع إلى غالب ظنه بالفقد أو بعدم وجود ما يستخرج به ذلك الماء، والله تعالى أعلم.
(19/24)
________________________________________
حكم التيمم مع سهولة الوصول إلى أماكن الماء

السؤال
أرى في زماننا هذا من يكون مسافراً -مثلاً- من مكة إلى الرياض أو المدينة ويستطيع أن يقف عند أي مسجد أو محل تجاري على الطريق ليأخذ الماء، فهل يلزمه الشراء أو يتيمم؟

الجواب
لا يصح التيمم مع إمكان الوصول إلى المحطات، سواء كان بالتوضؤ في دورات مياهها، أو التوضؤ بالمياه التي في المحلات التجارية، فإن هذا لا يبيح للإنسان أن يعدل إلى الرخصة؛ لأن الماء موجود، وبناءً على ذلك: فلا يرخص له إلا إذا فقد الماء أو تعذر الوصول إليه على التفصيل الذي ذكرناه، أما كون الإنسان بمجرد سفره يستبيح التيمم فلا، لكن هنا مسألة: لو أن إنساناً سافر وخرج حتى نزل في أرض برية ثم أكل فيها وجبة العشاء -مثلاً- وليس عنده ماء يتوضأ به، وأراد أن يصلي نافلة أو يمس مصحفاً، ففي هذه الحالة يرخص له أن يتيمم؛ لحديث الجدار: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سَلَّم عليه الرجل، وكان عليه الصلاة والسلام يقضي حاجته، قال: ثم ضرب بيديه الجدار ورد عليه السلام، قال: إني كنت على حال كرهت أن أذكر الله عليها) قالوا: فقد تيمم عليه الصلاة والسلام من أجل ورد السلام، رد السلام ذكر، وهو أخف من الفرائض، وهكذا لمس المصحف، وتلاوة القرآن إذا كانت عليه جنابة، فيخفف عنه ولا حرج عليه في هذه الحالة، وأما بالنسبة للفرائض فلا.
(19/25)
________________________________________
حكم من عجز عن الغسل مع قدرته على الوضوء

السؤال
إذا وقعت على الشخص -مثلاً- جنابة فلم يستطع الغسل، لكنه يستطيع الوضوء، فهل يتوضأ بدلاً من الغسل، أم يتيمم ويكفيه ذلك عن الغسل والوضوء؟

الجواب
ظاهر النصوص أن من تيمم وعليه جنابة فإنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام لـ عمار: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا) ولم يقل له: ثم توضأ، فدل هذا على أن التيمم وحده كافٍ لاستباحة الصلاة، وأنه لا يلزم بالوضوء بعد تيممه، وقال بعض العلماء: إذا كان عاجزاً عن الغسل وقادراً على الوضوء، فإنه يتيمم للغسل ثم يتوضأ، ولكن القول الأول هو الأقوى بناءً على ظاهر حديث عمار رضي الله عنه وأرضاه، والله تعالى أعلم.
(19/26)
________________________________________
حكم التيمم على الفراش

السؤال
هل يجوز التيمم على أرض مفروشة أو على أرض (مبلطة) وليس لها غبار؟

الجواب
أما إذا كان الفراش له غبار فإنه يجوز؛ لأنه قد تيمم، ويحصل تيممه بالغبار، وهكذا إذا كان على الجدار غبار وضرب بيديه فإنه يجزئه ويصح تيممه، وأما إذا لم يكن عليه غبار فإنه لا يتيمم، وكذلك الفرش لا يتيمم عليها إذا لم يكن عليها غبار.
(19/27)
________________________________________
مسألة خروج الذنوب بالتيمم

السؤال
وردت أحاديث في الوضوء تفيد بأن الذنوب تخرج مع قطر الماء، فهل يكون ذلك في التيمم أيضاً؟

الجواب
ثبت النص بالوضوء، وأما التيمم فقد سكت النص عن ذلك، فالله أعلم بخروج الخطايا بالتيمم أو عدم خروجها.
(19/28)
________________________________________
أسباب ضعف الإيمان وعلاجه

السؤال
إني كنت أجد الأنس بالله عز وجل وبذكره، وكنت لا أحب أن أتكلم مع الناس في أي شيء لا يعنيني، وأما الآن فلا أجد تلك الطمأنينة في الذكر والأنس بالله عز وجل، وأصبحت أتكلم كثيراً في الأشياء التي لا تعنيني، ولا أستطيع حفظ كلام الله ولا حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حفظ كلام أهل العلم، مع أنني كنت قبل ذلك مجداً في ذلك؟

الجواب
هذه فتنة أصابتك، وبلية نزلت بك، ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فتب إلى الله واستغفره، فإن الله تعالى يقول: {وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:6] لعلكم ترحمون، فمن كان على استقامة وهداية وصلاح ثم سلب شيئاً منها فإن الله يسلبه ذلك الخير والصلاح حتى ينيب إليه ويتوب إليه، فما سلب الخير إلا بسبب ذنب، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] فتب وأنب إلى الله، وأعد لهذه الفتنة كثرة الاستغفار البكاء والندم، ولعلّ الله إذا نظر إلى دمعة من عينك وخشوع من قلبك، وندم من نفسك أن يبلغك منازلك التي كنت فيها، فلربما فقد الإنسان حلاوة المناجاة ولذة العبادة من صيام وقيام، فتقطع قلبه على تلك الساعات، ولهفت نفسه على تلك اللحظات المباركات؛ فكتب الله له الأجرين: كتب الله له أجر العمل الصالح بتلهفه وتألمه، وكتب له أجر صبره على الفتنة التي هو فيها.
فعليك أن تسأل الله، فإن الله هو أرحم الراحمين، وهو المجيب لدعاء المضطرين، سله وتملق له، ثم أوصيك بالنظر في الأسباب، فلعلك عققت أحد أبويك، أو قطعت رحماً، ولعل أخاً قد آذيته، أو مسلماً قد ظلمته فرفع كفه إلى ربه واشتكى إلى خالقه، فنزلت بك هذه البلية، فتفقد نفسك في حقوق الوالدين والأرحام والأقارب، وأصلح لعل الله أن يصلح ما بك.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيذنا من الحور بعد الكور، ومن النقص بعد الزيادة، ومن الضلال بعد الهدى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(19/29)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب التيمم [2]
التيمم رخصة شرعية، شرعها الله ورسوله، وأجمع عليه على ذلك العلماء، وله شروط وأركان ومبطلات، شأنه في ذلك شأن بقية العبادات، وهذه كلها قد نص عليها العلماء وبينوها.
(20/1)
________________________________________
حكم التيمم بتراب ليس له غبار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويجب التيمم بتراب طهور له غبار] قصد المصنف رحمه الله أن يبين بهذه العبارة الشيء الذي يَتيمم به المكلف، وهذا مناسب لما قبله؛ لأنك إذا بينت الحالات التي يجوز فيها التيمم والحالات التي لا يجوز فيها التيمم؛ سيسألك السائل إن كان من أهل التيمم بماذا يكون التيمم؟ فناسب بعد بيان حالات التيمم أن يبين الشيء الذي يحصل به التيمم، وتتحقق به طهارة التيمم وهو المتيمم به.
فقال رحمه الله: (ويجب التيمم بتراب له غبار) خص المصنف رحمه الله التيمم بالتراب على ظاهر ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً، وتربتها طهوراً) أي: جعلت التربة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم طهوراً.
قالوا: دل هذا الحديث على أن التراب يُتَيمم به، وهذا مستفاد من ظاهر آيتي النساء والمائدة {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].
وإذا ثبت أن التراب يُتيمم به بدلالة نص الكتاب والسُّنة؛ فإن العمل عند أهل العلم على ذلك، وليس هناك خلاف بين أهل العلم رحمهم الله في أن التراب يُجزئ في التيمم، ولكن الخلاف بينهم في مسألتين: الأولى: هل يشترط له غبار؟ والمسألة الثانية: هل ينحصر التيمم في التراب الذي له غبار؟ فأما بالنسبة لكونه يتيمم بالتراب الذي له غبار؛ فهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم رحمة الله عليهم، وذلك على ظاهر نص الكتاب ونص السُّنة، وأجمع عليه العلماء رحمة الله عليهم، وأما اشتراط أن يكون له غبار أو لا يكون، فهذه مسألة خلافية بين أهل العلم رحمهم الله: أصحها أنه لا يشترط أن يكون له غبار، وذلك لعدم ثبوت دليل في الكتاب والسُّنة يدل صراحة على اشتراط أن يكون التراب له غبار.
والذين اشترطوا أن يكون التراب له غبار قالوا: إن قوله تعالى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] الوصف بالطيب يقتضي أن يكون على ذلك، وهذا مردود، فإن الوصف بالطيب المراد به طهارته من النجاسة، فلا يُتيمم بتراب نجس، ثم إننا نقول: إنه لو خُص التراب بما له غبار لخالف ذلك مقتضى الرخصة، فإن كثيراً من الأرض فيها أماكن رمال لا غبار لها كما قرر العلماء ذلك، فلو قلنا: إن التيمم لا يحصل إلا بتراب له غبار لأجحف بالناس، ففي بعض الصحاري ربما تسير يوماً كاملاً ولا ترى أرضاً لها غبار.
والمسألة الثانية -وهي: حصر التيمم في التراب- فأصح الأقوال: أنه يجوز التيمم بكل ما على وجه الأرض، فيجوز لك أن تتيمم بتراب له غبار، وبتراب لا غبار له، وكذلك أيضاً تتيمم بالحجر ونحوه مما هو من جنس الأرض كالجص والنورة ونحو ذلك، فلا حرج أن تتيمم به؛ وذلك على ظاهر قوله تعالى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] والصعيد كل ما صعد على وجه الأرض، فلو أن إنساناً أراد أن يتيمم ولم يجد التراب، وإنما وجد حجراً صح له أن يتيمم بالمسح عليه؛ وذلك أن الله تعالى قال: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] والنبي صلى الله عليه وسلم وصف المدينة بكونها طَيْبَة مع أن أكثرها حِرَار، وهذا الدليل انتزعه الإمام ابن خزيمة رحمه الله -كما أشار إليه في صحيحه- من ظاهر السُّنة، فإن الله وصف المُتَيمم به بكونه صعيداً طيباً، والنبي صلى الله عليه وسلم وصف المدينة بكونها طيبة مع أن أكثر أرضها (حرار)، وقد ثبت في الحديث (أُريت دار هجرتكم أرضاً ذات نخل بين حرتين) إذا ثبت هذا فيجوز لك أن تتيمم بالتراب وبغير التراب مما صعد على وجه الأرض؛ لكن يشترط أن يكون طاهراً، فلا يتيمم بنجس، فلو كان التراب نجساً لم يصح أن يتيمم به؛ والسبب في التعميم -كما قلنا-: أن قوله تعالى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] يعتبر دالاً على العموم، فالصعيد كل ما صعد على وجه الأرض والأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه.
والذين قالوا بتخصيص التيمم بالتراب؛ استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجداً، وتربتها لنا طهوراً) والاستدلال بهذا الحديث يُردُّ من وجهين: الوجه الأول: أنه استدلال بمفهوم اللقب، ومفهوم اللقب ضعيف على القول الراجح عند الأصوليين، وتوضيح ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام قال: (جعلت تربتها لنا طهوراً) فمفهوم قوله: (تربتها) أن غير التربة لا يعتبر طهوراً، وهذا كما قلنا من مفهوم اللقب؛ لأن مفهوم المخالفة عشرة أنواع: الصفة، والشرط، والعلة، واللقب، والاستثناء، والعدد، وظرف الزمان، وظرف المكان، والحصر، والغاية، وقد جمعها ابن عاصم رحمه الله في قوله: صف واشترط علل ولقب ثنيا وَعُدَّ ظرفين وحصر إغيا فقال: صف واشترط علل ولقب (لَقِّب) مفهوم اللقب.
فقوله: (تربتها) الاستدلال به على التخصيص من باب الاستدلال بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند الأصوليين.
أما بالنسبة للوجه الثاني في رد هذا الاستدلال: فهو مسلك بعض العلماء حيث قالوا: إن ذكر أحد أفراد العام.
وثبوت الحكم له لا يقتضي تخصيص الحكم به، فإن النصوص التي في الكتاب عامة {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] وهذا الحديث ذكر فرداً من أفراد العام وهو التراب، والقاعدة: (أن ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي تخصيص الحكم به) فنقول: نص النبي صلى الله عليه وسلم على التربة، وذلك من باب ذكر أفراد العام الذي لا يقتضي تخصيص الحكم بذلك الفرد.
ومن أدلتهم على تخصيص التيمم بالتراب الذي له غبار حديث: (ضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه)، فقالوا: لا معنى للضرب إلا لطلب الغبار، وهذا كما قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في بعض ما يُجزئ التطهر به وهو التراب، فإذا كان التراب له غبار؛ فالسُّنة أن يُضْرَب بالكفين عليها.
أما إذا كان غير التراب كالحجر ونحوه فيُجزئ الإنسان أن يمسح عليه.
قالوا: فكيف يُجاب عن هذا الحديث الذي ضرب فيه النبي صلى الله عليه وسلم كفيه على الأرض، وقال لـ عمار: (إنما يجزيك أن تقول بيديك هكذا، قال: ثم ضرب بكفيه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه)؟ والجواب على ذلك: بما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في السنن: (أنه لما قضى حاجته عند سباطة قوم -والحديث أصله في الصحيح- مر رجل فسلَّم فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده على الحائط) قال: فضرب على الحائط، ومن المعلوم أن الحائط لا غبار له، فدل هذا الحديث على أنه لا يشترط وجود الغبار فيما يتيمم به؛ إذ لو كان شرطاً لضرب على الأرض ولم يضرب على الحائط، فدل على أن كل ما صعد على وجه الأرض يُجزئ التيمم به كأن يضرب على حائط طين أو حائط حجر، أو يضرب على صخر ونحو ذلك، فذلك كله يعتبر مجزئاً على ظاهر قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].
(20/2)
________________________________________
فروض التيمم
قال رحمه الله: [وفروضه: مسح وجه، ويديه إلى كوعيه] بعد أن فرغ رحمه الله من بيان الحالات التي يجوز لك أن تتيمم فيها، وبيان من الذي يحق له أن يتيمم والذي لا يحق له أن يتيمم، وكذلك بيان الشيء الذي يُتيمم به؛ شرع في بيان فروض التيمم.
الفروض: جمع فرض، وأصل الفرض في اللغة: الحز والقطع، تقول: فَرَضتُ الشيء، أي: قطعته، ومنه الفَرْضَة التي تكون على النهر؛ لأن الإنسان يقطع بها النهر من شِقِّه إلى شِقِّه.
وأما بالنسبة للفرض في اصطلاح العلماء: فجمهور العلماء من الأصوليين -ومنهم: المالكية والشافعية والحنابلة- على أن الفرض والواجب معناهما واحد، فإذا قلت: فرض، أو قلت: واجب، فالمعنى واحد، وذهب الحنفية إلى أن الفرض أعلى من الواجب -وإن كان بعض العلماء يُرجح أن الخلاف لفظي- فالفرض عند الحنفية: هو ما ثبت بدليل قطعي، والواجب عندهم: هو ما ثبت بدليل ظني، فيفرقون في مراتب الإلزامات من الشرع، فما ألزمك الشرع به بدليل لا احتمال فيه فهذا فرض، وما ألزمك الشرع به بدليل فيه احتمال فإنه يعتبر واجباً.
وفي قوله: [فروضه] الضمير عائد إلى التيمم، أي: الذي أوجب الله عليك فعله في التيمم.
(20/3)
________________________________________
مسح الوجه في التيمم
قال رحمه الله: [مسح وجهه] قال تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة:6] والوجه ما تحصل به المواجهة، وقد تقدم ضابط الوجه: أنه من منابت الشعر عند ناصيته إلى ما انحدر من ذقنه، وكذلك -أيضاً- ما انحدر من اللحيين طولاً، وأما عرضاً: فمن طرف الأذن إلى طرف الأذن الأخرى على تفصيل عند العلماء وسبقت الإشارة إليه في باب الوضوء.
فبعد أن يضرب بيديه على الأرض يمسح بهما وجهه؛ لظاهر التنزيل في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة:6] وظاهر السُّنة في حديث عمار: (فمسح بهما وجهه) والمسح بالوجه يقع بالكفين، فلا يقع بكف دون أخرى، ويستثنى من ذلك أن يكون أقطع اليد أو مشلول اليد أو تكون بيده الثانية عاهة، فيجزئه أن يمسح بيدٍ دون أخرى؛ ولكن هل إذا مسح بيدٍ واحدة يجزيه عن تكرار الضرب؟ وجهان للعلماء: قال بعض العلماء: إن كانت له يد واحدة ضرب بها الضربة الأولى ومسح شقه الأيمن، ثم يضرب الضربة الثانية ويمسح بها شقه الأيسر؛ والسبب في هذا القول أنهم يقولون: إنه إذا مسح المسحة الأولى ذهب ما في يده، فلا يجوز أن يمسح بما فضل من طهوره الشق الثاني، والصحيح: أنه يجزيه ضربة واحدة من اليد يمسح بها الوجه كله، وهم قالوا بهذا الحكم قياساً على الوضوء، فإنك إذا توضأت بماء لم يجز لأحد أن يتوضأ به، وقد قررنا هذه المسألة أن الصحيح: أن الماء إذا توضأت به أو اغتسلت جاز للغير وجاز لك أن تعيد به وضوءاً ثانياً وغسلاً ثانياً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الماء لا يجنب) وبينا أن الأصل في الماء أنه طهور لا ينجّسه شيء -على دلالة السُّنة- إلا ما تغير فيه اللون أو الرائحة أو الطعم، فإذا ثبت أن الأصل أنك إذا اغتسلت بماء أو توضأت به جاز للغير أن يعيد الوضوء به، وكذلك التيمم أيضاً، فيعتبر قياسهم التيمم هنا بالمسح المكرر في الكف على الوضوء والغسل من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه، ويعتبر دليلهم دليل التزام لا دليل إلزام.
(20/4)
________________________________________
مسح اليدين إلى الكوعين في التيمم
قال رحمه الله: [ويديه إلى كوعيه] يمسح يديه إلى كوعيه، وذلك لقوله تعالى: {وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] والأصل في اليد أنها تُطلق من أطراف الأصابع إلى المنكب، فكله يد إلاّ ما خص، فتخص بالكفين بالدليل كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] حيث جاءت فجاءت السُّنة وبينت محل القطع، فخصصت اليد بالكف، ولذلك قالوا: إنما خصصنا الكفين بالمسح؛ لظاهر حديث عمار: (فمسح بهما وجهه وكفيه).
وقال بعض العلماء: يمسح في التيمم اليد كاملة، وهو قولٌ لطائفة من السلف، وقال بعض السلف: يمسح حتى إلى الإبط على ظاهر قوله: {وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة:6] وقال بعضهم: إلى المرفقين إلحاقاً بالوضوء.
والصحيح أن الكفين هما المعتبران في المسح، وأنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسح أكثر من الكفين، والقاعدة: أن بيان المجمل الواجب واجب، فما دام أن القرآن قال: {وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة:6] واحتمل ذلك الكفين واحتمل إلى المرفقين واحتمل إلى المنكب؛ وجاءت السُّنة ببيانه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث مسح إلى كفيه، صار البيان واجباً كما في الحج؛ ولذلك يقولون في الأصول: بيان الواجب واجب.
(20/5)
________________________________________
الترتيب في التيمم
قال رحمه الله: [وكذا الترتيب] وجوب الترتيب قول لبعض العلماء، فكما قلنا في الوضوء نقول في التيمم، فالواو في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] قالوا: تقتضي الترتيب كما اقتضته في الوضوء في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] وقالوا أيضاً: إن البدل يأخذ حكم مبدله، فلما وقعت عبادة التيمم بدلاً عن الوضوء، والترتيب شرط في الوضوء، كذلك هو شرط في التيمم، وهو أعدل الأقوال وأحوطها، فيحتاط الإنسان ويراعي الترتيب.
فائدة هذا: أننا لو قلنا: إنه لا يجب الترتيب ومسح الإنسان كفيه قبل أن يمسح وجهه أجزأه على القول بعدم اشتراط الترتيب، أما إذا قلنا باشتراط الترتيب؛ فإنه لا يجزيه إلا إذا قدم وجهه ثم مسح كفيه بعد الوجه.
(20/6)
________________________________________
الموالاة في التيمم من الحدث الأصغر
قال رحمه الله: [والموالاة في حدث أصغر] والمولاة، أي: أن الموالاة واجبة، فبمجرد أن ينتهي من مسح وجهه فعليه أن يمسح كفيه، فلا يقع الفاصل بين مسح العضوين، فإذا وقع الفاصل أثر كما يؤثر في الوضوء، ودليل الموالاة في التيمم هو دليله في الوضوء، قالوا: إنه كما أن عبادة الوضوء -وهي الأصل- تشترط الموالاة لصحتها كذلك عبادة التيمم، فلو أن إنساناً ضرب بكفيه على الأرض، ثم مسح وجهه وجلس ساعة، وبعد ساعة ضرب مرة ثانية ومسح كفيه؛ فعلى القول باشتراط الموالاة لا يجزيه؛ لوجود الفاصل، فكما لم يجزئه في الوضوء كذلك لا يجزئه في التيمم، وعلى القول بعدم الاشتراط يجزئه ويصح منه ذلك.
وقوله: [في حدث أصغر] في: للظرفيّة، أي: أن التيمم يكون في حدث أصغر وهو الوضوء، فلو أن إنساناً انتقض وضوءه ببول أو غائط أو ريح؛ فإنه يجزيه أن يتيمم إذا استوفى شروط الرخصة.
فالتيمم يشمل الحدث الأصغر والحدث الأكبر، فلك أن تتيمم لحدث أصغر ولك أن تتيمم لحدث أكبر؛ وذلك لأن الله جل وعلا جعل التيمم بدلاً عن الطهارتين فقال بعد ذكره طهارة الحدث الأصغر في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6] فدل على أن التيمم يكون بدلاً عن الطهارة الصغرى -وهي: الوضوء- والطهارة الكبرى -وهي الغسل-؛ لأنه قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] والماء يستخدم للطهارة الصغرى وللطهارة الكبرى، فإذا فقد الماء علمنا أن قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] أي لطهارة صغرى أو لطهارة كبرى فتيمموا، فعلمنا أنه بدل عنهما.
(20/7)
________________________________________
اشتراط النية في التيمم
قال رحمه الله: [وتُشترط النية لما يُتيمم له من حدث أو غيره] (وتشترط النية لما يتيمم له) تشترط النية لصحة التيمم، وهذا يكاد يكون بالاتفاق، حتى إن الحنفية -وقد سبق معنا في الوضوء والغسل أنهم لا يرون النية، ويقولون بصحة الوضوء أو الغسل بدون نية -قالوا: لابد من النية في التيمم؛ وذلك لأنها رخصة لابد من وجود النية فيها.
والدليل على اشتراط النية: أن التيمم عبادة، والله أمر بإخلاص العبادة، ولا إخلاص إلا بنية.
وكذلك الدليل من السُّنة: قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات) والوضوء والتيمم عمل، فتشترط النية لصحة التيمم.
(20/8)
________________________________________
حالات النية في التيمم
وقوله: (من حدث أو غيره) إذا جئت -مثلاً- تريد أن تتيمم، فيكون في قلبك أنك تقصد استباحة الصلاة، سواء كان ذلك في حدث أصغر أو في حدث أكبر، ومثاله: لو أن إنساناً استيقظ لصلاة الفجر وهو جنب وأراد أن يصلي ولا ماء عنده أو عنده ماء ولا يستطيع استعماله، فقد وجد فيه مقتضى الرخصة، فإنه عند قصده إلى الصعيد الطيب -وهو التراب أو الحجر- ينوي في نفسه بهذه العبادة -وهي التيمم- استباحة الصلاة، فإذا وجدت هذه النية في حدث أصغر أو في حدث أكبر صح تيممه وأجزأه، أما لو عزبت عنه النية وضرب يده دون أن يستحضر أو تكون منه النية؛ فإنه لا يجزئه ذلك.
قال رحمه الله: [فإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر] إن نوى التيمم عن الجنابة لم يجزئه ذلك عن الوضوء، وقال العلماء: لو كانت عليه جنابة وقصد رفع الجنابة دون أن يقصد بها استباحة الصلاة؛ فإنه لا يجزئه، والصحيح: أن المنبغي على المكلف إذا أراد أن يتيمم أن يقصد استباحة الصلاة المفروضة أو النافلة، فإن كانت مفروضة تقيد بالفرض حتى يخرج وقتها، وصلى بذلك التيمم الذي قصد به الاستباحة، وإن كانت نافلة كذلك أيضاً صلى به النافلة، وإن كانت غير فرض ونافلة مثل: الطواف بالبيت أو لمس المصحف؛ فإنه يتقيد بذلك الذي تيمم من أجله، فيجعل في نفسه عند ضربه لكفيه، أو يستحضر في نفسه عند ضربه لكفيه استباحة هذا المحظور الذي لا يجوز فعله إلا بطهارة.
قال رحمه الله: [وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يصل به فرضاً] وإن نوى نفلاً لم يصل به فرضاً؛ لأن نية الأدنى لا تبيح الأعلى، فكما أنه إذا توضأ لنفل لا يصلي فريضة، كذلك في التيمم؛ والدليل على هذا: ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) فقوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) يقتضي التخصيص، فما دام أنه نوى النفل فلا يستبيح الفرض، ولذلك لو أن إنساناً أحرم بالصلاة ناوياً النافلة، وأراد أن يقلبها إلى الفرض لم يصح إجماعاً، كذلك أيضاً لو تيمم ناوياً النافلة لم يصح له أن يستبيح الفريضة.
قال رحمه الله: [وإن نواه صلى كل وقته فروضاً ونوافل] وإن نوى الفرض (صلى كل وقته) أي: وقت الفرض، (فروضاً ونوافل)، ويشمل ذلك الفروض إذا كان الوقت يسع فرضين مثل: المسافر، فلو كنت مسافراً ثم أخرت صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر ولم تجد ماءً وأردت أن تجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر فإنك تصلي الظهر والعصر بتيمم واحد، وهكذا لو أخرت المغرب إلى صلاة العشاء، وهذا بالنسبة للفروض المتعددة.
(20/9)
________________________________________
مبطلات التيمم
(20/10)
________________________________________
خروج الوقت يبطل التيمم
قال رحمه الله: [ويبطل التيمم بخروج الوقت] وقد ذكرنا هذا في المجلس الماضي، وذكرنا أنه مبني على ظاهر آية المائدة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] فإن الله سبحانه وتعالى قصر على المكلفين الوضوء لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك في الوضوء، فبقي التيمم على الأصل؛ لعدم ورود الدليل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تيمم وصلى أكثر من صلاة، ثم وجدنا هذا الحكم -وهو أن التيمم يبطل بخروج الوقت- قد أفتى به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الزركشي رحمه الله هذه المسألة في شرحه للمختصر وقال: إنه قضاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وممن قضى به: ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو رضي الله عن الجميع، وأما ابن عباس فعنه روايتان في هذا؛ لكن قالوا -خاصة على مذهب من يرى أن قول الصحابي حجة-: إن هذا يعتبر مقيداً بالفرض، ولذلك أفتوا بأنه إذا خرج وقت الفريضة فإنه يتيمم لما بعدها من فريضة، فلو تيمم لصلاة الظهر وخرج وقتها وأراد أن يصلي العصر استأنف تيممه، ويكون التيمم الأول باطلاً بمجرد انتهاء وقت صلاة الظهر.
(20/11)
________________________________________
مبطلات الوضوء مبطلات للتيمم
قال رحمه الله: [وبمبطلات الوضوء] يعني: يبطل التيمم بمبطلات الوضوء، كأن يخرج منه ريح أو بول أو غائط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فجعل الحدث في الوضوء ناقضاً، وكذلك يعتبر الحدث ناقضاً للتيمم؛ لأن البدل يأخذ حكم مبدله.
(20/12)
________________________________________
حضور الماء يبطل التيمم
قال رحمه الله: [وبوجود الماء] بهذا أصبح التيمم زائداً على الوضوء في نواقضه، فينتقض التيمم بما ينتقض به الوضوء -وهذا ما يشترك فيه مع الوضوء- وينتقض زيادة على ذلك بأمرين زائدين على الوضوء هما: خروج الوقت، ووجود الماء.
أما وجود الماء فلأن ما شرع مقيداً بعلة يزول بزوالها، وقد شرع الله التيمم مقيداً بعلة فقد الماء أو عدم القدرة عليه كما على ظاهر السُّنة في حديث عمار، فلما أمكن المكلف أن يستعمل الماء أو وجده؛ زال الحكم بزوال علته، ولذلك يقولون: إنه إذا وجد الماء انتقض تيممه ولزمه أن يغتسل ويتوضأ؛ ودل على هذا الحكم دليل الكتاب والسُّنة: أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6] فجعل التيمم معلقاً على عدم وجود الماء، فإن وجد الماء دل على بطلان التيمم وعدم الاعتداد به.
وأكد ذلك دليل السُّنة في حديث عمران في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه صلى بالناس الفجر، فلما صلى عليه الصلاة والسلام الفجر رأى رجلاً لم يصلِّ مع الناس، فقال: عليَّ به، فلما أُتي به قال: ما منعك أن تصلي في القوم؟؟ قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء -أي: أصابتني الجنابة ولا أجد ماءً أغتسل به فأرفع الجنابة- فقال عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) وفي الرواية الثانية: (فلما مضى عليه الصلاة والسلام وجد الماء فبعث به إليه).
وجه الدلالة: أنه جعل الحكم بتيممه والاعتداد بالتيمم موقوفاً على عدم وجود الماء، فدل على أنه إذا وجد الماء سقطت الرخصة لاستباحة الصلاة.
الدليل الثاني أيضاً من السُّنة: ما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته)، الفاء تقتضي العطف على الولاء، يعني: بسرعة، ولا تقتضي تراخياً، ولذلك قال: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسَّه بشرته) فدل ذلك -أولاً- على أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح فعل الصلاة، ودل -ثانياً- على أنه إذا وجد الماء لزم على المكلف أن يمسه بشرته، فيزول موجب الرخصة؛ وحينئذ نحكم ببطلان تيممه ووجوب وضوئه وغسله.
قال رحمه الله: [وبوجود الماء ولو في الصلاة لا بعدها] (ولو في الصلاة) لو: -كما هو معلوم في المتون الفقهية- إشارة خلافٍ، كما ذكر خليل في المختصر في مقدمته أنه يشير بلو للخلاف، فإذا قال العلماء: ولو قائماً، فُهِمَ أن حالة القيام فيها خلاف، وأن هناك قولاً يقول بالعكس قال: (ولو في الصلاةٍ) قال بعض العلماء: نحكم بكون الماء عند وجوده موجباً لبطلان التيمم مطلقاً سواء وجده وهو فارغ من الصلاة منتهٍ منها أو وجده أثناء فعله للصلاة، فإن وجده بعد انتهائه من الصلاة؛ فهذا فيه قول واحد عند من يرى أن وجود الماء موجب لبطلان التيمم.
أما إن وجده وهو في أثناء الصلاة فعلى أصح الأقوال أنه ولو كان في أثناء الصلاة فإنه يحكم عليه ببطلان التيمم، ووجه ذلك أننا نُلزم القائلين بكون وجود الماء -على ظاهر دليل الكتاب والسُّنة- موجباً للبطلان، ونلزمهم بكونه مبطلاً حتى في الصلاة لمكان الإطلاق في الشرع: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) فلم يفرق بين كونه وجده أثناء الصلاة أو وجده بعد الصلاة، ولذلك نقول: إن وجود الماء موجب لبطلان التيمم مطلقاً، سواءً كان وجوده أثناء الصلاة أو بعد فعل الصلاة والفراغ منها.
وهنا مسألة خلافية: لو أن إنساناً صلى ثم وجد الماء قبل انتهاء الوقت؛ فقال بعض العلماء بالإجزاء وأنه لا يلزمه أن يعيد الصلاة، وذلك لأن صلاته وقعت معتبرة صحيحة وأجزأته على الحالة التي كان معذوراً فيها.
وقال بعض العلماء: يلزمه أن يعيد الصلاة بعد غسله ووضوئه، فإذا وجد الماء أثناء الوقت تلزمه الإعادة.
وتوسط آخرون بين القولين فقالوا: تستحب له الإعادة ولا تجب عليه، وإن كان أقوى الأقوال أن صلاته صحيحة ولا تلزمه الإعادة.
(20/13)
________________________________________
استحباب تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاة
قال رحمه الله: [والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى] إذا دخل وقت الفريضة على المكلف فإن غلب على ظنه أنه سيجد الماء فحينئذٍ ينتظر وجوده خروجاً من خلاف العلماء رحمة الله عليهم، وإن كان لا يدري هل يمكنه أن يجد الماء أم لا، أو يُرجّي وجوده بحيث لم يكن هناك غالب ظن؛ فحينئذٍ قالوا: ينتظر، وذلك من باب الاستحباب، فإذا تيمم وصلى أجزأه ذلك ولا تلزمه الإعادة على ما ذكرنا فيمن وجد الماء قبل خروج الوقت.
(20/14)
________________________________________
صفة التيمم
قال رحمه الله: [وصفته أن ينوي ثم يسمي] (وصفته) أي: صفة التيمم، وهذا كله من الترتيب في الأفكار، فميزة العلماء والفقهاء أنهم لا يأتون بالأحكام هكذا مخلوطة دون ترتيب لها وحسن وضع لأحكامها بما يتناسب مع حال المكلفين، فإنك إذا درست باباً من الأحكام فأول ما يأتيك من الأحكام: من الذي يجوز له أن يتيمم ومن الذي لا يجوز له أن يتيمم؟ وبعد أن تعرف الحالات التي يباح فيها أن يتيمم الإنسان لابد أن تعرف بأي شيء يتيمم، ثم ما هي كيفية التيمم؟ ومن هنا ترى دقة الفقهاء في ترتيب هذه الأحكام وتسلسلها على هذا النحو، ومن ذلك يستفيد طالب العلم أنه إذا خاطب الناس أو أراد أن يبين حكماً لهم فعليه أن يراعي ترتيب الأفكار وتسلسلها، إما أن تُسَلْسَل على حسب مناسبة شرعية أو على حسب الطبيعة والواقع.
قال رحمه الله: (وصفته): صفة الشيء: حليته والأمور التي يتميز بها عن غيره، فإذا وصفت شيئاً فقد ميزته عن غيره.
والضمير في قوله: وصفته، عائد إلى التيمم، أي: صفة التيمم الشرعية.
وقوله: (أن ينوي) النية شرط في صحة التيمم.
وقوله: (ثم يسمي) يقول: باسم الله، والصحيح: أنه لا يجب عليه أن يسمي؛ وإنما العلماء يستحبون في مثل هذه العبادات البداءة بالتسمية لمطلقات الشرع في فضل ذكر اسم الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن:78] فيقولون: من أراد البركة في الأشياء ذكر اسم الله فيها، وأحق ما تكون فيه البركة الوضوء، ولذلك قالوا: يسمي قبل وضوئه، وأما قبل تيممه فلم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بذكر التسمية في التيمم، ولو أن إنساناً تيمم دون أن يسمي؛ فإن ذلك قد يكون أقرب إلى السُّنة.
قال رحمه الله: [ويضرب التراب بيديه] لأن عماراً وصف تيمم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ثم ضرب بهما) أي: ضرب بيديه الأرض وهذه هي السُّنة، فإن كانت الأرض، صلبة كالحجر ونحوه مسح عليها.
قال رحمه الله: [مفرجتي الأصابع]: قالوا: لوصف عمار لتيمم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ضرب) والضرب لا يكون إلا في الأرض التي لها غبار، فدل على أنه قاصدٌ للغبار، وإذا قصد الغبار فإنه يفرج بين أصابعه حتى يتخلل ما بينها، فيحصل الإجزاء بعبادته.
قال رحمه الله: [يمسح وجهه بباطنهما].
يجعل باطن الكفين للوجه.
قال رحمه الله: (وكفيه براحتيه (للعلماء رحمة الله عليهم في صفة التيمم كلام، فقالوا: يبدأ باليمنى فيجعل طرف الراحة عند رءوس الأصابع، ثم يمرها على الظاهر، ثم يشبك بإدخال أو إنزال أطراف الأصابع حتى يكون ما بين الأصابع قد أصابه المسح، وكما أنك مطالب بالشرع في الوضوء أن تغسل ما بين الأصابع فكذلك أنت مطالب في التيمم أن تمسح ما بين الأصابع، وهذا عند من يقول بعدم التفريج؛ لأنه إذا فرج لم يحتج للتخليل، فيمرها على هذه الصفة، فيمسح بكفه اليمنى على كفه اليسرى بهذه الصفة حتى يبلغ كوعه، فإذا انتهى منه يقلب إلى راحته ويمسحهما بها.
وقال بعض العلماء -وهو الصحيح- يمسح على ظاهر كفيه، قالوا: إنه يمسح بالظاهر فيكون الباطن قد مسح، فيكون المسح على ظاهره.
قال رحمه الله: [ويخلل أصابعه] على الصفة التي ذكرناها، بحيث إذا بدأ باليمين يقلب اليسرى عليها ويولجها بين الأصابع؛ لأنه إذا أمرَّ بهذه الصفة لا يبقى ما بين الأصابع، قالوا: كما أنه أُمر في الوضوء بغسله فالله أمر في التيمم بمسحه، وهذا لا يتحقق إلا بالتخلل، والقاعدة: (أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فلما كان الأصل في هذه الكف أنها تُمسح كاملةً كما أنها في الوضوء تغسل كاملة فيخلل الأصابع كما هو في الوضوء.
(20/15)
________________________________________
الأسئلة
(20/16)
________________________________________
ازدحام شرط الوقت وشرط الطهارة في الصلاة

السؤال
لو أدركت مقدار ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها وأنا متيمم، فهل تبطل صلاتي لبطلان تيممي بخروج الوقت؟

الجواب
هذه مسألة مفرعة على المسألة التي ذكرناها وهي: إذا وجد الماء أثناء صلاته، والحكم يستوي فيه أن تبقى ركعة أو لا يكون في الوقت متسع لأن يتوضأ أو يغتسل، بمعنى: أن الحكم عام، فلذلك نقول: إذا وجد الماء وأمكنه أن يستعمله وخشي خروج الوقت فإنه لا يجزئه أن يتيمم؛ لأن الله عز وجل اشترط في التيمم فقد الماء، وقال بعض العلماء -وهو قول مرجوح وضعيف- إنه إذا خشي خروج الوقت فإنه يتيمم ويصلي، والصحيح: أنه يتوضأ؛ لأن الوضوء والغسل مشترط لصحة الصلاة، ولذلك لا يعتبر فعله للصلاة -مع إمكانه للوضوء والغسل على هذا الوجه مع تيممه- صحيحاً، ولا بد أن يتوضأ ويغتسل ولو خرج الوقت، وهذا هو أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم.
وهذه المسألة يجعلها الأصوليون من مسائل ازدحام الشروط، بمعنى: أن الشرع اشترط لصحة الصلاة الوقت، فلا يجوز للمكلف أن يُخْرِج الصلاة عن وقتها، واشترط لها الوضوء إذا كان الإنسان محدثاً حدثاً أصغر، والغسل إذا كان محدثاً حدثاً أكبر، فإذا كان في آخر الوقت بحيث لو قلنا له: توضأ، خرج الوقت، فهل نقدم شرط الطهارة ونقول: يتوضأ ولو خرج الوقت، أو نقدم شرط الوقت ونقول: تسقط طهارة الماء وينتقل إلى البدل لإدراك الوقت؟ فبعض العلماء يقول: أنا أُغلِّب وأُقوّي شرط الوقت على شرط الطهارة، فما دام أن جلوسه للوضوء، يخرجه عن الوقت فعليه أن يتيمم مباشرة ويقوم إلى الصلاة، فيدرك الوقت وتسقط عنه طهارة الماء، وهذا عند من يقول: إن طهارة التراب قائمة مقام طهارة الماء.
الوجه الثاني يقول: هذا مكلف، واشترط الشرع في إسقاط طهارة الماء العجز أو الفقد، وهذا ليس بعاجز ولا فاقد، ولذلك نقول: يتوضأ ولو خرج الوقت؛ لأن مثله في الأصل يقضي ولا يؤدي، كما لو استيقظ بعد خروج الوقت، فما دام أنه توضأ واشتغل بالوضوء فهو معذور شرعاً، وهذا القول الثاني أعدل الأقوال وأقواها؛ لأن إسقاط الوضوء شرطه الفقد أو العجز، وهنا ليس بعاجز ولا فاقد، ولا في حكم العاجز ولا الفاقد، وبناءً على ذلك يلزمه أن يتوضأ ولو خرج الوقت، وتكون صلاته مقضية لا مؤداة.
وبعض العلماء عنده مخرج فقهي عجيب يقول: ما دام أننا لو قلنا له: توضأ، خرج الوقت، فنقول له الآتي: تيمم وصل وأدرك الوقت، ثم احتط بالوضوء بعد الصلاة، وأعد الصلاة مرة ثانية؛ لأن الصلاة بالوضوء سيوقعها بعد خروج الوقت، فنقول له احتياطاً: أدرك الوقت بالتيمم -وهذا من ناحية أصولية فقط، إعمالاً للقواعد- فيتيمم ويصلي، لكن هذا فيه مشقة، ولو أراد المكلف أن يحتاط بهذه الطريقة فهذا أفضل: فيتيمم ثم يصلي ثم بعد ذلك يتوضأ ويصلي الصلاة المفروضة على الصفة التي ذكرناها، والله تعالى أعلم.
(20/17)
________________________________________
حكم التيمم بالتراب المحترق

السؤال
في بعض النسخ زيادة مثل قوله: (ويجب التيمم بتراب طهور غير محترق)؟

الجواب
هذا تنبيه جيد، فأما قوله: (غير محترق) فيقصد بذلك إخراج ما أصابته الصنعة من نار ونحوه كالإسمنت، فإن التراب إذا أصابته الصنعة وَحُرِق خرج عن كونه تراباً إلى مادة أخرى، قالوا: فلا يجزئ أن يتيمم به، وهذا أحوط؛ لأنه خرج عن أصل المادة المعتبرة للحكم الشرعي من كونها صعيداً، فعلى المكلف أن يحتاط بعدم التيمم بمثل هذا.
ويدخل في التراب المحترق الطوب المحروق ونحوه، وكل هذا لا يتيمم به، لكن يتيمم على الصخر والحجر والتراب والرمال ونحوها.
(20/18)
________________________________________
حكم أداء الفريضة بتيمم النافلة

السؤال
قال المصنف رحمه الله: (وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يصل بها فرضاً) فما معنى قوله: (لم يصل بها فرضاً)؟

الجواب
يقولون: (إذا نوى نفلاً) كأن ينوي راتبة الظهر فلا يصلي بها الظهر، وهكذا لو نوى الراتبة القبلية في الصبح وخص نيته بالراتبة القبلية، فلا يصلي بهذا التيمم، غير ما نوى التيمم لاستباحته، وأما بالنسبة للإطلاق: إذا قصد به الاستباحة للصلاة مطلقاً فهذا يتأتى في طهارة الماء، كما أشار إليه بعض العلماء في قوله: ولينو رفع حدث أو مُفْتَرَض أو استباحة لممنوع عَرَضْ ولينو رفع الحدث: هذه النية العامة في طهارة الماء من وضوء وغسل، وأما بالنسبة للتيمم فحين كان مبيحاً لا رافعاً لم يكن بالقوة التي عليها طهارة الماء، ولذلك خُص بهذا الوجه وأصبح من الفوارق بين طهارتي التراب والماء، والله تعالى أعلم.
(20/19)
________________________________________
تقديم الوجه على الكفين في التيمم

السؤال
كيف نجمع بين حديث عمار: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) ففي هذا الحديث تقديم اليدين على الوجه، وفي رواية البخاري تقديم الوجه على اليدين، وهل هذا يدل على عدم وجوب الترتيب؟

الجواب
إن من العلماء من أجاب عنه بأن حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم المراد بها مطلق الجمع بحصول مسحه عليه الصلاة والسلام لكفيه ثم مسحه لوجهه، وليس المراد بها مراعاة الترتيب، وإن كان ظاهر السُّنة يدل على مراعاة الترتيب، والأحوط نظراً لمكان الرخصة وتقيد هذه العبادة بكونها رخصة أن يخرج الإنسان من الخلاف، واخترنا القول الذي يقول بمراعاة الترتيب؛ لوجود الشبيه والنظير مع اختلاف الروايات، واختلاف ظاهر السُّنة والتنزيل مع الاحتمال الوارد في ظاهر السُّنة، فرجعنا إلى الأحوط ورجعنا إلى الأصل، فوجدنا الأحوط يقتضي صيانة عبادة المكلف من الخلل، فقلنا يراعي الترتيب، ووجدنا الأصل -وهو طهارة الماء التي وقع التيمم بدلاً عنها- يراعى فيها الترتيب، فحكمنا بالترتيب من هذه الوجوه، وغلبنا ظاهر القرآن {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أبدأ بما بدأ الله به) وفي رواية (ابدأوا) بالأمر، لكن هذه الرواية متكلم فيها، فلما بدأ الله عز وجل بمسح الوجه قبل مسح الكفين راعينا هذا الترتيب مع ما ذكرناه من وجود الأصل، ولذلك من المسالك الأصولية تستطيع أن تقدم القول الذي يقول بمراعاة الترتيب لظاهر الكتاب وظاهر السُّنة، فعندما رجعنا إلى الأصل كان المعارض، وهو الكتاب والسُّنة أبلغ في القبول من قبول سنة منفردة، ثم مراعاة الأصل الذي ذكرناه في عبادة الوضوء، والبدل يأخذ حكم مبدله، وكل ذلك اقتضى تقديم القول الذي يقول بمراعاة الترتيب، والله تعالى أعلم.
(20/20)
________________________________________
حكم إمامة المتيمم بالمتوضئ

السؤال
إذا كان هناك رجل متوضئ وآخر متيمم، فمن يقدم للصلاة؟

الجواب
هذه مسألة ذكرها العلماء رحمة الله عليهم في آداب الإمامة، فقالوا: إن من آداب الإمامة ومسائل التقديم فيها أنه إذا اجتمع متيمم ومتوضئ فلا يصلي المتيمم بالمتوضئ، وهذا في الحقيقة محل نظر، وأما دليلهم فقالوا: إن المتيمم مرخص له، والقاعدة في الأصول: أن الرخص لا يتجاوز بها محالها، وبناءً على ذلك قالوا: لا يستبيح بالتيمم أن يصلي بغيره، خاصة على المذهب الذي يقول: إن الإمام يحمل الفاتحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الإمام ضامن) وإن كان الصحيح: أنه لا يحمل.
والذي تدل عليه السُّنة -وهو أقوى وأقرب إلى الصواب إن شاء الله- أنه يجوز أن يصلي المتيمم بالمتوضئ، ولكن بشرط أن يكون إماماً راتباً أو أميراً أو نحو ذلك؛ والدليل على ذلك حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، فإن عمرو قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً)، فقالوا: هذا يدل على جواز إمامة المتيمم بالمتوضئ، ولكن محل ذلك أن يكون إماماً راتباً، كأمير السرية أو أمير السفر أو قائد الجند إذا كان يصلي بهم وهو إمامهم ثم أصابته جنابة، فيصلي بهم ولو كان جنباً؛ لظاهر حديث عمرو.
أما لو أن اثنين استويا في المرتبة ووجدنا متوضئاً ووجدنا متيمماً فلا شك أن الخروج من الخلاف أولى، فنقول للمتوضئ: صل بالمتيمم؛ لأنه إذا صلى المتيمم بالمتوضئ شككنا في الصلاة، ولكن إذا صلى المتوضئ بالمتيمم صحت الصلاة قولاً واحداً، ولذلك ينبغي صيانة الصلاة من هذا الخلل، فنقول يصلي المتوضئ بالمتيمم إن استويا، أو كانوا بلا إمام راتب في الناس فلا يتقدم عليهم المتيمم، وإنما يقدم المتوضئ، وهذا من آداب الإمامة، وعلى الإمام ألا يعرض صلاة من وراءه للخلل أو الخلاف، بل عليه أن يحتاط لهم.
(20/21)
________________________________________
حكم من وجد الماء بعد صلاته بالتيمم

السؤال
إذا كنت في سفر وحان وقت الصلاة ولم يكن معي ماء فتيممت، مع العلم أني لو سرت مسافة معينة فإنني سأجد محطة، فهل فعلي صحيح؟ وإن لم يكن صحيحاً فكيف أفعل في تلك الصلاة مع العلم أنه مضى عليها ما يقارب شهراً؟

الجواب
إذا كان هذا الشخص في سفر ولا يعرف المحطات ولا المنازل، فإنه في هذه الحالة يتيمم ويصلي، فلو مشى -وهو لا يدري- فوجد الماء ولو بعد كيلو ولو بعد نصف كيلو؛ فإنه في هذه الحالة لا يعيد الصلاة، بل صلاته صحيحة؛ لأنها وقعت مجزئه ولا حرج عليه في ذلك، أما لو كان يغلب على ظنه أنه سيجد الماء فصلاته مشبوهة والأحوط له أن يعيدها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(20/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب إزالة النجاسة [1]
لقد أمر الدين الإسلامي بالطهارة من الحدث والخبث والنجاسة، والطهارة من النجاسة تشمل البدن والثوب والمكان، فإذا وقعت النجاسة في شيء من ذلك وجب إزالتها، والأصل في الطهارة هو الماء، فإن كانت النجاسة في الأرض صب عليها الماء، وإن كانت في غيرها غسلت حتى تطهر، إلا إذا كانت نجاسة كلب إحداهن بالتراب.
(21/1)
________________________________________
إزالة النجاسة وأحكامها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب إزالة النجاسة] الإزالة: المحو، وزوال الشيء: ذهابه.
(النجاسة) النجاسة: مأخوذة من النجس، وهو الشيء المستقذر، والمراد بها: النجاسة الشرعية، أي: التي حكم الشرع بقذارتها ووجوب أو لزوم إزالتها لعبادة الصلاة ونحوها كالطواف بالبيت.
ما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله؟

الجواب
تكلمنا عن الوضوء ونواقضه، ثم عن الغسل، ثم تكلمنا عن التيمم، فنلاحظ في هذه الأبواب الماضية أنها اشتملت على عبادة الوضوء والغسل، ثم على البدل عنهما وهو التيمم، ثم بعد ذلك شرع رحمه الله بقوله: (باب إزالة النجاسة) وهذا نوع جديد من الطهارة، فالنوع الأول الذي هو الوضوء والغسل والتيمم هو طهارة الحدث، والنوع الثاني الذي معنا الآن هو طهارة الخبث، فعلى المكلف أن يعتني بهذا الباب؛ لأمر الشرع بإزالة النجاسة للصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة كالطواف بالبيت، والأصل في هذا الباب دليل الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة.
(21/2)
________________________________________
الأدلة على وجوب إزالة النجاسة
أما دليل الكتاب: فإن الله عز وجل قال لنبيه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] فأمره بتطهير ثيابه عند قيامه للصلاة أو إرادته القيام للصلاة، قالوا: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] أمر، والأمر للوجوب، فدل على وجوب تطهير الثياب والملبوس للعبادة وهي الصلاة، هذا بالنسبة لطهارة الثوب.
وكذلك إزالة النجاسة دل عليها دليل السُّنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلي عنك الدم وصلي) وقال في بول الأعرابي: (أريقوا عليه سَجْلاً من ماء) وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً) فهذه النصوص كلها قصد منها إزالة النجاسة، وإزالة النجاسة إما من ثوب أو من بدن أو من مكان، فالشرع ألزم المكلف إذا أراد أن يصلي أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان، ولذلك يَنْصَب كلام العلماء ومسائل الناس في النجاسات على نجاسة الثوب أو البدن أو المكان.
أما نجاسة البدن: فدل على لزوم إزالتها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه -لشبهة- فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) فأمر بتطهير البدن والثوب: دليله ظاهر قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وقوله عليه الصلاة والسلام: (حُتيه ثم اقرصيه بماء) يدل على تطهير الثوب، وكذلك يدل على تطهير الملبوس من حذاء ونحوه، أنه لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام في النعلين ثم قام بخلعهما أثناء الصلاة قال: (أتاني جبريل فأخبرني أنهما -أي: النعلين- ليستا بطاهرتين) فدل على أنه لا يُصلى إلا في حذاء طاهر.
وثبت أيضاً في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فإن جاء إلى المسجد فليصل فيهما -يعني: في نعليه- فإن وجد بهما أذى فليدلكهما بالأرض ثم ليصل فيهما) فهذا يدل على تطهير الملبوس، ولكنه بنوع آخر من الطهارة وهي الطهارة الترابية الجامدة.
أما تطهير المكان الذي يصلي عليه الإنسان: فيدل على لزوم طهارته قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة لما بال الأعرابي في المسجد: (أريقوا عليه سَجلاً من ماء) فأمر بتطهير المكان، فهذه النصوص تدل على إزالة النجاسة في الثلاثة المواضع: البدن، والثوب، والمكان.
(21/3)
________________________________________
الماء أصل في إزالة النجاسة
أصل الطهارة بالماء، وتكون إزالة النجاسة إما بالماء أو بما في حكم الماء في صور مخصوصة، فإزالة النجاسة بالماء هي الأصل؛ لأن الله تعالى بيّن في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن الماء أصل المطهرات؛ فقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] أي: طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، وقال عليه الصلاة والسلام في ماء البحر: (هو الطهور ماؤه) فدل هذا على أن الماء هو الأصل في التطهير، ويدل على ذلك جلياً قوله عليه الصلاة والسلام: (واغسله بماء وثلج وبرَد) فجعل حتى التطهير بالماء مقدماً على غيره، فدل على أن التطهير في الأصل بالماء، ثم قد يكون التطهير بشيء في حكم الماء في صور مخصوصة، ومثال ذلك: طهارة الخارج من السبيلين تكون بالتراب أو بالحصى، أو تكون بالمنديل، وذلك في الاستجمار، فإن الإنسان إذا قعد فبال أو تغوط جاز له أن يأخذ منديلاً ويزيل ما ثمّ، فإذا فعل ذلك طَهُرَ الموضع؛ لأن طهارته بغير الماء في هذه الصورة المخصوصة أذن الشرع بها، فعلى العموم: الطهارة إما أن تكون بماء، وإما أن تكون بما في حكم الماء في صوره المخصوصة.
(21/4)
________________________________________
إزالة النجاسة من الأرض بغسلة واحدة
قال رحمه الله: [يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب عين النجاسة] (يجزئ) أي: يكفي المكلف وتعتبر ذمته بريئة إذا فعل ذلك، ويجزئه هذا في تطهير النجاسة إذا كانت على الأرض، مثال ذلك: لو وقع بول على أرض مسجد وكانت الأرض من تراب، فإنه يجزئ في إزالة تلك النجاسة أن يصب المكلف صبة من ماء تكون أكثر من النجاسة، أما إذا كانت مثلها أو دونها فإنها لا تجزئ، وإنما تزال النجاسة بالمكاثرة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أريقوا عليه سَجلاً من ماء) أي: على بول الأعرابي، وفي رواية: (دلواً من ماء) فوجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: أريقوا عليه ماءً ولكن قال: (سجلاً) فدل على أن المكاثرة مطلوبة، وأنه لا يكفي أن تصب أي ماء، فلو بال إنسان -مثلاً- في مسجد، وجاء رجل بمغراف من ماء، فإن المغراف إذا صب على النجاسة فإنه سيتأثر بملاقاتها، ولذلك لا يعتبر مجزئاً في تطهير هذه النجاسة، بل لا بد أن يكون الماء أكثر من النجاسة المصبوب عليها، ووجه ذلك في قوله: (سجلاً) فإن السجل هو الدلو، وقال بعضهم: إنه دلو كبير، وإن كان ظاهر الحديث أن السجل هو الدلو المعتاد، فإن الدلو إذا صببته على بول سيكون أضعاف البول، وهذا يدل على أن النجاسة تزال بالمكاثرة وليس بمجرد صبة واحدة مطلقاً، بل لابد أن تكون مكاثرة بحيث يغلب على ظنك أنها تزيل النجاسة، وهذا من سماحة الشريعة ويسرها ورحمة الله عز وجل بالعباد، فإنك إذا نظرت إلى النجاسة وقد أصابت الأرض الترابية في مسجد أو في غرفة والأرض ترابية فلا يمكن للمكلف أن يقتلع الأرضية ويغسلها كما يغسل ثوبه، فإن في ذلك مشقة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أريقوا عليه سجلاً من ماء) فدل هذا على سماحة الشريعة ويسرها، وهذا النوع من النجاسات يجزئ فيها صب الماء صبة واحدة، لكن بشرط أن يكون على سبيل المكاثرة.
وقوله: (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة).
(غسلة واحدة) لقوله عليه الصلاة والسلام: (أريقوا عليه سجلاً من ماء) فلم يشترط سجلين أو ثلاثة.
(تذهب بعين النجاسة) فلو صب أقل من النجاسة أو مثلها بحيث لا يغلب على الظن زوالها، فيلزمه أن يزيد حتى تكون أكثر من صبة؛ لأن الشرع قصد إزالة النجاسة، فإن بقي أثرها كان صب الماء وعدمه على حد سواء، ولذلك لابد أن يكون الماء المصبوب أكثر من النجاسة حتى تحصل غلبة الظن، وهذا كله إذا كانت الأرض ترابية، أما لو كانت الأرض من القماش فإنه لابد من إزالة النجاسة مثل إزالتها من الثوب، فيرفع القدر الذي أصابته النجاسة، ويصب عليه الماء على نفس الطريقة، ثم يعصره إذا أمكن عصره، وإذا لم يمكن عصره مثل ما هو موجود الآن من السجاد فحينئذٍ نقول: يصب الماء على البساط ثم يسحب ويشفط ثم يصب مرة أخرى ويجفف حتى يغلب على الظن أن النجاسة قد زالت، لأن مكاثرة الصب تذهب عين النجاسة وأثرها.
(21/5)
________________________________________
كيفية تطهير الإناء إذا ولغ فيه كلب
قال رحمه الله: [وعلى غيرها سبع، إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير].
عندنا النجاسات إما مخصوصة وإما عامة، فالنجاسة التي تقع على أرض المسجد صورة مخصوصة يصب عليها الماء صباً، ولا يشترط عصر ذلك كما ذكرناه.
ثم يليها من المخصوصات نجاسة الكلب والخنزير: أما نجاسة الكلب؛ فورد فيها حديثا أبي هريرة وعبد الله بن مغفل الثابتان في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) في رواية (إحداهن) وفي رواية: (أولاهن بالتراب) وفي رواية: (وعفروه الثامنة بالتراب) وهذا الحديث دل على مسائل: المسألة الأولى: إذا ولغ الكلب في الإناء -والولوغ: هو إدخال رأسه وشربه من الإناء- وشرب منه، وكذلك لو لم يكن في الإناء ماء وجاء كلب ولحس والرطوبة موجودة بلسانه فنقول: لقد ولغ فيه، فطهارة الإناء بفعل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب) وفي رواية: (إحداهن) وفي رواية: (وعفروه الثامنة بالتراب) ثلاث روايات.
أما رواية: (أولاهن) فصورتها: فإن تأخذ كفاً من تراب وترميه في هذا الإناء الذي أدخل الكلب رأسه وولغ فيه، ثم إذا رميت هذا الكف من التراب صببت الصبة الأولى من الماء ثم الثانية ثم الثالثة.
إلى السابعة، فبذلك يطهر الإناء.
أما رواية: (إحداهن) فهي مطلقة، فإن شئت صببت الماء في الأولى ثم رميت التراب في الثانية وصببت الصبة الثانية من الماء.
أما رواية: (عفروه الثامنة) فهي محل إشكال، فقال بعض العلماء: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (عفروه الثامنة) معناه: أنه بعد غسله سبع مرات يصب التراب ثم يحتاج إلى ماء بعد التراب، وهذا قول شاذ قال به بعض السلف، والصحيح: أن قوله صلى الله عليه وسلم: (عفروه الثامنة بالتراب) أنها ليست غسلة ثامنة في الترتيب، وإنما هي ثامنة من حيث العدد، فإنك إذا وضعت التراب في الأولى ثم صببت الماء سبع مرات، فإن حسبت وضع التراب صبة مستقلة صارت ثامنة، وهذا هو الصحيح، وليس المراد بالثامنة أنها تقع في الترتيب ثامنة، وبناءً على ذلك أخذنا من الحديث أموراً: الأمر الأول: وجوب غسل الإناء سبعاً وتعفيره الثامنة بالتراب على الصفة التي ذكرناها، وذلك عند حصول الولوغ، أما لو أن كلباً أدخل رأسه فقط ولم يحرك لسانه، فإنه لا يجب الغسل ويبقى الإناء على أصله من كونه طاهراً، أي: ليست القضية أن يدخل رأسه فقط، لا بل لا بد من أن يلغ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ) فقيّد ذلك بوجود الولوغ، وبناءً على ذلك: إذا أدخل رأسه ولم يحرك لسانه فهذا لا يعتبر ولوغاً ولا يوجب الغسل سبعاً والثامنة بالتراب.
إذا ثبت أن الكلب يجب غسل ما ولغ فيه سبعاً والثامنة بالتراب، فهنا يرد

