المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح زاد المستقنع - جزء أول


gogo
10-19-2019, 01:30 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



الكتاب : شرح زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن محمد المختار الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 417 درسا]
شرح زاد المستقنع - المقدمة [1]
العلم فضله عظيم، وما رفع الله العلماء إلا لفضل هذا العلم، وهذا العلم هو ميراث الأنبياء عليهم السلام، فما شرح الله صدر عبد يطلب العلم إلا أراد به خيراً، وأهل العلم هم أهل خشية الله سبحانه وتعالى؛ وكما قيل: أصل العلم خشية الله، والعلم له حقوق ينبغي القيام بها عند طلب العلم، فأول هذه الحقوق وأعظمها هو الإخلاص لله في طلب العلم، وكذلك النصيحة والمجاهدة وغيرها من الحقوق التي ينبغي القيام بها عند طلب العلم.
(1/1)
________________________________________
نعمة العلم وفضله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، من أراد به خيراً فقهه في الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، أما بعد: فالحمد لله الذي أكرمنا بأن تغبرت الخطا في طاعته ومحبته ومرضاته، وهنيئاً لطلاب العلم يوم خرجوا من البيوت إلى حَلْقة من حلق العلم، وروضة من رياض الجنة، أسأل الله العظيم أن يكتب لنا ولهم أجر الخطا، وأن يوجب لنا ولهم بها من لدنه الحب والرضا.
أيها الأحبة في الله: إن الله تعالى إذا أراد بالعبد خيراً شرح صدره للعلم، وشرح صدره لكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك الصدر والقلب بمثابة الحِواء والوعاء لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
إنها نعمة العلم التي شرح الله بها صدور العلماء، فرفع لهم بها القدر، وأعظم لهم البهاء، فعظم بها عند الله قدرهم، وانشرحت لها قلوبهم، وعظم في الدين بلاؤهم.
إن العلم نعمة من نعم الله عز وجل، جعلها الله تبارك وتعالى من مواريث النبوة، يوم يصبح الإنسان إماماً من أئمة المسلمين، يؤتمن على أحكام الشريعة والدين، يوم تتلهف القلوب وتشتاق الأسماع إلى معرفة حكم الله من حلال وحرام، وما يكون من الشريعة والأحكام، فيبينها ذلك اللسان الصادق، والعبد الموفق المحقق، فما أجلها من نعمة وما أعظمها من منّة، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهلها.
ولذلك أجمع العلماء على أنه لا ينشرح صدر عبد للعلم إلا أراد الله به خيراً، وقد شهد الله تعالى لأهل هذه النعمة العظيمة أنهم أهل الدرجات، وقرن درجاتهم بدرجات أهل الإيمان، الذي هو أعز شيء وأسمى شيء وأكمل شيء، وشهد الله تبارك وتعالى أن أهل العلم هم أهل خشيته، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: أصل العلم خشية الله.
(1/2)
________________________________________
حقوق العلم على أهله
إذا كانت نعمة العلم عظيمة، ومنة الله بها على العبد جليلة كريمة، فإنه ينبغي لكل طالب علم أن يقف قبل العلم وقفات يتدبر فيها ويتأمل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في حقوق هذا العلم، فقد أخبر الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن للعلم حقوقاً، ومن هذه الحقوق: أولاً: الإخلاص: فمن أعظم هذه الحقوق وأجلها: حق الإخلاص الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من فاته فقد فاته حق العلم كله، بل أخبر أن علمه حينها وبالٌ عليه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لينال به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من تعلم العلم ليماري به السفهاء، وليجادل به العلماء، فليتبوأ مقعده من النار).
وأخبر صلوات الله وسلامه عليه أن أول خلق الله الذين تسعر بهم نار جهنم من أراد بعلمه غير وجه الله جل جلاله، ذلك القلب المفتون الذي اتجه إلى هذه الدنيا الفانية، فآثرها على الآخرة الباقية، فأصبح حظه من العلم أن ينال السمعة والرياء، فيقف بين يدي الله جل وعلا ليقول له: (عبدي! ألم تكن جاهلاً فعلمتك؟ قال: بلى، ألم تكن وضيعاً فرفعتك؟ قال: بلى، قال: فما عملت لي؟ قال: تعلمت فيك، وعلّمت من أجلك، فقال الله له: كذبت، وقالت الملائكة له: كذبت)، نعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم أن يجعلنا ذلك الرجل.
فما أعظمها من ساعة رهيبة لو وقف العبد أمام الأولين والآخرين، فقال الله على رءوسهم: كذبت، نعوذ بالله من ذلك المقام.
وما أشرف ذلك المقام لمن أخلص لوجه الله، فوقف في ذلك الموقف العظيم فقال: (تعلمت لوجهك، وعلمت من أجلك، فقال الله له: صدقت، وقالت الملائكة له: صدقت).
فحق العلم الأول: أن يخرج الطالب من بيته وليس في قلبه إلا الله، وأن يخرج إلى حلق العلم وهو يرجو ما عند الله، فإنك إن أردت وجه الله بارك الله لك في العلم، وحفظك الله بهذا العلم، ولا زال العلم يأخذ بيدك حتى يقودك إلى الجنة.
العلم الخالص لوجه الله قربة، والعلم الخالص لوجه الله يوجب من الله الرضا والمحبة.
فيا أيها الأحبة في الله: على طالب العلم ألا يخرج إلى حلق العلم إلا وهو يريد وجه الله والدار الآخرة، ليشتري رحمة الله بخطواته، ويشتري رحمة الله بمجالسه وإنصاته وكتابته، فتكتب في دواوينه تلك الحسنات، فرجله تمشي في طاعة الله، ويده تكتب في مرضاة الله، وعينه ترى كتب العلم في مرضاة الله، وسمعه يسمع ما أمر الله تعالى به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم في طاعة الله، وذهنه وقاد مشتغل بتلك الآيات الكريمات، وتلك الأحكام الجليلة العظيمة، وكل ذلك في طاعة الله ومرضاته، إذا أخلص لوجه الله جل جلاله.
فلا نخرج لطلب العلم إلا ونحن نريد ما عند الله عز وجل، ولذلك قال بعض العلماء: من تعلم العلم لغير الله مكر الله به، فينبغي لطالب العلم أن ينزه قلبه من حظوظ الدنيا؛ فإن من طلب العلم للسمعة سمّع الله به، ومن طلبه للرياء راءى الله به، فعلى العبد أن يتقي ربه، وليحرص كل الحرص على الإخلاص، وهذا الحق كان العلماء كثيراً ما يذكرون به.
وقال بعض مشايخنا رحمة الله عليه: الإخلاص يُحتاج أن يذكر به طلاب العلم في كل مجلس من مجالس العلم، ولو أن كل مجلس من مجالس العلم استفتحه العالم بالكلام على الإخلاص لكان ذلك خليقاً به وليس بكثير.
فالإخلاص هو الفرق بين العبد المطيع الذي أراد وجه الله عز وجل والدار الآخرة، ومن أراد ما عند عباد الله من حظ السمعة والرياء.
ثانياً: التضحية والمجاهدة: والوقفة الثانية أيها الأحبة في الله تعالى: أن هذا العلم يحتاج إلى تضحية وجهاد، ولا ينال إلا بالتعب والنصب، فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يهيئ من نفسه الهمة الصادقة في طلب العلم؛ فإن في العلم سآمة ومللاً، وتضحية بالأوقات والأعمار، وتضحية بالمال والنفس، وبالجَهد والجُهد.
فإذا أخلص طالب العلم لله عز وجل، فليتبع إخلاصه بالصبر والتحمل، حتى يبلغ من هذا العلم أعلى المراتب، وكلما ضحى الإنسان نال أعالي الدرجات عند الله عز وجل، وانظر في سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم، وكيف أن الله فاضل بين علمائهم، فجعل لبعضهم من الدرجات ما لم يجعل لبعض، وصدق الله إذ يقول: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76].
فينبغي على الإنسان أن يجتهد وأن يجد في تحصيل هذا العلم، حتى قال بعض العلماء: (أعط العلم كلك يعطك بعضه) فكيف إذا أعطى الإنسان العلم بعضه؟! فينبغي على الإنسان أن يجتهد في تحصيل هذا العلم، وأن يجد، وتكتحل عيناه بالسهر، وأن يضنى جسمه من التعب والنصب، لعلمه أن الله يسمعه ويراه، ولعلمه أن كل تعب ونصب يبذله فإن الله يحب ذلك التعب والنصب.
وإن أفضل ما أنفقت فيه الأعمار، وأفضل ما قضي فيه الليل والنهار طاعة الله جل وعلا بالعلم.
فهذا العلم الذي تقاد به الأمم، والذي تتبدد به دياجير الظلم، وتنشرح به الصدور، وتخرج به الأمة من الظلمات إلى النور، يحتاج صاحبه أن يجد ويجتهد، وكلما قرأت في سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم من العلماء العاملين الربانيين وجدت الهمة العالية والتعب والنصب من أبرز ما يكون في تراجمهم.
يتغرب أحدهم من أجل العلم، فتهون عليه الأموال والأولاد والأوطان، كل ذلك لكي يسمع حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سمعه رفع الله درجته وأعلى مقامه، وكل آية تسمعها وتتعلم حكمها وتفهمه وتعمل به، فإن الله يرفعك بها درجات، وكل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلمته وعملت به وعلّمته يرفعك الله به درجات، فاستقل من ذلك الخير أو استكثر.
ثالثاً: الأخوة والرفقة: والوقفة الثالثة التي ينبغي أن يتواصى بها طلاب العلم: المحبة، والتعاون، والتكاتف، والتعاطف لبلوغ هذه الغاية الكريمة؛ إذ يحتاج الطالب دائماً إلى الأخ الصادق الذي يشد من أزره في طاعة الله جل وعلا، ويحتاج إلى من يذاكره العلم، ومن يعينه على تفهم المسائل والأحكام واستذكارها واستحضارها.
فينبغي على طالب العلم أن ينظر في إخوانه وخلانه، فمن وجده صادق العزيمة، تلوح من أعماله وأقواله أمارات الإخلاص فليقربه إليه، وليحبه في الله ولله، وليجتهد معه في بلوغ هذه الغاية الموجبة لرضى الله جل وعلا.
ولذلك قال الله عن نبيه موسى صلوات الله وسلامه عليه: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} [طه:29 - 34].
فما أجلها من نعمة حين يقيض الله لك عبداً صالحاً، فإذا كنت على طاعة ثبتك، وإذا كنت على غيرها دعاك للإقلاع عنها.
فينبغي علينا أن نحرص على طلب الإخوة في طلب العلم، وكثير من طلاب العلم يضيعون هذا الأمر العظيم الذي يكمل به طالب العلم نقصه، فطالب العلم لا يستطيع أن يعيش وحده، ولا يمكن أن يحصل هذا العلم على أتم الوجوه وأكملها إلا بأخ صادق يعينه على استحضار المسائل، وكذلك على حل المشاكل، ومعرفة ما كان في حلق العلم، ويحاول الإنسان أن يتناقش معه مناقشة تدل على المودة والمحبة، ولذلك قالوا في العلم: واعلم بأن العلم بالمذاكرة والدرس والفكرة والمناظرة فيحتاج العلم إلى مذاكرته مع الأخ الصادق.
رابعاً: محبة العلماء: والوصية الأخيرة في حقوق العلم التي أحب أن أوصي بها: أنه ينبغي على طالب العلم أن يكون حريصاً على محبة العلماء، فإن من مفاتيح العلم محبة العلماء، ومن فقد محبة العلماء والقرب منهم، فإنه قد حرم خيراً كثيراً من العلم، فحبهم قربة، والدنو منهم قربة، وكذلك اعتقاد فضلهم ونشر علمهم وفتاويهم قربة من الله جل وعلا، وكان السلف يوصون طالب العلم بالحرص على القرب من الشيخ وحفظ علمه، ونشر فتاواه، والدعاء له بظهر الغيب.
فينبغي على طالب العلم أن يحرص على هذه المرتبة التي تقربه من الله جل وعلا.
فحب العلماء الغالب فيه أن يكون خالصاً لوجه الله عز وجل، فمن أحبهم أحبهم لدين الله الذي في صدورهم، فقد جعلهم الله عز وجل أمناء على وحيه، هداة مهتدين إلى طاعته وسبيله ومرضاته، فحبهم طاعة وقربة، والجفوة التي بين طلاب العلم وبين العلماء لا تليق، ولذلك كانوا يثنون على كثيرٍ من السلف بحبهم للعلماء، وقل أن تجد عالماً نفع الله بعلمه إلا وجدته آية في حب عالمه، والقرب منه والاستفادة منه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك الحظ الأوفر والمقام الأكبر رضوان الله عليهم، فقد كانوا أقرب الناس للنبي صلى الله عليه وسلم.
فقد قال سهيل حينما وصف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: (والله ما كلمهم إلا أطرقت رءوسهم حتى يقضي حديثه، ولا تنخم نخامة إلا سقطت في كف أحدهم فدلك بها وجهه)، وهذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام؛ ولا يليق بغيره كائناً من كان، فكان الصحابة أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلام قريب من هذا الكلام: (إذا رأيت العالم بالسنة العامل بها، فإن النظر إليه عبادة وقربة)، فالعلماء حبهم والقرب منهم طاعة، وهم الأدلاء على الخير الأمناء على الطاعة والبر، وما رقت القلوب إلا بالقرب منهم، ولا أنس المستوحشون إلا بحبهم والدنو منهم.
فينبغي على من وفقه الله للخير أن يحرص على حب العلماء، وأئمة الإسلام أمواتهم وأحيائهم.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل لنا ولكم من ذلك أوفر حظ ونصيب.
(1/3)
________________________________________
نصائح وإرشادات لطالب العلم
أولاً: عدم الاستعجال في طلب العلم: ينبغي على طالب العلم ألا يستعجل في طلب العلم، فبعض طلاب العلم يقول: لو استمرينا في قراءة متن على طريقة ما بالبسط والشرح فقد نمكث سنوات، ونحن نريد في أقرب فرصة أن ننتهي من هذا العلم، وهذا الكلام يعتبر من آفات العلم في هذا الزمان، فقد كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يعتنون بطول الزمان في طلب العلم، فكلما طال زمان طالب العلم كلما أحبه الله، وهيأه لمرتبة عظيمة في الإسلام، وكلما استعجل طالب العلم فظهر للناس ظهر على قصور، وحب الانتهاء من العلم بداراً يدل على وجود الفتنة في قلب صاحبه، وأنه يحب الظهور للناس.
فينبغي على الإنسان أن لا يستعجل وأن يتريث، فقد تفقه علماء الإسلام على أئمة سنوات عظيمة؛ فقد تفقه عبد الله بن وهب -وهو إمام من أئمة الحديث والفقه- على يدي الإمام مالك رحمه الله تعالى أكثر من عشرين سنة، وكان سواده لا يفارق سواد الإمام مالك رحمة الله عليه.
وكانوا يلازمون العالم يسمعون ما يقول، ويعملون بما يأمر به، ثم لا يمكن أن يفوتهم مجلس من مجالس العلم، ولا يمكن أن تفوتهم فتوى، حتى إن بعض أئمة الإسلام -وهذا من الأمر العجيب الذي يدل على حرص السلف وطول الصحبة- كان الرجل منهم أو الصاحب للعالم يقول: حضرته عند بئر كذا، وقد سئل عن مسألة كذا وكذا في الطلاق أو البيع، فهذا يدل على أنهم كانوا يلازمون العلماء ملازمة تامة.
وذكر عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه لما قرئ عليه الموطأ فيما يقرب من عام قال: (كتاب ألفته في أكثر من عشرين سنة، تقرؤونه في عام! ما أقل ما تفقهون) أي: ما أقل ما يكون لكم من الفقه.
فإياك أن تقول في البداية: لا أستطيع أن أداوم على ذلك المجلس؛ لأن الزمان يطول، فالهدف أن تعمر الأوقات في طاعة الله، والشرف أن تتشرف الآذان بسماع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
فلذلك لا ينبغي الاستعجال في تحصيل هذا العلم، وأنبه على هذا الأمر؛ لأن الحلق في العلم كثيرة، فيستعجل كثير من طلابها، وقد ينقطع عنها الناس بسبب الاستعجال في وصول أو بلوغ النهاية في العلم، فلا يزال الإنسان في طاعة ما صبر على طلبه.
فينبغي على طالب العلم الموفق أن يجعل نصب عينيه لحده حتى ينتهي من العلم.
وأذكر علماء أجلاء ومشايخ فضلاء كانوا مع علمهم وجلالة قدرهم يجلسون في مجالس بعض المشايخ كأنهم أطفال لا يفقهون شيئاً.
فطالب العلم الذي يريد مرضاة الله عز وجل يصبر، ويطول زمانه في طلب العلم وصحبة العلم.
ولذلك أقول: خيرٌ لنا أن نتقن هذا العلم المبارك، وأن نقرأ مسائله بتفصيل وبيان مع ضبط ولو طال الزمان، وذلك خير من أن يكون على سبيل العجالة، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا الصبر، وأن يرزقنا التحمل لذلك.
ثانياً: تحضير الدروس: ينبغي على طالب العلم أن يقرأ الدرس ولو مرة واحدة على الأقل، وأكمل ما يكون من التحضير الصورة التالية: أن يقرأ المتن أو الباب الذي يريد أن يشرحه ثلاث مرات، ويقرأه مع إدمان نظر، ثم يأخذ أبسط الشروح وأخصرها، ويمر عليه مرة واحدة، ويحاول أن يكون عنده تصور ولو أبتداءً للذي قاله المصنف، ثم بعد ذلك يحضر في حلقة علم، ثم يرجع ويقرأه المرة والمرتين.
وفي الخاتمة أن يدون ما علق بذهنه كتابةً، فبعد أن يقرأ ثلاث مرات ويحضر الدرس ويعلق يقرأ الدرس مرة أخرى أو مرتين، وكلما أكثر كلما ضبط، ثم بعد ذلك يكتب شرحاً مختصراً من إملائه، ثم يرفع هذا الشرح ويستذكر به دائماً، وحبذا لو أنه بعد انتهائه من هذا الشرح المبسط يعرضه على عالم يستبين فيه صحة ما كتبه ودونه.
(1/4)
________________________________________
أنواع العلوم
(1/5)
________________________________________
علم العقيدة والتوحيد
أيها الأحبة في الله! إن العلوم والفنون مختلفة، أجلها وأعظمها ما قرب إلى الله وزاد العبد معرفة بالله سبحانه وتعالى، ألا وهو علم العقيدة والتوحيد، فهو أشرف العلوم، وأنبلها وأسماها وأزكاها، وثغرة العقيدة أعلى الثغور مقاماً، وأعظمها قربة عند الله عز وجل، وأفضلها مراماً، فالإنسان إذا ضبط علوم العقيدة، وأتقن فنونها، فكفى الأمة شئونها، فإن بلاءه يعظم، وأجره يتم ويكمل.
والسبب في ذلك: أن من حفظ هذا العلم فقد حفظ للأمة أهم شيء في دينها، وهو علم الإيمان الذي من أجله خلق الله الخلق، ومن أجله أوجد الحياة والرزق، فعلم العقيدة أشرف العلوم وأجلها وأحبها إلى الله جل وعلا.
(1/6)
________________________________________
علم الحلال والحرام
ثم يلي علم العقيدة علم الأحكام الشرعية، وهو علم الحلال والحرام، الذي يستطيع العبد أن يعبد الله به على بصيرة، ويكون بذلك على نهج الأنبياء والمرسلين، كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه المبين: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108].
فعلم الحلال والحرام علم مهم جداً، ذلك أن الله عز وجل أحل حلالاً وحرم حراماً، فإذا علم العبد حلال الله، وعلم حرام الله، أمكنه أن يطيع الله فيحل ما أحل، ويحرم ما حرم، فإذا لم يكن على علم بالحلال والحرام، فلا يؤمن منه أن يقع فيما حرم الله عليه، ولذلك قال بعض العلماء: (إن العبد قد يشيب عارضه، ولم تقبل له صلاة واحدة)، والسبب في ذلك: إما أن يكون جاهلاً بأحكام الطهارة، فيصلي والنجاسة قد أصابته.
وإما أن يكون جاهلاً بأحكام الوضوء، فيصلي ووضوءه غير صحيح.
وإما أن يكون جاهلاً بأحكام الغسل، فيصلي وغسله غير معتبر فلا تصح له صلاة.
وقد يقوم في صلاته وعبادته بين يدي الله ربه، فيضيع للصلاة أركانها وشروطها وأحكامها، فيوجب ذلك حبوط عمله ورده -والعياذ بالله- عليه.
وكما أن العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج تحتاج إلى فقه وعلم، فكذلك المعاملات؛ من البيع والإجارة والشركة والقراض والهبة وغيرها من المعاملات تحتاج إلى علم.
وقد يكون المرء كأحسن ما أنت راءٍ من استقامة، وحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يمسي ويصبح وقد أكل الربا -والعياذ بالله- لجهله بأحكام المعاملات.
فينبغي على المؤمن الموفق أن يعلم ما الذي أحل الله وما الذي حرم الله.
وأول ما يكون من الخير له أن يسلم له دينه، ويلقى الله يوم يلقاه وقد حفظ أعز شيء في دنياه، وهو دينه، فتلقى الله يوم تلقاه وقد أديت الصلاة على وجهها، وأديت الزكاة من حقها، وأديت الصيام والحج وسائر العبادات على وجهها، ثم تلقى الله ولا يسألك مسلم حقاً في معاملة؛ لأنك تعامل الناس على بصيرة ومعرفة وإلمام وعلم.
فأول ما يكون من الخير لمن فقه في دين الله وعلم الحلال والحرام أن يسلم له دينه، قال بعض العلماء: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فعلم الحلال والحرام يسلم به دين العبد.
ومما يكون له من الخير بعد ذلك أنه بعد علمه بالحلال والحرام يعظم نفعه للناس، فكم من أناس ينتظرون من يعلمهم أحكام صلاتهم، ومن يبين لهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء، وهديه في الغسل، وهديه في الصلاة صلوات الله وسلامه عليه، وهديه في الصيام، وهديه في الحج، وسائر العبادات.
ألا تعلم أنك لو علّمت إنساناً وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فما أصابت قطرة ماء جسده من ذلك الوضوء إلا أجرت عليه.
ولو علمت إنساناً غسله من الجنابة فما غَسَّل واغتسل في ليل ولا نهار إلا أجرت على غسله.
ولا علمت إنساناً كيف يصلي كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يصوم كصيامه، وكيف يقوم كقيامه، وانتصبت له قدم بين يدي الله، فأدى ذلك على الوجه الذي علمته إلا كنت له شريكاً في ذلك الأجر، ولا علّم غيره تلك السنة ولا دعا إليها إلا كان في ميزان حسناتك من الأجور الشيء الكثير.
قال صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له أجره، وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئ).
فعلم الحلال والحرام علم شريف، ومقام جليل منيف، يوم تصبح إماماً من أئمة المسلمين، فيأتيك الجاهل لكي تنقذه بإذن الله من جهله.
ويأتيك الرجل في جوف الليل، وقد قال لامرأته كلمة من الطلاق، ولا يدري أهي حلال فيبيت معها، أم هي حرام عليه فيتركها.
ويأتيك المرء وهو لا يدري أهذا المال حلالٌ له أم حرام عليه.
وتأتيك الناس من كل حدب وصوب، بقلوب مليئة بالشوق لكي تعلم حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في النوازل، وحلها ودفع ما يكون فيها من معضلات ومشاكل.
فعلم الحلال والحرام ثغر من ثغور الإسلام، ينتظر شباب المسلمين وشيبهم، وينتظر أولئك الأخيار الذين يحتسبون الأجر، ويريدون مرضاة الله عز وجل، أولئك الذين يشرون مرضاة الله بتعلم هذا العلم وكفايته، ولا زالت الأمة بحاجة، فكم من بدع انتشرت، وكم من مسائل أشكلت، وكم من معضلات نزلت لم تجد لها حلاً، وقل أن ترى عينك أو تسمع أذنك فقيهاً يضبط أحكامها، أو يحسن سد ثغورها.
فالله الله يا شباب الإسلام، والله الله يا أبناء الإسلام أن تحتسبوا في هذا الثغر العظيم، وأن يهيئ الإنسان نفسه لمعرفة هذا الباب العظيم.
ولا يقل الإنسان: من أنا حتى أكون فقيهاً من فقهاء الأمة، ومن أنا حتى أكون عالماً؟ فإن الله تعالى يقول في كتابه: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:54]، فالله له فضل وله منن، وما أخرج العبد من ظلمات المعاصي، ولا شرح صدره فقام بين يديه راكعاً ساجداً إلا وهو يريد به خيراً.
فإذا علم الله من قلبك حب هذا العلم، وأنك تريد أن تسد عن الأمة هذا الثغر العظيم وهو علم الحلال والحرام، وتبين لهم الشريعة والأحكام، فإن الله يوفقك، ولا يزال معك من الله ظهير ونصير ما دام همك أن تكفي المسلمين هذا الثغر العظيم، فاحتسب العلم عند الله.
ولو جلست في مجلس علم ولم تخرج منه إلا بحكم واحد شرعي، فليأتين عليك يوم تبلي بهذا الحكم بلاءً عظيماً.
فكم من المسائل حضرناها في مجالس العلماء، والله ما كنا ولا كان يخطر لنا على بال أننا في يوم من الأيام نحتاج إلى هذه المسألة، فوقعت نوازل ومشاكل ومعضلات حلت بتلك المسائل بفضل الله عز وجل، فاحتسب العلم عند الله.
وكل مجلس يجلسه الإنسان يتعلم فيه كيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يصوم فهو منتفع فيه بنفسه نافع لغيره.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وأن يجعل هذا الفقه موجباً لحب الله ورضوان الله علينا وعليكم.
(1/7)
________________________________________
زاد المستقنع ومنهجية الشرح
كتاب (زاد المستقنع) يعتبر متناً من متون الفقه، ومن عادة أئمة الفقه أنهم إذا ألفوا في الفقه فإنهم يجعلون تآليفهم على مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة المتون.
المرتبة الثانية: مرتبة الشروح.
المرتبة الثالثة: مرتبة الحواشي.
وهذا الكتاب من المرتبة الأولى، فهو متن من متون الفقه، والمتن من عادة العالم أن يصوغ فيه فقه الدين بأقل عبارة ممكنة، سواءٌ أكان ذلك المتن من الشعر أم من النثر، ويحرص على أن يجعل الفقه بين يديك بأخصر وأقصر عبارة.
ولذلك يحتاج هذا الكتاب إلى أن نشرحه ونبين إجماله، ونفصل ما فيه من الأحكام، سائلين المولى جل وعلا أن يلهمنا التوفيق والسداد، وأن يجعل ما يكون من القول والعمل خالصاً لوجهه الكريم.
وهذا المتن متعلق بمذهب معين، وليس مقصودنا أن ندرس مذهباً معيناً، وإنما المقصود أن نعرف حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فسندرس هذا المتن بالدليل، ولذلك سنبين معنى عبارته، ثم بعد ذلك نذكر موقف العلماء من المسألة التي يذكرها المصنف هل هي إجماعية أو خلافية، وإذا كانت خلافية فهل القول الراجح ما اختاره، أو ما اختاره غيره.
ولذلك أفضل ما يكون في دراسة الفقه دراسته بالدليل؛ لأن الله تعبدنا بالدليل، فلابد للمسلم إذا قال: هذا حلال، أو: هذا حرام، أن تكون عنده الحجة والدليل، كما قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111]، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام:148]، فالعلم هو الدليل والحجة الواضحة.
فسنذكر إن شاء الله تعالى أحكام هذا المتن ومسائله ونبينها بدليلها، وإذا كانت مسائل خلافية فسأعتني بإذن الله ببيان أقوال العلماء وأدلتهم، والراجح من تلك الأقوال والأدلة.
(1/8)
________________________________________
تقسيم الفقه ووجه تقديم فقه العبادات على فقه المعاملات
وهنا أمر أحب أن أنبه عليه في قراءة الفقه، فالفقه ينقسم إلى قسمين: فقه العبادات، وفقه المعاملات.
والسبب في هذا التقسيم: أن الله عز وجل شرع الشرائع وبين الأحكام، وكانت هذه الشرائع والأحكام منها ما يتعلق بالعبادة من صلاة وزكاة وصيام وحج، ومنها ما يتعلق بمعاملة الناس بعضهم لبعض من بيع وشراء، وإجارة وهبة وشركة، ونحو ذلك.
فأما ما يتعلق بما بين العبد وربه، فاصطلح العلماء على تسميته بالعبادات، وما يكون فيه التعامل مع الناس اصطلحوا على تسميته بالمعاملات، فعندنا في الفقه مادتان: المادة الأولى: تتعلق بالعبادات.
والمادة الثانية: تتعلق بالمعاملات.
أما التي تتعلق بالعبادات، فمنها ما يتعلق بالعبادة البدنية المحضة، كالصلاة والصيام.
ومنها ما يتعلق بالعبادة المالية كالزكاة.
ومنها ما يتعلق بالعبادة المشتركة بين البدن والمال كالحج.
وأما المعاملات فهناك معاملات تتعلق بالمال، وهناك معاملات تتعلق بالنكاح والزواج، وهناك معاملات تتعلق بالجناية والاعتداء على المال، أو على العرض، أو على النفس والأطراف.
وهناك معاملات تتعلق بكيفية الفصل بين الناس من القضاء والشهادات والإقرار ونحو ذلك.
فالمعاملات تنقسم إلى هذه الأقسام المشهورة: المعاملات المالية، والمعاملات الزوجية التي تتعلق بالنكاح وما يتبع النكاح من حل العصمة بطلاق أو خلع، أو يكون موجباً لحصول أثر مترتب على ذلك كالرجعة ونفقة الرجعة، وغير ذلك.
وهناك معاملات تتعلق بجنابة الناس بعضهم على بعض، وجناية الإنسان على نفسه -والعياذ بالله- كالجناية على العقل، وهذا يتعلق بحد المسكر، وباب المسكرات والأشربة.
وكذلك الجناية على أعراض الناس مما يتعلق به حد الزنا، والجناية على أموالهم مما يتعلق به حد السرقة، وغير ذلك من الحدود كالجناية على النفس بالقتل، والجناية على الأطراف، وما يوجب ذلك من قصاص وديات ونحو ذلك.
وهناك معاملات تتعلق بفصل الخصومات والنزاعات وهو باب القضاء، وما يتبع ذلك من آداب مجلس القاضي، وكيفية الفصل وسماع حجج المختصمين، وكذلك الترجيح بين هذه الحجج إذا تعارضت، إلى غير ذلك من المعاملات المتعلقة بباب القضاء.
والعلماء كلهم متفقون على تقديم فقه العبادات على فقه المعاملات، بمعنى أنهم يبدؤون بالصلاة والزكاة والصيام والحج قبل ابتدائتهم بالبيع والنكاح وغيرها من المعاملات.
والسبب في ذلك: أن الله عز وجل بين في كتابه أنه ما خلق الخلق إلا لعبادته، فلما كانت العبادات المحضة هي المقصود من خلق الناس من صلاة وزكاة ونحو ذلك، كانت العناية بها آكد، وتقديمها أوجب.
أما المعاملات فإنها لا تقع عبادة إلا بقصد القربة، فلو أن إنساناً باع أو اشترى، فإن العبادة في بيعه وشرائه لا تحصل إلا إذا قصد القربة، وإلا هي في الأصل معاملة دنيوية تتعلق بحياة الإنسان ودنياه.
وبناءً على ذلك، قدم المقصود الأصلي وهو العبادة على ما هو تبعٌ له وهو باب المعاملات، فأجمع الفقهاء والمحدثون على تقديم أبواب العبادات على أبواب المعاملات.
ولذلك سنشرع إن شاء الله تعالى في فقه العبادات أولاً ثم نتبعه بفقه المعاملات، ونسأل الله العظيم أن يلهمنا الصواب، وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل، والله تعالى أعلم.
(1/9)
________________________________________
الأسئلة
(1/10)
________________________________________
حكم أخذ المال على تدريس العلوم الشرعية

السؤال
نحن نُدرّس العلوم الشرعية، ونأخذ على ذلك رواتب، فهل هذا ينافي الإخلاص؟ علماً بأنَّا لن نتمكن من التفرغ للتدريس إذا لم نأخذ هذه الرواتب؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمذهب المحققين من العلماء رحمهم الله، وهو الذي اختاره بعض الأئمة، ومنهم الإمام ابن جرير الطبري، والحافظ ابن حجر، وغيرهما من المحققين أن الإنسان إذا قصد بعلمه الآخرة، ثم أخذ أجراً على ذلك العلم بسبب عدم تمكنه من طلب الرزق فذلك لا يقدح في الإخلاص، ما دام أن مقصوده هو تعليم العلم، ونفع أبناء المسلمين، فلا يقدح في الإخلاص وجود حظ من الدنيا.
وقد دل على هذا القول الصحيح دليل الكتاب والسنة.
أما دليل الكتاب فإن الله عز وجل يقول في كتابه: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال:7]، وهذه الآية نزلت في أهل بدر، فأخبر الله أنهم كانوا يتمنون العير بقوله تعالى: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)، فهم خرجوا للعير، فلما واجهوا القتال صدقوا مع الله، فلم يقدح في قتالهم وجهادهم وجود حظ أو قصد حظ الدنيا من تلك العير.
ومن الأدلة على صحة هذا القول قول الحق تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198]، فإنها نزلت -كما صح- في أقوام يريدون الحج والتجارة، فالحج عبادة والتجارة دنيا، فلم يقدح في إرادة الآخرة وجود حظ الدنيا.
كما دل على صحة هذا القول دليل السنة الصحيح، فإن المصطفى عليه الصلاة والسلام قال قبل القتال: (من قتل قتيلاً فله سلبه)، وهذا القول قاله لترغيب الناس في القتال، فأعطى على القتال الذي يراد به وجه الله حظاً من الدنيا، قال بعض العلماء: في هذا دليل على أنه لا يقدح في الإخلاص وجود حظ من الدنيا إذا لم يكن هو مقصود العبد، فإذا كان مقصودك ما عند الله عز وجل فلا يؤثر فيه وجود حظ من الدنيا.
وقد جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه أنه قال: (ألقى النبي صلى الله عليه وسلم عليّ الأذان، فلما فرغت، ألقى إليّ صرة من فضة) قالوا: في هذا دليل أيضاً على أن حظ الدنيا لا يؤثر إذا لم يكن هو مقصود العبد.
ومن مجموع هذه الأدلة خلص هؤلاء العلماء إلى القول بأنه ينظر في الإنسان، فإذا كان مقصوده من التعليم نفع أبناء المسلمين، وإسداء الخير إليهم، ودلهم على طاعة الله ومرضاته، ثم حصل بعد ذلك أجر أو راتب أو غير ذلك، ولم يكن هو مقصوده الأساس، فإن ذلك لا يقدح في إخلاصه، والله تعالى أعلم.
(1/11)
________________________________________
الزاد والمقنع والمبدع

السؤال
هل لكتاب الزاد من شروح، وما هو أفضلها؟ وكيف نتمكن من حفظ متن هذا الكتاب؟

الجواب
هذا الكتاب في الأصل -وهو الزاد- اعتمد فيه المصنف رحمه الله تعالى على كتاب (المقنع)، وهو في الحقيقة كتاب مقنع، وإن كان أضيفت إليه اختيارات الحجاوي رحمة الله عليه وعلى مؤلفه، ولكن في الأصل كتاب (المقنع)، وكتاب (المقنع) له شروحات، تعتبر بمثابة شرح هذا الكتاب وزيادة أيضاً؛ لأن الإمام الحجاوي رحمة الله عليه حذف بعض المسائل.
وأنفس الشروح وأفضلها لكتاب (المقنع): كتاب (المبدع في شرح المقنع) لـ ابن مفلح رحمه الله تعالى، فقد شرحه شرحاً وافياً كافياً، وذكر فيه الأوجه والروايات، ورجح بين الأوجه والروايات، وذكر الأدلة، وقد يناقش في بعض المسائل، لكنه كتاب واسع يجمع هذا الكتاب وغيره، خاصة في الفروع والتتمات التي يذكرها في نهاية كل باب.
وكتاب (المبدع) يعتبر شرحاً لأصل هذا الكتاب؛ لأن كتاب (المقنع) يعتبر في نظر مؤلفه -وهو الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى- في الدرجة الثانية، فإن ابن قدامة رحمة الله عليه جعل علم فقه المذهب على درجات: الدرجة الأولى: كتابه (العمدة)، ثم جعل بعد (العمدة) (المقنع)، ثم جعل بعد (المقنع) (الكافي)، ثم جعل خاتمتها بـ (المغني)، ولذلك قال فيه بعض العلماء: كفى الخلق بالكافي وأقنع طالباً بمقنع فقه عن كتاب مطول فكتابه (المقنع) يعتبر في الدرجة الثانية، وأنفس الشروحات -كما قلنا- شرح ابن مفلح رحمة الله عليه الذي أجاد فيه وأفاد، وجمع فيه مسائل الكتاب وزيادة، مع فروعات وتتمات في الحقيقة يكمل بها كتاب (المقنع)، والله تعالى أعلم.
(1/12)
________________________________________
نصيحة لمن منعه والداه من السفر لطلب العلم

السؤال
أنا أريد طلب العلم، ولكن أهلي يرفضون ذلك، وقد تركت كل شيء في مدينتي من أجل أن أذهب إلى مدينة أخرى للجلوس عند علمائها، فهلا من كلمة لوالدي أسمعهما إياها علهما أن يوافقا؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أهنئك أخي في الله على حب العلم، وحب التغرب من أجل التفقه في الدين، وحمل رسالة الله رب العالمين، وما قذف الله في قلبك حب هذا العلم إلا وهو يريد بك خيراً، فإنهم بذلك عيناً، وليكن حسن ظنك بالله عظيماً، فلابد أن تنال العلم إذا صدقت مع الله جل وعلا.
أما الوصية الأولى التي أوصيك بها، فإن تيسر لك طلب العلم في دار فيه والداك، فإياك ثم إياك أن يفارق سوادك سوادهما.
إن من أعظم الأسباب التي تنشرح بها الصدور لطلب العلم، ويوفق فيها طالب العلم في طلبه: رضى الوالدين، فلتجتهد في إرضاء والديك، فقد جاء في الحديث أن رجلاً قال: (يا رسول الله: أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد -أي: أن ألازمك، يريد طلب العلم والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم- قال: أحية أمك؟ قال: نعم، قال: فالزم رجلها فإن الجنة ثَمَّ).
فالزم رجل والديك إذا كان العلماء في بلدك، وإياك أن تفكر في طلب العلم في مكان ليس فيه والداك، إلا إذا تعين عليك ذلك، ولم تجد أحداً في المكان الذي أنت فيه.
وقد كتب بعض العلماء ترجمته، وكان رحمة الله تعالى عليه آية في العلم والعمل، موفقاً حتى في كثير من المسائل والنوازل والفتاوى التي كان يفتي فيها، فقال: لا أعلم عملاً صالحاً بعد الإيمان وفقني الله فيه حتى بلغت هذا العلم مثل بري بوالدي، فقد توفي أبي وهو في النزع يدعو لي بالعلم والعمل.
ولذلك أوصي طالب العلم فأقول: إذا أردت أن توفق في طلب العلم، وتوفق لكل عمل صالح بعد الإيمان، فأول ما تفكر فيه إرضاء والديك، من إدخال السرور عليهما، والحرص على الإحسان إليهما، وإسداء الخير إليهما، فتلك من أعظم المفاتيح التي ينال الإنسان بها العلم والعمل.
وكذلك أوصي والديك أن يتذكرا فضل الله عليك، وأن يكونا خير والدين حينما يعينانك على بلوغ هذه الرسالة العظيمة، وما أعظمه من شرف للوالدين حينما يتسببان في تحصيل الابن للعلم والعمل؛ إذ ورد في الحديث: (أن حافظ القرآن يؤتى بوالديه يوم القيامة فيلبسان تاج الكرامة)، إكراماً لحافظ القرآن، فكيف بمن حفظه وعلمه وعمل به وعلم الناس؟!! فلذلك أوصي الوالدين أن لا يزهدا في هذا الخير العظيم، فما الذي ينتظران من الأبناء غير أن يكونوا لهما خلفاً صالحاً، ولو لم يكن في العلم إلا أن العالم يأتيه السائل وقد ضاقت عليه الدنيا فإذا أجابه يكون من دعائه له: رحم الله والديك لكفى بها نعمة.
وهذا يدل على شرف العلم وبركة العلم وفضله، حتى على والدي الإنسان، فنسأل الله العظيم أن يشرح صدرهما لإعانتك على بلوغ هذه الغاية النبيلة، وتحصيل هذا المقام العظيم، والله تعالى أعلم.
(1/13)
________________________________________
توجيه قول سفيان: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)

السؤال
ما توجيهكم للقول المنسوب إلى سفيان: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)؟

الجواب
قول سفيان رحمة الله عليه: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله) هذه العبارة من أصح الأقوال في توجيهها: أن الإنسان في بداية طلب العلم يأتيه نوع من الغرور، ونوع من الطفرة، وهذا معروف ومألوف، فإذا تمكن العلم من قلبه كسره خشية لله جل جلاله.
ولذلك كانوا يعرفون كون هذا العلم يقرب إلى الله، أو يبعد عن الله على مقدار زيادة الخشوع في القلب، فإذا وجدوا هذا العلم يزيد من الخشية والخشوع عرفوا أن العلم لوجه الله جل جلاله، وأنه يزيد العبد قرباً إلى الله.
فقوله: (تعلمنا العلم لغير الله) أي: تعلمنا العلم وكان في النية ما كان من دخن بسبب غرور العلم، فالناس تنظر إليك طالب علم تحمل كتابك، ويمدحون الإنسان ويمجدونه فيدخله الدخن.
وقوله: (فأبى أن يكون إلا لله)، أي: لما تعمقنا فيه، ودخلت آيات الكتاب إلى القلوب، وعمرت بها القلوب انكسرت تلك القلوب لله جل جلاله، والعلم يكسر صاحبه لله سبحانه وتعالى، ويزيده خشية وخوفاً، كما قال الإمام أحمد: (أصل العلم خشية الله)، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا العلم.
وهذا العلم الموجب للخشية هو ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميراث العلماء والصلحاء والأخيار والأئمة المهتدين، فهم ورثوا العلم الذي يزيد من خشية الله جل جلاله.
فقوله: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)، أي أنه صاغهم لطاعة الله ومرضاته، حتى خلصت قلوبهم من شوائب الغرور، ونحو ذلك مما يكون لطالب العلم في بداية طلبه، والله تعالى أعلم.
(1/14)
________________________________________
حكم انتقال المرأة من بيت زوجها في عدة الوفاة

السؤال
امرأة مات زوجها وهي في عدة الحمل، وتريد الخروج من بيت زوجها لمرضها، ولعدم وجود من يرعاها، مع العلم بأنه قد توفي لها مولودان من قبل، فهل يجوز خروجها إلى بيت أحد محارمها؟

الجواب
أولاً أهنئ هذه المرأة؛ لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (جاءت امرأة فقالت: يا رسول الله: ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا يوماً، فجعل لهن يوماً صلوات الله وسلامه عليه، فلما اجتمعن قال: ما منكن من امرأة تقدم بين يديها ثلاثة إلا كانوا لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: واثنين يا رسول الله؟ فسكت، فقالت: واثنين يا رسول الله؟ قال: واثنين واثنين واثنين) فأسأل الله أن يجعل ما قدمته هذه المرأة حجاباً لها من النار.
أما الأمر الثاني: فأوصيها أن تحتسب الأجر في طاعة الله جل وعلا بلزوم بيت الزوج، فقد قال صلى الله عليه وسلم لـ فريعة بنت مالك بن سنان رضي الله عنها لما سألته عن حدادها: (امكثي في بيت زوجك الذي جاءك فيه نعيه حتى يبلغ الكتاب أجله).
فالمرأة تمكث في بيت الزوج في الحداد، فإن كانت مريضة يستدعى لها من يعالجها، فإن تعذر ذلك خرجت للعلاج ولا حرج عليها ثم ترجع؛ لأن ما جاز لحاجة يقدر بقدرها، فلذلك تمكث هذه المرأة في بيت زوجها حتى يبلغ الكتاب أجله، ولله الحكمة البالغة في هذا الحداد، فإن المرأة إذا مكثت في بيت زوجها تذكرته فترحمت عليه، ودعت له، واستغفرت له، وكان ذلك أدعى لسماحها عن أخطائه، وما كان منه من تقصير.
فمقصود الشرع من بقائها في هذا المكان أن يكون أدعى لترحمها، وهو حق الأزواج على أزواجهن، فكون كثير من النساء يتساهلن في هذا الحق، ويحرصن على الخروج هو خلاف السنة، وخلاف الهدي، فينبغي الحرص على هذا الأمر الذي شرعه الله تبارك وتعالى.
وأما إذا بلغ بالمرأة مقام الاضطرار، كأن تكون في مكان لا تأمن فيه أن تؤذى من الناس في عرضها، أو تقتل، أو يحصل لها ضرر في نفسها، أو أولادها فيجوز لها أن تتحول، واختلف العلماء في تحولها، فقال بعض العلماء: تتحول إلى أقرب مكان من قرابتها، وقال بعض العلماء: إذا إذن لها بالتحول ساغ لها أن تتحول لبيت بعيد مع وجود القريب، والله تعالى أعلم.
(1/15)
________________________________________
حكم النوم بعد صلاة الفجر والعصر

السؤال
ما رأيكم في طالب العلم الذي ينام بعد صلاة الفجر؟

الجواب
كان السلف يكرهون النوم بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، حتى إن الإمام أحمد رحمة الله عليه كان يكره النوم بعد العصر، وقال: كانوا يخافون على عقل الإنسان، وذكروا عن رجل أنه حذر أخاه من النوم بعد صلاة العصر، فقال له: إني أخشى على عقلك، فقال له رجل مجنون: لا تصدقه، فإني ما تركتها.
يعني هذه النومة.
فالنوم بعد صلاة العصر لا يمدحونه، وما بعد الفجر قيل: إنها ساعة البركة، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بورك لأمتي في بكورها) فإذا كان عندك بحث، أو رسالة أو طلب علم، وبكرت وابتكرت وجدت خيراً كثيراً، وهكذا لو كانت عندك أعمال من الدنيا.
وما محقت البركة في كثير من أعمال الناس وأوقاتهم إلا بسبب إضاعة البكور، لكن إذا كان قواماً لليل، ويريد أن ينام بعد صلاة الفجر حتى يكسب أعماله في النهار فلا حرج والأمر واسع.
وفي التحذير من النوم بعد العصر حديث ضعيف عن عائشة رضي الله عنها رواه ابن ماجة: (من نام بعد صلاة العصر فأصيب في عقله فلا يلومن إلا نفسه) ولكنه حديث ضعيف، كما نبه على ذلك ابن الجوزي وغيره، وهو حديث غير معتبر، والأصل الجواز حتى يدل الدليل على المنع، لكن قالوا: إن النوم في هذين الوقتين مكروه لما فيه من تفويت البركة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في نوم الصبح، وكذلك أيضاً قالوا: بعد العصر لا يحمد للإنسان منامه، والله تعالى أعلم.
أما طالب العلم إذا كان يسهر في تحصيل العلوم والمنافع وينام بعد صلاة الفجر، فهذا رأيي فيه أنه ذكي؛ لأن الناس في النهار يشغلون عن طلب العلم، فإذا سهر ليله في تحصيل العلوم وضبط العلوم، ونام النهار، فهذا على خير كثير.
وأما بالنسبة للنوم على سبيل الكسل والخمول، فهذا لا شك أنه يدل على ضعف الهمة وقصورها، والأفضل والأكمل للإنسان أن يحرص على قضاء هذا الوقت في طاعة الله تعالى، كأن يجلس بعد صلاة الفجر إلى الإشراق، فتكون له حجة وعمرة تامة تامة تامة، والله تعالى أعلم.
(1/16)
________________________________________
حكم حج من داعب زوجته دون جماع بعد التحلل الأول

السؤال
تحللت التحلل الأول، وبقي عليّ الطواف والسعي، وقبل أن أقوم بتكملة هذا الركن، كنت أداعب زوجتي بدون جماع ولا إنزال، فهل عليّ شيء؟

الجواب
إذا لم يحصل الإنزال، فإن الحج صحيح، وليس عليك شيء؛ لأنه ليس هناك موجب للفدية، والأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها، والله تعالى أعلم.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
(1/17)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - المقدمة [2]
من عادة السلف رحمهم الله في كتابة الكتب أنهم يبدءون بحمد الله عز وجل والثناء عليه سبحانه، ومن ثم يفصلون بين المقدمة والمضمون بقولهم: أما بعد، والمقدمة لا بد أن تكون مشتملة على التعريف بالكتاب، وبيان منهج الكتاب، ثم تختم بالثناء على الله عز وجل وسؤاله المدد والعون.
(2/1)
________________________________________
معنى الحمد ومشروعية الاستفتاح به وبيان الفرق بينه وبين الشكر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد].
هذه مقدمة المصنف رحمه الله لهذا الكتاب المبارك -أعني: زاد المستقنع- يبدؤها رحمه الله بقوله: [الحمد لله]، ومن عادة أهل العلم رحمهم الله أنهم إذا أرادوا التأليف أو التصنيف، أو أرادوا الخطابة أو الكتابة صدروا ذلك بحمد الله جل وعلا.
ولهم في ذلك دليل من الكتاب والسنة: أما دليل الكتاب فإن الله تبارك وتعالى استفتح كتابه المبين بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، فاستفتح أفضل الكتب وأشرفها وأجلها على الإطلاق وهو القرآن بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة:2].
قال بعض العلماء: في هذا دليل على أنه يشرع استفتاح كتب العلم بحمد الله جل وعلا.
وأما دليل السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح خطبه بقوله: (إن الحمد لله)، وثبتت الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام في مواعظه المشهورة، أو كلماته المعينة التي وقعت في المناسبات بما يحكيه الرواة عنه بقولهم: (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال).
وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية استفتاح الكتب ونحوها بحمد الله جل وعلا، والمناسبة في ذلك: أن الله جل وعلا هو المستحق للثناء، وما كان العبد ليعلم أو يتعلم لولا أن الله علمه، وما كان ليفهم لولا أن الله فهمه، فيستفتح بحمد الله الذي شرفه وكرمه كما قال: {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:5].
وقالوا: كما أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الخطب بالحمد فيشرع استفتاح الكتب بالحمد؛ لأن الخطبة والكتاب كل منهما هدفه واحد، وهو الدلالة والدعوة إلى الله.
فكما أن المراد من خطبه عليه الصلاة والسلام توجيه الناس ودلالتهم على الخير، كذلك هو المراد من كتابة الكتب وتأليف المؤلفات.
فلهذا كله شرع في كتب العلم ورسائل العلم والخطب والندوات ونحوها مما فيه تعليم وتوجيه أن تُستفتح بحمد الله، لما فيه من تعظيم الله جل وعلا، ولما فيه من الاعتراف بالجميل والثناء على الله العظيم الجليل.
(2/2)
________________________________________
معنى الحمد والفرق بينه وبين الشكر
قوله رحمه الله تعالى: [الحمد لله].
الحمد في اللغة: الثناء، وقد أطبق على ذلك العلماء في تعريفه, يقال: حمد الشيء، إذا أثنى عليه.
والمراد بالحمد في اصطلاح العلماء هو الوصف بالجميل الاختياري على المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد أو غيره، فقولهم: (الوصف بالجميل الاختياري)، هو كأن تقول: محمد كريم، شجاع، فاضل، فوصفته بجميل لو سئل إنسان عنه لقال: سئل فلان عن محمد فحمده، أو ذكر أوصافه المحمودة.
وقولهم: (على المنعم)، أي: الذي أعطى النعمة وهو الله جل وعلا، أو المخلوق بعد فضل الله جل وعلا.
والفرق بين الحمد والشكر عند العلماء أن الحمد أعم بالأسلوب وأخص من جهة السبب، والشكر أعم من جهة السبب وأخص من جهة الأسلوب أو الوسيلة.
فالحمد إنما يكون باللسان فهو أخص من حيث الآلة، والشكر أعم منه؛ لأن الشكر يقع باللسان ويقع بالجنان ويقع بالجوارح والأركان.
أما باللسان فمنه قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:11]، لأن الحديث عن النعم شكر للمنعم.
وأما بالجنان، فمنه قوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ} [النحل:53] أي اعتقدوا أنها من الله، فمن شكرك لنعمة الله أن تعتقد في قرارة قلبك أن الله أنعم بها عليك، وأما الشكر بالجوارح والأركان فأن تعمل بجوارحك ما ترد به جميل المنعم، ومنه قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ:13].
فهذه ثلاثة أنواع من الشكر، تشكر بلسانك فتثني على الذي أعطاك الجميل وأسدى إليك النعمة بعد الله، وتشكر بجنانك بأن تعتقد فضله، وتشكر بجوارحك وأركانك برد الجميل إليه، أو فعل ما يرد إحسانه إليه.
وأما الحمد فلا يكون إلا باللسان، ولكنه من جهة السبب أعم من الشكر، فتحمد الإنسان مطلقاً سواءٌ أعطاك نعمة أم لم يعطكها، فتقول: فلان كريم، وإن لم يعطك شيئاً، فأثنيت عليه وحمدته لهذه الخصلة الطيبة فيه.
فالحمد لا يستلزم وجود فضل للمحمود على الحامد، بخلاف الشكر، إذ إنما يكون بعد جميل ونعمة، فلا تشكر إلا من أحسن وأسدى إليك المعروف.
إذاً الفرق بينهما أن الحمد من جهة التعبير أخص ومن جهة السبب أعم، والشكر من جهة التعبير أعم ومن جهة السبب أخص.
قال العلماء رحمة الله تعالى عليهم: استفتح الله كتابه بـ (الحمد لله)، فاختار اسم (الله) ولم يقل: (الحمد للكريم) ولا (للعظيم) وهو وإن كان حمداً للعظيم والكريم، ولكن تخصيص الاسم الدال على الذات أبلغ في الحمد والثناء من ذكر الوصف؛ لأنك لو قلت: الحمد لله الكريم، لأشعر أنك حمدته من أجل أنه كريم، ولكن لما قلت: الحمد لله، أثبت له الحمد لذاته سبحانه وتعالى فكان أبلغ.
قوله رحمه الله تعالى: [حمداً لا ينفد].
أي: أحمده حمداً لا ينتهي ولا ينقطع، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان: (إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد)، وفي رواية: (لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض ... ) إلى أن قال: (أهل الثناء والمجد) أي: يا الله أنت أهل أن يثنى عليك، فالله هو المستحق للحمد الذي لا ينفد؛ لأن نعمه لا تنقطع ولا تنتهي ولا تنقطع عن العبد، وهو لا يستطيع عدها فضلاً عن شكرها والثناء على الله عز وجل بما هو أهله.
قوله: [أفضل ما ينبغي أن يحمد].
أفضل على وزن أفعل، والعرب تأتي بهذه الصيغة للمفاضلة فتقول: فلان أكرم، فلان أحسن، فلان أعلم، وهذه الصيغة تدل على أن الاثنين اشتركا في وصف أحدهما أعلى من الآخر فيه، فقوله: [أفضل] يعني أن الحمد يفضل، والفضل الزيادة، أي أن هذا الحمد فرق بينه وبين حمد غير الله جل وعلا أنه يفضل كل حمد، أو أنه حمد يفضل حمد غيره لله جل وعلا.
(2/3)
________________________________________
بيان معنى الصلاة والآل ومعنى العبادة
قوله رحمه الله تعالى: [وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد].
الصلاة تطلق في اللغة على معانٍ، فتأتي بمعنى الدعاء، ومنه قول الشاعر: تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي عيناً فإن لجنب المرء مضطجعا يقول الشاعر: إن ابنتي حينما هيَّأت رحلي للسفر قالت: يا رب جنب أبي الأوصاب والوجع، أي أنها دعت له بالسلامة، فأجابها بقوله: عليك مثل الذي صليت، أي: عليك مثل الذي دعوت، وهو موضع الشاهد من البيت؛ فإنه استعمل الصلاة بمعنى الدعاء.
ومنه قول الحق تبارك وتعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة:103] أي: إذا أعطوك الزكاة يا رسولنا -عليه الصلاة والسلام- فصل على من أعطاها لك، ولذلك قال العلماء: يسن لنائب الإمام الذي يلي أخذ الزكاة من الناس إذا أعطوها أن يدعوَ بالبركة والخير في أعمالهم، فقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة:103] أي: ادع لهم، فالصلاة تطلق بمعنى الدعاء.
وتأتي الصلاة بمعنى الرحمة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56] أي أن الله يرحمه، وصلاة الله على العبد رحمته.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم صل على آل أبي أوفى) أي: ارحمهم، وقيل: (بارك لهم في مالهم)، وهو حديث في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
ومنه قول الشاعر: صلى المليك على امرئ ودعته وأتم نعمته عليه وزادها أي: رحم الله ذلك العبد، أو ذلك الأخ الذي ودعته.
فقوله: [وصلى الله] أي: على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، والمراد به الترحم؛ لأن الصلاة من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هي الرحمة.
قوله: [وصلى الله وسلم]: جمع المصنف بين الصلاة والسلام، والسلام إما مأخوذ من السلامة من الآفات، وإما أن يراد به التحية.
قال بعض العلماء: قول الإنسان: السلام عليكم.
أي سلمكم الله من الآفات والشرور وهي التحية، ووصفت التحية بكونها تحية؛ لأن الإنسان إذا حيَّا غيره دعا له بما يوجب طول بقائه في الحياة، فإذا قلت: السلام عليكم، فمعنى ذلك: سلمكم الله من الآفات.
وإذا سلم العبد من الآفات طال عمره وبقي زمناً أكثر مما لو أصابته، ولذلك يقولون: السلام من السلامة، وهو اسم من أسماء الله جل وعلا كما في آية الحشر.
فجمع المصنف بين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه؛ لأنها من أكمل الصفات.
قال بعض العلماء: أدب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع فيها بين الصلاة والسلام، والدليل على ذلك.
أن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] فجمع له بين الصلاة والسلام عليه أفضل الصلاة والتسليم.
قال رحمه الله تعالى: [وعلى آله وأصحابه ومن تعبد].
قوله: [وعلى آله] الآل تطلق على معنيين: الأول: آل الرجل بمعنى قرابته، قالوا: وأصل آل: أَهْلٌ، وهو قول سيبويه رحمه الله تعالى.
الثاني: تطلق بمعنى الأنصار والأعوان والأتباع وشيعة الإنسان، تقول: آل فلان؛ بمعنى أتباعه، وهذا هو المراد بقول العلماء: وعلى آله، وهذا هو الصحيح، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله، واختاره جمع من العلماء، فالمراد بآل النبي صلى الله عليه وسلم الذين يصلى عليهم ويسلم تبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم إنما هم أتباعه في كل زمان ومكان.
لكن قوله: [وعلى آله وأصحابه ومن تعبد] يؤكد غير هذا المعنى، فإن قوله: [ومن تعبد] يدل على أن المراد بالآل هم الأهل؛ لأنه قال بعد ذلك [ومن تعبد]، والمراد به من سار على نهجه عليه الصلاة والسلام، فإذا كان المريد بالآل الأهل، يكون قوله: [ومن تعبد] من باب عطف الشيء على الشيء.
لكن يمكن أن يقال: إن المراد بقوله: [وعلى آله] أي: أتباعه وأنصاره، وقوله: [ومن تعبد] من باب عطف الخاص على العام، أي أنه خص المتعبدين الذين هم أكثر عبادة وصلاحاً.
وهذا من باب التشريف والتكريم؛ لأن العرب تعطف الخاص على العام، مثل قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر:4] والروح: جبريل عليه السلام، فقوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) يدخل فيهم جبريل، لكنه تعالى لما قال: (والروح) نص على الروح تشريفاً وتكريماً وتنبيهاً على علو مقامه ودرجته.
وقوله: [تعبد] أي: تفعّل العبادة، والتفعّل زيادة، والزيادة في المبنى تدل على زيادة المعنى، والتعبد مأخوذ من العبادة، والعبادة مأخوذة من قولهم: طريق معبد، أي: مذلل؛ لأن أصل العبودية: الذلة، فإن الإنسان إذا عبد ربه تذلل له، أما حقيقة العبادة في الاصطلاح فأجمع التعاريف لها ما اختاره جمع من المحققين ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
فهي شاملة لأعمال القلوب كحب الله، وخشية الله، والإيمان به، واعتقاد فضله سبحانه وتعالى، والخوف منه، والرجاء فيما عنده، فإن هذه كلها من أعمال القلوب الباطنة.
والأقوال كالتسبيح والتهليل والتكبير.
والأفعال كالركوع والسجود والذبح، ونحو ذلك، فالعبادة تشمل الأقوال والأفعال والاعتقادات لكن بشرط أن تكون مما يحبه الله ويرضاه.
وشرط ما يحبه الله ويرضاه أن يكون مشروعاً، فلا يُعبد الله إلا بما شرعه، فلا يُعبد بأهواء ولا آراء، ولكن يُعبد بنصوص الكتاب والسنة التي دلت على مشروعية ذلك العمل قولاً كان أو فعلاً أو اعتقاداً.
قال رحمه الله تعالى: [أما بعد].
هذه كلمة يؤتى بها للفصل بين المقدمة والمضمون، فإذا خاطب الإنسان غيره بكلام مكتوب أو مسموع فإن من عادة الناس أنهم يصدرونه بالثناء على الله جل وعلا، وهذه الكلمات التي يصدر بها الكلام توصف بكونها مقدمة.
ثم بعد هذه المقدمة من ثناء العبد على ربه عز وجل، وصلاته على نبيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه يشرع في المقصود، أي: الأمر الذي يريد الكلام عنه بالخطابة أو الكتابة.
ولذلك قال بعض العلماء: إن (أما بعد) هي فصل الخطاب، وقد قيل: إن أول من تكلم بها داود عليه السلام، وحملوا عليه قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:20] قالوا: بدليل قرنها بالحكمة وفصل الخطاب، أي: الفصل بين مقدمته ومضمونه، وذلك أبلغ في نفع الناس وتوجيههم، وأن لا يختلط الكلام بعضه ببعض، وهذا قول الشعبي وطائفة من المفسرين رحمهم الله تعالى.
والصحيح أن فصل الخطاب هو القضاء بين الناس في الخصومات والنزاعات، وأن قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:20] ليس المراد به (أما بعد)، وإنما المراد به -كما قال طائفة من العلماء- معرفة الطريقة التي يفصل بها بين خطاب الخصوم إذا تخاصموا؛ لأن الخصوم إذا تخاصموا اختلفت أقوالهم، وتباينت آراؤهم، فيحتاج إلى فصل، قالوا: فصل الخطاب قولهم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وقيل: من فصل الخطاب أن يترك المدعي حتى يكمل دعواه، ثم يسأل المدعى عليه، ولذلك لما عجل داود عليه السلام وحكم وقال: (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) عاتبه الله تعالى.
وهذه الكلمة -أي: أما بعد- سنها النبي صلى الله عليه وسلم، وثبتت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أما بعد: فما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله) فكان يقول: (أما بعد) ولذلك كان من السنة أن تقال هذه الجملة.
وقد يكررها بعض المتكلمين فيقول: (أما بعد)، ثم يأتي بكلمة ثم يقول: (ثم أما بعد)، والذي يظهر هو الاقتصار على السنة، بأن يثنى على الله تعالى ويحمده، حتى ينتهي الثناء والحمد ثم يقول: (أما بعد) ويدخل في المقصود، فتكرارها لا يحفظ له أصل، والأبلغ في التأسي الاقتصار على الوارد، خاصة في خطب الجمعة ونحوها.
(2/4)
________________________________________
طريقة الأولين في كتابة المقدمات وبيان معنى الاختصار والفقه
قال رحمه الله: [فهذا مختصر في الفقه].
أي: هذا الكتاب الذي بين أيدينا مختصر في الفقه، كلمة [هذا] لها حالتان: الحالة الأولى: تكون إشارة إلى شيء موجود.
الحالة الثانية: أن تكون إشارة إلى شيء غير موجود نزل منزلة الوجود.
ومن عادة المتقدمين أنهم كانوا يكتبون المقدمات قبل كتابة الكتاب، فقد كانوا علماء وأئمة وجهابذة، لا يضع أحدهم قلمه إلا وهو أهل لأن يخط بذلك القلم.
ولذلك تجد في بعض الكتب القديمة من يقول: هذا أوان الشروع فيه، وتجد من يقول: وأسأل الله تعالى أن يعين على إتمامه.
فالإشكال عند العلماء في قول المصنف: [فهذا] وهو غير موجود، فقالوا: هو إشارة لصيغة موجودة، فنزَّل غير الموجود منزلة الموجود، فلذلك قال: (فهذا مختصر)، أي: الذي سأكتبه بمعونة الله وتوفيقه من وصفه كذا وكذا وأنه مختصر.
والاختصار: ضد الإسهاب، فإذا خاطبت الناس في خطبة، أو كتبت لهم كتاباً، أو أردت أن تتحدث في موضوع فلك ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون كلامك أكثر من المعنى.
الحالة الثانية: أن يكون كلامك أقل من المعنى.
والحالة الثالثة: أن تأتي بكلام على قدر معناه.
فإذا كان الكلام كثيراً والمعنى قليلاً فإنه يوصف بكونه إطناباً، ولذلك يقولون: أطنب في الأمر، ولا يكون إلا للعوام الذين يحتاجون إلى شرح.
أما إذا خاطب إنسانٌ علماء أو طلاب علم فالذي ينبغي أن يكون على إحدى حالتين: فإما أن يخاطب بكلام مقارب للمعنى، وهو الذي يسمونه خطاب المساواة، وإما أن يكون المعنى أكثر من الكلام، وهذا يسمونه الإيجاز والاختصار، وهذا من أبلغ ما يكون؛ لأنه يدل على عقلية المتكلم، وكذلك عقلية الكاتب.
وكانوا يقولون: من ألَّف فقد عرض عقله في طبق، فإن كان الكتاب قليل الكلام كثير المعاني دل ذلك على علمه وفضله ونبله وأنه أهل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: (وأوتيت جوامع الكلم)، فقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) يندرج تحته ما لا يقل عن مائة وخمسين مسألة، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6]، يتفرع عنه ما لا يقل عن مائة مسألة، وذكر الإمام ابن العربي: أنه اجتمع علماء فاس فذكروا فيها ثمانمائة مسألة من وجوه البلاغة والأحكام وغيرها.
والاختصار يدل على عقلية الإنسان؛ لأنه لا يختصر الكلام إلا من يعرف الألفاظ التي يخاطب بها الناس ومدلولات الألفاظ، فيتخير ما يدل على الاختصار، أو ما يتضمن الاختصار، فقول المصنف: [فهذا مختصر] دل على النوع الثالث وهو الاختصار.
ومن منهج العلماء رحمهم الله تعالى في الكتب التي تسمى بالمتون الفقهية أنهم يصوغون الفقه في أقل العبارات، فقد تستطيع أن تشرح السطر الواحد في صفحات.
فإذا قيل: (مختصر) يفهم من ذلك أن الكلام قليل ولكن المعنى كثير وجزيل.
قوله: [في الفقه] الفقه هو: الفهم، تقول: فقهت المسألة إذا فهمتها، وقال بعض العلماء: الفقه: الفهم مطلقاً، وقال بعضهم: بل يكون للأمر الذي يحتاج إلى دقة في الإدراك والتصور، فلا تقل: فقهت أن الواحد نصف الاثنين، ولكن يقال الفقه في الأمر العظيم، أي: المسألة التي تحتاج إلى تركيز.
وقيل: إن الفقه في اللغة عام.
وقيل: إنه خاص.
ومنه قوله تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:27 - 28] أي يفهموه.
أما الفقه في الاصطلاح فهو العلم بالأحكام الشرعية المستفادة من أدلتها التفصيلية.
والعلم: ضد الجهل، وحقيقته: إدراك الشيء على ما هو عليه، فإذا أدركت الشيء على حقيقته التي هي عليه فقد علمته، أما لو أدركته ناقصاً عن حقيقته فإنك لم تعلمه على الحقيقة.
وقولهم: (العلم بالأحكام) الأحكام: جمع حكم، والحكم: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.
وقولهم: (إثبات أمر لأمر) كأن تقول: زيد قائم، فإنك أثبت القيام لزيد وحكمت عليه بالقيام، وإن قلت: زيد ليس بقائم، فقد حكمت عليه بأنه ليس بقائم.
والأحكام في الاصطلاح هي: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الاقتضاء أو التخيير.
فقولهم: (الفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية) خرجت به الأحكام الطبيعية التي هي راجعة إلى الحكم الطبيعي العادي، وخرجت به الأحكام اللغوية والأحكام المنطقية.
وقولهم: (العلم بالأحكام الشرعية المكتسبة أو المستفادة) أي: التي حصلت واستفيدت من الأدلة الشرعية، فيشمل ذلك دليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما هو ملحق بها وجارٍ مجراها، أي: الذي دل عليه النظر الصحيح.
فالفقه يتعلق بالأحكام العملية، فيتعلق بالعبادة من صلاة وزكاة وصيام وحج، ويتعلق بالمعاملة من بيع وإجارة وشركة وهبة وقرض، وغير ذلك، فجميع هذه الأحكام توصف بكونها أحكاماً عملية بخلاف الأحكام الاعتقادية، فإن الأحكام الاعتقادية تدرس في علم العقيدة، وبين علم العقيدة والفقه ترابط، فإن الفقه طريق للاعتقاد، ولا يمكن للإنسان أن يكون فقيهاً إلا إذا كان معتقداً، أي: اعتقاد أهل السنة والجماعة.
فباب الردة باب متعلق بالعقيدة، وهو من أبواب الفقه، فإذاً لابد من الترابط بين الفقه وبين العقيدة، فالفقه فرع عن الأصل؛ لأن الإيمان لا يكمل إلا بهذه الأحكام العملية، فلا إيمان لمن لا صلاة له، ولا إيمان لمن لا يزكي، بمعنى كمال الإيمان، ولا إيمان لمن لا يصوم، بمعنى كماله كذلك، ولا إيمان لمن لا يحج، فإن أنكر الحج فقد كفر.
فمن لازم الإيمان العلم بهذه الأحكام، ولذلك قالوا: هي أحكام عملية.
(2/5)
________________________________________
أهمية التدرج في طلب العلم
قال رحمه الله تعالى: [من مقنع الإمام الموفق أبي محمد].
(مِنْ): للتبعيض؛ وهي تأتي بمعانٍ منها التبعيض، ومنها السببية كقوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} [نوح:25] أي: بسبب خطيئاتهم، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) أي: الماء الذي هو غسل الجنابة بسبب الماء وهو المني.
قوله: [من مقنع الإمام الموفق أبي محمد] هو كتاب للإمام الموفق أبي عبد الله محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمة الله عليه، المتوفى عام 620هـ في يوم الفطر.
فهذا الإمام الجليل ألف كتاباً اسمه: العمدة، صاغ فيه الفقه بأقصر عبارة، واعتبره الدرجة الأولى لطالب الفقه، ثم وضع درجة ثانية فوقه وهو المقنع، وتوسع فيه قليلاً عن العمدة، ثم وضع كتاباً ثالثاً وهو الكافي، وذكر فيه القولين إشارة إلى الوجهين، وهو فوق كتاب المقنع، ثم وضع كتابه المغني وهو النهاية لمن أراد أن يتأهل لدرجة الاجتهاد.
فهذه درجات وضعها الإمام الموفق رحمة الله عليه في دراسة الفقه، وهذه عادة المتقدمين، فإنهم يضعون الفقه على مراتب، ولا يمكن لطالب العلم أن يضبط علم الفقه ويكون فقيهاً بمعنى الكلمة إلا إذا ربط الفقه بصغاره قبل كباره، وهذا أمر مهم جداً.
فالكتاب الذي بين أيدينا هو الدرجة الثانية وهو كتاب المقنع، فليس من الصواب أن يتفقه الشخص مباشرة من المغني؛ لأنه لا يتأهل لفهمه، ولذلك لابد وأن يرجع إلى البداية، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران:79] قالوا: العالم الرباني هو الذي يربي على صغار العلم قبل كباره.
والذي ضر الآن كثيراً ممن يتصدر لطلب العلم وتعليم العلم والفقه أنه يحفظ المسائل الكبيرة قبل أن يتقن بدهيات المسائل في الفن، وتجد الطالب يأتي في الفقه يناظر في مسألة من المسائل التي لو عرضت على عالم من السلف لرعدت فرائصه من خشية الله.
وتجده بكل بساطة وسهولة يبت لك فيها القول، فعنده إلمام بأن فلاناً قال فيها وفلاناً قال فيها، ولو أخذت بيده وقلت له: ما رأيك لو توضأت ولم تتمضمض فما حكم وضوئك؟ لقال: الله أعلم.
فلذلك ينبغي العناية بهذا الكتاب الذي بين أيدينا، فإنه يعتبر الدرجة الثانية في سلم الفقه، وقد أشار بعض العلماء إليه بقوله: كفى الخلق بالكافي وأقنع طالباً بمقنع فقه عن كتاب مطول ثم جاء الإمام الحجاوي رحمة الله عليه وألغى من هذا الكتاب مسائل كما سيبين إن شاء الله، وأضاف مسائل وسماه: زاد المستقنع، وسيشير إلى منهجه، فالأصل في هذا الكتاب أنه كتاب المقنع، وقد أضيفت إليه مسائل وحذفت منه مسائل.
(2/6)
________________________________________
طرق تدوين الفقه
قال رحمه الله: [على قول واحد وهو الراجح في مذهب أحمد].
كان الفقهاء رحمة الله عليهم يكتبون الفقه على طريقتين: - طريقة المذاهب.
- وطريقة الخلاف بين المذاهب.
أما طريقة المذاهب فهي طريقة يعتنى فيها ببيان خلاصة المذهب دون تعرض لخلافه، وهذه طريقة المتون، وهذا هو منهج الكتاب الذي معنا، أو يذكر الخلاف في المذهب فيقول: في المذهب أربع روايات، فإن ذكر الخلاف في المذهب، فإما أن يذكره عن الإمام بالروايات، وإما أن يذكره عن أصحاب الإمام بالأوجه في المذهب.
فلو قال: في المذهب وجهان، أي أن أصحابه اجتهدوا في تخريج هذه المسألة على رواياتهم، أو على أصول مذهبهم فاختلفوا فيها على وجهين أو ثلاثة أو أربعة.
فكتب المذهب إما أن تعتني بحسم المذهب بذكر الخلاصة، وإما أن تعتني ببيان الخلاف داخل المذهب، فبيّن ابن قدامة رحمه الله تعالى الخلاصة في المقنع، وبيّن الخلاصة في العمدة، وذكر الخلاف في الكافي، وذكره بإسهاب مقارناً بين المذاهب في المغني فيقول: عندنا روايتان: الأولى كذا والثانية كذا.
ثم يقول: الأولى: لا يجوز، رواها -مثلاً- الإمام علي بن سعيد عن الإمام أحمد رحمة الله عليه وبها قال الشافعي وأبو ثور وفلان وفلان، والثانية يجوز، وقال بها مالك وفلان وفلان وفلان.
(2/7)
________________________________________
المسائل النادرة والموقف منها
قال رحمه الله تعالى: [وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع]: (رُب): للتقليل، وقد تستعمل بمعنى التكثير ولكن الأصل فيها التقليل.
وقوله: [ربما حذفت] الحذف يكون بقصد الاختصار، وقد يحذف الكلام لعدم وجود الفائدة منه.
قوله: [مسائل نادرة الوقوع].
النادر: ضد الغالب، والنادر هو الأمر قليل الحدوث، والغالب عكسه.
والمسائل الفقهية النادرة إما نادرة في زماننا كثيرة في زمانهم، وإما نادرة في زمانهم كثيرة في زمان غيرهم.
وإما نادرة في زمانهم وزماننا ولم تحدث بعد.
واعلم رحمك الله أن لمز العلماء بالمسائل النادرة من الخطأ بمكان إلا في مسائل مخصوصة فقط يردها علماء جهابذة لهم علم وإدراك، ويعرفون أن هذه المسألة لا طائل تحتها كما يقولون: (مسألة طويلة الذيل قليلة النيل).
فقولهم: (طويلة الذيل) أي: الكلام فيها كثير، و (قليلة النيل) أي: قليلة الفائدة والثمرة، هذا معنى، فإذا قال عالم جهبذ: هذه المسألة طويلة الذيل قليلة النيل قبلنا قوله، أما أن يأتي إنسان ضعيف البضاعة في العلم ليس عنده بلاء الفقيه، وما يتعرض له من مسائل ومعضلات فينكر عليهم ذكرهم هذه المسائل ويشنع عليهم فلا.
والعلماء رحمهم الله ذكروا المسائل النادرة لأسباب، منها: أولاً: بيان قواعد تفرعت عليها هذه المسائل النادرة، ولذلك تجدهم يقولون: ويتفرع على هذا مسألة كذا وكذا، وتكون نادرة الوقوع، وإنما ذكر العلماء هذه المسألة النادرة الوقوع تفريعاً على هذه القاعدة؛ لأنه علم ولا يجوز كتمان العلم.
حتى إنهم من ورعهم رحمة الله عليهم ذكروا أقوالاً ضعيفة لا يعول عليها، ويقولون: ذكرناها من باب عدم كتمان العلم، وينبهون على ضعفها.
كل ذلك كان عندهم من الورع، فإنهم كانوا يخافون أن يموت أحدهم وفي قلبه هذه المسألة، فذكر المسائل النادرة غالباً ما يكون في الفروع، فتكون متفرعة إما على حكم أو على دليل أو قاعدة.
وقد طرأت الآن مسائل جديدة عصرية وخُرِّجَت على تلك المسائل النادرة، حتى إنني كنت في بحث الجراحة الطبية تمر بي مسائل غريبة، وأجتمع مع بعض الأطباء وبعض طلاب العلم، وتكون هناك مسائل فعلاً ذكرها العلماء وفرعوها ويكون من السهولة بمكان تخريج المسائل الجديدة عليها؛ فرحمة الله على تلك الأفهام وعلى تلك العقول التي نصحت للأمة.
فليكن كل إنسان على علم بأنهم -كما نحسبهم ولا نزكيهم على الله تعالى- ما كانوا يحبون الشهرة، ولا تحسبن أنه من العبث والفراغ والترف الفكري ذكر هذه المسألة في كتابه، حاشا وكلا، فهم أرفع -والله- بكثير من هذا كله، فلا ينبغي التشنيع في المسائل النادرة، فإن كان زمانك في غنىً عنها فليأتين زمان يحتاج إليها.
ثانياً: قد تذكر المسائل النادرة للتفريع، والفوائد التي يستفاد منها: أنه في بعض الأحيان تكون المسألة في باب الطهارة وهي من غرائب المسائل، وتكون مفرعة عليها مسألة في باب الأطعمة أو في باب النكاح، فمن ميزة فقه المتقدمين -وهذا معروف بالاستقراء والتتبع- أن الفقه عندهم كالبناء مبني بعضه على بعض، وأدلته التي يستدلون بها قل أن تجد واحداً منهم يتناقض فيثبتها في مكان وينقضها في آخره، بل تجده إذا قال مثلاً: أعتبر الدليل الفلاني فيعتبره في العبادات والمعاملات، وإذا قال: أعتبر القاعدة أو الأصل الفلاني يعتبره في العبادات والمعاملات، بينما تجد اليوم الشخص متناقضاً يبني على قاعدة ثم يهدمها.
فمن ميزات ذكر المسائل الفريدة أنه قد يحتاج إلى تخريجها في مسائل هي مذكورة في العبادة، لكنها تتفرع على مسائل في المعاملة، فقد يتفرع -مثلاً- على جلد الكلب هل هو نجس أو طاهر.
ذكرت هذه المسألة الغريبة في جلد الكلب؛ لأنه يتفرع عليها جواز بيع حذاء صنع من هذا الجلد، فإنه يحكم بطهارته ثم يحكم بجواز بيعه، فيخرج من باب تحريم النجاسات على القول بنجاسة عين الكلب.
ومن ذلك قولهم: لو حمل إنسان نجاسة في جيبه؛ إذ ما كان يتصور في الزمن القديم أن إنساناً عاقلاً يضع فضلته من بول أو غائط في إناء ثم يصلي بها، والآن ما أكثر من في المستشفيات من تجرى لهم الجراحة، ويوضع لهم الكيس المعروف الذي فيه فضلة الإنسان.
فرحمة الله على أولئك العلماء، ولكن لا ينبغي لنا التشنيع، فإن وجدنا فائدة من المسألة فالحمد لله، وإن لم تجد فَعِلم زادك الله تعالى إياه.
فعلى العموم: ينبغي التأدب مع أهل العلم، وأقول هذا لأنه بلغ ببعض طلاب العلم أن يشنع حتى في بعض المسائل الموجودة، ولذلك أقول: لا يشنع في الفقه مسألة إلا إذا شنع عالم وإمام ضابط يعلم أن هذه المسألة لا فائدة فيها فكن له متبعاً، أما أنت بفهمك مع ضعفك في مادة الفقه والعلم فلا تستعجل بالكلام على المسائل.
فالمسائل النادرة هي: المسائل التي يقل وقوعها، وهي عند العلماء على ضربين: ضرب منها يقل وقوعه ويندر، وليس فيه ذاك البلاء الذي يحتاج فيه لها، ومسائل يندر وقوعها لكن تعظم بلواها فيحتاج إلى معرفة حكم الله تعالى فيها، كمسائل في السهو وهي نادرة، ولكن قد يصلي الرجل بآلاف ويسهو فتعظم بلواه.
قال رحمه الله: [وزدت ما على مثله يعتمد].
أي أنني سأزيد بدل هذه المسائل التي حذفتها مسائل على مثلها يعتمد، إما أنَّ (يعتمد) بمعنى أنها مسائل محررة لا خلاف فيها في المذهب، فمراده اعتماد في المذهب، أو يعني أنها مسائل تكثر لها الحاجة ويكثر لها الطلب.
(2/8)
________________________________________
بيان سبب التصرف في المقنع بالحذف والزيادة
قال رحمه الله: [إذ الهمم قد قصرت والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت].
إذا كان هذا في زمانه رحمة الله عليه فكيف في زماننا؟ فنسأل الله تعالى أن يلطف بالحال، وإن شاء الله تعالى لا يزال الخير موجوداً.
والهمم: جمع همة، وذلك بأن يكون الشيء في قلب الإنسان حديثاً ووسواساً يخطر على الإنسان ويحدث به نفسه، فإذا حدث نفسه اهتم به، فالهم يكون بعد الخاطر والهاجس، ويكون بمعنى تهيؤ الإنسان للعمل، ثم يأتي بعد ذلك عزمه.
ولا شك أن قوة الإنسان في همته، ومن كانت عنده همة حَصَّل المراد، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (أسألك العزيمة على الرشد) ولذلك فكم من خير تعلمه وتعرفه ولكن لا تستطيع أن تفعله.
فقيام الليل كم فيه من الفضل والخير، وصيام النهار كم فيه من الفضل والأجر، ولكن من يهم ويعمل؟ فليس المهم أن تعلم، ولكن الأهم أن تعزم وتفعل.
وذكر أبو نعيم رحمه الله تعالى في الحلية عن بعض السلف أنه قال: علمت أن قوة الإنسان في نفسه.
قالوا: وكيف ذاك؟ قال: ألا ترون الرجل العاجز يصلي ويبلغ من الطاعة ما لا يبلغه الشاب.
فدل على أنها لو كانت بقوة البنيان لكان الشاب أكثر من العاجز، ولكن العاجز تراه في آخر عمره يحمل على كتفيه ويهادى على رجليه حتى يبلغ الصف الأول في المسجد بفضل الله تعالى ثم بالهمة على العمل الصالح، وترى الشاب الجلد القوي يأتي في آخر الناس، وقد تفوته الصلاة، وقد لا يصلي، فهو يحب الخير ولكن يحال بينه وبينه، لضعف الهمم.
ولذلك كانوا يعتنون دائماً بتربية العزيمة، وعبادات الإسلام غالباً تربي على العزيمة، حتى إن فرائضها ونوافلها تؤكد هذا المعنى، وهو أن يكون عند الإنسان عزيمة على الخير.
وأيام العلماء رحمة الله عليهم كانت المساجد مليئة بذكر الله جل وعلا، هذا يتلو كتابه، وهذا يراجع درسه، وتوجد حلقة علم، وحلقة فتوى، لكثرة الخير، فتجد بعد صلاة الفجر من العلم مالا يحصى كثرة، وفي الضحى، وبعد صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وذلك بسبب همة الناس في الخير وقربهم إلى عصور الخير، فالسلف الصالح كانت مساجدهم تعج بذكر الله جل وعلا من كثرة الناس الطالبين للخير، والراغبين فيما عند الله جل وعلا.
وكان العالم إذا أراده الإنسان يجده في مسجده أو في حلقته، فهمم الناس كانت عالية، ولذلك ألفت المختصرات، وكانوا ينبهون في المختصرات، على أنها تحفظ، فكانت تحفظ مثل حفظ الفاتحة، وكان عند السلف همة في أمرين: تعليم أنفسهم، ثم تعليم أبنائهم، فقد كان الرجل عالماً في نفسه ومعلماً لأبنائه، فكانت الهمم عالية، وكلما تباعد الناس عن ذلك الرعيل الطيب -أعني السلف الصالح- جاء زمان شر من الذي قبله، وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: (ما من زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تقوم الساعة)، وقوله: (ولا يزال المؤمن تأتيه الفتنة فيقول: هذه، هذه حتى يسلمه الله) فكلما جاءت فتنة يقول: هذه آخر الفتن، ثم تأتي بعدها فتنة، وفي وصف الفتن قال صلى الله عليه وسلم: (يرقق بعضها بعضاً).
أي: إذا جاءت فتنة نسيت التي قبلها فيقال: التي قبلها أهون، فمن الفتن العظيمة التي بليت بها الأمة: ضعف الهمة في طلب العلم.
وكان الناس في الزمان الماضي والزمان القديم يرسم طالب العلم في طلبه للعلم همته، وأنه من ساعته التي يفكر فيها في طلب العلم إلى أن يلقى الله تعالى سيضع كتب العلم بين عينيه، لكن طالب العلم اليوم يفكر هل يستطيع أن يصير عالماً خلال سنتين، ثم يقول: هذا كثير، فلماذا لا نجعلها سنة؟ لماذا لا تكون شهراً؟ لماذا لا تكون أسبوعاً؟ ولو كان بيده أن يصير عالماً في يوم لفعل، وذلك من ضعف الهمة، فلما ضعفت هممهم صاروا يحتاجون إلى اختصار على قدر هذه الهمم الضعيفة.
فنسأل الله عز وجل أن يجبر هذا الكسر، وأن يرحم هذا الضعف.
قوله: [والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت].
الإنسان يضعف عن الخير بأحد أمرين: إما من نفسه، وإما لشيء خارجيِّ.
فقوله: [إذ الهمم] إشارة إلى العلة التي في النفوس، وقوله: [والأسباب] إشارة إلى العلة الخارجة عن النفوس، وهذا من دقة كلام العلماء رحمهم الله تعالى.
كأن تجد الرجل يهم أن يذهب لصلة رحم، ويتهيأ، وما عنده أي شك، ويحب صلة الرحم، فهيأ نفسه، ولكن تعلقت به زوجته، أو تعلق به ابنه، أو تعطلت سيارته، أو جاءه جاره، أو طرقه ضيفه، فجاءه سبب يحول بينه وبين هذا الخير.
إذاً: إما أن يكون بسبب ضعف النفس وهذا من ضعف الهمة، أو بسبب خارج عنه.
فهذا هو التثبيط -نسأل الله العافية- وهو نوع من التخذيل، ومن أعظم البلاء أن الله يثبط الإنسان عن عمل الخير.
ويقول بعض العلماء: من نقم الله على العبد تثبيطه عن الخير -نسأل الله تعالى السلامة والعافية- فإن من الناس من ليست فيه النية الصادقة فيثبطه الله، كما ثبط أهل النفاق عن الخروج في ساعة العسرة {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة:46].
فمن أسباب البلايا ضعف الهمة، أو الأسباب التي تحول بين الإنسان وبين الخير.
(2/9)
________________________________________
الثناء على المؤلفات وحكمه
قال رحمه الله تعالى: [ومع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل].
الغنى: الكفاية، تقول: هذا يغنيني، أي: يكفيني، وقد يطلق بمعنى حسن الصوت ومنه التغني، وقد يطلق بمعنى الإقامة ومنه قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس:24] أي: لم تقم بمكانها، أي: يغني عن التطويل وهو الإسهاب، كما ذكرنا وهنا يرد إشكال وهو أن العلماء رحمهم الله قد تجد في كتبهم عبارات فيها ثناء على كتبهم، أو بيان لفضل هذه الكتب أو المؤلفات، وقد ثبت في دليل الشرع النهي عن تزكية النفس، فثناؤه على كتابه أليس من باب التزكية والمدح؟ والجواب أن التزكية والثناء على النفس لها أحوال: فإن تضمن ذلك الإدلال على الله -والعياذ بالله- وتزكية النفس على الله جل وعلا، فهذا -نسأل الله السلامة والعافية- هو المحرم ولا يجوز، كأن يثني الإنسان على نفسه بكثرة علم وعبادة تبجحاً ونوعاً من التفاخر والتعالي، وقد عاتب الله جل وعلا موسى عليه السلام لما ذكر علمه وهو عالم، ولم يكن تفاخراً، فكيف بمن فعل ذلك تفاخراً؟! وذكر الله أن الذين أهلكم من شأنهم أنهم فرحوا بما عندهم من العلم فالفرح بما عند الإنسان من العلم لا يؤمن معه أن يمكر الله به -والعياذ بالله- كما يقول العلماء، فلا تفرح بعلم إلا من باب الفرح برحمة الله.
وإن كانت التزكية على سبيل معرفة الحق والترغيب فيه، كأن تقول: تعلمت هذا العلم من العلماء، أو أفتيتك بهذه الفتوى عن العلماء، أو هذا الأمر الذي ذكرته لك موروث من الكتاب والسنة، أو تثني على شيء حينما ترى استخفاف الناس به، فهذا فعله الصحابة، كما قال أبو العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: (ما بقي أحد أعلم بمنبر النبي صلى الله عليه وسلم مني)، فهذا نوع من الثناء على نفسه بالعلم حتى يقدر قدره، فأجاز العلماء أن يثني الإنسان على نفسه بمعرفة قدره، وقد قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، فإذا كان الإنسان عنده حق العلم ومن باب معرفة قدره فلا حرج، فهذا من باب الترغيب والتشويق في علمه، ونرجو أن لا يكون من باب التزكية والثناء، وإنما أراد به أن يعرف قدر هذا العلم الذي تعلمه، وحق لمثله، فإنك إن تعلمت علماً، ووفقك الله فيه فمن حقك أن تظهر للناس فضل هذا العلم.
(2/10)
________________________________________
معنى قول المصنف: (لا حول ولا قوة إلا بالله)
قال رحمه الله تعالى: [ولا حول ولا قوة إلا بالله].
قوله: (لا حول) قيل: هو تحول الإنسان من حال إلى حال، ولذلك سمي الحول -وهو السنة- حولاً كما قالوا؛ إذ الغالب أن الإنسان إذا عاش سنة أنه يتحول، فيتغير طبعه ويتغير حاله إن لم تتغير نفسيته، ويتغير ماله فإما أن يزيد وإما أن ينقص، ويتغير أهله فإما أن يهلكوا وإما أن يبقوا، فقالوا: سمي الحول حولاً من تحول الناس فيه، ولا يبقى شيء على حال، والله المستعان.
فقوله: [ولا حول ولا قوة إلا بالله] للعلماء فيها وجهان: فمنهم من يقول: أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة على ذلك التحول ولا بلاغ إلا بالله.
وقيل: لا حول في دفع ضره ولا قوة في بلوغ خير إلا بالله، فالله جل وعلا منه الحول ومنه الطول ومنه القوة.
وكل هذه المعاني متقاربة، ولكن المعنى الأجمع: لا حول في تحصيل خير ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه لما سمع المؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله).
قال بعض العلماء: مناسبته أنه برئ من الحول والقوة في إجابة داعي الله إلا بعد توفيق الله جل وعلا، فقد يكون الإنسان راغباً في حضور الصلاة وأدائها، ولكن يحال بينه وبينها بسقم أو مرض، وقد يحال بينه وبينها بتأخر أو تقاعس، فلا حول للإنسان ولا قوة في بلوغ الخير إلا بالله جل وعلا، وهكذا في دفع الشر.
قوله: [وهو حسبنا ونعم الوكيل].
حسبي أي: كفايتي.
وجاء بصيغة الجمع (وهو حسبنا) التي تشمله وتشمل السامع والقارئ.
وقوله: [ونعم الوكيل] ثناء على الله جل وعلا، والوكيل هو: القائم على الشيء المتوكل عليه، والله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، فهو القائم على كل نفس، وهو المتوكل بكل نفس سبحانه وتعالى، فهو حسبنا في بلوغ هذا الأمر الذي رسمناه والمنهج الذي ذكرناه.
ومعنى [ونعم الوكيل] أي: نعم من يوكل إليه الأمر.
(2/11)
________________________________________
فوائد المقدمة
وهذه المقدمة فيها فوائد نجملها فيما يلي: أولاً: الثناء على الله عز وجل واستفتاح الكتب بالثناء عليه عز وجل، وفي حكمها الخطب ونحوها.
ثانياً: الفصل بين مقدماتها ومضامينها.
ثالثاً: أن تكون المقدمة مشتملة على التعريف بالكتاب أولاً، وهذا في قوله: [فهذا مختصر].
رابعاً: بيان منهج الكتاب حينما بين أنه مختصر من المقنع، وأنه يحذف ويزيد، وكذلك بيان أنه يقتصر على القول المعتمد والراجح.
خامساً: ختم ذلك بالثناء على الله جل وعلا، وسؤاله المدد والعون، فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يستفتح مقدمته بالثناء على الله عز وجل ويختمها أيضاً بسؤال الله عز وجل المعونة والتوفيق.
قال بعض العلماء يوصي ابناً من أبنائه وطالباً من طلابه: (يا بني: سل الله التوفيق، فإنه إذا وفقك ألهمك الخير)، فإذا كنت موفقاً فأنت ملهم للخير، فلذلك يسأل الإنسان في خاتمة الأمور دائماً توفيق الله جل وعلا، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي هؤلاء الأئمة وإخوانهم من علمائنا خير ما جزى عالماً عن علمه، اللهم أسبغ عليهم شئابيب الرحمات، وأوجب لهم بذلك جزيل المغفرات وعلو الدرجات، وألحقنا بهم على أحسن ما تكون عليه الوفاة والممات، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
والله تعالى أعلم.
(2/12)
________________________________________
الأسئلة
(2/13)
________________________________________
المبتدئ في طلب العلم والدروس الموسعة