السؤال
هل الحكم مخصوص بالكلب فقط أو يقاس عليه غيره؟ قال بعض العلماء: يقاس على الكلب غيره، فلو أن خنزيراً أدخل رأسه وولغ في الإناء فإنه يغسل سبعاً والثامنة بالتراب، وهذا مذهب الحنابلة وهو قول مرجوح، والصحيح: أن الحكم -كما يقول الجمهور- يختص بالكلب، وأما الخنزير فإنه لا يأخذ هذا الحكم، والمصنف عمل بالقول المرجوح، والراجح أن الحكم ورد في الكلب، وأما الخنزير فلا يأخذ حكمه، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم -رغم أن الخنزير كان موجوداً في زمانه- قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب) وما قال: والخنزير وإنما قال: الكلب، وهذا يدل على أن الحكم يختص بالكلاب ولا يقاس عليها غيرها.
(21/6)
________________________________________
حكم استخدام الأشنان في التطهير من ولوغ الكلب
قال رحمه الله: [ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه] (ويجزئ عن التراب) قد قررنا أنه لا بد من التراب في الغسل، فلو أنه لم يجد تراباً، كمن يكون في أرض جبلية، وأراد أن ينتفع من هذا الإناء المولوغ فيه وليس عنده تراب، فما هو الحكم في ذلك؟ الحكم: أن يُنَزَّل الأُشنان منزلة التراب، فيغسله بالأُشنان مع الماء، وهذا على القول بأن الحكم معلل، فإن في الكلب جراثيم يبالغ في تطهيرها على هذا الوجه، ولذلك قالوا: إن الأشنان يقتل الجراثيم كقتل التراب لها وإن كان هناك فرق بين قتل التراب وقتل الأشنان، فإن التراب أبلغ وأقوى في قتل الجراثيم، ولذلك يقولون: إن تخصيص الشرع به أقوى، حتى أن الأطباء الآن يعتبرون التطهير مع الماء من إعجاز الشرع؛ لأن التراب معرض للشمس، وطهارة التراب ونقاؤه من الجراثيم من أكثر الموجودات على سطح الأرض، فإن التراب أبلغ طهارة والماء أقل منه، ولذلك تجد الشرع قد جعل التراب أبلغ في تطهير أو قتل الجراثيم من الماء، وهذا من إعجاز الشرع.
وللعلماء في تنزيل الأشنان منزلة التراب ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يُجزئ عن التراب غيره سواءً وجد التراب أو لم يوجد، وبهذا القول قال طائفة من العلماء رحمة الله عليهم، وهو قول في مذهب الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع.
القول الثاني: يُجزئ عن التراب غيره من سائر المنظفات، فلو أردت أن تغسله بماء وصابون أجزأت غسلة الصابون -وكذلك بقية المطهرات- عن التراب كما ذكر المصنف رحمه الله: (الأُشنان) بالضم، والأشنان المراد به: نوع من المنظفات، وفي حكمه المطهرات الموجودة الآن، فعند أصحاب هذا القول أنه يُجزئ أن تغسل الإناء سبع مرات بالماء، وأن تكون ضمن هذه الغسلات غسلة بمنظف، سواءً كان صابوناً أو غيره من المنظفات، وهذا القول هو الوجه الثاني عند الشافعية، وكذلك عند الحنابلة رحمة الله عليهم، وقد درج عليه المصنف حيث قال: (يُجزئ عن التراب أُشنان وغيره).
والقول الثالث: أنه إن وجد التراب فلا يُجزئ غيره عنه، وإن لم يوجد فإنه يُجزيء غيره عنه، وهو أعدل الأقوال وأولاها بالصواب -إن شاء الله تعالى- وهو وجه عند الشافعية رحمة الله عليهم، فإذا ثبت هذا فيستوي في الحكم بالمطهر سائر المنظفات سواء كانت من صابون أو أُشنان قديم، فما دام أنه يُنظف ويُنقي؛ فإنه يُجزئ عن التراب إذا فُقد التراب، وهذا محصل أقوال العلماء رحمة الله عليهم في إجزاء غير التراب عن التراب في مسألة ولوغ الكلب.
(21/7)
________________________________________
كيفية إزالة النجاسة غير الكلب والخنزير
قال رحمه الله: [وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب] أي: غير الكلب والخنزير، فلو أن إنساناً كان عنده ثوب فوقعت عليه نجاسة من غير كلب أو خنزير؛ فكيف يتم تطهير هذه النجاسة؟ للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول يقول: كل شيء وقعت عليه النجاسة من غير الكلب والخنزير فيجزئ أن تصب عليه صبةً واحدة تذهب عين النجاسة وأثرها ويجزئك ذلك، وهذا القول اختاره غير واحد من أهل العلم، ونُسب إلى جمهور العلماء واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع أن العبرة في إزالة النجاسة إذا وقعت على الشيء من غير الكلب أن تصب صبةً واحدة منقية منظفة؛ فحينئذٍ يجزئك ذلك.
القول الثاني: لا يجزئ أقل من ثلاث غسلات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء وهو وجه عند الحنابلة، واختاره الإمام الموفق ابن قدامة كما هو ظاهر عمدته، وأصحاب هذا القول يقولون: إذا وقعت النجاسة على الثوب وأردت أن تطهره فلابد من ثلاث غسلات: تصب الغسلة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فإذا أتممت الثلاث حكم بطهارة المحل، بشرط أن يذهب عين النجاسة وأثرها.
القول الثالث يقول: لابد في التطهير من سبع غسلات، فلو غسلت بأقل فإن المحل يبقى نجساً، وهذا كما درج عليه صاحب الزاد هنا، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد: أنك تغسل كل شيء تنجس سبع مرات.
ولكن عند النظر في أدلة هذه الأقوال الثلاثة يتخلص ما يلي: الذين قالوا: تجزئ صبة واحدة، احتجوا بحديث بول الأعرابي، فإن الأعرابي لما بال في المسجد قال عليه الصلاة والسلام: (أريقوا على بوله سجلاً من ماء) فأمر بصبة واحدة، فقالوا: إنه إذا صب صبةً واحدة على الماء كان كمثل صب الماء على بول الأعرابي، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: صبوا عليه ثلاثاً ولم يقل: صبوا عليه سبعاً، وبناءً على ذلك يبقى المطلق على إطلاقه، فيجزئ في سائر النجاسات أن يصب عليها صبةً واحدة.
كذلك أيضاً استدلوا بدليل العقل، قالوا: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فنحن نحكم بنجاسة الثوب لوجود النجاسة، فإذا صببت صبة واحدة وذهبت النجاسة؛ فقد زالت العلة التي من أجلها حكم بتنجس الثوب، فينبغي أن يزول الحكم، ونقول: الثوب طاهر بصبة واحدة.
والذين قالوا: لابد من الثلاث لهم دليلان: الدليل الأول: وهو حديث أبي هريرة: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء) كما هي رواية مسلم في صحيحه، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء؛ فدل على أن النجاسة لا تزول إلا بثلاث غسلات، ويقولون: الغسلة الأولى تذهب عين النجاسة، والغسلة الثانية توجب الاستبراء لذهاب الأثر، والغسلة الثالثة استبراء للمحل، والحق أنك إذا غسلت ثلاثاً فإنك ترى أن النجاسة قد زالت في غالب الأحوال، والحكم في الشرع إنما يناط بالغالب.
أما الذين قالوا بالسبع فاحتجوا بحديث أيوب بن جابر -وهو حديث ضعيف- (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل النجاسة سبعاً).
وعند النظر نجد أنه لاشك أن القول الذي يقول بالتثليث في الغسل من القوة بمكان: أولاً: لظاهر حديث أبي هريرة، فإنك إذا نظرت في حديث أبي هريرة مع أن النجاسة مشكوك فيها، يقول: (فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء).
أما حديث الأعرابي الذي فيه صبة واحدة، فإنك إذا نظرت فيه فإنه ليس من قبيل الإزالة بالعصر، والإزالة في النجاسات التي يزال فيها عين النجاسة وأثرها بالعصر إنما يكون بالتثليث، أما في الأرض فإنه لا يتأتى فيها التكرار بمعنى: أنه إذا صب فكاثر الماء على البول؛ فإنه حينئذٍ يكون قد أزال النجاسة وأزال أثرها، فنستثني هذا الخاص من العام.
ومما يقوي دليل التثليث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من ذهب إلى الغائط أن يأخذ ثلاثة أحجار، وهذا يقوي الأصل الذي ذكرناه من التثليث، مع أن الذين يقولون بالصبة الواحدة فيهم من يقول: إنه يجب التثليث عند غسل اليدين وعند الاستيقاظ من النوم، فإذا كان التثليث واجباً في نجاسة مشكوكة، فمن باب أولى أن يكون واجباً في نجاسة متيقنة، ثم وجدنا النظير في الاستنجاء، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستجمار بثلاثة أحجار، فهذا يقوي أن النجاسة تزول بثلاث غسلات، ثم إن شاهد الحس يشهد أن الغالب زوال النجاسة بالثلاث، وأن الصبة الواحدة لا تزيل النجاسة في الغالب إلا بالكثرة، فما دام أنها لا تزيل إلا بالكثرة؛ فالأفضل للإنسان أن يحتاط ويجعل الصبات متكررة؛ فبدلاً من أن يصب بكثرة صبة واحدة؛ فإنه يحتاط بالثلاث لورود الأمر بها، ثم وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أسبغ الوضوء غسل كفيه ثلاثاً، فكان هذا أدعى للمداومة على التثليث في إزالة القذر والنجس.
هنا تنبيه: إذا قلنا: إن النجاسة تزول بمرة واحدة أو بثلاث أو بسبع؛ فاعلم رحمك الله أن الحكم محله ألا يبقى أثر للنجاسة، فلو فرض أن إنساناً غسل النجاسة ثلاث غسلات وما زالت باقية فعند ذلك تجب الزيادة، إذاً: ليس قول من قال: إنها مرة واحدة أو ثلاث أو سبع معناه أن الإنسان يصب دون أن يراعي زوال النجاسة من المحل.
والنجاسة تزال كليةً فلا يبقى لها عين ولا أثر، وقد تزال ويبقى أثرها، وقد تزول العين ويزول الأثر وتبقى الرائحة، ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إما أن تزيل النجاسة فيذهب عينها، وتذهب رائحتها، ويذهب لونها الذي هو الأثر.
الحالة الثانية: إما أن تزيل النجاسة، فيذهب عينها دون رائحتها.
الحالة الثالثة: إما أن تزيل ويذهب عينها دون لونها.
فإذا أزال النجاسة ولم يبق منها عين ولا لون ولا رائحة؛ فبالإجماع أنه قد طهر المحل، لكن يبقى اشتراط التثليث والتسبيع عند من يقول به، ومعنى عين النجاسة: أي: لو أن إنساناً وقع على ثوبه جرم من عذرة آدمي -أكرمكم الله- فإن العين المراد بها: الجرم نفسه، وكذلك الدم، فإن عِلَقَ الدم هذه هي عين النجاسة.
أما اللون فهو حمرة الدم، أما الرائحة فهي رائحة الدم التي توجد فيه، ولكن يقول العلماء بعض النجاسات لونها أبلغ من ريحها، وبعضها ريحها أبلغ من لونها، وبعضها يجتمع فيها التأثير بأن تكون قوية الرائحة قوية اللون.
بناءً على ما سبق: فإنه ينبغي للمكلف أن يزيل عين النجاسة وأثرها ورائحتها، فلو بذل الوسع في التطهير كما هو الحال في الدم المتجلط أو اليابس الذي يكون على الثوب ربما بالغت بحكه ولكن يبقى شيء من الأثر وهو الصفرة المتحللة، وهي آخر الدم ولا تخرج إلا بصعوبة؛ فهذا مما يعفى عنه.
إذاً: بقايا الدم من الصفرة التي يصعب إزالتها حتى مع شدة العصر والفرك لا تضر، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به الصحابية أن تحته وأن تقرصه بماء وأنه لا يضرها أثر ذلك الدم، وبناءً على هذا تبين عندنا أن النجاسة فيها مسائل: المسألة الأولى: هل يشترط التكرار في تنظيفها؟ وقلنا في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول بأن العبرة بصب الماء دون التفات إلى عدد، وقول بالتثليث، وقول بالتسبيع، وأن الأقوى التثليث.
الأمر الثاني الذي نبهنا عليه في هذه المسألة: أن محل الخلاف ألا يبقى أثر للنجاسة، فإذا كان صب الثلاث وصب السبع وصب الواحدة يُبقي شيئاً من النجاسة فبالإجماع أنه مطالب بإزالة ذلك الأثر ولو بلغ إلى عشر صبات.
الأمر الثالث: أن النجاسة إما أن تكون قوية اللون والرائحة والعين، وهذه الحالة يجب فيها إزالة العين واللون والرائحة فإن بقي شيء من الرائحة أو اللون فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون مما يشق زواله.
الحالة الثانية: أن يكون مما لا يشق زواله.
فإن كان مما يشق زواله عُذر المكلف فيه؛ وإلا فلا.
(21/8)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب إزالة النجاسة [2]
تختلف النجاسات في أثرها وشدتها، ومن ثم يختلف ما تزال به بعض النجاسات عن بعض، فقد تزال نجاسة بشيء لا تزال به نجاسة أخرى، وهذا يؤدي إلى اختلاف وسائل إزالة النجاسات، على خلاف بين العلماء في بعضها.
(22/1)
________________________________________
ما لا يجزئ في تطهير المتنجس
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
(22/2)
________________________________________
حكم زوال النجاسة بالشمس
فيقول المصنف رحمه الله: [ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك].
(ولا يطهر متنجس بشمس) صورة المسألة: لو أنك رأيت النجاسة قد أصابت طرفاً من الأرض الذي تصلي عليه، ثم هذا الموضع أصابته الشمس أياماً أو فترة من الزمن، وجئت ووقفت عليه فلم ترَ أثراً للنجاسة فهذا يسميه العلماء: (المكان المتطهر بالشمس) أي: زال أثر النجاسة عنه بالشمس، وللعلماء فيه قولان: قال بعض العلماء: إذا زالت النجاسة بالشمس ولم يبقَ لها أثر في الموضع؛ فإنه يحكم بطهارة ذلك المكان، ويرجع إلى أصله.
وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
والقول الثاني يقول: إنه لابد من صب الماء ولو زال أثر النجاسة بالشمس، وبه قال جمهور العلماء، ويستوي في ذلك أن يكون أرضاً أو يكون ثوباً، فلو أن إنساناً أصابت النجاسة ثوبه ثم عرض ثوبه للشمس، وجاء بعد أيام فلم يجد لا لون النجاسة ولا ريحها ولا أثرها، فقال أصحاب القول الأول: نحكم بالطهارة، وهم الحنفية.
والقول الثاني يقول: لا نحكم بالطهارة بل لابد من الغسل، وهو مذهب الجمهور.
والذين قالوا: إنه يحكم بطهارة الموضع، استدلوا بدليل العقل، فقالوا: القاعدة في الشرع: (أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً)، فلما كان حكمنا بنجاسة الثوب مبنياً على وجود النجاسة في الثوب؛ فإنه ينبغي أن يزول هذا الحكم بزوال النجاسة، وقد زالت بالشمس، فيستوي عندنا أن تزول بالشمس أو بغير الشمس.
وأصحاب القول الثاني -الذين قالوا بعدم طهارة الموضع بالشمس- استدلوا بما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة من قصة الأعرابي، أنه لما بال في المسجد قال عليه الصلاة والسلام: (أريقوا على بوله سَجلاً من ماء) قالوا: لو كانت الأرض تطهر بالشمس إذا زال أثر النجاسة أو ذهب ما يدل عليها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن يتكلفوا صب الماء على الموضع.
والقول الراجح في هذه المسألة والأقوى والأقرب للأصول: أنه لابد من صب الماء؛ وذلك لأمرين: الأمر الأول: أنه إذا اختلف في شيء هل هو لازم أو غير لازم؟ فإنه يرجع إلى الأصل، فهل الأصل في النجاسة أنها تغسل أو تشمس؟ الأصل أنها تغسل، وبناءً على ذلك: نحن شككنا في زوالها بالشمس: هل هو موجب لرجوعها إلى كونها طاهرة أو نبقى على اليقين من كونها نجسة؟ فكان هذا بمثابة القرينة على رجحان القول الذي يعتمد الغسل لإزالة تلك النجاسة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بصب الماء على ذلك الموضع، وقد كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم منه ما هو في الشمس ومنه ما هو في الظل.
فلو قال قائل: يحتمل أن هذا الموضع الذي أُمر بصب الذنوب عليه كان في الظل، لقلنا: هذا مردود؛ لأن الأعرابي -كما في الصحيح- دخل والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في الحلقة، ومما هو معلوم أنه لو أراد أن يقضي حاجته فإنه سيتلمس أبعد المواضع عن الجلاس، وهذا أمر واضح بدليل الاستقراء للعرف، فإنه لن يأتي ويبول قريباً منهم، ومن عادته عليه الصلاة والسلام أن يكون في أقرب المواضع للظل أو في الظل، وبناءً على ذلك: فإن الغالب من صورة الحال أن يكون بوله في موضع لا ظل فيه، وهذا هو الأرفق والأقرب، وإذا ثبت هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصب الماء عليه، فلو كانت إصابة الشمس تطهر الموضع، لما أمر الصحابة أن يتكلفوا إحضار السجل وصبه على ذلك الموضع ولتركه للشمس تطهره؛ ولذلك لا شك أن الأصل هو كون الماء مطهراً لم يرد دليل صحيح يدل على أن الشمس تطهر، فنبقى على دلالة الأصل خاصةً على مسلك الجمهور الذين يقولون: إن تطهير النجاسة في بعض المواضع فيه شبهة التعبد، فتطهير النجاسة في بعض المواضع ألفنا من الشرع فيه شبهة التعبد، ومثل هذا يقوى فيه البقاء على الأصل، وإلغاء الأوصاف المعللة بالقياس والنظر.
(22/3)
________________________________________
حكم زوال النجاسة بالريح
وقوله: (ولا ريح، ولا دلك).
أي: إذا أصابت النجاسة موضعاً وحكمت بنجاسته؛ فإنه إذا طهر بالريح لابد من غسله (ولا ريح) أي: لا يطهر الموضع بالريح، وصورة ذلك: لو أن إنساناً أصاب ثوبه نجاسة فنشره، فجاءت الريح وعبثت بالثوب حتى لم يبق للنجاسة أثر في الثوب؛ فحينئذٍ نقول: إن جريان الريح لا يوجب زوال الوصف المستيقن كونه نجساً، بل لابد من الغسل.
(22/4)
________________________________________
حكم زوال النجاسة بالدلك
وقوله: (ولا دلك) الدلك له حالتان: الحالة الأولى: ثبت الشرع باعتباره مطهراً فيها.
الحالة الثانية: البقاء على الأصل من كون الموضع لا يطهر إلا بالغسل.
أما الحالة التي ثبت الشرع باعتبار الدلك فيها مطهراً: فهي في نجاسة الحذاء وثوب المرأة؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالصلاة بالنعال ومخالفة اليهود فقال: (صلوا في نعالكم) ثم قال: (فإن وجد أحدكم فيها أذى -يعني: نجاسة- فليدلكهما بالأرض ثم ليصلِّ فيهما) فدل هذا على أن النجاسة تطهر بالدلك.
ومن السُّنة للمرأة إذا لبست العباءة -وهذه سنة أضاعها كثير من نساء المؤمنين خاصةً في هذا الزمان- أن تجر عباءتها في الأرض، وألا تكون هذه العباءة مرتفعة؛ وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء المؤمنات بجر الثوب؛ وسئل عما يصيبه ذلك الثوب من النجاسة فقال: (يطهره ما بعده) يعني: لو مرت المرأة بعباءتها على نجاسة ثم مرت على موضع يابس أو على تراب يابس؛ فإن احتكاك هذا الثوب بالتراب يعتبر منظفاً له كما لو صب الماء عليه، والصحابة يعلمون أن الثوب سيمر على تراب، ولكنهم واستنكروا بقاء هذه النجاسة مع كونه يمر على تراب، فدل ذلك على أن الأصل في النجاسات أنها تُغسل، إِذْ لو كانت تزول بكل طاهر لما استشكل الصحابة كون المرأة تمر بعباءتها وتجرها على الأرض اليابسة، فإذا ثبت هذا فإن الدلك لا يطلق أنه غير مزيل للنجاسة بل يفصل فيه، فما ورد الشرع باعتبار الدلك فيه مزيلاً للنجاسة؛ فيحكم بكونه مطهراً، وما لم يرد فيه دليل فلا يعتبر مطهراً.
لكن بعض العلماء يقول: أنا أسلم بكون حذاء الرجل وثوب المرأة إذا مر على النجاسة ثم على الأرض فإنه يطهر، ولكن من باب الرخصة لا من باب الأصل، فيقول: هذا الثوب نجس؛ ولكن الشرع حكم بزوال النجاسة لا حقيقة وإنما اعتباراً من جهة الشرع، ولا أرى الدلك مطهراً.
لأنه وإن كان هنا بمثابة المطهّر لكنه لا يحُكم بحقيقة زوال النجاسة، وإنما يرتفع حكمها، وفرق بين ارتفاع حكم النجاسة وبين ارتفاع النجاسة بذاتها وزوال عينها.
(22/5)
________________________________________
حكم زوال النجاسة بالاستحالة
قال رحمه الله: [ولا استحالة غير الخمرة] لو أن هذه النجاسة الموضوعة في الإناء تغيرت واستحالت فإنه لا يحكم بطهارتها.
واستحالة النجس إلى طاهر لها أحوال: الحالة الأولى: أن يُكاثر بطاهر.
والحالة الثانية: أن يستحيل بنفسه، فالظاهر من إطلاق المصنف العموم.
لكن الأمر فيه تفصيل: فإن كانت استحالة النجس بتكثير، كأن يكون عندك سطل من الماء وقع فيه بول، فتغير لون الماء، فجئت بثلاثة سطول وصببتها على هذا السطل حتى ذهب عين النجاسة وأثرها فلم يبق لها أثر، لا طعم ولا رائحة ولا لون، فحينئذٍ نقول: إن الماء قد أصبح طاهراً، وإذا كان الماء الذي صب طهوراً فقد حكمنا باستحالة هذا الماء من كونه نجساً إلى كونه طاهراً أو طهوراً بحسب ما خالطه، وهذا لا يعنيه المصنف هنا، وإن كان الإطلاق يدل عليه؛ لكن المراد الاستحالة الذاتية، والاستحالة المؤثرة بنفسها، وصورة ذلك كما قلنا: أن يكون في إناء أو وعاء شراب، وهذا الشراب تنجس بنجاسة، وبعد أيام تبخرت هذه النجاسة أو وضعت في موضع فأصابته الشمس وبخرت ما فيه من النجاسة وأصبح ماءً نقياً، أو بالتقطير كما هو موجود الآن، فهل يحكم بكونه طاهراً بناءً على أنه رجع إلى أصله أو لا يحكم؟ للعلماء قولان في ذلك: القول الأول: يحكم بكونه طاهراً.
القول الثاني: لا يحكم بكونه طاهراً، واختار المصنف الحكم بعدم كونه طاهراً، أي: يبقى على أصله من كونه نجساً، فإن النجاسة قد تتحلل في أجزاء الشيء، فتخفى بعض الخفاء، ولما كان الأصل واليقين أنه نجس، فنبقى على هذا الأصل واليقين حتى يُستحال بمكاثرة الطهور عليه.
(22/6)
________________________________________
القول في نجاسة الخمر
وقوله: (غير الخمرة).
(غير) استثناء (الخمرة) والخمر أصله: التغطية، ومنه الخمار؛ لأنه يغطي الوجه، وسميت الخمر خمراً؛ لأنها -والعياذ بالله- تغطي عقل الإنسان وتذهب إدراكه وشعوره، والخمرة تكون مائعة في الأصل، ولكن يلتحق بها كل ما كان مؤثراً في العقل ولو كان جامداً، سواء كان مصنعاً كما هو الموجود الآن في بعض حبوب المخدرات، أو كان طبيعياً كبعض النباتات كالشيكران، فإنه إذا أكل أثر في العقل، أو الخشخاش الذي هو أصل الأفيون، فكل ذلك يعتبر في حكم الخمر، لكن العلماء إذا أطلقوا الخمر فمرادهم به: الشراب المائع الذي يكون من العنب أو من التمر أو من الزبيب أو من غيرها من سائر الثمار، فهذه الخمرة محكوم بنجاستها، وقد تكلمنا على هذه المسألة غير مرة، وفصلنا القول فيها في شرح بلوغ المرام، فإن الذين قالوا بنجاستها -وهم جماهير العلماء- حكموا بالنجاسة لظاهر القرآن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ} [المائدة:90] والرجس: هو القذر في أصل اللغة، والقذر في الشرع أصله النجس، وقالوا: خرجت الأزلام، أما الأنصاب فإنها نجسة؛ لأنها كانت حجارة يذبح عليها، فيكون الدم المسفوح النجس قد أصابها فهي بذلك نجسة بلا إشكال.
أما الأزلام فقال العلماء: خرجت بدلالة الحس وبقي ما عداها على الأصل، وأما بالنسبة للخمر فليس هناك دلالة حس على طهارتها، فإنها مستقذرة، فتبقى على وصف الرجس في الشرع من كونها نجسة، وهذا الدليل نوزع بإراقة النبي صلى الله عليه وسلم لوعاء الخمر كما في قصة المزادتين، فإنه أمر الصحابي أن يريق الخمر من المزادتين، قالوا: ولم يأمره بغسلهما، وهذا استدلال فيه نظر كما نبه عليه غير واحد من أهل العلم، فإن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن أمره بغسل مزادة الخمر إنما هو للعلم به بداهة، فإنك إذا وضعت في هذه المزادة لبناً وأرقت اللبن فمعلوم بداهة أنك ستغسلها، فسكت عليه الصلاة والسلام لعلم الصحابي بذلك بداهة.
وقال بعض العلماء في جوابه: لو قيل: إن ظاهر سكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدل على طهارتها لاحتج بذلك محتج وقال: يجوز لمن أخذ مزادة الخمر بعد تفريغها أن يصب فيها لبناً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسلها، فيكون الجواب بأنه سكت عن الأمر بغسلها للعلم به بداهة، وكما أننا في المشروبات نقول: سكت عنه للعلم به بداهة، كذلك في العبادات نقول: سكت عنه للعلم به بداهة، فهي نجسة، وأما صبها في سكك المدينة فقد بين العلماء أن هذا لا يدل على طهارتها؛ وذلك لأن الصحابة إذا صبوها في سكك المدينة ومشوا عليها بالنعال، فإن المشي على الأرض اليابسة يطهر النعال كما ذكرنا، ولو أن امرأة جرّت ثوبها على خمرة مراقة ثم مضت بعد ذلك إلى أرض يبسة؛ فإنها تطهره بذلك الجر، وبناءً على ذلك: لا يعتبر هذا دليلاً قوياً كما نبه عليه الشيخ الأمين رحمة الله عليه، وله فيه بحث نفيس في تفسير آية المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة:90] فأقوى الأقوال وأعدلها القول بنجاستها.
وقال بعض العلماء مستدلاً على طهارة الخمر: إن الله تعالى يقول: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21] فوصف الخمر بكونها طهور؛ وقد فاته أن الله حكم بأن خمر الآخرة لا غول فيها، والغَول: هو أساس نجاسة الخمر في الدنيا، فنجاسة الخمر في الدنيا مبنية على وجود هذه المادة التي تستحيل عند الخل، ولذلك لما استحالت هذه المادة في الخمر حكمنا بطهارتها، ولما كانت خمر الآخرة طاهرة من جهة عدم وجود الغول فيها قال تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21] وقلب بعض العلماء هذا الاستدلال فقال: بل هو دليل على نجاستها؛ لأنه لو كانت خمر الدنيا والآخرة مستويان لما قال: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21].
(22/7)
________________________________________
حكم تخلل الخمر
قال رحمه الله: [فإن خُلّلت أو تنجس دهن مائع لم يطهر].
لو أن إنساناً علم أن هذا الوعاء فيه خمر، فتخللت هذه الخمر -بمعنى: استحالت وصارت خَلاً- فلا تخلو صيرورتها إلى الخَل من حالتين: الحالة الأولى: أن تتخلل بنفسها.
والحالة الثانية: أن تتخلل بفعل المكلف.
فإن تخللت بنفسها؛ فإنها تطهر وتعتبر طاهرة؛ لدليل الشرع، كما في الصحيح من حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نعم الإدام الخَل) فأثنى عليه، والثناء يدل على أصل الإباحة، فأجاز لك أن تأتدم بالخل، والخل أصله خمر، وإذا ثبت هذا فإنها إذا تخللت بنفسها طهرت على ظاهر هذا الحديث.
وقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الخل مطلقاً، سواء تخلل بنفسه أو تخلل بفعل المكلف؛ فجوابه ما رواه أحمد وأبو داود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخليل الخمر، فإنه لما سُئل عن تخليلها نهى عن ذلك، وقال: لا) وأمر أبا طلحة في خمر الأيتام أن يريقها وأن يكسر الدِّنَّان -وهي: أوعية الخمر- ومعلوم أن هذا مال أيتام، فلو كانت الخمر تتخلل بفعل المكلف لقال له: خللها؛ لأنه مال يتيم يحفظ ولا يراق إذا أمكن استصلاحه، فإذا ثبت هذا فيقال في الخمر في تخللها: إنها لا تخلو من حالتين: إن تخللت بنفسها حكم بطهارتها على ظاهر السُّنة، وإن تخللت بفعل المكلف فلا يحكم بطهارتها ولا بجواز الانتفاع بها على ظاهر حديث السنن.
(22/8)
________________________________________
حكم وقوع النجاسة في الدهون
(أو تنجس دهن مائع لم يطهر) الدهن له حالتان: إما أن يكون مائعاً أو جامداً، والدهن: مثل: السمن أو الزيت، فالسمن: كسائر ما يكون من بهيمة الأنعام، والزيت: كأن يكون زيتاً نباتياً، مثل: زيت الزيتون، والدهن إذا جمد -كالسمن- إن وقعت فيه نجاسة، فالحكم أنك تأخذ النجاسة وما حولها؛ لظاهر حديث الفأرة في الصحيح، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإلقائها وما حولها، أي: في السمن، فدل هذا على أنه -أي: الدهن- إن كان جامداً طهر بزوال عين النجاسة وما حولها، أو ما قاربها.
وأما إذا كان الدهن مائعاً تسري فيه النجاسة وتتخلل فيه فللعلماء في نجاسة المائع قولان: القول الأول: يقول: نجاسة الدهون نجاسة مجاورة لا نجاسة عين، ومرادهم بنجاسة المجاورة أنك حينما ترى القطرة من البول وقعت في السمن فإنها تنحاز وتتميز عن السمن، قالوا: فنجاسته نجاسة مجاورة، ونجاسة المجاورة ليست كنجاسة العين، أي: ليست مثل وقوع البول في الماء؛ فإنه يتحلل فيه، وتصير طاقات الماء وطاقات البول ممتزجة، فصارت نجاسة ممازجة، ففرق العلماء بين نجاسة المجاورة التي يكون فيها جرم النجس منفصلاً، أو ترى فيه انحيازه وعدم ممازجته للعين التي أصابها، وبين النجاسة التي تمازج، والسبب في إفراد العلماء للدهون بالكلام في كتب الفقهاء وجود هذا الإشكال، وهو: أن النجاسة إذا وقعت فيها يقول بعض العلماء: إنه يمكن إزالة هذه النجاسة، لأنها نجاسة مجاورة وليست بنجاسة عين، والنجاسة إذا ضعفت عن التأثير بقي حكم الأصل من كونه طاهراً.
فإذا علمنا أن عندنا قولين فما هو أقواهما؟ هل هي نجاسة عين أو نجاسة مجاورة؟ فالذي يقوى ورجحه غير واحد من المحققين: أن نجاسة الزيوت والدهون -إلا في بعض الصور المستثناة، وهذا يختلف باختلاف أنواع الزيوت- نجاستها نجاسة مجاورة وليست نجاسة ممازجة، فإن دليل الحس ظاهر، حتى إنك في بعض الأحيان تحكم بأن النجس قد صار إلى هذا الركن أو هذا الجانب من المائع، فنجاسة هذه المائعات أو الدهون نجاسة مجاورة وليست بنجاسة ممازجة.
وإذا ثبت في مسألة نجاسة الدهون أنها نجاسة مجاورة، فيرد هنا سؤال وهو: هل يمكن تطهير الزيوت أو لا يمكن؟ هذه مسألة تكلم عليها العلماء في المذاهب الأربعة كلاماً مستفيضاً، ويترتب عليها مباحث مهمة ومسائل عظيمة في العبادات كالطهارات، وفي المعاملات كالبيع والشراء، فإنك إذا قلت: السمن يمكن تطهيره والزيت المتنجس يمكن تطهيره جاز بيعه، كالثوب يباع وفيه نجاسة؛ لأنه يمكن تطهيره، أما لو قلت: إن الزيت قد أصبح متنجساً، فإنه لا يجوز بيع النجس؛ لأنه لا يمكن تطهيره، فتحكم بعدم جواز البيع، فاختلف العلماء الذين قالوا بأن النجاسة فيه نجاسة مجاورة: هل يحكم بتطهيره أو لا؟ وأصح الأقوال وأقواها: أن فيه شبهة التطهير، يعني: يقوى القول بأنه نجس ويصعب تطهيره، لكن إذا تيسر في هذه الأزمنة وجود بعض المواد التي يمكن بها سحب هذه المادة النجسة فيحكم بالطهارة، قالالذين يرون تطهيره: إنه إذا تنجس الزيت بوقوع بول فيه، فنصب من الماء قدراً يغلب على ظننا أنه لو مازج البول كاثره حتى تذهب مادة النجاسة، فلو كان البول قطرة، وصببت كأساً من الماء، فإن القطرة إذا صب عليها الكأس من الماء أذهب نجاستها، قالوا: فنصب هذا الماء على الزيت، ثم لهم طريقة في استخلاص الماء مع البول، فإن البول ينحاز عن السمن، فإذا صببت الماء في هذه الحالة فإن الماء يختلط بالبول؛ لأن البول يمتزج مع الماء، ولا يختلط الماء مع الزيت -كزيت الزيتون ونحوه- فيبقى الماء في ناحية والزيت في ناحية أخرى، فيقومون باستخلاص الماء بطريقة معينة، قالوا: حتى لو بقي شيء من هذا الماء فقد بقي مكاثراً للنجس، فيحكم بطهارته، وهذا وجه من يقول بتطهير الزيت.
أما الطريقة الثانية لهم في التطهير: أن يُغلى بالماء، فإذا غلي بالماء تبخرت النجاسة وبقي الزيت؛ لأن الزيت إذا غلى انقدح، ولكن الشيء الذي فيه يتأثر بهذا الغليان، فمن شدة الحرارة على البول أو على الماء المتنجس الذي وقع يزول مع الغليان.
وقد ذكر المصنف رحمه الله أن الدهن لا يطهر؛ لأنه يرى أن النجاسة نجاسة ممازجة، وهذا مبني على حديث الفأرة -وهو حديث ضعيف- حيث جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كان مائعاً فلا تقربوه) ولو صح حديث الفأرة لقطع النزاع في هذه المسألة.
(22/9)
________________________________________
حكم النجاسة التي خفي موضعها
قال رحمه الله: [وإن خفي موضع نجاسةٍ غُسل حتى يجزم بزواله] عرفنا كيف نزيل النجاسة، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يتكلمون على الصور المعروفة، ثم بعد ذلك يتكلمون على فرائد الأحوال وبعض الصور الغريبة، وأنت الآن قد علمت أنك إذا أردت تطهير النجاسة غسلتها ثلاثاً، وعلمت كون غير الغسل من دلك وريح وتشميس أنه لا يؤثر.
فيرد السؤال الآن: عن نجاسة لم تعلم موضعها؟ مثال ذلك: لو أن إنساناً مر على موضع، فتطاير من ذلك الموضع النجس ذرّات من نجاسة، وتحقق أنها أصابت ثوبه، ولكن لا يعلم أين المكان الذي هو محل تلك النجاسة بعينه، فهذه صورة.
والصورة الثانية: أن يعلم موضع النجاسة ثم ينسى ذلك الموضع، وإن كان عنده غلبة ظن أنه أسفل الثوب -مثلاً- لكن يخفى عليه هل هو في جانب الثوب الأيمن أو في جانبه الأيسر، فما الحكم؟ هذه المسألة التي ذكرها العلماء مرادهم: أن المكلف يصل إلى درجة لا يستطيع أن يميز فيها، أي: إذا ذكروا مسائل الشكوك فمرادهم بها أنك قد وصلت إلى درجة لا تستطيع أن تجتهد، بمعنى: أن موضع النجاسة خافٍ تماماً، أما لو أمكنك الاجتهاد مثل: من مر على بول فأصابه طشاش بول والثوب أبيض، ويمكنه أن ينظر في موضع النجاسة؛ فالقاعدة تقول: (القدرة على اليقين تمنع من الشك) ولذلك قالوا: من قدر على اليقين فلا يطالب بالشك، فإذا أمكن الإنسان أن يتحرى ويجتهد فهذا لا إشكال فيه، فعليه أن يتحرى ويجتهد، ولكن الكلام إذا لم يمكنك أن تتحرى وتجتهد، فتعلم أن هذا الثوب أصابته نجاسة، وعندك يقين بأنها لا تجاوز الربع الأسفل من الثوب، ولكن لا تدري أهي في اليمين أم هي في اليسار أم هي وسط بين اليمين واليسار أم أهي في وجه الثوب أم هي في قفاه، فأنت تعلم أن أسفل الثوب متنجس، ولكن لا تعلم أين موضع النجاسة، فما الحكم؟ قالوا: يغسل القدر الذي يجزم معه أن النجاسة قد زالت، فنقول لك: ما رأيك لو أخذت هذا القدر؟ تقول: لا.
أشك.
نقول: خذ هذا القدر.
تقول: نعم.
إذا بلغ هذا القدر فإني أتيقن أن هذه المساحة لم تجاوز النجاسة قدرها، فنقول: اغسل هذا الموضع، وهكذا لو أصابت النجاسة اليد ولكن لا تدري موضعها، تجزم بأن نصف اليد الأسفل فيه النجاسة، ولكن أهي في أوله أم في الربع الثاني؛ فحينئذٍ نقول: تغسل نصف اليد، وهكذا يغسل ما يجزم معه أنه قد طَهَّرَ موضع النجاسة بغسله.
(22/10)
________________________________________
كيفية تطهير بول الغلام الذي لم يأكل طعاماً
قال رحمه الله: [ويَطهُر بول غلامٍ لم يأكل الطعام بنضحه] لما قال: (بول غلام) عرفنا أن عذرته لا تطهر إلا بالغسل، فمفهومه أن العذرة لا تطهر إلا بالغسل.
[غلام]: فهمنا أن الأنثى والصبية لابد فيها من الغسل؛ ودليل هذه المسألة ما ثبت في حديث أم المؤمنين عائشة لما جاءت أم قيس بصبيها ورفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه في حجره، وكان صلوات الله وسلامه عليه يؤتى بالمولود فيحنكه ويدعو له بالخير صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من مكارم خلقه صلوات الله وسلامه عليه، فأجلسه في حجره كأنه ابنه، فلما أجلسه في حجره بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما بال فيه قالت أم المؤمنين: (فأخذ ماءً فرشه) وفي رواية: (فنضحه ولم يغسله) كما هي رواية السنن، فهذا الحديث يدل على أن بول الغلام يرش وينضح، والنضح: أن تأخذ كفاً من ماء وترش به، وأما الغسل فإنك تصب وتعمم الموضع بالماء، فالرش والنضخ أخف والغسل أثقل، فخُفف في نجاسة بول الغلام، وجاء حديث علي رضي الله عنه يؤكد هذا المعنى، فكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا وقاله بلسانه: (يُغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام) وهذا القول هو قول الجمهور من العلماء، وممن قال به أيضاً: أهل الحديث.
وهنا مسائل: المسألة الأولى: أن الحكم يختص بالغلام الذي لم يأكل الطعام، أي: مدة الرضاعة، فإن فُطِمَ فإنه يجب غسله؛ وحديث علي نص في الغلام الذي لم يأكل الطعام، ولذلك يقولون: إذا فطم وانتهت مدة الرضاع فيجب غسل بوله كالجارية سواءً بسواء، وهنا يرد السؤال عن مسألة: لماذا فرق بين الغلام وبين الجارية؟ أولاً: ينبغي على المكلف أن يسلم بالشرع، وألا يتكلف البحث عن العلل، وأن يتعبد الله عز وجل بما ثبت به دليل الكتاب والسُّنة؛ وقال الإمام الشافعي رحمه الله: على الله الأمر وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا الرضا والتسليم، ولذلك من كمال إيمان المكلف أنه إذا جاءه الحكم قال: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، وأثنى الله على هؤلاء الذين يسلمون، ولا يتكلفون في بحث العلل والتقصي فيها؛ لكن العلماء ذكروا العلة هنا لكي يقيسوا عليها حكماً آخر، أي: أنهم يحتاجون لهذا التعليل فإن وجدت الحاجة للتعليل فلا حرج.
وللعلماء في التحليل أوجه: قال بعض العلماء: خفف في بول الغلام وشدد في بول الجارية لذات البول، فإن بول الجارية أثقل من بول الغلام؛ ولذلك خفف فيه أكثر من بول الجارية، فبقي بول الجارية لمكان حرارته، فقالوا: إنه يجب غسله وأما بول الغلام فإنه ينضح.
الوجه الثاني: خفف فيهما لصورة البول.
فالأول قال: لذات البول، والثاني يقول: لصورة البول، قالوا: لأن بول الغلام لا ينتشر وبول الجارية ينتشر، وهاتان العلتان ضعيفتان، فأما علة من قال: إن بول الجارية أثقل من بول الغلام، فهذا محل نظر، حتى أن بعض الأطباء تكلم على هذا، وأما من قال: إن بول الغلام لا ينتشر وإنما يكون منحصراً، وبول الجارية ينتشر فهذا أمر عجيب؛ لأن الغلام حينما يؤتى غالباً إنما يوضع في لفافة أو خرقة، فلما وضع في حجر النبي صلى الله عليه وسلم بال، فلو قال قائل: يمكن أنه كان عارياً، فنقول: هذا بعيد؛ لأنه من المعلوم أن الغلام إذا ذهب به إلى أهل فضل أو نحوه فإنه يكون ملفوفاً في لفافة أو نحوها، ولذلك نقول: هب أنه على النادر كان منكشف العورة، فإنه إذا بال سينتشر بوله؛ لأن الثوب يسمح بالانتشار كبول الجارية في الموضع، فالتعليل بكونه لا ينتشر أضعف من التعليل بكونه أخف وأثقل.
وأقوى العلل هو القول الثالث: أن الشرع خفف في بول الغلام أكثر من الجارية؛ لأنهم كانوا يحملون الغلمان أكثر من الجواري في محضر الناس، وكانوا يتعاطون الكمال في إخفاء المرأة، فكانوا يحملون الصبيان ويحضرونهم إلى المجالس أكثر، وقد يحضرون الفتاة -كما في حديث أمامة لما حملها النبي صلى الله عليه وسلم- ولكن هذا في النادر فخفف من أجل هذا، هذا بالنسبة لقضية بول الغلام وبول الجارية.
وكما قلنا الحكم يختص بالبول، فلا يسري إلى دمه، فلا يقال مثلاً: في دم الغلام ينضح وفي دم الجارية يغسل؛ لأن الحكم خرج من صورة الأصل؛ والقاعدة: (أنه إذا ورد الحكم مستشنىً من الأصل فإنه يبقى على الصورة التي ورد بها الشرع ولا يقاس عليها غيرها).
(22/11)
________________________________________
حكم الدم نجاسة وطهارة
قال رحمه الله: [ويعفى في غير مائعٍ ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر] الدم نجس، وهو قول جماهير العلماء رحمة الله عليهم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اغسلي عنك الدم) وكذلك قوله في دم المرأة المستحاضة: (إنما ذلك عرق) قالوا: فكما أن دم المستحاضة خرج من عرق فسائر دم الإنسان خارج من عرق، ولذلك قالوا: إن الدم نجس، وظاهر القرآن يقويه في قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145] والدم المسفوح يكون من البهيمة عند قتلها وتذكيتها ويكون كذلك من الآدمي، فهو الدم الذي يراق في حال الحياة، ولذلك أجمعوا على أن الدم الذي يراق عند ذبح الشاة أو نحر البعير أنه نجس، وهذا بالإجماع كما حكاه ابن حزم في مراتب الإجماع، حيث نقل إجماع العلماء على أن الدم المسفوح عند التذكية نجس، وذلك لظاهر قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145] فالجماهير لما قالوا بنجاسة الدم قالوا: إن القرآن أطلق، فوصف كل دم مسفوح بكونه رجساً، والدم المراق في الحياة هو دم مسفوح؛ لأن الدم المسفوح هو الذي خرج عند الذكاة والبهيمة حية، ولذلك إذا سكنت البهيمة وماتت بالتذكية فسائر الدم الذي في أجزائها يعتبر طاهراً.
والذين قالوا بطهارة الدم احتجوا بحديث الجزور، أي: لما نحر عليه الصلاة والسلام الجزور ثم سلخه وصلى ولم يغسل أثر الدم فيه.
وهذا محل نظر، فإن الدم الذي يكون عند السلخ لا يعتبر نجساً حتى يكاد يكون عليه الإجماع، ألا ترى أنك تأخذ كتف البهيمة ويطبخ ويشوى وفيه أثر الدم، فالاستدلال بهذا الحديث استدلال بما هو خارج عن موضع النزاع.
واستدلوا كذلك بحديث عباد بن بشر لما جاءه السهم وهو قائم يحرس، فنزعه فنزف، فقالوا: لو كان نجساً لقطع صلاته، وهذا يعارض المنطوق الذي ذكرناه: (اغسلي عنك الدم) وجوابه كما نبه عليه شراح الحديث في غير ما موضع أن حديث الصحابي في النزيف، والنزيف سواءً كان بسهم أو كان باستحاضة -كالمرأة المستحاضة- فإنه متفق على أنه يعتبر رخصة، يعني: يصلي الإنسان ولو جرى معه الدم، كما صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثعب؛ لأنه لا يستطيع الإنسان أن يوقف النزف؛ وإنما يستقيم الاستدلال بهذه الأدلة أن لو كان الدم فيها قليلاً بمعنى: أنه يرقأ، فلو كان الدم يرقأ لعارض ظاهر ما ذكرناه من النصوص ولكنه في مسائل مستثناة، ولذلك لا يعتبر حجة على الجمهور؛ لأن الجمهور يقولون: من نزف جرحه أو رعف أنفه أو المرأة المستحاضة غلبها الدم فهذه تصلي على حالتها ولو خرج منها الدم، وكذلك الذي رعف لو غلبه الرعاف فإنه يصلي على حالته ولو كان على ثوبه ولو كان على بدنه؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، فليس هذا دليلاً في موضع النزاع.
وكذلك قصة عمر لأنها في النزف؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام: (اغسلي عنك الدم) قالوا: إن هذا دم حيض، ولا شك أن صورة السؤال تقتضي أنه دم حيض، ولا فرق بين دم الحيض وغيره.
قالوا: لا.
هناك فرق فإن دم الحيض يخرج من الموضع ولذلك حكم بنجاسته، فنقول: الموضع لا تأثير له، ألستم تقولون: إن مني المرأة طاهر وهو خارج من الموضع؟! فلو كان خروجه من الموضع -أي: دم الحيض- هو المقتضي لنجاسته لكان المني الخارج من الموضع نجساً، ولذلك فخروجه من الموضع لا يقتضي نجاسته بدليل أن الولد يخرج من الموضع وهو ليس بنجس، والولد أصله علقة ودم ومع هذا لم نحكم بنجاسته، فدل على أنه نجس لذات الدم، وانتفى في الولد لاستحالته؛ فإنه بعد العلقة خُلِّق فاستحال من كونه دماً إلى كونه مخلوقاً، فلم يكن نجساً من هذا الوجه.
وبناءً على ذلك أمر عليه الصلاة والسلام المرأة الحائض أن تغسل الدم، ويُشعر هذا بأن العلة معلقة على كونه دماً لا كونه دم حيض، وإذا ثبت كونه دماً استوى أن يكون دم حيض أو يكون من غيره؛ ويقوى هذا بحديث المستحاضة فإنهم يقولون: إن المستحاضة تغسل الدم أيضاً، فأمروها بغسل الدم، وقالوا: نحكم بنجاسته لورود الشرع به وهو مستثنى، فنقول: إن دم المستحاضة قيل فيه كما في الحديث الصحيح: (إنما ذلك عرق) وجاء في الحديث الآخر: (إنه العاذل) والعاذر، والعاند وكلها أسماء لهذا العرق كما يقول بعض العلماء، فما دام أنه قال: (إنما ذلك عرق) أي: دم خرج من عرق فسائر الدماء التي تخرج من البدن إنما هي من عرق، ولذلك قال جمهور العلماء: إن الدم نجس، ولم يخالف في ذلك إلا بعض أهل الظاهر وبعض أهل الحديث، والأقوى في هذه المسألة أن الدم نجس، وبناءً عليه فإنه يفرق بين كثيره وقليله، فقد أجمع العلماء على أن يسير الدم معفو عنه، وفيه حديث ضعيف وهو حديث الدرهم البغلي، والصحيح: أنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم استثناء هذا القدر؛ وإنما استثني بالإجماع.
(22/12)
________________________________________
مقدار الدم الذي يعفى عنه
يبقى

السؤال
ما الفرق بين الدم القليل الذي يعفى عنه والدم الكثير؟ الدم القليل والدم الكثير للعلماء في ضابطه وجهان: قال بعض العلماء: يسير الدم ما كان قدر الدرهم البغلي.
وقال بعضهم وهو الوجه الثاني: يسير الدم: هو الذي لا يتفاحش في النفس.
والسؤال: ما الفرق بين القولين؟ أولاً: الذين قالوا: يسير الدم هو مقدار الدرهم البغلي، فما هو الدرهم البغلي؟ الدرهم البغلي على قدر الهللة القديمة، أي: القرش الموجود الآن ينقص منه قليلاً، فهذا هو الدرهم البغلي، فلو خرج من الجرح دم على قدر هذا البياض؛ فإن هذا معفو عنه، ولو نقص عنه فهو معفو عنه أيضاً، فإن جاوزه وكان أكثر من هذا القدر فلابد من غسله، ولابد من إزالة تلك النجاسة إلا إذا وجد ضرراً.
ثانياً: الذين قالوا: ما لا يتفاحش في النفس، قالوا: هو الذي إذا نظرت إليه احتقرته، وقلت: هذا قليل، ولاشك أن القول الأول -أي: أنه بمقدار الدرهم البغلي- هو الذي عليه قول المحققين من العلماء رحمة الله عليهم.
ثم الذي يتفاحش في النفس، لو قلنا: إنه هو الضابط، لاختلف الناس، فقد يكون اليسير عندي كثيراً عند غيري، ثم يدخل باب الوسوسة، فتجد الموسوس لو عثرت بثرة صغيرة لقال: هذا من الدم الكثير الذي لا يغتفر؛ لأنه موسوس لا يستطيع أن يفرق بين القليل والكثير، ولذلك فالقول بأنه ما لا يتفاحش في النفس يؤدي إلى اختلاف الأحكام؛ فقد يصلي الرجلان أحدهما عليه بقعة دم كبيرة، فيقول هذه قليلة وليست متفاحشة، ويصلي الآخر بجواره وعليه ما هو أقل ويحكم على نفسه بعدم صحة صلاته؛ فتختلج الأحكام، والأقوى أنه قدر الدرهم البغلي.
السؤال الأخير: إذا علمنا أن يسير الدم معفو؛ فهل يشترط فيه الانحصار أو يستوي فيه الانحصار والانتشار؟ مثال ذلك: لو أن إنساناً عنده بثرة في يده، وبثرة في وجنته، وبثرة في يده الثانية، فلو أن كل واحدة من هذه البثرات أخرجت قليلاً من الدم، بحيث لو جمعت هذه الثلاث فإنها لا تصل إلى قدر الدرهم، فتقول: الحكم يستوي فيه أن يكون منتشراً أو يكون منحصراً، وبناءً على ذلك يرخص للإنسان إذا كان الدم قدر الدرهم فما دون أن يصلي؛ ولكن محل هذا كله كما قال المصنف: (في غير مائع) بحيث ما يقع في المائع؛ والسبب في هذا: قضية القلتين؛ فإنهم يرون أن المائع إذا وقع فيه النجاسة أثرت فيه سواءً كانت قليلة أو كثيرة، وقد قلنا: إن الصحيح: أن العبرة بالتغير والتأثر، وهذا هو الذي اختاره العلماء ودلت عليه السُّنة كما بيناه في موضعه.
(22/13)
________________________________________
الأسئلة
(22/14)
________________________________________
إباحة الصلاة في مرابض الغنم لا يعارض منع التطهير بالشمس

السؤال
كيف نجمع بين القول بأن تطهير النجاسة بالشمس غير جائز والقول بجواز الصلاة في مرابض الغنم وعدم جوازها في مرابض الإبل؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل لا يعارض قولنا: بأن الشمس لا تطهّر؛ بل هو دليل على ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم منع من الصلاة في معاطن الإبل، وعلل العلماء ذلك بكونها -أي: الإبل- خلقت من الشياطين، قيل: إنها على الحقيقة، وقيل: إن فيها شبهاً من الشياطين، ولذلك أُمر بالوضوء من لحمها، ولم يؤمر بالوضوء من لحم غيرها، وبقي الحكم في الشرع على أنه يجب الوضوء من لحم الجزور دون غيره.
الشاهد: أن كونه يحكم بجواز الصلاة في مرابض الغنم لا يدل على نقض المسألة التي معنا من كون الشمس لا تطهّر، فليس هناك تشابه بين المسألتين، فهذا حكم له علاقة بمسألة طهارة فضلة الحيوان، وهذا حكم له علاقة بتأثير النجاسة، فالأول يتعلق بوجود النجاسة في معاطن الإبل ومرابض الغنم أم لا، والذي نبحثه نحن هو زوال النجاسة بالشمس، فالاعتراض ليس وارداً؛ لأن شرط الاعتراض والتناقض بين الحكمين: أن يتحد المورد، فإذا كان الحكم الأول يتعلق بكون هذا يؤثر في إزالة النجاسة أو لا يؤثر، والثاني يتعلق بكون هذا يُصلى فيه أو لا يصلى فيه ولا علاقة له بالنجاسة، فلا تشابه بين الموضعين، فهذه مسألة وهذه مسألة، والإشكال إنما يكون إذا اتحد مورد المسألتين، فهذا الاعتراض ليس فيه وجاهة، والاستشكال ليس بوارد أصلاً؛ لأن الصلاة أجيزت في مرابض الغنم لطهارتها، ومُنعت في معاطن الإبل إما تعبداً وإما لعلة -وهي كما قلنا- وجود الشياطين فيها، والله تعالى أعلم.
(22/15)
________________________________________
حكم صلاة الجزار بثوبٍ عليه دم

السؤال
ما حكم الصلاة في الثوب الذي يلبسه الجزار وفي معظم ثيابه دم؟

الجواب
الجزارون على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الدم الذي يخرج هو دم البهيمة فهذا نجس؛ الحالة الثانية: أن تأتيه البهيمة وقد ذكيت؛ فالبهيمة التي أمامه مذكاة، وبناءً على ذلك: ما يكون منها من الدم أثناء ضرب الأعضاء وتفصيلها وتقطيعها دم طاهر، وحتى لو وقفت عند الجزار فطار عليك طشاش دم من تفصيل الأعضاء، فإنه ليس بنجس؛ لكن النجس هو موضع الرقبة، وينتبه إلى هذا الموضع الذي هو موضع الذكاة فإنه يعتبر متنجساً، والدم الذي يخرج عند الذكاة هو النجس، وأما لو أراد أن يبين الظهر أو يبين اليد أو يقطعها أو يُفصّل الأعضاء أو يَفْصِل اللحم عنها وتطاير منه دم؛ فهو طاهر ولا يؤثر، والله تعالى أعلم.
(22/16)
________________________________________
حكم إزالة النجاسة بماء زمزم

السؤال
ما الحكم في استخدام ماء زمزم في إزالة النجاسة من الاستنجاء وغيره؟

الجواب
إزالة النجاسة بالمطعوم مشدد فيها، وبالنسبة لماء زمزم وإن كان أصله مشروباً لكنه لوجود احترامه شرعاً وإمكان إزالة النجاسة بالبديل عنه وهو الماء المطلق شدد العلماء في ذلك، وكان العباس رضي الله عنه صاحب السقاية -كما ثبت في الصحيح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص له أن يبيت في مكة من أجل السقاية- يقول: (لا أحلها -يعني: زمزم لا أحلها- لمغتسل وهي لشارب حلّ وبل) أي: لا أحل ماء زمزم لمغتسل أن يغتسل به، وفي القديم كان نزحه صعباً، ولذلك كان الاغتسال به يحتاج إلى أن يأخذ منه دلواً أو نحو ذلك، فيضر بالناس التي تريد منه ولو شربة واحدة فكان يقول: (لا أحله لمغتسل وهو لشارب) أي: لمن يريد أن يشربه (حل وبِل)، قيل: (حل)، حلال، وبِل أي: (بِلٌ) لحرارة قلبه أو حرارة جسده من العطش، وقيل: (بِل): إنها للاتباع ولا يراد معناها كقولهم: حيص بيص، وكقولهم: حياك وبياك، فإن بياك ليس لها معنىً، فقالوا: إن بِلّ بهذا المعنى، والمقصود: أنهم كانوا يكرهون الاغتسال بماء زمزم، وهذه الكراهة لغسل ظاهر الجسد مع طهارته فكيف بغسل النجاسة، والمحفوظ من فتاوى أهل العلم رحمة الله عليهم أنهم كانوا يشددون في هذا الأمر ولا يستحبون تطهير النجاسات به، والله تعالى أعلم.
(22/17)
________________________________________
حكم قيء الغلام

السؤال
هل يُعتبر ما يخرج من طفلي من القيء نجساً، وما الحكم إذا صليت ثم علمت بوجوده في ثوبي؟

الجواب
الذي يخرج من الطفل لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون متغيراً وقد وصل إلى جوفه، فهذا يعتبر في حكم القيء وهو نجس، كأن تسقيه لبناً فيخرج اللبن وفيه صفرة قد تغيرت مادته وتغيرت رائحته فهذا يحكم بتنجسه.
الحالة الثانية: أن يكون الذي خرج لم يتغير وصفه، كأن يكون حديث عهد برضاعة، فلما جاءت تحمله قلس عليها، وهو القلس، فالذي يدفعه الصبي أو الصبية عند الشبع والري من اللبن ونحوه يعتبر طاهراً، فالأول: نجس، والثاني: طاهر، فإذا كان الذي خرج عند استفراغه طاهراً فلا إشكال، وإن كان نجساً قد تغيرت مادته فهو نجس يجب غسله.
المسألة الثانية: لو أنها حملت صبياً فقاء عليها، وكان قيئاً متغير اللون والرائحة فعلمت بنجاسته، ثم نسيت أن تغسل الموضع فصلت الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء ثم انتبهت؛ فلا تجب عليها الإعادة في أصح أقوال العلماء؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه صلى بأصحابه في نعليه، ثم خلعهما أثناء الصلاة؛ فخلع الصحابة نعالهم؛ فقال عليه الصلاة والسلام: ما شأنكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: أتاني جبريل فأخبرني أنهما ليستا بطاهرتين) فدل هذا على أن من نسي النجاسة أو لم يتذكرها أنه لا يحكم بوجوب الإعادة عليه؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره جبريل بنى ولم يقطع الصلاة، فلو كان ذكر النجاسة يوجب الإعادة لقطع النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ولاستأنف؛ لأنه أوقع تكبيرة الإحرام -وهي أقل ما يمكن أن يكون قد أوقعه- وهي ركن، ولربما يكون قد صلى بعض الصلاة، فكونه عليه الصلاة والسلام لم يعد دل على أن من نسي النجاسة ثم بعد الصلاة رآها، أو لم يعلم بها أصلاً ثم بعد السلام نظر فإذا النجاسة في ثوبه أو بدنه، فحينئذٍ لا تجب الإعادة في أصح أقوال العلماء، والله تعالى أعلم.
(22/18)
________________________________________
حكم حرمان الزوجة من صلة أبويها

السؤال
زوجي ملتزم ومتدين ولله الحمد، ولكن -يا شيخ- أشتاق إلى رؤية أبواي وإخواني، فعندما أطلب من زوجي أن أذهب لزيارتهم مرة كل عام فإنه يرفض، وأحياناً يغضب غضباً شديداً، وذلك يحزنني كثيراً فماذا أفعل؟

الجواب
لا يخلو والدا المرأة من حالتين: أن يكونا في نفس الموضع الذي فيه الزوج، أو يكونا في غير الموضع، فإن كانا في الموضع الذي فيه الزوج والزوجة فإنه تنبغي الزيارة بالمعروف، فيجعل وقتاً يستطيع أن يصل فيه رحمه ويقوم فيه بحق الله وتقوم المرأة أيضاً بحق أبويها، فإن منعها وأبواها في نفس المدينة والسائلة تقصد ذلك، فلا أشك أنه -نسأل الله السلامة والعافية- قد قطع رحمه وأعان على القطيعة وعقوق الوالدين والعياذ بالله؛ والسبب في ذلك: أن زيارة الوالدين والقرابة الذين هم ملتصقون كالإخوان ونحوهم لا تشق على الزوج مع اتحاد المكان، فكونه يقصر ويمنعها لا شك أنه مخالف لأمر الله عز وجل بصلة الرحم والإحسان إلى القرابة والله يقول في كتابه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء:1] وهذه والله مصيبة عظيمة، إذا كان الزوج يبلغ به أن يمر العام الكامل ولا يري زوجته أبويها فوالله بئس ما فعل، ووالله إنه لمن اللؤم بمكان، ولا شك أنه إنسان لئيم، فإن لئيم الطبع هو الذي يمتنع.
إن والدي المرأة أكرما الإنسان وقبلانه زوجاً لعورة من عوراتهما، وفلذة من فلذات أكبادهما؛ لكي يكون لها ستراً، ويكون لها زوجاً فتنعم عينها بزواجها منه وعشرتها له، ثم تمكث سنة كاملة -والعياذ بالله- لا ترى أبويها! لقد ثبت في الأحاديث الصحيحة دخول فاطمة على النبي صلى الله عليه وسلم سواءً دخلت لحاجة أو دخلت زائرة، حتى قالت عائشة رضي الله عنها -كما في حديث الترمذي - (كانت إذا دخلت عليه، قام لها، فأجلسها في موضعه)، وفي الصحيحين: قالت: (جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما تخالف مشيتها مشيته) فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعي إلى بيتك، وكان يزورها صلوات الله وسلامه عليه في بيتها، فقضية كون الزوج يبلغ به أن يمر عام كامل ولا ترى زوجته أهلها، والله لا أشك أن هذا من اللؤم بمكان، فإن النفس الكريمة إذا أحسنتَ إليها ملكتها بالإحسان، وأصبحت كأنك ملكت رقبة تلك النفس المؤمنة الكريمة.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: (حفظ العهد من الإيمان) فلوالدي الزوجة عهد عند الزوج، بل المنبغي على الزوج الكريم أنه هو الذي يفاتح امرأته بزيارة أهلها، وخاصةً إذا كان ملتزماً ديناً، وكثير من النساء يشكين من بعض الأزواج الذين فيهم خير وفيهم صلاح؛ لأن كثيراً منهم لا ينتبه لمشاعر الزوجة ولا لمشاعر القرابة، فيجلس أحياناً شهوراً وهو غافل عن صلة الرحم، مع أن حقيقة الالتزام هي القيام بمثل هذه الواجبات، فلا تنتظر من الزوجة أن تقول لك: اذهب بي إلى أبي وأمي، بل أنت الذي تبدأ بهذا؛ لأنك تعلم أنك إذا أمرتها بهذا أمرتها بطاعة الله، وأمرتها بمرضاته، وكان لك أجرها، وكان لك أجر صلتها لوالديها، بل إذا بلغ بالإنسان الخير وكان إنساناً كريماً يريد مرضاة الله عز وجل وجدته هو الذي يعرض عليها، ووجدته يذهب إلى أبي الزوجة وأمها، ولا ترضى نفسه إلا أن يذهب إلى أبي زوجته، فيسلم عليه ويجلس معه، ولقد حكى لي بعضهم فقال: قد يكون عندي الظرف الذي لا أستطيع أن أتركه، وتركه من المشقة بمكان، ولكن لا ترضى نفسي أن آتي وأنزلها عند بيتها دون أن أذهب وأقبل رأس أبيها وهو كبير السن، وأدخل على أمها وأحييها، وأدخل السرور عليها؛ فلكونهم اختاروني زوجاً لابنتهم ينبغي أن أرد هذا المعروف.
إن هذا أقل ما يرد به المعروف، الزيارة فيها جلب للمحبة والمودة، ثم إن الإنسان بهذه الزيارة يترجم عن الوفاء للجميل، وهذه من الأمور المهمة في المشاكل الزوجية، فالزوجة إذا رأت الزوج غافلاً لا يبالي بقرابتها، ولربما تأتي وتقول له: أريد أن أزور أمي أو أبي، فيضايقها ويتأخر عنها ويماطلها ويؤخرها، بدلاً من أن يكون كريماً، فيدخل الشيطان عليها، فيقول: زوجك لا يحب والديك، زوجك كذا وكذا؛ فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والخطأ ليس من الزوجة أن تسيء الظن، ولكن الخطأ من الزوج أن ينسى المعروف والفضل، ولذلك يعاقبه الله عز وجل فلربما تتنكر عليه الزوجة، وكم من مشاكل زوجية عرضت عليَّ فوجدت من الأسباب الخفية التي كانت سبباً في فساد الزوجة على زوجها وتأثرها في معاملة زوجها: تقصيره في الوفاء لوالديها، وهي في هذا معها حق، ولا شك أن الزوج إذا كان بهذه المثابة فإنه ضعيف الإيمان؛ لأن من كمال الإيمان كمال الوفاء والعشرة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (حفظ العهد من الإيمان).
لقد كان عليه الصلاة والسلام وفياً لزوجته خديجة رضي الله عنها حتى بعد وفاتها، فكان إذا ذبح شاة يقول: (هل أهديتم لصويحبات خديجة منها شيئاً؟) صلوات الله وسلامه عليه، حتى أن النساء يغرن من خديجة وهي ميتة ومتوفاة رضي الله عنها وأرضاها، فلا يزال ذاكراً وحافظاً لها العهد، ولما دخلت المرأة العجوز الكبيرة السن الضعيفة الحال على النبي عليه صلوات الله وسلامه ما أن سمع صوتها حتى قام يجر رداءه لها، فقالت عائشة: (يا رسول الله! من هذه العجوز التي تقوم لها هذا القيام؟ قال: إنها هالة، إنها هالة، أخت خديجة) صلوات الله وسلامه عليه، فالوفاء والبر والخير في صلة الأرحام، وفي بر الوالدين والإعانة على ذلك، وينبغي على الزوج أن يكون عنده الإحساس والشعور، ويحاول أن يكرم امرأته وأهلها، وخاصةً إذا كانت المرأة صالحة، فالمرأة الصالحة في هذا الزمان نعمة عظيمة ينبغي على الزوج أن يدخل السرور عليها، ودائماً إذا جلس معها ذكر فضل أهلها وذكر أهلها بخير، والله إن من الأزواج الأخيار من يقول: لقد أوذيت من رحمي ومن أهل زوجتي، ومع ذلك لا أذكر أني في يومٍ من الأيام قد ذكرتهم بسوء؛ لأني لا أريد أن أكسر خاطر هذه المرأة المؤمنة حينما أتذكر التزامها وديانتها واستقامتها، وهذا هو شأن الأخيار، فالمرأة إذا رأيتها صالحة فأكرمها وأسكنها في قلبك، وأدخل عليها من المودة والرحمة ما تلتمس به رضوان الله عز وجل، وصل الرحم يصلك الله، فإنها تعلقت بحقوي الرحمن وقالت: (هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟) فرضيت بذلك، فطوبى لمن وصلها فوصله الله، وويل ثم ويل لمن قطعها وأعان على قطيعتها، وقد قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:22 - 23] نسأل الله السلامة والعافية، فقد يكون الشاب ملتزماً صائم النهار وقائم الليل، وتأتيه لعنة بسبب قطيعة رحم أو عقوق والدين أو منعه الزوجة من أن تصل رحمها أو تبر والديها، فيحرم -والعياذ بالله- من خشوع في عبادته، أو يحرم من بكاء، أو يحرم من قيام ليل أو صيام نهار، ويقول: ما أدري ما الذي أصابني؟ وكثير من الشباب الأخيار يصاب بنكسة في التزامه أو ضعف إيمان ولا يدري من أين أُتي، وقد يكون هذا من قبل حقٍ لمظلوم دعا عليه فحرمه الله عز وجل هذا الخير، فنسأل الله العظيم أن يُحيي قلوبنا بطاعته، وأن يرزقنا الوفاء لعباده بما يرضيه عنا، ونعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأدواء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(22/19)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب إزالة النجاسة [3]
من قواعد الشريعة: التخفيف فيما تعم به البلوى، وتكون فيه المشقة، ولهذا خُفِّف في يسير بعض النجاسات التي يشق اجتنابها، على خلاف بين العلماء في نجاسة بعض الأشياء وطهارتها.
(23/1)
________________________________________
المعفو عنه من النجاسات
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
(23/2)
________________________________________
العفو عن يسير الدم
قال المصنف رحمه الله: [ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر، وعن أثر استجمار بمحله].
لا زال الحديث في أحكام النجاسات، ولما ذكر رحمه الله الأحكام المتعلقة بإزالة النجاسة والشيء الذي تزال به النجاسة، شرع رحمه الله في محل الرخصة، وهو الشيء المعفو عنه، فقال: (يعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم من حيوان) هذه المسألة الأصل فيها حديث ضعيف روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (أنه يعفى في الدم عن قدر الدرهم البغلي)، ثم تأيد هذا الحديث الضعيف بعمل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما أُثر عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عن الجميع، أنهم كانوا لا يرون في قليل الدم شيئاً، فربما عصر الواحد منهم البثرة -وهي الحبة الصغيرة التي تكون في الوجه أو في اليد أو في الساعد- فخرج منها يسير الدم فلا يتطهر ولا يغسل الموضع، فأخذ العلماء رحمهم الله من هذا دليلاً على مسألتين: المسألة الأولى: أن يسير الدم النجس معفو عنه.
المسألة الثانية: هل يلتحق بالدم غيره؟ فمن العلماء من قال: أقصر الرخصة على محلها، فأعفو عن الدم وحده، لأنه هو الذي ورد به الخبر، وهو الذي فعله الصحابة رضوان الله عليهم، ويبقى غيره على الأصل.
وقال بعض العلماء: ما دامت العلة التخفيف وأن اليسير لا يأخذ حكم الكثير، فنطرد ذلك في كل ما وافقه، فنقول: يسير النجاسة معفو عنه، ثم استثنى وقال: (في غير مائع ومطعوم) والصحيح المذهب الأول: أن الذي يعفى فيه عن يسير النجاسة هو الدم وحده، فلو سألك سائل عن مذي قليل خرج من الإنسان بشهوة لنظر أو فكر وشعر بخروجه منه، فهل نحكم بنجاسة الثوب الذي أصابه هذا الذي أو لا نحكم؟ إن قلنا: يعفى عن اليسير، حكمنا بجواز وضوئه وصلاته دون أن يغسل الموضع الذي أصابه المذي، وإن قلنا: إنه لا يعفى عنه؛ فحينئذٍ يكون حكمه حكم النجاسة الكثيرة سواء بسواء، فعند ذلك يجب غسله والوضوء بعده، وهذا بالنسبة للمسألة التي ذكرها المصنف مفرّعة على هذا الأصل، والصحيح: ما ذكرنا من أن الحكم يختص بالدم، وأن ما عدا الدم من النجاسات قليلها وكثيرها لا يشمله الرخصة، على ما تقرر من اعتبار الدم نجساً، وقد سبق بيان دليل ذلك، وكلام العلماء رحمة الله عليهم فيه.
(23/3)
________________________________________
العفو عن أثر النجاسة بعد الاستجمار
وقوله: (وعن أثر استجمار بمحله) أي: يعفى عن أثر الاستجمار في محله، ومن المعلوم أن الإنسان إذا قضى حاجته؛ فإنه ربما غسل بالماء، وربما استجمر بالحجارة، أما لو غسل بالماء فبالإجماع أنه يجب عليه غسل الموضع وإنقاؤه، وأما لو كان بالحجارة فمن المعلوم أن الحجارة لا تنقي الموضع على سبيل القطع كما يحصل في الماء، بل لابد من بقاء أثر للنجاسة في الموضع، وهنا يرد

السؤال
لو فرضنا أن هذا الموضع هو الدبر، فلو أن إنساناً قضى حاجته ثم استجمر بالحجارة فأنقى الموضع بالحجارة، فإن الموضع -الذي هو الدبر- سيبقى فيه يسير نجاسة، وهذا اليسير يقولون: إنه معفو عنه، ولكن لا يعفى إلا بما هو في موضع النجاسة، أما لو تعدى موضع النجاسة فإنه لا يعفى عنه قولاً واحداً، كما لو كان على صفحة الإلية ونحو ذلك فإنه لا يعفى عنه.
إذا تقرر أنه يعفى عن يسير النجاسة في الدبر أو القبل إذا استجمر الإنسان، فما الدليل على هذا القدر الذي يعفى عنه؟ الدليل: ثبوت السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتزاء بالحجارة، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن من استجمر وأنقى الموضع -بمعنى: أنه حصل منه الإنقاء بالحجر الأخير دون وجود أثر- فإنه يحكم بكونه متطهراً، وإنما تأتي النجاسة؛ لأن هذا الموضع وإن وضعت الحجر عليه وخرج نقياً فإن الموضع لا يزال متغذياً بالنجاسة، فإذا عرق الإنسان أو جالت يده بالعرق فلابد وأن تصيب الموضع، فإذا عرق المكان الذي يلي الموضع وسرى هذا العرق إلى الثوب أو إلى السروال الذي يلي الموضع فهذا معفو عنه؛ لأننا لو حكمنا بنجاسته لدخل الناس في حرج لا يعلمه إلا الله عز وجل، وهذا صحيح؛ ولذلك قالوا: إنه أمر الشارع بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء -كما يقول الإمام الشافعي - قالوا: لأن الحجاز كانت حارة، كان الناس في الغالب لا يستجمرون إلا بالحجارة ولا يغسلون، وكانوا يعتبرون غسل الفرجين وضوء النساء كما أثر عن بعض السلف، فكان الغالب منهم الاستجمار، قالوا: ومع هذا فإن الشرع لم يأمر بغسل الموضع، وإنما اكتفى بالحجارة، فدل على أنه إذا عرق الموضع أو جالت اليد في الموضع فإنه يعفى عن هذا اليسير.
(23/4)
________________________________________
أشياء مختلف في نجاستها
(23/5)
________________________________________
حكم جثة الآدمي بعد موته
قال رحمه الله: [ولا ينجس الآدمي بالموت].
(لا ينجس) أي: لا يحكم بكونه نجساً، بل هو طاهر، وهذا أحد قولي العلماء رحمة الله عليهم أن الآدمي لا ينجس بالموت.
وقال بعض العلماء: الأصل في الميتة أنها نجسة، واستثني الآدمي المسلم لقوله عليه الصلاة والسلام: (المؤمن لا ينجس) فبقي الآدمي المشرك على الأصل، وأكدوا هذا بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] قالوا: لما كانت الميتة في أصل حكم الشرع نجسة كما نص الله عز وجل في غير موضع؛ فإننا نقول: إن كل ميتة نجسة إلا ما ورد الشرع بإخراجه، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) وهو عام، والقاعدة: (أن الأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه)، قالوا: نحكم بكونه نجساً إلا ما استثناه الشرع من الميتات، وقد استثنى الشرع المسلم المؤمن بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن المؤمن لا ينجس) واستثنى ميتة البحر بقوله: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فلم يحكم بنجاسة ميتة البحر، قالوا: فبقي الكافر والمشرك على الأصل من كونه نجساً، وهذا بالنسبة للمذهب الثاني عند العلماء رحمة الله عليهم.
وهناك مذهب ثالث: أن المشرك نجس حياً وميتاً -والمذهب الثاني وسط بين المذهبين- قالوا: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) يؤكد أن الكافر ينجس، لأنه لو كان الآدمي طاهراً؛ لقال: إن الآدمي لا ينجس، لكن كونه يقول: (إن المؤمن) يدل على أن الكافر ينجس، قالوا: إما نجاسة موت بمفارقة روحه -ولذلك يعتبر من الجيفة والميتات- وإما بالعموم سواء كان حياً أو كان ميتاً.
واعترض عليهم باعتراضات وجيهة منها: قالوا: إن نساء أهل الكتاب حل لنا نكاحهن، وإذا جاز لنا نكاحهن فإنه لابد من مخالطة.
واعترض عليهم بقصة ثمامة بن أثال الحنفي، فإنه رضي الله عنه أخذته خيل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ماضٍ إلى العمرة فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وربطه في المسجد، قالوا: ولو كان نجساً لما أدخله النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، هذا بالنسبة للاعتراضات التي اعترضت عليهم.
وأجيب عنها أما كون نساء أهل الكتاب حل لنا؛ فإن قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] اختلف هل المشركون يدخل فيهم أهل الكتاب أو لا؟ فنقول: إن الآية وردت في المشركين ولم ترد في عموم الكفار، إذ لو كان أهل الكتاب داخلين فيها لقال: إنما الكفار نجس، لكن قال: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:28] ووجدنا أن القرآن يفرق بين المشركين وأهل الكتاب {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة:1] فلما فرق بينهم علمنا أن قوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] هم عبدة الأوثان والذين لا دين لهم سماوي، فهؤلاء يحكم بكون الواحد منهم نجساً، هذا من الأجوبة.
وأما بالنسبة للأجوبة على قيمة ثمامة بن أثال فقالوا: إنه خارج عن الأصل لمكان الحاجة، والقاعدة: أن ما خرج عن الأصل لا يعترض به، ولا يرد به الاعتراض في الاستدلال.
وهذا حاصل ما ذكر في مسألة: نجاسة الآدمي، فقال المصنف: (وميتة الآدمي)، أي: لا يحكم بنجاستها، وهذا -كما قلنا- قول طائفة من العلماء رحمة الله عليهم ولما قال: (الآدمي) فهمنا أنه يستوي في ذلك الكافر والمسلم.
(23/6)
________________________________________
حكم ما لا نفس له سائلة
قال رحمه الله: [وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر] أي: أن ما كان مما لا نفس له سائلة وكان متولداً من طاهر فيعتبر طاهراً.
(ما لا نفس له سائلة) النفس تطلق بمعنى الدم، قالوا: سمي الحيض نفاساً لمكان الدم الخارج، كما في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم لـ عائشة: (مالك أنفست؟) وسمي النفاس نفاساً لوجود الدم فيه.
فالنفس تطلق بمعنى الدم، وتطلق بمعنى الروح، واختلف هل هي والروح شيء واحد أو لا؟ وهو خلاف معروف، لكن المقصود: أن من إطلاقات النفس: الدم، فيقولون: كل دابة ليس لها نفس، أي: ليس لها دم كالبراغيث، والصراصير، وبنات وردان، وكذلك البعوض وما كان مثل هذه الدواب، أو كان من الهوام، فكل ما لا دم له قالوا: يحكم بكونه طاهراً؛ لأنه إذا مات فلا يعتبر من الميتات المتنجسة بالدم؛ قالوا: لأن الميتة ما حكم بنجاستها إلا لمكان احتباس الدم فيها، بدليل أنها لو ذكيت كانت طاهرة، فهذا مستنبط من مفهوم حكم الشرع، قالوا: لما كان الحيوان الذي يذكى بالذكاة يطهر ويحل أكله ويعتبر طاهر الأجزاء، والميتة التي ماتت حتف أنفها وانحبس الدم فيها يحكم بنجاستها، عرفنا أن ما يذكى طاهر، وما لا يذكى نجس، فإن كان الميت مما لا دم له فإنه يخرج عن هذا الوصف، فليس له دم يراق، فيعتبر من الميتة الطاهرة التي لا يحكم بنجاستها، هذا وجه من يقول بطهارة ما لا دم له.
مثال ذلك: الصراصير ونحوها، لكن يستثنى من هذا إذا خرجت من مكان نجس، فيقال: متنجسة، وفرق بين المتنجس والنجس، فالنجس بذاته، والمتنجس بعارض، ويمكن تطهيره، فلو خرجت من مكان نجس وهي رطبة حكم بكونها نجسة.
والدليل على أن ما تولد من طاهر يحكم بطهارته: أن السوس كان يصيب التمر، ولم يأمر الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم باتقاء ما كان فيه سوس، وكان يوجد في الأطعمة، ويوجد في التمور، ويوجد في الحبوب، ويوجد في الدقيق ومع هذا كان يؤكل ولا ينكر على أحد ولا يحكم بكونه ميتة، وهذا يكاد -بالإجماع- يكون دليلاً على أنه طاهر؛ وبناءً على ذلك: فكل ما تولد من طاهر فهو طاهر، فمثلاً: لو كان هناك طعام وتولد من الطعام دود والطعام طاهر؛ فنقول: إنه طاهر، فلو مات هذا الدود في مكان، وجاء الماء على المكان الذي فيه الدود وأصبح متشرباً به ثم أصاب الثوب؛ فنقول: إن الماء طاهر؛ لأن هذه الميتة ميتة طاهرة ولا تعتبر نجسة.
(23/7)
________________________________________
حكم بول وروث ما يؤكل لحمه
قال رحمه الله: [وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ومني الآدمي] (وبول ما يؤكل لحمه وروثه): الحيوانات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أذن الشرع بأكل لحمه.
القسم الثاني: لم يأذن الشرع بأكل لحمه، ثم كل من هذين القسمين منه ما أجمع على حكمه ومنه ما اختلف فيه.
يقول المصنف رحمه الله: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه) التقدير: طاهر، أي: آخر الكلام أو الحكم فيه أنه طاهر.
(23/8)
________________________________________
الأدلة على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه
أما الأدلة على أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر فهي: أولاً: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه أقوام من عكل وعرينة واجتووا المدينة أي: أصابهم الجوى، والجوى نوع من الأمراض مثل الحمى؛ لأن مناطق أهل البادية تكون نقية ونافعة، فإذا دخلوا المدن يحصل عندهم نوع من الأمراض؛ لأنهم ألفوا المكان الطلق النظيف، والجوى سببه -كما يقول الإمام النووي رحمه الله-: اختلاف الموضع عليهم.
لأنهم ألفوا طلاقة الجو ونظافة ما يؤكل وما يشرب، بخلاف المدن التي تكون وخيمة بسبب كثرة الناس بها وضيق أماكنها، فأصابهم الجوى، والعلة في ذكر الجوى هي: معرفة طب النبي صلى الله عليه وسلم كيف عالج الشيء بمألوفه، حتى أن الأطباء يعتبرون هذا من الطب النبوي، فبعض الأمراض يكون علاجها بِرَد الإنسان إلى مكانه الذي نشأ فيه، قالوا: إنه يتأثر بأرضها وهوائها ومائها، وكان بعض الأطباء يداوي بالماء الذي يكون في الموضع الذي ولد فيه الإنسان، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فلذلك اختلف العلماء: فقال بعض العلماء: إنما أمرهم أن يشربوا من الأبوال والألبان؛ لأنهم مرضى، مع أن البول أصله نجس، فكأنه يقول: إنما أجاز لهم شرب بول البعير لكونهم مرضى ومضطرين لذلك، وهذا مذهب الشافعية، أي: أنهم يرون أن بول البعير وما يؤكل لحمه نجس.
وقال الحنابلة ومن وافقهم: إنما أجاز لهم شرب البول؛ لأن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر، فأجاز لهم شرب البول لا من جهة المرض ولكن من جهة طهارة الذي يتداوى به.
فقول الشافعية: إن البول نجس وإنما جاز لهم شربه للتداوي، شددوا فيه في باب الطهارة، وخففوا في باب التداوي.
أما الحنابلة فقالوا: البول طاهر ولا يجوز التداوي بالنجس، فخففوا في باب الطهارة، وشددوا في باب التداوي، وهذا من مرونة الشريعة! فقد تجد القول في مكان شديد ولكنه في مكان آخر يسر ورحمة، وقد تجده في موضع يسراً ورحمة، وفي موضع آخر شدة وابتلاء.
فالمقصود: أن الحنابلة رحمهم الله يقولون: البول طاهر وجاز لهم شربه لكونه طاهراً.
ونحتاج إلى منهج أصولي في الاستنباط حتى نعرف أي المذهبين أرجح، فهؤلاء يقولون: هم مرضى وجاز لهم التداوي به لكونها ضرورة، وهؤلاء يقولون: لا.
بل هو طاهر ولا يجوز التداوي بالنجس على الأصل الذي قرروه: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) فنريد أن نعرف الراجح من القولين.
القول الذي يقول: إن بول الإبل والبقر والغنم ونحوها مما يؤكل لحمه نجس هو قول الشافعية، فيقولون: لأن في الحديث وصفاً وهو قوله: (فأصابهم الجوى)، وفي رواية في الصحيح: (فاجتووا المدينة) أي: أصابهم الجوى، قالوا: فالوصف المذكور في الحديث -وهو الجوى والمرض- مشعر بالحكم وهو التخفيف والرخصة، هذا بالنسبة لمسلك الشافعية.
الحنابلة قالوا: قولنا أقوى وأرجح؛ لأننا وجدنا أدلة أخرى من السُّنة تدل على أن البول طاهر، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر على بعيره وطاف على بعيره، فلو كان بول البعير نجساً لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على البعير؛ لأنه إذا بال أصابه طشاش بوله، ولابد أن البعير يصيبه شيء من الطشاش أو يبقى شيء في الموضع، قالوا: فكونه عليه الصلاة والسلام يصلي ويوتر ويطوف على البعير -وكلها عبادات تشترط لها الطهارة- يدل ذلك على الطهارة.
الشافعية يجيبون عن هذا ويقولون: إن هذا من باب الرخصة والتيسير وهو خارج عن الأصل، ويقولون: قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل، فلو كان روث البعير طاهراً لما منع من الصلاة في معاطن الإبل.
الحنابلة يقولون: إنه منع عن الصلاة في معاطن الإبل لعلة غير النجاسة، وهي كونها أماكن الشياطين، والإبل خلقت من شياطين كما ورد في بعض روايات السنن.
فالمقصود: أن أصح الأقوال وأقواها: أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، فقد ركب النبي صلى الله عليه وسلم بعيره، وطاف على البعير، وأوتر على البعير، وهذا كله ظاهر الدلالة على طهارته.
وأما بالنسبة للقول بأن هذه رخص فنقول: إنه أجاز الصلاة في مرابض الغنم، فلو كانت الفضلة نجسة لما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابض الغنم، ولاشك أن أقوى القولين هو: القول بأن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهب الشافعية رحمة الله عليهم في أن فضلة ما يؤكل لحمه نجسة فيه من المشقة شيء كثير، ولذلك من أشق ما يكون إذا كانوا في المساجد وجاء الحمام والطير، فإنهم يعتبرون ذرقه نجساً، وبمجرد ما يصيب الثوب لابد أن يذهب ويغسل ثوبه، فيجدون من الحرج والمشقة ما الله به عليم، حتى إن بعض متأخريهم أفتى بأن ذرق الطيور والحمام في المساجد معفو عنه لمكان الحرج والمشقة، فإنه ربما يكون هناك زحام -كأيام الحج- فيقوم من بين الناس من أجل أن يغسل موضع النجاسة ويطهر المكان.
إذا تقرر هذا فإن أصح الأقوال: أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ويستنبط هذا من أن النبي صلى الله عليه وسلم أدى الصلاة والطواف على ظهر البعير، وأجاز الصلاة في مرابض الغنم، ففهمنا من الصلاة على ظهر البعير أن فضلته طاهرة، وفهمنا من إجازة الصلاة في مرابض الغنم أن فضلتها طاهرة، ثم نستنبط معنى آخر للقياس ونقول: قد حكم صلوات الله وسلامه عليه بنجاسة لحم الحمر الأهلية لكونها محرمة الأكل، فإنه لما نزل تحريمها أمر بإكفاء القدور وقال: (إنها رجس) فحكم بكونها نجسة لما نزل تحريم اللحم، فأخذوا من هذا دليلاً -وهذا من أنفس ما يكون في الاستنباط- على نجاسته ونجاسة الفضلة تبعاً، وإذا ثبت هذا فنقول: الفاصل في الحكم بنجاسة الفضلات والخارج هو أنه إما أن يكون من المأذون بأكله أو غير مأذون بأكله، فإن كان من جنس ما أذن بأكله فهو طاهر، وإن كان من غير ما أذن بأكله فهو نجس.
(23/9)
________________________________________
حكم مني ما يؤكل لحمه
وقوله: (ومنيه ومني الآدمي) (ومنيه) أي: مني ما يؤكل لحمه فإنه يعتبر طاهراً، وقد ذكر هنا مني الدواب؛ لأن كثيراً من المسائل تترتب عليها أحكام، فمثلاً: مني الدواب يباع، وهذا موجود في مختلف أنواع الحيوانات، وقد تقرر في الشرع -ويكاد يكون قول الجماهير خلافاً للحنفية- أن النجس لا يجوز بيعه؛ لحديث جابر بن عبد الله: (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام) فإذا ثبت أن النجس لا يجوز بيعه، وحكمت على المني الخارج من الحيوان الذي يؤكل لحمه أنه طاهر، ففي هذه الحالة لو سألك سائل عن بيع مني الحيوان كما يفعل بالحقن وتحقن به الإناث من أجل أن تخصب وتنجب، هل يجوز أو لا يجوز؟ فعلى القول بنجاسة فضلته: لا يجوز بيعه؛ لأنه لا يجوز بيع النجس، وعلى القول بطهارتها: يجوز بيعه؛ لأنه طاهر أشبه بسائر الطاهرات.
(23/10)
________________________________________
حكم رطوبة فرج المرأة
قال رحمه الله: [ورطوبة فرج المرأة] الرطوبة: سائل يخرج من الموضع من المرأة، وسواء خرج عند الجماع أو خرج في غير وقت الجماع، أي: سواء خرج عند الشهوة أو في غير وقت الشهوة، فهذا السائل للعلماء فيه وجهان مشهوران: القول الأول: أن هذا السائل طاهر.
القول الثاني: أنه نجس، وهذا وجه عند الحنابلة وقيل: إنه المذهب، ووجه عند الشافعية.
والأقوى -واختاره غير واحد من المحققين- والصحيح: أنه نجس، وقد دلت السُّنة على نجاسته، ويحتاج إلى تأمل حتى يتبين هذا الدليل.
ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليغسل ما أصابه منها) وكان في أول الإسلام إذا جامع الرجل أهله ولم ينزل لا يجب عليه الغسل، وفيه حديث صحيح حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) وجاء في الحديث الصحيح أنه طرق على رجل من الأنصار كان يريده في حاجة، فلما خرج الرجل خرج كأنه منزعج، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لعلنا أعجلناك؟ إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك) يعني: إذا لم تنزل فلا غسل عليك، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ولكن ليغسل ما أصابه منها) فالذي يصيب الفرج عند الجماع من غير المني هو الرطوبة، فكونه يأمر بالغسل منه يدل على كونه نجساً، وهذا نص صحيح صريح قوي في اعتبار الرطوبة نجسة، وقد أشار إليه بعض المحققين، ومنهم الإمام النووي رحمه الله في المجموع، وبين أن الرطوبة نجسة، ثم القياس والنظر الصحيح يدل على نجاسته، فإن رطوبة فرج المرأة منزلته منزلة المذي من الرجل، قالوا: إنها مذي المرأة، فكما أن مذي الرجل يكون منه فكذلك المرأة، وإذا كان المذي نجساً فإن الرطوبة تكون نجسة؛ لأن النظير يأخذ حكم نظيره، فلو لم يدل الأثر لدل النظر على نجاسته، والسُّنة حاكمة على كل قول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين أنه مأمور بغسله دل على نجاسته.
(23/11)
________________________________________
حكم المرأة المبتلاة بكثرة رطوبة الفرج
وقد تعم البلوى بهذه الرطوبة، فمن النساء من تجلس ساعات وهي مبتلاة بهذه الرطوبة، فنقول: إن هذا أمر يسير لأنها كالمستحاضة، فكما أن المرأة يصيبها دم الاستحاضة ويستمر معها أحياناً شهوراً، والشريعة تحكم بكون هذا الدم نجس، فكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله ويكاد يكون بالإجماع أن دم الاستحاضة نجس، لكن إذا غلبها فإنها تضع قطنة تشد بها الموضع، وتصلي على حالتها وتتوضأ لدخول كل وقت، فالمرأة التي تغلبها الرطوبة وتصل بها إلى درجة المشقة تأخذ حكم الاستحاضة سواء بسواء، وهذا لا حرج فيه ولا مشقة فيه؛ لأن القاعدة في الشريعة: أن الأمر إذا ضاق اتسع، فمادام أنه يضيق على المرأة ويحرجها فإنها تتعبد الله عز وجل على قدر وسعها وطاقتها {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
وقوله: (ورطوبة فرج المرأة) هذا تخصيص، فدل على أن الرطوبة من سائر بدن المرأة تعتبر طاهرة ولا يحكم بنجاستها، فالرطوبة والعرق من سائر البدن طاهر، سواء من ذكر أو من أنثى، ولكن المراد الرطوبة في موضع مخصوص.
(23/12)
________________________________________
حكم سؤر الهرة وما دونها في الخلقة
قال رحمه الله: [وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر] (وسؤر الهرة) وهي: القط، ويستوي في ذلك ذكرانها وإناثها، والسؤر: الفضلة، واحد الآسار، وهذا السؤر صورته: أن تأتي الهرة وتشرب من إناء أو وعاء ثم تبقى فضلة، فهذه الفضلة يحكم بطهارتها؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي قتادة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصغى لها الإناء ثم قال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) وهذا يدل على أنها طاهرة، إذ لو كانت نجسة لبين النبي صلى الله عليه وسلم نجاستها، وفيه تيسير ورحمة بالناس؛ لأن الهرة تخالطهم وتكون معهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام مشيراً لهذه العلة: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
ولذلك يقول العلماء: هي نجسة ولكن حكم بتخفيف الحكم فيها لمكان المشقة؛ وذلك بقوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) قالوا: إذ لو كانت طاهرة في الأصل لقال: إنها طاهرة، لكن كونه يقول: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) كأنه يقول: إن هذا فيه حرج وفيه مشقة، فخفف من أجل الحرج ومن أجل المشقة، وهذا مسلك بعض العلماء، ولذلك قالوا: كل ما كان في حكم الهرة فسؤره طاهر، حتى قالوا بالتخفيف في السباع فإذا طاف على الإنسان وكان معه، كما لو أنه ربى أسداً للصيد أو نمراً أو نحو ذلك من السباع وخالطه كثيراً، قالوا: يعفى عن فضلته وسؤره.
قال: (وما دونها في الخلقة) (دونها) يعني: أقل منها، وإنما قال: دونها؛ لأن القياس يأتي على ثلاثة أوجه: الأول: قياس الأعلى على الأدنى.
الثاني: وقياس الأدنى على الأعلى.
الثالث: وقياس المساوي.
هذه ثلاثة أحوال للقياس.
ضابط كونه أعلى أو أدنى أو مساويه هو: العلة، فإن كان الفرع الذي تقيسه أولى بالحكم من الأصل فهذا يسمى قياس أعلى، أي: أنك ألحقت المستحق للحكم أكثر مما ورد به النص، مثال ذلك: الله عز وجل يقول: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء:23] نهى عن قول: (أف) فتقول: يحرم السب والشتم كما يحرم التأفف بجامع كون كل منهما أذية للوالدين، وقد تقول بصورة أخرى تنبه على كونه قياساً أعلى.
التأفف للوالدين حرام فسبهما أولى بالحرمة لما فيه من بالغ الضرر، أو بجامع الضرر في كلٍ، وهذا بالنسبة لما يكون أعلى، أو مساوياً: كأن تقيس ما مثل الهرة في الحجم والقدر والتطواف على الهرة.
أو دون: أي ما يكون متخلفاً فيه بعض أوصاف العلة، فيكون الأصل أولى بالحكم فيه من الفرع عكس الأول، فلو قست شيئاً علته أدون من علة الأصل، يعني: توجد فيه ولكنها أخف من علة الأصل فتقول: إن هذا قياس أدنى.
الشاهد: أنه قال: (وما دونها في الخلقة) وهذا من دقة المصنف، لأن الأصل لما قال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) قالوا: إن هذا مبني على التطواف ولذلك يقولون: الأصل نجاسة السباع وما في حكم السباع مما يأكل الحشرات ويغتذي بها، فقال: هذا الأصل يقتضي المنع والحكم بالنجاسة، فإذا جئنا نقيس شيئاً على المرخص عليه فإننا نبحث عما هو دونه حتى يكون أبلغ في اللحوق، وأما إذا كان مثله فإنه يقوى رده إلى الأصل، وإذا كان أعلى منه فهو أولى أن يبقى على الأصل.
فالهرة سؤرها طاهر ويستثنى مما سبق مسألة ينبغي التنبيه عليها وهي: أن تراها قد أصابت نجساً ورأيته على فمها؛ فإن سؤرها نجس إذا تغير بذلك النجس، صورة ذلك: لو رأيتها اغتذت بميتة، ورأيت فضلة اللحم الذي نهشته أو النجاسة التي أصابتها على فمها، فجاءت إلى الإناء فشربت منه وأفضلت، وقد وجدت طعم ذلك التي أكلت أو شربت منه من النجس في الماء فحينئذٍ تحكم بكونه نجساً، وهذا التنجيس لعارض لا لأصل، لكن نبه العلماء رحمة الله عليهم على هذا، ولذلك قال بعض الفقهاء -كما هو موجود عند المالكية وغيرهم-: وإن رئيت على فمه عمل عليها، (وإن رئيت) يعني: رأيت النجاسة (على فمه) يعني: فم الهر أو السبع، (عمل عليها) يعني: حكم بحكمها إن أثرت في الماء فالماء نجس، وإن لم تؤثر فالماء طهور.
(23/13)
________________________________________
حكم سباع البهائم والطيور
قال رحمه الله: [وسباع البهائم والطير] سباع البهائم كالأسود والنمور ونحوها وهي العادية، فالسبع العادي: هو الذي يعدو على الناس وعلى الدواب.
والطيور تنقسم إلى قسمين: منها ما هو من السباع، ومنها ما هو من غير السباع، والغالب في سباع الطيور أن تكون من ذوات المخالب، ولذلك حرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم أكل كل ذي ناب من السباع يدل على نجاسته؛ لأننا نلاحظ في حديث الحمر أنها كانت جائزة وكان أكلها جائزاً فلما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور، فهي لما كان أكلها حلالاً كانت طاهرة، ولما حرِّم أكلها أصبحت نجسة، قال العلماء: وهذا دليل واضح -وهذا استنباط العلة- على أن تحريم اللحم يدل على نجاسة ذلك المحرم إلا ما استثناه الشرع.
وإذا ثبت هذا: فعندنا سباع البهائم لا يجوز أكل لحمها، وإذا لم يجز أكل لحمها فإنها نجسة؛ لأن تحريم اللحم ذاته يدل على نجاسته، ومن ثم يكون سؤره وفضلته في حكم أصله المتولد منه، وهذا يقوي أنه نجس، ولذلك قالوا: إن سؤر السبع نجس، وشاهد الحس قوي، فإن السباع تغتذي بالميتات وتغتذي بالنجاسات، بل قَلَّ أن تغتذي بطاهر، ولذلك يقولون: إنه حكم بنجاستها لدلالة الشرع والطبع، فإن العادة والاستقراء تدلان على مخالطتها للأقذار والنجاسات في غالب أحوالها.
وسباع الطيور: كالنسور والشواهين، وكذلك الصقور العادية والباشق، ونحوها من الطيور العادية، كلها يحكم على فضلاتها وسؤرها بالنجاسة.
(23/14)
________________________________________
حكم الحمر
قال رحمه الله: [والحمار الأهلي والبغل منه نجسة].
والحمار الأهلي: الحمار ينقسم إلى قسمين: أهلي، ومتوحش، فأما الحمار الوحشي: فهو الذي يكون في البر، ويختلف، ففي بعض الأحيان يكون مختلط الألوان، وهذا يكاد يكون القول واحداً على طهارته وحل أكله، وأما بالنسبة للذي يكون له لون واحد وهو الباهت القريب إلى الأكحل فهذا مختلف فيه: فقال بعضهم: إنه يأخذ حكم الأهلي.
وبعضهم يقول: يأخذ حكم البري.
وبعضهم يقول: إن وجد في البر أخذ حكم البري، وإن وجد في القرى والمدن أخذ حكم الأهلي، أي: أنه ينظر إلى موضعه، فحمار الوحش جائز أكله، وهو طاهر، وأما الحمار الأهلي فكان أكله ولحمه طاهرًا في أول الأمر، ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه في عام خيبر، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور، فأكفئت وهي تغلي بلحمها، وأمر بغسلها، فدل على أنه نجس، ولكن استثني من ذلك ركوبه، كأن يكون منه عرق أو نحوه، فهذا مستثنى لمكان الحرج والمشقة، ولذلك قالوا: البردع التي تكون عليه إذا أصابها عرق لا يحكم بنجاستها، وذلك لفتوى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثر عن أنس رضي الله عنه أنه لما لقيه ابن سيرين بعين التمر وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة ووجهه من ذا الجانب، يعني: على غير القبلة وسأله، فقال: (لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ما فعلته) وكان قد صلى على حمار، فدل هذا على أن عرقه وما يخالط الإنسان عند الركوب من العرق والفضلة أنه يغتفر ويعفى عنه، هذا بالنسبة للحمار الأهلي؛ لأنه نجس، ويستثنى منه ما ذكرنا، أما الحمار المتوحش فهو طاهر ولحمه طاهر وسؤره طاهر أيضاً.
(23/15)
________________________________________
حكم البغل المتولد من الحمار والفرس
يبقى النظر في شيء متولد من الحمار ومن غير الحمار وهو البغل؛ لأن الحيوانات تنقسم إلى قسمين: منها ما هو منتزع من ذكر وأنثى من جنسه، ومنها ما هو مختلط، يجتمع فيه ماء ذكر من نوع من الحيوان وأنثى من نوع آخر، وهذا الذي يحصل في البغال، فإنه ربما نزى الحمار على المهرة التي هي أنثى الفرس فأولدها بغلاً، ولذلك إذا خرج هذا البغل، فهنا يرد الإشكال: هل نعطيه حكم الأب، أم نقول: الولد للفراش وللعاهر الحجر؟! قال بعض العلماء: الشرع يغلب جانب الأنثى؛ بدليل قوله: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) وهذا باب عظيم في الطهارات وفي اللحوم؛ لأنك إذا حكمت بكونه يتبع للأنثى فتقول: الفرس يجوز أكل لحمه -عند من يقول بجواز أكل لحمه- فإن تولد البغل من الحمار الأهلي والمهرة من الأفراس فيحكم بكونه طاهراً يجوز أكله، وإن قلت: إني أغلب جانب الأب أو الذكر فتقول بحرمته، لكن الصحيح: أن هذا الباب ينظر فيه إلا أصل آخر، وهو: (أنه إذا اجتمع حاظر ومبيح قدم الحاظر على المبيح) وخاصة في باب المطعومات؛ لثبوت السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إذا كان في الطعام جانب حظر وإباحة؛ غلب جانب الحظر؛ دليل ذلك حديث عدي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (وإن وجدت مع كلبك كلاب غيرك؛ فلا تأكل) مع أنه يحتمل أن الذي صاده كلبه فيحل له أكله ويحتمل أن الذي صاده كلاب غيره فلا يحل، فقال: لا تأكل.
وقال له: (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه) فبين النبي صلى الله عليه وسلم تردد الحظر والإباحة، فالكلب إذا أرسلته وأكل من الفريسة فيحتمل أنه أمسك لك فيحل، ويحتمل أنه أمسك لنفسه فلا يحل، فقال: (فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف -ليس بيقين- أن يكون إنما أمسك لنفسه) أخذ العلماء من هذا أصلاً عظيماً وهو: تقديم الحظر على الإباحة، واستنبطوا ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم فانتهوا) فجعلوا مرتبة الحظر أقوى من مرتبة الإباحة؛ ولذلك القاعدة تقول: (إذا اجتمع حاظر ومبيح فإنه يقدم الحاظر على المبيح)، وهنا عندنا البغل إن قلنا: نقدم فيه جانب الحظر فإنه يحرم وهو نجس، وإن قلنا: إنه يقدم فيه جانب الإباحة؛ فيحلّ ويكون سؤره طاهراً؛ إعمالاً للأصل الذي يقتضي طهارته، والمصنف رحمه الله ألحقه بما ذكرناه.
وقوله: (والبغل منه) لم يقل: (البغل) بإطلاق، ولكن قال: والبغل منه، أي: من الحمار الأهلي، فمفهوم ذلك أنه إذا كان من غيره وهو الحمار المتوحش فإنه لا يعتبر سؤره نجساً.
(23/16)
________________________________________
الأسئلة
(23/17)
________________________________________
حكم مني الآدمي

السؤال
هلا فصّلتم أكثر في قول المصنف: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ومني الآدمي.
طاهر)؟

الجواب
باسم الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: في الحقيقة أن السائل متأدب؛ لأننا نسينا الكلام على مني الآدمي، وجزاه الله خيراً.
اختلف العلماء: هل مني الآدمي طاهر أو نجس؟ وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول يقول: إن مني الآدمي طاهر، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
والقول الثاني يقول: إن المني نجس سواءً من الرجل أو المرأة وهو مذهب المالكية.
والقول الثالث يقول: إن المني نجس، ولكن خُفف في طهارته، وهو قول الحنفية، فقالوا: إن كان يابساً يحك، وإن كان مائعاً رطباً يغسل، وهذه ثلاثة أقوال لأهل العلم، أصحها وأقواها: أن المني طاهر؛ وذلك لثبوت السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه وإن بقع المني وأثرها في الثوب، ولذلك القول بطهارته قوي، وفيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقد اختلف في رفعه ووقفه: (إنما هو بمنزلة المخاط) فنزّل النبي صلى الله عليه وسلم المني منزلة المخاط بجامع كون كل منهما فضلة عن البدن، والمخاط طاهر بالإجماع، فكذلك المني طاهر، إلحاقاً للفرع بالأصل، هذا بالنسبة لمسألة المني، ولذلك لما نزل الضيف على أم المؤمنين عائشة وأصبح وقد احتلم، وإذا به قد غسل ثوبه أنكرت عليه عائشة، وقالت: (كنت أحتّه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه وإن أثره في ذلك الثوب).
فالأقوى: أن المني طاهر، والقول بنجاسته محل نظر، ولهم أدلة تكلمنا عليها في شرح بلوغ المرام، فمن أراد التفصيل والإسهاب فليرجع إلى شرح عمدة الأحكام أو بلوغ المرام، فقد ذكرنا فيه المسألة بالأقوال والأدلة والردود والمناقشات، والصحيح كما ذكرنا: أنه طاهر، ويجزئ فيه الحك إذا كان يابساً، ولا حرج عليك أن تصلي ولو كان في الثوب، والله تعالى أعلم.
(23/18)
________________________________________
حكم الطائر الذي يصاد بالحجارة

السؤال
هل الطائر الذي يتم اصطياده بالرمي بالحجارة حلال، وكذلك الذي يصطاد بإطلاق النار عليه ويموت دون نزول الدم منه هل يجوز أكله؟

الجواب
الذي يرمى بالحجارة، أو بما يسمى في العرف بـ (النبال)، الذي يصيب الطيور ونحوها، هذا فيه تفصيل: إذا كان الحجر قد أصاب الصيد، ولهذا الحجر سن بحيث جرحت الطير وخزقته؛ فإنه يحل أكله، وهذا نادر ويكاد يكون شبه مستحيل في الرمي، لكن في بعض الصور قد يقع.
وأما إذا أصابه بالحجر ومات الصيد بضغط الحجر، سواء رماه بيده أو بالنبال أو بالمعراض؛ فإنه وقيذ، والوقيذ: هو الذي يموت بفعل الرض بالحجر أو نحوه، ولذلك لا يجوز أكله إذا كان وجده ميتاً، والدليل على اشتراط الخزق: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله عدي بن حاتم فقال: (يا رسول الله! إني أصيد بهذه البزاة وأصيد بكلبي المعلم وبكلبي غير المعلم ثم ذكر له المعراض، فقال صلى الله عليه وسلم: إن خزق فكل، وما أصاب بعرضه فلا تأكل).
فالمعراض هو السهم الذي يكون بدون سن، ومعلوم أن السهام كانت توضع لها حديدة تسمى: الزج، مثلثة في رأس السهم، وهذه الحديدة المثلثة التي في رأس السهم ذكر العلماء رحمة الله عليهم الحكمة منها -كما ذكر ذلك القلقشندي في كتابه: (صبح الأعشى) والدميري في (نهاية الأرب) - يقولون: إن هذه تعين على عدم تذبذب السهم، فهذه الحديدة في العادة إذا أصابت فريسة فإنها إما أن تقتلها أو تعقرها، ولذلك إذا أصابها السهم ثم نزعته أضر ذلك بالفريسة، ففي بعض الأحيان تكون الحديدة غير موجودة، ويكون السهم غير مزجج -أي: ليس فيه الزج الذي هو من الحديد- فهذا السهم الذي يصيد يصيد بالعرض؛ لأنه إذا أصاب بالخزق يكون مثل الحديدة، فسأل أبو ثعلبة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن صيده بالمعراض، لأن المعراض يأتي ويضرب الفريسة بالعرض، كأن تكون الفريسة طائراً أو نحوه فيترنح السهم فيضرب الفريسة، فمع الخوف وشدة الضربة تسقط الفريسة ميتة، فسأل عن هذا؛ لأنه ليس فيه إنهار للدم ولا خزق للفريسة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن أصاب بعرضه؛ فلا تأكل، وإن خزق فكل) فركب الأمر على وجود الخزق، فالحجر في حكمه، إن أنهر الدم دخل في قوله: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه؛ فكل) وإن لم ينهر دماً ولم يخزق؛ فإنه لا يجوز أكله وهو الوقيذ؛ ولذلك قال الله تعالى في المحرمات: {وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة:3] فالموقوذة محرمة بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، فالطيور التي تصاد بالحجارة دون أن تخزق هذه محرمة ولا يجوز أكلها، وهكذا بالنسبة للطلقات النارية، إن كانت الطلقة لم تخزق؛ فإنه لا يحل أكل الصيد، وأما إذا خزقت ودخلت فيه وأنهرت دمه؛ فإنه صيد حلال، ويجوز أكله، والله تعالى أعلم.
(23/19)
________________________________________
حكم شرب لبن الحمر الأهلية للتداوي

السؤال
هل يجوز شرب لبن الحمر الأهلية لعلاج بعض الأمراض أم لا؟

الجواب
لبن الحمار الأهلي ينفع للسعال، وهذا من غرائب الأطباء القدماء، فإن السعال يأتي في الصدر وفي الصوت فيمنع الإنسان حتى من صوته، وخاصة السعال الديكي، فنظروا إلى أقوى الحيوانات صوتاً ونفساً فوجدوا الحمار، فأدركوا أن الغالب أن لبنه تكون فيه هذه الخاصية، ولذلك يرضع صغيره كبيره كما قال تعالى: {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19].
فالمقصود: أن هذا قد نبه عليه ابن خلدون -ويقولون: إن الطب اكتشافه كان بالاستقراء والتتبع؛ لأن الله وضع الدلائل والعلامات والأمارات- فاستنبطوا من خصائص الحمار وقوة صوته أن يكون لبنه نافعاً في هذا، ولذلك يستثنون لبن الحمار إذا أعيت الحيلة- عند من يقول بجواز التداوي بالنجس عند الضرورة- ويقولون: إذا أعيت الحيلة في المريض بالصدر جاز استخدامه، وهذا يقع، خاصة في بعض الأطفال -أجارنا الله وإياكم- أن يحصل لهم هذا، وأذكر بعض القرابة أنه سقط كالميت ما وجد له علاج، حتى جاء طبيب شعبي -وهذا قبل قرابة ثلاثين سنة- وقال: لا علاج له إلا قطرات يسيرة من لبن الحمار في أنفه، وفعلاً -سبحان الله العظيم! - لما نقطت شفي بإذن الله عز وجل، وقد أشار إلى هذا بعض العلماء بقوله: وجاز الانتفاع بالأنجاس في مسائلاً نظم بعدها يفي في جلد ميتة إذا ما دبغا ولحمها للاضطرار سوغا وشحمها تدهن منه البكرة عظامها بها تصفى الفضة ولبن الأتن للسعال والجلد للرئمان فيه جالي (لبن الأتن) الأتان: هي أنثى الحمار (للسعال) أي: الديكي ونحوه، (والجلد للرئمان فيه جالي)، في بعض الأحيان تموت الناقة أو البقرة فيمتنع صبيها أو صغيرها من الأكل، فماذا يفعلون له؟ يأتون بجلد أمه ويضعون فيه العلف، فإذا شم رائحة أمه أقبل على الطعام، وهذا من غريب ما يذكرونه.
فقال: (والجلد للرئمان فيه جالي)، الرئمان: صغار البقر.
(جالي) يعني: واضح من الجلاء، فهذه كلها مسائل تستثنى من الأنجاس؛ لأن الجلد نجس، ولو دبغ جلد البقرة لخرج ما ينتفع به صغيرها؛ لأن الصغير يريد أن يشم رائحة أمه ودمها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(23/20)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحيض [1]
جاء الإسلام مبيناً لأحكام كثيرة مما يتعلق بالمرأة، ومن هذه الأحكام: أحكام الحيض، فقد جاء الشرع ببيانها، وذكر تفاصيلها، كبداية سن الحيض ونهايته، وأقل مدة الحيض وأكثرها، وأقل مدة الطهر وأكثره، والأشياء التي يحرم على الحائض القيام بها وغيرها من المسائل الكثيرة المتعلقة بهذا الباب.
(24/1)
________________________________________
أهمية دراسة باب الحيض
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [باب الحيض].
الحيض باب عظيم، وتتفرع عليه مسائل عظيمة تتعلق بعبادات الناس ومعاملاتهم، ولذلك اعتنى المحدثون والفقهاء رحمة الله عليهم بهذا الباب، وما من كتاب يتكلم على أحكام الشريعة في العبادات إلا وعقد لهذا المبحث موضعاً خاصاً أورد فيه الأحاديث والأحكام الخاصة به، وهو باب عظيم، وإتقانه ليس من السهولة بمكان بل هو عسير إلا على من يسره الله عليه، ولذلك قال الإمام النووي رحمه الله: إنه من عويص المسائل ومن عويص الأبواب، يعني: من أشدها وأعظمها، ولا شك أن الذي يتقنه يسد ثغرة من ثغور الإسلام، والسبب في ذلك: أن المرأة تلتبس عليها صلاتها، وصيامها، وعمرتها، وحجها، وغير ذلك من عباداتها التي تشترط لها الطهارة، ويلتبس على الرجل حل طلاقه وكذلك إباحة إصابته لامرأته، واستمتاعه بها، وجواز تطليقه وعدم جوازه، وانقضاء العدة وعدم انقضائها، وكل هذه المسائل تتفرع على إتقان باب الحيض، ولذلك لاشك أن طالب العلم ينبغي عليه أن يعتني به، وأن يوليه من العناية والرعاية ما هو خليق به.
وقد ألف العلماء رحمة الله عليهم فيه تآليف مفيدة، وجمعها الإمام الدارمي في كتاب مستقل، وجمعها الإمام النووي رحمه الله فيما لا يقل عن مائتي صفحة، وقال: إنه لم يستوعب شتاتها مع هذا كله، وكتب فيها بعض العلماء خمسمائة ورقة، أي: قرابة ألف صفحة في هذه المسائل، وهو أمر دقيق.
وقد يقول قائل: كيف يكون عسيراً والأحاديث فيه قليلة، وربما أن الإنسان إذا تفرغ له وأتقن أصوله أَلَمَّ به؟ نقول: الواقع بخلاف ذلك، وأحب أن أنبه على مسألة: وهي أن الحيض حينما يبحث فإنه يبحث من وجهين: الوجه الأول: أصول باب الحيض.
والوجه الثاني: الفروع المتعلقة بهذه الأصول فأما الأصول فهي منحصرة ومحدودة، ويمكن للإنسان أن يضبط أحاديثها ولا إشكال فيها، ولكن الإشكال في الفروع، وقد يقول قائل: من أين جاءتنا هذه الفروع التي عُقِّد بها باب الحيض أو وُسّع فيه؟