السؤال
كيف يصنع طالب العلم المبتدئ إذا حضر درساً موسعاً ولم يكن تدرج في هذا العلم قبل ذلك؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإذا كان طالب العلم قد ابتدأ طلبه للعلم في كتاب موسع فإنه يأخذ الخلاصة والزبدة، فيكون طلبه للعلم بتلخيص دروس العلم الموسعة إذا لم يتسير له قراءة المتون المختصرة، والسبب في ذلك الآن ضيق الوقت وضيق الزمان، وقلة من يُعلِّم هذا العلم وندرته، فقد يكون في البلد الواحد درس واحد، بل قد يوجد في الإقليم والمنطقة بكاملها درس واحد إن وجد، فلذلك إذا وجدت درساً موسعاً فأوصيك أن تأخذ زبدة ما يقول ذلك الشارح بالدليل، فالفقه بالدليل.
فإذا تكلم عن باب المياه -مثلاً- فلتعرف أول شيء الأمور التي اتفق عليها العلماء، والتي لا إشكال فيها، فتكتبها وتلخصها، ثم الأمور الخلافية التي يتوسع فيها فتأخذ زبدة الخلاف ودليل القول الراجح.
ومن لا يستطيع استيعاب المسائل الخلافية فليأخذ بالطريقة التالية: أولاً: يتصور المسألة، ثم بعد ذلك إن قيل: فيها قولان، فيستمرُّ في معرفة الأقوال والأدلة، ويتصور ما يستطيع تصوره حتى يَأتي إلى الراجح، فإذا قال الشيخ: الراجح عدم الجواز، فيعلق في كتابه: الراجح عدم الجواز؛ لقوله تعالى كذا وكذا، ولقوله عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، فيكون قد أخذ فقهاً بدليله، لكن ينتبه لقضية وجود القول المخالف، فإن جاءه أحد وقال له: هذه المسألة فيها كذا، يقول: نعم.
هناك قول مخالف، ولكن الشيخ الذي قرأت عليه رجح كذا وكذا فأنا أسير معه بدليله؛ لأنني أرى فيه فضلاً، وأعتقد أن عنده إلماماً بهذا العلم، فأنا أتبعه بالدليل، فإذا قيل لك: هناك دليل آخر، فقل: قد أجاب عنه الشيخ، فمن أراد أن يناقش فليناقش الشيخ، فلا تفتح باب المناقشة؛ لأنك في بداية الطلب، فلو فتحت باب المناقشة تعبت، وهذا الذي يضر كثيراً من طلاب العلم.
فاقتصر على القول الراجح بالدليل ولا تتعصب، فليس الشيخ بملك مقرب ولا نبي مرسل، وقوله يؤخذ منه ويرد، فإن ذكر القول بالدليل فاعلم أن الله سائلك عن القول بالدليل، فإن اعتقدت ما قاله بالدليل فقد أديت ما عليك.
ثم إن خالف أحد فحينئذٍ لا تفتح باب الخلاف، وهذا أمر أجمع العلماء عليه، فمن ليست عنده أهلية للترجيح والخلاف والنظر فإنه يقتصر على قول عالم يثق بعلمه بالدليل حتى يتم الفقه، وإذا بالفقه بين يديك عصارة خالصة، ثم تنتقل بعد ذلك إلى مرتبة معرفة الأدلة ووجه دلالاتها، ثم تتوسع بقاعدة وركيزة.
فكل السلف رحمهم الله توسعوا بقواعد وركائز، فكان شيخ الإسلام يقول: وهذا قول أصحابنا وخالفنا الشافعية لقوله تعالى كذا وكذا، فالذي دله على أنه قول أصحابه أنه ابتدأ بفقه مذهبه وضبطه بدليله، ثم انتقل إلى مستوى من خالف وما دليله، ثم يناظر ذلك الدليل ويقارع الحجة بالحجة حتى يستبين السبيل والمحجة، فإذا بلغ طالب العلم هذا المبلغ فبإذن الله يصل إلى علم وفقه واضح.
لكن لو فتح باب النقاش وهو في بداية الطلب فإنه سيتبلبل ويقول: الشيخ يقول كذا، والشيخ فلان يقول كذا، والشيخ فلان أعلم من فلان لأنه يعرف الحديث، وفلان يعرف الفقه، فتضيع الأمة، وقد تنتقص وتجرح عالماً، فإذا جاء من يجادلك فقل له: أنا أدين الله أن فلاناً من أهل هذا العلم، وأخذ هذا العلم عن أهله، وأنا لا آخذ قوله لأنه فلان، بل أخذته للدليل، فسأبقى معه حتى أضبط، ثم بعد أن أضبط أنظر من خالفه وما دليله.
أما قبل هذه المرتبة فليست مرتبة مقارنة أو مناقشة؛ لأن الإنسان لا يكون متأهلاً للنقاش والخلاف، فهذا أمر ينبغي أن يدرك، وقد نبه عليه الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، ونبه عليه الحافظ ابن عبد البر رحمة الله عليه في الانتقاء، ونبه عليه شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع، كلهم نبهوا على أن طالب العلم يأخذ القول بالدليل حتى يبلغ درجة المناظرة فينتقل إلى درجة الاجتهاد، أما إذا لم يبلغ هذا المبلغ فعليه أن يتريث.
وكثير من طلاب العلم بدءوا بكتاب الطهارة، فأخذوا كتباً في الحديث اختلف العلماء فيها على قولين أو على ثلاثة، فيقول أحدهم: الراجح عندي هذا القول لقول كذا وكذا، فرجح هذا القول لدلالة المفهوم، ثم جاء في مسألة أخرى وقال: الراجح عندي القول الثاني، وهو دلالة منطوق، وقد يكون المفهوم الذي رجح به يعارضه مفهوم آخر من جنسه في المسألة الثانية، فيتناقض ويتبلبل ويعيش في حيرة؛ لأنه ليست عنده موازين للترجيح، ولا موازين للفهم، فهذا هو الذي ضر كثيراً من طلاب العلم.
وبعد أن تنتقل إلى درجة معرفة المخالف ودليله ووجه الخلاف فكم من دليل ستراه كأنه حجة وهو ضعيف في دلالته، وكم من دليل ستراه قوي الحجة قد عارض ما هو أقوى منه، فهذا أمر ينبغي التنبه له.
فاضبط الفقه بدليل، وانتظر حتى تتسع مداركك وتتفتح، وتفقه عن الله ورسوله، وتأخذ علماً منضبطاً واسعاً، ثم بعد ذلك تنتقل إلى من خالفك ودليله، مثلما درج السلف الصالح رحمة الله عليهم.
وهذه قضية مهمة جداً أثرت على كثير من طلاب العلم، حتى إن بعضهم ملّ الفقه وتركه، وأصبح في دوامة لا يعرف الحق والعياذ بالله، فوصل إلى الحيرة، والسبب أنه أوقف نفسه في موقف لا يليق به.
فمن أنت حتى تصير حكماً بين الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؟! ومن أنت حتى تقول: فلان ومن هو فلان؟! فهذا ليس بالسهل، وقد كان بعض العلماء إذا سئل عن راجح يخاف وتنتفض يداه من الرعب، فهذه مرتبة لا يصل إليها الإنسان إلا بعد عناء، ومن الأدلة على ذلك أن تبحث عن كتب الخلاف في الفقه، فإنك ستجدها تعد على الأصابع؛ لأنهم كانوا يعرفون أن هذا الثغر لا يبلغه الإنسان إلا بعد تحصيل، وبعد أن يشيب رأسه، وبعد تتبع الأقوال ومعرفة المخالفين وأدلتهم، وما كان لمن وراءهم أن يدخلوا في مسائل الخلاف إلا بعد الاستيعاب، ومعرفة ما هي الأقوال في المسألة.
وقد تجد الرجل يقف على قولين، وفي المسألة ستة أو سبعة أقوال، فلذلك ينبغي للإنسان أن يتأنى ولا يستعجل حتى يضبط العلم وبإذن الله عز وجل سيبارك الله فيه.
فإذا سرت على ما ساروا عليه فستبلغ ما بلغوا بإذن الله جل وعلا، وإذا جئت تجتهد وترسم لنفسك منهجاً جديداً بمحض رأيك وفهمك فلا تلومنّ إلا نفسك.
فارتبط بمنهج السلف، وبإذن الله لن تختم باباً إلا وأنت على تصور واضح وطريقة معينة.
وليكن قولك: أنا لا أفتح باب النقاش، وأنا الآن أقرأ بدليل، وألقى الله بهذا الدليل والحجة؛ لأنه ليس عندي مرتبة أن أفاضل، فلم أقرأ الأصول، ولا عرفت مراتب الأدلة، ولا عرفت ما هو الراجح من الأقوال.
فأنا أقتصر على هذا القول بالدليل.
وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن طالب العلم إذا أخذ القول بالدليل فقد أعذر؛ لأنه يلقى الله بدليل، إنما المحرم أن تكون طالب علم تعرف الأدلة ثم تقول: أنا لا أحيد عن العمدة والزاد، فهذا هو التقليد المتعصب المذموم، أو يأتيك إنسان بحجة من الكتاب والسنة فتتركها، لكن إذا كان عندك حجة من الكتاب والسنة، وقول عالم مبني على الكتاب والسنة فعندك حجة وأنت على محجة حتى تبلغ درجة الاجتهاد، ولا يكلف الله تعالى نفساً إلا وسعها، والله تعالى أعلم.
(2/14)
________________________________________
كيفية حفظ المتون

السؤال
كيف نستطيع حفظ هذا المتن؟

الجواب
بالنسبة للحفظ فأنا أرغب في حفظ كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب العلماء على العين والرأس، ولكن بدل إضاعة الساعة في حفظ زاد المستقنع استغلها في حفظ حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والزاد افهمه، واعرف كيف تعبد الله عز وجل، واحفظ مسائله.
أما أن تحفظ العبارات فأولى منها حفظ كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل حرف تتعبد الله عز وجل به لك فيه من الأجور ما الله به عليم، والزاد خير وحفظه بركة، ولكن الأفضل والأكمل لك أن تحفظ كتاب الله تعالى.
ومن الصعب أن تجد الطالب يحفظ الزاد ولا يحفظ القرآن، وكيف يحفظ الزاد وتخفى عليه أحاديث الأحكام؟! أما طريقة حفظ الزاد فهي باختصار: أولاً: تأخذ المادة مكتملة ولا تزد على سطر واحد.
فإذا تكلم المصنف -مثلاً- عن أقسام المياه في سطرين أو ثلاثة أسطر، فلا تحفظ الثلاثة الأسطر دفعة واحدة، فإذا كانت المادة مكتملة في سطر فخذها، وأما إذا كانت غير مكتملة إلا بثلاثة أسطر فجزئ جزئيات المادة، فإذا كانت المادة ثلاثة أقسام: الماء الطهور سطر، والطاهر سطر، والنجس سطر، فاحفظ أولاً الطهور، ولو ذكره في السطرين فإنه يذكر لك وصفه وحكمه، فالسطر الأول في وصفه والثاني في حكمه، فابدأ بوصفه ثم بحكمه.
ولا تحفظ السطر ولا نصف السطر إلا وأنت تعرف عن أي شيء يتكلم.
فاكتب السطر ثم أدم النظر فيه، واقرأه على الأقل عشر مرات بتمعن، ولا تقرأ إلا بعد تصحيح هذا المتن على عالم حتى تضبط، ويكون حفظك صحيحاً.
وبعد ما تقرأ عشر مرات حاول مرة أن تقرأه غيباً، وتعرَّف على نقاط الضعف في الحفظ في أي العبارات، ثم ارجع وكرر إن استطعت مائة مرة، أو مائتين إذا كنت تريد الحفظ؛ لأن الذي ضر الكثير الآن في الحفظ ازدحام المعلومات، والأولون لم تكن عندهم مشاغل ولا مشاكل كثيرة، وعند الإنسان اليوم مشاغل ومشاكل في بيته وأهله وأولاده وأطفاله فيستغرق ذهنه، لكن إذا صح ذهنه وصفا فإنه تكفيه المرتان والثلاث، وأحياناً مرة واحدة.
يقول الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا سألت رجلاً أن يعيد حديثه عليّ مرتين.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يلهمنا السداد والصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(2/15)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - أحكام المياه [1]
إن الإسلام دين الطهارة والنظافة، ولذلك ألزمنا بالطهارة في كل شيء؛ في الصلاة والحج والصيام والزكاة، سواء كانت طهارة معنوية بإخراج الشرك وحب الدنيا والرياء والسمعة من قلوبنا، أو حسية كالطهارة الماء من غسل ووضوء، وطهارة المال بإخراج الزكاة، وهذه بعض أخلاق الإسلام ومعالمه الراسية.
(3/1)
________________________________________
أحكام المياه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وخير خلق الله أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الطهارة].
الكلام على هذه الجملة في مواضع: الموضع الأول: في بيان معنى قوله: (كتاب الطهارة).
والموضع الثاني: في بيان مناسبة تقديم كتاب الطهارة وجعله في صدر هذا الكتاب.
يقول المصنف رحمه الله: (كتاب الطهارة).
الكتاب: مصدر، مأخوذ من قولهم: كتب الشيء يكتبه كتابة وكتبا، وأصل الكَتب في لغة العرب: الضم والجمع، ومن ذلك قولهم: تكتب بنو فلان، إذا اجتمعوا.
قال العلماء: سمي الكتاب كتاباً لاجتماع حروفه بعضها إلى بعض.
وقوله: (كتاب الطهارة)، الطهارة: مأخوذة من الطهر، وهو: النقاء والنظافة من الدنس والأقذار، فأصل الطهر في اللغة: النقاء.
وأما في اصطلاح العلماء: فإنهم إذا قالوا: الطهارة، فمرادهم بها شيء مخصوص، عبروا عنه بقولهم: صفة حكمية توجب لموصوفها استباحة الصلاة والطواف بالبيت ونحوها مما تشترط له الطهارة.
معنى العبارة: أن الطهارة إذا وصفت بها مكلفاً فإن هذا الوصف من لوازمه أنه صفة حكمية، فلا تستطيع أن تجد للطهارة أوصافاً محسوسة، ولذلك هي حكم يحكم به على الإنسان، يقال: فلان متطهر، وفلان غير متطهر، وليست الطهارة شيئاً محسوساً تراه كالثوب والكساء ونحو ذلك، وإنما هي شيء معنوي.
ولذلك قالوا: صفة حكمية، أي: غير محسوسة ولا مرئية ولا ملموسة، لكن لو قلت فلان لابس، فلان مكتسٍ، فإن الكساء مدرك بالحس، لكن: فلان متطهر لا تستطيع أن تقول: فلان هذا متطهر، وتشير إلى وصف موجود في ظاهره، وإنما هو وصف حكمي لا يتعلق بالمحسوسات.
صفة حكمية تثبت لموصوفها، أي: للشخص الذي تصفه بها، استباحة الصلاة، أي: حل فعل الصلاة؛ لأن الله أمر كل من قام إلى الصلاة أن يتطهر لاستباحة الصلاة والطواف بالبيت ونحو ذلك مما تشترط له طهارة.
(3/2)
________________________________________
مناسبة تقديم كتاب الطهارة على بقية أبواب الفقه

السؤال
لماذا بدأ المصنف رحمه الله كتابه الفقهي بكتاب الطهارة؟

الجواب
لأن الفقه منه ما هو متعلق بالعبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج، ومنه ما هو متعلق بمعاملة الناس بعضهم مع بعض كالبيع والنكاح والجناية.
فأجمع العلماء على تقديم العبادة على المعاملة، فيقدمون أبواب الصلاة والزكاة والصوم والحج على سائر أبواب المعاملات.
والسبب في ذلك: أن العبادة هي الأصل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) فقدم الصلاة وجعلها بعد الشهادتين.
ولذلك درج العلماء من المحدثين والفقهاء على استفتاح كتب الحديث والفقه بكتاب الصلاة.
والمصنف قال: (كتاب الطهارة) ولم يقل: (كتاب الصلاة)، فلماذا لم يجعل بداية كتابه بكتاب الصلاة؟ الجواب: أن الصلاة لا تقع إلا بطهارة سابقة؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] فأمر كل من قام إلى الصلاة أن يتطهر قبل فعل الصلاة.
وبناءً على ذلك قدم الكلام عن الطهارة على الكلام عن الصلاة، وبعبارة علمية كما يقول العلماء: الطهارة وسيلة والصلاة مقصد، والقاعدة تقول: (الكلام على الوسائل يقدم على الكلام على المقاصد).
والطهارة تحتاج إلى معرفة أمور: أولها: أن تعرف ما هو الشيء الذي تتطهر به؟ أي: تتوضأ وتغتسل به، وتغسل به النجاسة عن البدن أو الثوب أو المكان حتى توصف بكونك متطهراً.
ثانياً: أن تعرف الصفة التي تحصل بها الطهارة.
فلابد من أمرين: ما يتطهر به وصفة الطهارة، وبعبارة مختصرة: شيء يتوضأ به وصفة تحصل بها الطهارة.
أما الشيء الذي تتوضأ به فقد جعله الشرع في شيئين: إما الماء، أو البدل عن الماء.
فالإنسان يصلي إذا تطهر بماء أو ببدل يقوم مقام الماء.
إذاً عندنا أمران: أصل، والذي هو الماء، وبدل، والذي هو التراب، فلابد للمكلف أن يبدأ بمعرفة الشيء الذي تحصل به الطهارة وهو الماء، ثم بعد ذلك يعرف كيفية فعل الطهارة، فإن كل مكلف إذا أراد أن يتوضأ يحتاج أول شيء إلى الذي يتوضأ به، ثم يسألك بعد ذلك كيف أتوضأ؟ فأما الشيء الذي يتوضأ به فهو الماء، ولذلك قال المصنف: (كتاب الطهارة، باب المياه).
فابتدأ أول شيء بالمياه؛ لأن الإنسان يحتاج أولاً إلى وجود الماء حتى يسألك بعد ذلك: كيف أتوضأ؟ وكيف أغتسل من الجنابة؟ وتسأل المرأة: كيف تغتسل من نفاسها وحيضها؟.
إلخ.
فتبين أن الصلاة هي الأساس، ويقدم الحديث عنها على سائر المعاملات، ثم الصلاة تحتاج إلى وسيلة وهي الطهارة والطهارة، تحتاج إلى شيء يتطهر به، وصفة الطهارة.
وسينحصر كلامنا إن شاء الله في المياه التي يتطهر بها الإنسان ويزيل بها عنه الخبث ويرفع بها الحدث.
ولذلك قال المصنف: (وهي ارتفاع الحدث) فبعض العلماء يقول: باب المياه، وبعض العلماء يقول: كتاب الطهارة: باب المياه ثم يتكلم عن أنواع الماء، لكن المصنف جاء مباشرة وقال: (كتاب الطهارة وهي ارتفاع الحدث) إلخ.
ولا فرق لكن التعبير بباب المياه أدق.
(3/3)
________________________________________
أقسام المياه
وأحب أن أقدم بمقدمة يتهيأ بها الإخوان لمعرفة أحكام المياه التي يذكرها العلماء رحمة الله عليهم: لابد لكل مسلم أن يعرف الأحكام التي تتعلق بالمياه؛ لأنه لا صلاة له إلا بماء معتبر، بعد أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان.
والمياه منها ما أذن الله بالطهارة به، ومنها ما لم يأذن الله بالطهارة به، فلابد للمكلف أن يعرف ما هو الماء الذي يتوضأ ويغتسل به، وما هو الماء الذي لو توضأ أو اغتسل به لم يصح وضوءه ولا غسله.
وبناءً على ذلك فهذا الباب مهم، فنحتاج أول شيء أن نعرف أقسام المياه؛ لكي نرتب بعد ذلك الأحكام المتعلقة بكل قسم على حدة.
الماء قسمه العلماء -على مذهب الجمهور- إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الماء الطهور.
والقسم الثاني: الماء الطاهر.
والقسم الثالث: الماء النجس.
فعندنا ثلاثة أقسام: إما ماء طهور، وإما ماء طاهر، وإما ماء نجس.
فيرد السؤال مباشرة: ما السبب في تقسيم الماء إلى هذه الأقسام؟
و
الجواب
أن الماء له حالتان: الحالة الأولى: إما أن يبقى على أصل خلقته كماء السيل، وماء البئر، فما نزل وجرى به السيل فهو باقٍ على أصل خلقته، وما نبع من بئر فهو باقٍ على أصل خلقته.
الحالة الثانية: أن يأخذه المكلف فيضع فيه شيئاً يخرجه عن أصل خلقته، أو يأتي ريح فيلقي فيه شيئاً فيخرجه عن أصل خلقته.
ففي الحالة الأولى إذا بقي على خلقته يسمونه: الماء الطهور: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] وهو القسم الأول.
القسم الثاني: إذا تغير هذا الماء عن الخلقة فإما أن يتغير بشيء طاهر، وإما أن يتغير بشيء نجس.
فإن جاء المكلف ووضع فيه شيئاً طاهراً كحمص أو باقلاء أو زعفران، فتغير الماء بالحمص أو الباقلاء أو الزعفران، صار ماء زعفران أو ماء باقلاء أو ماء حمص أو غيره.
فتسميته ماءً طاهراً؛ لأنه انتقل عن أصل خلقته إلى صفة جديدة تخالف ما خلقه الله عليه، فأصبح فيه لون الزعفران وطعمه ورائحته، فلو قلت: هذا ماء طهور، لم تصدق؛ لأن الطهور باقٍ على خلقته، وهذا غير باق على الخلقة، حيث تغير بطاهر.
القسم الأخير: أن يتغير بنجس، كإناء فيه ماء فجاء صبي وبال فيه أو سقطت فيه نجاسة، فتغير لون الماء بلون النجاسة أو رائحته برائحة النجاسة، فحينئذٍ يكون الماء ماءً نجساً.
إذا الآن عندنا ثلاثة أقسام للماء: ماء باقٍ على أصل خلقته.
وماء متغير عن أصل خلقته، إن كان بطاهر فطاهر، وإن كان بنجس فنجس.
العلماء رحمهم الله يتكلمون على هذا: حقيقة الماء الطهور والطاهر والنجس.
وبناءً على ذلك يرد

السؤال
ما الذي يحل أن أتوضأ وأغتسل به وأزيل به نجاسة الثوب والبدن والمكان؟ وما هو الذي بخلاف ذلك؟
(3/4)
________________________________________
الماء الطهور أمثلته وأحواله
بعد أن قسمنا الماء إلى ماء طهور وماء طاهر وماء نجس.
نقدم بمقدمة ثانية: الماء الطهور وصفناه بكونه باق على أصل خلقته، ومثاله: ماء البئر، فإنك إذا حفرت بئراً واستخرجت الماء استخرجت ماءً باقياً على أصل خلقته: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:18] فالله أسكن هذا الماء الذي نزل من السماء في الأرض، فإذا خرج خرج على أصل خلقته سواءً خرج من بئر، أو من عين، كل ذلك نسميه: ماءً طهوراً، ومثل ماء البئر: ماء العين، وماء النهر، وماء السيل، لكن ماء السيل قد يقول لك قائل: إن السيل يمشي على وجه الأرض فيختلط بالتراب حتى يصير لونه أحمر أو غالباً إلى الحمار مع ضرب من السواد والأحمر القاتم، وأنت تقول: يشترط في الطهور أن يبقى على أصل خلقته، وهذا لم يبق على أصل خلقته، إذاً ليس بطهور.
و
الجواب
أن الماء الطهور يحكم بكونه طهوراً إذا بقي على أصل خلقته أو تغير بشيء يشق احترازه عنه، فماء النهر لو نبت فيه الطحلب -وهو نوع من أعشاب البحر- فأصبحت رائحة الطحلب أو طعمه في الماء، نقول: هذا ماء طهور، وإن كان قد تغير بالطحلب الطاهر.
إذاً: الماء الطهور إذا تغير بطاهر فلا نحكم بتغيره في حالات الضرورة، وهي الحالات التي لا يمكن للإنسان أن يفك الماء فيها عما غَيَّره، مثل: اختلاط التراب بماء السيل، ومثل ماء القربة، فإنك إذا وضعت فيها الماء وجئت تشرب تجدُ رائحة القربة في الماء، ويكون الماء قد تغيرت رائحته وقد يتغير طعمه، فلا تقل: تغير بطاهر فهو طاهر، لا؛ لأنه تغير بشيء يشق التحرز عنه، هذا بالنسبة للماء الطهور.
إذاً الماء الطهور له حالتان: الحالة الأولى: أن يقال لك: توضأ من هذا الماء الطهور واغتسل منه بدون كراهة، كما لو جئت إلى بركة ماء -والماء فيها على خلقته- فسألت الفقيه وقلت له: هل يجوز أن أتوضأ من هذه البركة؟ قال لك: نعم يجوز بالإجماع؛ لأنه ماء طهور باق على أصل خلقته.
لكن هناك حالات يقول لك: يجوز ولكن مع الكراهة، حيث يكره لك أن تتوضأ بهذا النوع من الماء ولو كان في الأصل طهوراً، وسنبين ذلك إن شاء الله.
(3/5)
________________________________________
تعريف الطهارة
قال المصنف رحمه الله: [وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث].
(وهي) الضمير عائد إلى الطهارة.
(3/6)
________________________________________
أنواع الأحداث
قال المصنف رحمه الله: (وهي ارتفاع الحدث) لما قال: (كتاب الطهارة) مباشرة قال: (وهي ارتفاع الحدث).
إذاً ما معنى قوله: (الحدث) وقوله: (وما في معناه وزوال الخبث)؟ فأما الحدث فحقيقته في اللغة: حدث الشيء إذا وقع، تقول: هذا حدث أي: وقع، ومنه الحدث، أي: الخبر الذي حصل وكان.
ولما قال العلماء: ارتفاع الحدث، يريدون به شيئاً مخصوصاً، فالحدث في الأصل يطلق على خروج الخارج، ويشمل: البول، والغائط، والريح، والحيض، والنفاس، وغيرها من الأحداث.
ثم هذا الخارج إما أن يكون موجباً للطهارة الصغرى التي هي الوضوء كخروج الريح، فإذا خرجت الريح وجب على الإنسان أن يتوضأ حتى يصلي، وكذلك خروج البول والغائط والمذي والودي كلها أحداث صغرى.
وإما أن يكون الخارج حدثاً أكبر كدم الحيض والنفاس والمني فإنه يوصف بكونه حدثاً أكبر.
إذاً الحدث عندنا قسمان: إما حدث أكبر، يشمل الجنابة والحيض والنفاس.
أو حدث أصغر، يشمل -أكرمكم الله- البول والغائط والريح ونحوها.
فلما قال المصنف: (ارتفاع الحدث) أي: أن الإنسان إذا خرج منه خارج فبمجرد ما يخرج منه تقول: هذا أحدث، فتصفه بكونه خرج منه الحدث؛ لكن قولك: هذا محدث، لا تريد منه أنه خرج منه الخارج، لا، وإنما تريد منه أن مثله لا يصلي، ولا يطوف بالبيت، ولا يمس المصحف ونحوه مما تشترط له الطهارة.
وبناءً على ذلك كأنه محبوس عن فعل الصلاة، فإذا اغتسل أو توضأ فقد ارتفع الحدث، أي: زال المانع.
فقوله: (هي ارتفاع الحدث) مراده بذلك زوال المانع؛ لأن الرفع -كما يقول العلماء- يكون لشيء وقع، تقول: رفعت الثوب إذا كان قد وقع على الأرض، لكن إذا كان الثوب معلقاً، فلا تقول: رفعت الثوب.
فالرفع لا يكون إلا لشيء وقع، فما الذي وقع من المكلف؟ إما خروج ريح، أو بول، أو مذي، أو ودي، أو دم نفاس، أو دم استحاضة، أو دم حيض، فيمنع من الصلاة، فإذا فعل الطهارة التي ستأتي من الوضوء والغسل ووصف بكونه متطهراً جاز له فعل الصلاة ونحوها من العبادات التي تشترط لها الطهارة.
(هي): أي: الطهارة عندنا معشر الفقهاء (ارتفاع الحدث).
ما هو الحدث؟ الحدث: صفة حُكمية توجب منع موصوفها من استباحة الصلاة والطواف بالبيت ونحوه مما تُشترط له الطهارة.
(صفة) أي: تقول: فلان محدث وفلانة محدثة إذا اتصفا بهذه الأشياء (صفة حكمية) ما تُرى بالعين ولا تُلمس باليد؛ إنما هي متعلقة بالمعاني والإدراكات.
وعند العلماء الشيء يكون على حالتين: إما حسي، وإما معنوي.
الحسي أو الأوصاف المحسوسة: كالطول والقصر والعرض والارتفاع ونحو ذلك.
المعنوي: شيء يرجع إلى المعاني والأذهان.
فلو دخل عليك رجل عالم هل ترى العلم شيئاً ملموساً عليه مثل الطول والقصر؟ لا.
وعندما يخرج من الإنسان الريح أو البول أو الغائط فيوصف بكونه محدثاً، هل الحدث شيء يُرى أو يلمس عليه؟ أبداً، ما تستطيع أن تفرق، وقد يدخل الرجلان أحدهما محدث والآخر لا يدري.
إذاً الحدث ليس صفة محسوسة ولكنه صفة معنوية، ولذلك قال العلماء: الحدث صفة حكمية، والحكمية والمعنوية معناهما واحد.
(توجب) أي: تثبت منع موصوفها من استباحة الصلاة.
فالرجل إذا خرج منه الريح أو البول أو الغائط لا يصلي ولا يطوف بالبيت ونحوه مما تشترط له الطهارة.
إذاً: الحدث يمنع، والطهارة تبيح.
فأصبح الأمر من باب التضاد (طهارة وحدث)، ولذلك تجد العلماء دائماً يقولون: طاهر ومحدث، هذا حاصل ما نقوله في قوله: (هي ارتفاع الحدث).
(3/7)
________________________________________
ما في معنى الحدث
قوله: (وما في معناه) كالنوم، فإنه ليس بحدث ذاتي، ولكنه في معنى الحدث، وغسل الميت عند من يقول: أنَّ منْ غَسّلَ ميتاً يغتسل، ومن حمله فليتوضأ، فإنَّ غَسْلَ الميتِ ليس بانتقاض للطهارة، ولكن يقولون: هو في حكم الحدث.
فصارت عندنا الموانع قسمين: إما حدث كبول وريح وغائط.
وإما في معنى الحدث كالنوم، فإن النوم ذاته ليس بحدث؛ ولكن الإنسان إذا نام سها، فربما خرج منه الريح وهو لا يدري، فأصبح في حكم الحدث، هذا معنى قوله: (وما في معناه) يعني: ما في معنى الحدث، مثل: غسل المستيقظ من النوم يده قبل أن يدخلها في الإناء ثلاثاً كما سيأتي.
(3/8)
________________________________________
الخبث وأقسامه
وقوله: (وزوال الخبث): الخبث أصله من خَبُثَ الشيء، يَخْبُثُ خُبْثاً إذا كان مستقذراً.
فأصل الخبيث المستقذر والذي تعافه النفوس، قال الله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267] أي: الذي تعافه النفوس.
وقد يطلق الخبث على الخبيث حساً ومعنىً، وقد يطلق على الخبيث معنىً.
فالخبث النجاسة، والمراد بها أن يصيب الثوب أو البدن أو المكان نجاسة، فإن الله أمر كل من أراد أن يصلي أن يكون طاهر البدنِ، ليس عليه نجاسةً، وطاهر المكان ليس على سجادته أو على المكان الذي يصلي عليه نجاسة، وطاهر الثوب الذي يلبسه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4].
وهنا إشكال وهو: عرفنا أنَّ الإنسان لابد أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان، لكن لو فرضنا أنّ الثوب الذي أُصلي فيه عليه نقطةٌ من بولٍ ونجاسةٍ، أو السجادةِ التي أُريد أن أصلي عليها فيها نقطة من بول أو دم أو نحو ذلك من النجاسات، أو البدن الذي أريد أن أصلي به فيه شيء من النجاسة من دم أو بول أو ودي أو مذي.
إلخ، فكيف أزيل هذه النجاسة؟! إنما يتحقق ذلك عن طريق الطهارة، فمن غسل ثوبه وبدنه والموضع الذي يصلي فيه حتى طَهُرَ وُصِفَ بكونه متطهراً.
إذاً الطهارة لها حالتان: إما أن تتعلق بالإنسان نفسه من ناحية فعل الطهارة التي هي الوضوء والغسل من الجنابة.
وإما أن تتعلق بثوبه وبدنه ومكانه من جهة إزالة الخبث والنجاسة التي عليها.
فأصبحت الطهارة تنقسم إلى قسمين: إما طهارة حدث في الإنسان.
وإما طهارة خبث في المكان.
ولابد للإنسان أن يكون متطهراً من ناحية فعل الوضوء والغسل، ومتطهراً من ناحية البدن والثوب والمكان.
فلما كانت الطهارة تنقسم إلى قسمين، وكان في الأحداث ما هو ليس بحدث أصلاً؛ وإنما هو في معنى الحدث، أضاف المصنف كلمة ثالثة فقال: (ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث) وبهذا يكون قد جمع الطهارة المتعلقة بالحدث والطهارة المتعلقة بالخبث.
(3/9)
________________________________________
أحكام الماء الطهور
قال المصنف رحمه الله: [المياه ثلاثة].
لا يمكن أن تجد ماء على وجه الأرض يخرج عن واحد من هذه الثلاثة: إما طهور، وإما طاهر، وإما نجس.
ولا يمكن أن تجد ماء إلا والشريعة جعلت له واحداً من هذه الثلاثة الأحكام، وهناك بعض من العلماء يقول: الماء طهور ونجس وقد فصلت هذه المسألة وبينت أدلتها في شرح البلوغ، فحتى لا نشوِّش على بعض الإخوة من العوام نقتصر على أنَّ الراجح تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، لظاهر القرآن وظاهر السنُّة ودلالة الحس على ذلك.
أما ظاهر القرآن: فقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] فعبر بالطهور، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الصحابة وقالوا: (إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟) هذا يدلُ على أن الصحابة كانوا يعرفون انقسام الماء إلى الثلاثة؛ لأن ماء البحر موجود وهو طاهر، فامتنعوا من هذا الطاهر وظنوا أنه لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه) أي: كون الملح فيه لا يخرجه عن وصف الطهورية، وهذا يدل على أن الماء إذا خرج عن أوصافه في لون أو طعم أو رائحة أصبح طاهراً إلاّ إذا كان مغيره نجساً.
وكذلك دلالة الحس، فإنه لا يصح أن تقول لماء الباقلاء: إنه ماء طهور، والله أمرنا بالطهارة من الماء الطهور، وقد قال في ماء السماء: {مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال:11] ووصفه بكونه طهوراً فدل على أن الطهارة لا تحصل إلا بهذا الذي هو الطهور، ومحل البسط والخلاف في شرح بلوغ المرام.
على العموم الماء عندنا ينقسم إلى هذه الثلاثة الأقسام.
(3/10)
________________________________________
تعريف الماء الطهور
قال المصنف رحمه الله: [طهور لا يرفع الحدث، ولا يزيل النجس الطارئ غيره].
هذا القسم الأول: (طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره)، معنى قولهم: طهور، بعبارة مختصرة تقول: الماء الباقي على أصل خلقته، ومن حُكْمِهِ أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث أو النجس الطارئ غيره.
قوله: (ولا يزيل النجس الطارئ غيره) وصف الشيء بكونه نجساً على حالتين: إما أن يكون نجس العين والذات.
وإما أن يكون نجساً حكماً.
تقول: هذا شيء نجس؛ لأن الله حكم بنجاسة عينه.
وإما أن تقول: هذا نجس أي: أصابتهٌ نجاسةٌ، لكنْ هو في أصلهِ طاهر.
فأما الشيء الذي هو نجس العين هذا لا تستطيع أن تطهره، مثل: الميتة والخنزير: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145] والرجس هو: النجس، فإنك لا تستطيع أن تطهر الخنزير ولو غسلته مائة مرة، فلن يصير طاهراً بل هو إلى الأبد نجس ونجاسته عينية.
ولكن الثوب في أصله الخز والقماش طاهر، فإذا وقعت النجاسة عليه فلا تقول: عينه نجسة، ولا ذاته نجسة، ولكنه تنجس فأخذ حكم المتنجس، وليس كله تنجس وإنما جزء منه، فيقولون: هذا ثوب نجس.
ولماّ وصفوا الثوب كله أنه نجس هل هذا حكمي أم حقيقي؟ حكمي أي: أن الشرع حكم بمجرد وقوع النجاسة القليلة على الثوب أو على البدن أو على المكان أنه نجس لكن عين الشيء طاهر.
ولذلك قال: (ولا يزيل النجس الطارئ) فأخرج الميتة، فإن نجاستها عينية لا يمكن بحال أن يزول منها هذا الوصف بالنجاسة.
وبعبارة أخرى يعبر بعض العلماء عن الطهور بقوله: الماء الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره.
قال المصنف رحمه الله: [وهو الباقي على خلقته].
أي: هذا الماء من شأنه أنه باقٍ على خلقته، فإذا خرج عن الخلقة فإما أن يخرج إلى طاهر أو يخرج إلى نجس، فالماء الطهور من شرطه أن يبقى على أصل الخلقة.
(3/11)
________________________________________
حكم الماء المتغير بمجاور
قال المصنف رحمه الله: [فإن تغير بغير ممازجٍ كقطع كافورٍ].
سندخل الآن في تفصيلات، ولكن باختصار شديد فنقول: الماء الطهور إذا تغير بشيء ينتقل إلى حكم ما غَيَّره، هذه قاعدة عندنا، فالماء الطهور إذا تغير انتقل إلى الشيء الذي غيره، إن طاهر فطاهر وإن نجس فنجس.
وهنا سنذكر أموراً تغير الماء الطهور بصورة يصعب على المكلف أن يحترز عنها، فهذه يغتفرها الشرع، أو يتغير بصورة لا يمتزج فيها المغَيِّر مع الماء المغَيَّر، فهاتان حالتان: الحالة الأولى: أن يتغير ويكون تغيره بطريقة لا يمكن للمكلف أن يدفعها، وهي حالة المشقة والحرج، حيث يشق عليه أن يفعل ما يوجب انفصال الماء عن هذا الذي غيَّره.
والحالة الثانية: أن يتغير بشيء فيه، لكن ذلك الشيء لا يتحلل فيه، كأن تُلقي فيه قطعة جامدة فتجد رائحة هذه القطعة أو طعمها، ولكنها لم تمتزج مع الماء.
وكل هذا يعتبر فيه الماء طهوراً؛ ولكن يوصف بكونه مكروهاً أو غير مكروه كما سيذكر.
(فإن تغير بغير ممازج).
الممازجة: امتزج الشيءُ بالشيءِ إذا دخل بعضه في بعضٍ، حتى لا تكاد أن تفرّقَ بينهما، أكرمكم الله الآن البول لو سقط على الماء يمتزج معه امتزاجاً كلياً، والملح إذا ذُوّبَ في الماء يمتزجُ به امتزاجاً كلياً.
فإذا تغير بشيء لا يمكن أن ينفك عنه فهذه ممازجة كاملة؛ لكن لو ألقيت السمن داخل الماء هل يمتزج امتزاجاً كلياً؟ لا يمتزج، كذلك عندما تلقي قطع العود في الماء تجد طعمها فيه؛ لكن هل هذا العود تحلل في الماء؟ ما تحلل.
إذاً التغير عندنا له حالتان: إما أن يتغير تغيراً مستحكماً فهذا سنذكره إذا تغير إلى طاهر أو إلى نجس.
وإما أن يتغير تغيراً ناقصاً كأن يضع فيه شيئاً لا يمازجه.
فقال: (كقطع كافور).
الكافور معروف، فإذا أخذ الإنسان من هذا الكافور قطعة ورماها في الماء فإنه يجد طعم الكافور، لكن هل الكافور تحلل تحللاً كاملاً في الماء؟ لا.
فيقولون: هذا التغير ليس تغيراً حقيقياً وليس بتغير كامل.
قال رحمه الله: (أو دُهن).
قال رحمه الله: (أو دهن) الدهنُ لا يمازج الماء، إذا وضع في الماء تجده ينفصل عنه، ولو جئت تطعم الماء لوجدت طعم الدهن فيه، فهو قد تغير، فالماء فيه دهن لكنه لم يمازجه ممازجة كاملة.
صورة المسألة: عندك إناء ماء أردت أن تتوضأ به، فجاء أحد أبنائك ورمى فيه قطعة من العود، أو رمى فيه قطعةً من الكافور، أو جاء إلى علبة سمن أو زيت ورماها في هذا الإناء، فتغير الماء، فيرد السؤال حينئذٍ: درست وتعلمت أن الماء الطهور هو الباقي على أصل خلقته، فهذا الآن حين تغير هل هذا التغير مؤثر؟ يكون

الجواب
أن هذا غير مؤثر، لكن يحكم عليه من ناحية الكراهة أو عدم الكراهة.
قال رحمه الله: [أو ملح مائي].
الملح: إما جبلي، وإما مائي.
والملح المائي: الذي يستخلص من الماء ويكون في الأراضي السبخة، يصب عليها الماء ثم يستخلص منها بطريقة معينة.
والملح الجبلي: هو عبارة عن معادن في الجبال يستخرج منها هذا الملح.
فقال: (ملح مائي) وخص المائي؛ لأنه لا يتحلل.
قال رحمه الله: [أو سخن بنجس كره].
مثلاً: رجل جاءَ إلى ماءٍ في يومٍ شديدِ البرد يريد أن يتوضأ أو يغتسل من الجنابة، فما وجد وقوداً إلا نجاسة -أكرمكم الله-، فجمع هذه النجاسة وأوقد النار فيها، ثم وضع إناء الماء على النجاسة، فاشتعلت حتى سخن الماء، فسخن الماء بالنجس.
فيرد

السؤال
هل الماء المسخن بالنجس يعتبر نجساً؟ ومعلوم أن رائحة الوقود تكون في نفس الماء إذا سخن به، وهذا معروف، فالحطب إذا أشعلته على القدر أو على الإناء المفتوح تجد طعم الحطب فيه، فقد تسخن الماء بالنجس وتجد أنه ربما تأثر بهذا النجس، لكن هل هو تأثر حقيقي ممازج أم منفصل؟ منفصل.
وبناءً على ذلك قال رحمه الله: (كره).
فنريد أن نضبط شيئاً واحداً وهو: أن الماء الطهور تغير، ولكن هل هذا التغير كامل أو ناقص؟ تغير ناقص ليس بكامل، فهذا فقه المسألة.
لا يهمك أن تحفظ أنه تغير بدهن أو بكافور لا داعي لحفظ هذه الأشياء، ولذلك الذي ضر كثيراً من طلاب العلم أنهم يجمدون على الألفاظ، فيجمد على اللفظ: تغير بقطع كافور أو دهن، فإذا نسي الدهن والكافور ما يحسن الجواب.
وفقه المسألة هو في المخالطة والممازجة وجوداً وعدماً، المهم أن يتغير بشيء لا يمازجه، فلو سُئلت الآن عن نوع من المياه سقطت فيه مادة كيماوية لا تتحلل في الماء ماذا يكون جوابها؟ تقول: نص العلماء رحمهم الله على أن الماء إذا تغير بغير ممازجٍ أنه يكره، وهذا المذكور قد تغير فيه الماء بغير ممازج فهو مخُرَّج على ما ذكروه من المكروه.
إذاً الضابط عندنا: هو عدم وجود الممازجة.
وقوله: (كره) المكروه: هو الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.
وبناءً على ذلك: إن تركت هذا الماء وتوضأت بغيره فأنت مثاب؛ لأنك تترك الشك إلى اليقين.
وما السبب في كراهية هذا النوع من الماء؟! عند العلماء قاعدة في المكروه وهي: الأشياء التي تتردد بين الحرام والحلال، فمذهب طائفة من المحققين من الأصوليين أنها تعطى حكم المكروه؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: حرام؛ لأن الشرع حكم بالحرمة للذي فوقها، ولا تستطيع أن تقول حلال؛ لأن الشرع حكم بالحل للذي دونها، فأصبحت مترددة بين الحلال والحرام فتقول: هي مكروهة.
ومن أمثلة ذلك كما مثل الأصوليون رحمهم الله: إسبال الثوب إذا نزل عن الكعبين قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل الكعبين ففي النار) فهو محرم، ثم ما فوق الكعبين: (أُزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف ساقيه) مباح.
بقي الإشكال في الذي يوازي الكعبين هل هو مباح أو حرام؟ تقول: هو مكروه؛ لأنه ليس عندك دليل يحرم ولا دليل يبيح، وإن كان بعض العلماء يقول: الأصل الإباحة فيجوز له، ومذهب المحققين أنه يبقى بين مرتبة الحل والحرمة، وهذا الذي تجدُ بعض السلف دائماً يقول: أي شيء هذا؟ وينفض يديه، يكرهه كله ورعاً عن التحريم والحل، فيصفونه بالكراهة.
كذلك عندنا هذا الماء لم يتغير تغيراً كاملاً إن جئت تقول: الأصل أنه طهور فالعبادة صحيحة، ويجوز للإنسان أن يتوضأ به، وإن جئت تنظر إلى التغير غير الكامل فيه تقول: والله أنا أشتبه فيه، فلذلك لا هو بالحرام المحض المتغير تغيراً كاملاً، ولا هو بالسالم سلامة كاملة فقالوا: هو مكروه.
واختلف العلماء هل يكره مطلقاً أو يكره بشرط وجود غيره؟ الشرّاح على أن الكراهة مطلقةً، كيف؟! صورة المسألة: لو عندك إناء من الماء وقع فيه عود أو كافور أو دهن، وإناء ثانٍ ليس فيه كافور ولا عود بل هو باقٍ على أصل خلقته، فبعض العلماء يقول: أنا أحكم بالكراهة بشرط وجود البديل.
وبعضهم يقول: أنا أحكم بالكراهة مطلقاً وجد البديل أو لم يوجد، وهما مذهبان مشهوران للعلماء رحمهم الله.
وكل ما تقدم هذا يعتبر من باب التغير غير الكامل؛ لأننا قلنا عندنا طهور تغير تغيراً غير كامل، وطهور تغير تغيراً كاملاً لكن بشيء يشق التحرز منه.
وقد تكلمنا عما تغير تغيراً غير كامل، وسنذكر الآن ما يشق التحرز عنه أي الشيء الذي لا يمكن للإنسان أن ينفك عنه.
(3/12)
________________________________________
حكم الماء المتغير بطول المكث وبما يشق صون الماء عنه
قال رحمه الله تعالى: [وإن تغير بمكثه أو بما يَشُقُّ صون الماء عنه].
نزل المطر فملأ حفرةً من الماء استمرت هذه الحفرة شهراً أو شهرين أو ثلاثة، فاحتجت يوماً أن تتوضأ من هذا الماء، فوجدت الماء قد تغير؛ لكن تغير بطول المكث في هذه الحفرة، يعني: لم يتغير بفعل فاعل وإنما بطول المكث، فالماء الآسن وهو الذي طال مكثه فتغير؛ فهل هذا التغير مؤثر أو غير مؤثر؟! قلنا: شرط الطهور بقاؤه على أصل الخلقة، وهذا لم يبق على أصل خلقته وإنما تغير، لكن تغير بطول المكث والزمان وهو باقٍ في هذا المستنقع أو الغدير.
[أو بما يَشُقُّ صون الماء عنه].
يعني: يعسر ويصعب صون الماء عنه، وهذا له حالات: تغير الماء بما لا تستطيع أن تصونه عنه، كأن تأخذ الماء وتضعه في قربة، وهي بطبيعتها تخرج رائحتها وتتأثر بالحر والبرد، فيتأثر الماء الموجود برائحة القربة، فهل تستطيع أن تصون الماء الموجود في القربة عن هذا التغير في الرائحة؟ لا يمكن.
كذلك لو أن النهر جرى أو السيل فهل يمكن حفظ مياه السيول عن التراب والغبار الموجود فيها؟! أبداً لا يمكن.
قال رحمه الله تعالى: [من نابتٍ فيه وورق شجر].
(من نابت فيه) مثلاً: لو أن هذا الماء الذي نزل إلى الحفرة أو المستنقع الموجود في هذا الموضع نبت فيه طحلب أو نبات الماء، فأصبحت رائحته برائحة النبات الموجود فيه، أو سقط فيه ورق شجر، وهذا كثير في البادية، يكون على البئر شجرة مثل شجر اللوز، وهذه الشجرة تسقط أوراقها فتقع في البئر، ثم تصبح رائحة ماء البئر كرائحة اللوز، فتتغير رائحته وقد يتغير طعمه؛ لكن تغير بورق الشجر الذي يشق صون البئر عنه، فهذا جائز دون كراهة.
قال رحمه الله: [أو بمجاورة ميتة].
حفرة فيها ماء وماتت وبهيمة من إبل أو بقر أو غنم بجوار هذا المستنقع، فهذه لها حالتان: الحالة الأولى: أن تلتصق بالغدير.
الحالة الثانية: أن تكون بعيدة عن الغدير بينها وبينه فاصل، قليلاً كان أو كثيراً.
فبالطبيعي أنها إذا كانت ملتصقة بالماء أنه سيتأثر إلا إذا كان مستبحراً، ونحن كلامنا في الماء المستنقع الذي يتأتى منه التأثر.
أما إذا كانت بعيدة فكيف يتأثر الماء؟! يتأثر بالرائحة، كأن تهب الريح على الميتة، فتأتي رائحة الميتة على سطح المستنقع، فإذا جئت تطعم ماء المستنقع وجدت فيه رائحة الميتة أو طعماً متغيراً عن أصل الخلقة.
فيرد

السؤال
الميتة نجسة، والماء أصبحت رائحته رائحة الميتة، وقد درست أنَّ الماءَ إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته أنه يتأثر، فيقال لك: لا؛ إذا كانت الميتة بعيدة لم تلتصق فإنها لا تؤثر، ولذلك قال: (أو بمجاورة ميتة).
ولم يقل: بملاصقة ميتة، ولذلك إذا جاورت الميتة الماء لا تضر مطلقاً؛ لكن إذا التصقت ضرت في اللون والطعم، واختلف في الرائحة: فقال بعضهم: تؤثر.
وبعضهم قال: لا تؤثر.
وقد أشار بعض العلماء إلى ضبط هذه المسألة بقوله: ليسَ المجاورُ إذَاْ لمْ يلتصقْ يضرُّ مطلقاً وضَرَّ إن لصقْ في اللونِ والطعمِ بالاتفاقِ كالريحِ في معتمدِ الشقاق (ليس المجاور إذا لم يلتصق) يعني: هذه الميتة، (يضر مطلقاً) أي: لا يضر مطلقاً إذا كانت بعيدة عن الماء، سواءً انتقلت رائحتها أو نحوها كلها لا تؤثر.
(وضر إن لصق، في اللون والطعم) أي: إذا تغير لون الماء الموجود في المستنقع وطعمه.
في اللون والطعم بالاتفاق كالريح في معتمد الشقاق اللون والطعم بالاتفاق، والرائحة على الراجح من الخلاف، فإن تغير ريحه فإنه يؤثر على أرجح أقوال العلماء.
قال رحمه الله: [أو سخن بالشمس].
أُخذ الإناء ووضع في الشمس وسخن فيه ماء.
والمسخن بالشمس فيه أثر عن عمر لكنه ضعيف، والصحيح أن المسخن بالشمس يجوز الوضوء به؛ لكن قال بعض الأطباء: إنه يورث البرص والمرض في الجلد، ولذلك إذا صح قول الأطباء أنه يؤثر على الصحة مُنِعَ منه لعارضٍ، لكنه طهور.
قال رحمه الله: [أو بطاهر لم يكره].
أي: جاز للإنسان استعماله إن سخن بطاهر، كأن يضع الحطب فيوقد على الماء حتى يتوضأ به في البرد، فتصير رائحة الماء رائحة الحطب أو الفحم، فلا يؤثر هذا فيه (لم يكره) أي: جاز لك أن تتوضأ به دون كراهة.
(3/13)
________________________________________
الأدلة على ما تقدم من أحكام المياه
عرفنا أول شيء معنى الطهارة، ولماذا قدم العلماء الكلام على الطهارة؟ ثم ذكرنا أن الطهارة منها ما هو طهارة حدث، ومنها ما هو طهارة خبث.
وطهارة الحدث تنقسم إلى قسمين: حدث أصغر، وحدث أكبر.
وأن المراد بطهارة الخبث طهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة والقذر المؤثر في العبادة.
ثم بعد ذلك قلنا: إن المصنف سيبتدئ الكلام عن المياه؛ والسبب في ذلك أن الطهارة لا تحصل إلا بماء، والكلام عن الماء مقدم على الكلام عن صفة الوضوء والغسل بذلك الماء.
وقلنا: إن الماء إما طهور باقٍ على أصل خلقته، وإما طاهر، وإما نجس.
ثم ذكرنا الطهور وضابطه وحقيقته، وأنه إن تغير بما يشق التحرز عنه أو يصعب على المكلف أن يصونه منه فإنه يجوز له أن يتوضأ به لكن مع الكراهة.
ثم بعد ذلك تكلمنا على الحالة الأخيرة وهي فيما إذا كان يشق صون الماء عنه جاز بدون كراهة، وأما إذا تغير تغيراً ناقصاً فإنه يكره، أي: الطهور، فإما أن يبقى على أصل خلقته فلا إشكال، وإما أن يتغير تغيراً ناقصاً بطاهر أو نجس فهذا حكمه الكراهة، وإما أن يتغير بما يشق التحرز منه فحكمه الجواز بدون كراهة.
وإن كان تغير تغيراً كاملاً بما يشق جاز بدون كراهة، هذا الذي كنا نتحدث فيه.
ونريد الآن جملة واحدة وهي قضية الأدلة: عرفنا أولاً أن الطهور هو الأصل، والدليل قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] وقوله عليه الصلاة السلام عن البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فلم يقل صلوات ربي وسلامه عليه: هو الطاهر، لكن قال: (هو الطهور) وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
وهذا الماء الباقي على أصل خلقته العلماء مجمعون بدون خلاف على أن الماء الباقي على أصل خلقته أنه يتوضأ ويغتسل به من الجنابة، ولذلك لما سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن بئر بُضاعة وما يلقى فيها من النتن والحِيَض قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) فردها إلى أصل خلقتها في ماء البئر.
وعلى هذا فكل ماء باق على أصل خلقته سواء نزل من السماء أو خرج من الأرض فهو على الطهارة، دليلنا على ذلك النصوص.
أما إذا نزل من السماء فقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] وأما إذا خرج من الأرض: فحديث بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء).
وأما إذا كان جارياً على وجه الأرض: فقوله عليه الصلاة والسلام في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) هذا على وجه البحر، ولتوضئه عليه الصلاة السلام من المزادة وغيرها مما ثبتت به الأحاديث الصحيحة، إذاً كل ماء على أصل خلقته هو طهور.
ننتقل إلى المسألة الثانية: كيف حكمتم بجواز الوضوء من ماء يشق التحرز عنه؟ وكيف حكمتم بالكراهة من ماء تغير تغيراً ناقصاً؟ فتقول: دليلنا على الحكم بصحةِ الوضوءِ من ماء يشق التحرز عن ما خالطه وغيره: أنَّ تكاليف الشرع مرتبطةٌ بالإمكان، ولذلك يقولون في القاعدة: التكليفُ شرطه الإمكان.
ودليل هذه القاعدة قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] فجعل التكليف مرتبطاً بالإمكان، فكل ما بإمكان المكلف يكلَّف به، وما ليس بإمكانه لا يكلَّف به.
إذاً لا يكلف ما لا طاقة له به: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] هل بوسعك أن تزيل هذا؟ ليس بوسعك، إذاً لا تكلف! ولذلك القاعدة المجمع عليها: المشقة تجلب التيسير من فروع هذه القاعدة: الأمر إذا ضاق اتسع، فهنا ضيق، فهذا الشخص الذي يشق عليه التحرز عنه لو قلت له: لا يجوز الوضوء به، ضاق به الأمر، فَيُوَسَّع عليه في جواز الوضوء، هذه الحالة الثانية إذا شق التحرز عنه.
أما الدليل على كراهية ما إذا تغير تغيراً ناقصاً فقد بينّا ذلك ضمن الكلام، وقلنا: إنه ليس بالمباح، أي: ليس بماء باق على أصل خلقته، ولا بماء متغير، فبقي متردداً بين المأذون به وغير المأذون به، فأعطي حكم الكراهة.
وعلى هذا نكون قد انتهينا من الثلاث الجمل بأدلتها ومعانيها وأمثلتها، والله تعالى أعلم.
(3/14)
________________________________________
الأسئلة
(3/15)
________________________________________
حكم تغير الماء إلى البياض حال الضخ بالمكائن

السؤال
سؤالي عن الماء الذي يؤتى في القرب من الحرم، فذلك الماء يتغير بمسحوق أبيض معقم فما هو حكمه؟

الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
هذا الماء البياض الموجود فيه ناشئ عن ضغط مكائن الضخ، وهذا موجود في كل ماء يُضخَ، فمع فعل الضخ وقوة الضخ وقوته أحياناً يخرج الماء كالأبيض فتظنه ماءً كالحليب، وهو في حقيقته ماء طهور باقٍ على أصل خلقته.
فإن كان كما ذكروا أنه يبيض بالضخ وهو باقٍ على أصل خلقته فحينئذٍ لا إشكال ويعتبر ماءً طهوراً، والعبرة في ذلك بشهادة من يعرف الحال لا بحكم الناس عليه؛ لأن الناس يظنون أنه ماء فيه دقيق، حيث ينظرون إليه ويرون فيه البياض فيظنون أنه قد خلط بالدقيق، والواقع أنه كما يذكرون عنه أنه ناشئ عن الضخ، وإذا كان ناشئاً عن الضخ فما حكمه؟ هو باقٍ على أصل خلقته لم يتغير لونه؛ لأن هذه الفقاقيع البيضاء لا توجب تغير اللون الحقيقي، فهو على حقيقة لونه، مثل: تغير مياه البحار إلى الزّرقة الشديدة، فإنها لا تؤثر، فكذلك مع الضخ إذا تغير إلى البياض، بفعل التكرير وكثرة الضخ هذا لا يؤثر، ولا يعتبر مؤثراً وموجباً لزوال وصف الطهورية.
(3/16)
________________________________________
خلاف الفقهاء في نقض النوم للوضوء

السؤال
ذكرتم -حفظكم الله- أن في معنى الحدث النوم عند من يراه ناقضاً للوضوء، ففهمت من هذه العبارة أن النوم مختلف فيه، نرجو بيان هذا؟

الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالأمر كما فهمت وهو صحيح، فإن العلماء رحمهم الله سلفاً وخلفاً اختلفوا في النوم.
فقال بعض العلماء: النوم ناقضٌ مطلقاً، وهذا القول يرى أن النوم على أي صفة وقع ينقض الوضوء، سواءً نام قاعداً أو مستلقياً أو منكباً على وجهه، وسواءً نام نوماً مستغرقاً أو نوماً يسيراً، فبمجرد أن تخفق عينه فهو نائم ينتقض وضوءه.
واحتجوا بحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: (أمرنا ألا ننزع خِفَافَنَا ثلاثةَ أيامٍ من بولٍ أو نوم).
وجه الدلالة: أنه قال: (أو نوم) ولم يفرق بين نوم وآخر، وقرن النوم بالبول والغائط، فدل على أنه حدث، يعني أنه آخذ حكم الحدث، فقالوا: إن هذا يدل على أن النوم مؤثر.
القول الثاني يقول: النوم ليس بناقض مطلقاً.
واحتجوا بحديث أنس الثابت في الصحيحين أنه قال: (أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء، فخرج عمر يصرخ يقول: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والصبيان، فخرج صلى الله عليه وسلم ورأسه يقطر يقول: والذي نفسي بيده إنه لوقتها لولا أن أشق على الناس أو على أمتي).
وفي رواية عن أنس في السنن عند أبي داود وغيره: (كان الصحابة ينامون حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون) قالوا: هذا يدل على أن النوم ليس بناقض مطلقاً.
وذهب أصحاب القول الثالث إلى التفريق بين نوم القاعد الممكن مقعدته من الأرض، ونوم القاعد غير ممكن مقعدته من الأرض، وهذا هو مذهب الشافعية رحمة الله عليهم، والذين قالوا: إنه ناقض مطلقاً، طائفة منهم ربيعة.
والذين قالوا: ليس بناقض مطلقاً هم الظاهرية.
والذين قالوا: إنه ناقض في حال عدم تمكين المقعدة هم الشافعية، قالوا: إذا نام ممكناً مقعدته من الأرض لم ينتقض وضوءه، وإن نام على وجهه أو على جنبٍ أو مستلقياً انتقض وضوءه.
ودليلهم: أنهم جمعوا بين الحديثين، قالوا: حديث: (من بولٍ أو نومٍ) يدل على أن النوم ناقض، وحديث كان الصحابة ينتظرون العشاء هذا في حال كونهم ممكنين مقاعدهم من الأرض، وعلى هذا ينتقض نوم من كان نائماً مستلقياً لحديث صفوان وهو الأصل، ونستثني ما ورد الشرع بعدم اعتباره ناقضاً، هذا مذهب الجمع للشافعية.
القول الرابع: وهو مذهب الحنفية، زادوا على قول الشافعية: إذا نام راكعاً أو ساجداً، قالوا: إنه لا ينتقض وضوءه حتى ولو نام في الصلاة، واحتجوا بما جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام من الله تعالى: (إذا نام العبد في صلاته وهو ساجد باهى الله به ملائكته وقال: انظروا إلى عبدي! روحه عندي ساجد بين يدي) وهو حديث ضعيف بل باطل، وذكر الإمام ابن الجوزي في العلل المتناهية أنه ليس بصحيح.
القول الخامس في المسألة يقول: إن العبرة في النوم بزوال الشعور، وهو مذهب المالكية والحنابلة وهو الصحيح -إن شاء الله- في هذه المسألة، فإن كان الذي نام قد زال شعوره ولو كان نومه يسيراً قاعداً أو قائماً أو مستلقياً انتقض وضوءه، وإن كان لم يَزُل معه الشعور لم ينتقض وضوءه.
الحنابلة فرقوا بين القليل والكثير، والمالكية ضبطوه بالشعور، وهذا القول في الحقيقة هو أصح الأقوال في المسألة، أن العبرة بالشعور، فإذا نام الإنسان وشعر بالخارج فهذا لا ينتقض وضوءه بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي ومعاوية: (العين وكاء السَّهِ فإذا نامت العين استطلق الوكاء).
فهذا يدل على أن الناقض في النوم هو زوال الشعور وليس مطلق النوم، وكذلك حديث: (رقد النساء والصبيان).
وعلى هذا فمن نام شاعراً بنفسه لم ينتقض وضوءه، ولو نام ساعات ومعه الإحساس والشعور لا ينتقض؛ لكن لو زال شعوره ولو لحظة انتقض وضوءه.
والسؤال: كيف يفرق الإنسان بين الشعور وعدمه؟ بعض العلماء يقول: من أمثلة ذلك: لو كان بيده شيء فسقط ولم يشعر به دل على زوال شعوره، كما لو كان يكتب بقلم، ثم ما شعر إلا والقلم سقط دون أن يعلم بسقوطه، دل هذا على أنه قد زال شعوره، فيلزمه الوضوء من هذا النوم.
وقيل: من أمثلته: أن يجلس القوم بجواره يتجاذبون الحديث فلا يفرق بين كلامهم، ولا يستطيع أن يُدْرِك معنى الحديث فيغيب عنه بعض معانيه، أو مرادهم بالأحاديث، فيصبح يسمع الأصوات فقط ولا يعي معناها، فإذا بلغ إلى درجة سماع الأصوات دون وعي لمعناها فقد زال عنه الشعور، وهذا ضابط صحيح.
وعليه فإن أصح الأقوال في النوم أن العبرة بالشعور، فإن لم يكن عنده الشعور انتقض وإلا فلا، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضطجع بين الأذان والإقامة ثم يؤذِنه بلال بالصلاة؛ وكان يضع كفّهُ تحت خده الأيمن صلوات الله وسلامه عليه، وهذه نومة المضطجع، ومع هذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: (تنام عيني ولا ينام قلبي) ولهذا قالوا: إن وضوءه لا ينتقض بالنوم من هذا الوجه.
والله تعالى أعلم.
(3/17)
________________________________________
حكم العطور المحتوية على كحول من جهة الطهارة

السؤال
هل العطور التي يوجد فيها كحول تنجس الثوب؟

الجواب
هذا يختلف، فإن كانت النسبة تؤثر حتى يصبح متنجساً فحينئذٍ حكمه حكم النجس، ولا يجوز أن يصلي به حتى يغسله، وسنبين -إن شاء الله- ذلك في الدرس القادم من جهة النجاسة متى تكون مؤثرة ومتى تكون غير مؤثرة.
فإن كانت نسبة مادة السبيرت التي هي الكحول مؤثرة أي: غالبة، فإنه في هذه الحالة لا يجوز أن يصلي به.
ونجاسة الخمر هو قول الأئمة الأربعة، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: الخمر نجسة باتفاق الأئمة الأربعة، ولم يحكِ قولاً مخالفاً تضعيفاً للمخالف في هذا.
وكذلك قال ابن رشد في بداية المجتهد: إلا خلافاً شاذاً، أعني: القول بطهارتها؛ والسبب في ذلك ظاهر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ} [المائدة:90] فإنه نص على كونها رجساً.
فلو قال قائل: إن الرجس هنا المعنوي، بدليل ذكر الأنصاب والأزلام، نقول: إن الأصل حَمْلُ اللفظِ على حقيقته من نجاسة الحس والمعنى حتى ينتفي الوصفُ بنجاسة الحسن، فانتفت نجاسة الحس في الأنصاب والأزلام لدلالة الظاهر والحس، فبقيت الخمر على الأصل، وقد تكلم العلماء على هذا.
أما الاستدلال الذي استدلوا به على طهارتها من أنها أُرِيقتْ على الأرض وَجَرَتْ بها سكك المدينة، وكان الصحابة يصلون في أحذيتهم، وحديث المزادتين، فقد أجاب العلماء عنه، وللشيخ الأمين رحمة الله عليه في أضواء البيان بحث نفيس في تفسير آية المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة:90] بين فيه نجاستها وبين أن قوله: (حتى جرتْ بها سككُ المدينة) أسلوبٌ عربي يُراد به التكثير لا الحقيقة، كقولك: امتلأ المسجدُ، فإنه ليس المراد أن كل بقعةٍ من المسجدِ عليها أحد؛ إنما المراد امتلأ المسجد بالناس أي: كثر الناس في المسجد، فقولهم: امتلأت بها سكك المدينة أي: كثرت في سكك المدينة.
الوجه الثاني: أنه لو سُلِّمَ أنَّ الصحابةَ وطئوها بنعالهم، فإن وجه الاستدلال يقوم على أنهم وطئوها بنعالهم ثم صلوا في النعال.
ثم إنه إذا وطئ النعل النجاسة ثم مشى على أرض يابسة فقد طَهرت الحذاء، وقد ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي إذا أراد أن يدخل المسجد إن وجد الأذى في نعله أن يدلكها بالأرض ثم يصلي فيها).
فإذاً كونها تصيبها الأنعل لا يدل على طهارتها؛ لأنها قد طهرت بوطء اليابس من الأرض بعد الرطب منها.
وكذلك أيضاً في حديث المزادتين قالوا: سكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر صاحب المزادتين بغسلهما، وحديث المزادتين أصله: أن رجلاً كان صديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، فلما كان يوم حنين قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأهدى له مزادة خمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أما علمت أن الله حرمها؟ فقام رجل وسارَّ صاحب الخمر في أذنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بمَ ساررته؟ -يعني: ما الذي قلت له؟ - قال: أمرته يا رسول الله أن يبيعها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرَّمَ شُرْبَها حرَّم ثمنها، ففتح الرجل المزادة حتى أراقها على الأرض) قالوا: إنه لم يأمره بغسل المزادة، وهذا ليس بقوي؛ لأنه من المعلوم بداهةً أنه سيغسلها، فإن المزادة لو وضعت فيها لبناً ثم أفرغت اللبن ما الذي تفعل؟ -تغسلها منه، هذا معلوم بداهة.
ثم لو قيل بهذا القول لصح لقائل أن يقول: يجوز للإنسان إذا أفرغ مزادة خمرٍ أن يملأها باللبن مباشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بغسلها، وهذا ما يقول به أحد!! فنقول مباشرة: إنه لم يأمره بغسلها للعلم به بداهة.
فإذاً: الصحيح أنها نجسة، وإن ترجح عند الإنسان القول بطهارتها فإنه لا حرج عليه في هذه الحالة أن يصلي وعليه هذه الكحول ولو كان ترجح عنده في السابق طهارتها وصلى فصلاته صحيحة.
أما بالنسبة للقول الصحيح المعتبر فهو قول جماهير العلماء أنها نجسة وعليه الفتوى، واختاره غير واحد من أئمة العلم رحمة الله عليهم، والأدلة التي استدل بها على طهارتها لم تقوَ على معارضة ظاهر القرآن، فإن ظاهر القرآن في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ} [المائدة:90] أبلغ في الاعتبار من أدلة جريان السكك بالخمر، والمزادة، فإن دلالة (رجس) على النجس أبلغ من دلالة المعنى الموجود في الحديثين.
وجماهير السلف رحمة الله عليهم على هذا القول، وكتب العلماء في الفتاوى مملوءة بهذا الحكم، ومن راجعها يعرفها، ومن راجع التفاسير يدرك أن هذا هو قول جماهير السلف والخلف رحمة الله عليهم.
حتى إن شيخ الإسلام رحمة الله عليه لماّ حكى نجاستها قال: الخمر نجسة باتفاق الأئمة الأربعة، ولم يحكِ قولاً مخالفاً تضعيفاً للقول بطهارتها؛ لأنه كان رحمه الله يعتني بالأقوال المخالفة التي لها عمدة ولها أصل، ولذلك الذي تميل إليه النفس القول بنجاستها، وعلى هذا فلا يجوز أن تكون في بدنٍ ولا ثوبٍ ولا مكان.
لكن متى يحكم بكون هذا الوعاء أو هذا العطر نجس؟! شرط الحكم أن تكون فيه نسبة مؤثرة، أما لو وضعت نسبة من الكحول ليست مؤثرة لا تغير لوناً ولا طعماً ولا رائحة فإنه في هذه الحالة لا يحكم بنجاسة العطر، والمرد في ذلك إلى أهل الخبرة؛ لأن كل نوع من العطور فيه نسبة معينة مكتوبة إما 2% أو 10% أو 20% وأحياناً 25%، فهذه النسب يرجع فيها إلى قول أهل الخبرة، فإن أثرت فهي نجسة وإلا فلا.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(3/18)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - أحكام المياه [2]
إن العبد مطالب أن يتطهر ويستعمل الماء في الغسل والوضوء إذا أراد الصلاة والوقوف بين يدي ربه سبحانه، والطهارة لا بد لها من فقه وعلم؛ إذ كيف يميز العبد بين الطاهر والطهور والنجس إلا إذا فهم القواعد والأصول عند الفقهاء التي يعرف بها الفرق بين أنواع المياه، وضابط كل نوع، ومن ثم يعرف الماء الذي يصلح للطهارة من غيره.
(4/1)
________________________________________
أحكام ومسائل في الماء الطهور
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى جميع من سار على نهجه إلى يوم الدين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن استعمل في طهارة مستحبة].
تقدم أن ذكرنا أن العلماء رحمهم الله قسموا المياه إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: ماء طهور، والقسم الثاني: ماء طاهر، والقسم الثالث: ماء نجس، ثم ابتدأنا ببيان الماء الطهور، وهو الماء الذي شرع الله للمكلف أن يتوضأ ويغتسل به من الجنابة ونحوها، وكذلك يزيل به القذر والنجس العالق بثوبه أو بدنه أو مكانه.
ثم تكلمنا على بعض المسائل المتعلقة بالماء الطهور، وهي تتلخص فيما إذا ألقي في الماء شيء خارج هل يؤثر فيه أو لا يؤثر، ذكرنا ذلك كله.
وسنبتدئ ببعض المسائل المتعلقة بتغير الماء إما إلى طاهر أو إلى نجس، فالماء الذي أوجده الله جل وعلا على أصل الخلقة والذي شرع لك أن تتوضأ وتغتسل به، قد يستعمله الإنسان في غسل مستحب، قال المصنف: (وإن استعمل في طهارة مستحبة) بمعنى أنك إذا توضأت بهذا الماء وضوءاً غير واجب، أو اغتسلت به غسلاً غير واجب، ثم جمعت هذا الماء الذي توضأت أو اغتسلت به في إناء، فجاء غيرك يريد أن يتوضأ به أو يغتسل به وضوءاً أو غسلاً واجباً، هل يصح إيقاع الوضوء بماء قد استعمله الإنسان في طهارةٍ مستحبة؟
(4/2)
________________________________________
استعمال الماء في تجديد الوضوء أو الغسل
استعمال المياه في الوضوء أو الغسل له صورتان: الصورة الأولى: أن يتوضأ الأول ويغتسل وضوءاً وغسلاً واجباً، مثال ذلك: أذن مؤذن الصلاة للمغرب، فتوضأت في طشت، فجمع الطست فضلة الماء الذي توضأت به، فجاء آخر يريد أن يتوضأ بفضلة الماء الذي توضأت به لوضوءٍ واجب، فلو توضأ بهذا الوضوء أيصح وضوءه أو لا؟ هذه المسألة ستأتينا -إن شاء الله- في الماء الطاهر.
الصورة الثانية: أن تغسل الأعضاء في صورة مستحبة، سواءً كان ذلك وضوءاً أو غسلاً، ومثل المصنف لها بقوله: [كتجديد وضوء وغسل جمعة].
أولاً: معنى تجديد الوضوء: أن يتوضأ الإنسان وضوءاً كاملاً، ثم بعد أن ينتهي من الوضوء، إما بزمان يسير، أو بزمان كبير كساعة ونحوها، يريد أن يعيد الوضوء مرة ثانية، هذا التجديد.
دليل مشروعيته ما ثبت في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) فدل هذا الحديث على مشروعية تجديد الوضوء بالجملة الأولى، فإن السائل لما قال: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟) أي: يا رسول الله! لو كنا على وضوء، فأكلنا لحم الغنم هل ينتقص هذا الوضوء؟ فقال: (إن شئت)، فأجاز أن يوقع وضوءاً ثانياً غير واجب عليه، فأخذ العلماء من هذا دليلاً على مشروعية إيقاع الوضوء، ولو كان ذلك مرتين أو ثلاثاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان الوضوء غير مشروع لقال: لا تتوضئوا، وإنما قال: (إن شئت)، فخيره.
وللعلماء تفصيل في مسألة تجديد الوضوء.
لكن الذي يهمنا هنا أن تجديد الوضوء مشروع، والدليل على مشروعيته حديث جابر الذي ذكرنا، يبقى

السؤال
لو أن إنساناً أخذ الماء الطهور -الذي تقدم ذكره- فتوضأ به لصلاة المغرب وضوءاً وكان قد توضأ قبل ذلك، فالعلماء يسمون طهارة الوضوء الثانية طهارة مستحبة، لقوله: (إن شئت)، أي: حبذ فيه الشرع، وهذا مثال لتجديد وضوءٍ.
(وغسل جمعةٍ) هذه الكلمة فيها فائدتان: أولاً: دقة المصنف حيث جاء بطهارة صغرى مجددة كتجديد وضوء، وطهارة كبرى مجددة كغسل جمعةٍ.
وغسل الجمعة الصحيح وجوبه، وسنتكلم على وجوبه ودليل وجوبه في كتاب الجمعة إن شاء الله، لكن المصنف يسلك مسلك الجمهور من عدم وجوب الغسل للجمعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) واختلف في إسناد الحديث، وسنتكلم عليه إن شاء الله.
فقال المصنف ومن وافقه: إن غسل الجمعة ليس بواجب، فعلى القول بأن غسل الجمعة ليس بواجب، لو أن إنساناً اغتسل الجمعة داخل موضع يحفظ ماء الغسل كالموجود الآن من البرك الصغيرة، ولكن هذا الغسل ليس بواجب، إنما هو غسل مستحب، هذا المثال الثاني: (وإن استعمل) أي: الماء الطهور (في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة).
قال رحمه الله: [وغسلة ثانية وثالثةٍ كره].
الغسلة المستحبة تأتي على صورتين: إما أن تأتي الغسلة المستحبة في طهارة كاملة: كالوضوء والغسل من غير جنابة -أي: من غير الواجب- فهذه طهارة مستحبة كاملة للأعضاء كلها، وقد تأتي بإعادة غسل الأعضاء مرة ثانية وذلك بالغسلة الثانية والثالثة.
صورة هذه المسألة: لو أن إنساناً ترجح عنده قول بعض العلماء الذين يرون أن استعمال الماء في وضوء أو غسل يوجب سلبه الطهورية، فقال: أنا أحافظ على هذا الماء، فالغسلة الأولى التي أغسل بها وجهي هذه واجبة، فلا أحفظ ماءها، ولكن أغتسل الغسلة الثانية والثالثة للوجه فأحفظ الماء المتساقط منها، ثم غسل يده فغسل الغسلة الأولى للفرض، ثم غسل الثانية والثالثة استحباباً، وحفظ ماء الغسلة الثانية والثالثة، حتى انتهى من جميع أعضاء الوضوء.
فإن الماء في الغسلة الثانية والثالثة لم يفرضه الله على المكلف، بدليل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة)، فأصبحت المرتان والثلاث فضلاً لا فرضاً، فهذا الفضل الذي ليس بفرض، لو أن إنساناً حفظ ماءه ثم جاء ثانٍ يريد أن يتوضأ به، فسألك: ما الحكم؟ ومراد المصنف من ذكر هذه الثلاثة الأحوال كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية وثالثة أن تحفظ القاعدة، وهي: إيقاع طهارة ليست بواجبة.
(وغسلة ثانية وثالثة كره).
أي: أن هذا الماء المستعمل في الطهارة الغير الواجبة يجوز أن يتوضأ به الإنسان ولكن على سبيل الكراهة، والسبب في ذلك ما سبق بيانه، فإن أصحاب هذا القول يرون أن استعمال الماء لوضوء وغسل واجب يسلبه الطهورية كما سنبينه.
وإذا استعمل في طهارة مستحبة فهو متردد بين الطهور السالم والطهور غير السالم فيعطى حكم الكراهة على القاعدة التي سبق بيانها (كره) المكروه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، والصحيح أن من استعمل الماء في طهارة مستحبة لم يكره لغيره أن يتوضأ ويغتسل بذاك الماء، وسنبين ذلك -إن شاء الله- ونبين أدلته وأقوال العلماء فيه.
(4/3)
________________________________________
تحديد القليل والكثير من الماء بالقلتين
قال رحمه الله: [وإن بلغ القلتين وهو الكثير].
أي: اعلم رحمك الله لو أن هذا الماء الذي شرع الله لك أن تتوضأ به -وهو الماء الطهور- بلغ قلتين، والأصل في القلتين حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) وهذا الحديث صحح إسناده غير واحد، وارتضى الحافظ ابن حجر كما في التلخيص والفتح صحته، والعمل عند جمع من العلماء إما على حسنه أو على صحته، وقال طائفة من العلماء: إنه ضعيف، كما اختاره بعض المحققين ومنهم الإمام الحافظ ابن عبد البر، والإمام ابن القيم رحمة الله على الجميع.
وعلى العموم بناء على هذا الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، قال لك المصنف: لو أن هذا الماء الطهور بلغ قلتين فهو الكثير.
(وهو الكثير).
كلمة: (وهو الكثير) اصطلاحية، بمعنى: أنها ستمر عليك في ثنايا كلام الفقهاء وفتاويهم، فإن قال العالم: يجوز ذلك في الماء الكثير، ولا يجوز في القليل، يؤثر في الكثير ولا يؤثر في القليل، أو العكس، فعندهم أن الكثير هو الذي بلغ قلتين، بناء على مذهب من يقول بصحة هذا الحديث والعمل به، وسنبين مسألة القلتين -إن شاء الله- في موضعها.
قال رحمه الله: [وهما خمسمائة رطل عراقي تقريباً].
حديث القلتين -كما قلنا- اختلف العلماء في سنده، والواقع أنه وإن صح الحديث فإن متنه لا يدل على اعتبار القلتين فاصلاً؛ لأن ذلك من باب المفهوم، وليس من باب المنطوق، وهو المفهوم الذي يسميه الأصوليون: مفهوم العدد، وفي مفهوم العدد خلاف، ورجح غير واحد عدم اعتباره، وقد تكلمت على هذه المسألة ببسطها وبيان أدلتها وأقوال العلماء والجواب عن هذا الحديث في شرح بلوغ المرام.
لكن الخلاصة أن اعتبار القلتين فرقاً بين القليل والكثير مرجوح، والصحيح -كما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله وجمع من المحققين- أن الماء العبرة فيه بأن يتأثر لونه أو طعمه أو ريحه، وأما أن يجعل العبرة فيه بالقليل والكثير فهذا لا يراه المحققون، وبينا وجه ذلك ودليله، لكن هنا لما كان المصنف يرى أن القلتين فرق بين القليل والكثير احتجنا أن نبين مسألة القلتين: فعند العلماء أن القلتين مثنى قلة، والقلة: ما يقل، بمعنى: يحمل، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا} [الأعراف:57] أي: احتملته الريح.
وسميت قلة لأنها تحمل باليد، وهي الجرة، أو الشراب الموجودة الآن وتسمى في العرف: الشربة، أو الزير الصغير الذي يحمل باليد، ولا يزال إلى الآن بعض أهل البادية يحملونه ويستسقون به، يضعون فيه الماء من الآبار ويجلبونه إلى منازلهم، وهذه القلة تقل باليد، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) بمعنى: أنه لو وقعت فيه نجاسة لم تغير لونه أو طعمه أو رائحته فإنه طهور، وينبغي أن ننبه على أمور هي: هناك ماء بلغ القلتين، وهناك ماء دون القلتين، وهناك ماء فوق القلتين، فأصبح الماء له ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون دون القلتين.
الحالة الثانية: أن يكون بلغ القلتين.
الحالة الثالثة: أن يكون فوق القلتين.
فإن كان دون القلتين، مثلاً: فرضنا أنه قلة واحدة، ومن أمثلتها السطل الموجود الآن، لو أن إنساناً كان عنده ماء على قدر السطل، فهذا يسمى ماء دون القلتين، إذا كان دون القلتين ووقعت فيه نجاسة فعلى حالتين: الحالة الأولى: مثلاً: عندك سطل فيه ماء، وجاء صبي وألقى فيه نجاسةً، أو سقطت منك نجاسة في السطل، فإن تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه بالنجاسة فبالإجماع أنه نجس، سواء كانت النجاسة مائعة أو جامدة.
وإذا كان نجساً فلا يجوز لك لا أن تتوضأ به، ولا أن تغتسل به، ولا أن تزيل به النجاسة؛ لأنه نجس بذاته.
الحالة الثانية: أن يلقي النجاسة في الماء فلا يتغير لونه ولا طعمه ولا رائحته، كقطرة بول -أكرمكم الله- ألقاها في السطل، فهل هذه القطرة تمنع من الوضوء والاغتسال من هذا السطل؟ أو وضع الإنسان بمكان غسله سطل ماء فتطاير رذاذ نجاسةٍ على السطل، فشك هل تطاير النجاسة إلى هذا السطل يمنع من الوضوء به؟ مع أنه لم يتغير الماء لا لونه ولا طعمه ولا رائحته، فهذا محل الخلاف بين العلماء.
فمن يقول: أعتبر القلتين يقول: كل ما كان دون القلتين إذا وقعت فيه نجاسة، ولم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، فإني أحكم بكونه نجساً ولو لم يتغير، وهذه فائدة اعتبار القلتين، فهو إذا كان دون القلتين وتغير فبالإجماع ينجس، لكن إذا لم يتغير فعند المصنف وغيره من العلماء وهو مذهب الشافعية والحنابلة أنه يحكم بنجاسته بمجرد وقوع النجاسة فيه.
وهكذا لو وقع فيه عطرٌ، أو شيء طاهر من مسك أو زعفران ونحوه، إذا وقع في هذا الماء الذي في السطل نقطة منه، ولم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، يقولون: هذا طاهر وليس بطهور.
لكن مذهب المحققين وهو مذهب الظاهرية والمالكية واختيار شيخ الإسلام رحمة الله عليه أن العبرة بتغير الماء، فإن وقعت هذه النجاسة وغيرت لون الماء الموجود في السطل أو طعمه أو ريحه حكم بنجاسته، أما إذا لم تغيره فليس بنجس، وهذا هو الصحيح.
الحالة الثالثة: إذا بلغ الماء فوق القلتين، فلا ينجس ولا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته، فلو سألك سائل عن بركة ماء -البركة تبلغ القلتين وزيادة- وقعت فيها نجاسة هل يجوز له أن يغتسل من هذه البركة أو يتوضأ منها؟ تقول له: إن تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه فالإجماع أنه لا يجوز الوضوء من هذه البركة، أما إذا لم يتغير شيء من أوصافه فالإجماع على جواز التطهر منها، وإن كان هناك بعض الخلاف يحكيه بعض العلماء على مسألة البول في الماء الراكد سنبينه إن شاء الله.
فعندنا مذهبان: مذهب يقول: الفرق عندي بين الماء القليل والكثير هو القلتان.
ومذهب يقول: المهم عندي تغير الماء بالطاهر والنجس، وهذا هو الصحيح.
فلما كان المصنف يرجح التقدير بالقلتين قال رحمه الله: [فخالطته نجاسة غير بول آدمي، أو عذرته المائعة، فلم تغيره، أو خالطه البول أو العذرة ويشق نزحه، كمصانع طريق مكة فطهور].
(فطهور) في كلتا الحالتين: إذا بلغ القلتين وخالطته نجاسة من غير بول الآدمي وعذرته، كأن يلقى فيه نجاسة خنزير مثلاً، فإن الخنزير نجس العين والفضلة، فأصبح الماء محل

السؤال
هل وقوع النجاسة في هذا الماء الذي بلغ القلتين يوجب الحكم بعدم طهارته إذا لم يتغير؟ قلنا: إن اتفاق العلماء رحمهم الله الذين اختلفوا في القلتين واقع على أنه يجوز التطهر به، وهو طهور ما دام أنه لم يتغير.
أما إذا تغير فالإجماع على أنه لا يجوز الوضوء به ولا الطهارة.
الحالة الثانية: بلغ قلتين وألقيت فيه نجاسة، وغيرته لكن يشق نزحها، كمصانع طريق مكة، وكانوا في أيامهم يستقون على السابلة على الطرق ويكون فيها البرك ونحوها، فمثل المصنف بهذا المثال؛ لأن مكة مورد المسلمين، فكان شيئاً ظاهراً معروفاً عند غالب أو أكثر المسلمين، فمثل به على هذا الوجه.
(يشق نزحها) أي: يشق إخراج النجاسة من هذا الموضع، وذكروا من أمثلة ذلك أن يكون الموضع ألقيت فيه نجاسة ولم يمكن إخراج هذا النجاسة عن ذلك الموضع كما في الآبار والبرك، ويشق نزح هذه النجاسة، فإن شق النزح فالقاعدة: (أن المشقة تجلب التيسير)، ودليل الحكم في هذه المسألة قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] ما دام أن الناس ليس بوسعهم أن يزيلوا هذه النجاسة فيخفف عنهم في التطهر بهذا الماء، ويقال: إن الأمر إذا ضاق اتسع، ولا يكلفهم الله إلا بما في وسعهم.
(4/4)
________________________________________
تطهر الرجل بفضل طهور المرأة والعكس
قال رحمه الله: [ولا يرفع حدث رجلٍ طهور يسير خلت به امرأه].
هذه مسألة ثانية، فقد ورد في حديث ابن عباس وميمونة وأصله في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغتسل الرجل بفضل طهور المرأة) فاختلف العلماء فيما إذا تطهرت امرأة من إناء وبقي بعد طهارتها ماء، هل يجوز للرجل أن يتوضأ ويغتسل من هذا الماء؟ فمذهب طائفة من العلماء الأخذ بظاهر الحديث، والمسألة لها صور: جاءت امرأة إلى سطل من الماء واغتسلت منه فبقي نصف الماء فيه، فاحتاج رجل أن يتوضأ بهذا النصف أو يغتسل به، فهل يصح وضوءه وغسله؟! ظاهر الحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل طهور المرأة).
فقال أموراً: أولاً: فضل يعني: الزيادة.
ثانياً: فضل طهور لا فضل شرب، فلو شربت من السطل لم يرد الخلاف، ولو غسلت بعض أعضاء الطهارة لا يرد الخلاف، لكن يقع الخلاف إذا حصلت الطهارة الكاملة، فلو أنها غسلت يدها أو وجهها من سطل فليس هذا بفضل طهور، وإنما محل الخلاف أن تتطهر طهارةً كاملة، إما طهارة صغرى كأن تتوضأ من الماء أو تغتسل منه، فيبقى بعد غسلها من السطل بقية، فهل من حق الرجل أن يتوضأ أو يغتسل به؟ قولان عند العلماء مشهوران، أصحهما: أنه لا يجوز لظاهر الحديث، وهو قول الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمة الله عليه وطائفة من أصحاب الحديث والظاهرية، على أنه لا يجوز للرجل أن يغتسل من فضل ماء خلت به المرأة، إذاً هناك شروط: أولاً: أن يكون المغتسل بهذا الماء أو المتوضئ امرأة، فلو كانت صبية طفلة صغيرة اغتسلت من السطل لا يقع الخلاف؛ لأن الخلاف في المرأة، والصبية ليست بامرأة.
ثانياً: أن يكون هناك تطهر كامل، إما من حدثٍ أصغر، أو من حدثٍ أكبر، فلو استعملته في شرب أو غسل وجه، أو جزء من أعضاء الوضوء والغسل لم يقع الخلاف.
ثالثاً: أن تخلو المرأة بذلك الماء، فلو اغتسلت أو توضأت أمام زوجها أو محرمها، واحتاج أن يتوضأ بعدها أو يغتسل فلا حرج، لأنها لم تخلُ به، إذاً أين محل الخلاف؟ فيما إذا تطهرت وكانت امرأة وخلت به، ففي هذه الحالة هل يجوز للرجل أن يتوضأ بهذا الماء؟ قلنا: الصحيح عدم جوازه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى، وظاهر النهي التحريم.
وخالف الجمهور رحمة الله عليهم فقالوا: يجوز للرجل أن يتوضأ ويغتسل من فضل طهور المرأة، ودليلهم حديث أم المؤمنين عائشة: (أنها كانت تغتسل ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، تقول له: دع لي، ويقول لها: دعي لي) وجه الدلالة: أنها إذا غرفت الغرفة الأولى فإن الباقي الذي اغترف منه النبي صلى الله عليه وسلم فضلة، ثم لما اغترفت الثانية فأتبع النبي صلى الله عليه وسلم الغرفة بعد غرفتها الثانية فقد اغترف من فضل.
وهذا الحديث يجاب عليه من وجوه: أولاً: أن محل الخلاف فيما إذا خلت، وهنا عائشة اجتمعت مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانياً: أن محل الخلاف أن تكمل الطهارة، وعائشة لم تكمل الطهارة.
وعلى هذا فنجمع بين الحديثين ونقول: هنا نصان خرجا من مشكاة واحدة، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي نهى عن التطهر بفضل المرأة توضأ مع عائشة، ففهمنا أن النهي لا يشمل الذي فعل، فاشترطنا خلو المرأة به، فدليل الشروط التي ذكرناها هو ما ورد في هذا الحديث، فيعتبر هذا الحديث مقيداً لإطلاق الحديث الذي سبق النهي فيه، وبناءً على هذا نخلص بفائدة وهي: عدم جواز أن يتوضأ الرجل أو يغتسل من بقية وضوء أو غسل المرأة بشروط ذكرناها.
ثم يرد

السؤال
إذا كان لا يجوز له فهل إذا فعل نقول بإثمه وصحة وضوئه وغسله، أو نقول بإثمه وعدم صحة وضوئه؟ وجهان للعلماء: فمن يرى أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، يقول: لو اغتسل الرجل من هذا الماء أو توضأ به لم يصح لا غسله ولا وضوءه، وهي مسألة أصولية، وقد تكلمت عن هذه المسألة بإسهاب أيضاً في شرح بلوغ المرام، فنكتفي هنا بالقول الراجح من أنه لا يجوز للرجل أن يغتسل أو يتوضأ من فضل طهور المرأة بالشروط التي ذكرناها.
(ولا يرفع حدث رجل طهور).
مفهوم ذلك أن المرأة لو اغتسلت بفضل المرأة، ما الحكم؟ يجوز، والوضوء صحيح والغسل صحيح، محل الخلاف إذا كان رجلاً.
يرد السؤال: لو أن خنثى أراد أن يتوضأ ويغتسل بفضل امرأة، فهل الخنثى ملحق بالرجال أو ملحق بالنساء؟ الخنثى له حالتان: الحالة الأولى: الخنثى البين، الذي بان كونه ذكراً أو كونه أنثى، وذلك بأمارات الرجولة أو أمارات الأنوثة، فهذا لا إشكال فيه، فإن ظهرت فيه علامات الرجولة فحكمه حكم الرجل، لا يتوضأ ولا يغتسل من فضل المرأة، وإن ظهرت فيه علامات الأنوثة فالحكم واضح بين.
الحالة الثانية: الإشكال عند العلماء في الخنثى إذا كان مشكلاً، بمعنى: ليس فيه لا علامات الرجولة ولا علامات الأنوثة، ولم يتميز، فهذا فيه ما لا يقل عن ثمانين مسألة، حيرت العلماء رحمة الله عليهم، هل يعطى حكم الرجل أو يعطى حكم المرأة؟ من ناحية الطهارة ومن ناحية الصلاة عليه وتغسيله وتكفينه إلى غير ذلك، المهم من هذه المسائل هذه المسألة، بعض العلماء يقول: الخنثى حكمه حكم المرأة؛ لأن اليقين فيه أنه في درجة المرأة، والشك أنه ارتفع إلى درجة الرجل؛ لأن الله فضل الرجل على المرأة وقال: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:36].
{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228] فقالوا: نعطيه اليقين لكونه في حكم الإناث، وعلى هذا فيجوز له أن يتوضأ من فضل المرأة، لأنه آخذ حكم المرأة.
وعلى الوجه الثاني قالوا: فيه شبهة، فليس بمحض الأنوثة ولا الرجولة، فارتفع عن الأنوثة المحضة، ونزل عن الرجولة الكاملة، فأصبح بين بين، فلا يتوضأ بفضل المرأة، لأنه ليس بامرأة، فاشتبهنا في حكمه.
(ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة).
الطهور اليسير مثل: الذي في السطل، ومثل: الذي في الإناء المعروف، هذا يعتبر ماء طهوراً يسيراً، ولو قلنا بعموم هذا الحكم لصارت مصيبة؛ لأن البرك يغترف منها النساء، فلو أن امرأة اغترفت من بركة واغتسلت هل نقول: هذه البركة بكاملها لا يجوز للرجال أن يتوضئوا ويغتسلوا منها؟ ف

الجواب
أن هذا الحكم هو في الطهور اليسير، فالماء الموضوع في الأواني هو الماء الذي ورد فيه النص، وأما غيره فيبقى على الأصل.
(يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة).
قال بعض العلماء: شرط خلوها أن تكون في موضع لا يراها الرجل، وقال بعض العلماء: تكون فيها خلوة نكاح، بمعنى: أن لا تراها الأنظار، أو ترخى عليها الأستار ونحو ذلك.
المسألة الأخيرة: هل نهي الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويغتسل بفضل طهور المرأة تعبدي أو معلل؟ الصحيح أنه تعبدي لا نعقل علته، حكمة منه سبحانه، قال: هذا الماء توضئوا منه، وهذا الماء لا تتوضئوا منه، هذا الماء اغتسلوا منه وهذا الماء لا تغتسلوا منه، يبتلي عباده بما شاء، فليس الأمر معللاً، ولهذا يقولون: هذا الحكم تعبدي، بمعنى: لا يجري فيه القياس.
قال رحمه الله: [لطهارة كاملة عن حدث].
أي: بسبب حدث، فلو تطهرت طهارة كاملة لغير حدث كالغسلة المستحبة، فوجهان للعلماء: قال بعض العلماء: حكمه حكم الغسلة الواجبة.
والصحيح القول الثاني: أنه ليس حكمه حكم الغسلة الواجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بفضل طهور المرأة) والطهور الغالب فيه: الواجب، فيعطى حكم الغالب ويهدر النادر.
(4/5)
________________________________________
أحكام ومسائل في الماء الطاهر
قال رحمه الله: [وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه].
الآن سنبدأ بالطاهر، وكل الذي تقدم فيما مضى ماء أباح الله الوضوء، وهو الماء الطهور.
وذكرنا الأحكام العارضة على الماء الطهور، يبقى

السؤال
كيف أدخل المصنف المسألة الأخيرة في الماء الطهور؟

الجواب
أن الماء الذي هو فضل طهور المرأة هو في الأصل طهور، ولكن حكم الشرع عبادة، ولذلك ألحقه بالماء الطهور، ولم يلحقه لا بالنجس ولا بالطاهر، وإلا فكل كلامنا الذي تقدم هو في الماء الذي أذن الله به.
الخلاصة: أن الذي تقدم الكلام عليه فيما مضى هو ماء أذن الله لنا أن نتوضأ به ونغتسل، وهو الماء الذي يزيل النجاسة عن البدن والثوب والمكان.
وسنبدأ الآن بالنوع الثاني: وهو ماء ليس بنجس، ولكن لا يجوز للإنسان أن يتوضأ ولا أن يغتسل به، لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً وهو الماء الطاهر.
الماء الطاهر نريد أن نعرفه ونعرف أحكامه؛ حتى إذا جئت تتوضأ لا تتوضأ بمثله، وإنما تتوضأ بالنوع الأول، وإذا جئت تغتسل لا تغتسل بمثله، وإنما تغتسل بالنوع الأول، وقس على هذا بقية الأحكام.
(4/6)
________________________________________
تغير الماء الطهور بشيء طاهر
(وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه).
قلنا: الماء الطهور الذي تقدم الكلام عليه ماء باقٍ على أصل خلقته كماء البئر، وماء النهر، ونحو ذلك من المياه، لكن الماء الذي معنا الآن ماء خرج عن أصل خلقته، بمعنى: أنه تغير عن حالته الحقيقية فوضع فيه شيءٌٌ طاهر.
مثال ذلك: عندك سطل ماء أخذته من بئر، لو سألك سائل عن هذا الماء الذي أخذته من البئر: من أي أنواع المياه؟ تقول: هذا ماء طهور؛ لأن الله قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] وقال عن هذا الماء الذي أنزله من السماء: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ} [المؤمنون:18] فدل على أن ماء البئر ماء طهور.
أخذت هذا الماء الطهور من البئر، أو من النهر، أو نزل من السماء مطر على ذلك السطل فملأه، فإن بقي على خلقته قلنا: توضأ به واغتسل، وأزل به النجاسة، والحكم: أنه يزيل النجاسة ويرفع الحدث.
لكن جاء صبي فصب في هذا السطل زعفران، أو وضع فيه صابونة، فتغير لون الماء وأصبح بلون الصابون، أو بقي لونه كما هو لكن جئت تطعم الماء فإذا هو بطعم الصابون، أو بقي على لونه الحقيقي وطعمه الحقيقي ولكن رائحته رائحة صابون لما ألقى الصابونة فيه، فالماء خرج عن أصل خلقته الطهورية إلى شيء جديدٍ وهو الطاهر، ف

السؤال
ما حكم هذا الماء؟ المصنف سيأتي بأمثلة كلها فيها: ماء طهور وقع فيه شيء طاهر فسلبه الطهورية، ولذلك العلماء يقولون: سلبه الطهورية، فتحتاج حتى تعرف الماء الذي أذن الله لك في أن تغتسل وتتوضأ به أن تعرف هذا النوع وهو الطاهر، فهو طاهر ولكن لا يتطهر به، فقال رحمه الله: (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه).
تغير اللون، أو الطعم، أو الريح هذه قاعدة مطردة.
إذا تغير شيء بشيء فإن كان نجساً فغير اللون أو الطعم أو الرائحة فاحكم بنجاسته، وإن كان التغير بطاهر فهو طاهر وليس بطهور، وبالإجماع أنه يوصف بكونه طاهراً إن تغير بطاهر.
(وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه).
أخذ هذا الماء ووضع فيه باقلاء أو باذنجان أو فاصوليا أو غير ذلك من المطعومات ثم طبخه، فأصبح لون الماء بلون الفاصوليا أو الباذنجان ونحوها، فهنا تغير بطاهر فتقول: هذا ماء طاهر تغير بالطبخ، بل حتى ولو لم يطبخ ووضعت فيه هذا الطاهر فتغير لونه أو طعمه أو ريحه حكم بكونه متغيراً.
(أو ساقط فيه).
جاء صبي فأخذ محبرة فرماها في السطل، فأصبح لون الماء الموجود في السطل بلون الحبر، أزرق أو أحمر أو أسود المهم أنه تغير بلون هذا الحبر فتقول: هذا ماء طاهر.
(4/7)
________________________________________
حكم الماء المستعمل
قال رحمه الله: [أو رفع بقليله حدث].
هذه المسألة التي سبق الإشارة إليها؛ مثالها: شخص أخذ سطلاً فتوضأ وضوءاً واجباً عليه، أو اغتسل غسلاً من الجنابة، وحفظ الماء في طشت ونحوه، فجاء رجل آخر يريد أن يتوضأ بهذا الماء، فللعلماء في هذا الماء ثلاثة أقوال: القول الأول: الماء طهورٌ، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن مالك، وقول للشافعي ورواية عن أحمد رحمة الله على الجميع.
بمعنى: أن الماء باق على أصله، ولو توضأ به مائة شخص، فما دام أنه لم يتغير فهو ماء طهور كأنه نزل من السماء.
القول الثاني: أن الماء إذا كان يسيراً فهو طاهر وليس بطهور، وعليه مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية وهو رواية عن مالك، وأيضاً رواية عن الإمام أبي حنيفة رحمة الله على الجميع، وبناءً على ذلك يقولون: هذا الماء لا تتوضأ به ولا تغتسل، لكنه ليس بنجس، فلو وقع على ثوبك أو وقع على بدنك أو وقع على سجادتك التي تصلي عليها لم ينجسها.
القول الثالث وهو أشدها: أن الماء إذا توضأ به أحد حكم بنجاسته، وهي رواية في مذهب الحنابلة وأيضاً قول القاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمة الله على الجميع.
فعندما ثلاثة أقوال في الماء الذي توضئ به أو اغتسل به من الجنابة: منهم من يرى أنه طهور ويجوز للغير أن يتوضأ ويغتسل به، ومنهم من يرى أنه طاهر وليس بطهور، فلا يجوز للغير أن يتوضأ ويغتسل به، لكنه ليس بنجس، والقول الثالث -وهو أشدها-: أنه نجس.
دليل من قال بطهوريته: ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، قالوا: نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن الماء لا يتأثر بشيء إلا ما غير اللون أو الطعم أو الرائحة، وهذا مجمع عليه، وهذا لم يتغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو باقٍ على الطهورية.
الدليل الثاني: ما رواه أحمد وابن ماجة: (الماء لا يجنب) فدل على أن الاغتسال من الماء والانتفاع به في الطهارة لا يوجب زوال وصف الطهورية عنه، هذا حاصل أدلة من قال: إنه طهور.
أما من قال: إنه طاهر فقالوا: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم)، نهى الرجل أن يغتسل بالماء الدائم، قالوا: وما معنى هذا النهي إلا كونه يسلبه الطهورية، هذا القول الثاني.
أما القول الثالث والأخير وهو قول الذين قالوا: إنه نجس، فاحتجوا بحديث النهي: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) قالوا: في رواية عند أبي داود: (ويغتسل فيه).
قالو: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ويغتسل فيه) فشرك وجمع بين الغسل في الماء وبين البول فيه، فدل على أن من اغتسل في الماء كمن بال فيه فهو نجس.
والصحيح من هذه الأقوال أنه طهور، وليس بنجس ولا طاهر، أي: لا يحكم بكونه نزل إلى مرتبة الطاهر.
أما دليل الرجحان: أولاً: صحة ما ذكره أصحاب هذا القول.
ثانياً: أن القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالأصل أنه طهور، ونحن شككنا في سلب الطهورية فنبقى على الأصل.
ثالثاً: استدلال أصحاب القول الثاني بأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم علته كونه يسلب الطهورية مردود، فإن العلة يحتمل أن تكون خوف تغير الماء وسلبه الطهورية، فاحتمل الوجهين، فجاءت رواية: (وليغترف منه) لتفيد أن العلة هي خوف إفساد الماء على الغير، ولذلك الراوي وهو أبو هريرة يقول: لعله أن ينتفع به غيره فيشرب منه ونحو ذلك، فدل على أن علة النهي عن الاغتسال في الماء الدائم ليست سلب الطهورية، وإنما هي خوف تلوث الماء وإفساده على من يأتي بعده.
رابعاً: استدلال من يقول: نهى عن البول والغسل، فدل على أن الغسل كالبول، هو استدلال بدلالة الاقتران، ودلالة الاقتران دلالة ضعيفة عند الأصوليين، ودليل ضعفهما ظاهر القرآن قالوا: لما قرن الاثنين دل على أن حكمهما واحد، فهذه الدلالة استعملها العلماء في هذه المسألة وفي مسألة: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} [البقرة:196] قال بعض العلماء: العمرة واجبة لأن الله قرنها بالحج، فدلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، كما نبه عليه صاحب المستصفى وغيره.
وجه ضعفها -كما قال المحققون وأشار إلى ذلك الإمام النووي في المجموع- ظاهر التنزيل، فإن الله عطف الشيئين المتغايرين في الحكم، فقال سبحانه: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141] كلوا من ثمره، هذا أمر للإباحة (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) أي: أبحت لكم أكل ثمر الشجر، ثم قال: (وَآتُوا حَقَّهُ) أي: الزكاة وهي واجبة، فعطف غير الواجب على الواجب، فدل على أن الشرع قد يعطف على المتغايرين حكماً ومرتبةً، فلا يستقيم استدلالهم بالعطف الموجود في حديث النهي عن البول في الماء الراكد، بدليل رواية الصحيح: (ثم يغتسل فيه).
وعلى هذا: فالذي يترجح أن الماء إذا توضأت به وحفظته أو اغتسلت به وحفظته جاز لغيرك أن يتوضأ ويغتسل به، لكن المصنف درج على قول من يقول: إنه طاهر وليس بطهور ولا نجس.
(4/8)
________________________________________
حكم الماء الذي غمس القائم من النوم يده فيه
قال رحمه الله تعالى: [أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل].
مثلاً: عندك ماء يسير تريد أن تتوضأ منه لصلاة الفجر، فقمت لصلاة الفجر، وإذا بالماء في إناء -والإناء هو المفتوح، بخلاف الإبريق الذي يكون مغلقاً، فمحل الكلام في الإناء الذي تغترف منه كالقدر- وأردت أن تغترف منه، فالسنة الواردة في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً) فتمسك بالإناء وتميله قليلاً إلى كفك، ثم إذا ملأت الكف بالماء غسلت كلتا اليدين الغسلة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فتطهر يداك، ثم بعد ذلك تغترف للمضمضة والاستنشاق، وتغسل بقية الأعضاء، لكن أن تأتي وتدخل يدك إلى الإناء مباشرة فهذا منهيٌ عنه.
وبناءً على ذلك قال بعض العلماء من السلف وغيرهم: علة النهي أنهم كانوا في بلادٍ حارة، وكان الناس لا يعرفون عند قضاء الحاجة الغسل بالماء، وإنما كانوا يستجمرون بالحجارة، فربما عرق الإنسان أثناء نومه فجالت يده فأصابت العرق المتنجس في الموضع، وربما أصابت العضو، أو أصابت نجاسة خارجة من العضو، فنهى الشرع عن إدخال اليد في الإناء حتى لا يفسد الماء.
وبناءً على ذلك فعندنا مسائل في المستيقظ من النوم: أولاً: لا يجوز له أن يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، والغريب أن بعض الأطباء يقول: ثبت طبياً أن أكثر حالات الرمد -هذا المرض المعروف الذي يصيب الصغار- سببها أن الأطفال يستيقظون من النوم، فيجعلون أصابعهم في أعينهم قبل غسلها.
وهنا تظهر حكمة الشرع، فإنه إذا انتقلت النجاسة إلى الإناء والإنسان في الوضوء يرفع الماء إلى وجهه لغسله فربما كان ذلك طريقاً لأذية البدن أو حصول الضرر، وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام.
وقال بعض العلماء: بل أبلغ من ذلك معجزةً أن الشرع فيه أولاً أن تتمضمض ثم تستنشق ثم تغسل وجهك؛ لأن الماء إذا كان فاسداً أدركت فساده بالذوق، فإن عجز الذوق أدركته بالشم؛ مع أن العين أشد حساسية من الأنف، والأنف أشد حساسية من الفم، إلا أنه ثبت طبياً أن في الفم من أجهزة المناعة أضعاف ما في الأنف، وفي الأنف أضعاف ما في العين، فهذا من أبلغ ما يكون في حكمة الشرع في مسألة غسل اليدين للمستيقظ من النوم.
وبناءً على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن غمس اليد في الإناء، على مذهب من يقول: إن ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، يتفرع على هذا القول أن السطل الذي دون القلتين لو غمس القائم من النوم يده فيه شككنا فيه: فيحتمل أن فيه نجاسة ويحتمل أنه ليس فيه نجاسة، فقال: هو طاهر وليس بطهور؛ لأن النجاسة مشكوك فيها، فقال: نجعله طاهراً لا يتوضأ به ولا يغتسل، ولا نقول: هو نجس؛ لأننا لم نتحقق من النجاسة، ولا نقول: هو طهور، لأنه لم يبق على أصل خلقته، هذا هو وجهه.
قوله: (من نوم ليل).
وحديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه) للعلماء فيه أقوال: بعض العلماء يقول: لا يجوز إدخال اليدين في الإناء من نوم الليل والنهار، وهو مذهب الظاهرية.
ومنهم من يقول: لا يجوز إدخالها من نوم الليل خاصة، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة من المحدثين.
ومنهم من قال: باستحباب غسلها كما هو مذهب الجمهور.
والصحيح مذهب الظاهرية، أن النهي على العموم، والذين يقولون بتخصيص نوم الليل -كما درج عليه المصنف- يستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، والبيتوتة لا تكون إلا بالليل فقالوا: الحكم يختص بنوم الليل دون النهار.
والصحيح أنه يشمل نوم الليل والنهار والحكم معمم، والسبب في ذلك أن قوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) خرج فيه النص مخرج الغالب، والذي خصه بالبيتوتة بنى على مفهوم الحديث، والقاعدة: أن النص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه، وهي مسألة أصولية، وحبذا لو يرجع إلى شرح عمدة الأحكام، فقد ذكرت فيه أقوال العلماء وأدلتهم والراجح من تلك الأقوال بدليله كما ذكرنا.
فالمصنف رجح أن غمس اليد في الإناء قبل غسلها لا يجوز من نوم الليل دون نوم النهار، والشرط أن يكون النوم موجباً للوضوء؛ لأن النوم إذا كان يسيراً لا يوجب الوضوء؛ لأنه لا يزول به الشعور، فالشخص في هذه الحالة يدري أين باتت يده، بخلاف ما إذا زال الشعور، فيحتمل أن تجول اليد إلى مكان فيه نجاسة.
(4/9)
________________________________________
حكم آخر غسلة أزيلت بها النجاسة
قال رحمه الله: [أو كانت آخر غسلة زالت بها النجاسة فطاهر].
مذهب طائفة من العلماء أن النجاسة تغسل ثلاثاً على الأقل: الأولى: لإذهاب عين النجاسة.
والثانية: لإذهاب أثر النجاسة.
والثالثة: للاستبراء واليقين.
فغالباً الغسلة الثالثة يذهب بها عين النجاسة وأثر النجاسة، فتأتي على نقاء من موضع، فيكون الماء المنفصل من هذه الغسلة طاهراً وليس بنجس، لكن لو أن هذه الغسلة وجد فيها أثر النجاسة، فتغير لون الماء بها أو طعمه أو ريحه، فإنه يحكم بكونها نجسة، فمحل كونها طاهرة ألا تتأثر.
(4/10)
________________________________________
الأسئلة
(4/11)
________________________________________
العبرة بتغير أحد أوصاف الماء حتى ولو أصابه بول أو غائط

السؤال
إذا وقعت عذرة الآدمي المائعة أو بوله في الماء الذي يشق نزحه، فما حكمه؟

الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهذه المسألة سبقت الإشارة إليها في قول المصنف: (فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة)، كما ذكره رحمة الله عليه، فقلنا: استثنوا العذرة أو البول لحديث الصحيحين عن أبي هريرة: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) فقالوا: إذا وقع هذا البول أو هذه العذرة في ماء راكد ولو كان فوق القلتين سلبه الطهورية، والصحيح أنه لا يسلبه الطهورية إلا إذا غير لوناً أو طعماً أو رائحة.
ولذلك القول باعتبار التأثير وتغير اللون والطعم والرائحة يريح طالب العلم والمكلف؛ لأننا لو قلنا بالقلتين سيظل الإنسان يوسوس: هل بلغت خمسمائة رطل عراقي أم لم تبلغ؟ أو مائة وثمانية بالدمشقي -وهي وحدة قياس، قالوا: ذراع وربع في ذراع وربع في ذراع وربع- ويجلس على البركة ويحاول أن يعرف هل بلغت القلتين أم لا، ويصيبه من الوسوسة والتعب ما الله به عليم، والشريعة شريعة سماحة ويسر وتخفيف على العباد.
ولذلك تجد المذهب الذي يقول باعتبار القلتين يفرع عليها مسائل دقيقة جداً ومظنية فرحمة الله عليهم، وهم العلماء الذين نتطفل على علمهم، ولكن الحمد لله الذي جعل لنا فرجاً ومخرجاً، وجعل الأمر راجعاً إلى التأثير، فاختيار المحققين مثل: شيخ الإسلام وغيره أن العبرة بالتأثير، ولذلك تنظر للماء إذا وقعت فيه نجاسة أو شيء طاهر، فإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه، فقل هذا متغير، وإن لم يتغير فقل: هذا باقٍ على أصله، فأصبح الأمر مرده إلى المؤثر الحقيقي، والله تعالى أعلم.
(4/12)
________________________________________
الدليل على اعتبار تغير الماء للحكم بنجاسته

السؤال
وهذا سائل يقول: فضيلة الشيخ ما الدليل على أن العبرة بالتغيير باللون أو الطعم أو الريح، وأنه بذلك تعرف النجاسة؟

الجواب
عندنا دليلان: دليل شرعي ودليل حسي.
أما الدليل الشرعي: فهو موجود، وهو أن الإجماع منعقد على أن الماء إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجس أنه نجس، وحكى هذا الإجماع غير واحد، منهم الإمام النووي في المجموع، والإمام ابن المنذر في الإشراف، وحكاه الإمام ابن قدامة في المغني، وحكاه كذلك صاحب البحر الزخار وغيرهم، فحكموا أن الماء المتغير لونا أو طعماً أو ريحاً بنجاسة يحكم بنجاسته، وهناك رواية من حديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) وهي ضعيفة، ويقول العلماء: إنها ضعيفة السند صحيحة المتن، وهذه من أمثلة الحديث ضعيف السند صحيح المتن؛ لأن الحديث قد يكون صحيح المتن، كما لو جاء حديث في فضل الصلاة وله أصل في الصحيح، فنقول: إن المتن صحيح لوجود أصله، لكن سنده ضعيف، فنحكم بضعف سنده لا معناه، ولذلك تجد العلماء رحمهم الله كـ شيخ الإسلام يقولون: وهذا حديث ضعيف لكن معناه صحيح.
وكذلك الحديث الذي معنا: (إلا ما غير لونه ... )، فهذا دليل الشرع والإجماع المنعقد.
ومن قال: إن الماء الذي خالطته نجاسة وأصبح لونه لون النجاسة، أو طعمه طعم النجاسة، أو ريحه ريح النجاسة، أنه ماء طهور، فهذا يعتبر شاذاً عن الإجماع، ومتبعاً غير سبيل المؤمنين، نسأل الله السلامة والعافية.
إياك والشذوذ عن إجماعات العلماء رحمة الله عليهم! فإن الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في اتباع من خلف.
أما الدليل الحسي: فإن هذا الماء الذي أنزله الله من السماء، إن بقي على أصل خلقته فهو الماء الذي شرع الله له أن يتطهر به، وإن لم يبق على أصل خلقته وتغير، فحكمه حكم ما غيره، ألا ترى أنك تقول: ماء زعفران، ماء ورد، فتعطيه حكم ما غيره، فدلالة الحس معتبرة كما أن دلالة الشرع معتبرة، بشرط ألا تصادم دلالة الحسن النقل الصحيح المعتبر.
(4/13)
________________________________________
حكم الماء الذي تخالطه مادة الكلور

السؤال
إذا تغير لون الماء الموجود في البركة بمادة الكلور مثلاً، فهل هذا الماء طهور؟

الجواب
إذا وجد طعم الكلور في البركة أو رائحته أو لونه، فإنه يحكم بكون الماء طاهراً غير طهور، والله تعالى أعلم.
(4/14)
________________________________________
اعتبار القلتين للفرق بين القليل والكثير عند الفقهاء

السؤال
نرجو إعادة الكلام على اعتبار القلتين فرقاً بين القليل والكثير؟

الجواب
قلنا: القلتان قدر معين من القلال التي تقل باليد، فإن بلغ الماء قلتين، بمعنى: أن هذا القدر الموجود في بركة أو في حوض أو في خزان إذا بلغ القلتين ثم وقعت فيه نجاسة فلم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، قلنا: الإجماع على أنه طهور، ويجوز أن يتطهر به، ولا حرج على المكلف في ذلك، فإن تغير فحكمه حكم ما غيره على التفصيل الذي سبق الإشارة إليه.
(4/15)
________________________________________
الحكمة في عدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة

السؤال
في مسألة إذا خلت المرأة بالماء، ما الحكمة في عدم جوازه في هذه الحالة فقط؟

الجواب
على الله الأمر، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الرضا والتسليم: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء:65]، وليس هذا فقط، بل: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} [النساء:65] أي حرج، فجاءت نكرة، والنكرة تفيد العموم في أساليب العرب: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] فنسأل الله أن يرزقنا التسليم، فالتسليم هو: الإسلام، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الإسلام هو الاستسلام لله.
فمن استسلامك لله إذا جاءك الخبر أن تقول: سمعت وأطعت كما قال أبو هريرة لـ ابن عباس: (يا ابن أخي! إذا سمعت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال) بمجرد ما يصح الخبر ضع رأسك في التراب وقل: سمعت وأطعت غفرانك ربنا وإليك المصير.
وسبحان الله ما سلم عبد لنص كتاب أو سنة إلا جعل الله له فرجاً ومخرجاً، ولذلك شق على الصحابة قول الله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284] وعظم عليهم هذا الأمر؛ لأن قلوبهم تعامل الله وتعبده، فخافوا مما أكنوا ومما أظهروا أن يحاسبهم الله به، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: (يا رسول الله! إن الله يقول كذا وكذا، -فشق عليهم الأمر- فقال صلوات الله وسلامه عليه: ما زدتم على ما قالت بنو إسرائيل) يعني: كونكم تعترضون وتستثقلون هذا الحكم على أنفسكم، ما يجعلكم أنتم وبني إسرائيل إلا سواء، فقال: (قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فنزل جبريل من السماء بالتخفيف والتسهيل: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286] قال الله: قد فعلت) كما في الصحيح.
إذاً: إذا جاءك الحكم وقيل لك: يا فلان لا يجوز؛ لأن الله قال أو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقل: سمعت وأطعت، ولا تزيد ولا تنقص على هذه الكلمة، وبإذن الله سيجعل الله لك فرجاً ومخرجاً.
ولكن ما أن يقول العبد -والعياذ بالله-: كيف هذا؟ لا ما يمكن! كيف يفتيك العالم الفلاني بعدم الجواز؟ هذا ما نقبله!! فيرد السنة والنقل بالعقل فهذا هو العار والشنار وخزي الدنيا والآخرة، وربما أفضى إلى النار وبئس القرار.
لا يجوز تحكيم الأهواء والآراء في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم بل بمجرد ما يأتيك الشيء استسلم لله، فإن الاستسلام مظنة الفرج، ألا ترى إبراهيم عليه السلام قال الله عنه: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} [الصافات:103] استسلم لأمر الله، ما قال: يا رب! كيف أقتل ابني فلذة كبدي؟ ولكن جاء الأمر فقال: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات:102] فجاء الابن الصالح: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] إذا كان الله أمر فأنا مستسلم، حتى ورد في الخبر أنه قال: يا أبت أكفأني على وجهي، حتى لا تدرك عطف الأبوة وحنان الأب فلا تأتمر بأمر الله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} [الصافات:103] استسلم لله، {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات:103 - 105].
إذاً التسليم هو مظنة الفرج، وأما كون الإنسان يحكم رأيه فهذا ليس بإيمان، وكون الإنسان تأتيه السنة فيحكم رأيه، ويقول: الذي يوافق العقل نعمل به، والذي يصادمه لا نعمل به، كيف هذا! ما يمكن!! كيف ما يجوز؟ لا، كيف يحل؟ كيف يجب؟ هذا كله -والعياذ بالله- عدم تسليم لله ورسوله.
يقول بعض السلف: (لا يؤمن على الرجل إذا ترك سنة أن يهلك)، يعني: في دينه ودنياه وآخرته، ولذلك قال أبو بكر: (والله لا يبلغني شيء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا عملت به؛ إني أخاف إن تركت شيئاً من سنته أن أضل) صلوات الله وسلامه عليه.
فإذاً التسليم والمتابعة المجردة والالتزام هو الهداية وهو التوفيق والسعادة والرحمة؛ لأن الله يقول: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] اتبعوه في كل ما جاءكم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تغتسل من فضل المرأة) إذاً لا أغتسل والمرأة المؤمنة لا تقول: الإسلام يفضل الرجل على المرأة؟! بل تقول: الله هو الحكم العدل الذي هو أعلم بعباده، وأحكم في خلقه، فرغمت أنوف الكفار الذين يدعون أن الإسلام يفرق بين الرجل والمرأة، أبداً بل نحن راضون مسلِّمون، هذا هو الإيمان، وعندها تكون الرحمة والرضا ويكون التوفيق وانشراح الصدر.
ويا لله! هناك أقوام بمجرد ما تبلغهم السنة يطيرون بها فرحاً، والناس في السنن على أحوال ومراتب، أعظمها وأجلها -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- من تتشوق نفسه إلى معرفة السنة.
فإذا بلغك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل: الحمد لله الذي بلغني معرفة هذه السنة.
الأمر الثاني: تسأل الله المعونة في امتثال أمره واتباعه صلوات الله وسلامه عليه، فتجد نفسك تتشوق للخير، ولا تزال تعمل بالأحاديث والسنن، حتى تكتب من أهل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولئك القوم الذين وجوههم ناضرة في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يحشرنا وإياكم في زمرتهم.
فالمقصود: أن الواجب علينا أن نسلم، ولا داعي للبحث عن العلل، وآراء الرجال، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون، وعقل ناقص لا يستطيع أن يعرف الحكم والأسرار من الله العظيم الكامل جل جلاله وتقدست أسماؤه، فليس لنا إلا الرضا والتسليم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
(4/16)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - أحكام المياه [3]
الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما استثنى الشرع تحريمه، أو غلب أمر ظاهر على الأصل فينتقل من الإباحة إلى التحريم.
والأصل في الماء أنه طهور إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة جامدة أو مائعة، فإنه حينئذ ينجس ويحرم استعماله.
(5/1)
________________________________________
الماء النجس
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
(5/2)
________________________________________
الأحوال التي يحكم فيها بنجاسة الماء
فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والنجس ما تغير بنجاسة].
هذا النوع الثالث من أنواع المياه: وقد تقدم معنا: الماء الطهور، والماء الطاهر، وهنا: الماء النجس، ولابد من الحديث عن هذا النوع؛ لأن الطهارة لا تصح به، ولأنه لا يمكن للمكلف أن يعرف الطهور إلا إذا حفظه من النجاسة.
والنجاسة: أصلها القذر، يقال: نجس الشيء ينجس فهو نجس، إذا كان مستقذراً، والمراد بها نجاسةٌ مخصوصة، وهي التي حكم الشرع بكونها نجاسة؛ ولذلك لابد للمكلّف من معرفة المياه المتنجسة والمياه النجسة.
وقبل أن نبدأ الحديث عن أحكام الماء النجس، أحب أن أمهد بتنبيه، وهو أن هناك مائعٌ نجسٌ في أصله، وهناك مائعٌ متنجس.
فالمائع النجس: هو الذي أصله نجس، كأن يكون مستخلصاً من شيءٍ نجس، كزيوت الميتة، فلو أُخذَ شحمها وأذيب، فإن المائع المستخلص -وهو الودك- يعتبر نجساً، أي: أن عينه نجسة، وهكذا البول فإن عينه نجسة.
أما النوع الثاني: وهو المتنجس، فإن أصله طاهر، ولكن وقعت فيه نجاسةٌ أوجبت نقله في الحكم من كونه طاهراً إلى كونه نجساً.
وسنتكلم -إن شاء الله- عن ماءٍ تأثر بالنجاسة، وحُكمَ بكونه نجساً، وعلى هذا فإننا نحتاج إلى معرفة متى يُحكم بانتقال الماء من كونه طهوراً إلى كونه نجساً.
فقال رحمه الله: (والنجس ما تغير بنجاسة).
والماء النجس ما تغير بنجاسة: أي أن أصله طاهر، مثالُ ذلك: لو أخذت إناءً فيه ماءٌ من بئر فإنه ماءٌ طهور، فإذا تغير بنجاسةٍ فإنه يُحكم بتغيره إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته؛ مثلاً: بال فيه صبيٌ فوجدت لون الماء قد تغير بلون البول، أو تغير بطعم البول، أو رائحة البول في الماء، فإذا وجدت أحد هذه الأوصاف الثلاثة حكمت بكون هذا الماء قد انتقل من كونه طهوراً إلى كونه نجساً، ويحكم بنجاسته؛ لأن النجاسة دخلت عليه فهي نجاسةٌ عارضة؛ ومن ثم لا يجوز أن يتوضأ بهذا الماء؛ لأنه لا يزيل خبثاً ولا يرفع حدثاً، فلا يتوضأ به ولا يُغتَسلُ به من الجنابة، ولا ينظف به من الخارج من بولٍ أو غائط.
فكل ماءٍ وقعت فيه نجاسة وغيرت أحد الأوصاف الثلاثة حكم بكونها مؤثرة، سواءً كانت مائعة كالبول أو جامدة كالعذرة، فحينئذٍ يحكم بكون الماء نجساً.
قال رحمه الله: [أو لاقاها وهو يسير].
تقدم معنا أن العلماء رحمهم الله منهم من يقول: الماء ينقسم إلى قليلٍ وكثير، أو كثيرٍ ويسير، فعندهم الكثير ما بلغ القلتين وجاوزها، واليسير: ما كان دون القلتين، فكلٌ ماءٍ كان دون القلتين عند من يرى اعتبار القلتين، بمجرد أن تقع فيه النجاسة يحكم بكونه نجساً، فالماء الطهور يحكم بنجاسته في إحدى حالتين: إما أن يكون كثيراً تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة، أو يكون قليلاً ولم يتغير، فإن القليل بمجرد أن تقع فيه النجاسة يحكم بكونه متنجساً، هذا في مذهب من يرى القلتين.
أما المذهب الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام وجمع من المحققين أنه لا فرق بين القليل والكثير، وأن المهم هو تغير الماء بالنجاسة لوناً أو طعماً أو رائحة، لكن المصنف يرجح مذهب القلتين، والصحيح كما قلنا: أن المهم تغير اللون أو الطعم أو الرائحة.
الخلاصة: أنه لا يحكم بنجاسة ماءٍ إلا إذا وجدنا لون النجاسة أو طعمها أو ريحها في ذلك الماء.
قال رحمه الله: [أو انفصل عن محل نجاسةٍ قبل زوالها].
هذا الذي يسميه العلماء: غسالة النجاسة، فإذا وقعت على الثوب قطرةٌ من بول فصبّ الإنسان الماء على هذه البقعة، فالماء المصبوب إذا أذهب هذه النجاسة وكان كثيراً ولم يتغير فالمذهب أنه طاهر كالغسلة الأخيرة في إزالة النجس وقد تقدم في الكلام عن الماء الطاهر؛ لكن لو صبت الغسلة الأولى وبقي أثر النجاسةِ في المحل حكمنا على الماء الذي صُبّ أنه متنجس؛ لأنه لو كان طاهراً لأثر في عين النجاسة ولأزالها ولم يبق لها أثراً.
فإذا صُبّ الماء على نجاسةٍ، وبقيت بعد الماء المصبوب، فإن الماء المخالط للنجاسة نجس، وهذه صور يمثل بها العلماء، والذي يهمنا هو أنه إذا كان الماء طهوراً وتغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو نجس، وإذا لم يتغير أحد أوصافه فهو طهورٌ أو طاهر.
(5/3)
________________________________________
مسألة زوال النجاسة عن الماء ورجوعه إلى حالته الأولى
قال المصنف رحمه الله: [فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير].
تقدم أن الماء يتنجس إذا وقعت فيه نجاسة، وتبقى عندنا مسألة وهي: كيفية زوال النجاسة ورجوع الماء إلى حالته الأولى من كونه طهوراً أو طاهراً، توضيح ذلك: قلنا: إن الماء في الأصل طهور؛ فإن تغير بنجسٍ فهو نجس، وإن تغير بطاهرٍ فهو طاهر، فإذا عرفنا أن الماء ينتقل من كونه طهوراً إلى كونه نجساً بالنجاسة.
فقد يسألك سائل ويقول: أنت حكمت بكون الماء الطهور صار نجساً لوجود أثر النجاسة، أرأيت لو أن أثر النجاسة هذا زال بحرارة الشمسٍ، أو صببنا ماءً كثيراً على الماء المتنجس حتى غالب النجاسة فذهب لونها وطعمها وريحها، هل نحكم برجوع الماء إلى حالته الأولى من كونه طهوراً؟! فقال رحمه الله: [فإن أضيف إلى الماء النجس طهورٌ كثير غير تراب ونحوه، أو زال تغير النجس الكثير بنفسه، أو نزح منه فبقي بعده كثيرٌ غير متغير طهر].
فالماء إذا تنجس بنجاسة، ثم صُبّ عليه ماء طهورٌ حتى يبق معه أثرٌ للنجاسة، فإنه في هذه الحالة نحكم بكونه طهوراً عاد لحالته الأولى.
والمهم عندنا تأثر الماء بالنجاسة، فإذا أثرت النجاسة في الماء فهو متنجس، وإن صُبّ على الماء المتنجس طهورٌ كثير حتى رجع إلى حالته الأولى وغلب الطهور النجس بحيث لم يوجد أثرٌ للنجاسة حكمنا بكون الماء طهوراً؛ لأن القاعدة تقول: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فالحكم: هو النجاسة، والعلة: هي وجود أثر النجاسة، فإذا وجدت في الماء أثر النجاسة حكمت بكونه متنجساً، وإذا زال أثر النجاسة عن الماء حكمت بكونه طاهراً وراجعاً إلى أصله.
فمثل لك -رحمه الله- بصب الطهور الكثير، فلو أن إنساناً عنده ماءٌ قليل قدر الكأس، ووضعه في إناء، فجاءت قطرة من بول وأثرت في هذه الكأس أو الكأسين، ثم أراد أن يطهر هذا الماء المتنجس فصب -مثلاً- إلى منتصف الإناء حتى ذهب لون النجاسة وطعمها وريحها، فنقول: هذا الماء انتقل من كونه نجساً إلى كونه طهوراً، وهذا من رحمة الله جل وعلا ولطفه بالعباد.
وهذا بشرط أن يكون الماء الذي صُبّ طهوراً، أما إذا كان الماء الذي صبه طاهراً فقد انتقل الماء من كونه نجساً إلى كونه طاهراً.
(5/4)
________________________________________
مسألة الشك في نجاسة الماء أو طهارته
قال المصنف رحمه الله: [وإن شك في نجاسة ماءٍ أو غيره، أو طهارته بنى على اليقين].
بعد أن ذكر المصنف أقسام المياه سيذكر الآن مسائل تعمُّ بها البلوى، وهي مسائل الشبهة والشك في طهارة الشيء ونجاسته، ومن عادة أهل العلم رحمةُ الله عليهم أنهم يذكرون مسائل الشك في الطهارة والحدث في كتاب الطهارة، ويجعلون هذه المسائل قاعدةً عامة.
والأصل في هذه المسائل: أن الشريعة كلفت المكلف بما يستيقنه أو يغلب على ظنه، أما ما شك فيه وتوهم فهذا لا يبنى عليه حكم.
وكثيراً ما يسأل الناس: عندي إناء فيه ماء طهور، ثم شككت، هل أصابته نجاسة صبي كان يلعب بجواره فهو نجس أو لم تصبه فهو طهور؟!! وهذه مسائل يحتاج إليها الناس كثيراً وتعمُّ بها البلوى؛ فإن الإنسان قد يكون في غرفة فيها فراش، وعليها صبيان يلعبون أو يعبثون، ثم يشكُ في كون نجاسة أحدهم أصابت ذلك الفراش فلا يصح أن يصلي عليه، أم أن الفراش طاهر فيجوز له أن يصلي عليه؟! إذاً فالناس يحتاجون إلى معرفة أحكام الشك الذي يطرأ على الأشياء الطاهرة، فقال رحمه الله: (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره أو طهارته بنى على اليقين).
قال: (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره) أي شيء حتى ولو كان طعاماً، فلو كان عندك كأسٌ من الماء وشككت هل هذا الكأس طاهر أم نجس؟ ترجع إلى اليقين، والأصل في الأشياء أنها طاهرة حتى يدل الدليل على نجاستها، فإذا كان عند الإنسان فراش، وكان الصبيان يلعبون على هذا الفراش وخرج عنهم، ثم جاء بعد يوم أو يومين وشك: هل بال أحدهم في ثوبه ثم جلس على هذا الفراش ونجسه؟ نقول: اليقين أن الفراش طاهر، والقاعدة تقول: اليقين لا يزال بالشك هذه قاعدة من قواعد الشريعة، وهي إحدى القواعد الخمس المتفق عليها: الأولى منها: (الأمور بمقاصدها).
والثانية: (اليقين لا يُزال بالشك).
والثالثة: (المشقة تجلب التيسير).
والرابعة: (الضرر يزال).
والخامسة: (العادة محكمة).
وكل قاعدة منها يندرج تحتها من المسائل والفروع ما لا يحصى كثرة، وقد يندرج تحت القاعدة الواحدة ما لا يقل عن مائة مسألة من مسائل الفقه، فمنها مسألتنا التي معنا في قاعدة: (اليقين لا يزال بالشك).
هذه القاعدة التي فرعنا عليها الحكم الذي معنا دليلها ما جاء من حديث عبد الله بن زيد أنه قال: (شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى إليه بعض الصحابة، أن الرجل يقوم في الصلاة، ثم يأتيه الشيطان ويقول له: خرج منك ريح، انتقض وضوءك، أنت لست على طهارة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).
يعني: حتى يتيقن الحدث كما تيقن الطهارة، فدل هذا على أن اليقين لا يزال بالشك، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عند الترمذي وغيره: (إذا صلى أحدُكم فلم يدرِ واحدةً صلى أو اثنتين، فليبن على واحدة، فإن لم يتيقن اثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على اثنتين، فإن لم يدرِ أثلاثاً صلى أو أربعاً فليبن على ثلاث، فإن لم يدرِ أأربعاً صلى أو خمساً فليبن على أربع، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم) وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر اليقين وألغى الشك.
ولذلك العلماء أخذوا من الحديث قاعدة وقالوا: (اليقين لا يزال بالشك)، أي: الشيء الذي أنت على طمأنينة به ويقين به لا يزيله الشك كحديث النفس والوسوسة، فأنت في الفراش على يقين من أن فراش الغرفة طاهر، ولم تجد أثر البول على الفراش فتقول: (اليقين) وهو كون الفراش طاهراً (لا يزال بالشك) وهو وسوسة النفس ببول الصبي عليه، وهذا أصل عظيم يتفرع عليه من المسائل ما لا يحصى كثرة، وسيمر علينا -إن شاء الله- في كتب العبادات والمعاملات.
فهنا إذا شك في طهارة شيء ونجاسته بنى على اليقين، فلو أن الثوب كان معلقاً ثم تطاير بولٌ في مكان قريب من الثوب، وشككت هل الثوب أصابه البول أو لم يصبه، فاليقين أن الثوب طاهر، والشك أنه نجس، فتقول: (اليقين) وهو طهارة الثوب (لا يزال بالشك) وهذا من رحمة الله.
فلو أن الناس فُتح عليهم باب الوسوسة ما استطاع أحدٌ أن يصلي، ولوجدوا في ذلك من الحرج والضيق والمشقة ما الله به عليم، حتى ولو كان الثوب فيه نجاسة حقيقة وأنت لم تدرِ فإن صلاتك تصح وتجزئك عند الله جل وعلا، وهذا من رحمة الله عز وجل.
فقال المصنف رحمه الله: (ومن شك في نجاسة ماء أو غيره أو طهارته بنى على اليقين) فإذا شككت في الماء من كونه طاهراً أو نجساً، أو شككت في الطعام من كونه طاهراً أو نجساً بنيت على اليقين من كونه طاهراً، واستبحت أكله وشربه حتى تستيقن النجاسة.
(5/5)
________________________________________
مسألة اشتباه الطهور بالنجس
قال المصنف رحمه الله: [وإن اشتبه طهورٌ بنجس حَرُمَ استعمالهما].
قبل أن نبدأ بهذه المسألة الثانية ننبه على مسألةٍ أخرى: تقدم أن من شك في شيءٍ رجع إلى اليقين، لكن لو كان هذا الماء نجساً ثم شككت: هل زالت نجاسته بالشمس وتبخرت أم أنه لا زال نجساً، فاليقين هنا أنه نجس، والشك في كونه طاهراً، فنبقي اليقين من كونه نجساً، ونلغي الشك من طهارته، وهذا أصل عام.
فلو أصاب الثوب نجاسة، ثم جاءك حديث نفس وشككت: هل غسلت الثوب فهو طاهر، أو لم تغسله فهو نجس؟ فالأصل واليقين أنه نجس، فنقول: (اليقين) وهو كونه نجساً (لا يزال بالشك) وهو كونه طاهراً.
وهذا أصل عام يسري في كثيرٍ من الأمور، وكثير من المسائل وأحكام القضاء الموجودة في الفقه الإسلامي مفرعة على هذه القاعدة العظيمة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) وأصلها قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111]؛ لأن الأصل في المتهم أنه بريء حتى يثبت ما يُدانُ به، إلى غير ذلك من المسائل التي لا تحصى كثرة، في مسألة الشك في طهارة الشيء ونجاسته.
فإذا شككت في شيءٍ رجعت إلى الأصل، فإذا كان عندك شيئان: أحدهما طاهر، والثاني: نجس، أو عندك ماءٌ طهور يجوز أن تتوضأ به، وماءٌ نجس، ولكن لا تستطيع أن تعرف الماء الطهور من الماء النجس ففي هذه الحالة هل نقول: يترك الاثنين ويتيمم، أو نقول: يتوضأ بأحدهما ويصلي؟ إن قلنا: يتوضأ بأحدهما ويصلي فإن اليقين أن ذمّته معلقةٌ بالصلاة، فإذا توضأ بأحدهما احتمل أنه توضأ بماءٍ نجس، وحينئذٍ لا يكون قد أبرأ ذمته التي هي معلقةٌ باليقين، إذ كيف يبرئها بأمرٍ مشكوك؟! ولذلك لا يصح ألبتة أن نقول له: يتخير واحداً منهما.
بعضهم يقول: يجتهد ويأخذ أقواهما وأقربهما من الطهور، ولكن ليست مسألتنا فيما فيه مدخل للاجتهاد إنما مسألتنا في سطلين أو إناءين لا تستطيع أن تعرف النجس من الطاهر منهما ألبتة، إذ الاشتباه عند العلماء يعني: وجود شيئين كلٌ منهما يشبه الآخر بحيث لا يمكن التمييز؛ لكن لو استطعت أن تميز بالرائحة أو باللون أو بالطعم فالقدرة على اليقين تمنع من الشك، ومسألتنا هي فيما إذا تعذر التمييز.
جاءك رجل وقال لك: أنت درست كتاب الطهارة، وعندي سطلا ماء، أحدهما طهور والثاني نجس، ولا أستطيع أن أعرف الطهور من النجس، وأريد أن أصلي، فبأيهما أتوضأ؟ إن قلت له: توضأ منهما فيحتمل أن يتوضأ بالنجس أولاً وبالطهور بعده، فيكون وضوءه بالطهور بعضه رافع لنجاسة البدن بالذي قبله، وإن كان توضأ بالطهور أولاً ثم بالنجس بعده فهذه مصيبة؛ لأنه سيتنجس ويصلي وهو متنجس، ولذلك لا يستقيم أن يقال له: توضأ بواحدٍ منهما أو بهما معاً، وإنما يقال له: اتركهما واعدل إلى التيمم.
فلو قال قائل: كيف يتيمم والله يقول: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء:43] وهذا قد وجد الماء؟! نقول: إن الشرع قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي: ماءً طهوراً تبرأ به الذمة، وهذا ماءٌ لا تبرأ به الذمة، فأصبح وجوده وعدمه على حدٍ سواء، ولذلك يسمونه العجز الحكمي، حيث يكون الماء موجوداً ولكن لا تستطيع أن تستعمله، فيعتبر الماء كأنه مفقود حكماً.
وقال بعض العلماء: يخلطهما مع بعضهما، وعلى كل حال: فإن المذهب المعتبر أنه يترك كلا المائين ويتيمم.
وأصل هذا مسألة أصولية من أمثلتها: إذا اختلطت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة حرمتا، فلو كان عنده شاتان: إحداهما مذكاة ذكاة شرعية، والثانية: ذُكر عليها اسم غير الله، فهي فسق ورجس لا يجوز أكلها، وكلا الشاتين شكلهما واحد، ومكانهما واحد، فالتبس عليه فلم يستطع أن يعرف أيتهما المذكاة؟ فإننا نقول: حرمت كلا الشاتين؛ لأنه في مظنة أن يقع في المحرم، وهذه المسألة قررها غير واحد من أئمة الأصول ومنهم الغزالي في المستصفى، وكذلك الإمام ابن قدامة في الروضة.
كذلك هنا: إذا اختلط الماء الطهور بالنجس، نقول: اتركهما واعدل إلى التيمم.
(وإن اشتبه طهورٌ بنجس حرم استعمالهما ولم يتحر).
لأنه يؤدي إلى تنجيس بدنه واستباحة الصلاة على وجهٍ لا تبرأ به الذمة.
قال رحمه الله: [ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما].
قال بعض العلماء: يشترط في التيمم أن يريقهما حتى يصير غير واجد للماء، وصورة المسألة: إذا كنت في سفر وليس عندك إلا وعاء فيه ماء طهور، ووعاء فيه ماء نجس ولا تستطيع التمييز؛ أما لو وجدت غيرهما فإنك تتركهما وتتوضأ بالغير، لكن محل الإشكال هنا إذا لم يوجد ماء غير هذا الماء المشتبه فيه، فتترك الاثنين وتتيمم، وقال بعض العلماء: يخلطهما.
ومذهب الخلط يصح إذا كان أحدهما طهوراً يغالب الآخر وأمكن تمييزه، لكن هنا لا يمكن التمييز؛ لأنه إذا خلطهما مع بعضهما ربما أنه يتنجس أحدهما في الآخر؛ لأنه إذا وردت النجاسة على الطهور نجسته، وإذا ورد الطهور على النجاسة طهرها، وأنت لا تستطيع في هذا الحالة أن تفعل كلا الأمرين، لا تورد هذا على هذا، ولا هذا على هذا، فتلغي الاثنين كأنهما غير موجودين، ثم تتيمم، وهذا هو المذهب المعتبر.
(5/6)
________________________________________
مسألة اشتباه الطهور بالطاهر من الماء
قال المصنف رحمه الله: [وإن اشتبه بطاهرٍ توضأ منهما وضوءً واحداً].
هذه مسألة أخرى: عندك سطلان، أحدهما فيه ماءٌ طهور، والثاني فيه ماءٌ طاهر.
فإن الماء الطهور هو وحده الذي يصح به الغسل والوضوء، أما الطاهر -كما تقدم معنا- فإنه لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً، فهل إذا كان أحدهما طهوراً، والثاني طاهراًَ، يأخذ نفس الحكم السابق؟!

الجواب
لا.
فإن الطاهر لا ينجس البدن، فنقول له: توضأ من هذا غرفة، ومن هذا غرفة، فيأخذ الغرفة الأولى من أحدهما ويتمضمض، ثم يأخذ الغرفة الثانية من الآخر ويتمضمض، ثم يأخذ غرفةً من أحدهما ويغسل بها وجهه، ثم يأخذ غرفة من الآخر ويغسل بها وجهه، ثم يأخذ غرفةً أخرى لليد وبعدها للرأس وبعدها للرجلين.
ويكون على هذا قد تأكد أنه قد توضأ بماءٍ طهور؛ لأن الماء الموجود إما طهور وإما طاهر، فإذا توضأ منهما فقد جزم بكون الماء الطهور قد أصاب بدنه، وهكذا في الغسل يصب ويفرغ عليه من الإناءين.
ويشترط في ذلك تعميم العضو، فبكل غرفة يعمم العضو، إن كان الوجه استوعب الوجه بكل إناءٍ منه غرفة، وإن كانت اليد استوعب اليد وهكذا.
قال رحمه الله: [من هذا غرفة ومن هذا غرفة، وصلى صلاةً واحدة].
(وصلى صلاةً واحدة) لأنه يكون بعد انتهائه من الوضوء على هذه الصورة قد تطهر، ولا يجب عليه صلاتان، قال بعضهم: يتوضأ من هذا ويصلي، ثم يتوضأ من الثاني ويصلي، والصحيح: أنه يتوضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة حتى يتم الوضوء ثم يصلي صلاةً واحدة.
(5/7)
________________________________________
مسألة اشتباه الطاهر بالنجس من الثياب
قال المصنف رحمه الله: [وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ أو محرمة].
هذه مسألة ثانية: أراد إنسانٌ أن يصلي، ومن شرط صحة الصلاة سترُ العورة، وعنده ثوبان أحدهما: نجس، والثاني: طاهر، ولا يستطيع أن يعرف الثوب النجس من الثوب الطاهر، والتبس عليه ذلك، فلو قال لك قائل: ما يمكن هذا! لأنه إذا وقعت النجاسة -مثلاً- على ثوبه فإنه يستطيع أن ينظر إلى مكان النجاسة ويعرف أن هذا نجس وأن هذا طاهر.
فنقول له: افرض أنه في صلاة الفجر في ظلمة، ليس عنده ما يستطيع أن يميز به الثوب الطاهر من الثوب النجس، فما الحكم؟! في هذه الحالة قال العلماء: يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة، فلو كان عنده ثلاثة أثواب، واحد منها نجس، يصلي في ثوبين، فيلبس أحدهما ويصلي، ثم يلبس الآخر ويصلي، فإنه إذا كان الأول نجساً فإن الثاني طاهر بيقين، فلو فرضنا أن عدد الثياب خمسة والنجس منها ثوبان فإنه يصلي ثلاث صلوات؛ لأني النجس ثوبان، فيصلي في كل ثوبٍ، ثم إذا بلغ المرة الثالثة يكون قد تحقق أنه قد أدى الصلاة بطهارةٍ كاملة.
قال رحمه الله: [صلى في كل ثوبٍ صلاةً بعدد النجس أو المحرم وزاد صلاة].
(أو المحرم) كأن يكون عنده ثوب حرير، ولا يستطيع أن يميز أن هذا ثوب حرير، كأن يكون في ظلام لا يعرف هل هذا حرير أو غيره، ففي هذه الحالة يصلي بعدد النجس أو المحرم ويزيد صلاةً واحدة.
(5/8)
________________________________________
الأسئلة
(5/9)
________________________________________
إشكال في مسألة اشتباه الطهور بالنجس

السؤال
مسألة: (إن اشتبه طهورٌ بنجس) كيف يكون ذلك الاشتباه والنجس إنما يعرف إما بلونه أو طعمه أو رائحته؟

الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهذا سؤالٌ جيد، وتعلمون أننا قلنا: إن المذهب الراجح هو تغير اللون والطعم والرائحة، وبناء على ذلك فإن المصنف أورد هذه المسألة على المذهب الثاني، وهو الذي يرى: أن مجرد وقوع النجاسة في القليل والكثير يوجب الحكم بنجاسة الماء الطهور، وبناءً على مذهب المصنف: لو كان هناك سطل دون القلتين فأصابته نجاسة حكم بنجاسته، فلا يمكن التمييز فيه، ففي هذه الصورة يكون من جنس ما لا يمكن تمييزه، ويصح تفنيد المصنف وذكره لهذه المسألة على الأصل الذي درج عليه والله تعالى أعلم
(5/10)
________________________________________
وجوب الغسل وإراقة الماء من ولوغ الكلب

السؤال
على القول بأن العبرة في نجاسة الماء وطهوريته بالتغير لا بالقلتين، فما قولكم -حفظكم الله- في هذه الصورة: قدرٌ فيه ماء، ولغ فيه كلبٌ، فإن قلنا: هو طهور، فكيف نجمع بينه وبين حديث الإراقة من ولوغ الكلب، وإن قلنا: هو نجس، خالفنا الإجماع؟

الجواب
هذا سؤالٌ جيد، وهو إيراد أورده أصحاب مذهب القلتين على مذهب العلماء الذين يعتبرون التغير، والجواب يسير سهل، فقد قالوا: إن الحكم على الماء بالإراقة كما في رواية مسلم في حديث الكلب حكمٌ تعبدي، بدليل أنه أُمر بالتسبيع، فلو كان لنجاسته لأمر بالتثليث ولم يؤمر بالتسبيع؛ ولذلك يقولون: إنه حكمه تعبدي، ألا ترى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً) فدل على أن النجاسة تغسل ثلاثاً، فكونه يأمر في ولوغ الكلب بغسله سبعاً، دل على أن حكم المسألة تعبدي.
والقاعدة عند الأصوليين: أن الإيرادات على الأصل بالمسائل التعبدية لا تصح، أي أن الأصل معتبر؛ ولكن ما كان تعبدياً فلا يرد على الأصل، وبناءً على ذلك يعتبر هذا الاعتراض غير مؤثر في حكم المسألة، والله تعالى أعلم.
(5/11)
________________________________________
حكم المواد البترولية الخارجة من الأرض

السؤال
ما حكم المواد البترولية مثل الزيوت والبنزين والشحم وغيرها إذا وقعت على الثوب أو على مكان الصلاة أو كانت في اليد وغيرها، هل هي من النجاسات التي يجب التطهر منها؟

الجواب
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالمواد البترولية طاهرة كلها، وليس فيها شيءٌ نجس، وإنما التبس على بعض طلاب العلم ما ذُكِرَ أن أصلها من الميتات القديمة، وأنها ضغطت في الأرض حتى صارت بترولاً، والصحيح: أن هذا الكلام ليس بمعتبرٍ شرعاً، بل هي كنزٌ من كنوز الله التي أودعها في الأرض، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه: (لا تقوم الساعة حتى تخرج الأرض كنوزها) ولو كانت الحيوانات الميتة القديمة هي التي نشأ منها البترول، لوجدنا البترول تحت المجازر.
ولذلك لا يعتبر هذا دليلاً وإنما هو من رجم الغيب وهذا من تعبيرات الكفار، فإنهم لا يؤمنون بوجود المؤثر فيقولون: منذُ ملايين السنين كانت هناك دواب كالديناصورات ونحوها فانقرضت مع فعل الزمن، ثم ضُغطت في الأرض، سبحان الله! ما أكفر الإنسان! كل شيء يمكن أن يقال إلا: لا إله إلا الله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91] يعطيهم المؤن والمنن وبدلاً من أن يقولوا: هي كنزٌ من الله يقولون: من ميتة الديناصور، ومن ضغط الأرض عليها منذ ملايين السنين، ثم ملايين السنين متى هذا؟ يعني: لو جئت تحسب ما بينك وبين نوح هل يبلغ ملايين السنين؟ كل ذلك حساب وضرب في الظنون كما قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام:116] ولكن المؤمن الصالح الموفق يقولها بكل عقيدةٍ وإيمان: هذا كنزٌ أوجدهُ الله وأسكنه في أرضه، وهو العليم بخلقه، فإننا نجده في البحار حيث لا دواب ولا غيرها، ولكنه كنزٌ من الله جل وعلا جعله فيها.
وهذا الكنز الأصل طهارته حتى يدل الدليل على نجاسته، فجميع مواد البترول وما يشتق منها طاهرة، وليست بنجسة سواءً أصابت الثوب أو البدن أو المكان لا تؤثر في ذلك ألبتة، والله تعالى أعلم.
(5/12)
________________________________________
الفرق بين اشتباه الماء الطاهر بالنجس واشتباه الثوب الطاهر بالنجس

السؤال
فضيلة الشيخ حفظكم الله قلتم: إنه لو كان عند أحدنا ثياب واختلطت النجسة منها بالطاهرة أنه يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة، السؤال: لماذا لا يجري هذا الأمر باختلاط الماء الطاهر بالنجس؟

الجواب
بينا أنه في حال اختلاط الماء الطاهر بالنجس لو أمرناه أن يصلي بكل ماء على حدة لأدى ذلك إلى الشك بكونه متنجساً؛ لأنه سيصلي بنجاسةٍ قطعاً، بمعنى أنه سينجس بدنه، فلا يدري هل الأول هو النجس أم الثاني هو النجس؟ فإن تنجس في الأول وصلى فإنه لم يصلِّ، فتكون صلاته بالطهور الثاني غير معتبرة، وتوضيح ذلك: أننا لو قلنا: توضأ من أحدهما ثم صلِّ، ثم توضأ من الثاني وصلِّ، كما قلنا في الثياب لأدى ذلك إلى ما يلي: أنه لابد أن يبدأ إما بالنجس أو بالطهور، فإن ابتدأ بالنجس وتوضأ به، فإنه لا تصح صلاته الأولى، فإن توضأ بعده بالطهور؛ فإنه في هذه الحالة يكون الطهور أثناء صبه على اليد مزيلاً للخبث لا رافعاً للحدث، فلا يستقيم وضوءه لا الأول ولا الثاني، هذا إذا تقدم النجس وتأخر الطهور، قالوا: فإذا أمرناه يحتمل أنه يفعل ذلك وبسبب هذا الاحتمال لا نجيز له، فلو فرضنا أنه توضأ بالطهور أولاً وصلى، ثم توضأ بالنجس بعده وصلى؛ فإنه ستبقى فيه النجاسة فينجس بدنه وثوبه، ومكانه بخلاف الثوب الذي تكون نجاسته قاصرة على المحل المتنجس دون البدن، والله تعالى أعلم.
(5/13)
________________________________________
حكم من وجد المني على ثوبه

السؤال
سائل يقول: رجل نام ليلة السبت وهو متأكدٌ من طهارة ملابسه، ثم اكتشف يوم الأحد بعد العشاء أن على ملابسه الداخلية جنابة، فماذا يصنع في تلك الصلوات التي مرت عليه وهو نجس، وهو لا يعلم هل حصلت الجنابة ليلة السبت أو ليلة الأحد أفتونا وجزاكم الله خيرا؟ الجواب، أولاً: وصفك له بقوله: (وهو نجس)، غير صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن لا ينجس) ولكن يقال: متنجس، يعني عنده ثوبٌ لابسه النجس، وهذا على القول: بأن المني نجس، والصحيح: أن المني طاهر، فلا يستقيم وصفه بالنجاسة ألبتة على ظاهر السنة.
وبناءً على ذلك: يرد السؤال: من وجد في نهارٍ أثر المني، وهو متأكد أن الليلة الماضية وهي السبت أو الأحد أو الإثنين أو الثلاثاء كان على غير جنابة، فأصح الأقوال عند العلماء، أن من وجد الجنابة في ثوبه فعليه أن يعيد من آخر نومةٍ نامها، فلو فرضنا أنه وجد أثر الجنابة في صلاة المغرب، فإنه إن نام الصبح ولم ينم بعد الصبح أعاد الصبح وما بعده، وإن نام الظهر ووجد الأثر المغرب وجب عليه قضاء العصر وحدها، فيغتسل ويقضي العصر، وهذا على قاعدة (اليقين لا يزال بالشك)، فإن اليقين في آخر نومة والشك فيما قبلها، فنبني على اليقين ونلغي الشك قبلها، والأصل فيه قبل ذلك أنه متطهر، وهذا على القاعدة التي ذكرناها والله تعالى أعلم.
(5/14)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الآنية
الأصل في الأواني إباحة استعمالها واتخاذها إلا ما حرمه الشرع كآنية الفضة والذهب، والأصل في أواني الكفار الحل إلا إذا رأينا أمراً ظاهراً يقتضي عدم جوازها، كاستعمالها في النجاسة وطبخ الخنزير وغير ذلك، فيحرم علينا استعمالها، إلا إذا لم نجد غيرها فلنغسلها ونستعملها.
(6/1)
________________________________________
أحكام الأواني
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الآنية] الباب: هو المنفذ بين الشيئين يتوصل به أحدهما إلى الآخر، من داخلٍ إلى خارج والعكس، قالوا: سُميت مباحث العلم أبواباً؛ لأن الإنسان يتوصل من خارج وهو: الجهل بها، إلى داخلٍ وهو: العلم بما فيها، فمن قرأ شيئاً من هذه الأبواب فقد أدرك العلم الذي فيها، كمن دخل البيت فإنه يدرك ما فيه، ويرتفق بمنافعه.
(باب الآنية) واحدها إناءٌ، وجمعها رحمة الله عليه لأن الأواني منها ما أباحه الشرع، ومنها ما حرمه الشرع، فناسب أن يقول: (باب الآنية)، أي: في هذا الموضع سأذكر لك أحكام الشريعة في الأواني، والسبب الذي يجعل العلماء يذكرون باب الآنية، ويتكلمون على مباحث الآنية في كتاب الطهارة: أن الطهارة تحتاج إلى ماء يُتطهر به، وصفةٍ تتم بها الطهارة، والماء الذي يتطهر الإنسان به يحتاج إلى وعاء يحمله فيه، فإنه قد يكون الماء طهوراً ولكن الإناء نجس، فهل يجوز أن يتوضأ الإنسان منه؟! وقد يكون الماء طهوراً، ولكنه في إناءٍ محرم كالمصنوع من الذهب والفضة، فهل يجوز أن يتطهر به؟ فإذاً لا بد من الكلام على أحكام الآنية؛ لأنها أوعية الماء الذي يُتطهر به.
(6/2)
________________________________________
الأصل في الأواني الطهارة
قال المصنف رحمه الله: [كل إناء طاهر ولو ثميناً يباح اتخاذه واستعماله].
هذه قاعدة، فلو سألك سائل: ما هو الأصل في الأواني؟ تقول: الأصل أنها جائزة ومباحة، إذا كانت طاهرة ولو كانت ثمينة، فلو كان الإناء من الماس أو من الجواهر أو من غيرها من المعادن الثمينة النفيسة، فإنه يباح اتخاذه واستعماله، فلو أن إنساناً شرب في كأسٍ ثمينٍ من معدنٍ ثمين كالجواهر أو غيرها فإنه يباح له ذلك، فالأصل حلّ هذه؛ لأن الله يقول: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13].
فالأصل في هذه الأشياء أنها مسخرةٌ من الله جل وعلا لكي ينتفع بها الإنسان، تكريم من الله لبني آدم، فإذاً: الأصل في الإناء أنه يباح لك استعماله واتخاذه.
والاتخاذ يكون في البيت بأن يحفظ فيه الأشياء أو يجعله للزينة ونحو ذلك، فالأصل جواز ذلك ولا حرج فيه، هذا في الآنية.
وإذا كان الأصل في الآنية حتى الثمينة منها الإباحة فإنه ينتفع بها وعلى هذا يجوز الوضوء بها، فيجوز أن يتوضأ بآنية ولو كانت غالية الثمن، ما خلا ما استثناه الشرع، فالذي يستثنيه الشرع ويحكم بحرمة استعماله واتخاذه لا يجوز أن يتوضأ الإنسان به، ولا أن يستنجي، ولا أن يغتسل.
(6/3)
________________________________________
حرمة استعمال أواني الذهب والفضة
[إلا آنية ذهبٍ وفضة ومضبب بهما].
(إلا آنية ذهبٍ) وهو المعدن المعروف، (وفضة ومضببٍ بهما) وآنية المضبب بهما.
أما: آنية الذهب والفضة فلا يجوز للإنسان أن يشرب في كأس ذهبٍ ولا كأس فضة، ولا يجوز له أن يأكل بملعقة ذهبٍ ولا فضة ولو كان أثنى، فإن الأنثى يباح لها الحلي للزينة، أما الاستعمال والأكل والشرب والاتخاذ والاغتسال من آنية الذهب والفضة فمحرم، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) وفي حديث الدارقطني: (الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جنهم) فإذاً من كبائر الذنوب: الأكل أو الشرب في آنية الذهب أو آنية الفضة، وكذلك لو اتخذ صحناً من ذهب أو صحناً من فضة وجعله للزينة في البيت أو نحو ذلك.
والسبب في هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن حرمة الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة مع أن الأكل فيها والشرب فيها من الحاجة، فلأن يحرم ما هو من مقام التحسينيات والكماليات الذي هو الزينة من باب أولى وأحرى.
فكون الشرع يحرم علينا أن نأكل أو نشرب في آنية الذهب والفضة يدلنا على أن اتخاذها دون استعمال أولى بالتحريم، وهذا -كما يقول العلماء رحمةُ الله عليهم- من باب التنبيه بالأعلى على ما هو أدنى منه؛ لأن نصوص الشريعة تنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، ولذلك يقولون: حرم النبي صلى الله عليه وسلم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وكلٌ من الأكل والشرب محتاجٌ إليه، فإن الأكل والشرب قد يصل إلى الاضطرار، فإذا منع الإنسان من أن يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة، فوضعها في بيته زينة أشد وأبلغ في التحريم، ولا يجوز له فعل هذا.
قال رحمه الله: [فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها ولو على أنثى].
أي: ولو كان الذي يشرب فيه من الإناث، فإن التحريم للأكل والشرب عام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإنها لهم في الدنيا -أي: للكفار- ولكم في الآخرة).
قال بعض العلماء: لا يؤمن على من أكل وشرب فيهما، وانتفع بالذهب والفضة بالأكل والشرب في صحافهما وآنيتهما أن يحرمه الله جل وعلا في الآخرة، كما حرم شارب الخمر -والعياذ بالله- خمر الآخرة بإدمانه عليها في الدنيا، نسأل الله السلامة والعافية.
[وتصح الطهارة منها].
هنا مسألة: عند العلماء أن الشرع إذا نهى عن شيءٍ فهل يدل ذلك على نهيٍ فعل متضمن به، مثال ذلك: لو أن إنساناً أخذ إناءً من ذهب أو فضة ثم توضأ منه، أو جاء إلى صنبور فتوضأ منه وهو من الذهب أو الفضة، فهل يصح وضوءه وغسله أو لا؟! بعبارة أوضح: بما أنه لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة، فلو أني توضأت واغتسلت من إناء ذهبٍ أو إناء فضةٍ فللعلماء وجهان مشهوران: الوجه الأول: أن من توضأ من إناء الذهب والفضة صح وضوءه؛ لأن الله أمر بغسل الأعضاء، والوعاء منفصلٌ عن شرط الصحة وهو الوضوء، وهذا قول جمهور العلماء، واختاره غير واحدٍ من العلماء، أنه إذا توضأ أو اغتسل من إناء ذهبٍ أو فضة، فوضوءه وغسله صحيح.
الوجه الثاني: ذهب بعض العلماء -وهو قولٌ في مذهب الحنابلة- إلى أنه إذا توضأ أو اغتسل من إناء ذهبٍ أو فضةٍ فلا يصح وضوءه ولا غسله؛ لأنه فعل ما حرمَ عليه شرعاً، وهذا المحرم لا يوجب ثبوت العبادة الشرعية؛ لأن الشرع يقول له: لا تتوضأ من هذا الإناء فتوضأ من هذا الإناء، فلا تستباح العبادة الشرعية بمنهي عنه شرعاً، والصحيح أن الوضوء صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وهذا قد توضأ، فإن الأعضاء التي أُمِرَ بغسلها قد غسلها، ولكن نقول: هو آثم من جهة استعمال الإناء، وصلاته صحيحة لوقوع العبادة على وجهها المعتبر، فالجهة منفكة، وهذه قاعدة عند الأصوليين: (أنه إذا ورد النهي وانفك عن المنهي عنه في جهته لم يقتضِ ذلك البطلان) فإن الماء الذي توضأ به ماءٌ طهور، والعضو الذي غسله عضوٌ معتبرٌ شرعاً، فإذاً صحت عبادته وصح وضوءه.
(6/4)
________________________________________
شروط اتخاذ الإناء المضبب بالفضة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إلا ضبة يسيرة من فضةٍ لحاجة].
الضبة بالذهب والفضة تكون على أطراف الإناء أو الوعاء، فيكون الإناء محلى في أطرافه، فهذا يعتبر مضبباً كضبة الباب تحيط بعضاده، وكانوا في القديم يستخدمون آنية من الخشب، فيحفرونها في جذوع النخل ويستخلصون منها الأقداح، وهذه إلى الآن لا تزال موجودة في بعض البلاد، حيث يستخدمون هذه الآنية من الخشب بمثابة الأوعية، وهذا الوعاء قد ينكسر فيحتاج إلى جبر الكسر بصب الفضة عليه حتى لا يخرج الماء من هذا الشعب، فيسمونه (مضبباً)، فإذا انكسر الإناء جاز أن يضع الإنسان فيه ضبةً يسيرة من الفضة بشروط: أولاً: أن تكون من الفضة.
ثانياً: أن تكون يسيرة.
ثالثاً: أن لا يباشر الأكل والشرب من نفس المكان الذي فيه الفضة.
هذه ثلاثة شروط: أن تكون ضبةً يسيرة، ومن فضةٍ، ولا يباشر الشرب من مكان الفضة.
لأنه نُهي عن الشرب من آنية الذهب والفضة، فيتقي المكان الذي فيه الفضة ويشرب من غيره إلا أن تكون ضبةً يسيرة فيجوز له، دليل ذلك حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انكسر قدحه سلسله بفضة) قيل: الذي سلسله أنس، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سلسله، والعمل على الثاني.
قال رحمه الله: [وتكره مباشرتها لغير حاجة].
أي: مباشرة الضبة لغير حاجةٍ، فإن وُجدت الحاجة كما أن يكون الموضع الذي انكسر هو موضع الشرب، قالوا: فحينئذٍ لا يستطيع أن يشرب إلا من هذا الموضع الذي فيه الفضة فيجوز له أن يشرب؛ لأن أصل التحريم الانتفاع بالفضة على سبيل الكماليات وهنا قد انتفع بها على سبيل الحاجة، فتخلف فيه المعنى الذي من أجله ورد النهي شرعاً.
(6/5)
________________________________________
أحكام أواني الكفار
قال المصنف رحمه الله: [وتباح آنية الكفار].
بعد أن بين رحمة الله عليه أحكام أواني المسلمين، وقال لك: الأواني كلها جائز الانتفاع بها إلا آنية الذهب والفضة، بيّن بعد ذلك حكم آنية الكفار، والكفار على قسمين: كفارٌ من أهل الكتاب وهم الذين لهم في الأصل دينٌ سماوي، وهم اليهود والنصارى.
وكفارٌ على غير دين سماوي كالوثنيين والمشركين والمجوس ونحوهم، فيرد

السؤال
لو أن إنساناً سألك في يومٍ من الأيام وقال لك: وجدتُ إناءً ليهوديٍ فهل يجوز لي أن أتوضأ أو أغتسل منه، أو آكل أو أشرب منه؟! هذا سؤالٌ وارد، ولذلك بينت الشريعة حكم آنية الكفار في أكثر من حديث، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة؛ وتوضيحها: أن آنية الكفار على حالتين: الحالة الأولى: أن تكون جديدةً غير مستعملة، كالأواني التي تأتي منهم جديدة مُصَنّعة، فهذه طاهرةٌ يجوز استعمالها والانتفاع بها بالإجماع ما لم تكن من مادةٍ نجسة؛ فإن كانت من المواد الطاهرة كالحديد والصفر والنحاس ونحوها جاز الانتفاع بها بالإجماع؛ لأن اليقين طهارتها وليس هناك دليل على النجاسة، فنبقى على الدليل الأصلي ونستصحب الأصل من كونها طاهرة.
الحالة الثانية: أن تكون أواني الكفار مستعملة، فإن رأيت استعمالهم للنجاسة فيها، ورأيت الإناء وفيه النجاسة فبالإجماع أنه نجسٌ حتى يطهر، ولا يجوز استعماله بالإجماع حتى يغسل.
فلو وجدت كأساً لهم فيها خمر فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد غسلها وتنظيفها، وأما إذا كانت هذه الأواني مغسولة عندهم ولم يجد الإنسان غيرها، وكانوا قد أكلوا فيها أو شربوا فهذا للعلماء فيه وجهان: منهم من قال: لا تستعمل إلا أن يضطر إليها؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: (يا رسول الله! إني بأرض قومٍ أهل كتاب أفآكل في آنيتهم؟ -وفي رواية أفنأكل في آنيتهم؟ - قال: لا.
إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها) فدل هذا الحديث على أن آنية الكفار التي يستعملونها لا يؤكل فيها.
ونازع هذا الحديث حديثٌ آخر، وهو أكل النبي صلى الله عليه وسلم من آنية الكفار، ففي حديث رواه أحمد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استضافه يهودي على خبزٍ وإهالة سنخة، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك) وكذلك أيضاً ثبت في الصحيح عنه: (أن امرأة يهوديةً دعته إلى شاةٍ ووضعت السم فيها، ثم أطعمته عليه الصلاة والسلام فأكل منها).
فدل هذا على أن آنية الكفار يؤكل فيها، قالوا: أما الشرب والوضوء ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما لقي المرأة التي معها المزادة توضأ هو وأصحابه منها) فتوضأ من مزادة مشركة.
قالوا: فهذا يدل على أن أواني الكفار يؤكل فيها ويشرب منها ما لم تُعلم نجاستها، وهذا مذهب بعض العلماء.
وحديث أبي ثعلبة يقتضي أنه لا يؤكل ولا ينتفع بها إلا ألا يجد غيرها فيغسلها ثم يأكل فيها.
وأعدل المذاهب: أن يحتاط الإنسان فيها، فلا يأكل في آنية الكفار ولا يشرب منها إلا ألا يجد غيرها فليغسلها ثم ليأكل فيها، وما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعارض هذا الأصل؛ لأن الغالب في هذه الآنية طهارتها، ولو كانت نجسةً لما خلا الوحي من تنبيهه صلى الله عليه وسلم على نجاستها.
وعلى هذا فإن التفصيل في أواني الكفار بالصورة التي ذكرناها هو أعدل الأقوال.
الحالة الثالثة: أن لا نعلم أو لا نرى فيها نجاسة، فهل نُعْمِل الأصل الذي هو اليقين أو نُعْمِل الظاهر؟ وقد بسطت هذه المسألة في شرح البلوغ عند حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وأرضاه.
فعند العلماء شيء يُسمى: (اليقين) كما تقدم، وشيء اسمه: (الظاهر)، فقد يقول قائل: نحن قلنا في القاعدة: (أن اليقين لا يزال بالشك)، فاليقين في أواني الكفار: أنها طاهرة في الأصل، فكيف عدلنا عن قاعدة اليقين في هذا الموضوع حتى صرنا نقول: إن أواني الكفار تغسل؟!