الجواب
أنه ينبغي على طالب العلم أن يتنبه إلى أن الحوادث والنوازل والفروع لا تتقيد، ولذلك قد تكون المسائل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة منحصرة، ثم إذا جاءت من بعد ذلك القرون تعددت المسائل؛ لأن مسائل الحيض في القديم -على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى قرابة عصور الخلفاء الراشدين- تجدها على بيئة واحدة، وهي بيئة الجزيرة، فتجدها منحصرة، لكن لما اختلفت البيئات وفتحت الفتوح ووجدت الأجناس، أصبحت مسائل الحيض واسعة، حتى إن بعض أئمة الحديث يقول: في الحيض ما يقرب من مائة حديث، ولهذه الأحاديث ما يقرب من مائة وخمسين طريقاً، وقد جمَعتُ فيها ما لا يقل عن خمسمائة ورقة، ولذلك قال الإمام ابن العربي المالكي رحمة الله عليه: وهي مسائل تأكل الكبد، وتنهض الكتد، ولا يتقنها منكم أحد، فباب الحيض باب عظيم، يقول الإمام أحمد رحمة الله عليه عن هذا الباب: إنه جلس فيه تسع سنوات حتى فهمه.
(24/2)
________________________________________
التحذير من الاستهزاء بالعلماء لاهتمامهم بباب الحيض
وللأسف نجد من يُثَرّب على العلماء ويقول: إنهم علماء الحيض والنفاس، ووالله الذي لا إله إلا هو، لو أمست امرأته حائضاً وهو لا يعرف أحكام الحيض والنفاس لما أحسن جوابها، ولعرف قدر علماء الحيض والنفاس، ولذلك لا يجوز لأحد أن يستخفّ بهذا الباب، والاستخفاف به يدل على هوى صاحبه.
فلو أن إنساناً استخف بالعلماء وقال: علماء الحيض والنفاس! فقد يخشى عليه الكفر؛ لأنه يستهزئ بعلماء الدين، وهذه كلمة كما قال تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15]، ولذلك ما جاء الأمة البلاء إلا من الغلو، فتجد العابد الصائم القائم يحتقر طلاب العلم ويحس أن الدين هو الصيام والقيام، وتجد طالب العلم يحتقر العابد ويقول: هذا جالس يصلي ويصوم ويحتقر عبادته؛ وذلك لأن طالب العلم يغلو في طلب العلم، والعابد يغلو في العبادة، وهذا لا يجوز؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أهلك من كان قبلكم الغلو) فلا يجوز الغلو في الدين.
والإنسان إذا أراد أن يمسك باباً فلا يحتقر غيره، فكلٌ على ثغرة، والله يقول: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148] فأنبه على هذا؛ لأنها مسألة عارضة، وهي خطيرة جداً أن يستهزأ بالعلماء، ومسألة الاستهزاء بالفقهاء -أي: الاستخفاف بالفقه- وذكر مسائل الحيض والنفاس قديمة وليست وليدة اليوم، ولكن ينبغي على طلاب العلم أن يتنبهوا لهذه الآفة من آفات اللسان، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الهوى والردى، والمقصود: أن هذا الباب باب عظيم وينبغي على طالب العلم أن ينتبه له.
(24/3)
________________________________________
حالات المرأة في الحيض
الإشكال في هذا الباب أن المرأة لا تخلو من أن تكون مبتدأة، أو معتادة، أو مميزة، أو متحيرة.
أربع حالات: إما أن تكون مبتدأة: والمبتدأة هي التي ابتدأها الحيض، أي: جاءها لأول مرة.
وإما أن تكون معتادة: وهي التي عاودها الحيض ثلاث مرات فأكثر على وتيرة واحدة.
أو تكون مميزة: وهي المرأة التي تعرف دم الحيض، وتميزه بلونه، ورائحته، وغلظه، ورقته، والألم وعدمه.
أو تكون متحيرة، والمتحيرة والمحيرة قالوا: متحيرة: في نفسها لا تستطيع أن تميز، ومحيرة: لأنها حيرت العلماء؛ لأن مسائلها تتداخل، فتارة ينظر إلى التمييز، وقد لا تستطيع أن تميز، وتارة ينظر إلى الأمد والزمان فتردها إلى أقل الحيض، وتارة ترد إلى أكثر الحيض، فاحتار العلماء فيها.
فأكثر مسائل الحيض وإشكالاته في المميزة والمتحيرة، وأعقدها في المتحيرة، وقد تكون هناك مسائل متداخلة في الحيض، كأن يدخل الحيض على النفاس، فتكون المرأة نفساء ثم لا تشعر إلا وقد طهرت، فتطهر يوماً كاملاً وترى النقاء، ثم يدخل الحيض على النفاس.
المقصود: أن باب الحيض باب دقيق، وهذه الفروع ينبغي أن لا تحتقر، بمعنى: إذا مرت علينا مسائل أو فروع للعلماء فينبغي على طالب العلم أن ينتبه لها، وكان بعض طلاب العلم إبان الطلب يستخفون بهذه المسائل ويقولون: هذه التفريعات ما أنزل الله بها من سلطان، والواقع أننا لما قرأناها وجدناها من ألذ ما يكون في دراستها وضبطها وينفع الله بك المسلمين خيراً كثيراً، فكم من إشكالات وعويص مسائل تزال بإتقان هذا الباب، وهي بسيطة -إن شاء الله- إذا يسر الله على طالب العلم بحيث يعرف أصول كل نوع من النساء وضابطه، أي: يعرف أصل كل حكم يريد أن يقرره، فيستطيع أن يعرف ما تفرع عنه.
ويحتاج كتاب الحيض إلى إلمام وإتقان، ولا تزال الأمة بحاجة إلى الإتقان من طلاب العلم، بل إن الإمام النووي في القرن السابع يقول: وقد غلط فيه العلماء.
وهذا في القرن السابع، واليوم قلَّ -إلا من رحم الله- من يتقن مسائل الحيض، فقد تجد الواحد يقول: الأمر يسير! ويقفل الباب من بدايته، وقد يرد المرأة إلى عادة أمثالها أو أضرابها، ويقول: تنظر عادة أمها أو أختها وتعمل على ذلك وينتهي الإشكال، لكن لا يستطيع أن يعطيك أصلاً أو حجة تدل على أنه قد فهم هذا الباب وأَلَمّ بأصوله، ولذلك ينبغي على طلاب العلم أن ينتبهوا، وأنبه هنا على أنه لو ترجح عندنا -مثلاً- أن المرأة تبني على الغالب فنقول لها: تحيّضي خمساً أو ستاً أو سبعاً في علم الله عز وجل وينتهي الإشكال، فهذا راجح بالنسبة لظننا، والحديث في هذا حسن ولا يقتضي أن غيره مرجوح من كل وجه، وأنه هو الحق الذي لا مرية فيه، فقد تكون التفريعات التي ذكرها العلماء فيها الصواب وفيها ما يوافق الحق في بعض الصور وهي خارجة عن هذا الحديث، فلذلك نقول: ينبغي على طالب العلم أن يتقن هذا الباب ويلمّ به ويوليه من العناية ما هو خليق به.
والكتاب الذي معنا مباحث الحيض فيه مختصرة، ولكن لا شك أن فيها إلماماً بأصول جيدة في باب الحيض، وقد ننبه على بعض الفروع، ونسأل الله عز وجل التوفيق والرعاية.
(24/4)
________________________________________
تعريف الحيض لغة وأحكامه
الحيض في اللغة: السيلان.
يقال: حاض الوادي إذا سال ماؤه، وحاضت السمرة -وهي نوع من الشجر- إذا سال منها سائل كالصمغ، فيقولون لها: حاضت.
ويقال: المرأة حائض وحائضة، ونُوزع في الثاني؛ لأن الذي لا يشترك فيه الذكر والأنثى لا يؤنث.
قالوا: فيقال: امرأة حائض، كما يقال: امرأة طالق؛ لأن الرجل لا يَطْلُق، وكذلك الرجل لا يحيض، ولا يقال: امرأة طالقة أو حاملة؛ لأن هذا مما يختص به الإناث فلا حاجة للتأنيث؛ لأن الأصل في التأنيث أن يكون فيما يفصل فيه بين الذكر والأنثى مما يدخله الاشتراك.
وأما بالنسبة للاصطلاح فاختلفت تعاريف العلماء للحيض اصطلاحاً، لكن عند النظر فيها تستطيع أن تستجمع منها قولهم: دم يرخيه رحم المرأة عادة، وبعضهم يقول: دم يرخيه رحم المرأة لغير مرض أو ولادة.
فقولهم: (يرخيه) أي: يسيل منه، وقولهم: (رحم المرأة) قال بعضهم: فرج المرأة، ولكن التعبير بالرحم أدق.
وقولهم: (رحم المرأة) وخرج من هذا الرجل، وقولهم: (رحم المرأة) على التغليب، ولذلك يقولون: يشترط فيه ألا يكون لمرض أو لولادة، فإن كان لمرض: فهو استحاضة، وإن كان لولادة: فهو نفاس.
فإذا كان لمرض فهو استحاضة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك عرق)؛ وسميت الاستحاضة استحاضة؛ لأن الأصل الحيض، فإذا استمر الدم معها فوق أمد الحيض قالوا: استحاضة، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أي: زاد عن قدره المألوف المعروف.
وأما قولهم: (لغير ولادة) فهو إخراج لدم النفاس.
وبعض العلماء يقول: دم جبلة وطبيعة يرخيه رحم المرأة لغير ولادة، وهذا أيضاً تعبير دقيق.
فقولهم: (دم طبيعة وجِبِلة) يُخْرج دم الاستحاضة؛ لأنه لغير طبيعة وهو عارض.
وقولهم: (لغير ولادة) يُخْرج دم النفاس والمعنى كله متقارب.
أما بالنسبة للحيض فذكره المصنف رحمه الله في هذا الموضع لتعلقه بمباحث الطهارة؛ حيث يحكم بكون المرأة طاهراً، وبكونها يحل وطؤها ويحل طلاقها كما سيأتي -إن شاء الله- في الفروع المتعلقة بالحيض.
وأما بالنسبة لمناسبة ذكره بعد إزالة النجاسة: فدم الحيض دم نجس بالإجماع، وهو نوع من أنواع النجاسات، ويُحَبّب لطالب العلم -لو أمكنه- أن يقرأ بعض كلام الأطباء في هذا الدم الذي يرخيه الرحم، وينظر إلى بديع صنع الله عز وجل وعظيم حكمته، وجليل علمه سبحانه وتعالى، فلو قرأت عن الحِكَم التي توجد في هذا الدم.
في كيفية خروجه، وكيفية إرخاء الرحم له، وكيف يتهيأ ذلك الرحم لإخراجه وإفرازه، ثم كيف ينقبض بإذن الله عز وجل عند الخروج؛ لأن هذا الدم يتهيأ الرحم بعده للحمل، وتفرز الهرمونات التي تعين على الحمل، حتى إذا شعر المبيض أنه ليست هناك ولادة امتنع من إفراز هرمون الحمل، فأخذت الأوعية تتقلص، ثم أخذت تفرز ذلك الدم، فإذا به يتجلط في ذلك الموضع، ثم يرسل الله عز وجل له كالخميرة تفكك هذا التجلط، فلو مكث سنوات فإنه لا يتجلط في ذلك المكان -سبحان الله! - وهذا من عظمة الله جل جلاله.
ويوجد كلام جيد في الموسوعة الطبية التي ألفها مجموعة من الأطباء، وأيضاً للدكتور محمد بن علي البار كلام طيب في دورة الأرحام، وينبغي على طالب العلم أن يُّلم بهذه الأشياء، وبعضها قد تنبني عليه أحكام فقهية، وأرى أن طالب العلم ينبغي أن يجمع بين الفقه وفهم بعض الحِكَم والأسرار حتى يكون الفقه معيناً له على العبادة، ولذلك أخبر الله عز وجل أنه لا أحسن منه حُكماً لقوم يوقنون، أي: عندهم اليقين وعندهم الإيمان؛ لأن الإنسان إذا تأمل الأحكام الشرعية ونظر فيها أدرك عظمة الله جل جلاله وحكمته، ولو جاء بعكسها لعلم عظمة هذا الحُكم، وأنه ليس أسلم منه ولا أحسن منه ولا أكمل، وكذلك عندما تقرأ بعض الحِكم الموجودة في خلق دم الحيض وتكوينه، وكيف يخرج، وصفة خروجه، ربما أنك تستعين بها في بعض المواضع للتدليل على عظمة الله وعلى قدرته سبحانه وتعالى.
فالفقيه ينبغي أن يجمع بين مادة الفقه والحِكم والمعاني المستفادة من الفقه، ففي هذين الموضعين -في الموسوعة الطبية ودورة الأرحام- كلام جيد حبذا لطالب العلم أن يقرأه ويلمّ به، ويقولون: إن السائل الذي يفرز مع دم الحيض يقتل الجراثيم، أي: فيه من القوة على قتل الجراثيم والمكروبات الشيء العجيب، ولو نظر الإنسان إلى أن الله عز وجل لو ترك هذا الموضع دون وجود مثل هذا الشيء لربما أصيبت المرأة بكثير من الأمراض، بل إن الرجل بحكم ما يحصل من الاتصال بينهما ربما يصاب بهذه الأمراض، فالحمد لله على لطفه ورحمته بالعباد.
وهذا الباب كما قلنا باب من أبواب الطهارة، ووردت نصوص في الكتاب ونصوص في السُّنة تبين بعض مسائله والأحكام المتعلقة به، ولذلك سنبين بعضها -إن شاء الله- عند ذكر العبارات التي يذكرها المصنف، وقد نتوسع في هذه العبارات، فيحبذ لطالب العلم أن يلم بالأصل الذي نذكره، والفروع التي تنبني على ذلك الأصل.
(24/5)
________________________________________
أسماء الحيض
الحيض له أسماء ومنها: النفاس، والإكبار، والإعصار، والطمث، والضحك، فكل هذه أسماء للحيض.
فالحيض: اسمه في الكتاب والسُّنة، والنفاس: جاء فيه حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في حجة الوداع لما حاضت: (مالك أنفست؟ ذاك شيء كتبه الله على بنات آدم) (أنفست؟) أي: أصابك الدم، فسمى الحيض نفاساً، ويسمى أيضاً الحيض بالضحك؛ ومنه قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود:71] فقول طائفة من المفسرين أن قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود:71] أي: أصابها الحيض حتى تتأهل به للحمل، وإن كان بعض العلماء ينازع في هذا الإطلاق، ولكن في لغة العرب يوجد هذا المعنى وفيها ما يدل عليه.
(24/6)
________________________________________
بداية زمن الحيض
قال رحمه الله: [لا حيض قبل تسع سنين ولا بعد خمسين]: يقول المصنف رحمه الله: (لا حيض قبل تسع سنين) أي: لا حيض للمرأة إذا كان عمرها دون تسع سنين، وهذه المسألة تُعرف عند العلماء ببداية زمن الحيض، ونظيرها: نهاية زمن الحيض.
والعلماء يبحثون مسألة بداية الحيض ونهاية الحيض؛ لأن المرأة ربما يصيبها الدم وهي بنت ثمان سنوات -فرضاً- فهل نحكم بكونها حائضاً، أو نقول: إن الدم دم استحاضة؟ فإن جعلت للحيض زماناً يُبتدأ فيه الحكم بكون المرأة حائضاً فتقول: ما قبله استحاضة، وأي دم يصيب المرأة قبل هذا الأمد تحكم بكونه استحاضة، ولا تحكم بكونه حيضاً، فلو أن المرأة أصابها الدم وهي بنت ثمان سنوات ثم سألت، فإن قلت: الحيض يأتي قبل التاسعة وكان على أمد الحيض وجاوز إلى أمد الحيض فتقول: إنها بالغة وحكمها حكم الحائض.
أما لو قلت: التسع سنوات أمد؛ فإنك تحكم بكونها مستحاضة ولم تبلغ بعد، وهي في حكم الطفلة، والدم الذي معها دم عارض وليس بدم طبيعة ولا جبلة.
ومسألة أقل زمان الحيض فيها أقوال: قال بعض العلماء: أقله تسع سنوات، ويكاد يكون هذا القول للجمهور.
والقول الثاني: أن أقل زمن تحيض فيه المرأة ست سنوات.
والقول الثالث: أنه اثنتا عشرة سنة، هذه ثلاثة أقوال.
القول الرابع: أنه سبع سنوات.
فالقول الست هو لبعض فقهاء الحنفية، والسبع أيضاً مثلها، والاثنا عشر لبعض فقهاء الشافعية، ولكن الجمهور على التسع وهو الصحيح والأقوى، والسبب في صحته وقوته: أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على عائشة وهي بنت ست سنوات، ونكحها ودخل بها وهي بنت تسع سنوات، فدل على أن التاسعة تتأهل بها المرأة للحيض، وأيضاً دلالة العرف، ولذلك قالوا: قلّ أن تحيض المرأة قبل التسع، وأُثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إذا بلغت الجارية تسع سنوات فهي امرأة)، أي: أنها بالتسع السنوات تتهيأ لكونها امرأة، وأعجل النساء حيضاً اللاتي يكن في المناطق الحارة، ولذلك قال الإمام الشافعي: أعجل من رأيت من النساء في الحيض نساء تهامة، وجدت جدة ابنة تسع عشرة سنة.
أي: تزوجت وهي بنت تسع سنوات، فأنجبت حملها وهي بنت عشر، ثم هذه البنت في التسع سنوات أيضاً تزوجت مثل أمها، وأنجبت وهي على آخر التسع، فتكون أمها على أواخر التسع عشرة سنة، ولذلك يقولون: هذا من أغرب ما يكون في النساء، فالتسع تكاد تكون هي الغالب، والقاعدة: أن النادر لا حكم له، وأن الحكم للغالب، هذا بالنسبة لأقل زمان يمكن للمرأة أن تحيض فيه.
(24/7)
________________________________________
نهاية الحيض
وأما بالنسبة لأكثره: فقال الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق:4]، وهو نهاية الحيض، ولذلك قال العلماء: (آخر سنّ ينقطع فيه دم الحيض هو خمسون عاماً) على ما ذكر المصنف، وقال بعض أهل العلم: ستون، وقال بعضهم -وهو القول الثالث والأقوى والأقرب للصواب إن شاء الله- أن هذا يختلف باختلاف البيئات والنساء، وطبيعة الأرض التي فيها المرأة، فالبلاد الحارّة تختلف عن البلاد الباردة في طبائع النساء، ولذلك يرد إلى العرف، ويضبط بضابطه.
فإذا تقرر أن آخر أو أكثر الحيض أو نهاية سن الحيض هي الخمسون -بناءً على ما ذكر المصنف- فينبني على هذا أن المرأة لو بلغت الخمسين ودخلت -مثلاً- في إحدى وخمسين ورئي معها الدم فيعتبر استحاضة، ولا يعطى حكم دم الحيض، وينبني عليه أيضاً أنها تعتد بالأشهر ولا تعتد بالحيض؛ لأن الدم الذي معها أُلغي، فهذه فائدة معرفة آخر زمن للحيض، فإنك إذا أثبت أنه يتأقّت، فببلوغ المرأة لهذا الأمد المؤقت يحكم بكونها منقطعة من الحيض آيسة منه فتعتد بالأشهر.
(24/8)
________________________________________
اختلاف العلماء في اجتماع الحيض والحمل
قال رحمه الله: [ولا مع حمل].
لأن الله جعل عدة الحوامل إلقاء الحمل، فإذا ولدت خرجت من عدتها: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4]، فلو كانت الحامل تحيض لجعل عدتها بالأقراء إعمالاً للأصل، ولذلك قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: كان الحمل يعرف بانقطاع الدم.
أي: أن الحمل من طبيعته ومن شأنه أنه يعرف بانقطاع دم الحيض، فدلّ على أنه لا يجتمع الحيض والحمل، وقال طائفة من العلماء: إنه يجتمع الحيض والحمل، وهو مذهب بعض أهل العلم، منهم المالكية، وعندهم تفصيل في ضوابط الحيض في الحمل، لكن الذي يقويه الطب: أن الحامل لا تحيض.
فائدة الخلاف: أنه لو حملت المرأة وجرى معها دم، فإن قلنا: إن الحامل تحيض وجاء في أمد الحيض حكم بكونه دم حيض، ومنعت من الصلاة والصيام، وإن قلنا: إن الحامل لا تحيض، ففي هذه الحالة يحكم بكونه دم فساد وعلة على الصحيح الذي ذكرناه.
(24/9)
________________________________________
أقل مدة الحيض
قال المصنف رحمه الله: [وأقلّه يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً].
بعد أن بين لك -رحمه الله- من هي المرأة التي تحيض -وهذا تسلسل في الأفكار- وبين لك أن أقل سن تحيض فيه تسع سنوات، وأن أقصى أمد الحيض هو الخمسون، وأن هذا الحيض شرطه أو محله أن لا تكون المرأة حاملاً، إذا ثبت هذا وعرفت من هي المرأة التي تحيض، يرد السؤال الآتي: ما هو أقل أمد للحيض؟ وما هو أكثره؟ لأنك إذا عرفت المحل الذي هو للحيض، يرد السؤال عن نفس الحيض، فتتدرج في الأفكار: فتعرف أول شيء من هي المرأة التي يمكن أن يحكم بكونها من أهل الحيض، والتي يمكن أن يحكم بأنها ليست من أهل الحيض، فإذا عرفت المرأة التي هي من أهل الحيض يرد

السؤال
ما هي الضوابط المعتبرة لهذا الدم؟ ومتى نحكم بكونه دم حيض؟ وما هو أقل أمده، وما هو أكثره؟ فقال رحمه الله: (وأقله) أي: أقل الحيض (يوم وليلة) هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: قال بعض العلماء: لا حد لأقل الحيض، كما هو مذهب المالكية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع.
القول الثاني: أن أقله يوم وليلة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، كما درج عليه المصنف رحمة الله على الجميع.
القول الثالث: أن أقله ثلاثة أيام، وهو مذهب الحنفية.
هذه ثلاثة أقوال، والأقوى والأصح: أن أنه لا حدّ لأقله.
فائدة هذا الخلاف كالآتي: الذي يقول: إنه لا حد لأقل الحيض يقول: إذا رأت المرأة دم الحيض في زمان الحيض وإمكانه، واستمر ولو ساعة من نهار فإنه يحكم بكونها حائضاً، والذي يقول: إن أقله يوم وليلة، يقول: إن جرى الدم من المرأة واستمر يوماً كاملاً -أربعاً وعشرين ساعة- فهو دم حيض، وإن استمر ثلاثاً وعشرين ساعة، ولم يتم الأربع والعشرين فهو دم استحاضة، لا يمنع صوماً ولا صلاةً.
ومن قال: وأن أقله ثلاثة أيام فكاليوم والليلة.
فإذاً: عندنا ثلاثة أقوال؛ قول يقول: الحيض لا أقل له، حتى إنه بالإمكان أن يحكم بكونها حائضاً ولو للحظة من نهار، ولو بدفعة واحدة، ويسمونها: دفعة الدم، فإذا دفعت دفعة واحدة من الدم في وقتها أو في ما يعتبر إمكاناً للحيض فيقولون: هذا حيض.
أما أصحاب القول الثاني فيقولون: العبرة باليوم والليلة، فلو أنها دفعت دماً لأقل من يوم وليلة فهو دم استحاضة وليس بدم حيض، فلا يمنع صوماً ولا صلاة، ولا يأخذ حكم دم الحيض.
والذين يقولون بالثلاثة الأيام، يقولون: إن قل عن الثلاثة الأيام ولو ساعة واحدة؛ فهو دم استحاضة وليس بحيض.
وأصح هذه الأقوال -والعلم عند الله-: أن أقله لا حدّ له؛ وذلك لأنه لم يثبت دليل صحيح باعتبار التحديد، ولاشك أن البلاد مختلفة والبيئات مختلفة؛ ولذلك ما دام أن الزمان زمان حيض، فالأصل في هذا الدم -ما دام أنه يمكن أن يكون دم حيض- أنه دم حيض، وليس في الشرع دليل يدل على إلغائه، فنبقى على الأصل الموجب لاعتبار هذا الدم ما دام أنه في زمنه.
هذا بالنسبة لأقل الحيض.
(24/10)
________________________________________
أكثر مدة الحيض
قوله: (وأكثره خمسة عشر يوماً).
إذا عرفنا من هي المرأة التي تحيض، وعرفنا ما هو أقل الدم الذي يمكن أن نحكم بكونه حيضاً، وأنّ الصحيح أنه لا حدّ له؛ يرد

السؤال
فيقول لك قائل: هب أن هذه المرأة عمرها تسع سنوات، وجرى معها الدم، سواءً قلنا بمذهب من يقول: إن جرى معها الدم ولو دفعة فهو حيض، أو قلنا بمذهب من يقول: أقله يوم وليلة؛ فهو دم حيض على الأقوال كلها إذا استمر أكثر من ثلاثة أيام، فهل إذا استمر هذا الدم حتى بلغ أياماً، هل نقول: إنها تبقى حائضاً ما جرى معها دم الحيض، أم أن دم الحيض مؤقّت؟

الجواب
أن دم الحيض بالإجماع مؤّقت؛ بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضها)، وأخبر الله عز وجل في كتابه عن دم الحيض أنه منقطع: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، فأخبر أن للحيض غاية، فإذا ثبت أن للحيض نهاية وغاية، فيرد السؤال: ما هي هذه الغاية التي إذا بلغها الدم وجاوزها حكمنا بكونها مستحاضة؟ وما هي هذه الغاية التي يمكن -في حالة ما لو استمر الدم وانقطع لأقلها وعاودها- أن نثبت لها بها العادة؟ هذا سؤال وارد، ولذلك هذه المسألة تعرف بضدّ المسألة الأولى، المسألة الأولى: أقل الحيض، وهذه المسألة: أكثر الحيض.
ما هو أكثر الحيض؟ فالمرأة قد يجري منها دم الحيض ويستمر، وتكون أحياناً مبتدأة صغيرة يجري منها دم الحيض لأول مرة، فتفاجأ، ففوجئت بدم الحيض وقد استمر معها عشرين يوماً أو ثلاثين يوماً أو شهراً، فلا بد أن تحدد ما هي الحيض، وما هو الاستحاضة، وقد يستمر عشرة أيام، أو ثمانية أيام، أو تسعة أيام، وهكذا فإذًا: تحتاج إلى تأقيت أكثر الحيض، فقال لك: (خمسة عشر يوماً) وهذا على قول الجمهور، وفيه حديث: (تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلّي)، ولكنه متكلّم في سنده، لكن العمل عليه عند أهل العلم رحمة الله عليهم.
وهذا أكثر الحيض.
وفائدة معرفة أكثر الحيض: أنه إذا نزف معها الدم واستمر وجاوز أكثر الحيض، علمت أنها مستحاضة.
(24/11)
________________________________________
أغلب عادة النساء في الحيض
قال المصنف رحمه الله: [وغالبه ست أو سبع].
النساء إذا حضن لا بد أن تعرف القليل والكثير، وبيناه.
لكن يرد

السؤال
نحن علمنا أن أقل الحيض لا حد له، وأن أكثره خمسة عشر يوماً، فما هو غالب النساء؟ فقال: (غالبه ست أو سبع)، والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن: (تحيّضي في علم الله ستاً أو سبعاً)، أي: أن الغالب في النساء أن يستمر دم الحيض وتكون عادتها إما ستة أيام أو سبعة أيام، وللعلماء في قوله: (تحيّضي في علم الله ستّاً أو سبعاً) وجهان: قيل: التخيير؛ يعني: إن شئت أضفت اليوم السابع وإن شئت ألغيتيه.
وقيل -وهو الصحيح والأقوى-: إنه للجمع أي: (ستاً وسبعاً)؛ لأن (أو) تطلق في لغة العرب بمعنى الجمع، ومنه قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات:147] أي: ويزيدون؛ لأن الله لا يشك، وكقوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم:9] أي: وأدنى؛ لأن الله لا يشك.
وفي لغة العرب: كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية؛ أي: كانوا ثمانين وزادوا ثمانية.
فالمقصود أن قوله: (أو سبعاً) المراد به: الجمع.
فغالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام، ولكنه قد يختل هذا الغالب، فتكون المرأة عادتها خمسة أيام، وقد يختل بما هو أكثر وتكون عادتها تسعة أيام أو عشرة أيام، هذا بالنسبة لغالب الحيض.
(24/12)
________________________________________
أقل الطهر بين حيضتين
قال المصنف رحمه الله: [وأقلّ طهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً].
عندنا شيئان: شيء يسمى: الحيض، وشيء يسمى: استحاضة، وهناك شيء يسمى: الطهر، والطهر هو: النقاء، وأصل الطهر: النظافة؛ طهر الشيء إذا نظف، فمن حكمة الله جل وعلا في خلقه أن المرأة يجري معها دم الحيض، وينقطع عند أمد معيّن، وهذا في الغالب، فإذا انقطع تكون هناك علامتان على الانقطاع: العلامة الأولى: القَصّة البيضاء، وهي ماء كالجير يخرج من الموضع، ويعرفه النساء.
وهذه القَصّة البيضاء، هي التي عنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بقولها كما في صحيح البخاري: (انتظرن، لا تعجلِنّ حتى ترين القصة البيضاء).
العلامة الثانية: الجفوف، والجفوف: أن تضع المرأة القطن في الموضع فيخرج نقياً لا دم فيه، أي: يجف الموضع، وهذه مختلف فيها: هل هي علامة طهر، أو لا؟ فمن حكمة الله جل وعلا أن المرأة يجري معها الدم، ثم ينقطع بعلامة تدل على الطهر، فتبقى طاهراً أمداً، وهذا الأمد يقل ويكثر، ولذلك يحتاج العالم والفقيه وطالب العلم أن يعرف ما هو أقل هذا الطهر بين الحيضة والحيضة؛ لأن المرأة إذا انتهت حيضتها الأولى دخلت في الطهر، ثم أتبعت الطهر بحيضة ثانية، فما بين الحيضتين يسمى: طهراً ونقاءً، وهذا الطهر والنقاء مهم جداً لمعرفة بعض الأحكام الشرعية، خاصة في المرأة المتحيرة، أي: التي ليست عندها عادة، ولا تستطيع أن تميز حينما يجري معها الدم دائماً؛ فحينئذٍ: عندما تعرف أكثر الحيض، وأقل الطهر بين الحيضتين، تحكم بأقل الحيض وأقل الطهر، وتحكم بدخولها في الحيضة الثانية بعد مجاوزة أقل الطهر.
توضيح ذلك: مثلاً: لو قلنا بقول المصنف: إن أقل الحيض يوم وليلة، فلو أن امرأة استمر معها دم الحيض يوماً وليلةً، واستمر معها وجاوز أكثر الحيض، فبمجاوزة الدم لأكثر الحيض -وهي لم يأتها الحيض قبل وليست عندها عادة- يحصل الإشكال خاصة في المبتدأة والمتحيرة، فالمرأة التي ابتدأها الحيض -كالصغيرة التي يأتيها الحيض لأول مرة- نحكم بكون اليوم والليلة حيض -على قول المصنف ومن وافقه من الشافعية- فإذا جاوزت أكثر الحيض حُكم برجوعها إلى أقل الحيض، وتقول: هذه المرأة لما جاوزت أكثر الحيض تعتبر مستحاضة، إلا في اليقين الذي هو اليوم والليلة، فأعتبرها حائضاً يوماً وليلة، وما بعد اليوم والليلة تعتبر مستحاضة، فتصوم وتصلي، وتقضي صلواتها وصيامها، ثم إذا استمر الدم بها ستسأل وتقول: عرفت أن اليوم والليلة من الشهر الفلاني عليَّ فيه قضاء الصوم، لكن الدم استمر معي، فهل أبقى مستحاضة إلى الأبد، أم أني سأدخل في حيضة ثانية؟ ف

الجواب
أنها -طبعاً- ستدخل في حيضة ثانية، فكيف تحكم بدخولها في الحيضة الثانية؟ تنظر إلى أقلّ الطهر الذي ذكرناه، الذي هو -مثلاً- ثلاثة عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً على القول الثاني، فتضيف الثلاثة عشر يوماً إلى اليوم والليلة، فيكون اليوم الرابع عشر هو يوم دخولها في الحيضة الثانية حكماً، هذا إذا لم تكن لها عادة ولم يكن لها تمييز.
إذًا: معرفة أقل الطهر يستعان به في معرفة دخولها في الحيضة الثانية إذا اختلط عليها الأمر، كأن تكون متحيرة أو تكون مبتدأة لا عادة لها ولا تمييز.
هذا بالنسبة لمسألة أقلّ الطهر.
إذًا: عندنا أقل الحيض، وأكثر الحيض، فأقل الحيض نستفيد منه في الحكم بكون المرأة حائضاً أو ليست بحائض، فمن يؤقت يقول: ما دونه ليس بحيض، وما كان مثله وزاد فهو حيض، وأكثر الحيض قلنا: نستفيد منه في أنه إذا جاوزه الدم حكمنا بكونه استحاضة، ثم يبقى النظر: هل تردها إلى اليقين من أنها حائض يوماً وليلة عند من يقول بالتأقيت، أو تردها إلى أكثر الحيض أو إلى غالب الحيض؟ كلها أوجه للعلماء سنبينها إن شاء الله.
(24/13)
________________________________________
أكثر مدة للحيض
قال المصنف رحمه الله: [ولا حدّ لأكثره].
عرفنا أن أقل الحيض لا حد له، وأن أكثره خمسة عشر يوماً، وأن أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً.
فيرد

السؤال
ما هو الحد الأكثر للطهر؟ قال: لا حد لأكثره.
فالمرأة بالإمكان أنها تحيض ثم تطهر وتبقى طاهراً شهوراً، وقد تبقى طاهرا أمداً بعيداً؛ فلا حد لأكثر الطهر.
فلو سئلت: ما الفرق بين الطهر والحيض بالنسبة للتقدير؟ تقول: إن الحيض لا حد لأقله، وله حد لأكثره على الصحيح، والطهر لا حد لأكثره وله حد لأقله، فهو عكس للحيض تماماً.
(24/14)
________________________________________
ما يحرم على الحائض
قال المصنف رحمه الله: [وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة].
بعد أن بيَّن مقدمات كتاب الحيض، شرع رحمه الله في بيان مسألة مهمة وهي: الأشياء التي يمنع منها الحيض، والحيض يمنع عشرة أمور، ذكر المصنف رحمه الله أشهرها وأهمها.
(24/15)
________________________________________
منع الحائض من الصوم والصلاة
فقال رحمه الله: (وتقضي الصوم لا الصلاة) أي: هذه المرأة التي أصابها الحيض يحكم بمنعها من الصيام ومن الصلاة، فإذا انتهى الحيض وجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة.
أما الدليل على هذا الحكم: فحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والذي روته عمرة بنت عبد الرحمن أنها سألت أم المؤمنين: (ما بال الحائض -ما بال، أي: ما الشأن والحال- تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟) عمرة رحمها الله فقيهة من فقهاء التابعين رحمة الله عليهم أجمعين، فهذه الفقيهة الفاضلة سألت أم المؤمنين لماذا أمر الشرع المرأة الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ لماذا سألت؟

الجواب
لأن الصلاة في حكم الشرع أهم من الصوم، فالصلاة عماد الدين، وهي الركن الذي يلي الشهادتين.
(فقالت لها أم المؤمنين: أحرورية أنتِ؟) أي: هل أنت من الخوارج الذين يكثرون التشدق في الدين والتنطع فيه؟ وحرورية: نسبة إلى حروراء؛ وهو موضع كان فيه الخوارج.
(فقالت: لا، بل سائلة) أي: أستشكل فأسأل.
فقالت رضي الله عنها: (كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)، فدل على أن الحائض لا تصوم ولا تصلي، وأنه يلزمها قضاء الصوم ولا يلزمها قضاء الصلاة.
قال المصنف رحمه الله: [ولا يصحّان منها، بل يحرمان].
فلو أن امرأة علمت أنها حائض وصامت، فلا يصح صيامها، فإذا علمت بالتحريم وصامت فهي آثمة شرعاً، لكن لو كانت لا تدري أن هذا الدم دم حيض وكانت تظنه دم استحاضة، وصامت أو صلت ظانة أنها طاهر، ثم تبين أن هذا الدم دم حيض؛ فإنه لا إثم عليها ولا يحكم بصحة صومها ولا بصحة صلاتها، وهي غير مطالبة بالصلاة.
(24/16)
________________________________________
المنع من وطء الحائض في الفرج
قال المصنف رحمه الله: [ويحرم وطؤها في الفرج].
أي: يحرم على الرجل أن يجامع امرأته الحائض في فرجها، والدليل على ذلك: ما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، وقد نص الله عز وجل في التنزيل على تحريم وطء الحائض في قوله سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222]، وقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222] والمحيض: اسم مكان كالمقيل، أي: مكان الحيض، وفائدة هذا التحديد في الكتاب بكونه في المحيض أنها لا تُعتزل في غيره، وفي ذلك رد على اليهود، فقد كان اليهود -عليهم لعائن الله- إذا حاضت المرأة عندهم لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها، فجاء الإسلام بالسماحة واليسر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عائشة رضي الله عنها الإناء فتشرب وهي حائض ويشرب من الموضع الذي شربت منه، كل هذا مبالغة في الرد على اليهود، وإبطال ما كانوا عليه من أذية النساء بذلك.
فالمقصود: أن الذي حرمه الله عز وجل هو الوطء.
قوله: (الوطء في الفرج) يشمل ذلك القبل والدبر، أما الدبر فيحرم العموم، سواء كان في حيض أو غيره، وأما بالنسبة للقبل فهذا يتأقت بحال الحيض.
فيمنع الوطء في الفرج، لكن هل يستمتع بغير الفرج؟ هذه المسألة خلافية عند العلماء، والأصل عندهم أنه يجوز للرجل أن يستمتع بالمرأة إذا كانت حائضاً بغير الجماع، لكن يأمرها فتتّزر، وتلبس إزارها من ثوب ونحوه مما يغطي الموضع المحرم، وبعضهم يحدده بما بين السرة والركبة؛ لأن ما قارب الشيء أخذ حكمه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)، فلذلك قالوا: تتحدد الأزرة بما بين السرة والركبة، وأكدوا ذلك بقولها: (كان يأمر إحدانا فتتّزر فيباشرها وهي حائض) والأزرة: لا تكون أزرة إلا إذا غطت هذا الموضع، فالإزار الغالب فيه أن يكون بهذا القدر، فقال هؤلاء العلماء -وهو مذهب الاحتياط-: إنه يترك عليها من اللباس ما يكون غطاء للفرج وما حوله، ثم شأنه بما دون ذلك.
وقال بعضهم: المحرم عليه الفرجان، ولا مانع من أن يستمتع بغير الفرجين ولو كان بالمباشرة، يعني: أن المراد بالاتزار: أن تشد الموضع فقط، ثم لو لامس غير هذا الموضع -الذي هو موضع الجماع- فلا حرج عليه، على ظاهر القرآن: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض} [البقرة:222].
وهذا المذهب الثاني أقوى من جهة النص -ظاهر القرآن-: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض} [البقرة:222] وهذا تأقيت.
والمذهب الأول أحوط وأسلم، وأبرأ للذمة، وأبعد عن الشبهة.
وفرّق بعض العلماء -وهو قول ثالث- بين الذي يستطيع أن يضبط نفسه، والذي لا يستطيع أن يضبط.
فقالوا: يباشر بما دون الفرج قريباً من الفرج إذا كان يملك نفسه، والغالب عليه السلامة، وإلا فلا.
وتحريم الله وطء الحائض رحمة بالعباد، فقد ذكر الأطباء أن هذا -وطء الحائض- فيه أضرار، أي: أن هذا الحكم من الحكمة بمكان؛ لما فيه من دفع الضرر عن الزوج والزوجة، حتى أن بعض الأطباء في العصور المتأخرة يقول: أنه كان في إحدى الاجتماعات الطبية، فقالت امرأة طبيبة أنها وصلت إلى أمر هام في الطب وهو: أن من يجامع المرأة وهي حائض فإنه يلتهب عنده البروستات -غدة من غدد الجسم-.
فقال أحد الأطباء المسلمين: هذا الذي توصلتِ إليه اليوم عرفه المسلمون من أكثر من ثلاثة عشر قرناً؛ فإن الله عز وجل يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222] (قل هو أذىً) فأخبر أنه أذى، والأذية قد تكون بالضرر في الجسد؛ كما قال تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران:111]، فهو يشمل أذى الحس وأذى المعنى، فكان هذا من إعجاز القرآن، وإعجاز هذه الشريعة، فالمسلمون يعرفون أن هذا الشيء يفضي إلى الضرر، ويستوي في ذلك عوامهم وعلماؤهم.
فمن رحمة الله أنه حرم الجماع في هذا الوقت، وذكر بعض الأطباء أنه يؤدي إلى الإضرار بالمرأة أيضاً، وقالوا: حتى إنه ربما يؤدي إلى أضرار في نفسية المرأة، وعلى هذا فينبغي على طالب العلم أن يكون على إلمام بهذا، وللدكتور محمد علي البار بحث جيد في دورة الأرحام؛ نبه على الأخطار الطبية المترتبة على وجود الجماع في هذا الوقت الذي حرمه الله عز وجل، فينبغي لطالب العلم أن يطلع على هذه الأمور إن تيسر له ذلك؛ لأنها تؤكد حكم الشريعة، وزيادة في اليقين.
قوله: (يمنع) وهذا بالإجماع أنه لا يجوز الجماع؛ وذلك على ظاهر الكتاب وظاهر السُّنة.
(24/17)
________________________________________
كفارة جماع الزوجة الحائض
قال المصنف رحمه الله: [فإن فعل فعليه دينار أو نصفه كفارة].
(فإن فعل) أي: المكلف، تجاوز حدود الله عز وجل وجامع امرأته وهي حائض (فعليه دينار أو نصفه) الأصل في هذا حديث ابن عباس -اختلف في رفعه ووقفه- أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت هذا، وهو رواية أبي داود، وحسنه غير واحد من أهل العلم، ومنهم من صححه فقال: إنه صحيح لغيره، ومنهم من ضعفه، والقول بتحسينه أقوى، فهذا الحديث أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصدق بدينار أو نصف دينار.
ثم اختلف في هذه الصدقة، فقال بعض العلماء: إن قوله (دينار أو نصف دينار) للتنويع، فإن شاء تصدق بدينار وإن شاء تصدق بنصف دينار، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، أنه مخير بين أن يتصدق بالنصف وبين أن يتصدق بالدينار.
واستشكل بعض العلماء: كيف يؤمر بالأقل والأكثر في كفارة واحدة؟! وهذا ليس بإشكال؛ فإن الله عز وجل أمر من أفطر كالشيخ الكبير أو من لا يطيق الصوم بالفدية؛ وهي: إطعام مسكين، وهذا أقل شيء، ثم قال: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة:184] فذلك يدل على أنه قد يرد في الكفارة الجمع بين الأقل وبين الأكثر، وكذلك أيضاً: لا ضرر في هذا التخيير، إذ قد يجمع بين الشيء ونصفه، وقد يجمع بين الكامل ونصف الكامل، وذلك على سبيل الوجوب، فنقول: لا مانع أن الشرع يأمر بالدينار ونصف الدينار، ولا يتجه اعتراضهم بأنه جمع بين الكامل ونصف الكامل؛ لأن الله أباح قصر الصلاة في السفر، وثبت في السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرباعية تقصر إلى ركعتين، ومع هذا لو أتم صلاته -كأن يصلي وراء حاضر- فلا حرج عليه، فجمع بين النقص للنصف وبين كمال العبادة.
والمقصود: أنه إذا جاءت السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي حَكَم على كل قول، وبناءً على ذلك يتصدق بدينار أو نصف دينار على التخيير.
وقال بعض السلف -وهي فتوى ابن عباس رضي الله عنهما- سبب التخيير بين الدينار ونصف الدينار سببه: أن الجماع في الحيض يختلف، فإن كان في أول الحيض فدينار، وإن كان في آخره فنصف دينار.
وقال بعضهم -وهو قول ثان لبعض السلف أيضاً-: دينار إن كان في أول الحيض، ونصفه إن كان في أوسط الحيض أو آخره.
وتقسيم الحيض إلى أول ووسط وآخر يكون إما بالزمان وإما بالتمييز، مثال ذلك بالزمان: أن تكون عادة المرأة ستة أيام، فأوله: اليومان، وأوسطه: الثالث والرابع، وآخره: الخامس والسادس.
أما تأقيته بالصفات: فكأن يجري معها دم الحيض في الأيام الأول -يومان مثلاً- أحمر شديد الحمرة قريب إلى السواد، ثم يجري معها في اليومين الأوسطين أحمر شديد الحمرة، ثم في اليومين الأخيرين يجري معها أقل حمرة أو قريباً إلى الصفرة، فبناءً على هذا تؤقت إما بالزمان وإما بالصفة.
فإذا وقع في زمان شدة الدم وحمرته واشتداده في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصف.
وفتوى ابن عباس تقوي التفصيل؛ إن كان في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصف، وهو قول من القوة بمكان.
أما بالنسبة لقدر الدينار: فالدينار الإسلامي القديم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده إلى عهد الخلفاء وكذلك دينار عبد الملك بن مروان يعادل مثقالاً، والمثقال: يعادل بالجنيه السعودي الموجود الآن جنيهين إلا ربعاً، فيتلخص أن أربعة أسباع الجنيه السعودي تعادل قدر الواجب، فلو فرضنا أن الجنيه السعودي تقدر قيمته بسبعين ريالاً -مثلاً- فيصير أربعة أسباعه كم؟ تقسم السبعين على عشرة، وتخرج نسبتها فيكون السُبع عشرة، فأربعة أسباعه: أربعون ريالاً، أي: بما يجاوز نصف الجنيه بقليل.
قال المصنف رحمه الله: [ويستمتع منها بما دونه].
قوله رحمه الله: (ويستمتع) من المتعة وهي: اللذة.
وقوله: (بما دونه) أي: بما دون الموضع الذي حرم الله الجماع فيه، وظاهر كلام المصنف أنه سواء وُجد حائل أو لم يوجد حائل، وهي المسألة التي تعرف عند العلماء بـ (مسألة المفاخذة ونحوها).
فقال بعض العلماء -كما تقدم-: يجوز، وهو المفهوم من ظاهر كلام المصنف؛ ودليله حديث عائشة: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) وهذا عام، (وكل) -كما يقول الأصوليون-: من ألفاظ العموم، فله أن يستمتع بكل شيء ما لم يصل إلى الحرمة؛ كالوطء في الدبر، فهذا مما حرم الله، ولكن يبقى ما عداه على الأصل؛ لأن الله جعل المرأة عفة للرجل، وجعل الرجل عفة للمرأة.
(24/18)
________________________________________
ما يباح للمرأة عند انقطاع الدم
قال المصنف رحمه الله: [وإذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق].
المرأة إذا طهرت من الحيض، ورأت علامة الطهر، فهذه مرحلة أولى، تليها مرحلة ثانية وهي: تطهرها بنفسها، وذلك بالغسل من الحيض، فعندنا طهارتان: طهر للموضع بانقطاع الدم وبدوّ علامة الطهر، وطهر للمرأة، فالأول ليس بيدها، والثاني بيدها.
فإذا طهرت المرأة وتطهّرت -اغتسلت- فتخرج بالإجماع من أحكام الحيض ولا إشكال، لكن الإشكال لو طهرت من حيضها ولم تطهّر نفسها بالغسل؛ فهل يجوز أن يأتيها الرجل، أو لا يجوز أن يأتيها؟ وهل يجوز أن تتلبس بالمحظورات من الصيام ونحوه؟ قال رحمه الله: (لم يبح) يعني: لا يجوز له أن يجامعها إذا خرجت من حيضتها ولم تتطهّر، فلم يبح له أن يجامعها إلا بعد غسلها.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان رحمة الله عليه وعليهم، فقال: إذا انقطع دم الحيض جاز للرجل أن يجامع امرأته ولو لم تغتسل.
والصحيح: أنه لا يجوز أن يجامع إلا بعد اغتسالها؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222].
فالإمام أبو حنيفة يقول: (لا تقربوهن حتى يطهرن) فإذاً الجماع مؤقت بوجود الحيض، وما شرع لعلة يبطل بزوالها كما هي القاعدة في الأصول، فلما زال دم الحيض زال المانع، فجاز له أن يجامع، هذا بالنسبة لقول الإمام أبي حنيفة.
لكن الجمهور قالوا: إن في الآية غاية وشرطاً؛ فالغاية في قوله: (حتى يطهرن)، والشرط في قوله: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله).
قال الإمام أبو حنيفة: العبرة بالغاية؛ لأن القاعدة في الأصول: أن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها في الحكم؛ لأنه لو كان الذي بعد الغاية كالذي قبلها فأي فائدة للغاية؟ فإذاً فائدة وجود الغاية أن تعرف أن ما بعدها يخالف ما قبلها في الحكم.
فالإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: (حتى يطهرن) وقّت الله عز وجل به القربان، وهو الكناية عن الجماع، ففهمنا أنها إذا طهرت جاز أن يأتيها.
ولكن الصحيح مذهب الجمهور: أن في الآية غاية وشرطاً، وهذا له نظائر: فإن الله عز وجل يقول: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] فقال: (حتى إذا بلغوا النكاح) فهذه غاية؛ وقوله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} هذا الشرط، فلا مانع أن تثبت الغاية مع عدم ثبوت الشرط.
فنقول: إن آية الحيض فيها غاية وفيها شرط، والقاعدة: أنه إذا تخلف الشرط تخلف المشروط، وإذا وجد الشرط حكم بالمشروط.
فإذًا نقول: إذا وجد الاغتسال صح منه أن يجامع، وإلا فلا.
الدليل الثاني على رجحان مذهب الجمهور: أن الله عز وجل قال: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] ثم عقب بقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة:222] فأسند الطهر لأنفسهن بقوله: (فإذا تطهرن) أي: فعلن الطهر، وهناك قراءة: (حتى يطهرن) بالتشديد، وتصلح أن تكون دليلاً كما أشار غير واحد من أهل العلم، واختاره الإمام الماوردي في جوابه في الحاوي.
فالمقصود أن أصح الأقوال: أنه لا بد في جماع المرأة من أن تطهر وتغتسل، فإذا طهرت ولم تغتسل فلا يجوز جماعها، وإنما يتريث حتى يتم الشرط الذي أمر الله عز وجل به.
قال: (حل لها الصيام والطلاق) يباح لها الصيام، وأيضاً يجوز تطليقها، فالحيض يمنع الطلاق؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لـ ابن عمر لما أخبر عمر -والده- النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلق امرأته وهي حائض، قال: (مره فليراجعها -ونهاه عن أن يطلقها- ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)، إذاً: لا يجوز تطليق المرأة الحائض؛ ولذلك يأثم من يطلقها، ثم هل يقع الطلاق، أو لا يقع؟ محله -إن شاء الله- كتاب الطلاق.
المقصود: أنه لا يجوز أن تطلق المرأة حال حيضها، فلو انقطع دمها ولم تغتسل، ووقع الطلاق بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، فما الحكم؟ قال: وقع الطلاق؛ لأن الطلاق لا يتأقت باغتسال، أما بقية الممنوعات فلا بد فيها من الاغتسال كما قلنا: كالجماع ودخولها المسجد، كذلك أيضاً مرورها به، ولبثها فيه ونحو ذلك من ممنوعات الحيض.
(24/19)
________________________________________
الأسئلة
(24/20)
________________________________________
الدخول على المرأة قبل سن الحيض

السؤال
هل معنى دخول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على عائشة وهي بنت تسع أنه لا يستحب الدخول على المرأة قبل أن تحيض؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: لا شك أن فعل النبي والتأسي به صلى الله عليه وسلم فيه خير، ولو أن هذا من أمور النكاح لكنها من الأمور التي يشرع التأسي به فيها، ولذلك نص العلماء رحمة الله عليهم على استحباب الزواج في شهر شوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بنا فيه بنسائه صلوات الله وسلامه عليه، فلا مانع من أن يحكم بكون المستحب والأفضل أن يدخل بها بعد التسع، أي: بعد أن تبلغ التسع، وأما إذا كانت قبل التسع ولا ضرر في دخول الزوج عليها؛ فلا حرج في دخوله عليها ولا يحكم بتحريمه.
والله تعالى أعلم.
(24/21)
________________________________________
حكم تركيب اللولب المانع للحمل والإفرازات التي تكون بسببه

السؤال
امرأة كانت عادتها سبعة أيام حيض، ثم قامت بتركيب شيء اسمه (لولب) لمنع الحمل، فصار ينزل قبل عادتها المعتادة إفرازات لمدة أربعة أيام، ثم سبعة أيام حيض، ثم بعدها أربعة أيام إفرازات، فهل هذه المدة كلها تعتبر حيضاً، أفتونا مأجورين؟

الجواب
هذا السؤال فيه مسألتان: المسألة الأولى: اللولب؛ وهو عازل يوضع في الموضع من أجل ألا تحمل المرأة، هل يجوز وضعه، أو لا يجوز؟ الحقيقة أن هذه المسألة نظرت فيها إلى أقوال المجوزين، والعلل الطبية والشرعية التي يتذرع بها لوضع هذا الشيء، فلم أجد عذراً شرعياً يبيح وضع هذا الشيء؛ ولذلك: الذي يظهر ويتبين أنه لا يجوز وضعه، وذلك لأمور: أولاً: لما فيه من استباحة النظر إلى الفرج دون وجود ضرورة.
ثانياً: أن فيه لمساً للفرج دون وجود ضرورة.
ثالثاً: أن فيه إيلاجاً في الفرج، وتكرار للإيلاج ونظر، خاصةً إذا كان من الرجل فهو أشد وأشنع وأعظم.
فهذه الثلاثة الأمور محظورة، حتى لو كان الواضع له طبيبة، فلا يجوز لها أن يحصل منها الإيلاج، أو النظر إلى عضو المرأة أو استباحة وضع العازل فيه.
هذه الثلاثة محاذير شرعية، ولم أجد مبرراً شرعياً يجيز وضع اللولب حسب علمي وحسب ما نظرت من أقوال الأطباء، وأقوال من يجيز، فلم أر وجهاً شرعياً لوضعه.
أضف إلى هذا تكرار الكشف، والأدهى والأمر أنه يربك عادة المرأة، فلا يستقيم لها أمر، فبمجرد ما تضعه يختلط عليها حيضها، فيتقدم ويتأخر، ويختلط عليها دمها، وقد تلتبس عليها صلاتها وعبادتها بسبب وضعها لمثل هذا، مثل ما ذكرت السائلة، وهذا أهون ما يكون، وإلا فقد مرت عليَّ قضايا من أعجب القضايا في حصول الإرباك للعادة بسبب هذا الأمر، وما ينشأ منه من الأمور التي لا تحمد عقباها؛ ولذلك الذي يظهر عدم جواز وضعه.
وأما العذر الذي يتذرع به كخوف حمل المرأة، فإما أن يكون هذا بسبب خوف الضرر مثل أن يكون عندها أمراض أو أعراض فهذه علاجها العزل، أن يعزل الرجل عنها، أو وضع الكيس الذي يمنع القذف في الموضع، وأما بالنسبة لقضية وضع اللولب فالقاعدة عند العلماء: (أنه لا يحكم بالحاجة مع وجود البديل)، وهذا أصل عند أهل العلم، فإن العازل الذي يوضع أخف محظوراً وأخف ضرراً من وضع اللولب.
النقطة الأخيرة التي أنبه عليها في هذا الأمر، وهي: مسألة الإفرازات السابقة واللاحقة لأمد العادة، فهذه لا تعتبر من العادة؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة فاطمة: (لتنظر الأيام التي كانت تحيض فيهن قبل أن يصيبها الذي أصابها)، فترجع إلى عادتها، وتحكم بكونها حائضاً على قدر تلك الأيام.
والله تعالى أعلم.
(24/22)
________________________________________
زيادة مدة الحيض على خمسة عشر يوماً

السؤال
إذا كانت المرأة لها عادة مستمرة مستقرة وهي سبعة عشر يوماً، فهل تعتبر هذه المدة كلها حيضاً، أم ما زاد على خمسة عشر يوماً يعتبر استحاضة؟

الجواب
ما زاد على الخمسة عشر يوماً لا يعتبر حيضاً، وإنما هو استحاضة، فلا يحكم بكونها امرأة معتادة سبعة عشر يوماً فأكثر؛ لأن أقصى الحيض خمسة عشر يوماً على ما ذكرناه، وبناءً على ذلك يحكم بكونها حائضاً، إما على أقل الحيض وهو يوم وليلة عند من يرى التأقيت باليوم والليلة، أو بالثلاث عند من يرى التأقيت بالثلاث، أو تتحيض ستاً أو سبعاً عند من يرى عموم دلالة الحديث، أو يحكم بكونها حائضاً أكثر الحيض وهو أحد الوجهين عند الشافعية والحنابلة.
والله تعالى أعلم.
(24/23)
________________________________________
علامات دم الحيض

السؤال
هل لدم الحيض علامة؟ وإذا كان كذلك فلماذا لا يُحدَّد أكثره وأقله بهذه العلامة، وكذلك الطهر ودم الاستحاضة؟

الجواب
أما بالنسبة للحيض فله علامة، من جهة لون الدم: حيث تختلف ألوانه، فهناك لون السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والتُربية، أو الخضرة، هذه ستة ألوان سنتكلم عليها -إن شاء الله- في مبحث المرأة المميزة.
وهذه إحدى الضوابط التي يتميز بها دم الحيض -اللون- وفيها الستة الألوان التي ذكرناها، وسنبين أيها أقوى وأيها أضعف، وما الذي يعتد به وما الذي لا يعتد به، وخلاف العلماء فيه -إن شاء الله-، والصحيح من تلك الأقوال التي اختلفوا فيها.
وأما بالنسبة للنوع الثاني من التمييز: التمييز بالرائحة -رائحة دم الحيض- فإن المرأة قد تستطيع تمييز حيضها برائحته، وقد يميز بغلظه ورقته، وقد يميز بتجلط الدم، فإن دم الحيض لا يتجلط؛ لأنه يتجلط في الرحم ثم تسلط عليه مادة مثل الخميرة تمنع تجلطه ولو بقي سنوات، وهذا من عجائب ما يكون، ولذلك قالوا: إنه يتميز بالغلظ والرقة والتجلط، وقد جمع بعض العلماء هذه العلامات بقوله: باللّون والرّيح وبالتألمّ وكثرة وقلّة ميزُ الدم وقال بعضهم: باللون والريح وبالتألمّ وغلظ ورقّة ميزُ الدم وهذه الأمور التي يميز بها دم الحيض، سنتكلم عليها -إن شاء الله- بالتفصيل.
لكن اعلم رحمك الله أن هذه الأمور ليست في كل حال يمكن أن تميز بها، فقد تأتيك المرأة مبتدأة لأول مرة، لا تعرف دم الحيض، ولا قد رأت دم الحيض، ولا تستطيع أن تميز، فتميز بأي شيء؟ هذا بالنسبة للمبتدأة، وقد تأتيك وتقول لك: نعم، أنا عندي دم يأتيني اليوم الأول أحمر، وفي اليوم الثاني ينقلب لونه إلى أحمر باهت، وفي اليوم الثالث أصفر، وفي اليوم الرابع أكدر، وفي اليوم الخامس أحمر، وفي اليوم السادس أحمر، وهكذا، فتحتاج إلى ضوابط معينة لا بد من دراستها، ولا بد من معرفة متى يحكم بكونها حائضاً، ومتى يحكم بكونها طاهراً، هذا بالنسبة لقضية الحيض، فلم يختلف العلماء، ولم يضعوا هذه الضوابط عبثاً، والسبب في هذا: اختلاف بيئات النساء وأحوالهن وأوضاعهن، واختلاف البلدان التي تعيش فيها النساء، فالبلاد الحارة ليست كالبلاد الباردة، فهذا أمر دعا العلماء رحمة الله عليهم أن يفصّلوا في مسائل الحيض، وأن يبينوها وأن يتكلموا عليها.
(24/24)
________________________________________
تحول دم الحيض إلى غذاء للجنين عند الحمل

السؤال
أين يذهب الدم وقت الحمل؟ وهل صحيح أن هذا الدم وقت الحمل يتحول إلى غذاء للجنين عن طريق حبل السر؟

الجواب
نعم ذكروا هذا، وأشار إلى ذلك الإمام القرافي رحمه الله في (الذخيرة)، وأشار إليه الإمام ابن قدامة كذلك في (المغني)، وغير واحد من أهل العلم ذكروا هذا، وذكروه عن الأطباء القدماء، وأنه يتحول إلى غذاء للطفل، ثم أصفاه وأطيبه يتحول إلى لبن بعد الولادة، ويكون غذاء للطفل، وأخبثه وأردأه يخرج في النفاس مع الطفل.
هذا بالنسبة لما ذكروه من أحوال دم الحيض، وما يكون له أثناء حملها وأثناء وضع جنينها، إذ ينقلب بإذن الله عز وجل إلى كونه لبناً وغذاءً للطفل بإذن الله عز وجل وقدرته.
والله تعالى أعلم.
(24/25)
________________________________________
حكم تكفير المرأة إذا جامعها زوجها وهي حائض

السؤال
إذا جامع الرجل زوجته وهي حائض، فهل الكفارة على الرجل فقط، أم على الرجل والمرأة معاً؟

الجواب
هذا فيه تفصيل: إن كانت المرأة طاوعت ورضيت بالجماع، ومكنته من جماعها فالكفارة عليهما، وهكذا إذا أغرته أو رضيت بذلك، فهي في حكم الفاعل، وأما إذا مانعت وغلبت أو أكرهت على الجماع فلا شيء عليها، والكفارة على الزوج وحده، كالحال في كفارة المجامع في نهار رمضان.
والله تعالى أعلم.
(24/26)
________________________________________
حكم الإفرازات أثناء الحمل

السؤال
ما حكم الإفرازات التي تخرج من الحامل؟

الجواب
الإفرازات التي تخرج من الحامل استحاضة على الصحيح من أقوال العلماء رحمة الله عليهم، لكن إن أفرزت دماً قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة فإنها تعطى حكم دم النفاس، كما اختاره غير واحد من المحققين، ونص عليه الإمام ابن قدامة وغيره، وهذا مبني على القاعدة: (أن ما قارب الشيء أخذ حكمه).
يقولون: ابتدرها دم النفاس، فإن عاجلها قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة فيعتبر داخلاً في حكم دم النفاس، من كونه يمنع الصوم ويمنع الصلاة، وحكمه حكم دم الحيض.
هذا بالنسبة لها إذا كانت حاملاً.
والله تعالى أعلم.
(24/27)
________________________________________
حكم دخول الحائض المسجد