الجواب
هناك شيءٌ اسمه: دلالة الظاهر، والظاهر قد يعارض الأصل، فتارةً يُعمِل اليقين، وتارة يُعمل الظاهر، فإن الظاهر في حال الكفار أن أوانيهم نجسة؛ لأنهم يشربون فيها الخمور ويأكلون فيها الميتات، فالظاهر من حالهم أنها نجسة.
ومن أمثلة ذلك: إذا دخل الإنسان أكرمكم الله إلى الحمام، فوجد الماء الذي هو في مجرى النجاسة، فالماء هذا اليقين فيه أنه نجس، والماء الذي خارج الحمام اليقين فيه أنه طاهر، فيبقى الماء الذي بينهما هل نقول: اليقين فيه ما بداخل الحمام أو ما بخارجه؟! قالوا: هذا يعتبر من دلالة الظاهر، فالظاهر دورات قضاء الحاجة أنها نجسة حتى يدل الدليل على طهارتها، وبناءً على ذلك فإن الظاهر من أحوال الكفار النجاسة، فيقدم الظاهر على الأصل، وهذا من المسائل التي يتعارض فيها الظاهر والأصل، وإذا تعارض الظاهر والأصل قُدّم الأصل في مسائل وقدم الظاهر في مسائل أخرى.
وقد تكلم على هذه القاعدة كلاماً نفيساً الإمام الزركشي في كتابه: المنثور في القواعد، وتكلم عليها كذلك القرافي في: الفروق، وغيرهم من أئمة الأصول بحثوا هذه المسألة، وفيها إشكالات مشهورة عند أهل العلم رحمة الله عليهم.
قال المصنف رحمه الله: [وتباح آنية الكفار ولو لم تحل ذبائحهم].
أي: يباح لك استعمال أوانيهم ولو لم تحل ذبائحهم؛ لأن بعض العلماء يقول: تباح آنية أهل الكتاب الذين تحل ذبائحهم، وأما غيرهم ممن لا تحل ذبائحهم فلا تباح آنيتهم.
قال المصنف رحمه الله: [وثيابهم إن جُهِل حالها].
ثياب الكفار لها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تكون جديدةً لم تُلبس، كالثياب المصنعة في بلاد الكفار، فحكمها الطهارة يقيناً، فأي ثوبٍ جديد ولو جاء من ديار الشرك والكفر فإنا نقول: اليقين أنه طاهر، والأصل فيها الطهارة حتى ترى النجاسة فيه أو عليه.
الحالة الثانية: أن ترى على ثوب الكافر نجاسة، فحكمه أنه نجس، مثال ذلك: أن تراه قد صب شيئاً نجساً على ثوبه أو عمامته أو نحو ذلك، فتقول: الثوب نجس، والعمامة نجسة.
الحالة الثالثة وهي التي فيها الإشكال: إذا كان ثوباً يستعمله الكافر ولم ترَ نجاسةً عليه، فهل هو نجس أم طاهر؟ قال بعض العلماء: ثياب الكفار يُعمل فيها اليقين من أنها طاهرة حتى تُرى النجاسة عليها، وهو مذهب من يتسامح فيها.
والمذهب الثاني يقول: ثياب الكفار الظاهر فيها النجاسة؛ لأنهم يبولون ويتغوطون ولا يسلمون من وضع النجاسة على ثيابهم وبدنهم ولا يتورعون، فالظاهر نجاستها كلها.
والصحيح: هو المذهب الثالث وهو التفصيل: فإن كانت على موضع يغلب فيه النجاسة فهي نجسة كالثياب التي تلي العورة؛ فإنه إذا استعمل الإنسان ثوب كافرٍ مما يلي العورة كالسراويل ونحوها والأزر فإنه يغسلها قبل أن يستعملها؛ لأن الغالب فيهم أنهم لا يتورعون عن النجاسات، وأنهم لا يتطهرون، فنعمل دلالة الغالب، والنادر لا حكم له، فيفرق في ثيابهم المستعملة بين ما غلبت طهارته وما غلبت نجاسته.
(6/6)
________________________________________
أحكام جلد الميتة وما قطع منها حية
قال المصنف رحمه الله: [ولا يطهر جلد ميتة بدباغ].
جلد الميتة للعلماء فيه قولان مشهوران، وأصح هذين القولين: أنه إذا دُبغ جلد الميتة فقد طهر؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) ولما مر على الشاة الميتة قال: (هلا انتفعتم بإهابها؟ -يعني: بجلدها- قالت: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إنما حرُمَ أكلها) فإن هذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أن جلد الميتة يطهر بالدباغ.
وقال بعض العلماء وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن جلد الميتة لا يطهر ولو بالدباغ، لحديث عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة أنهم أتاهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهرين: (أن لا تنتفعوا من الميتتة بإهاب ولا عصب) وهذا الحديث مضطرب، حتى أن الإمام أحمد رحمة الله عليه -كما نقل الترمذي ذلك- رجع عن القول به في آخر حياته.
فالصحيح: أن إهاب الميتة على ظاهر الحديث في الصحيحين إذا دُبغَ فقد طهر، فلو أن إنساناً ماتت عنده شاة، فأخذَ جلد الشاة ودبغه فقد طهر، وجاز له أن يضع الماء فيه، وأن ينتفع به، فالمصنف تبنى القول الثاني المرجوح، والصحيح ما ذكرنا بقوله: يطهر بالدباغ.
قال المصنف رحمه الله: [ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس من حيوانٍ طاهر في الحياة].
هذا على القول بنجاسته، فإذا كان جلد الميتة نجساً فإنه في هذه الحالة تنتفع به في اليابسات دون المائعات؛ لأن المائعات لو وضعت في جلد الميتة تتنجس، فبين رحمه الله: أن جلد الميتة لا ينتفع به وأنه يأخذ حكم الميتة، والصحيح -كما قلنا- أنه طاهرٌ إذا دبغ.
قال المصنف رحمه الله: [ولبنها وكل أجزائها نجسة].
وهذا بلا إشكال؛ لأن الله عز وجل حرم الميتة، ولم يفرق بين لبنها ولا بين غيره.
قال المصنف رحمه الله: [غير شعرٍ ونحوه].
شعر الميتة للعلماء فيه وجهان مشهوران: فجماهير العلماء على أن شعر الميتة مما لا تحله الحياة، بمعنى: أنه يجوز لك أن تنتفع بشعر الميتة؛ لأنه في حياتها يجز منها ولا يحكم بنجاسته بالإجماع، كما قال تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا} [النحل:80] فدّل دليل القرآن على طهارة الصوف والوبر، وما يستخلص من شعور بهيمة الأنعام، ومعلوم أن شعور بهيمة الأنعام تؤخذ منها بالحلاقة في حال حياتها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حيٍ فهو ميت) فلو كانت الشعور تحلها الحياة لحكم بنجاسة الشعر وعدم جواز الانتفاع به، فدل هذا الدليل على أن شعر الميتة يجوز الانتفاع به ولو بعد موت الميتة؛ لأنه منفصل عنها وليست بمتصلٍ بها.
قال المصنف رحمه الله: [وما أبين من حي فهو كميتته].
فإن كانت ميتته طاهرة فطاهر كالسمك، فلو أن إنساناً قطع ذنب سمكةٍ وهي حية وفرت، فهل يجوز له أن يأكل هذا الذنب؟

الجواب
نعم؛ لأن ميتة السمك نفسها يجوز أكلها: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فيجوز له أن ينتفع بجزء السمك؛ لكن لو أن إنساناً قطع رجل شاةٍ وهي حية.
فحكمها كميتة الشاة، وميتة الشاة نجسة ومحرمة الأكل؛ كذلك رجلها إذا قطعت في حال حياتها فإنه يحكم بنجاستها.
(6/7)
________________________________________
الأسئلة
(6/8)
________________________________________
جواز التختم بالفضة دون استعمالها

السؤال
قلتم: إنه لا يجوز استخدام آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب والاستعمال، وأنه قول جماهير أهل العلم، فكيف نجمع بين هذا القول والحديث: (العبوا بالفضة لعباً).


الجواب
لا تعارض بين الحديثين، فإن اللعب بالفضة أن يلبسها الرجل وتكون في يده، والغالب أن الإنسان إذا تحلى بالفضة لعب بها، أما المتخذ فإنه لا يلعب بها لعباً، والاستدلال: بحديث: (العبوا بها لعبا) على أن المراد: افعلوا بها ما شئتم، استدلال بالتجوز في العبارة، أما حقيقة اللعب بالفضة فهي ما وردت السنة به من التختم ووضعه في اليد؛ ولذلك ثبت في الحديث عن عثمان رضي الله عنه كما في الحديث في الصحيحين: (أنه لما كان في سني خلافته لعب بخاتمه في بئر أريس، حتى سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فطلبوه فلم يجدوه).
فالمقصود أنه كان من عادتهم أنهم يلعبون بالخواتيم الفضة التي أذن الشرع بالتحلي بها، فالمراد حمل اللفظ على الحقيقة، لا على التجوز في العبارة من قوله: (العبوا فيها لعباً) إلا أن المراد بها: التوسع.
والله تعالى أعلم.
(6/9)
________________________________________
الجمع بين النهي عن استعمال الذهب والفضة وبين فعل أم سلمة في استعمال الفضة

السؤال
كيف يكون الجمع بين حديثين: الأول: (أن أم سلمة رضي الله عنها كان تضع شعرات للنبي صلى الله عليه وسلم في إناء فضة) والثاني: حديث أم سلمة نفسها في النهي عن الشرب من إناء الفضة، وقد قررنا أن هذا النهي ليس خاصاً بالشرب؟

الجواب
الأصل عند العلماء رحمةُ الله عليهم أن الصحابي إذا اجتهد وكان لاجتهاده وجه فإنه يعذر في اجتهاده، وتبقى دلالة السنة كما فهم من الشرع، وأخذ من أصول الشرع العامة على تلك الدلالة، ولا يعارض فعل أم سلمة رضي الله عنها هذا الأصل الذي قررناه.
ولذلك يعتذر لها بأنه اجتهادٌ منها، ولا يقدح الموقوف على الصحابي في المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النهي عن الأكل والشرب متضمنٌ للنهي عما لا فائدة فيه وهو الاتخاذ.
والله تعالى أعلم.
(6/10)
________________________________________
الوسائل المعينة على صدق التوبة والاستقامة

السؤال
إذا منّ الله تعالى على الشاب بالاستقامة، وعلم أنه طريق الحق، وعلم أن الشيطان له بالمرصاد فكيف يقاومه والشيطان يحاربه ببعض ذنوبه السابقة الخطيرة: كالنظر إلى المردان، وحب مجالستهم، بينوا ذلك؟

الجواب
الله المستعان! أحب دائماً أن الإنسان إذا سأل أن لا يمثل، فإذا كان الإنسان في نفسه مبتلى بأشياء فلا يذكرها؛ لأنه ربما سمع إنسان هذا فظن بالصالحين سوءاً، وهم أرفع -إن شاء الله- من هذه الأمور؛ ولذلك أنا لا أحب في المحاضرات والندوات أن تذكر مثل هذه الأمور لئلا يساء الظن بالأخيار، ويظن أن هذا موجود بينهم، وإنما هذه قضايا فردية قد تقع لبعض الإخوان فينبه على هذا، حتى لا يظن بهم ظن السوء.
إذا منّ الله عز وجل على العبد بالاستقامة والتمسك بالدين والالتزام بشريعة الله رب العالمين، فما عليه إلا أن يعض عليها إلى لقاء الله إله الأولين والآخرين، تمسك بحبل الله واعتصم بشريعته ودينه، واجعل الجنة والنار أمام عينيك، وفر من الله إلى الله.
أما ما ذكرت من الذنوب والخطايا والعيوب فإن الله لها، وهو مفرج الهموم والغموم والكروب، إذا ذكرك الشيطان بالماضي فادمع على ما كان دمعة الندم، وأخرجها من القلب بكل شجن وألم، وأحسن الظن بالله جل جلاله؛ فإنه يتوب على التائبين، ويمحو بفضله وإحسانه ذنوب المسيئين.
أقبل على الله إقبال الصادقين المنيبين وأحسن الظن به؛ فإنه الله رب العالمين، لا يخيب من رجاه، ولا من سعى إليه ودعاه، فأحسن الظن به سبحانه وتعالى جل في علاه.
أخي في الله! أوصيك بمجالسة الأخيار، وكثرة تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فإنها تجلي عن القلوب العمى، وتعينها على التمسك بسبيل الهدى، أوصيك أخي في الله أن تكثر من ذكر الله فإنه حصنٌ حصينٌ من عدو الله، فما ذكر عبدٌ ربه إلا ذكره الله، ومن ذكر الله في ملأٍ ذكره في ملأٍ خير من الملأ الذين ذكره فيهم، فأكثر من ذكر الله، واعتمد على الله وأحسن الظن به، ألا وإن من أعظم الأسباب التي تثبت القلوب على سبيل المنهج والصواب: كثرة ذكر الموت والبلى، وقرب المصير إلى الله جل وعلا.
اجعل الموت أمام عينيك، وأكثر من ذكر تلك الساعة التي تكون فيها واقفاً على آخر عتبة في الدنيا، أكثر من ذكرها، فوالله إنها تقض مضاجع الصالحين، وتعين على التمسك بالطاعة والدين، وكلما دعتك النفس إلى الشهوات والملهيات والمغريات فذكرها بساعة الموت والسكرات.
واجعل القبر أمام عينيك، واستشعر مثل هذه الساعة وأنت وحيد فريد لا مال ولا بنون، ولا عشيرة ولا أقربون، وأكثر من ذكر الآخرة، فإنها تعين على الثبات وتثبت القلوب إلى الممات.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثبتنا بالقول الثابت، اللهم إنا نسألك الثبات إلى الممات، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم منّ علينا بالصحة والغفران، اللهم إنا نعوذ بوجهك العظيم من الانتكاسة بعد الهدى، اللهم إنا نعوذ بوجهك العظيم من الضلال بعد الهدى، ومن العمى بعد البصيرة، ومن الحور بعد الكور، يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا، يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا.
اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا نادمين، ولا مفتونين ولا مبدلين، يا ذا الجلال والإكرام! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(6/11)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الاستنجاء [1]
إن باب الاستنجاء باب مهم؛ لأنه يتعلق بطهارة الخبث التي لا يصح وضوء الإنسان ولا صلاته إلا بها، ويذكر العلماء في باب الاستنجاء الآداب الشرعية المتعلقة بقضاء الحاجة على ضوء النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه لحاجته.
(7/1)
________________________________________
أحكام الاستنجاء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [باب الاستنجاء].
الاستنجاء: استفعال من النجو، وأصله القطع للشيء، قال العلماء: سُمي قطع البول والغائط بالماء والحجارة استنجاءً؛ لأن المكلف إذا فعله فقد حصلت له الطهارة والنقاء، وبالطهارة والنقاء انقطع أثر النجاسة، فلذلك وصف بكونه استنجاء.
وباب الاستنجاء باب مهم؛ لأنه يتعلق بالنوع الثاني من أنواع الطهارة، وهو طهارة الخبث، فإن الله عز وجل أمر كل من صلى أو أراد أن يصلي بتحصيل الطهارتين: الطهارة من الحدث، والطهارة من الخبث.
فأما طهارة الخبث فيراد بها نقاء الثوب والبدن والمكان، وأما طهارة الحدث فهي الغسل أو الوضوء والبدل عنهما، فالعلماء رحمهم الله يعتنون ببيان الأحكام المتعلقة بمسألة قطع البول والغائط، ولا يصح وضوء الإنسان ولا تكمل طهارته ولا تعتبر ولا تصح صلاته إلا بعد أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان.
وهذا الباب يسميه بعض العلماء بـ (باب الاستنجاء)، ويسميه البعض بـ (باب آداب قضاء الحاجة)، ويسميه بعضهم بـ (باب الخلاء وآداب الخلاء) ومراد العلماء رحمهم الله أن يذكروا فيه الآداب الشرعية المتعلقة بالإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته، سواء كانت بولاً أو غائطاً، وهذا الباب وردت فيه النصوص الصحيحة القولية والفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبينت هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضائه لحاجته، ولذلك وصفه العلماء بباب آداب قضاء الحاجة.
فمن يقول من العلماء: باب آداب قضاء الحاجة، استنبط ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قعد أحدكم لحاجته)، ومن سمّاه بباب الاستنجاء راعى فيه الحقيقة، كما ورد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سلمان: (نهانا أن نستنجي بروث أو عظم) فقالوا: باب الاستنجاء.
(7/2)
________________________________________
آداب الخلاء
وآداب الخلاء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: آداب قبل دخول موضع قضاء الحاجة، وآداب أثناء قضاء الحاجة، وآداب بعد الفراغ من الحاجة.
وكلها قد وردت فيها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأُخذت من أصول الشريعة العامة.
فأما الآداب التي هي قبل قضاء الحاجة: فمنها ما هو قولي، ومنها ما هو فعلي.
فأما الأدب القولي: فيسن للمسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، فهذا أدب يسبق قضاء الحاجة.
وأما مثال الآداب التي تكون حال الجلوس لقضاء الحاجة: أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط؛ لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا).
وأما الآداب التي تكون بعد الفراغ من قضاء الحاجة: فمنها قوله: (غفرانك) عند الخروج، ونحو ذلك من الأذكار.
فأصبح هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء الحاجة مشتملاً على ثلاثة أنواع من الآداب على حسب الأحوال: آداب قبل دخول الخلاء، وآداب أثناء قضاء الحاجة، وآداب بعد الانتهاء والفراغ من الحاجة.
فالعلماء رحمهم الله يذكرون في هذا الباب ما يسن للمسلم أن يفعله قبل دخول الخلاء، وما يسن له فعله وهو في أثناء قضائه لحاجته، وما يسن له فعله بعد فراغه وانتهائه من قضاء حاجته.
(7/3)
________________________________________
التعوذ عند الدخول
يقول المصنف رحمه الله: [باب الاستنجاء] أي: في هذا الباب سأذكر لك جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بالاستنجاء.
[يستحب عند دخول الخلاء قول: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث].
(يستحب عند دخول الخلاء) أي: قبل أن يدخل الإنسان الخلاء يستحب له أن يقول: (باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث).
والثابت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ -أو الخُبْثِ- والخبائث)، هذا هو الثابت في الصحيحين، وأما لفظة: (باسم الله)، فقد ورد فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن أن الإنسان إذا قال عند رفع ثوبه أو نزعه: باسم الله، فقد ستر عن أعين الجن، وهو حديث متكلم في سنده، ذكره المصنف رحمه الله وذكر معناه واعتبره في هذا الموضع.
(يستحب لمن دخل الخلاء) هذا الكلام يقوله الإنسان إذا كان الموضع الذي يريد أن يقضي حاجته فيه موضعاً نجساً تقضى فيه الحوائج، توضيح ذلك: أن الناس يقضون حاجتهم إما في مكان مهيأ لقضاء الحاجة، وإما في مكان بريٍ ليس مهيأ لقضاء الحاجة، فمثال الأول: ما هو موجود الآن من دورات المياه، فإن هذا المكان معد لقضاء الحاجة وكان يسمى بالكنيف، وأما مثال الثاني: أن تخرج إلى الصحراء أو تكون في سفر فتنزل في موضع طاهر تريد قضاء الحاجة، ف

السؤال
متى يستحب أن يقول الإنسان هذا الذكر في الموضعين؟

الجواب
إذا كان الموضع مهيأً لقضاء الحاجة كدورات المياه، فالسُّنة أن يقول هذا القول قبل الدخول، أي: قبل أن يدخل إلى الكنيف أو إلى الحمام، وأما بعد الدخول فإنه موضع لا يشرع فيه أن يذكر اسم الله أو يذكر الله جل وعلا جهراً وبالنطق كما سيأتي إن شاء الله.
الموضع الثاني: إذا كان الموضع غير مهيأ لقضاء الحاجة، بمعنى: أنه غير مختص بقضاء الحاجة، كالبرية والفضاء ونحوه، فقال العلماء: يسن للإنسان أن يقول هذا الذكر إذا أراد أن يرفع ثيابه، فإذا وقف على الموضع الذي يريد أن يقضي حاجته فيه قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، وهذا الدعاء دعاء نبوي مأثور صحيح، وهو دعاء عظيم يعصم الإنسان به من شرور الشياطين، ومن البلاء الذي قد يصيبه في هذه المواضع، ولذلك قال العلماء: إن أمور الجن والشياطين مغيبة عن الناس -أي: بني آدم-، فإذا كان الإنسان في قضاء حاجته على ذكر لله جل وعلا قبل أن يجلس عصمه الله بعصمته وحفظه من أذيتهم، هذا على القول بأن قوله: (أعوذ بك من الخبث والخبائث) قيل: الخبث: ذكران الشياطين -كما اختاره غير واحد من أهل العلم- والخبائث: إناث الشياطين.
وقيل: الخبث: الشر عموماً، والخبائث: الشياطين عموماً، وكلاهما وجهان لأهل العلم رحمة الله عليهم.
فالمقصود: أن هذا الذكر يشرع للإنسان أن يقوله إذا كان المكان مهيأ لقضاء الحاجة قبل أن يدخل، وإذا كان الموضع غير مهيأٍ لقضاء الحاجة كالبر والفضاء والخلاء، فإنه يقوله عند رفعه لثيابه.
(7/4)
________________________________________
الاستغفار عند الخروج
قال المصنف رحمه الله: [وعند الخروج منه غفرانك].
(وعند الخروج منه) أي: بعد أن يخرج؛ لأنه إذا أراد الخروج فلا يشرع له أن يتكلم حتى يجاوز موضع قضاء الحاجة، فإذا جاوز موضع قضاء الحاجة قال: (غفرانك)، وأصله: اغفر غفرانك، أو: أسألك اللهم غفرانك، والغفر أصله الستر ومنه المِغْفَر؛ لأنه يستر رأس الإنسان من ضربات السلاح في الحرب.
قالوا: سميت المغفرة مغفرة؛ لأن الله إذا غفر ذنب العبد صار كأن لم يكن منه ذنب، وأصبح خالياً من ذلك الذنب، وسُتِر عنه ذنبه وكفي مؤنته، كما أن الإنسان إذا لبس المغفر كفي شر السلاح وأذيته.
(غفرانك) قال العلماء: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة عند الخمسة أنه قال: (غفرانك) عند الخروج من الخلاء، وللعلماء رحمة الله عليهم في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بعد قضائه لحاجته وخروجه أقوال: - قال بعض العلماء: استغفر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان لا يأمن من حصول بعض النظر إلى عورته، فشرع للأمة أن يستغفروا من أجل هذا الوجه.
- وقيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم شُغل عن ذكر الله جل وعلا بقضاء الحاجة فقال: (غفرانك)؛ لضياع هذا الوقت دون ذكر لله جل وعلا -وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين- وهذا من كمال عبوديته لله وكمال حبه وتعلقه بالله سبحانه وتعالى، فهو في هذا الوقت مع حاجة الجسم إليه وهو في حالة اضطرار وعذر عن ذكر الله يستغفر من ذهابه دون أن يذكر الله جل وعلا فيه، وهذا فيه تنبيه للمسلم من أنه ينبغي عليه أن يكثر من ذكر الله، واغتنام الحياة في طاعة الله؛ لأنه هو الأصل من خلقه كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].
- وقال بعض العلماء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (غفرانك)؛ لأنه لما خرج الطعام من الجوف أمِنَ الإنسان من كثير من الأضرار وكثير من البلايا فلم يستطع أن يوفّي شكر نعمة الله على هذا الفضل فقال: (غفرانك) أي: غفرانك من التقصير في حمد نعمك، وشكر مننك التي أنعمت وامتننت بها علينا.
قال المصنف رحمه الله: [الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني].
(الحمد لله الذي أذهب عني الأذى) أي: أذهب عني أذى القذر الخارج؛ لأنه لو بقي في الجسم لأضر بالإنسان، ولذلك لو أن إنساناً منع من البول ساعة واحدة لما استقر له قرار، ولو حيل بينه وبين قضاء حاجته، وقيل له: افتدِ بالدنيا لافتدى بالدنيا حتى تخرج حاجته، وقد يبلغ ببعض المرضى كالمشلولين -حمانا الله وإياكم- أن يمكث أربع ساعات أو خمس ساعات لإخراج فضلته من جسده، فهي نعمة من الله عظيمة، ولا يعلم مقدار فضله ورحمته ولطفه بالعبد إلا هو سبحانه وتعالى، فناسب أن يقول عليه الصلاة والسلام: (الحمد لله)؛ لأنه المحمود على جلب النعم وحصولها، ودفع النقم وزوالها، سبحانه جل جلاله.
(الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) قيل: المعافاة من شرور الشياطين ونحوهم، وقيل: المعافاة من الضرر الموجود في الجسم بحبس ذلك الطعام والشراب، فالله دفعه فاستوجب أن يشكر ويحمد على هذا الفضل.
(7/5)
________________________________________
تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج منه
قال المصنف رحمه الله: [وتقديم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً].
آداب الخلاء على قسمين: القسم الأول: آداب قولية، وقد سبق بيان أدب قولي يقال قبل الدخول وأدب قولي يقال بعد الخروج.
والقسم الثاني: آداب فعلية، ومن الآداب الفعلية أن الإنسان إذا أراد دخول الخلاء قدّم رجله اليسرى وأخّر رجله اليمنى، وإذا أراد الخروج قدّم رجله اليمنى وأخّر اليسرى؛ لأن الشريعة قصدت تكريم اليمين على اليسار، فجهة اليمين مفضلة مشرفة على اليسار، ولذلك دلت نصوص الكتاب والسُّنة على تعظيم جهة اليمين، فجعل الله أصحاب الجنة أصحاب اليمين -جعلنا الله وإياكم منهم-، وكذلك أيضاً جعل السعيد من نال كتابه بيمينه، وكذلك أيضاً أثنى على اليمين ضمناً حينما ذكرها بصيغة الإفراد في مقابل الجمع، كما قال تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل:48] فقال: (عن اليمين) فأفرد، وقال: (والشمائل) فجمع، والعرب تجمع في مقابل المفرد تعظيماً للمفرد، كما قال الله تعالى: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] فجمع الظلمات وأفرد النور، وهو أسلوب عربي يدل على تشريف المفرد على الجمع، فجهة اليمين مشرفة على جهة الشمال بدلالة قوله تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل:48] وجاء في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله)، وفي حديث السنن: (إذا لبستم فتيامنوا) أي: إذا لبس الإنسان ثوباً أو عباءة أو حذاء فإنه يقدم الجهة اليمنى من يد وشق ورجل على الجهة اليسرى، فإذا أراد الخروج من الخلاء قدّم رجله اليمنى وأخر رجله اليسرى؛ تشريفاً لليمين؛ لأن الخروج أفضل من الدخول، ففي الدخول يقدم المفضول على الفاضل، وفي الخروج يقدم الفاضل على المفضول، فيقدم رجله اليمنى ويؤخر رجله اليسرى.
قال المصنف رحمه الله: [عكس مسجد ونعل].
(عكس مسجد) فمن دخل المسجد قدّم رجله اليمنى للدخول وأخّر رجله اليسرى، وإذا أراد الخروج قدّم اليسرى وأخّر اليمنى، وقد ورد فيه حديث عند الحاكم أن من السنة تقديم اليمنى على اليسرى عند دخول المسجد.
واختلف العلماء رحمهم الله في مسألة لطيفة هي: لو أن إنساناً أراد أن يخرج من بيته إلى المسجد -عرفنا أنه إذا أراد دخول المسجد قدّم اليمنى وأخّر اليسرى، ولكن لو خرج من بيته قاصداً المسجد- فهل الأفضل أن يقدم رجله اليمنى؛ لشرف المقصود والغاية، أو يؤخّر اليمنى؛ لفضل المكان الخارج منه؛ لأن الخروج من البيت أدنى منزلة من الدخول، ولذلك إذا أراد أن يخرج يقدم اليسرى، لكن اختلفوا في الخروج إلى المسجد هل يقدم اليمنى؛ لشرف الغاية، أو يقدم اليسرى مراعاة للحال؟ والأقوى: أن يقدم اليسرى مراعاة للحال، فإن الأصل الملتصق بالفعل مقدم على ما انفصل عنه، فالأولى أن يقدم يسراه للخروج من المنزل، ولو خرج لطلب علم ولتعليم ولجهاد ولصلاة ولدعوة ونحو ذلك فكذلك أيضاً.
(7/6)
________________________________________
الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة
قال المصنف رحمه الله: [واعتماده على رجله اليسرى].
أي: إذا أراد ذلك، وهذه من الآداب التي تشرع عند فعل الحاجة وقضائها.
قالوا: يعتمد على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وفيها حديث ضعيف في السنن أن من السُّنة أن الإنسان ينصب رجله اليمنى ويعتمد على رجله اليسرى، وعلل بعض العلماء ذلك بأن الأطباء يقولون: إنه أرفق بالبدن وأيسر لخروج الخارج، فإن صح ما ذكروه كان مشروعاً من جهة الرفق بالبدن ولا يحكى سنة؛ لأن الحديث فيه ضعف، فإذا فعله الإنسان من باب الرفق بالبدن فهو حسن؛ لأن الرفق بالبدن من مقاصد الشريعة، ولا حرج في فعله.
(7/7)
________________________________________
البعد والاستتار عند قضاء الحاجة
قال المصنف رحمه الله: [وبعد في فضاء واستتاره].
أي: يشرع ويسن للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته وكان في فضاء -كالأرض الخلاء التي ليس فيها أحد- البعد؛ لأن الفضاء منكشف، والإنسان إذا جلس في الفضاء يمكن أن يُرى شيء من عورته، ولا يأمن خروج الخارج عليه فجأة، فلذلك شرع له أن يبعد وأن يستتر.
فيشرع له أمران: البعد في المذهب وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث المغيرة: (تنح عني)، وكذلك أيضاً يستتر، فإذا كانت الأرض منبسطة بحث عن حفرة أو شاخص، فإن وجد المطمئن من الأرض كالحفرة نزل فيها وقضى حاجته؛ لأنه أبلغ في الاستتار، ما لم يكن فيها ضرر عليه، أو يخشى من الضرر، أو يأتي إلى شاخص، كأن يأتي إلى هضبة أو تل فيستقبله ويقضي حاجته مستقبلاً إياه؛ لأنه أبلغ في الاستتار، ويُوليِّ قفاه للناس، فإذا فعل ذلك كان أبلغ في استتاره.
(أن يبعد وأن يستتر) قالوا: في الفضاء يبعد؛ لأنه إذا بعد شخصه تعذّر على العين الاطلاع على عورته، ويستتر لئلا يداهمه إنسان فجأة؛ فيكون ذلك أبلغ في تحفظه وصيانة عورته، وقد عُظِّم أمر الاستتار في قضاء الحاجة، ومن تساهل في قضاء حاجته فقضاها بجوار الطرقات على مرأىً من الناس وتساهل في ذلك -ما لم يكن مضطراً- فإنه لا يخلو من الإثم والتبعة، حتى قال بعض العلماء: لو فتن أحد بالنظر إليه حمل إثمه ووزره -والعياذ بالله-؛ لأنه تعاطى السبب لحصول الإثم والوزر، فلا يجوز للإنسان أن يتساهل في العورة، حتى ورد في حديث ابن عباس في الصحيحين في قصة الرجلين اللذين يعذبان، قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله)، وفي رواية: (لا يستتر من بوله)، قال بعض العلماء: (لا يستتر) أي: يتساهل في عورته -والعياذ بالله-، فقالوا: إنها من الأمور التي قد تكون سبباً -على هذا الوجه- في عذاب القبر وفتنة القبر، نسأل الله السلامة والعافية.
وأنبه على مسألة يخطئ فيها كثير من الناس أصلحهم الله، خاصة من الجهلة والعوام: فإنهم يأتون إلى أماكن الوضوء ويكشفون عوراتهم ويستنجون فيها دون حياء من الناس، ولا خوف من الله جل وعلا، فأماكن الوضوء المخصصة للوضوء لا يصلح فيها للإنسان أن يكشف عورته فيؤذي عباد الله، وكذلك أيضاً يتسبب في أذيتهم بنتن البول وريحه، وهذه من الأمور الممقوتة التي لا ينبغي للمسلم أن يفعلها، ومن رئي منه فعل ذلك فإنه يُنصح ويُذكّر ويخوف بالله جل وعلا، ويقال له: اتق الله ولا تؤذِ المسلمين، فإن أماكن الوضوء ليست لقضاء الحاجة؛ لما فيه من أذية الناس بالرائحة والنتن، وقد تضافرت نصوص الشريعة على تحريم الضرر، قال بعض العلماء: يحَرُمُ فعل هذا للضرر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار).
(7/8)
________________________________________
اختيار الموضع الرخو عند قضاء الحاجة
قال المصنف رحمه الله: [وارتياده لبوله موضعاً رخواً].
(وارتياده): ارتاد الشيء إذا طلبه، ومنه سمّي الرائد رائداً، والرائد في لغة العرب: هو الرجل الذي يرسله الناس إذا كانوا في سفر لكي يطلب الماء لهم، ويسمّى: رائداً، والريادة: الطلب، وارتاد أي: طلب.
قوله: (يرتاد لبوله موضعاً رخواً) أي: إذا أراد المسلم أن يقضي حاجته كالبول فإنه يلتمس الأرض الرخوة؛ لأن الأرض الرخوة أمكن في استيعاب البول، وأبعد من أن تؤدي للطشاش الذي ينجس الثياب والبدن، فشرع له أن يطلب المكان الرخو، وفيه حديث ضعيف ولكن معناه صحيح، فالإنسان يشرع له أن يطلب مكاناً رخواً؛ لأنه يحقق مقصود الشرع من الاستنزاه من البول، فإن الإنسان إذا بال في مكان رخو أمن من طشاش البول.
والأماكن تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن تكون صلبة، القسم الثاني: أن تكون رخوة.
فإن كانت صلبة: فإما أن تكون طاهرة، وإما أن تكون نجسة، وإن كانت رخوة: فإما أن تكون طاهرة، أو تكون نجسة.
فأصبحت القسمة مشتملة على أربع حالات: فإن كان المكان طاهراً صلباً جلس، وإن كان نجساً رخواً قام، وإن كان نجساً صلباً امتنع من البول فيه، وإن كان طاهراً صلباً خيّر بين الجلوس والقيام، وقد جمع بعض الفضلاء هذه الصور الأربع في قوله: للطاهر الصلب اجلسِ وامنع برخو نجسِ والنجس الصلب اجتنب واجلس وقم إن تعكس هذه أربع صور.
للطاهر الصلب اجلس: يعني: إذا كان المكان طاهراً صلباً اجلس.
وامنع برخو نجس: يعني: إذا كان مكاناً رخواً نجساً، كما يحدث الآن إذا امتلأ موضع قضاء الحاجة فلا يجلس الإنسان؛ لأنه إذا جلس ربما سقط ثوبه أو تطاير طشاش البول على بدنه أو ثوبه ونحو ذلك.
والنجس الصلب اجتنب: أي إذا كان مكاناً صلباً نجساً فلا تقضِ الحاجة فيه، أعني: البول.
واجلس وقم إن تعكس: يعني: الطاهر الرخو، إن شئت فاجلس فيه وإن شئت فقم فأنت مخيّر.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بال قائماً، والسُّنة دالة على جواز البول قائماً.
ومنع بعض العلماء منه، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد كانت تقول: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه).
وقد صح في صحيح مسلم من حديث حذيفة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) فدل على جواز البول قائماً.
قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائماً لعلة، قيل: كان فيه مرض تحت ركبته في المأبض فلا يستطيع أن يجلس ويثني رجليه فيجلس لقضاء حاجته، فبال قائماً للضرورة.
وقيل: بال قائماً؛ استشفاء من مرض الصلب؛ وهي الأمراض التي تصيب صلب الإنسان وظهره، وقد كانت العرب تستشفي من أمراض الظهر بالبول قائماً، فقالوا: إنه بال قائماً استشفاءً من مرض الصلب.
والصحيح: أن هذا جائز ولا حرج فيه، ولكن الهدي الأكمل والأمثل أن يبول جالساً؛ لما في ذلك من بالغ الاستتار، وإمكان التحفظ من طشاش البول، فإن بال قائماً فلا حرج عليه.
وقال بعض العلماء: بال في سباطة القوم قائماً؛ لأن السباطة مكان القذر والنجاسة، فلم يجلس صلوات الله وسلامه عليه من أجل هذا.
(وارتياده لبوله موضعاً رخواً).
الارتياد: الطلب.
(لبوله) أخرج الغائط، فإن الغائط يرتاد له أي موضع كان، وقد استثنى بعض العلماء في الغائط أن يكون هناك مائع نجس، كالحال إذا امتلأ الموضع بنجاسة البول، فإنه إذا تغوط لم يأمن من طشاش النجاسة على ظهره وثيابه، فقالوا: يمنع من قضاء الغائط في مثل هذه المواضع إذا كانت مملوءة.
وقال بعض العلماء: لا حرج عليه أن يقضي حاجته فيها بشرط أن يتحفظ فيزيل ما أصابه من طَشاش ذلك القذر النجس.
(موضعاً رخواً) إذا كان المكان الذي جلس فيه الإنسان صلباً، وعنده آلة يستطيع أن يحك بها الأرض، قالوا: الأفضل له أن يحكها، وحملوا على ذلك حديث أنس قال: (كنت أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة وعنزة)، والعنزة: هي الحربة الصغيرة وفي رأسها الزُّج وهو الحديد.
قالوا: كانت تحُمل لقضاء الحاجة؛ لأن الإنسان إذا مر على صلب نكت الأرض بها ثم قضى حاجة البول فيه، فكان ذلك أدعى لصيانة البدن والثياب من النجاسة.
(7/9)
________________________________________
حكم سلت الذكر بعد البول
قال المصنف رحمه الله: [ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً].
هذا يسمى عند العلماء بالسَّلْت، والسلت أن يضع رأس إصبعه عند أصل الذكر ثم يمره على مجرى البول حتى يُنقّي المجرى من الباقي إذا وجد، والسلت لا أصل له، وليس له دليل صحيح، بل إنه يجلب الوسوسة ويشكك الإنسان، ولذلك قالوا: ينبغي للإنسان أن يقطع حاجته، فإذا غلب على ظنه أن البول انقطع قام، أما أن يوسوس ويبالغ في إزالة الخارج فإنه لا يأمن من وجود الوسوسة والشك، وسيسترسل إلى ما لا تحمد معه العاقبة، ولـ شيخ الإسلام رحمة الله عليه مبحث نفيس في المجموع بيّن فيه أن هذا لم يثبت فيه نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرر العلماء أن الذَّكَرَ كالضرع كلما حلب در، أي: أن المكلف كلما ضغط عليه وأكثر من تعاهده كلما آذاه وأتعبه بالوسوسة، والواجب على المكلف أن يتقي الله قدر استطاعته، فيجلس لقضاء حاجته، فإن غلب على ظنه أن البول انتهى صبّ الماء أو استجمر بالحجارة ثم قام، والله لا يكلفه إلا ما في وسعه، فإن أحس بخروج شيء أو أن شيئاً يتحرك في العضو فذاك من وسوسة الشيطان، حتى يستيقن فيجد البلل على ثوبه أو يجده على فخذه أو رأس عضوه، ولا يلزمه أن يذهب ويبحث ويفتش، فإن الإنسان إذا غلب على ظنه أنه انقطع بوله كفاه ذلك مؤنةً وأجزأ عنه ويكون قد فعل ما أوجب الله عليه والله يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
والسلت لا يشرع إلا في حالة واحدة: وهي لمن به سلس؛ وهو نوع من المرض -حمانا الله وإياكم منه- يصاب به الإنسان، وذلك بأن يقضي بوله ثم تبقى قطرات تضعف الآلة عن دفعها، ولا يمكن خروجها إلا بالسلت، فيمر رأس إصبعه من أصل العضو إلى رأسه حتى يُنْقِي الموضع، وهذا استثناه العلماء، وهي الحالة الوحيدة المستثناة، وأما ما عدا ذلك فإن الإنسان غير مكلف به.
(7/10)
________________________________________
حكم نتر الذكر بعد البول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونتره ثلاثاً].
كذلك النتر، فإن فيه حديثاً ضعيفاً ولا يعتبر من السُّنة، والسلت والنتر مدعاة للوسوسة والتباس الأمور على صاحبها، ولكن المكلف يتقي الله على قدر استطاعته، وشريعتنا شريعة رحمة وتيسير وليست بشريعة عذاب ولا عنت ولا تعسير: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، فإذا قضى الإنسان حاجته قام، فإن خرج منه خارج ولم يتأكد من خروجه فالله لا يكلفه البحث عنه حتى ولو كان خارجاً بالفعل، وعبادته مجزئة، ولا يعتبر مطالباً بشيء غاب عن ذهنه كما قال أهل العلم رحمهم الله.
أي: أن المكلف لو أخذ بغالب ظنه أنه لم يخرج منه شيء فصلى وفي الحقيقة أنه قد خرج منه شيء ولم يعلم إلى الأبد قالوا: إن ذلك يجزئه عند ربه سبحانه وتعالى؛ لأن الله لا يكلف الإنسان إلا ما في وسعه، والذي في وسعه غالب ظنه وقد فعل ذلك، والله لا يكلفه ما وراء ذلك.
(7/11)
________________________________________
التحول عن موضع التخلي عند الاستنجاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتحوله عن موضعه ليستنجي في غيره].
بعض الناس يبقى الخارج في عضوه، فقال العلماء: يخرج هذا الباقي بإحدى ثلاث حالات: إما بالسلت، وإما بالنحنحة وهي الصوت، وإما بالتحول من الموضع، فبعض الناس إذا بقي الباقي في عضوه لا يستطيع إخراجه إلا بالسلت فيشرع له السلت؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فشرع بأصل الشريعة.
النوع الثاني: يكون الدافع عنده ضعيفاً فيحتاج إلى إحداث صوت وهي النحنحة، وهذه من الأمور التي يُبلى بها الإنسان عند قضائه لحاجته، فيتنحنح حتى تقوى آلته على الدفع، قالوا: فيشرع له ذلك.
ومنهم من يخرج منه الخارج بعد حركته، فإذا انتقل من موضع قضاء حاجته ومشى الخطوة والخطوتين قويت الآلة على الدفع فدفعت ما ثمَ، فقالوا: فمثل هذا بعد أن ينتهي من قضاء الحاجة يقوم إلى أقرب موضع فيستنجي فيه؛ حتى يقوى العضو على إخراج ما بقي.
الأمر الثاني الذي من أجله ذكر العلماء القيام من الموضع إلى موضع ثانٍ ليستنجي فيه، قالوا: إنه إذا قضى الحاجة على التراب كما هو الحال في القديم؛ فإنه لا يأمن أثناء صبّ الماء على العضو أن يتطاير شيء من البول على البدن أو الثوب، ولذلك قالوا: يتحول عن موضع قضاء حاجته إلى موضع قريب، حتى إذا صب الماء نزل على أرض طاهرة، فإذا تطاير شيء من ذلك الماء لم يدخله الوسواس، هذا هو سبب الانتقال عند أهل العلم رحمة الله عليهم.
قال رحمه الله: [ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً].
(إن خاف تلوثاً) يعني: إذا كان الموضع غير مهيأ للاستنجاء والاستبراء.
(7/12)
________________________________________
حكم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى
[ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى].
الشيخ: ويكره للمسلم أن يدخل الحمام وموضع قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله كالقرآن، وكتب التفسير، وكتب العلم والرسائل إلا إذا اضطر إلى ذلك، فإذا اضطر الإنسان إلى ذلك كأن يكون اسم الله على النقود ويخاف عليها السرقة ولا يجد لها مكاناً أميناً جاز أن يدخل بها، وكذلك أيضاً إذا كان هناك كتاب كالقرآن ويخشى أنه لو أبقاه في الخارج تلف أو أُهين إهانة أكثر فيجوز له أن يدخله معه، ثم يحوله عن الموضع الذي يقضي فيه حاجته، كأن يضعه على إبريق الماء أو على مفتاح الباب وقضيبه ونحو ذلك.
[إلا لحاجة].
(إلا لحاجة) دليل هذا: أن الله أمر بتعظيم شعائره وعدّ ذلك من تقوى القلوب؛ فقال: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] أي: تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وبناءً على ذلك فإن الإنسان يصون هذه الأذكار وهذه الكتب العلمية عن الامتهان، فإن دخول الحمام بها ودخول أماكن قضاء الحاجة بها فيه نوع انتقاص لتعظيمها وإجلالها وتوقيرها، فلا يشرع له فعله، وقد جاء في الحديث -وهو متكلّم في سنده- دخول النبي صلى الله عليه وسلم الحمام بخاتمه وَقَبْضِه على الخاتم، قالوا: ولذلك يشرع لمن دخل الحمام وفي خاتمه ذكر الله أن يجعل فصه إلى بطن الكف ثم يقبض الإصبع الذي فيه الخاتم سواء كان الخنصر أو البنصر أو غيرهما.
(7/13)
________________________________________
رفع الثوب قبل الدنو من الأرض عند قضاء الحاجة
[ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض].
ومما ينبغي على المكلف إذا أراد أن يقضي حاجته أن يرفع ثوبه إذا دنا من الأرض، وهي سنة محفوظة كما في حديث الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يرفع ثوبه إذا دنا من الأرض)؛ كل ذلك محافظة على العورة، وصيانة لها من نظر الغير.
(7/14)
________________________________________
حكم الكلام في الخلاء
[وكلامه فيه].
أي: ولا يتكلم فيه، وفيه حديث ضعيف: (إن الله يمقت الرجلين يضربان الغائط يحدث أو يكلم كل منهما الآخر)، فهذا حديث ضعيف، ولكن قال العلماء: من جلس يقضي حاجته وكلّم غيره من دون ضرورة؛ فإنه ساقط المروءة، أي: لا مروءة عنده -والعياذ بالله- وساقط المروءة لا تقبل شهادته، فَعُدَّ من خوارم المروءة ونقص الحياء أن يجلس الإنسان لقضاء حاجته ويتحدث مع الغير إلا من ضرورة، كأن يخشى على إنسان أن يموت فيأمر صبياً بفعل شيء ينقذه به، أو نحو ذلك، فإذا وجدت الضرورة جاز أن يتكلم، أما إذا لم توجد الضرورة فإنه لا يجوز له أن يتكلم، ومن الضرورة أن يترك صبياً خارج الحمام فيصيح الصبي ويتساءل عن أبيه فيحتاج إلى جواب منه فيجوز له أن يتكلم خوفاً عليه أو خوفاً من ذهابه أو شروده أو نحو ذلك، وهذه حالات تستثنى، فإذا خاف على نفسه أو خاف على نفس الغير جاز له الكلام.
أما الكلام أثناء قضاء الحاجة من دون حاجة فإنه من خوارم المروءة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فمن الحياء: ألا يتكلم الإنسان أثناء قضاء حاجته.
(7/15)
________________________________________
حكم البول في الشقوق ونحوها
[وبوله في شق ونحوه].
أي: ولا يبول الإنسان في الشق ونحوه، والشقوق تكون في الأرض وتكون في الجدران، واختلف العلماء في علة المنع من البول في الشق: فقيل: هي مساكن الجن، فلا يبول الإنسان في الشق حتى لا يؤذيهم فيؤذوه.
وقيل -وهو أقوى-: لخوف خروج الدواب والهوام، فإن الإنسان إذا بال في شق لم يأمن أن تكون به حية أو يكون به ثعبان ونحو ذلك، وقد ذكر بعض العلماء: أن رجلاً نهى ابنه عن ذلك ففعله فبال في شق فخرجت له حية فنهشته فمات من ساعته؛ لأن الإنسان في حال قضاء الحاجة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، وهي حالة صعبة حرجة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما بال الأعرابي في المسجد: (لا تزرموه)، فإن الإنسان إذا قُطع عليه بوله أو ذُعر أو فُجع أثناء قضائه لبوله لا يأمن من حصول أمراض لا تحمد عقباها، قد تضره نفسياً وجسدياً، فلذلك لا يطلب المواضع التي قد تكون مظنة خروج ما يفجعه أو يفاجئه بضرر.
(7/16)
________________________________________
حكم مس الفرج باليمنى
[ومس فرجه بيمينه].
مس الذكر، ومس الأنثيين، ومس الدبر، ومس المرأة لفرجها قبلاً أو دبراً محرم باليمين؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه)، وكذلك ثبت نهيه عليه الصلاة والسلام عن إمساك الذكر باليمين في حديث سلمان رضي الله عن الجميع، فلا يجوز للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يمُسك الذكر باليمين، بل حتى في غير قضاء الحاجة، فلمس الذكر باليمين محرم على ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه)، والتخصيص بالبول ذكر لموضع الحاجة، فدخل ما لا حاجة فيه أو ما فيه الحاجة كالجماع ونحوه، فلذلك لا يجوز مس الذكر باليمين، قال عثمان رضي الله عنه: (ما مسست فرجي بيميني منذ أن صافحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكانوا يقولون -والله أعلم بصحة ما قالوا-: ما مس رجل ذكره بيمينه إلا نقص من عقله شيء، فلا يحمدون لمس أو مس الذكر باليمين، ولا يستبعد هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، والنهي عن الشيء قد يتضمن حكماً وأسراراً خفية، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن شيء فيه خير، وعلى الإنسان أن يتقي لمس الذكر باليمين؛ لأنه محرم.
ولمس الذكر باليمين على حالتين: أن يكون بدون حائل وهذا محرم، وأن يكون بحائل، فإن كان بحائل فلا حرج، والأولى تركه؛ لما فيه من تشريف اليمين، واُستثني الأقطع والأشل ونحوهم كالمريض الذي بيده اليسرى جراح، فيجوز له أن يمُسك باليمين.
ولا يجوز مس الذكر، ولا مس الأنثيين، ولا الدبر، ولا قبل المرأة ولا دبرها، سواء كان للإنسان أو لغيره، كالطبيب إذا عالج مريضاً، فإنه لا يمسك عضوه باليمين؛ لأنه محرم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يمسكن أحدكم ذكره باليمين) وقد خرج مخرج الغالب، والقاعدة في الأصول: (أن النص إذا خرج مخرج الغالب لا يعتبر مفهومه)، فلا يجوز لمسه باليمين ويأثم فاعله.
(7/17)
________________________________________
حكم الاستنجاء والاستجمار باليمين
[واستنجاؤه واستجماره بها].
أي: باليمين، أما الاستنجاء باليمين فلا إشكال فيه، ولكن الإشكال هو الاستجمار بالحجارة، فإن من المعلوم أن الإنسان إذا أراد أن يصب الماء صبه باليمين ويمكنه باليسار أن يغسل العضو، فالاستنجاء لا إشكال فيه، والإشكال في الاستجمار؛ لأنه يحتاج إلى إمساك الحجر وإمساك العضو، فإن أمسك العضو باليسار احتاج إلى إمساك الحجر باليمين، وإن أمسك العضو باليمين حرم عليه، فإن قلنا له: يستجمر بيساره، فإن معنى ذلك أن يلمس عضوه باليمين وهو محرم، وبناءً على ذلك استشكل العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه).
وتوضيح ذلك وزوال الإشكال فيه: أنه في الدبر يمسك الحجر باليسار ويُنقّي دون إشكال.
وأما في القبل فإنه يمُسك الحجر باليمين والعضو باليسار ويثبّت اليمين ولا يحركها، فإن حرك اليمين كان متمسحاً باليمين، وهذا هو المراد، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من المكلف أن لا يحرك يمينه، ويكون التحريك للعضو باليسار، فإذا حصل ذلك فإنه يأمن لمس العضو باليمين، ويأمن التمسح باليمين.
(7/18)
________________________________________
حكم استقبال النيرين عند قضاء الحاجة
[واستقبال النيرين].
أي: ولا يجوز أن يستقبل الشمس والقمر، وفيه حديث ضعيف.
قال بعض العلماء: المنع من استقبال الشمس والقمر المراد به تعظيمهما لكونهما آيتين من آيات الله، وهذه العلة ضعيفة؛ فإن أي شيء تستقبله وتستدبره آية من آيات الله، حتى الحجر آية من آيات الله، والجبال آيات، والأنهار والأشجار والثمار كلها آيات، وهذه علة ضعيفة.
والأقوى: أن استقبال الشمس والقمر فيه علة قوية وهي انكشاف العورة عند استقبالهما أبلغ مما لو استدبرهما، بمعنى: أنه إذا قضى حاجته في الليل والقمر تجاهه، فإن نور القمر يكشف العورة، فلذلك يكون عدم استقبالهما من باب حفظ العورة، وعلى هذه العلة فإن الإنسان يحفظ عورته ولا إشكال فيها.
أما ما ذكروه من تحريم استقبالهما مطلقاً فمحل نظر؛ لما ثبت في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا وغربوا)، فإن التشريق تكون فيه الشمس عند الشروق في الشرق كما هو الحال في المدينة، والتغريب تكون فيه الشمس في الغرب عند الغروب، فدل على أن استقبال الشمس والقمر ليس بمحرم، ولكن الأفضل والأكمل أن الإنسان ينحرف بين الجهتين.
(7/19)
________________________________________
حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة
[ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان].
ويحرم على المكلف أن يستقبل القبلة ويستدبرها في غير بنيان.
هذه المسألة فيها أقوال للعلماء: القول الأول: يحرم الاستقبال والاستدبار مطلقاً.
القول الثاني: يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقاً.
القول الثالث: يجوز الاستدبار دون الاستقبال.
القول الرابع: يجوز الاستدبار دون الاستقبال في البنيان دون الصحراء.
القول الخامس: يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء.
القول السادس: يحرم استقبال القبلة ببول أو غائط وكذلك بيت المقدس، وهو قول بعض السلف، فزاد أمراً ثالثاً، وهو بيت المقدس.
وهذه الأقوال هي أشهر أقوال العلماء رحمة الله عليهم في هذه المسألة، وأصح أقوالهم، وقد بسطت هذه المسألة في شرح البلوغ، وذكرت الأقوال مسندة إلى مذاهب العلماء رحمة الله عليهم.
من حرم مطلقاً كالحنفية وهو اختيار شيخ الإسلام وقول ابن حزم.
ومن أجاز مطلقاً كالظاهرية ومن وافقهم، وهو قول بعض السلف.
ومن أجاز في البنيان دون الصحراء كما هو قول الجمهور: من المالكية والشافعية والحنابلة.
ومن أجاز الاستدبار دون الاستقبال في البنيان، كما هو رواية عن الإمام أبي حنيفة.
ومن أجاز الاستدبار دون الاستقبال مطلقاً في بنيان أو صحراء فهو قول بعض السلف، والرواية الثانية عن أبي حنيفة وأحمد.
والقول السادس أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها وكذلك بيت المقدس، وهو قول بعض السلف، ومأثور عن الحسن البصري.
هذه الستة الأقوال ذكرناها بأدلتها ورددنا على هذه الأدلة.
والصحيح: أنه لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها لا في بنيان ولا صحراء؛ وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا).
وأما الاستدلال بحديث ابن عمر فيجاب عنه من وجوه: منها: أن دلالة الفعل لا تعارض دلالة القول الصريحة المخاطب بها جميع الأمة.
الوجه الثاني: أنه يحتمل التخصيص؛ لأن في النبي معنى التعظيم الذي لا يوجد في سائر الأمة.
والجواب الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بيان هذا الحكم وإلا بينه باللفظ.
الوجه الرابع: أنه يحتمل النسخ، إذ يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قبل النهي.
الوجه الخامس: (أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح قدم الحاظر على المبيح)، كما هي القاعدة.
فالصحيح: أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقاً لا في البنيان ولا في الصحراء.
(7/20)
________________________________________
حكم اللبث في موضع قضاء الحاجة
قال المصنف رحمه الله: [ولبثه فوق حاجته].
أي: لا ينبغي للمكلف أن يلبث في مكان قضاء الحاجة أكثر من الحاجة؛ وذلك أنها مواضع محتضرة، كما هو في حديث ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن بيوت الخلاء: (إن هذه الحشوش محتضرة)، فالشياطين تحب الأماكن القذرة، والملائكة تنفر منها، كما أن الشياطين تنفر من الأماكن الطيبة وتأوي إليها الملائكة، فلذلك ينبغي للمكلف أن يُعَجِّل بالقيام بعد فراغه من حاجته، وأن لا يأنس لدور الخلاء، وأن لا يطيل المكث فيها، لأن المكث فيها قد يدعو إلى الوسوسة والشك، وقد يحصل للإنسان نوع من الأمور التي لا تحمد عقباها؛ فلذلك يشرع له المبادرة بالقيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تعوّذ عند دخول الخلاء، فدل على أنه مكان لا يحمد الجلوس فيه.
(7/21)
________________________________________
حكم البول في الطريق والظل النافع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبوله في طريق وظل نافع].
أي: ولا يجوز للمكلف أن يبول في طريق؛ لأنه مكان اللعنة، والطريق سمي طريقاً من الطرْق، قالوا: لأن الناس يطرقونه بنعالهم، وقيل: لأنه يُسمع فيه طرق النعال.
والطريق ينقسم إلى أقسام: الطريق المعين المحدد، وهذا لا إشكال في حرمة قضاء الحاجة فيه سواء كانت بولاً أو غائطاً، ومن فعل ذلك لا يؤمن عليه اللعن؛ لأن الناس تلعنه، فيكون ذلك ضرراً عليه في دينه ودنياه وآخرته؛ أما في دينه فللإثم وحصول أذيته للناس، وحرم البول في الطريق وقضاء الحاجة؛ لأن الناس إذا مرّت تأذّت بالرائحة، وربما لم تعلم بالنجاسة فوطئتها، فكان ذلك ضرراً عليهم في صلاتهم، وضرراً عليهم في ثيابهم وأبدانهم، فاستضروا في دينهم ودنياهم، ولا يجوز للمسلم أن يؤذي إخوانه أو يتسبب في أذيتهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فوصفه بكونه مسلماً؛ لعدم الأذيه، فلا تجوز أذية المسلم، بالبول في الطريق والظل.
النوع الثاني من الطريق: أن يكون له جوانب مهيأة لقضاء الحاجة كطرق السفر، فالإنسان ينتحي منها ناحية، وقد تكون محجوزة لا يستطيع الإنسان أن يذهب في مكان غير أطراف الطريق، فإذا داهمته حاجته واحتاج أن يبول فلا حرج عليه أن يقضي حاجته؛ لبعد جوانب الطريق عن الضرر، وزوال العلة الموجبة للمنع، وقد ورد فيها الحديث: (اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يبول في ظل الناس وفي طريقهم).
أما قضاء الحاجة تحت الظل فإنه أذية بالغة؛ لأن الناس يحتاجون إلى الظل خاصة في الأسفار، كأن وهي الأضرار التي لا يجوز فعلها، ويعتبر آثماً في هذا الفعل إذا قصد الأذية، ولذلك ينبغي عليه أن يطلب مكاناً لا يأوي الناس إلى ظله، ولا يرتفقون بالمشي عليه، وهي الأماكن الخالية.
(7/22)
________________________________________
حكم البول تحت الشجر المثمر
[وتحت شجرة عليها ثمرة].
لأن الشجرة تغتذي بالنجاسة.
ومذهب بعض العلماء: أن الثمرة إذا اغتذت بالنجاسة فلا يجوز أكلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الجلاّلة؛ وهي التي تأكل العذرة والنجاسة، فالدجاج ونحوه الذي يأكل العذرة حرّم النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحمه حتى يُمْسَك، فدل هذا على أن الشجر إذا اغتذى بالنجاسة لا يجوز أكل ثمره، وهذا أصح أقوال العلماء، ولأن الشجر يستظل الناس بظله، فإذا قضى الحاجة تحته فإنه يمنعهم من المقيل والنزول تحته، والإرتفاق به.
(7/23)
________________________________________
الأسئلة
(7/24)
________________________________________
كيفية التسمية لمن توضأ داخل الحمام

السؤال
ابتلي كثير من الناس: بأن مغسلة الوضوء توجد داخل الحمام، فكيف يسمي المتوضئ؟

الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمابعد: فلا حرج عليه أن يسمّي في نفسه ويذكر اسم الله في قلبه، ويجزيه ذلك ولا يتلفظ به بلسانه.
والله تعالى أعلم.
(7/25)
________________________________________
حكم حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ... ) من حيث الصحة والضعف

السؤال
قوله عند الخروج: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) هل هذا حديث صحيح؟

الجواب
هذا الحديث متكلّم في إسناده، والصحيح ضعفه، وهو القول الأقوى، ولكن من العلماء من حسن إسناده، فمن كان يرى حُسْنَه، وقاله فلا حرج عليه.
(7/26)
________________________________________
الذكر إذا كان التخلي في الصحراء

السؤال
متى يكون الذكر إذا كان الخلاء في الصحراء؟

الجواب
إذا أراد أن يقضي حاجته وكان الخلاء في الصحراء، فإنه يأتي بالذكر عند رفعه للثوب ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، ثم إذا فرغ وجاوز موضع قضاء الحاجة بخطوة ونحوها قال: (غفرانك) ونحوه من الأذكار المشروعة.
(7/27)
________________________________________
التفصيل في قاعدة: القول مقدم على الفعل

السؤال
ما قولكم في قاعدة: (القول مقدم على الفعل)، وتطبيقها على مسألة البول جالساً؟

الجواب
قاعدة: (القول مقدم على الفعل) فيها تفصيل: قال بعض العلماء: إذا تعارض القول والفعل قدم القول مطلقاً.
وقال بعض العلماء بالجمع بين القول والفعل، فإذا كان القول تحريماً والفعل يدل على الإباحة حمل النهي على الكراهة، كنهيه عن الشرب قائماً وشربه عليه الصلاة والسلام قائماً، قالوا: يصرف إلى الكراهة، وكذلك أيضاً في الجمع بينهما في الحمل على الندب والاستحباب.
والصحيح: أن معارضة القول للفعل تأتي على صور مختلفة: فتارة يقوى تقديم القول على الفعل، وتارة يقوى الجمع بين القول والفعل، وهذا يحتاج إلى نظر الفقيه ومعرفته بنصوص الشريعة ومعرفة مقاصدها، ومعرفة قوة دلالة الفعل، فإذا كان الفعل لا يقوى على صرف القول تبقى دلالة القول تشريعاً للأمة، ويبقى الفعل إما خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو يصرف على وجه لا يعارض به القول، ولهذا نظائر كثيرة.
من أمثلة ذلك: نهيه عليه الصلاة والسلام أن يَنكح المحرم أو يُنكح أو يخَطب، وقد جاء عنه أنه تزوج ميمونة وهو محرم، كما في حديث ابن عباس في الصحيح.
فقال بعض العلماء: إنه يجمع بينهما بحمل النهي على الكراهة، وهذا قول الإمام أبي حنيفة ومن وافقه، فصرف القول من التحريم إلى الكراهة بالفعل.
والصحيح: أن الفعل هنا لا يقوى على معارضة القول؛ لأن قول ابن عباس: (وهو محرم) يحتمل وجهين: وهو محرم أي في حرم مكة، أو محرم أي: في الأشهر الحرم، والعرب تسمي من كان في الأشهر الحرم محرماً، وتسمى من دخل الموضع الحرام محرماً، ومنه قول حسان في رثاء عثمان: قتلوا الخليفةَ ابن عفان بالمدينةِ محرماً أي: في حرم المدينة، وفي الأشهر الحرم.
فهذا لا يعتبر فيه الفعل معارضاً للقول؛ لأن قول ابن عباس محتمل، وكذلك أيضاً الشرب قائماً منه عليه الصلاة والسلام دلالة الفعل فيه تحتمل التخصيص؛ لأنه حُفِظَ من القرين عليه الصلاة والسلام، وقد أمر من شرب قائماً أن يستقيء.
وكذلك أيضاً: ورد أنه شرب من زمزم قائماً، وزمزم فيها معنى التخصيص، فنقول: يجمع بين القول والفعل، فيمنع من الشرب قائماً في غير زمزم، وزمزم يسن شربها قائماً؛ لأنه شربها على بعيره، ولأن المقصود من زمزم أن يرتوي الإنسان منها، فيكون الأبلغ في ارتوائه أن يشرب قائماً لا جالساً.
فالمقصود: أن تعارض القول مع الفعل يحتاج إلى معرفة الفقيه لأصول الشريعة، وقوة دلالة القول والفعل، مثال ذلك: المسألة التي تقدمت معنا، فإن حديث ابن عمر قوة دلالته على الإباحة محل نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة في مكان لم يره فيه أحد، ولم يقصد اطلاع ابن عمر؛ لأنه لا يعقل أن النبي صلى الله عيه وسلم يريد من ابن عمر أن يطلع عليه، وقد حصل هذا الاطلاع فجأة من ابن عمر، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم قصد اطلاع ابن عمر لقال للأمة: استقبلوا في البنيان دون الصحراء، فدل على أن دلالة الفعل هنا ضعيفة كما نبّه عليه الحافظ ابن دقيق، وله بحث نفيس في شرحه على العمدة.
فالمقصود: أن القواعد لا تؤخذ على الإطلاق في تعارض القول والفعل، وإنما ينظر إلى أحوال المسائل واختلاف النصوص.
والله تعالى أعلم.
(7/28)
________________________________________
معنى حديث: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت.
ونستغفر الله)


السؤال
أليس في قول الصحابي رضي الله عنه في الحديث الصحيح: (وكنا نتحول عن القبلة ونستغفر الله) إشارة ظاهرة لجواز ذكر الله في الخلاء، نرجو الإفادة؟

الجواب
هذا حديث أبي أيوب الثابت في الصحيحين أنه قال: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله)، وفيه كلام للعلماء من جهة دلالته: قال بعض العلماء: (كنا ننحرف عنها) أي: أثناء قضاء الحاجة، (ونستغفر الله) أي: بعد قضاء الحاجة؛ لأنه لم يتنبه أنها على القبلة إلا بعد قضاء شيء من الحاجة.
وقيل: ننحرف عنها ونستغفر الله في أنفسنا، قيل لأصحاب هذا القول: كيف يستغفرون وهم لم يستقبلوا القبلة؟ وأجابوا: أي: نستغفر الله لمن فعل هذا الفعل، فما كان ينبغي له فعله، وهذا على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من حب الخير بعضهم لبعض، فإذا رأوا الخطأ من الغير وأمكن نصحه نصحوه، وإن كان غائباً مسلماً سألوا الله له العفو والمغفرة إذا كان ممن يُستغفر له أو يُدعى له بالمغفرة، فقالوا: (ونستغفر الله) أي: من هذا الفعل.
وهذه في الحقيقة كلها أوجه محتملة، فالقول: بأنهم يستغفرون بعد الانتهاء من الغائط، لا دليل عليه في هذا الحديث.
وكذلك القول بأنهم يستغفرون في أنفسهم لا دليل عليه أيضاً.
ويبقى الإشكال إذا كانوا يستغفرون أثناء الفعل، وظاهر لفظ (نستغفر) يدل على أنه أثناء الفعل، فنقول في جواب ذلك: إنه فعل من الصحابة، ولو صح أنهم يستغفرون أثناء الفعل، فإننا نقول هذا من فعل الصحابة، والقاعدة: (أنه إذا تعارض هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع فعل الصحابي فالحجة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بما رآه أصحابه رضوان الله عنهم).
وتوضيح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: (أتى سباطة قوم فبال، فمر عليه رجل فسلّم فلم يرد عليه السلام، ثم ضرب بيديه الحائط، ثم قال: وعليكم السلام، إني كنت على حالة كرهت أن أذكر الله عليها)، فإذا كان هذا وهو غير متطهر وقد فرغ من قضاء حاجته، فكيف إذا كان على حال قضاء الحاجة وغير متطهر فإنه أبلغ وآكد، فدل هذا على أنه لا يذكر الله جل وعلا أثناء قضاء الحاجة، وإنما يقتصر على الذكر في المواضع التي شرع ذكر الله جل وعلا فيها، وليس فيها امتهان لذكره جل وعلا.
والله تعالى أعلم.
(7/29)
________________________________________
وجه الاستغفار بعد الخروج من الخلاء

السؤال
ذكرتم أن من العلماء من قال: أن كلمة (غفرانك) أتت لانحباس الإنسان عن الذكر، مع أن ذلك بأمر الله تعالى كما هو الحال في الحائض عند امتناعها عن الصلاة والصيام، ولم يأتِ أنها تقول مثل ذلك بعد الانتهاء من عادتها، فما قولكم؟

الجواب
أولاً: لا أحب لطالب العلم أن يجتهد في استنباط النصوص وفي فهمها وفي تتبع كلام العلماء، وينبغي لكل طالب علم أن يحفظ قدره وأن يحفظ للعلماء حقهم، ولذلك أنبه على ما شاع وذاع بين كثير من طلاب العلم وخاصةً في هذه الأزمنة وإلى الله المشتكى، ولا أقصد بذلك صاحب السؤال، ولكنها فرصة طيبة أن أنبه على ذلك، فهناك كثير من الأمور التي تحُكى عن أهل العلم ويأتي طالب العلم ويورد سؤاله على سبيل التعقيب والاجتهاد، ويقول: كيف هذا، والأصل كذا؟! ولا مانع من أن يقول ذلك على سبيل الاستشكال، يقول: أشكل عندي كلام العلماء في هذا الأمر، كيف نوفق بين هذا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم.
؟ أما أن يورد الشيء على أنه نوع من التعقيب على العلماء أو نوع من المآخذ على كلامهم، فهذا لا ينبغي لطالب العلم وعلى الإنسان أن يعلم أن هؤلاء العلماء كانوا على درجة من الورع وخوف الله جل وعلا ما يمنعهم من أن يقولوا على الله بدون علم.
نظر العلماء إلى حالة النبي صلى الله عليه وسلم عند قضاء حاجته وخروجه من قضاء الحاجة، قال: (غفرانك)، فإن أردت أن تفسّر النصوص، فالأصل عند العلماء أن يُفسر هديه عليه الصلاة والسلام ويُعلل إما بدلالة الظاهر أو بفهم أصول الشريعة حتى تُستنبط العلة.
ومن ذلك الاستغفار: هل هو للخروج نفسه؟ أو لكونه أخرج فضلة؟ أو لانحباسه عن الذكر عليه الصلاة والسلام؟ كل هذا محتمل.
وهل ذلك لوقوع محظور؟ لا محظور منه عليه الصلاة والسلام في الأصل؛ لأنه معصوم صلى الله عليه وسلم.
إذاً: ما بقي إلا أن يقال: إن هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يذكر الله جل وعلا في هذا الموضع، إنما هو لتخلفه عن ذكر الله، مع أن الثابت عنه في الصحيح من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يفتر عن ذكر الله جل وعلا، (كان يذكر الله على كل أحيانه) كما في حديث السنن.
وهذا هو المحفوظ من هديه والمعروف من حاله عليه الصلاة والسلام.
وحال الكمال إذا قصر فيه العبد ظن نفسه مقصراً، كقيام الليل، فلو أن إنساناً ألفه وتركه ولو مرة واحدة لعد ذلك نوعاً من التقصير، مع أنه ليس بتقصير في أصل الشرع، فكونه عليه الصلاة والسلام على درجة الكمال من ذكر الله جل وعلا والإكثار من ذكره جل وعلا، وفي هذا الموضع يمتنع من ذكر الله عز وجل، فناسب أن يستغفر لمكان تخلفه عن الذكر.
أما قول السائل: (إن الحائض) فأين الحائض من مقام النبوة؟!! وليس سائر الأمة في مقام النبي صلى الله عليه وسلم في الكمال!! ونحن نتكلم على كماله عليه الصلاة والسلام في ذكره لله جل وعلا، أي: أن العلماء استنبطوا العلة من حال النبي صلى الله عليه وسلم من المداومة على ذكر الله، وحال الكمال الذي هو فيه من ذكر الله سبحانه وتعالى، فكونه ينشغل بهذا الأمر الذي هو قضاء الحاجة مع أنه ليس بيده عليه الصلاة والسلام استغفر حتى ينال أجر الاستغفار، وإذا استغفر الإنسان قلبت إساءته حسنة، فما المانع أن يستغفر فيكتب له هذا الحال كحال الذاكر؟!! فيكون استغفاره -مع أنه ليس في حال الذنب- جبراً لنقصان الذكر، هذا الوجه الأول في توجيه كلام العلماء.
أي: أنه استغفر حتى يجبر نقص الذكر في هذه الحالة، ولا يمنع أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر على هذا الوجه، ولكن غيره من الأمة لا يلتحقون به، فكون الحائض من سائر الأمة ولا تلتحق به في درجة الكمال لا يقتضي الاعتراض بها؛ لأن الحائض ليست في مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فأين مقام النبي صلى الله عليه وسلم في ذكره لله واشتغاله بعبادة ربه، وعدم خلو قلبه من استشعار عظمة الله، حتى إذا نام نامت عيناه ولم ينم قلبه، أين هذا المقام من مقام الحائض؟ وهذا من حفظ الله له، وصيانته له واشتغاله بذكر الله سبحانه وتعالى.
ونحن نقول: إن كون العلماء -رحمة الله عليهم- يقولون هذا محتمل، وله وجهه، وهو طريق يعرف عند الأصوليين بطريق السبر والتقسيم، فتُسبر الاحتمالات ثم تقسم إلى احتمال صالح واحتمال غير صالح.
أما الاعتراض بأنه ليس بيده، فليس بذنب حتى يقال: إنه ليس بيده.
يصح الاعتراض من ناحية أصولية بأن تعترض على علة يعلل بها النص إذا كان يتفق التعليل مع ما ذكر، كأن تقول: إنه ذنب، حتى يشرع الاستغفار، فتقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل شيئاً خارجاً عن يده.
فالاعتراض بكونه فاعلاً للشيء الخارج عن يده مركب من وجود الذنب، ونحن لا نقول: إنه ذنب، نحن نقول: استغفر، ولعل هذا الاستغفار أن يُكتب به للعبد لو استغفره على نية أنه لم يذكر الله في هذا الموضع أن يعوض له أجره.
وعلى العموم فلا مانع، والتعليل محتمل، والنص إذا احتمل أكثر من وجه فلكلٍ أن يعلل، هذا الذي انقدح في نفس هذا المجتهد له أن يعلل به، وهذا الذي انقدح في نفسك لك أن تعلل به.
أما أن يُعتب على العلماء أو يحاول الاستدراك عليهم، أو يورد ذلك على سبيل تضعيف أو توهين أقوالهم، فهذا محل نظر لا ينبغي لطالب العلم.
انظروا إلى جهابذة العلماء رحمة الله عليهم شرحوا الأحاديث وفسروا الآيات، وتجدهم يحكون أقوالاً كثيرة لأهل العلم رحمة الله عليهم، ويتأدبون فيها، وبعض الأقوال قد يكون التكلف فيها ظاهراً ويغتفر، كل ذلك رعاية للأدب مع العلماء وصيانة لحرمة العلماء؛ لأن أي إنسان تردّ عليه أو تعقب عليه ولو كان تعقيبك عليه ضعيفاً فإنك قد أنزلت من حقه وقدره.
فلذلك ينبغي للإنسان دائماً أن يحترم أهل العلم، فإن لم يتوجه لك هذا التعليل فخذ بما ترجح عندك من تعليلات، ونحن لا نُلزم بتعليل معين، بل نحكي أقوال العلماء، فيحتمل أن هذا علة ويحتمل أن هذا علة، ولا حرج عليك أن تأخذ بهذه العلة أو بغيرها.
ونسأل الله أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(7/30)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب الاستنجاء [2]
الأصل في الاستنجاء أن يكون بالماء، ويجوز الاستجمار بالأحجار وما في حكمها، ويشترط فيما يستجمر به أن يكون طاهراً، وهناك أشياء لا يجوز الاستجمار بها؛ إما لأنها محترمة، وإما لأنها نجسة، ويستحب أن يستجمر وتراً.
والاستنجاء واجب من كل ما يخرج من السبيلين إلا الريح، ولا يصح الوضوء ولا التيمم إلا بعد الاستنجاء أو الاستجمار حتى تزول النجاسة.
(8/1)
________________________________________
ما يشترط في الشيء الذي يستجمر به
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها أن يكون طاهراً منقياً].
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ففي هذه العبارة يتكلم المصنف عن الأمور التي ينبغي توفرها في الشيء الذي يستجمر به، فإذا أراد الإنسان أن يقطع البول أو الغائط بالاستجمار فإنه يشترط في الشيء الذي يستجمر به شرطان: الشرط الأول: أن يكون طاهراً.
والشرط الثاني: أن يكون منقياً.
أما طهارة الشيء الذي يستجمر به فكأن يأخذ حجراً طاهراً وينقي به موضع البول أو موضع الغائط، أو يأخذ ورقاً أو قماشاً -ما لم يكن فيه كتابة أو شيء محترم- فينقي به الموضع.
واشترطت الطهارة لأن الشرع شرع الطهارة بالماء والحجارة لإنقاء الموضع، فإن كان الشيء الذي يتطهر به نجساً لم يحقق مقصود الشرع، فإنه يزيد الموضع نجاسة ولا ينقيه، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى البعرة وقال: (إنها ركس) وهي لغة بعض أهل اليمن، أنهم يبدلون الجيم كافاً: ركس، والأصل: رجس، والرجس: النجس، أو الشيء المستقذر في لغة العرب، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الإنقاء بالروثة بناءً على أنها رجس، فدل على أن الشيء الذي يتطهر الإنسان به من البول والغائط ينبغي أن يكون طاهراً، وكذلك يكون منقياً، فلو كان لا ينقي الموضع فإنه لا يجزئ، مثال ذلك: لو أن إنساناً تبول فأخذ زجاجة لكي ينقي بها العضو، فإن الزجاج مادته ملساء، وتنساب النجاسة عليها ولا تشربها، فهذا لا ينقي الموضع.
ولذلك نهي عن الاستجمار بالعظم، وأحد الأوجه في المنع من الاستجمار بالعظم أنه أملس، فلا يمكن معه إنقاء الموضع، فخلصنا من هذا أنه لابد من الشرطين: أن يكون طاهراً، فلا يصح الاستجمار بالنجس، وأن يكون منقياً، أي: يتمكن الإنسان به من إنقاء الموضع وتنظفيه.
(8/2)
________________________________________
ما يحرم الاستجمار به
(8/3)
________________________________________
حكم الاستجمار بالعظم والروث
وقوله: [غير عظم وروث].
(غير عظم): (غير) للاستثناء، والاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ، (غير عظم وروث) لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستجمار بهما كما في حديث سلمان وغيره أما العظم، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنه زاد إخوانكم من الجن) ولذلك لما اجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بالجن فسألوه الزاد قال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحماً) أي: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الطعام الذي يأكلونه فأجابهم بهذا، ولذلك نهي عن الاستجمار به.
وقال بعض أهل العلم: إن العظام لا تنقي الموضع، مع كونها زاداً لإخواننا من الجن، ففرعوا على هذه العلة حكماً وهو عدم الاستجمار بشيء أملس لا ينقي الموضع كالزجاج.
(8/4)
________________________________________
حكم الاستجمار بالطعام
وقوله: [وطعام ومحترم ومتصل بحيوان].
(وطعام) أي: وغير طعام، فإن الطعام لا يجوز الاستجمار به؛ لما فيه من الامتهان، ولأن الطعام يحتاج إليه الإنسان، فإذا استغنى عنه الإنسان احتاج إليه الحيوان، ولذلك نصوا على أنه لا يجوز الاستجمار بالطعام، وهذا بإجماع أهل العلم، وقال بعض العلماء: إنه إذا قصد امتهان النعمة قد يكفر والعياذ بالله، كما لو وطئها بقدمه قاصداً الامتهان والكفر بالنعمة، نسأل الله السلامة والعافية.
(8/5)
________________________________________
حكم الاستجمار بالمحترم
وقوله: [ومحترم].
(ومحترم) أي: لا يجوز الاستجمار بالمحترمات ومنها كتب العلم، فقد أمر الله أمر بصيانتها وتعظيمها كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] قال بعض العلماء: الشعائر جمع شعيرة وهي كل ما أشعر الله العباد - أي: أعلمهم- بحرمته ومكانته، فلذلك لا ينبغي أن يستجمر بشيء محترم شرعاً.
(8/6)
________________________________________
حكم الاستجمار بالمتصل بالحيوان
وقوله: [ومتصل بحيوان].
كأن يأخذ ذنب البعير أو ذنب البقرة أو نحو ذلك، أو يستجمر بظهر البعير أو البقرة، كل ذلك لا ينبغي له؛ لأنه في حكم الاستجمار بالطعام، ولما فيه من تنجيس الموضع المتصل بذلك الحيوان.
لاحظوا أن هذه المستثنيات على ضربين: ضرب ورد النص به، كالعظم والروثة.
وضرب عرف بأصول الشرع المنع منه، كالمحترم ونحوه.
وضرب يفوت مقصود الشرع، وهو الذي لا ينقي.
وبناءً على ذلك، نفهم أن الفقه تارة يؤخذ مما نص الشرع عليه، وتارة يفهم من أصول الشرع العامة، وما دلت الشريعة عليه بالعمومات أو بالأصول العامة أو كما يقولون: يفهم من مقاصد الشريعة، كأن تقول: مقصد الشريعة احترام كتب العلم وإجلالها لقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج:32]، وفي الاستنجاء بها مخالفة لمقصود الشرع فتحرم.
وقوله: [ولو بحجر ذي شعب] الحجارة ذات الشعب: هو الحجر يكون له ثلاث أو أربع شعب، على حسب كبره وخلقته التي خلقه الله عليها، فلو أخذ رجل الحجر الذي له ثلاث شعب واستجمر بشعبة، ثم قلبه إلى الشعبة الثانية واستجمر بها، ثم قلبه إلى الشعبة الثالثة واستجمر بها فإنه يجزئ عن الثلاثة الأحجار.
(8/7)
________________________________________
استحباب الاستجمار وتراً
وقوله: [ويسن قطعه على وتر].
أي: قطع الخارج على الوتر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (ومن استجمر فليوتر) للعلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (من استجمر فليوتر) قولان: القول الأول: (من استجمر) أي: قطع الخارج من بولٍ أو غائط فليوتر، وسنبين معنى ذلك.
القول الثاني: (من استجمر) أي: من تطيب بالبخور فليوتر؛ لأن البخور يسمى بذلك، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في أهل الجنة -جعلنا الله وإياكم منهم- قال: (مجامرهم الألوة).
فالاستجمار يقال: إن المراد به التطيب، وهذا قول بعض أهل اللغة، ونسب إلى إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمة الله عليه، ولذلك قالوا: يسن إذا أخذ الرجل في تطييب الناس بالبخور أن يطيبهم مرة أو ثلاثاً أو خمساً، وإذا تطيب الإنسان تطيب على وتر، هذا على القول الثاني.
والأفضل أن الإنسان يجمع بين الاثنين، فإن استجمر في بول أو غائط قطع بالوتر، وإن استجمر بطيب قطع بوتر، حتى يكون من السنة على كلا القولين، وهذا هو ما ننبه عليه دائماً في المسائل الخلافية، في تفسير أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي لها فضائل للإنسان، فالمسلم يحاول أن يكسب الفضيلة ولو اختلف العلماء فيها، ويحاول أن يحصل الفضل على أتم وجوهه وأكملها.
الشاهد: أن المصنف هنا قال: (يسن قطعه على وتر) فلو أن إنساناً تبول ثم أراد أن يقطع البول فأخذ الحجر الأول فاستجمر به، ثم أخذ الحجر الثاني فاستجمر به، فانقطع البول عند الحجر الثاني، فعلى القول بأن الثلاث واجبة يلزمه حجر ثالث، وحينئذٍ لا إشكال، لكن لو فرض أنه استجمر بالحجر الأول والثاني والثالث ولم ينقطع البول ثم استجمر بالرابع فانقطع، فإذا انقطع بالرابع فإنه يضيف حجراً خامساً طلباً للسنة، وهذا هو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن استجمر فليوتر).
وكذلك أيضاً بالنسبة للغائط، يجعل حجرين لطرفي الصفحتين، وحجراً لحلقة الدبر، ثم إذا انقطع الخارج من حلقة الدبر بالثلاث فلا إشكال، لكن لو انقطع بالرابع فيضيف خامساً للحلقة.
(8/8)
________________________________________
حكم الاستنجاء من كل خارج من السبيلين
قال رحمه الله تعالى: [ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما حفظ عنه أنه تبول ولا تغوط صلوات الله وسلامه عليه إلا وتطهر، وكان أنس -كما جاء في الصحيحين- يحمل الإداوة معه للنبي صلى الله عليه وسلم ليستنجي بها، وكذلك أيضاً جاء في حديث سلمان وعائشة رضي الله عنهما، وغيرها من أحاديث السنن التي تدل على محافظة النبي صلى الله عليه وسلم على إنقاء الموضع إما باستجمار أو باستنجاء.
أما الاستنجاء فهو: أن ينقي الإنسان الموضع بالماء، كما هو الحال الموجود الآن في البيوت، فإذا فرغ الإنسان من بوله أو غائطه صب الماء على عضوه وأنقاه، وهذا يسمى استنجاء.
أما الاستجمار: فهو أن يأخذ الحجارة، وهذا في الغالب يحصل للذي يكون في سفر أو في بر أو نحو ذلك، وكل منهما مشروع، ولا يجب عليه أن يستنجي بالماء، فلو أن إنساناً دخل إلى الحمام -ولو في المدن- والماء موجود، ولشدة البرد لم يرد أن يغسل عضوه فأخذ مناديله فاستجمر بها لأجزأه ذلك، وهذا بلا خلاف، بل كان بعض السلف لا يرى صب الماء ويقول: هو وضوء النساء، ولكنه قول مرجوح ومردود عليه؛ لأن أنساً حمل للنبي صلى الله عليه وسلم الإداوة، والماء أبلغ وأنظف وأنقى، وكانوا يستحبون أن يبتدئ بالحجارة حتى تنقي الموضع بحيث إذا صب الماء لا يتلطخ بالنجاسة، ثم بعد ذلك يتبعه الماء، وفيه حديث ضعيف في قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة:108]، والصحيح: أن ذلك الاستحباب هو من أصول الشرع العامة لا من دليل بعينه، أي: لم يرد دليل بعينه يدل على الجمع بين الحجارة والماء، ولكن من باب أصول الشريعة العامة وعلى سبيل المبالغة في التنظيف، وأما لو اقتصر على الماء أو اقتصر على الحجارة فيجزيه، ولا حرج عليه في ذلك، ومقصود الشرع هو إنقاء الموضع.
(8/9)
________________________________________
أقسام الخارج من السبيلين من حيث نقض الوضوء
وقوله: [ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح].
(كل) من صيغ العموم، وهذا أصل عند الأصوليين، أنه إذا قيل: (كل)، يفهم من ذلك عموم الدلالة، فيشمل ذلك كل ما خرج من البدن، والخارج من البدن يأتي على ضربين: الخارج المعتاد، والخارج غير المعتاد، فالخارج المعتاد: البول والغائط.
والخارج الغير المعتاد: كالدم، كأن يحصل للإنسان نزيف داخلي، أو يخرج منه حصى أو دود، فهذه كلها خوارج غير معتادة، أي: خرجت على سبيل المرض، وللعلماء في الخارج أوجه: منهم من قال: لا ينقض الوضوء إلا ما كان خارجاً معتاداً في الصحة، فلا ينقضه الخارج غير المعتاد.
ومنهم من قال: ينقض الوضوء كل ما خرج.
فالمذهب الأول مذهب التخصيص، والمذهب الثاني مذهب التعميم.
ومنهم من فصَّل، فقال: إن كان نجساً نقض، وإن كان طاهراً لم ينقض، أي: إن كان أصله النجاسة كدود البطن، فإنه يكون مختلطاً بالنجاسات؛ فإذا خرج نقض، وإن كان أصله طاهراً كالحصى فلا ينقض، وهذه أوجه العلماء رحمة الله عليهم في الخارج.
فالمصنف درج على القول الذي يقول: إن كل ما خرج من البدن ينقض، ويستوي في ذلك أن يكون معتاداً أو غير معتاد، وسيأتي -إن شاء الله- بسط هذه المسألة في نواقض الوضوء.
ونريد أن نحدد محل الاتفاق ومحل الخلاف في مسألة الخارج، أما الاتفاق فلو خرج البول ,أو الغائط الذي هو الخارج المعتاد أو المذي أو الودي، فإن كل هذه يجب الاستنجاء منها.
(8/10)
________________________________________
حكم الاستنجاء من خروج المني
أما المني: ففيه وجهان مشهوران: الوجه الأول: خروج المني يوجب الاستنجاء.
الوجه الثاني: لا يوجبه.
والذين قالوا: إنه موجب، احتجوا بما ثبت في الصحيحين في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمهات المؤمنين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل العضو وما هنالك) قالوا: لأن المني يعتبر موجباً للاستنجاء.
والذين يقولون: أنه طاهر، وخروج الطاهر لا يضر، فبناءً على الأصل الذي قرروه وهو أن يكون الخارج نجساً، قالوا: والمني طاهر وليس بخارج من المخرج المعتاد؛ لأن له عرقاً يخصه.
(8/11)
________________________________________
حكم الاستنجاء من خروج ما يُدخل في السبيلين كالآلات
وقوله: [لكل خارج].
هنا مسألة عصرية تتفرع عن قول المصنف: (كل خارج)، وهي: مسألة المادة التي يحقن بها الإنسان كمواد الأشعة التي من أجل تصوير العضو لمعرفة مرضٍ فيه، فتحقن المادة في العضو ثم تبقى في نفس المجرى، ثم يصور ثم تخرج عن طريق التبول أو أنها تسحب، فإذا خرجت هل يجب الاستنجاء منها أو لا يجب، فإن قيل: العبرة بالعموم -كما درج عليه المصنف- وجب الاستنجاء بخروجها، وإن قيل: العبرة بالخارج المعتاد؛ فلا يجب الاستنجاء منها.
أيضاً: المسألة القديمة التي تفرعت عليها هذه المسألة: لو أن آلة أدخلت في مجرى البول أو مجرى الغائط -كالمناظير- ثم أخرجت، هل يجب أن يستنجي الإنسان بخروجها أو لا يجب؟ من العلماء من قال بالتفصيل، فقالوا: إن خرجت وفيها أثر الرطوبة وجب الاستنجاء، وإلا لم يجب.
والحقيقة أن التعبير بالعموم من حيث أصل الشرع قوي، يعني: ما درج عليه المصنف من إيجاب الاستنجاء من كل ما خرج -بلفظة (كل) - أقوى؛ لأنه مراعٍ لأصل الشرع؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم غسل من المني وهو طاهر، وكذلك غسل من بقية الخوارج، وبناء على ذلك نقول: نعتبر خروج الخارج موجباً للإنقاء.
ويبقى لدينا سؤال وهو: ما دليل من قال بالتفريق بين الطاهر وغير الطاهر؟ قالوا: دليلنا الشرع، فإن الريح يخرج من البدن ولا يجب بالإجماع منا أن يستنجى منه، فلو كان كل خارج يوجب الاستنجاء لوجب الاستنجاء من الريح، فكون الشرع لا يوجب الاستنجاء من الريح يفهمنا أنه لو خرج الطاهر من قبل أو دبر أنه لا يوجب الاستنجاء.
كيف نجيب عن هذا الدليل ونحن قلنا: إن الأرجح هو الوجوب؟ نقول: إن هناك فرقاً بين ما له جرم وما لا جرم له، بدليل أن الإجماع انعقد على عدم الاستنجاء من الريح، وعندنا المني وهو طاهر ويستنجى منه، ففهمنا أن هناك فرقاً بين السائل الذي له جرم والذي لا جرم له وهو الريح، وبناء على ذلك نقول: يستجمر من كل ما له جرم -جامداً أو مائعاً- إلحاقاً بالمني، ولا يجب عليه الاستجمار من الهواء كالريح، ويبقى الأصل على ما هو عليه ولا يستقيم اعتراضهم بالريح.
وربما لو قلت لهم: إن المني يستنجى منه، قيل لك: هذا من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه؟! فأنا لا أرى أن المني يوجب الاستنجاء منه، هذا إذا كان يقول بطهارته كما هو أحد الأوجه عند الشافعية، فلا يرى الاستنجاء من المني، أما لو كان يقول بنجاسته كالحنفية، فخروجه يوجب الغسل ملحقاً بالبول والغائط، فهذا أصل المسألة أصولياً.
فالخلاصة: أنه يجب الاستنجاء من كل ما خرج من السبيلين ما عدا الريح، وشذ بعض أهل الأهواء فقالوا: إن الريح يستنجى منه وهذا قول مردود؛ لأنه لا دليل عليه، لكن ينبغي أن ينبه على أن الريح له أحوال: فتارة يكون معه سالماً من رذاذ النجس الموجود في الموضع، وتارة يكون مخلفاً لرذاذ نجس كما يذكر بعض العلماء في حالة إسهال أو نحوه، فإن صاحب هذه الريح لزج له جرم من الخارج؛ فإنه يجب إنقاء الموضع للخارج لا لذات الريح.
(8/12)
________________________________________
حكم الوضوء والتيمم قبل الاستنجاء
وقوله: [ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم].
هذه مسألة ثانية، وقد مرَّ أنه ينبغي على المكلف أن يستنجي وينقي الموضع، وبينا الدليل كما في الحديث: (نهانا أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) وكذلك قوله في حديث أبي داود عن الثلاثة الأحجار: (فإنها تجزيه) فقوله: (إنها تجزيه) كما يقول الإمام ابن قدامة وغيره: إنها تدل على الوجوب، فإن الإجزاء لا يعبر به إلا في الوجوب.
فيجب على الإنسان أن يستنجي من الخارج عموماً -كما ذكر المصنف- إلا إذا كان ريحاً، فلو أن إنساناً خرج منه الخارج ولم يستنجِ، بل تبول ثم نشف الموضع، ولم يكن عليه ثياب، فلبس ثياباً بعد نشاف الموضع ثم يبس المكان، أو مثلاً: تبول ثم غير ثيابه بعد نشاف الموضع، فالثياب طاهرة، وهو من حيث هو طاهر ما عدا موضع الخارج، ثم جاء وتوضأ أو تيمم وأراد أن يصلي، فنحن قلنا: يجب الاستنجاء، فهل هذا الوجوب شرط في صحة الصلاة بحيث لا نصحح العبادة إلا بعد استنجائه؟ أو نقول: إن صلاته صحيحة؟ للعلماء وجهان مشهوران: منهم من قال: تصح طهارته وتصح صلاته، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (توضأ واغسل ذكرك) وفي حديث عمر في الصحيحين: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: توضأ واغسل ذكرك) فوجه الدلالة: أنه قال له: توضأ، ثم قال له: اغسل ذكرك، أي: أنه صحح وضوءه مع أنه لم يستنج بعد، لقوله: (واغسل ذكرك) فإن قوله: (اغسل ذكرك) وقع بعد قوله: (توضأ) فدل على أن عبادة الوضوء تصح، وبناء على ذلك قالوا: يصح الوضوء قبل الاستنجاء.
وقد يعترض عليه المعترض ويقول: لو كان حديث عمر على الترتيب: فكيف يلمس ذكره بعد الوضوء؟! وجوابه: أنه وضوء في جنابة، فلا ينتقض بمس الذكر، وهذه مسألة لطيفة يلغزون بها: وضوء لا ينتقض إلا بالجماع أو بجنابة جديدة؟ وهو وضوء الجنب، واحتجوا له بهذا الحديث، وأشار إليها السيوطي بقوله: قل للفقيه وللمفيد ولكل ذي باع مديد ما قلت في متوضئ قد جاء بالأمر السديد لا ينقضون وضوءه مهما تغوط أو يزيد يعني: لا ينقضه بول ولا غائط، فتقول: هو وضوء الجنب.
فقالوا: هذا الحديث يدلنا على أن من خرج منه الخارج ولم يغسل الموضع ثم توضأ فإن وضوءه صحيح.
(8/13)
________________________________________
الأدلة على عدم صحة الوضوء قبل الاستنجاء
والصحيح: أنه لا يصح الوضوء كما قال المصنف إلا بعد إنقاء الموضع للأدلة الآتية: أولها: أن الله تعالى أمر بالوضوء عند إرادة القيام إلى الصلاة، وهذا يدل على أنه لا يفصل بينهما بفاصل الاستنجاء، وأنه هو الأصل.
ثانياً: أن المحفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أنه كان يستنجي ثم يتوضأ، وما حفظ عنه في حديث صحيح أنه قدم الوضوء على الاستنجاء.
ثالثاً: أن الدليل الذي استدلوا به مجاب عنه بأن الواو في قوله: (توضأ واغسل ذكرك) هي لمطلق الجمع، فالاستدلال بهذا الدليل على الوجه الذي ذكروه وقالوا: إنه مبني على أن الواو تفيد العطف مع الترتيب، هو مذهب ضعيف.
والصحيح: أن الواو أصل في إفادة مطلق الجمع، بغض النظر عن كون هذا قبل هذا، كأن تقول: جاء محمد وعمر، فلا يستلزم أن محمداً جاء قبل عمر، إنما المراد مطلق الأمرين.
فالمقصود: أن الواو تدل على مطلق الجمع، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (توضأ واغسل ذكرك) مراده حصول الأمرين، لا أن يوقع الوضوء قبل غسله لذكره، وبناء على ذلك يستقيم ما ذكره أصحاب هذا القول من تقديم الاستنجاء على الوضوء.
لو قال قائل: قول الذين يقولون بجواز سبق الوضوء للاستنجاء، فكيف يستنجي وهو سيحتاج إلى لمس العضو؟ فأجابوا بقولهم: يلمسه بحائل، أو يتوضأ وبعد أن يتوضأ يصب الماء عليه، كأن يكون في بركة أو عارياً أو نحو ذلك، يعني: المسألة ممكن أن تقع، ولا يشترط فيها لمس العضو حتى يحكم بالنقض.
(8/14)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب السواك وسنن الوضوء [1]
السواك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم التي حث أمته عليها، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب، وهو مستحب في كل وقت، ويتأكد استحبابه عند الوضوء والصلاة والقيام من النوم وتغير الفم، ويُطلب في السواك أن يكون منقياً للموضع، وأن يكون طيباً رطباً غير مضر.
(9/1)
________________________________________
مشروعية السواك
قال المصنف رحمه الله: [باب السواك وسنن الوضوء].
يقول المصنف رحمه الله: (باب السواك) السواك يطلق ويراد به الآلة التي يتسوك بها، ويطلق ويراد به فعل السواك، فمن إطلاق السواك مراداً به الآلة التي يستاك بها: حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرضه الذي توفي فيه، والسواك على طرف لسانه -فقوله: والسواك، يعني آلة السواك- وهو يقول: أع أع، كأنه يتهوع) صلوات الله وسلامه عليه.
وأما إطلاق السواك والمراد به الفعل، ففيه حديث أبي هريرة الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) أي: بفعل السواك.
وباب السواك المراد به بيان الأحكام والسنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في السواك، وقد شرع الله عز وجل السواك بهدي نبيه صلوات الله وسلامه عليه، القولي والفعلي والتقريري، فكان عليه الصلاة والسلام يستاك ويأمر أصحابه بالسواك، حتى ثبت في الصحيح أنه قال: (أكثرت عليكم في السواك).
وباب السواك يذكره العلماء قبل باب الوضوء، وقبل صفة الوضوء، والسبب في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي رواية: (مع كل وضوء وعند كل وضوء).
فقالوا: إن هذا محله، ولذلك يذكرونه في باب الطهارة، ولأن السواك قسم من أقسام الطهارة في الوصف، ففيه إنقاء موضع مخصوص على صفة مخصوصة.
وقوله: (وسنن الوضوء) أي: في هذا الموضع سأبين لك جملة من الأحكام والمسائل الشرعية التي تتعلق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في السواك وسننه في الوضوء، والسنة ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وهي التي لم يلزم المكلف بها فمن فعلها فقد أحسن ومن لم يفعلها فلا عتبى ولا حرج، تطلب على سبيل الاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب.
(9/2)
________________________________________
استخدام العود في السواك
قال رحمه الله تعالى: [التسوك بعود].
(التسوك) صيغة تفعل من السواك أي: فعل السواك (بعود) هذا أحد وجهين عند العلماء رحمة الله عليهم، أن السواك المحمود شرعاً إنما يكون بالعود لا بغير العود، وذهبت طائفة من العلماء إلى أن السواك يحصل بالعود وبكل ما ينقي الموضع، كأن يستاك بخرقة أو بمنديل، قالوا: لأن مقصود الشرع هو إنقاء الموضع، ولهم دليل يدل على صحة قولهم في قوله عليه الصلاة والسلام: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن قوله: (مطهرة للفم) أي: أن السواك من شأنه أن يطهر، فدل على أن كل ما طهر يصدق عليه أنه سواك شرعي، وتوسط بعض المحققين -وهو اختيار بعض العلماء ومنهم الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه في المغني- فقالوا: يثاب على قدر ما يصيب من السنة في النقاء، ولا يأخذ فضل السنة كاملة إذا استاك بخرقة أو بمنديل، لكن يكون له فضل، كما لو فقد العود وأراد أن يستاك بمنديل، وهذه المسألة مشهورة ولها نظائر: منها: إذا فقد الإنسان الوصف الكامل في الهدي، وتحصل له بعض الوصف فإنهم يقولون: ينال من الأجر على قدر ما حصل من مقصود الشرع؛ لأن مقصود الشرع النقاء والنظافة، فلما حصل النقاء والنظافة تحقق المراد من السواك، قالوا: فيثاب لموافقته للشرع من هذا الوجه، لأنهم قالوا: الأثر وصورة المؤثر، فإذا لم يجد صورة المؤثر -وهو السواك- فقد وجد حقيقة الأثر، فيثاب لحقيقة الأثر دون صورة المؤثر، وبناء على ذلك: ينال من الأجر على قدر ما أنقى ونظف من الموضع، ولهذا الوجه قوته.
(9/3)
________________________________________
صفة السواك
قال رحمه الله تعالى: [لين منقٍ غير مضر].
(لين) غير يابس؛ لأن اليابس لا ينقي ولا يحقق مقصود الشرع وقد يضر بالأسنان، والشرع لا يجيز الضرر كما في الحديث -وحسنه غير واحد-: (لا ضرر ولا ضرار) قالوا: إن ما فيه ضرر لا يأمر الشرع به، فإذا كان العود يابساً أضر بالأسنان، وبناء على ذلك قالوا: إنه لا يكون إلا ليناً، ولهذا أصل في حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مرض الموت -كما في الصحيحين-: (دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعن أبيه، وفي طرف يده سواك، فأبده النبي صلى الله عليه وسلم بصره، فقالت له عائشة: أتحبه؟ فأشار برأسه أن نعم، قالت: فأخذته فقضمته وطيبته، ثم أعطيته النبي صلى الله عليه وسلم) ففي هذا دلالة على أن السواك لا يكون إلا رطباً، وأنه لا يستاك بالأعواد اليابسة مباشرة.
وقوله: (منقٍ غير مضر).
(منقٍ) أي: منظف للموضع، (غير مضر) لأن الشرع -كما قلنا- لا يأمر بالضرر، بل إن الأمر بالسواك دفع لضرر القلح الموجود في الأسنان وتطييب لها، وقد شرع الله عز وجل هذه السنة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم تحصيلاً للمصالح ودرءاً للمفاسد، فلا يؤمر بما فيه مفسدة وفوات مصلحة، إلا في أحوال نادرة في صور مخصوصة وليس هذا منها.
قال رحمه الله: [لا يتفتت].
كونه لا يتفتت هذا الوصف إنما هو من اجتهاد العلماء رحمة الله عليهم، وإلا هو إذا أخذ عوداً من أراك واستاك به أصاب السنة، وكونه لا يتفتت أو كونه ليناً -أي: ليناً طيباً- فهذا كله من الكمالات؛ لأنه يعين على تحقيق مقصود الشرع، حتى أن الأطباء الآن يقولون: كلما كان رطباً وفيه المادة الرطبة كلما كان أبلغ، والمادة هذه تستعمل في معالجة الأسنان ونفع اللثة بخلاف ما إذا تفتت، قالوا: إذا تفتت آذى الفم، فإن فتات العود يؤذي اللسان بالوخز، وهذا الوخز قد يتسبب في أضرار بالإنسان؛ لأنه إذا جرح اللسان ودخل إلى الفم أي شيء مضر سهل نفاذه إلى الدم، وقد يتسمم الإنسان ويهلك، وكذلك يدمي اللثة ويجرح اللثة، وعلى القول بنجاسة الدم كما هو قول الجماهير يزيد الموضع قذراً لا طهارة، فكل هذا من باب النظر إلى مقصود الشرع، فلا يقول قائل: إن هذا كلام من عند العلماء فقط، بل هو مستقى من أصول الشريعة، ودائماً تجدون الفقهاء يتوسعون من باب تحصيل كمالات السنة، وهنا عائشة قالت: (طيبته) ما معنى طيبته؟ قال بعض العلماء: طيبته بإزالة آثاره عند قضمه، وقيل: أي: جعلت فيه طيباً، كماء الورد ونحوه، ولذلك قالوا: يسن أن يكون السواك مطيباً، لكن ما يجعل الطيب الذي يؤثر في العقول، والبعض يظن أنه مطيب، بمعنى: أن يجعله في طيب.
(9/4)
________________________________________
حكم التسوك بالأصبع ونحوه
وقوله: [لا بأصبع أو خرقة].
(لا بأصبع أو خرقة) والحقيقة ليس هناك دليل يدل على منع الإنسان من أن ينظف بأصبعه، وهم يقولون: إن الأصبع ليس بسواك لأنه متصل وليس بمنفصل، والسواك منفصل لا متصل.
والصحيح: أنه لا حرج على الإنسان -إذا فقد السواك وإذا لم يجد خرقة، أو كانت غير نظيفة- أن يدخل إصبعه؛ لأن مقصود الشرع تنظيف الموضع، فإذا لم يتمكن الإنسان من إصابة السنة على الكمال فلا حرج عليه في إصابة بعضها، فلو أن إنساناً مثلاً: حديث عهد بالسحور، ثم أذن عليه أذان الفجر وليس عنده سواك ولا خرقة، فإن وذر الطعام يحتاج إلى معالجة، فلو قلنا: أنه يقتصر على العود أو على الخرقة، فسيبقى وذر الطعام وقد يضره وقد يؤثر في صيامه، ولذلك لا حرج عليه أن يعالج بيده، أو بالخرقة، وكما قلنا: إن المصنف نفى الخرقة والأصبع بناءً على الأصل الذي قرره في أول الباب من أن السواك لا يكون إلا بالعود.
(9/5)
________________________________________
حكم السواك
قال رحمه الله تعالى: [مسنون كل وقت].
(مسنون) بعد أن عرفنا ما هو السواك يرد

السؤال
ما موقف الشرع منه؟ هل هو مأمور به أو منهي عنه؟ فقال: (مسنون)، أي: هو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على سنيته: قوله عليه الصلاة والسلام: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) هذا على العموم ولم يخصص، ولكنه يتأكد في أحوال كما سيأتي -إن شاء الله- بيانها وبيان أدلتها.
قال جمهور العلماء من السلف والخلف: إن السواك ليس بواجب، وقال بعض العلماء -وهو قول بعض أهل الظاهر-: إن السواك فرض واجب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالسواك) والصحيح: أنه ليس بواجب لما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) فقال: امتنع الأمر بالسواك لوجود المشقة، فدل على أنه ليس بواجب.
وبناءً على ذلك: يعتبر السواك سنة وليس بفرض، ومن استاك أثيب، ومن لم يستك فإنه لا حرج عليه ولا إثم.
وقوله: (كل وقت) هذا على العموم، وهناك أحوال يفضل فيها السواك على غيره، منها عند الوضوء، لحديث أبي هريرة، وعند القيام إلى الصلاة، وكذلك عند القيام من النوم.
أما عند القيام إلى الصلاة؛ فلحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام -أي: إلى صلاة الليل- يشوص فاه بالسواك) يشوص فاه، أي: يدلكه بالسواك.
وكذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (أنها كانت تعد للنبي صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره، فيبعثه الله من الليل ما شاء) صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يدل على أنه إذا انتبه الإنسان من النوم شاص فاه بالسواك، وكذلك إذا قام إلى الصلاة، سواء كانت صلاة ليل أو غيرها.
كذلك أيضاً عند تغير الفم بالطعام، قالوا: مع كونه عند قيامه من الليل يشوص فاه بالسواك فنعتبره أصلاً، فكلما تغير الفم فإنه يشوص فاه، ولذلك قالوا: يستحب ذلك.
وكذلك إذا جلس الإنسان مع أهله وزوجه فيستحب أن يبدأ بالسواك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستاك إذا جلس مع أهله، وكان لا يحب أن يشم منه ريح غير طيبة، فلذلك استحبوا أن يكون الإنسان مستاكاً في مثل هذه الأحوال، وسيأتي -إن شاء الله- بيانها وبيان الأحاديث التي دلت عليها.
قال رحمه الله تعالى: [إلا لغير صائم بعد الزوال].
قال: (إلا)، وهذا استثناء، وهو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فالسواك مستحب أو مسنون في كل هذه الأوقات.
(إلا لغير صائم بعد الزوال) والكلام بهذه الصيغة لا يستقيم.
فنقول: لعل الصواب حذف غير، فتكون العبارة: إلا لصائم، أي: إلا لصائم بعد الزوال.
أحب أن أنبه أنه في بعض الأحيان يعاجل طالب العلم بتخطئة المكتوب، وهناك أدب من آداب مراجعة الكتب: أن الإنسان إذا وجد عبارة واحتمل فيها التصحيف يكتب في الطرف: (لعل الصواب كذا) لاحتمال أن تكون هذه الكلمة صحيحة بوضعها ولكن هناك نقط وضعت في غير موضعها، أو زيدت كلمة أو حرف، أو طمست كلمة أو حرف، فلا يعاجل بالطمس وبالضرب على الكلمة، ولكن يكتب: (لعل الصواب كذا وكذا)، حتى إذا جاء آخر وأحسن النظر فيها ربما عرفها، أو ربما وجدت نسخة أخرى تبين الصحيح، وهذا هو الذي أدركنا عليه أهل العلم رحمة الله عليهم، فهم لا يجرءون على طمس الكتب وتخطئتها والتصحيح من قبل أنفسهم، وإنما يكتبون في طرف الكتاب أو في هامشه: لعل الصواب كذا وكذا، إلا الآيات القرآنية، بشرط أن يكون الذي يصححها عنده إلمام أو علم بالرواية التي يريد أن يصحح بها إذا كان المصنف التزم رواية معينة كرواية حفص، وهو يتقنها، فلا حرج أن يضرب على الخطأ، فالآيات القرآنية لا يتساهل في أخطائها وإنما تبين.
(9/6)
________________________________________
الأسئلة
(9/7)
________________________________________
حكم دعاء ختم القرآن

السؤال
هل هناك دليل واضح يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يدعون بعد ختم القرآن الكريم؟

الجواب
ليس هناك حديث معين يدل على أنه إذا ختم القرآن دعا، ولكن حكى بعض العلماء رحمة الله عليهم أن فعل السلف جرى على الدعاء بعد الختم، وأثر عن أنس رضي الله عنه وأرضاه، وكان ابن عباس يراقب رجلاً يقرأ في المسجد حتى إذا قارب الختم حضر دعاءه، فلا إنكار على الدعاء عند الختم إذا درج عليه فعل السلف، ولم يحصل له نكير، وحبذا لو يرجع في تحرير هذه المسألة إلى الأستاذ الشيخ بكر حفظه الله في جزئه في مرويات ختم القرآن، فقد أجاد فيه وأفاد، وبين أن فعل السلف على الدعاء عند الختم، ولم يرد في الأحاديث الصحيحة -حسب علمي واطلاعي- حديث صحيح في الدعاء عند الختم، لكن لا ينبغي تخصيص دعاء معين للختم، كأن يكون بألفاظ معينة أو بأذكار معينة أو بصيغة معينة، والأفضل والأكمل أن يؤخذ بهدي النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء بجوامع الكلم.
هذا بالنسبة لمسألة الدعاء عند ختم القرآن، فيشرع من حيث الأصل، ولا نكير على الإنسان أن يدعو عند ختم كتاب الله عز وجل، ولكن لا يخصص بدعاء معين أو بصيغة معينة أو بوقت معين أو بزمان معين، كأن يجعل ليلة معينة للختم في كل أسبوع مثلاً، فيحرص على أن يختم في ساعة السحر في الجمعة مثلاً، فهذا لا ينبغي إلا بدليل من الشرع، والله تعالى أعلم.
(9/8)
________________________________________
حكم الاعتكاف بدون صيام والأكل والشرب في المسجد

السؤال
هل من شروط الاعتكاف في غير رمضان الصيام؟ وهل يجوز الأكل والشرب في البيت الحرام؟

الجواب
هذه مسألة خلافية: هل يشترط للاعتكاف الصوم أو لا يشترط؟ وفيها حديث: (لا اعتكاف إلا بصيام) وفيها حديث عمر رضي الله عنه حينما نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وهذه الرواية حجة في إلغاء اشتراط الصوم، فلو كان الصوم واجباً للاعتكاف لأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم.
والصحيح: أنه لا يشترط للاعتكاف الصوم، والحديث يجاب عنه بأنه متكلم في سنده، وعلى القول بتحسينه يجاب بأنه للكمال: (لا اعتكاف إلا بصيام) أي: لا اعتكاف كامل الأجر والثواب إلا بالصيام؛ لأن صاحبه يكون فيه على أبلغ صفات الطاعة، فقد جمع بين عبادة البدن الظاهرة وعبادة البدن الباطنة بالجوع والظمأ والحبس عن الشهوة.
ويدل النظر على صحة هذا القول -الذي هو: حمل (لا اعتكاف) على الكمال- أن الإنسان إذا صام ضاق مجرى الشيطان منه، والاعتكاف المقصود منه المبالغة في الطاعة وحضور القلب في العبادة، ولذلك نهي المعتكف عن الخروج إلا من حاجة، فقالوا: إن هذا يدل على أن المراد باشتراط الصيام في الاعتكاف هو الكمال، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (لا اعتكاف إلا بالمساجد الثلاثة) فإن المراد به أكمل الاعتكاف وأعظم الأجر فيه؛ لأن الصلاة في هذه المساجد أعظم أجراً من غيرها، وإنما حمل على الكمال لعموم قوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187] فالمقصود أن هذا كله محمول على الكمال لا على نفي الصحة، وبناءً على ذلك فلا يشترط الصوم على أصح الأقوال.
أما الأكل والشرب داخل المساجد فإن العلماء رحمهم الله قد فصلوا في ذلك، فقالوا: لا حرج على الإنسان أن يأكل ويشرب في المسجد؛ لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه اعتكف وما خرج لطعام ولا شراب) وهذا في حديث عائشة رضي الله عنها ما خرج إلا لحاجة فقط -وهي البول والغائط- وكان يمر على المريض فلا يعرج عليه، وهذا يدل على أن المعتكف يجوز له أن يأكل ويشرب في المسجد، ولا حرج عليه ولكن بشرط ألا يضر بالمسجد وألا يؤذي المصلين، وأن يكون الطعام الذي يدخله لا تنبعث منه الروائح الكريهة، فيتسبب في أذية المصلين بتغيير رائحة المسجد، فإذا كان الأكل والشرب للمعتكف فلا حرج، أما لغير المعتكفين فالأكمل ألا يأكل في المسجد؛ لأن الله تعالى يقول: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] فمن رفعتها وإكرامها وإجلالها أن تجعل للعبادة فقط، قال عليه الصلاة والسلام: (إن المساجد لم تبنَ لهذا)، وأراد كلام الدنيا ومن باب أولى الطعام؛ لأنه لا يسلم من وجود بعض الضرر من رائحة الأطعمة وأذية المصلين بها.
ولذلك الأكمل والأفضل عدم الأكل والشرب في المسجد، أما لو أكل وشرب بالشروط التي ذكرناها فلا حرج، فلو منع من إدخالها إلى المسجد؛ فإنه يصح المنع لمصلحة عامة، وذلك أن الناس إذا استخفوا وتساهلوا فيشرع زجرهم، وخاصة في المساجد التي تجمع عدداً كبيراً من الناس، كالمساجد الثلاثة.
إذاً: لابد أن يكون الأكل في المسجد محدوداً ومضبوطاً بحدود وضوابط معينة لا يكون فيها ضرر بالمصلين ولا بالمعتكفين، فإذا منع من ذلك فإنه لا يجوز تهريب الطعام إلى داخل المسجد.
وأنا أرى أن دخول بعض الأطعمة كالخضروات والبقول ونحوها المطبوخة فيها أذية للمسجد، فإنك تجد أثر ذلك في المسجد، فإذا كانت المساجد مكتظة بالناس، فإنها تحتاج إلى فترة حتى يذهب ريح تلك الأطعمة.
وقد رأيت بعيني في أيام العيد الصبيان يطئون التمر بأقدامهم، أي: أنه ينتشر بالمسجد، فبعض الناس -أصلحهم الله- يتساهلون في الانضباط، فإذا عمّت البلوى واحتيج إلى صيانة المساجد فلاشك أن هذا أمر مطلوب، خاصة في الحال الذي يحصل فيه الحرج والضيق، وأنتم تعرفون أن بعض المساجد يحصل فيها ضيق بالعامة والخاصة، فينبغي على الإنسان أن يتحسب، وإلا فالأفضل للمعتكف أن يقتصر على الأسودين: الماء والتمر، وخاصة في البلد الحرام الذي أكرمه الله عز وجل بماء زمزم الذي هو (طعام طعم وشفاء سقم) فيشدد على أهل مكة أكثر من غيرهم؛ لأن عندهم: (طعام طعم وشفاء سقم) وأبو ذر جلس أربعين يوماً لا يطعم إلا من زمزم.
فالمقصود: أن إدخال الأطعمة فيه ضرر للناس والأفضل الانضباط ما أمكن، والله تعالى أعلم.
(9/9)
________________________________________
حكم ائتمام النساء بالرجال مع عدم رؤيتهم

السؤال
هل يشترط أن يرى النساء المأمومين والإمام أثناء الصلاة المفروضة وفي النوافل كالتراويح مثلاً؟

الجواب
الأصل: أن يرين؛ لأن الأحاديث الصحيحة تدل على هذا، ولذلك نهي النساء أن يرفعن رءوسهن قبل الرجال؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ربما سجد الرجل منهم فبانت عورته؛ لأنهم ما كانوا يجدون الأُزر إلا ما يستر حد الضرورة بسبب ضيق العيش الذي كانوا فيه، فهذا مصعب بن عمير خرج من الدنيا وعليه شملة واحدة هي زاده من الدنيا كلها، إن غطوا بها رأسه بدت قدماه، وإن غطوا قدميه بدا رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: (غطوا بها وجهه، واجعلوا على رجليه إذخراً أو شيئاً من الإذخر) فهذا يدل على أنهن كنَّ يرين الإمام والمصلين.
وفي زماننا لو حصل سهو للإمام أو خطأ فربما لم ينتبه النساء لذلك الخطأ والسهو إذا لم يكن يرين، لذلك يشرع رؤيتهن للإمام؛ لأنه الأصل في المتابعة، فيحتاط بموضع ولو لامرأة واحدة حتى ترى من خلاله الإمام، وإلا اختلت صلاتهن، مثال ذلك: لو أن الإمام سها وقام ولم يجلس للتشهد الأول، فإن النساء سيجلسن، وقد وقع هذا كثيراً، وأذكر أنني ذات مرة صليت بقوم التراويح فلما سلمت سجدت سجدتي السهو البعدية، فقال لي أحد الإخوان بعدما خرجنا: قالت إحدى نسائه: من هو الميت الذي صليتم عليه صلاة الغائب؟ نعم والله؛ لأنها سمعت أربع تكبيرات بتسليمة، لكن فاتتها التسليمة الثانية، فربما ظنت أنها السنة.
فالمقصود: أن عدم الرؤية مدعاة للخطأ، فيحتاط بوضع مكان تكون فيه امرأة كبيرة في السن أو أمينة، ولاشك أن فساد الناس في هذا الزمن يقتضي الستر لهن، لكن لابد من تحقيق أصول الشرع، فيحتاط ولو بنافذة أو بمكان مخصص ترى امرأة واحدة منه ولو بعض الأمور، ولو مأموماً واحداً لأنه يدل على أفعال الإمام، وبهذا يحصل الاحتياط.
وهناك قول ثانٍ: أنه لا تشترط الرؤية، واحتجوا له بحديث أم المؤمنين في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف.
لكن الأصل المعتبر هو الرؤية، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الهدي من بعده في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.
(9/10)
________________________________________
حكم خروج الدم من الصائم عمداً وبغير عمد

السؤال
هل خروج الدم الكثير يفسد الصوم، وما الحكم إذا تعمد إخراجه؟

الجواب
خروج الدم فيه تفصيل: فبعض العلماء يرى أنه إذا كان من الحجامة ففيه قولان مشهوران: أصحهما: أن الحجامة لا تفطر الصائم، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسألة بأدلتها والجواب عن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم).
وبناءً على هذا القول فإن خروج الدم لا يوجب الفطر، ويتخرج من القول الذي يرى أن الحجامة تفطر أنه إذا خرج الدم الكثير برعاف أو بنزيف أو بجرح فإن الصيام يبطل، ويجب القضاء، وسيأتي -إن شاء الله- بيان ذلك، فقد ثبت بالحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم) فدل على أن الحجامة لا توجب الفطر، وللبيهقي رحمه الله بحث نفيس في هذه المسألة، بين فيه المرويات وأن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) كان في أول الإسلام ثم نسخ.
وعلى العموم: ثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاحتجام دليل على أنه لا يفطر، وقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) محمول على أنه عرض نفسه للفطر، فإن الحاجم لا يأمن من دخول الدم أثناء سحب الدم، والمحجوم لا يأمن الفطر من الضعف، وهذا تعرفه العرب، فإن العرب يعبرون بالوقوع في الشيء إذا تعاطى الإنسان أسبابه، يقولون للرجل: هلكت! وهو لم يهلك بعد، أي: أنك على شفا الهلاك.
ويقولون له: أصبحت! كما في الحديث الصحيح: (أصبحت أصبحت) أي: أنك على وشك الإصباح، فهذا يعرف في لغة العرب ولا يعتبر موجباً للفطر -على ما ذكرناه- لثبوت السنة بعدم الفطر فيه، والله تعالى أعلم.
(9/11)
________________________________________
أفضلية صلاة المرأة في بيتها

السؤال
إذا كانت المرأة متحجبة حجاباً كاملاً، وتريد أن تصلي التراويح في حرم الله، وهي تعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة صلاتها في بيتها خير من المسجد، ولعلها لو صلت في بيتها لا تدرك ذلك الأجر، فما العمل؟

الجواب
فإن صلاة المرأة في بيتها وفي مخدع بيتها أفضل من صلاتها حتى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الحرام، وذلك لأمور: منها: بعدها عن الفتن، وكذلك سلامة غيرها من الفتنة، فقد تكون المرأة صالحة وغيرها غير صالح، فإذا رآها فتن بها، ولو لم يكن إلا رؤية الناس للمرأة لكفى بذلك فتنة، حتى ولو كانت متحجبة، فإن المرأة إذا مرت بالرجل انبعثت به غريزته وتحرك الشيطان عليه بالوساوس، ولو كانت في أكمل حجابها، فإن الأسلم لها والأعظم أجراً لها أن تصلي في مخدعها.
ومن أعظم النعم على نساء المؤمنين امتثالهن لأمر الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا أمر النساء بلزوم القرار بأقوى الصيغ في الأمر فقال سبحانه وتعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33] ثم لم يقف الخطاب عند هذا بل قال: {وَلا تَبَرَّجْنَ} [الأحزاب:33] فجاء بصيغة الأمر بالشيء والنهي عن ضده، وهذا من أبلغ ما يكون، فحينما تقول للرجل: اجلس ولا تقم! فإنك تكون قد أكدت عليه وألزمته وفرضت عليه الجلوس أكثر مما لو قلت له: اجلس، فإن قولك: اجلس، إلزام، لكن كونك تقول له بعد ذلك: ولا تقم، أي: امكث ولا تتحرك، فهذا أبلغ في الإلزام.
ثم جاء الخطاب بصيغة الأمر وبصيغة النهي مقروناً بالتنفير، فلم يقل: ولا تبرجن، بل قال: {تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33] فجاء بتلك الصورة الممقوتة، كأنه يقول: إن عدتن إلى التبرج عدتن إلى الجاهلية الأولى، فسلامة الأمة وسلامة أمة الله جل وعلا وسلامة دينها أن تبقى في بيتها.
ولتجرب المرأة، فما مكثت الشهر والشهرين في بيتها لا تخرج ولا ترى الرجال ولا يراها الرجال إلا وجدت لذلك أثراً في نفسها ودينها، ولو خرجت من بيتها -ولو لحلق العلم والدرس والمحاضرات- إلا وجدت نقصاً، ولا نقول: يطعن في دينها، لكن لابد أن تجد نقصاً في الكمال.
إذاً: كمال المرأة وسلامتها وخيريتها في عدم رؤية الرجال وألا يراها الرجال، مهما كانت المرأة صالحة، فقد يمر بها الشاب المفتون، وقد يمر بها الشاب الذي رؤيته فتنة، فمن يسلمها؟! والله عز وجل أعطاها نعمة العافية، فإذا عافى المرأة وألزمها القرار كان ذلك من أعظم نعم الله عليها.
والمرأة الملتزمة التي هي في كمال التزامها لا ترتاح إلا في بيتها، فالمرأة التي لا تعرف إلا بيتها اعلم أنها امرأة صالحة وصاحبة خير، ولذلك قالت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها: (خير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال) ويروى مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمقصود: أن سلامة المرأة وأعظم الخير لها في عدم رؤية الرجال لها وعدم رؤيتها للرجال، فإن قيل: إنها صالحة، فغيرها غير صالح، وإن كانت صالحة فإنها مهما بلغت المرأة من الصلاح فهناك فتن لا تقوى القلوب عليها إلا برحمة من الله جل وعلا، خاصة في هذه الأزمنة، فأوصي النساء ما أمكنهن أن يمكثن في القرار، ومع هذا أوصي الرجل الصالح والزوج الصالح أنه إذا رأى امرأته تحب أن تصلي في المسجد الحرام، وهو يعرف ديانتها وخيرها أن يعينها على الخير، فلا يُشَدد ولا يُضَيق عليهن، ولكن نحن نقول للنساء: الأفضل أن يمكثن في بيوتهن، فإذا أرادت أمة الله أن تخرج وتريد الخير، فوسع لها رحمك الله، فإن النساء الصالحات في هذا الزمان لهن حق كبير على الأزواج، فالمرأة الصالحة في هذا الزمان -زوجة أو بنتاً أو أماً- تكرم ولا تهان، وتعز ولا تذل، وترفع ولا توضع، امرأة حياتها بين أربعة جدران، انظر لو مر عليك شهر وأنت بين أربعة جدران كيف يكون حالك؟! ولا يوجد عندها ملهٍ ولا مسلٍ، وهي بعيدة عن الفتن، ذاكرة شاكرة، فمثل هذه إذا قالت لك: إنها تريد أن تخرج للخير، فأحسن الظن بها.
وبعض الإخوان الأخيار يسيء معاملة النساء، فإذا علمت أن أخاك يضيق على أهله فذكره بالله، وخاصة النساء الصالحات الملتزمات الخيرات، فينبغي التوسيع عليهن ولكن في حدود الشرع؛ لأن المرأة الصالحة إذا منعت من الخروج تسلط الشيطان عليها فقال لها: زوجكِ يسيء الظن بك، وقد يكون هدفك صالحاً ونيتك صالحة، ولكن من لك في القلوب التي هي منفذ ومدخل للشيطان، فإذا أرادت أن تخرج إلى مسجد أو إلى محاضرة أو إلى ندوة فذكرها بالأفضل، فإن أصرت فلا تمنعها، ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فبعد أن فرغ من حجه قالت له أم المؤمنين عائشة: (أيرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج؟ فقال لها: طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة كافيك لحج وعمرة) فأصرت عليه، وفي الرواية: (أنه كان لا يرد سائلاً سأله) صلوات الله وسلامه عليه، فكان كريماً لأهله، فجعلها تخرج ثم تذهب إلى التنعيم ثم ترجع إلى الطواف وتطوف وتسعى ثم تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فانظر إلى كرم خلقه صلوات الله وسلامه عليه! فأنت دلها على الأفضل؛ لأن بعض الزوجات يشكون من أزواجهن الأخيار، بأنهم يشددون في مثل هذه الأمور، فإن أرادت امرأتك فضيلة فأعنها؛ لأنها تريد طاعة الله ومحبته، فاستوصوا بهن خيراً، ورحم الله الزوج الكريم البر المحسن لزوجته الذي يخرج من هذه الدنيا وقد أحسن إليها ولم يسئ، فأحسن إليها بحسن الظن بها، وبالمعونة لها على الخير، ودائماً أنزل نفسك منزلتها في مكوثها في هذا القرار الذي تكون فيه بعيدة عن الملهيات، وغيرها من النساء في الفتن والشهوات والملهيات فلا يشعرن بالوقت، وكم يعذبن أزواجهن! وهذه أمة صالحة أنعم الله بها عليك فأحسن إليها بارك الله فيك، ووسع عليها وأدخل السرور عليها حتى في الجلوس معها، والتوسعة عليها إذا طلبت بعض الأمور المباحات بحدود وقدر، وإذا كتب الله للإنسان التوفيق فلاشك أنه على خير في حاله ومع أهله ومع الناس، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، والله تعالى أعلم.
(9/12)
________________________________________
النفع المتعدي خير من النفع القاصر

السؤال
فضيلة الشيخ أنا إمام مسجد في إحدى القرى وفيها من الجهل ما الله به عليم، كما أنه لا يوجد إمام للمسجد في التراويح إلا أنا وشخص آخر عامي لا يحسن القراءة، وأريد الاعتكاف في المسجد الحرام، فهل أبقى في القرية أم لا؟

الجواب
على العموم: النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر، والأفضل أن للإنسان في مثل هذه الحالة أن يبقى مع الناس فيكتب له أجر المسجد الحرام بالنية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بالمدينة رجالاً ما سلكتم وادياً، ولا قطعتم شعباً؛ إلا كانوا معكم، إلا شركوكم الأجر قالوا: كيف وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر) فهذا عذر شرعي.
ولذلك أرى أن تبقى مع أهلك ومع أهل قريتك، وأن تنوي في قلبك أنه لولا وجود هذا الواجب لذهبت إلى المسجد الحرام وأعتكف فيه.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(9/13)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب السواك وسنن الوضوء [2]
للوضوء سنن كثيرة منها: السواك، ويتأكد استعماله عند القيام من النوم، وعند القيام إلى الصلاة، وعند تغير رائحة الفم بطعام أو غيره، ومن سنن الوضوء كذلك غسل الكفين، والمضمضة والاستنشاق، والتثنية والتثليث في غسل الأعضاء، وكذلك أخذ ماء جديد للأذن.
(10/1)
________________________________________
أحكام السواك
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
(10/2)
________________________________________
الأدلة على عدم وجوب السواك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مسنون كل وقت إلا لصائم بعد الزوال].
هذه الجملة مراد المصنف بها أن يبين حكم السواك فقال رحمه الله: (مسنون) ومراده بذلك: أنه ليس بواجب ولا بلازم.
وقال بعض العلماء -كما تقدم في المجلس الماضي-: إن السواك واجب, ولكن هذا القول يعتبر مرجوحاً؛ وذلك لمعارضته للسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
فهذا الحديث يدل على أن السواك ليس بواجب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من إيجابه على الأمة خوف المشقة عليهم, ولذلك يعتبر القول بالوجوب مرجوحاً من هذا الوجه.
ويعتبر السواك مسنوناً لا واجباً ولا لازماً, بمعنى: أن الإنسان يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
(مسنون) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سنّه بقوله وفعله، أما بقوله: فكما تقدم في حديث أبي هريرة وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث البخاري معلقاً بالجزم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) فهذا الثناء من النبي صلى الله عليه وسلم على السواك يدل على أنه سنة.
وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه أكد السواك وندب إليه حتى قال في الحديث الصحيح: (أكثرت عليكم في السواك) وهذا يدل على حبه صلوات الله وسلامه عليه وحرصه على هذه الخصلة المحمودة، وقد جاء كذلك عنه عليه الصلاة والسلام أنه رغب في السواك في آخر حياته وهو في مرض موته صلوات الله وسلامه عليه، ففي الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة: (أن عبد الرحمن رضي الله عنه -أعني: أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعن أبيه- دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده سواك، قالت أم المؤمنين: فأبّده النبي صلى الله عليه وسلم بصره) وقد كان عليه الصلاة والسلام عفيفاً، لا يسأل الناس شيئاً، ولكن لفضل السواك وعظيم مكانته أبّده بصره، ففهمت رضي الله عنها وأرضاها حب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا السواك.
فالسواك بالإجماع سنة إلا من خالف وقال بوجوبه, أي: يكاد يكون قول الجماهير، إلا أن بعض أهل الظاهر قالوا بالوجوب، والصحيح: أنه ليس بواجب.
(10/3)
________________________________________
حكم السواك بعد الزوال للصائم
وقوله: (إلا لصائم بعد الزوال)، قوله: (لصائم) عام, فيشمل الصائم فرضاً, والصائم نفلاً، وهذا هو أحد قولي العلماء رحمة الله عليهم، وهو قول موجود في مذهب الحنابلة والشافعية: أن السواك لا يستحب بعد الزوال، واحتجوا لذلك بأدلة: أولها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ووجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم امتدح الخلوف، وأخبر أنه أطيب عند الله من ريح المسك، قالوا: فلو قلنا بمشروعية السواك في هذا الوقت -أعني: بعد الزوال- لأذهب فضل الخلوف وهو مقصود في العبادة بذاتها، فلا تشرع إزالته بالسواك، كما لا تشرع إزالة دم الشهيد بالغسل إذا قتل في المعركة, وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشهداء أحد أن يلفوا في ثيابهم وأن يكفنوا فيها دون أن يغسلوا رضوان الله عليهم أجمعين.
فقالوا: لا تشرع إزالة أثر الصيام كما لا يشرع إزالة أثر الشهادة بجامع أن الخلوف ودم الشهيد كل منهما أثر لعبادة شرعية.
وحاصل أدلتهم أحاديث ضعيفة احتجوا بها, وأقوى ما استدلوا به: أولاً: السنة في قوله: (لخلوف فم الصائم).
وثانياً: القياس، حيث قاسوا خلوف فم الصائم على دم الشهيد، فقالوا بعدم مشروعية إزالة هذا الأثر، كما لا تشرع إزالة ذلك الأثر.
وأصح القولين -والعلم عند الله- القول بمشروعية السواك، وذلك على العموم ولو كان للصائم بعد الزوال، وذلك لما يلي: أولاً: لعموم الأدلة في فضل السواك، قال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ولم يقل: إلا بعد الزوال، وقد قال لـ لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فلم يستثنِ صلى الله عليه وسلم السواك، وأمر بالسواك يوم الجمعة، وأكثر فيه عليه الصلاة والسلام ولم يقل: إلا أن يكون صائماً.
وكما هو معلوم عند الجميع أن رمضان لا يخلو من جمع, ومعلوم أن الإنسان لا يمضي للجمعة غالباً إلا ما يقارب الزوال, وبناء على هذا كله فإن الذي يترجح هو القول بسنية السواك مطلقاً ولو كان للصائم بعد الزوال.
أما الجواب عن أدلة من قال بالمنع أو بكراهيته بعد الزوال: أولاً: استدلالهم بقوله: (لخلوف فم الصائم) نقول: جوابه أن الخلوف ناشئ من المعدة, وليس من نتن الفم، فإن الخلوف بخار يتصاعد من جوف الإنسان لا من فمه، وأما السواك فإنه يذهب أثر الفم وليس أثر الجوف, وهذا معلوم ومدرك ومشاهد بالحس أن السواك لا يؤثر على فضل الخلوف الذي ينشأ عن الجوف، وبناء على ذلك: يكون قوله: (لخلوف فم الصائم) غير دال على المنع من السواك بعد الزوال.
ثم الأمر الثاني: أن قولهم: إنه أثر فضلة عبادة لا تشرع إزالته, نقول: إن الذي يزيله السواك هو وسخ الأسنان الذي أمر الشرع بتطهيره، كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) وبهذا كله يترجح القول بأن السواك يشرع ولو للصائم بعد الزوال؛ لعموم الأدلة الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: [بعد الزوال].
(الزوال) كما هو معلوم مأخوذ من زال الشيء إذا تحرك, والزوال يكون بعد انتصاف الشمس في كبد السماء، فمن سنة الله عز وجل الكونية أن الشمس تسير من المشرق إلى المغرب، فإذا بلغت منتصف النهار وصارت في كبد السماء وقفت لحظة، وهذه اللحظة لا يتحرك فيها الظل لا إلى جهة المشرق ولا إلى جهة المغرب، وهي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (حين يقوم قائم الظهيرة) أي: يقوم الظل فلا يتحرك, فإذا وقف الظل هذه اللحظة وهي من أربع دقائق إلى خمس دقائق تقريباً، تبدأ الشمس بعد ذلك بالتحرك إلى جهة الغروب، فإذا تحركت تحرك الظل إلى جهة المشرق بعد أن كان في جهة المغرب؛ لأن الشمس تشرق من المشرق فيكون الظل في المغرب, فإذا انتصفت في كبد السماء وقف الظل ثم إذا تحركت إلى المغرب تحرك الظل إلى جهة المشرق, ولذلك يقولون: زالت, أي: تحركت, فهذا هو الزوال، وهو الدلوك ودحض الشمس, وهو الدلوك الذي عناه الله بقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء:78] والدحض الذي عناه أبو بردة رضي الله عنه بقوله: (كان يصلي الهجيرة التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس)، فالمقصود: أن الزوال تحرك ظل الشمس إلى المشرق.
(10/4)
________________________________________
أوقات يتأكد فيها استعمال السواك
قال رحمه الله تعالى: [متأكد عند صلاة وانتباه وتغير فم].
(10/5)
________________________________________
السواك عند الصلاة
(متأكد) أي: هذه السنة النبوية -أعني: السواك- يتأكد فعلها (عند صلاة) لثبوت النص: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وهنا للعلماء وجهان: قال الجمهور: يشرع قبل الصلاة أن يستاك الإنسان ولو كان في المسجد.
وقال طائفة من العلماء -وهو مذهب بعض المالكية- بكراهية السواك عند الصلاة مباشرة, وحملوا الحديث: (عند كل صلاة) على أن المراد به عند الوضوء، كما في الرواية الأخرى، وقالوا: إننا لو قلنا: إن الإنسان يستاك عند الصلاة لحصلت محاذير: أولها: أنه ربما جرح اللثة؛ لأن السواك لا يؤمن أن يكون ناشفاً، فيجرح اللثة أو يدميها فيسيل الدم, والدم نجس وهو قول الجماهير.
الأمر الثاني: أن الإنسان إذا استاك عند الصلاة، إما أن يتفل في المسجد وهذا ممنوع عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البصاق في المسجد خطيئة) وإما أن يبلع الوسخ والقذر الذي أخرجه السواك من أسنانه، فيكون منظفاً لظاهره ومفسداً لباطنه بدخول هذه الفضلة إلى الباطن وربما أضرت بالجسد، قالوا: فلا يشرع فعلها عند الصلاة مباشرة، والصحيح: أنه يشرع، أما ما ذكروه من إدماء اللثة فإنه يحتاط بالسواك الرطب, وكذلك أيضاً يحتاط بإجراء السواك على العظم دون اللثة إذا كان السواك ناشفاً.
وأما ما ذكروه من البصاق في المسجد فليس على كل حال، فبإمكان الإنسان أن يبصق في منديل أو في ثوبه، أو إذا كان المسجد غير مفروش بصق تحت قدمه اليسرى ثم دفن بصاقه، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيمن يبصق في المسجد: (فلا يبصق عن يمينه فيؤذي بها الذي عن يمينه, ولا يبصق عن شماله فيؤذي الذي عن شماله, ولكن عن يساره تحت قدمه) هذه هي السنة إذا كان المسجد غير مفروش, أما إذا كان مفروشاً فإنه يبصق في منديل ونحو ذلك, (متأكد عند صلاة) من الأدلة على تأكده عند الصلاة: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن أبيه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) يشوص: بمعنى: يدلك، شاصه وماصه إذا دلكه, وهذا الحديث يدل على مشروعية السواك عند الصلاة سواء كانت فريضة أو كانت نافلة.
وورد في حديث ولكن تكلم العلماء في سنده في فضل السواك عند الصلاة وأنها أفضل من سبعين صلاة بدون سواك، ولكنه حديث ضعيف، وقال بعض العلماء: إنه يستحب عند الصلاة لمكان دنو الملك من قراءة القارئ للقرآن، حتى ورد في الخبر أنه يدني إلى فم القارئ لفضل قارئ القرآن، ولذلك قالوا: يستحب للإنسان أن يحرص على نظافة فمه بالسواك.
(10/6)
________________________________________
السواك عند القيام من النوم
قال رحمه الله تعالى: [وانتباه] أي: انتباه من النوم؛ لأن أم المؤمنين رضي الله عنها ذكرت أنها كانت تعد للنبي صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره, فيبعثه الله من الليل ما شاء, ولذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا قام يشوص فاه بالسواك كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في الصحيحين: (كان إذا قام من الليل يشوص فاه) قال بعض العلماء: هذا يتضمن السواك على الوجهين: عند الصلاة؛ لأنه قائم من أجل الصلاة, وعند الانتباه من النوم لأنه لما انتبه من النوم؛ تغيرت رائحة فمه فشرع له أن يزيل تلك الرائحة بالسواك.
(10/7)
________________________________________
السواك عند تغير الفم
قال رحمه الله: [وتغير فم] قالوا: حديث حذيفة دل على مشروعية السواك عند الانتباه من النوم, فيكون بلفظه دليلاً على السنية عند الانتباه من النوم، ويكون بمعناه دليلاً على أن السنة أن يستاك عند تغير رائحة الفم, فيكون الحديث فيه لفظ ومعنى.
أما لفظه: فيدل على سنية السواك في هذا الوقت.
وأما معناه: فهو العلة؛ لأنهم قالوا: ما فعل ذلك عند قيامه من النوم إلا لأن النوم يغير رائحة الفم, فيستنبط من ذلك أنه يشرع عند تغير رائحة الفم.
وتتغير رائحة الفم على أوجه: منها: الطعام وخاصة إذا كانت له زهومة, ومنها: أن تتغير رائحة الفم بنوم, أو تتغير بطول صمت, أو بجوع, أو بشدة ظمأ فكل ذلك يشرع فيه أن يستاك الإنسان, وكذلك إذا أكل الإنسان شيئاً له رائحة فيستحب له أن يزيلها بالسواك.
(10/8)
________________________________________
كيفية الاستياك
قال رحمه الله: [ويستاك عرضاً] وفيه الحديث: (استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً) وهو حديث ضعيف.
والاستياك عرضاً للعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: المراد بالعرض أن يأخذ من طرف فمه الأيمن إلى طرف فمه الأيسر, فيبدأ باليمين إلى اليسار, فيكون استياكه على عرض السن.
وقيل: العرض عرض الفم وذلك يكون بطول السن، أي: في ذلك وجهان: إما أن تقول: العرض عرض الفم فيكون الاستياك بطول الأسنان, وإما أن تقول: العرض عرض الأسنان فيكون الاستياك بطول الفم، فعرض الأسنان طول الفم وطول الأسنان عرض الفم, وهما وجهان في تفسير هذا الحديث.
فمنهم من يقول: (استاكوا عرضاً) أي: أنه يأخذ من طرف فمه الأيمن إلى طرف فمه الأيسر، على الصفة المشهورة، وقيل: (استاكوا عرضاً) أي: أن يأخذ كل سن على حده فيبدأ بشقه الأيمن؛ لأن المراد بأن يستاكوا عرضاً أن يبالغ في تنظيفها, فإذا أخذ كل سن على حدة، فيكون العرض هو عرض الفم لا عرض السن، فيستاك على طول السن الذي هو عرض الفم قالوا: إن هذا أبلغ في تطهير وتنظيف الأسنان وهو المقصود من السواك.
والصحيح: أن صفة السواك يشرع فيها فقط في السنية التيامن, أن يكون بالتيامن، أي: يبدأ بشقه اليمين، أما الصفة والطريقة التي يزيل بها فهذا موسع فيه, والإنسان فيه مخير، إن شاء أخذ بعرض الفم وطول الأسنان أو بطول الفم وعرض الأسنان، فالحال يختلف، وبناء على ذلك: ليس فيه سنة معينة غير البداءة بالشق الأيمن.
وقوله: [مبتدئاً بجانب فمه الأيمن] لظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في كل شيء: في طهوره، وتنعله، وترجله وفي شأنه كله) ونص العلماء على أن السنة أن يبدأ بالشق الأيمن وينتهي بشقه الأيسر، ويكون السواك على هذه الصفة مسنوناً لما فيه من التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
(10/9)
________________________________________
حكم ترجيل الشعر ودهنه
قال رحمه الله: [ويدهن غباً].
الادهان يكون للشعر، ويشمل ذلك شعر الرأس وشعر اللحية، وهذا كما قلنا أورده المصنف لأن الحديث قال: (استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً) ولذلك أدخل هذه الجزئية في باب السواك وراعى هذا تأدباً مع الحديث, وهذا منهج الفقهاء أنهم يذكرون الشيء بما قاربه تأسياً بآية أو حديث، فذكر أحكام الادهان.
والسنة أن الإنسان يدهن شعر رأسه وشعر لحيته إذا أمكنه ذلك, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرجل شعره, والدليل على مشروعية ذلك: حديث أم المؤمنين وقولها: (وترجله) أي: ترجيله لشعره, ولذلك قالوا: يسن.
قال بعض العلماء: ترجيل الشعر أن يدهن الشعر ثم يسرحه, فالترجيل في مذهب بعض العلماء أن يجمع بين تسريح الشعر مع وجود الدهن.
وقال بعض العلماء: الترجيل هو مطلق التسريح بغض النظر عن كونه بدهن أو بدون دهن.
ومن سماحة الشريعة أنه يشرع للإنسان أن يضع الدهن في شعر رأسه ولحيته، وذلك على الوسط فلا يترك الشعر أشعث أغبر, ولا يبالغ في الادهان والتسريح، بل يكون وسطاً أما كونه لا يتركه شعثاً فحتى لا يتشبه بأهل الرهبنة وأهل البدع والأهواء الذين هم غلاة أهل الطرق والذين يبالغون في التزهد والتقشف، فلا يتشبه بهم.
وكذلك أيضاً لا يتشبه بمن يتأنث ويبالغ في تجميل نفسه, بل يكون وسطاً، وهذا هو القوام الذي جعل الله عز وجل شريعة النبي صلى الله عليه وسلم عليه، بلا إجحاف ولا غلو، وهو العدل الذي أمر الله به في كتابه وجعله هدي رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن الأدلة على أنه لا يداوم على الترجيل: حديث النسائي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة أن يمتشطوا كل يوم) ولذلك ينبغي للإنسان -إذا كان ولابد- أن يمتشط يوماً ويترك يوماً، وهذا أبلغ في الرجولة وأبلغ في الفحولة مع الاعتدال دون غلو ودون إسراف أو إجحاف، ولذلك يشرع تسريح الشعر وتسريح اللحية، ولكن ينبغي أن يكون التسريح على غير مشابهة لأهل الخنا والفجور, وإنما يكون على قصد القربة والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في إكرام الشعر.
السنة أنه إذا ادهن أن يبدأ بشقه الأيمن, فيضع الزيت على لحيه الأيمن, وكذلك شق شعره الأيمن, ثم يبدأ بتسريح شعر رأسه ولحيته، وكذلك الحال بالنسبة لشقه الأيسر بعد أن يفرغ من شقه الأيمن.
(10/10)
________________________________________
الاكتحال وكيفيته
(ويكتحل وتراً) لما تقدم في الحديث وقلنا: إنه ضعيف, والاكتحال أن يضع الكحل في العين, والكحل لا حرج فيه, وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) والإثمد هو: الحجر الأسود، وهذا هو المحفوظ في لغة العرب, وفيه شاهد: خارجي من سواد الإثمد.
وكذلك نبه عليه غير واحد، ومنهم: الإمام ابن مفلح رحمة الله عليه في الآداب الشرعية أنه الحجر الأسود، وهو أقوى وأنفع وأبلغ في تنظيف العين وقوة البصر, ويليه الحجر إذا وضع معه شيء من الحديد بصفة يعرفها الأطباء.
وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الحجر لما فيه من العلة التي ذكرها من أنه يجلو البصر وينبت الشعر، أي: يجلو بصر الإنسان فينظف العين ويجعل فيها حدة, وكذلك ينبت الشعر.
(فيكتحل وتراً) للعلماء في معناه وجهان: قال بعض العلماء: يبدأ بعينه اليمنى فيضع فيها المرود ثم ينتقل إلى اليسرى، ثم يرجع إلى اليمنى ثم يكحل اليسرى, ثم يرجع إلى اليمنى ثم يكحل اليسرى، وقال بعض العلماء: بل إنه يبدأ باليمنى حتى ينتهي من تثليثها، ثم ينتقل إلى اليسرى ويثلثها، والأمر واسع، فإن شاء فعل هذا، وإن شاء فعل هذا والناس متفاوتون, فقد يكون من المشقة على الإنسان أن يأخذ المرود باليمنى ثم يقلبه لليسرى، لكن يستحب الإيتار لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله وتر يحب الوتر) وقال بعض العلماء: إن في هذا الحديث استحباب الوتر مطلقاً, لعموم قوله: (إن الله وتر يحب الوتر)، أي: جنس الوتر بغض النظر عن كونه في عبادة أو شأن آخر.
(10/11)
________________________________________
حكم التسمية قبل الوضوء
قال رحمه الله: [وتجب التسمية في الوضوء].
بعد أن فرغ رحمه الله من بيان السواك وأحكامه شرع في بيان واجبات الوضوء فقال رحمه الله: (وتجب) الواجب مأخوذ من قولهم: وجب إذا سقط, ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج:36] أي: سقطت واستقرت على الأرض.
ومنه ما ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا وجبت الشمس) بمعنى: سقطت وغاب قرصها، فالواجب في اللغة يطلق بمعنى: الساقط، ويطلق بمعنى: اللازم، تقول: هذا واجب عليك بمعنى: أنه لازم وحتم, ومنه قول الشاعر: أطاعت بنو عوف أميراً نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب أي: أول لازم عليهم أن يفعلوه.
ومراد الشرع بالواجب: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فإذا قال العلماء: هذا واجب, أي: أنه يلزم المكلف أن يقوم به, فإن فعل ذلك أثيب وإن تركه فإنه يعاقب.
(وتجب التسمية) أي: من أراد أن يتوضأ فإنه يجب عليه أن يسمي, وهذا هو أحد قولي العلماء في هذه المسألة, وهي مسألة التسمية عند الوضوء، فقال بعض العلماء -وهو اختيار بعض المحدثين-: تجب التسمية للوضوء؛ لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: (لا وضوء لمن لم يسمِّ)، وهذا الحديث اختلف العلماء في إسناده، والجماهير على أنه ضعيف، وقد قال الإمام أحمد: لا يثبت فيه شيء، أي: لا يثبت في التسمية شيء، وإن كان القول بتحسينه له وجه, وقد اختار بعض المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين أن حديث التسمية حسن.
(10/12)
________________________________________
أدلة عدم وجوب التسمية في الوضوء
يبقى الإشكال في مذهب الجمهور, فإنهم يرون أن التسمية ليست بواجبة، وعندهم أدلة: أولاً: دليل الكتاب, وثانياً: دليل السنة, ولهم جواب عن هذا الحديث.
أما دليل الكتاب: فإن الله عز وجل قال في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] ولم يأمر بالتسمية، ولو كانت واجبة لأوجبها، كما قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:118] وقوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121] فلم يأمر بالتسمية في الوضوء في كتابه, وجاءت السنة تؤكد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله) فلو كانت التسمية واجبة لذكرها الله عز وجل.
الدليل الثاني من السنة: حديث عثمان وعبد الله بن زيد -رضي الله عن الجميع- في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حديث علي، فإنه لم يذكر واحد منهم التسمية, ولو كانت واجبة لما تركها النبي صلى الله عليه وسلم ولسمّى قبل وضوئه حتى تسمع تسميته وتنقل؛ لأنه في معرض البيان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من توضأ نحو وضوئي هذا) الحديث.
وبناء على ذلك: قالوا: إن هذه السنة تدل على عدم وجوب التسمية، أما حديث: (لا وضوء لمن لم يسمِّ) فأجابوا عنه سنداً ومتناً, أما سنداً: فالضعف الذي فيه, وكذلك أيضاً من وجه السند أنه معارض بما هو أصح منه, فإنه حسن، والحديث الذي لم يذكر التسمية في الصحيحين بل من أعلى الصحيحين، والحسن إذا تعارض مع الصحيح سقط اعتباره, كما أشار إلى ذلك بعض الفضلاء بقوله في الحديث الحسن: وهو -أي: الحديث الحسن- في الحجة كالصحيح ودونه إن صير للترجيح أي: أن الحديث الحسن يحتج به, ولكن إذا عارض الصحيح فإنه يسقط الاحتجاج به، هذا من جهة السند.
أما من جهة المتن فقوله: (لا وضوء لمن لم يسمِّ) نفي مسلط على الحقيقة الشرعية، وهي مسألة أصولية معروفة بقولهم: إذا تسلط النفي على الحقيقة الشرعية هل يحمل على الصحة أو على الكمال؟ وجهان: فإذا انتفى حمله على الصحة وجب حمله على الكمال, فإذا كان حمله على الصحة يعارض النصوص فيجب صرفه إلى الكمال.
وما معنى هذه القاعدة؟ النفي بقوله: (لا) مسلط على الحقيقة الشرعية -وهي الوضوء- فهل يحمل على الصحة أو يحمل على الكمال؟ قلنا: يحمل على الصحة ما لم يتعارض مع الدليل، فيجب صرفه إلى الكمال، فيكون هذا النفي بسبب معارضته للأحاديث الأخرى محمولاً على نفي الكمال, أي: لا وضوء كامل لمن لم يسمِّ، أو لمن لم يذكر اسم الله عليه كما في الرواية الثانية, وبهذا يجمع بين النصوص وتكون التسمية مستحبة لا واجبة.
ومع هذا ينبغي للمسلم أن يحتاط وأن يأخذ بالأكمل، فإن أولى الناس بقبول عمله الصالح هو من كان أقرب إلى الكمال باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وينبغي على طلاب العلم دائماً أن يأخذوا بأحوط الأقوال لما في ذلك من الأخذ بالكمالات, ولما فيه من بالغ تقوى الله عز وجل وحب الخير والحرص عليه, فيحرص الإنسان على ذكر اسم الله عز وجل.
(10/13)
________________________________________
صيغة التسمية عند الوضوء
يبقى النظر (التسمية): التسمية تفعيلة من اسم الله, فما هي التسمية؟ التسمية الكاملة هي: (بسم الله الرحمن الرحيم) ولكنها هنا: باسم الله, فيقف عند قوله باسم الله, ويكون معتبراً؛ لأن قوله: (لمن لم يذكر اسم الله)، أن المراد به اسم الله فقط, بدليل أن الله قال: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (باسم الله).
وبناءً على ذلك: فإن التسمية تكون باسم الله, واختلف العلماء هل يحل غير لفظ الجلالة محله، كأن يقول: باسم الرحمن, أو باسم الرحيم, أو باسم الملك, أو باسم القدوس, أو باسم العزيز؟ الصحيح: أنه ينبغي الاقتصار في الأذكار على الوارد دون تغيير ولا تبديل ولا يجتهد فيها, فكما قال: (لمن لم يذكر اسم الله) فإنه يؤتى باسم الله ولفظ الجلالة؛ وذلك لشرف هذا الاسم وفضله على سائر الأسماء وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] قيل: هل بمعنى: (لا)، أي: لا تعلم له سمياً, قيل: أي: اسم الله، فإن اسم الله لم يتسم به أحد, وهذا لشرفه، حتى قال طائفة من العلماء: إنه هو الاسم الأعظم الذي إذا سأل العبد به ربه حاجة خالصة من قلبه استجاب دعاءه؛ ولذلك يقتصر على هذا الاسم بعينه وهو قوله: باسم الله، ولا يؤذن في قول: باسم الرحيم ولا باسم الرحمن.
أما قوله: (في الوضوء) ليست الظرفية على ظاهرها، أي: ليس مراده في داخل الوضوء, وإنما قوله: (يجب التسمية في الوضوء) بمعنى: أن يبتدئ عبادة الوضوء، بذكر اسم الله عز وجل.
وقال بعض العلماء: تذكر التسمية عند أول فرض, فإن كان مستيقظاً من نومه كانت اليد، فيقولها قبل غسل الكفين, وإن كان مستيقظاً -يعني: أثناء النهار- قالوا: يسمي الله عز وجل عند المضمضة والاستنشاق على القول بوجوبها, أو عند غسل الوجه على القول بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق, والأكمل أن الإنسان يسمي عند ابتداء الوضوء.
(10/14)
________________________________________
حكم ترك التسمية نسياناً
قال رحمه الله: [مع الذكر].
أي: أنها تسقط عند النسيان، فلا يطالب الإنسان بإعادتها, وقال بعض العلماء: إنه إذا لم يذكر اسم الله جل وعلا وجب عليه الرجوع وإعادة الوضوء.
فعلى القول الذي اختاره المصنف أنها واجبة, ولكن ليست شرطاً في صحة الوضوء, وعلى قول إسحاق وبعض أهل الحديث أنها شرط في صحة الوضوء ويلزمه أن يعود إلى ابتداء الوضوء ويسمي من جديد.
(10/15)
________________________________________
حكم الختان للرجال والنساء
قال رحمه الله تعالى: [ويجب الختان].
الختان: مصدر ختن يختن ختاناً، وهو خاتن، وفلان مختون.
والختان بالنسبة للرجال: إزالة أعلى حشفة الجلد التي على رأس الذكر.
وأما بالنسبة للنساء: فهي إزالة أعلى الجلدة التي على الفرج، وشبهها العلماء رحمهم الله بعرف الديك بياناً لمحل الفرض والواجب على القول بوجوبه على النساء.
والختان مكرمة وسنة جليلة, وأول من اختتن إبراهيم إمام الحنيفية، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، اختتن وهو ابن ثمانين سنة امتثالاً لأمر الله عز وجل، ولذلك عُد هذا من ابتلاء الله واختباره له، فإن الختان مع تقدم السن وكبرها لا شك أن فيه أمراً شديداً ومشقة عظيمة، ولكنه امتثل أمر الله؛ ولذلك قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس قال في تفسير قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة:124] أصل التقدير ابتلى رب إبراهيم إبراهيم بكلمات فأتمهن, وذكر منها: الختان، أنه ابتلاه وهو في كبر سنه فاختتن عليه الصلاة والسلام.
(10/16)
________________________________________
مشروعية الختان
والختان شرعه الله للرجال لما فيه من إزالة هذا الموضع الذي تكمن فيه النجاسة, ولذلك إذا أزاله كان ذلك أبلغ في الطهارة والنقاء والبعد عن الدنس, والدين دين طهارة حساً ومعنىً, كما قال تعالى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة:6] فهذه من الطهارة، وطهر الله عز وجل المؤمنين حساً ومعنىً وشرفهم بهذه الطهارة {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108].
فشرع هذا الختان طهارة للرجل, وكذلك تخفيفاً من الشهوة في المرأة, فإن المرأة إذا تركت على حالها اشتدت شهوتها, ولذلك كما ذكر شيخ الإسلام رحمة الله عليه يقول: يوجد في نساء الكفار من الشدة لطلب الفساد والحرام ما لا يوجد في نساء المؤمنين، وذلك لمحل الختان.
وجعل الله في الختان مصلحة الدين والدنيا, فلذلك يحصل به العفة للمرأة والرجل, وتحصل به العفة للمرأة والطهارة للرجل، ولذلك المرأة إذا اجتثت هذه الجلدة ذهبت شهوتها كما يقول الأطباء والحكماء من المتقدمين والمتأخرين، وإذا تركت اشتدت غلمتها, ولذلك ورد في حديث ابن عطية كما أشار إليه الإمام ابن القيم في التحفة: (أشمي ولا تنهكي) والاشمام يكون من أعلى الشيء، والإنهاك اجتثاثه من أصله، وهو حديث متكلم في سنده, ولكن معناه صحيح عند العلماء، أن الخاتنة ينبغي عليها ألا تأخذ الجلدة بكاملها ولا تستأصلها؛ لأنه استئصال للشهوة وذهاب لها، وكذلك أيضاً لا تترك الجلدة, فشرع الله هذا لما فيه من اعتدال الشهوة للمرأة.
كذلك يختن الرجل لطهارته ونقائه, والغريب أنهم وجدوا أن من الحكم والفوائد التي تترتب على الختان أنه قلّ أن يصاب المختتن بسرطان القضيب, وهذا معروف عند الأطباء، وهذا من رحمة الله عز وجل، وإنما يعرف السرطان -والعياذ بالله- الذي يصيب العضو لمن لم يختتن, وذكر بعض الأطباء -وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام وفضائل السنة النبوية التي جاءت عنه عليه الصلاة والسلام ومنها: الختان- أنه يوجد نسبة 1% من المختتنين ممن يصاب بسرطان القضيب.
ومن القصص الغريبة التي تحكى للاتعاظ والاعتبار حدثني بها بعض الأطباء: أنه كان في بعض البلاد الإسلامية، وكان معهم طبيب نصراني, وكان تخصص هذا المسلم مع النصراني في المسالك البولية, فكان يهزأ هذا النصراني من الختان ويستخف به كثيراً, حتى أراد الله عز وجل أنه ابتلي -والعياذ بالله- بسرطان القضيب، وحصل له ما حصل من أذية هذا البلاء بسبب استهزائه وسخريته من هذه الشعيرة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم.
الختان يشرع للرجال وللنساء والصحيح: وجوبه على الاثنين، وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (خمس من الفطرة) وذكر الختان دون أن يفرق بين الرجال والنساء؛ لأن المرأة تحتاج إليه طلباً للعفة, والعفة مطلوبة وواجبة, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولما كان اعتدال شهوة المرأة يحصل به مقصود الشرع كان الختان من هذا الوجه أقرب للوجوب منه للاستحباب والندب.
وينبغي أن ينبه على تساهل كثير من الآباء ومنعهم بعض النساء من الختان وهذا لا ينبغي بل ينبغي إحياء هذه الشعيرة بين النساء وذلك لما ذكرناه من الحكم والفوائد، وقد ذهب طائفة من العلماء رحمهم الله إلى وجوبه على الجميع.
وأما ما ورد من حديث ابن كليب: (أن الختان واجب للرجال ومكرمة للنساء) فهو حديث ضعيف, والصحيح أنه للرجال والنساء, وفيه ما ذكرناه من الحكم, ويجب على المسلم إذا قارب البلوغ والأفضل أن يختن الذكر صبياً وتختن الانثى صبية, وينبغي على كل من الخاتن والخاتنة مراعاة حدود الله في الختان، فلا يجوز ويحرم كما نبه الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء السادس عند كلامه على الإجارة: يحرم على الخاتن أن يختن إلا إذا كان بصيراً بالختان, عارفاً له.
وإذا ختن غير عارف وتجاوز -أو ختن وهو عالم- وتجاوز حدود الختان فإنه يضمن ويأثم شرعاً، أما ضمانه إذا لم يكن عالماً فلقوله عليه الصلاة والسلام في حديث السنن: (من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن) وأجمع العلماء على أنه يأثم، وإذا قصد الإضرار فإنه يقتص منه ولو كان طبيباً, لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة:45] فيختن كلاً من الرجال والنساء وتراعى حدود الله عز وجل من عدم ختن الرجال للنساء إذا وجد النساء, وعدم النظر إلى العورة أكثر من الوقت المحتاج إليه, وعدم الزيادة على الحد المعتبر في الختان.
قال رحمه الله تعالى: [ما لم يخف على نفسه].
ككبير السن, الشيخ الهرم، أو يكون هناك التهابات أو أمراض بحيث لو اختتن زادت عليه واستفحل شرها فيرخص له في ترك الختان.
(10/17)
________________________________________
حكم القزع
قال رحمه الله: [ويكره القزع].
القزع: هو حلق بعض الشعر وترك بعضه, والقزع نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف العلماء في المراد منه, فقال بعض العلماء: أن يحلق وسط الرأس, وقال بعضهم: أن يحلق أطرافه، كأن يحلق الشق الأيمن والأيسر والقفا ويبقي وسطه، كما هو شأن أهل الفساد وصنيع السفلة الرعاع، نسأل الله السلامة والعافية.
وقيل: أن يحلق نصف الرأس ويترك نصفه, وقيل: أن يحلق مقدمه ويترك مؤخره أو العكس, ولكن لا مانع من اعتبار هذه الصور كلها؛ لأنه يحتملها النص, والأصل: أنه إذا احتمل النص وجوهاً متعددة ولم يرد الشرع تقييد وجه منها أن تبقى دلالته على العموم.
(10/18)
________________________________________
علة تحريم القزع
وللعلماء في تعليل تحريم القزع وجوه: قال بعض العلماء: لأنه مشابهة لليهود، فقد كان اليهود يحلقون بعض الشعر ويتركون بعضه.
وقال بعضهم: إن فيه ظلماً للإنسان لنفسه، والله أمر الإنسان بالعدل حتى مع نفسه, وتوضيح ذلك: أنه إذا حلق شقه الأيمن وترك شقه الأيسر ظلم شقه الأيمن إذا كان الزمان برداً، وظلم شقه الأيسر إذا كان الزمان حاراً؛ ولذلك نهي أن ينتعل بإحدى رجليه ويترك الأخرى لأنه ظلم للرجل التي لم تنتعل, وأيضاً نهي عن الجلوس بين الشمس والظل؛ لأنه إذا كان الزمن صيفاً ظلم النصف الذي في الشمس, وإذا كان الزمن شتاء ظلم النصف الذي في الظل، فلذلك قالوا: نهي عن القزع لئلا يكون الإنسان ظالماً حتى مع نفسه, والصحيح: أن كل هذه علل وفيه ظلم وفيه تشبه بأهل الفساد.
ومن يقصر أطراف الشعر ويجعل الشعر كثيفاً في منتصف الرأس فإنه يشمله هذا؛ لأن فيه تشبهاً بأهل الفساد, وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء رحمة الله عليهم، وكنا نعهد مشايخنا رحمة الله عليهم من الأولين أنهم كانوا يشددون في تخفيف الشعر بعضه دون بعضه وكانوا يعدون ذلك من القزع, وقالوا: إما أن يخفف كله أو يحلق كله، وهذا هو الأصل الذي عليه العمل عند أهل العلم؛ أن السنة في الرأس أن يحلق كله أو يخفف كله، لا أن يفعل ببعضه ويترك بعضه لما فيه من مشابهة أهل الفساد.
وإذا كان القزع حراماً حرم للحلاق أن يفعله بالغير، فإن فعل أثم؛ لأنه معين على الإثم والعدوان, وحرمت الإجارة وحرم الثمن، يعني: المال الذي يدفع في مقابل ذلك الشيء ويعتبر حراماً، وهذا على الأصل المقر: أن الإجارة على المحرم محرمة.
(10/19)
________________________________________
سنن الوضوء
قال رحمه الله تعالى: [ومن سنن الوضوء السواك].
يقول رحمه الله: (ومن سنن الوضوء) السنة: أصلها الطريقة، وسن الشيء: إذا شرعه، والمراد بها: من سنن النبي صلى الله عليه وسلم في عبادة الوضوء, والمراد بالسنة: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
ويشمل ذلك السنن القولية والفعلية والتقريرية, أي: التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم أو فعلها أو فعلت وأقرها, فكل ذلك يوصف بكونه سنة ولا يطلب من المكلف طلب إلزام.
(من سنن الوضوء) يعني: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينبغي للمكلف ويستحب للمكلف أن يحرص عليه ويحافظ عليه.
وهنا أنبه على أمور: أولاً: أن بعض طلاب العلم يفهم من السنن أنها أمور سهلة ويسيرة؛ فيتساهل في تركها, وكم سمعنا من بعض المنتسبين للعلم من يقول: هذا سنة لا حرج فيه! فإذا جاءه السائل قال له: هذه سنة وخفف من أمرها، ولا حرج أن يبين له عند الحكم إذا ظن السائل وجوبها أن تقول له: سنة لا حرج, لكن الحرج أن يستخف بالسنن ويعتبر قول العلماء: إنه سنة طريقاً للترك, فأخذ بعض طلاب العلم أنه إذا قيل: سنة، يعني: أنه يترك ولا حرج في تركه, لكن أهل الفضل والكمال وأقرب الناس للخير وأحبهم إلى الله وأقربهم نجاة وسلامة وعلو شأن في دينه من كان محافظاً على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو بكر صديق هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه: (والله لا يبلغني شيء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه إلا فعلته, إني أخاف إن تركت شيئاً من هديه أن أضل) ولذلك ينبغي للإنسان الموفق دائماً في أي عبادة أن يسأل عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويحرص على تطبيقه، وأخشع الناس في العبادة، وأكثرهم توفيقاً لها وأكثرهم شعوراً بلذتها وحصولاً لثوابها وثمرتها وحسن عاقبتها هو أكثرهم متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك طريقه طريق إلى الجنة, وسبيله سبيل الرحمة: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] فمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وحرص على اقتفاء أثره والسير على نهجه فهو أقرب الناس إلى الخير.
وكان العلماء رحمهم الله يقولون: إن أقرب الناس لقبول العبادة من كان موفقاً في إصابة السنة فيها، فأي عبادة تسمعها أو تعلمها وتريد أن تطبقها فاسأل كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، وقد كان السلف الصالح رحمة الله عليهم -مع جلالة علمهم وعلو قدرهم- كانوا يجلسون مع الصحابة ويسألون عن كيفية فعل النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من الأعمال، وربما سألوا عن أوضح الأشياء، قال أحدهم: شهدت عمر بن الحسن سأل عبد الله بن زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ للصلاة؟ سبحان الله! الوضوء الذي كان يعرفه صغار التابعين قبل كبارهم، فيدخل هذا العالم الجليل على هذا الصحابي ويقول له: كيف كان يتوضأ عليه الصلاة والسلام؟ فكانوا يحبون السنة ويحبون التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فينبغي أن يعلم أن قوله: (ومن سنن) أنه ليس المراد به أن نتساهل ونترك, وإنما المراد الدلالة حتى نعلم ونعمل بها وندعو إليها, علماً وعملاً، ونسأل الله العظيم أن يجعلنا من هداتها ودعاتها.
(10/20)
________________________________________
السواك سنة من سنن الوضوء
قال رحمه الله: [السواك] من السنن التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم عند الوضوء: السواك، والحديث التي تقدمت الإشارة إليه: (عند كل وضوء) ولذلك قالوا: قبل أن يتوضأ يستاك.
(10/21)
________________________________________
حكم غسل الكفين عند ابتداء الوضوء
قال رحمه الله: [وغسل الكفين ثلاثاً].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان عن عثمان , وحديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن زيد: (أنه استفتح وضوءه فغسل كفيه ثلاثاً) قال بعض العلماء: إنما حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على غسل الكفين ثلاثاً؛ لأن الكفين آلة الوضوء وهي التي تنقل الماء؛ فينبغي أن تكون على نقاء وطهارة حتى يكون ذلك أدعى لوصول المقصود من الوضوء.
وقوله: [ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء].
غسل الكفين على حالتين: إما أن يكون للمستيقظ من النوم, وإما أن يكون لغير المستيقظ من النوم, فإن كان الإنسان مستيقظاً من نوم سواء كان نوم ليل أو نهار فإنه يجب عليه غسلهما ثلاثاً؛ لظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) فدل هذا الحديث الصحيح على أنه يجب على من استيقظ من النوم أن يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء، أما إذا كان لغير المستيقظ من النوم كأن يكون الإنسان قد بقي مستيقظاً من بعد الفجر إلى صلاة الظهر, وحضرت عليه صلاة الظهر وأراد أن يتوضأ، فلا تخلو كفاه من أحوال: الحالة الأولى: أن يتيقن نجاستها، فيجب عليه أن يغسلها قبل أن يتوضأ.
الحالة الثانية: أن يتيقن طهارتها أو يشك في الطهارة, فإن تيقن الطهارة فإنه يسن له غسلها ولا يجب, وإن شك في طهارتها استحب له غسل الكفين كذلك ولا يجب.
فإذاً: هنا ثلاث حالات: إن تيقن نجاسة الكفين وجب الغسل، وإن تيقن الطهارة سن الغسل، وإن شك في الطهارة استحب الغسل؛ لأن اليقين طهارتها والشك نجاستها، فيلغى الشك ويبقى على اليقين, هذا بالنسبة لغسل الكفين والكفان مثنى كف، وضابط الكف: من أطراف الأصابع إلى الزندين، وهما العظمان البارزان عند طرف الكف، وسمي الكف كفاً لأنه تكف به الأشياء.
(10/22)
________________________________________
البدء بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء
قال رحمه الله تعالى: [والبداءة بمضمضة].
أي: يسن البداءة بالمضمضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن غسل كفيه تمضمض واستنشق ثلاثاً، والمضمضة مأخوذة من قولهم: مضمضت الحية إذا تحركت في جحرها، فأصل المضمضة: التحريك, ولذلك قالوا: يتفرع على قولنا إن المضمضة هي التحريك مسألة لطيفة وهي: لو أن إنساناً أدخل الماء في فمه ثم ألقاه مباشرة هل يعتبر متمضمضاً؟ على القول بأن المضمضة هي التحريك لا يكون متمضمضاً ومصيباً للسنة إلا إذا حرك الماء في فمه.
ثم اختلفوا: هل المضمضة مجرد تحريك الماء ولا يستلزم طرحه أو لابد من طرحه؟ وجهان: قال بعض العلماء: المضمضة التحريك والطرح, فلو مضمض ولم يطرح لم يكن متمضمضاً.
توضيح ذلك: لو وضع الماء فحركه ثم شربه, فبناء على القول بأنه لابد من طرح فلا يكون متمضمضاً, وعلى القول بأنه لا يلزم الطرح يكون متمضمضاً.
قال رحمه الله: [ثم استنشاق].
الاستنشاق من النشق, والنشق: جذب الشيء بالنفس إلى أعلى الخياشيم, ومنه: النشوق، ويكون عن طريق الأنف, والاستنشاق سمي بذلك لأن الإنسان يجذب الماء إلى أعلى الخياشيم بالنفس, وهي سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم التي حافظ عليها ولم يتركها في الوضوء، صلوات الله وسلامه عليه.
والسنة أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بكف واحدة, فيضع نصف الكف في الفم، ثم يرفع النصف الباقي للأنف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما توضأ قسم كفه في حديث عبد الله بن زيد فمضمض واستنشق ثلاثاً من ثلاث غرفات, أي: أن كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق وهذا هي السنة.
وقوله: [والمبالغة فيهما لغير صائم].
والمبالغة في المضمضة والمبالغة في الاستنشاق، المبالغة مفاعلة من بلغ الشيء يبلغه بلوغاً, إذا وصل غايته تقول: بلغت إذا وصلت الغاية, فقول المبالغة أي: أن الإنسان يصل غاية الاستنشاق وغاية المضمضة وذلك عن طريق المبالغة في جلب الماء بالنفس بالاستنشاق والمبالغة في الإدارة والتحريك في المضمضة.
(لغير صائم) هذا الاستثناء لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وقد دل هذا الحديث على أنه لا يسن للإنسان أن يبالغ في استنشاقه, وهذا من باب التنبيه بالنظير على نظيره بالاستنشاق على الفم.
وذكر الاستنشاق على أن الغالب في الاستنشاق ألا يتحكم الإنسان عند مبالغته بخلاف المضمضة فإن الغالب أنه يتحكم؛ فنبه بالاستنشاق وإلا فالمضمضة آخذة حكم الاستنشاق.
وقوله: (وبالغ في الاستنشاق) فيه تنبيه على قاعدة وأصل عند العلماء: أنه لا يشرع تضييع الفرائض بالسنن, أو ارتكاب المحرمات لطلب السنن، وتوضيح ذلك: إذا بالغ في الاستنشاق فإنه ضيع الواجب وهو الصيام, وكذلك أيضاً لا يبالغ في إصابة سنة إذا كان ذلك سيؤدي للوقوع في محظور, كما لو كان على الحجر الأسود طيب، فإنه إذا بالغ وأصر على لمسه أو تقبيله في عمرته أو حجه فإنه سيصيب الطيب، وذلك تحصيل للسنة يؤدي للوقوع في محظور ولذلك قالوا: يتركه حتى يقبله الغير ثم يقبله من بعده, أو يلمسه الغير فيلمسه من بعده, ولا يضر الأثر وإنما يضره العين مع القصد, ولذلك لا ينبغي تفويت الواجب وارتكاب المحظور طلباً للسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هنا نهى الصحابي أن يبالغ في الاستنشاق حتى لا يفوت الواجب تحصيلاً للسنة.
(10/23)
________________________________________
تخليل اللحية والأصابع
قال رحمه الله: [وتخليل اللحية الكثيفة].
التخليل: تفعيل من الخلل، وخلل الشيء: أجزاؤه والمناسم التي فيه, تقول: رأيته من خلل الباب, أي: من المناسم الموجودة فيه وهي الفتحات الصغيرة, وقالوا: سمي التخليل تخليلاً؛ لأن الإنسان يوصل الماء إلى الشعر من خلاله أي: يخلل الماء بين الشعر, فيدخل الماء في خلل الشعر وفي خلل اللحية, وكذلك الأصابع؛ لأنه يدخل خنصره بين الأصابع، فقالوا: خَلَّل، كأن الأصابع شيء واحد وقد دخلت الخنصر في خلل ذلك الشيء.
وتخليل اللحية فيه حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه, وقيل: لا يصح في التخليل شيء، وحسن بعض العلماء إسناد حديث التخليل.
فاللحية إذا كانت كثيفة كثة تخلل؛ لأن الله أمر بغسل الوجه، فإذا كانت كثيفة فإن صاحبها يواجه الناس باللحية فكانت من الوجه فتخلل، أي: يجب إدخال الماء في خللها, وهذا على وجهين: إما أن يدخل الماء في خللها بالكف كما ورد في الحديث أنه أخذ كفاً من ماء وألقمه لحيته، وإما أن يكون بغسل الوجه حتى إذا بلغ لحيته خللها بإجراء الماء في المناسم بالأصابع، وكل منهما لا حرج فيه.
قال رحمه الله: [والأصابع].
تخليل أصابع اليدين: هو أنه إذا كان الإنسان يريد أن يتوضأ فصب الماء لكي يغسل يده اليمنى فإنه يجعل كفه اليسرى عند المرفق، ثم إذا سكب الماء مر الماء على ظهر يده اليمنى حتى ينتهي إلى المرفق، فتجمع اليسرى الماء الذي نزل من اليد ثم يقلبه على اليمنى مخللاً.
وقيل: أن يغسل اليد أولاً حتى إذا انتهى خلل كلاً منهما، والمراد: أن يتأكد من وصول الماء إلى الخلل، وشرع التخليل وفيه حديث عن المستورد بن شداد ولكن تكلم العلماء في سنده، وإن كان بعض العلماء يحسن إسناده، ولكن الضعف فيه من القوة بمكان، لكن يخلل الإنسان على هذه الصورة وذلك بإدخال أصابع اليسرى في اليمنى, وإدخال أصابع اليمنى في اليسرى على الظاهر.
وكذلك أيضاً بالنسبة لتخليل القدمين، وذلك بالخنصر كما ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام على القول بثبوته, وإلا فالأمر واسع، قال بعض العلماء في تخليل أصابع القدمين: أن يخللها بجميع الأصابع وقيل: بأصبع واحدة حتى يكون أبلغ في وصول الماء.
والتخليل في الحقيقة ليس مراداً لذاته، وإنما المراد: هو أثره، وهو التأكد من وصول الماء إلى ما بين الأصابع؛ لأنه -كما هو معلوم- لو سكب الماء والأصابع ملتصقة ربما لم يتخلل، خاصة في القديم حيث كانوا يتوضئون بالأواني والماء قليل، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكفيه مغراف من الماء لوضوئه, وهذا يحتاج إلى نوع من التحري والتحفظ, ولذلك اعتبر التخليل واجباً إذا توقف وصول الماء للبشرة عليه, وليس وجوبه لذاته ولكن من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وإلى ذلك قد أشار بعض الفضلاء بقوله: خلل أصابع اليدين وشعر وجه إذا من تحته الجلد ظهر أي: (خلل أصابع اليدين وشعر وجه) وهو اللحية, (إذا من تحته الجلد ظهر) يعني: إذا كانت اللحية تبدو معها البشرة.
(10/24)
________________________________________
التيامن في الوضوء
قال رحمه الله: [والتيامن].
والتيامن: تفاعل من اليمين، وهي الجهة التي شرفها الشرع كما هو محفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يكون في الأعضاء المثناة، ويشمل ذلك: اليدين والرجلين, فإنه يتيامن فيها، فيبدأ بغسل يده اليمنى قبل يده اليسرى, ورجله اليمنى قبل رجله اليسرى, ولكن لا يشرع التيامن في الأعضاء المنفردة، فلا يأتي إنسان ويأخذ الكف ويغسل شق وجهه الأيمن ثم يغسل شقه الأيسر؛ لأن هذا تنطع وتكلف في العبادة، وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغسل وجهه غسلاً واحداً ويمسح رأسه مسحة واحدة, فمن فعل ذلك فإنه يعتبر مبتدعاً؛ لأن ذلك لو كان له فضل لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فيشرع التيامن في الأعضاء المثناة كاليدين والرجلين, وأما بالنسبة للوجه والرأس فإنه لا يشرع فيها التيامن.
فقال: رحمه الله: (التيامن) والتيامن سنة، وبناء على ذلك: لو أن إنساناً غسل يده اليسرى قبل يده اليمنى فوضوءه صحيح، لكنه فوت الأكمل والأفضل، والدليل على صحته أن الله عز وجل يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة:6] فأمر بغسل اليد مطلقاً، ومن غسل اليسرى قبل اليمنى فقد امتثل ما أمر الله به، غير أنه فوت الفضيلة بتقديم اليسار على اليمين.
(10/25)
________________________________________
مسح الأذنين بماء جديد
قال رحمه الله: [وأخذ ماء جديد للأذنين].
في حديث عبد الله عند الترمذي وفيه ابن لهيعة، والترمذي يحسن روايته.
(وأخذ ماء جديد) أي: أن الإنسان يمسح رأسه مقبلاً مدبراً, ثم يأخذ ماء جديداً لأذنيه, بأن يأخذ كفاً ثم يجعلها لأذنيه ويمسح بها أذنيه على الصفة التي وردت في الحديث بأن يجعل إبهامه خلف الأذن ثم السبابة في داخل الأذن ويمرها على ما ثم.
(10/26)
________________________________________
غسل كل عضو مرتين أو ثلاثاً
قال رحمه الله: [والغسلة الثانية والثالثة].
أي: ليست بواجبة إنما هي سنة, والدليل على عدم وجوبها: أن الله عز وجل قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] والغسل يتحقق بالمرة، فمن غسل مرة فقد امتثل، وكذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان أنه توضأ مرة مرة, ومرتين مرتين, وثلاثاً ثلاثاً, فدل على أنه لا تجب التثنية ولا يجب التثليث, وأن الغسلة الثانية والثالثة سنة وليست بواجبة.
(10/27)
________________________________________
الأسئلة
(10/28)
________________________________________
حكم الاستياك باليد اليسرى