السؤال
هل يجوز دخول الحائض المسجد؟ وهل يجوز أن تجلس في الصفا والمروة من الحرم؟

الجواب
أما بالنسبة لدخولها المسجد، فأصح أقوال العلماء أنها لا تدخل؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم المؤمنين عائشة: (ناوليني الخمرة.
قالت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك) (ناوليني) أي: مُدي يدك إليَّ في المسجد بالخمرة.
(قالت: إني حائض) فدل على أنه كان معروفاً ومعهوداً أن الحائض لا تدخل المسجد؛ إذ لو كانت تدخل المسجد لأنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم كونها تقول: (إني حائض)، فكونها رضي الله عنها تقول: (إني حائض) يدل على أن الحائض ليس مما كان يعرف أنها تدخل المسجد.
وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على امتناعها دال على أنها لا تدخل المسجد، وإلا كان قال: ادخلي المسجد.
كما قال لـ أبي هريرة: (إن المؤمن لا ينجس) لكنه لم ينكر على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
وقد تكلف بعض العلماء في الجواب على هذا الحديث، فقال: إن قوله: (إن حيضتك ليست في يدك) المراد به: أنك لا تملكين رفعها، فهو عذر ليس بيدك، وهذا مجاز، والحقيقة أن تقول: (ليست في يدك) أي: على الحقيقة، أي: ليست في يدك التي تناوليني بها الخمرة، فظنت عائشة أنها لما منعت من المسجد أن الجزء يأخذ حكم الكل، وهذا من فقهها رضي الله عنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن حيضتك ليست في يدك) أي: إنما منعت من دخول المسجد لما يتعلق بالموضع، والكل له حكم والجزء له حكم، ولذلك ليس اعتراض الجزء كاعتراض الكل، فقد كانت تنام بين يديه معترضة، وتقبض رجلها، وقد نهى عن مرور المرأة بين يدي المصلي، فدلّ على أن الجزء لا يأخذ حكم الكل، فدل هذا على أن الحائض لا تدخل المسجد، ويقوى هذا بما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة: (أنها لما خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأصابها الحيض قالت: فانسللت -كما في صحيح مسلم، أي: خرجت من الفراش- فقال صلى الله عليه وسلم: مالكِ؟ -أي ما شأنك وما حالك؟ - أنفست؟ -أي: هل أصابك الحيض؟ - قالت: نعم.
قال: ذاك شيء كتبه الله على بنات آدم، اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) فمنعها من الطواف ولم يمنعها من السعي، والسعي كان خارج المسجد، فدل على أن امتناعها من دخول المسجد أصل مقرر شرعاً، ولذلك لا تدخل المرأة الحائض المسجد، وهو قول جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم.
وأما بالنسبة للصفا فالصحيح أنها ليست من المسجد، ولا حرج عليها في جلوسها فيه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
(24/28)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحيض [2]
من الضرورة بمكان معرفة أحوال النساء في الحيض، وتنزيل الحكم بمقتضى حال كل امرأة؛ فالمبتدأة لها حكمها، وكذلك المعتادة، والمتحيرة، والمميزة، ومعرفة الضوابط لكل واحدة منهن، وحكم زيادة الحيضة أو نقصها، وكيفية التعامل مع ذلك، وحكم ما يسمى بالصفرة والكدرة، وأقوال العلماء فيها.
(25/1)
________________________________________
أحكام المبتدأة في الحيض
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المؤلف عليه رحمة الله: [والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي].
شرع المصنف رحمه الله بهذه العبارة في ذكر أحوال النساء، فالمرأة الحائض إذا جاءها الحيض لا تخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الحيض قد ابتدأها؛ بمعنى: أنها لأول مرة يأتيها دم الحيض.
والحالة الثانية: أن تكون معتادة؛ بمعنى: أن دم الحيض عاودها حتى ثبتت لها عادة معينة فيه.
الحالة الثالثة: أن تكون المرأة متحيرة؛ بمعنى: أنه لا يمكنها أن تعرف عادتها لمكان النسيان، سواء نسيت قدر العادة أو مكان العادة.
(25/2)
________________________________________
المرأة التي يحكم بكونها مبتدأة
هذه الثلاثة الأحوال هي التي ينصبّ عليها كلام العلماء رحمة الله عليهم في مسائل الحيض.
ومن عادة أهل العلم أنهم يبدءون بالنوع الأول، وهذا فيه مراعاة لأحوال النساء.
فالمبتدأة: هي التي ابتدأها دم الحيض، والمرأة توصف بكونها مبتدأة إذا كان الحيض قد جاءها لأول مرة، هذا أول شرط.
والأمر الثاني: أن يكون سنها سن المرأة التي تحيض، فإذا كان سنها دون ذلك؛ فإنه لا يحكم بكون هذا الدم دم حيض -كما تقدم معنا-، فمن شرط أن تكون مبتدأة أن يكون دم الحيض جاءها لأول مرة، ولا يعني هذا إلغاء المرأة التي جاءها الدم قبل تسع سنوات، كأن يكون عمرها سبع سنوات أو ثمان سنوات وجاءها الدم، فإن هذا الدم الذي يأتيها دم استحاضة، لكن إذا كان لأول مرة يأتيها بعد بلوغها لتسع سنوات فإننا نحكم بكونه دم حيض؛ لأن الزمان زمان دم الحيض.
إذن: المرأة المبتدأة هي: المرأة التي بلغت سن الحيض، وجاءها الدم في هذا السن لا قبله.
والشرط الثالث: أن لا يكون عاودها أكثر من مرة، وهي المعتادة أو التي اختلت عادتها، فلا بد عند حكمنا بكونها مبتدأة أن يكون الدم لأول مرة يأتيها، أعني: دم الحيض.
(25/3)
________________________________________
حكم المبتدأة
المرأة التي جاءها دم الحيض لأول مرة لا نردها إلى عادتها؛ لأنها ليس لها عادة.
فإذاً: لا بد أن يكون لها حكم خاص، فما الحكم؟ قال بعض العلماء: كل امرأة مبتدأة فإننا نردها إلى عادة أمهاتها وأخواتها.
وقال بعض العلماء: كل امرأة مبتدأة فإننا نردها إلى عادة لِدَاتها أو أترابها -كما يعبر العلماء- واللدة والتريبة هي التي تكون في سن المرأة ومثلها، وقال بعض العلماء: المبتدأة تجلس أقلّ الحيض ونحكم بكونها حائضاً بذلك القدر الذي هو أقلّ الحيض، ثم تغتسل وتصوم وتصلي، حتى يعاودها الدم ثلاث مرات على وتيرة واحدة.
فعندنا ثلاثة أوجه: أما الوجه الذي يقول: نردها إلى أترابها -لداتها وأمثالها، أو أمهاتها وأخواتها- فهذا وجه معروف، أي: دليله واضح، وهو: (أن الشيء إذا شابه الشيء أخذ حكمه) أنا لا أقول إن هذه المبتدأة تجلس أقل الحيض، ولكن أقول: تنظر إلى أمثالها، فإن كان عادة أمها ستة أيام، فكل امرأة ابتدأها الحيض وعمرها تسع سنوات فإن عادتها ستة أيام حتى تثبت لها عادة جديدة.
فالقول الأول والقول الثاني -اللذات يعتبران والأمهات اللاتي هن القريبات- قولان مرجوحان هذا قول مرجوح عند أهل العلم رحمة الله عليهم؛ لأن الرجوع إلى ذات المرأة أو أصل الحيض أقوى من الرجوع إلى العرف، هذا بالنسبة للقول الأول والثاني، فيلغى النظر فيه.
يبقى عندنا القول الثالث، وهو معارض لقول قررناه، فإننا حينما تكلمنا على أقل الحيض قلنا: قال بعض العلماء: ليس لأقل الحيض حد، وهذا مذهب المالكية واختاره شيخ الإسلام، وقلنا: هو الراجح.
وقال بعض العلماء: أقلُّ الحيض يوم وليلة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
وقال بعضهم: أقله ثلاثة أيام.
إذن: عندنا قول يقول: لا حد لأقله، فقليل الدم وكثيره حيض.
وقول يقول: اليوم والليلة، وما دونها ليس بحيض، وما أصابها وجاوزها حيض.
وقول يقول: الثلاثة الأيام حيض وما دونها استحاضة.
إذا نظرت إلى هذه الثلاثة المذاهب، فالحكم في مسألة المبتدأة مفرّع على هذه الثلاثة المذاهب، فينبغي أن تتنبه إلى أن من يقول: للحيض حد أقلي، سواء يوم وليلة كما يقول الشافعية والحنابلة، أو ثلاثة أيام كما يقول الحنفية، يقول: كل مبتدأة لا أحكم بكونها حائضاً إلا إذا جاوزت أقلّ الحيض، فالشافعية والحنابلة يقولون: كل امرأة بلغت تسع سنوات، وجاءها الدم -دم الحيض- فإنها تجلس يوماً وليلة، وإن استمر هذا الدم معها يوماً وليلة فهي حائض، وإن نقص عن اليوم والليلة فهي مستحاضة والدم دم فساد ومرض، هذا المذهب الأول، وهذا هو الذي درج عليه المصنف رحمة الله عليه.
والحنفية يقولون: المبتدأة التي يستمر معها الدم ثلاثة أيام، فحينئذٍ تكون حائضاً، وإن نقص عن الثلاثة الأيام تعتبر مستحاضة، والدم الذي معها دم فساد وعلة.
هذا بالنسبة لقضية أقل الحيض.
وعلى القول الذي رجحناه من أنه لا حد لأقله، فيقال: تبقى المرأة إذا بلغت تسع سنوات قدر ما أصابها من دم، فلو مكث معها ساعة فهي حائض، ولا تصوم ولا تصلي في الساعة هذه.
إذن: نحن رجحنا هذا المذهب الذي يقول: لا يعتد بأقل الحيض، فعلى هذا المذهب بمجرد ما يصيبها الدم بعد تسع سنوات فهو حيض إن كانت فيه أمارات الحيض، وقويت القرائن باعتباره حيضاً.
هذا بالنسبة لما رجحناه.
فلما قال المصنف رحمة الله عليه: للحيض حد أقلي، قال: ما نقص عن هذا الحد الأقلي فليس بحيض؛ فلابد أن يشترط في المبتدأة شرطاً ثالثاً؛ وهو: كونها تصيب الحد الأقلي أو أكثره.
فتبينت مذاهب العلماء رحمة الله عليهم في مسألة المرأة المبتدأة وصار عندنا اتجاهان: اتجاه يقول: هي حائض ولو كان دفعة واحدة، وهو الذي رجحناه.
المسلك الثاني يقول: تجلس أقلّ الحيض، إما يوم وليلة على قول، وإما ثلاثة أيام على القول الثاني.
فإذا استمر معها يوماً وليلة، أو استمر معها ثلاثة أيام على القول بالتثليث، فلا يخلو إما أن ينقطع لأقل الحيض، وإما أن ينقطع على أكثر الحيض، أو ينقطع بعد أكثر الحيض.
فيصير عندنا ثلاث حالات.
وعرفنا الحكم إذا ما انقطع لما دون أقل من اليوم والليلة أو أقل من الثلاث، وكلام العلماء فيه، فلو جاءتك امرأة وقالت: إنه أصابها الدم وعمرها تسع سنوات، فما الحكم؟ تقول: على القول الراجح، هذا الدم الذي أصابك دم حيض؛ لأنه في زمان الإمكان، فتمتنعين عن الصوم وعن الصلاة على القدر الذي يجري معك فيه الدم، فلو استمر معها ثلاثة أيام أو أربعة أيام، فعلى هذا المذهب لا تصوم ولا تصلي في هذه الأيام وهي حائض، وهذا المذهب هو الراجح كما ذكرناه، لكن الإشكال أين؟ الإشكال على المذهب الثاني الذي يرى اليوم والليلة، أو الذي يرى الثلاثة الأيام، إذا انقطع لأقل من خمسة عشر يوماً أو الخمسة عشر يوماً، فيقولون: نعتبر اليوم والليلة -أو الثلاثة أيام- حيضاً، والزائد استحاضة، ثم نترك المرأة ثلاثة أشهر، فإذا انقطع في الثلاثة الأشهر بعدد واحد بمعنى: جاءها في الشهر الأول خمسة أيام وانقطع، وجاء في الشهر الثاني خمسة أيام وانقطع، وجاء في الشهر الثالث خمسة أيام وانقطع، الحكم؟ قالوا: تثبت عادتها خمسة أيام، ثم تطالب بقضاء الأربعة الأيام من الشهر الأول، ومن الشهر الثاني، ومن الشهر الثالث؛ لأننا تيقنا أن الأربعة الباقية حيض وليست باستحاضة.
فصاحب القول الذي يقول: للحيض عندي حد أقلي، يقول: إن انقطع لأقل من أكثر الحيض بمعنى: انقطع لعشرة أيام، أو ستة أيام، أو خمسة أيام، فإنها تمسك عن الصلاة يوماً وليلة؛ لأنه هو اليقين بأنه حيض، ثم بعد اليوم والليلة يقولون: تغتسل وتصوم وتصلي، فإذا استمر معها خمسة أيام في الشهر الأول والثاني والثالث، فما الحكم؟ يقولون لها: اجلسي يوماً وليلة لا تصومين ولا تصلين، فإذا انتهى اليوم والليلة فاغتسلي ولو جرى معك الدم، ثم تصومين وتصلين، فإن عاودك في الشهر الثاني فالحكم كذلك، وإن عاودك في الشهر الثالث بنفس الوتيرة ثبتت العادة، وتمكثين الخمسة أيام كاملة، ثم تطالبين بقضاء ما مضى، هذا على مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره المصنف، لكن الصحيح: فيما إذا انقطع دون أكثر الحيض -أنها تجلس القدر الذي تجلسه، فإذا انقطع عن ستة أيام فهي حائض بالست، وإن انقطع عن سبعة أيام فهي حائض بالسبع وهكذا، فتجلس الأمد الذي يجري معها فيه الدم، والمذهب الثاني الذي فصلنا فيه؛ مذهب مرجوح، والذي ذكره المصنف مذهب مرجوح.
فعلى قول المصنف لو استمر معها الدم وجاوز أكثر الحيض فهو دم فساد وعلة، فتبقى على اليقين اليوم والليلة أنها حائض والزائد استحاضة، والشهر الثاني كذلك، والشهر الثالث كذلك، حتى تثبت لها عادة بوتيرة معينة، أو تميز دمها، وسنبين كيف يكون التمييز.
فبالنسبة للمبتدأة، عندنا فيها مذاهب، والجميع متفقون على أنه إذا جرى معها الدم ثلاثة أيام فبالإجماع أنها تعتبر حائضاً، ولكن الخلاف إذا جرى لأقل؛ عند من يضع للحيض حداً أقلياً، فإن جرى أقل من يوم وليلة فالمالكية وحدهم يعتبرونه حيضاً، وإن جرى يوماً وليلة فالجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- يعتبرونه حيضاً، والحنفية لا يعتبرونه حيضاً حتى يبلغ ثلاثة أيام، هذا بالنسبة لمسألة المبتدأة.
فيشترط فيها أول شيء: أن يكون سنها سن حيض.
وثانياً: أن تجاوز أقلّ الحيض عند من يقول أن للحيض حداً أقلياً.
قال المصنف رحمه الله: (والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي).
(والمبتدأة تجلس أقله) أقله: الضمير عائد إلى الحيض، وأقله: قال: أقله يوم وليلة على ما اختاره المصنف رحمه الله.
(ثم تغتسل وتصلي) يعني: نحكم بكونها حائضاً، لكن بشرط أن تجاوز أقلّ الحيض على مذهب المصنف.
قال رحمه الله: [فإن انقطع لأكثره فما دون اغتسلت عند انقطاعه].
هذه مسألة ثانية، نحن قررنا أن ما دون أكثر الحيض يُعتبر فيه اليوم والليلة، لكن هناك أمر آخر، قالوا: إذا جرى معها الدم لأول مرة واستمر يوماً وليلة حكمنا بكونها حائضاً، ثم تغتسل بعد اليوم والليلة وتصوم وتصلي، فإن انقطع لأقل من أكثر الحيض -مثلاً- خمسة أيام، سبعة أيام، ثمانية أيام، تسعة أيام، عشرة أيام، أحد عشر يوماً، اثني عشر يوماً، ثلاثة عشر يوماً، أربعة عشر يوماً، لكن ما بلغ أكثر الحيض، فيقولون: عند انقطاعه لأقل من خمسة عشر تغتسل غسلاً ثانياً؛ لاحتمال أن يكون الكل حيض؛ لأنها إلى الآن ما ثبتت لها عادة، فاحتاطوا باحتياطين: أولاً قالوا: نرجع إلى اليقين من أنها حائض يوماً وليلة، فنأمرها بالاغتسال بعد اليوم والليلة؛ لأنها بيقين حائض، ثانياً: قالوا: نأمرها بالاغتسال إن انقطع الدم لأقل الحيض؛ لأنه قد تثبت لها عادة بهذا الأقلي، فإذا انقطع بعد خمسة أيام، ما الحكم؟ تقول: تغتسل غسلاً ثانياً، ثم إذا جاء الشهر الثاني مدة خمسة أيام، والشهر الثالث مدة خمسة أيام، علمنا أن هذا الأمد هو أمد الحيض وهو عادتها.
(25/4)
________________________________________
الحكم باستقرار عادة المرأة
قال رحمه الله: [فإن تكرر ثلاثاً فحيض وتقضي ما وجب فيه].
قوله: [فإن تكرر] أي: الدم الذي معها ثلاث مرات، هذه المسألة تعرف عند العلماء بمسألة العادة، فبم تثبت عادة الحيض؟ أو كيف تعلم المرأة أنها معتادة، أو بم تثبت عادتها؟ للعلماء وجهان: قال بعض العلماء: العادة من العود، فيشترط أن يعاودها مرتين، فإذا جاءها في الشهر الأول خمسة أيام، وفي الشهر الثاني خمسة أيام، فعادتها خمسة أيام ثبتت بالشهر الثاني، وهذا مذهب الحنفية ومن وافقهم، وأخذوا هذا من اشتقاق اللفظ أنه من العود.
أما الحنابلة ومن وافقهم من الشافعية والمالكية فيقولون: لا بد أن يمر عليها ثلاث مرات، فلا بد من الشهر الأول، والشهر الثاني، والشهر الثالث.
وينبغي أن يتنبه إلى أنه لا بد أن يمر عليها متتابعاً، فلو مر عليها الشهر الأول خمسة أيام، والشهر الثاني خمسة أيام ثبتت عادتها عند الحنفية، ولم تثبت عند الجمهور، فإذا جاء الشهر الثالث ستة أيام بطل الاعتداد بالشهرين الأولين عند الجمهور، وأصبحت ترجع إلى خمسة أيام عند الحنفية.
فتثبت عادتها عند الحنفية بعد الشهر الثاني، ولا تثبت عند الجمهور إلا بعد ثبوتها في الشهر الثالث، ولابد أن يأتي كله على وتيرة واحدة، فلو جاءها في الشهر الأول خمسة أيام، وفي الشهر الثاني ستة أيام، وفي الشهر الثالث خمسة أيام، وفي الشهر الرابع ستة أيام، فلا عادة لها، قولاً واحداً؛ لأنه لم يعاودها على وتيرة واحدة.
(25/5)
________________________________________
أحكام المعتادة
بينا حكم المرأة المبتدأة فيما مضى، وبعد المبتدأة تأتي المعتادة، فأشار إليها رحمة الله عليه فقال: (فإن تكرر) أي: المبتدأة، ثلاث مرات على وتيرة واحدة.
فانتقل إذن إلى صنف ثانٍ من النساء، وهي المرأة المعتادة التي لها عادة في الحيض، والمرأة المعتادة، قلنا: تثبت عادتها بالعود ثلاث مرات على وتيرة واحدة، ودليل العادة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها) فردها إلى العادة، وهذا يدل على أن العادة محكمة ومعتبرة في الشرع، فإذا جاءتك امرأة وسألتك وقالت لك: إن الدم أصابني هذا الشهر واستمر معي عشرين يوماً فماذا أفعل؟ كم الأيام التي أترك فيها الصلاة والصوم؟ وكم أصلي وأصوم من الأيام؟ ومتى أحكم بكوني طاهرةً فأصوم وأصلي؟ ومتى أحكم بكوني غير طاهرة فلا أصوم ولا أصلي؟ فتقول لها: هل كان الدم قبل هذا الاختلال الذي جاءك لك فيه عادة؟ فإذا قالت: نعم، كان من قبل يأتيني خمسة أيام وينقطع.
فتقول: امكثي خمسة أيام، ثم إذا مضت الخمسة الأيام فاغتسلي وصلي وصومي.
فنردها إلى العادة، سواء كانت عادتها قريبة أو بعيدة، فلو أن امرأة -مثلاً- كانت عادتها خمسة أيام ثم حملت ثم نفست، وبعد النفاس اضطرب الدم معها، فصار يجري معها الدم عشرين يوماً، فاضطربت عليها العادة، يجري يوماً وينقطع يوماً، أو يجري يومين وينقطع ثلاثة، أو أربعة، والتبس أمرها، فتقول لها: كم كنت تمكثين قبل أن يصيبك الذي أصابك؟ فقالت: ستة أيام، فتقول: إذاً عادتك ستة أيام، فاجلسي ستة أيام يجري فيها الدم، ثم احكمي بكونك طاهرةً بعد انتهاء أمد هذه الست.
ففائدة معرفة العادة؛ أنه يحتكم إليها عند اختلال دم المرأة، فإذا اختل وضع المرأة إما لجراحة، أو لمرض، أو لولادة، أو غير ذلك، فحينئذٍ ترده إلى العادة، وكما قلنا: العادة بإجماع العلماء مردود إليها.
قال المصنف رحمه الله: (وتقضي ما وجب فيه).
يعني: في ذلك الأمد، فتقضي الذي وجب فيه من الصوم والصلاة، فإن كانت في رمضان فالواجب عليها الصوم، وإن كانت في غير رمضان فالواجب عليها الصلاة، فتقضي ما وجب فيه، أي: في ذلك الأمد الذي كانت لا تصلي فيه.
وقد مرَّ أن المبتدأة تجلس أقلّ الحيض، ثم تغتسل ثم تصوم وتصلي، هذا بالنسبة للمبتدأة، فإذا مكثت يوماً من الشهر الأول، وأفطرت أربعة أيام، ثم مكثت يوماً من الشهر الثاني وأفطرت أربعة أيام، ثم ثبتت عادتها في الشهر الثالث أنها خمسة أيام، فعليها أن تقضي ما وجب عليها فيه، وهو الصوم، أما الصلاة فإن الحائض لا يجب عليها أن تصلي، فتقول: الأربعة الأيام التي كنت تصومين فيها بحجة أنك طاهرة بعد اليوم والليلة تقضينها ويلزمك قضاؤها كما قررناه سابقاً.
(25/6)
________________________________________
حكم الدم الخارج بعد انقضاء أكثر مدة للحيض
قال المصنف رحمه الله: [وإن عبر أكثره فمستحاضة].
قوله: (وإن عبر أكثره) يعني: عبر أكثر الحيض (فمستحاضة) مستحاضة بعد أكثر الحيض بالإجماع، أي: إذا جاوزت أكثر الحيض، والمرأة المبتدأة إما أن ينقطع الدم عنها -كما قلنا- لأقل من أكثر الحيض، أو ينقطع على الأكثر، أو ينقطع بعد الأكثر، أي: إما أن ينقطع دون خمسة عشر يوماً، أو على الخمسة عشر يوماً، أو بعد الخمسة عشر يوماً، فإذا انقطع لأقل من خمسة عشر يوماً، فالحكم أنها تنظر في تكراره على وتيرة واحدة على ما اختاره المصنف، وعلى القول الراجح: تمكث كل الذي دون الخمسة عشر يوماً لا تصوم فيه ولا تصلي على أنها حائض حتى تثبت لها العادة.
وإن عبر أكثر الحيض قال: (فمستحاضة)،
و
السؤال
هل نحكم بكونها مستحاضة بمجرد مجاوزتها للخمسة عشر يوماً، أو بعد اليوم والليلة؟

الجواب
مستحاضة بعد اليوم والليلة، فاليوم والليلة حيض، فلما استمر معها الدم أكثر من خمسة عشر يوماً عرفنا أن هذا المستمر دم فساد وليس بدم حيض، وحتى نفهم كلام المصنف ونفهم ما اخترناه على القول الراجح نقول: كلام المصنف ينبني على الآتي: إن كانت المرأة مبتدأة، وانقطع دمها لأقل من أكثر الحيض، أو مساوياً لأكثر الحيض الذي هو خمسة عشر يوماً، فحينئذٍ: تعتبر نفسها حائضاً ليوم وليلة، وتعتبر نفسها حائضاً في الشهر الأول وفي الشهر الثاني، والشهر الثالث تحكم بكونها معتادة إذا جاءها على وتيرة واحدة، هذا بالنسبة لمذهب المصنف رحمه الله، وهذا إذا انقطع لأقل من أكثر الحيض أو مثله، وأما لو انقطع فوقه فالحكم أن الحيض يوم وليلة وما زاد فهو استحاضة، هذا على مذهب المصنف.
وعلى المذهب الذي رجحناه نقول: بمجرد ما يأتيها الدم تمسك، حتى ولو استمر عشرة أيام، وهي حائض؛ لأنه زمن حيض وأمد حيض، ولا تقدير من الشرع لأقله، فالأصل واليقين أنها حائض، فإن جاوزت أكثر الحيض قالوا: ما زاد استحاضة وما دونه حيض، وهذا أعدل الأقوال وأولاها بالصواب إن شاء الله تعالى.
(25/7)
________________________________________
أحكام المميزة
قال المصنف رحمه الله: [فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود، ولم يعبر أكثره ولم ينقص عن أقله؛ فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني، والأحمر استحاضة].
النوع الثالث: المميزة.
والمميزة من التمييز، وتمييز الشيء: أن تكون له حلية وأوصاف يتميز بها عن غيره، وهذا النوع يعتبر عند بعض العلماء أقوى من العادة، أي: رجوع المرأة التي تعرف طبيعة دمها إلى تمييزه أقوى عنده من رجوعها إلى العادة، فيردها إلى التمييز قبل أن يردها إلى العادة، وإن كان الصحيح أن العادة أقوى من التمييز لحديث عائشة في الصحيح لما سألت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لتنظر الأيام)، وقال في الحديث الآخر: (دعي الصلاة أيام أقرائك) وما قال لها: هل تميزين دم الحيض عن غيره أم لا؟ لكنهم يجيبون عن هذا الحديث قائلين: إنها لو ميزت ما سألت، فالمقصود: أن بعض العلماء يرى أن التمييز أقوى.
وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان رحمة الله عليه فضعف التمييز، والصحيح: أن التمييز حجة ومعتبر.
(25/8)
________________________________________
دليل العلماء في اعتبار التمييز
ما الدليل على أن التمييز يعتبر في الحيض؟ قوله عليه الصلاة والسلام لـ فاطمة في إحدى الروايات في السنن: (إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة)، الشاهد: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) فردها إلى ضابطه وإلى لونه الذي يتميز به، أما اللون الأسود فهو أقواها، ثم يليه الأحمر وهو الطبيعة في دم النساء، ولكنهم قالوا: أحمر محتدم، أي: شديد الحمرة حارق، ويسميه العلماء (القاني) وتعرفه النساء بوصفه، ثم الذي أخف منه هو المشرق، ويسميه بعضهم: الأشقر أو الأشيقر من الشقرة، وقيل: إن الأشقر هو الصفرة التي وردت في حديث أم عطية، ثم يليه الأصفر، ثم يليه الأكدر، والأكدر: كالماء الكدر، ويكون كالماء المتعكر ضارباً إلى شيء من الخضرة، ثم التربي، هذا بالنسبة لألوان دم الحيض، والمرأة تميز باللون وبالرائحة وبالكثرة والقلة وبالألم وبالغلظ والرقة، هذه ضوابط التمييز، ثم سنفصل فيها.
(25/9)
________________________________________
التمييز باللون
تميز المرأة دم الحيض باللون كالآتي: إن جاءتك امرأة تسأل وقالت لك: جرى معي دم الحيض ثلاثة أيام أسود، ثم ثلاثاً أحمر، ثم ثلاثاً أسود، وعادتي ستة أيام؟ فتقول: الثلاثة الأُول حيض، والثلاثة الحمراء استحاضة، والتي بعدها حيض، فأنت طاهر في الثلاث الوسطى، حائض في الأولى والأخيرة، ويحكم بخروجك من الحيض في اليوم التاسع.
فهذه قضية التمييز باللون.
وإذا قالت لك: جرى معي يومين؛ يوم أحمر شديد الحمرة، ثم يوماً خفيف الحمرة، أو يومين آخرين خفيف الحمرة، ثم يومين شديد الحمرة، ثم يومين خفيف الحمرة، وعادتي ستة أيام؟ فتقول: اليومان الأولان حيض فلا تصومي ولا تصلي، واليوم الثالث والرابع اللذان يليانهما استحاضة فصومي وصلي، ثم اليومان اللذان اشتدت فيهما حمرة الدم فهذه علامة الحيض فأنت حائض، فتضيفين اليومين هذين إلى اليومين الأولين، فهذه أربعة أيام، ثم تحكمين بطهارتك بانقضاء اليوم الرابع، وتدخلين في الاستحاضة في اليوم الخامس والسادس، ثم في اليوم السابع تدخلين في اليوم الخامس من حيضك، واليوم الثامن هو اليوم السادس من الحيضة، فيحكم بانتهاء حيضك في اليوم الثامن، هذا بالنسبة للأحمر.
وإذا قالت: جاءني أحمر مع اختلاف الأوصاف، فجاءني: يومان أحمر، ويومان أصفر، ويومان أحمر، ثم يومان أصفر، ثم يومان أحمر، ويومان أصفر، ثم يومان أحمر، وعادتي ثمانية أيام؟ فتقول لها: أيام الحمرة حيض، وأيام الصفرة استحاضة.
هذا بالنسبة لمسألة اختلاف ألوان الدم، وهذا التمييز باللون.
(25/10)
________________________________________
التمييز بالرائحة
دم الحيض له رائحة شديدة النتن، بخلاف دم الاستحاضة فهو أخف منه، فإذا استطاعت أن تعرف دم حيضها برائحته، فقالت: جاءني دمٌ أحمر عشرين يوماً، ففي الحالة الأولى -التمييز باللون- لا بد أن تختلف الألوان، لكن التمييز بالرائحة يكون اللون فيه واحداً وتختلف الرائحة، فتقول: جاءني عشرين يوماً دم أحمر، فهل كله حيض؟ فتقول: لا، ليس بحيض، وتسألها: هل لك عادة؟ فإذا قالت: ما لي عادة، أو قالت: عادتي ستة أيام، فتقول: هل تستطيعين تمييزه بالرائحة؟ فإذا قالت: نعم، رائحته في الستة الأُول كرائحة دم الحيض، وفي الأربع عشرة الباقية ليست فيه رائحة الحيض، فتحكم بكونها حائضاً في الستة الأول دون ما بقي.
ولو قالت: بقي يومين برائحته، ثم أربعاً بدونها، ثم يومين برائحته، ثم أربعاً بدونها، ثم يومين برائحته.
فما الحكم؟ تقول: تلفقين -وهذا يسمى: مذهب التلفيق- فاليومان اللذان فيهما رائحة دم الحيض فهو حيض، والأربعة الأيام التي ليست فيها رائحة دم الحيض فهي استحاضة، ثم بعدها دخلت في اليوم السابع في ثالث أيام العادة، وفي اليوم الثامن في رابعه، وقس على هذا.
فإذاً: تميَّز بالرائحة.
(25/11)
________________________________________
التمييز بالألم
الضابط الثالث للتمييز: التمييز بالألم، فإذا كان اللون واحداً -جاءها أحمر- وقالت: لا أستطيع أن أميز بالرائحة، كأن لا يكون عندها حاسة الشم، أو أنها مزكومة مثلاً، أو أن دم حيضها ليس له ضوابط في الرائحة، فيكون التمييز بالألم، فإذا قالت: جاءني عشرين يوماً، ولكن في الستة الأيام الأول كان مؤلماً حارقاً -وعادتي ستة أيام- فتقول: كونه في هذه الأيام بهذه الصفة، فهو دم حيض، والأيام الباقية دم استحاضة.
(25/12)
________________________________________
التمييز بالقلة والكثرة
الضابط الرابع في التمييز: الكثرة والقلة، قالوا: إن دم الاستحاضة تثجه ثجاً ويكون نازفاً بخلاف دم الحيض، فقالوا: إنه يتميز بكثرته وقلته، وبعضهم يضع بدل الكثرة والقلة علامة أخرى وهي: الرقة والغلظ، فإذا قالت لك امرأة: جاءني دم الحيض شهراً كاملاً، فاسألها: هل تستطيعين أن تميزي باللون؟ فإذا قالت: لونه واحد، فاسألها عن الرائحة؟ فإن قالت: ما أستطيع، فاسألها عن الألم؟ فإذا قالت: لا أستطيع أن أميز، لكن ألاحظ أن الستَّةَ الأول كان الدم فيها ثقيلاً غليظاً، والأربعة عشر الباقية من العشرين، أو الأربعة عشر يوماً الباقية من الثلاثين كان رقيقاً، فتقول: الست الثخينة والغليظة حيض، والباقي استحاضة، فهذه ضوابط التمييز: اللون، الريح، الألم، الكثرة والقلة، والغلظ والرقة، وقد جمعها بعض العلماء بقوله: باللون والريح وبالتألم وكثرة وقلة ميز الدم هذا على المذهب الذي يقول بالكثرة والقلة.
وبعضهم يرى دخول الغلظ والرقة فيقول: باللون والريح وبالتألم وغلظ ورقة ميز الدم أي: ميز الدم بهذا، هذا بالنسبة لقاعدة التمييز، فالمرأة التي ابتدأها الحيض لو جاءها الدم اليومين الأولين بلون أحمر، ثم اليومين اللذين يليان بلون أصفر، ثم يومين أحمر، ثم يومين أصفر، فنحكم بكونها حائضاً في اللون الذي هو أثقل -الذي هو الأحمر دون الأصفر- هذا بالنسبة لقضية تمييز الدم ورجوع المبتدأة إليه، وهكذا بالنسبة لغير المبتدأة.
قال المصنف رحمه الله: (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود).
هذه المبتدأة، والكلام الأول إذا كان الدم على وتيرة واحدة، وانظر هنا إلى دقة المصنف حيث جاءك بجميع أحوال النساء، فقال لك: (المبتدأة تجلس أقل الحيض)، ثم قال: (فإن تكرر ثلاثاً) فانتقل إلى العادة وأثبت لها العادة، ثم قال: (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود) فانتقل إلى التمييز.
قال المصنف رحمه الله: [ولم يعبر أكثره ولم ينقص عن أقله فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني والأحمر استحاضة].
(25/13)
________________________________________
التي لا تستطيع أن تميز ترجع إلى غالب الحيض
قال رحمه الله: [وإن لم يكن دمها متميزاً جلست غالب الحيض من كل شهر].
ما حكم امرأة جرى معها الدم، وليس لها عادة، وليس لها تمييز؟ قال: إذا استمر حتى جاوز أكثر الحيض فنردها إلى غالب الحيض، فاستفدنا الآن من الثلاث النقاط التي كنا نبحثها: أقل الحيض، وأكثر الحيض، وغالب الحيض، ففهمنا أقل الحيض في المبتدأة ووضعناه شرطاً وقيداً لها، وأكثر الحيض إذا جاوز أو وازى، وعرفنا حكم كلٍ منهما، ثم إذا كانت لا تستطيع أن تميز ولا تستطيع أن تضبط بضابط فإنها ترد إلى غالب الحيض، أي: غالب الأيام التي تجلسها النساء، وما هو الغالب في النساء إذا أصابهن الحيض؟ قالوا: الغالب أن المرأة إذا أصابها الحيض يمكث ستة أيام إلى سبعة، ودليلنا على ذلك السنة، من قوله عليه الصلاة والسلام: (تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)، فردها إلى الغالب، فقال العلماء: الست والسبع هي غالب حيض النساء، فالمرأة إذا التبس عليها واستمر معها الدم، ولم يمكن معرفة الحيض لا بالتمييز ولا بالعادة، فإنها ترد إلى غالب الحيض، وقد تأتيك المرأة معتادة ولكن نسيت عادتها ولا تستطيع أن تميز، فتردها إلى غالب الحيض، فإن فقدت العادة وفقدت التمييز فإنها ترجع إلى غالب الحيض.
(25/14)
________________________________________
أحكام المرأة المستحاضة المعتادة
قال رحمه الله: [والمستحاضة المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها].
(المستحاضة المعتادة) المستحاضة: استفعال من الحيض، أي: استمر معها دم الحيض، فالمرأة إذا استمر معها الدم ثلاثين يوماً -كما قررنا - فليس كله حيضاً، بل بعضه حيض وبعضه طهر -الذي هو الاستحاضة- والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام لما سألته السائلة وهي حمنة رضي الله عنها قالت له: (يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟) فهذه امرأة استمر معها الحيض خمس سنوات والدم يجري معها، وهذا يقع في بعض النساء: (إني أستحاض فلا أطهر)، وفي رواية: (حيضة شديدة فلا أطهر)، أي: لا أرى نقاء ولا طهراً، فهذه المرأة مستحاضة، وكانت لها عادة، فتردها إلى العادة وتقول لها: اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضينها، فلو قالت: عادتي خمسة أيام، فقل لها: هي حيضك، والزائد استحاضة، فإذا قالت: ما عندي عادة، فتقول: ميزي الدم؛ إما بلون، أو رائحة، أو ألم، أو كثرة أو قلة، فإذا قالت: لا أستطيع التمييز، تقول: حينئذٍ أردك إلى غالب حيض النساء، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)، والباقي استحاضة، ثم احكمي بدخولك في الحيضة الثانية بعد انتهاء الاستحاضة وهكذا.
(25/15)
________________________________________
الحكم في حال نسيان المرأة المميزة لعادتها
قال رحمه الله: [وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح].
قوله: (وإن نسيتها) أي: نسيت عادتها، (عملت بالتمييز الصالح)، ولكن في بعض الأحيان تنسى العادة وزمانها، والمرأة المعتادة ينبغي أن تفهم فيها أمرين: أولاً: أن تعرف قدر العادة الذي هو الستة الأيام أو السبعة الأيام، أي: قدر ما يجري معها دم الحيض.
والأمر الثاني: أن تعرف هل عادتها في أول الشهر، أو آخر الشهر أي: كونك تعلم أن حيضها ستة أيام، لا يكفي؛ لأنه قد يرد

السؤال
هل تحسب ستة أيام من أول الشهر أو من وسط الشهر أو من آخره؟ فقد تجد امرأة تأتيها عادتها ستة أيام من أول الشهر، وتجد امرأة ثانية تأتيها عادتها ستة أيام من وسط الشهر، وتجد امرأة ثالثة تأتيها عادتها ستة أيام من آخر الشهر، فليست قضية قدر الحيض هي المعتبرة فقط، بل ينبغي أن تعرف في المعتادة أمرين: الأمر الأول: قدر العادة، وهو قدر الأيام التي تحيضها.
والأمر الثاني: زمان العادة -أول الشهر، وسط الشهر، آخر الشهر- لأنه لا تسألك إلا امرأة استمر معها الدم، وقد يستمر معها ستين يوماً، فلو قلت لها: تحيضي ستة أيام، مباشرة ستقول لك: رحمك الله، أستاً من أول الشهر، أم من وسط الشهر، أم من آخر الشهر؟ لأنها التبس عليها الأمر، ونسيت زمان العادة.
والمرأة أحياناً تنسى قدر الحيض ومكانه، أي: موضعه من الشهر: أوله، أوسطه، آخره.
وقد تعلم الموضع وتنسى القدر، أو تنسى القدر وتعلم الموضع.
فالحالة الأولى: أن تنسى القدر ولكن تعلم الموضع، فتقول: كانت لي عادة، ولكن نسيت الآن هل هي خمسة أيام، أو ستة أيام، أو سبعة أيام؟ لكني أعلم أنها دائماً تأتيني في أول الشهر.
الحالة الثانية: أن تنسى الموضع وتعلم القدر، فتقول: حيضي ستة أيام، ولكن لا أدري: أهي في أول الشهر، أم في وسطه، أم في آخره؟ الحالة الثالثة: أن تنسى القدر وتنسى الموضع.
وهذه الثالثة يسمونها: المتحيرة.
وأحياناً يقولون: المحيرة، وكلاهما صحيح.
قالوا: متحيرة في نفسها، ومحيرة؛ لأنها حيّرت العلماء رحمة الله عليهم؛ فنسيت قدر أيامها ونسيت موضع حيضها، فإن كانت نسيت قدر الأيام وعلمت المكان، فتقول لها: تحيضي ستاً أو سبعاً، وتردها إلى الغالب، بشرط: أن لا يكون لها تمييز صالح، وإن نسيت الموضع وعلمت القدر فتردها إلى أول الشهر؛ لأنه الأصل، فإذا قالت لك: أنا أعلم أن حيضي ستة أيام، ولكن نسيت هل هي في أول الشهر أو وسطه أو آخره؟ كما لو أغشي على امرأة -والعياذ بالله- بغيبوبة أو إغماء، ثم أفاقت ونزفت وقالت: أنا أذكر أني أحيض ستة أيام، ولكن نسيت أهي في أول الشهر أم في منتصفه أم في آخره؟ فتردها إلى أول الشهر؛ لأنه الأصل، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً) ثم يحكم بطهارتها بعد ذلك؛ لأن الأصل أنه لما جرى معها دم الحيض أنها حائض بمجرد جريانه، فلما دخل عليها أول يوم في الشهر فاليقين أنها حائض، ولذلك يقولون: إذا نسيت موضع عادتها ردت إلى أول شهرها.
ثم أيضاً هذه التي نسيت القدر، في بعض الأحيان تقول لك: أنا متأكدة أنه في وسط الشهر، أو أنا متأكدة أنه في النصف الأول من الشهر، لكن لا أدري أفي النصف الأول منه أم في النصف الثاني؟ أي: في السبعة الأيام الأول أو السبعة الأيام الثانية، ثم إذا قالت لك: أنا متأكدة أنه في آخر الشهر، ولكن ما أدري أفي نصف نصفه الأول الذي هو الربع الثالث، أم في الربع الرابع من الشهر؟ فيلتبس عليها، فهذه صورة ثانية من التي يلتبس عليها موضع العادة.
فبعض العلماء يقول -كما نبه المصنف عليه-: نردها إلى أول الشهر مطلقاً، سواء استيقنت الموضع ونسيت تحديده، أو نسيت الأمرين.
فإذا قالت لك: حيضي في النصف الثاني من الشهر، لكن لا أدري أيبدأ من خمسة عشر، أم يبدأ من ثلاثة وعشرين مثلاً فتقول: اليقين عندي أن تبدأ بأول الشهر كما يقول المصنف، والأقوى أن يقال: تبدأ من نصف الشهر الذي هو من يوم خمسة عشر، كما اختاره بعض العلماء رحمة الله عليهم؛ قالوا: لأننا على يقين أن النصف الأول هي طاهرة فيه، والشك إنما وقع في النصف الثاني، فينبغي أن يقصر الشك على موضع التردد ولا يلحق إلى موضع اليقين، وهذا لا شك أنه أقوى الأقوال، فيقال لها: اعتبري الست من أول منتصف الشهر الثاني، هذا إذا كانت لا تعلم موضعه.
إذن: لو قالت لك: أنا أعلم أن حيضتي في نصف الشهر الأول، ولكن لا أدري أفي أول الشهر يبدأ، أم من اليوم السابع، فتقول: اليقين أنك تبدئين من أول الشهر، فهي من أول الشهر حائض، وهكذا بالنسبة لنصفه الثاني.
(25/16)
________________________________________
الحكم في نسيان غير المميزة لعادتها
قال المصنف رحمه الله: [فإن لم يكن لها تمييز، فغالب الحيض؛ كالعالمة بموضعه الناسية لعدده].
قوله: (كالعالمة بموضعه الناسية لعدده) سبحان الله العظيم! من دقة الفقهاء رحمة الله عليهم أنه من الممكن أن يجمعوا لك ثلاث مسائل في أصل وشبهه.
فالآن لما بين لك حكم المرأة الناسية، أدخل عليها كاف التشبيه، فقال: [كالعالمة بموضعه] فالآن أدخل لك صورتين: صورة الأصل التي نتكلم عليها، ومسألة النسيان.
قوله: [فإن لم يكن لها تمييز] لو قالت لك امرأة: العادة ليست لي عادة أو نسيت العادة بالكلية؟ فتقول: إذاً ميزي بلون او برائحة الدم؟ فإذا قالت: لا أستطيع أن أميز فإذا كان لا عادة لها ولا تمييز، رجعت إلى غالب الحيض.
فالدرجات عندنا كالآتي: أولاً: العادة، ثم يليها التمييز، ثم يليها الحكم بغالب الحيض.
هذا بالنسبة لأحوال المرأة المستحاضة.
قال المصنف رحمه الله: [كالعالمة بموضعه الناسية لعدده].
ردها إلى غالب الحيض، ثم أدخل مسألة العالمة بموضعه الناسية لقدره، وأيضاً العالمة بقدره الناسية لموضعه، أو الناسية لكلا الأمرين.
قال المصنف رحمه الله: [وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر].
كأن تقول: أنا أعلم أني أحيض ستة أيام، ولكن نسيت هل في أول الشهر أو في آخر الشهر.
(وإن علمت عدده، ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه جلستها من أوله كمن لا عادة لها).
قوله: (ولو من نصفه) كما قدمنا الإشارة إلى الخلاف في ذلك.
قوله: (ولو من نصفه جلستها من أوله) فلو قالت لك: أنا أعلم أن القدر ستة أيام، ولكن لا أعلم الموضع؛ فإنها: ترد إلى أول الشهر مطلقاً.
والصحيح كما قلنا مذهب التفصيل: فإذا جهلت هل هو في النصف الأول أو الثاني فإننا نردها إلى أول الشهر، ما الدليل؟ أنه بدخولها في أول الشهر والدم معها فالأصل فيها أنها حائض، فنبقى على اليقين؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
فالأصل في الدم أنه دم حيض، وبناءً على ذلك قالوا: نحكم بكونها حائضاً بدخول أول الشهر، لكن قال: (ولو في نصفه) يعني: ولو وقع الشك في النصف الثاني، قال: (جلستها من أوله).
وقلنا: هذا مذهب مرجوح، والصحيح: أنها يفصل فيها على نصفه الثاني دون أوله.
(25/17)
________________________________________
حكم المعتادة إذا اختلت عادتها
قال المصنف رحمه الله: [ومن زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت فما تكرر ثلاثاً حيض].
هنا مسألة أخرى، عرفنا المبتدأة والمعتادة والمميزة والمتحيرة، وعرفنا حكمهن، لكن هناك

السؤال
مثلاً عندنا المرأة معتادة لها سنة كاملة وهي تحيض ثمانية أيام على وتيرة واحدة، فلما حملت ووضعت جاءها دم الحيض بعد انتهائها من النفاس والوضع ولكنه أقلّ من الأمد الذي كانت تجلسه، فقد كان حيضها ثمانية أيام، ولكن بعد النفاس جاءها سبعة أيام، أو ستة أيام، أو خمسة أيام، وانقطع وبقيت طاهراً إلى أن جاء الشهر الثاني، فجاءها خمسة أيام وانقطع، ثم بقيت طاهراً، وفي الشهر الثالث جاءها خمسة أيام وانقطع، فما الحكم؟ نقول: انتقلت عادتها من الثمانية أيام إلى الخمسة، هذا إذا كان العدد أقل، لكن الإشكال هنا: لو أن عادتها خمسة أيام، ثم حملت وولدت، وبعد النفاس وانقطاع الدم دخلت في الحيض، فجاءها الحيض سبعاً بالزيادة، أو ثمانياً أو تسعاً، فما الحكم؟ مذهب الجمهور على أنها تجلس أيام الحيضة الأولى وهي الخمس، والزائد استحاضة، حتى يمر عليها ثلاثة أشهر بوتيرةٍ واحدةٍ، أو شهران عند الحنفية.
فنفصل الأقوال على هذه المذاهب: الحنفية يقولون: إذا اختلت عادتها بالزيادة، فجاءها في الشهر الأول ستة أيام بزيادة يوم، والشهر الثاني جاءها ستة أيام بزيادة يوم، فهذا اليوم في الشهر الأول نقول لها: صومي وصلي فيه.
ثم في الشهر الثاني بعد النفاس جاءها ستة أيام، فتثبت عادتها عند الحنفية ويطالبونها بقضاء اليوم السادس الذي مضى؛ لأنه ثبت أنه من الحيض.
عند الحنابلة والشافعية -وهو ما اختاره المصنف- يقولون كالآتي: لا بد من أن تمر عليها ثلاثة أشهر بعد النفاس: في الشهر الأول ستة أيام، وفي الشهر الثاني ستة أيام، وفي الشهر الثالث ستة أيام، ففي الشهر الأول تصوم وتصلي في اليوم السادس، وفي الشهر الثاني تصوم وتصلي فيه كذلك، وفي الشهر الثالث يثبت أنه حيض، فتطالب بقضاء اليومين: الأول: الذي هو السادس من الشهر الأول، والثاني: اليوم السادس من الشهر الثاني.
فالخلاصة أنهم يقولون: كل مختلة اختلت عادتها بالزيادة فإننا نحكم بصيامها وصلاتها في الشهر الأول، وفي الشهر الثاني تثبت عادتها عند الحنفية، وعند الشافعية والحنابلة لا تثبت إلا في الشهر الثالث.
أما المالكية فيقولون: كل امرأة اختلت عادتها بالزيادة فإنها تستظهر بثلاثة أيام، أي: كل زيادة بلغت ثلاثة أيام وأقل فهي حيض، ففي الشهر الأول بعد النفاس، يلحق المالكية اليوم السادس -الزائد- بالحيض، ثم إذا جاء الشهر الثاني، فإنهم يلحقون اليوم السادس أيضاً بالحيض، وفي الشهر الثالث يحكمون بكونه حيضاً، وبكونها قد صارت عادتها ستة أيام، فلا يطالبونها بالقضاء، فأصبح الخلاف بينهم وبين الشافعية والحنابلة والحنفية في هذا اليوم: أن أولئك يحكمون بصيامها وصحة صلاتها، وهؤلاء يلحقونها بالحائض ما دام أن الزيادة ثلاثة أيام فدون.
أما دليل المالكية على هذا الاستظهار فقالوا: إن الثلاث مهلة في الشرع؛ ولذلك قال: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] قالوا: عهدنا من الشرع أن الشيء إذا أراد الإنسان أن يمهل فيه فإنه يمهل بثلاث، فتأخذ بهذا بدل أن نضع ضابطاً من عندنا، وهذه المرأة التي اختل وضعها، يحتمل أنه حيض ويحتمل أنه ليس بحيض، فتحتاط بالثلاثة الأيام، وهذا الاستظهار مردود، ولذلك رده حتى أئمة المالكية، وقالوا: إنه باطل، وممن انتصر لرده الإمام الحافظ ابن عبد البر وقال: إنه لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنة، ولذلك نبقى على ما ذكرناه من أن الأصل فيها أنها طاهر، ودليلنا على بطلان هذا الاستظهار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها) فردها إلى العادة ولم يستظهر، فدل على بطلان الاستظهار؛ ولذلك لا اعتداد بهذا الاستظهار، فإذا سمعت -مثلاً- عالماً يفتي بالثلاث فتعلم أنه قد درج على مذهب من يقول بالاستظهار، والصحيح عدم الاعتداد به.
قال المصنف رحمه الله: [وما نقص عن العادة طهر، وما عاد فيها جلسته].
هناك فرق بين اختلال عادة المرأة بالزيادة وبين اختلالها بالنقص، فإذا كانت عادتها ستة أيام وزادت عليها فإنها تنتظر ثلاثة أشهر عند الجمهور وشهرين عند الحنفية، هذا في حالة الزيادة، أما إذا كان الاختلال بالنقص فيحكم بكونها طاهراً بمجرد انقطاع الدم عنها.
(25/18)
________________________________________
حكم الكدرة والصفرة
قال المصنف رحمه الله: [والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض].
الصفرة والكدرة: الصفرة مأخوذة من اللون الأصفر، كما يقول العلماء رحمة الله عليهم: الصفرة التي تكون من المرأة كالصديد -كلون القيح- فيها خلاف للعلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: إلغاؤها مطلقاً، كما هو عند الظاهرية ومن وافقهم.
والقول الثاني: الاعتداد بها مطلقاً.
والقول الثالث: التفصيل، وهو أعدل المذاهب، فإن كانت الصفرة والكدرة في زمان الحيض فهي حيض، وإن كانت بعد انقضاء الحيض فليست بحيض.
والدليل على ذلك: قول أم عطية رضي الله عنها كما في البخاري وغيره: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الحيض شيئاً).
والدليل على الاعتداد بها: (أن أم المؤمنين عائشة كان النساء -كما في البخاري - يبعثن لها بالدّرجة فيها الصفرة والكدرة من دم الحيض، فتقول: انتظرن لا تعجلنّ حتى ترينّ القصة البيضاء)، الدُرْجة: مثل الخرقة (فيها الكرسف) الذي هو القطن، فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض.
فحكمت بكونها حائضاً، مع أن ذلك صفرة وليس بحمرة ولا غيرها من ألوان الحيض؛ فدل على أن الصفرة والكدرة في زمان الحيض حيض.
(25/19)
________________________________________
تقطع الحيضة
قال المصنف رحمه الله: [ومن رأت يوماً دماً ويوماً نقاءً؛ فالدم حيض والنقاء طهر ما لم يعبر أكثره].
هذه المسألة فيها إشكال؛ لو أن امرأة قالت: يجري مني دم الحيض يوماً وينقطع يوماً، ثم يجري يوماً وينقطع يوماً وهكذا، فما الحكم؟ أولاً: مسائل الانقطاع هذه ينبغي أن يتنبه فيها للقاعدة التي ذكرناها في أقلّ الحيض، فعلى مذهب من يقول إنه لا حد لأقله -كالمالكية ومن اخترنا قوله- فإنه إذا مضى نصف يوم ثم كان اليوم الثاني طهر يوماً كاملاً، ثم خرج نصف يوم، ثم جاء طهر يوماً كاملاً فيرون أن ذلك من الحيض، فأيام الدم أيام حيض.
أما من يقول بالأقل فيشترط في هذه المسألة -عند الشافعية والحنابلة- أن يكون يوماً وليلة، مثال ذلك: أن ترى يوماً وليلة دماً، ويوماً وليلة طهراً وهكذا، لكن لو جئت تسأل شافعياً أو حنبلياً أو من يرجح مذهب الشافعية والحنبلية في امرأة جرى منها الدم نصف يوم، ثم انقطع يوماً ونصف، ثم نصف يوم، ثم انقطع يوماً ونصف، فإنه سيقول هذا ليس بحيض وإنما هو استحاضة.
فهذه فائدة معرفة أقلّ الحيض، فلا بد عند هؤلاء الذين يقولون بالأقل من أن يكون بلغ أقل الحيض، ولا يحكمون بكونه حيضاً إلا إذا بلغ الأقل، ولذلك قال المصنف: (ومن رأت يوماً دماً ويوماً طهراً).
والحنفية يقولون: يكون ثلاثة أيام دماً، ويوماً طهراً، وثلاثة أيام دماً، ويوماً طهراً؛ لأن الأقل عندهم ثلاثة أيام.
إذًا: فرض المسألة على المذاهب بهذا الشكل، عند الحنفية: تكون ثلاثة أيام دم؛ لأنهم يعتبرون الثلاث حداً أقلياً.
والمالكية لا يحددون ويقولون: أن ترى الدم، وعند الشافعية: أن يكون يوماً وليلة، والحنابلة مثلهم.
فقال المصنف رحمه الله: [ومن رأت يوماً دماً ويوماً نقاء فالدم حيض والنقاء طهر].
هذه مسألة خلافية: لو أن امرأة جاءتك وقالت: مكثت شهراً؛ أرى يوماً دماً ويوماً طهراً وهكذا فما الحكم؟ وعادتها خمسة أيام.
للعلماء فيها قولان: قال بعض العلماء: تجلس خمسة أيام من أول ما يأتيها الدم، فيصبح اليوم الأول الذي رأت فيه الدم حيضاً، وكذلك الثاني والثالث والرابع والخامس، ويصبح اليومان اللذان هما متخللان للخمسة أيام -اليوم الثاني والرابع- عند أصحاب هذا القول مع كونهما طهراً حيضاً.
هذا مذهب القول الأول.
القول الثاني يقول: اليوم الذي رأت فيه الدم يصير حيضاً، واليوم الذي رأت فيه النقاء يصير طهراً، ثم تعد بحسب أيام الدم، فاليوم الأول حيض، والثاني طهر، والثالث حيض، والرابع طهر، وهكذا حتى تبلغ الخمسة الأيام، والمذهب الثاني يسمى: مذهب التلفيق، وقال به فقهاء الشافعية والحنابلة والمالكية، وهو الأقوى والأرجح إن شاء الله.
فللعلماء وجهان: مذهب يقول: كل أيامها حيض بقدرها، فإذا كانت عادتها ستاً فإنها تعتبر بتمام اليوم السادس، وهذا المذهب مرجوح كما قلنا.
المذهب الثاني يقول: إنها تعتبر طاهراً في اليوم الذي فيه نقاء، حائضاً في اليوم الذي فيه دم، وبناءً على ذلك: إذا كانت عادتها ستة أيام فمتى يحكم بخروجها من عادتها على القول الثاني؟ يقولون: اليوم الأول حائض، واليوم الثاني طاهر فتصوم وتصلي، واليوم الثالث والخامس والسابع والتاسع والحادي عشر حائض؛ إذًا: تخرج بتمام الحادي عشر.
وهذا يسميه العلماء: مذهب التلفيق؛ لأنها تلفق أيامها، وقال به جمهور العلماء، وهو موجود عند المالكية والشافعية والحنابلة رحمة الله عليهم، وهو أقوى الأقوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علّق الحيض على وجود الدم، وهو أصل في الشرع، فإن تخلّف الدم ورأت النقاء فإنها طاهر، ولا يحكم بكونها حائضاً.
(25/20)
________________________________________
فائدة في مسألة سؤال الشيخ لتلاميذه أمام الناس
هنا اقتراح يقول: لو كان هناك بعض الأسئلة من قبل الشيخ في نهاية كل درس؛ وذلك لأمرين: حتى يعرف مدى فهم الطلاب وإدراكهم للدرس، ولتمرين الطلاب على المسائل وحلّها ومعرفتها، وجزاكم الله خيراً.
أقول: جزاك الله خيراً على هذا، والاقتراحات- شيء طيب حقيقةً وإذا كان أحد يريد أن يرى رأياً في أمر فيه مصلحة للجميع فهذا لا شك أنه من النصيحة، وجزى الله الأخ الفاضل على هذا الاقتراح خيراً، لكن عسى الله أن يعيننا عليه.
هذا الاقتراح محل نظر، أولاً: تعرفون أن الدرس نصف شهري، والوقت ضيق جداً.
والأمر الثاني: أنا أمتنع من السؤال لأمور؛ أولاً: أنه فتنة للمسئول، فقل أن تجد طالباً يقوم يجيب أمام إخوانه، ويسلم من الرياء وحظوظ النفس ووساوس الشيطان، وأنا أقول: قلّ؛ لأن أكثر النفوس ضعيفة، ولعل أن يكون هناك نوادر، لكن هذا أمر آخر، أما الغالب: الفتنة، ولا يجيب أحد غالباً إلا ويفتن، فلو أن إنساناً سلم، يبقى الإشكال في أمر آخر وهو: لو أني اخترت أحداً يجيب، فسألته فلم يستطع أن يجيب فماذا تتوقعون؟ قد تضعف همته، وتنكسر نفسيته، وقد يقول: الشيخ ينظر إليّ نظرة أخرى، ولن أحضر الدرس مرة أخرى، وقد وقع من ذلك شيء لزملاء أعرفهم.
الأمر الثالث: الطالب حينما تقيمه فيجيب، يحتاج عشر دقائق -الله المستعان- حتى يتهيأ للسؤال، فتصتك القدمان، ويتلعثم اللسان، ويبلع ريقه، ويجلس فترة حتى يستطيع مواجهة الجمهور، وهذا أمر صعب، وخاصة أن الإنسان قد يكون لأول مرة يجيب في محضر، ويضيع الوقت، ثم قد تكون إجابته ناقصة، وأنا حقيقة أراعي ما كنا عليه على أيام مشايخنا، فقد كانوا يستحبون أن لا يتكلم الطالب في مجالس العلم؛ لأن ذلك أدعى للهيبة، وأحفظ لحرمة الدرس، ولكم عليّ -إن شاء الله- ما أخرج من هنا حتى أجيب آخر سائل، وأنا أقول: هذه الطريقة اجتهاداً مني، وقد يكون العلماء والمشايخ والفضلاء لهم طريقة أخرى للمناقشة، لكن الذي أراه: أن نلقي الدروس ونلقي الفوائد، فيذهب الطالب إلى بيته مخلصاً لوجه الله عز وجل، يضع كتابه ودفتره أمامه ويراجع ويحرر، ويرى اثنين من طلاب العلم يسهر معهم أو يراجع معهم أسبوعياً، وإذا به بإذن الله عز وجل قد ضبط العلم وأتقنه.
أما أن يحُرَج أو يجيب أمام الناس فهي في الحقيقة تذهب الحرمة، وأنا أقول من باب الفائدة: لا أذكر أني تكلمت خلال أكثر من عشر سنوات بين يدي أبي إلا مرة أو مرتين، سألت سؤالاً فقط، وأما غيره فلا ولله الحمد؛ لأنه أدعى للحرمة وأدعى للهيبة، والإنسان الذي هو طالب علم يركز، ويتعود على الفهم بالإلقاء، ولذلك يقولون: درجات الفهم أعلاها وأرقاها: أن يكون الإنسان عنده استيعاب من نفسه، لا من خارج؛ لأن قضية المناقشات والحوار صحيح أنها تحرك الطالب، لكن تحركه متى ما كان الحوار موجوداً، لكن إذا كان طالب العلم الكامل تحركه العلوم وتحركه الفوائد والحكم، وكان متفاعلاً مع ذات العلم لا لمناقشة، فهذه أصالة في الفهم، وقوة في شخصية طالب العلم، وهذا رأي ووجهة نظر، وقد تختلف آراء العلماء، وكلٌ له وجهة نظر، وصحيح أن الحوار فيه فوائد؛ منها: أن الطالب يكمّل نقصه، كما يقولون: يتشجع على مواجهة الناس، وهذه عليها ملاحظة؛ لأن كل ما كان طالب العلم ينتظر من الله أن يفتح عليه فهذا أفضل، والله ما كنا نستطيع أن نقف أمام شخص أو شخصين، وكان يقال: المفروض أنك تتهيب أن تقف أمام الناس، وكان الوالد يقول لي كلمة واحدة، وأقول لكل طالب علم: اصبر، فإن كان عندك علم يراد به وجه الله فسيخرجك الله ولو بعد حين، وسيقبض لك من يأخذ عنك العلم، ويقيض لك من ينتفع بك، ويقيض لك من يحبك ويصدق حتى في علمه وتعليمه والأخذ عنه، هذا أمر يرجع إلى معاملة الإنسان مع الله عز وجل، وهي أسباب، قد تختلف فيها وجهات النظر، لكن أنا أرى الأخذ بالاحتياط والسلامة، هذا في وجهة نظري، خاصة أن الوقت ضيق جداً، وتصوروا لو أننا جلسنا نصف ساعة نناقش لذهب نصف وقت الدرس، وقد يكون الطالب في بعض الأحيان يحب أن يناقش، يعني تأتي تسأله وإذا هو الذي يسألك، وتأتي تستذكر معه -مثلاً- وإذا هو الذي يذاكرك، فقضية المناقشة لها سلبيات عديدة، وقالوا أيضاً عنها: إنها تجرئ بعض طلاب العلم الذين لا يحسنون وتبرزهم في الناس، فعندما يتعود الإنسان على الجرأة ويفتح له المجال في حلق العلم، قد يتجرأ على الفتوى، وقد يتجرأ على العلم، ولذلك تجد بعض النوعيات التي تكون بهذه المثابة تضر بنفسها وتضر بغيرها.
على العموم: هذه وجهة نظر، لكن لو ترجح عندك أنك تناقش وتناظر، فكل له مشربه.
ونسأل الله العظيم أن يرينا الصواب وأن يوفقنا له.
والله تعالى أعلم.
(25/21)
________________________________________
الأسئلة
(25/22)
________________________________________
انقطاع الدم لمدة عام بسبب المرض