السؤال
هل يستاك باليد اليمنى أم باليد اليسرى؟ وهل من السنة وضع السواك بين الأصابع؟

الجواب
باسم الله, والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد اختلف العلماء رحمهم الله في السواك, فمنهم من يقول: يجعله باليسرى؛ لأنه إزالة قذر، فلا ينبغي أن تليه اليمنى على الأصل المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جعل يمينه لما فيه شرف, ويسراه لما فيه قذر ونحو ذلك؛ قالوا: فلذلك يستحب له أن يستاك بيسراه.
وقال بعض العلماء: يستاك بما شاء, إن شاء باليمين وإن شاء باليسار, ولا يعتبر السواك باليسار سنة، وهذا هو الصحيح؛ لأن إزالة الأذى إن وليت اليد الإزالة مباشرة كانت باليسرى, وإن كانت بحائل فإنه لا حرج في اليمنى, وتوضيح ذلك: أنه إذا استاك باليمنى فإن الذي يلي القذر هو السواك وليست اليد, فلا غضاضة, ودليلنا على أن إزالة الأذى باليمين بدون مباشرتها الأذى لا يقدح في فضل اليمين: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمسك الإنسان ذكره بيمينه, وأن يستجمر بيمينه، قالوا: إنه لابد أن يمسك الحجر باليمين, فدل على أنه إذا وجد الفاصل الذي هو المزيل بين المحل الذي يراد تنظيفه واليمين التي تلي التنظيف فإنه لا حرج ولا غضاضة.
ومن الأدلة أيضاً: أن الناس يختلفون، فربما لو استاك بيساره أدمى لثته وجرح نفسه, وربما أنه لا ينقي كما لو استاك بيمينه, ولذلك قالوا: إنه يترك الناس على التخيير، وهذا هو الأقوى، ولكن مع هذا إذا تأول الإنسان السنة واستحب أن يجعل سواكه بيسراه فإنه يثاب إن شاء الله، ولا حرج عليه.
(10/29)
________________________________________
حكم الاستياك للاستيقاظ من نوم النهار

السؤال
هل يستاك من قام من نوم النهار؟

الجواب
من قام من نوم النهار فإنه في حكم القائم من نوم الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام من نوم الليل استاك, والمعنى واحد في نوم الليل ونوم النهار, والقاعدة: أنه إذا اختلف الزمان واتحدت العلة فلا تأثير في اختلاف الزمان, فالزمان هو: ليل ونهار والعلة: هي الإنقاء, فلذلك يطلب من الإنسان أن ينقي الفم عند وجود نتن الفم الناشئ عن النوم، وهذا موجود في نوم النهار كنوم الليل، فيشرع للإنسان أن يستاك من نوم النهار كما يشرع له أن يستاك من نوم الليل، والله أعلم.
(10/30)
________________________________________
حكم التكحل بالإثمد وغيره

السؤال
هل يعتبر التكحل بالإثمد سنة، وهل التكحل بغيره سنة أم لا؟

الجواب
الاكتحال بالإثمد سنة, ولا حرج في الإنسان أن يكتحل، ولكن كره بعض السلف أن يصبح وفي عينيه كحل؛ لأنه ربما يكون فيه تشبه ببعض أهل الفساد, ولكن ليس هناك دليل يدل على تحريم ذلك, والنبي صلى الله عليه وسلم نص على الاكتحال فقال: (عليكم بالإثمد) وهذا في صيغة الجمع (عليكم) كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة:105] وهذا الشأن للرجال والنساء، وإذا كان الإنسان محتاجاً إلى الكحل في عينيه لضعف في البصر فإنه يشرع له على العموم، حتى ولو كان أمام الناس, ولا حرج في ذلك، وإن كان بعض السلف قد شدد فيه، إلا أن الأصل التوقيف في مثل هذا، أي: في نهي الناس عن الأمور التي وسع فيها الشرع، فيوقف على النص مادام أنه ليس هناك نص يمنع، فلا حرج أن يكتحل ولو أمام الناس.
وأما كون بعض العادات تمقت ذلك أو تمنعه فإن العادات ليست شريعة ولا ديناً, وإنما يترك الشرع والحكم لله جل وعلا، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام:57] فالحكم لله جل وعلا, وليس للعادات ولا للتقاليد.
فإذا أراد الإنسان أن يصيب السنة واكتحل وتأسى بقوله عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالإثمد) فلا حرج عليه ولو كان أمام الناس, وإن أحب ألا يساء الظن به وأن يسلم من أذية الناس فلا حرج عليه, لكن أن يمنع الناس ويشدد عليهم، أو يستخف بمن يفعل ذلك فليس ثم دليل يدل على هذا التشديد أو هذا المنع.
وقد ورد عن ابن عباس أنه اكتحل وسرح شعره في حضرة أصحابه وقال: (إني أحب أن يرى مني أهلي ما أحب أن أرى منهم) , وهذا كله يدل على سماحة الشريعة، وفيه أيضاً ترفع عن غلو أهل الزهد في زهدهم وتنطعهم في التشديد في مثل هذه الأمور التي فيها السماحة والرفق بالنفس.
(10/31)
________________________________________
حكم الإبر والمغذيات للصائم

السؤال
ما حكم أخذ الإبر التي في العضل أو في الوريد للصائم؟ وما حكم المغذيات أيضاً؟

الجواب
الذي أحفظه قول جمهور العلماء فيها أنه يستوي فيها المغذي وغير المغذي وأنها مفطرة، والعبرة بالوصول للجوف، والدليل على ذلك ما يلي: أولاً: هذه المسألة للعلماء فيها وجهان: منهم من يقول: أعتبر المدخل ولا أعتبر صفة الدخول, يعني: العبرة عندي بالفم والأنف, فما جاء عن طريق الفم والأنف يفطر, وما جاء من عداهما لا يفطر, وصاحب هذا القول أشكل عليه حكم الإبر المغذية، فإنه حين يقول: العبرة عندي بالفم والأنف، فإن الإبر المغذية ينتفع بها الجسم ويرتفق بها كارتفاقه بالطعام الواصل من الحلق سواء كان عن طريق الأنف أو الفم.
وقال بعض العلماء: نفرق -خروجاً من هذا الإشكال- بين الإبر المغذية والإبر غير المغذية، وهذا التفريق بدون دليل؛ لأنه إما أن يقول: إنني أعتبر الوصول إلى داخل الجسد بغض النظر عن كونه مغذياً أو غير مغذٍ، بدليل أن الفم الذي هو مدخل للطعام لو أدخل منه الدواء، لأفطر, كذلك الإبر إذا قلت: إن الدخول إلى البدن من سائر الأعضاء فيستوي في ذلك أن يكون مغذياً أو دواءً, كما أن الفم استوى فيه أن يكون مغذياً أو دواءً.
ولذلك الذي عليه الجمهور والمنصوص عليه في فتاوى العلماء المتقدمين أنه يستوي الدخول إلى البدن أياً كان, فلو قال قائل: إن الإبر في العضل لا ينتفع بها كانتفاع الطعام والشراب، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فالإنسان عندما يستنشق وتذهب قطرة واحدة إلى حلقه فإنه يفطر إجماعاً, وهذه القطرة قد لا ينتفع بها الجسم, بل ربما أنها قبل أن تصل إلى الجسم تشربها الأمعاء بمجرد وصولها إلى الجدار كما هو معلوم طبياً, بل إنها لا تصل إلى الجوف أصلاً, وبناء على ذلك -وهو كلام جمهور العلماء- فإن العبرة بالوصول إلى الجوف سواءً كان مغذياً أو غير مغذٍ، وهذا هو الأقوى والأبرأ للذمة، بل إن بعض إبر العضل إذا ضربت وجد طعمها في الحلق, وهذا من أظهر الدلائل على انتفاع الجسم وارتفاقه.
ففقه المسألة: إما أن نقول: العبرة بالفم ولا عبرة بغيره؛ فيستوي في ذلك الإبر المغذية وغير المغذية.
وإما أن نقول: العبرة بالفم وبما وصل إلى الجوف بغض النظر عن كونه مغذياً أو غير مغذٍ كالحال في الفم، وهذا من ناحية أصولية أقوى وهو أسلم وأقوى من ناحية الاستنتاج، ومن أخذ هذه الإبر وتأول فيها قول من يقول: إنها لا تفطر؛ فلا حرج عليه؛ فإنه في هذه الحالة لا يعتبر مفطراً, ولكن الحقيقة أنه يفطر.
وننبه على مسألة وهي أن البعض يقول: ليس هناك دليل على اعتبار ما يصل إلى الجوف عن غير طريق الفم والأنف أنه مفطر, والواقع أن هناك دليلاً، وهو حديث لقيط بن صبرة؛ لأن فقه المسألة: أن حديث لقيط بن صبرة فيه دلالة على اعتبار الوصول إلى الجوف بغض النظر عن طريق الوصول، توضيح ذلك: أن الأكل والشرب والمفطر الأصل فيه أنه يصل عن طريق الفم, قالوا: فنبه الشرع باعتبار ما يدخل من الأنف مفطراً على أن العبرة بالوصول إلى الجوف بغض النظر عن طريق الوصول؛ لأن الأنف ليس طريقاً لوصول الطعام إلا في حالات الاضطرار, فلو قال قائل: هو يكون طريقاً للتداوي، فنقول: إذاً: ما وصل إلى الجوف تداوياً يفطر.
فأقول: من ناحية أصولية الأقوى أنها مفطرة, سواء كانت مغذية أو غير مغذية ومن قال: إنها لا تفطر إذا كانت في العضل ولم تكن مغذية فيلزمه أن يقول بأنها لا تفطر إذا كانت مغذية, وأما القول بالتفصيل بأنه يرتفق أو لا يرتفق فليس عندنا دليل في الشرع يقول: إن ما نفع الجسم غذاءً أفطر، وما ينفعه دواءً لا يفطر, بل إن الإجماع قائم على أن من تعاطى الدواء بالفم والأنف أنه يفطر، فيستوي في ذلك غير الفم من سائر المنافذ بداخل البدن, والله تعالى أعلم.
(10/32)
________________________________________
حكم خروج المذي من الصائم عند المداعبة

السؤال
ما حكم خروج السائل من المرأة أو المذي من الرجل أثناء المداعبة، وهل ذلك يضر بالصوم؟

الجواب
إذا كان مذياً -وهو الذي يخرج عند بداية الملاعبة والشهوة- فإنه لا يوجب الفطر على أصح أقوال العلماء، وهو قول الجمهور.
وقال بعض العلماء: إنه يوجب الفطر, والصحيح: أن المذي لا يوجب الفطر؛ لأن الذين قالوا بأنه يوجب الفطر قاسوه على المني, وهذا القياس منتقض لأنه قياس مع الفارق, وهو أحد قوادح القياس الأربعة عشر, وتوضيح الفارق: أن المني كمال الشهوة, والمذي جزء الشهوة واللذة، ولذلك أوجب كمال الشهوة الفطر دون بعضها، فلو قال قائل: أنا أنقض بجزء الشهوة كما أنقض بكلها؛ رد عليه بأن النظر إلى المرأة بالشهوة لا يفطر إجماعاً, مع أن فيه لذة، فدلّ على أن جزء اللذة لا يوجب الفطر.
فيقوي القول بأن خروج المذي لا يوجب الفطر، وأنه يصح الصوم ولو أمذى الإنسان، لكن كما يقول بعض العلماء: لا يؤمن أن ينقص أجر الإنسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي يرويه عن ربه: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل) والرفث هو ما يكون عند النساء، ولذلك قالوا: ينبغي للإنسان أن يتحامى حتى يكون أكمل في صومه وأبلغ في طاعته لربه؛ لأن المراد ترويض النفس وتعويدها على الامتثال لأمر الله والبعد عن الشهوة، والله تعالى أعلم.
(10/33)
________________________________________
حكم اغتسال الصائم بعد الزوال وبلع الريق

السؤال
ما حكم الاغتسال بعد الزوال للصائم، وما حكم بلع الريق القليل أو الكثير المتجمع؟

الجواب
أما بالنسبة لاغتسال الصائم فلا حرج فيه ولا مانع منه, وليس هناك دليل يمنع من الاغتسال للصائم لا قبل الزوال ولا بعده.
وأما بالنسبة لبلع الريق فلا حرج فيه، ولا حرج على الإنسان أن يجمع ريقه ويبتلعه؛ لأنه مما يوسع الله فيه على العباد؛ ولأنه لو فتح باب عدم بلع الريق لوقع الناس في حرج ومشقة ووسوسة لا يعلمها إلا الله.
وإنما الممتنع هو النخامة، وهي البلغم الذي يخرج من الصدر أو يسحبه الإنسان من أنفه إلى فمه, وأما بالنسبة للعاب والريق الذي يكون في الفم فلا حرج فيه ولا عتب على الإنسان أن يبلعه ولو جمعه، والله تعالى أعلم.
(10/34)
________________________________________
حكم مسح الوجه بعد الدعاء

السؤال
ما حكم مسح الوجه بعد دعاء القنوت؟

الجواب
مسح الوجه بعد الدعاء فيه حديث عمر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه) , وهو حديث ضعيف الإسناد, وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إن مجموع طرقه تقويه حتى يرتقي إلى درجة الحسن، بمعنى: إلى درجة الثبوت.
وبناءً على ذلك: لا ينكر على من مسح وجهه خارج الصلاة، أما داخل الصلاة فلا, ففي خارج الصلاة الصحيح: أنه لا يمسح؛ لضعف الحديث, لكن لو مسح شخص فلا ينكر عليه؛ لأنه قد يكون عاملاً بالحديث على قول من يعتد بتحسينه وتصحيحه، وهو الحافظ ابن حجر.
وقد أجمع العلماء -رحمهم الله- على أن المكلف لو أخذ بتصحيح حديث أو تضعيف حديث من عالم يعتد بتصحيحه وتضعيفه فإنه يجزئه، كما أشار إلى ذلك بعض الفضلاء بقوله: واقبل لإطلاق بصحة السند أو حسنه إن كان ممن يعتمد أي: إذا كان من أهل العلم والفن الذين يعتمد تصحيحهم وتضعيفهم، والإمام الحافظ ابن حجر إمام في التصحيح والتضعيف, وبناء على ذلك: من مسح في خارج الصلاة فلا حرج عليه, وأما في داخل الصلاة فقد جاء في رفع اليدين في القنوت حديث أنس، ذكره الحافظ ابن الملقن في تحفة المحتاج وحسنه، ولكن المسح زيادة عمل, والأصل: أن يسكن الإنسان في الصلاة لظاهر حديث مسلم: (اسكنوا في الصلاة) ولذلك لا يشرع المسح بها بعد الانتهاء من القنوت في الوتر، لكن لو مسح في خارج الصلاة وتأول حديث عمر فلا حرج عليه في ذلك، وإن كان الأولى والأقوى ألا يمسح، والله تعالى أعلم.
(10/35)
________________________________________
حكم قراءة القرآن من المصحف في التراويح

السؤال
هل تصح قراءة القرآن من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن؟

الجواب
الأولى أن يتقدم الناس حافظ القرآن ويصلي بهم القيام أو التراويح, فإن لم يوجد وأراد الناس أن يصلوا بإمام يستطيع القراءة من المصحف فلا حرج, وهو فعل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين أمرت خادمها أن يصلي بها أو يقوم بها في رمضان بالمصحف.
ولذلك الفتوى عند أهل العلم على أنه لا حرج في إمساك المصحف والقراءة منه, حتى ولو كان الإنسان حافظاً وأراد أن تكون ختمته للقرآن في مأمن من الخطأ والخلل، أو كان يخشى في مواضع التشابه وأراد أن يجل القرآن من الخطأ، فهذا أكمل له وأعظم أجراً، ولا حرج عليه في ذلك، والله تعالى أعلم.
(10/36)
________________________________________
نصيحة بخصوص قدوم شهر رمضان

السؤال
هل من كلمة حول رمضان؛ فإن بعض الشباب يضيعون أوقاتهم في هذا الشهر الكريم فيما لا ينفع؟

الجواب
أقبل رمضان وهو شهر الرحمة والغفران, أقبل رمضان والله أعلم كم في جنباته من حلم وصفح ورحمة وغفران! أقبل شهر قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة) وهو شهر الخيرات والمنافسة في الطاعات, اختاره الله جل وعلا من بين الشهور فجعله شهر العبادة والرحمة, والتلاوة والتسبيح، والتهجد والتراويح، كم دخله من بعيد فقربه الله! وكم دخله من مسيئ مذنب فتاب الله عليه فيه! وكم لله فيه من نفحات! وكم لله فيه من رحمات ومغفرات! وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وكم من صائم صام يومه وآذنته الشمس بالغروب, فغيبت معها الخطايا والذنوب.
وهو الشهر الذي فضل الله قيامه، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فطوبى لتلك الأحشاء التي ظمئت لوجه الله! وطوبى لتلك الأمعاء التي جاعت لوجه الله! وطوبى لتلك الأقدام التي انتصبت في جوف الليل بين يدي الله! وطوبى لتلك العيون التي سحت بالبكاء من خشية الله! هذا شهرها وهذا أوانها, ينادي منادي الله: يا باغي الخير! أقبل ويا باغي الشر! أقصر، تسلسل فيه الشياطين، وتفتح أبواب النفحات والرحمات من الله رب العالمين.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة) فما أعظمه من شهر! وما أجلها من غنيمة وذخر! وطوبى لمن خرج من رمضان فخرج عنه رمضان بصفح وغفران! وما يدريك فلعلك أن تخرج من ذنوبك منه كيوم ولدتك أمك.
فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل لنا فيه أوفر حظ ونصيب, وأن يجعلنا ممن صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل لنا من هذا الشهر أوفر حظ ونصيب من كل رحمة ينزلها, ومن كل مغفرة يسبغها، ونسأله أن يسبغ علينا الرحمات وعلى جميع الأموات من المسلمين والمسلمات الذين لم يدركوه, وأن يجبر كسرهم، وأن يعظم أجرهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
(10/37)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب فروض الوضوء وصفته [1]
اهتم الشارع الحكيم بتطهير المسلم ظاهراً وباطناً، حيث شرع الوضوء عند الصلاة، وهذا الوضوء طهارة حسية للظاهرة، وطهارة معنوية تكفر به السيئات، وهو يتم بغسل الأعضاء المأمور بغسلها من الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس، وهذه من منن الله التي امتن بها على عباده.
(11/1)
________________________________________
مشروعية الوضوء وتعريفه لغةً وشرعاً
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب فروض الوضوء وصفته]: الفروض: جمع فرض، والفرض يطلق بمعنى الحز والقطع، ومنه الفريضة: وهي النصيب الذي جعله الله عز وجل من تركة الميت للحي من بعده، سميت بذلك؛ لأن مال الميت يُقْتَطَع منه لكل وارث نصيبه، فقيل لها: فريضة.
وأما في اصطلاح الشرع: فإن العلماء رحمهم الله إذا قالوا: هذا الأمرُ فرضٌ فإنهم يعنون به ما يثاب فاعله ويعاقَب تاركه، وقد تستعمل الفرائض بمعنى الواجبات، وهذا هو مذهب جمهور العلماء: أن الفرض والواجب في الشريعة معناهما واحد، خلافاً للحنفية رحمة الله عليهم، فإنهم يرون أن الفرض آكد من الواجب.
والصحيح: أن الفريضة والواجب كل منهما بمعنى الآخر، وخص الحنفية رحمة الله عليهم الفريضة والفرض بما ثبت بدليل قطعي، أي: أنه ليس من الواجبات على العموم.
والصحيح: أن ما ثبت من الواجبات بدليل قطعي أو بدليل ظني كله يوصف بكونه فرضاً وواجباً.
يقول المصنف رحمه الله (باب فروض) جَمَعَ الفرائض؛ لأن الواجبات التي ألزم الشرعُ المكلفين بها في الوضوء متعددة، ففرض الله غسلَ الوجه، وفرض غسلَ اليدين إلى المرفقين، ومسحَ الرأس كله، وغسلَ الرجلين إلى الكعبين، فلما تعددت فرائض الوضوء وَصَفَها بالجمع فقال: (باب فروض الوضوء) والوضوء: مأخوذ من الوضاءة، وهي: الحسن والبهاء والجمال، وُصِف بذلك؛ لأن صاحبه يبيضُّ وجهُه في الدنيا والآخرة حساً ومعنىً: أما حساً: فلإزالة القذر من الوجه.
وأما معنىً: فلأن صاحبَه يشرق وجهه، كما ثبت في الحديث الصحيح أن أمته عليه الصلاة والسلام: (يدعَون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء)، وهو طهارة معنوية كما ثبت في الصحيح من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المصلي بكونه: (لا يبقى من درنه شيء)، وكذلك ثبت في الحديث الصحيح أنه: (ما من مسلم يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق ويغسل وجهه إلا خرجت خطايا وجهه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى تخرج من تحت أظفار أصابعه)، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تمام ذلك في أعضاء الوضوء.
إذاً: تحصَّل من هذه النصوص أن الوضوء يفضي إلى جمال الحس والمعنى، فلهذا سمي وضوءاً.
وتعريف الوضوء شرعاً: هو الغسل والمسح لأعضاء مخصوصة حددها الشرع، وذلك بغسل الوجه واليدين والرجلين، والمسح يختص بالرأس، وقد يُمسح في مفروض يجب غسله -وهو الرجلان- إذا حل البدل محلهما، وذلك في المسح على الخفين.
(11/2)
________________________________________
فروض الوضوء والأحكام المتعلقة بها
يقول رحمه الله: (باب فروض الوضوء) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي يُعرف بها ما أوجبه الله وفرضه في عبادة الوضوء؛ ذلك أن أعضاء الوضوء التي غسلها النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يجب غسله، ومنها ما لا يجب غسله، وإنما فعله على سبيل السُّنِّيَّة والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب، فانقسمت أعضاء المكلف في عبادة الوضوء إلى: ما يَلزَم غسلُه ومسحُه وما لا يَلزَم غسلُه، ومن ثَمَّ ناسب أن يقول: وسُنَنِه، أي: سأبين لك الأعضاء التي يُثاب غاسلها ولا يعاقب تاركُها وهي أعضاء مخصوصة.
مناسبة هذا الباب: أن من عادة العلماء رحمة الله عليهم أنهم يبتدئون بآداب قضاء الحاجة، ثم يثنُّون بفرائض الوضوء؛ لأن المكلف إذا فرغ من قضاء حاجته تهيأ لعبادة الصلاة، وذلك بالوضوء، ثم بعد ذلك يصلي، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] الآية.
ولذلك يقولون: تقديم باب آداب قضاء الحاجة على باب الوضوء إنما هو من باب الترتيب المناسب للحال، فالغالب في حال المكلف أن يقضي حاجته أولاً، ثم يتهيأ لعبادة الصلاة، وقد أدخل المصنف باب السواك؛ لأن السواك يكون قبل الوضوء.
يقول رحمه الله: [فروضه ستة]: الضمير في قوله: (فروضه) عائد إلى الوضوء، أي: الفروض التي أوجب الله على المكلف في الوضوء ستة.
وقوله: (ستة) هذا يسميه العلماء: الإجمال قبل البيان والتفصيل، وهو أسلوب محمود، ومن منهج الكتاب والسُّنة أن إيراد الشيء إجمالاً ثم تفصله، وفي ذلك فوائد: منها: تهيئة السامع والمخاطَب لفَهم المراد، فإنه لو جاء مباشرة وقال: فروض الوضوء: غسل الوجه، وغسل اليدين.
إلخ، لما كان في ذلك من المناسبة واللطف مثل ما يوجد في قوله: (فروض الوضوء ستة)؛ لأنه عندما يقول: إنها ستة، ينشأ

السؤال
ما هي هذه الستة؟ فيحدث التشويق للسامع والمخاطَب أن يعرف تفصيل هذا الإجمال، وهو أسلوب القرآن، كما في قوله تعالى: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة:1 - 3]، وكان بالإمكان أن يقول: (الحاقة كذبت ثمود)، وكذلك قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة:1 - 3] فأحدث بالسؤال وبالإجمال الشوق إلى معرفة البيان والتفصيل، وهكذا هنا.
(فروضه ستة) أي: الفروض التي أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بها في الوضوء: ستة.
(11/3)
________________________________________
الفرض الأول: غسل الوجه وجوبه وكيفيته
قال رحمه الله: [غَسل الوجه] الغسل: هو صب الماء على الشيء، تقول: غسلتُ الإناءَ، إذا صببتَ الماء عليه فأصاب أجزاء الإناء، وغسلتُ الوجه، إذا صببت الماء عليه فأصاب الماءُ أجزاءه، وبناء على ذلك قالوا: الغسل لا يتحقق إلا بوصول الماء إلى البشرة.
فلو أن إنساناً بلل يده ثم دلكها على وجهه دون أن يجري الماء على الوجه لم يكن غاسلاً، وإنما هو ماسح، وفرق بين الغَسل وبين المسح.
والوجه: مأخوذ من المواجهة، وهو الشيء الذي يأتي قُبُلَ الإنسان مقابلاً له، تقول: واجهتُه، إذا صرتَ قِبَلاً للإنسان، أي: جئت من وجهه، ويقال لها: مواجهة، ويقال لها: مقابلة، ومنه قوله تعالى: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} [الأنعام:111] أي: أمامهم ينظرون إليه.
والوجه سيأتي -إن شاء الله- ضابطه.
أما الدليل على إيجاب غسل الوجه فقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، فقوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) أمر، والقاعدة في الأصول: (أن الأمر يدل على الوجوب إلا إذا صرفه صارف عن ذلك)، فلما قال: (فَاغْسِلُوا) أي: فرضٌ عليكم ولازمٌ عليكم أن تغسلوا وجوهكم.
كذلك أيضاً دلت السُّنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم نُقِل عنه الوضوء، ولم يثبت عنه في حديث صحيح أنه توضأ وترك غسل وجهه.
ففي الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان، عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه أنه (دعا بوضوء فأكفأ على كفيه فغسلهما ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً ثم غسل وجهه ... ) إلى آخر الحديث.
وكذلك حديث عبد الله بن زيد في الصحيح.
وحديث علي بن أبي طالب في السنن، كلها وصفت وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عنه أنه ترك غسل وجهه.
ولذلك أجمع العلماء رحمة الله عليهم على أن غسل الوجه فرض من فرائض الوضوء، فلو توضأ إنسان ولم يغسل الوجه بَطَل وضوءُه بإجماع العلماء رحمة الله عليهم.
(11/4)
________________________________________
أقوال العلماء في المضمضة والاستنشاق والراجح منها
قال رحمه الله: [والفم والأنف منه].
بعد أن بيَّن أن الوجه يجب غسله أشار إلى الخلاف الحاصل بين العلماء في مسألة: هل الأنف والفم من الوجه أو ليسا من الوجه؟ وجهان للعلماء: فقال طائفة من أهل العلم -وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وقول بعض أصحاب الحديث، وبعض أهل الظاهر-: أن الفم والأنف من الوجه، وبناءً على ذلك يجب على المكلف إذا توضأ أن يتمضمض ويستنشق، فلو غَسَل ظاهر الوجه ولم يتمضمض ولم يستنشق لم يكن غاسلاً للوجه، ثم هل يصح وضوءه أم لا؟ قيل: لا يصح وضوءه، وقيل: يأثم بترك المضمضة والاستنشاق ووضوءه معتبر.
فهذا هو القول الأول: أن المضمضة والاستنشاق يعتبر كل منهما فرضاً من فرائض الوضوء؛ لأنه من الوجه.
والذين قالوا بالوجوب استدلوا بظاهر القرآن: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
فلما قيل لهم: كيف فهمتم أن الفم والأنف يعدان من ظاهر الوجه وخارجه لا من باطنه؟ قالوا: عندنا دليل يدل على أن الأنف والفم من خارج البدن لا من داخله، وهو: أن الإنسان لو كان صائماً ثم أخذ الماء فتمضمض واستنشق أيبطل صومه أو لا يبطل؟ قيل: لا يبطل.
قالوا: فدل هذا على أنهما من خارج البدن لا من داخله، إذ لو كانا من داخله لأفطر من تمضمض واستنشق وهو صائم.
الدليل الثاني: قالوا: لو أن إنساناً استقاء، فأخرج الطعام إلى فمه ثم رد الطعام وهو صائم، ألا يبطل صومُه؟ قيل: يبطل صومه.
قالوا: فلو كان الفم من داخله لما بطل صومه؛ لأنه في هذه الحالة يكون الفم في حكم المريء، ولا يوجب وصول الطعام إليه وازدراده بطلانَ الصوم.
لهذا قالوا: يجب عليه أن يتمضمض وأن يستنشق.
واحتجوا أيضاً بالسُّنة في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا توضأت فمضمض) وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه، فدل على أنهما من فرائض الوضوء، وليسا من السنن.
هذه أدلة من يرى وجوب المضمضة والاستنشاق.
والمذهب الثاني -وهو مذهب الجمهور-: أنهما ليسا من الوجه، وأن المراد بالوجه في الآية الكريمة هو البشرة الخارجية، وليس الفم والأنف من خارج الوجه، بل هما من داخل البدن، وعلى هذا فلا يجب على المكلف أن يمضمض ويستنشق في الوضوء، واحتجوا بأدلة من الكتاب والسُّنة.
أما دليلهم من الكتاب: فالآية نفسها، قالوا: إن الله عز وجل قال في كتابه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)، ولا شك أن القرآن جاء بلسان العرب، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195]، فيجب تفسيره بدلالة ذلك اللسان، والذي يدل عليه لسان العرب: أن الوجه ظاهر البشرة، ولا يعتبر الفمَ والأنفَ من الوجه، أي: داخلهما، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة، قالوا: إن الإنسان إذا واجه الغير فالمواجهة إنما تحصل بالبشرة الظاهرة لا بباطن فمٍ ولا بباطن أنفٍ.
هذا بالنسبة لدلالة لفظ الوجه في اللغة.
وأما دليلهم من السُّنة: قالوا: أكدت السنة هذا المعنى، فقد جاء في حديث الترمذي (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! كيف أتوضأ؟ -أي: صف لي الوضوء الذي أصلي به وأستبيح الصلاة به- فقال عليه الصلاة والسلام: توضأ كما أمرك الله) أي: اقرأ كتاب الله، وما وجدت في آية المائدة فافعله، قالوا: فرد النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي إلى ظاهر القرآن، وهذا أعرابي لا يعرف الوضوء؛ إذ لو كان عارفاً بالوضوء عالماً به لما سأل، فردُّه إلى ظاهر القرآن صريحُ الدلالة على أن المرادَ ظاهرُ الآية.
وأما ما استدل به الفريق الآخر: فأولاً: ما استنبطوه من كون الفم يعد من خارج الوجه، هذا من المسائل التي لا يدركها إلا الفقيه، ويعسُر على أعرابي في بداية الإسلام وهو يسأل عن كيفية الوضوء أن يدرك المسائل الفقهية الخفية.
ثانياً: قولكم: إن اعتباره من داخلٍ وخارجٍ بالصفة التي ذكرتموها في الصوم؛ إنما هو اعتبار حكمي، والاعتبار الحكمي في العبادة المخصوصة لا يطرد في غيرها، أي: كون الشرع حكم بكون الفم من خارجٍِ في عبادة مخصوصة لا يقتضي اطراد ذلك على العموم، إذ لو قيل بذلك لَلَزم منه غسل باطن العين.
وقد كان يُحكى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرى وجوب غسل داخل العينين، حتى قيل: إنه هو السبب في عمى بصره في آخر عمره.
الشاهد أن الجمهور قالوا: إن ظاهر الكتاب وظاهر السُّنة لا يساعدان على القول بوجوب المضمضة والاستنشاق.
وبناءً على ذلك: فالقول بأن العبرة بظاهر البشرة قوي، ويؤيد ذلك: أن الإنسان لو وجد ماءً لا يكفي إلا لغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه لقيل بوجوب الوضوء عليه، ولما قوي أن يقال له: اعدل إلى التيمم، فدل على أن المراد بغسل الوجه غسل ظاهر البشرة.
وهذا القول هو أقوى الأقوال وأقربها إلى الصواب؛ لظاهر القرآن وظاهر السُّنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما لو قال قائل: إن النبي عليه الصلاة والسلام داوم على المضمضة والاستنشاق.
فجوابه أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد داوم على السنن من باب التعليم لا من باب الإلزام، ألا تراه عليه الصلاة والسلام -بإجماع الروايات عنه- أنه ما توضأ إلا غسل كفيه قبل أن يتوضأ؟! والذين قالوا بوجوب المضمضة والاستنشاق يسلِّمون بأن غسل الكفين قبل الوضوء لغير المستيقظ من النوم مستحب وليس بواجب، فدل على أن المداومة تكون لما هو واجب ولما هو غير واجب، فيقوى القول بعدم وجوبها.
ولكن ينبغي على المكلف أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن لا نأخذ من القول بسُنِّيَّة المضمضة والاستنشاق الاستهتار بفعلها، فإن التساهل في السنن لا ينبغي للمسلم، خاصةً لطالب العلم القدوة، ولذلك قد يتعلَّم البعضُ الفقهَ، فيكون نقصاناً في أجره، وحرماناً للخير له، وذلك بأن يتعلم السنن فيفرِّط فيها من باب أنها سنة، وقد تجد طالب علم يقول لك: اترك هذا إنه سنة!! وقد كان ينبغي على طالب العلم أن يقول: احرص عليه؛ لأنه سنة وهدي من النبي صلى الله عليه وسلم.
فلذلك ينبغي الحرص والمداومة على هذه السُّنة، ولا يعني القول بسُنِّيَّتها أن الإنسان يفرِّط فيها؛ وإنما يحرص على ذلك لسنيته، ولما فيه من الخروج من خلاف العلماء رحمة الله عليهم.
يقول رحمه الله: (منه) أي: من الوجه الذي يجب غسله: الفم، والأنف.
الفم: يتحقق غسله بالمضمضة بإدارة الماء فيه.
وكذلك الأنف: يتحقق غسله بإدخال الماء فيه إلى الخياشيم وجذبه بالنَّفَس ثم طرحه.
(11/5)
________________________________________
الفرض الثاني: وجوب غسل اليدين مع المرفقين
قال رحمه الله: [وغَسل اليدين].
الفرض الثاني: غَسل اليدين، واليدان: مثنى يد، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على حدهما.
واليدان أَمَر الله بغسلهما في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]، فأمر بغسل اليدين، والأمر دال على الوجوب حتى يأتي الصارف الذي يصرفه إلى ما دون ذلك، ولا صارف هنا.
والنبي صلى الله عليه وسلم غسل كلتا يديه إلى المرفقين، والواجب الغَسل من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والمرفقان داخلان في الغَسل، فلو غسل اليدين ولم يغسل المرفقين لم يصح وضوءه في قول الجماهير، وذهب داوُد بن علي الظاهري -رحمة الله على الجميع- إلى القول بأن المرفقين ليسا بداخلين في الغَسل، قال: إن قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] (إلى) فيه للغاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] فإن الليل لا يجب صيامه، والقاعدة في الأصول: أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ولذلك قالوا: لا يجب غَسل المرفقين، والمرفقان هما: مفصل الساعد مع العضد، وسُمِّيا بذلك من الارتفاق؛ لأن الإنسان إذا جلس ارتفق عليهما، فسُمِّيا مرفَقين بسبب ذلك.
والصحيح أن المرفقين داخلان في الغسل لأمور: الأمر الأول: ظاهر القرآن في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] فإن (إلى) تأتي في لغة العرب بمعنى: (مع)، ومنه قوله تعالى: {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران:52] أي: مع الله، فـ (إلى) بمعنى: (مع)، فيكون قوله تعالى: (إِلَى الْمَرَافِقِ)، أي: مع المرافق.
الأمر الثاني: أن قولهم: إن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، محل نظر، فإن الغاية إذا جاءت فلها حالتان: الحالة الأولى: أن تكون من جنس المُغَيَّا.
والحالة الثانية: أن تكون من غير جنس المُغَيَّا.
فإن كانت الغاية من جنس المُغَيَّا دخلت.
وإن كانت من غير جنس المُغَيَّا لم تدخل.
وتوضيح ذلك: أن المرفقين من جنس اليد، بل إن اليد تمتد إلى المنكب، فلما قال: (إِلَى الْمَرَافِقِ) دخلت؛ لأنها من جنس اليدين.
وأما {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] فالليل ليس من جنس النهار المأمور بصومه، فلم يدخل الليل الذي هو الغاية في المُغَيَّا؛ لأنه ليس من جنسه.
وبهذا يترجح قول الجمهور أنه يجب غَسلها.
ومما يدل على ترجيح قول الجمهور ما ورد في السُّنة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فغسل يديه حتى شرع في العضد) يعني: كاد يغسل عضده، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غسل المرفقين.
واليد تشمل: اليد الصحيحة، واليد المشلولة، واليد المقطوعة.
فلو أن إنساناً كانت يده شلَّاء وجب عليه غسلها، فيصب الماء عليها.
ولو قُطِعت وبقي من الفرض شيء، فإنه يجب غسل ما بقي بعد القطع.
ويجب غَسل اليد بكامل ما فيها، سواءً كانت على أصل الخِلقة بأن يكون فيها خمسة أصابع، أو زائدةً عن الخِلقة كما لو كان فيها ستة أصابع ونحو ذلك؛ لأن الله عز وجل أمر بغسلها على الإطلاق كما في قوله: (وَأَيْدِيَكُمْ)، ولاشك أن المكلف إذا زادت خِلقته في اليد أو خالفت الفطرة، فإنها داخلة في الوصف من كونها يداً له مأمور بغسلها.
(11/6)
________________________________________
الفرض الثالث: مسح الرأس والقدر الواجب منه
قال رحمه الله: [ومسح الرأس ومنه الأذنان].
الفرض الثالث: مسح الرأس، والمسح: هو إمرار اليد على الشيء، تقول: مسحتُ برأس اليتيم، إذا أمررتَ يدك عليه، والمراد بالمسح هنا: أن يُمِرَّ يدَه المبلولة على الرأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سكب الماء على يده، ثم مسح برأسه صلوات الله وسلامه عليه.
والرأس الذي يجب مسحه حدُّه: من الناصية إلى القفا، وهذا بالنسبة للطول، ثم من السالفة أو من عظم الصدغ إلى عظم الصدغ عرضاً، هذا يجب مسحه كله، والدليل على الوجوب قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] فإن قوله: (امْسَحُوا) أمر، والقاعدة في الأصول: (أن الأمر للوجوب حتى يدل الدليل على ما دون الوجوب)، ولا دليل هنا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه، ولم يترك المسح في وضوء البتة.
والإجماع من العلماء منعقد على أنه يجب مسح الرأس، وأن من توضأ ولم يمسح رأسه بطل وضوءه.
المسألة الثانية: ما هو الحد الذي يجب مسحه من الرأس؟ اختلفت أقوال العلماء رحمهم الله في هذه المسألة: فقال المالكية في المشهور -وهي أشهر الروايات عن مالك، وإن كان بعضهم رجَّح غيرها أيضاً-: إنه يجب مسح الرأس كله، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وشهَّرها غيرُ واحد من أصحابه: أن الفرض الذي أمر الله بمسحه من الرأس هو جميع الرأس لا بعضه.
القول الثاني: أن الواجب مسح ربع الرأس، وبه قال الإمام أبو حنيفة وأصحابه رحمة الله على الجميع.
القول الثالث: أن الواجب مسح ثلاث شعرات، وأن ما زاد عليها ليس بواجب، وبه قال الشافعية رحمة الله على الجميع.
وهناك رواية عند المالكية: أن الواجب مسح ثلث الرأس.
هذا محصل أقوال العلماء في مسألة مسح الرأس.
فيَرِدُ

السؤال
ما هي أدلة العلماء على هذه الأقوال؟ من قال بوجوب مسح الرأس كله: احتج بظاهر القرآن في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) قالوا: إن قوله: (بِرُءُوسِكُمْ) الباء للإلصاق، كأنه قال: امسحوا رءوسكم، وليس المراد بها التبعيض كما يقول الذين يرون أن مسح أجزاء الرأس مجزئ.
وقيل: إن الباء تأتي زائدة، واختار بعض المفسرين ممن يرجح هذا القول أنها زائدة وليست للإلصاق، فيقولون: إن قوله: (امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) أي: امسحوا رءوسكم، وهذا مثل قوله تعالى في قراءة: {تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ} [المؤمنون:20] (تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ) أصلها: تُنْبِتُ الدهنَ، والباء زائدة.
وهنا ننبه على مسألة في قول العلماء: الباء زائدة، أو مِنْ زائدة! وهي: أنه ليس مراد العلماء بقولهم: إنه حرف زائد، أنه لا معنى له في كتاب الله، فإن بعض المتأخرين يسيء الأدب مع أهل العلم المتقدمين دون التفات إلى مصطلحاتهم ومقصودهم.
فليس مراد العلماء رحمة الله عليهم بكونها زائدة إلغاء كونها من القرآن؛ وإنما المراد: أن المعنى: إرادة الكل لا إرادة البعض، مثل قولنا هنا في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) أنها لم تأت للتبعيض، فيقولون: هي زائدة.
وحملُها على الزيادة الحقيقية بمعنى أنها مُلغاة من القرآن يقتضي الكفر، فإن من أنكر من كتاب الله حرفاً ثابتاً بالتواتر يكفر والعياذ بالله، وهذا لا يقوله جاهل من عوام المسلمين، فضلاً عن علماء الأمة الذين هم أهل العلم والدراية والرواية.
فلا ينبغي للإنسان أن يكون بسيط الفهم ساذجاً ينكر على العلماء رحمة الله عليهم دون تروٍّ، ودون فَهم مقصودهم من الكلام، فإذا قالوا: هذه قراءة شاذة أو هذا حرف زائد، فليس مرادهم الشذوذ بمعنى: الانتقاص والتحقير، ولا الزيادة بمعنى: الإلغاء؛ وإنما هو معنىً موجود في هذه الحروف بأصل اللغة، والقرآن جاء باللغة، ولذلك تأتي الباء بقرابة عشرة معانٍ جمعها بعض الفضلاء بقوله: تَعَدَّ لُصوقاً واستعِنْ بتسبُّب وبدل صحاباً قابلوك بالاستعلا وزِدْ بعضَهم يميناً تحز معانيها كلها تَعَدَّ: التعدية.
لصوقاً: الإلصاق.
واستعن: الإستعانة، مثل: باسم الله.
بتسبُّب: مثل: {فَكُلَّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت:40].
إلى قوله: (وزِدْ) أي: أنها تأتي زائدة، وهذا هو موضع الشاهد، وقوله: (وزِد بعضَهم) أي: تأتي زائدة وللتبعيض.
فالمقصود: أن من معانيها أنها تأتي زائدة، وهذا في لغة العرب باستقراء كلامهم وألفاظهم، هذا بالنسبة للقول الأول، قالوا: إن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) أي: امسحوا رءوسكم.
الدليل الثاني لمن أوجب مسح جميع الرأس: من السُّنة، هو (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح جميع رأسه) ولم يُحفَظ عنه في حديث صحيح أنه اقتصر على بعض الرأس، أو جزء من الرأس، أو على ثلاث شعرات من الرأس، فلو كان الاقتصار على البعض جائزاً لفعله ولو مرة واحدة، صلوات الله وسلامه عليه.
هذا بالنسبة لأدلة من قال بوجوب مسح الرأس كله.
أما دليل من قال: إنه يجب مسح ربع الرأس -وهم الحنفية رحمة الله عليهم-: فاحتجوا، أولاً بالآية: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) وقالوا: إن الباء للتبعيض، وليس المراد بها الكل، وهذا معروف في لغة العرب، كما قال تعالى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف:150] فليس المراد أنه أخذ الرأس كله، ولكن أخذ البعض، فَنُزِّل منزلة الكل، وتقول: أخذتُ برأس اليتيم، وليس المراد أنك أخذت الرأس كله؛ وإنما أخذت جُزْأَه، فكأنك أخذت الكل؛ لأنه بمجرد شدك لجزء من الرأس ينشدُّ جميع الإنسان، فيقال: أخذ برأسه.
قالوا: فقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ): للتبعيض.
الدليل الثاني: احتجوا بحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ في غزوة تبوك، قال: فمسح بناصيته وعلى العمامة) قالوا: والناصية تُقَدَّر بربع الرأس، ولذلك يقدرونها بأربعة أصابع، قالوا: قدر أربعة أصابع من مُقَدَّم الرأس يجزئ في المسح، بشرط أن يكون بأربعة أصابع، فلا يمسح بما دونها.
وهذا أصل عند الحنفية: أن أكثر الشيء مُنَزَّل منزلة الكل، وهذا أصل طردوه في مسائلَ لا تحصى كثرةً في العبادة والمعاملة، ولذلك تجدهم يصححون طواف من طاف أربعة أشواط بالبيت؛ لأن أكثر الطواف أربعة أشواط، فلو ترك الثلاثة قالوا: يصح ويلزمه الجبران، وهكذا سعيه، وهكذا في المبيت في الليل قالوا: لو أمسك أكثره فإنه يُنَزَّل منزلة الكل.
فهذا أصل عندهم: أن أكثر الشيء مُنَزَّلٌ منزلة الكل.
فقالوا: إن ربع الرأس إذا مُسح بأكثر الأصابع وهي الأربعة فإن هذا يجزئ، ويكفي في هذا الفرض الذي أمر الله عز وجل بمسحه.
دليل أصحاب القول الثالث الذين قالوا: إنه يمسح ثلاث شعرات: احتجوا بقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) قالوا: الباء للتبعيض، وبناءً على ذلك يكون قوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ): أي: بعض رءوسكم، ولا يجب مسح كل الرأس، وهذا البعض الذي يصدُق عليه أكثر الجمع أنه من الرأس إنما هو الثلاث فأكثر، وهي قاعدة في المذهب الشافعي وغيره، في مسائل: أن أقل الجمع ثلاثة، وبناءً على ذلك قالوا: أقل الرأس ثلاثُ شعرات، فإذا مسح الثلاث صَدَق عليه أنه مسح برأسه، وهكذا لو حلق في الحج ثلاث شعرات أو قَصَّر ثلاث شعرات أجزأه، وهذا أصل عند الشافعي رحمة الله عليه.
هذا حاصل أدلة مَن قال بالتبعيض.
تبقى أدلة القول الأخير الذي حكيناه رواية عن الإمام مالك: أن الثلث من الرأس يجزئ، وهذا أصل عند المالكية أيضاً: أن الثلث يُنَزَّل منزلة الكل في مسائل، منها: مسألة المساقاة، والمزارعة، إذا كان بالأرض بياض يعدل ثلث الذي سُقِي عليه لحق المساقاة، وجاز أن يتعامل مع العامل على إحيائه، قالوا: لحديث سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الثلث والثلث كثير) قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والثلث كثير) فمن مسح ثلث رأسه فقد مسح الكثير فيجزئه، وهذا قول طائفة من أصحاب الإمام مالك رحمة الله عليه.
هذا محصل حجج العلماء في مسألة المسح على الرأس.
وأصحها -والله أعلم- في نظري: القول بوجوب مسح الرأس كله، وذلك لما يأتي: أولاً: لظاهر القرآن؛ فإن حمل الباء على التبعيض تجوُّز، والأصل حملها على ما ذكر من الإلصاق؛ لأنه أقرب إلى معنى المسح، فإن قولك: مسحتُ برأسه على أنه للإلصاق أقرب من قولك: إنه للتبعيض؛ لأن التبعيض خلاف الأصل، ولذلك يأتي غالباً في المعاني المجازية.
ثانياً: أن السُّنة التي احتُجَّ بها على التبعيض -وهو دليل القول الثاني الذي قال: يجب مسح ربع الرأس- يجاب عنها: بأن الحديث فيه: (مَسَحَ بناصِيَتِه وعلى العمامة) فيَصح الاستدلال بهذا الحديث فيما لو اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على مسح الناصية، ونحن نقلب هذا الحديث ونقول: هو حجة لنا لا علينا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتبع مسح الناصية بالمسح على العمامة.
لكن هنا إشكال أورده الحنفية رحمة الله عليهم، قالوا: لو قلتم: إن مسحه للعمامة المراد به مسح فرض لبطلت أصولكم؛ لأنه لا يصح في الأصل أن يُجْمع بين البدل وبين المبدل، فإن الرأس إما أن يمسح عليه أو يمسح على العمامة.
فإما أن تقولوا: مسح الناصية هو الفرض، ويكون مسحه على العمامة لاغٍ فيستقيم دليلُنا، أو تقولوا: مسح العمامةِ هو الفرض، والناصيةُ ملغاةٌ، وهذا خلاف الظاهر.
فكيف الجواب عن هذا الإشكال؟

الجواب
أن يقال: إن المسح على العمامة في هذا الحديث هو الأصل؛ ولكن يجوز في العمامة أن يُكشف ما جرت العادة بكشفه، بدليل أن من تعمَّم العمامة المعروفة فإن السوالف تخرج، والخارج المعتاد مغتفر في المسح على العمامة؛ ولكنه يُمْسح إبقاءً على الأصل، وكشف الناصيةُ صنيع أهلِ الفضل، وهذه من السنن: أن الإنسان لا يبالغ في إرخاء ستر الوجه إلى حواجبه، لأنه صنيع أهل الكبر والخيلاء، ولذلك قالوا: إنه يُكشَف عن الناصية، ويكون كشف النبي صلى الله عليه وسلم عنها في هـ
(11/7)
________________________________________
كيفية مسح من طال شعره
مسألة: لو أن إنساناً طال شعره حتى استرسل، وبلغ -مثلاً- إلى القفا، فهل يجب عليه المسح لجميع الشعر؟ قال بعض العلماء: يَمسح جميع الشعر حتى يأتي من قفاه ويرده إلى مُقَدَّمِه، فيتأتى له التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض العلماء: يجب عليه مسح ما حاذى الفرض، بمعنى أنه يمسح حتى يبلغ آخر الرأس، ثم لا يجب عليه مسح ما استرسل، وفرَّعوا على هذا المرأة، فقالوا: إنها تمسح ما حاذى الرأس، ولا يجب عليها مسح ما استرسل.
والحقيقة: الأحوط والأكمل أن الإنسان يمسح الكل؛ لأنه حالٌّ محل الأصل، فإن الشعر حال محل جلدة الرأس، وقد تعذر مسح الجلدة، فوجب إنزال البدل منزلة الأصل، فيجب مسح الشعر، ويحتاط الإنسان بكماله.
(11/8)
________________________________________
كيفية مسح الرأس
والسُّنَّة في مسحه لشعره: أن يبدأ من مُقَدَّمِه حتى يبلغ قفاه، ثم يَرُدَّه إلى مُقَدَّمِه، هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه وأرضاه قال: (بدأ بمُقَدَّم رأسه حتى بلغ قفاه ثم ردهما إلى الموضع الذي بدأ منه).
وقال بعض العلماء: بل يبدأ من القفا حتى يَقْدُم إلى المُقَدَّم، ثم يعود إلى القفا، واحتجوا بقوله: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) قالوا: أقْبَلَ بهما، أي: من القفا إلى المُقَدَّم، وأدْبَرَ، أي: ردهما إلى القفا.
والصحيح: أن قوله: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) مجمل، وأن قوله: (بدأ بمُقَدَّم رأسه) مفصِّل مبيِّن، والقاعدة: (أن المفصِّل والمبيِّن مُقَدَّمٌ على المجمل).
الأمر الثاني: أن قوله: (أقْبَلَ بهما) استقام استدلالهم به على أن (أقْبَلَ) على الحقيقة؛ ولكن المعروف في لغة العرب أنهم يقولون: أقْبَلَ وأدْبَرَ، ومرادهم: أدْبَرَ ثم أقْبَلَ، وهذا معروف، ومنه قول امرئ القيس يصف جواده: مِكَرٍّ مِِفَرٍّ مُقْبِلٍِ مُدْبِرٍ معاً كجلمود صخرٍ حطَّه السيل مِن عَلِ (مِكَرٍّ مِفَرٍّ) فالكَرَّ لا يكون إلا بعد الفِرار، يفِر الإنسان أولاً ثم يكُر، فالفارس أول ما يفعل: يفِر، ثم بعد ذلك يكر، فلذلك قال: (مِكَرٍّ مِفَرٍّ) فقدَّم كونَه يَكُرُّ على العدو على فِراره.
كذلك قوله: (مُقْبِلٍِ مُدْبِرٍ معاً) فإن الأصل: أنه أدْبَرَ أولاً ثم أقْبَلَ على العدو.
وهذا معروف في اللغة.
فيكون قول الصحابي: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) على هذا المعنى؛ أنه أدْبَرَ ثم أقْبَلَ.
وعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به على الوجه الذي ذكروه.
وهناك وجه ثالث قال: نجمع بين الحديثين: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) أي: معاً، فيضع يديه في منتصف الرأس، فيُقْبِل باليمنى ويُدْبِر باليسرى.
والصحيح: ما ذكرناه؛ من أن قوله: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) المراد به: أدْبَرَ بهما ثم أقْبَلَ للرواية المبيِّنة.
(11/9)
________________________________________
الفرض الرابع: غسل الرجلين والرد على من قال بالمسح
قال رحمه الله: [وغسل الرجلين].
هذا هو الفرض الرابع الذي أمر الله بغسله، وقد انعقدت كلمة أهل السنة والجماعة على أن غسل الرِّجْلين فرضٌ.
وخالف بعض أهل الأهواء ممن لا يُعْتَدُّ بخلافه؛ فقالوا: إن الرِّجْلين يجب مسحهما ولا يجب غَسلهما.
والصحيح والمعتبر والذي عليه العمل: أنه يجب الغَسل، وذلك لما يلي: أولاً: أن قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] المراد به: اغسلوا أرجلكم، والذين قالوا: إنه يجب مسح الرِّجْلين قالوا: إن قوله: (وَأَرْجُلَكُمْ) فيه قراءة: (وَأَرْجُلِكُمْ) عطفاً على قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6]، وبناءً على ذلك قالوا: المعنى: امسحوا أرجلَكم.
وهذه القراءة يُجاب عنها بأن قوله تعالى: (وَأَرْجُلِكُمْ) الجر فيه للمجاورة، ومنه قول الشاعر: لَعِبَ الزمانُ بها بعدُ وغيَّرها سوافي المَور والقطرِ فإن الأصل: والقطرُ أي: غيَّرها القطرُ، ولكن عندما قال: (سوافي المَور) فأضاف المور مضاف إلى السوافي -المَور: الذي هو الرياح، والسوافي: جمع سافية، وهي الريح- قال: (والقطرِ) فراعى المجاورة في قوله: (المَور) وإلا فالأصل في التقدير أن يقول: والقطرُ، ولا يقول: والقطرِ.
وهذه لغة معروفة جاءت عليها القراءة التي ذُكِرت من قوله: وأرجلِكم.
وأما قراءة النصب فهي قوية واضحة في الدلالة على الوجوب، وأن الرِّجْلين فرضهما الغَسل لا المسح.
ثم يجب غَسل الرِّجْلين من أطراف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغاية، والخلاف فيهما كالخلاف في المرفقين، ولذلك قالوا: إنه يجب غسل الكعبين لحديث أبي هريرة (أنه توضأ فغسل رجليه حتى شرع في الساق وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ).
فالمقصود أنه يجب غسل الكعبين، والكعبان هما العظمان الناتئان في آخر الساق، ويجب غسلهما، فلو غسل رجليه ولم يغسل الكعبين لم يصح وضوءه؛ لأن الله أمر بغسلهما وقال: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] أي: مع الكعبين؛ لأن الغاية داخلة في المُغَيَّا إذ هي من جنسها، فإن الكعبين ليسا من الساق وإنما هما من القدم، والقدم تعتمد في الظاهر عليهما؛ لأن حركتَها ووضعَها في رفعِها ووضعِها قائم على الكعبين، فهما من القدم وليسا من الساق، فذلك يجب غسل الكعبين.
وبهذا نكون قد انتهينا من أربع فرائض، والفرض الأخير هذا ثبت وجوبه بدليل الكتاب كما قلنا في الآية، وبدليل السُّنة من مواظبته عليه الصلاة والسلام، والإجماع.
وليس هناك أحد من أهل السنة والجماعة يقول: إن الرِّجْلين لا يجب غسلهما.
يُستثنى من ذلك المسح على الخفين، فإنه إذا غَطَّى قدميه بالخفين نُزِّل المسح منزلة الغَسل؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأحاديث المتواترة، وقد ورد عن أكثر من ستين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه، ولذلك تجد أن أهل السنة والجماعة إذا ذكروا عقيدة أهل السنة والجماعة أدخلوا فيها سُنَِّّية المسح على الخفين؛ مبالغة في رد قول أهل البدع والأهواء الذين لا يرون المسح على الخفين؛ لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأحاديث المتواترة، كما قال بعض الفضلاء: ثم من المشهور ما تواترا وهو ما يرويه جمعٌ حُظِرَا كذبهم عرفاً كمسح الخفِّ رفعُ اليدين عادمٍ للخُلفِ وقد روى حديثَه مَن كتبا أكثر مِن ستين ممن صَحِبا أي: أن المسح على الخفين، ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر من ستين من أصحابه صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم أجمعين، فيُنَزَّل المسح على الخفين منزلة غسل الرجلين لإذن الشريعة به، ولذلك قال بعض المفسرين في قوله تعالى: (وَأَرْجُلِكُمْ)، على قراءة الجر، قال: إنها محمولة على حالة المسح على الخفين، ويُنَزَّل الجوربان منزلة الخفين على أصح أقوال العلماء.
(11/10)
________________________________________
وجوب الترتيب في الوضوء والرد على من قال بعدمه
قال رحمه الله: [والترتيب].
يقال: رتَّبَ الأشياء إذا جعل كل شيء منها في موضعه وجعلها تِلْو بعضها.
والترتيب: أن يوقع الغَسل والمسح على الترتيب الذي جاءت به آية المائدة، فيبدأ بغسل وجهه، ثم غسل يديه، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه، فلو قدَّم مسح الرأس على غسل الوجه لم يُجزئه، ولو قدَّم غسل الرجلين على مسح الرأس لم يجزئه، وهكذا.
وهذا الترتيب دل عليه دليل الكتاب، فإن الله عز وجل أمر بغسل الوجه، ثم أتبع الوجه باليدين، ثم أتبعهما بمسح الرأس، ثم أتبع الجميع بغسل الرجلين، والواو هنا يُفهم منها الترتيب لقرينه، فإن الواو في لغة العرب لا تقتضي الترتيب إلا عند وجود القرائن، فإذا قلت -مثلاً-: جاء محمد وعلي، فلا يستلزم ذلك أن يكون محمد جاء أولاً ثم مِن بعده علي، إذ يجوز أن تقول: جاء محمد وعلي، مع أن علياً هو الذي جاء أولاً، ويجوز أن تقول: جاء محمد وعلي، وقد جاءا مع بعضهما لا يسبق أحدهما الآخر.
إذاً: الواو في قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة:6]، وقوله بعد ذلك: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة:6] (الواو) في هذه الأربع لا تفيد الترتيب نصاً؛ لكن فُهِم الترتيب من سياقها، وذلك أنه لا معنى لإدخال الممسوح بين المغسولَين إلا إرادة الترتيب، فإن الله عز وجل أدخل الرأس وهو ممسوح بين مغسولَين وهما: اليدان والرجلان، فلو كان الترتيب ليس بلازم لذكر المغسولات أولاً ثم أتبع بالممسوح، أو ذكر الممسوح أولاً ثم أتبع بالمغسولات، فلا وجه لإدخال المسح بين الغَسلَين على هذه الصورة، إلا إرادة الإيقاع على الطريقة أو على الصورة التي وردت في الكتاب.
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله) أي: على الصفة التي وردت في كتاب الله جل وعلا.
ثالثاً: أنه لم يُحفَظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فقدَّم عضواً على عضو مخالفاً للترتيب.
لكن هنا إشكال في الحديث الذي ورد مِن كونه عليه الصلاة والسلام تمضمض بعد أن غسل وجهه، فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟ جوابنا: أن الترتيب في أعضاء الوضوء يقع على الصورة التالية: أولاً: الترتيب بين مفروض ومفروض.
ثانياً: الترتيب بين مسنون ومسنون.
ثالثاً: الترتيب بين مفروض ومسنون.
فأما الترتيب بين مفروض ومفروض: فكَغَسل اليدين بعد غَسل الوجه.
وأما الترتيب بين مسنون ومسنون: فكالترتيب بين المضمضة والاستنشاق، بأن يوقع المضمضة أولاً ثم يستنشق بعدها.
وأما الترتيب بين مفروض ومسنون: فكالمضمضة مع غَسل الوجه، فيبدأ بالمضمضة أولاً ثم الاستنشاق، ثم يغسل وجهه.
والذي ورد في الحديث من كونه غَسَل وجهه ثم مضمض؛ إنما هو بين مسنون ومفروض، ومحل الكلام فيما بين المفروضات.
وبناءً على ذلك: يكون هذا الحديث خارجاً عن موضع الكلام الذي نتكلمه، وهذا أمر يُغْفِله بعضُ طلاب العلم؛ فيحتج بهذا الحديث على إلغاء الترتيب، وليس في الحديث دلالة؛ وإنما يستقيم الاستدلال بالحديث فيما لو غَسل عليه الصلاة والسلام يديه قبل وجهه، أو -مثلاً- قدَّم مسح رأسه على غسل اليدين، أما أن يخالف في الترتيب بين السنن فأمر السنن واسع ليس كالفرائض.
تنبيه: هذا الترتيب إنما هو في الفرائض، بأن يكون الترتيب بين فرض وفرض آخر، أما الفرض بذاته فالترتيب فيه ليس بلازم، وذلك في الأعضاء الثنائية كاليدين والرِّجْلين، فيجوز لك أن تغسل اليمنى قبل اليسرى، وأن تغسل اليسرى قبل اليمنى، ولا يشترط الترتيب بين اليمنى واليسرى، فلو غسل يده اليسرى قبل اليمنى لصحَّ؛ لأن الله عز وجل أمر بغسل اليدين مطلقاً، وهذا قد غسل يديه، وفِعْل النبي صلى الله عليه وسلم هو على سبيل الكمال؛ لقول عائشة: (يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله).
وبناءً على ذلك: لا يجب الترتيب بين المسنونات.
(11/11)
________________________________________
حقيقة الموالاة في الوضوء
قال رحمه الله: [والموالاة].
وهي: أن تقع هذه الفروض على الولاء، بعضُها يلي بعضاً، دون وجود فاصل مؤثر.
وتوضيح ذلك: أن يغسل وجهَه، ثم يقوم بغسل يديه قبل أن ينشف وجهُه، ثم يمسح رأسه قبل أن تنشف يداه، ثم يغسل رجليه قبل أن ينشف الماء الذي مَسح به رأسَه، هذا مراد العلماء بالموالاة، ولذلك قال العلماء: ضابطها: أن لا ينشف العضو المفروض قبل أن يبدأ بالفرض الذي يليه، مثال ذلك: لو أن إنساناً توضأ في بيته، وكان قد غسل وجهه، وقبل أن يغسل يديه انقطع الماء أو انتهى الماء الذي عنده، فقام من موضعه إلى موضع آخر فيه الماء، ومشى حتى بلغ الماء، فحينئذٍ ننظر: فإن كان الفاصل الذي بين انقطاع الماء وغَسله للعضو الثاني فاصلاً مؤثراً بحيث ينشف العضو الأول فيه، وذلك في الزمان المعتدل الذي هو ليس بشديد البرد ولا بشديد الحر؛ لأن الحر فيه نوع من الرطوبة، خاصةً إذا كان الإنسان في الظل فيبقى العضو طرياً إلى أمد أكثر، والبرد مع الهواء والريح ينشف العضو بسرعة، فلو قُدِّر أن العضو في الزمان المعتدل ينشف إلى سبع دقائق فنقول: إذا مضت سبع دقائق ما بين غَسله لوجهه وغسله ليديه بعد عثوره على الماء بطل وضوءه، وإن كان دون ذلك صح وضوءه ولم يؤثر وجود هذا الفاصل.
والولاء أصل في ظاهر الآية لأمور: الأمر الأول: أن الله عز وجل أمر بغسل ومسح الأعضاء في الوضوء، وهذا يقتضي أن تكون في موضع واحد.
الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى على رِجْلِ الرَّجُل قدر لمعة لم يصبها الماء أمره صلوات الله وسلامه عليه أن يعيد وضوءَه، فدل هذا على أن الولاء شرط؛ لأن أمره بإعادة الوضوء إنما هو مبني على وجود فاصل الوقت، فدل على أن الولاء معتبر.
وهذا هو الذي يعبر عنه العلماء بقولهم: تجب الموالاة، أي: يلزم المكلف أن يوقع غسل ومسح هذه الأعضاء على الولاء.
والله تعالى أعلم.
قال رحمه الله: [وهي أن لا يؤخر غَسل عضوٍ حتى ينشف الذي قبلَه].
هذا تعريف الموالاة، وقد يسميه بعض العلماء: ضابط الموالاة.
يعني: كأن سائلاً سأل: ما هي الموالاة؟ فقال: (هي أن لا يؤخر غَسل عضوٍ حتى ينشف الذي قبله).
وهذا كما قلنا: إن الضابط الذي ذكرناه هو أن لا يؤخر غَسل عضوٍ أو مسح عضوٍ من الأعضاء التي أُمِر بمسحها حتى ينشف الذي قبلَه.
إذاً: العبرة بنَشَاف العضو.
(11/12)
________________________________________
الأسئلة
(11/13)
________________________________________
الخلاف في دخول الأذنين في الرأس

السؤال
هل من الممكن أن توضحوا لنا قول المصنف رحمه الله: [ومسحُ الرأس ومنه الأُذُنان]؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: فقوله رحمه الله: [ومسحُ الرأس ومنه الأُذُنان]: الأُذُنان: مُثَنَّى أُذُن، وهي الجارحة المعروفة، وأصل الأذن قيل: الإعلام، ومنه قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:3] أي: إعلام، وقد يُطْلَق بمعنى: الإباحة، ومنه قولهم: أَذِن للضيف، أي: أباح له الدخول.
وقوله: [ومنه الأُذُنان]: أي: مِن الرأس، أي: يجب مسحُهما مع الرأس، وفيه حديث عن ابن عباس اختُلِف في إسناده، وضعفه الحافظ ابن حجر والنووي والزيلعي وغيرهم وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (الأُذُنان من الرأس) وقد رواه الترمذي، ورواه أيضاً البيهقي والدارقطني وفي بعض أسانيده المتروكُ والضعيفُ، ولذلك استبعد العلماء جَبْر هذا الحديث بالطرق؛ لأنه -كما تعلمون- من ضوابط المتابعة التي يُحَسَّن بها الحديث: ألاَّ يكون المتابِع منكَراً ولا كذَّاباً ولا وضَّاعاً، فلا يُحْكَم بانجبار السند بكذَّاب ولا وضَّاع، كما أشار إلى ذلك صاحب الطلعة، بقوله رحمه الله: وحيث تابعَ الضعيفَ معتبرْ فحَسَنٌ لغيره وهو نظرْ إن لم يكن لتهمةٍ بالكذبِِ أو الشذوذِ فانجبارُه أُبِي هذا الذي مِن غِمده قد انتضى مَن حقَّق الحسنى وجا بالمرتضى أي: أنه لا يُحكَم بانجبار الحديث وصيرورته إلى كونه حسناً لغيره، إذا كانت الطُّرُقُ طُرُقَ كذَّابين ووضَّاعين، فمثل هؤلاء لا يجْبرُ بعضُهم بعضاً، بل يزيدُ الحديثَ توهيناً وضعفاً.
فبعضُ العلماء يرى أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن الانجبار فيه متعذر، ولا يرون أنه يُجْبَرُ مثلُه.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يُجْبَر، واعتمدوا خلافاً بين العلماء في إحدى الطرق، اختُلِف في السماع فيها، فرجح هؤلاء العلماء أن السماع بين ابن عباس ومن روى عنه معتبر، وحكم بتحسين الحديث.
وبناءً على هذا: يكون قوله عليه الصلاة والسلام: (الأُذُنان من الرأس) حجةً لمن يرى أن الأُذُنَين تُمْسَحان مع الرأس.
وقد اختُلِف في الأُذُنين: فقال بعض العلماء: يجب غسلهما مع الوجه.
وقال بعضُهم: تُمسحان مع الرأس.
وقال بعضهم: إنهما ليستا من الوجه ولا من الرأس.
والقول بأنهما تُغسلان مع الوجه -وهو قول بعض أهل الحديث- كنتُ أتعجب منه، وأقول: كيف يقول الإمام الزهري -رحمة الله عليه وهو ديوان من دواوين العلم في السُّنَّة- إن الأُذُنَين تغسلان مع الوجه؟! فذكرتُ ذلك للوالد رحمة الله عليه، فقال لي: دليله من السُّنة: قوله عليه الصلاة والسلام: (سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشق سمعه وبصره) فقال: (وجهي) ثم قال: (شق سمعه) فأضاف السمع إلى الوجه، فقال: هذا يدل على أن الأُذُنَين من الوجه، وليستا من الرأس.
وعلى هذا: ما دام أن حديث: (الأذنان من الرأس) ضعيف، فيجب غسل الأُذُنين مع الوجه.
والحقيقة: أن الإضافة في الحديث في قوله: (وسمعه) ليست على ظاهرها؛ وإنما هي -كما يسميها العلماء- بالمجاورة، أي: ما جاور الشيء أخذ حكمه، وهذا لأنه في مقام التضرع والابتهال لله عز وجل.
وهناك قول رابع يقول: الأُذُنان ما أقبل منهما من الوجه فيغسل، وما أدبر منهما من الرأس فيمسح، وهذا القول يأخذ بالتفصيل.
والحقيقة أن الأقوى: أنهما من الرأس.
وبناءً على ذلك: يقوى القول بأنهما يمسحان ولا يغسلان.
وبناءً عليه: في حال مسحه للرأس -على القول بوجوب مسحهما- أنه لو مسح رأسه ولم يمسحهما لم يكن ماسحاً لرأسه، فيمُسح ظاهرهما وباطنهما، وقد جاءت أحاديث تُكُلِّم فيها، منها: أنه (وضع عليه الصلاة والسلام إبهامه خلف أُذُنِه، ثم أدار المسبِّحة في داخل الأُذُن) صلوات الله وسلامه عليه.
(11/14)
________________________________________
حكم البسملة في الوضوء

السؤال
هل البسملة فرضٌ من فروض الوضوء؟ وما حكم من نسيها؟

الجواب
قد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين: فمنهم من يرى لزومها ووجوبها لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه).
وقال طائفة من العلماء وهو مذهب الجمهور: أن البسملة ليست بواجبة في الوضوء وذلك: أولاً: لأن الله تعالى لم يأمر بها، وقد أمر الله بالبسملة في الذبح فقال: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:118]، ونهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه فقال: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121].
فلو كانت البسملة في الوضوء واجبةً لذكرها في بداية الوضوء.
ثانياً: أن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء في الصحيحين لم يثبت في واحد منها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر التسمية قبل الوضوء.
ولذلك لا يجب ذكرها عند ابتداء الوضوء.
والحديثُ مُتَكَلَّمٌ في سنده، وإن كان مذهب بعض المحققين من المتأخرين أنَّه يُحَسِّن إسناده.
ولكن يُجاب: بأن قوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) نفي مُسَلَّط على الحقيقة الشرعية.
والقاعدة في الأصول: (أن كل نفي تسلَّط على الحقيقة الشرعية، وتعذَّر حملُه على نفي الصحة وَجَبَ صرفُه إلى الكمال)، كقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له) أي: لا إيمان كامل، فإنه نفي مسلَّط على الحقيقة الشرعية، فلا يستقيم نفي صحة الإيمان ووجود الإيمان؛ لوجود الأدلة التي تدل على أن ارتكاب الكبيرة نقصانٌ في الإيمان وليس ذهاباً لحقيقته.
وبناءً على ذلك: يكون قوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أي: لا وضوء كامل، وهذا هو الأولى والأقوى.
والله تعالى أعلم.
(11/15)
________________________________________
حكم تخليل الأصابع في الوضوء

السؤال
ما حكم تخليل الأصابع في الوضوء؟

الجواب
فيه حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم خلَّل أصابعه، رآه يُخَلِّل بخنصره) ولكن الحديث مُتَكَلَّم فيه.
(11/16)
________________________________________
معنى قاعدة الأحناف: أكثر الشيء يغني عن كله

السؤال
قاعدة الأحناف: أن أكثر الشيء يغني عن كله، فهل إذا غسل شخص ثلاثة أرباع يده يكون ذلك مجزئاً في المذهب؟

الجواب
لا، الأحناف ليسوا مغفلين حتى يستدرك عليهم مثلك، الأحناف أئمة وعلماء وجهابذة، هذا -بارك الله فيك- في المعدودات، وفي أجزاء الشيء الذي يقبل التبعيض، أما اليد فما تقبل التبعيض، والمعدودات: كأشواط الطواف بالبيت، وأشواط السعي بالمسعى.
وأما بالنسبة لجزء الشيء المتحد فلا تدخله القاعدة عندهم، وإن كان بعضهم يطْرِد ذلك في مسائل في الجزء المتحد؛ لكن هذا أمر مشكل حتى عند فقهائهم، وكل قاعدة لها شواذ.
على العموم: ليس مرادهم الإطلاق، وإنما مرادهم أن الأجزاء التي ورد الشرع بتجزئتها يعتبر فيها الأكثر.
(11/17)
________________________________________
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يأتون غراً محجلين)

السؤال
هل ورد أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يزيد في غسل أعضائه بعد سماعه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يأتون غُرَّاً محجَّلين)؟ وما معنى: (غُرَّاً محجَّلين)؟

الجواب
نعم، ورد عنه رضي الله عنه أنه كان يبالِغ حتى يغسل كثيراً من الساق، وكثيراً من العضد، وكان يتأول قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أمتي يُدْعون يوم القيامة غُرَّاً محجَّلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل) قيل: إن قوله: (من استطاع) مُدْرَج من كلام أبي هريرة؛ لأنه كان يتأول ذلك.
والصحيح: أن معنى (الغُرَّة والتحجيل): هو البياض الذي يوجد في قوائم وجبين الفرس، إذاً الغُرَّة في الجبين، والتحجيل في القوائم.
وهذا الوصف الذي ورد المراد به من أسبغ وضوءه، أي: دائماً يتوضأ ثلاثاً، وأيضاً يُكْثِر من الوضوء، فالذي يُكْثِر من الوضوء يَعْظُم نورُه ويَعْظُم أثرُ وضوئه، ويكون محمولاً على هذا الفضل في قوله: (إن أمتي يُدْعون يوم القيامة غُرَّاً محجَّلين) والدليل على أنه ليس المراد به الزيادة على المحل: أن قوله: (غُرَّاً محجَّلين) منحصر في الموضع، وما انحصر في الموضع لا يقبل الزيادة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث لما توضأ وأتم وضوءه وغسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين، قال: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد فقد أساء وظلم) ولذلك لا تشرع الزيادة، وإنما يُقْتَصر على الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
واجتهادُ أبي هريرة رضي الله عنه مأجورٌ عليه غيرُ مأزور؛ ولكن الصحيح: أن التحجيل والبياض والغُرَّة إنما تكون لمن أدمن الوضوء وحافظ عليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) فمن فضائل الأعمال وطيِّبها وأحبها إلى الله: كثرة الوضوء، فإنه إذا أكثر من الوضوء تحاتت عنه ذنوبه، وذهب أثر المعصية من جوارحه، فكان ذلك أدعى أنه إذا بُعث وحُشر أن يدعى على أكمل ما يكون من نور وبهاء.
جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل.
والله تعالى أعلم.
(11/18)
________________________________________
حكم نسيان الترتيب في الوضوء

السؤال
على القول بأن الترتيب فرض فهل يسقط الترتيب بالسهو أو الجهل؟

الجواب
لا يسقط الترتيب بالسهو والجهل، وقد اختار الإمام مالك رحمة الله عليه -وهو اختيار بعض الفقهاء- أنه واجب عند الذكر ساقط عند النسيان، واحتجوا بقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).
والصحيح أنه يُرفع الإثم بالنسيان، ويجب ضمان الحق، حتى إن الإمام مالك رحمة الله عليه في فرائض الحج وواجباتها لم يسقطها بالنسيان، وأوجب ضمانها وجبرها، وقال: سقط الإثم لمكان النسيان ووجب الضمان لمكان الحق.
وهذا أصل في الشرع، فيقوى مطالبته بالضمان والإعادة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصحابي وعليه اللمعة لم يسأله: أنسيت؟ وإنما أمره بالإعادة مطلقاً.
والله تعالى أعلم.
(11/19)
________________________________________
تتابع صيام الست من شوال

السؤال
هل الأفضل صيام الست من شوال متفرقة أم متتابعة؟

الجواب
الأمر واسع؛ ولكن تتابعها من باب المبادرة إلى الخير أفضل وأكمل ما لم يُعْتَقد في الأيام المتتابعة، ولذلك شدد الإمام مالك رحمة الله عليه في صيام الست؛ لأن الناس صاروا يصومونها من اليوم الثاني من الفطر، فخشي أن يُزاد في العبادة ما ليس منها؛ لأن من قواعد مذهبه رحمة الله عليه -وكان يشدد في هذا حيطةً للدين وصيانةً له من البدع والأهواء- أنه كان يمنع من صيام الست، ومراده من ذلك أن لا يعتقد أنها من رمضان؛ لأن الناس بالغوا فيها، فكان الرجل بمجرد فطره يصوم في اليوم الثاني، وقد يفوت زيارته للناس، وحصول الأنس بإصابة شرابهم وطعامهم في أيام العيد، فشدَّد من هذا الوجه، وكانت النصارى تزيد في أعداد الأيام المفروضة عليهم، ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك) لئلا يُعتَقد أنه من رمضان فيُزاد في عدده، ولذلك شدد الإمام مالك فيما بعد رمضان إعمالاً لهذا الأصل، وهو خوف اعتقاد الوجوب، وأنها من رمضان، وقد كانوا يقولون: أتممتَ رمضان أو لم تتمَّه؟ ومقصودُهم: أتممت العدد ستاً وثلاثين حتى يُكتب الصيام بعدد أيام العام أو لم تتمه؟ فصارت الست كأنها من رمضان، وكأنها من تمام العدة، فاحتاط رحمه الله لذلك سداً للذريعة.
والله تعالى أعلم.
(11/20)
________________________________________
تقديم صيام الست من شوال على القضاء

السؤال
ماذا يفعل من كان عليه قضاء من رمضان وأراد أن يصوم الست من شوال؟

الجواب
أما من كان عليه قضاء من رمضان فلا حرج عليه أن يصوم ستاً من شوال ثم يؤخر قضاء رمضان، وذلك لحديث أم المؤمنين عائشة الثابت في الصحيح أنها قالت: (إن كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني) فقد كانت تصوم الست، وكانت تصوم عرفة، كما ثبت في الموطأ، وكانت تصوم يوم عاشوراء، ولذلك قالوا: إنه يجوز تأخير القضاء.
ومَنَعَ بعض العلماء، واحتجوا بأنه كيف يَتَنَفَّل وعليه الفرض؟ وهذا مردود؛ لأن التَّنَفُّل مع وجود الخطاب بالفرض فيه تفصيل: فإن كان الوقت واسعاً لفعل الفرض والنافلة ساغ إيقاع النفل قبل الفرض بدليل: أنك تصلي راتبة الظهر قبل صلاة الظهر وأنت مخاطب بصلاة الظهر، فإن الإنسان إذا دخل عليه وقت الظهر وزالت الشمس وجب عليه أن يصلي الظهر، ومع ذلك يؤخرها فيصلي الراتبة، ثم يصلي بعدها الظهر، فتنفل قبل فعل الفرض بإذن الشرع، فدل على أن النافلة قد تقع قبل الفرض بإذن الشرع، فلما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة أن تؤخر القضاء دل على أن الوقت موسع.
وأما قوله: (من صام رمضان ثم أتبعه) فهذا خارج مخرج الغالب، والقاعدة: (أن النص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومُه).
فليس لقائل أن يقول: إن مَن عليه قضاء فلا يصم رمضان.
ثم نقول: لو كان الأمر كما ذُكِر لم يشمل الحديث مَن أفطر يوماً من رمضان؛ فإنه لو قضى في شوال لم يصدُق عليه أنه صام رمضان حقيقةً؛ وإنما صام قضاءً ولم يصم أداءً.
ولذلك: الذي تميل إليه النفس ويقوى: أنه يصوم الست، ولا حرج أن يقدِّمها على قضائه من رمضان.
وهذا هو الصحيح، فإن المرأة النفساء قد يمر بها رمضان كلُّه وهي مفطرة، وتريد الفضل، فتصوم الست، ثم تؤخر قضاء رمضان إلى أن يتيسر لها.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(11/21)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب فروض الوضوء وصفته [2]
النية شرط لصحة العبادات بإجماع أهل العلم، ولذلك ينبغي على المسلم أن يراعي النية في وضوئه، وأن يستصحبها، ويعرف أحكامها وما يترتب عليها حتى تصح عبادته لله تعالى.
(12/1)
________________________________________
حقيقة النية وأهميتها في قبول الأعمال
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والنية شرط لطهارة الأحداث كلها].
النية مأخوذة من قولهم: نوى الشيء ينويه نِيَّةً ونِيَةً بالتخفيف والتشديد.
والنيَّة في لغة العرب معناها: القصد، تقول: نويتُ الشيء، إذا قصدتَه، سواءً كان ذلك في القول أو في الفعل.
وقول العلماء رحمهم الله: النية شرط في طهارة الأحداث.
مرادهم بذلك: أن يقصد المكلف العبادة، ويكون قصده مشتملاً على التقرب لله جَلَّ وعَلا.
والأصل في وجوب النيَّة ولزومها في العبادات قول الله تعالى مخاطباً نبيه: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} [الزمر:2].
فقوله تعالى: (فَاعْبُدِ) أمر.
وقوله: (مُخْلِصَاً) أي: حال كونك مخلصاً.
وقوله: (لَهُ الدِّيْنَ) أي: لتكن عبادتك خالصة لله جَلَّ وعَلا.
ومن المعلوم أنه لا يتحقق الإخلاص إلا بتجريد النية لله.
وبناءً على ذلك: يتوقف اعتبار العبادة على نية القربة، فلو أن إنساناً وقف يصلي، وأثناء وقوفه لم يستشعر العبادة لله جَلَّ وعَلا، أو فعل أفعال الصلاة وقصد بها رياضة البدن، فإنها لا تعتبر عبادة مجزئة.
إذاً: لابد في العبادة من قصد القربة لله سبحانه وتعالى، فلو أن إنساناً أعطى غيره مالاً، فإن قصد به الزكاة كان زكاة، وإن قصد به المحاباة كان محاباة، وإن قصد به الهبة والهدية كان هبة وهدية.
وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن العبادات لا تصح إلا بنية، وقد قرر الشاطبي رحمه الله مبحثاً نفيساً، ينبغي على طالب العلم أن يرجع إليه -وهو يعتبر إماماً في المقاصد والنيات-، في كتابه: الموافقات، في الجزء الأول في كتاب المقاصد، عقد فصلاً كاملاً لتقرير وجوب النية ولزومها في العبادات، وبيَّن وجه اعتبار الشرع لها، ووجه التزام المكلف بها.
الشاهد من هذا: أنه لا يصح إيقاع الوضوء ولا الغسل من الجنابة على الوجه المعتبر شرعاً، إلا إذا نوى الإنسان به الغسل والوضوء، فلو أن إنساناً اغتسل وغسل جميع بدنه قاصداً التبرد أو نظافة البدن، وكانت عليه جنابة، لم يجزئه ذلك الغسل، إلا إذا نوى رفع الجنابة.
وكذلك الحال فيما لو أن إنساناً كانت عليه جنابة أو امرأة طهُرت من حيضها، ثم انغمس كل منهما في بركة، وكان قصدهما التبرد في فصل الصيف مثلاً، فإن هذه النية لا تجزئهما عن رفع حدث الحيض وكذلك حدث الجنابة.
إذاً: فلا بد من نية الوضوء ونية الغسل، ويستوي في ذلك الطهارة الصغرى والكبرى.
وهذا الذي عبر عنه المصنف رحمه الله بقوله: (لطهارة الأحداث)، والأحداث تقدم تعريفها لغةً واصطلاحاً.
وقول المصنف رحمه الله: (والنية شرط) الشرط في اللغة: العلامة.
وأما في اصطلاح العلماء: فهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم لذاته.
مثال ذلك: عندما نقول: الوضوء شرط لصحة الصلاة، فإنه يلزم من عدم الوضوء عدم صحة الصلاة؛ لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الوضوء وجود الصلاة، فإن الإنسان قد يتوضأ ولا يصلي.
(12/2)
________________________________________
حكم النية في الوضوء
هذا معنى قولهم: الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
وقوله: (والنية شرط لطهارة الأحداث كلها) هذه مسألة خلافية، اختلف فيها جمهور العلماء مع الإمام أبي حنيفة وأصحابه.
فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية يرون أن الوضوء والغسل لا يصح إلا بالنية، فمن اغتسل للنظافة أو للتبرد وكان عليه حدث جنابة أو حيض لم يجزئه، وكذلك من توضأ وكان عليه حدث أصغر، فإنه لا يجزئه إذا نوى بوضوئه التبرد في الصيف مثلاً.
وذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول بعض السلف إلى أن الوضوء والغسل يصح كل منهما بدون نية، ولو كان قاصداً النظافة، فإنه يجزئه ويصح.
واحتج الجمهور بدليل الكتاب والسنة والعقل: أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} [الزمر:2]، وجه الدلالة: أن الوضوء عبادة وديانة، فلا يصح إلا بإخلاصه ونيته.
وكذلك قوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5]، قالوا: الوضوء عبادة، والدليل على كونه عبادة: أنه غسل لأعضاء على صفة مخصوصة، ولذلك أمر بغسل بعض الأعضاء ومسح بعضها، ولو كان عبادة معقولة المعنى لما تأتى فيه ذلك، فقالوا: إنه عبادة لا يُعقل معناها، فلا تصح بدون نية.
وأما دليل السنة: فحديث عمر في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ووجه الدلالة: أن الوضوء عمل، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن صحة الأعمال موقوفة على النية، والوضوء عمل، فلا يصح إلا بنية.
وأما دليلهم من النظر الصحيح: قالوا: تجب النية في الوضوء كما تجب في التيمم، وتجب النية في الغُسل كما تجب في التيمم، لجامعِ كونِ كلٍّ منهما طهارة من حدث.
هذا حاصل ما استدل به الجمهور من دليل النقل والعقل.
أما الإمام أبو حنيفة -رحمة الله عليه- وأصحابه فدليلهم العقل: قالوا: إن الوضوء أو الغسل كل منهما عبادة معقولة المعنى، وهو وسيلة وليس بغاية، والوسائل لا تشترط لها النية، ولذلك قالوا: يصح الوضوء بدون نية.
ومعنى قولهم: لا يشترط في الوسائل النية أنك لو أردت أن تذهب إلى المسجد -مثلاً- وركبت السيارة، فإنه لا يلزمك في هذه الوسيلة التي تتوصل بها إلى العبادة أن تنوي بها الوصول للعبادة، فلو ركبت السيارة مجرداً عن النية، ثم بلغت بها المسجد، لصح خروجك ذلك عبادةً وطاعةً لله جل وعلا، فقالوا: هو من الوسائل، ومن العبادات المعقولة المعنى.
والصحيح: مذهب الجمهور، أن الوضوء لا يصح إلا بالنية، وكذلك الغسل من الجنابة؛ لما ذكرنا من دليل النقل والعقل.
(12/3)
________________________________________
ضوابط النية وحالاتها
هذه النية لها ضوابط:
(12/4)
________________________________________
تقدم النية على العبادة
أولاً: أنه ينبغي أن تقع قبل البداءة بالعبادة، أو عند البداءة بها مصاحبة؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وغسل الوجه لا يتأتى إلا بعد نيته، ويكون مصاحباً لأول مفروض، فإذا قام الإنسان من النوم كانت بداية النية عند غسله لكفيه، وإن كان في النهار فيلزمه وجود النية عند غسله لوجهه، أي: باعتبار كونها شرطاً لصحة الوضوء، فلو عَزَبَت عنه قبل ذلك لصح وضوءه؛ لأنها تجب عند أول مفروض.
ولكن بالنسبة لما قبل المفروض الأول فلا يتحقق فيه الثواب، على الأصل الذي قرره العلماء رحمة الله عليهم.
(12/5)
________________________________________
أحوال اندراج النية في الوضوء
ثانياً: النية في الوضوء لها أحوال: إما أن ينوي الأعلى، ويندرج تحته الأدنى.
أو ينوي الأدنى، فلا يندرج تحته الأعلى.
وإما أن ينوي المساوي.
وفيه تفصيل: فالحالة الأولى: أن ينوي الأعلى ويندرج تحته الأدنى، وهذا يتأتى في نية رفع الحدث المطلقة، كأن يأتي إنسان إلى مكان ما أو يُحضِر الماء للتطهر، ناوياً به رفع الحدث الذي تلبس به، فينوي الطهارة الصغرى والكبرى، فيجزئه أن يصلي جميع الصلوات، وأن يستبيح جميع العبادات التي يُشترط الوضوء لصحتها: من طواف بالبيت، وصلاة على الجنائز، ومس للمصحف، وغير ذلك مما تشترط له الطهارة.
هذا إذا نوى رفع الحدث، بمعنى أن يكون رافعاً للحدث الذي هو متلبس به.
ويتأتى اندراج الأدنى تحت الأعلى أيضاً فيما لو نوى عبادةً بعينها، كأن ينوي أن يتوضأ لصلاة الظهر، أو يتوضأ لصلاة العصر، وهي صلاة مفروضة، فإذا نوى الفرض اندرجت تحته النوافل، وصح منه أن يصلي الرواتب القبلية والبعدية وسائر النوافل.
الحالة الثانية: وهي نية الأدنى، وتكون بنية النافلة أو ما دون النافلة، ينوي النافلة كأن يتوضأ من أجل أن يصلي ركعتي الضحى، أو يتوضأ من أجل أن يصلي ركعتين فيستخير الله جل وعلا، فينوي وضوءه من أجل هذه الصلاة، فيكون نوى بوضوئه الأدنى، وهكذا لو نوى ما هو أدنى من النافلة، كأن يتوضأ من أجل أن يمس المصحف، كما لو رأى مصحفاً فأراد أن يرفعه أو يحفظه، فتذكر أنه محدث، فقام فتوضأ من أجل أن يستبيح مس هذا المصحف ليرفعه، فقد نوى الأدنى، الذي هو أدنى من الفرض والنافلة.
فإن نوى الأعلى، أو نوى النية المطلقة لرفع الأحداث، فإنه يجزئه أن يصلي ما شاء.
وإن نوى الأدنى، الذي هو النافلة، فلا يصلي فرضاً.
وهل يتأقت ذلك بالنافلة نفسها بعينها، فلا يصلي من النوافل، أو لا يتأقت في النوافل -وهو أقوى-؟ وجهان للعلماء.
وإن نوى الأدنى وهو مس المصحف فلا يستبيح به الصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
قال العلماء: إن هذا الحديث دليل لهذا التفصيل، فمن نوى رفع الحدث ارتفع حدثه، ومن نوى نافلةً خُصَّ رفع الحدث بالنافلة، أي: أنه يستبيح فعل النافلة، فيُنَزَّل منزلة التيمم، وقد عهدنا من الشرع طهارةً يستباح بها فعل العبادات: من مس للمصحف، وطواف بالبيت، وصلاة ونحوها، وهي التيمم.
وبناءً على ذلك: لا تصح الصلاة إذا نوى الأدنى، وكانت الصلاة التي يُراد أداؤها صلاةَ فرض ونحوها.
(12/6)
________________________________________
ضرورة نية رفع الحدث الأصغر أو الأكبر
قال رحمه الله: [فينوي رفع الحدث].
أي: أن الإنسان إذا انتقض وضوءه ببول أو غائط أو ريح أو نوم فإنه يوصف بكونه محدِثاً، فينوي رفع هذا الحدث، فإن نام أو بال، أو خرج منه ريح، فإنه ينوي رفع الحدث الأصغر، وإذا خرج منه مَنِي، فإنه ينوي رفع الحدث الأكبر، وهكذا.
(12/7)
________________________________________
تحديد النية في الطهارة
قال رحمه الله: [أو الطهارة لما لا يباح إلا بها].
قوله: (أو الطهارة) أي: ينوي الطهارة.
قوله: (لما) أي: لشيء.
قوله: (لا يباح إلا بها) أي: لا يباح هذا الشيء إلا بالطهارة، مثل: الصلاة، والطواف بالبيت، وكذلك مس المصحف؛ على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم.
(12/8)
________________________________________
النية فيما تسن له الطهارة
قال رحمه الله: [فإن نوى ما تُسَنُّ له الطهارة كقراءةٍ أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع].
قوله: (فإن نوى) الفاء: للتفريع، فبعد أن قرر الأصل بدأ يفرِّع على ذلك الأحكامَ.
قوله: (ما تُسُنُّ له الطهارة) أي: لا تجب، بمعنى: أن ينوي شيئاً ضعيفاً.
فهذا على سبيل النفل لا على سبيل الوجوب، فتكون نيتُه نيةً ضعيفة، بخلاف ما إذا نوى الذي تقدم من الصلاة المفروضة، والطواف بالبيت، فهذه نيةٌ لواجب.
فالوضوء: إما أن يكون لمسنون.
وإما أن يكون لواجب.
(12/9)
________________________________________
حكم الاكتفاء بالمسنون عن الواجب في الطهارة
قال رحمه الله: [وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب].
أي: إن نسي حدثه ارتفع الحدث لوقوع الوضوء بعد حدث سابق؛ لأنه لما نوى المسنون وجدت فيه نية العبادة، وهي نية الوضوء، فصح إيقاع الوضوء، ووقع الوضوء بعد حدث، فيزول ذلك الحدث بوجود موجب زواله.
وقال بعض العلماء: إنما يعتبر مبيحاً لا رافعاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لكل امرئ ما نوى) فيستبيح المحظور الذي يُسَنُّ له الوضوء، ولا يعتبر حدثُه مرتفعاً، وهذا اختيار بعض العلماء رحمة الله عليهم، وهو أحوط كما قلنا، وسبق بيان دليلهم من حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين.
فعندنا للعلماء في هذه المسألة وجهان: بعض العلماء يقول: إذا وقع الوضوء المسنون والأدنى ناسياً حَدَثَه ارتفع الحدث، ويستبيح بذلك ما شاء من الصلوات المفروضة والنافلة.
ومنهم من يحدد ويقول: إذا نوى المسنون صار وضوءه للاستباحة، كالتيمم، وإن نوى الفرض أو نوى رفع الحدث فإنه يعتبر وضوءه مبيحاً لسائر العبادات التي يشترط لها الوضوء، سواءً كانت واجبة أو كانت نافلة.
وهذا القول الثاني قلنا: إنه أقوى، كما أشار إليه بعض الفضلاء بقوله: ولينوِ رفعَ حَدَثٍ أو مفترَض أو استباحةً لممنوعٍِ عَرَض وهي ثلاثة أحوال: ينوي رفعَ حَدَثٍ: وهي أعلاها.
أو مفترَض: في حكم الأعلى.
أو استباحةً لممنوعٍِ عَرَض.
فجعل المسنون في حكم الاستباحة، وهذا هو المذهب الأقوى، أنه يُنَزَّل منزلة التيمم، فيستبيح به؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، فهذا نوى الأدنى، فلا يصح حمله على الأعلى؛ لأن ظاهر السنة التي احتُج بها على وجوب النية في الوضوء مقيدة للنية على حسب ما نوى، سواءً كان الأدنى أو الأعلى.
(12/10)
________________________________________
صحة اندراج الحدث الأدنى تحت الأعلى
قال رحمه الله: [وكذا عكسُه] يعني: لو نوى الأعلى لاندرج تحته الأدنى، قولاً واحداً عند العلماء رحمة الله عليهم.
الخلاف: فيما إذا نوى الأدنى، فهل يرفع الحدث فيستبيح الأعلى أو لا؟ قلنا: الصحيح: أنه لا يستبيح.
وإن نوى الأعلى واندرج تحته الأدنى صح له أن يصلي ما دونه، كأن ينوي صلاة الظهر، فيجوز له أن يأتي بالنوافل قبلها وبعدها.
(12/11)
________________________________________
ارتفاع سائر الأحداث بارتفاع أحدها
قال رحمه الله: [وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غُسلاً فنوى بطهارته أحدَها ارتفع سائرُها].
هذا على الأصل عند بعض العلماء حيث يرى وجود الطهارة بعد الحدث رافعاً للحدث، ولا يفصِّل، يقول: المهم أن الله أمرنا بالوضوء بعد الحدث، فإذا وقع الوضوء بعد الحدث رفع الحدث، ولا يفصِّل بين كونه يبيح أو كونه يرفع.
والحقيقة أن هذا المذهب وسط بين من ألغى النية بالكلية، وبين من اعتبر النية واعتبر معها صفة النية، ولا شك أن الدليل الذي دل على لزوم النية في الوضوء: (إنما الأعمال بالنيات) دل بمقطعه الأول على أن صحة الوضوء موقوفة على النية، ودل بمقطعه الثاني على الحصر: (وإنما لكل امرئ ما نوى) يقول العلماء: مفهومه أن من لم ينوِ شيئاً لا يكون له، فهذا نوى الأدنى، فكيف نقول: يستبيح به الأعلى؟ ومنطوقه: أن من نوى شيئاً كان له.
هذا هو وجه من يقول بأن الأدنى لا يجزئ في استباحة الأعلى، وهو كما قلنا: أقوى القولين.
إن اجتمعت أغسالٌ، مثل: المرأة يكون عليها الحيض وتكون عليها الجنابة، فجاءت ونوت الغسل للحيض، فإنها ترتفع الجنابة، أما لو كان جنس الحدث مكرراً وقصد رفع الحدث نفسه، بغض النظر عن كونه يستبيح صلاة مفروضة أو غير مفروضة، صح الرفع في حالة نية رفع الحدث وهي الحالة العليا، فتشمل هذه النية ما عيَّن وما لم يعيِّن، مثال ذلك: رجل بال وتغوط وخرج منه الريح ونام، أربعة أحداث، فإن هذا لا نقول له: إن نويت رفع البول ارتفع، وبقي عليك حدث النوم والغائط، إنما نقول: نيتك لواحد منها كنيتك لسائرها.
وهكذا لو تعددت الأحداث من جنس واحد، كأن ينام مرات متتابعة، ينام ويستيقظ، ثم ينام ويستيقظ، ثم ينام ويستيقظ، فهو حدث واحد؛ لأن الحدث لا يتجدد ولا يوصف بالتعدد، وإنما يعتبر حكماً واحداً، فينتقض الوضوء بالأول منه، ويرتفع هذا الحدث بالوضوء بعده، هذا هو وجهُ إذا لم ينوِ الأحداث بعينها، فقال: أنا أريد أن أرفع هذا الحدث عني، فتوضأ أو اغتسل صح وضوءه وغُسله، ويعتبر ذلك موجباً لارتفاع جنابته وأحداثه الصغرى.
(12/12)
________________________________________
وجوب النية عند أول واجبات الطهارة
قال رحمه الله: [ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة] بعد أن بين نوعية النية، والشيء الذي تقع له النية، شرع رحمه الله في بيان موضع النية ومكان النية، فقال رحمه الله: (ويجب الإتيان بها) أي: يجب الإتيان بالنية.
قوله: (عند أول واجبات الطهارة) فأول واجبات الوضوء: إن كان مستيقظاً من النوم فأول واجب عليه أن يغسل كفيه ثلاثاً، فيجب عليه أن يأتي بالنية عند أول هذا الواجب.
وإن قلنا بوجوب المضمضة والاستنشاق، فإنه في حالة ما إذا كان مستيقظاً تكون نيته عند إرادته المضمضة والاستنشاق.
وإن قلنا بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق، فإن أول مفروض واجب بالإجماع هو الوجه، فيكون إتيانه للنية واستحضاره لها عند غسله للوجه.
فإن سبقت النية هذا الواجب، فلا يخلو سبقُها من أمور: إما أن يكون بفاصل يسير غير مؤثر.
وإما أن يكون بفاصل مؤثر.
وتوضيح ذلك: لو استيقظ إنسان من نومه، ثم نوى أن يتوضأ، وأحضر الإناء، وصحِبت نيتُه سكبَ الماء في الإناء، ثم غسل يديه وشرع في وضوئه، فإن هذا الفاصل: إحضار الإناء ووضع الماء فيه، فاصل يسير، فهذا الفاصل غير مؤثر، فهو مع أنه أثناء غسله لكفه لم يستحضر نية الوضوء صح وضوءه؛ لأن الفاصل غير مؤثر، أما لو كان الفاصل بين الواجب وبين النية فاصلاً مؤثراً، فإنه يلزمه أن يعيد وضوءه، كمن لم ينوِِ؛ لأن الفاصل إذا طال اعتبرت النية لاغيةً بسببه، كالحال في الصلاة ونحوها من العبادات.
قال رحمه الله: [وهو التسمية] أي: تجب النية عند التسمية، ونحن قلنا: إن الصحيح أن التسمية ليست بواجبة، لكن المصنف اختار وجوبها.
وبناءً على القول بوجوب التسمية، تكون النية عند التسمية.
وهناك قول في وجوب التسمية يفصِّل بين نسيانها وعدم نسيانها، فإن نسيها عند غسله لكفيه صح وضوءه، على القول بأن نسيانه يسقط المطالبة والمؤاخذة.
إذاً: للنية حالتان: تجب عند أول واجب، ويختلف ذلك باختلاف العلماء: فإن قلتَ: التسمية واجبة عند الوضوء، فينظر: فإن كان بين التسمية والوضوء فاصل مؤثر لم تعتبر نيته ولا تسميته، وإن كان الفاصل غير مؤثر اعتبرت تسميته ونيته.
وإن قلنا: أن أول الواجبات هو المضمضة والاستنشاق، فتكون نيته عند إرادة المضمضة والاستنشاق.
وإن قلنا: إن أول واجب هو غسل الوجه، كانت نيته واجبة عند ابتدائه بغسل وجهه.
(12/13)
________________________________________
سنية النية عند أول مسنونات الطهارة
قال رحمه الله: [وتُسَنُّ عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب] كيف يتأتى هذا؟ يتأتى هذا في غسل الكفين لغير المستيقظ من نومه، فإنه إذا لم يسمِّ إلا عند المضمضة والاستنشاق، تكون قد وقعت التسمية -التي هي أول الواجبات- بعد غسل الكفين وهو أول المسنونات.
وبناءً على ذلك: يُسَنُّ له أن ينوي عند ابتداء غسل كفيه، فإن عزبت عنه النية، لزمه أن ينوي عند ابتداء المضمضة.
(12/14)
________________________________________
استصحاب النية في الطهارة
قال رحمه الله: [واستصحاب ذكرها في جميعها ويجب استصحاب حكمها].
الاستصحاب للنية بمعنى: أنه أثناء غسله ليده وعند صبه للماء يستشعر أن هذا الغسل يُقصد به رفع الحدث، ثم إذا تمضمض وأراد إدخال الماء استشعر نية التعبد؛ لأنه قد يُدْخل الماء إلى فمه لنظافته ونقائه، ولذلك قالوا: لا بد أن يكون عنده نوع من الاستصحاب، وهذا الاستصحابُ في الحقيقة يفتح باباً عظيماً من الوسوسة، ولذلك لا ينبغي على الإنسان أن يشدد فيه، فالأمر وسط والدين دين يُسر ورحمة.
ولذلك بمجرد كون الإنسان يبتدئ وضوءه وهو مستشعرٌ لهذه العبادة، فإنه يجزئه ذلك إلى ختم عبادته، ويُعتبر فقط -على ما ذكره المحققون من العلماء- أن لا يأتي عارض يرفع النية، بمعنى: أن لا تختلف النية، أو يختلج في نفسه ما يوجب رفع نيته، كأن يكون أثناء غسله ليده أراد التنظيف، فيخرج عن كونه متوضئاً، وتكون هنا المصاحَبة لازمة، ويعتبر ملزماً بإعادة غسله ليده؛ لكن كوننا نقول: يلزمه عند كل عضو أن يكون مستشعراً، فهذا الأمر يفتح باباً عظيماً من الوسوسة.
ولذلك فإن المعتبر أن لا يُدخِل ما ينقض النية، وهذا سهل؛ لأن الإنسان بمجرد إحضاره للماء عُرِف أنه يقصد الوضوء، وبمجرد بداءته بغسل كفيه، ومراعاته لأمر الشرع يعتبر هذا دليلاً على المصاحبة.
ولذلك فإن العلماء سلكوا مسلكين: منهم من يقول: أعتبر دلالة الحال مغنية وكافية.
ومنهم من يقول: لا، بل لا بد أن تصحبه النية؛ ولا تكفي دلالة الحال.
ولذلك فإن المعتبر أن لا يأتي الناقض لهذه النية والرافع لها، كأن يكون أثناء غسله لوجهه أعجبه برد الماء في الصيف فقصد بذلك التبرُّد، فهذا يعتبر ناقضاً لنيته للعبادة، أما إذا لم يوجد الناقض فهو متوضئ، ولا حاجة إلى التشديد في هذا؛ لأنه يفتح باباً من الوسوسة ويعظُم معه البلاء على كثير من الناس.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(12/15)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب فروض الوضوء وصفته [3]
اهتم العلماء ببيان صفة الوضوء الشرعي، سواء كانت الصفة الكاملة أو الصفة المجزئة، وكلها مأخوذة من النصوص الشرعية الواردة في بيان هذه العبادة وصفتها.
(13/1)
________________________________________
بيان صفة الوضوء وأحكامه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله: [وصفة الوضوء] بعد أن بين لنا رحمه الله فرائض الوضوء شروط صحته شرع في بيان صفة الوضوء.
وللفقهاء في هذا مسلكان: - بعضهم يبدأ بصفة الوضوء الكاملة، ثم يبين فرائض الوضوء وشرائط صحته ومسنوناته، فيقول لك: والواجب من ذلك: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين.
وهذا مسلك الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه في كتابه: العمدة، حيث قدم الصفة الكاملة ثم أتبعها ببيان الواجبات.
وهذا المنهج الذي سلكه ابن قدامة في العمدة أفضل؛ لأن افتتاح باب الوضوء بصفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم الكاملة أفضل وأبلغ في التأسي، وأدعى لتطبيق الناس وعملهم به، ولذلك فالأفضل أن يُذكر الوضوء بكماله، ثم يُبَيَّن الواجب، فيقول: الواجب: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، ثم يُسَنُّ له أن يغسل كفيه إذا لم يكن مستيقظاً من النوم، وأن يتمضمض، وأن يستنشق.
إلخ.
هذه الطريقة أفضل؛ لما فيها من الاستفتاح بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد فعلها ابن قدامة رحمه الله في كتابه: العمدة.
أما في كتابه المقنع فقد ذكر الواجبات والفرائض أولاً، ثم أتبعها بالصفة الكاملة.
(13/2)
________________________________________
الفرق بين الكمال والإجزاء
قوله: (وصفة الوضوء) صفة الشيء: حِليته وما يتميز به، ولما كان الوضوء قد أمر الشرع فيه، بغسل ومسح أعضاء مخصوصة، فإن له صفتين: الصفة الأولى: يسميها العلماء: صفة الكمال.
والثانية: يسميها العلماء: صفة الإجزاء.
أما صفة الكمال: فهي الصفة التي توضأ بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أكمل ما يكون عليه إيقاع هذه العبادة، مثل البداءة بالمسنونات، سواء كانت قولية أو فعلية، والمحافظة على وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في الوضوء كاملاً، فهذا يعتبر صفة كمال؛ لأن المكلف حصَّل فيه أعلى درجات هذه العبادة.
وأما صفة الإجزاء: فهي الصفة التي إذا فعلها أجزأه وضوءه، كأن يكون ماؤه قليلاً، ويخشى أنه لو فعل المسنونات أنه لا يستطيع غسل المفروضات، فيقتصر على صفة الإجزاء.
هذا وجه تقسيم الوضوء إلى صفة إجزاء وكمال.
والسبب في هذا التقسيم: أنه يستفاد منه في الحكم بصحة الوضوء، وعدم صحته في حال ترك شيء من الوضوء.
فإذا قلنا: إن غسل اليدين يعتبر من فرائض الوضوء، فتوضأ ولم يغسل يديه لم يصح وضوءه.
وإذا قلنا: إن المضمضة والاستنشاق ليس كل منهما من فرائض الوضوء، فتوضأ ولم يتمضمض ولم يستنشق، لحكمنا بصحة وضوئه.
هذا الفرق بين كونه مجزئاً وكونه كاملاً.
قال رحمه الله: [أن ينوي ثم يسمي] تقدم الكلام على النية، وعلى التسمية.
(13/3)
________________________________________
حالات غسل الكفين وحدهما
قال رحمه الله: [ويغسل كفيه ثلاثاً].
ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث عثمان وعبد الله بن زيد، وكذلك في السنن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أنه عليه الصلاة والسلام افتتح جميع وضوئه بغسل كفيه ثلاثاً).
ولذلك فإن هذه هي أول المسنونات إذا لم يكن الإنسان مستيقظاً من النوم.
وغسل الكفين له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون الإنسان مستيقظاً من نومه، سواءً كان نوم ليل أو نوم نهار، فإذا استيقظ الإنسان من نوم الليل أو نوم النهار وجب عليه غسل كفيه ثلاثاً، وذلك لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده!).
الحالة الثانية: أن يكون في حال يقظته وأراد أن يتوضأ؛ ولكنه على يقين وعلم بأن كفيه طاهرتان، ففي هذه الحالة يُسَنُّ له غسل الكفين ولا يجب عليه ذلك، ودليل هذه السنية مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
الحالة الثالثة: أن يشك في كونها طاهرة أو نجسة، فيقال: يستحب غسلها، يعني: يتأكد الغسل؛ ولكن لا يصل إلى درجة الوجوب؛ لأن اليقين لا يُزال بالشك.
فهذه ثلاث حالات لغسل الكفين.
والكفان: حدهما من أطراف الأصابع إلى الزندين.
وبناءً على ذلك: سمي الكف كفاً؛ لأنه تُكَفُّ به الأشياء.
ويجب عليه غسلهما إذا كان مستيقظاً من النوم، لمكان جوَلان اليد عند نوم الإنسان.
(13/4)
________________________________________
صفة المضمضة
قال رحمه الله: [ثم يتمضمض] المضمضة: مأخوذة من قولهم: مضمضت الحية إذا تحركت في جُحرها، فالمضمضة في لغة العرب: الحركة.
ولذلك يرد

السؤال
لماذا وصف غسل هذا الموضع من الجسم بكونه مضمضة؟ قالوا: لأن السنة في المتمضمض أن يحرك الماء في فمه، ثم اختلفوا: فقال بعض العلماء: حقيقة المضمضة: أن يُدخل الماء ويُحركه فقط دون أن يمج.
وقال بعضهم: بل لا يتحقق كونه متمضمضاً إلا إذا حرك الماء ولفظه.
إذاً: المضمضة عند العلماء فيها وجهان: الأول: أن يدخل الماء ويحركه فقط.
الثاني: أن يدخله ويحركه ثم يلفظه.
فوائد الخلاف: الفائدة الأولى: لو أن إنساناً كان عنده ماءٌ وكان عطشان، فابتدأ الوضوء فمضمض ثم بلع الماء.
فإن قلنا: المضمضة لا تتحق إلا بالطرح، لم يكن محققاً للمضمضة؛ لأنه ينبغي أن يخرج الماء إلى خارج البدن لا إلى داخله، ويقولون: وجه اعتبار المضمضة بالتحريك واللفظ هو السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم مضمض ولَفَظ، ولذلك يقتدى به عليه الصلاة والسلام في هديه، فيتمضمض ويحرك الماء ويلفظه.
الفائدة الثانية: أن قولهم: المضمضة: تحريك الماء، ينبني عليه: أنه لو أدخل الماء ولم يحركه في فمه ثم لَفَظَه، فلا يعتبر متمضمضاً على الصفة المعتبرة شرعاً؛ لأنه لا بد من التحريك، إذ بالتحريك يحصل النقاء، فلو اقتصر على كون الماء يصل إلى فمه ثم يلفظه، لم يكن ذلك مضمضة على الوجه المعتبر.
(13/5)
________________________________________
صفة الاستنشاق
قال رحمه الله: [ويستنشق].
الاستنشاق: هو استفعال من النَّشَق، وأصل النَّشَق: جذب الشيء إلى الخياشيم بالنَّفَس، ومنه سمي النَّشُوق نَشُوقاً؛ لأنه يُستعط ويُجذب بالنَّفَس.
ودل عليه ظاهر السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه).
ولذلك قال بعض العلماء: إذا جذب الماء تحقق الاستنشاق، ولا يلزمه الاستنثار يعني: الطرح؛ والصحيح أن تعبير العلماء بالاستنشاق متضمن للاستنثار؛ لأن الإنسان إذا استنشق فلا يصبر على بقاء الماء حتى ينثره.
وفائدة اشتراط النثر: أن الإنسان إذا عصر أنفه دون أن ينثر لم يكن محققاً للاستنشاق على أكمل صوره، وذلك لا بد من النثر، لقوله عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً -هذا الاستنشاق- ثم لينتثر)، فقوله: (ثم لينتثر) أي: ليطرح، ولينثر الماءَ الذي جذبه بنَفَسِه إلى خياشيمه، ولذلك لا بد من النثر؛ لأن المقصود من إدخال الماء تطهير هذا الموضع، فإذا كان يعصره دون أن يكون منه نثر، لم يتحقق به كمال التطهير لهذا الموضع.
(13/6)
________________________________________
بيان حد الوجه من حيث الطول والعرض
قال رحمه الله: [ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً ومن الأذن إلى الأذن عرضاً] قوله: (ويغسل وجهه): الوجه تقدم أنه من المواجهة، وبينَّا كلامَ العلماء في الوجه، ودليلَ وجوب غسله.
والآن نبين حد الوجه: -أما طولاً: فقالوا: إنه من منابت الشعر الذي يكون في ناصية الإنسان إلى ما انحدر من اللحيين، وهو اللحية السفلى، فيشمل الوجه الشق الأيمن والأيسر إلى ما انحدر.
والسبب في تعبير المصنف بقوله: (إلى ما انحدر)؛ لأن الوجه يحصل بهذا القسط من العضو، فحتى يكون كاملاً في غسله لهذا القسط لا بد أن يمسك جزءاً يسيراً مما جاوره، كالصائم لا يتحقق كمال صومه إلا بإمساك جزء يسير من الليل، حتى يتحقق غروب الشمس.
ولذلك يقول العلماء: إلى ما انحدر؛ لأنه إذا غسل المنحدِر من العظم فقد كمُل غسل هذا الوجه، سواءً كان في الشق الأيمن أو الشق الأيسر، فلا بد أن يغسله إلى ما انحدر، هذا إذا كان الإنسان أجرداً أو أمرداً، أما إذا كان ذا لحية فالشعر يقوم مقام المنحدِر، ويكون غسله على الصفة التي ذكرناها في التخليل.
هذا بالنسبة للطول: أنه من منابت الشعر إلى ما انحدر من اللحيين، وبه يتحقق كمال الوجه طولاً.
- أما عرضاً: فإنه قال: (ومن الأذُن إلى الأذُن عرضاً).
قال بعض العلماء: إن الوجه كمالُه من الأذُن اليمنى إلى الأذن اليسرى عرضاً.
وقال بعضهم: بل إن حده إلى العذار، فإذا غسل العذار، وهو الشعر الذي يكون مقابلاً للأذُن فقد تم غسله للوجه.
وفائدة الخلاف: الحكم في البياض الذي بين الشعر والأذُن.
وهذا يقوى في الملتحي، ولذلك قالوا: إنه إذا كان ملتحياً، فإن المواجهة تحصل باللحية، فيغيب البياض فلا يعتبر من الوجه، ولذلك قال بعض العلماء: لا يجب غسل هذا البياض.
وبناءً على هذا القول: لا يقال: من الأذُن إلى الأذُن؛ ولكن المصنف اختار أحوط القولين، والعمل عليه: أنه يغسل البياض الذي بين الأذُن والشعر؛ لأن وجود الشعر إنما هو مختص بالملتحي دون غير الملتحي، فيجب غسله لكمال غسل الوجه، فإن الذي لا لحية له يعتبر من وجهه وجود ذلك البياض.
(13/7)
________________________________________
وجوب غسل شعر الوجه
قال رحمه الله: [وما فيه من شعر خفيف والظاهر الكثيف مع استرسل منه].
أي: يجب عليه غسل الشعر الخفيف الموجود في الوجه؛ لأن البشرة تُرى من تحته، وإذا كانت البشرة تُرى من تحته، فإنه يجب غسل هذا الشعر، كأن يكون شاربه أو لحيته صغيرة في بداية نبتها، وتُرى البشرة من تحتها، فإنه يجب عليه غسل الشعر وغسل ما تحته؛ لأن المواجهة تتحقق بالشعر وبما تحت الشعر من البشرة، فيجب غسل الجميع.
قال بعض الفضلاء في هذه المسألة: خلِّل أصابعَ اليدين وشَعَر وجهٍ إذا مِن تحتِه الجلدُ ظَهَر والمصنف قال: إذا كان الشعر خفيفاً، بمعنى أنك ترى البشرة من تحته، فإذا رأيت البشرة من تحت الشعر، فإن المواجهة تكن بالشعر وبالبشرة، فهذا وجه المطالبة بغسل كل منهما.
(13/8)
________________________________________
وجوب غسل اليدين مع المرفقين
قال رحمه الله: [ثم يديه مع المرفقين].
وهنا ننبه إلى خطإٍ شائع عند كثير من العامة: فإنهم إذا توضئوا غسل الواحد منهم الكفين، ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه، فإذا جاء يغسل يديه يبدأ من آخر الكف، فتراه يغسل ساعده ويغفل عن الكفين، ومن فعل ذلك لا يصح وضوءه، وتلزمه إعادة الوضوء والصلاة، ولذلك ينبغي التنبيه على هذا، فالإنسان إذا غسل يديه فيجب أن يكون غسله من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والغاية داخلة في المُغيَّا.
فالكثير أو البعض يغفل الكفين؛ لأنه قد غسلهما في بداية وضوئه، فيترك غسلهما عند غسله ليديه، فهذا لا يصح ولا يجزئه.
وقد تقدم دليل وجوب غسل اليدين؛ لأنه من فرائض الوضوء، وبينا الحد وبينا خلاف العلماء رحمة الله عليهم.
(13/9)
________________________________________
وجوب مسح الرأس مع الأذنين
قال المصنف رحمه الله: [ثم يمسح كل رأسه مع الأذُنين مرةً واحدة].
شرع المصنف رحمه الله في بيان الفرض الذي يلي غسل اليدين، وهو مسح الرأس، فقال: (يمسح كل رأسه)، وهذا على الصحيح، وقد تقدم بيان دليل مسح الرأس، وخلاف العلماء في القدر الذي يجب مسحه، وأدلة كلٍّ، والراجح من أقوالهم.
قوله: (مع الأذُنين مرة واحدة) لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الترمذي: (الأذُنان من الرأس)، وقد تقدم الكلام على مسح الأذُنين مع الرأس، وبينا ذلك، وبينا مذاهب العلماء رحمة الله عليهم فيه.
(13/10)
________________________________________
وجوب غسل الرجلين مع الكعبين
قال رحمه الله: [ثم يغسل رجليه مع الكعبين].
وهذا الفرض الأخير، غسل الرجلين، أو مسحهما إذا كان لابساً للخفين أو الجوربين.
والكعبان يجب غسلهما مع القدمين، لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، وقد تقدم بيان دليل وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، وهل الكعبان يجب غسلهما أو لا يجب؟ وذكرنا الأقوال، والأدلة، والراجح في هذه المسألة، بما يغني عن الإعادة.
(13/11)
________________________________________
كيفية غسل الأقطع لأعضائه
قال رحمه الله: [ويغسل الأقطع بقية المفروض فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه].
قوله: (ويغسل الأقطع بقية المفروض)؛ لأن الله أمره بغسل الجميع، فإذا سقط عنه البعض لمكان العذر، فلا يقتضي سقوط الكل؛ لأن ما جاز لحاجة يقدر بقدرها، فالخطاب متوجه عليه أن يغسل يديه كاملتين، فإذا قطعت يده وبقي ساعده، فإن الساعد داخل في المأمور، فيجب عليه غسل الساعد الذي بقي بعد القطع.
قوله: (غسل رأس العضد منه) على الأساس الذي ذكرناه، من كون الكعبين والمرفقين داخلين في المغيَّا.
(13/12)
________________________________________
حكم رفع النظر إلى السماء بعد الوضوء
قال رحمه الله: [ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول ما وَرَدَ].
قوله: (ثم يرفع نظره إلى السماء) لم يصح بذلك حديث، وذكره العلماء -رحمة الله عليهم-، والصحيح: أنه يقتصر على القول من ذكر الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (أن من قال عند تمام وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فُتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء).
نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل.
(13/13)
________________________________________
حكم الاستعانة على الوضوء
قال رحمه الله: [وتباح معونته].
المباح: هو ما استوى طرفاه، أي: لا يؤمر به ولا يُنهى عنه.
قوله: (تباح معونته) يعني: تجوز معونة المتوضئ؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنتُ أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم أنا وغلام نحوي أحمل إداوةً وعَنَزَة)، فهذا يدل على مشروعية خدمة الأحرار بعضهم لبعض، وخاصةً إذا كانوا من أهل الفضل، وكبار السن، والوالدين.
فأما إذا كانوا من الوالدين فإن خدمتهم عبادة وقربة لله جل وعلا، وتجب عند الحاجة، وأما إذا كانوا من أهل العلم والفضل خاصةً إذا كانوا من كبار السن، فإن خدمتهم قربة.
وأما إذا كان صغير السن وأردت أن تخدمه فلا حرج إذا قُصِد بذلك وجهُ الله لا رياءً ولا سمعةً؛ لكن الأفضل لطالب العلم أن لا يمكن الناس من خدمته في بداية طلبه للعلم، أو عند صغر سنه؛ لما في ذلك من الفتنة، والإنسان في مقتبل عمره لا يأمن الفتنة، بخلاف كبار السن، فإن الخشوع فيهم أكبر وقربهم من الموت يبعدهم من قصد هذا في الناس، مع ما لهم من حق؛ بسبب كِبَر السن.
فلذلك يستحب بعض العلماء للإنسان إذا كان صغير السن ولو كان من العلماء أن يتورع عن خدمة الناس له، حتى يكون ذلك أبلغ في إخلاصه، وأبلغ في طاعته لله جل وعلا.
وأُثِر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إن صحبتَ رفقة في السفر فلا تكن صائماً، إنك إن أخبرتهم بصيامك، قالوا: أنزلوا الصائم، أكرموا الصائم، احملوا الصائم، حتى يذهب أجرك)، أي: لا يزالون يكرمونك ويكرمونك حتى يذهب أجرك؛ بما يكون منهم من إكرام.
ولذلك فالأكمل للإنسان والأفضل له أن يتورع عن ذلك.
وقد عهدنا علماء أجلاء رحمة الله عليهم بلغوا من العلم شأواً عظيماً، كانوا يتورعون عن خدمة الناس لهم، خاصة في هذه الأزمنة التي قل أن يوجد فيها المخلص، وإن وُجد المخلص قد يوجد المغالي، وكثير من البدع والأهواء والغلو في الصالحين نشأ بسبب الخدمة، ولذلك لا ينبغي أن يُتخذ الدين طريقة لإهانة عباد الله جل وعلا، فإن الله أخرج الناس بالإسلام من العبودية لغيره إلى العبودية له سبحانه وتعالى.
وقد تكلم الإمام ابن القيم رحمة الله عليه كلاماً نفيساً في الفوائد حيث قال: إن كثيراً من الفساق يغترون بصحبة الصالحين، حتى يكونوا جريئين على المعاصي؛ بسبب اغترارهم بصحبة الصالحين وخدمتهم لهم، فتجد الواحد من هؤلاء يجرؤ على حدود الله، ولا يُصْلِح من حاله، وتصبح صحبتُه للعالِم صحبةً شكلية للخدمة، لكن أن ينتفع بعلمه ويستفيد من ورعه ومن تقواه لا تجد لذلك أثراً، حتى -والعياذ بالله- يفْسُدَ عليه دينُه.
إذاً ينبغي أن يحمل الإنسان نفسَه على أتم الوجوه، وأقربها إخلاصاً لله جلَّ وعَلا، وقد خرج عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من المسجد فخرج معه أصحابه يشيعونه، فقال: (ما لكم؟ قالوا: رأيناك تسير وحدك، فأردنا أن نشيعك.
قال: إليكم عني، إنها فتنة للتابع والمتبوع).
هذا ابن مسعود في عصر الخيرية وزمان الخيرية.
(إنها فتنة للتابع) أي: أن الإنسان إذا صار مع العالِم دون أن يسأله ودون أن يستفيد من علمه، فذلك فتنة له.
(وفتنة للمتبوع) أي: أن العالم ربما دخله غرور برؤية مَن حوله.
ولذلك فالأسلم والأكمل أن الإنسان يتورَّع، وإذا نظر الله إليك -وقد حباك العلم، وحباك الفضل- لا تهين عباده، ولا تأخذ منهم أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً، كمُل أجرُك عند الله جل وعلا، ولذلك قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص:86].
لكن لا يعني هذا: التحريم والمنع؛ ولكن نقول: إن الإنسان إذا خشي الفتنة لنفسه أو لمن معه، فإنه ينبغي عليه أن يتورع، وهذه المسألة أحب أن أنبه عليها؛ لأنه حصل فيها كثير من الدَّخَن، فلقد رأينا كثيراً من طلاب العلم يصحبون العلماء، ويكون في بداية صحبته للعالم كأحسن ما أنت راءٍ؛ أدباً، وخُلقاً، واستفادةً من العالم، وكثرةَ سؤالٍ ومُدارسةٍ له؛ ولكن ما إن يدخل إلى مقام خدمته، والقيام على شأنه، ويداخله في أموره الخاصة، حتى تنزل منزلتُه، فيصبح كأن العَالِمَ شيء معتاد بالنسبة له، فيخرج عن حد الأدب، ولربما يأتي وقت -وقد رأينا ذلك بأعيننا في بعض ضعاف النفوس- يجرؤ فيه على أن يفتي بحضرة العالم، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من المزالق الخطيرة.
فإذا صحبتَ أهل العلم فلا حرج أن تخدمهم وأنت تريد وجه الله؛ ولكن اعلم أن صحبة العلماء للعلم والفائدة، وليست للمظاهر وللأمور التي قد تكون فتنة على الإنسان في دينه ودنياه وآخرته.
إذاً: معنى قوله رحمه الله: (تباح معونته) أي: يجوز أن يعاونه الغير على وضوئه، فيصب الوضوء له، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث المغيرة بن شعبة في الصحيح: (أنه دخل الشعب فبال، ثم صب عليه المغيرة رضي الله عنه وأرضاه الوضوء) صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن المغيرة وأرضاه.
(13/14)
________________________________________
حكم التنشف بعد الوضوء
قال رحمه الله: [وتنشيف أعضائه].
الأفضل والأعظم أجراً أن لا ينشف الأعضاء بعد الوضوء،؛ لِمَا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم يقرب وضوءه، فيمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه، إلا خرجت كل خطيئة نظرت إليها عيناه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء -وكذلك قال في اليدين- حتى تخرج من تحت أظفار أصابعه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء)، فاستحب طائفة من العلماء ألَّا ينشف الأعضاء من ماء الوضوء.
وكذلك ثبت في السنة تأكيد هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما اغتسل وجاءته أم المؤمنين بمنديل، قالت: (فلم يُرِدْه، وجعل ينفض الماء بيديه).
لكن يجوز للإنسان أن يتنشف، خاصةً إذا وُجدت الحاجة؛ كشدة البرد، أو نحو ذلك؛ لكن الذي استحبه العلماء أنه يُبقي الأعضاء مبلولة، حتى يكون ذلك أدعى لخروج خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، على ظاهر الحديث.
(13/15)
________________________________________
الأسئلة
(13/16)
________________________________________
حكم التلفظ بالنية والمواضع التي يجوز التلفظ فيها

السؤال
ما حكم رفع الصوت بالنية عند الوضوء وعند الصلاة؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالتلفظ بالنية يعتبر بدعة، سواءً كان عند الصلاة أو عند الوضوء، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة أنه توضأ وصلى، ولم يُحفظ عنه في حديث واحد أنه تلفظ بنيته، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ولذلك ينبغي ترك هذا الأمر والبقاء على السنة، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم من كون النية بالقصد في القلب، وذلك كافٍ، إلا في ما ورد الشرع بالتلفظ به، وذلك في موضعين فقط: الموضع الأول: عند ذبح النُّسُك؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضحى بالكبشين قال في أحدهما: (اللهم! هذا منك ولك، اللهم هذا عن محمد وآل محمد.
وقال في الثانية: اللهم! هذا عمن لم يضحِّ من أمة محمد).
الموضع الثاني الذي تلفظ فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنيته: عند نُسُك الحج والعمرة، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال -كما في صحيح البخاري من حديث عمر -: (أتاني الليلةَ آتٍ من ربي فقال: أَهِلَّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرةً في حجة) فقوله: (قل) أي: تلفَّظ، والقول لا يكون إلا بصوت مجتمع الحروف، ولذلك دل هذا الحديث على سنية التلفظ بالنية في هذا الموضع.
وفي الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (لقد كنتُ تحت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها فسمعته يقول: لبيك عمرة وحجة).
هذا الذي ورد استثناؤه في الشرع.
والله تعالى أعلم.
(13/17)
________________________________________
معنى قول العلماء: (لذاته) في تعريف الشرط

السؤال
ما معنى قول العلماء -رحمهم الله تعالى -في تعريف الشرط: لذاته؟

الجواب
لذاته، أي: أن انعدامه ليس لذات الشرط، فلو أن إنساناً لم يكن متوضئاً، فإنه لا يصلي؛ لكن ليس لانعدام الوضوء وحده؛ ولكن قد يكون ذلك لسبب آخر، لفقد شرط آخر غير الوضوء، كما هو الحال -مثلاً- في الصلاة، لو أن إنساناً لم يتوضأ، فإن الوضوء شرط لصحتها، فعدم وجود الوضوء يوجب عدم الصلاة؛ ولكن ليس لذات الوضوء، قد يكون ذلك مع مصاحبة شرط آخر، كما هو الحال فيما إذا كان قبل دخول الوقت، فإن الصلاة لا تصح.
وبناءً على ذلك: عبَّروا بالذات؛ لوجود الانتفاء بالشرط المصاحب، كما هو الحال في دخول الوقت ونحوه.
(13/18)
________________________________________
حكم إدراج الأعلى تحت الأدنى في الوضوء

السؤال
ذكرتم أن مَن نوى الأدنى لم يندرج فيه الأعلى، كمن توضأ لصلاة الضحى ثم صلى بهذا الوضوء الظهر، فما حكم من فعل ذلك جهلاً، هل تجب عليه إعادة الصلوات المفروضة، وإن كان لا يعرف عددها فما الحكم؟

الجواب
الوضوء الأمر فيه واسع؛ لوجود الخلاف، فلو نوى بوضوئه أن يصلي الضحى ثم صلى به الظهر، فهناك خلاف: فقد أفتى طائفة من أهل العلم -رحمة الله عليهم- بجوازه، وأن هذا ليس فيه حرج؛ ولكنه مستقبلاً يبتدئ بهذه النية؛ لأنه ربما تعلم الوضوء عند من يرى أن نية الأدنى مجزئة عن نية الأعلى، ولذلك لا يُلْزَم في مثل هذا بالإعادة.
(13/19)
________________________________________
إجزاء غسل الجنابة عن غسل الجمعة

السؤال
لو اجتمع على المكلف يوم الجمعة غسل الجمعة وغسل الجنابة، فما يفعل؟ هل يغتسل مرتين أو يجزئ أحدهما عن الآخر؟ وإن كان كذلك فماذا ينوي غسل الجمعة أم غسل الجنابة؟

الجواب
إذا نوى غسل الجنابة فإنه ينوي تحته غسل الجمعة، فيُجزئه غسل الجنابة عن غسل الجمعة؛ لأن قاعدة الاندراج: أنه يندرج المساوي مع نظيره، بشرط تحقق مقصود الشرع، فلما كان مقصود الشرع من غسل الجمعة أن تحصل النظافة لمكان الاجتماع؛ لما ثبت عند الترمذي في سننه من حديث عائشة، فإنه في هذه الحالة إذا اغتسل للجنابة تحقق مقصود الشرع بالنقاء، ولذلك تجزئه الجنابة عن غسل الجمعة بالنية.
أما لو نوى الجمعة فإنها لا تندرج تحتها الجنابة، ولذلك يجب عليه أن يعيد إذا كان قد نوى الجمعة أصالةً ونوى اندراج الجنابة تحتها؛ فالصحيح أن ينوي الجنابة أصلاً والجمعة تحتها؛ لأن صورة الاندراج شرطها تحقق مقصود الشرع، وهكذا الحال بالنسبة للواجبات في الأفعال، كالحال في طواف الإفاضة وتحته طواف الوداع.
وبناءً على ذلك يصح منه إذا جعل النية لغسل الجنابة أصلاً، وغسل الجمعة تبعاً.
والله تعالى أعلم.
(13/20)
________________________________________
الفرق بين الواجب والشرط

السؤال
ذَكَرَ ابن قدامة رحمه الله تعالى في عمدة الفقه أن النية واجبة، وذكر هنا رحمه الله أنها شرط، فهل بينهما فرق؟

الجواب
أولاً: قولك: (ذَكَرَ ابن قدامة) هذه ما أقبلها منك، ينبغي التأدب مع أهل العلم رحمة الله عليهم، ابن قدامة ليس من طلاب العلم أو رجلاً عادياً، بل يقال: ذَكَرَ الإمام ابن قدامة، فهو علم من أعلام المسلمين، يقول الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أعلم من الموفق.
كان آيةً في العلم والصلاح والورع، وشهد له أقرانه من العلماء بأنه جمع بين العلم والعمل رحمه الله برحمته الواسعة.
فمثل هذا لا يليق أن يقال فيه: ذَكَرَ فلان، وينبغي لطالب العلم أن يتعلم الأدب مع العلماء، وإجلال أهل العلم بذكرهم بالألقاب والألفاظ التي تليق بهم، فيقول: ذَكَرَ الشيخُ، ذَكَرَ الإمامُ.
ثانياً: جواب السؤال: الشرط أرفعُ من الواجب؛ لأن شرط الصحة لا تصح العبادة بدونه، وأما الواجب فقد تصح بدونه، ويكون الإثم على الترك، فإذا عُبِّر في الواجب على أنه شرط للصحة كان ذلك أبلغ، ولذلك لما اختُلف في الطهارة والوضوء، قال بعضهم: هي واجبة وشرطٌ في صحة الصلاة، أي: دل الدليل على أن فقد هذا الواجب يؤدي إلى بطلان الصلاة، فهناك فرق بين قولهم: واجب، وبين قولهم: شرط؛ إلَّا أن بعض العلماء -رحمة الله عليهم- يعبرون بالواجبات وبالشروط، وبناءً على ذلك فقوله رحمة الله عليه في العمدة: والواجب من ذلك، بمعنى: اللازم الذي ينبغي الإتيان به، وليس المراد به إسقاط معنى الشرطية، بدليل أنه ذكر بعد قوله: والواجب من ذلك أركان الوضوء، وهذا لا شك أنه أرفع من درجة الواجب؛ لأن الركن أعظم من الواجب، كما هو معلوم ومقرر أن ركن الصلاة أعظم من واجباتها.
والله تعالى أعلم.
(13/21)
________________________________________
حكم الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر

السؤال
هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين في الحضر بدون عذر ولا خوف؟ وما الفرق بين العذر والحاجة؟

الجواب
هذه المسألة مفرعة على حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما، وفيه يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (جمع النبي صلى الله عليه وسلم في غير مطر ولا مرض ولا سفر -ولما سئل عن ذلك؟ قال ابن عباس -: أراد أن لا يحرج أمَّته) وقد وقع ذلك في خطبة ابن عباس كما في صحيح مسلم: (أنه خطب إبَّان إمارته على الكوفة لـ علي رضي الله عنه، وأطال الخطبة في وقت صلاة الظهر، فقام له أعرابي وقال: الصلاة، فلم يجبه ابن عباس، ثم استمر في خطبته، فقام الرجل وقال: الصلاة، ثم استمر ابن عباس في خطبته، فقام الرجل، فقال له ابن عباس: أتعلمنا بالصلاة لا أمَّ لك؟ جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين ... ) إلى آخر الحديث.
هذا الحديث للعلماء فيه وجهان: الوجه الأول: منهم من أخذ بظاهره، وقال: دل هذا الحديث على جواز أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولو لم يكن هناك مطر ولا مرض ولا سفر، وهذا القول هو مذهب بعض أصحاب الحديث -رحمة الله عليهم- وبعض أهل الظاهر.
والقول الثاني: أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وإنما المراد به الجمع الصوري، وهذا واضح من سياق الحديث؛ لأن الرجل لا زال يكرر في أول الوقت؛ لأنه عَهِد من ابن عباس أنه يصليها في أول وقتها، وما زال ابن عباس يستمر في خطبته، فلما قارب وقت الظهر من الانتهاء أقام لصلاة الظهر، فصلاها، فبمجرد انتهائه دخل وقت العصر، فأقام لها فصلى العصر، ثم صلى الاثنتين في صورة الجمع، والحقيقة أن كل صلاة في موضعها.
يقول جمهور العلماء: لو أخذنا بهذا الحديث على ظاهره، لألغينا دلالة الكتاب والسنة.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103]، وقال في آية المواقيت: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء:78]، فحددها بالوقت، فلو قيل: إن الظهر يُجمع مع العصر، ولا حرج أن تؤخر الظهر إلى وقت العصر، لما كان للظهر وقت محدد، إنما يكون الظهر والعصر بمثابة الصلاة الواحدة؛ لأنه جمع من غير عذر، فيجوز للناس أن يؤخروا الظهر والعصر، ولا حرج أن يوقعوا الظهر في آخر وقت العصر، وهكذا يجوز لهم أن يوقعوا المغرب في وقت العشاء، فنُلغي دلالة الكتاب في قوله: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103].
وأما دلالة السنة: فهي في قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: (قم فصلِّ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (ما بين هذين الوقتين وقت).
إذاً: لا يستقيم حمل الحديث على ظاهره، والقاعدة في الأصول: (أنه لو تردد الحديث بين وجهين: وجهٍ يوافق النصوص من الكتاب والسنة، ووجهٍ يخالف، وجب صرفه إلى الوجه الذي يوافق، لا إلى الوجه الذي يخالف).
وبناءً على ذلك: الصحيح أن الصلاة لها ثلاثة أحوال: الأولى: إيقاعُها في وقتها.
الثانية: جمعُها صورةً ويكون إيقاعها أيضاً في وقتها.
الثالثة: الجمع الحقيقي.
فاكتملت القسمة العقلية على ثلاثة أقسام: الأول: أن توقع الصلاتين كلاً في وقتها.
الثاني: أن توقع الصلاة في غير وقتها مجموعة مع الأولى أو مع الثانية، الذي هو جمع التقديم أو التأخير.
الثالث: أن توقع الصلاة على صورة الجمع، والحقيقة أنها في وقتها.
وبناءً على ذلك يَرِد إشكالٌ: ليس هناك دليل يقوى على اعتبار الجمع الحقيقي إلا قول ابن عباس: (أراد أن لا يحرج أمَّته).
وهذا ليس فيه دليل، فإن من تأمل هذه العبارة يجد أن معناها: أن الناس وخاصة في بعض الأزمنة كشدة الحر، أو يحتاج الخطيب -مثلاً- أن يخطب في حادثة وقعت، فقام الإمام ينبه الناس على هذه الحادثة فأطال في خطبته، واحتاج إلى بيان وتفصيل، فأخذ وقتَ الظهر إلى آخره ثم صلى بهم الظهر، ودخل وقت العصر فأقام للعصر وصلاها، فيكون قد أخذ بقول ابن عباس: (أراد أن لا يحرج أمَّته) أي: أنهم لو قاموا بعد انتهائهم من صلاة الظهر سيرجعون إلى بيوتهم، ثم يعودون مرة ثانية إلى صلاة العصر، فأسقط الحرج بالجمع بين الصلاتين صورةً، في خروج واحد دون ذهاب وإياب متكررين، وهذا واضح جلي، ولذلك فمذهب جماهير العلماء على أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وأن المراد به الجمع الصوري.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
(13/22)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب مسح الخفين
من رحمة الله تعالى بعباده أن خفف عنهم في عباداتهم ومعاملاتهم، فكان من صور هذا التخفيف أن رخص لهم في المسح على الخفين وما في حكمهما عوضاً عن غسل الرجلين دفعاً للمشقة، ويشبه هذا المسح على العمائم، والمسح على الجبائر، والمسح على الخمر للنساء، وكل هذا مضبوط في الشرع بأحكام وضوابط.
(14/1)
________________________________________
مشروعية المسح على الخفين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب مسح الخفين] تقدم في مباحث الوضوء: أن المسح: هو إمرار اليد على الشيء، تقول: مسحتُ الكتاب، إذا أمررتَ يدك عليه، ومسحتُ برأس اليتيم، إذا أمررت يدك عليه.
وقوله رحمه الله: (باب مسح الخفين) الخفان: مثنى خُف، وهو النعل من الجلد أو الأدم الذي يكون للقدم.
والأصل فيه في الشرع أن يكون ساتراً لموضع الفرض، وذلك من أطراف الأصابع إلى الكعبين، وهما داخلان.
كأنه يقول رحمه الله: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة برخصة المسح على الخفين.
أما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله: فقد تكلم المصنف رحمه الله على صفة الوضوء الشرعية، فلما فرغ من بيانها وذِكْرِ المواضع التي أمر الله عز وجل بغسلها أو مسحها ناسب أن يذكر ما يتعلق بآخر عضو من أعضاء الوضوء وهما الرجلان؛ حيث رخَّص الله جل وعلا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن يمسح المكلفُ على ساترٍ مخصوصٍ لهما، فناسب بعد الفراغ من باب الوضوء أن يذكر باب المسح على الخفين؛ لأنه متعلق بآخر فرض من فرائض الوضوء وهو غَسل الرجلين.
والمسح على الخفين رخصة من رخص الشرع، وهذه الرخصة ثبتت مشروعيتها بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بلغت مبلغ التواتر.
قال الإمام أحمد رحمه الله: فيه -أي: في المسح على الخفين- أربعون حديثاً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض العلماء: إنها بلغت سبعين حديثاً.
ولذلك قال بعض الفضلاء -يشير إلى أن المسح على الخفين مما تواترت النصوص بالدلالة على جوازه- عن الحديث المشهور: ثم من المشهور ما تواترا وهو ما يرويه جمع حُظِرا كَذِبُهم عُرْفاً كمسح الخُفِّ رفعُ اليدين عادمٌ للخُلْفِ وقد روى حديثه مَن كتبا أكثر من ستين ممن صَحِبا أي: أكثر من ستين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم روَوا هاتين الحادثتين عن المصطفى صلى الله عليه وسلم: الأولى: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ففيها أكثر من ستين حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الثانية: المسح على الخفين.
والأحاديث التي وردت في المسح على الخفين: منها ما هو قولي.
ومنها ما هو فعلي، أي: ما يدل على فعل النبي صلى الله عليه وسلم إياه.
ولذلك لا إشكال في مشروعيته.
وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- عندهم خلاف في الصدر الأول.
وقال بعض العلماء ومنهم الحافظ ابن عبد البر: لا يوجد صحابي ينكر المسح إلا رُوي عنه عكسُه، أي: إثبات المسح، ولذلك اتفقت الكلمة على مشروعية هذه الرخصة.
وأُثِر عن بعض السلف من العلماء أنه خصها بالسفر؛ لكنه قال بأصلها، وهو إحدى الروايات الثلاث عن الإمام مالك رحمة الله عليه.
وسنبين أن الصحيح: أنها رخصة لا تختص بالسفر؛ لحديث حذيفة في الحَضَر، وهو حديث في صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بال عند سُباطة قوم قال: فصببتُ عليه الوضوء، فتوضأ ومسح على خفيه) وذلك في الحضر.
(14/2)
________________________________________
المسح على الخفين
فالمسح على الخفين ثابت، وثبوته اعتبره السلف ومَن بعدهم، حتى كان بعض العلماء يُدْخل في عقيدة أهل السنة والجماعة القول بمشروعية المسح على الخفين، مبالغةً في الرد على أهل البدع والأهواء الذين لا يقولون بمشروعيته، فكانوا يُدْخلونه من جملة العقائد، فيقولون: ونرى المسح على الخفين؛ والسبب في ذلك أنه ثبت بالتواتر، فأصبح من الأمور التي ثبتت مشروعيتها بدليل القطع، وما ثبتت مشروعيته بدليل القطع وأنكره مَن اعتقد قطعه فقد كفر، -والعياذ بالله- لأنه يكذب الشريعة، وكل قطعي ثابت في الشريعة -في الكتاب أو في السُّنة- فإن إنكاره لمن اعتبر قطعيته وثبوته يُعتبر إنكاراً وتكذيباً للشرع، فيكفر بذلك كما هو مقرر في العقيدة.
فبالغ العلماء رحمة الله عليهم في إثبات هذه السُّنة، والرد على أهل البدع والأهواء الذين لا يرونها.
والمسح على الخفين ثابت في الحَضَر وثابت في السفر، فالإنسان يُرَخَّص له إذا كان في حَضَر أو كان في سفر أن يمسح على خفيه، ما دام لابساً لهما، وذلك على صورة مخصوصة، سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
وهذا المسح يعتبر رخصةً غير لازمة، أي: من الرخص غير الواجبة، وليس بلازم على الإنسان أن يمسح على خفيه.
واختلف العلماء رحمهم الله: هل الأفضل المسح أو الغسل للقدمين؟ وهي مسألة أقوى الأقوال فيها -وهو اختيار بعض العلماء من المحققين-: أنه يختلف باختلاف حال الإنسان، فإذا كان الإنسان لابساً لخفيه فالأفضل أن يمسح وألاَّ ينزعهما؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا كانت الرجلان مكشوفتين فإنه لا يتكلف لُبس الخفين من أجل أن يمسح، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلف لبس الخفين، وإنما كان عليه الصلاة والسلام إن كانت رجلاه مكشوفتين غَسَلهما -بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه- وإن كانتا مستورتين بالخفين مَسَحَ عليهما.
وقال بعض العلماء: الأفضل بل قد يجب على طالب العلم وعلى العالِم إن عاش بين قوم ينكرون المسح أن يلبس الخفين ويمسح عليهما لِيَرُدَّ القولَ بعدم المشروعية وهذا قول صحيح من جهة النظر، وهو يرجع إلى أصلٌ معتبرٌ عند العلماء: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن توقف إحياء السنن على إظهارها وإعلانها لزم أهلَ السُّنة أن يُظهِروها وأن يعلنوها إحياءً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وبياناً لسنن الشرع، ولا يمكن لسَنَنِ الشرع أن يقوم أوْدُه وينتصب عمودُه إلا بالإحياء والدلالة قولاً وعملاً، مهما كان في ذلك من الكَلَفة على الإنسان.
(14/3)
________________________________________
بعض أحكام المسح على الخفين
يقول رحمه الله: (باب مسح الخفين) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة بالمسح: أولاً: مشروعيته؛ أنه مشروع أو غير مشروع.
ثانياً: هل مشروعيته على سبيل اللزوم أو غير اللزوم؟ ثالثاً: متى يمسح الإنسان على خفيه؟ رابعاً: ما هي شروط المسح على الخفين؟ خامساً: ما هما الخفان المعتبران للمسح؟ سادساً: ما هي صفة المسح؟ هل لِأَعلى الخف ولِأَسفله، أو لِلْأَعلى دون الأسفل، أو لِلْأَسفل دون الأعلى؟ سابعاً: ما هي مواقيت المسح على الخفين؟ وما حكم الصور التي يختلف فيها حال الإنسان في تلك المواقيت؟ هذا بالنسبة لما يتعلق بمبحث المسح على الخفين.
ثم من عادة الفقهاء -رحمة الله عليهم- أنهم يعتنون بذكر حكم النظير مع نظيره، فيُدخلون المسح على العمامة -إذا قالوا بمشروعيتها- في باب المسح على الخفين، فيذكرون أحكام المسح على العمامة، ويُتْبِعُونها بأحكام المسح على الجبائر والعصائب، وقد يُتْبِعُونها كذلك بالمسح على الخُمُر بالنسبة للنساء على القول بمشروعيتها.
وكل ذلك سيبيِّنه المصنف -رحمة الله عليه- في هذا المبحث.
(14/4)
________________________________________
مدة المسح على الخفين
قال رحمه الله: [يجوز يوماً وليلةً لمقيمٍ] (يجوز) أي: المسح على الخفين جائز، ولما قال: جائز، فهمنا منه أنه مشروع، وأن مشروعيته ليست بإلزام للمكلف، أي: أنه لا يجب على الإنسان أن يمسح على الخفين، وإنما ذلك مباح له وجائز، فإن ترتبت مصالح من قصد إحياء السُّنة ودلالة الناس عليها فإنه يُثاب ويعتبر مندوباً في حقه، وقد يصل إلى الوجوب على التفصيل الذي ذكرناه.
ومن عادة العلماء أنهم إذا بوَّبوا باباً أو ذكروا أمراً ما متعلقاً بالعبادة أو بالمعاملة، فإنهم يتكلمون أولاً على موقف الشرع من هذا الشيء، ثم يفصلون بعد ذلك في جوازه؛ هل هو على سبيل الإطلاق أو على سبيل التقييد؟ فقال رحمه الله: (يجوز) أي: المسح على الخفين.
(يجوز يوماً وليلةً لمقيم) الإقامة ضد السفر، وتتحقق الإقامة حقيقةً إذا كان الإنسان في موضعه الذي هو نازلٌ فيه، سواءً كان في باديةٍ أو حاضِرة، وتتحقق الإقامة أيضاً حكماً، وهي الإقامة الحكمية، كأن يكون الإنسان ناوياً أن يمكث في بلد أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للمهاجرين أن يبقوا بمكة ثلاثة أيام.
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه أجاز لهم أن يبقوا بمكة مع أنهم هاجروا منها.
والإجماع منعقد على أن من ترك أرضاً مهاجراً منها فإنه لا يجوز له أن يرجع إليها وأن يسكن فيها؛ لأن رجوعه إليها نقض لهجرته، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ مات بمكة)، ثم قال كما في صحيح مسلم: (اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم) فدل هذا على أن المهاجر لا يبقى بموضعه، فلما أجاز لهم البقاء ثلاثة أيام فهِمْنا أن من مكث في موضع ثلاثة أيام فإنه لا يأخذ حكم أهله، ودل على أنهم في اليوم الرابع يُعتَبَرون في حكم المقيم.
وعلى هذا يُعْتَبَر الناس على ثلاثة أصناف: مسافر.
مقيم.
في حكم المقيم.
وأخذ العلماء من هذا الحديث أصلاً في تحديد مدة السفر بأربعة أيام غير يومي الدخول والخروج، ولا يُشْكِل على هذا الحكم قصة تبوك، حيث قصر عليه الصلاة والسلام للصلاة سبعة عشر يوماً أو واحداً وعشرين يوماً، فإن ذلك لعدم علمه بالمدة التي سيبقاها في ذلك الموضع.
وقال بعض العلماء: بل هو عالِم، وهذا محل نظر، فإن المقرر عند العلماء في شرحهم لهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غير عالِم، وهذا صحيح؛ لأنه نزل على تخوم الشام لأجل أن الروم أعدت له، فلا يدري أهم قادمون أو غير قادمين؟ وقد بَعَثَ العيون لتأتيه بأخبارهم، فلا يدري أهم قريبون أم بعيدون؟ فقول العلماء رحمة الله عليهم عند بيانهم للحديث: إنه غير عالِم بمدة إقامته بتبوك صحيح، من جهة سياق الحديث ودلالته.
وكذلك أيضاً ما ورد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أنهم مكثوا يقصُرون الصلاة مدة طويلة، كـ أنس في فتح أذربيجان، فقد مكث ستة أشهر، وكانوا على الرباط الذي لا يُدرَى متى ينتهي وينقضي.
فالمقصود أنه إذا أقام الإنسان إقامةً حُكْمية أو إقامةً حقيقية فإنه يمسح على خفيه، ويمسح إذا كان مسافراً، وأراد المصنف أن يثبت بهذا القول مشروعية المسح حَضَراً وسفراً.
وللعلماء أقوال في هذه المسألة: فمنهم من يقول: المسح مختص بالسفر، وهو إحدى الروايات عن الإمام مالك رحمة الله عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح في السفر، والسفر يناسبه التخفيف، وذلك أن حديث المغيرة في إثبات المسح كان في سفره عليه الصلاة والسلام بغزوة تبوك، فقال أصحاب هذا القول: إن المسح يختص بالسفر.
وقال الجمهور: إن المسح لا يختص بالسفر، بل يشمل السفر والحَضَر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم من حديث علي: (يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم يوماً وليلة) فدل على أنه مشروع للمسافر ومشروع للمقيم، وهذه دلالة السُّنة القولية، وقد دلت السُّنة الفعلية أيضاً على مشروعية المسح في حال الحَضَر، كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً، قال: ثم قال لي: ادنُ، فدنوتُ، ثم قال لي: ادنُ، حتى كنتُ عند عقبيه، قال: فلما فرغ صببتُ عليه وضوءه -حتى قال- ثم مَسَحَ على خُفَّيه) وهذا في الحَضَر، فدل على مشروعية المسح في الحَضَر كما هو مشروع في السفر، وفي حديث صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه في السنن قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم) فأثبت مشروعية المسح حضراً وسفراً.
وبناءً على ذلك: يترجح قول الجمهور بأن المسح يُشرع حضراً وسفراً، وعلى هذا: فلا تتقيد رخصته بالسفر كما هو قول من يقول: إنه متقيد بالسفر؛ لأن ورود المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة من كونه مسح في السفر لا يقتضي تخصيص الحكم بالسفر؛ لثبوت الحكم الشرعي بالسنة القولية والفعلية.
قال رحمه الله: [ولمسافرٍ ثلاثةً بلياليها] يجوز المسح للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة: هل المسح على الخفين يتأقت أو لا يتأقت؟ ولذلك يُعَنْوِنون لهذه المسألة بقولهم: توقيت المسح على الخفين، ومرادهم إذا مَسَحْت على الخفين وأنت مقيم فهل أنت ملزمٌ بزمان معين أو غير ملزم؟ - فذهب الجمهور إلى أن المسح على الخفين مؤقت، كما ورد في الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها: ثلاثةُ أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وحجتهم ما سبق من حديث علي في صحيح مسلم، وحديث صفوان بن عسال المرادي في السنن، قالوا: إنها نصت على أن المسح مؤقت.
- القول الثاني: أن المسح على الخفين غير مؤقت، وهذا هو مذهب المالكية رحمة الله عليهم، وقد احتج المالكية على عدم التأقيت بحديث أبي بن عمارة -وكان ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم- أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسح على الخفين: (يوماً؟ قال: يوماً، قال: ويومين؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئتَ) قالوا: إن هذا الحديث أصل في عدم تأقيت المسح على الخفين، فإذا لبستَ الخفين فامسح ما بدا لك، وينتهي الوقت عند نزعك للخفين، وعند أصحاب هذا القول أن المسح لا يتأقت في السفر ولا في الحَضَر، فالإنسان يمسح مدة لُبسه للخفين.
وأصح القولين في نظري -والله أعلم-: أن المسح يتأقت: أولاً: لصحة دلالة السُّنة على ذلك.
ثانياً: أن حديث أبي بن عمارة ضعيف، قال ابن معين رحمه الله: إسناده مظلم، وضعَّفه البخاري أيضاً، ولذلك لا يعارِض السُّنة الصحيحة التي أثبتت التوقيت في المسح.
فلا بد للإنسان إذا مسح على خفيه أن يلتزم التأقيت الذي صحت به النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(14/5)
________________________________________
العبرة في بداية توقيت المسح على الخفين
قال رحمه الله: [مِن حَدَثٍ بعد لُبسٍ على طاهر] (مِن حَدَثٍٍ) (مِن) للابتداء، فتبدأ الثلاثة الأيام إذا كان الإنسان مسافراً، واليوم والليلة إذا كان الإنسان مقيماً مِن الحَدَث بعد لبسه، صورةُ ذلك: أن الإنسان إذا أراد أن يمسح على خفيه فيجب عليه أن يتوضأ وضوءه للصلاة حتى إذا فرغ من غَسل كلتا الرجلين، فإنه يُشرع له أن يلبس الخفين، فلو غسل إحدى القدمين ولم يغسل الثانية وأدخل الرجل التي غسلها في الخف لم يصح ذلك منه.
والدليل على اشتراط الطهارة: ما ثبت في الحديث الصحيح عن المغيرة رضي الله عنه وأرضاه أنه لَمَّا صب الوضوء على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين) ولا تتحقق الطهارة في (طاهرتين) إلا للرجلين، لأنهما كالعضو الواحد، ولذلك جاز تقديم اليمنى على اليسرى، وأجزأ، وصح ذلك في الوضوء-، ولا يُصْدَق عليهما كونهما طاهرتين إلا إذا تمت طهارتُهما معاً، فلو غسل إحداهما وأدخلها قبل الأخرى لم يَصْدُق عليه أنه طهَّر الرجلين؛ لأن طهارة إحداهما متوقفة على طهارة الأخرى.
وبناءً على ذلك: فلا بد أن يكون قد أتم الوضوء، ويستوي في هذا أن يتوضأ ويلبس الخفين بعد الوضوء مباشرة، أو يتوضأ ويلبس الخفين بعد انتهاء الوضوء ولو بساعات طويلة، مثال ذلك: لو أن إنساناً توضأ عند شروق الشمس وبقي على وضوئه إلى منتصف النهار، ثم لبس الخفين وهو على الوضوء صح له أن يمسح عليهما؛ لأنه لبس الخفين وهو على طهارة، فصَدَق عليه وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين) إذا ثبت هذا فعندنا في الخف: أولاً: وقت اللبس.
ثانياً: ثم بعد لُبسه وهو على وضوء يأتي الحدث، وهو أول ناقض للوضوء.
ثالثاً: إذا أحدث فإنه يتوضأ ويأتي المسح، ولذلك اختلفت أقوال العلماء رحمة الله عليهم في المسح على الخفين سواءً كان يوماً وليلة أو ثلاثة أيام: هل يبدأ من بداية الحدث؛ لأنه سبب للكل، أو يبدأ من عند مسحه بعد الحدث؟ فلو فرضنا -مثلاً- أنه أحدث الساعة الثالثة، ثم لم يتوضأ إلا الساعة الرابعة، فيقع مسحه في الساعة الرابعة، فهل العبرة بالحدث الذي هو في الساعة الثالثة، أم العبرة بالمسح بعد الحدث والذي يكون في الساعة الرابعة؟ فقال بعض العلماء: العبرة بالحدث؛ لأنه سبب لما بعده، والأسباب مُنَزَّلة منزلة مسبباتها، وهي المؤثرة في مسبباتها، فيعتبر السبب، وأكدوا هذا بأنه لما أحدث شُرِع له أن يمسح؛ لأنه لما انتقض وضوءه بعد اللبس شُرِع له أن يبتدئ المسح، فكونه يؤخر هذا لا يعنينا، وإنما الذي يعنينا هو وجود الرخصة من الشرع، فقالوا: يبتدئ مِن الحَدَث إلى مثلِه من اليوم القادم، فلو لَبِس الخف الساعة الثانية ظهراً، وأحدث الساعة الثالثة ظهراً، ومسح في أول وضوء الساعة الرابعة، فنقول: العبرة بالساعة الثالثة التي وقع فيها الحدث، ولا نعتبر وقت لُبْسه للخفين، ولا نعتبر وقت مسحه الأول على الخفين، وهذا هو أصح الأقوال؛ لما ذكروه؛ لأن الشرع لما قال: يمسح المسافر ويمسح المقيم، كما في حديث علي رضي الله عنه: (يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم يوماً وليلة) شرع أن نستبيح الرخصة بالمسح، واستباحة الرخصة إنما تقع بعد وجود موجب الرخصة وهو الحدث.
ولذلك يترجح هذا القول الذي اختاره المصنف رحمة الله عليه.
- وقال بعض السلف: العبرة باللُّبس، أي: الساعة الثانية.
- ومنهم من قال: العبرة بالمسح؛ لأنه يتم بالمسح العددُ، وهذا مرجوح؛ لأن إتمام المسح بالعدد يكون من المكلف، وجواز المسح من الشارع، واعتبار رخصة الشارع أبلغ من اعتبار ما يكون من المكلف؛ لأن الأحكام الشرعية ترتبط بإذن الشارع، فإذن الشارع: مِن الساعة الثانية -مثلاً- يأذن له أن يتوضأ وأن يمسح، وكونه يؤخر فهذا لا يعنينا، فيُسْقط اعتبارُ المسح ويبقى اعتبارُ موجِبِ المسح أو المؤثر في المسح حقيقةً.
وبناءً على ذلك: قال العلماء: وقت المسح مِن الحَدَث إلى مثلِه، أي: الحَدَث الذي وقع بعد اللبس.
وبناءً على هذا: فلو أنه أحدث الساعة الواحدة ظهراً فيمتد وقت المسح إلى مثلها من الغد، أو إلى مثلها إلى ثلاث، في الأولى: إذا كان مقيماً، وفي الثانية: إذا كان مسافراً.
(بعد لُبس): أي: من الحدث، بعد لُبسه.
(14/6)
________________________________________
شروط الخف
قال رحمه الله: (على طاهرٍ مباحٍ): يشترط في الخف: - أولاً: أن يكون طاهراً.
- ثانياً: أن يكون مباحاً.
أن يكون طاهراً: فلا يمُسح على نجس؛ لأن الخف النجس: أولاً: لا تصح الصلاة به، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نزع نعليه لَمَّا أخبره جبريل أنهما ليستا بطاهرتين، فدل على أن حذاء المصلي لا بد أن يكون طاهراً، فلا يتأتى أن يمسح على هذا النوع وهو النجس.
ثانياً: أنه بالمسح يتنجس ولا تتحقق طهارة الموضع، فلا بد وأن يكون طاهراً.
وأن يكون مباحاً: أي: يكون ذلك الخف مباحاً، ويخرج بقوله: (مباحاً) ما كان حراماً، وهو كالمغصوب، أو يكون من جلد ميتة غير مدبوغ، أو من جلد ميتة لا يُدْبَغ مثلُه، بأن يكون مِن جلد ما لا يُذَكى، إذا قيل: بأنه لا تؤثر الدباغة فيه، كالسباع مثلاً، على القول بأنها لا تطهر جلودوها بالدباغ، فإن هذا في حكم المحرم؛ لأنه نجس وغير مأذون بالانتفاع به.
وبناء على هذا: فلا بد من تحقق الطهارة وكونه مباحاً.
واختلف العلماء: لو لبس خفاً مغصوباً، أي: أخَذَ خف إنسان ظلماً ثم لبسه وأراد أن يمسح عليه، فهذه المسألة للعلماء فيها وجهان مشهوران مفرَّعان على مسألة أصولية وهي: هل النهي يفيد فساد المنهي عنه أو لا يفيد؟ أو هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟ وتوضيح ذلك: - أنك إذا قلت: إن الخف المغصوب منهي عنه، والنهي عنه يقتضي فساد الصلاة به وكذلك فعل العبادة به، فيبطل المسح عليه، وهذا قول الحنابلة.
- وقال جمهور العلماء: يصح مسحه ويأثم باللبس.
ففرع المصنف على هذا الأصل، فقال: [على طاهرٍ مباحٍٍ]؛ لأن غير المباح لا يجوز له ولا يصح أن يمسح عليه.
ومذهب الجمهور أنه يصح المسح ويأثم، وهو كالصلاة في الدار المغصوبة، وعلى الأرض المغصوبة، فإنه تصح الصلاة؛ لأنه مأمور بها شرعاً وقد تمت أركانها وشرائط صحتها، ويأثم؛ لأن الجهة منفكة، والقاعدة: أن النهي لا يقتضي الفساد إلا إذا اتحد المحل بأن ينصبَّ إلى الذات -ذات الشيء- أو إلى الوصف اللازم له.
وبناءً على هذا: لا يعتبر مسحه على الخف المغصوب موجباً لعدم صحة وضوئه.
فالصحيح: أنه يأثم بلبس الخف ويصح مسحه.
قال رحمه الله: [ساترٍ للمفروض يَثْبُتُ بنفسه].
(ساترٍٍ) هذا الشرط الثالث: - أن يكون ساتراً للمفروض.
لأن البدل يأخذ حكم المبدل، والمسح بدل عما أمر الله بغسله وهو الرجلان، فوجب أن يستر جميع الرجلين اللتين أمر الله بغسلهما، أي: محل الفرض، فلا بد أن يكون ساتراً من أطراف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان داخلان كما قررناه في آية الوضوء.
فلو كان الخف إلى نصف القدم، فإنه لا يجوز أن يمسح عليه؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، ولو انكشف الكعبان أو انكشفت رءوس الأصابع، فإنه لا يصح أن يمسح عليه؛ لأنه أيضاً غير ساتر لمحل الفرض.
(يثبت بنفسه) هذا الشرط مبني على أنه إذا وردت الرخصة في الشرع فينبغي تقييدها بالوصف الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالخفاف التي كانت موجودة ومعروفة تثبت بنفسها، فيخرج ما لا يثبت؛ لأن الذي لا يثبت بنفسه عرضة لأن يكشف محل الفرض، وبناءً عليه: فإنه لا يمُسح عليه ولا يعتبر على صفة الخف الذي هو الأصل أو الذي ورد دليل الشرع باستباحة المسح عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خفه مشدوداً، ولو كان مما يُشَد أو كان مما ينزل عن الموضع لبَيَّن ذلك، ولكان ظاهراً من الأحاديث التي جاءت بذكر مسحه صلوات الله وسلامه عليه على خفيه.
(14/7)
________________________________________
حكم المسح على الجوربين
قال رحمه الله: [مِن خُفٍّ وجوربٍ صفيقٍ ونحوِهما] (مِن خُفٍّ) أي: سواءً مَسَحَ على خف أو جورب، فيستوي في ذلك أن يكون من الخفاف وهي التي تكون من الجلد، أو الجوارب، والجوارب: جمع جورب، والجورب الأصل فيه أن يكون من القماش؛ ولكن له صورتان: الصورة الأولى: أن يكون من القماش، أي: كله من القماش، كجورب صوف، وجورب قطن، فهذا يعتبر جورباً من القماش الخالص.
الصورة الثانية: أن يكون من القماش المنعَّل، وصورته: أن يكون أعلاه من الصوف، وأسفلُه جلداً، فهذا يسمونه: (الجورب المنعَّل)، فهو من القماش؛ لكن بطانته التي تلي موضع الأرض أو موطئ القدم تعتبر من الجلد، وهو موجود إلى الآن.
أما الجوارب ففيها مسألتان: المسألة الأولى: هل يجوز أن يُمسح على الجوارب كما يُمسح على الخفاف؟ المسألة الثانية: هل ذلك شامل لكل جورب؟
(14/8)
________________________________________
الخلاف في مشروعية المسح على الجورب
أما المسألة الأولى: وهي هل يُمسح على الجورب كما يُمسح على الخف؟ ففيها قولان مشهوران: القول الأول: يُمسح على الجورب كما يُمسح على الخف، وبه قال الإمام أحمد وأهل الحديث.
القول الثاني: أنه لا يُمسح على الجورب، وهو مذهب الجمهور.
فالذين قالوا بمشروعية المسح على الجورب احتجوا بحديثٍ رواه الترمذي وأحمد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين).
والذين قالوا بعدم جواز المسح على الجوربين، وأنه لا يُمسح إلا على الخفاف التي هي من الجلد، احتجوا بأن الأصل: الغَسل أو المسح على الخفين، وأما الجوارب فقالوا: أولاً: لم تصح أحاديثها كأحاديث الخفين.
ثانياً: أنه يحتمل أن قول الصحابي: (على الجوربين) المراد به: الخفاف التي ورد ذكرها في الأحاديث الصحيحة.
هذان وجهان لهم.
والذي يظهر -والله أعلم- جواز المسح على الجوربين: أولاً: لصحة الحديث، فقد صحَّحه غير واحد من أئمة الحديث، منهم الإمام الترمذي والإمام أحمد رحمة الله عليهما.
ثانياً: أن حمل الحديث على الخفين خلاف الظاهر، والمعروف أن إطلاق الجورب له معنى، وإطلاق الخف له معنى، وليس الصحابي بجاهل بدلالة الألفاظ، فإنه عبر بلغة صحيحة، قالوا: إن رواية: (مُنَعَّلَين) تدل على الجلد، ويمكن أن يجاب عنها بأن (المُنَعَّلَين) المراد بها بعض أنواع الجوارب، وهي الجوارب التي لها بطانة من الجلد، فإذا ثبتت رواية: (مُنَعَّلَين) فتحمل على الجلد، مع أنه أجيب: بأنه مسح على الجورب ومعه نعله، فمسح صلى الله عليه وسلم على جورب بنعل، أي: كان النعل موجوداً، فمسح على ظاهر الجورب، والنعل لا يلزم مسحه؛ لأنه من باطن كالخف، فاقتصر على مسح الجورب، فقال الصحابي: (جوربٍ مُنَعَّل) أي: أن قصده أنه مسح مع وجود النعل.
وعلى هذا يصح القول بالمسح على الجوربين.
(14/9)
________________________________________
صفة الجورب الذي يمسح عليه
وإذا ثبت هذا فلا بد في الجورب من أن يكون صفيقاً، وعلى ذلك كلمةُ جماهيرِ مَن يرى المسحَ على الجوربين؛ لأن الجوارب الخفيفة الشفافة هذه لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنما كانوا يلبسون الجوارب ويمشون بها، ولذلك كانوا يلفون الخرق على أقدامهم، وهذا يدل على ما اعتبره العلماء من اشتراط الصفاقة أي: كونه صفيقاً.
وأيضاً فالنظر يقتضيه، فإن الجورب مُنَزَّل منزلة الخف، والخف صفيق، ولا يمكن للجورب أن يُنَزَّل منزلة الخف إلاَّ بالثخانة والصفاقة.
وعلى هذا: فإنه يصح المسح عليه -كما نص العلماء- إذا كان صفيقاً ثخيناً، فالذي يشف البشرة لا يُمسح عليه؛ لأنه غير معروف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قال بجوازه بالقياس، أي: يقول: أقيس هذا الشفاف على الجورب الموجود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن القياس على ما هو خارج عن الأصل لا يطَّرِد، ولذلك الأصل: غسل الرجلين، والمسح خلاف الأصل، فلا يطَّرِد القياس على الرخص.
الوجه الثاني: أن المسح على الجورب إذا كان شفافاً لا يُنَزَّل منزلة الثخين؛ لأن الفرق بين الشفاف والثخين ظاهر، ومن شرط صحة القياس: ألاَّ يوجد الفارق بين الأصل والفرع، فالفرع -وهو (الشُّرَّاب) الشفاف- خفيف، والأصل المقيس عليه -وهو الجورب- ثخين، وإنما جاز المسح على الجورب الثخين لمشابهته الخفين، فيُمنع في الخفيف لعدم وجود وصف الأصل، وهو: كونه ثخيناً، وعلى هذا فالذي نص عليه من يقول بمشروعية المسح على الجوربين اشتراط كونه صفيقاً، كما نبَّه عليه غير واحد من الأئمة، منهم الإمام ابن قدامة -رحمة الله عليه- في المغني، وكذلك المتون المشهورة في المذهب: كالإقناع للحجاوي، والمنتهى للنجار، كلهم نصوا على كونه صفيقاً، إخراجاً للشُّرَّاب الخفيف الذي يمكن أن يصف البشرة أو يكون غير صفيق.
(مِن خُفٍّ وجوربٍ صفيقٍ ونحوٍهما).
(وجوربٍ صفيقٍ) كما ذكرنا، أي: ثخين.
(ونحوِهما): أي: نحو الخف أو الجورب الثخين، حتى قالوا: لو وُجِد نعال من الخشب جاز أن يُمسح عليها، فقد يوجد إنسانٌ -مثلاً- يَصْنَع له نعالاً من خشب، فيقولون: لا حرج أن يمسح عليها، المهم أن يكون ساتراً للقدم أي: أن الحكم لا يختص بالجلد ولا بالقماش، فلو صُنِّع الآن نوعٌ من (الشَّراريب) من غير القماش ومن غير الجلد لجاز أن يُمسح عليها؛ لكن بشرط أن تكون في حكم الخفين أو الجوربين.
(14/10)
________________________________________
العمامة وأحكام المسح عليها
قال رحمه الله: [وعلى عمامةٍ لرجل] بعد أن فرغ رحمه الله من الخفين، شرع في العمامة.
والعمامة: مأخوذة مِن عَمَّ الشيءَ إذا شملَه، ووصفت العمامة بكونها عمامةً؛ لأنها تشمل الرأس بالغطاء، فهي تستر الرأس، فيقال لها: عمامة.
(14/11)
________________________________________
أنواع العمائم
والعمامة تأتي على صور: - الأولى: العمامة التي لها ذؤابة ومحنَّكة.
- الثانية: العمامة التي لها ذؤابة وغير محنَّكة.
- الثالثة: العمامة التي لا ذؤابة ولا عَذَبَة لها.
هذه ثلاث صور للعمائم.
أما العمامة التي لها ذؤابة ومحنكة فهي موجودة إلى الآن عند بعض المسلمين، تكون غطاءً للرأس يلف بها الساتر على الرأس، ثم تبقى فضلة من الملفوف يؤتى بها من تحت الحنك، حتى إنهم بعض الأحيان كانوا يسافرون في البر على الإبل وربما آذاهم التراب أو الغبار، فترى الرجل يضع ما تحت الحنك من العمامة على أنفه فلا ترى منه إلا عينيه، هذه العمامة هي على أكمل صورتها؛ تكون ساترة للرأس ومحنكةً من تحت الحنك، فالأصل في العمائم أن تكون إما محنكة أو لها عَذَبَة، وقد كانت عمائم المسلمين على هذه الصفة، إما لها عذبة وإما محنكة، ولذلك قال حسان بن ثابت رضي الله عنه يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار: إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بيَّنوا سُنَناً للناس تُتَّبَعُ يرضى بها كلُّ من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا فقوله: (إن الذوائب) أي: أهل الذوائب التي كانوا يلبسونها، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عمم عبد الرحمن بن عوف، وأرسل العَذَبة بين كتفيه، وقال: (هكذا فاعتمَّ يا ابن عوف).
فالعمامة تكون لها عذبة، إما محنكة وإما غير محنكة.
وغير المحنكة: هي العذبة المرسلة؛ التي تكون مرسلة إلى الوراء بين الكتفين، أو يرسلها على جهة كتفه الأيمن تفضيلاً للأيمن على الأيسر.
هذا بالنسبة لعمائم المسلمين.
وهناك نوع ثالث من العمائم: وهي العمامة المقطوعة التي لا عذبة لها ولا ذؤابة، وكانوا يُلْبِسُونها أهلَ الذمة؛ لأن أهل الذمة إذا كانوا مع المسلمين فإنهم لا يشابهونهم، وهي سُنَّة عمرية سَنَّها الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، ولها أصل في السُّنة: أن الكفار إذا دخلوا بلاد المسلمين فإنهم لا يشابهونهم في اللباس، فلذلك كان يلزمهم بعمائم مخصوصة، وشَدِّ الزُّنَّار في وسطهم، حتى يكون علامةً لهم، فإذا ساروا بين المسلمين تكون لهم ذلةً وصغاراً، فيلبسون هذه العمائم تمييزاً لهم، حتى لا يكون لهم فضل المساواة ولا الفضل على المسلمين.
فهذا النوع من العمائم يختص بأهل الذمة، وقد منع المسلمون من لبسه، وشدد العلماء رحمهم الله فيه؛ لأن فيه مشابهةً بأهل الذمة.
ولذلك قال المصنف: [محنكةٍ أو ذات ذؤابة] وتجد كذلك في كتب الفقهاء اشتراط أن تكون العمامة لها عذبة؛ لأن عمامة النبي صلى الله عليه وسلم وعمائم الصحابة -كما هو معروف وسبقت الإشارة إليه- كانت لها عذبة وليست بعمامة مقطوعة، ولذلك قالوا: إذا لبس العمامة فإنه لا بد أن تكون على الصفة الشرعية؛ لأنه إذا لبسها على صفة أهل الذمة فإنه لا يستباح بمثلها الرخصة، خاصةً على مذهب الحنابلة الذين يرون أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، فهو منهي عن مشابهة أهل الذمة، فلا يمسح على مثل هذا.
(14/12)
________________________________________
حكم العمامة للمرأة
(وعلى عمامةٍ لرجلٍ محنكةٍ أو ذاتِ ذؤابة) (وعلى عمامةٍ لرجلٍ) فالمرأة لو اعتمت فإن اعتمامها يكون على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون بدون حاجة، فتكون -والعياذ بالله- ملعونة؛ لأنها تتشبه بالرجال، وقد يفعل هذا بعض المسترجلات من النساء، نسأل الله السلامة والعافية.
الحالة الثانية: أن تحتاج إلى العمامة لشد رأسٍ من وجعٍ أو ألَمٍ أو نحوِ ذلك، فهذا أمر مستثنى، فتعصب الرأس فيكون كالعمامة، فمثل هذا لا يُمسح عليه، والمرأة ليست لها عمامة، فليست بمحل للرخصة.
(14/13)
________________________________________
دليل جواز المسح على العمامة
والأصل في مشروعية المسح على العمامة حديث المغيرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته وعلى العمامة)، وورد أيضاً أمره عليه الصلاة والسلام بالمسح عليها، وحسَّنه بعضُ أهل الحديث.
والحديث المتقدم أصلٌ في جواز المسح على العمامة، ويُشترط فيها أن تكون كما قال المصنف: (محنكةٍ أو ذاتِ ذؤابة) أي: موضوعة تحت الحَنَك، وقد كانوا يستحبونها لأهل الفضل، ويعتبرونها نوعاً من كمال الرزانة والحلم؛ لأنه كلما تعاطى الإنسان كمال الستر كلما كان ذلك أهيب، وإلى عهد قريب ترى كثيراً من الأخيار لا يستحبون أن تكون نواحي الصدر مكشوفة، وكانوا يسترونه بطرف العمامة، حتى ولو كانت من العمائم المعروفة الآن، ولا يزال هذا الآن نوعَ شعارٍ لأهل الخير؛ وما ورد في السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من كشفه لصدره هو حالة مخصوصة، دخل فيها الصحابي عليه فوجد أزراره قد فتح منها حتى بدا صدرُه عليه الصلاة والسلام، وهذا لا حرج فيه، أن يبدو الصدر، والعلماء يقولون: قد يفعل النبي صلى الله عليه وسلم الشيء للجواز ونفي الحرج؛ لكن الكمال مطلوب، ولذلك قالوا: الأكمل للإنسان أن يراعي ستر هذا الموضع، وهذا معروف، فإن المشاهد بالحس والطبع أن الناس تحب وتجل من الإنسان إذا عرف منه ذلك؛ لأنه أبلغ في الاحتشام وأبلغ في السكينة والوقار.
فالمقصود: أن المحنكة تكون تحت الحنك؛ ولكن لا يشترط في العذبة -كما قلنا- أن تكون تحت الحنك، فلو كانت العذبة طويلة وأرسلها من ورائه شرع له أن يمسح.
(14/14)
________________________________________
الفرق بين المسح على العمامة والمسح على الخفين
والمسح على العمامة يخالف المسح على الخفين، وذلك من وجوه: - منها: ظهور بعض المحل المفروض، فإن العمامة يظهر فيها أطراف الرأس الأيمن والأيسر كالسوالف ونحوها، فهذه تغتفر ويجوز كشفها، وكذلك الناصية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته وعلى العمامة، وكانوا يكشفونها، وكان ذلك يعتبر من شعار أهل الصلاح والخير، أنهم يكشفون النواصي، فإذا كشف شيئاً من ناصيته فلا حرج، ولا يعتبر ستر جميع محل الفرض شرطاً، فقالوا: تغتفر الناصية مُقَدَّمُ شعر الرأس، والقفا؛ لأنه لا بد إذا تعَمَّم أن يظهر شيءٌ قليل مِن آخِرِ الرأس وأطراف الوجه، فهذا يُغتفر ولا حرج في كشفه، ولا يلزم بالمسح عليه؛ لكن قالوا: يستحب المسح عليه كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على ناصيته وعلى العمامة، فاستحب بعض أهل العلم أن يجمع بين الناصية والعمامة، ومن ذلك أيضاً الأُذُنان؛ لأن الأُذُنين تكونان خارجتين عن الموضع الذي يُعَمَّم به الرأس عادةً.
(14/15)
________________________________________
مسح المرأة على الخمار
قال رحمه الله تعالى: [وعلى خُمُرِ نساءٍ مُدارةٍ تحت حُلُوقهن في حدث أصغر].
(وعلى خُمُر نساءٍ): هذا فيه أثر عن أم سلمة رضي الله عنها، والخَمْر: أصله التغطية، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (خَمِّروا الآنية) أي: غَطُّوها، وسميت الخَمْر خَمْراً -والعياذ بالله- لأنها تغطي العقل، فكأن الإنسان لا عقل عنده، ووُصِف الخمار بكونه خماراً؛ لأنه يستر المرأة ويغطيها، مما يكون من رأسها، فيجوز لها أن تمسح عليه، وهذا على اختيار بعض العلماء لأثر أم سلمة رضي الله عنها، وفيه حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(مُدارةٍِ تحت حُلُوقهن) قالوا: إنه ينبغي أن يكون ذلك الخمار مُداراً، مثل: المسفع ونحوه، ويكون تحت الحلق كالحال في المحنك.
(في حَدَثٍ أصغر) بعد أن بيَّن -رحمه الله- ما الذي يُمسح عليه، ووقت المسح، شرع في بيان محل المسح.
فيختص المسح على الخفين وعلى العمامة وعلى الخمار بالحَدَث الأصغر دون الأكبر، فلا يجوز للإنسان أن يمسح على خفيه إذا اغتسل من الجنابة، بل يجب عليه نزع الخفين وغسل القدمين، والأصل في هذا ما ثبت في الحديث الصحيح وهو حديث صفوان بن عسال المرادي قال رضي الله عنه وأرضاه: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ننزع خفافنا من بولٍِ أو نومٍ أو غائطٍ لكن من جنابة) فقوله: (من بولٍ) أي: بسبب بولٍ (أو نومٍ) أي: بسبب نومٍ (أو غائطٍ) أي: بسبب غائط، فكل هذه لا ننزع منها، ثم قال: (لكن من جنابة) أي: ننزع من الجنابة، فدل على أن الجنب باحتلامٍ أو إنزالٍ أو جماعٍ عليه أن ينزع خفيه وكذلك النفساء والحائض من جماع ونحوه، فإنه يلزمها أن تغتسل ولا تمسح على الخفين.
(14/16)
________________________________________
أحكام المسح على الجبائر
قال رحمه الله: [وعلى جبيرةٍ لم تتجاوز قدر الحاجة].
بعد أن بيَّن -رحمه الله- المسح على الخفين، وعلى العمائم، وعلى الخُمُر، قال: (وعلى جبيرة).
(14/17)
________________________________________
الفرق بين المسح على الجبيرة والمسح على العمامة
وهنا يَرِد