السؤال
امرأة انقطع عنها الدم لمدة عام كامل أو يزيد، فهل هي في طهر طوال هذه المدة؟ وما الحكم إن كان سبب الانقطاع مرضاً؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: مسألة الطهر بحثنا فيها من جانبين: أقل الطهر، وأكثر الطهر.
أقل الطهر: وهي لا تسأل عن أقلّ الطهر، إذ أن أقلّ الطهر تستفيد منه لما تكون المرأة يجري معها الدم، فتقول: إن عادتها -مثلاً- ستة أيام، فستة أيام هي الحيض، وطهرها هو الباقي إذا كان لها عادة، أما إذا لم يكن لها عادة فتعطيها أقلّ الطهر في جريان الدم، لكن لو أن المرأة استمر معها الطهر أكثر من سنة أو سنتين أو ثلاث فلا حد لأكثر الطهر فقد تبقى المرأة طاهرة خمس سنوات أو ست سنوات ويحكم بكونها طاهرة؛ لأن الشرع علّق الحكم على وجود الدم، والدم غير موجود، فهي طاهرة طيلة انقطاع الدم عنها، ولا يحكم بكونها حائضاً بالتقدير والأمد ما دام أن الدم غير موجود.
والله تعالى أعلم.
(25/23)
________________________________________
استمناء الرجل بيد الزوجة أثناء حيضها

السؤال
هل يجوز للمرأة أن تستمني لزوجها بيدها وهي حائض؟

الجواب
قد يستغرب البعض من هذا السؤال، لكن اعذروا أخاكم، والحقيقة أن مسائل الدين قد يكون بعضها محرجاً، لكن هذا ديننا وهذه شريعتنا، وافرض أنك طالب علم ويوماً من الأيام سئلت هذا السؤال، فبماذا ستجيب؟ قال بعض العلماء: أحل الله المرأة للرجل، فله أن يستمني بيدها، وله أن يستمني بالمفاخذة، وله أن يستمني بأي وضع ما لم يكن في الموضع المحرم؛ لأن الله يقول: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة:187]، وقال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة:223]، فلما كان ضرباً من الشهوة، والناس يختلفون في انقطاع وانكفاف شهوتهم؛ فإن الأصل حِل الاستمتاع حتى يدل الدليل على المنع، فاستمناء الرجل بيد المرأة أو بالفخذ كل ذلك جائز، ولا حرج فيه حتى يدل الدليل على التحريم والمنع، وقد يجوز الشيء منفصلاً ولا يجوز متصلاً، ولذلك يحرم الاستمناء متصلاً -بيد نفسه- ويحل منفصلاً -بيد غيره كالزوجة مثلاً-؛ لأن الشرع أذن بالاستمتاع بالموضع المنفصل، ولم يأذن بالاستمتاع بالموضع المتصل، فكان محرماً في الاتصال حلالاً في الانفصال، فلا حرج أن يستمني بيد المرأة، ولا إثم عليه ولا عليها في ذلك؛ لأن الرجال يختلفون في الشهوة، والمقصود من زواج الرجل من المرأة أن تطفئ شهوته، وأن تعفه عن الحرام، فالأصل في الاستمتاع الحلّ حتى يدل الدليل على التحريم، ولا دليل هنا على التحريم.
والله تعالى أعلم.
(25/24)
________________________________________
حكم استعمال اللولب

السؤال
ذكرتم في الدرس الماضي أن استعمال ما يسمى باللولب غير جائز، فهل يعني أنه محرم؟ وماذا تفعل المرأة التي اضطرت إلى تركيبه؛ نظراً لعدم قدرتها على الحمل بكثرة، وهل يلزم عليها إخراجه؟

الجواب
اللولب لا يجوز، وقد بحثت جميع المبررات التي ذكرت له فلم أر مسوغاً لوضعه.
أولاً: فيه استباحة النظر إلى الفرج، وقد يكون الطبيب رجلاً، وهذا معلوم أن الأصل حرمته.
ثانياً: فيه استباحة الإيلاج في الموضع، ويتكرر ذلك مرات وكرات؛ أولاً: لوضعه، ثم للكشف عليه، وتهيئة وضعه ومناسبته للمكان، وكل ذلك يحصل فيه الإيلاج الذي حرم الله عز وجل، فأصبح فيه النظر، وأصبح فيه الإيلاج، مع ما فيه من مفاسد على الموضع، ومفاسد على العادة، فقلّ أن تضعه امرأة -بشهادة أهل الخبرة والأطباء والحس والتجربة- إلا اختلت عادتها، واضطرب عليها حيضها، وأصبح عندها ارتباك حتى تلتبس عليها صلاتها، ويلتبس عليها صيامها، وفيه من المفاسد أنه يمنع النسل، ويحول بين النسل الذي هو مقصود الزواج؛ قال صلى الله عليه وسلم: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا، فإني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة) فمقصود الشرع: التناسل والتكاثر.
والحقيقة أن كثيراً من النساء -أصلحهن الله- لا يرغبن في الحمل إلا من رحم الله، وهذا لا شك أنه مخالف للشرع، وفيه تفويت لكثير من المصالح الشرعية، وعلى المرأة أن تتوكل على الله، وأن تحسن اليقين بالله، وقد كان النساء إلى عهد قريب من الزمان تلد المرأة أربعة عشر ولداً وفيهم البركة وفيهم الخير، وهي من أحسن ما يكون وما وقع لها شيء، واليوم تجد المرأة بمجرد ما تضع الابن والبنت إذا بها لا تريد الحمل، وتختلق المبررات والأسباب لكي تقطع الحمل، وهذا من محق البركة، نسأل الله السلامة والعافية.
يذكرون عن طبيب هندي وثني أنه جاءه رجل مسلم وقال له: أريد أن تربط لزوجتي، فقال له: لماذا؟ قال له: لا أريد النسل، الذي عندي يكفي، فبكى الطبيب، فسأله: ما الذي يبكيك؟ قال له: كان لي أربعة من الولد، ثم لما أنجبت زوجتي الأربعة قالت: لا أريد الحمل، الأربعة يكفون، فعملت العملية لها، ثم شاء الله أن الأربعة ذهبوا في حادث واحد، وبقي هو وامرأته، لا تنجب ولا يستطيع أن ينجب منها.
فالإنسان إذا حمد نعمة الله بارك الله له فيها، وإذا كفر نعمة الله عز وجل محق الله بركته، وأي بركة في الزواج أعظم من أن تخلف وراءك، وما يدريك أن هؤلاء الأبكار الذين جاءوك قد يكون لا خير فيهم، وقد تكون ذرية غير صالحة، وأن الخير يكون لك في آخر ولد، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلعق اليد ولعق الإناء وقال: (إنك لا تدري في أي طعامك البركة)، فقد تكون آخر لقمة من الطعام هي التي فيها البركة، وقد يكون آخر ابن أو آخر بنت تنجبها هي التي فيها البركة.
ونسأل الله العظيم أن يرزقنا السداد والصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(25/25)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الحيض [3]
التفريق بين المتشابهات من المهمات في الشريعة، ولهذا بحث العلماء الفرق بين الحيض والاستحاضة وما يترتب على هذا من أحكام، وبحثوا كذلك أوجه الشبه بين الاستحاضة وبعض المسائل القريبة منها، حتى يلحق النظير بنظيره.
(26/1)
________________________________________
أحكام المستحاضة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والمستحاضة].
شرع المصنف رحمه الله بهذه العبارة في بيان أحكام المستحاضة، والمستحاضة نوع من النساء تتعلق بها أحكام في صلاتها وصيامها مفرعة على الحكم بطهارتها.
(26/2)
________________________________________
تعريف الاستحاضة
يقال: استحاضة، أي: استفعال من الحيض، أي: أن الدم استمر معها، فالأصل أن دم الحيض يقف عند أمد معين، كأن تمر العادة على المرأة ثمانية أيام أو سبعة أيام أو ستة، وإذا بها في هذا الشهر استمر معها الدم عشرين يوماً أو شهراً كاملاً أو شهرين أو ثلاثة، ولربما يستمر معها الدم سنة كاملة.
فالمستحاضة إما أن يكون دمها قد جاء قبل أمد الحيض، أو يكون جاء بعد أمد الحيض، وربما يستمر فيتصل بين الحيضتين، كأن تجلس شهرين أو ثلاثة أو أربعة والدم يجري معها.
ولا شك أن الكلام على مسائل الحيض يتضمن الكلام على حكم الاستحاضة.
وقال بعض العلماء في تعريفها: إنها دم فساد وعلة يرخيه الرحم من أدناه لا من قعره، أو من أعلاه لا من قعره، كله واحد.
وبعضهم يقول: دم فساد وعلة لا في حيض ولا نفاس، أي: لا في أمد الحيض ولا في أمد النفاس؛ لأن دم الاستحاضة يخرج عن كونه حيضاً وعن كونه نفاساً، ففي النفاس يكون جريان الدم مع المرأة أربعين يوماً، فإذا زاد إلى خمسين أو إلى ستين أو إلى سبعين، فحينئذٍ تقول: النفاس أربعون، وما زاد فهو استحاضة ما لم يكن له علاقة دم الحيض.
(26/3)
________________________________________
أصل الاستحاضة
الاستحاضة أصلها عرق؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما سألته فاطمة عن استحاضتها قال عليه الصلاة والسلام: (إنما ذلك عرق)، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (إنها ركضة من الشيطان) قال بعض العلماء: ركضة حقيقية، أي: أن الشيطان يركض ويضرب هذا الموضع ضرباً حقيقياً كالركض الذي يكون من الفارس أو من الرجل، وقال بعض العلماء: بل إنه ركض معنوي، بمعنى: أن الشيطان يتذرّع بجريان الدم مع المرأة على هذه الصورة، فيلبّس عليها صلاتها، ويدخلها في متاهة، فلا تدري أهي حائض فلا تصلي ولا تصوم، أو ليست بحائض فيجب عليها الصوم وتجب عليها الصلاة.
قالوا: فوصف النبي صلى الله عليه وسلم الاستحاضة بكونها ركضة لمكان التلبيس الذي يكون من الشيطان.
هذا من جهة المعنى.
أما بالنسبة لحقيقة هذا العرق فقد وردت له أسماء، فالثابت في السنن أن اسمه: العاذل، وفي الرواية الثانية -كما أشار إليها ابن الأثير ورواها بعضهم-: العاذر، فالرواية الأولى باللام: العاذل، والرواية الثانية بالراء: العاذر، وذكر الإمام الحافظ العيني رحمه الله صاحب العمدة أن هناك اسماً له وهو: العادل، بالدال بدل الذال.
وهناك اسم رابع رواه الإمام أحمد في مسنده أنه: العاند، فهذه أربعة أسماء: العاذل، والعاذر، والعادل، والعاند.
قالوا: سمي عاذلاً: وليس على الحقيقة، فليس هناك عرق في الجسد اسمه: عاذل؛ والسبب في ذلك: أن بعض الفقهاء سأل بعض الأطباء عن عرق اسمه العاذل فلم يعرفوه، والواقع أن العلماء قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بكونه عاذلاً من العذل واللوم؛ لأنه يوجب عذل المرأة ولومها، وقيل: إنه يتسبب في العذل واللوم، لا أن اسمه: عرق العاذل.
وأما تسميته بالعادل؛ فالعادل عن الشيء هو الجائر عنه، تقول: عدلت عن الطريق إذا جرت عنه وحدت عنه؛ لأنه بخروج المرأة عن عادتها بالحيض ودخولها في الاستحاضة تكون عدلت عن الدم الطبيعي لها، وهو دم الجبلة والطبيعة والصحة -دم الحيض- إلى دم الفساد والعلة والمرض، فعدلت عن الأصل؛ لأن الأصل في الدم أن يجري معها على الصحة فجرى معها على سبيل المرض.
وأما العاذر قالوا: لأن المرأة تعذر بوجوده.
وأما العاند: فلمكان استمرار الدم كأنه عنيد، وكأنه كالممتنع والصعب على الإنسان.
هذا بالنسبة لأسماء عرق دم الاستحاضة.
(26/4)
________________________________________
الفرق بين الحيض والاستحاضة
وهناك فوارق بين الحيض وبين الاستحاضة، فيفرق بين الحيض وبين الاستحاضة بأمور: أولاً: من جهة المكان، فدم الحيض يخرج من قعر الرحم، وأما دم الاستحاضة فإنه يخرج من أعلى الرحم وأدناه، هذا بالنسبة لمكان الدمين.
أما بالنسبة لأوصاف الدمين: فإن دم الحيض أشد سواداً من دم الاستحاضة؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) فأعطاه الوصف من كونه دماً أسود يعرف، فقالوا: يعرف بالسواد والحمرة الشديدة، وقد جاء في بعض الأحاديث وصفه بكونه محتدم وبحراني، ولكنها أحاديث ضعيفة، كما نبه عليه الحافظ ابن الملقن في خلاصة البدر المنير.
الفارق الثالث: وجود الألم، فإن دم الحيض يكون فيه حرارة وألم للمرأة، بخلاف دم الاستحاضة فإنه لا يكون فيه الألم الموجود في دم الحيض، وقد تقدم معنا ضوابط التمييز التي هي: اللون، والريح، والألم، والكثرة والقلة، والغلظ والرقة، فهذا بالنسبة لما يميز به بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
وتقدم معرفة أقلّ الحيض وأكثر الحيض، وأقلّ الطهر وأكثر الطهر، وبينا خلاف العلماء رحمة الله عليهم.
فيرد السؤال بعد أن عرفنا من هي المرأة الحائض؟ ومتى يحكم للمرأة بكونها حائض، أو بكونها غير حائض؟ فتقول المرأة: إذا حكمت عليَّ بكوني مستحاضة، فما الذي يلزمني من جهة الطهارة، وكيفية أداء الصلوات؟ وماذا يترتب على الحكم بكوني مستحاضة من جهة الوطء؟ وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالمرأة المستحاضة.
فشرع المصنف رحمه الله في بيان هذه الأحكام بقوله: [والمستحاضة ونحوها] أي: المرأة إذا حكم بكونها مستحاضة.
وقوله: (ونحوها) نحا الشيء نحواً: إذا قصده ومال إليه وطلبه.
وقد يطلق النحو بمعنى: الجهة، تقول: وجهت وجهي نحو القبلة، أي: جهة القبلة.
وقد يطلق النحو بمعنى: المثيل والشبيه؛ كما في الصحيحين من حديث عثمان لما توضأ وأسبغ الوضوء ثم قال: إن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا) أي: مثل وشبه وضوئي هذا.
فهذه إطلاقات النحو، فمراد المصنف بقوله: (والمستحاضة ونحوها) يعني: شبهها.
أولاً: نريد أن نعرف ما الذي يلزم المستحاضة؟ ثم بعد ذلك نعرف من يشبه المستحاضة؟ ثم نعرف ما هو الحكم المشترك بين المستحاضة وغير المستحاضة؟
(26/5)
________________________________________
ما ينبغي على المستحاضة
المستحاضة فيها أمور: أولاً: أجمع العلماء على أن المرأة إذا حكم بانتهاء حيضها ودخولها في الاستحاضة فإنه يجب عليها أن تغتسل، وهذا الحكم دلّ عليه ظاهر التنزيل والنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل ثم لتصل) والمرأة المستحاضة في الأصل أنها حائض، ثم لما انتهت أيام حيضها دخلت في الوصف بكونها مستحاضة؛ فلا نتكلم عن امرأة حاضت وانقطع دمها عند انتهاء حيضها، إنما نتكلم عن امرأة حاضت واستمر معها الدم فوق عادتها وأكثر من أمد عادتها، فلو كانت المرأة التي تسألك يستمر معها الحيض ستة أيام، وكان من عادتها أن ترى علامة الطهر بجفاف الموضع أو ترى القصة البيضاء، ولكنها فوجئت بالدم يستمر زيادة على اليوم السادس ولا يرقأ لها، فاستمر معها اليوم السابع والثامن والتاسع والعاشر إلى آخر الشهر، فبمجرد مرور اليوم السادس الذي هو آخر أيام العادة، سيرد السؤال عن حكم هذه المرأة، فتقول مباشرة: هذه المرأة أصبحت مستحاضة عند انتهاء أمد حيضها، سواء انتهى بالزمان أو انتهى بالوصف؛ فانتهاء زمانه بانتهاء زمان حيضها وهو: ستة أيام، وانتهاؤه بالوصف: كأن يكون دمها أحمر شديد الحمرة، فإذا به بعد السادس يصير أحمر مشرقاً أو أصفر أو أكدر كما ذكرنا.
فإذا دخلت المرأة في اليوم السابع أعطيناها وصف الاستحاضة، فأول ما يجب عليها: أن تغتسل عند انتهاء أمد الحيض، وهذا بالإجماع.
ثانياً: يلزمها طهارة موضعها -أي: موضع الاستحاضة- لأنه خارج نجس من موضع معتبر؛ لأن الخارج النجس له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون من الموضع المعتبر الذي هو القبل أو الدبر.
الحالة الثانية: أن يكون من موضع غير معتبر كسائر الجسد، واختلف في الفم كما ذكرناه في القيء.
فالمرأة المستحاضة يجب عليها غسل فرجها؛ لأن هذا الدم خارج نجس من الموضع المعتبر، فكما أن المرأة يجب عليها الاستنجاء أو الاستجمار إذا خرج منها البول، كذلك يجب عليها أن تغسل الموضع إذا خرج منها الدم؛ لأنه خارج نجس -كالبول- من الموضع المعتبر.
وغسلها لهذا الموضع، للعلماء فيه مسلكان: بعض العلماء يقول: غسل هذا الموضع أوجبناه على المستحاضة بدليل النقل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (اغسلي عنك الدم ثم صلي) للمرأة المستحاضة، قوله: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فإذا هي خلّفت ذلك فلتغتسل ثم لتصلي) فهذه الرواية نثبت بها الغسل.
فقوله صلى الله عليه وسلم: (اغسلي عنك الدم) أمر بغسل الموضع، قال بعض العلماء: أمرها أن تغسل الدم، والأصل أنه دم الحيض، فقوله: (اغسلي عنك الدم) المراد به: دم الحيض، وهذا ضعيف، وإنما المراد به (اغسلي عنك الدم) أي: الدم الذي يجري معك؛ لأنها قد حكم بكونها مستحاضة، فدل على أن دم الاستحاضة يعتبر نجساً كدم الحيض.
وهناك طبعاً مسلك ثانٍ: وهو مسلك القياس، فيقولون: الدم نجس كسائر الفضلات الخارجة من الموضع الذي هو القبل.
فنخلص من هذا إلى أن الحكم هو غسل الموضع؛ والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لـ فاطمة رضي الله عنها: (اغسلي عنك الدم)، فعرفنا أنه يلزمها غسل الفرج.
(26/6)
________________________________________
أحوال المستحاضة
يرد

السؤال
إذا كنت تقول بأنه يجب غسل الموضع لأجل الدم فما قولك في المستحاضة؛ لأنها يجري معها الدم باستمرار، وقد يستمر معها الدم اليوم كاملاً، فكيف تصلي وتؤدي عبادتها مع جريان الدم منها؟ قالوا: إن المستحاضة لها حالتان: الحالة الأولى: أن تكون استحاضتها خفيفة، بمعنى: أنها لو وضعت قطناً أو قماشاً انحبس الدم وانكف، فيلزمها وضع هذا القطن، ثم تصلي والدم مستمسك معها لمكان خفته، والدليل: قوله عليه الصلاة والسلام لـ حمنة بنت جحش رضي الله عنها لما قالت: (يا رسول الله! إني أستحاض حيضة شديدة فلا أطهر، فقال عليه الصلاة والسلام: أنعت لك الكرسف) (أنعت) من النعت وهو: الوصف.
(الكرسف): هو القطن، اسم من أسماء القطن، فقوله عليه الصلاة والسلام: (أنعتِ لك الكرسف) أي: أصف لك علاجاً لهذا الدم الذي لا يرقأ: أن تضعي في الموضع أو تسدي الموضع بالقطن، قالت: (يا رسول الله! هو أكثر من ذلك) موضع الشاهد في قوله: (أنعت لك الكرسف) قال العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (أنعت لك الكرسف:) فيه دليل على أن المرأة المستحاضة التي يجري معها دم الاستحاضة تغسل الموضع أولاً لما ذكرنا، ثم تضع القطن؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلما كان نقاء الموضع واجباً عليها من أجل صلاتها وعبادتها، وهذا الواجب يفتقر إلى وضع حائل وحاجز -القطن- وجب وضعه، هذا بالنسبة للحالة الأولى: أن يكون دم المستحاضة خفيفاً، بحيث لو وضعت قطعة من قماش أو قطن رقأ الدم وسكن.
الحالة الثانية: أن يكون الدم شديداً أو ثجّاجاً، ففي هذه الحالة تغسل الموضع؛ لما ذكرنا في النص، ثم تضع القطن وتشدّ الموضع، أو تشد الموضع دون وجود حائل من قطن أو قماش.
وشد الموضع يكون إما يجمع حافتي الفرج، أو بوضع الحبل أو الذي يشد على نفس الموضع على حسب ما ترى المرأة أنه يسد أو يكف عنها الدم، وهذا هو الذي عبّر عنه المصنف بقوله: (وتعصب فرجها) والعصب والعصابة مأخوذة من الإحاطة، سميت العصابة عصابة؛ لأنها تحيط بالشيء، وسمي قرابة الإنسان عصبة؛ لأنه إذا نزلت به ضائقة أو شدة أحاطوا به بإذن الله عز وجل وكانوا معه، فالعصابة أصلها الإحاطة، فلما قال: (تعصب) بمعنى: أنها تحيط، وبناءً على هذا التعبير قالوا: تشد طرفي الموضع، والدليل على أنه يلزمها هذا الشد ظاهر، هو حديث حمنة؛ فإنها لما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني أستحاض حيضة شديدة فلا أطهر، قال عليه الصلاة والسلام: أنعت لك الكرسف، قالت: يا رسول الله! هو أشد من ذلك -وفي رواية: هو أكثر من ذلك- فقال عليه الصلاة والسلام: تلجّمي) والتلجم مأخوذ من اللجام، واللجام في الأصل يكون حائلاً كما يقال: لجام الدابة؛ لأنه يلجمها فيمنعها، فهو حائل ومانع، ولذلك فقوله عليه الصلاة والسلام: (تلجّمي) قال العلماء: معناه اعصبي الفرج؛ لأن عصبه لجام وحائل ومانع يقي من خروج الخارج، أو يحفظ الموضع من إخراج الخارج، وبناءً على ذلك: استنبط العلماء من قوله عليه الصلاة والسلام: (تلجمي) دليلاً على أن السنة أن المرأة تشد الموضع إذا غلبها الدم.
هذا بالنسبة لأحوال المستحاضة إذا حكم بانتهاء حيضها ودخولها في الاستحاضة.
ودم الاستحاضة دم نجس محكوم بنجاسته؛ لأن قوله: (اغسلي عنك الدم) يدل على أن الدم نجس؛ لأن الغسل يكون لغير الطاهر، ولما كان هذا الدم لا يرقأ خفف في حكمه، فأُلزم المكلف بما في وسعه وسقط عنه ما ليس في الوسع.
وتوضيح ذلك: أن المرأة تضع القطن وتشد الموضع، وإن غلبها الدم صلت ولو جرى معها، أي: لو غلبها بعد اللجام والعصب وجرى معها فلا تكلف أكثر مما فعلت؛ لأن هذا حد التكليف.
(26/7)
________________________________________
ما يلحق بالمستحاضة
قول المصنف: (ونحوها) يعني: نحو المستحاضة، والنحو بمعنى: المثل والشبيه، فمن هو شبيه المستحاضة ومن هو مثيلها؟ قالوا: شبيه المستحاضة ومثيلها: خارج نجس لا يرقأ، أو خارج طاهر لا يرقأ؛ لأن عندنا في الاستحاضة أموراً: أولاً: أنه خارج، وأنه نجس، وأنه يوجب انتقاض الطهارة، أي: أنه حدث، والذي يكون مثل الاستحاضة إما أن يكون نحوها، بمعنى أن يكون شبيهاً للمستحاضة من كل وجه، وهذه حالة، أو شبيهاً لها من بعض الوجوه ويأخذ حكمها من بعض الوجوه، وهذه حالة ثانية.
(26/8)
________________________________________
حكم من به سلس البول
ونبدأ بالشبيه الذي يشبه المستحاضة من كل الوجوه: وذلك مثل: المصاب بسلس البول، أو سلس المذي، فإذا نظرت إلى كون المستحاضة قد خرج معها الدم، تقول: هذا الدم -أعني: دم الاستحاضة- دم نجس من خارج معتبر غلب بكثرة خروجه، وكذلك من به سلس بول، فإن البول خارج نجس يوجب انتقاض الوضوء كما توجبه الاستحاضة؛ وبناءً على ذلك يقولون: يأخذ حكم الاستحاضة؛ لأنه نجس كالدم، وخارج من الموضع كالدم، فمن كان به سلس بول أو سلس مذي فحكمه حكم الاستحاضة؛ لأن المذي نجس والبول نجس.
هذا مثال واحد؛ وهو من به سلس البول وسلس المذي -وأوصيكم بالشمولية في التمثيل، أي: لا تنحصر على مثال أو مثالين، بل نوع في التمثيل-
(26/9)
________________________________________
حكم من به ناسور أو باسور
فإذا ثبت أن الذي به سلس البول أو سلس المذي يشبه المستحاضة من كل وجه؛ لأن هذا خارج نجس من قُبل وهذا خارج نجس من قُبل، فهل هناك شبيه للمستحاضة في خارج من غير القُبل؟ نقول: نعم، مثل الذي به الناسور -أعاذنا الله وإياكم منه- فإن النواسير تكون في داخل الفرج، وتستطيع أن تعطيها حكم الاستحاضة، ولماذا فرقنا بين الناسور والباسور؟

الجواب
لأن البواسير تارة تكون على فتحة العضو -فتحة الشرج- وتارة تكون منحازة، بحيث إنه إذا خرج منها الدم يخرج من الخارج، لا من الفتحة نفسها ولا من الداخل، فهناك فرق بين الناسور والباسور، فإن الناسور إذا خرج من الداخل كان دماً كعرق الاستحاضة الذي يخرج الدم من داخل، والباسور يخرج دماً لكنه ليس من الموضع، فشابه الاستحاضة من جهة النجاسة لكنه لم يشابه من جهة التأثير في نقض الطهارة، ولذلك فالبواسير لا توجب انتقاض الوضوء، ولكن الناسور إذا كان داخل الدبر فإنه يوجب انتقاض الوضوء، وبناءً على هذا تقول: من به سلس المذي وسلس البول يشبه المستحاضة من كل وجه؛ لأن العضو واحد من جهة كون هذا قبلاً وهذا قبلاً، والخارج موصوف بأوصاف مكتملة، فيكتمل القياس من كل الوجوه، وهناك خارج مع اختلاف النوع، مثل من به بواسير أو نواسير من داخل الفرج لا من خارجه.
ومن به ناسور أو من به سلس البول ومن به سلس المذي فإنه يفصل فيه كالمستحاضة؛ فإن كان هذا الناسور يخرج قطرات يسيرة، ويمكن للشخص أن يعيد الوضوء، وأن يغسل الموضع، وأن يغسل الثوب دون حرج شديد فحينئذٍ نقول: أنت باقٍ على الأصل؛ لأن غسل المرة والمرتين ليس فيه حرج، لكن لو أن هذا الناسور -والعياذ بالله- نزف وغلب صاحبه، خاصة في أيام مثل أيام الشتاء التي يصعب معها الغسل ويصعب معها إصابة الموضع مع وجود الجروح، وقد ينصح الأطباء في بعض الأحيان بعدم الغسل؛ لخوف الالتهاب أو نحو هذا، فحينئذٍ نقول: حكمه حكم المستحاضة، فإن استطاع أن يغسل الموضع غسله، وإذا لم يستطع فعند بداية وقت الصلاة يطهر الموضع إما بحجر وإما بمنديل أو ورق أو نحوه من الطاهرات، ثم إذا كان الدم يتقاطر فنقول: احشه بقطنة أو احشه بمنديل، ثم بعد ذلك يصلي كالمستحاضة سواء بسواء، هذا بالنسبة لمن به الناسور أو الباسور.
أما من به سلس البول أو سلس المذي فننظر فيه، فإن كان سلس البول قليلاً يخرج معه قطرة أو قطرتين، بحيث إن بإمكانه أن يذهب إلى مكان قضاء الحاجة وأن يغسل الموضع، ويغسل البول الذي يصيب الثوب، نقول له: يجب عليك فعل ذلك؛ لأنه لا يصل إلى درجة المشقة، والتكليف أصلاً فيه كلفة، وهذا ابتلاء من الله عز وجل يعظم به أجرك ويعظم به ثوابك، فالذي ينتقض وضوءه بقطرات من البول -مثلاً- مرة أو مرتين بحيث لا يوجب حرجاً؛ فهذا تُلزمه بالأصل، فلو قال لك قائل: أدخل الحمام الساعة الرابعة إلا ربعاً على أذان العصر، ثم إني بعد أن أقضي بولي أقوم فأتوضأ، فتخرج مني القطرة والقطرتان بعد الوضوء، فتسأله: ثم ماذا بعد ذلك؟ فهذا لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إن قال: تخرج قطرة أو قطرات وينتهي كل شيء، فنقول: اذهب واغسل العضو والموضع، واغسل ما أصاب الثوب من نجاسة ثم أعد الوضوء؛ لأنه تكليف بما في إمكان الإنسان وفي وسعه.
الحالة الثانية: أن يقول: أستطيع أن أذهب وأتوضأ، ولكني لو أعدت الوضوء فإنه يحصل نفس الشيء بعد أن أتوضأ بعشر دقائق فتخرج قطرة، نقول له: فلو أعدت مرة أخرى؟ فلو قال: نفس الشيء حتى بعد المرة الثالثة والرابعة.
فهذا به سلس، والسلس لا بد أن يكون مستمراً، وبناءً على ذلك نقول: حكمه حكم المستحاضة، فيجب عليه أن يبدأ فيغسل العضو، ثم بعد غسله للعضو يضع في رأس العضو القطنة ونحوها، قال بعض العلماء: مع شد العضو، أي: يضع لفافة على رأس العضو تحبس، ولكن الأطباء يرون أن هذا فيه ضرر، وأن فيه عواقب وخيمة، فإذا ثبت قولهم: فلا يكلف به؛ لأن قبل الرجل ليس كقبل المرأة، فأمرت المرأة بالعصب لعدم وجود الضرر، والرجل لا يؤمر بالعصب لمكان الضرر؛ لأن الشريعة لا تأمر بالضرر، ولذلك من قواعدها الخمس المتفق عليها: (الضرر يزال)، وهي إحدى القواعد الخمس التي يقوم عليها الفقه الإسلامي، فلا يؤمر الإنسان بما فيه ضرر.
هذا بالنسبة لمن به سلس البول ومن به سلس المذي والنواسير.
(26/10)
________________________________________
حكم من به سلس الريح
فهذه الأمثلة الأربعة التي ذكرناها تشبه المستحاضة من كل وجه، لكن هناك مثال آخر يشبه المستحاضة من بعض الوجوه؛ ولذلك يعطى بعض الأحكام دون بعضها، مثال ذلك: من به سلس الريح، فإن الذي به سلس الريح يشبه المستحاضة من جهة خروج الخارج الناقض للطهارة دون وصف الخارج، فإن وصف الخارج في المستحاضة: دم نجس، ووصف الخارج في الريح ريح طاهر وليس بنجس، وقال بعض العلماء: إن الريح يعتبر نجساً إذا خرج من الدبر، ولذلك في مذهب بعض الفرق -بعض أهل الأهواء- التي لا يعتد بخلافها أنهم يوجبون على من خرج منه الريح أن يستنجي، وهذا مذهب ضعيف وليس بصحيح، فإن الريح لا يجب منه استنجاء ولا استجمار، وإذا ثبت أنه لا يجب منه استنجاء ولا استجمار، فعلى هذا يكون سلس الريح يأخذ حكم المستحاضة في بعض الأحكام لا في كلها، وبناءً على ذلك: يجب أن نحكم بأن الذي به سلس ريح يجب عليه وضع قطنة أو نحوها على الموضع حتى تمنع خروج الريح، إذا لم يكن في ذلك ضرر عليه، أو أن يعصر بطنه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذا بالنسبة لما يقاس على المستحاضة.
وقد يقاس على المستحاضة من جهة خروج النجس وتأثيره، صور أخرى؛ منها: لو أن إنساناً أصابه جرح ونزف -وقد قررنا أن الدم نجس كما تقدم معنا في باب إزالة النجاسات وبينا دليل ذلك- وثبت أن الدم نجس فما القول في هذا الرجل؟ هل نقول: إنه لا يصلي بناءً على أنه غير طاهر، أو نوجب عليه الصلاة ونأمره بالتطهر مع وجود المشقة عليه، أو نتوسط ونقول إنه يصلي على حالته؟

الجواب
من به نزيف فإنه يأخذ نفس حكم المستحاضة، فإذا أمكن رقء النزيف بأن توضع قطنة كالمستحاضة، بأن يكون النزيف خفيفاً، بحيث لو وضع في الموضع قطنة سكن نزيفه؛ فحينئذٍ يجب رقء الدم بوضع حائل من قطن أو قماش أو نحوه ولو بالشد وبالرباط.
الحالة الثانية: أن يكون النزيف قوياً لا يرقأ، فإن كان قوياً لا يرقأ فإنه يصلي ولو خرج معه ذلك الدم النجس، والدليل على ذلك: أن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثعب، كما في صحيح البخاري، وكذلك أيضاً: ما جاء عن عباد بن بشر لما أصابه السهم الغائر حينما كان حارساً على فم الشعب، ومع ذلك صلى وجرحه يثعب دماً؛ لأن نزيف السهام نزيف قوي مستحكم، فمثله لا يرقأ؛ ولذلك تعتبر هاتان الحالتان مستثنيين من الأصل الذي يوجب غسل الموضع النجس.
ويلتحق بالنزيف: الرعاف، فلو أن إنساناً سألك وقال: أرعفت -خرج الدم من أنفه- فتقول: هذا فيه تفصيل: إن كان الرعاف خفيفاً فلا تصلِّ حتى تغسل الموضع ويسكن الرعاف وتصلي على طهارة؛ لأنه الأصل الذي أمرك الله بفعله.
الحالة الثانية: أن يكون الرعاف خفيفاً لا يرقأ من نفسه، وإنما يرقأ بالسبب كالاستحاضة، بأن يضع قطناً أو يسد الأنف، فنقول: حينئذٍ يكون حكمه أن يغسل أنفه قبل الصلاة، فيتطهر ويتوضأ ويغسل الموضع، ثم بعد ذلك يضع فيه القطن الذي يمسكه أو المنديل الذي يستمسك به ثم يصلي.
الحالة الثالثة: أن يكون الرعاف قوياً بحيث لا يستمسك، فحينئذٍ نقول: إن دهمه في الوقت وأخذ وقت الصلاة، صلى ولو رعف، ولا يكلفه الله إلا بما في وسعه.
هذا بالنسبة للصور التي يقاس فيها غير المستحاضة على المستحاضة.
(26/11)
________________________________________
الخلاف في غسل أو وضوء المستحاضة عند كل صلاة
قال المصنف رحمه الله: (وتتوضأ لكل وقت صلاة، وتصلي فروضاً ونوافل).
قوله: (وتتوضأ لكل صلاة) ذكرنا حكم الموضع، وكل الأحكام التي كنا نبحثها سابقاً في موضع المستحاضة، بقي السؤال عن طهارتها؟ فالمستحاضة نظراً إلى أن خارجها -وهو الدم- يوجب انتقاض الطهارة، فإنه يرد

السؤال
متى تتطهر؟ وكيف تكون طهارتها من الحدث؟ فتقول: طهارتها من الحدث تستلزم عليها أن تتوضأ لكل صلاة، وهي مسألة خلافية فيها ما يقرب من أربعة أقوال للسلف رحمة الله عليهم.
فقال بعض العلماء: المستحاضة يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة، فتغتسل إذا انقطع الحيض وانتهى، ثم بعد ذلك تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة.
هذا القول الأول، وهذا هو مذهب جمهور العلماء رحمة الله عليهم، وبهذا القول قال فقهاء الحنفية -في المشهور- والشافعية والحنابلة رحمة الله عليهم.
القول الثاني: يستحب لها الوضوء عند كل صلاة ولا يجب عليها، وبهذا القول قال المالكية، وقال به أيضاً الظاهرية، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن إمام المدينة، والذي يسمى: ربيعة الرأي رحمة الله على الجميع، فقالوا: لا يجب عليها أن تتوضأ، ولكن يستحب لها الوضوء عند دخول وقت كل صلاة.
القول الثالث: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وهذا أشد الأقوال، وهو مأثور عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـ ابن عباس رضي الله عنهما، وإحدى الروايات عن علي رضي الله عنه وأرضاه، وأفتى به سعيد بن المسيب إمام المدينة.
القول الرابع: أنه يجب عليها أن تغتسل في اليوم مرة واحدة دون تعيين، وهو قول علي رضي الله عنه وأرضاه، سواء كان في أول اليوم أو في وسطه أو في آخره، قالوا: ولا يجب عليها إلا غسل واحد في اليوم وحده، وهذه هي أشهر الأقوال في المستحاضة.
وأصح هذه الأقوال وأقواها: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة؛ وذلك لأمره عليه الصلاة والسلام لـ أم حبيبة رضي الله عنها بذلك.
وللفائدة: كان هناك ثلاث من بنات جحش رضي الله عنهن وأرضاهن مستحاضات: الأولى منهن: زينب أم المؤمنين - زينب بنت جحش - رضي الله عنها وأرضاها، ولكن زينب كانت استحاضتها قليلة، كما أفاده الحافظ ابن الملقن رحمة الله عليه، قال: إنها كانت تستحاض، ولكن كانت حيضتها قليلة.
والثانية من بنات جحش: حمنة بنت جحش رضي الله عنها، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنها وعنه.
والثالثة من بنات جحش: أم حبيبة، وكانت أشدهن، وهي زوجة لـ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه؛ أحد المبشرين بالجنة.
فهؤلاء النسوة كن يستحضن، وكانت أشدهن -كما قلنا- حمنة وأم حبيبة رضي الله عنهما، حتى أثر عن إحداهن أنها مكثت خمس سنوات وهي تستحاض، وأثر عن إحداهن أنها كانت تصلي والطست تحتها يجري بالدم.
ومن النساء أيضاً فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها ثابت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
الذين قالوا: يجب عليها أن تتوضأ؛ استدلوا بما ثبت في الرواية -واختلف في ثبوتها، ولكن الصحيح أنها حسنة ومعتضدة بشواهد متعددة- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: (وتوضئي لكل صلاة) فقالوا: توضئي (أمر)، والأصل في الأمر أنه للوجوب، وبناءً على ذلك: يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، هذا القول الأول.
أما دليل العقل: فلأنها إذا خرج منها الخارج انتقض وضوءها، وإذا انتقض وضوءها بخروج الخارج؛ فإن الأصل أنها مطالبة بالوضوء، فإذا خفف الشرع عنها مدة الوقت بقي ما عداه على الأصل من كونه فرضاً، هذا بالنسبة لدليل العقل، فاجتمعت دلالة النقل ودلالة العقل على وجوب وضوئها لكل صلاة، وبناءً على هذا: إذا أذن أذان الظهر توضأت، لكن لو توضأت قبل أذان الظهر، كما لو توضأت في الساعة الثانية عشرة والظهر يؤذن في الثانية عشرة والنصف أو وربع فحينئذٍ تستبيح الصلاة إلى أذان الظهر، فإن دخل وقت الظهر فإنها حينئذٍ تستقبله بوضوء جديد، هذا بالنسبة لوضوئها لكل صلاة.
أما الذين قالوا بغسلها لكل صلاة، فالروايات ضعيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالغسل، ولا يوجد إلا دليل واحد لهم وهو حديث فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل، قال -كما في الصحيح-: (وكانت تغتسل لكل صلاة) قال بعض العلماء الذين يقولون بوجوب الغسل لكل صلاة: وهذا يدل على وجوب غسل المستحاضة لكل صلاة، وهو مذهب من ذكرنا من الصحابة.
والصحيح أنه لا يجب، وأن اغتسال فاطمة رضي الله عنها كان اجتهاداً منها، وليس بنص النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أمره لها أن تغتسل إنما هو عند انقطاع دم الحيض، ولم يكن أمراً بالاغتسال عند كل صلاة، فبقيت الذمة على الأصل من كونها بريئة من المطالبة بالطهارة الكبرى، والأصل أنها مطالبة بالطهارة الصغرى.
أما الذين قالوا: إنه يجب عليها غسل واحد في اليوم، فهناك أحاديث ضعيفة وآثار استدلوا بها.
وأصح الأقوال في هذه المسألة: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة على ظاهر ما ذكرناه من حديث أبي داود والترمذي وأحمد والبيهقي والحاكم وصححه غير واحد، وسئل الإمام البخاري رحمه الله عن هذا الحديث فحسن إسناده، والقول بتحسينه من القوة بمكان، وإن كان بعض العلماء يرى أنه صحيح لغيره.
فهذا حاصل ما يقال في حكم المستحاضة من جهة طهرها: هل تتوضأ لكل صلاة أو تغتسل؟ وهناك مسألة ثانية: إذا ثبت أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وأنه لا يجب عليها الغسل، فهل يستحب لها الغسل؟ أعدل الأقوال: أنه يستحب لها الغسل لكل صلاة، ولكن لا يجب؛ لورود ذلك من فعل السلف، وهو فهم الصحابية، ولذلك نقول يستحب لها أن تغتسل ولا يجب.
قال المصنف رحمه الله: [وتصلي فروضاً ونوافل].
تصلي الفروض في الوقت، فتصلي فرض العصر، وفرض الظهر، والمغرب والعشاء والفجر كلاً بحسب وقته.
فإذا توضأت لصلاة الفجر صلت بهذا الوضوء الفروض والنوافل، فابتدأت بركعتي الرغيبة فصلتها، ثم ثنت بصلاة الفجر، ثم إذا طلعت الشمس وأرادت أن تصلي الضحى صلت الضحى، ولا يلزمها أن تجدد وضوءها؛ لأنها على أصلها من كونها طاهرة.
(26/12)
________________________________________
وطء المستحاضة
قال المصنف رحمه الله: [ولا توطأ إلا مع خوف العنت].
بقيت مسألة متعلقة بالمعاملة، وهي: هل يجوز وطء المرأة إذا كانت مستحاضة؟ الجمهور على أنه لا حرج في وطء المرأة المستحاضة، ولم يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمنع أو التحريم، والله عز وجل حرّم وطء المرأة الحائض، ولم يحرم وطء المستحاضة.
قالوا: والأصل في المرأة أن يستمتع بها، وهذا على ظاهر التنزيل في قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة:187]، فإذا ثبت أن الأصل حل الاستمتاع وحل الوطء، فدم الحيض عارض نقلنا عن الأصل؛ والناقل يتقيد بزمانه وبمدة وجوده، فإذا انقطع دم الحيض رجعنا إلى الأصل الموجب لحل الوطء، فهذا مسلك الجماهير في تجويز الوطء، لكن كرهوا ذلك للإنسان.
وقال بعض العلماء: إنه لا يطأها إلا إذا خشي العنت، والعنت هو الزنا، يعني: إذا خشي الوقوع في الزنا فله أن يطأ الزوجة ولا حرج عليه في ذلك.
والصحيح: أنه لا حرج في وطئها، لكن الأفضل والأولى أن يتقيه.
قال المصنف رحمه الله: [ويستحب غسلها لكل صلاة].
يعني: إذا دخل عليها وقت كل صلاة فإنه يستحب لها أن تغتسل، أي: تغسل البدن، ولا يجب عليها ذلك؛ لظاهر ما ذكرناه من فعل فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وأما الوجوب فإنه لا يجب وإنما يستحب لها، والمستحب يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ومخالفه.
(26/13)
________________________________________
أحكام النُفساء
قال المصنف رحمه الله: [وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً] النفاس: تطلق النفس على معان، يقال: نفس الشيء بمعنى: ذاته، ومنه قولهم: رأيت محمداً نفسه.
وتطلق النفس بمعنى: الروح، وتطلق النفس بمعنى: الأخ، ومنه قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء:29]، وتطلق النفس بمعنى: الدم، ومنه قول العلماء: النفاس، وما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (مالكِ أنفست) أي: هل أصابك الدم؟ فلما كان الدم من أسمائه النفس؛ سمي النفاس نفاساً لذلك، من باب تسمية الشيء بسببه، والنفاس: هو الدم الذي يخرج عقيب الولادة، وقال بعض العلماء: إن ما سبق الولادة باليوم واليومين والثلاثة آخذ حكم دم النفاس، فلو أن امرأة أوشكت على الوضع وقبل وضعها بيوم أو يومين أو ثلاثة جرى معها الدم وهي حامل قالوا: تأخذ حكم النفاس؛ للقاعدة: (أن ما قارب الشيء أخذ حكمه)، هذا بالنسبة لدم النفاس، والفرق بينه وبين دم الحيض: أن ذاك دم معتاد وهذا دم مخصوص لوجود الولد.
(26/14)
________________________________________
الخلاف في أكثر النفاس
قال المصنف رحمه الله: [وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً].
ذكر رحمه الله أكثر النفاس وأنه أربعون يوماً، ونحتاج إلى معرفة أكثر النفاس في المرأة التي يستمر معها الدم؛ لأنها قد تنزف، وقد تتسبب ولادتها بنزيف، فيستمر معها الدم شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وقد تبقى سنة كاملة وهي تنزف بعد ولادتها، على حسب ما يكون للنساء من اضطراب في عاداتهن بعد ولادتهن، وبناءً على ذلك: يحتاج الفقيه إلى معرفة أكثر النفاس حتى يحكم بطهارة المرأة، أو يحكم بدخولها في الحيض، أو يحكم بدخولها في الاستحاضة.
فقال رحمه الله: (أكثر النفاس أربعون يوماً) وهذه مسألة خلافية، وللعلماء فيها قولان مشهوران: القول الأول: أن أكثر النفاس أربعون يوماً وما زاد فهو استحاضة، وهذا قول الجمهور، واستدلوا بما ثبت في الصحيح: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً).
القول الثاني: تجلس النفساء ستين يوماً، وهو مذهب المالكية، وقول عبد الرحمن الأوزاعي فقيه الشام رحمة الله على الجميع، يقولون: النفساء لا بد أن تجلس ستين يوماً، وما جاوز الستين فهو استحاضة وليس بدم نفاس.
هذا بالنسبة لقوله: (أكثر النفاس أربعون يوماً)، وفهمنا من هذا أن النفاس لا حد لأقله، وبناءً على ذلك: لو أن امرأة ولدت ثم جرى معها الدم لحظة واحدة، فأخرجت دفعة واحدة من الدم ثم انقطع، حكمنا بكونها طاهرة؛ لأنه ليس عندنا حد معتبر لأقل النفاس، وإذا لم يكن هناك حد معتبر فإنه بمجرد انقطاع الدم عنها نحكم بكونها طاهرة، هذا بالنسبة لأقل النفاس وأكثره.
والصحيح: أن أكثر النفاس هو أربعون يوماً، تجلسها المرأة، ثم إذا أتمت هذا العدد فإنها تخرج عن كونها نفساء.
قال المصنف رحمه الله: [ومتى طهرت قبله تطهرت وصلت].
قوله: (ومتى طهرت قبله) يعني: قبل أكثر النفاس، (تطهرت وصلت) مثال ذلك: امرأة ولدت في أول الشهر، واستمر معها دم النفاس عشرين يوماً ثم طهرت، أي: رأت علامات الطهر، إما جف موضعها، بأن ينقطع الدم، أو خرجت معها قصة بيضاء هي نهاية دم النفاس، فبخروج القصة البيضاء، أو وجود الجفوف تحكم بكونها قد طهرت، فإذا طهرت المرأة أثناء الأربعين يوماً بعد الولادة -مثلاً: طهرت بعد عشرين يوماً أو بعد ثلاثين يوماً أو بعد خمسة وعشرين يوماً- تقول: هي طاهرة، تصوم وتصلي وحكمها حكم الطاهرة.
(26/15)
________________________________________
كراهة وطء المرأة النفساء إذا طهرت قبل مرور الأربعين
قال المصنف رحمه الله: [ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهير].
هذه المسألة فيها كلام للعلماء: بعض العلماء يقول: المرأة النفساء إذا طهرت قبل الأربعين لا توطأ، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه.
ومنهم من قال: إنه محمول على الكراهية.
ومن أهل العلم من قال: توطأ المرأة إذا انقطع دم نفاسها قبل الأربعين.
ولكن في الأمر علة خفية، يقول بعض الأطباء -وهذه فائدة، وأنا دائماً أقول: ينبغي لطلاب العلم ألا يقتصروا فقط على مسألة الأحكام، فلا مانع أن الإنسان يستفيد من بعض الأمور الطبية، وإذا جالس طبيباً خبيراً بمثل هذه الأشياء يستفيد منه- يقول بعض الأطباء: إن هذا يضر بالعضو، وأنه لا يرجع إلى طبيعته قبل الأربعين، ولذلك قالوا: إن الأفضل أن لا يحصل جماع، وهذا يدل على بعد نظر السلف الصالح رحمة الله عليهم في زمان كانت إمكانيات الطب قليلة، والعلوم الطبية قليلة، لكنهم كانوا لا تنزل بهم مسألة إلا رجعوا لأهل الفن والاختصاص فيها، فإن كانت مسألة طبية رجعوا إلى الأطباء واستفادوا منهم، وبعض العلماء يعلل فيقول: لخوف رجوع الدم، ويكون انقطاع الطهر عندها مؤقتاً ليوم أو يومين، وهذا يحدث، فإن المرأة تكون نفاساً ثم تطهر بعد عشرين يوماً، ثم في اليوم الحادي والعشرين لا ترى شيئاً وكذلك في اليوم الثاني والعشرين وفي الثالث والعشرين يعود عليها الدم، ولذلك قالوا: لا نأمن ما دام أنها داخل الأربعين أن دم النفاس يعود إليها بعد أن انقطع.
فتوسط المصنف رحمه الله وقال: (يكره)، وإذا ثبت كلام الأطباء من أنه قد يضر بالعضو؛ فيشتد المنع ويكون المنع آكد، لكن إذا لم يكن فيه ضرر فحينئذٍ يطأ الإنسان ولا حرج عليه، إلا أنه يستثنى الشخص الذي يخاف الوقوع في الحرام، فإن الناس تختلف شهواتهم، خاصة وأن الرجل قد حملت امرأته ومكثت زماناً منه، فلذلك قد يقع في المحظور، وقد لا يأمن الوقوع في الفتنة، وفي هذا الحال قالوا: له في ذلك سعة إذا خشي العنت.
(26/16)
________________________________________
انقطاع دم النفاس ثم معاودته
قال المصنف رحمه الله: [فإن عاودها الدم فمشكوك فيه].
قوله: [فإن عاودها الدم] يعني: عاود المرأة النفساء وصورة المسألة: أن يكون عندنا امرأة نفست وجرى معها دم النفاس عشرين يوماً وانقطع دون الأربعين، فحينئذٍ قال بعض العلماء: إذا استمر معها بعد انقطاع العشرين حتى جاوزت الأربعين ولم يعد لها دم فلا إشكال، وهي امرأة طاهرة قولاً واحداً عند العلماء.
لكن المشكلة لو جرى معها ثلاثين يوماً، ثم انقطع عنها يوماً، ثم رجع لها، ثم انقطع يوماً، ثم رجع لها، وهذا يحدث، وقد ينقطع عنها خمسة أيام، ثم يعود خمسة أيام، ثم ينقطع خمسة أيام وهكذا، ويختلف ذلك على حسب أحوال النساء وما معهن من النزيف، ولذلك يصعب تمييز الاستحاضة من النفاس، ويصعب تمييز الاستحاضة من الحيض، حتى إن بعض الأطباء المعاصرين يقولون: هذا أمر مشكل؛ لأن كلاً منها انفجار في جدار الرحم المبطن، فقد يكون عرقاً مثل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الاستحاضة، وقد يكون حيضاً على أصله؛ ولذلك التمييز صعب.
فالمشكلة الآن: أنها إذا انقطع عنها دم النفاس، ورأت علامة الطهر -وهذا شرط- فلا يحكم بكون النفساء قد طهرت إلا بعد أن ترى علامة الطهر: الجفوف أو القصة البيضاء كما ذكرنا في الطهر، فلو انقطع عنها الدم عشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، ثم هذا الدم الذي انقطع عاودها بعد يومين أو بعد ثلاثة أيام، فلا يخلو من صور: الصورة الأولى: أن يعاودها بصفة دم الحيض وفي زمانه، كأن يكون من عادتها قبل الحمل أن الحيض يأتيها في أول الشهر، فبعد أن انقطع عنها في آخر الشهر من محرم رأت علامة الطهر، وبقيت خمسة أيام طاهراً، ثم جاءها في أول صفر دم يشابه دم الحيض، فنقول: انتقلت من كونها نفاساً إلى كونها حائضاً، وهذا الدم دم حيض، ثم تعطيه حكم دم الحيض فإذا كان عندها عادة قبل الحمل أنها تمكث في الحيض خمسة أيام، فتمكث خمسة أيام، لكن لو قلنا: إن هذا الدم ليس بدم حيض، ماذا نفعل؟ نضيفه إلى عدد النفاس، ثم بعد ذلك نحكم بخروجها من النفاس على قدر أمده، هذا قول.
والقول الثاني الذي اختاره المصنف: أنه إذا لم يأتِ بأوصاف دم الحيض وزمانه، فإنه يحكم بكونه مشكوكاً فيه، وإذا كان مشكوكاً فيه فالأصل: أنه استحاضة، والأصل: أنها مطالبة بالصوم والصلاة، فنأمرها بالصيام والصلاة، حتى يحكم بانتقالها ودخولها في الحيض، هذا مذهب المصنف رحمة الله عليه، والحقيقة أن الأقوى هو التفصيل: أنه إذا عاودها في زمان حيض بصفات حيض حكم بانتقالها من نفاس إلى حيض، وإن عاودها بغير أوصاف الحيض قريباً من أوصاف نفاسها فإنه لاحق بما قبله آخذ حكمه، وتلفق في العدد فتضيف الأيام الأخيرة إلى الأيام الأولى حتى تتم عدة النفاس.
قال المصنف رحمه الله: [تصوم وتصلي وتقضي الواجبة].
وهذا بناءً على الأصل واليقين من أنها طاهر والدم مشكوك فيه -كونه حيضاً أو نفاساً- فنلغي الشك ونبقى على اليقين؛ للقاعدة المشهورة.
(26/17)
________________________________________
مشابهة النفاس للحيض في غير العدة والبلوغ
قال المصنف رحمه الله: [وهو كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب].
قوله: (وهو) أي: النفاس (كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب) أي: أن النفاس يمنع ما يمنع منه الحيض وقد تقدم.
فالمرأة النفاس لا تصوم، ولا تصلي، ولا تدخل المسجد، ولا تلمس المصحف -عند من يقول بمنعها من لمس المصحف- ولا يحل وطؤها كما ذكرنا في الحائض، ويستثنى من ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله.
قال المصنف: (ويُسْقِط غير العدة والبلوغ).
قوله: (ويسقط) أي: النفاس، يسقط عن المرأة التكاليف، فما يسقطه دم الحيض يسقطه دم النفاس سواءً بسواء، ولذلك سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحيض نفاساً؛ وذلك لمكان وجود العذر، لكن يستثنى من ذلك: العدة والبلوغ، فإنه لا يحكم باعتداد المرأة بدم النفاس، بخلاف دم الحيض فإنه يعتد به، ولذلك قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] فردهن إلى دم الحيض، قيل: قروء؛ أطهار، وقيل: حيضات، كما سنبينه في باب الطلاق إن شاء الله تعالى.
وأما بالنسبة للبلوغ فقالوا: لا يثبت البلوغ بدم لنفاس؛ لأنها بحملها يثبت البلوغ، ولذلك يرى العلماء أن الحمل دليل على البلوغ: وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل أو بمني أو بإنبات الشعر أو بثماني عشرة حولاً ظهر وإن كان الصحيح أن خمسة عشر توجب البلوغ.
(26/18)
________________________________________
الاختلاف في أول النفاس وآخره إذا ولدت توأمين
قال المصنف رحمه الله: [وإن ولدت توأمين فأول النفاس وآخره من أولهما].
امرأة ولدت ولدين: الولد الأول ولدته في العشر الأولى من الشهر، والولد الثاني ولدته في الخامس عشر أو في السادس عشر.
فيرد الإشكال: من أين يبدأ دم النفاس هل نبدأ من العشر الأولى التي حصلت فيها الولادة، أو نبدأها من العشر الثانية التي حصلت فيها الولادة الثانية؟ قال الجمهور: إنها تبدأ من الولادة الأولى؛ لأنها الأصل، والولادة الثانية ملحقه بهذا الأصل.
وقال الظاهرية ومن وافقهم: العبرة بالولد الثاني، فتبدأ النفاس من الولد الثاني، وهذا في الظاهر.
والقول بأن العبرة بالولد الثاني من القوة بمكان، لكن لما كان التوأمان في الأصل أنهما حمل واحد قالوا: إنه يعطى حكمه، ولذلك بعض العلماء يختار التفصيل باختلاف طول الزمان وقرب الزمان بين التوأمين.
ولكن كلام العلماء إنما هو في التوأمين المتقاربين في الولادة، في المتقارب، ولذلك يقوى مذهب الظاهرية الذين يرون أن العبرة بالوضع الثاني.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
(26/19)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الصلاة
لقد عظم الشرع من شأن الصلاة فجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام؛ بل هي عمود الدين، فلا يستقيم دين العبد إلا بها، وهي الفارق بين المسلم والكافر، ولأهميتها يجب على المسلم أن يتعلم أحكامها من شروط وواجبات وأركان، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالصلاة.
(27/1)
________________________________________
من أحكام الصلاة
(27/2)
________________________________________
تعريف الصلاة لغةً وشرعاً
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الصلاة].
قوله: (كتاب) مراد العلماء رحمهم الله بكلمة (كتاب) التعبير بها للدلالة على عِظم المبحث وسعة مسائله، ولذلك يقسمونه إلى فصول، ويقسمون الفصول إلى مباحث ومسائل، وكل مذهب بحسبه.
والصلاة في اللغة تستعمل بمعانٍ، أولها: الدعاء، ومنه قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة:103] فقوله: (صلّ عليهم) أي: ادع لهم، ومنه قول الشاعر: تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي عيناً فإن لجنب المرء مضطجعا ومعنى البيت: أن هذا الشاعر لما أراد أن يسافر قالت بنته: يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا فقال رداً عليها: عليكِ مثل الذي صليت فاغتمضي عيناً فقوله: (عليك مثل الذي صليت) أي: لك مثل ما دعوت لي من السلامة والعافية من البلاء.
ومن معاني الصلاة: البركة، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، أي: بارك لهم فيما رزقتهم.
وتطلق الصلاة بمعنى: الرحمة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56] أي: إن صلاة الله على نبيه رحمته، ومنه قول الشاعر: صلى المليك على امرئٍ ودعته وأتم نعمته عليه وزادها فهذه معاني الصلاة في اللغة.
أما في اصطلاح العلماء فإنهم إذا قالوا: (الصلاة) فمرادهم بها أنها عبادةٌ مخصوصة مشتملة على أقوال وأفعال مفتتحةٌ بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث علي: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) أي: الصلاة.
فقوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير) هي التكبيرة الأولى، ولذلك قالوا: إن التكبيرة الأولى تسمى تكبيرة الإحرام؛ لأن المكلف بهذه التكبيرة يدخل في حرمات الصلاة، فلا يتكلم ولا يعبث ولا يفعل أي فعلٍ يعارض الصلاة أو يخالف مقصودها، ولذلك قالوا: مفتتحةٌ بالتكبير.
وقالوا: (ومختتمة بالتسليم)؛ لأنه إذا أنهى صلاته خرج بالسلام، أي أن خاتمتها تكون بالسلام، ولذلك اعتبر من أركانها.
وأما كونها (عبادةً مخصوصة) فقد أجمع العلماء على وصفها بكونها عبادة مشتملة على أقوال وأفعال؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح وذكر الله وقراءة القرآن) كما في صحيح مسلم.
فهذا التعريف الاصطلاحي نفهم منه أن الصلاة عند العلماء -أعني الفقهاء- لها معنىً مخصوص، وأن معناها في اللغة أعم من معناها في الاصطلاح، والسبب الذي جعل العلماء يجعلون تعريفاً لغوياً وتعريفاً شرعياً أن الحقائق الشرعية ربما أطلقت بمعنىً أخص من إطلاقها اللغوي، ولذلك تجد معنى الصلاة في اللغة أعمّ من معناها في الاصطلاح، ولذلك يعتنون بذكر التعاريف الاصطلاحية؛ لهذه الحقائق الشرعية المخصوصة.
(27/3)
________________________________________
أهمية الصلاة في القرآن والسنة
الصلاة عبادةٌ عظيمة مفروضة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي من أعظم شعائر الإسلام بعد الشهادة، ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه لليمن قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلة) أي أن الله أوجب عليهم هذه الصلوات الخمس، وفرضها عليهم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بيان وجوب الصلاة تابعاً لفرضية الشهادتين، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: إن أهم ما يعتنى بالدعوة إليه، وأمر الناس به، وحثهم عليه، وحضهم على فعله هو الصلاة بعد الشهادتين، فهي أهم المهمات بعدها، وآكد الفرائض والواجبات بعد قول: (لا إله إلا الله)، شهادة التوحيد، وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم عمود الإسلام، ومن المعلوم أن العمود إذا سَقط سقط ما بُني عليه، وهذا يدل دلالة عظيمة على فضل هذا الركن العظيم وعظيم شأنه.
وثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: (أنها آخر ما يفقد الناس من دينهم) وأنه إذا فقدت الصلاة فقد ذهب الدين، وثبت في الحديث الصحيح عند الترمذي وغيره: (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن صلحت نظر في بقية عمله، وإن كان لها مضيعاً فإنه لما سواها أضيع).
فهذه الصلاة فرضها الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وورد ذكرها في القرآن في أكثر من موضع، يأمر الله بها تارة، وتارةً يرغب فيها، وتارةً يبين فضل أهلها ويثني عليهم، ويبين عواقبهم من دخول الجنة وحصول رضوان الله تعالى عليهم بفعلها.
وقد أمر الله بها عموماً فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] وأمر بها خصوصاً فقال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ} [العنكبوت:45].
وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطابٌ لأمته، وأمر سبحانه أن تؤمر بها الذرية والأبناء والأهل والأزواج والزوجات، فقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132] وأخبر سبحانه وتعالى عن فضل أهلها الآمرين بها، فأثنى على نبيه إسماعيل فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:54 - 55] قال بعض العلماء في قوله تعالى: (وكان عند ربه مرضياً) أي: بأمره لأهله بالصلاة؛ لأنه أمرهم بأعظم شعائر الدين وأجلّها عند الله عز وجل.
وأجمع المسلمون على وجوب الصلاة وفرضيتها، وأنها ركنٌ من أركان الإسلام؛ لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة)، فأجمعوا على أنها ركنٌ من أركان الإسلام، وأنه لو جحد إنسانٌ وجوبها كفر، إلا أن يكون جاهلاً فيعلم، كما سيأتي إن شاء الله بيانه للمصنف رحمه الله.
ولما كان من عادة العلماء رحمهم الله أن يقولوا: (كتاب الصلاة)، والمقصود بهذا الكتاب بيان الأحكام والمسائل المتعلقة بعبادة الصلاة، استلزم ذلك بيان ما يشترط لصحة الصلاة من الوقت واستقبال القبلة، ففي المواقيت يتكلمون عن أفراد المواقيت، أعني: مواقيت الصلوات الخمس، وفي استقبال القبلة يتكلمون عن مسائل استقبال القبلة، ومتى يسقط هذا الواجب -كما هو الحال في السفر- ويقوم على الاجتهاد والظن؛ لثبوت السنة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يتكلمون على ستر العورة وأخذ الزينة، وما يتبع ذلك من مباحث، كصلاة العراة ونحوهم.
ثم يتكلمون في الصلاة على صفتها، ويتضمن ذلك بيان الأركان والواجبات والسنن التي هي من هيئات الصلاة، فيبدأون ببيان أركانها التي فرضها الله عز وجل، وإذا لم يقم المكلف بها فلا تصح صلاته.
ثم بيان الواجبات التي إذا فعلها أثيب، وإذا تركها عوقب وأثم ولا يحكم ببطلان صلاته إلا إذا تركها متعمداً، فهي أخف مرتبةً من الأركان، ثم السنن التي يرغب في فعلها ولا حرج في تركها.
ثم بعد ذلك يتكلمون على ما يطرأ على الصلاة، كما هو الحال في باب سجود السهو، فيتكلمون على حال المكلف إذا أخلّ بالأركان أو بالواجبات أو السنن، ثم يتكلمون على أفراد الصلاة الواجبة، ثم المسنونة التي لا تجب على الأعيان وقد تجب على الكفاية، فيتكلمون على صلاة الجمعة وصفتها وشروطها وما يلزم لها، ثم يتكلمون على الصلوات النوافل التي تشترط لها الجماعة، كصلاة التراويح وصلاة العيدين على القول بأنها سنة مؤكدة، وما يتبع ذلك من صلاة الاستسقاء ونحوها.
ثم يتكلمون على مطلق النوافل بصلاة التطوع، فيذكرون المباحث المتعلقة بالسنن الراتبة والوتر -على القول بعدم وجوبه- فهذه المباحث كلها متشعبة ومتعددة، فمن العلماء من يختصر، ومنهم من يسهب، ونظراً إلى تعددها حتى في المختصرات فإن من عادة العلماء أن يقولوا: (كتاب الصلاة) دون قولهم: (باب الصلاة)؛ لسعة هذا المبحث، وكثرة مسائله، وتشعب أحكامه.
وقد ذكر المصنف رحمه الله كتاب الصلاة عقب كتاب الطهارة، والمناسبة في هذا لطيفة، وهي أن الطهارة وسيلةٌ إلى الصلاة، وقد أمر الله عز وجل بالطهارة قبل الصلاة، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، فمن المناسب أن يتكلم على الوسائل قبل الكلام على المقاصد، ولذلك أتبع المصنف رحمه الله كتاب الطهارة بكتاب الصلاة.
(27/4)
________________________________________
من تجب عليه الصلاة
قال المؤلف رحمه الله: [تجب على كل مسلم مكلف].
الوجوب في أصل اللغة: السقوط، يقال: وجب الشيء، إذا سقط، ومنه قولهم: وجبت الشمس، إذا سقطت، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج:36] أي: سقطت واستقرت على الأرض.
ويطلق الواجب في لغة العرب بمعنى اللازم، ومنه قول الشاعر: أطاعت بنو عوفٍ أميراً نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب أي: أول لازمٍ عليهم أن يفعلوه.
والواجب في الاصطلاح: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فالواجب أعلى مراتب الأوامر، والحنفية يجعلون أعلى مراتب الأوامر الفرض، ثم يليه الواجب، ويفرقون بين الفرض والواجب بأن الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني سواءٌ في الدلالة أم في الثبوت، كما هو مفصل في مباحث الأصول.
قوله رحمه الله: (تجب) أي: الصلاة.
أراد المصنف بهذه العبارة أن يبين حكم الصلاة، ولذلك ينبغي على طلاب العلم والفقه أن يبتدئوا أولاً ببيان موقف الشريعة من العبادة، وعادةً إذا قال العلماء: (كتاب الزكاة)، أو (كتاب الصلاة)، أو (كتاب الصوم)، يقولون عقبه: (تجب الصلاة)، أو: (تجب الزكاة)، أو: (يجب الصوم)؛ لأن أول ما يحتاج إليه بيان حكم الشريعة في هذا المبحث من مباحث الفقه، ولذلك قال المصنف: (تجب)، أي: الصلاة، فالأصل فيها اللزوم والوجوب.
قوله: [على كل مسلم].
أي: تجب هذه الصلاة على كل مسلم، و (كل) من ألفاظ العموم عند الأصوليين إذا جاءت في صيغ الكتاب أو السنة، وقد درج العلماء على ذلك.
فأول ما يخاطب به من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، ولذلك قدم شرط الإسلام؛ لأنه لا تصح الصلاة من كافر، فيطالب المسلم أولاً بالإتيان بالشهادتين، ثم بعد ذلك يتوجه عليه الخطاب بفعل الصلاة.
فلابد من وجود الإسلام أولاً، ثم توجه الخطاب ثانياً، وهذا مفرع على حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات).
فلا يخاطب أحد بالصلوات إلا بعد أن يحقق الشهادتين، ولذلك قال المصنف: (على كل مسلم)، وهذا الوجوب محل إجماع، إلا أنَّ بعض العلماء يقولون: الصلاة واجبة، وبعضهم يقول: الصلاة فرضٌ، والتعبير بهما على مسلك الجمهور واحد، ولكن الحنفية يقولون: إنها فريضة، ويرون أنها أعلى مراتب الوجوب، والخلاف بين الحنفية والجمهور في هذا عند بعض المحققين من أهل الأصول خلاف لفظي.
فالحاصل من هذا أن العلماء رحمهم الله قالوا: إنها واجبة، ونستفيد من هذا أن تَرْكها إثمٌ، وأن فعلها قربة وطاعة.
ولما كانت واجبة ويرد