السؤال
أليست الجبيرة يُمسح عليها كما يُمسح على العمامة، فهذه من قماش وهذه من قماش، وهذه ساترة لمحل فرض وهذه ساترة لمحل فرض، فلماذا أفردها؟
و
الجواب
أن الجبيرة تخالف ما تقدَّم في كونها يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر، فإن الإنسان إذا جَبرَّ كسراً ووضع الجبيرة، فإنه يحتاج إلى بقائها مدةً معينة، فسببُ الرخصةِ قائم، بخلاف المسح على الخفين، والمسح على العمامة، وعلى الخُمُر، فإنه ليس مرتباً على سبب ولا علة، وإنما هي رخصة مطلقة، وبناءً على ذلك أفرد المسح على الجبائر بهذا.
(14/18)
________________________________________
دليل مشروعية المسح على الجبائر
والأصل في المسح على الجبائر: حديث ذي الشجة الذي رواه الدارقطني وغيره: (أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سافر مع أصحابه فأصابته شجاج أو كانت به جراح، فأجنب فسأل أصحابه: هل من رخصة؟ قالوا: لا رخصة واغتسل -أي: يلزمك الغسل- فاغتسل فمات، فقال صلى الله عليه وسلم: قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا، إنما شفاء العِيِّ السؤال -وفي بعض الروايات-: قد كان يكفيه أن يعصب جرحه) فأخذوا منه مشروعية المسح على العصائب والجبائر، وهذا الحديث مُتَكَلَّمٌ في سنده، والقول بضعفه في رواية الجبائر أقوى؛ ولكن أصول الشريعة وقواعدها العامة تدل على مشروعية المسح على الجبائر، ولذلك اتفقت كلمة العلماء وأجمعوا على أنه يجوز المسح على الجبيرة؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] فإذا كان بإمكان المكلف أن يفعل كُلِّف، وإن لم يكن بإمكانه لم يُكَلَّف، فهذا الذي أصابه الكسر في يده أو ساعده أو زنده أو كفه ليس بإمكانه أن ينزع الجبيرة حتى يغسل، وذلك يترتب عليه ضرر عظيم؛ ولأن الإذن بالشيء إذنٌ بلازمه، فلما أذنت الشريعة له أن يتداوى فقد أذنت بلازم التداوي من بقاء الجبيرة، فتبقى الجبيرة على ما هي عليه، ويمسح.
(14/19)
________________________________________
شروط المسح على الجبائر
ويحل هذا الساتر محل الأصل بشروط: أولاً: وجود الحاجة، أي: أن يتحقق من وجود الكسر الذي يُحتاج به إلى الجبر ويتعين الجبر.
ثانياً: أن يشد بقدر الحاجة، فلو فُرض أن موضع الكسر الذي يُحتاج بسببه إلى الجبر محدد بخمسة أصابع، ويحتاج الطبيب إلى إصبع قبل وبعد، أي: من البداية والنهاية -وهذا يسمونه في الطب: الاحتياط- فإنه لا يوضع على نفس الموضع؛ وإنما يزيد قدراً لكي يتماسك، أو يكون في الخشبة الموضوعة في الجبيرة التي تعين على التحام العظم، فهذا الزائد الذي هو الإصبع السابق واللاحق في حكم الأصل فيُشرع ولا حرج؛ لكن لو زاد إصبعين أو ثلاثه أو أربعة، فإنها ليست بداخلة في الإذن، وبناءً عليه يُحكم عليه بما يلي: أن يُؤمر بإزالة الجبيرة وإعادتها إلى الموضع الذي يُحتاج إليه بقدر الضرورة، فإن وَسِعه ذلك -أي: كان بإمكانه أن يعيد الجبيرة مرة ثانية، بأن تُفَك وتُعاد- دون ضرر لَزِم.
وإن ترتب الضرر ففيه خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: يبقيها والرخصة قائمة له لمكان الضرر اللاحق، ويأثم الطبيب بالزيادة ولا حرج على المكلف.
ومنهم من قال: يبقيها ويتيمم لما زاد.
ومنهم من قال: يبقيها ويعيد الصلاة إذا برئ.
هذه كلها أوجه للعلماء رحمة الله عليهم.
ولكن الحقيقة القول بأنه يبقيها إذا عَلِم أن النزع يتسبب في الضرر من القوة بمكان، وتُنَزَّل منزلة الضرر بنفسه؛ لأنه لما تعدى الضرر بإزالته نُزِّل هذا الزائد منزلة المحتاج؛ لأن زوال الضرر بإزالتها موقوف على إبقاء هذا الزائد فيُنَزَّل منزلة الحاجة، وعلى هذا: فيقوى القول بأنه يبقيها ويصح منه المسح عليها مع الزيادة على الموضع.
(لم تتجاوز قدر الحاجة) للقاعدة الشرعية: (أن ما أبيح للضرورة يُقَدَّر بقدرها) المتفرعة عن قاعدة من القواعد الخمس المعروفة: (الأمور بمقاصدها).
(اليقين لا يُزال بالشك).
(الضرر يُزال).
(المشقة تجلب التيسير).
(العادة مُحَكَّمة).
هذه الخمس القواعد التي انبنت عليها مسائلُ الفقه الإسلامي.
والقاعدة الرابعة: (المشقة تجلب التيسير)، تفرعت عنها قواعد كثيرة، منها: (الضرورات تبيح المحظورات)، فيصبح في هذه الحالة من اضطر إلى شيء أبيح له فعله ولو كان محظوراً، ويتفرع على هذه القاعدة (أن ما أبيح للضرورة يُقَدَّر بقدرها)، فهي مفرعة على هذا الأصل الذي تفرع عن القاعدة العامة.
وبناءً على هذا: ييسر على المكلف بتغطية هذا الموضع الذي أمر بغسله مباشرة، ثم يَمسح على ما ستر؛ ولكن يتأقت المسح بقدر الحاجة، فقال المصنف: إذا لم يتجاوز بشدها موضع الحاجة، على التفصيل الذي ذكرناه.
(14/20)
________________________________________
المسح على الجبائر في الحدث الأكبر
قال رحمه الله: [ولو في أكبرَ إلى حَلِّها] (ولو في أكبرَ): أي: ولو وقع المسح عليها في حدث أكبر، فإنه يجوز له أن يمسح عليها ولو كان في جنابة، ولا يلزمه الفك؛ لأن الرخصة التي تبيح له المسح في الحدث الأصغر تبيح له في الحدث الأكبر.
(إلى حَلِّها) أي: إلى أن يحل هذا الرباط أو هذه الجبيرة؛ ولكن يرجع ذلك إلى قول أهل الخبرة، فإن قال الأطباء: تبقى شهراً، فإنها تؤقت بالشهر، وإن قالوا: تبقى شهرين، فكذلك، فلا يتجاوز القدر الذي حكم الأطباء بالحاجة إليه، فإذا زاد عليه فإنه لا يصح له أن يمسح في ذلك الزائد من الزمان.
قال رحمه الله: [إذا لَبِس ذلك بعد كمال الطهارة] يتوضأ قبل شدها، ثم تُلَف، أي: يقوم الطبيب بوضع ما يريد ويَلُف، وهذا إذا وسع الوقت للوضوء، أما لو أنه فُجِئ بالمرض أو كان مُغْمَىً عليه، واضطُّرَّ إلى هذا الشد، واحتيج إلى جبر كسره قبل أن يتوضأ، فقول طائفة من العلماء أن الجبيرة يمسح عليها ولو لم يمكن ذلك على وضوء، لوجود الحاجة والضرورة.
(14/21)
________________________________________
أحكام اختلاف ابتداء المسح وانتهائه
قال رحمه الله: [ومن مسح في سفر ثم أقام أو عَكَسَ، أو شَكَّ في ابتدائه، فمَسْح مقيم] هذه المسألة مفرعةٌ على الأصل، فقد عرفنا أن المقيم يمسح يوماً وليلةً على الخف، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن على الخف، فلو فرضنا أنك كنت مسافراً فمسحت اليوم الأول، ثم رجعت إلى البلد في اليوم الثاني، فأصبحت مقيماً في اليوم الثاني، فهل نقول: العبرة بالابتداء فتتم مسحك مسح مسافر، أو العبرة بالانتهاء فتقطع مسحك لأنك أتممت مسح المقيم؟ والعكس، فلو كان مقيماً فلبس الخف -مثلاً- الساعة الثانية ظهراً وهو على طهارة، ثم انتقض وضوءه في الساعة الثالثة ظهراً، ومسح في الساعة الرابعة، ثم سافر في المغرب، فإنه في الأصل مقيم، وطرأ عليه السفر، فهل نقول: العبرة بالابتداء أو العبرة بالانتهاء -أي: ما انتهى إليه حاله-؟ فللعلماء في هذه المسألة أوجه: منهم من قال: في كل هذه الصور يُرَد إلى اليقين، والقاعدة: أن (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل)، فالمسح رخصة، فنشُك إذا كان مسافراً وأقام: هل يتم مسح مسافر؟ فنرده إلى اليقين وهو اليوم والليلة، ولما كان مقيماً ثم سافر نشك: هل يطرأ عليه التوسع أو لا يطرأ؟ أو نبقيه على اليقين، فنرده إلى اليقين وهو اليوم والليلة، وهذا اختيار الشافعية والحنابلة.
وقال بعض العلماء: إنه يعتبر المآل، فيمسح مسح المسافر، ولو طرأت عليه الإقامة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه.
والأقوى والأحوط: أنه يتم مسح مقيم في جميع الصور، للقاعدة: أن (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل) خاصةً وأنه في عبادة الوضوء التي ينبني عليها الحكم بصحة صلاته، وهذا هو أعدل الأقوال إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله: [وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر] بناهُ على قوله: (يمسح المسافر)، وإن كان أصل المذهب أن العبرة بالحدث، فكان يلزم إعمالاً لأصل المذهب أن يقول: إن العبرة بالحدث، فإن وقع حدثه في السفر أو في الحضر فالعبرة بالحدث، فقال: لا، بل نُعمل ظاهر الحديث في قوله: (يمسح المسافر) فيتحقق فيه موجب الرخصة، ويجوز له أن يتم مسح مسافر إذا وقع سفرُه قبل المسح، فلو أحدث الثانية ظهراً ثم خرج للسفر، فتوضأ ومسح في الثالثة ظهراً، فإنه يمسح ثلاثة أيام كاملة، واضح؟ وبصورة أخرى: لو أن إنساناً طرأ عليه سفر وهو مقيم، فتوضأ عند صلاة الظهر، ثم صلى الظهر، وبعد أن صلى الظهر لبس الخف أو قبل صلاة الظهر لبس الخف، المهم أنه لبس الخف بعد وضوئه هذا، ثم أحدث بعد صلاة الظهر وهو لابس للخف، ثم سافر بعد الحدث ولم يتوضأ، وفي السفر توضأ لصلاة العصر ومسح، فقال المصنف: أعتبرُ مسحه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يمسح المسافر)، فأعتبره مسافراً.
ثم لو كان في السفر، مثلاً: أنت قادم على مكة، وقبل وصولك إلى مكة بساعات لبستَ الخفين وأنت على طهارة، ثم حصل الحدث الساعة الثانية ظهراً قبل دخول مكة، ثم دخلت مكة، وتوضأت ومسحت بمكة فتتم مسح مقيم.
إذاً: في حال اختلاف الهيئة من سفر إلى حضر يتم مسح مقيم في جميع الصور، إلا إذا وقع مسحُه بعد الحدث الأول في حال سفر أو حال حضر فالعبرة بالمسح لا بالحدث الذي يقع بعد اللبس.
(14/22)
________________________________________
ما لا يمسح عليه
(14/23)
________________________________________
حكم المسح على القلانس واللفائف
قال رحمه الله: [ولا يمسح قلانس ولفافة].
شرع -رحمه الله- في بيان ما لا يُمسح عليه، والقلنسوة واللفافة لا يعتبر كل واحد منهما من جنس ما يُمسح عليه، ولذلك لا يصح المسح عليهما، ولا يُمسح على طاقية ونحوها، لعدم استيعابها لمحل الفرض؛ ولأن الرخصة ثبتت في العمامة، والقلنسوة ليست بعمامة ولا في حكم العمامة، وأما اللفافة: فهي ما يُلَف على الشيء أي: يُدار عليه، ولا يمسح على شيء يحيط بالعضو من القماش إلا ما ورد الاستثناء فيه، وهو الجبيرة، وأما ما عدا ذلك من اللفافات ونحوها فإنها لا تأخذ حكم الرخصة.
يتفرع على هذا الحكم: لو أن إنساناً أصابه جرح، ثم غطَّى هذا الجرح بما يسمى في العرف اليوم بـ (الشاش)، ولم يكن ذلك على وجه الرخصة وهي الجبيرة، فإنه لا يُمسح على هذه اللفائف، وتختص الرخصة بما ورد الشرع به من العمامة، وفي حكمها الجبيرة لمكان الإجماع، كما بينا ذلك سابقاً.
(14/24)
________________________________________
حكم المسح على ما لا يثبت ولا يستر محل الفرض
قال رحمه الله: [ولا ما يسقط من القدم، أو يُرى منه بعضُه] يتأتى ذلك فيما إذا لبس الخف ولم يكن ساتراً لمحل الفرض لتساقطه، وقد ذكرنا أن من شرط المسح على الخف: أن يثبت بنفسه، فلا ينكشف من محل الفرض شيئ، فإذا كان الخف على هذه الصورة التي ذكر، فإنه ليس بمحل للرخصة، أعني: رخصة المسح.
(14/25)
________________________________________
كيفية المسح على الجرموق
قال رحمه الله: [فإن لَبِسَ خفاً على خفٍٍ قبل الحدث فالحكم للفوقاني] اختلف العلماء رحمهم الله في مسألة المسح على خف فوق خف: فقال بعض العلماء: الرخصة تختص بالخف إذا باشر القدم.
وقال بعضهم: يجوز المسح على خف فوق خف، أي: لا يشترط أن يكون الخف قد وَلِي البشرة أو وَلِي القدم.
فدرج المصنف -رحمه الله- على القول الثاني، والقول الأول أقوى، وذلك أن الرخَص يُقتصر فيها على صورة ما أذن به الشرع، والذي ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم: مسحه على خف يلي محل الفرض، وعلى هذا: لا يقوى القول بالمسح على خف فوق خف؛ لأنه يلي ما حكمه المسح، ولا يلي عضواً يختص الحكم بغسله.
وبناءً على القول الذي اختاره المصنف رحمه الله: إن لبس خفاً فوق خف فإن الحكم يكون (للفوقاني) أي: الأعلى منهما.
(14/26)
________________________________________
مقدار المسح
قال رحمه الله: [ويَمسح أكثرَ العمامةِ] لأن مسح كل العمامة من الصعوبة بمكان، وذلك يخالف موجب الرخصة، وقد ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عمامته، كما في حديث المغيرة، ولم يحكِِ المغيرة رضي الله عنه تكلُّف النبي صلى الله عليه وسلم في تتبعه المسح لكل العمامة، بل قال: (ومسح على ناصيته وعلى العمامة)، فدل هذا على أنه إذا مسح على العمامة فإنه يمسح أكثرها، ولا يشترط في صحة المسح: الاستيعاب.
(14/27)
________________________________________
مقدار المسح على الخف
قال رحمه الله: [وظاهر قدمِ الخُفِّ]: للعلماء في المسح على الخُفين أقوال: فقالت طائفة من أهل العلم: يُمسح أعلى الخف وأدناه، وفيه رواية في حديث المغيرة: (ومسح على أعلى خفه وأسفله).
ومنهم من قال: يَمسح الأعلى ولا يمسح الأدنى، وذلك لقوله: (ثم مسح على خفيه) وهذا يقتضي أنه للأعلى، وأيد ذلك ما جاء عن علي رضي الله عنه أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره؛ ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه) فدل هذا على أنه لا يُمسَح الباطن، وهو الذي يلي الأرض، وقوله: (لو كان الدين بالرأي -أي: بالاجتهاد- لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره) لأن الإنسان إنما يطأ الأرض بباطن قدمه، فباطن الخف الذي يلي الأرض أحوج لِأَنْ يُنَظَّف ويُمسح عليه من ظاهر الخف، فلما قال ذلك رضي الله عنه وأرضاه، دل على أن باطن الخف لا يُمسح.
وقال بعضهم -وهي الرواية الثالثة عن مالك -: أنه يُمسح باطن الخف ولا يُمسح ظاهره.
وهو قول ضعيف.
فهذه ثلاثة أوجه لأهل العلم رحمة الله عليهم، أصحها وأقواها: ما اختاره المصنف -رحمة الله عليه- من أنه يُمسح الظاهر ولا يجب مسح الباطن، بل لو قال قائل بعدم استحبابه لصح قوله على ظاهر الحديث الذي ذكرنا، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام في السنن أنه: (مسح على خفه، فخط الخطوط) كما سيأتي -إن شاء الله- بيانه عند ذكر صفة المسح.
قال رحمه الله: [مِن أصابعه إلى ساقه، دون أسفله وعَقِبِه] (مِن) للابتداء.
(أصابعه) أي: أصابع القدمين، (إلى ساقه) يُمِرُّ كفَّه مفرقة الأصابع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال العلماء: يجعل طرف الزند على رأس الأصابع، ثم يُمِرُّها، فإذا فعل ذلك فلا يلزمه مسح العقب، ولا يلزمه كذلك مسح ما هو أسفل القدمين.
(14/28)
________________________________________
مقدار المسح على الجبيرة
قال رحمه الله: [وعلى جميع الجبيرة] هذا من الفوارق بين الخفين والجبيرة، ووجه ذلك: أن المسح على الجبيرة حل محل الغَسل للعضو على سبيل الاضطرار، وإذا تعذر الغَسل للعضو وأمكن مسحه بمسح الجبيرة، تعين المسح؛ لأنه مقدور عليه، والقاعدة في الشرع: أن (البدل يأخذ حكم المُبْدَل إلا ما استثنى الشرع)، فلما كانت الجبيرة التي على ساعده -مثلاً- وُضِعت لجبر كسر، والأصل غَسل الساعد، فتعذر غَسله لمكان الحائل وتعذر غَسل الحائل فإنه يَمسح على ذلك الحائل بتمامه؛ لأنه بدل عن أصل، فالمسح بدل عن الغسل، فأصبحت الجبيرة بدلاً عن المحل، وهو البشرة، وأصبح المسح بدلاً عن الغَسل، واستثنى العلماء الخفين لورود النص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يستوعب الخف، فبقيت الجبيرة على الأصل من أن البدل يأخذ حكم مُبْدَلِه.
(14/29)
________________________________________
ما ينقض المسح
قال رحمه الله: [ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته، استأنف الطهارة] (ومتى ظهر بعض محل الفرض): هذا يوجب انتقاض المسح، وذلك لعلة ذكرها أهل العلم -رحمة الله عليهم- يستوي فيها أن يكون في الجبائر أو يكون في الخفين: وهي أنه إن ظهر جزءٌ من المستور الذي مُسح عليه بدل غسله فقد توجه الخطاب في الشرع بغسله، ولا يستطيع أن يغسله؛ لأن شرط الموالاة قد فُقِد، فإن مُضِي المدة بين وضوئه الذي مَسَح فيه، وبين انكشاف العضو، يقتضي بطلان شرط الموالاة، وإذا بطل شرط الموالاة تعذر أن يغسل، فيُرجع إلى الأصل من وجوب الوضوء عليه.
توضيح ذلك: لو فرضنا أن إنساناً توضأ ثم نزع من خفه ما بان به محل الفرض، فحينئذٍ نقول: إنه في الأصل مطالَب بغسل رجليه، الذي هو محل الفرض، ورُخِّص له في المسح على خفيه، بشرط أن يبقى على الصورة التي أذن الشرع بها من استتمام المدة والخف ساتر لمحل الفرض، ويمسح المقيم يوماً وليلة، فإذا نزع أو انكشف جزء من محل الفرض فقد توجه خطاب الشرع بغسل الموضع؛ لأنه فَقَدَ شرط المسح، فلما توجه الخطاب بالأصل وهو: غسل الموضع، وقد مضت فترة لا يمكنه فيها أن يحقق شرط الموالاة، حُكِم بانتقاض طهارته وبطلانها، وكل ذلك مبني على شرط الموالاة، ولذلك فالمذهب الذي نص عليه المحققون: أنه لو انكشف جزءٌ من محل الفرض في الخفين، وكان قريب العهد بمسح الرأس، كأن يكون مسح برأسه ثم مسح على خفيه، وبعد دقيقة أو دقيقتين كشف عن جزء من محل الفرض أو خَلَعَ خُفَّه، فإنه يمكنه أن يغسل رجليه وتصح طهارته؛ لأن شرط الموالاة لم يُفْقَد؛ لكن صورة المسألة التي يحكم فيها بالبطلان: إذا فُقِد شرط الموالاة، كما نبه على ذلك الإمام الموفق -رحمة الله عليه- في المغني.
(14/30)
________________________________________
الأسئلة
(14/31)
________________________________________
حكم المسح على الحذاء

السؤال
ما حكم المسح على ما يسمى بـ (الجزمة) عندما يُلبس تحتها (الشُّرَّاب)؟

الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: فما يسمى بـ (الجِزَم) -أكرمكم الله- أو (الكنادر) الموجودة الآن، هذه على حالتين: الحالة الأولى: أن تكون ساترة لمحل الفرض.
الحالة الثانية: أن تكون غير ساترة لمحل الفرض.
فإن كانت ساترة لمحل الفرض فلا يخلو حالها من صورتين: إما أن تستر محل الفرض، ولا يكون تحتها حائل.
وإما أن تستر ويكون تحتها حائل كالشُّرَّاب ونحوه.
فإن سترت ولم يكن تحتها حائل فيُمسح عليها قولاً واحداً؛ لأنها في حكم الخفين، أي: إذا كانت (الكنادر) أو (الجِزَم) -أكرمكم الله- ساترة لمحل الفرض، ولو كانت طويلة كـ (الجراميق) فإنه يَمسح عليها، بشرط أن لا يكون بينها وبين الرجل حائل من (شُرَّاب) أو غيره.
الصورة الثانية: أن يكون بينها وبين القدم (الشُّرَّاب)، وحينئذٍ تقع هذه المسألة مفرَّعةً على الخلاف المشهور في مسألة: من لبس خفين هل يَمسح على الأعلى أو الأدنى؟ والصحيح: أنه لا يَمسح إلا على الأدنى؛ لأنه هو الذي يلي محل الفرض، وأن الأعلى لا يقوم مقام الأدنى، وتختص الرخصة بالصورة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد عنه أنه مسح على خفٍ فوق خف.
وبناءً على ذلك: إذا لبس تحتها (شُرَّاباً)، وكان (الشُّرَّاب) من جنس ما يَمسح عليه امتنع المسح؛ لكن لو كان من جنس ما لا يمسح عليه كالشفاف جاز المسح وصح؛ لأنه ليس بحائل مؤكَّد، ووجوده وعدمه على حد سواء.
أما إذا لم تكن ساترة لمحل الفرض فإنه لا يُمسح عليها؛ للأصل الذي قررناه من اشتراط ستر محل الفرض.
والله تعالى أعلم.
(14/32)
________________________________________
حكم المسح على الخف الذي لا يثبت بنفسه

السؤال
في قول المصنف رحمه الله تعالى: [يثبت بنفسه من خف] قلتَ: إنه لا بد أن يثبت بنفسه لا واسعاً فضفاضاً ولا ضيقاً صغيراً على القدم، فلو قال قائل: إن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة، فما رأيكم في ذلك؟

الجواب
لا.
ليس بصحيح، فالخف الذي هو خف يثبت بنفسه، أما خف يتهلهل ويسقط فهذا لا يسمى خفاً، ولماذا أُمر بأن يبقي هذا الخف يوماً وليلة إن كان لا يستر محل الفرض، فما الداعي لتحديد المدة؟! إذاً: لا بد أن يكون ساتراً لمحل الفرض.
ولماذا خُصَّت الخفاف؟ لأنها تستر محل الفرض.
فلذلك: الشروط قد تكون ظاهرة ومعروفة من النصوص، وقد تكون جلية في المعنى، أي: بالمفهوم إذا نظر أو سَبَر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو تدل دلالة الحال على هذا الشرط، فإذا كان الخف يتساقط أو فضفاضاً كما مثل العلماء -رحمة الله عليهم- مثل الإمام ابن قدامة وغيره، فإنه لا يعتبر خفاً متعارَفاً عليه؛ لأن الخف جلد، وتعرفون أن الجلد لا ينزل وإنما يتماسك، أما إذا كان من القماش الذي يتهلهل ويسقط مع المشي فهذا كـ (البُلْغَة) أكرمكم الله، و (البُلْغَة) تكون لنصف القدم، وليست بساترة للقدم حقيقةً.
وعلى هذا: أيَّاً ما كان، فعندك أصول: أولاً: انظر -رحمك الله- إلى من يقول بهذا القول، فتجيبه بالأصل وتقول له: هذا الخف أليس هو بدلاً عن القدمين؟ فيقول: نعم.
فتقول: إذا كان يتساقط عن القدمين فهل يُشرع أن يُمسح عليه؟ فيقول: لا يشرع.
فتقول: ما الدليل؟ فيقول لك: لأن الخف مُنَزَّل منزلة القدم.
فتقول: إذاً: يبقى مُنَزَّلاً منزلة القدم مدة المسح، حتى يأخذ حكم المسح، أما إذا كان أحياناً يستر وأحياناً لا يستر فليس مُنَزَّلاً منزلة القدم حتى يُمسح عليه.
(14/33)
________________________________________
حكم لبس العمامة، وحكم قطع الدرس للأذان

السؤال
هل لُبس العمامة من السنن أو من العادات التي كان يفعلها صلى الله عليه وسلم؟ وهل يدخل في ذلك ما يلبسه الناس مما يسمى بـ (الغُتْرة)؟ وهل لِلُبس العمائم وقتٌ للمقيم والمسافر كالخف؟

الجواب
أما لبس العمامة فيعتبر من السُّنَّة، ومَن لبس العمامة وتأسَّى بالنبي صلى الله عليه وسلم فالذي أدركنا عليه أهل العلم رحمة الله عليهم وعليه فتاويهم أنها من السنن، وهذا موجود في كتب العلماء رحمهم الله.
- الأذان.
- يا إخوان! لاحظوا أنني أنبه على قضية الإلزام؛ أن يكون الأذان في وقت معين! أي: في حِِلَق العلم لَمَّا نتكلم على مسألة أو على حكم فيُقاطع المحاضر أو المدرس فلا أرى أن هذا من السنة، وأنا أقول -وهذه وجهة نظري-: أنني أرى أنه في المرة الثانية لا يُقاطع؛ ففي بعض الأحيان لَمَّا نقطع حكماً شرعياً لأجل الأذان فالأذان لو أُخِّر دقيقة أو دقيقتين فما فيه إشكال.
أما بالنسبة للعمامة فإن الإنسان إذا وضعها تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه مُثاب، وتعتبر من السنن على هذا الوجه، إذا قصد التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
أما الإنكار على مَن وضعها، والتشديد عليه أو اعتباره غير مؤتسٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد نبه العلماء على أنه لا يصح للإنسان أن يُلْزِم غيره برأيه.
فإذا كنت ترى أن العمامة فَعَلها النبي صلى الله عليه وسلم وتتأسى به بفعلها فلا حرج عليك في ذلك وأنت مأجور.
والأصل: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى يدل الدليل على عدم التأسي، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21].
وقد رأى أنس بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدُّبَّاء في القصعة، قال: (فما زلت أحبها منذ أن رأيته يتتبعها)، فإذا كان هذا في الدُّبَّاء والطعام، فكيف بالهيئة والحال والشارة، ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام جعل الله له أكمل الهيئات وأشرفها، وقد ثبت في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وعليه عمامة سوداء) كما في الصحيح، صلوات الله وسلامه عليه.
فالمقصود: أن من فعلها تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا يُنْكر عليه، وبعض طلاب العلم الآن ينكرون على بعض من يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم بوضع العمامة، وهذا لا ينبغي، فإذا كنت ترجح القول بأنها ليست بسنة فلا تُلْزم غيرك ممن يرى التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان الصحابة يتأسون به في الطعام والشراب فضلاً عن الهيئة والشارة.
وأما الخلاف بين سنن العادات وسنن العبادات، فهذا مسلك عقلي معروف عند الأصوليين لا يقدح في التأسي، وكون الإنسان يحب أن تكون هيئته كهيئة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا حرج في هذا، إلا في حالة واحدة: وهو أن يكون شيئاً مشتهراً يلفت النظر، أما إذا قصد إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا حرج، وقد كان الناس إلى عهد قريب، قبل عشرين أو ثلاثين سنة يعرفون هذا، وكانت العمامة موجودة، وكان العلماء يتعممون، وكانوا علماء أجلاء ممن يُشار إليهم بالبنان، وكانوا يحافظون عليها في المواسم تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا ترجح عند الإنسان أنها عادة فلا يُنْكِر على مَن يفعلها تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض العلماء: إن لها أوصافاً محمودة، فإنه قل أن تجد إنساناً يتعمم ويتعاطى رذائل الأمور، وقد يوجد بعض السَّفَلة من يفعل هذا؛ وقالوا: إنها كاللحية، فإن الإنسان إذا التحى تجده يتعاطى كمالات الأمور؛ لكن إذا كان حليقاً ربما جارى صغار السن والأحداث في بعض الأمور، أما إذا كان ملتحياً فتجده ينكف ويتورع، ولو وضع العمامة فسيجد لذلك أثراً، فليجرِّب من أراد أن يجرب، فإنه سيبتعد عن سفاسف الأمور، وسيجد من نفسه نوعاً من تعاطي الكمالات؛ لأنه يشعر أنه يخالف الناس بهذه الهيئة، وقلَّ أن تجد الناس ينظرون إلى إنسان تعمم إلا أجلُّوه وشعروا نحوه بالاحترام والتقدير، هذا إذا قصد التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
أما بالنسبة لهذا الموجود الآن فهذا يعتبر كغطاء، أما أنه عمامة كما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فهذا تخريج إلى الآن لم يتبين وجهه؛ لكن -إن شاء الله- فيه خير، أي: ما دام أنه يستر ويحمل الإنسان على الكمال، أما بالنسبة للأكمل والأفضل فهو ما ذكرناه.
والله تعالى أعلم.
وأما بالنسبة للتأقيت فقد ذكر بعض العلماء التأقيت، ففي بعض الشروح أنها تتأقت، ومنهم من يقول: إنها تطلق كالجبيرة.
(14/34)
________________________________________
الفرق بين الخف المخرق والخف غير الساتر لمحل الفرض

السؤال
ما هو قولكم فيمن يقول: إنه لا يُشترط في المسح على الخف أن يكون ساتراً للمفروض؛ لأن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة؛ ولأن كثيراً من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا فقراء، وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق، وقد كانوا يمسحون عليها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينبههم على ذلك عليه الصلاة والسلام؟

الجواب
أولاً: ينبغي أن يُفَرَّق بين الخف المخروق، والخف غير الساتر لمحل الفرض، فهاتان قضيتان مختلفتان، فالساتر لمحل الفرض شيء، والمخَرَّق شيء آخر، والغالب في الخروق في الخفين أنها تكون من أسفل الخف والذي يُمسح الأعلى، فما الذي أدخل هذا في هذا؟! فهذا شيء وهذا شيء.
ولذلك ينبغي التفريق، فالسلف -رحمة الله عليهم- والعلماء الأولون الذين اشترطوا ذلك ليسوا من الغفلة حتى يلزموا الناس بشيء لا أصل له في الشرع.
فالخف اسم له حقيقة، إن حملت على الكمال فتبقى على الكمال حتى يدل الدليل على ما دونه، وإن حملت على الأقل فهذا خلاف الأصل.
فالخف الأصل فيه أنه غير مخرق، والأصل فيه أنه ساتر.
هذا المعروف في لغة العرب: أن الخف يقال لشيء ساتر، أما إذا بدت الرجلُ فلا يقال: خف.
فينبغي للإنسان أن يفقه، فالنص جاء للخفين، فإذا كان الإنسان يجتهد ويقول: إن الغالب أن خفاف الصحابة إلخ، فهذا تعليل ووجهة نظر، وليست بصريح نص ولا بدلالة نص، و (مَسَحَ على خفيه) دلالةُ نص حقيقية، والخف ساتر.
فإذا أردت أن تحتاط وتستبرئ لدينك فابقَ على الأصل، حتى يدل الدليل صراحةً على خلاف الأصل.
فإذا اجتهد أحد وقال: الغالب فيها أن تكون مخرقة، والغالب فيهم أنهم كانوا فقراء.
فنقول: هَبْ أن خفاف الصحابة كانت مخرقة، فلِضرورة أم لغير ضرورة؟ ونقول: افرض أنهم كانوا فقراء، فهل نحن فقراء؟ النقطة الثانية: أوضح من هذا أنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن الصحابة كانوا إذا سجد أحدهم بدت عورتُه، ولذلك نهيت النساء عن رفع رءوسهن قبل الرجال.
الآن: لو جاء شخص يصلي، فإذا سجد بدت عورته، فما حكم صلاته؟ إذاً: تلك حالات اضطرار.
فينبغي الفقه، فليست المسألة أن الإنسان يعلل في مقابل أصل، نحن عندنا حقيقة: (خف)، فتستبرئ لدينك، وتؤدي عبادة ربك على وجه تبرأ به الذمة، وتقول: يمسح على خفين -كما قال العلماء رحمة الله عليهم- ساترَين لمحل الفرض.
أما أن تقول: هؤلاء كانت خفافهم لا تسلم من الخرق، هؤلاء كانوا كذا.
إلخ.
فهذا تعليل، لكن هل الإنسان رأى خفافهم حتى يحكم عليها؟ فربما كانت خفافهم مخرَّقة؛ لكنها مخرَّقة من غير مكان المسح، وفرقٌ بين أن يكون الخرق في مكان المسح أو يكون في غير مكان المسح، وهذا الذي جعل بعض العلماء يخفف في الخرق إذا كان من أسفل الخف دون أعلاه.
فأنا أقول: إن الأصل بقاء الألفاظ على أكمل دلالتها، حتى يدل الدليل على ما دونها.
وهذا أبرأ وأسلم وأدعى لأداء العبادة على الوجه المعتبر.
والله تعالى أعلم.
(14/35)
________________________________________
قاعدة (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل)

السؤال
نرجو منكم توضيح قاعدة: (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل).


الجواب
( الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل) عندنا أصل وعندنا رخصة، والرخصة تخفيف، وغالب الرخص استباحة محظور، وتأتي على خلاف الأصل الشرعي، فمثلاً: تقول: قصرُ الصلاة رخصة؛ لأن الأصل في الصلاة أربع ركعات، والمسح على الخفين رخصة؛ لأن الأصل وجوب غسل الرجلين.
وهذا منصوص عليه: أن المسح على الخفين رخصة، فعندنا أصل وهو: غَسل الرجلين، وعندنا رخصة، وهي: المسح على الخفين، فإن انقدح دليل الرخصة وموجبها قلت: يرخص له، وإن لم ينقدح تقول: الأصل البقاء على الأصل وهو: الغسل.
فهم يقولون: هذه قاعدة لفظية؛ لكنها مستندة إلى أصل شرعي.
نقول: يتوجه الخطابان: خطاب بالأصل: اغسل رجليك.
وخطاب بالرخصة: إن شئت فامسح عليهما إن كان عليهما خفان.
فإذا توجه خطاب الرخصة يتوجه بحالة مقيدة وهي: إن كنت مسافراً فثلاثة أيام، ثم ترجع إلى الغَسل، وإن كنت مقيماً فيوم وليلة ثم ترجع إلى الغَسل.
فرع: إذا مسحت يوماً وأنت مسافر، ثم أقمت، فشككت، هل تبقى على حالك مسافراً فتتم الثلاث، ولا زال خطاب موجهاً لك، أو ترجع إلى الأصل؟ فنقول: الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل.
ما هو الأصل؟ أنه يغسل رجليه، فنقول: يتم مسح مقيم، فإن تمت مدة الإقامة غََسَل، وإن لم تتم أتمها، ثم غسل بعد هذا الإتمام.
فهذا معنى قولهم: (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل).
(14/36)
________________________________________
الخلاف في تنزيل المصاهرة منزلة النسب من جهة تأثير الرضاع عليه

السؤال
رضع أخي الأصغر من زوجتي، فصار ابناً لي من الرضاعة، ثم تزوج، فهل تكون زوجته محرماً لي؟

الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل المحرمات بالمصاهرة تختص بالنسب أو يأخذ الرضاعُ حكمَها؟ وتوضيح ذلك: أم الزوجة من الرضاع، هل يكون الزوج محرماً لها كالأم من النسب؟ وكذلك أبو الزوج من الرضاع هل يكون محرماً بناءً على ما يحصل في النسب للزوجة؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمة الله عليهم: فالذي نص عليه طائفة: أن الحكم في التحريم بالمصاهرة مختص بالنسب.
وظاهر السُّنة من قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) تنزيل الرضاع منزلة النسب في التأثير؛ لكنهم قالوا: لا يشمل ذلك المصاهرة؛ لأنه لم يدخل في ظاهر قوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فلم تُنَزَّل المصاهرة منزلة النسب.
فإن كان الإنسان ترجح عنده القول بالرخصة، أو سأل مَن يرى أن المصاهرة تُنَزَّل منزلة النسب في حال الرضاع عمل بفتواه، وإذا سأل مَن يرجِّح القول بأنها لا تنزل عَمِل بفتواه، وإن كان الأقوى أنه لا يُنَزَّل منزلة الرضاع، بمعنى: أن التحريم من الرضاع في المصاهرة لا يسري كسريان التحريم من الرضاع في النسب، وعلى هذا يحتاط، على قاعدة: (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل)؛ لأننا هنا نشك في تأثير الرضاعة، والأصل أنها ليست بمحرم، وأنها أجنبية، فيبقى على الأصل حتى يقوى تأثير الرضاعة على العموم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
(14/37)
________________________________________
بطلان الوضوء بانتهاء مدة المسح

السؤال
إذا انتهت مدة المسح للمقيم أو المسافر، فهل تبطل طهارته؟

الجواب
إذا انتهت المدة للمسح بطلت الطهارة؛ لأن الشرع أجاز لك أن تمسح هذه المدة، فإذا انتهت المدة رجعت إلى حكم الأصل وهو: وجوب غسل الرجلين، ولذلك يجب عليه أن يتوضأ وأن يلبس الخفين على طهارة، وهو ظاهر حديث المغيرة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) ولذلك أجمعوا على أنه إذا انتهت المدة لا يمسح، فدل على أنه ليس بمحل للرخصة، وإذا انتفى محل الرخصة انتفى وصفها، فرُجِع إلى الأصل من كونه منتقض الوضوء.
والله تعالى أعلم.
(14/38)
________________________________________
شرح زاد المستقنع - باب نواقض الوضوء [1]
شرع الله الوضوء، وجعله شرطاً لصحة الصلاة، وطهارة للإنسان، إلا أن هناك أشياء تفسد هذا الوضوء، وتعرف عند العلماء باسم: نواقض الوضوء، وهي من المهمات التي ينبغي للمسلم معرفتها حتى لا يعرض صلاته وطهارته للفساد.
(15/1)
________________________________________
نواقض الوضوء وأحكامها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [باب نواقض الوضوء] النواقض: جمع ناقض، يقال: نقضتُ الشيء إذا فككت طاقاته، فالنقض ضد الإبرام.
ويكون النقض في المحسوسات، ويكون في المعنويات.
يكون في المحسوسات فتقول: نقضتُ البناء، ومنه قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} [النحل:92] فنفض الغزل نقض حسي.
ويكون النقض معنوياً كأن تقول: نقضتُ حجتَه، ونقضتُ دليلَه، أي: أوردتُ عليه ما يوجب بطلان الحجة وكذلك دفع الدليل.
ومعنى: (نواقض الوضوء) أي: مفسدات الوضوء ومبطلاته، ولما كانت هذه المفسدات والمبطلات متعددة، قال -رحمه الله-: نواقض، ولم يقل: باب ناقض، وإنما قال: باب نواقض الوضوء، أي: نواقض الطهارة الصغرى، ومفهوم ذلك أنه لا يتحدث عن نواقض الغُسل، كالجنابة والنفاس والحيض، وإنما يختص الكلام هنا على نواقض الطهارة الصغرى.
سؤال: إذا عرفنا معنى قوله: (باب نواقض الوضوء)، فلماذا ذكر المصنف -رحمه الله- باب نواقض الوضوء بعد باب مسح الخفين؟
و
الجواب
أن باب المسح على الخفين متمِّمٌ لباب الوضوء، وذَكَرَه بعد باب الوضوء؛ لأنه يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء وهما الرجلان، فبعد أن فرغ -رحمه الله- من بيان حكم المسح على الخفين المتعلق بالوضوء، شرع في بيان مبطلات الوضوء، وهذا كما يصفه العلماء: الترتيب في الأفكار؛ لأن نقض الوضوء لا يكون إلا بعد وجوده، فناسب أن يجعل نواقض الوضوء بعد باب الوضوء، كأنه يقول لك: ابقَ على حكم الوضوء إلا إذا طرأ أو حدث ناقض من هذه النواقض، ولذلك يقولون: النقض يكون لِمَا وُجِد، لا لما لم يوجد، فالشخص عندما يقول: نقضتُ البيت، إنما يكون هذا بعد وجود البيت لا قبل وجوده، فالشيء غير الموجود لا يُنقض، ولذلك بيَّن لنا حقيقة الوضوء، فكأنه وُجِد، ثم بعد بيانه وَرَدَ

السؤال
متى يُحكم بانتقاض هذه الطهارة؟ وتعبير المؤلف -رحمة الله عليه- بقوله: (نواقض الوضوء) أدق من تعبير بعض العلماء بقولهم: باب نواقض الطهارة، كتعبير الخِرَقي -مثلاً-، فإنه يعتبر نوعاً من التعميم؛ لأنه يشمل نواقض الوضوء ونواقض الغُسل، فلذلك يحتاج إلى قيد؛ لكن لما يقول: باب نواقض الوضوء، فإن ذلك أبلغ في الدلالة على المراد.
(15/2)
________________________________________
انتقاض الوضوء بما خرج من أحد السبيلين
قال رحمه الله: [ينقض ما خرج من سبيل] أي يُفْسد الوضوء الشرعي ما خرج من سبيل.
ما: إما بمعنى شيء.
أو أنه اسم موصول بمعنى: الذي، أي: الذي خرج من سبيل.
وقوله: (ما خرج من سبيل) ما هو الشيء الذي عبَّر عنه بقوله: ما؟ إن الشيء الذي يخرج من السبيل، لا يخلو: إما أن يكون طاهراً.
أو يكون نجساً.
وفي كلتا الحالتين: إما أن يكون معتاداً.
أو غير معتاد.
وأيضاً لا يخلو: إما أن يكون سائلاً.
أو جامداً.
أو ريحاً.
وبناءً على ذلك: فالنواقض تجمع ما يلي: أولاً: البول، وهو ناقض بالإجماع، ويخرج من القُبُل.
ثانياً: الغائط، وهو ناقض بالإجماع، ويخرج من الدُّبُر.
فهذان ناقضان متفق على أن خروج أي واحد منهما من القبل أو الدبر مما يوجب انتقاض الطهارة، والدليل على ذلك قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء:43]، فإنه كَنَّى به عن ما يخرج من الإنسان إذا ذهب إلى الخلاء.
ثم الخارج من القُبُل يكون على النحو التالي: مَذْياً.
ووَدْياً.
وكذلك دَمَ استحاضة.
ويكون ريحاً سواء كان من قُبُل امرأة أو قُبُل رجل، على المسألة التي ذكرها العلماء رحمة الله عليهم.
ويكون غير معتادٍ: كأن يخرج الحصى من القُبُل.
أو الدُّود.
فنبدأ في تفصيل هذه الأمور المتعلقة بالقُبُل:
(15/3)
________________________________________
انتقاض الوضوء بالبول
أولاً: البول: ناقض بالإجماع، والدليل على كونه ناقضاً: حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم، من بولٍِ أو نومٍ أو غائطٍ؛ لكن من جنابةٍ) فقوله: (من بولٍ) مِن: للسببية، أي: بسبب بولٍِ، فدل على أن البول ناقض للوضوء.
وقوله: (أو غائطٍ) دل على أن الغائط ناقض للوضوء.
(15/4)
________________________________________
انتقاض الوضوء بالمذي
ثانياً: المَذْي: ناقض على قول الجماهير، وحَكَى البعضُ الإجماعَ على أنه ينقض الوضوء، وهو الصحيح؛ لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي رضي الله عنه أنه قال: (كنتُ رجلاً مَذَّاءً، فاستحييت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد أن يسأله، فقال: فيه الوضوء.
وفي رواية: توضأ واغسل ذكرك) فدل على أن المَذْي يعتبر ناقضاً للوضوء.
والمَذْي: هو ماء أو سائل لَزِج يخرج عند بداية الشهوة، كالملاعبة، فالسائل الرقيق الذي يخرج عند بداية الشهوة، يُعتبر مَذْياً، وإذا خرج فإنه لا يوجب الغُسل، وإنما يوجب ما يوجبه الوضوء من غَسل العضو والوضوء.
هذا الناقض الثاني وهو المَذْي.
(15/5)
________________________________________
انتقاض الوضوء بالودي
الناقض الثالث: الوَدْي، ويعتبر ناقضاً للوضوء، وحكمه حكم البول، وهو ماء لَزِج يخرج على قطرات عَقِب البول.
والفرق بينه وبين المَذْي: أولاً: أنه أخف من المَذْي.
ثانياً: أن المَذْي يكون عند الشهوة، وهو يكون عقب البولِ.
فهذه الثلاثة كلها نواقض وتعتبر نجسة: البول والمَذْي والوَدْي، ويشمل ذلك الرجال والنساء، كل منهم إذا خرج منه ذلك فإنه يُحكَم بكونه قد انتقض وضوءُه، ويلزم غَسل ما أصابه ذلك الخارج الذي هو: البول، أو المَذْي، أو الوَدْي.
(15/6)
________________________________________
انتقاض الوضوء بدم الاستحاضة
رابعاً: كذلك أيضاً يعتبر من نواقض الوضوء ما يختص بالنساء وهو: دم الاستحاضة: فدم الاستحاضة يعتبر موجباً لانتقاض الوضوء.
والاستحاضة: استفعالٌ مِن الحيض، والمرأة المستحاضة: هي المرأة التي ينتهي أمد حيضها ويستمر الدم معها، كأن تكون عادتُها خمسة أيام، فإذا انتهت الخمسة الأيام استمر الدم معها ولا ينقطع، فيقال عنها: استحاضت، أي: استمر معها دم الحيض، فهذا الاستمرار يأخذ حكم البول؛ لكن للمرأة رُخَص رَخَّصها لها الشرع؛ نظراً لوجود الضيق والحرج عليها؛ لأن هذا الدم كلما خرج أوجب انتقاض الوضوء، فتصلي في وقت كل صلاةٍ الفريضةَ ونوافلها القبلية والبعدية والسنن المطلقة، حتى ينتهي الوقت، فإذا انتهى الوقت غَسَلت الموضع؛ لأن حكمَه حكمُ الخارجِ النجس، وتوضأتْ للصلاة المستقبَلة.
هذا بالنسبة لِمَا يخرج من المرأة بعد انتهاء مدة الحيض.
(15/7)
________________________________________
حكم خروج الحصى والدود من القبل
يبقى النظر في الحصى والدود: لو أن رجلاً خرج من قُبُله حصى، أو خرج من قُبُله دود، كأن يكون مريضاً أو مبتلىً بالدود، فيخرج من قُبُله، فهل يوجب ذلك انتقاض وضوئه؟ للعلماء أقوال في هذه المسألة: أقواها وأصحها: التفصيل: إن خَرَج الحصى وفيه رطوبة وندى، حُكِم بانتقاض الوضوء، وإلا لم يحكم بانتقاضه، فينقض لا بذاته ولكن بما صاحبه من النجاسة، فهو وإن كان طاهر الأصل؛ لكنه متنجس بالوصف، فيُحكم بكونه ناقضاً للوضوء كخروج النجس، كما لو خرجت منه قطرة بول، هذا بالنسبة للحصى والدود.
أما الخارج من الدُّبُر:
(15/8)
________________________________________
انتقاض الوضوء بخروج الغائط
- فيخرج منه: الغائط، وهو ناقض بالإجماع.
(15/9)
________________________________________
انتقاض الوضوء بخروج الريح
- ويخرج منه الريح: وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فلما سئل أبو هريرة رضي الله عنه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: إذا أحدث؟ قال: إذا خرج منه الريح، ففسره بخروج الريح.
فقال العلماء: إن هذا يدل على أن الريح ناقض، وهذا بالإجماع.
لكن يُنتبه إلى مسائل: الأولى: وهي أن الريح إنما يُعتبر ناقضاً إذا خرج حقيقةً لا توهُّماً وظناً، وفي ذلك صور، منها: أنه لو أحس بحركة في دبره دون أن يسمع الصوت أو يشم الرائحة، فإنه يبقى على الطهارة، ولو أحس بتحرُّك الدبر، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان ينفُخ في مقعدة الرجل؛ فيظن أن وضوءه انتقض وليس بذاك، إنما يريد به أن يلبِّس عليه في طهارته).
المسألة الثانية: أنه لو سمع الصوت ولم يشم الرائحة، حُكِم بانتقاض الوضوء، ولو شم الرائحة ولم يسمع الصوت، حُكِم بانتقاض الوضوء.
المسألة الثالثة: أن العبرة في انتقاض الوضوء بالريح إنما هو إذا خرج فعلاً، خلافاً لمن يقول: إنه لو سمع الصوت من بطنه، فإنه يُحكم بانتقاض وضوئه، فهذا قول ضعيف؛ لأن العبرة بالخروج لا بوجود الصوت قبل المخرج، وبناءً على ذلك: فلو سمع الأصوات في بطنه، كأن يكون به ما يسمى الآن في عرف الناس بـ: (الغازات)، لو كان مبتلى، بها أو سَمِعها أو سمع صوتها في بطنه، فذلك لا يؤثر في الوضوء شيئاً، ما لم يكن صوتاً من خارج، أو مصحوباً بدليل من شم رائحة، وأما ما عدا ذلك فليس بناقض.
ثم قول العلماء -رحمة الله عليهم-: لا بد من سماع الصوت أو شم الرائحة، يستوي فيه: أن يكون شكُّ الإنسان في الريح قبل الصلاة أو أثناء الصلاة، وهذا مذهب الجمهور، خلافاً للمالكية -رحمة الله عليهم- الذين يقولون: إنما يُعْمِل قاعدة اليقين في الريح إذا كان في الصلاة، لورود الرواية المقيِّدة، وقد أجيب عنها بأن ذكر أحد أفراد العام لا يقتضي تخصيص الحكم به؛ لأن عبد الله بن زيد كما في الصحيحين قال: (شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً) فهذا حكمٌ مطلق، وكونه جاء في الصلاة فلأن صورة الصلاة هي التي يحصل بها عامة البلوى أو أكثر البلوى؛ لأن الشيطان تشتد وسوسته عند الصلاة، فلا يقتضي ذلك تخصيص الحكم بالصلاة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) فلما قال عليه الصلاة والسلام ذلك فَهِمْنا أن السر هو تيقُّن الخارج، فألغينا كونه في الصلاة أو غير الصلاة، ما دام أن المهم هو أن يتيقن، فيستوي في ذلك أن يكون داخل الصلاة أو خارج الصلاة، تكون صورة السؤال في قوله: (شُكي إليه الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاة) إنما هو سبب النص، ولا يقتضي ذلك تخصيص الحكم به؛ لأن العلةَ مُشْعِرَةٌ بالعموم.
هذا بالنسبة للخارج الثاني: الريح، والريح ليس بنجس، فلا يوجب غَسل الثوب، ولا غَسل الموضع، خلافاً لبعض أهل البدع ممن لا يُعْتَد بخلافهم، الذين قالوا: إذا خرج الريح وجب عليه أن يستجمر أو أن يستنجي، وهذا قول ضعيف، فإن العبرة في الغسل إنما هي بالبول والغائط وما في حكمهما، وليس الريح في حكم البول والغائط.
(15/10)
________________________________________
حكم دم البواسير
الخارج الثالث من الدبر: دم البواسير: ودم البواسير يأتي على صور: إن كانت ثآلِيله أو جروحه على الحلقة نفسها فهذا ليس بخارج؛ لأنه ليس من الموضع، ويقع الخلاف فيه في مسألة وهي: إذا خرج الدم من غير القُبُل والدُّبُر، هل ينقض الوضوء؟ وسنبينها إن شاء الله.
والصحيح: أنه إذا كانت البواسير قروحها أو دماملها على الحلقة أو على أطرف الحلقة الخارجية، فخروج الدم لا يوجب انتقاض الوضوء.
- أما إذا كانت من الداخل، وينبعث دمها إلى الخارج، فإنه يأخذ حكم دم الاستحاضة، فإن غلب الإنسان حتى استرسل معه في وقت الصلاة، فإنه يغسل الموضع ويضع قطنة، ويتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، وأما إذا كان الدم يسيراً ويمكن التحرز منه وجب غسله كالبول والغائط سواء بسواء.
إذاً دم البواسير له حالتان: الحالة الأولى: أن يسترسل ويصبح آخذاً الوقت أو أكثرَ الوقت، فهذا إذا دخل عليه الوقت غَسَل الموضع ثم شَدَّه بقطنة -إذا أمكن- كالمستحاضة، وذلك للمشقة، ثم يصلي ولو جرى معه الدم، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286].
الحالة الثانية: أن يكون دم البواسير يخرج نَزْراً قليلاً، بحيث يتأتى منه أنه لو أنقى موضعه استقام له أن يصلي دون أن يخرج شيء، فهذا يجب عليه إنقاء الموضع واللباس الذي يليه، ثم يتوضأ ويصلي.
هذا بالنسبة لدم البواسير.
(15/11)
________________________________________
حكم خروج الدود أو الحصى من الدبر
يبقى النظر في الخارج من غير البول والغائط والريح: وهو الخارج من دود، أو حصى: فلو خرج من الدُّبُر دودٌ أو حصى، فالقول فيه كالقول في القُبُل؛ أنه إذا صحبه ندى أو رطوبة حُكِم بالانتقاض، لا للذات؛ ولكن لما صاحبه من النجاسة.
لكن هنا مسألة ينبغي التنبيه عليها: وهو أنه ينبغي الاحتياط، فلو خرج الدود أو خرج الحصى فإنه يحتاط بالوضوء، وبإعادة ذلك الوضوء.
ومسألة خروج الحصى أو الدود تتفرع عليها مسائل، منها: هل خروج الطاهر من القُبُل والدُّبُر يوجب انتقاض الوضوء أو لا يوجبه؟ قال بعض العلماء: خروج الطاهر من القُبُل أو الدُّبُر يوجب انتقاض الوضوء، بدليل المَنِي، فقد قال عليه الصلاة والسلام لـ عمر لما سأله: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: توضأ واغسل ذكرك)، قالوا: إن المَنِي طاهر، فأمره بالوضوء وغَسل العضو، فدل على أن الطاهر إذا خرج أخذ حكم النجس، هذا وجه من يقول: إن الحصى والدود وكل طاهر يخرج من القُبُل والدُّبُر ينقض الوضوء.
لكن أجيب بأن الأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- لـ عمر: بقوله: (توضأ واغسل ذكرك) ليس لذات الخارج، وإنما هو لعلة طبية، حتى قال بعض الأطباء: إن مرضَ البروستاتا ينشأ عن عدم غسل العضو بعد خروج المني، لكن إذا صبَّ الماء على العضو بعد خروج المَنِي فإنه أبلغ في الوقاية -بإذن الله عز وجل- من مرضها، فأصبحت علةً طبية أبلغ منها شرعية، ويؤكد هذا: أن مجرى البول ليس بمجرى المَنِي، فدل على أنه لا يجري على مسألتِنا؛ لأن مسألتَنا أن يجري الطاهر في مجرى البول وأن يخرج من مخرجه، والمَنِيُّ ليس مخرجه من مجرى البول، كما هو ثابت طبياً.
وبناءً على ذلك إذا قلت: إن خروج الطاهر يوجب انتقاض الوضوء، سواءً كان من قُبُل أو دُبُر، فالعلماء يقولون: لو أدخل الطبيب آلةً في الدبر وسحبها انتقض الوضوء، مثل المناظير الموجودة الآن التي تتفرع عليها مسائل منها: أنها توجب انتقاض الطهارة، فإذا سمعتَ من يفتي بانتقاضها، فهو قول مخرَّج على القول بأن مجرد خروج الطاهر -بغض النظر عن كونه أُدخِل وأُخرِج، أو كونه خَرَج من الجوف- يوجب انتقاض الطهارة.
وقوله: (ما خرج).
الخروج ضد الدخول، ويرد

السؤال
ما ضابط تقييده بوصف الخروج؟ الخروج يتحقق بمجاوزة حلقة الدبر بالنسبة لما يخرج من الدبر، أو يكون على رأس مجرى الإحليل في الحشفة، بالنسبة للقُبُل.
ويتفرع على هذا مسائل: منها: المسألة اللطيفة: لو أن إنساناً دهمه البول -كما يقع لبعض المرضى- وهو في التشهد، فأمسك العضو وقد احتقن مجرى البول حتى سَلَّم، ثم خرج بعد سلامه، صحَّت صلاته، ولا عبرة بكونه في المجرى المقارب للمخرج.
إذاً: لا بد في الحكم بكون الوضوء منتقضاً أن يكون قد خرج من رأس العضو سواءً كان للرجل أو للمرأة.
فلابد من المجاوزة، فلو شعر به في المجرى لم يكن شعورُه بجريانه في المجرى موجباً للحكم بالانتقاض.
(15/12)
________________________________________
معنى السبيل والفرق بينه وبين الطريق
ومعنى قوله: (من سبيل) السبيل: هو الطريق.
وقال بعض العلماء: إن هناك فرقاً بين السبيل والطريق، فالسبيل يكون في المعنويات: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55] أي: ضلالهم وبُعدهم عن الله عز وجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف:108] أي: سبيل الخير من هداية وصلاح، فقالوا: السبيل يختص بالمعنويات، كالهداية والضلالة، وتقول: سبيلي طاعة الله عز وجل، وسبيلي اتباع الكتاب والسنة، هذا في المعنويات.
وأما الطريق فيكون في المحسوسات، فلا يقال: طريق، للمعنويات، ولا يقال: سبيل، للمحسوسات، إلا على سبيل التجوُّز.
هذا قول اختاره بعض المفسرين في الفرق بين تعبير القرآن بالسبيل وتعبيره بالطريق؛ لكن قول المصنف هنا: (ما خرج من سبيل) يخالف هذا الفرق؛ لأنه جعل السبيل في المحسوسات، وقلنا: إن بعض المفسرين يجعل السبيل في المعنويات، فيكون فعل المصنف ضرباً من التجوُّز؛ لأنه لو قال: (ما خرج من طريق) لَأَوْهَمَ؛ لكن لما قال: (سبيل) كان فيه نوعٌ من انحصار الذهن في الموضع المعروف.
قوله: (من سبيل) للإنسان سبيلان: القُبُل.
والدُّبُر.
وهذان السبيلان هما الأصل اللذان إذا خرج منهما شيء فإنه يوجب نقض الوضوء، وهذا ما قرره العلماء.
(15/13)
________________________________________
حكم خروج البول والغائط من فتحة غير السبيلين
هنا مسألة: لو أن إنساناً فُتِحت له فتحةٌ يخرج منها الخارج، من بول أو غائط، سواءً وقعت فوق القُبُل أو فوق الدُّبُر، فهل نحكم بكون الخارج من هذه الفتحة خارجاً من السبيل، ويأخذ حكم ما قرره العلماء -رحمة الله عليهم- من كونه ناقضاً؟ أو نقول: نقتصر على السبيل المعتبر، وكل فتحة سواءً كانت لقُبُلٍ أو دُبُر، لا تؤثر؟ وجهان للعلماء: أصحهما: أن الفتحة تُنَزَّل منزلة الأصل، فمن انسدت مقعدته، أو مرض فغُيِّر مجرى بوله وغائطه، فإن هذا يقتضي أخذ حكم الأصل، والبدل آخذٌ حكم مُبْدَله.
لكن من العلماء من أطلق في حكمها فقال: كل فتحة خرج منها الخارج فإن الوضوء ينتقض بخروج الخارج منها.
ومنهم من قال: أفصِّل في الفتحة، وأُفصل في الحكم، فقالوا في الفتحة: لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون أسفل المعدة، أي: تحت السرة.
الحالة الثانية: أن تكون فوق السرة، يعني: أعلى المعدة.
قالوا: فإن كانت أسفل المعدة نقضت.
وإن كانت فوق المعدة لم تنقض.
فالذين قالوا: عموم الفتحة ينزل منزلة الأصل فينقض الخارج منه، نظروا إلى أنها مجرى الخارج، فأخذت حكم المخرج الأصلي؛ لأن البدل يأخذ حكم مُبْدَله.
والذين فصَّلوا نظروا إلى أن الخارج إنما هو ناقض إذا استوعبته المعدة واستهلكته، حتى صار بولاً أو غائطاً، ويتأتى ذلك بنزوله من الأدنى، فإن نزل من الأعلى فذلك ليس بخارج على الصورة المعتبرة، فنعتبره أشبه بالقَلْس ولا يوجب انتقاض الوضوء ولا الطهارة.
هذا بالنسبة لمن يقول: إنه يفرَّق بين الفتحة من أسفل ومن أعلى.
والذي يقوى: أنها إذا أُخْرِجت الفضلة من فوق المعدة أو من أسفل المعدة، فإنها ناقضة.
ثم يبقى النظر في مسائل تتعلق بنقض هذه الفتحة من جهة لمسها، هل تُنَزَّل منزلة العضو من كل وجه، أو من بعض الوجوه؟ سيأتي -إن شاء الله- في اللمس.
هنا مسألة: وهي إذا قلنا في المسألة الأخيرة: إن الخارج من الفتحة ناقض للوضوء، ووُجِد كحالِ بعضِ المرضى اليوم، حين يوضع كيس البول -أكرمكم الله- في وعائه؛ لأنه يتقاطر منه باستمرار، فهل يُحْكَم بانتقاضه مطلقاً أم ماذا؟

الجواب
أنه إذا فتحت الفتحة، واسترسل الخارج أخذ حكم دم الاستحاضة، ويتوضأ عند دخول كل صلاة، ويعتبر وضوءه موجباً لأداء الصلاة ونوافلها القبلية والبعدية، على ما ذكره العلماء رحمة الله عليهم.
(15/14)
________________________________________
حكم الخارج من غير القبل والدبر
قال رحمه الله: [وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً] (وخارج) أي: ينقض الوضوء كل ما خرج من بقية البدن، سواءً كان بولاً أو غائطاً، هذا يرجع إلى مسألة الفتحة، وآخذة حكم الخروج من المخرج المعتاد.
وهذا هو الذي نص عليه فقهاء الحنابلة ودرجوا عليه، وعند الشافعية التفصيل كما قرره الشيرازي في المهذب، وفصله الإمام النووي -رحمه الله- في شرحه وفي الروضة.
فالمقصود: أنهم فصلوا فيه بحسب أحوال الفتحات.
ومن العلماء من أطلق.
ومذهب الحنابلة وقاعدتهم، أنهم يرون خروج النجس من أي موضع من البدن ناقضاً، حتى لو خرج الدم من جرح، ويقولون: بمجرد ما يخرج الدم فإنه ينقض الوضوء، دليلهم على ذلك: قالوا: إنه يُنَزَّل منزلة المستحاضة، فإن المستحاضة خرج منها الدم -وهو نجس-، من غير مجرى البول وهو مجرى الفرج، فأوجب انتقاض الوضوء، مع أنه من غير مجرى البول، وليس ذلك إلا لعلة، وهو كونه نجساً، ففرعوا عليه: أن كل خارجٍ نجِسٍ من سائر البدن ينقض؛ لأن الشرع اعتبر خروج دم الاستحاضة النجس من الموضع المعروف موجباً لانتقاض الوضوء، فكذلك مثله كل نجس خارج.
وهذا فيه نظر، فإن خروج دم الاستحاضة يكون من القبل، فاجتمع فيه المخرج والخارج، المخرج: الذي هو القُبُل، بغض النظر عن كونه موضع الجماع أو موضع البول، والخارج: كونه نجساً، ولذلك نقول: إنه إذا خرج من سائر البدن لم ينقض؛ لأنه إذا خرج من سائر البدن وُجِد فيه وصف واحد، وهو: كونه نجساً ولكنه ليس من الموضع.
بعبارة أخرى: يقولون: دم الاستحاضة نَقَضَ الوضوء لأنه نجس، وخرج من غير القُبُل والدُّبُر، إذاً نقيس عليه كل نجس من سائر البدن، فعندهم: أي نجس يخرج من سائر البدن كالرعاف، فإنه ينقض الوضوء؛ لأنه نجس وخرج من البدن كدم الاستحاضة.
كيف يُجاب عن هذا؟ يجاب عنه: بأن دم الاستحاضة اشتمل على وصفين: كونه نجساً، لقوله: (اغسلي عنك الدم).
وكونه من الموضع.
وأما النجس الخارج من سائر البدن كالرعاف، فقد حصل فيه وصف واحد، وهو كونه نجساً؛ ولكنه ليس من موضعٍ مؤثر، فنقض الأول وهو: دم الاستحاضة، ولم ينقض الثاني، هذا بالنسبة لمسألة: أن كل خارج نجس من سائر البدن يوجب انتقاض الوضوء.
وهناك أدلة على أنه لا ينقض الوضوء أقواها: حديث عباد بن بشر رضي الله عنه، لما قام على الشِّعب يحرس، وجاءه السهم الغارب، فنزف وهو يصلي، فلولا أنه خشي على صاحبه لما قَطَعَ صلاته، فأُقِرَّ على ذلك، فدل على أن خروج الدم لا يوجب انتقاض الوضوء.
(15/15)
________________________________________
خروج النجس من غير السبيلين
قال رحمه الله: [أو كثيراً نجِساً غيرَهما] أي: غير البول والغائط، وهو الدم مثلاً.
وقوله: (كثيراً نجساً) يشمل أموراً: أولها: الدم.
ثانيها: الصديد.
ثالثها: القيح.
رابعها: القيء.
كل ذلك يعتبر من النجس الخارج من غير السبيلين، وهو من غير البول والغائط.
فمن قاء فقد انتقض وضوءه -على هذا الأصل-؛ لأنه نجس خارج من البدن.
ومن رعف انتقض وضوءه؛ لأن الدم نجس، فيوجب انتقاض الوضوء.
ومن خرج منه الصديد أو القيح انتقض وضوءه؛ لأن الصديد والقيح، متولد من الدم، والفرع يأخذ حكم أصله، وما تولد من نجس فهو نجس، والصديد: يقولون: من الماء الذي يخالط الجراح، وقيل: يكون مختلطاً بين الدم والماء الذي يخالط الجراح، فقالوا: أخذ حكم النجس لمكان تنجسه بالموضع.
هذه الأمور كلها إذا خرجت أوجبت انتقاض الوضوء، على الأصل الذي قررناه من كون الخارج النجس يوجب انتقاض الوضوء.
وقلنا: إن الصحيح: أن الخارج النجس من غير السبيلين لا يُعتبر ناقضاً للوضوء.
لكن هنا شرط ذكره المصنف عبَّر عنه بالوصف في قوله: (كثيراً)، فمفهوم قوله: (كثيراً) أنه لو كان قليلاً فلا ينقض الوضوء.
تفصيل ذلك: قالوا: إذا خرج من الإنسان دم يسير كالبثرة التي تسمى في عرف الناس بـ: الحَبَّة، تكون على الإصبع أو تكون على الساعد، فينزف الدم منها قليلاً، أو يعصرها الإنسان فيخرج منها الدم اليسير، فهذا يسير.
ومن أمثلته أيضاً: لو استاك فأدمى لثته، فخرج دم قليل من طرف اللثة، فهذا قليل.
أو جُرِح جرحاً صغيراً، وخرج دم يسير، فهذا يوصف بكونه قليلاً.
لكن لو كان كثيراً، كجرحٍ يَثْعُبُ دماً، أو رعف، فإنهم يقولون: انتقض وضوءه.
إذاً: هم يفرقون بين القليل والكثير من النجاسات الخارجة.
ويقولون: لو كان الخارج النجس كثيراً نقض، وإذا كان الخارج النجس قليلاً لم ينقض، فيرد

السؤال
ما هو الضابط الذي نفرِّق به بين القليل والكثير؟ لهم أقوال متعددة: منها ما اختاره غير واحد ومنهم: الإمام الموفق ابن قدامة كما في المغني، واختاره في العمدة، وكذلك اختاره الزركشي، وغيرهم من أئمة الحنابلة وفقهائهم -رحمة الله عليهم- يقولون: إن الكثير ما لا يتفاحش في النفس، فإذا رأيته لم تره كثيراً، ولا تستكثر هذا اليسير؛ لكن لو أنك نظرت إليه فاعتبرته كثيراً، فإنه يعتبر كثيراً.
لكن نقول لهم: الناس يختلفون، فقد يكون الكثير عندي يسيراً عندك! قالوا: ما اعتبره أوساط الناس وعقلاؤهم ونحوهم من الحكماء الذين لهم عقل، قالوا: فيخرج الموسوس، والقصاب.
أما الموسوس: فلأن أقل شيء عنده يعتبر كثيراً -نسأل الله السلامة والعافية- ويستعظم كل شيء، فهذا القليل عنده لا يعتبر فاحشاً، ومِثْلِه ليس له تأثير.
وأما النوع الثاني: فالجزار أو القصاب فإنه لا عبرة بقوله؛ لأنه يستهين بالدماء، فالذي يتفاحش عنده الشيء الكثير جداً، فربما يرى ما يملأ الكوب، فيقول: هذا ليس من المتفاحش وإنما يقاربه؛ لأنه معتاد للدماء.
فقالوا: يخرج هذان النوعان: القصاب، والموسوس، فجعلوا أعلى الشيء: القصاب، وأدناه: الموسوس، قالوا: فلا نلتفت لمن يعظِّم الأمر ولمن يحقِّره، وإنما يُنظر إلى الحكيم العاقل وعقلاء الناس وأوساطهم.
ومنهم من يحدُّه بالقطرة والقطرتين.
لكن كل هذا -كما قلنا- على غير المشهور، والذي اختاره بعض المحققين: أن العبرة فيه بتفاحش النفس، فقالوا: إذا كان الدم كثيراً عندك نقض، وأما إذا كان يسيراً لم ينقض.
كل هذا نحن في عافية منه؛ لأنه عندنا لا ينقض الوضوء؛ وإنما نحن نفرِّع على كلام المصنف، ويرد السؤال: لماذا استثنوا القليل؟ استثنوه لعلة، وهي: أنه ثبت عن الصحابة أنهم عصروا البُثَر، وأنهم اغتفروا اليسير، كما جاء عن ابن عباس وابن عمر، فقد عصر ابن عمر بثرةً ثم صلى ولم يرَ في ذلك بأساً، قالوا: فهذا يدل على أن القليل لا يؤثر، وبناءً على ذلك قالوا: نستثني اليسير، فإن كان يسيراً لم ينقض، ولم يُحكم بانتقاض الوضوء.
(15/16)
________________________________________