السؤال
على من تجب؟ قال: (على كل مسلم)، والمراد هنا: جنس المسلم، فيشمل الذكر والأنثى، ولا فرق بين ذكرٍ وأثنى في الأحكام إلا ما خص الدليل به الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال.
وقوله: [مكلفٍ].
التكليف: مأخوذٌ من الكلفة، والشيء الذي فيه كلفة هو الذي فيه مشقة وتعب وعناء، والعلماء رحمهم الله يعبرون عن أوامر الشرع ولوزامها بأنها تكاليف؛ لأنه لا بد في الشرع من ابتلاء، والدليل على ذلك قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فدل على أنه يكلف، لكنه يكلف بما في الوسع لا بما هو خارج عنه، والسبب في هذا أنه لو كانت الأوامر خاليةً من التكليف والمشقة لعريت عن الابتلاء، ولاستوى المطيع والعاصي؛ لأنه لا يظهر فرق بين المطيع والعاصي إلا بوجود الابتلاء، ولذلك قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ} [الملك:2] أي: ليختبركم.
وهذا يدل على أن تكاليف الشرع فيها ابتلاء، ومن الأدلة على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (حفت الجنة بالمكاره)، والمكاره: ما يكون في التكاليف سواءٌ أكانت أوامر أم نواهي، فإن كانت أوامر فالمشقة في تحصيلها، وإن كانت نواهي فالمشقة في تركها والاجتناب عنها.
والتكليف ينقسم إلى قسمين: إما تكليفٌ بمشقةٍ مقدور عليها، وإما تكليفٌ بمشقة غير مقدورٍ عليها، كان التكليف يتضمن مشقةً غير مقدور عليها فهذا لا يكلف به ولا يرد به التكليف؛ لأن النص في الكتاب دلّ على أنه لا يكلف بما فيه مشقة؛ لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فدلّ هذا على أن تكاليف الشرع ليس فيها مشقةٌ غير مقدور عليها.
وإن كان التكليف بالمشقة المقدور عليها، فهذه يكلف بها، ولكن هناك ضوابط عند العلماء؛ إذ قد يخفف على الإنسان، كالحال في مشقة الصوم في السفر، فأنت تقدر على الصوم في السفر ولكن بمشقة فيها حرج، فخيّرك الله عز وجل بين أن تصوم وبين أن تفطر.
والتكليف يكون بالأمر والنهي.
والتكلف في قوله: (على مسلمٍ مكلف) يتضمن شرطين، وقيل ثلاثة شروط: الشرط الأول: العقل، والشرط الثاني: البلوغ، كما قيل: وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل فلا بد في التكليف أن يكون هناك عقلٌ، وأن يكون هناك بلوغ، فلا تكليف على مجنون، ولا على صبيّ دون البلوغ.
وقال بعض العلماء: يضاف إليهما أمرٌ ثالث وهو الاختيار وعدم وجود الإكراه.
لكن هذا في مسائل مخصوصة، فقد يسقط التكليف لعدم وجود الاختيار كما في المنهيات، فلو أن إنساناً اضطر إلى حرامٍ فإنه يسقط عنه التكليف ولا يكلف، ولذلك يقتصر بعض العلماء على الشرطين الأولين في ثبوت الأهلية، ويرون أن الشرط الثالث يتقيد بأحوال مخصوصة.
أما الدليل على أنه لا يخاطب بالصلاة غير العاقل فهو ما جاء في حديث علي عند أبي داود وأحمد في المسند بسندٍ صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رُفِع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون عن يفيق)، فدلّ على أن من كان مجنوناً لا يكلف، لقوله: (رفع القلم)، وفرّع العلماء عليه أن من شرط وجوب الصلاة أن يكون عاقلاً، وهذا بالإجماع، وأما بالنسبة لكونه بالغاً فللحديث نفسه، وأما أمره عليه الصلاة والسلام في حديث أحمد وأبي داود أن يؤمر الصبيان بالصلاة لسبع، وأن يضربوا عليها لعشر، فهذا من باب التعويد والترويض، لا من باب التكليف.
وعند العلماء خلاف فيما إذا أمر إنسانٌ أن يأمر غيره، فهل الأمر للأول أو للثاني؟ فعلى القول بأن الأمر للأول فإن هذا الحديث دلّ على أن لا تكليف أصلاً؛ لأن الخطاب لم يتوجه إلى صبي، وبناءً على هذا نأخذ من هذين الحديثين دليلاً على المسألتين، وهو أنه يشترط في إيجاب الصلاة البلوغ والعقل.
وعند بعض العلماء الصّبي فيه تفصيل: فإذا بلغ العاشرة فإنه يؤمر بالصلاة ويلزم بها، ويعتبرونه نوع تكليف واستثناء من عموم الخطاب الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم برفع القلم عن الصّبي، حتى قال بعض العلماء: إنه يثاب ولا يعاقب لقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم الصّبي، وقال: إن حديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) يدل على أنه يثاب ولا يعاقب، ويبقى الثواب معلقاً على بلوغه، فإذا بلغ جرى القلم بكسب ثوابه، وهذا مذهبٌ فيه تكلّف، وهو مذهب لبعض الأصوليين، وهو رواية عن الإمام أحمد أيضاً، ولكن الصحيح أن ظاهر السنة عدم تكليفه، وأن الأمر متوجهٌ إلى الآباء من باب الترويض والتعويد، كما ثبت مثله في الصوم من أمر الصحابة أبناءهم بالصيام، كما في أثر أنس رضي الله عنه وأرضاه-، وإعطائهم اللعب والدمى من العهن يعبثون بها حتى ينشغلوا عن طلب الطعام والإخلال بصيامهم.
قال رحمه الله: [لا حائضاً ونفساء].
أي: لا تجب الصلاة على حائض ولا على نفساء، وقد يقال: إنها واجبة على كل مسلمٍ بالغٍ عاقل إلا أن يكون حائضاً أو نفساء.
والمراد بالحائض والنفساء: من كانت متلبسةً بالحيض أو بالنفاس، وليس المراد به الوصف؛ لأن المرأة قد توصف بكونها حائضاً، كما تقول: تجب الصلاة على كل حائض، أي: على كل امرأة بلغت المحيض، أو يجب الستر على المرأة الحائض، والمراد: التي بلغت سن المحيض، والعرب تسمي الشيء بما يقارنه.
فالمقصود أن قوله: (لا حائضاً) أي أن الحائض لا تجب عليها الصلاة أثناء الحيض، وللعلماء في هذه المسألة قولان: فبعض الأصوليين يقول: الخطاب متوجب على الحائض والنفساء، وسقط عنهما الفعل لمكان العذر في الصوم والصلاة، ثم إذا طهرتا فإنهما تقضيان صومهما، ولا تعتبران موديتين له.
وبعضهم يقول: لا يتوجه عليهما الخطاب أصلاً إلا بعد طُهرهما، فيتوجه عليهما الخطاب بفعل الصوم دون فعل الصلاة، والفرق بين القولين في الأداء والقضاء، فإنك إذا قلت: إن الحائض والنفساء أثناء الحيض والنفاس يتوجه عليهما الخطاب فإنك تقول: تكلف الحائض والنفساء بالصلاة وسقطت عنهما بعذر، فالتكليف باقٍ أصلاً.
إذا ثبت هذا فيصبح قوله: (لا حائض ونفساء) أي أنه لا يتوجه عليهما الخطاب، فهذا اختيار صاحب الزاد، وهو أيضاً اختيار صاحب المقنع نفسه الإمام ابن قدامة رحمة الله تعالى عليهما، وقد تكلم على هذه المسألة وبيّنها في كتابه النفيس: (روضة الناظر)، وأشار إلى مذاهب العلماء فيها من ناحية توجه الخطاب على الحائض والنفساء أو عدم توجهه عليهما.
فإن قلنا: إنه لا يتوجه عليهما، ففي هذه الحالة بعد انتهاء أمد الحيض والنفاس يتوجه الخطاب بالصوم دون الصلاة، وهذا يعارضه حديث عائشة أنها قالت: (كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر قضاء الصلاة).
فقول
(27/5)
________________________________________
من يجب عليهم قضاء الصلاة لعذر
(27/6)
________________________________________
من زال عقله بنوم
قال رحمه الله تعالى: [ويقضي من زال عقله بنوم].
قوله هذا دلّ على أن النائم مكلف أثناء نومه، أي أن الخطاب متوجهٌ عليه أثناء النوم، واختلف العلماء: هل النائم والناسي والساهي والسكران مكلفون أثناء السكر والنسيان والنوم، ثم يطالبون بالفعل بعد الإفاقة، كالحال في مسألة الحائض والنفساء؟ فقال بعض العلماء: النائم والناسي والساهي مكلفون، ولكن لا يؤاخذون وقت العذر، فإذا زال عنهم العذر فإنهم يطالبون بالفعل، وبناءً على هذا يقال: يؤمرون بالقضاء ويثبت عليهم؛ لأنه إذا تعذّر عليهم الأداء لعذرٍ فالقضاء مفرعٌ على وجود الأداء، وقالوا: إن النائم يؤمر بقضاء الصلاةِ، وهذا بالإجماع؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة له إلا ذلك)، فدل على أنه مطالبٌ بالقضاء، ودل على أن نومه وخروج الوقت عليه وهو نائم لا يوجب سقوط التكليف عنه، ولذلك يؤمر بقضاء هذه العبادة، والأصل: أن ذمته مشغولةٌ بفعل هذه العبادة حتى يدل الدليل على سقوطها، ولا دليل، فيبقى مطالباً بفعل الصلاة، فيؤمر بها بعد استيقاظه من النوم.
لكن هنا مسألة: فقد قال بعض العلماء: من نام عن الصلاة وخرج وقتها، فإنه يؤمر بالفعل مباشرةً، وإن تأخر أثم؟ وقال بعض العلماء: يؤمر بفعلها ما لم يدخل وقت الثانية التي بعدها، ويخرج وقت الصلاة التي هو فيها، وقالوا: يجوز له أن يؤخر.
وتوضيح هذه المسألة ما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما الثابت في الصحيح أنه قال: (عرّس النبي صلى الله عليه وسلم وسار إلى آخر الليل، قال: فوقعنا وقعةً ألذ ما تكون على المسافر -لأنهم كانوا يسيرون في الليل في مقدمهم من غزوة تبوك رضي الله عنهم وأرضاهم- فلما صار إلى آخر الليل وقرب وقت الفجر أعياهم المسير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ بلال: اكلأ لنا الليلة -أي: يا بلال! ارقب لنا الفجر وانتبه له، حتى إذا تبين الصبح فأيقظنا للصلاة- فنام بلال، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يستيقظوا إلا بحرِّ الشمس، فاستيقظ عمر وصاح في الناس، وصار يكبر، ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إلى القوم قال عليه الصلاة والسلام: يا بلال: ما شأنك؟ -أي: ما الذي دعاك أن تضيع علينا الصلاة؟ - فقال: يا رسول الله: أخذ بعيني الذي أخذ بعينك) أي: أنت متعب وأنا متعب، فكما نمتَ نمتُ، وهذا من لطف الصحابة رضي الله عنهم وحسن أدبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: (ارتحلوا إنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان.
فارتحلوا عن الوادي، ثم توضأ عليه الصلاة والسلام، وتوضأ أصحابه فصلّى راتبة الفجر -كما في الصحيح في رواية أنس -، ثم أمر بلالاً فأقام فصلى الفجر).
فالمسافة ما بين انتقاله من الوادي إلى الوادي فيها تأخيرٌ للصلاة، ولذلك قالوا: دلّ هذا على أنه إذا استيقظ لا يؤمر بالفعل مباشرة، وأنه لو أخّر ليسير الوقت فلا حرج، وقالوا: إنَّ له أن يؤخر إلى قرب الظهر، فهذا مذهب من يقول: إنه لا يطالب بالفعل مباشرةً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخّر الصلاة فانتقل من الوادي الذي هو فيه إلى واد آخر.
وأجاب الأولون بأن فعله صلى الله عليه وسلم عذرٌ خاصٌ بهذه الصورة أو ما في حكمها، ويبقى الأصل بتوجه الخطاب عليه بالفعل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصليها إذا ذكرها).
فجعل الأمر عند الذكر، فدل على أنه مطالبٌ بالفعل فوراً، خاصةً على مذهب من يقول: إن الأمر يقتضي الفور، فهذا حاصل ما ذكره العلماء.
والحقيقة أنَّ الأحوط أن الإنسان يبادر، ويفعل الصلاة بمجرد الاستيقاظ ما أمكنه.
(27/7)
________________________________________
من زال عقله بإغماء
قال رحمه الله: [أو إغماء].
المغمى عليه إما مغمىً عليه باختياره كأن يتعاطى أمراً يفضي به إلى الإغماء، أو مغمى عليه بغير اختياره كمن به صرع أو نحو ذلك، فهذه أحوال المغمى عليه، فعمم المصنف فقال: (أو إغماء).
فكل من أغمي عليه داخل في هذا العموم، والمغمى عليه للعلماء فيه قولان: قال بعض العلماء: كل من أغمي عليه فهو مكلف، ويبقى إلى أن يفيق فيطالب بقضاء الصلوات وقضاء الأيام التي فرض الله عليه فيها الصيام.
والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وقال به بعض السلف رحمة الله عليهم: أنَّ المغمى عليه ليس بمكلف، وإذا زال إغماؤه لا يطالب بقضاءٍ ولا بأداء.
وفائدة الخلاف: أن من أغمي عليه حتى فاتته الصلوات، أو أغمي عليه وفاته مع الصلاة الصيام، فعلى القول بأنه مكلف يطالب بالقضاء ولو طالت المدة، وعلى القول بأنه غير مكلف لا يطالب بالقضاء، ويقولون: إنه كالمجنون.
والحقيقة أنّ المغمى عليه فيه شبه بالمجنون، وفيه شبهٌ بالنائم، ففيه شبهٌ بالمجنون من جهة أنه إذا أوقظ لا يستيقظ، وفيه شبهٌ بالنائم من جهة أن الأصل فيه أنه مكلف، وأن الذي يعتريه من الإغماء إنما هو أشبه بالغطاء على عقله كالغطاء الذي على النائم فليس فيه زوال العقل بالكلية، ولذلك قال بعض العلماء: هو كالنائم، وقال بعضهم: هو كالمجنون، فمن يقول: إن المغمى عليه كالمجنون لا يطالبه بقضاء الصلوات، ويقول: هو كمن جنّ وأفاق، ومن يقول: إنه كالنائم يطالبه بالقضاء، وهذه المسألة يتفرع عليها ما يسمّى بالموت السريري عند الأطباء -أعاذنا الله وإياكم منه ولطف بنا وبكم في كل حال-، فهذا الموت السريري الذي يكون الإنسان فيه عديم الحركة حتى يشاء الله عز وجل بزوال المانع عنه، إما بجلطة أو بسبب آخر يؤدي إلى تعطله، فيصبح كالنائم في سبات، فإذا كلمه الإنسان لا يعي ولا يجيب، حتى يشاء الله له الإفاقة فيستيقظ بعد شهور، وقد يستمر الإغماء إلى سنوات.
فعلى القول بأن المغمى عليه مكلف يصبح في هذه الحالة يطالب مثل هذا بالقضاء، وعلى القول: بأنه غير مكلف لا يطالب بالقضاء.
وعند النظر في المسألة من جهة الأصول يترجح القول الذي يقول: إنه كالنائم، والشبه فيه بالنائم أقوى من الشبه بالمجنون؛ فإن الإغماء لا يؤثر في عقل الإنسان من جهة الزوال، ولكنه أشبه بالنائم من جهة السبات والخدر، والنائم حقيقته أنه مخدر، أي: لا يستطيع أن يتكلم ولا يفهم الكلام، فالمغمى عليه أقرب إلى النائم منه إلى المجنون، والقاعدة عندنا في الأصول: (إذا تعارض القولان ينظر إلى أقربهما شبهاً بالأصل).
فنحن نسلّم أن المغمى عليه فيه وجه شبه بالمجنون، وفيه وجه شبه بالنائم، فانظر رحمك الله أيهما أقرب إلى الأصل، فإذا نظرت إلى أن الأصل وجوب الصلاة عليه وتكليفه احتطت للشارع، وقلت: هو مكلف وأنا أشك في عذره هل يسقط التكليف أو لا، فيبقى على الأصل من كونه مكلفاً، وإن جئت تنظر إلى الأصل الآخر الذي يغلب فيه جانب الجنون فالأصل براءة الذمة.
وعند النظر إلى الأصلين نجد أن أصل التكليف ألصق من أصل براءة الذمة؛ لأن توجه الخطاب عليه في الأصل قد ثبت، وأصل براءة الذمة إنما يقوى في المسائل التي لم يتوجه فيها خطاب، أي: لم يوجد فيها أصل يوجب توجه الخطاب، ولذلك يقوى قول من يقول: إنه يطالب بالقضاء.
لكن السؤال هنا: لو قلنا: إنه يطالب بالقضاء فأغمي عليه شهرين أو ثلاثة أو أربعة، فكيف يقضي؟ قالوا: إن طالت المدة رتب الصلوات، فكل صلاةٍ مع فرضها، فلو كانت أربعة أشهر فإنه يبدأ من حين إفاقته، ويصلي كل فرض مع فرضه، ويبدأ بالمقضي أولاً ثم بالمؤداة، حتى تتم له أربعة أشهر بهذه الحالة.
أما لو أغمي عليه ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام فإن هذا يطالب بالقضاء مباشرةً.
وإسقاط التكليف عنه لمكان المشقة -كما يقوله بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه ليس بصحيح، فإنهم يسلمون أنه يطالب بالقضاء ثم يقولون: إن طالت المدة سقطت عنه.
وهذا غير صحيح؛ لأن مشقة القضاء يمكن اغتفارها بمطالبته بتسلسل الأوقات بالفرض مع نظيره، وهذا أقوى، واعتبار الأصل فيه أبلغ من اعتبار براءة الذمة الذي سبقت الإشارة إليه.
(27/8)
________________________________________
من زال عقله بسكر
قال رحمه الله تعالى: [أو سكرٍ أو نحوه].
السكر قد يكون بسببٍ مباح أو بسبب غير مباح، فالسكر بسبب مباح كأن يشرب خمراً يظنها ماءً، فهذا معذور، أو أكره على شرب الخمر عند من يرى أن الإكراه مسقط للتكليف، فهذا معذور، أو أعطي (البنج) لإجراء عملية جراحية فزال عقله، فهذا السكر يعذر العلماء صاحبه، ويخصونه بأحكام في مسائل العبادات والمعاملات.
وأما السكر المحرم فالمراد به ما يزيل العقل سواءٌ أكان شراباً أم كان جامداً، وسواءٌ كان قديماً أم حديثاً، كما يوجد الآن في بعض المركبات كالمخدرات ونحوها، فكل ذلك يأخذ حكم السكر في باب الفقه.
فإذا ثبت أن السكر يؤثر فإن السكران غير مكلف بالصلاة أثناء سكره، ويطالب بقضائها بعد الإفاقة؛ لأن الله عز وجل قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]، فدل على أنه أثناء السكر لا يطالب بالصلاة، وبناءً على ذلك فإذا أفاق فإنه يخاطب بفعلها، ويكون فعله لها قضاءً لا أداءً.
وقوله: [أو نحوه].
أو نحو السكر، كمثل ما يقع في بعض المخدرات والمركبات التي تكون في حكم السكر.
(27/9)
________________________________________
من تصح منه الصلاة ومن لا تصح منه
قال رحمه الله تعالى: [ولا تصح من مجنون ولا كافر].
أي: ولا تصح الصلاة من مجنونٍ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاثة)، والصحة تستلزم وجود أو ثبوت الثواب، إلا على القول في الصبي في حده وصلاته.
وقوله: [ولا كافر].
أي: ولا تصح الصلاة من كافر؛ لأنه مخاطبٌ بالأصل، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يؤمر بالصلاة وتصح منه بعد الشهادتين، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يرتب الصلاة على وجود الشهادتين يدل على أن الكافر لا تصح منه الصلاة قبل الشهادتين؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم ... ) الحديث، فدل على أن توجه الخطاب عليهم بالصلاة وصحتها منهم متوقفٌ على تحصيل الأصل وهو الشهادتان، فقد قال تعالى في الكفار: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23]، فدل على أن الكافر لا تصح منه قربةٌ ولا طاعة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعجل للكافر دنياه بحسناته، حتى إذا وافى الله يوم القيامة وافاه وليست له حسنة واحدة)، فلذلك لا تصح منه صلاته ولا تقبل منه عبادته.
قال رحمه الله تعالى: [فإن صلى فمسلم حكماً].
قوله: (فإن صلى) أي: هذا الكافر في الظاهر، وقوله: (فمسلم حكماً) يشير به إلى أنَّ عند العلماء ما يسمونه القضاء وما يسمونه الديانة، والقضاء يعبرون عنه أحياناً بقولهم: (حكماً)؛ لأنه يتصل بحكم الحاكم وهو القاضي، وهذا ينبغي أن يتنبه له طلاب العلم، فالشريعة رتبت الأحكام على الظاهر، ولم ترتبها على السرائر في حكم القضاء، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس، وأن أكلْ سرائرهم إلى الله)، والسبب في ذلك أنه لا يستطيع الإنسان أن يعرف حقيقة الشيء من الإنسان سواءٌ أكان في عبادةٍ أم معاملة، فلا يستطيع أن يعلم قصده ولا نيته، ولذلك أُمِر من زكى إنساناً أن يقول: أحسبه والله حسيبه.
ولا يمكن أن تنكشف حقيقة الإنسان أو ينجلي صلاحه من عدمه إلا في يومٍ يبعثر فيه ما في القبور، ويحصل فيه ما في الصدور، وهذا هو الفصل في معرفة حقائق الناس، فلما كانت معرفة حقائق الناس متعذرة بالاطلاع على قلوبهم أخذ بالظاهر، فأحكام الشريعة مبنية على الظاهر، فلو أن إنساناً جاء وصلى مع الناس، وفعل الصلاة في الظاهر، فليس لأحدٍ أن يقول: هذا منافق؛ لأنه يحتاج إلى أن يطلع إلى حقيقة قلبه، ما لم تظهر منه أفعال المنافقين التي تدل على نفاقه، والأصل فيها أنه يحكم على ظاهره، وتوكل سريرته إلى الله عز وجل.
فمن دخل المسجد وصلى مع المسلمين، واستقبل قبلتهم، وصلّى صلاتهم، وتأثر بكلامهم في ظاهره فهذا من المسلمين، وحكمه حكم المسلمين، والحقيقة ترد إلى الله سبحانه وتعالى.
فعندنا شيء في الظاهر، وعندنا شيء في الباطن، فإن قالوا: (مسلمٌ حكماً) أي: في الظاهر، وأما حقيقته فأمرها إلى الله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي معه المنافقون وهو يعلم أنهم منافقون، والقرآن ينزل عليه، وسمى المنافقين لـ حذيفة بن اليمان، وقال عمر لـ حذيفة: (أناشدك الله: أكنتُ فيمن سمى لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، ولا أزكي بعدك أحداً)، فكان الصحابة رضوان الله عليهم يعرفون المنافق من المسلم إذا رأوا حذيفة يصلي على الرجل، فإذا رأوا حذيفة يصلي على الرجل علموا أنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا رأوا حذيفة اعتزل جنازة علموا أنه منافق وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه من خبره شيئاً.
فالذي ينبغي على الحاكم أن يحكم على الظاهر، وهذا هو الأصل، لظاهر حديث مسلم الذي ذكرنا: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس)، وأما النيات والمقاصد فأمرها إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن قد توجد قرائن تدل على المقصد فيغلب على الظن، فهذا أمر آخر يحكم به في مسائل في القضاء.
ومن أمثلة الديانة والحكم أو القضاء: لو أن إنساناً قال لامرأته: أنتِ طالق، ولم يدر في خلده أن يطلقها، وإنما كان قصده: أنت طالق من الوثاق، أي: أنك غير مربوطة، فإذا رفع إلى القضاء حكم بكونه مطلقاً زوجته، ولكن بينه وبين الله لا تطلق عليه زوجته؛ لأن لفظ الطلاق في قوله: (أنت طالق) لا يقع ديانةً؛ لأنه لم يقصد الطلاق فيه أصلاً، وبناءً على ذلك قالوا: ينفذ الطلاق حكماً -أي: في ظاهر الأحكام- لا ديانةً.
ولها نظائر أيضاً في المعاملات، فإن الإنسان قد يتلفظ بلفظٍ يكون فيه احتمال غالب يؤخذ بظاهره، وإن كان قصده أمراً آخر.
لكن لو كان الأمر محتملاً لمعنيين على السواء فلا بد فيه من سؤاله عن قصده ونيته، فتجد الفقهاء يقولون: (ينوّى) أي: يسأل عن نيته، فلو قال لفظاً يحتمل الطلاق، ثم رفع إلى القاضي، فقال له القاضي: ما الذي نويت في هذا اللفظ المتردد بين المعنيين؟ قال: نويت المعنى الذي لا طلاق فيه، وحلّفه القاضي فحلف، فحينئذٍ يحكم بكون الطلقة غير واقعة قضاءً، ولكن ديانةً بينه وبين الله قد طلقت عليه زوجته.
ولو أن إنساناً ادعى مال إنسان أو اغتصب أرضه، وليس عند الشخص الذي أخذت منه الأرض الدليل، فإنه إذا حكم القاضي بكون الأرض للغاصب دون المغصوب منه بناءً على اليد ففي الباطن لا يحل له من ذلك المال شيءً، فالمال ماله قضاءً لا ديانةً.
فهنا يقول المصنف رحمه الله: (فإن صلى) أي: هذا الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فدخل المسجد وصلى مع المسلمين (فمسلمٌ حكماً) أي: أعطه حكم المسلمين بناءً على ظاهره، وأما سريرته فتوكل إلى الله عز وجل.
(27/10)
________________________________________
متى يؤمر الصبي بالصلاة ويضرب عليها
قال رحمه الله تعالى: [ويؤمر بها صغير لسبع، ويضرب عليها لعشر].
هذا هو ظاهر السنة للحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) فاشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام: أولها: أمرهم بالصلاة لسبع، ولا يضربون إذا تركوها ولم يصلوا، والثاني: إذا بلغوا العاشرة يؤمرون بالصلاة ويضربون عليها إن لم يصلوا.
والثالث: التفريق بين الذكر والأنثى في المضجع، وكلام المصنف موافق لظاهر السنة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) للعلماء وجهان في قوله: (لسبع) وقوله: (لعشر): قال بعض العلماء: يؤمر في السبع عند ابتدائها، ويؤمر بالضرب إن عصى في العشر عند ابتدائها.
وقال بعضهم: يؤمر في السبع عند تمامها، ويؤمر ويضرب إن عصى في العشر عند تمامها.
والفرق بين القولين أنه على القول بأنه يؤمر بالسبع عند ابتدائها يؤمر بعد السادسة ودخوله في أول السابعة، فلو بلغ ست سنوات يؤمر في اليوم الذي هو زائدٌ على الست؛ لأنه بهذا اليوم قد دخل في السابعة، وهكذا في العشر تضربه إذا بلغ تسعاً وزاد يوماً واحداً، فبدخوله اليوم الواحد يدخل في العشر.
وعلى القول الثاني إنما يؤمر بعد تمام السبع أو يؤمر ويضرب إن عصى بعد تمام العشر، وهذا أقوى؛ لأن الأصل عدم أمره وعدم ضربه؛ لأنه غير مكلف في الأصل، فإذا شككنا فهذا ينبني على مسألة أصولية عند العلماء أو قاعدة فقهية لطيفة وهي: (هل العبرة بالابتداء، أو بالتمام والكمال)؟ فإن قلت: العبرة بالابتداء تقول: لأول يومٍ من السبع ولأول يومٍ من العشر، وإن قلت: العبرة بالتمام والكمال تقول: إذا تمت له السبع أو تمت له العشر.
قال رحمه الله تعالى: [فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد].
أي: إذا بلغ الصبي أثناء فعله للصلاة، كما لو أن صبياً دخل في الصلاة وأحرم بها الصلاة وهو غير بالغ، ثم بلغ وهو في أثناء وقت الصلاة، زالت الشمس وليست عليه أمارة بلوغه، ثم لما مضت ساعة أو ساعتان احتلم، فباحتلامه دخل في التكليف، فيؤمر بفعل الصلاة وإن كان عند دخول الوقت غير مكلف بها، وهكذا بالنسبة للمرأة الحائض والنفساء، فإنها لو طهرت قبل انتهاء الوقت ولو بركعة واحدة فإنها تؤمر بفعل الصلاة، وهذا مبنيٌ على حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر، ومن أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) فدل على أن إدراك الوقت ولو بركعة واحدة يوجب الحكم والمطالبة بالفعل.
فلو أن هذا الصبي صلى صلاة الظهر وهو صبي، ثم نام واحتلم قبل دخول وقت العصر، فحينئذٍ تأكدنا بلوغه بعد الاحتلام، فتكون صلاته الأولى غير مجزية، ويطالب بأداء الصلاة في وقتها؛ لأن الخطاب توجه عليه بعد البلوغ والاحتلام.
(27/11)
________________________________________
حرمة تأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر
قال رحمه الله تعالى: [ويحرم تأخيرها عن وقتها].
قوله: (ويحرم) أي: يأثم من فعل ذلك، أعني التأخير عن وقتها، ووقت الصلاة سيأتي إن شاء الله في باب المواقيت، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يخصون المواقيت في باب مستقل، ويذكرون فيه مواقيت الصلوات الخمس.
وإذا أخّر المكلف الصلاة عن وقتها فإما أن يكون معذوراً أو غير معذور، فالمصنف رحمه الله يقول: (ويحرم تأخيرها عن وقتها) أي: لا يجوز للإنسان أن يؤخرها عن وقتها، فإن كان هناك عذرٌ يسقط التكليف عنه -كما تقدم في النائم والمغمى عليه- فهذا لا إشكال فيه، وإن كان بعناء ومشقة لا يعذر بها كالقتال ونحوه، فإنه يطالب ولو كان على حال المقاتل، ودليل ذلك آية النساء، أعني آية المسايفة في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239]، فأمر الله عز وجل بالصلاة ولو حال القتال، فدل على أن الصلاة لا تسقط بحال، وإن كان بعض الفقهاء رحمة الله عليهم -وهو مذهب بعض السلف- يجوز للإنسان إذا عظم عليه الخوف أن يؤخر الصلاة، واستدل بذلك لبعض الآثار عن الصحابة.
والصحيح والأقوى أنه يصلي على حاله؛ لأن الله قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239] وعمم في الخوف، فدلّ على أن الأصل مطالبته بالفعل، ولذلك يبقى مكلفاً ولو دفن؛ لأن الله لا يكلف الإنسان إلا ما في وسعه، فيقاتل ولو كان راكباً ولو كان ماشياً، كما يقع الآن في الحالات الشديدة التي تقع في القتال فإنه يصلي على حاله، ولو كان على جهاز، ولو كان على آلة أو على دبابة فليصل على حاله، وهذا من سماحة الإسلام، ومن عظم شأن الصلاة؛ لأنه لا يأمن الإنسان أن يقتل أو تزهق روحه، ولذلك يبرئ ذمته ويصلي على قدر استطاعته فيلقى الله عز وجل وقد أدى هذه الصلاة، ولا تسقط في شدة الخوف ولا بشدة ذهول، بناءً على الأصل من كونه مطالباً بفعلها مأموراً بأدائها.
(27/12)
________________________________________
حالات جواز تأخير الصلاة عن وقتها
(27/13)
________________________________________
من نوى الجمع في السفر
قال رحمه الله تعالى: [إلا لناوي الجمع].
هذا استثناء، والاستثناء إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فلما ذكر أن الأصل أنه مطالب استثني من ذلك من نوى الجمع، وصورة ذلك: لو أذّن عليك أذان الظهر وأنت في السفر فقلت: أؤخر الظهر إلى وقت العصر، جاز لك أن يخرج عليك وقت الظهر وأنت لم تصلها؛ لكونك معذوراً بنية الجمع، وهكذا لو أذن عليك أذان المغرب وأردت أن تجمع مع العشاء فلا حرج عليك، وبناءً على ذلك يعتبر هذا مستثنىً مما ذكرناه؛ لأن الجمع بين الصلاتين رخصة من رخص السفر فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هديه في ذلك ثابتاً عنه عليه الصلاة والسلام.
(27/14)
________________________________________
من اشتغل بشرط الصلاة عنها
قال رحمه الله تعالى: [ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً].
مثال ذلك: شخص قام قبل طلوع الشمس بوقت يسير يريد أن يتوضأ فيه أو يغتسل من الجنابة، فقد قال بعض العلماء: يتيمم ويصلي، وقال بعضهم: يغتسل ويتوضأ ولو خرج الوقت، وعلى هذا القول الثاني درج المصنف، فهذه الحالة تستثنى من المنع من تأخير الصلاة إلى خروج الوقت، قالوا: يرخص لشخصين: أحدهما: من نوى الجمع، والثاني: من اشتغل بتحصيل شرط الصلاة، فإن الطهارة من الحدث من شروط صحة الصلاة، فلو أراد أن يسخن الماء، أو أراد أن يغتسل وليس عنده إلا قدر ما يصلي، فإنه يغتسل ولو خرج الوقت، وهو في حكم المصلي لاشتغاله بشرط صحة صلاته.
(27/15)
________________________________________
حكم جاحد وجوب الصلاة وتاركها تهاوناً
قال رحمه الله تعالى: [ومن جحد وجوبها كفر].
من جحد وجوب الصلاة كفر إجماعاً؛ لأن الله أمر بها في كتابه، وإذا قال هو: ليست بواجبة: فإنه يكفر، ودليل كفره: أنه كذّب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كذّب الله ورسوله فقد كفر، فالله عز وجل يقول: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة:43]، وهو يقول: لا تقيموا الصلاة، وليست بواجبة.
لأن قول الله: (أقيموا) أمرٌ تضمن الوجوب والإلزام، وهو يكذّب الله فيقول: ليست بواجبة -والعياذ بالله-، ولذلك قال العلماء: من استحل ما حرم الله في كتابه وعلم بتحريمه سبحانه لذلك فإنه يكفر، فلو قال: الزنا حلال لا شيء فيه، أو: شُرْبُ الخمر حلال لا شيء فيه -والعياذ بالله- كفر؛ لأنه يستحل ما حرم الله، ويكون مكذّباً لله عز وجل بالاستحلال.
وكذلك رد الواجبات، بشرط أن يكون على علمٍ بوجوبها، أي: أن تقام عليه الحجة، ومفهوم هذا الشرط أن يكون جاهلاً، فلو أن إنساناً -كما مثل العلماء- في بادية ولا يعلم بشرائع الإسلام قيل له: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما أسلم جاءه رجل وقال له: صلّ، قال: ليس هناك صلاة! لكونه جاهلاً لا يعلم، فهذا لا يكفّر، وهي من المسائل التي يعذر فيها بالجهل الذي يدل على عدم وجود التكذيب؛ لأن الأصل في الحكم بكفره تكذيبه لله، ولذلك قالوا: شرطه أن يكون عالماً حتى يوجد فيه السبب الموجب للكفر، وقد تكلم في هذه المسألة الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام عند كلامه على مرتكب الكبيرة عند اعتقاده لكونها كبيرة أو عدم اعتقاده لكونها كبيرة، فليرجع إليه.
قال رحمه الله تعالى: [وكذا تاركها تهاوناً].
من ترك الصلاة تهاوناً كفر، ولكن للعلماء تفصيلٌ في كفره: فمنهم من يقول: يكفر مطلقاً.
ومنهم من يقول: يكفر إذا لم يصل أبداً، بمعنىً أنه يترك الصلاة بالكلية، وهذا ظاهر النص، واختاره شيخ الإسلام رحمة الله عليه جمعاً بينه وبين حديث عبادة رضي الله عنه: (خمس صلواتٍ كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن حفظهن وحافظ عليهن كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)، فإن تركها كليةً كفر، وإن صلى أحياناً وترك أحياناً لا يحكم بكفره جمعاً بين النصين، ولأن قوله: (فمن تركها) أي: ترك الصلاة، أي أنه لم يصل بالكلية، وفرقٌ بين قولك: ترك الصلاة، وبين قولك: ترك صلاةً، ولذلك اختار رحمه الله هذا، ولا شك أنه يوفق بين النصوص ويجمع بينها.
قال رحمه الله تعالى: [وكذا تاركها تهاوناً، ودعاه إمامه أو نائبه فأصر].
هذا شرط عند من يقول: إن تارك الصلاة تهاوناً يكفّر.
قالوا: بشرط أن يدعوه الإمام، وظاهر النصوص ليس فيها هذا الشرط، ولذلك اختار جمعٌ من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليه عدم اشتراط دعوة الإمام، وقال الذين قالوا باشتراطها: إن ذلك أبلغ في وجود العذر حتى يحكم بكونه كافراً.
قال رحمه الله تعالى: [وضاق وقت الثانية عنها].
أي: أن يضيق وقت الثانية عن فعلها.
قال رحمه الله تعالى: [ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما].
أي: أننا إذا حكمنا بكونه كافراً بترك الصلاة فإنه لا ينفذ عليه حد القتل إلا إذا استتيب ثلاثاً، فجمهور العلماء: المالكية والشافعية والحنابلة على أن تارك الصلاة يُدعى إليها ثلاثاً ثم يقتل إذا أبى، وقرر شيخ الإسلام رحمه الله أنه إذا دُعي إليها ثلاثة أيام وهو يصر على تركها أنه كافرٌ بإجماع المسلمين؛ لأنه إذا قيل له: صلّ، وهو يقول: لا أصلي.
ثلاثة أيامٍ، فإنه في هذه الحالة لا يحكم بكونه مسلماً، وقال: إنه في حكم من جحد، ويحكي الإجماع على ذلك في غير ما موضع من المجموع.
فبعض العلماء على أنه يستتاب ثلاثاً، وهذا مبني على مسألة استتابة المرتد، واستتابة المرتد فيها قولان للعلماء رحمة الله عليهم: فمنهم من يوجب الاستتابة لأثر عمر رضي الله عنه، ولا مخالف له، وقد أمرنا بالأخذ بسنن الخلفاء الراشدين، وأثر عمر: هو (أن أبا موسى رضي الله عنه قدم عليه فقال له عمر: هل من مغربة خبر؟ -أي: هل هناك خبرٌ غريب- قال: نعم يا أمير المؤمنين! رجلٌ ترك دين الإسلام ورجع إلى النصرانية أو اليهودية، فتهود أو تنصر فقتلناه، فقال عمر رضي الله عنه: هلا أطعمتموه وسقيتموه ثلاثاً؟!! اللهم إني أبرأ إليك لم أشهد ولم آمر، اللهم إني أبرأ إليك لم أشهد ولم آمر)، فبرئ رضي الله عنه من فعلهم، قالوا: ولا يبرأ إلا بضياع واجب أو ارتكاب محرم.
فقوله: (هلا أطعمتموه وسقيتموه ثلاثاً) دل عند من يقول بوجوب الاستتابة ثلاثاً على وجوبها.
والذين يقولون بعدم الوجوب استدلوا بما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن امرأة وجدت مقتولةً ليلاً، فقال صلى الله عليه وسلم: أحرّج على رجل يعلم من خبر هذه إلا أخبرنا، فقام زوجها وهو أعمى وقال: يا رسول الله! إنها كانت تسبك وتشتمك وتسمعني فيك ما أكره، فما هو إلا أن عديت عليها البارحة بمعولي فقتلتها، فقال صلى الله عليه وسلم: ألا اشهدوا أن دمها هدر) قالوا: هذا يدل على عدم وجوب الاستتابة، فإن الرجل قتلها مباشرة دون أن يستتيبها.
واستدلوا بحديث ابن عباس الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه)، فأمر بالقتل بوجود الشرط وهو تبديل الدين، فدل على عدم وجود وصفٍ زائد وهو الاستتابة.
وبعض العلماء -وهو رواية عن الإمام أحمد - يجمع بين القولين فيقول: إن الكفر والارتداد يكون على أحوال: فتارة يحكم فيها بالكفر مطلقاً ويتفق فيها دلالة الظاهر والباطن كمن يستهزئ بالإسلام والدين، فهذا كفره لا شبهة فيه، بخلاف من يكون كفره دون ذلك أو ارتداده دون ذلك لشبهة أو نحوها فإنه يستتاب حتى يعذر إليه، وهذا جمعٌ لطيف لا شك أن فيه جمعاً بين الأخبار والنصوص، وسنفصل هذه المسألة أكثر إن شاء الله في باب الردة وأحكامها.
وعند الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه وأصحابه أن من ترك الصلاة يسجن إلى أن يموت أو يصلي.
والجمهور على أنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل.
(27/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الأذان والإقامة [1]
الأذان شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، والغاية منه تعظيم الله، وتنبيه الناس بأوقات الصلاة، وللعلماء في شعيرة الأذان أقوال وتفاصيل في صفته وصيغته، وحكمه، ومن يقوم به، وشروط صحته، ومبطلاته، وحكم أخذ الأجرة عليه، وغير ذلك من الأحكام والمسائل المتعلقة به.
(28/1)
________________________________________
أحكام الأذان والإقامة
(28/2)
________________________________________
تعريف الأذان والإقامة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الأذان والإقامة].
الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قولهم: آذنه.
إذا أعلمه، قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج:27]، والمراد بذلك أعلِمهم به.
وقال الشاعر: آذنتنا ببينها أسماءُ رب ثاوٍ يمل منه الثواء أي: أعلمتنا وأخبرتنا.
فأصل الأذان: الإعلام، وأما في الاصطلاح: فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بلفظٍ مخصوص.
فقولهم: (الإعلام بدخول وقت الصلاة) المراد به: الصلاة المفروضة، وقولهم: (بلفظٍ مخصوص): هو اللفظ الذي حدّده الشرع لهذه العباده وعيّنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقرّه كما في قصة عمر وعبد الله بن زيد رضي الله عن الجميع.
والأذان مشروعٌ بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، شرعه الله في كتابه بقوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:58]، أي: أذَّنتم بها وأعلنتم بها، وكذلك شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما أراد مالك بن الحويرث وصاحبه أن يسافرا إلى قومهما، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا)، ووجه الدلالة في قوله: (فأذِّنا)؛ حيث دل على مشروعية الأذان بالسنة القولية، وكذلك أجمعت الأمة على مشروعية الأذان.
والحكمة من مشروعية الأذان: تنبيه الناس وإعلامهم بفريضة الله عز وجل.
ويكون بعد دخول الوقت، ولا يصح الأذان قبل دخول الوقت إلا أذان الصبح الذي يكون في السدس الأخير من الليل، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من هذا الأذان؛ إذ إن المقصود به أن يرد القائم وينبه النائم، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم)، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن أذان بلال بالسحر، وهو الأذان الأول يُقصد منه أن يرد القائم أي: أن الإنسان إذا كان في قيام الليل قد لا ينتبه لدخول الفجر، فربما استمر في قيامه وصلاته بالليل حتى يفاجأ بأذان الفجر وهو لم يوتر بعد، ولذلك شرع الله عز وجل هذا الأذان كما في الحديث السابق عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما وصف وقت الأذان الأول بكونه في ليل دلَّ على أنه قبل وقت الصبح، فهذه هي الحالة التي يُشرع فيها أن يكون الأذان قبل دخول الوقت، وهي حالةٌ مخصوصة، ومن أهل العلم من قصره على رمضان بناءً على ورود الأخبار فيه من أجل الصيام.
والمقصود أن حكمة مشروعية الأذان تنبيه الناس، كما أن فيه إعلاءً لذكر الله عز وجل، ولذلك قال بعض السلف في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، قال: المراد بهذا المؤذن، فإنه يدعو إلى الله، ويعمل صالحاً بدعوته إلى الصلاة، ويقول: إنه من المسلمين؛ لأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمداً رسول الله، فهذا خيرٌ كثير للقائل، وخيرٌ للناس لما فيه من إعلاء كلمة الله عز وجل.
فقال العلماء: إن من حكمة مشروعية الأذان، إعلاء ذكر الله عز وجل، ووجود الشهادة لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) أي: حينما تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) فإن الله يُشهِد الحيوان والجامد على شهادتك تلك، وتكون خيراً للعبد بين يدي الله عز وجل.
والإقامة: مصدر: أقام الشيء يقيمه، وإقامة الشيء المراد بها أن يؤدِّيه الإنسان على وجهه المعتبر، ولذلك أمر الله بإقام الصلاة، بمعنى أن يُؤديها المكلف على أتم وجوهها وأكمل صفاتها.
والإقامة المراد بها: الإعلام بالقيام إلى الصلاة بلفظٍ مخصوص، وهو اللفظ الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة كما سيأتي إن شاء الله بيانه في موضعه.
فكأن المصنف رحمه الله يقول: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بالأذان والإقامة، ومناسبة هذا الباب لما قبله أنه بعد أن فرغ من بيان حكم الصلاة شَرَع في بيان مشروعية الأذان، والسبب في هذا أن الفقهاء رحمهم الله، يبتدئون في كتاب الصلاة ببيان حكم الشرع في الصلاة، وعلى من تجب، ومن المخاطب بها.
فبعد أن بين لك من الذي يخاطب بالصلاة، ومن الذي يؤمر بها، ومتى يؤمر، شرع في بيان ما ينبغي أن يكون قبل الصلاة من النداء لها، والإعلام بدخول وقتها، فقال رحمه الله: (باب الأذان والإقامة).
(28/3)
________________________________________
حكم الأذان والإقامة، ومن تلزمان ومحلهما من الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [هما فرضا كفاية] قوله: (هما): أي: الأذان والإقامة فرض كفاية.
فأول ما يعتني به الفقهاء -رحمهم الله- في الأبواب الفقهية أن يبينوا موقف الشارع من هذه العبادة، فيقولون: هل هذا الشيء شرعه الله أو لم يشرعه؟ ثم إذا شرعه فهل شرعه على سيبل اللزوم، أو على سبيل الاختيار، أو على سبيل الندب والاستحباب؟ وحكم الأذان والإقامة مسألة خلافية بين العلماء، قال بعضهم: الأذان واجب والإقامة واجبة، وهذا القول قال به فقهاء الظاهرية رحمة الله عليهم.
والقول الثاني يقول: الأذان والإقامة فرض كفايةٍ إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وهذا مذهب الحنابلة ويميل إليه بعض الحنفية وبعض الشافعية رحمة الله على الجميع.
والقول الثالث -وينسب للجمهور- أن الأذان والإقامة كل منهما سنةٌ مؤكدة.
وهناك قول رابع لبعض السلف وهو وجوب الأذان دون الإقامة.
وقول خامس وهو وجوب الإقامة دون الأذان.
وأقوى هذه الأقوال وأولاها بالصواب -والعلم عند الله- الوجوب، والدليل على ذلك أحاديث، منها: حديث مالك بن الحويرث، وهو حديث صحيح، وكان مالك بن الحويرث قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة الوفود، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، ومكث عنده سبع عشرة ليلة، أو تسع عشرة ليلة، قال رضي الله عنه وأرضاه: (أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شبيبة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلينا فسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقاً فقال: ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم) وفي رواية: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وصلوا كما تروني أصلي).
فالشاهد في قوله: (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وليؤمكما أكبركم)، ووجه الدلالة أنه أمر، والأصل في الأمر أنه يدل على الوجوب حتى يقوم الدليل على ما دونه، ولذلك قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به أمر إلزام، وبناءً على هذا نبقى على هذا الأصل الذي دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقول بوجوب الأذان.
وأكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت).
وأما الفرق بين قولنا: إنه واجب وقولنا: إنه فرض كفاية فهو أن القول بالوجوب يجعل كل جماعة يلزمها التأذين إلا في المساجد العامة، وأما على القول بالفرضية على الكفاية فيسقط هذا الوجوب عند قيام بعض المصلين بهذا المأمور به، فهذا الفرق بين القول بالوجوب والقول بالكفاية، والقول بالوجوب أقوى لما ذكرناه من دلالة السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفرض الكفاية عند العلماء رحمة الله عليهم معناه أنه إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، كأن يقصد الشرع وجود هذا الشيء ولو من بعض الناس، كصلاة الجنازة، فإذا صلى على الجنازة من تحصل به الكفاية سقط الإثم عن الباقين، وكذا تغسيل الميت وتكفينه، وتعليم العلم، وغيره من الأمور التي تعتبر من أصول الشرع ولا تصل إلى حظ فرض العين، فتُعتبر من فروض الكفايات، فإذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين.
قال رحمه الله تعالى: [على الرجال المقيمين].
بعد أن بيَّن أن الأذان والإقامة كلٌ منهما فرض كفاية، يرد

السؤال
من الذي يُفرض عليه الأذان، وتُفرض عليه الإقامة؟ فقال رحمه الله: (على الرجال).
فأخرج النساء، والنساء لا يجب عليهن أذان ولا إقامة، ولا تجب عليهن جمعة ولا جماعة، فإذا سقطت الجماعة سقط الأذان والنداء الموجب للجماعة.
وأما لو أن نساءً اجتمعن وأراد رجلٌ أن يؤذن لجماعة النساء، ويصلي النساء جماعة فلا حرج، والدليل على ذلك حديث أم ورقة الثابت في سنن أبي داود، وكانت امرأة صالحة من نساء الأنصار رضي الله عنها وأرضاها، وهذه المرأة الصالحة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن يدعو الله أن تكون شهيدة، فبشَّرها بالشهادة، فشاء الله عز وجل أنها مكثت إلى خلافة عثمان فأتاها عبدان كانا عندها، فمكرا بها وغطاها بقطيفةٍ حتى ماتت، فصدقت فيها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تسمى أم ورقة الشهيدة، وتوصف بهذا الاسم قبل وفاتها رضي الله عنها وأرضاها.
فهذه المرأة الصالحة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن تقيم الجماعة لأهل دارها، قال الراوي: فأذِن لها أن يؤذَّن لها وأن تصلي بهم.
قال: فلقد رأيت مؤذنها قد سقط حاجباه من الكبر -أي: رجلٌ كبير كان يؤذِّن لها، فتجمع النساء وتصلي بهن في بيتها.
فدل هذا الحديث على مسائل: منها: أولاً: مشروعية الأذان لجماعة النساء، لكن من الرجال لا من النساء.
ثانياً: مشروعية الجماعة للنساء، أي أن تصلي النساء جماعة، وهو قول الحنابلة والشافعية، خلافاً للمالكية والحنفية رحمة الله على الجميع، حيث دلّ هذا على مشروعية الجماعة للنساء، ومَنَع منه من ذكرنا، والصحيح مشروعيته على ظاهر هذه السنة.
ويؤخذ من مفهوم قول المصنف: (على الرجال) أن النساء لا يلزمهن الأذان، لكن لو أذن رجلٌ للنساء صح ذلك.
وهل تؤذن المرأة؟

الجواب
لا؛ لأن صوت المرأة عورة، وهذا أمر قد يُدرك دليله بالشرع، وقد يُدرك بالحس، فقد أُمِرَ النساء أن لا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، فدل على وجود الفتنة في صوت المرأة، وأيضاً دليل الحس، فإن من الرجال من يتأثر بسماع صوت المرأة ولو لم تخضع بالقول، ولا مكابرة في دليل الحس، وقد يُستند حكم الشرع إلى دليل الحس إذا وجدت مفسدة يَنهى عنها الشرع، فالنساء لا يؤذِّنّ، ولا يُشرع لهن أذان بناءً على ما يكون من المفسدة المترتبة على ندائهن، ولأن النداء إنما شرع للجماعة ولا جماعة تلزمهن.
وقوله: (المقيمين) مفهوم ذلك أنهم إذا كانوا في سفر فلا يجب عليهم الأذان، ولذلك رتبوا الفرضية على الأمصار دون حالة الأسفار، فقالوا: إذا سافر القوم لا يلزمهم أن يؤذنوا، وما ذكرناه من ظاهر النصوص يدل على أن الإنسان يؤذن ولو نزل في برية، وذلك أن مالك بن الحويرث وصاحبه أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤِّذنا، فقال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما)، وهذا إنما يكون في السفر؛ لأنه لو كان المراد قدومهم على قومهم لقال لهم عليه الصلاة والسلام: إذا حضرت الصلاة فأذنوا بأهليكم.
ولكن قال: (فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبر كما)، فدل على أنهما في السفر، وهذا يؤكِّد على أن الوجوب على الإطلاق سواءٌ في السفر أم الحضر.
قال رحمه الله تعالى: [للصلوات الخمس المكتوبة].
قوله: (للصلوات) اللام للاختصاص، أي أن الوجوب واللزوم والفرضية على الرجال المقيمين مختصة بالصلوات، فخصَّص المصنف رحمه الله الحكم بفرضية الكفاية على المكلَّفين فقال: (على الرجال المقيمين)، وخصه بالصلوات فقال: (للصلوات الخمس المكتوبة).
وهذا هو الأصل المعروف، فالنداء بالأذان يختص بالصلوات الخمس، وهي التي يُشرع التجمع لها، وأما ما عداها من الصلوات فقد يُشرع النداء لها بلفظ مخصوص كقولهم: (الصلاة جامعة) في صلاة الخسوف ونحوها، وقد لا يشرع لها لا أذان ولا إقامة، كصلاة العيدين، فإن صلاة العيدين لا يشرع أن يؤذن ولا أن يُقام لهما.
قال رحمه الله تعالى: [يقاتل أهل بلد تركوهما] أي: يُقاتل أهل بلدٍ تركوا الأذان والإقامة؛ لأن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام، ولذلك قال بعض العلماء: يُحكم على البلد بالإسلام إذا وُجِد فيه الأذان، وهذا يسمونه الحكم بالظاهر، والدليل على أنه من شعائر الإسلام وأن البلد الذي يُقام فيه الأذان لا يُقَاتل أهله ما ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم).
وكما جاء في حديث أنس في الموطأ: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على أهل خيبر، وكان ذلك عند الفجر، انتظر عليه الصلاة والسلام إلى وقت الصلاة، وصبّح يهود وهم خارجون إلى الحرث والزراعة فصاحوا: محمدٌ والخميس.
محمدٌ والخميس -أي: محمدٌ والجيش، والخميس: هو الجيش، فأصابهم الرعب- فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
، فقاتلهم صلوات الله وسلامه عليه.
والشاهد أن من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا حضر وقت الصلاة انتظر، فإذا سمع النداء كف، وإن لم يسمعه قاتل أهل البلد.
(28/4)
________________________________________
حكم أخذ الأجرة على الأذان
قال رحمه الله تعالى: [وتحرم أجرتهما] أي: تحرم أُجرة الأذان والإقامة، وللعلماء في هذه المسألة قولان: قال بعض أهل العلم: لا يجوز للمؤذن أن يأخذ أُجرة على الأذان أو الإقامة، واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى الطائف أميراً على الطائف، قال: فكان آخر ما أوصاني به أن قال لي: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، وكذا استدلوا بهدي السلف الصالح رحمةُ الله عليهم، فإن ابن عمر رضي الله عنه لما قال له المؤذن: إني أحبك في الله.
قال له أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر: وإني أبغضك في الله.
قال: ولم؟ قال: إنك تأخذ على أذانك أجراً.
فهذه أدلة من قال بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة.
وأما الذين قالوا بجواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة فاستدلوا بما جاء في حديث أبي محذورة -وهو حديث حسن بمجموع طرقه- وفيه أنه قال: (ألقَى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظ الأذان ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة).
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كافأه على الأذان، فدل على مشروعية أخذ الأجرة على الأذان.
والقول بالتحريم قول الحنفية والحنابلة، والقول بالجواز قول المالكية والشافعية، وأصح هذين القولين -والعلم عند الله- التفصيل: فإذا كانت الأجرة من بيت مال المسلمين فإنه لا حرج؛ لأن أبا محذورة أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من بيت مال المسلمين، وأما نهيه عليه الصلاة والسلام لـ عثمان، فالمراد به أن يستشرف الإنسان، كأن يقول: أنا لا أؤذن حتى تعطوني الأجرة، فأصبح أذانه للمال لا لله، وهكذا الإمامة، فلو كان الإمام يأخذ من بيت مال المسلمين فلا حرج ولا حرمة عليه، ولكن إذا قال: أنا لا أصلي ولا أؤم حتى تعطوني الأجرة فهذا هو المحرم، ولذلك لما سئل الإمام أحمد رحمة الله عليه عن رجل يقول لقومه: لا أصلي بكم صلاة التراويح حتى تعطوني كذا وكذا.
قال: أعوذ بالله.
مَن يصلي وراء هذا؟! أي: من يصلي وراء إنسانٍ يستشرف لأجر الدنيا دون أجر الآخرة؟! نسأل الله السلامة والعافية.
فأصح القولين -والعلم عند الله- أن نجمع بين النصوص، فنحمل حديث عثمان بن أبي العاص: (اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، على مَن يطلب، وأما حديث: (أعطاني صرة فيها شيء من فضة)؛ فإن أبا محذورة أذن، فلما أذن وفرغ أعطاه، فكان أشبه ما يكون بالرضخ، والرضخ والعطايا من بيت مال المسلمين، وهذا هو أنسب الأوجه.
قال رحمه الله تعالى: [لا رزق من بيت المال لِعَدَمِ متطوع] استثنى المصنف رحمه الله الأجرة إذا كانت من بيت المال، وهو الذي ذكرناه، ولكنه اشترط أيضاً وقال: (لعدم متطوع)، فهناك شيء يسمى المذهب، وهناك شيء يسمى الفتوى المختلفة باختلاف العصر والزمان، فأما المذهب فحرمة الأجرة، وأما الفتوى بالجواز لاختلاف الزمان والمكان فهي مقيدة بالحاجة، ولهذا أمثلة، فهم في الأصل يقولون: يحرم أن يأخذ الأجرة، لكن لما قل المحتسبون، وقل من يوجد من يقوم بالأذان حسبة لخفة الدين عند كثير من الناس، خاصة في آخر الزمان -نسأل الله السلامة والعافية- قالوا: يجوز؛ لأننا لو لم نقل بهذا ما وجدنا أحداً يُقيم للناس أذاناً، ولذلك وجود المصالح العظيمة على إعطاء الأجرة بمثل هذا تخفف معها مفسدة ارتكاب المحظور باتخاذ المؤذن الذي يأخذ على أذانه الأجر.
ومن هذا أيضاً أنك تجد فقهاء الحنفية والحنابلة يقولون بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لما ثبت في الحديث الصحيح أن أبياً حينما أهدى له الأنصاري قوساً وكان يعلمه القرآن، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: (إن أردت أن يقلدك الله قوساً من نارٍ فخذها)، فقالوا: هذا يدل على التحريم، فمنع فقهاء الحنفية والحنابلة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، قالوا: ولما فسد الزمان وخُشي على القرآن أن لا يُحفظ، وأن أبناء المسلمين سيضيعون القرآن، ولا يجدون من يحفظهم أفتوا بالجواز في العصور المتاخرة، وهذا يسمونه: (الاختلاف بالزمان لا بالحجة والبرهان)، فتجد صاحب القول المخالف يعدل عن قوله إلى قول من خالفه لا بأصل المسألة وهي الحجة والبرهان، ولكن باختلاف الزمان لوجود المفاسد، ولها نظائر في الفقه، وهذه المسألة معروفة؛ لكنها مقيدة بضوابط، وتحتاج إلى أصلٍ يُبنى عليه هذا، كما ذكرنا أنهم قالوا: إننا لو تركنا المساجد وليس لها مؤذنون يحفظون الأذان في الأوقات المعتبرة لضاع على الناس صيامهم، وضاعت عليهم صلاتهم، ولذلك قالوا: نُفتي بالجواز لعظيم المفسدة المترتبة على القول بالتحريم.
ويُلاحظ قوله: (لا زرق من بيت المال)، أي: فإن لم يوجد المحتسب، فكأن المصنف يقول: نُجيز للمؤذن أن يأخذ الأجرة من بيت المال بشرط عدم وجود المحتسب، أما لو وُجد المحتسب فإنه لا يجوز أخذ الأجرة؛ لأن القاعدة في الفقه تقول: (ما شرع لحاجة يبطل بزوالها)، فلما كان حكمهم بجواز الرَّزق من بيت المال مبنياً على وجود الحاجة، وهي عدم وجود المحتسب بطل بزوالها إذا وجد.
(28/5)
________________________________________
صفات المؤذن
(28/6)
________________________________________
أن يكون صيتاً
قال رحمه الله تعالى: [ويكون المؤذن صيتا أمينا].
بعد أن فرغ رحمه الله من حكم الأذان، والذي يؤذن وهو المحتسب، وأن لا يكون صاحب أجرة شرع رحمه الله في الأوصاف التي ينبغي توفرها في المؤذن.
فقال رحمه الله: (ويكون المؤذن صيتاً أميناً).
قوله: (صيتاً) أي: قوي الصوت؛ لأن المقصود من الأذان الإعلام، والقاعدة في الشريعة: (الولايات العامة والخاصة يرشح لها المكلفون بحسب وجود مصالح الولاية).
فإذا كانت الولاية تعليم الناس فإنه يرشح لها العالِم الفطن، وإذا كانت قضاءً يُرشح لها العالم -لأن القضاء يحتاج إلى علم- الحازم الذكي الذي يعرف ملابسات القضايا وكذب الخصوم وغشهم وتدليسهم، الداهية الذي يعرف الأمور بدلائلها، أو يتفرس في الخصمين بأقوالهما.
فقد قرر العلماء رحمة الله عليهم، ومنهم الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية، وكذا شيخ الإسلام في غير ما موضع من المجموع أن كل ولاية شرعية يُنظر فيها إلى الصفات التي يتحقق بها مقصود الشرع، فلما كان المقصود من الأذان شرعاً إعلام الناس وحصول الإعلام قال المصنف: (ويكون المؤذن صيتاً)، فابتدأ بالصوت؛ لأنه هو المعول في إعلام الناس، فلم يقل: ذا صوت وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أي أنه أرفع صوتاً من غيره، والشخص يكون ذا صوت على أحوال، فأعلاها وأسماها وأسناها رفعة الصوت مع النداوة والطراوة، وهو الذي يسمونه ندي الصوت؛ فإنه قد يكون صوته عالياً لكنه مؤذٍ، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فإن كان صيتاً، مؤذياً بصوته فيُعدل عنه إلى من هو أندى صوتاً ولو كان أضعف صوتاً منه.
والسبب في هذا أن المؤذن يؤذِّن والناس في ضجعتهم وفي نومهم وفي راحتهم، فإن كان مزعج الصوت آذاهم بهذا الأذان، وربما أزعج الضعفاء من الأطفال والصبية، فحينما يكون ندي الصوت يكون ذلك أدعى لذهاب هذه المفسدة، ويدل على هذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن عمر لما أُرِي الأذان قال له عليه الصلاة والسلام: (فألق على بلال ما رأيت فليؤذن فإنه أندى صوتاً)، أي: ألق ألفاظ الأذان على بلال، (فإنه أندى صوتاً)، والجملة تعليلية، أي: أمرتك بهذا لعلةٍ وهي كونه أندى صوتاً.
فطراوة الصوت ونداوته مطلوبةٌ في الأذان؛ لأنه أرفق بالناس، خاصةً في أذان الفجر والعصر، فلذلك قالوا: يُشرع أن يكون صيتاً وفي صوته نداوة.
وننبه على أمور: فلو كان المؤذن صوته ضعيفاً فوَّت مقصود الشرع؛ لأنه بضعف صوته لا يبلغ أذانه المبلغ، ولذلك ينبغي أن يعدل إلى من هو أقوى منه صوتاً، وقد يكون صوته رقيقاً مبالغاً في النداوة حتى يصل إلى رقة النساء، فيصرف عنه الأذان إلى غيره إجلالاً لهذا المنصب ورعايةً له؛ لأن الناس تجل هذه المناصب الشرعية بحسب أشخاصها، فإذا وضع في الأذان من هو أهل عظم الناس الأذان، والعكس بالعكس، ولذلك ينبغي أن يكون صوته بعيداً عن طراوة النساء ونداوتهن، وكذا بعيداً عن الخشونة المؤذية.
(28/7)
________________________________________
أن يكون أميناً
قوله: [أميناً].
مأخوذ من الأمانة وهي الحفظ.
والدليل على اشتراط أن يكون المؤذن أميناً ما ثبت في حديث أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)، فقوله: (المؤذن مؤتمن) خبرٌ بمعنى الإنشاء، أي: ينبغي أن يكون المؤذن أميناً.
قال العلماء: وصف النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن بكونه أميناً لأمور، منها: أنه يؤتمن على ركن من أركان الإسلام وهو الصلاة، وهو أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فإن المؤذن مؤتمن على دخول الوقت، فينبغي أن يكون أميناً حتى لا يغش ولا يكذب في أذانه، فإذا كان متساهلاً أو فاسقاً غير عدلٍ فإنك لا تأمن منه أن يبتدر بالأذان قبل الوقت فيفوت على الناس صلاتهم.
كذلك المؤذن مؤتمن على ركنٍ ثانٍ وهو الصوم؛ لأن تأذينه في الفجر إعلامٌ بدخول وقت الإمساك، وتأذينه في المغرب إعلام بانتهاء الصيام، فلو كان إنساناً لا أمانة عنده، أو يتساهل ولا يحفظ هذا الأمر العظيم فإن ذلك يؤدي إلى ضياع صيام الناس، وهذا هو الواقع والحال، فإنك إذا وجدت المؤذن لا يتقي الله عز وجل فإنه يضيع على الناس صيامهم، فتجده يقوم في صلاة الفجر متأخراً، ويؤذن بعد دخول الوقت بوقت، ولربما أمسك على أذانه الناسُ، فيضيِّع عليهم صيامهم، ويحمل بين يدي الله وزرهم؛ لأن الناس تأتمنه، ولذلك في يوم الإثنين والخميس الواجب أن يكون أذانه عند أول بزوغ الفجر حتى يحفظ للناس صيامهم، وكذا في الأيام البيض، وينبغي أن يُنصح المؤذنون بهذا، وأن يُنبه ويُؤكد عليهم، بل قال بعض العلماء: الأصل في أذان الفجر أن يكون عند أول الوقت.
كل ذلك حفظاً لفريضة الصيام؛ لأنه قد تكون هناك امرأةٌ تريد أن تقضي صيامها، وقد يكون هناك رجل يريد أن يقضي صيامه، فليس له من أمارة أو دليل أو علامة إلا أذان المؤذن، بل لو وُجِدت عنده الساعة فقد لا يعرف متى يكون الإمساك، فلذلك يبني على أذان المؤذن، فاشتراط المصنف رحمه الله للأمانة مبني على السنة، ولما ذكرناه من كون المؤذن مؤتمناً على ركنين من أركان الإسلام: الصلاة والصيام.
قال بعض العلماء: اشتُرِطت الأمانة أيضاً في المؤذن لأنهم كانوا في القديم يؤذنون على ظهور المساجد، وربما بنوا المنائر فكان المؤذن يؤذن على المنارة، ولذلك قال بعض أئمة السلف لأحد المؤذنين: (يا بني: إنك ترقى على المسجد، فإذا رقيته فاتق الله في بصرك)؛ لأنه سيرقى على السطح فلربما اطلع على عورات المسلمين، ولربما رأى أموراً من عورات المسلمين، فقال له: احفظ بصرك.
فقالوا: هذا من الأمانة، ولذلك قالوا: ينبغي أن لا يُختار لهذا الأمر إلا من كان معروفاً بالعدالة والاستقامة، ولذلك اختلفوا في أذان الفاسق وصحته واعتباره.
(28/8)
________________________________________
أن يكون عالماً بالوقت
قال رحمه الله: [عالماً بالوقت].
ذلك لأن كل ولاية -كما قلنا- يشترط لها ما يحقق مقصودها، فلما كان الأذان إعلاماً بالوقت وجَب أن يكون المؤذن عالماً بالوقت، فيعرف وقت الزوال، ويعرف دلائل غروب الشمس، ويعرف متى يصير ظل كل شيء مثله، ومتى يصير ظل كل شيءٍ مثليه، وكيف يضبط ذلك، ويعرف الفجر الصادق من الفجر الكاذب، حتى يكون ضابطاً لوقت الفجر، وقس على هذا بقية أوقات الصلاة.
(28/9)
________________________________________
تقديم الفاضل على المفضول في الأذان
قال رحمه الله تعالى: [فإن تشاحَّ فيه اثنان قدم أفضلهما فيه].
بعد أن بين لك من الذي يؤذن، وما هي الأوصاف التي ينبغي أن تكون في المؤذن قال: (فإن تشاحَّ فيه اثنان قدم أفضلهما)، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يذكرون الأوصاف المعتبرة للشيء، ثم يذكرون ازدحام الناس فيه كأن يقولوا: من صفة القاضي كذا وكذا، فإن تشاح في ذلك اثنان كل منهما أهل للقضاء (قُدِّم أفضلهما)، والفضل في اللغة: الزيادة، والمراد به في الشرع: الزيادة في الطاعة والخير، ويُعرف فضل الإنسان باستمساكه بالأصل، أي: حفظه للواجبات وبعده عن المحرمات، فإذا حصلت منه المحافظة على فرائض الله، والتقوى عن محارم الله عز وجل كان له أصل الفضل، فإذا أرادت أن تصفه بزيادة الفضل وصفته بالمحافظة على الطاعات.
فكذلك الأذان إن تشاحَّ فيه اثنان قُدِّم أفضلهما، فلو حفظ عن أحدهما أنه محافظ على التبكير للمسجد والثاني يتأخر قُدِّم الذي يبكر.
ولو عُرِف أن أحدهما طالب علم والثاني مؤذن يعرف الأوقات وفيه أوصاف المؤذن، لكنه ليس بطالب علم، ولا يحرص على طلب العلم، يقدم طالب العلم؛ لأن طلب العلم زيادة فضلٍ ونبل في الإنسان تؤهله لشرف المرتبة، فيُقَدَّم على من هو دونه، ولا يُقدَّم من هو دونه عليه.
وكذلك يكون الفضل بالمحافظة على الطاعات، كأن يُعرف أحدهما بصيام النوافل كصيام الإثنين والخميس، والثاني لا يصوم، فيقدم الذي يصوم على الذي لا يصوم، ويُنظر إلى الأوصاف الشرعية التي تدل على زيادة الخير في أحدهما؛ لأنهما إذا استويا في الأوصاف المعتبرة رُشِّح أحدهما على الآخر بزيادة الخير، فإن زيادة الخير تزيد في قدر الإنسان؛ والعكس بالعكس، كما قال الله تعالى: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام:124]، فدل على أن أهل المعاصي في صغار.
ومفهوم الآية أنه إذا كان أهل المعاصي يصيبهم الصغار، فأهل الطاعة يصيبهم العلو والفضل، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد:17].
قال رحمه الله تعالى: [ثم أفضلهما في دينه وعقله].
أي: أفضلهما من ناحية السمت والوقار، وأفضلهما من جهة الدين.
فلو كانا طالبي علم، حافظين لكتاب الله، وكل واحد منهما محافظ على طاعته، وكلاهما على مرتبة واحدة في الدين، ولا يستطاع اختيار أحدهما ينظر إلى العقل، فإن من الناس من علمه أَكبر من عقله، ومنهم من عقله أكبر من علمه، ومنهم من علمه وعقله على كبر، فقد تجد العالم لكنه لا يتعقَّل في الأمور، ومنهم من عنده عقل وليس عنده علم، فتجد عقله أكبر من علمه، فإذا نزلت به النوازل، أو أحاطت به الكروب أحسن إدارتها، وأحسن التخلص منها، ومنهم من جمع الله له بين العقل والعلم، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولذلك قالوا: من جُمِع له بين العقل والدين فقد أعطي النورين، كما قال تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور:35].
فالعقل نورٌ داخلي، والوحي نور خارجي، والإنسان يرى بنور داخلي ونور خارجي، فإذا كان الاثنان من ناحية الدين على مرتبة واحدة، ولكن أحدهما أعقل يتريث في الأمور ولا يتعجل، ويُعرف بسداد رأيه وصواب رشده، وأنه إنسان لا تستجره العواطف قُدّم؛ لأن العقل زيادة فضل، ويدل على حب الله للعبد، فإذا كمل عقله مع دينه فهذا نعمة من الله عز وجل تدل على إرادته الخير بهذا العبد، فيُقدَّم العاقل.
قال رحمه الله تعالى: [ثم من يختاره الجيران].
إذا كان كلاهما على دين وعقل، ولا تستطيع أن تفضل أحدهما من جهة الدين ولا من جهة العقل، فتقدم من يختاره الجيران؛ لأن الإنسان إذا كان محبوباً بين الناس في علمه أو أذانه أو ولايته الشرعية كان أدعى لقبول ذلك منه، فإذا كان الناس يحبونه ويختارونه ويرتاحون له، فهذه تزكية له، فلو قالوا: نحب فلاناً، فهذه تزكية خير كما في الحديث: (يا رسول الله! كيف أعلم أني محسن؟ قال: سل جيرانك، فإن قالوا: إنك محسن فأنت محسن، وإن قالوا: إنك مسيء فأنت مسيء).
فالناس شهداء لله عز وجل في الأرض كما ثبت في حديث عمر في الصحيح، فإذا قال الجيران: نحب فلاناً ورشحوه قُدم، وتكون هذا تزكية زائدة على فضله ودينه وعقله.
قال رحمه الله تعالى: [ثم قرعة].
وهذا فعله بعض السلف من الصحابة رضوان الله عليهم، كما حكى بعض أهل العلم أن سعد بن أبي وقاص لما فتح إيوان كسرى تشاحّ الناس في الأذان كلٌ منهم يريد أن يؤذن، فأقرع بينهم سعد رضي الله عنهم وأرضاهم، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا محبين للخير، فكادوا أن يقتتلوا؛ إذ كلٌ منهم يريد أن يؤذن في ذلك المكان الذي أعز الله فيه الإسلام، فأحيا فيه الحنيفية وطمس فيه معالم الجاهلية، فتشاحّ الناس حتى كادوا أن يقتتلوا، فهدأهم سعد، ثم أقرع بينهم وأعطى الأذان لمن خرجت له القرعة.
والقرعة حلٌ شرعي يصار إليه عند تعذر الترشيح، فلو اجتمعت الأوصاف في الأشخاص لإمامة أو قضاء أو فتوى أو تعليم، واستووا في الفضل والصفات الشرعية يُقرع بينهم.
قالوا: والأصل في القرعة أنها اختيار من الله عز وجل، فلو كانوا كلُّهم في مرتبة واحدة وأُقرِع بينهم، فكأن الله اختار هذا الشخص؛ إذ إن الله سبحانه وتعالى شاء أن يكون هذا الشخص دون غيره، مع أنهم كلهم في الفضل على سواء، فلا يضرنا أن تخرج القرعة على واحد منهم.
ثم قالوا أيضاً: إن القرعة ثبت اعتبارها في أصل الشرع، كما في قصة يونس بن متى {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات:141] فهو لما كان في الفلك مع القوم، ولم تكن نجاتهم إلا بإلقاء واحدٍ منهم، فاقترعوا فخرجت على يونس من الله سبحانه وتعالى ابتلاءً ليونس، فدل على أن الله يختار، فوقع الخيار على يونس بالقرعة، ولذلك اعتبر العلماء القرعة من وسائل الإثبات في بعض المسائل، خاصة عند الازدحام، قد فعلها بعض السلف في الأذان فيُعتبر هذا أصلاً للفقهاء في التقديم بالقرعة، والقرعة تكون بوضع أوراق فيها أسماء هؤلاء المرشحين، ثم يختار الإمام أو يختار واحد من الحي ورقةً منها، فيخرج فيها اسم واحد منهم، فيقدم دون من شاحَّه من بقية المؤذنين.
(28/10)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الأذان والإقامة [2]
لقد وردت ألفاظ الأذان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يزاد عليها أو ينقص منها أبداً، وهي خمس عشرة جملة، ويستحب أن يكون المؤذن متطهراً مستقبل القبلة، وأن يلتفت عند الحيعلتين، وأن يقول في أذان الصبح: (الصلاة خير من النوم).
والفاظ الإقامة إحدى عشرة جملة، ويستحب أن يقيم من المكان الذي أذن فيه، وللأذان شروط لابد على المؤذن أن يعلمها، ويسن متابعة المؤذن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له بعد الأذان.
(29/1)
________________________________________
ألفاظ الأذان وأقوال أهل العلم فيها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وهو خمس عشرة جملة] أي: الأذان خمس عشرة جملة.
قال رحمه الله تعالى: [يرتلها على علو] هذا أحد أقوال العلماء رحمة الله عليهم، وألفاظ الأذان فيها أقوال لأهل العلم، فمن العلماء من قال: الأذان أن يثنِّي التكبير ويربع الشهادتين، ويثني ما بعده إلا التهليل الذي هو الخاتمة فيفرد، وهذا القول هو قول فقهاء أهل المدينة رحمة الله عليهم، وعليه درج إمام دار الهجرة مالك بن أنس عليه رحمة الله، واختار أصحابه المتأخرون الترجيع في الأذان، والترجيع صفته أنه بعد أن يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله) يرجع ويقول بصوت خافت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فيذكر الشهادتين سراً ثم يرجع إليهما جهراً، وهذا يسمى الترجيع.
فهذا القول الأول في المسألة، وله أصل من حديث أبي محذورة (أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان بمكة فرجّع في أذانه) أي: أمره أن يقول الشهادة سراً يُسمع نفسه، ثم يرجع ويُعلي بها صوته، وهذا هو الذي يسميه العلماء الترجيع في الأذان.
القول الثاني: يربع التكبير الذي في أول الأذان، ويربع الشهادتين، ويثنى ما بعد ويفرد التهليل، وهذا مذهب أهل مكة من السلف رحمة الله عليهم، وبه قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ويرى أنه يرجِّع في الأذان، والفرق بين الأول والثاني، أن القول الأول يثني في التكبير، فيبدأ المالكي ويقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله (بصوت منخفض) ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله (بصوت مرتفع) إلى آخره.
القول الثاني: يربع في التكبير (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، ثم يرجِّع في الشهادتين، فيجمع بين التربيع للأول وللشهادتين.
ولهذا القول أيضاً أصل من أذان أبي محذورة في مكة مثل ما ذكره المالكية، وهي رواية المالكية لكن فيه زيادة تكلم عليها بعض العلماء كما أشار إليها الحافظ ابن عبد البر رحمة الله عليه.
القول الثالث: أنه يربِّع في التكبير، ويثني في كل شهادة ولا يرجِّع، على الأذان المعروف الموجود، وهذا قال به أهل الكوفة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة رحمة الله على الجميع، وهو أذان بلال رضي الله عنه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية.
وهناك قول رابع لبعض السلف تختلف صورته يرى أنه يربع التبكير، ثم يثني الشهادتين حتى يبلغ: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)، فإذا انتهى من الحيعلتين رجع ثانيةً إلى الشهادتين، وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين من أئمة السلف، وفيه حديث ضعيف تكلَّم عليه العلماء، وأشار إلى ضعفه الحافظ ابن عبد البر رحمة الله عليه.
والذي يظهر والله أعلم أنه لا معارضة بين القول الأول والثاني والثالث، فلا حرج أن تؤذن بأذان الترجيع، ولا حرج أن تؤذن بأذان لا ترجيع فيه، فأذان الترجيع الذي لقَّنه النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة، والذي اعتمده العلماء نوع، وأذان بلال وعبد الله بن زيد هو الأصل، ولذلك بعض العلماء يقولون: أذان أبي محذورة ألقاه النبي صلى الله عليه وسلم على أبي محذورة في مكة حينما فُتِحت، فيحتمل لقرب أبي محذورة من الجاهلية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتشهد حتى لا يسبق لسانه إلى ما اعتاده في الجاهلية.
وهذا الجواب ضعيف، والأفضل والأولى كما اختاره بعض المحققين وأشار إليه شيخ الإسلام في القواعد النورانية، وارتضاه الحافظ ابن عبد البر.
أنه اختلاف تنوع، وليس باختلاف تضاد، فهذا نوعٌ من الأذان، وهذا نوعٌ من الأذان، ولا حرج أن تؤذن بهذا أو ذاك، ولا إنكار على من أذن بالترجيع، ولا إنكار على من أذن بغير ترجيع، وكلٌ على سنة وخير.
(29/2)
________________________________________
حكم التطهر واستقبال القبلة للمؤذن
قال رحمه الله تعالى: [متطهراً مستقبل القبلة] قوله: (متطهراً) هذا على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض، وقوله: (مستقبل القبلة)؛ لأن هذا هو المحفوظ من أذان بلال رضي الله عنه، ولم يحفظ أنه كان مستدبر القبلة أو منحرفاً عن القبلة، ولذلك يبقى هذا على الأصل، ولأنها أشرف الجهات في الطاعات.
قال رحمه الله تعالى: [جاعلاً إصبعيه في أذنيه] لأنه أبلغ في قوة الصوت، وجاء فيه الحديث.
(29/3)
________________________________________
حكم الاستدارة والالتفات في الحيعلتين
قال رحمه الله تعالى: [غير مستدير ملتفتا في الحيعلة يميناً وشمالاً].
أي: أنه لا يستدير بجذعه، ولكن يحرف وجهه يمنةً ويسرةً ولا حرج في ذلك، والدليل على أنه في الحيعلتين يلتفت يميناً وشمالاً ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه وأرضاه، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح قال: وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يميناً وشمالاً حي على الصلاة حي على الفلاح).
وفي هذا الالتفات وجوه، قال بعض العلماء: يلتفت عند بداية الحيعلة، ويختم الالتفات عند ختم الحيعلة يمنةً، مثال ذلك: أن يقول: (حي على الصلآة)، فينتهي من آخر اللفظ عند بلوغ كتفه ملتفتاً.
فهذا وجه.
والوجه الثاني: أن يقول: (حي على الصلاة) ويرجع إلى الاستقامة.
والفرق يين القول الأول والثاني زيادة الثاني بالرجوع إلى القبلة عند انتهاء الحيعلة.
وأما في الالتفات فقال بعض العلماء: ينادي (حي على الصلاة) يميناً (حي على الصلاة) شمالاً، (حي على الفلاح) يميناً، (حي على الفلاح) شمالاً.
وهذا اختيار بعض العلماء رحمة الله عليهم، وهناك قول ثانٍ أنه يحيعل على الصلاة يميناً، وعلى الفلاح شمالاً، وكلٌ منهما له وجه؛ لأن الحديث أطلق، وكلٌ على سنة سواءً، أفعل هذا أم هذا، ولكن الأقوى أن يجمع بين الاثنين؛ لأن المراد الإعلان.
وشرع الالتفات مع الحيعلة ولو وجد المكبر؛ لأنها عبادة، والعبادة توقيفية لا يُنظر إلى إسقاطها عند اختلال المعنى، فلا يستطيع الإنسان أن يجزم أن المراد بذلك علة معينة، فيبقى على الأصل من كونه عبادة، فإذا كانت عبادة استوى في ذلك وجود مكبر الصوت وعدم وجود مكبر الصوت، فيلتفت على كل حال.
قال رحمه الله تعالى: [قائلاً بعدهما في أذان الصبح: (الصلاة خير من النوم) مرتين] بعد الحيعلتين في أذان صلاة الصبح يقول: (الصلاة خيرٌ من النوم) وهو توجيه وإرشاد، وكلمةٌ عظيمة تشحذ الهمم تناسب الحال، فهي من المقال المناسب للحال؛ فإن الإنسان تعلوه سكرة النوم، فإذا سمع نداء الله عز وجل أن الصلاة خيرٌ من النوم تلهَّفت نفسه، واشتاقت لإيثار مرضاة الله عز وجل على هوى النفس، وقد جاء في مشروعيتها حديث سعيد بن المسيب في روايته عن بلال رضي الله عنه، وتكون بعد الحيعلتين.
(29/4)
________________________________________
أقوال العلماء في ألفاظ الإقامة
قال رحمه الله تعالى: [وهي إحدى عشرة يحدرها].
كان المفروض أن يقول: (والإقامة إحدى عشرة)، ولكن لا مانع لأنَّه قال: (وهو) في الأول إشارة إلى المذكر منهما، فقوله: (وهي) إشارة إلى المؤنث، وهي مفهومة من السياق، إلا أنَّ الأولى التصريح: (والإقامة إحدى عشرة كلمة يحدُرها).
وللعلماء في الإقامة عدة أوجه، قال بعض العلماء: تُشفَع ويوتر قوله: (قد قامت)، كما هو مذهب المالكية والحنفية.
فيقول: (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله).
القول الثاني: أنه يوتِر الألفاظ الأول فالتربيع يجعله مثنى، والمثنى يجعله واحدة، ويُشفَع قد قامت، كما ورد في الحديث، وعلى هذا تكون الإقامة المعروفة: (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، وكلٌ على سنة، سواءٌ أوتَر أم شفَع، ولكن الأقوى من جهة النص الإيتار، والسبب في الخلاف قوله: (أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة)، فقوله: (يوتر الإقامة)، فَهِم بعضهم عنه أنه يوتِر كلمة (قد قامت) ويبقى النداء على الأصل على نداء بلال وعبد الله الذي ذكرناه.
ومنهم من يقول: (ويوتر الإقامة)، أي: في الألفاظ، فيكون الإيتار في الجميع، ويكون قوله: (قد قامت) باقٍ على المثنى كما في الرواية.
(29/5)
________________________________________
استحباب الإقامة في المكان المؤذن فيه
قال رحمه الله تعالى: [ويُقِيم من أذن في مكانه إن سَهُل].
كانوا في القديم يؤذنون خارج المسجد، وقد فعل ذلك بلال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أذَّن على سطح بيت الأنصارية، كما جاء في رواية السنن أنه كان يؤذن الفجر على بيت الأنصارية، وكان يؤذن على باب المسجد كما يدل عليه حديث: (لا تسبقني بآمين)، فقد قال بلال للنبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبقني بآمين)، قالوا: لأنه كان يؤذن ويقيم خارج المسجد، فإذا أذن وأقام داخل المسجد لم يُسمع أذانه ولم تُسمع إقامته، ولذلك قال: ويقيم من أذن في مكانه إن سهل).
لكن إن عسُر عليه أن يُقيم في مكان الأذان أقام داخل المسجد، ولكن السنة أن يقيم في مكان الأذان كما ذكرنا في حديث بلال، ووجه دلالة حديث: (لا تسبقني بآمين) أنه كان يقيم خارج المسجد، فيكبر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة، فلا يستطيع أن يدرك آمين في بعض الأحيان، وذلك للمكان الفاصل، خاصةً على القول أنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند قوله: (قد قامت)، فلربما بلغ آخر الإقامة مع مشيه من موضع الإقامة إلى داخل المسجد وقد فاتته الفاتحة، وقد كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مرتلة، ولذلك قال له: (لا تسبقني بآمين)، فإنه ربما فاته التأمين لفاصل المكان.
ومن أذن فيقيم، قال بعض العلماء: لا يقيم إلا من أذَّن كما هو موجود في مذهب الحنابلة ودرج عليه المصنف، وقال بعضهم: يجوز أن يقيم غير المؤذن، وفي هذا حديث ابن ماجة: (أن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم)، وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه عبد الرحمن بن أبي زياد الأفريقي.
وقال بعض العلماء: إن الأمر واسع لو أراد أن يُقيم أحد غير المؤذن.
وهذا فيه نظرٌ، فإن كان الذي أذَّن موجوداً فإنه أحق بالإقامة؛ لأنه تولى الأمر من بدايته، فليس من حق أحد أن يدخل عليه لكنهم استثنوا المؤذن الراتب إذا تأخر عن الأذان وحضر عند الإقامة بقي حقه في الإقامة، وإن كان قد سقط حقه في التأذين بسبب التأخير فيقيم، فهو أحق بالإقامة.
(29/6)
________________________________________
شروط صحة الأذان
(29/7)
________________________________________
الترتيب والتوالي
قال رحمه الله تعالى: [ولا يصح إلا مرتباً متواليا].
شرع رحمه الله في شروط صحة الأذان.
قوله: (ولا يصح) أي: الأذان.
(إلا مرتباً) أي: مرتباً بترتيب الشرع؛ لأن القاعدة في الأذكار والألفاظ الشرعية أنه يُتقَيد فيها بالوارد، فكما أنها جاءت واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الترتيب يُرتبها على هذا الوجه.
وقوله: (متوالياً) أي: دون وجود فاصل مؤثر، فلو فصل بينهما بفاصل مؤثر فإنه يستأنف الأذان، ولا يَبني على ما كان عليه.
(29/8)
________________________________________
العدالة في المؤذن
قال رحمه الله تعالى: [من عدلٍ ولو ملحنا أو ملحونا].
قوله: (من عدلٍ) أي: من إنسان عدل، فهذا الأذان لا يصح إلا من عدل، قالوا: لأنه خبر وإعلام بدخول الوقت، ولا يُقبل خبر الفاسق؛ لأن الفاسق إذا أَخبر بدخول الوقت لا يُوثق بخبره، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6]، فقالوا: لا يصح أذان الفاسق والحنابلة رحمهم الله شددوا في الأذان وفي الإمامة فقالوا: لا يصح الأذان من فاسقٍ، ولا تصح إمامة الفاسق، ولذلك يرون إعادة الصلاة إذا صُلِّي وراء الفاسق، وإن كان الصحيح صحة إمامة الفاسق لدلالة السنة على ذلك كما سيأتي.
وأما الأذان فقالوا: إنه خبر وقد أمر الله بالتثبت في أخبار الفساق، فكيف نقبل خبر هذا بدخول وقت الصلاة، وكيف نقبل خبره في انتهاء وقت الصيام، أو دخول وقت الصيام، فمثل هذا لا تقبل شهادته، فمن باب أولى في أمور الصلاة والعبادة أن لا يُقبل خبره.
(29/9)
________________________________________
حكم اللحن في الأذان
قال رحمه الله تعالى: [ولو ملحّنا أو ملحونا].
اللحن: أن يكون الصوت فيه نداوة وطراوة، وإذا كان اللحن على وجه التغني الذي لا يخرج الألفاظ عن حقائقها فالأذان صحيح، أما لو كان يخرج الكلمات عن معانيها والألفاظ عن دلائلها فإنه يُبطل الأذان، واللحن في القراءة والأذان للعلماء فيه ضابط التأثير، فقالوا: إن أثَّر فأخرج اللفظ عن مدلوله فحينئذٍ يحكم بعدم اعتباره، وأما إذا لم يُخرج عن مدلوله فإنه لا يؤثر.
وسُئِل الإمام أحمد رحمه الله عن رجلٍ يتغنى في الأذان، فقال للسائل: ما اسمك؟ قال: محمد.
قال: أترضى أن يُقال لك: (يا موحامد)؟ قال: لا.
قال: كيف ترضاه لنبيك؟ -صلوات الله وسلامه عليه-.
فالمقصود أنه لا يصح الأذان إلا على هذا الوجه، وهو أن يؤدى بألفاظٍ صحيحة بعيدةٍِ عن الألحان المخرجة للألفاظ عن دلائلها.
ومن اللحن المبالغة في المدود، فعلى الإنسان أن يكبر ويتشهد بعيداً عن التكلف؛ لأن الإسلام لا تكلف فيه، والتطريب والتمطيط في الأذان ليس من هدي السلف الصالح رحمة الله عليهم، ولذلك نص العلماء رحمة الله عليهم على اختلاف المذاهب على أنه بدعةٌ في الأذان، وإنما يؤذن الإنسان أذاناً لا يُخرِج ألفاظ الأذان عن مدلولاتها، بعيداً عن التكلف وإطالة المدود والترانيم ونحوها، فكل ذلك مما لا أصل له، فاللحن والصوت الجميل والتغني بالأذان والقراءة شرطه أن لا يخرج الألفاظ عن مدلولاتها، كما قيل: اقرأ بلحن العُرب إن تجوّد وأجز الألحان إن لم تعتد فمعنى: (أجز الألحان إن لم تعتدِ) أنه لا مانع أن يكون هناك لحن في الأذان أو في القراءة، لكن بشرط أن لا يعتدي القارئ أو المؤذن فيخرج الألفاظ عن مدلولاتها، فلا يجوز أن يقول: (أشهد أن موحامداً) فيمطها حتى يخرج اللفظ عن مدلوله، فإن قال: (موحامداً) أخرج لفظ الاسم الذي هو (محمد) عن وضعه في أصل اللغة، فإنه ليس بين الميم والحاء مد، وليس بين الميم والدال مد، ولأنه إذا مد أصبح اسماً آخر غير الاسم الذي شهد أنه نبي الله صلوات الله وسلامه عليه.
وكذلك إذا كان اللحن بالإخلال بالحركات كأن يقول: أشهد أن (محمداً رسولَ الله) بفتح رسول، وهذا كثير وشائع في هذا الزمان، بل قال بعض العلماء ببطلان أذانه.
ولذلك ينبغي أن يُنبَّه على ذلك بعض الجهال الذين لا يفرقون بين الضم والفتح في مثل هذا، فينبَّهون على أنه: (أشهد أن محمداً رسولُ الله) -بالضم-، ولا يجوز أن يقول: (أشهد أن محمداً رسولَ الله)؛ لأنه إخراج للشهادة عن مدلولها.
فينبه على مثل هذا ونحوه من الألحان التي تخرج الألفاظ عن دلائلها، أو تفسد المعنى في التركيب اللغوي.
(29/10)
________________________________________
حكم أذان الصبي المميز
قال رحمه الله تعالى: [ويجزئ من مميز] أي: يجزئ الأذان من صبيّ مميز.
قالوا: كما صحّت صلاته صح أذانه، ولذلك إذا أذن الصبي المميز صح أذانه.
وقال بعض العلماء: لا يصح أذان الصبي ولو كان مميزاً، وقالوا: لأنه خبر، والخبر شهادة ولا تصح من الصبي؛ لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة:282]، فالشهادة لا تكون إلا من البالغ العاقل، والصبي ليس ببالغ ولا بعاقل، فلا يوثق بأذانه ولا يوثق بخبره.
(29/11)
________________________________________
مبطلات الأذان والإقامة
(29/12)
________________________________________
الفاصل الكبير والكلام المحرم وإن كان يسيراً
قال رحمه الله تعالى: [ويبطلهما فصلٌ كثير ويسير محرم] أي: يبطل الأذان والإقامة فصلٌ كثيرٌ وكلامٌ محرَّم، كأن يشرع في الأذان فيقول: (اللهُ أكبر)، ثم يجلس وقتاً طويلاً، كما يحدث بعض الأحيان حين ينقطع جهاز الصوت فيحاول إصلاحه، وربما يأخذ منه خمس دقائق أو عشر دقائق، فهذا فاصل مؤثر، وحينئذٍ يستأنف ولا يبني لكن لو أنه كبر ثم انشغل يسيراً ثم رجع إلى أذانه فإنه يبني ولا يستأنف، فيصح أن يبني على الألفاظ الأُوَل إذا كان الفاصل غير كثير.
وكذلك الكلام المحرم، كأن يؤذن ويتشهد ثم يسب رجلاً، فقالوا: يبطل أذانه؛ لأن السب ليس من الأذان، فحينئذٍ يُحكم ببطلان أذانه ويبتدئ من جديد.
أما لو كان كلاماً مباحاً فقال بعض العلماء: لا يبطل، والاحتياط أن يعيد ويستأنف؛ لأنه أدخل في ألفاظ الأذان ما ليس منها.
فقوله: (ويسير محرم) أي: وكلامٍ يسير محرم.
(29/13)
________________________________________
الأذان قبل دخول الوقت
قال رحمه الله تعالى: [ولا يجزئ قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل] أي: ولا يجزئ الأذان قبل الوقت، إلا الفجر فيجوز أن يؤذن له قبل دخول الوقت لثبوت السنة بذلك، فيؤذن قبل دخول الوقت ولا حرج، ثم اختلف العلماء، فقال بعض العلماء: الأذان الأول لا يجاوز السدس الأخير من الليل، وهو ما يقارب ساعة ويختلف بالصيف والشتاء، فيؤذن الأذان الأول قبل الفجر بحدود ساعة أو تزيد، بحسب الصيف والشتاء، وبحسب طول الليل وقصره.
وقال بعضهم: إنما يؤذن الأذان الأول بفاصلٍ يسير بينه وبين الأذان الثاني، بحيث أنه بمجرد ما ينتهي من الأذان الأول يدخل وقت الفجر فيؤذن الأذان الثاني، وهذا ارتضاه بعض فقهاء الظاهرية رحمة الله عليهم بناءً على حديث: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا)، ولكن هذه اللفظة عند بعض العلماء فيها نظر؛ لأن بلالاً كان عندما يؤذن يمتطي على ظهر بيت الأنصارية، حتى إذا قرب بزوغ الفجر صعد ابن أم مكتوم وأذن، وليس المراد به أنه ينزل ويطلع مباشرة، كما أفاده بعض العلماء رحمة الله عليهم.
والمصنف أخذ بالقول الثالث، وهو أن يؤذن الأذان الأول من بعد نصف الليل، وهذا في الحقيقة محل نظر، والأقوى أن يؤذن في السدس الأخير، ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم)، فلما تُوقِظ النائم في نصف الليل فليس هناك مصلحة، وما دام أن الحديث جاءنا بعلة الأمر فنتقيد بالعلة الواردة؛ لأن العلل المنصوص عليها محكومٌ بها، فلما جاءنا الحديث أن العلة في الأذان الأول رد القائم وتنبيه النائم، فذلك أنسب ما يكون في حدود السدس الأخير، كما هو وجهٌ عند الشافعية وبعض العلماء رحمة الله عليهم.
(29/14)
________________________________________
استحباب صلاة ركعتين بعد أذان المغرب
قال رحمه الله تعالى: [ويسن جلوسه بعد أذان المغرب يسيرا] يسن ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين)، وفي رواية: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء)، قال أنس رضي الله عنه كما في الحديث الصحيح: (فلقد رأيت كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى إن الرجل لو دخل ظن أن الصلاة قد أقيمت) أي أنه إذا أذن وانتهى يصلون هذه الركعتين، ويبتدرون السواري يجعلونها سُتراً، وهذا يدل على حرصهم على هذه السنة.
ووجه الشاهد أن كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة الركعتين بين الأذان والإقامة يدل على أن مِن السنة الفصل بين الأذان والإقامة، خلافاً لمن قال بالتعجيل، وهو موجود في بعض المذاهب، كما هو موجود في مذهب المالكية رحمة الله عليهم، فهم يرون سنية التعجيل؛ لأنهم لا يرون التنفل بين الأذان والإقامة، وهو وجهٌ أيضاً عند بعض الحنفية، والصحيح ما ذكرناه بدلالة السنة من حديث مسلم في صحيحه.
(29/15)
________________________________________
حكم الأذان في الجمع أو قضاء الفوائت
قال رحمه الله تعالى: [ومن جمع أو قضى فوائت أذّن للأولى ثم أقام لكل فريضة] هذا على حديث المزدلفة أنه عليه الصلاة والسلام أذن للأولى وأقام إقامتين: إقامة للأولى، وإقامة للثانية، فأصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم أن يؤذِّن الذي جَمَع جَمْع تقديم أو تأخير أذاناً واحداً ويقيم إقامتين.
(29/16)
________________________________________
استحباب متابعة المؤذن
قال رحمه الله تعالى: [ويسن لسامعه متابعته سراً] من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمن سمع النداء أن يُتابع المؤذن سراً، أي: لا يرفع صوته، بل سراً بقدر ما يُسمع نفسه، وإن كان هناك عوام ويريد تعليمهم إن كان من العلماء والقضاة ونحوهم ممن يقتدى بهم فله أن يرفع صوته قليلاً حتى يتعلم الناس، فقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعه الصحابة كما في حديث معاوية، فيشرع الرفع قليلاً من باب التنبيه للناس والتعليم لهم، ولا حرج في ذلك.
(29/17)
________________________________________
الحوقلة في الحيعلتين
قال رحمه الله تعالى: [وحوقلته في الحيعلة] أي: يُسن لك إذا سمعت المؤذن يقول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وللعلماء في ذلك أوجه: فمنهم من قال: تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم تقول: (حي على الصلاة).
وتقول: (حي على الفلاح)، ثم تقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله).
ومنهم من قال: تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ومنهم من قال: تقول مثل ما يقول المؤذن ولا تقول الحوقلة، فهذه ثلاثة أوجه للعلماء في المسألة.
فمن قال: تقول الحوقلة ولا تحيعل اعتمد حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحيعلتين حوقل ولم يحيعل صلوات الله وسلامه عليه.
والذين قالوا: يحيعل استدلوا بحديث أبي موسى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)، فقول: (فقولوا) أمر، فيشمل جميع أفراد الأذان، فيحيعل إذا قال: (حي على الصلاة)؛ لأنها مثل قول المؤذن، ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم الحيعلتين بذكر، فتبقى على هذا العموم.
والقول الثالث جمع بين القولين فقال: يقول: (حي على الصلاة) لحديث: (قولوا مثل ما يقول)، ويحوقل لحديث معاوية، وأصح القولين والعلم عند الله: أنه يقتصر على الحوقلة؛ لأن قوله: (فقولوا مثل ما يقول) مجمل وحديث معاوية مبيِّن مفصِّل، والقاعدة أنه إذا تعارض المجمَل والمفسِّر المبيِّن، يُقدَّم المفسِّر المبيِّن، فإن معاوية حكى ترديد النبي صلى الله عليه وسلم لفظاً لفظاً، فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: (قولوا مثل ما يقول) أي: في غالب ألفاظ الأذان، فلما بلغ الحيعلة قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فأصح الأقوال أنه يُحوقِل ولا يُحيعِل.
وأما مذهب من قال: يَجمع بينهما.
فهو مبني على التعارض على النصين، وشرط التعارض قوة الدلالة منهما، وليست الدلالة منهما قوية، لِما ذكرنا من وجود الإجمال والبيان.
وأما مناسبة قول لا حول ولا قوة إلا بالله عند الحيعلة، فقالوا: لأنه إذا قال: (حي على الصلاة) فإنهما تختص بالمؤذن.
وهذا صحيح من جهة النظر؛ فإن المؤذن ينادي الناس، فأنت لا وجه لك أن تقول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)؛ لأنه ليس ثم إنسان تدعوه إلى الصلاة، فاختُصَّ المؤذن بالحيعلة، فبقيت أنت مستيعناً بالله، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، لأنه يُطْلَب منك الإجابة، ولا يُطْلَب منك المماثلة، فلذلك ناسب أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ قال بعض العلماء: لا حول في طلب خير، ولا قوة في دفع شر إلا بالله.
وزيادة (العلي العظيم) لا ينبغي أن تُزاد؛ لأن السنة التقيد بالوارد، والألفاظ الواردة لا يزاد فيها.
(29/18)
________________________________________
استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة بعد الأذان
قال رحمه الله تعالى: [وقوله بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محموداً الذي وعدته] هذه هي السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ) على أن كثيراً من الناس ترك هذه السنة، وهي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، فتجده مباشرة إذا قال المؤذن: (لا إله إلا الله)، يقول: (لا إله إلا الله، اللهم رب هذه الدعوة ... )، وهذا خلاف السنة.
والسنة أنه إذا قال: (لا إله إلا الله)، أن يصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة الإبراهيمية، ثم بعد ذلك يقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة ... ).
قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة عليه بعد الأذان لذكره في الأذان، ومنهم من قال: إنه أمر بالصلاة عليه لوجود الدعوة؛ لأنه يُسن أن يُبتدئ الدعاء بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن فضائله -كما في أحاديث الترغيب- أن يكون في الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ويقول بعد انتهائه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب هذه الدعوة التامة ... )، فهي دعوة تامة كاملة؛ لأنها اشتملت على أمرين: أحدهما تعظيم الله، وثانيهما توحيده، ولذلك وصف الله صاحبها بأنه أحسن الناس قولاً، فقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]؛ لأن المؤذن يصلي، وعمل صالحاً بدعوة الناس إلى الصلاة، فلذلك قالوا: هي دعوةٌ تامة، دعا إلى توحيد الله عز وجل بشهادته ثم دعا إلى إقام الصلاة التي هي من تعظيم الله عز وجل.
(والصلاة القائمة) أي: التي ستقام، فيوصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه، وهذا من بلاغة العرب، حيث يصفون الشيء بما كان عليه، ويصفونه بما يؤول إليه، ويصفونه بحاله، فيقولون: فلان يتيم بناءً على ما كان عليه، كما قالوا: محمد يتيم أبي طالب، باعتبار ما كان عليه، ومنه قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء:2] نهى عن إعطاء اليتيم ماله، لكن: آتوا اليتامى الذين بلغوا راشدين أموالهم، فوصفهم بكونهم يتامى بما كانوا عليه، وكذلك تصف العرب الشيء بما يؤول إليه، فيقولون: (فلانٌ مصلٍ).
أي: سيصلي، ونحن مصلون، أي: سنصلي، فكذلك قوله هنا: الصلاة القائمة، أي: التي ستقام.
والوسيلة هي كما فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم: (درجةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، قال: وأرجوا أن أكون أنا هو).
ومن سأل للنبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة حلّت له الشفاعة يوم القيامة، فنسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبلغه الوسيلة، وأن يجزيه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.
ثم ختمها بقوله عليه الصلاة والسلام (والفضيلة، والمقام المحمود الذي وعدته)، والفضيلة: من الفضل، والفضل: الزيادة.
أي: الفضائل، وهي أعلى الدرجات، وإذا تفضَّل الله على العبد فقد بلَّغه أعالى المراتب وأكملها، كما قال تعالى في الخير: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:54]، فالفضل: الخير العظيم، وقال تعالى: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة:105]، وزيادة (الدرجة العالية الرفيعة في الجنة) ضعيفة كما نبَّه عليها السخاوي في (المقاصد الحسنة)، وهي زيادة ضعيفة لا أصل لها.
ومعنى (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) هو المقام الذي يحمِده عليه الأولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة، قال تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79]، وعسى في القرآن للحقيقة، وهو مقام الشفاعة.
وزيادة: (إنك لا تخلف الميعاد) فيها خلاف، وهي من رواية البيهقي، ومن العلماء من أثبتها، ومنهم من قال بعدم ثبوتها للشذوذ، ومن شرط الصحة عدم الشذوذ، ومن قالها فيتأول الصحة ولا حرج، ومن لم يقلها لا حرج عليه.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.
(29/19)
________________________________________